مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

[التاريخ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين [التاريخ] باب اشتقاق اسم التاريخ والفائدة بالعناية به قال الله تعالى: " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج "، بالأهلة يدرك عدد الأعوام، وتعرف أوقات الحج والصيام، ويعتبر بها انقضاء عدد النساء من بعولتهن ومدة حملهن ووضع أجنتهن، ووقت محل الديون اللازمة، وتصرم مدد عقود الأجائر. واختلاف الفصول: وبها تحد حوادث الأمم الخالية. وفي كتاب الخراج لقدامة قال: تأريخ كل شيء آخره، وهو في الوقت غايته والموضع الذي انتهى إليه. يقال: فلان تأريخ قومه، أي إليه ينتهي شرفهم. ويقال: ورخت الكتاب توريخاً، لغة تميم، وأرخته تأريخاً، لغة قيس. ولكل مملكة وأهل ملة تاريخ. وجماع القول في تواريخهم أنهم يؤرخون بالوقت الذي تحدث فيه حوادث مشهورة هامة. بإسنادنا عن المصنف عن مشايخه عن ابن عباس: في قوله " يسألونك عن الأهلة " قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن عنمة وهما رجلان من الأنصار، قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما

كان، لا يكون على حال واحد؟! فنزلت: " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس " في حل دينهم ولصومهم ولفطرهم وعدة نسائهم والشروط التي تنتهي إلى أجل معلوم. وبسنده عن قتادة في هذه الآية قال: فجعلها الله سبحانه لصوم المسلمين وإفطارهم وحجهم ومناسكهم وعدد نسائهم ومحال ديونهم في أشياء، والله أعلم بما يصلح خلقه. وقال عز وجل: " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ".

باب في مبتدأ التاريخ واصطلاح الأمم عليه

باب في مبتدأ التاريخ واصطلاح الأمم عليه وبسنده عن مشايخه عن أنس عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن جبريل حدثه قال: مضى من الدنيا ستة آلاف وسبع مئة سنة. قال: وكل قطرة مطر تنزل من السماء يوكل بها ملك من الملائكة يضعها موضعها قال: ونبأ في الأرض من الأنبياء مئة ألف وأربعون ألفاً وثلاث مئة من المرسلين حتى جاء سيدنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتم الأنبياء لا نبي بعده. قال: وما بقي من الدنيا إلا كما بقي من النهار إذا غابت الشمس وبقي حمرة الشمس على الحيطان. وبسنده عن ابن عباس قال: كانت فترتان: فترة بين إدريس ونوح عليهما السلام، وفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما، فكان أول نبي بعث إدريس بعد آدم، فكان بين موت آدم وبين أن بعث إدريس مئتا سنة، لأن آدم عاش ألف سنة إلا أربعين عاماً، وولد إدريس وآدم حي فمات آدم وإدريس ابن مئة سنة، فجاءته النبوة بعد موت آدم بمئتي سنة، وكان في نبوته مئة سنة وخمس سنين، فرفعه الله وهو ابن أربع مئة سنة وخمس سنين، وكان الناس من آدم إلى إدريس أهل ملة واحدة متمسكين بالإسلام وتصافحهم الملائكة، فلما رفع إدريس اختلفوا وفتر الوحي فيما بين إدريس ونوح مئة سنة، وكانت نبوة نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً وعمر بعد الغرق خمسين عاماً، ويقال مئتي عام والله أعلم. وكان سام بن نوح بعدما مات نوح ابن مئة سنة وعاش بعده مئتي سنة. وكان بين نوح وهود ثمان مئة سنة وعاش هود أربع مئة سنة وأربعاً وستين سنة. وكان لبين هود وصالح مئة سنة. وعاش صالح ثلاث مئة سنة إلا عشرين عاماً. وكان بين صالح وبين إبراهيم ست مئة سنة وثلاثون سنة.

وعاش إبراهيم مئة سنة وخمساً وسبعين سنة، وقيل مئتي سنة وسنة. وعاش إسماعيل مئة سنة وتسعاً وثلاثين سنة. وعاش إسحاق مئة سنة وثمانين سنة. وعاش يعقوب بن إسحاق مئة سنة وتسعاً وأربعين سنة. وكان بين موسى وإبراهيم سبع مئة سنة وكان الأنبياء بين موسى وعيسى متواترة وكذلك بين نوح إلى موسى. قال عز وجل: " ثم أرسلنا رسلنا تترى " بعضها على إثر بعض " كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضاً " إلى قوله: " ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون " فمن زعم أنه يعلم عدتهم وأسماءهم إلا الله فقد كذب، إن الله يقول لنبيه: " ومنهم من لم نقصص عليك ". وكان بين موسى وعيسى فيما روي عن كعب ست مئة سنة، وفيما روي عن ابن عباس خمس مئة سنة. وبإسناده عن محمد بن إسحاق بن يسار قال: كان من آدم إلى نوح ألف ومئتا سنة، ومن نوح إلى إبراهيم ألف ومئة واثنتان وأربعون سنة، ومن إبراهيم إلى موسى خمس مئة وخمس وستون سنة، ومن موسى إلى داود خمس مئة وتسع وستون سنة، ومن داود إلى عيسى ألف وثلاث مئة وست وخمسون سنة، ومن عيسى إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ست مئة سنة، فذلك خمسة آلاف وأربع مئة واثنتان وثلاثون سنة، وهذا الإجمال صحيح. وبإسناده عن عكرمة قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام. وعن ابن عباس قال: كان بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم ألف سنة وتسع مئة سنة، ولم يكن بينهما فترة، وإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم وكان بين ميلاد عيسى والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمس مئة سنة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاث أنبياء وهو قوله عز وجل: " إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث " والذي عزز به

شمعون، وكان من الحواريين، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولاً أربع مئة سنة وأربعا وثلاثين سنة وإن حواريي عيسى بن مريم كانوا اثني عشر رجلاً، وكان قد تبعه بشر كثير ولكنه لم يكن فيهم حواري إلا اثنا عشر رجلاً، وكان من الحواريين القصار والصياد، وكانوا عمالاً يعملون بأيديهم، وإن الحواريين من الأصفياء، وإن عيسى حين رفع كان ابن اثنتين وثلاثين سنة وستة أشهر، وكانت نبوته ثلاثين شهراً، وإن الله رفعه بجسده، وإنه حي الآن، وسيرجع إلى الدنيا فيكون فيها ملكاً ثم يموت كما يموت الناس، وقرية عيسى تسمى ناصرة، وأصحابه يسمون الناصريين، وكان يقال لعيسى: الناصري، فلذلك سميت النصارى. وبالإسناد عن أبي الوليد هشام بن عمار قال: بلغني أن من آدم إلى يوم غرقت الأرض ألفي سنة ومئتي سنة واثنتين وأربعين سنة، ومن يوم غرقت الأرض إلى أن ظهر إبراهيم ألف سنة وخمس عشرة سنة، ومن أيام إبراهيم إلى خروج بني إسرائيل من مصر أبع مئة سنة وثمانين سنة، ومن خروج بني إسرائيل إلى بنيان بنت المقدس سبع مئة سنة وستاً وأربعين سنة، ومن بنيان بيت المقدس إلى أن سباهم بخت ناصر أربع مئة سنة وعشرين سنة، ومن بخت ناصر إلى خروج عيسى بن مريم ست مئة سنة وثلاثين سنة وستة أشهر، ومن عيسى إلى أن بعث الله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحق ست مئة سنة وإحدى وعشرين سنة. وبسنده عن ابن شهاب: أن قريشاً كانت تعد قبل عدد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من زمن الفيل، كانوا يعدون بين الفيل وبين الفجار أربعين سنة، وكانوا يعدون بين الفجار وبين وفاة هشام بن المغيرة ست سنين، وكانوا يعدون بين وفاة هشام وبين بنيان الكعبة تسع سنين، وكانوا يعدون بين بنيان الكعبة وبين أن خرج سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة خمس عشرة سنة، منها خمس سنين قبل أن ينزل عليه ثم كان العدد بعد.

وبه عن كعب قال: بدأ الله خلق السماوات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة ثم جعل مع كل يوم ألف سنة. وبإسناده عن الزهري والشعبي قالا: لما هبط آدم من الجنة وانتشر ولده أرخ بنوه من هبوط آدم، فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحاً فأرخوا ببعث نوح، حتى كان الغرق فهلك من هلك ممن كان على وجه الأرض، فلما هبط نوح وذريته وكل من كان في السفينة إلى الأرض قسم الأرض بين ولده أثلاثاً: فجعل لسام وسطاً من الأرض، وفيها بيت المقدس والنيل والفرات ودجلة وسيحان وجيحان وقيسون وذلك ما بين قيسون إلى شرقي النيل وما بين منخر ريح الجنوب إلى منخر الشمال، وجعل لحام قسمة غربي النيل فما وراءه إلى منخر ريح الدبور، وجعل قسم يافث في قيسون فما وراءه إلى منخر ريح الصبا. فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم. فلما كثر ولد إسماعيل افترقوا: فأرخ بنو إسحاق من نار إبراهيم إلى مبعث يوسف، ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى، ومن مبعث موسى إلى ملك سليمان ومن ملك سليمان إلى مبعث عيسى، ومن مبعث عيسى إلى مبعث سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأرخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم إلى بناء البيت حين بناه إبراهيم وإسماعيل ثم أرخوا من بناء البيت حتى تفرقت معد، فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا مخرجهم، ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرخون من خروج معد وفهر وجهينة من بني زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤي، فأرخوا من موت كعب بن لؤي إلى الفيل، فكان التاريخ من الفيل حتى أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة، وذلك سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة. وبسندنا عنه عن مشايخه عن عبد العزيز بن عمران قال: لم يزل للناس تأريخ، كانوا يؤرخون في الدهر الأول من هبوط آدم من الجنة لم يزل ذلك حتى بعث الله نوحاً فأرخوا من دعاء نوح على قومه، ثم أرخوا من الطوفان، ثم لم يزل كذلك حتى حرق إبراهيم فأرخوا من تحريق إبراهيم، وأرخت بنو

إسماعيل من بنيان الكعبة، ولم يزل كذلك حتى مات كعب بن لؤي فأرخوا من موته فلم يزل كذلك حتى كان عام الفيل فأرخوا عمن عام الفيل. ثم أرخ المسلمون بعد من مهاجر سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد كان للعرب أيضاً تأريخ. وقال أبو عبيدة: لم يزل لفارس تأريخ يعرفون أمورهم به، وتأريخ حسابهم منذ هلك يزدجرد بن شهريار. قال: ولبني إسرائيل تأريخ آخر بسني ذي القرنين.

ذكر اختلاف الصحابة في التاريخ وما نقل فيه من الاتفاق منهم

ذكر اختلاف الصحابة في التاريخ وما نقل فيه من الاتفاق منهم وبإسنادنا عنه عن مشايخه عن الزهري أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرخ التأريخ حين قدم المدينة في شهر ربيع الأول. قال أبو حفص: وقدم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة يوم الاثنين ارتفاع النهار لثنتي عشرة ليلة من ربيع الأول، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وعن ابن شهاب أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بالتأريخ يوم قدم المدينة في شهر ربيع. وقد روي ابتداء التأريخ، ولم يبين من أمر به. قال: والمحفوظ أن الآمر بالتأريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وروي عن ابن عباس قال: كان التأريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة. وفي رواية عن محمد بن سهل البخاري: وفيها ولد عبد الله بن الزبير. وبسنده عن عمرو بن دينار قال: كان التأريخ في عشر سنين من سني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي تلك السنة ولد ابن الزبير.

وبسنده عن سهل بن سعد قال: أخطأ الناس العدد، لم يعدوا من مبعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يعدوا من متوفاه، إنما عدوا من مقدمه المدينة. وكان تأريخ قريش في الجاهلية بمكة من متوفي هشام بن المغيرة. وبسنده عن ميمون بن مهران قال: وقع إلى عمر رضي الله عنه صك محله في شعبان فقال عمر: أي شعبان هذا؟ الذي مضى أو الذي هو آت أو الذي نحن فيه؟ ثم جمع أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لهم: ضعوا للناس شيئاً يعرفونه فقال قائل: اكتبوا على تأريخ الروم، فقيل: إنه يطول، وإنهم يكتبون من عدد ذي القرنين، وقال قائل: اكتبوا على تأريخ الفرس، فقيل: إن الفرس كلما قام ملك طرح ما كان قبله، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة، فوجدوه أقام بها عشر سنين فكتب أو فكتب التأريخ على هجرة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وبسنده عن ابن سيرين: أن رجلاً من المسلمين قدم من أرض اليمن فقال لعمر: رأيت شيئاً يسمونه التأريخ، يكتبون من عام كذا وشهر كذا، فقال عمر: إن هذا لحسن فأرخوا، فلما أجمع على أن يؤرخ شاور، فاقل قوم: مولد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال قوم: بالمبعث، وقال قائل: حين خرج مهاجراً من مكة وقال قائل: الوفاة حين توفي. فقال: أرخوا خروجه من مكة إلى المدينة. ثم قال: بأي شهر نبدأ فنصيره أول السنة؟ فقالوا: رجب، فإن أهل الجاهلية كانوا يعظمونه، وقال آخرون: شهر رمضان، وقال بعضهم: ذو الحجة فيه الحج، وقال آخرون: الشهر الذي خرج من مكة، وقال آخرون: الشهر الذي قدم فيه. فقال عثمان: أرخوا المحرم أول السنة، وهو شهر حرام، وهو أول الشهور في العدة، وهو منصرف الناس عن الحج، فصيروا أول السنة المحرم فكان أول ما أرخ في الإسلام من مهاجر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال الناس: سنة إحدى وسنة اثنتين إلى يومنا هذا، وكان التأريخ في سنة سبع عشرة، ويقال في سنة ست عشرة في ربيع الأول.

وعن ابن المسيب قال: أول من كتب التاريخ عمر، لسنتين ونصف من خلافته، فكتبه لست عشرة من المحرم، بمشورة من علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما. وعن محمد بن عمر قال: حج عمر في سنة ست عشرة وخلف على المدينة زيد بن ثابت، وفيها كتب التأريخ في شهر ربيع الأول، يعني أن في ربع الأول كتب التأريخ لا أنه جعل ابتداء التأريخ من ربيع الأول، وإنما جعل من المحرم.

ذكر تاريخ الهجرة

ذكر تاريخ الهجرة وبإسناده عن أبي حفص الفلاس: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة يوم الاثنين، ارتفاع النهار لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وعن يزيد بن أبي حبيب: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقام بمكة عشراً، وخرج منها في صفر، وقدم المدينة في شهر ربيع الأول. وقال ابن القواس: كان أول المحرم سنة الهجرة، يوم الخميس اليوم السابع عشر من أفروردين ماه سنة ثلاث وثلاثين لكسرى أبرواز، واليوم الثامن من أيار سنة ثلاث وثلاثين وتسع مئة لذي القرنين.

القول في اشتقاق تسمية الأيام والشهور

القول في اشتقاق تسمية الأيام والشهور وعن ابن عباس قال: إن الله تعالى خلق يوماً فسماه الأحد ثم خلق ثانياً فسماه الاثنين ثم خلق ثالثاً فسماه الثلاثاء ثم خلق رابعاً فسماه الأربعاء ثم خلق خامساً فسماه الخميس. فخلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، ولذلك يقول الناس: يوم ثقيل، وخلق موضع القرى والأشجار يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحش والسباع والهوام والآفة يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة، وفرغ من الخلق يوم السبت. وعن أبي عمرو بن العلاء المقرئ: كانت العرب في الجاهلية يسمون الأحد أول، والاثنين أهون، والثلاثاء دبار، والأربعاء جبار، والخميس مؤنس، والجمعة عروبة، والسبت شيار. قال: وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: إنما سمي المحرم لأن القتال حرم فيه، وصفر لأن العرب كانت تنزل فيه بلاداً يقال لها صفر، وشهرا ربيع كانوا يربعون فيهما، وجماديان كان يجمد الماء فيهما، ورجب كانوا يرجبون فيه النخل، وشعبان تشعبت فيه القبائل، ورمضان رمضت فيه الفصال من الحر، وشوال شالت الإبل بأذنابها للضراب، وذو القعدة قعدوا فيه عن القتال، وذو الحجة كانوا يحجون فيه. فأما أول السنة فالمحرم.

وبسنده عن ابن عباس في قوله: " والفجر وليال عشر " قال: هو المحرم فجر السنة. وبسنده عن عبيد بن عمير قال: المحرم شهر الله، وهو رأس السنة، فيه يكسى البيت، ويؤرخ التاريخ، ويضرب فيه الورق، وفيه يوم تاب فيه قوم فتاب الله عليهم.

السبب الذي حمل الأئمة على أن قيدوا المواليد وأرخوا التواريخ

السبب الذي حمل الأئمة على أن قيدوا المواليد وأرخوا التواريخ وبسندنا عنه عن مشايخه عن أبي عمر الخراساني قال: قال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ. أو كما قال أبو عمر. وبسنده عن حفص بن غياث قال: إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين، يعني احسبوا سنة وسن من كتب عنه. وقال حسان بن زيد: لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم ولدت؟ فإذا أقر بمولده عرفنا صدقه من كذبه. قال أبو حسان الراوي: فأخذت في التاريخ، فأنا أعمله من ستين سنة. قال الحسن بن الربيع: قدمت بغداد فلما خرجت شيعني أصحاب الحديث، فلما برزت إلى خارج، قال لي أصحاب الحديث: توقف فإن أحمد بن حنبل يجيء، فتوقفت، فجاء أحمد بن حنبل، فقعد فأخرج ألواحه فقال: يا أبا علي أمل علي وفاة عبد الله بن المبارك، في أي سنة مات؟ فقلت: سنة إحدى وثمانين، فقيل له: ما تريد بهذا؟ فقال: أريد الكذابين.

قال أبو الفضل صالح بن أحمد بن محمد التميمي الحافظ: ينبغي لطالب الحديث ومن عني به أن يبدأ بكتب حديث بلده، ومعرفة أهله، وبفهمه وضبطه حتى يعلم صحيحه وسقيمه، ويعرف أهل الحديث به وأحوالهم معرفة تامة إذا كان في بلده علم وعلماء قديماً وحديثاً، ثم يشتغل بعد بحديث البلدان والرحلة فيه.

[دمشق والشام]

[دمشق والشام] ذكر أصل اشتقاق تسمية الشام وبإسنادنا عنه عن مشايخه عن هشام بن محمد عن أبيه قال: كان الذي عقد لهم يعني ولد نوح عليه السلام الألوية ببابل يوناطن بن نوح، فنزل بنو سام المجدل سرة الأرض، وهو فيما بين ساتيدما إلى البحر، وفيما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله النبوة والكتاب والجمال والأدمة والبياض فيهم، ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور ويقال لتلك الناحية الداروم، وجعل الله فيهم أدمة وبياضاً قليلاً وأعمر بلادهم وسماءهم ورفع عنهم الطاعون، وجعل في أرضهم الأثل والأراك والعشر والغاف والنخل، وجرت الشمس والقمر في سمائهم. ونزل بنو يافث الصفون مجرى الشمال والصبا، وفيهم الحمرة والشقرة، وأخلى الله أرضهم فاشتد بردها، وأجلا سماءها، فليس يجري فوقهم شيء من النجوم السبعة الجارية، لأنهم صاروا تحت بنات نعش والجدي والفرقدين، وابتلوا بالطاعون، ثم لحقت عاد بالشحر، فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث، فلحقت بعدهم مهرة بالشحر، ولحقت عبيل بموضع يثرب، ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء ثم انحدر بعضهم إلى يثرب فأخرجوا منها عبيلاً فنزلوا موضع الجحفة، فأقبل سيل فاجتحفهم فذهب بهم فسميت الجحفة. ولحقت ثمود الحجر وما يليه فهلكوا ثم. ولحقت طسم وجديس باليمامة، وإنما سميت اليمامة بامرأة منهم، فهلكوا. ولحقت أميم بأرض أبار فهلكوا بها وهي يمين اليمامة والشحر ولا يصل إليها اليوم أحد، غلبت عليها الجن، وإنما سميت أبار بأبار بن أميم. ولحقت بنو يقطن بن عامر باليمن فسميت اليمن حيث تيامنوا إليها. ولحق قوم من بني كنعان بن حام بالشام فسميت الشام حين تشاءموا إليها، وكانت الشام يقال لها أرض بني كنعان، ثم جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها، ونفوهم عنها، فكانت

الشام لبني إسرائيل، ووثبت الروم على بني إسرائيل، فقتلوهم وأجلوهم إلى العراق إلا قليلاً منهم. وجاءت العرب فغلبوا على الشام. وكان فالغ وهو فالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح هو الذي قسم الأرض بين بني نوح كما سمينا في الكتاب. قال: ويقطن هو قحطان بن عابر بن شالخ. وطسم وأميم وعمليق وهو غريب بنو لوذ بن سام بن نوح. وثمود وجديس ابنا جاثر بن إرم بن سام بن نوح. وعاد وعبيل ابنا عوص بن إرم بن سام بن نوح. والروم بنو لنطن بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام. قال أبو الجلد: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، منها ألف فرسخ للعرب، ولسائر الناس البقية. قال: والشام فيه وجهان: يجوز أن يكون مأخوذاً من اليد الشؤمى: وهي اليسرى، ويجوز أن يكون فعلى من الشؤم، وقد أشأم: أتى الشام. وقال أبو الحسين بن فارس: أما الشام فهو فعل من اليد الشؤمى: وهي اليسرى، يقال: أخذ شأمة أتى على يساره، وشأمت القوم ذهبت على شمالهم. وقال قوم: هو من شوم الإبل وهي سودها وحضارها هي البيض. ورجل شآم من أهل الشام. وقال ابن المقفع: سميت الشام بسام بن نوح، وسام اسمه بالسريانية شام وبالعبرانية شيم.

وقال الكلبي: سميت الشام بشامات لها حمر وسود وبيض، ولم ينزلها سام قط. وقيل: سميت الشام لأنها عن شمال الأرض كما أن اليمن أيمن الأرض. وقالوا: تشاءم للذين نزلوا الشام. وقال بعض الرواة: اسم الشام الأول سورية، وكانت أرض بني إسرائيل، قسمت على اثني عشر سهماً فصار لكل قسم تسعة أسباط ونصف في مدينة يقال لها شامرين وهي من أرض فلسطين، فصار إليها متجر العرب في ذلك الدهر، ومنها كانت ميرتهم فسموا الشام بشامرين ثم حذفوا فقالوا الشام.

ذكر تاريخ مدينة دمشق ومعرفة من بناها

ذكر تاريخ مدينة دمشق ومعرفة من بناها قال إسحاق بن أيوب القرشي: جيرون من بناء سليمان بن داود، بنته الشياطين، وكان الشيطان الذي بناه يدعى جيرون، وهي سقيفة مستطيلة على عمد، وسقائف على عمد وحوله مدينة تطيف بجيرون. وقال خصيف: لما هبط نوح من السفينة وأشرف من جبل حسمى رأى تل حران بين نهرين: جلاب وديصان فأتى حران فخطها، ثم أتى دمشق فخطها. فكانت حران أول مدينة خطت بعد الطوفان، ثم دمشق. وقيل: إن أصحاب الرس كانوا بحضور فبعث الله إليهم نبياً يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه، فسار عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح بولده من الرس فنزل الأحقاف، وأهلك الله أصحاب الرس. وانتشر ولد عاد في اليمن كله، وفشوا مع ذلك في الأرض، حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص دمشق وهي مدينتها، وسماها جيرون وهي إرم ذات العماد. وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح نبياً إلى عاد يعني إلى أولاد عاد بالأحقاف فكذبوه فأهلكهم الله.

وقيل: جيرون وتبريد كانا أخوين، وهما ابنا سعد بن لقمان بن عاد، وهما اللذان يعرف جيرون وباب البريد بدمشق بهما. وقال منصور بن يحيى بن سعيد الموصلي: المدن القديمة: الكعبة ومصر ودمشق والجزيرة والأبلة نينوى وحران والسوس الأقصى. وقال وهب بن منبه: دمشق بناها العازر غلام إبراهيم الخليل، وكان حبشياً وهبه له نمرود بن كنعان حين خرج إبراهيم من النار، وكان اسم الغلام دمشق، فسماها على اسمه، وذلك بعد الغرق، وكان إبراهيم جعله على كل شيء له، وسكنها الروم بعد ذلك بزمان. وحكي: أن بيوراسب الملك الكيوناني بنى مدينة بابل، ومدينة صور، ومدينة دمشق. وحكى الدمشقيون قالوا: كان في زمن معاوية بن أبي سفيان رجل صالح بدمشق وكان يقصده الخضر عليه السلام في أوقات يأيته فيها، فبلغ معاوية بن أبي سفيان ذلك فجاء إليه راجلاً فقال له: بلغني أن الخضر ينقطع إليك فأحب أن تجمع بيني وبينه عندك، فقال له: نعم، فجاءه الخضر عليه السلام، فسأله الرجل ذلك فأبى عليه وقال: ليس إلى ذلك سبيل. فعرف الرجل ذلك لمعاوية فقال: قل له: قد قعدنا مع من هو خير منك وحدثناه وخاطبناه وهو محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن سله عن ابتداء بناء دمشق، كيف كان؟ فقال: نعم، صرت

إليها فرأيت موضعها بحراً مستجمعاً فيه المياه، ثم غبت عنها خمس مئة سنة، ثم صرت إليها فرأيتها غيضة، ثم غبت عنها خمس مئة سنة، ثم صرت إليها فرأيتها بحراً كعادتها الأولى، ثم غبت عنها خمس مئة عام، وصرت إليها فرأيتها قد ابتدئ فيها بالبناء، ونفر يسير فيها. وقال أبو البختري: ولد إبراهيم على رأس ثلاثة آلاف ومئة وخمسين سنة من جملة الدهر الذي هو سبعة آلاف سنة. قال: وذلك بعد بنيان دمشق بخمس سنين. وقيل: إن دمشق بناها دمسقس غلام الإسكندر. قالوا: لما رجع ذو القرنين من المشرق وعمل السد بين أهل خراسان وبين يأجوج ومأجوج وسار يريد المغرب، فلما أن بلغ الشام وصعد على عقبة دمر أبصر هذا الموضع الذي فيه اليوم مدينة دمشق وكان هذا الوادي الذي يجري فيه نهر دمشق غيضة أرز. والأرزة التي وقعت في سنة ثلاث مئة وثلاث عشرة من بقايا تلك الغيضة. فلما نظر ذو القرنين إلى تلك الغيضة وكان هذا الماء الذي في هذه الأنهار اليوم مفترق مجتمعاً في واد واحد. فأخذ الإسكندر، ذو القرنين، يتفكر كيف يبني فيه مدينة، وكان أكثر فكره وتعجبه أنه نظر إلى جبل يدور بذلك الموضع وبالغيضة كلها، وكان له غلام يقال له دمسقس على جميع ملكه. ولما نزل ذو القرنين من عقبة دمر سار حتى نزل في موضع القرية المعروفة بيلدا من دمشق على ثلاثة أميال، فلما نزل ذو القرنين أمر أن يحفر له في ذلك الموضع خفيرة، فلما فعلوا ذلك أمر أن يرد التراب الذي أخرج منها إليها، فلما رد التراب إليها لم تمتلئ الحفيرة: فقال لغلامه دمسقس: ارحل فإني كنت نويت أن أؤسس في هذا الموضع مدينة، فأما إذ بان لي منه هذا فما يصلح أن يكون هاهنا مدينة. فقال له: لم؟ قال: إن بني هاهنا مدينة فإنها ما يكون يكفي أهلها زرعها. قال: وعلامة ذلك أن أهل غوطة دمشق لا تكفيهم غلاتهم حتى يشتروا لهم من المدينة ورحل ذو القرنين حتى صار إلى البثنية وحوران، وأشرف على تلك السعة، ونظر إلى تلك التربة الحمراء، فأمر أن يناول من ذلك التراب، فلما صار في يده أعجبه، فأمر أن

ينزل هناك، وأمر أن يحفر في ذلك الموضع حفيرة، فلما حفروا أومر أن يرد ذلك التراب الذي حفروا إلى المكان الذي أخرج منه، فردوه ففضل منه تراب كثير، فقال ذو القرنين لغلامه دمسقس: ارجع إلى الموضع الذي فيه الأرز إلى ذلك الوادي فاقطع ذلك الشجر وابن على حافة الوادي مدينة وسمها على اسمك، فهناك يصلح أن يكون مدينة، وهذا الموضع بحرها ومنه ميرتها يعني البثنية وحوران فرجع دمسقس ورسم المدينة وبناها وعمل لها حصناً، والمدينة التي كانت رسم دمسقس هي المدينة الداخلة، وعمل لها ثلاثة أبواب جيرون، مع ثلاثة أبواب البريد، مع باب الحديد الذي في سوق الأساكفة، مع باب الفراديس الداخلة. هذه كانت المدينة، إذا أغلقت هذه الأبواب فقد أغلقت المدينة، وخارج هذه الأبواب كان مرعى فبناها دمسقس وسكنها، ومات فيها. وكان قد بنى هذا الموضع الذي هو المسجد الجامع اليوم، كنيسة يعبد الله فيها إلى أن مات. وقيل: إن الذي بنى دمشق بناها على الكواكب السبعة، وأن المشتري بيته دمشق، وجعل لها سبعة أبواب، وصور على كل باب أحد الكواكب السبعة، وصور على باب كيسان زحل، فخربت الصور كلها التي كانت على الأبواب إلا باب كيسان، فإن صورة زحل عليه باقية إلى الساعة. وقيل: باب كيسان لزحل، باب شرقي للشمس، باب توما للزهرة، باب الصغير للمشتري، باب الجابية للمريخ، باب الفراديس لعطارد، باب الفراديس الآخر المسدود للقمر. ولما قدم عبد الله بن علي دمشق وحاصر أهلها، فلما دخلها هدم سورها، فوقع منها حجر، عليه مكتوب باليونانية، فأرسلوا خلف راهب، فقالوا له: تقرأ ما عليه؟ فقال: جيئوني بقير فطبعه على الحجر فإذا عليه مكتوب: " ويك إرم الجبابرة من رامك بسوء قصمه الله، إذا وهي منك جيرون الغربي من باب

البريد، ويلك من الخمسة أعين، نقض سورك على يديه، بعد أربعة آلاف سنة تعيش رغداً، فإذا وهي منك جيرون الشرقي أديل لك ممن تعرض لك ". قال: فوجدنا الخمسة أعين: عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. ويقال: إن ملك دمشق بنى حصن دمشق الذي حول المسجد داخل المدينة على مسحة مسجد بيت المقدس، وحمل أبواب مسجد بيت المقدس فوضعها على أبوابه، فهذه الأبواب التي على الحصن هي أبواب مسجد بيت المقدس.

اشتقاق تسمية دمشق

اشتقاق تسمية دمشق وأما اشتقاق تسمية دمشق فقيل: دمشق فعل، من قول العرب: ناقة دمشق اللحم، إذا كانت خفيفة. ويقال: إن سيف الدولة سأل عن دمشق: هل يقال فيها دمشقة أم لا؟ فأجيب إنها لا يقال إلا بغير هاء، فأعاد الجواب: إن عبد الرحمن بن حنبل الجمحي قال وهو بعسكر يزيد بن أبي سفيان عند حصارهم دمشق: الطويل أبلغ أبا سفيان عنا بأننا ... على خير حال كان جيش يكونها وأنا على بابي دمشقة نرتمي ... وقد حان من بابي دمشقة حينها وقيل: إن رجلاً من حكماء الروم قال: إنما سميت دمشق بالرومية وإن أصل اسمها دوومسكس أي مسك مضاعف لطيبها لأن دوو للتضعيف ومسكس هو المسك، ثم عربت، فقيل: دمشق. ويقال: إنه ولد لإسماعيل بن إبراهيم اثنا عشر رجلاً، فسماهم، قالا: ودما، وهو ديما، وبه سميت دومة الجندل. وولد للوط أربعة بنين وابنتان، فأما البنون فاسمهم: مآب وعمان وجلان، وملكان، والبنات زغر والرية، فعمان مدينة البلقاء سميت بعمان بن لوط، ومآب البلقاء سميت بمآب بن لوط، وعين زغر سميت بزغر بنت لوط، والرية سميت بالرية بنت لوط.

ويقال: سميت صيدا التي بالشام بصيدون بن صدقا بن كنعان بن حام بن نوح، وهو أول من ولده إرم، وسميت أريحا التي بالشام بأريحا بن مالك بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وسميت البلقاء ببالق بن عمان بن لوط لأنه بناها وسكنها. ويقال: البلقاء من عمل دمشق سميت ببلقاء بن شويرة من بني عمان بن لوط، وهو بناها. ويقال: ولد للوط أربعة، رجلان مآب وعمان، وامرأتان: زغر والرية. فعمان مدينة البلقاء سميت بعمان بن لوط، ومآب من مدائن البلقاء سميت بمآب بن لوط، وزغر سميت بزغر ابنة لوط، والرية برية بنت لوط. ويقال: إن الكسوة إنما سميت بذلك لأن غسان قتلت بها رسل ملك الروم إليه لأخذ الجزية منهم واقتسمت كسوتهم. وأما مؤتة مهموزة والهمزة ساكنة فهي الأرض التي قتل فيها جعفر بن أبي طالب. وجيرون: من قولك: جرن الشيء إذا أملاس، والجارن: الأملس من كل شيء. وجلق من قولك: جلق رأسه إذا حلقه. والجابية: من الجابية وهي الحوض، والجمع جواب. وأذرح من قولك: هو ذريحي، أي شديد الحمرة. والبلقاء: من البلق. وتدمر من قولك: دمر أي دخل. وبيروت: فيعول من البرت وهو الرجل الدليل. وجبلة: من الجبل، وكل شيء اجتمع وعظم فهو جبل. وصور: جمع من جمع صورة، ويقال: هو من صاره يصوره أي أماله. وعكا من قولك: عككته: أي حبسته، والعكة: شدة الحر.

حث النبي أمته على سكنى الشام وإخباره بتكفل الله عز وجل لمن سكنه من أهل

حث النبي أمته على سكنى الشام وإخباره بتكفل الله عز وجل لمن سكنه من أهل الإسلام وبإسنادنا عن المصنف عن مشايخه عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنكم ستجندون أجناداً، جنداً في الشام، وجنداً في العراق، وجنداً باليمن "، قال: قلت: يا رسول الله: خر لي. قال: " عليكم بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليستق من غدره، فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله ". قال سعيد بن عبيد العزيز: وكان ابن حوالة رجلاً من الأزد، وكان مسكنه الأردن، وكان إذا حدث بهذا الحديث، قال: وما تكفل الله به فلا ضيعة عليه. وفي رواية عبد الله بن الأسقع قال: عليك بالشام فإنها صفوة الله من بلاده، يسوق إليها صفوته من عباده. وفي حديث آخر عن عبد الله بن حوالة الأزدي أنه قال: يا رسول الله، خر لي بلداً أكون فيه، فلو علمت أنك تبقى لم أختر على قربك، قال: " عليك بالشام، ثلاثاً ". فلما رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كراهيته إياها قال: " هل تدري ما يقول الله في الشام؟ إن الله يقول: يا شام يدي عليك، يا شام أنت صفوتي من بلادي، أدخل فيك خيرة من عبادي، أنت سوط نقمتي وسوط عذابي، أنت الأندر، وإليك المحشر، ورأيت ليلة أسري بي عموداً أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة، قلت: ما تحملون؟ قالوا: عمود الإسلام، أمرنا أن نضعه بالشام، بينا أنا نائم إذا رأيت الكتاب

اختلس من تحت وسادتي، فظننت أن الله قد تخلى من أهل الأرض، فأتبعته بصري، فإذا هو بين يدي حتى وضع بالشام. فمن أبى فليلحق بيمنه، وليستق من غدره، فإن الله قد توكل لي بالشام وأهله ". وعن عبد الله بن حوالة قال: كنا عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فشكونا إليه العري والفقر وقلة الشيء، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ابشروا، فوا لله لأنا من كثرة الشيء أخوفني عليكم من قلته، والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله أرض فارس وأرض الروم وأرض حمير حتى تكونوا أجناداً ثلاثة: جنداً بالشام، وجنداً باليمن، وجنداً بالعراق، وحتى يعطى الرجل المئة فيتسخطها ". قال ابن حوالة: قلت: يا رسول الله، ومن يستطيع الشام وبه الروم ذوات القرون؟ قال: " والله ليفتحنها الله عليكم وليستخلفنكم فيها حتى تظل العصابة البيض منهم قمصهم، المحلقة أقفاؤهم، قياماً على الرويجل الأسود منكم المحلوق، وما أمرهم من شيء فعلوه، وإن بها اليوم رجالاً لأنتم أحقر في أعينهم من القردان في أعجاز الإبل ". قال ابن حوالة: فقلت: يا رسول الله، اختر لي إن أدركني ذلك. قال: " إني أختار لك الشام، فإنه صفوة الله من بلاده، وإليه يجتبى صفوته من عباده. يا أهل اليمن، عليكم بالشام فإن صفوة الله من أرضه الشام، ألا فمن أباه فليسق من غدر اليمن فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله ". قال أبو علقمة: فسمعت عبد الرحمن بن جبير يقول: فعرف أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي وكان على الأعاجم في ذلك الزمان، كان إذا راحوا إلى مسجد نظروا إليه وإليهم قياماً حوله فعجبوا لنعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه وفيهم.

قال أبو علقمة: أقسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الحديث ثلاث مرات، لا نعلم أنه أقسم في حديث مثله. وعن العرباض بن سارية السلمي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قام يوماً في الناس فوعظهم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقال: أيها الناس، يوشك أن تكونوا أجناداً مجندة، جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن، فقام عبد الله بن حوالة فقال: يا رسول الله، إن أدركني ذلك فاختر لي، قال " إني أختار لك الشام فإنه عقر دار المسلمين وصفوة الله من بلاده، يجتبي إليها صفوته من خلقه، وأما أنتم فعليكم بينكم اسقوا من غدركم، فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله ". وعن عبد الله بن حوالة قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر فقال: " يا بن حوالة، كيف أنت إذا أدركتك فتنة تفور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر "؟! قلت: ما تأمرني يا رسول الله؟ قال: عليك بالشام. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ستخرج نار من حضرموت، أو من بحر حضرموت، نار قبل يوم القيامة تحشر الناس ". قال: قلنا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: " عليكم بالشام ". وفي رواية: ستخرج نار من حضرموت تسوق الناس إلى المحشر تقيل إذا قالوا، وتسير إذا ساروا. وعن كعب قال: توشك نار تخرج من اليمن تسوق الناس إلى الشام، تغدو معهم إذا غدوا وتروح معهم إذا راحوا، فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام.

وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأبي ذر: " إذا رأيت البناء قد بلغ سلعاً فعليك بالشام ". قال: فإن حيل بيني وبين ذاك أفأضرب بسيفي من حال بيني وبين ذلك؟ قال: " لا، ولكن اسمع وأطع ولو لعبد حبشي مجدع ". وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، بأبي وأمي، ما تأمرني؟ خر لي، قال: " هاهنا، ونحا بيده نحو الشام، إنكم محشورون رجالاً وركباناً تجرون على وجوهكم ". وعن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تحشرون هاهنا وأومأ بيده إلى الشام مشاة وركباناً وعلى وجوهكم، تعرضون على الله، على أفواهكم الفدام، فأول ما يعرب عن أحدكم فخذه ". وعن معاوية بن حيدة القشيري أنه قدم على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: والذي بعثك بالحق ما خلصت إليك حتى حلفت لقومي عددها يعني أنامل كفيه تالله لا أتبعك ولا أومن بك ولا أصدقك، وإني أسألك بالله: بم بعثك ربك؟ قال: بالإسلام. قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم وجهك لله، وتخلي له نفسك. قال: فماحق أزواجنا علينا؟ قال: أطعم إذا طعمت، واكس إذا أكسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت، وكيف " وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً " ثم أشار قبل الشام فقال: هاهنا تحشرون، هاهنا تحشرون ركباناً ورجالاً، وعلى وجوهكم وأفواهكم الفدام، وأول شيء يعرب عن أحدكم فخذه.

وعن عبد الله بن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إني أريد الغزو في سبيل الله، فقال: " عليك بالشام، فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله. الزم من الشام عسقلان، فإنها إذا دارت الرحا في أمتي كان أهلها في راحة وعافية ". وعن أبي أمامة قال: لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عليكم بالشام. وعن إياس بن معاوية قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله قد تكفل لي بالشام وأهلها، وإن إبليس أتى العراق فباض فيها وفرخ، وأتى مصر فبسط عبقريه واتكأ، وقال: جبل الشام جبل الأنبياء ". قال: وهذا الحديث مرسل ومنقطع بين رواته. وعن أبي الضحاك قال: أتيت ابن عمر فسألته أين أنزل فقال: إن الناصية الأولى من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ساروا بأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى نزلوا الشام، ثم نزلوا حمص خاصة، فانظر ما كانوا عليه فأته. وعن عطاء الخراساني قال: لما هممت بالنقلة من خراسان شاورت من بها من أهل العلم أين يرون أن أنزل بعيالي، كلها يقول لي عليك بالشام، ث أتيت البصرة فشاورت من بها: أين يرون لي أن أنزل بعيالي؟ كلهم يقول: عليك بالشام. ثم أتيت الكوفة فشاورت من بها من أهل العلم أين يرون لي أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول لي: عليك بالشام. ثم أتيت مكة فشاورت من بها من أهل العلم أين يرون لي أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول لي: عليك بالشام. ثم أتيت

المدينة فسألت من بها من أهل العلم: أين يرون لي أن أنزل بعيالي؟ فكلهم يقول: عليك بالشام. وعن عبد الرحمن بن سابط الجمحي قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: إن لي رحماً وقرابة وإن منزلي قد نبا بي بالعراق والحجاز فخر لي فقال: أرضى لك ما أرضى لنفسي ولولدي. عليك بدمشق ثم عليك بمدينة الأسباط بانياس، فإنها مباركة السهل والجبل، نقل الله عنها أهلها حين بدلوا تطهيراً لها.

بيان أن الإيمان يكون بالشام عند وقوع الفتن والملاحم

بيان أن الإيمان يكون بالشام عند وقوع الفتن والملاحم عن عبد الله بن عمرو قال: النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أريت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فذهب به إلى الشام، فأولته الملك. وزاد في حديث آخر: ألا وإن الإيمان، إذا وقعت الفتن، بالشام. وعن مدرك بن عبد الله الأزدي قال: غزونا مع معاوية مصر فنزلنا بلبيس فقال عبد الله بن عمرو لمعاوية: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي أن أقوم على فرسي في الناس؟ فأذن، فقام على فرسه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " رأيت في منامي أن عمود الكتاب حمل من تحت وسادي، فأتبعته بصري فإذا هو كالعمود من النور، فعمد به إلى الشام. ألا وإن الإيمان، إذا وقعت الفتن، بالشام " ثلاث مرات. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: هب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نومه مذعوراً وهو يرجع فقلت: مالك بأبي أنت وأمي؟ فقال: سل عمود الإسلام من تحت رأسي فأوحشني، ثم رميت ببصري فإذا هو قد غرز في الشام. فقيل لي: يا محمد، إن الله قد اختار لك الشام ولعباده، فجعلها لكم عزاً ومحشراً ومنعة

وذكراً. من أراد الله به خيراً أسكنه الشام، وأعطاه نصيباً منها. ومن أراد به شراً أخرج سهماً من كنانته، وهي معلقة في وسط الشام وزاد في رواية: فرماه بها فلم يسلم في دنيا ولا آخرة. وعن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رأيت ليلة أسري بي عموداً أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة، فقلت: ما تحملون؟ فقالوا: عمود الإسلام، أمرنا أن نضعه بالشام. وبينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلس من تحت وسادتي فظننت أن الله قد تخلى من أهل الأرض فأتبعته بصري، وإذا هو نور ساطع بين يدي حتى وضع بالشام ". فقال ابن حوالة: يا رسول الله، خر لي، فقال: عليك بالشام. وعن عبد الله بن حوالة قال: فخرتم يا أهل الشام أن قذف الله بالفتن عن أيمانكم وعن شمائلكم، والذي نفس أبي حوالة بيده ليقذفنكم الله بفتنة يخرج منها زيافكم. وعن ابن شوذب قال: تذاكرنا الشام. قال: فقلت لأبي سهل: أما بلغك أنه يكون بها كذا؟ قال: بلى، ولكن ما كان بها فهو أيسر مما يكون بغيرها. وقال كعب: لن تزال الفتنة مراماً بها ما لم تبد من قبل الشام.

ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشام عند وقوع الفتن عقر دار

ما جاء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الشام عند وقوع الفتن عقر دار المؤمنين عن سلمة بن نفيل الكندي، وكان قومه بعثوه وافداً إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: بينا أنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تمس ركبتي ركبته، مستقبل الشام بوجهه، مولياً إلى اليمن ظهره وفي حديث: مولياً ظهره إلى اليمن إذ أتاه رجل فقال: يا رسول الله، أذال الناس الخيل، ووضعوا السلاح، وزعموا أن الحرب قد وضعت أوزارها. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كذبوا بل الآن جاء القتال. لا يزال قوم من أمتي يقاتلون على أمر الله عز وجل، يزيغ الله قلوب أقوام، وينصرهم عليهم، حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله. الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. وهو يوحي إلي أنني مقبوض غير ملبث، وأنكم متبعي أفناداً، وعقر دار المؤمنين بالشام ". وعن كلثوم بن زياد أنه سمع سليمان بن حبيب يخبر أن أبا الدرداء كان ممن تقدم إلى حمص، فبلغ عمر أنه أحدث بها بناء، فكتب برده إلى دمشق، فرده فكان بها. فلما قتل عمر أتاه جلساؤه من أهل حمص يسألونه الرجعة إلى حمص، فتأبى عليهم فاستشفعوا عله بمعاوية، فقال أبو الدرداء: يا معاوية، أتأمرني بالخروج من عقر دار الإسلام؟! عقر الشيء: أصله.

ما جاء في أن الشام صفوة الله من بلاده وإليها يجتبي خيرته من عباده

ما جاء في أن الشام صفوة الله من بلاده وإليها يجتبي خيرته من عباده عن أبي أمامة قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صفوة الله من أرضه الشام، وفيها صفوته من خلقه وعباده، وليدخلن الجنة من أمتي ثلة لا حساب عليهم ولا عذاب. وعن أبي أمامة أيضاً عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " الشام صفوة الله من بلاده، يجتبي إليها صفوته من عباده. فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطة، ومن دخلها من غيرها فبرحمة ". وعن أنس بن مالك قال: قلت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا رسول الله، أين الناس يوم القيامة؟ فقال: " في خير أرض الله وأحبها إليه: الشام، وهي أرض فلسطين والإسكندرية من خير الأرضين المقتولون فيها لا يبعثهم إلى غيرها، فيها قتلوا ومنها يبعثون، ومنها يحشرون، ومنها يدخلون الجنة. وعن علقمة قال: قدم كعب على عمر المدينة فقال له عمر: يا كعب، ما يمنعك من النزول بالمدينة فإنها مهاجر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبها مدفنه. قال: يا أمير المؤمنين، إني وجدت في كتاب الله المنزل في التوراة أن الشام كنز الله في أرضه، وبها كنز الله من عباده. وأراد عمر العراق، فقال له كعب: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من العراق، فإنها أرض مكر وأرض السحر، وبها تسعة أعشار الشر، وبها كل داء عضال، وبها كل شيطان مارد.

وعن كعب قال: أحب يعني البلاد إلى الله تعالى الشام، وأحب الشام إلى الله القدس، وأحب القدس إلى الله جبل نابلس. ليأتين على الناس زمان يتماسحونه بالحبال بينهم. وعن كعب أنه كان يقول: يا أهل الشام، إن الناس يريدون أن يضعوكم، والله يرفعكم. وإن الله يتعاهدكم كما يتعاهد الرجل نبله في كنانته، لأنها أحب أرضه إليه، يسكنها أحب خلقه إليه، من دخلها مرحوم، ومن خرج منها فهو مغبون. وعن كعب أنه قال: مكتوب في التوراة أن الشام كنز الله جل وعز من أرضه، بها كنز الله عز وجل من عباده. يعني بها قبور الأنبياء: إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وعن وهب بن منبه قال: إني لأجد ترداد الشام في الكتب حتى كأنه ليس لله حاجة إلا بالشام. وعن ثابت بن معبد قال: قال الله: يا شام، أنت خيرتي من بلادي، أسكنك خيرتي من عبادي.

اختصاص الشام ببسط ملائكة الرحمة أجنحتها عليها

اختصاص الشام ببسط ملائكة الرحمة أجنحتها عليها عن زيد بن ثابت قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نؤلف القرآن في الرقاع، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " طوبى للشام. فقلنا: لأي ذلك؟ قال: إن ملائكة الرحمن وفي رواية: ملائكة الرحمة باسطة أجنحتها عليها ". وفي حديث آخر عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن عنده: طوبى للشام. فقلنا: ما باله يا رسول الله؟ قال: إن الرحمن لباسط رحمته عليه. وعن واثلة بن الأسقع قال: إن الملائكة تغشى مدينتكم هذه، يعني دمشق، ليلة الجمعة، فإذا كان بكرة افترقوا على أبواب دمشق براياتهم وبنودهم فيكونون سبعين رجلاً، ثم ارتفعوا. ويدعون الله لهم: اللهم اشف مريضهم، ورد غائبهم.

دعاء النبي للشام بالبركة

دعاء النبي للشام بالبركة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي صاعنا وفي مدنا، وفي يمننا وفي شامنا "، فقال رجل: يا رسول الله: وفي عراقنا؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي صاعنا وفي مدنا، وفي يمننا وفي شامنا "، فقال رجل: يا رسول الله: وفي عراقنا؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بها الزلازل والفتن، ومنها يطلع قرن الشيطان " وفي رواية: قرنا الشيطان. وعن عبد الله بن عمر قال: صلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الفجر ثم انفتل، فأقبل على القوم فقال: " اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا "، فقال رجل: والعراق يا رسول الله؟ فسكت، ثم أعاد فقال: " اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنافي مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا. " قال: قال رجل: والعراق يا رسول الله؟! قال: فسكت ثم أعاد فقال: " اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا. اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا ". قال: قال رجل: والعراق يا رسول الله! قال؟! " من ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن ". وعن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا "، قال: قالوا: وفي نجدنا؟ قال: " هنالك الزلازل والفتن وبها يخرج قرن الشيطان ".

وعن ابن عمر عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " اللهم بارك لنا في مكتنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا "، فقال رجل: يا رسول الله، العراق ومصر؟! فقال: " هناك ينبت قرن الشيطان، وثم الزلازل والفتن ". وعن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا "، فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله؟! قال: " من هناك يطلع قرن الشيطان، وبها تسعة أعشار الشر ". وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي صاعنا ومدنا، ويمننا وشامنا، ثم استقبل مطلع الشمس فقال: من هاهنا يطلع قرن الشيطان، من هاهنا الزلازل والفتن " في رواية: والفدادون. وعن معاذ بن جبل قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وفي شامنا وفي يمننا وفي حجازنا ". قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، وفي عراقنا؟! فأمسك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه، فلما كان في اليوم الثاني قال مثل ذلك. فقام إليه الرجل فقال: يا رسول الله، وفي عراقنا؟! فأمسك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه، فلما كان في اليوم الثالث قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله، وفي عراقنا؟! فأمسك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه فولى الرجل وهو يبكي، فدعاه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: " أمن العراق أنت؟ قال: نعم، قال: إن أبي إبراهيم عليه السلام هم أن يدعو عليهم فأوحى الله تعالى إليه: لا تفعل، فإني جعلت خزائن علمي فيهم، وأسكنت الرحمة قلوبهم ". وعن ابن عباس قال: دعا نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في مكتنا

ومدينتنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا "، فقال رجل من القوم: يا نبي الله، وعراقنا؟! فقال: " إن هنا يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق ". وعن الحسن قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا "، فقال له رجل: يا رسول الله، فالعراق؟! فإن فيها ميراتنا وفيها حاجاتنا. قال: فسكت، ثم أعاد عليه فسكت، فقال: " بها يطلع قرنا الشيطان، وهناك الزلازل والفتن ".

بيان أن الشام أرض مباركة

بيان أن الشام أرض مباركة عن زهير بن محمد قال: حدثت أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الله تعالى بارك ما بين العريش والفرات، وخص فلسطين بالتقديس " يعني التطهير. وعن أبي بن كعب: " ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها " قال: الشام. وما من ماء عذب إلا يخرج من تلك الصخرة التي ببيت المقدس. وعن ابن عباس في قول الله عز وجل " وجعلنا بينهم " يعني بين مساكنهم " وبين القرى التي باركنا فيها " يعني: الأرض المقدسة " قرى " فيما بين منازلهم والأرض المقدسة " ظاهرة " يعني: عامرة مخصبة " وقدرنا فيها السير " يعني: فيما بين مساكنهم وبين أرض الشام " سيروا فيها " يعني: إذا ظعنوا من منازلهم إلى أرض الشام من المقدسة. وقال معاوية بن أبي سفيان: إن ربك قال لإبراهيم: اعمر من العريش إلى الفرات الأرض المباركة. وكان أول من اختتن وقرى الضيف. واختتن وهو ابن ثمانين سنة. وعن سفيان في قول الله عز وجل " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض

ومغاربها " قال: الشام. وفي رواية عن الحسن قال: مشارق الشام ومغاربها. وعن قتادة في قوله تعالى " مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها " قال: التي بارك الله فيها: الشام. وعنه في قوله تعالى: " ولقد بوأ بني إسرائيل مبوأ صدق " قال: بوأهم الله تبارك وتعالى الشام وبيت المقدس. وعن كعب الأحبار قال: إن الله تعالى بارك في الشام من الفرات إلى العريش. وعن كعب قال: جاء إليه رجل فقال: إني أريد الخروج أبتغي فضل الله. قال: عليك بالشام، فإنه ما نقص من بركة الأرضين يراد بالشام. وعن أبي عبد الملك الجزري قال: إذا كانت الدنيا في بلاء وقحط كان الشام في رخاء وعافية، وإذا كان الشام في بلاء وقحط كانت فلسطين في رخاء وعافية، وإذا كانت فلسطين في بلاء وقحط كانت بيت المقدس في رخاء وعافية. وقال: الشام مباركة، وفلسطين مقدسة، وبيت المقدس قدس القدس. وروي أن ذا القرنين لما أتى العراق استنكر قلبه، فبعث إلى تراب الشام فأتى به فجلس عليه فرجع إليه ما كان يعرف من نفسه.

ما جاء في أن الشام الأرض المقدسة المذكورة في القرآن

ما جاء في أن الشام الأرض المقدسة المذكورة في القرآن عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي عن عمه قال: لقيت أبا ذر بالربذة فقال: كنت نائماً في مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمر بي فضربني برجله ثم قال: لا أراك نائماً فيه، فقلت: بأبي وأمي، غلبتني عيني فنمت، قال: كيف تصنع إذا أخرجت منه؟ قال: ألحق بالأرض المقدسة أرض الشام. قال: فكيف تصنع إذا أخرجت منها؟ قال: قلت: أرجع إليه. قال: فكيف تصنع إذا أخرجت منه؟ قال: قلت: أخذ سيفي ثم أضرب به. قال: أوتصنع خيراً من ذلك وأقرب رشداً؟ قال: تسمع لهم وتطيع وتنساق حيثما ساقوك. قال: فوا لله لألقين الله وأنا مطيع لعثمان رضي الله عنه. وعن أبي ذر قال: جعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتلو علي هذه الآية " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً " حتى فرغ من الآية. ثم قال: يا أبا ذر، لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم. قال: فجعل يتلوها ويرددها علي حتى نعست. ثم قال: يا أبا ذر، كيف تصنع إن أخرجت من المدينة؟ قال: قلت: إلى السعة والدعة أنطلق حتى أكون حمامة من حمام مكة. قال: فكيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ قال: قلت: إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة. قال: فكيف تصنع إن أخرجت من الشام؟ قال: قلت: إذن والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي. قال: أو خير من ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن كان عبداً حبشياً. وعن عروة قال: كان في كتاب أبي بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد: أن اعجل إلى إخوانكم

بالشام، فوا لله لقرية من قرى الأرض المقدسة يفتحها الله علينا أحب إلي من رستاق من رساتيق العراق. وعن قيس بن سكن قال: سمعت علياً ونحن بمسكن يقول: يا معشر المسلمين المهاجرين " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين " قال: فتلكؤوا. قال: فلما رأى ذلك، قال: أف لكم، إنها سنة جرت عليكم. وعن أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي المفسر قال: قوله " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة ". قال قتادة: هي الشام كلها. وقال عكرمة والسدي: هي أريحا. وقال الكلبي: دمشق وفلسطين. ومعنى المقدسة: المطهرة، وتلك الأرض طهرت من الشرك، وجعلت مسكناً وقراراً للأنبياء. وعن ثور بن يزيد قال: قدس الأرض الشام، وقدس الشام فلسطين، وقدس فلسطين بيت المقدس، وقدس بيت المقدس الجبل، وقدس الجبل المسجد، وقدس المسجد القبة. وعن وهب أنه كان يقول: إن الله كتب للشام: إني قدستك وباركتك، جعلت فيك مقامي وأنت صفوتي من بلادي، وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي، فاتسعي لهم برزقك ومساكنك كما يتسع الرحم إن وضع فيه اثنان وسعة، وإن ثلاثة مثل ذلك، وعيني عليك بالظل والمطر، من أول السنين إلى آخر الدهر، فلن أنساك حتى أنسى يميني، وحتى تنسي ذات الرحم ما في رحمها. وعن الوليد بن صالح قال: في الكتاب الأول: إن الله عز وجل يقول: يا شام، أنت الأندر، ومنك المنشر، وإليك المحشر. فيك ناري ونوري، ومن دخلك رغبة فيك فبرحمتي، ومن خرج رغبة عنك فبسخطي، تتسع لأهلها كما تتسع الرحم للولد.

إعلام النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن بالشام تسعة أعشار الخير

إعلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته أن بالشام تسعة أعشار الخير عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الخير عشرة أعشار: تسعة بالشام، وواحد في سائر البلدان، والشر عشرة أعشار: واحد بالشام، وتسعة في سائر البلدان. وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ". وعن عبد الله بن مسعود قال: إنكم بحيث تبلبلت الألسن بين بابل والحيرة. وإن تسعة أعشار الخير بالشام، وعشر بغيرها، وإن تسعة أعشار الشر بغيرها، وعشر بها، وفي زيادة: وسيأتي عليكم زمان يكون أحب مال الرجل فيه أحمرة ينتقل عليها إلى الشام. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا كان سنة خمس وثلاثين ومئة خرج مردة الشياطين، كان حبسهم سليمان بن داود في جزائر البحور، فذهب منهم تسعة أعشار إلى العراق يجادلونهم، وعشر بالشام، وفي بعض الروايات: يجادلونهم بالقرآن. وعن كعب قال: الخير عشرة أجزاء: فتسعة أجزاء الخير في الشام، وجزء في سائر الأرضين. وعن أبي إدريس قال: قدم علينا عمر بن الخطاب الشام فقال: إني أريد آتي العراق، فقال له كعب الأحبار: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من ذلك. قال: وما تكره من ذلك؟ قال: بها تسعة أعشار الشر وكل داء عضال، وعصاة الجن، وهاروت وماروت وبها باض إبليس وفرخ.

ما جاء في أن الشام مهاجر إبراهيم الخليل وأنه من المواضع المختارة لإنزال التنزيل

ما جاء في أن الشام مهاجر إبراهيم الخليل وأنه من المواضع المختارة لإنزال التنزيل عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية قدمت الشام، فأخبرت بمقام يقومه نوف فجئته، إذ جاء رجل فانتبذ الناس، عليه خميصة، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص. فلما رآه نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد الله: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف. قال: وسمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم. كلما خرج منهم قرن قطع. كلما خرج منهم قرن قطع. حتى عددها زيادة على عشر مرات، كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجال في بقيتهم. وعن شهر بن حوشب أيضاً قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد رأيتنا، وما صاحب الدينار والدرهم بأحق من أخيه المسلم، ثم لقد رأيتنا بأخرة نهان، وللدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم. ولقد سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لئن اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، ليلزمنكم الله عز وجل مذلة في أعناقكم، لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه، وتتوبوا إلى الله عز وجل.

وسمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى لا يبقى في الأرضين إلا شرار أهلها، وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تقيل حيث يقيلون، وتبيت حيث يبيتون، وما سقط منها فلها. ولقد سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يحقر أحدكم عمله مع عملهم، يقتلون أهل الإسلام. فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم. فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه. كلما طلع منهم قرن قطعه الله تبارك وتعالى. فردد ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشرين مرة أو أكثر، وأنا أسمع. وفي حديث آخر: حتى يخرج في أخراهم الدجال. وعن قتادة في قوله تعالى: " إني مهاجر إلى ربي " قال: إلى الشام كان مهاجرة. وعن كعب الأحبار قال: يوشك بالرعد والبرق أن يهاجر إلى الشام، حتى لا تكون رعدة ولا برقة إلا ما بين العريش والفرات. وعن الأوزاعي قال: يهاجر الرعد والبرق إلى مهاجر إبراهيم، حتى لا تبقى قطرة إلا فيما بين العريش والفرات. وعن شريح بن سراج الحنفي عن عباد بن منصور قال: كنا عنده فنشأت سحابة برعد وبرق وظلمة فقال: حدثنا أبو قلابة أن الرعد والبرق سيهاجر من أرض العراق إلى أرض الشام، حتى لا يبقى بها رعد ولا برق.

وعن ضمرة بن ربيعة قال: سمعت أنه لم يبعث نبي إلا من الشام. فإن لم يكن منها أسري به إليها. وعن أبي أمامة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أنزلت علي النبوة في ثلاثة أمكنة: بمكة وبالمدينة وبالشام ". وفي رواية أخرى قال: " أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة والمدينة والشام ". قال الوليد: يعني بيت المقدس.

اختصاص الشام بالإضاءة عند مولد النبي صلى الله عليه وسلم

اختصاص الشام بالإضاءة عند مولد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أبي أمامة قال: قيل: يا رسول الله ما كان بدء أمركم؟ قال: " دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى عليه السلام، ورأت أمي كأنما خرج منها شيء أضاءت له قصور الشام ". وعن عرباض بن سارية قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إني عبد الله وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك: دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين ". قال في رواية: وإن أم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأت حين وضعته نوراً أضاءت له قصور الشام. وعن عتبة بن عبد أنه حدثهم أن رجلاً سأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: كيف كان أول شأنك يا نبي الله؟ فقال: " كانت حاضنتي من بني بكر بن سعد، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زاداً، فقلت لأخي: يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا فذهب أخي، ومكثت أنا عند البهم، فأقبل إلي طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ فقال الآخر: نعم. قال فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني للقفا. فشقا بطني فاستخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد فغسلا به قلبي. ثم قال: ائتني بالسكينة، فذرها في قلبي ثم أطبقه. قال:

الشام أرض المحشر والمنشر

أحدهما لصاحبه: حصه فحاصه، وختم عليه بخاتم النبوة. فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة، واجعل ألفاً من أمته في كفة فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي، أشفق أن يخر علي بعضهم. فقال أحدهما لصاحبه: لو أن أمته وزنت به لمال بهم. ثم انطلقا وتركاني، وفرقت فرقاً شديداً، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد التبس بي، فقالت: أعيذك بالله، فرحلت بعيراً لها فحملتني على الرحل، وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: قد أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالحديث الذي لقيت، فلم يرعها ذلك وقالت: إني رأيت خرج مني نور أضاء له قصور الشام ". وعن عثمان بن أبي العاتكة وغيره أن آمنة بنت وهب لما وضعته كفأت عليه برمة حتى تتفرغ له. قالوا: فوجدت البرمة قد انشقت عن نور أضاءت منه لها عن قصور كثيرة من قصور الشام. وعن الضحاك وهو ابن مزاحم الهلالي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أنا دعوة إبراهيم، قال وهو يرفع القواعد من البيت: " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم " حتى أتم الآية ". قال البيهقي: إنما أراد، والله أعلم، أنه كذلك في قضاء الله وتقديره قبل أن يكون آدم عليه السلام. وأما دعوة إبراهيم عليه السلام فإنه لما أخذ في بناء البيت دعا الله تعالى فقال: " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم " فاستجاب الله دعاءه في نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأما بشارة عيسى عليه السلام به فهو أن الله تعالى أمر عيسى عليه السلام فبشر به قومه، فعرفه بنو إسرائيل قبل أن يخلق. الشام أرض المحشر والمنشر

ما جاء في أن الشام أرض المحشر المنشر

ما جاء في أن الشام أرض المحشر المنشر عن أبي ذر قال: قيل: يا رسول الله، صلاة في بيت المقدس أفضل أم صلاة في مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: " صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو أرض المحشر والمنشر، وليأتين على الناس زمان ولبسطة قوسه من حيث يرى منه بيت المقدس أفضل وخير من الدنيا جميعاً ". وعن أسماء أن أبا ذر الغفاري كان يخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا فرغ من خدمته أوى إلى المسجد، وكان هو بيته، فجلس إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: " كيف أنت إذا أخرجوك منه؟ قال إذن ألحق بالشام، فإن الشام أرض الهجرة وأرض المحشر وأرض الأنبياء " وذكر الحديث. وعن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت: ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه ألا آتيك أرانا عفان وطبق كفيه فبالذي بعثك بالحق ما الذي بعثك به؟ قال: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك لله عز وجل، وأن توجه وجهك إلى الله، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران، لا يقبل الله جل وعز من أحد توبة أشرك بعد إسلامه. قلت: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت. قال: تحشرون هاهنا وأومأ بيده نحو الشام مشاة وركباناً وعلى وجوهكم، وتعرضون على الله، وعلى أفواهكم الفدام، فأول ما يعرب عن أحدكم فخذه، وقال: ما من مولى يأتي

مولى له فيسأله من فضل عنده فيمنعه إلا جعله الله عليه شجاعاً ينهشه قبل القضاء. قال عفان: يعني بالمولى ابن عمه. قال: وقال: إن رجلاً ممن كان قبلكم رغسه الله مالاً وولداً، حتى ذهب عصر وجاء آخر. فلما احتضر قال لولده: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، فقال: هل أنتم مطيعي وإلا أخذت مالي منكم، انظروا إذا أنا مت أن تحرقوني حتى تدعوني حمماً، ثم اهرسوني بالمهراس، وأدار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده حذاء ركبتيه. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففعلوا والله وقال نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده هكذا ثم أذروني في يوم راح لعلي أضل الله ففعلوا والله ذاك، فإذا هو قائم في قبضة الله تعالى فقال: يا ابن آدم، ما حملك على ما فعلت؟ قال: من مخافتك. قال: فتلافاه الله عز وجل بها. وفي رواية عند قوله: وأول ما يعرب عن أحدكم فخذه: وتلا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ". وعن عبد الرحمن بن غنم. أن اليهود أتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوماً فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقاً أنك نبي فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء. فصدق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة: " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً " إلى قوله: " تحويلا " فأمره الله بالرجوع، إلى المدينة وقال: فيها محياك ومماتك، ومنها تبعث.

وعن ابن عباس قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد حاصرهم يعني بني النضير حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام. وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء. والجلاء إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى. وعن ابن عباس قال: من شك أن المحشر هاهنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر " قال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ: " اخرجوا. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر ". وفي حديث الجارود: لما قدم على عمر قال له الجارود: أما أن تسيرني إلى الشام فأرض المحشر والمنشر. وعن ابن عمر: أن مولاة له أتته فقالت: إني قد اشتد علي الزمان، وأنا أريد أن أخرج إلى العراق. قال: فهلا إلى الشام أرض المحشر، اصبري لكاع فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من صبر على شدتها ولأوائها كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة ". وعن خليد وسعيد عن قتادة قال: أنجاهما الله إلى الشام أرض المحشر والمنشر، وبها يجمع الناس رأساً واحداً، وبها ينزل عيسى بن مريم، وبها يهلك الله المسيح الكذاب. وعن الصنابحي يرفعه قال: شكت الشام إلى الرحمن عز وجل فقالت: أي رب، جعلتني أضيق الأرض وأوعرها، وجعلتني لا أشرب الماء إلا عاماً إلى عام. فأوحى الله تعالى إليها: إنك داري وقراري، وأنت الأندر، وأنت منبت أنبيائي، وأنت موضع قدسي، وأنت موضع موطئي، وإليك

أسوق خيرتي من خلقي، وإليك محشر عبادي، ولم تزل عيني عليك من أول يوم من الدهر إلى آخر يوم من الدهر بالظل والمطر، وإذا يعجز أهلك المال لم يعجزهم الخبز والماء. وعن الحسن قال: نزلت قريظة على حكم سعد بن معاذ، فقتل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم ثلاث مئة وقال لبقيتهم: " انطلقوا إلى أرض المحشر، فأنا في آثاركم " يعني أرض الشام فسيرهم إليها. وعن بلال بن سعد أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا وقعت الفتن فهاجروا إلى الشام، فإنها من الله بمنظر، وهي أرض المحشر. وعن الحسن قال: الشام أرض المحشر والمنشر.

ما جاء في أن بالشام يكون ملك أهل الإسلام

ما جاء في أن بالشام يكون ملك أهل الإسلام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الخلافة بالمدينة والملك بالشام ". وعن علي بن أبي طالب أن يهودياً كان يقال له جير يجرة كان له على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دنانير، فتقاضى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: يا يهودي، ما عندي ما أعطيك. قال: فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني مالي. فقال نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذن أجلس معك "، فجلس معه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة، وكان أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتهددونه ويتوعدونه. ففطن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " ما الذي تصنعون به "؟ قالوا: يا رسول الله، يهودي يحتبسك؟! فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " منعني ربي أن أظلم معاهداً ولا غيره ". فلما ترحل النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة: " محمد بن عبد الله، مولده بمكة، ومهجره بطيبة، وملكه بالشام، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوله الخنا. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وهذا مالي فاحكم فيه بما أراك الله. وكان اليهودي كثير المال.

وعن يونس بن ميسرة بن حلبس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هذا الأمر كائن بعدي بالمدينة ثم بالشام ثم بالجزيرة ثم بالعراق ثم بالمدينة ثم ببيت المقدس. فإذا كان ببيت المقدس فثم عقر دارها، ولن يخرجها قوم فتعود إليهم أبداً ". يعني بقوله: بالجزيرة أمر مروان بن محمد الحمار. وبقوله بالمدينة بعد العراق يعني به المهدي الذي يخرج في آخر الزمان. ثم ينتقل إلى بيت المقدس، وبها يحاصره الدجال، والله أعلم. وعن كعب قال: أجد في التوراة: أحمد عبد المختار، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بكا، وهجرته طابا، وملكه بالشام، وأمته الحمادون يحمدون الله على كل حال، ويسبحونه في كل منزلة، ويوضئون أطرافهم، ويأتزرون على أنصافهم، وهم رعاة الشمس، وصفهم في الصلاة، وصفهم في القتال سواء، رهبان بالليل أسد بالنهار، لهم دوي كدوي النحل، يصلون الصلاة حيثما أدركتهم. وفي حديث آخر: تسمع مناديهم في جو السماء. وفي حديث آخر: قلوبهم أناجيلهم. وعن كعب أنه قال: إنا نجد في كتاب الله محمداً سلطانه بالشام.

ما جاء من أن الشام سرة الدنيا

ما جاء من أن الشام سرة الدنيا عن ابن مسعود أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: المدينة بين عيني السماء، عين بالشام وعين باليمن، وهي أقل الأرض مطراً. وعن عبد الله بن عمرو قال: صورت الدنيا على خمسة أجزاء، على أجزاء الطير: الرأس والصدر والجناحين والذنب. رأس الدنيا الصين، والجناح الأيمن الهند، والجناح الأيسر الخزر، وخلف الهند أمة يقال لها: واق واق، وخلف واق واق منسك، وخلف منسك ناسك، وخلف ناسك يأجوج ومأجوج من الأمة ما لا يعلمه إلا الله. والجانب الآخر من الخزر ليس خلفه إلا البحر. ووسط الدنيا العراق والشام والحجاز ومصر، وذنب الدنيا من ذات الحمام إلى المغرب، وشر شيء في الطير الذنب. وعن كعب الأحبار قال: نجد صفة الأرض في كتاب الله يعني التوارة على صفة النسر: فالرأس الشام، والجناحان المشرق والمغرب، والذنب اليمن. فلا يزال الناس بخير ما لم يفدغ الرأس، فإذا فدغ الرأس هلك الناس. وأيم الذي نفس كعب بيده، ليأتين على الناس زمان لا تبقى جزيرة من جزائر العرب أو قال: مصر من أمصار العرب إلا وفيهم مقنب خيل من الشام، يقاتلونهم عن الإسلام، لولاهم لكفروا. وعن كعب قال: إن الله خلق الدنيا بمنزلة الطائر: فجعل الجناحين المشرق والمغرب، وجعل الرأس

الشام، وجعل رأس الرأس حمص وفيها المنقار، فإذا نقف المنقار يتأفف الناس، وجعل الجؤجؤ دمشق وفيها القلب، فإذا تحرك القلب تحرك الجسد، وللرأس ضربتان ضربة من الجناح الشرقي، وهي على دمشق. وضربة من الجناح الغربي، وهي على حمص، وهي أثقلهما. ثم يقبل الرأس على الجناحين، فينتفهما ريشة ريشة. وقال كعب: ويل للجناحين من الرأس، وويل للرأس من الجناحين، يرددها ثلاثاً. فالرأس الشام، والجناحان المشرق والمغرب. وعن قتادة قال: إن الرأس الشام، وإن مصر الذنب، وإن العراق الجناح. وكان يقال: ويل للجناحين من الرأس. وعن إياس بن معاوية قال: مثلت الدنيا على طائر: فمصر والبصرة الجناحان، والجزيرة الجؤجؤ، والشام الرأس، واليمن الذنب. روى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم قال: خلق الله الأرض على صورة الطير: فرأسها الشام، وجؤجؤها مكة ومنها دحيت الأرض وسائر أطرافها جميع الأرضين. وخلقت مكة قبل بيت المقدس بأربعين عاماً. وكان موضع الكعبة ربوة حمراء على وجه الماء. فلما أن خلق الله الأرض خلقها سبع أرضين، غلظ كل أرض مسيرة خمس مئة عام، وفيما بين كل أرض إلى التي تليها فتق يمسك بعضها بعضاً. وذكر علماء الأوائل أن أقاليم الأرض سبعة، وأن الهند رستمها، فجعلت صفة الأقاليم كأنها حلقة مستديرة يكتنفها ست دوائر: فالدائرة الوسطى هي إقليم بابل، والدوائر الست المحدقة بالدائرة الوسطى، كل دائرة منها إقليم من الأقاليم الستة. فالإقليم الأول منها إقليم بلاد الهند، والإقليم الثاني إقليم الحجاز، والإقليم الثالث إقليم مصر، والإقليم الرابع إقليم بابل، وهو الممثل بالدائرة الوسطى التي اكتنفتها سائر الدوائر وهو أوسط الأقاليم وأعمرها، وفيه جزيرة العرب، وفيه العراق الذي هو سرة الدنيا، وحد هذا الإقليم مما يلي

الشام يبقى عامرا بعد خراب الأمصار

أرض الحجاز وأرض نجد: الثعلبية من طريق مكة، وحده مما يلي الشام: وراء مدينة نصيبين من ديار ربيعة بثلاثة عشر فرسخاً. وحده مما يلي أرض خراسان: وراء نهر بلخ. وحده مما يلي الهند: خلف الديبل بستة فراسخ، وبغداد في وسط هذا الإقليم. والإقليم الخامس بلاد الروم والشام. والإقليم السادس بلاد الترك. والإقليم السابع بلاد الصين. الشام يبقى عامراً بعد خراب الأمصار

ما جاء من أن الشام يبقى عامرا بعد خراب الأمصار

ما جاء من أن الشام يبقى عامراً بعد خراب الأمصار عن عوف بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " تخرب الأرض قبل الشام بأربعين سنة ". قال أبو عبد رب: سمعت تبيعاً أكثر من ثلاثين مرة يقول: تخرب الأرض وتعمر الشام حتى تكون من العمران كالرمانة، ولا يبقى فيها خربة في سهل ولا جبل إلا عمرت. وليغرسن فيها من الشجر ما لم يغرس في زمان نوح، وتبنى فيها القصور اللائحة في السماء، فإذا رأيت ذلك فقد نزل بك الأمر. قال أبو عبد رب: فإن كنت صدقت بالحديث حين سمعته، ولم أصدق بالأمر حين رأيته فما أنا بمؤمن. وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي ضد ذلك فقال: أول الأرض خراباً الشام. وعن بشر بن غنم قال: لتهدمن مدينة دمشق حجراً حجراً. قال: لعله أراد بذلك ما وجد من هدم عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس سورها حين افتتحها. وعن حسن بن القاسم الأزرقي قال: وقف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ثنية تبوك فقال: ما هاهنا شام، وأشار بيده إلى جهة الشام، وما هاهنا يمن وأشار إلى جهة المدينة.

وعن أبي الأعيس القرشي، وكان قد أدرك أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: سئل عن البركة التي بورك في الشام: أين مبلغ حده؟ قال: أول حدوده عريش مصر، والحد الآخر طرف الثنية، والحد الآخر الفرات، والحد الآخر جبل فيه قبر هود النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم. وعن أبي حاتم محمد بن حبان بن محمد بن حبان بن أحمد البستي قال: أول الشام بالس، وآخره عريش مصر.

باب تمصير الأمصار

باب تمصير الأمصار عن أبي نضرة قال: أتينا عثمان بن أبي العاص يوم جمعة لنعرض على مصحفه مصحفاً، فلما حضرت الجمعة أمر لنا بماء فاغتسلنا وطيبنا. ثم رحنا إلى الجمعة، فجلسنا إلى رجل يحدث، ثم جاء عثمان بن أبي العاص فتحولنا إليه فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام. فيفزع الناس ثلاث فزعات فيخرج الدجال ". وذكر الحديث. وعن جابر قال: سمعت عمر بن الخطاب سنة عشرين يقول: الأمصار سبعة: فالمدينة مصر، والشام مصر، ومصر والجزيرة والبحرين والبصرة والكوفة. قال أبو حاتم السجستاني: لما كتب عثمان رضي الله عنه المصاحف حين جمع القرآن كتب سبعة مصاحف، فبعث واحداً إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحداً. وقال إبراهيم: قال رجل من أهل الشام: مصحفنا ومصحف أهل البصرة أحفظ من مصحف أهل الكوفة. قال: قلت: لم؟ قال: إن عثمان لما كتب المصاحف بلغة قراءة أهل الكوفة على حرف عبد الله، فبعث به إليهم قبل أن يعرض. وعرض مصحفنا ومصحف أهل البصرة قبل أن يبعث به. وعن الحسن أنه قال: لا جمعة إلا في الأمصار. فقلت له: يا أبا سعيد، ما الأمصار؟ قال: المدينة والبصرة والكوفة والبحرين والجزيرة والشام ومصر. فضل دمشق من القرآن

ما ورد في فضل دمشق من القرآن

ما ورد في فضل دمشق من القرآن وعن أبي أمامة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه تلا هذه الآية: " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ". قال: " هل تدرون أين هي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هي بالشام، بأرض يقال لها الغوطة، يقال لها دمشق، هي خير مدائن الشام ". وقال ابن عباس: هي أنهار دمشق. وعن سعيد بن المسيب قال: هي دمشق ذات قرار ومعين، الغوطة. وعن يزيد بن شجرة قال: دمشق هي الربوة المباركة. وعن محمد بن خالد بن أمية الهاشمي قال: ثم إن الله تبارك وتعالى أمر عيسى بن مريم عليهما السلام وأمه أن يسكنا دمشق، وهي إرم ذات العماد. وقال الحسن: في قوله: " ذات قرار ومعين " ذات معيشة تقوتهم وتحملهم، وماء جار. قال: هي الربوة، هي دمشق. وقال الحسن البصري: " ذات قرار ومعين " قال: ذات ثمار وكثرة ماء. قال: هي دمشق.

وعن سعيد بن جبير: " ربوة ذات قرار " قال: الربوة النشز من الأرض. والقرار: المستوي. قال منصور بن أبي مزاحم: وهذا التفسير موجود في صفة ربوة دمشق، فلا يمتنع أن يكون هو الحق. وقيل: إن الربوة الرملة. وحدث مرة البهزي في خلاء وجماعة أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، وهم كالإناء بين الأكلة، وحتى يأتي أمر الله وهم كذلك قال: فقلنا: يا رسول الله، من هم؟ وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس ". قال: وحدثني أن الرملة هي الربوة، وذلك أنها تسيل مغربة ومشرقة. وعن الأقرع بن شفي العكي قال: دخل علي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرض فقلت: لا أحسب إلا أني ميت من مرضي، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كلا لتبقين، ولتهاجرن إلى أرض الشام، وتموت وتدفن بالربوة، من أرض فلسطين ". وروي في حديث آخر أنه قال له: إنك لا تموت إلا بالربوة. فمات ودفن بالرملة. فكانت عك إذا مات الرجل منهم بالأردن له طرق، حمل فدفن بالرملة، لمكان الأقرع. وقال أبو هريرة: " ربوة ذات قرار ومعين " هي الرملة من فلسطين، وقيل إنها بيت المقدس. وقال قتادة: وقيل إنها الإسكندرية.

وعن زيد بن أسلم: وقيل إنها مصر. وقيل وهب بن منبه: وقيل إنها الكوفة. وقال أبو جعفر: " ربوة ذات قرار ومعين ": الكوفة. والمعين: الفرات. وعن محمد بن مسلم قال: سألت الصادق عن قول الله عز وجل: " وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " قال: الربوة: النجف، والقرار: المسجد، والمعين: الفرات. ثم قال: إن نفقة بالكوفة الدرهم الواحد يعدل بمئة درهم في غيرها، والركعة بمئة ركعة. ومن أحب أن يتوضأ بماء الجنة، ويشرب من ماء الجنة، ويغتسل بماء الجنة، فعليه بماء الفرات، فإن فيه مثعبين من الجنة، ويشرب من ماء الجنة، ويغتسل بماء الجنة، فعليه بماء الفرات، فإن فيه مثعبين من الجنة، وينزل من الجنة كل ليلة مثقالان من مسك في الفرات. وكان أمير المؤمنين علي يأتي النجف ويقول: وادي السلام، ومجمع أرواح المؤمنين، ونعم المضجع للمؤمن هذا المكان. وكان يقول: اللهم اجعل قبري بها. قال أبو الغنائم: في النجف ماء طيب تنزله العرب، يقال له السلام. وعن أنس قال: لما نزلت سورة التين على سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرح بها فرحاً شديداً حتى تبين لنا شدة فرحه، فسألنا ابن عباس عن تفسيرها فقال: " والتين ": بلاد الشام، " والزيتون ": بلاد فلسطين، " وطور سينين ": الذي كلم الله موسى عليه. " وهذا البلد الأمين ": مكة، " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ": محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. " ثم رددنا أسفل سافلين ": عبدة اللات والعزى. " إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير

دمشق من مدن الجنة

ممنون " أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، " فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين " إذ بعثك فيهم نبياً، وجمعك على التقوى يا محمد. وعن كعب قال: " والتين ": مسجد دمشق، " والزيتون ": بيت المقدس، " وطور سنين ": جبل موسى. وعن خالد بن معدان: في قوله " لم يخلق مثلها في البلاد " قال: يعني دمشق. وقال الحسن: " التين والزيتون ": جبال ومساجد بالشام. وعن قتادة: في قوله تعالى: " والتين والزيتون " قال: " التين " الجبل الذي عليه دمشق، " والزيتون ": الذي عليه بيت المقدس " وطور سنين ": جبل بالشام مبارك حسن. وقوله: " إرم ذات العماد " قال المقبري: هي دمشق. دمشق من مدن الجنة

ما ورد في أن دمشق من مدن الجنة

ما ورد في أن دمشق من مدن الجنة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أربع مدائن من مدائن الجنة، وأربع مدائن من مدائن النار. فأما مدائن الجنة: فمكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق. وأما مدائن النار: فالقسطنطينية وطبرية وأنطاكية المحترقة وصنعاء ". قال أبو عبد الله السقطي: ليس هي صنعاء اليمن، إنما هي صنعاء بأرض الروم. وذكر البلاذري أن أنطاكية المحترقة ببلاد الروم، أحرقها العباس بن الوليد بن عبد الملك. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله اختار من الملائكة أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. واختار من النبيين أربعة: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم. واختار من المهاجرين أربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. واختار من الموالي أربعة: سلمان الفارسي وبلال الأسود، وصهيب الرومي وزيد بن حارثة. واختار من النساء أربعاً: خديجة بنت خويلد ومريم بنت عمران وفاطمة بنت محمد واسية بنت مزاحم. واختار من الأهلة أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. واختار من الأيام أربعة: يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر ويوم عاشوراء. واختار من الليالي أربعاً: ليلة القدر وليلة النحر وليلة الجمعة وليلة نصف شعبان. واختار من الشجر أربعاً: السدرة، والنخلة، والتينة، والزيتونة. واختار من المدائن أربعاً: مكة وهي البلدة، والمدينة وهي النخلة، وبيت المقدس وهي الزيتونة، ودمشق وهي التينة. واختار من الثغور أربعة: اسكندرية مصر وقزوين

دمشق مهبط عيسى بن مريم

خرسان، وعبادان العراق، وعسقلان الشام. اختار من العيون أربعاً: يقول في محكم كتابه: " فيهما عينان تجريان " وقال: " فيهما عينان نضاختان " فأما اللتان تجريان فعين بيسان وعين سلوان، وأما النضاختان فعين زمزم وعين عكا. واختار من الأنهار أربعة: سيحان وجيحان والنيل والفرات. واختار من الكلام أربعاً: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وعن كعب الأحبار أنه قال: خمس مدائن من مدائن الجنة: بيت المقدس، وحمص، ودمشق، وبيت جبرين، وظفار اليمن. وخمس مدائن من مدائن النار: القسطنطينية، والطوانة، وأنطاكية، وتدمر، وصنعاء صنعاء اليمن. وفي حديث آخر: عمورية بدل الطوانة. وعن عبد الله بن عمرو قال: الجنة مطوية في قرون الشمس بدمشق في كل عام. دمشق مهبط عيسى بن مريم

ما جاء في أن دمشق مهبط عيسى بن مريم

ما جاء في أن دمشق مهبط عيسى بن مريم عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ينزل عيسى بن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق ". وزاد في حديث آخر: بين مهرودتين وتفسيره بين ممصرتين. وعنه أيضاً أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أريت أن ابن مريم عليه السلام يخرج من يمنة المغارة البيضاء شرقي دمشق واضعاً يده على أجنحة الملكين، بين ريطتين ممشقتين، إذا أدنى رأسه قطر، وإذا رفع رأسه تحادر منه جمان كاللؤلؤ، يمشي عليه السكينة، والأرض تقبض له، ما أدرك نفسه من كافر مات، ويدرك نفسه حيثما أدرك بصره، حتى يدرك بصره في حصونهم وقرياتهم، حتى يدرك الدجال عند باب لدفيموت. ثم يعمد إلى عصابة من المسلمين عصمهم الله بالإسلام ويترك الكفار ينتفون لحاهم وجلودهم. فتقول النصارى: هذا الدجال الذي أنذرناه، وهذه الآخرة، ومن مسى ابن مريم كان من أرفع الناس قدراً، ويعظم مسه، ويمسح على وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم من الجنة. فبينا هم فرحون بما هم فيه خرجت يأجوج ومأجوج، فيوحي إلى المسيح عليه السلام أني قد أخرجت عباداً لي لا يستطيع قتلهم إلا أنا، فأحرز عبادي إلى الطور، فيمر صدر يأجوج ومأجوج على بحيرة الطبرية فيشربونها، ثم يقبل آخرهم فيركزون رماحهم فيقولون: لقد كان هاهنا مرة ماء، حتى إذا كانوا حيال بيت المقدس قالوا: قد قتلنا من في الأرض فهلموا لنقتل من في السماء، فيرمون نبلهم إلى السماء، فيردها الله مخضوبة بالدم، فيقولون: قد قتلنا من في السماء ويتحصن ابن مريم وأصحابه

حتى يكون رأس الثور ورأس الجمل خيراً من مئة دينار اليوم. قال: كذا قال: المغارة. قال: وهو تصحيف وإنما هو المنارة. وعن ابن عياش الحضرمي قال: يخرج عيسى بن مريم عند المنارة عند باب الشرقي ثم يأتي مسجد دمشق حتى يقعد على المنبر، ويدخل المسلمون المسجد، والنصارى واليهود، كلهم يرجوه حتى لو ألقيت شيئاً لم يصب إلا رأس إنسان من كثرتهم. ويأتي مؤذن المسلمين فيقوم، ويأتي صاحب بوق اليهود وصاحب ناقوس النصارى. فيقول صاحب اليهود: أقرع، فيكتب سهم المسلمين وسهم النصارى وسهم اليهود، ثم يقرع عيسى فيخرج سهم المسلمين، فيقول صاحب اليهود القرعة ثلاث فيقرع فيخرج سهم المسلمين. ثم يقرع الثانية فيخرج سهم المسلمين، فيؤذن المؤذن، ويخرج اليهود والنصارى من المسجد ثم يخرج يتبع الدجال بمن معه من أهل دمشق، ثم يأتي بيت المقدس، وهي مغلقة قد حصرها الدجال فيأمر بفتح الأبواب، ويتبعه حتى يدركه بباب لد، ويذوب كما يذوب الشمع، ويقول عيسى: إن لي فيك ضربة فيضربه فيقتله الله عز وجل على يديه، فيمكث في المسلمين ثلاثين سنة أو أربعين سنة، الله أعلم أي العددين. فيخرج على أثره يأجوج ومأجوج، فيهلك الله يأجوج ومأجوج على يديه، ولا يبقى منهم عين تطرف وتزد إلى الأرض بركتها، حتى إن العصابة ليجتمعون في العنقود، وعلى الرمانة، وينزع من كل وذكر كلاماً انقطع من الكتاب معناه من كل ذات حمة حمتها، يعني سمها، حتى إن الحية تكون مع الصبي، والأسد مع البقرة، لا تضره شيئاً، ثم يبعث الله عز وجل ريحاً طيبة تقبض روح كل مؤمن، ويبقى شرار الناس تقوم عليهم الساعة. وعن كعب قال: يهبط المسيح عليه السلام عند القنطرة البيضاء، على باب دمشق الشرقي، تحمله غمامة، واضعاً يديه على منكبي ملكين عليه ريطتان، مؤتزر إحداهما، مرتد الأخرى، إذا أكب رأسه يقطر منه الجمان.

ما جاء في أن دمشق فسطاط المسلمين

ما جاء في أن دمشق فسطاط المسلمين وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ ". وعن إبراهيم بن الجنيد قال: سمعت يحيى بن معين وقد ذكروا عنده أحاديث من ملاحم الروم فقال يحيى: ليس من حديث الشاميين شيء أصح من حديث صدقة بن خالد عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " معقل المسلمين أيام الملاحم دمشق ". وعن عوف بن مالك قال: أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في بناء له، فسلمت عليه، فقال لي: " عوف؟ فقلت: نعم، فقال لي: ادخل. فقلت: أكلي أم بعضي؟ قال: بل كلك، فقال لي: يا عوف، اعدد ستاً بين يدي الساعة: أولهن موتي، فاستبكيت حتى جعل يسكنني، ثم قال لي: قل إحدى، قلت إحدى. قال: والثانية فتح بيت المقدس، قل ثنتان، فقلت: ثنتان. قال: والثالثة: موتان يكون في أمتي يأخذهم مثل قعاص الغنم، قل ثلاث. فقلت: ثلاث. قال: والرابعة فتنة تكون في أمتي وعظمها، ثم قال: قل أربع، فقلت: أربع، قال: والخامسة يفيض فيكم المال حتى إن الرجل ليعطي المئة دينار فيتسخطها، قل خمس، فقلت: خمس. قال: والسادسة هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيسيرون إليكم على ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً. ففساط المسلمين يومئذ في أرض يقال لها الغوطة، في مدينة يقال لها دمشق ".

وفي رواية أخرى: راية في الموضعين. وفي رواية عند ذكر الروم: فيغدرون فيوافونكم على ثمانين غياية. وفي رواية: غابة. والغاية: الراية، والغياية بياءين: السحابة. والغابة ينقطة واحدة: السحابة. وعن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ستفتح عليكم الشام، فإذا خيرتم المنازل منها، فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، فإنها معقل المسلمين من الملاحم وفسطاطهم منها بأرض يقال لها الغوطة ". وعن سعيد بن عبد العزيز أن من أدرك من علمائنا كانوا يقولون: يخرج أهل مصر من مصرهم إلى ما يلي المدينة، ويخرج أهل فلسطين والأردن إلى مشارف البلقاء وإلى دمشق، ويخرج أهل الجزيرة وقنسرين وحمص إلى دمشق. وذلك لما كان حدثنا به سعيد عن مكحول عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: فسطاط المؤمنين يوم الملحمة الكبرى بالغوطة مدينة يقال لها: دمشق. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنها ستفتح الشام، فعليكم بمدينة يقال لها: دمشق، فإنها خير مدائن الشام، وهي معقل المسلمين من الملاحم، وفسطاط المسلمين بأرض منها يقال لها: الغوطة، ومعقلهم من الدجال: بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج: الطور ". وعن الأوزاعي قال: قدمت المدينة في خلافة هشام، فقلت: من هاهنا من العلماء؟ قالوا: هاهنا

محمد بن المنكدر، ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ومحمد بن علي بن الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت: والله لأبدأن بهذا قبلهم، قال: فدخلت المسجد، فسلمت فأخذ بيدي فأدناني فقال: من أي إخواننا أنت؟ فقلت له: رجل من أهل الشام. قال: من أي أهل الشام؟ قلت: رجل من أهل دمشق. قال: نعم، أخبرني أبي عن جدي أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " للناس ثلاث معاقل، فمعقلهم من الملحمة الكبرى التي تكون بعمق أنطاكية: دمشق، ومعقلهم من الدجال: بيت المقدس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج: طور سيناء ". وعن حسان بن عطية قال: ذكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كيف يحوز الأعداء أمته من بلد إلى بلد ". فقال: يا رسول الله، فهل من شيء؟ قال: " نعم، الغوطة، مدينة يقال لها دمشق، هي فسطاطهم ومعقلهم من الملاحم، لا ينالها عدو إلا منها ". قال حفص، أحد رواة الحديث: يقول لا ينالهم عدو لهم إلا منها من الأمة. قال: وهو يوم دخلها عبد الله بن علي بجنوده. وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي سالم الجيشاني قال: انطلقت إلى المدينة أسأل عن علم الأحداث، فقيل لي: أين أنت عن عبد الله بن عمرو بن العاص؟ فإنه كان صعلوكاً فرغه أبوه لذلك. قال: فقدمت فأخبرت عبد الله بن عمرو بذلك، قال: نعم: فسلوني عما شئتم أخبركم به، فوا لله لو شئت لأخبرتكم بالسنة التي يخرجون فيها من مصر. قلت: يا أبا محمد، أخبرني وخر لي. قال: نعم، إنك لن تبرح مؤاماً بك ما لم يأت أهل المشرق أهل المغرب، فإذا كان ذلك خفق الدين وخفقت السنة، ووقعت بين العرب البغضاء، فأقل المؤمنين من يحجزه إيمانه، وأقل المعاهدين من يكفه ساعيه، فإن استطعت أن تسكن السروات فكن بها، وإن عجزت

فالإسكندرية، فإن عجزت فالطور أو سوق مازن فإذا أقشعت شيئاً أبيت اللعن وأصاب المأمومة، وذات الأصابع ذناباتها، فعليك بالفحص. قال عبد الرحمن بن شريح: سمعت أبا قبيل يزعم أن المأمومة أبيت الأشاعر بدمشق يوماً بها، وذا الأصابع حرلان. ثم رجع الحديث إلى يزيد بن أبي حبيب في الفحص. قال: وهي الغوطة. قال: فإنها فسطاط المسلمين، فإذا أمتعت الحمراء والبيضاء، وظن الأولياء عن الأولياء فعليك بمدينة الأسباط، فإن العافية تحوزها كما يحوز السيل الدمن. لو أرى أني أدرك ذلك لسبق رحيلي خبري، ولا أنت تدركه. يعني بمدينة الأسباط: بانياس. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ما أود أن لي مصر وكورها بعد الخمسين والمئة أسكنها، ولدمشق خير لو كنتم تعلمون. وعن نافع بن كيسان الدمشقي قال: لقيت يزيد بن شجرة الرهاوي فقلت: إني أردت أن آتي فلسطين. قال: لا تفعل، فإني أحدثك في دمشق أحاديث ليشت في غيرها، إن حبل الناس إذا اضطرب كانت عصمتهم، وإن أهلها مدفوع عنهم، وإنه لا ينزل بأرض جوع، ولا بلاء ولا فتنة إلا خفف ذلك عنهم. وعن عمرو بن جابر الحضرمي قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: من سكن دمشق نجا، فقلت: أعن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: فعن رأيي أحدثك؟!. وعن ابن محيريز قال: قال رويفع بن ثابت الأنصاري، وكان من أصحاب الشجرة: اسكن فلسطين ما استقامت العرب. فإذا نادوا بشعار الجاهلية فاسكن دمشق، وشرقها خير من غربها.

وعن عقبة بن نافع بن عبد الحارث: أنه أوصى بنيه حين حضرته الوفاة قال: يا بني احفظوا ما أوصيكم به تنتفعوا: ألا تدانوا وإن لبستم العباء، ولا يدخل أحد منكم في بيعة الرايات السود طائعاً إن أدركتموها، ولا تدعن حظكم من دمشق وإن لم تصيبوا البيت إلا بدية. وعن كعب قال: معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجال نهر أبي فطرس، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور. وعنه أيضاً قال: معاقل المسلمين ثلاثة: فمعقلهم من الروم دمشق، ومعقلهم من الدجال الأردن، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور. وعن مكحول قال: لتمخرن الروم الشام أربعين صباحاً، لا يمتنع منها إلا دمشق وعمان. وعن أبي الأعيس عبد الرحمن بن سلمان الخولاني قال: سيأتي ملك من ملوك العجم يظهر على المدائن كلها إلا دمشق. وعن يزيد بن شريح التيمي عن كعب قال: يهلك ما بين حمص وثنية العقاب سبعون ألفاً، من الوغى. قلت: ما الوغى؟ قال: العطش. وعن كعب قال: لن تزالوا بخير ما لم يركب أهل الجزيرة أهل قنسرين، وأهل قنسرين أهل حمص، فيومئذ تكون الجفلة ويفزع الناس إلى دمشق.

باب في أن البركة في دمشق مضعفة

باب في أن البركة في دمشق مضعّفة عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: النفقة في أرض الهجرة مضاعفة بسبع مئة ضعف، وأنتم المهاجرون أهل الشام لو أن رجلاً اشترى بدرهم لحماً من السوق فأكله وأطعم أهله كان له بسبع مئة. وعن سعيد بن سفيان القاري قال: توفي أخي وأوصى بمئة دينار في سبيل الله، فوافق ذلك صلح ابن فرعون فلم يكن عامئذ غازية، فقدمت المدينة في حج أو عمرة، فدخلت على عثمان بن عفان، وعنده رجل قاعد، وعلي قباء من بزيون وكان أصاب من الغنيمة بأرض الروم وكان جيبه وفروجه مكفوفة بحرير. فلما رآني ذلك الرجل أقبل علي يجاذبني قبائي ليخرقه. فلما رأى ذلك عثمان قال: دع الرجل فتركني ثم قال: لقد عجلتم. فسألت عثمان فقلت: يا أمير المؤمنين، توفي أخي وأوصى بمئة دينار في سبيل الله فوافق ذلك صلح ابن فرعون فلم تجئنا غازية، فما تأمرني؟ قال: هل سألت أحداً قبلي؟ قلت: لا. قال: لئن استفتيت أحداً قبلي فأفتاك غير الذي أفتيتك به ضربت عنقه. إن الله عز وجل أمرنا بالإسلام فأسلمنا كلنا فنحن المسلمون. وأمرنا بالهجرة فهاجرنا فنحن المهاجرون أهل المدينة، ثم أمرنا بالجهاد فجاهدتم. فأنتم المجاهدون أهل الشام. أنفقها على نفسك، أو على أهلك وعلى ذوي الحاجة ممن حولك فإنك لو خرجت بدرهم ثم اشتريت به لحماً فأكلت أنت وأهلك كتب لك بسبع مئة درهم. فخرجت من عنده فسألت عن الرجل الذي جاذبني، فقيل: هو علي بن أبي طالب

عليه السلام. فأتيته في منزله، فقلت: ما رأيت مني؟ فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " أوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير "، وهذا أول حرير رأيت على أحد من المسلمين، فخرجت من عنده فبعته من الخياط. وعن عبد الرحمن بن ساباط الجمحي قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: إن لي رحماً وقرابة، وإن منزلي قد نبا بي بالعراق والحجاز. قال: أرضى لك ما أرضى به لنفسي ولولدي، عليك دمشق، عليك دمشق، ثم عليك بمدينة الأسباط بانياس، فإنها مباركة السهل والجبل، يعيش أهلها بغير الحجرين: الذهب والفضة، نقل الله عنها أهلها حين بدلوا، تطهيراً لها، وإن البركة عشر بركات خص الله بانياس من ذلك ببركتين، لا يعيل ساكنها، يعيش من برها وبحرها، وإذا وقعت الفتن كانت بها أخف منها في غيرها، فاتخذها وارتد بها، فوا لله لفدان بها أحب إلي من عشرين بالوهط. والوهط بالطائف. قال عبد الوهاب بن نجدة الحوطي: أتيت صدقة بن حبيب، شيخاً كان عندنا، فسمعته يقول: سمعت أبا الكوثر يقول: كنت بدار يوحنا بحمص، وقد بسط فيها لمعاوية بن أبي سفيان، فإذا رجل قد جاء من نحو زقاق اللقانق، فسلم على معاوية فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له: ادن يا أبا إسحاق، ما ترى في حمص وطيبها؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، لموضع من دمشق صغير أحب إلي من دار بحمص. قال: ولم ذاك يا أبا إسحاق؟ قال: لأنها معقل الناس في الملاحم. قال معاوية: لا جرم، لا تركت بها حرمة. وعن ربيعة بن عبد الهدير قال: منزل في دمشق خير من عشرة منازل في غيرها من أرض حمص، ومنزل داخل دمشق خير من عشرة منازل بالفراديس، وإياك وأرباضها، فإن في سكناها الهلاك.

وعن يونس بن ميسرة بن حلبس أن رجلاً سكن طبرية بعياله شهراً فكفاهم بها عشرة أمداد من قمح، ثم تحول إلى دمشق فكفاهم خمسة أمداد قمح. وعن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت لأبي سلام الأسود: ما نقلك من حمص إلى دمشق قال: ما سألني عن هذا عربي قبلك. قال: لأن البركة فيها مضاعفة. وفي رواية قال: بلغني أن البركة تضعف بها ضعفين. وعن مكحول: أنه سأل رجلاً: أين تسكن؟ قال: الغوطة. قال له مكحول: ما يمنعك أن تسكن دمشق، فإن البركة فيها مضعفة. وحدث يحيى بن يحيى قال: قال لي عبيد بن يعلى وهو رجل من أهل بيت المقدس، كان بعسقلان وكان عالماً ارحل من فلسطين، والحق بدمشق، فإن بركات الشام كلها مسوقات إلى دمشق. وعن كعب الأحبار قال: كل بناء بناه العبد يحاسب عليه إلا بناء دمشق. حدث أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري قال: وجدت عملاً لما كان يحمل إلى بيت المال بمدينة السلام من جميع النواحي، فمن ذلك من دمشق أربع مئة ألف وعشرون ألف دينار. وذكر المدائني أن وظيفة دمشق التي وظفها معاوية أربع مئة ألف دينار، وهذا بعد صرف ما لا بد من صرفه في ديوان الجند والولاة، وأرزاق الفقهاء والمؤذنين والقضاة. وهذا يدل على كثرة دخلها وعظم البركة في مستغلها. والله أعلم.

ما جاء في أن أهل دمشق لا يزالون على الحق

ما جاء في أن أهل دمشق لا يزالون على الحق عن أبي هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حولها، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين على الحق، إلى يوم القيامة ". ومن حديث آخر: أنه قال: " لا يزال بدمشق عصابة يقاتلون على الحق حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون ". وعن أبي هريرة: عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حولها، وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى باب دمشق وما حولها، وعلى أبواب الطالقان وما حولها ظاهرين على الحق، لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم حتى يخرج الله كنزه من الطالقان، فيحيي به دينه كما أميت من قبل ". قال: وهذا الإسناد غريب، وألفاظ غريبة جداً. وعن أبي هريرة: عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا يزال لهذا الأمر أو على هذا الأمر عصابة على الحق، لا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله ". وروي أن أبا هريرة وابن السمط كانا يقولان: لا يزال المسلمون في الأرض حتى تقوم الساعة، وذلك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا تزال من أمتي عصابة قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها، تقاتل أعداء الله، كلما

ذهب حرب نشب حرب قوم آخرين، يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منه، حتى تأتيهم الساعة كأنهم قطع الليل المظلم، فيفزعون لذلك حتى يلبسوا له أبدان الدروع. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هم أهل الشام "، ونكت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإصبعه، يومئ بها إلى الشام، حتى أوجعها. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لن تبرح هذه الأمة منصورين أينما توجهوا، لا يضرهم من خذلهم من الناس حتى يأتي أمر الله، أكثرهم أهل الشام ". وفي رواية: " لن تبرح هذه الأمة منصورة تقذف كل مقذف، منصورين أينما توجهوا لا يضرهم من خذلهم من الناس، هم أهل الشام ". وفي رواية: لا يبالون من خالفهم حتى ينزل عيسى بن مريم عليه السلام. قال أبو عمرو يفصل فيه: فحدثت بهذا الحديث قتادة فقال: لا أعلم أولئك إلا أهل الشام. عن عمير بن هانئ قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان على هذا المنبر يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس. فقام مالك بن يخامر السكسكي فقال: يا أمير المؤمنين، سمعت معاذ بن جبل يقول: وهم أهل الشام، فقال معاوية ورفع صوته: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول: وهم أهل الشام. وفي رواية مسلم بن هرمز: أنه سمع معاوية يقول في خطبته وذكر الحديث وقال في آخره: وأنا أرجوا أن تكونوا أنتم يا أهل الشام.

وفي رواية يونس بن حلبس الجندي: ثم نزع بهذه الآية: " يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك " يا محمد " فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ". وعن عبد الله بن عمر: عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا هلك أهل الشام فلا خير في أمتي " وذكر باقي الحديث. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، يقذف الله بهم كل مقذف، يقاتلون فضول الضلالة، لا يضرهم من خالفهم حتى يقاتلوا الأعور الدجال، وأكثرهم أهل الشام ". وعن ثوبان أن نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها. وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكهم بسنة، ولا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وبعضهم يفني بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً. وإنه سترجع قبائل من أمتي إلى الشرك وعبادة الأوثان، وإن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون، وإنهم إذا وضعوا السيف فيهم لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة. وإنه سيخرج من أمتي دجالون كذابون قريب من ثلاثين، وإني خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة حتى يأتي أمر الله ". وعن ابن عون الأنصاري: أن النعمان بن بشير خطب يوماً على المنبر فقال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لا يبالون من خالفهم حتى يأتي أمر الله ". قال النعمان: فمن قال: إني أقول عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لم يقل فإن تصديق ذلك في كتاب الله. إن الله عز وجل يقول: " يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ".

باب غناء أهل دمشق في الملاحم وتقديمهم في الحروب

باب غناء أهل دمشق في الملاحم وتقديمهم في الحروب عن أبي هريرة: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا كانت الملاحم خرج من دمشق بعث من الموالي هم خيار عباد الله، أبعثهم فرساً وأجودهم سلاحاً ". وفي رواية أخرى: إذا وقعت الملاحم بعث الله من دمشق بعثاً من الموالي، هم أكرم العرب فرساً، وأجوده سلاحاً، يؤيد الله بهم الدين. وفي رواية عطية بن قيس: خرج بعث من دمشق، هم خيار عباد الله الأولين والآخرين. وعن ابن محيريز قال: خير فوارس تظل السماء فوارس من قيس، يخرجون من غوطة دمشق، يقاتلون الدجال. قال الوليد: أخبرني إسماعيل وغيره أنه كان في كتاب معاوية إلى عبد الله بن قرط: بلغني كتابك في مواضع رايات الأجناد المعلومة، فهي على مواضعها الأولى. فإذا حضر أهل الشام جميعاً فأهل دمشق وحمص ميمنة الإمام. قال الوليد بن مسلم. وحدثني شيخ من قدماء الجند ممن كان يلزم الجهاد في الزمان الأول أن

أهل الشام كانوا إذا غزوا الصوائف كانوا ينزلون أجناداً، كما كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسيرهم، إذا ساروا إلى الشام ينزلون أرباعاً. قال الشيخ: وكما كانت بنو إسرائيل مع موسى عليه السلام ثم بعده تنزل في عساكرها أسباطاً. وكان بين كل جندين فرجة، وطريق للعامة، ومجال للخيل، ومركز لها، إن كانت فزعة من ليل أو نهار. قلت: فأين كان ينزل والي الصائفة؟ وفيمن؟ قال: كان ينزل بخاصته ورهطه في القلب، في أهل دمشق، ثم ينزل أجناد الشام يمنة ويسرة. قال: وحدثني شيخ من قدماء المشيخة ممن كان يلزم الجهاد أنهم كانوا إذا كان اللقاء تقدم ربع قريش من أهل دمشق حتى يكونوا عند راية الأمير والجماعة، ثم ربع كندة من جند دمشق عن يمنتهم. قال الوليد: وقالوا يريد المشيخة لأن دمشق كانت عند سير أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الشام وجه الشام، إليها ساروا، وبها بدؤوا، فلما فتحوا كان غيرها من مدائن الشام لها تبعاً. قال: فاتخذها أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ داراً وفسطاطاً ومجتمعاً، وفيها منزل واليهم الأعظم وبيت مالهم. قال سليمان بن أبي شيخ: سألت أبا سفيان الحميري: كم كان جند بني أمية؟ قال: ثلاث مئة ألف، وخمسون ألفاً من أهل الشام. ومئة وخمسون ألفاً من أهل العراق.

ما جاء في أن أهل دمشق يعرفون في الجنة بالثياب الخضر

ما جاء في أن أهل دمشق يعرفون في الجنة بالثياب الخضر عن عروة بن رويم أن رجلاً لقي كعب الأحبار فسلم عليه ودعا له، فسأله كعب: ممن هو؟ قال: من أهل الشام. قال: لعلك من الجند الذين يدخل الجنة منهم سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب؟ قال: ومن هم؟ قال: أهل حمص. قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين يعرفون في الجنة بالثياب الخضر؛ قال: ومن هم؟ قال: أهل دمشق. قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين هم تحت ظل عرش الرحمن؟ قال: ومن هم؟ قال: أهل أردن، قال: لست منهم. قال: فلعلك من الجند الذين ينظر الله إليهم في كل يوم مرتين؟ قال: ومن هم؟ قال: أهل فلسطين. قال: نعم، أنا منهم. وفي رواية: في أهل حمص الذين يشفع شهيدهم بسبعين.

دعاء النبي لأهل الشام أن يهديهم الله ويقبل بقلوبهم إلى الإسلام

دعاء النبي لأهل الشام أن يهديهم الله ويقبل بقلوبهم إلى الإسلام عن أنس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظر نحو الشام فقال: " اللهم أقبل بقلوبهم، ثم نظر نحو اليمن فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، ثم نظر نحو العراق فقال: اللهم أقبل بقلوبهم، ثم قال: اللهم بارك لنا في ثمرة أرضنا، وبارك لنا في صاعنا ومدنا ". وعنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظر قبل العراق والشام واليمن، قال: لا أدري بأيتهن بدأ ثم قال: " اللهم أقبل بقلوبهم إلى طاعتك، وأحط من ورائهم ". وعن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوماً وهو على المنبر نظر قبل الشام فقال: " اللهم أقبل بقلوبهم، اللهم أقبل بقلوبهم ". ونظر قبل العراق فقال نحو ذلك، " وقبل كل أفق فقال مثل ذلك ". وقال: " اللهم ارزقنا من ثمرات الأرض، وبارك لنا في مدنا وصاعنا. وقال: مثل المؤمن كمثل السنبلة تخر مرة وتستقيم مرة، ومثل الكافر كمثل الأرزة لا تزال تستقيم حتى تخر ولا تشعر ".

ما روي أن أهل الشام مرابطون وأنهم جند الله الغالبون

ما روي أن أهل الشام مرابطون وأنهم جند الله الغالبون عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فمن احتل منها مدينة فهو في رباط. ومن احتل منها ثغراً من الثغور فهو في جهاد ". وعن أبي الدرداء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " سيفتح على أمتي من بعدي الشام وشيكاًن فإذا فتحها فاحتلها فأهل الشام مرابطون إلى منتهى الجزيرة، رجالهم ونساؤهم وصبيانهم وعبيدهم، فمن احتل سلاحاً من تلك السواحل فهو في جهاد، ومن احتل بيت المقدس وما حوله فهو في رباط ". وعن أرطاة بن المنذر أن عمر قال لجلسائه: أي الناس أعظم أجراً؟ قال: فجعلوا يذكرون له الصوم والصلاة. قال: ويقولون: فلان وفلان بعد أمير المؤمنين. فقال: ألا أخيركم بأعظم الناس أجراً ممن ذكرتم، ومن أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى. قال: رويجل بالشام آخذ بلجام فرسه، يكلأ من وراء، بيضة المسلمين، لا يدري أسبع يفترسه، أم هامة تلدغه، أو عدو يغشاه؟ فذلك أعظم أجراً ممن ذكرتم، ومن أمير المؤمنين. وعن إبراهيم اليماني قال: قدمت من اليمن فأتيت سفيان الثوري فقلت: يا أبا عبد الله، إني جعلت في نفسي أن أنزل جدة فأرابط بها كل سنة، واعتمر في كل شهر عمرة، وأحج في كل سنة

حجة، وأقرب من أهلي، أحب إليك أم آتي الشام؟ فقال لي: يا أخا أهل اليمن. عليك بسواحل الشام، عليك بسواحل الشام. فإن هذا البيت يحجة في كل عام مائة ألف، ومئة ألف وثلاث مئة ألف، وما شاء الله من التضعيف، لك مثل حجهم وعمرهم ومناسكهم. وعن مالك بن أنس قال: قال لي أبو جعفر المنصور يوماً: ما على ظهرها أحد أعلم منك؟ قلت: بلى. قال: فسمهم لي. قلت: لا أحفظ أسماءهم. قال: قد طلبت هذا الشأن في زمان بني أمية فقد عرفته. أما أهل العراق فأهل إفك وباطل وزور. وأما أهل الشام فأهل جهاد وليس فيهم كثير علم. وأما أهل الحجاز ففيهم بقية العلم، وأنت عالم الحجاز. وعن خريم بن فاتك الأسدي أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: أهل الشام سوط الله تبارك وتعالى في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، حرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم، ولا يموتون إلا غماً وهماً. وعن عطاء بن السائب قال: سمعت عبد الرحمن الحضرمي، أيام ابن الأشعث يخطب، وهو يقول: يا أهل الشام، أبشروا فإن فلاناً أخبرني أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يكون قوم من آخر أمتي يعطون من الأجر مثل ما يعطى أولهم، ويقاتلون أهل الفتن، ينكرون المنكر، وأنتم هم. وعن قتادة في قوله تعالى: " وإن جندنا لهم الغالبون " قال: هم أهل الشام. وعن كعب قال: أهل الشام سيف من سيوف الله، ينتقم الله بهم ممن عصاه في أرضه. وعن عون بن عبد الله بن عتبة قال: قرأت فيما أنزل الله عز وجل على بعض الأنبياء أن الله يقول: أهل الشام كنانتي، فإذا غضبت على قوم رميتهم منها بسهم. وعن

أبي كبر النهشلي قال: كنت في الجمع يعني جمع الكوفة يوم جاء أهل الشام يقاتلون أهل الكوفة، فإذا شيخ حسن الخضاب، حسن الهيئة، على دابة له، وهو يقول: اللهم لا تنصرنا عليهم، اللهم فرق بيننا وبينهم، اللهم، اللهم. قال: قلت: يا عبد الله، ألا تتقي الله؟ ألا تخرج ترى قوماً قد جاؤوا يريدون يقاتلون مقاتلتنا ويسبون ذرارينا، وأنت تقول: اللهم لا تنصرنا عليهم، اللهم، اللهم. قال: ويحك، إني سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يغلب أهل الشام إلا شرار الخلق. وعن زيد بن واقد قال: سمعت مكحولاً يقول: الحمد لله الذي أطعمنا الطعام، وأسقانا الشراب، وجعلنا من أهل الشام، ويا رب لا تبقني بعد هشام.

ما جاء أن بالشام تكون الأبدال

ما جاء أن بالشام تكون الأبدال عن شريح بن عبيد قال: ذكر الشام عند علي بن أبي طالب وهو بالعراق فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين. قال: لا، إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ألأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، فيسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب ". وعن شهر بن حوشب قال: لما فتحت مصر سبوا أهل الشام، فأخرج عوف بن مالك رأسه من برنسه ثم قال: يا أهل مصر، أنا عوف بن مالك، لا تسبوا أهل الشام، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: فيهم الأبدال، وبهم تنصرون، وبهم ترزقون. وعن أنس بن مالك عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " البدلاء أربعون: اثنان وعشرون بالشام، وثمانية عشر بالعراق. كلما مات منهم واحد أبدل الله تبارك وتعالى مكانه آخر، فإذا جاء الأمر قبضوا كلهم، فعند ذلك تقوم الساعة ". وعن أنس بن مالك عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " دعائم أمتي عصائب اليمن، وأربعون رجلاً من الأبدال بالشام، كلما مات رجل أبدل الله مكانه، أما إنهم لن يبلغوا ذلك بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصيحة للمسلمين ". وعن أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من المدينة هارباً إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل

الشام، وعصائب أهل العراق فيبايعونه. ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثاً فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال، ويعمل فيهم بسنة نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويلقى الإسلام بجرانه إلى الأرض، فيمكث سبع سنين، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون. وفي رواية تسع سنين. وعن ابن عباس يرفعه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مكة آية الشرف، والمدينة معدن الدين، والكوفة فسطاط الإسلام، والبصرة فخر العابدين، والشام معدن الأبرار، ومصر عش إبليس وكهفه ومستقره، والسند مداد إبليس، والزاني في الزنج، والصدق في النوبة، والبحرين منزل مبارك، والجزيرة معدن القتل، وأهل اليمن أفئدتهم رقيقة، ولا يعدمهم الرزق، والأئمة من قريش، وسادة الناس بنو هاشم. وعن علي رضي الله عنه قال: قبة الإسلام بالكوفة، والهجرة بالمدينة، والنجباء بمصر، والأبدال بالشام، وهم قليل. قال كعب: الأبدال ثلاثون. وفي حديث آخر: الأبدال بالشام، والنجباء بالكوفة. وفي آخر: والأخيار من أهل العراق. وعن علي عليه السلام قال: إذا قام قائم آل محمد جمع الله له أهل المشرق وأهل المغرب، فيجتمعون كما يجتمع قزع الخريف، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الأبدال فمن أهل الشام.

وعن علي أنه قال وهو بالكوفة: ما أشد بلايا الكوفة، لا تسبوا أهل الكوفة، فوا لله إن فيهم لمصابيح الهدى، وأوتاد ذكر، ومتاعاً إلى حين، والله ليذقن الله بهم جناح كفر لا ينجبر أبداً. إن مكة حرم إبراهيم، والمدينة حرم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والكوفة حرمي. وما من مؤمن إلا وهو من أهل الكوفة، أو هواه لينزع إليها. إلا إن الأوتاد من أبناء الكوفة، وفي مصر من الأمصار، وفي أهل الشام أبدال. وعن الحسن البصري قال: لن تخلو الأرض من سبعين صديقاً، وهم الأبدال، لا يهلك منهم رجل إلا أخلف مكانه مثله، أربعون بالشام، وثلاثون في سائر الأرضين. وعن أم عبد الله بنة خالد بن معدان عن أبيها قالت: قالت الأرض للرب تبارك وتعالى: كيف تدعني وليس علي نبي؟ قال: سوف أدع عليك أربعين صديقاً بالشام. وقال الفضيل بن فضالة: الأبدال بالشام: في حمص خمسة وعشرون رجلاً، وفي دمشق ثلاثة عشر، وببيسان اثنان. وقال الحسن بن يحيى: بدمشق من الأبدال سبعة عشر نفساً، وببيسان أربعة. وعن ابن شوذب قال: الأبدال سبعون: فستون بالشام، وعشرة بسائر الأرضين. وعن عثمان بن عطاء عن أبيه عطاء قال: الأبدال أربعون إنساناً. قال: قلت له: أربعون رجلاً؟ قال: لا تقل أربعين رجلاً، ولكن قل أربعين إنساناً، لعل فيهم نساء.

وقال أبو سليمان: المجتهدون بالبصرة، والفقهاء بالعراق، والزهاد بخراسان، والبدلاء بالشام. وقال الكتاني: النقباء ثلاث مئة، والنجباء سبعون، والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث واحد. فمسكن النقباء المغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض، والعمد في زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة. فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة، ابتهل فيها النقباء ثم النجباء ثم الأبدال ثم الأخيار ثم العمد. فإن أجيبوا، وإلا ابتهل الغوث، فلا تتم مسألته حتى تجاب دعوته. حديث شيخ من أهل صنعاء من جلساء وهب بن منبه قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام، فقلت: يا رسول الله، أين بدلاء أمتك؟ فأومأ بيده نحو الشام. قال: قلت: يا رسول الله، أما بالعراق منهم أحد؟ قال: بلى، محمد بن واسع، وحسان بن أبي سنان، ومالك بن دينار الذي يمشي في الناس بمثل زهد أبي ذر في زمانه. وعن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: خيار أمتي خمس مئة، والأبدال أربعون. كلما مات بديل أدخل الله مكانه من الخمس مئة، وأدخل في الأربعين مكانهم، فلا الخمس مئة ينقصون، ولا الأربعون ينقصون. قالوا: يا رسول الله، دلنا على أعمال هؤلاء. قال: يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويواسون فيما آتاهم الله، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ". وفي رواية آخرى: خيار أمتي في كل قرن. وعن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن لله عز وجل في الخلق ثلاث مئة، قلوبهم على قلب آدم عليه السلام، ولله تعالى في

نفي الخير عند فساد أهل الشام

الخلق أربعون، قلوبهم على قلب موسى عليه السلام. ولله في الخلق سبعة، قلوبهم على قلب إبراهيم عليه السلام، ولله تعالى في الخلق خمسة، قلوبهم على قلب جبريل عليه السلام، ولله تعالى في الخلق ثلاثة، قلوبهم على قلب ميكائيل عليه السلام، ولله في الخلق واحد، قلبه على قلب إسرافيل عليه السلام. فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة، وإذا مات من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة، وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلاثة مئة، فإذا مات من الثلاثة مئة أبدل الله مكانه من العامة. فبهم يحيي ويميت ويمطر ويقيت، ويدفع البلاء. قيل لعبد الله بن مسعود: كيف بهم يحيي ويميت؟ قال: لأنهم يسألون الله عز وجل إكثار الأمم فيكثرون، ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستسقون فيسقون، ويسألون فتنبت لهم الأرض، ويدعون فتدفع بهم أنواع البلاء. وعن أبي الزناد قال: لما ذهبت النبوة، وكانوا أوتاد الأرض أخلف الله مكانهم أربعين رجلاً من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقال لهم الأبدال، لا يموت الرجل منهم حتى ينشئ الله مكانه آخر يخلفه، وهم أوتاد الأرض، قلوب ثلاثين منهم على مثل يقين إبراهيم، لم يفضلوا الناس بكثرة الصلاة ولا بكثرة الصيام، ولا بحسن التخشع، ولا بحسن الحلية، ولكن بصدق الورع، وحسن النية، وسلامة القلوب، والنصيحة لجميع المسلمين، ابتغاء مرضاة الله، بصبر دجير، ولب حليم، وتواضع في غير مذلة. واعلم أنهم لا يلعنون شيئاً، ولا يؤذون أحداً، ولا يتطاولون على أحد تحتهم، ولا يحقرونه، ولا يحسدون أحداً فوقهم، ليسوا بمتخشعين ولا متماوتين، ولا معجبين، لا يحيون لدنيا، ولا يحبون الدنيا، ليسوا اليوم في وحشة، وغداً في غفلة. نفي الخير عند فساد أهل الشام

ما جاء في نفي الخير عند فساد أهل الشام

ما جاء في نفي الخير عند فساد أهل الشام عن معاوية بن قمرة عن أبيه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا هلك أهل الشام فلا خير في أمتي، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجال. وفي رواية عنه: إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولن تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة. وعن الحسن أنه قال: خيار أهل الشام خير من خياركم، وشرار أهل الشام خير من شراركم. قالوا: لم تقول هذا يا أبا سعيد؟ قال: لأن الله تعالى قال: " ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ".

ما جاء من أن بالشام تكون بقايا العرب

ما جاء من أن بالشام تكون بقايا العرب عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ أقبل معاذ بن جبل أو سعد بن معاذ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين رآه: إني لأرى في وجهه لأحيى طالع. قال: فجاء حتى سلم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أبشر يا رسول الله، فقد قتل الله كسرى. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لعن الله كسرى، ثلاثاً، ثم قال: إن أول الناس فناء، أو هلاكاً، فارس، ثم العرب من ورائها، ثم أشار بيده قبل الشام، إلا بقية هاهنا ". وفي رواية: أول الناس هلاكاً فارس، ثم العرب، إلا بقايا هاهنا يعني الشام.

باب انحياز بقية المؤمنين آخر الزمان إلى الشام

باب انحياز بقية المؤمنين آخر الزمان إلى الشام عن القاسم بن عبد الرحمن قال: مد الفرات على عهد عبد الله بن مسعود، فكره الناس ذلك، فقال عبد الله: يا أيها الناس لا تكرهوا مده فإنه يوشك أن يلتمس فيه ملء طست من ماء فلا يوجد، وذلك حين يرجع كل ماء إلى عنصره. ويكون الماء وبقية المؤمنين بالشام. وعن عبد الله بن عمرو قال: يأتي على الناس زمان، لا يبقى على الأرض مؤمن إلا لحق بالشام. وعن أبي أمامة قال: لا تقوم الساعة حتى يتحول أشرار الناس إلى العراق، وخيار أهل العراق إلى الشام، حتى تكون الشام شاماً والعراق عراقاً. وعن شرحبيل بن مسلم عن أبيه قال: بلغنا أنه لن تقوم الساعة حتى يخرج خيار أهل العراق إلى الشام، ويخرج شرار أهل الشام من الشام إلى العراق، فأكره أن يدركني أجلي وأنا بالعراق.

ما ذكر من تمسك أهل الشام بالطاعة

ما ذكر من تمسك أهل الشام بالطاعة عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: دخل إبليس العراق فقضى حاجته منها، ثم دخل الشام فطردوه حتى بلغ بساق، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقريه. وفي رواية: حتى بلغ جبل بساق. وعن ابن عمر قال: نزل الشيطان بالمشرق فقضى قضاء، ثم خرج يريد الأرض المقدسة الشام، فمنع، فخرج على بساق، حتى جاء المغرب فباض بيضة، وبسط بها عبقريه. وعن محرز أبي حارثة القيني وأبي عثمان الغساني يعني: يزيد بن أسيد قالا: لما قدم كتاب عثمان إلى أهل الشام في القراءة قالوا: سمعنا وأطعنا، وما اختلف في ذلك اثنان. انتهوا إلى ما اجتمعت عليه الأمة، وعرفوا فضله. وعنهما: أن معاوية قال لابن الكواء: أخبرني عن أهل الأحداث من أهل الأمصار. فذكره إلى أن قال: وأما أهل الأحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاهم لمغويهم. وعن أم الدرداء قالت: قدم أبو الدرداء على عثمان حاجاً، فقال له عثمان: يا أبا الدرداء، إني قد استنكرت من يليني، ولم أسأل أحداً من أهل الآفاق عمن يليه إلا وقد وجدته استنكر من

يليه، فما أعرف شيئاً، فكيف بكم؟ فقال: ما يعصينا أهل بلادنا ولا يستبدون علينا. قال: فلزمها، فوا لله لنقلن الله الأمر إليكم، فقد استنكرت الأشياء، فما تعرف إلا الصلاة يا أبا الدرداء، وإنها من آخر ما ينكر من هذا الأمر. وعن عبد الملك بن عمير قال: كان عامة خطبة يزيد بن أبي سفيان وهو على الشام: عليكم بالطاعة والجماعة، فمن ثم لا يعرف أهل الشام إلا الطاعة. وعن زهير بن الأرقم قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: ألا إن بسراً قد طلع من قبل معاوية، ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون عليكم باجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، وبطاعتهم أميرهم ومعصيتكم أميركم، وبأدائهم الأمانة وبخيانتكم. استعملت فلاناً فغل وغدر، وحمل المال إلى معاوية، واستعملت فلاناً فخان وغدر، وحمل المال إلى معاوية حتى لو ائتمنت أحدكم على قدح خشيت على علاقته. اللهم إني قد أبغضتهم وأبغضوني، فأرحهم مني، وأرحني منهم. وعن خباب بن عبد الله. أن معاوية بعث خيلاً فأغارت على هيت والأنبار، فاستنفر علي الناس، فأبطؤوا وتثاقلوا، فخطبهم فقال: أيها الناس، المجتمعة أبدانهم المتفرقة أهواؤهم، ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم، فإذا دعوتكم إلى المسير أبطأتم وتثاقلتم، وقلتم: كيت وكيت، أعاليل أباطيل. سألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول، حيدي حياد، لا يمنع الضيم الذليل، ولا يدرك الحق إلا بالجد والصدق، فأي دار بعد داركم تمنعون؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، أصبحتم والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم. فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم، وأعقبكم مني من هو شر لكم مني

أما إنكم ستلقون بعدي ثلاثاً: ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وأثرة قبيحة، يتخذها فيكم الظالمون سنة، فتبكي لذلك أعينكم ويدخل الفقر بيوتكم. وستذكرون عند تلك المواطن، فتودون أنكم رأيتموني، وهرقتم دماءكم دوني، فلا يبعد الله إلا من ظلم. والله لوددت أني أقدر أن أصرفكم صرف الدينار بالدراهم، عشرة منكم برجل من أهل الشام. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنا وإياك كما قال الأعشى: البسيط. علقتها غرضاً وعلقت رجلاً ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل علقنا بحبلك، وعلقت أنت بأهل الشام، وعلق أهل الشام معاوية. وعن دغفل قال: قال المال: أنا أسكن العراق، فقال الغدر: أنا أسكن معك. وقالت الطاعة: أنا أسكن الشام، قال الجفاء: أن أسكن معك. قال العيش: أنا أسكن مصر، قال الموت: أنا أسكن معك. وقالت المروءة: أنا أسكن الحجاز، فقال الفقر: وأنا أسكن معك. قال أبو زكريا - يعني يحيى بن عثمان بن صالح: وسمعت أنه كان مكتوباً على صخرة بباب العريش يقرؤه من دخل مصر: ادخل إلى بلد وفي، وعيش رخي، وموت وحي. وعن إسماعيل بن يسار قال: لو أنزل أخوان من حصن، فسكن أحدهما الشام، وسكن الآخر العراق، ثم لقيت الشامي لوجدته يذكر الطاعة وأمر الطاعة والجهاد، ولو لقيت الآخر لوجدته يسأل عن السنة، يقول: كيف سنة كذا وكذا؟ وكيف الأمر في كذا وكذا؟ قال أبو هانئ المكتب: سئل عامر عن قتال أهل العراق وأهل الشام، فقال عامر: لا يزالون يظهرون علينا

أهل الشام لأنهم جهلوا الحق واجتمعوا، وعلمتم وتفرقتم. فلم يكن الله ليظهر أهل فرقة على جماعة أبداً. وعن سليمان بن موسى قال: إذا كان علم الرجل حجازياً، وخلقه عراقياً، وطاعته شامية فقد كمل. وعن سليمان بن موسى قال: إذا وجدت الرجل علمه علم حجازي، وسخاؤه سخاء عراقي، واستقامته استقامة شامي فهو رجل. وعن عبد الله بن الربيع قال: قال أبو جعفر لإسماعيل بن عبد الله: صف لي الناس، فقال: أهل الحجاز مبتدأ الإسلام وبقية العرب، وأهل العراق ركن الإسلام ومقاتلة عن الدين، وأهل الشام حصن الأمة وأبنية الأئمة، وأهل خراسان فرسان الهيجاء وأعنة الرجاء، والترك منابت الحصون وأبناء المغازي، وأهل الهند حكماء، استغنوا ببلادهم فاكتفوا بها عما سواها، والروم أهل كتاب وتدين نحاهم من القرب إلى البعد، والأنباط كان ملكهم قديماً فهم لكل قوم عبيد. قال: فأي الولاة أفضل؟ قال: الباذل للعطاء، والمعرض عن السيئة. قال فأيهم أخرق؟ قال: أنهكهم للرعية، وأتعبهم لها بالخرق والعقوبة. قال: فالطاعة على الخوف أبلغ في حاجة الملك أم الطاعة على المحبة؟ قال: يا أمير المؤمنين، الطاعة عند الخوف تسر الغدر، وتتابع عند المعاينة. والطاعة على المحبة تضر الاجتهاد، وتنابع عند الغفلة. قال: فأي الناس أولاهم بالطاعة؟ قال: أولاهم بالمضرة والمنفعة، قال: ما علامة ذلك؟ قال: سرعة الإجابة وبذل النفس. قال: فمن ينبغي للملك أن يتخذه وزيراً؟ قال: أسلمهم قلباً، وأبعدهم من الهوى. قال أبو الحسن الميموني: ذكر أبو عبد الله كورة من نحو الشام، فقال: قدرية، ويتكلمون به في مساجدهم، ويتعرضون للناس. ولكن أهل دمشق وأهل حمص خاصة أصحاب سنة، وهم إن رأوا الرجل يخالف السنة أخرجوه من بينهم. كانت حمص مسكن ثور بن يزيد. فلما عرفوه بالقدر أخرجوه من بينهم، فسكن بيت المقدس.

ذكر توثيق أهل الشام بالرواية وعلمهم

ذكر توثيق أهل الشام بالرواية وعلمهم قال جبير بن نفير: دخلنا على عبد الله بن عمر نسأله ونسمع منه، فقال لنا: إن الله بعث محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشيراً ونذيراً، فاتبعته ناصية من الناس. كان الرجل يخرج من بين أبويه فيبايعه، فقاتلوا على الدين حتى أمن الله الناس، وحتى لزموا كلمة الحق. فلما مات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تشايع الناس وتحزبوا، فقامت تلك الناصية، فقاتلوا الناس حتى ردوا الناس إلى كلمة الإسلام، وحتى قالوا: لا إله إلا الله وإن نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حق. فلما اجتمعوا انطلق تلك الناصية براية محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعهم الشرائع التي جاء بها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والهجرة، مهاجرين حتى نزلوا الشام وتركوا الناس أعراباً. فمن رآهم فلم يتعلم من هديهم وينتهي إليه، وعمي عنه ثم ابتغاه من الأعراب فهو أقل علماً وأشد عمى. وعن الزهري قال: قالت عائشة: يا أهل العراق، أهل الشام خير منكم، خرج إليهم نفر من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثير، فحدثونا بما نعرف، وخرج إليكم نفر من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قليل فحدثتمونا بما نعرف وما لا نعرف. قال: وقال الزهري: إذا سمعت بالحديث العراقي فاردد به، ثم اردده. وقال البيهقي: فأرود به، ثم أرود به. وهو الصواب. قال الوليد بن مسلم: دخلت الشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعن إبراهيم قال: لقيني شامي فقال: إن مصحفنا ومصحف أهل البصرة أثبت من مصحف أهل الكوفة. قال: قلنا: لم؟ قال: لأن أهل الكوفة عوجلوا، ويقرؤون على قراءة عبد الله فعوجل مصحفهم قبل أن يعرض ومصحفنا ومصحف أهل البصرة لم يبعث به حتى عرض. وعن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم قال: قال لي أبو الدرداء: اعدد من يقرأ عندنا، يعني في مجلسنا هذا، قال أبو عبيد الله: فعددت ألفاً وست مئة ونيفاً، فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة، لكل عشرة منهم مقرئ. وكان أبو الدرداء قائماً يستفتونه في حروف القرآن يعني المقرئين فإذا أحكم الرجل من العشرة القراءة تحول إلى أبي الدرداء. وكان أبو الدرداء يبتدئ في كل غداة إذا انفتل من الصلاة، فيقرأ جزاً من القرآن، وأصحابه محدقون به يسمعون ألفاظه، فإذا فرغ من قراءته جلس كل رجل منهم في موضعه، وأخذ على العشرة الذين أضيفوا إليه، وكان ابن عامر مقدماً فيهم. وعن يزيد بن أبي مالك عن أبيه قال: كان أبو الدرداء يأتي المسجد ثم يصلي الغداة ثم يقرأ في الحلقة ويقرئ، حتى إذا أراد القيام قال لأصحابه: هل من وليمة نشهدها أو عقيقة أو فطرة؟ فإن قالوا: نعم قام إليها، وإن قالوا لا قال: اللهم إني أشهدك أني صائم. وإن أبا الدرداء هو الذي سن هذه الحلق يقرأ فيها. وقال الشيخ، وهو أبو عمرو الكلبي: عهدت المسجد الجامع يعني بدمشق وإن عند كل عمود شيخاً، وعليه الناس يكتبون العلم. وقال الأوزاعي: كانت الخلفاء بالشام، فإذا كانت بلية سألوا عنها علماء أهل الشام وأهل المدينة، وكانت أحاديث العراق لا تجاوز جدر بيوتهم. وقال سفيان بن عيينة: من أراد المناسك فعليه بأهل مكة، ومن أراد مواقيت الصلاة فعليه بأهل المدينة،

ومن أراد السير فعليه بأهل الشام، ومن أراد شيئاً لا يعرف حقه من باطله فعليه بأهل العراق. وفي حديث آخر عنه قال: من أراد الإسناد والحديث الذي يسكن إليه فعليه بأهل المدينة، ومن أراد المناسك والعلم بها والمواقيت فعليه بأهل مكة، ومن أراد المقاسم وأمر الغزو فعليه بأهل الشام، ومن أراد شيئاً لا يعرف حقه من باطله فعليه بأهل العراق. وقال الشافعي: إن أردت الصلاة يعني فعليك بأهل المدينة، وإن أردت المناسك فعليك بأهل مكة، وأن أردت الملاحم فعليك بأهل الشام، والراي عن أهل الكوفة. وقال ابن المبارك: ما دخلت الشام إلا لاستغني عن حديث أهل الكوفة. وقال موسى بن هارون: أهل البصرة يكتبون لعشر سنين، وأهل الكوفة لعشرين، وأهل الشام لثلاثين. وقال أبو عبد الله الزبيري: نسخت كتب الحديث في العشرين لأنها مجتمع العقل. قال: وأحب أن يشتغل دونها بحفظ القرآن والفرائض. وقال عطاء الخراساني: ما رأيت فقيهاً أفقه إذا وجدته من شامي. قال صدقة بن خالد: قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: كان يقال: من أراد العلم فلينزل بداريّا بين عنس وخولان. زاد غيره عن يزيد بن محمد، قال يزيد: عنس وخولان قريتان بدمشق، فيهما مسجدان. يتجمع في واحد عنس وفي واحد خولان. فإذا كان هذا في أهل داريّا وهي قرية من قرى دمشق فما ظنك بأهل البلد الكبير الذي يحوي الخلق؟.

باب صفة أهل الشام بالدين والثقة

باب صفة أهل الشام بالدين والثقة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: باعت امرأة طستاً في سوق الصفر بدمشق، فوجده المشتري ذهباً فقال لها: أما إني لم أشتره إلا على أنه صفر وهو ذهب، فهو لك. فقالت: ما ورثناه إلا على أنه صفر، فإن كان ذهباً فهو لك. قال: فاختصما إلى الوليد بن عبد الملك، فاحضر رجاء بن حيوة فقال: انظر فيما بينهما. فعرضه رجاء على المرأة فأبت أن تقبله، وعرضه على الرجل فأبى أن يقبله. فقال: يا أمير المؤمنين، أعطها ثمنه واطرحه في بيت مال المسلمين. وعن يزيد بن جابر قال: رأيت سواراً من ذهب، وزنه ثلاثون مثقالاً، معلقاً في قنديل من قناديل مسجد دمشق أكثر من شهر، لا يأتيه أحد فيأخذه. وعن جعفر بن محمد، قال: كنت مع أبي، محمد بن علي بمكة في ليالي العشر قبل التروية بيوم أو يومين، وأبي قائم يصلي في الحجر وأنا جالس وراءه، فجاءه رجل أبيض الراس واللحية، جليل العظام، بعيد ما بين المنكبين، عريض الصدر، عليه ثوبان غليظان، في هيئة المحرم، فجلس إلى جنبه، فعلم أبي أنه يريد أن يخفف الصلاة، فسلم ثم أقبل عليه فقال له الرجل: يا أبا جعفر، أخبرني عن بدء خلق هذا البيت كيف كان؟ فقال له أبو جعفر محمد بن علي ممن أنت؟ قال: رجل من أهل الشام، فقال له محمد بن علي: إن أحاديثنا إذا سقطت إلى الشام جاءتنا صحاحاً، وإذا سقطت إلى العراق جاءتنا وقد زيد فيها ونقص ثم قال له: بدء خلق هذا البيت. وذكر الحديث.

باب النهي عن سب أهل الشام

باب النهي عن سب أهل الشام عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: تكون في آخر الزمان فتنة، يحصل فيها الناس كما يحصل الذهب في المعدن، فلا تسبوا أهل الشام، ولكن سبوا شرارهم، فإن فيهم الأبدال. يوشك أن يرسل على أهل الشام سيب من السماء فيفرق جماعتهم، حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم، فعند ذلك يخرج خارج من أهل بيتي في ثلاث رايات، المكثر يقول: هم خمسة عشر ألفاً، والمقل يقول: هم اثنا عشر ألفاً، أمارتهم: أمت أمت، يلقون سبع رايات تحت كل راية منها رجل يطلب الملك، فيقتلهم الله جميعاً، ويرد الله إلى المسلمين ألفتهم ونعمتهم، وقاصيهم ودانيهم. وعنه أيضاً قال: يا أهل العراق لا تسبوا أهل الشام، فإن فيهم الأبدال. قال رجاء بن حيوة: اذكر لي رجلين من أهل بيسان، فإنه بلغني أنه اختص بيسان برجلين من الأبدال، لا يقبض الله رجلاً منهم إلا بعث الله مكانه رجلاً. ولا تذكر لي متماوتاً ولا طعاناً على الأئمة، فإنه لا يكون منهم الأبدال. وعن صفوان بن عبد الله بن صفوان: أن رجلاً قال يوم صفين: اللهم العلن أهل الشام، فقال علي: لا تسبوا أهل الشام جماً غفيراً، فإن فهيم قوماً كارهين لما يرون، وإن فيهم يكون الأبدال. وعن أبي هريرة قال: لا تسبوا أهل الشام، فإنهم جند الله المقدم. من قتل من أهل الشام بصفين

ما ورد فيمن قتل من أهل الشام بصفين

ما ورد فيمن قتل من أهل الشام بصفين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أربع ملاحم في الجنة: الجمل في الجنة، وصفين في الجنة، وحرة في الجنة "، وكان يكتم الرابعة. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: سمع علي يوم الجمل أو يوم صفين رجلاً يغلو في القول، يقول الكفرة. قال: لا تقولوا، فإنهم زعموا أنا بغينا عليهم، وزعمنا أنهم بغوا علينا. وعن سالم بن عبيد الأشجعي قال: رأيت علياً بعد صفين، وهو آخذ بيدي ونحن نمشي في القتلى، فجعل علي يستغفر لهم حتى بلغ قتلى أهل الشام فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنا في أصحاب معاوية، فقال علي: إنما الحساب علي وعلى معاوية. وعن عبد الرحمن بن نافع القارئ قال: قدمت العراق فدخلت دار علي بن أبي طالب التي كان يسكن، فإذا الموالي حلقتان يتحدثون، فجلست معهم. فخرج علي وهم يذكرون قتلى علي ومعاوية، فقالوا: قبلتنا واحدة، وإلهنا واحد، ونبينا واحد، فأين قتلانا وقتلاهم؟ فأقبل علي، فلما رآهم قصد إليهم فسكتوا، فقال علي: ما كنتم تقولون؟ فسكتوا. فقال علي: عزمت عليكم لتخبرني، فقالوا: ذكرنا قتلانا وقتلى معاوية، وأن قبلتنا واحدة، وإلهنا واحد، وديننا واحد، فقال علي: فإني أخبركم عن ذلك، إن الحساب علي وعلى معاوية. وعن سعد بن إبراهيم قال: خرج علي بن أبي طالب ذات يوم ومعه عدي بن حاتم الطائي، فإذا رجل من طيء قتيل، قد قتله أصحاب علي، فقال عدي: يا ويح هذا، كان أمس مسلماً واليوم كافراً. فقال علي: مهلاً، كان أمس مؤمناً وهو اليوم مؤمن.

وعن مكحول: أن أصحاب علي سألوه عمن قتلوا من أصحاب معاوية. قال: هم المؤمنون. وعن عقبة بن علقمة اليشكري قال: شهدت مع علي صفين، فأتي بخمسة عشر أسيراً من أصحاب معاوية، فكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه. وعن عبد الرحمن بن جندب قال: سئل علي عن قتلاه وقتلى معاوية، قال: يؤتى بي وبمعاوية يوم القيامة، فنجتمع عند ذي العرض، فأينا فلج، فلج أصحابه. وعن علي رضي الله عنه قال: من كان يريد وجه الله منا ومنهم نجا يعني صفين. قال عبد الله بن عروة: حدثني رجل شهد صفين قال: رأيت علياً خرج في بعض تلك الليالي، فنظر إلى أهل الشام فقال: اللهم اغفر لي ولهم. قال: فأتى عمار فأخبر، فقال: جروا له الحصير ما جره لكم. وعن عبد الله بن رباح أن عماراً قال: لا تقولوا كفر أهل الشام، ولكن قولوا: فسقوا أو ظلموا. وعن رباح بن الحارث قال: قال رجل من أهل الكوفة: كفر أهل الشام ورب الكعبة، فقال عمار: لا تقل كفروا، ولكنهم قووم مفتونون، بغوا علينا، فحق علينا قتالهم. وعنه قال: كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين، وركبتي تمس ركبته، فقال رجل: كفر أهل الشام فقال عمار: لا تقل ذلك: نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون، جاروا عن الحق، فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه.

ذكر ما ورد في ذم أهل الشام

ذكر ما ورد في ذم أهل الشام عن أنس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " الجفاء والبغي في الشام ". قال: هذا حديث لا يمكن الاعتماد عليه لضعف إسناده. وعن أنس أنه سمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إذا ركب الناس الخيل ولبسوا القباطي ونزلوا الشام، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء عمهم الله بقعوبة من عنده. ذكر في إسناده عمرو بن زياد الثوبي، وقال: كان منكر الحديث، يسرق الحديث ويحدث بالبواطيل. عن أبي هريرة قال: سينعق الشيطان بالشام نعقة يكذب ثلثاهم بالقدر. قال ابن أبزى: بلغ عمر أن أناساً تكلموا في القدر فقام خطيباً فقال: يا أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم في القدر، والذي نفسي بيده لا أسمع برجلين تكلما فيه إلا ضربت أعناقهما. قال: فأمسك الناس عنه، حتى نبغت نابغة أو نبغة بالشام. وعن الشيباني قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا زرعة هلك عبادنا وخيارنا في هذا الرأي، يعني القدر. كان المتكلم في القدر بالشام: غيلان القدري، وتبعه على ذلك أتباع، فأخذه

هشام بن عبد الملك فصلبه، وكفى أهل الشام أمره. وقد كانت القدرية بالبصرة أكثر، وضررهم على أهل السنة أكبر، فإنهم صنفوا في نفيه التصانيف، وألف أهل الاعتزال فيه التآليف، فأفناهم الله وأبادهم. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله عز وجل خلق أربعة أشياء وأردفها أربعة أشياء: خلق الجدب، وأردفه الزهد، وأسكنه الحجاز، وخلق العفة، وأردفها الغفلة، وأسكنها اليمن، وخلق الزيف، وأردفه الطاعون، وأسكنه الشام، وخلق الفجور، وأردفه الدرهم، وأسكنه العراق. قال: وهذا حديث فيه مجاهيل لا يحتج به. وعن سليمان بن يسار قال: كتب عمر بن الخطاب إلى كعب الأحبار أن اختر لي المنازل فكتب إليه: يا أمير المؤمنين، إنه بلغنا أن الأشياء اجتمعت فقال السخاء: أريد اليمن، فقال حسن الخلق: أنا معك. وقال الجفاء: أريد الحجاز، فقال الفقر: وأنا معك، وقال البأس: أريد الشام، فقال السيف: وأنا معك. وقال العلم: أريد العراق، فقال العقل: وأنا معك. وقال الغني: أريد مصر، فقال الذل: وأنا معك. فاختر لنفسك يا أمير المؤمنين. فلما ورود الكتاب على عمر بن الخطاب قال: فالعراق إذاً، فالعراق إذاً. ورواه بن عائشة أيضاً: قال ابن عساكر: والمحفوظ عن كعب سوء القول في العراق، وضعف هذه الأحاديث. وعن أنس بن مالك قال: لما حشر الله الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحاً شرقية وغربية وقبلية وبحرية، فجمعتهم إلى بابل، فاجتمعوا يومئذ ينظرون، لما حشروا له إذ نادى مناد: من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره، واقتصد إلى البيت الحرام بوجهه، فله كلام أهل السماء. فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود: أنت هو. فكان أول من تكلم بالعربية ولم يزل المنادي ينادي: من فعل كذا وكذا فله كذا

وكذا، حتى افترقوا على اثنين وسبعين لساناً. وانقطع الصوت وتبلبلت الألسن، فسميت بابل. وكان اللسان يومئذ بابلياً. وهبطت ملائكة الخير والشر، وملائكة الحياء والإيمان، وملائكة الصحة والشفاء، وملائكة الغنى، وملائكة الشرف، وملائكة المروءة، وملائكة الجفاء، وملائكة الجهل، وملائكة السيف، وملائكة اليأس، حتى انتهوا إلى العراق، فقال بعضهم لبعض: افترقوا. فقال ملك الإيمان: أنا أسكن المدينة ومكة، فقال ملك الحياء: أنا معك، فأجمعت الأمة على أن الإيمان والحياء ببلد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال مالك الشقاء: أنا أسكن البادية، فقال ملك الصحة: وأنا معك، فأجمعت الأمة على أن الصحة والشقاء في الأعراب. وقال ملك الجفاء: أنا أسكن المغرب، فقال ملك الجهل: أنا معك، فأجمعت الأمة على أن الجفاء والجهل في البربر. وقال ملك السيف: أنا أسكن الشام، فقال له ملك البأس: أنا معك. وقال ملك الغنى: أنا أقيم هاهنا، فقال له ملك المروءة: أناملك البأس: أنا معك. وقال ملك الغنى: أنا أقيم هاهنا، فقال له ملك المروءة: أنا معك. فقال ملك الشرف: وأنا معكما، فاجتمع ملك الغنى والمروءة والشرف بالعراق. وعن حكيم بن جابر قال: أخبرت أن الإسلام قال: أنا لا حق بأرض الشام، قال الموت: وأنا معك. قال الملك: وأنا لا حق بأرض العراق قال القتل: وأنا معك. قال الجوع: وأنا لاحق بأرض العرب، قالت الصحة: وأنا معك. قال: إنما أراد بذلك كثرة ما كان بها من الطاعون، أو القتل في الجهاد، وكلاهما شهادة. وذلك مدح ليس بذم. قال الجاحظ: أشياء اتفقت ثمانية أزواج ستة عشر صنفاً، ثم اتفقت أزواجاً فصارت ثمانية أزواج: فقال الدين: أسكن الحرمين مكة والمدينة، قالت الأمانة: أنا معك. قال الغني واليسار: أسكن مصر، قال الذل: أنا معك. قال السخاء: أسكن الشام، قالت الشجاعة: وأنا معك. قال العقل: أسكن العراق، قالت المروءة: وأنا معك. قال العلم: أسكن خراسان، قال الورع: وأنا معك. قالت التجارة: أسكن خوزستان وأصبهان، قالت النذالة: وأنا معك. قال الجفاء: أسكن المغرب، قال الجهل: وأنا معك. قال الفقر: أسكن اليمن، قالت القناعة: وأنا معك. وهذا مدح ليس بذم.

وعن عبد الله بن أبي الهذيل: أن عمر رضي الله عنه أتي برجل قد أفطر في رمضان. فلما رفع إليه عثر، فقال: على وجهك، أو بوجهك. تفطر وصبياننا صيام؟ فضربه الحد، وكان إذا غضب على إنسان سيره إلى الشام، فسيره إلى الشام. لم يكن عمر رضي الله عنه ينفي إلى الشام لدناءة حال أهله عنده، وإنما كان ينفي إليها لكثرة ما كان بها من الطاعون رجاء أن يكفيه الطاعون أمر من يغصب عليه، فينفيه إليها ليكون الطاعون شهادة له، ومكفراً عنه ما فرط منه. وعن أبي عسيب مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أتاني جبريل عليه السلام بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام. فالطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم، ورجس على الكافر. وعن علي بن زيد بن جدعان قال: قال رجل لعمرو بن العاص: صف لي الأمصار. قال: أهل الشام أطوع الناس للمخلوق وأعصاهم للخالق، وأهل مصر أكيسهم صغاراً، وأحمقهم كباراً، وأهل الحجاز أسرع الناس إلى الفتنة وأعجزهم فيها، وأهل العراق أطلب الناس للعلم وأبعدهم منه. قدم عبد الله بن الكواء على معاوية، فقال له معاوية: أخبرني عن أهل البصرة. قال: يقاتلون معاً، ويدبرون شتى. قال: فأخبرني عن أهل الكوفة. قال: أنظر الناس في صغيرة وأوقعه في كبيرة. قال: فأخبرني عن أهل المدينة. قال: أحرص الناس على الفتنة، وأعجزه فيها. قال: فأخبرني عن أهل مصر قال: لقمة آكل. قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة. قال: كناسة بين مدينتين. قال: فأخبرني عن أهل الموصل: قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة. قال: كناسة بين مدينتين. قال: فأخبرني عن أهل الموصل: قال: قلادة وليدة، فيها من كل خرزة. قال: فأخبرني عن أهل الشام. قال: جند أمير المؤمنين، ولا أقول فيهم شيئاً. قال: لتقولن. قال: أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم لخالق، ولا يحسبون للسماء ساكناً.

وفي حديث آخر: أطوع الناس لمخلوق في معصية الخالق، وأجرؤهم على الموت لا يدري ما بعده. دمشقيهم يشتمل ولا يدري، وحمصيهم يسمع ولا يعي. قال: والمراد في هذه الحكايات ما كان عليه أهل الشام من طاعة أئمتهم وأمرائهم، واقتدائهم في الفتن والحروب بآرائهم، من غير نظر في عواقب الفتن كما فعلوا في سالف الزمن من قتالهم علي بن أبي طالب، وهو الإمام المرتضى، وفعلهم يوم الحرة، وحصار ابن الزبير. وتلك أمور قد خلت، وفتن قد مضت، عصم الله منها. وابن الكواء لا يعتمد على ما يرويه، فكيف يعتمد على ما يقوله عن نفسه؟ قال أبو المخيس: كنت جالساً عند الأحنف، فأتاه كتاب من عبد الملك بن مروان يدعوه إلى نفسه، فقال: يدعوني ابن الزرقاء إلى طاعة أهل الشام؟! ولوددت أن بيننا وبينهم جبلاً من نار، من أتانا منهم احترق، ومن أتاهم منا احترق. وهذا، لما كان يجري بين أهل الشام والعراق من الحروب، وأما الآن فقد آلف الله بين القلوب. وعن الأوزاعي قال: لا نأخذ من قول أهل العراق خصلتين، ولا من قول أهل مكة خصلتين، ولا من قول أهل المدينة خصلتين، ولا من قول أهل الشام خصلتين: فأما أهل العراق فتأخير السحور وشرب النبيذ، وأما أهل مكة فالمتعة والصرف، وأما أهل المدينة فإتيان النساء في أدبارهن والسماع، وأما أهل الشام فبيع العصير وأخذ الديون. قال: وهذان الأمران قد ذهبا. أما بيع العصير فليس في الشام اليوم عالم يبيحه، وأما الديوان فقد منعهموه السلطان.

وعن النعمان بن المنذر الغساني قال: كنت مع مكحول بالصائفة قال: فأتاه فتيان من أهل العراق قال: فجعلوا يسألونه، قال: فجعل يخبرهم قال: فقالوا له: عمن ومن حدثك، قال: فنشط لهم مكحول، فجعل يسند لهم، قال: فلما تهيأ قيامه ضحك، ثم قال: هكذا ينبغي لكم يا أهل العراق، لا يصلحكم إلا هذا، وأما أصحابنا هؤلاء أهل الشام فيأخذون كما تيسر. قال: ثم قام. قال الأعمش: كنا إذا جاءنا الحديث وأنكرناه قلنا: شامي وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: أي الحديث أصح؟ قال: حديث أهل الحجاز، قيل: ثم من؟ قال: حديث أهل البصرة، قيل: ثم من؟ قال: حديث أهل الكوفة، قالوا: فالشام؟ قال: فنفض يده. في هذه الحكاية نظر، والعدوي، بعض رواتها، كذاب، ويحتمل إن كان صحيحاً أنه إنما قال ذلك لأن الغالب على أحاديث أهل الشام أحاديث الفتن والملاحم. وأما إذا جاء الحديث مسنداً من رواية ثقاتهم، بعضهم عن بعض فهو صحيح، تلزم به الحجة كما يلزم بأحاديث غيرهم. قال حميد بن إبراهيم: سألت عمرو بن عبيد عن هذه الآية: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " قال: قلت: هم أهل الشام؟ قال نعم. عمرو هو العدوي لا يحتج بما يرويه عن غيره، فكيف بما يقوله برأيه في كتاب الله مما لا يعضده بالحجة؟ قال الأوزاعي: كانوا يستحبون أن يحدثوا أهل الشام بفضائل أهل البيت، ليرجعوا عما كانوا عليه. وقال الثوري: إذا كنت بالشام فحدث بفضائل علي، وإذا كنت بالعراق فحدث بفضائل عثمان.

وهذا، لما كان في أهل الشام من الانحراف عن أهل بيت الرسول، وأما الآن فقد أمن ذلك، لما وقفوا عليه من فضائلهم. حدث أبو يحيى السكري قال: دخلت مسجد دمشق فرأيت في مسجدهما حلقاً، فقلت: هذا بلد قد دخله جماعة من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليهم، وملت إلى حلقة في المسجد في صدرها شيخ جالس فجلست إليه، فسأله رجل ممن بين يديه فقال: يا أبا المهلب: من علي بن أبي طالب؟ قال: خناق كان بالعراق، اجتمعت إليه جمعية فقصد أمير المؤمنين يحاربه فنصره الله عليه. قال: فاستعظمت ذلك وقمت، فرأيت في جانب المسجد شيخاً يصلي إلى سارية، حسن السمت والصلاة والهيئة فقصدت إليه فقلت له: يا شيخ، أنا رجل من أهل العراق جلست إلى تلك الحلقة. وقصصت عليه القصة، فقال لي: في هذا المسجد عجائب. بلغني أن بعضهم يطعن على أبي محمد حجاج بن يوسف فعلي بن أبي طالب من هو؟ وقد روي مثل معنى هذه الحكاية عن أهل حمص. وكلتا الحكايتين ضعيف. وأما ما تحكيه العامة من تأخير معاوية صلاة الجمعة إلى يوم السبت ورضي أهل الشام بذلك فأمر مختلق لا اصل له، ومعاوية ومن كان في عصره بالشام من الصحابة والتابعين أتقى لله وأشد محافظة على أداء فريضة، وأفقه في دينه من أن يخفى عنهم أن ذلك لا يجوز. قال: ولم أجد لذلك أصلاً في شيء من الروايات. وإنا يحكى بإسناد منقطع أن بعض مغفلي أهل الشام امتحن بذكر ذلك في العراق في زمن الحجاج، فلعل بعض الناس بلغه ذلك فعزاه إلى أهل الشام. قال: كان للحجاج قاض في الكوفة من أهل الشام يقال له أبو حمير، فحضرت الجمعة فمضى يريدها فلقيه رجل من أهل العراق فقال: أبا حمير، أين تذهب؟ قال: إلى الجمعة، قال: أما بلغك أن الأمير قد أخر الجمعة اليوم؟ فانصرف راجعاً إلى بيته. فلما

أخبار ملوك الشام قبل الإسلام

كان من الغد قال له الحجاج: أين كنت يا أبا حمير لم تحضر معنا الجمعة؟ قال: لقيني بعض أهل العراق فأخبرني أن الأمير أخر الجمعة فانصرفت. قال: فضحك الحجاج وقال: أبا حمير أما علمت أن الجمعة لا تؤخر؟ قال: وهذه الحكاية إن صحت تدل على بطلان ما يدعى على معاوية من ذلك، لأنه لو كان تقدم ذلك من معاوية لما خفي على أبي حمير حتى كان يقول للحجاج: فقد فعل مثل هذا معاوية، ولا على الحجاج حتى يقول لأبي حمير: هذا كما قال معاوية لأهل الشام. والله يعيذنا من إشاعة الكذب في السلف، ويمن علينا بالثبات على الحق. قال: وإنما يتم من الأمر ما هذا سبيله على من اشتهر منه تغفيله. كما روي عن أبي علي محمد بن سعيد بن عبد الرحمن القشيري قال: سألت أبا عمرو هلالاً يعني: ابن العلاء. عن أبي بكر بن بدر قال: ذكروا أنه خرج يوم خميس قد لبس ثيابه يريد الجمعة، فمر بميمون بن مهران فقال له: أين تريد: فقال: الجمعة، فقال له ميمون: قد أخروها إلى غد، فرجع إلى أهله فقال لهم: قال لي ميمون بن مهران إنهم قد أخروا الجمعة إلى غد. فأما ما كان في عصر معاوية من الصحابة والتابعين فلا يجوز أن يلحق بهم ما لا يليق. وقد كان معاوية يأمر بحضور الجمعة أهل القرى القاصية، فكيف يظن به أنه أخرها عن حاضرتها؟! كما روي عن يونس بن حنبس قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان على هذا المنبر منبر دمشق يقول: يا أهل قردا، يا أهل زاكية، يا أداني البثنية، الجمعة الجمعة، وربما قال: يا أهل قين، يا أقاصي الغوطة، الجمعة الجمعة، لا تدعوها. أخبار ملوك الشام قبل الإسلام

ذكر ما جاء من أخبار ملوك الشام قبل الإسلام

ذكر ما جاء من أخبار ملوك الشام قبل الإسلام عن ابن عباس قال: كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب. وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أهل أوثان. فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر، فذكر ذلك أبو بكر للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أما إنهم سيظهرون ". فذكر أبو بكر لهم ذلك فقالوا: اجعل بيننا وبينكم أجلاً، إن ظهروا كان لك كذا وكذا، وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، فجعل بينهم أجل خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ألا جعلته أراه قال: دون العشرة قال: فظهرت الروم بعد ذلك، فذلك قوله: " ألم غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بعضع سنين " قال: فغلبت الروم ثم غلبت بعد: " لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ". قال سفيان: وسمعت أنهم ظهروا يوم بدر. وعن عبد الله بن عباس. أنه سمع عمر بن الخطاب يسأل الهرمزان عظيم الأهواز، وكان نزل على حكم عمر

فأسلم فعفا عنه، فسأل عمر عن جيوش فارس التي بعث كسرى مع شهربراز، وما الذي كشف فارس عنهم فقال الهرمزان: كان كسرى بعث شهربراز وبعث معه جنود فارس، فملك الشام ومصر وخرب عامة حصون الروم، وطال زمانه بالشام ومصر وتلك الأرض، فطفق كسرى يستبطئه ويكتب إليه: إنك لو أردت أن تفتح مدينة الروم فتحتها، ولكنك رضيت بمكانك فأردت طول السلطان، فأكثر إليه كسرى من الكتب في ذلك وأكثر شهربراز مراجعته واعتذارا إليه، فلما طال ذلك على كسرى كتب إلى عظيم من عظماء فارس مع شهربراز يأمره بقتل شهربراز ويلي أمر الجنود، فكتب إليه ذلك العظيم يذكر أن شهربراز جاهد ناصح وأنه هو أنبل، وهو أمثل بالحرب منه، فكتب إليه كسرى يعزم عيه ليقتلنه، فكتب أيضاً يراجعه، ويقول إنه ليس لك عبد مثل شهربراز، وإنك لو تعلم ما يوازي من مكابدة الروم عذرته. فكتب إليه كسرى يعزم عليه ليقتلنه وليلين أمر الجنود، فكتب إليه يراجعه أيضاً فغضب كسرى، فكتب إلى شهربراز يعزم عليه ليقتلن ذلك العظيم، فأرسل شهربراز إلى ذلك العظيم من فارس فأقرأه كتاب كسرى فقال له: راجع في، فقال له: قد علمت أن كسرى لا يراجع وقد علمت محبتي إياك، ولكنه قد جاءني مالاً أستطيع تركه، فقال له ذلك الرجل: أفلا تدعني أرجع إلى أهلي فآمرهم بأمري، وأعهد إليهم عهدي؟ فقال بلى، وذلك الذي أملك لك فانطلق إلى أهله، فأخذ صحائف كسرى الثلاث التي كتب إليه، فجعلهن في كمه، ثم جاء حتى دخل على شهربراز ودفع إليه الصحيفة الأولى فاقترأها شهربراز فقال له شهربراز: أنت خير مني، ثم دفع إليه الصحيفة الثالثة فاقترأها. فلما فرغ شهربراز من قراءته قال: أقسم بالله لأسوأن كسرى. فأجمع شهربراز المكر بكسرى، وكاتب هرقل وذكر له أن كسرى قد أفسد فارس، وجهز بعوثها، وابتليت بملكه، وسأله أن يلقاه بمكان نصف يحكمان فيه الأمر ويتعاهدان، ثم يكشف عنه شهربراز جنود فارس ويخلي بينه وبين السير إلى كسرى. فلما جاء كتاب شهربراز دعا رهطاً من عظماء الروم فقال لهم حين جلسوا؛ أنا اليوم أحزم الناس، أو أعجز الناس، وقد أتاني أمر لا تحسبونه، وسأعرض عليكم فأشيروا

علي فيه، ثم قرأ عليهم كتاب شهربراز، فاختلفوا عليه في الرأي، فقال بعضهم: هذا مكر من كسرى، وقال بعضهم: أراد هذا العبد أن يلقاك كسرى فيشمت بك ثم لا يبالي ما لقي. فقال هرق: إن الرأي ليس حيث ذهبتم، إنه لعمري ما طابت نفس كسرى بأن يشتم هذا الشتم الذي أجد في كتاب شهربراز، وما كان شهربراز ليكتب بهذا الكتاب وهو ظاهر على عامة ملكي إلا لأمر حدث بينه وبين كسرى، وإني والله لألقينه، فكتب إليه هرقل إنه قد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وإني لاقيك، فموعدك كان كذا وكذا، فاخرج بأربعة آلاف من أصحابك فإني خارج في مثلهم، فإذا بلغت مكان كذا وكذا فضع ممن معك خمس مئة، فإني سأضع بمكان كذا وكذا مثلهم، ثم ضع بمكان كذا خمس مئة، فإني سأضع بمكان كذا مثلهم، حتى نلتقي أنا وأنت في خمس مئة. وبعث هرقل الرسل من عنده إلى شهربراز فأمرهم أن يقوموا على ذلك، فإن فعل شهربراز لم يرسلوا إليه، وإن أبى ذلك عجلوا إليه بكتاب، فرأى رأيه، فافعل ذلك شهربراز. وسار هرقل في أربعة آلاف ومع شهربراز خمس مئة، فلما رآهم شهربراز أرسل إلى هرقل: أغدرت؟ فأرسل إليه هرقل: لم أغدر ولكن خفت الغدر من قبلك، وأمر هرقل بقبة ديباج فضربت لهما بين الصفين، فنزل هرقل فدخلها وأدخل ترجمانه، وأقبل شهربراز حتى دخل عليه، فانتحيا ومعهما ترجمان حتى أحكما أمرهما، واستوثق كل واحد منهما بالعهد والمواثيق، حتى إذا فرغا من أمرهم خرج هرقل، فأشار إلى شهربراز أن يقتل الترجمان لكي يخفى أمرهم وسرهما، فقتله شهربراز ثم انكشف شهربراز فجيش الجنود، وسار جيش هرقل إلى كسرى حتى أغاروا على كسرى ومن بقي معه، فكان ذلك أول هلكة كسرى، ووفى هرقل لشهربراز بما أعطاه من ترك أرض فارس وسببها، فانكشف حين ولى، وقتلت فارس كسرى، ولحق شهربراز بفارس والجنود التي معه. حدث محمد بن مهاجر الأنصاري، وذكر مسير هرقل إلى بيت المقدس فقال: إن كسرى وفارساً ظهرت على الروم بالشام وما دون خليج القسطنطينية، وسار

بجنوده حتى نزل بخليجها وأخذ في كبسه بالحجارة والكلس ليتخذوا طريقاً يبساً، فبينما هو على ذلك إذ بلغه أن ملك الهند الخزر قد خلفاه في بلاده من العراق. فانصرف عن القسطنطينية وخلف على ما ظهر عليه من مدائن الشام عاملاً في حكمه من أساورته وخيولهم فنزل ذلك العامل حمص وضبط له ما خلفه عليه، ومضى كسرى إلى عراقه، فإذا الحرب قد نشبت بني ملك الهند وبين ملك الخزر، فكتبا إليه كلاهما يسألانه النصرة على كل واحد منهما على أن يرد من والاه على صاحبه جميع ما استباح وسبى من بلاده ويزيده كذا وكذا، فرأى كسرى وأساورته أن يظاهر ملك خزر على ملك الهند لجواره ملك خزر، ومقارعته إياه في كل يوم، ولجرأة ملك الهند عليه، وتناوله الفرصة منه إذا أمكنته من بعد. فوالى كسرى ملك خزر على ملك الهند وقهراه، واستنقذا ما كان أصاب من بلاده من سبي أو غير ذلك. وزاده هدية ثلاثين ألف مملوك، وانصرف عنه جنوده فملك كسرى على الثلاثين ألف مملوك الذين خلفهم ملك خزر عنده، رجلاً، وسيرهم إلى ما خلف القسطنطينية، وأسكنهم تلك البلاد وهي يومئذ خراب. قال محمد بن مهاجر: فهم اليوم برجان. وعن العلاء بن الزبير الكلابي عن أبيه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارساً، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، وظهورهم بالشام والعراق، وكل ذلك في خمس عشرة سنة.

باب تبشير النبي أمته بافتتاح الشام

باب تبشير النبي أمته بافتتاح الشام عن سفيان بن أبي زهير قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، ثم تفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهاليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم، لو كانوا يعلمون ثم تفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم من لو كانوا يعلمون ". وعن بسر بن سعيد أنه سمع في مجلس الشنئيين يذكرون أن سفيان بن أبي زهير أخبرهم: أن فرسه أعيت عليه بالعقيق، وهم في بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرجع إليه يسحتمله، فزعم سفيان كما ذكروا أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج يبتغي له بعيرا. فلم يجده إلا عند أبي جهم بن حذيفة العدوي فسامه: فقال أبو جهم: لا أبيعكه يا سول الله، ولكن خذه فاحمل عليه من شئت. فزعم أنه أخذه منه، ثم خرج حتى إذا بلغ بئر الإهاب زعم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يوشك البنيان أن يبلغ هذا المكان، ويوشك الشام أن يفتح فيأتيه رجال من أهل هذا البلد، ويعجبهم ريفه ورخاؤه، فيسيرون والمدينة خير لهم، لو كانوا يعلمون، إن إبراهيم عليه السلام دعا لأهل مكة، وإني أسأل الله أن يبارك لنا في صاعنا ومدنا، وأن يبارك لنا في مدينتنا بما بارك لأهل مكة ". وعن أبي ذر قال: استعيذوا بالله من زمن التباغي وزمن التلاعن. قالوا: وما ذاك؟ قال: لا تقوم الساعة حتى يكون قتال قوم دعوتهم دعوى جاهلية، فيقتل بعضهم بعضاً، ولا تقوم

الساعة حتى توقف العربية التي تنسب إلى سبعة أباء، بالأسواق، لا يمنع الرجل أن يبتاعها إلا حموشة ساقيها، وكان يقال: المحروم من حرم غنيمة كلب. قال: وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أول الناس هلاكاً قريش، وأول قريش هلاكاً أهل بيتي ". قال: ويقال: اشتكي إليه وباء المدينة فقال: اللهم انقل وباءها إلى مهيعة، اللهم حببنها إلينا ضعف ما حببت إلينا مكة. قال: ويقال: استقبل الشام فقال: يفتح ما هاهنا فيبس الناس إليه بساً، ويفتح المشرق فيبس الناس إليه بساً، والمدينة خير لهم، لو كانوا يعلمون، وبورك لهم في صاعهم ومدهم. وقال: من صبر على لأوائها وشدتها له شهيداً يوم القيامة. وعن أبي زغب الإيادي قال: نزل بي عبد الله بن حوالة صاحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد بلغنا أنه فرض له في المئتين فأبى إلا مئة. قال: قلت: أحق ما بلغنا أنه فرض لك في مئتين فأبيت إلا مئة؟ فوا لله ما منعه وهو نازل علي أن يقول: لا أم لك، أو لا تكفي ابن حوالة مئة في كل عام؟ ثم أنشأ يحدثنا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثنا على أقدامنا حول المدينة لنغنم، فقدمنا ولم نغتم شيئاً. فلما رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي بنا من الجهد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم لا تكلهم إلي فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى الناس فيهونوا عليهم ويستأثروا عليهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولكن توحد بأرزاقهم، ثم قال: لتفتحن لكم الشام، ثم لتقسمن لكم كنوز فارس والروم، وليكونن لأحدكم من المال كذا وكذا، وحتى إن أحدكم ليعطى مئة دينار فيتسخطها، ثم وضع يده على رأسي فقال: يا بن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت

الأرض المقدسة فقد أتت الزلازل والبلابل والأمور العظام. والساعة أقرب إلى الناس من يدي هذه إلى رأسك. وعن البراء بن عازب قال: لما كان حيث أمرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما رآها ألقى ثوبه وأخذ المعول فقال: بسم الله ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة، ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله فقطع بقية الحجر وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء في كاني هذا الساعة. وعن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إن الله استقبل بي الشام، وولى ظهري اليمن فقال لي: يا محمد: إني جعلت ما وراءك مدداً لك، وجعلت ما تجاهك عصمة لك ورزقاً، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يزال الله يزيد الإسلام وأهله، وينقص الشرك وأهله حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى إلا جوراً، يعني جور السلطان. قيل: يا رسول الله، وما النطفتان؟ فقال: بحر المشرق والمغرب. قال: فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والذي نفسي بيده، والذي نفسي بيده ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل. وعن عبد الله بن بسر قال: أهديت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاة والطعام يومئذ قليل، فقال لأهله: اطبخوا هذه الشاة، وانظروا إلى هذا الدقيق فاخبزوه، واطبخوا واثردوا عليه. قال: وكانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قصعة يقال لها: الغراء، يحملها أربعة رجال، فلما أصبح وسبح الضحى أتى بتلك القصعة والتقوا عليها، فإذا كثر الناس جثا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له أعرابي: ما هذه الجلسة! فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن الله جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً، ثم قال: كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك الله فيها. ثم قال: خذوا فكلوا، فو الذي نفس محمد بيده لتفتحن عليكم أرض فارس والروم حتى يكثر الطعام. ولا يذكر اسم الله تعالى عليه.

وعن سليمان قال: كنت جالساً مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عصابة من أصحابه فجاءت عصابة فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا قريب عهد بالجاهلية، كنا نصيب من الزنى فائذن لنا في الخصاء، فكره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسألتهم، حتى عرف ذلك في وجهه، ثم جاءت عصابة أخرى فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا قريب عهد بالجاهلية كنا نصيب من الآثام، فائذن لنا في الجلوس في البيوت نصوم ونقوم حتى يدركنا الموت، فسر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمسألتهم حتى عرف البشر في وجهه وقال: إنكم ستجندون أجناداً، وستكون لكم ذمة وخراج وأرض يفتحها الله لكم، منها ما يكون على شفير البحر، ومدائن وقصور، فمن أدرك ذلك منكم، فاستطاع منكم أن يحبس نفسه في مدينة من تلك المدائن أو قصر من تلك القصور حتى يدركه الموت فليفعل. وعن عوف بن مالك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأصحابه: الفقر تخافون أو العوز أو تهمكم الدنيا؟ إن الله عز وجل فاتح لكم أرض فارس والروم، ويصب عليكم الدنيا صباً حتى لا يزيغكم إلا هي. وعن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إنها ستفتح عليكم الشام وتجدون فيها بيوتاً يقال لها الحمامات، وهي حرام على رجال أمتي إلا بأزر، وعلى نساء أمتي إلا نفساء أو سقيمة ". وعن معاذ بن جبل سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ستهاجرون إلى الشام فتفتح لكم، ويكون فيكم داء كالدمل أو كالحرة يأخذ بمراق الرجل يستشهد الله به أنفسهم، ويزكي به أعمالهم ". وعن أبي أيوب أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " سيفتح عليكم الشام، وستضرب عليكم بعوث يكره الرجال فيها البعث، ثم يتخلف عن قومه ثم يتبع القبائل فيقول: من أكفيه من أكفيه؟ ألا وذاك الأجير إلى آخر قطرة من دمه ".

وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تنزلون منزلاً يقال له الجابية أو الجويبة يصيبكم فيه داء مصل غدة الجمل يستشهد الله به أنفسكم وذراريكم ويزكي به أموالكم ". وعن سهل بن سعد أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " اتقوا الله يا عباد الله، فإنكم إن اتقيتم الله أشبعكم من خير الشام وزيت الشام ". وعن علي وابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: " وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها " إلى قوله: على كل شيء قديراً " المغانم: فتوح من لدن خيبر. " تأخذونها " تلونها وتغنمون ما فيها. عجل لكم من ذلك خيبر " وكف أيدي الناس ": قريش، " عنكم " بالصلح يوم الحديبة، " ولتكون آية للمؤمنين " شاهداً على ما بعدها، ودليلاً على إنجازها، " وأخرى لم تقدروا عليها ": على علم وقتها، أفيئها عليكم، فارس والروم، " قد أحاط الله بها " قضى الله بها أنها لكم، منها الأيام والقوادس والواقوصة والمدائن والحمر بالشام ومصر والضواحي. فاجتمعت هذا الصفات فيمن قاتل فارس والروم وسائر أعاجم ذلك الزمان. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: " وأثابهم فتحاً قريباً " قال: خيبر، قال: " وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها " قال: فارس والروم. وعن الواقدي: قال: ويقال: مكة.

وعن ابن عباس في هذه الآية: " وأخرى لم تقدروا عليها " قال: ما فتح الله من هذه الفتوح. وعن مجاهد في قوله: " أولي بأس شديد " قال: هم فارس والروم.

باب سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعوثه وهي غزوة دومة الجندل وذات أطلاح وغزوة مؤتة وذات السلاسل

باب سرايا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعوثه وهي غزوة دومة الجندل وذات أطلاح وغزوة مؤتة وذات السلاسل ذكر الواقدي: أن غزوة دومة الجندل أول غزوات الشام، وهي من المدينة على ثلاث عشرة مرحلة، ومن الكوفة على عشر مراحل في برية مرث، ومن دمشق على عشر مراحل، وهي أرض مخل وزرع، يسقون على النواضح، وحولها عيون قليلة، وزرعهم الشعير وهي مدينة عليها سور، ولها حصن عادي مشهور في العرب يدعى مارد. والثانية مؤتة، والغزوة الثالثة تبوك، والغزوة الرابعة غزوة أسامة بن زيد يبنى من أرض فلسطين في سنة عشر، والغزوة الخامسة غزوة أسامة ابن زيد آبل الزيت في سنة إحدى عشرة، وهي التي أمره عليها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو مريض، فغزاها بعد وفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: ولم يفرق أحد بين غزوة يبنى وبين غزوة آبل الزيت غير الواقدي. وعندي أنهما غزوة واحدة أغار فيها على الموضعين جميعاً. والله أعلم. عن ابن عمر قال: دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الرحمن بن عوف قال: تجهز فإني باعثك في سرية من يومك هذا أو من غد إن شاء الله. قال ابن عمر: فسمعت ذلك فقلت: لأدخلن فلأصلين مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغداة فلأسمعن وصيته لعبد الرحمن بن عوف. قال: فغدوت فصليت فإذا أبو بكر

وعمر وناس من المهاجرين، فيهم عبد الرحمن، وإذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد كان أمره أن يسير من الليل إلى دومة الجندل، فيدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعبد الرحمن: ما خلفك عن أصحابك؟ قال ابن عمر: وقد مضى أصحابه في السفر، فهم معسكرون بالجرف، وكانوا سبع مئة رجل فقال: أحببت يا رسول الله أن يكون آخر عهدي بك وعلي ثياب سفري. قال: وعلى عبد الرحمن بن عوف عمامة قد لفها على رأسه. قال ابن عمر: فدعاه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأقعده بين يديه فنفض عمامته بيده ثم عممه بعمامة سوداء، فأرخى بين كتفيه منها ثم قال: هكذا فاعتم يا بن عوف، قال: وعلى ابن عوف السيف متوشحة، ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اغز بسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليداً ". قال ابن عمر: ثم بسط يده فقال: أيها الناس، اتقوا خمساً قبل أن يحل بكم، ما نقص مكيال قوم إلا أخذهم الله بالسنين، ونقص من الثمرات لعلهم يرجعون، وما نكث قوم عهدهم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما منع قوم الزكاة إلا أمسك الله عنهم، قطر السماء. ولولا البهائم لم يسقوا، وما ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط عليهم الطاعون، وما حكم قوم بغير آي القرآن إلا ألبسهم الله شيعاً، وأذاق بعضهم بأس بعض. قال: فخرج عبد الرحمن حتى لحق أصحابه، فسار حتى قدم دومة الجندل، فلما حل بها دعاهم إلى الإسلام، فمكث بها ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، وقد كانوا أبوا أول ما قدم يعطونه إلا السيف، فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي وكان نصرانياً وكان رأسهم، فكتب عبد الرحمن إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخبره بذلك، وبعث رجلاً من جهينة يقال له: رافع بن مكيث، وكتب يخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قد أراد أن يتزوج فيهم فكتب إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تزوج ابنة الأصبغ تماضر، فتزوجها عبد الرحمن وبنى بها ثم أقبل بها. وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. وأما سرية ذات أطلاح فروي عن الزهري قال: بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلاً حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعاً من جمعهم كبيراً، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبيل. فلما رأى ذلك أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا فأفلت منهم رجل كان جريحاً في

القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره الخبر، فشق ذلك على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم بالبعثة إليهم فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم. وأما غزوة مؤتة فكان سببها فيما روى عمر بن الحكم قال: بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحارث بن عمير الأزدي، ثم أحد بني لهب إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال: أين تريد؟ قال: الشام قال: لعلك من رسل محمد، قال: نعم، أنا رسول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأوثق رباطاً ثم قدمه فضرب عنقه صبراً، ولم يقتل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول غيره، فبلغ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبر، فاشتد عليه، وندب الناس وأخبرهم بمقتل الحارث ومن قتله، فأسرع الناس وخرجوا فعسكروا بالجرف، ولم يبين رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأمراء، فلما صلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر جلس، وجلس أصحابه حوله، وجاء النعمان بن مهض اليهودي فوقف على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع الناس، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " زيد بن حارثة أمير الناس فإن قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلاً فليجعلوه عليهم "، فقال النعمان بن مهض: أبا القاسم، إن كنت نبياً فسميت من سميت قليلاً أو كثيراً أصيبوا جميعاً، إن الأنبياء في بني إسرائيل إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا: إن أصيب فلان، فلو سمى مئة أصيبوا جميعاً، ثم جعل اليهودي يقول لزيد بن حارثة، اعهد، فلا ترجع إلى محمد أبداً إن كان نبياً، فقال زيد: فأشهد أنه نبي صادق بار. فلما أجمعوا المسير وقد عقد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم اللواء ودفعه إلى زيد بن حارثة لواء أبيض مشى الناس إلى أمراء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يودعونهم ويدعون لهم، وجعل المسلمون يودع بعضهم بعضاً، والمسلمون ثلاثة آلاف، فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون؛ دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين. قال البيهقي: فلما ودعوا عبد الله بن رواحة بكى، فقالوا: ما يبكيك يا بن رواحة؟ قال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة إليها، ولكني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ: " وإن منكم

إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً " فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورد. ثم خرج القوم حتى نزلوا معان، فبلغهم أن هرقل قد نزل بمآب في مئة ألف من الروم ومئة ألف من المستعربة، فأقاموا بمعان يومين. وقالوا: نبعث إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنخبره بكثيرة عدونا. فإما أن يمدنا، وإما أن يأمرنا أمراً، فشجع الناس عبد الله بن رواحة، قال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم لها، إياها تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا كثرة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فإن يظهرنا الله به فربما فعل، وإن تكن الأخرى فهي الشهادة، وليست بشر المنزلتين، فقال الناس: والله لقد صدق ابن رواحة، فانشمر الناس وهم ثلاثة آلاف حتى لقوا جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها: شراف ثم انحاز المسلمون إلى مؤتة، قرية فوق أحساء. وقيل: كانوا ستة آلاف من المهاجرين والأنصار وغيرهم. قال عطاف بن خالد المخزومي: وخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مشيعاً لهم حتى بلغ ثنية الوداع فوقف ووقفوا حوله، فقال: اغزوا باسم الله، فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام، وستجدون بها رجالاً في الصوامع معتزلين الناس فلا تعرضوا لهم، وستجدون آخرين، للشياطين في رؤوسهم مفاحيص، فافلقوا هامهم بالسيوف، ولا تقتلن امرأة ولا صغيراً ضرعاً، ولا كبيراً فانياً، ولا تعزقن نخلاً، ولا تقطعن شجراً ولا تهدموا بناء. وعن أبي هريرة قال: شهدت مؤتة. فلما رأينا المشركين رابنا ما لا قبل لنا به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة، مالك، كأنك ترى جموعاً كثيرة! قلت: نعم، قال: لم تشهدنا ببدر أنا لم ننصر.

وعن عبد الله بن أبي بكر قال: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر، وكشف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أخذ الراية زيد بن حارثة فجاءه الشيطان فحبب إيه الحياة وكره إليه الموت، وحبب إليه الدنيا " فقال: الآن؟ أحين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين، تحبب إلي الدنيا؟! فمضى قدماً حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: استغفروا له، وقد دخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فجاءه الشيطان فمناه الحياة، وكره إليه الموت، ومناه الدنيا فقال: الآن؟ حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا! ثم مضى قدماً حتى استشهد فصلى عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودعا له. ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة، فهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث شاء من الجنة ". ثم أخذ الراية بعده عبد الله بن رواحة فاستشهد ثم دخل الجنة معترضاً، فشق ذلك على الأنصار، قيل: يا رسول الله، ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل، فعاتب نفسه فشجع فاستشهد فدخل الجنة، فسري عن قومه. وروي أنه لما قتل عبد الله بن رواحة انهزم القوم أسوأ هزيمة رأيتها قط، في كل وجه، ثم إن المسلمين تراجعوا فأقبل رجل من الأنصار، يقال له ثابت بن أقرم فأخذ اللواء وجعل يصيح بالأنصار، فجعل الناس يثوبون إليه من كل وجه، وهم قليل، وهو يقول: إلي أيها الناس، فاجتمعوا إليه، قال: فنظر ثابت إلى خالد بن الوليد فقال: خذ اللواء يا أبا سليمان فقال: لا آخذه، أنت أحق به، أنت رجل لك سن وقد شهدت بدراً، قال ثابت: خذه أيها الرجل، فوا لله ما أخذته إلا لك فأخذه خالد، فحمله ساعة وجعل المشركون يحملون عليه فتثبت حتى تكركر المشركون، وحمل بأصحابه، ففض جمعاً من جمعهم، ثم دهمه منهم بشر كثير وانحاش بالمسلمين فانكشفوا راجعين. قال عطاف بن خالد: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد، فلما أصبح غدوا، وقد جعل مقدمته

ساقة، وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا، فانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. وروي أن زيد بن حارثة سار بهم على حبال بين الشراة والبلقاء على ريفها وعمارتها فمر بقرية من قرى حبال يقال لها اكبث، فشد أهلها على ساقة المسلمين، فأصابوهم بجراحة، وقتلوا رجلاً من المسلمين فبلغ ذلك جماعة الجيش، فاستأذنوا زيد بن حارثة في الرجعة إليهم والانتقام منهم، فقال زيد: لا أرى ذلك، لأن عدوكم أمامكم قد جمعوا لكم، ودنوا منكم، فأكره أن يفلوا حدكم ونشاطكم بقتال غيرهم، ثم لا آمن أن يجمعوا لكم فيكونوا من ورائكم، فتكونوا بين عسكرين، فمضى زيد ومن معه حتى لقوا عدوهم بين قريات ثلاث: بين مؤتة، والعمقة، وزقوقين فصافوهم هنالك. وروي أن خالداً لما أخذ الراية قاتلهم قتالاً شديداً ثم انحاز الفريقان كل عن كل قافلاً عن غير هزيمة، فقفل المسلمون على طريقهم التي أبدوا منها حتى مروا بتلك القرية والحصن الذين كانوا شدوا على ساقتهم، وقتلوا رجلاً منهم، فحاصروهم في حصنهم حتى فتحه الله عليهم عنوة، فقتل خالد بن الوليد مقاتلتهم في نقيع إلى جانب حصنهم صبراً. فبها سمي ذلك النقيع نقيع الدم إلى اليوم، وهدموا صنهم هدماً لم يعمر بعده إلى اليوم. وفي حديث أبي قتادة: ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء. قال: فرفع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصبعيه فقال: اللهم هو سيف من سيوفك، فانتصر به. قال: فيومئذ سمي خالد: سيف الله. ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انفروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد. قال: فنفر الناس في حر شديد مشاة وركباناً. قال عوف بن مالك الأشجعي " خرجت مع زيد بن حارثة في عزوة مؤتة فوافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه فنحر رجل من المسلمين جزوراً، فسأله المددي طائفة من جلده فأعطاه إياه،

فاتخذ كهيئة الدرقة، ومضينا، فلقينا جموع الروم. قال: وفيهم رجل على فرس له، أشقر، عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر، وعلاه فقتله فحاز فرسه وسلاحه. فلما فتح الله عز وجل على المسلمين بعث خالد بن الوليد فأخذ من السلب. قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته، قال عوف: فقلت: لتردنه أو لأعرفنكها عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأبى أن يرده عليه، قال عوف: فاجتمعنا فقصصت عليه قصة المددي وما فعله خالد، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا خالد، ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله، استكثرته، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رد عليه ما أخذت منه، فقلت: دونك يا خالد. ألم أقل لك! فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما ذاك؟ فأخبرته، فغضب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: يا خالد، لا ترد عليه، هل أنتم تاركو لي أمرائي، لكم صفوة أمركم وعليهم كدره. وأما غزوة ذات السلاسل فهي بعد غزوة مؤتة، وقال ابن إسحاق: إنها قبل غزوة مؤتة. روي أنه بلغ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن جمعاً من بلي وقضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فدعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه في سراة المهاجرين والأنصار في ثلاث مئة عامر بن ربيعة وصهيب بن سنان وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وسعد بن أبي وقاص، ومن الأنصار: أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، وسلمة بن سلامة، وسعد بن عبادة، وأمره أن يستعين بمن مر به من العرب، وهي بلاد بلي وعذرة وبلقين. وذلك أن عمرو بن العاص كان ذا رحم بهم: كانت أم العاص بن وائل بلوية، فأراد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتألفهم بعمرو، فسار، وكان يكمن النهار، ويسير الليل، وكانت معه ثلاثون فرساً. فلما دنا من القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً، فنزل قريباً منه عشاء، وهم شاتون، فجمع أصحابه الحطب يريدون أن يصطلوا، وهي أرض باردة، فمنعهم فشق ذلك عليهم حتى كلمه في ذلك بعض المهاجرين فغالظه، فقال عمرو: قد أمرت أن تسمع لي

وتطيع، قال: نعم، قال: فافعل، وبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخبره أن لهم جمعاً كبيراً، ويستمده بالرجال، فبعث أبا عبيدة بن الجراح وعقد له لواء وبعث معه سراة المهاجرين: أبو بكر وعمر، والأنصار وأمره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يلحق عمرو بن العاص فخرج أبو عبيدة في مئتين وأمره أن يكونا جميعاً ولا يختلفا، فساروا حتى لحقوا بعمرو بن العاص، فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس ويتقدم عمراً، فقال له عمرو: إنما قدمت مدداً لي، وليس أن تؤمني وأنا الأمير، وإنما أرسلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلي مدداً، فقال المهاجرون: كلا بل أنت أمير أصحابك، وهو أمير أصحابه، فقال عمرو: لا بل أنتم مدد لنا، فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف وكان حسن الخلق لين الشيمة قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا، وإنك والله إن عصيتني لأطيعنك، فأطاع أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس، فآب إلى عمرو جمع فصاروا خمس مئة، فسار الليل والنهار حتى وطئوا بلاد بلي ودوخها، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع، فلما سمعوا به تفرقوا حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلي وعذرة وبلقين، في آخر ذلك جمعاً ليس بالكثير، فتقاتلوا ساعة وتراموا بالنبل، ورمي يومئذ عامر بن ربيعة بسهم فأصيب ذراعه، وحمل المسمون عليهم فهربوا وأعجزوا هرباً في بالبلاد وتفرقوا، ودوخ عمرو ما هناك، وأقام أياماً لا يسمع لهم بجمع ولا بمكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم، وكانوا ينحرون ويذبحون، فلم يكن في ذلك أثر من ذلك. لم يكن غنائم تقسم إلا ما لا ذكر له. وفي بعض روايات هذا الخبر: حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال لها السلاسل، فبذلك سميت هذه الغزوة: ذات السلاسل. وفي هذه الرواية أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إني لأؤمر الرجل على القوم فيهم من هو خير منه، لأنه أيقظ عيناً، وأبصر بالحرب. وفي رواية: أن أبا عبيدة لما أطاع عمرو بن العاص وجد عمر من ذلك وقال: أتطيع ابن

النابغة وتؤمره على نفسك وعلى أبي بكر وعلينا؟! ما هذا الرأي. فقال أبو عبيدة لعمر: يا بن أم، إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عهد إلي وإليه ألا نتعاصيا، فخشيت إن لم أطعه أن أعصي عمر بن الخطاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيدخل بيني وبين الناس، وإني والله لأطيعنه حتى أقفل. ففما قفلوا كلم عمر نب الخطاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشكا إليه ذلك، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لن أؤمر عليكم بعدها إلا منكم يريد المهاجرين. فكانت تلك غزوة ذات السلاسل، أسر فيها ناس كثير من العرب وسبوا. قال عمرو بن العاص: بعثني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على جيش ذات السلاسل، وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده، قال: فأتيته حتى قعدت بين يديه، وقلت: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قلت: إني لست أسألك عن أهلك. قال: فأبوها. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. قلت: ثم من؟ حتى عدد رهطاً. قال: قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا. ولما بعث عمرو بن العاص في ذات السلاسل سأله أصحابه أن يأذن لهم أن يوقدوا ناراً ليلاً فمنعهم. فكلموا أبا بكر فكلمه في ذلك فأباه. فقال: قد أرسلوك إلي! لا يوقد أحد منهم ناراً إلا ألقيته فيها. قال: فلقوا العدو فهزموهم، فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم. فلما انصرف ذلك الجيش ذكر ذلك للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشكوه إليه، فقال: يا رسول الله إني كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا ناراً فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم، فأحمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره. قال: يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: لم؟ قال: لأحب من تحب. قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبو بكر.

باب غزوة تبوك

باب غزوة تبوك قال ابن عباس: لبث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد خروجه من الطائف ستة أشهر، ثم أمره الله بغزوة تبوك، وهي التي ذكر الله ساعة العسرة، وذلك في حر شديد، وقد كثر النفاق، وكثر أصحاب الصفة، والصفة بيت كان لأهل الفاقة يجتمعون فيه فتأتيهم صدقة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمين، وإذا حضر غزو عمد المسلمون إليهم فاحتمل الرجل الرجل أو ما شاء الله بشبعة فجهزوهم وغزوا معهم واحتسبوا عليهم، فأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسلمين بالنفقة في سبيل الله والحسبة، فأنفقوا احتساباً، وأنفق رجال غير محتسبين، وحمل رجال من فقراء المسلمين، وبقي أناس. وأفضل ما تصدق به يومئذ أحد عبد الرحمن بن عوف، تصدق بمئتي أوقية، وتصدق عمر بن الخطاب بمئة أوقية، وتصدق عاصم الأنصاري بتسعين وسقاً من تمر. وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إني لا أرى عبد الرحمن إلا قد اترب، ما ترك لأهله شيئاً، فسأله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هل تركت لأهلك شيئاً؟ قال: نعم، أكثر مما أنفقته وأطيب، قال: كم؟ قال: ما وعد الله ورسوله من الرزق والخير. وجاء رجل من الأنصار يقال له أبو عقيل بصاع من تمر فتصدق. وعمد المنافقون حين رأوا الصدقات، فإذا كانت صدقة الرجل كثيرة تغامزوا به وقالوا: مراء، وإذا تصدق الرجل بيسير طاقته من تمر، قالوا: هذا أحوج إلى ما جاء به، فلما جاء أبو عقيل بصاعه من تمر قال: بت ليلتي أجر بالجرير على صاعين والله ما كان عندي من شيء غيرهما وهو يعتذر ويستحي، فأتيت بأحدهما وتركت الآخر لأهلي، فقال

المنافقون: هذا أفقر إلى صاعه من غيره، وهم في ذلك ينتظرون يصيبون من الصدقات غنيهم وفقيرهم، فلما أزف خروج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثروا الاستئذان وشكوا شدة الحر وخافوا، زعموا الفتنة إن غزوا، ويحلفون بالله على الكذب، فجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأذن لهم لا يدري ما في أنفسهم، وبنى طائفة منهم مسجد النفاق يرصدون به الفاسق أبا عامر، وهو عند هرقل قد لحق به، وكنانة بن عبد ياليل وعلقمة بن علاثة العامري، وسورة براءة تنزل في ذلك أرسالاً. ونزلت فيها آية ليست فيها رخصة لقاعد. فلما أنزل الله عز وجل: " انفروا خفافاً وثقالاً ". اشتكى الضعيف الناصح لله ورسوله والمريض والفقير إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقالوا: هذا أمر لا رخصة فيه. وفي المنافقين ذنوب مستورة لم تظهر حتى كان بعد ذلك، وتخلف رجال غير مستيقنين ولا ذوي علة ونزلت هذه السورة بالبيان والتفصيل في شأن رسول اله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسار بمن اتبعه حتى بلغ تبوك، فبعث منها علقمة بن مجزز المدلجي إلى فلسطين، وبعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل، فقال: أسرع لعلك أن تجده خارجاً يتقنص فتأخذه، فوجده فأخذه وأرجف المنافقون في المدينة بكل خبر سوء. فإذا بلغهم أن المسلمين أصابهم جهد وبلاء تباشروا به وفرحوا، وقالوا: قد كنا نعلم ذلك ونحذر منه، وإذا أخبروا بسلامة منهم وخير أصابوه حزنوا وعرف ذلك منهم فيهم كل عدو لهم بالمدينة، فلم يبق أحد من المنافقين أعرابي ولا غيره إلا استخفى بعمل خبيث ومنزلة خبيثة واستعلن، ولم يبق ذو علة إلا هو ينتظر الفرج فيما ينزل الله في كتابه، ولم تزل سورة براءة تنزل حتى ظن المؤمنون الظنون، وأشفقوا أن لا ينفلت منهم كبير أحد أذنب في شأن التوبة قط ذنباً إلا أنزل فيه أمر بلاء حتى انقضت، وقد وقع بكل عامل تبيان منزله من الهدى والضلالة. وعن كعب بن مالك عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان إذا أراد المسير في الغزاة أذن في المسلمين بالجهاز، وكتمهم أين يجاهدون مكيدة للعدو، وما كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يؤذن بالجهاز إلا وعندي بعير فأقوى به على الخروج معه حتى كانت تبوك، فكانت في حر شديد وحين أقبلت الثمرة، فأذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجهاز

إلى تبوك وبينها للمسلمين ووافق ذلك عندي بعيرين، فرأيت أني قوي على الخروج، فتجهز رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون، وأغدو أنا لأتجهز، فوا لله لكأنما أربط فأرجع وما قطعت شعرة وعندي بعيران، وأنا أرى أني قوي على الخروج إذا أردت. فخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون، ثم ذهبت أنظر، فإذا ما أرى رجلاً تخلف إلا رجلاً مغموصاً عليه في دينه، غير أني قد رأيت رجلين من الأنصار صحيحين كدت أسكن إليهما: هلال بن أمية الواقفي ومرارة العمري، حتى إذا أيست من الخروج قلت: أعتذر إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رجع. قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الخميس، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري. فلما خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضرب عسكره على ثنية الوداع، ومعه زيادة على ثلاثين ألفاً من الناس، وضرب عبد الله بن أبي عدو الله على ذي حدة عسكراً أسفل منه نحواً من كذا وكذا، وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين. فلما سار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، وخلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بن أبي طالب عليه السلام على أهله وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالاً له وتخففاً منه، فلما قال ذلك المنافقون أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو نازل بالجرف، فقال: يا رسول الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني تستثقلني وتخفف مني. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فأخلفني في أهلي وأهلك، ألا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي، فرجع إلى المدينة، ومضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسفره. وعن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عزوة غزاها، حتى كانت غزوة تبوك إلا بدراً ولم يعاتب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحداً تخلف عن بدر، إنما خرج يريد العير فخرجت قريش مغوثين لعيرهم، فالتقوا عن غير موعد كما قال الله عز وجل. ولعمري إن أشرف مشاهد

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الناس لبدر، وما كنت أحب أني شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث توافقنا على الإسلام، ولم أتخلف بعد عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة غزاها، حتى كانت غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها، فأذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة عدوهم، وذلك حين طاب الظلال وظابت الثمار، فكان قلما أراد غزوة إلا ورى بغيرها، وكان يقول: الحرب خدعة، فأراد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك أن يتأهب الناس أهبته، وأنا أيسر ما كنت، قد جمعت راحلتين، وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخفة الحاذ، وأنا في ذلك أصغوا إلى الظلال وطيب الثمار. فلم أزل كذلك حتى قام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غادياً بالغداة، وذلك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس. وعن محمد بن مسلم الزهري قال: ثم غزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة تبوك وهو يريد الروم وكفار العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة ولقيه بها وفد أذرح ووفد أيلة، فصالحهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الجزية، ثم قفل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تبوك ولم يجاوزها. وفي حديث غيره فبينما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم في جهازه في غزوة تبوك إذ قال للجد بن قيس: يا جد، هل لك في بنات بني الأصفر؟ قال: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقد علم قومي أنه ليس من أحد أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتني، فائذن لي يا رسول الله. فأعرض عنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: قد أذنت، فأنزل الله تعالى " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا " يقول: ما وقع فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورغبته بنفسه عن نفسه أعظم مما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر " وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " يقول لمن وراءه. وقال رجل من جملة المنافقين: لا تنفروا في الحر. فأنزل الله عز وجل: " قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا

يفقهون " ثم إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جد في سفره، وأمر الناس بالجهاز وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى وأحسنوا، وأنفق عثمان رضي الله عنه في ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد أعظم منها وحمل على مئتي بعير. ومما جمع من أحاديث تبوك قالوا: كانت الضافطة وهم الأنباط يقدمون المدينة بالدرمك والزيت في الجاهلية وبعد أن دخل الإسلام، فإنما كانت أخبار الشام عند المسلمين كل يوم لكثرة من يقدم عليهم من الأنباط. فقدمت منهم قادمة، وذكروا أن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجليت معه لخم وجذام وغسان وعاملة، وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسكروا بها، وتخلف هرقل بحمص. ولم يكن ذلك، وإنما ذلك شيء قيل لهم فقالوه، ولم يكن عدو أخوف عند المسلمين منهم، وذلك لما عاينوا منهم، إذ كانوا يقدمون عليهم تجاراً، من العدد والعدة والكراع، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يغزو غزوة إلا ورى بغيرها لئلا تذهب الأخبار بأنه يريد كذا وكذا: حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً، واستقبل غزواً وعدداً كبيراً، فجلا للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبة عدوهم وأخبرهم بالوجه الذي يريد. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى عدوهم فبعث إلى أسلم بريدة بن الحصيب، وأمره أن يبلغ الفرع، وبعث أبا رهم الغفاري إلى قومه أن يطلبهم ببلادهم. وخرج أبو واقد الليثي في قومه، وخرج أبو جعد الضمري في قومه بالساحل، وبعث رافع بن مكيث وجندب بن مكيث في جهينة، وبعث نعيم بن مسعود في أشجع، وبعث في بني كعب بن عمرو عدة: بديل بن ورقاء وعمرو بن سالم وبسر بن سفيان، وبعث في سليم عدة منهم العباس بن مرداس. وحض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسلمين على الجهاد، ورغبهم فيه، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كبيرة، فكان أول من حمل أبو بكر الصديق جاء بماله كله أربعة آلاف درهم فقال له

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل أبقيت لأهلك شيئاً قال: الله ورسوله أعلم، وجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل أبقيت شيئاً؟ قال: نعم نصف ما جئت به. وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر الصديق فقال: ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقني إليه، وحمل العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مالا، وحمل طلحة بن عبيد الله إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مالاً، وحمل عبد الرحمن بن عوف إليه مالاً مئتي أوقية، وحمل سعد بن عبادة إليه مالاً وحمل محمد بن مسلمة إليه مالاً، وتصدق عاصم بن عدي بتسعين وسقاً تمراً، وهز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش، وكان من أكرمهم نفقة حتى كفى ثلث ذلك الجيش مؤونتهم، حتى إن كان ليقال: ما بقيت له حاجة حتى كفاهم شنق أسقيتهم فيقال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يومئذ: ما يضر عثمان ما فعل بعد هذا. ورغب أهل الغنى في الخير والمعروف. واحتسبوا في ذلك الخير وقوى ناس دون هؤلاء من هو أضعف منهم، حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تعتقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، حتى إن كان النساء ليعن بكل ما قدرن عليه. لقد قالت أم سنان الأسلمية: لقد رأيت ثوباً مبسوطاً بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيت عائشة فيه مسكة ومعاضد وخلاخل وأقرطة وخواتيم وخدمات مما يبعث به النساء يعن به المسلمين في جهازهم، والناس في عسرة شديدة، وحين طابت الثمار وأحبت الظلال، فالناس يحبون المقام ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه. وأخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس بالانكماش والجد، وضرب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عسكره بثنية الوداع، والناس كثير لا يجمعهم كتاب قل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل. فلما استمر برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سفره، وأجمع المسير استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، ويقال محمد بن مسلمة، لم يتخلف عنه في غزوة غيرها، ويقال ابن أم مكتوم وأثبتهم محمد بن مسلمة. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكباً ما دام منتعلاً. فلما سار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تخلف ابن أبي عن

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيمن تخلف من المنافقين وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد إلى ما لا قبل له به! يحسب محمد أن قتال بني الأصفر العب؟! ونافق ممن هو معه على مثل رأيه ثم قال ابن أبي: والله لكأني أنظر إلى أصحابه غداً مقرنين في الحبال، إرجافاً برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه. فلما رحل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ثنية الوداع إلى تبوك وعقد الألوية والرايات، فدفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر، ورايته العظمى إلى الزبير، ودفع راية الأوس إلى أسيد بن حضير، ولواء الخزرج إلى أبي دجانة، ويقال إلى الحباب بن المنذر بن الجموح. قال: ومضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة فصبح ذا خشب فنزل تحت الدومة، وكان دليله إلى تبوك علقمة بن الفغواء الخزاعي، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحت الدومة، فراح منها ممسياً حيث أبرد، وكان في حر شديد. قالوا: وكان الناس مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثين ألفاً. ومن الخيل عشرة آلاف فرس، وأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل بطن من الأنصار أن يتخذوا لواء أو راية. والقبائل من العرب فيها الرايات والألوية، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد دفع راية بني مالك بن النجار إلى عمارة بن حزم. فأدرك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيد بن ثابت فأعطاه الراية. قال عمارة: يا رسول الله، لعلك وجدت علي، قال: لا والله، ولكن قدموا القرآن. وكان زيد أكثر أخذاً للقرآن منك. والقرآن مقدم، وإن كان عبداً أسود مجدعاً، وأمر في الأوس والخزرج أن يحمل راياتهم أكثرهم أخذاً للقرآن. وكان أبو زيد يحمل راية بني عمرو بن عوف، وكان معاذ بن جبل يحمل راية بني سلمة. قال: وكان هرقل قد بعث رجلاً من غسان إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينظر إلى صفته وإلى علاماته، إلى حمرة في عينيه وإلى خاتم النبوة بين كتفيه. وسأل فإذا هو لا يقبل الصدقة، فوعى أشياء من حال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم انصرف إلى هرقل يذكر ذلك له، فدعا قومه إلى التصديق به فأبوا حتى خافهم على ملكه وهو في موضعه لم يتحرك ولم يزحف.

وكان الذي خبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تعبئة أصحابه ودنوه إلى أدنى الشام باطلاً لم يرد ذلك ولم يهم به، وشاور رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه في التقدم، فقال عمر بن الخطاب: إن كنت أمرت بالمسير فسر، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو أمرت به ما استشرتكم فيه، قال: يا رسول الله. فإن للروم جموعاً كثيرة وليس بها أحد من أهل الشام، وقد دنوت منهم حيث ترى، وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعت هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله تعالى لك في ذلك أمراً. وعن معاذ بن جبل قال: إنهم خرجوا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام غزوة تبوك، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً. ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً ثم قال: إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك. وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي، قال: فجئناك وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك، تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل مسستما من مائها شيئاً قالا: نعم. فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين بأيديهم قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس. ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جناناً. وعن سعيد بن أبي راشد مولى لآل معاوية قال: قدمت الشام فقيل لي: في هذه الكنيسة رسول قيصر إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فدخلنا الكنيسة فإذا أنا بشيخ كبير: فقلت له: أنت رسول قيصر إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: نعم. قلت: حدثني عن ذلك. قال: إنه لما غزا تبوكاً كتب إلى قيصر كتاباً وبعث به مع رجل يقال له دحية بن خليفة. فلما قرأ كتابه وضعه معه على سريره، وبعث إلى بطارقته ورؤوس أصحابه فقال: إن هذا الرجل ق بعث إليكم رسولاً، وكتب إليكم كتاباً يخيركم إحدى ثلاث: إما أن تتبعوه على دينه، أو تقروا له بخراج يجري عليكم ويقركم على هيئتكم في بلادكم، أو أن تلقوا إليه بالحرب. قال فنخروا نخرة حتى خرج بعضهم من برانسهم وقالوا: لا نتبعه على دينه، وندع ديننا ودين آبائنا، ولا نقر له

بخراج يجري له علينا، ولكن نلقي إليه الحرب. فقال: قد كان ذاك ولكني كرهت أن أفتات دونكم بأمر، قال عباد: فقلت لابن خثيم: أوليس قد كان قارب وهم بالإسلام فيما بلغنا؟ قال: بلى لولا أنه رأى منهم. قال: فقال: ابغوني رجلاً من العرب أكتب معه إليه جواب كتابه. قال: فأتيت وأنا شاب وانطلق بي إليه فكتب جوابه وقال لي،: مهما نسيت من شيء فاحفظ عني ثلاث خلال: انظر إذا هو قرأ كتابي هذا هل يذكر الليل والنهار، وهل يذكر كتابه إلي، وانظر هل ترى في ظهره علماً، قال: فأقبلت حتى أتيته وهو بتبوك في حلقة من أصحابه منتحين. فسألت فأخبرت به فدفعت إليه الكتاب، فدعا معاوية فقرأ عليه الكتاب. فلما أتى على قوله: دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا جاء الليل فأين النهار؟ قال: فقال: إني كتبت إلى النجاشي فحرقه، فحرقه الله محرق الملك. قال عباد: فقلت لابن خثيم أليس قد أسلم النجاشي ونعاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة إلى أصحابه فصلى عليه؟ قال: بلى. ذاك فلا بن فلا وهذا فلان بن فلان قد ذكرهما ابن خثيم جميعاً ونسيتهما وكتبت إلى كسرى كتاباً فمزقه، فمزقه الله، ممزق الملك. وكتبت إلى قيصر كتاباً فأجابني فيه، فلن يزال الناس يخشون منهم بأساً ما كان في العيش خير. ثم قال لي: ممن أنت؟ قلت: من تنوخ. قال: يا أخا تنوخ، هل لك في الإسلام؟ قلت: لا، إني أقبلت من قبل قوم وأنا فيهم على دين، ولست مستبدلاً بدينهم حتى أرجع إليهم فضحك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو تبسم. فلما قضيت حاجتي قمت، فلما وليت دعاني فقال: يا أخا تنوخ، هلم فامض للذي أمرت به، قال: وكنت نسيتها فاستدرت من وراء الحلقة وألقى بردة كانت عليه عن ظهره، فرأيت على غضروف كتفه مثل المحجم الضخم. وفي رواية: فضحك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعني حين دعاه إلى الإسلام، فأبى أن يسلم، وتلا هذه الآية: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " ثم قال رسو

الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنك رسول قوم وإن لك حقاً، ولكن جئتنا ونحن مرملون، فقال عثمان بن عفان: أنا أكسوه حلة صفورية وقال رجل من الأنصار: علي ضيافته. قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية، وكتب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم كتاباً فهو عندهم. فكتب ليحنة بن رؤبة: بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومحمد النبي ورسوله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة أساقفهم وسائرهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة النبي ومن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وأنه طيب لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر. هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابن إسحاق: وكتب لأهل جرباء وأذرح: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبي لأهل أذرح: إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وإن عليهم مئة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان إلى المسلمين. ومن لجأ إليهم من المسلمين. وذكر باقي الحديث. وأعطى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل أيلة برده مع كتابه الذي كتب لهم أماناً لهم، فاشتراه أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاث مئة دينار. ثم إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة. وعن قيس بن النعمان السكوني قال: خرجت خيل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسمع بها أكيدر دومة الجندل فانطلق إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فقال: يا رسول الله، إنه بلغنا أن خيلك انطلقت، وإني خفت على أرضي ومالي فاكتب كتاباً لا يعرضوا من شيء لي، فإني مقر بالذي علي من الحق، فكتب له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم إن أكيدر أخرج قباء من ديباج منسوج مما كان كسرى يكسوهم فقال: يا رسول الله، أقبل عني هذا فإني أهديته لك. فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارجع بقبائك فإنه ليس يلبس هذا في الدنيا إلا حرمة يعني في الآخرة فرجع به حتى أتى منزله، وإنه وجد في نفسه أن يرد عيه هديته فقال: يا رسول الله، إنا أهل بيت يشق علينا أن ترد علينا هديتنا، فاقبل مني هديتي فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انطلق فادفعه إلى عمر بن الخطاب قال: وقد كان عمر قد سمع ما قال رسول الله فبكى، فدمعت عيناه. وظن أنه قد لحقه شيء. فانطلق إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، أحدث في أمر؟ قلت في هذا القباء ما قلت ثم بعثت به إلي، فضحك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى وضع يده أو ثوبه على فيه. ثم قال: ما بعثت به إليك لتلبسه. ولكن تبيعه وتستعين بثمنه.

ذكر بعث النبي أسامة بن زيد وأمره بشن الغارة على مؤتة ويبنى وآبل الزيت

ذكر بعث النبي أسامة بن زيد وأمره بشن الغارة على مؤتة ويبنى وآبل الزيت عن أبي مويهبة مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: رجع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة بعدما قضى حجة التمام، فتحلل به السير وضرب على الناس بعثاً، وأمر عليهم أسامة بن زيد، وأمره أن يوطئ آبل الزيت من مشارف الشام بالأردن، فقال المنافقون في ذلك، ورد عليهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنه لخليق لها، أي حقيق بالإمارة، ولئن قلتم فيه لقد قلتم في أبيه من قبله وإن كان لها لخليقاً. وطارت الأخبار لتحلل السير بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد اشتكى، ووثب الأسود باليمن ومسيلمة باليمامة. وجاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبر عنهما، ثم وثب طليحة في بلاد بني أسد بعدما أفاق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم اشتكى في المحرم وجعه الذي توفاه جل وعز فيه. وعن ابن عباس قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد ضرب بعث أسامة ولم يستتب لوجع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولخلع مسيلمة والأسود، وقد أكثر المنافقون في تأمير أسامة حتى بلغ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخرج عاصباً رأسه من الصداع، لذلك من الشأن، ولبشارة أريها في بيت عائشة. وقال: إني أريت البارحة فيما يرى النائم في عضدي سوارين من ذهب فكرهتهما فنفختهما فطارا. فأولتهما هذين الكذابين صاحب اليمامة، وصاحب اليمن، وقد بلغني أن أقواماً يقولون في إمرة أسامة، ولعمري لئن قالوا في إمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله، وإن كان أبوه لخليقاً لها، وإنه لهها لخليق، فأنفذوا بعث أسامة. وقال: لعن الله الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد.

فخرج أسامة فضرب بالجرف، وأنشأ الناس في العسكرة، ونجم طليحة، وتمهل الناس. وثقل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يستتم الأمر. انتظر أولهم آخرهم حتى توفي الله عز وجل نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أسامة بن زيد أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان وجهه وجهاً، فقبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يتوجه في ذلك الوجه. ثم استخلف أبو بكر، فقال بأبو بكر لأسامة: ما الذي عهد إليك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: عهد إلي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أغير على أبنى صباحاً وأحرق. وعن الحسن بن أبي الحسن قال: ضرب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثاً قبل وفاته على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب، وأمر عليهم أسامة بن زيد. فلم يجاوز أخرهم الخندق حتى قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوقف أسامة بالناس ثم قال لعمر: ارجع إلى خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستأذنه يأذن لي فأرجع بالناس فإن فعي وجوه الناس وحدهم، ولا آمن على خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وثقل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأثقال المسلمين أن تيخطفهم المشركون. وقالت الأنصار: فإن أبى إلا أن تمضي فأبلغه عنا، واطلب إليه أن يولي أمرنا رجلاً أقدم سناً من أسامة. فخرج عمر بأمر أسامة فأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة. فقال أبو بكر: لو اختطفتني الكلاب والذئاب لم أرد قضاء قضاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فإن الأنصار أمروني أن أبلغك أنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلاً أقدم سناً من أسامة. فوثب أبو بكر وكان جالساً فأخذ بلحية عمر وقال: ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب، استعمله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتأمرني أن أنزعه؟! فخرج عمر إلى الناس فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم ما لقيت فقي سببكم اليوم من خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم فأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب. وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر، فقال له

أسامة: يا خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتركبن أو لأنزلن. فقال: والله لا تنزل، ووالله لا أركب. وما علي أن أغير قدمي ساعة في سبيل الله. فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبع مئة حسنة، تكتب له، وسبع مئة درجة ترفع له، وتمحى عنه سبع مئة خطيئة. حتى إذا انتهى قال له: إن رأيت أن تعينني بعمر بن الخطاب، فافعل. فأذن له. وقال: يا أيها الناس، فقوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعزقوا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحو شاة ولا بقرة، ولا بعيراً إلا لمآكله. وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له. وسوف تقدمون على أقوام يأتونكم بآنية فيها ألوا الطعام، فإذا أكلتم منها شيئاً بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها. وسوف تلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيوف خفقاً. اندفعوا باسم الله. أفناكم الله بالطعن والطاعون. وفي رواية: فلما ثقل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقاموا حتى شهدوه. فلما فرغوا أنفذه أبو بكر رضي الله عنه على ما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخرج أبو بكر إلى الجرف فاستنفر أسامة وبعثه، وسأله عمر فأذن له، وقال له: اصنع ما أمر به نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ابدأ ببلاد قضاعة ثم ائت آبل، ولا تقصرن في شيء من أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا تعجلن لما خلفت عن عهده، فمضى أسامة مغذاً على ذي المروة، والوادي. وانتهى إلى ما أمره به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بث الخيول في قبائل قضاعة والغارة على آبل، فسلم وغنم، وكان فراغه في أربعين يوماً سواى مقامه ومقيله راجعاً. وحدث زيد بن أسلم قال: مات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعماله على قضاعة: على كلب امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي من بني عبد الله. وعلى القين عمرو بن الحكم. وعلى سعد هذيم معاوية بن فلان الوائلي. فارتد وديعة الكلبي فيمن آزره من كلب، وبقي امرؤ القيس على دينه وارتد زميل بن قطبة القيني

فيمن أزره من بني القين وبني عمرو، وارتد معاوية فيمن أزره من سعد هذيم. فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس بن فلان وهو جد سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما فثار بوديعة، وإلى عمرو فأقام لزميل وإلى معاوية العذري فأقام لمعاوية، فلما توسط أسامة بلاد قضاعة بث الخيول قبلهم، وأمرهم أن ينهضوا من أقام على الإسلام إلى من رجع عنه، فخرجوا هراباً حتى أرزوا إلى دومة، واجتمعوا إلى وديعة، ورجعت خيول أسامة إليه فمضى فيها أسامة حتى أغار على الحمقتين، فأصاب في بني الضبيب من جذام. وفي بني حيليل من لخم ولفها من القبيلتين. وجازهم من آبل، ثم انكفأ سالماً غانماً. وعن عروة قال: لما فرغوا من البيعة واطمأن الناس قال أبو بكر لأسامة: امض لوجهك الذي بعثك له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكلمه رجال من المهاجرين والأنصار، وقالوا: أمسك أسامة وبعثه، فإنا نخشى أن تميل علينا العرب إذا سمعوا بوفاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقال أبو بكر وكان أحزمهم أمراً: أنا أحبس جيشاً بعثهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! لقد اجترأت على أمر عظيم، والذي نفسي بيده لأن تميل علي العرب أحب إلي من أن أحبس جيشاً بعثهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. امض يا أسامة في جيشك للوجه الذي أمرت به. ثم اغز حيث أمرك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ناحية فلسطين، وعلى أهل مؤتة، فإن الله سيكفي ما تركت، ولكن إن رأيت أن تأذن لعمر بن الخطاب فأستشره واستعن به، فإنه ذو رأي ومناصح للإسلام فافعل، ففعل أسامة. ورجع عامة العرب عن دينهم وعامة أهل المشرق وغطفان وبنو أسد وعامة أشجع، ومسكت طيء بالإسلام. وقال عامة أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أمسك أسامة وجيشه ووجههم نحو من ارتد عن الإسلام من غطفان وسائر العرب، فأبى ذلك أبو بكر أن يحبس أسامة، وقال: إنكم قد علمتم أنه قد كان من عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليكم في المشورة فيما لم تمض من نبيكم فيه سنة، ولم ينزل عليكم به كتاب، وقد أشرتم. وسأشير عليكم. فانظروا أرشد ذلك فائتمروا به. فإن الله لن يجمعكم عن ضلالة. والذي نفسي بيده. ما أرى من أمر أفضل في

نفسي من جهاد من منع منا عقالاً كان يأخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فانقاد المسلمون لرأي أبي بكر ورأوا أنه أفضل من رأيهم، فبعث أبو بكر أسامة بن زيد لوجهه الذي أمره به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فأصاب في العدو مصيبة عظيمة، وسلمه الله وغنمه هو وجيشه، وردهم صالحين، وخرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار حين خرج أسامة حتى بلغ نقعاً حذاء نجد وهربت الأعراب بذراريهم. فلما بلغ المسلمين هرب الأعراب كلموا أبا بكر وقالوا: ارجع إلى المدينة وإلى الذراري والنساء، وأمر رجلاً من أصحابك على الجيش. واعهد إليه أمرك فلم يزل المسلمون بأبي بكر حتى رجع. وأمر خالد بن الوليد على الجيش. فقال له: إذا أسلموا وأعطوا الصدقة فمن شاء منكم أن يرجع فليرجع. ورجع أبو بكر إلى المدينة. قال الواقدي: قالوا: لم يزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر مقتل زيد بن حارثة وجعفر وأصحابه ووجد عليهم وجداً شديداً، فلما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وأمرهم بالانكماش في غزوهم فتفرق المسلمون من عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم مجدون في الجهاد. فلما أصبح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الغد يوم الثلاثاء لثلاث ليال بقين من صفر دعا أسامة بن زيد فقال: يا أسامة، سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فاغز صباحاً على أهل أبني وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الخبر، فإن أظفرك الله فأقلل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقدم العيون أمامك والطلائع. فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر بدئ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصدع وحم. فلما أصبح يوم الخميس لليلة بقيت من صفر عقد له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده لواء ثم قال: يا أسامة، اغز باسم الله، في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا تتمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم، ولكن قولوا: اللهم اكفناهم، واكفف بأسهم عنا، فإن لقوكم قد أجلبوا وصبحوا فعليكم بالسكينة والصمت، " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " وقولوا: اللهم، إنا نحن عبادك وهم عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدك، وإنما تغلبهم أنت. واعلموا أن الجنة تحت البارقة.

وعن أسامة بن زيد: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره بأن يغير على أهل أبنى صباحاً وأن يحرق. قالوا: ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأسامة: امض على اسم الله. فخرج بلواثه معقوداً، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، فخرج به إلى بيت أسامة، وأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسامة فعسكر بالجرف، وضرب عسكره في موضع سقاية سليمان اليوم، وجعل الناس يؤخذون بالخروج إلى العسكر، فيخرج من فرغ من حاجته إلى معسكره ومن لم يقض حاجته فهو على فراغ، ولم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة، وسعيد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، في رجال من المهاجرين. والأنصار عدة: قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش. فقال رجال من المهاجرين، وكان أشدهم في ذلك قولاً عياش بن أبي ربيعة: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين؟ فكثرت القالة في ذلك، فسمع عمر بن الخطاب بعض ذلك القول، فرده على من تكلم به، وجاء إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره بقول من قال، فغضب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غضباً شديداً، فخرج قد عصب رأسه عصابة وعليه قطيفة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟! والله لئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وأيم الله، إن كان للإمارة لخليق، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي. وإن هذا لمن أحب الناس إلي، وإنهما لمخيلان لكل خير، فاستوصوا به خيراً، فإنه من خياركم، ثم نزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر ليال خلون من ربيع الأول. وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم عمر بن الخطاب، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: أنفذوا وبعث أسامة. ودخلت أم أيمن فقالت: أي رسول الله، لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تماثل، فإن أسامة إن خرج على حاله هذه لم ينتفع بنفسه، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنفذوا بعث أسامة، فمضى الناس إلى المعسكر، فباتوا ليلة الأحد. ونزل أسامة يوم الأحد، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثقيل مغمور وهو

اليوم الذي لدوه فيه. فدخل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعيناه تهملان، وعنده العباس والنساء حوله، فطأطأ عليه أسامة فقبله ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يصبهما على أسامة. قال أسامة: فأعرف أنه كان يدعو لي. قال أسامة: فرجعت إلى معسكري، فلما أصبح يوم الاثنين غدا من معسكره وأصبح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفيقاً، فجاءه أسامة فقال: اغد على بركة الله، فودعه أسامة ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفيق مريح مفيق، وجعل نساؤه يتماشطن سروراً براحته. ودخل أبو بكر فقال: يا رسول الله، أصبحت مفيقاً بحمد الله. واليوم يوم ابنة خارجة فإذن لي، فأذن له، فذهب إلى السنح وركب أسامة إلى معسكره، وصاح في أصحابه باللحوق إلى العسكر فانتهى إلى معسكره ونزل، وأمر الناس بالرحيل، وقد متع النهار، فبينا أسامة بن يزد يريد أن يركب من الجرف أتاه رسول أم أيمن وهي أمه تخبره أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يموت، فأقبل أسامة إلى المدينة معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فانتهوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورسوله الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يموت. فتوفي عليه السلام حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول. ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة بن الحصيب بلواء أسامة معقوداً حتى أتى به باب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغرزه عنده. فلما بويع لأبي بكر أمر بريدة أن يذهل باللواء إلى بيت أسامة ولا يحله أبداً حتى يغزوهم أسامة، فقال بريدة: فخرجت باللواء حتى انتهيت به إلى بيت أسامة ثم خرجت به إلى الشام معقوداً مع أسامة ثم رجعت به إلى بيت أسامة فما زال معقوداً في بيت أسامة حتى توفي أسامة. فلما بلغ العرب وفاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وارتد من ارتد منها عن الإسلام قال أبو بكر لأسامة: انفذ في وجهك الذي وجهك فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأخذ الناس بالخروج وعسكروا

في موضعهم الأول وخرج بريدة باللواء حتى انتهى إلى معسكرهم الأول، فشق على كبار المهاجرين الأولين، ودخل على أبي بكر عمر وعثمان وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد فقالوا: يا خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إن العرب قد انتقضت عليك من كل جانب وإنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئاً. اجعلها عدة لأهل الردة، ترمي بهم في نحورهم. وأخرى لا تأمن على أهل المدينة أن يغار عليها، وفيها الذاراري والنساء، فلوا استأنيت لغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه ويعود أهل الردة إلى ما خرجوا منه، أو يفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ. فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا. فلما استوعب أبو بكر كلامهم قال: هل منكم أحد يريد أن يقول شيئاً؟ قالوا: لا. قد سمعت مقالتنا. فقال: والذي نفسي بيده، لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث، ولا بدأت بأول منه، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينزل عليه الوحي من السماء يقول: أنفذوا جيش أسامة، ولكن خصلة، أكلم أسامة في عمر يخلفه يقيم عندنا، فإنه لا يغنى بنا عنه. والله ما أدري يفعل أسامة أم لا؟ والله إن أبى لا أكرهه، فعرف القوم أن أبا بكر قد عزم على إنفاذ بعث أسامة. ومشى أبو بكر إلى أسامة في بيته فكلمه في أن يترك عمر ففعل أسامة، وجعل يقول له: أذنت ونفسك طيبة؟ فقال أسامة نعم. قال: وخرج فأمر مناديه ينادي: عزمة مني ألا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإني لن أوتي بأحد أبطأ الخروج معه إلا ألحقته به ماشياً وأرسل إلى النفر من المهاجرين الذين كانوا تكلموا في إمارة أسامة فغلظ عليهم وأخذهم بالخروج، فلم يتخلف عن البعث إنسان واحد. وخرج أبو بكر يشيع أسامة والمسلمين. فلما ركب أسامة من الجرف في أصحابه وهم ثلاثة آلاف رجل وفيهم ألف فرس، فسار أبو بكر إلى جانب أسامة ساعة ثم قال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوصيك، فانفذ لأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه، إنما أنا منفذ لأمر أمر به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فخرج سريعاً، فوطئ بلاداً هادئة لم يرجعوا عن الإسلام: جهينة وغيرها من قضاعة. فلما نزل وادي القرى قدم عيناً له من بني عذرة يدعى حريثاً، فخرج على صدر راحلته أمامه مغذاً حتى انتهى إلى أبنى، فنظر إلى ما هناك، وارتاد الطريق، ثم رجع سريعاً حتى لقي اليوم الذي لدوه فيه. فدخل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعيناه تهملان، وعنده العباس والنساء حوله، فطأطأ عليه أسامة فقبله ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يصبهما على أسامة. قال أسامة: فأعرف أنه كان يدعو لي. قال أسامة: فرجعت إلى معسكري، فلما أصبح يوم الاثنين غدا من معسكره وأصبح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفيقاً، فجاءه أسامة فقال: اغد على بركة الله، فودعه أسامة ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفيق مريح، وجعل نساؤه يتماشطن سروراً براحته. ودخل أبو بكر فقال: يا رسول الله، أصبحت مفيقاً بحمد الله. واليوم يوم ابنة خارجة فائذن لي. فأذن له، فذهب إلى السنح وركب أسامة إلى معسكره، وصاح في أصحابه باللحوق إلى العسكر فانتهى إلى معسكره ونزل، وأمر الناس بالرحيل، وقد متع النهار، فبينا أسامة بن زيد يريد أن يركب من الجرف أتاه رسول أم أيمن وهي أمه تخبره أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يموت، فأقبل أسامة إلى المدينة معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فانتهوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يموت. فتوفي عليه السلام حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة بن الحصيب بلواء أسامة معقوداً حتى أتى به باب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغرزه عنده. فلما بويع لأبي بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ولا يحله أبداً حتى يغزوهم أسامة، فقال بريدة: فخرجت باللواء حتى انتهيت به إلى بيت أسامة ثم خرجت به إلى الشام معقوداً مع أسامة ثم رجعت به إلى بيت أسامة فما زال معقوداً في بيت أسامة حتى توفي أسامة. فلما بلغ العرب وفاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وارتد من ارتد منها عن الإسلام قال أبو بكر لأسامة: انفذ في وجهك الذي وجهك فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأخذ الناس بالخروج وعسكروا في موضعهم الأول وخرج بريدة باللواء حتى انتهى إلى معسكرهم الأول، فشق على كبار المهاجرين الأولين، ودخل على أبي بكر عمر وعثمان وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد فقالوا: يا خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إن العرب قد انتقضت عليك من كل جانب وإنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئاً. اجعلهم عدة لأهل الردة، ترمي بهم في نحورهم. وأخرى لا تأمن على أهل المدينة أن يغار عليها، وفيها الذراري والنساء، فلوا استأنيت لغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه ويعود أهل الردة إلى ما خرجوا منه، أو يفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ. فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا. فلما استوعب أبو بكر كلامهم قال: هل منكم أحد يريد أن يقول شيئاً؟ قالوا: لا. قد سمعت مقالتنا. فقال: والذي نفسي بيده، لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث، ولا بدأت بأول منه، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينزل عليه الوحي من السماء يقول: أنفذوا جيش أسامة، ولكن خصلة، أكلم أسامة في عمر يخلفه يقيم عندنا، فإنه لا غنى بنا عنه. والله ما أدري يفعل أسامة أم لا؟ والله إن أبى لا أكرهه، فعرف القوم أن أبا بكر قد عزم على إنفاذ بعث أسامة. ومشى أبو بكر إلى أسامة في بيته فكلمه في أن يترك عمر ففعل أسامة، وجعل يقول له: أذنت ونفسك طيبة؟ فقال أسامة: نعم. قال: وخرج فأمر مناديه ينادي: عزمة مني ألا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإني لن أوتى بإحد أبطأ الخروج معه إلا ألحقته به ماشياً وأرسل إلى النفر من المهاجرين الذي كانوا تكلموا في إمارة أسامة فغلظ عليهم وأخذهم بالخروج، فلم يتخلف عن البعث إنسان واحد. وخرج أبو بكر يشيع أسامة والمسلمين. فلما ركب أسامة من الجرف في أصحابه وهم ثلاثة آلاف رجل وفيهم ألف فرس، فسار أبو بكر إلى جانب أسامة ساعة ثم قال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوصيك، فانفذ لأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه، إنما أنا منفذ لأمر أمر به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فخرج سريعاً، فوطئ بلاداً هادئة لم يرجعوا عن الإسلام: جهينة وغيرها من قضاعة. فلما نزل وادي القرى قدم عيناً له من بني عذرة يدعى حريثاً، فخرج على صدر راحلته أمامه مغذاً حتى انتهى إلى أبنى، فنظر إلى ما هناك، وارتاد الطريق، ثم رجع سريعاً حتى لقي

أسامة على مسيرة ليلتين من أبنى، فأخبره أن الناس غارون ولا جموع لهم، وأمره أن يسرع للسير قبل أن تجتمع الجموع وأن يشنها غارة. وروى المنذر بن جهم قال: قال بريدة لأسامة: يا أبا محمد، إني شهدت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوصي أباك أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أطاعوه خيرهم إن أحبوا أن يقيموا في ديارهم ويكونوا كأعراب المسلمين فلا شيء لهم في الفيء ولا في الغنيمة، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، وإن تحولوا إلى دار الإسلام كان لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. قال أسامة: هكذا وصية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي؟ ولكن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرني، وهو آخر عهده إلي أن أسرع السير وأسبق الأخبار وأن أشن الغارة عليهم بغير دعاء فأحرق وأخرب. فقال بريدة: سمعاً وطاعة لأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما انتهى إلى أبنى فنظر إليها منظر العين عبأ أصحابه وقال: اجعلوها غارة، ولا تمنعوا في الطلب ولا تفترقوا واجمعوا، وأخفوا الصوت واذكروا اسم الله في أنفسكم، وجردوا سيوفكم وضعوها فيمن أشرف لكم. ثم دفع عليهم الغارة. فما نبح كلب، ولا تحرك أحد، ولا شعروا إلا بالقوم قد شنوا عليهم الغارة ينادون بشعارهم: يا منصور أمت، فقتل من أشرف له وسبى من قدر عليه، وحرق في طوائفها بالنار، وحرق منازلهم وحروثهم ومخلهم، فصارت أعاصير من الدخاخين، وأقام الخيل في عرصاتهم، ولم يمعنوا في الطلب. أصابوا ما قرب منهم، وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة خرج على فرس أبيه الذي قتل عليها أبوه يوم مؤتة، كنت تدعى سبحة، وقتل قاتل أبيه في الغارة. خبره به بعض من سبي، وأسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهماً وأخذ لنفسه مثل ذلك. فلما أمسوا أمر الناس بالرحيل، ومضى ومضى الدليل أمامه حريث العذري، فأخذوا الطريق الذي جاء منها، ودأبوا ليلتهم حتى أصبحوا بأرض بعيدة ثم طوى البلاد حتى انتهوا إلى وادي القرى في تسع ليال، ثم قصد يغذ السير إلى المدينة وما أصيب من المسلمين أحد فبلغ ذلك هرقل وهو بحمص، فدعا بطارقته فقال: هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوه مني، قد صارت العرب تأتي من مسيرة شهر، فتغير عليكم ثم تخرج من ساعتها ولم تكلم. قال أخوه يناق: فابعث رابطة تكون بالبلقاء فبعث رابطة واستعمل

عليهم رجلاً من أصحابه، فلم يزل مقيماً حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. قالوا: واعترض لأسامة في منصرفه قوم من أهل كثكث، قرية هناك، وقد كانوا اعترضوا لأبيه في بدأته، فأصابوا من أطرافه فناهضهم أسامة بمن معه، فظفر بهم وخرق عليهم وساق من نعمهم وأسر منهم أسيرين فأوثقهما وهرب من بقي، فقدم بهما المدينة، فضرب أعناقهما. وعن يحيى بن النضر أن أسامة بن زيد بعث بشيره من وادي القرى بسلامة المسلمين وأنهم قد أغاروا على العدو وأصابوهم. فلما سمع المسلمون بقدومهم خرج أبو بكر في المهاجرين وخرج أهل المدينة حتى العواتق، وبشروا بسلامة أسامة ومن معه من المسلمين، ودخل يومئذ على فرسه سبحة، كأنما خرجت من ذي خشب، عليه الدرع واللواء أمامه، يحمله بريدة، حتى انتهى به إلى المسجد فدخل فصلى ركعتين وانصرف إلى بيته معه اللواء. وكان مخرجه من الجرف لهلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة. فغاب خمسة وثلاثين يوماً سار عشرين في بدائه، وخمس عشرة في رجعته. وعن أبي هريرة قال: والذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله، ثم قال الثانية ثم قال الثالثة، فقيل له يا أبا هريرة! فقال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجه أسامة بن زيد في سبع مئة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وارتدت العرب حول المدينة فاجتمع إليه أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا له: يا أبا بكر، ردها ولا توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة، فقال: والذي لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرجل الناس ما رددت جيشاً وجهه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا حللت لواء عقده رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فوجه أسامة. فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم، ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام.

ذكر اهتمام أبي بكر بفتح الشام وحرصه عليه

ذكر اهتمام أبي بكر بفتح الشام وحرصه عليه قال ابن إسحاق: كان فتح اليمامة واليمن والبحرين، وبعث الجنود إلى الشام في سنة ثنتي عشرة. وقال أيضاً: إن أبا بكر لما حدث نفسه بأن يغزو الروم فلم يطلع عليه أحداً إذ جاءه شرحبيل بن حسنة، فجلس إليه فقال: يا خليفة رسول الله، أتحدث نفسك أن تبعث إلى الشام جنداً؟ فقال: نعم، قد حدثت نفسي بذلك، وما أطلعت عليه أحداً. وما سألتني عنه إلا لشيء. قال: أجل، إني رأيت يا خليفة رسول الله فيما يرى النائم كأنك تمشي في الناس فوق خرشفة من الجبل، ثم أقبلت تمشي حتى صعدت فيه من القنان العالية، فأشرفت على الناس ومعك أصحابك، ثم إنك هبطت من تلك القنان إلى أرض سهلة دمثة، فيها الزرع والقرى والحصون، فقلت للمسلمين: شنوا الغارة على أعداء الله وأنا ضامن لكم بالفتح والغنيمة، فشد المسلمون وأنا فيهم معي راية، فتوجهت بها إلى أهل قرية، فسألوني الأمان فأمنتهم ثم جئت، فأجدك قد انتهيت إلى حصن عظيم، ففتح الله لك، وألقوا إليك السلم. ووضع الله لك مجلساً فجلست عليه، ثم قيل لك يفتح الله عليك وتنصر فاشكر ربك واعمل بطاعته، ثم قرأ " إذا جاء نصر الله والفتح " إلى آخرها. ثم انتبهت، فقال له أبو بكر: نامت عيناك، خيراً رأيت، وخيراً يكون إن شاء الله، ثم قال: بشرت بالفتح ونعيت إلي نفسي، ثم دمعت عينا أبي بكر ثم قال: أما الخرشفة التي رأيتنا نمشي عليها حق صعدنا إلى القنة العالية، فأشرفنا على الناس، فإنا نكابد من أمر هذا الجند والعدو مشقة ويكابدونه، ثم نعلو بعد ويعلو أمرنا، وأما نزولنا من القنة العالية إلى الأرض السهلة الدمثة والزرع والعيون والقرى والحصون فإنا ننزل إلى أمر أسهل مما كنا فيه من الخصب

والمعاش. وأما قولي للمسلمين: شنوا على أعداء الله الغارة، فإني ضامن لكم الفتح والغنيمة فإن ذلك دنو المسلمين إلى بلاد المشركين، وترغيبي إياهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم، وقبولهم. وأما الراية التي كانت معك، فتوجهت بها إلى قرية من قراهم ودخلتها، واستأمنوا فأمنتهم فإنك تكون أحد أمراء المسلمين ويفتح الله على يديك. وأما الحصن الذي فتح الله لي، فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأما العرش الذي رأيتني عليه جالساً فإن الله يرفعني ويضع المشركين. قال الله تبارك وتعالى: " ورفع أبويه على العرش " وأما الذي أمرني بطاعة الله وقرأ علي السورة فإنه نعى إلي نفسي، وذلك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نعى الله إليه نفسه حين نزلت هذه السورة، وعلم أن نفسه قد نعيت إليه، ثم سألت عينا فقال: لآمرن بالمعروف ولأنهين عن المنكر ولأجهدن فيمن ترك أمر الله، ولأجهزن الجنود إلى العادلين بالله في مشارق الأرض ومغاربها حتى يقولوا: الله أحد أحد لا شريك له، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون. هذا أمر الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا توفاني الله عز وجل لا يجدني الله عاجزاً ولا وانياً ولا في ثواب المجاهدين زاهداً. فعند ذلك أمر الأمراء. وبعث إلى الشام البعوث. وعن عبد الله بن أبي أوفى الخزاعي قال: لما أراد أبو بكر غزو الروم دعا علياً وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبا عبيدة بن الجراح، ووجوه المهاجرين والأنصار من أهل بدر وغيرهم فدخلوا عليه. قال عبد الله بن أبي أوفي وأنا فيهم فقال: إن الله عز وجل لا تحصى نعماؤه ولا يبلغ جزاء الأعمال، فله الحمد، قد جمع الله كلمتكم وأصلح ذات بينكم وهداكم إلى الإسلام ونفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا به ولا تتخذوا إلهاً غيره، فالعرب اليوم بنو أم وأب، وقد رأيت أن أستنفر المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين، ويجعل الله كلمته العليا مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الوافر لأنه من هلك منهم هلك شهيداً. وما عند الله خير للأبرار، ومن عاش عاش مدافعاً عن الدين مستوجباً على الله ثواب المجاهدين، وهذا رأيي الذي رأيت، ما شار امرؤ علي برأيه، فقام عمر بن

الخطاب فقال: الحمد لله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه. والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه، " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " قد والله أردت لقاءك بهذا الرأي الذي رأيت. فما قضى أن يكون حتى ذكرته، فقد أصبت أصاب الله فيك سبيل الرشاد، سرب إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعث الرجال بعد الرجال، والجنود تتبعها الجنود. فإن الله ناصر دينه، ومعز الإسلام وأهله. ثم إن عبد الرحمن بن عوف قام فقال: يا خليفة رسول الله، إنها الروم وبنو الأصفر، حد حديد وركن شديد، ما أرى أن تقحم عليهم إقحاماً. ولكن نبعث الخيل فنغير في قواصي أرضهم ثم نرجع إليك. فإذا فعلوا ذلك بهم مراراً أضروا بهم وغنموا من أدنى أرضهم فقووا بذلك على عدوهم، ثم تبعث إلى أرضي أهل اليمن وأقاصي ربيعة ومضر ثم تجمعهم جميعاً إليك، فإن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك وإن شئت أغزيتهم ثم سكت وسكت الناس. قال: فقال لهم أبو بكر: ماذا ترون؟ فقال عثمان بن عفان: إني أرى أنك ناصح لأهل هذا الدين شفيق عليهم، فإذا رأيت رأيا تراه لعامتهم صلاحاً فاعزم على إمضائه، فإنك غير ظنين. فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة وسعيد بن زيد ومن حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار: صدق عثمان، ما رأيت من رأي فأمضه، فإنا لا نخالفك، ولا نتهمك. وذكروا هذا وأشباهه، وعلي في القوم لم يتكلم. قال أبو بكر: ماذا ترى يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت عليهم إن شاء الله فقال: بشرك الله بخير! ومن أين علمت ذلك؟ قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا يزال هذا الدين ظاهراً على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون. فقال: سبحان الله ما أحسن هذا الحديث. لقد سررتني به سرك الله. ثم إن أبا بكر رضي الله عنه قام في الناس فذكر الله بما هو أهله وصلى على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قال: أيها الناس، إن الله قد أنعم عليكم بالإسلام، وأكرمكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين على كل دين فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإني مؤمر عليكم أمراء، وعاقد لكم، فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم لتحسن نيتكم وشربكم وأطعمتكم. ف " إن الله مع الذين

اتقوا والذين هم محسنون " فسكت القوم، فوا لله ما أجابوا فقال عمر: يا معشر المسلمين، مالكم لا تجيبون خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد " دعاكم لما يحييكم ". أما إنه " لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً " لابتدرتموه. فقام عمرو بن سعيد فقال: يا بن الخطاب، ألنا تضرب الأمثال أمثال المنافقين؟! فما منعك مما عبت علينا فيه أن تبتدئ به؟! فقال عمر: إنه يعلم أني أجيبه لو يدعوني، وأغزو لو يغزيني. قال عمرو بن سعيد، ولكن نحن لا نغزو لكم إن غزونا، إنما نغزو لله. فقال عمر: وفقك الله فقد أحسنت. فقال أبو بكر لعمرو: اجلس رحمك الله فإن عمر لم يرد بما سمعت أذى مسلم ولا تأنيبه، إنما أراد بما سمعت أن ينبعث المتثاقلون إلى الأرض إلى الجهاد فقام خالد بن سعيد فقال: صدق خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. اجلس ابن أخي. فجلس. وقال خالد: الحمد لله الذي لا إله إلا هو الذي بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. فالله منجز وعده ومظهر دينه ومهلك عدوه، ونحن غير مخالفين ولا مختلفين، وأنت الوالي الناصح الشفيق، تنفر إذا استنفرتنا ونطيعك إذا أمرتنا. ففرح بمقالته أبو بكر وقال: جزاك الله خيراً من أخ وخليل، فقد كنت أسلمت مرتغباً وهاجرت محتسباً، وقد كنت هربت بدينك من الكفار لكيما يطاع الله ورسوله وتعلو كلمته، وأنت أمير لناس، فسر يرحمك الله ثم إنه نزل، ورجع خالد بن سعيد فتجهز، وأمر أبو بكر بلالاً فأذن في الناس أن انفروا أيها الناس إلى جهاد الروم بالشام، والناس يرون أن أميرهم خالد بن سعيد، وكان الناس لا يشكون أن خالد بن سعيد أميرهم، وكان أول خلق الله عسكر، ثم إن الناس خرجوا إلى معسكرهم من عشرة وعشرين وثلاثين وأربعين وخمسين ومئة، كل يوم، حتى اجتمع أناس كثير. فخرج أبو بكر ذات يوم. ومعه رجال من الصحابة حتى انتهى إلى عسكرهم فرأى عدة حسنة لم يرض عدتها للروم، فقال لأصحابه: ما ترون في هؤلاء؟ أن نشخصهم إلى الشام في هذه العدة؟ فقال عمر: ما أرضى هذه العدة لجموع بني الأصفر. فقال لأصحابه: ماذا ترون فقالوا: نحن نرى ما رأى عمر، فقال: ألا

أكتب كتاباً إلى أهل اليمن ندعوهم إلى الجهاد فنرغبهم في ثوابه، فرأى ذلك جميع أصحابه. قالوا: نعم ما رأيت. افعل. فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: من خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل اليمن: سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد. فإن الله تعالى كتب على المؤمنين الجهاد وأمرهم أن ينفروا خفافاً وثقالاً ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. والجهاد فريضة مفروضة، والثواب عند الله عظيم، وقد استنفرنا المسلمين إلى جهاد الروم بالشام وقد سارعوا إلى ذلك. وقد حسنت في ذلك نيتهم وعظمت حسبتهم، فسارعوا عباد الله إلى ما سارعوا إليه ولتحسن نيتكم فيه، فإنكم إلى إحدى الحسنيين، إما الشهادة وإما الفتح والغنيمة، فإن الله تبارك وتعالى لم يرض من عباده بالقول دون العمل، ولا يزال الجهاد لأهل عداوته حتى يدينوا بدين الحق ويقروا بحكم الكتاب. حفظ الله لكم دينكم، وهدى قلوبكم، وزكا أعمالكم، ورزقكم أجر المجاهدين الصابرين. وبعث بهذا الكتاب مع أنس بن مالك رضي الله عنه. قال ابن حزم: ولما أجمع أبو بكر أن يبعث الجيوش إلى الشام كان أول من سار من عماله عمرو بن العاص وأمره أن يسلك على أيلة عامداً لفلسطين، فقدم عمرو أمامه مقدمة عليهم سعيد بن الحارث السهمي ودفع لواءه إلى الحجاج بن الحارث السهمي وكان جند عمرو الذين خرجوا معه من المدينة ثلاثة آلاف فيهم ناس كثير من المهاجرين والأنصار. وخرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه يمشي إلى جنب راحلة عمرو بن العاص وهو يوصيه ويقول: يا عمرو اتق الله في سر أمرك وعلانيته. واستحيه فإنه يراك ويرى عملك، وقد رأيت تقديمي إياك على من هو أقدم سابقة منك، ومن كان أعظم غناء عن الإسلام وأهله منك، فكن من عمال الآخرة. وأرد بما تعمل وجه الله. وكن والداً لمن معك ولا تكشفن الناس عن أستارهم، واكتف بعلانيتهم. وكن مجداً أمرك، واصدق اللقاء إذا لاقيت، ولا تجبن،

وتقدم في الغلول وعاقب عليه، وإذا وعظت أصحابك فأوجز وأصلح نفسك تصلح كل رعيتك. في وصية له طويلة وعهد عهده إليه يعمل به. وفي رواية: قال أبو بكر لعمرو بن العاص: إني قد استعملتك على من مررت به من مررت به من بلي وعذرة وسائر قضاعة ومن سقط هناك من العرب، فاندبهم إلى الجهاد في سبيل الله ورغبهم فيه، فمن تبعك منهم فاحمله وزوده. ورافق بينهم، فاندبهم إلى الجهاد في سبيل اله ورغبهم فيه، فمن تبعك منهم فاحمله وزوده. ورافق بينهم، واجعل كل قبلية على حدتها ومنزلتها. وبعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثلاثة أمراء إلى الشام: عمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة. فكان عمرو هو الذي يصلي بالناس إذا اجتمعوا، وإن تفرقوا كان كل رجل منهم على أصحابه. وكان أمر الناس إلى عمرو بن العاص يوم أجنادين ويوم فحل، وفي حصار دمشق حتى فتحت. ورد في الأصل: فحل بكسر الحاء. قال: والمحفوظ بسكونها. ولما رأى عمرو بن العاص كثرة الجموع بالشام كتب إلى أبي بكر يذكر أمر الروم وما جمعوا ويستمده، فشاور أبو بكر من عنده من المسلمين. فقال عمر بن الخطاب: يا خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اكتب إلى خالد بن الوليد، يسير بمن معه إلى عمر بن العاص فيكون له مدداً، ففعل أبو بكر. وكتب إلى خالد بن الوليد. فلما أتاه كتاب أبي بكر قال: هذا عمل عمر. حسدني على فتح العراق. وأن يكون على يدي، فأحب أن يجعلني مدداً لعمرو بن العاص وأصحابه فأكون كأحدهم فإن كان فتح شركنا فيه، أو أن أكون تحت يدي بعضهم فإن كان فتح كان ذكره له دوني، وكتب أبو بكر الصديق إلى عمرو بن العاص أني كتبت إلى خالد بن الوليد يسير إليك مدداً لك. فإذا قدم عليك فأحسن مصاحبته، ولا تطاول عليه، ولا تقطع الأمور دونه لتقديمي إياك عليه، وعلى غيره. وشاورهم ولا تخالفهم. وعن موسى بن عقيبة قال: ثم بعث أبو بكر ثلاثة أمراء إلى الشام: خالد بن سعيد على جند، وعمرو بن العاص السهمي على جند، وشرحبيل بن حسنة على جند. ثم نزع خالد بن سعيد وأمر على جنده

يزيد بن أبي سفيان، فأدركه بذي المروة، فكأن عمراً وجد على خالد بن سعيد. ولما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة جاءه كتاب أبي بكر يأمره بالمسير إلى الشام، فمضى خالد على وجهه وسلك على عين التمر فمر بدومة فأغار عليها فقتل بها رجالاً، وهزمهم وسبى ابنه الجودي، ثم مضى حتى قدم الشام به فمر بدومة فأغار عليها فقتل بها رجالاً، وهزمهم وسبي ابنة الجودي، ثم مضى حتى قدم الشام وبه يومئذ أبو عبيدة بن الجراح على جند، ويزيد بن أبي سفيان على جند، وعمرو بن العاص على جند وشرحبيل بن حسنة على جند، فقدم عليهم خالد بن الوليد فأمدهم يوم أجنادين وهزم الله عدوه. وحج أبو بكر في خلافته سنة ثنتي عشرة. فلما قفل من الحج جهز الجيوش إلى الشام فبعث عمرو بن العاص قبل فلسطين، فأخذ الطريق المغربة على أيلة، وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وأمرهم أن يسلكوا التبوكية من علياء الشام. ولما بعث أبو بكر الجيوش لقتال أهل الردة وأتته وفود العرب مقرة بما كانت أنكرت راجعة إلى ما كانت خرجت منه، ورأى أبو بكر حسن خلافة ربه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تركته وجماعة أمته ومنه عليهم بنصره وكفايته مؤونته على كل مرتد ومرتاب، وقوته عليهم جميعاً واجتماع كلمتهم على الإيمان بالله والعمل بفرائضه دعاهم إلى جهاد قيصر وكسرى ومن يليهما من أهل ملكهما، وإقامة فريضة الله عليهم بذلك، والعمل بسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما كان من مسيره بنفسه وجماعة أمته إلى قيصر ومن يليهم، فأجابه إلى ذلك جماعة من المهاجرين والأنصار ومهاجرة الفتح وأمداد أهل العالية واليمن فاجتمع ل منهم أربعة وعشرون ألفاً. وولى عليهم الأمراء، وعقد لهم الألوية وجهزهم بما قدر عليه من الأموال والظهر. ولم يرض ببعثه السرايا ولا الاقتصار عليها فمضوا لما وجههم له، فوليهم الله بحسن الصحبة في العاقبة وسعة الرزق والتمكين في البلاد والنصر والفلج والظهور على من تعرض قتالهم بأجنادين ثم فحل ثم مرج الصفر ثم نزلوا على دمشق وحاصروا أهلها. وأمر أبو بكر خالداً أن ينزل تيماء ولا يبرحها، وأن يدعو من حوله بالانضمام إليه وألا يقبل إلا ممن لم يرتد، ولا يقاتل إلا من قاتله حتى يأتيه أمره. فأقام واجتمع إليه جموع كثيرة. وبلغ الروم عظم ذلك العسكر فضربوا على العرب الضاحية البعوث بالشام إليهم.

فكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بذلك وبنزول من استنفرت الروم، ونفر إليهم من بهراء وكلب وسلح وتنوخ ولخم وجذام وغسان من دون زيزاء بثلاث، فكتب إليه أبو بكر أن أقدم ولا تحجم، واستنصر الله، فسار إليهم خالد. فلما دنا منهم تفرقوا وأعروا منزلهم. فنزله خالد. ودخل عامة من كان تجمع له في الإسلام. وكتب خالد إلى أبي بكر بذلك. فكتب إليه أبو بكر: أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك، فسار فيمن كان خرج معه من تيماء وفيمن لحق به في طرف الرمل حتى نزلوا فيما بين آبل وزيزاء والقسطل، فسار إليه بطريق منن بطارقة الروم يدعى باهان، فهزمه وقتل جنده. وكتب بذلك إلى أبي كبر واستنفره. وقدم على أبي بكر أوائل مستنفري اليمن ومن بين مكة وبين اليمن وفيهم ذو الكلاع. وقدم عليه عكرمة قافلاً وغازياً فيمن كان معه من تهامة وعمان والبحرين والسرو، فكتب لهم أبو بكر إلى أمراء الصداقات أن يبدلوا من استبدل، فكلهم استبدل، فسمي ذلك الجيش جيش البدال. وقدموا على خالد بن سعيد، وعند ذلك اهتاج أبو بكر للشام، وعناه أمره. وقد كان أبو بكر رد عمرو بن العاص على عمالة كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولاها إياه من صدقات سعد هذيم، وعذرة ومن لفهم من جذام وحدس قبل ذهابه إلى عمان، فخرج إلى عمان وهو على عدة من عمله إذا هو رجع، فخرج إلى عمان فأنجز له ذلك أبو بكر. فكتب أبو بكر عند اهتياجه للشام إلى عمرو أني قد كنت رددتك إلى العمل الذي كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولاكه مرة وسماه لك أخرى، مبعثك إلى عمان إنجازاً لمواعيد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد وليته ثم وليته وقد أحببت، أبا عبد الله، أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك، فكتب إليه عمرو: إني سهم منن سهام الإسلام. وإنك بعد الله للرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به شيئاً إن جاءك من ناحية من النواحي، وكتب إلى الوليد نحو ذلك فأجابه بإيثار الجهاد.

قال سعيد بن المسيب: لما بعث أبو بكر الجنود نحو الشام: يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة قال: لما ركبوا مشى أبو بكر مع أمراء جنوده يودعهم حتى بلغ ثنية الوداع فقالوا: يا خليفة رسول الله، أتمشي ونحن ركبان؟! فقال: إني احتسبت خطاي هذه في سبيل الله. وفي رواية: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار ". ثم جعل يوصيهم فقال: أوصيكم بتقوى الله. اغزوا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله، فإن الله ناصر دينه ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تجبنوا ولا تفسدوا في الأرض، ولا تعصوا ما تؤمرون، فإذا لقيتم العدو من المشركين إن شاء الله فادعوهم إلى ثلاث خصال فإن هم أجابوكم فاقبلوا منهم وكفوا عنهم: ادعوهم إلى الإسلام. فإن هم أجابوكم فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن هم فعلوا فأخبروهم أن لهم مثل ما للمهاجري، وعليهم ما على المهاجرين. وإن هم دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم على دار المهاجرين فأخبروهم أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي فرض على المؤمنين، وليس لهم في الفيء الغنائم شيء حتى يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا أن يدخلوا في الإسلام فادعوهم إلى الجزية، فإن هم فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم. وإن هم أبوا فاستعينوا بالله عليهم فقاتلوهم. إن شاء الله، ولا تعزقن نخلاً ولا تحرقنها، ولا تعقروا بهيمة، ولا شجرة تثمر، ولا تهدموا بيعة، ولا تقتلوا الولدان ولا الشيوخ ولا النساء، وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فقدعوهم وما حبسوا أنفسهم له، وستجدون آخرين اتخذ الشيطان في أوساط رؤوسهم أفحاصاً، فإذا وجدتم أولئك فاضربوا أعناقهم إن شاء الله.

قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير وقال لي: هل تدري لم فرق أبو بكر وأمر بقتل الشمامسة يلقون القتال فيقاتلون، وأن الرهبان رأيهم ألا يقاتلوا. وقد قال تعالى: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ". وقال إسحاق بن أبي قروة: إن خالداً ومن معه هبطوا من ثنية الغوطة، تقدمهم راية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السوداء التي يقال لها العقاب، فبها سميت يومئذ ثنية العقاب. قال ابن إسحاق: وسار خالد حتى أغار على غسان بمرج راهط ثم سار حتى نزل على قناة بصرى، وعليها أبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان فاجتمعوا فرابطوها، حتى صالحت بصرى على أخذ الجزية، وفتحها الله على المسلمين فكانت أول مدينة من مدائن الشام فتحت في خلافة أبي بكر. قال: وصالح خالد في وجهه ذلك أهل تدمر، ومر على حوارين فقتل وسبى. وعن عبد الرحمن بن جبير أن أبا بكر الصديق كان جهز بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جيوشاً على بعضها شرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، فساروا حتى نزلوا الشام فجمعت لهم الروم جموعاً عظيمة. فحدث أبو بكر بذلك فأرسل إلى خالد بن الوليد وهو بالعراق، وكتب أن انصرف بثلاثة آلاف فارس فأمد إخوانك بالشام، والعجل العجل، فأقبل خالد مغذاً جواداً، فاشتق الأرض بمن معه حتى خرج إلى ضمير فوجد المسلمين معسكرين بالجابية، وتسامع الأعراب الذين كانوا في مملكة الروم بخالد ففزعوا له، ففي ذلك يقول قائلهم: من الطويل:

ألا يا اصبحينا قبل خيل أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري فنزل خالد على شرحبيل بن حسنة ويزيد وعمرو فاجتمع هؤلاء الأربعة أمراء. وسارت الروم من أنطاكية وحلب وقنسرين وحمص وما دون ذلك، وخرج هرقل كراهية لمسيرهم متوجهاً نحو الروم وسار باهان الرومي أبي الرومية إلى الناس بمن كان معه. روي عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن المسلمين ساروا وعليهم هؤلاء الأمراء: يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة. كل على عسكر، ومن كانت الواقعة مما يلي عسكره فهو على أصحابه، وساروا، معهم النساء والذرية بالخيل والسلاح، ليس معهم حمار ولا شاة، فأخذوا على طريق فلسطين حتى نزلوا بقرية يقال لها: ثادن من قرى غزة. ومما يلي الحجاز، فلقيهم بها بطريق من بطارقة الروم فأرسل إليهم أن يخرجوا إليه أحد القواد ليكلمه. قال: فتواكلوا ذلك وقالوا لعمرو بن العاص: أنت لذلك. فخرج إليه عمرو فرحب به البطريق ومت إليه بقرابة العيص بن إسحاق بن إبراهيم. وقال: ما الذي جاء بكم، فقد كانت الآباء اقتسمت الأرض، فصار لكم ما يليكم، وصار لنا ما يلينا، وقد عرفنا أنم إنما أخرجكم من بلادكم الجهد، وسنأمر لكم بمعروف، وتنصرفون. فقال عمرو: أما القرابة فهي على ما ذكرت، وأما القسمة فإنها كانت قسمة شططاً علينا، فنحن نريد أن نزاد حتى تكون قسمة معتدلة، لنأخذ نصف ما في أيديكم من الأنهار والعمارة ونعطيكم نصف ما في أيدينا من الشوك الحجارة. وأما ما ذكرت من الجهد الذي أخرجنا، فإنا قدمنا فوجدنا في هذه البلاد شجرة يقال لها الحنطة، فعذقنا منها طعاماً لا نفارقكم حتى نصيركم عبيداً أو تقتلونا تحت أصول هذه الشجرة. قال: فالتفت إلى أصحابه فقال: صدقوا، وافترقا، فاقتتلوا فكانت بينهم معركة انصرف القوم على حامية، ومضى المسلمون في آثارهم حتى طووهم عن فلسطين والأردن إلا ما كان من إيلياء وقيسارية تحصن فيها أناس فتركوهم ومضوا إلى ناحية البثينة ودمشق. وحدث أبو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد قال: بعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته خالد بن الوليد إلى أهل اليمامة، وبعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام. قال: فكنت ممن سار مع خالد إلى اليمامة. فلما

قدمنا قاتلنا قتالاً شديداً وظفرنا بهم، وهلك أبو بكر واستخلف عمر بن الخطاب فبعث أبا عبيدة بن الجراح إلى الشام، فقدم دمشق فاستمد أبو عبيدة عمر، فكتب عمر إلى خالد أن سر إلى أبي عبيدة بالشام فدعا خالد بن الوليد الدليل فقال: في كم نأتي إلى الحيرة؟ فقال: في كذا وكذا. قال: فعطش خالد الإبل ثم سقاها، واستقى وسقى الخيل، ثم كعم أفواه الإبل وأدبارها، وقال له الدليل: إن أنت أصبحت عند الشجرة نجوت ونجا من معك، وإن أصبحت دون الشجرة فقد هلكت وهلك من معك فسار خالد بمن معه فأصبح عند إضاءة الفجر عند الشجرة فنحر الإبل، وسقى ما في بطونها الخيل، وأطعم لحومها المسلمين، وسقى المسلمين من المزاد التي كانت تحمل معه، ثم أتى الحيرة أو الكوفة، فصالحه أسقفها. قال ابن عساكر: كذا قال، وإنما كان هذا بعد رجوعه عن الحيرة. وأبو عبيدة كان بالشام في أيام أبي بكر. وكان أبو بكر قد وجه خالد بن الوليد إلى العراق وأوصاه بمثل الذي أوصى به خالداً. وإن خالد بن سعيد سار حتى نزل على الشام ولم يقتحم، واستجلب الناس وعز فهابته الروم وأحجموا عنه، فلم يصبر عليه بعدما أمن، فوافقوا ابنه سعيد بن خالد مستمطراً فواقعوه فقتلواه ومن معه، وأتى الخبر خالداً فخرج هارباً حتى أتى البر فتنزل منزلاً، واجتمعت الروم إلى اليرموك فنزلوا به. وقالوا: والله لنشغلن أبا بكر في نفسه عن تورد بلادنا بخيوله. وكتب خلاد بن سعيد إلى أبي بكر بالذي كان، فكتب أبو بكر إلى عمرو بن العاص وكان في بلاد قضاعة بالسير إلى بلاد اليرموك ففعل. وبعث أبا عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وأمر كل واحد منهما بالغارة. وألا تغلوا حتى لا يكون وراءكم أحد من عدوكم. وقدم عليه شرحبيل بن حسنة بفتح من فتوح خالد فسرحه نحو الشام في جند، وسمى لكل رجل من أمراء الأجناد كورة من كور الشام، فتوافوا باليرموك. فلما رأت الروم توافيهم ندموا على الذي ظهر م (نهم،

ونسوا لذي كانوا يتواعدون أبا بكر به، واهتموا وهمتهم أنفسهم وأشجوهم وشجوا بهم. ثم نزلوا الواقوصة، وقال أبو بكر: والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد. فكتب اله بالمسير إلى أبي عبيدة بالشام، وأمره أن يستخلف المثنى بن حارثة على العراق في نصف الناس. فإذا فتح الله على المسلمين الشام فارجع إلى عملك بالعراق. وبعث خالد بالأخماس إلا ما نفل منها مع عمير بن سعد الأنصاري، وبمسيره إلى الشام، ودعا خالد الأدلة، فارتحل من الحيرة سائراً إلى دومة ثم طعن في البر إلى قراقر ثم قال: كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم؟ فإني إن استقبلتها حبستني عن غياث المسلمين، فكلهم قال: لا نعرف إلا طريقاً لا تحمل الجيوش يأخذه الفذ والراكب فإياك أن تغرر بالمسلمين. فعزم عليه ولم يجبه إلى ذلك إلا رافع بن عميرة على تهيئة شديدة. فقال له خالد وللمسلمين: لا يهولنكم، فإنا عباد الله، وفي سبيل الله، وعلى طاعة خليفة رسول الله، ونحن وإن كثرنا بعد أن نتزود كالقليل المنكمش، فناشدوه فثاب فيهم فقال: لا يختلفن هديكم، ولا يضعفن يقينكم، واعلموا أن المعونة تأتي على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وإن المسلم لا ينبغي له أن يكترث لشيء يقع فيه مع معونة الله له، فقالوا له: أنت رجل قد جمع الله لك الخير، فشأنك فطابقوه ونووا واحتسبوا واشتهوا مثل الذي اشتهى خالد. ولما سار خالد من الحيرة يمد أهل الشام استعمل على الضعفاء عمير بن سعد، واستعمل على من أسلم بالعراق المثنى بن حارثة الشيباني، ثم سار حتى نزل عين التمر وأغار على أهلها، ورابط حصونها مقاتلة كانت لكسرى وضعهم فيها حتى استنزلهم، فضرب أعناقهم وسبى من عين التمر بشراً كثيراً، فبعث بهم إلى أبي بكر. وذلك أول سبي قدم المدينة. من ذلك السبي أبو عمرة جد عبد الله بن أبي عمرة وعبيد مولى المعلى وأبو عبيد الله مولى بني زهرة وخير مولى أبي داود ويسار مولى قيس بن مخرمة. قال ابن إسحاق: وكان فيهم عمير بن زيتون الذي ببيت المقدس، ويسار مولى أبي بن كعب، وهو أبو الحسن بن أبي الحسن البصري، وأفلح مولى أبي أيوب الأنصاري. ووجدوا في

كنيسة اليهود صبياناً يتعلمون الكتابة في قرية من قرى عين التمر يقال لها نقيرة. وكان فيهم حمران بن أبان مولى عثمان، وقتل هلال بن عطية بن بشر النمري وصلبه. ثم سار ففوز من قراقر وهو ماء لكلب إلى سوى وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليلا، فلم يهتد الطريق، فطلب دليلاً فدل على رافع بن عميرة الطائي، فأتاه رافع فاستدله على الطريق فقال: أنشد الله في نفسك وجيشك، فإنها مفازة خمس ليال ليس فيها ماء مع مضلتها، وإن الراكب المنفرد يسلكها فيخاف على نفسه التهلكة، وما يسلكها إلا مغرور. ما علمت رأيك ونصيحتك. ومرنا بأمرك. قال رافع: فابغني عشرين من الإبل سمان عظام، فأتي بهن فظمأهن حتى جهدن، فأوردها الماء فشربن حتى تملأن ثم أمر بمشافرها فقطعن ثم كعمهن كيلا تجتررن، ثم حل أذنابهن، ثم قال لخالد: تزود واحمل من أطاق أن يصر على أذن ناقته ماء فليفعل فإنها المهالك، ففعل، وساروا فسار معهم وسار خالد معه بالخيول والأثقال. فكلما سار يوماً وليلة اقتطع منهن أربعة فأطعم لحمانها. وسقى ما في أكراشها الخيل، وشرب الناس ما كانوا حملوا. وبقي منزل واحد ونفدت الإبل وخشي خالد على أصحابه في آخر يوم، فأرسل خالد إلى رافع أن الإبل قد نفدت فما ترى؟ قال: قد انتهيت إلى الري فلا بأس عليك. اطلبوا شجرة بمثل قعدة الرجل، فعندها الماء. ورافع يومئذ رمد، فطلبوها فلم يصيبوها فرجعوا إلى رافع، فقالوا: إنا لم نصبها، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. هلكتم وهلكت لا أبا لكم. اطلبوها فطلبوها فأصابوها قد قطعت الشجرة وقد بقي منها بقية، فكبر وكبر الناس. فقال: احتفروا فاحتفروا عيناً عذبة مروية، فتزودوا وسقوا وحملوا. فقال رافع: إن هذه المفازة ما سلكتها قط إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام. وفي رواية: فقال رافع. والله ما وردت هذا الماء مذ ثلاثين سنة. فقال شاعر من المسلمين: قيل هو أبو أحيحة القرشي: من الرجز لله عينا رافع أن (ى اهتدى ... فوز من قراقر إلى سوى خمساً إذا ما سارها الجبس بكى ... ما سارها من قبله إنس يرى

ثم إن خالد بن الوليد أغار على أهل سوى، وهو ماء بهراء، قبل الصبح، وهم يشربون شراباً لهم في جفنة قد اجتمعوا عليهم ومغنيهم يقول: من الطويل ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري فزعوا أن ذلك المغني قتل تحت الغارة، فسال دمه في الجفنة. ثم استقام بخالد الطريق فتواصلت به امياه، حتى إذا أغار على مرج العذراء وبه ناس من غسان فأصاب منهم، ثم مضى حتى نزل مع أبي عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة على قناة بصرى فنزل معهم حتى صالحت بصرى على الجزية، وكانت أول جزية وقعت بالشام في عهد أبي بكر. وكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد: أما بعد. فدع العراق وخلف أهله فيه الذين قدمت عليهم وهم فيه. ثم امض مخففاً في أهل القوة من أصحابنا الذين قدموا معك العراق من اليمامة، وصحبوك من الطريق وقدموا عليك من الحجاز حتى تأتي الشام فتلقي أبا عبيدة بن الجراح، ومن معه من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

ما روي من توقع المشركين لظهور دولة المسلمين

ما روي من توقع المشركين لظهور دولة المسلمين عن عبد الله بن عباس أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجاراً بالشام في المدة التي كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه، وهو بإيلياء. فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم وترجمانه فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم به نسباً، فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه فجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذب فكذبوه، قال أبو سفيان: فوا لله لولا الحياء أن يأثروا علي كذباً لكذبته عه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول الذي قال؟ قال: قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. قال: فماذا يأمركم؟ قال: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة وبالصدقة والعفاف والصلة، فقال: للترجمان قل له: إني سألتك عن نسبه.

فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله قلت: رجل يأتم بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه ملك؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله عز وجل. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب. وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون. وسألتك: بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً. وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة وبالصدقة والعفاف والصلة، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وهو نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولكن لم أكن أظن أنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ثم دعا بكتاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا هو: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الإريسين " يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً " الآية. قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمُرَ أمرُ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله علي

الإسلام، وكان ابن قاطور وهو صاحب إيلياء وهرقل سقفه على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيث النفس، فقال له بعض بطارقته: لقد أنكرنا هيئتك، فقال ابن قاطور: وكان هرقل رجلاً حزاء ينظر في النجوم فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمم؟ قالوا: ليس يختتن غير اليهود، فلا يهمنك شأنهم واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود، فبيناهم على أمرهم ذلك أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان بخبره عن خبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا مختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن. فسأله عن العرب أيختتنون؟ فقال: نعم هم يختتنون، فقال: هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، فكتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق هرقل على خروج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبواهبا فغلقت ثم اطلع فقال لهم: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم؟ تتبعوا هذا الرجل. فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد أغلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من إيمانهم فقال: ردوهم علي، وقال: إني إنما قلت مقالتي التي قلت لكم أنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت الذي أحب فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل. المحفوظ ابن الناظور، ويقال بالطاء المهملة. وقد كان أمير جند الروم باليرموك قد بعث عيناً من عرب الشام فدخل على المسلمين عسكرهم، فرجع إليه فأخبرهم أنهم بالليل رهبان وبالنهار فرسان، هم فيما بينهم كالعبيد وعلى من سواهم كالأسود، إذا قالوا صدقوا، وإذا عاهدوا أوفوا، يأخذون لله حقوقه ولو من أنفسهم، فقال: أف لك، لئن كنت صادقاً للموت خير من الحياة، وليمرن علينا منهم شر طويل. وفي رواية: ولو سرق ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجموه. وقد كان هرقل قبل مهزم خالد بن سعيد حج بيت المقدس، فبينما هو مقيم به أتاه الخبر بقرب الجنود منه، فجمع الروم وقال: أرى من الرأي أن لا تقاتلوا هؤلاء القوم وأن

تصالحوهم فوا لله لئن تعطوهم نصف ما أخرجت الشام، وتأخذون نصفاً، وتبقى لكم جبال الروم خير لكم من أن يغلبوكم على الشام ويشاركوكم في جبال الروم، فنخر أخوه ونخر ختنه وتصدع عنه من كان حوله. فلما اجتمع المسلمون أمرهم بمنزل جامع واسع حصين، فنزلوا بالواقوصة وخرج فنزل حمص. فلما بلغه أن خالداً قد طلع على سوى فانتسف أهله وأمواله وعمد إلى بصرى فافتتحها وأباح عذراً قال لجلسائه: ألم أقل لكم لا تقاتلوهم فإنه لا قوام لكم مع هؤلاء القوم، إن دينهم دين جديد يجدد لهم ثبارهم ولا يقوم لهم أحد حتى يبلى، فقالوا له: قاتل عن دينك ولا تجبن الناس واقض الذي عليك. قال: وأي شيء أطلب بهذا إلا توفير دينكم؟ ولما نزلت جنوج المسلمين اليرموك بعث إليه المسلمون: إنا نريد كلام أميركم وملاقاته، أفتدعونا نأتيه نكلمه، فأبلغوه فأذن لهم فأتاه أبو عبيدة كالرسول ويزيد بن أبي سفيان كالرسول والحارث بن هشام وضرار بن الأزور وأبو جندل بن سهيل، ومع أخي الملك يومئذ في عسكره ثلاثون رواقاً وثلاثون سرادقاً كلها من ديباج، فلما انتهوا إليها أبوا أن يدخلوا عليه فيها، وقالوا: لا نستحل الحرير فابرز لنا فنزل إلى فرش له ممهدة وبلغ ذلك هرقل فقال: ألم أقل لكم هذا أول الذل. أما الشام فلا شام، وويل للروم من المولود المشؤوم، ولم يتأت بينهم وبين المسلمين صلح فرجع أبو عبيدة وأصحابه واتعدوا، فكان القتال حتى جاء الفتح. حدث رجلان من غسان. قال: لما كان المسلمون بناحية الأردن تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر، فقال أحدنا لصاحبه: هل لك أن ندخل المدينة فنتبين من سوقها قبل حصارها، فبينا نحن فيها نتسوق إذ أتانا رسول بطريقها اصطراخيه، فذهب بنا إليه، فقال: أنتما من العرب؟ قلنا: نعم. قال: وعلى النصرانية؟ قلنا: نعم، قال: ليذهب أحدكما إلى هؤلاء فليتحسس لنا من خيرهم ورأيهم، وليثبت الآخر على متاع صاحبه، ففعل ذلك أحدنا فلبث لبثاً ثم جاءه فقال: جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولاً عتاقاً، أما الليل فرهبان، وأما

النهار ففرسان، يريشون النبيل ويبرونها ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر، فالتفت إلى أصحاب فقال: أتاكم منهم ما لا طاقة لكم به. قال ابن إسحاق: كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يثبت لهم العدو فواقاً عند اللقاء، فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمة الروم، قال لهم: أخبروني ويلكم عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا هم بشر مثلكم؟ قالوا: بلى، قال: فأنتم أكثر أم هم، قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موطن، قال: فما بالكم تهزمون كما لقيتموهم، فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون بالليل، ويصومون بالنهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم، ونأمر بما يسخط الله وننهي عما يرضي الله، ونفسد في الأرض. قال: أنت صدقتني.

ذكر ظفر جيش المسلمين بأجنادين وفحل ومرج الصفر

ذكر ظفر جيش المسلمين بأجنادين وفحل ومرج الصفر قال ابن شهاب: كانت وقعة أجنادين وفحل في سنة ثلاث عشرة: أجنادين في جمادى، وفحل في ذي القعدة. قالوا: وكانت وقعة أجنادين يوم السبت صلاة الظهر لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة. قال ابن إسحاق: استخلف عمر على رأس اثنتي عشرة سنة وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوماً من مهاجر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان الناس بالشام إلى خالد بن الوليد، والأمراء على منازلهم، فساروا قبل فحل من الأردن، وكانت فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، وعلى رأس ستة أشهر من خلافة عمر، وقيل إن فحل كانت في رجب. قال الواقدي: وفي سنة أربع عشرة كان فتح مرج الصفر، فأقام المسلمون بها خمس عشرة من المحرم، وفيها زحف المسلمون إلى دمشق في المحرم فحاصروها ستة أشهر إلا يوماً. وقال ابن إسحاق: وقعة مرج الصفر يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة. والأمير خالد بن الوليد.

حدث سعيد وابن جابر قالا: ثم كانت بعد أجنادين وقعة مرج الصفر. قال سعيد: التقوا على النهر عند الطاحونة، فقتلت الروم يومئذ حتى جرى النهر، وطحنت طاحونتها بدمائهم، فأنزل الله على المسلمين نصره، وقتلت يومئذ أم حكيم أربعة من الروم بعمود فسطاطها. حدث عبد الله بن عمرو بن العاص في بيت المقدس، قال: شهدنا أجنادين ونحن يومئذ عشرون ألفاً، وعلى الناس يومئذ عمرو بن العاص، فهزمهم الله، ففاءت فئة إلى فحل في خلافة عمر. فسار إليهم في الناس عمرو بن العاص فنفاهم إلى فحل. فأهل الشام قاطبة وعامة رواتنا يقولون إن أجنادين كانت قبل فحل، وهي في ولاية أبي بكر، وكانت فحل في ذي القعدة في خلافة عمر على رأس خمسة أشهر من خلافته. وكانت أجنادين أول وقعة بين المسلمين والروم نصر الله المسلمين، وهي إحدى ملاحم الروم التي أبيروا فيها. قال الواقدي: كانت أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وبشر بها أبو بكر رضي الله عنه وهم بآخر رمق. قال: ومضى خالد بن الوليد إلى أصحابه حتى نزل على قناة بصرى، فيجد الأمراء مقيمين لم يفتحوا شيئاً قال: ما مقامكم بهذا الموضع؟ أنهضوا، فنهضوا بأهل بصرى فما أمسوا ذلك اليوم حتى دعوا إلى الصلح فصالحوهم وكتبوا بينهم كتاباً، فكانت أول مدينة فتحت من الشام صلحاً. وفيها مات سعد بن عبادة، وكان فتحها لخمس بقين من ربيع الأول سنة ثلاث عشرة، وأهل الشام يقولون: إن فحل كانت قبل فتح دمشق. وذكر سيف بن عمر التميمي: أنها كانت بعد فتح دمشق. والله أعلم. وخلف الناس بعد فتح دمشق يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق وساروا نحو فحل، فكان على الناس شرحبيل بن حسنة، فبعث خالداً على المقدمة وأبا عبيدة وعمراً على مجنبتيه، وعلى الخيل ضرار، وعلى الرجل عياض، وكرهوا أن يصمدوا لهرقل وخلفهم

ثمانون ألفاً، وعلموا أن بإزاء فحل جند الروم وإليهم ينظرون، وأن الشام بعدهم سلم، فلما انتهوا إلى أبي الأعور فقدموه إلى طبرية فحاصروهم، ونزلوا على فحل من الأردن، وقد كان أهل فحل حين نزل بهم أبو الأعور تركوه وأرزوا إلى بيسان فنزل شرحبيل بالناس فحلاً، والروم ببيسان، وبينهم وبين المسلمين تلك المياه والأوحال، وكتبوا إلى عمر بالخبر، وهم يحدثون أنفسهم بالمقام ولا يريدون أن يريموا فحل حتى يرجع جواب كتابهم من عند عمر، ولا يستطيعون الإقدام على عدوهم في مكانهم لما دونهم من الأوحال، وكانت العرب تسمي تلك الغزاة فحل، وذات الردغة وبيسان، وأصاب المسلمون من ريف الأردن أفضل ما ترك فيه المشركون: مادتهم متواصلة، وخصبهم رغد، فاغترهم القوم، وعلى الروم سقلار بن محرق، ورجوا أن يكونوا على غرة فأتوهم والمسلمون لا يأمنون مجيئهم فهم على حذر، وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة. فلما هجموا على المسلمين فغافصوهم فلم يناظروهم، فاقتتلوا بفحل كأشد قتال اقتتلوه قط ليلتهم ويومهم إلى الليل فأظلم عليهم الليل وقد حاروا فانهزموا وهم حيارى وقد أصيب رئيسهم سقلار بن محراق والذي يليه فيهم نطورس، وظفر المسلمون أحسن ظفر وأهناه، وركبوهم وهم يرون على أنهم على قصد وجد، فوجدوهم حيارى لا يعرفون ما حدهم، فأسلمتهم هزيمتهم وحيرتهم إلى الوحل فركبوه، ولحق أوائل المسلمين بهم وقد وحلوا، فركبوهم وما يمنعون يد لامس فوخزوهم بالرماح فكانت الهزيمة في فحل، وكانت مقتلتهم في الرداغ، فأصيب الثمانون ألفاً لم يفلت إلا الشريد، وكن الله عز وجل ليزدادوا بصيرة، وجدوا واقتسموا ما أفاء الله عز وجل عليهم، وانصرف أبو عبيدة بخالد من فحل إلى حمص، وصرفوا بشير بن كعب من اليرموك معهم، ومضوا بذي كلاع ومن معه، وخلفوا شرحبيل ومن معه.

باب كيف كان أمر دمشق في الفتح

باب كيف كان أمر دمشق في الفتح فتحت دمشق في سنة أربع عشرة في رجب، وقدم عمر بن الخطاب الشام سنة ست عشرة، فولاه الله فتح بيت المقدس على صلح ثم قفل، وكانت اليرموك سنة خمس عشرة، وعلى المسلمين أبو عبيدة بن الجراح. قال ابن إسحاق: ثم ساروا إلى دمشق، على الناس خالد، وقد كان عمر عزله وأمر أبا عبيدة، فرابطوها حتى فتح الله عز وجل. فلما قدم الكتاب على أبي عبيدة بإمرته وعزل خالد استحيا أن يقرئ خالداً الكتاب حتى فتحت دمشق في سنة أربع عشرة في رجب. قال: فأظهر أبو عبيدة إمرته وعزل خالد ثم شتى أبو عبيدة شتيته وفي نسخة: شتيه بدمشق. قال ابن الكلبي: كان الصلح يوم الأحد النصف من رجب سنة أربع عشرة، صالحهم أبو عبيدة بن الجراح. وقد حاصرهم أبو عبيدة رجب وشعبان وشهر رمضان وشوال، وتم الصلح في ذي القعدة. ومنهم من قال: حاصروها أربعة عشرة شهراً. قال أبو عثمان الصنعاني: لما فتح الله علينا دمشق خرجنا مع أبي الدرداء في مسلحة برزة ثم تقدمنا مع أبي عبيدة بن الجراح ففتح الله بنا حمص، ثم تقدمنا مع شرحبيل بن السمط فأوطأ الله بنا ماء دون النهر، يعني الفرات وحاصرنا عانات وأصابنا لأواء، وقد علينا سليمان في مدد لنا. وقال أبو عثمان أيضاً: حاصرنا دمشق، فنزل يزيد بن أبي سفيان على باب الصغير، ونزل أبو عبيدة بن الجراح على باب الجابية، ونزل خالد بن الوليد على باب الشرقي، وكان أبو الدرداء في مسلحة برزة. قال: فحاصرناها أربعة أشهر. قال: وكان راهب دمشق قد طلب من

خالد بن الوليد الصلح. قال: فشرط عليه خالد بن الوليد أشياء أبي الراهب أن يجيب إليها. قال: فدخلها يزيد بن أبي سفيان قسراً من باب الصغير حتى ركبها. قال: وذهب الراهب كما هو على الحائط فأتى خالد بن الوليد ولا يعلم خالد أن يزيد قد دخلها قسراً. فقال له: هل لك في الصلح؟ قال: وتجيبني إلى ما شرطت عليك؟ قال: نعم. فأشهد عليه ففتح له باب الشرقي، فدخل يزيد فبلغ المقسلاط فالتقى هو وخالد عند المقسلاط، فقال هذا: دخلتها عنوة. وقال هذا: دخلتها صلحاً فأجمع رأيهم على أن جعلوها صلحاً. قالوا: ونظروا فإذا ما بين باب الشرقي إلى المقسلاط أبعد مما بين باب الصغير إلى المقسلاط. قال الأوزاعي: كنت عند ابن سراقة حين أتاه أهل دمشق النصارى بعهدهم فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل دمشق، إني أمنتهم على دمائم وأموالهم وكنائسهم ألا تسكن ولا تهدم، شهد يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وقضاعي بن عامر. وكتب في رجب من سنة أربع عشرة. قالوا: ولما نشب أصحاب خالد بن الوليد القتال دنا رجل منهم وفي يده اليمنى سيف، وفي اليسرى الدرقة فنادى بالبراز فقالوا: ما يقول؟ قيل: يقول إنه يدعو للمبارزة، فأنزلوا حبشياً كالبعير مستلثماً، في سلاحه، فتدانى فضربه المسلم فقتله، ثم نادى بالبراز، فأنزلوا إليه صاحب بندهم، أجلسوه على باب دلوه فتدانى فضربه المسلم فقتله، ثم نادى بالبراز، فقال: قل للشيطان يبارزك. وقيل: إن أبا عبيدة بن الجراح دخلها من باب الجابية بالأمان، ودخل خالد بن الوليد من باب الشرقي عنوة بالسيف يقتل، فالتقيا عند سوق الزيت فلم يدروا أيهما كان أول العنوة أو الأمان، فأجتمعوا فقالوا: والله لئن أخذنا ما ليس لنا سفكنا الدماء وأخذنا الأموال لنأثمن، ولئن تركنا بعض مالنا لا نأثم. قال: فاجتمعوا على أن أمضوه صلحاً. قال عباس بن سهل بن سعد: تولى أبو عبيدة حصار دمشق، وولي خالد بن الوليد القتال على الباب الذي كان عليه

وهو الباب الشرقي، فحاصر دمشق بعد موت أبي بكر حولاً كاملاً وأياماً، ثم إنه لما طال على صاحب دمشق انتظار مدد هرقل ورأى المسلمين لا يزدادون إلا كثرة وقوة، وأنهم لا يفارقونه أقبل يبعث إلى أبي عبيدة بن الجراح يسأله الصلح، وكان أبو عبيدة أحب إلى الروم وسكان الشام من خالد، وكان يكون الكتاب منه أحب إليهم، فكانت رسل صاحب دمشق إنما تأتي أبا عبيدة بن الجراح وخالد يلح على أهل الباب الذي يليه فأرسل صاحب الرجال إلى أبي عبيدة فصالحه، وفتح له باب الجابية، وألح خالد بن الوليد على الباب الشرقي ففتحه عنوة، فقال خالد لأبي عبيدة: اسبهم فإني قد فتحتها عنوة، فقال أبو عبيدة إني قد أمنتهم فتمم لهم أبو عبيدة الصلح، وكتب لهم كتاباً وهذا كتابه. بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لأبي عبيدة بن الجراح ممن أقام بدمشق وأرضها وأرض الشام من الأعاجم، إنك حين قدمت بلادنا سألناك الأمان على أنفسنا وأهل ملتنا، إنا شرطنا لك على أنفسنا ألا نحدث في مدينة دمشق ولا فيما حولها كنيسة ولا ديراً ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا شيئاً منها ما كان في خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن توسع أبوابها للمارة وابن السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلها جاسوساً، ولا نكتم على من غش المسلمين، وعلى ألا نضرب بنواقيسنا إلا ضرباً خفياً في جوف كنائسنا، ولا نظهر الصليب عليها، ولا نرفع أصواتنا في صلاتنا وقراءتنا في كنائسنا، ولا نخرج صليبنا ولا كتابنا في طريق المسلمين، ولا نخرج باعوثاً ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر

النيران معهم في أسواق المسلمين، ولا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركاً في نادي المسلمين، ولا نرغب مسلماً في ديننا، ولا ندعو إليه أحداً، وعلى ألا نتخذ شيئاً من الرقيق الذين جرت عليهم سهام المسلمين، ولا نمنع أحداً من قرابتنا إن أرادوا الدخول في الإسلام، وأن نلزم ديننا حيث ملكنا، لوات نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم ولا نتسمى بأسمائهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ونفرق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا، ولا ننقش في خواتمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نجعله في بيوتنا، ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم، ونرشدهم للطريق ونقوم لهم من المجالس إذا أرادوا المجالس، ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نشارك أحداً من المسلمين إلا أن يكون للمسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل من أوسط ما نجد، ونطعمه فيها ثلاثة أيام، وعلى ألا نشتم مسلماً، ومن ضرب منا مسلماً فقد خلع عهده. ضمنا ذلك لك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكننا، وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما اشترطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق. على ذلك أعطينا الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا، وأقرونا في بلادكم التي أورثكم الله عز وجل عليها. شهد الله على ما شرطنا لكم على أنفسنا، وكفى به شهيداً. وقيل: إن يزيد بن أبي سفيان دخل دمشق هو ومن معه من باب الصغير قسراً. فكان يقتل هو والمسلمون ويسبون. فلما رأى ذلك الروم دلوا أسقفهم من باب الشرقي في قفة إلى خالد بن الوليد فأخذ لهم الأمان من خالد فأعطاهم وفتحوا له باب الشرقي فدخل خالد ومن معه حتى انتهوا إلى المقسلاط. وأجاز أبو عبيدة أمان خالد وأمضاه. قالوا: وكان صالح أهل دمشق على شيء مسمى لا يزداد عليهم إن استغنوا، ولا يحط عنهم إن افتقروا، فكان صالح أهل دمشق على دينارين دينارين وشيء من طعام، وبعضهم على الطاقة، إن زاد المال زاد عليهم، وإن نقص ترك ذلك عنهم، وكان اشترط على أهل الذمة بأرض الشام أن عليهم إرشاد الضال، وأن يبنوا قناطر أبناء السبيل من أموالهم، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام، ولا يشتموا مسلماً ولا يضربوه، ولا يرفعوا في

نادي أهل الإسلام صليباً، ولا يخرجوا خنزيراً من منازلهم إلى أفنية المسلمين، ولا يمروا بالخمر في ناديهم، وأن نوقد النيران للغزاة في سبيل الله عز وجل، ولا يدلوا للمسلمين على عورة، وألا يحدثوا بناء كنيسة، ولا يضربوا بناقوسهم قبل أذان المسلمين وألا يخرجوا الرايات في عيدهم، وألا يلبسوا السلاح في عيدهم، وألا ينحروا في بيوتهم، فإن فعلوا شيئاً من ذلك عوقبوا، وأخذ منهم فحسب لهم في جزيتهم. ومنهم من قال: وقد كان أبو بكر توفي قبل فتح دمشق وكتب عمر إلى أبي عبيدة بالولاية على الجماعة وعزل خالد، فكتم أبو عبيدة الكتاب من خالد وغيره حتى انقضت الحرب. فكتب خالد الأمان لأهل دمشق وأبو عبيدة الأمير وهم لا يدرون. قال: فكان كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بنعي أبي بكر واستعماله أبا عبيدة وعزله خالداً: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبيدة بن الجراح. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد. فإن أبا بكر الصديق خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد توفي، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ورحمة الله وبركاته على أبي بكر الصديق العامل بالحق والآمر بالقسط والآخذ بالعرف، اللين السير، الوادع، السهل القريب الحليم، ونحتسب بمصيبتنا فيه ومصيبتكم ومصيبة المسلمين عامة عند الله، وأرغب إلى الله في العصمة والتقى برحمته والعمل بطاعته ما أحيانا، والحلول في جنته إذا توفانا، فإنه لعلى كل شيء قدير. وقد بلغنا حصاركم لأهل دمشق وقد وليتك جماعة الناس، فاثبت سراياك في نواحي أرض حمص ودمشق، وما سواها من أرض الشام، وانظر في ذلك برأيك ومن حضرك من المسلمين، ولا يحملنك قولي هذا على أن تغري عسكرك فيطمع فيك عدوك، ولكن من استغنيت عنه فسيره، ومن احتجت إليه في حصارك فاحتبسه، وليكن فيمن تحتبس خالد بن الوليد فإنه لا غنى بك عنه. قالوا: فدفع ذلك الكتاب إلى خالد بن الوليد بعد فتح دمشق بنحو من عشرين ليلة فأقبل حتى دخل على أبي عبيدة فقال: يغفر الله لك، أتاك كتاب أمير المؤمنين بالولاية فلم تعلمني، وأنت تصلي خلفي والسلطان سلطانك؟! فقال له أبو عبيدة: وأنت

يغفر الله لك، ما كنت لأعلمك ذلك حتى تعلمه من غيري. وما كنت لأكسر عليك حربك حتى ينقضي ذلك كله، ثم قد كنت أعلمك إن شاء الله. وما سلطان الدنيا أريد وما للدنيا أعمل، وأن ما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن إخوان وقوام بأمر الله عز وجل، وما يضير الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه ولا دنياه. بل يعلم الوالي أنه كاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة وأوقعهما في الخطيئة لما يعرض من الهلكة إلا من عصم الله، وقليل ما هم. ودفع أبو عبيدة عند ذلك إلى خالد بن الوليد الكتاب. قال أبو حذيفة: وولي أبو عبيدة حصار دمشق وولي خالد بن الوليد القتال على باب الشرقي وولاه الخيل إذا كان يوم يجتمع فيه المسلمون للقتال، فحاصروا دمشق بعد هلاك أبي بكر حولاً كاملاً وأياماً. وساق الحديث. وكان أهل دمشق قد بعثوا إلى قيصر وهو بأنطاكية رسلاً أن العرب قد حاصرونا وليست لنا بهم طاقة، وقد قاتلناهم مراراً فعجزنا عنهم فإن كان لك فينا وفي السلطان علينا حاجة فأمددنا وأعنا، وإلا فإنا في ضيق وجهد، فاعذرنا، وقد أعطانا القوم الأمان ورضوا منا بالجزية اليسيرة، فسرح إليهم أن تمسكوا بحصنكم وقاتلوا عدوكم على دينكم، فإنكم إن صالحتموهم وفتحتم حصنكم لهم لم يفوا لكم وجبروكم على دينهم واقتسموكم بينهم، وأنا مسرح إليكم الجيش في إثر رسولي هذا، فانتظروا جيشه فأبطأ عليهم. وكتب عمر إلى أبي عبيدة يأمره بالمناهضة. وذكر سيف بن عمر: إن فتح دمشق كان بعد وقعة اليرموك. وقيل في حديث آخر: فلما أيقن أهل دمشق أن الأمداد لا تصل إليهم فشلوا ووهنوا وأيسوا، وازداد المسلمون طمعاً فيهم، وقد كانوا يرون أنها كالغارات قبل ذلك، إذا هجم البرد قفل الناس، وسقط النجم والقوم مقيمون. فعند ذلك انقطع رجاؤهم وندموا على دخول دمشق. وولد للبطريق الذي على أهل دمشق مولود فصنع عليه، فأكل القوم وشربوا وغفلوا عن مواقفهم ولا يشعر بذلك أحد من المسلمين إلا ما كان من خالد. فإنه كان لا ينام ولا ينيم

ولا يخفى عليه من أمورهم شيء، عيونه ذاكية وهو معني بما يليه قد اتخذ حبالاً كهيئة السلاليم وأوهاقاً. فلما أمسى من ذلك اليوم نهد ومن معه من جنوده الذين قدم بهم عليهم، وتقدمهم هو والقعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي وأمثاله من أصحابه في أول نومة، وقال: إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارقوا البناء، وانهدوا إلى الباب. فلما انتهى إلى الباب الذي يليه هو وأصحابه المتقدمون رموا بالحبال الشرف، وعلى ظهورهم القرب التي قطعوا بها خندقهم، فلما ثبت لهم وهقان تسلق فيهما القعقاع ومذعور ثم لم يدعا أحبولة إلا أثبتاها، والأوهاق بالشرف، وكان المكان الذي اقتحموا منه أحصن مكان يحيط بدمشق، أكثره ماء وأشده مدخلاً، وتوافوا لذلك فلم يبق بمن قدم معه أحد إلا رقي أو دنا من الباب حتى إذا استووا على السور حدر عامة أصحابه، وانحدر معهم، وخلف من يحمي ذلك المكان لمن يرتقي، وأمرهم بالتكبير، فكبر الذين على رأس السور فنهد المسلمون إلى الباب، ومال إلى الحبال بشر كثير فوثبوا فيها، وانتهى خالد إلى أول من يليه فأقامهم وانحدر إلى الباب فقتل البوابين، وثار أهل المدينة وفزع سائر النسا، فأخذوا مواقفهم ولا يدرون ما الشأن وتشاغل أهل كل ناحية بما يليهم، فقطع خالد بن الوليد ومن معه أعلاق الباب بالسيوف، وفتحوا للمسلمين، فأقبلوا عليهم من داخل حتى ما بقي مما يلي باب خالد مقاتل إلا أنم. ولما شد خالد على من يليه وبلغ منهم الذي أراد عنوة وأرز من أفلت إلى أهل الأبواب التي تلي غيره، وقد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فأبوا وأبعدوا، فلم يفجأهم إلا وهم يبوحون لهم بالصلح، فأجابوهم وقبلوا منهم، وفتحوا لهم الأبواب، وقال: ادخلوا وامنعونا من أهل ذلك الباب فدخل أهل كل باب بصلح مما يليهم، ودخل خالد مما يليه عنوة. فالتقى خالد والقواد في وسطها هذا استعراضاً وانتهاباً، وهؤلاء صلحاً وتسكيناً، فأجروا ناحية خالد مجراهم وقالوا: قد فروا إلينا ودخلوا معنا، فأجاز لهم ذلك عمر رضي الله عنه، فأجرى النصف الذي أخذ عنوة مجرى الصلح فصار صالحاً. وكان صلح دمشق على المقاسمة، الديار والعقار ودينار عن كل رأس، واقتسموا الأسلاب، فكان أصحاب خالد فيها كأصحاب سائر القواد، وجرى على الديار ومن بقي في الصلح جريب

من كل جريب أرض، ووقف ما كان للملوك ومن صوب معهم فيئاً وبعثوا بالبشارة إلى عمر، وقدم على أبي عبيدة كتاب عمر بأن اصرف جند العراق إلى العراق وأمرهم بالحث إلى سعد بن مالك، فأمر علي جند العراق هاشم بن عتبة، وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، وعلى مجنبتيه عمرو بن مالك الزهري وربعي بن عامر، فصرفوا بعد دمشق نحو سعد، فخرج هاشم نحو العراق في جند أهل العراق. وخرج علقمة ومسروق إلى إيلياء فنزلا على طريقها وبقي بدمشق مع يزيد بن أبي سفيان من قواد أهل اليمن عدد، وبعث يزيد بن أبي سفيان دحية بن خليفة الكلبي في خيل بعد فتح دمشق إلى تدمر وأبا الزهراء القشيري إلى البثنية وحوران فصالحوهما على صلح دمشق، ووليا القيام على فتح ما بعثا إليه. وكان أخو أبي الزهراء قد أصيبت رجله بدمشق يوم دمشق. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: مدينة دمشق افتتحها خالد بن الوليد صلحاً، وعلى هذا مدن الشام كانت كلها صلحاً دون أرضيا على يدي يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة بن الجراح. وبينما المسلمون على حصار مدينة دمشق إذا أقبلت خيل عظيمة مخمرة بالحرير هابطة من ثنية السليمة فرآهم المسلمون وهم منحدرون منها، فخرج إليهم جماعة من المسلمين فيما بين بيت لهيا والثنية التي هبطوا منها، فهزمهم الله وطلبهم المسلمون، يترحل هؤلاء وينزل هؤلاء حتى وقفوا على باب حمص، فظن أهلها أنهم لم يأتوا حمص إلا وقد صالحوا أهلها، فقالوا: نحن على ما صالحتم عليه أهل دمشق ففعلوا. وعن عقبة بن عامر الجهني أنه قال: بعثني بعض أمراء الشام إلى عمر بن الخطاب فقدمت عليه في يوم الجمعة، وعلي خفان فقال: متى أولجت خفيك؟ قال: قلت له: يوم الجمعة الخالية، قال: ثم لم تنزعهما بعد؟ قال: قلت: ثم لم أنزعهما بعد. قال: أصبت. قال ليث: وذلك رأينا. وفي رواية أخرى: فقال عمر: أصبت السنة.

وعن عبد الرحمن بن جبير: أن المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا أبا عبيدة بن الجراح وافداً إلى أبي بكر ومبشراً بالفتح، فقدم المدينة فوجد أبا بكر قد توفي رحمة الله عليه واستخلف عمر بن الخطاب، فأعظم أن يأتمر أحد من أصحابه عليه، فولاه جماعة الناس، فقدم عليهم فقالوا: مرحباً بمن بعثناه بريداً فقدم علينا أميراً. وقال مكحول: إن الذي أبرد بفتح دمشق رجل من الصحابة ليس بأبي عبيدة بل هو عقبة بن عامر. وهو أصح وعليه الناس. قال: وفي حديث عبد الرحمن بن جبير خطأ في مواضع ثلاثة: أحدها قوله: إن دمشق فتحت في خلافة أبي بكر، وإنما حوصرت في حياته، ولم تفتح إلا بعد وفاته. والثاني قوله: إن عمر ولى أبا عبيدة بالمدينة. وإنما ولاه وهو مقيم بالشام. فبعث إليه بكتاب توليته وهم محاصرو دمشق، فكتمه أبو عبيدة خالداً حتى تم الفتح. والثالث قوله: إن أبا عبيدة كان البريد بفتح البلد، وإنما كان البريد عقبة بن عامر. ويدل عليه أيضاً إجماع أهل التواريخ على أن فتح دمشق كان سنة أربع عشرة، وبلا خلاف إن أبا بكر توفي سنة ثلاث عشرة في جمادى الآخرة. والله أعلم. عن المغيرة قال: افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبرية، فإن أهلها صالحوه وذلك بأمر أبي عبيدة. وبعث أبو عبيدة خالد بن الوليد فغلب على أرض البقاع، وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتاباً. وقال المغيرة: صالحهم على أنصاف منازلهم وكنائسهم ووضع الخراج. وقال ابن إسحاق وغيره: في سنة أربع عشرة فتحت حمص وبعلبك صلحاً على يدي أبي عبيدة في ذي القعدة. قال شباب: ويقال في سنة خمس عشرة.

ذكر تاريخ وقعة اليرموك ومن قتل بها

ذكر تاريخ وقعة اليرموك ومن قتل بها تواردت الروايات وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة. وقال ابن الكلبي: كانت يوم الاثنين لخمس مضين من رجب. وهذه الأقوال هي المحفوظة في تاريخ اليرموك. وقال سيف بن عمر: إنها كانت قبل فتح دمشق، في أول خلافة عمر سنة ثلاث عشرة. ولم يتابع على ذلك. وشهد اليرموك ألف رجل من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم نحو من مئة من أهل بدر. وقال سعيد بن عبد العزيز: إن المسلمين كانوا أربعة وعشرين ألفاً، وعليهم أبو عبيدة بن الجراح. والروم عشرون ومئة ألف، عليهم باهان وسقلان يوم اليرموك. وعن كعب قال: إن لله عز وجل في اليمن كنزين جاء بأحدهما يوم اليرموك، قال: وكانت الأردن يومئذ ثلث الناس. ويجيء بالآخر يوم الملحمة الكبرى سبعون ألفاً، حمائل سيوفهم المسد. قال محمد بن إسحاق: مات المثنى بن حارث فتزوج سعد امرأته سلمى بنة حفص في سنة أربع عشرة. وأقام تلك الحجة للناس عمر بن الخطاب. ودخل أبو عبيدة في تلك السنة دمشق فشتا بها. فلما ضاقت الروم سار هرقل في الروم حتى نزل أنطاكية ومعه من المستعربة لخم وجذام وبلقين

وبلي وعاملة، وتلك القبائل من قضاعة وغسان بشر كثير، معه من أهل أرمينية مثل ذلك بشر كثير،. فلما نزلها أقام بها. وبعث الصقلان، خصياً له، فسار في مئة ألف مقاتل، معه من أهل أرمينية اثنا عشر ألفاً عليهم جرجة، ومعهم من المستعربة من غسان وتلك القبائل اثنا عشر ألفاً، عليهم جبلة بن الأيهم الغساني، وسائرهم من الروم وعلى جملة الناس الصقلان، خصي هرقل. وسار المسلمون إليهم وهم أربعة وعشرون ألفاً، عليهم أبو عبيدة بن الجراح، فالتقوا باليرموك في رجب سنة خمس عشرة، فاقتتل الناس قتالاً شديداً حتى دخل عسكر المسلمين وقاتل نساء من قريش بالسيوف حتى دخل العسكر، منهن أم حكيم بنت الحارث بن هشام حتى سايفن الرجال. وعن عبد الرحمن بن جبير أن أمراء الأجناد اجتمعوا في خباء يزيد بن أبي سفيان وهم بالجابية يسمعون خبر عين لهم من قضاعة يخبرهم بكثرة القوم ومنزلهم على نهر الرقاد ومرج الجولان إذا طاف بهم أبو سفيان فقال: ما كنت أظن أني أبقى حتى أرى غلمة من قريش يذكرون أمر حربهم ويكيدون عدوهم بحضرتي لا يحضرونيه، فقالوا: هل لكم إلى رأي شيخكم؟ فقالوا: ادخل أبا سفيان، فدخل فقال: ما عندكم؟ فأخبروه بخبر القضاعي فقال: إن معسكركم هذا ليس بمعسكر إني أخاف أن يأتيكم أهل فلسطين والأردن فيحلوا بينكم وبين مددكم من المدينة فتكونوا بين عسكرهم، فارتحلوا حتى تجعلوا أذرعات خلف ظهوركم، يأتيكم المدد والخير، فقبلوا ذلك من رأيه. فقال: إذ قبلتم هذا من رأيي فأمروا خالد بن الوليد على الخيول ومروه بالوقوف فيما بين العسكرين وبين الخيول، فإنه سيكون لرحيل العسكر من السخر أصوات عالية تحدث لعدوكم فيكم طمعاً، فإن أقبلوا يريدون ذلك لقيتهم الخيول فكفتها. وإن كانت للخيول جولة وزعت عنها المرامية، فقبلوا ذلك من رأيه. ونادوا من السحر بالرحيل، فتنادت الروم إلى العرب قد هربت، فأقبلت فلقيتها الخيول وكفتها حتى سار العسكر وتبعتها المرامية وساقتها الخيول حتى نزلوا خلف اليرموك، وجعلوا أرعات خلف ظهورهم، ونزلت الروم فيما بني دير أيوب إلى ما يليها من نهر اليرموك، بينهم النهر، فعسكروا هنالك أياماً، فبعث باهان صاحبهم إلى خالد بن الوليد

إن رأيت أن تخرج إلى في فوارس وأخرج إليك في مثلهم أذاكرك أمراً لنا ولكم فيه صلاح وخير، ففعل خالد بن الوليد فوافقه ملياً فكان فيما عرض عليه أن قال: قد علمت أن الذي أخرجكم من بلادكم غلاء السعر وضيق الأمر بكم وإني قد رأيت أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وراحلة، تحمل حملها من الطعام والكسوة والأدم، فترجعون بها إلى بلادنا الجوع ولا ضيق الأمور ولكنا معشر العرب نشرب الدماء، فحدثنا ألا دماء أحلى من دماء الروم، فأقبلنا نهريق دماءكم ونشربها. قال: فنظر أصحابه بعضهم إلى بعض فقالوا: هذا ما كنا نحدث به عن العرب من شربها الدماء. قالوا: ثم زحف يعني باهان إلى المسلمين، فخرج بهم أبو عبيدة وقد جعل على ميمنته معاذ بن جبل، وعلى ميسرته قباثة بن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيل خالد بن الوليد. وكان الأمراء عمرو بن العاص على ربع، ويزيد بن أبي سفيان على ربع. وشرحبيل بن حسنة على ربع، وكان أبو عبيدة على ربع. وخرج الناس على راياتهم فيها أشراف رجال من العرب، فيها الأزد وهم ثلث الناس، وفيها حمير وهمدان ومذحج وخولان وخثعم، وفيها كنانة وقضاعة ولخم وجذام وكندة وحضرموت، وليس فيها أسد ولا تميم ولا ربيعة، ولم تكن دارهم، إنما كانت دارهم عراقية. فقاتلوا أهل فارس بالعراق. فلما برزوا لهم وسار أبو عبيدة بالمسلمين وهو يقول: عباد الله، انصروا الله ينصركم، ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين، اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب، ومدحضة للعار. ولا تبرموا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدؤوهم بالقتال، وأشرعوا الرماح، واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله عز وجل في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله.

قالوا: وخرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم ويقول: يا أهل القرآن، ومستحفظي الكتاب، وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتى الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا للصادق والمصدق ألم تسمعوا لقول الله عز وجل " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات " إلى آخر الآية. فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فراراً عن عدوكم وأنتم في قبضته، وليس لكم ملتحد من دونه، ولا عز بغيره. يمشي في الصفوف ويذكرهم، حتى إذا بلغ من ذلك ما أحب ورأى من الناس الذي سره بهم، ثم حرضهم، وانصرف إلى موقفه رحمه الله. وسار في الناس عمرو بن العاص وهو أحد الأمراء كمسير أخيه معاذ بن جبل، فجعل يحرضهم ويقول: يا أيا المسلمون، غضوا الأبصار واجثوا على الركب، وأشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا في وجوههم وثبة الأسد، فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب ويجزي بالإحسان إحساناً لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفراً كفراً، وقصراً قصراً، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل. قالوا: ثم رجع فوقف في موقفه معهم أيضاً. قالوا: ثم رجع أبو سفيان بن حرب وهو متطوع يومئذ، إنما استأذن أمير المؤمنين عمر أن يخرج متطوعاً مدداً للمسلمين متطوعين، فجعل الله في مخرجه بركة، فسار في صف المسلمين وهو يقول: يا معشر المسلمين، أنتم العرب وقد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل نائين عن أمير المؤمنين وإمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده، شديد عليكم حنقه، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم ولا يبلغ رضوان الله غداً إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا إنها سنة لازمة، وإن الأرض وراءكم وبينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري ليس لأحد فهيا معقل ولا معقول إلا الصبر ورجاء ما وعد الله فهو خير معقول، فامتنعوا بسيوفكم، وتعاونوا بها ولتكن هي الحصون.

قالوا: ثم رجع أبو سفيان إلى النساء اللواتي مع المسلمين، وكان كثير من المهاجرات قد حضرن يومئذ مع أزواجهن وأبنائهن فأجلسهن خلف صفوف المسلمين وأمر بالحجارة فألقيت بين أيديهن، ثم قال لهن: لا يرجع إليكن أحد من المسلمين إلا رميتنه بهذه الحجارة وقلتن: من يرجوكم بعد الفرار عن الإسلام وأهله وعن النساء بأرض العدو؟ فالله الله. قال: ثم رجع أبو سفيان فنادى المسلمين فقال: يا معشر أهل الإسلام حضر ما ترون، فهذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم ثم وقف موقفه. قالوا: وزحفت الروم مكانها إلى المسلمين يدفون دفيفاً معهم الصلبان وأقبلوا بالأساقفة، والقسيسين، والرهبان والبطارقة، لهم زجل كزجل الرعد وقد تبايع عظماؤهم على الموت، ودخل منه ثلاثون ألفاً، كل عشرة في سلسلة لئلا يفروا. قالوا: فلما نظر إليهم خالد مقبلين أقبل يركض حتى قطع صف المسلمين إلى نساء المسلمين وهن على تل مرتفع من العسكر حين وضعهن أبو سفيان فقال: يا سناء المسلمين، إيما رجل أقبل إليكن منهزماً فاقتلنه. ثم انصرف. فأتى أبا عبيدة فقال: إن هؤلاء قد أقبلوا بعدة زجل وفرح، وإن لهم عدة لا يردها شيء وليست خيلي بالكثيرة، ولا والله لا قامت خيلي لشدة خيلهم ورجالهم أبداً. وخيله يومئذ أما صفوف المسلمين ثلاثة. فقال خالد: قد رأيت أن أفرق خيلي فأكون في إحدى الخيلين، وقيس بن هبيرة في الخيل الأخرى ث تقف خيلنا من وراء الميمنة والميسرة، فإذا حمل على الناس ثبت الله أقدامهم. وإن كانت الأخرى حملنا خيولنا عليهم وهي جامة. وهم قد انتهت شدتهم وتفرقت جماعتهم فأرجو عندها أن يظفر الله بهم ويجعل الدائرة عليهم. وقد رأيت أن يجلس سعيد بن زيد مجلسك هذا وتقف من ورائه بحذائه في مئتين أو ثلاث مئة يكون للناس ردءاً. قالوا: فقبل أبو عبيدة مشورته وقال: افعل ما أراك الله، وأنا فاعل ما أردت. فأجلس أبو عبيدة سعيد بن زيد مكانه وفعل ما أمره به خالد، فركب فرسه وأقبل

يسير في الناس ويحرضهم ويوصيهم بتقوى الله والصبر، ثم انصرف، فوقف من خلف الناس ردءاً لهم. قيل: إن رجلاً من المسلمين أقبل يومئذ عند وصاة أبي عبيدة هذه. فقال له: إني قد أردت أن أقضي شأني فهل لك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حاجة؟ فقال له أبو عبيدة نعم: تقرئه مني السلام وتخبره أنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً. ثم تقدم الرجل فكان أول من استشهد رحمة الله عليه. قال: وأقبلت الروم إليهم كأنه سحابة منقضة إلى المسلمين حتى دنا طرفهم من ميمنة المسلمين. قال: فبرز معاذ بن جبل فنادى المسلمين: يا معشر أهل الإسلام إنهم قد تهيؤوا للشدة، ولا والله لا يردهم إلا الصدق عند اللقاء والصبر عند القراع. قالوا: ثم نزل عن فرسه فقال: من يريد فرساً يركبه ويقاتل عليه؟ قال: فوثب ابنه عبد الرحمن وهو غلام حين احتلم فأخذه، فقال: يا أباه إني لأرجو أن لا يكون فارساً أعظم غناء في المسلمين مني فارس، وأنت يا أبه راجل أعظم غناء منك فارس. الرجالة هم عظم المسلمين، فإذا رأوك حافظاً مترجلاً صبروا إن شاء الله وحافظوا. قال: فقال أبوه: وفقني الله وإياك يا بني. قال: ثم إن الروم تداعوا وتحاضوا وذركهم الأساقفة والرهبان. قال: فجعل معاذ إذا سمع كلامهم يقول: اللهم زلزل أقدامهم وأرعب قلوبهم، وأنزل علينا السكينة وألزمنا كلمة التقوى وحبب إلينا اللقاء ورضنا بالقضاء. قال: وخرج باهان صاحب الروم فجال فيهم حتى وقف وأمرهم بالصبر والقتال دون ذراريهم وأموالهم وسلطانهم. ثم بعث إلى صاحب الميسرة أن احمل وهو الدرنيجان وكان عدو الله متنسكاً. فقال للبطارقة والرؤوس الذين معه: قد أمركم أميركم أن تحملوا. قال: فتهيأت البطارقة فشدت على الميمنة وفيها الأزد ومذحج وحضرموت وحمير وخولان، فثبتوا حتى صدقوا أعداء الله فقاتلوهم قتالاً شديداً طويلاً. ثم إنه ركبهم من الروم أمثال

الجبال. فزال المسلمون من الميمنة إلى ناحية القلب وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر. وثبت صدر من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، وانكشفت زبيد يومئذ وهي في الميمنة، وفيهم الحجاج بن عبد يغوث، فتنادوا فترادوا واجتمعوا جميعاً. واجتمعوا وهم خمس مئة رجل فشدوا شدة نهنهوا من قبلهم من الروم وشغلوهم عن اتباع من انكشف من الميمنة. وتراد أيضاً جماعة من الميمنة المتحيزة، فشدت حمير وحضرموت وخولان بعد ما زالوا حتى وقفوا مواقفهم في الصف، واستقبل النساء سرعان من انهزم من المسلمين، معهن عمد البيوت وأخذن يضربن وجوههن ويرمين بالحجارة، فتراد الناس وثبت النساء على مواقفهن، واستحر القتال في الأزد فأصيب منهم ما لم يقتل من القبيائل، وقتل يومئذ عمرو بن الطفيل الدوسي، وحقق الله رؤيا والده الطفيل رحمه الله، فإنه رأى يوم مسيلمة أن امرأة لقيته ففتحت له فرجها فدخله، وطلبه ابنه هذا وحبس عنه. فقال: أولت رؤياي أن أقتل، وإن المرأة التي أدخلتني في فرجها الأرض، وإن ابني ستصيبه جراحة ويوشك أن يلحقني. فقتل هذا يوم اليرموك وهو يقول: يا معشر الأزد، لا يؤتين المسلمون من قبلكم. فقاتل حتى قتل. وثبت جندب بن عمرو بن حممة، وقاتل حتى قتل. وبرز أبو هريرة إلى الأزد يعاونا، وهو أحد الرؤوس من الأزد، وأطافت به الأزد، ثم اضطربوا حتى صارت الروم تجول في مجال واحد، كما تدور الرحى. قالوا: ولقلما رأى يوماً أكثر قحفاً ساقطاً ومعصماً نادراً، وكفاً طائرة من ذلك الموطن. والناس يضطربون تحت القسطل. قالوا: وجل القبائل في الميمنة حتى القلب. قالوا: والقلب في نحو ما فيه الميمنة. قالوا: وحمل عليهم خالد بن الوليد على الميسرة التي دخلت العسكر واضطرت ميمنة المسلمين إلى القلب، فصارت الميمنة والقلب شيئاً واحداً، فقتل هو وخيله نحواً من ستة آلاف. ودخل سائرهم بيوت المسلمين في العسكر مجرحين. وخرج خالد بن الوليد في خيله يطره من كان من الروم قريباً من العسكر حتى إذا أرادوا أن يمكروا به نادى عند ذلك: يا أهل الإسلام، لم يبق عند القوم من الجلد والقتال إلا ما رأيتم، الشدة الشدة، فوالذي نفسي

بيده، إني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم. قالوا: فاعترض صفوف الروم وإن في جانبه الذي يستقبل لمئة ألف من الروم، فحمل عليهم، وما هو إلا في نحو من ألف فارس. قالوا: فوالله ما بلغتهم الحملة حتى فض الله جمعهم، وشد المسلمون على من يليهم من رجالهم فانكشفوا وأتبعهم المسلمون ما يمتنعون من قتل ميمنتهم ولا ميسرتهم. ثم إن خالداً انتهى في تلك الحملة إلى الدرنيجان. وقد قال لأصحابه: لفوني في الثياب، فلف في الثياب وقال: وددت أن الله كان عافاني من حرب هؤلاء القوم فلم أرهم ولم يروني، ولم أنصر عليهم ولم ينصروا علي. وهذا يوم شر. ولم يقاتل حتى غشيه القوم فقتلوه. قالوا: وقال: أيضاً قباطر وهو في ميمنة الروم لجرجين صاحب أرمينية: احمل، فقال له: أنت تأمرني أن أحمل، وأنا أمير مثلك؟ فقال له قباطر: أنت أمير وأنا أمير، وأنا فوقك، وقد أمرت بطاعتي، فاختلفا، ثم إن قباطر حمل حملة شديدة على كنافة وقيس وخثعم وجذام وقضاعة وعاملة وغسان، وهم فيما بين ميسرة المسلمين إلى القلب، فكشفوا المسلمين وزالت الميسرة عن مصافها، وثبت أهل الرايات، وأهل الحفائظ فقاتلوا، وركبت الروم أكتاف من انهزم حتى دخلوا معهم العسكر، فاستقبلهم نساء المسلمين بعمد الفساطيط يضربن بها وجوههم ويرمينهم بالحجارة ويقلن: أين أين عز الإسلام والأمهات والأزواج. قال: فتعطف هؤلاء الذين انهزموا إلى المسلمين، وتنادى الناس بالحفائظ والصبر وشد قبائه بن أسامة فقاتل قتالاً شديداً وكسر في القوم ثلاثة أرماح يومئذ وقطع سيفين، وأخذ يقول كلما قطع سيفاً أو كسر رمحاً: من يعير سيفاً أو رمحاً في سبيل الله رجلاً قد حبس نفسه مع أولياء الله، قد عاهد الله ألا يفر ولا يبرح حتى يقاتل المشركين حتى يظهر المسلمون أو يموت؟ فكان من أحسن الناس بلاء في ذلك اليوم. ونزل أيضاً أبو الأعور السلمي فحرض على القتال، ثم إن الناس حيزوا إلى القلب. وفي القلب سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل حيث وضعه أبو عبيدة بن الجراح. فلما نظر سعيد إلى الروم وخافهم اقتحم إلى الأرض وجثا على ركبتيه حتى إذا دنوا منه طعن برايته أول رجل من القوم ثم ثار في وجوههم كأنه الليث فأخذ يقاتل ويعطف الناس إليه. قالوا: وكان يزيد بن أبي سفيان يومئذ من أعظم الناس غناء. وكان مما يلي القلب. وشد

طرف من الروم على عمرو بن العاص. فانكشف هو وأصحابه حتى دخلوا أول العسكر وهم في ذلك يقاتلون ويشدون ولم ينهزموا هزيمة ولوا فيها الظهر. قال: فنزلت النساء من التل بعمدهن يضربن وجوه الرجال ونادت الناس ابنة العاص وقالت: قبح الله رجلاً يفر عن حليته، وقبح الله رجلاً يفر عن كريمته، قالوا: وسمع نسوة من نساء المسلمين يقلن: ولستم بعولتنا إن لم تمنعونا. قال: فتراد المسلمون وزحف عمرو وأصحابه حتى عادوا إلى قريب من موقفهم. وقاتل أيضاً شرحبيل بن حسنة في ربعه الذي كان فيه. وكان وسطاً من الناس إلى جنب سعيد بن زيد، وانكشف عنه أصحابه فثبت وهو يقول: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ". أين الشارو أنفسهم لله ابتغاء مرضاة ربهم، وأين المشتاقون إلى جوار الله في جاره؟ قالوا: فرجع إليه ناس كثير وبقي القلب لم ينكشف أهله للمكان الذي كان فيه سعيد بن زيد. وكان أبو عبيدة من وراء ظهره ردءاً له وللمسلمين. قالوا: فلما رأى قيس بن هبيرة خيل المسلمين وراء صفهم مما يلي ميسرة المسلمين، وأن المسلمين قد دخلت ميسرتهم العسكر وأن الروم قد صمدت لهم، اعترض الروم بخيله تلك ينتظر خيل خالد بن الوليد، فتعطف بعضهم إلى بعض ورجع المسلمون في آثارهم فقاتلوهم، وحمل على من يليه من الروم، وهو في ميمنة المسلمين حتى اضطروهم إلى صفوفهم. فلما رأى خالد بن الوليد أن قيس بن هبيرة قد كشف من يليه وأن المسلمين قد رجعت راجعتهم إلى المسلمين حمل على من يليه من الروم فتعطف بعضهم على بعض، وزحف المسلمون إليهم رويداً حتى إذا دنوا منهم إذا هم ينتقضون، فبعث أبو عبيدة عند ذلك إلى سعيد بن زيد أن شد عيهم. وشد المسلمون بأجمعهم شدة واحدة وأظهروا التكبير، ثم صكوهم صكة واحدة فطعنوا بالرماح وضربوا بالسيوف، وأنزل الله تعالى نصره. وما وعد

نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فضرب الله وجوه أعدائه ومنح أكتافهم، وأنزل الله تعالى ملائكة يضربون وجوههم حتى ولوا المسلمين أكتافهم. وقال سعيد بن المسيب عن أبيه أنه قال: لما جلنا هذه الجولة سمعنا صوتاً قد كاد يملأ العسكر يقول: يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين، فتعطفنا عليه فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه، وشد خالد في سرعان الناس معه يقتلون كل قتلة، وركب بعضهم بعضاً حتى انتهوا إلى مكان مشرف على أهوية فأخذوا يتساقطون فيها، وهم لا يبصرون، وهو يوم ذو ضباب. وقيل: كان ذلك في الليل. فأخذ آخرهم لا يعلم ما يلقى أولهم، يتساقطون فيها حتى سقط فيها نحو من ثمانين ألفاً فما أحصوا إلا بالقصب. وبعث أبو عبيدة شداد بن أوس ابن أخي حسان بن ثابت بعدهم، بعد ذلك اليوم بيوم واحد، فوجد من سقط في تلك الأهوية حتى عدهم بالقصب ثمانين ألفاً، يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، وسميت تلك الأهوية الواقوصة من يومئذ حتى اليوم لأنهم وقصوا فيها، وأخذوا وجهاً آخر، وقتل المسلمون في المعركة بعدما أدبروا ما لا يحصى. وغلبهم الليل فبات المسلمون. فلما أصبحوا نظروا فإذا هم لا يرون في الوادي شيئاً، فقالوا: كمن أعداء الله لنا، فلما بعثوا الخيول في الوادي تنظر هل لهم من كمين أو نزلوا بوطاء من الأرض، فإذا الرعاة يخبرونهم أنهم قد سقطوا في الواقوصة. فسألوا عن عظم الروم فقالوا: قد ترحل منهم البارحة نحو من أربعين ألفاً. ثم اتبعهم خالد بن الوليد على الخيل فقتلهم حتى مر بدمشق فخرج إليه رجال من أهل دمشق فاستقبلوه، فقالوا: نحن على عهدنا الذي كان بيننا وبينكم فقال لهم: نعم أنتم على عهدكم، ثم اتبعهم فقتلهم في القرى وفي كل وجه، حتى قدم دمشق فخرج إليه أهلها فسألوه التمام على ما كان بينهم ففعل، ومضى خالد يطلب عظم الناس حتى أدركهم بغوطة دمشق. فلما انتهوا إلى تلك الجماعة من الروم، وأقبلوا يرمونهم بالحجارة من فوقهم فتقدم إليهم الأشتر وهو في رجال من المسلمين فإذا أمامهم رجل من الروم جسيم عظيم، فمضى إليه حتى وثب عليه فاستوى هو والرومي على صخرة مستوية فاضطربا بسيفهما فأطن لأشتر كف الرومي، وضرب الرومي الأشتر بسيفه فلم يضره، واعتنق كل واحد منهما صاحبه فوقعا على الصخرة ثم انحدرا وأخذ الأشتر يقول وهو في ذلك ملازم العلج

لا يتركه: " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ". فلم يزل يقول ذلك حتى انتهى إلى مستوى في الجبل وقرار. فلما استقر وثب على الرومي فقتله وصاح في الناس أن جوزوا. قال: فلما رأت الروم أن صاحبهم قد قتل خلوا الثنية وانهزموا. وكان الأشتر ذا بلاء حسن في اليرموك. قالوا: لقد قتل ثلاثة عشر. فركب خالد والمسلمون الثنية، ثم انحطوا مشرقين وأنكوا في سائر البلاد يطلبون أعداء الله في القرى والجبال، حتى وصلوا إلى حمص فخرج إليهم أهل حمص يسألونهم التمام على عهدهم وعقدهم وحريتهم، ففعل بهم خالد ما فعل بأهل دمشق، وأقام بها ينتظر رأي أبي عبيدة، ولما سار خالد بن الوليد من اليرموك في إثر من انهزم وقع أبو عبيدة في دفن المسلمين حتى غيبهم وكفاه دفن الكفار بالواقوصة التي وقعوا فيها، وقد كان مما يعملون أن يدفنوا الكفار بعد ما يدفنون المسلمين فكفاه الله الكفار بالواقوصة التي وقعوا فيها. فكتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يصف له أمرهم. وكان أبو بكر قد سمى لكل أمير من أمراء الشام كورة، فسمى لأبي عبيدة بن عبد الله بن الجراح حمص، وليزيد بن أبي سفيان دمشق، ولشرحبيل بن حسنة الأردن، ولعمرو بن العاص ولعلقمة بن مجزز فلسطين، فإذا فرغا منها ترك علقمة وسار إلى مصر. فلما شارفوا إلى الشام دهم كل أمير منهم قوم كثير، وأجمع رأيهم أن يجتمعوا بمكان واحد وأن يلقوا جمع المشركين بجمع المسلمين. قالوا: ولما رأى المسلمون خيل الروم قد توجهت للهرب أفرجوا لها ولم يحرجوها، فذهبت فتفرقت في البلاد، وأقبل خالد والمسلمون على الرجل يفضهم، فكأنما هدم بهم حائطاً فاقتحموا في خندقهم، واقتحموا عليهم فعمدوا إلى الواقوصة حتى هووا فيها، المقترنون وغيرهم، فمن صبر للقتال هوى به من جشعت نفسه فيهوي الواحد بالعشرة ولا يطيقونه. وكلما هوى اثنان كان البقية عنهم أضعف، وكان المقترنون أعشاراً فتهافت في الواقوصة عشرون ومئة ألف، ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق، سوى من قتل في المعركة،

من الخيل والرجل، فكان سهم الفارس يومئذ ألفاً وخمس مئة وتجلل القيقاز وأشراف من أشراف الروم برانسهم، وجلسوا وقالوا: لا نحب أن نرى يوم السوء إذا لم نستطع أن نرى يوم السرور، وإذا لم نستطع أن نمنع النصرانية فأصيبوا في تزملهم. قالوا: وكان الكافرون أربعين ومئتي ألف، منهم ثمانون ألف مقيد، وأربعون ألف مسلسل للموت، وأربعون ألف مربوط بالعمائم، وثمانون ألف فارس، وثمانون ألف راجل. والمسلمون سبعة وعشرون ألفاً ممن كان مقيماً. إلى أن قدم عليهم خالد في التسعة آلاف، فصاروا ستة وثلاثين ألفاً ممن كان مقيماً. إلى أن قدم عليهم خالد في التسعة آلاف، فصاروا ستة وثلاثين ألفاً، وفتح الله على المسلمين آخر الليل، وقتلوهم حتى الصباح، ثم أصبحوا فاقتسموا الغنائم، ودفنوا قتلى المسلمين، وبلغوا ثلاثة آلاف، وصلى كل أمير قوم على قتلاهم.

ذكر تاريخ قدوم عمر الجابية

ذكر تاريخ قدوم عمر الجابية قال يزيد بن عبيدة: فتحت بيت المقدس سنة ست عشرة. وفيها قدم عمر بن الخطاب الجابية. وقال الوليد بن مسلم: ثم عاد في العام المقبل، يعني سنة ثمان عشرة، حتى أتى الجابية، يعني بعد عوده من سرغ سنة سبع عشرة، فاجتمع إليه المسلمون، فدفع إليه أمراء الأجناد ما اجتمع عندهم من الأموال، فجند ومصر الأمصار ثم فرض الأعطية والأرزاق ثم قفل إلى المدينة. وقال عبد الله بن صالح في حديثه: إن عمر قدم لجابية سنة ثمان عشرة. قال: وهذا يدل على أن عمر قدم الجابية مرتين. وعن عبد العزيز بن مروان أنه قال لكريب بن أبرهة: أخضرت عمر بن الخطاب بالجابية؟ قال: لا. قال: فمن يحدثنا عنها؟ قال: كريب: إن بعثت إلى سفيان بن وهب الخولاني حدثك عنها، فأرسل إليه فقال: حدثني عن خطبة عمر بن الخطاب يوم الجابية قال سفيان: إنه لما اجتمع الفيء أرسل أمراء الأجناد إلى عمر بن الخطاب أن يقدم بنفسه فقدم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإن هذا المال نقسمه على من أفاء الله بالعدل إلا هذين الحيين من لخم وحذام فلا حق لهم فيه، فقام إليه أبو حديدة الأجذمي فقال: ننشدك الله يا عمر في العدل. فقال عمر: العدل أريد. أنا أجعل أقواماً أنفقوا في الظهر وشدوا العرض، وساحوا في البلاد مثل قوم مقيمين في بلادهم؟! ولو أن الهجرة كانت بصنعاء أو بعدن ما هاجر إليها من لخم

ولا جذام أحد. فقام أبو حديدة فقال: إن الله وضعنا من بلاده حيث شاء، وساق إلينا الهجرة في بلادنا فقبلناها ونصرناها، أفتلك تقطع حقنا يا عمر؟ ثم قال: لكم حقكم مع السمين ثم قسم. فكان للرجل نصف دينار. فإذا كانت معه امرأته أعطاه ديناراً. ثم دعا ابن قاطورا صاحب الأرض فقال: أخبرني ما يكفي الرجل من القوم في الشهر واليوم فأتى بالمدي والقسط فقال: يكيفيه هذان لمديان في الشهر وقسط زيت وقسط خل. فأمر عمر بمديين من قمح فطحنا ثم عجنا ثم أدمهما بقسطين زيتاً ثم أجلس عليهما ثلاثين رجلاً فكان كفاف شبعهم، ثم أخذ عمر المديين بيمينه والقسط بيساره ثم قال: اللهم لا أخلي لأحد أن ينقصهما بعدي. اللهم فمن ينقصهما فأنقص من عمره. قال الهيثم بن عمر: إني سمعت جدي يقول: لما ولي عمر بن الخطاب زار أهل الشام فنزل الجابية، وكانت دمشق تشتعل طاعوناً، فهم أن يدخلها فقال له أصحابه: أما علمت أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا حل بكم الطاعون فلا تهربوا منه ولا تأتوه حيث هو، وقد علمت أن أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين معك قرحانون لم يصبهم طاعون قط، فأرسل عند ذلك رجلاً من جديلة ولم يدخلها هو إلى بيت المقدس فافتتحها صلحاً. ثم أتاها عمر ومعه كعب. فقال: أبا إسحاق، الصخرة، أتعرف موضعها؟ قال: إذرع من الحائط الذي يلي وادي جهنم كذا وكذا ذراعاً وهي مزبلة ثم احفر فإنك ستجدها، فحفروا فظهرت لهم. فقال عمر لكعب: أين ترى أن نجعل المسجد قال: اجعله خلف الصخرة فتجمع القبلتين قبلة موسى وقبلة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: ضاهيت اليهودية والله يا أبا إسحاق، خير المساجد مقدمها، فبناه في مقدم المسجد. فبلغ أهل العراق أنه زار أهل الشام فكتبوا إليه يسألونه أن يزورهم كما زار أهل الشام، فهم أن يفعل فقال له كعب؛ أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تدخلها. قال: ولم؟ قال: فيها عصاة الجن وهاروت وماروت يعلمان الناس السحر. وفيها تسعة أعشار الشر وكل داء معضل. فقال عمر: قد فهمت كل ما ذكرته غير الداء المعضل، فما هو؟ قال: كثرة الأموال هو الذي ليس له شفاء. فلم يأتها عمر.

ونزل المسلمون الجابية وهم أربعة وعشرون ألفاً فوقع الطاعون فيهم، فذهب منهم عشرون ألفاً، وبقي أربعة آلاف فقالوا: هاذ طوفان وهذا رجز فبلغ ذلك معاذاً فبعث فوارس يجمعون الناس، وقال: اشهدوا المدراس اليوم عند معاذ. فلما اجتمعوا قام فيهم فقال: أيها الناس، والله لو أعلم أني أقوم فيكم بعد مقامي هذا ما تكلفت اليوم القيام لكم. وقد بلغني أنكم تقولون هذا الذي وقع فيكم طوفان ورجز، والله ما هو طوفان ولا رجز وإنما الطوفان والرجز كان عذب الله به الأمم. ولكنها شهادة أهداها الله لكم استجاب فيكم دعوة نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ألا فمن أدرك خمساً فاستطاع أن يموت فليمت: أن يكفر الرجل بعد إيمانه، وأن يسفك الدم بغير حقه، وأن يعطى مال الله بأن يكذب أو يفجر، وأن يظهر التلاعن بينكم، أو يقول الرجل حين يصبح: والله إن حييت أو مت ما أدري ما أنا عليه. وقوع هذا الطاعون والوباء مصداق ما روي عن معاذ بن جبل قال: ينزل المسلمون أرضاً يقال لها الجابية أو الجويبية فتكثر به أموالهم ودوابهم، فيبعث عليهم جرب كالدمل تزكو فيه أموالهم وتستشهد فيه أبدانهم. وفي رواية: يصيبكم فيه داء مثل غدة الجمل، فيستشهد الله به أنفسكم وخياركم فيزكي أبدانكم.

ما اشترط عند فتح الشام على الذمة

ما اشترط عند فتح الشام على الذمة عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتب لعمر بن الخطاب حين صالح نصارى الشام: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا ألا تحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها ولا نحيي ما كان منها من خطط المسلمين ولا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا في منازلنا جاسوساً، لوا نكتم غشاً للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركاً ولا ندعو إليه أحداً، ولا نمنع من ذوي قراباتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه، وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نتكنى بكناهم، ولا نركب السرج، ولا نتقلد السيوف، لوا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا تنقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد زنانير على أوساطنا. وألا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسوقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفياً، ولا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من طريق المسلمين وأسواقهم، ولا نجاوزهم بموتانا، ولا نتخذ من الطريق ما جرى عليه سهام المسلمين، ولا نطع عليهم في منازلهم. فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحداً من المسلمين. شرطنا لكم ذلك على

أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان. فإن نحن خالفنا عن شيء مما شرطناه لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة في الشقاق. وفي طريق آخر. ولا نخرج شعانين ولا باعوثاً ولا نرفع أصواتنا مع أمواتا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طريق المسلمين وأسواقهم. وروى عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال: صالحهم أبو عبيدة على أنصاف كنائسهم ومنازلهم وعلى رؤوسهم، وألا يمنعوا من أعيادهم، ولا يهدمون شيئاً من كنائسهم. صالح على ذلك أهل المدينة وأخذ سائر الأرض عنوة. وقيل: صالحوهم على من فيها من جماعة أهلها على جزية دنانير مسماة، لا تزاد عليهم إن كثروا، ولا تنقص منهم إن قلوا. وأن للمسلمين فضول الدور والمساكن عنهم، وأسواقها. وقال ابن سراقة: كان في كتاب صلح دمشق: هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل دمشق أني أمنتكم على دمائكم وأموالكم ومساكنكم وكنائسكم أن تهدم أو تسكن ما لم تحدثوا حدثاً، أو تؤووا محدثاً مغيلة. وعن مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه قال: لما قدم عمر بن الخطاب الشام كان في شرطه على النصارى أن يشاطرهم منازلهم فيسكن فيها المسلمون، وأن يأخذ الحيز القبلي من كنائسهم لمساجد المسلمين. وعن سالم عن أبيه أن عمر بن الخطاب أمر أن تهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تحدث كنيسة، وأمر ألا يظهر صليب خارجاً من كنيسة إلا كسر على رأس صاحبه. وعن أسلم مولى عمر أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء أهل الجزية ألا يضعوا الجزية إلا على من جرت أو

مرت عليه المواسي وجزيتهم أربعون درهماً على أهل الورق منهم، وأربعة دنانير على أهل الذهب. وعليهم أرزاق المسلمين من الحنطة مديين وثلاثة أقساط زيت لكل إنسان كل شهر من كان من أهل الشام وأهل الجزيرة، ومن كان من أهل مصر إردب لكل إنسان كل شهر. ومن الودك والعسل شيء لم نحفظه، وعليهم من البز التي كان يكسوها أمير المؤمنين شيء لم نحفظه، ويضيفون من نزل بهم من أهل الإسلام ثلاث أيام، وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعاً لكل إنسان. وكان عمر لا يضرب الجزية على النساء، وكان يختم في أعناق رجال أهل الجزية. وفي حديث آخر: فلما قدم عمر الشام شكوا إليه وقالوا: يا أمير المؤمنين، إنهم يكلفونا ما لا نطيق، يكلفونا الدجاج والشاء. فقال: لا تطعموهم إلا مما تأكلون مما يحل لهم من طعامكم. وعن عكرمة أن ابن عباس سئل: هل للعجم أن يحدقوا في أمصار العرب بنياناً أو شيئاً، فقال: أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه كنيسة، أو قال: بيعة. ولا يضربوا فيه ناقوساً، ولا يشربوا فيه خمراً، ولا يدخلوه خنزيراً، وأيما مصر مصره العجم ففتحه الله على العرب، فللعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يفوا لهم بعهدهم. وعن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى على أهل الذمة بضيافة ثلاثة أيام للمسلمين ما بصلحهم من طعام ولف دوابهم. قال الأوزاعي: كتب عمر بن الخطاب في أهل الذمة أن من لم يطق منهم فخففوا عنه، ومن عجز فأعينوه، فإنا لا نريدهم لعام ولا لعامين.

وعن ضمرة بن جندب قال: قال عمر بن الخطاب في أهل الذمة: سموهم ولا تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم، وإذا جمعتكم وإياهم طريق فألجئوهم إلى أضيقها. وعن عبد الملك بن عمير أن عمر بن الخطاب اشترط على أنباط الشام للمسلمين أن يصيبوا من ثمارهم وتينهم ولا يحملوا. وعن الأحنف بن قيس أن عمر بن الخطاب اشترط على أهل الذمة إصلاح القناطر، والضيافة يوم وليلة، وإن قتل رجل من المسلمين في أرضكم فعليكم ديته. وعن ابن أبي نجيح قال: سألت مجاهداً: لم وضع عمر على أهل الشام الجزية أكثر مما وضع على أهل اليمن؟ فقال: لليسار. وعن الحكم بن عمر الرعيني قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمصار الشام: لا يمشين نصراني إلا مفروق الناصية، ولا يلبسن قباء، ولا يمشين إلا بزنار من جلد، ولا يلبسن طيلساناً، ولا يلبسن سراويلاً ذات خدمة، ولا يلبسن نعلاً ذات عذبة، ولا يركبن على سرج، ولا يوجد في بيته سلاح إلا انتهب.

ذكر حكم الأرضين وما جاء فيه

ذكر حكم الأرضين وما جاء فيه قال: لا خلاف بين الأئمة أن كل بلد صولح أهله على الخراج المعلوم أنه لا يجوز تغيير ما استقر عليه. وقد صح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمضى لأهل مدينة دمشق الصلح، لكنه لما أشكل عليه الحال في الفتح وهل سبق من دخلها عنوة أو من دخلها بالصلح أمضاها كلها صلحاً لأهلها، وقبل منهم شروطاً بذلوها، فأما ما ظهر عليه المسلمون عنوة من أعمالها ونواحيها، وحووه بالقهر والغلبة من أرضيها فقد اختلف فيه: فذهب عمر وعلي ومعاذ بن جبل إلى أنها وقف على المسلمين، لا تقسم بين من غلب عليها من الغانمين، وتجري غلتهم عليهم وعلى من بعدهم. وذهب الزبير بن العوام وبلال بن رباح إلى أنها ملك للغانمين، فتقسم بينهم على ما يراه الإمام. وذهب أبو حنيفية وسفيان الثوري إلى أن الإمام في ذلك بالخيار، إن شاء وقفها، وإن شاء قسمها ووزعها على ما يراه بين من غنمها. وذهب مالك إلى أنها تصير وقفاً بنفس الاغتنام. ولا يكون فيها اختيار للإمام. وذهب الشافعي إلى أنه ليس للإمام أن يقفها بل يلزمه أن يقسمها إلا أن يتفق على وقفها المسلمون، فيرضى ببذلك من غنمها. فأما ما روي عن عمر وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: لولا آخر المسلمين ما فتحت عليهم قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر. وعنه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس بباناً ليس لهم شيء ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر، ولكن أتركها لهم حراثة. ومعنى بباناً أي باجاً واحداً وشيئاً واحداً. وعن يزيد بن أبي حبيب قال: كتب عمر إلى سعد حين افتتح العراق: أما بعد. فقد بلغني كتابك، تذكر أن الناس

سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عز وجل عليهم، فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس به عليك إلى العسكر من كراع أو مال فاقسمه بن من حضر من المسلمين. واترك الأرضين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بقي بعدهم شيء. وعن إبراهيم السلمي قال: لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر: اقسمه بيننا فإنا فتحناه غنوة. فأبي وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف إن قسمته أن تفاسدوا بينكم في المياه. قال: فأقر أهل السواد في أرضيهم، وضرب على رؤوسهم الجزية وعلى أرضيهم الطسق. قال أبو عبيدة: يعني بالطسيق: الخراج. وعن عتبة بن فرقد قال: اشتريت عشرة أجربة من أرض السواد على شاطئ الفرات لقضب لدوابي فذكرت ذلك لعمر فقال لي: اشتريتها من أصحابها؟ قلت: نعم. قال: رح إلي فرحت إليه فقال: يا هؤلاء، أبعتموه شيئاً؟ قالوا: لا، قال: ابتغ مالك حيث وضعته. وأما ما روي عن علي رضي الله عنه وعن حارثة بن مضرب عن عمر أنه أراد أن يقسم السواد بني المسلمين فأمر أن يحصوا، فوجد الرجل يصيبه ثلاثة من الفلاحين، فشاور في ذلك فقال له علي بن أبي طالب: دعهم يكونوا مادة للمسلمين فتركهم. وبعث عليهم عثمان بن حنيف فوضع عليهم ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر، وبهذا كان يأخذ سفيان بن سعيد وهو معروف من قوله إلا أنه كان يقول: الخيار في أرض الغنوة إلى الإمام إن شاء جعلها غنيمة فخمس وقسم، وإن شاء جعلها فيئاً عاماً للمسلمين ولم يخمس ولم يقسم. قال أبو عبيد: وليس الأمر عندي إلا على ما قال سفيان إن الإمام مخير في العنوة بالنظر للمسلمين والحيطة عليهم بين أن يجعلها غنيمة أو فيئاً.

وأما ما روي عن معاذ ولما قدم عمر الجابية أراد قسم الأرضين فقال له معاذ: والله إذن ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها اليوم كان الربع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسداً وهم لا يجدون شيئاً. فانظر أمراً يسع أولهم وآخرهم. فسار عمر إلى قول معاذ. وأما ما روي عن الزبير قال سفيان بن وهب الخولاني: لما افتتحنا مصر بغير عهد قام الزبير بن العوام فقال: يا عمرو بن العاص، أقسمها، فقال عمرو: لا أقسمها، فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خبير، قال عمرو: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إلى عمر فكتب إليه عمر أن أقرها حتى يغزو منها حبل الحبلة. وأما ما روي عن بلال وعن نافع مولى ابن عمر قال: أصاب الناس فتح الشام فيهم بلال، قال: وأظنه ذكر معاذ بن جبل فكتبوا إلى عمر بن الخطاب: إن هذا الفيء الذي أصبنا، لك خمسه، ولنا ما بقي، ليس لأحد منه شيء. كما صنع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخيبر، فكتب عمر: ليس علي ما قلتم، ولكني أقفها للمسلمين، فراجعوه الكتاب وراجعهم، يأبون ويأبى، فلما أبوا قام عمر فدعا عليهم فقال: اللهم، أكفني بلالاً وأصحاب بلال. قال: فما حال الحول عليهم حتى ماتوا جميعاً. قال البيهقي: قوله إنه ليس علي ما قتم ليس يريد إنكار ما احتجوا به من قسمة خيبر، ويشبه أن يريد به: ليست المصلحة فيما قلتم، وإنما المصلحة في أن أقفها للمسلمين، وجعل يأبى قسمتها لما كان يرجو من تطييبهم ذلك له، وجعلوا يأبون لما كان لهم من الحق، فلما أبوا لم يبرم عليهم الحكم بإخراجها من أيديهم، ووقفها، ولكن دعا عليهم حيث خالفوه فيما رأى من المصلحة، وهم لو وافقوه وافقه أفناء الناس وأتباعهم.

وفي رواية أن بلالاً قال: لتقسمنها أو لنضاربن عليها بالسيف، فقال عمر: لولا أني أترك الناس بباناً، لا شيء لهم ما فتحت قرية إلا قسمتها سهماناً كما قسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر. زاد البيهقي والخشنامي إلى آخر الحديث: ولكن أتركها لمن بعدهم جزية يقتسمونها. قال البيهقي: وفي أحاديث عمر التي لم ير فيها القسمة دلالة على أن عمر كان يرى من المصلحة إقرار الأراضي، وكان يطلب استطابة قلوب الغانمين، وإذا لم يرضوا بتركها فالحجة في قسمه قائمة بما ثبت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قسمة خيبر وقد خالف الزبير بن العوام وبلال وأصحابه، ومعاذ، على شك من الراوي، عمر فيما رأى. والله أعلم. حدث أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو قال: حضرت عند أبي الحسن بن محمد بن مدبر، أحضر ذلك المجلس هشام بن عمار ودحيماً ومحمود بن خالد وعبد الله بن ذكوان وأحضرني فيمن أحضر فقال: إنكم لا تتهمون على الفيء، وإنما يتهم عليه أهل البدع، لأنكم تعلمون أنه ينفق في بيضة الإسلام وفي حج البيت ومجاهدة العدو وأمن السبل، فتكلم يومئذ أحمد بن محمد بن مدبر في ذلك فأبلغ، وقال: أخبروني عن مدائن الساحل: هل ترون من مستغلها حقاً للفيء؟ فقال: لا حق للفيء في مستغلها. وأعلموه أن دمشق فتحت صلحاً، وأن صلح حصونها بصلحها من أجل أنها الأم، وإن ساحلها تبع لها. قال أبو زرعة: وأعلمته يومئذ أن بعلبك صلح، وأن الوليد بن مسلم قد أثبت صلحها عن إسماعيل بن عياش. فقال ابن مدبر للمشيخة: هكذا تقولن؟ قالوا: نعم، فقبل ذلك منهم. قال أبو زرعة: وسألني أبى مدبر عن بيع الكلأ فأعلمته أن الأوزاعي يقول: الناس فيه أسوة، فتظلم إلى ابن مدبر رجل من الرعية على رجل رعى كلأ له، فلم يعده. وقال: فقيه أهل الشام لا يرى لك حقاً.

قال أبو زرعة: ورأيت أحمد بن محمد بن مدبر شديداً في الأرض، مذهبه فيها مذهب السلف في إيقافها. قال: فحدثته بحديث أرويه عن الهيثم بن عمران قال: كتب هشام بن عبد الملك إلى كلثوم بن عياض وبلغه أن خالداً القسري اشترى أرضاً من أرض الغوطة بغير إذنه فقال: أتشتري أرضاً بغير إذني؟ فأمر سالماً الكاتب أن يكتب إلى كلثوم بن عياض: عزمت عليك ألا تضع كتابي من يدك حتى تغرم الوليد بن عبد الرحمن عاملي على الغوطة أربع مئة دينار، وتبعث بها إلي إذا اشتريت أرض بغير إذنه، وكتب إلى كلثوم أن اضرب وكيلي القسري مئة مئة. وأطفء بهما، ومر من ينادي عليهما: هذا جزاء من اشترى أرضاً بغير إذن أمير المؤمنين. وذلك أنه وجد فيما وضع عمر بن عبد العزيز حين استخلف قال: هل نهت الولاة قبلي عن شراء الأرض من أهل الذمة؟ قالوا: لم ينهوا. قال: فإني قد سلمت لمن اشترى، ولكن من اليوم أنهى عن بيعها، إنها أرض المسلمين، دفعت إلى أهل الذمة على أن يأكلوا منها ويؤدوا خراجها، وليس لهم بيعها، ومن اشترى بعد اليوم. فيعاقب البيع والمشتري، وترد الأرض إلى النبطي، ويؤخذ الثمن من المسلم، فيجعل في بيت المال، لما انتهكوا من المعصية، ويدخل المال الذي أخذ النبطي بيت مال المسلمين لما وضع عمر في ذلك الديوان فهي المدة. ما كان قبل المدة، يعني قبل عمر بن عبد العزيز، وما كان بعد المدة، يعني بعد عمر. قال أبو زرعة: فاستحسن أحمد بن محمد بن مدبر هذا الحديث، وأنكر العقوبة، فقلت له: لا تبتذله رأيه، وأخبرته بحديث رويته عن إسحاق بن مسلم، وكان عاملاً لعمر بن عبد العزيز على خراج الأردن. فكتب إلى عمر: أما بعد. فإني وجدت أرضاً من أرض أهل الذمة بأيدي أناس من المسلمين فما يرى أمير المؤمنين فيها؟ فكتب إليه أن تلك أرض أوقفها أول المسلمين على آخرهم، فامنع ذلك البيع. إن شاء الله والسلام. وحدثته ما رويته عن القاسم بن زياد وعن عاملاً لعمر بن عبد العزيز على الغوطة، فكتب إلى عمر: أما بعد: فإن قبلنا أرضاً من أرض أهل الذمة بأيدي ناس من المسلمين قد

ابتاعوها منهم، وهم يؤدون العشر مما يخرج منها، أفضل مما كان عليها، فما يرى أمير المؤمنين؟ قال: وأنا أريد بدا وذات بدا، أرضاً من أرض الجبل اتخذها عمر، فكتب إليه عمر أن تلك أرض حبسها أول المسلمين على آخرهم، فليس لأحد أن يتمولها دونهم، فامنع ذلك البيع إن شاء الله. قال أبو زرعة: فحدثت بهذا الحديث عبد الملك بن الأصبغ من أصحاب الوليد بن مسلم فأخبرني أن عمر بن عبد العزيز لم يمت عن ضيعة بقيت في يده غير بدا وحزين من أرض بعلبك، وأنه أورثها عشراً وعدلها على ذلك أبو جعفر المنصور فصارت بأيدي ورثة عمر. قال أبو زرعة: فقال لي أحمد بن محمد بن مدبر: قد جاء فيها: من أخذ أرضاً بجزيتها فقد أتى بما يأتي به أهل الكتاب من الذل والصغار. وأما قول الثوري فقد روي عن سفيان بن سعيد قال: إذا ظهر على بلاد العدو فالإمام بالخيار إن شاء قسم البلاد والأموال والسبي، بعد ما يخرج الخمس من ذلك، وإن شاء من عليهم فترك الأرض والأموال، وكانوا ذمة للمسلمين كما صنع عمر بن الخطاب بأهل السواد، فإن تركهم صاروا عهداً توارثوا وباعوا أرضهم. قال يحيى بن آدم أحد رواة هذا الحديث: وسمعت حفص بن غياث يقول: تباع ويقضى بها الدين، وتقسم في المواريث. وأما قول مالك فإنه ذهب إلى أن من أسلم من أهل الصلح فهو أحق بما له وأرضه، وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة فمن أسلم منهم فإن أرضه وماله للمسلمين، لأن أهل العنوة قد غلبوا على بلادهم وصارت فيئاً للمسلمين، وأما أهل الصلح فإنهم قوم منعوا أموالهم وأنفسهم حتى صالحوا عليها، فليس عليهم إلا ما صلحوا عليه.

وروى عنه يحيى بن عبد الله بن بكير قال: قال مالك: كل أرض فتحت صلحاً فهي لأهلها، لأنهم منعوا بلادهم حتى صالحوا عليها، وكل بلاد أخذت عنوة فهي فيء للمسلمين. وقال يحيى بن آدم: كل أرض كانت لعبد الأوثان من العجم أو لأهل الكتاب من العجم أو العرب ممن يقبل منهم الجزية فإن أرضهم أرض خراج إن صالحوا على الجزية على رؤوسهم، والخراج على أرضيهم، فإن ذلك يقبل منهم، وإن ظهر عليهم المسلمون فإن الإمام يقسم جميع ما أجلبوا به في العسكر من كراع أو سلاح أو مال بعدما يخمسه، وهي الغنيمة التي لا يوقف شيء منها، وذلك قوله عز وجل: " ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه " وأما القرى والمدائن والأرض فهي فيء كما قال الله عز وجل: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى " فالإمام بالخيار في ذلك: إن شاء وقفه وتركه للمسلمين، وإن شاء قسمه بين حضره. قال أبو بكر الخطيب: اختلف الفقهاء في الأرض التي يغنمها المسلمون فيقهرون العدو عليها، فذهب بعضهم إلى أن الإمام بالخيار بين أن يقسمها على خمسة أسهم، فيعزل منها السهم الذي ذكره الله تعالى في آية الغنيمة فقال: " واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه " الآية. ويقسم السهام الأربعة الباقية بين الذين افتتحوها، فإن لم يختر ذلك وقف جميعها، كما فعل عمر بن الخطاب في أرض السواد. وممن ذهب إلى هذا القول سفيان بن سعيد الثوري وأبو حنيفة النعمان بن ثابت. وقال مالك: تصير الأرض وقفاً بنفس الاغتنام، ولا خيار فيها للإمام.

وقال محمد بن إدريس الشافعي: ليس للإمام إيقافها. وإنما يلزمه قسمتها، فإن اتفق المسلمون على إيقافها ورضوا أن لا تقسم جاز ذلك، واحتج من ذهب إلى هذا القول بما روي عن عمر بن الخطاب أنه قسم أرض السواد بين غانمها وحائزها، ثم استنزلهم بعد ذلك عنها، واسترضاهم منها، ووقفها. فأما الأحاديث التي وردت عن عمر أنه لم يقسمها فإنه محمولة على أنه امتنع من إمضاء القسم واستدامته بأن انتزع الأرض من أيديهم، أو أنه لم يقسم بعض السواد وقسم بعضه، ثم رجع فيه. قال أبو عبيد: وجدنا الآثار عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء بعده قد جاءت في افتتاح الأرضين بثلاثة أحكام: أرض أسلم عليها أهلها فهي لهم، وملك أيمانهم، وهي أرض عشر، لا شيء عليهم فيها غيره، وأرض افتتحت صلحاً على خراج معلوم فهي على ما صولحوا عليه، لا يلزمهم أكثر منه، وأرض أخذت عنوة فهي التي اختلف المسلمون فيها. فقال بعضهم: سبيلها سبيل الغنيمة تخمس، وتقسم، فيكون أربعة أخماسها خططاً بني الذين افتتحوها خاصة، ويكون الخمس الباقي لمن سمى الله تعالى، وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها للإمام: إن رأى أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها كما فعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخيبر، فتلك له، وإن رأى أن يجعلها فيئاً فلا يخمسها ولا يقسمها، ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة، ما بقوا كما صنع عمر بالسواد، فعل ذلك. فأما حكم الدور التي هي داخل السور فقد روي عن بنت واثلة قالت: سمعت رجلاً يقول لواثلة: أرأيت هذه المساكن التي أقطعها الناس يوم فتحوا مدينة دمشق أماضية هي لأهلها؟ قال: نعم. قال: فإن ناساً يقولون هي لهم سكنى، وليس لهم بيعها ولا إتلافها بوجه من الوجوه، من صدقة ولا مهر ولا غير ذلك. فقال واثلة: ومن يقول ذلك! بل هي لهم ملك ثابت، يسكنون، ويمهرون، ويتصدقون. وأما القطائع فقد روي عن عامر قال: لم يقطع أبو بكر ولا عمر ولا علي، وأول من أقطع القطائع عثمان، وبيعت الأرضون في خلافة عثمان.

وروي عن أبي عمرو وغيره أن عمر وأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجمع رأيهم على إقرار ما كان بأيديهم من أرضهم يعمرونها ويؤدون منها خراجها إلى المسلمين، فمن أسلم منهم رفع عن رأسه الخراج، وصار ما كان في يده من الأرض وداره بين أصحابه من أهل قريته، يؤدون عنها ما كان يؤدى من خراجها، ويسلمون له ماله ورقيقه وحيوانه، وفرضوا له في ديوان المسلمين، وصار من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، ولا يرون أنه وإن أسلم أولى بما كان في يديه من أرضه من أصحابه من أهل بيته وقرابته، لا يجعلونها صافية للمسلمين، وسموا من ثبت منهم على دينه وقريته ذمة للمسلمين، ويرون أنه لا يصلح لأحد من المسلمين شرى ما في أيديهم من الأرض كرهاً، لما احتجوا به على المسلمين من أن إمساكهم كان عن قتالهم وتركهم مظافرة عدوهم من الروم عليهم، فهاب لذلك أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وولاة الأمر قسمهم، وأخذوا ما كان في أيديهم من تلك الأرضين، وكرهوا للمسلمين أيضاً شراءها طوعاً لما كان من ظهور المسلمين على البلاد، وعلى من كان يقاتلهم عنها، ولتركهم، كان، البعثة إلى المسلمين وولاة الأمر في طلب الأمان قبل ظهورهم عليهم. قالوا: وكرهوا شراءها منهم طوعاً بما كان من إيقاف عمر وأصحابه الأرض محبوسة على آخر هذه الأمة من المسلمين المجاهدين لا تباع ولا تورث قوة على جهاد من لم يظهروا عليه بعد من المشركين، ولما ألزموه أنفسهم من إقامة فريضة الجهاد لقوله عز وجل: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " إلى تمام الآية. قال: فقلت لغير واحد من مشيختنا ممن كان يقول هذه المقالة: فمن أين جاءت هذه القطائع التي بين ظهراني القرى الراخية والمزارع التي بيد غير واحد من الناس؟ فقال: إن بدء هذه القطائع أن ناساً من بطارقة الروم إذا كانت ظاهرة على الشام كانت هذه القرى التي منها هذه القطائع، كانت من الأرضين التي كانت بأيدي أنباط القرى، فلما هزم الله الروم هربت تلك البطارقة عما كان في أيديها من تلك المزارع، فلحقت بأرض الروم، ومن قتل منها في تلك المعارك التي كانت بين المسلمين والروم فصارت تلك المزارع والقرى صافية للمسلمين موقوفة يقبلها والي المسلمين كما يقبل الرجل مزرعته.

قالوا: فمنها أندركيسان يعني بدمشق. وقبيس بالبلقاء، وما على باب حمص من جبعاثا وغيرها. قالوا: فلم تزل تلك المزارع موقوفة مقبلة، تدخل قبالتها بيت المال، فتخرج نفقة مع ما يخرج من الخراج، حتى كتب معاوية في إمرته على الشام إلى عثمان أن الذي أجراه عليه من الرزق في عمله ليس يقوم بمؤن من يقوم عليه من وفود الأجناد ورسل أمرائهم، ومن يقدم عليه من رسل الروم ووفودها، ووصف في كتابه هذه المزارع الصافية وسماها له، فسأله أن يقطعه إياها ليقوى بها على ما وصف له، وأنها ليست من قرى أهل الذمة ولا الخراج فكتب إليه عثمان بذلك كتاباً. قالوا: فلم تزل بيد معاوية حتى قتل عثمان، وأفضى إلى معاوية الأمر، فأقرها على حالها، ثم جعلها من بعده حبساً على فقراء أهل بيته والمسلمين. قالوا: ثم إن ناساً من قريش وأشراف العرب سألوا معاوية أن يقطعهم من بقايا تلك المزارع التي لم يكن عثمان أقطعه إياها، ففعل، فمضت لهم أموالاً يبيعون، ويمهرون، ويورثون. فلما أفضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان وقد بقيت من تلك المزارع بقايا لم يكن معاوية قد أقطع منها أحداً شيئاً سأله أشراف الناس القطائع منها ففعل. قالوا: إن عبد الملك سئل القطائع، وقد مضت تلك المزارع لأهلها، فلم يبق منها شيء، فنظر عبد الملك إلى أرض من أرض الخراج قد باد أهلها، ولم يتركوا عقباً أقطعهم منها، ورفع ما كان عليها من خراجها عن أهل الخراج، ولم يحمله أحداً من أهل القرى وجعلها عشراً، ورآه جائزاً له مثل إخراجه من بيت المال الجوائز للخاصة. قالوا: فلم يزل يفعل ذلك حتى لم يجد من تلك الأرض شيئاً. فسأل الناس عبد الملك والوليد وسليمان قطائع من أرض القرى التي بأيدي أهل الذمة، فأبوا ذلك عليهم، ثم سألوهم أن يأذنوا لهم في شرى الأرضين من أهل الذمة فأذنوا لهم على إدخال أثمانها بيت المال، وتقوية أهل الخراج به على خراج سنتهم مع ما ضعفوا عن أدائه، وأوقفوا ذلك في الأرضين، ووضعوا خراج تلك الأرضين عمن باعها منهم، وعن أهل قراهم، وصيروها لمن اشتراها يؤدي العشر، يبيعون ويمهرون ويورثون.

قالوا: فلما ولي عمر بن عبد العزيز أعرض عن تلك القطائع التي أقطعها عثمان ومعاوية وعبد الملك والوليد وسليمان، فلم يردها عمر على ما كانت عليه صافية، ولم يجعلها خراجاً، وأبقاها لأهلها تؤدي العشر. قال: وأعرض عمر عن تلك الأشرية بالإذن لأهلها فيها، لاختلاط الأمور فيها، لما وقع فيها من المواريث، ومهور النساء، وقضاء الديون، فلم يقدر على تخليصه ولا معرفة ذلك. قال: وأعرض عن الأشرية التي اشتراها المسلمون بغير إذن ولاة الأمر، لما وقع في ذلك من المواريث واختلاط الأمور، وجعل الأشرية سواء، وأمضاه لأهله ولمن كان في يديه كالقطائع للأرض عشراً ليس عليها ولا على من صارت إليه بميراث أو شراء جزية. قالوا: وكتب بذلك كتاباً قرئ على الناس في سنة مئة وأعلمهم أنه لا جزية عليها، وأنها أرض عشر. وكتب أن من اشترى شيئاً بعد سنة مئة فإن بيعه مردود، وسمي سنة مئة المدة، فسماها المسلمون بعده: المدة. فأمضى ذلك فبقية ولايته، ثم أمضاه يزيد وهشام ابنا عبد الملك. قالوا: فتناهى الناس عن شراها بعد سنة مئة بسنيات، ثم اشتروا أشرية كثيرة كانت بأيدي أهلها، يؤدون العشر، ولا جزية عليها. فلما أفضى الأمر إلى أبي جعفر عبد الله بن محمد أمير المؤمنين رفعت إليه تلك الأشرية وأنها تؤدي العشر، ولا جزية عليها، وأن ذلك أضر بالخراج وكسره، فأراد ردها إلى ألها. قيل له: قد وقعت في المواريث والمهور واختلط أمرها، فبعث المعدلين إلى كور الشام سنة أربعين أو إحدى وأربعين منهم: عبد الله بن يزيد إلى حمص، وإسماعيل بن عياش إلى بعلبك، في أشباه لهم، فعدلوا تلك الأشرية على من هي بيده شرى أو ميراث أو مهر، فعدلوا ما بقي بأيدي الأنباط من بقية الأرض على تعديل مسمى، ولم تعدل الغوطة في تلك السنة، وكان من كان بيده شيء من تلك الأشرية من أهل الغوطة يؤدي العشر حتى بعث أمير المؤمنين عبد الله بن محمد، هضاب بن طوق،

ومحرز بين زريق، فعدلوا الأشرية، وأمرهم ألا يضعوا على شيء من القطائع القديمة ولا الأشرية خراجاً، وأن يمضوها لأهلها عشرية، ويضعوا الخراج على ما بقي منها بيد الأنباط وعلى الأشرية المحدثة من بعد سنة مئة إلى السنة التي عدل فيها. حدث سليمان بن عتبة أن أمير المؤمنين عبد الله بن محمد سأله في مقدمة الشام سنة ثلاث أو أربع وخمسين ومئة عن سبب الأرضين التي بأيدي أبناء الصحابة، ويذكرون أنها قطائع لآبائهم قديمة، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله تبارك وتعالى لما أظهر المسلمين على بلاد الشام، وصالحوا أهل دمشق وأهل حمص كرهوا أن يدخلوها دون أن يتم ظهورهم وإثخانهم في عدو الله عسكروا في مرج بردى ما بين المزة وبين مرج شعبان جنبي بردى، وكانت مروجاً مباحة فيما بين أهل دمشق وقراها ليست لأحد منهم، فأقاموا بها، حتى أوطأ الله المشركين ذلاً، وقهراً، وأحيا كل قوم محلتهم، وهيؤوا فيها بناء، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمضاه لهم، فبنوا الدور، ونصبوا الشجر، ثم أمضاه عثمان، ومن بعده إلى ولاية أمير المؤمنين، فقال: قد أمضيناه لأهله.

الصوافي التي استصفيت عن بني أمية

الصوافي التي استصفيت عن بني أمية فقد روي عن همام بن مسلم قال: سئل مالك بن أسن عن دار من دور الصوافي، أسكنها؟ قال: ما أدري. وسألت ابن أبي ذئب فقال: ما أدري، وسئل عباد بن كثير فقال: في هذا ما فيه. وسئل سفيان الثوري فقال: لا تنزلها، فقال له الرجل: فإن أبي في صافية ويأبى أن يخرج منها فقال سفيان: فارق أباك، قيل: فإن كان فيها مسجد، قال: فلا تصل فيه. قال: فإن كان فيها مريض؟ قال: فلا تعده. قلت: فإن كنت أعرف أهلها أشتريها منهم؟ قال: نعم. وروي عن سفيان الثوري قال: إن كانت، يعني الصوافي، لبني أمية حلالاً فهي على بني هاشم حرام، وإن كانت على بني أمية حراماً فهي على بني هاشم أحرم وأحرم.

بعض ما ورد من الملاحم والفتن يتعلق بدمشق

بعض ما ورد من الملاحم والفتن يتعلق بدمشق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم. قالها ثلاثاً. شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه. قال أبو عبيد الهروي في هذا الحديث: قد أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما لم يكن، وهو في علم الله كائن، فخرج لفظه على لفظ الماضي لأنه ماض في علم الله عز وجل. وفي إعلامه بهذا قبل وقوعه ما دل على إثبات نبوته، ودل على رضاه من عمر ما وظفه على الكفرة من الجزي في الأمصار. وفي تفسير المنع وجهان: أحدهما أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم أنهم سيسلمون فيسقط عنهم ما وظف عليهم بإسلامهم، فصاروا مانعين بإسلامهم ما وظف عليهم. والدليل على ذلك قوله في الحدث: وعدتم من حيث بدأتم، لأن بدا أهم في علم الله، وفيما قدر. وفيما قضى أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا. وقيل في قوله: منعت العراق درهمها: إنهم يرجعون عن الطاعة. قال: وهذا وجه، والأول أحسن. وعن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: لا تقوم الساعة حتى يغلب أهل المدي على مديهم، وأهل القفيز على قفيزهم، وأهل الإردب على إردبهم، وأهل الدينار على دينارهم، وأهل الدرهم على درهمهم، ويرجع الناس إلى بلادهم.

قال أبو عبيد: فمعناه والله أعلم: إن هذا كائن. وإنه سيمنع بعد في آخر الزمان، فاسمع قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الدرهم والقفيز كما فعل عمر بأهل السواد، فهو عندي الثبت. وفي تأويل فعل عمر أيضاً حين وضع الخراج، ووظفه على أهله من العلم أنه جعله شاملاً عاماً على كل من لزمته المساحة وصارت الأرض في يده من رجل أو امرأة أو صبي أو مكاتب أو عبد، فصاروا متساوين فيها، لم يستثنى أحد دون أحد. ومما يبين ذلك قول عمر في دهقانة نهر الملك حين أسلمت فقال: دعوها في أرضها، تؤدي عنها الخراج، فأوجب عليها ما أوجب على الرجال. وفي تأويل حديث عمر من العلم إنما جعل الخراج على الأرضين التي تغل من ذوات الحب والثمار، والتي تصلح للغلة من العامر والغامر، وعطل منها المساكن والدور، التي هي منازلهم، فلم يجعل عليهم فيها شيئاً. وعن أبي نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله فقال: يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهل الشام ألا يجبى إليهم دينار ولا مدي، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل الروم يمنعون ذلك، ثم أسكت هنيهة ثم قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يكون في آخر الزمان خليفة يحثي المال حثيثاً، لا يعده عداً. قال الجريري: فقلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا.

وعن عبد الله بن عمرو قال: تجيش الروم فيخرجون أهل الشام من منازلهم، فيستغيثون بكم، فتغيثونهم، فلا يتخلف عنهم مؤمن، فتقتتلون، فيكون بينكم قتل كثير ثم تهزمونهم فينتهون إلى أسطوانة، إني لا أعلم مكانها عليهم، عندها الدنانير، فيكالونها بالتراس فيلقاهم الصريخ. إن الدجال يحوش ذراريكم فيلقون ما في أيديهم، ثم يأتون. وعن أبي الدرداء أنه قال: ليخرجنكم الروم من الشام كفراً كفراً حتى يوردوكم البلقاء. كذلك الدنيا تبيد وتفنى، والآخرة تدوم وتبقى. وعن أبي هريرة قال: يا أهل الشام، ليخرجنكم الروم منها كفراً كفراً حتى تلحقوا بسنبك من الأرض. قيل: وما ذاك السنبك؟ قال: حسمي جذام، ولتسيرن الروم على كوادنها، متعلقي جعابها بين بارق ولعلع. وعن خالد أنه قال: لا يذهب الليل والنهار حتى يطرد الروم أهل الشام من الشام، فيموت منهم ناس كثير من العيال بالفلاة جوعاً وعطشاً. وعن الضحاك بن مزاحم قال: هلاك دمشق نزول السفياني بين أظهرهم، ثم الروم. حدث الصنابحي أنه سمع كعباً يقول: سيعرك العراق عرك الأديم، وتفت مصر فت البعر. وروي عن واهب المعافري أنه قال: وتشق الشام شق الشعرة.

قال عمر بن يزيد النصري: يقتل أصيهب قريش في دمشق، ومعه سبعون صديقاً. وكانوا يقولون: أسعد الناس بالرايات السود من أهل الشام أهل حمص، وأشقى الناس بالرايات السود من أهل الشام أهل دمشق، واسعد الناس بالرايات الصفر من أهل الشام أهل دمشق، وأشقى الناس بالرايات الصفر من أهل الشام أهل حمص. قال خالد بن معدان: يهزم السفياني الجماعة مرتين ثم يهلك. وقال: لا يخرج المهدي حتى يخسف بقرية بالغوطة تسمى حرستا.

ذكر بعض أخبار الدجال

ذكر بعض أخبار الدجال وعن النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدجال فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة من النخل فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط، عينه قائمة يشبه عبد العزي بن قطن، فمن رآه منكم فليقرأ فاتحة الكتاب وفاتحة سورة أصحاب الكهف، ثم قال: إنه يخرج من خلة ما بين الشام والعراق، فعاث يميناً وشمالاً، يا عباد الله اثبتوا، قلنا: يا رسول الله، ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعين يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا: يا رسول الله، أرأيت ذلك اليوم الذي كالسنة يكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له. قلنا: يا رسول الله، ما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون، ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت دراً، وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي على القوم فيدعوهم، ويردون عليه قوله، فينصرف عنهم تتبعه أموالهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء، يمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فينطلق فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف، ويقطعه جزلين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل، يتهلل وجهه ويضحك. فبينا هو كذلك إذ بعث المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين أو مبرودتين، واضع كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر. وإذا رفعه تحدر منه كجمان لؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات. ونفسه ينتهي حين ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه عند باب لد، فيقتله الله. ثم يأتي عيسى بن مريم قوماً قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة. فبينا هو كذلك إذ أوحى الله إليه: يا عيسى، قد أخرجت

عباداً لا يدان لأحد بقتالهم، فجوز عبادي إلى الطور، فيبعث الله يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة الطبرية فيشربون ما فيها، فيمر آخرهم فيقول: لقد كان في هذه ماء مرة، فيحصر نبي الله عليه السلام حتى يكون رأس الثور خيراً لأحدهم من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، فيهبط نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون موضع شبر إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم ودماؤهم، فيرغب نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عيسى وأصحابه إلى الله عز وجل، فيرسل عليهم طيراً كأعناق البخت تحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، يغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر لتكفي القبيل، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ. فبينا هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة تأخذ تحت آباطاهم فتقبض روح كل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون كما تتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة. وعن أبي سعد الخدري أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إنه لم يكن نبي إلا وقد أنذر الدجال قومه، وإني أنذركموه. إنه أعور ذو حدقة جاحظة ولا تخفى كأنها نخاعة في جنب جدار، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، ومعه مثل الجنة والنار، فجنته غبراء ذات دخان، وناره روضة خضراء، وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى، كلما خرجا من قرية دخل أوائلهم فيسلط على رجل، لا يسلط على غيره فيذبحه ثم يضربه بعصا وفي رواية: بعصاه ثم يقول: قم فيقوم، فيقول لأصحابه: كيف ترون ألست بربكم؟ فيشهدون له بالشرك. فيقول الرجل المذبوح:

يا أيها الناس، ها إن هذا المسيح الدجال الذي أنذرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيعود أيضاً فيذبحه ثم يضربه بعصاه فيقول له: قم فيقوم، فيقول لأصحابه: كيف ترون ألست بربكم؟ فيشهدون له بالشرك. فيقول المذبوح: يا أيها الناسن ها إن هذا المسيح الدجال الذي أنذرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما زادني هذا فيك إلا بصيرة، فيعود فيذبحه الثالثة ويضربه بعصاه فيقول: يا أيها الناس، إن هذا المسيح الدجال الذي أنذرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما زادني هذا فيك إلا بصيرة، ثم يعود فيذبحه الرابعة، فيضرب الله تعالى على حلقه بصفيحة من نحاس فلا يستطيع ذبحه. قال أبو سعيد: فوالله ما دريت ما النحاس، إلا يومئذ. قال: فيغرس الناس بعد ذلك ويزرعون. قال أبو سعيد: كنا نرى ذلك الرجل عمر بن الخطاب. لما نعلم من قوته وجلده. وعن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان أكثر خطبته ما يحدثنا عن الدجال ويحذرناه، فكان من قوله: يا أيها الناس، إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض أعظم من فتنة الدجال، إن الله لم يبعث نبياً إلا حذر أمته الدحال، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج فيكم وأنا فيكم فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج بعدي فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يميناً ويعيث شمالاً. يا عباد الله، اثبتوا فإنه يبتدئ فيقول: أنا نبي، ولا نبي بعدي، ثم يبتدئ فيقول: أنا ربكم، ولن تروا ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرأه كل مؤمن، فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه، وإن من فتنته أن معه جنة وناراً، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتلى بناره فليقرأ فواتح سورة الكهف، ويستغث باله تكن عليه برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وإن من فتنته أن معه شياطين تتمثل على صور الناس، فيأتي للأعرابي فيقول: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانه على صورة أبيه

وأمه، فيقولان له: يا بني ابتعه فإنه ربك. وإن من فتنتة أن يسلط على نفس فيقتلها ثم يحييها، وأن يعود بعد ذلك وأن يصنع ذلك بنفس غيرها. يقول: انظروا إلى عبدي هذا، فإني أبعثه الآن يزعم أن له رباً غيري، فيبعثه فيقول له: من ربك؟ فيقول ربي الله وأنت عدو الله الدجال. وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك إبلك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانه على صورة إبله. وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت. وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبوه، فلا يبقى لهم سائمة إلا هلكت، ويمر بالحي فيصدقوه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فتروح عليهم مواشيهم من يومها ذلك أعظم ما كانت وأسمنه خواصر، وأدره ضروعاً. وإن أيامه أربعون يوماً، فيوم كالسنة، ويوم دون ذلك، ويوم كالشهر، ويوم دون ذلك، ويوم كالجمعة ويوم دون ذلك، ويوم كالأيام، ويوم دون ذلك، وآخر أيامه كالشرارة في الجريدة، يضحي الرجل بباب المدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتى تغرب الشمس. قالوا: يا رسول الله، فكيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال: تقدرون في هذه الأيام القصار كمنا تقدرون في الأيام الطوال ثم تصلون. وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وغلب عليه إلا مكة والمدينة، فإنه لا يأتيها من نقب من أنقابها إلا لقيه ملك مصلت بالسيف، فينزل عند الضريب الأحمر عند منقطع السبخة عند مجتمع السيول. ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج، فتنفي المدينة يومئذ خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد. يدعى ذلك اليوم يوم الإخلاص. فقالت أم شريك يا رسول الله، فأين المسلمون؟ فال: ببيت المقدس، يخرج حتى يحاصرهم، وإمام المسلمين يومئذ رجل صالح، فيقال له: صل الصبح، فإذا كبر ودخل في الصلاة نزل عيسى بن مريم. قال: فإذا رآه ذلك الرجل عرفه، فيرجع يمشي القهقرى ليتقدم عيسى عليه السلام فيضع يده بين كتفيه ثم يقول: صل، فإنما أقيمت الصلاة لك، فيصلي عيس عليه السلام وراءه، فيقول: افتحوا الباب فيفتحونه. ومع الدجال يومئذ سبعون ألف يهودي كلهم ذو سلاح وسيف محلى، فإذا نظر إلى عيسى عليه السلام ذاب كما يذوب الرصاص في النار، وكما يذب الملح في الماء، ثم يخرج هارباً فيقول عيسى: إن لي

فيك ضربة لن تفوتني بها، فيدركه عند باب الشرقي فيقتله، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله عز وجل ذلك الشيء لا شجرة ولا حجر ولا دابة إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فاقتله إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق قال الشيخ: شوك يكون بناحية بيت المقدس قال: ويكون عيسى في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً، فيقتل الخنزير، ويدق الصليب، ويضع الجزية، ولا يسعى على شاة ولا بعير ويرفع الشحناء والبغضاء التباغض، فتنزع حمة كل ذي دابة حتى تلقى الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، ويملأ الأرض من الإسلام، ويسلب الكفار ملكهم، فلا يكون ملك إلا الإسلام وتكون الأرض كفاثور الفضة، ينبت نباتها كما كانت على عهد آدم عليه السلام، يجتمع النفر على القطف. فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة. ويكون الثور بكذا وكذا من المال، وتكون الفرس بالدريهمات. وعن أبي نضرة قال: أتينا عثمان بن أبي العاص يوم جمعة لنعرض على مصحفه مصحفاً، فلما حضر الجمعة أمر لنا بماء فاغتسلنا، وطيبنا ثم، رحنا إلى الجمعة، فجلسنا إلى رجل يحدث، ثم جاء عثمان بن أبي العاص فتحولنا إليه، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: يكون للمسلمين ثلاثة أمصار: مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام. فيفزع الناس ثلاث فزعات فيخرج الدجال في أعراض جيش، فيهزم من قبل المشرق. فأول مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تنزل بشامة وتنظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم ومعهم سبعون ألفاً عليهم السيجان، وأكثر تبعه اليهود والنساء حتى يأتي المصر الذي يليهم فيصير أهله ثلاث فرق: فرقة تقيم تنزل بشامة، وتنظر ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق المصر الذي يليهم، ثم يأتي الشام فينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق، فيبعث المسلمون بسرح لهم فيصاب سرحهم فيشهد عليهم، وتصيبهم مجاعة شديدة وجهد، حتى إن أحدهم ليحزق

وتر قوسه فيأكله، فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من السحر: أتاكم الغوث يا أيها الناس. فيقول بعضهم لبعض: إن هذا لصوت رجل شبعان، فينزل عيسى عليه السلام الفجر، فيقول له أمير الناس: تقدم يا روح الله فصل بنا، فيقول: إنكم معشر هذه الأمة أمراء بعضكم على بعض، فتقدم أنت فصل بنا، فيتقدم أمير الناس فيصلي لهم، فإذا انصرف أخذ عيسى عليه السلام حربته، ثم ذهب نحو الدجال، فإذا رآه ذاب كما يذوب الرصاص، وضع حربته بين ثندوته فيقتله فينهزم أصحابه، فليس شيء يومئذ يجن منهم حتى الشجرة تقول: يا مؤمن، هذا كافر. وعن أسماء بنت يزيد بن السكن، وهي ابنة عم معاذ بن جبل قالت: أتاني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طائفة من أصحابه وذكر الدجال. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن قبل خروجه ثلاث سنين تمسك السماء قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى إن دوابهم تسمن وتبطر مما تأكل لحومهم. أو كما قال. وعن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري ليلة أسري بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فتذاكروا الساعة، فبدؤوا بإبراهيم فسألوه عنها، فلم يكن عنده منها علم، ثم موسى، فلم يكن عنده منها علم، فتراجعوا الحديث إلى عيسى فقال عيسى: عهد الله إلي فيما دون وجبتها يعني: أما وجبتها فلا نعلمها. قال: فذكر من خروج الدجال فأهبط فأقتله، ويرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فلا يمرون بماء إلا شربوه ولا يمرون بشيء إلا أفسدوه، فيحارون إلى الله تبارك وتعالى، فيدعو الله فيميتهم فتحار الأرض إلى الله من ريحهم، ويحارون إلي فأدعو، فترسل السماء بالماء فتحمل أجسامهم فتقذفها في البحر. ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم، فعهد الله عز وجل إلي إذا كان ذلك فإن الساعة من الناس كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادها ليلاً أو نهاراً.

قال عبد الله: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق " الآية. قال: وجمع الناس من كل مكان جاؤوا منه يوم القيامة فهو حدب.

ذكر شرف جامع دمشق وفضله

ذكر شرف جامع دمشق وفضله قال يزيد بن ميسرة: أربعة أجبل مقدسة بين يدي الله عز وجل: طور زيتا، وطور سينا، وطور تينا، وطور تيمنانا. قال: فطور زيتا: بيت المقدس، وطور سينا: طور موسى، وطور تينا: مسجد دمشق، وطور تيمنانا: مكة. وعن قتادة قال: أقسم الله تعالى بمساجد أربعة: قال: " والتين " وهو مسجد دمشق. " والزيتون " وهو مسجد بيت المقدس " وطور سنين " وهو حيث كلم الله موسى، " وهذا البلد الأمين " وهو مكة. قال محمد بن شعيب: سمعت غير واحد من قدمائنا يذكرون أن التين مسجد دمشق، وأنهم أدركوا منه شجراً من تين قبل أن يبنيه الوليد. قال عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر: كان خارج باب الساعات صخرة يوضع عليها القربان، فما تقبل منه جاءت نار فأخذته، وما لم يتقبل بقي على حاله. وقد روي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة أسري به صلى في موضع مسجد دمشق. وعن القاسم أبي عبد الرحمن قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى جبل قاسيون أن هب ظلك وبركتك لجبل بيت المقدس، قال: ففعل. فأوحى الله إليه: أما إذا فعلت فإنني سأبني لي في حضنك بيتاً، أي

في وسطك. وهو هذا المسجد، يعني: مسجد دمشق أعبد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عاماً، ولا تذهب الأيام والليالي حتى أرد عليك ظلك وبركتك، قال: فهو عند الله بمنزلة المؤمن الضعيف المتضرع. وقال كعب الأحبار: ليبنين في دمشق مسجد يبقى بعد خراب الدنيا أربعين عاماً. قال عبد الرحمن بن إبراهيم: حيطان مسجد دمشق الأربعة من بناء هود عليه السلام، وما كان من الفسيفساء إلى فوق فهو من بناء الوليد بن عبد الملك. ولما أمر الوليد عبد الملك ببناء مسجد دمشق وجدوا في حائط المسجد القبلي لوحاً من حجر فيه كتاب نقش، فأتوا به الوليد فبعث إلى الروم فلم يستخرجوه، ثم بعث إلى العبرانيين فلم يستخرجوه، ثم بعث إلى كل من كان بدمشق من بقية الأشبان فلم يستخرجوه، فدل على وهب بن منبه فبعث إليه، فلما قدم عليه أخبره بموضع ذلك اللوح فوجدوه في ذلك الحائط، ويقال: ذلك الحائط بناه هود النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم، فلما نظر إليه وهب حرك رأسه، فإذا هو: بسم الله الرحمن الرحيم. ابن آدم، لو رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طويل ما ترجو من أملك، وإنما تلقى ندمك لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، ثم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد، فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة وقبل الحسرة والندامة، وقبل أن يحل بك أجلك، وتنزع منك روحك، فلا ينفعك مال جمعته، ولا ولد ولدته، ولا أخ تركته، ثم تصير إلى برزخ الثرى ومجاورة المولى، فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن تؤخذ بالكظم، ويحال بينك وبين العمل. وكتب في زمان سليمان بن داود عليهما السلام. وعن زيد بن واقد قال: وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق فوجدنا فيه مغارة، فعرفنا الوليد

ذلك. فلما كان الليل وافى وبين يديه الشمع، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة ثلاث أذرع في ثلاث أذرع، وإذا فيها صندوق ففتح الصندوق فإذا فيه سفط، وفي السفط رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام مكتوب عليه: هذا رأس يحيى بن زكريا، فأمر به الوليد فرد إلى المكان، وقال: اجعلوا المود الذي فوقه مغيراً من الأعمدة. فجعل عليه عمود مسفط الرأس. وعن زيد بن واقد قال: رأيت رأس يحيى بن زكريا حيث أرادوا بناء مسجد دمشق، أخرج من تحت ركن من أركان القبلة، وكانت البشرة والشعر على رأسه لم يتغير. وسأل رجل الوليد بن مسلم: يا أبا العباس، أين بلغك رأس يحيى بن زكريا؟ قال: بلغني أنه ثم، وأشار بيده إلى العمود المسفط الرابع من الركن الشرقي. وعن زيد بن واقد قال: حضرت رأس يحيى بن زكريا وقد أخرج من الليطة القبلية الشرقية التي عند مجلس بجيلة، فوضع تحت عمود للسكاسك. وقد روي البلاطة بدل الليطة. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته بمسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة. وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمس مئة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسة آلاف، وصلاته في مسجدي بخمسين ألفاً، وصلاته في المسجد الحرام بمئة ألف. وعن أبي زياد الشعباني أو أبي أمية الشعباني قال: كنا بمكة فإذا رجل في ظل الكعبة، وإذا هو سفيان الثوري فقال رجل: يا أبا عبد الله، ما تقول في الصلاة في هذه البلدة؟ قال: بمئة ألف صلاة. قال: ففي مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: بخمسين ألف. قال: ففي بيت المقدس؟ قال: أربعين ألف صلاة. قال: ففي مسجد دمشق؟ قال: ثلاثين ألف صلاة.

وعن معاوية بن قرة قال: قال عمر بن الخطاب: من صلى صلاة مكتوبة في مسجد مصر من الأمصار كانت له كحجة متقبلة، وإن صلى تطوعاً كانت له كعمرة مبرورة. وعن كعب بمعناه، وزاد: فإن أصيب في وجهه ذلك حرم لحمه ودمه على النار أن تطعمه، وذنبه على من قتله. في المسجد، فلا تتركوا فيه أحداً حتى أصلي الليلة، ثم إنه أتى إلى باب الساعات فاستفتح الباب ففتح له، فدخل من باب الساعات فإذا برجل قائم بين باب الساعات وباب الخضراء الذي يلي المقصورة قائماً يصلي، وهو أقرب إلى باب الخضراء منه إلى باب الساعات، فقال القوام: ألم آمركم ألا تتركوا أحداً يصلي الليلة في المسجد؟ فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين، هذا الخضر عليه السلام يصلي في المسجد كل ليلة. خرج واثلة بن الأسقع من باب المسجد الذي يلي باب جيرون فلقي كعب الأحبار فقال له: أين تريد؟ فقال له: واثلة بن الأسقع يريد بيت المقدس، فقال له: تعال حتى أريك موضعاً في هذا المسجد، من صلى فيه فكأنما صلى في بيت المقدس قال: فذهب به فأراه ما بين الباب الأصفر الذي يخرج منه الوالي إلى الحنية، يعني القنطرة الغربية. قال: من صلى فيما بين هذين فكأنما صلى في بيت المقدس. قال واثلة: إنه لمجلسي ومجلس قومي. قال: هو ذاك. قال أبو زرعة: مسجد دمشق خطه أبو عبيدة بن الجراح وكذلك مسجد حمص. وأما مسجد مصر فإنه خطه عمرو بن العاص زمن عمر. قال أبو ثوبان: ما ينبغي أن يكون أحد أشد شوقاً إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدهما.

لما قدم المهدي يريد بيت المقدس دخل مسجد دمشق ومعه أبو عبيد الله الأشعري كاتبه، فقال: يا أبا عبيد الله، سبقتنا بنو أمية بثلاث. قال: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: بهذا البيت، يعني: المسجد، لا أعلم على ظهر الأرض مثله، وبنبل الموالي، فإن لهم موالي ليس لنا مثلهم، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون والله فينا مثله أبداً. ثم أتى بيت المقدس فدخل الصخرة فقال: يا أبا عبيد الله وهذه رابعة. ولما دخل المأمون مسجد دمشق ومعه أبو إسحاق المعتصم ويحيى بن أكثم قال: ما أعجب ما في هذا المسجد؟ فقال له أبو إسحاق؛ ذهبه وبقاؤه. فإنا نهيئه في قصورنا فلا تمضي به العشرون سنة حتى يتغير. قال: ما ذاك أعجبني منه. فقال له يحيى بن أكثم: تأليف رخامه، فإني رأيت فيه عقداً ما رأيت مثلها. قال: ما ذاك أعجبني فقالا له: ما الذي أعجبك؟ قال: بنيانه على غير مثال متقدم. قال المأمون لقاسم التمار: اختر لي اسماً حسناً أسمي به جاريتي هذه. قال: سمها مسجد دمشق، فإنه أحسن شيء. قال الشافعي: عجائب الدنيا خمسة أشياء: أحدها منارتكم هذه، يعني منارة ذي القرنين، والثاني أصحاب الرقيم الذين هم بالروم اثنا عشر رجلاً أو ثلاثة عشر رجلاً، والثالث مرآة ببلادة الأندلس معلقة على باب مدينتها الكبيرة، فإذا غاب الرجل من بلادهم على مسافة مئة فرسخ في مئة فرسخ فإذا جاء أهله إلى تلك المنارة فقعد تحتها ونظر في المرآة يرى صاحبه بمسافة مئة فرسخ، والرابع مسجد دمشق وما يوصف من الإنفاق عليه. والخامس الرخام والفسيفساء، فإنه لا يدرى له موضع، فيقال إن الرخام كلها معجونة. والدليل على ذلك أنه لو وضعت على النار لذابت.

ما ذكر من هدم بقية كنيسة مريحنا وإدخالها في الجامع

ما ذكر من هدم بقية كنيسة مريحنا وإدخالها في الجامع عن كعب في قول الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " فقال: إذا هدمت كنيسة دمشق فبنيت مسجداً وظهر لبس القصب، فحينئذ تأويل هذه الآية. وهدمها الوليد بن عبد الملك. وكان معاوية أراد أن يبني مسجد دمشق فقال له كعب: ذلك أخنس قريش وما اجتمع أبواه. فلما كان الوليد بن عبد الملك بعث إلى النصارى وقال لهم في كنيستهم وسألهم إياها فأبوا، فقال لهم: ائتونا بالعهد فأتوه به فقال لهم: قد رضيتم، فأنا أسجل البعض عليكم. فنظروا فإذا كنيسة كذا، وكنيسة كذا، وكنيسة كذا. ورضوا بأن أعطوا الكنيسة وكف عن كنائسهم. قالوا: وكان معاوية بن أبي سفيان يخرج إلى الصلاة في المسجد من الموضع الذي يصلي فيه الغرباء عند باب جيرون من عند الزجاجة الخضراء فجعلت الزجاجة علامة لما سد الباب من شرق المسجد خارج الباب. قال يعقوب بن سفيان: سألت هشام بن عمار عن قصة مسجد دمشق وهدم الكنيسة قال: كان الوليد قال للنصارى من أهل دمشق: ما شئتم، إنا أخذنا كنيسة توما غنوة وكنيسة الداخلة صلحاً، فأنا أهدم كنيسة توما. قال هشام: وتلك أكبر من هذه الداخلة. قال: فرضوا أن هدم

كنيسة الداخلة، وأدخلها في المسجد. قال: وكان بابها قبلة المسجد، اليوم المحراب الذي يصلى فيه. قال: وهدم الكنيسة في أول خلافة الوليد سنة ست وثمانين، وكانوا في بنيانه سبع سنين حتى مات الوليد ولم يتم بناؤه، فأتمه هشام من بعده. وفي حديث آخر: لما هم بهدم الكنيسة، كنيسة مريحنا ليزيدها في المسجد، دخل الكنيسة، ثم صعد منارة ذات الأضالع المعروفة بالساعات، وفيها راهب يأوي في صومعة له فأحدره من الصومعة، فأكثر الراهب كلامه، فلم تزل يد الوليد في قفاه حتى أحدره من المنارة ثم هم بهدم الكنيسة، فقال له جماعة من نجاري النصارى: ما نجسر على أن نبدأ في هدمها يا أمير المؤمنين، ونخشى أن نعز أو يصيبنا شيء، فقال الوليد: تحذرون وتخافون! يا غلام، هات المعول، ثم أتى بسلم فنصبه على محراب المذبح، وصعد فضرب بيده المذبح حتى أثر فيه أثراً كبيراً، ثم صعد المسلمون فهدموه، وأعطاهم الوليد مكان الكنيسة التي في المسجد، الكنيسة التي تعرف بحمام القاسم بحذاء دار أم البنين في الفراديس، فهي تسمى مريحنا مكان هذه التي في المسجد. وحولوا شاهدها فيما يقولون إليها، إلى تلك الكنيسة. وكان أراد أن يبني المسجد اسطوانات إلى الكوى يعني الطاقات فدخل بعض البنائين فقال: لا ينبغي أن يبنى كذا ولكن ينبغي أن تبنى فيه قناطر ويعقد أركانها بعضها إلى بعض ثم تجعل أساطين، ويجعل عمد، ويجعل فوق العمد قناطر تحمل السقف، ويخفف عن العمد البناء، ويجعل بين كل عمودين ركن. قال: فبني كذلك. قالوا: ودخل المغيرة بن عبد الملك يوماً على الوليد بن عبد الملك بن مروان، فرآه مغموماً فقال له: يا أمير المؤمنين، ما سبيلك؟ قال: فأعرض عنه، ثم إنه عاوده فقال: يا أمير المؤمنين، ما سبيلك؟ قال: فقال له: يا مغيرة، إن المسلمين قد كثروا وقد ضاق بهم المسجد، وقد بعثت إلى هؤلاء النصارى أصحاب هذه الكنيسة لندخلها في المسجد فتأبوا علينا، وقد أقطعتهم قطائع كثيرة، وبذلت لهم مالاً فامتنعوا، فقال له المغيرة: يا أمير المؤمنين، لا تغتم قد دخل خالد من باب الشرقي بالسيف، وباب الجابية دخل منه أبو

عبيدة بن الجراح في الأمان فماسحهم إلى أي موضع بلغ السيف، فإن يكن لنا فيه حق أخذناه، وإن لم يكن لنا فيه حق داريناهم حتى نأخذ باقي الكنيسة فندخله في المسجد فقال له: فرجت عني، فتول أنت هذا. قال: فتولاه، فبلغت المسحة إلى سوق الريحان حتى حاذى من القنطرة الكبيرة أربعة أذرع وكسر بالذراع القاسمي، فإذا باقي الكنيسة قد دخل في المسجد، فبعث إليهم فقال لهم: هذا حق قد جعل الله عز وجل لنا، لم يصل المسلمون في غصب ولا ظلم، بل نأخذ حقنا الذي جعله الله لنا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد أقطعتنا أربع كنائس وبذلت لنا من المال كذا وكذا، فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تتفضل به علينا ففعل، فامتنع عليهم حتى سألوه وطلبوا إليه. قال: فأعطاهم كنيسة حميد بن درة، وكنيسة أخرى حيث سوق الجبن، وكنيسة مريم، وكنيسة المصلبة. ثم إن الوليد بعث إلى المسلمين حتى اجتمعوا لهدم الكنيسة، واجتمع النصارى فقال للوليد بعض الأقساء والفأس على كتفه وعليه قباء سفرجلي وقد شد برقبة قبائه فقال له: إني أخاف عليك من الشاهد يا أمير المؤمنين. قال: ويلك ما أضع فأسي إلا في رأس الشاهد، ثم إنه صعد، فأول من وضع فأسه في هدم الكنيسة الوليد. وسارع الناس في هدم الكنيسة، وكبر الناس ثلاث تكبيرات وزادها في المسجد. وقيل: إنه قيل للوليد: لا يهدمها أحد إلا جن، فقام يزيد بن تميم فجع له وجوه أهل البلد حتى علا الكنيسة ثم التفت إلى يزيد فقال: أين الفأس فأتاه به فقال: إن هؤلاء الكفرة يزعمون أن أول من يهدمها يجن وأنا أول من يجن في الله، فأخذ برقبة قبائه فوضعها في منطقته ثم أخذ الفأس فضرب به ضربات، ثم تناوله القوم وكل من حضر، ولم يجدوا من ذلك بداً إذ فعله أمير المؤمنين، وصاح النصارى على الدرج وولولوا، ثم التفت إلى يزيد بن تميم وهو على خراجه فقال: ابعث إلى اليهود حتى يأتوا على هدمها. ففعل فجاء اليهود فهدموها.

ما ذكر في بنائه واختيار موضعه

ما ذكر في بنائه واختيار موضعه في كتاب أخبار الأوائل أن هذه الدار المعروفة بالخضراء مع الدار المعروفة بالمطبق مع الدار المعروفة بدار الخيل مع المسجد الجامع أقاموا وقت بنائها يأخذون الطالع لها ثمان عشرة سنة. وقد حفر أساس الحيطان، حتى وافاهم الوقت الذي طلع فيه الكوكبان اللذان أرادوا أن المسجد لا يخرب أبداً ولا يخلو من العبادة. وأن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار الملك أو السلطنة والضرب والحبس وعذاب الناس والقتل ومأوى الجند والعساكر والبلاء والفتنة، فبني على هذا، والله أعلم. وكانت في ذلك الزمان كلها داراً واحدة. ولما أراد الوليد بن عبد الملك بناء مسجد دمشق احتاج إلى صناع كثير، فكتب إلى الطاغية أن وجه إلي بمئتي صانع من صناع الروم فإني أريد أن أبني مسجداً لم يبنى من مضى قبلي ولا يكون بعدي مثله. فإن أنت لم تفعل غزوتك بالجيوش وأخربت الكنائس في بلدي وكنيسة بيت المقدس وكنيسة الرها وسائر آثار الروم في بلدي، فأراد الطاغية أن يفضه عن بنائه ويضعف عزمه، فكتب إليه: والله لئن كان أبوك فهمها فأغفل عنها إنها لوصمة عليه، ولئن كنت فهمتها وغيبت عن أبيك إنها لوصمة عليك، وأنا موجه إليك ما سألت. فأراد أن يعمل له جواباً فجلس له عقلاء الرجال في حظيرة المسجد يفكرون في ذلك، فدخل عليهم الفرزدق فقال: ما بال الناس! أراهم مجتمعين حلقاً، فقيل له: السبب كيت وكيت، فقال: أنا أجيبه من كتاب الله. قال الله تعالى: " ففهمناها سليمان، وكلاً أتينا حكماً وعلمناً " فسري عنهم. وروى أبو حفص أن هود النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم أسس الحائط الذي قبلة دمشق. ولما بنى الوليد بن عبد الملك القبة يعني: قبة مسجد دمشق فلما استقلت وتمت وقعت فشق ذلك عليه، فأتاه رجل من البنائين فقال له: أنا أتولى بنيانها على أن تعطيني

عهد الله ألا يدخل معي أحد في بنيانها ففعل ذلك، فحفر موضع الأركان حتى بلغ الماء ثم بناها، فلما استقلت على وجه الأرض غطاها بالحصر وهرب عن الوليد، فأقام يطلبه ولا يقدر عليه. فلما كان بعد سنة لم يعلم الوليد إلا وهو على بابه فقال له: ما دعاك إلى ما صنعت! قال: تخرج معي حتى أريك، فخرج الوليد والناس معه حتى كشف الحصر فوجد البنيان قد انحط حتى صار مع وجه الأرض فقال: من هذا كنت تؤتى، ثم بناها بنيانها الذي عليه حتى قامت. وقيل: لما حفر لأركانها حتى بلغ الحفر إلى الماء ألقى على الماء جران الكرم، وبني الأساس عليه. قال إبراهيم بن أبى حوشب النصري وكان جده أحد قومة المسجد في بنائه قال: حدثت أن الوليد بن عب الملك بعث إليه يوماً عند فراغه من القبة الكبيرة، فلم يبق منها إلا عقد رأسها فقال له: إني عزمت أن أعمدها بالذهب قال: فقال له: يا أمير المؤمنين، اختلطت؟! هذا شيء تقدر عليه؟! قال له: يا ماجن تقول لي هذا؟! فأمر به فشق عنه وضرب خمسين سوطاً. قال: ثم قال: اذهب فافعل ما أمرت به قال: فذكر لي أنه عمل لبنة من ذهب فحملها إليه، فلما نظر إليه وعرف ما فيها وما تحتاج القبة إلى مثلها قال: هذا شيء لا يوجد في الدنيا، ورضي عنه وأمر له بخمسين ديناراً. ولما قطع الوليد بن عبد الملك بالرصاص لمسجد دمشق لأهل الكور كانت كورة الأردن أكثرهم في ذلك، فطلبوا الرصاص من النواويس الغادية وانتهوا إلى قبر حجارة في داخله قبر من رصاص، فأخرجوا الميت الذي فيه فوضعوه فوق الأرض، فوقع رأسه في هوة من الأرض وانقطع عنقه فسأل من فيه دم. فهالهم ذلك، فسألوا عنه فكان فيمن سألوا عنه عبادة بن نسي الكندي فقال لهم: هذا القبر قبر طالوت الملك. وقيل: إنه لما فرغ الوليد بن عبد الملك من بناء المسجد قال له بعض ولده: أتعبت الناس في طينه كل سنة ويخرب سريعاً، فأمر أن يسقف بالرصاص، فطلب الرصاص في

كل بلد وصل إليه، فبقي عليه موضع لم يجد له رصاصاً، فكتب إلى عماله يحرضهم في طلبه، فكتب إليه بعض عماله أن قد وجدنا عند امرأة منه شيئاً، وقد أبت أن تبيعه إلا وزناً بوزن، فكتب إليه: خذه، وإن أبت إلا وزناً بوزن، فأخذه منها وزناً بوزن، فلما وفاها قالت له: هو هدية مني للمسجد. قال لها: أنت أبيت أن تبيعي إلا وزناً بوزن شحاً منك، فتهدينه للمسجد؟! فقالت: أنا فعلت ذلك ظننت أن صاحبكم يظلم الناس في بنائه ويأخذ رحالهم، فلا رأيت الوفاء منكم علمت أنه لم يكن يظلم فيه أحداً ثم، ويبتاع وزناً بوزن، فكتب إلى الوليد في ذلك، فأمر أن يعمل في صفائحه: لله، ولم يدخله في جملة ما عمله. فهو إلى اليوم مكتوب عليه: لله. طبع بطابع على السقف. وقيل: إن المرأة كانت يهودية، وأنه كتب على الرصاص الذي أعطتهم: للإسرائيلية وذكر أنه رؤي منه شيء قبل الحريق عليه: للإٍسرائيلية. ولما أراد الوليد بناء المسجد بدمشق كان سليمان بن عبد الله هو القيم مع الصناع. وكان المشايخ يقولون: ما تم مسجد دمشق إلا بآداء الأمانة. لقد كان بفضل عند الرجال من القوام عليه الفأس ورأس المسمار، فيجيء فيضعه في الخزانة. وقيل: إن قبة دمشق الرخام التي فيها فوارة الماء أقيمت في سنة تسع وستين وثلاث مئة. وقيل: أنشئت الفوارة المنحدرة وسط جيرون في سنة ست عشرة وأربع مئة، وجرت ليلة الجمعة لسبع ليال خلون من شهر ربيع الأول من سنة سبع عشرة وأربع مئة، بما أمر بجر القصعة من ظاهر قصر حجاج إلى جيرون وإجراء مائها القاضي فخر الدولة أبو يعلى حمزة بن الحسن بن العباس الحسيني. جزاه الله على ذلك خيراً. وتحته بخط محمد بن أبي نصر الحميدي: وسقطت في صفر من سنة سبع وخمسين وأربع مئة من جمال تحاكت بها، فأنشئت كرة أخرى، ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبادين ورواق دار الحجارة ودار خديجة، في شوال سنة اثنتين وستين وخمس مئة.

كيفية ترخيمه ومعرفة المال المنفق عليه

كيفية ترخيمه ومعرفة المال المنفق عليه قال إبراهيم بن هشام: ما في مسجد دمشق من الرخام شيء إلا رخامتا المقام، فإنه يقال إنهما من عرش سبأ، وأما الباقي فكله مرمر. قيل: هو المقام الغربي. وقيل: هما من عرش بلقيس. وقيل: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخم. وعن عمرو بن مهاجر، وكان على بيت مال الوليد بن عبد الملك أنهم حسبوا ما أنفق على الكرمة التي في قبلة مسجد دمشق فكان سبعين ألف دينار، وحسبوا ما أنفقوا على مسجد دمشق فكان أربع مئة صندوق في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار. قال: وأتاه حرسيه فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهل دمشق يتحدثون أن الوليد أنفق الأموال في غير حقها، فنادى بالصلاة جامعة وخطب الناس فقال: إنه بلغني حرسي أنكم تقولون إن الوليد أنفق الأموال في غير حقها، ألا يا عمرو بن مهاجر، قم فأحضر ما قبلك من الأموال من بيت المال، قال: فأتت البغال تدخل بالمال وتصب في القبة على الأنطاع حتى لم يبصر من في الشام من في القبلة، ولا من في القبلة من في الشام. وقال: الموازين، فوزنت الأموال. وقال لصاحب الديوان: أحضر من قبلك من يأخذ رزقنا، فوجدوا ثلاث مئة ألف ألف في جميع الأمصار، وحسبوا ما يصيبهم فوجدوا عند رزق ثلاث سنين. ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله عز وجل وقال: إلى ما تذهب هذه الثلاث السنين أتانا الله بمثله، وبمثله، ألا وإني إنما رأيتكم أهل دمشق تفخرون على

الناس بأربع خصال فأحببت أن يكون مسجدكم الخامس. تفخرون على الناس بهوائكم ومائكم وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن يكون مسجدكم الخامس، فاحمدوا الله، فانصرفوا شاكرين داعين. وقيل: إن الوليد بن عبد الملك اشترى العمودين الأخضرين الكبيرين اللذين تحت النسر من حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمس مئة دينار. قال أبو مسهر: عملت المقصورة لسليمان بن عبد الملك حين استخلف.

ذكر ما كان عمر بن عبد العزيز رده على النصارى عند طلبه

ذكر ما كان عمر بن عبد العزيز رده على النصارى عند طلبه قال علي بن أبي حملة: لما ولي عمر بن عبد العزيز قال نصارى دمشق: يا أمير المؤمنين، قد علمت حال كنيستنا. قال: إنها صارت إلى ما ترون، فعوضهم كنيسة من كنائس دمشق لم تكن في صلحهم يقال لها: كنيسة توما. وقيل: إن النصارى رفعوا إلى عمر بن عبد العزيز ما أخذوا عليه العهد في كنائسهم، لا تهدم ولا تسكن، وجاؤوا بكتابهم إليه فكلمهم عمر ورفع لهم في الثمن حتى بلغ مئة ألف، فأبوا، فكتب عمر إلى محمد بن سويد الفهري أن يدفع إليهم كنيستهم، إلا أن يرضهيم، فأعظمه ذلك وأعظم الناس وفيهم يومئذ بقية من أهل الفقه فشاورهم محمد بن سويد فقالوا: هذا أمر عظيم، ندفع إليهم مسجدنا وقد أذنا فيه بالصلاة، وجمعنا فيه، يهدم فيعاد كنيسة؟! فقال رجل منهم: هاهنا خصلة: لهم كنائس عظام حول مدينتهم: دير مران وباب توما والراهب وغيرها، إن أحبوا أن نعطيهم كنيستهم ولا يبقى حول مدينة دمشق كنيسة ولا بالغوطة إلا هدمت، وإن شاؤوا تركت لم كل كنيسة بالغوطة، ونسجل لهم بها سجلاً، وتركوا ما يطلبون. فدعاهم فعرض ذلك عليهم فقالوا: أنظرونا ننظر في أمرنا، فتركهم ثلاثاً، فقالوا: نحن نأخذ الذي عرضت علينا، وتكتب إلى الخليفة تخبره أنا قد رضينا بذلك، ويسجل الخليفة من قبله سجلاً منشوراً بأمان على ما بالغوطة من كنيسة أن تهدم أو تسكن. قالوا: نعم. فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بذلك، فسره وسجل لهم في كنائسهم التي خارج مدينة دمشق والغوطة، أنهم آمنون أن تخرب أو تسكن، وأشهد لهم شهوداً.

قال عمرو بن مهاجر: سمعت عمر بن عبد العزيز، وذكر مسجد دمشق فقال: رأيت أموالاً أنفقت في غير حقها، فأنا مستدرك ما أدركت منها فراده إلى بيت المال، أعمد إلى ذلك الفسيفساء والرخام فأقلعه وأطينه، وأنزع تلك السلاسل وأجعل مكانها حبالاً، وأنزع تلك البطائن فأبيع جميع ذلك وأدخله بيت المال، فبلغ ذلك أهل دمشق فاشتد عليهم، فخرج إليه أشرافهم فيهم خالد القسري فقال لهم خالد: ائذنوا لي حتى أكون أنا المتكلم، فأذنوا له. فلما أتوا دير سمعان استأذنوا على عمر فأذن لهم، فلما دخلوا سلموا عليه، فقال له خالد: يا أمير المؤمنين، بلغنا أنك هممت في مسجدنا بكذا وكذا، قال نعم، رأيت أموالاً أنفقت في غير حقها، وأنا مستدرك ما أدركت منها فرداه إلى بيت المال، فقال له: والله ما ذلك لك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: لمن هو، لأمك الكافرة؟! وغضب عمر، وكانت أمه نصرانية، أم ولد، رومية، فقال خالد: إن تك كافرة فقد ولدت مؤمناً، فاستحيا عمر، وقال: صدقت، فما قولك: فما ذلك لي؟ قال: إنا كنا معشر أهل الشام وإخواننا من أهل مصر وإخواننا من أهل العراق نغزو فيفرض على الرجل منا أن يحمل من أرض الروم قفيزاً بالصغير من فسيفساء وذراعاً في ذراع من رخام، فيحمله أهل العراق وأهل حلب إلى حلب، ويستأجر على ما حملوا إلى دمشق، ويحمل أهل حمص إلى حمص، ويستأجر على ما حملوا إلى دمشق، ويحمل أهل دمشق، ومن وراءهم حصتهم إلى دمشق، فذلك قولي: ما ذلك لك، فسكت عمر، ثم جاءه بريد من مصر من واليها يخبره أن قارباً ورد عليه من رومية فيه عشرة من الروم، عليهم رجل منهم، يريدون الوفود إلى أمير المؤمنين، فكتب إليه أن وجههم إلي ووجه معهم عشرة من المسلمين، عليهم رجل منهم، كل منهم يحسن الكلام بالرومية، ولا يعلمونهم ذلك حتى يحملوا إلي كلامهم، فساروا حتى نزلوا دمشق خارج باب البريد، فسأل الروم رئيس العشرة من المسلمين أن يستأذن لهم الوالي في دخول المسجد، فأذن لهم، فمروا في الصحن حتى دخلوا من الباب الذي يواجه القبة، فكان أول ما استقبلوا المقام، ثم رفعوا رؤوسهم إلى القبة فخر رئيسهم مغشياً عليه، فحمل إلى منزله، فأقام ما شاء الله أن يقيم ثم أفاق. فقالوا له بالرومية: ما قصتك. عهدنا بك بالرومية، وما ننكرك، وصحبتنا في طريقنا هذه فما

أنكرناك، فما الذي عرض لك حين دخلت هذا المسجد؟! قال: لأنا معشر أهل رومية نتحدث أن بقاء العرب قليل، فلما رأيت ما بنوا علمت أن لهم مدة سيبلغونها، فلذلك أصابني الذي أصابني. فلما قدموا على عمر أخبروه بما سمعوا منه فقال عمر: ألا أرى مسجد دمشق غيظاً على الكفار. وترك ما كان هم به من أمره. وقيل: إن عمر بن عبد العزيز لما استخلف أراد أن يجرد ما في قبلة مسجد دمشق من الذهب وقال: إنه يشغل الناس عن الصلاة، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنه أنفق عليه غد فيء المسلمين وأعطياتهم، وليس يجتمع منه شيء فينتفع به، فأراد أن يبيضه بالجص فقيل له: تذهب النفقات فيه، فأراد أن يستره بالخزف فقيل له: تضاهي الكعبة، فبينما هو في ذلك إذ ورد عليه وفد الروم فاستأذنوا في دخول المسجد، فأذن لهم، وأرسل معهم من يعرف الرومية وقال: لا تعلموهم أنكم تعرفون الرومية، واحفظوا ما يقولون، فلما وقفا تحت القبة قال رئيسهم: كم للإسلام؟ قل: مئة سنة، قال: فكيف تصغرون أمرهم؟ ما بنى هذا البنيان إلا ملك عظيم. وأتى الرسول عمر فأخبره فقال: أما إذا هو غائظ للعدو فدعه.

ذكر ما في الجامع من القناديل وما فيه وفي البلد من الطلسمات

ذكر ما في الجامع من القناديل وما فيه وفي البلد من الطلسمات كان مكحول إذا طفئت قناديل المسجد يعني مسجد دمشق يسد أنفه. وقال: يعتري من رائحته المسك. قال عبد الرحيم الأنصاري: سمعت الأعراب وهم يزورون المسجد يقولون: لا صلاة بعد القليلة يعني الدرة. قلت له: أرأيت القليلة؟ فقال: نعم. كانت تضيء مثل السراج. قلت: من أخذها؟ قال: أما سمعت المثل: منصور سرق القلة وسليمان شرب المرة. منصور الأمير، وسليمان صاحب الشرطة. سليمان هو الأمير وهو ابن المنصور، ومنصور صاحب شرطتة. وذلك أن الأمين كان يحب البلور، فكتب إلى صاحب شرطة والي دمشق أن ينفذ إليه القليلة فسرقها ليلاً، فلما قتل المأمون الأمين رد القليلة إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين. وكانت هذه القليلة في محراب الصحابة، فلما ذهبت جعل موضعها برنية من زجاج. قال الراوي: رأيتها. ثم انكسرت بعد فلم يجعل في مكانها شيء. وعن علي بن أبي حملة قال: كنا نستر مسجد دمشق في الشتاء بلبود أحسبه قال: في عهد الوليد فدخلته الريح فهزته، فثار الناس فحرقوا اللبود.

قال أبو مروان عبد الرحيم وهو ابن عمر المازني: لما كان في أيام الوليد بن عبد الملك وبنائه المسجد احتفروا فيه موضعاً، فوجدوا باباً من حجارة مغلقاً، فلم يفتحوه، وأعلموا به الوليد، فخرج من داره حتى وقف عليه، وفتح بين يديه، فإذا داخله مغارة فيها تمثال إنسان من حجارة على فرس من حجارة في يد التمثال الواحد الدرة التي كانت في المحراب ويده الأخرى مقبوضة، فأمر بها فكسرت، فإذا فيها حبتان، حبة قمح وحبة شعير، فسأل عن ذلك فقيل له: لو تركت الكف لم تكسرها لم يسوس في هذه البلدة قمح ولا شعير. وقيل: إنه لما دخل المسلمون دمشق وقت فتحها ووجدوا على العمود الذي في المقسلاط على السفود الحديد الذي في أعلاه صنماً ماداً يده بكف مطبقة فكسروه، فإذا في كفه حبة قمح، فسألوا عن ذلك فقيل لهم: هذه الحبة القمح جعلها حكماء اليونانيين في كف هذا الصنم طلسماً حتى لا يسوس القمح، ولو أقام سنين كثيرة. وإنما سمي باب الجامع القبلي باب الساعات لأنه كان عمل هناك ساعات يعمل بها كل ساعة تمضي من النهار، عليها صورة عصافير وحية وغراب. فإذا تمت الساعة خرجت الحية، فصاحت العصافير وصاح الغراب، وسقطت حصاة في الطست. قال أبو المفضل يحيى بن علي القاضي: إنه أدرك في الجامع قبل حريقه طلسمات لسائر الحشرات معلقة في السقف فوق البطائن مما يلي السبع، وإنه لم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق. فلما احترقت الطلسمات وجدت. وكان حريق الجامع ليلة النصف من شعبان بعد العصر، سنة إحدى وستين وأربع مئة. حدث جماعة من شيوخ أهل دمشق قال: العمود الحجر الذي بين سوق الشعير وبين سوق أم حكيم عليه حجر مدور مثل الكرة كبير لعسر بول الخيل. إذا دار الفرس أو الحمار ثلاث مرات انطلق البول منه. عمله حكماء

الروم من اليونانيين. مجرب. وكان على قنطرة باب سوق أم حكيم الذي بحضرة مسجد الطباخين صنم مكسور على القنطرة للحاجات. إذا دخل إنسان فيه لحاجة لم تقض. وفي سقف مسجد الجامع طلاسم عملها الحكماء في السقف مما يلي الحائط القبلي. فمنها طلسم للصنونيات لا تدخله ولا تعشش فيه من جهة الأوساخ التي يكون منها ولا يدخله غراب. وطلسم للفأر والحيات والعقارب. وما أبصر الناس فيه من هذا شيئاً إلا الفأر. قال: ويوشك أن يكون تغير طلسمها، وطلسم للعنكبوت لا ينسج في زواياه، ويركبه الغبار والوسخ.

ما ورد في أمر السبع وابتداء الحضور فيه

ما ورد في أمر السبع وابتداء الحضور فيه قال حسان بن عطية: الدراسة محدثة، أحدثها هشام بن إسماعيل المخزومي في قدمته على عبد الملك. فحجبه عبد الملك بعد الصبح في مسجد دمشق، وعبد الملك في الخضراء، فأخبر أن عبد الملك يقرأ بقراءة هشام، فقرأ بقراءته مولى له، فاستحسن ذلك من يليه من أهل المسجد، فقرؤوا بقراءته. قال خالد بن دهقان: أول من أحدث الدراسة بدمشق هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة المخزومي، وأول من أحدث الدراسة في فلسطين الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، وكان يحضر الدراسة جماعة ممن يعرف بالعلم أو بالرئاسة، ومن القضاة ومن الفقهاء ومن المحدثين. وروي عن بعضهم أنه كره اجتماعهم وأنكره. ولا وجه لإنكاره. وسئل عبد الله بن العلاء عن الدراسة فقال: كنا ندرس في مجلس يحيى بن الحارث في مسجد دمشق في خلافة يزيد بن عبد الملك إذ خرج علينا أميرنا الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب الأشعري من الخضراء، فأقبل علينا منكراً لما نصنع. فقال: ما هذا؟! أو ما أنتم فيه؟! فقلنا: ندرس كتاب الله، فقال: تدرسون كتاب الله عز وجل، إن هذا لشيء ما رأيته ولا سمعت أن كان قبل، ثم دخل الخضراء. وكان الضحاك بن عبد الرحمن أميراً على دمشق في خلافة عمر بن عبد العزيز.

ذكر مساجد البلد وحصرها

ذكر مساجد البلد وحصرها عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ستكون دمشق أخر الزمان أكثر المدن أهلاً، وأكثره أبدالاً وأكثره مساجد، وأكثره زهاداً، وأكثره مالاً ورجالاً، وأقله كفاراً. وهي معقل لأهلها، وذكر عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان بن عفان حين بني مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إنكم قد أكثرتم إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من بنى مسجداً قال بكير، أحد رواته: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله عز وجل بنى الله له مثله في الجنة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من بنى بيتاً ليعبد الله فيه من حلال، بنى الله له بيتاً في الجنة من در وياقوت. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من بنى مسجداً ولو قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة. قالت: قلت يا رسول الله، وتلك المساجد التي في طريق مكة؟ قال: وتلك. قال: فغدا الحض على المساجد وبنيانها يدل على خطر محلها وعظم شأنها. وقد عدد مساجد دمشق وذكرها، وعين أكثر أسمائها وخططها، وأسماء من بناها ووصف أكثرها، فكانت جملتها أربع مئة وخمسة وعشرين مسجداً على ما فصله بالتعريف والعدد، منها ما ذكره فقال: أوله من قبلة السوق وأنت داخل من باب الجابية، ومساجد الناحية الشامية عن يمنة الداخل من الباب الشرقي، وفي القلعة مئتان وواحد وأربعون مسجداً.

قال: وأما ما عداها من المساجد التي في أرباضه وظاهره مما ليس في قرية مسكونة أو معمورة من ناحية القبلة ومن الشام ومن الشرق ومن الغرب مئة مسجد وأربعة وثمانون مسجداً. قال: وهذا يدل على اهتمام أهلها بالدين وكثرة المصلين فيها والمتعبدين. وروي عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: لما افتتح عمر بن الخطاب البلدان كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة يأمره أن يتخذ للجماعة مسجداً. ويتخذ للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة، فشهدوا الجمعة. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك. وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك. وكتب إلى أمراء أجناد الشام لا يتبدوا إلى القرى، وأن ينزلوا المدائن، وأن يتخذوا في كل مدينة مسجداً واحداً. ولا يتخذ القبائل مساجد كما اتخذ أهل الكوفة والبصرة وأهل مصر. وكان الناس متمسكين بأمر عمر وعهده. وروى محمد بن عطاء عن أبيه قال: لما قدم عمر الشام أمر ألا يتخذ في المدينة مسجدان. قال: وإنما أراد عمر بذلك المسجد الأعظم الذي تقام فيه الجمع، وإنما فرق بين مدائن الشام وبين الكوفة والبصرة في الحكم، لأن مدائن الشام ممصرة قبل الإسلام، فلا تقام في مصر واحد أكثر من جمعة، فأما الكوفة والبصرة فكل منزل نزلته قبيلة واختطته فهو بمنزلة مصر مفرد. ولم يرد بذلك النهي عن اتخاذ المساجد التي لا تقام فيها الجمعة. فأما مصر فإنها إن كانت قبل الإسلام فإن المسلمين لما افتتحوها تفرقت القبائل فيها، واختطت بها خططاً نسبت إليها فأشبه حكمها حكم الكوفة والبصرة والله أعلم.

ذكر فضل المساجد المقصودة بالزيارة

ذكر فضل المساجد المقصودة بالزيارة روي عن عبد الله بن عمرو أنه سمع يقول: ما من مسلم يأتي زيارة من الأرض أو مسجداً بني بأحجار فيصلي فيه إلا قالت الأرض: سل الله في أرضه، وأشهد لك يوم تلقاه. وقد تقدم، فيما قلناه، أن ربوة دمشق هي التي سماها الله في كتابه بالربوة. قال حسان بن عطية: إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل حضره الموت، وأوصى بالملك لرجل حتى يدرك ابنه. فكانوا يؤملون أن يدرك ابنه فيملكوه، ويكون مكان أبيه. فأتي عليه فقبض. قال: فجزعوا عليه. فلما خرجوا بجنازته وفيهم عيسى بن مريم عليه السلام فدنا من أمه فقال: أرأيت إن أنا أحييت لك ابنك أتؤمنين بي وتتبعينني؟ قالت: نعم، فدعا الله عز وجل، فجعلت أكفانه تتحلل عنه حتى استوى جالساً، فقالوا: هذا عمل ابن الساحرة، وطلبوه حتى انتهى إلى شعب النيرب فاعتصم منهم بقلعة على صخرة متعالية، فأتاه إبليس لعنه الله، فقال: جئتك وما أعتذر إليك من شيء، هذا أنت لم تنافسهم في دنياهم ولا بشبر من الأرض، صنعوا بك ما صنعوا، فلو ألقيت نفسك من هذا المكان فتلقاك روح القدس، فيذهب بك إلى ربك، فتستريح منهم. فقال عيسى: يا غوي، الطويل الغواية، إني أجد فيما علمني ربي عز وجل ألا أجرب ربي حتى أعلم أراض عني أم ساخط علي. قال: وزجره الله عنه. قال: فأقبلت عليهم أم الغلام، فقالت: يا معشر بني إسرائيل، كنتم تبكون وتشقون ثيابكم جزعاً عليه. فلما أحياه الله لكم أردتم قتله. قالوا: فما تأمرينا به؟ قالت: ائتوه فآمنوا به، فأتوه، فقالوا: خصلة بيننا وبينك، إن أنت فعلتها آمناً بك وابتعناك، قال: وما هي؟ قالوا: تحيي لنا عزيراً، قال: دلوني على قبره، فنزل عيسى معهم حتى انتهوا إلى قبره، قال: فتوضأ وصلى ركعتين ودعا. قال:

فجعل قبره ينفرج عنه التراب فخرج قد ابيض نصف رأسه ولحيته، وهو يقول: هذا فعلك يا بن مريم، فقال: لم أصنع بك، هذا فعل قومك، زعموا أنهم لا يؤمنون بي ولا يتبعوني حتى أحييك لهم، وهذا في هدى قومك يسير. قال: فأقبل عليهم يعظهم، ويأمرهم بالإيمان به واتباعه. قال: فقال له قومه: عهدناك وأنت أسود الرأس واللحية ما لنصف رأسك قد إبيض؟ قال: إني سمعت الصيحة فظننت أنها دعوة الداعية، حتى أدركني ملك فقال: إنها هي دعوة ابن مريم فانتهى الشيب إلى ما ترى. ويروى أن النيرب مصلى الخضر عليه السلام وعن ابن عباس أنه ولد إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة، في جبل يقال له قاسيون. وعن حسان بن عطية قال: أغار ملك نبط هذا الجبل على لوط فسباه وأهله، فبلغ ذلك إبراهيم خليل الله عليه السلام، فأقبل في طلبه في عدة أهل بدر ثلاث مئة وثلاثة عشر، فالتقى هو وملك الجبل في صحراء يعفور، فعبأ إبراهيم ميمنة وميسرة وقلباً. وكان أول من عبأ الحرب هكذا، فاقتتلوا فهزمه إبراهيم، واستنقذ لوطاً وأهله فأتى هذا الموضع الذي في برزة الذي ينسب إلى مسجد إبراهيم فصلى فيه. وعن الزهري أنه قال: مسجد إبراهيم عليه السلام في قرية يقال لها برزة، فمن صلى فيه أربع ركعات خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ويسأل الله ما شاء فإنه لا يرده خائباً. ومشايخ أهل دمشق يذكرون أن الآثارات التي بدمشق في برزة عند المسجد الذي يقال له مسجد إبراهيم عليه السلام التي في الجبل عند الشق أنه مكان إبراهيم. وأن الآثارات التي فوق الشق في الجبل هي موضع رأي إبراهيم الكوكب الذي ذكر الله في كتابه: " فلما رأى كوكباً قال: هذا ربي " أنه كان في الجبل في ذلك الموضع، وهو معروف، فمن

قصده وصلى فيه ودعا أجابه الله في دعائه. وأن ذلك الجبل كان فيه لوط النبي وجماعة من الأنبياء. وآثارهم في مواضع من الجبل بالقرب من مسجد إبراهيم. قال: وأدركت الشيوخ يقصدونه ويقيمون فيه ويصلون ويدعون الله. وهو نافع لقسوة القلوب وكثرة الذنوب، وإن بعض الشيوخ جاء من مكة فصلى في الموضع الذي فوق الشق، الموضع الذي يقال إنه رأى إبراهيم فيه الكوكب. وذكر أنه رأى في نومه إن أحببت أن ترى الموضع الذي رأى فيه إبراهيم الكوكب فاقصد دمشق، واقصد موضعاً يقال له برزة عند مسجد إبراهيم فوق الجبل فصل فيه ركعتين ثم ادع بما شئت تجب فقصدت الموضع. قال أحمد بن صالح: أدركت الشيوخ بدمشق قديماً وهم يفضلون مسجد إبراهيم الذي ببرزة ويقصدونه، ويصلون فيه ويقرؤون، ويدعون، ويذكرون أن الدعاء فيه مجاب. وهو موضع شريف عظيم، فهم يذكرون عن شيوخهم ومن أدركوا من أهل العلم أنهم يصححونه ويفضلونه ويقولون: إن مسجد إبراهيم عليه السلام، وإن الشق الذي في الجبل خارج باب المسجد هو الموضع الذي اختبأ فيه إبراهيم من النمروذ الذي كان ملك دمشق في وقت إبراهيم، والدعاء فيه مجاب، فمن قصد الله في ذلك الموضع ودعا فه بنية خالصة رأى الإجابة. قال أبو الحسن الرازي: مسجدا إبراهيم أحدهما في الأشعريين والآخر في برزة. وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسأله رجل عن دمشق وقيل: عن الآثارات بدمشق فقال: بها جبل يقال له قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه، وفي أسفله في الغرب ولد إبراهيم، وفيه آوى الله عيسى بن مريم وأمه من اليهود، وما من عبد أتى معقل روح الله فاغتسل وصلى ودعا لم يرده الله خائباً، فقال رجل: يا رسول الله، صفه لنا، قال: هو بالغوطة، مدينة يقال لها دمشق، وأزيدكم أنه جبل كلمه الله، وفيه ولد أبي إبراهيم، فمن أتى هذا الموضع فلا يعجز في الدعاء، فقام رجل قال: يا رسول الله، أكان ليحيى بن زكريا معقلاً؟ قال: نعم احترس فيه يحيى من هداد رجل من عاد في الغار الذي تحت دم ابن آدم المقتول، وفيه احترس إلياس النبي من ملك قومه، وفيه صلى إبراهيم ولوط وموسى

وعيسى وأيوب فلا تعجزوا في الدعاء فيه، فإن الله أنزل علي: " ادعوني أستجب لكم " وربنا يسمع الدعاء. قالوا: كيف ذلك؟ فأنزل الله تعالى: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان ". وعن كعب الأحبار أنه قال: إنه موضع الحاجات والمواهب من الله عز وجل لا يرد سائلاً فيه. وروي عن مكحول أنه صعد مع عمر بن عبد العزيز إلى موضع الدم يسأل الله سقياناً فسقاناً. قال مكحول: وسمعت كعب الأحبار يذكر: أنه موضع الحاجات والمواهب من الله، وأنه لا يرد سائلاً في ذلك الموضع. قال هشام: وسمعت الوليد يقول: سمعت سعيد بن عبد العزيز قال: صعدنا في خلافة هشام إلى موضع قتل ابن آدم أخاه نسأل الله يسقينا، فأتى مطر فأقمنا في الغار الذي تحت الدم ثلاثة أيام. وفي رواية: فدعونا الله فارتفع عنا وقد رويت الأرض. قال الوليد بن مسلم: سمعت ابن عباس يقول: كان أهل دمشق إذا احتبس عليهم القطر، أو غلا بيعهم أو جار عليهم سلطان، أو كانت لأحدهم حاجة صعدوا موضع ابن آدم المقتول فيسألون الله، فيعطيهم ما سألوا. وروي عن أحمد بن كثير قال: صعدت إلى موضع دم ابن آدم عليهما السلام في جبل قاسيون بدمشق، فسألت الله عز وجل الحج فحججت، وسألته الجهاد فجاهد، وسألته الزيارة والصلة في بيت المقدس وعسقلان وعكا والرباط في جميع السواحل فرزقت ذلك كله، وسألته يغنيني عن الأسواق والبيع فرزقت. ولقد رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وهابيل بن آدم عليهما السلام فقلت له: أسألك بحق الواحد الصمد وبحق أبيك آدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا دمك؟ فقال: إي والواحد الصمد، هذا دمي، جعله الله آية للناس، وإني دعوت الله عز وجل

فقلت: اللهم رب أبي وأمي حواء وهذا النبي المصطفى الأمي، اجعل دمي مستغاثاً لكل نبي وصديق، ومن دعا فيه فتجيبه، وسألك فتعطيه فاستجاب الله عز وجل وجعله طاهراً آمناً، وجعل هذا الجبل آمناً ومعقلاً ومعاشاً، ثم وكل الله به ملكاً يقال له عزرائيل وجعل معه من الملائكة بعدد نجوم السماء، يحفظونه ومن أتاه لا يريد إلا الصلاة فيه، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قد فعل وزاد كرماً وإحساناً، وإني آتيه كل خميس وصاحباي وهابيل نصلي فيه، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن أكون مستجاب الدعوة وعلمني دعاء لكل ملمة وحاجة فقال لي: افتح فاك، قال: ففتحته، فتفل فيه، ثم قال: رزقت فالزم، رزقت فالزم. وعن كعب أنه قال: إن إلياس اختبأ من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين حتى أهلك الله الملك ووليهم غيره، فأتاه إلياس فعرض عليه الإسلام فأسلم، وأسلم من قومه خلق عظيم غير عشرة آلاف منهم، فأمر بهم فقتلهم عن آخرهم. قال وهب بن منبه: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: اجتمع الكفار يتشاورون في أمري، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا ليتني بالغوطة بمدينة يقال لها دمشق حتى أتي الموضع مستغاث الأنبياء حيث قتل ابن آدم أخاه فأسأل الله أن يهلك قومي فإنهم ظالمون، فأتاه جبريل قال: يا محمد، أئت بعض جبال مكة فأو بعض غارتها فإنها معقلك من قومك. قال: فخرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر حتى أتيا الجبل، فوجدوا غاراً كثير الدواب ... فذكر الحديث. وعن ابن عباس قال: موضع الدم في جبل قاسيون موضع شريف كان يحيى بن زكريا وأمه فيه أربعين عاماً، وصلى فيه عيسى بن مريم والحواريون، فلو كنت سألت الله أن يغفر لعبده ابن عباس يوم يحشر البشر، فمن أتى هذا الموضع فلا يقصر عن الصلاة والدعاء فيه فإنه موضع الحوائج. ومن أراد أن يرى " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " فليأت النيرب الأعلى بين النهرين وليصعد إلى الغار في جبل قاسيون فيصل فيه، فإنه بيت

عيسى وأمه وهو كان معقلهم من اليهود. ومن أراد أن ينظر إلى إرم فليأت نهراً في حفر دمشق يقال له بردى، ومن أراد أن ينظر إلى المقبرة التي فيها مريم بنت عمران والحواريون فليأت مقبرة الفراديس. وقال الزهري: لو يعلم الناس ما في مغارة الدم من الفضل ما هنأ بهم طعام ولا شراب إلا فيها. ذكر أبو الفرج محمد بن عبد الملك بن المعلم أنه ابتدأ بناء الكهف في سنة سبعين وثلاث مئة قال: رأيت جبريل عليه السلام في المنام، فقال لي: إن الله سبحانه يأمرك أن تبني مسجداً يصلى فيه له ويذكر اسمه، وهو هذا، فقلت: وأني هذا الموضع؟ فسار إلى هذا الموضع الذي سميته أنا كهف جبريل. قلت: أنى لي بذلك؟ قال: إن الله سيوفق لك من يعينك عليه. قال أبو الفرج: وإنما سميته كهف جبريل عليه السلام ومسجد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأني رأيتهما في المنام فيه. وموضع يرى فيه جبريل ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أجل بقاع الأرض. قال: وجبل دمشق هذا ما أنبت شجرة قط ولا ظهر فيه ثمرة، فلما رأيت جبريل ومحمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنبت الله عز وجل ببركتهما الشجر وظهر فيه الثمر وأكل الناس ما لم يؤكل فيه قط، وصار مسجداً من مساجد الله يذكر فيه اسمه، فمن كانت له حاجة فليغسل جسده بالماء، ويلبس ثوباً طاهراً ثم يقصد إلى الكهف فيصلي فيه ركعتين، يقرأ في كل ركعة بالحمد وسبع مرات قل هو الله أحد. فإذا فرغ من صلاته يقول: اللهم صل على جبريل الروح الأمين وعلى محمد خاتم النبيين سبع مرات، ويسجد فيقول: اللهم إني أتوسل إليك بجبريل الروح الأمين ومحمد خاتم النبيين إلا قضيت حاجتي ويذكرها، فإن الله سبحانه يقضيها له إن شاء الله. ومما يرجى إجابة الدعاء فيه مسجد القدم عند القطيعة، يقال إن هناك قبر موسى بن عمران صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ومسجد الباب الشرقي للصحيح عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن فيه ينزل عيسى بن مريم عليه السلام. ومسجد واثلة بن الأسقع داخل الزلاقة على النهر وهو مسجد صغير. ومسجد فضالة بن عبيد في سوق الكبير جائز مسجد درب الريحان، وهو مسجد سفل صغير، وداره بذلك الموضع، ويعرف اليوم بدار التمارين. ومسجد أوس بن أوس في درب القلي، وهو مسجد صغير. والمسجد الذي على باب زقاق عطاف، كان مسجد أيمن بن خريم. ومسجد سوق الريحان مسجد يزيد بن نبيشة وهو صحابي قرشي من بني عامر بن لؤي. ودار أبي عبيدة بن الجراح في حجر الذهب، ومسجد بالسقيفة التي عند بني عبد الصمد. ودار خالد بن الوليد، ومسجده عند باب توما. وروي بسنده عن الشيخ أبي بكر بن سيد حمدوية قال: لما أراد بناء مسجده المعروف اليوم بأبي صالح وجد في المحراب لوح من فخار عليه مكتوب: هذا مسجد الأولياء، فأصبحنا ولم نره، وغيبه الشيخ وقال: هذا شهرة.

ذكر فضل مواضع وجبال بظاهر دمشق وضواحيها

ذكر فضل مواضع وجبال بظاهر دمشق وضواحيها قال الوضين بن عطاء: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه: من تكفل لي ببيت في الغوطة أتكفل له ببيت في الجنة. قال: وهو حديث منقطع. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خلق الله عز وجل جمجمة جبريل عليه السلام على قدر الغوطة. قال الوليد: وبلغني أن غنم يعقوب عليه السلام كانت ترعى في مرج بالغوطة. وعن يونس بن ميسرة: أشرف عيسى بن مريم على الغوطة فقال: يا غوطة وقال الأكفاني: الغوطة إن عجز الغني أن يجمع منك كنزاً لم يعجز المسكين أن يشبع منك خبزاً. ولم يقل ابن الأكفاني: منك، في الموضعين. عن أبي مسهر، سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: إنما سميت ثنية العقاب براية خالد بن الوليد حين أشرف عليها بالراية العقاب. وعن إسحاق بن فروة أن راية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السوداء صارت إلى خالد بن الوليد، فقاتل بها بني حنيفة

ومسلمة. ثم مضى إلى الجزيرة، ثم أتى الشام فقاتل بها في وقائع الشام. حدثني ابن أبي الرجال عن محمد بن عمارة بن عامر بن عمرو بن حزم قال: كانت راية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي يسير فيها تسمى العقاب، راية الأنصار فقلت له: يا عبد الملك، سوداء؟ قال: لا، ولكنها خضراء. ذكر أبو بكر أحمد بن يحيى البلاذري هذا المعنى ثم قال: وقوم يقولون إنها سميت بعقاب من الطير كانت ساقطة عليها. وسمعت من يقول: كان هناك مثل عقاب من حجارة. والخبر الأول أصح. قال قتادة: وحدثني رجل عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح المؤمنين تجمع بالجانبين، وأرواح الكفار تجمع ببرهوت وفي سبخة بحضرموت. قال أبو حاتم: الجانبين: اليمن. وبرهوت. من ناحية اليمن. ولا أدري تفسير أبي حاتم للجانبين محفوظاً. والله أعلم. عن سعيد بن المسيب قال: أرواح المؤمنين بأرض الجابية، وأرواح الكفار بسبخة حضرموت. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خلق الله تعالى آدم من طين الجابية، وعجنه بماء الجنة. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خلق الله تعالى آدم من طين الجنة، وعجنه بماء من ماء الجنة، وقال: من ماء زمزم. وحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وغيره أن جند حمص الجند المتقدم، وإنها كانت يومئذ ثغراً، وإن الناس كانوا يجتمعون بالجابية لقبض العطاء، وإقامة البعوث من أرض دمشق، في زمن عمر وعثمان حتى نقلهم إلى

معسكر دابق معاوية بن أبي سفيان لقربه من الثغور. قال: فكان والي الصائفة وإمام العامة في أهل دمشق، لأن من تقدمهم من أهل حمص وأهل قنسرين وأهل الثغور مقدمة لهم. وإلى أهلها يولون إن كنت لهم جولة من عدوهم. وعن كثير المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أربعة أجبل من جبال الجنة، وأربعة أنهار من أنهار الجنة، وأربعة ملاحم من ملاحم الجنة. قيل: فما الأجبل يا رسول الله؟ قال: أحد جبل يحبنا ونحبه جبل من جبال الجنة، وطور جبل من جبال الجنة، ولبنان جبل من جبال الجنة، وقاسيون جبل من جبال الجنة. والأنهار النيل والفرات وسيحون وجيحون. والملاحم بدر وأحد وخيبر والخندق. عن ابن عباس أنه كتب إلى خالد يسأله عن أشياء من البيت فكتب إليه: إن البيت أسس على خمسة أحجار: حجر من أحد، وحجرين من طور سينا ولبنان، وحجر من ثبير، وحجر من حراء. عن مجاهد قال: بني البيت من أربعة أجبل: من حراء، وطور زيتا، وطور سينا، ولبنان. عن قتادة قال: ذكر لنا أن قواعد البيت من حراء. وذكر لنا أن البيت بني من خمسة أجبل: من حراء ولبنان والجودي وطور سينا وطور زيتا. عن قتادة وذكر قول الله تبارك وتعالى " وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ". قال قتادة: هذا حرم الله قد طاف به آدم ومن بعده، فلما كان إبراهيم أراه الله تعالى مكان البيت

فأتبع منه أثراً قديماً فبناه من طور زيتا وطور سينا وجبل لبنان ومن أحد وحراء. وجعل قواعده من حراء. ثم قال: " وأذن في الناس بالحج " قال قتادة في قوله تبارك وتعالى: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ". قال قتادة: إنهما بنياه على أمر قديم كان قبلهما، فبنياه من خمسة أجبل: من حراء ولبنان، أو لدبنان، والجودي وطور سينا وطور زيتا، وبنيا القواعد من حراء. عن ابن جريج قال: بني أساس الكعبة من خمسة أجبل: من طور سينا وطور زيتا، ومن لبنان ومن الجودي ومن حراء. عن كعب قال: أربعة أجبل: جبل الخليل ولبنان والطور والجودي، يكون كل واحد منهم يوم القيامة لؤلؤة بيضاء تضيء ما بين السماء والأرض، يرجعن إلى بيت المقدس حتى تجعل في زواياه ويضع الجبار جل جلاله عليها كرسيه حتى يقضي بين أهل الجنة والنار " وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ". عن كعب قال: جبل لبنان كان عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال كعب: ولبنان أحد الثمانية أجبل تحمل العرش يوم القيامة.

عن أبي الزاهرية قال: أنبئنا، جبل لبنا أحد حملة العرش الثمانية يوم القيامة. عن الوضين بن عطاء أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: جبل الخليل جبل مقدس، وإن الفتنة لما ظهرت في بني إسرائيل أوحى الله تعالى إلى أنبيائهم أن يفروا بدينهم إلى جبل الخليل. وحكى بعض أهل العلم قال: سمعت مشايخ أهل الشام يزعمون أن جبل الخليل إنما سمي بذلك لأن الله تبارك وتعالى لما أوحى إلى الجبل: إني أريد أن أتجلى إلى موسى على بعضك تطاولت وشمخت غير جبل الخليل فإنه استخزى وتطامن. فسمي جبل الخليل. وعن أبي هريرة وأبي الدرداء لقي أنس أبا الدرداء وأبا هريرة وابن مسعود مقبلين من سلسلة، وسلسلة حصن يكون في ساحل دمشق فيه منبر. قال: فأقمت بسلسلة، وذلك أن جبريل عرض على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر سواحل الشام فعرض عليه سلسلة فوجدها مكتوبة في أسكفة باب عدن وهي جنة المأوى. قال عبد الله بن مسعود: أقمت فيها ثلاثاً فقصرت الصلاة، والمقصر فيها كمن أتم الصلاة سبعين سنة. قال أبو الدرداء: فصليت فيها أربع ركعات قرأت في الركعة الأولى " الحمد وقل هو الله أحد " وفي الثانية " الحمد وإذا جاء نصر الله " وفي الثالثة " الحمد وقل يا أيها الكافرون " وفي الرابعة " الحمد وإذا زلزلت " وسمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكره وحدث به. قال إبراهيم اليماني: قدمت من اليمن فأتيت سفيان الثوري فقلت: يا أبا عبد الله، إني جعلت في نفسي

أن أنزل جدة فأرابط بها كل سنة وأعتمر في كل شهر عمرة، وأحج في كل سنة حجة وأقرب من أهلي أحب إليك أم آتي الشام فقال لي: يا أخا أهل اليمن، عليك بسواحل الشام، عليك بسواحل الشام، فإن هذا البيت يحجه في كل عام مئة ألف ومئتا ألف وثلاث مئة ألف، وما شاء الله من التضعيف إلى مثل حجتهم وعمرتهم ومناسكهم. وعن كعب قال: يا أهل الشام، يا أهل الشام من أراد منكم الرفق في المعيشة مع العبادة فعليه ببيسان، ومن أراد منكم السعة في الرزق والسلامة في الدين فعليه بعرقه، ومن أراد منكم أن يجمع له دينه ودنياه فعليه بصور.

كنائس أهل الذمة التي صالحوا عليها

كنائس أهل الذمة التي صالحوا عليها قال عمر بن عبد العزيز: إنه كان في عهد أهل دمشق خمس عشرة كنيسة. قال أبو مسهر: أقام بعد فتح دمشق من بطارقة الروم بدمشق اثنا عشر بطريقاً، فأقروا في منازلهم وكان لكل بطريق منهم في منزله يعني كنيسة فأقاموا بها حيناً، ثم بدا لهم فهربوا من دمشق وتركوا تلك المنازل، فأقطعها قوم من أشراف دمشق منهم ابن بحدل وابن مدلج العذري وغيرهما. فلما ولي عمر بن عبد العزيز أخرج أولادهم منها وردها على الأعاجم، فلما مات عمر ردت إلى أولاد الذين أقطعوها. وقال رجاء بن أبي سلمة: خاصم النصارى حسان بن مالك الكلبي إلى عمر بن عبد العزيز في كنيسته بدمشق فقال له عمر: إن كانت من الخمس عشرة كنيسة التي في عهدهم فلا سبيل لك إليها. قال علي بن أبي حملة: خاصمنا العجم في كنيسة بدمشق يقال لها كنيسة بني نصر، كان معاوية أطعهم إياها، فأخرجهم عمر بن عبد العزيز منها ودفعها إلى النصارى. فلما ولي يزيد ردها إلى بني نصر. قال ابن المعلى: قرأت كتاب سجل من يحيى بن حمزة لبنك نصارى قصبة دمشق أنهم ذكروا له أنه شجر بينهم وبين رئيسهم في دينهم وجماعتهم من أهل القرى وعتاقة العرب والغرباء

اختلاف وفرقة وأنهم غلبوهم على كنائسهم، وسألوا الوفاء لهم بما في عهدهم وكتابهم الذي كتبه لهم خالد بن الوليد عند فتح مدينتهم، فدعوتهم بحجتهم فأتوني بكتاب خالد بن الوليد لهم فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق يوم فتحها، أعطاهم أماناً لأنفسهم ولأموالهم وكنائسهم لا نهدمنه ولا نسكننه، لهم على ذلك ذمة الله وذمة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين ألا يعرض لهم أحد إلا بخير إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد هذا الكتاب يوم كتب عمرو بن العاص وعياض بن غنم ويزيد بن أبي سفيان وأبو عبيدة بن الجراح ومعمر بن عتاب وشرحبيل بن حنسة وعمير بن سعد، ويزيد بن نبيشة وعبد الله بن الحارث وقضاعي بن عامر. وكتب في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة. وقرأت كتابهم فوجدته خاصة لهم، وفحصت عن أمرهم فوجدت فتحها بعد حصار، ووجدت ما وراء حيطانها لدفعة الخيل ومركز الرماح. ونظرت في جزيتهم فوجدتها وظيفة عليهم خاصة دون غيرهم، فقضيت لهم بكنائسهم حين وجدتهم أهل هذا العهد وأبناء البلد بنكاً تلداً ووجدت من نازعهم لفيفاً طرؤوا عليهم، وذلك لو أنهم أسلموا بعد فتحها كان لهم صرفها مساجد ومساكن فلهم في آخر الدهر ما في أوله، وقضيت لمن نازعهم بما كان لهم فيها من حلية أو آنية أو كسوة أو بناء أو عرصة أضافوا ذلك إليها يدفع ذلك إليهم بأعيانه إن قدر عليه أو قيمة عدل يوم ينظر فيه. شهد عدد كنائس النصارى التي دخلت في صلحهم بدمشق خمس عشرة كنيسة.

بعض الدور التي هي داخل السور

بعض الدور التي هي داخل السور لما استخلف عبد الملك بن مروان طلب من خالد بن يزيد بن معاوية شراء الخضراء، وهي دار الإمارة بدمشق، فابتاعها منه بأربعين ألف دينار وأربع ضياع بأربعة أجناد الشام اختارهن، فاختار من فلسطين عمواس، ومن الأردن قصر خالد، ومن دمشق أندركيسان، ومن حمص دير زكي. ولما بنى معاوية الخضراء بدمشق وهي دار الإمارة بالطوب. فلما فرغ منها قدم عليه رسول ملك الروم فنظر إلها فقال له معاوية: كيف ترى هذا البنيان؟ قال: أما أعلاه فللعصافير، وأما أسفلة فللفأر، قال: فنقضها معاوية وبناها بالحجارة. وعدد دوراً ليس في تعدادها كبير فائدة. وأما ما كان من البنيان خارجاً عن السور فقد روي أن كعب الأحبار خرج من دمشق ومعه نفر يشيعونه، فخرج من باب الجابية حتى إذا كان عند الثنية من دير أو في وقف ثم نظر خلفه ثم سار حتى جاوز الكسوة فلما ودعوه سألوه عن ذلك فقال أما نظري حين خرجت من باب الجابية ووقوفي على الثنية. فإن البينان يتصل إليها حتى يسير السائر في ضوء السراج حتى ينتهي إليها. وروي عن كعب أنه قال: يتصل العمران ما بين باب الجابية إلى البضيع.

وروي عن مطر بن العلاء قال: إنه كان يعرف من رأس زقاق فذايا إلى قرية تعرف بواسط في الغوطة حوانيت ومنازل. وحكى عن شيوخه أن العمران يتصل بهذا حتى يصير سوق القمح في قرحتا. وروي أنه كان على نهر بزيد رواشن مشرفة على النهر، وكان أكثر ظاهر البلد منازل القبائل وقرى متصلة وأبنية متقاربة، فخرب أكثر ذلك في الفتن والحروب والحصارات وباد أهلوه، وتمادى عليه الخراب إلى الآن، وقل موضع حفر إلا وجد فيه أثر العمارة من سائر نواحي البلد من قبليه وشرقيه وشاميه وغربيه. والله يحرس ما بقي منها ويحميه.

الأنهار المحتفرة للشرب وسقي الزرع

الأنهار المحتفرة للشرب وسقي الزرع ذكر وهب بن منبه أن في ربض الجنة نهراً من أنهار الجنة، فهو أصل أنهار الأرض كلها التي أظهرها الله عز وجل حيثما أراد أن يظهرها، وأن النيل نهر العسل في الجنة، ودجلة نهر اللبن في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان وجيحان نهران بأرض الهند وهما نهرا الماء في الجنة. وذكر قصة نهر يزيد وأصله، وفصل ذلك تفصيلاً تماماً وما تفرع منه ومن غيره ثم قال: فهذه الأنهار التي ينتفع بها القاصي والداني، وينقسم منها الماء إلى البلد في القني فينتفع به الناس الانتفاع العام ويتفرق إلى البرك والحمامات، ويجري في الشوارع والسقايات وذلك من المرافق الهنية، والفضيلة العظيمة التي اعتدت من فضائل هذه المدينة، إذ الماء في أكثر البلاد لا ينال إلا بالثمن، وهو الذي تحصل به حياة النفوس. وقد ورد في فضل سقي الماء ما روي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ليس صدقة أعظم أجراً من ماء. وعن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، ما لا يحل منعه؟ قال: الماء والملح والنار. يا عائشة، من سقى الماء حيث يوجد فكأنما أعتق نفساً، ومن سقى الماء حيث لا يوجد فكأنما أحيا نفساً، ومن أخذ من منزله ملح فطيب به طعام كان كمن تصدق بذلك الطعام على أهله، ومن أخذت من منزله نار لم ينتفع من تلك النار بشيء إلا كان له صدقة. وعن أبي موسى قال: سألت ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لي: اسق الماء. قال: ثم؟

مدح دمشق بطيب الهواء والماء

قال: ألم تر إلى أهل النار إذا استغاثوا يغاثوا بماء كالمهل قال: " أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ". فهذه الأحاديث تدل على أن الصدقة بالماء من القرب الكبار. وبدمشق قني لها أو قاف معينة مثبوتة عند متولي الأوقاف، وأكثرها ليس لها أوقاف ولكن يجريها المسلمون، فيحصل بها الانتفاع وتطيب بها الأسقاع. وعددها وفصلها بمواضعها وأسمائها. وعدد جملتها في داخل البلد مئة ونيف وثلاثون قناة. وفي ظاهر البلد تسع عشرة قناة. فأما الحمامات ففيها وفي ظاهرها سبعة وخمسون حماماً سوى حمامات القرى. مدح دمشق بطيب الهواء والماء

ما ورد في مدح دمشق بطيب الهواء والماء

ما ورد في مدح دمشق بطيب الهواء والماء عن وهب بن منبه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض لم يسأل إلا عن غوطة دمشق وعن جنتي سبأ. كان الرشيد يقول: الدنيا أربعة منازل، قد نزلت ثلاثة منها: أحدها الرقة، والآخر دمشق، والآخر الري في وسط نهر وعلى جنتيه أشجار ملتفة متصلة وفيما بينها سوق، والمنزل الرابع سمرقند، وهو الذي بقي علي لم أنزله، وأرجو ألا يحول الحول في هذا الوقت حتى أحل به. فما كان بين هذا وبين أن توفي إلا أربعة أشهر فقط. قال أحمد بن الخير الوراق الدمشقي: لم تزل ملوك بني العباس تخف إلى دمشق طلباً للصحة وحسن المنظر، منهم المأمون فإن أقام بها، وأجري إليها قناة من نهر منين في سفح جبلها إلى معسكر بدير مران وبنى القبلة التي بأعلى دير مران وصيرها مرقباً يوقد في أعلاها النار لكي ينظر إلى ما في معسكره إذا جن عليه الليل، وكان ضوؤها وضياؤها يبلغ إلى ثنية العقاب وإلى جبل الثلج. وعن الفضل بن مروان أن المأمون صار إلى دمشق وهو رقيق فغلظ وأخذ بعض اللحم، وكان أكله قبل ذلك

في كل يوم ثمان عشرة لقمة، فلما أقام بدمشق صار أكله في كل يوم أربعاً وعشرين لقمة بزياد الثلث. ويقال: إن المأمون نظر يوماً من بناء كان فيه إلى أشجار الغوطة وبهائها فحلف بالله إنها خير مغنى على وجه الأرض. قال يحيى بن أكثم القاضي: كنت بدمشق مع المأمون وحضرت طعامه، فقدم إليه طعام كثير من الفراريج، فجعل المأمون يأكل من تلك الفراريج ويتمطق ويتملظ ويتبسم، وأنا لا أدري ما مقصده بتلمظه، فلما استحكم له طعم الفراريج وبلغ نهاية الاستتمام إلى غايته في ذوقه نظر إلى الطباخ فقال: بأي شيء سمنت هذه الفراريج؟ وبم طيبتها؟ فقال الطباخ: هذه أرعية دمشق، لم تسمن ولم تطيب، فقال لي: ما طعم من طعام الطير ولا ريح من الروائح العذبة إلا وقد خيل لي أنه في هذه الفراريج، وهذا والله أرخس لحماً وأطيب طعماً وريحاً من مسمن كسكر. ثم قال: أو ما علمت أن فراريج كسكر فيها ثقل كسكر وروائح آجامها وكأنها من طير الماء فيها الطعم فإن لم تعالج بالأبازير وتطيب بالأفواه وتروى بالزيت المغسول لم يمكن النظر إليه فضلاً عن أكله، وهي إذا عوينت بما وصفت وعولجت ففيها بقايا سنخها ولئن رجعت إلى العراق لا ذقت منها شيئاً البتة. قال ابن أبي داود: قال المعتصم بالله. ما شبهت ساكن دمشق إلا بالصائم في شدة الكلف على الطعام فإنه جائع أبداً، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، فنعمت النعمة هذه. قال: نعم، خير بقاع الأرض إلا أنه يورث الشدة.

قال الأصمعي: أحسن الدنيا ثلاثة: نهر الأبلة، وغوطة دمشق، وسمرقند. وقال: حشوش الدنيا ثلاثة: عمان وأردبيل وهيت. وعن الأصمعي قال: جنان الدنيا ثلاث: غوطة دمشق ونهر سمرقند ونهر الأبلة. وقال غيره: في الدنيا ثلاث جنان: مرو من خراسان، ودمشق من الشام، وصنعاء من اليمن، وجنة هذه الجنان صنعاء. وذكر بعض المغاربة قال: قال قوم من المشرقيين: إن الله أسكنه يعني آدم بناحية كيكدر من كورة الصين. قال: فهي التي تعرف في زماننا بمدينة لغبور. ويقولون: الصين أطيب البلاد. وأما الذي عليه العامة في الشق الغربي أن أطيب البلاد صنعاء من اليمن، ودمشق من الشام، والري من خراسان، ونجران من الحجاز.

ذكر تسمية أبوابها ونسبتها

ذكر تسمية أبوابها ونسبتها الباب القبلي المعروف بالباب الصغير، سمي بذلك لأنه كان أصغر أبوابها حين بنيت. الباب الذي يليه من القبلية بشرق: باب كيسان، ينسب إلى كيسان مولى معاوية، وقيل: نسبته إلى كيسان مولى بشر بن عمارة بن حسان بن جبار بن قرط الكلبي. وهو الآن مسدود. الباب الشرقي، سمي بذلك لأنه شرقي البلد، وكان ثلاثة أبواب باب كبير في الوسط وبابان صغيران من جانبيه سد منها الكبير والباب الصغير الذي من قبلته وبقي الصغير الشامي. باب توما من شامي البلد، ينسب إلى عظيم من عظماء الروم واسمه توما، وكانت له على بابه كنيسة جعلت بعد مسجداً. باب الجينيق من الشام أيضاً منسوباً إلى محلة الجينيق، وهو الآن مسدود. باب السلامة من شام البلد أيضاً، سمي بذلك تفاؤلاً، لأنه لا يتهيأ القتال على البلد من ناحيته لما دونه من الأنهار والأشجار. باب الفراديس من شآمه أيضاً. منسوب إلى محلة كانت خارج البلد تسمى الفراديس هي الآن خراب، وكان للفراديس باب آخر عند باب السلامة فسد، والفراديس بلغة الروم: البساتين. باب الفرج من شآمه أيضاً، محدث، أحدثه الملك العادل نور الدين وسماه بهذا الاسم تفاؤلاً لما وجد من التفريج بفتحه، وكان بقربه باب يسمى باب العمارة، فتح عند عمارة القلعة ثم سد بعد، وأثره باق في السور.

باب الحديد من شآمة أيضاً، وهو الآن خاص للقلعة التي أحدثت غربي البلد في دولة الأتراك، وسمي بذلك لأنه كل حديد فقيل الباب الحديد، ثم تركت الألف واللام تخفيفاً. باب الجنان في غربي البلد، سمي بذلك لما يليه من الجنان وهي البساتين، وقد كان مسدوداً ثم فتح. باب الجابية من غربي البلد، منسوب إلى قرية الجابية، لأن الخارج إليها يخرج منه لكونه مما يليها، وكان ثلاثة أبواب: الأوسط منها كبير ومن جانبيه بابان صغيران على مثال ما كان الباب الشرقي، وكان من الثلاثة أبواب ثلاثة أسواق ممتدة من باب الجابية إلى الباب الشرقي، كان الأوسط من الأسواق للناس، وأحد السوقين لمن يشرق بدابته، والآخر لمن يغرب بدابته، حتى إنه كان لا يلتقي فيها راكبان، فسد الباب الكبير والشامي منها، وبقي القبلي إلى الآن. وفي السور أبواب صغار غير ما ذكرنا، تفتح عند وجود الحاجة إليها. منها: باب في حارة الحاطب يعرف بباب ابن إسماعيل. وباب في المدبغة.

فضل مقابر أهل دمشق ومن بها من الأنبياء وغيرهم

فضل مقابر أهل دمشق ومن بها من الأنبياء وغيرهم كان كعب الأحبار يقول: في مقبرة باب الفراديس: يبعث منها سبعون ألف شهيد يشفعون في سبعين، كل إنسان في سبعين. وعن كعب قال: بطرسوس من قبور الأنبياء عشرة، وبالمصيصة خمسة، وهي التي يغزوها الروم في آخر الزمان فيمرون بها فيقولون: إذا رجعنا من بلاد الشام أخذنا هؤلاء أخذاً، فيرجعون وقد تحلقت بين السماء والأرض. قال كعب: وبالثغور وأنطاكية قبر حبيب النجار، وبحمص ثلاثون قبراً، وبدمشق خمس مئة قبر، وببلاد الأردن مثل ذلك. وفي رواية أخرى مثله وزاد فيه: وبالثغور وبسواحل الشام من قبور الأنبياء ألف قبر، وقال بعد: وببلاد الأردن مثل ذلك، وبفلسطين مثل ذلك، وببيت المقدس ألف قبر، وبالعريش عشرة وقبر موسى بدمشق. وعن عبد الله بن سلام قال: بالشام من قبور الأنبياء ألفا قبر وسبع مئة قبر، وقبر موسى بدمشق، وإن دمشق معقل الناس في آخر الزمان من الملاحم.

وعن ابن عباس قال: من أراد أن يرى الموضع الذي قال الله عز وجل: " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " فليأت النيرب الأعلى بدمشق بين النهرين، وليصعد الغار في جبل قاسيون فيصل فيه، فإنه بيت عيسى وأمه، وهو كان معقلهم من اليهود. ومن أراد أن ينظر إلى إرم فليأت نهراً في حفر دمشق يقال له بردى. ومن أراد أن ينظر إلى المقبرة التي فيها مريم بنت عمران والحواريون فليأت مقبرة الفراديس. وفي مقبرة دمشق قبور من الصحابة الأخيار. وقد جاء في فضل المقابر التي يدفنون بها: ما روي عن أوس وهو ابن عبد الله بن بريدة عن أخيه أظنه عن أبيه قال: مات أبي بمرو وقبره بحصين. قال: وقال لي أبي: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من مات من أصحابي بأرض فهو قائدهم يوم القيامة. وعن بريدة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أيما رجل من أصحابي مات ببلدة فهو إمامهم يوم القيامة. وفي رواية أخرى عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أحد من أصحابي يموت بأرض إلا كان قائداً ونوراً لهم يوم القيامة. وعن بريدة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنها ستبعث بعوث فكن في بعث خراسان، ثم اسكن مدينة مرو، فإنه بناها ذو القرنين، ودعا لها بالبركة، ولا يصيب أهلها سوء أبداً. وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من مات من أصحابي بأرض فهو شفيع لأهل تلك الأرض.

وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يموت أحد من أصحابي ببلد من البلدان إلا كان لهم نوراً، وبعثه الله يوم القيامة سيد أهل تلك البلد. قال الراوي: ثم قال لي موسى بن عبد الله: هذه فضيلة لكم يا أهل الكوفة، قد مات أمير المؤمنين ببلدكم. وأول مقبرة دفن المسلمون فيها بدمشق ما روي أن المسلمين يومئذ نشبوا القتال من تلك الناحية، يعني من ناحية الباب الشرقي، يوم نزولهم على دمشق، فقتل ناس من المسلمين فدفنوا في مقبرة باب توما، فهي أول مقبرة بدمشق للمسلمين. قال: وأهل العلم يذكرون أن بمقبرة دمشق من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بلال مولى أبي بكر، وسهل بن الحنظلية، وأبو الدرداء. حدث الحافظ أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني قال: لم يتفق المسلمون على معرفة عين قبر نبي وصحابي غير قبر نبيناً محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: قال ابن الأكفاني: أراني الشيخ أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكتاني قبور الصحابة الذين بظاهر دمشق بباب الصغير: معاوية بن أبي سفيان، وفضالة بن عبيد، وواثلة بن الأسقع، وسهل بن الحنظلية، وأوس بن أوس وهم داخل الحظيرة مما يلي القبلة. وأبو الدرداء خارج الحظيرة، وأم الدرداء خلف الحظيرة، وعبد الله بن أم حرام ويعرف بابن امرأة عبادة بن الصامت محاذ طريق الجادة، وجماعة يقولون إنه قبر أبي بن كعب. قال: وليس بصحيح، وأم حبيب بنة أبي سفيان، أخت معاوية، زوجة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قبرها بلاطة مكتوب عليها اسمها رضي

الله عنها في جنب حظيرة الصحابة وأختها على قبرها أيضاً بلاطة مكتوب عليها. وبلال بن رباح مؤذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قبره بلاطة مكتوب عليها اسمه. قال: وأراني قبر الوليد بن عبد الملك، وأخيه مسلمة خلف الحظيرة التي فيها قبور الصحابة مقابل مقبرة أمير الجيوش، على الجادة. قال: وأراني قبر بريهة بنة الحسن بن علي بن أبي طالب في قبة، وقبر سكينة بنة الحسين بن علي بن أبي طالب في قبة. وفي رواية أخرى: ووابضة بن معبد، وخريم بن فاتك، ومعبد بن فاتك، وسبرة بن فاتك. وكان بلال بن رباح نزل داريا، فتزوج بها، ومات بداريا، وحمل حتى دفن هاهنا مع أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ومدرك بن زياد الفزاري قبره بقرية راوية من غوطة دمشق، وهو أول صحابي توفي بظاهر دمشق. وسعد بن عبادة الأنصاري سيد الخزرج، قبره بقرية المنيحة من غوطة دمشق. وقد اختلف في قبر معاوية: فيقال إنه قبر خلف حائط المسجد الجامع موضع دراسة السبع اليوم. قال: والأصح أن قبره خارج باب الصغير. وأما قبر أم حبيبة فيمكن أن يكون قبرها هاهنا، لأنها قدمت الشام على أخيها معاوية، وذكرها أبو زرعة في طبقاته قال: والأصح أن قبرها بالمدينة. وأما بلال فقيل قبره بباب الصغير، وهو أصح الأقاويل، وقيل بباب كيسان، وقيل بداريا، وقيل إنه بحلب وهو قول ضعيف. وأما بريهة فلا أرى القول في نسبها يصح لأن أصحاب النسب لم يذكروا في ولد الحسن ابنة اسمها بريهة.

وأما سكينة بنت الحسين فإنها تزوجت بالأصبغ بن عبد العزيز بن مروان الذي كان بمصر، ورحلت إليه، فمات قبل أن تصل إليه، فيحتمل أنها قدمت دمشق وماتت بها. قال: والصحيح أنها ماتت بالمدينة وأمرهم الوالي ألا يدفنوها حتى يحضرها، وركب إلى بعض أحواله بنواحي المدينة وكان اليوم حاراً، فتغيرت رائحتها، واشتري لها طيب كثير ليغلب الرائحة فلم يغلب، ثم بعث إليهم أن ادفنوها فإني مشغول، فدفنت ولم يحضر. وسعد بن عبادة مات بحوران، فيحتمل أنه حمل ودفن في المنيحة.

حرف الألف

حرف الألف ذكر من اسمه أحمد أحمد سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحمد ومحمد والحاشر والمقفي والعاقب بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو القاسم المصطفى خاتم النبين وسيد المرسلين ونبي الرحمة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قدم البصرة من نواحي دمشق قبل أن يوحى إليه، وهو صغير، مع عمه أبي طالب، ومرة أخرى في تجارة لخديجة مع ميسرة غلامها.

ذكر قدومه صلى الله عليه وسلم بصرى

ذكر قدومه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصرى عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أشياخ من قريش. فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت. قال: فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجداً، ولا يسجدن لنبيٍ، وإني أعرفه، خاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع، فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به وكان في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فقال: انظروا إليه، عليه غمامة، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوا إلى فيء الشجرة، فلما جلي مال فيء الشجرة عليه فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. قال: فبينا هو قائم عليهم، وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارجٌ في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليها ناسٌ، وإنا أخبرنا خبره، بعثنا إلى طريقك هذا فقال لهم: هل خلفتم خلفكم أحداً هو خير منكم؟ قالوا: لا إنا أخبرنا خبره بطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فتابعوه، وأقاموا معه، قال: فأتاهم فقال: أنشدكم بالله أيكم وليه؟ قالوا:

أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالاً وزوده الراهب من الكعك والزيت. وشب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أبي طالب يكلؤه الله ويحفظه، ويحوطه من أمور الجاهلية ومعايبها لما يريد به من كرامته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلاً أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً وأمانة، وأصدقهم حديثاً، وأبعدهم من الفحش والأذى، ما رؤي ملاحياً ولا ممارياً أحداً، حتى سماه قومه الأمين لما جمع الله من الأمور الصالحة فيه، فلقد كان الغالب عليه بمكة الأمين. وكان أبو طالب يحفظه ويحوطه، ويعضده وينصره إلى أن مات. قال ابن إسحاق: وكان أبو طالب هو الذي إليه أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد جده، فكان إليه ومعه. ثم إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجراً. فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير هب له رسول الله صلى الله عله وسلم فأخذ بومام ناقته وقال: يا عم، إلى من تكلني؟ لا أب لي ولا أم لي، فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبداً. أو كما قال. قال: فخرج به معه، فلما نززلوا بظل شجرة قريباً

منه، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة، وتهرصت أغصان الشجرة على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى استظل تحتها. فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم فقال له رجل منهم: يا بحيرى، إن لك اليوم لشأناً، ما كنت تصنع هذا فيما مضى، وقد كنا نمر بك كثيراً فما شأنك اليوم؟ فقال له بحيرى: صدقت، وقد كان ما تقول، ولكنكم ضيفٌ، وقد أحببت أن أكرمكم واصنع لكم طعاماً تأكلون منه كلكم. فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بين القوم، لحداثة سنه، في رحال القوم تحت الشجرة. فلما نظر بحيرى في القوم لم يرى الصفة التي يعرف ويجد عنده، قال: يا معشر قريش، لا يتخلف أحدٌ منكم عن طعامي هذا، قالوا له: يا بحيرى، ما تخلف عنك أحدٌ ينبغي له أن يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سناً تخلف في رحالهم. قال: فلا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى إن هذا للؤم بنا، يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا! ثم قام إليه فاحتضنه ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظاً شديداً، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده في صفته، حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيرى فقال له: يا غلام، أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: لا تسلني باللات والعزى شيئاً، فو الله ما أبغضت بغضهما شيئاً فقال له بحيرى: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه؟ فقال: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ فقال: ابني، فقال له بحيرى؟ ما هو بابنك، ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً. قال: فما فعل

أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: ارجع بابن أخيك إلى بلده وأحذر عليه اليهود، فو الله إن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً، فإنه كائن لابن أخيك هذا شان، فأسرع به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام. فزعموا فيما يتحدث الناس أن زبيراً وتماماً ودريساً وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب أشياء، فأرادوه، فردهم عنه بحيرى وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا لم يخلصوا إليه حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا. وذكر أبو الحسن الوارق: أنه قدم مع أبي طالب لعشر ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من الفيل، وقدم الشام مع ميسرة لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة خمس وعشرين من الفيل، وكان الراهب الذي أخبر به في هذه القدمة اسمه نسطور الراهب. روت نفيسة بنت منية أخت يعلى بن منية قالت: لما بلغ رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمساً وعشرين سنة قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيراتها، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك، وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له فأرسلت إليه في ذلك وقالت: أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك. قال أبو طالب: هذا رزقٌ قد ساقه الله إليك، فخرج مع غلامها ميسرة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير، حتى قدما بصرى من الشام فنزلا في ظل شجرة، فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبيٌ ثم قال لميسرة: أفي عينيه حمرة؟ قال: نعم، لا تفارقه. قال: هو نبيٌ، وهو آخر الأنبياء.

ثم باع سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاحٍ فقال له: آخذه باللات والعزى، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما حلفت بهما قط، وإني لأمر فأعرض عنهما، فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة: هذا والله نبيٌ، تجده أحبارنا مبعوثاً في كتبهم. وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الشمس فوعى ذلك كله. وكان الله قد ألقى عليه المحبة من ميسرة فكان كأنه عبد. وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون، فلما رجعوا فكانوا بمر الظهران قال ميسرة: يا محمد، انطلق إلى خديجة وأخبرها بما صنع الله لها على وجهك، فإنها تعرف لك ذلك، فقدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية لها فرأت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو على بعيره وملكان يظلان عليه، فأرته نساءها، فعجبن لذلك، ودخل عليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخبرها بما ربحوا في وجههم، فسرت بذلك. فلما دخل ميسرة أخبرته بما رأت فقال ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وأخبرها بما قال الراهب نسطور وبما قال الآخر الذي خالفه في البيع. وقدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ضعف ما سمت له.

ذكر معرفة أسمائه وأنه خاتم رسل الله

ذكر معرفة أسمائه وأنه خاتم رسل الله وعن جبير بن مطعم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد. وقد سماه الله رؤوفاً رحيماً. وفي رواية: والعاقب الذي ليس بعده نبي. وفي رواية: وأنا العاقب الذي لا نبي بعدي. وعن نافع بن جبير: أنه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: أتحصي أسماء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي كان جبير بن مطعم يعدها؟ قال: نعم، هي ستة: محمد وأحمد وخاتم وحاشر والعاقب، وقيل: وعاقب وماحٍ. فأما حاشر فبعث مع الساعة بين عذاب شديدٍ، والعاقب عاقب الأنبياء. وماحٍ محى الله به سيئات من اتبعه. وعن حذيفة قال: بينما أنا أمشي في طريق المدينة إذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمشي قال: سمعته يقول: أنا محمد وأحمد ونبي الرحمة ونبي التوبة والحاشر والمقفي ونبي الملاحم. وعن أبي الطفيل قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: إن لي عند ربي عشرة أسماءٍ. قال أبو الطفيل: حفظت منها ثمانيةً: محمد وأحمد وأبو القاسم والفاتح والخاتم والعاقب والماحي والحاشر. وقيل إن الاسمين الباقيين يس وطه.

وعن ابن عباس: في قوله عز وجل " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " يا رجل، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. فكان يقوم الليل على رجليه. فهي لغة لعكٍ، إن قلت لعكيٍ: يا رجل، لم يلتفت، فإذا قلت له طه التفت إليك. وعن الخليل بن أحمد: خمسة من الأنبياء ذوو اسمين، محمد وأحمد نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعيسى المسيح، وإسرائيل، ويعقوب، ويونس، وذو القرنين، وإلياس، وذو الكفل. ولنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليهم أجمعين خمسة أسماء في القرآن: محمد وأحمد وعبد الله وطه ويس قال الله تعالى في ذكر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " محمد رسول الله " وقال: " ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " وقال الله تعالى في ذكر عبد الله " وأنه لما قام عبد الله " يعني النبي صلى الله صلى عليه وسلم ليلة الجن " كادوا يكونوا عليه لبدا " وإنما كانوا يقعون على بعض كما أن اللبد يتخذ من الصوف فيوضع بعضه على بعض فيصير لبدا. وقال عز وجل " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " والقرآن إنما نزل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون غيره. وقال الله عز وجل: " يس " يعني يا إنسان، والإنسان هاهنا العاقل وهو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنك لمن المرسلين " وزاده غيره فقال: سماه الله في القرآن رسولاً نبياً أمياً وسماه " شاهد ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً " وسماه رؤوفاً رحيماً. وسماه نذيراً مبيناً. وسماه مذكراً. وجعله رحمة ونعمة وهادياً وسماه عبداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيراً.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سيد بنى داراً واتخذ مأدبةً وبعث داعياً. فالسيد: الجبار، والمأدبة: القرآن، والدار: الجنة، والداعي: أنا، فأنا اسمي في القرآن محمد، وفي الأنجيل أحمد، وفي التوراة أحيد، وإنما سميت أحيد لأني أحيد أمتي عن نار جهنم، فأحبوا العرب بكل قلوبكم. وعن ابن عباس قال: لما ولد النبي صلى الله صلى عليه وسلم عق عنه عبد المطلب بكبش وسماه محمداً فقيل له: يا أبا الحارث، ما حملك على أن سميته محمداً ولم تسمه باسم آبائه؟ قال: أردت أن يحمد الله عز وجل في السماء ويحمده الناس في الأرض. قال علي بن زيد بن جدعان: تذاكروا أي بيتٍ من الشعر أحسن، فقال رجل: ما سمعنا بيتاً أحسن من قول أبي طالب: من الطويل وشق له من اسمه ليجله ... فذوا العرش محمودٌ وهذا محمد

ذكر معرفة كنيته ونهيه أن يجمع بينها وبين اسمه

ذكر معرفة كنيته ونهيه أن يجمع بينها وبين اسمه عن أنس: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بالبقيع فنادى رجل: يا أبا القاسم، فالتفت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال الرجل: لست إياك أعني، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي. وعن جابر قال: ولد لرجل منا غلام فسماه محمداً. فقال له قومه: لا ندعك تسميه باسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فانطلق بابنه حامله على ظهره فأتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم أقسم بينكم. وعن جابر بن عبيد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فأنا أبو القاسم أقسم بينكم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تجمعوا بين كنيتي واسمي أو بين اسمي وكنيتي، أنا القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم. وأما نهيه عن الجمع بينهما فقد روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي. وعنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي.

وقد روي: أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرخص في الجمع بينهما لولد علي بن أبي طالب. كما روي عن ابن الحنفية أن علياً قال: يا رسول الله، إن ولد لي بعدك ولدٌ، أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ فقال: نعم. فكانت رخصة من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي. وروي عنه ما يدل على إباحة الجمع بينهما مطلقاً فيما روي عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله، إني قد ولدت غلاماً فسميته محمداً وكنيته أبا القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك. فقال: ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي، أو ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي؟ وذهب مالك إلى الأخذ بهذا فيما قال حمد بن زنجويه في كتاب الأدب قال: سألت ابن أبي أويس: ما كان مالك يقول في الرجل يجمع اسم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكنيته؟ فأشار إلى شيخ جالس معنا فقال: هذا محمد بن مالك، سماه محمداً وكناه القاسم. وكان يقول: إنما نهي عن ذلك في حياة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كراهة أن يدعى أحدٌ باسمه أو كنيته فيلتفت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فأما اليوم فلا بأس. وذهب الشافعي أن ذلك لا يجوز كما روي عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: لا يحل لأحد أن يكتني بأبي القاسم كان اسمه محمداً أو غيره. قال: وقد كناه جبريل عليه السلام أبا إبراهيم. كما روي عن أنس بن مالك عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لما ولد إبراهيم بن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاه جبريل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم.

ذكر نسبه والاختلاف فيه

ذكر نسبه والاختلاف فيه عن أنس بن مالك وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قالا: بلغ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن رجالاً من كندة يزعمون أنه منهم فقال: إنما كان يقول ذلك العباس وأبو سفيان بن حرب إذا قدما المدينة فيأمنا بذلك، وأنه لن ننتفي من آبائنا، نحن بنو النضر بن كنانة. قال: وخطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار. وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما. فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية. وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نفساً، وخيركم أباً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد فصل في رواية أخرى فقال: ابن نزار بن معد بن عدنان بن أدد. قال محمد بن إدريس الشافعي: اسم عبد المطلب شيبة، واسم قصي زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، واسم مدركة عامر بن إلياس بن مضر. وعن ابن عباس: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك. وقال: كذب النسابون.

قال الله عز وجل: " وقروناً بين ذلك كثيراً " قال ابن عباس: لو شاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعلمه لعلمه. وأم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة. وعن عروة بن الزبير وسليمان بن أبي حثمة قالا: ما وجدنا في شعر شاعر ولا في علم عالم أحداً يعرف ما وراء معد بن عدنان بحقٍ لأن الله عز وجل يقول: " وقروناً بين ذلك كثيراً ". وقد اختلفوا فيما بعد عدنان اختلافاً كثيراً. واسم آمنة أم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب، واسم أم عبد الله أبي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب. وأم عبد المطلب جد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سلمى بنت عدي بن زيد من بني النجار. وحدث عبد الملك بن هشام عن زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق قال: معد بن عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تارح وهو آزر بن ناحور بن شاروخ بن راغو بن فالج بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ وهو إدريس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يزعمون. والله أعلم، وكان أول نبي أعطي النبوة وخط بالقلم ابن يرد بن مهليل بن قتين بن يانش بن شيث بن آدم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

معرفة أمه وجداته وعمومته ووعماته

معرفة أمه وجداته وعمومته ووعماته عن ابن عباس: في قوله عز وجل: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " قال: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مضريها وربعيها ويمانيها. قال محمد بن السائب الكلبي: أم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة. وأمها برة بنت عبد العزى عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب. وأمها أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. وأمها برة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي. وأمها قلابة بنت الحارث بن مالك بن حباشة بن غنم بن لحيان بن عادية بن صعصعة بن كعب بن هند بن طابخة بن لحيان بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر. وأمها أميمة بنت مالك بن غنم بن لحيان بن عادية بن صعصعة. وأمها دب بنت ثعلبة بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة. وأمها عاتكة بنت غاضرة بن حطيط بن جشم بن ثقيف وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان واسمه إلياس بن مضر. وأمها ليلى بنت عوف بن قيس، وهو ثقيف. وأم وهب بن عبد مناف بن زهرة جد سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قيلة، ويقال: هند بنت أبي قيلة وهو وجر بن غالب بن الحارث بن عمرو بن ملكان بن أفصى بن حارثة من خزاعة.

وأمها سلمى بنت لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. وأمها مارية بنت كعب بن اليقين من قضاعة. وأم وجر بن غالب السلافة بنت واهب بن البكير بن مجدعة بن عمرو من بني عمرو بن عوف الأوس. وأمها ابنة قيس بن ربيعة من بني مازن بن لؤي بن ملكان بن أفصى أخي أسلم بن أفصى. وأمها النعجة بنت عبيد بن الحارث من بني الحارث بن الخزرج. وأم عبد مناف بن زهرة جمل بنت مالك بن قصية بن أسعد بن مليح ين عمرو بن خزاعة. وأم زهرة بن كلاب أم قصي وهي فاطمة بنت سعد بن سيل وهو جبر بن حمالة بن عوف بن عامر بن الحادر من الأزد. وأم عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي عاتكة بنت عمرو بن سعد بن أسلم بن عوف الثقفي. وأم عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم وهي أقرب الفواطم إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأمها صخرة بنت عبد بن عمران بن مخزوم. وأمها تخم بنت عبد بن قصي. وأمها سلمى بنت عامر بن عمرو بن وديعة بن الحارث بن فهر. وأمها عاتكة بنت عبد الله بن وائلة بن ظرب بن عباد بن عمرو بن بكر بن يشكر بن الحارث وهو عدوان بن عمرو بن قيس، ويقال: عبد الله بن حرب بن وائلة. وأم هاشم بن عبد مناف بن قصي: عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن

ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان وهي أقرب العواتك إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعدد من الأمهات جماعة قال: والعواتك ثلاث عشرة، والفواطم عشر، والعاتكة في كلام العرب الطاهرة. وعن قتادة: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في بعض مغازيه: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب أنا ابن العواتك وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنا ابن العواتك " من سليم. العواتك ثلاث نسوة من سليم تسمى كل واحدة منهن عاتكة: إحداهن عاتكة بنت هلال بن فالخ بن ذكوان وهي أم عبد مناف بن قصي. والثانية: عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان وهي أم هاشم بن عبد مناف. والثالثة: عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان وهي أم وهب أبي آمنة أم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فالأولى من العواتك عمة الوسطى والوسطى عمة الأخرى. وبنو سليم تفخر بأشياء: منها أن لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم هذه الولادات. ومنها أنها ألفت معه يوم فتح مكة، وأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدم لواءهم على الألوية يومئذٍ وكان أحمر. ومنها أن عمر بن الخطاب كتب إلى أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل مصر وأهل الشام أن ابعثوا إلي من كل بلد بأفضله رجلاً: فبعث أهل الكوفة عتبة بن فرقد السلمي، وبعث أهل البصرة مجاشع بن مسعود السلمي، وبعث أهل مصر معن بن زيد بن الأخنس السلمي، وبعث أهل الشام أبا الأعور السلمي. فصار في هذه الأمصار كلهم لسليم.

وروي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال يوم أحد: أنا ابن الفواطم: فأولاهن فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم وهي أم عبيد الله بن عبد المطلب بن هاشم. والثانية فاطمة بنت عبد الله بن رازم بن جحوش وهي أم عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم. والثالثة فاطمة بنت عبد الله بن الحارث بن وائلة بن عمرو بن عايذ بن يشكر بن عبد القيس بن عدوان وهي أم سلمى بنت عامر بن عمرة بن وديعة بن الحارث بن فهر. والرابعة فاطمة بنت عوف بن عدي بن حارثة البارقي بارق الأزد وهي أم مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب. والخامسة فاطمة بنت سعد بن سيل أحد الجدرة من خثعمة الأسد حلفاء في بني الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهي أم قصي بن كلاب وزهرة بن كلاب. والسادسة فاطمة بنت عامر بن نصر بن عوف بن عمرو بن ربيعة بن حارثة الخزاعي وهي أم حبي بنت جليل بن سلوان الخزاعي، وحبي بنت جليل أم عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى وعبد وتخم وبرة بني قصي بن كلاب. والذي ثبت خمس من الفواطم. قال أبو عبد الله العدوي: العواتك أربع عشرة: ثلاث قرشيات وأربع سلميات وعدوانيتان وهذلية وقحطانية وقضاعية وثقفية وأسدية، أسد خزيمة. فالقرشيات من قبل أمه: آمنة بنت وهب وأمها ريطة بنت عبد العزى بن عثمان وأمها أم حبيب وهي عاتكة بنت أسد بن عبد العزى. وأمها ريطة بنت كعب، وكانت ريطة أول امرأة من قريش ضربت قباب الأدم بذي المجاز. وأمها قلابة بنت حذافة بن جمح الحظيا ويقال الخطيا.

وكان داود بن مسور المخزومي يقول: الحظيا من طريق الكلام، وغيره يقول: الخطيا من طريق الخطوة وأمها آمنة بنت عامر الجان، ويقال لعامر الجان هو عامر بن غبشان من خزاعة، وأمه عاتكة بنت هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر. وأم أهيب بن ضبة محشية بنت محارب بن فهر. وأمها عاتكة بنت مخلد بن النضر بن كنانة وهي الثالثة. وأما السلميات فولدنه من قبل هاشم بن عبد مناف بن قصي، ومن قبل وهب بن عبد مناف بن زهرة، وأم هاشم بن عبد مناف عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان، وأم مرة بن هلال عاتكة بنت مرة بن عدي بن أسلم بن أفصى من خزاعة. ويقال: إن أم مرة بن هلال بن فالج هي عاتكة بنت جابر بن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس من سليم وهي الثانية. وأم هلال بن فالج بن ذكوان عاتكة بنت الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور وأم وهب بن عبد مناف بن زهرة عاتكة بنت الأوقص بن هلال بن فالج بن ذكوان. فهؤلاء العواتك السلميات. وأما العدوانيتان فولدتاه من قبل أبيه عبد الله بن عبد المطلب، ومن قبل مالك بن النضر. فأما التي ولدته من قبل أبيه عبد الله بن عبد المطلب وهي السابعة من أمهاته ويقال الخامسة فهي عاتكة بنت عبد الله بن ظرب بن الحارث بن وائلة العدواني، ومن قال إنها السابعة فهي عاتكة بنت عامر بن ظرب بن عمرو بن عايذ بن يشكر العدواني. ومن قبل مالك بن النضر فأم مالك عاتكة بنت عمرو بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان. وأما الهذلية فولدته من قبل هاشم بن عبد مناف أم هاشم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج واسمها ماوية بنت حورة بن عمرو بن صعصعة بن بكر بن هوزان. وأم معاوية بن بكر بن هوزان عاتكة بنت سعد بن هذيل الهذلية. وأما الأسدية فولدته من قبل كلاب بن مرة وهي الثالثة من أمهاته، وهي عاتكة بنت دودان بن أسد بن خزيمة. وأما الثقفية فهي عاتكة بنت عمرو بن سعد بن أسلم بن عوف الثقفي. وهي أم عبد

العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، وعبد العزى جد آمنة بنت وهب. وأم آمنة بنت وهب برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي. وأما القحطانية فولدته من قبل غالب بن فهر، أم غالب بن فهر ليلى بنت سعد بن هذيل، وأمها سلمى بنت طابخة بن إلياس، وأم سلمى عاتكة بنت الأزد بن الغوث. وعاتكة أيضاً هي الثالثة من أمهات النضر. وأما القضاعية فولدته من قبل كعب بن لؤي وهي الثالثة من أمهاته. وهي عاتكة بنت رشدان بن قيس بن جهينة بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. قال الزبير بن بكار: فولد عبد المطلب بن هاشم عبد الله أبا سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأبا طالب واسمه عبد مناف، وفي حجره كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد جده عبد المطلب، وكان عليه رفيقا يمنعه من مشركي قريش وآل أبي طالب. أوصى عبد المطلب برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والزبير بن عبد المطلب وكان من أشراف قريش ووجوهها. وعبد الكعبة وأم حكيم البيضاء وهي توأمة أبي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعاتكة وهي صاحبة الرؤيا في بدر، وبرة وأميمة وأروى بنات عبد المطلب، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وحمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله من المهاجرين الأولين، شهد بدراً وكان أسن من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأربع سنين واستشهد يوم أحد، والمقوم وحجلا، واسمه المغيرة، وصفية، هؤلاء الأربعة لأم. وصفية أسلمت وهاجرت وأمهم هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة. والعباس بن عبد المطلب وكان أسن من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثلاث سنين وكان شريفاً عاقلاً مهيباً.

وضرار بن عبد المطلب. وأم العباس وضرار نتلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو الضحيان بن سعد بن الخزرج من تيم الله بن النمر بن قاسط بن دعمي بن ربيعة بن نزار من بني القرية، والقرية أم بني عمرو بن عامر، وكان ضرار من فتيان قريش جمالاً وسخاء.، ومات أيام أوحى إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عقب له. والحارث بن عبد المطلب وهو أكبر ولده، وبه كان يكنى، وحفر مع أبيه زمزم. وقثم هلك صغيراً. وبه أسمى العباس ابنه قثم، وأمهما صفية بنت جندب بن جحش بن رياب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان. وأبا لهب كناه عبد المطلب أبا لهب من حسنه. واسمه عبد العزى. وكنيته أبو عتبة وكان جواداً وأمه ليلى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر بن حبشية بن سلول من خراعة. والغيداق بن عبد المطلب. قال مصعب بن عبد الله: اسمه مصعب، وقال غيره من قريش: اسمه نوفل. وإنما سمي الغيداق أنه كان أجود قريش وأكثرهم طعاماً ومالاً، وأمه ممنعة بنت عمرو بم مالك بن مؤمل من خزاعة، وأخوه لأمه عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو أبو عبد الرحمن بن عوف.

قال الكلبي: فكم يكن العرب بنو أب مثل بني عبد المطلب أشرف منهم، ولا أجسم، شم العرانين، تشرف أنوفهم قبل شفاههم. والعقب من بني عبد المطلب للعباس وأبي طالب والحارث وأبي لهب. وقد كان لحمزة والمقوم والزبير وحجل بني عبد المطلب أولاد لأصلابهم فهلكوا، والباقون لم يعقبوا، وكان العدد من بني هاشم في بني الحارث ثم تحول إلى بني أبي طالب ثم صار في بني العباس. ولما حضرت عبد المطلب الوفاة قال لبناته: ابكين علي حتى أسمع، وكن ست نسوة. قال محمد بن سعد: عمات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صفية بنت عبد المطلب. وكان تزوجها في الجاهلية الحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس. فولدت له صفياً، رجل، ثم خلف عليها العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى فولدت له الزبير والسائب وعبد الكعبة، وأسلمت صفية وبايعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهاجرت إلى المدينة، وأطعمها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعين وسقاً بخيبر. وقبر صفية بنت عبد المطلب بالبقيع بفناء دار المغيرة بن سعيد، وتوفيت صفية في خلافة عمر بن الخطاب، وروت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأروى بنت عبد الطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي وأمها فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم. تزوجها في الجاهلية عمرو بن وهب بن عبد قصي فولدت له طليباً، ثم خلف عليها أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فولدت له فاطمة، ثم أسلمت أروى بنت عبد المطلب بمكة وهاجرت إلى المدينة. وقيل: ماتت صفية بنت عبد المطلب سنة عشرين. وقيل: توفيت في إمارة عثمان. وروي أيضاً عن محمد بن سعد قال: عاتكة بنت المطلب تزوجها في الجاهلية أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن

عمر بن مخزوم، فولدت له عبد الله وزهيراً وقريبة ثم أسلمت عاتكة بمكة، وهاجرت إلى المدينة. وكان من عماته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممن لم يدرك الإسلام أم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب، وكان تزوجها في الجاهلية كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، فولدت له عامراً وأروى وطلحة وأم طلحة. فتزوج أروى بنت كريز عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، فولدت له عثمان بن عفان، ثم خلف عليها عقبة بن أبي معيط، فولدت له الوليد وخالداً وأم كلثوم، بني عقبة. وبرة بنت عبد المطلب تزوجها في الجاهلية عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، فولدت له أبا سلمة بن عبد الأسد، شهد بدراً. وهو زوج أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة قبل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم خلف على برة بعد الأسد أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، فولدت له أبا سبرة بن أبي رهم. شهد بدراً. وأميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف تزوجها في الجاهلية جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، حليف حرب بن أمية بن عبد شمس، فولدت له عبد الله، شهد بدراً، وعبيد الله وعبداً وهو أبو أحمد. وزينب بنت جحش زوج سيدنا محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحمنة بنت جحش. وأطعم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أميمة بنت عبد المطلب أربعين وسقاً من تمر خيبر. قال: الصحيح هذا. أسلمت أميمة.

ذكر طهارة مولده وطيب أصله

ذكر طهارة مولده وطيب أصله عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء، ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما ولدتني بغي قط مذ خرجت من صلب آدم. ولم تزل تنازعني الأمم كابراً عن كابر حتى خرجت من أفضل حيين من العرب: هاشم وزهرة. وعن ابن عباس: (وتقلب في الساجدين) قال: من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبياً. وقال عطاء بن أبي رباح قال: ما زال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتقلب في أصلاب النساء حتى ولدته أمه. وعن الكلبي قال: كتبت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمس مئة أم، فما وجدت فيهن سفاحاً ولا شيئاً مما كان من أمر الجاهلية. وعن محمد بن جعفر العلوي قال: أشهد على أبي يحدثني عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، ما أصابني من سفاح الجاهلية شيء.

وروى جعفر بن محمد عن أبيه: في قوله تبارك وتعالى: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. وروى ابن عباس قال: كانت امرأة الجاهلية من خثعم تعرض نفسها في مواسم الحج، وكانت ذات جمال وكان معها أدم أن تطوف بها كأنها تبيعها، فأتت على عبد الله بن عبد المطلب فأظن أنه أعجبها فقالت: إني والله، ما أطوف بهذا الأدم، ومالي بها وإلى ثمنها حاجة، وإنما أتوسم هل أجد كفؤاً، فإن كانت لك إلي حاجة فقم، فقال لها: مكانك أرجع إليك، فانطلق إلى رحله فبدأ فواقع أهله فحملت بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما رجع إليها قال: ألا أراك ها هنا؟ قالت: ومن أنت؟ قال: الذي واعدتك. قالت: لا ما أنت هو، ولئن كنت هو لقد رأيت بين عينيك نوراً ما أراه الآن. وفي رواية قالت: هل أتيت امرأة بعدي؟ قال: نعم، امرأتي آمنة بنت وهب. قال: فلا حاجة لي فيك. إنك مررت وبين عينيك نور ساطع إلى السماء، فلما وقعت عليها ذهب. فأخبرها أنها قد حملت خير أهل الأرض. وقال ابن العباس: لما انطلق عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجه مر به على كاهنة من أهل تبالة متهودة، قد قرأت الكتب يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت: يا فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك ئة من الإبل؟ فقال عبد الله: أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه؟ فزوجه آمنة بنت وهب، فأقام عندها ثلاثاً، ثم إن نفسه دعته إلى ما دعته إليه

الكاهنة فأتاها فقالت: يا فتى، ما صنعت بعدي؟ فأخبرها، فقالت: والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكني رأيت في وجهك نوراً فأردت أن يكون في، وأبى الله تعالى أن يصيره إلا حيث أراد، وقالت في ذلك شعراً. وقال ابن عباس: إن المرأة التي عرضت نفسها على عبد الله بن عبد المطلب ما عرضت امرأة من بني أسد بن عبد العزى، وهي أخت ورقة بن نوفل، قتيلة، وكانت تنظر وتعتاف، وقيل إنها قالت: مررت وبين عينيك غرة مثل غرة الفرس ورجعت وهو ليس في وجهك. وقد روي أن التي عرضت نفسها على عبد الله لم تك بغياً، وإنما كانت زوجة لعبد الله مع آمنة، فمر بها وقد أصابه أثر من طين عمل به، فدعاها إلى نفسه فأبطأت عليه لما رأت به من أثر الطين، فدخل وغسل عنه أثر الطين ثم دخل عامداً إلى آمنة، ثم دعته صاحبته التي كان أراد إلى نفسه فأبى للذي صنعت به أول مرة، فدخل على آمنة فأصابها ثم خرج قد غشاها إلى نفسه فقالت: لا حاجة لي بك، مررت وبين عينيك غرة فرجوت أن أصيبها منك، فلما دخلت على آمنة ذهبت بها منك. قال ابن عباس: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: فداك أبي وأمي: أين كنت وآدم في الجنة؟ قال: فتبسم حتى بدت نواجذه ثم قال: كنت في صلبه وركب بي السفينة في صلب أبي نوح، وقذف بي في صلب أبي إبراهيم، لم يلتق أبواي قط على سفاح. لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الحسنة إلى الأرحام الطاهرة صفي مهدي لا يتشعب شعبان إلا كنت في خيرهما، وقد أخذ الله بالنبوة ميثاقي وبالإسلام عهدي، ونشر في التوراة والإنجيل ذكري، وبين كل نبي صفتي، تشرق الأرض بنوري، والغمام لوجهي وعلمني كتابه وروى بي سحابه، وشق لي اسماً من أسمائه. فذو العرش محمود، وأنا محمد وعدني أن يحبوني بالحوض والكوثر، وأن يجعلني وأول مشفع، ثم أخرجني من خير قرن لأمتي وهم الحمادون،

يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. فقال حسان بن ثابت في النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الأبيات من المنسرح: من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع يوم يخصف الورق فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رحم الله حسان، فقال علي بن أبي طالب: وجبت الجنة لحسان ورب الكعبة. قال: هذا حديث غريب. والمحفوظ أن هذه الأبيات للعباس رضي الله عنه. كما روي عن خريم بن أوس بن جارية قال: هاجرت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقدمت عليه منصرفه من تبوك فأسلمت فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول: يا رسول الله، إني أريد أن أمتدحك فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قل، لايفضض الله فاك، فأنشأ يقول: من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشرٌ ... أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفةٌ تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرق تنقل من صالبٍ إلى رحمٍ ... إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتولى بيتك المهين من ... خندف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت ... الأرض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي الن ... ور وسبل الرشاد نخترق قوله: لا يفضض الله فاك: أي لا يسقط ثغرك، والعوام تقول: لا يفضض. وهو خطأ. إنما هو بفتح الياء وضم الضاد الأولى. يقال: سقط فم فلان، فلم يبق له حاكم، إذا سقطت أسنانه. وقول العباس: من قبلها طبت في الظلال يعني: ظلال الجنة. وأراد أنه كان

طيباً في صلب آدم في الجنة قبل أن يهبط إلى الأرض، والجنة كلها ظل لا شمس فيها. وقوله في مستودع يحتمل معنيين: أحدها أن يكون أراد بالمستودع: الموضع الذي جعل به آدم وحواء عليهما السلام من الجنة، واستودعاه. والآخر أن يكون أراد الرحم أو النطفة فيه. قال أبو عبيدة: في قوله تعالى: " فمستقر ومستودع " قال: فمستقر في الصلب ومستودع في الرحم. وقوله: حيث يخصف الورق أي في الجنة، حيث خصف آدم وحواء عليهما من ورق الجنة. والخصف هو أن تضم الشيء إلى الشيء وتشكه معه أو تلصقه به. وكأنهما كانا يضمان الورق إلى بعض ليكون لهما لبساً وستراً. وقوله: ثم هبطت البلاد يريد أنه لما هبط آدم إلى الأرض هبطت إليه في صلبه، وهو إذ ذاك لا بشر ولا لحم ولا دم. يريد أنه نطفة لم ينتقل في هذه المراتب التي ينتقل فيها الجنين إلا نزله، يقول: بل نطفة تركب السفين: يريد ركوب نوح السفينة في وقت الطوفان، وهو في صلبه، وليس أحد الأصنام التي كانت لقوم نوح. وقوله: تنقل من صالب يعني: الصلب. قال: ولم أسمعه بهذه اللغة إلا في هذا الحديث. وقوله: إذا مضى عالم بدا طبق يريد: إذا مضى قرن بدا قرن. وإنما قيل للقرن طبق، لأنهم طبق الأرض ثم ينقرضون، ويأتي طبق آخر، أي ينقل من حال الشباب إلى الهرم. والنطق: جمع نطاق وهو ما انتطقت به المرأة أي شدته في وسطها، وانتطق به

الرجل أيضاً، ومنه سميت المنطقة. وضرب هذا مثلاً له في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته ونجره، فجعله في علياء وجعلهم تحته نطاقاً له. وقوله: وضاءت: أي أضاءت. وعن أبي بكرة: أن جبريل عليه السلام ختن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين طهر قلبه. وعن العباس بن عبد المطلب قال: ولد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مختوناً مسروراً، قال: وأعجب ذلك عبد المطلب وحظي عنده. وقال: ليكونن لابني هذا شأن. فكان له شأن. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كرامتي على الله أني ولدت مختوناً، ولم ير سوأتي أحد.

ذكر مولده صلى الله عليه وسلم ومعرفة من كفله وما كان من أمره قبل أن يوحى إليه

ذكر مولده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعرفة من كفله وما كان من أمره قبل أن يوحى إليه عن أبي قتادة قال: قال عمر: يا رسول لله، أرأيت رجلاً يصوم الاثنين. قال: ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزل علي. وروى المسيب بن شريك عن شعيب عن أبيه عن جده قال: حمل برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عاشوراء المحرم، وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل. وعن ابن عباس قال: ولد نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وفتح مكة يوم الاثنين. ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين " اليوم أكملت لكم دينكم "، ورفع الركن يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين. وعن ابن عباس قال: ولد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ربيع الأول، وأنزلت عليه النبوة في يوم الاثنين في أول شهر ربيع الأول، وأنزلت عليه البقرة يوم الاثنين في ربيع الأول. وهاجر إلى المدينة في ربيع الأول، وتوفي يوم الاثنين في ربيع الأول. وفي رواية أخرى: وكان فتح بدر يوم الاثنين.

قال: والمحفوظ أن نزول " اليوم أكملت لكم دينكم " ووقعة بدر كانا في يومي جمعة. وعن مكحول: أنه كان يصوم يوم الاثنين والخميس، وكان يقول: ولد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الاثنين، وبعث يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، وترفع أعمال بني آدم يوم الخميس. وعن يزيد بن أبي حبيب قال: في يوم الاثنين ولد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيه بعث، وفيه قبض، وهو يوم الفرقان، وفيه نزلت هذه الآية: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ". وقيل: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولد عام الفيل. وسميت قريش آل الله وعظمت في العرب. ولد لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول. ويقال: ولد في رمضان في اثنتي عشرة منه يوم الاثنين حين طلع الفجر. قال: وكان إبليس يخرق السموات السبع. فلما ولد عيس عليه السلام حجب من ثلاث سماوات فكان يصل إلى أربع، فلما ولد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجب من السبع، ورميت الشياطين بالنجوم. فقالت قريش: هذا قيام الساعة. فقال رجل من قريش يقال له: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف: انظروا إلى العيوق فإن كان قد رمي به فهو قيام الساعة. في حديث طويل. وقيل: ولد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الفيل وقيل: عام الفيل، وبين الفجار والفيل عشرون سنة. وسمي الفجار لأنهم فجروا وأحلوا أشياء كانوا يحرمونها. وكان بين الفجار وبين الكعبة خمس عشرة سنة. وبين بناء الكعبة وبين مبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمس سنين. قال: فبعث نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن أربعين سنة. وكانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة سنة. وقيل: ولد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول، وكان قدوم الفيل للنصف من المحرم، فبين الفيل وبين مولد سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمس وخمسون ليلة. وقيل: كان بين الفيل وبين مولده عشر سنين. وقيل: ولد قبل الفيل بخمس عشرة سنة.

وقيل: ولد بعد الفيل بثلاثين عاماً. وقيل: بعد الفيل بأربعين عاماً. قال: والمجمع عليه: عام الفيل. وعن محمد بن كعب وأيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قالا: خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون تجارات. ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا، فمروا بالمدينة وعبد الله بن عبد المطلب يومئذٍ مريض فقال: أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضاً شهراً ومضى أصحابه، فقدموا مكة فسألهم عبد المطلب عن عبد الله فقالوا: خلفناه عند أخواله عدي بن النجار وهو مريض، فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي، ودفن في دار النابغة وهو رجل من بني عدي بن النجار في الدار التي إذا دخلتها فالدويرة عن يسارك. وأخبره أخواله بمرضه، وبقيامهم عليه وما ولوا من أمره، وأنهم قبروه فرجع إلى أبيه فأخبره، فوجد عليه عبد المطلب وأخوته وأخواته وجداً شديداً. ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذٍ حمال، ولعبد الله يوم توفي خمس وعشرون سنة. قال الواقدي: هذا أثبت الأقاويل والرواية في وفاة عبد الله بن عبد المطلب وسنه. وقيل: توفي عبد الله بن عبد المطلب بعدما أتى على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن شهرين. وماتت أمه وهو ابن أربع سنين. ومات جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، فأوصى به إلى أبي طالب. وقيل غير ذلك. وقيل: إن عبد المطلب بعث عبد الله يمتار له تمراً من يثرب فتوفي بها. قال عثمان بن أبي العاص حدثتني أمي: أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة ولدته قالت: فما شيء أنظر إليه في البيت إلا نور، وأني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول: لتقعن علي.

قالت آمنة بنت وهب: لقد علقت به يعني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فما وجدت له مشقة حتى وضعته. فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب. ثم وقع إلى الأرض معتمداً على يديه، ثم أخذ قبضة من تراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء. وقال بعضهم: جاثياً على ركبتيه وخرج معه نور أضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رأيت أعناق الإبل تبصر بي، رافعاً رأسه إلى السماء. وولد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مختوناً مسروراً، فأعجب جده عبد المطلب، وحظي عنده، وقال: ليكونن لابني هذا شأن. فكان له شأن. قال أبو الحكم التنوخي: كان المولود إذا ولد في قريش دفعوه إلى نسوة في قريش إلى الصبح، فكفأن عليه برمة. فلما ولد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دفعه عبد المطلب إلى نسوة يكفأن عليه برمة، فلما أصبحن أتين فوجدن البرمة قد انفلقت عنه. فأتين فوجدنه مفتوح العينين شاخصاً ببصره إلى السماء، فأتاهن عبد المطلب فقلن له: ما رأينا مولوداً مثله. وجدناه قد انفلقت عنه البرمة، ووجدناه مفتوحةً عيناه شاخصاً ببصره إلى السماء. فقال: احفطنه فإني أرجو نصيب خيراً. فلما كان يوم السابع ذبح عنه، ودعا له قريشاً فلما أكلوا قالوا: يا عبد المطلب، أرأيت ابنك هذا الذي أكرمتنا على وجهه ما سميته؟ قال: سميته محمداً. قالوا: فما رغبت به عن أسماء أهل بيته؟! قال: أردت أن يحمده الله في السماء، وخلقه في الأرض. وكانت آمنة بنت وهب أم سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدمت برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة على أخواله من بني عامر بن النجار ثم صدرت به راجعة إلى مكة، فتوفيت بالأبواء بين مكة والمدينة، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن ست سنين. قال ابن إسحاق: كانت آمنة بنت وهب أم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحدث أنها أتيت حين حملت محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقيل

لها: أنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد ... من شر كل حاسد في كل بر عامد ... وكل عبدٍ رائد يرود غير زائد فإنه عبد الحميد الماجد ... حتى أراه قد أتى المشاهد وإن آية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمداً، فإنه اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الأرض، واسمه في الإنجيل أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الأرض، واسمه في الفرقان محمد، فسميه بذلك. فلما وضعته بعثت إلى عبد المطلب جاريتها، وقد هلك أبوه عبد الله وهي حبلى ويقال إن عبد الله هلك والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن ثمانية وعشرين شهراً فقالت: قد ولد الليلة لك غلام فانظر إليه. فلما جاءها عبد المطلب خبرته وحدثته بما رأت حين حملت به. وما قيل لها فيه. وما أمرت أن تسميه، فأخذه عبد المطلب فأدخله على هبل في جوف الكعبة فقام عبد المطلب يدعو الله ويتشكر لله عز وجل الذي أعطاه إياه فقال الرجز: الحمد لله الذي أعطاني ... هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان ... أعيذه بالبيت ذي الأركان حتى يكون بلغة الفتيان ... أعيذه من كل ذي شنآن من حاسدٍ مضطرب العيان ... ذي همةٍ ليس له عينان حتى أراه رافع البنيان ... أنت الذي سميت في الفرقان في كتب ثابتة المثاني ... أحمد مكتوباً على اللسان قال ابن عباس: كان بنو أبي طالب يصبحون غمصاً رمطاً، ويصبح محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صقيلاً دهيناً. قال:

وكان أبو طالب يقرب إلى الصبيان بصحيفتهم أول البكرة فيجلسون وينتهبون ويكف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده لا يبتهب معهم. فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة. وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكون مع آمنة بنت وهب، فلما توفيت قبضه إليه جده عبد المطلب وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه ويدخل عليه إذا خلا أو نام. وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: دعوا ابني إنه ليؤنس ملكاً. وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احتفظ به فإنا لم نر قدماً أشبه بالقدم التي في المقام فيه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبو طالب يحتفظ به. فقال عبد المطلب لأم أيمن وكانت تحضن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا بركة لا تغفلي عن ابني فإني وجدته مع عثمان قريباً من السدرة، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة. فكان عبد المطلب لا يأكل طعاماً إلا قال: علي بابني فيؤتى به إليه، فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحياطته، ومات عبد المطلب فدفن بالحجون. وقبض أبو طالب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان يكون معه: وكان أبو طالب لا مال له، وكان يحبه حباً شديداً لا يحبه ولده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج فيخرج معه، وصب به أبو طالب صببابة لم يصب مثلها بشيء قط، وكان يخصه بالطعام، وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعاً أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شبعوا، فكان إذا أراد أن يغديهم قال: كما أنتم حتى يحضر ابني فيأتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيأكل معهم، فكانوا يفضلون من طعامهم، وأن لم يكن معهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب: إنك لمبارك. وعن حليمة بنت الحارث أم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السعدية التي أرضعته قالت: خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضعاء بمكة على أتان لي قمراء

قد أذمت بالركب. وخرجنا في سنة شهباء لم تبق شيئاً، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى. قالت: ومعنا شارف لنا، والله إن تبض علينا بقطرة من لبن، ومعي صبي لي إن ننام ليلنا مع بكائه، ما في ثديي ما يغنيه وما في شارفنا من لبن نغذوه إلا أنا نرجو. فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلا عرض عليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتأباه، وإنما كنا نرجو كرامة رضاعةٍ من والد المولود، وكان يتيماً فكنا نقول: يتيم، ما عسى أن تصنع أمه، حتى لم يبق من صواحبي امرأة إلا أخذت صبياً غيري فكرهت أن أرجع ولم أجد شيئاً وقد أخذ، فقلت لزوجي: والله لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قالت: فأتيته فأخذته فرجعت إلى رحلي. فقال زوجي: قد أخذته؟ فقلت: نعم والله. ذلك أني لم أجد غيره. فقال: قد أصبت، فعسى الله أن يجعل فيه خيراً، قالت: فوالله ما هو إلا أن جعلته في حجري، قالت: فأقبل عليه ثديي بما شاء الله من اللبن، قالت: فشرب حتى روي وشرب أخوه يعني ابنها حتى روي، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل فإذا هي حافلاً، فحلب لنا ما شئنا فشرب حتى روي. قالت: وشربت حتى رويت، فبتنا ليلتنا تلك بخير شباعاً رواء، وقد نام صبياننا قالت: يقول أبوه يعني زوجها: والله يا حليمة، ما أراك إلا قد أصبت نسمة مباركة قد نام صبينا وروي، قالت: ثم خرجنا فو الله لخرجت أتاني أمام الركب أمام الركب قد قطعتهن حتى ما تتعلق بأحد حتى إنهم ليقولون: ويحك يا بنت الحارث، كفى علينا، ألست هذه أتانك التي خرجت عليها؟ فأقول: بلى والله وهي قدامنا حتى قدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن يكر فقدمنا على أجدب أرض الله، فو الذي نفس حليمة بيده إن كانوا يسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ويسرح راعي غنمي، فتروح غنمي بطاناً لبناً حفلاً، وتروح أغنامهم جياعاً هالكة ما لها من لبن. قالت: فنشرب ما شئنا من اللبن، ما من الحاضر أحد يطلب قطرة ولا يجدها فيقولون لرعاتهم: ويلكم ألا تسرحون حيث يسرح راعي حليمة؟! فيسرحون في الشعب الذي يسرح فيه راعينا فتروح أغنامهم جياعاً مالها من لبن وتروح غنمي لبناً حفلاً.

قالت: وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشب في اليوم شباب الصبي في شهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة، فبلغ سنة، وفي رواية: سنتين وهو غلام جفر، قالت: فقدمنا على أمه، فقلت لها وقال لها أبوه: ردي علينا ابني فلنرجع به، فإنا نخشى عليه أوباء مكة. قالت: ونحن أضن شيء به، مما رأينا من بركته. قالت: فلم نزل بها حتى قالت: ارجعا به فرجعنا به، فمكث عندنا شهرين. قالت: فبينا هو يلعب وأخوه يوماً خلف البيوت يرعيان بهماً لنا إذ جاءنا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: أدركا أخي القرشي قد جاءه رجلان فأضجعاه فشقا بطنه، فخرجنا نحوه نشتد، فانتهينا إليه وهو قائم منتقع لونه فاعتنقه أبوه واعتنقته، ثم قال: ما لك أي بني؟ قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ثم شقا بطني فو الله ما أدري ما صنعا وفي رواية ثم استخرجا منه شيئاً فطرحاه ثم رداه كما كان. قالت: فاحتملناه فرجعنا به إلى بيوتنا. قالت: يقول أبوه والله يا حليمة، ما أرى هذا الغلام قد أصيب فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر ما نتخوف عليه. قالت: فرجعنا به إليها. قالت: ما ردكما به وقد كنتما حريصين عليه؟ قالت: فقلت: لا والله، إلا أنا كفلناه وأدينا الحق الذي يجب علينا فيه، ثم تخوفنا الأحداث عليه، فقلنا: يكون في أهله. قالت: فقالت آمنة: والله ما ذاك بكما فأخبراني خبركما وخبره، فو الله ما زالت بنا حتى أخبرناها خبره. قالت: فتخوفتما عليه؟! كلا والله، إن لابني هذا شأناً ألا أخبركما عنه: إني حملت به فلم أحمل حملاً قط كان أخف ولا أعظم بركة منه ثم رأيت نوراً كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى، ثم وضعته فما وقع كما يقع الصبيان، وقع واضعاً يده بالأرض رافعاً رأسه إلى السماء. دعاه والحقا بشأنكما. وفي رواية: قالت: يعني آمنة أخشيتما عليه الشيطان؟! كلا والله ماللشيطان عليه سبيل.

ما جاء في الكتاب من صفته وبشرت به الأنبياء من بعثته

ما جاء في الكتاب من صفته وبشرت به الأنبياء من بعثته عن ابن سلام: أنه لما سمع بمخرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة فلقيه، فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنت ابن عالم أهل يثرب؟ قال: نعم. قال: فناشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء هل تجد صفتي في كتاب الله الذي أنزل على موسى؟ قال عبد الله بن سلام: انسب ربك يا محمد، فارتج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال له جبريل عليه السلام: " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوراً أحد " فقال له ابن سلام: أشهد أنك رسول الله، وإن الله عز وجل مظهرك ومظهر دينك على الأديان وإني لأجد صفتك في كتاب الله تعالى " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً " زاد في حديث: وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظٍ ولا غليظٍ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله تعالى حتى تستقيم به الملة المعوجة حتى يقولوا لا إله إلا الله ويفتحوا أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً أن يقولوا لا إله إلا الله. وعن سهل مولى عثمة: أنه كان نصرانياً من أهل مريس وأنه كان يتيماً في حجر أمه وعمه وأنه كان يقرأ الإنجيل قال: فأخذت مصحفاً لعمي فقراته حتى مرت بي ورقة أنكرت أكنافها حين مرت بي ومسستها بيدي قال: فنظرت فإذا فضول الورقة ملصق بغراء قال: ففتقتها

فوجدت فيها نعت محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه لا قصير ولا طويل، أبيض ذو ضفرين، بين كتفيه خاتم النبوة، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصاً مرفوعاً، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر وهو يفعل ذلك، وهو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد. قال سهل: فلما انتهيت إلى هذا من ذكر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء عمي فلما رأى الورقة ضربني وقال: مالك وفتح هذه الورقة وقراءتها. فقلت: فيها نعت النبي أحمد فقال: إنه لم يأتي. وعن سالم بن عبد الله بن عمر قال: بينا رجلان يحدث أحدهما صاحبه، وكعب خلفهما يسمع، لا يعلمان بمكانه إذ قال أحدهما لصاحبه: رأيت الليلة أو قال: البارحة كل نبي في الأرض، مع كل نبي منهم أربعة مصابيح: مصباح من بين يديه، ومصباح من خلفه، ومصباح عن يمينه، ومصباح عن شماله، ومع كل رجل ممن معه مصباح مصباح، إذ قام رجل منهم فأضاءت الأرض له، في شعرة في رأسه مصباح، ومع كل رجل ممن معه أربعة مصابيح: مصباح من بين يديه، ومصباح من خلفه، ومصباح عن يمينه، ومصباح عن شماله. قلت: من هذا؟ قالوا: محمد رسول الله. فقال كعب للمحدث: يا عبد الله، عمن تحدث؟ قال: عن رؤيا رأيتها البارحة، فقال كعب: والله، لكأنك نشرت التوراة فقرأت هذا فيها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول وقد استكمل عشر سنين من هجرته. قال: فلما كان صبيحة الخميس فإذا نحن بشيخ أبيض الرأس واللحية متلثم بعمامة على قعود له، حتى جاء فنزل فعقل قعوده بباب المسجد وأنشأ يقول وينادي: السلام عليكم ورحمة الله، هل فيكم محمد رسول الله؟ قال علي: أيها السائل عن محمد رسول الله ما تريد من محمد. قال: أنا حبر من أحبار بيت المقدس قد قرأت التوراة ثمانين سنة وتدبرتها أربعين صباحاً، فوجدت فيها ذكر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأن الله تبارك وتعالى يقول في التوراة: ليس بكذاب ولا قوال للكذب. وقد خرجت أطلب الإسلام على يديه فقال علي: أيها السائل عن أبي القاسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أصبح القاسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

بين أطباق الثرى. فوضع الجريدة على رأسه ونادى: وا انقطاع ظهراه، بأبي وأمي من لم أشهده ولم أره، يا محمد المصطفى، يا خير من ولدت النسائم. قال: بالله هل فيكم قرابة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال علي: يا بلال انطلق بهذا الرجل إلى منزل فاطمة عليها السلام، فانطلق به فقال لها الحبر: يا بنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا حبر من أحبار بيت المقدس، جئت أطلب الإسلام على يدي والدك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قالت فاطمة: يا حبر بيت المقدس، أن والدي قد مات. فنادى الحبر: وا انقطاع ظهراه بأبي وأمي من لم أره ولم أشاهد، بالله يا بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أما عندك ثوب من ثياب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.؟ قالت فاطمة للحسين: هات الثوب الذي نشف فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجاء به فأخذه الحبر فألقاه على وجهه وجعل ينشق ريحه ويقول: بأبي وأمي من جسد نشف في هذا الثوب ثم رفع رأسه فقال: يا علي، صف لي صفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأني أنظر إليه. فبكى عليٌ بكاءً شديداً، قال: والله، إني كنت مشتاقاً إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنا أشوق إلى حبيبي منك ثم قال: بأبي وأمي، لم يكن بالطويل الذاهب ولا بالقصير، كان ربعة من الرجال، أبيض مشربٌ بحمرة، جعد المفرق، شعره إلى شحمة أذنيه، صلت الجبين، واضح الخدين، مقرون الحاجبين، أدعج العينين، سبط الأشفار، أقنى الأنف، دقيق المسربة، مبلج الثنايا، كث اللحية، كأن عنقه إبريق فضة، كان الذهب يجري في تراقيه، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، شثل الكعبين والقدمين، له شعرات ما بين لبته إلى صدره تجري كالقضيب، لم يكن على بطنه ولا على ظهره شعرات غيرها، تفوح منه رائحة المسك، إذا قام غمر الناس، وإذا مشى فكأنما يتقلع من صخرة، إذا التفت التفت جميعاً، وإذا انحدر كأنما ينحدر في صبب، أطهر الناس خلقاً، وأشجع الناس قلباً، وأسخى الناس كفاً، لم يكن قبله مثله، ولا يكون بعده مثله أبداً. قال الحبر: يا علي، إني أصبت في التوراة هذه الصفة. أيقنت أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله رسول الله.

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: " نعم. أنا دعوة أبي إبراهيم، وكان آخر من بشر بي عيسى بن مريم عليهم السلام ". وعن عبد الله رضي الله عنه قال: صاحبكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خامس خمسةٍ مبشر بهم قبل أن يكونوا: إسحاق ويعقوب عليهما السلام بقول الله تعالى: " فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ". ويحيى: " إن الله يبشرك بيحيى مصدقاً "، وعيسى بن مريم: " إن الله يبشرك بكلمة منه "، ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قول عيسى: " يأتي من بعدي اسمه أحمد " فهؤلاء أخبر بهم من قبل أن يكونوا. وعن وهب بن منبه: أن الله تعالى لما قرب موسى عليه السلام نجياً قال: رب، إني أجد في التوراة أمةً خير أمةٍ أخرجت للناس يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله. فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة هم الآخرون من الأمم، السابقون يوم القيامة فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها، وكان من قبلهم يقرؤون كتبهم نظراً ولا يحفظونها فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: رب، إني أجد في التوراة أمة يؤمنون بالكتاب الأول والآخر، ويقاتلون رؤوس الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي. ب ". ويحيى: " إن الله يبشرك بيحيى مصدقاً "، وعيسى بن مريم: " إن الله يبشرك بكلمة منه "، ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قول عيسى: " يأتي من بعدي اسمه أحمد " فهؤلاء أخبر بهم من قبل أن يكونوا. وعن وهب بن منبه: أن الله تعالى لما قرب موسى عليه السلام نجياً قال: رب، إني أجد في التوراة أمةً خير أمةٍ أخرجت للناس يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله. فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة هم الآخرون من الأمم، السابقون يوم القيامة فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب، إني أجد في التوراة أمة أناجيلهم في صدورهم يقرؤونها، وكان من قبلهم يقرؤون كتبهم نظراً ولا يحفظونها فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال: رب، إني أجد في التوراة أمة يؤمنون بالكتاب الأول والآخر، ويقاتلون رؤوس الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب، إني أجد في التوراة أمةً يأكلون الصدقات في بطونهم، وكان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث الله عليها ناراً فأكلتها، فإن لم تقبل لم تقربها النار، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب، أني أجد في التوراة أمة إذا هم أحد بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة. وإذا هم بحسنة لم يعملها كتبت له

حسنة، فإن عملها كتبت له عشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب، إني أجد في التوراة أمة هم المستجيبون المستجاب لهم فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: ذكر وهب بن منبه في قصة داود النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما أوحى إليه في الزبور: يا داود، إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقاً سيداً، لا أغضب عليه أبداً، ولا يغضبني أبداً، وقد غفرت له قبل أن يغضبني ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثلما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل، حتى يأتون يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لكل صلاة، كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم. يا داود، إني فضلت محمداً وأمته على الأمم كلها، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم: لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنب ركبوه على غير عمد، إن استغفروني منه غفرته لهم، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبةً به أنفسهم عجلته لهم أضعافاً مضاعفة، ولهم في المدخور عندي أضعاف مضاعفة، وأفضل من ذلك. وأعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون الصلاة والرحمة والهدى، إلى جنات النعيم، فإن دعوني استجب لهم، فإما أن يروه عاجلاً، وإما أن أصرف عنهم سوءاً، وإما أن أدخر لهم في الآخرة. يا داود، من لقيني من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشهد أن لا إله إلا الله أنا وحدي لا شريك لي صادقاً بها فهو معي في حبي وكرامتي. ومن لقيني وقد كذب محمداً وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه في القبر العذاب صباً، وضربت الملائكة في وجهه ودبره عند منشره من قبره، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار. وعن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى بن مريم عليه السلام: جد في أمري ولا تهزل، واسمع وأطع يا بن الطاهرة البكر البتول، إني خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمينن فإياي فاعبد وعلي فتوكل، فسر لأخل سوران بالسريانية، بلغ من بين يديك أني أنا الله الحي القيوم الذي لا أزول. صدقوا النبي الأمي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة وهي التاج والنعلين والهراوة وهي القضيب، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون

إخبار الأحبار والرهبان والكهان بنبوته.

الحاجبين، الأنجل العينين، الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤة، وريح المسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من لبته إلى صرته، تجري كالقضيب، ليس على صدره ولا على بطنه شعر غيره، شثن الكف والقدم إذا جاء مع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر، وينحدر في صبب، ذو النسل القليل. قال عمر بن الحكم بن رافع بن سنان وهو عم عبد الحميد بن جعفر حدثني بعض عمومتي وآبائي أنهم كانت عندهم ورقة يتوارثونها في الجاهلية حتى جاء الله تعالى بالإسلام وهي عندهم، فلما قدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ذكروا له وأتوه بها. مكتوب فيها اسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تباب، هذا الذكر لأمة تأتي في آخر الزمان يسبلون أطرافهم، ويأتزرون على أوساطهم، ويخوضون البحور إلى أعدائهم، فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، وفي عاد ما أهلكوا بالريح، وفي هود ما أهلكوا بالصيحة. بسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تباب. كأنه استقبل قصة أخرى. قال: فعجب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قرئت عليه لما فيها. إخبار الأحبار والرهبان والكهان بنبوته. عن الفلتان بن عاصم قال: كنت جالساً عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ شخص بصره إلى رجل، فإذا هو يهودي عليه قميص وسراويل ونعلان، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه وهو يقول: يا رسول الله، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أتقرأ التوراة؟ قال: نعم. قال: أتقرأ الإنجيل؟ قال: نعم. قال: والقرآن ولو تشاء قرأته. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فيما تقرأ التوراة والإنجيل، أتجدني نبياً؟ قال: إنا نجد نعتك ومخرجك، فلما خرجت رجونا أن تكون فينا، فلما رأيناك عرفنا أنك لست به. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ولم

يا يهودي؟ قال: إنا نجده مكتوباً أنه يدخل من أمته سبعون ألفاً بلا حساب، ولا نرى معك إلا نفراً يسيراً. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أمتي لأكثر من سبعين ألفاً وسبعين ألفاً. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بلغني أن إسرائيل لما أصابها ما أصابهم من ظهور بخت نصر عليهم وفرقتهم وذلتهم تفرقوا، وكانوا يجدون محمداً رسول الله منعوتاً في كتابهم، وأنه يظهر في بعض هذه القرى العربية في قرية ذات نخل. فلما خرجوا من أرض الشام جعلوا يقترون كل قرية من تلك القرى العربية بين الشام واليمن يجدون نعتها نعت يثرب فتنزل بها طائفة منهم، ويرجون أن يلقوا محمداً فيتبعوه، حتى نزل من بني هارون ممن حمل التوراة بيثرب منهم طائفة، فمات أولئك الآباء وهم يؤمنون بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه جاءٍ ويحثون أبناءهم على إتباعه إذا جاء، فأدركه من أدركه من أبنائهم فكفروا به وهم يعرفونه. عن نملة بن أبي نملة عن أبيه قال: كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كتبهم ويعلمونه الولدان بصفته واسمه ومهاجره إلينا. فلما ظهر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسدوه وبغوا عليه، وقالوا: ليس به. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سكن يهودي بمكة يبيع بها تجارات. فلما كانت ليلة ولد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه. قال: أخطأت والله حيث كنت أكره، انظروا يا معشر قريش واحصوا ما أقول لكم، ولد الليلة نبي هذه الأمة أحمد الآخر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن أخطأكم فبفلسطين، به شامة بين كتفيه سوداء صفراء، فيها شعرات متواترات، فتتصدع القوم من مجالسهم وهم يتعجبون من حديثه. فلما صاروا في منازلهم ذكروا لأهاليهم فقيل لبعضهم: ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام وسماه محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالتقوا بعد من يومهم فأتوا اليهودي في منزله فقالوا: أعلمت؟ إنه ولد فينا مولود، قال:

أبعد خبري أم قبله؟ قالوا: قبله واسمه أحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرجوا معه حتى دخلوا على أمه فأخرجته إليهم، فرأى الشامة في ظهره فغشي على اليهودي ثم أفاق، فقالوا: ويلك مالك؟ قال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل، وخرج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب بقتلهم وببير أحبارهم، فازت العرب بالنبوة، أفرحتم يا معشر قريش؟ أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج نماؤها من المشرق إلى المغرب. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيت المدارس فقال: أخرجوا إلي أعلمكم. فقالوا: عبد الله بن صوريا، فخلا به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فناشده بدينه وما أنعم الله به عليهم، وأطعمهم من المن والسلوى، وظللهم به من الغمام، أتعلمني رسول الله؟ قال: اللهم نعم، وإن القوم ليعرفون ما أعرف، وإن صفتك ونعتك لمبين في التوراة ولكنهم حسدوك. قال: فما يمنعك أنت؟ قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلموا. وعن المسور بن مخرمة قال: كان عبد المطلب إذا ورد اليمن نزل على عظيم من عظماء حمير، فنزل عليه مرة من المرات فوجد عنده رجلاً من أهل اليمن، قد أمهل له في العمر وقد قرأ الكتب فقال له: يا عبد المطلب، تأذن لي أن أفتش مكاناً منك؟ قال: ليس كل مكان مني آذن لك في تفتيشه. قال: إنما هو منخريك. قال: فدونك. قال: فنظر إلى نار وهو الشعر في منخريه فقال: أرى نبوة وأرى ملكاً وأرى أحدهما في بني زهرة، فرجع عبد المطلب فتزوج هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وزوج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فولدت محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعل الله في بني عبد المطلب النبوة والخلافة. والله أعلم حيث وضع ذلك. وعن العباس قال: قال لي أبي عبد المطلب: قدمت اليمن في رحلة الشتاء فنزلت على حبر من اليهود فقال لي رجل من أهل اليهود: يا عبد المطلب، أتأذن لي أن أنظر إلى بدنك بعيني، فقلت: انظر ما لم تكن عورة. قال: ففتح أحد منخري فنظر فيه، ثم نظر في الآخر فقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكاً وفي الأخرى نبوة، وإني أرى ذلك في بني زهرة فكيف ذلك؟

فقلت: لا أدري. قال: هل لك من شاغة قال: فقلت: وما الشاغة؟ قال: زوجة. قلت: أما اليوم، فلا. قال: إذا قدمت فتزوج فيهم. ورجع عبد المطلب مكة فتزوج هالة بنت وهيب بن عبد مناف فولدت له حمزة وصفية، وزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب فولدت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت قريش حين تزوج عبد الله آمنة: ولج عبد الله على أبيه. حدث يحيى بن عروة عن أبيه أن نفراً من قريش منهم ورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث كانوا عند صنم لهم يجتمعون إليه، قد اتخذوا ذلك اليوم من كل سنة عيداً كانوا يعظمونه، وينحرون له الجزر، ثم يأكلون ويشربون الخمر ويعكفون عليه، فدخلوا عليه في الليل فرأوه مكبوباً على وجهه، فأنكروا ذلك فأخذوه فردوه إلى حاله، فلم يلبث أن انقلب انقلاباً عنيفاً، فأخذوه فردوه إلى حاله، فانقلب الثالثة. فلما رأوا ذلك اغتموا له وأعظموا ذلك. فقال عثمان بن الحويرث: ما له قد أكثر التنكس؟ إن هذا لأمر قد حدث. وذلك في الليلة التي ولد فيها سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعل عثمان يقول: من الطويل. أيا صنم العيد الذي صف حوله ... صناديد وفد من بعيد ومن قرب تكوست مغلوباً فما ذاك قل لنا ... أذاك سفيهٌ أم تكوست للعتب؟ فإن كان من مذنب أتينا فإننا ... نبوء بإقرارٍ ونلوي عن الذنب وإن كنت مغلوباً تكوست صاغراً ... فما أنت في الأوثان بالسيد الرب قال: فأخذوا الصنم فردوه على حاله، فلما استوى هتف بهم هاتف من الصنم، بصوت جهير وهو يقول: من الطويل تردى لمولودٍ أنارت بنوره ... جميع فجاج الأرض بالشرق والغرب وخرت له الأوثان طراً وأرعدت ... قلوب ملوك الأرض طراً من الرعب ونار جميع الفرس باخت وأظلمت ... وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب وصدت عن الكهان بالعتب جنها ... فلا مخبرٌ عنهم بحقٍ ولا كذب

فيال قصي ارجعوا عن ضلالكم ... وهبوا إلى الإسلام والمنزل الرحب فلما سمعوا ذلك خلصوا نجياً، فقال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض. فقالوا: أجل. فقال لهم ورقة بن نوفل: تعلمون والله ما قومكم على دين ولقد أخطؤوا المحجة وتركوا دين إبراهيم، ما حجر تطيفون به لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر؟! يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين. قال: فخرجوا عند ذلك يضربون في الأرض ويسألون عن الحنيفية دين إبراهيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأما ورقة فتنصر وقرأ الكتاب حتى علم علماً. وأما عثمان بن الحويرث فصار إلى قيصر فتنصر وحسنت منزلته عندهم. وأما زيد بن عمر بن نفيل فأراد الخروج فحبس، ثم أنه خرج بعد ذلك فضرب في الأرض حتى بلغ الرقة من أرض الجزيرة فلقي بها راهباً عالماً فأخبره بالذي يطلب فقال له الراهب: إنك لتطلب ديناً ما تجد من يحملك عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلدك يبعث بدين الحنيفية. فلما قال له ذلك رجع يريد مكة، فغارت عليه لخم فقتلوه. وأما عبيد الله بن جحش فأقام بمكة حتى بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة، فلما صار بهم تنصر وفارق الإسلام فكان بها حتى هلك هنالك نصرانياً. قال عبد الله بن محمد بن عقيل: أراد أبو طالب المسير إلى الشام فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أي عم، إلى من تخلفني فما لي أم تكفلني ولا أحد يؤويني قال: فرق له ثم أردفه خافه، فخرج به فنزلوا على صاحب دير. فقال صاحب الدير: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال: ما هو بابنك ولا ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم؟ قال: لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي. قال: وما النبي؟ قال: الذي يوحى إليه من السماء فينبئ به أهل الأرض. قال: الله أجل مما تقول. قال: فاتق عله اليهود. قال: ثم خرج حتى نزل براهب أيضاً صاحب دير فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم ذلك؟ قال: إن وجهه وجه نبي وعينه عني نبي. قال: وما النبي؟ قال: الذي يوحى إليه من السماء فينبىء به أهل الأرض. قال: الله أجل مما تقول. قال: فاتق عليه اليهود. قال: ثم خرج حتى نزل براهب أيضاً صاحب دير فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني قال: ما هو بابنك ومل ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم ذلك؟ قال: إن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي. قال: سبحان الله الله أجل مما تقول، فقال: يا بن أخي ألا تسمع ما يقول؟ قال: أي عم لا تنكر لله قدرة.

وعن شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى عيضاً من أهل الشام، وكان متخفراً بالعاص بن وائل، وكان الله قد أتاه علماً كثيراً وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة من طب ورفق وعلم، وكان يلزم صومعة له ويدخل مكة في كل سنة فيلقى الناس ويقول: إنه يوشك أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة، يدين له العرب ويملك العجم، هذا زمانه، ومن أدركه واتبعه أصاب حاجته، ومن أدركه وخالفه أخطأ حاجته. وتالله ما تركت أرض الخمر والخمير والأمن ولا حللت أرض البؤس والجوع والخوف إلا في طلبه، فكان لا يولد مولود بمكة إلا يسأل عنه فيقول: ما جاء بعد، فيقال: فصفه، فيقول: لا ويكتم ذلك، للذي قد علم أنه لاقٍ من قومه مخافةً على نفسه أن يكون ذلك داعية إلى أدنى ما يفضي إليه من الأذى يوماً. فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى عيضاً فوقف في أصل صومعته، ثم نادى يا عيض فناداه: من هذا؟ فقال: أنا عبد الله فأشرف عليه فقال: كن أباه فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين، ويبعث يوم الاثنين ويموت يوم الاثنين. قال: فإنه قد ولد لي مع الصبح مولود. قال: فما سميته؟ قال: محمداً. فقال: والله لقد كنت أشتهي أن يكون هذا المولود فيكم أهل البيت لثلاث خصال بها نعرفه، فقد أتى عليهن منها إن نجمه طلع البارحة، وإنه يولد اليوم، وإن اسمه محمد. انطلق إليه فإنه الذي كنت أحدثكم عنه ابنك، قال: فما يدريك أنه ابني، ولعله يولد يومنا مولودون عدة؟ قال: قد وافق ابنك الاسم، ولم يكن الله عز وجل ليشتبه على العلماء لأنه حجة، وآية ذلك أنه الآن وجع فيشتكي أياماً ثلاثة يظهر به الوجع ثلاثاً ثم يعافى. فاحفظ لسانك، فإنه لم يحسد حسده أحدٌ قط، ولم يبغ على أحدٍ كما يبغى عليه. وإن تعش حتى تبدو معالمه ثم يدعو، ثم يظهر لك من قومك ما لا تحتمله إلا على صبرٍ على ذلك، فاحفظ لسانك، ودار عنه. قال: فما عمره؟ قال: إن طال عمره أو قصر لم يبلغ السبعين يموت في وترٍ، دونها من السنين في إحدى وستين أو ثلاث وستين. الستون أعمار جل أمته.

وعن عبد الله بن عباس قال: قدم الجارود بن عبد الله، وكان سيداً في قومه، عظيماً في عشيرته، مطاع الأمر، رفيع القدر، عظيم الخطر، ظاهر الأدب، شامخ الحسب، بديع الجمال، حسن الفعال، ذا منعةٍ ومالٍ في وفد عبد القيس من ذوي الأخطار والأقدار والفضل والإحسان والفصاحة والبرهان. كل رجل منهم كالنخلة السحوق على ناقة كالفحل العتيق قد جنبوا الجياد وأعدوا للجلاد مجدين في مسيرهم حازمين في أمرهم يسيرون ذميلاً، ويقطعون ميلاً فميلاً، حتى أناخوا عند مسجد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأقبل الجارود على قومه، والمشايخ من بني عمه، فقال: يا قوم، هذا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأغر سيد العرب، وخير ولد عبد المطلب، فإذا دخلتم عليه، ووقفتم بين يديه، فأحسنوا عليه السلام، وأقلوا عنده الكلام، فقالوا بأجمعهم: أيها الملك الهمام والأسد الضرغام لن نتكلم إذا حضرت، ولن نجاوز إذا أمرت، فقل ما شئت فإنا سامعون، واعمل ما شئت فإنا تابعون. فنظر الجارود في كل كمي صنديد قد دوموا العمائم، وتردوا بالصوارم، يجرون أسيافهم ويسحبون أذيالهم، يتناشدون الأشعار، ويتذاكرون مناقب الأخيار، لا يتكلمون طويلاً، ولا يسكتون عياً. إن أمرهم ائتمروا، وإن زجرهم ازدجروا، كأنهم أسد غيل يقدمها ذو لبدة مهول، حتى مثلوا بين يدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما دخل القوم المسجد وأبصرهم أهل المسجد دلف الجارود أما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحسر أمامه، وأحسن سلامه ثم أنشأ يقول: من الخفيف فقل ما شئت فإنا سامعون، واعمل ما شئت فإنا تابعون. فنظر الجارود في كل كمي صنديد قد دوموا العمائم، وتردوا بالصوارم، يجرون أسيافهم ويسحبون أذيالهم، يتناشدون الأشعار، ويتذاكرون مناقب الأخيار، لا يتكلمون طويلاً، ولا يسكتون عياً. إن أمرهم ائتمروا، وإن زجرهم ازدجروا، كأنهم أسد غيل يقدمها ذو لبدة مهول، حتى مثلوا بين يدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما دخل القوم المسجد وأبصرهم أهل المسجد دلف الجارود أما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحسر أمامه، وأحسن سلامه ثم أنشأ يقول: من الخفيف يا نبي الهدى أتتك رجالٌ ... قطعت فدفداً وآلاً فآلا

وطوت نحوك الصحاصح طراً ... لا تخال الكلال فيك كلالا كل دهماء يقصر الطرف عنها ... أرقلتها قلانصاً إرقالا وطوتها الجياد تجمح فيها ... بكماة كأنجم تتلالا تبتغي دفع بأس يومٍ عبوس ... أوجل القلب ذكره ثم هالا فلما سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرح فرحاً شديداً، وقربه وأدناه، ورفع مجلسه، وحباه وأكرمه، وقال: يا جارود، لقد تأخر بك وبقومك الموعد، وطال بكم الأمد، قال: والله يا رسول الله لقد أخطأ من أخطأك قصده وعدم رشده، وتلك وأيم الله أكبر خيبة، وأعظم حوبة، والرائد لا يكذب أهله ولا يغش نفسه، لقد جئت بالحق، ونطقت بالصدق والذي بعثك بالحق نبياً واختارك للمؤمنين ولياً، لقد وجدت وصفك في الإنجيل. ولقد بشر بك ابن البتول وطول التحية لك والشكر لمن أكرمك وأرسلك لا أثر بعد عين ولا شك بعد يقين. مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله. قال: فآمن الجارود وآمن من قومه كل سيد، فسر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سروراً، وابتهج حبوراً وقال: يا جارود، هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قساً؟ قال: كلنا نعرفه يا رسول الله. وأنا من بين قومي كنت أقفو أثره وأطلب خبره. كان قس سبطاً من أسباط العرب صحيح النسب، فصيحاً إذا خطب، ذا شيبةٍ حسنةٍ، عمر سبع مئة سنة، يتقفر القفار، لا تكنه دار، ولا يقره قرار يتحسى في تقفره بيض النعام ويأنس بالوحوش والهوام، يلبس المسوح، ويبيع السياج على منهاج المسيح لا يفتر من الرهبانية، مقر لله بالوحدانية، تضرب بحكمته الأمثال، وتكشف به الأهوال، وتتبعه الأبدال، أدرك رأس الحواريين شمعان. فهو أول من تأله من العرب، وأعبد من تعب في الحقب، وأيقن بالبعث والحساب، وحذر سوء المنقلب والمآب، ووعظ بذكر الموت، وأمر بالعمل قبل الفوت، الحسن الألفاظ الخاطب بسوق عكاظ العالم بشرق وغرب، ويابس ورطب،

وأجاج وعذب، كأني أنظر إليه، والعرب بين يديه، يقسم بالرب الذي هو له ليبلغن الكتاب أجله، وليوفين كل عامل عمله. ثم أنشأ يقول: من الخفيف هاج للقلب من جواه ادكار ... وليالٍ خلالهن نهار ونجوم يحثها قمر اللي ... ل وشمس في كل يومٍ تدار ضوؤها يطمس العيون وإرعا ... دٌ شديدٌ في الخافقين مطار وغلامٌ وأشمطٌ ورضيعٌ ... كلهم في التراب يوماً يزار وقصورٌ مشيدةٌ حوت الخي ... ر وأخرى خلت فهي قفار وكثيرٌ مما تقصر عنه ... جوسة الناظر الذي لا يحار والذي قد ذكرت دل على الل ... هـ نفوساً لها هدىً واعتبار فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: على رسلك يا جارود، فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل له أورق، وهو يتكلم بكلام مؤنق ما أظن أني احفظه فهل فيكم يا معشر المهاجرين والأنصار من يحفظ لنا منه شيئاً؟ فوثب أبو بكر الصديق رضي الله عنه قائماً فقال: يا رسول الله، إني أحفظه، وكنت حاضراً ذلك اليوم بسوق عكاظ حين خطب فأطنب، ورغب ورهب وحذر وأنذر، وقال في خطبته: أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت أت، مطر ونبات، وأرزاق وأقوات، وآباء وأمهات، وأحياء وأموات، جميعٌ وأشتات، وأنات بعد أنات إن في السماء لخبرا، إن في الأرض لعبرا، ليلٌ داج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات رتاج، وبحار ذات أمواج، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا، أقسم قس قسماً حقاً لا حانثاً فيه ولا أثماً إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبياً قد حان حينه، وأظلكم أوانه، وأدرككم إبانه، فطوبى لمن آمن به فهداه، وويل لمن خالفه وعصاه. ثم قال: تباً لأرباب الغفلة من الأمم الخالية والقرون الماضية، يا معشر إياد، أين الآباء والأجداد، وأين المريض والعواد، وأين الفراعنة الشداد، أين من بنى وشيد،

وزخرف ونجد، وغره المال والولد، أين من بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى، ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأبعد منكم آمالا، وأطول منكم آجالا، طحنهم الثرى بكلكله، ومزقهم بتطاوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية، كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود، ثم أنشأ يقول: من مجزوء الكامل في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر قال: ثم جلس، فقام رجل من الأنصار بعده كأنه قطعة جبل، ذو هامة عظيمة وقامة جسيمة، قد دوم عمامته وأرخى ذؤابته، منيف أنوف، أشدق، حسن الصوت، فقال: يا سيد المرسلين، وصفوة رب العالمين، لقد رأين من قس عجباً، وشهدت منه مرغباً، فقال: وما الذي رأيته منه وحفظته عنه؟ فقال: خرجت في الجاهلية أطلب بعيراً لي شرد مني أقفو أثره، وأطلب خبره في تنائف ذات دعادع وزعازع ليس للركب فيها مقيل، ولا لغير الجن سيبل، وإذا بموئل مهول في طود عظيم، ليس به إلا البوم، وأدركني الليل فولجته مذعوراً لا آمن فيه حتفي، ولا أركن لغير سيفي. فبت بليلٍ طويل كأنه بليلٍ موصول، أرقب الكوكب، وأرمق الغيهب، حتى إذا عسعس الليل، وكاد الصبح أن يتنفس هتف بي هاتف: من الرجز يا أيها الراقد في الليل الأحم ... قد بعث الله نبياً في الحرم من هاشم أهل الوفاء والكرم ... يجلو وجنّات الدياجي والبهم قال: فأدرت طرفي فما رأيت له شخصاً، ولا سمعت له فحصاً، وأنشأت

أقول: أيها الهاتف في داجي الظلم ... أهلاً وسهلاً بك من طيفٍ ألم بين هداك الله في لحن الكلم ... ماذا تدعو إليه يغتنم قال: فإذا أنا بنحنحة وقائل يقول: ظهر النور، وبطل الزور، وبعث الله عز وجل محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحبور، صاحب النجيب الأحمر، والتاج والمغفر، والوجه الأزهر، والحاجب الأقمر والطرف الأحور، صاحب قول شهادة أن لا إله إلا الله، فذلك محمداً المبعوث إلى الأسود والأبيض أهل المدر والوبر، ثم أنشأ يقول: مجزوء الرجز الحمد لله الذي ... لم يخلق الخلق عبث لم يخلنا أبداً سدىً ... من بعد عيسى واكترث أرسل فينا أحمداً ... خير نبي قد بعث صلى عليه الله ما ... حج له ركبٌ وحث قال: فذهلت عن البعير، واكتنفني السرور، ولاح الصباح، واتسع الإيضاح، فتركت المور، وأخذت الجبل، فإذا أنا بالغسق يشقشق إلى النوق، فملكت خطامه، وعلوت سنامه، فمرج طاعة، وهززته ساعة، حتى إذا لغب، وذل منه ما صعب، وحميت الوسادة، وبردت المزادة، وإذا الزاد قد هش له الفؤاد، بركته فبرك، وأذنت له فترك في روضة خضرة نضرة عطرة ذات حوذان وقربان وعبقران وعبيثران ونعنع وشيح وحلي وأقاح وجثجاث وبرار وشقائق وبهار، كأنما قد بات الجو بها مطيرا، أو باكرها المزن بكورا محلالها شجر، وقرارها نهر فجعل يرتع أبا وأصيد ضبا، حتى إذا أكلت وأكل، ونهلت ونهل وعللت وعل حللت عقاله، وعلوت جلاله وأوسعت محاله، فاغتنم الجملة ومر كالنبلة يسبق الريح، ويقطع عرض الفسيح، حتى أشرف بي على واد، وشجر من شجر عاد مورقة مونقة

قد تهدلت أغصانها كأنما بريرها حب فلفل، فدنوت فإذا أنا بقس بن ساعدة في ظل شجرة بيده قضيب من أراك ينكب به الأرض وهو يترنم بشعر ويقول: من البسيط يا ناعي الموت والملحود في جدثٍ ... عليهم من بقايا بزهم خرق دعهم فإن لهم يوماً يصاح بهم ... فهم إذا انتبهوا من بعضهم فرقوا حتى يعودوا لحالٍ غير حالهم ... خلقاً جديداً كما من قبله خلقوا منهم عراةٌ ومنهم في ثيابهم ... منها الجديد ومنها المنهج الخلق قال: فدنوت منه فسلمت عليه فرد علي السلام، وإذا أنا بعين خرارة في أرض خوارة، ومسجد بين قبرين، وأسدين عظيمين يلوذان به، ويتمسحان بأثوابه، فإذا أحدهما سبق الآخر إلى الماء فتبعه الآخر يطلب الماء فضربه بالقضيب في يده وقال: ارجع ثكلتك أمك حتى يشرب الذي ورد قبلك، فرجع ثم ورد بعده فقلت له: ما هذان القبران. فقال: هذان قبرا أخوين لي كانا يعبدان الله عز وجل معي في هذا الحال لا يشركان بالله عز وجل شيئاً فأدركهما الموت فقبرتهما، وها أنا بين قبريهما حتى ألحق بهما، ثم نظر إليهما فتغرغرت عيناه بالدموع، وانكب عليهما يقول: من الطويل خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجدكما لا تقضيان كراكما ألم تريا أني بسمعان مفردٌ ... وما لي فيها من خليل سواكما مقيمٌ على قبريكما لست بارحاً ... طوال الليالي أو يجيب صداكما أبكيكما طول الحياة وما الذي ... يرد على ذي عولة إن بكاكما فإنكما والموت أقرب غائبٍ ... بروحي في قبريكما قد أتاكما أمن طول نومٍ لا تحسان داعياً ... كأن الذي يسقي العقار سقاكما فلو جعلت نفسٌ لنفسٍ وقايةً ... لجدت بنفسي أن تكون فداكما فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رحم الله قساً، إني أرجو أن يبعثه الله عز وجل أمة وحده. ولما ظهر سيف ذي يزن على الحبشة وذلك بعد مولد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسنتين أتته

وفود العرب وأمراؤها وشعراؤها تهنئه وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه، وأتاه وفد قريش، منهم عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وعبد الله بن جدعان وأسد بن عبد العزى ووهب بن عبد مناف وقصي بن عبد الدار فدخل عليه آذنه وهو في رأس قصر يقال له غمدان، وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت الثقفي: من البسيط اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً ... في رأس غمدان دارٌ فيك محلالا واشرب هنيئاً فقد شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم في برديك إسبالا تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيباً بماء فعادا بعد أبوالا قال: والملك متضمخ بالعبير يلصف وبيص المسك في مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران مرتدياً بأحدهما متزراً بالآخر، سيفه بين يديه وعن يمينه وشماله الملوك والمقاول، فأخبر بمكانهم، فأذن لهم، فدخلوا عليه، ودنا منه عبد المطلب، فاستأذنه في الكلام، فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك. فقال: إن الله عز وجل أحلك أيها الملك محلا رفيعاً شامخاً باذخاً وأنبتك نباتاً، طابت أرومته، وعظمت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، في أطيب موضع، وأكرم معدن. وأنت أبيت اللعن ملك العرب الذي له ينقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، سلفك خبر سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يهلك ذكر من أنت خلفه، ولن يخمل ذكر من أنت سلفه. نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة. قال له الملك: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال ابن أختنا؟ قال: نعم. قال: ادنه ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحباً وأهلاً، وأرسلها

مثلاً. وكان أول من تكلم بها، وناقة ورحلاً ومستناخاً سهلاً وملكاً ربحلا يعطي عطاء جزلاً. قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، فإنكم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحيا إذا ظعنتم، ثم أنهضوا إلى دار الضيافة والوفود، وأجرى عليهم الأنزال، فأقاموا بذلك شهراً لا يصلون إليه، ولا يؤذن لهم في الانصراف، ثم انتبه إليهم انتباهة، وأرسل إلى عبد المطلب فأدناه، ثم قال: يا عبد المطلب، إني مفضٍ إليك من سر علمي أمراً لو غيرك يكون لم أبح لديه، ولكن رأيتك معدنه فأطلعتك طلعة فليكن عندك مخبأ حتى يأذن الله فيه: إني أجد في الكتاب المكنون، والعلم المخزون الذي ادخرناه لأنفسنا، واحتجناه دون غيرنا خبراً عظيماً وخطراً جسيماً، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة، فقال له عبد المطلب: مثلك أيها الملك سر وبر، فما هو فداك أهل الوبر، زمراً بعد زمر؟ قال: إذا ولد بتهامة، غلام بين يديه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة، إلى يوم القيامة. قال عبد المطلب: أيها الملك، لقد أبت بخير ما آب بمثله وافد قوم، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من ساره إياي ما ازداد به سرورا. قال له الملك: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، قد ولدناه مراراً، والله باعثه جهاراً، وجاعل له منا أنصاراً، يعز بهم أولياؤه، ويذل بهم أعداؤه، ويضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، يعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، وتخمد النيران، ويكسر الأوثان، قوله فصل، وحكمه عدل، ويأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. قال عبد المطلب: عز جدك، ودام ملكك، وعلا كعبك، فهل الملك ساري بإفصاح، فقد وضح لي بعض الإيضاح.

قال له سيف ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النصب، إنك لجده يا عبد المطلب غير كذب. قال: فخر عبد المطلب ساجداً. فقال له سيف ذي يزن: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا كعبك، فهل أحسست بشيء مما ذكرت لك؟ قال: نعم أيها الملك، إنه كان لي ابن، وكنت معجباً به، وعليه رفيقاً، وإني زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام فسميته محمداً. مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه. فقال له ابن سيف ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت، فاحتفظ من ابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تتداخلهم النفاسة من أن يكون لكم الرئاسة، فينصبون له الحبائل، ويبغون له الغوائل، وهو فاعل ذلك، أو أبناء عمهم غير شك، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيل ورجلٍ حتى أصير بيثرب دار ملكي، فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أني أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره، ولأوطات على أسنان العرب كعبه، ولكني سأصرف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك، ثم دعا بالقوم فأمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد سود وعسر إماء سود ومئة من الإبل وكرش مملوء عنبراً، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك. وقال: إذا حال الحول فأتني بخبره وما يكون من أمره. قال: فمات سيف بن ذي يزن قبل أن يحول عليه الحول.

قال: وكان كثيراً مما يقول عبد المطلب: يا معشر قريش، لا يغبطني منكم بجزيل عطاء الملك، وإن كثر، فإلى نفاد، ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره. فإذا قيل: وما هو؟ قال: سيعلم ما أقول ولو بعد حين. وعن مرداس بن قيس الدوسي قال: حضرت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد ذكرت عنده الكهانة، وما كان من تغييرها عند مخرجه فقلت: يا رسول الله، قد كان عندنا من ذلك شيء، أخبرك أن جارية منا يقال لها خلصة لم نعلم عليها إلا خيراً، إذ جاءتنا فقالت " يا معشر دوس، العجب، العجب لما أصابني، هل علمتم إلا خيراً؟ قلنا وما ذاك؟ قالت: إني لفي غنمي إذ غشيتني ظلمة، ووجدت كحس الرجل مع المرأة، وخشيت أن أكون قد حبلت. حتى إذا دنت ولادتها وضعت غلاماً أغضف له أذنان كأذني الكلب، فمكث فينا، حتى إنه ليلعب مع الغلمان إذ وثب وثبة وألقى أزراره وصاح بأعلى صوته، وجعل يقول: يا ويله، يا ويله، يا غوله، يا غوله، يا ويل غنم، يا ويل فهم، من قابس النار، الخيل والله وراء العقبة، فيهن فتيان حسان نجبة. قال: فركبنا وأخذنا الأداة، وقلنا: ويلك ما ترى؟ قال: هل من جارية طامث؟ قلنا: من لنا بها؟ فقال شيخ منا: هي والله عندي عفيفة الأم. فقلنا: فعجلها، فأتى بالجارية، وطلع الجبل، وقال للجارية: اطرحي ثوبك، واخرجي في وجوههم وقال للقوم: اتبعوا أثرها، ثم صاح برجل منا يقال له أحمر بن حابس فقال: يا أحمر بن حابس، عليك أول فارس، فحمل أحمر فطعن أول فارس، فصرعه وانهزموا، وغنمناهم. قالوا: قالوا: فابتنينا عليه بيتاً، وسميناه ذا الخلصة، وكان لا يقول لنا شيئاً إلا كان كما يقول حتى إذا كان مبعثك يا رسول الله قال لنا يوماً: يا معشر قريش، نزلت بنو الحارث بن كعب فاركبوا فركبنا فقال لنا: اكدسوا الخيل كدساً، واحشوا القوم رمساً، ألقوهم غدية، واشربوا الخمر عشية، قال: فلقيناهم فهزمونا وفضحونا، فرجعنا إليه فقلنا: ما حالك وما الذي صنعت بنا؟! فنظرنا إليه، وقد احمرت عيناه، وانتصبت

أذناه؟! وأبزم غضباً حتى كاد أن ينفطر ونام، فركبنا واغتفرنا هذه له. ومكثنا بعد ذلك حيناً ثم دعانا فقال: هل لكم في غزوة تهب لكم عزاً، وتحصل لكم حرزاً، وتكون في أيديكم كنزاً، قلنا: ما أحوجنا إلى ذلك. فقال: فاركبوا فركبنا، وقلنا: ما تقول: قال: بنو الحارث بن مسلمة، ثم قال: قفوا فوقفنا، ثم قال: عليكم بفهم ثم قال: ليس لكم فيهم دم، عليكم بمضر، هم أرباب خيل ونعم، ثم قال: لا، رهط دريد بن الصمة قليل العدد، وفي الذمة، ثم قال: لا، ولكن عليكم بكعب بن ربيعة، واشكروها صنيعة عامر بن صعصعة، فلتكن بهم الوقيعة، قال: فلقيناهم فهزمونا وفضحونا فرجعنا وقلنا: ويلك ماذا تصنع بنا؟! قال: ما أدري كذبني الذي كان يصدقني، اسجنوني في بيتي ثلاثاً، ثم ائتوني، ففعلنا به ذلك ثم أتيناه بعد ثالثة، ففتحنا عنه، فإذا هو كأنه جمرة نار، فقال: يا معشر دوس، حرست السماء، وخرج خير الأنبياء، قلنا أين. قال: بمكة، وأنا مت، فادفنوني في رأس جبل، فإني سوف أضطرم ناراً، وإن تركتموني كنت عليكم عاراً، وإذا رأيتم اضطرامي وتلهبي فاقذفوني بثلاثة أحجار، ثم قولوا مع كل جحر: باسمك اللهم، فإني أهدأ وأطفأ. قال: وإنه مات واشتعل ناراً، ففعلنا به ما أمر، وقذفناه بثلاثة أحجار، نقول مع كل حجر: باسمك اللهم، فخمد وطفئ وأقمنا حتى قدم علينا الحاج، فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله. وعن ابن عباس: أن قريشاً أتو امرأة كاهنة فقالوا لها: أخبرينا يا شهنا بصاحب المقام، يعنون إبراهيم، فقالت: إن أنتم جرزتم كبشاً على هذه السهلة، ثم مشيتم عليها، أنبأتكم. قال: فجرزوا ثم مشى الناس عليها، فأبصرت أثر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: هذا أقربكم إليه شبهاً، فمكثوا بعد ذلك عشرين سنة أو ما شاء الله تعالى، ثم بعث الله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حدث رجال من خثعم، قال: كانوا يقولون: إن مما دعانا إلى الإسلام أنا كنا قوماً نعبد الأوثان، فبينا نحن ذات يوم عند وثن لنا

إذ أقبل يتقاضون إليه، ويرجزن الفرج من عنده لشيء شجر بينهم إذ هتف هاتف من الصنم فجعل يقول: من الرجزقمنا حتى قدم علينا الحاج، فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله. وعن ابن عباس: أن قريشاً أتو امرأة كاهنة فقالوا لها: أخبرينا يا شهنا بصاحب المقام، يعنون إبراهيم، فقالت: إن أنتم جرزتم كبشاً على هذه السهلة، ثم مشيتم عليها، أنبأتكم. قال: فجرزوا ثم مشى الناس عليها، فأبصرت أثر محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: هذا أقربكم إليه شبهاً، فمكثوا بعد ذلك عشرين سنة أو ما شاء الله تعالى، ثم بعث الله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حدث رجال من خثعم، قال: كانوا يقولون: إن مما دعانا إلى الإسلام أنا كنا قوماً نعبد الأوثان، فبينا نحن ذات يوم عند وثن لنا إذ أقبل يتقاضون إليه، ويرجزن الفرج من عنده لشيء شجر بينهم إذ هتف هاتف من الصنم فجعل يقول: من الرجز يا أيها الناس ذوو الأجسام ... من بين أشياخٍ إلى غلام ما أنتم وطائش الأحلام ... ومسند الحكم إلى الأصنام أكلكم في حيرة المنام ... أم لا ترون ما أرى أمامي من ساطع يجلو دجى الظلام ... قد لاح للناظر من تهام ذاك نبي سيد الأنام ... قد جاء بعد الكفر بالإسلام أكرمه الرحمن من إمام ... ومن رسولٍ صادق الكلام أعدل ذي حكمٍ من الحكام ... يأمر بالصلاة والصيام البر والصلات للأرحام ... ويزجر الناس عن الآثام والرجس والأوثان والحرام ... من هاشم في ذروة السنام مستعلياً في البلد الحرام قال: فلما سمعنا ذلك تفرقنا عنه، وأتينا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلمنا. وعن طلحة قال: وجد في البيت كتاب في حجر منقور في الهدمة الأولى فدعي رجلٌ فقرأه فإذا فيه: عبدي المنتخب المتمكن المنذر المختار، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، لا يذهب حتى يقيم السنة العوجاء، ويشهد أن لا إله إلا الله، أمته الحمادون يحمدون الله عز وجل بكل أكمة، يأتزرون على أوساطهم، ويظهرون أطرافهم. لما حضرت الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاة اجتمع إليه قومه من غسان فقالوا: إنه قد حضر من أمر الله عز وجل ما ترى، وقد كنا نأمرك بالتزويج في شبابك فتأبى، وهذا أخوك الخزرج له خمس بنين، وليس لك ولد غير مالك، فقال: لن يهلك هالك، ترك مثل مالك، إن الذي يخرج النار من الوثيمة قادر أن يجعل لمالك نسلا

ورجالاً بسلاً، وكل إلى موت، ثم أقبل على مالك فقال: أي بني، المنية ولا الدنية، العقاب ولا العتاب، التجلد ولا التلذذ، القبر خير من الفقر، إنه من قل ذل، ومن كرم الكريم الدفع عن الحريم، والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصطبر، وكلاهما سينحسر، ليس ينفلت منها الملك المتوج ولا اللئيم المعلهج، سلم ليومك حيال ربك، ثم أنشأ يقول: من الطويل شهدت السبايا يوم آل محرقٍ ... وأدرك عمري صيحة الله في الحجر فلم أر ذا ملكٍ من الناس واحداً ... ولا سوقة إلا إلى الموت والقبر فعل الذي أردى ثموداً وجرهماً ... سيعقب لي نسلاً على آخر الدهر تقر بهم من آل عمرو بن عامر ... عيونٌ لذي الداعي إلى طلب الوتر فإن تكن الأيام أبلين جدتي ... وشيبن رأسي والمشيب مع العمر فإن لنا رباً علا فوق عرشه ... عليها بما تأتي من الخير والشر ألم يأتي قومي أن لله دعوةً ... يقول بها أهل السعادة والبشر إذا بعث المبعوث من آل غالبٍ ... بمكة فيما بين زمزم والحجر هنالك فابغوا نصره ببلادكم ... بني عامرٍ إن السعادة في النصر ثم قضى ساعته.

باب صفة خلقه ومعرفة خلقه

باب صفة خَلقه ومعرفة خُلقه عن علي بن أبي طالب قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضخم الرأس، عظيم العنق، مشرب العينين من حمرة، هدب الأشفار، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين، أزهر اللون، إذا مشى تكفأ كأنما يمشي في صعد، وإذا التفت التفت جميعاً. وعن علي قال: بعثني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى اليمن، فإني لأخطب يوماً على الناس، وحبر من أحبار يهود واقف، في يده سفر ينظر فيه، فناداني فقال: صف لنا أبا القاسم فقال علي: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس بالقصير ولا الطويل البائن، وليس بالجعد القطط ولا بالسبط، هو رجل الشعر، أسود، ضخم الرأس، مشرب لونه حمرةً، عظيم الكراديس، شثن الكفين والقدمين، طويل المسربة، وهو الشعر الذي يكون في النحر إلى السرة، هدب الأشفار، مقرون الحاجبين، صلت الجبين، بعيد ما بين المنكبي، إذا مشى يتكفأ كأنما ينزل من صبب، لم أرى قبله مثله، ولم أر بعده مثله. قال علي: ثم سكت، فقال لي الحبر: وماذا؟ قال علي: هذا ما يحضرني. قال الحبر: في عينيه حمرة، حسن اللحية، حسن الفم، تام الأذنين، يقبل جميعاً ويدبر جميعاً. فقال علي: هذه والله صفته، قال

الحبر: وشيء آخر قال علي: ما هو؟ قال الحبر: وفيه جنأ. قال علي: هو الذي قلت لك كأنما ينزل من صبب. قال الحبر: فإني أجد هذه الصفة في سفر آبائي، ونجده يبعث من حرم الله وأمنه وموضع بيته، ثم يهاجر إلى حرم يحرمه هو، وتكون له حرمة الحرم الذي حرم الله، ونجد أنصاره الذين هاجر إليهم قوماً من ولد عمرو بن عامر أهل نخل وأهل الأرض، قبلهم يهود. قال: قال علي: هو هو رسول الله. فقال الحبر: فإني أشهد أنه نبي وأنه رسول الله إلى الناس كافةً، فعلى ذلك أحيا، وعليه أموت، وعليه أبعث إن شاء الله. قال: فكان يأتي علياً فيعلمه القرآن، ويخبره بشرائع الإسلام، ثم خرج عليٌ والحبر هناك حتى مات في خلافة أبي بكر، وهو مؤمن برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مصدق به. وفي حديث آخر: أسود الحدقة: وعن رجل من الأنصار قال: سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو محتب بحمالة سيفه في مسجد الكوفة، عن نعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبيض اللون مشرباً حمرة، أدعج العينين، سبط الشعر دقيق المسربة، سهل الخد، كث اللحية، ذا وفرة كأن عنقه إبريق فضة، له شعر يجري من لبته إلى سرته كالقضيب ليس في بطنه ولا في صدره شعر غيره، شثن الكفين والقدم، إذا مشى كأنما ينحدر من صبب، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر، وإذا التفت التفت جميعاً، ليس بالطويل ولا القصير، ولا الفاجر ولا اللئيم، كأن عرقه في وجهه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من المسك الأذفر، لم أر مثله قبله ولا بعده. وفي رواية: كان ليس بالذاهب طولاً، وفوق الربعة، إذا جاء مع القوم غمرهم، أبيض شديد الوضح، ضخم الهامة، أغر أبلج. وفي حديث: ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، وكان في الوجه تدوير.

وفي رواية: جليل المشاش والكتد. وفي حديث: بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم بذمة، وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بداهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله. وفي حديث: كان أزهر ليس بالأبيض الأبهق. وفي حديث: في عينيه شكلةٌ. وفي حديث آخر: كان شبح الذراعين. وعن زياد مولى سعد قال: سألت سعد بي أبي وقاص: هل خضب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: لا، ولا هم به. قال: كان شيبه في غنفقته وناصيته، لو شاء أعدها لعددتها. قلت: فما صفته؟ قال: كان رجلاً ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالأبيض الأبهق ولا بالأدم ولا بالسبط ولا بالقطط، وكانت لحيته حسنة وجبينه صلتاً. مشرب بحمرة، شثن الأصابع، شديد سواد الرأس واللحية. وعن عبد الله بن مسعود قال: إن أول شيء علمته من أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قدمت مكة في عمومة لي فأرشدونا إلى العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض تعلوه حمرة، له وفرة جعدة إلى أنصاف أذنيه، أقنى الأنف، براق الثنايا، أدعج العينين، كث اللحية، دقيق المسربة، شثن الكفين والقدمين، عليه ثوبان أبيضان، كأنه القمر ليلة البدر يمشي على يمينه غلام أمرد حسن

الوجه مراهق أو محتلم تقفوه امرأة قد سترت محاسنها، حتى قصد نحو الحجر فاستلمه، ثم استلم الغلام، ثم استلمت المرأة، ثم طاف بالبيت سبعاً، والغلام والمرأة يطوفان معه. قلنا: يا أبا الفضل، إن هذا الدين لم نكن نعرفه فيكم أو شيء حدث؟ قال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله، والغلام علي بن أبي طالب، والمرأة امرأته خديجة، ما على وجه الأرض أحد يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة. وعن أبي هريرة قال: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحداً أسرع في مشيه من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأن الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث. وكان أبو هريرة ينعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول: كان شبح الذراعين، بعيد ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين، يقبل جميعاً، ويدبر جميعاً، بأبي وأمي، لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق. وعن الزهري قال: سئل أبي هريرة عن صفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أحسن الصفة وأجملها، كان ربعة إلى الطول ما هو، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدين، شديد سواد الشعر، أكحل العين، أهدب الأشفار، إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها، ليس لها أخمص. إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة، وإذا ضحك كاد يتلألأ في الخدر، لم أر قبله ولا بعده مثله. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شثن القدمين والكفين، ضخم الساقين، عظيم الساعدين ضخم العضدين ضخم المنكبين، بعيد ما بين المنكبين، رحب الصدر، رجل الرأس، أهدب العينين، حسن الفم، حسن اللحية، تام الأذنين، ربعة من القوم لا طويل ولا قصير أحسن الناس لوناً، يقبل معاً ويدبر معاً، لم أر مثله، ولم أسمع بمثله،

وعنه من حديث: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر، مفاض البطن. وفي حديث آخر عنه: ما مشى مع أحد إلا طالهومن حديث أنس بعث وهو ابن أربعين، فأقام بمكة عشراً، وبالمدينة عشر، ومات وهو ابن ستين، وفي رواية: ثلاث وستين، وليس في رأسه ولا في لحيته عشرون شعرة بيضاء. وفي حديث أنس: كثير العرق، حسن الوجه. وعن أنس قال: كل ريح طيب قد شممته، فما شممت قط أطيب من ريح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكل شيء لين قد مسسته، فما مسست شيئاً قط ألين من كف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكل شيء حسن قد رأيت، فما رأيت شيئاً قط أحسن من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي حديث آخر: ولقد خدمت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشر سنين، فوالله ما قال لي أفٍ قط، ولم يقول لشيء فعلته: لو فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا. وفي حديث عنه أيضاً: إذا مشى كأنه يتوكأ. كان لون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسمر. قال: إنما كانت السمرة تعتري وجهه الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكثرة مقابلته للشمس. قال: وفي الحديث الصحيح أنه كان أبيض، وفي حديث آخر: كان أنور المتجرد أي أبيض الجسم.

من حديث آخر عنه: أحسن الناس قواماً، وأحسن الناس وجهاً، واحسن الناس لوناً، وأطيب الناس ريحاً، وألين الناس كفاً. وعن أنس رضي الله عنه قال: أخذت أم سلم بيدي مقدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة فقالت: يا رسول الله، هذا غلام كاتب يخدمك، قال: فخدمته تسع سنين، فما قال لشيء صنعت: أسأت ولا بئس ما صنعت. وعنه قال: كان آخر نظرة نظرها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الاثنين كشف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السجف، وهلك من آخر يومه، فرأيت وجهه كأنه ورقة مصحف. وفي حديث آخر: الوجه أبيض، كث اللحية، ضخم القامة، أحمر المآقي. وعن البراء قال: ما رأيت من ذي لمةٍ في حلة حمراء أحسن من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، له شعر يضرب منكبيه بعيد ما بين المنكبين ليس بالقصير وليس بالطويل. وقال رجل للبراء: كان وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديداً مثل السيف؟ فقال: لا ولكن كان مثل القمر. وعنه قال: ما رأيت أحسن شعراً، ولا أحسن بشراً في ثوبين أحمرين من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن جابر بن سمرة قال: كان في ساقي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حموشة، وكان لا يضحك إلا تبسماً. وكنت إذا

نظرت إليه قلت: أكحل العينين وليس بأكحل. وعن سماك قال: سألت جابر بن سمرة عن صفة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: كان أشكل العين، ضليع الفم، منهوس العقب. وفي حديث: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم. قلت: ما أشكل العين؟ قال: طويل شق العين، قلت: ما منهوس العقب؟ قال: قليل لحم العقب. وعن سماك بن حرب أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد شمط مقدم رأسه ولحيته، فإذا ادهن وامتشط لم يتبين وإذا شعث رأسه تبين. وكان كثير شعر الرأس واللحية. وقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال: لا، وجهه كان مثل الشمس والقمر مستديراً. ورأيت عند غضروف كتفه مثل بيضة الحمامة تشبه جسده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن جابر بن سمرة قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ليلة إضحيان، وعليه حلة حمراء، فكنت أنظر إليه وإلى القمر فهو كان في عيني أحسن من القمر. وعن جابر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " هبط علي جبريل فقال: يا محمد، إن الله يقرأ عليك السلام، ويقول لك: حبيبي إني كسوت حسن يوسف من نور الكرسي، وكسوت حسن وجهك من نور عرشي. " وقال رجل من بني عامر بن صعصعة لأبي أمامة الباهلي: صف لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبيض تعلوه حمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار، شثن الأطراف، ذو مسربة، عظيم الهامة، كثير الشعر، كأن

عرقه اللؤلؤ، أعنق الناس، آدم الوجه، لم أرى مثله قبله ولا بعده في الرجال من هو أطول منه، وفي الرجال من هو أقصر منه، إذا مشى تكفأ كأنما يمشي في صعد، وإذا التفت التفت جميعاً، منفتق الخاصرة، لا أخمص له، يطأ على قدمه كلها. عليه سحوليتان، إزاره تحت ركبتيه بأربع أصابع، ورداؤه إذا تعطف به لم يحط به فهو واضعه تحت إبطه، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو أقرب إلى كتفه اليمنى. قال: فقدمت عرفات، قال: فبينا أنا أستقري الرجال إذا أنا بموكب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإذا هو قائم وفي يده سوط طويل، فأخذت بخطام راحلته فاستيقظ فضربني بالسوط ضربة، ونزل العباس فقلت: والذي بعثك بالحق ما جئتك أبغيك سوءاً، قال: آلله؟ فقلت: آلله، فقرع راحلته فبركت، ثم نزل فوضع رداءه بين شعبتي الرحل، ثم أعطاني السوط، وقال: اقتد، قلت: منك، لا والذي بعثك بالحق، ما جئت إلا أسألك أي عمل يدخل الله تعالى به العبد الجنة؟ قال: تقول العدل، وتعطي الفضل. قلت: لا أطيق ذلك. قال: فأفش السلام، وأطيب الكلام، قلت: ولا هذا أطيق، قال: فهل لك من ذود؟ قلت: نعم، لي ثلاثة ذود، قال: فخذ بعيراً منها، فاسق عليه أهل بيت لا يشربون الماء إلا غباً، قال: فلعلك لا ينضى بعيرك، ولا ينخرق سقاؤك حتى يدخلك الله الجنة. وفي رواية أخرى: فانطلق الرجل وهو يقول: والذي بعثك بالحق لأفعلن. فبلغني أن الرجل فعل ذلك، ثم قتل شهيداً في سبيل الله عز وجل. وعن أبي الطفيل قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبق على الأرض أحد رآه غيري. قال: قلت: كيف

رأيته؟ قال: رأيته أبيض مليحاً مقصداً إذا مشى كأنه يهوي في صبب. وعن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت أبا جحيفة يقول: رأيت رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان الحسن بن علي يشبهه، قال: وأمر لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثلاث عشرة قلوصاً، وقبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن نقبضها، فأبوا أن يعطونا شيئاً، فأتينا أبا بكر رضي الله عنه فأعطاناها. قال إسماعيل: قلت لأبي جحيفة: صفه لي، يريد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: كان أبيض قد شمط. وعن شيخ من بني مالك بن كنانة قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسوق ذي المجاز يتخللها يقول: يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا. قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول: يا أيها الناس، لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد لتتركوا آلهتكم، ولتتركوا اللات والعزى. قال: وما يلتفت إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: قلنا: انعت لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: بين بردين أحمرين، مربوع، كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشعر، أبيض شديد البياض، سابغ الشعر. قال جهضم بن الضحاك: مررنا بالرجيح فرأيت بها شيخاً فقيل لي: هذا العداء بن خالد فقلت: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: نعم، قلت: صفه لي، فقال: كان حسن السبلة، وكانت العرب وأهل الجاهلية يسمون اللحية السبلة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت قاعدة أغزل، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نوراً فبهت، فنظر إلي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: ما لك يا عائشة بهت؟ قلت: جعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نوراً. ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره. قال: وما يقول أبو كبير، قالت: قلت: يقول:

ومبرإ من كل غبر حيضةٍ ... وفساد مرضعةٍ وداءٍ مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل فقام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقبل بين عيني، وقال: " جزاك الله يا عائشة عني خيراً، ما سررت بشيء كسروري منك وفي رواية ما سررت بشيء كسروري بكلامك. " وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " استعرت من حفصة بنت رواحة إبرةً، كنت أخيط بها ثوب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسقطت عني الإبرة، فطلبتها فلم أقدر عليها، فدخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتبينت الإبرة بشعاع نور وجهه، فضحكت فقال: يا حميراء لم ضحكت؟ قلت: كان كيت وكيت، فنادى بأعلى صوته، يا عائشة الويل ثم الويل، ثلاثاً، لمن حرم النظر إلى هذا الوجه. ما من مؤمن ولا كافر إلا ويشتهي أن ينظر إلى وجهي. وعن أم هانئ رضي الله عنها قالت: ما رأيت بطن رسول الله صلى الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا ذكرت القراطيس المثني بعضها على بعض. وعن أبي معبد الخزاعي: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر رضي الله عنه وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمتي أم معبد الخراعية، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة وتطعم وتسقي فسألوها لحماً أو تمراً، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وإذا القوم مرملون فقالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى. فنظر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى شاة في كسر خيمتها. فقال: " ما هذه الشاة يا أم معبد؟ " قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: " هل بها من لبن " فقالت: هي أجهد من ذلك. فقال: " أتأذنين أن أحلبها؟ " قالت: نعم، بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلباً فاحلبها، فدعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالشاة فمسح ضرعها، وذكر اسم الله وقال: " اللهم بارك لها في شاتها " فتفاجت

ودرت واجترت، فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيها ثجاً حتى علته النهال فسقاها فشربت حتى رويت، ثم حلب وسقى أصحابه فشربوا حتى رووا وشرب آخرهم وقال: ساقي القوم آخرهم، فشربوا جميعاً عللاً بعد نهل حتى أراضوا ثم حلب فيها ثانياً عوداً على بدء، فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها فقل ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزاً عجافاً هزلاً مخهن قليل لا نقي بهن، فلما رأى اللبن قال: من أين لكم هذا والشاء عارقة؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: والله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب، صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة متبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صقلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور أكحل أزج أقرن، رجل، في عنقه سطع وفي لحيته كثاثة إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، فصل لا نزر ولا هذر، أزهر اللون يعني أجهر الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود مشحود، لا عابس ولا مقبح. قال: هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولو كنت وافقته لالتمست أن أصحبه ولأفعلنه إن وجدت إلى ذلك سبيلاً. وأصبح صوتٌ بمكة بين السماء والأرض يسمعونه ولا يدرون من يقوله وهو يقول: من الطويل

جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلاً خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد فيال قصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسؤدد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاةٍ حائلٍ فتحلبت ... له بصريحٍ ضرة الشاة مزبد فغادره رهناً لديها لحالبٍ ... لجرتها في مصدرٍ ثم مورد فأصبح الناس قد فقدوا نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخذوا على خيمتي أم معبد لحقوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأجابه حسان فقال: من الطويل لقد خاب قومٌ زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على قوم بنورٍ مجدد وهل يستوي ضلال قومٍ تسفهوا ... عمىً وهداةٌ يهتدون بمهتد نبي يرى مالا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد وإن قال في قومٍ مقالة غائبٍ ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد ليهن أبا بكرٍ سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد ليهن بني كعبٍ مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد أسلمت وهاجرت. وعن علي بن الحسين قال: قال الحسن بن علي عليهم السلام: سألت خالي هند بن أبي هالة عن حيلة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان وصافاً، وأنا أرجو أن يصف لي منه شيئاً أتعلق به، قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعرة، إن انفرقت عقيصته فرق وإلا

تجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، أدعج، سهل الخدين، ضليع الفم أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك سواء البطن والصدر، فسيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سابل الأطراف، سبط القصب، خصمان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال تقلعاً، ويخطو تكفياً ويمشي هوناً، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويبداً من لقي بالسلام. قلت: صف لي منطقه قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلام، فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لايذم منها شيئاً، لم يكن يذم ذواقاً ولا يمدحه. ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى باطن راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام. فكتمتها الحسين بن علي زماناً ثم حدثته بها، فوجدته قد سبقني إليه وسأل أباه عن ترحل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئاً.

قال الحسين: سألت أبي عليه السلام عن دخول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزأ لله عز وجل، وجزأً لنفسه، وجزأً لأهله. ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس فيرد ذلك على العامة بالخاصة ولا يدخر عنهم شيئاً، فكان سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين، منهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم من مسألته عنهم، ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة. لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره يدخلون رواداً عن ذواق، يخرجون أدلة يعني فقهاء قلت: أخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخزن لسانه إلا مما يعينهم ويؤلفهم ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوز إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة. فسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه؟ قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحق متقاربين

يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويرحمون الغريب. فسألته عن سيرته في جلسائه فقال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يوئس منه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم نصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق. ويقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام. قلت: فكيف كان سكوته؟ قال: كان سكوته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أربع: على الحلم، والحذر، والتقرير، والتفكر. فأما تقريره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى. وجمع له الحلم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه. وجمع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدي به، وتركه للقبيح ليتنهى عنه، واجتهاد الرأي فيما يصلح أمته، والقيام لهم فيما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة. وعن سعيد بن المسيب قال: قال أنس رضي الله عنه: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وأنا يومئذٍ ابن ثماني سنين فذهبت بي أمي إليه فقالت: يا رسول الله، إن رجال الأنصار ونساءهم قد أتحفوك، غيري، وإني لم أجد ما أتحفك به إلا ابني هذا، فتقبله مني يخدمك ما بدا لك. قال: فخدمت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشر سنين لم يضربني مرة قط، ولم يسبني، ولم يعبس في وجهي وفي حديث أنس بن مالك قال: لم

يكن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سباباً ولا لعاناً ولا فحاشاً كان يقول لأحدنا عند المعاتبة: ما له ترب جبينه. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صحبت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عشر سنين، وشممت العطر كله فلم أشم نكهة أطيب من نكهة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه قام معه فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده ناولها إياه فلم ينزع يده منه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحداً من أصحابه فتناول أذنه ناولها فلم ينوعها حتى يكون هو الذي ينزعها عنه. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد وعليه ثوب نجراني غليظ الضفة فأتاه أعرابي من خلفه فأخذ بجانب ردائه حتى أثرت الضفة في صفح عنق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا محمد أعطنا من مال الله عز وجل الذي عندك، فالتفت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعني فتبسم وأمر له. وعن خارجة بن زيد: دخل نفر على زيد بن ثابت رضي الله عنه فقالوا: حدثنا أحاديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ماذا أحدثكم؟ كنت جاره فكان إذا نزل عليه الوحي أرسل إلي فكتبت له، وكان إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا. وكل هذا أحدثكم عنه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا نقعد مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد بالغدوات، فإذا قام إلى بيته لم نزل قياماً حتى يدخل بيته، فقام يوماً، فلما بلغ وسط المسجد أدركه أعرابي فقال: يا محمد، احمل لي بعيري هذين، فإنك لا تحمل من مالك ولا من مال أبيك، وجبذه بردائه حتى أدركه فحمر رقبته، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا، وأستغفر الله، لا أحمل لك حتى

تقيدني، قالها ثلاث مرات، ثم دعا رجلاً فقال: احمل له على بعيريه: على بعير شعير وعلى بعير تمر. " وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضرب خادماً له ولا امرأة له قط، ولا ضرب بيده شيئاً إلا أن يجاهد في سبيل الله عز وجل، ولا نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن يكون لله، فإن كان لله انتقم، ولا عرض عليه أمران إلا أخذ الذي هو أيسر. حتى يكون إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه. وعنها رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منتصراً عن ظلامة ظلمها قط إلا أن ينتهك من محارم الله شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء كان أشدهم في ذلك. ما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما. وعن سعد بن هاشم قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: ما كان خلق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقالت: قال الله تعالى: " إنك لعلى خلقٍ عظيم " فخلقه القرآن. وفي حديث أبي الرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: خلقه القرآن، يرضى الناس لرضاه ويسخط لسخطه. وعن عطية: في قوله تعالى: " وإنك لعلى خلقٍ عظيم " قال: أدب القرآن. وعن عمرة قالت: سألت عائشة رضي الله عنها: كيف كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا خلا بنسائه. قالت:

كان كالرجل من رجالكم إلا أنه كان أكرم الناس وأحسن الناس خلقاً، كان ضحاكاً بساماً. وروى الزهري عن بعض آل عمر بن الخطاب رضي الله عنهم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان يوم الفتح ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة أرسل إلى صفوان ابن أمية بن خلف وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام. قال عمر رضي الله عنه: قد أمكن الله منهم أعرفهم بما صنعوا حتى قام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ". قال عمر رضي الله عنه: فانتضحت حياءً من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كراهية أن يكون بدر مني، فقد قال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قال. وعن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت: أردفني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عجز ناقته ليلاً قالت: فجعلت أنفس فيمسني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده فيقول: " يا هذه يا بني حيي، وجعل يقول: يا صفية، إني أعتذر إليك مما صنعت بقومك إنهم قالوا لي كذا، إنهم قالوا لي كذا ".

باب تطهير قلبه من الغل

باب تطهير قلبه من الغل وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، وأخذه فصرعه وشق عن قلبه فاستخرج القلب، فشق القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه فأعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره قالوا إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه فرأوه منتقع اللون. قال أنس رضي الله عنه: فقد كنت أرى أثر المخيط في صدره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أنس رضي الله عنه: أن الصلاة فرضت بمكة وأن ملكين أتيا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذهبا به إلى زمزم، فشقا بطنه، فأخرجا حشوته في طست من ذهب، فغسلاه بماء زمزم، ثم كبسا جوفه حكمة وعلماً. وعن أبي العجفاء قال: حدثني شداد بن أوس قال: أقبل رجل من بني عامر شيخٌ كبير يتوكأ على عصاه حتى مثل بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا محمد، إنك تفوه بأمر عظيم، تزعم أنك رسول الله، أرسلت إلى الناس كما أرسل موسى بن عمران وعيسى بن مريم والنبيون، وإنما أنت رجل من العريب ممن يعبد هذه الحجارة والتماثيل فما لك والنبوة؟ وإنما النبوة من بيتين، من بيت خلافة وبيت نبوة، ولست من هذا ولا هذا، ولكن لكل قول حقيقة ولكل بدو شأن، فحدثني بحقيقة قولك وبدو شأنك. قال: وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حليماً لا يجهل، فقال له: " يا أخا بني عامر، إن للأمر الذي سألتني عنه قصصاً ونبأ، فاجلس حتى أنبئك بحقيقة قولي وبدء شأني "، قال فجلس العامري، وتهافت العرب حذواً بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن والدي لما بنى بأمي حملت، رأت فيما يرى النائم أن نوراً خرج من جوفها، فجعلت تتبعه بصرها حتى ملأ ما بين السماوات والأرض نوراً، فقصت ذلك على حكيمة من أهلها، فقالت لها: والله لئن صدقت رؤياك ليخرجن من بطنك غلام يعلو ذكره بين السموات والأرض، وكان هذا الحي من بني سعد بن هوزان ينتابون نساء أهل مكة فيحضنون أولادهم، وينتفعون بخيرهم، وإن أمي ولدتني في العام الذي قدموا فيه، وهلك والدي فكنت يتيماً في حجر عمي أبي طالب، فأقبل النسوان يتدافعنني ويقلن: ضرع صغير لا أب له، فما عسانا أن ننتفع به من خير؟ وكانت فيهن امرأة يقال لها أم كبشة بنت الحارث، فقالت: والله لا أنصرف، عامي هذا، خائبة أبداً، فأخذتني وألقتني على صدرها، فدر لبنها فحضنتني، فلما بلغ ذلك عكي أبا طالب أقطعها إبلاً ومقطعات من الثياب ولم يبق عم من عمومتي إلا أقطعها وكساها، فلما بلغ ذلك النسوان أقبلن إليها فقلن: والله يا أم كبشة لو علمنا بركة هذا الغلام تكون هكذا ما سبقتنا إليه. قال: ثم ترعرعت وكبرت، وقد بغضت إلى أصنام قريش والعرب، فلا أقربها ولا آتيها، حتى إذا كان بعد زمين خرجت بين أتراب لي من العرب نتقاذف بالأجلة يعني البعر، فإذا بثلاثة نفر مقبلين، معهم طست من ذهب مملوء ثلجاً، فقبضوا علي من بين الغلمان، فلما رأى ذلك الغلمان انطلقوا هراباً، ثم رجعوا فقالوا: يا معشر النفر، إن هذا الغلام ليس منا ولا من العرب. وإنه لابن سيد قريش وبيضة المجد، وما من حي من أحياء العرب إلا لآبائه في رقابهم نعمة مجللة، فلا تصنعوا بقتل هذا الغلام شيئاً، فإن كنتم لا بد قاتليه فخذوا أحدنا فاقتلوه مكانه. قال: فأبوا أن يأخذوا مني فدية، فانطلقوا وأسلموني في أيديهم فأخذني أحدهم فأضجعني إضجاعاً رقيقاً فشق ما بين صدري إلى عانتي، ثم استخرج قلبي فصدعه، فاستخرج منه مضغة سوداء منتنة فقذفها ثم غسله في تلك الطست بذلك الثلج ثم رده، ثم أقبل الثاني فوضع يده على صدري إلى عانتي فالتأم ذلك كله، ثم أقبل الثالث وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفي ويدي، فقد لبثت زماناً من دهري وأنا أجد برد ذلك الخاتم، ثم انطلقوا وأقبل الحي بحذافيرهم وأقبلت معهم أمي التي

أرضعتني. فلما رأت ما بي التزمتني، قالت: يا محمد: قتلت لوحدتك وليتمك، وأقبل الحي يقبلون ما بين عيني إلى مفرق رأسي ويقولون: قتلت لوحدتك وليتمك، احملوه إلى أهله لا يموت عندنا، فحملت إلى أهلي. فلما رآني عمي أبو طالب قال: والذي نفسي بيده لا يموت ابن أخي حتى تسود به قريش جميع العرب، احملوه إلى الكاهن، فحملت إليه، فلما رآني قال: يا محمد حدثني ما رأيت، وما صنع بك فأنشأت أقص عليه القصص. فلما سمعه وثب علي فالتزمني وقال: يا للعرب اقتلوه، فو الذي نفسي بيده لئن بقي حتى يبلغ مبالغ الرجال ليشتمن موتاكم، وليسفهن رأيكم، وليأتينكم بدين ما سمعتم بمثله قط. قال: فوثبت عليه أمي التي أرضعتني فقالت: إن كانت نفسك قد غمتك فالتمس لها من يقتلها، فإنا غير قاتلي هذا الغلام، فهذا بدو شأني، وحقيقة قولي ". قال: فقال العامري: فما تأمرني يا محمد؟ قال: " آمرك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتصلي الخمس بوقتهن، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، وتؤدي زكاة مالك ". قال: فما لي إن فعلت ذلك؟ قال: " جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، وذلك جزاء من تزكى ". قال: يا محمد، فأي المستمعات أسمع؟ قال: " جوف الليل الدامس، إذا هدأت العيون، فإن الله حي قيوم يقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له ذنبه؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟ " قال: فوثب العامري فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

باب عصمة الله بالرسالة عما كان يرتكبه أهل الجهالة

باب عصمة الله بالرسالة عما كان يرتكبه أهل الجهالة عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ماهممت بقبيحٍ مما يهم أهل الجاهلية إلا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله منهما: قلت ليلةً لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم لأهلها يرعاها: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت. فلما جئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناءً وصوت دفوفٍ ومزامير فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بدلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس. فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك، فخرجت فسمعت مثل ذلك فقيل لي مثل ما قيل لي فسمعت كما سمعت حتى غلبتني عيني فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئاً. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فو الله ما هممت بعدها بسوء مما يعمله أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته ". وفي حديث آخر: فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ما من نبي إلا ورعى الغنم قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا ". وعن جابر قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: ألا تقوم خلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: فلم يعد أن يشهد مع المشركين مشاهدهم. وعن أم أيمن قالت: كانت بوانة صنماً، تحضره قريش، تعظمه، تنسك له النسائك، ويحلقون رؤوسهم

عنده، ويعكفون عنده يوماً إلى الليل، وذلك يوم في السنة، وكان أبو طالب يحضره مع قومه وكان يكلم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحضر ذلك العيد مع قومه، فيأبى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب فجعلن يقلن: إنا لنخاف عليك مما تضع من أحساب آلهتنا، وجعلن يقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيداً ولا تكثر لهم جمعاً. قالت: فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع إلينا مرعوباً فزعاً، فقالت عماته: ما دهاك؟ قال: إني أخشى أم يكون بي لمم، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان، وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيته؟ قال: إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح: وراءك يا محمد لا تمسه، قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى نبئ. وعن علي رضي الله عنه قال: قيل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل عبدت وثناً قط؟ قال: لا، قالوا: هل شربت خمراً قط؟ قال: لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب وما الإيمان؟ وكذلك أنزل في القرآن: " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ". قال ابن عباس: كان محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقوم مع بني عمته عند الصنم الذي عند زمزم واسم الصنم إساف. قال: فرفع رأسه يوماً إلى ظهر الكعبة ثم ولى ذاهباً. قال: فقال له بنو عمته: ما لك يا محمد؟ قال: إني نهيت أن أقوم عند هذا الصنم. وعن بريدة قال: دخل جبريل عليه السلام مسجد الحرام فطفق يتقلب فبصر بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نائماً في ظل الكعبة. فأيقظه فقام ينفض رأسه ولحيته من التراب. فانطلق به نحو باب بني شيبة، فلقيهما ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل: ما يمنعك أن تصافح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: أجد من يده ريح النحاس، فكأن جبريل أنكر ذلك، قال: أوقد فعلت؟ وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نسي ثم ذكر فقال: صدق أخي، مررت أول أمس على إساف ونائلة فوضعت يدي على أحدهما

فقلت: إن قومي رضوا بكما إلهاً مع الله لقوم سوء. قال: وإساف ونائلة كانا شابين من قريش يطوفان بالكعبة فأصابا خلوة فأراد أحدهما صاحبه، فنكسهما الله نحاساً، فجاءتهما قريش فقالوا: لولا أن الله رضي أن يعبد هذان الإنسانان لما نكسهما نحاساً. قال ابن بريدة: أما إساف فرجل من وأما نائلة فامرأة من بني عبد الدار بن قصي. وعن ابن عباس قال: أول شيء رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من النبوة أن قيل استتر، وهو غلام. قال: فما رأيت عورته منذ يومئذٍ. وعن العباس قال: كنا ننقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش، فكانت الرجال تنقل الحجارة والنساء تنقل الشيد؛ والشيد ما يجعل بين الصخر. قال العباس: كنت أنقل أنا وابن أخي محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكنا ننقل على رقابنا، ونجعل أزرنا تحت الصخرة، فإذا غشينا الناس اتزرنا فبينا أنا ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين يدي، إذ وقع فانبطح فجئت أسعى وألقيت الحجر فإذا هو ينظر إلى السماء فقلت له: ما شأنك؟ فقام فاتزر فقال: نهيت أن أمشي عرياناً، قال العباس: فكتمت ذلك عن الناس خيفة أن يروه جنوناً.

كيف كان بدء نبوته وبعثه

كيف كان بدء نبوته وبعثه عن أبي ذر الغفاري قال: قلت يا رسول الله، كيف علمت أنك نبي أول ما علمت حتى علمت ذلك واستيقنت؟ قال: " يا أبا ذر، أتاني ملكان وأن ببعض بطحاء مكة فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أه هو؟ قال: هو هو. فقال: زنه برجل، فوزنت برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة، فوزنوني بعشرة فوزنتهم، ثم قال: زنه بمئة، فوزنوني بمئة فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف، فوزنوني بألفٍ، فرجحتهم، فجعلوا ينتشرون علي من كفة الميزان، فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمته لرجحها، ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشق بطني ثم قال أحدهما لصاحبه: أخرج قلبه، أو قال: شق قلبه، فشق قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحها، ثم قال أحدهما للآخر: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاءة، ثم دعا بسكينة كأنها درهرهة بيضاء فأدخلت قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني فجعلا خاتم النبوة بين كتفي، فما هو إلا أن وليا عني، فكأنما أعاين الأمر معاينة ". عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن إلهي جل وعز اختارني في ثلاثة من أهل بيتي على جميع أمتي، أنا سيد الثلاثة وسيد ولد آدم ولا فخر. اختارني وعلي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب، كنا رقوداً بالأبطح ليس منا إلا مسجى بثوبه، علي عن يميني، وجعفر عن يساري، وحمزه عند رجلي، فما نبهني من رقدتي غير حفيف أجنحة الملائكة وبرد ذراع علي عليه السلام تحت خدي، فانتبهت من رقدتي، وجبريل في ثلاثة أملاك، فقال له بعض الأملاك الثلاثة: يا جبريل إلى أي هؤلاء الأربعة أرسلت؟ فضربني برجله

وقال: إلى هذا، وهو سيد ولد آدم، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: محمد بن عبد الله سيد النبيين، وهذا علي بن أبي طالب، وهذا حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء، وهذا جعفر له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء ". وعن عائشة رضي الله عنها قال: أن نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أول شأنه يرى في المنام، فكان أول ما رئي جبريل عليه السلام بأجياد، وإنه خرج لبعض حاجته فصرخ به يا محمد يا محمد فنظر يميناً وشمالاً فلم ير شيئاً، ثم نظر فلم ير شيئاً، فرفع بصره فإذا هو يراه ثانياً، إحدى رجليه على الأخرى على أفق السماء، فقال: يا محمد، جبريل جبريل، فهرب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى دخل في الناس، فنظر فلم ير شيئاً، ثم خرج من الناس ثم نظر فرآه فدخل في الناس فلم ير شيئاً ثم خرج فنظر فرآه فذلك قوله تبارك وتعالى: " والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ". وعن عائشة رضي الله عناه قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغارٍ يتحنث فيه وهو التعبد الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ فقال: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم "، فرجع بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة

فقال: زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع ثم قال لخديجة: أي خديجة مالي؟ وأخبرها الخبر، فقال: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: كلا، أبشر والله لا يخزيك الله أبداً، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي: ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة بن نوفل: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خبر ما أرى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. يا ليتني فيها جذع. يا ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أو مخرجي هم؟ فقال ورقة بن نوفل: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني قومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي. وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيمل بلغنا، فغدا من أهله مراراً لكي يتردى من رؤوس شواهق الحرم، فكلما أوفى ذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه ويرجع، فإذا طال عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى على ذروة جبل تبدى له جبريل فقال له: مثل ذلك. قال جابر بن عبد الله قال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يحدث عن فترة الوحي قال في حديثه: فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالساً على كرسي بين السماء والأرض. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجئت منه فرقاً، فرجعت

فقلت: زملوني زملوني، فدثروني، فانزل الله تعالى: " يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر " وهي الأوثان. قال: ثم تتابع الوحي. قال عروة بن الزبير: وقد كانت خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أريت لخديجة بيتاً من قصب لا سخب فيه ولا نصب وهو قصب اللؤلؤ ". وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنما أنا رحمة مهداة ". وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم وخفض آخرين ". وعن ابن عباس في قول الله تعالى: " وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين " قال: من آمن بالله ورسوله كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي من تعجيل ما كان يصيب الأمم قبل ذلك من العذاب والفتن والخسف والقذف.

ذكر الوقت الذي أوحي فيه إليه ومعرفة أول ما نزل من الوحي

ذكر الوقت الذي أوحي فيه إليه ومعرفة أول ما نزل من الوحي عن ابن جعفر قال: نزل الملك على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذٍ ابن أربعين سنة، وجبريل الذي كان ينزل عليه الوحي. وعن ابن إسحاق أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث بعد بنيان الكعبة بخمس سنين ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذٍ ابن أربعين سنة كملاً. وعن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة: أي القرآن نزل أول؟ قال: " يا أيها المدثر " فقلت: " اقرأ باسم ربك "؟ قال سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل أول؟ قال: " يا أيها المدثر " قلت: " اقرأ باسم ربك " قال جابر: لا أحدثكم إلا ما حدثني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " جاورت شهراً بحراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحداً ثلاث مرات، ثم رفعت بصري إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء، فجئثت فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني فأنزل الله عز وجل " يا أيها المدثر "

ذكر ما قاسى رسول الله من التعذيب والتكذيب

ذكر ما قاسى رسول الله من التعذيب والتكذيب عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ما بين ثلاثين من يوم وليلة مالي طعام آكله إلا شيء يواريه إبط بلال ". عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: " لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل ابن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله عز وجل إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، قال: فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قولك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له ". قال عروة بن الزبير: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أقبل عليه ابن أبي معيط، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي عند الكعبة، فلوى ثوبه في عنقه

يخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه فدفعه عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قال: " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ". وعن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: ما اكثر ما رأيت قريشاً أصابت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما كانت تظهره من عداوته؟ فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، فصبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، فبينا هم في ذلك طلع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها في وجهه، فمضى ثم مر الثالثة، فغمزوه بمثلها فوقف ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح، فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر واقع، وحتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليلقاه بأحسن ما يجد من القول حتى أنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشداً، فو الله ما أنت بجهول، فانصرف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا ناداكم بما تكرهون تركتموه. فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأطاحوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نعم أنا الذي أقول ذلك، ولقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه يبكي دونه ويقول وهو يبكي: ويلكم " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ". ثم انصرفوا عنه وإن ذلك أكثر ما رأيت قريشاً بلغت منه قط. وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: أكثر ما نالت قريش من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أني رأيته يوماً، وذرفت عيناه حين ذكر ذلك، قال:

كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطوف بالبيت، ويده في يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي الحجر ثلاثة نفر جلوس: عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، فمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما حاذى بهم أسمعوه بعض ما يكره، فعرف ذلك في وجه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فدنوت منه حتى وسطته، فكان بيني وبين أبي بكر، وأدخل أصابعه في أصابعي حتى طفنا جميعاً، فلما حاذاهم قال أبو جهل: والله لا نصالحك ما بل بحر صوفة وأنت تنهانا أن نعبد ما كان عبد آباؤنا، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنا ذلك، ثم مضى عنهم، فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك، حتى إذا كان الشوط الرابع ناهضوه ووثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجمع ثوبه، فدفعت في صدره، فوقع على استه ودفع أبو بكر بن أمية بن خلف، ودفع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقبة بن أبي معيط، ثم انفرجوا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو واقف، ثم قال لهم: أما والله لا تنتهون حتى يجل الله عقابه عاجلاً. قال عثمان: فوالله ما منهم رجل إلا وقد أخذه أفكل وهو يرتعد، فجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: بئس القوم أنتم لنبيكم. ثم انصرف إلى بيته، وتبعناه خلفه حتى إذا انتهى إلى باب بيته وقف على السدة ثم أقبل علينا بوجهه، وقال: أبشروا، فإن الله مظهر دينه، ومتم كلمته، وناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترون ممن يذبح الله بأيديكم عاجلاً. ثم انصرفنا إلى بيوتنا، فو الله لقد رأيتهم قد ذبحهم الله بأيدينا. وعن أبي صخرة جامع بن شداد قال: كان فينا رجل يقال له طارق، قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرتين: أول مرة رأيته بسوق ذي المجاز وقد دميت عرقوباه، وهو على دابة يقول: يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل من خلفه يرميه يقول: لا تسمعوا منه، هذا الكذاب. قال: قلت: من هذا المقدم؟ قالوا: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا المؤخر عمه أبو لهب. ثم قدمنا بعد فنزلنا قرب المدينة، فخرج علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ممن القوم؟ قلنا: من محارب، قال: من أين؟ قلنا: من الزبدة، قال: هل معكم شيء تبيعونه؟ قلنا: نعم، هذا الجمل، قال:

بكم؟ قلنا: بكذا وكذا وسقاً من تمر، قال: فأخذ برسنه ثم دخل المدينة، قلنا: أي شيء صنعنا؟ بعنا جملنا ممن لا نعرفه ومعنا ظعينة في جانب الحائط فقالت: لقد رأيت رجلاً كأن وجهه القمر لن يخيس بكم، أنا ضامنة ثمن البعير. فلما كان الغد جاءنا رجل فقال: أنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا. قال: ففعلنا ذلك. قال: ثم دخلت المدينة فرأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائماً يخطب على المنبر، وهو يقول: يا أيها الناس، اليد العلا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك. فضج ناس من الأنصار حول المنبر فقالوا: يا رسول الله هاهنا ناس من بني ثعلبة بن يربوع أصابوا منا دماً في الجاهلية، فأذن لنا بثأرنا، قال: فرأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رافعاً بياض إبطيه، وهو يقول: ألا لا تجني أم على ولدها. وعن عبد الله قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في ظل الكعبة فقال أبو جهل وناس من قريش، وقد نحرت جزور في ناحية الكعبة، فبعثوا فجاؤوا من سلاها فطرحوه بين كتفيه، فجاءت فاطمة رضي الله عنها فطرحته عنه. فلما انصرف قال: وكان يستحب أن يدعو ثلاثاً. قال: اللهم عليك بقريش ثلاثاً، بأبي جهل بن هاشم، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وبأمية ابن خلف، وعقبة بن ابي معيط. قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلى في قليب بدر. قال أبو إسحاق أحد رواته: ونسيت السابع. وعن قيس بن أبي حازم أنه سمع خباباً يقول: أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يومئذٍ متوسد برداً له في ظل الكعبة، وقد بلغ منه المشركون شدة ومشقة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو لنا! قال: فجلس مغضباُ محمراً وجهه فقال: لقد من قبلكم، كان يمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم

أو عصب، فلا يفتنه ذلك عن دينه، وإن من كان قبلكم يوضع عليه المنشار فيشق باثنين فلا يفتنه ذلك عن دينه ولكنكم تعجلون، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل وفي رواية والذئب على غنمه. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رمي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد فكسرت رباعيته. وأدمي وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم عز وجل فأنزل الله عز وجل: " ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ". وعن أبي حازم: أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أنا والله، إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن كان يسكب الماء. ومما روى قال: كانت فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تغسله وعلي كرم الله وجهه يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها فألصقتها، فاستمسك الدم، وكسرت رباعية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذٍ، وجرح وجهه، وكسرت البيضة على رأسه. وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين شر جارين؛ عقبة بن أبي معيط وبين أبي لهب، فكان يصبح على بابه الأرجام والفرث، فيدفعها بسية سيفه ويقول: يا معشر قريش، أي مجاورة هذه! وعن فاطمة بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليها قالت: اجتمع مشركو قريش في الحجر فقالوا: إذا مر محمد ضربه كل رجل منا ضربة، فسمعتهم فاطمة فدخلت على أبيها فقالت: يا أبه، اجتمع مشركو قريش في الحجر فقالوا: إذا مر محمد ضربه كل رجل منا. فقال: يا بنية اسكتي، ثم خرج عليهم فدخل المسجد

فرفعوا رؤوسهم ثم نكسوا فأخذ من تراب فرمى بها وجوههم ثم قال: شاهت الوجوه فما أصاب رجلاً منهم إلا قتل يوم بدر. وعن ابن عباس: في قول الله عز وجل: " إنا كفيناك المستهزئين " قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد بن عبد العزى، والحارث بن عطيل السهمي والعاص بن وائل، فأتاه جبريل عليه السلام فشكاهم إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأراه الوليد أبا عمرو بن المغيرة فأومأ جبريل إلى أبجلة فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه الأسود بن عبد يغوث الزهري فأومأ إلى رأسه قال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه الحارث بن عطيل السهمي فأومأ إلى رأسه أو قال: إلى بطنه فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ومر به العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه، قال: ما صنعت؟ قال: كفيته، فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً له، فأصاب أبجله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فعمي، ومنهم من يقول: نزل تحت شجرة فجعل يقول: يا بني ألا تدفعوا عني قد قتلت، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً وجعل يقول: يا بني ألا تمنعون عني قد هلكت ها هوذا، أطعن بالشوك في عيني فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه. وأما الأسود بن عبد يغوث الزهري فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث بن عطيل فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها. وأما العاص بن وائل فبينا هو كذلك يوماً إذ دخل في رأسه شبرقة حتى امتلأت فمات منها. وقيل: فركب إلى الطائف على حمار فربض به على شبرقة يعني شوكة فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته.

ذكر بعض ما ورد في فضله من القرآن

ذكر بعض ما ورد في فضله من القرآن عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معنا إذ أغفى إغفاءة أو غمي عليه فرفع رأسه متبسماً قال: إما قالوا له، وإما قال لهم: هل تدرون مم ضحكت؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم: إنا أعطيناك الكوثر " حتى ختم السورة فلما قرأها قال: " أتدرون ما الكوثر؟ قال: فإنه نهر في الجنة وعدنيه ربي، فيه خير كثير، لذلك النهر حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب فيختلج منهم العدد فأقول: رب إنه من أمتي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". وعن أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " قدر حوضي ما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق بعدد نجوم السماء ". وعن مجاهد قال: الكوثر خير الدنيا والآخرة. وعن عكرمة قال: الكوثر الخير الكثير: النبوة والكتاب. وعن ابن عباس قال: ما خلق الله عز وجل ولا ذرأ ولا برأ نفساً أكرم عليه من محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما سمعت الله عز وجل

حلف بحياة أحد غيره. قال: " لعمرك، إنهم في سكرتهم يعمهون " وقال في حديث آخر: إنه وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا إنهم لفي سكرتهم يعمهون. وعن أبي سعيد عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول كيف رفع ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي " وعن أبي هريرة وأنس رضي اله عنهما عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن حديث ليلة أسري به قال: " لما انتهيت إلى سدرة المنتهى خررت ساجداً فرفعت رأسي فقلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت عيسى تكليماً، وآتيت داود زبوراً، وآتيت سليمان ملكاً عظيماً، فقال: فإني قد رفعت لك ذكرك، فذكرك معي إذا ذكرت. ولا تجوز لأمتك خطبة حتى يشهدوا أنك وجعلت قلوب أمتك أناجيل، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من تحت عرشي ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سألت ربي عز وجل مسألة وددت أني لم أكن سألتها من قبل قلت: يا رب، إنه كان قبلي منهم من كان يحيي الموتى، ومنهم من سخرت له الريح، قال: ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ قلت: بلى. قال: ألم نشرح صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك الذي أنقض ظهرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا ربي ". وفي بعض الروايات زيادة: قال: فوددت أني لم أكثر مساءلته. وعن ابن عباس: في قول الله عز وجل: " ورفعنا لك ذكرك " قال: لا يذكرون الله عز وجل إلا ذكرت معه يعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعن قتادة قال: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد إلا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. وفي حديث آخر: ولا صاحب صلاة إلا ينادي فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. قال علي بن رباح: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو يومئذٍ على مصر، وعبد الله بن عمرو بن العاص جالس معه، فتمثل مسلمة ببيتٍ من شعر أبي طالب فقال: لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم أن ابن أخيه سيد، قد جاء بخير كثير، فقال عبد الله بن عمرو: ويومئذٍ كان سيداً كريماً قد جاء بخير كثير. فقال مسلمة: ألم يقل الله تعالى: " ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى " فقال عبد الله بن عمرو: أما اليتيم فقد كان يتيماً من أبويه، وأما العيلة فكل مل كان بأيدي العرب إلى القلة. قال أبو سعيد: يقول: أن العرب أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجاً، ثم توفاه الله قبل أن يتلبس منها بشيء ومضى وتركها ومن فتنتها. قالوا: فذلك معنى قوله " عائلاً فأغنى ". وكان الربيع بن خيثم يقول: نعم المرء محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان ضالاً فهداه الله، وعائلاً فأغناه الله، وشرح له صدره، ويسر له أمره، ثم يقول عرف وما عرف " من يطع الرسول فقد أطاع الله " فوض إليه فلا يأمر إلا بخير. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن

نوح " قال: كنت أولهم في الخلق وآخرهم في البعث. وعن ابن عباس قال: إن الله عز وجل فضل محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أهل السماء وعلى الأنبياء قالوا: يا بن عباس، ما فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء: " ومن يقل منهم إني إلهٌ من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين " وقال الله تعالى لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قالوا: يا بن عباس، فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله سبحانه وتعالى يقول: " وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه " وقال الله تعالى لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً " فأرسله الله تعالى إلى الإنس والجن. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنزلت علي آية: " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً " قال: شاهد على أمتك ومبشراً بالجنة ونذيراً من النار وداعياً إلى شهادة أن لا إله إلا الله ". بإذنه: بأمره، وسراجاً منيراً: بالقرآن. وعن ابن عباس: " وشاهدٍ ومشهودٍ " قال: الشاهد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمشهود يوم القيامة فذلك قوله: " فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيدٍ "

وعن حسين بن علي: في قوله تعالى: " ويتلوه شاهدٌ منه " قال: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو شاهد من الله عز وجل. وعن ابن عمر: في قول الله تبارك وتعالى: " كمشكاة " قال: المشكاة: جوف النبي محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمصباح: النور الذي في قلبه، والزجاجة: قلبه " توقد من شجرة مباركةٍ " الشجرة: إبراهيم عليه السلام " زينونة لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ " قال: لا يهودي ولا نصراني. ثم قرأ: " ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً ". وقيل في قوله عز وجل: " قد جاءكم برهان من ربكم " قال: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. " وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً " قال: الكتاب. قال عبد الله بن يزيد المقرئ: لم يقل هذا لنبي قبله ولا بعده. يعني قوله عز وجل: " عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " فبدأ بالعفو قبل العتاب.

ما ورد في اصطفائه على العالمين وانتخابه من المرسلين

ما ورد في اصطفائه على العالمين وانتخابه من المرسلين عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ". وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله تبارك وتعالى اختار العرب واختار منهم كنانة، أبو النضر بن كنانة ثم اختار منهم قريشاً، ثم اختار منهم بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم " صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع يوم القيامة ولا فخر. " وفي حديث آخر: " وأنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة ولا فخر ". وفي حديث آخر عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيٍ يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر. إلا وأن الدنيا خضرة حلوة، وأن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، ألا وأن لكل غادر لواءٍ يوم القيامة، ألا وأن لواءه عند استه، ألا وأن أعظم الغدر إمام عامةٍ ".

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفع ولا فخر ". وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلحم، فدفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة ثم قال: " أنا سيد الناس يوم القيامة فهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون. قال: فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن

ربي قد غضب مني اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، إنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه!؟ ألا ترى ما بلغنا!؟ فيقول لهم نوح: إن ربي قد غضب مني اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة على قومي، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه!؟ ألا ترى ما بلغنا!؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وكلماته على الناس فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا قال: يقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي، فيفتح الله لي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه بشيء لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: ربي أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب. فيقول أو يقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى. " وعن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلام قال: كنا جلوساً عنده في المسجد يوم الجمعة فقال: إن أعظم أيام الدنيا عند الله عز وجل يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه تقوم الساعة، وإن أكرم خليقة الله أبو القاسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه ".

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر "، وفي رواية أخرى: أنا قائد المسلمين. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله عز وجل أعطى موسى عليه السلام الكلام، وأعطاني الرؤية، وفضلني بالمقام المحمود والحوض المورود ". وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة فجعلهم خير أصحابي، وفي كل خيرٌ: أبو بكر وعمر وعثمان وعي، واختار أمتي على سائر الأمم، فبعثني في خير قرن ثم الثاني ثم الثالث تترى ثم الرابع فرادى ". وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إني لسيد الناس يوم القيامة غير فخر ولا رياء، وما من الناس من أحد إلا وهو تحت لوائي يوم القيامة ينتظر الفرج، وإن بيدي للواء الحمد، فأمشي ويمشي الناس معه، حتى آتي باب الجنة فأستفتحه، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد. فإذا رأيت ربي عز وجل خررت له ساجداً شكراً له، فيقال: ارفع رأسك وقل تطع. واشفع تشفع. قال: فيخرج من النار من قد احترق، برحمة الله وبشفاعتي ". وعن حذيفة قال: قال أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إبراهيم خليل الله، وعيسى كلمة الله وروحه، وموسى كلمه الله تكليماً، فماذا أعطيت يا رسول الله؟ قال: " ولد آدم كلهم تحت رايتي يوم القيامة، وأنا أول من تفتح له أبواب الجنة ". وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إني لسيد الناس يوم القيامة ". وقال: " إن قذف المحصنة ليهدم عمل مئة سنة ". وعن عبيد الله قال: إن الله عز وجل اتخذ إبراهيم خليلاً، وإن صاحبكم خليل الله، وإن محمداً لسيد بني آدم يوم القيامة، ثم قرأ " عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ".

وعن عبد الله بن شقيق عن ابن أبي الجدعاء قال: قلت: يا رسول الله، متى جعلت نبياً؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ". وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متى وجبت لك النبوة؟ قال: " بين خلق آدم ونفخ الروح فيه ". وعن ابن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله يوم خلق الخلق جعلني في خير خلقه، ثم حين فرقهم جعلني في خير الفرقتين أو قال: الفريقين، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهم قسماً وذلك قوله: " وأصحاب اليمين وما أصحاب اليمين " " وأصحاب الشمال " وأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين. أو قال: الفريقين، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهم قسماً وذلك قوله: " وأصحاب اليمين وما أصحاب اليمين " " وأصحاب الشمال " وأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل القسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرهم ثلثاً، فذلك قوله: " وأصحاب الميمنة " " والسابقون السابقون " فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين. ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة؛ وذلك قوله تعالى " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم " وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله عز وجل ولا فخر. ثم جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فذلك قوله تعالى: " يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرا ". زاد البيهقي وغيره: " فأنا وأهل بيتي مهطرون من الذنوب ".

وعن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينتطرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فإذا بعضهم يقول: عجباً إن الله اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله. وقال آخر: ماذا بأعجب من أنه كلم موسى تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: وآدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم وقال: " قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجيه وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم ومن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك غلق الجنة ولا فخر، فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن جبريل عليه السلام أتاني فقال: يا محمد، إن الله عز وجل أمرني أن آتي مشارق الأرض ومغاربها وبرها وبحرها وسهلها وجبلها فآتيه بخير أهل الدنيا، فأتيتها فوجدت خير أهل الدنيا العرب، ثم أمرني أن آتيه بخير العرب فوجدت خير العرب مضر، يعني، ثم أمرني أن آتيه بخير مضر فوجدت خير مضر قريش، ثم أمرني أن آتيه بخير قريش، فوجدت خير قريش بني هاشم، ثم أمرني أن آتيه بخير بني هاشم فوجدت خير بني هاشم بني عبد المطلب، ثم أمرني أن آتيه بخير بني عبد المطلب، يعني فوجدتك خير بني عبد المطلب، وما كنت في صنف من الناس إلا كانوا خيار أهل الدنيا ". عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قال جبريل عليه السلام: " قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أر رجلاً أفضل من محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أبٍ أفضل من بني هاشم ". وعن عبد الله بن عمر قال: كنا جلوساً ذات يوم بفناء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمرت امرأة من بنات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال بعض القوم: هذه بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقال أبو سفيان: إنما مثل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بني هاشم كمثل الريحانة في وسط التين، فسمعت تلك المرأة فأبلغته رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخرج أحسبه مغضباً

فقعد على منبره فقال: " ما بال أقوال تبلغني عن أقوام، إن الله خلق سماوات سبعاً فاختار العليا فسكنها، وأسكن سماواته من شاء من خلقه، وخلق أرضين سبعاً فاختار العليا فأسكنها خلقه، ثم اختار خلقه فاختار بني آدم، ثم اختار بني آدم فاختار العرب، ثم اختار العرب فاختار مضر، ثم اختار مضر فاختار قريشاً، ثم اختار قريشاً فاختار بني هاشم، ثم اختار بني هاشم فاختارني، فلم أزل خياراً من خيار كذا. فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم ". عن ابن عباس قال: لم يزل الله تعالى يتقدم في النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى آدم فمن بعده، ولم تزل الأمم تتباشر به وتستفتح به حتى أخرجه الله خير في خير أمة وفي خير قرن وفي خير أصحاب وخير بلد، فأقام به ما شاء الله وهو حرم إبراهيم ثم أخرجه إلى طيبة وهي حرم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان مبعثه من حرم إبراهيم ومهاجره إلى حرم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أنس صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتي بالبراق ليلة أسرى به مسرجاً ملجماً. فلما أراد أن يركب استصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا، فو الله ما ركبك أحد أكرم على الله منه، فارفض البراق عرقاً وفي رواية: وأقر. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لما خلق الله آدم خبره ببنيه، فجعل يرى فضائل بعضهم على بعض فرأى نوراً ساطعاً في أسفلهم، فقال: يا رب، من هذا؟ قال: هذا ابنك أحمد، وهو أول وهو آخر، وهو أول مشفع وفي رواية: وهو أول شافع. وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود ". وعن أبي كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر ".

وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا نصتوا، وأنا شافعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا. لواء الكرم بيدي ومفاتيح الجنة بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربه ولا فخر، يطوف علي ألف خادم كأنهم اللؤلؤ المكنون ". وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى نجياً، واتخذني حبيباً. ثم قال: وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي ". وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إني عبد الله في أم الكتاب وخاتم النبيين وإن آدم منجدل في طينته، وسوف أنبئكم بذلك، دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى عليه السلام، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات الأنبياء يرين ". وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سجد رسول الله يوماً فلم يرفع حتى ظننا أن نفسه قبضت فيها، فلما رفع قال: " إن ربي استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت يا رب، هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية فقلت له كذلك، فاستشارني الثالثة فقلت لم كذلك، فقال تعالى: إني لن أخزيك في أمتك يا أحمد، فبشرني أن أول من يدخل الجنة معي من أمتي سبعون ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً ليس عليهم حساب، ثم أرسل إلي: ادع تجب، وسل تعط، فقلت لرسوله: أو معطي ربي تعالى سؤالي؟ قال: ما أرسل إليك إلا ليعطيك. وقال: أعطاني من غير فخر، غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمسي حياً صحيحاً، وأنه أعطاني ألا يخزي أمتي ولا تغلب، وأنه أعطاني الكوثر نهراً في الجنة يسيل في حوض، وأنه أعطاني القوة والنصر والرعب يسعى بين يدي شهراً، وأنه أعطاني أني أول الأنبياء دخولاً الجنة، وطيب لأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيراً مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، ولم أجد لي شكراً غير هذه السجدة ". وعن عمرو بن قيس رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الله أدرك بي الأجل المرجو واختارني اختياراً، فنحن الآخرون ونحن السابقون

يوم القيامة. وإني قائل قولاً غير فخر: إبراهيم خليل الله، وموسى صفي الله، وأنا حبيب الله ومعي لواء الحمد يوم القيامة، وإن الله وعدني في أمتي، وأجارهم من ثلاث: لا يغمهم بسنة، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالة ". عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خيار ولد آدم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخيرهم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ".

ذكر عروجه إلى السماء واجتماعه بالأنبياء

ذكر عروجه إلى السماء واجتماعه بالأنبياء حدث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة وكان من قومه عن نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: أتيت وأنا عند البيت بين النائم واليقظان فسمعت يقال: أحد الثلاثة بين الرجلين، فانطلق بي فشرح ما بين صدري إلى كذا وكذا. قال قتادة الراوي: فقلت للذي معي: ما يعني؟ قال يقول: إلى أسفل بطنه، أشار أنس بيده إلى أسفل بطنه، فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب فيها من ماء زمزم فغسل ثم أعيد مكانه وحشي أو كنز إيماناً وحكمة، ثم أتيت بدابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يقال له البراق، يقع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، ثم انطلقت ومعي جبريل عليه السلام حتى انتهينا إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال:

جبريل. قيل ومن معك؟ قال: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتح لنا، وقالوا: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، قال: فأتيت على آدم عليه السلام، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم، فسلمت عليه، فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثانية، فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتحوا لنا، وقالوا: مرحباً ولنعم المجيء جاء. قال: فأتيت على عيسى ويحيى ابني الخالة عليهما السلام فقلت يا جبريل، من هذان؟ قال: هذان عيسى ويحيى، فسلمت عليهما فقالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال: ثم انطلقنا حتى أتيا السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتحوا لنا، وقالوا: مرحباً ولنعم المجيء جاء. قال: فأتيت على يوسف عليه السلام. فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف أو هذا يوسف، قال: فسلمت عليه فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال: ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الرابعة فاستفتح جبريل علي السلام، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتحوا لنا وقالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. قال: فأتيت على إدريس عليه السلام فقلت يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا إدريس فسلمت عليه، فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال: ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الخامسة فاستفتح جبريل قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم ففتح لنا، وقالوا مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على هارون عليه السلام، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا هارون، فسلمت عليه فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال: ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتح لنا وقالوا: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على موسى عليه السلام، فقلت يا جبريل من هذا؟ قال: هذا موسى، أو أخوك موسى، فسلمت عليه فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال: فلما جاوز به بكى، قال فنودي: ما يبكيك؟ فقال: ربي هذا غلام بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السابعة فاستفتح جبريل عليه السلام قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: ففتح لنا، وقالوا: مرحباً به ولنعم المجيء جاء. قال: فأتيت على إبراهيم عليه السلام فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا إبراهيم أو قال: أبوك إبراهيم. فسلمت عليه فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح. قال: ثم رفعت لنا سدرة المنتهى فحدث نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نبقها مثل قلال هجر، وإن ورقها مثل آذان الفيل. وحدث نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو قال:

رأيت أربعة أنهار يخرجن من أصلها. قلت: يا جبريل ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان فنهران في الجنة وأما النهران الظاهران فالنيل والفرات قال: وأوتيت بإناءين أحدهما خمر والآخر لبن فعرضا علي، فاخترت اللبن فقيل لي: أصبت أصاب الله بك أمتك على الفطرة، وأمرت بخمسين صلاة كل يوم أو فرضت علي خمسون صلاة كل يوم، فأقبلت حتى أتيت موسى عليه السلام فقال: بم أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة، قال: فقال: إني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة وإن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأل التخفيف لأمتك. قال: فرجعت إلى ربي عز وجل فحط عني خمساً فأقبلت حتى أتيت على موسى عليه السلام فقال: بما أمرت؟ قلت: بخمس وأربعين صلاة كل يوم، قال: فقال: إني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فما زلت بين ربي عز وجل وبين موسى عليه السلام يحط عني خمساً خمساًحتى رجعت بخمس صلوات كل يوم فأتيت على موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم فقال: إني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة وإن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال: فقلت: لقد رجعت إلى ربي عز وجل حتى لقد استحييت منه، ولكن أرضى وأسلم. قال: فنوديت أني قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، وجعلت كل حسنة عشرة أمثالها. وفي حديث آخر: فلما علونا السماء الدنيا إذا رجل عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه تبسم، وإذا نظر قبل يساره بكى. قال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح قال: قلت لجبريل عليه السلام: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه فأهل اليمين هم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى. وفي آخر الحديث: ثم انطلق بي حتى أتى بي سدرة المنتهى قال: فغشيها ألوان ما أدري ما هي. قال: ثم

أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك. وفي رواية أخرى قال: فركبته يعني البراق فسار بي حتى أتيت على بيت المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فأتاني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فأخذت اللبن فقال: اخترت الفطرة، قال: ثم عرج بنا إلى السماء الدنيا. وذكر باقي الحديث. وفي آخره: ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت عشراً، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب شيء وإن عملها كتبت سيئة واحدة. وفي حديث آخر عند قوله في مراجعة الصلاة: قد استحييت من ربي مما أختلف إليه. قال: فاهبط باسم الله فاستيقظ وهو في المسجد الحرام. وعن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: لما جاء جبريل عليه السلام بالبراق إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فكأنها صرت أذنيها فقال لها جبريل عليه السلام مه يا براق، فو الله إن ركبك مثله، فسار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا هو بعجوز تانٍ وقيل: تانىء على جانب الطريق، فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال: سر يا محمد، قال: فسار ما شاء الله أن يسير فإذا ثم شيء يدعوه فتنحى عن الطريق، هلم يا محمد فقال له جبريل: سر يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير قال: ثم لقي خلقاً من الخلق فقال: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، والسلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل: اردد السلام يا محمد، قال: فرد السلام، ثم لقيه الثاني فقال له مثل مقالة الأول، ثم لقيه الثالث قال له مقالة الأولين، حتى انتهى إلى بيت المقدس فعرض عليه الماء والخمر

واللبن فتناول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللبن، فقال له جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك. ثم بعث له آدم عليه السلام ومن دونه من الأنبياء فأتاهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك الليلة. ثم قال له جبريل: أما العجوز التي تانٍ أو تانىء على جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه فذلك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه، وأما الذين سلموا عليك فذلك إبراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم. وفي حديث عند انتهائه إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: فأوحي إلي اختر إن شئت نبياً عبداً، قال: نبياً عبداً. حدث أبو عبيدة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أتاني جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل فحملني عليه ثم انطلق يهوي بنا. كلما صعد عقبه استوت رجلاه كذلك مع يديه وإذا هبط استوت يداه مع رجليه حتى إذا مررنا برجل طوال سبط آدم كأنه من رجال أزد شنوءة وهو يقول ويرفع صوته ويقول: أكرمته وفضله، فدفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقال: مرحباً بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته. قال: ثم اندفعنا فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: هذا موسى بن عمران قال: إن الله قد عرف له حدته. قال: يعاتب ربه فيك قال: قلت: ويرفع صوته على ربه!!؟ قال: إن الله قد عرف له حدته. قال: ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرح تحتها شيخ وعياله. قال: فقال لي جبريل: اغد إلى أبيك إبراهيم عليه السلام. قال: فدفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام وقال إبراهيم عليه السلام: يا جبريل من هذا معك؟ قال: هذا ابنك أحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: فقال: مرحباً بالنبي الأمي الذي بغل رسالة ربه ونصح أمته، يا بني إنك لاقٍ ربك الليلة وإن أمتك آخر الأمم وأضعفهم، فإن استطعت أن تكون حاجتك أوجلها في أمتك فافعل. قال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى فنزلت وربطت الدابة بالحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع

وساجد، قال: ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربته فضرب جبريل عليه السلام منكبي وقال: أصبت الفطرة ورب محمد. قال: ثم أقيمت الصلاة فأممتهم ثم انصرفنا فأقبلنا. وعن عبد الله قال: لما أسرى برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انتهى إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة أو السادسة، إليها ينتهي ما يخرج من تحتها فيقبض منها، وإليها ما هبط من فوقها فيقبض منها " إذ يغشى السدرة ما يغشى " قال: فراش من ذهب، فأعطى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه قال له أصحابه: يا رسول الله، أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها قال: قال الله عز وجل: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله " الآية. قال: فأخبرهم قال: بينما أنا نائم عشاء في المسجد الحرام إذ أتاني آتٍ فأيقظني فاستيقظت فلم أر شيئاً ثم عدت في النوم، ثم أيقظني فاستيقظت، فلم أر شيئاً، ثم عدت في النوم، ثم أيقظني فاستيقظت فلم أر شيئاً، فإذا أنا بكهيئة خيال فاتبعته ببصرى حتى خرجت من المسجد فإذا أنا بدابة أدنى شبهة بدوابكم هذه، بغالكم هذه مضطرب الأذنين، يقال له البراق، وكانت الأنبياء صلوات الله عليهم تركبه قبلي يقع حافره مد بصره فركبته،

فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داعٍ عن يميني: يا محمد انظرني أسألك، يا محمد انظرني أسألك، فلم أجبه ولم أقم عليه. فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يساري: يا محمد انظرني أسألك، يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه. فبينما أنا أسير عليه إذا أنا بامرأة حاسر عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالت: يا محمد انظرني أسألك، فلم ألتفت إليها، ولم أقم عليها. حتى أتيت بيت المقدس فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها به، فأتاني جبريل عليه السلام بإناءين أحدهما خمر والآخر لبن، فشربت اللبن وتركت الخمر فقال جبريل أصبت الفطرة، فقلت الله أكبر الله أكبر، فقال جبريل: ما رأيت في وجهك هذا؟ قال: فقلت: بينما أنا أسير إذ دعاني داع عن يميني، يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه، ولم أقم عليه فقال: ذلك داعي اليهود أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك. قال: وبينما أنا أسير إذ دعاني داعٍ عن يساري فقال: يا محمد انظرني أسألك، فلم ألتفت إليه، ولم أقم عليه، قال: ذاك داعي النصارى، أما لو أنك أجبته لتنصرت أمتك. قال: فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله تقول: يا محمد انظرني أسألك، فلم أجبها، ولم أقم عليها قال: تلك الدنيا، أما إنك لو أجبتها أو أقمت عليها لاخترت أمتك الدنيا على الآخرة. قال: ثم دخلت أنا وجبريل عليه السلام بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين، ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، ما رأيتم الميت حين يشق بصره طامحاً إلى السماء، فإنما يشق بصره طامحاً إلى السماء عجبه بالمعراج. قال: فصعدت أنا وجبريل فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مئة ألف ملك، قال: وقال الله عز وجل: " وما يعلم جنود ربك إلا هو " فاستفتح جبريل باب السماء قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قيل: أو قد بعث إليه؟ قال: نعم. فإذا

أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته تعرض عليه أرواح ذرينه المؤمنين فيقول: روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين، ثم عرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين. ثم مضت هنية فإذا أنا بأخونه يعني بالخوان المائدة التي يؤكل عليها عليها لحم مشرح ليس يقربها أحد وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح ونتن، عندها أناس يأكلون منها قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام. قال: ثم مضت هنية فإذا بأقوام بطونهم أمثال البيوت. كلما نهض أحدهم خر يقول: اللهم لا تقم الساعة، قال: وهم على سابلة آل فرعون، قال: فتجيء السابلة فتطأهم. قال: فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل، وقلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون الربا " لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ". قال: ثم مضت هنية فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل قال: ينفخ على أفواههم ويلقمون ذلك الحجر ثم يخرج من أسافلهم، فسمعتهم يضجون إلى الله فقال: قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أمتك " الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ". قال: ثم مضيت هنية فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن، فسمعتهن يضجون إلى الله عز وجل قلت: يا جبريل من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أمتك. قال: ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم فيلقون فيقال له: كل ما كنت تأكل من لحم أخيك. قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون. ثم صعدنا إلى السماء الثانية فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله قد فضل على الناس

بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف عليه السلام ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي. ثم صعدت إلى السماء الثالثة فإذا أنا بيحيى وعيسى عليهما السلام ومعهما نفر من قومهما فسلمت عليهما وسلما علي. ثم صعدت إلى السماء الرابعة فإذا أنا بإدريس عليه السلام قد رفعه الله مكاناً علياً فسلمت عليه وسلم علي. قال: ثم صعدت إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون عليه السلام ونصف لحيته بيضاء ونصفها أسود تكاد لحيته تضرب سوءته من طولها. قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا المحبب في قومه هذا هارون بن عمران، ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي. ثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى بن عمران رجل آدم كثير الشعر لو كان عليه قمصان لنفذ شعره دون القميص، فإذا هو يقول: يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا. بل هو أكرم على الله مني قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران قال: ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي. ثم صعدت السماء السابعة فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن سانده ظهره إلى بيت المعمور كأحسن الرجال فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم خليل الرحمن ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي. وإذا أنا بأمتي شطرين، شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد، قال: فدخلت البيت المعمور ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد، وهم على خير. فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور ثم خرجت أنا ومعي. قال: والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة. ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا كل ورقة فيها تكاد أن تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال لها سلسبيل فينشق منها نهران أحدهما الكوثر والآخر يقال له نهر الرحمة،

فاغتسلت فيه فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر. ثم إني رفعت إلى الجنة فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنت؟ قالت: لزيد بن حارثة، وإذا أنا بأنهار " من ماءٍ غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى " وإذا رمانها كأنه الدلاء عظماً، وإذا أنا بطيرها كأنها بختكم هذه. فقال: عندها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى جميع الأنبياء: إن الله عز وجل قد أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأته ولا أذن سمعته ولا خطر على قلب بشر. قال: عرضت علي النار فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها ثم أغلقت دوني. ثم إني إلى سدرة المنتهى فتغشى لي، وكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى قال: ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة. قال: وقال: فرضت علي خمسون وقال: لك بكل حسنة عشرة، وإذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة وإذا عملتها كتبت لك عشراً، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة. ثم رفعت إلى موسى عليه السلام فقال: ما أمرك ربك؟ قلت بخمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا يطيقون ذلك ومتى لا تطقه تكفر، فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم، فوضع عني عشراً وجعلها أربعين، فما زلت بين موسى وربي كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالته حتى رجعت إليه فقال لي بم أمرت؟ فقلت: أمرت بعشر

صلوات قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت إلى ربي فقلت: أي رب، خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم فوضع خمساً وجعلها خمساً. فنادى ملك عندها: تمت فريضتي وخففت على عبادي فأعطيتهم بكل حسنة عشرة أمثالها ثم رجعت إلى موسى فقال: بم أمرت قلت: بخمس صلوات، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف فإنه لا يؤوده شيء فسله التخفيف لأمتك فقلت: رجعت إلى ربي حتى استحييت. ثم أصبح بمكة يخبرهم بالعجائب ويقول إني رأيت البارحة بيت المقدس وعرج بي إلى السماء ورأيت كذا ورأيت كذا فقال أبو جهل بن هشام: ألا تعجبون مما يقول محمد، يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس ثم أصبح فينا، وأحدنا يضرب مطيته مصعدة شهراً ومنقلبة شهراً فهذا مسيرة شهرين في ليلة واحدة قال: فأخبرهم بعير لقريش: لما كنت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا، وإنها نفرت. فلما رجعت رأيتها عند العقبة، فأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا ومتاعه كذا وكذا، فقال أبو جهل: يخبرنا بأشياء، فقال رجل من المشركين: أنا أعلم الناس ببيت المقدس وكيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل، فإن يكن محمد صادقاً فسأخبركم وإن يك كاذباً فسأخبركم، فجاءه ذلك المشرك فقال: يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس من فأخبرني كيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل؟ قال: فرفع لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيت المقدس من مقعده فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته وجعل يقول: بناؤه كذا وكذا وهيئته كذا وكذا وقربه من الجبل كذا وكذا فقال الآخر: صدقت فرجع إلى أصحابه فقال: صدق محمد فيما قال أو نحواً من هذا الكلام. وعن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: في هذه الآية: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " قال: أتي بفرس فحمل عليه، قال: كان خطوه منتهى أقصى بصره فسار وسار معه جبريل عليه السلام فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء المهاجرون في سبيل الله، يضاعف الله لهم الحسنة بسبع مئة ضعف وما انفصم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين. ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: قال: هؤلاء الذين تتثاقل

رؤوسهم عن الصلاة. قال: ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع. يسرحون كما تسرح الأنعام، عن الضريع والزقوم. ووصف جهنم وحجارتها قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون الصدقات عن أموالهم وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبد. ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم في قدر نضيج طيب ولحم آخر خبيث، فجعلوا يأكلون من الخبيث ويدعون النضيج الطيب فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هو الرجل يقوم وعنده امرأة حلال فتأتي امرأة خبيثة فتبيت معه حتى يصبح. ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها شيء إلا قصعته يقول الله تعالى " ولا تقعدوا بكل صراطٍ توعدون ". ثم مر على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد أن يزيد عليها قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا رجل من أمتك عليه أمانة لا يستطيع أداءها وهو يزيد عليها. ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقارض من حديد. كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء قال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة. ثم أتى على حجر صغير يخرج منه نور عظيم، فجعل النور يريد أن يدخل من حيث خرج ولا يستطيع. قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة فيندم عليها فيريد أن يردها ولا يستطيع. ثم أتى على واد فوجد ريحاً باردة طيبة ريح المسك وسمع صوتاً فقال: يا جبريل ما هذه الريح الطيبة؟ وريح المسك؟ وما هو الصوت؟ قال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر غرفي وحريري وسندسي واستبرقي وعبقريي ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأباريقي، وقواريري، وعسلي وخمري

ولبني، فائتني بما وعدتني فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي ورسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي شيئاً ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشي أمنته، ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته، ومن توكل علي كفيته، أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد " قد أفلح المؤمنون " إلى قوله " تبارك الله أحسن الخالقين: قالت: قد رضيت. ثم أتى على واد سمع صوتاً منكراً فقال: يا جبريل ما هذا الصوت؟ قال: هذا صوت جهنم تقول: ائتني بأهلي وما وعدتني فقد كثر سلاسلي وأغلالي وسعيري وزقومي وحميمي وحجارتي وغساقي وغسليني، وقد بعد قعري واشتد حري، فائتني بما وعدتني فقال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب. قالت: قد رضيت. قال: ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى صخرة ثم دخل فصلى مع الملائكة فلما قضيت قالوا: يا جبريل من هذا معك؟ قال: محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخاتم النبيين قالوا: وقد أرسل؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ والخليفة، ونعم المجيء جاء. قال: ثم أتى أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم. قال: فقال إبراهيم عليه السلام: الحمد لله الذي اتخذ إبراهيم خليلاً، وأعطاني ملكاً عظيماً، وجعلني أمة قانتاً يؤم بي، وأنقذني من النار وجعلها علي برداً وسلاماً. قال: ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليماً، واصطفاني برسالته وكلماته، وقربني إليه نجياً ونزل علي التوراة، وجعل هلاك فرعون على يدي، ونجى بني إسرائيل على يدي. قال: ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي خولني ملكاً، وأنزل علي الزبور وألان لي الحديد، وسخر لي الطير والجبال، وآتاني الحكمة وفصل الخطاب.

ثم إن سليمان عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح والجن والإنس، وسخر لي الشياطين يعملون ما شئت " من محاريب وتماثيل ".. إلى آخر الآية. وعلمني منطق الطير، وأسأل لي عين القطر وأعطاني ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي. ثم إن عيسى بن مريم عليهما السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي علمني التوراة والإنجيل وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذنه، ورفعني وطهرني من الذين كفروا فأعادني وأمي من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان علينا سبيل. ثم أن محمداً عليه السلام أثنى على ربه فقال: كلهم أثنى على ربه وأنا مثن على ربي فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل علي القرآن فيه تبيان لكل شيء، وجعل أمتي خير الأمم، وجعل أمتي أمة وسطاً، وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح صدري ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً وخاتماً. فقال إبراهيم عليه السلام: بهذا فضلكم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: ثم أتي بآنية ثلاث مغطاة أفواهها فأتي بإناء فيه ماء فقيل له: اشرب فشرب منه يسيراً ثم رفع إليه إناء آخر فيع لبن فشرب منه حتى روي ثم رفع إليه إناء آخر فيه خمر فقال: قد رويت ولا أريده. فقيل له: قد أصبت أما إنه ستحرم على أمتك. ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا قليل. قال: ثم صعدنا إلى السماء فذكر الحديث بنحو مما تقدم إلى أن قال: ثم صعدنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: وقد أرسل؟ قال: نعم قالوا: حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء. فإذا برجل شمط جالس على كرسي عند باب الجنة، وعنده قوم بيض الوجوه وقوم سود الوجوه وفي ألوانهم شيء، فأتوا نهراً فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من أنوارهم شيء، ثم إنهم أتوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا النهر الثالث فخرجوا وقد خلصت ألوانهم مثل ألوان أصحابهم فقال: يا جبريل من هؤلاء

بيض الوجوه وهؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا النهر فخرجوا وقد خلصت ألوانهم؟ فقال: هذا أبوك إبراهيم هو أول رجل شمط على سطح الأرض، وهؤلاء بيض الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم قال: وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء " خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً " فتابوا فتاب الله عليهم، وأما النهر الأول فرحمة الله، وأما النهر الثاني فنعمة الله، وأما النهر الثالث " وسقاهم ربهم شراباً طهوراً ". ثم انتهى إلى سدرة المنتهى. فقيل لي: هي السدرة إليها ينتهي كل أحدٍ من أمتك ويخرج من أصلها: " أنهارٌ من ماء غير آسنٍ وأنهارٌ من لبن لم يتغير طعمه وأنهارٌ من خمرٍ لذة للشاربين وأنهارٌ من عسل مصفى " قال: وهي شجرة يسير الراكب في أصلها مئة عام ما يقطعها. وإن الورقة منها مغطية الخلق، قال: فغشيها نور الخالق وغشيتها الملائكة فكلمه ربه عند ذلك قال له: سل. قال: إنك اتخذت إبراهيم خليلاً وأعطيته ملكاً عظيماً، وكلمت موسى تكليماً، وأعطيت داود ملكاً عظيماً وألنت له الحديد وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعده، علمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك وأعذته وأمه من الشيطان فلم يكن له عليهما سبيل. فقال له ربه: قد اتخذتك خليلاً قال: وهو مكتوب في التوراة خليل الرحمن. وأرسلناك إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وشرحت لك صدرك ووضعت عنك وزرك ورفعت لك ذكرك فلا أذكر إلا ذكرت معي يعني الأذان وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك وسطاً وجعلت أمتك هم الأولون وهم الآخرون، وجعلت من أمتك أقواماً قلوبهم أناجيلهم لا تجوز عليهم خطيئة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول البشر خلقاً وآخرهم مبعثاً وآتيتك سبعاً من المثاني لم أعطها نبياً قبلك وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبياً قبلك، وجعلتك فاتحاً وخاتماً.

قال: وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فضلني ربي: أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً ونذيراً وألقى في قلوب عدوي الرعب مني مسيرة شهر، وأحل لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهرواً، وأوتيت فواتح الكلام وخواتيمه وجوامعه، وعرضت علي أمتي فلم يخف علي التابع والمتبوع، ورأيتهم أتوا على قوم ينتعلون الشعر، ورأيتهم أتوا على قوم عراض الوجوه صغار الأعين كأنما خزمت أعينهم بالمخيط فلم يخف علي ما هم لاقون ن بعدي، وأمرت بخمسين صلاة فرجعت إلى موسى ... فذكر الحديث بمعنى ما تقدم غير أنه قال في آخره: قال: فقيل له: اصبر على خمس فإنها تجزئ عنك بخمسين، كل خمس بعشرة أمثالها قال: فكان موسى اشتد عليه حين مر به، وخبرهم حين رجع إليه. وعن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة وغيره من رجاله قالوا: وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأل ربه أن يريه الجنة والنار، فلما كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نائم في بيته ظهراً أتاه جبريل وميكائيل فقالا: انطلق إلى ما سألت إليه، فانطلقنا به إلى ما بين المقام وزمزم فأتي بالمعراج، فإذا هو أحسن شيء منظراً فعرجا به إلى السماوات سماء سماء فلقي فيها الأنبياء، وانتهى إلى سدرة المنتهى وأري الجنة والنار. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ولما انتهيت إلى السماء إلى السماء السابعة لم أسمع إلا صريف الأقلام وفرضت علي الصلوات الخمس فنزل جبريل فصلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلوات في مواقيتها ". وعن أم هانئ وابن عباس وغيرهم دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا: أسري برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس.

قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " حملت على دابة بيضاء بين الحمار وبين البغل في فخذيها جناحان تحفز بهما رجليها، فلما دنوت لأركبها شمست فوضع جبريل عليه السلام يده على معرقها ثم قال: ألا تستحين يا براق مما تصنعين، والله ما ركب عليك عبد لله قبل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكرم على الله منه، فاستحيت حتى ارفضت عرقاً ثم أقرت حتى ركبها فعملت بأذنيها وقبضت الأرض حتى كان منتهى وقع حافرها طرفها، وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين، وخرج معي جبريل لا يقويني ولا أقويه حتى انتهى بي إلى بيت المقدس فانتهى البراق إلى موقفه الذي كان يقف فربطه وكان مربط الأنبياء قبل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: رأيت الأنبياء جمعوا لي فرأيت إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فظننت أنه لا بد من أن يكون لهم إمام فقدمني جبريل حتى صليت بين أيديهم وسألتهم فقالوا: بعثنا بالتوحيد ". وقال بعض الرواة: فقد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك الليلة فتفرقت بنو عبد المطلب يطلبونه ويلتمسونه، وخرج العباس بن عبد المطلب حتى بلغ ذا طوى، فجعل يصرخ: يا محمد يا محمد، فأجابه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبيك، قال: يا بن أخي عنيت قومك منذ الليلة فأين كنت؟ قال: أتيت من بيت المقدس، قال: في ليلتك؟ قال: نعم قال: هل أصابك إلا خير؟ قال: ما أصابني إلا خير. وقالت أم هانئ بنة أبي طالب: ما أسري به إلا من بيتنا، نام عندنا تلك الليلة، صلى العشاء ثم نام. فلما كان الفجر أنبهناه للصبح فقام فلما صلى الصبح قال: يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء كما رأيت بهذا الوادي، ثم قد جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت الغداة معكم ثم قام ليخرج فقلت: لا تحدث هذا للناس فيكذبوك ويؤذوك، فقال: والله لأحدثنهم فأخبرهم. فتعجبوا وقالوا: لم نسمع بمثل هذا قط. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجبريل: يا جبريل إن قومي لا يصدقوني، قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق، وافتتن ناس كثير كانوا قد وصلوا وأسلموا. وقمت في الحجر فخيل إلي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن أثاثه وأنا أنظر إليه. فقال بعضهم: كم للمسجد من باب؟ ولم أكن

عددت أبوابه فجعلت أنظر إليها وأعدها باباً باباً وأعلمهم. وأخبرتهم عن عيرات لهم في الطريق وعلامات فيها فوجدوا ذلك كما أخبرتهم. وأنزل الله تعالى: " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنةً للناس " قال: كانت رؤيا عين رآها بعينه. وعن زر بن حبيش قال: أتاني حذيفة وأنا أحدث في بيت المقدس وأنا أقول أنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلى فيه، فقال حذيفة: ما اسمك يا صلع؟ فإني أعرف وجهك ولا أدري ما اسمك، اقرأ القرآن فقرأت: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " فلم أجد فيها أنه صلى. قال حذيفة: والله ما صلى فيه، ولو صلى فيه لكتبت عليكم صلاة فيه، كما كتب عليكم الصلاة في البيت العتيق. والله ما زايلا طهر البراق عودهما على بدئهما حتى رجعا. يزعمون ربطه، أو ليس سخره له قادر على أن يحبسه له، فسئل البراق فقال: دابة أبيض فوق الحمار خطوه مد البصر. وعن عبد الله بن سعد بن زرارة ما قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أسري بي في قفص من لؤلؤ فراشه من ذهب ". ما خص وشرف به من بين الأنبياء

ذكر ما خص به وشرف به من بين الأنبياء عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لما عرج بي إلى السماء الدنيا مررت على نهر عجاج يطرد مثل السهم، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وحافتاه قباب من در مجوف، فضربت بيدي إلى حمأته فإذا هو مسك، وضربت بيدي إلى رضراضه فإذا هو در فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك ". وعن أنس بن مالك قال: قيل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما الكوثر الذي أعطاك ربك؟ قال: نهر كمثل ما بين أيلة إلى صنعاء وأيلة من أرض الشام آنيته أكثر من عدد نجوم السماء، يرده طير لها أعناق كأعناق البخت، فقال عمر بن الخطاب: والله يا رسول الله إنها لناعمة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أكلها أنعم منها. وعن عقبة بن عامر قال: آخر ما خطب لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه صلى على شهداء أحد ثم رقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني لكم فرط وأنا عليكم شهيد، وأنا أنظر إلى حوضي الآن وأنا في مقامي هذا، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكني أريت أني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، فأخاف عليكم أن تنافسوا فيها. وعن أبي أمامة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الله عز وجل يدخل من أمتي يوم القيامة سبعين ألفاً بغير حساب، مع كل ألف

سبعون ألفاً وثلاث حثيات، فقال رجل: يا رسول الله، فم سعة حوضك؟ قال: ما بين عدن وعمان. قال: وأشار بيده وأوسع وأوسع، وفيه مثعبان من ذهب وفضة. قيل: يا رسول الله، فم شرابه؟ قال: أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب ريحاً من المسك، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً، ولن يسود وجهه أبداً ". وعن أبي سعيد أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لي حوض، طوله ما بين الكعبة إلى بيت المقدس، أشد بياضاً من اللبن، آنيته عدد النجوم، وكل نبي يدعو أمته، ولكل نبي حوض فمنهم من يأتيه الفئام، ومنهم من يأتيه العصبة، ومنهم من يأتيه النفر، ومنهم من يأتيه الرجلان والرجل، ومنهم من لا يأتيه أحد، فيقال: قد بلغت، وإني أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة ". وعن ابن عباس قال: الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: فقلت لسعيد بن خيبر: فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال: النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنا أول شفيع يوم القيامة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة. إن من الأنبياء لمن يأتي يوم القيامة وليس معه مصدق غير واحد ". وعن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ". وعن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن لكل نبي يوم القيامة منبراً من نور، وإني على أطولها وأنورها، فيجيء المنادي

فينادي: أين النبي يعني فيقولون كلنا نبي الله فإلى أينا أرسلت؟ فيرجع فينادي: أين النبي الأمي العربي فينزل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى يأتي باب الجنة ... " فذكر حديث الشفاعة بطوله. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أعطيت فواتح الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي، فذهب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنتم تنتثلونها، وربما قال: تنفلونها. وعن حذيفة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وأتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش، ولم يعط منه أحد قبلي ولا يعطي منه أحد بعدي ".وعن عوف بن مالك عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " أعطينا أربعاً لم يعطهن أحدٌ كان قبلنا، وسألت ربي الخامسة فأعطانيها وهي ما هي: كان النبي يبعث إلى قرية لا يعدوها وبعثت كافة للناس، وأرهب مني عدونا مسيرة شهر، وجعلت الأرض لنا طهوراً ومسجداً، وأحل لنا الخمس ولم يحل لأحد قبلنا. وسألت ربي الخامسة فأعطانيها وهي ما هي، سألته عز وجل ألا يلقاه عبد يوحده إلا دخل الجنة، فأعطانيها ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أعطيت خمساً لم يعطها نبي قبلي، ولا فخر؛ بعثت إلى الناس كافة، للأحمر والأسود وكان من قبلي يبعث إلى قومه، وأحل لكم الغنم وأطعمتموه، وكان قبلي يقربونه فتجيء نار فتأكله، ونصرت بالرعب يفرق مني العدو على مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأهل الكتاب لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم، وأعطيت الشفاعة، فادخرتها لأمتي يوم اليقامة، وهي نائلة منهم من مات لا يشرك بالله شيئاً ".

وفي حديث عن أبي موسى: وأعطيت الشفاعة، وإنه ليس من نبي إلا وقد قدم الشفاعة، وإني أخرت شفاعتي، جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً. وعن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أعطيت شيئاً لا أقولهن فخراً، لم يعطهن أحدٌ قبلي: غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأمم، وأحلت لي الغنائم ولم تحلل لأحد كان قبلي، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأعطيت الكوثر، ونصرت بالرعب. والذي نفسي بيده إن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة ". وفي حديث غيره: وختم بي النبيون. وعن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق عليه قطيفة من سندس ". وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لما أسري بي جبريل سمعت تسبيحاً في السماوات العلا، فرجف فؤادي، فقال جبريل: يا محمد، تقدم ولا تخف، فإن اسمك مكتوب على العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله ". وعن حذيفة بن اليمان قال: غاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوماً فلم يخرج حتى ظننا أن لن يخرج. فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نفسه قبضت فيها. فلما رفع رأسه قال: إن ربي استشارني في أمتي: ماذا أفعل بهم؟ قلت: ما شئت يا رب، هم خلقك وعبادك، فاستشار الثانية فقلت له كذلك. فقال: لم أجزك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة نفر من أمتي سبعون ألفاً، مع كل ألف سبعون ليس علهم حساب، ثم أرسل إلي ربي: ادع تجب، وسل تعطه، فقلت لرسوله: أو يعطي ربي سؤلي؟ فقال: ما أرسل إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي غير فخر: إنه غفر لي ما تقدم وما تأخر، وشرح صدري، وأنه أعطاني ألا تجوع أمتي، ولا تغلب، وأنه أعطاني الكوثر نهراً في الجنة

يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر، وأرعب بين أمتي شهراً، وإنه أعطاني بأني أول الأنبياء دخولاً للجنة. وطيب لي لأمتي الغنيمة، وأحل كثيراً مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، فلم أجد أن أشكر إلا هذه السجدة. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لما أسري بي إلى السماء قربني ربي عز وجل حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى لا، بل أدنى، وعلمني السمات. قال: يا حبيبي يا محمد، قلت: لبيك يا رب. قال: هل غمك أن جعلتك آخر النبيين؟ قلت: يا رب، لا. قال: حبيبي، فهل غم أمتك أن جعلتهم آخر الأمم؟ قلت: يا رب، لا. قال: أبلغ أمتك عني السلام، وأخبرهم أني جعلتهم آخر الأمم لأفضح الأمم عندهم، ولا أفضحهم عند الأمم ". وعن سلمان قال: حضرت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم، فإذا أعرابي جاء في رجل بدوي، قد وقف علينا فسلم فرددنا عليه، فقال: يا قوم، أيكم محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنا محمد رسول الله، فقال الأعرابي: إني والله لقد آمنت بك قبل أن أراك، وأحببتك قبل أن ألقاك، وصدقتك قبل أن أرى وجهك، ولكني أريد أن أسألك عن خصال. فقال: سل عما بدا لك، فقال: فداك أبي وأمي، أليس الله عز وجل كلم موسى عليه السلام؟ قال: بلى. قال: وخلق عيسى عليه السلام من روح القدس؟ قال: بلى. قال: واتخذ إبراهيم عليه السلام خليلاً واصطفى آدم عليه السلام؟ قال: بلى، قال: بأبي أنت وأمي إيش أعطيت من الفضل، فأطرق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهبط عليه جبريل فقال: الله يقرؤك السلام، وهو يسألك عما هو أعلم به منك، الله يقول: يا حبيبي، لم أطرقت رأسك؟ ارفع رأسك ورد على الأعرابي جوابه. قال: أقول ماذا يا جبريل؟ قال: الله يقول: إن كنت اتخذت إبراهيم عليه السلام خليلاً فقد اتخذتك من قبل حبيباً، وإن كنت كلمت موسى عليه السلام في الأرض فقد كلمتك وأنت معي في السماء والسماء أفضل من الأرض وإن كنت خلقت عيسى عليه السلام من روح القدس فقد خلقت اسمك من قبل أن أخلق الخلق بألفي سنة، ولقد وطئت في السماء موطئاً لم يطأه أحد قبلك، ولا يطؤه أحد بعدك، إن كنت اصطفيت آدم عليه السلام فبك ختمت الأنبياء. ولقد خلقت مئة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك. ومن يكون أكرم علي منك؟ وقد أعطيت الحوض والشفاعة والناقة

والقضيب والميزان والوجه الأقمر والجمل الأحمر والتاج والهراوة والحجر والعمرة والقرآن وفضل شهر رمضان والشفاعة. كلها لك حتى ظل عرشي في القيامة على رأسك ممدود، وتاج الحمد على رأسك معقود، ولقد قرنت اسمك مع اسمي، فلا اذكر في موضع حتى تذكر معي، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك علي ومنزلتك عندي، ولولاك يا محمد ما خلقت الدنيا. وعن وهب قال: قرأت في زبور داود عليه السلام ذكر نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه يجوز من البحر إلى البحر، من لدن الأنهار إلى منقطع الأرض، وأنه يخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم، ويلحس أعداؤه التراب من تحت قدميه، وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد، لأنه يخلص المضطهد ممن هو أقوى منه، ويرأف بالضعفاء والمساكين ويصلي عليه في كل وقت ويبارك عليه في كل يوم، ويدوم ذكره مع ذكر الله عز وجل إلى الأبد. وعن جابر قال: بين كتفي آدم مكتوب: محمد رسول الله خاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

باب مختصر من دلائل نبوته وما طهر من بركته

باب مختصر من دلائل نبوته وما طهر من بركته عن عبد الله قال: بينما نحن مع رسول الله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة من وراء الجبل وفلقة دونه، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اشهدوا. وفي رواية أخرى: فقال كفار أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق. وإن كان لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال: فسئل السفار فقدموا من كل وجه فقالوا: رأينا. وعن أنس بن مالك: أن أهل مكة سألوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين. وعن عبد الله بن عمر: في قوله عز وجل " اقتربت الساعة وانشق القمر " قال: قد كان ذلك على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، انشق القمر فلقتين، فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اشهدوا. وقال البيهقي: اللهم اشهد. وعن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله، دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك؛ رأيتك في المهد

تناغي القمر وتشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال. قال: إني كنت أجذبه ويجذبني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجنته تسجد تحت العرش. وعن ابن عباس قال: خرجت حليمة تطلب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد وجدت البهم تقيل، فوجدته مع أخته فقالت: في هذا الحر؟ فقالت أخته: يا أمه، ما وجد أخي حراً، رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت معه، حتى انتهى إلى هذا الموضع. وعن علي بن أبي طالب قال: كنت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة في بعض نواحيها خارجاً من مكة بين الجبال والشجر فلم يمر بشجرة ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. وفي حديث آخر: ولا على شيء إلا سلم عليه. وعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن بمكة حجراً كان يسلم علي ليالي بعثت. إني لأعرفه إذا مررت عليه ". وعن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لما استعلن لي جبريل جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال لي: السلام عليك يا رسول الله ". وعن ابن عباس قال: جاء رجل من بني عامر إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يداوي ويعالج فقال له: أي محمد، إنك تقول أشياء، فهل لك أن أداويك؟ قال: إيه. قال: وعنده نخل وشجر، فدعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عذقاً منها فأقبل إليه وهو يسجد. يا رسول الله فقال لها: ارجعي، فرجعت فجلست على عروقها وفروعها كما كانت فقال الأعرابي: يا رسول الله، ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك، فأذن له، ثم قال: يا رسول الله، ائذن لي أن أسجد لك، قال: " لا يسجد أحد لأحد، ولو أمرت أن يسجد

أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها ". وعن يعلى بن سيابة الثقفي قال: كنت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا وديتين فأمرهما فاجتمعتا، فاستتر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهما، فلما قضى حاجته قال: ارجعا إلى مكانكما، فرجعتا، فانطلقت فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإداوة من ماء وتوضأ، إذ أقبل إليه ناضح عوذ وريم. فلما دنا منه برك، ثم جعل يحك بجرانه الأرض يخن حتى رأيت دموعه تسيل على الأرض، فقال: هل تدري ما يقول؟ قال: يشكو إلي صاحبه يريد أن تنحره اليوم. قال: نعم، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فلا تفعل، قال: نعم يا رسول الله. قال: وأحسن إليه، قال: لا والله يا رسول الله لا يكرم مالٌ لي كرامته. ثم انطلق إلى البقيع، فأتى على قبرين، فقال: يعذبان، فقالوا: وفيم يا رسول الله؟ قال: في غير كبير، أما أحدهما فكان لا يسنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس. ثم أخذ جريدتين فوضعهما عليهما، قال: عسى أن يرفه عنهما حتى ييبسا. وعن أسامة بن زيد بن حارثة ما قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجته التي حجها، فلما هبطنا بطن الروحاء عارضت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امرأة معها صبي لها، فسلمت عليه، فوقف عليها فقالت: يا رسول الله، هذا ابني فلان، والذي بعثك بالحق ما زال في جنن واحد أو كلمة تشبهها منذ ولدته إلى الساعة، فاكتنع إليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبسط يده فجعله بينه وبين الرحل، ثم تفل في فيه، ثم قال: " اخرج عدو الله فإني رسول الله، ثم ناولها إياه، فقال: خذيه فلن تري منه شيئاً يريبك بعد اليوم إن شاء الله ". قال أسامة: فقضينا حجنا ثم انصرفنا. فلما نزلنا الروحاء، فإذا تلك المرأة أم الصبي قد جاءت

ومعها شاة مصلتة، فقالت: يا رسول الله، أنا أم الصبي الذي أتيتك به. قالت: لا والذي بعثك بالحق ما رأيت منه شيئاً يريبني إلى هذه الساعة. قال أسامة: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يا سيم وهكذا كان يدعو به يحشمه، ناولني ذراعها، فامتلخت الذراع، فناولتها إياه فأكلها ثم قال: يا سيم، ناولني الذراع، فقلت: يا رسول الله، إنك قد قلت: ناولني فناولتكها فأكلتها، ثم قلت: ناولني فناولتكها، فأكلتها ثم قلت: ناولني الذراع، وإنما للشاة ذراعان، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أما إنك لو أهويت إليها ما زالت تجد فيها ذراعاً ما قلت لك. ثم قال: يا سيم قم، فاخرج فانظر هل ترى خمراً لمخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخرجت فمشيت حتى حسرت، فما قطعت الناس وما رأيت شيئاً أرى أنه يواري أحداً، وقد ملأ الناس ما بين السدين. قال: فهل رأيت شجراً أو رجماً، قلت: بلى، قد رأيت نخلات صغار إلى جانبهن رجم من حجارة، فقال: يا سيم، اذهب إلى النخلات فقل لهن: يأمركن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يلحق بعضكن ببعض حتى يكن سترة لمخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقل ذلك للرجم، فأتيت النخلات فقلت لهن الذي أمرني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فو الذي بعثه بالحق لكأني أنظر إلى تقافزهن بعروقهن وترابهن، حتى لصق بعضهن ببعض، وكن كأنهن نخلة واحدة، وقلت ذلك للحجارة، فو الذي بعث بالحق لكأني أنظر إلى تقازفهن حجراً حجراً حتى علا بعضهن بعضاً، فكن كأنهن جدار، فأتيته فأخبرته فقال: خذ الإداوة فأخذتها، ثم انطلقنا نمشي فلما دنونا منهن سبقته فوضعت الإداوة، ثم انصرفت إليه، فانطلق فقضى حاجته، ثم أقبل وهو يحمل الإداوة، فأخذتها منه ثم رجعنا. فلما رحل للخباء قال لي: يا سيم، انطلق إلى النخلات فقل لهن: يأمركن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ترجع كل نخلة منكن إلى مكانها، وقل ذلك للحجارة، فأتيت النخلات فقلت لهن الذي قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فو الذي بعثه بالحق لكأني أنظر إلى تقازفهن حجراً حجراً، حتى عاد كل حجر إلى مكانه، فأتيته فأخبرته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم خلفه، فأسر إلي حديثاً لا أحدث به أحداً من الناس. قال: وكان أحب ما استتر به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحاجته هدف أو حائش نخل فدخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل؛ فلما رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمسح سراته وذفراه فسكن ثم قال: من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتىً من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله عز وجل إياها؟! فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه. وعن أبي سعيد الخدري قال: بينما راعٍ يرعى بالحرة شاءً إذ انتهر الذئب شاة من شائه، فحال الراعي بين الذئب والشاة، فأقعى الذئب على ذنبه ثم قال للراعي: ألا تتقي الله، تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي، فقال الراعي: العجب من الذئب مقع على ذنبه يتكلم بكلامٍ، كلام الإنس، فقال الذئب للراعي: ألا أحدثك بأعجب من هذا، رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق، فساق الراعي النبأ حتى انتهى إلى المدينة فرواها في زاوية من زواياها، ثم دخل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحدثه بما قال الذئب، فخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الناس فقال للراعي: حدثهم، فقام الراعي فأخبر الناس بما قال الذئب، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صدق الراعي، ألا إن من أشراط الساعة كلام السباع للإنس، ويكلم الرجل نعله، وعذبة سوطه، ونخيزة فخذه بما فعل أهله بعده. وعن المقداد بن عمرو الكندي قال: قدمت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعي رجلان من أصحابي، فطلبنا هل يضيفنا أحد، فلم يضفنا أحد، فأتينا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلنا: يا رسول الله، أصابنا جوع وجهد، وإنا تعرضنا هل يضفنا أحد فلم يضفنا أحد، فدفع إلينا أربعة أعنز فقال: يا مقداد، خذ هذه فاحتلبها

فجزئها أربعة أجزاء، جزءاً لي، وجزءاً لك، وجزأين لصاحبيك، فكنت أفعل ذلك. فلما كان ذات ليلة، شربت جزئي، وشرب صاحباي جزأيهما، وجعلت جزء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القعب وأطبقت عليه، فاحتبس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت في نفسي: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد دعاه أهل بيت من المدينة فتعشى معهم، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يحتاج إلى هذا اللبن، فلم تزل نفسي تزيدني حتى قمت إلى القعب فشربت ما فيه. فلما تقار في بطني أخذني ما قدم وما حدث، فقالت لي نفسي: يجيء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو جائع ظمآن، فيرفع القعب فلا يجد فيه شيئاً، فيدعو عليك، فتسجيت كأني نائم، وما كان بي نوم، فجاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسلم تسليمة أسمع اليقظان، ولم يوقظ النائم، فلما لم ير في القعب شيئاً رفع رأسه إلى السماء قالك اللهم أطعم من أطعمنا، واسق من سقانا، فاغتنمت دعوة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخذت الشفرة وأنا أريد أن أذبح بعض تلك الأعنز فأطعمه، فضربت بيدي فوقعت على ضرعها فإذا هي حافل، ثم نظرت إليهن جميعاً فإذا هن حفل، فحلبت في القعب حتى امتلأ ثم أتيته، وأنا أبتسم فقال: هيه بعض سوآتك يا مقداد! فقلت: يا رسول الله، اشرب ثم أخبر، فسرب ثم شربت ما بقي منه ثم أخبرته، فقال: يا مقداد، هذه بركة كان ينبغي لك أن تعلمني حتى توقظ صاحبينا فنسقيهما من هذه البركة. قال: قلت: يا رسول الله، إذا شربت أنت وأنا البركة فما أبالي من أخطأت. وعن أبي بكر الصديق قال: خرجت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة، فانتهينا إلى حي من أحياء العرب، فنظر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بيت منتحٍ فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة، فقالت: يا عبدي الله، إنما أنا امرأة وليس معي أحد، فعليمكا بعظيم الحي إن أردتما القرى، قال: فلم نجبها وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز له يسوقها، فقالت: يا بني انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما: تقول لكم أمي اذبحا هذه وكلا وأطعمانا. فلما جاء قال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انطلق بالشفرة وجيئني بالقدح. قال: إنها قد غربت وليس لها لبن، قال: فانطلق فجاء بقدح، فمسك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضرعها ثم حلب حتى ملأ القدح ثم قال:

انطلق به إلى أمك فشربت حتى رويت ثم جاء به، فقال: انطلق بهذه وجيئني بأخرى، ففعل بها كتلك، ثم سقى الغلام، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك ثم سقا أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فبتنا ليلتنا ثن انطلقنا، فكانت تسمية المبارك. وكثرت غنمها حتى حلبت حلباً إلى المدينة، فمر أبو بكر فرآه ابنها فعرفه، فقال: يا أمه، إن هذا الرجل الذي كان مع المبارك فقامت إليه فقالت: يا عبد الله، من الرجل الذي كان معك؟ قال: وما تدرين من هو؟ قالت: لا. قال: هو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالت: فأدخلني عليه. قال: فأدخلها عليه فأطعمها وأعطاها. وعن نافع: أنه كان مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زهاء أربع مئة رجل، فنزل بنا على نمير ماء، فكأنه اشتد على الناس، ورأوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل فنزلوا إذ أقبلت عنز تمشي، حتى أتت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محددة القرنين. قال: فحلبها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فأروى الجند وروي. قال: ثم قال: يا نافع، املكها وما أراك تملكها، قال: فأخذت عوداً فركزته في الأرض قال: وأخذت رباطاً فربطت الشاة، فاستوثقت منها. قال: ونام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونام الناس، ونمت. قال: فاستيقظت، فإذا الحبل محلول وإذا لا شاة. قال: فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته. قال: قلت: الشاة ذهبت، فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا نافع، أوما أخبرتك أنك لا تملكها، إن الذي جاء بها هو الذي ذهب بها. وعن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض سكك المدينة. قال: فمررنا بخباء أعرابي وإذا ظبية مشدودة إلى الخباء فقالت الظبية: يا رسول الله، إن هذا الأعرابي قد اصطادني وإن لي خشفين في البرية وقد تعقد اللبن في أخلافي، فلا هو يريحني فأستريح، ولا يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية. فقال لها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن تركتك، ترجعين؟ قالت: نعم، وإلا عذبني الله عذاب العشار قال: فأطلقها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يلبث

أن جاءت تلمظ. فشدها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الخباء، وأقبل الأعرابي ومعه قربة، فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أتبيعنيها؟ فقال: هي لك يا رسول الله، فأطلقها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال زيد بن أرقم: فأنا والله رأيتها تسيح في البرية وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن علي بن أبي طالب قال: بينما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مجلسه يحدث الناس بالثواب والعقاب، والجنة والنار، والبعث والنشور، إذ أقبل أعرابي من بني سليم، بيده اليمنى عظام نخرة، وفي يده اليسرى ضبٌ، فأقبل بالعظام فوضعها بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم عركها برجله ثم قال: يا محمد، ترى ربك يعيدها خلقاً جديداً؟ فأراد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جوابه ثم انتظر الإجابة من السماء فنزل جبريل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلقٍ عليم " فقرأها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الأعرابي، فقال: واللات والعزى، ما اشتملت أرحام النساء ولا أصلاب الرجال على ذي لهجة أكذب منك ولا أبغض إلي منك، ولولا أن قومي يدعوني عجولاً لقتلتك، ولسررت بقتلك الأسود والأبيض من بني هاشم، فهم به علي بن أبي طالب. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. يا علي، أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبياً؟ فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا أعرابي، بئس ما جئتنا به، وسوء ما تستقبلني به، والله إني لمحمود في الأرض، أمين في السماء عند الملائكة، فقام الأعرابي: ورمى الضب في حجر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: والله لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الضب، فأخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذنبه ثم قال: يا ضب، قال: لبيك يا زين من وافى يوم القيامة، قال: من تعبد؟ قال: أعبد الله الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة ثوابه، وفي النار عذابه، قال: من أنا؟ قال: أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، حتى نسبه إلى إبراهيم عليه السلام، أنت رسول الله لا يحرم من صدقك، وخاب من صدقك، فولى الأعرابي وهو يضحك، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنا لله وإنا به نستهدي فرجع إليه فقال: بأبي وأمي

ليس الخبر كالمعاينة، أنا أشهد بلحمي ودمي وعظامي أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جئتنا كافراً وترجع مؤمناً، هل لك من مال؟ قال: والذي بعثك بالحق رسولاً ما في بني سليم أفقر مني ولا أقل شيئاً مني، فقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: من عنده راحلة تحمل أخاه عليها؟ فقام عدي بن حاتم الطائي فقال: يا رسول الله، عندي ناقة وبراء حمراء عشراء إذا أقبلت دفت، وإذا أدبرت دفت، أهداها إلي أشعث بن وائل غداة قدمت معك من غزوة تبوك، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لك عندي ناقة من درة بيضاء. وفي حديث آخر: قال الأعرابي: لا أتبع أثراً بعد عين، والله لقد جئتك وما على ظهر الأرض أحد أبغض إلي منك، وإنك اليوم أحب إلي من والدي ومن عيني ومني، وإني لأحبك بداخلي وخارجي وسري وعلانيتي، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الحمد لله الذي هداك بي، إن هذا الدين يعلو ولا يعلى عليه، ولا تقبل الصلاة إلا بقرآن، قال: فعلمني، فعلمه: " قل هو الله أحد " قال: زدني، فما سمعت في البسيط ولا الوجيز أحسن من هذا، قال: يا أعرابي، إن هذا لكلام الله تعالى، ليس بشعر، إنك إن قرأت " قل هو الله أحد " مرة كان لك كأجر من قرأ ثلث القرآن، وإن قرأت مرتين كان لك كأجر من قرأ ثلثي القرآن، وإذا قرأتها ثلاث مرات كان لك كأجر من قرأ القرآن كله. قال الأعرابي: نعم الإله إلهنا، يقبل اليسير ويعطي الجزيل، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألك مال؟ قال: ما في بني سليم قاطبة رجل هو أفقر مني، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه: أعطوه، قال: فأعطوه حتى أبطروه، فقام عبد الرحمن بن عوف وقال يا رسول الله، إن لي ناقة عشراء دون البختيّ، وفوق الأغراء، تلحق ولا تلحق، أهديت إليّ يوم تبوك، أتقرب بها إلى الله عز وجل وأدفعها إلى الأعرابي فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قد وصفت ناقتك، فأصفُ ما لك عند الله تعالى يوم القيامة؟ قال: نعم. قال: لك ناقة من درة جوفاء، قوائمها من زبرجد أخضر، وعنقها من زبرجد أصفر، عليها هودج، وعلى الهودج السندس والاستبرق، وتمر بك على الصراط كالبرق الخاطف،

يغبطك بها كل من رآك يوم القيامة، فقال عبد الرحمن: قد رضيت. فخرج الأعرابي فلقيه ألف أعرابي من بني سليم على ألف دابة، معهم ألف سيف وألف رمح، فقال لهم: أين تريدون؟ قالوا: نذهب إلى هذا الذي سفه آلهتنا فنقتله، قال: لا تفعلوا، أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فحدثهم الحديث، فقالوا بأجمعهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم دخلوا، فقيل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتلقاهم بلا رداء، فنزلوا عن ركبهم يقبلون حيث ولوا منه وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم قالوا: يا رسول الله، مرنا بأمرك. قال: كونوا تحت راية خالد بن الوليد، فلم يؤمن من العرب ولا من غيرهم ألفٌ غيرهم. وعن ابن عباس قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد الحاجة أبعد. قال: فذهب يوماً فقعد تحت شجرة فنزع خفيه ولبس أحدهما، فجاء طير فأخذ الخف الآخر فحلق به في السماء، فانسكب منه أسود سالخ، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هذه كرامة أكرمني الله تعالى بها، اللهم، إني أعوذ بك من شر من يمشي على رجلين، ومن شر من يمشي على أربع، ومن شر من يمشي على بطنه ". وعن عائشة قالت: كان لآل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحش، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا خرج لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا حس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد دخل ربض، فلم يترمرم ما دام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البيت مخافة أن يؤذيه. وعن معرض بن معقيب قال: حججت حجة الوداع، فدخلت داراً بمكة، فرأيت فيها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأن وجهه دارة القمر، وسمعت منه عجباً: جاءه رجل من أهل اليمامة بصبي يوم ولد قد لفه في خرقة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

يا غلام، من أنا؟ قال: أنت رسول الله، قال: صدقت، بارك الله فيك، قال: ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شب. قال: قال أبي: فكنا نسميه مبارك اليمامة. وعن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الجن وما رآهم. انطلق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فردعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟! قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهم عائدون إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، قال: فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا " إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً " فأوحى الله عز وجل إلى نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ". وعن ابن عباس قال: كان لكل قبيلة من الجن مقعد من السماء يستمعون فيه الوحي، وكان الوحي إذا نزل سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان، يعني: الحجر. فلا ينزل على سماء إلا صعقوا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير، فإذا نزل الوحي إلى سماء الدنيا صعقوا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير. قال: ثم يقال: يكون العام كذا، ويكون العام كذا، فتسمع الجن ذلك فتخبر به الكهنة، فتخبر الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا. قال: فلما بعث الله رسوله دحروا. قال: فقالت العرب: هلك من في السماء. فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيراً، وصاحب البقر يذبح كل يوم بقرة، وصاحب الشاء يذبح كل يوم شاة حتى أسرعوا في أموالهم. فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب: يا أيها الناس. أمسكوا عليكم أموالكم، فإنه

لن يهلك من في السماء، وإن هذا ليس بانتشار، أليس ترون إلى معالمكم من النجوم كما هي. فقال إبليس: لقد حدث اليوم حدث. ائتوني من تربة الأرض، فأتوه من تربة كل أرض فجعل يشمها حتى أتي من تربة مكة فشمها، فقال: من هاهنا قد حدث الحدث فنظروا فإذا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد بعث. وعن أبي كعب قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي إلى جزع، وكان المسجد عريشاً، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجال من أصحابه: يا رسول الله، نجعل لك شيئاً تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس، ويسمع الناس خطبتك، فقال: نعم، فصنع له ثلاث درجات فقام عليها كما كان يقوم، فأصغى إليه الجذع فقال: اسكن، ثم التفت فقال: إن تشأ أن أعرشك في الجنة فيأكل منك الصالحون، وإن تشأ أن أعيدك رطباً كما كنت، فاختار الآخرة على الدنيا. فلما قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دفع إلى أُبي، فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة. وفي رواية أخرى: فلما أراد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقوم على المنبر مر إلى الجذع الذي كان يخطب إليه. فلما جاوز الجذع خار حتى تصدع وانشق، فنزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سمع صوت الجذع، فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر. وكان إذا صلى صلى عليه، فلما هدم المسجد وغير أخذ ذلك الجذع أبيُّ بن كعب. فكان عنده في بيته حتى بلي، وأكلته الأرضة، وعاد رفاتاً. وفي حديث جابر بن عبد الله: فحنث الخشبة حنين الناقة الخلوج. وفي رواية: حنين الناقة على ولدها. وفي رواية: وإن الجذع الذي كان يقوم عليه أن كما يئن الصبي، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن هذا يبكي لما فقد من الذكر.

وفي رواية عن الحسن: فحن الجذع، فأتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاحتضنه فسكن، فقال عليه السلام: لولم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة. وروى الحسن عن أنس بن مالك قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة مسنداً ظهره إليها. فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبراً، فبنوا له منبراً له عتبتان. فلما قدم على المنبر يخطب حنت الخشبة إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال أنس: وأنا في المسجد فسمعت الخشبة تخن. وفي رواية: حنت الواله، فما زالت تحن حتى نزل إليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاحتضنها فسكنت. قال: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله، الخشبة تحن إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شوقاً إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه. وعن عمر قال: كنا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزاة فقلنا: يا رسول الله؛ إن العدو قد حضر، وهم شباع والناس جياع، فقالت الأنصار: ألا ننخر نواضخنا فنطعمها الناس؟ فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كان معه فضل طعامٍ فليجئ به، فجعل الرجل يجيء بالمد والصاع وأقل وأكثر، فكان جميع ما في الجيش بضعاً وعشرين صاعاً. فجلس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى جنبه فدعا بالبركة، وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خذوا ولا تنتهبوا، فجعل الرجل يأخذ في جرابه وغرارته، وأخذوا في أوعيتهم، حتى إن الرجل ليربط كم قميصه فيملأه. ففرغوا والطعام كما هو. ثم قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يأتي بهما عبد محقّ إلا وقاه الله حر النار. وعن أنس بن مالك: أن أبا طلحة لما رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاوياً جاء إلى أم سليم فقال: إني رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاوياً. هل عندك شيء؟ قالت: عندنا نحو مدّ دقيق شعير. قال: فاعجنيه وأصلحيه عسى أن ندعو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيأكل منه. قال: فعجنته وخبزته. قال: فجاء قرصاً، فقال لي: ادع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فأتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه ناس قال مبارك: أحسبه قال: بضعة وثمانون فقلت: يا رسول الله، أبو طلحة يدعوك، فقال لأصحابه: أجيبوا أبا

طلحة، قال: فجئت مسرعاً حتى أخبرته أنه قد جاء وأصحابه. قال: فقال: والله لرسول الله أعلم بما في بيتي مني، فاستقبله أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، والله ما عندنا شيء إلا قريص رأيتك طاوياً، فأمرت أم سليم فجعلت لك قرصاً. قال: فدعا بالقرص ودعا بجفنةٍ، فوضعه فيها فقال: هل من سمن؟ فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء. قال: فجاء بها فجعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو طلحة يعصرانها حتى خرج شيء، فمسح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به سبابته، ثم مسح القرص ثم قال: بسم الله، فانتفخ القرص، فلم يزل يصنع ذلك والقرص ينتفخ، حتى رأيت القرص في الجفنة يتميع، فقال: ادع لي عشرة من أصحابي، فدعوت له عشرة، فوضع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده وسط القرص وقال: كلوا بسم الله، فأكلوا حوالي القرص حتى شبعوا، ثم قال: ادع لي عشرة أخرى. قال: فدعوت له عشرة أخرى، فقال: كلوا باسم الله، فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا، فلم يزل يدعو عشرة عشرة، يأكلون من ذلك القرص، حتى أكلوا وأكل منه بضعة وثمانون رجلاً من حوالي القرص حتى شبعوا. قال: وأن وسط القرص حيث وضع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده كما هو. وعن ثابت قال: قلت لأنس: يا أنس، أخبرني بأعجب شيء رأيته. قال: نعم، يا ثابت، خدمت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشر سنين فلم يعير علي شيئاً أسأت فيه، وإن نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما تزوج زينب بنت جحش قالت لي أمي: يا أنس، إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصبح عروساً، ولا أدري وقيل: لا أرى أصبح له غداء فهلم تلك العكة، فأتيتها بالعكة وبتمر فجعلت له حيساً، فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وامرأته. فلما أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتور من حجارة فيه ذلك الحيس قال: ضعه في ناحية البيت فادع أبا بكر وعمر وعلياً وعثمان، ونفراً من أصحابه. ثم قال: ادع لي أهل المسجد، ومن رأيت في الطريق. قال: فجعلت أتعجب من قلة الطعام ومن كثرة ما يأمرني أن أدعو الناس، فكرهت أن أعصيه حتى امتلأ البيت والحجرة، فقال: يا أنس، هل ترى من أحد؟ فقلت: لا يا نبي الله، قال: هات ذلك التور، فجئت بذلك التور، فوضعته قدامه فغمس ثلاث أصابع في التور نحو ما جئت به، قال: ضعه قدام زينب، فخرجت وأسقفت باباً من جريد. قال

ثابت: قلنا لأنس: كم ترى كان الذين أكلوا من ذلك التور؟ قال: حسبت واحداً وسبعين أو اثنين وسبعين. وعن أنس بن مالك عن أمه قال: كانت لنا شاة، وفجمعت عن سمنها عكة، فملأت العكة ثم بعثت بها مع ربيبة فقالت: يا ربيبة، ابلغي هذه العكة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتأدم بها، فانطلقت بها ربيبة حتى أتت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله، هذه سمن بعثت بها إليك أم سليم. قال: فرغوا لها عكتها، ففرغت العكة، فدفعت إليها، فانطلقت بها فجاءت وأم سليم ليست في البيت، فعلقت العكة على وتد، فجاءت أم سليم، فرأت العكة ممتلئة، تقطر، فقالت أم سليم، يا ربيبة، أليس أمرتك أن تنطلقي بها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! فقالت: قد فعلت، وإن لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فانطلقت أم سليم. ومعها ربيبة فقالت: يا رسول الله، إني بعث إليك معها بعكة فيها سمن. قال: قد فعلت، قد جاءت بها، فقالت: والذي بعثك بالهدى ودين الحق إنها ممتلئة تقطر سمناً، قال، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يا أم سليم، أتعجبين أن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه؟ كلي وأطعمي. قالت: فجئت إلى البيت فقسمت في قعبٍ لنا كذا وكذا، وتركت فيها ماائتدمنا به شهراً أو شهرين. وعن أبي أيوب الأنصاري قال: صنعت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأبي بكر طعاماً قدر ما يكفيهما فأتيتهما به فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار قال: فشق ذلك علي، ما عندي شيء أزيده، قال: فكأني تثاقلت، فقال: اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار فدعوتهم فجاؤوا، فقال: اطعموا، فأكلوا حتى صدروا، ثم شهدوا أنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم بايعوه قبل أن أن يخرجوا، ثم قال: اذهب فادعوا لي ستين من أشراف الأنصار. قال أبو أيوب: فوالله لأنا بالستين أحرد مني بالثلاثين قال: فدعوتهم، قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترفعوا، فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله، فبايعوه قبل أن يخرجوا. قال: فاذهب فادع لي تسعين من الأنصار. قال: فلأنا أحرد بالتسعين والستين مني بالثلاثين،

قال: فدعوتهم، فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبايعوه قبل أن يخرجوا. قال: فأكل من طعامي ذلك مئة وثمانون رجلاً، كلهم من الأنصار. وعن أبي هريرة قال: كنا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسير، فنفدت أزواد القوم. قال: حتى هم بنحر بعض حمائلهم، قال: فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت مابقي من أزواد القوم فدعوت الله عز وجل عليها، ففعل، فجاء ذو التمر بتمرة وذو البرببره وقال مجاهد: ورب النوى بنواه قال: فقلت: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: يمضغونه ويشربون عليه الماء. قال: فدعا عليها حتى ملأ القوم أزوادهم. قال: فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله عبدٌ غير شاكٍّ فيها دخل الجنة. وعن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثين ومئة، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل مع أحدٍ منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه. فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعانّ طويل بغنمٍ يسوقها. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ياذا، بيع أو عطية، أو قال: هبة. قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة، وأمر بها فصنعت ثم أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسواد البطن أن يشوى، وايم الله، ما من الثلاثين والمئة إلا قد حز له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حزة من سواد بطنها، إن كان شاهداً أعطاه، وإن كان غائباً خبأ له. قال: وجعل منها قصعتين، فأكلنا أجمعون وشبعنا، وفضل في القصعتين فحمله على البعير. أو كما قال. وعن أبي رجاء قال: خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى دخل حائطاً لبعض الأنصار، فإذا هو يسنو فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسل: ما تجعل لي إن أرويت حائطك هذا؟ قال: إني أجهد أن أرويه، فما أطيق ذلك. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تجعل لي مئة تمرة أختارها من تمرك؟ قال: نعم، فأخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغرب، فما لبث أن أرواه، حتى قال الرجل: غرقت حائطي. فاختار

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تمره مئة تمرة قال: فأكل هو وأصحابه حتى شبعوا ثم رد عليه مئة تمرة كما أخذها منه. وعن ابن عباس قال: أصبح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوماً فقال: هل من ماء، هل من شن؟ قال: فجاؤوا بشنٍّ فوضع بين يديه، فوضع يده عليه السلام وفرق أصابعه، فنبع الماء من بين أصابع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا بلال، اهتف بالناس للوضوء، فأقبلوا يتوضؤون من بين أصابع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكانت همة ابن مسعود الشرب. فلما توضأ صلى الصبح ثم قعد للناس، فقال: أيها الناس، من أعجب الخلق إيماناً؟ قالوا: الملائكة، قال عليه السلام: وكيف لا يؤمن الملائكة وهم يعلمون الأمر؟ قالوا: فالنبيون يا رسول الله، قال: وكيف لا يؤمن النبيون والوحي ينزل عليهم من السماء. قالوا: فأصحابك يا رسول الله، قال: وكيف لايؤمن أصحابي وهم يرون ما يرون؟ ولكن أعجب الناس إيماناً قوم يجيئون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني. أولئك إخواني. وعن ابن عباس قال: أصبح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم، وليس في العسكر ماء، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، ليس في العسكر ماء، قال: هل عندك شيء؟ قال: نعم، قال: فائتني به. قال: فأتاه بإناء فيه شيء من ماء قليل، قال: فجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصابعه على فم الإناء، وفتح أصابعه قال: فانفجرت من بين أصابعه عيون، وأمر بلالاً، فقال: نادِ في الناس: الوضوء المبارك. وعن أنس: أن نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بالزوراء فأتي بإناء فيه ماء، لا يغمر أصابعه أو قال: ما يواري أصابعه فأمر أصحابه أن يتوضؤوا، ووضع كفه في الماء، فجعلنا نرى الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضأ القوم. قلنا لأنس: كم كنتم يومئذ؟ قال: ثلاث مئة أو زهاء ثلاث مئة.

وعن أبي قتادة قال: خطبنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إنكم ستسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء إن شاء الله غداً. فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد. قال أبو قتادة: فبينما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسير حتى ابهار الليل، وأنا إلى جنبه. قال: فنعس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمال عن راحلته، فأتيته، فدعمته من غير أن أوقظه، حتى اعتدل على راحلته، ثم سار حتى ابهار الليل، فمال عن راحلته. قال: ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الأوليين حتى كاد أن ينجفل فأتيته فدعمته فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قال: أبو قتادة. قال: متى كان هذا مسيرك مني؟ قلت: مازال هذا مسيري منك الليلة، فقال: حفظك الله بما حفظت به نبيه، قال: هل ترانا نخفى على الناس؛ ثم قال: هل ترى من أحد؟ قلت: هذا راكب، ثم قلت: هذا راكب آخر حتى اجتمعنا، فكنا سبعة ركب فعدل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الطريق فوضع رأسه ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا. قال: وكان أول من استيقظ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والشمس في ظهره، فقمنا فزعين ثم قال: اركبوا فركبنا، فسرنا حتى ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء. قال: فتوضأ منها وضوءاً دون وضوء. قال: وبقي فيها شيء من ماء. قال: ثم قال لأبي قتادة: احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ. ثم أذن بلال للصلاة، فصلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركعتين ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم. قال: وركب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وركبنا معه. قال: فجعل بعضنا يهمس إلى بعض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا. قال: أما لكم فيّ أسوة حسنة؟ ثم قال: إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى. فمن فعل ذلك فليصلها حتى ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها، ثم قال: ما ترون الناس صنعوا؟ ثم قال: أصبح الناس فقدوا نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقال أبو بكر وعمر: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعدكم لم يكن ليخلفكم، وقال الناس: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أيديكم، فإن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا، وقال: فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار

وحمي كل شيء وهم يقولون: يا رسول الله، هلكنا عطشاً، قال: لا هلك عليكم ثم قال: أطلقوا لي غمري. قال: ودعا بالميضأة فجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصب، وأبو قتادة يسقيهم. قال: فلم يعد أن رأى الناس ما في الميضأة فتكابّوا عليها. فقال رسول الله: أحسنوا الملا، كلكم سيروى. قال: ففعلوا، فجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصب ويسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فعرض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لي: اشرب، فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله. قال: إن ساقي القوم آخرهم. قال: فشربت وشرب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فأتى الناس الماء جامين رواء. قال عبد الله بن رباح: إني لأحدث بهذا الحديث في المسجد الجامع إذ قال عمران بن حصين: انظر أيها الفتى كيف تحدث عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإني أحد الَّركب تلك الليلة. قال: قلت: فأنت أعلم بالحديث. قال: فقال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار. قال: حدث فأنت أعلم بحديثكم. قال: فحدثت القوم فقال عمران بن حصين: لقد شهدت تلك الليلة، وما شعرت أن أحداً حفظه كما حفظته. وعن عمران بن حصين قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنا أسرينا ليلةً حتى إذا كان في آخر الليل وقعنا تلك الوقعة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها. قال: فما أيقظنا إلا حر الشمس، قال: وكان أول من استيقظ فلان ثم فلان يسميهم أبو رجاء ونسيهم عوف قال: ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نام لم يوقظ حتى يستيقظ، لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر بن الخطاب رأى ما أصاب الناس. قال: وكان رجلاً أجوف جليداً. قال: فكبر ورفع صوته بالتكبير حتى استيقظ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما استيقظ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شكوا إليه الذي أصابهم. قال: لا ضير أو لا يضير ارتحلوا. قال:

فارتحلوا، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بوضوء فتوضأ، ثم نودى بالصلاة فصلى بالناس. فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصلِّ مع الناس، فقال: ما يمنعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: يا رسول الله، أصابتني الجنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك. ثم سار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واشتكى إليه العطش، ثم دعا فلاناً وكان يسميهم أبو رجاء ونسيه عوف ودعا علياً فقال: اذهبا وابغيا الماء. قال: فانطلقنا فتلقينا امرأة بين مزداتين أو سطيحتين، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة ونفرنا خلوف. قال: فقالا: انطلقي. فقالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قالت: هذا الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين. فانطلقي، فجاآ بها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحدثاه الحديث. قال: فاستنزلها عن بعيرها، ودعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإناء فأفرغ فيه من أفواه المزادتين، أو السطيحتين، ثم أوكأ أفواههما وأطلق العزالي ثم نادى في الناس أن استقوا واسقوا، قال: فسقى من شاء، واستقى من شاء. قال: وكان آخر ذلك أن أعطى من أصابته الجنابة إناء من ماء. قال: اذهب فأفرغه عليك. قال: والمرأة قائمة تنظر ما يفعل بمائها. قال: وايم الله لقد أقلع عنها حين أقلع، وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملاً منها حين ابتدئ فيها. قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجمعوا لها، فجمع لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة، حتى جمعوا لها زاداً، فجعلوه في ثوب، فحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أتعلمين والله إنا ما رزأناك من مائك شيئاً، ولكن الله هو سقانا. قال: فأتت أهلها، وقد احتبست عليهم فقالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، أتاني رجلان فذهبا بي إلى الذي يقال له الصابئ ففعل بمائي كذا وكذا، بالذي قد كان. فوالله إنه لأسحر من بين هذه وهذه بأصبعيها الوسطى والسبابة، ترفعها إلى السماء تعني السماء والأرض، أو أنه لرسول الله حقاً. قال: فكان المسلمون يغيرون على المشركين حولها ولا يصيبون الصرم الذي هي فيه. فقالت تومئ لقومها: ما أرى هؤلاء القوم يدعونكم عمداً، هل لكم في الإسلام فأطاعوها، فجاؤوا جميعاً فدخلوا في الإسلام.

وعن ثابت قال: قلت لأنس: حدثني بشيء من هذه الأعاجيب لا تحدثه عن غيرك قال: صلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوماً الظهر بالمدينة، ثم أتى المقاعد التي كان يأتيه عليها جبريل، فقعد عليها، فجاء بلال فنادى بالعصر، فقام من له أهلٌ بالمدينة يتوضؤون فيقضون حوائجهم، وبقي رجال من المهاجرين، لا أهل لهم بالمدينة، فأتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقدح رحراح وقال ابن المقرئ: أروح فيه ماء فوضع أصابعه في القدح، فما وسع أصابعه كلها، فوضع هؤلاء الأربع وقال: هلموا، فتوضؤوا أجمعون، فقلت لأنس: كم تراهم؟ قال: ما بين السبعين إلى الثمانين. وفي رواية: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. وعن أنس بن مالك: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ حصيات في يده، فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في يد أبي بكر فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في يد عمر فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعنا التسبيح، ثم صيرهن في أيدينا رجلاً رجلاً فما سبحت حصاة منهنّ. وعن أنس: أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من بابٍ كان نحو دار القضاء، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائم على المنبر يخطب، فاستقبل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائماً ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا. قال: فرفع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحابٍ ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيتٍ ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس. فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال أنس: فلا والله ما رأينا السماء سبتاً. قال: ثم دخل رجل

من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائم يخطب، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله أن يمسكها عنا. قال: فرفع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية، ومنابت الشجر. قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس. قال شريك: فسألت أنساً: أهو الرجل الأول فقال: لا أدري. وفي رواية: فتقشعت على المدينة فجعلت تمطر حواليها. قال: ولقد رأيت المدينة وإنها لفي مثل الإكليل. وعن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، والله لقد أتيتك وما لنا بعير يئطّ، ولا صبي يصطبح وأنشده: الطويل أتيناك والعذراء تدمى لثاتها ... وقد شغلت أمُّ الصبيِّ عن الطفل وألقى بكفيه الفتى استكانةً ... من الجوع ضعفاً ما يمرُّ وما يحلى ولا شيء مما يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العاميّ والعلهز الفسل وليس لنا إلاّ إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلاّ إلى الرسل قال: فقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو يجر رداءه حتى صعد المنبر، ثم رفع يديه نحو السماء، وقال: " اللهم اسقنا غيثناً مغيثاً، مرئياً مريعاً، غدقاً طبقا عاجلاً غير

رائث، نافعاً غير ضار، تملأ به الضرع، وتنبت الزرع، وتحيي به الأرض بعد موتها، " وكذلك تخرجون ". قال: فوالله ما ردّ يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأرواقها، وجاء أهل البطانة يصيحون: يا رسول الله، الغرق الغرق، فرفع يديه إلى السماء وقال: " اللهم حوالينا ولا علينا "، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل، فضحك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بانت نواجذه ثم قال: " لله درّ أبي طالب، لو كان حياً قرت عيناه، من ينشدنا قوله "؟ فقام علي بن أبي طالب وقال: يا رسول الله، كأنك أردت: الطويل وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشمٍ ... فهم عنده في نعمةٍ وفواضل كذبتم وبيت الله يبزى محمدٌ ... ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل قال: وقام رجل من كنانة فقال: المتقارب لك الحمد والحمد ممن شكر ... سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوةً ... إليه وأشخص منه البصر فلم يك إلاّ كإلقا الرداء ... أو أسرع حتى رأينا الدِّرر دفاق العزاليّ جمّ البعاع ... أغاث به الله علينا مضر وكان كما قاله عمه ... أبو طالبٍ أبيضٌ ذو غرر به الله يسقي بصوب الغمام ... وهذا العيان كذاك الخبر ومن يشكر الله يلق المزيد ... ومن يكفر الله يلق الغير

فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت. حدث جلهمة بن عرفطة قال: إني لبالقاع من نمرة إذ أقبلت عير من أعلى نجد. فلما حاذت الكعبة إذا غلام قد رمى بنفسه من عجز بعير فجاء حتى تعلق بأستار الكعبة، ثم نادى: أيا رب البنيّة، أجرني، وإذا شيخ جندعي عشمة محدود قد جاء، فانتزع يده من أسجاف الكعبة، فقام إليه شيخ وسيم قسيم عليه بهاء الملك، ووقار الحكماء فقال: ما شأنك يا غلام، فأنا من آل الله وأجير من استجار به فقال: إن أبي مات وأنا صغير، وإن هذا استعبدني، وقد كنت أسمع أن لله بيتاً يمنع من الظلم. فلما رأيته استجرت به، فقال له القرشي: قد أجرتك يا غلام. قال وحبس الله يد الجندعي إلى عنقه. قال جلهمة بن عرفطة: فحدثت بهذا الحديث عمرو بن خارجة وكان في قعدد الحي فقال: إن لهذا الشيخ لنبأ، يعني: أبا طالب، قال: فهربت رحلي نحو تهامة، اكسع بها الخدود، وأعلو بها الكذّان حتى انتهيت إلى المسجد الحرام وإذا قريش عزين قد ارتفعت لهم ضوضاء يستسقون، فقائل منهم يقول: اعمدوا للاّت والعزىّ، وقائل منهم يقول: اعمدوا لمناة الثالثة الأخرى. فقال شيخ وسيم قسيم حسن الوجه: حبّذا الرأي، أنى تؤفكون وفيكم باقية إبراهيم وسلالة إسماعيل! قالوا له: كأنك عنيت أبا طالب، قال: إنها. فقاموا بأجمعهم وقمت معهم، فدفعنا عليه بابه، فخرج إلينا رجل حسن الوجه مضفر، عليه إزار قد اتشح به، فثاروا إليه فقالوا: يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلمَّ، فاستسق، فقال: دونكم زوال الشمس، وهبوب الريح. فلما زاغت الشمس أو كادت خرج أبو طالب

ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بأصبعة الغلام، وبصبصت الأغيلمة حوله وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، وأغدق واغدودق، وانفجر له الوادي، وأخصب البادي والنادي. ففي ذلك يقول أبو طالب: الطويل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمةٌ للأرامل يطيف به الهلاّك من آل هاشمٍ ... فهم عنده في نعمةٍ وفواضل وميزان عدلٍ لا يخيس شعيرةً ... ووزان صدقٍ وزنه غير عائل وعن أبي عبد الرحمن الفهري قال: كنت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لأمتي، وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في فسطاطه فقلت: السلام عليك يا رسول الله، ورحمة الله، حان الرواح؟ فقال: أجل، فقال: يا بلال، فثار من تحت شجرة كأنّ ظلِّه ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك، فقال: أسرج لي فرسي، فأخرج سرجاً دفتاه من ليفٍ فيهما أشر ولا بطر. قال: فأسرج. قال: فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا، فلبثنا، وتسامت الخيلان، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله ثم قال: يا معشر المهاجرين، أنا عبد الله ورسوله. قال: ثم اقتحم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن فرسه فأخذ كفاً من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني: ضرب به وجوههم. قال: شاهت الوجوه، فهزمهم الله. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا إلا امتلأت عيناه وفمه تراباً، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الحديد.

وعن أبي زيد بن أخطب قال: مسح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأسي ولحيتي وقال: اللهم جمله، وأدم جماله، فلقد عاش بضعاً ومئة سنة. وما شاب رأسه ولحيته إلا نبذاً، ولقد كان وجهه منبسطاً لم ينقبض. وعن عكاشة بن محصن قال: انقطع سيفي في يوم بدر فأعطاني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عوداً، فإذا هو سيف أبيض طويل، فقاتلت فيه حتى هزم الله المشركين. فلم يزل عنده حتى هلك. وعن عائذ بن عمرو قال: أصابتني رمية وأنا أقاتل بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم حنين، في جبهتي. فلما سالت الدماء على وجهي ولحيتي وصدري تناول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده، فسكت ذلك الدم عن وجهي وصدري إلى ثندوتي ثم دعا لي قال: حسرح، كان يصف لنا من أثر يد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى منتهى ما كان يقول لنا، صدره فإذا غرة سائلة كغرة الفرس. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هل ترون قبلتي هاهنا، فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري ". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي ". وعنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للناس: " أحسنوا صلاتكم، فأني أراكم خلفي كما أراكم قدامي ". وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار في الضوء. وعن عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو جالس في أصحابه فدرت من خلفه، فعرف الذي أريد

فألقى الرداء عن ظهره، فرأيت موضع الخاتم على نغض كتفه مثل الجمع حوله خيلان كأنها الثآليل، فرجعت حتى استقبلته، فقلت غفر الله لك يا رسول الله، فقال: ولك، فقال القوم: استغفر لك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم، ولكم، ثم تلا الآية: " واستغفر لذنبك وللمؤمنين ". وعن جابر بن سمرة قال: رأيت خاتم النبوة بين كتفي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأنه بيضة حمامة. وعن السائب بن زيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع، فمسح برأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى أثر خاتمه بين كتفيه مثل زرّ الحجلة. وعن غياث البكري قال: كنا نجالس أبا سعيد الخدري بالمدينة، فسألته عن خاتم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي كان بين كتفيه، فقال بأصبعه السبابة: هكذا، لحم ناشز بين كتفيه. وفي رواية قال: كان بضعة لحم على لون جسده. وعن ابن عمر قال: كان خاتم النبوة على ظهر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل السرقة من لحم، عليه مكتوب: محمد رسول الله.

ذكر إثبات شفاعته لأهل الكبائر من أمته

ذكر إثبات شفاعته لأهل الكبائر من أمته وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته واختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله يوم القيامة لمن مات لا يشرك بالله شيئاً ". وحدث أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أن لكل نبي شفاعة ودعوةً دعا بها في أمته فاستجيب له. وإني أريد إن شاء الله أن أدّخر دعوتي لأمتي يوم القيامة ". وعن أبي هريرة: في قول الله عز وجل: " عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ". قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ". وعن ابن عباس: في قوله: " عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً " قال: المقام المحمود: مقام الشفاعة. وعن أبي هريرة قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلت: يا رسول الله، ماذا ردّ إليك ربك في الشفاعة؟ قال: "

والذي نفس محمد بيده، لقد ظننت أنك أول من يسألني من ذلك من أمتي لما رأيت من حرصك على العلم، والذي نفس محمد بيده، لما يهمني من انقصافهم على أبواب الجنة أهم عندي من تمام شفاعتي لهم، وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً، وأن محمداً رسول الله، يصدق لسانه قلبه، وقلبه لسانه ". وعن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ". وعن معبد بن هلال العنزي قال: اجتمع رهط من أهل البصرة، وأنا فيهم، فأتينا أنس بن مالك وتشفعنا إليه بثابت البناني، فدخلنا عليه، فأجلس ثابتاً معه على السرير فقلت: لا تسلوه عن شيء غير هذا الحديث، فقال ثابت: يا أبا حمزة، إخوانك من أهل البصرة جاؤوا يسألونك عن حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الشفاعة، فقال: حدثنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيؤتى آدم فيقولون: يا آدم، اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن ائتوا إبراهيم، فإنه خليل الله، فيؤتى إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيؤتى موسى صفوة الله فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيؤتى عيسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأوتى فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي عز وجل، فيؤذن لي عليه فأقوم بين يديه مقاماً، فيلهمني فيه محامد لا أقدر عليها الآن، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له

ساجداً، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: أي ربِّ، أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال برة أو مثقال شعيرة من إيمان فأخرجه. فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً فيقال: يا محمد، ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: أي ربِّ، أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه ذرة أو مثقال خردلة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفَّع، فأقول: أي ربِّ، أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال خردلة من إيمان فأخرجه من النار. فلما رجعت من عند أنس قلت لأصحابي: هل لكم في الحسن؟ وهو مستخف في منزل أبي خليفة في عبد القيس. فأتيناه فدخلنا عليه، فقلنا: جئنا من عند أخيك أنس، فلم نسمع مثل ما حدثنا به في الشفاعة. قال: كيف حدثكم؟ قال: فحدثناه الحديث حتى إذا بلغنا قال: هيه. قلنا: لم يزدنا على هذا. قال: قد حدثنا هذا الحديث، وهو جميع، حدثني منذ عشرين سنة، ولقد ترك شيئاً، فلا أدري أنسي الشيخ أم كره أن يحدثكموه فتتكلوا، حدثني.. ثم قال في الرابعة: ثم أعود فأخر له ساجداً، ثم أحمد بتلك المحامد فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: أي ربِّ، ائذن فيمن قال لا إله إلا الله، بها صادقاً. قال: فيقول: ليس لك، وعزتي وكبريائي وعظمتي. لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله. قال: فأشهد على الحسن لحدثنا بهذا الحديث يوم حدثنا به أنس. وعن أنس بن مالك قال: حدثني نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط إذ حياني عيسى. قال: فقال: هذه الأنبياء عليهم السلام قد جاءتك يا محمد ينسلون أو قال: يجتمعون إليك، فيدعون الله عز وجل أن يفرق جميع الأمم إلى حيث يسأل الله عز وجل لغم ما هم فيه، والخلق ملجمون في العرق. فأما المؤمن فهو عليه كالزُّكمة. وأما الكافر فيغشى من الموت، قال: قال عيسى عليه السلام: انتظر حتى أرجع إليك، قال: ذهب نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقام تحت العرش فلقي ما لم يلق ملك مصطفى، ولا نبي مرسل فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جبريل عليه السلام أن اذهب إلى محمد فقل له. ارفع رأسك. سل تعط. واشفع تشفع. قال: فشفعت في أمتي أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنساناً واحداً. قال: فما زلت أتردد على

ربي، فلا أقوم منه مقاماً إلا شفعت، حتى أعطاني الله عز وجل من ذلك أن قال: يا محمد، أدخل من أمتك من خلق الله من شهد أنه لا إله إلا الله يوماً واحداً، مخلصاً، ومات على ذلك ". وعن ابن عمر قال: تصير الأمم جثىً، كل أمة مع نبيها فيجيء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أمته فيؤتى بهم على كوم مشرف على الأمم كلها فيقال: يا فلان: اشفع فيردها بعضهم إلى بعض حتى ينتهوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذلك قوله: " عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ". وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم. وقال: إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن. فبينما هم كذلك استعانوا بآدم فيقول: لست صاحب ذلك، ثم يأتون موسى فيقول كذلك، ثم بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً، يحمده أهل الجمع كلهم ". وعن أبي نضرة قال: سمعت ابن عباس يخطب على منبر البصرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنه لم يكن نبي إلا وله دعوة ينجزها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، فآدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر، ويطول يوم القيامة على الناس ويشتد حتى يقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبينا آدم أبي البشر ليشفع لنا إلى ربه، فيقضي بيننا، فينطلقون إلى آدم فيقولون: يا آدم، اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا، فيقول آدم: لست هناكم، إني أخرجت من الجنة بخطيئتي، وإنه لا يهمني اليوم إلا

نفسي، ولكن ائتوا نوحاً، فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح، اشفع لنا إلى ربك فيقضي بيننا، فيقول: لست هناكم، إني دعوت دعوة أغرقت أهل الأرض، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم، اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا فيقول: لست هناكم، إني كذبت في الإسلام ثلاث كذبات قوله: " إني سقيم " وقوله: " بل فعله كبيرهم هذا " وقوله للملك حين مر به فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والله ما أرد بهن إلا عزة لدين الله فإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن ائتوا موسى عبداً اصطفاه الله برسالته وكلمه، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا فيقول: إني لست هناكم، إني قتلت نفساً بغير نفس، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا فيقول: إني لست هناكم، إني اتخذت إلهاً من دون الله، فإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي، أرأيتم لو كان متاع في وعاء مختوم كان يقدر على ما فيه حتى يفض الخاتم؟ فيقولون: لا، فيقول: فإن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتم النبيين وقد حضر، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون فيقولون: يا محمد، اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا، فأقول: أنا لها حتى يأذن الله لمن يشاء ويرضى. فإذا أراد الله أن يقضي من خلقه نادى منادٍ: أين أحمد وأمته؟ أين أحمد وأمته؟ فيجيئون فنحن الأولون الآخرون، آخر من يبعث وأول من يحاسب، فتفرج لنا الأمم عن طريقنا، فنمضي غراً محجلين من آثار الطهور، فتقول الأمم: كادت هذه الأمم أن تكون أنبياء كلها ". وعن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " للأنبياء منابر من ذهب فيجلسون عليها، قال: ويبقى منبري لا أجلس عليه أو قال: لا أقعد عليه قائماً بين يدي ربي، منتصباً بأمتي مخافة أن يبعث بي إلى الجنة، وتبقى أمتي بعدي، فأقول: يا رب، أمتي أمتي. قال: فيقول الله عز وجل: يا محمد، وما تريد أن أصنع بأمتك؟ فأقول: يا رب، عجل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون، فنمهم من يدخل الجنة برحمة الله، ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي، فما أزال

أشفع حتى أعطى صكاكاً برجال قد بعث بهم إلى النار، حتى إن مالكاً خازن النار يقول: يا محمد، ما تركت النار لغضب ربك في أمتك من نقمة ". وعن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أعطيت خمساً ولا أقول فخراً: بعثت إلى الأحمر والأسود. وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً. وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد كان قبلي. ونصرت بالرعب، يسير من أمامي مسيرة شهر. وأعطيت الشفاعة، وادخرتها لأمتي إلى يوم القيامة. وهي إن شاء الله نائلةٌ من لا يشرك بالله شيئاً ". وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ألا كل نبي أعطي عطية فتنجزها، وإني اختبأت عطيتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة ". وعن عبد الله قال: أول من يشفع روح القدس جبريل ثم إبراهيم ثم موسى، ثم يقوم نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رابعاً فيشفع فيما لا يشفع فيه أحد سواه. وعن عبد الله قال: يعذب الله قوماً من أهل الإيمان فتخرجهم شفاعة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يبقى منهم إلا من ذكر الله منهم في القرآن: " ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين " إلى قوله: " فما تنفعهم شفاعة الشافعين " ثم قال: هؤلاء الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين. وعن عبد الله بن مسعود: يشفع نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رابع أربعة: جبريل ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يشفع أحد في أكثر مما يشفع فيه نبيكم، ثم النبيون ثم الصديقون ثم الشهداء. ويبقى قوم في جهنم فيقال لهم: " ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين " وإلى قوله: " فما تنفعهم شفاعة الشافعين ".

قال ابن مسعود: فهؤلاء الذين يبقون في جهنم. وعن ابن عباس: في قوله عز وجل: " ولسوف يعطيك ربك فترضى ". قال: رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة.

ما ضرب لنفسه من المثل وما ظهر من الإكمال للدين ببعثه

ما ضرب لنفسه من المثل وما ظهر من الإكمال للدين ببعثه وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه، وترك منه موضع لبنة، فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون غيرها، فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، فتم بي البنيان، وختم بي الرسل ". وفي حديث آخر: " فأنا ذلك خاتم النبيين ولا نبي بعدي ". وعن جابر بن عبد الله قال: جاءت الملائكة إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو نائم، فقال بعضهم لبعض: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن مثله كمثل رجل بنى داراً فجعل فيها مأدبة، وبعث داعياً: من أجاب الدعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا: أوِّلوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. قالوا: فالدار: الجنة، والداعي محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمن أطاع محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد أطاع الله ومن عصى محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد عصى الله، ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرق بين الناس. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مثلي كمثل رجل استوقد ناراً. فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويتقحمن فيها، فذلكم مثلي ومثلكم. أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقتحمون فيها ".

وعن أبي موسى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن مثل ما آتاني الله عز وجل من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يعقل هدى الله الذي أُرسلت به ". وعن أبي موسى أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن مثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: أني رأيت الجيش، يعني: وإني النذير، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فارتحلوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم فصبّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثلي ومثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذّب بما جئت به من الحق ". وروي عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قومٍ سلكوا مفازةً غبراء لا يدرون، ما قطعوا منها أكثر أم ما بقي منها؟ فحسر ظهرهم، ونفد زادهم، وسقطوا بين ظهراني المفازة، وأيقنوا بالهلكة، فبينا هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه فقالوا: إن هذا لحديث العهد بالريف، فانتهى فقال: ما لكم يا هؤلاء؟ قالوا: ما ترى. حسر ظهرنا، ونفد زادنا، وسقطنا بين ظهراني المفازة، لا ندري ما قطعنا منه أكثر أم ما بقي علينا؟ قال: ما تجعلون لي إن أوردتكم ماء رواء ورياضاً خضراً؟ قالوا: نجعل لك حكمك. قال: تجعلون لي عهودكم ومواثيقكم ألا تعصوني؟ قال: فجعلوا له عهودهم ومواثيقهم ألا يعصوه، فمال بهم فأوردهم رياضاً خضراً وماء روىً. فمكث يسيراً ثم قال: هلموا إلى رياض أعشب من رياضكم وماء أروى من مائكم فقال رجلٌ من القوم: ما قدرنا على هذا حتى كدنا ألا نقدر عليه، وقالت طائفة منهم: ألستم قد جعلتم لهذا الرجل عهودكم ومواثيقكم ألا تعصوه، وقد صدقكم في أول حديثه، وآخر حديثه مثل أوله، فراح وراحوا معه، فأوردهم رياضاً خضراً وماء روىً، وأتى الأخرى العدو من تحت ليلتهم فأصبحوا بين قتيل وأسير ".

ذكر إعزازه بالهجرة إلى المدينة

ذكر إعزازه بالهجرة إلى المدينة عن جرير أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الله تبارك وتعالى أوحى إلي: أي هؤلاء البلاد الثلاث نزلت فهي دار هجرتك: المدينة أو البحرين أو قنسرين ". قال أهل العلم: ثم عزم له على المدينة، فأمر أصحابه بالهجرة إليها. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلمّ بمكة ثم أمر بالهجرة وأنزل عليه: " وقل رب أدخلني مدخل صدقٍ وأخرجني مخرج صدقٍ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ". وعن ابن عباس: في قوله تعالى: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ". قال: تشاورت قريش بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح أثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال بعضهم: اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه عليه السلام على ذلك، فبات علي على فراش النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك الليلة، وخرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً، يحسبون أنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما أصبحوا ثاروا إليه. فلما رأوا علياً ردّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟! قال: لا أدري، فاقتصوا أثره. فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج

العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاثاً. وعن عائشة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين. ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طرفي النهار بكرة وعشياً. فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنّة وهو سيد القارة. فقال له: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، أريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي عز وجل، فقال له ابن الدغنّة: فإن مثلك لا يُخرج، ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة. فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يُخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟! فلم تكذب قريش جوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مُر أبا بكر فليتعبد في داره، وليصل فيها، وليقرأ فيها ما شاء، ولا يؤذنا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر. فلبث أبو بكر بذلك يعبد الله في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا بقراءته في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، فيتعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجزنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجداً بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقري لأبي بكر الاستعلان.

قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاهدت لك عليه، فأما أن تقتصر، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب تسمع العرب أني أُخفرت في رجلٍ عقدت له. فقال أبو بكر فإني أردّ إليك جوارك، وأرضى بجوار الله تبارك وتعالى. ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ بمكة قد قال للمسلمين: قد رأيت أرض هجرتكم، أُريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: هل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للصحبة، وعلف راحلتين كانتا عنده، ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر. قالت عائشة: فبينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منقبعاً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداك أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستأذن، فأُذن له فدخل، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فإني قد أُذن لي في الخروج. قال أبو بكر: للصحابة، بأبي وأمي يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال أبو بكر: فخذ بأبي أنت إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بالثمن. قالت عائشة: فجهزتهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنة أبي بكر نطاقها قطعتين، فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين. ثم لحق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر بغارٍ في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب لقن ثقيف فيدلج من عندهما السحر، فيصبح مع قريشٍ كبائبٍ،

ولا يسمع أمراً إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولىً لأبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل: وهو لبن منحتهما، حتى ينعق عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من الليالي الثلاث. فاستأجر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر رجلاً من بني الدئل وهو ابن عبد العزى بن عدي هادياً خرّيتاً والخريت: الماهر بالهداية قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، وأخذ بهم طريق الساحل. وفي حديث آخر: فحدث عن أسماء بنة أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقال: أين أبوك يا بنة أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده وكان فاحشاً خبيثاً فلطم خدي لطمة، فخرج منها قرطي. قالت: ثم انصرفوا، فمكثنا ثلاث ليالٍ، ما ندري أين توجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يغني بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس ليتبعونه فيسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة يقول: الطويل جزى الله ربُّ الناس خير جزائه ... رفيقين حلاّ خيمتي أم معبد هما نزلا بالبرِّ وارتحلا به ... وأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بني كعبٍ مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت: فلما سمعنا صوته عرفنا حيث وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأن وجهه إلى المدينة، وكانوا أربعة: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أُريقط دليلهما.

وروى زيد بن أرقم بن شعبة وأنس بن مالك: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الغار أمر الله شجرة فخرجت في وجه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تستره، وأن الله بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما، فسترت وجه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمر الله حمامتين وحشيتين فأقبلا يدفان حتى وقعا بين العنكبوت وبين الشجرة. وأقبلت فتيان من قريش، من كل بطن منهم رجل، ومعهم عصيهم وقسيهم وهراوتهم حتى إذا كانوا من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قدر مئتي ذراع قال الدليل سراقة بن مالك بن جعشم المدلحجي: هذا الجحر ثم لا أدري أين وضع رجله؟ فقال الفتيان: أنت لم تخط منذ الليلة حتى أصبحنا فقال: انظروا في الغار، فاستقدم القوم حتى إذا كانوا من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قدر خمسين ذراعاً فإذا الحمامتان فرجع، فقالوا: ما ردك أن تنظر في الغار؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد، فسمعها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعرف أن الله تبارك وتعالى درأ عنهما بهما فسمت عليهما وأخذهما إلى الحرم، فأفرخا كما ترى. وحدث أبو بكر رضي الله عنه قال: جاء رجل من المركز حتى استقبل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعورته يبول، قال: قلت: يا رسول الله، أليس الرجل يرانا؟ قال: لو رآنا لم يستقبلنا بعورته. يعني: وهما في الغار. وعن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر يستخفيان في الغار مرّا بعبد يرعى غنماً، فاستسقياه من اللبن، فقال: والله ما لي شاة تحلب، غير أن ههنا عتاقاً حملت أوان الشتاء فما بقي لها لبن، وقد افتجت فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ائتنا بها، فدعا عليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالبركة، ثم حلب عشاء، فسقي أبا بكر، ثم حلب آخر فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال العبد: بالله من أنت؟ ما رأيت مثلك قط، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أو تراك إن أخبرتك تكتم عليّ؟ قال: نعم. قال: إني محمد رسول الله. قال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: وإنهم ليقولون ذلك. قال: فإني أشهد أنك لرسول الله، وأن ما جئت

به حق، وأنه ليس يفعل ما فعلت إلا نبي، ثم قال: أتبعك؟ قال: لا، حتى تسمع أنا قد ظهرنا، فإذا بلغك ذلك فاخرج. فتبعه بعدما خرج من الغار. وعن جابر بن عبد الله قال: لما خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار، فإذا في الغار جحر فألقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح، مخافة أن يخرج على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منه شيء. فأقاما في الغار ثلاث ليالٍ ثم خرجا حتى نزلا خيمات أم معبد، فأرسلت إليه أم معبد: إني أرى وجوهاً حساناً، وإن الحي أحرص على كرامتكم مني. فلما أمسوا عندها بعثت إليهم مع ابن لها بشفرة وشاة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا غلام، اردد الشفرة وهات لي فرقاً يعني: قدحاً فأرسلت إليه بأن لا لبن فيها ولا ولد. قال: هات لي فرقاً فجاؤوه بقدح، فضرب على ظهرها، فاجترت ودرت، وملأ القدح فنشرب وسقى أبا بكر، ثم حلب، فبعث به إلى أم معبد. وعن أنس بن مالك قال: أقبل نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة وهو مردفٌ أبا بكر ويقول: يا أبا بكر، شيخ يعرف، ونبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاب لا يعرف. قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب إنما يهديه الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبي الله، هذا فارس قد لحق بنا. قال: فالتفت نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: اللهم اصرعه، فصرعه فرسه، ثم قامت تحمحم. قال: ثم قال: يا نبي الله، مرني بما شئت. قال: قف مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا. قال: فكان أول النهار جاهداً على نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان آخر النهار مسلحة له. قال: فنزل نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جانب الحرة. ثم بعث إلى الأنصار فجاؤوا نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. قال: فركب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر، وحفوا حولها بالسلاح. قال: فقيل في المدينة: جاء نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاستسرعوا نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينظرون إليه ويقولون: جاء نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب. قال: فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخيل لأهله

يخترف لهم منه، فعجل أن يضع التي يخترف فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرجع إلى أهله. فقال نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أي بيوت أهلنا أقرب؟ قال: فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي، قال: فانطلق فهيئ لنا مقيلاً. قال: فذهب فهيأ لهما مقيلاً ثم جاء فقال: يا نبي الله، قد هيأت لكما مقيلاً، قوما على بركة الله فقيلا. فلما جاء نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله حقاً، وأنك جئت بحق، ولقد علمت اليهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن عالمهم، فادعهم فسلهم، فدخلوا عليه، فقال لهم نبي الله: يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا الله إنكم لتعلمون أني رسول الله حقاً وإني جئتكم بحق، أسلموا، قالوا: ما نعلمه: ثلاثاً. وعن سراقة بن جعشم قال: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي أبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتلهما أو أسرهما، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا فقال: يا سراقة، إني رأيت آنفاً أسودة بالساحل أراها محمداً وأصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت: إنهم ليسوا بهم ولكن رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا آنفاً. قال: ثم ما لبثت في المجلس ساعة حتى قمت، فدخلت بيتي فأمرت جاريتي أن تُخرج لي فرسي من وراء أكمة فتحبسها عليّ وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فحططت برمحي الأرض، وخفضت عالية الرمح حتى أتيت فرسي، فركبتها فترفغتها تقرب بي حتى رأيت أسوديهما. فلما دنوت منهم حيث أُسمعهم الصوت عثرت بي فرسي، فخررت عنها، فقمت وأهويت بيدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره ألا أضرهم، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، فترفغتها تقرب بي حتى إذا دنوت منهم عثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت، فأهويت بيدي إلى كنانتي، فأخرجت الأزلام فاستقسمت بها، فخرج الذي أكره ألا أضرهم، فعصيت الأزلام، وركبت فرسي فترفغتها تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يد فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين، فخررت عنها فزجرتها،

فنهضت، فلم تكد تُخرج يديها. فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان. قال معمر: قلت لأبي عمرو بن العلاء: ما العثان؟ فسكت ساعة ثم قال: هو الدخان من غير نار. قال الزهري في حديثه: فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره: ألا أضرهما فناديتهما بالأمان، فوقفوا، وركبت فرسي حتى جئتهم. فوقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنه سيظهر أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت له: إن قومك جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم من أخبار سفرهم، وما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزوني شيئاً ولم يسألوني إلا أن أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أديم ثم مضى. وعن جماعة من الصحابة دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: لما رأى المشركون أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد حملوا الذراري والأطفال إلى الأوس والخزرج عرفوا أنها دار منعة، وقوم أهل حلقة وبأس، فخافوا خروج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلف أحد من أهل الرأي والحجا منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم إبليس في صورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصماء في بتّ، فتذكروا أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأشار كل رجل منهم برأي. كل ذلك يردّه إبليس عليهم، ولا يرضاه لهم

إلى أن قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاماً نهداً جليداً ثم نعطيه سيفاً صارماً، فيضربونه ضربة رجلٍ واحدٍ فيتفرق دمه في القبائل، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع. قال: يقول النجدي: لله در الفتى، هذا والله الرأي، وإلا فلا. فتفرقوا على ذلك، وأجمعوا عليه. وأتى جبريل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره الخبر، وأمره ألا ينام في مضجعه تلك الليلة. وجاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أبي بكر فقال: إن الله قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: للصحابة يا رسول الله؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت وأمي إحدى راحلتي هاتين. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بالثمن. وكان أبو بكر اشتراهما بثمان مئة درهم من نعم بني قشير. فأخذ إحداهما وهي القصواء، وأمر علياً أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، فبات فيه، وتغشى برداً أحمر حضرمياً كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينام فيه. واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صبير الباب فيرصدونه، يريدون بياته فيأتمرون أيهم يحمل على المضطجع صاحب الفراش. فخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم جلوس على الباب، فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذرها على روؤسهم ويتلو: " يس والقرآن الحكيم " حتى بلغ: " سواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " ومضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال قائل منهم: ما تنظرون؟ قالوا: محمد. قال: خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم وذر على رؤوسكم التراب. قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وهم أبو جهل والحكم بن أبي العاص وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وأمية بن خلف وابن العيطلة وزمعة بن الأسود وطعيمة ين عدي وأبو لهب وأبيّ بن خلف ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج. فلما أصبحوا قام عليّ عن الفراش فسألوه عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: لا علم لي به. وجاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى منزل أبي بكر فكان فيه إلى الليل. ثم خرج هو وأبو بكر. فمضيا إلى غار ثور فدخلاه، وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، وطلبت قريش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشد الطلب حتى انتهت إلى باب الغار. فقال بعضهم: إن عليه لعنكبوتاً قبل ميلاد محمد، فانصرفوا، وساق الحديث.

وكان خروج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الغار ليلة الاثنين لأربع ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول، وقال يوم الثلاثاء بقديد، فلما راحوا منها عرض لهم سراقة بن مالك بن جعشم وهو على فرس له، فدعا عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرسخت قوائم فرسه. فقال: يا محمد، ادع الله أن يطلق فرسي وأرجع عنك، وأرد من ورائي ففعل، فأطلق، ورجع، فوجد الناس يلتمسون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما هاهنا، وقد عرفتم بصري بالأثر، فرجعوا عنه. وسلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الخرار ثم جاز ثنية المرة، ثم سلك لقفاً ثم أجاز مدلجة لقف، ثم استبطن مدلجة مجاح ثم سلك مرجح ثم بطن مرجح مجاح، ثم بطن ذات كشر ثم علا الجداجد ثم علا الأذاخر ثم بطن ربع، فصلى به المغرب. ثم ذا سلم ثم أعد مدلجة ثم العثيانة ثم جاز بطن الفاجة ثم هبط العرج ثم سلك في الخذوات ثم في الغائر عن يمين ركوبه، ثم هبط بطن العقيق حتى انتهى إلى الجثجاثة فقال: من يدلنا على الطريق إلى بني عمرو بن عوف ولا يقرب المدينة؟ فتعلل على طريق الظُبَيّ حتى خرج على العصبة. وكان المهاجرون قد استبطؤوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القدوم عليهم، فكانوا يغدون مع الأنصار إلى ظهر حرّة العصبة فيتحينون قدومه في أول النهار، فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم. فلما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول ويقال: اثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول جلسوا كما كانوا يجلسون. فلما أحرقتهم الشمس رجعوا إلى بيوتهم، فإذا رجل من يهود يصيح على أُطُم بأعلى

صوته: يا بني قيلة، هذا صاحبكم قد جاء. فخرجوا فإذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه الثلاثة، فبعث الرجّة في بني عمرو بن عوف والتكبير، وتلبس المسلمون السلاح. فلما انتهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قباء جلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقام أبو بكر يذكر الناس. وجاء المسلمون يسلمون على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ونزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على كلثوم بن الهدم وهو الثبت عندنا ولكنه كان يتحدث مع أصحابه في منزل سعد بن خيثمة، وكان يسمى منزل العزّاب، فلذلك قيل نزل على سعد بن خيثمة. قالوا: وأقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببني عمرو بن عوف يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. وخرج يوم الجمعة فجمّع في بني سالم، ويقال: أقام ببني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة. فلما كان يوم الجمعة ارتفاع النهار دعا براحلته، وحشد المسلمون وتلبسوا السلاح، وركب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناقته القصواء، والناس معه عن يمينه وشماله، فاعترضته الأنصار، لا يمر بدارٍ من دورهم إلا قالوا: هلمّ يا نبي الله إلى القوة والمنعة والثروة فيقول لهم خيراً، ويدعو لهم ويقول: إنها مأمورة. فلما أتى مسجد بني سالم جمّع بمن كان معه من المسلمين وهم مئة. قالوا: ثم ركب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناقته وأخذ عن يمين الطريق حتى جاء بلحبلى ثم مضى، حتى انتهى إلى المسجد، فبركت عند مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجعل الناس يكلمون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النزول عليهم، وجاء أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب فحط رحله وأدخله منزله، فجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: المرء مع رحله، وجاءه أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكانت عنده. وهذا الثبت. قال زيد بن ثابت: فأول هدية دخلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منزل أبي أيوب هدية دخلت بها أنا، قصعة مثرودة: خبز وسمن ولبن، أرسلت بهذه القصعة أمي، فقال: بارك الله فيك، ودعا أصحابه، فأكلوا فلم أرم الباب حتى دخلت قصعة سعد بن عبادة: ثريد وعراق، وما كان من ليلة إلا وعلى باب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثلاثة والأربعة يحملون الطعام،

يتناوبون ذلك حتى تحول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من منزل أبي أيوب. قال: وكان مقامه فيه سبعة أشهر. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من منزل أبي أيوب زيد بن حارثة وأبا رافع وأعطاهما بعيرين وخمس مئة درهم إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وكانت رقية بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد هاجر بها زوجها عثمان بن عفان قبل ذلك، وحبس أبو العاص بن الربيع امرأته زينب بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وحمل زيد بن حارثة امرأته أم أيمن مع ابنها أسامة بن زيد، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر فيهم عائشة، فقدموا المدينة، فأنزلهم في بيت حارثة بن النعمان.

ذكر حروبه وغزواته وسراياه

ذكر حروبه وغزواته وسراياه قال علي بن حسين: كنا نُعلم مغازي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسراياه كما نعلم السورة من القرآن. وعن إسماعيل بن محمد بن سعد قال: كان أبي يعلمنا مغازي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويعدها علينا، وسراياه ويقول: يا بني، هذه مآثر آبائكم، فلا تضيعوا ذكرها. وكان الزهري يقول في علم المغازي: علم الآخرة والدنيا. وعن قتادة قال: غزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسع عشرة غزوة: واقع فيها يوم بدر. وكان أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ ثلاث مئة وتسع عشرة، والمشركون يومئذ ألف غير خمسين، وكانت بدر في رمضان صبيحة سابع عشرة خلت من رمضان يوم الجمعة بعد هجرته بثمانية عشر شهراً أو ما شاء الله من ذلك وواقع نبي الله يوم أحد. فكان أحد من العام المقبل في شوال يوم السبت لإحدى عشرة ليلة مضت من شوال، وكان أصحابه يومئذ سبع مئة والمشركون ألفين، وما شاء الله من ذلك. وواقع يوم الأحزاب. وكانت بعد أحد بسنتين من هجرته، وأصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما

بلغنا ألف، والمشركون أربعة آلاف وما شاء الله من ذلك. وبلغنا أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لن يغزوكم المشركون بعد اليوم ". ثم كانت غزوة المريسيع، وقديد. واقع فيها نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عام واحد سنة خمس من هجرته. وأما المريسيع فلقي عليه نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خزاعة بني المصطلق. وأما قديد فكان لهذيل. وواقع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم خيبر، وذلك في سنة ست من هجرته في ذي القعدة، مرجعه من الحديبية. وأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمس عشرة مئة. وواقع يوم الفتح سنة ثمان في رمضان، وأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المهاجرين والأنصار عشرة آلاف أو قريب من ذلك. وواقع نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم حنين، وذلك والفتح في عام واحد في شوال، وأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ اثنا عشر ألفاً من المهاجرين والأنصار وألفان من الطلقاء من أهل مكة. وغزا نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسع عشرة غزوة. وواقع فيها ثماني غزوات، وهي الثمان التي ذكرناها. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعاً وعشرين سرية، فجميع غزو نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسراياه ثلاث وأربعون غزوة. قال قتادة: مغازي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسراياه ثلاث وأربعون. أربعٌ وعشرون سرية بعثها، وتسع عشرة غزوة خرج فيها. لقي منها ثمانية بنفسه: ببدر والأحزاب والمريسيع وقديد وخيبر وفتح مكة وحنين، والحديبية سنة ست. وبها كانت المتعة، وصده المشركون ومنعوه أن يدخل المسجد الحرام. فنحر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الهدي مكانه، وحلقوا وقصر بعضهم، فاستغفر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين مرة واحدة، وصالح المشركين أن يعتمروا من العام المقبل، فاعتمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسنة سبع، وكان الفتح سنة ثمان.

وحج أبو بكر الصديق سنة تسع. وقرأ علي بن أبي طالب على الناس: " براءةٌ من الله ورسوله " " إلى الناس يوم الحج الأكبر " وكان مع أبي بكر. وحج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنة عشر، ثم صدر إلى المدينة وتوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شهر ربيع الأول. وكان فتح مكة في رمضان سنة ثمان. وقال ابن شهاب: غزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدراً والكدر بني سليم. وغزا غطفان بنخل، ثم غزا قريشاً وبني سليم ببحران، ثم غزا يوم أحد، ثم طلب العدو حتى بلغ حمراء الأسد. ثم غزا قريشاً لموعدهم، فأخلفوه، ثم غزا بني النضير الغزوة التي أجلاهم فيها إلى خيبر، ثم غزا تلقاء نجد يريد محارباً وبني ثعلبة، وهي غزوة ذات الرقاع، ثم غزوة دومة، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني المصطلق بالمريسيع، وسبى فيها جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، ثم غزوة ذات السلاسل، ثم كانت غزوة قطن قتل فيها مسعود بن عروة، وغزوة ثنية القردة أصاب فيها عيراً لقريش، وغزوة الجموم تلقاء أرض بني سليم، وغزوة حسمى وغزوة الطرف، وغزوة وادي القرى. وعن جماعة والسياق للبيهقي قال: هذه مغازي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي قاتل فيها: بدر في رمضان سنة اثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق وهو يوم الأحزاب، وبني قريظة في شوال من سنة أربع، ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان من سنة خمس، ثم قاتل يوم خيبرمن سنة ست، ثم قاتل يوم الفتح في رمضان سنة ثمان، وقاتل يوم حنين،

وحاصر أهل الطائف في شوال سنة ثمان. ثم حج أبو بكر سنة تسع. ثم حج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجة الوداع لتمام سنة عشر. وغزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثنتي عشرة غزوة، ولم يكن فيها قتال، فكانت أول غزوة غزاها الأبواء، وغزوة ذي العشيرة من قبل ينبع يريد كرز بن جابر، وكانت معه قريش. وغزوة بدر الآخرة، وغزوة غطفان، وغزوة الخندق يوم الأحزاب، وغزوة بني سليم بالكُدر، وغزوة بُواط، وغزوة بُحران، وغزوة الطائف، وغزوة الحديبية، وغزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعوثاً، فكان أول بعثٍ بعثه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب نحو قريش، فلقوا بعثاً عظيماً على ماء يدعى أحياء وهو بالأبواء. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن جحش نحو مكة فلقيه عمرو بن الحضرمي بنخلة، فقتله واقد بن عبد الله، وأسروا رجلين من بني مخزوم: عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، ففديا بعدما قدما المدينة. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين راكباً حتى بلغوا قريباً من سيف البحر من الجار إلى جهينة. فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثين ومئة راكب من قريش، فحجز بينهم مجديّ بن عمرو الجهني. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا عبيدة الجراح نحو ذي القصة من طريق العراق. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المنذر بن عمرو وقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعنق ليموت إلى بئر معونة، فاستشهدوا جميعاً ومن معه. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيد بن حارثة أربع مرات: مرة نحو بني قرد من

هذيل، ومرة نحو جذام من نحو الوادي، ومرة نحو مؤتة، وغزوة الجموم من بني سليم. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمر بن الخطاب نحو أهل تربة. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشير بن سعد الأنصاري أخا بني الحارث بن الخزرج نحو بني مرة بفدك. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الله بن أنيس، وأبا قتادة ومسعود بن سنان وأسود بن الخزاعي فقتلوا رافع بن أبي الحَقيق وفي رواية: أبا رافع بن أبي الحقيق وهو الصواب بخيبر. وأمرهم عبد الله بن عتيك فقدموا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الجمعة، وهو على المنبر، فلما رآهم قال: أفلحت الوجوه. قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله. قال: أقتلتموه؟ قالوا: نعم. فدعا بالسيف الذي قتل به فسله وهو قائم على المنبر، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أجل هذا طعامه في ذباب السيف. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعب بن عُمير نحو ذات أطلاح من البلقاء فأصيب كعب ومن معه. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمرو بن العاص نحو السلال من مشارف الشام. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسامة بن زيد نحو وادي القرى يوم قتل مسعود بن عروة. وليس هو الثقفي. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علياً كرم الله وجهه فأصيب بنو بكر بالكديد. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى القرطاء من هوزان. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن أبي العوجاء قبل بني سليم فقتل بها ابن أبي العوجاء.

وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عكاشة بن محصن نحو الغمرة. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عاصم بن الأفلح نحو هُذيل. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سعد بن أبي وقاص إلى الحجاز وهو الخرّار. وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعتمر ثلاث عُمر: اعتمر من الجحفة عام الحديبية وفي رواية: من ذي الحليفة عام الحديبية فصده الذين كفروا في ذي القعدة سنة ستٍ، واعتمر العام المقبل في ذي القعدة سنة سبع آمناً هو وأصحابه، ثم اعتمر الثالثة في ذي القعدة سنة ثمان يوم أقبل من الطائف من الجِعرانة. قال عبيد الله بن أبي زياد: هذا كتاب ما ذكرنا لنا محمد بن مسلم الزهري مما سألناه عنه من أول مخرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فذكر صدراً من الحديث وقال: فكان أول مشهد شهده رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بدر، ورئيس المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. فالتقوا ببدر يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ ثلاث مئة وبضعة عشر رجلاً، والمشركون بين الألف والتسع مئة، فكان ذلك يوم الفرقان يوم فرق الله بين الحق والباطل، فكان أول قتيل قتل يومئذ من المسلمين مهجع مولى عمر بن الخطاب. ثم كانت غزوة بني النَّضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة. فحاصر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنّ لهم ما أقلت الإبل من الأموال والأمتعة إلا الحلقة وهو السلاح. فأجلاهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل الشام. فأنزل الله عز وجل فيهم من أول سورة الحشر إلى قوله: " وليُخزي الفاسقين ".

ثم كانت وقعة أحد في شوال على رأس ستة أشهر من وقعة بني النضير، ورئيس المشركين يومئذ أبو سفيان بن حرب. فلما نزل أبو سفيان بالمشركين أحداً قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه: إني رأيت الليلة أني في درع حصينة. وإني أوّلتها المدينة، فاجلسوا في صنعكم وقاتلوا من ورائه، وكانوا قد سكّوا أزقة المدينة بالبنيان، فقال رجال من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكونوا شهدوا بدراً: يا رسول الله، اخرج بنا إليهم. فلم يزالوا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى دعا بلأمته فلبسها، فلما لبس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمته قال: أما إني أظن الصرعى ستكثر منكم ومنهم اليوم. إني رأيت في النوم بقراً منحّرة فأراني أقول: بقرٌ والله خير، فتقدم الذين يدعونه إلى الخروج فقالوا: يا رسول الله، امكث. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنه لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته ثم ينثني حتى يأتي الناس. فخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأصحابه حتى التقوا هم والمشركون بأحد، والمسلمون يومئذٍ قريب من أربع مئة، والمشركون قريب من ثلاثة آلاف، فاقتتلوا. قال الله تعالى: " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم باذنه " إلى قوله: " والله خبير بما تعملون " وكان فيمن قتل من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير من بني عبد الدار، وهو أول من جمّع الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذلك يوم نجم النفاق، وسموا المنافقين، وهم الذين حدثوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين نهض إلى المشركين بأحد، وكانوا قريباً من ثلث أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمشوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى إذا بلغوا الجبّابة وبرزوا من دور المدينة انصرفوا إلى أهلهم، ورأسهم يومئذ عبد الله بن أبيّ، وكان عظيم تلك البحيرة في الجاهلية. ثم كانت وقعة الأحزاب لسنتين، وذلك يوم خندق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون الخندق بجبّانة المدينة، ورئيس الكفار يومئذ أبو سفيان بن حرب، فحاصرهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه بضع عشرة ليلة فخاض إلى المسلمين الكرب والأزل حتى قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما

أخبر سعيد بن المسيب: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنك إن تشأ لا تعبد. وأرسلت بنو قريظة إلى أبي سفيان ومن معه من الأحزاب أن اثبتوا، فإنا سنغير على قبضة المسلمين من ورائهم، فسمع نعيم بن عمرو الأشجعي وهو موادع لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان نعيم رجلاً لا يكتم الحديث. فأقبل إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره وبعث الله عليهم الريح حتى يكاد أحدٌ منهم يهتدي لموضع رجله. فارتحلوا وولوا منهزمين فأنزل الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ " إلى قوله: " وما تلبثوا بها إلا يسيرا ". فلما ولى الكفار طلبهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمن معه من المسلمين حتى بلغوا جبلاً يقال له حمراء الأسد. فأنزل الله تعالى: " وكفى الله المؤمنين القتال " إلى: " وكان الله على كل شيءٍ قديرا " فأنزل الله هذا في طلبهم، وسار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمن معه إلى بني قريظة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ. ثم كانت غزوة الحديبية وأهل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذي الحليفة بعمرة، ومن معه يومئذ بضع عشرة مئة من المسلمين، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنا لم نأت لقتال أحد، ولكنا جئنا لنطوف بالبيت فمن صدنا عنه قاتلناه، ورئيسهم يومئذ أبو سفيان بن حرب، فنحر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هديه وحلق رأسه، ثم انصرف إلى المدينة على أن يخلوا بينه وبين البيت عاماً قابلاً، فيطوف به ثلاث ليالٍ. ونزل بخيبر وأنزل الله تعالى ذكره: " وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها " الآية. فغزاها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفتحها، وقسم فيها لمن بايعه بالحديبية تحت الشجرة، من غائبٍ أو شاهد من أجل أن الله كان وعدهم إياها. وخمّس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر، ثم قسم سائرها مغانم بين من شهدها من المسلمين، ومن غاب عنها من أهل الحديبية، ثم اعتمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العام القابل في ذي القعدة في المدة آمناً فخرج كفار قريش من مكة وخلوها لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلفوا حويطب بن عبد العزى، وأمروه إذا طاف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالكعبة ثلاث ليالٍ أن يأتيه فيسأله أن يرتحل، فأتى

حويطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ثلاث فكلمه في الرحيل، فارتحل قافلاً إلى المدينة. ثم كانت غزوة الفتح: فتح مكة، فخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف سنة من مقدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة، فافتتح مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خالد بن الوليد، فقاتل بمن معه صفوف قريش بأسفل مكة حتى هزمهم. ثم أرسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ بالسلاح فرفع عنهم، ودخلوا في الدين وأنزل الله عز وجل: " إذا جاء نصر الله والفتح " إلى آخرها. ثم خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمن معه من المسلمين وبمن أسلم يوم الفتح من قريش وبني كنانة قِبَل حنين. وحنين وادٍ قبل الطائف ذو مياه، به من المشركين يومئذ العجّز من هوازن، معهم ثقيف، ورئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري. فاقتتلوا بحنين فنصر الله نبيه والمسلمين، وكان يوماً شديد البأس. فأنزل الله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرةٍ " الآية. فسبى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ ستة آلاف سبي من النساء والذراري. وأخذ من الإبل والشاء ما لا يُدرى ما عدده. وخمّس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السبي والأموال، ثم جاءه وفد هوازن مستأمنين فقالوا: قد اجتحت نساءنا وذرارينا وأموالنا فاردد إلينا ذلك. قال: لست رادّاً إليكم كله، فاختاروا: إن شئتم فالنساء والذراري، وإن شئتم الأموال. قالوا: فإنا نختار نساءنا وذرارينا. فرد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم نساءهم وذراريهم، وقسم النعم والشاء بين من معه من المسلمين بالجعرانة. ثم أهلّ منها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعمرة، وذلك في ذي القعدة، ثم قفل إلى المدينة، حتى إذا قدمها أمر أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الحج. ثم غزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة تبوك، وهو يريد الروم وكفار العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة، ولقيه وفد أذرح ووفد أيلة فصالحهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

على الجونة، ثم قفل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تبوك ولك يجاوزها فأنزل الله تبارك تعالى: " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار " الآية " وعلى الثلاثة الذين خلفوا "، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلاً. فلما رجع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صدقه أولئك الثلاثة، واعترفوا بذنبهم، وكذب سائرهم، فحلفوا للرسول ما حبسهم إلا عذر، فقيل منهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ووكلهم في سرائرهم إلى الله عز وجل. ولم يغز رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة بعد حتى توفاه الله عز وجل. فكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة عشر. ولم يغز رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة قط يجلس فيها تحت لواء أو شُهر فيها سيوف إلا ذكر في القرآن. ثم حج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجة الوداع، وتمتع فيها بعمرة، وساق الهدي معه، فلما قضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجة الوداع قفل إلى المدينة فلبث شهرين وبعض شهر. ثم اشتكى شكواه الذي توفاه الله عز وجل فيه. وروى الحافظ عن جماعة من المشايخ قالوا: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة يوم الاثنين لثنتي عشرة مضت من ربيع الأول، ويقال لليلتين خلتا من ربيع الأول والثبت عشرة مضت من ربيع الأول فكان أول لواء عقده رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان على رأس تسعة أشهر من مهاجر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعترض لعير قريش. ثم لواء عبيدة بن الحارث في شوال على ثمانية أشهر إلى رابغ، وهي على عشرة أميال من الجحفة، وأنت تريد قديداً، وكانت في شوال على رأس تسعة أشهر. ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرّار على رأس تسعة أشهر في ذي القعدة. ثم غزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صفر على رأس أحد عشر شهراً حتى بلغ الأبواء، ثم رجع ولم يلق كيداً. وغاب خمس عشرة ليلة.

ثم غزا بواط في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهراً يعترض لعير قريش فيها أمية بن خلف ومئة رجل من قريش وألفان وخمس مئة بعير. ثم رجع ولم يلق كيداً. وبواط هي من الجحفة قريب. ثم غزا في شهر ربيع الأول عشر شهراً في طلب كُرز بن جابر الفهري حتى بلغ بدراً، ثم رجع. ثم غزا في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهراً يعترض لعيرات قريش حين بدت إلى الشام، وهي غزوة ذي العشيرة، ثم رجع. فبعث عبد الله بن جحش إلى نخلة في رجب على رأس سبعة عشر شهراً. ثم غزا بدر القتال صبيحة سبع عشرة من رمضان يوم الجمعة على رأس تسعة عشر شهراً. ثم سرية عصماء بنت مروان قتلها عمرو بن عدي بن خرشة. قتلها لخمس ليال بقين من رمضان على رأس تسعة عشر شهراً. ثم سرية سالم بن عميرة قتل أبا عفك في شوال على رأس عشرين شهراً. ثم غزوة قينقاع في النصف من شوال على رأس عشرين شهراً. ثم غزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة السويق في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهراً. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني سليم بالكدر في المحرم على رأس ثلاثة وعشرين شهراً. ثم سرية قتل ابن الأشراف في ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهراً. ثم غزوة غطفان إلى نجد، وهي ذو أمر في ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهراً.

ثم سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي، قال عبد الله: خرجت من المدينة يوم الاثنين لخمس ليالٍ خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً فغبت ثمان عشرة ليلة، وقدمت يوم السبت لتسع بقين من المحرم. ثم غزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني سليم ببجران في جمادى الأولى على رأس سبعة وعشرين شهراً. ثم سرية القردة، أميرها زيد بن حارثة في جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهراً فيها أبو سفيان بن حرب. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحد في شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمراء السد في شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً. ثم سرية أميرها أبو سلمة بن عبد الأسد إلى قطن إلى بني أسد على رأس خمسة وثلاثين شهراً في المحرم. ثم غزوة بئر معونة، أميرها المنذر بن عمرو في صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً. ثم غزوة الرجيع في صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً. أميرها مرثد. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني النضير في ربيع الأول على رأس سبعة وثلاثين شهراً. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدر الموعد في ذي القعدة على رأس خمسة وأربعين شهراً. ثم سرية ابن عتيك إلى ابن أبي الحقيق في ذي الحجة على رأس ستة وأربعين شهراً. فلما قتل سلام بن أبي الحقيق فزعت يهود إلى سلام بن مشكم بخيبر فأبى أن يرأسهم، فقام

أسير بن رزام يحزبهم. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات الرقاع في المحرم على رأس سبعة وأربعين شهراً. ثم غزا دومة الجندل في ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهراً. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المريسيع في شعبان سنة خمس. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخندق في ذي القعدة سنة خمس. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني قريظة في ليالٍ من ذي القعدة وليالٍ من ذي الحجة سنة خمس. ثم سرية ابن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح في المحرم سنة ست. ثم سرية محمد بن مسلمة في المحرم سنة ست إلى القرطاء. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني لحيان إلى الغابة في ربيع الأول سنة ست. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغابة في ربيع الآخر سنة ست. ثم سرية عكاشة بن محصن إلى الغمرة في ربيع الآخر سنة ست. ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة في ربيع الآخر سنة ست. ثم سرية أميرها أبو عبيدة الجراح إلى ذي القصة في ربيع الآخر سنة ست. ثم سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم في شهر ربيع الآخر سنة ست. وكانتا في شهر واحد. الجموم: ما بين بطن نخلة والنقرة.

ثم سرية زيد بن حارثة إلى العرض في جمادى الأولى سنة ست. ثم سرية زيد بن حارثة إلى الطرف في جمادى الآخرة سنة ست. والطرف: على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة. ثم سرية زيد بن حارثة إلى حسمى في جمادى الآخرة سنة ست. وحسمى وراء وادي القرى. ثم سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رجب سنة ست. ثم غزوة علي عليه السلام إلى فدك في شعبان سنة ست. ثم غزوة زيد بن حارثة إلى أم قرفة في رمضان سنة ست. وكانت أم قرفة ناحية وادي القرى إلى جنبها ثم غزو ابن رواحة إلى أسير بن زارم في شوال سنة ست. ثم سرية كرز بن جابر إلى العرنيين في شوال سنة ست. ثم اعتمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر في جمادى الأولى سنة سبع. ثم انصرف من خيبر إلى وادي القرى في جمادى الآخرة فقاتل بها سنة سبع. ثم سرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى تربة في شعبان سنة سبع. ثم سرية أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه في شعبان إلى نجد سنة سبع. ثم سرية بشير بن سعد إلى فدك في شعبان سنة سبع. ثم سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة في رمضان سنة سبع. والميفعة ناحية نجد. ثم سرية بشير بن سعد فدك في شعبان سنة سبع. ثم سرية بشير بن سعد إلى الجناب في شوال سنة سبع. ثم اعتمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمرة القضيّة في ذي القعدة سنة سبع. ثم غزا ابن أبي العوجاء السلمي في ذي الحجة سنة سبع.

ثم غزوة غالب بن عبد الله إلى الكديد في صفر سنة ثمان. والكديد وراء قديد. ثم سرية شجاع بن وهب في ربيع الأول سنة ثمان إلى بني عامر بن الملوح. ثم غزوة كعب بن عمير الغفاري من سنة ثمان في ربيع الأول إلى ذات أطلاح. ناحية الشام، من البلقاء على ليلة. ثم غزوة زيد بن حارثة إلى مؤتة سنة ثمان. ثم غزوة عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل في جمادى الآخرة سنة ثمان. ثم غزوة الخبط أميرها أبو عبيدة بن الجراح في رجب سنة ثمان. ثم سرية حضرة أميرها أبو قتادة في شعبان سنة ثمان. وحضرت ناحية نجد على عشرين ميلاً عند بستان أبي عامر. ثم سرية أبي قتادة إلى إضم في رمضان سنة ثمان. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام الفتح في ثلاث عشرة مضت من رمضان سنة ثمان. ثم هدم العزى لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان. هدمها خالد بن الوليد. ثم هدم سواع. هدمه عمرو بن العاص. وكان في رمضان. ثم هدم مناة، هدمها سعد بن زيد الأشهلي في رمضان سنة ثمان. ثم غزوة بني جذيمة غزاها خالد بن الوليد في شوال سنة ثمان. ثم غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حنيناً في شوال سنة ثمان. ثم غزاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطائف في شوال سنة ثمان. وحج الناس سنة ثمان. ويقال إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استعمل عتاب بن أسيد على الحج. ويقال حج الناس أوزاعاً بلا أمير. ثم سرية عيينة بن حصن إلى بني تميم في المحرم سنة تسع. ثم سرية قطبة بن عامر إلى خثعم في صفر سنة تسع.

ثم سرية بني كلاب في ربيع الأول سنة تسع. أميرها الضحاك بن سفيان. ثم سرية علقمة بن مجزز إلى الحبشة في ربيع الآخر سنة تسع. ثم سرية علي عليه السلام إلى الفلس في ربيع الآخر سنة تسع. ثم غزوة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبوك في رجب سنة تسع. ثم سرية خالد بن الوليد إلى أكيدر في رجب سنة تسع. ثم هدم ذي الكفين صنم عمرو بن حممة الدوسي. وحج أبو بكر سنة تسع. ثم غزوة خالد بن الوليد إلى بني عبد المدان في ربيع الأول سنة عشر. وسرية علي عليه السلام إلى اليمن. يقال مرتين، إحداهما في رمضان سنة عشر. وحج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالناس سنة عشر. ورجع من مكة فمرض بضع عشرة ليلة. وعقد لأسامة بن زيد في مرضه إلى الشام. وتوفي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يخرج حتى بعثه أبو بكر بعد وفاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وتوفي يوم الاثنين اثنتي عشرة مضت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. فكانت مغازي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي غزا بنفسه سبعاً وعشرين غزوة. وكان ما قاتل منها تسعاً: بدر القتال، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. وكانت السرايا سبعاً وأربعين سرية. واعتمر ثلاث عمر. ويقال: قد قاتل في بني النضير، ولكن الله جعلها له نفلاً خاصة. وقاتل في غزوة وادي القرى منصرفه من خيبر. وقتل بعض أصحابه. وقاتل في الغابة حتى قتل محرز بن نضلة. وقتل من العدو ستة.

ما ذكر من شجاعته وشدته

ما ذكر من شجاعته وشدته عن علي قال: كنا إذا احمر البأس، ولقي القوم اتقينا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فما يكون منا أحدٌ أقرب إلى القوم منه. وعنه قال: لما حضر البأس يوم بدرٍ اتقينا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان أشد الناس، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه. وعنه قال: لقد رأيتنا يوم بدر، ونحن نلوذ برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو أقربنا إلى العدو وكان أشد الناس بأساً. وعن ابن إسحاق، قال: قال رجل للبراء: أي أبا عمارة، أكنتم يوم حنين وليتم؟ قال: لا والله ما ولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكنا لقينا قوماً رماة، لا يكاد يسقط لهم سهم. جمع هوازن، فرشقونا رشقاً ما يكادون يخطئون. قال: فأقبلوا هناك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بغلته البيضاء. وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به. قال: فنزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستنصر ثم قال: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب قال: ثم صفهم، أو قال: صفنا. وعن البراء: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما لقي المشركين يوم حنين نزل عن بغلته فترجل.

وعن العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم نفارقه، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بغله الشهباء أهداها له فروة بن ثعلبة وقيل ابن نفاثة الجذامي. وهو الصواب. فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون منهزمين، وطفق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يركض بغلته نحو الكفار. قال عباس: وأنا آخذ بخطام بغلة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكفها، إرادة ألا يسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أي عباس، ناد في أصحاب السمرة. قال عباس: وكنت رجلاً صيتاً، فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب الشجرة وقيل السمرة قال: فووالله لكأن عطفتهم، حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولدها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك. فاقتتلوا هم والكفار. والدعوة في الأنصار: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار. ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج. فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج. فنظر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هذا حين حمي الوطيس. قال: ثم أخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب محمد. قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته على ما أراه. قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحصياته. قال: فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً وفي رواية: حتى هزمهم الله قال: فكأني أنظر إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يركض خلفهم على بغلته. وكان عبد الرحمن بن أزهر يحدث أن خالداً بن الوليد يومئذ خرج وهو على الخيل خيل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابن أزهر: فلقد رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدما هزم الله الكفار، ورجع المسلمون إلى رحالهم يمشي في الناس ويقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ حتى دللناه على رحله، فإذا خالد مستند إلى مؤخرة رحله، فأتاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنظر إلى جرحه، قال الزهري: وحسبت أنه قال: وتفل فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجمل الناس وجهاً، وأجرأ الناس صدراً، وأشجع الناس قلباً. ولقد فرغ أهل المدينة يوماً فركب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرساً لأبي طلحة عرياً وفي رواية: وفي عنقه السيف ثم قال: لن تراعوا، لن ترعوا. مرتين. إنه وجدته بحراً. وعن ابن عمر قال: ما رأيت أحداً أشجع ولا أجود ولا أوضأ من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فضلت على الناس بأربع: بالسماحة، والشجاعة، وكثرة الجماع، وشدة البطش ".

ما روي في فصاحة لسانه ومنطقه وبيانه

ما روي في فصاحة لسانه ومنطقه وبيانه عن عمر بن الخطاب أنه قال: يا رسول الله، ما لك أفصحنا ولم نخرج من بين أظهرنا؟! قال: كانت لغة إسماعيل عليه السلام قد درست فجاء بها جبريل عليه السلام يحفظنيها. وروى ابن دريد قال: بينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم جالساً مع أصحابه إذ نشأت سحابة فقالوا: يا رسول الله، هذه سحابة، فقال: كيف ترون قواعدها؟ قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها! قال: فكيف ترون رحاها؟ قالوا: ما أحسنها وأشد استدارتها! قال: فكيف ترون بواسقها؟ قالوا: ما أحسنها وأشد استقامتها! قال: فكيف ترون برقها، أوميضاً أو خفواً أم يشقّ شقاً؟ قالوا: بل يشق شقاً. قال: فكيف ترون جوفها؟ قالوا: ما أحسنه وأشد سواده! فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الحيا. فقالوا: يا رسول الله، ما أفصحك! ما رأينا الذي هو أفصح منك. قال: وما يمنعني وإنما نزل القرآن بلسان عربي مبين؟. قال أبو بكر بن دريد: تفسير الكلام: قواعدها: أسافلها. ورحاها: وسطها ومعظمها. وبواسقها: أعاليها. وإذا استطار البرق من أعاليها إلى أسافلها فهو الذي لا يُشك في مطره. والخفو: أضعف ما يكون من البرق، والوميض نحو التبسم الخفيّ. يقال: ومض وأومض. وعن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " أنا أفصح العرب، ربيت في أخوالي بني سعد، بيد أني من قريش ".

وقال رجل من بني سلول: يا رسول الله، أيدالك الرجل امرأته؟ قال: نعم، إذا كان ملفجاً فقال له أبو بكر: يا رسول الله ما قال لك، وما قلت له؟ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنه قال: أيماطل الرجل أهله؟ فقلت له: نعم، إذا كان مفلساً، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لقد طفت في العرب، وسمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك، فمن أدّبك؟ قال: أدّبني ربي ونشأت في بني سعد. وعن علي بن أبي طالب: في قوله عز وجل: " منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ". قال: ما بعث الله نبياً قط إلا صبيح الوجه، كريم الحسب، حسن الصوت، وإن نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان صبيح الوجه، كريم الحسب، حسن الصوت. وعن أنس قال: ما بعث الله نبياً قط إلا حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم حسن الوجه، حسن الصوت إلا أنه كان لا يرجّع. وعن البراء بن عازب قال: قرأ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في العشاء: " والتين والزيتون " وفي حديث آخر: في العشاء، يعني: الآخرة قال: فلم أسمع أحسن صوتاً، ولا أحسن صلاة منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم، وكان طويل الصمت، وكان الصحابة يتناشدون الشعر ويضحكون فيبتسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ضحكوا. وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أعطيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه ". فقلنا: يا رسول الله، علمنا مما علمك الله. فعلمنا التشهد في الصلاة ".

وعن عمر بن الخطاب عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أعطيت جوامع الكلام، واختُصر لي الحديث اختصاراً ". وعن أنس بن مالك: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا تكلم بالكلمة رددها ثلاثاً. وإذا لقي قوماً فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً. وعن أنس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعيد الكلمة ثلاثاً ليُعقل عنه. وعن عروة بن الزبير قال: جلس رجل بفناء حجرة عائشة فجعل يتحدث قال: فقالت عائشة: لولا إني كنت أسبح لقلت له: ما كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسرد الحديث كسردكم. إنما كان حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلاً، تفهمه القلوب. وعن عائشة قالت: كان كلام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلاً يفقهه كل أحد. لم يكن يسرده سرداً. وعنها قالت: لم يكن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسرد الكلام كسردكم هذا. كان إذا جلس تكلم بكلام يبينه، يحفظه من سمعه. وعن ابن عباس قال: كان رسول اله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفلج الثنيتين، إذا تكلم رُئي كالنور يخرج من بين ثناياه. وعن جابر بن عبد الله قال: كان كلام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترتيل، أو ترسيل.

ما عرف من جوده وسخائه وبذله وعطائه

ما عرف من جوده وسخائه وبذله وعطائه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان. إن جبريل عليه السلام كان يلقاه في كل سنة في رمضان. وقيل في كل ليلة من رمضان حتى ينسلخ، فيعرض عليه القرآن. فإذا جبريل عليه السلام كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود بالخير من الريح المرسلة. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود البشر، فما هو إلا أن يدخل شهر رمضان فيدارسه جبريل القرآن، فلهو أجود من الريح. وعنه قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا جاء رمضان أعتق كل أسير، وأعطى ابن السبيل، وإذا كان حديث عهدٍ بجبريل كان أسرع بالخير من الريح المرسلة. وعن عائشة قالت: كان تعني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كان حديث عهدٍ بنزول جبريل يدارسه كان أجود من الريح المرسلة. وعن جابر بن عبد الله قال: ما سئل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً قط فقال: لا وما ضرب بيده شيئاً قط. وعن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو قد جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا. وقال سفيان بيديه جميعاً: هكذا. ثلاث مرات. فقُبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يجيء مال البحرين،

فقدم على أبي بكر بعده مال البحرين. فأمر أبو بكر منادياً فنادى: من كانت له على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عدة أو دين فليأتني، فأتيت أبا بكر فقلت: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لو جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، فحثنا أبو بكر فقال: عدّها، فعددتها فوجدتها خمس مئة، فقال: خذ مثلها مرتين. وعن أنس: أن رجلاً أتى إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلم، فسأله فأعطاه غنماً بين جبلين، فأتى الرجل قومه فقال: أي قوم أسلموا، فوالله إن محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعطي عطاء رجلٍ ما يخاف فاقة. وإن كان الرجل ليأتي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يريد إلا دنيا يصيبها، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه من الدنيا وما فيها. وعنه قال: لم يُسأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً قط على الإسلام إلا أعطاه. وذكر باقي الحديث. وعن زيد بن ثابت قال: جاء رجل من العرب إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله أرضاً بين جبلين فكتب له بها، فأسلم، ثم أتى قومه، فقال لهم: أسلموا فقد جئتكم من عند رجلٍ يعطي عطية من لا يخاف الفاقة. وعن أنس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس. وعن أنس بن مالك: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام حنين حين سأله الناس فأعطاهم من البقر والغنم والإبل حتى لم يبق من ذلك شيء. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قد أعطيتكم من البقر والغنم والإبل حتى لم يبق شيء من ذلك، فماذا تريدون؟ أتريدون أن تُبخِّلوني؟ فوالله ما أنا ببخيل، ولا جبان،

ولا كذوب. فجذبوا ثوبه حتى بدت رقبته، وكأنما أنظر حين بدا منكبه مثل شقة القمر من بياضه. وعن أبي سعيد قال: دخل رجلان على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألاه في ثمن بعير، فأعانهما بدينارين. فخرجا من عنده فلقيهم عمر، فقالا، وأثنينا معروفاً وشكراً ما صنع بهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فدخل عمر على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره بما قالا. فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لكن فلان أعطيته ما بين العشرة إلى المئة فلم يقل ذلك، إن أحدهم يسألني فينطلق بمسألته متأبطها وما هي إلا نار. قال عمر: فلم تعطيهم ما هو نار؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل. وعن علي قال: لما نزلت هذه الآية: " وأنذر عشيرتك الأقربين " قال: جمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا. قال لهم: من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟ فقال رجل لم يسمه شريك يا رسول الله: أنت كنت بحراء من يقوم بهذا؟. قال: ثم قال الآخر: فعرض ذلك على أهل بيته. فقال علي: أنا. وعن جبير بن مطعم أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لو أفاء الله فقال علي: نعماً عدد هذه العضاه، لقسمتها بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً ".

وعن سهل بن سعد الساعدي قال: حيكت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جبة من صوف أنمار فلبسها، فما أُعجب بثوب ما أُعجب بها، فجعل يمسحها بيده ويقول: انظروا ما أحسنها! وفي القوم أعرابي فقال: يا رسول الله، هبها لي، فخلعها فدفعها في يده، وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيياً لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه، ثم أمر بمثله أن يحاك، فتوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في المحاكة. وعن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة ببردة فقال سهل: هل تدرون ما البردة؟ قالوا: نعم، هذه الشملة منسوج في حاشيتها فقالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محتاجاً إليها فخرج إلينا وإنها لإزارة فجسها رجل من القوم فقال: يا رسول الله؛ أكسنيها قال: نعم. فجلس ما شاء الله في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه. فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه وقد عرفت أنه لا يرد سائلاً. فقال الرجل: والله ما سألتها إلا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل: فكانت كفنه. وعن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقناعٍ من رطب وأجرٍ زُغب فأعطاني ملء كفيه أو كفه حلياً أو ذهباً.

ما عرف من حسن بشره ووصف من طيب نشره

ما عرف من حسن بشره ووصف من طيب نشره وعن كعب بن مالك قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سُرّ استنار وجهه، حتى كأن وجهه شقة قمر. فكنا نعرف ذلك فيه. وعن الحسين بن علي قال: قلت لعلي: كيف كانت سيرته في مجلسه يعني: النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دائم البشر، سهل الخُلق، ليس بفظٍ ولا غليظ، ولا سخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح. وعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قط إلا متبسماً. وعنه قال: ما رأيت أحداً كان أكثر تبسماً من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن عمرة قالت: سألت عائشة قلت: كيف كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا خلا؟ قالت: كان رجلاً من رجالكم، كان أحسن الناس خلقاً، وكان ضحاكاً بساماً. وعنها قالت: سألت عائشة: كيف كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا خلا في البيت؟ قالت: ألين الناس، بساماً ضحاكاً. وعن وائل بن حجر: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتي بدلو من ماء زمزم فاستنثر خارجاً من الدلو، ومضمض وقحّ فيه مسكاً أو أطيب من المسك.

وعن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله، وخرجت معه، فاستقبله ولدانٌ، فجعل يمسح خدي أحدهم واحداً واحداً. قال: وما أنا فمسح خدي فوجدت ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جونة عطار. وفي حديث جابر بن يزيد ين الأسود السوائي عن أبيه قال: ثم ثار الناس يأخذون يده يمسحون بها وجوههم. قال: وأخذت يده فمسحت بها وجهي فوجدتها أبرد من الثلج وأطيب ريحاً من المسك. وعن يزيد بن الأسود قال: حججنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجة الوداع. قال: فصلى بنا صلاة الصبح. قال: فانحرف جالساً، فاستقبل الناس بوجهه فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس. قال: ائتوني بهذين الرجلين. قال: فأتي بهما ترعد فرائصهما. قال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟! قالا: يا رسول الله، صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا. إذا أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه، فإنها له نافلة، يعني: ونهض الناس إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونهضت وأنا يومئذ أشبّ الرجال وأجلده، قال: فما زلت أزحم الناس حتى وصلت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فأخذت بيده فإما وضعتها على وجهي أو على صدري فما وجدت شيئاً أطيب ولا أبرد من يد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو يومئذ في مسجد الخيف. وعن أنس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا مر في طريق من طرق المدينة وجدوا من ذلك الطريق رائحة المسك، قالوا: مر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الطرق وفي رواية: اليوم. وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خصال، لم يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرقه، أو ريح عرقه والشك من إسحاق ولم يكن يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له.

وعن أنس قال: ما رأيت رجلاً قط التقم أذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فينحي رأسه حتى ينحي الرجل رأسه. وما رأيت رجلاً قط أخذ بيد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيُنزل يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزل يده. وما مسست قط ألين من قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما وجدت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعنه قال: ما شممت مسكةً ولا عنبرة أطيب رائحة من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا مسست خزّة ولا حريرة ألين من كف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعنه قال: صحبت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشر سنين وشممت العطر كله فلم أشم نكهة أطيب من نكهة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: كنت أصافح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو يمس جلدي جلده فأعرف في يدي بعد ثالثةٍ أطيب من ريح المسك. وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إني زوجت ابنتي، وأنا أحب أن تعينني بشيء. ولكن إذا كان غدٌ فائتني بقارورة واسعة الرأس وعود شجرة، فأنه بيني وبينك أن تدق ناحية الباب. قال: فلما كان من الغد أتاه بقارورة واسعة الرأس، وعود شجرة. قال: خذها ومُر بها ابنتك أن تغمس هذا العود في القارورة وتطيب به، قال: فكانت إذا تطيبت شم أهل المدينة رائحة ذلك الطيب. فسُموا بيوت المطيبين.

ما ذكر من حيائه وظهر من عهده ووفائه

ما ذكر من حيائه وظهر من عهده ووفائه عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشد حياء من العذراء في خدرها. وكان إذا رأى شيئاً يكرهه عرفنا ذلك في وجهه. وعن عائشة رضي الله عنها قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشد حياء من العواتق في خدورهنّ. أخبر الحسن بن علي بن أبي رافع أن أبا رافع أخبره: أنه أقبل ركبان من قريش إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فلما رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُلقي في قلبي الإسلام. فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبداً، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم، فإن كان في قلبك الذي في قلبك الآن فارجع. قال: فرجعت إليهم، ثم إني أقبلت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلمت. وكان أبو رافع قبطياً. وعن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عندي فقال لها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أنت؟ قالت: أنا حنانة المزينة. قال: بل أنت حسانة المزينة وفي رواية قالت: أنا حثامة المزينة. قال: بل أنت حضانة كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قالت: فلما خرجت قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال! قال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة. وإن حسن العهد من الإيمان. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت عجوز تأتي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيبش بها ويكرمها. فقلت: بأبي أنت وأمي، إنك

لتصنع بهذه العجوز شيئاً لا تصنعه بأحدٍ؟ قال: إنها كانت تأتينا عند خديجة. أما علمت أن كرم الودّ من الإيمان؟ وعن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يبعث ببيع، فبقي له عليّ شيء فوعدته أن آتيه مكانه، فنسيت أن آتيه يومه ذلك ومن الغد، فأتيته اليوم الثالث، فوجدته في مكانه ذلك. فقال لي: لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاثة أيام وفي رواية: أنتظرك. وعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثلاثٌ ليس لأحد من الناس فيهن رخصة: بر الوالدين مسلماً كان أو كافراً، والوفاء بالعهد لمسلم كان أو كافر، وأداء الأمانة إلى مسلم كان أو كافر ".

ما ورد من مزاجه وسعة صدره

ما ورد من مزاجه وسعة صدره عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " لا أقول إلا حقاً ". فقال بعض الصحابة: فإنك تداعبنا يا رسول الله. فقال: لا أقول إلا حقاً. وعنه قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تمزح معنا، قال: لا أقول إلا حقاً. وعن عائشة: أنها مزحت عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: إنها بعض دعابات هذا الحي من بني كنانة. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بل بعض مزحنا، هذا الحي من قريش. وعن أنس قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أفكه الناس. وعن عائشة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان مزاحاً، وكان يقول: إن الله لا يؤاخذ المّزاح الصادق في مزاحه. وعن عكرمة قال: كان في رسول الله دعابة قليلة. يعني المزاح. وعن أنس بن مالك قال: كان لي أخ يقال له: أبو عمير، وكان له عصفور يلعب به فمات العصفور، وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدخل بيتنا فيقول: يا أبا عمير ما فعل النُّغير؟

وفي حديث آخر: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحسن الناس خلقاً. وكان لي أخ يقال له: أبو عمير أحسبه فطيما فطماً، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير ما فعل النغير. وعن أنس بن مالك: أن رجلاً أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنا حاملوك على ولد الناقة. فقال: يا رسول الله، وما أصنع بولد الناقة؟! قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهل تلد الإبل إلا النوق؟. وعن ابن عباس: أن رجلاً سأله فقال: أكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمزح؟ قال ابن عباس: نعم. فقال الرجل: فما كان مزاحه؟ قال ابن عباس إنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كسا ذات يوم امرأة من نسائه ثوباً واسعاً، فقال لها: البسيه واحمدي الله وجري منه ذيلاً كذيل العروس. وعن أنس قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم: يا ذا الأذنين. وعن سفينة قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر، وكان إذا أعيا بعض القوم ألقى عليّ سيفه، ألقى علي ترسه. حتى حملت من ذلك شيئاً كثيراً، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنت سفينة. وعن عائشة قالت: أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحريرة طبختها، فقلت لسودة والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيني وبينها: كلي فأبت. فقلت: لتأكلنّ أو لأُلطخنَّ وجهك فأبت، فوضعت يدي فيها فطلبت وجهها، فضحك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوضع فخذه لها وقال لها: الطخي وجهها، فلطخت وجهي، فضحك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لها، فمر عمر بن الخطاب فقال: يا عبد الله، يا عبد الله، فظن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه سيدخل فقال: قوما فاغسلا وجوهكما. فقالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منه.

وعن أنس بن مالك: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعائشة ذات يوم: ما أكثر بياض عينك. وعن أبي جعفر الخطمي: أن رجلاً كان يكنى أبا عمرة فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا أم عمرة، فضرب الرجل يده إلى مذاكيره، فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مه. قال: والله ما ظننت إلا أني امرأة لما قلت لي يا أم عمرة. فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنما أنا بشر مثلكم أمازحكم. وعن خوّات بن جبير قال: نزلت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر الظهران، وخرجت من خبائي فإذا نسوة يتحدثن. قال: فأعجبني. قال: فرجعت فأخرجت حلة لي من عندي فلبستها ثم جلست إليهن، وخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قبته فقال: أبا عبد الله، ما يجلسك إليهن؟! قال: فهبت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: يا رسول الله، جمل لي شرود، فأنا أبتغي له قيداً. قال: فمضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتبعته. قال: فألقى إلي رداء ودخل الأراك. فلكأني أنظر إلى بياض قدميه في خضرة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ ثن جاء فقال: أبا عبد الله، ما فعل شراد جملك؟ ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال السلام عليكم أبا عبد الله، ما فعل شراد جملك؟ قال: فتعجلت إلى المدينة، واجتنبت المسجد ومجالسة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما طال ذلك علي تحينت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فجعلت أصلي، فخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بعض حجره. قال: فجاء فصلى ركعتين خفيفتين ثم جلس، وطولت الصلاة رجاء أن يذهب ويدعني فقال: طوّل أبا عبد الله ما شئت، فلست بقائم حتى تنصرف. فقلت: والله لأعتذرن إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأبرئن صدره. قال: فانصرفت، فقال: السلام عليكم يا أبا عبد الله، ما فعل شراد جملك؟ فقلت: والذي بعثك بالحق، ما شرد ذاك الجمل منذ أسلمت. فقال: رحمك، مرتين أو ثلاثاُ. ثم أمسك عني فلم يعد. وسئل بعض السلف عن مرح الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: كانت له مهابة. فكان يبسط الناس بالدعابة.

باب جامع في صفة أحواله وأفعاله وأقواله

باب جامع في صفة أحواله وأفعاله وأقواله وعن عائشة قالت: كان أحب الأعمال إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعة؛ فعملان يجهدان ماله، وعملان يجهدان جسده. فأما اللذان يجهدان ماله فالجهاد والصدقة، وأما اللذان يجهدان جسده فالصوم والصلاة. وعن أنس بن مالك قال: ما أخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً ركبتيه بين يدي جليس له، ولا ناول يده أحداً قط فتركها حتى يكون هو يدعها. وما جلس إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحدٌ قط فقام حتى يقوم. وما وجدت ريحاً قط أطيب ريحاً من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أنس بن مالك قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه. ولم يُر مقدماً ركبتيه بين يدي جليس له. وعن أبي غالب قال: قلت لأبي أمامة: حدثنا ما سمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كان حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن، ويكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة ولا يأنف، ولا يستكبر أن يمشي مع الضعيف والمسكين حتى يقضي حاجته وفي رواية: والأرملة. وعن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يلتفت وراءه إذا مشى، وكان ربما يتعلق رداؤه بالشجرة ولا

يلتفت حتى يرفعوه عليه. قال: لأنهم كانوا يمزحون ويضحكون قد أمنوا التفاته. وعن عائشة أنها سئلت: ما كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيته؟ قالت: ما كان إلا بشراً من البشر، كان يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: قيل لعائشة: يا أم المؤمنين، ما كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصنع إذا خلا في بيته؟ فقالت: والله ما كان إلا بشراً، ولكن الله أكرمه، والله إن كان ليخصف نعله، ويعالج ثوبه، وأشباه ذلك، ويحدث أحاديث الناس، ولقد كان يحدثنا عن حديث من قد مضى. وعن عائشة: أنها سئلت: ما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعمل في بيته؟ قالت: كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم. وعن أبي بردة قال: قلت لعائشة: ما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله، يعني: خدمتهم. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طويل العمد. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب التيامن ما استطاع، في طهوره ونعله وترجله، وفي شأنه كله. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نظر في المرآة قال: " الحمد لله الذي حسَّن خَلقي

وخُلقي وزان مني ما شان من غيري "، وإذا اكتحل جعل في كل عين اثنين وواحد بينهما، وكان إذا لبس نعليه بدأ باليمين، وإذا خلع باليسرى. وكان إذا دخل المسجد أدخل رجله اليمنى، وكان يحب التيمن في كل شيء أخذٍ وإعطاء. وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا عطس خمر وجهه، وغض أو خفض بها صوته. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمشي مشياً نعرف أنه ليس بعاجز ولا كسلان. وعن عائشة قال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته، إنما كان يتبسم. وعن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم، وكان أصحابه يجلسون فيتناشدون الشعر، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون، ويتبسم معهم إذا ضحكوا. يعني: النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أنس بن مالك الأشجعي عن أبيه قال: كنا نجلس إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما رأيت أطول صمتاً منه، فكانوا إذا أكثروا تبسم. وعن البراء قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا غضب رأينا لوجهه ظلالاً. وعن أبي هريرة قال: ما عاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طعاماً قط. كان إذا أتي به إن اشتهى أكله، وإن كرهه تركه. وفي رواية: إن اشتهاه أكله، وإلا تركه.

وعن كعب بن مالك: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أكل طعاماً يلعق أصابعه الثلاث التي ينال بهن الطعام. وعنه قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل بثلاث أصابع، ولا يمسح يده حتى يلعقها. وعن أنس: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا شرب تنفس في الإناء ثلاثاً. وقال: هو أهنأ، وأمرأ، وأبرأ.

ما ورد في شعره وشيبه وخضابه وثيابه

ما ورد في شعره وشيبه وخضابه وثيابه عن أنس قال: كان شعر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أنصاف أذنيه وفي رواية: إلى شحمة أذنيه وفي رواية: يضرب منكبيه. وعن قتادة قال: قلت لأنس: كيف كان شعر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: كان شعراً رجلا، ليس بالجعد ولا بالسبط، بين أذنيه وعاتقه. وعن أنس قال: كان لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمة جعدة. وعن زيد بن ثابت: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرق شعره، وكانت له جمة. وعن البراء قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد البياض، كثير الشعر، يضرب شعره منكبيه. وعن جابر بن سمرة قال: كأني أنظر إلى رأس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجمته تضرب هذا المكان، ويضرب بيده على صدره فوق ثندؤته. وفي رواية: فوق ثدييه.

وعن أبي رمثة قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخضب بالحناء والكتم. وكان شعره يبلغ كتفيه، أو منكبيه. وعن عروة قال: قالت لي عائشة: يا بن أختي، كان شعر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوق الوفرة ودون الجمة. وعن ابن عباس قال: كان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب موافقة أهل الكتاب في بعض مالم يؤمر فيه بشيء، فسدل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناصيته ثم فرق بعد. روى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت: كنت إذا فرقت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأسه صدعت فرقيه عن يافوخه، فأرسلت ناصيته بين عينيه، فالله أعلم أذلك لقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كنا لا نكف شعراً، ولا ثوباً أم هي سيماء كان يتسوم بها. وقد قال محمد بن جعفر بن الزبير: وكان فقيهاً: ما هي إلا سيماء من سيماء الأنبياء تمسكت بها النصارى من بين الناس. وعن أم هانئ قالت: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة، وله أربع غدائر، يعني: ذوائب. وعن أبي إياس قال: سئل أنس عن شيب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما شانه الله عز وجل ببيضاء. لعل أنساً أراد: بلحية بيضاء. فقد روى عنه وعن غيره من الصحابة أنه كان شاب بعض شعره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن محمد بن سيرين قال: سألنا أنساً: هل كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خضب؟ قال: لم يبلغ الخضاب. كانت في

لحيته شعرات بيض قال: فقلت له: أكان أبو بكر يخضب قال: نعم بالحناء والكتم. وفي حديث آخر عن قتادة قال: سألت أنساً " هل خضب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: لم يبلغ ذلك. إنما كان شيبه في صدغيه، ولكن أبا بكر وعمر خضبا بالحناء والكتم. وعن ثابت قال: سئل أنس عن خضاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: لو شئت أن أعد شعرات في رأسه لفعلت. وقال: لم يختضب، وقد اختضب أبو بكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء. وعن أنس بن مالك قال: لم يبلغ الشيب الذي كان بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشرين شعرة. وعن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: كان الشيب الذي كان بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبع عشرة شعرة شيبة. وعن حميد قال: سئل أنس عن الخضاب فقال: خضب أبو بكر بالحناء والكتم، وخضب عمر بالحناء وحده. فقيل: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: لم يكن في لحيته عشرون يعني: شعرة بيضاء. قال: وأصغى حميد إلى رجل إلى جنبه فقال: كن سبع عشرة. يعني: شعرة. وعن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قلت لأنس: أكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خضب؟ قال: ما أرى كان في رأسه ولحيته خمس عشرة بيضاء. قال: فإني رأيت في شعر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي كان في بيتنا شعراً فيه صفرة. فقال له: كان يمس أصوله الصفرة؟ قال أبو بكر بن عياش: قلت لربيعة، جالست أنس بن مالك؟ قال: نعم، قلت: سمعت منه؟ قال:

نعم، قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يخضب، قد شاب في مقدم لحيته شيبة لو عدها العاد أحصاها. قال له أبو بكر: شبت يا رسول الله! قال: شيبتني سورة هود والواقعة. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد شمط مقدم رأسه ولحيته. فإذا ادهن ومشطه لم يتبين، وإذا شعث رأيته. وكان كثير الشعر واللحية. فقال رجل: وجهه مثل السيف، قال: لا، مثل الشمس والقمر، مستدير. قال: ورأيت خاتمه عند كتفه مثل بيضة النعامة تشبه جسده. وعن عبد الله بن همام قال: قلت: يا أبا الدرداء، أي شيء كان يخضب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: يا بن أخي أو يا بني ما كان بلغ من الشيب أن يخضب. ولكن قد كان منه هاهنا وأشار بيده إلى عنفقته شعرات بيض فكان يغسله بالحناء والسدر. وعن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي جحيفة قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: صفه لي فقال: أبيض قد شمط. قال حريز: لقيت عبد الله بن بسر السلمي فقلت: أكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيخاً قال: كان في عنفقته شعرات بيض. وعن القاسم بن زهر الأسلمي قال: رأيت شيبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عنفقته وناصيته. حزرته يكون ثلاثين شيبة عدداً. وعن بشير مولى المازنيين قال: سألت جابر بن عبد الله: هل خضب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: لا. ما كان شيبه يحتاج إلى الخضاب. كان وضح في عنفقته وناصيته، ولو أردنا أن نحصيها أحصيناها. قال محمد بن سيرين: سألنا أنساً: هل كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خضب؟ قال: فقال: نعم، بالحناء والكتم.

وعن أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: أتينا بمشاقة من شعر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخضوبة بالحناء. وعن أبي سعيد، رجل من أهل الشام قال: دخلت مع مولاي على بعض أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخرجت إلينا شعراً أحمر فقالت: هذا شعر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد روي أنه خضب بالصفرة. قال: عبيد بن جريج: رأيت ابن عمر يصفر لحيته، فقلت له في ذلك فقال: إني رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصفر لحيته. وعن عبيد بن جريج أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً من أصحابك يصنعها! قال: وما هي؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال، ولم تهلل أنت حتى يكون يوم التروية، فقال عبد الله بن عمر: أما الأركان فإني لم أر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمس إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبس النعال السبتية التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها. وأما الصفرة، فإني رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصبغ بها، فأنا أحب أن أصبغ بها. وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يهل حتى تنبعث به راحلته. وعن أبي بكر الصديق قال: قلت: يا رسول الله، عجل عليك الشيب! قال: " شيبتني هود وصواحباتها "، يعني: الواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت. وعن ابن عباس قال: ألظ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالواقعة، والحاقة، وعم يتساءلون، والنازعات، وإذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، فاستطار منه القتير. فقال أبو بكر: قد أسرع فيك

القتير، بأبي وأمي، قال: شيبتني هود وصواحباتها هذه، وفيها المرسلات. وقال عطاء: أخواتها: اقتربت الساعة، والمرسلات عرفاً، وإذا الشمس كورت. وعن أنس بن مالك قال: بينما أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب جالسان في نحو المنبر إذ طلع عليهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بيوت نسائه، يمسح لحيته ويرفعها فينظر إليها. قال أنس: وكانت لحيته أكثر شيباً من رأسه. فلما وقف عليهما، قال أنس: وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً، وكان عمر رجلاً غليظاً، فقال أبو بكر: بأبي وأمي، لقد أسرع إليك الشيب يا رسول الله! فرفع لحيته بيده فنظر إليها، فاغرورقت عينا أبي بكر، ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أجل، شيبتني هود وأخواتها. قال أبو بكر: بأبي وأمي، وما أخواتها؟ قال: الواقعة، والقارعة، وسأل سائل بعذاب واقع، وإذا الشمس كورت. وفي رواية: قال أبو صخر: فأخبرت هذا الحديث ابن قسيط فقال: يا حميد، ما زلت أسمع هذا الحديث من أشياخي فما تركت الحاقة ما الحاقة. وعن جعفر بن محمد عن أبيه: أن رجلاً قال للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنا أكبر منك مولداً، وأنت خيرٌ مني وأفضل. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شيبتني هود وأخواتها. وما فُعل بالأمم قبل. قال أبو علي الشبَّوي: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام فقلت له: روي عنك أنك قلت: شيبتني هود. قال: نعم. فقلت: ما الذي شيبك منها، قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ فقال: لا، ولكن قوله: " فاستقم كما أمرت ". وعن أنس: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد أن يكتب إلى الأعاجم فقيل له: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم. فاتخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتماً من فضة نقشه: محمد رسول الله. كأني أنظر إلى بصيصه في يده. وفي رواية عنه أيضاً:

لما أراد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكتب إلى الروم. وذكر باقي الحديث. وعنه قال: كان نقش خاتم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثة أسطر: سطر: محمد، وسطر: رسول، وسطر: الله. وعنه قال: كان خاتم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فضة كله، وفصه منه، قال: فسألت حميداً عن الفص كيف هو، فحدثني أنه لا يدري. وعن أنس: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتخذ خاتماً من ورق له فص حبشي، ونقشه: محمد رسول الله. وعنه: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبس خاتماُ من فضة في يمينه فيه فص حبشي، وكان يجعل فصه في بطن كفه. وعنه: أن معاذ بن جبل بعث إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخاتم من اليمن من ورق، فصه حبشي كتب عليه: محمد رسول الله وبوجهه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتختم به، ويتختم به أبو بكر، ويتختم به عمر، ويتختم به عثمان ست سنين من إمارته، فبينا هو على بئر أريس سقط منه فنزحت البئر فلم يوجد. وعن أنس بن مالك: أنه رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يده خاتم من ورق يوماً واحداً، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم من ورق ولبسوها، فطرح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتمه، فطرح الناس خواتمهم. قال البيهقي: ويُشبه أن يكون ذكر الورق وهماً سبق إليه لسان الزهري فحملوه منه على الوهم.

وهذا كما قال البيهقي رحمه الله. فإن الخاتم الذي طرحه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان من ذهب، ويدل على ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يلبس خاتماً من ذهب، ثم قام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنبذه وقال: لا ألبسه أبداً، فنبذ الناس خواتيمهم. وعنه: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صنع خاتماً من ذهب، وكان يجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه في يده اليمنى. فاصطنع الناس خواتيم من ذهب، فجلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر فنزعه وقال: " إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه في بطن كفي، فرمى به وقال: والله لا ألبسه أبداً "، فنبذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونبذ الناس خواتيمهم. وعنه: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتخذ خاتماً من ذهب ثم ألقاه، واتخذ خاتماً من ورق ونقش محمد رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ونهى الناس أن ينقشوه، فكان إذا لبسه جعل الفص مما يلي بطن كفه، وهو الخاتم الذي سقط من معيقيب في بئر أريس. وهذا لفظ العباس. وقال إبراهيم: لبس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخاتم وجعل فصه مما يلي كفه، وقال: لا ينقش أحد على نقش خاتمي. وعنه: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتخذ خاتماً من ذهب فلبسه ثلاثة أيام، ففشت خواتيم الذهب في أصحابه فرمى به، واتخذ خاتماً من ورق نقش فيه: محمد رسول الله. فكان في يده حتى مات. وفي يد أبي بكر حتى مات. وفي يد عمر حتى مات، وفي يد عثمان ست سنين. فلما كثرت عليه الكتب دفعه إلى رجل من الأنصار يختم به، فأتى قَليباً لعثمان فسقط فيها، فالتمسوه فلم يجدوه، فاتخذ خاتماً من ورق نقش فيه: محمد رسول الله. حدث إياس بن الحارث بن معيقيب عن جده المعيقيب، وجده من قبل أمه ابن أبي ذُباب قال: كان خاتم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ملوى بفضة. فربما كان في يدي، وكان معيقيب على خاتم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعن عمرو بن يحيى بن سعيد القرشي عن جده قال: دخل عمرو بن سعيد بن العاص حين قدم من الحبشة على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما هذا الخاتم في يدك يا عمرو؟! قال: هذه حلقة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فما نقشها؟ قال: محمد رسول الله، قال: فأخذه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتختمه، فكان في يده حتى قبض، ثم في يد أبي بكر حتى قبض، ثم في يد عمر حتى قبض، ثم في يد عثمان. فبينا هو يحفر بئراً لأهل المدينة يقال لها بئر أريس، فبينما هو جالس على شفتها يأمر بحفرها سقط الخاتم في البئر، وكان عثمان يكثر إخراج خاتمه من يده وإدخاله، فالتمسوه فلم يقدروا عليه. وفي حديث أنس: قال أنس: فاختلفنا مع أمير المؤمنين ثلاثة أيام، نطلبه فلم نقدر عليه. وعن عبد الله بن جعفر: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتختم في يمينه. وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: كأني أنظر إلى وميض خاتم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يده اليسرى، وهو يخطبنا. وعن نافع بن عمر: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتختم في يساره. ووجه الجمع بين هذه الروايات أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبس الخاتم الذهب في يمينه ثم نبذه، واتخذ خاتم الورق ولبسه في يساره. يبين ذلك ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تختم خاتماً من ذهب في يده اليمنى على خنصره، حتى رجع إلى البيت فرماه فما لبسه، ثم تختم خاتماً من ورق فجعله في يساره. وأن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وحسناً وحسيناً رضي الله عنهم كانوا يتختمون في يسارهم. وعن عائشة: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتختم في يمينه ثم حوله في يساره. وعن جابر: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء.

وروى الزهري عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليه عمامة سوداء. قال: ولا يصح هذا عن الزهري إنما حديثه: دخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر. وعن أنس بن مالك: أنه رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتم بعمامة سوداء. وعن جابر قال: كان للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمامة سوداء. وعن ابن عباس: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطب الناس وعليه عصابة دسمة، وروي دسماء. وعن عبد الله بن عمر وأبي هريرة قالا: ما خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يوم جمعة قط إلا وهو معتم، وإن كان في إزار ورداء. وإن لم يكن عنده عمامة وصل الخرق بعضها إلى بعض واعتم بها. قال أبو عبد السلام: سألت ابن عمر: كيف كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتم؟ قال: كان يدير العمامة على رأسه، ويغرزها من ورائه، ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه. وعن عبد الرحمن بن عوف قال: عممني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأرسلها من بين يدي ومن خلفي. وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه كان يلبس القلانس البيض والمزرورات وذوات الأردان. وعن ابن عمر وعن أنس: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يلبس كمة بيضاء.

وعن عائشة قالت: كان لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلنسوة بيضاء لاطئة يلبسها. وعنها قالت: كان رداء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعة أذرع وشبراً في ذراع وشبر. وعن ابن عمر قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبس رداء مربعاً. وعن أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: لك يكن من الثياب شيء أحب إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من القميص. وعن ابن عباس قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبس قميصاً فوق الكعبين مستوي الكمين بأطراف أصابعه. وعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له قميص قبطي قصير الطول، وقصير الكمين وفي رواية: قميص قطن وفي رواية: قميص قطني. وعن أسماء بنت يزيد قالت: كان كم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الرصغ. وعن المغيرة: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبس جبة رومية ضيقة الكمين. وعنه قال: خرجت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض ما كان يسافر، فسرنا، حتى إذا كان في وجه الصبح انطلق حتى توارى عنا، ضرب الخلاء، ثم جاء فدعا بطهور وعليه جبة شامية ضيقة الكمين، فأدخل يده من تحت الجبة ثم غسل وجهه ويديه ومسح برأسه ومسح على الخفين.

وعن طارق بن عبد الله المحاربي قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسوق ذي المجاز وعليه جبة حمراء. وعن المغيرة بن شعبة قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي، ويستحب أن يصلي على فروة مدبوغة. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عليكم بالثياب البيض فيلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها أمواتكم، وعليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر ". وفي رواية سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " البسوا الثياب البياض، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها أطهر وأطيب. وفي رواية: فإنها من خير ثيابكم ". وفي حديث آخر عنه: وقد كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعجبه لبس الحبرات وهي البرود اليمانية. وقال قتادة: سألت أنساً: أي اللباس كان أحب إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو أعجب، قال: الحبرة. وعن قدامة الكلابي قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشية عرفة وعليه حلة حبرة. وعن جابر بن سليم، أو سليم بن جابر قال: أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإذا هو جالس مع أصحابه. قال: فقلت: أيكم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: فإما أن يكون أومأ إلى نفسه، وإما أن يكون أشار إليه القوم فإذا هو محتبٍ ببردة قد وقع هدبها على قدميه. قال: فقلت: يا رسول الله؛ أجفو عن أشياء فعلمني. قال: " اتق الله عز وجل، ولا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإياك والمخيلة، فإن الله تبارك وتعالى لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك

وعيرك بأمرٍ يعلمه فيك فلا تعيره بأمر تعلمه فيه ليكون لك أجرة، وعليه إثمه، ولا تشتمن أحداً ". وقد لبس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثياب السود. وعن عائشة أنها قالت: صنعت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بردة سوداء من صوف فلبسها فأعجبته، فلما عرق فيها، فوجد فيها ريح النمرة قذفها. وعن عائشة قالت: خرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات غداة وعليه مرط مرحل، ومن شعر أسود. وقد لبس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثياب الخضر. عن أبي رمثة قال: قدمت المدينة ولم أكن رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فخرج وعليه ثوبان أخضران. وذكر الحديث. قال قتادة: خرجنا مع أنس بن مالك إلى أرض له يقال لها الراوية، فقال حنظلة السدوسي: ما أحسن هذه الخضرة، فقال أنس: كنا نتحدث أن أحب الألوان إلى الله عز وجل الخضرة. وقد لبس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثياب الصفر. وعن عبد الله بن جعفر قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران: رداء وعمامة. وعن قيلة: أنها رأت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو قاعد القرفصاء، وعليه أسمال مليتين كانتا تزعفران وقد نفضتا.

وقد لبس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثياب الحمر. وعن عون عن أبيه: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج في حلة حمراء، فركز عنزةً، فجعل يصلي إليها بالبطحاء يمر من ورائها الكلب والحمار والمرأة. وعن البراء بن عازب قال: ما رأيت رجلاً قط أحسن من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حلة حمراء. وعن جابر: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يلبس بردة الأحمر في الجمعة والعيدين. وعن نافع قال: سمعت ابن عمر يقول: والله ما شمل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيته ثلاثة أثواب. ولا شمل أبو بكر في بيته ولا خارج بيته ثلاثة أثواب، ولا شمل عمر في بيته ولا خارج بيته ثلاثة أثواب. غير أني كنت أرى كساءهم إذا أحرموا، كان لكل واحد منهم مئزر ومشمل لعلها كلها بثمن درع أحدكم. والله لقد رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرقع ثوبه، ورأيت أبا بكر تخلل العباء ورأيت عمر يرقع جبته برقاع من أدم وهو أمير المؤمنين. وإني أعرف في وقتي هذا من يجيز بالمئة ولو شئت لقلت ألفاً. وعن أبي هريرة قال: دخلت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السوق، فقعد إلى البزازين، فاشترى سراويل بأربعة دراهم. قال: وكان لأهل السوق رجل يزن بينهم الدراهم يقال له: فلان الوزان. قال: فجيء به يزن ثمن السراويل فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتزن وأرجح؟ فقال له الوزان: إن هذا القول ما سمعته من أحد من الناس، فمن هذا الرجل؟ قال أبو هريرة: قلت: حسبك من الزهو والجفاء في دينك ألا تعرف نبيك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فقال: أهذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

قال: فأخذها يعني يده ليقبلها فجذبها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: مه إنما تفعل هذا الأعاجم بملوكها. وإني لست بملك، وإنما أنا رجل منكم. قال: ثم جلس، فاتزن الدراهم وأرجح كما أمره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما انصرفنا تناولت السراويل من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأجملها عنه، فمنعني وقال: صاحب الشيء أحق بحمله إلا أن يكون ضعيفاً، يعجز عنه، فيعينه عليه أخوه المسلم. قلت: يا رسول الله، وإنك لتلبس السراويل؟ قال: نعم. بالليل والنهار، وفي السفر والحضر قال الإفريقي: وشككت في قوله: مع أهلي إني أمرت بالتستر، فلم أجد ثوباً أستر من السراويل. وعن علي قال: كنت قاعداً عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالبقيع في يوم دجن مطر، فمرت امرأة على حمار، ومعها مكاري، فهوت يد الحمار في وهدة من الأرض فسقطت المرأة، فأعرض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها بوجهه. فقالوا: يا رسول الله، إنها متسرولة فقال: " اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي. ثلاثاً. يا أيها الناس، اتخذوا السراويلات، فإنها من أستر ثيابكم، وخصوا بها نساءكم إذا خرجن ". وعن أنس قال: كان لنعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبالان. وعن تمام قال: نظر هشام بن عروة إلى نعل الصلت بن دينار ولها قبالان. فقال هشام: عندنا نعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معقبة مخصرة ملسنة. وعن عمرو بن حُريث قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في نعلين مخصوفتين.

وعن بريدة: أن النجاشي أهدى إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خفين أسودين ساذجين، فتوضأ ومسح عليهما. وعن عائشة قالت: كان ضجاع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي ينام عليه وسادة بالليل من أدمٍ حشوها ليف. وعن أبي بردة قال: دخلنا على عائشة، فأخرجت إلينا إزاراً غليظاً مما يصنع باليمن. وكساء من هذه التي تدعونها الملبدة، فقالت: قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذين الثوبين.

ذكر تواضعه لربه ورحمته لأمته ورأفته بصحبه

ذكر تواضعه لربه ورحمته لأمته ورأفته بصحبه عن عمر بن الخطاب عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبده. فقولوا: عبد الله ورسوله ". وعن أنس قال: إن رجلاً قال لنبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا أيها الناس، قولوا بقولكم ولا تستهوينكم الشياطين، أنزلوني حيث أنزلني الله. أنا عبد الله ورسول الله ". وفي رواية عنه: ولا يستخزينكم الشيطان. أنا محمد بن عبد الله، رسول الله. ووالله ما أحب. إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة. فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربك: أملكاً نبياً نجعلك أو عبداً رسولاً؟ قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. قال: بل عبداً رسولاً. وعن عائشة قالت: أُتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بطعام فقلت: ألا تأكل وأنت متكىء، فإنه أهون عليك؟

قالت: فأصغى بجبهته حتى كاد يمسح بها الأرض قال: آكل كما يأكل العبيد، وأنا جالس. فما رأيته أكل متكئاً حتى مضى لسبيله. وعن عائشة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أتاني ملك جرمة يساوي الكعبة. فقال اختر أن تكون نبياً ملكاً أو نبياً عبداً. فأومأ إليه جبريل عليه السلام أن تواضع لله تعالى فقال: بل أحب أن أكون عبداً نبياً، فشكر ربي عز وجل ذلك فقال: أنت أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع ". وفي حديث آخر عنها قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا عائشة، لو شئت لسارت معي جبال الذهب، جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة. وذكر بقية الحديث ". وعن حبيب بن أبي ثابت قال: قلت لأنس بن مالك: حدثنا بما سمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا تحدثنا عن غيره قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبس الصوف، ويركب الحمار، ويجلس على الأرض وثيابه عليها. ويجيب دعوة الكهول، ويعتقل العنز ويحلبها. وسمعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لو دعيت إلى كراع لأجبت ". قال: كذا قال: وثيابه عليها. قال: وأحسبه: وينام عليها. وعن أنس قال: جاء جبريل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يأكل متكئاً فقال: التُكأة من النعمة فاستوى قاعداً. فما رُئي بعد ذلك متكئاً. وقال: " إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد ".

وعن علي بن حسين قال: قيل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو اتخذنا لك شيئاً ترتفع عليه تُكلم الناس. فقال: " لا أزال بينكم تطوون عقبى حتى يكون الله يرفعني. ثم قال: لا ترفعوني فوق حقي فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني رسولاً ". وعن أبي موسى قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبس الصوف، ويركب الحمار ويأتي مدعاة الضعيف. وعن أبي أيوب قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يركب الحمار، ويخصف النعل، ويرقع القميص، ويقول: " من رغب عن سنتي فليس مني ". وعن أنس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعود المريض، ويركب الحمار ويردف معه، ويجيب دعوة المسكين. وعن أنس: يجيب دعوة العبد. وعنه قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب دعوة الكهول، ويركب الحمار. وكان يوم خيبر ويوم قريظة والنضير على حمار مخطوم، بجبل من ليف، وتحته إكاف من ليف. وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من لبس الصوف، وانتعل المخصوف، وركب حماره، وحلب شاته، وأكل معه عياله فقد نحى الله منه الكبر، أنا عبد ابن عبد، أجلس جلسة العبد وآكل أكل العبد وذلك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يطرف طعاماً قط إلا وهو جاث على ركبتيه إني قد أوحي إلي أن تواضعوا، ولا يبغي أحد على أحد. إن يد الله عز وجل مبسوطة في خلقه. فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضع نفسه رفعه الله وما يمشي امرؤ على الأرض شبراً يبتغي فيها سلطان الله إلا أكبه الله ".

وعن أبي هريرة قال: كان في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاث خلال ليست في الجبارين: كان يركب الحمار، وكان لا يدعوه أسود ولا أحمر إلا أجابه، وكان يجد التمرة ملقاة فيلقيها في فيه. وعن أنس قال: لما دخل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة استشرفه الناس، فوضع رأسه على رحله تخشعاً. وقال أنس بن مالك: كان لا يشاء العبد الأسود أن يأتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيأخذ بيده فيمضي به حيث سأله إلا أقعى لحاجته. وخطب عثمان بن عفان فقال: إنا والله صحبنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السفر والحضر، فكان يعود مرضانا ويتبع جنائزنا، ويواسينا بالقليل والكثير. وإن ناساً يعلموني به وعسى ألا يكون أحدهم رآه قط. وعن سهل بن حنيف قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأتي ضعفاء المسلمين ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم. وعن عاصم بن حدرة قال: ما أكل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على خوان قط، ولا مشى معه سواد، وما كان له بواب قط. وعن الحسن: أنه ذكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: لا والله، ما كانت تغلق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحجبة، ولا يغدى عليه بالجفان، ولا يراح عليه بها، ولكنه كان بارزاً، من أراد أن يلقى نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقيه. وكان والله يجلس بالأرض، ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغيظ، ويركب الحمار، ويردف معه ويلعق والله يده. وعن ابن مسعود الأنصاري قال: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلم رجلاً فأرعد فقال: هون عليك، فإني لست بملك. إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد.

وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ما بعث الله عز وجل نبياً إلا راعي غنم. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط ". وعن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل وأهل الغنم عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الإبل ". وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بعث موسى وهو يرعى غنماً لأهله. قال: وبعثت أنا، وأنا أرعى غنماً لأهلي بأجياد ". وعن أنس: أن نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي لما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه ". وعنه قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرحم الناس بالعيال والصبيان. وعنه قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طريق ومعه أناس من أصحابه، فعرضت له امرأة فقالت: يا رسول الله، لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان، اجلسي في أدنى نواحي السكك حتى أجلس إليك، ففعلت فجلس إليها حتى قضت حاجتها. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهم، إني اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه، إنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته فاجعلها صلاة وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة ". وعن أبي سعيد الخدري قال: غشى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأمداد من أهل اليمن وهو في المسجد مسجده، فجعلوا يتمسحون به فلما غشوه قام موئلاً إلى بيته يقول: فاراً وركبوه. قال أبو سعيد: وكنت فيمن

يدفع عنه، وغلبونا عليه حتى انتزعوا رداءه وحتى أصاب منكبه الباب فأوجعه، وقعد في حجرة عائشة منبهراً مما لقي منهم يقول: اللهم العنهم، اللهم العنهم. فلما سري عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت له عائشة: هلك والله القوم يا رسول الله. قال: وما ذاك يا عائشة. قالت: أولم أسمعك تقول: اللهم العنهم؟ فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلا والله، لقد اشترطت على ربي فقلت: " اللهم، إنما أنا بشر أغضب كما يغضبون وأجد كما يجدون، فأي المسلمين ضربت أو سببت أو لعنت أو آذيت فاجعلها له مغفرة ورحمة وقربة تقربه بها يوم القيامة. كلا والله يا عائشة ". وعن الفضل بن عباس قال: دخلت على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرضه وعلى رأسه عصابة حمراء أو قال: صفراء فقال: ابن عمي، خذ هذه العصابة فاشدد بها رأسي. فشددت بها رأسه. قال: ثم توكأ علي حتى دخلنا المسجد فقال: " يا أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم. ولعله أن يكون قد قرُب مني خفوف من بين أظهركم. فمن كنت أصبت من عرضه أو من شعره أو من بشره أو من ماله شيئاً، هذا عرض محمد وشعره وبشره وماله فليقم فليقتص، ولا يقولن أحد منكم: إني أتخوف من محمد العداوة والشحناء. ألا وإنهما ليسا من طبيعتي وليسا من خلقي ". قال: ثم انصرف. فلما كان من الغد أتيته فقال: " ابن عمي، لا أحسب أن مقامي بالأمس أجزأ عني، خذ هذه العصابة فاشدد بها رأسي ". قال: فشددت بها رأسه. قال: ثم توكأ علي حتى دخلنا المسجد فقال مثل مقالته بالأمس ثم قال: " فإن أحبكم إلينا من اقتص ". قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت يوم أتاك السائل فسألك فقلت: من معه شيء يقرضنا فأقرضتك ثلاث دراهم؟ قال: فقال: " يا فضل أعطه ". قال: فأعطيته. قال: ثم قال: " ومن غلب عليه شيء فليسألنا ندع له ". قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل جبان كثير النوم. قال: فدعا له. قال الفضل: فلقد رأيته أشجعنا وأقلنا نوماً. قال: ثم أتى بيت عائشة فقال للنساء مثلما قال للرجال. ثم قال: " ومن غلب عليه شيء فليسألنا ندع له. قال: فأومأت امرأة إلى لسانها. قال: فدعا لها. قالت: فلربما قالت لي: يا عائشة، أحسني صلاتك.

وعن عبد الله بن عمرو: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلا قول الله عز وجل في إبراهيم " ربِّ إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم " وقال عيسى " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " ورفع يديه ثم قال: اللهم، أمتي أمتي وبكى. فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد وربك أعلم فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما قال، وهو أعلم فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. وعن أبى ذر قال: قام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بآية حتى اصبح يرددها. والآية " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ".

ذكر تقلله وزهده وتبتله في العبادة

ذكر تقلله وزهده وتبتله في العبادة عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يوم مرتين حتى مات. وعنها قالت: إن كان ليمر بنا الشهر ونصف الشهر ما توقد في بيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نار لمصباح ولا لغيره. قال: قلت: سبحان الله! فبأي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: بالماء والتمر، كان لنا نسوة جيران من الأنصار لهن منائح، فربما أهدوا إلينا منها شيئاً. وفي رواية أخرى قالت: والله، لقد كان يأتي على آل محمد شهر ما نختبز فيه. قال: فقلت: يا أم المؤمنين، فما كان يأكل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: كان لنا جيران من الأنصار جزاهم الله خيراً، كان لهم شيء من لبن يهدون منه إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعنها قالت: كان يأتي على آل محمد الشهر ما يوقدون فيه ناراً، إنما هو التمر والماء، إلا أن يؤتى باللحم. وعن عائشة قالت: لقد أهدى لنا أبو بكر رجل شاة لحم، فإني لأقطعنها أنا ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ظلمة البيت، فقلت لها: هلا أسرجتم؟ فقالت: لو كان لنا ما نسرج به لأكلناه.

وعن عائشة قالت: لقد مات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما في بيتي إلا شطر من شعير فكلته ففني، فليتني لم اكله. وقالت: توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما خلف ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً. وعنها قالت: لقد مات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين. وعنها قالت: والذي بعث محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحق، ما أرى منخلاً ولا أكل خبزاً منخولاً مذ بعثه الله إلى أن قبض صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقلت: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول: أف، أف. وعن عائشة قالت: ما رفع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غداءً لعشاء ولا عشاء قط لغداء. ولا اتخذ من شيء زوجين: لا قميص، ولا رداءين ولا من النعال، ولا رُئي قط فارغاً في بيته. إنما يخصف نعلاً لرجل مسكين أو يخيط ثوباً لأرملة. وعن عائشة أنها قالت: ما شبع آل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثة أيام متتابعة من خبز البر حتى ذاق محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الموت. وما زالت الدنيا علينا عسرة كدرة حتى مات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما مات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصبت الدنيا علينا صباً. وعنها قالت: لقد توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني.

قال مسروق: دخلت على عائشة يوماً فدعت لي بطعام، فقالت لي: كل. فلقلما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلا بكيت. قال: قلت: يا أم المؤمنين، وذاك ممه؟ قالت: أذكر الحال التي فارقنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ما شبع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يوم مرتين من خبز الشعير حتى لحق بالله عز وجل. وعن عائشة قالت: توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يترك ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً، ولم يوص بشيء. وعن عمرو بن الحارث ختن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخي جويرية بنت الحارث قال: والله، ما ترك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند وفاته ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضاً جعلها صدقة. وعن ابن عباس: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التفت إلى أُحد فقال: " والذي نفسي بيده ما يسرني أن أُحداً تحول لآل محمد ذهباً أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت أدع منه دينارين، إلا دينارين أحدهما لدين إن كان ". فمات وما ترك ديناراً ولا درهماً ولا عبداً، ولا وليدة، وترك درعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعاً شعير. وعن عائشة قالت: دخلت علي امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطيفة وقيل: عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلي بفراش حشوه صوف، ودخل علي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما هذا يا عائشة؟! قالت: قلت: يا رسول الله، فلانة الأنصارية دخلت علي فرأت فراشك، فذهبت فبعثت إلي بهذا. فقال: " رديه يا عائشة. فو الله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة ". قالت: فلم أرده، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال لي ذاك ثلاث مرات قال: فقال: " رديه يا عائشة، فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة ".

وعن زر بن حبيش قال: سألت عائشة أم المؤمنين عن ميراث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قالت: عن ميراث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسأل لا أبالك؟! والله ما ورّث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً ولا عبداً ولا أمة. وعن عائشة قالت: لو أردت أن أخبركم بكل شعبة شعبها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى مات لفعلت. وعن عمران بن يزيد قال: حدثني والدي قال: دخلنا على عائشة فقلنا: سلامٌ عليك يا أمّه فقالت: وعليك، ثم بكت فقلنا: ما بكاؤك يا أمّه؟ قالت: بلغني أن الرجل منكم يأكل من ألوان الطعام حتى يلتمس لذلك دواء يمريه، فذكرت نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فذلك الذي أبكاني. خرج من الدنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين. كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الخبز، وإذا شبع من الخبز لم يشبع من التمر. وعن عائشة قالت: اشتد وجع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعندنا سبعة دنانير أو تسعة. فقال: يا عائشة، ما فعلت تلك الذهب؟ قالت: هي عندي، قال: فتصدقي بها. قالت: فشغلت، ثم قال: يا عائشة، ما فعلت تلك الذهب؟ فقلت: عندي. قال: تصدقي بها. قالت: فشغلت ثم قال الثالثة: ما فعلت تلك الذهب؟ فقلت: هي عندي فقال: ائتني بها، فوضعها في يده ثم قال: " ما ظن محمد لو لقي الله وهذه عنده، ما ظن محمد لو لقي الله وهذه عنده ". وفي رواية قالت: فأخذها فبددها. وعن عطاء قال: زار أبو هريرة قومه فأتوه برقاق من الرقاق الأول. فلما رآه بكى. فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة؟ فقال " ما رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا بعينه قط.

وعن أبي هريرة قال: إن كان ليمر بآل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأهلة ما يسرج في بيت أحد منهم سراج، ولا توقد فيه نار. إن وجدواً زيتاً ادهنوا به، وإن وجدوا ودكاً أكلوه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً ". وعنه عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " والله لا يقسم ورثتي ديناراً، ما تركت من شيء بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة ". وعنه قال: جاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، ما لي أرى لونك منكفتاً! قال الخمص، فانطلق الأنصاري إلى رحله فلم يجد فيه شيئاً، فخرج يطلب فإذا هو بيهودي يسقي نخلاً له فقال الأنصاري لليهودي: أسقي نخلك؟ قال: نعم، كل دلو بتمرة، واشترط الأنصاري عليه ألا يأخذ منه خدرة ولا تارزة ولا حشفة، ولا يأخذ إلا جيدة. فاستسقى له بنحو من صاعين تمراً، فجاء به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: من أين لك هذا؟ فأخبره الأنصاري. وكان يسأل عن الشيء إذا أُتي به، فأرسل إلى نسائه بصاع، وأكل هو وأصحابه صاعاً. وقال للأنصاري: أتحبني؟ قال: نعم، والذي بعثك بالحق يعني: إني لأحبك قال: إن كنت فاتخذ البلاء كفافاً، فوالذي نفسي بيده للبلاء أسرع إلى من يحبني من الماء الجاري من قلب الجبل إلى حضيض الأرض ثم قال: " اللهم، فمن أحبني فارزقه العفاف والكفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده ".

وعن أنس قال: ما أكل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على خوان ولا في سُكرُّجة، ولا خبز له مرقق. قال: قلت لقتادة: فعلام كاونوا يأكلون؟ قال: على السفر. وعن أنس: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يدخر شيئاً لغد. وعن أبي ربيع قال: كنا مع أنس بن مالك في بستان له إذ أُلقيت له طنفسة، ثم جيء بخوان فوضع، ثم جيء بزهومة فوضعت على الخوان، فلما رأى ذلك أنس بكى. قال: قلنا: ما يبكيك يا أبا حمزة؟ قال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعداً على طنفسة قط. ولا رأيت بين يديه خواناً قط. وعن أنس: أن خياطاً بالمدينة جعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طعاماً فأتى بخبز شعير وإهالة سنخة وإذا فيها قرع، فرأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعجبه القرع، فجعلت أُقربه قدامه. قال أنس: فلم يزل القرع يعجبني منذ رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعجبه. وعن أنس قال " كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب، ولقد كانت له درع رهناً عند يهودي. فما وجد ما يفتكها حتى مات صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أنس قال: لبس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصوف، واحتذى المخصوف.

وقال: أكل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشعاً، ولبس خشناً. قال: سئل الحسن: ما البشع؟ قال: غليظ الشعير، لايكاد يسيغه إلا بجرعة ماء. وعن أنس: أن فاطمة جاءت بكسرة خبز لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ قالت: قرص خبزته، فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة فقال: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام. وعن جابر بن عبد الله قال: لما حفر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه الخندق أصاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون جهداً شديداً، فمكثوا لا يجدون طعاماً حتى ربط النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بطنه حجراً من الجوع. وعن ابن البجير، وكان من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أصاب يوماً النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجوع، فوضع على بطنه حجراً ثم قال: ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة. ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم. ألا يا رب منحوض ومتنعم فيما أفاء الله على رسوله. ما له عند الله من خلاق، ألا وإن عمل الجنة حزنة بربوة، ألا وإن عمل النار سهل بشهوة. ألا يا رب شهوة ساعة أورثت خزناً طويلاً. وعن سماك أنه سمع النعمان بن بشير يخطب وهو يقول: احمدوا الله تبارك وتعالى: فربما أتى على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشهر يظل يتلوى، ما شبع من الدقل. وعن أبي حازم قال: سألت سهل بن سعد فقلت: هل أكل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النقي فقال سهل: ما

رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النقي من حين بعثه الله حتى قبضه الله. قال: فقلت: هل كانت لكم في عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مناخل. قال: ما رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضه. قال: فقلت: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخل؟ قال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار وما بقي ثريناه فأكلناه. وعن أحمد بن عبد الله العجلي قال: سألت نعيم بن حماد قلت: جاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لم يشبع في يوم من خبز مرتين. وجاء عنه أنه كان يعد لأهله قوت سنة فكيف هذا؟! قال: كان يعد لأهله قوت سنة، فتنزل به النازلة فيقسمه فيبقى بلا شيء. وعن عمر بن الخطاب: أنه دخل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين هجره نساؤه فوافاه على سرير رمال يعني مرمولاً متوسداً وسادةً من أدم محشوة ليفاً. فقال عمر: التفت في البيت فوالله ما رأيت شيئاً يرد البصر إلا العباء من أدم معطونة ريحها، فبكيت، فقلت: يا رسول الله، أنت رسول الله وخيرته وهذا كسرى وقيصر في الذهب والحرير، فاستوى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالساً فقال: أو في شكٍ أنت يا بن الخطاب! أولئك قوم عجلت، يعني: طيباتهم في حياتهم الدنيا. وعن ابن عباس: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء. قال: وكان عامة خبزهم الشعير. وعن ابن عمر أنه قال: إن جبريل عليه السلام أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخيره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا.

وعن ابن عمر قال: خرجت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى دخل في بعض حيطان الأنصار، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: يا بن عمر، مالك لا تأكل؟! قال: قلت: يا رسول الله، لا أشتهيه، قال: لكنني أشتهيه، وهذه صبح رابعة مذ لم أذق طعاماً ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي عز وجل فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا بن عمر إذا بقيت في قوم يخبؤون رزق سنتهم بضعف اليقين؟ فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت " وكأين من دابةٍ لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم " فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله عز وجل لم يأمرني بكنز الدنيا ولا اتباع الشهوات، فمن كنز دنيا يريد بها حياة باقية فإن الحياة بيد الله. ألا وإني لا أكنز ديناراً ولا درهماً ولا أخبأ رزقاً لغدٍ. وعن ابن عمر: " لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة " قال: في جوع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن عبد الله قال: اضطجع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حصير، فأثر الحصير بجلده. فلما استيقظ جعلت أمسح عنه وأقول: ألا أذنتنا فنبسط لك عليه شيئاً يقيك منه؟ فقال: ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرة ثم راح وتركها. وعن نوفل بن إياس أنه قال: كان عبد الرحمن بن عوف لنا جليساً، وكان نعم الجليس، وإنه انقلب بنا ذات يوم إذ أدخلنا بيته، ودخل فاغتسل، ثم خرج فجلس معنا، وأُتينا بصفحة فيها خبز ولحم. فلما وضعت بكى عبد الرحمن، فقلت له: يا أبا محمد، ما يبكيك؟! قال: هلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ولا أُرانا أُخرنا لما هو خير لنا.

وعن عمرو بن العاص قال: وهو على المنبر بمصر للناس: ما أبعد هديكم من هدي نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما هو فأزهد الناس في الدنيا، وأما أنتم فأرغب الناس فيها. وعن عمرو بن العاص قال: لقد أصبحتم وأمسيتم ترغبون فيما كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يزهد فيه؛ أصبحتم ترغبون في الدنيا، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يزهد فيها والله ما أتت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة من دهره إلا كان الذي عليه أكثر مما له. قال: فقال له بعض أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قد رأينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستسلف. وفي رواية: والله، والله ما مر برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة من الدهر إلا والذي عليه أكثر من الذي له. وعن أبي البختري قال: صحب سلمان رجلٌ من بني عبس، فكان لا يستطيع أن يفضله في عمل: إن عجن خبز، وإن سقى الركاب هيأ العلف للدواب، حتى انتهى إلى دجلة وهو تطفح، فقال له سلمان: انزل فاشرب. قال: فشرب. فقال: ازدد فازدد. قال: كم تراك نقصت منها؟ فقال: ما عسى أن أنقص من هذه. قال: فقال له سلمان: فكذلك العلم تأخذ منه ولا تنقصه، فعليك بما ينفعك. قال: فعبرنا إلى نهر دنّ فإذا الأكداس عليه من الحنطة والشعير فقال: يا أخا بني عبس، أما ترى الذي فتح خزائن هذه علينا كان برأها ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيّ؟ قال: قلت: بلى. قال: فوالذي لا إله غيره لقد كنا نمسي ونصبح وما فينا قفيز من قمح. ثم سار حتى انتهى إلى جلولاء فذكر ما فتح الله عز وجل عليهم فيها

من الذهب والفضة. فقال: يا أخا بني عبس، أما ترى الذي فتح هذه علينا كان برأها ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي؟ قلت: بلى. قال: فوالذي لا إله غيره. لقد كانوا يمسون ويصبحون وما فيهم دينار ولا درهم. وعن أبي أمامة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " عرض عليّ ربي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوماً، وأجوع يوماً. فإذا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك ". وعن أبي عسيب قال: خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلاً فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق يمشي ونحن معه حتى دخل بعض حوائط الأنصار فقال: أطعمنا بسراً، فجاء بعذق فأكلوا، وجاء بماء فشربوا. فقال عمر: يا رسول الله: إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: نعم إلا من ثلاثٍ: إلا من كسرةٍ يسد بها الرجل جوعته؛ وخرقة يواري بها عورته، وجُحر يتدخل فيه من الحر والقر. وعن الحسن: حدثني من صحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يره وضع قصبة ولا لبنة على لبنة. وعن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه لما نزلت هذه الآية " إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قال وصلى حتى انتفخت قدماه، وتعبد حتى صار كالشنّ البالي. فقالوا: يا رسول الله! أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: " أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ". وعن سفينة قال: اعتزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نساءه قبل أن يموت بشهرين، وتعبد حتى صار كالشنّ البالي.

وعن عطاء قال: دخلت على عائشة فقلت: أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبكت وقالت: وأي شأنه لم يكن عجباً؟ إنه أتاني في ليلة فدخل معي في فراشي أو قالت: في لحافي حتى مس جلدي جلده ثم قال: يا بنت أبي بكر ذريني أتعبد لربي، قالت: قلت: إني أحب قربك، فأذنت له فقام إلى قربة من ماء فتوضأ فأكثر صب الماء، ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فأذن بالصلاة، فقلت: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لم ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، ولم لا أفعل وقد أنزل عليّ " إن في خلق السموات والأرض " الآية. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل كي لا ينام، فأنزل الله تعالى " طه ما أنزلنا عليك القرآن لنشقى ". وعنه: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول ما نزل عليه الوحي كان يقوم على صدر قدميه إذا صلى، فأنزل الله عز وجل " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ". وعن عاصم بن ضمرة قال: سألنا علياً عليه السلام عن صلاة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من النهار فقال: إنكم لا تطيقون ذلك. قلنا: من أطاق ذلك منا. فقال: كان إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى ركعتين. وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلى أربعاً، ويصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعاً يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من النبيين والمرسلين.

وعن علي عليه السلام قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي التطوع ثماني ركعات وبالنهار ثنتي عشرة ركعة. وكان في نسخة: ست عشرة ركعة. وعن عبد الله قال: سألت عائشة أم المؤمنين فقلت: يا أم المؤمنين، هل كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخص شيئاً من صيامٍ بعمل؟ قالت: كان أحب الأعمال إليه ما دام عليه صاحبه، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستطيع؟. وعن عائشة: عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يصلي قائماً، فلما دخل في السن جعل يجلس حتى إذا بقي في السورة ثلاثون آية أو أربعون آية قام فقرأ بها ثم سجد. وقالت: ما رأيته يصلي في بيتي صلاة الليل جالساً قط حتى دخل في السن. وعن مسلم بن مخراق قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، إن أناساً يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثاً فقالت: قرؤواً ولم يقرؤوا. كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقوم ليلة التمام فيقرأ سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء، لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا الله واستعاذ. وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من التطوع فقالت: كان يصلي قبل الظهر أربعاً في بيتي، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين. وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، ثم يصلي العشاء، ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين. وكان يصلي من الليل سبع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً. وليلاً طويلاً جالساً. فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد.

وعن عائشة: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة: منها ركعتان يصليهما وهو جالس، ويصلي إذا طلع الفجر ركعتين قبل الصبح. فتلك ثلاث عشرة ركعة. وعن عائشة: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا لم يصلّ من الليل منعه من ذلك نومٌ غلبه أو وجعٌ صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. وعن أبي ذر أنه قال: قلت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني أريد أن أبيت عندك الليلة فأصلي بصلاتك. قال: لا تستطيع صلاتي. فقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغتسل فسترته بثوب وأنا محول عنه، فاغتسل ثم فعلت مثل ذلك فقال: هكذا الغسل. ثم قام يصلي فقمت معه حتى جعلت أضرب برأسي الجدرات من طول صلاته، ثم أتاه بلال للصلاة فقال: أفعلت؟ قال: نعم. قال: إنك يا بلال تؤذن إذا كان الصبح ساطعاً في السماء. وليس ذلك الصبح. إنما الصبح هكذا معترضاً. ثم دعا بسحور فتسحر قال حاتم بن عدي: وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لا تزال هذه الأمة بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر " ثم خرج فقامت الصلاة. وعن أبي أيوب الأنصاري قال: نزل علي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهراً فنقبت في عمله كله، فرأيته إذا زالت الشمس أو زاغت، أو كما قال إن كان في يده عمل الدنيا رفضه، وغن كان نائماً كأنما يوقظ له، فيقوم فيغتسل أو يتوضأ، ثم يركع ركعات يتمهن ويحسنهن، ويتمكث فيهن. فلما أراد أن ينطلق قلت: يا رسول الله، مكثت عندي شهراً، ولوددت أنك مكثت عندي أكثر من ذلك فنقبت في عملك كله فرأيتك إذا زالت الشمس - أو زاغت فإن كان في يدك عمل من الدنيا رفضته، وإن كنت نائماً فكأنما توقظ له، فتغتسل أو توضأ، ثم تركع أربع ركعات تتمهن وتحسنهن وتمكث فيهن. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أبواب السماوات وأبواب الجنة تفتح في تلك الساعة، فما ترتج أبواب السماوات وأبواب الجنة حتى تصلي الصلاة، فأحببت أن يصعد لي تلك الساعة خير وزاد الأوزاعي فقال: فأحب أن يرفع عملي في أول عمل العابدين.

وعن حذيفة: أنه انتهى إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قام في صلاته من الليل. فلما دخل في الصلاة قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة. ثم قرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحواً من قيامه. يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه، فكان قيامه بعد الركوع نحواً من ركوعه يقول: لربي الحمد، لربي الحمد. ثم سجد فكان سجوده نحواً من قيامه بعد الركوع يقول: سبحان ربي الأعلى، ثم رفع رأسه فكان بين السجدتين نحواً من سجوده يقول: ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي حتى صلى أربع ركعات قرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام. وعن أنس قال: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مصلياً إلا رأيناه، ولا نشاء أن نراه نائماً إلا رأيناه. وعن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يكون في المصلين إلا كان أكثرهم صلاة، ولا يكون في الذاكرين إلا كان أكثرهم ذكراً. هـ بن مسعود قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يكون في المصلين إلا كان أكثرهم صلاة، ولا يكون في الذاكرين إلا كان أكثرهم ذكراً.

ذكر بنيه وبناته وأزواجه وسرياته

ذكر بنيه وبناته وأزواجه وسُرَياته عن عطاء وعمرو بن دينار قالا: ما علمنا ولدت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أزواجه إلا خديجة. وعن ابن عباس قال: كان أكبر ولد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية. فمات القاسم وهو أول ميت من ولده بمكة، ثم مات عبد الله. فقال العاص بن وائل السهمي: قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله عز وجل " إن شانئك هو الأبتر " ثم ولدت له مارية بالمدينة إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة فمات ابن ثمانية عشر شهراً. قال هشام بن الكلبي: فتزوج زينب بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو العاصي بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف. فولدت له علياً وأمامة. وكان يقال لأبي العاص: جرو البطحاء، يعني أنه كان متلداً بها. وخرج أبو العاصي بن الربيع في بعض أسفاره إلى الشام فقال: البسيط ذكرت زينب وركت إرما ... فقلت سقيا لشخصٍ يسكن الحرما بنت الأمين جزاها الله صالحة ... وكل بعلٍ سيثني بالذي علما

وتوفيت زينب بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنة ثمان من الهجرة. وتزوج رقية بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عتبة بن أبي لهب. وتزوج أم كلثوم بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عتيبة بن أبي لهب، فلم يبنيا بهما حتى بُعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما أنزل الله تعالى: " تبت يد أبي لهب " قال لهما أبوهما: رأسي من رأسكما حرام إن لم تطلقا ابنتيه، ففارقاهما، ولم يكونا دخلا بهما. فتزوج عثمان بن عفان رقية بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فولدت له عبد الله بن عثمان الذي تكنى به، وبلغ ست سنين فنقره ديك على عينه فمات. وتوفيت رقية بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببدر. فقدم زيد بن حارثة المدينة بشيراً بما فتح الله على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببدر، فجاء حين سوي التراب على رقية بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكانت بدر صبيحة يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من رمضان من السنة الثانية للهجرة. وزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عثمان أيضاً ابنته أم كلثوم فماتت عنده في شعبان سنة تسع من الهجرة، ولم تلد له شيئاً. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ":لو كانت عندي ثالثة لزوجتها عثمان ". وتزوج علي بن أبي طالب فاطمة بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لليالٍ بقين من صفر في السنة الثانية من الهجرة. فولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب، بني علي. وتوفيت فاطمة بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بستة أشهر. قال: وهذا أثبت الأقاويل، وصلى عليها العباس بن عبد المطلب، ونزل في حفرتها هو وعلي والفضل بن العباس. وعن ابن عباس قال: ولدت خديجة من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الله بن محمد. ثم أبطأ عليه الولد من بعده. فبينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكلم رجلاً والعاص بن وائل ينظر إليه إذ قال له رجل: من هذا؟ قال:

هذا الأبتر. يعني: النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكانت قريش إذا ولد الرجل ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا: هذا الأبتر. فأنزل الله عز وجل: " إن شانئك هو الأبتر " إن مبغضك هو الأبتر الذي بتر من كل خير. ثم ولدت له زينب، ثم ولدت له رقية، ثم ولدت له القاسم، ثم ولدت الطاهر، ثم ولدت المطهر، ثم ولدت الطيب، ثم ولدت المطيب، ثم ولدت أم كلثوم، ثم ولدت فاطمة وكانت أصغرهم. وكانت خديجة إذا ولدت ولداً دفعته إلى من يرضعه. فلما ولدت فاطمة لم يرضعها أحد غيرها. ثم ولدت مارية بنت شمعون إبراهيم، وهي القبطية التي أهداها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المقوقس صاحب اسكندرية وأهدى معها أختها سيرين وخصياً يقال له مابور، فوهب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيرين لحسان بن ثابت الشاعر، ولدت له عبد الرحمن بن حسان وقد انقرض ولد حسان بن ثابت. وأم بني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير إبراهيم خديجة وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة بنت خويلد بن أسد بن العزى ابن قصي وأمها فاطمة بنت زائدة بن جندب، وهو الأصم بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن مغيص بن عامر بن لؤي. ويقال إن الطاهر هو الطيب، وهو عبد الله، والله أعلم. ويقال إن الطيب والمطيب ولدا في بطن، والطاهر والمطهر في بطن. قال الزهري: تزوجها في الجاهلية وأنكحه إياها أبوها خويلد بن أسد، فولدت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القاسم وبه كان يكنى، وطاهر وزينب ورقية وأم كلثوم، وفاطمة رضوان الله عليهم. فأما زينب بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتزوجها أبو العاصي بن الربيع بن عبد شمس بن عبد مناف في الجاهلية، فولدت لأبي العاصي جارية اسمها أمامة فتزوجها علي بن أبي طالب بعدما توفيت بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقتل علي وعنده أمامة. فخلف على أمامة بعد علي

المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، فتوفيت عنده. وأم أبي العاص بن الربيع هالة بنت خويلد بن أسد. وخديجة خالته أخت أمه. وهلك أبو طالب وخديجة في عام واحد قبل مهاجر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة بثلاث سنين. وعن أنس بن مالك قال: لما ولد للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنه إبراهيم كأنه وقع في نفسه منه شيء، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: السلام عليك أبا إبراهيم. وعن عبد الرحمن بن زياد قال: لما حُبِل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإبراهيم عليه السلام أتى جبريل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم، إن الله تعالى وهب لك غلاماً من أم ولدك مارية، وأمرك أن تسميه إبراهيم، فبارك الله لك في إبراهيم، وجعله قرة عين لك في الدنيا والآخرة. وكان مولد إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة. ومات وهو ابن ثمانية عشر شهراً. وعن السدي قال: سألت أنس بن مالك قال: قلت: كم كان بلغ إبراهيم بن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قد كان ملأ مهده، ولو بقي لكان نبياً، ولكن لم يكن ليبقى لأن نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخر الأنبياء. وعنه قال: توفي إبراهيم ابن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن ستة عشر شهراً فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ادفنوه بالبقيع فإن له مرضعاً تتم رضاعته في الجنة ". وعن إسماعيل قال: سألت ابن أبي أوفى أو سمعته يسأل عن إبراهيم ابن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: مات وهو صغير، ولو قضي أن يكون بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبي لعاش. وعن أنس بن مالك قال: لما مات إبراهيم ابن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر إليه، فجاء فانكب عليه وبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعن أنس بن مالك قال: ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كان إبراهيم مسترضعاً في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه فيدخل إلى البيت. وإنه ليدجن وكان ظئره فينا، فيأخذه فيقبله ثم يرجع. قال عمرو: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي وإن الظئرين يكملان رضاعه في الجنة ". وعن أسماء بنت يزيد حدثت: أنه لما توفي إبراهيم ابن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال أبو بكر وعمر: أنت أحق من علم لله حقه! فقال: " تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، فلولا أنه وعدٌ صادق وموعود جامع وأن الآخر منا يتبع الأول لوجدنا عليك يا إبراهيم وجداً أشد مما وجدنا. وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون ". وعن ابن أبي أوفى قال: صلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنه وصليت خلفه، وكبر عليه أربعاً. وعن ابن عباس قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن له مرضعاً في الجنة تتم رضاعته. ولو عاش لكان نبياً. ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط. وفي حديث آخر: ولو بقي لأعتقت كل قبطي. وذكر الواقدي: أن إبراهيم ابن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مات يوم الثلاثاء لعشر ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر ودفن بالبقيع، وكانت وفاته في بني مازن عند أم برزة بنت المنذر من بني النجار، ومات وهو ابن ثمانية عشر شهراً.

وعن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قدم المدينة خرجت ابنته زينب من مكة معهم كنانة أو ابن كنانة فخرجوا في أثرها، فأدركها هبار بن الأسود، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها، وألقت ما في بطنها وأهريقت دماً، فحُملت فاشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية، فقال بنو أمية: نحن أحق بها، وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص فكانت عند هند بنت ربيعة، وكانت تقول لها هند: هذا في سبب أبيك. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتجيء بزينب؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: خذ خاتمي فأعطها إياه، فانطلق مرة، وقال مرة، فبرك بعيره، فلم يزل يتلطف حتى لقي راعياً فقال: لمن ترعى؟ قال: لأبي العاص. قال: فلمن هذه الغنم؟ قال: لزينب بنت محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسار معه شيئاً ثم قال له: هل لك أن أعطيك شيئاً تعطيها إياه ولا تذكره لأحد؟ قال: نعم. فأعطاه الخاتم، فانطلق الراعي وأدخل غنمه، وأعطاها الخاتم فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل. قالت: وأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا قال: فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه. فلما جاءته قال لها: اركبي بين يديه بعيره. قالت: لا ولكن، اركب أنت بين يدي، فركب وركبت وراءه حتى أتت، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: هي أفضل بناتي أصيبت فيّ، فبلغ ذلك علي بن الحسين. فانطلق إلى عروة فقال: ما حديث بلغني عنك تحدث به تنتقص فيه حق فاطمة؟ قال: فقال عروة: والله إني لا أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب إني أنتقص فاطمة حقاً لها. وأما بعد ذلك فلك ألا أحدث به أبداً. وتوفيت زينب بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أول سنة ثمان من الهجرة. وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت أحمل الطعام إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي، وهما في الغار. قالت: فجاء عثمان إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إني أسمع من المشركين من اللغى فيك ما لا صبر لي عليه، فوجهني وجهاً أتوجهه، فلأهجرنهم في ذات الله فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أزمعت بذاك

يا عثمان؟ قال: نعم. قال: فليكن وجهك إلى هذا الرجل بالحبشة يعني: النجاشي فإنه ذو وفاء، واحمل معك رقية فلا تخلفها، ومن رأى معك من المسلمين مثل رأيك فليتوجهوا هناك، وليحملوا معهم نساءهم، ولا تخلفوهم. قال: فودع عثمان نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقبل يديه. قال: فبلّغ عثمان المسلمين رسالة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال لهم: إني خارج من تحت ليلتي فمقيمٌ لكم بجدة ليلة أو ليلتين فإن أبطأتم فوجهتي إلى باضع جزيرة في البحر. قالت: فحملت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما فعل عثمان ورقية؟ قلت: قد سارا فذهبا. قالت: فقال: قد سارا فذهبا؟ قلت: نعم. فالتقت إلى أبي بكر فقال: زعمت أسماء أن عثمان ورقية قد سارا فذهبا، والذي نفسي بيده إنه لأول من هاجر بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام. وعن ابن عباس قال: لما عزي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بابنته رقية امرأة عثمان بن عفان قال: " الحمد لله، دفن البنات من المكرمات ". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تزوج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها ". وعن أبي أمامة قال: لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القبر قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى " ثم قال: بسم الله وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، فطفق يطرح إليهم الجبوب ويقول: سدوا خلال القبر، ثم قال: إلا أن هذا ليس بشيء، ولكن يطيب بنفس الحيّ. وفي سنة تسع ماتت أم كلثوم ابنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعن أبي جعفر قال: دخل العباس على علي بن أبي طالب وفاطمة وهي تقول: أنا أسن منك. فقال العباس: أما أنت يا فاطمة فولدت وقريش تبني الكعبة والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن خمس وثلاثين سنة. وأما أنت يا علي قبل ذلك بسنوات. وتزوج علي فاطمة في رجب بعد مقدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة لخمسة اشهر. وبنى بها مرجعه من بدر، وفاطمة يوم بنى بها علي بنت ثمان عشرة سنة. قال جعفر بن سليمان: ولدت فاطمة سنة إحدى وأربعين من مولد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وماتت فاطمة وهي ابنة إحدى وعشرين سنة. وكانت كنية فاطمة عليها السلام أم أبيها. وعن عائشة قالت: اجتمع نساء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم تغادر منهن امرأة. فجاءت فاطمة تمشي، ما تخطىء مشيتها مشية أبيها صلوات الله عليه فقال: مرحباً يا بنتي، فأقعدها عن يمينه أو عن شماله فسارّها بشيء فبكت، ثم سارّها بشيء فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بينا بالسِّرار فتبكين؟ فلما قام قلت لها: أخبريني بما سارك؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سره. فلما توفي قلت لها: أسألك بما لي عليك من حق لما أخبرتني. فقالت: أما الآن فنعم. قالت: سارني فقال: " إن جبريل عليه السلام كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا عند اقتراب الأجل، فاتقي الله واصبري، فنعم السلف أنا لك. فبكيت، ثم سارني فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو قال: سيدة نساء هذه الأمة "؟ وعن المسور بن مخرمة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنما فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها، ويغضبني ما أغضبها ". وعن علي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لفاطمة: " يا فاطمة، إن الله ليغضب لغضبك، ويرضى لرضاك ".

وعن أبي الزبير أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لفاطمة: " أنت أول أهل يلحق بي "، فلم تمكث بعده إلا شهرين. وعن أبي جعفر قال: ماتت بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بستة أشهر. وعن عمرو بن دينار: بثمانية اشهر. وقال المدائني: ماتت ليلة الثلاثاء لثلاثٍ خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة، وهي ابنة تسع وعشرين سنة. ولدت قبل النبوة بخمس سنين. قالت عائشة: ودفنت ليلاً. وعن ابن عباس: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبض عن تسع، وكان يقسم لثمان. وعن أنس بن مالك وابن عباس قالا: تزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عدة نساء فوافى ذلك تخيير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نساءه وقصره الله على أزواجه اللاتي خيرهن وآتاهن أجورهن وكان اللاتي حرم منهن حراماً بيناً، ودخل بهن دخولاً ثابتاً خمس عشرة، دخل بثلاث عشرة واجتمع عنده إحدى عشرة، وتوفي عن تسع. فأما اللتان كملتا النسوة خمس عشرة فهما عمرة والشنباء. فأما عمرة بنت يزيد الغفارية فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أُدخلت عليه وجردها للباءة رأى بها وضحاً فردها، وقد أوجب لها المهر وحرمت على من بعده، وصارت سُنة، فيمن أُدخلت عليه امرأة فأغلق باباً أو أرخى ستراً أو جرد ثوباً أو خلا للباءة أفضى أو لم يفض فقد وجب عليه الصداق.

وأما الشنباء فإنها لما أُدخلت عليه لم تكن بالمسيرة، فانتظر بها اليسر. ومات إبراهيم ابن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على تفئة ذلك، فقالت: لو كان نبياً ما مات أحب الناس إليه وأعزه عليه فطلقها، وأوجب لها المهر، وحرمت على الأزواج. وأما الثلاث عشرة اللاتي بنى بهن فخديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى. وكانت قبله عند أبي هالة زرارة بن النباش بن زرارة بن حبيب أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم، وقبل عند عتيق بن عائذ. وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ين لؤي. وكانت قبله تحت السكران بن عمرو بن عبد شمس، ابن عمها. وعائشة بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة. لم يتزوج بكراً غيرها. وحفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب. وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم. وأم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وأم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وكانت قبله تحت عبيد الله بن جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن الحارث بن مالك بن المصطلق بن سعد بن

عمرو الخزاعي. وكانت قبله تحت مالك بن صفوان بن تولب بن ذي الشفر بن أبي سرح بن مالك بن المصطلق. وزينب بنت جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة. كانت قبله تحت زيد بن حارثة بن شراحيل. وزينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، وهي أم المساكين. وكانت قبله تحت الطفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف. وصفية بنت حيي بن أخطب بن سقية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير. وكانت قبله عند سلام بن مشكم بن الحكم بن حارثة بن الخزرج بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب. ثم خلف عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب. وميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن عبد الله بن روبية بن هلال بن عامر بن صعصعة. وكانت قبله تحت عمير بن عمرو أحد عقدة بن غيرة من ثقيف. وأم شريك بنت جابر بن عكيم أحد بني عويص بن عامر بن لؤي. وكانت قبله تحت أبي العكير الأزدي، وكان بنو عكيم في الأزد. ثم انقرضوا فلم يبق منهم أحد. والشاة بنت رفاعة. وبنو رفاعة هؤلاء من بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وكانوا حلفاء في بني قريظة في بني رفاعة من بني قريظة، فأصيبوا معهم يوم أصيبوا فانقرضوا. فأما خديجة بنت خويلد فماتت قبل أن يجامع أحداً من نساء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأما الشاه حين خير نساءه بين الدنيا والآخرة فاختارت أن تزوج بعده فطلقها. وأما المجتمعات عنده فسودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وجويرية، وصفية، وزينب بنت جحش، وزينب بنت خزيمة، وميمونة، وأم شريك.

وأما اللواتي توفي عنهن فعائشة، وحفصة، وأم سليم، وأم حبيبة، وجويرية، وصفية، وزينب، وزينب والصواب: وسودة وميمونة. وكانت له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سريتان يقسم لهما مع أزواجه: مارية القبطية، أم إبراهيم، وريحانة بنت شمعون الخنافية، إحدى بني النضير. قال ابن أبي مُليكة: فسألت عائشة عن قسمة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُمي ولده فقالت: كان يقسم لهما مرة ويدعهما مرة، فإذا قسم أضعف قسمنا، فلإحداهن يوم ولنا يومان، وعلى ذلك قسم للمرأة المملوكة النصف مما قسم للحرة، وأجمع عمر والمسلمون أن أم الولد كالمدبرة، إنها مملوكة حية مولاها، ثم هي حرة بعد مولاها حفظاً للفروج. وروى سهل بن حُنيف في حديث قال: ثم أعتق ريحانة من بني قريظة فلحقت بأهلها، واحتجبت وهي عند أهلها. وطلق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العالية بنت ظبيان، وفارق أخت عمرو بن كلاب، وفارق أخت بني الجون الكندية من أجل بياضٍ كان بها. وتوفيت زينب بنت خزيمة الهلالية ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيّ. قال: وبلغنا أن العالية بنت ظبيان تزوجت قبل أن يحرم الله عز وجل نساءه. فنكحت ابن عمٍ لها من قومها وولدت فيهم. وزيد بن حارثة التي عنده زينب بنت جحش هو الذي أنعم الله عليه ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفيها نزلت الآية لأنها وقعت في نفسه. فقالت عائشة: وقال لها أناس من أهل العراق إنه يقال إنه عندكم شيئاً من كتاب الله عز وجل لم تُظهروه فقالت: لو كتم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما أنزل الله عز وجل عليه لكتم هذه الآية: " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " إلى آخر الآية. وقسم عمر بن الخطاب في خلافته لنساء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثني عشر ألف درهم لكل

امرأة، وقسم لجويرية وصفية ستة آلاف لأنهما كانتا سبياً. وقد كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قسم لهما وحجبهما. وقال ابن منده: وحج بهما. وفي حديث آخر: وتزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخت بني الجون الكندي، وهم حلفاء في بني فزازة، فاستعاذت منه فقال: لقد عذت بعظيم. الحقي بأهلك، فطلقها ولم يدخل عليها. قال أبو جعفر: بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وساق عنه أربع مائة دينار. كان عمار بن ياسر إذا سمع ما يتحدث به الناس عن تزويج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خديجة وما يكثرون فيه يقول: أنا أعلم بتزويجه إياها. إني كنت له إلفاً وخدناً، وإني خرجت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم حتى إذا كنا بالحزورة أجزنا على أخت خديجة وهي جالسة على أدم تبيعها فنادتني فانصرفت إليها. ووقف لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت: أما لصاحبك من حاجة في تزويج خديجة؟ قال عمار: فرجعت إليه فأخبرته، فقال: بلى لعمري، فذكرت لها قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: اغدوا علينا إذا أصبحنا. فغدونا عليهم. قال: فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا أبا خديجة حلة وصفرت لحيته، وكلمت أخاها فكلم أباه وقد سقي خمراً فذكرت له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومكانه، وسأله أن يزوجه فزوجه خديجة، وصنعوا من البقرة طعاماً، فأكلنا منه ونام أبوها ثم استيقظ صاحياً فقال: ما هذه الحلة، وهذه النقيعة، وهذا الطعام؟ فقالت له ابنته التي كلمت عماراً: هذه حلة كساكها محمد بن عبد الله ختنك، وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة. فأنكر أن يكون زوجه، وخرج يصيح حتى جاء

الحجر، وخرجت بنو هاشم برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاؤوه فكلموه فقال: أين صاحبكم الذي يزعمون أني زوجته، فبرز له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما نظر إليه قال: إن كنت زوجته فسبيل ذلك، وإن لم أكن فعلت فقد زوجته. قال المؤملي: والمجتمع أن عمها عمرو بن أسد الذي زوجها. وتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة قبل أن يبعثه الله عز وجل نبياً بخمس عشرة سنة، ولم يتزوج عليها حتى ماتت. وقيل: أنه تزوجها وهو ابن ثلاثين سنة. وقال الواقدي: إنها كانت لما تزوجها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنت خمس وأربعين سنة. وروي عن ابن عباس قال: كانت خديجة يوم تزوجها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنة ثمان وعشرين سنة. ومهرها ثنتي عشرة أوقية. وكذلك مهور نسائه. وقال حكيم بن حزام: تزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خديجة وهي ابنة أربعين سنة ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن خمس وعشرين سنة. وكانت أسن مني بسنتين. ولدت قبل الفيل بخمس عشرة. وولدت أنا قبل الفيل بثلاث عشرة سنة. وتوفيت خديجة في شهر رمضان سنة عشر من النبوة وهي يومئذ ابنة خمس وستين سنة. فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحجون. ونزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في حفرتها. ولم تكن يومئذ سنة الجنازة والصلاة عليها. قيل: ومتى ذلك يا أبا خالد، قال: قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها، وبعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير. قالت عائشة: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناءٍ عليها واستغفار. فذكرها ذات يوم، فاحتملتني الغيرة فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن، قال: فرأيت رسول

الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غضب غضباً أُسقطت في جلدي وقلت في نفسي: اللهم إنك إن أذهبت غضب رسول الله عني لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت. فلما رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لقيت قال: كيف قلت؟ والله لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس ورزقت مني الولد إذ حرمتموه مني. قالت: فغدا وراح علي بها شهراً. ولما هلكت خديجة جاءت خولة بنة حكيم امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً. قال: فمن البكر؟ قالت: ابنة أحب خلق الله إليك، عائشة بنة أبي بكر. قال: وممن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول. قال: فاذهبي فاذكريها علي. فدخلت بيت أبي بكر فقالت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخطب عليه عائشة. قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي. فجاء أبو بكر قالت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟! قال: وماذا؟ قالت: أرسلني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخطب عليه عائشة. قال: وهل تصلح له، إنما هي بنت أخيه، فرجعت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت ذلك له. فقال: ارجعي إليه فقولي له: أنا أخوك في الإسلام، وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي، فرجعت فذكرت ذلك له. قال: انتظري، وخرج. قالت أم رومان: إن مُطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه؛ فوالله ما وعد وعداً قط فأخلفه لأبي بكر. فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الفتى فقالت: يا بن أبي قحافة، لعلك مصبىء صاحبنا فمدخله في دينك الذي أنت عليه إن تروّح إليك، قال أبو بكر للمطعم بن عدي: أقولٌ هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده، وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدعته فزوجها إياه، وعائشة يومئذ ست سنين. ثم خرجت، فدخلت على سودة بنة زمعة فقالت: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟! قالت: وما ذلك؟ قالت: أرسلني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخطبك عليه. قالت: وددت. ادخلي إلى أبي فاذكري ذلك له وكان شيخاً كبيراً قد أدركته السن قد تخلف عن الحج فدخلت عليه فحيته بتحية الجاهلية فقال: من هذه؟ فقالت: خولة بنة حكيم.

قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة. قال: كفوٌ كريم. ماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذلك. قال: ادعيها لي فدعتها. قال: أي بنية إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفوء كريم. أتحبين أن أزوجكه؟ قالت: نعم. قال: ادعيه، فجاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليه فزوجها إياه، فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل يحثي في رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيهٌ يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سودة بنت زمعه. قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنُح. قالت: فجاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار، ونساء، فجاءت إليّ أمي، وإني لفي أرجوحة بين عذقين ترجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة ولي جُميمة، ففرقتها ومسحت وجهي بشيء من ماء ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي فإذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار فأجلسني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك بارك الله لك فيهم وبارك لهم فيك. فوثب الرجال والنساء فخرجوا وبنى بي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيتنا ما نُحرت عليّ جزور ولا ذُبحت علي شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذا دار إلى نسائه. وأنا يومئذ ابنة تسع سنين. وعن عائشة قالت: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة. قال: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعائشة. قالت: وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقسم لعائشة يومين: يومها ويوم سودة. وتوفيت سودة في شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان. قال: وهو الثبت عندنا. وقيل: توفيت في زمن عمر.

قال أبو عثمان النهدي: كان عمرو بن العاص يحدث الناس عن جيش السلاسل قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة: قلت: من الرجال؟ قال: أبوها أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب. قلت: ثم من؟ قال: فعد لي رجالاً. قال الهيثم بن عدي: توفيت عائشة سنة سبع وخمسين. وقال أبو عبيد: سنة ثمان وخمسين في شهر رمضان. وصلى عليها أبو هريرة بالمدينة، وكان استخلفه الوليد بن عتبة ومروان بن الحكم عليها. وتوفي في تلك السنة أيضاً: الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص. وكانت وفاتها ليلة سبع عشرة من رمضان بعد الوتر، فأمرت أن تدفن من ليلتها. فاجتمع الناس وحفروا فلم تر ليلة أكثر ناساً منها. نزل أهل العوالي فدفنت بالبقيع. وهي يومئذ ابنة ست وستين سنة. قال عمر: ولدت حفصة وقريش تبني البيت قبل مبعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخمس سنين. وعن حسين بن أبي حسين قال: تزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حفصة في شعبان على رأس ثلاثين شهراً قبل أحد. قال المدائني: تزوجها سنة ثلاث من الهجرة. وقيل عن أبي عبيدة: تزوجها سنة اثنتين.

وعن عمار بن ياسر: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد أن يطلق حفصة فجاءه جبريل فقال: لا تطلقها، فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة. وذكر ابن وهب: أن حفصة توفيت عام فتحت إفريقية. وفتحت إفريقية سنة سبع وعشرين، وفتحت أيضاً سنة خمس وثلاثين. وفتحت أيضاً سنة ثلاث وخمسين. ويقال إنها توفيت سنة خمس وأربعين، في شعبان في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وهي يومئذ ابنة ستين سنة. وقال مالك بن أنس: توفيت حفصة عام فتحت إفريقية. قال أبو زرعة: فنرى والله أعلم أن وجه قول مالك بن أنس: توفيت حفصة عام فتحت إفريقية، أنه سنة خمسين في إمرة مروان على المدينة. وفي سنة ثلاث تزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زينب بنت خزيمة من بني عامر بن صعصعة، وهي أم المساكين. خطبها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعلت أمرها إليه، فتزوجها وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشّاً، في رمضان على رأس إحدى وثلاثين شهراً من الهجرة. فمكثت عنده ثمانية أشهر. وتوفيت في آخر شهر ربيع الآخر، على رأس تسعة وثلاثين شهراً. وصلى عليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودفنها بالبقيع. قال محمد بن عمر: سألت عبد الله بن جعفر: من نزل في حفرتها؟ فقال: إخوة لها ثلاثة. قلت: كم كان سنها يوم ماتت؟ قال: ثلاثين سنة أو نحوها.

قال عمر بن أبي سلمة: كان الذي خرج أبي أبا سلمة أبو أسامة الجشمي، ورماه يوم أحد بمعبلة في عضده. فمكث شهراً يداويه فبرأ، فيما يرى. وبعثه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً إلى قطن، فغاب بضع عشرة ليلة، فلما قدم المدينة انتقص الجرح، فمات لثلاث بقين من جمادى الآخرة. فغسل من اليسيرة بئر بني أمية بين القرنين، وكان اسمها في الجاهلية العثير فسماها اليسيرة، ثم حمل من بئر أمية فدفن بالمدينة. قال عمر بن أبي سلمة: واعتدّت أمي حتى خلت أربع أشهر وعشراً، ثم تزوجها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ودخل بها في ليال بقين من شوال، فكانت أختي تقول: ما بأس النكاح في شوال والدخول فيه. قال خليفة بن خياط: تزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم سلمة بنت أبي أمية في شوال سنة أربع. وعن عمرو بن شعيب أنه دخل على زينب بنت أبي سلمة فحدثته: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان عند أم سلمة، فجعل الحسن من شقّ والحسين من شقّ، وفاطمة في حجره. فقال: " رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميدُ مجيد " وأنا وأم سلمة جالستان، فبكت أم سلمة فنظر إليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما يبكيك فقالت: خصصتهم وتركتني وابنتي، فقال: أنت وابنتك من أهل البيت. وقال أبو عبيد: توفيت أم سلمة سنة تسع وخمسين. قيل: سنة إحدى وستين، وقيل: توفيت سنة إحدى وستين حين جاء نعي الحسين. قال: وهذا هو الصحيح. وصلى عليها أبو هريرة وقيل: صلى عليها ابن أختها عبد الله بن عبد الله بن أبي أمية.

وقال عمر بن أبي سلمة: نزلت في قبر أم سلمة أنا وأخي سلمة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي أمية وعبد الله بن وهب بن زمعة الأسدي، وكان لها يوم ماتت أربع وثمانون سنة. وفي سنة ثلاث تزوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زينب بنت جحش، وذلك في سنة خمس في هلال ذي القعدة، وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة. وذكرت أم سلمة زينب بنت جحش فترحمت عليها، وذكرت بعض ما يكون بينها وبين عائشة، فقالت زينب: إني والله ما أنا كأحد من نساء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنهن زوجن بالمهور وزوجهن الأولياء، وزوجني الله ورسوله وأنزل الله في الكتاب يقرأه المسلمون لا يغير ولا يبدل " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " الآية. قالت أم سلمة: وكانت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معجبة. وكان يستكثر منها. وكانت امرأة صالحة، صوامة قوامة، صنعاً، تصدق بذلك كله على المساكين. وعن عائشة قالت: يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها نبيه في الدنيا، ونطق به القرآن، وإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لنا ونحن حوله: أسرعكن لحوقاً بي وأطولكن باعا، فبشرها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسرعة لحوقها به. وهي زوجته في الجنة. وسئلت أم عكاشة بنت محصن: كم بلغت زينب بنت جحش يوم توفيت؟ فقالت: قدمنا المدينة للهجرة وهي ابنة بضع وثلاثين سنة. وتوفيت سنة عشرين. قال عمر بن عثمان: كان أبي يقول: توفيت زينب بنت جحش وهي ابنة ثلاث وخمسين سنة.

وقال محمد بن المنكدر: توفيت زينب بنت جحش في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكانت أول نساء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحاقاً به. وقيل: توفيت سنة إحدى وعشرين. قال الواقدي: غزوة المريسيع في سنة خمس. خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان وقدم المدينة لهلال رمضان. وغاب شهراً إلا ليلتين. قالت عائشة: كانت جويرية جارية حلوة وفي رواية: مُلاّحة لا يكاد يراها أحد إلا ذهبت بنفسه. فبينا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندي ونحن على الماء إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها. قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت. فقالت: يا رسول الله، إني امرأة مسلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بنت سيد قومه أصابنا من الأمر ما قد علمت، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عم له فتخلصني من ابن عمه بنخلات له من المدينة، فكاتبني ثابت على ما لا طاقة لي به ولا يدان. وما أكرهني على ذلك! ألا وإني رجوتك صلى الله عليك فأعني في مكاتبتي. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أو خيرٌ من ذلك؟ فقالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أوفي عنك كتابتك وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله. قد فعلت، فأرسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ثابت فطلبها منه. فقال ثابت: هي لك يا رسول الله بأبي وأمي. فأدى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما كان عليها من كتابتها وأعتقها وتزوجها، وخرج الخبر إلى الناس، ورجال بلمُصطلق قد اقتسموا ومُلكوا، ووُطئ نساؤهم، فقالوا: أصهار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قالت عائشة: فأعتق مئة أهل بيت بتزويج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إياها. فلا أعلم بركة على قومها منها. قال عبد الله بن زياد: وأفاء الله على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام المريسيع في غزوة بني المصطلق جويرية بنة الحارث ابن أبي ضرار وهي كعيبة من بني المصطلق، فسباها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أفاء الله عليه عامئذٍ. فلما كانت بذي الجشير والجشير من المدينة على بريد أمر رجلاً من الأنصار بحفظها كالوديعة عنده حتى يسله عنها. فقدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وأقبل أبوها الحارث

ابن أبي ضرار وكان من أشراف قومه يفدي ابنته، لما قدم فكان بالعقيق نظر إلى إبله التي يفدي بها ابنته، فرغب في بعيرين منها كانا من أفضلها فغيبهما في شعب العقيق ثم أقبل إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسائر الإبل فقال: يا محمد، أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فأين البعيران اللذان غيبت بالعقيق بشعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ولقد كان ذلك مني في البعيرين. وما اطلع على ذلك إلا الله. فأسلم الحارث بن أبي ضرار مكانه، وأسلم معه ابنان له وأناس من قومه. وأرسل الحارث بن أبي ضرار إلى البعيرين فأتى بهما فدفع الإبل جميعها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودفع إليه ابنته، فأسلمت جويرية مع أبيها وإخوتها. وحسن إسلامها. وخطبها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما بلغنا فنكحها. وكانت جويرية قبل عند ابن عمٍ لها يقال له: عبد الله ذو الشفر. وعن أبي قلابة: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبى جويرية بنت الحارث، فجاء أبوها إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إن ابنتي لا يُسبى مثلها، فأنا أكرم من ذلك فخل سبيلها. قال: أرأيت إن خيرناها أليس قد أحسنّا؟ قال: بلى، وأدّيت ما عليك. قال: فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا فقالت: فإني قد اخترت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: قد والله فضحتنا. وتوفيت جويرية في ربيع الأول سنة ست وخمسين في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وصلى عليها مروان بن الحكم، وهو يومئذ والي المدينة. الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أفاء الله عليه عامئذٍ. فلما كانت بذي الجشير والجشير من المدينة على بريد أمر رجلاً من الأنصار بحفظها كالوديعة عنده حتى يسله عنها. فقدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وأقبل أبوها الحارث ابن أبي ضرار وكان من أشراف قومه يفدي ابنته، لما قدم فكان بالعقيق نظر إلى إبله التي يفدي بها ابنته، فرغب في بعيرين منها كانا من أفضلها فغيبهما في شعب العقيق ثم أقبل إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسائر الإبل فقال: يا محمد، أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فأين البعيران اللذان غيبت بالعقيق بشعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ولقد كان ذلك مني في البعيرين. وما اطلع على ذلك إلا الله. فأسلم الحارث بن أبي ضرار مكانه، وأسلم معه ابنان له وأناس من قومه. وأرسل الحارث بن أبي ضرار إلى البعيرين فأتى بهما فدفع الإبل جميعها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودفع إليه ابنته، فأسلمت جويرية مع أبيها وإخوتها. وحسن إسلامها. وخطبها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما بلغنا فنكحها. وكانت جويرية قبل عند ابن عمٍ لها يقال له: عبد الله ذو الشفر. وعن أبي قلابة: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبى جويرية بنت الحارث، فجاء أبوها إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إن ابنتي لا يُسبى مثلها، فأنا أكرم من ذلك فخل سبيلها. قال: أرأيت إن خيرناها أليس قد أحسنّا؟ قال: بلى، وأدّيت ما عليك. قال: فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا فقالت: فإني قد اخترت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: قد والله فضحتنا. وتوفيت جويرية في ربيع الأول سنة ست وخمسين في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وصلى عليها مروان بن الحكم، وهو يومئذ والي المدينة.

قالت جويرية: تزوجني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا بنت عشرين سنة في سنة ست. وتوفيت جويرية سنة ستين، وهي يومئذ ابنة خمس وستين سنة. وعن عروة عن أم حبيبة: أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش. وكان رحل إلى النجاشي فمات وأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج أم حبيبة وإنها لبأرض الحبشة زوجها إياه الحبشي ومهرها أربعة آلاف، وجهزها من عنده وبعث بها مع شرحبيل إلى حسنة إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجهازه كله من عند النجاشي، ولم يرسل إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً. وكان مهر أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع مئة درهم. قال أبو بكر بن أبي خثيمة: في سنة سبع قدمت أم حبيبة ابنة أبي سفيان المدينة وبنى بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن ابن عباس في هذه الآية " عسى أن يجعل الله بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة " قال فكانت المودة التي جعل الله بينهم تزويج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 0 بأم حبيبة بنت أبي سفيان فصارت أم المؤمنين، فصار معاوية خال المؤمنين. وكان لها يوم قدمت المدينة بضع وثلاثون سنة وتوفيت سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان. وعن ابنة أبي القين المزني قالت: كنت آلف صفية من بين أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانت تحدثني عن قومها فكانت تسمع منهم. قالت: خرجنا من المدينة حيث أجلانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأقمنا بخيبر، فتزوجني كنانة بنت أبي الحقيق فأعرس بي قبل قدوم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأيام وذبح جزوراً، ودعا اليهود وحولني في حضنه بسلالم. فرأيت في النوم كأن قمراً أقبل من يثرب حتى وقع في حجري، فذكرت ذلك لكنانة زوجي، فلطم عيني فاخضرت فنظر إليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين

دخلت عليه فسألني فأخبرته. قالت: وجعلت يهود ذراريها في المدينة، وجردوا حصون النطاة المقابلة. فلما نزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر وافتتح حصون النطاة دخل علي كنانة فقال: قد فرغ محمد من فتح النطاة ومن هاهنا أحد يقاتل، قد قتلت يهود حيث قتل أهل النضير، وكذبتا الأعراب فحولني إلى حصن المنزار بالشق قالت: وهو أحصن مما عندنا فخرج حتى أدخلني وبنت عمي ونشيآت معنا فسار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلينا قبل الكتيبة فسبيت في النزر قبل أن ينتهي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الكتيبة، فأرسل بي إلى رحله، ثم جاءنا حين أمسى فدعاني فجئت وأنا مقنعة حيية فجلست بين يديه فقال: إن تكوني على دينك أكرهك وإن أخترت الإسلام واخترت الله ورسوله فهو خير لك. قالت: أختار الله ورسوله والإسلام. فأعتقني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ0 وتزوجني. وجعل عتقي مهري. فقد أراد أن يخرج إلى المدينة قال أصحابه اليوم نعلم أزوجة أم سرية. فإن كانت امرأة فسيحجبها وإلا فهي سرية. فقد خرج أمر ستر فسترت به، فعرف أي زوجة ثم قدم إلى وقدم فخذه لأضع رجلي عليهفأعضت ذلك ووضعت فخذي على فخذه. ثم ركبت. فكنت ألقى من أزواجه. يفخرن علي يقلن: يا بنت اليهودي وكنت أرى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستخف بي ويكرهني، فدخل علي يوماً وأنا أبكي فقال: مالك؟! فقلت: أزواجك يفخرن علي ويقلن: بنت اليهودي. قالت فرأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غضب ثم قال: إذا قالوا لك أو فاخروك فقولي أبي هارون وعمي موسى. وعن أنس بن مالك قال: بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فدخل عليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي تبكي: فقال: ما يبكيك؟ فقالت قالت لي حفصة: أي ابنة يهودي، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنك أبنة عمي وإن عمك لأبي، ولإنك لتحت نبي فيم تفخر عليك؟! ثم قال: اتقي الله يا حفصة. وعن آمنة بنت أبي قيس الغفارية قالت: أنا إحدى النساء الواتي زففن صفية إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. سمعتها تقول ما بلغت

سبع عشرة سنة يوم دخلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: وتوفيت صفية سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية بن أبي سفيان وقبرت بالبقيع. وقيل سنة خمسين. وقيل إنها توفيت في خلافة عمر، وصلى عليها عمر. وقال عطاء: كانت صفية آخر من مات بالمدينة. وكانت وفاة ميمونة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة اثنتين وستين، وقيل سنة ثلاث وستين، وقيل سنة إحدى وستين، في خلافة يزيد بن معاوية وهي آخر من مات من أزواج النبي. وكان لها يوم توفيت ثمانون أو إحدى وثمانون سنة. وكانت جلده. قال يزيد بن الأصم: حضرت قبر ميمونة فنزل فيه 0 ابن عباس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأنا وعبيد الله الخولاني. وصلى عليها ابن عباس. قال ابن عساكر: وفي هذه التواريخ نظر. فإن في الحديث الصحيح الذي في ذكر يزيد بن الأصم عائشة قالت له: ذهبت والله ميمونة، ورمي برسنك على غاربك. وذلك يدل على أن ميمونة توفيت قبل عائشة. وكانت وفاة عائشة سنة سبع وخمسين. وقوله أيضا أن عبد الرحمن بن خالد نزل في قبرها فيه نظر. فإن عبد الرحمن بن خالد مات سنة ست وأربعين في خلافة معاوية، إلا أن يكون لخالد ابن آخرر يسمى عبد الرحمن. فهذه أسماء أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللاتي دخل بهن. وقد تزوج بغيرهن ولم يبن عليهن: منهن قتيلة بنت قيس أخت الأشعث. تزوجها فمات قبل أن يخبرها، فبرأها الله.

روى الشعبي أن عكرمة بن أبي جهل تزوج قتيلة بنت قيس فأراد أبي بكر الصديق أن يضرب رقبته، فقال له عمر بن الخطاب أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يفرض لها، ولم يدخل بها، وارتدت مع أخيها، فبرئت من الله ورسوله، فلم يزل به حتى كف عنه. وعن عروة أن الوليد بن عبد الملك كتب إليه يسله: هل تزوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخت الأشعث بن قيس، قتيلة، قال: ما تزوجها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قط. ولا تزوج كندية إلا أخت بني الجون فملكها، فلما أتى بها وقدمت المدينة نظر إليها، فطلقها، ولم يبن بها، ويقال إنها فاطمة بنت الضحاك. قال الزهري: هي فاطمة بنت الضحاك بن سفيان فاستعاذت منه فطلقها، فكانت تلتقط البعر وتقول: أنا الشقية. وتزوجها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَفي ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة. وتوفيت سنة ستين. ومنهن أسماء بنت كعب الجونية، وعمرة بنت يزيد الكلابية ثم من بني الوحيد، ولم يدخل بأسماء حين طلقها، وكانت عمرة قبله عند 0 الفضل بن عباس بن عبد الطلب، فطلقها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يدخل بها، ويقال: إنها أسماء بنت النعمان. وعن قتادة قال: تزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أهل اليمن أسماء بنت النعمان من بني الجون، فلما دخل بها دعاها، فقالت: تعال أنت، فطلقها. وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: الجونية أستعاذت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقيل لها أحظى لك عنده. ولم تستعذ منه امرأة غيرها، وإنما خدعت لما رئي من جمالها وهيئتها. ولقد ذكر لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حملها على ما قالت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنهن صواحب يوسف وكيدهن.

وهي أسماء بنت أبي نعمان بن أبي الجون. وقيل هي أمية بنت النعمان بن أبي الجون. قال ابن عباس: لما استعاذت أسماء بنت النعمان من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج والغضب يعرف في وجهه فقال له الأشعث بن قيس: لا يسوءك الله يا رسول الله، ألا أزوجك من ليس دونها في الجمال والحسب؟ فقال: من؟ فقال: أختي قتيلة. قال: قد تزوجتها. قال: فانصرف الأشعث إلى حضرموت ثم حملها حتى إذا فصل من اليمن بلغه وفاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فردها إلى بلاده. وارتد وارتدت معه فيمن ارتد. فلذلك تزوجت لفساد النكاح بالإرتداد. وكان تزوجها قيس بن مكشوح المرادي. قال ابن أبي عون: تزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكندية في شهر ربيع الأول سنة تسع من الهجرة. ومنهن سنا بنت أسماء بن الصلت السلمية. وهي عمة عبد الله بن خازم بن أسماء بن الصلت، وأخواها عروة وأسماء لهما صحبة. تزوجها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فماتت قبل أن يصل إليها. قال ابن سعد: سبا، ويقال سنا بنت الصلت بن حبيب بن جارية بن هلال بن حرام بن سماك بن عوف السلمي. قال ابن عمر: كان في نساء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ0 سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب. وقال ابن عمر: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث أبا أسيد إلى جدي يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن كلاب فتزوجها فبلغة أن بها بياضا فطلقها.

ومنهن مليكة بنت كعب الليثي. قال أبة معشر: تزوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مليكة بنت كعب، وكانت تذكر بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة فقالت: أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك؟ فاستعاذت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فطلقها. فجاء قومها إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: يارسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنها صغيرة، وإنها لا رأي لها، وإنها خدعت فارتجعها، فأبى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاستأذنوه أن يزوجوها قريباً لهامن بني عذرة فأذن لهم. فتزوجها العذري وكان أبوها قتل فتح مكة، قتله خالد بن الوليد. قال محمد بن عمر: ومما يضعف هذا الحديث ذكر عائشة أنها قالت: ألا تستحين. وعائشة لم تكن مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك السفر. قال عطاء بن يزيد الجندعي: تزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مليكة بنت كعب الليثي في شهر رمضان سنة ثمان، ودخل بها فماتت عنده. قال محمد بن عمر: وأصحابنا ينكرون ذلك ويقولون: لم يتزوج كنانية قط. ومنهن العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف بن كعب بن عبد بن أبي بكر بن كلاب. تزوجها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمكثت عنده دهراً ثم طلقها. ومهن خولةبنة الهذيل التغلبية، وشراف بنت فضالة الكلبية. قال علي بن مجاهد: نكح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خولة بنت الهذيل بن هبيرة التغلبي، وأمها خريق بنت خليفة أخت دحية، فحملت إليه من الشام، فماتت في الطريق، فنكح خالتها شراف بنة فضالة بن خليفة، فحملت إليه من الشام فماتت في الطريق.

ومنهن أمرأة من بني غفار: عن سهل بن زيد الأنصاري قال: تزوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امرأة من غفار فدخل بها، فأمرها فنزعت ثوبها 0 فرأى بها بياضا من برص عند ثدييها، فانماز رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: خذي ثوبك. وأصبح فقال: الحقي بأهلك، فأكمل لها صداقها. فأما سرارية فمنهن: مارية أم ابراهيم عليه السلام: في سنة سبع قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس بمارية أم أبراهيم ابن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبغلته دلدل وحماره يعفور. فأهدى أمير القبط إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاريتيين أختين، وبغلة، فكان يركب على البغلة، واتخذ إحدى الجاريتين، فولدت له ابراهيم ابنه. قال عبد الله بن عبد الرحمن بن صعصعة: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعجب بمارية القبطية وكانت بيضاء جعدة جميلة، فأنزلها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأختها عند أم سليم بنت ملحان، فدخل عليهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعرض عليهما الإسلام، فأسلمتا هناك، فوطئ مارية بالملك، وحولها إلى مال له بالعالية كان من أموال بني النضير، فكانت فيه في الصيف وفي خرافة النخل، فكان يأتيها هناك وكانت حسنة الدين. ووهب أختها سيرين لحسان بن ثابت الشاعر فولدت له عبد الرحمن. وولدت مارية لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غلاما فسماه ابراهيم، وعق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشاة يوم سابعة، وحلق رأسه فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الأرض وسماه ابراهيم. وكانت قابلتها سلمى مولاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فخرجت إلى زوجها أبي رافع فأخبرته أنها ولدت غلاما. فجاء أبو رافع إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبشره فوهب له عبداً، وغار نساء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واشتد عليهن حين رزق منها الولد.

وعن علي بن أبي طالب قال: أكثر على مارية أم ابراهيم في قبطي ابن عم لها، يزورها ويختلف إليها، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خذ هذا السيف فانطلق فإن وجدته عندها فاقتله. قال: قلت: يارسول الله، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة لا يثنيني شيء حتى أمضي لما أمرتني به أم الشاهد يرى مالم يرى الغائب؟ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فأقبلت متوشحا بالسيف، فوجدته عندها، فاختطت السيف فلما رآني عرف أني أريده فأتى نخلاً فرقا هربا، ثم رمى بنفسه على قفاه ثم شال برجليه، فإذا به أجب أمسح، ماله مما للرجل قيل ولا كثير. فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته فقال: الحمد لله الذي صرف عنا أهل البيت. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأم ابراهيم حين ولدت: أعتقها ولدها. قال محمد بن عمر: توفيت مارية أم ابراهيم ابن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المحرم سنة ست عشرة من الهجرة. فرئي عمر بن الخطاب يحشر الناس ليشهدوها، وصلى عليها، وقبرها بالبقيع. ومنهن ريحانة بنت زيد: قال محمد بن عمر الواقدي: قالوا: وكانت ريحانة بنت زيد من بني النضير متزوجة في بني قريظة. وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أخذها لنفسه صفياً. وكانت جميلة، فعرض عليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تسلم، فأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجد في نفسه، فأرسل إلى ابن سعية فذكر له ذلك فقال ابن سعية: فداك أبي وأمي هي تسلم. فخرج حتى جاءها فجعل يقول لها: لا تتبعي قومك، فقد رأيت ما أدخل عليهم حيي بن أخطب، فأسلمي يصطفيك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنفسه. فبينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أصحابه إذ سمع وقع نعلين فقال: إن هاتين لنعلا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة. فجاءه فقال: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قد أسلمت ريحانة فسر بذلك، ثم إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسل بها إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر، فكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضها، فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجاءها

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيت أم المنذر فقال لها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أحببت أن أعتقك وأتزوجك فعلت، وإن أحببت أن تكوني في أطؤك بالملك فعلت. فقالت يارسول الله، إن أخف عليك وعلي أن أكون في ملكك. فكانت في ملك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطؤها حتى ماتت عنده. وقال ابن أبي ذئب: سالت الزهري عن ريحانة فقال: كانت أمة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعتقها وتزوجها، فكانت تحتجب في أهلها. وتقول: لا يراني أحد بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الواقدي: وهذا أثبت الحديثين عندنا. وكان زوج ريحانة قبل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الحكم. وعن عمرو بن الحكم قال: أعتق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة. وكانت عند زوج لها، وكان محباً لها مكرماً فقالت: لا أستخلف بعده أبداً. وكانت ذات جمال. فلما سبيت بنو قريظة عرض السبي على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكنت فيمن عرض عليه، فأمر بي فعزلت، وكان يكون له صفي في كل غنيمة. فلما عزلت خار الله لي فارتحل بي إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياما حتى قتل السرى وفرق السبي، ثم دخل علي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتجنبت منه حياءً فدعاني فأجلسني بين يديه فقال: إن اخترت الله ورسوله أختارك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنفسه فقلت: إني اختار الله ورسوله. فلما أسلمت أعتقني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتزوجني واصدقني اثنتي عشر أوقية ونشاً، كما كان يصدق نساءه، وأعرس بي في بيت أم المنذر، وكان يقسم لي كما كان يقسم لنساءه، وضرب علي الحجاب. وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معجباً بها، وكانت لا تسأله يعني شيئاً إلا أعطاها ذلك. وقيل لها: لو كنت سالت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني قريظة لأعتقهم 0 وكانت تقول: لم يخل بي حتى فرق السبي. ولقد كان يخلو بها ويكثر منها. فلم تزل عنده حتى ماتت من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع، وكان تزويجه إياها في المحرم سنة ست من الهجرة. وعن ابن شهاب قال: واستسر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَريحانة من بني قريظة، ثم اعتقها فلحقت بأهلها.

وقيل كانت من بني النضير، فكانت تكون في نخلة، نخل الصدقة، وكان يقبل عندهاصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحياناً. وكان سباها في شوال سنة أربع. وقيل كان النخل في العالية. وزعم بعضهم أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابتدأه أول وجعه الذي توفي عندهم. وذكر أبو عبيدة أنه كان له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع ولائد: مارية القبطية، وريحانة من بني قريظة، وكانت له جارية أخرى جميلة أصابها في السبي، فكادها نساؤه وخفن أن تغلبهن عليه، وكانت له جارية نفيسة وهبته لها زينب بنت جحش، وكان حجرها في شأن صفية بنت حيي ذا الحجة المحرم وصفر. فلما كان شهر ربيع الأول الذي قبض فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رضي عن زينب ودخل عليها: فقالت ما أدري ما أجزيك؛ فوهبتها له. وأما الاتي خطبن ولم يتزوجهن: عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أبي طالب بنته أم هانئ في الجاهلية، وخطبها هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فتزوجها هبيرة. فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا عم زوجت هبيرة وتركتني، فقال: ابن أخي، إنا قد صاهرنا إليهم، والكريم يكافئ الكريم. ثم أسلمت ففرق الإسلام بينها وبين هبيرة، فخطبها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى نفسها فقالت: والله إن كنت لأحبك في الجاهلية فكيف في الإسلام، ولكني امرأة مصبية، وأكره أن يؤؤذوك، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خير نساء ركبن المطايا نساء قريش: أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده، وكان اسم أم هانئ فاختة. وعن ابن عباس قال: أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو مول ظهره للشمس، فضربت على منكبه. فقال: من هذا أكله الأسود؟ وكان كثيراًما يقولها، فقالت: أنا بنت مطعم الطير، ومباري الريح، أنا ليلى بنت الخطيم. جئتك لأعرض عليك نفسي تزوجني. قال: قد فعلت، فرجعت إلى قومها فقال: قد تزوجني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: بئس ما صنعت، أنت

امرأة غيري والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صاحب نساء تغارين عليه فيدعو الله عليك، فاستقيليه نفسك. فرجعت فقالت: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أقلني، قال: قد أقلتك، قال: فتزوجها مسعود بن أوس بن سواد بن ظفر، فولدت له. فبينا هي في حائط من حيطان المدينة تغتسل إذ وثب عليها ذئب لقول النبي فأكل منها بعضها، وأدركت، فماتت. وعن ابن عباس قال: كانت ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن بشر بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة عند هوذة بن علي الحنفي، فهلك عنها فرثته مالاً كثيراً فتزوجها عبد الله بن جدعان التميمي، وكان لا يولد له، فسألته الطلاق، فطلقها، فتزوجها هشام بن المغيرة فولدت له سلمة. كان من خيار المسلمين، فتوفي عنها هشام. وكانت من أجمل نساء العرب وأعظمه خلقاً، وكانت إذا جلست أخذت من الأرض شيئاً كثيراً، وكان يغطى جسدها بشعرها. فذكر جمالها عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فخطبها إلى ابنها سلمة بن الهشام بن المغيرة، فقال: حتى أستأمرها، وقيل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد كبرت، فأتاها ابنها فقال لها: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد خطبك إلي، فقالت: ما قلت له؟ قال: قلت حتى أستأمرها، وفي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تستأمر؟! ارجع فزوجه: فرجع إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسكت عنه. وعن ابن عباس قال: خطب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صفية بنت بشامة بن نضلة العنبري، وكان أصابها سباء فخيرها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إن شئت أنا، وإن شئت زوجك، فقالت: بل زوجي، فلعنتها بنو تميم. وعن عامر في قول عز وجل " ترجي من تشاء منهن " قال: كان نساء وهبن أنفسهن للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدخل ببعضهن، وأرجأ بعضاً فلم ينكحن بعده. منهن أم شريك.

وكانت أم شريك أمرأة من بني عامر بن لؤي بن صعصعة، وهبت نفسها للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يقبلها، فلم تتزوج حتى ماتت. عن علي بن الحسين قال: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج أم شريك الدوسية. قال محمد بن عمرو: الثبت عندنا أنها امرأة من دوس من الأزد. قال محمد بن سعد: اسمها غزية بنت جابر بن عكيم. وكانت امرأة صالحة. والله أعلم.

معرفة عبيده وإمائه وخدمه وكتابه وأمنائه

معرفة عبيده وإمائه وخدمه وكتابه وأمنائه أسامة بن زيد بن حارثة أبو زيد الكلبي مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحبه وابن حبه، وكان أبوه وأمه أم ايمن موليين للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وستأتي أخباره في ترجمته. أسلم ويقال إبراهيم أبو رافع القبطي شهد أحداً والخندق والمشاهد بعدها، وزوجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سلمى مولاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشهدت سلمى خيبر وولدت عبيد الله بن أبي رافع، وكان كاتباً، كتب لعلي بن أبي طالب بالكوفة. ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان. وقيل: كان اسنه هرمز، كان للعباس، فوهبه للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما أسلم العباس أعتقه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. شهد أحداً والخندق، وكان على ثقل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشهد فتح مصر. وقيل: كان أبو رافع قبطياً. عن أبي رافع: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقالك لا حتى آتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسأله، فانطلق إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسأله، فقال: الصدقة لا تحل لنا وإن مولى القوم من أنفسهم. وعن الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس قال: قدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر فأصاب الناس برد شديد، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كان له لحاف فليلحلف من لا لحاف له. فطلبت من يلحفني فلم أجد أحداً، فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فأخبرته فألقى علي من لحافه، فبتنا حتى أصبحنا فوجد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند رجليه على فراشه حية قد تطوقت، فرماها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجله وقال: يا أبا رافع، اقتلها، اقتلها. قال أبو رافع: كنا آل عباس - قد دخلنا في الإسلام، وكنا نستخفي بإسلامنا، وكنت غلاماً للعباس أنحت الأقداح. فلما سارت قريش إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بدر جعلنا نتوقع الأخبار، فقدم علينا الحيسمان الخزاعي بالأخبار، فوجدنا في أنفسنا قوة وسرنا ما جاءنا من الخبر من ظهور رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فو الله إني لجالس في صفة زمزم أنحت أقداماً لي وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر وبلغنا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ أقل الخبيث أبو لهب بشر يجر رجليه قد أكبته الله وأخزاه بما جاءه من الخبر حتى جلس على طنب الحجرة، وقال الناس: ها أبو سفيان بن الحارث قد قدم واجتمع عليه الناس فقال له أبو لهب: هلم إلي يا ابن أخي، فعندك لعمري الخبر، فجاءه حتى جلس بين يديه فقال: يا بن أبي، خبرني خبر الناس فقال: نعم. والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكنافنا يضعون السلاح منا حيث شاؤوا. والله. مع ذلك هلكت الناس. لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق، لا والله لا تليق شيئاً يقول ما تبقى شيئاً - فرفعت طنب الحجرة فقلت: تلك والله الملائكة فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة منكرة وثاورته، وكنت رجل اًضعيفاً، فاحتملني فضرب بي الأرض وبرك على صدري يضربني، وتقوم أم الفضل ألي عمود بن عمد الحجرة فتأخذه فتقول: استضعفته أن غاب عنه سيده؟! وتقوم بالعمود على رأسه فتفلقه بشجة منكرة، وقام يجر رجليه ذليلاً، ورماه الله بالعدسة، فو الله ما مكث إلا سبعاً حتى مات. ولقد تركه أبناه فيبيته ثلاثاً ما يدفنانه حتى أنتن، وكانت قريش تتقي هذه العدسة كما تتقي الطاعون، حتى قال لهما رجل من قريش: ويحكما ألا تستحيان، إن أباكما قد أنتن في بيت لا تدفنانه؟! فقالا إنا نخشى عدوى هذه القرحة فقال: انطلقا فأنا أعينكما عليه. فوالله ما غسلوه إلا قذفاً بالماء عليه من بعيد

أنسة أبو مسرح

لا يدنون منه حتى احتملوه إلى أعلا مكة فأسنداه إلى جدار، ثم رضموا عليه الحجارة. أنسة أبو مسرح مهاجري شهد بدراً وأحداً. كان من مولدي السراة لا تعرف له رواية. قال البغوي: لا أعلم روي عن أنسة حديث مسند ولا غير مسند. وقيل كنيته: أبو مسرح. وكان يأذن على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا جلس. ومات في خلافة أبي بكر اصديق رضي الله عنه. وروي عن ابن عباس قال: قتل أنسة مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببدر. وقال محمد بن عمرو: وليس ذلك بثبت. قال: ورأيت أهل العلم يثبتون أنه لم يقتل ببدر. وقد شهد أحداً. وبقي بعد ذلك أيضاً زماناً. أيمن بن عبيد بن زيد وهو ابن أم أيمن أخو أسامة لأمه. أمهما أم أيمن حاضنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان أيمن فيمن ثبت يوم حنين مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أصحابه. وقتل يوم حنين. وفيه نزلت وفي أصحابه " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً " الآية. وهو أيمن بن عبيد بن عمرو بن بلال بن أبي الحارث بن قيس بن مالك بن سالم غنم بن عوف بن الخزرج. روى عطاء عن أيمن بن أم أيمن رفعه قال: لاقطع إلا في ثمن المجن، وثمنه يومئذ دينار.

باذام يذكر مع طهمان ثوبان بن يجدد أبو عبد الكريم الألهاني

وروى أيضاً عطاء عن أيمن الحبشي قال: لم يقطع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السارق إلا في المجن. وكان ثمن المجن يومئذ دينار. وروى أيضاً عطاء عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطع اليد في مجن، وقيمته يومئذ دينار. حديث محمد بن إدريس الشافعي قال: وقد روى شريك حديث مجاهد عن أيمن بن أم أيمن فقلت: لا أعلم لك بأصحابنا: أيمن أخو أسامة، قتل مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم حنين قبل مولد مجاهد. ولم يبق بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيحدث عنه. باذام يذكر مع طهمان ثوبان بن يجدد أبو عبد الكريم الألهاني عربي، أصابه سباء، فاشتراه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعتقه. نذكره في حرف الثاء. حنين مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ابن حنين أخي ابراهيم من عبد الله بن حنين عن ابنة أخيه عن خالها يقال: ابن الشاعر أن حنينا جده كان غلاماً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فوهبه لعمه عباس فأعتقه، فكان حنين عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخدمه. وكان إذا توضأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج بوضوءه إلى أصحابه، فكان إما شربوه، وإما تمسحوا به. فحبس حنين الوضوء، فكان لا يخرج به إليهم، فشكوه إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله فقال: احتبسته عندي، فجعلته في جر، فإذا عطشت شربت منه. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل رأيتم غلاماً أحصى ما أحصى هذا، ثم وهبه لعمه عباس فأعتقه

ذكوان يذكر مع طهمان رافع ويقال أبو رافع

ذكوان يذكر مع طهمان رافع ويقال أبو رافع كان مولى لسعيد. كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أن افحص لي عن أسماء خدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الرجال والنساء ومواليه. فكتب إليه يخبره، قال:

وكان رافع غلاماً لسعيد بن العاص فورثه ولده، فأعتق بعضهم في الإسلام وتمسك بعضٌ، فجاء رافع إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستعين به على من لم يعتق حتى يعتقه. فكلمه يومئذ فيه فوهبه له فأعتقه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فكان يقول: أنا مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهو رافع أبو البهي. قال أبو بكر بن أبي خثيمة قال: وأبو رافع ابنه البهي بن أبي رافع، وكان يقال للبهي: رافع. وكان أبو رافع لأبي أحيحة سعيد بن العاص الأكبر، فورثه بنوه. وأعتق ثلاثة منهم أنصباءهم، وقتلوا يوم بدر جميعاً. وشهد أبو رافع معهم بدراً، ثم اشترى أبو رافع أنصباء بقية بني سعيد إلا نصيب خالد بن سعيد فوهب خالد نصيبه لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعتقه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فكان أبو رافع يقول: أنا مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويقوله ابنه البهي رافع بن أبي رافع من بعده. فلما ولي عمرو بن العاص سعيد المدينة دعا البهي فقال له: من مولاك؟ قال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضربه مئة سوط ثم سأله، قال: مولاي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضربه مئة سوط، حتى ضربه خمس مئة سوط ثم قال: أنا مولاكم. فلما قتل عبد الملك عمرو بن سعيد قال رافع بن أبي رافع: الطويل صحت ولا شلت وضرت عدوها ... يمين ٌهراقت مهجة ابن سعيد هو ابن أبي العاصي مراراً وينتمي ... إلى أسرة طابت له وجدود وكان عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع بن أخي البهي شيخاً مسناً قد سبق اللحن وقد رويت عنه أيضاً.

رباح الأسود

والصحيح أنه رافع، وهو المراد بالحديث الذي روي عن عبد الله بن عمرو. قال: قلنا: يا رسول الله، من خير الناس؟ قال: ذو القلب المخموم واللسان الصادق. قال: قلنا: قد عرفنا اللسان الصادق فما القلب المخموم؟ قال: هو التقي النقي الذي لا أثم فيه ولا بغي ولا حسد. قلنا: فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة. قال: ما يعرف هذا فينا إلا رافع مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن. قلنا: أما هذا فإنه فينا. رباح الأسود غلام سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان يأذن على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نساءه، وكان قد وجد عليهن قال عمر: فدخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصا، ويقولون: طلق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نساءه، وذكر الحديث. وقال فيه: قال عمر: فذهبت فإذا رباح غلام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعد على أسكفة الغرفة مدل رجليه على نقير، يعني: جزعاً منقوراً. قال: فقلت: يارباح، استأذن لي على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فسكت، قال: فرفعت صوتي فقلت: استأذن لي يا رباح على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإني أظن أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يظن أنما جئت من أجل حفصة. والله لئن رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أضرب عنقها لأضربن عنقها. فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي ثم قال بيده هكذا، يعني أنه أشار بيده أن ادخل. في حديث طويل. رويفع مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى رويفع عمر بن عبد العزيز وهو خليفة. ففرض له. قال: ولا عقب لرويفع. أبو أسامة زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي يذكر في حرف الزاي.

زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

زيد مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال بلال بن يسار بن زيد مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سمعت أبي حدثني عن جدي أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. غفر له وإن كان فر من الزحف. قال البغوي: لا أعلم لزيد مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير هذا الحديث. سفينة أبو عبد الرحمن ويقال أبو البختري قيل: كان اسمه مهران، وقيل: أحمر، ويقال: رومان. فسماه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سفينة. وكان لأم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعتقته، وأشترطت عليه أن يخدمه ما عاش، وكان سفينة من مولدي الأعراب. وروي أن سفينة كان مولى أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. له صحبه. وقيل: هو مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وروى عنه بنوه عبد الرحمن ومحمد وزياد وكثير، وسعيد بن جمهان. وعن عمران البجلي عن مولى لأم سلمة قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمرنا بواد أو بنهر فكنت أعبر الناس فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ماكنت منذ اليوم إلا سفينة. حدث سفينة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الخلافة في أمتي تكون سنة ثم ملكاً بعد ذلك. وذكر الحديث. قال الراوي: قال لسعيد: أين لقيت سفينة قال: لقيته ببطن نخلة في زمان الحجاج. فأقمت عنده ثمان ليالٍ أسأله عن أحاديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قال: قلت: ما اسمك؟ قال: ما أنا بمخبرك. سماني

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سفينة. فقلت: ولما سماك سفينة؟ قال: خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه أصحابه فثقل عليهم متاعهم، فقال لي ابسط كساءك، فبسطت فجعلوا فيه متاعهم ثم حملوه علي. فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احمل فإنما أنت سفينة فلو حملت يومئذ قدر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي إلا أن يخفوا. وفي رواية: كنا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر، فكلما أعيا بعض قومي ألقى علي سيفه وترسه ورمحه حتى حملت شيئاً كثيراً، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنت سفينة. قال سفينة: قالت أم سلمة: أعتقك على أن تخدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما عشت. قلت: ولو لم تشترطي علي لخدمت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو ما فارقت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فأعتقتني أو شارطتني أن أخدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما عشت. وعن سفينة قال: خدمت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشر سنين. وعنه قال: لقيني الأسد فقلت: أنا سفينة، مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فضرب بذنبه الأرض وقعد. وعن سفينة مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كنت في سفر فعرض لي الأسد فقلت: يا أبا الحارث، أنا سفينة، مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فولى رافعاً ذنبه يهمهم. وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع من الجنابة. وعنه قال: ركبنا في سفينة تجاراً في البحر، فانكسرت السفينة، فرمى بنا البحر، فخرجت أمشي لا أدري أين أتوجه. فكان أول شئ رأيت الأسد. فقلت: أي يا أبا الحارث، أنا مولىً لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهمهم فدفعني برأسه، فجعلت أندفع حتى أوقفني على الطريق، وفي رواية: ثم همهم، فظننت أن السلام.

سلمان أبو عبد الله الفارسي

سلمان أبو عبد الله الفارسي كان مولى لرجل من يهود، فكاتب على نفسه، وأعانه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كتابته حتى عتق. فكان مولاه. وقال فيه: سلمان منا أهل البيت. وسنذكره في السين. شقران الحبشي واسمه صالح بن عدي ورثه عن أبيه هو وأم أيمن. وقيل: كان حبشياً. وقيل: كان لعبد الرحمن بن عوف فوهبه للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد انقرض ولده. قال: وقد كان له ولد بالبصرة. ولا أعلمه بقي منهم أحد. قال محمد بن سعد: كان شقران لعبد الرحمن بن عوف، فأعجب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخذه منه بالثمن، وكان عبداً حبشيا. ًشهد بدراً وهو مملوك، واستعمله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الأسرى. ولم يسهم له فجداه كل رجل له أسير، فأصاب أكثر مما أصاب رجل من القوم من المقسم. وحضر بدراً أيضاُ ثلاثة أعبد مماليك. غلام لعبد الرحمن بن عوف، وغلام لحاطب بن أبي بلتعة، وغلام لسعد بن معاذ. فجداهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يسهم لهم. وعن أبي بكر بن عبد الله بن أبي حممة العدوي قال: 0 استعمل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شقران مولاه على جميع ما وجد في رحال أهله المريسيع من رثة المتاع والسلاح والنعم الشاء. وجمع الذرية ناحية. حدث شقران قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على حمارمتوجهاً إلى خيبر. قال شقران: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القبر.

ضميرة بن أبي ضميرة الحميري

ضميرة بن أبي ضميرة الحميري أصابه سباء، فابتاعه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعتقه، وكانت له الدار البقيع وولد. عن ضميرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بأم ضميرة وهي تبكي، فقال لها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما يبكيك؟ أجائعة أنت أو عارية أنت؟ قالت: يا رسول الله: فرق بيني وبين أبني، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يفرق بين الوالدة وولدها. ثم أرسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الذي عنده ضميرة فدعاه، فابتاعه منه ببكر. قال ابن أبي ذئب: ثم أقرأني كتاباً عنده: " بسم الله الرحمن الرحيم ". هذا كتاب من محمد رسول الله لأبي ضميرة وأهل بيته أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أعتقهم وأنهم أهل بيت من العرب، إن اختاروا أقاموا عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن أحبوا رجعوا إلى قومهم، فلا يعرض لهم بحق، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيراً. وكتب أبي بن كعب. طهمان مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عطاء بن السائب قال: أوصى إلي بشئ لبني هاشم، فأتيت أبا جعفر المدينة، فبعثني إلى امرأة عجوز كبيرة ابنة لعلي فقال: حدثني مولى لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقال له طهمان أو ذكوان. قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا طهمان - أو يا ذكوان - إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي، وإن مولى القوم من أنفسهم. وروى هذا الحديث وسماه مهران، وقيل ميمون. وقيل باذام وقيل كيسان. قال: فلا أدري أيما الصواب.

عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

عبيد مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ روى شيخ عن عبيد مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قلت: هل كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمر بصلاة بسوى المكتوبة؟ قال: صلاة بين المغرب والعشاء. وعن عبيد مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن امرأتين قد صامتا وأن رجل قال: يا رسول الله، إن ههنا امرأتين قد صامتا، وإنهما كادتا أن تموتا من العطش، فأعرض عنه - أو سكت - ثم عاد قال وأراه قال: بالهاجرة - قال: يا نبي الله، إنهما والله قد ماتتا أوكادتا أن تموتا قال: ادعوهما. قال: فجاءتا، قال: فجيء بقدح أو عسّ فقل لإحداهما: قيئي، فقاءت قيحاً ودماً وصديداً ولحماً حتى قاءت نصف القدح. ثم قال للأخرى قيئي، فقاءت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط وغيره حتى ملأت القدح. ثم قال: إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا عما حرّم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس. فضالة مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن افحص لي عن - يعني - أسماء خدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الرجال والنساء ومواليه، فكتب إليه فقال: وكان فضالة مولى له ثمان، نزل الشام بعد، وكان أبو مويهبة مولداً من مولدي مزينة، فأعتقه. قال الحافظ: ولم أجد ذكر فضالة هذا في موالي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا من هذا الوجه. قفيز مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ روى أنس قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غلام يقال له قفيز. أوله قاف وآخره زاي.

كركرة مولى للنبي

كركرة مولىً للنبي كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أن افحص لي عن أسماء خدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الرجال والنساء ومواليه. فكتب إليه يخبره أن أم أيمن، بركة، كانت لأبي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فورثها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعتقها. وكان عبيد بن عمرو الخزرجي قد تزوجها بمكة، فولدت له أيمن. ثم إن خديجة ملكة زيد بن حارثة فسأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تهب له زيداً، وذلك بعد أن تزوجها فوهبت له، فأعتقه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان أبو كبشة من مولدي مكة فأعتقه. وكان أنسة من مولدي السراة فأعتقه. وكان صالح وهو شقران غلام له فأعتقه. وكان سفينة غلاماً له فأعتقه. وكان ثوبان رجلاً من أهل اليمن، ابتاعه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة فأعتقه، وله ست إلى الثمان. وكان رباح أسود فأعتقه. وكان يسار نوبياً أصابه في غزوة بني عبد بن ثعلبة فأعتقه. وكان أبو رافع للعباس، فوهبه لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما أسلم العباس بشر به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعتقه واسمه أسلم. وكان فضالة مولىً له نزل الشام بعد زمان. وكان أبو مويهبة مولداً من مولدي مزينة فأعتقه. وكان رافع غلاماً لسعيد بن العاص فورثه ولده فأعتقه بعضهم في الإسلام، وتمسّك بعضٌ، فجاء رافع إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستعين به على من لم يعتقه حتى يعتقه فكلّمه يومئذ فيه فوهبه له فأعتقه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان يقول: أنا مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان مدعم غلاماً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهبه له رفاعة بن زيد الجزامي من مولدي حسمى قتل بوادي القرى، روي عن أبي هريرة أنه شهد خيبر ثم انصرف إلى وادي القرى فلم يزل يحط رحل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوادي القرى فجاءه سهم غرب فقتله، فقيل: هنيئاً له الشهادة قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلّ يوم خيبر تحترق عليه في النار. قال: وكان كركرة غلاماً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهداه له. كذا فيه ولا أعلم لكركرة رواية. ولكن له ذكر في حديث. عن عبد الله بن عمرو قال: كان على رحل - وقال مرّة: على ثقل - للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل يقال له: كركرة فمات، قال: هو في النار. فنظروا فإذا عليه عباءة قد غلّها، وقال مرّة: أو كساء قد غلّه. قال أبو عبد الله بن منده: كركرة له صحبة، ولا تعرفوا له رواية. إلا أنه ذكر في حديث عمرو بن دينار عن سالم. كيسان مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أم كلثوم بنت علي قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمولىً لنا يقال له كيسان - أو قالت هرمز - يا كيسان، إن مولى القوم لمن أنفسهم، وإنا لا نأكل الصدقة، فلا تأكلن.

مابورا القبطي الخصي

وفي رواية: فلا تأكل الصدقة. مابورا القبطي الخصي روي عن مصعب قال: أهدى المقوقس إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خصيّاً يقال له: ما بورا. والمقوقس صاحب الإسكندرية من القبط. مدعم من مولدي حسمى عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام خيبر. فلم نغنم ذهباً ولا ورقاً إلا الأموال والمتاع والثياب. فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غلاماً أسود، يقال له: مدعم فوجّه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى وادي القرى، حتى إذا كانوا بوادي القرى. فبينما مدعم يحطّ رحل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ جاءه سهم عائر فقتله. فقال الناس: هنيأً له الجنة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً. فلما سمعوا ذلك من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء الرجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شراك من نار أو شراكان من نار. وفي حديث آخر عن أبي هريرة: ومع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد له وهبه رجل من بني جزام يدعى رفاعة بن زيد. ولم يسمّه. وفي حديث آخر: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أوشراكين فقال: يا رسول الله، أصبت هذا يوم خيبر. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شراك من نار أو شراكين من نار.

مهران مولى النبي صلى الله عليه وسلم

مهران مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عطاء بن السائب قال: أوصى إليّ رجل بوصيّة من الزكاة أو الصدقة فأتيت أم كلثوم بنت علي فقالت: أحذّر شبابنا أن يأخذوا منها شيئاً. فإنه حدثني ميمون - أو مهران - أنه مرّ على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا ميمون - أو يامهران - إنا قومٌ نهينا عن الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا فلا تأخذن من الصدقة. وروي أيضاً من غير شكٍ قال: وقالت: حدّثني مولى للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقال له: مهران أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إنا آل محمد لا تحل له الصدقة، ومولى القوم من أنفسهم. ميمون مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عطاء بن السائب قال: حدّثتني أم كلثوم بنت علي قال: أتيتها بصدقة وكانت أمرتها قالت: أحذر شبابنا، فإن ميمون - أو مهران - مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبرني أنه مر على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: ياميمون - أو يامهران - إنا أهل بيت نهينا عن الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا، فلا تأكل الصدقة. نافع مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نافع مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا يدخل الجنة شيخ زان، ولا مسكين مستكبر، ولا منان بعمله على الله عزّ وجلّ. نُفيع ويقال مسروح أبو بكرة مولى ثقيف، تدلى إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حصار الطائف في بكرة، فكناه أبا بكرة، وأعتقه فكان من مواليه. نذكره في حرف النون. واقد ويقال له أبو واقد عن واقد مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قلّت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن، ومن عصى الله فلم يذكره، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن.

هرمز أبو كيسان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقد روي هذا الحديث عن أبي واقد، وقيل في موضع آخر واقد مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. روى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذكر الحديث. هرمز أبو كيسان مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن فاطمة بنت علي أو أم كلثوم بنت علي قالت: سمعت مولىً لنا، يقال له هرمز، يكنى أبا كيسان قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إنا أهل بيت لا تحلّ لنا الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا، فلا تاكلوا الصدقة. وعن معاوية بن قرّة قال: شهد بدراً عشرون مملوكاً. منهم مملوك للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقال له هرمز، فأعتقه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: إن الله تبارك وتعالى قد أعتقك. وإن مولى القوم منهم، وإنا أهل بيت نبتلى بأكل الصدقة. فلا تأكلها. هشام مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هشام مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إن أمرأتي لا تدفع يد لامس. قال طلّقها، قال تعجبني. قال: فتمتع بها. يسار مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن يعقوب بن عتبة قال: خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة إلى قرار الكدر وكان الذي هاجه على ذلك أنّه بلّغه أن بها جمعاً من غطفان وسليم. فسار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم وأخذ عليهم الطريق، حتّى جاء فرأى آثار النعم ومواردها، ولم يجد في المحلّ أحداً، فأرسل في أعلى الوادي نفراً من أصحابه، وأستقبلهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بطن الوادي، فوجد رعاء فيهم غلام يقال له: يسار، فسألهم عن الناس، فقال يسار: لا علم لي بهم وإنما أورد لخمس، وهذا يوم ربعي، والناس قد ارتفعوا إلى المياه، وإنما نحن غزاب في النَّعم فانصرف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوقد ظفر

أبو الحمراء واسمه هلال بن الحارث السلمي

بالنعم، فانحدر إلى المدينة، حتى إذا صلى الصبح إذا هو بيسار فرآه يصلي، فأمر القوم أن يقتسموا غنائمهم فقال القوم: يا رسول الله، إن أقوى لنا أن نسوق النعم جميعاً، فإن فينا من يضعف عن حظ الذي يصير له، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أقتسموا، فقالوا: يا رسول الله، إن كان أنمى بك العبد الذي رأيته يصلي فنحن نعطيكه في سهمك: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قد طبتم به نفساً؟ قالوا: نعم، فقبله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعتقه. وارتحل الناس. فقدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واقتسموا غنائمهم. فأصاب كل رجل منهم سبعة أبعرة، وكان القوم مئتين ويسار هو الذي قتله العرنيّون. أبو الحمراء واسمه هلال بن الحارث السلمي أصابه سباء. خدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال أبو الحمراء. رابطت المدينة سبعة أشهر كيوم فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأتي باب علي وفاطمة كلّ غداة فيقول: الصلاة الصلاة " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ". وعن أبي الحمراء قال: مرّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على رجل عنده طعام في وعاء، فأدخل يده فيه فقال: غششته. من غشّنا فليس منّا. قال يحيى بن معين: أبو الحمراء صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. اسمه هلال بن الحارث. وكان يكون بحمص قال يحيى: وقد رأيت بها غلاماً من ولده. وقال عمرو بن إسحاق بن إبراهيم: إن اسم أبي الحمراء: هلال بن الحارث بن ظفر السلمي. منزله خارج حمص.

أبو سلمى راعي النبي صلى الله عليه وسلم

أبو سلمى راعي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويقال: أبو سلام، واسمه حريث وعداده في الشاميين. عن أبي سلمى راعي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدً رسول الله وآمن بالبعث والحساب دخل الجنّة، قلنا: أنت سمعت هذا من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فأدخل اصبعيه في أذنيه ثم قال: أنا سمعت هذا منه غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة ولا أربعة. أبو صفيةّ مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ روى أبو كعب عن جدّه بقيّة عن أبي صفية مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزبيل، فيتغمى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع فإذا صلى الأولى يسبح حتى يمسي. أبو ضميرة والد ضميرة وزوج أم ضميرة مولى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدث حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة أن الكتاب الذي كتبه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي ضميرة: " بسم الله الرحمن الرحيم " كتاب من محمد رسول الله لأبي ضميرة وأهل بيته أنهم كانوا أهل بيت من العرب، وكانوا مما أفاء الله على رسوله، فأعتقه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم خير أبا ضميرة، إن أحب أن يلحق بقومه فقد أذن له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن أحب أن يمكث مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيكونوا من أهل بيته فاختاروا الله ورسوله، ودخل في الإسلام فلا يعرض لهم أحد إلا بخير. ومن لقيهم من المسلمين فليستوصِ بهم خيراَ. وكتب أبي بن كعب. قال أسماعيل بن أبي أويس: وهو مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو أحد حمير، وخرج قوم منهم في سفر ومعهم هذا الكتاب. فعرض لهم اللصوص. فأخذوا ما معهم. فأخرجوا هذا الكتاب إليهم، وأعلموهم ما فيه فقرؤوه، فردوا عليهم ما أخذوا منهم، ولم يعرضوا لهم.

أبو عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

ووفد حسين بن عبد الله بن ضميرة إلى المهدي أمير المؤمنين، وجاءه معه بكتابهم هذا فأخذه المهدي فوضعه على بصره، وأعطى حسيناً ثلاثة مئة دينار. أبو عبيد مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أبي عبيد أنه طبخ لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدراً فيها لحم فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ناولني ذراعاً فناولته، فقال: ناولني ذراعاً فناولته فقال: ناولني ذراعاً، فناولته، فقال ناولني ذراعا فقال: يا نبي الله، كم للشاة من ذراع؟ قال: والذي نفسر بيده لو سكت لأعطيتني ذراعاً ما دعوت به. أبو عسيب مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أبي عسيب مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أتاني جبريل عليه السلام بالحمى والطاعون، فأمسكت بالحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام، فالطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم، ورجس على الكافر. وعنه قال: خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلاً، فمرّ بي فدعاني فخرجت إليه، ثم انطلق يمشي حتى دخل حائطاً لبعض الأنصار فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصاحب الحائط: أطعمنا بسراً، فجاء فجاء به فوضعه فأكل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأكلوا جميعاً، ثم دعا بماء فشرب منه ثم قال: إن هذا النعيم لتسألن يوم القيامة عن هذا،، فأخذ عمر العذق فضرب به الأرض حتى تناثر البسر ثم قال: يا نبي الله، إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: نعم، إلا من ثلاثة: خرقة يستر بها الرجل عورته، أو كسرة يسد بها بها جوعته، أو حجر يدخل فيه، يعني من الحر والقرّ. وعن أبي عسيب أو أبي عسيم قال بهز: إنه شهد الصلاة على رسول الله قالوا: كيف نصلي عليه قال: ادخلوا أرسالاً

أبو كبشة يقال اسمه سليم مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

أرسالاً. قال: فكانوا يدخلون من هذا الباب، فيصلون عليه، ثم يخرجون من الباب الآخر. قال: فلما وضع في لحده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال المغيرة: قد بقي من رجليه شيء لم تصلحوه. قالوا: فادخل فأصلحه، فدخل وأدخل يده فمس قدميه فقال: أهيلوا عليّ التراب، فأهالوا عليه، حتى بلغ أنصاف ساقيه ثم خرج فكان يقول: أنا أحدثكم عهداً برسول الله وعن ميمونة بنت أبي عسيب قالت: كان أبو عسيب يواصل بين ثلاث في الصيام. وكان يصلي الضحى قائماً فعجز. فكان يصلي قاعداً. وكان يصوم البيض. قالت: وكان في المريرة جلجل فيعجز صوته حتى يناديها به، فإذا حركه جاءت. أبو كبشة يقال اسمه سليم مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهد معه بدراً. وكان من مولدي أرض دوس. قال عمران بن مناح: لما هاجر أبو كبشة مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهدم، وقيل نزل على سعد بن خيثمة. قال محمد بن عمر: شهد أبو كبشة مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدراً وأحداً والمشاهد كلها. وتوفي أول يوم أستخلف فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك يوم الثلاثاء لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة. وفي رواية المفضل: توفي في ولاية عمر بن الخطاب. وقيل توفي سنة ثلاث وعشرين.

أبو مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم

أبو مويهبة مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهد المريسيع مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان يقود بعائشة رضي الله عنها بعيرها. روى أبو مويهبة قال: أهبني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الليل فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع. فخرجت معه، حتى أتينا البقيع، فرفع يديه فاستغفر لهم طويلاً، ثم قال: ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه. أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، والآخرة شر من الأولى، يا أبا مويهبة، إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيه ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة. فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فقال: والله، يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي عز وجل ثم الجنة وانصرف رسول الله، فلما أصبح ابتدأ وجعه الذي قبضه الله عز وجل فيه.؟؟؟

إماؤه صلى الله عليه وسلم

إماؤه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بركة وتكنى أم أيمن وهي حاضنته. عن أنس بن مالك قال: قال أبو بكر بعد وفاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر: أنطلق بنا إلى أم أيمن، نزورها كما كان رسول الله يزورها. فلما انتهينا إليها بكت. فقالوا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله. قال: فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء. وفي رواية فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها. وعن ابن شهاب قال: لما مات النبي بكت أم أيمن وهي أم أسامة بن زيد فقيل لها ما يبكيك؟ فقالت: انقطع عنا خبر السماء فلما مات عمر قالت: اليوم وهى الإسلام. وعن أم أيمن قالت: كان لرسول الله فخارة يبول فيها، فكان إذا أصبح يقول: يا أم أيمن صبي ما في الفخارة. فقمت ليلة وأنا عطشت فغلطت فشربت ما فيها، فقال النبي: يا أم أيمن صبي ما في الفخارة فقلت: يا رسول الله، قمت وأنا عطشى فشربت ما فيها. فقال: إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا. حدث الواقدي عن أصحابه المدنيين قالوا: نظرت أم أيمن إلى النبي وهو يشرب فقالت: يا رسول الله، اسقني فقالت:

عائشة: يا أم أيمن أتقولين هذا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟ قالت: ما خدمته أطول. فقال رسول الله: صدقت، فجاء بالماء فسقاها. قال عثمان بن القاسم: لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الرحواء. قال: وهي صائمة، قال: وأصابها عطش شديد حتى جهدها. قال: فدلي عليها دلوا من السماء برشاء أبيض فيه ماء. قالت: فشربت، فما أصابني عطش بعد، وقد تعرضت للعطش بالصوم وفي الهواجر، فما عطشت بعد. وعن شقيق بن عقبة قال: كانت أم أيمن تلطف للنبي، وتقوم عليه فقال رسول الله: من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن فتزوجها زيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد. قال ابن شهاب: كانت أم أيمن تحضن النبي حتى كبر، فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة، ثم توفيت بعد النبي بخمسة أشهر. وقيل: إنها بقيت بعد قتل عمر بن الخطاب. قال الواقدي: كانت أم أيمن اسمها بركة، وكانت لعبد الله بن عبد المطلب، وصارت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ميراثاً، وهي أم أسامة بن زيد فأعتقها، وكان زيد بن حارثة لخديجة فاستوهبه رسول الله من خديجة. وقيل: كان النبي يقول: أم أيمن أمي بعد أمي. وقيل: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لأم أيمن: يا أمه وكان إذا نظر إليها قال: هذه بقية أهل بيتي.

خضرة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم

خضرة مولاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ روى عبد الله بن علي بن أبي رافع عن جدته سلمى قالت: كان خدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا، وخضرة، ورضوى، وميمونة بنت سعد. أعتقهن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلهن. رزينة مولاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصحيح أنها كانت لصفية بنت حيي زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانت تخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عن رزينة مولاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبا صفية يوم قريظة والنضير حين فتح الله عليه، فجاء بها يقودها سبية. فلما رأت النساء قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فأرسلها. وكان ذراعها في يده، فأعتقها ثم خطبها، وتزوجها، وأمهرها رزينة. قال أبو عبد الله بن منده: رزينة مولاة صفية زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ابنتها أمة الله. ولها صحبة. رضوى مولاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال محمد بن عمر: قالت امرأة أبي رافع: كنا نخدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا واسمي سلمى، وخضرة، ورضوى - كن إماءً له فأعتقهن وميمونة بنت سعد. سلمى وهي أم رافع مولاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكانت تخدمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عن سلمى أنها قالت: صنعت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حريرة فقربتها ليأكلها. ومعه ناس من أصحابه، فبقي منها قليل. فمر بالنبي أعرابي، فدعاه النبي، فأخذها الأعرابي كلها بيده، فقال له

شيرين أخت مارية القبطية

النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ضعها فوضعها، وقال له: قل بسم الله، وخذ من أدناها. قالت: فشبع منها، وفضلت فضلة. وعن عائشة قالت: جاءت سلمى مولاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رسول الله تستعدي على زوجها أبي رافع مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. زعمت أنه ضربها، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا أبا رافع، لم ضربتها؟ قال: إنها تؤذيني. قال: يا سلمى، بما آذيته؟ قالت: والله ما آذيته بشيء إلا أنه قام يصلي فضرط في الصلاة فقلت: إن رسول الله قد كان أمر المسلمين: إذا خرج منهم الريح أن يتوضؤوا، فضحك النبي وقال: يا أبا رافع إنها أمرتك بخير. وعن أم رافع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: لم يكن يصيب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرحة ولا نكبة إلا وضع عليه الحناء. قال مصعب: شهدت سلمى خيبر، وولدت عبيد الله بن أبي رافع. شيرين أخت مارية القبطية خالة إبراهيم بن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أهداها المقوس صاحب الإسكندرية للنبي، فوهبها لحسان بن ثابت. عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعجب بمارية القبطية وكانت بيضاء، جعدة، جميلة، فأنزلها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأختها على أم سليم بنت ملحان، فدخل عليهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعرض عليهما الإسلام، فأسلمت هنالك، فوطئ مارية بالملك، وحولها إلى مال له بالعالية، كان من أموال بني النضير، فكانت فيه في الصيف، وفي خرافة النخل، فكان يأتيها هناك. وكانت حسنة الدين. ووهب أختها سرين لحسان بن ثابت الشاعر، فولدت له عبد الرحمن.

ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم

وولدت مارية لرسول الله غلاماً فسماه إبراهيم، وعق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشاة يوم سابعه، وحلق رأسه فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين، وأمر بشعره فدفن في الأرض، وسماه إبراهيم، وكانت قابلتها سلمى مولاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغار نساء لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واشتد عليهن حين رزق منها الولد. وعن عائشة في حديث الإفك بطوله. قالت فيه: وقعد صفان بن المعطل لحسان بن ثابت، فضربه ضربة، فقال صفوان لحسان في الشعر حين ضربه. الطويل تلقى ذباب السيف مني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر ولكنني أحمي حماي وأتقي ... من الباهت الرامي البراء الطواهر فصاح حسان واستغاث الناس على صفوان، فلما جاء الناس فرّ صفوان، وجاء حسان إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستعداه على صفوان في ضربه إياه بالسيف، فسأله النبي أن يهب له ضربة صفوان إياه، فوهبه للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغاضه منها حائطاً من نخل عظيم، وجارية قبطية تدعى شيرين فولدت لحسان ابنه عبد الرحمن الشاعر. ميمونة بنت سعد مولاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ميمونة قالت: سئل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عتق ولد الزنى فقال: لأن أجهز نعلين في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولدٌ زنى. قالت: وسئل النبي عن رجل قبل امرأته وهما صائمان فقال: قد أفطرا. وفي رواية: سئل عن ولد الزنى. قال: لا خير فيه. نعلان أجاهد بهما في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنى.

أم ضميرة زوج أبي ضميرة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

وعن ميمونة بنت سعد وكانت تخدم النبي قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرافلة في الزينة من غير أهلها كالظلمة يوم القيامة لا نور لها. وعن ميمونة مولاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: يا نبي الله أفتنا في بيتِ المقدس فقال: أرض المنشر والمحشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة. قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه، أو يأتيه؟ قال: فليهد إليه زيتاً يسرج فيه، فإنه من أهدى له كان كمن صلى فيه. أم ضميرة زوج أبي ضميرة مولاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقدم ذكرها في ترجمة أبنها ضميرة. أم عياش خادم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدثت أم عياش - وكانت خادم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث بها مع ابنته إلى عثمان قالت: كنت أمغث - يعني لعثمان - التمر غدوة فيشربه عشية، وأنبذه عشية فيشربه غدوة، فسألني ذات يوم فقال: تخلطين منه شيئاً؟ قلت: أجل. قال: فلا تعودي.

خدمه صلى الله عليه وسلم

خدمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنس بن مالك أبو حمزة الأنصاري يأتي ذكره إن شاء الله. الأسلع بن شريك بن عوف الأعرجي ويقال: اسم الأسلع ميمون بن سنباذ. عن الأسلع قال: كنت أخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأرحل له، فقال ذات ليلة: يا أسلع، قم فارحل. قال: قلت: أصابتني جنابة يا رسول الله، قال: فسكت ساعة، وأتاه جبريل بآية الصعيد. قال: فتمسحت وصليت. فلما انتهيت إلى الماء قال: يا أسلع، قم فاغتسل، وضرب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده إلى الأرض ثم نفضها ثم مسح بها وجهه ثم ضرب بيديه إلى الأرض ثم نفضها فمسح بها ذراعيه باليمنى على اليسرى، وباليسرى على اليمنى ظاهرهما وباطنهما. وقال الربيع: وأراني أي كما أراه أبوه، كلما أراه الأسلع كلما أراه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الربيع: فحدثت بهذا الحديث عوف بن أبي جميلة فقال: هكذا والله رأيت الحسن يصنع.

أسماء بن حارثة الأسلمي أخو هند بن حارثة

أسماء بن حارثة الأسلمي أخو هند بن حارثة وكانا يخدمان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عن يحيى بن هند بن حارثة - وكان هند من أصحاب الحديبية، وأخوه الذي بعثه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء، وهو أسماء بن حارثة - فحدث يحيى بن هند عن أسماء بن حارثة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثه فقال: مر قومك بصيام هذا اليوم. قال: أرأيت إن وجدتهم قد طمعوا؟ قال: فليتموا آخر يومهم. وعن حبيب بن هند بن أسماء الأسلمي عن أبيه هند قال: بعثني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قوم من أسلم فقال: مر قومك فليصوموا هذا اليوم، يوم عاشوراء، ومن وجدت منهم أكل في أول يومه فليصم آخره وفي كتاب محمد بن سعد: أسماء بن حارثة بن عبد الله بن عباد بن سعد بن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى. صحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان من أهل الصفة. وتوفي سنة ست وستين بالبصرة. وهو يومئذ ابن ثمانين سنة وعن أبى هريرة قال: ما كنت أظن هنداً وأسماء أبنتي حارثة الأسلميين إلا مملوكين لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال محمد بن عمر: كانا يخدمانه، لا يريمان بابه هما وأنس بن مالك. بلال بن رباح المؤذن أبو عبد الله مولى أبي بكر الصديق كان يخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وسنذكره أيضاً في حرف الباء. قال عبد الله الهوزني: لقيت بلالاً مؤذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: يا بلال، حدثني كيف كانت نفقه رسول

الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: ما كان له شيء. كنت أنا الذي ألي ذاك منه، منذ بعثه الله حتى توفي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان إذا أتاه الإنسان المتثلم فرآه عارياً يأمرني به. فانطلق، فاستقرض فأشتري البردة فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين فقال لي يا بلال، إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني ففعلت. فلما كان ذات يوم توضأت ثم قمت أؤذن بالصلاة، فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار. فلما رآني قال: يا حبشي، قلت: يالبيك، فتجهمني وقال لي قولاً عظيماً فقال أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب، قال: إنما بينك وبينه أربعة، وآخذك بالذي لي عليك، فإني لم أعطيك الذي أعطيتك من كرامتك ولا كرامة صاحبك علي، ولكن إنما أعطيتك لأتخذك عبداً، فأردك ترعى الغنم كما كنت ترعى قبل ذلك. فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس. فانطلقت، فأذنت بالصلاة، حتى إذا صليت العتمة رجع رسول الله إلى أهله فاستأذنت عليه فأذن لي فقلت: يا رسول الله، إن المشرك الذي كنت أدنت منه قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني، وليس عندي، وهو فاضحي فأذن لي فأبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قدأسلموا حتى يرزق الله رسوله ما يقضي عني. فخرجت حتى أتيت منزلي، فجعلت سيفي وحرابي ومجني ونعلي عند رأسي، واستقبلت في بوجهي الأفق. فكلما نمت ساعة انتبهت، فإذا رأيت علي ليلاً نمت حتى انشق عمود الصبح الأول، فأردت أن أنطلق فإذا إنسان يسعى يدعو: يا بلال، أجب رسول الله فانطلقت حتى أتيته فإذا أربع، وكانت مناخات، عليهن أحمالهن، فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستأذنت، فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أبشر فقد جاءك الله بقضائك، فحمدت الله. وقال: ألم تمر على الركائب المناخات الأربع؟ قلت: بلى، قال: فلأن لك رقابهن، وما عليهن، فإن عليهن كسوةً وطعاماً، أهداهن لي عظيم فدك فاقبضهن ثم أقض دينك، ففعلت، فحططت عنهن أحمالهن ثم علفتهن، ثم قمت إلى تأذيني لصلاة الصبح، حتى إذا صلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرجت إلى البقيع، فجعلت إصبعي في أذني فأذنت فقلت: من كان يطلب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدين فليحضر، فما زلت أبيع وأقضي حتى لم يبقى على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دين في الأرض حتى فضل في يدي أوقيتن أو أوقية ونصف، ثم انطلقت إلى المسجد وقد ذهب عامة النهار وإذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعد في المسجد وحده فسلمت عليه، فقال لي: ما فعل ما قبلك؟ قلت: قضى الله كل شيء كان على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم

بكير بن شداخ الليثي ويقال بكر

يبقى شيء. فقال: أفضل شيء؟ فقلت: نعم. فقال: أنظر أن تريحني منها، فإني لست داخلا على أحد من أهلي حتى تريحني منه. فلم يأتنا أحد حتى أمسينا، فلما صلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العتمة دعاني فقال: ما فعل ما قبلك؟ قلت: معي، لم يأتنا أحد فبات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد حتى أصبح وظل فيه اليوم الثاني حتى إذا كان آخر النهار جاء راكباً، فانطلقت بهما. فأطعمتهما وكسوتهما، حتى إذا صلى العتمة دعاني فقال لي: ما فعل الذي قبلك؟ قلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكبر وحمد الله، شفقاً من أن يدركه الموت وعنده ذلك. ثم اتبعته حتى جاء أزواجه، فسلم على امرأة حتى أتى مبيته، فهو الذي سألني عنه. بكير بن شداخ الليثي ويقال بكر عن عبد الملك بن يعلى الليثي أن بكر بن شداخ الليثي وكان ممن يخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو غلام. فلما احتلم جاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إني كنت أدخل على أهلك، وقد بلغت مبلغ الرجال، فقال النبي: اللهم، صدق قوله، ولقه الظفر، فلما كان في ولاية عمر جاء وقد قتل يهوديا فأعظم ذلك عمر وجذع وصعد المنبر قال: أفيما ولاني الله واستخلفني يقتل الرجال؟! أذكر الله رجلاً كان عنده علم إلا علمني، فقام إليه بكير بن شداخ فقال: أنا به، فقال: الله أكبر بؤت بدمه، فهات المخرج. قال: بلى. خرج فلان غازياً ووكلني بأهله فجئت إلى بابه فوجت هذا اليهودي في منزله وهو يقول: الوافر وأشعث غره الإسلام مني ... خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها وتمسي ... على قود الأعنة والحزام كأن مجامع الربلات منها ... فئام ينظرون إلى فئام قال: فصدق عمر قوله، وأبطل دمه بدعاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ذو مخمر ويقال ذو مخيمر الحبشي

ذو مخمر ويقال ذو مخيمر الحبشي ابن أخي - ويقال ابن أخت النجاشي ملك الحبشة. عن ذي مخمر، وكان رجلاً من الحبشة يخدم النبي قال: كنا معه في سفر فأسرع السير حتى انصرف، وكان يفعل ذلك لقلة الزاد فقال له قائل: يا رسول الله، قد انقطع الناس قال: فحبس، وحبس الناس معه حتى تكاملوا إليه فقال لهم: هل لكم أن نهجه هجعة - أو قال له قائل - فنزلوا فقال: من يكلؤنا الليلة؟ فقلت: أنا جعلني الله فداك، فأعطاني خطام ناقته فقال: هاك لا تكونن لكعاً قال: فأخذت بخطام ناقة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخطائم ناقتي، فتنحيت غير بعيد فخليت سبيلهما يرعيان، فإني كذلك أنظر إليهما حتى أخذني النوم، فلم أشعر بشيء حتى وجدت حر الشمس على وجهي، فاستيقظت فنظرت يميناً وشمالاً فإذا أنا بالراحلتين مني غير بعيد، فأخذت بخطام ناقة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخطام ناقتي، فأتيت أدنى القوم فأيقظته فقلت له: أصليت؟ قال: لا، فأيقظ الناس بعضهم بعضاً حتى استيقظ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا بلال، هل في الميضأة ماء؟ - يعني في الإداوة - فقال: نعم، جعلني الله فداك، فأتاه بوضوء فتوضأ لم يلت منه التراب فأمر بلالً فأذن، ثم قام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلى الركعتين قبل الصبح، وهو غير عجل، ثم أمره فأقام الصلاة، فصلى وهو غير عجل، فقال له قائل: يا نبي الله، أفطرنا؟ قال: لا، قبض الله أرواحنا وقد ردها إلينا وقد صلينا. ربيعة بن كعب أبو فراس الأسلمي كان يخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عن ربيعة بن كعب قال: كنت أخدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع، حتى يصلي رسول الله عشاء الآخرة. فأجلس ببابه إذا دخل بيته، أقول: لعله أن يحدث لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حاجة، فما أزال أسمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: سبحان الله، سبحان الله وبحمده،

حتى أمل فأرجع، أو تغلبني عيني فأرقد. قال: فقال لي يوماً، لما يرى في خفتي له وخدمتي إياه: يا ربيعة، سلني، أعطك. قال: فقلت: أنظر في أمري يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أعلمك ذلك. قال: ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة، وإن لي فيها رزقاً سيكفيني، ويأتيني، قال: فقلت: أسأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لآخرتي فأنه من الله بالمنزل الذي هو به. قال: فجئته فقال: ما فعلت يا ربيعة؟ قال: فقلت: نعم، يا رسول الله، أسألك أن تشفع لي إلى ربك، فيعتقني من النار، قال: فقال: من أمرك بهذا يا ربيعة؟ قال: فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد، ولكنك لما قلت: سلني أعطك، وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به نظرت في أمري، فعرفت أن الدنيا منقطعة0وزائلة، وأن لي فيها رزقاً سيأتيني، فقلت أسأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لآخرتي. قال: فصمت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طويلاً، ثم قال: إني فاعل، فأعني على نفسك بكثرة السجود. وعن ربيعة الأسلمي - وكان يخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: فقال لي ذات يوم: يا ربيعة، ألا تزوج؟ قال: قلت: يا رسول الله، ما أحب أن يشغلني عن خدمتك شيء. قال: فسكت. قال: فلما كان بعد قال لي: يا ربيعة، ألا تزوج؟ قال: قلت: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما أحب أن يشغلني عن خدمتك شيء، وما عندي ما أعطي المرأة فقال: فقلت بعد: رسول الله أعلم بما عندي مني. يدعوني إلى التزويج. لئن دعاني هذه المرة لأجيبنه. قال: فقال لي: يا ربيعة، ألا تزوج؟ قال: قلت: يا رسول الله، ومن يزوجني، وما عندي ما أعطي المرأة. قال: فقال لي: انطلق إلى بني فلان فقل لهم: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمركم أن تزوجوني فتاتكم فلانة. قال: فأتيتهم فقلت: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسلني إليكم لتزوجوني فتاتكم فلانة. قالوا: فلانة؟. قالوا: مرحباً برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومرحباً برسوله فزوجوني فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: يا رسول الله، أتيتك من خير أهل بيت، صدقوني وزوجوني فمن أين لي ما أعطي صداقي؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبريدة الأسلمي: يا بريدة، اجمعوا لربيعة في صداقه وزن نواة من ذهب. قال: فجمعوها، فأعطوني فأتيتهم فقبلوها، فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: يا رسول الله، قد قبلوا فمن أين لي ما أولم؟ قال: فقال: اجمعوا لربيعة في ثمن كبش. قال: فجمعوا. وقال لي: انطلق إلى عائشة فقل لها: فلتدفع إليك ما عندها من الشعير، قال: فأتيتها فدفعت إلي. فانطلقت بالكبش والشعير، فقالوا: أما

سعد مولى أبي بكر الصديق

الشعير فنحن نكفيكه وأما الكبش فمر أصحابك أن يذبحوه وعملوا الشعير، فأصبح والله عندنا خبز ولحم. ثم إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقطع أبا بكر أرضاً له فاختلف في عذق فقلت: هو في أرضي، وقال أبو بكر: هو في أرضي فتنازعنا، فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها، فندم فأخبرني فقال لي: قل لي كما قلت. قال: قلت: لا والله لا أقول لك كما قلت لي، قال: إذاً آتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فأتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتبعته، فجاءني قومي يتبعوني فقالوا: هو الذي قال لك وهو يأتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيشكو؟ قال: فالتفت إليهم فقلت: تدرون من هذا؟ هذا الصديق وذو شيبة المسلمين. ارجعوا، لا يلتفت فيراكم، فيظن أنكم إنما جئتم لتعينوني عليه، فيغضب فيأتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيخبره، فيهلك ربيعة. قال: فأتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إني قلت لربيعة كلمة كرهها، فقلت له يقول لي مثلما قلت له فأبى، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا ربيعة، ومالك وللصديق؟ قال: قلت: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا والله لا أقول له كما قال لي. قال: أجل، لا تقل له كما قال ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر. سعد مولى أبي بكر الصديق كان يخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقيل أنه كان مولى له. عن سعد قال: قربت بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تمراً، فجعلوا يقرنون، فنهى رسول الله عن القران. وعن سعد مولى أبي بكر - وكان يخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان يعجبه خدمته - فقال: يا أبا بكر، أعتق سعداً، فقال: يا رسول الله، ما لنا ماهنٌ غيره. قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أعتق سعداً، أتتك الرجال، أتتك الرجال. قال أبو داود يعني السبي.

عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن الهذلي

عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن الهذلي كان يلي طهور النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويحمل نعليه، ويرحل راحلته، وسنذكره في حرف العين. مهاجر مولى أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخدمه. قال مهاجر مولى أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خدمت النبي عشر سنين أو خمس سنين لم يقل لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته؛ لم تركته؟. أبو السمح خادم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدث أبو السمح قال: كنت أخدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كان إذ اأراد أن يغتسل قال: ناولني أدواتي. قال: فناولته، وأستره، فأتي بحسن، أو حسين، فبال على صدره، فجئت لأغسله. قال: يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام.

كتابه صلى الله عليه وسلم

كتابه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبان بن سعيد بن العاص الأموي نذكره في ما بعد. أبي بن كعب قال ابن أبي خثيمة: كان أول من كتب لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبي بن كعب. فكان إذا لم يحضر أبي دعا زيد بن ثابت، فكانا يكتبان له الوحي، ويكتبان إلى من كاتبه من الناس، وكان يكتب له عثمان بن عفان وخالد بن سعيد وأبان بن سعيد رضي الله عنهم. قال محمد بن سعد: وكان أبي بن كعب يكتب في الجاهلية قبل الإسلام. وكانت الكتابة في العرب قليلة، وكان يكتب في الإسلام الوحي لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكانوا يقولون: أول من كتب لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، ثم ارتد. فكتب له عثمان بن عفان، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص. وكتب له العلاء بن الحضرمي وشرحبيل بن حسنة. وكتب على بن أبي طالب الموادعة في غزوة الحديبية. وكتب علي كتاب أهل نجران. أرقم بن أبي الأرقم المخزومي عن عمرو بن حزم: إن هذه قطائع أقطعها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهؤلاء القوم:

ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري

هذا كتاب من محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعظيم بن الحارث المحاربي أن له فخاً لا يحاقه فيها أحد. وكتب الأرقم: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله لعظيم بن الحارث المحاربي أن له المجمعة من رأس فخ لا يحاقه فيها أحد. وكتب الأرقم. عن إبراهيم بن المنذر قال: والأرقم بن أبي الأرقم - اسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن جندب بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب. وأمه أميمة بنت عبد الحارث الخزاعية. وبقي الأرقم إلى عهد معاوية. ومات في سنة خمس وخمسين. وهو الذي كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستخفياً في داره بأصل الصفا. آخى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينه وبين عبد الله بن أنيس، وقد شهد بدراً. ولم يشهدها عبد الله بن أنيس. وقال عثمان بن الرقم: توفي أبي الأرقم سنة ثلاث وخمسين، وهو ابن خمس وثمانين سنة. ويكنى أبا عبد الله. وصلى عليه سعد بن أبي وقاص، ودفن بالبقيع. كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين تغيب من قريش تغيب في داره. وهي التي تعرف الخيزران عند الصفا. روى عثمان بن أرقم عن أبيه - وكانت له صحبة - قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، ويفرق بين الاثنين - والإمام يعني يخطب - كالجار قصبه في النار. ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري روى علي بن محمد المدائني بأسانيده عن شيوخه في وفود العرب عن النبي قالوا: قدم عبد الله بن علس الثمالي ومسليه بن هزان الحداني على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رهط من قومها بعد فتح مكة، فأسلموا، وبايعوا على قومهم، وكتب لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتاباً بما

فرض عليهم من الصدقة في أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شمام وشهد فيه سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة. قال محمد بن اسحاق: استشهد من الأنصار، ثم من بني الحارث بن الخزرج: ثابت بن قيس بن شماس استشهد باليمامة. قال ابن منده: ثابت بن قيس بن شماس بن ثعلبة بن زهر بن امرئ القيس بن مالك بن الحارث بن الخزرج، كنيته أبو محمد. قتل باليمامة شهيداً، وشهد له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجنة. روى عنه أنس بن مالك، ومحمد وإسماعيل وقيس، بنوه. روى ثابت بن قيس قال: قتل يوم قريظة رجل من الأنصار يدعى خلاداً فقيل لأمه: يا أم خلاد قتل خلاد، فجاءت وهي متنقبة فقبل لها: قتل خلاد وتجيئينا متنقبة قالت: لإن رزئت خلاداً، فلا أرزأ أحباي. فذكروا ذلك للنبي فقال: أما أن له أجر شهيدين، قيل: يا رسول الله ولم؟ قال: لأن أهل الكتاب قتلوه. عن أنس قال: كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار. فلما نزلت الآية " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " قال ثابت: أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنا من أهل النار، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بل هو من أهل الجنة.

حنظلة بن الربيع التميمي الأسيدي الكاتب

حنظلة بن الربيع التميمي الأٌسيدي الكاتب قال حنظلة سمعت رسول الله يقول: من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله تبارك وتعالى دخل الجنة. أو قال وجبت له الجنة. وسنذكر حنظلة في حرف الحاء. خالد بن سعيد بن العاص الأموي كتب خالد بن سعيد عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتاباً: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راشد بن عبد رب السلامي، أعطاه غلوتين بسعجى وغلوة بحجر برهاط. فمن حاقه فلا حق له. وحقه حق. وكتب خالد بن سعيد. وأقام خالد يعني: ابن سعيد بن العاص - بعد أن قدم من أرض الحبشة مع رسول الله بالمدينة. وكان يكتب له. وهو الذي كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف وهو الذي مشى في الصلح بينهم وبين رسول الله. وسنذكر خالداً في حرف الخاء.

خالد بن الوليد أبو سليمان المخزومي

خالد بن الوليد أبو سليمان المخزومي وسنذكره في حرف الخاء. عن عمرو بن حزم: إن هذه قطائع أقطعها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهؤلاء القوم: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المؤمنين: إن عضاه وجّ وصيده، لا يعضد صيده ولا يقتل، فمن وجد يفعل من ذلك شيئاً فإنه يجلد، وتنزع ثيابه، وإن تعدى ذلك أحد فإنه يؤخذ، فيبلغ محمداً النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وإن هذا من محمد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكتب خالد بن الوليد بأمر النبي محمد بن عبد الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: كذا. قال: وأظنه خالد بن سعيد. الزبير بن العوام أبو عبد الله الأسدي القرشي نذكره في حرف الزاي. عن عمرو بن حزم: إن، هذه قطائع أقطعها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهؤلاء القوم. فذكرها وقال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبني معاوية بن جرول إلى الضبابيين، لمن أسلم منهم فأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وأطاع الله ورسوله، وأعطى من المغانم خمس الله وسهم النبي رسوله، وفارق المشركين، وأشهد على إسلامه فإنه آمن بأمان الله ومحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وإن لهم ما أسلموا عليه من بلادهم ومياههم. وغدوة الغنم من وراء بلادهم التي أسلموا عليها مبنية. وكتب الزبير. زيد بن ثابت أبو سعيد الأنصاري الخزرجي نذكره في حرف الزاي.

سجل الكاتب

سجل الكاتب عن ابن عباس قال: كان النبي كاتب يسمى السجل. وهو فوله: " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب " قال: كما يطوي السجل الكتاب كذلك نطوي السماء. وقال في حديث آخر: السجل هو الرجل. وعن ابن عمرو قال: وكان للنبي كاتب يقال له سجل، فأنزل الله عز وجل: " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب ". وقال أبو جعفر: السجل هو الملك سعد بن أبي سرح والمحظوظ عبد الله بن سعد القرشي العامري عن خليفة بن خياط: في تسمية كتاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: زيد بن ثابت كاتب الوحي. وقد كتب له معاوية بن أبي سفيان، وكتب له حنظلة بن ربيعه الأسيدي، وكتب له سعد بن أبي سرح ثم ارتد ولحق بمكة، وكان يأذن عليه أنسة مولاه. وبلال على نفقاته، ومعيقيب بن أبي فاطمة خازنه. ويقال كان معيقيب على خاتمه. وأنس بن مالك يخدمه. ومؤذناه بلال وابن أم مكتوم. وحرسه ببدر سعيد بن زيد، وحين رجع من بدر ذكوان بن عبد القيس الأنصاري وبأحد محمد بن مسلمة، وفي الخندق الزبير بن العوام أو غيره، وبخيبر ليلة بنى بصفية أبو أيوب، وبتبوك أبو قتادة، وقد حرسه سعد بن مالك وعائذ بن عمرو المزني.

أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان القرشي التيمي

أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان القرشي التيمي خليفة رسول الله. نذكره في حرف العين. عن سراقة بن جعثم قال: لما خرج رسول الله من مكة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش لمن يرده مئة ناقة. قال: فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة، مروا علي آنفاً، إني لأراهم محمداً وأصحابه قال: فأهويت له يعني أن اسكت. قال: وقلت: إنما هم بنوا فلان يبغون ضالة لهم. قال: لعله، ثم سكت. فمكثت قليلاً ثم قمت فأمرت بفرسي فقيد إلى بطن الوادي، وأخرجت سلاحي من وراء حجرتي، ثم أخذت قداحي التي أستقسم بها ثم لبست لأمتي ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج القسم الذي أكره: لا يضره، قال: وكنت أرجو أن أرده فآخذ المئة ناقة. قال: فركبت في أثره. قال: فبينا فرسي يشتد حتى عثر، فسقطت عنه. قال: فأخرجت قداحي فاستقسمت فخرج السهم الذي أكره: لا يضره. قال: فأبيت إلا أن أتبعه فركبت. فلما بدا لي القوم ونظرت إليهم عثر فرسي وذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، واستخرج يديه واتبعهما دخانٌ مثل الإعصار، فعرفت أنه قد منع مني وأنه ظاهر فناديتهم فقلت: انظروا فو الله لأريبنكم ولايأتيكم مني شيء تكرهونه، فقال رسول الله: قل له ماذا تبتغي؟ فقلت: اكتب لي كتاباً يكون بيني وبينك آية. قال: اكتب له يا أبا بكر. فكتب ثم ألقاه إلي فرجعت، فسكت. فلم أذكر شيئاً مما كان حتى إذا فتح الله عز وجل على رسوله مكة وفرغ من حنين خرجت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لألقاه، ومعي الكتاب الذي كتب لي. قال: فبينا أنا عامد له دخلت بين ظهران كتيبة من كتائب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو على ناقة أنظر إلى ساقه في غرزة كأنها جمارة قال: فرفعت يدي بالكتاب. فقلت: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا كتابك. قال: فقال رسول الله: هذا يوم وفاء وبر ادنه. قال: فأسلمت. ثم ذكرت شيئاً أسأل عنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فما ذكرت شيئاً إلا أني

عبد الله بن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي

قلت: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الضالة تغشى حياضنا قد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر أن أسقيها؟ فقال رسول الله: نعم، لك في كل ذات كبد حرى أجر. قال: فانصرفت، وسقت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صدقتي. عبد الله بن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي عن عبد الله بن الزبير أن النبي استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث. كذا نسبه ابن حميد. وكان يجيب عنه الملوك. وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك، فيكتب ويختم ما يقرأه لأمانته عنده. واستكتب أيضاً زيد بن ثابت. وكان يكتب الوحي ويكتب إلى الملوك أيضاً فلم يزالا كذلك حتى قبض النبي، وخلافة أبي بكر وجعل أبو بكر رضي الله عنه إلى عبد الله بن الأرقم بيت المال. فلم يزل كذلك حتى قبض أبو بكر، وولي عمر رضي الله عنه حتى قتل. ثم إن عثمان عزل عبد الله بن الأرقم عن الكتابة وبيت المال، وجعلها إلى زيد بن ثابت. فأما النبي فكان إذا غاب ابن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الأجناد والملوك، أو يكتب لإنسان كتاباً أمر من حضر أن يكتب. وقد كتب عمر، وعلي، وزيد، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية، وخالد بن سعيد بن العاص. وغيرهم ممن سمى من العرب. وعن عبد الله بن عمر قال: أتى النبي كتاب رجل فقال لعبد الله بن الأرقم: أجب عني. فكتب جوابه ثم قرأه عليه فقال: أصبت، وأحسنت، اللهم وفقه. فلما ولي عمر كان يشاوره. وعن عبد الله بن الأرقم أنه حجّ فكان يصلي بأصحابه، يؤذن ويقيم. فأقام يوماً وقال: ليصل أحدكم فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول إذا أراد أحدكم أن يذهب إلى الخلاء وأقيمت الصلاة فليصل إلى الخلاء.

عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري

قال الأعمش: قلت لشقيق: من كان كاتب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: عبد الله بن أرقم. قال: وقد أتانا كتاب أبي بكر بالقادسية، في أسفله؛ وكتب عبد الله بن أرقم. قال الغلابي: وهذا خطأ، إنما كانت القادسية في زمن عمر. وقد ورد في حديث قال: وأتانا كتاب عمر بالقادسية وفي أسفله: وكتب عبد الله بن أرقم. وقال في حديث آخر: قال أبي: والصحيح عندنا أن معاوية كان كاتب النبي. عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري قال ابن عباس: كان يكتب لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقتل فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة. وقيل أنه استأمن له يوم فتح مكة. نذكره في حرف العين. عبد الله بن زيد بن عبد ربه أبو محمد الأنصاري الخزرجي كتب لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كتب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن أسلم من جرش، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وأعطى حظ الله وحظ الرسول، وفارق المشركين، فإنه آمن بذمة الله وذمة محمد. ومن رجع عن دينه فإن ذمة الله وذمة محمد رسوله منه بريئة. ومن شهد له مسلم بإسلامه فإنه آمن بذمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنه من المسلمين، وكتب عبد الله بن زيد.

وعن عبد الله بن زيد قال: رأيت في المنام رجل نزل من السماء عليه بردان أخضران أو ثوبان أخضران فقام على جذم حائط فنادى بالأذان: الله أكبر الله أكبر. مثنى مثنى، ثم قعد قعدة، ثم عاد، فأقام مثنى مثنى، فذكر ذلك لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: نعم ما رأيت علمها بلالاً. وفي رواية: فقال: ألقه على بلال، فألقيته فأذن. قال: فأراد أن يقيم، فقلت يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنا رأيت، أريد أن أقيم. قال: فأقم أنت. فأقام هو وأذّن بلال. وفي رواية: قال: ألقهن على بلال. فأنه أندى منك صوتاً. قال: فلما أذّن بلال ندم عبد الله بن زيد فأمره رسول الله أن يقيم. وعن عبد الله بن زيد أنه تصدق بحائط له فأتى أبواه إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالا: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنها كانت قيم وجوهنا، ولم يكن لنا شيء غيرها. فدعا عبد الله فقال: إن الله عز وجل0 قد قبل صدقتك، ورد على أبويك. قال: فتوارثاها بعد ذلك. عن محمد بن عبد الله بن زيد أن أباه حدّثه: أن أباه شهد النبي عند المنحر، ومعه رجل من الأنصار وقسم رسول الله ضحايا، فلم يصبه ولا صاحبه بشيء، فحلق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأسه في ثوبه، فقسم منه على الرجال، وقلّم أظافره فأعطاه وصاحبه. قال: فإنه عندنا مخضوب بالحناء والكتم. وحدث محمد بن عبد الله أيضاً: أن أباه كان يكنى أبا محمد، وكان رجلاً ليس بالقصير ولا بالطويل. قال محمد بن عمر: وكان عبد الله بن زيد يكتب بالعربية قبل الإسلام، وكانت الكتابة في العرب قليلاً

عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق

وقال محمد بن سعد: عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج. وقال عبد الله بن محمد بن زيد الأنصاري: ليس في آبائه ثعلبة، وهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن زيد بن الحارث. وثعلبة بن عبد ربه أخو زيد وعمّ عبد الله. فأدخلوه في نسبه وهذا خطأ. وكان لعبد الله بن زيد من الولد: محمد، وأمه سعدة بنت كعب بن يساف بن عنبة بن عمرو، وهي ابنة أخي خبيب بن يساف. وأم حميد بنت عبد الله، وأمها من أهل اليمن. لعبد الله بن زيد عقب بالمدينة. وهم قليل. وشهد عبد الله العقبة مع السبعين من الأنصار في روايتهم جميعاً. وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله. وكانت معه راية بني الحارث بن الخزرج في غزوة الفتح، وهو الذي أري الأذان. قال محمد بن عبد الله بن زيد: توفي أبي عبد الله بن زيد بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. وهو ابن أربع وستين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان. عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق كتب عن النبي كتاب أمان لسراقة بن مالك بن جعشم. وعن سراقة بن جعشم، وذكر خبر الهجرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال فيه: فقلت له: إن قومك جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم من أخبار سفرهم، وما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزوني منه شيئاً. ولم يسألوني إلا أن أخف عنا. فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أديم ثم بيض. وقد جاء من وجه آخر أن أبا بكر قد كتب ذلك الكتاب. والله أعلم.

وعن عامر بن فهيرة قال: تزود أبو بكر الصديق مع رسول الله في جيش العسرة نحي سمن وعكيكة عسل، على ما كنا عليه من الجهد. وعن عائشة - في حديث لها طويل - قالت: وكان عامر بن فهيرة للطفيل بن الحارث أخي عائشة لأمها أم رومان، فأسلم عامر فاشتراه أبو بكر فأعتقه، وكان يرعى عليه مسحة له من غنم. قال زيد بن رومان: أسلم عامر بن فهيرة قبل أن يدخل رسول الله دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها. قال عروة بن الزبير: كان عامر بن الفهير من المستضعفين من المؤمنين، وكان ممن يعذب بمكة ليرجع عن دينه. وعن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما هاجر عامر بن فهيرة إلى المدينة نزل على سعد بن خثيمة. قالوا: آخى رسول الله بين عامر بن الفهيرة والحارث بن أوس بن معاذ. وشهد عامر بن فهيرة بدراً وأحداً وقتل يوم بئر معونة سنة أربعة من الهجرة. وكان يوم قتل ابن أربعين سنة. قال عروة: لم يكن مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين هاجر من مكة إلى المدينة إلا أبو بكر وعامر بن فهيرة ورجل من الدّئل مشرك، كان دليلاً لهم. وعن عروة قال: قال عامر بن الطفيل لعمرو بن أمية: هل تعرف أصحابك؛ قال: قلت: نعم. قال: فطاف فيهم وجعل يسأل عن أنسابهم فقال: هل تفقد منهم من أحد؟ قال: أفقد مولىً لأبي بكر يقال له عامر بن فهيرة فقال: كيف كان فيكم؟ قال: قلت: كان من

عمر بن الخطاب أبو حفص القرشي العدوي أمير المؤمنين

أفضلنا، ومن أول أصحاب نبينا. وقال: ألا أخبرك خبره؟ وأشار إلى رجل فقال: هذا طعنه وبرمحه. ثم انتزع رمحه، فذهب بالرجل علواً في السماء حتى والله ما أراه. قال عمرو فقلت: ذلك عامر بن فهيرة. وكان الذي قتله رجل من بني كلاب يقال له: جبار بن سلمى. ذكر أنه لما طعنه قال: سمعته يقول: فزت والله. قال: فقلت في نفسي: ما أقوله فزت؟ قال: فأتيت الضحاك بن سفيان الكلابي فأخبرته بما كان، وسألته عن قوله: فزت. فقال: الجنة. قال: وعرض علي الإسلام فأسلمت. ودعاني إلى الإسلام ما رأيت من مقتل عامر بن فهيرة من رفعه إلى السماء علواً. قال: وكتب الضحاك إلى رسول الله يخبره بإسلامه وما رأيت من مقتل عامر بن فهيرة. فقال رسول الله: فإن الملائكة وارت جثته وأنزل عليين. وعن عروة أن عامر بن الطفيل كان يقول: من رجل منكم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه؛ قالوا: عامر بن فهيرة. وعن عائشة قالت: رفع عامر بن فهيرة إلى السماء، فلم توجد جسته، يروون أن الملائكة وارته. عمر بن الخطاب أبو حفص القرشي العدوي أمير المؤمنين كتب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وسنذكره في حرف العين. عثمان بن عفان بن أبي العاص أبو عمرو الأموي أمير المؤمنين روى عن جماعة من أهل العلم. قال: قدم نهشل بن مالك الوائلي من باهلة على رسول الله وافداً لقوم. وكتب له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولمن أسلم من قومه كتاباً فيه شرائع الإسلام. وكتب عثمان بن عفان. وسنذكر عثمان في حرف العين.

علي بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي أمير المؤمنين

علي بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي أمير المؤمنين كتب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتاب صلح الحديبية، وغيره من الكتب. وسنذكره في حرف العين. عن عمرو بن حزم أن هذه قطائع أقطعها رسول الله لهؤلاء القوم فذكرها، وقال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لتميم بن أوس الداري أن له عينون قريتها كلها: سهلها وجبلها وماؤها وحرثها وكرومها وأنباطها وبقرها. ولعقبه من بعده، لا يحاقه فيها أحد، ولا يدخله عليه بظلم، فمن أراد ظلمهم أو أخذه منهم فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وكتب علي. العلاء بن الحضرمي واسم الحضرمي عباد ويقال عبد الله بن عباد كان يكتب للنبي. وعن ابن سيرين أن العلاء بن الحضرمي، كتب إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبدأ بنفسه. وكان العلاء عاملاً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على البحرين. فتوفي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو عليها. وكانت وفاته سنة إحدى وعشرين. العلاء بن عقبة كان كاتباُ للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عن عمرو بن حزم أن هذه قطائع أقطعها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهؤلاء القوم فذكرها وذكر فيها:

محمد بن مسلمة الأنصاري

بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى النبي محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عباس بن مرداس السلمي، أعطاه مدفورا فمن حاقه فيها فلا حق له فيها، وحقه حق، وكتب العلاء بن عقبة وشهد. ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عوسجه بن حرملة الجهني من ذي المروة وما بين بلكثة إلى الطيبة إلى الجعلاب إلى جبل القبلة، لا يحاقه فيها أحد، فمن حاقه فلا حاق له، وحقّه حق. وكتب العلاء بن عقبة. وكتب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبني شنخ من جهينة: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى محمد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني شنخ من جهينة، أعطاهم ما خطوا من صفينة وما حرثوا، ومن حاقهم فلا حق لهم. وحقهم حق وكتب العلاء بن عقبة وشهد. محمد بن مسلمة الأنصاري نذكره في حرف الميم. روى علي بن محمد المدائني بأسانيده قالوا: قدم وفد مهرة عليهم مهري بن الأبيض فعرض عليهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإسلام فأسلم وا، ووصلهم وكتب لهم. فذكر الكتاب. وقال: وكتب محمد بن مسلمة الأنصاري معاوية بن أبي سفيان أبو عبد الرحمن القرشي الأموي كاتب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. نذكره في حرف الميم. عن جابر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال: استكتبه. فإنه أمين.

المغيرة بن شعبة أبو عيسى الثقفي

المغيرة بن شعبة أبو عيسى الثقفي نذكه في حرف الميم. عن عمرو ين حزم أن هذه قطائع أقطعها رسول الله لهؤلاء القوم فذكرها. وقال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ من محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحصين بن نضلة الأسدي أن له ترمد وكثيفة، لا يحاقه فيها أحد. وكتب المغيرة.

أمناؤه صلى الله عليه وسلم

أمناؤه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامر بن عبد الله بن الجراح أبو عبيدة القرشي الفهري عبد الرحمن بن عوف أبو محمد الزهري ونذكرها في حرف العين. معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي كان على خاتمه. ويقال: كان خازنه. روى إياس بن الحارث بن معيقيب عن جده المعيقيب وجده من قبل أمه ابن أبي ذباب قال: كان خاتم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حديد ملوى بفضة. فربما كان في يدي. قال: وكان معيقب على خاتم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن معيقب قال: قيل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: المسح في المسجد - يعني الحصا - فقال: إن كنت لا بد فاعلاً فواحدة. والله أعلم.

ذكر سلاحه ومركوبه ومعرفة مطعومه ومشروبه

ذكر سلاحه ومركوبه ومعرفة مطعومه ومشروبه عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعني - غنم سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد. قال: رأيت في سيفي ذي الفقار فلاً. فأولته فلاً ليكونوا فيكم، ورأيت أني مردف كبشاً فأولته كبش كتيبة. ورأيت أني درع حصينة فأولته المدينة. ورأيت بقراً يذبح فبقرٌ والله. خير، فبقرٌ والله، خير. فكان ذلك على ما رأى رسول الله. وعن سعيد بن المسيب تنفل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيفه ذا الفقار يومئذ - يعني - بدراً، وكان لمنبه بن الحجاج، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد غزا إلى بدر بسيفً وهبة له سعد بن عبادة يقال له العضب، ودرعه ذات الفضول. وعن ابن عباس أن الحجاج بن علاط أهدى لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيفه ذا الفقار، وأن دحية الكلبي أهدى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغلته الشهباء. قال ابن سيرين: صنعت سيفي على سيف سمرة. وقال سمرة: صنعت سيفي على سيف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان حنيفاً وعن مرزوق الصيقل أنه صقل سيف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذا الفقار. وكانت له قبيعة من فضة وبكرة في وسطه من فضة وحلقتها من فضة. وعن عبد الرحمن بن عوف قال: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة في الهجرة بسيف كان لأبيه مأثوراً.

وعن عبد الرحمن بن عطاء صاحب الشارعة قال: كانت درع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات الفضول، أرسل بها سعد بن عبادة إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين سار إلى بدر، يقال له العضب، فشهد بها بدراً حتى غنم سيفه ذا الفقار يوم بدر من منّبه بن الحجاج. وعن مروان بن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري قال: أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيفاً قلعياً، وسيفاً يدعى بتاراً. وسيفاً يدعى الحتف. وكان عنده بعد ذلك رسوب والمخذم، أصحابها عند ضم طيء، وأخذ من سلاح بني قينقاع ثلاثة أرماح وثلاثة قسي: قوس اسمها الروحاء، وقوس من شوحط تدعى البيضاء، وقوس صفراء تدعى الصفراء. من نبع. وأصاب درعين يومئذ من سلاحهم، درع يقال لها السغدية، ودرع تدعى فضة. وقال محمد بن مسلمة الأنصاري: رأيت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد درعين: درعة ذات الفضول ودرعة فضة، كانت للقينقاعي وكان من أبطالهم. ورأيت عليه يوم خيبر درعين: ذات الفضول والسغدية، درع عكير القينقاعي. وأصاب من سلاحهم مغفراً موشحاً. وقال مروان بن أبي سعيد قال: كان للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ درع تدعى الكتوم، من نبع كسرت يوم أحد، أخذها قتادة بن النعمان.

وعن عامر قال: أخرج إلينا علي بن الحسين سيف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا قبيعته من فضة وإذا حلقته التي تكون فيها الحمائل من فضة، وسلسلته، وإذا هو سيف قد نحل، كان لمنبه بن الحجاج السهمي، أصابه يوم بدر. وعن جعفر بن محمد قال: رأيت سيف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائمه من فضة ونعله من فضة، وبين ذلك حلق من فضة، قال: هو الآن عند هؤلاء يريد: آل عباس. قال الأصمعي: دخلت على هارون الرشيد فإني لجالس عنده في جماعة إذ قال: أريكم سيف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذو الفقار؟ فقلنا نعم يا أمير المؤمنين، فقام فجاء به بنفسه، فما رأيت شيئاً قط أحسن منه. إذا نصب لم ير فيه شيء، وإذ بطح على الأرض عد منه سبع فقر، وإذا هو صفيحة يمانية يحار الطرف فيه من حسنه. قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد: أراه ذو الفقار كان فيه ثقب صغار. حدث أبو إسحاق عن أبيه عن جده قال: كانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوس تدعى الكتوم من نبع، كسرت يوم أحد، كسرها قتادة بن النعمان. ثم إنه أصاب من سلاح بني قينقاع ثلاثة أقسية: قوس تدعى البهاء، وقوس صفراء تدعى الصفراء، وقوس تدعى الروحات. وكان له درعان: درع تدعىالصغدية والأخرى تدعى فضة. وثلاث أسياف: سيف قلعي. وكان عنده المخذم ورسوب. وكانت عنده ذات الفضول وسيف يقال له فضة وذو الفقار. وكانت له ثلاثة أرماح أصابها من سوق بني قينقاع. وأصاب من سلاحهم مغفراً موشحة بشبه.

وعن سعد القرط قال: خرجت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرأيت الزنج يتراطنون حين رأوه ليس معه أحد. ولم يدر به الناس. قال: فارتقيت على نخلة فأذّنت. قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ماهذا يا سعد؟! من أمرك بهذا؟! قال: قلت يارسول الله، بأبي أنت وأمي، إني رأيت الزنج يتراطنون، ولم يكن معك أحد فخفتهم عليك، فأردت أن يعلم أنك قد جئت حتى تجمع الناس. فقال: أصبت. إذ لم يكن معي بلال فأذّن. قال: وكان النجاشي قد أهدى له عنزتين، فأعطى بلالاً واحدة فكان يمشي بها بين يدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى توفي. قال فجاء بلالا إلى أبي بكر الصديق فقال: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إن أفضل أعمالكم الجهاد في سبيل الله. وقد أردت الجهاد. فقال له أبو بكر: أسألك بحقي إلا ما صبرت، إنما هو اليوم أو الغد حتى أموت. فأقام بلال معه يمشي بالعنزة بين يديه حتى توفي أبو بكر. فجاء إلى عمر فقال له كما قال لأبي بكر، فسأله عمر بما سأله أبي بكر فأبى فقال: من يؤذن؟ قال: سعد القرط، فإنه قد كان أذن بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعطاه العنزة فمشى بين يدي عمر، حتى قتل، ثم بين يدي عثمان، ثم لم يزل يمشي بها بين يدي الأمراء. هلم جراً. قال: حتى قدم أمير المؤمنين المهدي فغدونا بها. قال: وإذا بالحراب قد طلع بها من كل وجه فقلنا: إن عنزة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَلا يمشى معها بحربة. فرد الحراب ومشينا بها بي يديه حتى غرزناها في القبلة قال: وأتي بدابة يركبها إلى المصلى فقلنا له، إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى المصلى ماشياً، ذاهباً وراجعاً. فهذه رواية آل سعد التي كانت هذه الحربة عندهم. وعن عروة أن هذه الحربة دفعها النجاشي إلى الزبير في بعض حروبه، فقاتل بها ثم قدم بها معه. فلما كان يوم أحد أخذها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من يده فقتل بها أبي بن خلف، فسأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزبير: كيف كانوا يصنعون بها؟ قال: كانوا يمشون بين يديه، فدفعها إلى بلال فقال: أمشي بها بين يدي. قال: فهي في أيد المؤذنين.

وعن علي قال: كان فرس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقال له: المرتجز، وكانت بغلته دلدل، وحماره عفير، وناقته القصواء، ودرعه ذات الفضول، وسيفه ذو الفقار. وروى جعفر عن أبيه قال: كانت ناقة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسمى العضباء، وبغلته الشهباء، وحماره يعفور، وجاريته خضرة. وعن عامر قال: أخرج إلينا علي بن الحسين درع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإذا هي يمانية رقيقة ذات زرافين إذا علقت بزرافينها لم تمس الأرض، وإذا أرسلت مست الأرض. وعن مكحول قال: كان لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترس فيها تمثال رأس كبش، فكره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكانه، فأصبح وقد أذهبه الله عز وجل. وعن يونس بن عبيد، مولى محمد بن القاسم قال: بعثني محمد بن القاسم إلى البراء بن عازب أسأله عن راية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما كانت، قال: كانت سوداء مربعة من نمرة. وروى عبد الله بن بريدة عن أبيه أن راية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت سوداء، ولواؤه أبيض. وعن ابن عباس قال: كانت رايات - أو قال راية - رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سوداء، ولواؤه أبيض. وعن جابر قال: كان لواء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم دخل مكة أبيض.

وعن أبي هريرة قال: كانت راية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطعة قطيفة كانت لعائشة فسألها فشقتها - وكان لواؤه أبيض - وكان يحملها سعد بن عبادة حتى ركزها في الأنصار في بني عبد الأشهل. وهي الراية التي دخل بها خالد بن الوليد ثنية دمشق، فسميت بثنية العقاب. وفي روايه: وهي الراية التي دخل بها خالد بن الوليد ثنية دمشق، وكان اسم الراية العقاب، فسميت ثنية العقاب. وعن عائشة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت عمامته سوداء تسمى العقاب. ولواؤه أسود. وعن عائشة قالت: كان لواء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الفتح أبيض، ورايته قطعة من مرط لي صوف مرحّل، وكانت الراية تسمى العقاب. وعن أبي هريرة قال: كانت رايه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سوداء تسمى العقاب. وعن زهير بن محمد قال: اسم راية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العقاب. وفرسه المرتجز، وناقته العضباء والقصواء والجوعاء، والحمار يعفور، والسيف ذو الفقار، والدرع ذات الفضول، والرداء الصبح، والقدح الغمر. وكان عند سهل بن سعد ثلاثة أفراس للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلفهن وأسماؤهن: لزاز واللحيف

والظراب فأما لزاز فأهداه له المقوقس. وأما اللحيف فأهداه له ربيعو بن أبي البراء، فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب، وأما الظرب فأهداه له فروة بن عمرو بن النافرة الجذامي من البلقاء. ويقال وأهدى تميم الداري لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرساً يقال له الورد، فأعطاه عمر، فحمل عليه عمر في سبيل الله فوجده يباع. وعن الحسن قال: كان اسم فرس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السكب، وبغلته دلدل، وناقته العضباء، ووحماره يعفور وسيفه ذا الفقار، ودرعه ذات الفضول، ورايته الغقاب، وقوسه العقفاء. قال: وكان اسم كبش إبراهيم عليه السلام حرير، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه 0 بهيوت. واسم هدهد سليمان عفير، واسم كلب أهل الكهف قطمير، وهبط آدم بالهند وحواء بجدة. وإبليس بدست بيسان بأرض البصرة. وهبطت الحية بأصبهان. وأول فرس ملكه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرس ابتاعه بالمدينة من رجل من بني فزارة بعشر أواق. كان اسمه عند الأعرابي الضرس، فسماه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السكب. وكان أول ما غزا عليه يوم أحد، وليس مع المسلمين يومئذ فرس غيره، وفرس لأبي بردة بن نيار يقال له مراوح، وفي رواية ملاوح. وقال يزيد بن أبي حبيب: كان لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرس يدعى السكب. وقال ابن عباس: كان لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرس يدعى المرتجز.

قال محمد بن عمر: فسألت محمد بن يحيى بن سهل عن المرتجز فقال: هو الفرس الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت. وكان الأعرابي من بني مرة. يعني حيث جاء خزيمة بن ثابت الأنصاري والأعرابي يقول لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لم أبعك الفرس، وذلك أنهم أعطوه به أكثر من الثمن الذي ابتاعه به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرجع عن البيع، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول له: قد بعتنيه، فقال له الأعرابي: من يشهد لك بذلك؟ فقال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخزيمة: كيف شهدت بهذا؟! قال: أشهد أن كل ما قلت هو الحق والصدق، فجعلت شهادة خزيمة كشهادة رجلين. وقيل: كانت خيل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسة أفراس: لزاز، ولحاف، والمرتجز، والسكب، واليعسوب. وقيل: كانت له خمسة أفارس، فكانت عند سهل بن سعد. أسماؤها: اللحيف ويقال اللجيف، ولزاز والظرب، وكان الظرب لجنادة بن المعلى المحاربي، وكانت له فرس يقال له المرتجز كان لسوادة بن الحارث بن ظالم بن سهم المحاربي. وكانت دلدل بغلة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول بغلة ركبت في الإسلام أهداها المقوقس، وأهدى معها حماراً يقال له عفير، وكانت قد بقيت حتى كان زمن معاوية. روى محمد بن إسحاق عن رجل قال: رأيت بغلة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منزل عبد الله بن جعفر يجش، أو يدق لها الشعير، وقد ذهبت أسنانها. وعن زامل بن عمرو قال: أهدى فروة بن عمرو الجذامي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغلة يقال لها فضة، فوهبها لأبي بكر الصديق، وحماره يعفور منصرفه من حجة الوداع. و

قال الزهري دلدل أهداها فروة بن عمرو الجذامي، وحضر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليها القتال يوم حنين. قال علقمة بن أبي علقمة: بلغني أن اسم فرس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السكب، وكان أغر محجلا طلق اليمين، واسم بغلته الدلدل. وكانت شهباء. وكانت بينبع حتى ماتت ثم. واسم حماره اليعفور، وكان رسنه من ليف. واسم ناقته القصواء، وسيفه ذا الفقار، واسم رايته العقاب. وكانت دلدل بغلة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقيت بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حياة أبي بكر وعمر وعثمان حتى كان زمن معاوية، وكانت مع علي بن أبي طالب عليه السلام، وشهد عليها القتال يوم نهروان حيث قاتل الخوارج. وعن ابن القعقاع قال: رأيت علياً عليه السلام على بغلة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشهباء، يطوف بين القتلى، ثم ردت البغلة بعد علي إلى المدينة. وعن عبد الله بن مسعود قال: كانت الأنبياء يلبسون الصوف، ويحلبون الشاة ويركبون الحمر. وكان لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمار يقال له عفير. وعن ابن ممطور قال: لما فتح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني خبير - أصاب أربعة أزواج ثقال. وأربعة أزواج خفاف، وعشر أواقي ذهب وفضة، وحماراً أسوداً مكبلاً. قال: فكلم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحمار فكلمه الحمار، فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما اسمك؟ قال يزيد بن أخرج الله عز وجل من نسل جدي ستين حماراً، كلهم لم يركبهم إلا نبي. قد كنت أتوقعك أن تركبني، لم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الأنبياء غيرك. قد كنت من قبلك لرجل يهودي، وكنت أتعثر به عمداً، وكان يجيع بطني، ويضرب ظهري. قال: فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

فأنت يعفور. يا يعفورقال: لبيك. قال: أتشتهي الإناث؟ قال: لا. قال: فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يركبه في حاجته، وإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرجل، فيأتي الباب فيقرعه بنفسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ أن أجب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان فتردى فيها جزعاً على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكانت قبره. وكانت القصواء من نعم بني الحريش، ابتاعها أبو بكر - وأخرى معها - بثمان مئة درهم، فأخذها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منه بأربع مئة، فكانت عنده حتى نفقت، وهي التي هاجر عليها. وكانت حين قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة رباعية، وكان اسمها القصواء والجدعاء والعضباء. وعن موسى بن جبير قال: كانت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقائح تكون بذي الجدر ولقائح تكون بالحماء، وكان كرز ابن جابر أغار عليها من الحمى، وكر يومئذ ثلاث لقائح مع سرح المدينة: لقحة من اللقائح التي بذي الجدر تدعى مهرة ولقحة تدعى الشقراء ولقحة تدعى الريا. وكانت مهرة أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل وكانت غزيرة، وكانت الشقراء أو الريا ابتاعهما بسوق النبط من المدينة من بني عامر. وكن يحتلبن ويسرح إليه بألبانها كل ليلة، فيشربها أهله وأضيافه. فلما كانت اللقاح بذي الجدر التي أغار عليها العرنيون سبع لقاح، فيها غلام لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقال له يسار الذي أصابه في بني عبد بن ثعلبة فأعتقه، وهو نوبي فقتلوه يومئذ. وقيل كانت لقائح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي أغار عليها القوم بالغابة التي بلغت عشرين لقحة. وكانت التي يعيش بها آل محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يراح إليهم كل ليلة بقريتين عظيمتين

من لبن، وكان فيها لقاح غزر: الحقاء والسمراء، والعريس، والسعدية والبغوم واليسيرة. وعن أم سلمة قالت: كانت عيشتنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللبن، أو أكثر عيشتنا لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقاح بالغابة. فكان قد فرقها على نسائه. فكانت لي لقحة - تحلب - غزيرة يقال لها العريس، فكنا منها فيما نشاء من اللبن، وكانت لعائشة لقحة تدعى السمراء، ولم تكن كلقحتي فكانتا تحلبان، فتوجد لقحتي أغزر منها بمثل لبنها وثلاثة. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبث الليالي المتتابعة طاوياً لا يجدون العشاء، وكان عامة خبزهم خبز الشعير. وعن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ كسرة من خبز من شعير فوضع عليها تمرة وقال: هذه إدام هذه، وأكلها. وعن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام قال: أمر أبي بحريرة فصنعت، ثم أمرني فأتيت بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ماهذا يا جابر. ألحم ذا؟ قال: فقلت: لا يا رسول الله، ولكن أبي أمر بحريرة، وأمرني أن آتيك بها فأخذها. ثم أتيت أبي فقال: هل رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قلت: نعم. قال: ما قال؟ قال: ألحم ذا يا جابر؟ فقلت: لا يا رسول الله، ولكن أبي أمر بحريرة فصنعت، وأمرني فأتيتك بها. فقال لي: عسى أن يكون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشتهى اللحم، فقام إلى داجن له، فأمر بها فذبحت، ثم أمر بها فشويت، ثم أمرني فحملتها إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأتيته وهو في مجلسه فقال لي: ما هذا يا جابر؟ فقلت: أتيت أبي فقال لي: هل رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقلت: نعم. فقال: هل قال لك شيئاً؟ قلت: نعم. قال: ماهذا يا جابر. ألحم هذا؟ فقال أبي: عسى أن يكون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد اشتهى اللحم، فقام إلى داجن فأمر بها فذبحت ثم أمر بها فشويت ثم أمرني

فأتيتك بها فقال: جزاكم الله معشر الأنصار خيراً، ولا سيما آل عمرو بن حزام وسعد بن عبادة. وعن أبي الدرداء قال: ما دعي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى لحم إلا أجاب، ولا أهدي إلا قبله. وعن سليمان بن يسار أنه دخل على أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحدثته أنها قدمت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جنباً مشوياً، فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ وعن أنس أن خياطاً دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقرب إليه خبز من شعير ومرق فيه دباء وقديد. قال أنس: فرأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتتبع الدباء من حول الصحيفة. فلم أزل أحب الدباء بعد. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خير الإدام اللحم وهو سيد الإدام. وعن عبد الله بن مسعود قال: كان أحب العراق إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذراع، ذراع الشاة، وكان قد سم فيها، وكان اليهود قد سموه. وعن عائشة قالت: ما كان الذراع أحب اللحم إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكنه كان لا يجد اللحم إلا قليلاً، فإذا وجده تعجل إليه، وكان الذراع أسرعها نضجاً. وعن زهدم الجرمي قال: دخلت على أبي بوجيء وهو يأكل دجاجة فقال: أدنه، فإني رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكله. و

عن سفينة قال: أكلت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحم حبارى. وعن عائشة أم المؤمنين أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأتيها وهوصائم فيقول: أصبح عنكم شيء تطعمونيه؟ فتقول: لا، ما أصبح عندنا شيء كذلك فيقول: إني صائم. ثم جاءها بعد ذلك فقالت: أهديت لنا هدية فخبأناها لك. قال: ما هي؟ قالت: حيس، قال: قد أصبحت صائماً فأكل. وعن سلمى قالت: دخل علي الحسن بن علي وعبيد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر فقالوا: اصنعي لنا طعاماً مما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب أكله. قالت للحسن: إنك يا بني لا تشتهيه اليوم فأط.... تسقيه، وجعلت منه خبزة، وجعلت أدمه الزيت ونثرت عليه ... فقربته إليهم فقالت: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب هذه، ويحسن أكلها. وعن أنس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعجبه الدباء، وهو القرع. وعن ابن عباس قال: دخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم فتح مكة على أم هانئ بنت أبي طالب، وكان جائعاً، فقال: هل عندك طعام آكله؟ فقالت: إن عندي لكسراً يابسة، وإني لأستحيي أن أقربها إليك، فقال: هلميها، فكسرها في ماء، وجاءته بملح فقال: ما من إدام؟ فقالت: ما عندي يا رسول الله إلا شيء من خلّ فقال: هلميه، فلما جاءت به صبه على طعامه، فأكل منه، ثم حمد الله عز وجل، ثم قال: نعم الإدام الخل، يا أم هانئ، لا يفقر بيت فيه خل. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سيد إدامكم الملح. و

عن سويد بن النعمان صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسويق فأكل، وأكلنا معه، ثم تمضمض، فقام فصلى المغرب، ولم يتوضأ. وعن ابني بسر السلميين قالا: دخل علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيتنا، فوضعنا تحته قطيفة لنا فجلس عليها، وأنزل عليه الوحي في بيتنا، وقدمنا إليه زبداً وتمراً، وكان يحب الزبد. وعن عبد الله بن بسر قال: جاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أبي فنزل عليه، فذكر طعاماً فأتاه به، وذكر سويقاً وشيئاً آخر، وأتاه بشراب، فناوله من على يمينه، وأتاه بتمر فجعل يأكل. فلما قام ليأكل أخذ بلجام دابته وقال: ادع لي يا رسول الله. قال: اللهم، بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم. وعن ابن عباس أن خالته أم حميد أهدت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمناً وأقطاً وضباً، فأكل السمن والأقط وترك الضب، فلم يأكل منها. فأكلت على مائدة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحب الحلواء والعسل وعن ليث بن أبي سليم قال: أول من خبص الخبيص عثمان بن عفان. قدمت عليه عير تحمل النقي والعسل فخلط بينهما، وعمل الخبيص وبعث به إلى بيت أم سلمة، فلم يصادف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما جاء وضعته بين يديه، فأكله واستطابه فقال: من بعث بهذه؟ قالت: عثمان بن عفان. فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم إن عثمان يترضاك فارض عنه.

وفي رواية أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى المربد فإذا عثمان بن عفان يقود ناقة تحمل دقيقاً وسمناً وعسلاً فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنخ فأناخ. ثم دعا ببرمة، فجعل فيها من السمن والعسل والدقيق، ثم أمر فوقد تحتها حتى أدرك أو قال: نضج، ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كلوا، فأكل منه. ثم قال: هذا شيء تدعوه فارس: الخبيص. عن عبد الله بن جعفر قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل القثاء بالرطب. وعن أنس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب الفاكهة إليه. وعن عائشة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعجبه البطيخ بالرطب. وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعجبه أن يفطر على الرطب ما دام الرطب، وعلى التمر إذا لم يكن رطب، ويختم بهن يجعلهن وتراً. ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً. وعن ابن عمر قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل جمار نخل. وعن ام أكيدر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل علي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه علي رضي الله عنه، وعلي ناقة من مرض ولنا دوال معلقة، فقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل منها وقام علي يأكل منها. فطفق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لعلي: مه، إنك ناقة حتى كف.

قالت وصنعت شعيراً وسلقاً فجئت به. فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي: من هذا أصب فهو أنفع لك. وعن ابن عباس قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل العنب خرطاً. وعن أبي هريرة قال: ما عاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طعاماً قط، إن اشتهاه أكله وإلا لم يعبه. وفي روايه: وإلا تركه. وعن عائشة أن النبي كان يستقى من بئر السقيا. وربما قال: يستعذب له الماء. وعن عائشة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعجبه الحلو البارد. وعنها قالت: كان أحب الشراب إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحلو البارد وعنها قالت: قال ثمامة بن حزن القشيري: لقيت عائشة فسألتها عن النبيذ، فحدثتني أن وفد عبد القيس سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن النبيذ فنهاهم أن يشربوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم. فدعت عائشة جارية حبشية فقالت: سل هذه، إنها كانت تنبذ لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: كنت أنبذ لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سقاء من الليل، وأوكيه وأعلقه، فإذا أصبح شرب منه.

وعن أنس قال: لقد سقيت بقدحي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللبن والماء والعسل والنبيذ. وعن ابن عباس عباس قال: كانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منائح، سبعة أعنز، ترعاهن أم أيمن. قال: وقال عبد الملك بن سليمان بن أبي المغيرة عن محمد بن عبد الله بن الحصين قال: كانت منائح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترعى بأحد، وتروح كل ليلة على بيته في البيت الذي يدور فيه، وسماهن إبراهيم بن عبد الله بن عنبسة بن غزوان. قال: كن سبع منائح: عجوة، وزمزم، وسقياء، وبركة ووروسة، وأطلال، وأطراف. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبس القلانس تحت العمائم، وبغير العمائم، ويلبس ويلبس العمائم بغير قلانس. وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبس القلانس اليمانية وهن البيض المضرية، ويلبس ذوات الآذان في الحرب. منها ما يكون من السيجان الأخضر، وكان ربما نزع قلنسوته، فجعلها سرة بين يديه. وهو يصلي. وكان من خلق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يسمي سلاحه ودوابه ومتاعه. وكان للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعة أسياف: المخذم والرسوب، أهداهما له زيد الخيل الطائي حين وفد عليه فسماه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بن الخير. وكان له أيضاً العضب، وذو الفقار صار إليه يوم بدر. كان للعاص بن منبه بن الحجاج، وكان لا يفارقه في الحرب، وكان قباع سيفه وقائمته وحلقته وذؤابته وبكراته ونعله من فضة. وكان له حلقتان في الحمائل في موضعها من الظهر. وكانت له أربعة أدراع: ذات الوشاح، والبتراء، وذات المراسي، والخرنق. وكانت له اربعة أفراس: المرتجز، وذو العقال، والسكب والسبحى، ويقال البحر. وكان يركب البحر. وكان كميتاً.

وكانت منطقته من أدم مبشور فيها ثلاث حلق من فضة، والإبزيم والحلق على صيغة الفلك المقرونة من فضة. وكان اسم رمحه المثري، وكانت له حربة قال لها العنزة، وكان يمشي بها ويدعم عليها، وكانت تحمل بين يديه في الأعياد فيركزها أمامه ويستتر بها. ويصلي إليها. وكان له محجن قدر ذراع يمشي به ويركب به، ويعلقه بين يده على بعيره، وكانت له مخصرة تسمى العرجون، وكان اسم قوسه الكتوم، واسم كنانته الكافور، ونبله المويصلة، وترسه الدلوق، ومغفره ذو السبوغ. واسم عمامته السحاب، واسم ردائه الفتح. واسم رايته العقاب، وكانت سوداء من صوف، وكانت ألويته بيضاء، وربما جعل فيها السواد، وربما كان من خمر نسائه. وكانت له بغلة شهباء يقال لها الدلدل، وكانت بيضاء أهداها له المقوس ملك الإسكندرية وهي التي قال لها في بعض الأماكن: اربضي دلدل فربضت. وكان علي يركبها بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال غير ابن عباس: وكان عثمان بن عفان يركبها. وركبها الحسن بن علي، ثم ركبها الحسين ومحمد بن علي بن الحنفية رضي الله عنهم حتى كبرت، وعميت ودخلت مبطحة لبني مذحج فرماها رجل بسهم فقتلها. وكانت له بغلة يقال لها الأيلية. وكانت مخدوفة، طويلة، كأنما تقوم على رماه، حسنة السير فأعجبته، وهي التي قال له علي فيها: إن كانت أعجبتك هذه البغلة فإنا نصنع لك مثلها قال: وكيف ذلك؟ قال: هذه أمها فرس عربية وأبوها حمار فلو أنزينا على فرس عربية حماراً لجاءت بمثل هذه البغلة. فقال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون. قال ابن عباس: فأبى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم تقدم إلينا - معاشر بني هاشم خاصة - ألا نزي الحمر على الخيل العراب. فمضت السنة من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامة ذلك. وكان له

حمار يدعىعفير، ويقال له اليعفور. وكان أخضر. وكان له ناقة تسمى العضباء ويقال القصواء. وكانت صهباء. وكانت له شاة يشرب لبنها يقال لها غيثة ويقال لها غوثة. وكان له قدحان اسم أحدهما الريان والآخر المضبب، وكان يسع كل واحد منها قدر مدّ فيه ثلاث ضبات حديد وحلقة يعلق بها. وكان له تور من حجارة يقال له المخضب والمخضد يتوضأ فيه. وكان له مخضب من شبه يكون فيه الحناء والكتم من حر كان يجده في رأسه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكانت له ربعة اسكندرانية أهداها المقوقس ملك مصر. وكانت له نعلان من السبت. وكانت مخصرة ذات قبالين وكانت صفراء. وكان له خفان ساذجان أهداهما له النجاشي ملك الحبشة، فكان ربما لبسهما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويمسح عليهما. وكان له سرير وقطيفة وقصعة وجارية اسمها روضة.

باب إعلام الله نبيه بتوفيه

باب إعلام الله نبيه بتوفيه عن ابن عباس قال: لما نزلت " إذا جاء نصر الله والفتح " قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نعيت إلى نفسي. فمات في تلك السنة. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فقال بعضهم: لك يدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟! فقال: إنه ممن قد علمتم. قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم. قال: وما رئيته دعاني يومئذ إلا يريهم مني. فقال: ما تقولن في " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس " حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئاً. فقال لي: يا ابن عباس، أكذلك تقول؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلمه الله له " إذا جاء نصر الله والفتح " فتح مكة. فذلك علامة أجلك " فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً " قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. والذي عاتب عمر في ذلك عبد الله بن عوف. بين ذلك شعبة بن الحجاج في حديثه. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم.

وعن أبي هريرة قال: لما نزلت " إذا جاء نصر الله والفتح " قال: علم وحد حده الله لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونعى إليه نفسه بأنه لا يبقى بعد فتح مكة إلا قليلاً. وعن علي قال: نعى الله لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه حين أنزل عليه " إذا جاء نصر الله والفتح " فكان الفتح من مهاجر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سنة ثمان. فلما طعن في سنة تسعة من مهاجره تتابع عليه القبائل تسعى، فلم يدري متى الأجل ليلاً أو نهاراً فعمل على قدر ذلك. فوسع السنن وشدد الفرائض وأظهر الرخص ونسخ كثيراً من الأحاديث فنسخت الرخصة الشدة والشدة في بعض الرخص، وغزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبوك، وفعل فعل مودع. وعن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية " وللآخرة خير من الأولى " قال لاعباس: لا يدع الله نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيكم إلا قليلاً لما هو خير له. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جلس على المنبر فقال: إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند فأختار ما عند، فبكى أبو بكر الصديق وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عبد خيره الله بين أن نؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا. فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر الصديق، لوكنت متخذاً خليلاً لأتخذت أبا بكر خليلاً؛ ولكن خلة الإسلام. لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر.

وعن أبي المعلى بمعناه. وفي آخره: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أحد أمن علي في صحبته ولا في ذات يده من ابن أبي قحافة. لو كنت متخذاً خليلاًلأتخذت ابن أبي قحافة، ولكن ود وإخاء إيمان، وإن صاحبكم خليل الرحمن، يعني نفسه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أبي مويهبة مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أهبني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المحرم مرجعه من حجته، وما أدري أما مضى الليل أكثر أو ما بقي عليه؟ فقلت: أين تريد بأبي وأمي؟ فقال: يا أبا مويهبة، انطلق، فإني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع. قال: فخرج وخرجت معه حتى إذا جاءه أستغفر لهم طويلاً، قائماً وقاعداً ثم قال: ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس. أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها. الآخرة شر من الأولى. يا أبا مويهبة، إني قد أعطيت خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخير بين الملك والجنة وبين لقاء ربي عز وجل والجنة، فقلت: بأبي أنت وأمي، خذ خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. فقال: ل والله يا أبا مويهبة، لقد أخترت لقاء ربي والجنة على ذلك. قال: ورجع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واشتكى بعد ذلك بأيام. وفي رواية: فما لبث بعد ذلك إلا سبعاً أو ثماني أيام حتى قبض. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء جبريل عليه السلام بمفاتيح خزائن الدنيا فقال: يا محمد، هذه مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة أحب لك أم لقاء ربك ثم الجنة؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لقاء ربي ثم الجنة، وكان مع جبريل ملك الموت فقبض نفسه، وأشخص رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصره إلى سقف البيت وهو يقول: مع الرفيق الأعلى. وقبض. وعن الحارث بن مرة الجهني قال: رأيت عنده رقاً مكتوباً عليه: بسم الله الرحمن الرحيم " نعى لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه قبل موته بشهر، ثم جمعنا بعد ذلك بخمس عشرة ليلة في بيت أمنا عائشة ونحن أربعون،

فنظر إلينا، فدمعت عيناه، وقد أرم القوم ونظروا إلى الأرض، ثم تشدد فقال: مرحباً بكم، وحياكم الله، أبشروا ببشرى الله عز وجل، فحمد الله وأثني عليه ثم قال: اتقوا الله فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب " ومن حيث لا يأمل ولا يرجو " ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره. قد جعل الله لكل شيءً قدراً " ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً " فأرضوا بقضاء الله، فإن الأمر أمره. وسلم وا لأمر الله، فإن القليل تبع للكثير. ألا فليسلم القليل الكثير " واتقوا الله وقولوا قولاً سديداً " إلى قوله " كان ظلوماً جهولاً " من الله لا مني. مرحباً بكم. وحياكم الله، رحمكم الله، وآواكم الله، حفظكم الله، نصركم الله، رفعكم الله، رفعكم الله هداكم الله، رزقكم الله، وفقكم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وألجئكم إلى الله، وأؤديكم إليه، وأؤدي إليكم عنه، إني لكم منه نذير مبين، وأستخلفه عليكم، فاتقوا الله، ولا تعلوا على الله في عباده وبلاده " والعاقبة للمتقين " وقال: أليس في جهنم مثوى للمتكبرين وإن هذا آخر ما أخلص بكم، وتخلصون بي. اسمع يا أبا بكر ما أقول لكم، ثم اعمل على ذلك، وانت تعلم أنه كذلك. إن دعائي آت بكم على كل ما أشتهي إلا ما رددت عنه من بأس ببنكم واختلا ف كلمتكم والمؤمنون شهود الله في الأرض، فالحسن ما حسنوا، والقبيح ما قبحوا. نظر امرؤ لنفسه عند اختلاف الأمة، وكف لسانه، واستبرأ قلبه ولزم الجماعة، وآثرها على الفرقة، ووركب السبيل، فسلكه ونكب السبل، وإن يد الله على الجماعة، الأمر أمرهم والقليل تبع للكثير، سل يا أبا بكر، فقال: يا رسول الله، دنا الأجل. فقال: قددنا الأجل، وتدلى، فقال: ليهنك يا نبي الله ما عند الله. فليت شعري عن منقلبنا. فقال: إلى الله وإلى سدرة المنهى ثم إلى جنة المأوى والعرش الأعلى والكأس الأوفى والرفيق، والحظ والعيش الهنيء.

فقال: يا نبي الله، من يلي غسلك؟ فقال: رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى. قال: ففيم نكفنك؟ فقال: في ثيابي هذه وفي حلة يمنية، وفي بياض مصر، قال: وكيف الصلاة عليك منا؟ وبكى فقال: مهلاً. غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيكم خيراً. إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة. فإن أول من يصلي عليّ الله عز وجل " هو الذي يصلي عليكم وملائكته " ثم يأذن الله للملائكة فأول من يدخل علي من خلق الله ويصلي علي جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنود كثيرة، ثم الملائكة بأجمعها. ثم أنتم، فادخلوا علي أفواجاً فصلوا علي أفواجاً زمرةً زمرة، وسلم وا تسليماً، ولا تؤذنوني بتزكية ولا صيحة ولا رنة وليبدأ زمركم الإمام وأهل بيتي الأدنى فالأدنى ثم زمر النساء ثم زمر الصبيان. قال: فمن يدخلك القبر؟ قال: زمر أهل بيتي الأدنى قالأدنى مع ملائكة كثير لا ترونهم، يروكم. قوموا فأدوا عني إلى من بعدي. فقلت: من حدثك بهذا؟ قال: عبد الله بن مسعود. وفي حديث آخر عن عائشة بمعناه قال: ولا تؤذوني بباكية ولا برنة ولا بصيحة، ومن كان غائباً من أصحابي فأبلغوه عني السلام، وأشهدكم أني قد سلمت على من دخل في الإسلام، ومن بايعني على ديني هذا منذ اليوم إلى يوم القيامة. وساق بقية الحديث. المؤمنون شهود الله في الأرض، فالحسن ما حسنوا، والقبيح ما قبحوا. نظر امرؤ لنفسه عند اختلاف الأمة، وكف لسانه، واستبرأ قلبه ولزم الجماعة، وآثرها على الفرقة، ووركب السبيل، فسلكه ونكب السبل، وإن يد الله على الجماعة، الأمر أمرهم والقليل تبع للكثير، سل يا أبا بكر، فقال: يا رسول الله، دنا الأجل. فقال: قددنا الأجل، وتدلى، فقال: ليهنك يا نبي الله ما عند الله. فليت شعري عن منقلبنا. فقال: إلى الله وإلى سدرة المنهى ثم إلى جنة المأوى والعرش الأعلى والكأس الأوفى والرفيق، والحظ والعيش الهنيء. فقال: يا نبي الله، من يلي غسلك؟ فقال: رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى. قال: ففيم نكفنك؟ فقال: في ثيابي هذه وفي حلة يمنية، وفي بياض مصر، قال: وكيف الصلاة عليك منا؟ وبكى فقال: مهلاً. غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيكم خيراً. إذا غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة. فإن أول من يصلي عليّ الله عز وجل " هو الذي يصلي عليكم وملائكته " ثم يأذن الله للملائكة فأول من يدخل علي من خلق الله ويصلي علي جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنود كثيرة، ثم الملائكة بأجمعها. ثم أنتم، فادخلوا علي أفواجاً فصلوا علي أفواجاً زمرةً زمرة، وسلم وا تسليماً، ولا تؤذنوني بتزكية ولا صيحة ولا رنة وليبدأ زمركم الإمام وأهل بيتي الأدنى فالأدنى ثم زمر النساء ثم زمر الصبيان. قال: فمن يدخلك القبر؟ قال: زمر أهل بيتي الأدنى قالأدنى مع ملائكة كثير لا ترونهم، يروكم. قوموا فأدوا عني إلى من بعدي. فقلت: من حدثك بهذا؟ قال: عبد الله بن مسعود. وفي حديث آخر عن عائشة بمعناه قال: ولا تؤذوني بباكية ولا برنة ولا بصيحة، ومن كان غائباً من أصحابي فأبلغوه عني السلام، وأشهدكم أني قد سلمت على من دخل في الإسلام، ومن بايعني على ديني هذا منذ اليوم إلى يوم القيامة. وساق بقية الحديث.

ذكر مرضه وتوفيه وتسمية اليوم الذي قبض فيه

ذكر مرضه وتوفيه وتسمية اليوم الذي قبض فيه عن عائشة قالت: رجع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من البقيع - وفي رواية: من جنازة من البقيع - فدخل فوجدني وأنا أحد صداعاً في رأسي وأنا أقول: وارسأاه. قال: بل أنا والله يا عائشة وارأساه. ثم قال: ومايضرك لومت قبلي فقمت عليك فكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك؟ قالت: والله لكأني بك لو فعلت ذلك قد رجعت إلى بيتي، فأعرست فيه ببعض نسائك. قالت فتبسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: وتتام به وجعه حتى استعز به، وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه فسأبهن أن يأذن له أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمشي بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن عباس ورجل آخر، تحط قدماه، عاصباً رأسه حتى جاء بيتي. قال عبيد الله: فحدثت هذا الحديث عبد الله بن عباس قال: تدري من الرجل الآخر؟ قال: قلت: لا. قال: علي. ثم غمي على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واشتد به وجعه ثم أفاق. قال: أهريقوا علي سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم. قالت: فأقعدناه في مخضب لحفصة بنت عمر، فصببنا عليه الماء حتى طفق يقول بيده: حسبكم حسبكم. قال: ثم خرج عاصباً رأسه، فجلس على المنبر، فكان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد، فأكثر الصلاة عليهم ثم قال: إن عبداً من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده الله فأختار ما عند الله. قال: ففهما أبو بكر فبكى، وعرف أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه يريد. قال: على رسلك يا أبا بكر. انظروا هذه الأبواب الشارعة في المسجد فسدوها إلا ما كان من بيت أبي بكر، فإني لا أعلم أحداً كان أفضل عندي في الصحبة منه. وروى ابن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وأبي بكر بن عبد الله أن الذي كان ابتدأ به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من وجعه الذي لزمه أن دخل على عائشة وهو يجد صداعاً، فوجدها تصدع وتقول: وارأساه فقال: بل أنا والله ياعائشة وارأساه،

فو الله لطار عني ما أجد وكدت أن استطار فسكنني بالمزاح على تجشم منه. فقال: وما ضرك يا عائشة لو مت قبلي، فأقوم عليك وأليك وأصلي عليك فقالت له: فما نجاني مما خشيت الحذر فقلت: أجل والله، لكأني بك لو قد فعلت قد أعرست ببعض نسائك في بيتي من آخر ذلك اليوم، فتبسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم تمادى به وجعه وهو في ذلك يدور على نسائه حتى استعز برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو في بيت ميمونة. قالت فلما زاد ما به أجمع رأي من في البيت على أن يلدوه، وتخوفو أن يكون به ذات الجنب ففعلوا، ثم فرج عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد لدوه فقال: من صنع هذا فهبنه واعتللن بالعباس، فاتخذ جميع من في البيت العباس سبباً، ولم يكن له في ذلك رأي فقالوا: يا رسول الله، عمك العباس أمر بذلك وتخوفنا أن يكون بك ذات الجنب، فقال: إنها من الشيطان، ولم يكن الله ليسلطه علي ولا يرميني بها. ولكن هذا عمل النساء لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي العباس، فإن يميني لا يناله، فلدوا كلهم ولدت ميمونة وكانت صائمة لقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم خرج رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الله إلى بيت عائشة - وكان يومها بين العباس وعلي، والفضل ممسك بظهره، ورجلاه تحطان الأرض، حتى دخل على عائشة. فلم يزل عندها مغلوباً لا يقدر على الخروج وغير مغلوب وهو يقدر على الخروج من بيتها إلى غيره. وعن عبد الله بن مسعود قال: كان أحب العراق إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذراع الشاة. وكنا نرى أنه سم في ذراع شاة. وكنا نرى أن اليهود سموه. عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخات على عائشة فقلنا: أخبرينا عن مرض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: اشتكى فكان ينفث نفث آكل الزبيب، وكان يدور على نسائه. فلما اشتد شكوه استأذنهن أن يكون في بيت عائشة، ويدرن عليه، فأذن له. فدخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بين نفسين أحدهما العباس ورجلاه تحطاه في الأرض. قال ابن عباس فما أخبرتك من الآخر؟ قال: لا. قال: هو علي عليه السلام. وعن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحديثني عن مرض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: بلى، ثقل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فقال: صلى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ما في المخطب. ففعلنا فأغتسل ثم ذهب لينوء فإغمي عليه ثم أفاق: فقال أصلى الناس فقلت: لا. هم ينتظرونك يا رسول الله. قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أبي بكر أن يصلي بالناس. وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً فقال: يا عمر صلي بالناس فقال: أنت أحق بذلك فصلى بهم أبو بكر بدل الإمام، ثم إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجد خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأوما إليه أن لا تتأخر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلي قائماً ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي قاعداً. فدخلت على ابن عباس فقلت: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: هات، فحدثته، فما أنكر منه شيئاً. غير أنه قال: سمت لك الرجل الذي كان مع العباس. قلت لا قال هو علي. وعن عائشة: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدأ مرضه الذي مات فيه في بيت ميمونة، فخرج عاصباً رأسه، فدخل بين رجلين تحط رجلاه الأرض، عن يمينه العباس بن عبد المطلب، وعن يساره رجل لا أبالي ألا أذكره - قال عبيد الله: أخبرني ابن عباس أن الذي علي يساره علي بن أبي طالب - قالت عائشة: قلما رأيته قلت: وارأساه، أنا والله أموت. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أما والله لوددت أنك تموتين فأكفنك وأصلي عليك. قالت: فغضبت من قوله وقلت: أما والله إذاً لتعرس ببعض نسائك فبل أن تمسي. ثم قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وارأساه، ألا أرسلي إلى ابن أبي قحافةو ابنه، فلا يطمع في الأمر طامع ثم قال: كلا يدفع الله ويدفع بالمؤمنين.

قال موسى بن يعقوب: أنه يعني بقوله: وابنه: عبد الرحمن. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ على نفسه بالمعوذات. فلما مرض وثقل كنت أقرأ بهما في يديه، وأمسح بها جسده، ألتمس بذلك بركة يديه، فدخلت عليه في مرضه أم البشير بن البراء بن معرور فقالت: يا رسول الله، ما وجدت مثل هذه الحمىالتي عليك على أحد، فقال: إنا يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر. ما يقول الناس؟ قالت: يقولون يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات الجنب. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما كان الله ليسلطها على رسوله، إنها همزة من الشيطان. ولكنها من الأكلة التي أكلت أنا وأبيك بخيبرمن الشاة. كان نصيبي منها عداد مرةٍ بعد مرة. فكان هذا أوان انقطع أبهري فمات رسول اللهم شهيداً. وعن أبي هريرة أن جبريل أتى النبي في مرضه الذي قبض فيه فقال: إن الله غز وجل يقرئك السلام ويقول: كيف تجدك؟ قال: أجدني وجعاً يا أمين الله. ثم جاءه من الغد فقال: يا محمد، إن الله يقرأك السلام ويقول: كيف تجدك قال: يا أمين الله. أجدني وجعاً، ثم جاءه يوم الثالث ومعه ملك الموت فقال: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام ويقول: كيف تجدك؟ فقال: أجدني يا أمين الله وجعاً. من هذا معك؟ قال: هذا ملك الموت، وهذا آخر عهدي بالدنيا وآخر عهدك بها، ولن آسى على هالك من ولد آدم من بعدك. ولن أهبط إلى الأرض إلى أحد بعدك أبداً. فوجد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سكرة الموت وعنده قدح فيه ماء. فكلما وجد سكرة أخذ من ذلك الماء فمس به وجهه ويقول: اللهم، أعني على سكرة الموت. وعن عائشة قالت: كان جبريل يأتي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وجعه كليوم وليلة، فيسلم عليه ويقول: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: كيف تجدك يامحمد؟ - وهو أعم بالذي تجد منك، ولكنه أراد أن يزيدك كرامة وشرفاً، وإن يتمم كرامتك وشرفك على الخلق وأن يكون سنة في أمتك - فيحدثه بقدر الذي يجدمن شدة أو رخاء. فإذا قال: أجدني شاكياً قال جبريل: يامحمد، إن الله لم يشدد عليك أن يكون من خلقه أحد هو أكرم عليه منك، ولكن أحب أن تدعوه وتضرع إليه ولا تكف عن ذلك حتى تلقاه للذي أعد لك في ذلك من الثواب والفضيلة علىالخلق. سلي إلى ابن أبي قحافةو ابنه، فلا يطمع في الأمر طامع ثم قال: كلا يدفع الله ويدفع بالمؤمنين. قال موسى بن يعقوب: أنه يعني بقوله: وابنه: عبد الرحمن. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ على نفسه بالمعوذات. فلما مرض وثقل كنت أقرأ بهما في يديه، وأمسح بها جسده، ألتمس بذلك بركة يديه، فدخلت عليه في مرضه أم البشير بن البراء بن معرور فقالت: يا رسول الله، ما وجدت مثل هذه الحمىالتي عليك على أحد، فقال: إنا يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر. ما يقول الناس؟ قالت: يقولون يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات الجنب. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما كان الله ليسلطها على رسوله، إنها همزة من الشيطان. ولكنها من الأكلة التي أكلت أنا وأبيك بخيبرمن الشاة. كان نصيبي منها عداد مرةٍ بعد مرة. فكان هذا أوان انقطع أبهري فمات رسول اللهم شهيداً. وعن أبي هريرة أن جبريل أتى النبي في مرضه الذي قبض فيه فقال: إن الله غز وجل يقرئك السلام ويقول: كيف تجدك؟ قال: أجدني وجعاً يا أمين الله. ثم جاءه من الغد فقال: يا محمد، إن الله يقرأك السلام ويقول: كيف تجدك قال: يا أمين الله. أجدني وجعاً، ثم جاءه يوم الثالث ومعه ملك الموت فقال: يا محمد، إن ربك يقرئك السلام ويقول: كيف تجدك؟ فقال: أجدني يا أمين الله وجعاً. من هذا معك؟ قال: هذا ملك الموت، وهذا آخر عهدي بالدنيا وآخر عهدك بها، ولن آسى على هالك من ولد آدم من بعدك. ولن أهبط إلى الأرض إلى أحد بعدك أبداً. فوجد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سكرة الموت وعنده قدح فيه ماء. فكلما وجد سكرة أخذ من ذلك الماء فمس به وجهه ويقول: اللهم، أعني على سكرة الموت. وعن عائشة قالت: كان جبريل يأتي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وجعه كليوم وليلة، فيسلم عليه ويقول: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: كيف تجدك يامحمد؟ - وهو أعم بالذي تجد منك، ولكنه أراد أن يزيدك كرامة وشرفاً، وإن يتمم كرامتك وشرفك على الخلق وأن يكون سنة في أمتك - فيحدثه بقدر الذي يجدمن شدة أو رخاء. فإذا قال: أجدني شاكياً قال جبريل: يامحمد، إن الله لم يشدد عليك أن يكون من خلقه أحد هو أكرم عليه منك، ولكن أحب أن تدعوه وتضرع إليه ولا تكف عن ذلك حتى تلقاه للذي أعد لك في ذلك من الثواب والفضيلة على

الخلق. وإذا قال: أجدني مريحاً قال: أحمد الله وأشكره. فإن ربك يحب أن يحمد ويشكر، ليزيدك إلى ما أعطاك. وعن عائشة قالت: إن مما أنعم الله علي به أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبض في بيتي ويومي وبين سحري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه عند الموت: دخل علي أخي عبد الرحمن وأنا مسند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى صدري وبيده سواك، فجعل ينظر إليه، وكنت أعلم أنه يعجبه السواك ويؤلفه فقلت آخذه لك؟ فأومأ برأسه أن نعم. فناولته إياه، فأدخله في فيه. فاشتد عليه فتناولته وقلت ألينه لك؟ فأومأ برأسه أن نعم فلينته له فأمره، وبين يديه ركوة - أو قالت علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده فيها ويمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات ثم نصب يده - وشار أين أبني حسين - بأصبعه يقول الرفيق الأعلى، الرفيق الأعلى حتى فبض ومالت يده. وعن عائشة قالت: قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورأسه بين ثديي ونحري فسمعته يقول: أف من كرب الموت. أف من غم الموت، ورأيته يدخل يده في الركوة وينضح على وجهه الماء. قال: قلت: يا نبي الله، تقول كذا وأنت نبي الله! فلم يزل يرددها حتى قبض. وعن عائشة قالت: حتى إذا كان اليوم الذي مات فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأو منه في أول النهار خفة، فتقرق عنه الرجال إلى منازلهم وحوائجهم مستشبرين، وأخلوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنساء. فبينا نحن على ذلك، لم نكن على مثل حالنا في الرجاء والهزج قبل ذلك، قال الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخرجن عني هذا الملك يستأذن علي، فخرج من في البيت غيري ورأسه في حجري، فجلس وتنحيت في ناحية البيت فناجى الملك طويلاً، ثم إنه دعاني فأعاد رأسه في حجري وقال للنسوة: ادخلن فقلت: ما هذا بحس جبريل. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجل يا عائشة. هذا

ملك الموت جاءني فقال: إن الله عز وجل أرسلني إليك وأمرني ألا أدخل عليك إلا بإذن، فإن لم تأذن لي أرجع، وإن أذنت لي دخلت، وأمر ألا اقبضك حتلى تأمرني، فمرني أمرك. فقلت أكفف عني حتى يأتني جبريل فهذه ساعة جبريل فخرج. فاستقبلنا بأمر لم يكن عندنا جواب ولا رأي فوجمنا وكأنما ضربنا بصاخة ما نحير إليه شيئأً، ولا يتكلم أحد من أهل البيت إعظاماً لذلك الأمرو هيبة ملأت أجوافنا. قالت عائشة: وجاء جبريل في ساعة فسلم، فعرفنا حسه، فخرج أهل البيت فدخل فقال: إن. الله عز وجل يقرأك عليك السلام يا محمد ويقول: كيف تجدك؟ وهو أعلم بالذي تجد منك. ولكنه أراد أن يزيدك كرامة وشرفاً، وأن يتم كرامتك وشرفك على الخلق، وأن تكون سنة في أمتك: فقال: أجدني وجعاً فقال: أبشر فإن الله أراد أن يبلغك ما أعد لك، قال: يا جبريل، إن ملك الموت ليستأذن علي وأخبره الخبر. فقال جبريل: يا محمد، إن ربك إليك مشتاق. أعلمك الذي يريد بك. لا والله ما استأذن ملك الموت على أحد قط ولااستأذن عليه أبداًإلا أن ربك متتم شرفك وهو إليك مشتاق. قال: فلا تبرح إذاً حتى يجيء، واذن للنساء فقال: ادني يا فاطمة، فأكبت عليه فناجاها، فرفعت رأسها وعيناها بأربع، وما تطيق الكلام، ثم قال: ادني مني رأسك، فأكبت عليه فناجاها، فرفعت رأسها وهي تضحك وما تطيق الكلام. فكان الذي رأينا منها عجباً، فسألناها بعد فقالت: أخبرني أنه قال: إني ميت اليوم فبكيت، ثم قال: إني دعوت الله أن يلحقك بي في أول أهلي وأن يجعلك معي، وادنت ابنيها منه فشمهما. وفي حديث آخر عن عائشة قالت: وخرج جبريل عليه السلام وقال: عليك السلام يا رسول الله. هذا آخر ما أنزل فيه إلى الأرض أبداً، طوي الوحي وطويت الدنيا، وما كانت لي في الأرض حاجة غيرك، ومالي قيها حاجة غيرك إلا حضورك ثم لزوم موقفي، ولا والذي بعث محمداً بالحق ما في البيت أحد يستطيع أن يحير إليه في ذلك كلمة ولا يبعث إلى أحد من رجاله أعظم ما يسمع من حديثه ووجدنا وإشفاقنا.

وعن محمد بن عمرو الواقدي قال: قالوا ولما كان قبل وفاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثلاثة أيام هبط إليه جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك إكراماًو تفضيلاً لك وخاصة لك، أسألك عما هو أعلم به منك: كيف تجدك؟ قال: أجدني يا جبريل مغموماً، وأجدني يا جبريل مكروباً، فلما كان الغد أتاه جبريل فقال: يا محمد إن الله أرسلني إليك إكراماً لك وتفضيلاً لك وخاصةً لك، أسألك عما هو أعلم به منك يقول: كيف تجدك فقال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أجدني يا جبريل مغموماً، وأجدني يا جبريل مكروباً، فلما كان اليوم الثالث هبط جبريل ومعه ملك الموت، فهبط معهما ملك يكون في الهواء يقال له اسماعيل على سبعين ألف ملك، ليس منهم ملك إلا على سبعين ألف ملك فسبقهم جبريل فقال: يا محمد، إن الله أرسلني إليك وخاصة إليك إكراماً لك وتفضيلاً لك وخاصة لك. أسألك عما هو أعلم به منك: فكيف تجدك؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أجدني يا جبريل مغموماً، وأجدني يا جبريل مكروباً. واستأذن ملك الموت على الباب فقال له جبريل: يا محمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، ما استأذن على آدمي قبلك ولا يستأذن على آدمي بعدك، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ائذن له فأذن له جبريل، فأقبل من حيث وقف بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا محمد، إن الله أرسلني إليك. وأمرني أن أطيعك فيما أمرتني، إن أمرتني بقبض نفسك قبضتها، وإن كرهت تركتها، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وتفعل ذلك يا ملك الموت؟ قال: نعم بذلك أمرت أن أطيعك فيما أمرتني فقال جبريل: يا محمد، إن الله قد اشتاق إلى لقائك فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يا ملك الموت امض لما أمرت به فقال جبريل: هذا آخر موطئي في الأرض، إنما كانت حاجتي في الدنيا، فلما توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجاءت التعزية - جاءت تسمع حسه، ولا ترى شخصه - فقالت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله. " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفاً من كل هالك. ودركاً من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، إنما المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله، فقال علي: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا، قال: هذا الخضر عليه السلام.

وفي حديث آخر: إنهم سمعوا التعزية مرتين فقال أبو بكر: هذا الخضرو اليسع، حضرا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن عائشة قالت: قمت إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أضع رأسه بين يدي، وأمسكت بصدره، وجعل يغمى عليه حتى يغلب، وجبهته ترشح عرقاً ما رأيته من إنسان قط، فجعلت أسلت ذلك العرق، وما وجدت رائحة شيء قط أطيب منه، فكنت أقول له إذا أفاق: بأبي وأمي ونفسي وأهلي ما تلقى جبهتك من الرشح فقال: يا عائشة، إن نفس المؤمن تخرج بالرشح والكافر تخرج من شدقه كنفس الحمار، فعند ذلك ارتبنا وبعثنا إلى أهلينا، فكان أول رجل جاءنا ولم يشهده، أخي، بعثته إلى أبي فمات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يجيئنا أحد، وإنما صدهم الله عنه لأنه ولاه جبريل وميكائيل صلى الله عليهما. قال أنس بن مالك: دخلت فاطمة بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد أغمي عليه فقالت: واكرباه لكربك يا أبتاه. قال: فرفع رأسه ونظر إليها وقال: يا بنية، لا كرب على أبيك بعد اليوم، لقد حضر من أبيك ما ليس الله بمؤخر عنه أحداً لموافاة يوم القيامة. قال: ثم أغمي عليه، فأتاه آت فقال: السلام عليك أأدخل؟ فقال من حول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت من المهاجرين أو من الأنصار فارجع فإن رسول الله عنك مشغول، فرفع رأسه فقال: من تطردون؟ تطردون داعي ربي عز وجل، ادخل يا ملك الموت. قال: وكان أمر ألا يدخل عليه إلا باذن فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أقبض روحك. قال: جئت تقبض روحي؟ ولم ألق حبيبي يا ملك الموت؟ انظرني حتى ألق حبيبي جبريل: قال: ذلك لك يا محمد. قال: وكان أمره بذلك. فخرج ملك الموت، فلقيه جبريل فقال: إين يا ملك الموت، قال: إنه سألني ألا أقبض روحه حتى يلقاك. قال: يا ملك الموت، أما ترى أبواب السماوات قد فتحت لجيئة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أما ترى أبواب الجنان قد فتحت لجيئة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أما ترى الملائكة قد نزلوا لجيئة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: فأقبلا جميعاً حتى دخلا عليه، فسلما فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا جبريل، ما بد من الموت؟ قال:

يا محمد " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت " قال: يا جبريل فمن لأمتي؟ قال: يا محمد " كل نفس ذائقة الموت وإنما نوفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " قال: فقبضه ملك الموت، وإن رأسه لفي حجر جبريل عليه السلام. فلما قبضه قالت فاطمة: واأبتاه، إلى جبريل ننعاه، من ربه أدناه، أهل السموات بالبشرى تلقاه، والرسل به تحظى وفي الجنان مأواه. ثم إنها قعدت فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم إنا لله وإنا إليه راجعون. انقطع الخبر من السماء، وما جبريل بنازل علينا أبداً أبداً. وروى أبو سعيد بن عبد الله عن أبيه قال: لما رأت الأنصار أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يزداد ثقلاً أطافوا بالمسجد، فدخل العباس إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعلمه بمكانهم وإشفاقهم، ثم دخل عليه الفضل فأعلمه بمثل ذلك ثم دخل عليه علي فأخبره بمثل ذلك فمد يده وقال: ها فتناوله فقال: ما يقولون؟ قالوا: يقولون: نخشى أن يموت، وتصايح نساؤهم لإجتماع رجالهم إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فثار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخرج متوكئاً على علي والفضل، والعباس أمامه، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معصوب الرأس يحط برجليه، حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر وثاب الناس إليه. فحمد الله واثنى عليه.: فأقبلا جميعاً حتى دخلا عليه، فسلما فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا جبريل، ما بد من الموت؟ قال: يا محمد " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت " قال: يا جبريل فمن لأمتي؟ قال: يا محمد " كل نفس ذائقة الموت وإنما نوفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " قال: فقبضه ملك الموت، وإن رأسه لفي حجر جبريل عليه السلام. فلما قبضه قالت فاطمة: واأبتاه، إلى جبريل ننعاه، من ربه أدناه، أهل السموات بالبشرى تلقاه، والرسل به تحظى وفي الجنان مأواه. ثم إنها قعدت فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم إنا لله وإنا إليه راجعون. انقطع الخبر من السماء، وما جبريل بنازل علينا أبداً أبداً. وروى أبو سعيد بن عبد الله عن أبيه قال: لما رأت الأنصار أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يزداد ثقلاً أطافوا بالمسجد، فدخل العباس إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعلمه بمكانهم وإشفاقهم، ثم دخل عليه الفضل فأعلمه بمثل ذلك ثم دخل عليه علي فأخبره بمثل ذلك فمد يده وقال: ها فتناوله فقال: ما يقولون؟ قالوا: يقولون: نخشى أن يموت، وتصايح نساؤهم لإجتماع رجالهم إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فثار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخرج متوكئاً على علي والفضل، والعباس أمامه، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معصوب الرأس يحط برجليه، حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر وثاب الناس إليه. فحمد الله واثنى عليه. وقال: أيها الناس بلغني أنكم تخافون علي الموت، كأنه استنكار منكم للموت، وما تنكرون من موت نبيكم ألم أنع إليكم؟ وينعى لكم أنفسكم؟ هل خلد نبي قبلي فيمن بعث إليه؟ فأخلد فيكم؟ ألا أني لاحق بربي وإنكم لاحقون به. وإني أوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً وأوصي المهاجرين فيما بينكم فإن الله تعالى يقول: " والعصر إن الأنسان لفي خسر " إلى آخرها - وإن الأمور تجري بأمر الله. فلا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله لا يعجل لعجله أحد. ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه " فهل عسيتم إن

توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " أوصيكم بالأنصار خيراً، فإنهم الذين تبوؤا الدار والإيمان؟ من قبلكم أن يحسنوا إليكم، ألم يشاطروكم الثمار؟ ألم يوسعوا عليكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسكم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. ألا ولا تستأثروا عليهم. ألا وإني فرط لكم وأنت لاحقون بي. ألا وإن موعدكم الحوض. حوض أعرض مما بين بصرى الشام وصنعاء اليمن يصب فيه ميزاب الكعبة ماء أشد بياضاً من اللبن وألين من الزبد، وأحلى من الشهد. من شرب منه لم يظمأ أبداً، حصباؤه اللؤلؤ، وبطحاؤه في مسك، من حرمه في الموقف غداً حرم الخير كله ألا فمن أحب أن يرده علي عداً فليكفف يده ولسانه إلا مما ينبغي. فقال العباس: يا بني الله أوص بقريش، فقال: إني إنما أوصي بهذا الأمر قريشاً، الناس تبع لقريش برهم لبرهم، وفاجرهم لفاجرهم، فاستوصوا آل قريش بالناس خيراً. يا أيها الناس، إن الذنوب تغير النعم، وتبدل القسم، فإذا بر الناس برهم أئمتهم، وإذا فجر الناس عقوهم. قال الله تعالى: " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون " وعن عائشة قالت: فتح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باباً بينه وبين الناس - أو كشف ستراً - فرأى أبو بكر والناس يصلون خلفه، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم، ورجا أن يخلفه فيهم بالذي رأى فيهم فقال: أيها الناس أيما أحد من أمتي أصيب من المؤمنين بمصيبة من بعدي فليتعز ببمصيبتي عن المصيبة التي تصيبه بعدي، فإن أحداً من أمتي لم يصب كمصيبته بي. وعن أنس بن مالك في حديث قال: فلما توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دفناه، قال: قال أنس: مرت بفاطمة. قال: فقالت: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التراب؟ وعن أنس قال: لما مرض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرضه الذي مات فيه أتاه بلال، فأذن بالصلاة فقال:

يا بلال قد بلغت فمن شاء فليصل ومن شاء فليدع. قال: يا رسول الله، فمن يصلي بالناس. قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فلما تقدم أبو بكر رفعت الستور عن رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنظرنا إليه كأنه صفيحة بيضاء عليه خميصة سوداء، فظن أبو بكر أنه يريد الخروج فتأخر، فأشار إليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن صل مكانك، فصلى أبو بكر، وما رأينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى مات من يومه. وفي حديث آخر عن أنس بن مالك قال: لما كان يوم الإثنين كشف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ستر الحجرة، فرأى أبا بكر وهو يصلي بالناس. قال: فنظرت إلى وجهه كأنه ورقة مصحف، وهو يبتسم فكدنا أن نفتتن في صلاتنا فرحاًبرؤية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فأراد أبو بكر أن ينكص، قال: فأشار إليه أن كما أنت، ثم أرخى الستر فقبض من يومه، فقام عمر فقال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يمت، ولكن ربه أرسل إله كما أرسل إلى موسى، فمكث عن قومه أربعين ليلة. والله أني لأرجو أن يعيش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى يقطع أيدي رجال من المنافقين وألسنتهم يزعمون - أو قال: يقولون - إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات. وعن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَفي مرضه: أدعوا إلي أخي قال: فدعي له علي فقال: أدن مني فدنوت منه، فاستند إلي فلم يزل يستند إلي، وإنه ليكلمني حتى إن بعض ريق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليصيبني، ثم نزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وثقل في حجري فصحت يا عباس، أدركني فإني هالك. فجاء العباس، فكان جهدهما جميعاً أن أضجعاه. وعن عائشة أنها سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مستند إلى صدرها يقول: اللهم أغفر لي، وارحمني وألحقني بالرفيق. وفي روايه: وألحقني بالرفيق الأعلى. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا مرض إنسان من أهله مسحه بيده اليمنى ثم يقول أذهب

الباس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً. قالت فلما ثقل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرضه الذي مات فيه أخذت يده، فجعلت أمسح بها وأقولها قال: فنزع يده مني وقال: رب أغفر لي وأحقني بالرفيق الأعلى. قالت: فكان هذا آخر ما سمعته من كلامه. وعن عائشة أن أبا بكر أقبل على فرس ومسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل وأكب عليه، فقبله وبكى. قال: بأبي أنت. والله لا يجمع الله عليك موتتين أبداً، أما الموتتة التي عليك فقد متها. وعن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس، وابى عمر أن يجلس فقال: اجلس، فأبى أن يجلس، فتشهد أبو بكر فمال الناس إليه وتركوا عمر فقال: أيها الناس، من كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات. ومن منكم ييعبد الله فإن الله حي لا يموت. غفر لي، وارحمني وألحقني بالرفيق. وفي روايه: وألحقني بالرفيق الأعلى. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا مرض إنسان من أهله مسحه بيده اليمنى ثم يقول أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً. قالت فلما ثقل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرضه الذي مات فيه أخذت يده، فجعلت أمسح بها وأقولها قال: فنزع يده مني وقال: رب أغفر لي وأحقني بالرفيق الأعلى. قالت: فكان هذا آخر ما سمعته من كلامه. وعن عائشة أن أبا بكر أقبل على فرس ومسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل وأكب عليه، فقبله وبكى. قال: بأبي أنت. والله لا يجمع الله عليك موتتين أبداً، أما الموتتة التي عليك فقد متها. وعن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس، وابى عمر أن يجلس فقال: اجلس، فأبى أن يجلس، فتشهد أبو بكر فمال الناس إليه وتركوا عمر فقال: أيها الناس، من كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات. ومن منكم ييعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال تعالى " وما محمد إلا رسول خد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاًو سيجزي الله الشاكرين: " قال: والله لكأن الناس لو يكونوا يعلمون أن الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم، فما سمع بشر إلا يتلوها، قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها عقرت، حتى ما تلتقي رجلاي، فأهويت إلى الأرض، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات. قال: وإن أبا بكر لما توفي دفن مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما حضر عمر بن الخطاب الموت أوصى قال: إذا أنا مت فأحملوني إلى بيت عائشة فقولوا لها: هذا عمر بن الخطاب يقرئك السلام ويقول: أدخل أم أخرج. قال: فسكتت ساعة ثم قالت: أدخلوه فدفنوه معه، أبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره. قالت: فلما دفن عمر أخذت الجلباب

فتجلببت. قال: فقيل لها مالك والجلباب؟! قالت: كان هذا زوجي وهذا أبي فلما دفن عمر تجلببت. وفي حديث عائشة فاقتحم الناس حيث ارتفعت الرنة وسجى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الملائكة بثوبه، وكذب بعض بموته، وأحرج بعض فما تكلم، وأقعد البعض وخلط آخرون فلاثوا الكلام بغير بيان، وبقي آخرون ومعهم عقولهم وأقعد آخرون، فكان عمر بن الخطاب ممن كذب بموته، وعلي ممن أقعد، وو عثمان فيمن أخرس. فخرج من في البيت على الناس ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسجىً فقالوا: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يمت. ويرجعه الله عز وجل وليقطعن أيدي وأرجل رجال من المنافقين يتمنون لرسول الله الموت، إنما واعده ربه عز وجل كما واعد موسى وهو آتيكم. وتوفي يوم الإثنين لثنتي عشرة من ربيع الأول، وأما علي فأقعد ولم يبرح الباب، وأما عثمان فجعل لا يكلم أحداً، يؤخذ بيده فيجاء به، ويذهب به. وفي موضع آخر: لم يكن أحد من المسلمين في مثل جلد أبي بكر والعباس قال الله عز وجل " " وعن سالم بن عبيد، وكان من أصحاب الصفة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما اشتد مرضه أغمي عليه. فلما أفاق قال: مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس، ثم أغمي عليه فقالت عائشة: إن أبي رجل أسيف، فلو أمرت غيره. قال: إنكن صواحبات يوسف، مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس. فأرسل إلى بلال يؤذن، وأرسل إلى أبي بكر يصلي بالناس. قال: ثم أفاق فقال: أقيمت الصلاة؟ قالوا: نعم. قال: ادعوا لي إنساناً أعتمد عليه، فجاءت بريرة وإنسان آخر فانطلقوا يمشون به وإن رجليه تحطان في الأرض قال: فاجلسوه إلى جنب أبي بكر، فذهب أبو بكر يتأخر فحبسه حتى فرغ الناس من الصلاة. فلما توفي قال: كانوا قوماً آمنين، لم يكن فيهم نبي قبله، فقال عمر: لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا. قال: فقالوا

لي اذهب إلى صاحب نبي الله فادعه، يعني أبا بكر. قال: فذهبت أمشي فوجدته في المسجد. قال: فأجهشت أبكي فقال: لعل نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توفي. قلت: إن عمر قال: لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا. قال: فأخذ بساعدي، ثم أقبل يمشي حتى دخل، فأوسعوا له، فأكب على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى كاد وجهه يمس وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنظر بنفسه يخبره حتى استبان له أنه توفي، فقال: " إنك ميت وإنهم ميتون " قالوا: يا صاحب رسول الله، توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم. قال: فعلموا أنه كما قال. قالوا: يا صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هل يصلى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم. قال: يجيء نفر منكم فيكبرون، ويدعون، ويذهبون، حتى يفرغ الناس. قال: فعلموا أنه كما قال. قالوا: يا صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هل يدفن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: نعم. قالوا أين يدفن؟ قال: حيث قبض الله روحه، فإنه لم يقبض إلا في موضع طيب. قال: فعرفوا أنه كما قال. ثم قال: عندكم صاحبكم، ثم خرج فاجتمع إليه المهاجرون، أو من اجتمع إليه منهم فقال: انطلقوا إلى أخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيباً. قال: فذهبوا حتى أتوا الأنصار. قال: فإنهم ليتآمرون إذ قال رجل من الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، وقال عمر: وأخذ بيد أبي بكر فقال: سيفان في غمد إذ لا يصطلحان ثم قال: من الذي له هذه الثلاثة " إذا هما في الغار إذ يقول لصاحبه " فمن صاحبه " لا تحزن إن الله معنا " مع من؟ قال: وبسط يد أبي بكر فضرب عليها، ثم قال الناس: بايعوا فبايع الناس أحسن بيعة. وفي حديث عكرمة توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الإثنين فحبس بقية يومه وليلته والغد، حتى دفن ليلة الثلاثاء. وقالوا إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يمت، ولكنه عرج بروحه كما عرج بروح موسى. والله لا يموت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم، فلم يزل عمر يتكلم حتى أزبد شدقاه مما توعد ويقول، فقام العباس فقال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات، وإنه لبشر وإنه يأسن كما يأسن البشر. أي قوم، فادفنوا صاحبكم فإنه أكرم على الله من أن يميته إماتتين،

أيميت أحدكم إماتة ويموته اثنتين؟! هو أكرم على الله من ذلك. أي أقوم، فادفنوا صاحبكم، فإن يك كما تقولون فليس يعذب على الله أن ينجث عنه التراب. إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والله ما مات حتى ترك السبيل مهجاً واضحاً، فأحل الحلال، وحرم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم، ما كان راعي غنم يتبع بها صاحبها روؤس الجبال، يخبط عليها بعصاه بمخبطها ويمدر حوضها بيده بأدأب ولا أنصب من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان فيكم. أي قوم، فادفنوا صاحبكم. قال: وجعلت أم أيمن تبكي فقيل لها: يا أم أيمن، تبكين على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: أي والله، ما أبكي على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا أكون أعلم أنه قد ذهب إلى ما هو خير له من الدنيا، ولكن أبكي على خبر السماء انقطع. قال أنس: لما كان اليوم الذي أحل فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة أضاء منها كل شيء. فلما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أظلم منها كل شيء. قال: وما نفضنا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.

تاريخ وفاته والخلاف في قدر حياته

تاريخ وفاته والخلاف في قدر حياته عن محمد بن قيس قال: توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الإثنين لليلتين مضتا من ربيع الأول، سنة إحدى عشرة. وقال الواقدي: وقالوا: بدئ برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر. وتوفي يوم الإثنين لأثنتي عشرة مضت من ربيع الأول. قال وهو للبث عندنا. ودفن ليلة الثلاثاء وقيل دفن ليلة الأربعاء. وعن الليث بن سعد قال: توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شهر ربيع الأول، في يوم الإثنين لليلة خلت منه. وقيل يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة. وعن الفضل بن دكين قال: توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الإثنين مستهل ربيع الأول، سنة إحدى عشرة من مقدمه المدينة. 0 وعن عائشة أنها قالت: ما علمنا يدفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الأربعاء. وعن أنس بن مالك قال: نبئ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن أربعين سنة، فمكث بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشراً وتوفي وهو ابن ستين سنة. ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.

وفي رواية عنه أيضاً بمثله ولا أنه قال: وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. قال: والمحفوظ عن ربيعة أنه مات وهو ابن ستين سنة. وعن أنس عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أعمار أمتي كعمري إلا الأقل. فقيل لأنس بن مالك: فكم كان عمره؟ قال: اثنين وستين. وعن مكحول قال: ولد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الإثنين، وأوحي إليه يوم الإثنين، وهاجر يوم الإثنين، وتوفي يوم الإثنين لثنتين وستين سنة ونصفاً. وقيل وأشهر. وكان له قبل أن يوحى إليه ثنتان وأربعون سنة، واستخفى عشر سنين وهو يوحى إليه، ثم هاجر إلى المدينة، فمكث يقاتل عشر سنين ونصف. وكان يوحى إليه عشرين سنة ونصفاً ثم توفي. قال الهيثم: وتوفي فمكث ثلاثة أيام لا يدفن، فدخل الناس عليه رسلاً رسلاً يصلون عليه، والنساء مثل ذلك، وطهره أبنا عمه الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب. وكان يناولهم عباس الماء. وكفن في ثلاث رياط بيض يمانية. فلما كفن وطهر دخل الناس عليه في تلك الأيام الثلاثة يصلون عليه عصباً عصباً. تدخل العصبة فتصلي وتسلم. وقال الهيثم: يصلون عليه عصبا عصبا لا يصفون، فلا يصلي بين أيديهم مصل، حتى فرغ من يريد ذلك ثم دفن، فأنزله في القبر عباس وعلي والفضل. وقال عند ذلك رجل من الأنصار: أشركونا في موت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه قد أشركنا في حياته. فنزل معهم في القبر وولي ذلك معهم. وعن ابن عباس قال: بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن أربعين سنة، فدعا الناس إلى الإسلام، ولم يؤذن له في القتال ثلاث عشرة سنة. وكانت الهجرة عشر سنين، وقبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن ثلاث وستين. وفي رواية أخرى عنه قال: أنزل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، فمكث بمكة عشراً، وبالمدينة

عشراً وقبض وهو ابن ثلاث وستين. وعن معاوية قال: بلغ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثاً وستين، وأبو بكر ثلاثاً وستين، وعمر ثلاثاً وستين، وأنا ثلاثاً وستين. وعن عائشة قالت: تذاكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر ميلادهما عندي، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكبر من أبي بكر. وتوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وتوفي أبو بكر بعده وهو ابن ثلاثة وستين. لسنتين ونصف التي عاش بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن الشعبي قال: قرن إسرافيل برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاث سنين، يسمع الصوت ولا يرى أحداً، ثم قرن ببه جبريل عشرين سنة، وذلك حين أوحي إليه، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشراً فقبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن ثلاث وستين. قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: الثبت عندنا ثلاث وستون سنة. وعن الحسن قال: بعث وهو ابن خمس وأربعين، فأقام بمكة عشراً وبالمدينة ثماني. وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. وقيل: إنه بلغ خمساً وستين سنة. عن عمار مولى بني هاشم قال: سألت ابن عباس: كم أتى لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم مات؟ قال: ما كنت أرى مثلك في قوم يخفى عليك ذلك! قال: قلت: إني قد سألت فاختلف علي فأحببت أن أعلم قولك فيه. قال: أتحسب؟ قلت نعم. قال: امسك أربعين بعث لها، وخمسة عشرة أقام بمكة يأمن ويخاف، وعشراً مهاجره بالمدينة.

وعن ابن عباس أن رسول الله أقام بمكة خمس عشرة سنة: ثماني سنين أو سبع يرى الضوء ويسمع الصوت وثماني سنين أو سبع يوحى إليه. وأقام بالمدينة عشراً. وعن سعيد بن جبير أن رجلاً أتى ابن عباس فقال: أنزل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشراً بمكة، وعشراً بالمدينةز فقال: من يقول ذلك؟ لقد أنزل عليه بمكة عشراً وخمساً. وستين وأكثر. مكة يأمن ويخاف، وعشراً مهاجره بالمدينة. وعن ابن عباس أن رسول الله أقام بمكة خمس عشرة سنة: ثماني سنين أو سبع يرى الضوء ويسمع الصوت وثماني سنين أو سبع يوحى إليه. وأقام بالمدينة عشراً. وعن سعيد بن جبير أن رجلاً أتى ابن عباس فقال: أنزل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشراً بمكة، وعشراً بالمدينةز فقال: من يقول ذلك؟ لقد أنزل عليه بمكة عشراً وخمساً. وستين وأكثر.

ذكر من حضر غسله ومن غسله وما كفن فيه وصفة قبره

ذكر من حضر غسله ومن غسله وما كفن فيه وصفة قبره وعن ابن عباس قال: لما أجتمع القوم لغسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وليس في البيت إلا أهله: عمه العباس بن عبد المطلب، وعلي ابن عمه أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وأسامة بن زيد بن حارثة، وصالح مولاه. فلما اجتمعوا لغسله نادى من وراء الباب أوس بن خوري الأنصاري، ثم أحد بني عوف بن الخزرج، وكان بدرياً - علي بن أبي طالب فقال: يا علي ننشدك الله وحظنا من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فقال له علي: أدخل، فدخل فحضر غسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يل من غسله شيئاً. قال: فاسنده علي إلى صدره وعليه قميصه، وكان العباس والفضل وقثم يقلبونه مع علي، وكان أسامة بن زيد وصالح مولاه هما يصبان الماء. وجهل علي يغسله ولم ير من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيء مما يراه من الميت. وهو يقول: بأبي وأمي، ما أطيبك حياً وميتاً. حتى إذا فرغوا من غسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان يغسل بالماء والسدر جففوه، ثم صنع فيه ما يصنع بالميت، ثم أدرج في ثلاثة أثواب: ثوبين أبيضين وثوب حبرة. قال: ثم دعا العباس رجلين فقال: ليذهب أحدكم إلى أبي عبيدة بن الجراح، وكان أبو عبيدة يضرح لأهل مكة، وليذهب الآخر إلى أبي طلحة بن سهل الأنصاري، وكان أبو طلحة يلحد لأهل المدينة. قال: ثم قال العباس لهما: حين سرهما: اللهم خر لرسولك. قال: فذهبا فلم يجد صاحب أبي عبيدة أبا عبيدة، ووجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فلحد لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن ابن العباس قال: لما أخذنا في جهازه أمر أبي بالباب فغلق دون الناس، فنادت الأنصار: نحن أخوالك، ومكاننا من الإسلام مكاننا، وهو ابن أختنا، فنادت قريش نحن عصبته،

فصاح أبو بكر: يا معشر المسلمين، كل قوم أحق بجنازتهم من غيرهم، فانطلقوا إلى العباس، فكلموه وكلمته الأنصار، فأدخلوا أوس بن خولي فكان في ناحية البيت. قال ابن العباس: فبينا هم يختلفون في غسله، وقد أحضروا الماء من بئر غرس، وأحضروا سدراً وكافوراً أرسل الله عليهم النوم، فما منهم رجل إلا واضع لحيته على صدره، وقائل يقول ما يدرى من هو: اغسلوا نبيكم وعليه قميصه. فغسل في القميص، وغسل الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور، وغسله علي والفضل بن عباس،، وكان الفضل رجلاً أيداً، فكان يقلبه شقران مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان العباس بن عبد المطلب بالباب. لم يمنعني أن أحضر غسله إلا أني كنت أراه يستحيي أن أراه حاسراص. وفي رواية: وكات أوس بن خولي رجلاً شديداً بحمل جرة الماء بيده. وعن جابر بن عبد الله أن كعب الأحبار قدم زمن عمر فقال: ونحن جلوس عند عمر: يا أمير المؤمنين، ما كان آخر ما تكلم به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال عمر: سل علياً. قال: أين هو؟ قال: هو ها هنا، فسأله فقال علي: أسندته إلى صدري، فوضع رأسه على منكبي فقال: الصلاة الصلاة، فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء وبه أمروا وعليه يقضون. قال: فمن غسله يا أمير المؤمنين؟ قال: سل علياً: قال: فسأله فقال: كنت أنا أغسله، وكان عباس جالساً، وكان أسامة وشقران يختلفان إلي بالماء. وعن أبي غطفان قال: سالت ابن عباس: أرأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توفي ورأسه في حجر أحد؟ قال: توفي وهو إلى صدر علي. قالت: فإن عروة حدثني عن عائشة أنها قالت: توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين سحري ونحري. فقال ابن عباس: أيعقل! والله لتوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنه لمسند إلى صدر علي، وهو الذي غسله، وأخي الفضل بن عباس وأبي أبى أن يحضر، وقال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمرنا أن نستتر، فكان عند الستر.

قال علي عليه السلام: أوصى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا يغسله غيري، فإنه لا يرى عورتي إلا طمست عيناه. قال علي: فكان الفضل وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر، وهما معصوبان العين. قال علي: فما تناولت عضواً إلا كأنما يقليه معي ثلاثون رجلاً، حتى فرغت من غسله. وعن عائشة قالت: لما أدرادوا غسل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: والله ماندري كيف نغسله: أنجرده من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وثيابه عليه؟ فبينا هم كذلك ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أغسلوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليه ثيابه، فقاموا إلى النبي فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء من فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه. وعن عبد الله بن الحارث في حديثه قال: فغسله علي يدخل يده تحت القميص، والفضل يمد الثوب عليه، والأنصاري ينقل الماء، وعلى يد علي خرقة يدخل يده وعليه القميص. قال عبد الله بن قيس: فما كنا نريد رفع عضواً منه إلا رفع لنا، حتى أنتهينا إلى عورته، فسمعنا من جابني البيت صوتاً: لا تكشفوا عن عورة نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي حديث العلباء بن أحمر قال: كان علي والفضل والعباس يغسلان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنودي: علي، ارفع طرفك إلى السماء. وفي حديث ابن عباس فتنبهوا لقائل يقول: لا يدرون من هو: اغسلوا نبيكم وعليه قميصه فغسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قميصه. وعن محمد بن علي أبي جعفر قال: إن رسول الله غسل ثلاثا: بماء وسدر، وغسل من بئر يقال لها: بئر غرس، كانت

لسعد بن خثيمة، وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشرب منها. وولي غسل سفلته علي، والفضل محتضنه والعباس يصب الماء إن شاء الله أرحني قطعت وتيني إني لأجد شيئاً يتنزل. وكفن في ثلاثة أثواب، ثوبين صحاريين وبرد حبرة. وعن عمر بن الحكم قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نعم الئر بئر غرس، هي من عيون الجنة، وماؤها أطيب المياه. وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستعذب له منها، وغسل من بئر غرس. وعن ماها ن الحنفي عن ابن عباس قال: قلت كيف كان غسل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: ضرب عليه العباس كلة له من يمانيةصفاق، فصارت سنة هنا، وفي كثير من صالحي الناس، ثمن أذن لرجال من بني هاشم فقعدوا بين الحيطان والكلة، وسأله الأنصار أن يدخل لهم رجلاً، فأدخل أوس بن خولي ثم دخل العباس الكلة ودعا علياً والفضل وأبا سفيان وأسامة. فلما أجتمعوا في الكلة ألقي عليهم النعاس، وعلى من وراء الكلة في البيت حتى ما منهم أحد إلا وذقنه في صدره يغطّ، فناداهم مناد أن أنتبهوا وهو يقول: ألا لا تغسلوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه كان طاهراً. فقال العباس: ألا بلى. وقال أهل البيت؛ صدق فلا تغسلوه، فقال العباس: لا ندع سنة لصوت لا ندري ما هو، وغشيهم النعاس ثانية فناداهم مناد فانتبهوا وهو يقول: اغسلوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليه ثيابه. فقال أهل البيت: ألا، لا، فقال العباس: ألا نعم. وفدكان العباس حين دخل قعد متربعاً، وأقعد علي متربعاً فتواجها وأقعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حجرهما فنودوا أن أضجعوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ظهره. ثم أغسلوه، وأستروا، فبازوا عن الصفيح وأضجعاه، فغربا رجل الصفيح وشرقا رأسه، وثم أخذوا في غسله وما يريان أنه ينبغي لهما أن يأتيا على شيء إلا قلب لهما ورفع لهما، وعليه قميص ومجول مفتوح الشق، ولم يغسل

إلا بالماء القراح، وطيبوا بالكافور ثم اعتصر قميصه ومجوله، وحنطوا مساجده ومفاصله، ووضؤوا به ذراعيه ووجهه وكفيه ثم أدرجوا أكفانه على قميصه ومجوله وجمروه عوداً ونداً، ثم أحتملوه حتىوضعوه على سريره وسجوه. وعن علي في حديث آخر قال: وإن معنا لخفيف في البيت كالريح الرخاء ويصوت بنا: ارفعوا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنكم ستكفون. وعن علي رضي الله عنه قال: غسلت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئاً، وكان طيباً حياً وميتاً. ولي دفنه وإجنانه دون الناس أربع: علي بن أبي طالب، والعباس، والفضل بن العباس، وصالح مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وألحد لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحد ونصب عليه اللبن نصباً. وعن جابر قال: كفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في برد. قال جابر ذلك الثوب نمرة. وعن ابن عباس قال: كفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثوبين سحوليين. أبيضين وذاد في رواية وبرد أحمر. وفي رواية عنه قال: كفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه، وحلة حمراء نجراتية، وإزار. وعنه قال: كفن في حلة حمراء كان يلبسها وقميص. وعن علي قال: كفن في ثلاثة أثواب: ثوبيين سحوليين وبرد حبرة.

وعن أبي هريرة: كفن في ريطتين وبرد نجراني. وعن علي قال: كفن بسبعة أثواب. وعن ابن عمر قال: كفن في ثلاثة أثواب بيض سجي بها. وعن سالم عن أبيه أنه كفن في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين وبرد حبرة. وعن ابن عمر أنه كفن في ثلاثة أثواب. وعن جابر بن سمرة أنه كفن في ثلاثة أثواب: قميص وإزار ولفافة. على سريره وسجوه. وعن علي في حديث آخر قال: وإن معنا لخفيف في البيت كالريح الرخاء ويصوت بنا: ارفعوا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنكم ستكفون. وعن علي رضي الله عنه قال: غسلت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئاً، وكان طيباً حياً وميتاً. ولي دفنه وإجنانه دون الناس أربع: علي بن أبي طالب، والعباس، والفضل بن العباس، وصالح مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وألحد لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحد ونصب عليه اللبن نصباً. وعن جابر قال: كفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في برد. قال جابر ذلك الثوب نمرة. وعن ابن عباس قال: كفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثوبين سحوليين. أبيضين وذاد في رواية وبرد أحمر. وفي رواية عنه قال: كفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه، وحلة حمراء نجراتية، وإزار. وعنه قال: كفن في حلة حمراء كان يلبسها وقميص. وعن علي قال: كفن في ثلاثة أثواب: ثوبيين سحوليين وبرد حبرة. وعن أبي هريرة: كفن في ريطتين وبرد نجراني. وعن علي قال: كفن بسبعة أثواب. وعن ابن عمر قال: كفن في ثلاثة أثواب بيض سجي بها. وعن سالم عن أبيه أنه كفن في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين وبرد حبرة. وعن ابن عمر أنه كفن في ثلاثة أثواب. وعن جابر بن سمرة أنه كفن في ثلاثة أثواب: قميص وإزار ولفافة. وعن عائشة قالت: كفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثلاثة أثواب أحدهما برد أحمر. قال الحافظ: ذكر البرد في رواية عائشة وهم، وكل من ذكر البرد في روايته إنما شبه عليه، فإنه كفن فيه ثم نزع عنه، وذلك بين فيما روي عن عائشة قالت: أدرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بمنة كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه، وكفن في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، فرفع عبد اللله الحلة فقال: أكفن فيها، ثم قال: لم يكفن فيها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأكفن فيها؟ فتصدق بها. وقيل: كان لعبد الرحمن بن أبي بكر.

وفي رواية عن عائشة أنه كفن بثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب اليمن. وعن عائشة قالت: كفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ثلاث أثواب سحولية بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرج فها إدراجاً. وعنها أنه كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض كرسف - يعني: قطن - ليس في كفنه قميص ولا عمامة. وفي رواية عنها: فقيل: إنهم يزعمون أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفن في ثوب حبرة قالت: قد جاؤوا بثوب حبرة فلم يكفن فيه. وفي رواية عنها أنه كفن في ثلاثة رياط يمانية. وعن ابن إسحاق قال: رفعت على مجلس بني عبد المطلب وهم متوافرون فقلت لهم: في كم كفن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: في ثلاثة أثواب، ليس قيها قميص ولا قباء ولا عمامة فقلت: كم أسر منكم يوم بدر؟ قالوا: العباس ونوفل وعقيل. قال معاذ بن جبل: أوصى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصلاة حتى مضى. وذلك آخر ما حض عليه وتكلم به الصلاة وصية الله ووصية الرسول احفظوا وصية الله ووصية الرسول يحببكم الله ويحببكم إلى خلقه. قال: ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا جهزتموني فأمسكوا عني، فإن أول الخلق يصلي علي جبريل والملائكة بأسرها، ثم مسلم والجن والأنس، وصلوا علي أفواجاً، وليبدأ أفواجكم

العباس والإمام، ثم الأفواج على الولاء الأول فالأول فدخل العباس وبنوه وسائر بني هاشم وفيهم أبو بكر. فلما فرغ الرجال جاء النساء. فلما فرغن جاء الصبيان. فلم ير الناس بعد بصلاة النساء على الجنائز بأساً. وكان الآخرون من الأمور هو الناسخ الأول. وفي حديث عائشة: ثم سجوا عليه وادنوا الناس أرسالا وهو في البيت، فجعلوا يصلون عليه حوله على غير إمام، ثم يستغفرون ويصلون، ويسلم ون، ولا يعجلهم أحد، ويدخل قوم، ويخرج آخرون عامة يومه وليلته. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موضوعاً على سريره من حين زاغت الشمس يوم الثلاثاء، فصلى الناس عليه، وسريره على شفير قبره. فلما أرادوا أن يقبروه نحوا السرير قبل رجليه فأدخل من هناك. ودخل في حفرته العباس بن عبد المطلب، والفضل بن عباس، وقثم بن العباس، وعلي، وشقران. وعن ابن أبي عسيم قال: لما قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: كيف نصلي - يعني - عليه؟ قال: ادخلوا من هذا الباب أرسالاً أرسالاً، ثم صلوا عليه، وأخرجوا من الباب الآخر. فلما وضع في لحده قال المغيرة ببن شعبة: إنه بقي شيء من قدميه لم يصلح. قال: فادحل فاصلحه. قال: فدخل فمس قدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أهيلوا علي التراب فأهالوا عليه التراب، حتى بلغ أنصاف ساقيه ثم خرج فقال: أنا أحدثم عهداً برسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الله. وعن سعيد بن المسيب أن المسلمين لما أرادوا الصلاة على نبيهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجتمع رأيهم على أنه الإمام ولا إمام عليه. فدخل أبو بكر فكبر عليه أربعاً، ثم دخل عمر فكبر عليه أربعاً، ثم دخل عثمان فكبر عليه أربعاً، ثم دخل طلحة بن عبد الله والزبير بن العوام، ثم تتابع الناس أرسالاً، يكبرون عليه ولا إمام لهم عليه.

وقال ابن أبي حبيب: إن علي بن أبي طالب أشار عليهم بذلك فقبلوه من قوله. وفي حديث: فلما صلي عليه نادى عمر: خلوا الجنازة وأهلها. وفي حديث أبي حازم المدني أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قبضه الله دخل المهاجرون فوجاً فوجاًيصلون عليه ويخرجون، ثم دخل الأنصار على مثل ذلك، ثم دخل أهل المدينة، حتى إذا فرغت الرجال دخلت النساء، فكان منهن صوت وجزع كبعض ما يكون منهن، فسمعن هدة في البيت، ففرقن فسكتن فإذا قائل يقول: في الله عزاء عن كل هالك، وعوض من كل مصيبة، وخلف من كل ما فات، والمحبور من حبره الثواب، والمصاب من لم يحبره الثواب. قال موسى بن محمد بن ابراهيم بن الحارث التميمي، قال: وجدت هذا في صحيفة خط أبي فيها: لما كفن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووضع على سريره دخل أبو بكر وعمر فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار قدر ما يسع البيت، فسلم وا كما سلم أبو بكر وعمر، وصفوا صفوفاً لا يومئهم عليه أحد، فقال أبو بكر وعمر وهما في الصف الأول حيال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم إنا نشهد أن قد بلغ ما أنزل عليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه، وتمت كلماته، فأومن به وحده لا شريك له، فاجعلنا ياإلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى يعرفنا ونعرفه بنا فإن كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، لا نبغي بالإيمان بدلاً ولا نشتري به ثمناً أبداً فيقول الناس آمين آمين ثم يخرجون، ويدخل آخرون حتى صلوا عليه: الرجال ثم النساء ثم الصبيان. فلما فرغوا من الصلاة تكلموا في موضع قبره. وعن علي قال: لما وضع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على السرير قال علي: لا يقوم عليه أحد هو إمامكم حياً وميتاً، فكان يدخل الناس رسلاً رسلاً فيصلون عليه صفاً صفاً ليس لهم إمام، ويكبرون

وعلي قائم حيال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم أنا نشهد أن قد بلغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته، اللهم فأجعلنا ممن يتبع ما أنزل إليه وثبتنا بعده واجمع بيننا وبينه فيقول الناس: آمين، حتى صلوا عليه الرجال ثم النساء ثم الصبيان. وعن ابن عباس قال: كان الذين نزلوا في قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن العباس، وشقران مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد قال أوس بن خولي لعلي بن أبي طالب: يا علي أنشدك الله وحظنا من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: انزل فنزل مع القوم فكانوا خمسة. وقد كان شقران حين وضع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حفرته أخذ قطيفة قد كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبسها ويفترشها فدفنها معه في القبر. وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك، فدفنت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن ابن عباس: دخل قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي والفضل وأسامة، وقيل أنهم أدخلوا عبد الرحمن بن عوف. قال: فكأني أنظر إليهم في القبر أربعة. وقيل: هم العباس وعلي والفضل وعبد الرحمن. قال: وكان بعض الأخوال يدخل مع العمومة القبر. وقيل: هم العباس وعلي والفضل وقثم. وعن سعد أنه قال في مرضه: إذا أنا مت فألحدوا لي لحداً. وفي رواية: وانصبوا علي اللبن نصباً، قال: واصنعوا بي مثلما صنع برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن ابن عمر أنه لحد لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأبي بكر ولعمر. تميمي، قال: وجدت هذا في صحيفة خط أبي فيها: لما كفن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووضع على سريره دخل أبو بكر وعمر فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار قدر ما يسع البيت، فسلم وا كما سلم أبو بكر وعمر، وصفوا صفوفاً لا يومئهم عليه أحد، فقال أبو بكر وعمر وهما في الصف الأول حيال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم إنا نشهد أن قد بلغ ما أنزل عليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه، وتمت كلماته، فأومن به وحده لا شريك له، فاجعلنا ياإلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى يعرفنا ونعرفه بنا فإن كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، لا نبغي بالإيمان بدلاً ولا نشتري به ثمناً أبداً فيقول الناس آمين آمين ثم يخرجون، ويدخل آخرون حتى صلوا عليه: الرجال ثم النساء ثم الصبيان. فلما فرغوا من الصلاة تكلموا في موضع قبره. وعن علي قال: لما وضع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على السرير قال علي: لا يقوم عليه أحد هو إمامكم حياً وميتاً، فكان يدخل الناس رسلاً رسلاً فيصلون عليه صفاً صفاً ليس لهم إمام، ويكبرون وعلي قائم حيال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم أنا نشهد أن قد بلغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته، اللهم فأجعلنا ممن يتبع ما أنزل إليه وثبتنا بعده واجمع بيننا وبينه فيقول الناس: آمين، حتى صلوا عليه الرجال ثم النساء ثم الصبيان. وعن ابن عباس قال: كان الذين نزلوا في قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن العباس، وشقران مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد قال أوس بن خولي لعلي بن أبي طالب: يا علي أنشدك الله وحظنا من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: انزل فنزل مع القوم فكانوا خمسة. وقد كان شقران حين وضع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حفرته أخذ قطيفة قد كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبسها ويفترشها فدفنها معه في القبر. وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك، فدفنت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن ابن عباس: دخل قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي والفضل وأسامة، وقيل أنهم أدخلوا عبد الرحمن بن عوف. قال: فكأني أنظر إليهم في القبر أربعة. وقيل: هم العباس وعلي والفضل وعبد الرحمن. قال: وكان بعض الأخوال يدخل مع العمومة القبر. وقيل: هم العباس وعلي والفضل وقثم. وعن سعد أنه قال في مرضه: إذا أنا مت فألحدوا لي لحداً. وفي رواية: وانصبوا علي اللبن نصباً، قال: واصنعوا بي مثلما صنع برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن ابن عمر أنه لحد لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأبي بكر ولعمر. وعن أبي طلحة قال: اختلفوا في الشق واللحد للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال المهاجرون: شقوا كما يحفر أهل مكة.

وقالت الأنصار: ألحدوا كما نحفر بأرضنا، فلما أختلفوا في ذلك قالوا: اللهم خر لنبيك، وبعثوا إلى أبي عبيدة وإلى أبي طلحة فأيهما جاء قبل فليعمل عليه. قال: فجاء أبو طلحة فقال: والله إني لأرجو أن يكون الله قد خار لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إنه كان يرى اللحد فيعجبه. قال: وأختلفوا فقال قائل: بالبقيع فإنه كان يكثر الإستغفار لأهل البقيع وأصحابه، فادفنوه به، قال قائل: ادفنوه عند قبره، وقال قائل: ادفنوه في مصلاه، قال أبو بكر إن عندي فيما تختلفون فيه علماً: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ما مات نبي قط إلا دفن حيث يقبض، فخط حول الفراش ثم حول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالفراش في ناحية البيت. وحفر أبو طلحة القبر، فانتهى به إلى أصل الجدار إلى القبلة وجعل رأس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما يلي بابه الذي كان يخرج منه للصلاة. وعن الحسن قال: جعل في قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطيفة حمراء كان أصابها في يوم حنين. قال: جعلوها لأن المدينة أرض سبخة. وعن سليمان بن موسى قال: جعلوا في لحد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحته قطيفة بيضاء، كان يجعلها على رحله إذا سافر لتقيه سبخة المدينة، وبنوا عليه اللبن بنياناً كبناء القباب، حتى لحق البناء بجدار القبر. وعن الحسن قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: افرشوا لي قطيفتي في لحدي، فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء. قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى سمعنا صوت المساحي من جوف ليلة الأربعاء. وعن أم سلمة قالت: نحن نبكي على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيوتنا، لم ننم ولم نسكن لرؤيته على السرير، فسمعنا صوت الكرازين في ليلة الثلاثاء. قالت أم سلمة: فصحنا فصاح أهل المسجد،

فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذن بلال بالفجر، فلما بلغ ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكى فانتحب فزادنا حزناً، وعالج الناس الدخول إلى قبره. فغلق دونهم، فيا لها مصيبة. فما أصبت بعده بمصيبة إلا هانت علي إذا ذكرت مصيبتنا به عليه السلام. وعن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أماه أكشفي لي عن قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. فرأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقدماً. وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعمر رأسه عند رجل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أبو بكر رضي الله عنه، عمر بن الخطاب رضي الله عنه. 0 وعن وردان وكان بنى مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إمرة عمر بن عبد العزيز على المدينة. قال وردان: كان بيت عاشة سقط شقه الشرقي. قال: فدعيت فجئت إلى عمر بن عبد العزيز. قال وردان: فقلت له: إنا نخاف أن يغلبنا الناس على قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمرت بالعمد فأتيت بها، وثم أمرت بالصياصي فجعلت سرادفاً عليه. فكان ذلك السرادق أول سرادق رؤي بالمدينة فسترت عليه. فلما أصبحنا قال لي عمر: ادخل يا وردان فدخلت وحدي وأبناء المهاجرين والأنصار والعرب يتناولون ما أخرج من التراب، حتى وصلت الجدار الذي كان فيه قدم عمر بن الخطاب. فلما رأيتها قلت: أيها الأمير هذه قدم قد بدت لي فارتاع لها وارتاع من معه من قريش والأنصار والعرب فقال له سالم: أيها الأمير لم ترع، هذه قدم أبي وأبيك عمر بن الخطاب. سمعت ابن عمر يقول: كان رجل طوالاً فضاق عنه اللحد فحفروا لقدميه في الجدار. فقال: غيبها رحمك الله يا وردان. قال وردان: فبنيت طاماً على قدميه. وعن محمد بن قيس قال: انهد الهائط الذي على قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرأيت قبره مرتفعاً من الأرض، وقبر أبي بكر وعمر. فقبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقدم في القبلة. وقبر أبي بكر وراءه من قبل رأس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقبر عمر وراء قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قبل رجليه بحذاء قبر أبي بكر. كأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمام وهما خلفه.

وعن سفيان التمار قال: رأيت قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقبر أبي بكر وقبر عمر مسنمة. وعن مالك بن إسماعيل قال: - أظنه - مولى لآل الزبير قال: دخلت مع مصعب من الزبير البيت الذي فيه قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر فرأيت قبورهم مستطيلة. وعن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال: كان قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر مسنمة، عليها نقل. وقال القاسم بن محمد: اطلعت وأنا صغير على القبور فرأيت عليها حصباء حمراء. وعن موسى بن طلحة قال: كان قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقبور أهل أحد مسنمة. وقد كانوا يجمهرون، وكان الجمهور من الناس يسنمون، ثم الذين يلونهم الذين يجمهرون. وكان يربع آخرون. وهم قليل.

ذكر موضع قبره واختلافهم في أمره

ذكر موضع قبره واختلافهم في أمره عن عائشة قالت: لما قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إن الله يقبض نبيه في أحب الأمكنة إليه. فدفنوه حيث قبض. وروت عمرة بنت عبد الرحمن عن أمهات المؤمنين: أن أبا بكر يوم توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كيف نصنع بكفنه؟ فاجتمع رأيهم على أن كفنوه في ثلاثة أثواب سحول ليس فيها قميص ولا عمامة، أدرج فيهن إدراجاً بعضهن على بعض ثم قالوا: أين ندفنه؟ قال أبو بكر: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يقول: ما قبض الله نبياًإلا في خير الأرض فدفنه تحت فراشه ثم قالوا كيف نبني قبره نجعله مسجداً؟ قال أبو بكر: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لعن الله اليهود والنصارى أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قالوا: كيف نحفر له؟ قال أبو بكر: إن من أهل المدينة رجل يلحد، ومن أهل مكة رجل يشق، اللهم فأطلع علينا أحبهما إليك أن يعمل لنبيك فإطلع أبو طلحة، وكان يلحد، فأمروه أن يلحد لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم دفن. وكان صلاتهم عليه أن يدخل عليه، فيصلون عشرة لا يؤمهم عليه أحد، ثم نصبوا عليه اللبن، وكان فيمن نصب عليه اللبن المغيرة بن شعبة، فلما قيل: اصعدوا اصعدوا. قال المغيرة: إن خاتمي في قبره سقط مني فاقتحم في القبر فنظر إلى نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من دخل تركه بين البنيان. وكان يقول: أنا أحدثكم عهداً بنبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال عبد العزيز بن أبي وراد: إنهم قالوا ندفنه في بقيع الغرقد: قال: يوشك عواذ يعوذون بقبره من عبيدكم

وإمائكم فلا تعاذون. قال: فقال قائل: ادفنوه في مسجده. ففقالوا وكيف وقد لعن قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؟! قالوا: نحمله إلى حرم الله وأمنه ومولده ودار قومه. قال: كيف تفعلون ولم يعهد إليكم عهداً؟ فأشار عليهم أبو بكر بدفنه في موضع فراشه فقبلوا ذلك من رأيه. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: أن علي عليه السلام غسل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والعباس يصب الماء، والفضل بن عباس ينقل الماء، وأسامة وشقران يجيفان الباب. فلما فرغوا قال العباس - لحزنه على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا أدفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التراب. ولكن أعد له صندوقاً فأجعله في بيتي، فإذا كربني أمر نظرت إليه. فقال علي للعباس: يا عم مارأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدفن أولاده؟ قال: ثم تلا هذه الآية: " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " ثم تلا " ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً " فبينما هم كذلك إذ هتف بهم هاتف من ناحية البيت: السلام عليكم أهل البيت " كل نفس ذائقة الموت " و" إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " فقال علي للعباس: اصبر يا عم، فقد ترى ما وعد الله عز وجل على لسان نبيه. فقال العباس: يا علي فأين سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول يكون قبور الأنبياء؟ قال: في موضع فرشهم. قال: فكفنوه في قميصين أحدهما أرق من الآخر، وصلى عليه العباس وعلي صفاً واحداً. وكبر عليه العباس خمساً، ودفنوه. وعن عائشة قالت: رأيت في حجرتي ثلاثة أقمار، فأتيت أبا بكر فقال: ما أولتها؟ قلت: أولتها ولداً من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسكت أبو بكر حتى قبض النبي فأتاها. فقال: هذا خير أقمارك ذهب به، ثم كان أبو بكر وعمر. دفنوا جميعاً في بيتها

باب من زار قبره بعد وفاته كمن زار حضرته قبل وفاته

باب من زار قبره بعد وفاته كمن زار حضرته قبل وفاته عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من حج بعد وفاتي وزار قبري كان كمن زارني في حياتي. وعن حاطب قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي. ومن مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين. وعن أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جاءني زائرا لم تزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة. وعن علي بن أبي طالب قال: من سأل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدرجة الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة. ومن زار قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في جوار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من صلى علي عند قبري وكل الله بها ملكاً يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته. وكنت له شهيداً وشفيعاً. وفي رواية: يوم القيامة.

وعن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من صلى علي عند قبري سمعته. ومن صلى علي نائياً عنه أبلغته، وفي رواية: من بعيد، أبلغته. وعنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من رآني في المنام كان كمن رآني في حياتي. ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً أو قال: شفيعاً. وعن علي عليه السلام عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا تجعلوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي وسلم وا حيث ما كنتم، فإن صلاتكم وتسليمكم تبلغني حيثما كنتم. 0 وعن علي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن لله ملائكة يسبحون في الأرض يبلغوني صلاة من صلى علي من أمتي. وعن ابن عباس قال: ليس أحد من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي عليه صلاة إلا وهي تبلغه. يقول له الملك: فلان يصلي عليك كذا وكذا صلاة. وعن كعب الأحبار قال: ذكروا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند عائشة فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا هبط سبعون ألف ملك، يضربون القبر بأجنحتهم ويحفون به، ويستغفرون له، وأحسبه قال: ويصلون عليه حتى يسموا. فإن أمسوا عرجوا، وهبط سبعون ألف ملك، يضربون القبر بأجنحته ويحفون به، ويستغفرون له. قال: وأحسبه قال: ويصلون عليه حتى يصبحوا. فكذلك حتى تقوم الساعة، فإذا كان يوم القيامة خرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سبعين ألف ملك. وفي رواية: يزفونه.

وعن سليم بن سحيم قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النوم قلت: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هؤلاء الذين يأتونك فيسلم ون عليك، اتفقه سلامهم؟ قال: نعم، وأرد عليهم. وعن محمد بن حرب قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا آخر الرسل، أن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: " ولوأنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا لله واستغفر لهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لوجدوا الله تواباً رحيماً وإني جئتك مستغفراً ربك من ذنوبي، مستشفعاً فيها بك، ثم بكى وأنشأ يقول: من البسيط يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم استغفر وانصرف. فرقدت فرأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نومي وهو يقول: الحق الرجل فبشره بأن الله قد غفر له بشفاعتي. فاستيقظت فخرجت أطلبه، فلم أجده.

ذكر كيفية الصلاة عليه

ذكر كيفية الصلاة عليه عن ابن مسعود الأنصار يقال: أتانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى تمنينا أنه لم يسأله، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قولوا: اللهم صل على

محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين. إنك حميد مجيد. والسلام كما قد علمتم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أحب أن يكتال بالميكال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد وأمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: قلت: بلى. قال: فأهداها لي قال: سألنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلنا: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علمنا كيف نسلم؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد. وعن كعب بن عجرة قال: لما نزلت " إن لله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلم وا تسليما " فسألنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الصلاة عليه فقال: يعني: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إن: حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد قال: ونحن نقول: وعلينا معهم. وعن بريدة الأسلمي قال: قلنا: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أخبرنا كيف نصلي عليك0 فقد علمتنا كيف نسلم عليك. قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد كما جعلتها على إبراهيم. إنك حميد مجيد. وعن علي قال: من صلى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهؤلاء الكلمات فقد صلى عليه بصلاة جميع الخلائق. قال: يقول: صلوات الله وملائكته وأنبياءه ورسله وجميع خلقه على محمد وعلى آل محمد وعليه وعليهم السلام ورحمة الله وبركاته. قال: من صلى عليه بهن كل يوم ثلاث مرات، ويوم الجمعة مئة مرة حشر يوم القيامة زمرة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده حتى يدخله الجنة. وعن سلامة الكندي قال: كان علي يعلمنا الصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم داحي المدوحات وبارئ المسموكات، وجبار القلوب على فطراتها، شقيها وسعيدها، اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك، ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن للحق بالحق، والدامغ جيشات الأباطيل كما حمل، فاضطلع بأمرك لطاعته، مستوفزا في مرضاتك لغير نكل في قدم، ولا وهي في عزم، واعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضبا على نفاذ أمرك حتى أورى قبسا لقابس آلاء الله، يصل بأهله أسبابه به، فهديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات الإسلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة. اللهم أفسح له

مفسحا في علاك أو عدنك، أو أجزه مضاعفات الخير من فضلك له، مهنئات غير مكدرات، من فوز ثوابك المحلول، وجزيل عطائك المغلول، اللهم أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم مثواه لديك 0 ونزله، وأتم له نوره، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة، مرضي المقالة، ذا منطق عدل، وخطبة فصل، وبرهان عظيم. وعن عبد الله بن مسعود: إذا صليتم على رسول الله فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. فقالوا: علمنا. قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وولد الخير، ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاما محمودا، يغبطه به الأولون والآخرون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. د مجيد.

ذكر ما أعده الله من الثواب لمن صلى عليه

ذكر ما أعده الله من الثواب لمن صلى عليه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من صلى علي واحدة. صلى الله عليه عشراً. وعن أنس بن مالك أن رسول الله قال من ذكرت عنده فليصل علي مئة. من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً وعن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من صلي علي صلاة صلى الله عليه عشر صلوات. وحطت عنه عشر خيطات. ورفع له عشر درجات. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلوا علي، فإن الصلاة علي كفارة لكم، فمن صلى علي صلى الله عليه. وعن أنس بن مالك قال: دخلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما رأيت أسر وجها ولا أشرق لونا منك اليوم. قال: وما يمنعني وإنما خرج جبريل من عندي آنفاً؟ قال: يا محمد، من صلى عليك صلاة واحدة كتبت له بها عشر حسنات ورد عليه مثل ما صلى عليك. وعنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أتاني جبريل عليه السلام فقال: من صلى عليك صلاة واحدة صلى الله عليه عشراً ورفعه عشر درجات. و

عن أبي طلحة الأنصاري قال: دخلت على رسول الله. فعرفت البشر في وجهه فقلت له: يا أبي أنت وأمي يا رسول الله، ما رأيتك قط أحسن بشراً منك اليوم. قال: وما يمنعني وهذا الملك بعثه الله آنفاً إلي وأؤمأ بيده يقول لي يا محمد، أما يرضيك ألا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه أنا وملائكتي عشراً، ولا سلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت أنا وملائكتي عليه عشراً؟ وعن أبي طلحة قال: دخلت على النبي وأسارير وجهه تبرق فقلت: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما رأيتك أطيب نفساً ولا أظهر بشراً منك في يومنا هذا، فقال: ومالي لا تطيب نفسي ويظهر بشري وإنما فارقني جبريل الساعة وقال: يا محمد، من صلى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات، ومحى عنه عشر سييآت، ورفعه عشر درجات، وقال له الملك مثلما قال: لك. قال: يا جبريل، وما ذاك الملك؟ قال: إن الله عز وجل وكل بك ملكاً من لدن خلقك إلى أن يبعثك لا يصلي عليك أحد إلا قال: وأنت صلى الله عليك. وفي رواية: ورد الله عليه مثل قوله. وعرضت علي يوم القيامة. وعن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من صلى علي في كل يوم جمعة أربعين مرة محى الله عنه ذنوب أربعين سنة ومن صلى علي مرة واحدة فتقبلت منه محى الله عنه ذنوب ثمانين سنة. ومن قرأ " قل هو الله أحد " أربعين مرة حتى يختم السورة بنى الله منارا في جسر جهنم حتى يجاوز الجسر. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من صلى علي صلاة تعظيماً لحقي جعل الله له من تلك الكلمة ملكاً، جناح له في المشرق وجناح له في المغرب، ورجلاه في تخوم الأرض وعنقه ملوى تحت العرش يقول الله له: صل الله على عبدي كما صلى على نبيي فيصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيصلي عليه إلى يوم القيامة.

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: يا أيها الناس، إنا أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم علي في دار الدنيا صلاة، إنه قد كان في الله وملائكته كفاية. إن الله قال: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلم وا تسليما " خص بذلك المؤمنين ليثبتهم عليه. وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من صلى علي كنت شفيعه يوم القيامة. وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كتب عني علماً، وكتب معه صلاة علي لم يزل في أجر ما قرئ ذلك الكتاب. وعن علي بن أبي طالب عن أبي بكر أنه قال: الصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمحق للذنوب من الماء للنار، والسلام على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل من عتق الرقاب. والزكاة على النبي أفضل من مهج الأنفس في سبيل الله عز وجل، وحب رسول الله أفضل من ضرب البيد في سبيل الله عز وجل. وعن عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يفارق رسول الله منا خمسة أو أربعة من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما ينويه من الخروج بالليل والنهار. قال: فجئته وقد خرج، فاتبعته فدخل حائطاً من حيطان الأشراف، فصلى فسجد، فأطال السجود. قلت: قبض الله روحه. قال: فرفع رأسه فدعاني فقال: ما لك؟ فقلت: يا رسول الله، أطلت السجود، قلت: قبض الله روح رسوله، لا أراه أبداً. قال: سجدت شكراً لربي فيما أبلاني من أمتي: من صلى علي صلاة من أمتي كتب الله له عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيآت وفي حديث آخر بمعناه: من صلى علي منهم صلاة كتبت له بغير حساب.

وعن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج يوماً وفي وجهه السرور فقال: إن جبريل عليه السلام جاءني فقال: ألا أبشرك يا محمد بما أعطلك الله من أمتك وما أعطى أمتك منك: من صلى عليك منهم صلاة صلى الله عليه، ومن سلم عليك سلم الله عليه. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أولاكم بي يوم القيامة أكثركم علي صلاة وعن عامر بن ربيعة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من صلى علي صلاة صلى الله عليه وملائكته، فليكثر عبد أو ليقل. وعن ابن عباس قال: ليس أحد من أمة محمد يصلي علي صلاة إلا وهي تبلعه. يقول له الملك: فلان يصلي عليك كذا وكذا صلاة وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من صلى علي في كتاب لم تزل الصلاة جارية له مادام اسمي في ذلك الكتاب. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب. وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أكثروا من الصلاة علي فإنها لكم زكاة، وإذا سألتم الله فسلوه الوسيلة، فإنها أرفع درجة في الجنة، وهي لرجل، وأنا أرجو أن أكون. وعن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: قالوا: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما معنى قول الله عز وجل: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلم وا تسليما " فقال: إن هذا من المكتوم،

ولولا أنكم سألتموني ما أخبرتم، إن الله وكل بي ملكين، فلا أذكر عند عبد فيصلي علي إلا قال الملكان: غفر الله لك. وقال الله عز وجل؛ وملائكته جواباً للملكين: آمين. ولا أذكر عند عبد فلا يصلي علي إلا قال الملكان: لا غفر الله لك. وقال الله عز وجل وملائكته جواباً للملكين: آمين. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي يقول: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا علي. فإن من صلى - يعني: علي - صلاة من صلىالله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة. وعنه قال: من صلى على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة، فليقل من ذلك أو ليكثر. وعن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله أعطاني ملك من الملائكة يقوم على قبري إذا أنا مت، فلا يصلي علي عبد صلاة إلا قال: يا حمد، فلان بن فلان يصلي عليك، يسميه باسمه واسم أبيه، فيصلي الله عليه مكانها عشراً. وفي رواية أن الله عز وجل أعطى ملكاً من الملائكة أسماع الخلق، فهو قائم على قبري إلى يوم القيامة، لا يصلي علي أحد صلاة إلا سماه باسمه واسم أبيه. وقال: يا حمد، صلى عليك فلان بن فلان، وكفل لي الرب أن أرد عليه بكل صلاة عشراً. وفي رواية فيصلي الرب على ذلك الرجل بكل واحدة عشراً وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تجعلوني كقدح الراكب. قال: قيل: يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما قدح الراكب؟ قال: الراكب يملأ قدحه، فإذا أراد أن يشرب منه شرب، وإن أراد أن يتوضأ توضأ منه وإلا

أهراقه. اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه وآخره. وعن رويفع بن ثابت الأنصاري أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من صلى على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: اللهم، أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي. قال محمد بن المكرم: جامع هذا المختار هذا جدنا الذي ننتسب إليه رحمه الله. وعن مصعب بن عمير الأنصاري عن أبيه وكان بدرياً قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من صلى علي من أمتي صلاة مخلصاً من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، ومحى عنه بها عشر سييآت، وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أكثروا علي من الصلاة في كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاةً كان أقربهم مني منزلة. وعن أبي أمامة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من ذكرت عنده فلم يصل علي خطي به يوم القيامة من الجنة إلى النار. وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا يجلس قوم مجلساً لا يصلون فيه على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا كان حسرة، وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما من عبد صلى علي صلاة إلا عرج بها ملاك حتى يجئ بها وجه الرحمن فيقول: اذهبوا بها على قبر عبدي تستغفر لصاحبها وتقر بها عينه. وعن عائشة قال: زيينوا مجالكم بالصلاة على النبي.

وعن وهب بن منبهة قال: الصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبادة. وعن الأصمعي قال: سمعت المهدي على منبر البصرة يقول: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته فقال: " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلم وا تسليما أثرة أثره الله بها من بين الرسل، واختصكم بها من بين الأمم، فقابلوا نعمة الله بالشكر. وروى الواحدي بسنده عن سهل بن محمد بن سليمان قال: هذا التشريف الذي شرف الله تعالى به نبينا يقول: " إن الله وملائكته يصلون على النبي " أبلغ وأتم من تشريف آدم بأمر الملائكة بالسجود له، لأنه لا يجوز أن يكون لله تعالى مع الملائكة في ذلك التشريف، وقد أخبر تعالى عن نفسه بالصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم عم الملائكة بالصلاة عليه. فتشريف صدر عنه أبلغ من تشريف تختص به الملائكة من غير جواز أن يكون الله معهم في ذلك. هـ تعالى مع الملائكة في ذلك التشريف، وقد أخبر تعالى عن نفسه بالصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم عم الملائكة بالصلاة عليه. فتشريف صدر عنه أبلغ من تشريف تختص به الملائكة من غير جواز أن يكون الله معهم في ذلك. قال الواحدي: وهذا الذي قاله سهل منتزع من قول المهدي، ولعله رآه ونظر إليه فأخذه منه وشرحه وقابل ذلك بتشريف آدم فكان أبلغ وأتم منه. والله أعلم. /

من اسم أبيه على حرف الألف

من اسم أبيه على حرف الألف أحمد بن أحمد بن وركشين أحمد بن أحمد بن يزيد بن وركشين - ويقال بركشين بن يركزان، أبو حفص البلخي المؤدب المعروف بأخي الرز. سكن دمشق. روى عن الحسن بن عرفة بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر بين يديه النكاح والتزويج فقال: كل كفؤ، ما خلا حاكياً أو حجاماً. فقيل: يا رسول الله ما الحاكي؟ قال: المصور الذي يعمل الأصنام، فقيل: يا رسول الله، وما الحجام؟ قال: النمام وهو القتات. وروى عن حماد بن المؤمل بسنده عن ابن عباس قال: كانت امرأة من بني خطمة تهجو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتحرض على أصحابه، فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومضه فقال: ألا رجل يكفينا هذه؟ فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله أكفيك. فأتاها، وكانت المرأة تمارة وهي في صفةٍ لها فقال لها: أعندك أجود من هذا التمر؟ قالت: نعم، فدخلت إلى بيت لها وانكبت لتأخذ شيئاً فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير

أحمد بن أبي أحمد الجرجاني

أحداً. فأخذ الإخوان، فجعل يضرب به رأسها حتى قتلها، ثم جاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما رآه قال: أفلح الوجه قال: قد قضيت حاجتك يا رسول الله. قال: أما إنه لا ينتطح فيها عنزان. قال: فأرسلها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثلاً، ولم يتمثل بها أحد قبله. مولده سامره، وأصله بلخ. وكان يؤذن في مسجد جامع دمشق، مات في سنة إحدى وثلاثين وثلاث مئة. أحمد بن أبي أحمد الجرجاني أحمد بن أبي أحمد - واسم أبي أحمد: محمد - أبو محمد الجرجاني. سكن أطرابلس، وقدم دمشق وحدث بها. روى عن حماد بن خالد الخياط عن شيوخه عن حبيب بن مسلمة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم حنين: عربوا العربي وهجنوا الهجين، للفرس سهمان وللهجهين سهم. وروى عن إسماعيل بن علية عن شيوخه عن عثمان قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة. سكن حمص. وأحاديثه ليست بمستقيمة، كأنه يغلط فيها. أحمد بن أبّا أحمد بن أبا - ويقال محمد - أبو جعفر الكاتب. ولي خراج مصر للطولونية، ثم ولاه أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون إمرة دمشق، فقدمها، ونزل دار الإمارة بها، وكان أميرها سعد الأيسر غائباً عنها. وكان ابن أبا

أحمد بن إبراهيم بن حبيب البغدادي

حازماً ذا رأي، فلم يظهر ولايته خشية أن يحول سعد عن طاعة ابن طولون. فلما قدم سعد دمشق وخرج ابن أبا له عن القصر ثم أظهر ولايته. ذكر أبو الحسن بن القواس الوراق أن أحمد بن أبا وبدر الحمامي دخلا بلاد الروم مع العجيفي صاحب ابن طولون غزاة في رجب سنة ثمانين ومئتين حتى بلغوا بلقسون.؟ أحمد بن إبراهيم بن حبيب البغدادي أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن حبيب - ويقال: ابن إبراهيم بن حبيب - بن عيسى، أبو الحسن الهمذاني البغدادي الزراد. ورد دمشق حاجاً سنة عشرين وثلاث مئة. روى عن طاهر بن الفضل بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: بنو سامة مني وأنا منهم، وحيثما رأيتموهم ففضلوهم واعرفوا لهم حقهم.

أحمد بن إبراهيم بن الحداد الأسدي

قال الخطيب: أحمد بن إبراهيم بن حبيب بن عيسى أبو الحسن العطار، ويعرف بالزراد. كان يسكن باب المحول. ومات في سنة أربع وعشرين وثلاث مئة. وقيل في شعبان منها. أحمد بن إبراهيم بن الحداد الأسدي أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن عطية بن زياد بن مزيد بن بلال بن عبد الله البهي، مولى آل الزبير، أبو بكر بن الحداد الأسدي البغدادي. نزيل تنيس. سمع بدمشق وغيرها. روى أحمد بن إبراهيم بسنده عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من تمسك بالسنة دخل الجنة، قلت: يا رسول الله، وما السنة؟ قال: حب أبيك وصاحبه يعني: عمر. قال الخطيب: أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن عطية بن زياد بن مزيد بن بلال بن عبد الله الأسدي، وعبد الله يعرف بالبهي، وهو الذي يروي عن عائشة. وكنية أحمد بن إبراهيم أبو بكر، ويعرف بابن الحداد. ولد بتنيس، ونشأ ببغداد وأبوه بغدادي، ونزل أبو بكر تنيس وحدث بها وبمصر. ومزيد جده بالزاي والياء المعجمة باثنتين من تحتها. مات أحمد بن إبراهيم الحداد بتنيس سنة أربع وخمسين يعني وثلاث مئة في صفر. وكان مولده في ذي الحجة سنة سبعين ومئتين. أحمد بن إبراهيم بن أحمد الأصبهاني الشاهد أحمد بن إبراهيم بن أحمد، أبو الحسن الأصبهاني الشاهد. سمع بدمشق. روى عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن أبي ثابت العطار الدمشقي بسنده عن ابن عمر قال: قضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في العبد الآبق يؤخذ في الحرم بعشرة دراهم. أحمد بن إبراهيم الرازي المعروف بابن الحطاب أحمد بن إبراهيم بن أحمد، أبو العباس الرازي المعروف بابن الحطاب الفقيه الشافعي. قدم دمشق مع أبيه إبراهيم بن أحمد، وسمع بها.

أحمد بن إبراهيم بن أيوب أبو بكر الحوراني

روى بسنده عن عمر بن الخطاب قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. حدث محمد بن أحمد بن إبراهيم قال: كان والدي في سكرة الموت يقول لي: يا أبا عبد الله، ما لي في الدنيا حسرة غير أني مشيت في ركاب الشيوخ، وترددت إلى مجالسهم، وسافرت إلى أماكنهم بالحجاز واليمن والشام وديار مصر وغيرها. وها أنا أموت ولم يؤخذ عني كل ما سمعته على الوجه الذي أردته. قال: وكان أبي من الثقات خيراً كثير المعروف. ذكر أنه حج سنة أربع عشرة، وأنه دخل اليمن وسمع بها، وقرأ القرآن بمكة ودمشق وغيرهما وانتقل إلى الإسكندرية في قحط مصر. وتوفي بها سنة إحدى وتسعين. قال الحافظ: قرأت بخط غيث بن علي بن عبد السلام الصوري: سألت شيخنا أبا العباس أحمد بن إبراهيم الرازي عن مولده فذكر أن له نيفاً وستين سنة. قال: وكان سؤالي إياه في جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين باسكندرية. أحمد بن إبراهيم بن أيوب أبو بكر الحوراني روى عن عقبة بن مكرم بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الشهر تسع وعشرون، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا. أحمد بن إبراهيم بن تمام بن حبان أبو بكر السكسكي الفقيه المقرىء قاضي بعلبك. روى بسنده عن جابر بن عبد الله قال: أهدي إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جرة من عسلٍ. فلما صلى الظهر أو العصر قال لنا: على

أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد

أماكنكم، فألعق كل رجلٍ منا لعقةً. فلما أتى علي قال لي: يا جابر أزيدك؟ قلت: نعم، فألعقني أخرى، لصغري، قال: فما زال حتى أتى على آخر القوم. توفي يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء ضحى نهار لثلاث عشرة ليلة من جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، ودفن في باب الفراديس بعد علة طويلة. أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد ابن شاذان بن حرب بن مهران، أبو بكر البزاز، والد أبي علي بن شاذان سمع بدمشق وبجبيل وبعرقة وبصور وبحمص وبالعراق. روى عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك. قال علي بن المحسن القاضي: قال: سمعت أبا بكر بن شاذان يقول: ولدت لسبع عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ومئتين. وقال أحمد بن محمد العتيقي: سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة فيها توفي أبو بكر بن شاذان لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال، ثقةٌ، مأمون، فاضل، كثير الكتب، صاحب أصولٍ حسان. قال أبو بكر الخطيب: أصله من دورق، سمع جماعة كثيرة سماهم وكان يجهز البز إلى مصر فسمع من شيوخها، وكتب عن الشاميين الذين أدركهم، وكان ثقة ثبتاً صحيح السماع كثير الحديث. قال أبو ذر عبد بن أحمد الهروي: ما رأيت ببغداد في الثقة مثل القواس وبعده ابن شاذان، فقال له وراقه: ولا

أحمد بن إبراهيم بن سعد الخير

الدارقطني؟ فقال: الدارقطني إمام ليس يعد منهم، قال: وكان ابن شاذان أوثق أصحابه وأحسنهم خلقاً، وكان يجيئه أهل الأدب من أولاد الكتاب يريدون أن يترفعوا علينا فيقول لهم: لست قاعداً بالأجرة أنا قاعد في داري أعمل ما أريد، هؤلاء الغرباء الفقراء قصدوني ولهم علي حق. قال الزهري: سمعت ابن شاذان يقول: جاؤوني بجزء عن الباغندي فيه سماعي في سنة تسعٍ أو عشرٍ وثلاث مئة، ولم يكن لي منه نسخةٌ فلم أحدث به. قال القاضي أبو القاسم التنوخي: سئل ابن شاذان: أسمعت من محمد بن محمد الباغندي شيئاً؟ فقال: لا أعلم أني سمعت منه شيئاً، ثم وجد سماعه من الباغندي فسألوه أن يحدث به فلم يفعل. أحمد بن إبراهيم بن سعد الخير ابن عثمان بن يحيى بن مسلمة بن عبد الله بن قرط، أبو عمر الأزدي روى عن عمه بسنده عن أبي هريرة قال: ما كان أحدٌ منا يقول على عهد عمر بن الخطاب: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا سيل ظهره دماً أو يجيب على ما قال نبيه. قال الرازي: قدم جده عبد الله بن قرط على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما اسمك؟ قال: شيطان بن قرط، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنت عبد الله بن قرط. وكانوا من أهل حمص فانتقلوا إلى دمشق. وله عم يقال له الخطاب بن سعد الخير وأبوه، لم يرو عنه غير أبي عمر. مات في شعبان سنة ثلاثين وثلاث مئة.

أحمد بن إبراهيم بن عبد الله القرشي

أحمد بن إبراهيم بن عبد الله القرشي روى عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عليكم بالسواك فنعم الشيء السواك، يذهب بالحفر، وينزع البلغم، ويجلو البصر، ويشد اللثة، ويذهب بالبخر، ويصلح المعدة، ويزيد في درجات الجنة، ويحمد الملائكة، ويرضي الرب، ويسخط الشيطان. أحمد بن إبراهيم بن عبد الوهاب بن بشير ابن عبد الله بن الحسن بن يزيد بن عبد الله أبو الطيب المعروف بابن عبادل الشيباني روى عن محمد بن عبد الله بن الحكم بسنده عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن الله لا ينزع العلم من الناس انتزاعاً ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. عبادل هو عبد الوهاب بن بشير، أخو عبد الرحمن بن بشير الشيباني الذي روى عن محمد بن إسحاق كتاب المغازي. كانوا أهل بيت علم، وكان فيهم جماعة محدثين. ومات أحمد بن إبراهيم في رجب سنة ثلاثة وثلاثين وثلاث مئة. أحمد بن إبراهيم بن فيل أبو الحسن البالسي ثم الأنطاكي نزل أنطاكية. حدث بأنطاكية سنة أربع وثمانين ومئتين عن أبي توبة الربيع بن نافع بسنده عن أبي هريرة: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن تلقي الجلب. قال: فإن تلقاه متلقٍ فاشتراه فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا وردت السوق.

أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله

وروى عن إسحاق بن سعيد بن الأركون بسنده عن أنس بن مالك. أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعتق صفية وتزوجها وجعل عتقها صداقها. وروى عن أبي توبة الربيع بن نافع أيضاً بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل. وفيل: جده بفاء مكسوة وياء منقوطة باثنتين من تحتها. وتوفي أحمد بن إبراهيم بأنطاكية سنة أربع وثمانين ومئتين. أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله ابن بكار بن عبد الملك بن الوليد بن بسر بن أبي أرطاة أبو عبد الملك القرشي البسري حدث عن أبيه وجده وجماعة. وروى عنه أبو عبد الرحمن النسائي في سننه وقال: لابأس به. وجماعة أيضاً رووا عنه. وكان ثقة. حدث عن موسى بن أيوب النصيبي بسنده عن عائشة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن الله يحب الرفق في الأمر كله. وحدث عن محمد بن عايذ بسنده عن مجاهد قال: خرجت إلى الغزو، أنا ورجل معي، فشيعنا عبد الله بن عمر، فلما أراد فراقنا قال: إنه ليس معي ما أعطيكماه، ولكن سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إذا استودع الله شيئاً حفظه، وإني أستودع الله دينكما وأمانتكما وخواتيم أعمالكما. قال أبو عيسى الخولاني: أملى علينا أبو عبد الرحمن النسائي أسماء شيوخه الذين روى عنهم فقال: أحمد بن إبراهيم القرشي، دمشقي، لا بأس به.

أحمد بن إبراهيم بن محمد بن صالح

قال الهروي: في سنة تسع وثمانين ومئتين مات أبو عبد الملك القرشي. زاد غيره: يوم الخميس لسبع عشرة مضت من شوال. أحمد بن إبراهيم بن محمد بن صالح ابن سنان أبو جعفر بن أبي إسحاق القرشي مولى بني مخزوم حدث عن أبيه بسنده عن يحيى بن حمزة الحضرمي قاضي المهدي قال: كتب إلي المهدي بعهدي، وأمرني أن أصلب في الحكم وقال في كتابه إلي: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن عبد الله بن العباس قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً قدر على أن ينصره فلم يفعل. وحدث عن أبيه أيضاً بإسناده إلى عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص قال: قيل للحجاج بن يوسف حين أجلى النبط من الأمصار إلى أصولهم: ما دعاك إلى إجلائهم؟ فقال: حدثني ثلاثة عشر رجلاً من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ما ازدادت النبط في الإسلام عزاً إلا ازداد الإسلام ذلاً. فذلك الذي دعاني إلى إجلائهم. أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن علي بن بندار بن عباد بن أيمن، أبو الحسين بن أبي إسحاق الدينوري حدث عن عثمان بن أبي بكر بن حمود السفاقسي بدمشق بسنده عن قيس بن عباد أنه انطلق إلى علي هو ورجل آخر يقال له الأشتر، فقالا: هل عهد إليك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عهداً لم يعهده إلى الناس عامة؟ فأخرج كتاباً من قراب سيفه فقال: لا، إلا هذا، فإذا فيه: المؤمنون تكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ألا

أحمد بن إبراهيم بن موسى المصاحفي

ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده ومن أحدث حدثاً فعلى نفسه أولى، ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة أجمعين. لا يقبل منه صرف ولا عدل. توفي في يوم الاثنين الثالث عشر من شعبان سنة ثلاث وخمس مئة بدمشق. أحمد بن إبراهيم بن موسى المصاحفي سمع ببيروت. حدث عن عمرو بن هاشم البيروتي بسنده عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن لكل أمة يهوداً وإن يهود أمتي المرجئة. أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملاس ابن قسيم أبو عبد الله النميري، وقيل الغساني حدث عن زيد بن يحيى بن عبيد بسنده عن أبي هريرة قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا كان ثلث الليل الباقي هبط الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل يسألني فأعطيه، هل من مستغفر يستغفرني فأغفر له، هل من تائب يتوب فأتوب عليه؟. أحمد بن إبراهيم بن هشام بن يحيى ابن يحيى أبو حارثة الغساني سيد الشام. حدث عن أبيه عن جده عن أبي جده قال: كان عبد الملك كثيراً ما كان يجلس إلى أم الدرداء فوق المسجد بدمشق وهو خليفة

أحمد بن إبراهيم بن يوسف بن داود

يجلس إليها إذ أتاه غلام قد بعثه في حاجة فحبس عليه فلعنه فقالت له أم الدرداء: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا يدخل الجنة لعان. حارثة بحاء مهملة وبعد الراء ثاء معجمة بثلاث. أحمد بن إبراهيم بن يوسف بن داود ابن سليمان بن أيوب بن سعيد بن سعد بن عبادة بن دحيم أبو الحسن الخزرجي ويعرف بابن اللحياني حدث عن أبي بكر أحمد بن عبد الله بن أبي دجانة بسنده عن أبي هند البجلي - وكان من السلف - قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من المغرب. أحمد بن إبراهيم بن يونس بن محمد ابن يونس أبو الحسين المقدسي الخطيب روى بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كذب علي في رواية الحديث فليتبوأ مقعده من النار. توفي في يوم الخميس السابع عشر من ذي القعدة سنة سبع وتسعين وأربع مئة. وقيل مات يوم الأربعاء. وإنه ثقة.

أحمد بن إبراهيم أبو جعفر الحلواني

أحمد بن إبراهيم أبو جعفر الحلواني حدث عن أحمد بن البختري الواسطي بدمشق بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ولد لنوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فولد لسام العرب والروم وفارس، وكلٌّ فيه خير، وولد لحام القبط والبربر والحبشة، وكلٌّ فيه خير، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والخزر، وكلٌّ لا خير فيه. أحمد بن إبراهيم أبو العباس البغدادي المقرىء وراق خلف بن هشام. قرأ القرآن بدمشق على هشام بن عمار وبغيرها على خلف بن هشام البزار وحدث عنه وعن جماعة. حدث عن خلف بن هشام قال: سمعت خلفاً يقول: قدمت الكوفة فصرت إلى سليم بن عيسى فقال لي: ما أقدمك؟ قال: قلت: أقرأ على أبي بكر بن عياش بحرف عاصم. قال: فقال لي: لا يريد. قال: قلت: بلى. قال: فدعا ابنه وكتب معه رقعةً إلى أبي بكر بن عياش ولم أدر ما كتب فيها، قال: فأتينا منزل أبي بكر، فاستأذن عليه ابن سليم فدخل فأعطاه الرقعة، وكان لخلف سبع عشرة سنة. قال فلما قرأها قال: أدخل الرجل، قال: فدخلت، فسلمت عليه. قال فصعد في النظر ثم قال لي: أنت خلف؟ قال: قلت: نعم، أنا خلف، قال: أنت لم تخلف ببغداد أحداً أقرأ منك؟ قال: قلت: لا والله لا أقرأ على رجل يستصغر رجلاً من حملة القرآن. قال: ثم تركته، وخرجت. قال: فوجه إلى سليم يسأله أن يردني إليه قال: فلم أرجع. قال: فقدمت، واحتجبت فكتبت قراءة عاصم عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش وكان أحمد بن إبراهيم البغدادي ثقة. صنف كتاباً في عدد آي القرآن وذكر في قراء أهل مدينة السلام. قال: وكان أحد الحذاق

أحمد بن إبراهيم أبو سليمان الحراني

أحمد بن إبراهيم أبو سليمان الحراني قدم دمشق. حكى عنه كعب بن عمرو بن جعفر الخنجري، قال: سمعت أحمد بن إبراهيم الحراني يقول: نمت في بعض المساجد بدمشق فرأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لي: يا أبا سليمان، لم إذا استفتحت الصلاة لا تبتدىء ببسم الله الرحمن الرحيم؟ فإن بسم الله الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفاً تدع في كل استفتاحك مئة وتسعين حسنة. وإذا صليت علي في الكتاب لا تكتب وسلم تدع أربعين حسنة. قلت: كيف: ذلك يا رسول الله؟ قال: لأن وسلم أربعة أحرف، لكل حرف عشر حسنات فتلك أربعون حسنة. أحمد بن إبراهيم أبو بكر البيروتي المؤدب أنشد بمصر لإبراهيم الخواص: الطويل صبرت على بعض الأذى خوف كله ... ودافعت عن نفسي لنفسي فعزت وجرعتها المكروه حتى تدربت ... ولو جرعته جملة لاشمأزت ألا رب ذلٍ ساق للنفس عزةً ... ويا رب نفسٍ بالتعزز ذلت إذا ما مددت الكف ألتمس الغنى ... إلى غير من قال اسألوني فشلت سأصبر نفسي إن في الصبر عزةً ... وأرضى بدنياي وإن هي قلت أحمد بن إبراهيم أبو بكر الصوفي الشيخ الصالح حدث بدمشق روى عن أبي بكر بن أحمد بن خروف بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من سره أن يجد حلاوة الإيمان فليلبس الصوف

أحمد بن إبراهيم أبو العباس الحلبي الصفار

أحمد بن إبراهيم أبو العباس الحلبي الصفار روى عن القاضي أبي الحسين محمد بن جعفر بن أبي الزبير المنبجي بحلب بسنده عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أولكم وروداً على الحوض أولكم إسلاماً: علي بن أبي طالب رضي الله عنه. أحمد بن إبراهيم أبو بكر السميرمي وسميرم: مدينة من أعمال أصبهان. حدث في جامع ميافارقين في المحرم سنة سبع وأربع مئة بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم. أحمد بن الأزهر بن منيع بن سليط أبو الأزهر العبدي النيسابوري سمع بدمشق وغيرها عن جماعة أعيان. وروى عن مسلم والبخاري وغيرهم. حدث أبو الأزهر بسنده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قرأ الرحمن على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئاً، فقال

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: للجن كانوا أحسن جواباً منكم، لما قرأت عليهم " فبأي آلاء ربكما تكذبان " قالوا: ولا بشيء من آلائك نكذب ربنا. وحدث أبو الأزهر عن عبد الرزاق بسنده عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظر إلى علي فقال: أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة، من أحبك فقد أحبني، ومن أبغضك فقد أبغضني، وبغيضي بغيض الله، والويل لمن أبغضك بعدي. قال أبو الأزهر: كان عبد الرزاق يخرج إلى قرية له فذهبت خلفه فرآني وأنا أشتد خلفه فقال لي: يا أبا الأزهر، تعال، فاركب خلفي فحملني خلفه على البغل، ثم قال لي: ألا أخبرك حديثاً غريباً؟ قلت: بلى. فحدثني الحديث. فلما رجعت إلى بغداد أنكر علي يحيى بن معين وهؤلاء فحلفت ألا أحدث به حتى أتصدق بدرهم. قال أحمد بن يحيى بن زهير التستري: لما حدث أبو الأزهر النيسابوري بحديثه عن عبد الرزاق في الفضائل أخبر يحيى بن معين بذلك. فبينا هو عنده في جماعة أهل الحديث إذ قال يحيى بن معين: من هذا الكذاب النيسابوري الذي حدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر فقال: هو ذا أنا، فتبسم يحيى بن معين وقال: أما إنك لست بكذاب وتعجب من سلامته، وقال: الذنب لغيرك في هذا الحديث. قال الشرقي: وبعض هذا الحديث سمعته من أبي الأزهر. وأبو الأزهر هذا كتب الحديث فأكثر، ومن أكثر لابد أن يقع في حديثه الواحد والاثنان والعشرة فما ينكر.

وقال الشرقي: قيل لي وأنا أكتب الحديث في بلدي: لم لا ترحل إلى العراق؟ فقلت: وما أصنع بالعراق وعندنا من بنادرة الحديث ثلاثة: محمد بن يحيى الذهلي، وأبو الأزهر أحمد بن أبي الأزهر، وأحمد بن يوسف السلمي فاستغنينا بهم عن أهل العراق. قال ابن عدي: وأبو الأزهر هذا بصورة أهل الصدق عند الناس، وقد روى عنه الثقات من الناس. وأما هذا الحديث عن عبد الرزاق فعبد الرزاق من أهل الصدق وهو ينسب إلى التشيع، فلعله شبه عليه لأنه شيعي. سئل أبو حامد بن الشرقي عن حديث أبي الأزهر عن عبد الرزاق عن معمر في فضائل علي فقال أبو حامد: هذا حديث باطل. والسبب فيه أن معمراً كان له ابن أخ رافضي، فكان معمر يمكنه من كتبه، فأدخل عليه هذا الحديث. وكان معمر رجلاً مهيباً لا يقدر عليه أحد في السؤال والمراجعة فسمعه عبد الرزاق في كتاب ابن أخي معمر. قال أبو الأزهر النيسابوري: أنكر علي يحيى بن معين حديث عبد الرزاق في فضل علي. فلما أخبرته بقصتي معه اعتذر إلي غير مرة، وتعجب من حسن ذلك الحديث. قال مكي بن عبدان: سألت مسلم بن الحجاج عن أبي الأزهر فقال: اكتب عنه قال أبو الأزهر: كتب عني يحيى بن يحيى.

أحمد بن إسحاق بن إبراهيم

وقرىء بخط أبي عمرو المستملي قال: سألت محمد بن يحيى عن أبي الأزهر فقال: أبو الأزهر من أهل الصدق والأمانة. نرى أن يكتب عنه. قالها مرتين. كان إبراهيم بن أبي طالب يقول: رحم الله أبا الأزهر كان من أحسن مشايخنا حديثاً. قال أحمد بن سنان في ذكر مشايخ نيسابور: وأحمد بن الأزهر العبدي من مواليهم، كتب عن الناس، حسن الحديث. مات في أول سنة إحدى وستين ومئتين. وقال الحسين بن محمد القباني: توفي أبو الأزهر العبدي في سنة ثلاث وستين ومئتين. أحمد بن إسحاق بن إبراهيم ابن محمد بن سلم أبو بكر الملحمي الخزاعي القاضي البغدادي سمع بدمشق وبغيرها. حدث عن محمد بن عبد الرحمن بن بجير الكلاعي بسنده عن ابن عباس عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من مات محرماً مات ملبياً. وحدث بسنده عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا كان يوم القيامة يدعو الله بعبد من عبيده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله. وتوفي سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة.

أحمد بن إسحاق بن إبراهيم

أحمد بن إسحاق بن إبراهيم أبو الطيب الربعي الدمشقي حدث عن القاضي أبي القاسم عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني قال: كان لأبي إبراهيم المزني رفيق معه في البيت يعرف بأبي عبد السلام، وكانا يتفقهان ويتعبدان جميعاً، وكان لهما صديق من المصريين حسن العقل حسن المذهب، متحر في تجارته وكانت له دنيا عريضة، فكان يجهد أن يبرهما بشيء فلا يقبلان منه، فاحتال عليهما يوماً بحيلة فحمل إليهما كيساً فيه ألف دينار ثم قال لهما: يا أخواي أنتما تعلمان أني لو شاطرتكما مالي كنت مسروراً بذلك، ولكن لست أطمع منكما في ذلك وهذه ألف دينار تقبلانها مني قرضاً وتدفعانها إلى من شئتما، وإلا فرداها علي حتى أكون أنا الذي أتجر بها فما رزق الله فيها من ربح كان لكما، ويكون رأس المال لي فتكونان قد انتفعتما بلا مذلة وانتفعت أنا بلا مضرة، فقال أبو عبد السلام للمزني: يا أبا إبراهيم، قد لطف بنا صاحبنا، وما ينبغي أن نأبى عليه فقبضا منه الألف دينار. وكان لهما صديق يكنى أبا يعقوب، وكان أحد المتخلين وكان مأواه السواحل، فبلغه ذلك فساءه فأخذ رقعة فكتب إليهما فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. أسعدكما الله بما ينجيكما، وعصمكما مما يرديكما، وجعل الجنة مصيركما، وموعدكما، وأعطانا مثل ذلك بمنه. أما بعد، فإن في علو ما أفل من الدنيا وأفول ما علا منها لأولي الألباب بالثقة عن الفضول مزدجر، وفي حطم العتاة الجبارين معتبر، وما تغني الآيات والنذر إلا لأولي الأفكار والنظر، ومسالمة البغاة إلى تقحم الشبهات مدعاة، والشبهة للقلوب مقساة، والقسوة أضر أدواء المحدثين وأنتح أسباب الضلالات، فلا تذهبا عما تعلمان فإنه من يزدد نشباً يزدد تعباً، والأرض لله، يورثها من يشاء من عباده، وإنما هي على المؤمنين مطابق وسجون، ما لمؤمنٍ فيها فرح إلا التردد فيما بين المطبقين والتنقل فيما بين السجنين. والسلام. فلما قرآ كتابه علما ما نبههما له، وكانا لم يتجرا في الألف دينار ولم يمساها فحملاها إليه وساءلاه أن يعفيهما فأعفاهما.

أحمد بن إسحاق بن صالح بن عطاء

أحمد بن إسحاق بن صالح بن عطاء أبو بكر الوزان من أهل بغداد. سمع بدمشق وغيرها. حدث عن أمية بن بسطام بسنده عن جبير بن مطعم قال: مر علي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقصر رأسه قال: دخلت العمرة في الحج لا ضرورة. وروى بسنده عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره. سكن بسامراء. وكان صادقاً، وقال الدارقطني: لابأس به. ومات بسر من رأى في سنة إحدى وثمانين ومئتين. وقيل: في أول يوم من المحرم يوم سبت. أحمد بن إسحاق بن محمد بن أحمد ابن إسحاق بن عبد الرحمن بن يزيد بن موسى، أبو جعفر الحلبي. قاضي حلب قدم دمشق. وولي قضاء حلب في أيام سيف الدولة بن حمدان، وكان حنفي المذهب ويلقب بالجرد. حدث بحلب وببغداد. روى عن علي بن أحمد الجرجاني بسنده عن قتادة عن أنس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تختم في يمينه. وروى أيضاً بسنده عن علي بن أبي طالب عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن العبد بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر. قدم بغداد وحدث بها وبمصر ومات بدمشق.

أحمد بن إسرائيل بن الحسين

أحمد بن إسرائيل بن الحسين أبو جعفر الكاتب كان يكتب للمعتز في خلافة ابنه المتوكل، وقدم معهما دمشق. ثم استوزره المعتز بعد ذلك، وكان ضابطاً لأموره جزلاً موصوفاً بالذكاء. ثم نفاه المستعين سنة ثمان وأربعين إلى حلب. وولي ديوان الخراج للمتوكل والمنتصر. وكان ولي في أيام المستعين خراج أنطاكية. قال أحمد بن إسرائيل: صرت يوماً إلى عبد الله بن يحيى بن خاقان، فلما صرت في صحن الدار رأيته مضطجعاً على مصلاه مولياً ظهره باب مجلسه، فهممت بالرجوع، فقال لي الحاجب: ادخل فإنه منتبه، فلما سمع حسي جلس فقلت: حسبتك نائماً! قال: لا، ولكني كنت مفكراً. قلت: في ماذا أعزك الله؟! قال: فكرت في أمر الدنيا وصلاحها في هذا الوقت واستوائها ودرور الأموال وأمن السبل وعز الخلافة، فعلمت أنها أمكر وأنكر وأغدر من أن يدوم صفاؤها لأحد. قال: فدعوت له وانصرفت. فما مضت أربعون ليلة منذ ذلك اليوم حتى قتل المتوكل ونزل به من النفي ما نزل. قال أبو الحسين محمد بن القواس قال: ضرب أحمد بن إسرائيل وأبو نوح عيسى بن إبراهيم على باب العامة بالسياط كل واحد منهما خمس مئة، وحملا إلى منزل محمد بن علي السرخسي فمات أحمد بن إسرائيل في الطريق سنة خمس وخمسين ومئتين، ومات عيسى بن إبراهيم في دار السرخسي. أحمد بن إسماعيل بن القاسم ابن عاصم أبو جعفر وقيل أبو بكر الصدفي المصري العطار الحافظ دخل دمشق وسمع بها.

أحمد بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله

حدث عن عمران بن الخطاب بن مسافر التنيسي بسنده عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقيء، ثم يرجع في فيه فيأكله. وحدث عن روح بن الفرج بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: سئل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله، ولو استزدته لزادني. توفي ليلة الأربعاء لثلاثة عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة. أحمد بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله ابن أبي البختري وهب بن وهب ويقال: ابن إسماعيل بن محمد بن أبي البختري وهب بن وهب، أبو علي القرشي الصيداوي. حدث عن أبيه بسنده عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم. أحمد بن أصرم بن خزيمة بن عباد ابن عبد الله بن حسان بن عبد الله بن مغفل، أبو العباس المغفلي المزني من أهل البصرة، قدم دمشق، وحدث بها وببغداد ومصر عن جماعة. حدث عن أبي إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الترجماني بسنده عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب. وحدث بسنده عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كل أمة بعضها في النار وبعضها في الجنة إلا هذه الأمة فإنها كلها في الجنة. خرج من مصر وتوفي بدمشق في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين ومئتين.

أحمد بن أصرم بن طاهر بن محفوظ

أحمد بن أصرم بن طاهر بن محفوظ أبو حامد السجستاني سمع بدمشق وبالبصرة. روى أبو حامد أحمد بن أصرم بن طاهر السجزي بمكة بسنده عن أبي بكر بن دريد قال: المنسرح لا تحتقر عالماً وإن قصرت ... ألحاظه في عيون رامقه وانظر إليه بعين ذي أدبٍ ... مهذب الرأي في طرائقه فالمسك بينا تراه ممتهناً ... في يد عطاره وساحقه حتى تراه بعارضي ملكٍ ... أو موضع التاج من مفارقه أحمد بن أنس بن مالك أبو الحسن الدمشقي المقرىء روى عن جماعة. وروى عنه جماعة. وقرأ القرآن بحرف ابن عامر على ابن ذكوان. وكان ثقة. حدث عن عمرو بن محمد بن الغاز الجرشي بسنده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا هام ولا صفر ولا عدوى. توفي سنة تسع وتسعين ومئتين.

من اسم أبيه على حرف الباء

من اسم أبيه على حرف الباء أحمد بن بحر اللخمي حدث عن منبه بن عثمان بسنده عن عائشة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من أكل سبع تمرات عجوةٍ من تمر العالية حتى يصبح لم يضره سحر، ولا سم حتى يمسي. أحمد بن بشر بن حبيب بن زيد أبو عبد الله الصوري التميمي المؤدب قدم دمشق وحدث بها عن جماعة. وحدث عنه جماعة. حدث عن محمد بن يحيى التميمي بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما رزق عبد أربعاً فحرم أربعاً: لم يرزق الدعاء فيحرم الإجابة لأن الله تعالى يقول " ادعوني أستجب لكم " ولم يرزق التوبة فيحرم القبول وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " ولم يرزق الشكر فيحرم المزيد وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول " لئن شكرتم لأزيدنكم " ولم يرزق الاستغفار فيحرم المغفرة وذلك أن الله تعالى يقول: " استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ".

أحمد بن بشر بن عبد الوهاب

وحدث عن عبد الحميد بن بكار البيوتي بسنده عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن كانت كاملةً، وإلا زيد عليها من تطوعه ثم سائر الأعمال على مثل ذلك. أحمد بن بشر بن عبد الوهاب ابن بشر أبو طاهر ويقال: أبو طالب ويقال: أبو طالوت من أهل دمشق. حدث وحدث عنه. حدث عن سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل بسنده عن النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر يأجوج ومأجوج فقال: يستوقد المسلمون من جعابهم ونشابهم وقسيهم سبع سنين. وحدث عن أبي شاهر محمد بن جابر بن وهب بن شاهر بن أمية العنزي بسنده عن عبادة بن الأشيب قال: وفدت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلمت، وكتب لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من نبي الله لعبادة بن الأشيب العنزي: إني أمرتك على قومك وحاشيتهم ممن يجري عليه عملك ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة. فمن سمع بكتابي هذا ممن جرى عليه عملك وعمل بني أبيك فلم يطيعوا فليس لهم من الله معين. قال: فجئت إلى قومي فأسلموا.

من اسم أبيه على حرف التاء

من اسم أبيه على حرف التاء أحمد بن تبوك بن خالد بن يزيد ابن عبد الله بن يزيد بن تميم بن حجر أبو الميمون السلمي مولى نصر بن الحجاج بن علاط حدث عن هشام بن محمد بن السائب بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن في حديث الأولين عجباً: حدثني حاضني أبو كبشة عن مشيخة خزاعة أنهم أرادوا دفن سلول بن أبي حبشية، وكان سيداً معظماً شريفاً، فأتوا مقبرتهم فحفروا له، فوقعوا على باب مغلق ففتحوه، فإذا فيه سرير وعليه رجل عليه حلل عدة وعند رأسه كتاب فيه: أنا أبو شمر ذو النون، مأوى المساكين، ومستعاذ الغارمين، ورأس مثابة المستصرخين. أخذني الموت غصباً، وأورثني بقوته أرضاً، وقد أعيا الملوك الجبابرة والأبالجة والقساورة. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وكان ذو النون سيف بن ذي يزن.

من اسم أبيه على حرف الثاء

من اسم أبيه على حرف الثاء أحمد بن ثابت بن عتاب ويقال غياث وعراب أبو يحيى الرازي الناهكي الحافظ المعروف بفرخويه حدث بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو جيء بالسماوات والأرض وما فيهن وما تحتهن فوضعن في كفة الميزان ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في كفته الأخرى رجحت بهن. وحدث عن العلاء بن هلال الرقي بسنده عن عائشة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قلم أظافره يوم الجمعة وقي من السؤال مثلها. قال أبو العباس الطهراني: كانوا لا يشكون أن فرخويه كذاب. أحمد بن ثعلبة العاملي قال أحمد بن ثعلبة: سمعت بشر بن السكن يقول: حدثنا يعلى بن عبيد قال: مما وجد في الكتب: أيحسب من إذا جنه الليل انجدل أن أجعله كمن هو ساجدٌ بالليل وقائم؟ وحدث أحمد بن ثعلبة قال: سئل وكيع بن الجراح عن قتال العدو مع الإمام الجائر قال: إن كان جائراً وهو

يعمل في الغزو بما يحق عليه فقاتل معه. وإن كان يرتشي منهم ويهادنهم فقاتل على حيالك. وحدث قال: وقال أبو معاوية الأسود: في قول الله عز وجل " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً " قال: لا تجزع من ذلها ولا تنافس في عزها. قال أحمد بن ثعلبة العاملي: سمعت سلماً الخواص يقول: كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة فقلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعته من جبريل حين يخبر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فازدادت الحلاوة. قال: ثم قلت لها: اقرئيه كأنك سمعته منه حين تكلم به، فجاءت الحلاوة كلها.

من اسم أبيه على حرف الجيم

من اسم أبيه على حرف الجيم أحمد بن الجحاف أبو بكر الأزدي النشوي سمع بدمشق وغيرها. حدث عن أبي الدحداح بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يجد الشهيد مس القبر إلا كما يجد أحدكم مس القرصة. كذا روي في هذا السند. والمحفوظ: مس القتل لا القبر. وذكره الحافظ على هذا النص من طريق آخر. أحمد بن جعفر بن أحمد بن حمكان أبو العباس القصوري الكيلي قدم دمشق وحدث بها. حدث عن أبي بكر محمد بن عيسى بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: المدينة قبة الإسلام ودار الإيمان وأرض الهجرة ومثوى الحلال والحرام. أحمد بن جعفر بن الحسن أبو بكر البلدي الواعظ حدث بدمشق عن جماعة. روي عن أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا نودي بالصلاة فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء.

أحمد بن جعفر بن حمدان

توفي سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة. ودفن بباب الصغير. أحمد بن جعفر بن حمدان أبو الحسن الطرسوسي حدث بصيدا من ساحل دمشق. روى عن أبي محمد عبد الله بن جابر بن عبد الله البزاز بسنده عن أبي جحيفة قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا آكل وأنا متكىء. وورد في حديث آخر: أما أنا فلا آكل متكئاً. أحمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم ابن الرشيد هارون بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أبو العباس الهاشمي الملقب بالمعتمد على الله بويع له بالخلافة يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومئتين. وكان قدم دمشق مع أبيه جعفر المتوكل. ولي الخلافة بعد المهتدي بالله. وكان مولده بسر من رأى سنة تسع وعشرين ومئتين في يوم الثلاثاء لثمان بقين من المحرم. وأمه أم ولد يقال لها فتيان. رومية لم تدرك خلافته.

أحمد بن جعفر بن محمد بن علي

وبويع له بسر من رأى في يوم الثلاثاء المذكور. وبويع له ببغداد يوم الأربعاء الغد من يوم بيعته بسر من رأى. وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة ويومين. وتوفي فجأة ببغداد يوم الأحد لثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين، وحمل إلى سر من رأى فدفن بها وله من السن خمسون سنة وستة أشهر وستة وعشرون يوماً. وكان مربوعاً، أسمر، نحيف الجسم، حسن العينين، مدور الوجه، على جبهته أثر جدري. فلما ولي الخلافة عبل وكثر لحمه واتسع الشيب في رأسه ولحيته. وقيل: مات المعتمد يوم الأربعاء لإحدى عشرة بقين من رجب سنة سبع وسبعين ومئتين. وقيل: توفي في صفر سنة ثمان وسبعين ومئتين. وبويع أبو العباس المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد الموفق بالله. أحمد بن جعفر بن محمد بن علي أبو الحسن البغدادي الصيدلاني قدم دمشق وحدث بها سنة أربع وأربعين وثلاث مئة عن أبي شعيب عبد الله بن الحسن الحراني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من يأخذ عني هؤلاء الكلمات أو يعلمهن أو يعمل بهن؟ قال: قلت: أنا يا رسول الله. قال: فأخذ بيدي فعقد خمساً. قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب. توفي في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وثلاث مئة.

أحمد بن جعفر أبو العباس الفرغاني

أحمد بن جعفر أبو العباس الفرغاني المعروف بغياث حدث عن جماعة بدمشق. روى عن منصور بن إسماعيل المصري الفقيه قال: سمعت محمد بن عبيد الله بن الحكم يقول: كنت جالساً عند الشافعي فأقبل المزني فقال الشافعي: لو ناظر هذا الغلام الشيطان قطعه. أحمد بن جعفر أبو جعفر الهلالي الزاهد من أهل أعمال سرخد. ذكر أبو أحمد عبد الله بن بكر الطبراني نزيل الأكواخ ببانياس قال: أحمد بن جعفر الهلالي كان يقيم بالمحرس يعني محرس الحوارنة بعكا وقتاً، وببلده وقتاً. وذكر أبو عبد الله القفاف قال: قال لي أحمد الهلالي: أريد أمر مع الناس إلى البلد، والإلف يجترني فقلت: ماذا؟ الإلف؟! فقال: إلف الخلوة. وقال: إنما آوي في القرية في بيتٍ داخل بيت. فإذا مللت خرجت في الغلس إلى المغار ورحت مع العتمة. فإذا كانت لي حاجةٌ خارج الدار تسورت فيها من الحائط حتى لا يلقاني أحد في باب الدار ولا أمر في زقاق فيلقاني أحد. فهذا دأب نفسي في القرية. قال أحمد الهلالي: قدمت إلى هنا، يعني عكا وما أدري ما الهوى ثم علمته. قلت له: ما الهوى؟ فقال: حب الكلام، وحب الجلوس مع الناس، وحب الشبع، وحب النوم، وحب اللباس.

أحمد بن جواد بن قطن بن كثير

قال أبو عبد الله: ولم أر قط أشد تيقظاً وانتباهاً من أحمد الهلالي، وإذا كلم إنساناً يكاد لا يسمعه، وإذا تنحنح كأنه مطلوب، ولم أسمع له قط صوتاً مرتفعاً. قال: وقال لي أحمد الهلالي: ربما جاءني الفكر فأستوحي منه، فإذا ذهب عني بلت ما يشبه الدم، ويخرج مني من أسفل شيء شديد الحرارة وتجري منخراي بمثل الدم. وقال: لا يكاد يجيء الفكر في الضوء ونعم المعين عليه الخلوة في الظلام، فقلت له: أيما أحب إليك: الفكر أو الصلاة؟ قال: أجلس أتفكر أحب إلي من الصلاة بقلب مذبذب قلت: فما تطيق أن تجمع بين الفكر والصلاة، فقال: من لي بهذا وإني مجتهد فيه. وقال أحمد: السريع علامة الخائف في قلبه ... بأنه أصفر منحوف ليس كمن كانت له جثةٌ ... كأنه للذبح معلوف أحمد بن جواد بن قطن بن كثير ابن سويد بن جعفر التميمي النيسابوري الكبيري رحل إلى الشام والعراق وسمع جماعة حدث عن محمد بن خالد بسنده عن عمران بن حصين أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فرض الجد مع ابنه وأبيه السدس. وكان عمران لا يفرض له مع ابنه إلا السدس. وكان كثير الحديث والرحلة. وتوفي سنة ستين ومئتين.

من اسم أبيه على حرف الحاء

من اسم أبيه على حرف الحاء أحمد بن حبيب بن عبد الملك ابن حبيب أخو أبي علي حدث عن أبي علي بشر بن موسى بن صالح بسنده عن عمر بن الخطاب أنه قال لأصحابه: تمنوا، فقال بعضهم: أتمنى لو أن لي هذه الدار مملوءة ذهباً أنفقه في سبيل الله، ثم قال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً فأنفقه في سبيل الله وأتصدق به. فقال عمر تمنوا: فقالوا: ما ندري ما نتمنى يا أمير المؤمنين، فقال عمر: أنا أتمنى لو أنها مملوءة رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان - أحسب أنه قال: أستعين بهم على أمور المسلمين. وحدث بسنده عن الحسن البصري قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من اتخذ مغفراً ليجاهد به في سبيل الله غفر الله له. ومن اتخذ بيضة بيض الله وجهه يوم القيامة، ومن اتخذ درعاً كان له ستراً من النار يوم القيامة. أحمد بن حجيل بن يونس أبو عبد الله الغوثي حدث عن إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه الصنعاني عن عبد الصمد بن معقل قال: سمعت عمي وهب بن منبه يقول: أتى جبريل النبي يوسف عليه السلام بالبشرى وهو في السجن قال: هل تعرفني أيها الصديق؟ قال: أرى صورة طاهرة وروحاً طيباً لا يشبه أرواح الخطائين، قال: فإني رسول رب العالمين وأنا الروح الأمين. قال: فما أدخلك مدخل المذنبين وأنت أطيب الطيبين ورأس المقربين وأمين رب العالمين؟ قال: ألم تعلم يا يوسف أن الله يطهر البيوت بطهر النبيين، وأن الأرض التي يدخلونها أطهر الأرضين، وأن الله تعالى قد طهر بك السجن وما حوله، يا طهر الطاهرين ويابن المتطهرين، وإنما يتطهر بفضل

أحمد بن حسن بن أحمد بن خميس

طهرك وطهر آبائك الصالحين المخلصين. قال: كيف تسميني بأسماء الصديقين وتعدني مع المخلصين وقد أدخلت مدخل المذنبين وسميت بالضالين المفسدين؟ قال: لم يغير قلبك الحزن، ولم يدنس حريتك الرق، ولم تطع سيدك في معصية ربك، ولذلك سماك الله بأسماء الصديقين وعدك مع المخلصين وألحقك بآبائك الصالحين. قال هل لك علم بيعقوب أيها الروح الأمين؟ قال: نعم وهب الله له الصبر الجميل، وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم. قال: فماذا قدر حزنه؟ قال: سبعون ثكلى. قال: فماذا له من الأجر يا جبريل؟ قال: قدر أجر مئة شهيد. أحمد بن حسن بن أحمد بن خميس ابن أحمد بن الحسين بن موسى، أبو بكر السلماني القاضي قدم دمشق سنة ثمانٍ وعشرين وأربع مئة حاجاً. وحدث عن جماعة. حدث عن أبي علي الحسن بن أحمد بن يوسف اللحياني بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كل مسكرٍ حرامٌ. أحمد بن الحسن بن أحمد بن عثمان ابن سعيد بن القاسم أبو بكر ويقال: أبو العباس - الغساني المعروف بابن الطيان الدمشقي حدث عن جماعة. وحدث عنه جماعة. حدث في سلخ صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة عن أبي عبد الله أحمد بن عطاء الروذباري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قرأ يس في ليلةٍ ابتغاء وجه الله عز وجل غفر له. وحدث بسنده عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من جعل يس أمام حاجةٍ قضيت له.

أحمد بن الحسن بن أحمد

أحمد بن الحسن بن أحمد أبو العباس الشاهد، المعروف بابن الوراق حدث عن أبي القاسم علي بن يعقوب بن أبي العقب بسنده عن سالم عن ابيه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسلم تسليمتين. مات يوم الاثنين الثالث عشر من صفر سنة أربع عشرة وأربع مئة. أحمد بن الحسن بن جنيدب أبو الحسن الترمذي الحافظ رحال، طوف الشام ومصر والعراق واجتاز بدمشق. سمع بمصر وبالشام وبالعراق. وروى عنه البخاري في صحيحه وأبو عيسى الترمذي في جامعه وجماعة. حدث عن أحمد بن محمد بن حنبل بسنده عن بريدة قال: غزا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ست عشرة غزوة. وحدث عن موسى بن إسماعيل بسنده عن موسى بن أنس بن مالك قال: خطب الأشعري - يعني أبا موسى - إلى أنس رضي الله عنهما بعض بناته فقال: أخطب إليك، وقد عرفت أن النساء يباعدن بين القريب ويقربن بين البعيد. وحدث بنيسابور وكان أحد أوعية الحديث. ورد نيسابور سنة إحدى وأربعين ومئتين. وحدث في ميدان الحسين، ثم حج وانصرف إلى نيسابور وأقام بها سنة يحدث فكتب عنه كافة المشايخ وسألوه عن علل الحديث والجرح والتعديل. أحمد بن الحسن بن الحسين بن أحمد أبو نصر الحافظ الشيرازي المعروف باللباد قدم دمشق سنة أربع وأربعين وأربع مئة. وسمع وأسمع وسكن مصر. وكان ينتقي على شيوخها.

حدث بمكة في المسجد الحرام عن أبي بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن ريذة الضبي الأصبهاني بأصبهان بسنده عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجلٌ إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للرجل: فأتني بأبيك، فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه. فلما جاء الشيخ قال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: سله يا رسول الله هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي؟ فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إيه دعنا من هذا، أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك؟ فقال الشيخ: يا رسول الله، ما يزال الله تعالى يزيدنا بك يقيناً لقد قلت في نفسي شيئاً ما سمعته أذناي، فقال: قل وأنا أستمع. قال: قلت: الطويل غذوتك مولوداً ومنتك يافعاً ... تعل بما أحني عليك وتنهل إذا ليلةً ضاقتك بالسقم لم أبت ... لسقمك إلا ساهراً أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيناني تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقتٌ مؤجل فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما فيك كنت أؤمل جعلت جزائي غلظةً وفظاظةً ... كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل قال: فحينئذ أخذ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتلابيب ابنه وقال: " أنت ومالك لأبيك ". حدث الفقيه سليم أن أبا نصر اللباد الشيرازي قدم صور وجاءه وأراد أن يخرج للفقيه فوائد فلم يفعل وقرىء عليه حديث: نهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن اختناث الأسقية، فقال: اجتناب الأسقية، فجعل كلما قيل له في ذلك يدفع ويقول: الصواب اجتناب، أو كما قال.

أحمد بن الحسن بن روزبه

قال أبو محمد عبد الرحمن بن صابر: سألت الشريف أبا القاسم عن قدوم أبي نصر الشيرازي دمشق فقال: سنة أربع وأربعين وأربع مئة، وفيها خرج منها. وسألته عن حاله فقال: ما كان إلا ثقة. أحمد بن الحسن بن روزبه أبو بكر البصري الفارسي حدث بدمشق. روى عن عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبد الله بن مخارق الضبعي بسنده عن مالك بن أنس: قال: وذكر زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب لربيس بن جبير: ترى غبي عني قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لك: كيف بك إذا رقص بك بعيرك نحو الشام يوماً ثم يوماً ثم يوماً؟! أحمد بن الحسن بن زريق أبو محمد الحراني حدث بدمشق. روى عن النفيلي بسنده عن عائشة قالت: أهدى النجاشي إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حليةً فيها خاتم من ذهب فصه حبشي، فدعا أمامة بنت أبي العاص بن أمية من ابنته زينب فقال: تحلي بهذا يا مية. زريق بتقديم الزاي على الراء. حدث بدمشق سنة تسع وستين.

أحمد بن الحسن بن علي بن زرعة

أحمد بن الحسن بن علي بن زرعة أبو الفرج الصوري الكاتب سكن دمشق. وتولى الاستسقاء مدة ثم عزل عنه. كتب عنه الحافظ ابن عساكر قال: وكان حسن الاعتقاد ووقف بعض أملاكه على وجوه البر. حدث بسنده عن جابر بن عبد الله قال: جعل رجل لغلامه العتق من بعده فباعه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم دفع إليه ثمنه وقال: أنت لثمنه أحوج والله عنه غني. وسئل أبو الفرج عن مولده فقال: ليلة الأحد ثالث شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربع مئة بصور. وتوفي ليلة الأحد الثاني من شهر ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وخمس مئة. ودفن في مقبرة باب الصغير. قال الحافظ ابن عساكر: شهدت دفنه والصلاة عليه. أحمد بن الحسن بن هارون بن سليمان ابن يحيى بن سليمان بن أبي سليمان أبو بكر المعروف بالصباحي البغدادي الغزال مولى أبي موسى الأشعري حدث عن جماعة بمصر ودمشق. وحدث عنه جماعة. حدث بسنده عن عروة بن مضرس الطائي قال: أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: يا رسول الله، أخلقت وأنصبت وفعلت وفعلت. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أدرك جمعاً فوقف مع الإمام حتى يفيض فقد أدرك، ومن لم يدرك ذلك فلا حج له. كان كوفي الأصل، وجده يحيى كان زوج حمادة بنت حماد بن أبي سليمان الفقيه وهي

أحمد بن الحسن أبو بكر الأحنف

بنت عمه. وهو بغدادي حافظ. قدم مصر وحدث بها وخرج منها، فأصيب سنة اثنتي عشرة وثلاث مئة. أحمد بن الحسن أبو بكر الأحنف البغدادي الصوفي قدم دمشق وحكى عن الجنيد وأبي بكر الشبلي وغيرهما. قال: سمعت أبا جعفر الصفار الواعظ ببغداد يقول: مررت براهب سائح فقلت له: بمعبودك إلا وقفت، فوقف فقلت له: ما معك طعام ولا شراب؟ فقال: لا، أنا رجل قد دفعت بتقربي أوقاتي وقتاً بعد وقت، فلا أحب يمر عني وقت لا أدري من أنا فيه، فقلت: ما هذا الذي معك؟ قال: حصىً قلت: إيش تعمل به؟ قال: هذا حصى أسود وحصى أبيض، فإذا عملت حسنة طرحت من الحصى الأبيض على الحصى الأسود وإن عملت سيئة طرحت من الحصى الأسود في الأبيض، فإذا كان عند إفطاري عددت السواد والبياض، فإن زاد السواد على البياض فليس فيها إفطار إلى مثلها، وإن كان البياض زائداً على السواد فطرت. قال: فلطمته، فقال: ويحك، لم تلطمني؟ وأنت ممن يرى القصاص، وأما أنا فمذهبي لو لطمت هذا الخد لأدرت لك هذا الخد، فقلت: أنت كافر تقول: دفعت إلى تقربي أوقاتي، وتقول: لا أحب أن يمضي لي وقت لا أدري من أنا فيه. قال: تقول لي يا كافر فأنت مؤمن حقاً؟ فقلت: نعم. فقال: أتأمنه أن يجعلك أنا ويجعلني أنت. قال: فخصمني. وقال: سمعت أبا جعفر الصفار أيضاً ببغداد يقول: صحت براهب: يا راهب. فناداني: لا تشغلني. فقلت: بمعبودك عرفني ايش شغلك؟ فقال: كتب إلي بعض إخواني أنه قرأ في بعض الكتب أن الأرض الواسعة لتضيق على البعوضة بسخط الله، فقد أعملت فكري في الأرض وسعتها والبعوضة وصغرها فكيف ضاقت عليها بسخط الله، فلا تشغلني.

أحمد بن الحسين بن أحمد بن طلاب

أحمد بن الحسين بن أحمد بن طلاب ابن كثير بن حماد بن الفضل مولى عيسى بن طلحة بن عبيد الله، ويقال: مولى يحيى بن طلحة، أبو الجهم المشغراني أصله من بيت لهيا، تعلم بها ثم انتقل إلى مشغرى، قرية على سفح جبل لبنان فصار بها إمامهم وخطيبهم، وكان كثيراً ما يجيء إلى دمشق ويحدث. روى عن جماعة. وروى عنه جماعة. وكان ثقة. حدث عن هشام بن عمار بسنده عن الحارث بن هشام قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بأمرٍ أعتصم به قال: املك هذا، وأشار إلى لسانه. قال عبد الرحمن: فرأيته يسيراً فيما يظنني فلم أر شيئاً أشد منه. توفي ليلة السبت بعد صلاة المغرب ودفن يوم السبت لإحدى عشرة خلت من ذي الحجة سنة تسع عشرة وثلاث مئة. سقط عن دابته فمات من وقته. وقيل كان يوم الأضحى، ودفن في مقبرة باب الصغير. أحمد بن الحسين بن أحمد بن علي ابن محمد العقيقي بن جعفر بن عبد الله بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، أبو القاسم الحسيني العقيقي كان من وجوه الأشراف بدمشق، ومدحه أبو الفرج محمد بن أحمد الغساني الوأواء. وهو صاحب الدار والحمام بنواحي باب البريد. قال محمد بن المكرم: هذه الدار التي كانت تعرف بدار العقيقي هي الآن تربة ومدرسة للملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري دفن بها هو وولده السعيد وبنيت تربة ومدرسة.

أحمد بن الحسين بن أحمد

قال الشريف أبو القاسم العقيقي: سمعت في قول الله عز وجل في قصة يوسف وخطابه لإخوته " إنه من يتق ويصبر " قال: يتقي الله في جميع أموره، ويصبر على العزوبة كما صبر يوسف عن زليخا وعزوبته في تلك السنين كلها. مات الشريف العقيقي المذكور بدمشق يوم الثلاثاء لأربع خلون من جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة، بين الظهر والعصر، وأغلقت المدينة يوم الأربعاء وأخرجت جنازته ضحوة نهار إلى المصلى وحضر بكجور وأصحابه، ومشى الأشراف خلف سريره ودفن خارج باب الصغير. أحمد بن الحسين بن أحمد أبو الحسين البغدادي المعروف بابن السماك الواعظ سمع بدمشق وبصور وبمكة. روى عن جعفر بن محمد بن نصير الخواص الخلدي الشيخ الصالح أسنده عن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالكاً يقول: قرأت في التوراة أن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته من القلوب كما يزل المطر على الصفا. قال أبو الحسين بن السماك: سمعت أبا بكر الرقي بدمشق يقول: سمعت أبا بكر الزقاق يقول: بني، أمرنا هذا - يعني التصوف - على أربع: لا نأكل إلا عن فاقة، ولا ننام إلا عن غلبة، ولا نسكت إلا عن خيفة، ولا نتكلم إلا عن وجدٍ. قال: وسمعته يقول: كل أحد ينتسب إلى نسب إلا الفقراء فإنهم ينتسبون إلى الله عز وجل، وكل حسب ونسب ينقطع إلا حسبهم ونسبهم، فإن نسبهم الصدق وحسبهم الفقر.

وفي رواية: وحسبهم الصبر بدل الفقر. وكان لأبي الحسين بن السماك في جامع المنصور وفي جامع المهدي مجلس وعظٍ، يتكلم فيه على طريقة أهل التصوف. قال الحافظ ابن عساكر: كتبت عنه شيئاً يسيراً، وحدثنا عن أبي عمرو بن السماك حديثاً مظلم الإسناد ومنكر المتن، فذكرت روايته عن ابن السماك لأبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، فقال: لم يدرك أبا عمرو بن السماك، هو أصغر من ذلك، لكنه وجد جزءاً فيه سماع أبي الحسين بن أبي عمرو بن السماك من أبيه، وكان لأبي عمرو بن السماك ابن يسمى محمداً ويكنى أبا الحسين فوثب على ذلك السماع، وادعاه لنفسه. قال الصيرفي: ولم يدرك الخالدي أيضاً ولا عرف بطلب العلم، إنما كان يبيع السمك في السوق إلى أن صار رجلاً كبيراً، ثم سافر وصحب الصوفية بعد ذلك. قال: وقال لي أبو الفتح محمد بن أحمد المصري: لم أكتب ببغداد عمن أطلق عليه الكذب من المشايخ غير أربعة: أحدهم أبو الحسين بن السماك. قال: ابن ماكولا وأما سماك - بفتح السين وتشديد الميم وآخره كاف فهو أبو الحسين أحمد بن الحسين بن أحمد، ابن السماك الواعظ، كان جوالاً كثير الأسفار. حدث عن جماعة، ولم أرهم يرتضونه. ومات في يوم الأربعاء الرابع من ذي الحجة سنة أربع وعشرين وأربع مئة، ودفن من الغد في مقبرة باب حرب بعد أن صلي عليه في جامع المدينة. وكان يذكر أنه ولد في مستهل المحرم من سنة ثلاثين وثلاث مئة.

أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم

أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم ابن أحمد بن إبراهيم بن عمر، أبو الفضل الثغري الصوري المعروف بابن أخت الكاملي قدم دمشق عند افتتاح الفرنج صور، خذلهم الله. وحدث عن جماعة. وكان تيقظ ما في الحديث. وكان أحول. واستملى على الفقيه نصر بن إبراهيم بصور، فجاء في الإملاء حديثٌ عن عاصم الأحول فلقيته الجماعة بعاصم. روى بسنده عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى البقيع فقال: يا معشر التجار، حتى إذا اشرأبوا قال: إن التجار يحشرون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى وبر وصدق. قال الحافظ: سألت أبا الفضل الكاملي عن مولده فقال: في يوم الخميس التاسع من صفر سنة تسع وخمسين وأربع مئة. وتوفي ليلة الثلاثاء الرابع عشر من رجب سنة ثماني عشرة وخمس مئة. ودفن بباب الصغير. أحمد بن الحسين بن الحسن ابن عبد الصمد أبو الطيب الجعفي الشاعر المعروف بالمتنبي من أهل الكوفة. قدم دمشق ومدح بها. قال أبو بكر الخطيب: بلغني أنه ولد بالكوفة سنة ثلاث وثلاث مئة، ونشأ بالشام، وأكثر المقام بالبادية، وطلب الأدب وعلم العربية، ونظر في أيام الناس، وتعاطى قول الشعر من حداثته حتى بلغ فيه الغاية التي فاق أهل عصره، وعلا شعراء وقته. واتصل بالأمير أبي الحسن بن حمدان المعروف بسيف الدولة وانقطع إليه وأكثر مديحه. ثم مضى إلى مصر فمدح بها كافوراً الخادم، وأقام هناك مدة. ثم ورد العراق ودخل بغداد، وجالس بها أهل الأدب، وقرىء عليه ديوانه.

قال أبو أحمد عبيد الله بن محمد بن أبي مسلم الفرضي قال: لما ورد المتنبي بغداد سكن في ربض حميد. قال: فمضيت إلى الموضع الذي نزل فيه لأسمع منه شيئاً من شعره، فلم أصادفه، فجلست أنتظره وابطأ علي، فانصرفت من غير أن ألقاه، ولم أعد إليه بعد ذلك. وقد كان القاضي أبو الحسين محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي سمع منه ديوانه ورواه عنه. قال أبو الحسن محمد بن يحيى العلوي الزيدي: كان المتنبي وهو صبي نزل في جواري بالكوفة، وكان يعرف أبوه بعيدان السقا يستقي لنا ولأهل المحلة ونشأ هو محباً للعلم والأدب وصحب الأعراب في البادية، فجاءنا بعد سنين بدوياً قحاً. وقد كان تعلم الكتابة والقراءة، فلزم أهل العلم والأدب. وأكثر ملازمة الوراقين وكان علمه من دفاترهم. حدث وراق كان يجلس إليه قال: ما رأيت أحفظ من هذا الفتى ابن عيدان قط. كان عندي اليوم فأحضر رجل كتاباً من كتب الأصمعي يكون نحو ثلاثين ورقة ليبيعه، فأخذ ينظر فيه طويلاً فقال له الرجل: يا هذا، أريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا إن شاء الله يكون بعد شهر، فقال له ابن عيدان: فإن كنت قد حفظته في هذه المدة فما لي عليك؟ قال: أهب لك الكتاب. قال: فأقبل يتلوه إلى آخره، ثم استلبه فجعله في كمه، وقام فعلق به صاحبه وطالبه بالثمن، فقال: ما إلى ذلك سبيل قد وهبته لي. قال: فمنعناه منه وقلنا له: أنت شرطت على نفسك هذا للغلام فتركه عليه. وكان عيدان والد المتنبي يذكر أنه من جعفي، وكانت جدة المتنبي همدانية صحيحة النسب لا شك فيها. وكانت صالحة من صلحاء النساء الكوفيات.

قال التنوخي: قال أبي: فاتفق مجيء المتنبي بعد سنين إلى الأهواز منصرفاً من فارس وسألته عن نسبه، فما اعترف لي به. وقال: أنا رجل أخيط القبائل وأطوي البوادي وحدي، ومتى انتسبت لم آمن أن يأخذني بعض العرب بطائلة بينها وبين القبيلة التي انتسبت إليها، وما دمت غير منتسب إلى أحد فأنا أسلم على جميعهم ويخافون لساني. قال: واجتمعت بعد موت المتنبي بسنين مع القاضي أبي الحسن بن أم شيبان الهاشمي الكوفي، وجرى ذكر المتنبي فقال: كنت أعرف أباه بالكوفة شيخاً يسمى عيدان يستقي على بعير له، وكان جعفياً صحيح النسب. قال: وقد كان المتنبي لما خرج إلى كلب وأقام فيهم ادعى أنه علوي حسني، ثم ادعى بعد ذلك النبوة، ثم عاد يدعي أنه علوي إلى أن شهد عليه بالشام بالكذب في الدعوتين وحبس دهراً طويلاً وأشرف على القتل، ثم استتيب وأشهد عليه بالتوبة وأطلق. قال أبو علي بي أبي حامد: سمعت خلقاً بحلب يحكون، وأبو الطيب بها إذ ذاك، أنه تنبأ في بادية السماوة ونواحيها إلى أن خرج إليه لؤلؤ أمير حمص من قبل الإخشيدية فقاتله وأسره وشرد من كان اجتمع إليه من كلب وكلاب وغيرهما من قبائل العرب، وحبسه طويلاً فاعتل وكاد أن يتلف، فسئل في أمره فاستتابه وكتب عليه وثيقة أشهد عليه فيها ببطلان ما ادعاه ورجوعه إلى الإسلام. وأطلقه. وكان قد تلا على البوادي كلاماً ذكر أنه قرآن أنزل عليه، وكانوا يحكون له سوراً كثيرة منها: والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار، امض على سننك، واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه وضل عن سبيله. وهي طويلة.

قال: وكان المتنبي إذا شوغب في مجلس سيف الدولة ونحن إذ ذاك بحلب نذكر هذا القرآن وأمثاله فينكره ويجحده. قال: وقال له ابن خالويه النحوي يوماً في مجلس سيف الدولة: لولا أن الآخر جاهل لما رضي أن يدعى بالمتنبي لأن متنبي معناه كاذب، ومن رضي أن يدعى بالكذب فهو جاهل، فقال له: أنا لست أرضى أن أدعى بهذا وإنما يدعوني به من يريد الغض مني، ولست أقدر على الامتناع. قال أبو علي بن أبي حامد: قال لي أبي: ونحن بحلب، وقد سمع قوماً يحكون عن المتنبي هذه السورة، فقال: لولا جهله!! أين قوله: امض على سننك.. إلى آخر الكلام، من قوله تعالى " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين، إنا كفيناك المستهزئين " إلى آخر القصة، وهل تتقارب الفصاحة أو يشتبه الكلامان؟! وعيدان: بكسر العين وبالياء المعجمة باثنتين من تحتها هو والد أبي الطيب المتنبي، وكان يعرف بعيدان السقاء. ولما هرب المتنبي الشاعر من مصر، وصار إلى الكوفة، وقام بها وصار إلى ابن العميد فمدحه، فقيل إنه صار إليه منه ثلاثون ألف دينار. وقال له: تمضي إلى عضد الدولة فمضى من عنده إليه، فمدحه ووصله بثلاثين ألف دينار، وفارقه على أن يمضي إلى الكوفة يحمل عياله ويجيء معهم إليه، وسار حتى وصل إلى النعمانية بإزاء قرية تقرب منها يقال لها بنورا، فوجد أثر خيل هناك، فتنسم خبرها، فإذا خيل قد كمنت له فصادفته لأنه قصدها، فطعن طعنة نكس عن فرسه، فلما سقط إلى الأرض نزلوا فاحتزوا رأسه ذبحاً، وأخذوا ما كان معه من المال وغيره، وكان مذهبه أن يحمل ماله معه أين توجه، وقتل ابنه معه وغلام من جملة خمسة غلمة كانوا معه، وإن الغلام المقتول قاتل حتى قتل.

أحمد بن الحسين بن الحسن بن علي

وكان قتل المتنبي يوم الاثنين لخمس بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاث مئة. وحدث أنه لما نزل المنزل الذي رحل منه فقتل جاءه قوم خفراء فطلبوا منه خمسين درهماً ليسيروا معه فمنعه الشح والكبر، وتقدموه فكان من أمره ما كان. أحمد بن الحسين بن الحسن بن علي أبو بكر الأنصاري البروجردي الصوفي قدم دمشق سنة إحدى عشرة وأربع مئة، وحدث بها. روى عن أبي يعلى حمزة بن جعفر العلوي بسنده عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه. أحمد بن الحسين بن حيدرة أبو الحسين المعروف بابن خراسان الأطرابلسي شاعر مشهور. وصل دمشق لما وصل إليها بنو علوش وأقام بها أشهراً وتزوج بعد. رجل صافي الأخلاق من الرفق، مخلوق من أحسن الخلق، تشهد كرائم أخلاقه بطيب أعراقه، ريان من الفضل، يهتز في الأريحية اهتزاز النصل. شاعر مطبوع مترسل. أقام أيام مقامه بدمشق يتنقل في الحدائق ويقطع أوقاته بالشرب، ولا يدخل للحمام. ومن شعره: الطويل دعوني لقاً في الحرب أطفو وأرسب ... ولا تنسبوني فالقواضب تنسب

أحمد بن الحسين بن داناج أبو العباس

وإن جهلت جهال قومي فضائلي ... فقد عرفت فضلي معد ويعرب ولا تعتبوني إذ خرجت مغاضباً ... فمن بعض ما في ساحل الشام يغضب وكيف التذاذي ماء دجلة معرقاً ... وأمواه لبنانٍ ألذ وأعذب فما لي وللأيام لا در درها ... تشرق بي طوراً وطوراً تغرب مات أبو الحسين ابن خراسان سنة ست وتسعين وأربع مئة بطرابلس، وكان سبب وفاته ضربٌ ناله من فخر الملك بن عمار لهجاءٍ قاله فيه وفي أخيه. أحمد بن الحسين بن داناج أبو العباس الزاهد الاصطخري سكن مصر. وسمع جماعة. حدث في خمس وثلاثين وثلاث مئة إملاء بسنده عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في الشونير: عليكم بهذه الحبة السوداء فإن فيها شفاء من كل شيء إلا السام، يريد الموت. كان فارساً ممتعاً بإحدى عينيه رجلاً صالحاً زاهداً. كتب الحديث بمصر. وكان كتب عن أهل بلده والغرباء. وكتب عنه قبيل وفاته، وأملى عليهم في المسجد الجامع العتيق. توفي بمصر يوم الاثنين يوم عشرين من شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وثلاث مئة. أحمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم أبو العباس مولى بني هاشم يعرف بزبيدة من أهل باب كيسان. حدث بدمشق عن أبي عبيد الله بن أخي ابن وهب عن عبد الله - يعني ابن عمرو - قال: رأيت رسول الله يسبح ويعقد بيده.

أحمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم

وروى عن سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل بسنده عن أبي هريرة قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المرأة تحتلم هل عليها غسل؟ فقال نعم. إذا وجدت الماء فلتغتسل. أحمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم ابن الحكم بن عبد الله أبو زرعة الحافظ الرازي قدم دمشق سنة تسع وأربعين وثلاث مئة وسمع بها وبنيسابور وببلخ وببغداد وبمصر وبتنيس. وروى عنه جماعة. روى عن أبي حامد أحمد بن محمد بن بلال بنيسابور بسنده عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أقل ساكني الجنة النساء. وروى أيضاً عن أبي الحسين بن الجنيد الرازي بدمشق بسنده عن نافع عن ابن عمر قال: أتى سعد بن أبي وقاص إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: بأبي وأمي يا رسول الله، علمت أن لكل شيء ثمرة، وثمرة الصلاة الدعاء، وأحب أن تعلمني يا رسول الله. قال: يا سعد، تريد أن تتعلم الدعاء؟ قال: ببركتك يا رسول الله، قال: تعلم ما يصلح الدعاء قبل تعليمك الدعاء. قال: وما يصلح الدعاء يا رسول الله؟ قال: مطعمك يا سعد، من أحب أن تستجاب دعوته فليطب مطعمه، يا سعد، لحم نبت على السحت النار أولى به، يا سعد من لم يبال من أين يأتيه رزقه كان حقيقاً على الله ألا يبالي من أيما باب من أبواب جهنم أدخله. وحدث بسنده عن البيهقي قال: وقف أعرابي على مجلس قومٍ في المسجد فقال: أيها الناس، والله ما نتخذ السؤال صناعةً، ولا نعد الاختذاء بضاعةً، وإنها لأصعب علينا من وقع ظبى السيوف، وأمر من تجرع كاسات الحتوف. ولكن منع الاضطرار الاختيار، وإنا كنا في عيش رقيق

أحمد بن الحسين بن علي بن مهدي

الحواشي فطواه الدهر بعد السعة، وأفضى بنا بعد العلاء إلى الضعة، حتى لقد لبسنا أيدينا من القر، وأفنينا سرابيلنا من الضر، ولم نر داراً أعز من الدنيا، ولا طالباً أغشم من الموت، ومن عصف عليه الليل والنهار أردياه، ومن وكل به الموت أفناه، فرحم الله من أعطى من سعة، أو وافى من كفاف، أو آثر من خصاصة. فلم يبق في المسجد أحد إلا إعطاه. وسئل أبو زرعة عن مولده فقال: لست أحقه، ولكني خرجت إلى العراق أول دفعةٍ لطلب الحديث سنة اربع وعشرين وثلاث مئة وكان لي إذ ذاك أربع عشرة سنة أو نحوها. ووجد في كتاب أبي القاسم بن الثلاج بخطه: فقد أبو زرعة أحمد بن الحسين الرازي في طريق مكة سنة خمس وسبعين وثلاث مئة. أحمد بن الحسين بن علي بن مهدي ابن علي بن جابر أبو الحسين الأطرابلسي المعروف بابن الشماع سكن عسقلان. وقدم دمشق وحدث بها. روى بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت. توفي أبو الحسين بن الشماع بعسقلان في صفر أو ربيع سنة اثنتين وثمانين وأربع مئة. أحمد بن الحسين بن مهران أبو بكر الأصبهاني المقرىء سكن نيسابور. وهو من القراء المشهورين بخراسان. له تصانيف في القراءات. إمام عصره في القراءات، وأعبد القراء. وكان مجاب الدعوة. روى بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: نحرنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. مرض أبو بكر بن مهران في العشر الأواخر من رمضان ثم اشتد به المرض في شوال.

أحمد بن الحسين أبو الحسين

وتوفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من شوال سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، وهو يوم مات ابن ست وثمانين سنة. وتوفي ذلك اليوم أبو الحسن العامري صاحب الفلاسفة. قال عمر بن أحمد الزاهد: سمعت الثقة من أصحابنا يذكر أنه رأى أبا بكر بن الحسين بن مهران في المنام في الليلة التي دفن فيها، قال: فقلت: أيها الأستاذ، ما فعل الله بك؟ فقال: إن الله عز وجل أقام أبا الحسن العامري بحذائي وقال لي: هذا فداؤك من النار. أحمد بن الحسين أبو الحسين ابن التمار المؤذن مؤذن جامع دمشق. حدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا أنام إلا على وتر وصلاة الضحى وصوم ثلاثة أيام من كل شهر. أحمد بن الحسين أبو الحسن البغدادي البزي يعرف بالبسطامي روى بسنده عن ابي ذر البعلبكي عن مشايخه عن عائشة قالت: سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لعلي: حسبك، ما لمحبك حسرةٌ عند موته، ولا وحشةٌ في قبره، ولا فزعٌ يوم القيامة. قال: أبو ذر شيخ مجهول.

أحمد بن حفص بن عمر بن صالح

أحمد بن حفص بن عمر بن صالح ابن عطاء بن السائب بن أبي السائب المخزومي البلقاوي روى بسنده أن أبا هريرة قال: أتى رجلٌ من أسلم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو في المسجد، فناداه فقال: يا رسول الله، إن الآخر زنى، يريد نفسه، فأعرض عنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فأعرض عنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتنحى له فأعرض عنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتنحى عنه الرابعة فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: بك جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: اذهبوا به فارجموه، وكان قد أحصن. أحمد بن حفص بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة أبو عمرو - ويقال: اسمه: عبد الحميد له صحبة. وهو الذي طلق فاطمة بنت قيس. شهد خطبة عمر بالجابية وعارضه في عزل خالد بن الوليد بن المغيرة. وروى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مدح خالد. وكانت تحته فاطمة بنت قيس فطلقها، فأتت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: لا نفقة لك. وفاطمة بنت قيس هي أخت الضحاك بن قيس الفهري. طلقها أبو عمرو وهو غائب بالشام. أحمد بن الحكم أبو حزية ويقال أبو حرب البلقاوي من أهل البلقاء عمل دمشق. حدث عن عبد الله بن إدريس، قال: وهو أحد المجهولين - قال: وفد على مولاي ملك البجة رجل من أهل الشام يستميحه، يقال له عبد الرحمن ابن هرمز الأعرج، فقدم إليه طعاماً على مائدة فتحركت القصعة على المائدة فأسندها الملك برغيف. فقال له عبد الرحمن بن هرمز: حدثني أبو هريرة قال: سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:

أحمد بن حمدون بن إسماعيل بن داود

إذا خرجتم في حج أو عمرة فتمتعوا كيلا تتكلوا، وأكرموا الخبز فإن الله سخر له بركات السماء والأرض، ولا تسندوا القصعة بالخبز فإنه ما أهانه قوم إلا ابتلاهم الله بالجوع. أبو حزية بالحاء المهملة والزاي. أحمد بن حمدون بن إسماعيل بن داود أبو عبد الله الكاتب شاعر في غاية الظرف والملاحة والأدب. قدم دمشق في صحبة المتوكل وامتدحه البحتري. وذكره أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الورقة في أسماء الشعراء، وأنشد له في أحمد بن محمد بن ثوابة. وكان ابن حمدون يلقبه لبابة، وكان ابن ثوابة قد دعا أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب فترك لموسى بن بغا رغيفاً من بيت ابن ثوابة، فمات موسى من غد ذلك اليوم فقال شعراً. قال أبو عبد الله بن حمدون: كنت مع المتوكل لما خرج إلى دمشق، فركب يوماً إلى رصافة هشام بن عبد الملك يدور في قصوره وقصور ولده، ثم خرج فدخل إلى دير هناك قديم من بناء الروم حسن البناء بين مزارع وأنهار، فدخل، فبينا هو يدور إذ بصر برقعةٍ قد ألصقت في صدره فأمر بأن تقلع وتنزل فقلعت فإذا فيها مكتوب: من الطويل أيا منزلاً بالدير أصبح خالياً ... تلاعب فيه شمال ودبور كأنك لم يسكنك بيضٌ أوانسٌ ... ولم يتبختر في فنائك حور وأبناء أملاكٍ عباشم سادةٌ ... صغيرهم عند الأنام كبير إذا لبسوا أدراعهم فعنابس ... وإن لبسوا تيجانهم فبدور على أنهم يوم اللقاء ضراغمٌ ... وأنهم يوم النوال بحور ولم يشهدوا الصهريج والخيل حوله ... لديه فساطيطٌ لهم وخدور

أحمد بن حمزة بن محمد بن حمزة بن خزيمة

وحولك راياتٌ لهم وعساكرٌ ... وخيلٌ لها بعد الصهيل شخير ليالي هشام بالرصافة قاطنٌ ... وفيك ابنه يا دير وهو أمير إذ العيش غضٌّ والخلافة لدنةٌ ... وأنت طريرٌ والزمان غرير وروضك مرتاضٌ ونورك نير ... وعيش بني مروان فيك نضير بلى فسقاك الغيث صوب غمامةٍ ... عليك لها بعد الرواح بكور تذكرت قومي خالياً فبكيتهم ... بشجوٍ ومثلي بالبكاء جدير فعزيت نفسي وهي نفسٌ إذا جرى ... لها ذكر قومي أنةٌ وزفير لعل زماناً جار يوماً عليهم ... لهم بالذي تهوى النفوس تدور فيفرح محزونٌ وينعم يائسٌ ... ويطلق من ضيق الوثاق أسير رويدك إن اليوم يتبعه غدٌ ... وإن صروف الدائرات تدور فلما قرأها المتوكل ارتاع وتطير وقال: أعوذ بالله من سوء أقداره، ثم دعا بالديراني فقال: من كتب هذه الرقعة؟ قال: لا أدري والله، وأنا منذ نزل أمير المؤمنين هذا الموضع لا أملك من أمر الدير شيئاً، يدخله الجند والشاكرية ويخرجون وغاية قدرتي أني متولد في فلاتي، فهم بضرب عنقه وخراب الدير فكلمه الجلساء وقالوا: ليس هذا ممن يتهم بالانحراف عنك والميل إلى بني أمية. إنه ليس من أهل هذه الملة. ولم يزل الفتح بن خاقان يشفع إليه حتى أمسك عنه. ثم بان بعد ذلك أن الذي كتب الأبيات رجل من ولد روح بن زنباع الجذامي، وكانت أمه من موالي هشام. مات أحمد بن حمدون يوم الثلاثاء النصف من شعبان سنة أربع وستين ومئتين. أحمد بن حمزة بن محمد بن حمزة بن خزيمة أبو إسماعيل الهروي الحداد الصوفي، المعروف بعمويه شيخ الصوفية بهراة قدم دمشق، وسمع بها وأطرابلس وغيرها وصور ونهاوند ونيسابور.

أحمد بن حميد بن سعيد بن خالد

حدث عن أبي الحسين عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد الكلابي بسنده عن عائشة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن من الشعر حكمة. سافر الكثير، ولقي المشايخ وطاف بالبلاد. توفي بهراة في غرة رجب سنة إحدى وأربعين وأربع مئة. وكان مولده سنة تسع وأربعين وثلاث مئة. أحمد بن حميد بن سعيد بن خالد ابن حميد بن صهيب بن طليب بن بخيت بن علقمة بن الصبر أبو الحسن الأزدي، المعروف بابن أبي العجائز، وهو جده سعيد حدث عن جماعة. وروى عن علي بن غالب بن سلام بسنده عن سمرة أن نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل. يعني يوم الجمعة.

من اسم أبيه على حرف الخاء

من اسم أبيه على حرف الخاء أحمد بن خالد أبو العباس الدامغاني نزيل نيسابور. سمع بدمشق والحجاز ومصر والعراق وغيرها. حدث عن هشام بن عمار بسنده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عليكم بهذا العلم قبل أن يقبض، وقبل أن يرفع - ثم جمع بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام هكذا ثم قال: العالم والمتعلم في الخير شريكان، ولا خير في سائر الناس بعد. قال أبو زكريا: فالعالم والمتعلم في الأجر سيان، كما أن الداعي والمؤمن في الدعاء شريكان. وحدث أيضاً عن داود بن رشيد بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سافروا تصحوا وتغنموا. قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: أحمد بن خالد شيخ مفيد، كثير الرحلة، سكن نيسابور، وتوفي بها. وقال غيره: توفي سنة ثمان وثمانين ومئتين. أحمد بن خالد رجل من أهل دمشق قال أحمد بن خالد: إن محمد بن صالح بن بيهس قال لبني حنظلة وجماعة من وجوه أهل المزة بحضرة عبد الله بن طاهر: سترتم أبا العميطر ومسلمة المرواني خلافاً على أمير المؤمنين؟ فقالوا له: نحن لم نسترهم حتى خلعوا أنفسهم مما تسموا به.

أحمد بن الخضر بن بكر بن حماد

أحمد بن الخضر بن بكر بن حماد ابن الخاضب أبو بكر الإمام حدث عن أبي عمر بن كودك بسنده عن زياد بن أبي زياد قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا الفتى يعني: عمر بن عبد العزيز، وهو على المدينة. أحمد بن خلف حدث عن أحمد بن أبي الحواري بسنده عن علقمة بن الحارث قال: قدمت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا سابع سبعة من قومي، فسلمنا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرد علينا، وكلمناه فأعجبه كلامنا، فقال: ما أنتم؟ قلنا: مؤمنون، قال: لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانكم؟ قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس أمرتنا بها رسلك، وخمس أمرتنا بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية، ونحن عليها إلى الآن، إلا أن تنهانا يا رسول الله. قال: وما الخمس التي أمرتكم بها؟ قالوا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره. قال: وما الخمس التي أمرتكم بها رسلي. قلنا: أمرتنا رسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، ونقيم الصلاة المكتوبة، ونؤتي الزكاة المفروضة، ونصوم شهر رمضان، ونحج البيت إن استطعنا إليه السبيل. قال: وما الخصال التي تخلقتم بها في الجاهلية؟ قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والصدق في مواطن اللقاء، والرضا بمر القضاء، وترك الشماتة إذا حلت بالأعداء. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فقهاء، أدباء، كادوا يكونون أنبياء من خصال ما أشرفها، وتبسم إلينا ثم قال: وأنا أوصيكم بخمس خصال. لتكمل لكم خصال الخير: لا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تتنافسوا فيما غداً عنه تزولون، واتقوا الله الذي يعني أنتم إليه راجعون وعليه تقدمون، وارغبوا فيما إليه تصيرون وفيه تخلدون.

أحمد بن خلف الدمشقي نزيل بخارى

أحمد بن خلف الدمشقي نزيل بخارى حدث عن أبيه قال: سمعت الربيع يقول: قال الشافعي: الشرب في الخزف لا تطيب به نفسي، أخاف أن يكون طرحوا في التراب النجاسة والنار لا تطهره عندي، والشرب في الصفر والنحاس ربما ظهر في الماء رائحته فأفسده، والشرب في الرصاص يضر الجوف، والشرب في الفضة حرام، فلا شيء أصلح من الشرب في الزجاج. قال الربيع: وكان الشافعي أكثر شربه في كوز زجاج أو قدح زجاج. أحمد بن خليد بن يزيد أبو عبد الله الكندي الحلبي سمع بدمشق وبحلب وبالثغور وبالحجاز وبحمص وبالعراق. حدث عن عبد الله بن يزيد بن راشد الدمشقي بسنده عن جابر أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا طلاق لمن لا يملك، ولا عتاق لمن لا يملك. وحدث عن أبي نعيم الفضل بن دكين بسنده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع زوجها أو ابنها أو ذي رحم. وقيل: أو ذي محرم. وحدث بسنده عن أبي كبشة الأنماري قال: خرجت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة من مغازيه، فنزل منزلاً فأتيناه فيه فرفع يديه وقال: الإيمان يمانٍ والحكمة ها هنا، إلى لخم وجذام. وحدث بحلب سنة ثمان وسبعين ومئتين عن يوسف بن يونس الأفطس بسنده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إذا كان يوم القيامة دعا الله عبداً من عبيده فيوقفه بين يديه فيسأله عن جاهه كما يسأله عن ماله.

أحمد بن الخير الأنطرطوسي الإمام

أحمد بن الخير الأنطرطوسي الإمام من عمل طرابلس، إمام جامع انطرطوس حدث بها عن أبي ثوبان مزداد بن جميل بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صلوا العشاء قبل أن يكسل الكبير وينام الصغير.

من اسم أبيه على حرف الدال المهملة

من اسم أبيه على حرف الدال المهملة أحمد بن داود من العبّاد حدث أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول لأحمد بن داود: يابن داود، إن الناس كلهم قد عملوا على الرجاء، فإن استطعت أنت وحدك تعمل على الخوف فاعمل. حدث أحمد بن داود قال: بينما سليمان بن داود يمشي مع أبيه، وهو غلام، إذ سمع صوت الرعد، فخر ولصق بفخذ أبيه داود فقال له: يا بني هذا صوت مقدمات رحمته، فكيف لو سمعت صوت مقدمات غضبه؟ أحمد بن داود بن أبي نصر ويقال: ابن نصر ويقال: ابن نصير - أبو بكر الحنظلي القومسي السمناني سمع بدمشق وغيرها. حدث عن محمد بن حميد الرازي بسنده عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يأتي على الناس زمان يخير الرجل بين العجز والفجور، فمن أدرك ذلك فليختر العجز على الفجور. وحدث عن مسروق بن المرزبان بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أعجز الناس من عجز بالدعاء، وإن أبخل الناس من بخل بالسلام.

أحمد بن أبي داود القاضي

وحدث عن هشام بن عمار بسنده عن أبي الدرداء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قول الله عز وجل " كل يومٍ هو في شأنٍ " قال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين. توفي سنة خمس وتسعين ومئتين. أحمد بن أبي داود القاضي وهو أحمد بن أبي داود - اسم أبي داود: فرج - وقيل: دعمي - بن جرير بن مالك بن عبد الله بن عباد بن سلام بن مالك بن عبد هند بن لخم بن مالك بن قنص بن منعة بن برجان بن دوس بن الدئل بن أمية بن حذاقة بن زهر بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان. قدم دمشق في صحبة المعتصم مجتازاً إلى مصر. حماها الله تعالى. قال المأمون لأحمد بن أبي داود: ما اسم أبيك؟ قال: هو اسمه. يعني الكنية. والصحيح أن اسمه كنيته. ولي ابن أبي داود قضاء القضاة للمعتصم ثم للواثق، وكان موصوفاً بالجود والسخاء وحسن الخلق ووفور الأدب، غير أنه أعلن بمذهب الجهمية، وحمل السلطان على امتحان الناس بخلق القرآن. قال ابن النطاح: أحمد بن أبي داود بن قبيلة يقال لهم بنو زهر إخوة قوم يعرفون بحذاق.

قال الصولي: وذكر أبو تمام الطائي هذا في خطابه لابن أبي داود فقال: من الكامل فالغيث من زهرٍ سحابة رأفةٍ ... والركن من شيبان طود حديد لأن ابن أبي داود كان غضب عليه فشفع فيه خالد بن يزيد الشيباني فلتلك قال: والركن من شيبان ... وحكى الصولي عن أبي العيناء عنه أنه قال: ولدت سنة ستين ومئة بالبصرة. قال أبو الهذيل: دخلت على ابن أبي داود وابن أبي حفصة ينشده: من الوافر فقل للفاخرين على نزارٍ ... ومنها خندفٌ وبنو إياد رسول الله والخلفاء منا ... ومنا أحمد بن أبي داود فقال لي أبو عبد الله: كيف تسمع يا أبا الهذيل؟ فقلت: هذا يضع الهناء مواضع النقب. قال أبو هفان: لما قال مروان بن أبي الجنوب في ابن أبي داود: رسول الله والخلفاء منا ... ومنا أحمد بن أبي داود قلت: أنقض عليه: فقل للفاخرين على نزارٍ ... وهم في الأرض سادات العباد رسول الله والخلفاء منا ... ونبرأ من دعي بني إياد وما منا إيادٌ إذ أقرت ... بدعوة أحمد بن أبي داود وقال ابن أبي داود: ما بلغ مني أحد ما بلغ هذا الغلام المهزمي، لولا أني أكره أن أنبه

عليه لعاقبته عقاباً لم يعاقب أحدٌ مثله، جاء إلى منقبة كانت لي فنقضها عروة بعروة. قال يعقوب بن أبي إسحاق الصائغ: لما وجه المأمون بأبي إسحاق المعتصم إلى مصر وعقد له من باب الأنبار إلى أقصى الغرب قال ليحيى بن أكثم: ينبغي أن ترتاد لي رجلاً لبيباً، له علم وأمانة، أنفذه مع أبي إسحاق، وأوليه المظالم في أعماله، وأتقدم إليه سراً بمكاتبتي سراً بأخباره وما يجري عليه أموره، وبما يظهر ويبطن، وما يرى من أمور قواده وخاصته، وكيف تدبيره لي الأموال وغيرها، فإني لست أثق بأحد ممن يتولى البريد، وما أحب أن أجشمه بتقليد صاحب البريد عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، عندي رجل من أصحابه أثق بعقله ورأيه وصدقه، فقال: جئني به في يوم كذا. فصار يحيى بأحمد بن أبي داود إلى المأمون فكلمه فوجده فهماً راجحاً فقال له: أريد إنفاذك مع أخي أبي إسحاق وأريد أن تكتب بأخباره سراً وتفتقد أحواله وأموره وتدبيره وخبر خاصته وخلواته، وتنفذ كتبك بذلك إلى يحيى بن أكثم مع ثقاتك، فقال له أحمد: أبلغ لك في ذلك فوق ما قدرته عندي، فجمع المأمون بين أحمد بن أبي داود وبين المعتصم وقال: قد اخترت لك هذا الرجل، فضمه إليك، فأخذه المعتصم. فلما بلغوا الأنبار وافت كتب البريد بموافاة المعتصم بالأنبار، فقال المأمون ليحيى: ترى ما كان من بغداد إلى الأنبار خبر يكتب به صاحبك إليك؟ فقال يحيى: لعله يا أمير المؤمنين لم يحدث خبر تجب المكاتبة به. وكتب يحيى إلى أحمد يعنفه ويخبره إنكار أمير المؤمنين تأخر كتبه، فوقف أحمد على الكتاب واحتفظ به ولم يجب عنه، وشخص المعتصم حتى وافى الرحبة، ولم يكتب أحمد بحرف واحد من أخبار المعتصم، وكتب أصحاب البريد بموافاة المعتصم للرحبة وأخبار عسكره، فتضاعف إنكار المأمون على يحيى، وكتب يحيى إلى أحمد وأغلظ له المخاطبة وأسمعه المكروه، فورد الكتاب على أحمد فقرأه واحتفظ به. وسار المعتصم من الرحبة حتى وافى الرقة فتضاعف إنكار المأمون على يحيى وقال له: يا سخين العين، هذا مقدار رأيك وعقلك اللئيم إلا أن تكون غررتني متعمداً. فكتب إلى أحمد كتاباً يشتمل على كل إيعاد وإرهاب وتحذير وتخويف وخاطبه بأفحش مخاطبة فورد الكتاب على أحمد فقرأه واحتفظ به.

وأمر المأمون عمرو بن مسعدة أن يكتب إلى المعتصم يأمره بالبعثة بأحمد بن أبي داود مشدودة يده إلى عنقه مثقلاً بالحديد محمولاً على غير وطاء، فورد الكتاب على المعتصم. ودخل أحمد بن أبي داود إليه وهم بالرقة ما جاوزوها، فرأى المعتصم كئيباً، مغموماً، فقال: أيها الأمير، أراك مفكراً، وأرى لونك حائلاً. فقال: نعم، الكتاب ورد علي من أجلك، ونبذ إليه بالكتاب، فقرأه أحمد، فقال له المعتصم: تعرف لك ذنباً يوجب ما كتب به أمير المؤمنين؟ قال: ما اقترفت ذنباً، إلا أن أمير المؤمنين لا يستحل هذا مني إلا بحجة، فما الذي عند الأمير فيما كتب به إليه؟ فقال: أمر أمير المؤمنين لا يخالف، لكني أعفيك من الغل والحديد وأحملك على حال لا توهنك، وأوجهك مع غلام من غلماني أتقدم إليه بترفيهك وأن لا يعسفك فشكره وقال: إن رأيت أن تأذن لي في المصير إلى منزلي ومعي من يراعيني إلى أن أعود فافعل. فقال له: امض ووجه معه خادماً، فصار أحمد إلى منزله واستخرج الكتب الثلاثة ورجع إلى المعتصم فأقرأه إياها، وقال: إنما بعثت لأكتب بأخبارك وأتفقد أحوالك، وأكاتب يحيى بذلك ليقرأه على أمير المؤمنين، فخالفت ذلك لما رجوته من الحظوة عندك ولما أملته منك، فاستشاط المعتصم غضباًن وكاد يخرج من ثيابه غيظاً، وتكلم في يحيى بكل مكروه، وتوعده بكل بلاء وقال لأحمد: يا هذا، لقد رعيت لنا رعايةً لم يتقدمها إحساننا إليك، وحفظت علينا ما نرجو أن يتسع لمكافأتك عليه، ومعاذ الله أن أسلمك أو تنالك يد ولي قدرة على منعها منك، أو أوثر خاصة أو حميماً عليك ما امتد بي عمر، فكن معي فأمرك نافذ في كل ما ينفذ فيه أمري، ولم يجب المأمون على كتابه، ولم يزل معه إلى أن ولي الخلافة وإلى أن ولي الواثق وإلى أيام المتوكل، فأوقع به. نقلته مختصراً. قال أبو نصر بن ماكولا: داود: بضم الدال المهملة وفتح الواو المخففة: أحمد بن أبي داود قاضي المعتصم والواثق،

كان موصوفاً بجودة الرأي والكرم، وهو الذي امتحن العلماء بالقول في القرآن، وبدعوتهم إلى خلق القرآن. كان يقال: أكرم من كان في دولة بني العباس البرامكة ثم ابن أبي داود، لولا ما وضع نفسه من محبة المحنة لاجتمعت الألسن عليه ولم يضف إلى كرمه كرم أحدٍ. وكان شاعراً مجيداً فصيحاً بليغاً. قال أبو العيناء: ما رأيت رئيساً أفصح ولا أنطق من ابن أبي داود. حدث حريز بن أحمد بن أبي داود أبو مالك قال: كان أبي إذا صلى رفع يده إلى السماء وخاطب ربه وأنشأ يقول: من الكامل ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يدعى الطبيب لساعة الأوصاب قال محمد بن بوكرد: لم يكن لقاضي القضاة أحمد بن أبي داود أخ من الإخوان إلا بنى له داراً على قدر كفايته، ثم وقف على ولد الإخوان ما يغنيهم أبداً، ولم يكن لأحد من إخوانه ولد إلا من جاريةٍ هو وهبها له. دخل أبو تمام الطائي على أحمد بن أبي داود فقال له: أحسبك عاتباً يا أبا تمام؟ قال: إنما يعتب على واحدٍ، وأنت الناس جميعاً فكيف يعتب عليك؟ فقال من أين هذه يا أبا تمام؟ قال: من قول الحاذق - يعني: أبا نواس - للفضل بن الربيع: من السريع وليس لله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد قال علي الرازي: رأيت أبا تمام عند ابن أبي داود، ومعه رجل ينشد عنه: من الوافر

لقد أنست مساوىء كل دهرٍ ... محاسن أحمد بن أبي داود وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي يقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد فقال ابن أبي داود: هذا المعنى تفردت به أو أخذته؟ قال: هو لي وقد ألمحت فيه بقول أبي نواس: من الطويل وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني قال مسبح بن حاتم: لقيني قاضي القضاة أحمد بن أبي داود فقال بعد أن سلم علي: ما يمنعك أن تسألني؟ فقلت له: إذا سألتك فقد أعطيتك ثمن ما أعطيتني. فقال لي: صدقت. وأنفذ إلي خمسة آلاف درهم. قال أبو خليفة الفضل بن الحباب: كان في جوارنا رجل حذاء فاحتاج في أمر له أن يتظلم إلى الواثق، فأخبرنا أنه رفع قصته إليه فأمر برده إلى ابن أبي داود مع جماعة من المتظلمين قال: فحضرت إليه ينظر في أمور الناس، وتشوقت لينظر في أمري فأومأ إلي بالانتظار، فانتظرت حتى لم يبق أحدٌ فقال لي: أتعرفني؟ قلت: ولا أنكر القاضي. قال: ولكني أعرفك، مضيت يوماً في الخلاء فانقطعت نعلي وأعطيتني شسعاً لها، فقلت لك: إني أجيئك بثواب ذلك، فتكرهت قولي، وقلت: وما مقدار ما فعلت، امض في حفظ الله، والله لأصلحن زمانك كما أصلحت نعلي ثم وقع لي في ظلامتي ووهب لي خمس مئة درهم، وقال: زرني في كل وقت. قال: فرأيناه بمتسع الحال بعد أن رأيناه مضيقاً. حدث أبو مالك حريز بن أحمد بن أبي داود قال: قال الواثق يوماً لأبي تضجراً بكثرة حوائجه: يا أحمد، قد اختلت بيوت الأموال بطلباتك، اللائذين بك والمتوسلين إليك فقال: يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بحلو المدح فيك. فقال: يا أبا عبد الله،، والله لا منعناك ما يزيد في عشقك، ويقوي من همتك، فتناولنا بما أحببت.

قال الحارث بن أسامة: أمر الواثق لعشرة من بني هاشم بعشرة آلاف درهم على يد ابن أبي داود، فدفعها إليهم فكلمه نظراؤهم ففرق فيهم عشرة آلاف درهم لعشرة مثل أولئك من عنده على أنها من عند الواثق، فبلغه ذلك فقال له: يا أبا عبد الله، مالنا أكثر من مالك فلم تغرم وتضيف ذلك إلينا؟ فقال: والله، يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أجعل ثواب حسناتي لك وأجهد في عمل غيرها لفعلت، وكيف أبخل بمالٍ أنت ملكتنيه على أهلك الذين يكثرون الشكر، ويتضاعف بهم الأجر؟ قال: فوصله بمئة ألف درهم ففرق جميعها في بني هاشم. قال محمد بن عمرو الرومي: ما رأيت قط أجمع رأياً من ابن أبي داود، ولا أحضر حجةً، قال له الواثق: يا عبد الله، رفعت إلي رقة وفيها كذبٌ كبيرٌ، قال: ليس بعجبٍ أن أحسد على منزلتي من أمير المؤمنين، فيكذب علي قال: زعموا فيها أنك وليت القضاء رجلاً ضريراً. قال: قد كان ذاك، وأمرته أن يستخلف، وكنت عازماً على عزله حين أصيب ببصره، فبلغني أنه عمي من بكائه على أمير المؤمنين المعتصم، فحفظت ذلك له. قال: وفيها أنك أعطيت شاعراً ألف دينار - يعني أبا تمام - قال: ما كان ذلك ولكن أعطيته دونها، وقد أثاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كعب بن زهير الشاعر، وقال في آخر: اقطع عني لسانه. وهذا شاعر طائيٌّ مداحٌ لأمير المؤمنين مصيب محسن لو لم أرع له إلا قوله للمعتصم صلوات الله عليه في أمير المؤمنين أعزه الله: من الكامل واشدد بهارون الخلافة إنه ... سكنٌ لوحشتها ودار قرار ولقد علمت بأن ذلك معصمٌ ... ما كنت تتركه بغير سوار قال: فوصل أبا تمام بخمس مئة دينار. قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي: قال أبو تمام حبيب بن أوس: من الوافر

أيسلبني ثراء المال ربي ... وأطلب ذاك من كفٍّ جماد زعمت إذاً بأن الجود أمسى ... له ربٌّ سوى ابن أبي داود قال ابن الأعرابي: سأل رجلٌ قاضي القضاة أحمد بن أبي داود أن يحمله على عير فقال: يا غلام، أعطه عيراً وبغلاً وبرذوناً وفرساً وجارية ثم قال: أما والله لو عرفت مركوباً غير هذا لأعطيتك. قال أبو العيناء: ما رأيت في الدنيا أحداً أحرص على أدب من ابن أبي داود، ولا أقوم على أدب منه، وذلك أني ما خرجت من عنده يوماً قط فقال: يا غلام خذ بيده، بل كان يقول: يا غلام اخرج معه، فكنت أنتقد هذه الكلمة عليه، فلا يخل بها ولا أسمعها من غيره. قال عون بن محمد الكندي: عهدي بالكرخ ببغداد وإن رجلاً لو قال: ابن أبي داود مسلم قتل في مكانه، ثم وقع الحريق في الكرخ وهو الذي ما كان مثله قط، فكلم ابن أبي داود المعتصم في الناس وقال: يا أمير المؤمنين، رعيتك في بلد آبائك ودار ملكهم نزل بهم هذا الأمر فاعطف عليهم بشيء يفرق فيهم يمسك أرماقهم ويبنون به ما انهدم عليهم، ويصلحون به أحوالهم، فلم يزل ينازله حتى أطلق له خمسة آلاف ألف درهم فقال: يا أمير المؤمنين، إن فرقها عليهم غيري خفت ألا تقسم بالسوية فائذن لي في تولي أمرها ليكون الأجر أكبر والثناء أوفر. قال: ذلك إليك، فقسمها على مقادير الناس وما ذهب منهم نهاية ما يقدر عليه من الاحتياط واحتاج إلى زيادة فازدادها من المعتصم. وغرم من ماله في ذلك غرماً كبيراً، فكانت هذه من فضائله التي لم يكن لأحد مثلها. قال عون: فلعهدي بالكرخ بعد ذلك وإن إنساناً لو قال: زر ابن أبي داود وسخ لقتل. حدث علي بن الحسين الاسكافي قال: اعتل أحمد بن أبي داود فعاده المعتصم فقام فتلقاه وقال له: قد شفاني الله بالنظر إلى أمير المؤمنين، فدعا له بالعافية وقال له: إني نذرت إن عافاك الله أن أتصدق بعشرة آلاف

دينار فقال له: يا أمير المؤمنين، اجعلها لأهل الحرمين فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتاً، فقال: نويت أن أتصدق بها ها هنا، وأنا أطلق لأهل لأهل الحرمين مثلها، ثم نهض فقال له: أمتع الله الإسلام وأهله ببقائك يا أمير المؤمنين، فإنك كما قال النمري لأبيك الرشيد: من البسيط إن المكارم والمعروف أوديةٌ ... أحلك الله منها حيث تجتمع من لم يكن بأمين الله معتصماً ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع فقيل للمعتصم في ذلك لأنه عاده وليس يعود إخوته وأخلاء أهله فقال المعتصم: كيف لا أعود رجلاً ما وقعت عيني عليه قط إلا ساق إلي أجراً، أو أوجب لي شكراًن أو أفادني فائدة تنفعني في ديني ودنياي، وما سألني حاجة لنفسه قط. قال محمد بن عبد الملك الزيات: كان رجلٌ من ولد عمر بن الخطاب لا يلقى أحمد بن أبي داود في محفلٍ ولا وحده إلا لعنه ودعا عليه، وابن أبي داود لا يرد عليه شيئاً. قال: فعرضت لذلك الرجل حاجة إلى المعتصم فسألني أن أرفع له قصته إليه، فمطلته واتقيت ابن أبي داود، فلما ألح علي عزمت على أن أوصل قصته، وتذممت من مطلبي. فدخلت ذات يوم على المعتصم وقصته معي واغتنمت غيبة ابن أبي داود فرفعت قصته إليه، فهو يقرأها إذ دخل ابن أبي داود والقصة في يد المعتصم، فلما قرأها دفعها إلى ابن أبي داود، فلما نظر إليها، واسم الرجل في أولها قال: يا أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، يا أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، ينبغي أن يقضى لولده كل حاجة له، فوقع له أمير المؤمنين بقضاء الحاجة. قال محمد بن عبد الملك: فخرجت والرجل جالس فدفعت إليه القصة وقلت له: تشكر لأبي عبد الله القاضي فهو الذي اعتنق قصتك وسأل أمير المؤمنين في قضاء حاجتك. قال: فوقف حتى خرج ابن أبي داود، فجعل يدعو له ويتشكر له فقال له: اذهب عافاك الله فإني إنما فعلت ذلك لعمر بن الخطاب لا لك. قال إسحاق بن إبراهيم: كنت عند الواثق يوماً، وهو بالنجف، فدخل ابن أبي داود، فقعد معنا نتحدث ولم

يك خرج الواثق بعد، فقال لي أحمد بن أبي داود: يا إسحاق قلت: لبيك، قال: أعجبني هذان البيتان، قلت: أنشدني فما أعجبك من شيء ففيه السرور، فأنشدني: من الطويل ولي نظرةٌ لو كان يحبل ناظرٌ ... بنظرته أنثى لقد حبلت مني فإن ولدت ما بين تسعة أشهرٍ ... إلى نظري أنثى فإن ابنها ابني فقلت: قد أجاد، ولكني أنشدك بيتين أرجو أن يعجباك قال: هات، فأنشدته من الطويل ولما رمت بالطرف غيري ظننتها ... كما أثرت بالطرف توثر بالقلب وإني بها في كل حالٍ لواثقٌ ... ولكن سوء الظن من شدة الحب قال: أحسنت يا إسحاق وخرج الواثق فقال: فيم أنتم! فحدثه ابن أبي داود وأنشده، فأمر له بعشرة آلاف درهم وأمر لابن أبي داود بثلاثين ألفاً، فلما رجعت إلى منزلي أصبت في منزلي أربعين ألفاً فقلت: ما هذا؟ فقيل وجه إليك أبو عبد الله بهذا. قال الحسن بن خضر: كان ابن أبي داود مألفاً لأهل الأدب من أي بلد كانوا، وكان قد ضم إليه جماعة يعولهم ويمونهم. فلما مات اجتمع ببابه جماعة منهم فقالوا: يدفن من كان على ساقة الكرم وتاريخ الأدب ولا نتكلم فيه؟ إن هذا لوهنٌ وتقصيرٌ، فلما طلع سريره قام ثلاثة نفر فقال أحدهم: من البسيط اليوم مات نظام الفهم واللسن ... ومات من كان يستعدى على الزمن وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت ... شمس المعارف في غيمٍ من الكفن وتقدم الثاني فقال: من الكامل ترك المنابر والسري تواضعاً ... وله منابر لو يشا وسرير ولغيره يجبى الخراج وإنما ... تجبى إليه محامدٌ وأجور وقام الثالث فقال: من الطويل وليس نسيم المسك ريح حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف

وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنها أصلاب قومٍ تقصف قال الحسن بن ثواب: سألت أحمد بن حنبل عمن يقول القرآن مخلوق قال: كافر. قلت فابن أبي داود؟ قال: كافر بالله العظيم. قلت: بماذا كفر؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال الله تعالى: " ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم " فالقرآن من علم الله، فمن زعم أن علم الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم. قال علي بن الموفق: ناظرت قوماً أيام المحنة. قال: فنالوني بما أكره، فعدت إلى منزلي وأنا مغموم بذلك، فقدمت إلي امرأتي عشاء، فقلت لها: لست آكل، فرفعته، ونمت فرأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النوم داخل المسجد وفي المسجد حلقتان يعني: إحداهما فيها أحمد بن حنبل وأصحابه، والأخرى فيها ابن أبي داود وأصحابه، فوقف بين الحلقتين وأشار بيده فقال: " فإن يكفر بها هؤلاء " وأشار إلى حلقة ابن أبي داود " فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين " وأشار إلى الحلقة التي فيها أحمد بن حنبل. قال محمد بن يحيى الصولي: كان المتوكل يوجب لأحمد بن أبي داود ويستحيي أن ينكبه، وإن كان يكره مذهبه، لما كان يقوم به من أمره أيام الواثق وعقد الأمر له والقيام به من بين الناس، فلما فلج أحمد ابن أبي داود في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين ومئتين أول ما ولي المتوكل الخلافة ولى المتوكل ابنه محمد بن أحمد أبا الوليد القضاء ومظالم العسكر مكان أبيه، ثم عزله عنها يوم الأربعاء لعشر بقين من صفر سنة أربعين ومئتين، ووكل بضياعه وضياع أبيه ثم صولح على ألف ألف دينار، وأشهد على ابن أبي داود وابنه بشراء ضياعهم وحدرهم إلى بغداد، وولى يحيى بن أكثر ما كان إلى ابن أبي داود. وهجاهما علي بن الجهم وغيره.

قال محمد بن الواثق الذي يقال له المهتدي بالله: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلاً أحضرنا ذلك المجلس، فأتي بشيخ محصوب مقيد، فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه - يعني ابن أبي داود - قال: فأدخل الشيخ في مصلاه. قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال له: لا سلم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، بئس ما أدبك مؤدبك. قال الله تعالى: " وإذا حييتم بتحيةٍ فحيوا بأحسن منها أو ردوها " والله ما حييتني بها ولا أحسن منها. فقال ابن أبي داود: يا أمير المؤمنين، الرجل متكلم، فقال له: كلمه. فقال: يا شيخ ما تقول في القرآن؟ قال الشيخ: لم تنصفني - يعني ولي السؤال - فقال له: سل، فقال له الشيخ: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق، فقال: هذا شيء علمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه فقال: سبحان الله شيء لم يعلمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟!. قال: فخجل، وقال: أقلني. قال: والمسألة بحالها قال: نعم، قال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق، فقال: هذا شيء علمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون أم لم يعلموه؟. فقال: علموه ولم يدعوا الناس إليه قال: أفلا وسعك ما وسعهم. قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت، سبحان الله شيء علمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم؟ ثم دعا عماراً الحاجب فأمر أن يرفع عنه القيود ويعطيه أربع مئة دينار، ويأذن له في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي داود ولم يمتحن بعد ذلك أحداً. ومما قيل في ابن أبي داود: من الوافر إلى كم تجعل الأعراب طراً ... ذوي الأرحام منك بكل واد تضم على لصوصهم جناحاً ... لتثبت دعوة لك في إياد فأقسم أن رحمك في إيادٍ ... كرحم بني أمية من زياد

قال عبد العزيز بن يحيى المكي: دخلت على أحمد بن أبي داود، وهو مفلوج، فقلت: إني لم آتك عائداً، ولكني جئت لأحمد الله على أن سجنك في جلدك. قال أبو يوسف يعقوب بن موسى بن الفيرزان ابن أخي معروف الكرخي قال: رأيت في المنام كأني وأخاً لي نمر على نهر عيسى على الشط، وطرف عمامتي بيد أخي هذا، فبينا نحن نمشي إذ امرأة تقول لصديقي هذا: ما تدري ما حدث الليلة؟ أهلك الله ابن أبي داود. فقلت أنا لها: وما كان سبب هلاكه؟ قالت: أغضب الله عليه فغضب عليه من فوق سبع سماوات. قال يوماً سفيان بن وكيع لأصحابه: تدرون ما رأيت الليلة؟ وكانت الليلة التي رأوا فيها النار ببغداد وغيرها، قال: رأيت كأن جهنم زفرت فخرج منها اللهب، أو نحو هذا الكلام. فقلت: ما هذا؟ قال: أعدت لابن أبي داود. قال المغيرة بن محمد المهلبي: مات أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود - وهو وأبوه منكوبان - في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين ومئتين، ومات أبوه في المحرم سنة أربعين ومئتين يوم السبت لتسع بقين منه فكان بينه وبين ابنه شهر أو نحوه، ودفن في داره ببغداد وصلى عليه ابنه العباس.

من اسم أبيه على حرف الذال

من اسم أبيه على حرف الذال أحمد بن ذكوان إمام مسجد دمشق قال: أخطأ فيه بعض النقلة، وذكر أنه روى عن عراك بن خالد. حدث عن عراك بن خالد بن يزيد بن صبيح المري بسنده عن عكرمة قال: لما عزي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بابنته رقية امرأة عثمان بن عفان قال: الحمد لله، دفن البنات من المكرمات. قال: هكذا روي. والحديث محفوظ عن عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان المقرىء إمام جامع دمشق، وهو مذكور في ترجمته.

من اسم أبيه على حرف الراء

من اسم أبيه على حرف الراء أحمد بن ربيعة بن سليمان ابن خالد بن عبد الرحمن بن زبر والد القاضي أبي محمد حدث عن جماعة، وروى عنه ولده أبو محمد عبد الله بن أحمد القاضي. حدث أحمد بن ربيعة بسنده قال: كان أبو جعفر المنصور قد استعمل على معونة البصرة عقبة بن سلم الهنائي، فذكر من إقدامه على دماء المسلمين وأموالهم وتجبره وعتوه على الله عز وجل أمراً منكراً فظيعاً، وكان على القضاء يومئذ سوار بن عبد الله، قال: فقدم رجل من التجار في البحر بجوهرة نفيسة فبلغ خبرها عقبة بن سلم فأخذ الجوهرة منه وسجنه، فجاءت زوجة له إلى سوار بن عبد الله فقالت له: أنا بالله ثم بالقاضي فقال: وما شأنك؟. قالت: إن زوجي قدم من البحر ومعه جوهرة نفيسة، فبلغ الأمر عقبة بن سلم فخبرها فاغتصبه إياها وحبسه في السجن، قال: فبعث إليه سوار رسولاً يذكر له ما تظلمت منه المرأة إليه ويقول: إن كان ذلك حقاً فأطلق الرجل واردد عليه جوهرته، فزجره عقبة وشتم سواراً شتماً قبيحاً، فرجع الرسول فأخبر سواراً بذلك، فوجه سوار لجماعة من أمنائه بمثل تلك الرسالة ليسمعوا ما يرد الجواب فأتوه فأدوا الرسالة فرد عليهم من الشتم لهم ولسوار أمراً قبيحاً، فأتوه فأخبروه بذلك، فأرسل إليه سوار: والله لئن لم تطلق الرجل وترد عليه جوهرته لآتينك في ثياب بياض ماشياً ولأدمرن عليك بغير سلاح ولا رجال، ولأقتلنك قتلة يتحدث بها الناس. فلما سمع جلساؤه رسالة سوار قالوا له: أيها الأمير، إنه والله ما يقول شيئاً إلا يفعله، وهو سوار قاضي أمير المؤمنين، وقبائل مضر وتميم وبلعنبر كلها مستجيبة له، وأنت رجل من أهل اليمن ليس بالنصرة من عشيرتك كثير، فأجبه إلى ما أمر

أحمد بن روح بن زياد بن أيوب

به، فوجه عقبة بالرجل وبالجوهرة. ووجه معه رجالاً يشهدون عليه بقبض الرجل والجوهرة. فلما صاروا إليه صاح بهم: يا أعداء الله بماذا تشهدون علي: تطلق الرجل وترد عليه جوهرته؟! قال: فانصرفوا مرعوبين. توفي أحمد بن ربيعة يوم السبت السادس والعشرين من رمضان سنة ست وثمانين ومئتين. أحمد بن روح بن زياد بن أيوب أبو الطيب البغدادي الشعراني حدث عن جماعة منهم محمد بن حرب النشائي وغيره روى عن محمد بن حرب النشائي بسنده عن عائشة وحفصة رضي الله عنهما قالتا: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد لغير زوجها فوق ثلاث. وروى عن العباس بن الوليد بن مزيد بسنده عن عرزب الكندي أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إنه سيحدث بعدي أشياء فأحبها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر. قدم أحمد بن روح أصبهان قبل التسعين ومئتين. أحمد بن ريحان بن عبد الله أبو الطيب البغدادي حدث بصيدا عن جماعة. روى عن عباس الدوري بسنده عن أبي أوفى أنه تبع جنازة، فكان يسأل قائده إن كان أمامها برده حتى يؤخره. فلما وصلت إلى المقابر قام، فصلى، فكبر ثلاث تكبيرات ثم كبر الرابعة، ثم صبر حتى سبحنا به طويلاً فخفنا يكبر الخامسة، فلما انفتل سلم فقال: أظننتم أني أكبر الخامسة. إنما فعلت كما فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حدث أحمد بن ريحان بالرملة وصيدا ونزل بالشام.

من اسم أبيه على حرف الزاي

من اسم أبيه على حرف الزاي أحمد بن زكريا بن يحيى بن يعقوب أبو الحسن المقدسي قدم دمشق مجتازاً إلى الكوفة. روى عن جماعة. حدث عن إسماعيل بن حمدويه الببكندي بسنده عن تبهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ويلٌ للذي يحدث فيكذب ليضحك به، ويل له ويل له. وحدث عن أبي عبد الرحمن أحمد بن شيبان بسنده عن أبي موسى قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة. وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة. المعروف أن كنية أحمد بن شيبان: أبو عبد المؤمن.

من اسم أبيه على حرف السين

من اسم أبيه على حرف السين أحمد بن سالم المري ويقال أحمر بالراء شاعر قدم على عبد الملك بن مروان وامتدحه. قال عمر بن شبة: قدم أحمد بن سالم المري على عبد الملك بن مروان فقال له: كيف قلت: من الطويل مقل رأى الإقلال عاراً ... فأنشده: من الطويل مقل رأى الإقلال عاراً فلم يزل ... يجوب بلاد الله حتى تمولا إذا جاب أرضاً ينتويها رمت به ... مهامة أخرى عيسه فتغلغلا فلما أفاد المال جاد بفضله ... لمن جاءه يرجو جداه مؤملا فأعطى جزيلاً من أراد عطاءه ... وذو البخل مذمومٌ يرى البخل أفضلا قال: حاجتك؟ قال: أنت أعلى بالجميل عيناً فأمر له بعشرة آلاف درهم وأحلقه بالسرف يعني من العطاء. قال علي بن بكر: يقال: أربعة آلاف هو سرف العطاء. فخرج وهو يقول: من الطويل بكف ابن مروانٍ حييت وناشني ... لأهلي من دهرٍ كثير العجائب في قصيدة، فراح بها عليه فقال: أكنت أعددت هذا؟ قال: لا. قال: أتكيل القول، فقل ولا تكثر. فإنه من أكثر هذر، وقليلٌ كافٍ خيرٌ من كثيرٍ شافٍ وأمر له بأربعة آلاف.

أحمد بن سباع أحد المتعبدين

وقال: إياك وأعراض الناس، فإن لك لساناً لا يدعك حتى يلقيك تحت كلكل هزبرٍ أبي شبلين يصمعك صمعةً لا بقية لك بعدها. فخرج إلى العراق فأتى الكوفة فأتى الحجاج بقصيدة يقول فيها من الطويل ثقيفٌ بقايا من ثمودٍ ومالها ... أبٌ ثابتٌ في قيس عيلان ينسب وأنت دعيٌّ يابن يوسف فيهم ... زنيمٌ إذا ما حصلوا يتذبذب فطلبه الحجاج فهرب فأدرك بهيت فأتي به الحجاج فأمر به، فأحرق ثم ذري في اليم، وتمثل بقول هشام بن قبيصة النميري قالها لابن محلاة الطائي وقتل بمرج راهط أبيات منها: بما أجرمت كفاك لاقيت ما ترى ... فلا يبعد الرحمن غيرك هالكا أحمد بن سباع أحد المتعبدين من إخوان أبي سليمان

أحمد بن سعد بن إبراهيم بن سعد

حدث أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان: وجاءنا زبد بعسل فجعله يلعقه العوام منا ولا يأكل منه شيئاً، ونأكل نحن منه، قال: فقلت له: تطعمنا الشهوات؟ وتنهانا عنها، قال: إني أعرف أنكم تشتهونها، فأنا أحب أن أطعمكم شهوتكم، ولو جاءني من يعرف - يعني أهل الزهد - لم أزدهم عن الملح والخبز. قلت له: تطعمنا الزبد بالعسل ولا تأكله؟ قال: إني أخافه، إن الزبد بالعسل إسراف ثم رأيته بعد ذلك في بيت ابن سباع وقد جاءه بسكرجة فيها زبد وعسل ورغيف درمك فأكل منه. فقلت له: يا أستاذ، لم لا تأكله في بيتك وتأكله ها هنا! قال: من أكل ليسر به أخاه لم يضره أكله، إن عامل الله لا يخيب على كل حال، إنما يضره أكله لشهوة نفسه. قال: وسمعت أبا سليمان يقول: لو أن الدنيا كلها في لقمة ثم جاءني أخي لأحببت أن أضعها في فيه. حدث أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأبي سليمان: إن عباداً وأحمد بن سباع قد ذهبوا إلى الثغر!! فقال لي: إن الأباق عبيد السوء، والله والله ما فروا إلا منه فكيف يطلبونه في الثغور. أحمد بن سعد بن إبراهيم بن سعد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو إبراهيم الزهري سمع بدمشق وبمصر وبالعراق. وروى عنه جماعة. وكان يعد من الأبدال وسكن بغداد وخرج إلى الثغر. حدث عن يحيى بن عبد الله بن بكير بسنده عن معاذ بن أنس عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: الذكر يفضل على الصدقة في سبيل الله. وحدث عن أبي أيوب سليمان بن عبد الرحمن بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة وليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة. حدث أبو إبراهيم الزهري قال: كنت جائياً من المصيصة فمررت باللكام، فأحببت أن أراهم - يعني المتعبدين - هناك، فقصدتهم ووافقت صلاة الظهر، قال: وأحسبه رأى فيهم إنساناً عرفني فقلت له: هل فيكم رجل تدلوني عليه، فقالوا: هذا الشيخ الذي يصلي بنا، فحضرت معهم صلاة الظهر والعصر، فقال له ذلك الرجل: هذا من ولد عبد الرحمن بن عوف، وجده أبو أمه سعد بن معاذ، قال: فبش بي وسلم علي كأنه، مذ كان، يعرفني. قال: فقلت له أنا بالحنبلية: من أين تأكل؟ فقال لي: أنتم مقيم عندنا؟ قلت: أما الليلة فأنا عندكم، قال: ثم مضيت، فجعل يحدثني ويؤانسني حتى جاء إلى كهف جبل، فقعدت، ودخل فأخرج قعباً يسع رطلاً ونصفاً قد أتى عليه الدهور، ثم وضعه وقعد يحدثني حتى إذا كادت الشمس أن تغرب اجتمعت حواليه ظباء فاعتقل منها ظبية، فحلبها حتى ملأ القدح، ثم

أحمد بن سعد بن الحسن بن النضر

أرسلها، فلما سقط القرص حساه ثم قال: ما هو غير ما ترى، ربما احتجت إلى الشيء من هذا، فيجتمع حولي هذه الظباء فآخذ حاجتي وأرسلها. وكان أحمد بن سعد معروفاً بالخير والصلاح والعفاف إلى أن مات. وكان مذكوراً بالعلم والفضل موصوفاً بالزهد، من أهل بيت كلهم علماء ومحدثون. توفي يوم السبت ودفن يوم الأحد لخمس خلون من المحرم سنة ثلاث وسبعين وقد بلغ خمساً وسبعين سنة، وكان ميلاده سنة ثمان وتسعين، ودفن في مقبرة التبانين. أحمد بن سعد بن الحسن بن النضر أبو العباس الشيحي المعدل حدث عن جماعة حدث عن أبي الطيب عبد المنعم بن غلبون المصري قال: قال الحسن بن خالويه: كنت عند سيف الدولة وعنده ابن بنت حامد فناظرني على خلق القرآن. فلما كان تلك الليلة نمت فأتاني آتٍ فقال: لم لم تحتج عليه بأول القصص " طسم، تلك آيات الكتاب المبين، نتلو عليك " والتلاوة لا تكون إلا بالكلام؟ سكن بغداد وحدث بها. وله كتاب مصنف في الزوال وعلم مواقيت الصلاة. وكان ثقة صالحاً ديناً حسن المذهب. وشهد عند القضاة وعدل. ثم ترك الشهاد تزهداً. ومات في ذي القعدة سنة ست وأربع مئة ودفن بباب حرب. أحمد بن سعيد بن سعد أبو الحسين البغدادي المعروف بالذهبي وكيل دعلج قدم دمشق في سنة سبع وستين وثلاث مئة. وحدث بها وببغداد وبمصر.

أحمد بن سعيد بن عبد الله

حدث عن أبي مزاحم، يعني موسى بن عبيد الله الخاقاني بسنده عن أنس قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبي بالحج والعمرة، وإن ركبتي لتصيب ركبته. توفي أبو الحسين أحمد بن سعيد الدعلجي صاحب دعلج في طريق مكة بقرب مدينة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودفن هناك في المحرم سنة سبعين وثلاث مئة. أحمد بن سعيد بن عبد الله أبو الحسن المؤدب الدمشقي من أهل دمشق، سكن بغداد، وحدث عن جماعة حدث عن أبي الوليد هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان السلمي الدمشقي بسنده عن سلمان بن عامر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: الغلام مرتهن بعقيقته، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى. قال: وسمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: الصدقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرحم ثنتان: صلةٌ وصدقةٌ وحدث عنه أيضاً بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومن مات وليس عليه إمام فميتة الجاهلية. ومن مات تحت راية عصبية يدعو إلى عصبية وينصر عصبية فقتلة جاهلية. كان أحمد بن سعيد مؤدباً لعبد الله بن المعتز بالله وكان صادقاً. مات في يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة ست وثلاث مئة بالجانب الغربي من بغداد، ولم يغير شيبه. أحمد بن سعيد بن محمد بن الفرج وقيل أحمد بن محمد بن سعيد أبو الحارث المعروف بابن أم سعيد رحل وروى عن جماعة، وروى عنه جماعة.

أحمد بن سعيد أبو بكر الطائي الكاتب

حدث عن عبد الله بن محمد بن أيوب المخرمي بسنده عن النعمان بن بشير عن أبيه قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رحم الله عبداً سمع مقالتي فحفظها، فرب حامل فقهٍ غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين. توفي أبو الحارث أحمد بن سعيد يوم الثلاثاء بعد العصر لسبع بقين من شعبان سنة عشرين وثلاث مئة. وقيل: كانت وفاته في رمضان من السنة. وكان شيخاً جليلاً من أهل دمشق. أحمد بن سعيد أبو بكر الطائي الكاتب مصري، سكن دمشق. حدث عن أبي العباس بن قهيدة قال: قال لي عمرو بن الحسن: رأيت إبليس في النوم، وهو راكب كركدن، يقوده بأفعى، فقال: يا عمرو بن الحسن سلني حاجتك، فدفعت إليه رقعة كانت معي، فوقع فيها: من السريع ألم تر القاضي وأصحابه ... ما يفعل الله بأهل القرى بلى ولكن ليس من شغله ... إلا إذا استعلى أذل الورى فليت أني مت فيمن مضى ... ولم أعش حتى أرى ما أرى وكل ذي خفضٍ وذي نعمةٍ ... لابد أن يعلو عليه الثرى ثم قال لي: يا عمرو بن الحسن، لا تحسدن أحداً، فإن الحسد صيرني إلى ما ترى، وغش ابني آدم ينفق عندهم. وضرب كركدنه ومضى. لعنه الله. قال الحافظ: وقد وقعت لي هذه الحكاية من وجهٍ آخر إلا أنه قيل فيها: عمرو بن محمد، وحكي معناها عن عمرو بن محمد قاضي البصرة. قال أبو سليمان بن زبر: اجتمعت أنا وعشرة، منهم أبو بكر الطائي، نقرأ فضائل علي بن أبي طالب في جامع

أحمد بن أبي السفر

دمشق، فوثب إلينا نحو المئة من أهل الجامع يريدون ضربنا. وأخذ واحد منهم يلحقني، فجاء بعض الشيوخ إلي، وكان قاضياً، في الوقت، فخلصوني من أيديهم، وعلقوا أبا بكر الطائي فضربوه، وعملوا على أنهم يسوقونه إلى الشرطة في الخضراء، فقال لهم أبو بكر: يا سادة إنما كنا في فضائل علي، وأنا أخرج لكم غداً فضائل معاوية أمير المؤمنين. واسمعوا هذه الأبيات التي قلتها وأنشأ يقول بديهاً: من السريع حب عليٍّ كله ضرب ... يرجف من خيفته القلب فمذهبي حب إمام الهدى ... يزيد والدين هو النصب من غير هذا قال فهو امرؤ ... مخالفٌ ليس له لب والناس من ينقد لأهوائهم ... يسلم وإلا فالقفا نهب فخلوه وانصرفوا. قال أبو سليمان: فقال لي الطائي: والله، لاسكنت دمشق، ورحل منها إلى حمص. قال أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني: رأيت أحمد بن سعيد الطائي شيخاً كبيراً في مجلس أبي الحسن الأخفش سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة. وله شعر منه قوله: من المديد كيف تحوي دقة الفكر ... من حكته صورة القمر رق حتى خلته ملكاً ... خارجاً عن جملة البشر فعيون الوهم تجرحه ... بخفي اللحظ والنظر أحمد بن أبي السفر ويقال ابن أبي العسر قال أحمد بن أبي السفر: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: من أكل كراث بقل المائدة لم تقربه الملائكة سبعة أيام. ومن أكل الثوم لم تقربه الملائكة أربعين يوماً.

أحمد بن سلمة بن الضحاك

وقال أحمد بن أبي العسر: سمعت أبا سليمان يقول: من أكل كراث بقل المائدة لم تقربه الملائكة ثلاثة أيام، ومن أكل البصلة لم تقربه الملائكة سبعة أيامٍ. ومن أكل الثوم لم تقربه الملائكة أربعين يوماً. أحمد بن سلمة بن الضحاك دمشقي. وقيل مصري. حدث عن جماعة. روى عن محمد بن ميمون بن كامل الزيات بسنده عن أبي أمامة الباهلي وواثلة بن الأسقع قالا: سمعنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: خلق الله ريحاً قبل الأرواح بألفي عام يقال لها الأزيب، مغلق عليها أبواب الجنة، تخرج من شقوق تلك الأبواب ريح وهي الجنوب، ما هبت قط إلا هب معها وادٍ يسيل، يرى أو لم ير. وحدث عنه أيضاً بسنده عن أبي أمامة الباهلي وجماعة من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا عرج بعمل ابن آدم قال الله: انظروا في عمله، وهو أعلم بذلك منهم، فإن كان أصبح فسبح أول النهار وعمل خيراً فخذوا آخر النهار بأوله وألغوا ما بين ذلك. قال: وكان أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولون: من أحسن أو من أراد الله يحسن عمله طرفي النهار يغفر له ما بينهما. أحمد بن سلمة بن كامل بن إبراهيم أبو العباس المري حدث عن القاضي أبي بكر يوسف بن القاسم الميانجي بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده له ذاماً.

أحمد بن سلمة الأنصاري أبو موسى

أحمد بن سلمة الأنصاري أبو موسى من أهل دمشق. حدث عن الأوزاعي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خير يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة. وذكر في هذا الحديث اختلافاً. أحمد بن سليمان بن أيوب ابن داود بن عبد الله بن حذلم أبو الحسن الأسدي القاضي كان يذهب مذهب الأوزاعي في الفقه. روى عن جماعة. وروى عنه جماعة. وولي قضاء دمشق نيابة عن الحسين بن عيسى بن هزوان، وكان ابن هزوان من قبل أبي طاهر محمد بن أحمد قاضي دمشق، ثم وليه بعد ذلك نيابة عن أبي الطاهر محمد بن أحمد الذهلي. وكان حذلم نصرانياً من أهل الشبعاء فأسلم على يدي الحسن بن عمران السلمي الحراني صاحب خراج دمشق. حدث أحمد بن سليمان عن بكار بن قتيبة بسنده عن ابن سيرين قال: قلت لأنس بن مالك: هل كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خضب؟ قال: إنه لم يكن رأى من الشيب إلا ولكن خضب أبو بكر وعمر بالحناء والكتم.

أحمد بن سليمان بن زبان بن الحباب

وحذلم بفتح الحاء وسكون الذال المعجمة وبعدها لام مفتوحة. وكان أحمد بن سليمان آخر من كانت له حلقة في جامع دمشق يدرس فيها مذهب الأوزاعي. وكان شيخاً جليلاً من معدلي دمشق، وكان على قضاء دمشق. ومات في ربيع الأول سنة سبع وأربعين وثلاث مئة، وهو ابن تسع وثمانين سنة، وكان ثقة مأموناً نبيلاً. وذكر أنه رأى مولده بخط أبيه سنة سبع أو تسع وخمسين ومئتين. قال أبو القاسم تمام بن محمد الرازي الحافظ: كان القاضي أبو الحسن أحمد بن سليمان ابن حذلم له مجلس في الجمعة يملي فيه في داره، فحضرنا مجلسه، فقال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النوم وعن يمينه أبو بكر وعمر، وعن يساره عثمان وعلي رضي الله عنهم في داري، فجئت فجلست بين يديه وقال لي: يا أبا الحسن، قد اشتقنا إليك فما اشتقت إلينا؟ قال: فلم تمض له جمعة حتى توفي رحمه الله في النصف من شوال سنة سبع وأربعين وثلاث مئة. أحمد بن سليمان بن زبان بن الحباب ويقال: أحمد بن سليمان بن إسحاق بن زياد بن يحيى أبو بكر الكندي المعروف بابن أبي هريرة من ولد عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس. قرأ القرآن. وروى عن جماعة. وروى عنه جماعة. حدث بدمشق سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة عن هشام بن عمار بسنده عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن المخنثين وقال: أخرجوهم من بيوتكم. سئل عن مولده فقال: ولدت سنة خمس وعشرين ومئتين بدمشق. وتوفي في أول جمادى الآخر سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة وقيل: توفي سنة ثمان وثلاثين ومئتين.

أحمد بن سليمان أبو بكر الزنبقي الصوري

وزبان بالزاي والنون أولها التي بعدها باء مشددة معجمة بواحدة. وكان أحمد بن سليمان يعرف بالعابد لزهده وورعه. أحمد بن سليمان أبو بكر الزنبقي الصوري سكن عرقة. حدث عن جماعة. روى عن مروان بن جعفر بن سعد بن سمرة، عن سمرة بن جندب بسم الله الرحمن الرحيم. من سمرة إلى بنيه سلام عليكم. فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد. فإني أوصيكم أن تتقوا الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتجتنبوا الخبائث التي حرم الله، وتسمعوا وتطيعوا لله ولرسوله وكتبه وللخليفة الذي يقوم على أمر الله وجميع المسلمين. أما بعد. فإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمرنا أن نصلي أي ساعة شئنا من الليل والنهار، غير أنه أمرنا أن نجتنب طلوع الشمس وغروبها وقال: إن الشيطان يغيب معها حين تغيب، ويطلع معها حين تطلع، وأمرنا أن نحافظ على الصلوات كلهن، وأوصانا بالصلاة الوسطى ونبأنا أنها صلاة العصر، وكان يأمرنا أن يحيي بعضنا بعضاً، وأن يسلم بعضنا على بعض إذا التقينا، ونهانا أن نواصل في شهر الصوم ويكرهه، وليست بالعزيمة، ونهانا أن نتلاعن بلعنة الله وغضبه أو بالنار ونهانا أن نستب. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كان أحدكم يساب صاحبه لا محالة لا يفترى عليه ويسب والديه ولا يسب قومه، ولكن إن كان يعلم ذلك فليقل إنك بخيل، وليقل: إنك جبان وليقل إنك كذوب أو ليقل إنك نؤوم وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرنا أن نقرأ القرآن كما أقرئناه. وقال: إنه نزل عىل ثلاثة أحرف فلا تختلفوا فيه ولا تحاجوا فيه فإنه مبارك كله فاقرؤوه كالذي أقرئتموه. وكان يأمرنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن شغل أحدنا عن الصلاة أو نسيها حتى يذهب حينها الذي يصلى فيه أن نصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة. وأمرنا إذا أدركتنا الصلاة ونحن ثلاثة أو أكثر من ذلك أن يقوم لنا رجل منا يكون لنا إماماً وإن كنا اثنين أن نصف معاً. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

إذا قمتم إلى الصلاة فلا تسبقوا قارئكم بالسجود والركوع والقيام، وليكن هو يسبق، فإنكم تدركون ما سبقكم به في ذلك إذا كان هو يرفع رأسه في السجود والركوع والقيام قبلكم، فتدركون ما فاتكم حينئذ، فإذا كان التسليم في وسط الصلاة أو حين انقضائها فابدؤوا قبل التسليم فقولوا: التحيات والطيبات، الصلوات والسلام والملك لله، ثم سلموا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا نفث أحدكم وهو في الصلاة فلا ينفث قدام وجهه ولا عن يمينه، ولينفثها تحت قدمه، ويدلكها بالأرض. وكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينهى الرجل أن يتبتل وأن يحرم ولوج بيوت المؤمنين، وكان ينهى النساء أن يضطجعن بعضهن مع بعض إلا وبينهن ثياب وكان ينهى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يضطجع الرجل مع صاحبه إلا وبينهما ثوب. وكان يقول: من كتم على حال فهو مثله. ومن جامع المشرك وسكن معه مثله وكان يقول: إن المؤمن يأكل في معىً واحد وإن الكافر يأكل في سبعة أمعاء. وكان يقول: أيكم ما صنع طعاماً قدر ما يأكل رجلان فإنه يكفي ثلاثة، أو صنع لثلاثة فإنه يكفي أربعة، ولأربعة فإنه يكفي خمسة وكنحو ذلك من العدد. وكان يقول: إذا تبايع الرجلان فإن أحدهما يبيعه بالخيار حتى يفارق صاحبه، أو يخير كل واحد منهما صاحبه فيختار كل واحد منهما هواه من البيع. وكان يقول: من ضل له مال اشتري فعرفه فجاء عليه ببينة فإن ماله يؤدى إليه، وإن الذي كان ابتاعه يتبع ثمنه عند بيعه الذي ابتاع منه. وكان يأمرنا أن نشهد الجمعة ولا نغيب عنها فإذا انتدب المؤمنون بندبة يوم الجمعة وقاموا يكتنون فإن أحدهم هو أحق بمقعده إذا رجع إليه. وكان يقول: إذا نعس أحدكم في الجمعة فليتحول عن مقعده في مكان آخر. وكان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا ونصلح صنعتها ونطهرها. وأتاه رجل من الأعراب يستفتيه في الذي يحل له والذي يحرم عليه، وفي نسكه من ماشيته في عترة وفرعة من نتيج إبله وغنمه فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تحل لك الطيبات

أحمد بن سليمان البغدادي

وتحرم عليك الخبائث إلا أن تفتقر إلى طعام لأخيك فتأكل منه حتى تستغني عنه فقال الرجل الأعرابي: ما يغني الذي أكل ذلك إذا بلغته، ما غناي الذي يغنيني عنه؟ فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا كنت ترجو نتاجاً فتبلغ إليه بلحوم ماشيتك أو كنت ترجو ميرة تلقاك؟ فتبلغ إليها بلحوم ماشيتك، وإذا كنت لا ترجو من ذلك شيئاً فأطعم أهلك مما بدا لك حتى تستغني عنه. قال الرجل الأعرابي: ما غناي الذي يغنيني عنه؟ فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا أرويت أهلك غبوقاً من اللبن فاجتنب ما حرم عليك من الطعام، أما مالك فإنه ميسور كله ليس فيه حرام غير أن في نتاجك من إبلك فرعاً وفي نتاجك من غنمك فرعاً تعدوه ماشيتك حتى تستغني عن لبانه، ثم إن شئت أطعمته أهلك وإن شئت تصدقت بلحمه، وأمره من الغنم من كل سائمة عتيرة. وإنه كان يأمرنا برقيق الرجل أو المرأة الذي هو تلاده وهو عمله ولا يريد عتقهم، فكان يأمرنا أن لا نخرج عنهم من الصدقة شيئاً. وكان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الرقيق الذي يعد للبيع. وكان يقول: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً. قال أبو نصر بن ماكولا: أحمد بن سليمان الزنبقي بفتح الزاي وسكون النون، وفتح الباء المعجمة بواحدة، من أهل عرقة بلد يقارب طرابلس الشام. حدث أحم بن سليمان الزنبيق بعرقة عن ظالم بن أبي ظالم الحمصي قال: شهدت جنازة المسيب بن واضح بجبلة فلقناه، فسمعناه في جوف القبر يقول: لا إله إلا الله. أحمد بن سليمان البغدادي حدث بدمشق عن محمد بن محمد المصري، وكان مصاباً. قال حدثنا زنبغش قال: حدثنا مخلق مثبو قال: حدثنا وائل بن إبليس لعنه الله قال: قال لأبيه إبليس لعنه الله: يا أبه، هل رحمت أحداً قط؟ قال: نعم،

أحمد بن سليمان أبو الفتح

النازل في بيت امرأته لأنها إن شاءت أدخلته وإن شاءت أخرجته. أحمد بن سليمان أبو الفتح الشاعر المعروف بالفخري هو الذي عناه ابن هندي بقصيدته. كتب أبو الفتح أحمد بن سليمان الشاعر إلى عبد المحسن الصوري: من الوافر أعبد المحسن الصوري لم قد ... جثمت جثوم منهاضٍ كسير فإن قلت: العيالة أقعدتني ... على مضضٍ وعاقت عن مسيري فهذا البحر يحمل هضب رضوى ... ويستثني بركنٍ من ثبير وإن حاولت سير البر يوماً ... فلست بمثقلٍ ظهر البعير إذا استحلى أخوك قلاك ظلماً ... فمثل أخيك موجود النظير فما كل البرية من تراه ... ولا كل البلاد بلاد صور فأجابه عبد المحسن من الوافر جزاك الله عن ذا النصح خيراً ... ولكن جاء في الزمن الأخير وقد حدت لي السبعون حداً ... نهى عما أمرت من الأمور ومذ صارت نفوس الناس حولي ... قصاراً عذت بالأمل القصير ولو يك في البرية من يرجى ... غنينا عن مشاورة المشير أحمد بن سهل بن بحر أبو العباس النيسابوري حدث بدمشق عن جماعة. روى بإسناده عن ابن زغبة بسنده عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوتر على رتاحلته. ورواه الحافط عالياً من طريق آخر عن عبد تالله بن عمر أنه قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على راحلته في سفرٍ حيث ما توجهت.

أحمد بن سهل بن حماد الرافقي

زاد السدي: قال عبد الله بن دينار: وكان ابن عمر يفعل ذلك. قال أبو عبد الله الحافظ: أحمد بن سهل مجود، في الشاميين، ليس في مشايخنا من أقرانه أكثر سماعاً بالشام منه. وتوفي سنة اثنتين وثمانين ومئتين. أحمد بن سهل بن حماد الرافقي من دمشق حدث بسنده عن عثمان بن عبد الرحمن بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إن الله لا يقبض العلم من قلوب الناس فينزعه منهم، ولكن يقبض العلماء بعلمهم حتى لا يبقى في الأرض عالم، فعند ذلك يتخذ الناس رؤوساً جهالاً فيسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون. قيل في نسبه: الرافقي، وقيل: الدمشقي، فلعله رافقي سكن دمشق، أو دمشق سكن الرافقة فإنه قد روى عن دمشقي وحراني. والله أعلم. أحمد بن سلامة بن يحيى أبو الحسين الأبار الإمام إمام مسجد عين الحمى. حدث بسنده عن علي أنه قال: نهاني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا أقول نهاكم، عن تختم الذهب وعن لبس القسي وعن لبس المفدم والمعصفر وعن القراءة راكعاً.

أحمد بن سيار بن أيوب

مات أبو الحسين الأبار ودفن يوم الثلاثاء السادس من شوال سنة ست وثلاثين وخمس مئة. ودفن في مقبرة باب الفراديس. وذكر أنه ولد سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة. أحمد بن سيار بن أيوب ابن عبد الرحمن أبو الحسين المروزي إمام من أئمة أهل مرو. جمع العلم والأدب والزهد والورع، وكانت له رحلة واسعة سمع فيها بدمشق. سمع بدمشق وبمصر وببلده وببغداد وروى عنه جماعة. حدث أحمد بن سيار عن عبد الله بن عثمان بسنده عن أنس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. وحدث عن هشام بن عمار بن نصر الدمشقي بسنده عن الحارث بن هشام أنه قال لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أخبرني بأمر أعتصم بالله أو قال: به، قال: املك عليك هذا، وأشار إلى لسانه. قال عبد الرحمن بن الحارث: فرأيت ذلك يسيراً، فلما أفطنني له إذا لا شيء أشد منه. أحمد بن سيار بالياء معجمة بنقطتين من تحتها والراء. ثقة في الحديث. وكانت أمه من موليات المأمون، ومات في ربيع الأول سنة ثمان وستين ومئتين، وكان ابن سبعين سنة وثلاثة أشهر. وكان من حفاظ الحديث. وقيل: كانت وفاته في ربيع الآخر من السنة.

من اسم أبيه على حرف الشين

من اسم أبيه على حرف الشين أحمد بن شبويه بن أحمد بن ثابت ابن عثمان بن مسعود بن يزيد بن الأكبر بن كعب بن مالك بن الحارث بن قرط بن مازن بن سنان بن ثعلبة بن حارثة ابن عمرو بن عامر أبو الحسن الخزاعي الماخزاني قرية من قرى مرو يقال لها ماخزان، ويقال: هو مولى لبديل بن ورقاء الخزاعي، وشبويه لقب. كان يسكن طرسوس، وقدم دمشق وهو ثقة حدث عن النضر بن شميل بسنده عن جابر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: العمرى لمن وهبت له. حدث ثابت بن أحمد بن شنويه المروزي قال: كان يخيل لي أن لأبي أحمد بن شبويه فضيلة على أحمد بن حنبل، للجهاد وفكاك الأسرى ولزوم الثغور، فسألت أخي عبد الله بن أحمد: أيهما كان أرجح في نفسك؟ فقال: أبو عبد الله أحمد بن حنبل فلم أقنع بقوله، وأبيت إلا العجب بأبي فأريت بعد سنة في منامي كأن شيخاً حوله الناس يسمعون منه ويسألونه فقعدت إليه، فلما قام تبعته،

أحمد بن شعبي بن علي بن سنان

فقلت: يا عبد الله، أخبرني: أحمد بن محمد بن حنبل وأحمد بن شبويه أيهما عندك أعلى وأفضل؟ فقال: سبحان الله! أحمد بن حنبل ابتلي فصبر وأحمد بن شبويه عوفي، المبتلى الصابر كالمعافى؟ هيهات، ما أبعد ما بينهما. مات أحمد بن شبويه بطرسوس سنة ثلاثين أو تسع وعشرين ومئتين وهو ابن ستين سنة. أحمد بن شعبي بن علي بن سنان ابن بحر أبو عبد الرحمن النسائي القاضي الحافظ أحد الأئمة والأعلام، صنف السنن وغيرها. قدم دمشق قديماً، وسمع بها وروى عن جماعة، وروى عنه جماعة. حدث بمصر عن هشام بن عمار بسنده عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت آتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوضوئه وبحاجته، فقال: سلني. قلت: مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذلك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود. وحدث أبو عبد الرحمن النسائي في شعبان سنة ثمانين ومئة بدمشق عن أبي عبد الله محمد بن رافع بسنده عن عبد الله بن مسعود يرفع الحديث إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها. قال محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون: سمعت أبا بكر بن الإمام الدمياطي يقول لأبي عبد الرحمن النسائي: ولدت في سنة أربع عشرة - يعني ومئتين - ففي أي سنة ولدت يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: أشبه أن يكون في سنة خمس عشرة يعني ومئتين، لأن رحلتي الأولى إلى قتيبة كانت في سنة ثلاثين ومئتين، أقمت عنده سنة وشهرين.

قال أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون: كنت يوماً في دهليز الدار التي كان أبو عبد الرحمن يسكنها في زقاق القناديل، ومعي جماعة ننتظره لينزل ويمضي إلى الجامع ليقرأ علينا حديث الزهري، فقال بعض من حضر: ما أظن أبا عبد الرحمن إلا يشرب النبيذ، للنضرة التي في وجهه والدم الظاهر مع السن، وقال آخرون: ليت شعرنا، ما يقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقلت: أنا أسأله عن الأمرين وأخبركم. فلما ركب مشيت إلى جانب حماره، وقلت له: تمارى بعض من حضر في مذهبك في النبيذ، فقال: مذهبي أنه حرام بحديث أم سلمة عن عائشة: كل شراب أسكر فهو حرام، فلا يحل لأحد أن يشرب منه قليلاً ولا كثيراً قلت: فما الصحيح من الحديث في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: لا يصح عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إباحته ولا تحريمه شيء، ولكن محمد بن كعب القرظي حدث عن جذل عن بن عباس اسق حرثك من حيث شئت، فلا ينبغي لأحد أن يتجاوز قوله. قال: وكان أبو عبد الرحمن يؤثر لباس البرود النوبية الخضر، ويقول: هذا عوض عن النظر إلى الخضرة من النبات فيما يراد لقوة البصر. وكان يكثر الجماع، مع صوم يوم وإفطار يوم، وكان له أربع زوجات يقسم لهن، ولا يخلو مع ذلك من جارية أو اثنتين، يشتري الواحدة بالمئة ونحوها، ويقسم لها كما يقسم للحرائر. وكان قوته في كل يوم رطل خبز جيد لا يأكل غيره، كان صائماً أم مفطراً، وكان يكثر أكل الديوك الكبار، تشترى له وتسمن ثم تذبح فيأكلها، ويذكر أن ذلك ينفعه في باب الجماع. وسمعت قوماً ينكرون عليه كتاب الخصائص لعلي رضي الله عنه وتركه لتصنيف فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، فلم يكن في ذلك الوقت صنفها فحكيت له ما سمعت فقال: دخلنا إلى دمشق والمنحرف عن علي بها كثير فصنفت كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله، ثم صنف بعد ذلك فضائل أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقرأها على الناس. وقيل له، وأنا حاضر: ألا تخرج فضائل معاوية؟ فقال: أي شيء أخرج؟ اللهم لا تشبع بطنه؟ وسكت، وسكت السائل. قال بعض أهل العلم: وهذه أفضل فضيلة لمعاوية لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: اللهم إنا أنا بشر، أغضب كما يغضب البشر، فمن لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاةً ورحمةً.

قال أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي الصوفي: سالت أبا الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ فقلت: إذا حدث محمد بن إسحاق بن خزيمة وأحمد بن شعيب النسائي حديثاً من تقدم منهما؟ قال: النسائي لأنه أسند، على أني لا أقدم على النسائي أحداً، وإن كان ابن خزيمة إماماً ثبتاً معدوم النظير. قال علي بن عمر الحافظ غير مرة: أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره. قال محمد بن طاهر: سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة فوثقه. فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه، فقال: يا بني، إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطاً أشد من شرط البخاري ومسلم. قال أبو الحسين محمد بن مظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يعرفون لأبي عبد الرحمن النسائي بالتقدم والإمامة ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار ولمواظبته على الحج والجهاد. وأنه خرج إلى الفداء مع والي مصر، فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين واحترازه عن مجالسة السلطان الذي خرج معه والانبساط بالمأكول والمشروب في رحلته، وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد رضي الله عنه بدمشق من جهة الخوارج. كان ابن الحداد كثير الحديث، ولم يحدث عن أحد غير أبي عبد الرحمن النسائي فقط، وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله. خرج أبو عبد الرحمن من مصر في آخر عمره إلى دمشق، فسئل بها عن معاوية بن أبي سفيان وما روي من فضائله. فقال: معاوية لا يرضى رأساً برأس حتى يفضل، فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أخرج من المسجد، ثم حمل إلى مكة وتوفي بها سنة ثلاث وثلاث مئة وهو مقتول.

قال: وهذه الحكاية لا تدل على سوء اعتقاد أبي عبد الرحمن في معاوية بن أبي سفيان، وإنما تدل على الكف عن ذكره بكل حال. فقد روي عن أبي عبد الرحمن النسائي أنه سئل عن معاوية بن أبي سفيان صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام كمن نقر الباب إنما يريد دخول الباب. قال: فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة. خرج النسائي من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاث مئة، وتوفي بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاث مئة. وقيل مات بالرملة ودفن ببيت المقدس.

من اسم أبيه على حرف الصاد

من اسم أبيه على حرف الصاد أحمد بن صاعد بن موسى الصوري الزاهد له كلام في الزهد والمواعظ. قال محمد بن الحسن الجوهري: دخلت على أحمد بن صاعد الصوري وهو جالس وحده في مسجده فقلت: ما لي أراك وحدك فقال: من الطويل قنعت بعلم الله ذخري وواجدي ... بمكنون أسرارٍ تضمنها صدري فلو حاز ستر السر بيني وبينه ... عن القلب والأحشاء ما علما سري قال أبو عمرو عثمان بن سليمان ابن أخت علي بن داود القنطري: دخلت مسجد دمشق فرأيت فيه ابن صاعد، فسألته عن مسألة، فأجابني، ثم سألته عن أخرى فأجابني، ثم قال لي: يا غلام، إنما يغني الله بك إذا غنيت بنفسك: إني كنت ها هنا وافد قوم فرأيت أربعة نفر يتكلمون في شيء من العلم لا أفهمه، فالتفت إلي أحدهم فقال: من الخفيف شغلتك الذنوب عن فهم علمٍ ... نافعٍ للقلوب يجلو صداها ثم أمسك والتفت إلي الثاني فقال: إن داء الذنوب داءٌ عيي ... فإلى الله أشتكي ضر داها ثم أمسك والتفت إلي الثالث فقال: فاستقل توبةً لعلك تنجو ... وازجر النفس يا أخي عن هواها

أحمد بن صافي أبو بكر التنيسي

ثم التفت إلي الرابع فقال: واقر مصر السلام منا وزوراً ... قبر ذي النون تنجون من رداها أحمد بن صافي أبو بكر التنيسي ابن رحيم البزاز قدم دمشق. وحدث بها عن جماعة. روى عن عثمان بن محمد الذهبي بسنده عن محمد الاسقاطي قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النوم فقلت: يا رسول الله، إن عبد الله بن داود حدثنا عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود عنك بحديث الصادق المصدوق فهو عنك يا رسول الله. فذكر الحديث، قال: رحم لله كل من حدث به إلى يوم القيامة. رواه الحافظ بسنده إلى أبي عبد الله الاسقاطي من طريق أخرى قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام فقلت: يا رسول الله، بلغنا عنك حديث الأعمش عن زيد بن وهب بن عبد الله بن مسعود في القدر. فقال: نعم، أنا قلت رحم الله الأعمش، ورحم الله زيد بن وهب، ورحم الله عبد الله بن مسعود، ورحم الله من حدث بهذا الحديث. أحمد بن صالح أبو جعفر المصري الحافظ المعروف بابن الطبري روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. قدم دمشق. حدث عن ابن وهب بسنده عن ابن عباس: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاف في حجة الوداع على بعيره يستلم الركن بمحجن. وروى أحمد بن صالح عن عنبسة عن يونس قال: سألت أبا الزناد عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه وما يذكر في ذلك فقال: كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة عن زيد بن ثابت قال: كان الناس يتبايعون

الثمار فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم، قال: قال المبتاع إنه أصاب الثمر الدمان، وأصابه قشام، وأصابه مراض، عاهات يحتجون بها. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فأما لا تتبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحه. كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم. وروى أحمد بن صالح عن إبراهيم بن الحجاج بسنده عن ابن عباس قال: لما زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاطمة من علي عليهما السلام قالت فاطمة: يا رسول الله، زوجتني من رجل فقير ليس له شيء، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أما ترضين أن الله اختار لك من أهل الأرض رجلين أحدهما أبوك والآخر زوجك؟. قال أبو زرعة: ذاكرت أحمد بن صالح مقدمة دمشق سنة سبع عشرة ومئتين قال: وسألني أحمد بن حنبل قديماً: من بمصر؟ قلت: بها أحمد بن صالح، فسر بذكره وذكر خيراً ودعا له. قال صالح بن محمد بن حبيب: قال أحمد بن صالح المصري: كان عند ابن وهب مئة ألف حديث. كتبت عنه خمسين ألف حديث، ولم يكن بمصر أحد يحسن الحديث والحفظ غير أحمد بن صالح. كان يعقل الحديث ويحسن أن يأخذ. وكان رجلاً جامعاً يعرف الفقه والحديث والنحو، ويتكلم في حديث الثوري وشعبة وأهل العراق. وكان قدم العراق، وكتب عن عفان وهؤلاء. وكان يذاكر بحديث الزهري ويحفظه. وقال أحمد: كتبت عن ابن زبالة مئة ألف حديث، ثم تبين لي أنه كان يضع الحديث فتركت حديثه. قال يعقوب بن سفيان الفسوي: كتبت عن ألف شيخ وكسرٍ كلهم ثقات، ما أحد منهم أتخذه عند الله عز وجل حجة إلا رجلين أحمد بن صالح بمصر وأحمد بن حنبل بالعراق.

قال أحمد بن عبد الله العجلي: أحمد بن صالح ثقة صاحب سنة. قال محمد بن مسلم بن واره: أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن حنبل ببغداد، وابن نمير بالكوفة، والنفيلي بحران. هؤلاء أركان الدين. قال أحمد بن شعيب النسائي: أحمد بن صالح مقرىء ليس بثقة ولا مأمون، تركه محمد بن يحيى، ورماه يحيى بن معين بالكذب وقال: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف. قال مسلمة بن القاسم الأندلسي: الناس مجمعون على ثقة أحمد بن صالح لعلمه وخيره وفضله. وإن أحمد بن حنبل وغيره كتبوا عنه ووثقوه، وكان سبب تضعيف النسائي له أن أحمد بن صالح رحمه الله كان لا يحدث أحداً حتى يشهد عنده رجلان من المسلمين أنه من أهل الخير والعدالة، فكان يحدثه ويبذل له علمه، وكان يذهب في ذلك مذهب زائدة بن قدامة، فأتى النسائي ليسمع منه فدخل بلا إذن ولم يأته برجلين يشهدان له بالعدالة. فلما رآه في مجلسه أنكره وأمر بإخراجه، فضعفه النسائي لهذا. وقال الخطيب: ليس الأمر على ما ذكر النسائي. وكان يقال: آفة أحمد بن صالح الكبر وشراسة الخلق. ونال النسائي منه جفاء في مجلسه، فذلك السبب الذي أفسد الحال بينهما. قال بندار: كتبت إلى أحمد بن صالح خمسين ألف حديث أي: إجازة، وسألته أن يجيز لي أو يكتب إلي بحديث مخرمة بن بكير فلم يكن عنده من المروءة ما يكتب بذلك إلي. قال الخطيب: ترى أن هذا الذي قاله بندار في أحمد بن صالح في تركه مكاتبته مع مسألته إياه ذلك

أحمد بن صالح المكي الطحان السواق

إنما حمله عليه سوء الخلق. ولقد بلغني أنه كان لا يحدث إلا ذا لحية، ولا يترك أمرد يحضر مجلسه. فلما حمل أبو داود السجستاني ابنه إليه ليسمع منه وكان إذ ذاك أمرد أنكر أحمد بن صالح على أبي داود إحضاره ابنه المجلس، فقال له أبو داود: هو وإن كان أمرد أحفظ من أصحاب اللحى فامتحنه بما أردت، فسأله عن أشياء أجابه ابن أبي داود عن جميعها، فحدثه حينئذ ولم يحدث أمرد غيره. ولد أحمد بمصر سنة سبعين ومئة. وتوفي بمصر يوم الاثنين لثلاث خلون من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين ومئتين. أحمد بن صالح المكي الطحان السواق حدث بمكة عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي بسنده عن جبير بن مطعم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كل عرفة موقف وارتفعوا عن عرفات، والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن نظر محسر، وكل فجاج منى منحر، وكل أيام التشريق منحر. سئل أبو زرعة عن أحمد بن صالح المكي، فقال: هو صدوق، ولكن يحدث عن المجهولين، ويحدث عن الضعفاء. قال أبو محمد: روى عن المؤمل بن إسماعيل الثوري أحاديث منكرة في الفتن تدل على توهين أمره. أحمد بن صالح بن عمر بن إسحاق أبو بكر البغدادي المقرىء البزاز صاحب أبي بكر بن مجاهد حدث بأطرابلس وحمص وقرأ القرآن. وكان ثقة ضابطاً مشهوراً. حدث بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن مثل الولد البر بوالديه كمثل بلدة طيبة يزكو نباتها، يفرح حاصدها. يا طوبى لمن ضرب له هذا المثل.

أحمد بن صالح بن محمد بن صالح

قال أبو بكر الخطيب: أحمد بن صالح انتقل إلى الشام، ونزل أطرابلس وحدث بها وبالرملة. وكان حياً إلى سنة تسع وأربعين وثلاث مئة. أحمد بن صالح بن محمد بن صالح ابن المثنى بن ثعلبة بن عمر بن منصور بن حرب، أبو العلاء الأثط المؤدب التميمي الفارسي الجرجاني سكن صور، وحدث بدمشق. حدث بصور عن محمد بن حميد بسنده عن الركين بن الربيع عن أبيه قال: سمعت علياً يقول: استأذن عمار على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا عنده فقال مرحباً بالطيب المطيب. وحدث عنه أيضاً بسنده عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتختم في يمينه.

من اسم أبيه على حرف الضاد المعجمة

من اسم أبيه على حرف الضاد المعجمة أحمد بن الضحاك بن مازن أبو عبد الله الأسدي القردي، مولى أيمن بن خريم إمام جامع دمشق. حدث عن خالد بن عمرو بن عبيد الله بن سعيد بن العاص بسنده عن سلمة بن نبيط عن أبيه قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب يوم النحر على جمل له أحمر. ومات في يوم السبت لليلة من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين ومئتين. أحمد بن ضياء وقيل أحمد ابن زياد بن ضياء بن خلاج بن كثير، أبو الحسن البجلي المسرابي حدث بمسرابا عن أبي الجماهر بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من حدث حديثاً فعطس عنده فهو على حق خلاج: بالخاء والجيم.

من اسم أبيه على حرف الطاء المهملة

من اسم أبيه على حرف الطاء المهملة أحمد بن طاهر بن عبد الله ابن يزيد أبو علي النيسابوري من الرحالة في طلب الحديث. سمع بدمشق وغيرها. قال أحمد بن طاهر: أنشدني مكحول البيروتي قال: أنشدني أبو الحسن الرهاوي: من البسيط إني وإن كان جمع المال يعجبني ... ما يعدل المال عندي صحة الجسد في المال عزٌّ وفي الأولاد مكرمةٌ ... والسقم ينسيك ذكر المال والولد توفي أحمد بن طاهر ليلة الاثنين السابع من ذي القعدة سنة ستين وثلاث مئة. أحمد بن طاهر الدمشقي حكى عن عبد الله بن خبيق الأنطاكي الزاهد قال: سألت يوسف بن أسباط: هل مع حذيفة المرعشي علم؟ فقال: معه العلم الأكبر؛ خوف الله عز وجل. المعتضد أحمد بن طلحة أبي أحمد الموفق ويقال اسم أبي أحمد محمد بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو العباس المعتضد بالله بويع بالخلافة بعد عمه المعتمد على الله في رجب سنة تسع وسبعين ومئتين. وكان قدم دمشق، وهو ولي عهدٍ لمحاربة أبي الجيش بن أحمد بن طولون يوم السبت لليلتين خلتا من شعبان سنة إحدى وسبعين ومئتين. وأمه أم ولد يقال لها نحلة، ويقال: ضرار.

حدث المعتضد بالله عن أبيه أبي أحمد الموفق قال: كان أمير المؤمنين السفاح يعجبه السمر، وكان يطول عليه السهر، وتعجبه الفصاحة ومنازعة الرجال، فسمر عنده ذات ليلة أناس من اليمن وأناس من مضر، فيهم خالد بن صفوان التميمي وإبراهيم بن محمد الكندي، فمال بهم الحديث، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إن أخوالك هم الناس، وهم العرب الأول، والذين دانت لهم الدنيا، كانت لهم اليد العليا. توارثوا الرياسة، يلبس آخرهم سرابيل أولهم، بيت المجد ومآثر الحمد لهم، منهم النعمانان والمنذران والقابوسان، ومنهم عياض صاحب البحر، ومنهم الجلندى، ومنهم ملوك التيجان، وحماة الفرسان، أصحاب السيوف القاطعة والدروع الحصينة، إن حل ضيف أكرموه، وإن سئلوا أنعموا، فمن ذا مثلهم يا أمير المؤمنين إذا عدت المآثر، وفخر مفاخر، ونافر منافر؟ فهم العرب العاربة، وسائر العرب المتعربة. فتغير وجه السفاح وقال: ما أظن خالداً يرضى بما تقول يا خالد؟ فقال: إن أذن لي أمير المؤمنين، وأمنت الموجدة تكلمت. قال: تكلم ولا تهب أحداً. فتكلم خالد فقال: خاب المتكلم، وأخطأ المتحكم، وقد قال بغير علم، ونظر بغير صواب. إذ فخر على مضر، ومنهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء من أهل بيته، وهل أهل اليمن - أصلح الله أمير المؤمنين - إلا دابغ جلد أو حائك برد أو سائس فهد، أو قائد قرد؟! دل عليهم الهدهد، وغرقهم الجرذ، وملكتهم أم ولد، وهم يا أمير المؤمنين ما لهم ألسنة فصيحة، ولا لغة صحيحة، ولا حجة تدل على كتاب الله عز وجل، ولا يعرف بها صواب. إن جاوزوا قصدنا أكلوا، وإن أبوا حكمنا عنفوا. ثم التفت إلى الكندي فقال: أتفخر علي بالدرع الحصينة والفرس الراتع والسيف القاطع والدرة المكنونة ولا تفخر بخير الأنام محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! فبه أدرك من ذكرت وفخر من فخرت، فأكرم به إذ كانوا أتباعه وأشياعه وبه ذكروا وافتخروا، فمنا النبي المصطفى وسيف الله عمه العباس المجتبى، ومنا علي الرضى، وأسد الله

حمزة، ومنا خير المسلمين وديان الدين وسيد أولاد المهاجرين وأبو الخلفاء الأربعين، ومن فقهه الله في الدين، وتلقن القرار من الأمين، ولنا السؤدد والعلياء وزمزم ومنى، ولنا البيت المعمور والسقف المرفوع والتسر المحبور، ولنا البيت الأعظم والسقاية والشرف، ولنا زمزم وبطحاؤها وصحراؤها ومنابتها وكل فناء لها، ولنا غياضها ومنابرها وأعلامها وحطيمها وعرفاتها وحرمها ومواقفها. فهل يعدلنا عادل أو يبلغ فخرنا مفاخر، وفينا كعبة الله؟ فمن زاحمنا زاحمناه، ومن فاخرنا فاخرناه. ثم التفت إلى الكندي فقال: كيف علمك بلغة قومك؟ قال: إني بها لجد عالم. قال: أخبرني عن الشناتر؟ قال: الأصابع. قال: فأخبرني عن الصنارة؟ قال: الأذن. قال: فأخبرني عن الجحمتين؟ قال: العينان. قال: فأخبرني عن المبزم؟ قال: السن. قال: أخبرني عن الكتع؟ قال: الذئب. قال: أتؤمن أنت بكتاب الله عز وجل؟ قال: نعم. قال: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه " بلسان عربي مبين " " العين بالعين " ولم يقل: الجحمة بالجحمة، وقال جل ثناؤه " جعلوا أصابعهم في آذانهم " ولم يقل: جعلوا شناترهم في صناراتهم. وقال " السن بالسن " ولم يقل: المبزم بالمبزم. وقال " فأكله الذئب " ولم يقل: فأكله الكتع. ولكني أسألك عن أربع خصال إن أقررت بها قهرت وإن أنكرتها قتلت، قال: وما هي؟ قال: أسألك عن نبي الله المصطفى أمنا أم منكم؟ قال: بل منكم.

قال: فأخبرني عن كتابه المنزل عليكم أو عليكم؟ قال: بل عليكم. قال: فأخبرني عن خلافة الله عز وجل أفينا أم فيكم؟ قال: بل فيكم. قال: فأخبرني عن بيت الله عز وجل المستقبل، لنا أم لكم؟ قال: بل لكم قال: فأي شيء يعادل هذه الخصال؟ فقال أمير المؤمنين: ما فرغت من كلامك حتى ظننت أن سريري قد عرج به إلى السماء، ما لك يا كندي ورجال مضر. وأمر له بألف درهم وقال له: الحق بأهلك. قال عبد الله بن الحسين بن سعد: في سنة إحدى وسبعين ومئتين وجه الموفق ابنه أحمد المعتضد لحرب أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون فخرج من بغداد مع العساكر، واتصل الخبر بأبي الجيش فوجه من مصر عسكراً كبيراً زهاء خمسين ألف رجل من البربر وسائر الناس، فالتقوا بحمص فهزمهم أحمد المعتضد، ولما التقوا جعل أحمد على ميمنته ذا السيفين إسحاق بن كنداجين وعلى ميسرته محمد بن أبي الساج، فانهزم المصريون وهربوا إلى مصر ودخل أحمد المعتضد دمشق. قال أحمد بن حميد بن أبي العجائز: دخل أبو العباس أحمد المعتضد دمشق قبل أن ولي الخلافة، دخلها من باب الفراديس، فلما بلغ إلى باب البريد التفت فنظر إلى مسجد الجامع، وقف وعن دابته فقال: أي شيء هذا؟ فقيل: هذا مسجد الجامع. قال: وايش هذه الزيادة التي قدامه؟ فقالوا: هذه تسمى الزيادة، فيها التجار، ويدخل منها إلى مسجد الجامع ولكل باب للمسجد زيادة مثل هذا تشبه الدهاليز، بناء مبني بقناطر وأروقة فاستحسنها وقال: ما في الدنيا مسجد جامع عني به ما عني بهذا المسجد. ثم سار ونزل الراهب على باب دمشق أياماً ثم خرج منها إلى حرب أبي الجيش عند طواحين الرملة. وواقعه في سنة إحدى وسبعين.

قال أبو بكر بن أبي الدنيا: استخلف أبو العباس المعتضد بالله أحمد بن محمد في اليوم الذي مات فيه المعتمد على الله. وله إذ ذاك سبع وثلاثون سنة. قال محمد بن أحمد بن البراء: ولي المتعضد بالله لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين. وولد بسر من رأى في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين ومئتين. قال القاضي أبو عمرو محمد بن يوسف: قدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى أبي في حكم، فجاء فارتفع في المجلس فأمره الحاجب بموازاة خصمه، فلم يفعل إدلالاً بعظم محله من الدولة، فصاح أبي عليه وقال: قفاه أتؤمر بموازاة خصمك فتمتنع يا غلام عمرو بن أبي عمرو النخاس الساعة لأتقدم إليه ببيع هذا العبد وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين ثم قال لحاجبه: خذ بيده وسو بينه وبين خصمه فأخذ كرهاً وأجلس مع خصمه، فلما انقضى الحكم انصرف الخادم فحدث المعتضد بالله، وبكى بين يديه، فصاح عليه المعتضد وقال: لو باعك لاخترت بيعه وما رددتك إلى ملكي أبداً، وليس خصوصك بي يزيل مرتبة الحكم فإنه عمود السلطان وقوام الأديان. قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: دخلت على المعتضد، وعلى رأسه أحداثٌ رومٌ صباح الوجوه، فنظرت إليهم، فرآني المتعضد وأنا أتأملهم. فلما أردت القيام أشار إلي فمكثت ساعة، فلما خلا قال لي: أيها القاضي، والله ما حللت سراويلي على حرام قط. روى التنوخي قال: لما خرج المعتضد إلى قتال وصيف الخادم إلى طرسوس وأخذه عاد إلى أنطاكية، فنزل خارجها، وطاف البلد بجيشه، وكنت صبياً إذ ذاك في المكتب. قال: فخرجت مع جملة الناس، فرأيته وعليه قباء أصفر فسمعت رجلاً يقول: يا قوم، الخليفة بقباء أصفر بلا سواد قال: فقال له أحد الجيش: هذا كان عليه وهو جالس في داره ببغداد، فجاءه الخبر بعصيان وصيف فخرج في الحال عن داره إلى باب الشماسية فعسكر به وحلف ألا

يغير هذا القباء أو يفرغ من أمر وصيف، وأقام بباب الشماسية أياماً حتى لحقه الجيش ثم خرج فهو عليه إلى الآن ما غيره. قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: دخلت على المعتضد فدفع إلي كتاباً. نظرت فيه فكأنه قد جمع له الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، مصنف هذا الكتاب زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب. حدث صافي الحرمي قال: مشيت يوماً بين يدي المعتضد وهو يريد دور الحرم، فلما بلغ إلى باب شغب، أم المقتدر، وقف يسمع ويتطلع من خلال الستر وإذا هو بالمقتدر، وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن، وبين يديه طبق فضة فيه عنقود عنب في وقت فيه العنب عزيز جداً، والصبي يأكل عنبة واحدة ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة على الدور، حتى إذا بلغ الدور إليه أكل عنبة واحدة مثل ما أكلوا حتى فني العنقود، والمعتضد يتميز غيظاً. قال: فرجع ولم يدخل الدار، ورأيته مغموماً فقلت: يا مولاي، ما سبب ما فعلته وما قد بان عليك؟ فقال: يا صافي، والله لولا النار والعار لقتلت هذا الصبي اليوم، فإن في قتله صلاحاً للأمة. فقلت: يا مولاي، حاشاه، أي شيء عمل؟ أعيذك بالله يا مولاي، العن إبليس، فقال: ويحك أنا أبصر بما أقول، أنا رجل قد سست الأمور وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد، ولابد من موتي، وأعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي، وسيجلسون ابني علياً يعني المكتفي، وما أظن عمره يطول للعلة التي به، يعني الخنازير، فيتلف عن قرب، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي، ولا يجدون بعده أكبر من جعفر فيجلسونه وهو صبي وله من الطبع في السخاء هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثل ما أكل، وساوى بينه وبينهم في شيء عزيز في العالم، والشح على مثله في طباع الصبيان، فتحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن، فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسم العنب، ويبذر ارتفاع الدنيا؟ ويخربها، فتضيع الثغور

وتنتشر الأمور ويخرج الخراج، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلاً. فقلت: يا مولاي، بل يبقيك الله تعالى حتى ينشأ في حياة منك ويصير كهلاً في أيامك، ويتأدب بآدابك، ولا يكون هذا الذي ظننت. فقال: احفظ عني ما أقوله فإنه كما قلت. قال: ومكث يومه مهموماًن وضرب الدهر ضربه. ومات المعتضد، وولي المكتفي فلم يطل عمره، ومات وولي المقتدر فكانت الصورة كما قاله المعتضد بعينه. فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب ورأيته قد دعا بالأموال فأخرجت إليه، وحللت البدر وجعل يفرقها على الجواري والنساء ويلعب بها ويمحقها ويهبها ذكرت مولاي المعتضد وبكيت. قال صافي: وكنت يوماً واقفاً على رأس المعتضد فقال: هاتم فلاناً الطيبي، يعني خادماً يلي خزانة الطيب، فأحضر فقال: كم عندك من الغالية؟ فقال: نيف وثلاثون جباً صينياً مما عمله عدة من الخلفاء. قال: فأيها أطيب؟ قال: ما عمله الواثق. قال: أحضرنيه فأحضره جباً عظيماً يحمله عدة، ففتح فإذا بغالية قد ابيضت من التعشيب وجمدت من العتق في نهاية الذكاء، فأعجبت المعتضد وأهوى بيده إلى حوالي عنق الجب، فأخذ من لطاخته شيئاً يسيراً من غير أن يشعب رأس الجب، وجعله في لحيته وقال: ما تسمح نفسي بتطريق التشعيب على هذا الجب، شيلوه. فرفع، ومضت الأيام ف جلس المكتفي يوماً، وهو خليفة، وأنا قائم على رأسه فطلب غالية فاستدعى الخادم وسأله عن الغوالي فأخبره بمثل ما كان أخبر به أباه، فاستدعى غالية الواثق فجاءه بالجب بعينه ففتح فاستطابه، وقال: أخرجوا منه قليلاً، فأخرج منه مقدار ثلاثين أو أربعين مثقالاً، فاستعمل منه في الحال ما أراد، ودعا بعتيدة له فجعل الباقي فيها ليستعمله على الطعام، وأمر بالجب فختم بحضرته ورفع. ومضت الأيام وولي المقتدر الخلافة، وجلس مع الجواري يوماً وكنت على رأسه، فأراد أن يتطيب فدعا الخادم وسأله فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه، فقال: هات الغوالي كلها، فأحضر الجباب كلها، فجعل يخرج من كل جب مئة مثقال وأقل وأكثر فيشمه

ويفرقه على من بحضرته حتى انتهى إلى جب الواثق فاستطابه فقال: هاتم عتيدة حتى يخرج منه إليها ما يستعمل، فجاؤوه بعتيدة فكانت عتيدة المكتفي بعينها. ورأى الجب ناقصاً والعتيدة فيها قدح الغالية ما استعمل منه كثير شيء فقال: ما السبب في هذا؟ فأخبرته بالسبب على حاله، فأخذ يعجب من بخل الرجلين، ويضع منهما بذلك، ثم قال: فرقوا الجب بأسره على الجواري، فما زال يخرج منه أرطالاً أرطالاً وأنا أتمزق غيظاً، وأذكر حديث العنب وكلام مولاي المعتضد إلى أن مضى قريب من نصف الجب، فقلت له: يا مولاي، إن هذه الغالية أطيب الغالي وأعتقها وما لا يعتاض منه فلو تركت ما بقي منها لنفسك، وفرقت من غيرها كان أولى. قال: - وخرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد - فاستحيا مني، فرفعت الجب فما مضت إلا سنون من خلافته حتى فنيت تلك الغوالي واحتاج إلى أن عجن غالية بمال عظيم. قال أبو محمد عبد الله بن حمدون: قال لي المعتضد ليلة وقد قدم له عشاء: لقمني، قال: وكان الذي قدم فراريج ودراريج، فلقمته من صدر فروج فقال: لا، لقمني من فخذه، فلقمته لقماً، ثم قال: هات من الدراريج فلقمته من أفخاذها فقال: ويلك هو ذا تتنادر علي؟! هات من صدورها، فقلت: يا مولاي، ركبت القياس فضحك، فقلت: إلى كم أضحكك ولا تضحكني؟ قال: شل المطرح وخذ ما تحته. قال: فشلته فإذا دينار واحد، فقلت: آخذ هذا؟ فقال: نعم، فقلت: يالله هو ذا تتنادر أنت الساعة علي! خليفةً يجيز نديمه بدينار؟ فقال: ويلك لا أجد لك في بيت المال حقاً أكثر من هذا، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئاً، ولكن هو ذا أحتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار، فقبلت يده، فقال: إذا كان غداً وجاءني القاسم - يعني ابن عبيد الله - فهو ذا أسارك - حتى تقع عيني عليه - سراراً طويلاً التفت فيه إليه كالمغضب، وانظر أنت إليه في خلال ذلك كالمخالس لي نظر المترثي له، فإذا انقطع السرار فيخرج ولا يبرح الدهليز أو تخرج، فإذا خرجت خاطبك بجميل وأخذك إلى دعوته، وسألك عن حالك، فاشك الفقر والخلة وقلة حظك مني وثقل ظهرك بالدين والعيال، وخذ ما يعطيك، واطلب كل ما تقع عينك عليه، فإنه لا يمنعك حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار، فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى بيننا فاصدقه، وإياك أن تكذبه وعرفه أن ذلك حيلة مني عليه حتى وصل إليك هذا، وليكن

إخبارك له بعد امتناع شديد وأحلاف منه لك بالطلاق والعتاق أن يصدقه، وبعد أن يخرج من داره كل ما يعطيك. فلما كان من غد حضر القاسم فحين رآه بدأ يسارني وجرت القصة على ما واضعني عليه، فخرجت فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني فقال: يا أبا محمد، ما هذا الجفاء لا تجيئني ولا تزورني ولا تسألني حاجة؟! فاعتذرت إليه باتصال الخدمة علي، فقال: ما تقنعني إلا أن تزورني اليوم وتتفرج، فقلت: أنا خادم الوزير، فأخذني إلى طياره وجعل يسألني عن حالي وأخباري فأشكو إليه الخلة والإضاقة والدين والبنات وجفاء الخليفة وإمساكه يده، فيتوجع ويقول: يا هذا ما لي لك ولن يضيق عليك ما يتسع علي، ولو عرفتني لعاونتك على إزالة هذا كله عنك فشكرته. وبلغنا داره فصعد ولم ينظر في شيء وقال: هذا يوم أحتاج أن أختص فيه بالسرور بأبي محمد فلا يقطعني أحد عنه. وأمر كتابه بالتشاغل بالأعمال وخلا بي في دار الخلوة، وجعل يجاذبني وينشطني، وقدمت الفاكهة فجعل يلقمني بيده وجاء الطعام، فكان هذا سبيله، فلما جلس للشرب وقع لي بثلاثة آلاف دينار فأخذتها للوقت وأحضرني ثياباً وطيباً ومركوباً فأخذت ذلك، وكان بين يدي صينية فضة فيها مغسل فضة وخرداذي بلور وكوز وقدح بلور فأمر بحمله إلى طياري، وأقبلت كلما رأيت شيئاً حسناً له قيمة وافرة طلبته. وحمل إلي فرشاً نفيساً وقال: هذا للبنات. فلما تقوض المجلس خلا بي وقال: يا أبا محمد، أنت عالم بحقوق أبي عليك، ومودتي لك، فقلت: أنا خادم الوزير، فقال: أريد أن أسألك عن شيء، وتحلف لي أنك تصدقني عنه، فقلت: السمع والطاعة، فأحلفني بالله وبالطلاق والعتاق على الصدق، ثم قال: بأي شيء سارك الخليفة اليوم، في أمري؟ فصدقته عن كل ما جرى حرفاً بحرف، فقال: فرجت عني، ولكون هذا هكذا مع سلامة نيته لي انهل علي فشكرته وودعته وانصرفت. فلما كان من الغد باكرت المعتضد فقال: هات حديثك فسقته عليه فقال: احفظ الدنانير ولا يقع لك أني أعمل مثلها معك بسرعة. قال محمد بن يحيى الصولي: كان مع المعتضد أعرابي فصيح يقال له: شعلة بن شهاب اليشكري، وكان يأنس به،

فأرسله إلى محمد بن عيسى بن شيخ وكان عارفاً به ليرغبه في الطاعة ويحذره العصيان ويرفق به. قال شعلة: فصرت إليه فخاطبته أقرب خطاب، فلم يجيبني فوجهت إلى عمته أم الشريف، فصرت إليها فقالت: يا أبا شهاب، كيف خلفت أمير المؤمنين؟ فقلت: خلفته أماراً بالمعروف، فعالاً للخير، متعززاً على الباطل، متذللاً للحق، لا تأخذه في الله لومة لائم. فقالت لي: أهل ذلك هو ومستحقه وكيف لا يكون كذلك وهو ظل الله الممدود على بلاده، وخليفته المؤتمن على عباده، أعز به دينه، وأحيا به سنته، وثبت به شرائعه، ثم قالت: يا أبا شهاب، فكيف رأيت صاحبنا؟ قلت: رأيت حدثاً معجباً قد استحوذ عليه السفهاء، واستبد بآرائهم، وأنصت لأقوالهم، يزخرفون له الكذب، ويوردونه الندم، فقالت: هل لك أن ترجع إليه بكتابي قبل لقاء أمير المؤمنين، فلعلك تحل عقد السفهاء؟ قلت: أجل، فكتبت إليه كتاباً حسناً لطيفاً أجزلت فيه الموعظة، وأخلصت فيه النصيحة، بهذه الأبيات: من البسيط اقبل نصيحة أمٍّ قلبها وجلٌ ... عليك خوفاً وإشفاقاً وقل سددا واستعمل الفكر في قولٍ فإنك إن ... فكرت ألفيت في قولي لك الرشدا ولا تثق برجالٍ في قلوبهم ... ضغائن تبعث الشنآن والحسدا مثل النعاج خمولاً في بيوتهم ... حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسدا وداو داءك والأدواء ممكنةٌ ... وإذ طبيبك قد ألقى عليك يدا أعط الخليفة ما يرضيه منك ولا ... تمنعه مالاً ولا أهلاً ولا ولدا واردد أخا يشكرٍ رداً يكون له ... ردءاً من السوء لا تشمت به أحدا قال: فأخذت الكتاب وصرت به إلى محمد بن أحمد بن عيسى. فلما نظر فيه رمى به إلي ثم قال: يا أخا يشكر، ما بآراء النساء تتم الأمور ولا بعقولهن يساس الملك، ارجع إلى صاحبك فرجعت إلى أمير المؤمنين فأخبرته الخبر على حقه وصدقه فقال: وأين كتاب أم الشريف فدفعته إليه فقرأه وأعجبه شعرها، ثم قال: والله إني لأرجو أن أشفعها في كثير من القوم. فلما كان من فتح آمد ما كان أرسل إلي المعتضد فقال: يا شعلة هل عندك علم من أم الشريف؟ قلت: لا، والله، قال: فامض مع هذا الخادم فإنك ستجدها في جملة نسائها. قال: فمضيت، فلما بصرت بي من بعيد سفرت عن وجهها

وأنشدت: من مجزوء الكامل ريب الزمان وصرفه ... وعناده كشف القناعا وأذ بعد العز منا الصعب ... والبطل الشجاعا ولكم نصحت فما أطع ... ت وكم حرصت بأن أطاعا فأبى بنا المقدار إلا ... أن نقسم أو نباعا يا ليت شعري هل نرى ... يوماً لفرقتنا اجتماعا قال: ثم بكت حتى علا صوتها، وضربت بيدها على الأخرى وقالت: يا أبا شهاب، إنا لله وإنا إليه راجعون، كأني والله كنت أرى ما أرى فقلت لها: إن أمير المؤمنين وجه بي إليك، وما ذاك إلا لجميل رأيه فيك، فقالت لي: فهل لك أن توصل لي رقعة إليه؟ قلت: هل لي فدفعت إلي رقعة فيها: من الكامل قل للخليفة والإمام المرتضى ... وابن الخلائف من قريش الأبطح علم الهدى ومناره وسراجه ... مفتاح كل عظيمةٍ لم تفتح بك أصلح الله البلاد وأهلها ... بعد الفساد وطالما لم تصلح قد زحزحت بك هضبة العرب التي ... لولاك بعد الله لم تتزحزح أعطاك ربك ما تحب فأعطه ... ما قد يحب وجد بعفوٍ واصفح يا بهجة الدنيا وبدر ملوكها ... هب ظالمي ومفسدي لمصلح فصرت بالرقعة إلى المعتضد، فلما قرأها ضحك وقال: لقد نصحت لو قبل منها وأمر أن يحمل إليها خمسون ألف درهم وخمسون تختاً من الثياب، وأمر أن يحمل مثل ذلك إلى محمد بن أحمد بن عيسى. قال وصيف خادم المعتضد: سمعت المعتضد بالله ينشد عند موته وقد أخذ بكظمه يقول: من الطويل تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا ولا تأمنن الدهر إني أمنته ... فلم يبق لي حالاً ولم يرع لي حقا

أحمد بن طولون أبو العباس الأمير

قتلت صناديد الرجال ولم أدع ... عدواً ولم أمهل على ظنةٍ خلقا وأخليت دار الملك من كل نازعٍ ... فشردتهم غرباً وشردتهم شرقا فلما بلغت النجم عزاً ورفعةً ... وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا رماني الردى سهماً فأخمد جمرتي ... فهأنذا في حفرتي عاجلاً ألقى ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد ... لذي ملك الأحياء في حينها رفقا فأفسدت دنياي وديني سفاهةً ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى فيا ليت شعري بعد موتي ما ألقى ... إلى نعمةٍ لله أم ناره ألقى ولي المعتضد الخلافة لعشر بقين من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين. وتوفي لثمان بقين من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومئتين. فكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر ويومين. وله من السن خمس وأربعون وعشرة أشهر وأيام. وكان أسمر نحيف الجسم معتدل الخلق، قد وخطه الشيب، في مقدم لحيته طول. قال صافي الحرمي: لما مات المعتضد بالله كفنته في ثوبين قوهي، قيمتها ستة عشر قيراطاً. وأم المعتضد أم ولد يقال لها ضرار، وقيل خفير، ماتت قبل خلافته بيسير، ومولده سنة ثلاث وأربعين ومئتين. ولما مات بويع ابنه محمد المكتفي بالله بن المعتضد بالله. أحمد بن طولون أبو العباس الأمير ولد بسامراء، وولي إمرة دمشق والثغور والعواصم ومصر مدة. حدث الحافظ ابن عساكر بسنده عن بعض مشايخ المصريين أن أحمد المعروف بابن طولون، ذكروا أن طولون تبناه، وأنه لم يكن ابنه وأنه كان ظاهر النجابة من صغره. وكان له بأهل الحاجات عناية. وكان أبداً يسأله فيهم، فيعجب

بذلك منه، ويزداد بصيرة فيه، وأنه دخل إليه يوماً، فقال له: ما لك؟ فقال: بالباب قوم ضعفاء، لو كتبت لهم بشيء. فقال: امض إلى موضع كذا لطاقة في بعض مقاصير القصر، فهنالك قرطاس تأتيني به حتى أكتب لهم بما رغبت فيه، فنهض إلى ذلك الموضع فوجد في طريقه في بعض تلك المقاصير حظية من حظايا الأمير، وقد خلا بها بعض الخدم، فسكت، وأخذ حاجته وانصرف إليه، فكتب له وخرج، وخشيت الحظية أن يسبقها بالقول، فأقبلت إلى الأمير من فورها، فأخبرته أن أحمد قد راودها عن نفسها، وذكرت له المكان الذي وجدها فيه، فوقع في نفسه صدقها من أجل إرساله إياه إلى ذلك الموضع، والرؤساء يفقدون عقولهم عند أقل شيء يسمعونه في الرئاسة أو في الحرم، وقلما يثبتون عندهما. فلما انصرف أحمد كتب له كتاباً إلى أحد خدمه يأمره فيه بقتل حامل الكتاب دون مشاورة، وأرسل أحمد به فخرج أحمد مسرعاً بالكتاب. ورأته الحظية في بعض مجالسها فاستدعته، فأخبرها أنه مشغول بحاجة وأنه كلفه إياها الأمير، وأراها الكتاب، وهو لا يدري ما فيه. فقالت: لا عليك، أنا أرسل به، واقعد أنت فإني أحتاج إليك، واستدعت ذلك الخادم، فأرسلته بالكتاب إلى المأمور بحمله إليه، وشغلت هي أحمد بكتاب شيء بين يديها، وإنما شغلته ليزيد حنق السيد عليه، ونهض ذلك الخادم بالكتاب فامتثل فيه الأمر وأرسل بالرأس إليه، فلما رآه سأل عن أحمد، فاستدعاه وقال: أخبرني بالصدق، ما الذي رأيت في طريقك إلى الموضع الذي أرسلتك إليه غير القرطاس. فقال: ما رأيت شيئاً. فقال: والله إن لم تخبرني لأقتلنك. فأخبره. وسمعت الحظية بقتل الخادم، فجرت إلى مولاها مرنبة ذليلة تطلب العفو، وهي تظن أن الأمر قد صح عند مولاها فقال لها: أخبريني بالحق، فبرأت أحمد، وتبين له صحة الأمر، فأمر بقتلها، وحظي أحمد عنده، حتى ولاه الأمر بعده. حدث أبو عيسى محمد بن أحمد بن القاسم اللؤلؤي أن طولون رجل من طغرغز، وأن نوح بن أسد عامل بخارى أهداه إلى المأمون في جملة رقيق حمله إليه في سنة مئتين، وولد له ابنه أحمد سنة عشرين ومئتين. ومات طولون

سنة أربعين ومئتين. ونشأ أحمد ابنه على مذهب جميل وطريقة مستقيمة، وطلب العلم وحفظ القرآن، وكان من أدرس الناس للقرآن، ورزق حسن الصوت، ودخل إلى مصر في الأربعاء لسبع بقين من رمضان سنة أربع وخمسين ومئتين. قال: وخلف أحمد بن طولون عشرة ألف ألف دينار. وقيل إنه خلف ثلاثة وثلاثين ولداً، فيهم ذكور سبعة عشر. وأطبقت جريدته من الموالي على سبعة آلاف رجل. ومن الغلمان على أربعة وعشرين ألف غلام، ومن الخيل المروانية على سبعة آلاف رأس، ومن الجمال ألف وسبع مئة جمل، ومن بغال القباب والثقل ست مئة بغل، ومن المراكب الحربية مئة مركب، ومن الدواب لركابه مئة وثلاثين دابة. وكان خراج مصر في تلك السنة مع ما انضاف إليه من صاع الأمراء بحضرة السلطان أربعة آلاف ألف وثلاث مئة ألف دينار. وأنفق على الجامع في بنائه ونفقته مئة وعشرين ألف دينار، وعلى البيمارستان ومشتغله ستين ألف دينار، وعلى الميدان مئة وخمسين ألف، وعلى من ناب بالثغور ثمانين ألف دينار، وكان قائم صدقته في كل شهر ألف دينار. وراتب مطبخه وعلوفته كل يوم ألف دينار، وما يجريه على جماعة من المستخدمين وأبناء السبيل سوى ما كان يجريه السلطان خمس مئة دينار، وما يحمل لصدقات الثغور في كل شهر خمس مئة دينار، وما يقيمه من الأنزال والوظائف في كل شهر ألفي دينار. وحكي أن الجيش فرق كسوة أحمد في حاشيته. قال الحاكي: فلحقني منها نصيب، فما خلا ثوب منها من الرفاء ووجدت في بعضها رقعة. وكان أحمد بن طولون يقول: ينبغي للرئيس أن يجعل اقتصاده على نفسه وسماحته على من يشمله وقاصديه، فإنه يملكهم ملكاً لا يزول عن قلوبهم ولا تشذ معه سرائرهم.

وحدث أبو العباس أحمد بن خاقان، وكان ترباً لأحمد بن طولون قال: كان طولون تركياً من جيش يقال لهم طغرغز، وكان نوح بن أسد صاحب خراسان وجهه إلى الرشيد هارون سنة تسعين ومئة. وولد أحمد في سنة أربع عشرة ومئتين من جارية تسمى هاشم، وتوفي طولون سنة ثلاثين ومئتين ولأحمد ست عشر سنة ونشأ نشوءاً حسناً في العفة والتصون والدماثة وسماع الحديث حتى انتشر له حسن الذكر، وتصور في قلوب الناس بأفضل صورة، حتى صار في عداد من يوثق به ويؤتمن على السر والفروج والمال. وكان شديد الإزراء على الأتراك وأولادهم فيم يرتكبونه، غير راض بما يفعلونه إلى أن قال يوماً: إلى كم نقيم يا أخي على هذا الإيم لا نطأ موطئاً إلا كتب علينا فيه خطيئة. والصواب أن نسأل الوزير عبيد الله بن يحيى أن يكتب لنا بأرزاقنا إلى الثغر، ونقيم في ثواب، ففعلنا ذلك. فلما صرنا إلى طرسوس سر بما رأى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقبل على الترهب وذكر بعد هذا أنه عاد إلى العراق فزاد محله عند الأتراك فاختاره بابكباد لخلافته على مصر، فخرج إليها. وذكر غير هذا. ثم إنه غلب على دمشق بعد وفاة ايماجور أميرها. قال أبو الحارث إسماعيل بن إبراهيم المري: كان أول دخول أحمد بن طولون دمشق لما سار من مصر إليها في سنة أربع وستين ومئتين، بعد موت والٍ كان به يقال له: أماجور، وأخذ له مال عظيم، وخرج عن دمشق إلى أنطاكية وحاصر بها سيما وأصحابه حتى ظفر به وقتله وأخذ له مالاً عظيماً وفتحها عنوة. وصار إلى طرسوس ثم رجع إلى دمشق في هذه السنة في آخرها، وخرج منها حتى بلغ الرقة في طلب غلام له هرب منه يقال له لؤلؤ خرج إلى أبي أحمد الموفق في الأمان. ثم رجع ابن طولون إلى دمشق فاعتل بها وخرج في علته إلى مصر فتوفي بمصر في ذي القعدة سنة سبعين ومئتين.

قال أحمد بن محمد بن أبي العجائز وغيره من مشايخ دمشق: لما دخل أحمد بن طولون دمشق وقع فيها حريق عند كنيسة مريم فركب إليه أحمد بن طولون ومعه أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو وأبو عبد الله أحمد بن محمد الواسطي كاتبه ينظرون إلى الحريق، فالتفت أحمد بن طولون إلى أبي زرعة، فقال: ما يسمى هذا الموضع؟ فقال له أبو زرعة: يقال له كنيسة مريم. فقال أبو عبد الله: وكان لمريم كنيسة؟ فقال أبو زرعة: إنها ليست مريم بنت عمران أم عيسى وإنما بنى النصارى هذه الكنيسة فسموها باسمها. فقال أحمد بن طولون لأبي عبد الله الواسطي: ما أنت والاعتراض على الشيخ. ثم أمر بسبعين ألف دينار تخرج من ماله وتعطى كل من احترق له شيء ويقبل قوله ولا يستحلف عليه. فأعطوا وفضل من المال أربعة عشر ألف دينار، وكان يجري ذلك على يد أبي عبد الله الواسطي فراجع أبو عبد الله بن طولون فيما بقي من المال، فأمر أن يفرق على أصحاب الحريق على قدر شهامتهم ولا يرد إلى بيت المال منه شيء. وذكر ابن أبي مطر القاضي في كتابه قال: توفي بكار بن قتيبة يوم الأربعاء بعد صلاة العصر لست خلون من ذي الحجة سنة سبعين ومئتين. ومات ابن طولون قبله بشهر وأربعة أيام. قال محم بن علي المادرائي: كنت أجتاز تربة أحمد بن طولون فأرى شيخاً عند قبره يقرأن ملازماً القبر، ثم إني لم أره مدة ثم رأيته بعد ذلك، فقلت له: ألست الذي كنت أراك عند قبر أحمد بن طولون وأنت تقرأ عليه فقال: بلى، كان ولينا رئاسة في هذا البلد وكان له علينا بعض العدل إن لم يكن الكل، فأحببت أن أقرأ عنده وأصله بالقرآن. قال: قلت له: لم انقطعت عنه؟ فقال لي: رأيته في النوم وهو يقول لي: أحب ألا تقرأ عندي، فكأني أقول له: لأي سبب؟ فقال: ما تمر بي آية إلا قرعت بها، وقيل لي: ما سمعت هذه؟!

من اسم أبيه على حرف العين المهملة

من اسم أبيه على حرف العين المهملة أحمد بن عاصم أبو عبد الله الأنطاكي الزاهد صاحب المواعظ سكن دمشق، وروى عن جماعة. حدث أحمد بن عاصم عن مخلد بن حسين عن هشام بن حسان قال: مررت بالحسن في السحر، وهو جالس، قال: قلت: يا أبا سعيد، مثلك يجلس في هذا الوقت؟ قال: إني توضأت فأردتها أن تقوم فتصلي فأبت علي وأرادتني على أن تنام فأبيت عليها. قال أحمد بن عاصم: كتب أخ ليونس بن عبيد الله: أما بعد، يا أخي فاكتب إلي كيف أنت، وكيف حالك؟ فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، يا أخي فإنك كتبت إلي تسألني أكتب إليك كيف أنا، وكيف حالي، وأعلمك يا أخي أن نفسي قد ذلت بصيام اليوم البعيد الطرفين، الشديد الحر ولم تذل لي بترك الكلام فيما لا يعنيني. قال أحمد بن عاصم: التقى فضيل بن عياض وسفيان الثوري فتذاكرا، فقال سفيان لفضيل: يا أبا علي، إني لأرجو ألا نكون جلسنا مجلساً قط أعظم علينا بركة من هذا المجلس! فقال الفضيل: لكني أخاف ألا نكون جلسنا مجلساً قط أضر علينا منه. قال: ولمه يا أبا علي؟! قال: ألست تخلصت إلى أحسن حديثك فحدثتني به وتخلصت أنا إلى أحسن حديثي فحدثتك به؟ فترتبت لي وترتبت لك؟ قال: فبكى سفيان بكاء أشد من البكاء الأول ثم قال: أحييتني أحياك الله.

وكنية أحمد بن عاصم، أبو علي، ويقال: أبو عبد الله، من متقدمي مشايخ الثغور، وكان أبو سليمان الداراني يسميه جاسوب القلوب لحدة فراسته. وكان من أقران بشر بن الحارث، والسري، والحارث المحاسبي. قال أحمد بن عاصم: إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن له بحفظ لسانك. وقال: إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق، فإنهم جواسيس القلوب، يدخلون في قلوبكم ويخرجون منها من حيث لا تحتسبون. روي عن أحمد بن عاصم أنه كان يقول: هذه غنيمة باردة، أصلح ما بقي من عمرك يغفر لك ما مضى. وكان يقول: يسير اليقين يخرج كل الشك من القلب، ويسير الشك يخرج اليقين كله من القلب. قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي أحمد بن عاصم: يا أبا الحسن، أحب ألا أموت حتى أعرف مولاي لا معرفة الإقرار به ولكن المعرفة التي إذا عرفته استحييت. قال أحمد بن عاصم: هممت بترك المخالطة والعزم على السكوت. وكتبت إلى الهيثم بن جميل أشاوره في ذلك، فكتب إلي: إن أبا سلمة حماد بن سلمة هم بذلك ولزم بيته، فترك إتيان السوق، فقال الناس: أبو سلمة لزم بيته، فنزل السوق فخرج حماد وجعل يقف على الشيء يساوم به لا يريد شراءه، ويقف على القوم يسلم عليهم ليدرأ تلك المقالة عن نفسه، فكسرني عن ذلك. قال أحمد بن عاصم: قلة الخوف من قلة الحزن في القلب، وإذا قل الحزن في القلب خرب القلب كما أن البيت إذا لم يسكن خرب.

قال أبو عبد الله الأنطاكي: إن أقل اليقين إذا وصل إلى القلب يملأ القلب نوراً، وينفي عنه كل ريب ويمتلىء القلب به شكراً ومن الله خوفاً. وكان يقول: من كان بالله أعرف كان له أخوف. وقال: كل نفس مسؤولة فمرتهنة أو مخلصة، وفكاك الرهون بعد قضاء الديون، فإذا علقت الرهون أكدت الديون، وإذا أكدت الديون استحقوا السجون. وقال: الخير كله في حرفين قلت: وما هما؟ قال: تزوى عنك الدنيا ويمن عليك بالقنوع، ويصرف عنك وجوه الناس ويمن عليك بالرضا. قال أحمد بن عاصم: فرائضت القلب: اطراح الدنيا، وطرح ما يكره الله، وطهارة الضمير، وتصحيح العزم، وصيانة العقول، ورعاية النعم في المعاملة، والفهم عن الله فيما يقع التدبير. وقال: أنفع العقل ما عرفك نعم الله عليك، وأعانك على شكرها، وقام بخلاف الهوى. سئل أحمد بن عاصم. ما علامة الرجاء في العبد؟ قال: أن يكون إذا أحاط به الإحسان ألهم الشكر راجياً لتمام النعمة من الله تعالى عليه في الدنيا وتمام عفوه في الآخرة. وقال: خير صاحب لك في دنياك الهم، يقطعك عن الدنيا ويوصلك إلى الآخرة. قال أحمد بن عاصم الحكيم: الناس ثلاث طبقات: فمطبوع غالب. هؤلاء أهل الإيمان والإتقان فإذا غفلوا ذكروا فرجعوا من غير أن يذكروا، وذلك قوله تعالى: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " فهؤلاء الطبقة العليا من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والطبقة الثانية مطبوع مغلوب، فإذا بصروا، أبصروا، فرجعوا بقوة الطباع إلى محجة العقلاء، والطبقة الثالثة مطبوغ مغلوب غير ذي طباع ولا سبيل لك أن ترده بمواعظك وأدبك إلى محجة الفضلاء.

أحمد بن عامر بن عبد الواحد

قال أحمد بن عاصم: من الطويل هممت ولم أعزم ولو كنت صادقاً ... عزمت ولكن الفطام شديد ولو كان لي عقلٌ وإيقان موقنٍ ... لما كنت عن قصد الطريق أحيد ولا كان في شك اليقين مطامعي ... ولكن عن الأقدار كيف أحيد؟ أحمد بن عامر بن عبد الواحد ابن العباس الربعي البرقعيدي سمع بدمشق وبغيرها. حدث عن أحمد بن عبد الواحد بن عبود بسنده عن ابن عباس في قوله " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " قال: العلماء. وحدث أيضاً عن محمد بن عبد الرحمن الجعفي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه علمه. توفي بعد سنة ثلاث مئة. أحمد بن عامر بن محمد بن يعقوب ابن عبد الملك أبو الحسن الطائي حفيد محمود بن خالد روى عن جماعة. حدث عن محمد بن إسحاق ويعرف بابن الحريص بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قضى لأخيه حاجة كان كمن خدم الله عمره. روى أحمد عن عامر بسنده عن الشافعي قال: كنت أناظر محمد بن الحسن فكان له في قلبي وزن لأدبه وفصاحته، حتى ناظرته في

أحمد بن عامر بن معمر بن حماد

صلاة الكسوف، فقام إلى غرفة له توهمت أنه يريد تهيئة الصلاة فسمعته وهو يقول بينه وبين نفسه: يحتج علي بصبي وامرأة، يعني ابن عباس وعائشة. قال الشافعي: فذهب ما كان له في قلبي من وزن. كان من أهل بيت علم، كان فيه جماعة محدثون من قبل أبيه وأمه. مات في المحرم سنة ست وعشرين وثلاث مئة. أحمد بن عامر بن معمر بن حماد أبو العباس الأزدي حدث رجل بدمشق بسنده عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أيما رجل باع سلعة فوجدها بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء. أحمد بن العباس بن الربيع أبو بكر البغدادي الحافظ يعرف بابن الفقاعي حدث بدمشق. روى عن هبيرة بن محمد الطيب بسنده عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب. أحمد بن العباس بن محمد ابن الحسين بن عمرو بن نوح بن عمرو بن حوي بن نافع بن زرعة بن محصن ابن حبيب بن ثور بن خداش بن سكسك بن أشرس بن كندة أبو العباس الكندي المياهي وقيل في نسبه: أحمد بن الفضل بن حوي. قال: وأظن أن كنية أبيه: أبو الفضل فأسقط منه أبا.

أحمد بن العباس بن الوليد بن مزيد

حدث عن يوسف بن القاسم الميانجي بسنده عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الحياء من الإيمان. أحمد بن العباس بن الوليد بن مزيد أبو العباس العذري البيروتي حدث عن محمد بن سليمان الأسدي، لوين، بسنده عن حذيفة قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة. فلما بلغ القبر قعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حافة القبر أو على شفته، فجعل ينظر فيه فقال: يضغط المؤمن في هذا ضغطة تزول منها حمائله ويملأ على الكافر ناراً. قال أبو جعفر - يعني لويناً -: الحمائل: ما تقع عليه حمائل السيف. أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن ذكوان أبو عبيدة المقرىء قرأ القرآن وقرىء عليه. حدث عن أبيه بسنده عن ابن عباس قال: لما عزي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بابنته رقية امرأة عثمان بن عفان قال: الحمد لله، دفن البنات من المكرمات. مات أبو عبيدة بدمشق في سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة. أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو منصور الفرغاني نزيل مصر، سمع بدمشق. حدث عن أبي علي الحسن بن حبيب بن عبد الملك الدمشقي إمام مسجد باب الجابية بدمشق بسنده عن ابن عباس قال: توفي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت محكم القرآن يعني المفصل.

أحمد بن عبد الله بن بندار

أحمد بن عبد الله بن بندار أبو الحسن الشيرازي حدث ببعلبك في ذي القعدة سنة تسع عشرة وأربع مئة في المسجد المعروف بالقصر، قراءة عليه، وهو ينظر في أصله عن أبي القاسم محمود بن محمد بن عيسى الأصفهاني بشبام اليمن بسنده عن محمد بن علي الحنفي قال: قال المعلى مولى الصادق: سألت سيد جعفر بن محمد الصادق: فقلت: بأبي وأمي، إن العامة يزعمون أن الاختلاج غير صحيح قال: يا معلى هو صحيح. وذكر كتاب الاختلاج في مقدار ورقتين. أحمد بن عبد الله بن حمدون ابن نصير بن إبراهيم أبو الحسن، الرملي، المعروف بالجبريني قدم دمشق، وحدث بها عن جماعة. حدث عن أبي محمد عبد الله بن أبان بن شدد بعسقلان بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لله تسعةٌ وتسعون اسماً، مئة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر. وحدث عن أبي محمد بن الحسن بن فيل بسنده عن أبي علي الحسن بن علي عن الوزير بن القاسم قال: دخلت الحمام فرأيت عمرو بن هاشم البيروتي في الوزن فقلت له تدخل الحمام؟ قال: دخلت الحمام فرأيت الأوزاعي في الوزن فقلت له: تدخل الحمام؟ فقال: رأيت الزهري جالساً في الوزن فقلت: تدخل الحمام؟ فقال: رأيت أنس بن مالك في الوزن فقلت له: تدخل الحمام؟ فقال: دخلت الحمام فرأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالساً في

أحمد بن عبد الله بن حميد

الوزن وعليه مئزر، فهبت أن أكلمه، فقال: يا أنس، إنما حرم الدخول إلى الحمام إلا بمئزر. أحمد بن عبد الله بن حميد ابن رزيق ويقال: أحمد بن عبد الله بن رزين بن حميد - أبو الحسن المخزومي البغدادي نزيل مصر، من ولد عمرو بن حريث سمع بدمشق وبغيرها جماعة. روى بإسناده عن أبي العباس محمد بن جعفر بن هشام بن ملاس النميري بدمشق بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الشهر تسع وعشرون ليلة. وحدث عن أبي بكر أحمد بن سليمان بن زبان الكندي بدمشق بسنده عن جويرية بنت الحارث أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل عليها فقال لها: هل من طعام؟ قالت: لا إلا عظماً أعطيته مولاة لنا من الصدقة. قال: قربيه، فقد بلغت محلها. انتقل عن بغداد إلى مصر، وأقام بها إلى أن مات في سنة نيف وتسعين وثلاث مئة، وقيل: في سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة، يوم الثلاثاء لثمان بقين من ربيع الأول وقيل يوم الاثنين لسبع خلون منه. وكان ثقة مأموناً. أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو علي العبدي حدث عن جماعة. روى عن عمر بن محمد بن الحسن النجاري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لكل نبي حرم، وحرمي المدينة، اللهم إني أحرمها كما حرم إبراهيم مكة لا يؤوى فيها

أحمد بن عبد الله بن عبد الله

محدث ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا تؤخذ لقطتها إلا لمنشد. أحمد بن عبد الله بن عبد الله ابن عمرو بن عبد الله بن صفوان، أبو بكر ابن أبي دجانة النصري الشاهد حدث عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم. ولد في رجب سنة ثمانين ومئتين، وتوفي يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان سنة ست وخمسين وثلاث مئة. وكان ثقة مأموناً. أحمد بن عبد الله بن عبد الرزاق ابن عمر بن مسلم أبو الحسن الدمشقي المقرىء روى عن جماعة. الشيخ الصالح الثقة. حدث عن أبي الجماهير بسنده عن سمرة بن جندب أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يدعو: اللهم ضع في أرضنا بركتها وزينتها وسكنها.

أحمد بن عبد الله بن عراك

أحمد بن عبد الله بن عراك ابن الركين بن العلاء بن فطانة، أبو بكر الدهستاني حدث بدمشق وغيرها روى عن أبي نصر أحمد بن عبد الباقي بن الحسن بن طوق بن سلام بن المختار بن سليم الربعي الخيراني بالموصل بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من جاء إلى الجمعة فليغتسل. وروى عن أحمد بن عبد الباقي بن الحسن الربعي بسنده عن عبد الله بن قيس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جنتان من ذهب وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما. وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنات عدن. أحمد بن عبد الله بن علي ابن طاوس بن موسى بن العباس بن طاوس، أبو الركاب المقرىء البغدادي سمع ببغداد، وقرأ القرآن بروايات كثيرة، وانتقل إلى دمشق في شعبان سنة إحدى وخمسين وأربع مئة، فاستوطنها إلى أن مات بها. وصنف في القراءات. وأقرأ القرآن بروايات. وكان ثقة خيراً مداوماً لتلاوة القرآن ماهراً فيها. حدث بدمشق عن أبي طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان بسنده عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر. ختم القرآن في سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة وعمره عشر سنين أو أقل. وتوفي في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة بدمشق

أحمد بن عبد الله بن عمر

أحمد بن عبد الله بن عمر ابن حفص ويقال جعفر أبو علي المالكي البغدادي سكن حلب، وقدم دمشق، وحدث بها. حدث عن أبي شعيب عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، وإذا سقمت المعدة صدرت العروق بالسقم. أحمد بن عبد الله بن عمر الدمشقي حدث عن عبد الله بن ثابت البغدادي بسنده عن محمد بن أبي كبشة قال: سمعت هاتفاً في البحر ليلاً يقول: لا إله إلا الله، كذب المريسي على الله. قال: ثم هتف ثانية فقال: لا إله إلا الله، على ثمامة والمريسي لعنة الله. قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب المريسي فخر ميتاً. أحمد بن عبد الله بن عمرو الدمشقي حدث عن أبي الحسن محمد بن محمد بن النفاخ بن بدر الباهلي بمصر بسنده عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا سخب فيه ولا نصب.

أحمد بن عبد الله بن الفرج

أحمد بن عبد الله بن الفرج ابن عبد الله أبو بكر القرشي، المعروف بابن البرامي، مولى بني أمية روى عن جماعة. روى سنة أربعين وثلاث مئة عن أبي بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم المعافري الرملي بسنده عن أنس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مشى في الرمل في شدة الحر فأحرق قدميه، فقال: لولا رمل بين غزة وعسقلان لعنت الرمل. كان أبو بكر أحمد بن عبد الله مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان، وكان كهلاً يكتب الحديث، يعرف بابن البرامي. مات سنة ست وأربعين وثلاث مئة. أحمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن بشر بن مغفل بن حسان بن عبد الله بن مغفل، أبو محمد المزني المغفلي الهروي من أعيان أهل خراسان. رحل وسمع بدمشق وبهراة وبالعراق وبمصر جماعة. وروى عنه جماعة. حدث عن محمد بن سهل العطار بسنده عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيته عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك. وحدث ببخارى إملاء عن عبد الله بن محمد بن ناجية بسنده عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا في النصف من شعبان فيغفر لكل مسلم إلا مشرك أو مشاحن. قال الحاكم: سمعت أبا محمد المزني يقول: حديث النزول وقد ثبت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من وجوه صحيحة. وورد في التنزيل

أحمد بن عبد الله

ما يصدقه وهو قوله عز وجل: " وجاء ربك والملك صفاً صفا " والنزول والمجيء صفتان منفيتان من صفات الله عز وجل من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله عز وجل بلا تشبيه، جل الله عما تقول المعطلة بصفاته والمشبهة بها علواً كبيراً. وكان أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني إمام أهل العلم والوجوه وأولياء السلطان بخراسان في عصره بلا مدافعة. وكان مجاوراً بمكة، فورد الكتاب من مصر بأن يحج أبو محمد بالناس، ويخطب بعرفات ومنى وتلك المشاعر. قال: فصلى بنا بعرفات، وأتم الصلاة، فصاح الناس وعجوا، فصعد المنبر: فقال: أيها الناس، أنا مقيم وأنتم على سفر، ولذلك أتممت. توفي أبو محمد غدوة يوم الثلاثاء السابع عشر من رمضان سنة ست وخمسين وثلاث مئة. وحمل بعد الظهر تابوته إلى السهلة، فوضع على باب السلطان - يعني ببخارى - وحمل الوزير أبو علي البلعمي تابوته أحد شقيه على عاتقه بعد الصلاة، وقدم ابنه للصلاة عليه، وقدمت البغال وحملوا جثته الطيبة إلى وطنه الذي قتله حبه، بهراة ودفن بها. قال أبو نصر بشر بن أبي محمد المزني في مأتم أبيه: إن آخر كلمة تكلم بها أبوه أن قبض على لحيته بيده اليسرى ورفع يده اليمنى إلى السماء فقال: ارحم شيبة شيخ جاءك بتوفيقك على الفطرة. أحمد بن عبد الله ويقال عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب. كما زعم وهو صاحب الحال، أخو علي بن عبد الله القرمطي، بايعته القرامطة بعد قتل

أخيه بنواحي دمشق، وتسمى بالمهدي واقتيد بالشام فبعث إليه المكتفي عسكراً في المحرم سنة إحدى وتسعين ومئتين، فقتل من أصحابه خلق كثير، ومضى هو في نفر من أصحابه يريد الكوفة فأخذ بقرب قرية تعرف بالدالية من سقي الفرات، وحمل إلى بغداد وأشهر، وطيف به على بعير، ثم بنيت له دكة فقتل عليها هو وأصحابه الذين أخذوا معه يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين ومئتين. قال أبو محمد إسماعيل بن علي بن إسماعيل الخطبي قال: قام مقامه - يعني مقام صاحب الجبل - أخ له في وجهه خال يعرف به يقال له صاحب الخال. فأسرف في سوء الفعل وقبح السيرة وكثرة القتل حتى تجاوز ما فعله أخوه وتضاعف قبح فعله على فعله وقتل الأطفال ونابذ الإسلام وأهله، ولم يتعلق منه بشيء. فخرج المكتفي بالله إلى الرقة وسير إليه الجيوش فكانت له وقائع، وزادت أيامه على أيام أخيه في المدة والبلاء حتى هزم وهرب وظفر به في موضع يقال له الدالية بناحية الرحبة، فأخذ أسيراً وأخذ معه ابن عم له يقال له: المدثر، وكان قد رشحه للأمر بعده، وذلك في المحرم سنة إحدى وتسعين. وانصرف المكتفي بالله إلى بغداد وهو معه فركب المكتفي ركوباً ظاهراً في الجيش والتعبئة وهو بين يديه على الفيل وجماعة من أصحابه على الجمال مشهرين بالبرانس، وذلك يوم الاثنين غرة ربيع الأول سنة إحدى وتسعين. ثم بنيت له دكة في المصلى، وحمل إليها هو وجماعة أصحابه فقتلوا عليها جميعاً في ربيع الآخر بعد أن ضرب بالسياط، وكوي جبينه بالنار وقطعت منه الأربعة ثم قتل ونودي في الناس فخرجوا مخرجاً عظيماً للنظر إليه. وصلب بعد ذلك في رحبة الجسر. وقيل إنه وأخاه من قرية من قرى الكوفة يقال لها الصوان، وهما، فيما ذكر، ابنا زكرويه بن مهرويه القرمطي الذي خرج في طريق مكة في آخر سنة ثلاث وتسعين ومئتين، وتلقى الحاج في المحرم من سنة أربع وتسعين فقتلهم قتلاً ذريعاً لم يسمع قبل بمثله واستباح القوافل وأخذ شمسة البيت الحرام، وقبل ذلك دخل الكوفة يوم الأضحى بغتة

أحمد بن عبد الله بن مرزوق

وأخرج منها ثم لقيه جيش السلطان بظاهر الكوفة بعد دخوله إليها وخروجه عنها فهزمهم، وأخذ ما كان معهم من السلاح والعدة فقوي بها، وعظم أمره في النفوس وأجلبت معه كلب وأسد وكان يدعى السيد. ثم سير إليه السلطان جيشاً عظيماً فلقوه بذي قار بين البصرة والكوفة في العراض، فهزم وأسر جريحاً ثم مات. وكان أخذه أسيراً يوم الأحد لثمان بقين من ربيع الأول سنة أربع وتسعين بعد أن أسر فقدم به إلى بغداد مشهوراً في ربيع الأول وشهرت الشمسة بين يديه ليعلم الناس أنها قد استرجعت وطيف به ببغداد، وقيل إنه خرج يطلب بثأر ابنه المقتول على الدكة. ومن شعره في الفخر: من مجزوء الكامل سبقت يدي يده بضر ... بة هاشمي المحتد وأنا ابن أحمد لم أقل ... كذباً ولم أتزيد من خوف بأسي قال بد ... رٌ ليتني لم أولد يعني بدر الحمامي الطولوني أمير دمشق. أحمد بن عبد الله بن مرزوق أبو العباس الأصبهاني الدستجردي قدم دمشق، وحدث بها سنة سبع وأربعين وخمس مئة. قال الحافظ: كان يروي كتاب الترغيب والترهيب، فجلست معه لما شرع في التحديث به حرصاً مني على معارضة نسختي مرة ثانية، فكان إذا أخطأ في قراءته رددت عليه، فيشق عليه. ولقد جاء في نسخته حديث من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة،

أحمد بن عبد الله أبي الحواري

فسقط منه ذكر سهيل عن أبيه، فرددت عليه، فأراد أن يماري فيه، فقلت: هذا لا يخفى على الصبيان، ولم أعد للحضور معه. حدث أبو العباس الأصبهاني عن أبي بكر محمد بن أبي القاسم الفضل بن محمد الفراتي وغيره بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والزكاة والحج والعمرة والجهاد حتى ذكر سهام الخير وما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله. أحمد بن عبد الله أبي الحواري ابن ميمون بن عياش بن الحارث، أبو الحسن التغلبي الغطفاني الزاهد أحد الثقات. أصله من الكوفة وسكن دمشق. روى عن جماعة وأعيان، وروى عنه جماعة وأعيان. روى عن حفص بن غياث بسنده عن أبي موسى قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا مرض العبد أو سافر أمر أن يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، وفي رواية أخرى: كتب له مثل أجره وهو صحيح. أبو الحسن أحمد بن أبي الحواري من قدماء مشايخ الشام، من أهل دمشق تكلم في علوم المحبة والمعاملات، وصحب أبا سليمان الداراني، وأخذ طريقة الزهد من أبيه أبي الحواري. واسم أبي الحواري ميمون، ويقال عبد الله بن ميمون. ولأحمد ابن يقال له عبد الله، وكان من الزهاد أيضاً. وكان الجنيد يقول: أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام. قال يحيى بن معين - وذكر أحمد بن أبي الحواري - فقال: أهل الشام به يمطرون.

قال يوسف بن الحسين: طلب أحمد بن أبي الحواري العلم ثلاثين سنة، فلما بلغ منه الغاية حمل كتبه كلها إلى البحر فغرقها، وقال: يا علم، لم أفعل بك هذا تهاوناً بك ولا استخفافاً بحقك، ولكني كنت أطلبك لأهتدي بك إلى ربي، فلما اهتديت بك إلى ربي استغنيت عنك. قال يوسف بن الحسين: كان بين أبي سليمان وأحمد بن الحواري عقد لا يخالفه في شيء يأمره به، فجاءه يوماً وهو يتكلم في مجلسه فقال: إن التنور قد سجر فما تأمر؟ فلم يجبه، فقال مرتين ثلاثة، فقال أبو سليمان اذهب فاقعد فيه، كان ضاق به قلبه. وتغافل أبو سليمان ساعة، ثم ذكر فقال: اطلبوا أحمد فإنه في التنور لأنه على عقد ألا يخالفني، فنظروا فإذا هو في التنور لم تحترق منه شعرة. قال محمد بن الفيض: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول لرجلين وأنا ثالثهما، وسألاه عن شيء فقال: والله لولا ما قد جرى أو مضى من السنة وسار في الناس من تقدمة أبي بكر وعمر وعثمان ما قدمنا على عليٍّ أحداً. يعني لسابقته وفضله وقدمته. قال ابن الفيض: أدركت من شيوخنا من شيوخ دمشق ممن يربع بعلي بن أبي طالب، وذكر قوماً فيهم أحمد بن أبي الحواري. قال عيسى بن عبد الله: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: لو خيرني مخير بين أن يسجر لي تنور فأرمي بنفسي فيه، فأحترق به ولا أبعث، وبين أن أبعث ولا أحاسب ويؤمر بي إلى الجنة، لظننت أني سأموت من الفرح بالتنور من قبل أن أصير إليه، قال: قلت: أنى ومع البعث إلى الجنة فقال لنا: فأين الوقوف بين يدي الله عز وجل والتوبيخ. وكان أحمد بن أبي الحواري كريم الأخلاق، وكان من كرم أخلاقه أنه كان لا يزن كسراً ولا يأخذ كسراً، وإذا كان له درهم وكسر أخذ الدرهم ولم يأخذ الكسر، وإذا كان عليه وزن درهم ونصف وزن درهمين.

قال: وأحسن ما سمع منه: جاءه مولود، ولم يكن له شيء من الدنيا، فقال لتلميذ له قد جاءنا البارحة مولود، خذ لنا وزنة دقيق بنسيئة فقال تلميذه: والله إن هذه لمسبة على علماء الشام وعقلائها إذ لا يفتقدون هذا الشيخ، يجيئه مولود فلا يملك ثمن وزنة دقيق. قال: وكان بعض التجار قد وجه متاعاً إلى مصر، فنوى إن سلمه الله في ذهابه ومجيئه أن لأحمد مئتي درهم صحاحاً. فلما جاء المولود جاء المتاع، فدفع التاجر المئتي درهم إلى غلام له وقال: ادفعها إلى أحمد، وقل له: إن سيدي نذر إن سلم الله متاعه فلك فيه مئتا درهم، وقد سلمه الله عز وجل، فقال تلميذه: الحمد لله قد فرج عن الشيخ، فالدراهم بين يديه، حتى جاءه رجل فقال: يا أحمد البارحة جاءني مولود، عندك من الدنيا شيء؟ فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا مولاي، هكذا بالعجلة ودفع المئتي الدرهم إليه، ثم قال لتلميذه: قم ويحك جئنا بالدقيق. قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان: صليت صلاة في خلوة فوجدت لها لذة، قال: وأي شيء ألذك فيها؟ قلت: حيث لم يرني أحد، فقال: إنك لضعيف حيث خطر بقلبك فكر الخلق. قال محمد بن عوف: رأيت أحمد بن أبي الحواري عندنا بانطرسوس، فلما أن صلى العتمة قام يصلي على الحائط، فاستفتح ب " الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين ". ثم رجعت فنمت ليلتي جمعاء، فلما كان السحر قبل انشقاق الفجر مررت بأحم بن أبي الحواري، وهو يقرأ " إياك نعبد وإياك نستعين " فلم يزل يرددها من العتمة إلى الصبح. قال عبد الله بن أحمد بن أبي الحواري: كنا نسمع بكاء أبي بالليل حتى نقول قد مات، ثم نسمع ضحكه حتى نقول قد جن.

قال الحسن بن حبيب: سمعت أبي يقول: خرجت مع أحمد بن أبي الحواري إلى رباط بيروت، فلم تزل الهدايا تجيئه من أول النهار إلى نصف النهار، ثم أقامني ففرقها إلى أن غابت الشمس، وقال لي: كن كذا يا حبيب لا تزد على الله ولا تدخر عنه، فلما كان في الليل خرجت معه إلى سور البلد، فسمع الحارس يقول: قل لزين الحنان: رد السلام، فصاح وسقط، وقال: قل لكل قلب يلحق حيث يشاء. قال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على بعض المتعبدين أعوده، فقلت: كيف تجدك؟ فقال: بحال شريفة، أسير كريم في حبس جواد مع أعوان صدق، والله لو لم يكن مما ترون لي عوض إلا ما أودع في قلبه من محبته لكنت حقيقاً على أن أدوم على الرضى عنه، وما الدنيا وما غاية البلاء فيها؟ هل هو إلا ما ترون بي من هذه العلة؟ وأوشك لئن استبد بي الأمر قليلاً لترحلني إلى سيدي، ولنعمت علةٌ رحلت بمحب إلى محبوب قد أضر به طول التخلف عنه. قال أحمد بن أبي الحواري: لا دليل على الله سواه، وإنما العلم يطلب لآداب الخدمة. قال أحمد بن أبي الحواري: صحبت أبا سليمان طول ما صحبته فما انتفعت بكلمة أقوى علي وأهدى لرشدي وأدل على الطريق من هذه الكلمة: قلت له في ابتداء أمري: أوصني فقال: أمستوصٍ أنت؟ قلت: إن شاء الله، قال: خالف نفسك في كل مراد لها فإنها الأمارة بالسوء، وإياك أن تحقر أحداً من المسلمين، واجعل طاعة الله دثاراً والخوف منه شعاراً، والإخلاص زاداً، والصدق جنة، واقبل مني هذه الكلمة الواحدة ولا تفارقها ولا تغفل عنها: إن منا استحى من الله عز وجل في كل أوقاته وأحواله وأفعاله بلغه إلى مقام الأولياء من عباده. قال: فجعلت هذه الكلمة أمامي، ففي كل وقت أذكرها وأطالب نفسي بها. قال أحمد بن أبي الحواري: علامة حب الله حب طاعة الله. وقيل: حب ذكر الله، فإذا أحب الله العبد أحبه،

فلا يستطيع العبد أن يحب الله حتى يكون الابتداء من الله بالحب له، وذلك حين عرف منه الاجتهاد في مرضاته. وقال أحمد: أفضل البكاء بكاء العبد على ما فاته من أوقاته على غير الموافقة، أو بكاء على ما سبق له من المخالفة. قال حبيب بن عبد الملك: كنت عند أحمد بن أبي الحواري جالساً، فقال له رجل: يا أبا الحسن، أثابنا الله وإياك على الإسلام والسنة، فقال له أحمد: يا ذا الرجل، إنه من لم يكن مسيئاً فما هو مسلم، فقال له: يا أبا الحسن، فما السنة عندك؟ قال: أن يسلم أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منك وتسلم منهم. قال أحمد: ما ابتلى الله عبداً بشيء أشد من الغفلة والقسوة. وقال: من عمل بلا اتباع سنة فباطلٌ عمله. وقال: من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب لها أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه. وقال: من عرف الدنيا زهد فيها، ومن عرف الآخرة رغب فيها، ومن عرف الله آثر رضاه. ورد كتاب المأمون على إسحاق بن يحيى بن معاذ، وهو يومئذ والي دمشق بمحنة أحمد بن أبي الحواري وعبد الله بن ذكوان بالقول بخلق القرآن، وكانا على المسجد وكان ابن أبي دواد يعرفهما، فورد الكتاب على إسحاق، ولهما منه منزلة، فخفف عنهما في المحنة فأجاب عبد الله بن ذكوان وأبى أحمد بن أبي الحواري أن يجيب فحبس، ثم وجه إلى امرأته وصبيانه ليأتوه ويبكوا عليه ليرجع عن رأيه، وقيل له: ما في القرآن من الجبل والشجر مخلوق. وكان إسحاق مائلاً إليه فأجاب على هذا وكتب إسحاق بإجابتهما.

أحمد بن عبد الله بن نصر

ومات أحمد بن أبي الحواري سنة ست وأربعين ومئتين في جمادى الآخرة. وقيل سنة خمس وأربعين ومئتين. وقيل سنة ثلاثين ومئتين، وهو وهم. وعمره اثنتان وثمانون سنة. ومولده سنة أربع وستين ومئة. أحمد بن عبد الله بن نصر ابن بجير بن عبد الله بن صالح بن أسامة، أبو العباس، والد القاضي أبي الطاهر الذهلي سمع بدمشق وبغيرها. حدث عن ربيعة بن الحارث الجبلاني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني قد ثقلت، فلا تبادروني بالركوع والسجود، فإني مهما أسقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم إذا سجدت تدركوني إذا رفعت. مات ابن بجير القاضي سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة يوم الثلاثاء سلخ ربيع الآخر. أحمد بن عبد الله بن نصر بن هلال أبو الفضل السلمي حدث عن أبي عبد الرحمن المؤمل بن إهاب بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قال أخاه أقال الله عثرته يوم القيامة. وروى أيضاً عن أبي عامر موسى بن عامر بسنده عن أنس عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسها فينزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج إليه منها كل كافر ومنافق.

أحمد بن عبيد الله بن الحسن

وحدث عن جعفر بن محمد بن حماد بسنده عن علي بن رباح أن أعمى كان له قائد بصير فغفل البصير، فوقعا في بئر، فمات البصير وسلم الأعمى، فجعل عمر ديته على عاقلة الأعمى. قال: فسمعته يقول في الحج: من الرجز يا أيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معاً كلاهما تكسرا مات أبو الفضل أحمد بن هلال في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة. أحمد بن عبيد الله بن الحسن ابن شقير أبو العلاء البغدادي النحوي حدث عن أبي بكر محمد بن هارون بن المجدر ببغداد بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه قضى في الجنين بغرة عبدٍ أو أمة أو بفرس أو بغل. أحمد بن عبيد الله بن فضال أبو الفتح الحلبي الموازيني الشاعر، المعروف بالماهر. قرىء عليه في صفر سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة يمدح أبا نصر صدقة بن يوسف: من الكامل لو سرت حين ملكت سيرة منصفٍ ... لسننت وحدك سنةً لم تعرف من صح قبلك في الهوى ميثاقه ... حتى تصح؟! ومن وفى حت تفي؟!

أحمد بن عبيد الله الدمشقي

عرف الهوى في الخلق مذ خلق الهوى ... بمذلة الأقوى وعز الأضعف فلألبسن حملت أو لم أحتمل ... فيك السقام عطفت أو لم تعطف حتى يعاين كل لاحٍ عاذلٍ ... مني لجاجة كل صبٍّ مدنف يا من توقد في الحشا لصدوده ... نارٌ بغير وصاله ما تنطفي وهي طويلة. مات أبو الفتح أحمد بن عبيد الله الماهر في صفر بدمشق سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة. ودفن في داره، ثم نقل إلى باب الصغير. أحمد بن عبيد الله الدمشقي روى عن الوليد بن مسلم بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أنعم الله على عبد نعمة فأسبغها عليه، ثم وجه إليه من يطلب المعروف عنده فزبرهم إلا وقد تعرض لزوال تلك النعمة. أحمد بن عبد الباقي بن الحسن أبو الحسين القيسي النجاد حدث عن أبي عبد الله محمد بن علي بن الخضر بن سعيد السلمي بسنده عن عبد الله قال: نهانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن النذر، وقال: إنه لا يرد من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به، يعني: من البخيل. خرج أبو الحسين قاصداً للحج في رجب سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة فسقط عن البعير قبل وصوله إلى الرحبة، فتوفي ودفن في الرحبة.

أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد

أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد أبو بكر العلوي الزيدي المروزي الواعظ الشافعي قدم دمشق وأملى بها الحديث، وعقد بها مجالس الوعظ وروى عن جماعة. حدث عن الشيخ السديد أبي منصور محمد بن علي بن محمد التاجر بسنده عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: عرض علي الأنبياء، فإذا موسى عليه السلام رجل ضربٌ من الرجال كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى بن مريم عليه السلام، فإذا أقرب من رأيت به شبهاً عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم، يعني نفسه. ورأيت جبريل فإذا أقرب من رأيت به شبهاً دحية. أخرج أبو بكر العلوي من دمشق في ذي الحجة سنة سبع وأربعين وخمس مئة، وسار إلى ناحية ديار الملك مسعود بن سليمان، فانقطع خبره عنا بعد ذلك. وكان غير مرضي الطريقة. أحمد بن عبد الرحمن بن بكار ابن عبد الملك بن الوليد بن بسر بن أبي أرطأة أبو الوليد القرشي العامري البسري من أهل دمشق، سكن بغداد وحدث. روى عن الوليد بن مسلم القرشي بسنده عن أبي أمامة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: تسوكوا فإن السواك مطيبة للفم، مرضاة للرب عز وجل، وما جاءني جبريل عليه السلام إلا وصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرضه علي وعلى أمتي. ولولا أن أشق على أمتي لفرضته عليهم، فإني لأستاك حتى خشيت أن أحفي مقاديم فمي. مات أبو الوليد القرشي يوم الثلاثاء لثلاث بقين من رمضان سنة ثمان وأربعين ومئتين. وقيل سنة ست وأربعين ومئتين.

أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن

قال: وهو وهم. والصواب الأول. وكان صدوقاً وذكر الباغندي عن إسماعيل بن عبد الله السكري أنه كان سيىء الحال، وأنه لم يسمع من الوليد بن مسلم شيئاً. قال: وكنت أعرفه شبه قاض، وإنما كان محللاً يحلل النساء للرجال، ويعطى الشيء فيطلق. قال الخطيب: وليس حاله على ما ذكر الباغندي عن هذا الشيخ، بل كان من أهل الصدق، وقد حدث عنه من الأئمة أبو عبد الرحمن النسائي وحسبك به، وذكره في جملة شيوخه الذين بين أحوالهم. أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن أبو الحسين الطرائفي حدث عن تمام بن محمد بسنده عن أنس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل يوم الفتح مكة وعليه مغفر. فلما وضعه قيل: يا رسول الله، هذا المنافق متعلق بأستار الكعبة، فأمر به فقتل صبراً. توفي أبو الحسين أحمد الطرائفي يوم الأربعاء السابع من رجب سنة سبع وخمسين وأربع مئة. سمع الكثير من الشيوخ، وكتب واستورق، ولم يحدث من أول عمره، ولم تطل مدته، وكان مغفلاً، وكان مقتراً على نفسه، وجمع مالاً كثيراً. وكان شحيحاً على نفسه. وذكر أنه قال لزوج بنت أخيه في علته التي مات فيها، وقد حمله إلى عنده: أطعمني شواء فلي عشرون سنة أشتهيه. وحكي عنه أنه كان له نطع يقعد عليه، فإذا جلس كشف عن مقعدته وجلس على النطع لئلا يتخرق الثوب الذي يكون عليه. سئل أبو القاسم علي بن إبراهيم النسيب عن الطرائفي فقال: ما كان إلا ثقة.

أحمد بن عبد الرحمن بن أبي الحصين

أحمد بن عبد الرحمن بن أبي الحصين أبو بكر الأنطرطوسي حدث بدمشق عن كثير بن عبيد الإمام بسنده عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسجد على كور العمامة. أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان ابن القاسم بن معروف بن حبيب بن أبان بن إسماعيل، أبو علي بن أبي نصر التميمي المعدل روى عن جماعة. وروى عنه جماعة. حدث عن القاضي أبي بكر يوسف بن القاسم الميانجي بسنده عن أبي مسعود عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله عز وجل. توفي أبو علي أحمد بن عبد الرحمن في السابع والعشرين من شعبان سنة إحدى وأربعين وأربع مئة. وكان ثقة مأموناً، صاحب أصول حسنة. وكانت له جنازة عظيمة. أحمد بن عبد الرحمن بن علي ابن عبد الملك بن بدد بن الهيثم أبو عصمة اللخمي القاضي حدث بطرابلس قال: أنشدني قاضي القضاة أبو محمد عبيد الله بن أحمد بن معروف لنفسه ببغداد، والبيت الأخير مضمن: من البسيط أشتاقكم اشتياق الأرض وابلها ... والأم واحدها والغائب الوطنا أتيت أطلب أسباب السلو فما ... ظفرت إلا ببيتٍ شفني وعنى أستودع الله قوماً ما ذكرتهم ... إلا تحدر من عيني ما خزنا

أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس

قال الخطيب: أنشدني الصوري الأبيات التي ضمن ابن معروف منها هذا البيت وهي: يا صاحبي سلا الأطلال والدمنا ... متى يعود إلى عسفان من ظعنا إن الليالي التي كنا نسر بها ... أبدى تذكرها في مهجتي حزنا أستودع الله قوماً ما ذكرتهم ... إلا تحدر من عيني ما خزنا كان الزمان بنا غراً فما برحت ... أيدي الحوادث حتى فطنته بنا أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس ابن محمد بن خلف بن قابوس أبو النمر الأطرابلسي الأديب حدث بصور سنة ثلاث عشرة وأربع مئة وباطرابلس عن جماعة. وروى عنه جماعة. حدث عن القاضي يوسف بن القاسم الميانجي بسنده عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته. وحدث عن أبي محمد الحسن بن أحمد بن إبراهيم النحوي بسنده عن أبي جحيفة قال: قال عبد الله: ذهب صفو الدنيا فلم يبق منها إلا الكدر، فالموت تحفة كل مسلم. حدث أبو النمر بإسناده عن مسعر قال: لم يقل لبيد في الإسلام إلا هذين البيتين: من الطويل نجدد أحزاناً لدى كل هالكٍ ... ونسرع نسياناً ولم يأتنا أمن فإنا ولا كفران لله ربنا ... لكالبدن لا تدري متى يومها البدن عاصر أبو النمر بطرابلس أبا عبد الله الحسين بن خالويه، وكان يدرس العربية واللغة، وتوفي بها، وخلف ولداً شخص إلى العراق وتقدم هناك. قال أبو النمر: أنشدني الحسين بن خالويه قال: أنشدنا محمد بن أبي هاشم لمحمد بن خازم: مجزوء الكامل الله أحمد شاكراً ... فبلاؤه حسنٌ جميل

أحمد بن عبد الرحمن بن محمد

أصبحت مستوراً معا ... فى بين أنعمه أجول خلواً من الأحزان خف ... الظهر يقنعني القليل حراً فلا مننٌ لمخ ... لوق علي ولا سبيل لم يشقني حرصٌ ولا ... طمعٌ ولا أملٌ طويل سيان عندي ذو الغنى ال ... متلاف والرجل البخيل ونفيت باليأس المنى ... عني فطاب لي المقيل والناس كلهم لمن ... خفت مؤونته خليل أحمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن الجارود بن هارون أبو بكر الرقي الحافظ، نزيل عسكر مكرم ذكر أنه سمع بدمشق وبحمص جماعة. وروى عنه جماعة. حدث بعسكر مكرم عن هشام بن عمار بسنده عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب. وحدث أيضاً بعسكر مكرم في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وثلاث مئة عن هشام بن عمار أيضاً بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتاً، للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت هذه الآية من مرة " فبأي آلاء ربكما تكذبان " إلا قالوا: ولا بشيء من نعمائك يا ربنا نكذب. فلك الحمد. وحدث أيضاً في عسكر مكرم سنة ستة وخمسين بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة.

أحمد بن عبد الرحمن بن واقد

وحدث أيضاً عن محمد بن عبد الملك الدقيقي وغيره بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يقول الله عز وجل: يابن آدم أنا بدك اللازم فاعمل لبدك، كل الناس لهم بد، وليس لك مني بد. حدث أحمد بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا إبراهيم المزني يقول: كنا جلوساً عند الشافعي إذ أقبل رجل من أصحاب الحديث، وكان عندنا ممن لا يقام له، فقام إليه الشافعي وأجلسه بجنبه وأنشد: من المتقارب ولما تبدى لنا مقبلاً ... حللنا الحبا وابتدرنا القياما فلا تنكرن قيامي له ... فإن الكريم يجل الكراما ذكر أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في كتاب تكملة الكامل في معرفة الضعفاء قال: أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي يضع الحديث، ويركبه على الأسانيد المعروفة. وقال أبو بكر الخطيب: هو كذاب. أحمد بن عبد الرحمن بن واقد التنوخي البيروتي حدث ببيروت عن بكر بن سهل بن إسماعيل الدمياطي بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طعام السخي دواء، وطعام الشحيح داء. وفي رواية: طعام السخي شفاء. أحمد بن عبد الرحمن بن يحيى المعروف بابن ثرثار حدث عن عبد القدوس بن عبد السلام بن عبد القدوس بن حبيب الدمشقي عن أبيه عن جده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الاقتصاد في النفقة نصف العيش، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم.

أحمد بن عبد الرزاق

أحمد بن عبد الرزاق قال الحسن بن حبيب: حدثني أبي قال: دعانا محمد بن عباس الهيتي، وكان من الصالحين، وعنده جماعة منهم أحمد بن عبد الرزاق، فقدم إلينا خبيصٌ، فأخذ أحمد اللقمة من القصعة فناولني إياها وقال لي: اجعلها أنت بيدك في فمي، ففعلت؛ فقال: أتدري لم فعلت هذا، إنه يروى في الحديث: من لقم أخاه المسلم لقمة حلاوة وقاه الله مرارة يوم القيامة. وأحببت أن تلقمني إياها حتى يوقيك الله مرارة يوم القيامة. أحمد بن عبد الصمد بن محمد ابن غانم بن الحسن أبو الحسين بن أبي الفتح التميمي البزاز حدث سنة ستين وأربع مئة عن أبي الحسن رشأ بن نظيف بن ماشاء الله بسنده عن الأصمعي قال: لما قتل أهل الحرة هتف هاتف بمكة على أبي قبيس مساء تلك الليلة، وابن الزبير جالسٌ يسمع: من مجزوء الكامل قتل الخيار بنو الخيا ... ر ذوو المهابة والسماح والصائمون القائمو ... ن القانتون أولو الصلاح المهتدون المتقو ... ن السابقون إلى الفلاح ماذا بواقم والبقي ... ع من الجحاجحة الصباح وبقاع يثرب ويحهن ... من النوادب والصياح فقال ابن الزبير لأصحابه: يا هؤلاء، قد قتل أصحابكم فإنا لله وإنا إليه راجعون. ذكر ابن ابنة أبو المعالي عبد الصمد بن الحسين بن أحمد الأمين أنه توفي في حدود سنة سبعين وأربع مئة.

أحمد بن عبد العزيز بن محمد

أحمد بن عبد العزيز بن محمد ابن حبيب أبو الطيب المقدسي الفقيه الواعظ إمام جامع الرافقة سمع جماعة. وله ديوان شعر حسن أسمع بعضه بالرافقة. قدم دمشق غير مرة، وكان شيخاً مستوراً معيلاً مقلاً. حدث بالرافقة عن أبي عبد الله الحسين بن علي الطبري بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فإذا سئلوا أفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. ومن شعره من قصيدة: من الطويل ينال الفتى بالجود ما لاتناله ... سيوفٌ تقد السابري حداد وبالرأي إصلاح الأمور وكم بدا ... لتاركه بين الأنام فساد تأن إذا لم يتضح لك مطلبٌ ... فإن التأني في الأمور رشاد وسرك فاحفظطه وكن كاتماً له ... فإن ظهور السر حين يعاد ولم أر كالدنيا لمن كان قادراً ... يساق إليه خيرها ويزاد مات أبو الطيب بعد سنة تسع وعشرين وخمس مئة. أحمد بن عبد العزيز أبو عمرو حدث عن الوليد بن مسلم بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في محرم بحجه أصاب امرأته وهي محرمة: يقضيان حجهما وعليهما الحج من قابل من حيث كانا أحرما ويفترقان حتى يتما حجهما. قال عطاء: وعليهما بدنة أطاعته أو استكرهها فإنما عليهما بدنة واحدة.

أحمد بن عبد القاهر بن الخيبري

وحدث عنه أيضاً عن عطاء قال: الحائض والجنب لا ينقضان عقاصاً ولا ضفيرة، ولا تمر حائض في المسجد إلا مضطرة. أحمد بن عبد القاهر بن الخيبري اللخمي الدمشقي حدث بدمشق سنة تسع وسبعين ومئتين عن منبه بن عثمان بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أشرف الإيمان أن يأمنك الناس، وأشرف الإسلام أن يسلم الناس من لسانك ويدك، وأشرف الهجرة أن تهجر السيئات، وأشرف الجهاد أن تقتل ويعقر فرسك. الخيبري: أوله خاء معجمة مفتوحة بعدها ياء معجمة باثنتين من تحتها وباء معجمة بواحدة. أحمد بن عبد الملك بن علي ابن أحمد بن عبد الصمد بن بكر أبو صالح النيسابوري المؤذن الحافظ سمع بدمشق وببغداد وبخراسان. وروى عنه جماعة. وكان ثقة خياراً. حدث عن أبي نعيم عبد الملك بن الحسن الأزهري بسنده عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لكل نبي دعوة فأريد أن أختبىء دعوتي إن شاء الله شفاعة لأمتي يوم القيامة. أنشد أبو صالح المؤذن بسنده لمهدي بن سابق: من البسيط يا رب ساعٍ له في سعيه أملٌ ... يفنى ولم يقض من تأميله وطرا ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له ... ولن ترى قانعاً ما عاش مفتقرا العرف من يأته يحمد مغبته ... ما ضاع عرفٌ ولو أوليته حجرا قال أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر: أحمد بن عبد الملك أبو صالح المؤذن الأمين المتقن المحدث الصوفي نسيج وحده في طريقته وجمعه وإفادته، ما رأينا مثله، حفظ القرآن، وجمع الأحاديث، وسمع الكثير،

أحمد بن عبد الملك بن مروان

وصنف الأبواب والمشايخ، وسعى في الحراب وصحب مشايخ الصوفية، وأذن سنين حسبةً ولد سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة. وتوفي يوم الاثنين التاسع من رمضان سنة سبعين وأربع مئة. وكان قد سأل الله بمكة أن لا يقبضه إلا في شهر رمضان فكان إذا دخل شهر رجب تفرغ للعبادة إلى أن يخرج شهر رمضان. أحمد بن عبد الملك بن مروان أبو بكر البيروتي حدث ببيروت عن أبي خالد يزيد بن عبد الله بن موهب بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر في فيح جهنم. حدث ببيروت سنة إحدى وثمانين ومائتين. أحمد بن عبد المنعم بن أحمد ابن بندار بن إبراهمي أبو الفضل بن أبي الفتح المعروف بالقائد ابن الكريدي سمع جماعة، وروى عنه جماعة. وذكر أبو محمد بن صابر أنه ثقة، وأنه سأله عن مولده فقال: ولدت في شعبان سنة ثمان عشرة وأربع مئة. حدث عن أبي بكر محمد بن الجرمي بن الحسين المقرىء بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تعلموا النجوم، إنه شعبة من السحر، ونهى عنه أشد نهيٍ. كذا روي في هذا الموضع، وإنما هو عن أبي هريرة. توفي أبو الفضل أحمد يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وأربع مئة

أحمد بن عبد الواحد بن أحمد

أحمد بن عبد الواحد بن أحمد أبو بكر البجلي المكي من ولد جرير بن عبد الله قدم دمشق. روى عن جماعة. وروى عنه جماعة. حدث عن محمد بن المظفر الحافظ بسنده عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أتى امرأة من نسائه غمض عينيه وقنع رأسه وقال للتي تكون تحته: عليك بالسكينة والوقار. أحمد بن عبد الواحد بن محمد ابن أحمد بن عثمان بن الحكم بن الوليد بن سليمان، أبو الحسن بن أبي الحديد السلمي العدل حدث عن جماعة. وحدث عنه جماعة. وكان ثقة متفقداً لأحوال طلبة العلم والغرباء. حدث بسنده عن جده بسنده عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الأمة تزني قبل أن تحيض فقال: إن زنت فلجلدها ثم إن زنت فليجلدها فقال في الثالثة أو في الرابعة: إن زنت فليبعها ولو بضفير من شعر. ولد أحمد بن أبي الحديد في ليلة الاثنين بعد الأذان ليلة أربع عشرة من شعبان سنة ست وثمانين وثلاث مئة. وتوفي ليلة الخميس الثالث من ربيع الأول سنة تسع وستين وأربع مئة. وكان ثقة عدلاً رضىً.

أحمد بن عبد الواحد بن الموحد

أحمد بن عبد الواحد بن الموحد ابن البري أبو الحسين السلمي الشاهد سمع بدمشق وبمصر. حدث أن بعض الأشراف من بيت إسماعيل العلوي خاف والياً كان ظالماً بدمشق، وأنه لما اشتد خوفه هرب إلى بيت جده أبي الفرج الموحد بن البري، وأنه ابتنى له بيتاً في سطح داره تفرد به فيه بنفسه، وأنه أقام في ذلك البيت نحواً من سنتين ينحدر من بيته في كل ليلة جمعة لزيارة الشيخ، وأنه لما كان في بعض الليالي استأذن عليه ليلاً فانحدر إليه وقال له: إني رأيت في منامي في هذه الساعة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعن يمينه أبو بكر وعمر، وخلفه أو قدامه الحسن والحسين وبين يديه نعش أو سرير وعليه ميت، فسلمت عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أعلم أنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لي: امض إلى ابن البري وقل له: تغسل ابني، قال: فلما كمل تفسير المنام على الشيخ وإذا الصوائح على باب الدرب ينعون ولداً للشريف أو أخاه، فلما حدثوه بموته قال له: قم كما أمرك جدي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغسله، فأخذ الشريف بيد الشيخ ومضيا إلى دار الشريف وغسله، وأخرجت جنازته إلى مقبرة دير البقر، وركب الوالي في الجنازة، فلما انصرف الناس أنفذ الوالي إلى الشيخ فقال: قل للشريف ينصرف إلى داره فما خفي علينا أنه كان عندك هذه المدة، فودعهالشيخ بعد أن أوصله إلى داره وانصرف. أحمد بن عبد الواحد بن واقد أبو عبد الله التميمي المعروف بابن عبود روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. حدث عن محمد بن كثير بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا تنكح الثيب حتى تستأمر. قيل: وما إذنها؟ قال: سكوتها، أو قال صموتها.

أحمد بن عبد الواحد بن يزيد

أحمد بن عبود بباء معجمة بواحدة. كان أحمد المذكور ثقة. توفي ليلة الجمعة لليلتين خلتا من شوال سنة أربع وخمسين ومائتين. أحمد بن عبد الواحد بن يزيد أبو عبد الله العقيلي الجوبري من قرية جوبر، دمشقي. حدث عن عبد الوهاب بن عبد الرحيم الأشجعي بسنده عن عبد الرحمن بن أبزى أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقرأ في أول ركعة من وتره ب " سبح اسم ربك الأعلى " وفي الثانية ب " قل يا أيها الكافرون "، وفي الثالثة ب " قل هو الله أحد ". توفي سلخ شوال سنة خمس وثلاث مئة. أحمد بن عبد الوهاب بن عوف ابن إسماعيل أبو الحسين المزني حدث عن القاضي أبي بكر يوسف بن القاسم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو لم يبق من الدنيا إلا ليلةٌ لملك رجلٌ من أهل بيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أحمد بن عبد الوهاب بن محمد

أحمد بن عبد الوهاب بن محمد ابن الحسين بن أحمد بن عبد الغني أبو بكر اللهبي، مولى بني أبي لهب، ويعرف بابن أخي محمود الكاتب، ويعرف بابن أبي صدام، ويعرف بالصابوني حدث، وحدث عنه. حدث عن محمد بن العباس بن الدرفس بسنده عن أبي مرثد الغنوي أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها. توفي يوم الأحد النصف من ربيع الآخر سنة تسع وستين وثلاث مئة. أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة أبو عبد الله الجبلي المعروف بالحوطي سمع، وأسمع. حدث عن أبي المغيرة بسنده إلى عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يخمس السلب. وحدث عن العباس بن عثمان الدمشقي بسنده عن أنس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استبرأ صفية بحيضة. حدث في جبلة سنة تسع وسبعين ومئتين. أحمد بن عبيد بن أحمد بن عبيد ابن سعيد أبو بكر الصفار الرعيني الحمصي سمع بدمشق وغيرها وأسمع. حدث بتنيس سنة سبع وأربعين وثلاث مئة عن الحسن بن سعيد بن مسروق عن عبد الله القرشي الحداد بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانك.

أحمد بن عتاب أبو العباس الزفتي

أحمد بن عتاب أبو العباس الزفتي حدث بدمشق عن محمود بن خالد السلمي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أربعون حسنة أعلاهن منحة العنز، لا يعمل العبد خصلة منها جاء ثوابها وتصديق موعودها إلى أدخله الله الجنة. ذكر الحافظ اختلافاً في رجاله. أحمد بن عتبة بن مكين أبو العباس السلامي الجوبري المطرز الأطروش الأحمر سمع، وأسمع. حدث عن أبي سعيد محمد بن أحمد بن فياض بسنده عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة: أن أبا سعيد صنع طعاماً فدعا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه فقال: كلوا، فقال رجل منهم: أنا صائم فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تكلف لك أخوك وصنع طعاماً فأفطر وصم يوماً غيره إن أحببت. توفي في رمضان سنة اثنتين وثمانين وثلاث مئة. وكان ثقة نبيلاً مأموناً. أحمد بن عثمان بن إبراهيم أبو بكر البغدادي الغلفي حدث بدمشق روى عن ابن أبي الدنيا بسنده عن أم سليم قالت: لم ير لفاطمة رضوان الله عليها دم في حيض ولا نفاس.

أحمد بن عثمان بن سعيد

أحمد بن عثمان بن سعيد ابن أبي يحيى أبو بكر بن أبي سعيد وقيل: ابن أبي سعد، الأحول، يعرف بكرنيب سمع بدمشق وبغيرها. حدث عن إبراهيم بن الحجاج بسنده عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، في غزوة حنين والخيل تمزع بنا في أدبار القوم، أكان سيرنا هذا في الكتاب السابق؟ قال: نعم، وقلت: يا رسول الله، إني شاب وليس لي طول أتزوج به النساء أو أنكح به النساء وأنا أخاف العنت فسكت عني ثم قلت له الثانية فسكت عني ثم قلت له الثالثة فأقبل علي بوجهه ثم قال: يا أبا هريرة، أو يا أبا هر جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذاك أو دع. وكان أحمد ثقة حافظاً. ومات سنة ثلاث وسبعين ومئتين. أحمد بن عثمان بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن النسوي سمع جماعة، وأسمع آخرين. حدث عن هشام بن عمار بسنده عن أبي الدرداء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: " كل يومٍ هو في شأن " قال: من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين. وكان أحمد بن عثمان صدوقاً ثقة. وحدث بجرجان سنة إحدى وسبعين ومئتين.

أحمد بن عثمان بن الفضل

أحمد بن عثمان بن الفضل ويقال ابن أبي الفضل بن بكر أبو بكر الربعي البغدادي المقرىء المعروف بغلام السباك قرأ القرآن العظيم وأقرأه. حدث أحمد غلام السباك المقرىء قال: ثقل علي سمعي وكان أبو الفتح بن المقرىء يقرأ علي، وكان جميل الوجه، فكنت أصرف بصري إلى فمه ولسانه مراعاة لقراءته، وكان الناس يقفون ينظرون إليه لجماله، فاتهمت فيه فساءني ذلك، فسألت الله عز وجل أن يرد علي سمعي فرده علي. سكن غلام السباك دمشق، وأقرأ بها القرآن. ومات سنة خمس وأربعين وثلاث مئة. أحمد بن عثمان بن عمرو ابن بيان بن فروخ أبو الحسين البغدادي المقرىء العطشي البزاز المعروف بالأدمي سمع، وأسمع. حدث عن محمد بن عيسى بن حيان المدائني بسنده عن خلاد بن السائب عن أبيه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أتاني جبريل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال. وحدث ببغداد عن عباس بن محمد الدوري بسنده عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من نيح عليه يعذب. وحدث عن أبي سعيد محمد بن يحيى البغدادي المعروف بحامل كفنه عن عبيد بن محمد الوراق قال: كان بالرملة رجل يقال له عمار، وكان - يقولون - إنه من الأبدال فاشتكى بطنه، فذهبت أعوده وقد بلغني عنه رؤيا رآها. فقلت له: رؤيا حكوها عنك!! فقال لي: نعم، رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النوم فقلت: يا رسول الله، ادع لي بالمغفرة، فدعا لي. ثم رأيت الخضر بعد ذلك، فقلت له: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام الله ليس بمخلوق.

أحمد بن عثمان بن البقال

فقلت: فما تقول في النبيذ؟ فقال: انه الناس عنه، فقلت: هؤلاء أنهاهم فليس ينتهون، قال: من قبل فقد قبل ومن لم يقبل فدعه، قلت: فما تقول في بشر بن الحارث؟ قال: مات بشر يوم مات وما على ظهر الأرض أتقى لله منه. قلت: فأحمد بن حنبل؟ فقال لي: صديق. قلت له: فالحسين الكرابيسي فغلظ في أمره. فقلت: فما تقول في أمي؟ فقال: تمرض وتعيش سبعة أيام ثم تموت. فكان كما قال. وكان أحمد بن عثمان ثقة حسن الحديث ينزل بسوق العطش بالجانب الشرقي. وتوفي في ربيع الأول سنة تسع وأربعين وثلاث مئة. وقيل يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر من السنة، وهو يوم النيروز المعتضدي، ومولده سنة خمس وخمسين ومئتين. أحمد بن عثمان بن البقال أبو سعيد البغدادي الفقيه حدث بدمشق، وأسمع بها. روى عن عبد الله بن محمد البغوي بسنده عن حذيفة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وروى عن يحيى بن محمد بن صاعد بسنده أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: أينقص إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذاً. حدث في سنة اثنتين وستين وثلاث مئة.

أحمد بن عطاء بن أحمد

أحمد بن عطاء بن أحمد ابن محمد بن عطاء أبو عبد الله الروذباري الصوفي سكن صور وحدث عن جماعة، وحدث عنه جماعة. حدث إملاء بصور بسنده عن عبد الله بن عمر قال: نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بيع الولاء وعن هبته. قال أحمد بن عطاء: من خرج إلى العلم يريد العلم لم ينفعه العلم، ومن خرج إلى العلم يريد العمل بالعلم نفعه قليل العلم. وقال الخطيب: سمعت أبا عبد الله الروذباري يقول: العلم موقوف على العمل به، والعمل موقوف على الإخلاص، والإخلاص لله يورث الفهم عن الله عز وجل. قال أحمد بن عطاء: كان في استقصاء في أمر الطهارة، فضاق صدري ليلة من كثرة ما صببت من الماء ولم يسكن قلبي فقلت: يا رب عفوك، فسمعت هاتفاً يقول: العفو في العلم فزال عني ذلك. دخل أبو عبد الله الروذباري دار بعض أصحابه، فوجده غائباً، وباب بيته مقفل، فقال: صوفي وله باب بيت مغلق، اكسروا القفل، فكسروا، فأمر بجميع ما وجدوا في الدار والبيت وأنفذه إلى السوق وباعوه وأصلحوا وقتاً من الثمن، وقعدوا في الدار، فدخل صاحب المنزل ولم يمكنه أن يقول شيئاً، فدخلت امرأته بعدهم الدار وعليها كساء، فدخلت بيتاً ورمت بالكساء وقالت: يا أصحابنا، هذا أيضاً من جملة المتاع فبيعوها. فقال الزوج لها: لم تكلفت هذا باختيارك؟ فقالت: اسكت، مثل الشيخ يباسطنا ويحكم علينا ويبقى لنا شيء ندخره عنه؟!

سئل أحمدبن عطاء عن معنى قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله خلق آدم على صورته، فقال: إن الله جل ثناؤه خلق الخلق مرتبة بعد مرتبة، ونقله من حال إلى حال، كما قال تعالى: " ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طينٍ ثم جعلناه نطفةً في قرارٍ مكين " إلى قوله: " فتبارك الله أحسن الخالقين ". وخلق آدم بل نقلات من حال إلى حال، وإنما خلق صورته كما هي، ثم نفخ فيه من روحه فلأجله قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله تعالى خلق آدم على صورته. قال أحمد بن عطاء: كلمني جمل في طريق مكة: رأيت الجمال والمحامل عليها وقد مدت أعناقها في الليل فقلت: سبحان من يحمل عنها ما هي فيه، فالتفت إلي جملٌ فقال: قل جل الله. فقلت: جل الله. قال أحمد بن عطاء: كنت راكباً جملاً فغاصت رجلا الجمل في الرمل، فقلت: جل الله، فقال الجمل: جل الله. كان أبو عبد الله الروذباري إذا دعا أصحابه إلى دعوة في دور السوقة ومن ليس من أهل التصوف لا يخبر الفقراء، وكان يطعمهم شيئاً، فإذا فرغوا أخبرهم ومضى بهم، فكانوا قد أكلوا في الوقت، ولا يمكنهم أن يمدوا أيديهم إلى طعام الدعوة إلا بالتعذر. وإنما كان يفعل ذلك لئلا تسوء ظنون الناس بهذه الطائفة فيأثمون بسببهم. وقيل: كان أبو عبد الله يمشي على إثر الفقراء يوماًن وكذا كانت عادته أن يمشي على إثرهم، وكانوا يمضون إلى دعوةٍ فقال إنسان: يقال هؤلاء المستحلون، وبسط لسانه فيهم، وقال: إن واحداً منهم استقرض مني مئة درهم ولم يرده، ولست أدري أين أطلبه، فلما دخلوا دار الدعوة قال أبو عبد الله لصاحب الدار، وكان من محبي هذه الطائفة: آتني بمئة درهم إن أردت سكون قلبي، فأتاه بها في الوقت، فقال لبعض أصحابه: احمل هذه المئة إلى البقال الفلاني وقل له: هذه المئة التي استقرض منك بعض أصحابنا، وقد وقع له في

التأخير عذر، وقد بعثه الآن فاقبل عذره، فمضى الرجل وفعل. فلما رجعوا من الدعوة اجتازوا بحانوت البقال فأخذ البقال في مدحهم ويقول: هؤلاء السادة الثقات الأمناء الصلحاء، وما في هذا الباب. وقال أبو عبد الله الروذباري: أقبح من كل قبيح صوفي شحيح. أنشد أبو عبد الله أحمد بن عطاء الروذباري: من الطويل إذ أنت صاحبت الرجال فكن فتىً ... كأنك مملوكٌ لكل رفيق وكن مثل طعم الماء عذباً وبارداً ... على الكبد الحرى لكل صديق أحمد بن عطاء الروذباري ابن أخت أبي علي الروذباري، يرجع إلى أنواع من العلوم، منها علم القرآن وعلم الشريعة وعلم الحقيقة وإلى أخلاق في التجريد يختص بها، يربي على أقرانه من تعظيم للفقر وأهله ورياضة للفقراء ومراتبهم، وهو أوحد مشايخ وقته في بابه وطريقته. توفي في ذي الحجة سنة تسع وستين وثلاث مئ بصور وكان نشأ ببغداد وأقام بها دهراً طويلاً، وانتقل عنها فنزل صور من بلاد ساحل الشام. وفيما روى أحاديث وهم فيها وغلط غلطاً فاحشاً. قال الصوري: ولا أظنه ممن كان يتعمد الكذب، لكنه شبه عليه. قال أبو عبد الله الصوري: توفي أبو عبد الله الروذباري في قرية يقال لها منواث من عمل عكا، وحمل إلى صور فدفن بها، وكانت وفاته فجأة. وقيل إنه وقع من سطح.

أحمد بن عقيل بن محمد بن علي

أحمد بن عقيل بن محمد بن علي ابن أحمد بن رافع أبو الفتح بن أبي الفضل العبسي الفارسي المعروف بابن أبي الحوافر أصله من بعلبك. سمع، وأسمع. وكان شيخاً خيراً كثير التلاوة للقرآن صحيح السماع، حسن الاعتقاد. حدث عن أبيه بسنده عن عروة بن الزبير أن رجلاً قال: سألت عائشة عن الرجل يقبل امرأته أيعيد الوضوء فقالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقبل بعض نسائه لا يعيد الوضوء. قال: فقلت لها: فإن كان ذلك ما كان إلا منك قال: فسكتت. توفي أبو الفتح أحمد بن عقيل ليلة الخميس التاسع أو الثامن وعشرين من ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة. أحمد بن علي بن أحمد بن عمر ابن موسى أبو الحسن البصري قدم دمشق وسمع، وأسمع. حدث عن جده أحمد بن عمر بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رجل: يا رسول الله، كما افترض الله علي من صلاة؟ قال: خمس صلوات. قال: هل علي قبلهن أو بعدهن شيء؟ قال: افترض الله على عباده صلوات خمساً، قال: فحلف الرجل بالله لا يزيد عليهن ولا ينقص، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن صدق دخل الجنة. أحمد بن علي بن أحمد أبو العباس البصري حدث بدمشق. وروى عن أبي طلحة عبد الجبار بن محمد الطلحي بسنده عن موسى بن طلحة بن عبيد الله قال: دخلت مع أبي طلحة بن عبيد الله بعض المجالس فأوسعوا له من كل ناحية، فجلس في

أحمد بن علي بن أحمد

أدناها ثم قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إن التواضع لله تبارك وتعالى، الرضا بالدون من شرف المجالس. أحمد بن علي بن أحمد ابن صالح بن الحسن ويقال ابن علي بن منصور، أبو الحسين الطائي المعروف بابن الزيات سمع الكثير، وكتب الحديث وحدث بشيء يسير. وكان خيراً ثقةً. روى عنه غيث بن علي قال: أنشدني أحمد بن علي الطائي بمسجد القدم ظاهر دمشق: من الطويل كفى حزناً أني مقيم ببلدةٍ ... أخلاي عنها نازحون بعيد أقلب طرفي في البلاد فلا أرى ... وجوه أخلائي الذين أريد توفي يوم الأربعاء سادس عشر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة بدمشق، وقال: إن مولده لستة أيام بقين من سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة. أحمد بن علي بن إبراهيم أبو الحسين الأنصاري سمع، وأسمع. حدث عن أبي محمد بن الرواس بسنده عن عبد الله بن عمر قال: صليت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة العيد بلا أذان ولا إقامة، ثم صليت مع أبي بكر فصلى بلا أذان لا إقامة، ثم صليت مع عمر فصلى بلا أذان ولا إقامة، ثم صليت مع عثمان فصلى بلا أذان ولا إقامة.

أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد

أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد ابن مهدي أبو بكر بن أبي الحسن الخطيب البغدادي الفقيه الحافظ أحد الأئمة المشهورين، والمصنفين المكثرين، والحفاظ المبرزين، ومن ختم به ديوان المحدثين. سمع جماعة ببغداد والبصرة والكوفة ونيسابور وأصبهان والري ودينور. قدم دمشق سنة خمس وأربعين وأربع مئة حاجاً وسمع بها وحج وعاد، فسكن دمشق وحدث بها بعامة مصنفاته. حدث عن أبي عمر عبد الواحد بن محمد بن مهدي البزاز بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان. فاعتكف عاماً حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من صبيحتها من اعتكافه فقال: من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد رأيت هذه الليل ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر، قال أبو سعيد: فأمطرت السماء من تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف فأبصرت عينان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف علينا وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين. كان أبو بكر الخطيب يذكر أنه لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات وسأل الله عز وجل ثلاث حاجات أخذاً بقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماء زمزم لما شرب له: فالحاجة الأولى أن يحدث بتاريخ بغداد ببغداد، والثانية أن يملي الحديث بجامع المنصور، والثالثة أن يدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي. فلما عاد إلى بغداد حدث بالتاريخ بها، ووقع إليه جزءٌ من سماع الخليفة القائم بأمر الله فحمل الجزء ومضى إلى باب حجرة الخليفة وسأل أن يؤذن له في قراءة الجزء فقال الخليفة: هذا رجل كبير في الحديث وليس له إلى السماع مني حاجة، ولعل له حاجة أراد أن يتوصل إليها بذلك فسلوه ما حاجته؟ فسئل، فقال: حاجتي أن يؤذن لي أن أملي بجامع المنصور، فتقدم الخليفة إلى نقيب النقباء بأن يؤذن له في ذلك، فحضر النقيب وأملى الخطيب في جامع المنصور، ولما مات أرادوا دفنه عند قبر بشرٍ، وكان الموضع الذي إلى جانب قبر بشرٍ قد حفر فيه أبو بكر أحمد بن علي الطريثيثي قبراً لنفسه،

وكان يمضي إلى ذلك الموضع، ويختم فيه القرآن ويدعو. ومضى على ذلك عدة سنين. فلما مات الخطيب سألوه أن يدفنوه فامتنع. وقال: هذا قبر حفرته وفتحت فيه عدة فتحات لا أمكن أحداً من الدفن فيه. فقيل له: يا شيخ، لو كان بشر الحافي في الأحياء ودخلت أنت والخطيب عليه أيكما كان يقعد إلى جانبه أنت أو الخطيب؟ قال: لا بل الخطيب فقال: كذا ينبغي أن يكون في حالة الممات فإنه أحق به منك، فطاب قلبه ورضي بأن يدفن الخطيب في ذلك الموضع فدفن فيه. قال أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر الحافظ: إن أبا بكر أحمد بن علي كان آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفةً وإتقاناً وحفظاً، وضبطاً لحديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتفنناً في علله وأسانيده، وخبرةً برواته وناقليه، وعلماً بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره وسقيمه ومطروحه. ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني رحمه الله من يجري مجراه ولا قام بعده منهم بهذا الشأن سواه. قال أبو الفرج الأسفراييني: كان الشيخ أبو بكر الحافظ معنا في طريق الحج فكان يختم كل يوم ختم إلى قرب الغياب قراءةً بترتيل، ثم يجتمع الناس وهو راكب يقولون: حدثنا، فيحدثهم. أو كما قال. قال أبو بكر الخطيب: كتب معي أبو بكر البرقاني إلى أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ كتاباً يقول في فصل منه: وقد نفذ إلى ما عندك عمداً متعمداً أخونا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت أيده الله وسلمه ليقتبس من علومك ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله ممن له في هذا البيان سابقة حسنة وقدم ثابت وفهمٌ به حسن، وقد رحل فيه وفي طلبه، وحصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له، وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك مع التورع والتحفظ وصحة التحصيل ما يحسن لديك موقعه، ويجمل عندك منزلته، وأنا أرجو إذا صحت لديك منه هذه الصفة أن يلين له جانبك وأن تتوفر، وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار أو زيادة في الاصطبار، فقدماً حمل السلف من الخلف ما ربما ثقل، وتوفروا على المستحق منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكل منهم.

قال أبو القاسم علي بن إبراهيم الحسيني: أنشدني الحافظ أبو بكر أحمد الخطيب لنفسه في جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وأربع مئة: من البسيط لا تغبطن أخا الدنيا لزخرفها ... ولا للذ وقتٍ عجلت فرحا فالدهر أسرع شيءٍ في تقلبه ... وفعله بينٌ للخلق قد وضحا كم شاربٍ عسلاً فيه منيته ... وكم تقلد سيفاً من به ذبحا قال أبو القاسم مكي بن عبد السلام المقدسي: كنت نائماً في منزل الشيخ أبي الحسن بن الزعفراني ببغداد ليلة الأحد ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وأربع مئة، فرأيت في المنام عند السحر كأنا اجتمعنا عند الشيخ أبي بكر الخطيب في منزله بباب المراتب لقراءة التاريخ على العادة، فكأن الشيخ الخطيب جالس والشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم عن يمينه وعن يمين الفقيه نصر رجل جالس لم أعرفه فسألت عنه فقلت: من هذا الرجل الذي لم تجر عادته بالحضور معنا؟ فقيل لي هذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء ليسمع التاريخ، فقلت في نفسي: هذه جلالة الشيخ أبي بكر إذ يحضر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مجلسه، وقلت في نفسي: وهذا أيضاً ردٌّ لقول من يعيب التاريخ ويذكر أن فيه تحاملاً على أقوامٍ، وشغلني التفكير في هذا عن النهوض إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسؤاله عن أشياء كنت قد قلت في نفسي أسأله عنها، فانتبهت في الحال ولم أكلمه. مرض الخطيب رحمه الله في نصف رمضان واشتد الحال في غرة ذي الحجة وأوصى إلى أبي الفضل بن خيرون، ووقف كتبه على يده، وفرق جميع ماله في وجوه البر وعلى أهل العلم والحديث. وتوفي يوم الاثنين السابع من ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربع مئة وأخرج الغد يوم الثلاثاء طلوع الشمس وعبروا به من الجانب الشرقي على الجسر إلى الجانب الغربي وحضر عليه خلق كثير، وتقدم الشريف القاضي أبو الحسين بن المهتدي بالله وكبر عليه أربعاً وحمل إلى باب حرب فصلى عليه ثانياً أبو سعد بن أبي عمامة ودفن إلى جانب قبر بشر بن الحارث الحافي بالقرب من قبر أحمد بن حنبل. قال ابن خيرون: وتصدق بجميع ماله وهو مئتا دينار، فرق ذلك على أصحاب الحديث والفقهاء

أحمد بن علي بن جعفر بن محمد

والفقراء في مرضه، ووصى أن يتصدق بجميع ما يخلفه من ثياب وغيرها، وأوقف جميع كتبه على المسلمين، وأخرجت جنازته من حجرة تلي المدرسة النظامية، وكان بين يدي الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يذب عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا كان ينفي الكذب عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الذي كان يحفظ حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان مولده سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة وذكر هو أنه ولد يوم الخميس لستٍ بقين من جمادى الآخرة من سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة. رحمه الله وكان أحد من حمل جنازته الفقيه إبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، وكان يذهب إلى مذهب أبي الحسن الأشعري. قال أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسين النهرمنهالي المصري الفقيه الصالح رحمه الله: رأيت الشيخ أبا بكر الخطيب رحمه الله في المنام وعليه ثياب بيض حسان وعمامة بيضاء حسنة، وهو فرحان يبتسم فلا أدري قلت له ما فعل الله بك أو هو بدأني فقال لي: غفر الله لي أو رحمني وكل من يجيء به، فوقع له أنه يعني بالتوحيد، الله يرحمه أو يغفر له فأبشروا، وحدثني في هذا المعنى بأسماء لا أتحققها الآن. وانتبهت فرحاناً بذلك فرحاً شديداً، وذلك بعد وفاته رحمه الله بأيام. أحمد بن علي بن جعفر بن محمد أبو بكر الحلبي الوراق المعروف بالواصلي مؤدب أبي محمد بن أبي نصر. سكن دمشق وحدث، وحدث عنه. قال الحافظ: اشتكت عيني فشكوت إلى أبي الحسن علي بن المسلم الفقيه فقال: انظر في

أحمد بن علي بن الحسن بن محمد

المصحف، فإن عيني اشتكت فشكوت إلى أبي محمد عبد العزيز بن أحمد فقال: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فشكوت إلى أبي محمد عبد الرحمن بن عثمان فقال: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فشكوت إلى أبي أحمد بن علي المؤدب الواصلي الحلبي فقال: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فشكوت إلى أبي بكر أحمد بن عبد الله بن الفرج القرشي يعرف بابن البرامي فقال: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فشكوت إلى أبي القاسم عيسى بن موسى بن الوليد الطائي فقال: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فشكوت إلى يوسف بن موسى القطان فقال: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فشكوت إلى جرير بن عبد الحميد. فقال: انظر في المصحف فإن عيني اشتكت فشكوت إلى مغيرة فقال: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فشكوت إلى إبراهيم فقال: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فشكوت إلى علقمة فقال: انظر في المصحف، فإن عيني اشتكت فشكوت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: انظر في المصحف، فإني عيني اشتكت فشكوت إلى جبريل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: انظر في المصحف. أحمد بن علي بن الحسن بن محمد ابن شاهمرد أبو عمرو الصيرفي الفقيه المصري المعروف بابن خميرة ويقال ابن خميرويه سمع، وأسمع، وحدث بدمشق. روى عن علي بن عبد الحميد الفراوي بسنده عن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو أن ابن آدم يفر من رزقه كما يفر من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت. وحدث عن أحمد بن الوليد الفحام بسنده عن أبي بردة عن أبيه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا نكاح إلا بولي وشهود. قدم دمشق سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة.

أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان

أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان أبو حامد المقرىء التاجر، المعروف بالحسنوي النيسابوري سمع بدمشق وبالرملة وبمصر وببلخ وباليمن، وروى عنه جماعة. حدث عن أبي جعفر أحمد بن الفضل الصائغ بسنده عن علقمة قال: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرىء ما نوى. سأل أبو زرعة محمد بن يوسف الجرجاني المعروف بالكشي عن أحمد بن علي بن الحسن المقرىء الحسنوي حدث بجرجان فقال: هو كذاب. كان أبو حامد أحمد المجتهد يوسع العبادة بالليل والنهار، ومن البكائين من الخشية، وسمع من جماعة، ولو اقتصر على سماعاته الصحيحة كان أولى به، غير أنه لم يقتصر عليها، وحدث عن جماعة من أئمة المسلمين لم يسمع منهم. ذكر أبو حامد أن مولده سنة ثمان وأربعين ومئتين. قال أبو عبد الله الحافظ: قصدت أبا حامد الحسنوي في نصف المحرم سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة فسألته عن سنه فقال: أنا اليوم ابن ست وثمانين سنة. قلت: في أي سنة دخلت الشام؟ قال: في سنة ست وستين ومائتين قلت: ابن كم كنت؟ قال: ابن اثنتي عشرة سنة. قال الخطيب: ويغلب على ظني أنه عاش بعد سنة أربعين وثلاث مئة.

أحمد بن علي بن الحسن أبو بكر الأطرابلسي

أحمد بن علي بن الحسن أبو بكر الأطرابلسي يعرف بابن أبي السنديان حدث عن عبد الرزاق بن محمد بسنده عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم " قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أعوذ بوجهك ومد بها صوته " أو من تحت أرجلكم " قال: أعوذ بوجهك " أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعضٍ " قال: هذا أهون وهذا أيسر. وحدث بأطرابلس عن خشيمة بن سليمان بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يذهب مذمة الرضاع العبد والأمة. أحمد بن علي بن الحسن أبو منصور الأسداباذي المقرىء قدم دمشق وحدث بها. روى عن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد بن علي المقرىء المعروف بابن الصيدلاني بسندع عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا صاعي تمرٍ بصاع، ولا صاعي حنطةٍ بصاعٍ، ولا درهمين بدرهم. توفي أبو منصور الأسداباذي سنة اثنتين وستين وأربع مئة. وكان شيخاً كذاباً يدعي ما لم يسمع، ويدعي سناً، ويخلق شيوخاًن ولد بالكرخ سنة ست وستين وثلاث مئة.

أحمد بن علي بن الحسن

أحمد بن علي بن الحسن ابن أبي الفضل أبو نصر بن الكفرطابي المقرىء حدث عن أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن هلال الحنائي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والذي نفسي بيده ليجيئني الفقير متعلقاً بجاره الغني يقول: يا رب، سل هذا لم أغلق بابه دوني ومنعني من فضله؟ وروى أيضاً بسنده إلى همام بن الحارث قال: كنا مع حذيفة فمر رجل فقالوا: إن هذا يبلغ الأمراء الحديث، فقال حذيفة: أشهد أو قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يدخل الجنة قتات. توفي أبو نصر يوم الأحد الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وأربع مئة. وقيل: سنة اثنتين وخمسين. أحمد بن علي بن الحسين أبو العباس الطبري الغازي قدم في شهور سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة. حدث عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن النضر المروزي الغازي بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصوم جنة.

أحمد بن علي بن سعيد بن إبراهيم

أحمد بن علي بن سعيد بن إبراهيم أبو بكر الأموي القاضي تولى القضاء بدمشق نيابة عن أبي زرعة. وكان يلي القضاء قبل ذلك بحمص وحدث بدمشق، وروى عنه جماعة. حدث عن يحيى بن أيوب بسنده عن أنس: أن رجلاً اطلع في بعض حجر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمشقص أو مشاقص ثم مشى نحوه قال: فكأني أنظر إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتختل له ليطعنه. وحدث عن الهيثم بن خارجة بسنده عن أنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: المسح على الخفين للمسافر ثلاث وللمقيم يوم وليلة. توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين في يوم الخميس لخمس عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، وكان قد بلغ التسعين سنة أو دونها. وكان من أنفس الأمويين. وصلى عليه أبو حفص عمر بن الحسن القاضي بدمشق وكبر عليه خمساً، فسئل القاضي عن تكبيره خمساً فقال: لفضل العلم. أحمد بن علي بن عبد الله ابن محمد بن مهران أبو جعفر الكوفي روى عن أبي عبيد الله أحمد بن الحسن السكوني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه.

أحمد بن علي بن عبد الله

أحمد بن علي بن عبد الله ابن سعيد بن أحمد أبو الخير الكلفي الحمصي الحافظ حدث بدمشق عن جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن محمد بن أحمد الكندي بسنده عن أبي هرير قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإحصان إحصانان: إحصان عفافٍ وإحصان نكاح. وحدث عن أبي المعمر أحمد بن العباس الكاتب عن أبي عبد الله صالح بن عبيد البغدادي أن ثلاثة نفر خرجوا من بغداد فجمعتهم طريق البصرة، فقعدوا في بعض الطريق يتحدثون فقال أحدهم: ايش أجود ما يجتنبه الإنسان في الدنيا؟ فقال بعضهم: المزاح، وقال الآخر: التيه والصلف، وقال الآخر: الاستخفاف بالناس، فقال أحدهم: ليخبرنا كل واحد بما لحقه فقال صاحب المزاح: أنا أخبركم بخبري وبكى، كنت رجلاً بزازاً في الكرخ، وكان لي دكان فيها غلمان وأجراء وأنا بخير من الله عز وجل فخرجت إلى دكاني يوماً، فقعدت فيها، فلم أشعر إلا بمخنث قد عبر بي فحملني البطر والغرة بالله على المجون فقلت: كيف أصبحت يا أختي؟ فأجابني بجواب مسكت، فأسقط في يدي وخجلت وضحك كل من سمعه، فشاع ذلك في البلد حتىتحدث به النساء على مغازلهن والصبيان في المكاتب، وكنت لا أعبر بشارع إلا قالوا: هذا التاجر وصاحوا خلفي: كيف باتت أختك؟ فلم أطق الكلام، وخرجت على وجهي، وتركت كل ما أملكه، وكان ذلك بسبب مزاحي، وهأنا معكم نادم وما تنفعني الندامة. وقال صاحب التيه والصلف: أخبركم خبري: إني كنت أتقصف، وكان علي من الله نعم ما أخذتها بشكر، وكان لي ندماء أفضل عليهم، فخرجت يوماً وهم حولي، فرأيت على الطريق أعمى يفسر المنامات فقلت لأصحابي: تعالوا بنا حتى نسخر من هذا الأعمى، فسلمت عليه فرد السلام فقلت: يا عمي، إني رأيت رؤيا أريد أفسرها عليك فقال: سل عما بدا لك، فقلت: رأيت كأني آك سمكاً طرياً، فلما شبعت منه جعلت كأني أدخله في دبري فصفق الأعمى بيده، وقال كلاماً قبيحاً، فشاع ذلك في الناس وتحدث به، فكنت لا أعبر في طريق إلا قالوا لي ذلك الكلام، فلم أطق الكلام وخرجت على وجهي، وكان

أحمد بن علي بن عبيد الله

سبب ذلك التيه والصلف وتركت كل ما أملكه وهأنا معكم. فقال صاحب الاستخفاف بالناس: إني كنت حاجباً لشداد والي الجسرين؟ وكان إذا أراد أن يأكل أمرني بأخذ بابه وألا يدخل إليه أحد، فلم أشعر يوماً إلا وقد جاءني رجل يريد أن يدخل إليه فمنعته استخفافاً به، ولما تقدم إلي صاحبي، فقال: ما هذا! أنا أبو العالية وصاحبك تقدم إلي أن أجيئه في هذا الوقت فرددته فقال: ما أبرح، فحملني استخفافي به أن ضربته بعصاً كانت في يدي فولى عني وأنشأ يقول: من السريع مدحت شداداً فقال ائتني ... بالله في المنزل يا راوية فجئت أسعى وإذا بابه ... قد سد والحاجب في زاوية فقال: من أنت الذي جئته ... وقت الغدا؟ قلت: أبو العالية فقام نحوي بعصا ضخمةٍ ... وكاد أن يكسر أضلاعيه فطرت مرعوباً وناديته ... أم الذي يحجبه زانيه فسمع غلمانه، وردوا عليه، فأمر بضرب عنقي، فخرجت مرعوباً وتركت كل ما أملكه وكان ذلك سبب استخفافي بالرجل وعجبي بنفسي، وهأنا معكم ولو كنت رفقت لم يصيبني هذا. وكل ما نحن بقضاء الله عز وجل. فقدم القوم وصاروا إلى البصرة فتفرقوا وأغناهم الله عز وجل. أحمد بن علي بن عبيد الله ابن علي أبو نصرٍ السلمي الدينوري الصوفي المقرىء سمع بدمشق ومكة وبمصر وبغيرها، وروى عنه جماعة. حدث ببيت المقدس عن أبي محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم المعروف بابن أبي نصر الدمشقي بسنده عن النعمان بن بشير عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقرأ في العيدين ب " سبح اسم ربك الأعلى " و" هل أتاك حديث الغاشية ".

وحدث عن أبي الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم بسنده عن عمرو بن دينار قال: كان من بني إسرائيل رجل قائم على ساحل البحر، فرأى رجلاً وهو ينادي بأعلى صوته: ألا من رآني فلا يظلم أحداً. قال: فدنون منه وقلت له: يا عبد الله ما قصتك وما الذي بك؟ فقال: ادن مني أخبرك: كنت رجلاً شرطياً فجئت إلى هذا الساحل فرأيت رجلاً صياداً قد اصطاد سمكة، فسألته أن يهبها لي فأبى، فسألته أن يبيعنيها فأبى، فضربت رأسه بسوط كان معي، وأخذت منه السمكة وحملتها إلى منزلي، وقد ضربت علي إصبعي التي علقت بها السمكة فأصلحوها، وقدمت إلي فضربت علي إصبعي حتى صحت وبكيت، وكان لي جار معالج فأتيته وقلت: إصبعي، فقال هو أكلة إن أنت رميت بها وإلا هلكت قال: فرميتها. قال: فوقع الضربان في كفي قال: فجئت إليه فعرفته، وأنا أصيح فقال: إن أنت رميت بها وإلا هلكت، فرميت بها، فوقع الضربان في عضدي، فخرجت من منزلي هارباً على وجهي أصيح وأبكي، فبينا أنا أسيح في البلاد رفعت لي شجرة دوحاء فأويت إلى ظلها فنعست، وأتاني آتٍ فقال لي: لم تقطع أعضاءك وترميها؟ رد الحق إلى أهله وانج. قال: فانتبهت فعلمت أن ذلك من قبل الله عز وجل، فأتيت الصياد فوجدته قبل يخرج شبكته، فانتظرته حتى أخرجها وإذا بها سمكة كبيرة فدنوت منه وقلت: يا عبد الله، إني مملوكك فأعتقني فقال: ما أعرفك، فقلت: أنا الشرطي الذي ضربت رأسك وأخذت سمكتك، وأريته يدي. فلما رآني على تلك الحالة رق لي وقال: أنت في حلٍ، فأقبل الدود يتناثر من يدي ويسقط على الأرض، فهاله ذلك وانصرف، فاستوقفته وأخذته إلى منزلي ودعوت بابني وقلت له: احفر في هذه الزاوية، فأخرج منها جرة فيها ثلاثون ألف درهم، فقلت: اعدد منها عشرة آلاف درهم خذها فاستعن بها، ثم قلت: خذ منها عشرة آلاف أخرى اجعلها في فقراء جيرانك وقراباتك فقام لينصرف فقلت: أخبرني دعوت علي؟ قال: أنا أخبرك: لما أخذت السمكة مني وضربت رأسي رفعت رأسي إلى السماء وبكيت وقلت: يا رب خلقتني وخلقته وجعلته قوياً وجعلتني ضعيفاً ثم سلطته علي، فلا أنت منعته من ظلمي ولا أنت جعلتني قوياً فأمتنع من ظلمه،

أحمد بن علي بن الفرج

فأسألك بالذي خلقته قوياً وجعلتني ضعيفاً أن تجعله عبرةً لخلقك. فبكيت وقلت: لقد سمع الله عز وجل دعاءك وجعلني عبرةً. أحمد بن علي بن الفرج أبو بكر الحلبي الحبال الصوفي سمع، وأسمع. حدث عن عبد الله بن محمد البغوي بسنده عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كل مسكرٍ حرامٌ وكل مسكرٍ خمرٌ. وحدث عن الريان المعروف بالمدلل بسنده عن سفيان الثوري قال: إن الرجل ليحدثني بالحديث قد سمعته أنا قبل أن تلده أمه، فيحملني حسن الأدب أن أسمعه منه. أحمد بن علي بن الفضل بن طاهر ابن الحسين بن جعفر بن الفضل بن جعفر بن موسى بن الفرات، أبو الفضل سمع أباه وجماعة. حدث عن أبي محمد بن أبي نصر بسنده عن أبي هريرة قال: راح عثمان حاجاً ومعه علي بن أبي طالب وأدخلت على محمد بن جعفر امرأته فبات معها حتى أصبح، ثم غدا فلحق الناس بملكٍ، فرآه عثمان رضي الله عنه، وعليه ردع العصفر وريحه طيبه فانتهره وأفف به وقال: أتلبس المعصفر وقد نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه؟ فقال له علي: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ينهك ولا إياه إنما نهاني. كان أبو الفضل أحمد بن علي من أهل الأدب والفضل، إلا أنه كان يتهم برقة الدين وكان له شعر وهو واقف خزانة الكتب التي في الجامع في حلقة الشيخ أبي الحسن ابن الشهرزوري.

أحمد بن علي بن محمد بن بطة

وسئل عن مولده فقال: في العشر الأول من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وأربع مئة بدمشق. وهو رافضي، وسئل عن نسبه فانتهى إلى ابن الفرات الوزير وليس هو من ولده. ثقة في روايته. وتوفي أبو الفضل يوم السبت ثاني عشر صفر سنة أربع وتسعين وأربع مئة، بدمشق أحمد بن علي بن محمد بن بطة أبو بكر البغدادي الأديب قدم دمشق وحدث بها. قال الحافظ ابن عساكر: قال لي أخي أبو الحسين هبة الله بن الحسن الفقيه: أخرج إلي أبو محمد هبة الله بن أحمد بن الأكفاني الأول من أخبار أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن الحسن بن حمامي بن جرو بن واسع بن سلمة بن حاضر الأزدي إملاء أبي بكر أحمد بن علي بن محمد بن بطة البغدادي بدمشق في جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة عن ابن دريد بخط ابن شرام، وفيه بلاغاته عليه. قال: ومن شعر ابن بطة، وقد روى قول ميمون بن مهران: من رضي من صلة الإخوان بلا شيء فليؤاخ أهل القبور - فنظمه ابن بطة: من الطويل إذا كنت ترضى من أخٍ ذي مودة ... إخاءً بلا شيء فآخ المقابرا فلا خيرها يرجى ولا الشر يتقى ... ولا حاسدٌ منها يظل محاذرا ومن شعره: من الكامل لا تصنعن إلى اللئام صنيعةً ... فيضيع ما تأتي من الإحسان وضع الصنائع في الكرام فشكرها ... باقٍ عليك بقية الأزمان ومن شعره: من مخلع البسيط ما شدة الحرص وهو قوت ... وكل ما بعده يفوت لا تجهد النفس في ارتيادٍ ... فقصرنا أننا نموت

أحمد بن علي بن مسلم أبو العباس

أحمد بن علي بن مسلم أبو العباس الأبار الخيوطي النخشبي ثم البغدادي سمع بدمشق وبغيرها، وروى عنه جماعة. حدث عن محمد بن المنهال الضرير بسنده عن ثوبان عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: الكبر، والغلول، والدين. قال أبو العباس أحمد بن علي الأبار: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام فبايعته على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الأبار: فذكرت ذلك لأبي بكر المطوعي فقال: لو رأيت هذا المنام ما باليت أن أقتل. قال أبو بكر الخطيب: أحمد بن علي بن مسلم، سكن بغداد، وحدث بها. وكان ثقة حافظاً متقناً حسن المذهب. توفي يوم الأربعاء نصف شعبان سنة تسعين ومئتين. أحمد بن علي بن يزيد أبو جعفر العكبري السوادي ويعرف بخسرو سمع، وأسمع. حدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده عن ابن مسعود قال: ينادي منادٍ عند حضرة كل صلاة. يا بني آدم، قوموا

أحمد بن علي بن يحيى بن العباس

فأطفئوا ما أوقدتم على أنفسكم، فينادي ملك عند صلاة الصبح فيقول: يا بني آدم، قوموا فأطفئوا ما أوقدتم على أنفسكم، فيتطهرون ويصلون فيغفر لهم، ثم ينادي عند صلاة الأولى: يا بني آدم، قوموا فأطفئوا ما أوقدتم على أنفسكم، فيتطهرون ويصلون فيغفر لهم ما بينهما، فإذا صلى العصر مثل ذلك فينامون ولا ذنب لهم، ثم يصبحون: فمدلج في خير ومدلج في شر. وحدث بسنده عن سعيد بن عبد العزيز أن رفيقاً لحبيب بن مسلمة ضاق يوماً في شيء، فقال له حبيب: إن استطعت أن تغير خلقك بأحسن منه فافعل، وإلا فسيسعك من أخلاقنا ما ضاق عنا من خلقك. أحمد بن علي بن يحيى بن العباس أبو منصور الأديب الأسداباذي قدم دمشق حاجاً سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة، وحدث بها وببغداد، وروى عنه أبو بكر الخطيب وغيره. حدث عن عبيد الله بن أحمد بن علي بسنده عن ابن عمر قال: كانت امرأة تأتي قوماً تستعير منهم الحلي ثم تمسكه. قال: فرفع ذلك إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: لتتب هذه المرأة إلى الله وإلى رسوله، وترد على الناس متاعهم. قم يا فلان فاقطع يدها. كان أحمد بن علي يحرف في كلامه، ويذكر شيئاً يدل على تخليطه وقلة تحصيله. ولد بالكرخ سنة ست وستين وثلاث مئة، وخرج من بغداد سنة أربع وأربعين واربع مئة. وكان بتبريز حياً في سنة خمسين وأربع مئة. وتوفي سنة إحدى وستين وأربع مئة. أحمد بن علي بن يوسف أبو بكر الخراز المري حدث عن مروان بن محمد الطاطري الأسدي بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال: ألم أصح جسمك وأروك من الماء البارد؟ الخراز أوله خاء معجمة وآخره زاي.

أحمد بن علي أظنه أبا عمر الصوفي الدمشقي

أحمد بن علي أظنه أبا عمر الصوفي الدمشقي حدث قال: سمعت ابن يزدانيار يقول: الملائكة حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس السنة، والصوفية حراس الله. وقال: سمعت سمنون يقول: إذا بسط الخليل غداً بساط المجد دخل ذنوب الأولين والآخرين في حواشيه، وإذا بدت ذرة من غير الجود ألحقت المسيء بالمحسن. وقال: سألت سمنون عن أول مقام يستحق به العبد أن يقال له عارف. فقال: هو أن يكون واقفاً بعلمه على همه، يعرف كل هم يخطر على قلبه. أحمد بن علي أبو الحسين الموصلي الجوهري المقرىء الأديب حدث بأطرابلس في ربيع الأول سنة ست وعشرين وأربع مئة بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قلت: يا رسول الله، أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ قال: تمنعه من الظلم، فذلك نصرك إياه. أحمد بن عمار بن نصير الشامي أخو هشام روى عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ليس للدين دواء إلا القضاء والوفاء والحمد. قال أبو بكر الخطيب: أحمد بن عمار بن نصير الشامي: شيخ مجهول. وهذا حديث منكر. وذكر أبو الحسن الدارقطني أن أحمد هذا أخو هشام بن عمار وقال: هو متروك الحديث.

أحمد بن عمار أبو بكر الأسدي

أحمد بن عمار أبو بكر الأسدي رجل من المتعبدين. قال أحمد بن عمار: خرجنا مع المعلم في جنازة ومعه جماعة من أصحابه فرأى في طريقه كلاباً مجتمعة، بعضها يلعب مع بعض، ويتمرغ عليه، ويلحسه، فالتفت إلى أصحابه فقال: انظروا إلى هذه الكلاب ما أحسن أخلاق بعضها مع بعضٍ. قال: ثم عدنا من الجنازة وقد طرحت جيفة، وتلك الكلاب مجتمعة عليها وهي تتهارش، بعضها على بعض فيخطف هذا من هذا ويهر عليه وهي تتقاتل على تلك الجيفة، فالتفت المعلم إلى أصحابه فقال لهم: قد رأيتم يا أصحابنا متى لم تكن بينكم الدنيا فأنتم إخوان، ومتى ما وقعت الدنيا بينكم تهارشتم عليها تهارش الكلاب على الجيفة. قال أحمد بن عمار الأسدي - وكان مسكنه في قرية قريبة من قرية أبي عبيد البسري - قال: قال أبو عبيد البسري: النفاق حيث السريرة، فاتق الله عز وجل أن يرى أنك تخشى الله عز وجل وقلبك فاجر. كان ابن عمار ينصرف إلى منزله فيجد أهله قد ناموا وتركوا له في نويعيرة ما يأكله، فكان إذا وافى ثرد خبزه في قصعةٍ وصب عليه ما يكون في النويعيرة. فأصلحوا في بعض الأيام دجاجة وتركوا له في النويعيرة جزة منها، وكانوا قد عجنوا، وبقي فضلة ماء العجين في نويعيرة أخرى فوافى ليلاً وقد ناموا فثرد الخبز على عادته واتفق أنه أخذ النويعيرة التي فيها ماء العجين فصبه على الخبز وأكل. فلما أصبحوا وجدوا سهمه من الدجاجة على حاله فذكروا له ذلك فقال: ما أكلت إلا الذي كان في قسمي.

أحمد بن أبي عمران

أحمد بن أبي عمران أبو الفضل الهروي الصوفي سمع بدمشق، وحدث بها. روى بمكة عن دعلج بن أحمد بسنده عن أنس قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، أمن العصبية أن يعين الرجل قومه على الحق قال: لا. وحدث عن أبي العباس محمد بن أحمد بن محبوب بسنده عن جابر قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى الظهر رفع يديه إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع. وحدث عن الزاهد إسماعيل بن أحمد بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام أو ثلاث ليال. وحدث بدمشق عن محمد بن إبراهيم الأصبهاني بسنده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. وحدث بمكة قال: سمعت محمد بن داود يقول: سمعت أبا بكر الرقاق يقول: كنت ماراً في تيه بني إسرائيل فخطر بخاطري أن علم الحقيقة مباين للشريعة، فهتف بي هاتف من تحت شجرة: يا أبا بكر، كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر. أنشد أبو الفضل أحمد الهروي بمكة سنة خمس وتسعين قال: أنشدنا خيثمة بن سليمان قال: أنشدنا هلال بن العلاء: من البسيط اقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من أرضاك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا كان أبو الفضل الصوفي رحمه الله حياً سنة سبع وتسعين وثلاث مئة.

أحمد بن عمر بن أبان بن الوليد

أحمد بن عمر بن أبان بن الوليد ابن شداد أبو جعفر الفارسي من أهل صور. روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. حدث عن أبي حفص عمر بن الوليد الصوري بسنده عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: التقى موسى وآدم. قال: فقال موسى لآدم: أنت أبو الناس الذين أغويتهم وأخرجتهم من الجنة. قال: فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وألقى عليك محبة منه، فذكر هذا ونحوه مما فضله الله به قال موسى: نعم، قال آدم: فلم تلومني على عملٍ قد كتبه الله علي أن أعمله قبل أن أخلق. قال: فحج آدم موسى. أحمد بن عمر بن الأشعث ويقال ابن أبي الأشعث أبو بكر السمرقندي سكن دمشق مدة، وكان يكتب بها المصاحف، ويقرىء القرآن، وسمع بها وحدث. قال أبو الحسن بن قبيس: كان أبو بكر السمرقندي يكتب المصاحف من حفظه، فكان إذا فرغ من الوجه كتب الوجه الآخر إلى أن يجف، ثم يكتب الوجه الذي بينهما، فلا يكاد أن يزيد ولا ينقص فقلت له: لعله كان يكتب في مقدار واحد فلا يختلف عليه فقال: بل كان يكتب في قطع كبير وصغير. وكان لجماعة من أهل دمشق فيه رأي حسن، فسمعت أبا الحسن بن قبيس يذكر أنه خرج مع جماعة إلى ظاهر البلد في فرجة فقدموه يصلي بهم وكان مزاحاً. فلما سجد بهم تركهم في الصلاة وصعد في شجرة، فلما طال عليهم انتظاره رفعوا رؤوسهم فلم يجدوه في مصلاه وإذا به في الشجرة يصيح صياح السنانير، فسقط من أعينهم، فخرج إلى

أحمد بن عمر بن العباس بن الوليد

بغداد، وترك أولاده بدمشق، واتصل في بغداد بعفيف القائمي الخادم، فكان يكرمه وأنزله في موضع من داره. فكان إذا جاءه الفراش بالطعام يذكر أولاده بدمشق ويبكي، فحكى الفراش ذلك لعفيف فقال: سله عن سبب بكائه، فسأله، فقال: إن لي بدمشق أولاداً في ضيق فإذا جاءني شيء من الطعام تذكرتهم فأخبره الفراش بذلك، فقال: سله أين يسكنون من دمشق؟ وبمن يعرفون فسأله فأخبره، فأخبر عفيفاً بذلك فبعث إليهم من حملهم من دمشق إلى بغداد. فما أحس بهم أبو بكر حتى قدم عليه ابنه أبو محمد وقد خلف أمه وإخوته عبد الواحد وإسماعيل بالرحبة، ثم قدموا بعد ذلك بغداد فلم يزالوا في ضيافة عفيف حتى مات. توفي أبو بكر السمرقندي في يوم الأحد السادس عشر من رمضان سنة تسع وثمانين وأربع مئة ببغداد. أحمد بن عمر بن العباس بن الوليد ابن سليمان بن الوليد المعروف بابن الجليد حدث عن مروان يعني ابن محمد بسنده عن المقدام بن معدي كرب أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: يحشر الناس ما بين السقط إلى الشيخ الفاني. مات يوم الأربعاء لعشر بقين من رجب سنة أربع وخمسين ومئتين. أحمد بن عمر بن عطية أبو الحسين الصقلي المقرىء المؤدب كان يؤدب في مسجد رحبة البصل. روى عن أبي الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد السلمي بسنده عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى عمر رضي الله عنه يسأله، فجعل عمر ينظر إلى رأسه مرة وإلى رجليه أخرى هل يرى عليه من البؤس شيئاً، فقال له عمر: هل لك من مال؟ قال: نعم،

أحمد بن عمر بن محمد

أربعون من الإبل. قال ابن عباس: صدق الله ورسوله، لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاًن ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، فقال عمر: ما هذا؟ فقال: هكذا اقرأنيها أبي بن كعب قال: فاكتتبها؟ قال: نعم. فاكتتبها. ولد أبو الحسين الصقلي يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة بدمشق. وكان ثقة ولم يكن الحديث من شأنه. وتوفي يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر سنة خمس وخمس مئة بدمشق. أحمد بن عمر بن محمد ابن خرشيذ قوله أبو علي الأصبهاني قدم دمشق سنة أربع وثمانين وثلاث مئة وحدث بها وبمصر. روى بسنده عن أبي رزين عن أبي هريرة قال: رأيته يضرب جبهته ويقول: يا أهل العراق، تزعمون أني أكذب على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيكون لكم المهنى وعلي الإثم؟ أشهد لسمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في الأخرى حتى يصلحها، وإن ولغ الكلب في إناء أحدكم فلا يتوضأ فيه حتى يغسله سبع مرات. سكن أبو علي بغداد، وحدث بها، وانتقل إلى مصر، فنزلها وأقام بها حتى مات. قال العتيقي: سمعت منه ببغداد في سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة، ثم سمعت منه بعد ذلك بمكة وبمصر، وكان يحضر في كل سنة مكة في موسم الحاج إلى أن توفي بمصر في سنة أربع وتسعين وثلاث مئة في يوم الثلاثاء ثاني عشر جمادى الأولى. وكان ثقة حسن الأصول.

أحمد بن عمر بن موسى بن زنجويه

أحمد بن عمر بن موسى بن زنجويه أبو العباس البغدادي المخرمي القطان سمع بدمشق وبغيرها. روى عن هشام بن عمار بسنده عن معاوية أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاقتلوهم. وحدث عن عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم بسنده عن زيد بن ثابت. أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رخص في بيع العرايا ولم يرخص في غير ذلك. توفي أبو العباس أحمد بن زنجويه في ذي القعدة سنة أربع وثلاث مئة، وكان ثقة. أحمد بن عمرو بن أحمد بن معاذ أبو الحسن العبسي الداراني حدث عن أبيه عمرو بسنده عن جابر بن عبد الله أن الله عز وجل أنزل صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزل التوراة على موسى لست ليالٍ خلون من رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليهم لأربعٍ وعشرين ليلة خلت من شهر رمضان.

أحمد بن عمرو بن إسماعيل

أحمد بن عمرو بن إسماعيل ابن عمر أبو جعفر الفارسي المقعد الوراق قدم دمشق وروى عن جماعة. حدث عن أبي خيثمة مصعب بن سعيد بسنده عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قتل دون ماله فهو شهيد. كان أبو جعفر الفارسي الوراق ثقة. أحمد بن عمرو بن جابر أبو بكر الطحان الحافظ نزيل الرملة. سمع بدمشق وبغيرها. حدث بسنده عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إذا بدلت الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار فأين الناس يومئذٍ؟ قال: على الصراط. وحدث أيضاً عن علي بن عثمان وإبراهيم بن إسحاق بسندهما عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون وكلهم قد رآه فيقولون نعم هذا الموت ثم يؤخذ فيذبح فيقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وذلك قوله عز وجل " وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلةٍ " قال: أهل الدنيا في غفلة. مات أبو بكر أحمد بن عمرو بن جابر سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة.

أحمد بن عمرو بن الضحاك أبي عاصم

أحمد بن عمرو بن الضحاك أبي عاصم النبيل بن مخلد بن مسلم بن رافع بن رفيع، أبو بكر الشيباني الفقيه القاضي محدث ابن محدث ابن محدث من ذهل بن شيبان، أصله من البصرة وسكن أصبهان وولي قضاءها، وكان مصنفاً في الحديث، مكثراً منه، رحل فيه إلى دمشق وغيرها. وسمع وأسمع. حدث عن هشام بن عمار بسنده عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله عز وجل قد تكفل لي بالشام وأهله. كان أحمد بن عمرو صدوقاً. قال: صحبت أبا تراب زماناً فكان يقول لي: كم تشقى، لا يجيء منك إلا قاضٍ، وكان بعد ذلك لما ولي القضاء إذا سئل عن مسألة في التصوف يقول: القضاء والدنية والكلام في علوم الصوفية محال. قال الحكيم: ذكر عند ليل الديلمي أن أبا بكر بن أبي عاصم ناصبي قال: فبعث غلاماً له معه سيف ومخلاة وقال: ائتني برأسه فجاء الغلام وأبو بكر يروي الحديث، فقال: أمرني أن أحمل إليه رأسك قال: فنام على قفاه ووضع الكتاب في يده على وجهه فقال: افعل ما شئت فلحقه آخر فقال: أمرك الأمير ألا تقتله قال: فقام أبو بكر ورجع إلى الحديث الذي قطعه، فتعجب الناس منه وتحير الرسول في أمره. وسمعته يقول: كان أبو بكر بن أبي عاصم ماراً في السوق مع أبي العباس بن شريح فقال أبو بكر لأبي العباس: لو لم يكن في ترك الدنيا إلا إسقاط الكلف وراحة القلب لكفى.

أحمد بن عمير بن يوسف

قال أبو عبد الله محمد بن أحمد الكسائي المقرىء: قال: كنت جالساً عند أبي بكر بن أبي عاصم وعنده قوم فقال رجل: أيها القاضي، بلغنا أن ثلاثة نفر كانوا بالبادية يقلبون الرمل فقال أحدهم: اللهم إنك قادر على أن تطعمنا خبيصاً على لون هذا الرمل فإذا هم بأعرابي بيده طبق فسلم عليهم ووضع بين أيديهم طبقاً عليه خبيص حار فقال ابن أبي عاصم: قد كان ذاك. قال أبو عبد الله: وكان الثلاثة، عثمان بن صخر الزاهد أستاذ أبي تراب، وأبو تراب، وأحمد بن عمرو بن أبي عاصم وكان هو الذي دعا. كان أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل يقول: لا أحب أن يحضر مجلسي مبتدع ولا طعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء، ولا منحرف عن الشافعي ولا عن أصحاب الحديث. كان أحمد بن عمرو بن أبي عاصم فقيهاً ظاهري المذهب، ولي القضاء بأصبهان ثلاث عشرة سنة بعد وفاة صالح بن أحمد. وتوفي أحمد بن عمرو بن أبي عاصم بأصبهان في ربيع الآخر سنة سبع وثمانين ومئتين. قال أبو عبد الله الكسائي: رأيت ابن أبي عاصم فيما يرى النائم كأنه جالس في المسجد الجامع عند الباب، وهو يصلي من قعود، فدنوت منه فسلمت عليه فرد علي فقلت: أنت أحمد بن عمرو؟ قال: نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: يؤنسني ربي، قلت: يؤنسك ربك؟؟! قال: نعم فشهقت شهقة فانتبهت. أحمد بن عمير بن يوسف ابن موسى بن جوصا أبو الحسن الحافظ مولى بني هاشم ويقال: مولى محمد بن صالح بن بيهس الكلابي. شيخ الشام في وقته. رحل وصنف وذاكر وروى.

أحمد بن العلاء بن هلال بن عمر

حدث عن أيوب بن علي بن الهيصم الكناني بسنده عن أبي قرصافة أنه سمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ابنو المساجد، وأخرجوا القمامة منها، فمن بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة. فقال رجل: يا رسول الله، وهذه المساجد التي تبنى في الطرق؟ قال: وهذه المساجد التي تبنى في الطرق. قال: وإخراج القمامة منها مهور حور العين. وحدث عن هشام بن عبد الملك أبي التقي بسنده عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. سئل الدارقطني عن أحمد بن عمير بن جوصا فقال: تفرد بأحاديث ولم يكن بالقوي. وقال دعلج بن أحمد: دخلت دمشق وكتب لي عن ابن جوصا جزء، ولست أحدث عنه فإني رأيت في داره جرو كلب صيني فقلت: روي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه نهى عن اقتناء الكلب وهذا قد اقتنى كلباً. توفي أبو الحسن أحمد بن عمير يوم الأربعاء لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة عشرين وثلاث مئة. أحمد بن العلاء بن هلال بن عمر أبو عبد الرحمن الرقي القاضي، أخو هلال بن العلاء قدم دمشق في أيام أحمد بن طولون، وكان ممن خلع الموفق بن المتوكل بن المعتصم بها في سنة تسع وستين ومئتين. حدث عن عبد الله بن جعفر بسنده عن عائشة رضي الله عنها فيما قال لها يعني: أهل الإفك فبرأها الله مما قالوا قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد أن يخرج في سفر أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معه، فقالت عائشة: فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ما أنزل الله الحجاب، فأنا أحمل في هودجي فأنزل فيه، حتى إذا فرغ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غزوته تلك ودنوا من المدينة نودي بالرحيل، فخرجت حتى أذنوا

بالرحيل فتبرزت لحاجتي حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فخرجت في التماسه، فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين يرحلون لي، واحتملوا هودجي فحملوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك لم يهبلهن اللحم، إنما تأكل إحدانا العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جاريةً حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، وجئت مبادرةً وليس بها منهم داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي. فبينما أنا كذلك في منزلي إذ غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش فادلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرف حين رآني وقد كان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حتى أناخ راحلته فوطىء على يديها، وانطلق بالراحلة يقود بها حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، وقد هلك من أهل الإفك من هلك. وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي فاشتكيت حين قدمت المدينة شهراً، والناس يفيضون في قول أهل الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللطف الذي كنت أراه منه حين أشتكي، إنما يدخل فيقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف فذاك الذي يريبني منه، ولا أشعر بشيء حتى خرجت بعدما نقهت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر وابنها مسطح بن أثاثة بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت: بئس ما قلت تسبين رجلاً قد شهد بدراً! قالت: أو لم تسمعي ما قال؟ قالت: فقلت: في ماذا؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي.

فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: كيف تيكم؟ فقلت: أتأذن لي فآتي أبوي؟ وحينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت: فأذن لي من الغد فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمه ماذا يتحدث الناس به؟! قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها قالت: سبحان الله، ولقد تحدث الناس بهذا؟! فمكثت تلك الليلة أبكي حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم. قالت: ثم أصبحت أبكي فدعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسامة بن زيد وعلياً حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما يعلم من براءة أهله وبالذي في نفسه من الود لهم فقال: يا رسول الله، ما نعلم إلا خيراً. وأما علي فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك النساء والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك فدعا بريرة فقال: يا بريرة، رأيت شيئاً يريبك قالت: لا والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمراً قط أغمصه عليها أكثر من أنها حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. فقام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستعذر من عبد الله بن أبي فقال: من يعذرني من رجل قد بلغ في أهلي أذاه، فوالله ما علمت إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه إن كان من إخواننا الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا ما أمرتنا. فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وقد كان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن استحملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال: - يعني - لسعد بن عبادة، كذبت، لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، وتبادر الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائم على المنبر، فلم يزل يسكتهم حتى سكتوا. فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وبت ليلتي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي وقد لبثت ليلتي ويومي لا يرقأ لي دمع وهما يظنان أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار علي فأذنت لها، فجلست تبكي معي. فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجلس فلم يجلس قبل ذلك منذ قيل

ما قيل. ولقد لبث شهراً لا يوحى إليه شيء، فتشهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم جلس جلسته، فقال: أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه، فإن العبد إذا أذنب ثم تاب إلى الله تاب الله عليه. فلما قضى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي: أجب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وإني جارية حديثة السن لم أقرأ كثيراً من القرآن، فقلت: والله لقد علمت أنكم قد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم فصدقتم به، وإن قلت إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني. والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف " فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون " قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذٍ أعلم أني بريئة. وما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحياً يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمرٍ، ولكني أرجو أن يري الله نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر عليه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القرآن الذي أنزل عليه، فسري عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة، أما بعد فقد برأك الله، فقالت أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقول إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل وأنزل الله تعالى: " إن الذين جاؤوا بالإفك عصبةٌ منكم " إلى آخر الآيات العشر كلها. فلما أنزل الله هذا كله في براءتي قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره -: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قاله لعائشة فأنزل الله تعالى: " ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن تؤتوا أولي القربى " الآية، فقال أبو

أحمد بن عيسى بن علي بن ماهان

بكر: والله، إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبداً. وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل زينب بنت جحش فقال: يا زينب، ماذا علمت ورأيت؟ فقالت له زينب: ما علمت ولا رأيت إلا خيراً. أحمي سمعي وبصري. قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعصمها الله بالورع فطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أهل الإفك. ولد أحمد بن العلاء سنة اثنتين وتسعين ومئة، وتوفي بالرقة في سنة ست وسبعين ومئتين وهو على القضاء. وقيل: مات وهو قاضي ديار مصر سنة أربع وسبعين ومئتين. أحمد بن عيسى بن علي بن ماهان أبو جعفر الرازي المعروف بالجوال سمع بدمشق. حدث عن عبد الرحمن بن مسلم بسنده عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. وحدث عن هشام بن عمار بسنده عن عرفجة الثقفي قال: كان علي بن أبي طالب يأمر الناس بقيام شهر رمضان ويجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً. قال عرفجة: أنا إمام النساء. أحمد بن عيسى بن يوسف أبو جعفر سمع بدمشق هشام بن عمار. حدث ببيت المقدس عن هشام بن عمار بسنده عن البراء بن عازب أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقيه فأخذ بيده قلت: يا رسول الله، ما كنت أحسب هذه المصافحة إلا من أخلاق الأعاجم وسنتهم قال: لا، إن المسلمين إذا التقيا فتصافحا لم يتتاركا حتى يغفر لهما.

أحمد بن عيسى أبو سعيد الخراز

أحمد بن عيسى أبو سعيد الخراز الخراز خاء معجمة وراء وزاي الصوفي البغدادي حدث عن عبد الله بن إبراهيم الغفاري بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سوء الخلق شؤم وشراركم أسوؤكم خلقاً. قال أبو عبد الرحمن السلمي: أحمد بن عيسى الخراز إمام القوم في كل فن من علومهم. بغدادي الأصل له في مبادىء أمره عجائب وكرامات مشهورة، ظهرت بركته عليه وعلى من صحبه، وهو أحسن القوم كلاماً خلا الجنيد فإنه الإمام. وقيل: إن أول من تكلم في علم الفناء والبقاء أبو سعيد الخراز. قال أبو سعيد: كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل. وقال: صحبت الصوفية ما صحبت، فما وقع بيني وبينهم خلف. قالوا: لم؟ قال: لأني كنت معهم على نفسي. قال أبو بكر الطرسوسي: أبو سعيد الخراز قمر الصوفية. قال إبراهيم بن شيبان: قال الجنيد: لو طالبنا الله بحقيقة ما عليه أبو سعيد الخراز لهلكنا. قال علي بن عمر الدينوري: فقلت لإبراهيم: وإيش كان حاله؟ فقال: أقام كذا وكذا سنة يخرز. ما فاته الحق بين الخرزتين. سئل أبو سعيد الخراز: هل يصير العارف إلى حال يجفو عليه البكاء؟ فقال: نعم، وإنما البكاء في أوقات سيرهم إلى الله، فإذا نزلوا بحقائق القرب وذاقوا طعم الوصول من بره زال عنهم ذلك.

قال المرتعش: الخلق كلهم عيالٌ على أبي سعيد الخراز إذا تكلم هو في شيء من الحقائق. كان الجلاء بمكة يقول: بلغني أن أبا سعيد الخراز كان مقيماً بمكة، وكان من أفقه الصوفية، وكان له ابنان مات أحدهما قبله فرآه في المنام فقال له: يا بني، أوصني فقال: يا أبه، لا تعامل الله على الحمق قال: يا بني، زدني. قال: لا تخالف الله فيما يريد. قال: يا بني، زدني. قال: لا تطيق. قال: قل. قال: لا تجعل بينك وبين الله قميصاً. قال: فما لبس القميص ثلاثين سنة، فقيل لإبراهيم الخواص ذلك فقال: أحجب ما كان من ربه في ذلك الوقت. قال أبو سعيد الخراز: الاشتغال بوقت ماضٍ تضييع وقت ثانٍ. قال أبو الفضل العباس: وذكر تلميذةً لأبي سعيد الخراز قالت: كنت أسأله مسألة والإزار بيني وبينه مشدود، فأستقري حلاوة كلامه، فنظرت في ثقب من الإزار فرأيت شفته. فلما وقعت عيني عليه سكت وقال: جري ها هنا حدث فأخبريني ما هو فعرفته أني نظرت إليه فقال: أما علمت أن نظرك إلي معصية، وهذا العلم لا يحتمل التخليط، فلذلك حرمت هذا العلم. قال أبو سعيد الخراز: من ظن أنه ببذل المجهود يصل فمتعن، ومن ظن أنه بغير بذل المجهود يصل فمتمن. حدث أبو القاسم بن مردان ببغداد قال: كان عندنا بنهاوند فتى يصحبني، وكنت أنا أصحب أبا سعيد الخراز، فكنت إذا رجعت حدثت ذلك الفتى ما أسمع من أبي سعيد، فقال لي ذات يوم: إن سهل الله لك الخروج خرجت معك حتى أرى هذا الشيخ الذي تحدثني عنه فخرجت، وخرج معي، ووصلنا إلى مكة، فقال لي: ليس نطوف حتى نلقى أبا سعيد، فقصدناه وسلمنا عليه فقال: للشاب مسألة ولم يحدثني أنه يريد أن يسأل عن شيء، فقال له الشيخ: سل فقال: ما حقيقة التوكل؟ فقال الشيخ: ألا تأخذ الحجة من حمولا، وكان الشاب قد أخذ

حجة من حمولا وهو رئيس نهاوند وما علمت به أنا، فورد على الشاب أمر عظيم وخجل. فلما رأى الشيخ ما جاء به عطف عليه وقال: ارجع إلى سؤالك. ثم قال أبو سعيد: كنت أراعي شيئاً من هذا الأمر في حداثتي فسلكت بادية الموصل فبينا أنا سائر إذ سمعت حساً من ورائي فحفظت قلبي عن الالتفات فإذا الحس قد دنا مني، وإذا سبعان قد صعدا على كتفي فلحسا خدي، فلم أنظر إليهما حيث صعدا ولا حيث نزلا. قال أبو سعدي الخراز: كنت في بعض أسفاري وكان يظهر لي كل ثلاثة أيام شيء، فكنت آكله وأشتغل، فمضى ثلاثة أيام وقتاً من الأوقات ولم يظهر شيء، فضعفت وجلست فهتف بي هاتف: أيما أحب إليك: سبب أو قوة؟ فقلت: القوة، فقمت من وقتي ومشيت اثني عشر يوماً لم أذق شيئاً ولم أضعف. قال أبو سعيد الخراز: رأيت إبليس في النوم وهو يمر عني ناحية، فقلت: تعال، فقال إيش أعمل بكم، أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس. قلت: وما هي؟ قال: صحبة الأحداث. وقال: رأيت إبليس في النوم ومعي عصا فرفعته حتى أضربه فقال لي قائل: هذا لا يفزع من العصا. قلت له: من أي شيء يفزع؟ قال: من نورٍ يكون في القلب. كان أبو سعيد الخراز يقول: ليس في طبع المؤمن قول لا، وذلك أنه إذا نظر إلى ما بينه وبين ربه من أحكام الكرم استحيا أن يقول: لا. جاء أبو سعيد الخراز إلى رجل من أبناء الدنيا فقال: جئتك من عنده وأنا أعرف به منك، وأنت تشهد لي بذلك، فلا تردني إليه. كان أحمد بن عيسى يقول: إذا صدق المريد في بدايته أيده الله بالتوفيق، وجعل له واعظاً من نفسه. كما روي في الحديث، وذلك أني أصبت ميراثاً فكنت آخذ منه القوت وأتقلل منه شيئاً موزوناً كل يوم

معلوماً، ولزمت العزلة مع ذلك، فكأني خوطبت في سري ثم سمعت قائلاً يقول: إذا أنت أكلت الطعام في كل ليلة فبماذا تفضل على سائر الناس؟ ولكن اجعله في كل ليلتين أكلة، فلزمت ذلك وقتاً وصعب علي جداً لا من طريق نفسي وامتناعها علي، ولكن لعلمي بأن الطي منزلة عالية وهبة من الله جزيلة رفيعة لا يعطيها إلا من عرف قدرها، فرغبت إلى الله تعالى فيها فسألته إدامتها لي والتفضل بها علي، فوهبها لي بمنه وفضله. فكنت آكل ذلك القوت الذي كنت آكله في ليلةٍ واحدة أتناوله في ليلتين، وكنت الليلة التي أطويها يأتيني شخص جميل حسن البشرة نظيف الثياب بجامٍ أبيض فيه عسل فيقول لي: كل، فألعقه وأصبح شبعان - وهذا في المنام - ثم فني القوت الذي ادخرته فكنت أجيء بعض الطرقات إذا اختلط الظلام إلى موضع أصحاب البقل وأتقمم منه ما سقط منهم، وبقيت على ذلك أيضاً وقتاً كبيراً، ثم كنت أخيط القميص في القرية لقوم مساكين وأكتفي بأجرته أياماً، فبينا أنا يوماً مار أريد القرية في طلب الخياطة رأيت مسجداً في وسط مقبرة وفيه سدرة كبيرة وفيها نبق أخضر مباح، فقلت في نفسي: هذا المباح ها هنا وأنت تريد معاشرة الناس ومعاملتهم، فلزمت المقابر أتقلل من ذلك النبق وآخذ منه دوين البلغة حتى فني النبق ولم يبق منه شيء، ثم بقيت بعد ذلك سنين وقوتي العظام، ثم مكثت بعد العظام وقوتي الطين اليابس والرطب من الأنهار، فكنت أحياناً لا أفرق بين الطين الرطب إذا أخذته من النهر وبين الخبيص من طيبه عندي، وما وجدت لاختلاف هذه الأحوال ضيقاً من عقل ولا ضعفاً من بدن وكنت عند البقل أضعف إذا تناولته. قال أبو بكر الكتاني: تكلم أبو سعيد أحمد بن عيسى بمكة في مسألة علم، فأنكروا عليه فوجه إليه الأمير: قم واخرج من مكة، فتناول نعله وقام ليخرج، فقلنا له: اجلس يا أبا سعيد حتى ندخل على الأمير ونخاطبه بما صلح، ونعرفه مكانك، فقال: معاذ الله، اسكتوا، فلو قال غير هذا اتهمت حالي فيما بيني وبين الله عز وجل هذا ضد، من أين يقبلني إلا لقلة في، وخرج. قال أبو سعيد: أقل ما يلزم المسافر في سفره أربعة أشياء: يحتاج إلى علم يسوسه، وذكر يؤنسه، وورع يحجزه، ونفس تحمله. فغذا كان هكذا لم يبال أكان بين الأحياء أم بين الأموات.

وقال: الرضا قبل القضاء تفويض، والرضا مع القضاء تسليم. وكان أبو سعيد الخراز يقول: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ هل جزاء من انقطع عن نفسه إلا التعلق بربه، وهل جزاء من انقطع عن أنس المخلوقين إلا الأنس برب العالمين، وهل جزاء من صبر علينا إلا الوصول إلينا، ومن وصل إلينا هل يجمل به أن يختار علينا، وهل جزاء التعب في الدنيا والنصب فيها إلا الراحة في الآخرة، وهل جزاء من صبر على البلوى إلا التقرب إلى المولى، وهل جزاء من سلم قلبه إلينا أن نجعل توليته إلى غيرنا، وهل جزاء من بعد عن الخلق إلا التقرب إلى الحق. كان أبو سعيد الخراز يقول في معنى هذا الحديث جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فقال: واعجباً ممن لم ير محسناً غير الله كيف لا يميل بكليته إليه. قالت فاطمة بنت أحمد السامرية: سمعت أخي أبا سعيد الخراز وسئل عن قوله تعالى: " ولله خزائن السموات والأرض " قال: خزائنه في السماء العبر وفي الأرض القلوب، لأن الله تعالى جعل قلب المؤمن نبت خزائنه ثم أرسل رياحاً فهبت فكسته من الكفر والشرك والنفاق والغش والخيانة، ثم أنشأ سحابة فأمطرت ثم أنبتت فيه شجرة فأثمرت الرضا والمحبة والشكر والصفوة والإخلاص والطاعة فهو قوله تعالى: " أصلها ثابت ". قال سعيد بن أبي سعيد الخراز: طلبت من أبي دانق فضة فقال لي: يا بني، اصبر، فلو أراد أبوك يركب الملوك إلى بيته ما تأبوا عليه. قال أحمد بن عيسى الخراز: كنت في البادية فنالني جوع شديد فغلبتني نفسي أن اسأل الله عز وجل طعاماً

أحمد بن عيسى أبو جعفر القمي

فقلت: ليس هذا من فعال المتوكلين، فطالبتني نفسي أن أسأل الله صبراً. فلما هممت بذلك سمعت هاتفاً يقول: من الوافر ويزعم أنه منا قريبٌ ... وأنا لا نضيع من أتانا ويسألنا القرى جهداً وصبراً ... كأنا لا نراه ولا يرانا قال أبو سعيد: فأخذني الاستقلال من ساعتي وقمت ومشيت. توفي أبو سعيد سنة سبع وسبعين ومئتين. وقيل: سنة سبع وأربعين ومئتين. وهو باطل. والأول أصح. وقيل: سنة ست وثمانين ومئتين. أحمد بن عيسى أبو جعفر القمي نزيل بيروت حدث عن أبي عبد الرحمن النسائي بسنده عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله عز وجل ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أيسر منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه. فاتقوا النار ولو بشق تمرة، وفي حديث آخر وزاد فيه: ولو بكلمة طيبة.

من اسم أبيه على حرف الغين المعجمة

من اسم أبيه على حرف الغين المعجمة أحمد ويقال محمد بن الغمر ويقال ابن أبي الغمر الدمشقي قال أحمد بن أبي الغمر: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: من أمن أن يستثقل ثقل. وقال أحمد بن أبي الغمر: قال مسلمة لجلسائه: أي بيت في الشعر أحكم؟ قالوا: الذي يقول: من الطويل صبا ما صباحت علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد قال: فقال مسلمة: إيه والله، ما وعظني شعر قط ما وعظني شعر ابن حطان حين يقول: من الطويل أفي كل عامٍ مرضةٌ ثم نقهةٌ ... وننعى ولا ننعى متى ذا إلى متى فيوشك يومٌ أو توافق ليلةٌ ... يسوقان حتفاً راح نحوك أو غدا قال: فقال له رجل من جلسائه: إني والله ما سمعت بأحدٍ أجل الموت ثم أفناه قبله حيث يقول: من البسيط لم يعجز الموت شيءٌ دون خالقه ... والموت فإن إذا ما ناله الأجل وكل كربٍ أمام الموت متضعٌ ... للموت والموت فيما بعده جلل قال: فقال عبد الأعلى: من البسيط من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشمس والشعثا ويألف الظل كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا في قعر مقفرةٍ غبراء مظلمةٍ ... يطيل تحت الثرى في جوفها اللبثا

أحمد بن الغمر بن أبي حماد أبو عمر

قال أحمد بن غمر الدمشقي في قوله عز وجل " لا فارض ولا بكر عوان " قال: الفارض: الكبيرة المسنة التي ليس فيها ركوب، والبكر: هي الصغيرة وأنشدنا: من الطويل وأنت الذي أعطيت ضيفك فارضاً ... تساق إليه ما تقوم على رجل ولم تعطه بكراً، فيرضى، سمينة ... فكيف يجازي بالمودة والفضل وغمر بالغين المعجمة. أحمد بن الغمر بن أبي حماد أبو عمر ويقال: أبو عمرو الحمصي حدث بأنطرسوس من عمل دمشق عن جماعة. حدث عن عيسى بن سليمان بسنده عن علي قال: ألا أخبركم بخير الناس بعد نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أبو بكر وعمر ثم الناس مستوون. وحدث عن يحيى بن يزيد الخواص بسنده عن عمر بن الخطاب عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يصيح صائحٌ يوم القيامة: أين الذين أكرموا الفقراء والمساكين في الدنيا؟ ادخلوا الجنة لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون. ويصيح صائح: اين الذين عادوا المرضى والفقراء والمساكين في الدنيا؟ فيجلسون على منابر من نور يحدثون الله عز وجل في الحساب. حدث أحمد بن الغمر الحمصي بحمص عن سعيد بن نصير بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مر رجل ممن كان قبلكم بجمجمة، فوقف عليها، وجعل يفكر فقال: يا رب، أنت أنت وأنا أنا، أنت العواد بالمغفرة وأنا العواد بالذنوب، فقيل له، ارفع رأسك فأنت العواد بالذنوب وأنا العواد بالمغفرة قال: فغفر له.

من اسم أبيه على حرف الفاء

من اسم أبيه على حرف الفاء أحمد بن الفرات بن خالد أبو مسعود الضبي الرازي الحافظ أحد الأئمة الثقات والحفاظ الأثبات. سمع بدمشق وغيرها حدث عن محمد بن عبد الله بن جعفر بسنده عن أبي بن كعب قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بهم فقرأ بسورة من الطول، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام الثانية فقرأ بسورة من الطول ثم ركع خمس ركعات، ثم سجد سجدتين وجلس كما هو مستقبل القبلة حتى انجلى كسوفها. وحدث عن يعلى بن عبيد بسنده عن جابر بن عبد الله أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل على عائشة وعندها صبي يسيل منخراه دماً فقال: ما هذا؟ قالوا: به العذرة فقال: ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها العذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطاً هندياً فلتحله بماء ثم تسعطه به. قال: فأمرت عائشة فصنعت ذلك به فبرأ. قال أحمد بن دلويه، وكان من خيار الناس: دخلت على أحمد بن حنبل فقال لي: من فيكم؟ قلت: محمد بن النعمان، فلم يعرفه، فذكرت له أقواماً فلم يعرفهم فقال: أفيكم أبو مسعود؟ قلت: نعم. قال: ما أعرف اليوم أسود الرأس أعرف بمسندات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منه. كان أبو مسعود يقول: كتبت عن ألف وسبعمائة وخمسين رجلاً، أدخلت في تصنيفي ثلاث مئة وعشرين

أحمد بن الفرج بن سليمان

وعطلت سائر ذلك، وكتبت ألف ألف حديث وخمس مئة ألف حديث فأخذت من ذلك ثلاث مئة ألف في التفاسير والأحكام والفوائد وغيره. أقام أبو مسعود بأصبهان يحدث بها خمساً وأربعين سنة، وتوفي في شعبان سنة ثمان وخمسين ومئتين. وكان قد سافر الكثير وجمع في الرحلة بين البصرة والكوفة والحجاز واليمن والشام ومصر والجزيرة، ولقي علماء عصره، وورد بغداد في حياة أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وذاكر حفاظها بحضرته، وكان أحمد يقدمه ويكرمه، واستوطن أصبهان إلى آخر عمره، وكانت بها وفاته وروى عنه كافة أهلها علمه. أحمد بن الفرج بن سليمان أبو عتبة الكندي الحمصي المعروف بالحجازي المؤذن مؤذن جامع حمص قدم دمشق حاجاً. حدث عن بقية بن الوليد بسنده عن أنس بن مالك قال: خرج علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: عليكم بالباءة، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء. ولد سنة تسع وثلاثين ومئتين، ومات مستهل ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة. قال: وهذا وهم، والصحيح أنه مات بحمص سنة إحدى وسبعين ومئتين. قال محمد بن عوف: والحجازي كذاب. كتبه التي عنده لضمرة وابن أبي فديك من كتب أحمد بن النضر وقعت إليه وليس عنده في حديث بقية بن الوليد الزبيدي أصل، هو فيها أكذب خلق الله، إنما هي أحاديث وقعت إليه في ظهر قرطاس كتاب صاحب حديثٍ في أولها مكتوب: حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا بقية.

أحمد بن فضالة بن الصقر

قال: ورأيته عند بئر أبي عبيدة في سوق الرستن وهو يشرب مع فتيان ومردان وهو يتقيأ الخمر، وأنا في كوة مشرف عليه في بيت كان لي فيه تجارة سنة تسع عشرة ومئتين، وكأني أراه وهو يتقيؤها وهي تسيل على لحيته، وكان أيام أبي الهرماس يسمونه الغداف، وكان له ترس فيه أربعة مسامير كبار إذا أخذوا رجلاً يريدون قتله صاحوا به أين الغداف فيجيء قائماً يضربه بها أربع ضربات حتى يقتله، قد قتل غير واحد بترسه ذاك. وما رأيته عند أبي المغيرة قط وإنما كان يتفتى في ذلك الزمان. وحدث عن عقبة بن علقمة. بلغني أن عنده كتاباً وقع إليه فيه مسائل ليست من حديثه فوقفه عليها فتى من أصحاب الحديث وقال: اتق الله يا شيخ. قال أبو هشام: وكان أبو عتبة جارنا وكان يخضب بالحمرة، وكان مؤذن مسجد الجامع، وكان عمي وأصحابنا يقولون: إنه كذاب فلم نسمع منه شيئاً. أحمد بن فضالة بن الصقر ابن فضالة بن سالم بن جميل بن عمرو بن ثوابة بن الأخنس بن مالك بن النعمان بن مالك بن النعمان بن امرىء القيس اللخمي حدث عن أبيه بسنده عن مغيث بن سمي الأوزاعي أن عمر بن الخطاب أرسل إلى كعب فقال: يا كعب، كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرن حديد. قال: وما قرن حديد؟ قال: لا تخاف في الله لومة لائم؟ قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون خليفة من بعدك تقتله أمته ظالمين له. قال: ثم مه؟ قال: ثم يقع البلاء بعد.

أحمد بن الفضل بن عبيد الله

أحمد بن الفضل بن عبيد الله أبو جعفر الصائغ أصله مروزي، سكن عسقلان. سمع بدمشق وبديار مصر وبالشام جماعة. حدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: الرهن لا يغلق. قال سعيد: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: له غنمه وعليه غرمه. أحمد بن الفيض بن محمد الغساني أظنه أخا محمد إن لم يكن محمد بن الفيض وسماه الراوي عنه أحمد لأن أحمد ومحمد عند بعض الناس سواء. حدث عن عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم بسنده أن أبا هريرة ومروان كانا مع جنازة، فجلسا قبل أن توضع، فجاء أبو سعيد الخدري فأخذ بيد مروان فقال: قم فوالله لقد علم هذا - لأبي هريرة - أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كان في جنازة لم يجلس حتى توضع. قال أبو هريرة: صدق.

من اسم أبيه على حرف القاف

من اسم أبيه على حرف القاف أحمد بن القاسم بن عبيد الله ابن مهدي أبو الفرج البغدادي ابن الخشاب الحافظ سكن طرسوس وحدث بدمشق عن جماعة. حدث عن محمد بن الربيع بن سليمان بسنده عن حميد الطويل قال: كنا إذا أتينا أنس بن مالك قال لجاريته: قدمي لأصحابنا ولو كسراً، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إن مكارم الأخلاق من أعمال الجنة. قال عيسى بن علي الوزير: كتب إلي أحمد بن القاسم الخشاب لخمس وعشرين ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وثلاث مئة كتاباً قال فيه: ولقد سمعت أبا جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن أبي عمران يقول: قال هلال الرأي: أوثق المودات ما كان في الله عز وجل. أحمد بن القاسم بن عبد الوهاب ابن أبان بن خلف أبو الحسين الجمحي، أخو جمح بن القاسم المؤذن حدث عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن الضحاك المصري قال: سمعت أبا إبراهيم المزني يقول: قال الشافعي: رأيت بالمدينة أربع عجائب: جدةً ابنة إحدى وعشرين سنة، ورأيت رجلاً فسه القاضي في مدين نوى، ورأيت شيخاً كبيراً يدور على بيوت القيان راجلاً يعلمهم الغناء، فإذا حضرت الصلاة صلى قاعداً، ورأيت رجلاً يكتب بالشمال أسرع مما يكتب باليمين.

أحمد بن القاسم بن عطية

أحمد بن القاسم بن عطية أبو بكر الرازي البزاز الحافظ سمع بدمشق وغيرها. حدث عن محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطاكي بسنده عن عبد الله بن عمرو عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: رضى الرب في رضى الوالد، وسخطه في سخط الوالد. وحدث عن أبي مروان هشام بن خالد الأزرق بسنده عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق النون وهي الدواة، ثم قال: اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ختم على القلم فلم ينطق، ولا ينطق إلى يوم القيامة. وحدث عن عبيد الله بن عمر القواريري قال: قال ابن عيينة: من طلب الحديث فقد بايع الله عز وجل. أحمد بن القاسم بن معروف أبي نصر ابن حبيب بن أبان أبو بكر التميمي ولد بسامراء وقدم مع أبيه دمشق فسكناها. حدث عن أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري بسنده عن أبي الدرداء عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فرغ الله إلى كل عبدٍ من خلقه من خمس: من أجله، وعمله، وأثره، ومضجعه، ورزقه. توفي أبو بكر أحمد بن القاسم يوم الأحد لثلاث خلون من شعبان سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة. وكان ثقة مأموناً. أحمد بن القاسم بن يوسف بن فارس ابن سوار أبو عبد الله الميانجي القاضي، أخو يوسف بن القاسم روى عن جماعة. حدث عن عبد الرحمن بن أبي حاتم بسنده عن أبي رزين قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مثل المؤمن مثل النحلة لا تأكل إلا طيباً، ولا تضع إلا طيباً.

من اسم أبيه على حرف الكاف

من اسم أبيه على حرف الكاف أحمد بن كثير أحد الصالحين قال أحمد بن كثير: صعدت إلى موضع الدم في جبل قاسيون، فسألت الله عز وجل الحج فحججت، وسألته الجهاد فجاهدت، وسألته الرباط فرابطت، وسألته الصلاة في بيت المقدس فصليت، وسألته أن يغنيني عن البيع والشراء فرزقت ذلك كله. ولقد رأيت في المنام كأني في ذلك الموضع قائما أصلي فإذا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر وهابيل بن آدم فقلت له: اسألك بحق الواحد الصمد وبحق أبيك آدم وبحق هذا النبي: هذا دمك؟ قال: إي والواحد الصمد، إن هذا دمي جعله الله آيةً للناس، وإني دعوة الله رب أبي وأمي حواء ومحمد النبي المصطفى، اجعل دمي مستغاثاً لكل نبيٍّ وصديقٍ ومؤمنٍ دعا فيه فتجيبه، وسألك فتعطيه فاستجاب الله لي وجعله طاهراً آمناً وجعل هذا الجبل آمناً ومغنياً. ثم وكل الله عز وجل به ملكاً وجعل معه من الملائكة بعدد النجوم يحفظون من أتاه لا يريد إلا الصلاة فيه، فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام: قد فعل الله ذلك كرماً وإحساناً وإني آتيه كل خميس وصاحباي وهابيل فنصلي فيه. وفي رواية أخرى: زيادة في أجره، فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي أن أكون مستجاب الدعوة، وعلمني دعاءً لكل ملمةٍ وحاجة فقال لي: افتح فاك ففتحه، فتفل فيه ثم قال: رزقت فالزم، رزقت فالزم. أحمد بن كعب بن خريم أبو جعفر المري كان يسكن بالراهب: محلةٍ خارج باب الجابية قبلي المصلى ومسجد فلوس من شرقيه. روى عن أبيه أبي حارثة كعب بن خريم وغيره.

أحمد بن كيغلغ أبو العباس

حدث عن أبيه بسنده عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حقٍ حقه، ألا لا وصية لوارثٍ، والولد للفراش وللعاهر الحجر. مات أحمد بن كعب بدمشق يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين ومئتين. أحمد بن كيغلغ أبو العباس ولي إمرة دمشق غير مرة في أيام المقتدر، أول ذلك سنة اثنتين وثلاث مئة وقدم تكين الخاصة والياً لها في المحرم سنة ثلاث وثلاث مئة. ووليها مرة أخرى في المحرم سنة اثنتي عشرة وثلاث مئة، وعزل عنها سنة ثلاث عشرة. وكان قبل ذلك قد ولي غزو الصائفة، فغزا بلاد الروم من طرسوس في أول المحرم سنة أربع وتسعين ومئتين، فأخذ من العدو أربعة آلاف رأس سبي ودواب ومواشي كثيرة، وأمتعة، وصار إليه أحد البطارقة بالأمان. وولي إمرة مصر من قبل المقتدر مستهل جمادى الأولى سنة إحدى عشرة، ثم صرف عن مصر في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاث مئة، ثم ولي مصر من قبل القاهر بالله في شوال سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة وجرت بينه وبين تكين الخاصة حروب ثم خلص الأمر لأحمد بن كيغلغ إلى أن قدم محمد بن طغج بن جف الأخشيذ أميراً على مصر من قبل الراضي بالله سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة فسلم إليه مصر. وكان أديباً شاعراً فمن شعره: مجزوء الرمل لا يكن للكأس في كف ... ك يوم الغيث لبث أوما تعلم أن ال ... غيم ساقٍ مستحث ومن شعره أيضاً: مجزوء الوافر بدت من خلل الحجب ... كمثل اللؤلؤ الرطب وأدمى خدها لحظي ... وأدمى لحظها قلبي ومات أخوه إبراهيم بن كيغلغ مستهل ذي القعدة سنة ثمان وثلاث مئة.

من اسم أبيه على حرف اللام

من اسم أبيه على حرف اللام أحمد بن لبيب بن عبد المنعم أبو قابوس ويقال: أبو الفتح البزاز المعدل روى عن جماعة. حدث عن أبي يحيى زكريا بن أحمد بن موسى البلخي بسنده عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من شرب الخمر لم تقبل صلاته أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه. قالها ثلاثاً. فإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من نهر الخبال، قيل: وما نهر الخبال؟ قال: صديد أهل النار.

من اسم أبيه على حرف الميم

من اسم أبيه على حرف الميم أحمد بن محمد بن أحمد ابن أبي كلثم سلامة بن بشر بن بديل أبو بكر العذري حدث في سنة ثمانٍ وثلاثين وثلاث مئة عن أبيه عن جده بسنده عن أنس عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ما طلعت الشمس في يوم قط أفضل من يوم الجمعة، ولا أحب إلى الله عز وجل منه. أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد أبو بكر بن الكوفي الكندي المصيصي ثم الصيداوي حدث عن جماعة. روى عن أبي عمرو سلامة بن سعيد بن زياد بسنده عن تميم بن أوس الداري قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كفارة كل مجلس بقول: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك لا إله إلا أنت وحدك. حدث في صفر سنة تسع وخمسين وثلاث مئة بصيدا. أحمد بن محمد بن أحمد بن الربيع ابن يزيد بن معيوف أبو الحسن الهمداني من أهل عين ثرماء. حدث عن محمد بن عبيد بن فياض بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن. اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين.

أحمد بن محمد بن أحمد

أحمد بن محمد بن أحمد ابن عبد الرحمن بن يحيى بن جميع أبو بكر الغساني الصيداوي العابد والد أبي الحسين حدث عن محمد بن عبدان بسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى باليمين مع الشاهد. كان الشيخ أبو بكر أحمد بن جميع رحمه الله يقوم الليل كله، فإذا صلى الفجر نام الضحى، فإذا صلى الظهر يصلي إلى العصر، فإذا صلى العصر قام إلى قبل صلاة المغرب، فإذا صلى العشاء قام إلى الفجر. وكانت هذه عادته. فجاءه رجل ذات يوم يزوره بعد العصر فغفل، فتحدث معه وترك عادة النوم. فلما انصرف سألته عنه؟ فقال: هذا عريف الأبدال يزورني في السنة مرة. فلم، يعني، أزل أرصد إلى مثل ذلك الوقت حتى جاء الرجل فوقفت حتى فرغ من حديثه، ثم سأله الشيخ أين تريد؟ فقال: أزور أبا محمد الضرير في مغارٍ عند قال طلحة بن أبي السن: فسألته أن يأخذني معه فقال: بسم الله. فمضيت معه فخرجنا حتى صرنا عند قناطر الماء فأذن المؤذن عشاء المغرب قال: ثم أخذ بيدي وقال: قل بسم الله. قال: فمشينا دون العشر خطا فغذا نحن عند المغار مسيرة إلى بعد الظهر قال: فسلمنا على الشيخ فصلينا عنده، وتحدث معه. فلما ذهب نحو ثلث الليل قال لي: تحب تجلس ها هنا أو ترجع إلى بيتك فقلت: أرجع، فأخذ بيدي وسمى بسم الله، ومشينا نحو العشر خطا فإذا نحن على باب صيدا، فتكلم بشيء فانفتح الباب، ودخلت ثم عاد الباب. حدث طلحة بن أبي السن أن أبا الفتح ابن الشيخ حبسه في القلعة وأن زوجة طلحة اشتكت إلى عمها أبي بكر أحمد بن جميع حاله فقال لها: نعم، العصر يكون عندك إن شاء الله فقالت له: أنت لم تسأل في بابه كيف يخلونه فقال: اسكتي فانصرفت. قال طلحة: فكنت جالساً في القلعة إذ انفلق القيد من رجلي وإذا قائل يقول: أين طلحة بن أبي السن؟ فقلت: ها أنا فقال: اخرج لا بأس عليك، وإن كانت لك حاجة قضيت. فانصرفت إلى بيتي قبل العصر أو

أحمد بن محمد بن أحمد بن سلمة

العصر. فلما صلى الشيخ العصر جاء إلى بيتي يتوكأ على عكازه فاختبأت داخل البيت فقال: أين هو؟ فقالت المرأة: أليس كنت عندك، وما سألت فيه ولا مضيت إلى أحد، فقال: تخرج أو أجيء أخرجك، فخرجت وبست رأسه. وذكر السكن أن جده أبا بكر عاش سبعاً وتسعين سنة، ووالده سبعاً وتسعين سنة، وجد جده سبعاً وتسعين سنة. قال: ومات جدي سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة في شعبان. وقال السكن: صام جدي وله اثنتا عشرة سنة إلى أن توفي. أحمد بن محمد بن أحمد بن سلمة أبو بكر بن أبي العباس الغساني، المعروف بابن شرام النحوي حدث عن أبي بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل السامري بسنده عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس. قال محمد بن جعفر: وأنشدونا لمحمود الوراق: من الطويل إذا كان شكري نعمة الله نعمةً ... علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر قال عبد الله محمد بن المكرم مختصر هذا التاريخ: أذكرني هاذان البيتان ببيتين لي عملتهما في الصبا كنت أعتقد أني سبقت لمعناهما: من الكامل كيف السبيل لشكر أنعمك التي ... كثرت فعجزٌ عدها أن تحصرا ومتى أقوم بشكر نعمى شكرها ... نعمٌ يحق لمثلها أن تشكرا نقل من كتاب عتيق أن أبا بكر بن شرام توفي في يوم الثلاثاء لعشرٍ خلون من شعبان سنة سبع وثمانين وثلاث مئة.

أحمد بن محمد بن أحمد بن سليمان

أحمد بن محمد بن أحمد بن سليمان أبو زكريا النيسابوري الصوفي، المعروف بابن الصائغ قدم دمشق، وحدث بها. روى عن أبي عمرو أحمد بن محمد بن أبي منصور العمركي السرخسي بسنده عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجة الوداع يقول: لا يزال أمر هذه الأمة عالياً على من ناوأها حتى يملك اثنا عشر خليفة، ثم قال كلمة خفيفة لم أسمعها. قال: فسألت أبي وهو أقرب إليه مني ما قال؟ قال: كلهم من قريش. قدم دمشق مع حاج خراسان سنة خمس عشرة وأربع مئة. توفي ليلة الجمعة لعشرٍ بقين من رمضان. أحمد بن محمد بن أحمد ابن عبد الله بن حفص بن الخليل أبو سعد الهروي الماليني الصوفي الحافظ طاوس الفقراء سمع بدمشق. حدث، ونعم الشيخ كان، عن محمد بن أحمد بن يعقوب المفيد بسنده عن أنس بن مالك قال: حدثني ابني عني أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يجعل فص الخاتم من غيره. وحدث عن أبي حمد الحسن بن عبد الله بن سعيد النحوي بسنده عن أنس بن مالك، حدثت الحجاج بحديث العرنيين قال: فلما كانت الجمعة قام يخطب فقال: تزعمون أني شديد العقوبة وهذا أنس حدثني عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قطع أيدي رجال وأرجلهم وسمل أعينهم. قال أنس: فوددت أني مت قبل أن أحدثه. وكان أبو سعد الهروي الماليني الصوفي أحد الرحالين في طلب الحديث والمكثرين منه. كتب ببلاد خراسان، وما وراء النهر، وببلاد فارس، وجرجان، والري، وأصبهان،

أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب

والبصرة، وبغداد، والكوفة، والشامات، ومصر. ولقي عامة الشيوخ والحفاظ الذين عاصرهم، وحدث عن جماعة. قدم بغداد عدة مرات آخرها سنة تسع وأربع مئة وخرج إلى مكة ومضى إلى مصر فأقام بها حتى مات بها يوم الثلاثاء سابع عشر شوال سنة اثنتي عشرة وأربع مئة. وكان ثقة، صدوقاً، متقناً، خيراً، صالحاً، فاضلاً. أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب أبو بكر الخوارزمي المعروف بالبرقاني الحافظ الفقيه قدم دمشق وسمع بها وبمصر وكان قد سمع ببلده وسمع بخراسان وببغداد. وروى عنه جماعة أعيان. حدث ببغداد عن أبي العباس محمد بن أحمد النيسابوري بسنده عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف يأتيك الوحي؟ قال: كل ذلك: يأتي الملك أحياناً في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت عنه. قال: وهو أشده علي، ويتمثل لي الملك أحياناً رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول. كان أبو بكر الخوارزمي البرقاني ثقة، ورعاًن متثبتاً، فهماً لم نر في المشايخ أثبت منه، حافظاً للقرآن، عارفاً بالفقه، له حظ من علم العربية كثير الحديث حسن الفهم له والبصيرة فيه، وكان حريصاً على العلم منصرف الهمة إليه. وكان البرقاني يقول: ولدت في آخر سنة ست وثلاثين وثلاث مئة. وقال أبو بكر البرقاني: دخلت أسفرايين ومعي ثلاثة دنانير ودرهم واحد، فضاعت الدنانير مني، وبقي معي الدرهم حسب، فدفعته إلى بقال وكنت آخذ منه في كل يوم رغيفين، وآخذ من بشر بن أحمد جزءاً من حديثه وأدخل مسجد الجامع فأكتبه، وأنصرف بالعشي، وقد فرغت منه، فكتبت في مدة شهر ثلاثين جزءاًز ثم نفد ما كان لي عند البقال فخرجت عن البلد.

أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد

سكن البرقاني بغداد ومات بها في يوم الأربعاء أول رجب سنة خمس وعشرين وأربع مئة. قال محمد بن علي الصوري: دخلت على البرقاني قبل وفاته بأربعة أيام أعوده. فقال لي: هذا اليوم السادس والعشرون من جمادى الآخرة، وقد سألت الله عز وجل أن يؤخر وفاتي حتى يهل رجب، فقد روي أن لله فيه عتقاء من النار عسى أن أكون منهم. قال الصوري: وكان هذا القول يوم السبت فتوفي صبيحة يوم الأربعاء مستهل رجب ودفن يوم الخميس. رحمه الله. أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد ابن منصور أبو الحسن البغدادي الجهني، المعروف بالعتيقي قدم دمشق غير مرة، وسمع بها وببغداد جماعة، وروى عنه جماعة. حدث سنة سبع وثلاثين وأربع مئة عن علي بن محمد الرزاز بسنده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من قال: الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته، والحمد لله الذي ذل كل شيء لعزته، والحمد لله الذي خضع كل شيء لملكه، والحمد لله الذي استسلم كل شيء لقدرته، فقالها يطلب بها ما عنده كتب الله له بها ألف ألف حسنة، ورفع له بها ألف ألف درجة، ووكل بها سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة. وحدث أيضاً في المسجد الجامع بدمشق سنة ثلاثين وأربع مئة عن الحسن بن جعفر بن الوضاح السمسار بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهدى مرة غنماً. ولد أبو الحسن العتيقي ببغداد وهو روياني الأصل، وكان صدوقاً. سئل عن

أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بن أحمد أبو الفضل المعروف بالفراتي

مولده فقال: صبيحة يوم الخميس التاسع عشر من المحرم سنة سبع وستين وثلاث مئة. قلت: فالعتيقي نسبه إلى إيش؟ فقال: بعض أجدادي كان يسمى عتيقاً فنسبنا إليه. وكان ثقة متقناً يفهم ما عنده، وكان الخطيب ربما دلسه وروى عنه وهو في الحياة، يقول: أخبرني أحمد بن أبي جعفر العتيقي لسكناه في قطيعة بغداد. وتوفي ببغداد في صفر سنة إحدى وأربعين وأربع مئة في يوم الثلاثاء الحادي عشر من صفر وقيل سنة أربعين. والصحيح الأول. أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بن أحمد أبو الفضل المعروف بالفراتي رئيس نيسابور وهو من أهل أستوا ناحية من نواحي نيسابور. قدم دمشق حاجاً وحدث بها. روى في سنة أربعين وأربع مئة عن جده أبي عمرو الفراتي بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه. وحدث عن أبي الحارث محمد بن عبد الرحيم بن الحسن بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أكرم ذا شيبة فكأنما أكرم نوحاً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قومه؛ ومن أكرم نوحاً في قومه فكأنما أكرم الله عز وجل. كان أبو الفضل الفراتي شيخاً جليلاً مشهوراً، قلد رئاسة نيسابور، ثم خرج إلى الحج، ودخل الشام ومصر وبغداد ثم عاد إلى نيسابور، وعقد له مجلس الإملاء، وكان حسن العشرة راغباً في صحبة الصوفية. توفي في شعبان سنة ست وأربعين وأربع مئة في الطريق بين اسفرايين واستوا، ونقل تابوته إلى أستوا في شعبان.

أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسين الكناني الفلسطيني

أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسين الكناني الفلسطيني حدث بدمشق. روى عن محمد بن أحمد بن القاسم الغازي الأصبهاني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حق المسلم على المسلم ست قالوا: وما هي يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: إذا لقيه سلم عليه، وإذا دعاه أجابه، وإذا استنصح فانصح له، وإذا مات فاصحبه. توفي في المحرم سنة أربع وستين وأربع مئة. أحمد بن محمد بن أحمد ابن جعفر أبو العباس الأكار النهربيني ، أخو أبي عبد الله المقرىء من سواد بغداد، كان فلاحاً يسكن قرية الحديثة من قرى الغوطة. حدث عن أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي ببغداد بسنده عن عبد الله بن عمر قال: نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بيع الولاء وعن هبته. مات أبو العباس بقرية الحديثة في سنة سبع وعشرين وخمس مئة.

أحمد بن محمد بن أحمد

أحمد بن محمد بن أحمد ابن محمد بن إبراهيم أبو طاهر بن أبي أحمد الأصبهاني السلفي الحافظ قدم دمشق طالب حديث سنة تسع وخمس مئة، فاقام بها مدة، وكتب بها عن جماعة، وسمع ببلده، وببغداد، وبالري، وبالبصرة، وبالكوفة، وبهمذان، وبغيرها. وخرج إلى مصر وسمع بها وبالإسكندرية، واستوطن الإسكندرية وتزوج بها امرأة ذات يسار فسلمت إليه مالها، فحصلت له ثروة بعد فقر وتصوف، وصارت له بالإسكندرية وجاهة، وبنى له أبو منصور علي بن إسحاق المعروف بابن السلار الملقب بالعادل أمير مصر مدرسة بالإسكندرية، ووقف عليها وقفاً. حدث عن أبي الخطاب نصر بن أحمد بن عبد الله القارىء بسنده عن حذيفة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن رجلاً مات، فدخل الجنة، فقيل له: ما كنت تعمل - فإما ذكر وإما ذكر - فقال: إني كنت أبايع الناس وكنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة أو في النقد، فغفر له، فقال ابن مسعود: أنا سمعته من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أنشد أبو طاهر لنفسه: من الطويل أنأمن إلمام المنية بغتةً ... وأمن الفتى جهلٌ وقد خبر الدهرا وليس يحابي الدهر في دورانه ... أراذال أهليه ولا السادة الزهرا وكيف وقد مات النبي وصحبه ... وأزواجه طرا وفاطمة الزهرا توفي الحافظ أبو طاهر بالإسكندرية يوم الجمعة نصف ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمس مئة. رحمه الله.

أحمد بن محمد بن إبراهيم

أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن حكيم بن أسيد أبو عمرو المديني الأصبهاني المعروف بابن ممك من أهل مدينة جي حدث عن أبي علي أحمد بن محمد بن يزيد بن مسلم المعروف بابن أبي الخناجر بأطرابلس بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع. توفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة. وكان أديباً، فاضلاً، حسن المعرفة بالحديث. أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم ابن أيسباط بن عبد الله بن إبراهيم بن بديح مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أبو بكر الدينوري الحافظ المعروف بابن السني حافظ مذكور، ومصنف مشهور، سمع بدمشق، والبصرة، والكوفة، وبغداد ومصر. روى عن أبي محمد بن صاعد بسنده عن أبي هريرة أو أبي سعيد قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ بعبادة الله عز وجل، ورجل كان قلبه معلقاً بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا، ورجل ذكر الله عز وجل خالياً، ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم شماله ما صنعت يمينه.

أحمد بن محمد بن أسد بن يوسف

قال أبو علي الحسن بن أحمد بن إسحاق السني: كان أبي يكتب الأحاديث، فوضع القلم في أنبوبة المحبرة، ورفع يديه يدعو الله عز وجل، فمات. وسئل عن وفاته فقال: في آخر سنة أربع وستين وثلاث مئة. أحمد بن محمد بن أسد بن يوسف ابن معن بن زيد بن مزيد أبو الحسن الكلبي الملاعقي شيخ صالح حدث عن خيثمة بن سليمان بسنده عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أكرموا الشهود، فإن الله يستخرج بهم الحقوق ويدفع بهم الظلم. وحدث عن معاوية بن دينويه الواعظ بسنده عن مسلم بن النضر قال: قرأت على حجر بالفسطاط مكتوب من البسيط الأرض تعجب منا حيث نعمرها ... ويكثر الضحك من آمالنا الأجل نبني وقد نفدت أيام مدتنا ... وليس ندري متى ندعى فنرتحل أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يحيى ابن يزيد بن دينار أبو الدحداح التميمي روى عن جماعة، وكان يسكن بدمشق روى عن عبد الوهاب بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب الأشجعي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: كانت يهود تقول: من أتى امرأته في قبلها من دبرها كان الولد أحول فأنزل الله عز وجل " نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ". توفي في سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة.

أحمد بن محمد بن بشر بن يوسف

أحمد بن محمد بن بشر بن يوسف ابن إبراهيم بن حميد بن نافع، أبو الميمون القرشي مولى عثمان بن عفان المعروف بابن مامويه روى عن محمد بن سليمان المنقري بسنده عن ابن عباس أن جارية بكراً زوجها أبوها وهي كارهة فأتت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. توفي في رجب سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة. أحمد بن محمد بن بكار بن بلال العاملي حدث عن أبيه بسنده عن أبي ذر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله تعالى يقول: يا عبادي، كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم. أحمد بن محمد بن بكار أبو العباس القرشي قدم دمشق، وحدث بها. روى عن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح بن عبد الرحمن الصفار بسنده عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن ظلم من أرض شيئاً طوقه من سبع أرضين. أحمد بن محمد بن بكر روى عن أبي أيوب سليمان بن عبد الرحمن بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.

أحمد بن محمد بن بكر بن خالد

أحمد بن محمد بن بكر بن خالد ابن يزيد أبو العباس النيسابوري الوراق، مولى بني سليم، المعروف بالقصير سمع بدمشق. حدث عن يزيد بن مهران أبي خالد الخباز بسنده عن عائشة قالت: أول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير قالت: فجئنا به إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليحنكه فقال: اطلبوا لي تمرة فطلبنا له تمرة فوالله ما وجدناها. توفي لأيامٍ خلت من ربيع الأول سنة أربع وثمانين ومئتين. أحمد بن محمد بن بكر الرملي أبو بكر القاضي الباروذي الفقيه قاضي دمشق. قال: دخلت العراق فكتبت كتب أهل العراق، وكتب أهل الحجاز، فمن كثرة اختلافهما لم أدر بأيهما آخذ، فعبرت من باب الطاق وأنا أريد الكرخ وقطيعة الربيع فحضرت صلاة المغرب، فدخلت المسجد. فلما أن قلت: الله أكبر، تفكرت في قول أهل العراق: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، وفي قول أهل الحجاز: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. قال: فمن كثرة اختلافهما تركت الجماعة، وخرجت فأصابني غم وبت بغم. فلما كان في جوف الليل قمت وتوضأت وصليت ركعتين وقلت: اللهم اهدني إلى ما تحب وترضى، ثم أويت إلى فراشي، فرأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يرى النائم دخل من باب بني

أحمد بن محمد بن جعفر

شيبة، فأسند ظهره إلى الكعبة، ورأيت الشافعي وأحمد بن حنبل على يمين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يبتسم إليهما ورأيت بشراً المريسي على يسار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكلح الوجه. فقلت: يا رسول الله، من كثرة اختلاف هاذين الرجلين لاأدري بأيهما آخذ، فأومأ إلى الشافعي وأحمد بن حنبل وقال: " أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة " ثم أومأ إلى بشر المريسي وقال: " فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين ". قال أبو بكر: والله لقد رأيت هذه الرؤيا وتصدقت من الغد بألف درهم، وعلمت أن الحق مع الشيخين لقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإيمان يمان والحكمة يمانية، ولقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تعلموا من قريش ولا تعلموها. فوجدنا الشافعي قرشياً مطلبياً. فحق على أهل الإسلام أن يتبعوه في مقالته. وبالله التوفيق. أحمد بن محمد بن جعفر أبو جعفر المنكدري حدث بصيدا عن محمد بن إسماعيل الأيلي بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الأزد أزد الله، يريد الناس أن يضعوهم ويأبى الله عز وجل إلا أن يرفعهم، وليأتين على الناس زمان يقول الرجل: يا ليت أني كنت أزدياً ويا ليت أمي كانت أزدية. أحمد بن محمد بن حوري أبو الفرج العكبري حدث عن إبراهيم بن عبد الله بن مهران الرملي بسنده عن أنس بن مالك قال: والله الذي لا إله غلا هو لسمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب.

أحمد بن محمد بن الحاج بن يحيى

أحمد بن محمد بن الحاج بن يحيى أبو العباس الإشبيلي الشاه سكن مصر، وسمع بدمشق وبغيرها. حدث عن أبي القاسم علي بن يعقوب بن إبراهيم بن شاكر بسنده عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحداً أحسن منه أو قال: أقرأ منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. توفي أبو العباس أحمد الإشبيلي ثالث عشر صفر سنة خمس عشرة وأربع مئة بالفسطاط. أحمد بن محمد بن الحجاج ابن رشدين بن سعد بن مفلح بن هلالة، أبو جعفر المهدي المصري من أهل بيت حديث، سمع بدمشق وبغيرها. حدث عن يحيى بن سليمان بن يحيى بن سعيد بن مسلم بسنده عن أسامة بن شريك قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسجد منى فإذا أناس من الأعراب قالوا: يا رسول الله، ما خير ما أوتي المرء المسلم؟ قال: الخلق الحسن. توفي أبو جعفر أحمد بن محمد بن الحجاج ليلة الأربعاء، ودفن يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين ومئتين.

أحمد بن محمد بن الحسن بن السكن

أحمد بن محمد بن الحسن بن السكن ابن عمير بن سيار أبو الحسن القرشي العامري البغدادي الحافظ قدم دمشق، وحدث بها. حدث عن محمد بن موسى الخرشي بسنده عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن جده عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ما من مسلم يفجأه مبتلىً فيقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به إلا عافاه الله من ذاك البلاء كائناً ما كان، أبداً ما عاش. وحدث عن إبراهيم بن عبد الله الهروي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من بدأ أخاه بالسلام كتب الله له عشر حسنات، ومن دعا له بظهر الغيب كتب له عشر حسنات. قال أنس: إن كانت الشجرة لتفرق بيننا في السفر فنتلاقى بالسلام. وحدث عن صالح بن عبد الكبير المسمعي بسنده عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لمقام أحدكم ساعةً في سبيل الله خيرٌ من عبادة غيره سبعين عاماً لا يعصي الله فيها طرفة عين. قدم أحمد بن محمد بن السكن البغدادي أصبهان سنة أربع وثلاث مئة. وكان ليناً.

أحمد بن محمد بن الحسن بن مرار

أحمد بن محمد بن الحسن بن مرار أبو بكر الضبي المعروف بالصنوبري الحلبي شاعر محسن. قدم دمشق، وله أشعار في وصفها ووصف متنزهاتها. سئل ما السبب الذي من أجله نسب جده إلى الصنوبر حتى صار معروفاً به فقال: كان جدي الحسن بن مرار صاحب بيت حكمة من بيوت حكم المأمون فجرت له بين يديه مناظرة فاستحسن كلامه وحدة مزاجه فقال له: إنك لصنوبري الشكل يريد بذلك الذكاء وحدة المزاج. فمن شعره: من الوافر دخول النار للمهجور خيرٌ ... من الهجر الذي هو يتقيه لأن دخوله في النار أدنى ... عذاباً من دخول النار فيه ومن شعره: من السريع شمسٌ غدا يشرب شمساً غدت ... حدها في النور من حده تغيب في فيه ولكنها ... من بعد ذا تطلع في خده ومن شعره من ابيات: من البسيط ما الدهر إلا الربيع المستنير إذا ... جاء الربيع أتاك النور والنور فالأرض ياقوتةٌ والجو لؤلؤةٌ ... والنبت فيروزجٌ والماء بلور ما يعدم النبت كأساً من سحائبه ... فالنبت ضربان سكرانٌ ومخمور فيه لنا الورد منضودٌ مورده ... بين المجالس والمنثور منثور من شم ريح تحيات الربيع يقل ... لا المسك مسكٌ ولا الكافور كافور

أحمد بن محمد بن الحسن بن مالك

ومن شعره: من البسيط تقول لي وكلانا عند فرقتنا ... ضدان أدمعنا در وياقوت أقم بأرضك هذا العام قلت لها ... كيف المقام وما في منزلي قوت ولا بأرضك حرٌّ يستجار به ... إلا لئيمٌ ومذمومٌ وممقوت فاستعبرت ثم قالت فالإياب متى؟ ... فقلت ما قدر الرحمن موقوت ومن شعره: من مجزوء الخفيف علليني بموعدٍ ... وامطلي ما حييت به ودعيني أفوز من ... ك بنجوى تطلبه فعسى يعثر الزما ... ن ببختي فينتبه أحمد بن محمد بن الحسن بن مالك أبو العباس الجرجاني قدم الشام حدث عن أبي بكر أحمد بن صالح بن عمر المقرىء البغدادي بسنده عن أبي بردة قال: كنت جالساً عند عبيد الله بن زياد - زد في روايته - فأتي برؤوس من رؤوس الخوارج، فجعلت كلما أتي برأس أقول: إلى النار إلى النار، فعيرني عبد الله بن يزيد الأنصاري وقال: يا ابن أخي، وما تدري ما سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: جعل عذاب هذه الأمة في دنياها؟. أحمد بن محمد بن الحسين أبو بكر السحيمي قاضي همذان سمع بدمشق. حدث عن يحيى بن عثمان بن صالح السهمي بسنده عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من ذهب منكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره. شرقوا أو غربوا. كان صدوقاً واسع العلم.

أحمد بن محمد بن الحسين أبو العباس

أحمد بن محمد بن الحسين أبو العباس حدث عن محمد بن عبد الكريم بن محمد الطواوسي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وقبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وقبض أنس بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. قال: وقبض شهاب بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. وقبض سعيد بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. وقبض الكيساني بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. وقال الطواوسي: وقبض الطحاوي بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. وقال أبو العباس: وقبض الطواوسي بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. قال أبو الحسين: وقبض أبو العباس بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. قال عبد العزيز: وأخذ أبو الحسين عبد الوهاب بن جعفر بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. قال الفقيه: وأخذ عبد العزيز بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. وقبض أبو الحسن علي بن المسلم بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره وأخذ الحافظ بيده على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره.

أحمد بن محمد بن الحسين أبو حامد

أحمد بن محمد بن الحسين أبو حامد حدث عن أبي بكر محمد بن الحسن بن أبي الذيال الأصبهاني بسنده عن أبي هريرة قال: لما مات أبو طالب ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما أسرع ما وجدت فقدك يا عم. أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال ابن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، أبو عبد الله الشيباني الإمام أصله من مرو، ومولده ببغداد ومنشؤه بها. أحد الأعلام من أئمة الإسلام. حدث عن أبيه بسنده عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أخنع اسم عند الله عز وجل يوم القيامة رجل تسمى ملك الأملاك. قال عبد الله: قال أبي: سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع اسم عند الله فقال: أوضع اسم عند الله عز وجل. وأحمد بن حنبل من بني مازن بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار أخي مضر بن نزار. وكان في ربيعة رجلان لم يكن في زمانهما مثلهما: لم يكن في زمان قتادة مثل قتادة، ولم يكن في زمان أحمد بن حنبل مثله. وهما جميعاً سدوسيان. قال الخطيب: وقول من قال: إن أحمد من بني ذهل بن شيبان، غلط، إنما كان من بني شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وذهل بن ثعلبة هذا هو عم ذهل بن شيبان. قال: حدثني من أثق به من

العلماء بالنسب قال: مازن بن ذهل بن ثعلبة الحصن، هو ابن عكابة بن صعب بن علي، ثم ساق النسب إلى ربيعة بن نزار، فإذا قيل الشيباني لم يفد المطلق من هذا إلا ولد شيبان بن ثعلبة الحصن، وإذا قلت الذهلي لم يفد مطلق هذا إلا ولد ذهل بن ثعلبة الحصن فينبغي أن يقال أحمد بن حنبل الذهلي. على الإطلاق. كان أحمد إماماً في النقل وعلماً في الزهد والورع، وكان أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين. أصله مروزي، وقدمت به أمه بغداد ونو حمل وولدته بها. قال يحيى بن معين: ما رأيت خيراً من أحمد بن حنبل قط، ما افتخر علينا قط بالعربية ولا ذكرها. وقال: ما سمعت أحمد بن حنبل يقول: أنا من العرب قط. قال محمد بن الفضل: وضع أحمد بن حنبل عندي نفقته، فكان يجيء في كل يوم فيأخذ منه حاجته، فقلت له يوماً: يا أبا عبد الله بلغني أنك من العرب فقال: يا أبا النعمان، نحن قوم مساكين، فلم يزل يدافعني حتى خرج ولم يقل لي شيئاً. ولد أحمد بن حنبل في سنة أربع وستين ومئة في ربيع الأول، وطلب الحديث في سنة تسع وسبعين وهو ابن ست عشرة. ومات في رجب يوم الجمعة سنة إحدى وأربعين ومئتين وسنه سبع وسبعون سنة وكان رجلاً حسن الوجه، ربعة من الرجال، يخضب بالحناء خضاباً ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، وكانت ثيابه غلاظاً إلا أنها بيض، وكان يعتم وعليه إزار. وقيل: كان شيخاً مخضوباً طوالاً أسمر شديد السمرة. رحمه الله. وجده حنبل بن هلال ولي سرخس، وكان من أبناء الدعوة. كان أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ثقة، ثبتاً، صدوقاً، كثير الحديث، وقد كان

امتحن، وضرب بالسياط. أمر بضربه أبو إسحاق أمير المؤمنين على أن يقول القرآن مخلوق فأبى أن يقول، وقد كان حبس قبل ذلك قفثبت على قوله ولم يجبهم إلى شيء، ثم دعي ليخرج إلى الخليفة المتوكل ثم أعطي مالاً فأبى أن يقبل ذلك المال. قال أبو بكر الخطيب: أحمد بن محمد بن حنبل إمام المحدثين، الناصر للدين، والمناضل عن السنة، والصابر في المحنة، نشأ ببغداد، ورحل إلى الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام والجزيرة. قال أحمد: حججت خمس حجج منها ثلاث راجلاً أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهماً. قال: وخرجت إلى الكوفة فكنت في بيت تحت رأسي لبنة. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: ما لك لم ترحل إلى جرير بن عبد الحميد كما رحل أصحابك لعلك كرهته؟ فقال: والله، يا بني، ما كرهته وبودي أني رحلت إليه إنه كان إماماً في الرواية. قلت: فما كان السبب؟ فقال: لو كان معي ثلاثون درهماً لرحلت، فقلت: ثلاثون درهماً؟! فقال: لقد حججت في أقل من ثلاثين. قال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من العراق فما خلفت بالعراق رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أتقى من أحمد بن حنبل. قال البيهقي: إنما قال هذا إمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي عن تجربة ومعرفة منه بحال أبي عبد الله. رحمهم الله. قال أبو إبراهيم المزني: قال الشافعي: لما دخلت على هارون الرشيد قلت له بعد المخاطبة: إني خلفت اليمن ضائعة تحتاج إلى

حاكم قال: فانظر رجلاً ممن يجلس إليك حتى نوليه قضاءها، فلما رجع الشافعي إلى مجلسه ورأى أحمد بن حنبل من أمثلهم أقبل عليه فقال: إني كلمت أمير المؤمنين أن يولي قاضياً باليمن وإنه أمرني أن أختار رجلاً ممن يختلف إلي، وإني قد اخترتك، فتهيأ حتى أدخلك على أمير المؤمنين يوليك قضاء اليمن، فأقبل عليه أحمد بن حنبل وقال: إنما جئت إليك أقتبس منك العلم تأمرني أن أدخل لهم في القضء ووبخه، فاستحيا الشافعي. قال عبد الله بن أحمد بن شبويه: سمعت قتيبة يقول: لولا الثوري لمات الورع، ولولا أحمد بن حنبل لأحدثوا في الدين. قلت لقتيبة: تضم أحمد بن حنبل إلى أحد التابعين فقال: إلى كبار التابعين. وقال قتيبة: لو أدرك أحمد بن حنبل عصر الثوري ومالك والأوزاعي والليث بن سعد لكان هو المقدم. وقال قتيبة: أحمد بن حنبل إمام الدنيا. وقال قتيبة بن سعيد: لا يضم إلى أحمد بن حنبل أحد، ولولا أحمد لمات الورع، ما أعظم منة أحمد بن حنبل على جميع المسلمين. وقال: حق كل مسلم أن يستغفر له. وكان قتيبة يقول: يموت أحمد بن حنبل فتظهر البدع، ومات الشافعي فماتت السنن، ومات سفيان الثوري فمات الورع. قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أحمد بن حنبل حجة بين الله وبين عبيده في أرضه.

قال إسحاق بن راهويه: قال لي أحمد بن حنبل: تعال حتى أريك رجلاً لم تر مثله، فذهب بي إلى الشافعي. قال إسحاق: وما رأى الشافعي مثل أحمد بن حنبل. قال إسحاق: ولولا أحمد بن حنبل وبذل نفسه لما بذلها له لذهب الإسلام. قال علي بن المديني: إن الله أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: أبو بكر الصديق يوم الردة وأحمد بن حنبل يوم المحنة. قال الميموني: قال لي علي بن المديني: يا ميموني، ما قام أحد في الإسلام ما قام به أحمد بن حنبل، فتعجبت من هذا عجباً شديداً، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه قد قام في الردة وأمر الإسلام ما قام به. قال الميموني: فأتيت أبا عبيد القاسم بن سلام فتعجبت إليه من قول علي! فقال لي أبو عبيد مجيباً: إذاً يخصمك، قلت: بأي شيء يا أبا عبيد؟ وذكرت له أمر أبي بكر قال: إن أبا بكر رضي اعنه وجد أنصاراً وأعواناً وإن أحمد بن حنبل لم يجد ناصراً. وأقبل أبو عبيد يطري أبا عبد الله، ويقول: لست أعلم في الإسلام مثله. قال أحمد بن القاسم بن مساور: كنا عند يحيى بن معين وعنده مصعب الزبيري فذكر رجلٌ أحمد بن حنبل فأطراه وزاد، فقال له رجل: " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم "، فقال يحيى بن معين: كأن مدح أبي عبد الله غلو في الدين!! ذكر أبي عبد الله من محاسن الذكر، وصاح يحيى بالرجل.

قال الحارث بن العباس: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحداً يحفظ على هذه الأمة دينها؟ قال: لا أعلمه إلا شاب في ناحية المشرق. يعني أحمد بن حنبل. وقال الهيثم بن جميل: أحب هذا الفتى - يعني: أحمد بن حنبل - إن عاش سيكون حجة على زمانه. سئل بشر بن الحارث عن أحمد بن حنبل بعد المحنة قال: ابن حنبل أدخل الكير فخرج ذهبه أحمر. كان سعيد يقول: قلت لبشر بن الحارث: ألا صنعت كما صنع أحمد بن حنبل؟ فقال: تريد مني مرتبة النبيين؟ لا يقوى بدني على هذا. حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه ومن فوقه ومن أسفل منه وعن يمينه وعن شماله. قال علي بن شعيب: كان أحمد بن حنبل الذي قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل، حتى إن المنشار ليوضع على فرق رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه. ولولا أحمد بن حنبل قام بهذا الشأن لكان عاراً علينا إلى يوم القيامة أن قوماً سبكوا فلم يخرج منهم أحد. قال إبراهيم بن منه السمرقندي: سألت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن أحمد بن حنبل قلت: هو إمام؟ قال: إي والله، وكما يكون الإمام. إن أحمد بن حنبل أخذ بقلوب الناس، إن أحمد صبر على الفقر سبعين سنة. وقال إسماعيل بن خليل: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان آية. وفي رواية: لكان عجباً. قال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحاً في جسد أفضل من أحمد بن حنبل. رحمه الله.

قال أبو عمير بن النحاس عيسى بن محمد بن عيسى وذكر عنده أحمد بن حنبل فقال: رحمه الله. عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه. عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها. قال أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني: كانت مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا. ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط. وقال أبو داود: لقيت مئتين من مشايخ العلم فما رأيت مثل أحمد بن حنبل، لم يكن يخوض في شيء مما يخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذكر العلم تكلم. كان أبو زرعة يقول: ما رأت عيني مثل أحمد بن حنبل فقيل له: في العلم؟ فقال: في العلم، والزهد، والفقه، والمعرفة، وكل خير. ما رأيت عيني مثله. قال أبو حاتم: إذا رأيتم الرجل يحب أحمد بن حنبل فأعلموا أنه صاحب سنة. وقال أبو جعفر محمد بن هارون: إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل فاعلم أنه مبتدع. قال إسحاق بن إبراهيم: كنت ألتقي بالعراق مع يحيى بن معين وخلف وأصحابنا وكنا نتذاكر بالحديث من طريقين وثلاثة، ثم يقول يحيى بن معين: وطريق كذا وطريق كذا، فأقول لهم: أليس قد صح بإجماع؟ فيقولون: نعم، فأقول: ما تفسيره؟ ما مراده، ما فقهه فيبقون كلهم إلا أحمد بن حنبل فإنه يتكلم بكلام له قوي. قال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.

حدث عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وذكر الشافعي رحمهم الله عنده فقال: ما استفاد منا أكثر مما استفدناه منه. قال عبد الله: كل شيء في كتاب الشافعي: أخبرنا الثقة، فهو عن أبي. قال أحمد بن حنبل رحمه الله: ضللت الطريق في حجة، وكنت ماشياً فجعلت أقول: يا عباد الله، دلوني على الطريق. قال: فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق، أو كما قال. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كنت جالساً عند أبي رحمه الله يوماً فنظر إلى رجلي وهما لينتان ليس فيهما شقاق فقال لي: ما هذه الرجلان لم لا تمشي حافياً حتى تصير رجلاك خشنتين؟ قال: وخرج إلى طرسوس ماشياً على قدميه. قال عبد الله: وكان أبي أصبر الناس على الوحدة لم يره أحد إلا في مسجد، أو حضور جنازة، أو عيادة مريض. وكان يكره المشي في الأسواق. قال علي بن محمد بن بدر: صليت الجمعة فإذا أحمد بن حنبل بقربٍ مني، فقام سائل يسأل، فأعطاه أحمد قطعة. فلما فرغوا من الصلاة قام رجل إلى ذلك السائل فقال: أعطني تلك القطعة فأبى قال: أعطني وأعطيك درهماًن فلم يفعل فما زال يزيده حتى بلغ خمسين درهماً، فقال: لا أفعل فإني لأرجو من بركة هذه القطعة ما ترجوه أنت. قال علي بن أبي فزارة: حدثتني أمي وأفلجت واقعدت من رجليها دهراً فقالت لي يوماً: يا بني لو أتيت أحمد بن حنبل فسألته أن يدعو الله لي. قال: فعبرت إلى أحمد فدققت عليه الباب وكان في الدهليز فقال: من هذا؟ قلت له: يا أبا عبد الله رجل من إخوانك، قال: وما حاجتك؟ قلت: إن إمي مريضة قد أقعدت من رجليها وهي تسألك أن تدعو الله لها قال: فجعل يقول: يا هذا فمن يدعو لنا نحن؟ يا هذا من يدعو لنا نحن؟ قال ذلك مراراً، فكأني استحييت فمضيت، وقلت: سلام عليكم،

فخرجت عجوز من منزله فقالت: إني قد رأيته يحرك شفتيه بشيء، وأرجو أن يكون يدعو الله لك. قال: فرجعت إلى أمي فدققت الباب فقالت: من هذا؟ فقلت: أنا علي، فقامت إلي ففتحت الباب فقلت: لا إله إلا الله إيش القصة؟ فقالت: لا أدري إلا أني قد قمت على رجلي، فتعجبت من ذلك، وحمدت الله عز وجل. قال: وذلك مسافة الطريق. قال عبد الله بن أحمد: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة. فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته، فكان يصلي في كل يوم وليلة مئة وخمسين ركعة، وقد كان قرب من الثمانين. وكان يقرأ في كل يوم سبعاً يختم في كل سبعة أيام، وكانت له ختمة في كل سبع ليال سوى صلاة النهار، وكان ساعة يصلي العشاء الآخرة ينام نومةً خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح، يصلي ويدعو. قال عبد الله بن أحمد: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يوماً وما ذاق شيئاً إلا مقدار ربع سويق. كل ليلة كان يشرب شربة ماء، وفي كل ثلاث ليال يستف حفنة من السويق، فرجع إلى البيت ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر. ورأيت موقيه قد دخلا في حدقتيه. قال سليمان بن داود: حضرت أحمد بن حنبل باليمن وقد رهن سطلاً عند فامي، فجاء ليفتكه فأخرج إليه سطلين وقال: خذ أيهما سطلك؟ قال: لا أدري فلم يأخذه وترك الفكاك عليه. قال سليمان: فقلت للفامي أخرجت سطلين إلى رجل من أهل الورع والسطول تتشابه حتى شك فيه؟ فقال: والله إنه لسطله بعينه. قال: فسمعت أحمد بن حنبل يقول له: أنت في حلٍ منه ومن الفكاك. قال حمدان بن سنان الواسطي: قدم علينا أحمد بن حنبل ومعه جماعة قال: فنفدت نفقاتهم. قال: فبررتهم فأخذوا، وجاءني أحمد بن حنبل بفروة فقال: قل لمن يبيع هذه فيجيئني بثمنها فأتسع به. قال:

فأخذت صرة دراهم فمضيت بها إليه فردها. قال: فقالت امرأتي: هذا رجل صالح لعله لم يرضها فأضعفها، قال: فأضعفتها فلم يقبل، فأخذ الفروة مني وخرج. قال أحمد بن محمد القشيري: ذكروا أنه أتى على أحمد بن حنبل ثلاثة أيام ما كان طعم فيها، فبعث إلى صديق له فاستقرض شيئاً من الدقيق، فعرفوا في البيت شدة حاجته إلى الطعام فخبزوا بالعجلة. فلما وضع بين يديه قال: كيف عملتم، خبزتم بسرعة؟ فقيل له: كان التنور في دار صالح ابنه مسجراً وخبزنا بالعجلة، فقال: ارفعوا ولم يأكل وأمر بسد بابه إلى دار صالح. قال علي بن الجهم بن بدر: كان لنا جار، فأخرج إلينا كتاباً فقال: أتعرفون هذا الخط؟ قلنا: نعم، هذا خط أحمد بن حنبل، فقلنا له: كيف كتب ذلك؟ قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان بن عيينة ففقدنا أحمد بن حنبل أياماً لم نره، ثم جئنا إليه لنسأل عنه، فقال لنا أهل الدار التي هو فيها: هو في ذلك البيت، فجئنا إليه والباب مردود عليه، وإذا عليه خلقان، فقلنا له، يا أبا عبد الله، ما خبرك لم نرك منذ أيام؟! فقال: سرقت ثيابي، فقلت له: معي دنانير فإن شئت خذ قرضاً، وإن شئت صلة. فأبى أن يفعل، فقلت: تكتب لي بأجرة؟ قال: نعم. فأخرجت ديناراً فأبى أن يأخذه، وقال لي: اشتر لي ثوباً واقطعه بنصفين، فأومأ أنه يأتزر بنصف، ويرتدي النصف الآخر، وقال: جئني ببقيته، ففعلت وجئت بورق، فكتب لي. فهذا خطه رحمه الله. قال رجاء بن السندي: قلت لأحمد بن حنبل وقد عقد شراك نعله شبه التصليب: يا أبا عبد الله، إن هذا يكره! قال: فدعا بسكين فقطعه، وما قال لي كيف ولا لم؟! وسئل أحمد بن حنبل عن التوكل. فقال: قطع الاستشراف بالإياس من الخلق. قيل له: فما الحجة فيه؟ قال: قول إبراهيم عليه السلام لما وضع في المنجنيق ثم

طرح في النار، اعترض له جبريل عليه السلام فقال: هل من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، قال: فسل من لك إليه الحاجة. فقال: أحب الأمرين إلي أحبهما إليه. وقال أحمد بن حنبل: إن لكل شيء كرماً، وكرم القلوب الرضا عن الله عز وجل. كان أبو إبراهيم المزني يقول: أحمد بن حنبل أبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صفين. قال الربيع: إن الشافعي خرج إلى مصر وأنا معه فقال لي: يا ربيع، خذ كتابي هذا وامض به، وسلمه إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وائتني بالجواب. قال الربيع: فدخلت بغداد، ومعي الكتاب، فلقيت أحمد بن حنبل صلاة الصبح، فصليت معه الفجر. فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب وقلت له: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر، فقال أحمد: نظرت فيه؟ قلت: لا، فكسر أبو عبد الله الختم، وقرأ الكتاب، فتغرغرت عيناه بالدموع فقلت: إيش فيه يا أبا عبد الله؟! قال: يذكر أنه رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النوم فقال له: اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السلام وقل: إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم، فسيرفع الله لك علماً إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت: البشارة، فخلع أحد قميصيه الذي يلي جلده ودفعه إلي فأخذته، وخرجت إلى مصر، وأخذت جواب الكتاب، فسلمته إلى الشافعي، فقال لي الشافعي: يا ربيع، إيش الذي دفع إليك؟ قلت: القميص الذي يلي جلده. قال الشافعي: ليس نفجعك به ولكن بله وادفع إلي الماء لأتبرك به. وفي رواية: حتى أشركك فيه. قال أبو جعفر الأنصاري: لما حمل أحمد بن حنبل يراد به المأمون، اجتزت فعبرت الفرات إليه، فإذا هو في الخان، فسلمت عليه فقال: يا أبا جعفر تعنيت! فقلت: ليس هذا عناء. قال: فقلت له: يا هذا أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله إن أجبت إلى خلق

القرآن ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير. ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك، فإنك تموت، ولابد من الموت، فاتق الله ولا تجبهم إلى شيء، فجعل أحمد يبكي وهو يقول: ما شاء الله، ما شاء الله. قال: ثم قال لي أحمد: يا أبا جعفر، أعد علي ما قلت. قال: فأعدت عليه. قال: فجعل يقول ما شاء الله، ما شاء الله. قال أبو بكر الشهرزوري: رأيت أبا ذر بسهرورد، وقد قدم مع واليها وكان مقطعاً بالبرص. يعني: وكان ممن ضرب أحمد بن حنبل بين يدي المعتصم. قال: دعينا في تلك الليلة ونحن خمسون ومئة جلاد فلما أمرنا بضربه كنا نغدو حتى نضربه، ثم نمر، ثم يجيء الآخر على أثره، ثم يضرب. قال أبو بكر النجاحي: لما كان في تلك الغداة التي ضرب فيها أحمد بن حنبل زلزلنا ونحن بعبادان. قال محمد الحنفي: كنت في الدار وقت أدخل أحمد بن حنبل وعشرة من العلماء. فلما أن مد أحمد ليضرب بالسوط دنا منه رجل وقال له: يا أبا عبد الله، أنا رسول خالد الحدد من الحبس، يقول لك: اثبت على ما أنت عليه، وإياك أن تجزع من الضرب، واصبر فإني قد ضربت ألف حد في الشيطان، وأنت تضرب في الله عز وجل. قال سلمة بن شبيب: كنا عند أحمد بن حنبل إذ جاءه شيخ معه عكازه فسلم وجلس فقال: من منكم أحمد؟ قال أحمد: أنا، ما حاجتك؟ قال ضربت إليك من أربع مئة فرسخ، أريت الخضر عليه السلام في المنام قال لي: قم فصر إلى أحمد بن حنبل وسل عنه وقل له: إن ساكن العرش والملائكة راضون عنك بما صبرت نفسك. حدث أبو بكر المروزي بطرسوس قال: رأيت أحمد بن حنبل في المنام، وعليه ثوبان مصقولان، وعلى رأسه تاج له ثمانية

أركان، في كل ركن منه ياقوتة تضيء، وكذا في رجليه نعل من لؤلؤ رطب شراكها من زبرجد أخضر، فقلت: يا أحمد، بماذا نلت ذا من ربك؟ قال: بقولي: القرآن كلام الله وليس بمخلوق. قال هلال بن العلاء الرقي: من الله على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس، وبالشافعي تفقه بحديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبأبي عبيد القاسم بن سلام فسر الغريب من حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولولا ذلك لاقتحم الناس في الخطاء. قال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي يوماً: إن فضلاً الأنماطي جاء إليه رجل فقال: اجعلني في حلٍ قال: لا جعلت أحداً في حل أبداً، قال: فتبسم، فلما مضت أيام قال: يا بني، مررت بهذه الآية " فمن عفا وأصلح فأجره على الله " فنظرت في تفسيرها فإذا هو إذا كان يوم القيامة قام منادٍ فنادى: لا يقوم إلا من كان أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا، فجعلت الميت في حلٍ من ضربه إياي، ثم جعل يقول: وما على رجل ألا يعذب الله أحداً بسببه. قال أبو عيسى عبد الرحم بن زاذان: كنت في المدينة بباب خراسان وقد صلينا، ونحن قعود، وأحمد بن حنبل حاضر، فسمعته وهو يقول: اللهم من كان على هوىً أو على رأيٍ وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق حتى لا يضل من هذه الأمة أحد، اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، ولا ترانا حيث نهيتنا ولا تفقدنا من حيث أمرتنا، أعزنا ولا تذلنا، أعزنا بالطاعة، ولا تذلنا بالمعاصي. وجاء إليه رجلٌ فقال له شيئاً لم أفهمه، فقال له: اصبر، فإن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً.

قال أبو حاتم الرازي: قلت لأحمد بن حنبل: كيف نجوت من سيف الواثق؟ وعصا المعتصم؟ فقال لي: يا أبا حاتم، لو وضع الصدق على جرح برأ. كان أحمد بن إبراهيم يقول: من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام. قال أبو الحسن الطرخاباذي: أحمد بن حنبل محنة به يعرف المسلم من الزنديق. قال سفيان بن وكيع: أحمد بن حنبل محنة، من عاب أحمد فهو فاسق. قال محمد بن فضيل البلخي: كنت أتناول أحمد بن حنبل. قال: فوجدت في لساني ألماً، فاغتممت، ثم وضعت رأسي فنمت، فأتاني آت فقال: هذا الذي وجدت في لسانك بتناولك الرجل الصالح. قال: فانتبهت فجعلت أستغفر الله وأقول: لا أعود إلى شيء من هذا. قال: فذهب ذلك الألم. قال صالح بن أحمد: حضرت أبي الوفاة فجلست عنده وبيدي الخرقة لأشد بها لحييه، فجعل يعرق ثم يفيق، ويفتح عينيه ويقول بيده هكذا. لا، بعد، لا، بعد. ثلاث مرات، فقلت له: يا أبه، إيش هذا الذي قد لهجت به في هذا الوقت؟ قال: يا بني، ما تدري! قلت: لا. قال: إبليس لعنه الله قائماً بحذائي عاضاً على أنامله يقول لي: يا أحمد، فتني، فأقول: لا، حتى أموت. قال عبد الله بن أحمد: لما مرض أبي، واشتد مرضه ما أن، فقيل له في ذلك، فقال: بلغني عن طاوس أنه

قال: أنين المريض شكوى لله. قال عبد الله: فما أن حتى مات. قال: فلما كان قريب موته بيوم أخرج من جيبه صريرة فيها مقدار درهمين فضة فقال: كفروا عني كفارة يمين واحدة، فإني أظن أني حنثت في دهري في يمين واحدة. قال بيان بن حمد بن أبي خالد القصباني: حضرت الصلاة على جنازة أحمد بن حنبل يوم الجمعة سنة إحدى وأربعين ومئتين، وكان الإمام عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، فأخرجت جنازة أحمد فوضعت في صحراء أبي قيراط وكان الناس خلفه إلى عمارة سوق الرقيق. فلما انقضت الصلاة قال محمد بن عبد الله بن طاهر: انظروا كم صلى عليه ورائي قال: فنظرا، فكانوا ثمان مئة ألف رجل وستين ألف امرأة، ونظروا من صلى في مسجد الرصافة للعصر فكانوا نيفاً وعشرين ألف رجل. قال مجمع بن مسلم: كان لنا جار قتل بقزوين. فلما كان الليلة التي مات فيها أحمد بن حنبل خرج إلينا أخوه في صبيحتها فقال: إني رأيت رؤيا عجيبة: رأيت أخي الليلة في أحسن صورة راكباً على فرس. فقلت له: يا أخي، ألي قد قتلت فما حاجتك؟ قال: إن الله عز وجل أمر الشهداء وأهل السماوات أن يحضروا جنازة أحمد بن حنبل، فكنت فيمن أمر بالحضور فأرخنا تلك الليلة فإذا أحمد بن حنبل مات فيها. قال إبراهيم بن جعفر المروزي: رأيت أحمد بن حنبل في المنام يمشي مشيةً يختال فيها، فقلت: ما هذه المشية يا أبا عبد الله؟ فقال: هذه مشية الخدام في دار السلام. قال فتح بن الحجاج: سمعت في ذلك الأمر محمد بن عبد الله بن طاهر أن الأمير بعث عشرين رجلاً فحرروا كم صلى على أحمد بن حنبل؛ قال: فحرروا فبلغ ألف ألف وثمانين ألفاً سوى من كان في السفن في الماء. وقال في رواية أخرى: ألف ألف وثلاث مئة ألف سوى من كان في السفن.

قال الوركاني جار أحمد بن حنبل: وأسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس. وقال: يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنوح في أربعة أصناف من الناس: المسلمين واليهود والنصارى والمجوس. قال أبو يوسف بن تحتان وكان من خيار المسلمين قال: لما مات أحمد بن حنبل رأى رجل في منامه كأن على كل قبر قنديلاً، فقال: ما هذا؟ فقيل له: أما علمت أنه نور لأهل القبور، قبورهم بنزول هذا الرجل بين أظهرهم، قد كان فيهم من يعذب فرحم. قال أبو عبد الله محمد بن خزيمة الاسكندراني: لما مات أحمد بن حنبل اغتممت غماً شديداًن فبت من ليلتي، فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته، فقلت له: يا أبا عبد الله، أي مشية هذه؟ فقال: هذه مشية الخدام في دار السلام. فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وتوجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي: يا أحمد، هذا بقولك القرآن كلامي، ثم قال لي: يا أحمد، ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان الثوري التي كنت تدعو بهن في دار الدنيا. قال: قلت: يا رب كل شيء بقدرتك على كل شيء. لا تسألني عن شيء، اغفر لي كل شيء، فقال لي: يا أحمد، هذه الجنة، قم ادخل إليها، فدخلت. فإذا أنا بسفيان الثوري وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة وهو يقول: الحمد لله الذي أورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين. قال: فقلت: ما فعل عبد الوهاب الوراق؟ قال: تركته في بحرٍ من نور يزار به إلى الملك الغفور. قال: فقلت: ما فعل بشر؟ فقال لي: بخ بخ ومن مثل بشر؟ تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائدة من الطعام، والجليل مقبل عليه، وهو يقول: كل يا من لم تأكل واشرب يا من لم تشرب وانعم يا من لم تنعم. أو كما قال.

قال بلال الخواص: كنت في تيه بني إسرائيل فإذا رجل يماشيني، فتعجبت، ثم ألهمت أنه الخضر عليه السلام، فقلت له: بحق الحق من أنت؟ فقال: أنا أخوك الخضر. قلت: أريد أن أسألك. قال: سل، قلت: ما تقول في الشافعي؟ فقال لي: هو من الأوتاد. قلت: فما تقول في أحمد بن حنبل؟ فقال رجل صديق. قلت: فما تقول في بشر بن الحارث؟ فقال: رجل لم يخلف بعده مثله. فقلت له: بأي وسيلة رأيتك؟ قال: ببرك أمك. قال عبد الله بن حنين: قدم علينا رجل من أهل العراق يقال: إنه من أفاضلهم، فقال لي يوماً: رأيت رؤيا وقد احتجت أن تدلني على رجل حسن العبارة يعبر. قال: قل. فقال لي: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأنه في فضاءٍ من الأرض وعنده نفر، فقلت لبعضهم: من هذا؟ فقال لي: هذا محمد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقلت: وما تصنعون ها هنا؟ قال: ننتظر أمته أن يوافوه. فقلت في منامي: لأقعدن حتى أنظر ما يكون حال في أمته، فبينا أنا كذلك إذ اجتمع الناس وإذا مع كل رجل منهم قناة فظننت أنه يريد أن يبعث بعثاً. قال: فنظر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرأى قناة أطول من تلك القناة كلها. فقال: من صاحب القناة؟ قالوا: أحمد بن حنبل، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ائتوني به، قال: فجيء به، والقناة في يده فأخذها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهزها ثم ناوله إياها وقال له: اذهب فأنت أمير القوم، ثم قال للناس اتبعوه فإنه أميركم، واسمعوا له، وأطيعوا. قال عبد الله بن حنين: فقلت له: هذه رؤيا لا تحتاج إلى عبارة. قال صدقة المقابري: كان في نفسي على أحمد بن حنبل. قال: فرأيت في النوم كأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمشي في طريق، وهو آخذ بيد أحمد بن حنبل وهما يمشيان على تؤدة ورفق، وأنا خلفهما أجهد نفسي أن ألحق بهما فما أقدر. فلما استيقظت ذهب ما كان في نفسي، ثم رأيت بعد كأني في الموسم وكأن الناس مجتمعون فنادى منادٍ: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فنادى منادٍ:

أحمد بن محمد بن حمدان

يؤمكم أحمد بن حنبل، فإذا أحمد بن حنبل فصلى بهم، وكنت إذا سئلت عن شيء قلت: عليكم بالإمام، يعني: أحمد بن حنبل. قال أحمد بن نصر: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامي فقلت له: يا رسول الله، بمن تأمرنا أن نقتدي من أمتك في عصرنا، ونركن إلى قوله ونعتقد مذهبه؟ فقال لي: عليكم بمحمد بن إدريس فإنه مني، وإن الله قد رضي عنه وعن جميع أصحابه ومن يصحبه ويعتقد مذهبه إلى يوم القيامة. قلت له: وبمن؟ قال: بأحمد بن حنبل، فنعم الفقيه الورع الزاهد. قال أحمد بن محمد الكندي: رأيت أحمد بن حنبل في المنام. قال: فقلت: يا أبا عبد الله، ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي، ثم قال: يا أحمد، ضربت في!! قال: نعم يا رب. قال: يا أحمد، هذا وجهي فانظر إليه، فقد أبحتك النظر إليه. أحمد بن محمد بن حمدان أبو العباس بن أبي صليعة الصيداوي إمام مسجد عرق بصيدا. حدث عن أبي نصر محمد بن أحمد بن الليث الرافعي القاضي بصيدا بسنده عن يحيى بن سعيد قال: خرجت مع سعيد بن المسيب في ليلة ظلماء مطيرة ومعي سراج أو شمعة، فقال سعيد: ما هذا؟ قلت: نستضيء به حتى ندخل منزلنا. فقال: لا حاجة لنا في هذا، نور الله أفضل من هذا. سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة. قال مالك بن أنس: هم عندنا شهداء العتمة.

أحمد بن محمد بن رميح بن وكيع

أحمد بن محمد بن رميح بن وكيع ابن رجاء أبو سعيد النخعي النسوي الحافظ رجل مشهور بخراسان، وله رحلة إلى العراق، والشام، ومصر. حدث عن محمد بن عبد السلام البيروتي بسنده عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: السفر قطعة من العذاب. وحدث عن محمد بن الحسن بن قتيبة بسنده عن علي بن أبي طالب قال: تزاوروا، وأكثروا مذاكرة الحديث. فإن لم تفعلوا يندرس الحديث. وكان أحمد النسوي ثقة في الحديث. قال أبو عبد الله الحافظ: أحمد بن محمد بن رميح الحافظ الثقة المأمون ولادته بالشرمقان، ومنشؤه بمرو، ومستقره كان باليمن عند السادة الصعدية. وكذلك يقال له: الزيدي، ثم انتقل منها إلى العراق، وانصرف إلى خراسان، فأقام بنيسابور ثلاث سنين، ثم انتقل إلى العراق ثانياً، وقبله الناس وأكثروا السماع منه، ثم استدعي إلى صعدة فأدركته المنية في البادية، فتوفي بالجحفة سنة سبع وخمسين وثلاث مئة قيل في فصفر منها سمع بنيسابور، وبمرو، وبما وراء النهر وببلخ، وبهراة، وبالري وببغداد، وبالبصرة، وبالأهواز، وبالجزيرة، وبالكوفة، وبمكة، وبمصر، وبالشام، وصنف وجمع، وذاكر. وكان معدوداً في حفاظ الحديث. وضعفه أبو زرعة.

أحمد بن محمد بن روح أبو يحيى

قال الخطيب: والأمر عندنا بخلاف قول أبي زرعة، فإن ابن رميح كان ثقة ثبتاً لم يختلف شيوخنا الذين لقوه في ذلك. أحمد بن محمد بن روح أبو يحيى أحد شيوخ الصوفية حدث عن ذي النون بن إبراهيم الإخميمي. قال ذو النون: لو أن الخلق عرفوا ذل أهل المعرفة في أنفسهم عند أنفسهم لحثوا التراب في وجوههم. قال: فذكرت ذلك لطاهر، فقال: سقى الله أبا الفيض خيراً لكني أقول: لو أبدى الله نور قلوب أهل المعرفة للزاهدين والعابدين لاحترقوا، واضمحلوا، وتلاشوا حتى كأنهم لم يكونوا. قال: فذكرت ذلك لابن أبي الحواري فقال: أما ذو النون فقال ذلك في وقت ذكره لنفسه، وأما طاهر فقال ذلك في وقت ذكره لربه عز وجل. وقد أصابا جميعاً. أحمد بن محمد بن الزبير وقيل أحمد بن محمد بن شقير بن الزبير - أبو علي الأطرابلسي، المعروف بابن شقير حدث عن مؤمل بن إسماعيل بسنده عن أبي ذر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم. وحدث عن زيد بن يحيى بن عبيد بسنده عن أم حبيبة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من ركع قبل الظهر أربعاً وبعدها أربعاً حرم الله بدنه على النار.

أحمد بن محمد بن زكريا

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: أحمد بن محمد بن الزبير كتبنا عنه وهو صدوق. أحمد بن محمد بن زكريا أبو العباس النسوي الصوفي جاور بمكة، وكان شيخ الحرم، وسمع بدمشق وبغيرها. حدث عن أبي صالح خلف بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن نصر بن عبد الرحمن المعروف بالخيام بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أترعوا الطسوس وخالفوا المجوس. وحدث عن عبد الله بن محمد بن اسفنديار قال: سمعت الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: إلهي، ذنوبي لها غاية وليس لكرمك غاية، فكيف يدفع ماله الغاية وهو من صفتي ما لا غاية له وهي صفتك؟ توفي أبو العباس النسوي بعينونة سنة ست وتسعين وثلاث مئة. وقيل: سنة ثمان وتسعين. وعينونة منزل بالحجاز بين مكة ومصر. وكان ثقة. وسعى به بعض البغداديين إلى أبي المعالي بن سيف الدولة وقال: إنه ناصبي يبغض علي بن أبي طالب، فعرض على سب الصحابة فأبى، فأمر به أن يحمل إلى جسر منبج ويغرق في الفرات فعطف الله بقلوب الموكلين عليه حتى خرقوا الرقعة التي كانت معهم إلى والي منبج، وخلصه الله من أيديهم.

أحمد بن محمد بن زياد بن بشر

أحمد بن محمد بن زياد بن بشر ابن درهم أبو سعيد بن الأعرابي البصري نزيل مكة سمع بدمشق، وبالرملة، وبمصر. حدث بمكة في سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة عن الزعفراني بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن بيع الولاء وعن هبته. وحدث بسنده عن أبي قصي إسماعيل بن محمد العذري بدمشق عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أتى الجمعة فليغتسل. كان أبو سعيد بن الأعرابي بصري الأصل، سكن مكة، ومات بها. وكان شيخ الحرم في وقته، صحب الجنيد وغيره، وصنف كتباً من شرف الفقر وغيره. وكتب الحديث الكثير ورواه. وكان يتفقه، ويميل إلى مذهب الحديث والظاهر. قال ابن الأعرابي: أخسر الخاسرين من أبدى للناس صالح أعماله وبارز بالقبيح من هو أقرب غليه من حبل الوريد. وكان ثقة. أثنى عليه كل من لقيه من أصحابه. حدث ابن الأعرابي في سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة في مسجده بمكة أن الله عز وجل جعل نعمته سبباً لمعرفته، وتوفيقه سبباً لطاعته، وعصمته سبباً لاجتناب معصيته، ورحمته سبباً للتوبة، والتوبة سبباً لمغفرته والدنو منه. وسئل أبو سعيد هذا عن أخلاق الفقراء فقال: أخلاق الفقراء السكون عند الفقر، والاضطراب عند الوجود، والأنس بالهموم، والوحشة عند الأفراح. مات أبو سعيد بن الأعرابي سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة أو سنة أربعين.

أحمد بن محمد بن سعيد

أحمد بن محمد بن سعيد ابن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، أبو بكر القرشي الوراق وراق بن جوصا المعروف بابن فطيس صاحب الخط المشهور. مولى جويرية بنت أبي سفيان. حدث عن أبي الحسن أحمد بن أبي رجاء نصر بن شاكر بسنده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من علم عبداً آية من كتاب الله فهو مولاه، لا ينبغي له أن يخذله ولا يتبرأ منه، فإن فعل فقد فصم عروةً من عرى الإسلام. توفي في شوال سنة خمسين وثلاث مئة. وكان ثقة مأموناً. ومولده سنة اثنتين وسبعين ومئتين. أحمد بن محمد بن سعيد أبي عثمان ابن إسماعيل بن سعيد بن منصور، أبو سعيد النيسابوري حدث بدمشق، وبصور. حدث عن حامد بن محمد بن شعيب بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة: النبي في الجنة، والصديق في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا الله، ونساؤكم من أهل الجنة الودود الولود العود على زوجها التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها ثم تقول: لا أذوق غمضاً حتى ترضى. كان جمع الحديث، وصنف في الأبواب والشيوخ، وأدركته الشهادة بطرسوس. خرج من نيسابور سابع رمضان سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة. وتوفي بطرسوس نصف شعبان سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة. وهو ابن خمس وستين سنة.

أحمد بن محمد بن سعيد بن فورجة

أحمد بن محمد بن سعيد بن فورجة أبو طاهر الهروي الصوفي حدث بدمشق عن عبد الوهاب بن محمد الخطابي الهروي بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها. أحمد بن محمد بن سعيد بن محمد ابن الحسن بن حسكة بن عامر بن هشام بن عامر، أبو نصر القيسي الطريثيثي الصوفي سمع بمصر وبدمشق، وبيت المقدس. حدث في جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وأربع مئة عن أبي الحسن علي بن منير بن أحمد بن الحسن بن علي بن منير الخلال بسنده عن عبد الله بن عمر قال: كان من دعاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحويل عاقبتك، ومن فجأة نقمتك، ومن جميع سخطك وغضبك. توفي أبو نصر الطريثيثي يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة سبع وثمانين وأربع مئة بدمشق. كانت امرأة قد جنت فرآها أبو نصر على باب الجامع مكشوفة الرأس فأمرها أن تغطي رأسها فضربته بسكين فمات بعد أيام. أحمد بن محمد بن سليمان أبو الحسن البغدادي العلاف المعروف بابن الفأفاء سمع بدمشق وبغيرها. حدث سنة أربع وثمانين ومئتين عن طالوت بن عباد الصيرفي بسنده عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: أول الآيات طلوع الشمس من مغربها. مات نصف المحرم سنة خمس وثمانين ومئتين.

أحمد بن محمد بن سهل

أحمد بن محمد بن سهل أبو بكر البغدادي ويعرف ببكير حدث بدمشق. روى عن أبي مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري بسنده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ويل للذي يحدث ليضحك به قومه فيكذب، ويل له، ويل له. أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة ابن عبد الملك بن سلمة بن سليم، أبو جعفر الأزدي الحجري المصري الطحاوي الفقيه الحنفي وطحا قرية من قرى مصر. خرج إلى الشام سنة ثمان وستين ومئتين. حدث عن يونس بسنده عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها قالت: رأيت رجلاً يوم الخندق على صورة دحية بن خليفة الكلبي على دابة يناجي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليه عمامة قد سدلها خلفه فسألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ذلك جبريل أمرني أن أخرج إلى بني قريظة. ولد أبو جعفر الأزدي سنة تسع وثلاثين ومئتين ليلة الأحد لعشر ليال خلون من ربيع الأول وقيل سنة ثمان وثلاثين. وتوفي ليلة الخميس مستهل ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة بمصر. وكان ثقة، ثبتاً، فقيهاً، عاقلاً، لم يخلف مثله. كان من أصحاب أبي حنيفة، وإليه انتهت رئاستهم. وكان شافعياً يقرأ على أبي إبراهيم المزني فقال له يوماً: والله، لا جاء منك شيء، فغضب أبو جعفر من ذلك، وانتقل إلى أبي جعفر بن أبي عمران. فلما صنف مختصره قال: رحم الله أبا إبراهيم، لو كان حياً لكفر عن يمينه.

أحمد بن محمد بن سلامة

أحمد بن محمد بن سلامة ابن عبد الله أبو الحسين الستيتي الأديب ذكر أنه من ولد ستيتة مولاة يزيد بن معاوية، ويعرف بابن الطحان. حدث بداره في دمشق عن أبي الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة القرشي الاطرابلسي بسنده عن أنس بن مالك قال: قالت أم حبيبة: يا رسول الله، المرأة منا يكون لها زوجان في الدنيا ثم تموت فتدخل الجنة هي وزوجاها فلأيهما تكون للأول أو للآخر؟ قال: يا أم حبيبة تكون لأحسنهما خلقاً كان معها في الدنيا. يا أم حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة. توفي يوم الاثنين السابع والعشرين من صفر سنة سبع عشرة وأربع مئة. وذكر أنه رأى بخط أبيه أن مولده يوم الثلاثاء لخمس خلون من شوال سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة. سمع السيفيات من شعر المتنبي منه. وكان يتهم بالتشيع فحلف لنا أنه بريء من ذلك وأنه من موالي يزيد، فكيف يتشيع وقد زار قبر يزيد. أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس أبو العباس الحماني ويقال: أحمد بن الصلت ويقال: أحمد بن عطية ابن أخي جبارة بن مغلس البغدادي أصله من الكوفة. حدث عن أبي نعيم الفضل بن دكين بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهم السلام. قال الخطيب: أحمد بن الصلت كان ينزل الشرقية ببغداد حدث عن جماعة أحاديث أكثرها باطلة هو وضعها.

أحمد بن محمد بن عاصم الرازي

وقال الخطيب: لا أبعد أن تكون هذه الحكاية موضوعة، وحال أحمد بن الصلت أظهر من أن يقع فيها الريبة أو يدخل عليها الشبهة. وقال أبو أحمد بن عدي: أحمد بن الصلت رأيته في سنة سبع وتسعين ومئتين يحدث عن قدماء الشيوخ قد ماتوا قبل أن يولد بدهر، وما رأيت في الكذابين أقل حياء منه. مات أحمد بن الصلت في المحرم سنة اثنتين وثلاث مئة. قال الخطيب: وهذا غلط، والصواب أنه مات في شوال سنة ثمان وثلاث مئة. أحمد بن محمد بن عاصم الرازي حدث عن هشام بن عمار بسنده عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، الصلاة في مسجدك هذا أفضل أم في بيت المقدس، فقال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه. ولنعم المصلي هو، أرض المحشر والمنشر. أحمد بن محمد بن عامر بن المعمر ابن حماد أبو العباس الأزدي، ويعرف بابن رشاش حدث عن هشام بن عمار بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتاً، للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة " فبأي آلاء ربكما تكذبان " إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك، ربنا، نكذب فلك الحمد.

أحمد بن محمد بن عبد الله ابن صدقة أبو بكر الحافظ البغدادي

وحدث عنه أيضاً بسنده عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أيما رجل باع سلعة فوجدها بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها فهو أسوة الغرماء. أحمد بن محمد بن عبد الله ابن صدقة أبو بكر الحافظ البغدادي حدث عن صالح بن محمد بن يحيى القطعي بسنده عن عائشة أنها اشترت نمرقة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: فألقيتها. قالت: ثم كأني رأيت الغضب في وجهه، فقالت عائشة: أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: اتخذتها إذا دخل عليك أو جاءك وافد فقال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين. يقال لهم: أحيوا ما خلقتم. كان أبو بكر الحافظ ثقة، وكان من الحذق والضبط على نهاية ترضي بين أهل الحديث. توفي في المحرم سنة ثلاث وتسعين ومئتين. أحمد بن محمد بن عبد الله أبو عبد الله الطبرستاني قدم دمشق وحدث. روى عن أبي عبد الله محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس الرازي بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نبات الشعر في الأنف أمان من الجذام. أحمد بن محمد بن عبد الله ابن عبد السلام أبو علي بن مكحول البيروتي حدث عن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط بالحيرة عن أبيه إبراهيم عن أبيه نبيط بن شريط قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.

أحمد بن محمد بن عبد الله أبو الحسين بن المخ الصيداوي

وحدث أيضاً عنه بسنده قال: مر عمر على عثمان بن عفان فسلم عليه، فلم يرد السلام، فجاء عمر إلى أبي بكر الصديق فقال: يا خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا أخبرك بمصيبة نزلت بنا من بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! قال: وما هي؟! قال: مررت على عثمان فسلمت فلم يرد علي السلام فقال أبو بكر: أو كان ذلك؟ قال: نعم. فأخذ بيده وجاء إلى عثمان فسلما عليه، فرد عليهما السلام، فقال ابو بكر: جاءك عمر فسلم عليك فلم ترد عليه. فقال: والله يا خليفة رسول الله ما رأيته، قال: وفي أي شيء كان فكرتك؟ قال: كنت مفكراً في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فارقنا ولم نسأله كيف الخلاص والمخلص من النار؟ فقال أبو بكر: والله لقد سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرني، فقال عثمان: ففرج عنا. قال أبو بكر: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تمسكوا بالعروة الوثقى: قول لا إله إلا الله. أحمد بن محمد بن عبد الله أبو الحسين بن المخ الصيداوي حدث عن أبي الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جميع بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو تعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة. أحمد بن عبد الله بن خاك أبو طالب الزنجاني الصوفي حدث عن أبي الفرج عبد الوهاب بن الحسين بن عمر بن برهان الغزال بسنده عن عطاء أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: اسمحوا يسمح لكم. وحدث عنه أيضاً بسنده عن علي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي ولج النار.

أحمد بن محمد بن عبيد الله أبو الحسن بن المدبر الكاتب

أحمد بن محمد بن عبيد الله أبو الحسن بن المدبر الكاتب الذي تولى المساحة بدمشق وغيرها في أيام المتوكل سنة إحدى وأربعين ومئتين. أصله من سامراء. ولاه المتوكل خراج جندي دمشق والأردن. كان كاتباً أديباً شاعراً. وكان إذا مدحه شاعر ولم يرض شعره قال لغلامه نجح: امض به إلى المسجد الجامع فلا تفارقه حتى يصلي مئة ركعة ثم خله فتحاماه الشعراء إلا المفرد الجيد فجاءه الجمل الشاعر واستأذنه في النشيد فقال: قد عرفت الشرط؟ قال: نعم. قال: فهات إذاً فأنشده: من الوافر أردنا في أبي حسنٍ مديحاً ... كما بالمدح تنتجع الولاة فقلنا أكرم الثقلين طراً ... ومن كفاه دجلة والفرات وقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهن الصلاة فقلت لهم: وما يغني عيالي ... صلاتي إنما الشأن الزكاة فيأمر لي بكسر الصاد منها ... فتصبح لي الصلاة هي الصلات فضحك وقال: من أين لك هذا؟ قال: من قول أبي تمام من الكامل هن الحمام فإن كسرت عيافةً ... من حائهن فإنهن حمام فاستظرفه ووصله. والجمل هذا مصري واسمه الحسين بن عبد السلام، ويكنى أبا عبد الله. كان أحمد بن طولون أشخص أحمد بن محمد بن مدبر إلى مصر في سنة خمس وستين ومئتين وحبسه في أضيق مجلس حتى مات. وورد الخبر بموته في سنة سبعين. وقيل: إحدى وسبعين ومئتين. أحمد بن محمد بن عبيد الله أبو بكر الدمشقي حدث عن طاهر بن علي بسنده عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كيف تهلك أمةٌ أنا أولها وعيسى في آخرها والمهدي من أهل بيتي في وسطها؟.

أحمد بن محمد بن عبيد الله أبو بكر البلخي

أحمد بن محمد بن عبيد الله أبو بكر البلخي قدم دمشق، وحدث بها. روى عن أبي الحسن محمد بن محمد بن كردان بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الورع سيد العمل، من لم يكن له ورع يرده عن معصية الله إذا خلا بها لم يعبأ الله بسائر عمله شيئاً، وذلك مخافة الله في السر والعلانية، والاقتصاد في الفقر والغنى، والصدق عند الرضا والسخط. ألا وإن المؤمن حاكم على نفسه، يرضى للناس ما يرضى لنفسه، المؤمن حسن الخلق، وأحب الخلق إلى الله عز وجل أحسنهم خلقاً، ينال بحسن الخلق درجة الصائم القائم. وهو راقد على فراشه. لأنه قد رفع لقلبه علم فهو يشاهد مشاهدة القيامة، يعد نفسه ضيفاً في بيته، وروحه عارية في بدنه، ليس بالمؤمن حقاً حمله على نفسه، الناس منه في عفاء، وهو من نفسه في عناء، رحيم في طاعة الله، بخيل على دينه، خير مطواع، وأول ما فات ابن آدم من دينه الحياء، خاشع القلب لله، متواضع، قد برىء من الكبر، قائم على قدميه، ينظر إلى الليل والنهار، يعلم أنهما في هدم عمره، لا يركن إلى الدنيا ركون الجاهل. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا جرم أنه إذا خلف الدنيا خلف الهموم والأحزان. ولا حزن على المؤمن بعد الموت. بلى فرحته وسروه مقيم بعد الموت. أنكر الحافظ هذا الحديث بمرة. أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عمر الطرسوسي المعروف بابن الجل حدث عن عبد الرحمن بن عبد الحميد بن إسحاق بن فضالة الدمشقي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: استحيوا فإن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن.

أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الله الخولاني الكناني

أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الله الخولاني الكناني حدث عن أبيه عن جده عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شربوا شيبكم الحناء، فهو أنضر لوجوهكم، وأنقى لثوبكم وأطهر لقلوبكم، وأكثر لجماعكم، وأثبت لحجتكم إذا سئلتم في قبوركم. الحناء سيد ريحان الجنة والنائم المختضب بالحناء كالمتشحط بدمه في سبيل الله عز وجل، الحسنة بعشر أمثالها والدرهم بسبع مئة والله يضاعف لمن يشاء. قال الحافظ: هذا حديث منكر. أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبي زرعة ابن عمرو بن عبد الله أبو الطيب النصري حدث سنة خمس وأربعين وثلاث مئة عن عبد الله بن ثابت البغدادي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من سره أن يسلم فليلزم الصمت. أحمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو بكر القرشي الصائغ حدث عن أبي الفرج صدقة بن المظفر بن علي بن محمد الأنصاري بسنده عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الحياء خيرٌ كله.

أحمد بن محمد بن عبد الكريم

أحمد بن محمد بن عبد الكريم ابن يزيد بن سعيد أبو طلحة الفزاري البصري المعروف بالوساوسي حدث عن زياد بن يحيى الحساني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنما أنا رحمة مهداة. سئل الدارقطني عن أبي طلحة فقال: تكلموا فيه، وسئل عنه أبو بكر البرقاني فقال: ثقة، مات سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة في المحرم. أحمد بن محمد بن عبدوس أبو بكر النسوي الحافظ الفقيه نزيل مرو الشاهجان. رحل وسمع بدمشق وبغيرها. حدث عن أبي القاسم بكير بن الحسن بن عبد الله بن سلمة بن دينار الرازي بسنده عن العرباض بن سارية أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً وللثاني مرة. أحمد بن محمد بن عبيدة بن زياد ابن عبد الخالق أبو بكر النيسابوري المعروف بالشعراني رحال يحدث عن أحمد بن حفص بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن حائط الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة. وإنه كان يقول: إن مجامرهم اللؤلؤ، وأمشاطهم الذهب.

أحمد بن محمد بن عبيد السلمي

أحمد بن محمد بن عبيد السلمي حدث بجونية من طرابلس. حدث عن إسماعيل بن حفص بن حسان القرشي بسنده عن جابر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: الشفعة في كل شرك في ربع أو حائط لا يصلح له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فيأخذ أو يدع. أحمد بن محمد بن عثمان بن الغمطريق أبو عمرو الثقفي حدث عن الوليد بن مسلم بسنده عن أبي قتادة قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا أتى أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يستنجي بيمينه، وإذا شرب فلا يتنفس في الإناء مرة. وحدث أيضاً عنه بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يقول الله عز وجل: أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، فاشتققت لها من اسمي. فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته. كان ثقة. وتوفي بدمشق في شوال سنة إحدى وستين ومئتين. أحمد بن محمد بن عجل ابن أبي دلف القاسم بن عيسى أبو نصر العجلي، المعروف بابن لجيم من أهل الكرخ من ولد أبي دلف العجلي من أهل الأدب والمعرفة. حدث عن أبي الحسين علان بن أحمد الكرخي بسنده عن الفضل بن الربيع قال: حججت مع هارون الرشيد أمير المؤمنين فمررنا بالكوفة في طاق المحامل، فإذا بهلول

أحمد بن محمد بن علي بن الحسن

المجنون قاعد يهذي، فقلت له: اسكت فقد أقبل أمير المؤمنين، فسكت، فلما جاء الهودج قال: يا أمير المؤمنين، حدثني أيمن بن نائل، حدثنا قدامة بن عبد الله العامري قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمنى على جمل وتحته رحل رث، فلم يكن ثم طرد ولا ضرب ولا إليك إليك، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه بهلول المجنون. قال: قد عرفته وبلغني كلامه، قل يا بهلول. فقال يا أمير المؤمنين، هب أنك ملكت العباد طراً ودان لك العباد فكان ماذا؟ أليس مصيرك إلى قبر يحثو ترابك هذا وهذا، فقال: أجدت يا بهلول أفغيره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. من رزقه الله جمالاً ومالاً فعف في جماله وواسى في ماله كتب في ديوان الأبرار، قال: فظن أنه يريد شيئاً، فقال: فإنا قد أمرنا أن نقضي دينك، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا تقض ديناً بدين، اردد الحق إلى أهله، واقض دين نفسك من نفسك، فإن نفسك هذه نفس واحدة، وإن هلكت والله ما انجبرت عليها، قال: فإنا قد أمرنا أن نجري عليك، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا يعطيك وينساني. أجرى علي الذي أجرى عليك لا حاجة لي في إجرائك، ومضى. هكذا قال: والصواب من الوافر هب أنك قد ملكت الأرض طراً ... ودان لك العباد فكان ماذا؟ أليس تصير في قبرٍ ويحوي ... تراثك بعد، هذا ثم هذا؟ مات أبو نصر في شوال سنة أربع مئة. أحمد بن محمد بن علي بن الحسن أبو علي الخزاعي المعروف بابن الزفتي حدث عن أبي سعيد محمد بن أحمد بن عبيد بن فياض بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أن أبا بكرة كتب إلى أبيه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا يقضي الحاكم في شيء وهو غضبان. توفي أبو علي ابن الزفتي يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة ست وستين وثلاث مئة.

أحمد بن محمد بن علي بن الحكم

أحمد بن محمد بن علي بن الحكم أبو بكر النرسي حدث عن عبد الرحمن بن إسماعيل الكوفي بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، قال: وماذا؟ قال: ثم عقوق الوالدين، قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع مال امرىء مسلم بيمين هو فيها كاذب. كان أبو بكر النرسي حياً في سنة ست وستين وثلاث مئة. أحمد بن محمد بن علي بن هارون أبو العباس البرذعي الحافظ حدث عن أبي بكر محمد بن عمر بن الحكم القبلي بسنده عن مالك بن دينار قال: دخلت على الحجاج فقال لي: ألا أحدثك بحديثٍ حسنٍ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلت: بلى حدثني. قال: حدثني أبو بردة عن أبيه عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من كانت له إلى الله حاجةٌ فليدع بها دبر كل صلاةٍ مفروضة. قال أبو العباس أحمد بن البرذعي: رأيت أبا الدرداء في النوم فقلت له: حدثني حديثاً حدثك به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس بينك وبينه أحد فقال لي: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: أفضل ما يعمله العبد الذي يتخلق به مع الفقراء. أحمد بن محمد بن علي بن مزاحم أبو عمرو المزاحمي الصوري حدث في منزله سنة ست وستين وثلاث مئة عن أبي الأزهر جماهر بن محمد الزملكاني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الأرواح جنودٌ مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

أحمد بن محمد بن علي بن سلمان

أحمد بن محمد بن علي بن سلمان ابن إبراهيم بن عبد العزيز أبو طاهر التميمي الكتاني الصوفي، والد عبد العزيز الحافظ حدث عن القاضي أبو بكر يوسف بن القاسم الميانجي بسنده عن عائشة قالت: كنت أفتل قلائد الغنم لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيبعثه ويمكث حلالاً. كان أبو طاهر والد عبد العزيز الحافظ قد امتنع من أكل اللحم بالأرز خشية أن يبتلع عظماً في الأرز فيقتله، فلما خرج عبد العزيز إلى بغداد واشتاقه أبوه فخرج إلى بغداد زائراً له فصادفه يوماً وقد طبخ لحماً بأرز فقدمه بين يديه فقال: قد عرفت عادتي في هذا، فقال: كل فلا يكون إلا الخير فأكل فابتلع عظماً فمات ببغداد. توفي في ذي القعدة سنة سبع عشرة وأربع مئة. أحمد بن محمد بن علي بن صدقة أبو عبد الله التغلبي الكاتب الشاعر، المعروف بابن الخياط ختم به ديوان الشعر بدمشق، كان شاعراً مكثراً مجيداً محسناً حفظه لأشعار المتقدمين وأخبارهم. فمن شعره: من الكامل لم يبق عندي ما يباع بحبةٍ ... وكفاك شاهد منظري عن مخبري إلا بقية ماء وجهٍ صنتها ... عن أن تساع وأين أين المشتري ذكر أنه ولد في سنة خمسين وأربع مئة، وتوفي في سنة سبع عشرة وخمس مئة. أحمد بن محمد بن عمارة بن أحمد ابن أبي الخطاب يحيى بن عمرو أبي عمارة بن راشد، أبو الحارث الليثي الكناني مولاهم حدث عن أبي سهل سعيد بن الحسن الأصبهاني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار: فأما أول ثلاثة

أحمد بن محمد بن عمار بن نصير

يدخلون الجنة فالشهيد، وعبدٌ مملوك أدى حق الله ونصح لمواليه، وعفيف متعفف، وأما أول ثلاثة يدخلون النار فذو ثروة من مال لا يؤدي فيه حق الله عز وجل، وفقير فخور، وإمام جائر - أو قال: مسلط. توفي الحارث يوم الخميس لثمان وعشرين ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وثلاث مئة. أحمد بن محمد بن عمار بن نصير ابن أبان بن ميسرة أبو جعفر السلمي ابن أخي هشام بن عمار حدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أبغض الحلال إلى الله عز وجل الطلاق. مات أحمد بن محمد سنة ثمانٍ وسبعين ومئتين. أحمد بن محمد بن عمر بن يونس ابن القاسم أبو سهل الحنفي اليمامي قدم دمشق مجتازاً إلى مصر، وحدث بها، وبمصر، وببغداد، وبأصبهان. روى عن بكر بن الحجاج بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن في الجنة شجرةً أصلها في منزل رجل من بني هاشم لا أسميه لكم وفرعها في السماء سماها الله عز وجل: خيرة، فإذا قال الرجل لأخيه: جزاك الله خيراً فإنما يعني تلك الشجرة. ومن غرائبه ما رواه عن عمر بن يزيد بن الفتح بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: المصلي بين المغرب والعشاء كالمتشحط بدمه في سبيل الله عز وجل. قيل عنه إنه كذاب.

أحمد بن محمد بن عمر

أحمد بن محمد بن عمر ابن عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن محرز أبو بكر القرشي التيمي المنكدري المدني حدث عن العباس بن الوليد بن مزيد العذري بسنده عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من كان وصلةً لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في منفعة برٍ أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام. وحدث بسنده عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع وإذا أراد السجود رفعهما ولم يكن يرفع بين السجدتين. ولد أبو بكر بالمدينة. ونشأ بالحرمين، ورحل إلى مصر، والشام وغيرها. وتوفي بمرو سنة أربع وأربعين وثلاث مئة. أحمد بن محمد بن عمر أبو منصور القزويني المقرىء المعروف بابن المجدر حدث بدمشق في صفر سنة اثنتين وأربعين عن أبي طالب يحيى بن علي بن الطيب الدسكري بسنده عن بشير بن كعب عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الحياء خير كله. قال بشير: إن فيه ضعفاً وإن فيه عجزاً فقال: أحدثك عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتجيئني بالمعاريض؟! لا حدثتك بحديث ما عرفتك. توفي أبو منصور يوم الثلاثاء لأربعٍ بقين من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربع مئة.

أحمد بن محمد بن عمرو

أحمد بن محمد بن عمرو أبو الفرج الفزاري حدث عن أبي بكر أحمد بن عبد الله النصري بسنده عن عبد الله بن مسعود أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: المؤمن يألف، ولا خير فيمن لايألف ولا يؤلف. أحمد بن محمد بن عوف أبو الحسن المعدل حدث بدمشق عن أبي الطيب أحمد بن إبراهيم بن عبد الوهاب بن بشير ويعرف بابن عبادل بسنده عن أبي هريرة قال: أتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجنازة ليصلي عليها فقال الناس: نعم الرجل: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجبت، ثم أتي بجنازةٍ أخرى فقال: الناس: بئس الرجل. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجبت. قال: فقال أبي بن كعب: يا رسول الله، ما قولك وجبت؟ قال: لتكونوا شهداء على الناس. أحمد بن محمد بن عيسى أبو بكر البغدادي نزيل حمص. صنف تاريخ الحمصيين. حدث بحمص عن الحسن بن عرفة بسنده عن أبي كبشة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: خيركم خيركم لأهله. أحمد بن محمد بن عيسى بن الجراح أبو العباس بن النحاس الربعي المصري الحافظ حدث عن أبي بكر محمد بن زبان بن حبيب التجيبي بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من سأله جاره أن يغرز خشبةً في جداره فلا يمنعه، ثم قال: مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم. قال الليث بن سعد: هذا أول ما عندنا لمالك وآخره.

أحمد بن محمد بن الفتح

وحدث أيضاً عن عبد الله بن محمد البغوي بإسناده عن عمر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين. وحدث أيضاً عن محمد بن بدر بن النفاج بسنده عن ابن عباس أن محرماً وقصت به ناقته فأمرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يغسلوه، ويكفنوه في ثوبيه، ولا يغطوا رأسه فإنه يبثع يوم القيامة ملبياً. استوطن أبو العباس المصري نيسابور سنة إحدى وعشرين إلى أن توفي بها يوم السبت سلخ ذي القعدة سنة ست وسبعين وثلاث مئة. وذكر أن عمره خمس وثمانون سنة. أحمد بن محمد بن الفتح ويقال ابن أبي الفتح بن خاقان أبو العباس بن النجاد العابد إمام جامع دمشق أحد الصالحين المعروفين. حدث أبو علي أحمد بن عمر بن الدلال إمام جامع دمشق قال: سمع ناس بأبي العباس أحمد بن محمد بن النجاد رحمه الله وفضله، وما خصه الله به من العلم والورع، فسافروا من بلد بعيد إليه بنية الزيارة له. فلما وصلوا إلى باب داره سمعوا أنين الشيخ من وراء الباب لوجعٍ كان به ظاهر، أنكروا عليه أنينه لفضله. فلما دخلوا عليه ابتدأهم فقال: آه اسمٌ من أسماء الله يستروح إليه الأعلاء فزاد في أنفسهم أضعاف ما كان عندهم. توفي يوم الأحد لإحدى وعشرين ليلة خلت من شعبان سنة ستين وثلاث مئة.

أحمد بن محمد بن فراس بن الهيثم

أحمد بن محمد بن فراس بن الهيثم أبو عبد الله الخطيب الفراسي ابن أخت سليمان بن حرب البصري حدث الحافظ بسنده عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري لفظاً في يوم أضحى بين الصلاة والخطبة عن عدة مشايخ في كل شيخ يقول: حدثنا في يوم عيد فطر أو أضحى بين الصلاة والخطبة إلى أحمد بن محمد ابن أخت سليمان بن حرب بسنده إلى ابن عباس كلهم يقول في يوم عيد فطر أو أضحى بين الصلاة والخطبة قال: شهدت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يوم عيد فطر أو أضحى. فلما فرغ من الصلاة قال: يا أيها الناس، قد أصبتم خيراً، فمن أحب أن ينصرف فلينصرف، ومن أحب أن يقيم حتى يشهد الخطبة فليقم. أحمد بن محمد بن فضالة دمشقي شاعر من شعره في عمرو بنحوي السكسكي: من السريع قد علمت سكسك في حربها ... بأنه يضرب بالسيف ويطعن القرن غداة الوغى ... ويحضر الجفنة للضيف ويملأ الأعساس من قارصٍ ... عل بماء المزن في الصيف ويؤمن الخائف حتى يرى ... كأنه من ساكني الخيف غنيت عمرو بن حوي ولم ... أبغ سوى القصد بلا حيف

أحمد بن محمد بن فضالة بن غيلان

أحمد بن محمد بن فضالة بن غيلان ابن الحسين أبو علي الهمذاني الحاسدي الحمصي الصفار، المعروف بالسوسي حدث بدمشق في رجب سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة مجتازاً إلى مصر عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني بسنده عن ابن عمر قال: إن كنا لنعد لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المجلس أكثر من مائة مرة أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه. توفي بمصر في رمضان سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة. أحمد بن محمد بن الفضل بن سعيد ابن موسى أبو الحسن السجستاني نزل دمشق، وحدث بها روى عن علي بن خشرم بسنده عن ابن عمر قال: كان الأذان على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثنى مثنى والإقامة واحدة واحدة، غير أنه إذا قال: قد قامت الصلاة ثنى بها، فإذا سمعناها توضأنا وخرجنا إلى الصلاة. توفي في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وثلاث مئة. أحمد بن محمد بن القاسم أبو العباس الجرمي إمام المسجد الحرام حدث بسنده عن أبي القاسم الفضل بن جعفر بن محمد التميمي بسنده عن جرير بن عبد الله قال: قالرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من لا يرحم لا يرحمه الله. وفي رواية: من لا يرحم الناس لا يرحمه الله.

أحمد بن محمد بن القاسم بن مرزوق

أحمد بن محمد بن القاسم بن مرزوق أبو الحسن المعدل الأنماطي المصري روى بسنده عن الزبير بن العوام قال: كنا نحمل لحم الصيد صفيقاً وكنا نتزود ونحن محرمون مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وحدث بسنده عن الأصمعي قال: كان رجل من بني تميم يقال له حنظلة، وكان له ابن يقال له مرة، وكان يكثر الخلاف عليه، فكان أبوه ربما قاتله. فقال له ذات يوم: إنك لمر، فقال لأبيه أعجبتني حلاوتك يا حنظلة. قال: اسكت فأنت والله خبيث كاسمك. قال: أخبث مني والله من أسماني. قال: فوالله يا بني لقد تشاءمت بك يوم ولدت. قال: ما ورثته عن كلالة. قال: ما أظنك من الناس. قال: من أشبه أباه فما ظلم والشوك لا يجتنى منه العنب. قال: لا بل أشبهت أمك عليها لعنة الله. قال: والله ما كانت بأردأ من زوجها. قال: ما أحوجك إلى أدب جيد! قال: أحوج مني إليه من أدبني. قال: لقد كنت حريصاً على صلاحك دهري. قال: فوالله يا أبه ما أتيت من عجز، ولكن الله سبحانه أعطاك على قدر نيتك. قال: لقد ساءت حالك منذ تركت الدعاء لك، وأقبلت على الدعاء عليك. قال: مادح نفسه يقرئك السلام. قال: دعني من هذا فوالله لأستقبلن من أمرك ما كنت له مضيعاً، قال: إذاً والله ولا يبرد في بيتك إلا الريح. قال: والله ما جرأك على هذا أحد غيري. قال: فلم إذاً نفسك ولا تلمني. قال: ويحك ما تستحي مني! قال: ما أحسن الحياء في مواضعه. قال: والله لقد اجتمعت فيك خلال رديئة قال: فضل رداءتك يا أبه. قال: أبوك الشيطان الرجيم قال: قل لنفسك ما شئت. قال: لقد دفنت أخاك ساعة ولدت، قال: أعجبني كثرة أعمامي يا مبارك. قال: والله إنك لمغيظي بجوابك. قال: من تكلم أجيب، ومن سكت سلم. قال: ويلك قم عني. قال: إن أعفيتني من معاتبتك قمت. قال: ما يزداد كلامك إلا غلظاً. قال: والله ما يقصر عن الجواب إلا أحمق. قال: اخسأ ويلك يا كلب. قال: الكلب لا يلد إلا كلب. قال: ليس شيء أحسن من السكوت عك. قال: إذاً لا تدعك كثرة فضولك. قال: قم فوالله ما أراك تصلح أبداً. قال: فقام وهو يقول: وكيف يصلح من أنت أبوه. مات أبو الحسن أحمد ليلة الجمعة سابع ذي القعدة سنة ثمان عشرة وأربع مئة. أحمد بن محمد بن محمد ابن عبد الله بن إسماعيل أبو حامد النيسابوري الخيري الكرابيسي القاضي المحتسب قدم دمشق حاجاً. حدث عن أبي عمرو بن مطر بسنده عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان. وحدث أيضاً عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن رجاء بسنده عن أبي موسى قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا نكاح إلا بولي. أحمد بن محمد بن متويه أبو جعفر المروروذي المعروف بكاكوا حدث بنيسابور في شعبان سنة أربع وستين وأربع مئة عن أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد العزيز بن أحمد السراج الحلبي بسنده عن سمرة بن جندب قال: ما قام فينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقاماً إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة.

أحمد بن محمد بن مخلد أبو حامد الهروي

أحمد بن محمد بن مخلد أبو حامدٍ الهروي قدم دمشق سنة سبع وخمسين ومئتين. روى عن أبي الوليد - يعني: الطيالسي - عن جابر بن عبد الله قال: أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دين كا على أبي، فدققت الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: أنا أنا، مرتين، كأنه كرهها. أحمد بن محمد بن المسلم بن الحسن أبو القاسم الهاشمي حدث سنة ست وعشرين وخمس مئة بمسجد سوق الأحد عن أبي القاسم علي بن محمد بن يحيى السلمي السميساطي بقراءة أبي بكر الخطيب عليه بسنده عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا يمنع أحدكم أخاه مرفقاً يضعه على جداره. توفي أبو القاسم في المحرم سنة أربع وثلاثين وخمس مئة. أحمد بن محمد بن موسى بن داود بن عبد الرحمن أبو علي النوفلي المكي العطار حدث بدمشق سنة ثمان وخمسين ومئتين عن يوسف بن علي بسنده عن صهيب قال: صحبت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يوحى إليه. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب صهيباً حب الوالدة ولدها. أحمد بن محمد بن موسى ابن أبي عطاء عبد الرحمن بن سعد أبو بكر القرشي - مولى عثمان بن عفان - المقرىء، المعروف بابن صريرة حدث عن وريزة بن محمد بن وريزة بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: سأل رجل عن حلية السيوف فقال: قد حلى أبو بكر الصديق سيفه. فقال له:

أحمد بن محمد بن أبي موسى أبو بكر الأنطاكي الفقيه

جعلني الله فداك تقول الصديق؟ قال: نعم الصديق في الدنيا والآخرة فمن لم يقل ذلك فلا صدق الله قوله في الدنيا ولا في الآخرة. مات سنة خمس وعشرين وثلاث مئة. أحمد بن محمد بن أبي موسى أبو بكر الأنطاكي الفقيه حدث عن يعقوب بن كعب الحلبي بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة. وحدث عن محمد بن زنبور المكي بسنده عن أم سلمة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يدعو بهؤلاء الكلمات: اللهم أنت الأول لا شيء قبلك، وأنت الآخر فلا شيء بعدك، أعوذ بك من شر كل دابة، أنت آخذ بناصيتها بيدك، وأعوذ بك من الإثم والكسل، ومن عذاب النار وعذاب القبر، ومن فتنة العدو ومن فتنة الفقر، وأعوذ بك من المأثم والمغرم، اللهم نق قلبي من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. وذكر الحديث بطوله. أحمد بن محمد بن المؤمل أبو بكر الصوري حدث عن عبد الواحد بن شعيب الجبلي بجبلة بسنده عنه أبي موسى قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احتج آدم وموسى فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته عملت الخطيئة التي أخرجتك من الجنة. قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، وأنزل عليك التوارة، وكلمك تكليماً. فبكم خطيئتي سبقت خلقي؟ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحج آدم موسى. حدث في سنة تسع وتسعين ومئتين.

أحمد بن محمد بن نفيس

أحمد بن محمد بن نفيس أبو الحسن الملطي الإمام الشاهد حدث عن أبي علي الحسن بن حبيب بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من جمع القرآن متعه الله تبارك وتعالى بعقله حتى يموت. توفي يوم الجمعة لثلاث خلون من ذي الحجة سنة أربع وأربع مئة. أحمد بن محمد بن الوليد بن سعد أبو بكر المري المقرىء حدث عن هشام بن عمار بسنده عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرفع يديه حذو منكبيه حين يفتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد، وحين يقوم من السجدتين. وحدث أيضاً عن محمود بن خالد بسنده عن نافع قال: كنت ردف ابن عمر إذ مر براعٍ يزمر فضرب وجه الناقة وصرفها عن الطريق، ووضع إصبعيه في أذنيه وهو يقول: أتسمع، أتسمع حتى انقطع الصوت. فقلت: لا أسمع فردها إلى الطريق وقال: هكذا رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل. وحدث أيضاً عن محمود بن خالد بسده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ومن قتل متعمداً دفع إلى أولياء القتيل، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وثلاثون خلفة وذلك عقل العمد ما صالحوا عليه فهو لهم وذلك تشديد العقل. قال: كذا وقع والصواب: أربعون خلفة. توفي أبو بكر المقرىء في سنة سبع وتسعين ومئتين

أحمد بن محمد بن هارون أبو الحسن الزوزني

أحمد بن محمد بن هارون أبو الحسن الزوزني من أهل خراسان قدم دمشق حاجاً. حدث عن أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن جعده والعباس بن حمزة النيسابوري بسنده عن علي بن موسى الرضا عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أخبرني به جبريل عن الله تبارك وتعالى لا إله إلا الله حصني. من دخل حصني أمن عذابي. ضعفه الحافظ من هذه الطريق، وذكره من طريق آخر عالياً على الصواب بمعناه. أحمد بن محمد بن هاشم بن سعيد البعلبكي حدث عن أبيه بسنده عن أبي أمامة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى تسبيح الضحى فإن له كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين. أحمد بن محمد بن هبة الله بن علي بن فارس أبو الحسين بن أبي الفضل الأنصاري الأكفاني المعدل حدث عن أبي الحسن علي بن موسى بن الحسن بن السمسار بسنده عن أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقبلها وهو صائم. قالت: وكنت أغتسل أنا ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إناء واحد من الجنابة. توفي أبو الحسين في ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وأربع مئة.

أحمد بن محمد بن يحيى بن المبارك

أحمد بن محمد بن يحيى بن المبارك ابن المغيرة أبو جعفر العدوي النحوي، المعروف أبوه باليزيدي كان من ندماء المأمون، وقدم معه دمشق، وتوجه منها غازياً للروم. قال أبو جعفر: دخلت يوماً على المأمون بقارا وهو يريد الغزو فأنشدته مديحاً فيه أوله: من الكامل يا قصر ذا النخلات من بارا ... إني حننت إليك من قارا أبصرت أشجاراً على نهرٍ ... فذكرت أنهاراً وأشجارا لله أيام نعمت بها ... بالقفص أحياناً وفي بارا إذ لا أزال أزور غانيةً ... ألهو بها وأزور خمارا لا أستجيب لمن دعا لهدىً ... وأجيب شطاراً ودعارا أعصي النصيح وكل عاذلةٍ ... وأطيع أوتاراً ومزمارا فغضب المأمون وقال: أنا في وجه عدو وأحض الناس على الغزو وأنت تذكرهم نزهة بغداد، فقلت: الشي بتمامه، ثم قلت: فصحوت بالمأمون من سكري ... ورأيت خير الأمر ما اختارا ورأيت طاعته مؤديةً ... للفرض إعلاناً وإسرارا فخلعت ثوب الهزل من عنقي ... ورضيت دار الخلد لي دارا وظللت معتصماً بطاعته ... وجواره وكفى به جارا

أحمد بن محمد بن حمزة بن واقد

إن حل أرضاً فهي لي وطنٌ ... وأسير عنها حيثما سارا فقال له يحيى بن أكثم: ما أحسن ما قال يا أمير المؤمنين، أخبر أنه كان في سكر وخسار فترك ذلك وارعوى وآثر طاعة خليفته وعلم أن الرشيد فيها فسكن وأمسك. كان أبو جعفر العدوي أديباً، عالماً بالنحو، شاعراً، مدح المأمون والمعتصم وغيرهما. ومات قبل سنة ستين ومائة بمدة طويلة. أحمد بن محمد بن حمزة بن واقد أبو عبد الله الحضرمي من أهل بيت لهيا. روى عن أبي الجماهر محمد بن عثمان بسنده عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب. وروى عن أبيه بسنده عن أبي هريرة قال: أتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة أسري به بايلياء بقدحين من خمر ولبن، فنظر فيهما ثم أخذ اللبن فقال له جبريل: هديت الفطرة، لو أخذت الخمر لغوت أمتك. وحدث عن أبيه بسنده عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن الله يوصيكم بأمهاتكم إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب. توفي سنة تسع وثمانين ومئتين. أحمد بن محمد بن يزيد بن مسلم ابن أبي الخناجر أبو علي الأنصاري الطرابلسي حدث عن يحيى بن أبي بكير الكرماني بسنده عن جابر بن سمرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن.

أحمد بن محمد بن يعقوب

قال ابن أبي الخناجر: كنت في مجلس يزيد بن هارون بواسط فجاء أمير المؤمنين، فوقف علينا في المجلس، وفي المجلس ألوف فالتفت إلى الصحابة فقال: هذا الملك. توفي ابن أبي الخناجر في جمادى الآخرة سنة أربع وسبعين ومئتين. أحمد بن محمد بن يعقوب ابن عبد الله أبو الحسين البغدادي يعرف بابن توتو حدث عن عمر بن يوسف بسنده عن سري السقطي قال: قلت لديراني مرة: ما لكم تعجبكم الخضرة؟ قال: إن القلوب إذا غاصت في بحار الفكر عشيت الأبصار، فإذا نظرت إلى الخضرة عاد إليها نسيم الحياة. أحمد بن محمد بن أبي يعقوب ابن هارون الرشيد أبو الحسن الرشيدي الهاشمي حدث عن أبي العباس محمد بن الحسن بن إسماعيل بن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال: سمعت جدي إسماعيل بن عبد الصمد بن علي قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: للمملوك على مولاه ثلاث خصالٍ: لا يعجله عن صلاته، ولا يقيمه عن طعامه، ويبيعه إذا استباعه. كذا قال. وقد سقط: عن جده. وحدث بأنطاكية وقدمها سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة عن أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة بسنده عن ابن عباس " ستدعون إلى قومٍ أولي بأسٍ شديدٍ " قال: هوازن، وثقيف.

أحمد بن محمد بن يوسف أبو العباس

أحمد بن محمد بن يوسف أبو العباس المعروف بابن مردة المؤدب المقرىء الأصبهاني حدث عن عبد الوهاب بن الحسن الكلابي بسنده عن عائشة قالت: كان فراش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أدم حشوه ليف. وحدث عنه أيضاً بسنده عن عمه حكم بن معاوية قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا شؤم، وقد يكون اليمن في الفرس والمرأة والدار. أحمد بن محمد بن يونس بن عمير أبو جعفر الصوفي الأباوردي المعروف بالإسكاف حدث عن أبي محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بسنده عن بشر بن سحيم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام التشريق أيام أكل وشرب. أحمد بن محمد بن التمار حدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن العربية كلام أهل الجنة، والعربية كلام أهل السماء، وكلامهم إذا وقفوا بين يدي الله عز وجل في الموقف. أحمد بن محمد العذري الدمشقي حدث عن إبراهيم بن الحوراني بسنده عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الناس كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون بالعافية ولا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل الذي ترى له.

أحمد بن محمد ويقال محمد بن أحمد

قال الحافظ: هذا هو أحمد بن محمد بن سلامة، وقد تقدم ذكره في كتابه. أحمد بن محمد ويقال محمد بن أحمد أبو عبد الله الواسطي الكاتب كان كاتب أحمد بن طولون. فلما استولى أبو الجيش خمارويه بن طولون على الإمرة وقعت بينهما وحشة، فكتب أبو عبد الله الواسطي إلى أبي العباس المعتضد أشعاراً يحرضه على قتال أبي الجيش. قال أحمد بن يوسف اجتمع الحسن بن مهاجر وأحمد بن محمد الواسطي للغد من يوم مات أحمد بن طولون على أخذ البيعة لأبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون فبدؤوا بالعباس بن أحمد بن طولون قبل سائر الناس لأنه أخوه وأكبر منه سناً، فوجهوا إليه عدة من خواص خدم أبيه يستحضرونه لرأي رأوه. فلما وافى العباس قامت الجماعة إليه وصدوره، وأبو الجيش داخل قاعد في صدر مجلس أبيه، فعزاه الواسطي وبكت الجماعة، ثم أحضر المصحف وقال الواسطي للعباس: تبايع أخاك؟ فقال العباس: أبو الجيش فديته ابني وليس يسومني هذا، ومن المحال أن يكون أحدٌ أشفق عليه مني، فقال الواسطي: ما أصلحتك هذه المحنة، أبو الجيش أميرك وسيدك ومن استحق بحسن طاعته لك التقديم عليك. فلم يبايع العباس فقام طبارجي وسعد الأيسر فأخذا سيفه ومنطقته وعدلا به إلى حجرةٍ من الميدان فلم يخرج منها إلا ميتاً. وبايع الناس كلهم لأبي الجيش، وأعطاهم البيعة وأخرج مالاً عظيماً ففرقه على الأولياء وسائر الناس وصحت البيعة لأبي الجيش يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة سنة سبعين ومئتين.

أحمد بن محمد أبو القاسم المؤذن

وكتب أبو عبد الله أحمد بن محمد الواسطي الكاتب إلى أبي العباس أحمد بن الموفق بالله يستحثه على حرب أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، والخروج إليه قبل وقعة الطواحين بأيام: من البسيط يا أيها الملك المرهوب جانبه ... شمر ذيول السرى فالأمر قد قربا كم ذا الجلوس ولم يجلس عدوكم ... عن النهوض لقد أصبحتم عجبا لا تبعدن عن التفريط معتكفاً ... واشدد فقد قال جل الناس قد رهبا ليس المريد لما أصبحت تطلبه ... إلا المشمر عن ساقٍ وإن لغبا طال انتظاري لقرب منك آمله ... وما أرى منك ما أصبحت مرتقبا ولو علمت يقين العلم من خبري ... وما نهضت له في الله محتسبا لسرت نحو امرىءٍ قد جد مجتهدا ... حتى يكون لما يبغونه سببا أجاد مروان في بيتٍ أراد به ... عين الصواب وما أخطا وما كذبا إذ قال حين رأى الدنيا تميد بهم ... بعد الهدو وصار الحبل منقضبا إني أرى فتناً تغلي مراجلها ... فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا وذكر الحافظ ابن عساكر أنه يعيد ذكره في ترجمة محمد بن أحمد أحمد بن محمد أبو القاسم المؤذن حدث عن جعفر بن محمد بن الرواس بسنده عن ثوبان مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: سددوا وقاربوا، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الصلاة والوضوء إلا مؤمن.

أحمد بن محمد أظنه ابن علي الدمشقي

أحمد بن محمد أظنه ابن علي الدمشقي حدث عن أحمد بن محمد التميمي بسنده عن يحيى بن معاذ قال: لا تعذب نفسك بترك الحلال فتجرك إلى الحرام. قال أحمد بن محمد الدمشقي سمعت أبا عمير يقول: سمعت أبا العباس ثعلب يقول: سمعت أعرابياً يقول: سئل الأحنف بن قيس أنت أحلم أو معاوية؟ فقال: معاوية يحلم عن مقدرة، وإن أنا سفهت على إنسان ضربني. أحمد بن محبوب بن سليمان أبو الحسن البغدادي ثم الرملي الفقيه يعرف بغلام أبي الأديان حدث أحمد بن محبوب بسنده عن أبي أمامة الباهلي قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من علم عبداً آيةً من كتاب الله فهو مولاه، لا ينبغي له أن يخذله ولا يستأثر عليه، فإن هو فعل فصم عروة من عرى الإسلام. وحدث عن عبد الله بن محمد بن نصر الرملي بسنده عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه. مات أحمد بن محبوب بمدينة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنة سبع وخمسين وثلاث مئة. أحمد بن محمود بن الأشعث ويقال ابن محبوب بن الأشعث أبو علي المعدل المتولي لعمارة المسجد الجامع بدمشق من قبل القضاة حدث عن أبي الحارث أحمد بن سعيد بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما من مسلم يبتلى ببلاء في جسده إلا كتب الله له كل عمل صالح كان يعمله في صحته ومرضه. قرىء لأبي علي أحمد بن محمود بن الأشعث القيم بجامع دمشق أميناً من قبل القاضي على

أحمد بن محمود بن صبيح بن مقاتل

حجر في المأذنة الغربية كتاب باليونانية ففسره بالعربية فإذا عليه مكتوب: لما كان العالم محدثاً والحدث داخل عليه وجب أن يكون له محدثٌ، وكانت الضرورة تقود إلى التعبد لمحدثه، لا كما ذكر ذو اللحيين وذو السنين وأشباههما. فلما دعت الضرورة إلى عبادة هذا الخالق بالحقيقة تجرد لإنشاء البيت، وتولى النفقة عليه محب الخير تقرباً منه إلى منشىء العالم ومبتدئه وإيثاراً لما عنده وذلك في سنة ألفين وثلاث مئة لأصحاب الاسطوان. فليذكر كل من دخل هذا البيت للصلاة فيه العاني به. نسخ من أبي علي بن الأشعث من نخسة بخطه سنة خمس وستين وثلاث مئة. أحمد بن محمود بن صبيح بن مقاتل أبو الحسن الهروي قدم دمشق سنة تسع وسبعين ومئتين. حدث عن الحسن بن علي الحلواني بسنده عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خير شبابكم من تشبه بكهولكم، وشر كهولكم من تشبه بشبابكم. مات سنة إحدى وثلاث مئة. أحمد بن محمود الدمشقي حدث عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس عن حديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أكل وهو صائم وهو ناسٍ فليتم صومه، فإنما هو رزق ساقه الله إليه. فقال مالك: الحديث صحيح ولكن عنى به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النافلة لا الفريضة، أما سمعت إلى قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان. فكل من ترك شيئاً من هذا ناسياً فعليه القضاء، وإنما الحديث في التطوع لا في الفريضة. قال الوليد: فذكرت ذلك للأوزاعي فقال: صدق مالك.

أحمد بن محمود أبو بكر الرسعني

أحمد بن محمود أبو بكر الرسعني حدث عن أبي عمير عدي بن أحمد عبد الباقي الأذني بسنده عن ابن عباس قال: سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: اقتلوا الفاعل والمفعول به. أحمد بن مردك بن زنجلة أبو عبد الله ويقال أبو جعفر الرازي حدث عن أيوب بن عروة الكوفي بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا نكاح إلا بولي وشاهدين. توفي في مصر في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومئتين أحمد بن مسعود المقدسي قيل إنه دمشقي حدث عن عمرو بن أبي سلمة بسنده عن جابر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من أبلى خيراً فلم يجد إلا الثناء فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور. وحدث أيضاً بسنده عن ابن عمر أن رجلاً أتاه فقال: بم أهل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أهل بالحج، فانصرف عنه، ثم جاءه من العام المقبل فقال: بم أهل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ألم تأتني عام أول؟ قال: بلى، ولكن أنس بن مالك زعم أنه قرن، فقال ابن عمر: إن أنساً كان يتولج على النساء مكشفات الرؤوس وإني كنت تحت ناقة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسني لعابها أسمعه يلبي بالحج. حدث أحمد بن مسعود الخياط ببيت المقدس سنة أربع وسبعين ومئتين.

أحمد بن مسلمة بن جبلة بن مسلمة

أحمد بن مسلمة بن جبلة بن مسلمة ابن أوفى بن خارجة بن حمزة بن النعمان صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو العباس العذري حدث عن أحمد بن عبد الله الدمشقي بسنده عن السليط بن سبيع وكان من بني عامر قال: كنت تاجراً، وكان أكثر تجارتي في البحر، فركبت من ذلك إلى بلاد الصين فأتيت على راهب من رهبان الصين كان على دين عيسى بن مريم وكان مؤمناً فناديته: يا راهب، فأشرف من صومعته فقال: ما تشاء؟ قلت: من تعبد؟ قال: الذي هو خلقني وخلقك، قلت: يا راهب فعظيمٌ هو؟ قال: نعم يا فتى، عظيم في المنزلة، قد حوت عظمته كل شيء، لم يحلل بنفسه في الأشياء فيقال منها، ولم يعتزل فيقال ناءٍ عنها. قلت: يا راهب، فأين الله من محل قلوب العارفين؟ قال: يا فتى، إن قلوب العارفين لا تعزب عن الله بعد إذ علم أنها إليه مشتاقة. قلت: يا راهب، فما الذي قطع بالخلق عن الله؟ قال: حب الدنيا، لأنها أصل المعاصي ومنها تفجرت، ولم تصل بهم إلى إبطال تركها قلة معرفة. ولتركها ثلاث منازل: فأولها منزلة ترك الحرام من القول والفعل والعزائم، والرضا بما جل من ذلك أو دق حتى تطيع الله فيمن عصاه فيك، وتعتزل الصديق والعدو فعند ذلك تتفجر ينابيع الحكمة من قلبك، وتدع الهوى بنور الإيمان عليك. والمنزلة الثانية: ترك الفضول من القول والمقال والمنال حتى ترحم من ظلمك، وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك، فعند ذلك تقاد بحلاوة طاعة الله عز وجل وبعزم الإرادة، وترتبط بحبل الطاعة. والمنزلة الثالثة: ترك العلو والرئاسة، واختيار التواضع والذلة، حتى تصير مثل مملوك لسيده، وبامراج النظر تطلعت النفس إلى فضول الشهوات فأظلم القلب فلم ير جميلاً فيرغب فيه، ولا قبيحاً فيأنف منه، وبضبط النظر ذلت النفس عن فضول الشهوات فانفتح القلب فأبصر جميلاً يرغب فيه، وانكشف العقل فأبصر.

قلت: يا راهب، فأيما العقل؟ قال: أوله المعرفة، وفرعه العلم، وثمرته السنة. قلت: يا راهب، متى يجد العبد حلاوة الإيمان والأنس بالله؟ قال: إذا صفا الود، وجادت المعاملة. قلت: يا راهب، متى يصفو الود؟ قال: إذا اجتمعت الهموم فصارت في الطاعة. قلت: يا راهب، متى تخلص المعاملة؟ قال: إذا اجتمعت الهموم فصارت واحدة. قلت: يا راهب، عظني وأوجز. قال: لا يراك الله حيث يكره. قلت: زدني من الشرح لأفهم. قال: كل حلالاً،، وارقد حيث شئت. قلت: يا راهب، لقد تحليت بالوحدة! قال: يا فتى، لو ذقت طعم الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك، الوحدة رأس العبادة. ومؤنسها الفكرة. قلت: يا راهب، فما أشد ما يصيبك في صومعتك من هذه الوحدة؟ قال: يا فتى، ليس في الوحدة شدة. الوحدة أنس المريدين قلت: يا راهب، ما أشد ذلك عليك؟ قال: تواتر الرياح العواصف في الليل الشاتي. قلت: تخاف أن تسقط فتموت؟ فتبسم تبسماً لم يفتح فاه ولكن أشرق وجهه وقال: يا فتى هل العيش إلا في السقوط، وما أشبهه من أسباب الموت! قلت: فلم يشتد ذلك عليك إن كان ذلك؟ قال: يا فتى، أما والله، إذا اشتدت علي الريح وعصفت ذكرت عند ذلك عصوف الخلق في الموقف مقبلين ومدبرين لا يدرون ما يراد بهم، حتى يحكم الله بين عباده، وهو خير الحاكمين. فصاح صيحة أفزعتني من شدتها: يا طول موقفاه! قلت: يا راهب بم يقطع الطريق إلى الآخرة؟ قال: بالسهر الدائم، والظمأ في الهواجر. قلت: يا راهب فأين طريق الراحة؟ قال: في خلاف الهوى. قلت: يا راهب، متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة. قلت: يا راهب، لقد تخليت من الدنيا، وتعلقت في هذه الصومعة؟ قال: يا فتى، إنه من مشى على الأرض عثر، ففرت فرار الأكياس من فخ الدنيا، وخفت اللصوص على رحلي، فتعلقت في هذه الصومعة، وتحصنت بمن في السماء من فتنة من في الأرض، لأنهم سراقون للعقول، فتخوفت أن يسرقوا عقلي، وذلك أن القلب إذا صافى صديقه ضاقت به الأرض، وإذا أنا تفكرت في الدنيا تفكرت في الآخرة وقرب الأجل، فأحببت الرحيل إلى رب لم يزل. قلت: يا راهب، فمن أين تأكل؟ قال: من زرعٍ لم أتول بذاره، من بيدر اللطيف الخبير، ثم قال: يا فتى، إن الذي خلق الرحا هو يأتيها بالطحين، ثم أشار بيده إلى رحا ضرسه. قلت: يا راهب،

كيف حالك في هذه الدنيا؟ قال: كيف حال من يريد سفراً بعيداً بلا أهبة ولا زاد، ويسكن قبراً بلا مؤنس، ويقف بين يدي حكم عدل؟. ثم أرخى عينيه فبكى. قلت: يا راهب، ما يبكيك؟ قال: يا بني حقاً أقول لك، ذكرت يوماً مضى من أجلي لم يحسن فيه عملي، أبكاني قلة الزاد وبعد المعاد، وعقبة هبوط إلى جنةٍ أو إلى نارٍ قلت: يا راهب فلو تحولت من هذه الصومعة وخالطتنا، فإن عندنا رهباناً يخالطونا ويعاشرونا. قال: هيهات، يا فتى، كم من متعبدٍ لله بلسانه معانه له بقلبه، يقاد إلى عذاب السعير، ذلك زاهد في الظاهر، راغب في الباطن، حسن القول، خبيث المعاملة، مشارك لأبناء الدنيا لا أو يفر من جوار إبليس. قلت: أستغفر الله قال: يا فتى، سرعة اللسان بالاستغفار من غير بلوغ توبة الكذابين، ولو علم اللسان مما يستغفر الله لجف في الحنك. يا فتى، إن الدنيا منذ ساكنها الموت لم تقر بها عين كلما تزوجت الدنيا بزوج طلقها الموت، فالدنيا من الموت طالقة لم تقض عدتها بعد فمثلها مثل الحية لينٌ مسها والسم في جوفها، يحذرها رجال ذوو عقول، ويهوي إليها الصبيان لقلة عقولهم وتضرعهم بمرارة عيشهم وكدر صفوها. يا فتى، كم من طالب للدناي لا ينال حاجته، ولم يبلغ أمله، ولم يدركها، ومدرك لها إدراكاً فيه مرارة عيشها وكدر صفوها. واعلم يا فتى أن شدة الحساب ومعاينة الأهوال مع الحمل الثقيل سيثقل اليوم على المسرفين بما عملوا ومرحوا في الأرض بغير ما أمروا. يا فتى، اجتناب المحارم رأس العبادة وسيعلم المتقون بما صبروا على سجع الطريق والظمأ في الهواجر والقيام على الأقدام في ظلم الدجى وإجاعة الأكباد وعري الأجساد، وذلك أن الله عدل في قضائه سابق في مقاله، لا يضيع أجر المحسين قلت: يا راهب، إني لأريد لنفسي شيئاً من المطعم والمشرب فلا يكفيني حتى تتوق نفسي إلى أكثر من ذلك. قال: يا فتى، إن نواصي العباد في يد الله عز وجل وقبضته فلا يجوزون من ذلك إلى غيره، قد قسم أرزاقهم وفرغ من آجالهم، تدبير

الله عز وجل له في مطعمه ومشربه أحرى أن لا يجريه تدبيره لنفسه. قلت: اوه، ضربت فأوجعت وشددت فأوثقت. قال: بل أطعمت فأشبعت، ووعظت فنفعت. قلت: يا راهب، بم يستعان على الزهد في الدنيا؟ قال: بتقصير الأمل، وذكر الموت، والمداومة على العمل. قلت: يا راهب، فمتى ترحل الدنيا عن القلب، وتسكن الحكمة الصدر؟ فصاح صيحة خر مغشياً عليه، ومكث ساعة كذلك، ثم أفاق من غشيته فقال لي: كيف قلت؟ قال: فأعدت عليه القول. فقال: لا والله، لا ترحل الدنيا عن القلب وأنت نمكب على القراريط والفلوس تتلذذ بالنظر إلى كثرتها، وتستعين بكسب الحرام على جمعها، وأنت تحب النظر إلى هؤلاء وأشار بيده إلى الخلائق، ثم قال: لا أوترد موارد السباع الضارية المنقطعة عن الخلائق في الكهوف وأطراف الجبال الشواهق الصم الصلاب. يقول عيسى بن مريم: لا ينال العبد منال الصديقين ودرجة المقربين، ويعرف في الملكوت الأعلى حتى يترك امرأته أرملة عن غير طلاق، وصبيانه يتامى من غير موت، ويأوي إلى مرابض الكلاب، فعند ذلك يعرف في الملكوت الأعلى وينال الدرجة الخامسة من درجات العارفين. وأما قولك متى تسكن الحكمة الصدر؟ حتى يراك الله وقد أعتقت رقبتك من أن تكون مملوكاً لامرأتك وأجيراً لولدك. قلت: يا راهب، فما أول قيادة القلب إلى الزهد في الدنيا والرضا بالقسم؟ قال: بإماتة الحرص وبذبح حنجرة المطعم، فإن كثرة المطعم تميت القلب كما يموت البدن. قلت: يا راهب، فأكون معك وأقيم عليك؟! قال: وما أصنع بك؟ وأي أنس لي فيك؟ ومعي عاطي الأرزاق، وقابض الأرواح يسوق إلي رزقي في وقته، ولم يكلفني حمله ولا يقدر على ذلك أحد غيره. ثم قال لي: يا فتى، طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد لم يره، كما لا يجوز فيكم الشريف كذا لا يجوز كلامكم إلا بنور الإخلاص، كم من صلاة قد زخرفتموها بآية من كتاب الله كما تزخرف الفضة البيضاء بالسوداء للناظرين إليها حتى ينظروا بنور الإخلاص لا فساد لها، عند إصلاح الضمائر تكفير الكبائر ثم قال: يا فتى، إن العبد إذا أضمر على ترك الآثام أتاه القنوع. ثم قال: يا فتى، ربما استطربني الفرح من مجلسي إلى الصلاة، ولربما رأيت القلب

أحمد بن مطرف أبو الحسن السبتي القاضي

يضحك ضحكاً وأهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم. يا فتى، همة العاقل النجاة والهرب، وهمة الأحمق اللهو والطرب. ثم قال: يا فتى، إذا أضمر العبد على الزهد في الدنيا تعلق قلبه في الملكوت الأعلى، نظر إلى الدنيا بعين القلة فنظره إلى ما فيها عبرة وسكوته عن القول مغنم وذلك عندما ينال الدرجة السادسة. قلت: يا راهب. فما أول الدرجات التي يقطع فيها المريدون وهي باب الإرادة؟ قال: رد المظالم إلى أهلها، وخفة الظهر من التبعات، فإن العبد لا تقضى له حاجة وعليه مظلمة ولا تبعة. قلت: يا راهب، ما أفضل الدرجات؟ قال: الصبر على البلاء، والشكر على الرخاء، وليس فوق الرضا درجة وهي درجة المقربين. ثم عاد بالكلام على نفسه فأقبل يعاتبها وهو يقول: ويحك يا نفس، ما إن أراك في تقلبك ومثواك أثبت إلا الفرار من الحق والموت يقفوك، فأين تقرين ممن أنت له عاصية وهو إليك محسن؟! ثم قال: إلهي وسيدي أنت الذي سترت عيوبي وأظهرت محاسني حتى كأني لم أزل أعمل بطاعتك. إلهي أنا الذي أرضيت عبادك بسخطك، فلم تكلني إليهم وأمددتني بقوتك، إليه وسيدي إليك انقطع المريدون في ظلم الدجى وباكروا الدلج في ظلم الأسحار يرجون رحمتك وسعة مغفرتك. اللهم أسكني في درجة المقربين واحشرني في زمرة العارفين، فإنك أود الأجودين وأكرم الأكرمين يا مالك يوم الدين. أحمد بن مطرف أبو الحسن السبتي القاضي حدث عن جعفر بن محمد بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء. وحدث عن أبي جعفر أحمد بن صالح الوراق الرازي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن لله عموداً من نور بين يديه، فإذا قال العبد لا إله إلا الله اهتز ذلك العمود فيقول الله عز وجل اسكن فيقول: كيف أسكن ولم تغفر لقائلها. قال: فيقول: إني قد غفرت له فيسكن عند ذلك.

أحمد بن معاوية بن وديع المذحجي

وحدث عن علي بن الحسين بن الجنيد قال: سمعت سهلاً الخياط يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: لولا أن السنة جرت بأبي بكر ما قدمنا على عمر أحداً. سمع منه في سنة سبع وعشرين وثلاث مئة. أحمد بن معاوية بن وديع المذحجي قال أحمد بن وديع: قال أبو سليمان: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الخلائق فإنما يريد الشنعة. وقال: قال أبو معاوية يعني الأسود: إخواني كلهم خير مني. قيل له: يا أبا معاوية، وكيف ذلك؟ قال: كلهم يرى لي الفضل على نفسه ومن فضلني على نفسه فهو خير مني. وحدث عن الوليد بن مسلم قال: كانت امرأة من التابعين تقول: اللهم اقبل بما أدبر من قلبي، وافتح ما أقفل منه حتى تجعله هنيئاً مريئاً بالذكر لك. وحدث عن أبي معاوية الأسود قال: القرآن وحشي، إذا تحدث وقرىء نفر القرآن. أحمد بن المعلى بن يزيد أبو بكر الأسدي ختن دحيم، قاضي دمشق نيابةً عن أبي زرعة محمد بن عثمان القاضي حدث عن هشام بن عمار بسنده عن عبادة بن الصامت أن رجلاً سأله عن هذه الآية " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " فقال

أحمد بن مكي بن عبد الوهاب ابن أبي الكراديس أبو العباس

عبادة بن الصامت: لقد سالتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، وهو كلام يكلم به ربك عز وجل عبده. توفي أحمد بن المعلى بدمشق في رمضان سنة ست وثمانين ومئتين. أحمد بن مكي بن عبد الوهاب ابن أبي الكراديس أبو العباس حدث عن القاضي أبي بكر بن يوسف بن القاسم الميانجي بسنده عن البراء أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوصى رجلاً فقال: إذا أخذت مضجعك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت. فإن مات مات على الفطرة. أحمد بن منصور بن سيار بن معارك أبو بكر البغدادي المعروف بالرمادي محدث مشهور. حدث عن عثمان بن عمر بسنده عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ادع الله لي يعافيني فقال له: إن شئت أخرت ذلك، وإن شئت دعوت قال: ادع، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبيك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبي الهدى والرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضي لي اللهم شفعه في. وحدث عن أبي إسحاق إبراهيم الطالقاني سنة خمس وستين ومئتين وفيها مات بسنده عن عوف بن مالك قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أتاه الفيء قسمه من يومه، فيعطي الآهل حظين، ويعطي العزب حظاً.

أحمد بن منصور بن محمد أبو العباس الشيرازي

وحدث عن يزيد يعني ابن هارون بسنده عن عبد الله بن سرخس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سافر قال: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في النفس والأهل والمال. قال محمد بن مخلد: كان الرمادي إذا اشتكى شيئاً قال: هاتوا أصحاب الحديث فإذا حضروا عنده قال: اقرؤوا علي الحديث. أحمد بن منصور بن محمد أبو العباس الشيرازي الحافظ حدث عن أحمد بن جعفر بن سليمان القزاز الفسوي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من لم يأنف من ثلاث فهو مؤمن حقاً: خدمة العيال، والجلوس مع الفقراء، والأكل مع خادمه. هذه الأفعال من علامة المؤمنين الذين وصفهم الله في كتابه " أولئك هم المؤمنون حقاً ". توفي أحمد بن منصور في شعبان سنة اثنتين وثمانين وثلاث مئة وهو ابن ثمانٍ وستين سنة. أحمد بن منصور بن محمد بن عبد الله بن محمد أبو العباس الغساني الفقيه المالكي المعروف بابن قبيس من أهل داريا حدث عن أبي محمد بن أبي نصر بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يتبع الدجال سبعون ألفاً من يهود أصبهان عليهم الطيالسة.

أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح أبو الحسين الأطرابلسي الشاعر الرفاء

أنشد أبو العباس بن قبيس بسنده عن أبي بكر محمد بن سهل قال: أنشدني بعض أصحابنا: من المنسرح أعتقني سوء ما صنعت من الر ... ق فيا بردها على كبدي فصرت عبداً للسوء فيك وما ... أحسن سوءٌ قبلي إلى أحد توفي أبو العباس أحمد بن منصور ليلة الجمعة الحادي والعشرين من شعبان سنة ثمان وستين وأربع مئة. وفي ذلك الشهر بعينه نزلت الأتراك على دمشق. أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح أبو الحسين الأطرابلسي الشاعر الرفاء كان أبوه منير منشداً ينشد أشعار العوني في أسواق أطرابلس، ويغني، ونشأ أبو الحسين وحفظ القرآن، وتعلم اللغة والأدب، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، وكان رافضياً يعتنق مذهب الإمامية، وكان هجاء خبيث اللسان، يكثر الفحش في شعره، ويستعمل فيه الألفاظ العامية. فلما كثر الهجو منه سجنه بوري بن طغتكين أمير دمشق مدةً، وعزم على قطع لسانه، فاستوهبه يوسف بن فيروز فوهبه له وأمر بنفيه من دمشق. فلما ولي ابنه إسماعيل بن بوري عاد إلى دمشق ثم تغير عليه إسماعيل لشيء بلغه عنه فطلبه، وأراد صلبه، فهرب واختفى في مسجد الوزير أياماًن ثم خرج عن دمشق، ولحق بالبلاد الشمالية ينتقل من حماه إلى شيرز إلى حلب، ثم قدم دمشق آخر قدمة صحبة الملك العادل لما حاصر دمشق الحصر الثاني. فلما استقر الصلح دخل البلد ورجع مع العسكر إلى حلب. فمات بها في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمس مئة. وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وأربع مئة بطرابلس فمن شعره: من الكامل أخلى فصد عن الحميم وما اختلى ... ورأى الحمام يغصه فتوسلا ما كان واديه بأول مرتعٍ ... ذعرت طلاوته طلاه فأجفلا

وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... في منزلٍ فالحزم أن يترحلا كالبدر لما أن تضاءل نوره ... طلب الكمال فحازه متنقلا ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً ... أفلا فليت بهن ناصية الفلا فارق ترق كالسيف سل فبان في ... متنيه ما أخفى القراب وأخملا لا ترض عن دنياك ما أرضاك من ... دنسٍ وكن طيفاً حلا ثم انجلا وصل الهجير بهجر قومٍ كلما ... أمطرتهم عسلاً جنوا لك حنظلا من غادرٍ خبثت مغارس وده ... فإذا محضت له الوفاء تأولا أو حلف دهرٍ كيف مال بوجهه ... أمسى كذلك مدبراً أو مقبلا لله علمي بالزمان وأهله ... دنت الفضيلة عندهم أن تكملا طبعوا على لؤم الطباع فخيرهم ... إن قلت قال وإن سكت تقولا قال الخطيب السديد أبو محمد عبد القاهر بن عبد العزيز خطيب حماه: رأيت أبا الحسين بن منير الشاعر في النوم بعد موته، وأنا على قرنة بستان مرتفعة، فسألته عن حاله وقلت له: اصعد إلى عندي فقال: ما أقدر من رائحتي فقلت تشرب الخمر؟ فقال: شر من الخمر يا خطيب فقلت: ما هو؟ فقال: تدري ما جرى علي من هذه القصائد التي قلتها في مثالب الناس؟ فقلت له: ما جرى عليك منها؟ فقال: لساني قد طال وثخن وصار مد البصر، وكلما قرأت قصيدة منها قد صارت كلاباً يتعلق في لساني، وأبصرته حافياً عليه ثياب رثة إلى غاية، وسمعت قارئاً يقرأ من فوقه " لهم من فوقهم ظلل من النار " الآية ثم انتبهت مرعوباً.

أحمد بن موسى بن الحسين بن علي

أحمد بن موسى بن الحسين بن علي أبو بكر بن السمسار أخو أبي العباس وأبي الحسن حدث عن أبي بكر محمد بن خريم بن عبد الملك بن مروان بسنده عن أمر كرز الخزاعية قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة. أحمد بن موسى الهاشمي مولاهم حدث بدمشق عن عبيد بن آدم بن أبي إياس بسنده عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن المتحابين في الله في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، على منابر من نور يفزع الناس ولا يفزعون، إذا أراد الله بأهل الأرض عذاباً ذكرهم فصرف العذاب عنهم بفضل منزلتهم منه. أحمد بن المؤمل الدمشقي قال أحمد بن المؤمل: حفر حفيرة بدمشق فاستخرج منها حجر فيه مكتوب منقوش: من الوافر أيضمن لي فتى ترك المعاصي ... وأرهنه الكفالة بالخلاص أطاع الله قومٌ فاستراحوا ... ولم يتجرعوا غصص المعاصي

أحمد بن مهدي بن رستم

أحمد بن مهدي بن رستم أبو جعفر الأصبهاني المدني أحد الثقات الأثبات. حدث عن أبي اليمان الحكم بن نافع بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركب فرساً فصرع عنه فخمش شقه الأيمن قال أنس: فصلى بنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ صلاة من الصلوات وهو قاعد، فصلينا وراءه قعوداً فقال حين سلم: إنما الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون. وحدث عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري بسنده عن عائشة قالت: كنت أطيب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند حله وإحرامه بأطيب ما أقدر عليه. قال أحمد بن مهدي: أردت أن أكتب كتاب الأموال لأبي عبيد فخرجت لأشتري ماء الذهب فلقيت أبا عبيد فقلت: يا أبا عبيد، رحمك الله أريد أن أكتب الأموال بماء الذهب فقال: اكتبه بالحبر فإنه أبقى. توفي أبو جعفر أحمد بن رستم في شوال سنة اثنتين وسبعين ومئتين: وقيل في رمضان. وكان ظاهر الثروة، صاحب ضياع، لم يحدث في وقته من الأصبهانيين أوثق منه، وأكثر حديثاً. صاحب الكتب والأصول الصحاح، أنفق عليها نحواً من ثلاث مئة ألف درهم، لم يعرف له فراش منذ أربعين سنة، صاحب صلاة واجتهاد. وتوفي أحمد بن مهدي سنة اثنتين وسبعين ومئتين في شوال.

من اسم أبيه على حرف النون

من اسم أبيه على حرف النون أحمد بن نصر بن زياد أبو عبد الله القرشي النيسابوري المقرىء الزاهد الفقيه رحل إلى الشام. حدث بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن رجلاً ممن قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله عز وجل إلا تبارك. فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه فقال لها: إنك من كتاب الله، وإني أكره مساءتك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضراً ولا نفعاً فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الرب تبارك وتعالى فاشفقي له، فتنطلق إلى الرب تبارك وتعالى فتقول: أي رب، إن فلاناً عمد إلي من بين كتابك فتعلمني وتلاني، أفتحرقه أنت بالنار وتعذبه وأنا في جوفه فإن كنت فاعلاً ذاك به فامحني من كتابك، فيقول: ألا أراك غضبت؟ فتقول: وحق لي أن أغضب. قال: فيقول: اذهبي فقد وهبته لك، وشفعتك فيه. قال: فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول مرحباً بهذا الفم فربما تلاني ومرحباً بهذا الصدر فربما وعاني، ومرحباً بهاتين القدمين فربما قامتا بي وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه. فلما حدث بهذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد بالمدينة إلا تعلمها وسماها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المنجية. قال أحمد بن نصر المقرىء: سألت أبا مسهر الدمشقي قلت: من يقول الإيمان قول؟ قال: مرجىء ومبتدع. قلت: فالإيمان قول وعمل؟ قال: نعم. قلت: ويزيد وينقص؟ قال: نعم، كان الأوزاعي يقول: ما من شيء يزيد إلا وينقص.

أحمد بن نصر بن شاكر بن عمار

كان أبو عبد الله أحمد بن نصر ثقة، صاحب سنة محباً لأهل الخير. توفي في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومئتين. أحمد بن نصر بن شاكر بن عمار وهو أحمد بن أبي رجاء أبو الحسن المقرىء المؤدب حدث عن إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني بسنده عن معدان بن طلحة اليعمري قال: لقيت ثوبان فقلت: حدثني حديثاً ينفعني الله به، فسكت ثم عدت لمثلها فسكت، فقلت له مثلها، فقال: عليك بالسجود، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة. ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي مثل ذلك. توفي في المحرم سنة اثنتين وتسعين ومئتين. أحمد بن نصر بن طالب أبو طالب البغدادي الحافظ حدث عن سليمان بن عبد الحميد أبو أيوب البهراني بسنده عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن الله أول شيء خلقه القلم، وأخذه بيده اليمنى وكلتا يديه يمين، فكتب ما يكون فيها من عمل معمول بر أو فجور، رطب أو يابس فأحصاه عنده في الذكر، ثم قال اقرؤوا إن شئتم " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون " فهل النسخ إلا من شيء قد فرغ منه. توفي أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ في رمضان، وقيل شوال سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة. وكان ثقة ثبتاً.

أحمد بن نصر بن محمد أبو الحسن

أحمد بن نصر بن محمد أبو الحسن ابن أبي الليث المصري الحافظ حدث عن أبي علي محمد بن هارون الأنصاري بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما من عبد يخطو خطوةً إلا سئل عنها ماذا أراد بها. أنشد أحمد بن أبي الليث المصري قال: أنشدني محمد بن جعفر النحوي بطبرستان قال: أنشدنا أبو العير لنفسه: من المديد ليس لي مالٌ سوى كرمي ... فيه لي أمنٌ من العدم لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متهم قنعت نفسي بما رزقت ... وتمطت في العلا هممي ولبست الصبر سابعةً ... هي من قرني إلى قدمي وإذا ما الدهر عاتبني ... لم يجدني كافر النعم جاء نعيه في رمضان سنة ست وثمانين وثلاث مئة. أحمد بن نصر بن محمد أبو منصور الدينوري حدث بدمشق عن أبي القاسم علي بن أحمد بن علي بن راشد العجلي بسنده عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خيركم في المئين المؤمن الخفيف الحاذ: قيل: وما الخفيف الحاذ؟ قال: الذي لا أهل له ولا ولد.

أحمد بن النضر بن بحر أبو جعفر العسكري

أحمد بن النضر بن بحر أبو جعفر العسكري حدث عن هشام بن عمار بسنده عن عائشة قالت: ذبح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمن تمتع من نسائه بقرةً. وحدث عن سعيد بن حفص النفيلي بسنده عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: اللهم بارك لأمتي في سحورها، تسحروا ولو بشربة من ماء، ولو بتمرة، ولو بحبات زبيب، فإن الملائكة تصلي عليكم. توفي أحمد بن النضر في ذي الحجة سنة تسعين ومئتين. وكان من ثقات الناس وأكثرهم كتاباً. أحمد بن نظيف بن عبد الله أبو بكر الخفاف حدث عن أحمد بن عمير بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء. أحمد بن نمير الثقفي حدث عن أبيه عن ابن أسباط أن هذا كتاب يحيى بن حمزة القاضي، كان بدمشق لبنك نصارى مدينة دمشق أنهم رفعوا إلى الأمير محمد بن إبراهيم أصلحه الله قصة، وذكروا أنهم شجر بينهم وبين رئيسهم في دينهم وجماعتهم من أهل القرى وعتاقة العرب والغرباء اختلاف وفرقة، وأنهم غلبوهم على كنائسهم وسألوه النصفة لهم منهم، والوفاء لهم بما في عهدهم، وكتابه الذي كتبه لهم خالد بن الوليد عند فتح مدينتهم فأمرني الأمير محمد بن إبراهيم بعد اجتماعهم عنده وتناصبهم الخصومة بين يديه بالنظر في أمرهم، وحملهم على ما يرى من الحق والعدل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فدعوتهم بحججهم فأتوني بكتاب خالد بن الوليد لهم فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق يوم فتحها أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم لا تهدم ولا تسكن، لهم على ذلك ذمة الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين ألايعرض لهم أحد إلا بخير إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد هذا الكتاب يوم كتب عمرو بن العاص وعياض بن غنم ويزيد بن أبي سفيان وأبو عبيدة بن الجارح ومعمر بن عتاب وشرحبيل بن حسنة وعمير بن سعد ويزيد ابن نبيشة وعبد الله بن الحارث وقضاعي بن عامر. وكتب في شهر ربيع الآخر من سنة خمس عشرة. قال يحيى بن حمزة: فنظرت في كتابهم، فوجدته خاصة لهم، وفحصت عن أمرهم فوجدت فتحها بعد حصار، ووجدت ما وراء حائطها لدفع الخيل ومراكز للرماح، ونظرت في جزيتهم فوجدتها وظيفة عليهم خاصة دون غيرهم، ووجدت أهلها عند فتحها رجلين: رجلاً رومياً قتلته الحرب أو نفته، فمساكنهم وكنائسهم قسمة بين المسلمين معروفة ليس تخفى، ورجلاً من أهلها حقن دمه هذا العهد، فمساكنهم وكنائسهم مع دمائهم لهم لم تسكن، ولم تقسم معروفة ليست تخفى. فقضيت لهم بكنائسهم حين وجدتهم أهل هذا العهد وأبناء البلد بنكاً تلادا، ووجدت من نازعهم لفيفاً طرآء، وذلك لو أنهم أسلموا بعد فتحها كان لهم صرفها مساجد ومساكن، فلهم في آخر الدهر ما لهم في أوله، وأثبت في الأصول قبل وأشهدت الله عليه وصالح المؤمنين وفاء بهذا العهد الذي عهده لهم السابقون الأخيار. فإن يكن بينهم خاصة في ذلك اختلاف نظر لهم، وقضيت لمن نازعهم بما كان لهم فيها من حلية أو آنية أو كسوة أو عرصة أضافوا ذلك إليها، يدفع ذلك إليهم بأعيانه إن قدروا عليه وسهل قبضه أو قيمة عدل يوم ينظر فيه. شهد على ذلك.

أحمد بن نهيك كاتب عبد الله بن طاهر

أحمد بن نهيك كاتب عبد الله بن طاهر قدم معه دمشق. حدث أحمد بن أبي طاهر أن عبد الله بن طاهر لما خرج إلى المغرب كان معه كاتبه أحمد بن نهيك. فلم نزل دمشق أهديت إلى أحمد بن نهيك هدايا كثيرة في طريقه وبدمشق، وكان يثبت كل ما يهدى إليه في قرطاس، ويدفعه إلى خازن له. فلما نزل عبد الله بن طاهر دمشق أمر أحمد بن نهيك أن يغدو عليه بعمل كان أمره أن يعمله، فأمر خازنه أن يخرج إليه قرطاساً فيه العمل الذي أمر بإخراجه، ويضعه في المحراب لئلا ينساه في السحر عند ركوبه، فغلط الخازن فأخرج إليه القرطاس الذي فيه ثبت ما أهدي إليه فوضعه في المحراب. فلما صلى أحمد بن نهيك الفجر أخذ القرطاس من المحراب ووضعه في حقه. فلما دخل على عبد الله بن طاهر سأله عما يقدم إليه من إخراجه العمل الذي أمره به فأخرج الدرج ودفعه إليه فقرأه عبد الله من أوله إلى آخره، وتأمله ثم أدرجه ودفعه إلى أحمد بن نهيك وقال له: ليس هذا الذي أردت. فلما نظر أحمد بن نهيك فيه أسقط في يده. فلما انصرف إلى مضربه وجه إليه عبد الله بن طاهر يعلمه أني قد وقعت على ما في القرطاس فوجدته سبعين ألف دينار واعلم أنه قد لزمتك مؤونة عظيمة غليظة في خروجك ومعك زوار وغيرهم، وإنك محتاج إلى برهم وليس مقدار ما صار إليك يفي بمؤونتك وقد وجهت إليك بمئة ألف دينار لتصرفها في الوجوه التي ذكرتها.

من اسم أبيه على حرف الواو

من اسم أبيه على حرف الواو أحمد بن الوليد بن هشام القرشي مولى بني أمية ويعرف بالقبيطي روى عن هشام بن عمار وغيره بسنده عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في معاوية: اللهم اجعله هادياً مهدياً.

من اسم أبيه على حرف الهاء

من اسم أبيه على حرف الهاء أحمد بن هارون بن جعفر أبو العباس الدلاء البغدادي روى عن أبي جعفر محمد بن عبد الحميد الفرغاني بسنده عن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من عزى مصاباً فله مثل أجره. أحمد بن هارون بن روح أبو بكر البردعي البرديجي الحافظ من أهل برديج من أعمال بردعة من بلاد أرمينية. روى عن حسين بن علي بن الأسود بسنده عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن كفارة أحداثنا فقال: شهادة أن لا إله إلا الله. وفي رواية: عن كفارة احدانا. توفي ببغداد في رمضان سنة إحدى وثلاث مئة. وكان ثقة فاضلاً فهماً حافظاً من حفاظ الحديث المذكورين بالحفظ والفقه، ولم يغير شيبه. أحمد بن هشام بن عبد الله ابن كثير القارىء أبو الحسن الأسدي، مولى بني أسد من قريش البزار من أهل باب الصغير حدث عن محمد بن مصفر بسنده عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: أسرف عبدٌ على نفسه حتى إذا حضرته الوفاة قال لأهله: إذا أنا مت فاحرقوني ثم

أحمد بن همام بن عبد الغفار

اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من خلقه. ففعل ذلك به أهله. فقال الله عز وجل لكل شيء أخذ منه شيئاً أد ما أخذت منه فإذا هو قائم. قال الله عز وجل: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك. فغفر الله له. أحمد بن همام بن عبد الغفار ابن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، أبو حدرد المخزومي حدث عن محمد بن سعيد بن الفضل بسنده عن أبي الدرداء قال: - لا أعلمه إلا رفعه - قال: من قال في امرىء مسلم ما ليس فيه ليؤذيه حبسه الله في ردغة الخبال يوم القيامة حتى يقضي بين الناس.

من اسم أبيه على حرف الياء

من اسم أبيه على حرف الياء أحمد بن يحيى بن جابر بن داود أبو الحسن ويقال: أبو جعفر - ويقال: أبو بكر البغدادي البلاذري الكاتب. صاحب التاريخ سمع جماعة، وروى عنه جماعة. قال حمد بن يحيى البلاذري: قال لي محمود الوراق: قل من الشعر ما يبقى لك ذكره، ويزول عنك إثمه فقلت: من الخفيف استعدي يا نفس للموت واسعي ... لنجاة فالحازم المستعد قد تبينت أنه ليس للح ... ي خلودٌ ولا من الموت بد إنما أنت مستعيرةٌ ما سو ... ف تردين والعواري ترد أنت تسهين والحوادث لا تس ... هو وتلهين والمنايا تجد أي ملكٍ في الأرض أو أي حظٍ ... لامرىءٍ حظه من الأرض لحد لا ترجبي البقاء في معدن المو ... ت ودارٌ حتوفها لك ورد كيف يهوى امرؤٌ لذاذة أيا ... مٍ عليه الأنفاس فيها تعد كان البلاذري أديباً راوية، وله كتب جياد، ومدح المأمون وجالس المتوكل وتوفي في أيام المعتمد. ووسوس في آخر عمره. أحمد بن يحيى بن سهل بن السري أبو الحسين الطائي المنبجي الشاهد المقرىء النحوي حدث عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن مروان بسنده عن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح.

أحمد بن يحيى بن صالح بن بيهس

وحدث أيضاً عن أبي الحسن نظيف بن عبد الله المقرىء بسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يتطير، وكان إذا بعث غلاماً سأل عن اسمه، فإن أعجبه اسمه فرح لذلك ورئي في وجهه، وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه، وإذا دخل القرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح بها ورئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهية ذلك في وجهه. توفي سنة خمس عشرة وأربع مئة. وكان ثقة. أحمد بن يحيى بن صالح بن بيهس ابن زميل بن عمرو بن هبيرة بن زفر بن عامر بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب حدث أحمد بن يحيى بن صالح عن أبيه قال: قال عبد الله بن طاهر لأخي محمد بن صالح بن بيهس: إنك لتعدد ما قمت به لأمير المؤمنين كأنك طاهر بن الحسين! فقال له محمد بن صالح: إن طاهر بن الحسين حارب عن دولة أمير المؤمنين بمال أمير المؤمنين ورجاله، وأنا حاربت عن دولة أمير المؤمنين بمالي وعشيرتي. فقال له عبد الله بن طاهر: أنشدني شعرك الذي كتبت به إلى المأمون لما وجهت برأس القاسم بن أبي العميطر فأنشده: مجزوء الرمل أبلغا اليوم على البع ... د أمير المؤمنينا أنني أهلكت بالشا ... م أمير المجرمينا وقتلت ابن عظيم ال ... مارقين المعتدينا قاسماً لما غدا يس ... تحلب الحرب الزبونا وعلى معتمرٍ كر ... رت مرداةً طحونا لم تدع بالشام كبشاً ... من كباش العبشمينا ظالماً إلا سقينا ... هـ بها كأس المنونا ليت شعري أأتي المأ ... مون أنا قد عنينا

أحمد بن يحيى من أهل حجر الذهب

بالذي صار إليه ... في أمور المسلمينا وكفيناه ببيضٍ ... مرهفاتٍ من يلينا أحمد بن يحيى من أهل حجر الذهب مقعد. حدث بسنده عن جابر قال: أتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبر عبد الله بن أبي بعد ما دفن وأمر به فأخرج، فوضعه على ركبتيه، أو فخذيه، فنفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه. أحمد بن يحيى أبو بكر السنبلاني الأصبهاني من أهل سنبلان، محلة بأصبهان. قدم دمشق. حدث عن هارون بن سعيد، أبو عبد الرحمن الراعي الأصبهاني، وكان من خيار الناس بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من صلى علي في كتابه لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب. قال أبو بكر السنبلاني: فأنا رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة جمعة في آخر الليل فقلت له: يروى عنك أنك قلت: من صلى علي في كتابه لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب، فأومأ برأسه مرتين أو ثلاثاً. أي: نعم. أحمد بن يحيى الأنطاكي حدث عن هشام بن عمار بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله عز وجل أحب لكم ثلاثاً، وكره لكم ثلاثاً: أحب لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تنضموا لمن ولاه الله أمركم، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً. وكره لكم: قيل

أحمد بن يحيى أبو عبد الله

وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. أحمد بن يحيى أبو عبد الله ابن الجلاء أحد مشايخ الصوفية الكبار صحب أباه وذا النون المصري وأبا تراب النخشبي وغيرهم. وكان عالماً ورعاً. وكان أصله بغدادياً، وأقام بالرملة وبدمشق، وكان من جلة المشايخ وأئمة القوم. سئل أبو عبد الله: ما معنى الصوفي؟ فقال: ليس يعرف من شرط العلم، ومعناه مجرد من الأسباب كأن الله معه بكل مكان فلا يمنعه الحق من علم كل مكان فسمي صوفي. كان ابن الجلاء يقول: يحتاج العبد أن يكون له شيء يعرف به كل شيء. وكان يقول: من استوى عنده المدح والذم فهو زاهد، ومن حافظ على الفرائض في أول مواقيتها فهو عابد، ومن رأى الأفعال كلها من الله فهو موحد. قال ابن الجلاء: قلت لأبي وأمي: أحب أن تهباني لله عز وجل. فقالا: قد وهبناك لله، فغبت عنهم مدة، فلما رجعت كانت ليلة مطيرة فدققت الباب فقال أبي: من ذا؟ قلت: ولدك أحمد، قال: قد كان لنا ولد فوهبناه لله عز وجل ونحن من العرب لا نسترجع شيئاً وهبناه ولم يفتح الباب. قال أبو الخير: كنت جالساً ذات يوم في موضعي هذا على باب المسجد فرفعت رأسي، فرأيت رجلاً في الهواء وبيده ركوة، فأومأ إلي فقالت له: انزل فأبى، ومر في الهواء فسئل الشيخ أبو الخير: عرفت الرجل؟ فقال: نعم، قيل له: من كان، فقال: أبو عبد الله بن الجلاء.

سئل ابو بكر محمد بن داود عن أبي عبد الله بن الجلاء: أكان يجلو المرايا والسيوف؟ قال: لا، ولكن كان إذا تكلم على قلوب المؤمنين جلاها. قال أبو عبد الله بن الجلاء: ما جلا أبي شيئاً قط، ولكنه كان يعظ الناس فيقع في قلوبهم فسمي جلاء القلوب. كان يقال: في الدنيا ثلاثة من أئمة الصوفية لا رابع لهم: أبو عثمان بنيسابور، والجنيد ببغداد، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام. قال الفرغاني: ما رأيت في عمري إلا رجلاً ونصف رجل، فقيل له: من الرجل؟ قال أبو أمية الماحوزي، والنصف رجل أبو عبد الله بن الجلاء، فقيل له: لم جعلت ذاك رجلاً وهذا نصفاً؟ قال: أبو أمية يأكل شيئاً ليس للمخلوقين فيه صنع، وأبو عبد الله بن الجلاء يأكل من رحل أبي عبد الله العطار. قال أبو عمر محمد بن سليمان بن أبي داود اللباد: حضرت مجلس أبي عبد الله بن الجلاء فحدثنا أن هارون الرشيد دخل إلى بيت الله الحرام، ومعه رجل من بني شيبة، فأقام معه طويلاً، فقال له هارون: يا شيبي، قد دخلت معي هذا البيت فهل لك من حاجة؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، إني لأستحي من الله أن أسأل في بيته غيره. قال: فأعجب هارون هذا الكلام. فلما خرج هارون من البيت أمر له بسبع بدر فقال الحسن بن حبيب لابن الجلاء يا حبيبي، أمر له بسبع بدر؟! فأعادها عليه مراراً، فقال له ابن الجلاء: كم ترددها! إذا رأيت أحداً يعظم أمر الدنيا مقته قلبي. سئل أبو عبد الله بن الجلاء عن المحبة فقال: ما لي وللمحبة، إني أريد أن أتعلم التوبة. قال أبو عمر الدمشقي: خرجنا مع أبي عبد الله بن الجلاء إلى مكة فمكثنا أياماً لم نجد ما نأكل. قال: فوقعنا

إلى حي في البرية، فإذا بأعرابية وعندها شاة فقلنا لها: بكم هذه الشاة؟ فقالت: بخمسين درهماً. فقلنا لها: أحسني فقالت بخمسة دراهم فقلنا لها: تهزئين؟ فقالت: لا، والله، ولكن سألتموني الإحسان فلو أمكنني لم آخذ شيئاً. فقال أبو عبد الله بن الجلاء: إيش الذي معكم؟ قلنا: ست مئة درهم فقال: أعطوها، واتركوا الشاة عليها فما سافرنا سفرة أطيب منها. قال أبو عبد الله بن الجلاء: كنت بمكة مجاوراً مع ذي النون فجعنا أياماً كثيرة لم يفتح لنا بشيء. فلما كان ذات يوم قام ذو النون قبل صلاة الظهر ليصعد إلى الجبل ليتوضأ للصلاة وأنا خلفه، فرأيت قشور الموز مطروحاً في الوادي وهو طري، فقلت في نفسي آخذ منه كفاً أو كفين أتركه في كمي ولا يراني الشيخ حتى إذا صرنا في الجبل ومضى الشيخ يتمسح أكلته. قال: فأخذته وتركته في كمي وعيني إلى الشيخ لئلا يراني. فلما صرنا في الجبل، وانقطعنا عن الناس التفت إلي وقال: اطرح ما في كمك يا شره، فطرحته وأنا خجل، وتمسحنا للصلاة، ورجعنا إلى المسجد وصلينا الظهر والعصر والمغرب وعشاء الآخرة. فلما كان بعد ساعة إذا إنسان قد جاء ومعه طعام عليه مكبة، فوقف ينظر إلى ذي النون، فقال له ذو النون: مر فدعه قدام ذاك، وأومأ إلي بيده، فتركه بين يدي، فانتظرت الشيخ ليأكل فلم أره يقوم من مكانه، ثم نظر إلي وقال: كل، فقلت: آكل وحدي، فقال: نعم، أنت طلبت، نحن ما طلبنا شيئاً، يأكل الطعام من طلبه، فأقبلت آكل وأنا خجل مما جرى. أو كما قال. كان أبو عبد الله بن الجلاء جالساً في المسجد وحوله جماعة، فرأى بعض من حضر على لحيته قشرة تين فنحاها منه فأراها له، فصاح وقال: تأخذ من لحيتي وتطرح في المسجد! ثم أخذها في يده، وقام إلى باب المسجد فرماها وعاد فجلس. قال ابن الجلاء: الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك، فيسهل عليك الإعراض عنها. سئل أبو عبد الله بن الجلاء - وقيل له: هؤلاء الذين يدخلون البادية بلا زاد ولا عدة يزعمون أنهم متوكلة فيموتون! قال: هذا فعل رجال الحق فإن ماتوا فالدية على القاتل.

سئل ابن الجلاء عن الفقر، فسكت حتى خلا، ثم ذهب ورجع عن قريب وقال: كان عندي أربعة دوانيق فاستحييت من الله أن أتكلم في الفقر فذهبت فأخرجتها ثم قعد وتكلم في الفقر. وكان ابن الجلاء يقول: لولا شرف التواضع لكان حكم الفقير أن يتبختر. وكان يقول: آلة الفقير صيانة فقره، وحفظ سره، وأداء فرضه. وقال ابن الجلاء: لا تضيعن حق أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه من المودة والصداقة، فإن الله تعالى فرض لكل مؤمن حقوقاً لا يضيعها إلا من لم يراع حقوق الله عليه. وقال: الدنيا أوسع رقعة وأكثر رحمة من أن يجفوك واحد، ولا يرغب فيك آخر، وأنشد: من البسيط تلقى بكل بلادٍ إن حللت بها ... أهلاً بأهلٍ وإخواناً بإخوان كان أبو عبد الله الجلاء يقول: لو أن رجلاً عصى الله بين يدي معصية أنظر إليه، ثم غاب فلا يجوز فيما بيني وبين الله عز وجل أن أعتقد فيه ذاك الذي رأيته بعيني، لأنه يمكن أنه قد تاب ورجع إلى الله عز وجل حين غاب عني. لما مات ابن الجلاء نظروا إليه وهو يضحك، فقال الطبيب: إنه حي، ثم نظر إلى مجسه فقال: إنه ميت، ثم كشف عن وجهه فقال: لا أدري هو ميت أم حي. وكان في داخل جلده عرق على شكل: الله. وقيل: هذا كان لوالده لا له. توفي أبو عبد الله بن الجلاء يوم السبت ثاني عشر رجب سنة ست وثلاث مئة.

أحمد بن أبي خالد يزيد

أحمد بن أبي خالد يزيد ابن عبد الرحمن الكاتب أبو العباس الأحول، مولى عاصم بن الوليد بن عتبة بن ربيعة أصله من الأردن. وترقت به الحال إلى أن استوزره المأمون بعد الفضل بن سهل، وكان أبو خالد كاتباً لأبي عبيد الله وزير المهدي. حدث أسد بن سالم صاحب ديوان السواد أن أحمد بن أبي خالد قال لثمامة بن أشرس: كل أحد في الدار له مغنى غيرك فإنه لا مغنى لك في دار أمير المؤمنين فقال له ثمامة: إن مغناي في الدار والحاجة إليه بينة. قال: وما الذي تصلح له؟ قال: أشاور في مثلك. هل تصلح لمن معك أو لا تصلح؟ قال: فأفحم فما رد عليه جواباً. قال الصولي: وكان ثمامة لما قتل الفضل بن سهل قد بعث إليه المأمون في الليل فعرض عليه الوزارة وألح عليه فيها، وقال له المأمون: أريدك لكذا وكذا، فقال: إني لا أقوم بذلك يا أمير المؤمنين، وإني لأضن بموضعي وحالي أن تزول، ولم أر أحداً يعرض للخدمة والوزارة إلا لم يكد تسلم حاله، ولا تدوم منزلته، فأعفاه منها، وقال له: فأشر علي برجل يصلح لما عرفتك، فقال: أحمد بن أبي خالد الأحول يقوم بالخدمة، إلى أن ينظر أمير المؤمنين من يصلح، فدعاه المأمون، وأمره بلزوم الخدمة. فلما تمكن له الأمر واستوثقت له الحال تذمم المأمون من تنحيته عن الأمر. قال أبو العباس أحمد بن أبي خالد: كنت يوماً عند المأمون أكلمه في بعض الأمر فحضرتني عطسة فرددتها، وفهم المأمون ذلك، وقال: يا أحمد، لم فعلت هذا؟ أما علمت أنه ربما قتل ولسنا نحمل أحداً على هذه الخطيئة، فدعوت له وقلت: يا أمير المؤمنين ما سمعت كلمةٌ لملك أشرف من هذه. قال: بلى، كلمة هشام حين أراد الأبرش الكلبي أن يسوي عليه ثوبه فقال له هشام: إنا لا نتخذ الإخوان خولاً.

أحمد بن يعقوب بن عبد الجبار

ومن كلام أحمد بن أبي خالد: لا يعدن شجاعاً من لم يكن جواداًن فإن من لم يقدر على نفسه بالبذل لم يقدم على عدوه بالقتل. وذكر عن بعض أهل العلم أنه قال: كان الناس يقولون: إن الشجاع لا يكون بخيلاً، وإن الشجاعة والبخل لا يجتمعان. وذلك أن من جاد بنفسه كان بماله أجود، حتى نشأ عبد الله بن الزبير فكان من الشجاعة بحيث لا يدانيه كبير أحد وكان من البخل على مثل هذا الحد، وعلى قول من أنكر اجتماع الشجاعة والبخل قوله من البسيط يجود بالنفس إن ضن الجبان بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود قال أحمد بن أبي داود: لما مات أحمد بن أبي خالد وزير المأمون في آخر سنة اثنتي عشرة ومئتين صلى عليه المأمون، ووقف على قبره، فلما دلي في قبره قال: رحمك الله، أنت والله كما قال الشاعر: من الطويل أخو الجد إن جد الرجال وشمروا ... وذو باطلٍ إن كان في القوم باطل وقيل: مات في ذي القعدة سنة إحدى عشرة ومئتين. أحمد بن يعقوب بن عبد الجبار ابن بغاطر بن مصعب بن سعيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو بكر القرشي الأموي الجرجاني حدث أحمد بن يعقوب بسنده عن الزهري أنه كان عن عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، فأراد أن يقوم فأجلسه، ثم قدمت المائدة. فلما فرغوا من الأكل قدموا البطيخ، فقال الزهري: يا أمير المؤمنين، روينا عن بعض عمات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: البطيخ قبل الطعام يغسل البطن غسلاً، ويذهب الداء أصلاً، فقال له عبد الملك لو أخبرتني يابن شهاب قبل هذا لفعلنا كذلك. ثم دعا بصاحب الخزانة فساره في أذنه، فذهب ثم رجع ومعه مئة ألف درهم فأمره فوضعها بين يدي الزهري.

وحدث أحمد بن يعقوب بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا أردت أن يذكرك الله عنده فأكثري من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. قال أحمد بن يعقوب: دخلت مع خالي بغداد سنة ثلاثٍ وثلاث مئة، وبغداد تغلي بالعلماء والأدباء والشعراء وأصحاب الحديث وأهل الأخبار، والمجالس عامرة وأهلها متوافرون، فأردت أن أطوف المجالس كلها، وأخبر أخبارها، فقيل لي: إن ههنا شيخاً يقال له أبو العبرطن أملح الناس، فرحلنا ولم ندخل عليه وفي القلب منه ما فيه. فلما توفي خالي وعدت إلى بغداد سألت عن أبي العبرطن فقيل: يعيش، وله مجلس، فعمدت إلى الكاغد والمحبرة، وقصدت الشيخ، فإذا الدار مملوءة من أولاد الملوك والأغنياء وأولاد الهاشميين بأيديهم الأقلام يكتبون، وإذا مستملٍ قائم في صحن الدار، وإذا شيخ في صدر الدار ذو جمال وهيئة قد وضع في رأس طاق خف مقلوب، واشتمل بفرو أسود قد جعل الجلد مما يلي بدنه، فجلست في أخريات القوم، وأخرجت الكاغد وانتظرت ما يذكر من الإسناد، فلما فرغوا قال الشيخ: حدثنا الأول عن الثاني عن الثالث أن الزنج والزط كلهم سود. وحدثني خرباق عن يناق قال: مطر الربيع ماء كله. وحدثني دريد عن رشيد قال: الضرير يمشي رويداً. قال أبو بكر: فبقيت أتعجب من أمر الشيخ، فطلبت منه خلوة في أيام أعود إليه كل يوم فلا أصل إليه حتى كانت الليلة التي يخرج فيها الناس إلى الغدير اجتزت بباب داره، فإذا الدار ليس فيها أحد فدخلت، فإذا الشيخ وحده جالس في صدر الدار، فدنوت منه، وسلمت عليه فرحب بي، وأدناني، وجعل يسائلني، فرأيت منه من جميل المحيا والعقل والأدب والظرافة واللباقة ما تحيرت، فقال لي: هل لك من حاجة؟ قلت: نعم، قال: وما هي؟ قلت: قد تحيرت في أمر الشيخ وما هو مدفوع إليه. مما لا يليق بعقله وحسن أدبه وبيانه وفصاحته، فتنفس تنفساً شديداً ثم قال: إن السلطان أرادني على عمل لم أكن

أحمد بن يوسف بن خالد بن سالم بن زاوية أبو الحسن السلمي النيسابوري

أطيقه وحبسني في المطبق أيام حياته. فلما ولي ابنه عرض علي ما عرض علي أبوه فأبيت، فحبسني وردني إلى أسوأ ما كنت فيه، وذهب من يدي ما كنت أملكه، واخترت سلامة الدين، ولم أتعرض لشيء من الدنيا بشيء من ديني، وصنت العلم عما لا يليق به، فلم أجد وجهاً لخلاصي فتحامقت ونجوت بها. وها أنذا في رغد من العيش. أحمد بن يوسف بن خالد بن سالم بن زاوية أبو الحسن السلمي النيسابوري المعروف بحمدان أحد الثقات الأثبات. حدث بسنده عن عمير بن هانىء أنه سمع معاوية وهو على المنبر يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لايضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس. وحدث بسنده عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رفعت إلي السدرة فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران ونهران باطنان، فأما الظاهران فالنيل والفرات، وأما الباطنان فنهران في الجنة. وأتيت بثلاثة أقداح: قدح فيه لبن، وقدح فيه عسل، وقدح فيه خمر، فأخذت الذي فيه اللبن فقيل لي: أصبت الفطرة أنت وأمتك. مات أحمد بن يوسف السلمي سنة أربع وستين ومئتين. وقيل: سنة ثلاث وستين ومئتين. أحمد بن يوسف بن خالد أبو عبد الله التغلبي صاحب أبي عبيد حدث عن هشام بن عمار بسنده عن علي رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكل الربا، وموكله وكاتبه، والواشمة والمستوشمة، والمستحل والمستحل له ومانع الصدقة.

أحمد بن يوسف بن عبد الله

وفي رواية غيره: لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه. توفي أحمد بن يوسف في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين ومئتين. وقيل: في رجب. أحمد بن يوسف بن عبد الله أبو نصر الشعراني العرقي الأديب حدث بأطرابلس في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة بسنده عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: عجب ربنا تبارك وتعالى من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل. أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح أبو جعفر الكاتب أصله من الكوفة. ولي ديوان الرسائل للمأمون. يقال: إنه من بني عجل، وكان له أخ يقال له القاسم بن يوسف كان شاعراً كاتباً، وهما وأولادهما جميعاً أهل أدب وطلب للشعر والبلاغة. قال أحمد بن يوسف الكاتب: رآني عبد الحميد بن يحيى أكتب خطاً رديئاً، فقال لي: إن أردت أن يجود خطك فأطل جلفتك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها ثم قال: من الطويل إذا جرح الكتاب كان قسيهم ... دوايا وأقلام الدوي لهم نبلا والجلفة: فتحة رأس القلم. قال رجل لأحمد بن يوسف كاتب المأمون: والله ما أدري أيك أحسن: أما وليه من خلقك أم ما وليته من أخلاقك؟

ومن شعر أحمد بن يوسف: من البسيط يزين الشعر أفواهاً إذا نطقت ... بالشعر يوماً وقد يزري بأفواه قد يرزق المرء لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي ما مسني من غنى يوماً ولا عدمٍ ... إلا وقولي عليه: الحمد لله ومن شعر أحمد بن يوسف أيضاً: من الطويل إذا قلت في شيء نعم فأتمه ... فإن نعم دين على الحر واجب وإلا فقل: لا، واسترح وأرح بها ... لئلا يقول الناس إنك كاذب ومن شعره في إفشاء السر: من الطويل إذا المرء أفشى سره بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي استودعته السر أضيق كان لأحمد بن يوسف جاريةٌ مغنيةٌ شاعرةٌ يقال لها: نسيم، وكان لها من قلبه مكان، فقالت وقد غضب عليها: من الطويل غضبت بلا جرمٍ علي تجرماً ... وأنت الذي تجفو وتهفو وتغدر سطوت بعز الملك في نفس خاضعٍ ... ولولا خضوع الرق ما كنت أصبر فإن تتأمل ما فعلت تقم به ال ... معاذير أو تظلم فإنك تقدر فرضي عنها، واعتذر إليها، وقالت ترثيه: من البسيط نفسي فداؤك لو بالناس كلهم ... ما بي عليك تمنوا أنهم ماتوا وللورى موتةٌ في الدهر واحدةٌ ... ولي من الهم والأحزان موتات ومن شعره: مجزوء الكامل قلبي يحبك يا منى ... قلبي ويبغض من يحبك لأكون فرداً في هوا ... ك فليت شعري كيف قلبك كان أحمد بن يوسف من أفاضل كتاب المأمون، وأذكاهم، وأفطنهم، وأجمعهم

أحمد بن يونس بن المسيب بن زهير

للمجالس، وكان جيد الكلام، فصيح اللسان، حسن اللفظ، مليح الخط. يقول الشعر في الغزل، والمديح، والهجاء. أشرف أحمد بن يوسف وهو في الموت على بستان له على شاطىء دجلة فجعل يتأمله؛ ويتأمل دجلة، ثم تنفس وقال متمثلاً: من البسيط ما أطيب العيش لولا موت صاحبه ... ففيه ما شئت من عيبٍ لعائبه فما أنزلوه حتى مات. ومات في سنة ثلاث عشرة. وقيل: أربع عشرة ومئتين. وهو في سخطةٍ من المأمون. أحمد بن يونس بن المسيب بن زهير ابن عمرو بن حميل بن الأعرج بن عاصم بن ربيعة بن مسعود بن منقذ بن كوز بن كعب بن بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر، أبو العباس الضبي كوفي الأصل سكن بغداد، وانتقل إلى أصبهان وسمع بدمشق. حدث عن محاضر بن الموزع بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين أبي بكر كلام. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تسبوا أحداً من أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه. توفي سنة ثمان وستين ومئتين، وكتب أهل بغداد بأمانته وعدالته، وكان محله الصدق. قال أحمد بن يونس الضبي: قدمني أبي إلى الفضيل بن عياض فمسح رأسي فسمعته يقول: اللهم حسن خلقه وخلقه.

من اسمه أبان

من اسمه أبان أبان بن سعيد أبي أحيحة بن العاص ابن أمية بن عبد شمس أبو الوليد الأموي له صحبة واستعمله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بعض سراياه، ثم ولاه البحرين، وقدم الشام مجاهداً فقتل يوم أجنادين. وقيل: يوم اليرموك. وقيل: مات سنة تسع وعشرين. لما توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث أبو بكر أبان بن سعيد بن العاص إلى اليمن، فكلمه فيروز في دم داذويه فقال: إن قيساً قتل عمي غدراً على عدائه، وقد كان دخل في الإسلام، وشرك في قتل الكذاب، فأرسل أبان يعلى بن أمية إلى قيس فقال: اذهب فل له. أجب أبان بن سعيد فإن تردد فاضربه بسيفك، فقدم عليه يعلى، فقال: أجب الأمير أبان، فقال له قيس: أنت ابن عمي فأخبرني لم أرسل إلي؟ فقال له: إن ابن الديلمي كلمه فيك أنك قتلت عمه رجلاً مسلماً على عدائك، قال قيس: ما كان مسلماً لا هو ولا أنا، وكنت طالب ذحل قد قتل أبي وقتل عمي عبيدة وقتل أخي الأسود، فأقبل مع يعلى، فقال أبان لقيس: أقتلت رجلاً قد دخل في الإسلام، وشرك في قتل الكذاب؟ قال: قدرت أيها الأمير، فاسمع مني: أما الإسلام فلم يسلم لا هو ولا أنا، وكنت رجلاً طالب ذحل. وأما الإسلام فتقبل مني وأبايعك عليه، وأما يميني فهذه هي لك بكل حدث يحدثه كل إنسان من مذحج. قال: قد قبلنا منك، فأمر أبان المؤذن أن ينادي بالصلاة وصلى أبان بالناس صلاة خفيفة، ثم خطب فقال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد وضع كل دم كان في الجاهلية فمن أحدث في الإسلام حدثاً أخذناه به ثم جلس، فقال: يابن الديلمي، تعال خاصم صاحبك واختصما فقال أبان: هذا دم قد وضعه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا نتكلم فيه، وقال أبان لقيس: الحق بأمير المؤمنين يعني عمرو أنا أكتب لك أني قضيت بينكما، فكتب إلى عمر أن فيروز وقيساً اختصما عندي في دم داذويه فأقام قيس عندي البينة أنه كان في الجاهلية فقضيت بينهما.

قال سعيد بن العاص: لما قتل أبي يوم بدر كنت في حجر عمي أبان بن سعيد، وكان ولي صدق، وإنه خرج تاجراً إلى الشام فمكث هنالك سنة، ثم قدم علينا، وكان شديد السب لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شديد الحرد عليه، فلما بلغني قدومه خرجت حتى جئته، فكان أول ما سأل عنه أن قال: ما فعل محمد؟ فقال عمي عبد الله بن سعيد: هو والله أعز ما كان قط، وأعلاه أمراً، والله فاعلٌ به وفاعل، فسكت ولم يسبه كما كان يفعل، وقام القوم فمكث ليالي، ثم أرسل إلى سراة بني أمية وقد صنع لهم طعاماً. فلما أكلوا قال: ما فعل رسول الله محمد؟ قالوا: فعل الله به وفعل، وقد أكثرت من السؤال عنه فما شأنك؟ فقال: شأني والله أني ما أرى شراً دخلتم إلا دخلت فيه، ولا شراً وخيراً تركتموه إلا تركته ولم أره خيراً، تعلمون أني كنت بقرية يقال لها بامردى وكان بها راهب لم ير له وجه مذ أربعين سنة. فبينا أنا ذات ليلة هنالك إذا النصارى يطيبون المصانع والكنائس ويصنعون الأطعمة ويلبسون الثياب فأنكرت ذلك منهم فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: هذا راهب يقال له: بكا، لم ينزل إلى الأرض ولم ير فيها منذ أربعين سنة، وهو نازل اليوم، فيمكث أربعين ليلة يأتي المصانع والكنائس وينزل على الناس. فلما كان الغد نزل فخرجوا، واجتمعوا، وخرجت فنظرت إليه فإذا شيخ كبير، فخرجوا وخرج معهم يطوف فيهم، فمكث أياماً، وإني قلت لصاحب منزلي: اذهب معي إلى هذا الراهب، فإني أريد أن أسأله عن شيء فخرج معي حتى دخلنا عليه فقلت: لي إليك حاجة فاخلني فقام من عنده فقلت: إني رجل من قريش، وإن رجلاً منا خرج فينا يزعم أن الله عز وجل أرسله مثلما أرسل موسى وعيسى، فقال: ممن هو؟ فقلت: من قريش، قال: وأين بلدكم؟ قلت: تهامة ثم مكة قال: لعلكم تجار العرب أهل بيتهم، قلت: نعم، قال: ما اسم صاحبك؟ قلت: محمد، قال: ألا أصفه لك ثم أخبرك عنه؟ قلت: بلى، قال: مذ كم خرج فيكم؟ قلت: منذ عشرين سنة أو دون ذلك بقليل، قال: فهو يومئذٍ ابن أربعين سنة! قلت: أجل،

قال: وهو رجل سبط الرأس، حسن الوجه، قصد الطول شئن اليدين، في عينه حمرة، لا يقاتل ببلده ما كان فيه، فإذا خرج منه قاتل فظفر، وظهر عليه، يكثر أصحابه، ويقل عدوه، قلت: والله ما أخطأت من صفته ولا أمره واحدةً، فأخبرني عنه، قال: ما اسمك؟ قلت: أبان، قال: كيف أنت أصدقته أم كذبته؟ قلت: بل كذبته، فرفع يده فضرب ظهري بكفٍ لينة واحدة ثم قال: أيخط بيده؟ قلت: لا، قال: هو والله نبي هذه الأمة، والله ليظهرن عليكم، ثم ليظهرن على العرب، ثم ليظهرن على الأرض، لو قد خرج. فخرج مكانه، فدخل صومعته، وتشبث الناس به وما أدخله صومعته غير حديثي، فقال: اقرأ على الرجل الصالح السلام، يا قوم ما ترون؟ قالوا: والله ما كنا نحسب أن تتكلم بهذا أبداً ولا تذكره. قال سعيد: وبلغنا مكانه وسيره يريد باقي غزوة الحديبية. فلما رجع تبعه عمي فأسلم. كان خالد بن سعيد وعمرو بن سعيد قد أسلما وهاجرا إلى أرض الحبشة، وأقام غيرهما من ولد أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية على ما هم عليه، ولم يسلموا حتى كان نفير بدر، فلم يتخلف منهم أحد، خرجوا جميعاً في النفير إلى بدر، فقتل العاص بن سعيد على كفره، قتله علي بن أبي طالب، رضي الله عنه وعبيدة بن سعيد قتله الزبير بن العوام، وأفلت أبان بن سعيد فجعل خالد وعمرو يكتبان إلى أبان بن سعيد ويقولان: نذكرك الله أن تموت على ما مات عليه أبوك وعلى ما قتل عليه أخواك، فيغضب من ذلك ويقول: لا أفارق دين آبائي أبداً. وكان أبو أحيحة قد مات بمال له بالظريبة نحو الطائف وهو كافر، فأنشأ أبان بن سعيد يقول: من الطويل ألا ليت ميتاً بالظريبة شاهدٌ ... لما يفتري في الدين عمرٌو وخالد أطاعا بنا أمر النساء فأصبحا ... يعينان من أعدائنا من نكابد

فأجابه خالد بن سعيد: من الطويل أخي ما أخي لا شاتم أنا عرضه ... ولا هو عن سوء المقالة مقصر يقول إذا اشتدت عليه أموره ... ألا ليت ميتاً بالظريبة ينشر فدع عنك ميتاً قد مضى لسبيله ... وأقبل على الحي الذي هو أفقر قال: فأقام أبان بن سعيد على ما كان عليه بمكة على دين الشرك حتى قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحديبية، وبعث عثمان بن عفان إلى أهل مكة، فتلقاه أبان بن سعيد فأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وانصرف عثمان إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكانت هدنة الحديبية، فأقبل خالد وعمرو ابنا سعيد بن العاص من أرض الحبشة في السفينتين، وكانا آخر من خرج منها ومع خالد وعمرو أهلهما وأولادهما فلما كانا بالشعيبة أرسلا إلى أخيهما أبان بن سعيد وهو بمكة رسولاً وكتبا إليه يدعوانه إلى الله وحده وإلى الإسلام فأجابهما، وخرج في إثرهما حتى وافاهما بالمدينة مسلماً، ثم خرجوا جميعاً حتى قدموا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخيبر سنة سبع من الهجرة. فلما صدر الناس من الحج سنة تسع بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبان بن سعيد إلى البحرين عاملاً عليها، فسأله أبان أن يحالف عبد القيس فأذن له في ذلك وقال: يا رسول الله، اعهد إلي عهداً في صدقاتهم وجزيتهم وما تجروا به فأمره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأخذ من المسلمين ربع العشر مما تجروا به، ومن كل حالم من يهودي أو نصراني أو مجوسي ديناراً الذكر والأنثى، وكتب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى مجوسي هجر يعرض عليهم الإسلام فإن أبوا عرض عليهم الجزية بأن لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم وكتب لهم صدقات الإبل والبقر والغنم على فرضها وسنتها كتاباً منشوراً مختوماً في أسفله. قال الحسن: لما قدم أبان بن سعيد بن العاص على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا أبان، كيف تركت

أهل مكة؟ قال: تركتهم وقد جهدوا يعني المطر وتركت الإذخر وقد أعذق وتركت الثماد وقد حاص قال: فاغرورقت عينا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: أنا أنصحكم ثم أبان بعدي. قال الحسن: وكان أبان يقرأ هذا الحرف " وقالوا أإذا ضللنا في الأرض " أي نتنا. حدث عنبسة بن سعيد بن العاص أنه سمع أبا هريرة يحدث سعيد بن العاص أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث أبان بن سعيد بن العاص على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخيبر وإن حزمهم الليف، فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، فقال أبو هريرة: لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال له أبان: أنت هذا يا وبر كلاماً نحو هذا، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجلس يا أبان، ولم يقسم لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لما جاء عثمان بن عفان مكة عام الحديبية برسالة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قريش قالت له قريش: شمر إزارك، فقال له أبان بن سعيد: من المنسرح أسبل وأقبل ولا تخف أحداً ... بنو سعيد أعزة الحرم فقال عثمان: إن التشمير من أخلاقنا. قال أبو بكر بن عبد الله بن أبي جهم: خرج أبان بن سعيد بن العاص بلواء معقود أبيض وراية سوداء، يحمل لواءه رافع مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما أشرف على البحرين تلقته عبد القيس حتى قدم على المنذر بن ساوى بالبحرين. قال جعفر بن محمود بن محمد: استقبله المنذر بن ساوى على ليلة من منزله معه ثلاث مئة من قومه، فاعتنقا ورحب به وسأل عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخفى المسألة فأخبره

أبان بذكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أياه، وأنه قد شفعه في قومه، وأقام أبان بن سعيد بالبحرين يأخذ صدقات المسلمين وجزية معاهديهم، وكتب إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخبره بما اجتمع عنده من المال فبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين فحمل ذلك المال. قال عيسى بن طلحة: لما توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وارتدت العرب ارتد أهل هجر عن الإسلام فقال أبان بن سعيد لعبد القيس أبلغوني مأمني قالوا: بل أقم فلنجاهد معك في سبيل الله، فإن الله معز دينه ومظهره على ما سواه وعبد القيس لم ترجع عن الإسلام قال: بل أبلغوني مأمني فأشهد أمر أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فليس مثلي يغيب عنهم، فأحيا بحياتهم وأموت بموتهم، فقالوا، لا نفعل، أنت أعز الناس وهذا عليك وعلينا فيه مقالة، يقول قائل: فر من القتال. قال أبو بكر بن عبد الله بن أبي جهم: ومشى إليه الجارود العبدي فقال: أنشدك الله أن تخرج من بين أظهرنا فإن دارنا منيعة ونحن سامعون مطيعون ولو كنت اليوم بالمدينة لوجهك أبو بكر إلينا لمحالفتك إيانا، فلا تفعل فإنك إن قدمت على أبي بكر لامك وفيل رأيك، وقال: تخرج من عند قوم أهل سمع وطاعة ثم رجعك إلينا قال: إذاً لا أرجع أبداً ولا أعمل لأحد بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما أبى عليهم إلا كلمة واحدة قال أبان: إن معي مالاً قد اجتمع قالوا: احمله فحمل مئة ألف درهم وخرج معه ثلاث مئة من عبد القيس خفراً حتى قدم المدينة على أبي بكر فلامه أبو بكر، وقال: ألا تثبت مع قوم لم يرتدوا ولم يبدلوا. قال أبان: هم على ذلك ما أرغبهم في الإسلام وأحسن نياتهم، ولكن لا أعمل لأحد بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع: قال عمر بن الخطاب لأبان بن سعيد حين قدم المدينة: ما كان حقك أن تقدم، وتترك عملك بغير إذن إمامك ثم على هذه الحال، ولكنك أمنته فقال: أبان: إني والله، ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولو كنت عاملاً لأحد بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كنت عاملاً لأبي بكر في فضله وسابقته وقديم إسلامه، ولكن لا أعمل بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشاور

أبان بن صالح بن عمير بن عبيد

أبو بكر أصحابه فيمن يبعث إلى البحرين فقال له عثمان بن عفان: ابعث رجلاً قد بعثه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم فقدم عليهم بإسلامهم وطاعتهم، وقد عرفوه وعرفهم، وعرف بلادهم يعني: العلاء بن الحضرمي فأبى ذلك عمر عليه وقال: أكره أبان بن سعيد فإنه رجل قد حالفهم فأبى أبو بكر أن يكرهه، وقال: لا أفعل، لا أكره رجلاً يقول: لا أعمل لأحد بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأجمع أبو بكر بعثة العلاء بن الحضرمي إلى البحرين. ولما استعمل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبان بن سعيد على البحرين قالوا: يا رسول الله، أوصه بنا. قال: فوصاه بهم. وقال أبان بن سعيد: يا رسول الله، أوصهم بي فأوصاهم به، قال خالد: فهم يعدون هذا حلفاً بيننا وبينهم. وأبان بن سعيد روى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الناس معادن. استشهد يوم أجنادين. ويقال يوم مرج الصفر. واليومان جميعاً سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر. ويقال: يوم اليرموك سنة خمس عشرة في خلافة عمر بن الخطاب. وقيل مات سنة سبع وعشرين. وهو وهم وتوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبان بن سعيد عامل على البحرين لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أبان بن صالح بن عمير بن عبيد أبو بكر القرشي مولاهم أصله من العرب وأصابه سباء. حدث عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بخروا بيوتكم باللبان والمر والصعتر.

وحدث أبان عن نافع قال: خرجت مع طاوس إلى ابن رافع فسألته عن كرى الأرض، فحدثنا عن أبيه قال: كنا نعطي الأرض على النصف وما على الربيع، فنهانا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك. فلما انصرف ضرب طاوس على يدي وقال: إن كان للأرض فاكرها. دخل أبان بن صالح على عمر بن عبد العزيز فقال له: أفي ديوان أنت؟ قال: قد كنت أكره ذلك مع غيرك فأما معك فلا أبالي قال: ففرض له. وكان أبان بن صالح ثقة. قال محمد بن سعد: في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة أبان بن صالح بن عمير بن عبيد يقولون: إن أبا عبيد من سبي خزاعة الذين أغار عليهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم بني المصطلق، فوقع إلى أسيد بن أبي العيص بن أمية، فصار بعد إلى عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية فأعتقه. وقتل صالح بن عمير بالري بيتتهم الأزارقة فقتلوا في عسكرهم زمن الحجاج. وولد أبان بن صالح سنة ستين. ومات بعسقلان سنة بضع عشرة ومئة وهو ابن خمس وستين سنة. وحدث أبان عن الحسن بن مسلم بن نياق عن صفية بنت شيبة قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب عام الفتح يقول: إن الله حرم مكة.

أبان بن عثمان بن عفان

أبان بن عثمان بن عفان ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو سعيد القرشي الأموي أمه أم عمرو بنت خندف بن عمرو الدوسي حدث نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان يومئذ أمير الحاج وهما محرمان: إني قد أردت أن أنكح طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير، وأردت أن تحضر ذلك، فأنكر ذلك عليه أبان وقال: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا ينكح المحرم ولا يخطب ولا ينكح. حدث أبان بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قال إذا أصبح أو أمسى ثلاث مرات: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يصبه شيء. فأصبح أبان قد ضربه الفالج فنظر إليه بعض جلسائه فقال: والله ما كذبت ولا كذبت ولا زلت أقولها ثلاثين سنة حتى كانت هذه الليلة فأنسيتها وكان ذلك القضاء والقدر. توفي أبان بن عثمان بالمدينة في خلافة يزيد بن عبد الملك. وكان ثقة، وكان به صمم، ووضح كثير وأصابه الفالج قبل أن يموت بسنة وكان يخضب مواضع الوضح في يده ولا يخضبه في وجهه وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يتعلم القضاء من أبان بن عثمان. وكان أبان بن عثمان قد علم أشياء من القضاء من أبيه عثمان بن عفان. قال عمرو بن شعيب: ما رأيت أحداً أعلم بحديثٍ ولا فقهٍ من أبان بن عثمان. وكان من كبار التابعين. حج عثمان بن أبان على الناس سنة ست وسبعين، وحج عليهم سنة سبع وسبعين، وحج عليهم سنة تسع وسبعين، وحج عليهم سنة ثمانين، وحج سنة اثنتين وثمانين، وحج على الناس سنة ثلاث وثمانين، ونزع عن المدينة في جمادى الآخرة.

أبان بن علي الدمشقي

قال المدائني: حج معاوية بن أبي سفيان فأوصى مروان بن الحكم أبان بن عثمان بن عفان، ثم قدم فسأل أبان عن مروان فقال: أساء إذني، وباعد مجلسي، فقال معاوية: تقول ذلك في وجهه قال: نعم، فلما أخذ معاوية مجلسه وعنده مروان قال لأبان: كيف رأيت أبا عبد الملك؟ قال: قرب مجلسي وأحسن إذني. فلما قام مروان قال: ألم تقل في مروان غير هذا؟! قال: بلى، ولكن ميزت بين حلمك وجهله فرأيت أن أعلى حلمك أحب إلي من أن أتعرض لجهله. فسر بذلك معاوية، وجزاه خيراً ولم يزل يشكر قوله. أبان بن علي الدمشقي قال أبان بن علي: قال صالح بن خليفة قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إن فجار القراء اتخذوا سلماً إلى الدنيا فقالوا: ندخل على الأمراء، نفرج عن المكروب، ونكلم في محبوس. أبان بن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي أخو عبد الملك كان أميراً على البلقاء، وكان له ابن اسمه عبد العزيز، أعقب جماعة أولاد. له ذكر، وإليه تنسب أرض أبان التي بحذاء الداودية شام الأرزة من إقليم بيت لهيا. قال الزبير بن بكار في تسمية ولد مروان قال: أمهم أم أبان بنت عثمان، وهي التي شبب بها عبد الرحمن بن الحكم فقال: من الطويل واكبدا من غير جوعٍ ولا ظما ... وواكبدا من حب أم أبان

أبان بن الوليد بن عقبة

أبان بن الوليد بن عقبة ابن أبي معيط أبو يحيى القرشي قال أبان: قدم عبد الله بن عباس على معاوية وأنا حاضر، فأجازه، فأحسن جائزته ثم قال: يا أبا العباس، هل يكون لكم دولة؟ قال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتخبرني قال: نعم، قال: فمن أنصاركم؟ قال: أهل خراسان ولبني أمية من بني هاشم نطحات. وفي سنة ست وسبعين غزا محمد بن مروان الصائفة، وخرجت فيه الروم إلى الأعماق في جمادى الأولى، فلقيهم أبان بن الوليد بن عقبة ودينار بن دينار فهزمهم الله.

ذكر من اسمه إبراهيم

ذكر من اسمه إبراهيم إبراهيم الخليل عليه السلام إبراهيم بن آزر وهو تارخ بن ناحور بن شاروغ بن ارغو بن فالع بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلح بن خنوخ، وهو إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم. خليل الرحمن، يكنى أبا الضيفان. قيل: إن أمه كانت تخبؤه في كهف في جبل بقرية برزة في الموضع الذي يعرف بمقام إبراهيم إلى اليوم. روي عن ابن عباس أنه ولد إبراهيم بغوطة دمشق في برزة في جبل قاسيون. قال: والصحيح أن إبراهيم ولد بكوثى من إقليم بابل من العراق، وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه إذ جاء مغيثاً للوط النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الكلبي: أول نبي إدريس ثم إبراهيم. وروي عن مجاهد أنه قال: آزر صنم ليس بأبيه. والصحيح ما تقدم. وهو إبراهيم بن آزر في القرآن، وفي التوراة إبراهيم بن تارخ، وبعضهم يقول. آزر بن تارخ. وعن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فاي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقول الله: إني حرمت الجنة

على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة فتقتطعه النار، يريد أن يدخله الجنة. قال: فينادى أن الجنة لا يدخلها مشرك، ألا إن الله قد حرم الجنة على كل مشرك. قال: فيقول: أي رب، أبي. قال: فيحول في صورة قبيحة وريح منتنة. قال: فيتركه. قال: فكان أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرون أنه إبراهيم، ولم يزدهم إبراهيم على هذا. قال أبو حذيفة إسحاق بن بشر القرشي: وكان من قصة إبراهيم ونمروذ، أن نمروذ لما أحكم أمر ملكه، وساس أمر الناس وأذعن له الناس أخبر أنه يولد في مملكته مولود ينازعك في ملكك، ويكون سلب ملكك على يديه. قال: فدعا خيار قومه ستة رهط، فلم يترك في الرئاسة والعظم أحداً إلا اختار منهم أفضلهم، وكان سادسهم آزر أبو إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم، ثم ولى كل رجل منهم خصلة من الخصال التي كان أسس أمر ملكه عليها، وضمنها إياه، وارتهن بها رقبته إن هي ضاعت أو فسدت أو تغيرت، وقال لأولئك الرهط: أنتم خيار قومي وعظماؤهم، ولم أزل منذ سست أمر ملكي أعدكم وأختاركم، ولم يزدد في ذلك رأيي إلا قوة وفضلاً على من سواكم، وقد دعاني إلى أن أستعين بكم وأشاوركم، وإني سست أمر الملك والناس على سبع خصال، وقد وليت كل واحد منكم خصلة من تلك الخصال، نفسه بها مرتهنة عندي إن هو لم يحكمها أو يحكم أمر أهلها، فانطلقوا، فاقترعوا عليهن، فما صار لكل رجل منكم في قرعته فهو واليها وولي أهلها، وأنا له عليها وعلى أهلها عون. إني سست أمر الملك ووطنت الناس على أنه لا نعبد إلا إلهي، وعلى أنه لا سنة إلا سنتي، وعلى أنه لا أحد أولى بنفسه وماله مني، وعلى أنه لا أحد أخوف فيهم ولا أطوع عندهم مني، وعلى أنهم يد واحدة على عدوهم، وعلى أنهم خولي وعبيدي أحكم فيهم برأيي، وعلى أنه قد بلغني أنه يولد في هذا الزمان مولود فيكاثرني ويخلعني، ويرغب عن ملتي، ويقهرني، فأنا سابقكم في هذه الخصلة، وأنا وأنتم وجميع أهل مملكتي كنفس واحدة في طلبه وهلاكه ومحاربته، فمن ظفر به فله على ما احتكم، فانطلقوا فاقترعوا ثم

أعلموني ماذا صار في قرعة كل رجل منكم لكي أعرفه باسمه، وأعرف ما صار إليه. فلما اقترعوا لطف الله لما أراد من كرامة خليله وإظهاره، فصار في قرعة أبيه الآلهة التي يعبدها الناس فلا يعبد أحد من الناس صنماً لا الملك ولا غيره إلا صنماً عليه طابع آزر أبي إبراهيم، فأحكم ذلك، وقوي عليه، وصار أمينهم في أنفسهم على ذلك، لا يعدلون به ولا يتهمونه ولا يرون منه خلفاً إن هو هلك، وكان ذلك لطفاً من الله بخليله إبراهيم. فلما حملت به أمه وكانت تسمى أميلة قالت لأبيه آزر: وددت أني لو وضعت ما في بطني، فكان غلاماً فحملته أنا وأنت حتى نضعه بين يدي الملك، وهو يرى فنتولى ذبحه أنا وأنت، فإن الملك أهل ذلك منا لإحسانه إلينا وائتمانه لنا، ومتى يرك تفعل ذلك قدامه تزدد عنده رفعة وقربة ومنزلة، وكان ذلك من أم إبراهيم مكيدة وحيلة خدعت بها زوجها، لما قام في نفسها من كتمان إبراهيم إذا هي ولدته فصدقها آزر وأمنها، وظن الأمر على ما قالت. فلما حضر شهرها الذي تلد فيه قالت لزوجها: إني قد أشفقت من حملي هذا إشفاقاً لم أشفقه من حمل قبله وقد خشيت أن تكون فيه منيتي، ووطنت نفسي على الموت ولست أدري متى يبغتني، وأنا أرغب إليك بحق صحبتي إياك وتعظيمي لحقك أن تنطلق إلى الإله الأعظم الذي يعبده الملك وعظماء قومه، فتشفع لي بالسلامة والخلاص، وتعتكف عليه حتى يبلغك أني قد سلمت وتخلصت، فإن الرسل تجري فيما بيني وبينك، فإذا بلغتك السلامة رجعت إلى أهلك، وهم سالمون، وأنت محمود. قال لها آزر: لقد طلبت أمراً جميلاً واجباً لك حقه علي، وإنه فيما بيني وبينك وحق خدمتك وصحبتك يسير، وكانت أم إبراهيم تريد حين تلده وزوجها غائب أن تحفر له نفقاً تحت الأرض تغيبه فيه، فإذا رجع زوجها من عكافته أخبرته أنه قد مات، ودفن. وكانت عنده أمينة مصدقة لا يتهمها، ولا يكذبها. فانطلق الرجل حيث أمرته فاعتكف أربعين ليلة، وولد إبراهيم عليه السلام ساعة قفا أبوه، وكتمته أمه وتمكنت في أربعين ليلة من الذي أرادت من حاجتها كلها لطفاً من الله لإبراهيم، ونجاة مما أريد به حتى إذا فرغت مما أرادت، وانصرف إليها زوجها فأخبرته أنها ولدت غلاماً به عاهة شديدة ومات، واستحت أن تطلع الناس على ما به، وقبرته فصدقها زوجها، وجعلت تختلف إلى إبراهيم فتدخل إليه بالعشية، وكان جل ما يعيش به اللبن لأنه كان لا يكون مولود ذكر إلا ذبح، فسقته الألبان حولين كاملين، توجره إياه، فعاش بذلك عيشاً حسناً، وصلح عليه جسمه. فلما بلغ الفطام فصلته من ذلك اللبن، وكان إبراهيم سريع الشباب، فلما كان

ابن ثلاثة عشرة سنة وهو في السرب أخرجته أمه، فلم يشعر به أبوه حتى نظر إليه فقال لامرأته: من هذا الغلام الذي أخطأه الذبح وكيف خفي مكان هذا الغلام على الطلب والحفظة حتى بلغ مبلغه هذا؟ فلما هم أن يبطش به قالت له امرأته: على رسلك حتى أخبرك خبر هذا الغلام، اعلم أنه ابنك الذي ولد ليالي كنت معتكفاً فكتمته عنك في نفق تحت الأرض حتى بلغ هذا المبلغ، فقال لها زوجها وما الذي حملك على أن خنتني، وخنت نفسك، وخنت الملك، وأنزلت بنا من البلاء ما لا قبل لنا به بعد العافية والكرامة ورفع المنزلة على جميع قومنا؟ قالت: لا يهمنك هذا فعندي المخرج من ذلك وأنا ضامنة لك أن تزداد به عند الملك كرامة ورفعة وأمانة ونصيحة، وإنما فعلت هذا الذي فعلت نظراً لي ولك ولابنك ولعامة الناس ما أضمرت في نفسي يوم كتمت هذا الغلام وقلت: أكتمه حتى يكون رجلاً، فإن كان هو عدو الملك وبغيته التي يطلب قدناه حتى نضعه في يده، وقلنا له: دونك عدوك قد أمكنك الله منه، وقطع عنك الهم والحزن، فارحم الناس في أولادهم فقد أفنيت خولك وأهل مملكتك وإن لم يكن هو بغية الملك وعدوه فلم أذبح ابني باطلاً مع ما قد ذبح من الولدان. قال لها أبوه: ما أظنك إلا قد أصبت الرأي، فكيف لنا أن نعلم أهو عدو الملك أو غيره؟ قالت: تحبسه وتكتمه وتعرض عليه دين الملك وملته، فإن هو أجابك إلى ذلك كان رجلاً من الناس ليس عليه قتل، وإن عصانا، ولم يدخل في ملتنا علمنا علمه فأسلمناه للقتل، فلما قالت له هذا رضي به، وألقى الله في نفسه الرحمة والمحبة لإبراهيم. وكان لا يعدل به أحداً من ولده، وإذا ذكر أنه يصير للقتل يشتد وجده عليه. ما قد ذبح من الولدان. قال لها أبوه: ما أظنك إلا قد أصبت الرأي، فكيف لنا أن نعلم أهو عدو الملك أو غيره؟ قالت: تحبسه وتكتمه وتعرض عليه دين الملك وملته، فإن هو أجابك إلى ذلك كان رجلاً من الناس ليس عليه قتل، وإن عصانا، ولم يدخل في ملتنا علمنا علمه فأسلمناه للقتل، فلما قالت له هذا رضي به، وألقى الله في نفسه الرحمة والمحبة لإبراهيم. وكان لا يعدل به أحداً من ولده، وإذا ذكر أنه يصير للقتل يشتد وجده عليه. وكانت أم إبراهيم واثقة بأنه إن كان هو عدو القوم فليس أحد من أهل الأرض يطيقه ولا يقتله، ورأت أنه متى ما ينصر عليهم يكن في ذلك نجاتها ونجاة من كان من إبراهيم بسبيل، فشجعها ما كانت ترجو لإبراهيم من نصرة الله له على خلاف نمروذ ومعصيته، وذلك أوثق الأمر في نفسها، وكان نمروذ يخبر الناس قبل أن يولد إبراهيم أنه سيأتي نبي يغلبه ويظهر عليه، ويرغب عن دينه ويخلع دينه وسلطانه فذلك الذي شد لأم إبراهيم رأيها فيما ارتكبت من خلاف نمروذ وأهل ملته. وكان أبوه من شدة ما يجده من الرحمة يكتمه جهده، ويوصي بذلك أمه ويقول لها: ارفقي بابنك، ولا تعرضيه لشيء من

أمر الملك يومه هذا، فإنه غلام حدث السن لم يجتمع له رأيه ولا عقله بعد، فإذا بلغ السن واحتنك فحينئذ نفتشه وذلك منه تربص رجاء أن يحدث حادث يكون فيه لإبراهيم عافية أو مخرج لما يجد أبوه من الرحمة والمحبة والزينة التي زينه الله بها في عينه. ثم خلع إبراهيم ذلك كله ونابذهم في الله على سواء ولم يراقب شيئاً ولم يأخذه في الله هوادة ولم يخف في الله لومة لائم. وحدث الكلبي قال: كان أبو إبراهيم من أهل حران فأصابته سنة فأتى هرمزجرد ومعه امرأته أم إبراهيم واسمها يونا بنت كرينا بن كوثى من بني أرفخشذ بن سام بن نوح. وقيل: اسمها ايبونا من ولد افرايم بن أرغو بن فالع بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح وولد إبراهيم بهرمزجرد. ولما بلغ إبراهيم وخالف قومه ودعاهم إلى عبادة الله بلغ ذلك الملك نمروذ فحبسه في السجن سبع سنين ثم بنى له الحير بحصى وأوقده بالحطب الجزل، وألقى إبراهيم فيه فقال: حسبي الله ونعم الوكيل. فخرج منها سليماً لم يكلم. وعن قتادة في قوله تعالى " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض " قال: خشي إبراهيم من جبار من الجبابرة فجعل الله تبارك وتعالى له رزقاً في أصابعه، فكان إذا مص أصابعه وجد فيها رزقاً. فلما خرج أراه الله تبارك وتعالى ملكوت السموات والأرض، فكان ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار. وقال محمد بن عمر الواقدي: يقول الله عز وجل " وقروناً بين ذلك كثيراً " فكان بين نوح وآدم عشرة قرون، وبين إبراهيم ونوح عشرة قرون. فولد إبراهيم خليل الرحمن على رأس ألفي سنة من خلق آدم. قال أيوب بن عتبة قاضي اليمامة: كان بين آدم ونوح عشرة آباء وذلك ألف سنة، وكان بين نوح وإبراهيم عشرة آباء

وذلك ألف سنة، وكان بين إبراهيم وموسى سبعة آباء ولم يسم السنين، وكان بين موسى وعيسى ألف وخمس مئة سنة، وكان بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهم جميعاً ست مئة سنة. وهي الفترة. وكان إبراهيم يكنى أبا الضيفان، وكان لقصره أربعة أبواب لكيلا يفوته أحد. قال مجاهد: كنت جالساً عند ابن عباس فذكروا الدجال، فقال: ما يقولون؟ قال: يقولون إنه مكتوب بين عينيه ك ف ر قال: لم أسمع، ولكنه قال: يعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فرجل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبة، كأني أنظر إليه قد انحدر في الوادي يلبي. وفي حديث آخر عن أبي هريرة وأما عيسى فرجل أحمر بين القصير والطويل، سبط الشعر كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس يعني الحمام، تخال رأسه يقطر ماء، وأشبه من رأيت به عروة بن مسعود. قال يعقوب بن محمد بن طحلا: كنا نبيع البز فيمر بنا إسحاق بن يسار مولى قيس بن مخرمة فيقول لنا: الزموا تجارتكم فإن أباكم إبراهيم عليه السلام كان بزازاً. وعن ابن عباس في قوله عز وجل " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض " يعني به الشمس والقمر والنجوم. لما رأى كوكباً " قال: هذا ربي " حتى غاب، فلما غاب " قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي " حتى غاب، فلما غاب " قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغةً قال هذا ربي، هذا أكبر " حتى غابت " قال يا قوم إني بريءٌ مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض " الآية.

قال أبو سعيد الخدري: قال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن داود سأل ربه فقال: يا رب، إنه يقال: رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب فاجعلني رابعهم، حتى يقال: رب داود فقال: يا داود إنك لن تبلغ ذلك، وإن إبراهيم لم يعدل بي شيئاً قط إلا آثرني عليه إذ يقول: إنكم وما تعبدون " أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين " يا داود، وأما إسحاق فإنه جاد بنفسه لي في الذبح، وأما يعقوب فإني ابتليته ثمانين سنة فلم يسىء بي الظن ساعة قط. فلن تبلغ ذلك يا داود. حدث زيد بن أسلم أن إبراهيم النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم فيما بلغه مر على ناس يمتارون طعاماً، فانطلق معهم حتى قدم على ملك من الملوك يقال له نمروذ. كلما مر عليه رجل منهم يقول له نمروذ: من ربك؟ فيقول، أنت ويسجد له ويأمر له بالطعام، حتى مر عليه إبراهيم فقال له: من ربك؟ فقال: الذي يحيي ويميت " قال: أنا أحيي وأميت " إن شئت أحييك وإن شئت أمتك " قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر " وأمرهم ألا يعطوه شيئاً، فانطلق، وانطلق أصحابه الذين كانوا معه قد أعطوا الطعام غيره، حتى إذا كان قريباً من أهله قال: والله، إن دخلت على أهلي وليس معي شيء ليهلكن بي وليموتن، فانطلق إلى كثيب أعفر فملأ منه غرارتيه، ثم انطلق حتى دخل على أهله فقال لهم: انظروا ألا تمسوا من هاتين الغرارتين شيئاً، ثم أمر امرأته أن تفلي رأسه فطفقت امرأته تفلي رأسه حتى رقد، فقالت امرأته: والله ما عندي شيء أصنعه لإبراهيم ولقد قدم نصباً، ولأسرقن من الغرارتين فلأصنعن حريرة، ففتحت الغرارتين فإذا هو أجود طعام ودقيق رئي قط، فصنعت له حريرة. فلما استيقظ قربته إليه فقال لها: من أين هذا؟ قالت: سرقته من الغرارة. فضحك. وعن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لم يكذب إبراهيم عليه السلام قط إلا ثلاث مرات: قوله في آلهتهم فلعه كبيرهم هذا، وحين دعوه إلى أن يحج إلى آلهتهم فقال: إني سقيم، وقوله: إن سارة أختي.

وعن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قول إبراهيم " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " في كذباته الثلاث قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إن سارة أختي. ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله. وعن أبي هريرة من حديث قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خرج إبراهيم يسير في أرض جبار من الجبابرة ومعه سارة وكانت من أجمل النساء، فبلغ ذلك الجبار أن في عملك رجلاً معه امرأة ما رأى الراؤون أجمل منها، فأرسل إليه فأتاه فسأله عن المرأة التي معك قال: أختي. قال: فابعث بها إلي فبعث معه رسولاً فأتاها فقال: إن هذا الجبار سألني عنك فأخبرته أنك أختي وأنت أختي في الإسلام، وسألني أن أرسلك إليه فاذهبي إليه، فإن الله سيمنعه منك. قال: فذهبت إليه مع رسوله، ولما أدخلها عليه وثب إليها فحبس عنها، فقال لها: ادعي إلهك الذي تعبدين أن يطلقني ولا أعود فيما تكرهين، فدعت الله فأطلقه، ففعل ذلك ثلاثاً، ثم قال للذي جاء بها: أخرجها عني فإنك لم تأتني بأنسية إنما أتيتني بشيطانة، فأخدمها هاجر، فرجعت إلى إبراهيم فاستوهبها منها فوهبتها له. قال محمد بن سيرين: فهي أمكم يا بني ماء السماء يعني: العرب. وروي عن سلمان قال: جوع لإبراهيم أسدان ثم أرسلا عليه، فجعلا يلحسانه ويسجدان له. حدث أبو الأحوص عن عبد الله قال: خرج قوم إبراهيم إلى عيد لهم، فمروا عليه فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا قال " إني سقيم " وقد كان قال قبل ذلك " وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " فسمعه إنسان منهم. فلما خرجوا إلى عيدهم انطلق إلى أهله فأخذ طعاماً، ثم انطلقوا إلى آلهتهم فقربه إليهم " فقال: ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضرباً

باليمين " فكسرها إلا كبيراً لهم ثم ربط في يده الذي كسر به آلهتهم فلما رجع القوم من عيدهم دخلوا فإذا هم بآلهتهم قد كسرت، وإذا كبيرهم في يده الفأس الذي كسر به الأصنام " فقالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين " فقال الذين سمعوا إبراهيم بالأمس يقول: " وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " " قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " إلى قوله ما لكم لا تنطقون، فجاهرهم إبراهيم عند ذلك فقال: " أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم " إلى قوله " إن كنتم فاعلين " قال: فجمعوا له الحطب، ثم طرحوه وسطه، ثم أشعلوا النار عليه، فقال الله " يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم " قال أبو إسحاق: فسمعت سليمان بن صرد يقول: لما جاؤوا ينظرون إليه إذا النار لم تصبه شيئاً قال أبو لوط عند ذلك وهو عمه: أنا صرفتها عنه، فأرسل الله عتقاً منها فأحرقته فتركته حممةً. قال مقاتل وسعيد: أول من اتخذ المنجنيق نمروذ، وذلك أن إبليس جاءهم لما لم يستطيعوا أن يدنوا من النار قال: أنا أدلكم، فاتخذوا لهم المنجنيق وجيء بإبراهيم فخلعوا ثيابه، وشدوا قماطه، فوضع في المنجنيق، فبكت السموات والأرض والجبال والشمس والقمر والعرش والكرسي والسحاب والريح والملائكة كل يقول: يا رب إبراهيم، عبدك بالنار يحرق فأذن لنا في نصرته، فقالت النار، وبكت: يا رب، سخرتني لبني آدم وعبدك يحرق بي، فأوحى الله إليهم: إن عبدي إياي عبد، وفي حبي أوذي، إن دعاني أجبته، وإن استنصركم فانصروه، فلما رمي استقبله جبريل بين المنجنيق والنار فقال: السلام عليك يا إبراهيم، أنا جبريل ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، حاجتي إلى الله ربي، فلما أن قذف سبقه

إسرافيل فسلط على قماطه وقال الله " يا نار كوني برداً وسلاماً " فلو لم يخلط بالسلام لكز فيها برداً ودخل جبريل وأنبت الله حوله روضة خضراء وبسط له بساط من درنوك الجنة، وأتي بقميص من حلل جنة عدن فألبس وأجري عليه الرزق غدوة وعشياً، إسرافيل عن يمينه وجبريل عن يساره حتى رأى الملك الرؤيا، ورأى الناس فأكثروا القول فيه. قال سفيان: لما وضع إبراهيم في المنجنيق جاءه جبريل عليه السلام فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، ليس لي حاجة إلا إلى الله فأوحى الله إلى النار لئن نلت من إبراهيم أكثر من حل وثاقه لأعذبنك عذاباً لا أعذبه أحداً من خلقي. قال معتمر بن سليمان: قالت السموات: يا رب، خليلك يلقى في النار فيك، قال: قد أرى، وإن استغاثك فأغيثيه. فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، قال: فمر به جبريل فقال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال بكر بن عبد الله المزني: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار ضجت عامة الخليقة إلى ربها فقالوا: يا رب، خليلك يلقى في النار ائذن لنا فنطفىء عنه، فقال جل وعز: خليلي! ليس لي خليل غيره في الأرض، وأنا إلهه ليس له غيري، فإن استعان بكم فأعينوه وإلا فدعوه. قال: وجاء ملك القطر فقال: يا رب خليلك يلقى في النار فأذن لي فأطفىء عنه بقطرة واحدة، فقال عز وجل: هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره، وأنا إلهه ليس له إله غيري فإن استغاث بك فأغثه، وإلا فدعه. قال: فلما ألقي في النار قال الله تعالى " يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم " قال: فبردت النار يومئذٍ على أهل الشرق والغرب فلم ينضج بها كراع.

وقال عكرمة: إن نار الدنيا كلها خمدت لم ينتفع بها أحد من أهلها. ولما أخرج الله إبراهيم من النار زاده الله في حسنه وجماله سبعين ضعفاً. ولما ألقي في النار قالت أمه: لقد كان ابني يقول: إن له رباً يمنعه، وأراه يلقى في النار فما ينفعه، وإني مطلعة على هذه النار أنظر إلى ابني ما فعل. قال عكرمة: فعملت لها سلماً ثم اطلعت على السلم حتى إذا هي أشرفت أبصرت إبراهيم في وسط النار، فنادته أمه: يا إبراهيم. فلما رآها قال لها: يا أمه، ألا ترين ما صنع الله بي؟ قالت: يا بني، لولا أني أخاف النار لمشيت إليك قال: يا أمه انزلي وتعالي فقالت: يا بني فادع إلهك أن يجعل لي طريقاً فدعا ربه فجعل لها طريقاً ثم نزلت فقالت: إني أخاف، فقال: يا أمه لا تخافي هل تجدين من حر النار شيئاً قالت: لا. فسارت إليه حتى إذا دنت منه ضمت إبراهيم عليه السلام إلى صدرها، وجعلت تقبله فقال لها: يا أمه، فارجعي مما أنت عليه، فالتفتت لترجع فإذا بالنار على ممرها، فقالت: أسألك بحق إلهك إلا دعوت ربك أن يبعد النار من طريقي فدعا ربه فمرت حتى إذا كانت على رأس الحائط، وأرادت أن تنزل نادت: يا إبراهيم ابني عليك السلام. فذهبت. وروي عن علي بن أبي طالب قال: كانت البغال تتناسل، وكانت أسرع الدواب في نقل الحطب لتحرق إبراهيم فدعا عليها، فقطع الله أرحامها ونسلها. وكانت الضفادع مساكنها النفقان فجعلت تطفىء النار على إبراهيم فدعا لها فأنزلها الماء، وكانت الأوزاغ تنفخ عليه النار وكانت أحسن الدواب فلعنها فصارت ملعونة. فمن قتل منها شيئاً أجر. روى نافع أن امرأة دخلت على عائشة رضي الله عنها، فإذا رمح منصوب فقالت: ما هذا الرمح؟ قالت: نقتل به الأوزاغ، ثم حدثت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفىء عنه إلا الوزغ فإنه جعل ينفخها عليه. قال اسم المرأة التي دخلت على عائشة سائبة.

وعن أنس بن مالك عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أما قوله " إني سقيم " فمطعون، وأما قوله " اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً " قال: لما ألقي إبراهيم في النار أتاه جبريل عليه السلام ومعه طنفسة من طنافس الجنة، وقميص من قمص الجنة، فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة، وقعد يحدثه. قال: فرأى أبو إبراهيم سبع ليال كأن إبراهيم قد خرج من الحائط قال: فأتى نمروذ الجبار فقالت له: ائذن لي في عظام إبراهيم أدفنها. قال: فركب نمروذ الجبار ومعه أهل مملكته. قال: فأتى الحائط فنقبه. قال: فخرج جبريل في وجوههم فولوا هاربين. قال: وتبلبلوا عند ذلك. قال: فمن ذلك اليوم سميت الأرض بابل. قال: وكانت الألسن كلها بالسريانية. قال: فتفرقوا فصارت اثنتين وسبعين لغة. قال: فلم يعرف الرجل كلام صاحبه. وفي حديث آخر: فنقب الحائط فإذا إبراهيم في روضة تهتز، وثيابه تندى على طنفسة من طنافس الجنة، عليه قميص من قمص الجنة. قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم غير وثاقه. قال ابن عباس: لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل. قال: وكذلك قال محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إن الناس قد جمعوالكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض عبدك. وقيل: أعبدك. قال المنهال بن عمرو: أخبرت أن إبراهيم لما ألقي في النار كان فيها ما أدري إما خمسين وإما أربعين يوماً.

قال: ما كنت أياماً قط وليالي قط أطيب عيشاً مني إذ كنت فيها. ووددت أن عيشي كله مثل عيشي إذ كنت فيها. قال أبو يعقوب النهرجوري: التوكل على كمال الحقيقة وقع لإبراهيم خليل الرحمن في تلك الحال التي قال لجبريل عليه السلام، أما إليك فلا. لأنه غابت نفسه بالله، فلم ير مع الله غير الله. فكان ذهابه بالله من الله إلى الله بلا واسطة، وهو من عليات التوحيد وإظهار القدرة لنبيه أو لخليله إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: لما هرب إبراهيم من كوثى وخرج من النار ولسانه يومئذٍ سرياني. فلما عبر الفرات من حران غير الله لسانه. فقيل عبراني حيث عبر الفرات، وبعث نمروذ في إثره وقال: لا تدعوا أحداً يتكلم بالسريانية إلا جئتموني به، فلقوا إبراهيم فتكلم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته. قال أبو رجاء قلت للحسن: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال: فابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالنار فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة، وابتلاه بالختان. وفي حديث آخر: فأثنى عليه فأتمهن قال: يقول: فعلهن. قال ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم. ابتلاه الله بكلماته فأتمهن فأداهن " قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين " وقال أبو صالح مولى أم هانىء: في قوله عز وجل " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال: منهن إني

جاعلك للناس إماماً، ومنهن آيات النسك " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ". وكان الحسن يقول: ابتلاه بما مر فصبر عليه، ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما كان من المشركين، ابتلاه بالهجرة فخرج عن قومه وبلاده حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك، وابتلاه الله بذبح ابنه، والختان، فصبر على ذلك كله. وقال قتادة: في قوله تعالى " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال: هذا عبد الله يوم القيامة، لا ينال عهده ظالماً، وأما في الدنيا فقد نالوا عهده فوارثوا به المسلمين وعازوهم وناكحوهم، فإذا كان يوم القيامة قضى الله عهده وكرامته على أوليائه. وقال قتادة: " إني جاعلك للناس إماماً " قال: يهتدي بهداك وسنتك. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اختتن إبراهيم بعد ما مرت عليه ثمانون سنة، واختتن بالقدوم. قال ابن مشكان: قال عبد الرزاق: القدوم اسم القرية وفي رواية يحيى بن سعيد، قال: قلت ليحيى: ما القدوم؟ قال: الفأس.

روى موسى بن علي عن أبيه قال: أمر إبراهيم فاختتن بقدوم، فاشتد عليه، فأوحى الله إليه: عجلت قبل أن نأمرك بآلته قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك. وعن أبي هريرة قال: أول من اختتن إبراهيم خليل الرحمن، اختتن وهو ابن عشرين ومائة سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة. قال سعيد: كان إبراهيم أول من اختتن، وأول من رأى الشيب فقال: يا رب ما هذا الشيب؟ قال: الوقار، قال: رب زدني وقاراً، وكان أول من أضاف الضيف، وأول من جز شاربه، وأول من قص أظفاره، وأول من استحد. وعن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ربط إبراهيم عليه السلام غرلته وجمعها إليه فحد قدومه وضرب قدومه بعود معه فندرت بين يديه بلا ألم ولا دم. وختن إسماعيل عليه السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام. وعن نبيط بن شريط عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أول من أضاف الضيف إبراهيم، وأول من لبس السراويل إبراهيم، وأول من اختتن إبراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنزلت الصحف على إبراهيم في ليلتين من شهر رمضان، وأنزل الزبور على داود في ست رمضان، وأنزلت التوراة على موسى لثمان عشرة من رمضان، وأنزل القرآن على محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأربع وعشرين من رمضان. وفي حديث واثلة بن الأسقع وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان.

روي عن أبي هريرة أنه قال لكعب الأحبار: إن نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لكل نبيٍّ دعوةٌ يدعو بها، وأنا أريد إن شاء الله أن أخبىء دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. قال كعب لأبي هريرة: أنت سمعت هذا من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم. قال كعب لأبي هريرة: بأبي وأمي ألا أخبرك عن إسحاق بن إبراهيم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال أبو هريرة:: بلى. قال كعب: لما رأى إبراهيم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذبحاً قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عبده هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحداً أبداً، فتمثل الشيطان لهم رجلاً يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه، دخل على سارة امرأة إبراهيم فقال لها: أين أصبح إبراهيم غادياً بإسحاق؟ قالت سارة: غدا به ليقضي حاجته. قال الشيطان: لا والله ما لذلك غدا به. قالت سارة: فلم غدا به؟ قال: غدا به ليذبحه. قالت سارة: وليس في ذلك شيء لم يكن ليذبح ابنه، قال الشيطان: بلى والله. قالت سارة: فلم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قالت سارة: فقد أحسن أن يطيع ربه إن كان أمره بذلك، فخرج الشيطان من عند سارة حتى إدرك إسحاق وهو يمشي على إثر أبيه، قال له: أين أصبح أبوك غادياً بك؟ قال غدا بي لبعض حاجته. قال الشيطان: لا والله ما غدا بك لبعض حاجته، ولكنه غدا بك ليذبحك. قال إسحاق: ما كان ليذبحني، قال: بلى، قال لم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال إسحاق: فوالله إن أمره بذلك ليطيعنه، فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم فقال: أين أصبحت غادياً بابنك؟ قال: غدوت به لبعض حاجتي، قال: أما والله ما غدوت به إلا لتذبحه. قال: لم أذبحه؟ قال: زعمت أن ربك أمرك بذلك. قال: فوالله لئن كان أمرني به ربي لأفعلن. قال: فلما أخذ إبراهيم إسحاق ليذبحه وسلم إسحاق أعفاه الله وفداه بذبح عظيم. قال إبراهيم لإسحاق: قم أي بني فإن الله قد أعفاك، وأوحى الله إلى إسحاق: إني أعطيتك دعوة أستجيب لك فيها. قال إسحاق: اللهم فإني أدعوك أن تستجيب لي: أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئاً فأدخله الجنة.

وذهب جماعة أن الذي أمر إبراهيم عليه السلام بذبحه إسماعيل. وسياق القرآن يدل عليه ويدل عليه قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا ابن الذبيحين. وعن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: رب قد فرغت. فقال: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. قال: رب، كيف أقول؟ قال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج، حج البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض. ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون؟. وعن ابن عباس قال: أن جبريل عليه السلام ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، فساخ، ثم أتى به الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، فساخ، ثم أتى به الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ. فلما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق قال لأبيه: يا أبه، أوثقني لا أضطرب، فينضح عليك دمي إذا ذبحتني، فشده فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. وعن علي بن أبي طلحة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن الله تبارك وتعالى حين أوحى إلى إبراهيم أن أذن في الناس بالحج فقام على الحجر. فمنهم من قال: ارتفع حتى بلغ الهواء، فقال: يا أيها الناس إن الله يأمركم بالحج، فأجابه من كان مخلوقاً في الأرض يومئذٍ، ومن كان في أرحام النساء، ومن كان في أصلاب الرجال، ومن كان في البحور، فقالوا: لبيك اللهم، لبيك. فمن أبى اليوم فهو ممن أبى يومئذٍ وممن أجاب يومئذٍ. وفي حديث مجاهد فقالوا: لبيك اللهم لبيك، وكان هذا أول التلبية.

وعن عبد الله بن عمرو قال: لما أفاض جبريل عليه السلام بإبراهيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم غدا من منى إلى عرفات فصلى بها الصلاتين، ثم وقف حتى غابت الشمس، ثم أتى به المزدلفة، فنزل بها، فبات، ثم صلى بها يعني الصبح كأعجل ما يصلي أحد من المسلمين، ثم وقف به كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين، ثم دفع إلى منى فرمى، وذبح، وحلق، ثم أوحى الله عز وجل إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين " وفي رواية أخرى: ثم أفاض حتى أتى به الجمرة فرماها، ثم ذبح وحلق، ثم أتى به البيت فطاف به. قال: ثم رجع إلى منى، فأقام بها تلك الأيام، ثم أوحى الله إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ". وعن مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام حجا ماشيين. وعن معاذ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله " وإبراهيم الذي وفى " قال: كان عليه السلام يقول إذا أصبح وإذا أمسى " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون " قال محمد بن واسع: من قال حين يصبح ثلاث مرات " سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " إلى قوله " وكذلك تخرجون " لم يفته خيرٌ كان قبله من الليل. ولم يدركه يومئذٍ شر. ومن

قال حين يمسي لم يفته خير كان قبله، ولم يدركه ليلته شر. وكان إبراهيم خليل الرحمن يقولها ثلاث مرات إذا أصبح وثلاث مرات إذا أمسى. وعن أبي أمامة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر هذه الآية " وإبراهيم الذي وفى " قال: هل تدرون ما وفى؟ وفى عمل يومه بأربع ركعات الضحى. وفي رواية أخرى: وفى عمل يومه أربع ركعات من أول النهار. قال مكي: وهي عندنا صلاة الضحى. وعن الحسن " وإبراهيم الذي وفى " قال: وفى الله فرائضه. وعن مجاهد قال: بلغ وأدى. وعن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره حتى جاء إبراهيم فقال الله عز وجل " وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى " وعن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرؤية. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا جبريل، لم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال: لإطعامه الطعام، يا محمد.

وعن زيد بن أسلم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إن الله عز وجل بعث حبيبي جبريل عليه السلام إلى إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم، إني لم أتخذك خليلاً على أنك أعبد عبادي لي، ولكني اطلعت على قلوب الآدميين فلم أجد قلباً أسخى من قلبك فلذلك اتخذتك خليلاً. وعن وهب بن منبه قال: قرأت في بعض الكتب التي أنزلت من السماء أن الله قال لإبراهيم عليه السلام: أتدري لم اتخذتك خليلاً؟ قال: لا يا رب. قال: لذل مقامك بين يدي في الصلاة. وقال وهب: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً كان يسمع خفقان قلبه من بعد خوفاً من الله عز وجل. وعن وهيب بن الورد قال: بلغنا أن الضيف لما جاؤوا إلى إبراهيم عليه السلام قرب إليهم العجل. قال " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه " قال: لم لا تأكلون؟ قالوا: إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمنه. قال: فقال لهم: أو ليس معكم ثمنه؟ قالوا: وأنى لنا بثمنه؟ قال: تسموا الله تبارك وتعالى إذا أكلتم، وتحمدونه إذا فرغتم، فقالوا: سبحان الله لو كان ينبغي لله أن يتخذ من خلقة خليلاً لاتخذك يا إبراهيم خليلاً. قال: فاتخذ الله إبراهيم خليلاً. وعن ابن عباس قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً وتنبأه، وله يومئذٍ مئة عبد أعتقهم وأسلموا، فكانوا يقاتلون معه بالعصي. قال: فهم أول موالٍ قاتلوا مع مولاهم. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لما أراد الله أن يتخذ إبراهيم خليلاً قال ذلك للملائكة. قال: فقال ملك الموت: أنا الذي أبشره، فإني أنا الذي أقبض روحه. قال: فولاه الله ذلك.

وعن أنس بن مالك قال: قال رجل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا خير البشر، قال: ذاك إبراهيم عليه السلام. وفي رواية: يا خير البرية. وعن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي عز وجل إبراهيم، ثم قرأ " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن. وعن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم: يا خليلي، أحسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار، فإن رحمتي وسعت من حسن خلقه: أن أظله في ظل عرشي، وأن أسقيه من حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري يوم لا يجاورني من عصاني. وعن عائشة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كان إبراهيم من أغير الناس، وإنه من غيرته جعل لإسحاق مشربة فوق بيته تفتح إلى غير بيته الذي هو فيه. وعن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: صام نوح الدهر إلا يوم الفطر والأضحى، وصام داود نصف الدهر، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر. صام الدهر، وأفطر الدهر. وعن سلمان قال: لما أن أري إبراهيم ملكوت السماوات فرأى رجلاً على فاحشة فدعا عليه فأهلك، ثم

رأى آخر على فاحشة فدعا عليه فأهلك، ثم رأى آخر فأراد أن يدعو عليه فقال الله تبارك وتعالى: أنزلوا عبدي لا يهلك عبادي. وعن قسامة بن زهر أن إبراهيم خليل الرحمن حدث نفسه أنه أرحم الخلق، فرفع حتى أشرف على أهل الأرض. فلما رآهم وما يصنعون قال: دمر عليهم، فقال له ربه: أنا أرحم الراحمين، لعلهم يتوبون ويرجعون. وعن عطاء قال: لما رفع إبراهيم في ملكوت السموات رأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فقيل: على رسلك يا إبراهيم، إنك عبد يستجاب لك، وإني من عبدي على ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة تعبدني، وإما أن يتمادى فيما هو فيه، فإن جهنم من ورائه. قال زيد بن علي: " فلما جن عليه الليل رأى كوكباً " قال: الزهرة. وعن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال " رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد. ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي. وعن ابن عباس في قوله " قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " قال: اعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك. وقال القاضي إسماعيل: كان يعلم بقلبه أن الله يحيي الموتى، ولكن أحب أن يرى معاينةً.

وعن سعيد بن جبير " ولكن ليطمئن قلبي " قال: ليزداد إيماناً. وقال في مكان آخر " ليطمئن قلبي " قال: بالخلة. وعن ابن المبارك في قوله " ولكن ليطمئن قلبي " قال: بالخلة. يقول أعلم أنك اتخذتني خليلاً. وعن مجاهد " فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك " قال: الغراب والديك والحمامة والطاووس. وعن ابن عباس: في قوله تعالى: " فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك " قال: قطع أجنحتها أربعاً: ربعاً ها هنا، وربعاً ها هنا، وربعاً ها هنا، وربعاً ها هنا، " ثم ادعهن يأتينك سعياً " قال: هذا مثل، كذلك يحيي الله الموتى مثل هذا. وقال مجاهد " فصرهن إليك " قال: يقول: انتف ريشهن ولحومهن ومزقهن تمزيقا. وعن عطاء قال: يقول: شققهن ثم اخلطهن. وعن أبي الجوزاء " فصرهن إليك " أي فعلمهن حتى يجئنك، ثم أمر بذبحها حين أجبنه. قال: فذبحهن، ثم نتفهن، وقطعهن. قال: فخلط دماءهن بعضها ببعض، وريشهن ولحومهن خلطه كله. قال: ثم قيل له: اجعل على أربعة أجبل، على كل جبل منهن جزءاً " ثم ادعهن يأتينك سعياً " قال: ففعل، ثم دعاهن. قال: فجعل الدم يذهب إلى الدم والريشة إلى الريشة واللحم إلى اللحم وكل شيء مكانه حتى أجبنه. فقال: أعلم أن الله على كل شيء قدير.

وعن الحسن في قوله " إن إبراهيم كان أمة قانتاً " قال: الأمة: الذي يؤخذ عنه العلم. وقال ابن عمر: الأمة: الذي يعلم الناس دينهم. وعن عبد الله بن شداد قال: قال رجل: يا رسول الله، ما الأواه؟ قال: الأواه: الخاشع الدعاء المتضرع ثم قرأ " إن إبراهيم لأواه حليم ". وقال ابن عباس: الأواه: الموقن. وقال عبد الله: الأواه: الرحيم. وعن كعب في قوله تعالى وتقدس " إن إبراهيم لحليم أواه منيب " قال: كان يتأوه، يقول: اوه، إذا ذكر النار اوه اوه. وعن أبي ميسرة: الأواه: المسبح. وعن الحسن " إن إبراهيم لحليمٌ أواهٌ منيب " قال: كان إذا قال قال لله، وإذا عمل عمل لله. وإذا نوى نوى لله.

وعن مجاهد في قوله تعالى " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " قال: ما أراد إلا الثناء الحسن. قال: فليس من أمة إلا وهي توده. وقال سفيان في قوله " وتركنا عليه في الآخرين " قال: الثناء. وعن عكرمة في قوله تعالى " وآتيناه أجره في الدنيا " قال: هو لسان الصدق الذي جعله الله له. قال: والأمم كلها تتولى إبراهيم، اليهود والنصارى والناس أجمعون، ويشهدون له بالعدل، وذلك لسان الصدق، وهو الأجر الذي آتاه في الدنيا. وعن أبي هريرة في قوله تعالى " زيتونة لا شرقية ولا غربية " قال: قلب إبراهيم عليه السلام، لا يهودي ولا نصراني. وعن قتادة في قوله تعالى " وجعلها كلمة باقية في عقبه " قال: التوحيد والإخلاص، لا يزال في ذريته من توحيد الله عز وجل. قال علي بن أبي طالب: كان الرجل يبلغ الهرم ولم يشب، وكان الرجل يأتي القوم وفيهم الرجل وولده فيقول: أيكم أبوكم، لا يعرف الأب من الابن، فقال إبراهيم: رب اجعل لي شيئاً أعرف به فأصبح رأسه ولحيته أبيضين.

قال أبو أمامة: بينما إبراهيم ذات يوم يصلي صلاة الضحى إذ نظر إلى كف خارجةٍ من السماء بين اصبعين من أصابعها شعرة بيضاء، فلم تزل تدنو حتى دنت من رأس إبراهيم فألقت الشعرة البيضاء في رأسه، ثم قالت: اشعل وقاراً. قال محمد: اشعل: خذ فاشتعل رأسه منها شيباً، فأوحى الله إلى إبراهيم أن يتطهر فتوضأ، ثم أوحى إليه أن يتطهر فاغتسل، ثم أوحى إليه أن يتطهر فاختتن قال: فكان إبراهيم من شاب واختتن. قال سلمان: سأل إبراهيم عليه السلام ربه خيراً، فأصبح ثلثا رأسه أبيض. فقال: ما هذا؟ فقيل له: عبرة في الدنيا ونور في الآخرة وعن كعب قال: قال إبراهيم عليه السلام: يا إلهي إنه ليحزنني ألا أرى في الأرض أحداً يعبدك غيري، فبعث الله ملائكته يتعبدون معه، أو نحو ذلك. قال أبو هريرة: كان إبراهيم خليل الله يزور ابنه إسماعيل على البراق، وهي دابة جبريل عليه السلام تضع حافرها حيث ينتهي طرفها، وهي الدابة التي ركب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة أسري به. وعن عطاء قال: كان إبراهيم خليل الرحمن إذا أراد أن يتغدى طلب من يتغدى معه ميلاً في ميل. وقال عطاء: أحب الطعام إلى الله ما كثرت فيه الأيدي. قال عبيد بن عمير: كان إبراهيم عليه السلام يضيف الناس، فخرج يوماً يلتمس إنساناً يضيفه، فلم يجد

أحداً فرجع إلى داره فوجد فيها رجلاً نائماً، فقال: يا عبد الله! من أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بأن الله قد اتخذه خليلاً. قال: ومن هو؟ فوالله لئن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له خادماً حتى يفرق بيننا الموت، قال: ذاك العبد أنت هو. قال: أنا؟ قال: نعم أنت. قال: فيم اتخذني ربي عز وجل خليلاً؟ قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم. قال سعيد بن المسيب: أول من أضاف الضيف إبراهيم خليل الرحمن. قال مجاهد: " ضيف إبراهيم المكرمين " خدمته إياهم بنفسه. قال وهب بن منبه: كان في صحف إبراهيم أو فيما أنزل الله على إبراهيم: أيها الملك المبتلى، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولا لتبني البنيان، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافرٍ. سمع جبريل عليه السلام إبراهيم عليه السلام وهو يقول: يا كريم العفو، فقال له جبريل: وتدري ما كريم العفو؟ قال: لا، يا جبريل، قال: أن يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة. قال داود بن هلال: مكتوب في صحف إبراهيم: يا دنيا ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت لهم وتزينت لهم، إني قذفت في قلوبهم بغضك والصدود عنك، وما خلقت خلقاً أهون علي منك، شأنك صغير وإلى الفناء تصيرين، قضيت عليك يوم خلقتك ألا تدومي لأحد، ولا يدوم لك أحد، وإن بخل بك صاحبك وشح عليك. طوبى للأبرار

الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا من ضميرهم وعلى الصدق والاستقامة، طوبى لهم ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلي من قبورهم، النور يسعى أمامهم، والملائكة حافين بهم حتى أبلغهم بها ما يرجون من رحمتي. وكان إبراهيم خليل الرحمن لا يرفع طرفه إلى السماء إلا اختلاساً ويقول: اللهم نعم عيشي في الدنيا بطول الحزن فيها. قال أنس بن مالك: جاء رجل إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ما لي إن شهدت إن لا إله إلا الله وكبرته وحمدته وسبحته؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن إبراهيم سأل ربه فقال: يا رب، ما جزاء من هللك مخلصاً من قلبه؟ قال: يا إبراهيم، جزاؤه أن يكون كيوم ولدته أمه من الذنوب، قال: يا رب، فما جزاء من كبرك، قال: عظم مقامه. قال: يا رب، ما جزاء من حمدك؟ قال: الحمد مفتاح الشكر وخاتمته شكر، والحمد يعرج به إلى رب العالمين. قال: يا رب، فما جزاء من سبحك؟ قال: لا يعلم تأويل التسبيح إلا رب العالمين. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنكم محشورون حفاة عراة، غرلاً. ثم قال " كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين " ألا وإن أول من يكسى إبراهيم عليه السلام يوم القيامة، ألا وإن أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي. قال: فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى " وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم " إلى قوله " العزيز الحكيم ". وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أول ما يكسى يوم القيامة إبراهيم خليل الرحمن قبطيتين ثم يكسى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حلة حبرة وهو عن يمين العرش.

وعن حيدة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة غرلاً، فأول الناس يكسى إبراهيم خليل الرحمن فيقول الله تعالى: اكسوا إبراهيم خليلي ليعلم الناس اليوم فضله عليهم، فيكسى حلة، ثم يكسى الناس على منازلهم. وعن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أول من يلبس من حلل الجنة أنا وإبراهيم والنبيون. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن في الجنة قصراً من لؤلؤ ليس فيه صدع ولا وهن أعده الله لخليله إبراهيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزلاً. وعن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل البيت يوم فتح مكة، فرأى تماثيل إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام فقال: ما لهم قاتلهم الله؟ ما كان إبراهيم ولا إسماعيل عليهم السلام يستقسمان بالأزلام. وعن عتبة بن عبدٍ الثمالي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو أقسمت لبررت. لا يدخل الجنة قبل سابق أمتي إلا بضعة عشر رجلاً منهم إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط اثنا عشر وموسى وعيسى بن مريم بنت عمران عليهم السلام. قال عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي أحب أن تلقاني عند زاوية القبر فالتقيا، فقال له سالم: " الباقيات الصالحات " فقال له محمد بن كعب: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال له سالم: متى زدت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟ قال: ما زلت أقولها فراجعه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول:

ما زلت أقولها. قال: فأبيت؟ فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لما أسري بي مررت بإبراهيم عليه السلام فقال لجبريل: من هذا معك؟ قال محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فرحب بي وسلم علي وقال: مر أمتك يكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة. قال: قلت: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رأيت إبراهيم عليه السلام ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرىء أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان، وغراسها قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. وعن سعيد بن جبير قال: كان الله يبعث ملك الموت إلى الأنبياء عياناً، فبعثه إلى إبراهيم عليه السلام ليقبضه فدخل دار إبراهيم في صورة شاب جميل، وكان إبراهيم رجلاً غيوراً، فلما دخل عليه حملته الغيرة على أن قال له: يا عبد الله من أدخلك داري؟ قال: أدخلنيها ربها، فعرف إبراهيم أن هذا لأمر حدث، قال: يا إبراهيم، وإني أمرت بقبض روحك، قال: فأمهلني يا ملك الموت حتى يدخل إسحاق، فأمهله، فلما دخل إسحاق قام إليه فاعتنق كل واحد منهما صاحبه، فرق لهما ملك الموت، فرجع إلى ربه، فقال: يا رب، رأيت خليلك فزع من الموت قال: يا ملك الموت فأت خليلي في منامه فاقبضه، قال: فأتاه في منامه فقبضه. قال محمد بن المنكدر: دخل إبراهيم عليه الصلاة والسلام داره وكان رجلاً غيوراً فإذا هو برجل شاب طيب الريح، قال: ما أدخلك داري؟ قال: أذن لي ربها. قال: فإن كان ربها أذن لك فهو أحق بها قال: أعرض عني يا إبراهيم، قال: فحال في صورة أسود له أنياب مختلفة وعيناه تذرفان، وله ريح منتنة وهيئةٌ الله بها أعلم، قال: يا إبراهيم أنا ملك الموت وهذه ملائكة الرحمة عن يميني وملائكة العذاب عن شماله، فإذا توفيت النفس المؤمنة جئتها في هذه الهيئة الحسنة والريح الطيبة التي رأيتني فيها ورفعتها إلى ملائكة الرحمة، وإذا توفيت النفس الكافرة جئتها في هذه الصورة وهذه الريح فرفعتها إلى ملائكة العذاب.

وعن كعب قال: كان إبراهيم عليه السلام يقري الضيف، ويرحم المساكين وابن السبيل، قال: فأبطأت عليه الأضياف حتى استراب ذلك، فخرج إبراهيم إلى الطريق فطلب ضيفاً فمر به ملك الموت في صورة رجل، فسلم على إبراهيم فرد إبراهيم عيه السلام ثم سأله إبراهيم: من أنت؟ قال: ابن السبيل؟ قال: إنما قعدت ها هنا لمثلك، انطلق، فانطلق به إلى منزله، فرآه إسحاق فعرفه، فبكى إسحاق، فلما رأت سارة إسحاق يبكي بكت لبكائه. قال: ثم صعد ملك الموت، فلما أفاقوا غضب إبراهيم عليه السلام وقال: بكيتم في وجه ضيفي حتى ذهب؟! قال إسحاق: لا تلمني يا أبه، فإني رأيت ملك الموت معك ولا أرى أجلك يا أبه إلا قد حضر فارعه في أهلك قال: فأمره بالوصية، وكان لإبراهيم بيت يتعبد فيه لا يدخله غيره، فإذا خرج أغلقه. قال: فجاء إبراهيم ففتح بيته الذي يتعبد فيه، فإذا هو برجل قاعد فقال له: من أنت؟ من أدخلك؟ قال: بإذن رب البيت دخلت، قال: رب البيت أحق به. قال: ثم تنحى إبراهيم إلى ناحية البيت فصلى كما كان يصنع، فصعد ملك الموت. وقيل له: ما رأيت؟ قال: يا رب جئتك من عند عبدٍ ليس لك في الأرض بعده خير، قيل له: ما رأيت؟ قال: ما ترك خلقاً من خلقك إلا وقد دعا له في دينه أو في معيشته، ثم مكث إبراهيم ما شاء الله، ثم فتح باب بيته الذي يتعبد فيه، فإذا هو برجل قاعد فقال له إبراهيم: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، قال إبراهيم: إن كنت صادقاً فأرني منك آية أعرف أنك ملك الموت، قال له ملك الموت: أعرض بوجهك يا إبراهيم فأعرض إبراهيم بوجهه ثم قال: أقبل فانظر، فأقبل إبراهيم بوجهه فأراه الصورة التي يقبض فيها أرواح المؤمنين. فرأى من النور والبهاء شيئاً لا يعلمه إلا الله. ثم قال: أعرض بوجهك يا إبراهيم، فأعرض ثم قال: أقبل وانظر. فأراه الصورة التي يقبض فيها الكفار والفجار قال: فرعب إبراهيم رعباً حتى أرعدت فرائصه وألصق بطنه بالأرض، وكادت نفسه تخرج. قال: فقال إبراهيم: أعرف أعرف، فانظر الذي أمرت فامض له. قال: فصعد ملك الموت فقيل له: تلطف - يعني في قبض روح إبراهيم - فأتاه وهو في عنب له في صورة شيخ كبير لم يبق منه شيء، فنظر إبراهيم فرآه فرحمه، فأخذ مكتلاً فقطف

فيه من عنب، ثم جاء به فوضعه بين يديه فقال: كل فجعل ملك الموت يريه أنه يأكل وجعل يمضغه ويمجه على لحيته وعلى صدره قال: فعجب إبراهيم وقال: ما أبقت السن منك شيئاً فكم أتى لك؟ قال: فحسب قال: أتى لي كذا وكذا. مثل إبراهيم، فقال إبراهيم: قد بلغت أنا هذا فإنما أنتظر أن أكون مثل هذا، اللهم اقبضني إليك قال: فطابت نفس إبراهيم عن نفسه وقبض ملك الموت روحه في تلك الحال. وفي حديث آخر عن ابن عمر قال: لما دخل ملك الموت على إبراهيم يقبض روحه، فسلم عليه فرد عليه السلام، قال: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت قد أمرت بك فبكى إبراهيم عليه السلام حتى سمع بكاءه إسحاق فدخل عليه فقال: يا خليل الله ما يبكيك؟! قال: هذا ملك الموت يريد أن يقبض روحي قال: فبكى إسحاق حتى علا بكاؤه بكاء إبراهيم عليهما السلام، فانصرف ملك الموت إلى الله عز وجل فقال: يا رب، إن عبدك إبراهيم جزع من الموت جزعاً شديداً، فقال: يا جبريل، خذ ريحانة من الجنة فانطلق بها مع ملك الموت إلى إبراهيم وحيه بها، وقل له: الخليل إذا طال به العهد من خليله اشتاق إليه وأنت خليل أما تشتاق إلى خليلك؟ فأتاه، وبلغه رسالة ربه، ودفع إليه الريحانة فقال: نعم، يا رب، قد اشتقت إلى لقائك، فشم الريحانة فقبض بها. وعاش إبراهيم مئة وخمساً وتسعين سنة. وقيل: مات وهو ابن مئتي سنة. وعن عبد الله بن أبي فراس قال: جسد إبراهيم في مغارة بين الصخرة ومسجد إبراهيم ورجلاه ها هنا، ورأسه عند الصخرة أو رأسه ها هنا، ورجلاه عند الصخرة. قال أبو السكن الهجري: مات خليل الله فجأة ومات داود فجأة. ومات سليمان بن داود فجأة، والصالحون. وهو تخفيف على المؤمن وتشديد على الكافر.

وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: لما قدم إبراهيم على ربه قال له: يا إبراهيم، كيف وجدت الموت؟ قال: يا رب، وجدت نفسي كأنها تنزع بالسلا. قال: كيف وقد هونا عليك الموت يا إبراهيم؟ قال وهب بن منبه: أصيب على قبر إبراهيم الخليل مكتوب خلفه في حجر: من مجزوء الرجز ألهى جهولاً أمله ... يموت من جا أجله ومن دنا من حتفه ... لم تغن عنه حيله وكيف يبقى آخرٌ ... قد مات عنه أوله وزاد فيه بعض أهل العلم والمرء لا يصحبه ... في القبر إلا عمله والله أعلم. /

إبراهيم بن أحمد بن الحسن أبو إسحاق القرميسيني، المقري الصوفي. سمع بدمشق وصور وعسقلان وبيت المقدس وتنيس وخراسان والعراق. حدّث عن أبي العباس أحمد بن زنجويه القطّان، بسنده عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من الناس، ولكن يقبض العلماء؛ فإذا لم يبق عالم اتخذ النّاس رؤوساً جهّالاً، فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. وحدّث عن أحمد بن بشر بن حبيب التميمي الصوريّ، بسنده عن أبي هريرة، قال: قام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطيباً، فأمر أن يخرج على كل صغير وكبير، وحرّ وعبد، وذكر وأنثى، صاعاً من تمر، صدقة الفطر. قال أبو بكر الخطيب: إبراهيم بن أحمد بن الحسن، أبو إسحاق المقري القرميسيني، رحل وطوّف في البلاد شرقاً وغرباً، وكتب بخراسان والعراق والشام ومصر، وكان ثقة صالحاً، استوطن الموصل، وورد بغداد، وحدّث بها.

إبراهيم بن أحمد بن الحسن بن علي

ومات بالموصل في سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة. إبراهيم بن أحمد بن الحسن بن علي ابن الحسن بن حسنون أبو الحسين الأردنّي الشاهد سمع وأسمع. حدث عن أبي هارون العبدي، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول للشباب: مرحباً بوصية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال مخلد: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يوصي بالشباب. إبراهيم بن أحمد بن شعر الدّجاج إبراهيم بن أحمد بن كلوسدان أبو إسحاق الآملي الطبّري سمع بدمشق. روي عن أحمد بن عمير بن جوصا بدمشق، بسنده عن موسى بن طريف، قال: قال سفيان الثوري لإبراهيم بن أدهم: هذا العلم الذي قد جمعناه، أريد أن أضعه عندك؛ قال: بلغني حديثّ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أعمل به، ثم أنظر فيما عرضت عليّ؛ قال: وما هو؟ قال: بلغني أن رجلاً أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله دلّني على عمل يحبّني الله تعالى ويحبني الناس عليه، قال: لقد قصّرت وأوجزت، اجتنب محارم الله عزّ وجلّ، واجتنب ما في أيدي النّاس؛ فإنك إن اجتنبت ما في أيدي النّاس أحبّوك.

إبراهيم بن أحمد بن الليث أبو المظفر

إبراهيم بن أحمد بن اللّيث أبو المظفر الأزدي الكاتب كاتب الأمير وهسوذان بن محمد بن مملان الرّوادي الكرديّ قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وأربعمئة؛ وله رسالة يذكر فيها ما رآه في طريقه، ومن لقي من العلماء والأدباء، ويصف فيها حسن جامع دمشق؛ كتب بها إلى بعض الكتّاب بأصبهان. وكان إبراهيم من أهل الفضل، ورسالته تدل على فضله؛ فممّا ذكر فيها أبياتاً للقنوع المعرّي وكان قد لقيه بالمعرّة وذكر أنه رضي من دنياه بسد الجوع، ولبس المرقوع، ولهذا لقّب بالقنوع؛ ومن شعره المليح المطبوع: من الوافر. أرى الإدلال داعية الدّلال ... فما لي قد جزعت لذاك مالي نعم أشفقت من ملقي ولكن ... أبى لي حسن صبري أن أبالي تصدّى المصدود وكان قدماً ... على حال اتصالي من وصالي وقال سلوت متهماً غرامي ... ولست وإن سلا عنّي بسالي نويت عتابه أنّى التقينا ... ولكنّي بدا لي إذ بدا لي قال أبو بكر يحيى بن إبراهيم السّلماسي: أنشدني جماعة من شيوخنا للأستاذ أبي المظفّر هذا: من الوافر: نقشنا ودّ إخوان الصفاء ... بأقلام الهباء على الهواء فكلهم ذئاب في ثياب ... حياتهم وفاة للوفاء حكى الأستاذ الجليل السعيد أبو المظفر إبراهيم بن أحمد بن اللّيث، قال: لما حضرت وافداً على السلطان، حضرني الشيخ أبو بكر القهستاني، فرأيت فاضلاً ملء ثوبه، مليح الشمائل، عطر الأخلاق، خفيف الروح؛ وامتدت أوقات الأنس

بيننا، فجاءني كتابه ذات يوم ينوشني، ويرغب في أن يحضر متنزهاً كان له، فأجبت ثم استبطأت غلامه، فكتبت إليه هذا البيت: من الطويل أفي الحق يا مولاي أني أنوش ... وغيري يروي في ذراكم وأعطش فجاءني جوابه مع فتىً من غلمانه حدث كان يهواه، وهو: من الطويل: أسيدنا حتى متى وإلى متى ... وماذا الوفا كم بالمنى نتنعش وعدت فأنجز ما وعدت فقد مضى ... بياض نهار ليله كان يعطش فديتك إن الخلف في الوعد وحشة ... ولكنه في مثل وعدك أوحش وسألني بأيمان الأصدقاء أن أركب في جوابها، فركبت؛ فإذا هو في باغ فيه تين ورمان، ومجالس ما رأيت مثلها نظافة؛ وطال تعاشرنا حتى انتصف الليل، ولم يزل ينشدنا من مليح أشعاره، ومليح قطعه. اسم أبي بكر: علي بن أحمد بن الحسن، أديب فاضل. أنشد إبراهيم بن أحمد بن الليث الكاتب لنفسه: من الرجز لا تغترر بالمهل ... وبعد خطو الأجل واعمل على أن يخلد ال ... ذكر بحسن العمل وأنشد لنفسه: من الوافر عليّ من الترسل ثوب عز ... وليس عليّ من شعري شعار

إبراهيم بن أحمد بن محمد بن المولد

إبراهيم بن أحمد بن محمد بن المولّد أبو إسحاق الرّقّي الصّوفيّ الواعظ حدّث بدمشق والرّقّة. حدّث عن الحسين بن عبد الله القطّان، بسنده عن عبد الرحمن بن سمرة، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يا عبد الرحمن لا تسال الإمارة. وحدّث عن أحمد بن عبد الله الناقد المصري، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كن ورعاً تكن أعبد الناس. قال أبو محمد عبد الله بن يحيى الصوفي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد بن المولد، يقول: السياحة بالنفس: الآداب الظواهر، علماً وشرعاً وخلقاً؛ والسياحة بالقلب: الآداب البواطن، حالاً ووجداً وكشفاً. قال أبو نعيم: سمعت عمر بن واضح، يقول: سمعت إبراهيم بن المولد، يقول: عجبت لمن عرف الطّريق إلى ربّه كيف يعيش مع غيره، وهو تعالى يقول: وأنيبوا إلى ربّكم وأسلموا له. وكان يقول: من قال بالله أفناه عنه، ومن قال منه أبقاه له. قال أبو عبد الرحمن السلمي:

إبراهيم بن أحمد بن محمد بن رجاء

إبراهيم بن أحمد بن المولد، أبو إسحاق، من كبار مشايخ الرقة وفتيانهم، صحب أبا عبد الله بن الجلاء الدمشقي، وإبراهيم بن داود القصّار الرّقي، وكان من أفتى المشايخ وأحسنهم سيرة. أنشد إبراهيم بن المولد: من الخفيف لك مني على البعاد نصيب ... لم ينله على الدنو حبيب وعلى الطّرف من سواك حجاب ... وعلى القلب من هواك رقيب زين في ناظري هواك وقلبي ... والهوى فيه زائغ ومشوب كيف يغني قرب الطبيب عليلاً ... أنت أسقمته وأنت الطبيب قال عبد الرحمن بن عمر بن نصر: سمعت إبراهيم بن المولّد يقول في مجلس مواعظه هذه الأبيات: من البسيط سجن لسان الفتى من الكرم ... ولن ترى صامتاً أخاندم الصمت أمن من كل نازلة ... من ناله نال أفضل القسم ما نزلت بالرجال نازلة ... أعظم ضراً من لفظة بفم عثرات هذا اللسان مهلكه ... ليست لدينا كعثرة القدم احذر لسانك يلقيك في تلف ... فربّ قول أذلّ ذا كرم قال الحسن بن القاسم بن اليسع: توفي إبراهيم بن المولّد سنة اثنتين وأربعين وثلاثمئة؛ رأيت فيما يرى النائم أخي أبا إسحاق، فقلت له: أوصني؛ فقال: عليك بالقلة والذلة حتى تلقى ربك. إبراهيم بن أحمد بن محمد بن رجاء أبو إسحاق النيسابوري الأبزاري الوراق رحل وسمع وأسمع.

حدث عن الحسن بن سفيان، بسنده عن انس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وحدث عن أبي قريش محمد بن جمعة القهستاني، بسنده عن أبي هريرة؛ أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: الأرض كلها مسجد وطهور. وحدث عن أبي القاسم عامر بن خريم الدمشقي، بسنده عن ابن عمر، قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الندم توبة. وعن أبي عثمان سعيد بن عبد العزيز الحلبي بدمشق، بسنده عن بلال بن سعد، قال: أدركتهم يسيرون بين الأعراض، ويضحك بعضهم إلى بعض، فإذا كان الليل كانوا رهابين يصلون. وقال أبو عبد الله الحافظ، عنه: وكان من المسلمين الذين سلم الناس من يده ولسانه، طلب الحديث على كبر السن، فسمع بنيسابور، وخرج إلى نسا، وكتب بالعراق والجزيرة والشام، وجمع الحديث الكثير، وعمر حتى احتاج الناس إليه، وأدى ما عنده على القبول. توفي أبو إسحاق الأبزاري يوم الإثنين الخامس من رجب، سنة أربع وستين وثلاثمئة، وهو ابن ست أو سبع وتسعين سنة، وشهدت جنازته. سمعت أبا علي الحافظ يقول لأبي إسحاق: أنت بهز بن أسد، لثبته وإتقانه. وسمعت أبا علي غير مرة يمازح أبا إسحاق، فيقول: ترون هذا الشيخ ما اغتسل من حلال قطّ! فيقول: ولا من حرام يا أبا علي؛ وذلك أن أبا إسحاق لم يتزوج قط. عقدنا له مجالس الإملاء في دار السنة سنة اثنتين وستين وثلاثمئة، وكان يحضر الحلق.

إبراهيم بن أحمد بن محمد

إبراهيم بن أحمد بن محمد ابن عبد الله بن إسحاق الأنصاري الميموني القاضي سمع بدمشق والبصرة ومكة والجزيرة والقيروان والإسكندرية والرملة وغبرها. وروي عنه. حدّث عن أبي بكر عمر بن جعفر بن إبراهيم المزني الكوفي، بسنده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. " إن الله جل وعلا خلق يوم خلق السموات والأرض مئة رحمة، قسم منها رحمةً واحدةً بين الخلائق، بها معاطف الوالدة على ولدها، وبها يشرب الطير الماء، وبها تتراحم الخلائق؛ فإذا كان يوم القيامة قسمها بينهم وزادها تسعاً وتسعين رحمةً. " قال أبو بكر الخطيب: إبراهيم بن أحمد بن محمد الهنيدي غير ثقة. إبراهيم بن أحمد بن محمد بن موسى أبو اليسر الأنصاري الخزرجي الموصلي المعروف بابن الجوزيّ قدم دمشق حاجاً. روى عن بشران بن عبد الملك بن مروان، بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار. " إبراهيم بن أحمد بن يدغباش الحجري كان أبوه أحمد أمير دمشق من قبل أحمد بن طولون. سمع وأسمع.

إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق السلمي

روي عن أبي علي الحسين بن موسى بن بشر العكّي، بسنده عن أبي هريرة، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الذي يسجد قبل الإمام ويرفع رأسه قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان. " إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق السّلمي حدّث عن داود بن محمد الحجوري من أهل عين ثرما. إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المادرانيّ الكاتب من كتّاب أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، كان معه بدمشق حين قتل فخرج إبراهيم من دمشق إلى بغداد في أحد عشر يوماً فأخبر المعتضد بقتل خمارويه. مات يوم الخميس لعشر خلون من شوال سنة ثلاث عشرة وثلاثمئة. إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التّميمي ، ويقال: العجلّي، الزّاهد. أصله من بلخ، وسكن الشام، ودخل دمشق. سمع وأسمع. حدث عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: دخلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي جالساً، فقلت: يا رسول الله إنك تصلّي

جالساً فما شأنك؟ قال: " الجوع يا أبا هريرة؛ " قال: فبكيت، قال: فقال: " لا تبك فإن شدة يوم القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب في دار الدنيا. " وحدّث عن أبي إسحاق الهمداني عن عمارة بن غزية الأنصاري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الفتنة تجيء، فتنسف الجبال نسفاً، وينجو العالم منها بعلمه. " قال خالد بن يزيد بن سفيان: إن إبراهيم بن أدهم كان قاعداً في مشرقة بدمشق، إذ مر رجل على بغله، فقال له: يا أبا إسحاق إن لي إليك حاجة أحبّ أن تقضيها؛ فقال إبراهيم: إن أمكنني قضيتها، وإلا أخبرتك بعذري: فقال له: إن برد الشام شديد وأنا أريد أن أبدّل ثوبيك هذين بثوبين جديدين؛ فقال إبراهيم: إن كنت غنياً قبلنا منك، وإن كنت فقيراً لم أقبل منك؛ فقال الرجل: أنا والله كثير المال، كثير الضّياع؛ فقال له إبراهيم: أين أراك تغدو وتروح على بغلتك؟ قال: أعطي هذا وآخذ من هذا؛ فقال له إبراهيم: قم، فإنك فقير تبتغي الزيادة بجهدك!. قال قتيبة بن رجاء: إبراهيم بن أدهم بلخي. وقال يحيى بن معين: وسألت عن إبراهيم بن أدهم، فقالوا: رجل من العرب، من بني عجل، كان كبير الشأن في باب الورع، يحكى عنه أنه قال: أطب مطعمك، ولا عليك ألا تقوم بالليل، ولا تصوم بالنهار؛ وكان عامّة دعائه: اللهم انقلني من ذلّ معصيتك إلى عزّ طاعتك. قال الفضل بن موسى: حجّ أدهم أبو إبراهيم بأم إبراهيم، وكانت به حبلى، فولدت إبراهيم بمكة، فجعلت تطوف بن على الحلق في المسجد، وتقول: ادعوا لابني أن يجعله الله رجلاً صالحاً.

قال إبراهيم بن بشار الطويل: سألت إبراهيم بن أدهم، قلت: يا أبا إسحاق كيف كان أوائل أمرك حتى صرت إلى ما صرت إليه؟ قال: غير هذا أولى بك من هذا؛ قلت: هو كما تقول رحمك الله، لعل الله ينفعنا به يوماً؛ ثم سألته الثانية، قال: لا، ويحك اشتغل بالله؛ فقلت الثالثة: إن رأيت رحمك الله، لعل الله ينفعني به يوماً. قال: كان أبي من ملوك خراسان، وكان من المياسير، وكان قد حبّب إليّ الصيد، فبينا أنا راكب فرسي، وكلبي معي، فأثرت ثعلباً أو أرنباً شك إبراهيم فحّركت فرسي، فأسمع نداءً من ورائي: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت! فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحداً، قلت: لعن الله إبليس، ثم حركت فرسي، فأسمع نداء أجهر من الأول: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت! فوقفت مستمعاً أنظر يمنة ويسرة، فلم أجد أحداً، فقلت: لعن الله إبليس، ثم حركت فرسي، فأسمع من قربوس سرجه: يا إبراهيم بن أدهم، والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فوقفت، فقلت: هيهات هيهاتّ جاءني النّذير من رب العالمين، والله لا عصيت ربي بعد يومي هذا ما عصمني ربي؛ فوجهت إلى أهلي فجانبت فرسي، وجئت إلى بعض رعاة أبي، وأخذت منه جبّة وكساءً، وألقيت ثيابي إليه، فلم تزل أرض ترفعني وأرض تضعني حتى صرت إلى بلاد العراق، فعملت بها أياماً فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ عن الحلال، فقال: إن أردت الحلال فعليك ببلاد الشام، فصرت إلى مدينة يقال لها المنصورة وهي المصيصة فعلمت بها أيّاماً، فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ عن الحلال، فقال لي: إذا أردت الحلال فعليك بطرسوس، فإن بها المباحات والعمل الكثير؛ فبينما أنا كذلك قاعد على باب المر جاءني رجل فاكتراني أنظر إليه بستانه، فتوجهت معه، فمكثت في البستان أياّماً كثيرة،

فإذا أنا بخادم قد أقبل ومعه أصحاب له ولو علمت أن البستان لخادم ما نظرته فقعد في مجلسه هو وأصحابه، فقال: يا ناطور يا ناطور؛ فأجبته، فقال: اذهب فأتنا بخير رمان تقدر عليه وأطيبه، فأتيته؛ فاخذ الخادم رمانّة وكسرها فوجدها حامضة، فقال: يا ناطور، أنت مذ كذا وكذا في بستاننا تأكل من فاكهتنا ورماننا ما تعرف الحلو من الحامض؟ قلت: والله ما أكلت من فاكهتكم شيئاً، ولا أعرف الحلو من الحامض! قال: فغمز الخادم أصحابه وقال: ما تعجبون من كلام هذا! وقال لي: تراك لو كنت إبراهيم بن أدهم زدت على هذا؟ فلما كان من الغد حدّث الناس في المسجد بالصّفة، وما كان، فجاء الناس عنقاً إلى البستان، فلّما رأيت كثرة الناس اختفيت والنّاس داخلون، وأنا هارب منهم! فهذا أوائل أمري. قال عبد الله بن الفرج: حدثني إبراهيم بن أدهم بابتدائه كيف كان، قال: كنت يوماً في مجلس لي له منظرة إلى الطريق، فإذا أنا بشيخ عليه أطمار، وكان يوماً حاراً، فجلس في ظل القصر ليستريح، فقلت للخادم: اخرج إلى هذا الشيخ فأقره منّي السلام، وسله أن تدخله إلينا فقد أخذ بمجامع قلبي؛ فخرج إليه فقام معه ودخل عليّ وسلّم فرددت عليه السّلام، فاستبشرت بدخوله وأجلسته إلى جانبي، وعرضت عليه الطّعام، فأبى أن يأكل، فقلت له: من أين أقبلت؟ فقال: من وراء النهر؛ قلت: أين تريد؟ قال: أريد الحج إن شاء الله قال: وكان ذلك أول يوم من العشر أو الثاني فقلت: في هذا الوقت؟ فقال: بل يفعل الله ما يشاء، فقلت: فالصّحبة، فقال: إن أحببت ذلك. حتى إذا كان الليل، قال لي: قم، فلبست ما يصلح للسّفر، وأخذ بيدي، وخرجنا من بلخ، فمررنا بقرية بنا، فلقيني رجل من الفلاحين فأوصيته ببعض ما أحتاج إليه، فقدم إلينا خبزاً وبيضاً وسألنا أن نأكل، فأكلنا، وجاءنا بماء فشربنا، ثم قال لي: بسم الله قم، فأخذ بيدي، فجعلنا نسير وأنا أنظر إلى الأرض

تجذب من تحتنا كأنها الموج، فمررنا بمدينة بعد مدينة، يقول: هذه مدينة كذا، هذه مدينة كذا، هذه الكوفة؛ ثم قال لي: الموعد هنا في مكانك هذا في هذا الوقت يعني من الليل حتى إذا كان الوقت إذا به قد أقبل، فأخذ بيدي وقال: بسم الله. قال: فجعل يقول: هذا منزل كذا، هذا منزل كذا، وهذا منزل كذا، وهذه فيد، وهذه المدينة، وأنا أنظر إلى الأرض تجذب من تحتنا كأنها الموج، فصرنا إلى قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فزرناه ثم فارقني، وقال: الموعد في الوقت، في الليل، في المصلى. حتى إذا كان الوقت خرجت فإذا به في المصلى، فاخذ بيدي ففعل كفعله في الأولى والثانية حتى أتينا مكة في الليل، ففارقني، فقبضت عليه فقلت: الصّحبة؛ فقال: إني أريد الشام، فقلت: أنا معك؛ فقال لي: إذا انقضى الحجّ فالموعد هنا عند زمزم. حتى إذا انقضى الحجّ إذا به عند زمزم، فاخذ بيدي، فطفنا بالبيت، ثم خرجنا من مكة؛ ففعل كفعله الأول والثاني والثالث فإذا نحن ببيت المقدس؛ فلما دخل المسجد قال لي: عليك السّلام، أنا على المقام إن شاء الله ها هنا، ثم فارقني، فما رأيته بعد ذلك، ولا عرّفني اسمه. قال إبراهيم: فرجعت إلي بلدي فجعلت أسير سير الضعفاء منزلاً بعد منزل حتى رجعت إلى بلخ، وكان ذلك أول أمري. حدّث أحمد بن عبد الله صاحب لإبراهيم بن أدهم، قال: كان إبراهيم من أهل النعم بخراسان، فبينما هو مشرف ذات يوم من قصره إذ نظر إلى رجل بيده رغيف يأكل في فناء قصره، فاعتبر، وجعل ينظر إليه حتى أكل الرّغيف، ثم شرب ماءً، ثم نام في فناء القصر؛ فألهم الله عز وجل إبراهيم بن أدهم الفكر فيه، فوكل به بعض غلمانه، وقال له: إذا قام هذا من نومه جئني به؛ فلّما قام الرّجل من نومه قال له الغلام: صاحب هذا القصر يريد أن يكلمك، فدخل إليه مع الغلام، فلّما نظر إليه إبراهيم قال له: أيّها الرجل، أكلت الرّغيف وأنت جائع؟

قال: نعم، قال: فشبعت؟ قال: نعم؛ قال إبراهيم: وشربت الماء تلك الشربة ورويت؟ قال: نعم؛ قال إبراهيم: ونمت طيباً لا هم ولا شغل؟ قال: نعم؛ قال إبراهيم: فقلت في نفسي: فما أصنع أنا بالدنيا، والنفس تقنع بما رأيت؟!. فخرج إبراهيم سائحاً إلى الله عز وجلّ على وجهه، فلقيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الرّيح، فقال له: يا غلام! من أين؟ وإلى أين؟ قال إبراهيم: من الدّنيا إلى الآخرة؛ فقال له: يا غلام أنت جائع؟ قال: نعم؛ فقام الشيخ فصلّى ركعتين وسلّم فإذا عن يمينه طعام وعن شماله ماء؛ فقال لي: كل، فأكلت بقدر شبعي، وشربت بقدر ريّي، فقال لي الشيخ: اعقل وافهم، لا تحزن ولا تستعجل، فإن العجلة من الشيطان، وإياك والتمرد على الله فإنّ العبد إذا تمرّد على الله أورث الله قلبه الظلمة والضلالة مع حرمان الرّزق، ولا يبالي الله تعالى في أي واد هلك؛ إن الله عزّ وجلّ إذا أراد بعبد خيراً جعل في قلبه سراجاً يفرق بين الحق والباطل، والناس فيهما متشابهون؛ يا غلام إنّي معلمك اسم الله الأكبر أو قال: الأعظم فإذا أنت جعت فادع الله عز وجلّ به حتى يشبعك، وإذا عطشت فادع الله عز وجل به حتى يرويك؛ وإذا جالست الأخيار فكن لهم أرضاً يطوؤك، فإن الله تعالى يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم؛ يا غلام خذ كذا حتى آخذ كذا، قال: لا أبرح؛ فقال الشيخ: اللهم احجبني عنه واحجبه عني؛ فلم أدر أين ذهب. فأخذت في طريقي ذلك، وذكرت الاسم الذي علمني فلقيني رجل حسن الوجه، طيب الريح، حسن الثياب، فأخذ بحجزتي، وقال لي: ما حاجتك؟ ومن لقيت في سفرك هذا؟ قلت: شيخاً من صفته كذا وكذا، وعليه كذا وكذا، فبكى؛ فقلت: أقسمت عليك بالله من ذلك الشيخ؟ قال: ذاك إلياس عليه السلام، أرسله الله عزّ وجل إليك ليعلمك أمر دينك؛ فقلت: وأنت يرحمك الله، من أنت؟ قال: أنا الخضر؛ عليهما السلام. قال سفيان الثوري: إن إبراهيم بن أدهم كان يشبه إبراهيم خليل الرحمن، ولو كان في أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكان رجلاً فاضلاً.

قال معاوية بن حفص: إنما سمع إبراهيم بن أدهم عن منصور حديثاً، فاخذ به فساد أهل زمانه؛ قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: حدّثنا منصور عن ربّعي بن خراش، قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله دلّني على عمل يحببني الله عزّ وجل به ويحببني النّاس، قال: " إذا أردت أن يحبك الله فأبغض الدنيا، وإذا أردت أن يحبك الناس فما كان عندك من فضولها فانبذه إليهم. " فساد أهل زمانه. قيل لإبراهيم بن أدهم: ألّا تحدّث؟ فقد كان أصحابك يحدّثون، فقال: كان همي هدي العلماء وآدابهم. قال محمد بن مكتوم: مرّ إبراهيم بن أدهم بسفيان الثوري، وهو قاعد مع أصحابه، فقال سفيان لإبراهيم: تعال حتى أقرأ عليك علمي، قال: إني مشغول بثلاث، ومضى. قال سفيان لأصحابه: ألا سألتموه ما هذه الثلاث! ثم قام سفيان ومعه أصحابه حتى لحق إبراهيم، فقال له: إنك قلت: إني مشغول بثلاث عن طلب العلم، فما هذه الثلاث؟. قال: إني مشغول بالشكر لما أنعم عليّ، والاستغفار لما سلف من ذنوبي، والاستعداد للموت؛ قال سفيان: ثلاث وأي ثلاث!. قال أبو عثمان الأسود: كنت رفيق إبراهيم بن أدهم أربع عشرة سنةً، فحججت فلقيت عبد العزيز بن أبي داود بمكة، فقال لي: ما فعل أخوك وأخونا إبراهيم بن أدهم؟ قال: فقلت: بالشام في كوضع كذا وكذا، قال: فقال: أمّا إنّ عهدي به يركب بين يديه ثلاثون شاكريّاً، ولكنه أحب أن يتبحبح في الجنّة. قال شقيق البلخي: لقيت إبراهيم بن أدهم في بلاد الشام، فقلت: يا إبراهيم، تركت خراسان؟ فقال:

ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام، أفر بديني من شاهق إلى شاهق، ومن جبل إلى جبل، فمن رآني يقول: موسوس، ومن رآني يقول: حمّال. ثم قال: يا شقيق، لم ينبل عندنا من نبل بالحجّ ولا بالجهاد، وإنما نبل عندنا من نبل من كان يعقل ما يدخل جوفه يعني الرّغيف من حله. ثم قال: يا شقيق، ماذا أنعم الله على الفقراء! لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا عن حجّ ولا عن جهاد ولا عن صلة رحم، إنما يسأل عن هذا هؤلاء المساكين، يعني: الأغنياء. حدث المتوكل بن حسين العابد قال: قال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف؛ فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة؛ فالزهد الفرض: الزهد في الحرام؛ والزهد الفضل: الزهد في الحلال؛ والزهد السّلامة: الزهد في الشبهات. قال حذيفة المرعشي: قدم شقيق البلخي مكة، وإبراهيم بن أدهم بمكة، فاجتمع الناس فقالوا: نجمع بينها، فجمعوا بينهما في المسجد الحرام، فقال إبراهيم بن أدهم لشقيق: يا شقيق، علام أصلتم أصولكم؟ فقال شقيق: إنّا أصّلنا على أنّا إذا رزقنا أكلنا، وإذا منعنا صبرنا؛ فقال إبراهيم بن أدهم: هكذا كلاب بلخ، إذا رزقت أكلت، وإذا منعت صبرت. فقال شقيق: علام أصّلتم أصولكم يا أبا إسحاق؟ فقال: أصّلنا أصولنا على انّا إذا رزقنا آثرنا، وإذا منعنا حمدنا وشكرنا. قال: فقام شقيق وجلس بين يديه، وقال: يا أبا إسحاق، أنت أستاذنا. قال بقية بن الوليد: صحبت إبراهيم بن أدهم إلى المصيصة، فبينا أنا معه، إذا رجل يقول: من يدلني على إبراهيم بن ادهم، قال: فأشرت بإصبعي إليه، فتقدم إليه فقال: السلام عليك ورحمة الله، قال: وعليك السلام، من أنت؟ قال: أخبرك أن أباك توفي، وخلّف مالاً عظيماً، وأنا عبدك فلان، وهذه البغلة لك، ومعي عشرة آلاف درهم تنفقها على نفسك، وترحل إلى بلخ، والمال مستودع عند القاضي.

قال: فسكت ساعة ثم قال: إن كنت صادقاً فيما تقول، فأنت حر، والبغلة لك، والمال تنفقه على نفسك. ثم التفت إليّ، فقال: هل لك في الصّحبة؟ قلت: نعم؛ فارتحلنا حتى بلغنا حلوان، فلا والله لا طعم ولا شرب، وكان في يوم مثلج، فقال: يا بقّية، لعلك جائع؟ قلت: نعم؛ ادخل هذه الغيضة، وخذ منها ما شئت؛ قال: فمضيت، فقلت في نفسي: يوم مثلج، من أين لي! قال: ودخلت فإذا أنا بشجرة خوخ، فملأت جرابي وجئت؛ فقال: ما الذي في جرابك؟ قلت: خوخ؛ فقال: يا قليل اليقين، هل يكون هذا! لعلك تفكرت في شيء آخر؟ ولو أزددت يقيناً لأكلت رطباً كما أكلت مريم بنت عمران في وسط الشتاء؛ ثم قال: هل لك في الصّحبة؟ قلت: بلى. قال: فمشينا، ولا والله لا عليه حذاء ولا خفّ، حتى بلغنا إلى بلخ، فدخل إلى القاضي وسلّم عليه، وقال: بلغني أن أبي توفي، واستودع عندك مالاً: قال: أما أدهم فنعم، وأمّا أنّا فلا أعرفك؛ فأراد أن يقوم، قال: فقال القوم: هذا إبراهيم بن أدهم؛ فقال: مكانك، فقد صحّ لي انك ابنه. قال: فأخرج المال؛ قال: لا يمكن إخراجه؛ قال: دلّني على بعضه، قال: فدلّه على بعضه، فصلى ركعتين وتبسم، فقال القاضي: بلغني أنك زاهد، قال: وما الذي رأيت من رغبتي، قال: فرحك وتبسّمك، قال: أما فرحي وتبسّمي من صنع الله إياي، هذا كان حبيساً عن سبيل الله، وأعانني الله حتى جئت في إطلاقه، جعلتها كلّها في سبيل الله؛ ونفض ثوبه وخرج. قال: فقلت له: يا أبا إسحاق لم نطعم مذ شهران! قال: هل لك في الطعام؟ قلت: نعم. فصلى ركعتين، فإذا حوله دنانير، فحملت ديناراً ومضينا.

حدث أبو شعيب قال: سألت إبراهيم بن أدهم أن أصحبه إلى مكة، فقال لي: على شريطة، على أنك لا تنظر إلاّ لله وبالله، فشرطت له ذلك على نفسي، فخرجت معه. فبينا نحن في الطواف فإذا أنا بغلام قد افتتن الناس به لحسنه وجماله، فجعل إبراهيم يديم النظر إليه، فلما أطال ذلك قلت: يا أبا إسحاق، أليس شرطت على ألاّ تنظر: إلاّ لله وبالله؟ قال: بلى، فإني أراك تديم النظّر إلى هذا الغلام! فقال: هذا ابني وولدي، وهؤلاء غلماني وخدمي الذين معه، ولولا شيء لقّبلته، ولكن انطلق فسلّم عليه منّي، وعانقه عنّي. قال: فمضيت إليه وسلّمت عليه من والده وعانقته، فجاء إلى والده فسلّم عليه ثم صرفه مع الخدم، فقال: أرجع النّظر، أيش يراد بك، فأنشأ يقول: من الوافر هجرت الخلق طرّاً في هواكا ... وأيتمتها العيال لكي أراكا ولو قطعتني في الحبّ إرباً ... لما خن الفؤاد إلى سواكا قال أبو إسحاق الفزاري: كان إبراهيم بن أدهم يطيل السكوت، فإذا تكلّم ربّما انبسط، فأطال ذات يوم السكوت، فقلت له: لم؟ ألا تكلمت؟ فقال: الكلام على أربعة وجوه؛ فمن الكلام كلام ترجو منفعته وتخشى عاقبته، فالفضل في هذا السّلامة منه: ومن الكلام كلام لا ترجو منفعته ولا تخشى عاقبته، فأقل مالك في تركه خفّة المؤونة على يديك ولسانك؛ ومنه كلام لا ترجو منفعته وتخشى عاقبته، وهذا هو الدّاء العضال؛ ومن الكلام كلام ترجو منفعته وتأمن عاقبته، فهذا كلام يحب عليك نشره. فإذا هو قد أسقط ثلاثة أرباع الكلام. قال سليمان الموصلي: قلت لإبراهيم بن أدهم: لقد أسرع إليك الشيّب في رأسك! قال: ما شيّب رأسي إلاّ الرفقاء.

قال شقيق بن إبراهيم البلخي: أوصى إبراهيم بن أدهم، قال: عليك بالنّاس، وإياك من النّاس، ولا بدّ من النّاس، فإنّ النّاس هم النّاس، ولسي الناس بالنّاس، ذهب النّاس وبقي النسناس، وما أراهم بالنّاس وإنّما غمسوا في ماء النّاس. قال إبراهيم: أما قولي: عليك بالنّاس، مجالسة العلماء؛ وأمّا قولي: إياّك من النّاس، مجالسة السفهاء؛ وأمّا قولي: لا بدّ من النّاس، الصّلوات الخمس والجمعة والحج والجهاد اتباع الجنائز والشراء والبيع ونحوه: وأما قولي: النًاس هم الناس، الفقهاء والحكماء؛ وأمّا قولي: ليس النّاس بالنّاس، أهل الأهواء والبدع؛ وأما قولي: ذهب الناس؛ ذهب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه؛ وأمّا قولي: بقي النسناس، يعني من يروي عنهم عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه: وأمّا قولي: وما أراهم بالنّاس إنّما هم غمسوا في ماء النّاس، نحن وأمثالنا. قال حذيفة بن قتادة المرعشي: رأى الأوزاعيّ إبراهيم بن أدهم ببيروت، وعلى عنقه حزمة حطب، فقال له: يا أبا إسحاق، أيّ شيء هذا؟ إخوانك يكفونك، فقال: دعني من هذا يا أبا عمرو، فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلّة في طلب الحلال وجبت له الجنّة. قال طالوت: قال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله عبد أحبّ الشهرة. قال عبد الله بن الفرج القنطري العابد: اطلعت على إبراهيم بن أدهم في بستان بالشام، وهو مستلق، وإذا حيّة في فمها طاقة نرجس، فما زالت تذبّ عنه حتى انتبه!. حدّث عبد الجبّار بن كثير، قال: قيل لإبراهيم بن أدهم: هذا السبّع قد ظهر لنا، قال: أرونيه، فلّما رآه قال: يا قسورة، إن كنت أمرت فينا بشيء فامض لما أمرت به، وإلاّ فعودك على بدئك؛ فولّى السبّع هارباً، قال: أحسبه يضرب بذنبه.

قال: فتعجبنا كيف فهم السبّع كلام إبراهيم بن أدهم، قال: فأقبل علينا إبراهيم، قال: قولوا: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واكنفنا بكنفك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا. قال خلف: فما زلت أقولها منذ سمعتها فما عرض لي لصّ ولا غيره. عن أبي عبد الرحمن المقرئ، قال: كان عندنا إبراهيم بن أدهم على بعض جبال مكة يحدث أصحابه، فقال: لو أن وليّاً من أولياء الله قال للجبل: زل، لزال؛ قال: فتحرك الجبل من تحته؛ قال: فضرب برجله، ثم قال: اسكن، فإنما ضربتك مثلاً لأصحابي. حدّث موسى بن ظريف، قال: ركب إبراهيم بن أدهم البحر، فأخذتهم ريح عاصف، وأشرفوا على الهلكة، فلفّ إبراهيم رأسه في عباءة ونام!، فقالوا له: ما ترى ما نحن فيه من الشدّة؟ فقال: ليس ذا شدّة!، فقالوا ما الشدةّ؟ قال: الحاجة إلى النّاس؛ ثم قال: اللهم أريتنا قدرتك فأرنا عفوك؛ فصار البحر كأنه قدح زيت. قال شقيق البلخي: لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة في سوق الليل عند مولد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو جالس ناحية من الطريق يبكي، فعدلت إليه، وجلست عنده، وقلت: أيش هذا البكاء يا أبا إسحاق؟ فقال: خير، فعاودته مرةً واثنتين وثلاثة، فلّما أكثرت عليه، قال لي: يا شقيق، إن أنا أخبرتك تحدّث به، ولا تستر عليّ! فقلت: يا أخي قل ما شئت، فقال: اشتهت نفسي منذ ثلاثين سنة سكباجاً، وأنا أمنعها جهدي، فلما كان البارحة كنت جالساً وقد غلبني النّعاس إذا أنا بفتىً شاب بيده قدح أخضر يعلو منه بخار، وروائحه سكباج، قال: فاجتمعت نهمتي فقرّب مني، ووضع القدح بين يدي، وقال:

يا إبراهيم، كل: فقلت: ما آكل شيئاً قد تركته لله عزّ وجلّ؛ قال: ولا إن أطعمك الله تأكل؟ فما كان لي جواب إلاّ بكيت، فقال لي: كل، يرحمك الله، فقلت له: إنّا قد أمرنا أن لا نطرح في وعائنا إلاّ من حيث نعلم، فقال: كل، عافاك الله، فغنما أعطيت وقيل لي: يا خضر، اذهب بهذا وأطعم نفس إبراهيم بن أدهم، فقد رحمها الله من طول صبرها على ما يحمّلها من منعها، إعلم يا إبراهيم أني سمعت الملائكة يقولون: من أعطي فلم يأخذ طلب فلم يعط، فقلت: إن كان كذلك، فها أنا بين يديك لا أحلّ العقد مع الله عزّ وجلّ؛ ثم التفتّ فإذا بفتىًّ آخر ناوله شيئاً، وقال: يا خضر لقّمه أنت، فلم يزل يلقّمني حتى شبعت، فانتبهت وحلاوته في فمي. قال شقيق: فقلت: أرني كفّك، فأخذت بكفّي كفّه وقبّلتها، وقلت: يا من يطعم الجياع الشهوات إذا صححوا المنع، يا من يقدح في الضمير اليقين، يا من يشفي قلوبهم من محبته، أقرى لشقيق عندك ذاك، ثم رفعت يدّ إبراهيم إلى السماء، وقلت: بقدر هذا الكفّ وبقدر صاحبه، وبالجود الذي وجد منك جد على عبدك الفقير إلى فضلك وإحسانك ورحمتك، وإن لم يستحقّ ذاك؛ فقال: وقام إبراهيم ومشى حتى دخلنا المسجد الحرام. حدّث إبراهيم اليماني، قال: خرجت مع إبراهيم بن ادهم من صور يريد قيساريّة، فلّما كان بعض الطريق، مررنا بمواضع كثيرة الحطب، فقال: إن شئتم بتنافي هذا الموضع، فأوقدنا من هذا الحطب؛ فقلت: ذلك إليك يا أبا إسحاق، قال: فأخرجنا زنداً كان معنا فقد حنا وأوقدنا تلك النار، فوقع منها جمر كبار، قال: فقلنا: لو كان لنا لحم نشويه على هذه النّار، قال: فقال إبراهيم: ما أقدر الله أن يرزقكم، ثم قام فتمسّح للصلاة، فاستقبل القبلة، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا جلبة شديدة مقبلة نحونا، فابتدرنا إلى البحر، فدخل كلّ إنسان منّا في الماء إلى حيث أمكنه؛ ثم خرج ثور وحش يكرّه أسد، فلّما صار عند

النار طرحه فانصرف إبراهيم بن أدهم، فقال: يا أبا الحارث، تنح عنه، فلن يقدّر لك رزق، فتنحّى، ودعانا فأخرجنا سكيناً كان معنا فذبحناه واشتوينا منه بقيّة ليلتنا. سئل حذيفة المرعشي وقد خدم إبراهيم بن أدهم وصحبه فقيل له: ما أعجب ما رأيت منه؟ فقال: بقينا في طريق مكة أيّاماً لم نجد طعاماً، ثم دخلنا الكوفة، فأوينا إلى مسجد خراب فنظر إلى إبراهيم وقال: يا حذيفة أرى بك الجوع فقلت: ما رأى الشّيخ؛ فقال: عليّ بداوة وقرطاس، فجئت به، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أنت المقصود إليه بكل حال، والمشار إليه بكل معنى: من الكامل أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر ... أنا جائع أنا نائع أنا عاري هي ستّة فأنا الضّمين لنصفها ... فكن الضّمين لنصفها يا باري مدحي لغيرك وهج نار خضتها ... فأجر فديتك من دخول النّار قال: ثم دفع الرّفعة إليّ وقال: اخرج ولا تعلّق قلبك بغير الله، وادفع الرّقعة إلى أوّل من بلقاك. قال: فخرجت، فأوّل من لقيني كان رجل على بغلة، فأخذها وبكى، وقال: ما فعل صاحب هذه الرقّعة؟ فقلت: هو في المسجد الفلانّي، فدفع إليّ صرة فيها ستمئة دينار؛ ثم لقيت رجلاً آخر فقلت: من صاحب هذه البغلة؟ فقال: نصرانيّ؛ فجئت إلى إبراهيم فأخبرته بالقصّة، فقال: لا تمسّها، فإنه يجيء السّاعة؛ فلما كان بعد ساعة وافى النصرانيّ، وأكب على رأس إبراهيم بن أدهم وأسلم. قال إبراهيم اليماني: قلت لإبراهيم بن أدهم: يا أبا إسحاق إنّ لي مودة وحرمة، ولي حاجة، قال: وما هي؟ قلت: تعلّمني اسم الله المخزون، قال لي: هو في العشر الأوّل من الحديد، لست أزيدك على هذا. قال إبراهيم بن بشار: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا، ولا نطلب كشفه من

ربّنا عزّ وجلّ، ثكلت عبداً أمه أحبّ الدّنيا ونسي ما في خزائن مولاه. قال أبو عتبة الخوّاص: سمعت إبراهيم بن أدهم قال لرجل: ما آن لك أن تتوب؟ قال: حتى يشاء الله عزّ وجلّ؛ فقال له إبراهيم: وأين حزن الممنوع؟. قال محمد بن أبي الرّجاء القرشي: قال إبراهيم بن أدهم: إنك إذا أدمنت النّظر في مرآة التّوبة بان لك قبيح شين المعصية. قال العبّاس بن الوليد: بلغني أن إبراهيم بن ادهم دخل على أبي جعفر، فقال: ما عملك؟ قال: من الطويل نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نزقّع فقال: اخرج عني، فخرج وهو يقول: من مجزوء الخفيف اتخذ الله صاحبا ... ودع النّاس جانبا حدّث إبراهيم بن بشّار الخراسانيّ، قال: كثيراً ما كنت أسمع إبراهيم بن أدهم يقول: من الطويل لما توعد الدّنيا به من شرورها ... يكون بكاء الطّفل ساعة يوضع وإلاّ فما يبكيه منها وإنّها ... لأروع مما كان فيه وأوسع إذا أبصر الدّنيا استهل كأنّما ... يرى ما سيلقى من أذاها ويسمع قال إبراهيم بن بشار: سئل إبراهيم بن أدهم: بم يتّم الورع؟ قال: بتسوية كلّ الخلق في قلبك، والاشتغال عن عيوبهم بذنبك، وعليك باللّفظ الجميل، في قلب ذليل، لربّ جليل، فكن في ذنبك، وتب إلى ربّك، يثبت الورع في قلبك، واقطع الطمع.

إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد

وعن شعيب بن حرب عن إبراهيم بن أدهم، قال: لا تجعل بينك وبين الله عليك منعماً، واعدد نعمةً عليك من غيره مغرماً. وعن خلف بن تميم، قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: من البسيط أرى أناساً بأدنى الدّين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيس بالدّون فاستعن بالله عن دنيا الملوك كما ... استغنى الملوك بدنياهم عن الدّين كتب عمرو بن المنهال المقدسيّ إلى إبراهيم بن أدهم بالرّملة: أن عظني بموعظة أحفظها عنك، قال: فكتب إليه: أما بعد، فإن الحزن على الدّنيا طويل، والموت من الإنسان قريب، وللنقص في كل وقت نصيب، وللبلاء في جسمه دبيب، فبادر بالعمل قبل أن ينادي بالرحيل، واجتهد بالعمل في دار الممرّ قبل أن ترتحل إلى دار المقرّ. حدّث أبو عبد الله الجوزجاني رفيق إبراهيم بن ادهم، قال: غزا إبراهيم بن أدهم في البحر مع أصحابه، فقدم أصحابنا فأخبروني عن إبراهيم بن أدهم، عن اللّيلة التي مات فيها، اختلف خمسةً أو ستةً وعشرين مرّةً إلى الخلاء، كل ذلك يجددّ الوضوء للصلاة، فلّما شعر بالموت قال: أو تروا لي قوسي، وقبض على قوسه، فقبض الله روحه والقوس في يده، قال: فدفنّاه في بعض الجزائر في بلاد الروم. وقال الربيع بن نافع: مات إبراهيم بن أدهم سنة اثنتين وستّين ودفن على ساحل البحر. إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد ابن عبد المؤمن بن إسماعيل بن مشكان بن حرزاد البيروتيّ روى عن أبيه، بسنده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أسلم على شيء فهو له ".

إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر بن محمد

إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر بن محمد ابن عبيد الله بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الحسينيّ الموسويّ المكيّ القاضي الخطيب قدم دمشق وحدّث بها وبمكة. سمع الحديث وأسمعه. روي عن محمد بن الحسين الآجري، بسنده عن بعض أصحاب ذي النون، قال: قال عبد الباري أخو ذي النون: يا أبا الفيض لم صير الموقف بعرفات والمشعر الحرام ولم يصير بالحرم؟ قال: لأن الكعبة بيت الله عزّ وجلّ والحرم حجابه، والمشعر بابه، فلّما قصده الوافدون أوقفهم بالباب الأول يتضرّعون، حتى لمّا أذن لهم بالدخول أوقفهم بالباب الثاني، وهو المزدلفة، فلّما أن نظر إلى تضرّعهم أمرهم بتقريب قربانهم ويقضون تفثهم ويتطهرون من الذّنوب التي كانت تحجبهم عنه: أمرهم بالّزيارة على طهارة. قال عبد الباري: فلم كره لهم الصّيام أيّام التشريق؟ فقال: إنّ القوم زوّار الله، وهم في ضيافة الله، ولا ينبغي للضيف للذّيف أن يصوم عند من أضافه إلاّ بإذنه. فقال: يا أبا الفيض، فما معنى التعلّق بأستار الكعبة؟ فقال: مثله مثل رجل بينه وبين صاحبه جناية، فهو يتعلّق به ويستخذي له رجاء أن يهب له جرمه. قال الحاكم أبو عبد الله: جاءنا نعي القاضي الشريف أبي جعفر الموسائي الحسينيّ قاضي الحرمين في شهر رمضان سنة تسع وتسعين وثلاثمئة.

إبراهيم بن إسماعيل بن محمد بن أحمد

إبراهيم بن إسماعيل بن محمد بن أحمد ابن عبد الله أبو سعد الهرويّ الحافظ قدم دمشق وحدّث. روي عن احمد بن محمد بن بطّة الأصبهانيّ، بسنده عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الساعة التي ترجى فيها، يوم الجمعة، عند نزول الإمام ". وروي عن محمد بن أحمد بن عمارة العطّار، بسنده عن أنس، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: " عرضت عليّ أجور أمتّي حتى القذاة يخرجها الرّجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر أعظم من آية أو سورة أوتيها رجلّ ثم نسيّها ". إبراهيم بن إسماعيل أبو إسحاق العنبريّ الطوسيّ مصنف وله مسند. سمع بدمشق والحجاز والعراق ومصر وخراسان، وروي عنه الحديث. روي عن دحيم بسنده عن أبيّ هريرة، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن حوضي أبعد من أيلة إلى عدن، لهو أشدّ بياضاً من الثّلج وأحلى من العسل، ولآنيته أكثر من عدد نجوم السّماء، وإنّي لأصدّ عنه كما يصد الرّجل إبل الرّجل عن حوضه "؛ قالوا: يا رسول الله، أتعرفنا؟ قال: " نعم، لكم سيماء لأحد من الأمم تردون عليّ غرّاً محجّلين من أثر الوضوء ".

إبراهيم بن إسماعيل

قال أبو النضر الفقيه: كتبت مسند إبراهيم العنبري بخطي مئتين وبضعة عشرة جزءاً. إبراهيم بن إسماعيل روي عن هشام بن عمار، بسنده عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثلاث ونهاني عن ثلاث؛ أوصاني أن لا أنام إلاّ على وتر، وأن أصوم ثلاثة أيّام من كل شهر يعني البيض وأن لا أدع ركعتي الضّحى؛ ونهاني أن أنقر الصّلاة كنقير الدّيك، وأن ألتفت التفات الثعلب، وأن أقعي إقعاء القرد. إبراهيم بن إسحاق بن أحمد أبو إسحاق المقرئ إمام مسجد الفرس بصور. إبراهيم بن إسحاق بن بشر بن موسى ابن صالح بن شيخ بن عميرة بن حبّان بن سراقة بن يزيد بن حميري ابن عتبة بن جذيمة بن الصّيداء بن عمرو بن قعين ابن الحارث بن ثعلبة بن ذودان بن أسد بن خزيمة ابن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو إسحاق الأسديّ البغدادي سكن دمشق وحدّث بها عن جده.

إبراهيم بن إسحاق بن أبي الدرداء

إبراهيم بن إسحاق بن أبي الدّرداء أبو إسحاق الأنصاريّ الصّرفنديّ من أهل حمص الصّرفنده: من الساحل. سمع وأسمع. روي عن جعفر بن عبد الواحد، بسنده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " العباس عمّي ووصيّي ووارثي ". ذكر أبو الفرج غيث بن علي أنه حدّث بصور في رمضان سنة سبع وعشرين وثلاثمئة. إبراهيم بن أيّوب الحورانيّ الزّاهد سمع وأسمع. روي عن الوليد بن مسلم، بسنده عن أبي هند البجليّ وكان من السّلف قال: تذاكرو الهجرة عند معاوية، وهو على سريره مغمض العينين، فقال بعضهم: انقطعت الهجرة، وقال بعضهم: لا؛ فانتبه لهم معاوية فقال: ما كنتم تذكرون؟ فأخبروه، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التّوبة " ثلاث مرات. فقال ابن شمعون: مراده، ولا تنقطع التّوبة حتى تطلع الشّمس من قبل المغرب. قال أبو بكر الخطيب: إبراهيم بن أيوب الشاميّ كان من عباد الله الصاّلحين.

إبراهيم بن أيوب

قال عمرو بن دحيم: مات إبراهيم بن أيوب الحورانيّ لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومئتين، يوم الأحد. إبراهيم بن أيّوب حكى عن الأوزاعي أنه قال في كتاب له: اتقوا الله معشر المسلمين، واقبلوا نصح النّاصحين، وعظة الواعظين، واعلموا أن هذا العلم دين، فانظروا ما تصنعون، وعن من تأخذون، وبمن تقتدون، ومن على دينكم تأمنون؛ فإن أهل البدع كلّهم مبطلون، أفّاكون، آثمون، لا يرعوون، ولا ينظرون، ولا يتّقون، ولا مع ذلك يؤمنون على تحريف ما تسمعون، ويقولون ما لا يعلمون في سرد ما يذكرون وتسديد ما يفترون؛ والله محيط بما يعلمون. فكونوا لهم حذرين، منهم هار بين، رافضين، مجانبين؛ وإنّ علماءكم الأوّلون، ومن صلح من الآخرين كذلك كانوا يفعلون ويأمرون؛ واحذروا أن تكونوا على الله مظاهرين، ولدينه هادمين، ولعراه ناقضين موهنين، بتوقير المبتدعين والمحدثين؛ فإنه قد جاء في توقيرهم ما تعلمون، وأيّ توقير لهم أو تعظيم اشدّ من أن تأخذوا منهم الدّين، وتكونوا بهم مقتدين، ولهم مصدّقين موادعين، مؤالفين، معينين لهم بما يصنعون، على استهواء من يستهوون، وتأليف من يتالّفون من ضعفاء المسلمين، لرأيهم الذي يرون، ودينهم الذي يدينون؛ وكفى بذلك مشاركةً لهم فيما يفعلون. إبراهيم بن بحر حدّث عن أحمد بن أبي الحواريّ، قال: جاء رجل من بني هاشم إلى عبد الله بن المبارك ليسمع منه، فأبى أن يحدّثه؛ فقال الهاشمي لغلامه: يا غلام، قم؛ أبو عبد الرحمن لا يرى أن يحدّثنا. فلّما قام الهاشميّ ليركب جاء ابن المبارك ليمسك بركابه، قال: يا أبا عبد الرحمن لا ترى أن تحدّثني، وترى أن تمسك بركابي! فقال له ابن المبارك: رأيت أن أذلّ لك بدني ولا أذلّ لك حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

إبراهيم بن بسام

إبراهيم بن بسّام من أهل خراسان، وفد على هشام بن عبد الملك. إبراهيم بن بشّار بن محمد أبو إسحاق الخراسانيّ الصّوفي مولى معقل بن يّسار صاحب إبراهيم بن أدهم. روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. حدّث إبراهيم بن بشار الصوّفي الخراساني خادم إبراهيم بن أدهم قال: وقف رجل صوفيّ على إبراهيم بن أدهم فقال: يا أبا إسحاق، لم حجبت القلوب عن الله عزّ وجلّ؟ قال: لأنها أحبّت ما أبغض الله، أحبّت الدّنيا، ومالت إلى دار الغرور واللهو واللّعب، وترك العمل لدار فيها حياة الأبد، في نعيم لا يزول ولا ينفذ، خالداً مخلداً، في ملك سرمد، لا نفاذ له ولا انقطاع. وقال: قلت لإبراهيم بن أدهم: أمرّ اليوم أعمل في الطّين، فقال: يا بن بشّار، إنّك طالب ومطلوب، يطلبك من لا تفوته، وتطلب ما قد لقيته، كأنك بما غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه، يا بن بشّار كأنك لم تر حريصاً محروماً، ولا ذا فاقة مرزوقاً!، ثم قال: ما لك حيلة؟ قلت: لي عند البقّال دانق؛ فقال: عزّ عليّ، تملك دانقاً وتطلب العمل!. وقال: خرجت أنا وإبراهيم بن أدهم وأبو يوسف الغاسوليّ وأبو عبد الله السّنجاريّ نريد الإسكندرية، فمررنا بنهر يقال له: الأردنّ، فقعدنا نستريح، وكان مع أبي يوسف كسيرات يابسات، فألقاها بين أيدينا، فأكلناها وحمدنا الله تعالى؛ فقمت أسعى أتناول ماءً لإبراهيم، فبادر إبراهيم فدخل النّهر حتى بلغ الماء إلى ركبيته، فقال بكفّيه فملأهما، ثم قال: بسم الله، وشرب الماء؛ ثم قال: الحمد لله، ثم خرج من النّهر، فمدّ رجليه ثم قال:

إبراهيم بن بكر أبو الأصبغ البجلي

يا أبا يوسف لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النّعيم والسّرور لجالدونا بالسّيوف أيّام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلّة التّعب. فقلت: يا أبا إسحاق، طلب القوم الرّاحة والنّعيم، فأخطاوا الطريق المستقيم؛ فتبسّم، ثم قال: من أين لك هذا الكلام!. وقال: مضيت مع إبراهيم بن أدهم في مدينة يقال لها: أطرابلس، ومعي رغيفان مالنا شيء غيرهما، وإذا سائل يسال، فقال لي: ادفع إليه ما معك!، فلبثت، فقال: ما لك؟ أعطه؛ فأعطيته وأنا متعجب من فعله، فقال: يا أبا إسحاق إنك تلقى غداً ما لم تلقه قط، واعلم أنك تلقى ما أسلفت، ولا تلقى ما خلّفت، تعّهد لنفسك، فإنك لا تدري متى يفجأك أمر ربك. قال: فأبكاني بكلامه وهوّن عليّ الدّنيا؛ قال: فلّما نظر إليّ أبكي، قال: هكذا فكن. إبراهيم بن بكر أبو الأصبغ البجليّ أخو بشر بن بكر من أهل دمشق، حدّث بمصر عن جماعة. حدّث عن أبي زرعة بن إبراهيم القرشي، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: بلغني عن أبي أمامة حديث في الوضوء، قال: فقلت: لا أنزل عن بغلتي هذه حتى آتي حمص، فاسأل أبا أمامة عن هذا الحديث؛ فأتيت حمص، فسألت عنه فدلّوني عليه في مزرعة له، فأتيت مزرعته، فسألت عنه، فقيل: هو ذاك في رحبة المسجد

إبراهيم بن بكر بن يزيد بن معاوية

شيخ كبير عليه قباء فهو أبو أمامة الباهليّ؛ قال: فخرجت حتى أتيت المسجد فإذا هو في رحبة المسجد شيخ كبير وعليه قباء فرو قد ألقاه على ظهره يتفلى في الشّمس. قال: فسلّمت عليه، قال: قلت: أنت أبو أمامة الباهليّ صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم يا بن أخي، فما تشاء؟ قلت: حديث بلغنا أنك تحدّث به عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الوضوء: قال: نعم يا بن أخي، سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من توضأ فغسل كفّيه ثلاثاً أذهب الله كلّ خطيئة أخطأها بهما، ومن مضمض واستنشق أذهب الله كل خطيئة أخطأها بلسانه وشفتيه، ومن توضأ فأبلغ الوضوء أماكنه، ثم قام إلى الصّلاة مقبلاً عليها فقد خرج من خطيئته مثلما ولدته أمّه " فقلت: أنت سمعت هذا من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: يا بن أخي لم أسمعه مرّة أو مرّتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً أو ستاً أو سبعاً، لم أبال ألاّ أذكره، ولكن والله لا أدري كم سمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال أبو سعيد ابن يونس: توفي قريباً من سنة ست وسبعين ومئة. وفي نسخة أخرى: توفي في سنة عشر ومئتين. إبراهيم بن بكر بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أميّة كان يسكن عذراء من إقليم خولان من قرى دمشق، وكانت لجدّه؛ وأمّه أمّ ولد. إبراهيم بن بنان الجوهريّ سمع وأسمع. روى عن هشام بن عمار، بسنده عن جابر بن عبد الله، قال:

إبراهيم بن تميم أبو إسحاق الكاتب

قرأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سورة الرّحمن من أوّلها إلى خاتمتها، فلّما فرغ قال: " مالي أراكم سكوتاً! الجنّ كانوا أحسن منكم ردّاً، ما قرأت عليهم آية فبأيّ آلاء ربّكما تكذّبان إلاّ قالوا: ولا بشيء من نعماء ربّنا نكذّب، فلك الحمد ". وروى عن محمد بن عبد الرحمن الجعفي، بسنده عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا أيقظ الرّجل أهله من اللّيل فتوضّئا وصلّيا كتبا من الذّاكرين الله كثيراً والذّاكرات ". إبراهيم بن تميم أبو إسحاق الكاتب مولى شرحبيل بن حسنة ولي خراج مصر، وقدم دمشق على المأمون. قال إسماعيل بن إسحاق بن إبراهيم بن تميم: كان إبراهيم يعاني الزّرع لنفسه في حداثته، وزرع بالصّعيد وبأسافل الأرض، وكان يقول: ما طلبت ولاية الخراج حتى عرفت عقد الصّعيد وعقد أسفل الأرض، وعرفت فضله وجبيته على مرّ السنين. قال ابن يونس: كان كاتباً في ديوان الخراج ثم تناهت به الأمور إلى أن ولي خراج مصر. توفي سنة سبع عشرة ومئتين. إبراهيم بن جبلة بن عرمة الكنديّ كان من أصحاب عبد الملك بن مروان، وعمّر حتى صار من صحابة أبي جعفر المنصور.

إبراهيم بن جدار العذري

إبراهيم بن جدار العذريّ روى عن ثابت بن ثوبان العّبسي، قال: سمعت مكحولاً يقول: ويحك يا غيلان، ركبت بهذه الأمة مضمار الحروريّة غير أنك لا تخرج عليهم بالسّيف. قال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي يقول: ما أصيب أهل دمشق بأعظم من مصيبتهم بإبراهيم بن جدار العذريّ، وأبي مرثد الغنويّ، وبالمطعم بن المقدام الصّنعاني. وقال مروان بن محمد: وكان في زمانه أعبد أهل الشّام. وقال عبد الملك بن بزيع: جاءه رجل فأسمعه ما يكره، فقال له إبراهيم: قد سمع الله كلامك، غفر لك القبيح وكافأك بالحسن. إبراهيم بن جعفر أبو محمود الكتاميّ المغربيّ العابد قدم دمشق يوم الثلاثاء لاثنتين وعشرين ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمئة أميراً على جيوش المصريين. وكانت بين أبي محمود وبين أهل دمشق في مدة ولايته حروب كثيرة وفتن متواصلة. هلك بدمشق في صفر سنة سبعين وثلاثمئة، وكان ضعيف العقل سّيئ التدبير إبراهيم بن أبي جمعة كاتب إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك

إبراهيم بن حاتم بن مهدي

إبراهيم بن حاتم بن مهدي أبو إسحاق التستريّ البلّوطي الزّاهد سكن الشام وحدّث بدمشق وأطرابلس عن جماعة. روى عن محمد بم جعفر، بسنده عن عبيد الله بن عمر، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما هلكت أمّة قطّ إلاّ بالشرك بالله، وما كان بدء شركها إلاّ التكذيب بالقدر ". وحدّث بسنده عن الحسن، قال: من كذّب بالقدر فقد كذّب بالحقّ؛ إن الله تبارك وتعالى قدّر خلقاً وقدّر أجلاً، وقدّر بلاءً وقدّر مصيبةً وقدّر معافاةً، فمن كذّب بالقدر فقد كذّب بالقرآن. وروى عن إبراهيم بن جعفر، بسنده عن حذيفة، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من قل طعمه صحّ بدنه وصفا قلبه، ومن كثر طعامه سقم بدنه وقسا قلبه ". حدّث أبو الحسين زيد بن عبد الله بن محمد البلّوطي، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن حاتم البلّوطي، يقول: لقيت ثلاثة آلاف شيخ أو ثلاثمئة أبو الحسين البلّوطي يشك قلت: يا أستاذ، لقيت الخضر؟ فقال: يا بنيّ، من لم يلق الخضر لا يقول إنه وصل بعد إلى شيء. قال الشيخ أبو إسحاق: وعرضت أصول السّنّة على أبي العبّاس الخضر عليه السلام. قال أبو إسحاق: وكنت أدخل إلى بعض الشيوخ في بلدنا، وكنت صبيّاً، وكنت أتنكّر حتى يدخلوني معهم، فسمعت كلّ رجل منهم يقول للشيخ: طويت ثلاثة أيّام؛ ويقول آخر: طويت عشرة؛ ويقول آخر: طويت عشرين يوماً؛ فقلت: مالي لأنازل ما ينازل هؤلاء! فطويت ستين يوماً، وحضرت معهم، وقلت للشيخ: طويت ستين يوماً، فأخذني وقبّل ما بين عينيّ. قال لنا الشيخ أبو إسحاق: طويت سبعين يوماً، ولو كان هذا شاع عنّي ما أخبرتكم، ولولا أنّي قد قرب أجلي ما حدّثتكم.

إبراهيم بن أبي حرة الحراني

وقال أبو الحسين: ذكر عن أبي إسحاق أن رجلين من أهل الخولان تحالفا: لقد رآه أحدهما في الحجّ يوم عرفة، ورآه الآخر بالأكواخ يصلّي العيد؛ وحلفا بالطّلاق على ذلك، وارتفعا إليه، فقال لهما: صدقتما، ولا تعلما أحداً. إبراهيم بن أبي حرّة الحرّاني ويقال: النّصيبي رأى ابن عمر، وحدّث عن جماعة، وروي عنه الحديث، وقدم دمشق وحدّث بها مجتازاً إلى مكة مع الزّهري. روى عن سعيد بن جبير، أظنّه عن ابن عباس، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: " لا تقربوه طيباً " يعني المحرم إذا مات. وقال: رأيت ابن عمر مسح فكأنّي أنظر اثر أصابعه على خفّيه. قال أبو زكريا يحيى بن معين: إبراهيم بن أبي حرّة الحرّاني، جزريّ، وكان من الفقهاء الذين شهدوا الموسم مع ابن هشام بن عبد الملك. وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: إبراهيم بن أبي حرّة، هو ثقة لا بأس بحديثه. إبراهيم بن الحسن بن سهل حاجب المتوكل قدم معه دمشق سنة ثلاث وأربعين ومئتين. مات بسرّمن رأى في شعبان سنة أربع وأربعين ومئتين.

إبراهيم بن الحسن بن محمد

إبراهيم بن الحسن بن محمد ابن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن عبد الله بن سليمان بن أبي كريمة أبو البركات الفارسيّ الإصطخريّ الأصل، الصّيداويّ سمع بدمشق، وحدّث بصيدا. روي عن محمد بن عبد الرحمن بن طلحة المعدّل الصّيداوي، بسنده عن ابن عبّاس، أنّه قال: أصابت نبّي الله خصاصة، فبلغ ذلك عليّاً، فخرج يلتمس عملاً يصيب فيه شيئاً ليبعث به للنّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأتى بستاناً لرجل من اليهود، فاستقى له سبعة عشر دلواً، كل دلو بتمرة. فخيّره اليهودي على تمره، وأخذ سبع عشرة عجوة، كلّ دلو بتمرة، فجاء بها إلى النّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: من أين لك هذا يا أبا الحسن؟ قال: بلغني ما بك من الخصاصة يا نبيّ الله، فخرجت ألتمس عملاً لأصيب لك طعاماً، قال: حملك على هذا حبّ الله ورسوله؟ قال: نعم يا نبيّ الله، قال النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من عبد يحبّ الله ورسوله إلاّ الفقر أسرع إليه من جرية السيّل على وجهه، ومن أحبّ الله ورسوله فليعدّ للبلاء تجفافاً ولهما يعني الصبر ". إبراهيم بن الحسن بن يوسف بن يعقوب أبو إسحاق المصريّ قدم دمشق طالب علم وحدّث بها عن بعض شيوخه، وكان كهلاً.

إبراهيم بن الحسين بن علي

إبراهيم بن الحسين بن علي ويقال ابن سني أبو إسحاق الهمذانيّ الكسائيّ، المعروف بابن ديزيل، ويعرف بسيفنّة ويعرف بدابّة عفّان لكثرة ملازمته إيّاه وهو أحد الثّقات الأثبات الرّحّالين في طلب الرّوايات. سمع بدمشق والحجاز عن جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن إسحاق بن محمد الفروي، بسنده عن عائشة، قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم لا يجتنب شيئاً مما يجتنبه المحرم. قال ابن أبي حاتم: سمعت إبراهيم يقول: كنت بالمدينة، ووافى محمد بن عبد الجبار سندول، وأفدته عن إسماعيل بن أويس وكان إسماعيل يكرمه فلّما دخل عليه أجلسه معه على السرير، وقمت أنا عند الباب، فجعل محمد بن عبد الجبار يسأل إسماعيل، فبصر بي، فقال: هذا من عمل ذاك المكدي، أخرجوه. قال: فأخرجت، ثم خرجت مع محمد بن عبد الجبار إلى مكة، فجعلت أذاكره في الطريق، فتعجب وقال: من أين لك هذا؟! قلت: هذا سماع المكدين. قال محمد بن إبراهيم الدّامغانيّ: كنّا في مجلس إبراهيم بن الحسين بن ديزيل الهمذانيّ، وكان يلقّب بسيفنّة، فتقدم إليه بعض الغرباء يسأله في أحاديث، فامتنع عليه فيها إبراهيم؛ فقال: إن حدّثتني بهذه الأحاديث وإلاّ هجوتك؛ فقال إبراهيم: وكيف تهجوني؟ قال: أقول: من السريع وقائل حالك في دنّه ... فقلت ذا من فعل سيفنّه قال: فتبسم إبراهيم وأجابه في تلك الأحاديث.

إبراهيم بن الحسين أحد الزهاد

قال الدّامغاني: إنما لقب إبراهيم بسيفنّة لكثرة كتابته الحديث، وسيفنّة طائر بمصر لا يقع على شجرة إلاّ أكل ورقها حتى لا يبقي فيها شيئاً، وكذلك إبراهيم إذا وقع إلى محدّث لا يفارقه حتى يكتب جميع حديثه. قال أبو عبد الله الحاكم عنه: ثقة مأمون. مات يوم الأحد آخر يوم من شعبان سنة إحدى وثمانين ومئتين. إبراهيم بن الحسين أحد الزهّاد حكى عن دينار وحكى عنه أحمد بن أبي الحواري. قال: دخل عليّ رجل وأنا بالفراديس، في بيت، فقال لي: عد، إن المسيء قد عفي عنه، أليس قد فاته ثواب المحسنين؟. قال فحدثت به ديناراً فبكى، وقال: على مثل هذا فليبك. إبراهيم بن الحسين الدمشقي حدّث عن شعيب بن أحمد البغدادي، بسنده عن عائشة، قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله علي وسلم فقال لي: " يا عائشة اغسلي هذين الثوبين "، قالت: فقلت: بأبي وأمّي يا رسول الله بالأمس غسلتهما، قال: " أما علمت أن الثّوب يتّسخ، فإذا اتّسخ انقطع تسبيحه ". قال الخطيب: روى شعيب حديثاً منكراً، ثم ساق الذي سقناه.

إبراهيم بن الحسين

إبراهيم بن الحسين أبو إسحاق الغزنوي قدم دمشق وحدّث بها. روى عن أبي بكر أحمد بن الحسن الجيري، بسنده عن سالم عن أبيه، قال: رأيت النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعمر يمشون أمام الجنازة. إبراهيم بن حمزة بن نصر ابن عبد العزيز بن محمد أبو طاهر بن الجرجرائيّ المقرئ المعدّل قرأ القرآن بعدّة روايات، وسمع، وحدّث. حدّث عن أبي بكر الخطيب، بسنده عن عائشة، قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما كبيرة بكبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة بصغيرة مع الإصرار ". سئل أبو طاهر عن مولده، فقال: في سنة إحدى وأربعين وأربعمئة بدمشق. توفي في ليلة الإثنين السادس عشر من شهر ربيع الأول، ودفن يوم الإثنين سنة تسع وخمسمئة في مقابر باب الصغير بعد أن صلّى عليه الفقيه أبو الحسن علي بن المسلم. صحيح السمّاع، خلّف اثنين عليّاً ويحيى. إبراهيم بن حيّان أبو إسحاق الجبيليّ من ساحل دمشق، من أهل جبيل.

إبراهيم بن أبي حوشب النصري إبراهيم بن الخضر بن زكريا بن إسماعيل

إبراهيم بن أبي حوشب النّصري إبراهيم بن الخضر بن زكريّا بن إسماعيل أبو محمد بن أبي القاسم الصائغ سمع واسمع. وكان أبوه أبو القاسم من أهل العلم، سمع الأشراف كابن المنذر. حدّث عن عبد الوهاب بن الحسن، بسنده عن أبيّ الدّرداء، قال: رأى النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلاً يمشي أمام أبي بكر، فقال: " أتمشي أمام من هو خير منك! إن أبا بكر خير من طلعت عليه الشمس وغربت ". توفي يوم عاشوراء في المحرم من سنة خمس وعشرين وأربعمئة. كتب الكثير، وحدّث بشيء يسير، كان فيه تساهل في الحديث. ذكر أبو بكر الحداد أنه ثقة، وذكر الأهوازي أنه دفن بباب توما. إبراهيم بن زرعة بن إبراهيم القرشيّ إبراهيم بن سعد بن شراخ المعافريّ المصريّ وفد على عمر بن عبد العزيز، وحكى عنه. إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن ابن عوف الزّهري وفد على هشام بن عبد الملك. مات سنة ثلاث وثمانين ومئة، وهو ابن خمس وسبعين سنة.

إبراهيم بن سعد الخير بن عثمان

إبراهيم بن سعد الخير بن عثمان ابن يحيى بن مسلمة بن عبد الله بن قرط الأزديّ إبراهيم بن سعد الحسنيّ الزّاهد بغدادي اجتاز بدمشق أو بساحلها. قال أبو الحارث الأولاسي: خرجت من الحصن أريد البحر، فقال لي بعض إخواننا: لا تبرح، فإني قد هيأت لك عجّة حتى تتغدّى، فجلست وأكلت معه، ونزلت إلى السّاحل، فإذا إبراهيم بن سعد العلويّ قائم يصلّي، فقلت في نفسي: يريد أن يقول لي: امش بنا على الماء، ولئن قال لأمشينّ معه؛ فما استتم ذلك الخاطر حتى سلّم من صلاته، وقال لي: يا أبا الحارث، هيه، عزمت، بسم الله، امش على ما خطر في نفسك، فقلت: بسم الله؛ فمشى على الماء، وذهبت لأمشي خلفه فغاصت رجلي في الماء، فالتفت إليّ وقال: يا أبا الحارث، أخذت العجّة برجلك، فذهب وتركني. وقال أبو الحارث الأولاسي: خرجت من مكة في غير أيام الموسم أريد الشّام، فإذا أنا بثلاثة نفر على جبل، فإذا هم يتذاكرون الدّنيا، فلّما فرغوا أخذوا يعاهدون الله أن لا يمسّوا ذهباً ولا فضّة، فقلت: وأنا أيضاً معكم، فقالوا: إن شئت، ثم قاموا، فقال أحدهم: أمّا أنا فصائر إلى بلد كذا وكذا، وقال الآخر: أمّ أنا فصائر إلى بلد كذا وكذا، وبقيت أنا وآخر، فقال لي: أين تريد؟ فقلت: أريد الشام، فقال: وأنا أريد الشام؛ فكان إبراهيم بن سعد العلويّ، فوّدّع بعضاً وافترقنا، فمكثت حيناً أنتظر أن يأتيني كفايتي، فما شعرت يوماً وأنا بالأولاس، فخرجت أريد البحر، فصرت بين الأشجار، إلاّ برجل صافّ قدميه يصلّي؛ فاضطرب قلبي لمّا رأيته، وعلاني له هيبة، فلّما حسّ بي سلّم والتفت إليّ، فإذا هو إبراهيم بن سعد، فعرفته بعد ساعة، فقال لي: هاه،

فوبّخني، وقال: اذهب فغيّب عني شخصك ثلاثة أيّام ولا تطعم شيئاً ثم ائتني، فعلت ذلك، فجئته بعد ثلاثة وهو قائم يصلّي، فلّما حسّ بي وجز في صلاته ثم أخذ بيدي فأوقفني على البحر وحرّك شفتيه، فقلت في نفسي: يريد أن يمشي بي على الماء، ولئن فعل لأمشينّ، فما لبثت إلاّ يسيراً، فإذا أنا برفّ من الحيتان مدّ البصر قد أقبلت إلينا رافعةً رؤوسها فاتحةً أفواهها، فلّما رأيته قلت في نفسي: أين أبو بشر الصيّاد إنسان كان بالأولاس هذه السّاعة؟ فإذا الحيتان قد تفرّقت كأنما طرح في وسطها حجر، فالتفت إليّ وقال: فعلتها! فقلت: إنّما قلت كذا وكذا، فقال لي: مرّ، لست مطلوباً بهذا الأمر، ولكن عليك بهذه الرّمال والجبال، فوار شخصك ما أمكنك، وتقلل من الدّنيا حتى يأتيك أمر الله فإني أراك بهذا مطالباً، ثم غاب عنّي، فلم أره حتى مات؛ وكانت كتبه تصل إليّ. فلّما مات كنت قاعداً يوماً فتحرّك قلبي للخروج من باب البحر، ولم يكن لي حاجة، فقلت: لا أكره القلب فيعمى، فخرجت، فلّما صرت في المسجد الذي على الباب إذا أنا بأسود، قام إليّ فقال: أنت أبو الحارث؟ فقلت: نعم، فقال: آجرك الله في أخيك إبراهيم بن سعد، وكان اسمه ناصح، مولى لإبراهيم بن سعد، فذكر أن إبراهيم أوصاه أن يوصل إليّ هذه الرّسالة، فإذا فيها مكتوب: بسم الله الرّحمن الرّحيم، يا أخي إذا نزل بك أمر من أمر فقر أو سقم أو أذىً فاستعن بالله واستعمل عن الله الرّضى، فإنّ الله مطلع عليك، يعلم ضميرك، وما أنت عليه، ولا بدّ لك من أن ينفذ فيك حكمه، فإن رضيت فلك الثّواب الجزيل، والأمن من الهول الشديد؛ وأنت في رضاك وسخطك لست تقدر أن تتعدّى المقدور، ولا تزداد في الرّزق المقسوم والأمر المكتوم والأجل المعلوم؛ ففي أيّ هذه تريد أن تحتال في نقضها بهمّتك، وبأيّ قدرة تريد أن تدفعها عنك عند حلولها، أن تجتليها من قبل أوانها! كلاّ والله لا بدّ لأمر الله أن ينفذ فيك طوعاً منك أو كرهاً فإن لم تجد إلى الرّضا سبيلاً فعليك بالتّجمّل، ولا تشك ممّن ليس بأهل أن يشكى، وهو من أهل الشكر والثناء القديم، ما أوفى من نعمته علينا، فما أعطى وعافى أكثر مّما زوى وأبلى، وهو مع ذلك أعرف بموضع الخير لنا منّا، وإذا اضطرّتك الأمور وقلّ صبرك، فالجأ إليه بهمّتك، واشك إليه بثّك

إبراهيم بن سعيد أبو إسحاق الجوهري البغدادي

وليكن طبعك فيه، واحذر أن تستبطئه أو تسيء به ظناً، فإن لكل شيء سبباً، ولكل سبب أجل، ولكل همّ في الله ولله فرج عاجل أو آجل، ومن علم أنه بعين الله استحيا أن يراه الله يؤمّل سواه، ومن أيقن ينظر الله أسقط الاختيار لنفسه في الأمور، ومن علم أن الله الضّارّ النّافع أسقط مخاوف المخلوقين عن قلبه، وراقب الله في قربه، وطلب الأشياء من معادنها، فاحذر أن تعلّق قلبك بمخلوق خوفاً أو رجاءً، أو تفشي إلى أحد اليوم سرّك، أو تشكو إليه بثّك، أو تعتمد على إخائه، أو تستريح إليه استراحة يكون فيها موضع شكوى بثّ، فإن غنيّهم فقير في غناه، وفقيرهم ذليل في فقره، وعالمهم جاهل في علمه، فاجر في فعله، إلاّ القليل ممّن عصم الله. قال أبو الحارث الأولاسي: قلت لإبراهيم بن سعد، ما كان مبتدأ أمرك؟ قال: كنت من الغلويّة، وفي نخوتهم وتكبّرهم، والتّزيّن بالشّرف والتّعظيم به على النّاس، فرأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يرى النّائم، فقال لي: أنت شريف؟ فقلت: نعم يا رسول الله، أنا من أولادك؛ فقال: لم لا تتواضع في شرفك حتى تكون شريفاً؟ فالشّرف بالله يكون حقيقته الشرف والتواضع لعباده، وقضاء حوائجهم تكون المروءة، وصحبة الفقراء تزيل عنك هذا الكبر، وتدلّك على منهاج الحقّ، وإيّاك والرذكون إلى الدنيا ومحبّتها، وصحبة أهلها، وتشرّف بالفقر تكن شريفاً. قال: فانتبهت، وقد زال عنّي ما كنت أجده من التكبّر ورؤية الشرف وأنفقت كلّ ما كنت أملكه، وصحبت الفقراء، وقصدتهم في أماكنهم، وتتبّعتهم في كلّ أمورهم؛ فتلك رؤيا كانت سبب أمري. وقال: كان أحبّ شيء إليّ لبس الثّياب الفاخرة، فالآن إذا لبست ثوباً جديداً وقلّ ما ألبسه إلاّ وجدت نفسي ذلاًّ إلى أن يتّسخ أو يتخرّق، كل هذا ببركة موعظة النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. إبراهيم بن سعيد أبو إسحاق الجوهريّ البغداديّ قدم دمشق وحدّث ببغداد والمصّيصة عن جماعة.

روى عنه مسلم في صحيحه والتّرمذي والنسائي وغيرهم. حدّث عن أبي أسامة حمّاد بن أسامة، بسنده عن أبي موسى، قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أيّ المسلمين أفضل؟ قال: " من سلم الناس من لسانه ويده ". قال أبو بكر الخطيب: وكان ثقةً مكثراً ثبتاً، صنّف المسند وانتقل عن بغداد فسكن عين زربة مرابطاً بها إلى أن مات. قال عبد الله بن جعفر بن خاقان المروزيّ السّلمي: سألت إبراهيم بن سعيد الجوهريّ عن حديث لأبي بكر الصّديق فقال لجاريته: أخرجي إليّ الثالث والعشرين من مسند أبي بكر، فقلت له: لا يصحّ لأبي بكر خمسون حديثاً، من أين ثلاثة وعشرون جزءاً؟ فقال: كلّ حديث لم يكن عندي من مئة وجه فأنا فيه يتيم!. قال الخطيب: وكان لسعيد والد إبراهيم اتّساع من الدنّيا وإفضال على العلماء، فلذلك تمكّن ابنه من السّماع، وقدر على الإكثار عن الشيوخ، وصفّ الجوهريّ ببغداد إليه ينسب. وقال إبراهيم الهروي: حجّ سعيد الجوهريّ فحمل معه أربعمئة رجل من الزوّار سوى حشمه حجّ بهم!. حدّث عمر بن عثمان، قال: سمعت إبراهيم بن سعيد الجوهريّ يقول: دخلت على أحمد بن حنبل أسلّم عليه، فمددت يدي إليه فصافحني، فلّما أن خرجت قال: ما أحسن أدب هذا الفتى، لو انكبّ علينا كنّا نحتاج أن نقوم. مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين. روى عن يحيى بن حسان، بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: لمّا نزلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الآية " ولتعزّروه: قال لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما ذاك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: لتنصروه.

إبراهيم بن سعيد الإسكندراني المعروف بالسديد

إبراهيم بن سعيد الإسكندرانيّ المعروف بالسّديد قدم دمشق. قال أبو عبد الله بن الملحي: السّديد، إبراهيم بن سعيد، شيخ جليل القدر، واسع الأدب، مشهور بالفضل، من بيت كبير، كلّهم صحبوا بني حمدان بمصر، واستغنوا من فضلهم؛ وكان هذا السّديد نزل عند صاعد بن الحسن بن صاعد بزقاق العجم، وكان صاعد قد عمل شخص حديد ينفخ النّار ساعات، فأراد السّديد اعتباره فلم ينصبه كما يجب فأطفأ النّار، فقال صاعداً بديهاً: من الكامل نار تيّممها السّديد فزدّها ... برداً وكانت قبل وهي جحيم وكأنّما المنفاخ آية ربّه ... وكأنّ إبراهيم إبراهيم قال: وأنشدنا السّديد: من الطويل أبى فرعها لي أن أرى مثل لونه ... سواها فمبيضّ عداها كمسودّي بقلبي منها مثل ما بجفونها ... فذا مرض يحيي وذا مرض يودي وضدّان في حبّيط قلبي ومقلتي ... فهذا له مخف وهذا له مبدي قال: وأنشدنا: من البسيط في ابن توفيق من ليث العرين ومن ... هدير ساقية الطّوسيّ أشباه فيه من الثّور قرناه وجثّته ... ومن أبي القيل نتن لازم فاه قال: وقال لي يوماً: لم يبق من الولد إلاّ بنت صغيرة قد سمّتها على كفؤ لها، وأفردت ما يصلح شأنها وهو مودع عند صديق لي بالإسكندريّة، فقال له صاعد: وكم مقداره؟ فقال: هو ثلاثون ألف دينار عيناً، ثم سار لإتمام ما عرفناه.

إبراهيم بن سليمان بن داود

إبراهيم بن سليمان بن داود أبو إسحاق بن أبي داود الأسديّ، المعروف بالبرلّسي. سمع بدمشق من جماعة، وروي عنه، وكان أحد الحفاظ المجّودين الثقات الأثبات. روى عن حجّاج بن إبراهيم، عن حيان، عن محمد بن أبي رافع، عن أخيه، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا طنّت أذن أحدكم فليذكرني وليصلّ عليّ، وليقل: اللهم اذكر بخير من ذكرني ". قال أبو سعيد ابن يونس: إبراهيم بن سليمان بن داود، أسديّ، أسد خزيمة، يكنى أبا إسحاق، يعرف بابن داود البرلّسي، لأنه كان لزم البرلّس بساجور من نواحي مصر، مولده بصور، وأبوه أبو داود كوفي: وكان ثقة من حفّاظ الحديث، توفي بمصر ليلة الخميس لستّ وعشرين ليلة خلت من شعبان سنة اثنتين وسبعين ومئتين. إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ له عقب. وقد بلغني أنه لمّا أفضت الخلافة إلى بني العبّاس، اختفت رجال بني أميّة؛ وكان فيمن اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، حتى أخذ له دواد بن علي من أبي العبّاس الأمان. وكان إبراهيم رجلاً عالماً، فقال له أبو العبّاس ذات مرّة: حدّثني عمّا مرّ بك في اختفائك، قال: نعم، كنت مختفياً بالحيرة في منزل شارع على طريق الصّحراء، فبينما أنا على ظهر بيت ذات يوم إذا نظرت إلى أعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة،

إبراهيم بن سليمان بن هشام

فوقع في نفسي وفي روعي أنها تريدني، فخرجت من الدّار مستنكراً حتى دخلت الكوفة، ولا أعرف بها أحداً أختفي عنده فبقيت متلدداً، فإذا أنا بباب كبير ورحبة واسعة، فدخلت الرّحبة فجلست فيها، وإذا برجل وسيم، حسن الهيئة، على فرس قد دخل الرّحبة ومعه جماعة من غلمانه وأتباعه، فقال لي: من أنت؟ وما حاجتك؟ فقلت: رجل مختف يخاف على دمه قد استجار بمنزلك؛ قال: فأدخلني منزله ثم صيّرني في حجرة تلي حرمه، فمكثت عنده في عزّ، كلّ ما أحبّ من مطعم ومشرب وملبس، لا يسألني عن شيء من حالي، ويركب كلّ يوم ركبةً؛ فقلت له يوماً: أراك تدمن الرّكوب، ففيم ذلك؟ فقال لي: إن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك قتل أبي صبراً، وقد بلغني أنه مختف، فأنا أطلبه لأدرك منه ثأري؛ فكثر تعجّبي من إدبارنا إذ ساقني القدر إلى الاختفاء في شمل من يطلب دمي، فكرهت الحياة، فسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه فخبّرني بهما، فعرفت أنّي قتلت أباه، فقلت له: يا هذا، قد وجب عليّ حقك، ومن حقك أن أقرّب عليك الخطوة؛ قال: وما ذاك؟ قلت: أنا إبراهيم بن سليمان قاتل أبيك فخذ بثأرك! قال: أحسب أنك رجل قد مللت الاختفاء فأحببت الموت؛ قلت: بل الحق، يوم كذا، بسبب كذا؛ فلّما عرف أنّي صادق اربدّ وجهه، واحمّرت عيناه، وأطرق مليّاً، ثم رفع رأسه إليّ وقال: أمّا أنت فستلقى أبي فيأخذ منك حقّه، وأمّا أنا فغير مخفر ذمّتي، فلست آمن عليك، وأعطاني ألف دينار، فلم أقبلها، وخرجت من عنده، فهذا أكرم رجل رأيته. إبراهيم بن سليمان بن هشام ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأمويّ قتله مروان بن محمد بحمص، لمّا خلعه أبوه وأهل حمص.

إبراهيم بن سليمان الأفطس

إبراهيم بن سليمان الأفطس من أهل دمشق. روى عن الوليد بن عبد الرحمن الحرشيّ، أنه حدّثهم عن جبير بن نفير، عن النّواس بن سمعان، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " يأتي القرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدّنيا، تقدمهم البقرة وآل عمران " قال نواس: وضرب لهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثة أمثال ما نسيتهنّ بعد قال: " تأتيان كأنّهما عبابتان بينهما شرف، أو كأنّهما غمامتان سوداوتان، أو كأنّهما ظلّة من طير صوافّ تجادلان عن صاحبهما ". قال أبو زرعة الدّمشقي: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم: ما القول في إبراهيم بن سليمان الأفطس؟ فقال: ثقة ثبت. إبراهيم بن سليم بن أيوب بن سليم أبو سعد بن أبي الفتح الرّازيّ سمع بصور ومكة وبغداد ومصر، وروى الحديث. روى عن أبيه، بسنده عن أسامة بن شريك، قال: شهدت النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل: ما خير ما أعطي العبد؟ قال: خلق حسن. توفي يوم الثلاثاء السادس والعشرين من ذي الحجّة سنة إحدى وتسعين وأربعمئة بدمشق. إبراهيم بن سويد الأرمني حدّث بيروت عن أحمد بن حنبل، وسمع بدمشق.

إبراهيم بن سيار أبو إسحاق البغدادي

روى عن هشام بن عمّار، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله، أقطع ". قال: قلت لأحمد بن حنبل: من الخلفاء؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ. قلت: فمعاوية؟ قال: لم يكن أحد أحقّ بالخلافة في زمان عليّ من عليّ، رضي الله عنهم، ورحم معاوية. إبراهيم بن سيّار أبو إسحاق البغدادي الصّوفيّ كان يسكن المصّيصة، وقدم دمشق، وحدّث بها. سمع وأسمع. روى عن سفيان بن عيينة، بسنده عن زينب بنت جحش، قالت: استيقظ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو محمرّ وجهه، فقال: " لا إله إلاّ الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وحلّق حلقة " قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصّالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث. إبراهيم بن شكر بن محمد بن علي أبو إسحاق العثمانيّ، الخاميّ، المالكيّ، الواعظ مصريّ سكن دمشق. روى عن الشريف أبي القاسم علي بن محمد بن علي الزّيدي، بسنده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء ".

إبراهيم بن شمر أبي عبلة

قال ابن الأكفاني: وقدم دمشق سنة ثمان وخمسين وأربعمئة، وذكر أنه من ولد عثمان. وقال: وفيها يعني سنة سبع وستين وأربعمئة توفي أبو إسحاق إبراهيم بن شكر العثماني رحمه الله في ليلة الأحد، ودفن يوم الأحد الثاني من ذي الحجّة باب الصغير. إبراهيم بن شمر أبي عبلة ابن يقظان بن المرتحل أبو إسماعيل، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو إسحاق، ويقال: أبو العبّاس الفلسطينيّ الرمليّ، ويقال: الدّمشقيّ روى عن ابن عمر وأبي أمامة وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وغيرهم. وروى عنه مالك واللّيث والأوزاعي وغيرهم. وكان يوجهه الوليد بن عبد الملك من دمشق إلى بين المقدس فيقسم فيهم العطاء، ودخل على عمر بن عبد العزيز في مسجد داره. روى عن أنس بن مالك، قال: دخل عينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يكن فينا أشمط غير أبي بكر، فكان يغلّفها بالحنّاء والكتم. قال عنه أبو حاتم: هو صدوق ثقة. قال إبراهيم: رأيت من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن عمر وعبد الله بن أم حرام وواثلة بن الأسقع وغيرهم يلبسون البرانس، ويقصّون شواربهم ولا يحفون حتى الجلدة، ولكن يكشفون الشّفة، ويصفّرون بالورس، ويخضبون بالحنّاء والكتم.

وقال الدارّ قطني عنه: الطّرقات إليه ليست تصفو، وهو بنفسه ثقة لا يخالف الثّقات إذا روى عن ثقة. قال إبراهيم: قدم الوليد بن عبد الملك فأمرني فتكلّمت، قال: فلقيني عمر بن عبد العزيز، فقال: يا إبراهيم لقد وعظت موعظةً وقعت من القلوب. وقال: دخلت على عمر بن عبد العزيز وهو بمسجد داره، وكنت له ناصحاً وكان مني مستمعاً، فقال: يا إبراهيم بلغني أن موسى، قال: المعنى ما الذي يخلّصني من عقابك، ويبلغني رضوانك، وينجيني من سخطك؟ قال: الاستغفار باللّسان، والنّدم بالقلب، والتّرك بالجوارح. وقال: دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد، والنّاس يسلّمون عليه، ويقولون: تقبّل الله منّا ومنك يا أمير المؤمنين، فردّ عليهم، ولا ينكر عليهم. وقال: بعث إلي هشام بن عبد الملك فقال: يا إبراهيم إنّا قد عرفناك صغيراً واختبرناك كبيراً، ورضينا بسيرتك وبحالك، وقد رأيت أن تختلط بنفسي وخاصّتي، وأشركك في عملي، وقد ولّيتك خراج مصر. قال: فقلت: أمّا الذي عليه رأيك يا أمير المؤمنين فالله يجزيك ويثيبك، وكفى به مجازياً ومثيباً؛ وأمّا الذي أنا عليه فمالي بالخراج بصر، ومالي عليه قوّة. قال: فغضب حتى اختلج وجهه وكان في عينيه الحول فنظر، قال: فنظر إليّ نظراً منكراً، ثم قال: لتلينّ طائعاً أو لتلينّ كارهاً. قال: فأمسكت عن الكلام، حتى رأيت غضبه قد انكسر، وسورته قد طفئت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتكلّم؟ قال: نعم؛ قلت: إنّ الله سبحانه وبحمده قال في كتابه: " إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها " الآية. فوالله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهنّ إذ أبين، ولا أكرههنّ إذ كرهن، وما أنا بحقيق أن تغضب عليّ إذ أبيت،

إبراهيم بن شيبان بن محمد بن شيبان

ولا تكرهني إذ كرهت؛ قال: فضحك حتى بدت نواجذه؛ ثم قال: يا إبراهيم قد أبيت إلاّ فقهاً! قد رضينا عنك وأعفيناك. قال ضمرة بن ربيعة: ما رأيت لذة العيش إلاّ في خصلتين: أكل الموز بالعسل في ظلّ صخرة بيت المقدس، وحديث ابن أبي عبلة، فلم أر أفصح منه. قال إبراهيم: مرض أهلي فكانت أم الدّرداء تصنع لي الطعام، فلّما برؤوا قالت: إنّما كنا نصنع إذ كان أهلك مرضى، فأمّا إذا برؤوا فلا. قال: وقلت للعلاء بن زياد بن مطر العدويّ: إنّي أجد وسوسة في قلبي، فقال: ما أحبّ لو أنك متّ عام أوّل، إنك العام خير منك عام أوّل. وقال: من حمل شاذّ العلماء حمل شراً كبيراً. وقال لمن جاء من الثغر: وقد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: يا أبا إسماعيل فما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب. ومن شعره: من الكامل لسانك ما بخلت به مصون ... فلا تهمله ليس له قيود وسكّن بالصّمات خبئ صدر ... كما يخبا الزّبرجد والفريد فإنك لن تردّ الدّهر قولاً ... نطقت به وأندية قعود كما لم ترتجع مسقاة ماء ... ولم يرتدّ في الرّحم الوليد قال ضمرة: مات ابن أبي عبلة سنة اثنتين وخمسين ومئة. إبراهيم بن شيبان بن محمد بن شيبان أبو طاهر النّفيليّ المرتب بالمدرسة النّظاميّة ببغداد، من أهل دمشق. ذكر لي أنه ولد ببانياس في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وأربعمئة، وكتبت عنه شيئاً يسيراً.

إبراهيم بن شيبان القرميسيني

روى عن الشريف أبي نصر محمد بن محمد بن علي الزّينبي الهاشميّ، بسنده عن جبير بن مطعم. عن أبيه، قال: سمعت النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ في المغرب بالطّور. مات رابع جمادى الأولى من سنة تسع وثلاثين وخمسمئة ببغداد. إبراهيم بن شيبان القرميسيني من مشايخ الصّوفيّة سمع وأسمع، واجتاز في سياحته بمعان من البلقاء، من أعمال دمشق. روى عن علي بن الحسن بن أبي العنبر، بسنده عن العبّاس، قال: نظر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى حنظلة الرّاهب، وحمزة بن عبد المطّلب تغسلهما الملائكة. قال: خرجت مع أبي عبد الله المغربي على طريق تبوك، فلّما أشرفنا على معان، وكان له بمعان شيخ يقال له: أبو الحسن المعاني، فنزل عليه وما كنت رأيته قبل، ولكن سمعت باسمه، فوقع في خاطري إذا دخلت إلى معان قلت له: يصلح لنا عدساً بخل، فالتفت إلينا الشيخ، وقال لي: احفظ خاطرك، فقلت له: ليس إلاّ خير، فاخذ الرّكوة من يدي، فجعلت أتقلّب على الرّمضاء، وأقول: لا أعود؛ فلمّا رضي عنّي ردّ الرّكوة إليّ. فلّما دخلنا إلى معان، قال الشيخ أبو الحسن المعاني وما رآني قط: قد عاد خاطرك على الجماعة، كل، ما عندنا عدس بخلّ. قال أبو عبد الرحمن السّلمي: إبراهيم بن شيبان، أبو إسحاق، من جملة مشايخ الجبل، نزل قرميسين، ومات بها، وقبره بها ظاهر يتبرك بحضوره، صحب أبا عبد الله المغربي وإبراهيم الخوّاص وغيرهما من المشايخ، وهو من جملة المشايخ وأورعهم وأحسنهم حالاً.

إبراهيم بن صالح بن علي

وسئل ابن المبارك عنه فقال: إبراهيم حجة الله على الفقراء والمساكين والمعاملات. وقال الإمام القشيري: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: من أراد أن يتعطّل ويتبطّل فليلزم الرّخص. وقال: علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبوديّة، وما كان هذا فهو المغاليط والزّندقة. وقال: الخلق محلّ الآفات، وأكثر منهم آفة من يأنس بهم أو يسكن إليهم. وسئل عن الورع، قال: الورع أن تسلم مما يختلج منه صدرك من الشّبهات، ويسلم المسلمون من شرّ أعضائك ظاهراً وباطناً. قال الحسن بن إبراهيم القرميسينيّ: دخلت على إبراهيم بن شيبان، فقال: لم جئتني؟ قلت: لأخدمك، قال: أستأذنت والديك؟ قلت: نعم، وأذنا لي. فدخل عليه قوم من السّوقة، وقوم من الفقراء، فقال لي: قم واخدمهم، فنظرت في البيت إلى سفرتين إحداهما جديدة والأخرى خلقة، فقدّمت الجديدة إلى الفقراء، والخلقة إلى السّوقة، وحملت الطّعام النّظيف إلى الفقراء، وغيره إلى السّوقة، فنظر إليّ واستبشر، وقال: من علمك هذا؟ قلت: حسن نيّتي فيك، فقال لي: بارك الله عليك. فما حلفت بعد ذلك بارّاً ولا حانثاً، وما عققت والديّ، ولا عقّني أحدّ من أولادي. مات سنة ثلاثين وثلاثمئة. إبراهيم بن صالح بن علي ابن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، الهاشمي أمير دمشق من قبل المهدي، وولي مصر من قبل المهدي أيضاً، وولي الجزيرة لموسى الهادي.

إبراهيم بن صالح أبو إسحاق العقيلي

قال إسحاق بن سليمان: توفي أمير المؤمنين المهدي سنة تسع وستين ومئة، وأميره على كور دمشق والأردن إبراهيم بن صالح، فتوفي المهدي، وولّي الهادي والأمير على كور دمشق والأردن وقبرس إبراهيم بن صالح، فأقّره الهادي على أعماله، فلم يزل عليها حتى مات، وولّي هارون الرّشيد الخلافة سنة سبعين ومئة، والأمير على كور دمشق والأردن وقبرس إبراهيم بن صالح، فعزله وولاّه محمد بن إبراهيم، فلم يزل والياً على كور دمشق إلى سنة اثنتين وسبعين، ثم ولّى هارون إبراهيم بن صالح، فلم يزل والياً عليها إلى سنة خمس وسبعين ومئة. قال محمد بن أبي الحواري: دخل عبّاد بن عباد على إبراهيم بن صالح، وهو على فلسطين، وعليه قلنسيان، وهو حافي، فقال: عظني. فقال: بم أعظك أصلحك الله؟ بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ماذا يعرض على رسول الله صلى اله عليه وسلم من عملك؛ قال: فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه على لحيته. قال داود الرطّال وكان مولى لإبراهيم بن صالح بن علي: لمّا احتضر إبراهيم بن صالح، قلت له: يا مولاي قل: لا إله إلاّ الله، قال: فعلتها ياداود؟!. قال ابن يونس: توفي يوم الخميس لليلتين خلتا من شعبان سنة ست وسبعين ومئة. إبراهيم بن صالح أبو إسحاق العقيليّ شاعر من أهل دمشق، فمما قرأته من شعره بخط بعض أهل الأّدب: من السريع فديت من خدّشني عابثاً ... فصار في الوجنة كالنّقش خدّش خدّي ولدمعي به ... من حبّه خدش على خدش فقلت لمّا لم أجد حيلة ... وعيل صبري ووهى بطشي:

إبراهيم بن الصباح الحميري إبراهيم بن طاهر بن بركات بن إبراهيم

إن كان يا مولاي قد فاتني ... أخذك في دنياي بالأرش فليس في الحشر لدى عرضنا ... يغفل عن ظلمك ذو العرش ها أنا يا مكتوم في حبكم ... كالشّنّ مطروح على الفرش وعن قليل غير شكّ ترى ... عبدك محمولاً على النّعش إبراهيم بن الصّباح الحميري إبراهيم بن طّاهر بن بركات بن إبراهيم ابن علي بن محمد بن أحمد بن العبّاس بن هاشم أبو إسحاق الفرشيّ، المعروف بالخشوعيّ الرّفّاء الصّوّاف سمع من جماعة. كتبت عنه وكان ثقة خيّراً. روى عن أبي القاسم علي بن محمد بن علي المصّيصيّ، بسنده عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مطل الغنيّ ظلم، وإذا أحلت على مليء فاتبعه، ولاتبع بيعتين في بيعة ". توفي الخشوعي ليلة الجمعة ودفن يوم الجمعة الثاني والعشرين من شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمئة، وشهدت دفنه باب الفراديس. إبراهيم بن طلحة بن عمرو ابن مرّة الجهنيّ روى عن أبيه، روى عنه ابنه سعيد.

إبراهيم بن عباد التميمي المصري

إبراهيم بن عبّاد التميميّ المصريّ روى عن هشام بن عمّار، بسنده عن ابن عباس، أنه قرأ على عثمان. إبراهيم بن العبّاس بن الحسن بن العبّاس ابن الحسن بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصّادق ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسين الشّريف القاضي. ولي القضاء بدمشق والخطابة في أيّام أبي تميم معدّ، الملقّب بالمستنصر، نيابةً عن قاضي قضاته أبي محمد القاسم بن عبد العزيز بن محمد بن النعمان، بعد عمّه أبى تراب المحسن بن محمد بن العبّاس، ثم عزل بأبي الحسين يحيى بن زيد الزّيدي، ثم أعيد إلى القضاء. روى عن الحسين بن عبد الله الأطرابلسي. بسنده عن ابن عبّاس، قال: كان رسول الله يعوّذ الحسن والحسين عليهما السّلام، يقول: " أعيذكما بكلمات الله التّامّة من كلّ شيطان وهامّة، ومن كلّ عين لامّة " ويقول: " هكذا كان إبراهيم يعوّذ ابنيه إسماعيل وإسحاق صلى الله عليهم أجمعين ". ذكر ابنه أن مولده في محرم سنة أربع وتسعين وثلاثمئة. وقال ابن الأكفاني: توفي يوم السبت التاسع والعشرين من شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمئة ضحوة نهار، ودفن في باب الصغير. إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم ابن عبيد بن زياد بن مهران بن البختريّ أبو إسحاق البغداديّ الثلاّج قدم دمشق وحدّث بها وببغداد.

إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد

روى عن عبد الله بن محمد البغويّ، بسنده عن عليّ بن أبي طالب، قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليست الجنابة. ولد في سنة إحدى وثمانين ومئتين، وتوفي في رحبة مالك بن طوق ودفن بها في سنة خمس وستين وثلاثمئة. إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد أبو إسحاق الختّلي سمع بدمشق وغيرها، وأسمع. روى عن أحمد بن عبد الله بن يونس، بسنده عن سهل بن سعد السّاعدي، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله يحبّ معالي الأمور ويكره سفسافها ". وروى عن فضيل بن عبد الوهاب، بسنده عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: إن رجلاً حضرته الوفاة، فقيل له: قل: لا إله إلاّ الله، فلم يستطع أن يقولها، وهو يتكلّم؛ فأتاه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: قلها فلم يقلها، وقال: قلبي يعقل ولا أستطيع، فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لم؟ قال: عقوقي لوالدتي! قال: وحيّة هي؟ قال: نعم، فدعاها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال: ارضي عن ابنك فقالت: الّهم إني أشهدك وأشهد رسولك أني قد رضيت عنه، فقالها. أنشد إبراهيم بن الجنيد قال: أنشدني أبو الوليد رباح بن الوليد: من الرجز المرء دنياه له غرّاره ... والنّفس بالسّوء له أمّاره يا ربّ حلو غبّه مراره

إبراهيم بن عبد الله بن الحارث

قال الخطيب: الختلي، صاحب كتب الزّهد والرّقائق، بغدادي سكن سرّ من رأى وحدّث بها، وعنده عن يحيى بن معين سؤالات كثيرة الفائدة تدلّ على فهمه، وكان ثقة. إبراهيم بن عبد الله بن الحارث ابن سراقة وفد مع أبيه على معاوية بن أبي سفيان. إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أبو إسحاق الورّاق، ورّاق الوزير سمع وأسمع. روى عن أحمد بن المعلّى، بسنده عن أبي عبد الله الأشعري، قال: نظر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رجل يصلّي لا يتم ركوعه، وينقر في سجوده، فأمره أن يتمّ ركوعه. وحدّث عن محمد بن يزيد بن عبد الصّمد، بسنده عن الحسن، في قوله تعالى: " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " قال: " لا تصلها رياءً ولا تدعها حياءً ". إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أبو الحسين هو إبراهيم بن أحمد بن الحسن بن حسنون الأدرنيّ ، وقد تقدم.

إبراهيم بن عبد الله بن حصن

إبراهيم بن عبد الله بن حصن ابن أحمد بن حزم أبو إسحاق الغافقي، الأندلسيّ المحتسب: محتسب دمشق سمع الحديث الكثير ببغداد ودمشق والرملة وغيرها، وروي عنه. حدّث عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصفّار، بسنده عن سعيد بن كثير، قال: قدم إبراهيم بن سعد العراق سنة أربع وثمانين ومئة، فأكرمه الرّشيد، وأظهر برّه، وسئل عن الغناء فأفتاهم بتحليله؛ وأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع من أحاديث الزّهريّ فسمعه يتغنّى، فقال: لقد كنت حريصاً على أن أسمع منك، فأمّا الآن فلا أسمع منك حديثاً أبداً؛ فقال: إذاً لا أفقد إلاّ شخصك، وعليّ وعليّ إن حدّثت ببغداد ما أقمت حديثاً، حتى أغنّي قبله!. وشاعت هذه عنه ببغداد فبلغت الرّشيد، فدعا به، فسأله عن حديث المخزوميّة التي قطعها النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سرقة الحليّ، فدعا بعود. فقال الرشيد: أعود المجمر؟ فقال: لا، ولكن عود الطّرب، فتبسم، ففهمها إبراهيم، فقال: لعلّك يا أمير المؤمنين بلغك حديث السّفيه الذي آذاني بالأمس، وألجأني أن حلفت، قال: نعم؛ فدعا له الرشيد بعود فغنّى: من البسيط يا أمّ طلحة إن البين قد أفدا ... قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غداً فقال الرّشيد: منكان من فقهائكم يكره السّماع؟ قال: من ربطه الله! قال: فهل بلغك عن مالك في هذا شيء؟ قال: إي والله، أخبرني أبي أنّهم اجتمعوا في مدعاة كانت لبني يربوع وهم يومئذ اجلّة، ومالك أقلّهم فقهاً وقدراً، ومعهم معازف وعيدان، يغنّون ويلعبون، ومع مالك دفّ مربّع، وهو يغنيّيهم: من الهزج سليمى أجمعت بينا ... فأين لقاؤها أينا

إبراهيم بن عبد الله بن سليمان

وقد قالت لأتراب ... لها زهر تلاقينا تعالين فقد طاب ... لنا العيش تعالينا فضحك الرّشيد، ووصله بمال عظيم. وفي هذه السنة مات إبراهيم بن سعد، وهو ابن خمس وسبعين سنة، يكنى أبا إسحق. وقال عبد المنعم بن علي بن النحوي: وفي يوم الإثنين لثمان خلون من جمادى الأولى سنة خمس وسبعين، عزل الأنصاريّ عن حسبة دمشق، ووليها أبو إسحاق الأندلسيّ الفقيه. فسمعت أبا محمد بن الأكفاني يحكي عن شيوخه، أن أبا إسحاق كان صارماً في الحسية، وأنه كان بدمشق رجل يقلي القطايف، فكان المحتسب يريد أن يؤدّيه، فإذا رآه القطايفي قد أقبل، قال: بحقّ مولانا امض عنّي، فيمضي عنه؛ فغافله يوماً وأتاه من خلفه، وقال: وحقّ مولانا لا بدّ أن تنزل، فأمر بإنزاله وتأديبه، فلّما ضرب بالدرّة قال: هذه في قفا عثمانّ، قال المحتسب: أنت لا تعرف أسماء الصحّابة، والله لأصفعنّك بعدد أهل بدر ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، فصفعه بعدد أهل بدر، وتركه؛ فمات بعد أيّام من ألم الصّفع، وبلغ الخبر إلى مصر فأتاه كتاب الملّقب بالحاكم يشكره على ما صنع، وقال: هذا جزاء من ينتقص السّلف الصّالح. قال ابن الأكفاني: مات في يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلون من ذي الحجّة سنة أربع وأربعمئة، وكان قد كتب الكثير، وسافر ولم يحدّث، وكان مالكيّاً يذهب إلى الاعتزال. إبراهيم بن عبد الله بن سليمان ابن يوسف العبديّ حدّث بأطرابلس عن أبيه.

إبراهيم بن عبد الله بن صفوان

إبراهيم بن عبد الله بن صفوان أبو إسحاق النّصريّ الحدّاد، عمّ أبي زرعة الحافظ روى عن جماعة، وسمع منه. روى عن ضمرة بن ربيعة عن جاء بن أبي سلمة، عن سليمان بن موسى، قال: قال عمرو بن شعيب: لا نفل بعد النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: قلت: أيهات، أشغلك أكل الزّبيب بالطّائف! سمعت مكحولاً وهو يقول: جلت الشام والعراق ومصر أسأل عن النّفل، فلم أصب أحداً يخبرني، حتى صرت إلى دمشق، إذا رجل في غربيّ المسجد يقال له: زيد بن حارثة التميميّ، وهو يقول: حدثني حبيب بن مسلمة الفهريّ، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفّل في البدأة الرّبع بعد الخمس، وفي الرّجعة الثّلث بعد الرّبع. إبراهيم بن عبد الله بن العلاء ابن زبر الدّمشقي أبو إسحاق قال عنه النّسائي: ليس بثقة. وقال ابن ماكولا: زبر: بفتح الزّاي وسكون الباء: إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زبر، يروي عن أبيه، روى عنه أبو حاتم الرّازي.

إبراهيم بن عبد الله المسجدي

إبراهيم بن عبد الله المسجديّ قال: وجد على حجر في جيرون مكتوب: ساكن دمشق لا تتحبّر فيقصمك الله، عامل دقيق لا يفلح، نعمةً ومعصية لا يجتمعان. إبراهيم بن عبد الله بن محمد ابن علي بن مروان أبو إسحاق الشّاهد روى عن أبي عليّ الحسين بن إبراهيم بن جابر، بسنده عن جابر، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من أعتق عبداً وله فيه شرك وله وفاء فهو حرّ، ويضمن نصيب شركائه بقيمة عدل بما أساء مشاركتهم، وليس على العبد شيء ". إبراهيم بن عبد الحميد أبو إسحاق الجرشيّ سمع وأسمع. روى عن أبي عبد الملك الزديّ، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " شوبوا شيبكم بالحنّاء، فإنه أسرى لوجوهكم، وأطيب لأفواهكم، وأكثر لجماعكم، الحنّاء سيد ريحان أهل الجنّة، الحنّاء يفصل ما بين الكفر والإيمان ". وروى عن زياد البصري عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " طالب العلم تبسط له الملائكة أجنحتها رضاءً بما يطلب ". قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: يشبه أن يكون حمصياً ما به بأس.

إبراهيم بن عبد الرحمن دحيم بن إبراهيم

إبراهيم بن عبد الرحمن دحيم بن إبراهيم ابن ميمون روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. حدّث عن إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصّيصي، بسنده عن أنس بن مالك، قال: سألوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أجفوه في المسألة، فقام مغضباً خطيباً، فقال: " لا تسألوني عن شيء في مقامي هذا إلاّ حدثتكم " فقام رجل كان إذا لا حي دعي إلى غير أبيه، فقال: من أبي؟ قال: أبوك حذافة واشتّد غضبه، قال: فلم ير في القوم إلاّ باكياً؛ فجثا عمر على ركبتيه، وربّما قال: قام عمر فقال: رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسولاً؛ وربّما قال: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فقال: " والّذي نفسي بيده لقد مثلت لي الجنّة والنّار دون هذا الحائط ". وروى عن أبيه، بسنده عن أبي كبشة الأنماري: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحتجم على هامته وبين كتفيه، ويقول: " من أهراق منه هذه الدّماء فلا يضرّه أن لا يتداوى بشيء ". قال ابن زبر: وفي هذه السنة يعني سنة ثلاث وثلاثمئة توفي إبراهيم بن عبد الرحمن دحيم في المحرم. إبراهيم بن عبد الرحمن بن جعفر ابن عبد الرحمن أبو السّمح التّنوخي المعرّي، الفقيه الحنفيّ اجتاز بدمشق عند توجّهه إلى بيت المقدس، وكان زاهداً ورعاً أديباً. روى عن عبد الواحد بن محمد بن الحسن الكفرطابي، بسنده عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله يحبّ أبناء الثمانين ".

إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي شيبان

أنشد أبو السّمح، قال: وجدت بخط محمد بن علي بن محمد البخاري المحدّث: من البسيط ما لا مني فيك أحبابي وأعدائي ... إلاّ لغفلتهم عن عظم بلوائي تركت للنّاس دنياهم ودينهم ... شغلاً بحبّك يا ديني ودنيائي ومن شعره في خواجه بزرك: من الكامل أجريت طرف الملك في سند العلى ... متصاعداً كالكوكب المتحادر وجرى وراك معاشر فتعثّروا ... دون الغبار فلالعاً للعاثر توفي أبو السمح سنة ثلاث وخمسمئة بشيزر. إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي شيبان أبو إسماعيل، ويقال: أبو أميّة، ويقال: أبو بشر، العنسيّ من أهل دمشق. ويقال: إن اسم أبي شيبان: يزيد. روى وأسند الحديث. حدّث عن يزيد بن عبيدة عن يزيد بن أبي يزيد عن بسر بن أبي أرطاة، أنه كان يدعو: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها أجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة؛ فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما تزال تردّد هذه الدّعوات! فقال: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو بهن، فلن أدعهنّ حتى أموت. وروى عن يونس بن حلبس، بسنده عن أبي حوالة، قال: قال النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عليك بالشام ".

إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك

وقال: وسألت زيد بن رفيع فقلت: يا أبا جعفر ما تقول في الخوارج في تكفيرهم النّاس؟ قال: كذبوا، يقول الله عزّ وجلّ: " ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب " الآية. فمن آمن بهنّ فهو مؤمن ومن كفر بهنّ فهو كافر. قال عنه أبو مسهر: ثقة. إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك ابن مروان أبو إسحاق القرشيّ الحافظ ويقال: إنه ولد عبد الملك بن مروان، ويقال: من مواليه. رحل وسمع الحديث، وروي عنه. روى عن الربيع بن سليمان، بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه وعن جده، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " البّينة على من ادّعى واليمين على من أنكر، إلاّ في القيامة ". قال ابن زبر: توفي سنة عشرة وثلاثمئة ليلة السبت، ودفن يوم السبت بعد صلاة العصر لاثنتي عشرة بقيت من رجب. إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد، الزّهريّ شهد الدّار مع عثمان، ووفد على معاوية.

روى عن أبيه قال: إني لواقف في الصفّ يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنّا بين غلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، فتمنّيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عمّ، هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، فما حاجتك إليه؟ قال: أنبئت أنه يسبّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سواده من سوادي حتى يموت الاعجل منّا؛ فغمزني الآخر، فقال لي قوله، قال: فتعجبت لذلك. قال: فلم ألبث أن رأيت أبا جهل في النّاس، قال: فقلت لهما: ألا تريان، ها ذاك صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ فقال كلّ واحد منهما: أنا قتلته، فقال: هل مسحتما سيفيكما قالا: لا، فنظر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السّيفين، فقال: كلاكما قتله، ومضى بسلبه لمعاذ بن عمر بن الجموح، قال: والرّجلان معاذ بن الجموح، ومعاذ بن عفراء. وروى عن أبيه قال: كاتبت أميّة بن خلف كتابة في أن يحفظني في صاعيتي بمكة، وأحفظه في صاغيته في المدينة، فلّما بلغ اسم عبد الرحمن، قال: لا أعرف الرّحمن، كاتبني باسمك الذي كان، فكاتبته عبد عمرو، فلّما كان يوم بدر خرجت لأحرزه في شعب حتى يأمن النّاس، فرأيت بلال مولى أبي بكر، فأقبل حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال: يا معشر الأنصار، أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، فخرج معه نفر. قال عبد الرحمن: فلّما خشيت أن يدركونا خلّفت لهم ابنه أشغلهم به فقتلوه، ثم أتوا حتى لحقونا، وكان أميّة رجلاً ثقيلاً، فقلت له: ابرك. قال: فكان عبد الرحمن يرينا بظهر قدمه. وسقط من الحديث بعضه. وقدم إبراهيم بن عبد الرحمن وافداً على معاوية في خلافته، قال: فدخلت المقصورة، فسلّمت على مجلس من أهل الشام ثم جلست بين أظهرهم، فقال رجل منهم:

من أنت يا فتى؟ فقلت: أنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فقال: رحم الله أباك؛ حدثني فلان، لرجل سماه، أنه قال: والله لألحقنّ بأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلأحدثنّ بهم عهداً ولأكلمنّهم، فقدمت المدينة في خلافة عثمان فلقيتهم إلاّ عبد الرحمن بن عوف، أخبرت أنه بأرض له بالجرف، فركبت إليه حتى جئته، فإذا هو واضع رداءه يحوّل الماء بمسحاة في يده، فلّما رآني استحيا منّي فألقى المسحاة، وأخذ رداءه، فسلّمت عليه، وقلت: قد جئت لأمر: وقد رأيت أعجب منه، هل جاءكم إلاّ ما جاءنا؟ أم هل علمتم إلاّ ما علمنا؟ قال عبد الرحمن: لم يأتنا إلاّ ما قد جاءكم، ولم نعلم إلاّ ما علمتم؛ قلت: فما لنا نزهد في الدّنيا وترغبون فيها، ونخفّ في الجهاد وتتشاغلون عنه! وأنتم سلفنا وخيارنا وأصحاب نبيّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!. قال عبد الرحمن: لم يأتنا إلا ما جاءكم، ولم نعلم إلاّ ما علمتم، ولكنّا بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسّرّاء فلم نصبر. وإبراهيم بن عبد الرحمن، الذي يقول: من الطويل أمتروكة شوطى وبرد ظلالها ... وذو الغصن ملتحّ أإنخصيب معي صاحب لم أعص مذ كنت أمره ... إذا قال شيئاً قلت أنت مصيب قال إبراهيم بن المنذر: توفي سنة ست وتسعين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، أمه أم كلثوم بنت عقبة أول مهاجرة هاجرت من مكة إلى المدينة، وفيها أنزلت آية الممتحنة. وقال شيخ من آل الأخفش، عن أبيه، قال: رأيت إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أسيراً بين يدي مسلم يعني يوم الحرّة فقال له: اجلس، فإن لك عندي يداً ما أراك تعلمها، وسأكافئك بها، تذكر رجلاً بين يدي معاوية يعتذر إليه من شيء بلغه

إبراهيم بن عبد الرحمن العذري

عنه، ويحلف له، وهو يأبى أن يقبل، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما يحلّ لك تكذيبه وهو يحلف، ولا أن تردّ عليه عذره وهو يعتذر، فقبل ورضي؟ قال: أذكر هذا، ولا أدري من الرّجل، قال: أنا ذلك الرجل، وقد أمّنتك ومن أحببت، فشفّعه في رجال منهم. إبراهيم بن عبد الرحمن العذريّ من أهل دمشق، روى عن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلاً. حدّث، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يرث هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ". وسئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، وقيل له: كأنه كلامه موضوع، قال: لا، هو صحيح. إبراهيم بن عبد الرّزّاق بن الحسن ابن عبد الرّزّاق أبو إسحاق الأزديّ، ويقال: العجليّ الأنطاكيّ قرأ القرآن بدمشق، وصنّف كتاباً يشتمل على القراءات الثمان، وحدّث. روى عن محمد بن إبراهيم الصّوري، بسنده عن علي بن الحسين عن أبيه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". وروى عن محمد بن إبراهيم، بسنده عن ابن مسعود، قال: جاء رجل إلى النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إني أصبت منها كلّ شيء إلاّ الجماع يعني لا مرأة

إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة

فأنزل الله عزّ وجلّ: " أقم الصّلاة طرفي النّهار وزلفاً من اللّيل إن الحسنات يذهبن السيئات ". توفي بأنطاكية سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة. إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة ابن عبد الملك أبو إسحاق القرشيّ المقرئ، مولى الوليد بن عبد الملك إبراهيم بن عبد الملك روى عن هشام بن عمار، بسنده عن شهر بن حوشب، قال: سمعت عائشة تقول: ما من عبد يشرب الماء القراح فيدخل جوفه بغير أذىً ويخرج بغير أذىً إلاّ وجب عليه الشكر. وحدّث عن يزيد بن أبي حكيم العدني، بسنده عن الفضل بن عيسى قال إذا احتضر الرجل قيل للملك الذي كان يكتب به: كفّ؛ قال: لا، وما يدريني، لعلّه أن يقول: لا إلله إلاّ الله، فأكتبها له. إبراهيم بن عبد الواحد بن إبراهيم ابن عبد الله بن عمران أبو إسحاق العبسيّ روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. حدّث عن جدّه لأمه الهيثم بن مروان، بسنده عن عائشة، عن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: " إنّ من الشّعر حكمةً ". وعن جده لأمه، بسنده عن ابن عمر، أن تلبية رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "

إبراهيم بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام

لبّيك اللهم لبّيك، لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك. " توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمئة، في جمادى الأولى. إبراهيم بن عبد الوهّاب بن إبراهيم الإمام ابن محمد بن عبد الله بن عبّاس الهاشميّ أمير دمشق من قبل المنصور، والصّحيح عبد الوهّاب بن إبراهيم هو الأمير، فأما ابنه إبراهيم فكان في زمن المأمون. قال ابن قتيبة: وأما عبد الوهاب بن إبراهيم فولي الشام لأبي جعفر ومات بها. إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الزّرقيّ الأنصاريّ المدينيّ روى الحديث فقال: دخلت على جابر بن عبد الله بمكة، فوجدته جالساً يصلّي بأصحابه العصر وهو جالس، قال: فنظرت حتى سلّم؛ قال: قلت: غفر الله لك، أنت صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصلّي بهم وأنت جالس! قال: أنا مريض، فجلست وأمرتهم أن يجلسوا فيصلّوا معي، إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ما صلّى رجل العتمة في جماعة، ثم صلّى بعدها ما بدا له، ثم أوتر قبل أن يريم إلاّ كانت تلك اللّيلة كأنه لقي ليلة القدر في الإجابة ". وسمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " الإمام جنّة، فإن صلّى قائماً فصلّوا قياماً، وإن صلّى جالساً فصلّوا جلوساً ". قال: كنّا ننادي في بيوتنا للصّلاة ونجمّع لأهلنا. وروى عن أنس بن مالك، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأن لم الحمد لا إله إلاّ أنت المنّان بديع السّموات والأرض ذو الجلال

إبراهيم بن عتيق بن حبيب

والإكرام، أسألك الجنّة وأعوذ بك من النّار، فقال النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لقد كان يدعو الله باسمه الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي ". وقال: " شهدت عمر يعني ابن عبد العزيز ومحمد بن قيس يحدّثه، فرأيت عمر يبكي حتى اختلفت أضلاعه ". وسئل عنه أبو زرعة فقال: مدنيّ أنصاريّ زرقيّ ثقة. إبراهيم بن عتيق بن حبيب أبو إسحاق العبسي، أخو عبد السّلام، ويقال: السّلمي مولاهم. ويقال: إن جدّه كان نصرانياً من أهل حرستا، فأسلم على يدي رجل من بني سليم، وداره بدمشق بناحية باب السّلامة. روى عن مروان بن محمد الدّمشقي، بسنده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر إلاّ مع محرم من أهلها ". وعن منبه بن عثمان اللّخمي، بسنده عن أنس بن مالك، أن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا حضر العشاء وأقيمت الصّلاة فابدؤوا بالعشاء ". قال عمرو بن دحيم: سألته عن مولده فقال: سنة سبع وثمانين ومئة. قال ابن أبي حاتم: سمعنا منه وهو صدوق. إبراهيم بن عثمان بن سعيد بن المثنّى أبو إسحاق المصريّ الأزرق الخشّاب سمع بمصر ودمشق ورحل إلى العراق. توفي في رمضان سنة ثلاث وثلاثمئة، وكان صالح الحديث.

إبراهيم بن عثمان بن عبد الله بن عبيد ا

إبراهيم بن عثمان بن عبد الله بن عبيد ا بن أحمد بن الهيثم أبو إسحاق البهرانيّ الحورانيّ حدّث ببصرى سنة أربع عشرة وأربعمئة، وحدّث بقصيدة في مناسك الحجّ. إبراهيم بن عثمان بن محمد أبو القاسم، ويقال: أبو مدين، ويقال: أبو إسحاق. الكلبيّ الغزيّ. شاعر محسن، دخل دمشق وسمع بها سنة إحدى وثمانين وأربعمئة. ثم رحل إلى خراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها، وانتشر شعره هناك. وكان مولده في سنة إحدى وأربعين وأربعمئة. فمن شعره: من المتقارب هوىً يستلذّ كحكّ الجرب ... وشوق يصيبك منه النّصب تذكرت مربعنا في دمشق ... ومصطافنا بحوالي حلب وصحبة قوم إذا استنهضوا ... فضرب السّيوف لديهم ضرب وقوله: من الكامل قالوا تركت الشّعر قلت ضرورة ... باب الدّواعي والبواعث مغلق خلت الدّيار فلا كريم يرتجى ... منه النّوال ولا مليح يعشق ومن العجائب أنه لا يشترى ... ومع الكساد يخان منه ويسرق وقال يرثي الشيخ الغمام أبا الحسن الطبري، المعروف بالكيا الفقيه، ارتجالاً: من البسيط

هي الحوادث لا تبقي ولا تذر ... ما للبريّة من محتومها وزر لو كان ينجي علوّ من بوائقها ... لم تكف الشّمس بل لم يخسف القمر قل للجبان الذي أمسى على حذر ... من الحمام متى ردّ الرّدى الحذر بكى على شمسه الإسلام إذ أفلت ... بأدمع قلّ في تشبيهها المطر حبر عهدناه طلق الوجه مبتسماً ... والبشر أحسن ما يلقى به البشر لئن طوته المنايا تحت أخمصها ... فعلمه الجمّ في الآفاق منتشر سقى ثراك عماد الدّين كلّ ضحى ... صافي الغمام ملثّ الودق منهمر عند الورى من أسى ألفيته خبر ... فهل أتاك من استيحاشهم خبر أحيا ابن إدريس درس كنت نورده ... فحار في نظمه الأفكار والفكر من فاز منه بتعليق فقد علقت ... يمينه بحسام ليس ينكسر كأنّما مشكلات الفقه يوضحها ... جباه دهم لها من لفظه غرر ولو عرفت له مثلاً دعوت له ... وقلت دهري إلى شرواه مفتقر وأنشد لنفسه: من الخفيف إنما هذه الحياة متاع ... والغبيّ الغبيّ من يصطفيها ما مضى فات والمؤمل غيب ... فخذ الساعة التي أنت فيها وأنشد بعضهم به في وزير كان للسّلطان سنجر، كان يكثر أن يقول لمن يغضب عليه: غرزن، وتفسيره: زوج القحبة؛ فقال للمستوفي الأصمّ المعروف بالمعين ذلك، فقال له المعين: يا مولانا ما أكثر ما تقول للنّاس: غرزن، فإن كان هذا القول حسناً فأنت ألف غرزن؛ فقال الغزّيّ في الوزير المذكور: من المتقارب لقد كنت بيذق نطع الزّمان ... فلا حفظ الله من فرزنك

إبراهيم بن عدي

جوابك عند المعين الأصمّ ... إذ جئت غرزنته غرزنك مات في سنة أربع وعشرين وخمسمئة. وقال ابن السّمعاني: بلغني أنه كان يقول: أرجو الله تعالى أن يعفو عنّي ويرحمني لأني شيخ سنّيّ جاوزت السّبعين، وأني من بلد الإمام المطّلبيّ الشافعيّ، يعني غزّة. إبراهيم بن عديّ حدّث قال: رأيت عبد الملك بن مروان، وأتته أمور أربعة في ليلة، فما رأيته تنكّر، ولا تغيّر وجهه؛ قتل عبيد الله بن زياد بالعراق، وقتل حبيش بن دلجة القينيّ بالحجاز، وانتقاض ما كان بينه وبين ملك الروم، وخروج عمرو بن سعيد إلى دمشق. إبراهيم بن عقيل بن جيش بن محمد ابن سعيد أبو إسحاق القرشيّ النّحوي، المعروف بابن المكبريّ قال الخطيب: كان صدوقاً؛ وفي قوله نظر. روى عن عليّ بن أحمد بن محمد الشّرابي، بسنده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنّ من الجفاء أن يمسح الرّجل جبينه قبل أن يفرغ من صلاته، وأنّ يصلّي لا يبالي من أمامه، وأنّ يأكل مع رجل ليس من أهل دينه ولا من أهل الكتاب في إناء واحد ". وكان أبو إسحاق يذكر أن عنده تعليقة أبي الأسود الدؤلي التي ألقاها عليه عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، وكان كثيراً ما يعد بها ولا سيّما أصحاب الحديث، وكان كثيراً يعدني بها فأطلبها منه وهو يرجئ الأمر، إلى أن وقعت إليّ في حال حياته، وإذا به قد

إبراهيم بن علي بن أحمد بن إبراهيم

ركّب عليها إسناداً لا حقيقة له؛ وإنه لم يخرج ذلك لأحد من أصحاب الحديث لهذه العلّة، نعوذ بالله من البلاء. وهذه التي سمّاها التّعليقة فهي في أول أمالي الزّجّاجي نحو من عشرة أسطر فجعلها هذا الشيخ قريباً من عشرة أوراق!. توفي ليلة الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وأربعمئة، ودفن بباب الصغير. إبراهيم بن عليّ بن أحمد بن إبراهيم أبو محمد البصريّ، المعروف بالحنّائيّ سمع بدمشق والبصرة وبغداد، وأسمع. روى عن أحمد لن إبراهيم العسكري، بسنده عن ابن عمر، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " عليكم بالسّواك فإنه مطهرة للفم، مرضاة للرّبّ ". وقال: قال أبو علي الحسن بن حبيب: أمر أبو العتاهية أن يكتب على قبره: من الخفيف إنّ عيشاً يكون آخره المو ... ت لعيش معجّل التّنغيص إبراهيم بن عليّ بن إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق البضاويّ البغداديّ قدم دمشق وحدّث بها. روى عن ابن شاذان، بسنده عن سمرة بن جندب أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.

إبراهيم بن علي بن جندل

وكان صدوقاً صالحاً مات بمصر. إبراهيم بن علي بن جندل أبو إسحاق الجنابذيّ قدم دمشق وحدّث بها. روى عن الحسن بن عبد الله الأهوازي، بسنده عن أم سلمة، قالت: كان النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهراً كاملاً إلاّ شعبان، فإنه كان يصله برمضان، أو: إلى رمضان. إبراهيم بن علي بن الحسين أبو إسحاق القّبانيّ الصّوفيّ، شيخ الصّوفيّة سمع بصيدا والرّملة، وسكن صور. روى عن محمد بن الحسين الصّوفي، بسنده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا قال العبد: لا إله إلاّ الله، قال الله تعالى: يا ملائكتي، علم عبدي أنه ليس له ربّ غيري، أشهدكم أنّي قد غفرت له ". وعن محمد بن الحسين بن الترجمان، بسنده عن انس، قال: كانت عامة وصيّة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين حضرته الوفاة: الصّلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغر بها في صدره، وما يقبض بها لسانه. قال أبو الفرج غيث بن علي: أبو إسحاق القّباني شيخ الصّوفيّة بالثّغر، يرجع إلى ستر ظاهر، وسمت حسن، وطريقة مستقيمة، كثير الدّرس للقرآن، طويل الصّمت، لازم لما يعنيه، ولد بما وراء النهر، وخرج صغيراً وتغرّب، وسافر قطعة كبيرة من بلاد

إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر

خراسان والعراق والحجاز وغير ذلك، ثم نزل صور، فأقام بها واستوطنها إلى أن مات، وحدث بها، وكان سماعه صحيحاً، وأقام بصور نحواً من أربعين سنة. سألت أبا إسحاق عن مولده فقال: في سنة أربع أو خمس وتسعين وثلاثمئة؛ وتوفي رحمه الله ليلة يوم الإثنين، نصف اللّيل، ودفن من الغد، الظّهر، العاشر من جمادى الآخرة من سنة إحدى وسبعين وأربعمئة. إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر ابن هرمة بن هذيل بن ربيع بن عامر بن صبح بن عديّ بن قيس بن الحارث بن فهر بن مالك أبو إسحاق القرشيّ الفهريّ المدينيّ قدم دمشق وامتدح الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وأجازه وارتبطه، واشتاق إلى وطنه، وقال في ذلك شعراً؛ وقدم دمشق قاصداً عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك. قال الخطيب: إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة، أبو إسحاق الفهري المدني، شاعر مفلق، فصيح مسهب، مجيد محسن القول، سائر الشعر، وهو أحد الشعراء المخضرمين، أدرك الدّولتين الأموية والهاشميّة، وقدم بغداد على أبي جعفر المنصور، ومدحه فأجازه، وأحسن صلته، وكان ممّن اشتهر بالانقطاع للطّالبيّين. وقال الأصمعي: ختم الشهر بإبراهيم، وهو آخر الحجج. قال عبد الله بن إبراهيم الجمحي: قلت لابن هرمة: أتمدح عبد الواحد بن سليمان بشعر ما مدحت به أحداً غيرهّ، فتقول فيه: من الوافر

وجدنا غالباً كانت جناحاً ... وكان أبوك قادمة الجناح ثم تقول فيه: أعبد الواحد المأمول إنّي ... أغضّ حذار سخطك بالقراح فبأي شيء استوجب ذلك منك؟ فقال: إني أخبرك بالقصّة لتعذرني؛ أصابتني أزمة وقحمةً بالمدينة، فاستنهضتني ابنة عمي عمّي للخروج، فقلت لها: ويحكّ إنه ليس عندي ما يقلّ جناحي؛ فقالت: أنا أنهضك بما أمكنني؛ وكانت عندي ناب لي، فنهضت عليها بنجّد النوّام ونؤدي السّمّار، وليس من منزل أنزله إلاّ قال النّاس: ابن هرمة، حتى دفعت إلى دمشق، فأويت إلى مسجد عبد الواحد في الّيل، فجلست فيه أنتظره إلى أن نظرت إلى بزوغ الفجر، فإذا الباب ينفلق عن رجل كأنه البدر، فدنا فأذّن ثم صلّى ركعتين، وتأمّلته فإذا هو عبد الواحد، فقمت فدنوت منه وسلّمت عليه، فقال: أبا إسحاقّ أهلاً ومرحباً، فقلت: لبّيك، بأبي وأمي وأنتّ وحيّاك الله بالسّلام وقرّبك من رضوانه، فقال: أما آن لك أن تزورنا؟ فقد طال العهد، واشتد الشّوق، فما وراءك؟ قلت: لا تسألين، بأبي أنت، فإن الدّهر قد أخنى عليّ، فما وجدت مستغاثاً غيرك؛ فقال: لا ترع، فقد وردت على ما تحبّ إن شاء الله. فوالله إني لأخاطبه، فإذا بثلاثة فتية قد خرجوا كأنهم الأشطان، فسلّموا عليه، فاستدنى الأكبر منهم، فهمس إليه بشيء دوني ودون أخويه، فمضى إلى البيت، ثم رجع، فجلس إليه فكلّمه بشيء دوني ثم ولّى، فلم يلبث أن خرج ومعه عبد ضابط يحمل عبئاً من الثّياب حتى ضرب به بين يديّ، ثم همس إليه ثانية فعاد، وإذا به قد رجع ومعه مثل ذلك، فضرب به بين يديّ، فقال لي عبد الواحد: ادن يا أبا إسحاق، فإني أعلم

أنك لم تصر إلينا حتى تفاقّم صدعك، فخذ هذا وارجع إلى عيالك، فوالله ما سللنا لك هذا إلاّ من أشداق عيالنا، ودفع إليّ ألف دينار، وقال: قم فارحل فأغث من وراءك. فقمتّ إلى الباب، فلّما نظرت إلى ناقتي ضقت، فقال لي: تعال، ما أرى هذه بمبلغتك، يا غلام قدّم له جملي فلاناً؛ فوالله لكنت بالجمل أشدّ سروراً منّي بكلّ ما نلته؛ فهل تلومني أن أغصّ حذار سخط هذا بالقراح؟ ووالله ما أنشدته ليلتئذ بيتاً واحداً. قال عبد الله بن مصعب: لقيني إبراهيم بن علي بن هرمة، فقال لي: يا بن مصعب، ألم يبلغني أنك تفضّل عليّ ابن أذينة؟ نعم ما شكرتني في مديحي إياّك!، ألم تعلم: من الطويل رأيتك مختلاًّ عليك خصاصة ... كأنك لم تنبت ببعض المنابت كأنك لم تصحب شعيب بن جعفر ... ولا مصعباً ذا المكرمات ابن ثابت قال: فقلت له: يا أبا إسحاق، أقلنيها، وأنا أعاتبك، وهلمّ فروّني من شعرك ما شئت؛ فروبت له هاشميّاته فأخذتها من فيه. قال ابن زبنّج: أصابت ابن هرمة أزمة، فقال لي في يوم حارّ: اذهب فتكار لي حمارين إلى ستة أميال؛ ولم يسمّ موضعاً، فركب واحداً وركبت واحداً، ثم سرنا حتى انتهينا إلى قصور حسن بن زيد ببطحاء ابن أزهر، فدخلنا مسجده، فلّما زالت الشّمس خرج علينا مشتملاً على قميصه، فقال لمولىّ له: أذّن، فأذّن، ثم لم يكلّمنا كلمة، ثم قال له: أقم، فأقام، فصلّى بنا، ثم أقبل على ابن هرمة فقال: مرحباً بك أبا إسحاق، حاجتك؛ قال: نعم، بأبي وأميّ أبيات قلتها وقد كان عبد الله بن حسن،

وحسن، وإبراهيم، بنو حسن بن حسن وعدوه شيئاً فأخلفوه فقال: هاتها فأنشد: من البسيط أمّا بنو هاشم حولي فقد قرعوا ... نبلي الصيّاب التي جّمعت في قرني فما بيثرب منهم من أعاتبه ... إلاّ عوائد أرجوهنّ من حسن الله أعطاك فضلاً من عطيّته ... على هن وهن فيما مضى وهن قال: حاجتك؟ قال: لابن أبي مضرّس عليّ خمسون ومئة دينار؛ قال: فقال لمولىّ له: أيا هيثم، اركب هذه البغلة فائتني بابن أبي مضرّس وذكر حقّه؛ قال: فما صلّينا العصر حتى جاء به، فقال له: مرحباً بك يا بن أبي مضرّس، أمعك ذكر حقّ على ابن هرمة؟ فقال: نعم، قال: فامحه، فمحاه؛ ثم قال: يا هيثم، بع ابن أبي مضرّس من تمر الخانقين بمئة وخمسين ديناراً، وزده في كلّ دينار ربع دينار، وكل لابن هرمة بخمسين ومئة دينار تمراً، وكل لابن زبنّج بثلاثين ديناراً تمراً. قال: فانصرفنا من عنده، فلقيه محمد بن عبد الله بن حسن بالسّيالة، وقد بلغه الشعر، فغضب لأبيه وعمومته، فقال: يا ماصّ بظر أمّه، أنت القائل: على هن وهن فيما مضى وهن؟! قال: لا والله يا بنيّ، ولكني الذي أقول لك: من البسيط لا والذي أنت منه نعمة سلفت ... نرجو عواقبها في آخر الزّمن لقد أتيت بأمر ما عمدت له ... ولا تعمّده قولي ولا سنني فكيف أمشي مع الأقوام معتدلاً ... وقد رميت بريء العود بالأبن

ما غبّرت وجهه أمّ مهجّنة ... إذا القتام تغشّى أوجه الهجن قال: وأم الحسن أو ولد. قال بعض الأدباء: كان لإبراهيم بن هرمة كلاب، إذا أبصرت الأضياف بشّت بهم، ولم تنبح، وبصبصت بأذنابها بين أيديهم، فقال يمدحها: من الكامل ويذل ضيفي في الظلام إذا سرى ... إيقاد ناري أو نباح كلابي حتى إذا واجهنه وعرفنه ... فدّينه ببصابص الأذناب وجعلن ممّا قد عرفن يقدنه ... ويكدن أن ينطقن بالتّرحاب قال إبراهيم بن محمد: نزلت ببنات ابن هرمة بعد أن هلك، فرأيت حالتهنّ سيّئة، فقلت لبعض بناته: قد كان أبوك حسن الحال، فما ترك لكنّ؟ قالت: وكيف؟ وهو الذي يقول: من المنسرح لا غنمي مدّ في البقاء لها ... إلاّ دراك القرى ولا إبلي ذاك أفناها، ذاك أفناها!. قال رجل من أهل الشام: قدمت المدينة فقصدت منزل إبراهيم بن هرمة، فإذا بنيّة له صغيرة تلعب بالطّين، فقلت لها: ما فعل أبوك؟ قالت: وفد على بعض الملوك الأجواد، فما لنا به علم منذ مدة، فقلت: انحري لنا ناقة فإنّا أضيافك؛ قالت: والله ما عندنا، قلت: فشاةً، قالت: والله ما عندنا، قلت، فدجاجةً، قالت: والله ما عندنا، قلت: فأعطينا بيضة، قالت: واله ما عندنا. قلت: فباطل ما قال أبوك: من المنسرح

كم ناقة قد وجات منحرها ... بمستهل الشؤبوب أو جمل قالت: فذلك الفعل من أبي هو الذي أصارنا إلى أن ليس عندنا شيء. قال محمد لن زكريّا: اجتاز نصيب مرّةً بالسيالة، وبها منزل ابن هرمة، فناداه: يا أبا إسحاق، فخرجت إليه بنته مذعورةً، فقال: أين أبوك؟ قالت: راح لحاجة انتهز برد الفيء، قال: فهل من قرئ؟ قالت: لا والله، قال: ولا جزور ولا شاة؟ قالت: لا والله، ولا دجاجة ولا بيضة، قال: قاتل الله أباك ما أكذبه إذ يقول: من المنسرح لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلاّ قصيرة الأجل إني إذا ما البخيل أمّنها ... باتت ضموزاً منّي على وجل قالت: فعله والله ذاك بها، أقلّها عندنا. قال إبراهيم بن محمد بن عرفة: وفي هذه السّنة يعني سنة خمس وأربعين ومئة تحوّل المنصور إلى مدينة السّلام، واستتمّ بناءها سنة ست وأربعين، ثم كتب إلى أهل المدينة أن يوفدوا عليه خطباءهم وشعراءهم، فكان فيمن وفد عليه إبراهيم بن هرمة. قال: فلم يكن في الدّنيا خطبة أبغض إليّ من خطبة تقرّبني منه، واجتمع الخطباء والشّعراء من كلّ مدينة، وعلى المنصور ستر يرى النّاس من ورائه ولا يرونه، وأبو الخصيب حاجبه قائم، وهو يقول: يا أمير المؤمنين، هذا فلان الخطيب، فيقول: اخطب، ويقول: هذا فلان الشاعر، فيقول: أنشد، حتى كنت آخر من بقي؛ قال: يا أمير المؤمنين هذا ابن هرمة؛ فسمعته يقول: لا مرحباً ولا أهلاً، ولا أنعم الله بن عيناً؛ فقلت: " إنّا لله ونّ إليه راجعون " ذهبت والله نفسي، ثم رجعت إلى نفسي

فقلت: يا نفس، هذا موقف إن لم تشتدي فيه هلكت. فقال أبو الخصيب: أنشد، فأنشدته: من الطويل سرى ثوبه عنك الصّبا المتخايل ... وقرّب للبين الخليط المزايل حتى انتهيت إلى قولي: له لحظات في حوافي سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل فأمّ الذي أمّنته تأمن الرّدى ... وأمّ الذي حاولت بالثّكل ثاكل فقال: يا غلام، ارفع عني الستر، فرفع؛ فإذا وجهه كأنه فلقه قمر، ثم قال: تمّم القصيدة؛ فلّما فرغت منها قال: ادن، فدنوت، ثم قال: اجلس، فجلست، وبين يديه مخضرة، فقال: يا إبراهيم قد بلغني عنك أشياء، لولا ذلك لفضّلتك على نظرائك، فأقرّ لي بذنوبك أعفها عنكّ فقلت: هذا رجل فقيه عالم، وإنّما يريد أن يقتلني بحجّة تجب عليّ، فقلت: يا أمير المؤمنين، كلّ ذنب بلغك ممّا عفوته عني، فأنا مقرّ به؛ فتناول المخصرة فضربني بها، فقلت: من الرجز أصبر من ذي ضاغط عركرك ... ألقى بواني زوره للمبرك قال: ثم ثنّى فضربني، فقلت: من الرجز أصبر من عود بجنبيه جلب ... قد أثّر البطان فيه والحقب ثم قال: قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم وخلعة، وألحقتك بنظائرك من طريح بن إسماعيل، ورؤبة بن العجّاج، ولئن بلغني عنك أمر أكرهه لأقتلنّك؛ قلت: نعم، أنت في حلّ من دمي إن بلغك أمر تكرهه.

قال ابن هرمة: فأتيت المدينة، فأتاني رجل من الطّالبيّين، فسلّم عليّ، فقلت: تنحّ عنّي، لا تشيط بدمي. وزاد في رواية؛ بعد بيتي المدح: فقال: يا أمير المؤمنين، إني أسألك شيئاً، قال: سل؛ قال: إنّ عمّال أمير المؤمنين بالمدينة قد أنهكوا أكتافي ممّا يحدّونني على السّكر، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب لي كتاباً، إن وجدت سكراناً فلا أحد، فليفعل؛ فقال له المنصور: ما كنت لأرفع حداً من حدود الله بحبّ، ولكن أكتب لك كتاباً: من جاء بك سكران جلد مئة، وجلدت أنت ثمانين؛ قال: قدر ضيت. قال: فكتب له بذلك، قال: فكان إبراهيم بن هرمة يسكر، ويطرح نفسه في الشّوارع، ويقول: من يشتري ثمانين بمئة؟ فليتقدم. قال سعيد بن سلم: لما ولّى المنصور معن بن زائدة أذربيجان قصده قوم من أهل الكوفة، فلّما صاروا ببابه، واستأذنوا عليه، فدخل الآذن، فقال: اصلح الله الأمير، بالباب وفد من أهل العراق؛ قال: من أي أهل العراق؟ قال: من الكوفة؛ قال: إيذن لهم؛ فدخلوا عليه، فنظر إليهم معن في هيئة زريّة، فوثب على أريكته، وأنشأ يقول: من الطويل إذا نوبة نابت صديقك فاغتنم ... مرمّتها فالدّهر بالنّاس قلّب فأحسن ثوبيك الذي هو لابس ... وأفره مهريك الذي هو راكب وبادر بمعروف إذا كنت قادراً ... زواك اقتدار أو غنىً عنك يذهب قال: فوثب إليه رجل من القوم، فقال: أصلح الله الأمير، ألا أنشدك أحسن من

هذا؟ قال: لمن؟ قال: لابن عمك، ابن هرمة؛ قال: هات: فأنشأ يقول: من الطويل وللنّفس تارات تحلّ بها العرى ... وتسخو على المال النفوس الشّحائح إذا المرء لم ينفعك حيّاً فنفعه ... أقلّ إذا ضمّت عليه الصّفائح لأية حال يمنع المرء مآله ... غداً فغداً والموت غاد ورائح فقال معن: أحسنت والله، وإن كان الشعر لغيرك، يا غلام أعطهم أربعة آلاف أربعة آلاف، يستعينون بها على أمورهم إلى أن يتهيأ لنا فيهم ما نريد؛ فقال الغلام: يا سيدي أجعلها دنانير أم دراهم؟ فقال معن: والله لا تكون همّتك أرفع من همّتي، صفّرها لهم. قال أحمد بن عيسى وذكر ابن هرمة: كان متّصلاً بنا، وهو القائل فينا: من المتقارب ومهما ألام على حبّهم ... فإني أحبّ بني فاطمه بني بنت من جاء بالمحكما ... ت وبالدّين والسّنّة القائمه فلست أبالي بحبّي لهم ... سواهم من النّعم السّائمه قال: فقيل له في دولة بني العباس: ألست القائل كذا، وأنشدوه هذه الأبيات؟ فقال: أعضّ الله قائلها بهن أمّه! فقال له من يثق به: ألست قائلها؟ قال: بلى، ولكن أعضّ بهن أمي خير من أن أقتل. وقال محمد بن منصور: رأت جارية المنصور وعليه قميص مرقوع، فقال وقد سمعها تقول: خليفة قميصه مرقوع: ويحك، أما سمعت قول ابن هرمة: من الكامل

قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع وقال ابن الحصين: كان إبراهيم بن علي بن هرمة، يشرب في أناس بأعلى السّيالة، ثم إنه قلّ ما عنده، وكان صدر بصدار من أهل المدينة، فذكر له حسن بن حسن بن حسن، قد قدم السّيالة، وكتب إليه فذكر أن أصحاباً له قدموا عليه وقد خفّ ما معهم، ولم يذكر عن شرابه شيئاً، وكتب في أسفل كتابه: من الكامل إني استحيتك أن أقول بحاجتي ... فإذا قرأت صحيفتي فتفهّم وعليك عهد الله إن أخبرتها ... أهل السّيالة إن فعلت وإن لم فسأل حسن عن أمره، فاخبر بقصّته، فقال: وأنّا على عهد الله إن لم أخبر بقصّته أهل السّيالة، فردعه أميرها منها وكان يشتدّ على السّفهاء فقال: يا أهل السّيالة هذا ابن هرمة في سفهاء له قد جمعهم بشرب بالشّرف؛ فأنذر بذلك ابن هرمة، ففرّ هو وأصحابه، فلم يقدر عليهم. أنشد أبو مالك محمد بن مالك بن علي بن هرمة، لعمّه إبراهيم، يمدح عمران بن عبد الله بن مطيع، ويذكر ولادة أسيد بن أبي العيص إيّاه: من الوافر ستكفيك الحوائج إن ألمّت ... عليك بصرف متلاف مفيد فتىً يتحمّل الأثقال ماض ... مطيع جدّه وبنو أسيد حلفت لأمدحنّك في معدّ ... وذي يمن على رغم الحسود بقول لا يزال له رواء ... بأفواه الرّواة على النّشيد لأرجع راضياً وأقول حقاً ... ويغبر باقي الأبد الأبيد وقبلك ما مدحت زناد كاب ... لأخرج وري آبية صلود فأعياني فدونك فاعتنيني ... فما المذموم كالرّجل الحميد وكان كحيّة رقيت فصمّت ... على الصادي برقيته المعيد

فأقسم لا تعود له رقائي ... ولا أثني له ما عشت جيدي وأنشد ابن قتيبة والمبرّد: من الكامل قد يدرك الشّرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع إمّا تراني شاحباً مبتذلاً ... كالسيف يخلق جفنه فيضيع فلربّ لذة ليلة قد نلتها ... وحرامها بحلالها مدفوع وعن عبد الله بن أبي عبيد الله بن عمّار بن ياسر، قال: زرت عبد الله بن حسن بباديته، وزاره ابن هرمة، فجاءه رجل من أسلم؛ فقال ابن هرمة لعبد الله بن حسن: أصلحك الله، سل الأسلميّ أن يأذن لي أن أخبرك خبري وخبره؛ فقال عبد الله بن حسن: إيذن له. فأذن له الأسلمي، فقال ابن هرمة: خرجت أصلحك الله أبغي ذوداً لي، فأوحشت فضفت هذا الأسلميّ، فذبح لي شاةً وخبز لي خبزاً، وأكرمني، ثم غدوت من عنده، فأقمت ما شاء الله؛ ثم خرجت أيضاً في بغاء ذود لي فأوحشت فقلت: لو ضفت الأسلميّ، فجاءني بلبن وتمر، ثم ضفته بعدما أوحشت، فقلت: التّمر واللّبن خير من الطّوى، فجاءني بلبن حامض. قال الأسلميّ: قد أجبته إلى ما سأل، فاسأله أن يأذن لي أن أخبرك لم فعلت ذلك؛ فقال: إيذن له، فأذن له، فقال: ضافني أصلحك الله فسألته: من هو؟ فقال: رجل من قريش، فذبحت له الشّاة التي ذكر، والله لو كان عندي غيرها لذبحته له حين ذكر أنه من قريش؛ فقالوا: ليس من قريش؛ إنّما هو دعيّ فيها؛ فضافني الثّانية، قال: إنه دعيّ في قريش، فجئته بتمر ولبن، ثم غدا من عندي، وغدا الحيّ فقالوا: من ضيفك البارحة؟ قال: فقلت: الذي ذكرتم أنه الدّعيّ في قريش؛ فقالوا: لا والله، ما هو فيها بدعيّ ولكنه دعيّ أدعياء؛ فضافني الثالثة على أنه دعيّ أدعياء لقريش، فواله لو وجدت له شرّاً من لبن حامض لجئته به؛ فانكسر ابن هرمة وضحكنا منه.

إبراهيم بن علي بن محمد بن أحمد

قال محمد بن فضالة النحوي: لقي رجل من قريش ممّن كان خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، إبراهيم بن علي بن هرمة الشعر، فقال له: ما الخبر؟ ما فعل النّاس يا أبا إسحاق؟ فقال ابن هرمة: من الطويل أرى النّاس في أمر سحيل فلا تزل ... على ثقة أو تبصر الأمر مبرما وأمسك بأطراف الكلام فإنه ... نجاتك ممّا خفت أمراً مجمجما فلست على رجع الكلام بقادر ... إذا القول عن زلاّته فارق الفما وكائن ترى من وافر العرض صامتاً ... وآخر أردى نفسه أن تكلّما وأنشد: من البسيط كأن عيني إذ ولّت حمولهم ... عنّا جناحا حمام صادفت مطراً أو لؤلؤ سلس في عقد جارية ... خرقاء نازعها الولدان فانتثرا إبراهيم بن علي بن محمد بن أحمد أبو إسحاق الدّيلميّ الصّوفي سمع بدمشق وبغداد وفارس وصور. ذكره ابن الفرضي الأندلسي، فقال: من أهل خراسان، من مدينة كرتم، دخل الأندلس سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة، فأقام بقرطبة يسيراً، ثم خرج منصرفاً إلى المشرق، وكان أحد الخيار، المتزيّنين بالفقر، والمستورين بالصّيانة والصّبر، وكان أحد من له الإجابات الظاهرة، وقد كتب الناس عنه بمصر وغيرها.

إبراهيم بن علي أبو إسحاق الرحبي إبراهيم بن عمر بن إبراهيم أبو إسحاق

إبراهيم بن علي أبو إسحاق الرّحبيّ إبراهيم بن عمر بن إبراهيم أبو إسحاق روى عن القاسم بن عيسى العصّار، بسنده إلى قطبة بنت هرم بن قطبة. أن مدلوكاً حدّثهم، أن ضمضم بن قتادة ولد له مولود أسود من امرأة من بني عجل فأوجس لذلك، فشكى إلى النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟، قال: فيها الأحمر والأسود وغير ذلك؛ قال: فأنّى ذلك؟ فقال: عرق نزع؛ قال: وهذا عرق نزع. قال: فقدم عجائز من بني عجل فأخبرن أنه كان للمرأة جدّة سوداء. إبراهيم بن عمر بن حمدان أبو إسحاق الأنصاريّ الصّوفيّ حدّث قال: وقف رجل على أبي بكر الشّبليّ رحمه الله، ببغداد وقد لحقته ولقيته فسأله عمّا يهمّه في الصّلاة، فقال: أن ترمي بهمّك إلى الكون العلويّ، ومنه إلى الكون السّفليّ، ثم يخرق بعد ذلك في قلبك، لا يكون إلاّ الله. فقال: يا سيّدي، ما لي إلى ذلك من سبيل! إن رأيت أقرب من هذا؛ فقال: أن تكبّر تكبيرك كأن ملكوت الملكوت قراءتك على الجبّار، وسجودك على ثرى الثّرى جمع كلّ همّة، وإسقاط ما دون الله عزّ وجلّ حتى لا يكون إلاّ عبد وربّ. فقال: مالي إلى ذلك سبيل؛ فقال: أن تكبّر بتعظيم، وتقرأ بترتيل، وتركع بخشوع، وتسجد بإجلال وهيبة، وتسأل بإشفاق.

إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، الأموي

إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، الأمويّ حدّث قال: كان عمر بن عبد العزيز يأذن لبنيه يوم الجمعة قبل أن يدخل النّاس، فإذا قال: إيهاً، قرأ الأكبر منهم، فإذا قال: إيهاً، قرا الذي يليه، حتى يقرأ طائفة منهم. قال: فإنهم دخلوا عليه في يوم جمعة، وله طحير كطحير الدّابة، وهو مستلق على ظهره لا ينظر إليهم، ثم التفت إليهم بعد وقت طويل، فقال: إيهاً، فقرا عبد الله بن عمر وكان أكبرهم يومئذ فقال: " طسم تلك آيات الكتاب المبين " لعلّك باخع نفسك ألاّ يكونوا مؤمنين إلى قوله: " ما كانوا به يستهزئون "، فقال: أعد، فأعاد؛ فقال: ها، إني خرجت إلى هؤلاء وقد رضت كلاماً سوى ما كنت أكلّمهم به رجاء أن ينفعهم الله به في دينهم، فرأيت تلعّباً وتلهيّاً وقلّة إقبال عليه واستماع له، فبلغ منّي مبلغه، فقطعته وأخذت في نحو ما كنت آخذ فيه من القول، ثم نزلت بغيظي وهمّي، حتى عزّاني الله بما قرأ ابني هذا، فما عسى أصنع؟ أأنجع نفسي؟ وسمع أباه يقول لابن شهاب: ما أعلمك تعرض عليّ شيئاً، إلاّ شيئاً قد مرّ على مسامعي، إلاّ أنك أوعى له منّي. إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز أبو إسحاق المقرئ القصّار قال أبو بكر الحداد: إنه ثقة. روى عن عبد الرحمن بن عثمان، بسنده عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستاك بفضل وضوئه.

إبراهيم بن عمرو الصنعاني

توفي في صفر سنة خمس وأربعين وأربعمئة. إبراهيم بن عمرو الصّنعاني صنعاء دمشق روى عن الوّضين بن عطاء، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثمانيةً أبغض خليقة لله إليه يوم القيامة: السّقّارون، وهم الكذّابون؛ والخيّالون، وهم المستكبرون؛ والذين يكنزون البغضاء لإخوانهم في صدورهم، فإذا لقوهم حلفوا لهم؛ والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله كانوا بطاءً، وإذا دعوا إلى الشيطان وأمره كانوا سراعاً؛ والذين لا يشرف لهم طمع من الدنيا إلاّ استحلوه بأيمانهم، وإن لم يكن لهم بذلك حقّ؛ والمشّاؤون بالنّميمة؛ والمفّرقون بين الأحبّة؛ والباغون البراء الدّحضة، أولئك يقذرهم الرّحمن عزّ وجلّ ". إبراهيم بن عون أبو إسحاق المؤّدب سمع منه سنة ثلاث عشرة وثلاثمئة. إبراهيم بن العلاء بن الضّحّاك ابن مهاجر بن عبد الرحمن بن زيد أبو إسحاق الزّبيدي، المعروف بزبريق الحمصيّ حدّث بدمشق وحمص عن جماعة، وروى عنه جماعة.

إبراهيم بن العلاء بن محمد

روى عن إسماعيل بن عيّاش، بسنده عن أبي سعيد الخّدري، قال: إنن نبيّ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنّ النّاس لكم تبع، وإنّه سيأتيكم رجال من أهل الأرض يتفقّهون، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً ". وعنه بسنده عن عبد الله بن بشر المازني، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه ". وعنه بسنده عن ابن عمر، قال: قال النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن ". مات سنة خمس وثلاثين ومئتين، وكان لا يخضب. إبراهيم بن العلاء بن محمد وأظنّه والد محمد بن إبراهيم الدّمشقي، الذي كان يسكن عبادان روى عن الزّهري عن قبيصة بن ذؤيب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تخلّلوا بعود الآس، ولا عود الرّمّان، فإنهما يحرّكان عرق الجذام ". إبراهيم بن عيسى بن القاسم أبو إسحاق البغداديّ الكافوريّ العطّار قدم دمشق وحدّث بها. روى عن أبي سعيد الحسن بن علي العدويّ، بسنده عن مالك بن أنس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الصوم جنّة ".

إبراهيم بن عيسى العبسي

إبراهيم بن عيسى العبسيّ روى عن مروان بن محمد الدّمشقي، بسنده عن عبادة بن الصّامت، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد، من جاء بهنّ يوم القيامة لم يضّيعهنّ استخفافاً بحقّهنّ، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنّة؛ ومن جاء وقد استخفّ بحقّهنّ لم يكن له عند الله عزّ وجلّ عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه ". قال: يقول: لم يضيّعهنّ؛ يحافظ على وضوئهن ومواقيتهنّ. إبراهيم بن فضالة بن محمد بن يعقوب ابن محمد بن فضالة بن عبيد، صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو إسحاق الأنصاريّ مات في ذي العقدة سنة ثلاثين وثلاثمئة إبراهيم بن كثير أبو إسماعيل الخولانيّ من أهل بيروت، وكان رجل صدق. حدّث عن الأوزاعي قال: بعث جعونة بن الحارث رسولاً إلى عمر، يعني ابن عبد العزيز، وكان عاملاً له على غزاة، فقال له عمر: أسلم المسلمون؟ قال: نعم؛ قال: كلّهم؟ قال: نعم، إلاّ رجلاً واحداً عدلت به دابّته فساح في الثّلج؛ قال: فصنع ماذا؟ قال: فهلك؛ قال: لقد أطلقتها غير مكترث، عليّ بفلان كاتبه فكتب إلى عامله: إيّاك وغارات الشّتاء، فوالله لرجل من المسلمين أحبّ إليّ من الرّوم وما حوت.

إبراهيم بن أبي كريمة الصيداوي

إبراهيم بن أبي كريمة الصّيداويّ روى عن هشام الكتّاني، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن جبريل، عن ربّه تبارك وتعالى أنه قال: " من أخاف لي ولياً فقد بارزني، وما تقرّب إليّ عبدي المؤمن بمثل ما افترضت عليه. وما يزال عبدي المؤمن يتنّفل إليّ حتى أحبّه، ومن أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيّداً، إن سألين أعطيته، وإن دعاني أجبته، وما ردّدت أمراً أنا فاعله ما ردّدت أمر عبدي المؤمن، يكره الموت واكره مساءته، ولا بدّ له منه؛ وإن من عبادي المؤمنين لمن يشتهي الباب من العبادة فأكفّه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده ذلك؛ وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلاّ الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلاّ الفقر ولو بسطت له لأفسده، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلاّ الصحة ولو أسقمته لأفسده؛ وإنمن عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلاّ السقم ولو أصلحته لأفسده؛ وإني أدبّر عبادي بعلمي بقلوبهم، إنّ عليم خبير ". إبراهيم بن لجاج إبراهيم بن اللّيث بن حسن أبو طاهر الطّريثيثيّ الصّوفيّ سمع بدمشق. ذكره عبد الغافر في ذيل تاريخ نيسابور وقال: هو ثقة، سافر في طلب الحديث، وطاف في البلاد، ولقي المشايخ، وله قدم في الطّريقة.

إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي ثابت

إبراهيم بن محمد بن أحمد بن أبي ثابت أبو إسحاق العبسيّ، من أنفسهم كاتب القضاة بدمشق ونائبهم، أصله من سامراء. سمع بغداد ومصر وبالس والرقة ودمشق وغيرها. روى عن الحسن بن عرفة، بسنده عن عبد الله بن مسعود، قال: كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فمرّ بي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر، فقال: يا غلام، هل من لبن؟ قلت: نعم، ولكنّي مؤتمن؛ قال: فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ قال: فأتيته بها، فمسح على ضرعها، فنزل اللّبن، فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضّرع: اقلص فقلص: فأتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله علّمني من هذا القول، قال: فمسح يده على رأسي، وقال: إنك لغليّم معلّم. قال أبو بكر الخطيب: بلغني أن ابن أبي ثابت سكن دمشق ومات بها، وكان ثقة. وقال أبو الحسين الرّازي: كان شيخاً جليلاً بدمشق يسأل عن المعدّلين، وأصله من العراق، سكن دمشق، تاجر نبيل، مات سنة ثمان وثلاثين وثلاثمئة، وزاد غيره: في شهر ربيع الآخر. إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه أبو القاسم الصّوفي الواعظ، النًصر آبادي، محلّة من محالّ نيسابور سمع بدمشق وبيروت ومصر ونيسابور وبغداد.

روى عن عبد الله بن محمد الشّرقي، بسنده عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جدّه، قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح مقدّم رأسه حتى بلغ موضع القذال من مقدّم عنقه. قال أبو عبد الرحمن السلّمي: شيخ المتصوّفة بنيسابور، له لسان الإشارة، مقروناً بالكتاب والسّنّة، يرجع إلى فنون من العلم كثيرة، منها: حفظ الحديث وفهمه، وعلم التواريخ، وعلم المعاملات، والإشارة. قال أبو سعد الماليني: سمعت أبّا القاسم يقول: إذا أعطاكم حّباكم، وإذا لم يعطكم حماكم، فشتّان ما بين الحبا والحمى؛ فإذا حباك شغلك، وإذا حماك حملك. وقال في معنى قوله تعالى " إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم " قال: بعلمي اشتريتهم وبحكمي أعتقتهم، فلا ينقص علمي حكمي، ولا ينقص حكمي علمي. وقال: ليس للأولياء سؤال، إّنما هو الذّبول والخمود. وقال: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء. وسئل عن القوت، فقال: للنّفس قوت إذا أحرزت اطمأنّت، وللقلب قوت، وللسّرّ قوت، ولرّوح قوت؛ فقوت القلب الطمأنينة، وقوت السرّ الفكرة، وقوت الرّوح السّماع، لأنه صادر عن الحقّ وراجع إليه، والقوت في الحقيقة هو الله لأنه منه الكفايات؛ وأنشد يقول: من الطويل إذا كنت قوت النّفس ثم هجرتها ... فكم تلبث النّفس التي أنت قوتها ستبقى بقاء الضّبّ في الماء أو كما ... يعيش ببيداء المهامه حوتها وقيل له: إن بعض النّاس يجالس النّسوان، ويقول: أنا معصوم في رؤيتهنّ؛

فقال: ما دامت الأشباح باقيةً، فإن الأمر والنّهي باق، والتّحليل والتّحريم مخاطب بهما، ولن يجترئ على الشّبهات إلاّ من هو يعرض للمحرّمات. وقال: ضعفت في البادية مرةً، فأيست من نفسي، فوقع بصري على القمر وكان ذلك بالنّهار فرأيت مكتوباً عليه: " فسيكفيكهم الله " فاستقللت، ففتح عليّ من ذلك الوقت هذا الحديث. وقيل له: ليس لك من المحبة شيء؛ قال: صدقوا، ولكن لي حسراتهم، فهوذا أحترق فيه. وقال: المحبة مجانبة السّلّو على كل حال، ثم أنشد يقول: من الطويل ومن كان في طول الهوى ذاق سلوةً ... فإني من ليلى لها غير ذائق وأكبر شيء نلته من وصالها ... أمانيّ لم تصدق كلمحة بارق وقال: مراعاة الأوقات من علامات التيقظ. وقال: أنت متردّد بين صفات الفعل، وصفات الذّات، وكلاهما صفته على الحقيقة، فإذا هيّمك في مقام التفرقة قرّبك بصفات فعله، وإذا بلّغك مقام الجمع قرّبك بصفات ذاته. وقال: التّقوى مثال الحقّ، قال الله تعالى: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التّقوى منكم ". وقال: مواجيد الأرواح تظهر بركتها على الأسرار، ومواجيد القلوب تظهر بركتها على الأبدان. قال أبو عبد الرحمن السّلمي: لمّا همّ الأستاذ أبو القاسم النّصر آبادي بالحجّ، وتهيأ له، خرجت معه إلى الحجّ سنة ستّ وستين وثلاثمئة، وكنت مع الأستاذ أي منزل نزلناه

أو بلدة دخلناها، يقول لي: قم حتى نسمع الحديث، وكان مع جلالته وكثرة ما عنده من العلم، يحمل المحبرة والبياض، ويحضر سماع الحديث، ويطلب أهله، وكان رحمه الله شديد الحرص على كتابته والحبّ له. ولمّا دخلنا بغداد قال لي: قم بنا نذهب إلى أبي بكر بن مالك القطيعي رحمه الله، وكان عنده إسناد حسن، وكان له ورّاق قد أخذ من الحاجّ شيئاً ليقرأ لهم، وفي مجلسه خلق من الحاجّ وغيرهم؛ فلّما دخلنا عليه قعد الأستاذ ناحيةً من القوم، والورّاق يقرأ فأخطأ، فردّ عليه الأستاذ، فنظر إليه الورّاق شزراً، فأخطأ أيضاً في شيء، فردّ عليه أيضاً، فنظر الورّاق إليه شزراً؛ والبغداديون لا يحتملون من أهل خراسان أن يردّوا عليهم شيئاً، فلمّا كان في المرّة الثالثة ردّ عليه، قال الورّاق: يا رجل، إن كنت تحسن تقرأ فتعال فاقرأ! كالمستهزئ به فقام الأستاذ، وقال: تأخر قليلاً، فاخذ الجزء من يده، وأخذ يقرأ قراءةً تحيّر ابن مالك ومن حوله تعجّباً منه، حتى حان وقت الظهر. قال: فسألني الورّاق: من هذا الرّجل؟ قلت: الأستاذ أبو القاسم النّص آبادي، فقام الورّاق وقال: أيّها النّاس، هذا شيخ خراسان أبو القاسم النّصرآبادي، وقد كتب الحديث ها هنا، وأقام ببغداد خمس عشرة سنةً؛ فقرأ في مجلس واحد ما كان يريد الورّاق أن يقرأه في خمسة أيام. ولمّا دخلنا البادية كان كلّما نزل عن راحلته في سيره لا تفارقه المحبرة والمقلمة والبياض، فرأيته ونحن في رحل المفسر، وفي كمّه المحبرة والمقلمة والبياض والأجزاء، فقلت له: أيها الأستاذ، في هذا الموضع، والنّاس يخفّفون عن أنفسهم؟! فقال يا أبا عبد الرحمن، ربّما أسمع شيئاً من جمّال أو غيره حكمةً، أثبته كي لا أنسى. قال: وكان في سنة من السنين قحط، فخرج النّاس إلى الاستسقاء، إلى المصلّى، فلّما ارتفع النّهار جاء غبار وريح وظلمة لا يستطيع أن يرى أحد من شدّة الغبار، ونحن مع الأستاذ أبي القاسم؛ فقال لنا الأستاذ: جئنا بأبدان مظلمة، وقلوب غافلة، ودعاء مثل الرّيح، فنحن نكيل ريحاً، فيكال علينا ريح.

فلّما كان الغد خرج وكان فقيراً ليس وراءه دنيا، ولكن له جاة عند النّاس، فدخل عليه أبناء الدّنيا وأخذ منهم شيئاً، وأمر بشراء بقرة، وكثير من لحم الغنم والأرزّ، وآلات الحلواء، وأمر منادياً في البلد: ألا من كان له حاجة في الخبز واللّحم والحلوى، فليمض غداً إلى المصلى. وأمر بالمراجل حتى حملت إلى المصلّى؛ فلّما كان الغد خرجنا معه، وأمر بطبخ المرق والأرزّ والحلوى، وجاؤوا بخبز كثير، وجاء الفقراء من الرّجال والنّساء والصّبيان، وأكلوا وحملوا إلى وقت العصر؛ فلّما صلّينا العصر إذا هي قطعة سحاب، فقال لنا: شمّروا حتى نرجع؛ فجاء الحّمالون فأخذوا الآلات ورجعوا، وأصحابه معهم. وبقي هو وأنا معه، وهو صائم وأنا أيضاً لأجل موافقته، فرجعنا، فلّما بلغنا إلى محلّة جودي كان قريباً من صلاة المغرب، فمطرنا مطراً لا نستطيع المضيّ بحال، فطلبنا مسجداً فدخلناه، وجاء المطر كأفواه القرب، والمسجد يكف بالمطر، وفي جداره محراب، فدخل الأستاذ المحراب وصلينا، وأنا في زاوية في المسجد، وقال: لعلك جائع تريد أن أطلب من الأبواب كسرةً حتى تأكل؟ فقلت: معاذ الله، أنا ساكن، قال: غداً لناظريه قريب؛ وكان يترنم مع نفسه: من الكامل خرجوا ليستسقوا فقلت لهم قفوا ... دمعي ينوب لكم عن الأنواء قالوا صدقت ففي دموعك مقنع ... لو لم تكن ممزوجةً بدماء وقلت في نفسي: ليتك لم تخرج إلى الاستسقاء حتى لم أبتل بما ابتليت به من الجوع والظما والبرد؛ ونمت في ناحية المسجد؛ فلّما كان الصّبح قال لي: قم يا أبا عبد الرحمن واطلب الماء وتطهّر حتى نصلّي ونخرج، فقمت وتوهّمت أنه قد تطهّر، فقلت: أين تطهّر الأستاذ؟ قال: ما تطهّرت؛ فخرجت وتطهّرت وصلّينا وخرجنا، وما نام ليلته، وصلّى على طهارة الأمس. قال: ولمّا دخلنا مكة حرسها الله تعالى نظر إلى تلك المقبرة، فقال:

إبراهيم بن محمد بن أحمد أبو إسحاق القرميسيني

يا أبا عبد الرحمن، طوبى لمن كان قبره في هذه المقبرة، وليت قبري كان ها هنا؛ ثم إنه رحمه الله أقام بها مهاجراً، وقال لي: عليك بالانصراف، فقد حجبت حجّة الإسلام، فاشكر الله على ذلك وارجع إلى والدتك، فغني قبلتك منها، فيجب أن أردّك عليها؛ وكنت نويت أن أجاور معه ولم أفارقه، ولكن لم يرض لي، ليرضى الرّجوع إلى الوالدة، فقال: ترجع وتعود سريعاً إن شاء الله، فمرض هناك مدة يسيرة، فقال لي بعض أصحابنا: دخلت عليه في مرضه، فقلت له: ما تشتهي؟ قال: كوز من ماء الجمد، كما يكون بخراسان؛ قال: فخرجت من عنده، وخرجت إلى العمرة، ومعي ركوة، فطلعت سحابة وأمطرت برداً كثيراً، وما أمطرت بمكة شيئاً، فسررت بذلك، وجمعت منه مسك ركوتي، وغدوت به عليه، وقلت: سهّل الله ما تريد، فنظر إليه وتبسّم، وما شرب منه قطرةً؛ وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وستين وثلاثمئة. إبراهيم بن محمد بن أحمد أبو إسحاق القرميسينيّ قدم دمشق وحدّث بها. إبراهيم بن محمد بن أحمد أبو إسحاق الطّبري الشافعيّ سمع بدمشق. إبراهيم بن محمد بن أحمد أبو إسحاق القيسيّ، المعلّم، الفقيه أصله من زيلوش قرية من قرى الرّملة، كان جندياً، ثم ترك ذلك، وتعلّم القرآن والفقه، وسمع الحديث، وحدّث ببعض مسموعاته، وأقام مدّة بمسجد الوزير

إبراهيم بن محمد بن إبراهيم

المزدقاني، ثم اخرج فمضى إلى بعلبك فأقام بها يسيراً، ثم مضى إلى حماة، ثم رجع إلى دمشق، ثم عاد إلى حماة إلى أن حدثت نوبة الزّلزلة، فرجع إلى دمشق، فأقام بها يسيراً، ثم مات رحمه الله وكان ثقة مستوراً في الحادي عشر من رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمئة، ودفن في مقبرة باب الصغير. إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب الهاشميّ ولي إمرة دمشق من قبل هارون الرّشيد إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ابن عبد الواحد أبو إسحاق الأسديّ البّزار، المحتسب، المعروف بابن خريطة مات سنة تسع عشرة وثلاثمئة. إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن سهل أبو إسحاق الجرجانيّ المؤدّب، المعروف بابن شرسان رحّال، سمع بدمشق والعراق والبصرة وبلاد فارس. روى عن ابن الرّواس، بسنده عن عمرو بن العاص، عن النبّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يقال لحامل القرآن: اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل، فإن منزلتك عند آخر آية ". قال حمزة: مات في صفر سنة ثمان وستين وثلاثمئة.

إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصباغ

إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصّبّاغ أبو إسحاق الطّرسوسيّ حدّث بدمشق. روى عن محمد بن عمر الصّيدلاني، بسنده عن علي بن أبي طالب: حدّثني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حدّثني جبريل عليه السلام، قال: يقول الله عزّ وجلّ: لا إله إلاّ الله حصني، فمن دخله أمن من عذابي. مات في يوم الخميس لليلتين خلتا من شوال سنة سبع وثمانين وثلاثمئة. إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن الحسين ابن عبد الله أبو إسحاق الحنّائي سمع بدمشق ومصر، وكتب الكثير، وحدّث بشيء يسير. كان أديباً. خير أديب تراه النّفس، ثقة مأموناً. روى عن عبد الوهاب بن الحسن، بسنده عن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح مناكبنا في الصّلاة، ويقول: " استووا ولا تختلفوا، إنّ الله وملائكته يصلّون على الصفّ الأوّل ". توفي يوم السابع عشر من ذي الحجّة سنة عشرين وأربعمئة. إبراهيم بن محمد بن الأزهر الدّمشقيّ روى عن وريزة بن محمد الغسّاني، بسنده عن عمر بن الخطّاب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نعم الإدام الخلّ ".

إبراهيم بن محمد بن أسد

إبراهيم بن محمد بن أسد ابن عبد الملك أبو محمد الحافظ سمع بدمشق. روى عن محمد بن عون الوحيدي، بسنده عن ابن عمر، أن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " عشرة من قريش في الجنّة: أبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّ، وعثمان في الجنّة، وعليّ في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزّبير في الجنّة، وسعد في الجنّة، وسعيد في الجنّة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنّة، وأبو عبيدة بن الجرّاح في الجنّة ". إبراهيم بن محمد بن أميّة أبو إسحاق روى عن محمد بن كثير، بسنده عن أنس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّ من الأوّلين والآخرين، ما خلا النبيّين والمرسلين ". مات بدمشق يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة اثنتين وسبعين ومئتين. إبراهيم بن محمد بن أبي حصن الحارث ابن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أبو إسحاق الفزاري، أحد أئمة المسلمين وأعلام الدّين روى عن جماعة وروى عنه جماعة.

حدّث عن أبي إسحاق سليمان الشيباني، بسنده عن البراء: أنهم كانوا يصّلون مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا ركع ركعوا، وإذا رفع رأسه من الرّكوع فقال: سمع الله لمن حمده، لم نزل قياماً حتى نراه قد وضع وجهه بالأرض، ثم نتبعه. وروى عن الأعمش، بسنده عن عبد الله بن مسعود، عن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض يبلّغوني عن أمتي السّلام ". قال أبو مسهر: قدم علينا إبراهيم بن محمد الفزاري، قال: فاجتمع النّاس يسمعون منه؛ قال: فقال لي: اخرج إلى النّاس فقل لهم: من كان يرى رأي القدريّة فلا يحضر مجلسنا، ومن كان يرى فلان فلا يحضر مجلسنا، ومن كان يأتي السّلطان فلا يحضر مجلسنا؛ قال: فخرجت فأخبرت النّاس. قال ابن سعد: وكان ثقة فاضلاً، صاحب سنّة وغزو، كثير الخطأ في حديثه؛ مات بالمصّيصة سنة ثمان وثمانين ومئة، في خلافة هارون. وقال النّسائي: ثقة مأمون، أحد أئمة الإسلام، كان يكون بالشام. قال أبو صالح: سمعت الفزاريّ غير مرة يقول: إن من النّاس من يحسن الثّناء عليه وما يساوي عند الله جناح بعوضة. وقال عطاء الخفّاف: كنت عند الأوزاعي فأراد أن يكتب إلى أبي إسحاق، فقال للكاتب، اكتب إليه وابدأ به فإنه والله خير منّي. وقال أبو صالح: لقيت فضيل بن عياض فغزّاني بأبي إسحاق، وقال لي: والله لربّما اشتقت إلى المصيصّة ما بي فضل الرّباط، إلاّ لأرى أبا إسحاق. وقال العجلي: إبراهيم بن محمد كوفيّ ثقة، وكان رجلاً صالحاً، قائماً بالسّنّة؛ وقال في موضع آخر: نزل الثّغر بالمصّيصة، وكان ثقة رجلاً صالحاً، صاحب

سنّة، وهو الذي أدّب أهل الثّغر، وعلّمهم السّنّة، وكان يأمر وينهى، وكان ذا دخل الثّغر رجل مبتدع أخرجه، وكان كثير الحديث، وكان له فقه، وكان عربياً فزاريّاً؛ أمر سلطاناً يوماً ونهاه، فضربه مئتي سوط، فغضب الأوزاعي فتكلّم في أمره. وعن إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخذ هارون الرّشيد زنديقاً، فأمر بضرب عنقه، فقال الزنديق: لم تضرب عنقي يا أمير المؤمنين؟ قال: أريح العباد منك: قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كلها ما فيها حرف نطق به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! فأين أنت يا عدوّ الله من أبي إسحاق الفزاريّ وعبد الله بن المبارك ينخلانها ويخرجانها حرفاً حرفاً؟!. قال عبد الرحمن بن مهدي: النّاس يتفاضلون في العلم، وكلّ إنسان يذهب إلى شيء، ولم أر أحداً أعلم بالسّنّة من حمّاد بن زيد؛ فإذا رأيت بصرياً يحب حمّاد بن زيد فهو صاحب سنّة؛ وإذا رأيت كوفيّاً يحب زائدة ومالك بن مغول، فهو صاحب سنّة؛ وإذا رأيت شامياً يحب الأوزاعيّ وأبا إسحاق الفزاريّ فهو صاحب سنّة؛ وإذا رأيت حجازياً يحبّ مالك بن أنس فهو صاحب سنّة. قال هارون أمير المؤمنين لأبي إسحاق الفزاريّ: أيها الشيخ، بلغني أنك في موضع من العرب؛ قال: إن ذلك لا يغني عني من الله يوم القيامة شيئاً. قال الأصمعي: كنت جالساً بين يدي هارون الرّشيد أنشده شعراً، وأبو يوسف القاضي جالس على يساره، فدخل الفضل بن الرّبيع، فقال: بالباب أبو إسحاق الفزاريّ، فقال: أدخله: فلّما دخل قال: عليك السّلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له الرّشيد: لا سلّم الله عليك، ولا قرّب دارك، ولا حيّا مزارك؛ قال: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت الذي تحرّم السّواد؟ فقال: يا أمير المؤمنين من أخبرك بهذا؟ لعلّ ذا أخبرك وأشار إلى أبي يوسف وذكر كلمةً؛ والله يا أمير المؤمنين من أخبرك بهذا؟ لعلّ ذا أخبرك وأشار إلى أبي يوسف وذكر كلمةً؛ والله يا أمير المؤمنين لقد خرج إبراهيم على جدّك المنصور، فخرج أخي معه، وعزمت على الغزو، فأتيت أبا حنيفة فذكرت ذلك له، فقال: مخرج أخيك أحبّ إليّ ممّا عزمت عليه من الغزو؛ والله ما حرّمت السّواد.

فقال الرّشيد: فسلّم الله عليك، وقرّب دارك، وحيّا مزارك، اجلس يا أبا إسحاق؛ يا مسرور ثلاثة آلاف دينار لأبي إسحاق، فأتي بها، فوضعا في يده، وخرج فانصرف. ولقيه ابن المبارك، فقال: من أين أقبلت؟ فقال: من عند أمير المؤمنين، وقد أعطاني هذه الدّنانير، وأنا عنها غنيّ؛ قال: فإن كان في نفسك منها شيء قتصدّق بها. فما خرج من سوق الرّافقة حتى تصدّق بها كلّها. قال ابن أبي خيثمة: مات بالمصّيصة سنة ثمان وثمانين ومئة في خلافة هارون. وقال أحمد بن حنبل: مات سنة خمس وثمانين ومئة. وقال ابن أبي السرّي: مات سنة ستّ وثمانين ومئة. وعن مخلد بن الحسين قال: غزونا مع عبد الملك بن صالح الهاشمي، فأقبلنا من غزونا، فمرّ بنا أبو إسحاق الفزاريّ فأسرع ولم يسلّم، فالتفت إليّ عبد الملك مغضباً، فقال لي: يا مخلد، مر بنا أبو إسحاق فأسرع ولم يسلّم! فقلت له: أعزّ الله الأمير، لم يرك، فزدّها ثانية وتبيّن لي فيه الغضب فقلت: أعزّ الله الأمير، أنأذن لي أن أحدّثك رؤيا رأيتها له؟ قال: حدّث. قلت: رأيت كأن القيامة قد قامت، والنّاس في ظلمة، في حيرة، يتردّدون فيها، فنادى مناد من السّماء: أيها النّاس، اقتدوا بأبي إسحاق الفزاريّ فإنه على الطّريق؛ فغدوت إليه فأعلمته، فقال لي: يا مخلد، لا تحدّث بهذا وأنا حيّ؛ ولوال غضبك أيّها الأمير ما حدّثتك.

إبراهيم بن محمد بن الحسن

إبراهيم بن محمد بن الحسن ابن أبي الحسن نصر بن عثمان أبو إسحاق، المعروف بابن متّوبه إمام جامع أصبهان؟ سمع بدمشق من جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن هنّاد بن السّريّ، بسنده عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن لبستين وبيعتين: أن يلبس الرّجل الثّوب الواحد فيشتمل به ويطرح جانبيه على منكبيه، أو يجتبي بالثّوب الواحد؛ وان يقول الرّجل للرّجل: انبذ إليّ ثوبك وأنبذ إليك ثوبي من غير أن يقبّبا أو يتراضيا؛ ويقول: دابّتي بدابّتك، من غير أن يتراضيا أو يقلّبا. قال أبو نعيم: توفي سنة اثنتين وثلاثمئة في جمادى الآخرة، روى عن الشّاميين والمصريّين وأهل العراقين، كان من العبّاد والفضلاء، يصوم الدّهر. إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال ابن أبي الدّرداء الأنصاريّ، صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو إسحاق روى عن أبيه، عن أم الدّرداء، عن أبي الدّرداء، قال: لمّا دخل عمر بن الخطاب الشّام سأل بلال أن يقرّه بالشام، ففعل ذلك، قال وأخي أبو رويحة الذي آخى بينه وبيني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فنزل في خولان، فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان، فقال لهم: قد جئناكم خاطبين، وقد كنّا كافرين فهدانا الله، ومملوكين فأعتقنا الله، وفقيرين فأغنانا الله، فإن تزوّجونا فالحمد لله، وإنتردّنا فلا حول ولا قوّة غلاّ بالله.

إبراهيم بن محمد بن أبي سهل

ثم إن بلالاً رأى في منامه النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو يقول له: " ما هذه الجفوة يا بلال! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ " فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته، وقصد المدينة، فأتى قبر النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعل يبكي عنده، ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسنّ والحسين فجعل يضمّهما ويقبّلهما، فقالا له: يا بلال، نشتهي نسمع آذانك الذي كنت تؤذّنه لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السّحر، ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلّما أن قال: الله اكبر الله أكبر، ارتجّت المدينة، فلّما أن قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، زاد تعاجيجها، فلّما أن قال: أشهد أن محمداً رسول الله، خرج العواتق من خدرهنّ؛ فقالوا: أبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فما رؤي يوماً أكثر باكياً وباكية بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك اليوم. قال أبو الحسن محمد بن الفيض: توفي إبراهيم بن محمد بن سليمان سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمئة. إبراهيم بن محمد بن أبي سهل أبو إسحاق المرورّوذي، المقرئ قدم دمشق وحدّث بها، وسمع منه بدمشق. روى عن زاهر بن أحمد السّرخسيّ، بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلّلها منه من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فطرحت عليه.

إبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان

إبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان ابن يحيى بن الأركون أبو إسحاق القرشيّ الدّمشقي مولى خالد بن الوليد؛ وإلى جدّه سنان تنسب قنطرة سنان بنواحي باب توما؛ وكان الاركون قسّيساً أسلم على يدي خالد بن الوليد حين فتح دمشق. روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. حدّث عن محمد بن سليمان، بسنده عن أبي هريرة، عن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله تعالى: " عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محمودا " قال: " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ". وعن جابر قال: أهلّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحجّ ليس معه عمرة. توفي يوم الثلاثاء لإحدى وعشرين ليلة مضت من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وثلاثمئة وكان ثقة دفن بباب توما، وكان قد نيّف على الثمانين سنةً. إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله أبو إسحاق القرشي التّيميّ من أهل المدينة. سمع وأسمع. وقدم على عبد الملك بن مروان مع الحجّاج بن يوسف، وكان قد استخصّه واستصحبه، ووفد على هشام.

روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أريد ماله بغير حقّ فقتل دونه فهو شهيد ". حدّث عمران بن عبد العزيز الزّهري، قال: لمّا ولي الحجّاج بن يوسف الحرمين بعد قتل عبد الله بن الزّبير، استخصّ إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقرّبه في المنزلة، فلم يزل على حالته عنده حتى خرج إلى عبد الملك زائراً، فخرج معه فعادله لا يترك في برّه وإجلاله وتعظيمه شيئاً، فلّما حضر باب عبد الملك حضر به معه، فدخل على عبد الملك، فلم يبدأ بشيء بعد السّلام، إلاّ أن قال: قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل احجاز، ولم أدع له والله نظيراً في كمال المروءة والأدب، والدّيانة والسّتر، وحسن المذهب، والطّاعة والنّصيحة، مع القرابة ووجوب الحقّ، إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله، وقد أحضرته بابك ليسهل عليك إذنك وتلقاه ببشرك، وتفعل به ما تفعل بمثله ممّن كانت مذاهبه مثل مذاهبه. فقال عبد الملك: ذكّرتنا حقاً واجباً، ورحماً قريبةً؛ يا غلام، إيذن لإبراهيم بن طلحة. فلّما دخل عليه مرّ به حتى أجلسه على فرشه، ثم قال له: يا ابن طلحة؛ إن أبا محمد ذكّرنا ما لم نزل نعرفك به من الفضل والأدب، وحسن المذهب، مع قرابة الرّحم، ووجوب الحقّ، فلا تدعن حاجةً من خاصّ أمرك ولا عامّ، إلاّ ذكرتها؛ قال: يا أمير المؤمنين، إن أولى الأمور أن يفتح بها الحوائج، ويرجى بها الزّلف، ما كان لله عزّ وجلّ رضىً، ولحقّ نبيّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولك فيها ولجماعة المسلمين نصيحة، لا أجد بدّاً من ذكرها، ولا يكون البوح بها إلاّ وأنا خال، فأخلني ترد عليك نصيحتي؛ قال: دون أبي محمد؟ قال: نعم؛ قال: قم يا حجّاج؛ فلّما جاوز السّتر، قال: قل يا ابن طلحة نصيحتك، قال: الله. يا أمير المؤمنين؟ قال: الله، قال: إنك عمدت إلى الحجّاج مع تغطرسه وتعترسه وتعجرفه لبعده من الحقّ وركونه إلى الباطل، فولّيته الحرمين، وفيهما من فيهما، وبهما من بهما من المهاجرين والأنصار، والموالي المنتسبة إلى الأخيار أصحاب

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأبناء الصحابة، يسومهم الخسف، ويقودهم بالعنف، ويحكم فيهم بغير السّنّة، ويطؤهم بطغاة من أهل الشّام، ورعاع لا رويّة لهم في إقامة حقّ، ولا إزاحة باطل؛ ثم ظننت أنّ ذلك فيما بينك وبين الله ينجيك، وفيما بينك وبين رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخلّصك؛ إذا جاءتاك للخصومة في أمّته، أما والله لا تنجو هناك إلاّ بحجة تضمن لك النّجاة، فأفق على نفسك أو دع؛ فقد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته ". فاستوى عبد الملك جالساً وكان متكئاً فقال: كذبت لعمر الله ومقت ولؤمت فيما جئت به، قد ظنّ فيك الحجّاج ما لم يجده فيك، وربّما ظنّ الخير بغير أهله، قم فأنت الكاذب المائن الحاسد؛ قال: فقمت والله ما أبصر طريقاً، فلّما خلّقت السّتر لحقني لاحق من قبله، فقال للحاجب: احبس هذا، وأدخل أبا محمد الحجّاج؛ فلبثت ملّياً لا اشكّ أنّهما في أمري، ثم خرج الآذن فقال: قم يا ابن طلحة فادخل، فلّما كشف لي السّتر لقيني الحجّاج وأنا داخل وهو خارج فاعتنقني وقبّل ما بين عينيّ، ثم قال: إذا جزى الله المتآخيين بفضل تواصلهما خيراً فجزاك الله أفضل ما جزى به أخاً، فوالله لئن سلمت لك لأرفعنّ ناظرك، ولأعلينّ كعبك، ولأتبعنّ الرّجال غبار قدميك؛ قال: فقلت: يهزأ بي. فلّما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أجلسني مجلسي الأول، ثم قال: يا ابن طلحة، لعلّ أحداً من النّاس شاركك في نصيحتك؟ قلت: لا والله، ولا أعلم أحداً كان أظهر عندي معروفاً، ولا أوضح يداً من الحجّاج، ولو كنت محابياً أحداً بديني لكان هو، ولكني آثرت الدّنيا لكان لك في الحجاج أمل، وقد أزلت الحجّاج عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما، وأعلمته أنك استنزلتني له عنهما استصغاراً لهما، وولّيته العراقين لما هناك من الأمور التي لا يرخصها إلا مثله، وأعلمته أنك استدعيتني إلى التولية له عليهما استزادةً له ليلزمه ما يؤّدي به عنّي إليك أجر نصيحتك، فاخرج معه فإنك غير ذامّ صحبته مع تفريطه، إيّاك ويدك عنده.

قال: فخرجت على هذه الجملة. روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: لأمنعنّ فروج ذوات الأنساب إلاّ من الأكفّاء. قال الزبير بن بكار: ومن ولد محمد بن طلحة بن عبيد الله: إبراهيم بن محمد، استعمله عبد الله بن الزّبير على خراج الكوفة، وكان يقال له: أسد الحجاز، وبقي حتى أدرك هشاماً. قال: فأخبرني عمّي مصعب بن عبد الله: أن هشاماً قدم حاجاً، فتظلّم من عبد الملك بن مروان في دار آل علقمة التي بين الصّفا والمروة، وكان لآل طلحة شيء منها، فأخذها نافع بن علقمة الكنانيّ، وهو خال مروان بن الحكم، وكان عاملاً لعبد الملك بن مروان على مكة، فلم ينصفهم عبد الملك من نافع بن علقمة، وقال له هشام بن عبد الملك: ألم تكن ذكرت ذلك لأمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: بلى، فترك الحقّ وهو يعرفه؛ قال: فما صنع الوليد؟ قال: اتّبع أثر أبيه، وقال ما قال القوم الظّالمون: " إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون "، قال: فما فعل فيها سليمان؟ قال: لا قفي ولا سيري؛ قال: فما فعل فيها عمر بن عبد العزيز؟ قال: ردّها، يرحمه الله؛ قال: فاستشاط هشام غضباً، وكان إذا غضب بدت حولته، ودخلت عينه في حجاجه، ثم أقبل عليه فقال: أما والله أيّها اشّيخ، لو كان فيك مضرب لأحسنت أدبك! قال إبراهيم: فهو والله في الدّين والحسب، لا يبعدنّ الحقّ وأهله، ليكوننّ لهذا نحت بعد اليوم. قال: وحدّثني مصعب بن عثمان بما جرى بين إبراهيم بن محمد وهشام بن عبد الملك في هذه القصّة، واختلفا في بعض الخبر.

ثم طلب ولد إبراهيم بن محمد في حقّهم من الدّار إلى أمير المؤمنين الرّشيد، وجاؤوا ببيّنة تشهد لهم على حقّهم من هذه الدّار، فرّدها على ولد طلحة، وأمر قاضيه وهب بن وهب بن كبير بن عبد الله بن زمعة، أن يكتب لهم به سجلاً، ففعل. قال عمّي مصعب بن عبد الله: فكنت فيمن شهد على قضاء أبي البختريّ وهب بن وهب، بردّها عليهم وكان القائم لولد طلحة فيها محمد بن موسى بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد الله؛ ثم اشتراها أمير المؤمنين هارون من عدّة ن ولد طلحة، وكتب الشّراء عليها وقبضها، فلم تزل في القبض حتى قدم أمير المؤمنين المأمون من خراسان، فقدم عليه ولد نافع بن علقمة فردّها عليهم. وقال محمد بن إسماعيل بن جعفر: دخل إبراهيم بن محمد بن طلحة على هشام بن عبد الملك، فكلّمه بشيء لحن فيه، فرّد عليه إبراهيم الجواب ملحوناً، فقال هشام: أتكلّمني وأنت تلحن! فقال له إبراهيم: ما عدوت أن رددت عليك نحو كلامك؛ فقال هشام: إن تقل ذلك، فما وجدت للعربيّة طلاوةً بعد أمير المؤمنين سليمان؛ فقال له إبراهيم: وأنا ما وجدت لها طلاوةً بعد بني تماضر من بني عبد الله بن الزّبير. وممّا هاج هشاماً على أن يقول ما قال لإبراهيم؛ أن إبراهيم طلب الإذن عليه، فأبطأ ذلك، فقال له على الباب رافعاً صوته: اللهم غلّقت دونه الأبواب، وقام بعذره الحجّاب؛ فبلغ ذلك هشاماً فأغضبه. قال محمد بن سعد: فولد محمد بن طلحة إبراهيم الأعرج، وكان شريفاً صارماً، ولاّه عبد الله بن الزّبير بن العوّام خراج العراق. وقال إبراهيم بن هرمة: أردت لابني البناء على أهله، وخروجاً إلى باديتي، ومرمّة الشتاء، ففكّرت في قريش، فلم أذكر غير إبراهيم بن طلحة، فخرجت إليه في مال له بين شرقيّ المدينة وغربيّها، وقد هيأت له شعراً، فلّما جئته قال لبنيه: قوموا إلى عمّكم فأنزلوه، فقاموا فأنزلوني عن دابّتي، فسلمت عليه وجلست معه أحدّثه، فلّما اطمأنّ بي المجلس قلت له: أردت الخروج إلى باديتي، وحضر الشتاء ومؤونته، وأردت أن أجمع على ابني أهله، وكانت الأشياء متعذّرة، فتفكرت في قومي فلم أذكر سواك، وقد هيأت لك

من الشّعر ما أحبّ أن تسمعه؛ فقال: بحقّي عليك إن أنشدتني شعراً، ففي قرابتك ورحمك وواجب حقّك، ما تعوصل به رحمك وتقضّي به حوائجك، فانصرف إلى باديتك واعذرني فيما يأتيك منّي. قال: فخرجت إلى باديتي، فإنّي لجالس بعد أيام إذا بشويهات تتسايل يتبع بعضها بعضاً، فأعجبني حسنها، فما زالت تتسايل حتى افترش الوادي منها، وإذا فيها غلامان أسودان، وإذا إنسان على دابّة يحمل بين يديه رزمة، فلّما جاءني ثنى رجله، وقال: أرسلني إليك إبراهيم بنم طلحة، وهذه ثلاثمئة شاة من غنمه، وهاذان راعيان، وهذه أربعون ثوباً، ومئتا دينار، وهو يسألك أن تعذره. وعن عبيد الله بن محمد قال: سمعت أبي يقول: لمّا مات حسن بن حسن، فحمل اعترض غرماؤه لسريره، فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: عليّ دينه، فحمله وهو أربعون ألفاً، وكان رجلاً مسيكاً فإذا حزبه أمرّ جاد له. وعن ابن عائشة، عن أبيه: كتب عبد العزيز بن مروان إلى ابنه عمر: أن تزّوج بنت إبراهيم بن محمد بن طلحة، قال: فتزوّجها، وكتب بذلك إلى أبيه؛ فكتب إليه: تزوّج بنت عمّها وأنت أنت؛ قال: فخطب إلى عمر بن عبيد الله بن معمر بنته فزوّجه. قال: فكان إبراهيم يدخل بين الخصوم، فقال عمر لبنته: قولي لأبيك يكفّ عن الدّخول بينهم، فكان لا يكفّ عن ذلك. قال: فدخل على ابنته فقال: كيف ترين بعلك؟ قالت: بخير؛ قال: وكيف عيشك؟ قالت: تأتيني مائدة غدوة أصيب منها أنا ومن حضرني، وأخرى عشّيةً أصيب منها أنا ومن حضرني، قال: أو مالك خزانة تعوّلين عليها إن ألّم بك ملّم بأضعاف ذلك؟ قالت: لا؛ فأرسل إليها ما يحمله الرّجال أوّلهم عندها وآخرهم في السّوق؛ فسأل عمر عن ذلك فأخبر به، فملأ خزانتها بعد. وعن عبد الله بن أبي عبيدة قال: جاء كتاب هشام بن عبد الملك إلى إبراهيم بن هشام المخزوميّ وهو عامله على المدينة، أن يحطّ فرض آل صهيب بن سنان إلى فرض الموالي، ففزعوا إلى إبراهيم بن محمد بن طلحة وهو عريف بني تيم ورأسها، فقال: سأجهد في ذلك ولا أتركه، فشكروا له وجزوه خيراً.

قال: وكان إبراهيم بن هشام يركب كلّ يوم سبت إلى قباء، قال: فجلس إبراهيم بن محمد بن طلحة على باب دار طلحة بن عبد الله بن عون بالبلاط، وأقبل إبراهيم بن هشام، فنهض إليه إبراهيم بن محمد فأخذ بمعرفة دابّته، فقال: اصلح الله الأمير، حلفائي، ولد صهيب، وصهيب من الإسلام بالمكان الذي هو به؛ قال: فما أصنع؟ جاء كتاب أمير المؤمنين فيهم، والله لو جاءك لم تجد بدّاً من إنفاذه؛ فقال: والله، إن أردت أن تحسن فعلت، وما يرّد أمير المؤمنين قولك، وإنك لوالد، فافعل في ذلك ما تعرف؛ فقال: مالك عندي إلاّ ما قلت لك! فقال إبراهيم بن محمد: واحدة أقولها لك، والله لا يأخذ رجل من بني تميم درهماً حتى يأخذ آل صهيب؛ قال: فأجابه والله إبراهيم بن هشام إلى ما أراد، وانصرف إبراهيم بن محمد، فأقبل إبراهيم بن هشام على أبي عبيدة بن محمد بن عمّار وهو معه فقال: لا يزال في قريش عزّ ما بقي هذا؛ فإذا مات هذا ذلّت قريش. وعن عبد الرّحمن بن أبي الزّناد قال: أمر لأهل المدينة بالعطاء في خلافة هشام بن عبد الملك، فلم يتّم من الفيء، فأمر هشام أن يتّم من صدقات اليمامة، فحمل إليهم، وبلغ ذلك إبراهيم بن محمد بن طلحة، فقال: والله لا نأخذ عطاءنا من صدقات النّاس وأوساخهم، حتى نأخذه من الفيء؛ وقدمت الإبل تحمل ذلك المال، فخرج إليهم وأهل المدينة، فجعلوا يردّون الإبل ويضربون وجوهها بأكمتّهم ويقولون: والله لا يدخلها وفيها درهم من الصّدقة؛ فردّت الإبل، وبلغ هشام بن عبد الملك، فأمر أن تصرف عنهم الصّدقة وأن يحمل إليهم تمام عطاياهم من الفيء. قال ابن سعد: في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، ومات بالمدينة سنة عشر ومئة.

إبراهيم بن محمد المهدي

إبراهيم بن محمد المهديّ ابن عبد الله المنصور بن محمد عليّ بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطلب أبو إسحاق، المعروف بابن شكلة الهاشميّ ولاّه أخوه الرّشيد إمرة دمشق، فقدمها ثم عزله عنها، وولاها غيره، ثم أعاد إبراهيم إلى ولايتها. وولي إمرة الحجّ. قال حميد بن فروة: لمّا استقرّت للمأمون الخلافة، دعا إبراهيم بن المهدّي المعروف بابن شكلة، فوقف بين يديه، فقال: يا إبراهيم، أنت المتوثّب علينا تدّعي الخلافة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنت وليّ الثأر، والمحكم في القصاص، والعفو أقرب للتّقوى، وقد جعلك الله فوق كلّ ذي ذنب، كما جعل كلّ ذي ذنب دونك، فإن أخذت أخذت بحقّ، وإن عفزت عفوت بفضل؛ ولقد حضرت أبي، وهو جدّك، وأتي برجل، وكان جرمه اعظم من جرمي، فأمر الخليفة بقتله، وعنده المبارك بن فضالة، فقال المبارك: إن رأى أمير المؤمنين أن يتأنّى في أمر هذا الرّجل حتى أحدثّه بحديث سمعته من الحسن؛ قال: إيه يا مبارك؛ فقال: حدّثنا الحسن، عن عمران بن حصين، أنّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا كان يوم الجمعة نادى مناد من بطنان العرش: ألا ليقومنّ العافون من الخلفاء إلى أكرم الجزاء، فلا يقوم إلاّ من عفا " فقال الخليفة: إيها يا مبارك، قد قبلت الحديث بقبوله وعفوت عنه. فقال المأمون: وقد قبلت الحديث بقبوله، وعفوت عنك؛ ها هنا يا عمّ، ها هنا يا عمّ. روى عن حمّاد الأبحّ، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من نوقش الحساب عذّب ".

قال إبراهيم بن المهدي: كان سبب ولايتي دمشق، أن الهادي زوّجني أمّ محمد بنة صالح بن المنصور، وأمّها أمّ عبد الله بنة عيسى بن علي بن عبد الله بن العبّاس، وكان لي سبع سنين، ثم إني قبل انسلاخ اثنتي عشرة سنة من مولدي أدركت، فاستحثّتني أمّ عبد الله بنة عيسى بن علي، على الابتناء بأمّ محمد بنة صالح، فاستأذنت الرّشيد في ذلك، فأعلمني أن العبّاسة أخته، قد شهدت عليك أنك حلفت يميناً بطلاقها، لحقك فيها الحنث. قال إبراهيم: وكانت البليّة في هذا الباب أن الرّشيد رغب في تزويج أمّ محمد، وأراد منّي أن أطلّقها، فامتنعت عليه من طلاقها، فتغيّر عليّ في الخاصّة، ولن يقصر بي في العامّة؛ فلم أزل في جفوة منه في الخاصّة، وسوء رأي، ويتأدّى إليّ عنه أشياء، وأشاهد بما يظهر منه إلي أن استتمت ستّ عشرة سنة، وصحّ عندي رغبة أمّ محمد في الرّشيد، وعلمت أنّها لا تصلح لي، فطلّقتها؛ فلم يكن بين تطليقي إيّاها وبين ابتناء الرّشيد بها إلاّ مقدار العدّة، ثم رجع لي الرّشيد إلى ما كنت أعهده من برّه ولطفه قبل ذلك. وحدّث إبراهيم: أن تطليقه أمّ محمد بنة صالح بن المنصور، وعقد الرّشيد نكاحها لنفسه بعده، أسكنا قلبه غمراً على الرّشيد، فكان لا يستحسن له حسناً، ولا يشكر له فعلاً جميلاً يأتيه إليه، وكان الرّشيد قد تبّين منه، فكانت تعطفه عليه الرّحم، ويصلح ذلك له جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، إلى أن دخل إبراهيم في سنة ثماني عشرة سنةً من مولده. فلّما دخل في أوّل السّنة، رأى فيما يرى النّائم في ليلة سبت قد كان يريد بالغلس الرّكوب إلى الرّشيد إلى الحلبة في صبيحتها بقصره في ظهر الرّافقة، فرأى فيما يرى النّائم، المهدّ في النّوم، فكأنه قال له: كيف حالك يا إبراهيم؟ فأجابه: وكيف يكون حال من خليفتك عليه هارون إلاّ شرّ حال! ظلمني من ميراثك، وقطع رحمي، ولم يحفظني لك، واستنزلني عن ابنة عمّي؛ فكأنه يقول لي: لقد اضطغنت عليه أشياء، أقلّ منها يضغن، وشرّ من قطيعة الرّحم الاضطغان على ذوي الأرحام، فما تحبّ الآن أن أفعل به؟

فقلت: تدعو الله عليه! فكأنه تبسّم من قولي، ثم قال: اللهم أصلح ابني هارون، اللهم أصلح عبدك هارون. قال إبراهيم: فكأني حزنت من دعائه له بالصّلاح، فبكيت، وقلت: يا أمير المؤمنين، أسألك أن تدعو الله عليه، فتدعو له! قال: فكأنه يقول لي: إنّما ينبغي للعبد أن يدعو بما ينتفع به، ويرجو فيه الإجابة، وإن دعوت الله عليه، فاستجاب لي، لم ينفعك ذلك، وقد دعوت الله له بالصّلاح، وإن استجيب دعائي بصلاحه، صلح لك فانتفعت به، ثم ولّى عنّي، ثم التفت إليّ فقال لي: قد استجيبت الدّعوة، وهو قاض عنك دينك، ومولّيك جند دمشق، وموسّع في الرّزق، فاتقّ الله يا إبراهيم فيمن تتقلّد أمره. قال: فكأني أقول له وأنا أدير السّبابة من يدي اليمنى: دمشق دمشق دمشق! قال: فكأنه يقول لي: حرّكت مسبّحة يدك اليمنى، وقلت: دمشق دمشق دمشق، تكرّرها استقلالاً لها! إنها دنيا يا بنّي، وكلّما قلّ حظّك منها كان أجدى عليك في آخرتك، وانتبهت مرعوباً، فاغتسلت، ولبست ثيابي، وركبت إلى الرّشيد، إلى قصر الخشب بالراّفقة عنه إذا لم يكن عند حرمه، فسألت عند موافاتي القصر عن خبره فأخبرت أنه يتهيّأ للصّلاة، فلّما صرت إلى الرّواق الذي هو جالس فيه، قال لي مسرور الكبير: اجلس بأبي أنت، لا تدخل على أمير المؤمنين، فإنه مغموم يبكي لشيء لا أعلمه؛ فما هو إلاّ أن سمع كلامي، حتى صاح بي: يا إبراهيم، أدخل، فديتك؛ فما هو إلاّ أن رآني حتى شهق شهقة تخوّفت عليه منها، ورفع صوته بالبكاء، ثم قال: يا حبيبي ويا بقيّة أبي وكان يقول لي كثيراً: يا بقيّة أبي، لشدّة شبه إبراهيم بالمهدّي في لونه وعينيه وأنفه أسألك بحقّ الله، وحقّ رسوله، وحقّ المهديّ، هل رأيت في نومك في هذه اللّيلة أحداً تحبّه؟ فقلت: إي، والله، يا أمير المؤمنين، لقد رأيت آنفاً المهديّ، قال: فبحقّه عليك، هل شكوتني إليه؟ وسألته أن يدعو عليّ فدعا الله لي بالصلاح، فأنكرت ذلك عليه، حتى قال لك في ذلك قولاً طويلاً. فقلت له: وحقّ المهديّ لقد كان ذلك، ولقد أخبرني بعد دعائه أن الله استجاب دعاءه، وأنك قد صلحت لي وانك تقضي ديني، وتوسع عليّ في الرّزق، وتوليني دمشق.

قال: فازداد الرّشيد في البكاء، وقال: قد وحقّه الواجب عليّ أمرني بقضاء دينك، والتّوسعة في الرّزق عليك، وتوليتك جند دمشق. ثم دعا بمسرور، وقال: احمل معك قناةً ولواءً إلى ميدان الخيل، حتى أعقد لبقّية أبي على جند دمشق إذا رجعت الخيل. فصّلى وركب وركبت معه، فلّما رجعت الخيل عقد لي على دمشق، وأمر لي بأربعين ألف دينار، فقضيت بها ديني، وأجرى عليّ في كلّ سنة ثلاثين ألف دينار عمالةً، فلبثت في العمل سنتين ارتزقت فيهما ستين ألف دينار، فصار مرزقي من تلك الولاية مع ما قضى عني من الدّين مئة ألف دينار. وحدّث إبراهيم، أنه ما علم أحداً ولي جند دمشق فسلم من لقب يلقّبه به أهل ذلك الجند غيره، فسئل عن السبب في ذلك، فأعلم أنه فحص عنه عقد الرّشيد له على جند دمشق، فاخبر أن كلّ ملقّب ممّن ولي إمرته لم يكن إلاّ مّمن ينحرف عنه من اليمانيّة أو المضريّة؛ فكان إن مال إلى المضريّة لقّبته اليمانيّة، وإن مال إلى اليمانيّة لقّبته المضريّة. وانه لمّا ولي وافى حمص، كتب إلى خليفته المستلم لعمله بدمشق يأمره بإعداد طعام له كما يعدّ للأمراء في العيدين، وأنه لما وافى غوطة دمشق تلقّاه الحيّان من مضر ويمن، فلقي كلّ من تلقّاه بوجه واحد، فلما دخل المدينة أمر صاحبه بإحضار وجوه الحيّين، وأمره بتسمية أشرافهم، وأن يقدّم من كلّ حيّ الأفضل فالأفضل منهم، وأن يأتيه بذلك، فلّما أتاه به، أمر بتصيير النّاس من الجانب الأيمن مضريّاً، وعن شماله يمنيّاً، ومن دون اليمانيّ مضريّ، ومن دون المضريّ يمانيّ، حتى لا يلتصق مضريّ بمضريّ، ولا يمانيّ بيمانيّ، ثم قدّم الطّعام، فلم يطعم شيئاً حتى حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال: إنّ الله عزّ وجلّ جعل قريشاً موازين بين العرب، فجعل مضر عمومتها، وجعل يمن خؤولتها، وافترض عليها حبّ العمومة والخؤولة، فليس يتعصّب قرشيّ إلاّ للجهل بالمفترض عليه؛ ثم قال: يا معشر مضر، كأنّي بكم وقد قلتم إذا خرجتم لإخوانكم من يمن: قد قدّم أميرنا مضر على يمن، وكأني بكم يا يمن قد قالت: وكيف قدّمكم علينا وقد جعل بجنب اليمانّي مضريّاً، وبجنب المضريّ يمانيّاً، فقلتم با معشر مضر؛ إنّ الجانب الأيمن أعلى

من الجانب الأيسر، وقد جعل الجانب الأيمن لمضر والأيسر لليمن، وهذا دليل على تقدمته إيّأنا عليكم؛ إلا إن مجلسك يا رئيس المضريّة في غد من الجانب الأيسر، ومجلسك يا رئيس اليمانيّة من غد في الجانب الأيمن، وهذان الجانبان نوب بينكما، يكون كلّ من كان فيه في يومه متحوّل عنه في غده إلى الجانب الآخر؛ ثم سمّيت الله، ومددت يدي إلى طعامي، فطعمت وطعموا معي، فانصرف القوم عنّي في ذلك اليوم، وكلّهم لي حامد. ثم كانت تعرض الحاجة لبعض الحيّين، فاسأل قبل أن أقضيها له: هل لأحد من الحيّ الآخر حاجة شبه حاجة السائل؟ فإذا عرفتها قضت الحاجتين في وقت واحد، فكنت عند الحيّين محموداً، لا أستحقّ عند واحد منهم ذمّاً ولا عيباً ولا نبزاً ينبز به. قال أبو بكر الخطيب: بويع له بالخلافة ببغداد في أيام المأمون، وقاتل الحسن بن سهل، وكان الحسن أميراًمنقبل المأمون، فهزمه إبراهيم، فتوجّه نحوه حميد الطّوسيّ، فهزمه حميد، واستخفى إبراهيم مدّة طويلة حتى ظفر به المأمون فعفا عنه، وكان أسود حالك اللّون، عظيم الجثّة، ولم ير في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لساناً، ولا أجود شعراً. قال: وكان إبراهيم وافر الفضل، غزير الأدب، واسع النّفس، سخيّ الكفّ، وكان معروفاً بصنعة الغناء، حاذقاً بها، وله يقول دعبل بن علي يتقرّب بذلك من المأمون: من الكامل نعر ابن شكلة بالعراق وأهلها ... فهفا إليه كلّ أطلس مائق إن كان إبراهيم مضطلعاً بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق وقال ابن ماكولا: أما التّنّين، أوله تاء معجمة باثنتين من فوقها، وبعدها نون مشدّدة مكسورة، فهو إبراهيم بن المهدي بن المنصور، أمير المؤمنين، كنيته أبو إسحاق، أمّه شكله نسب إليها، وكانت سوداء، وكان شديد السّواد، عظيم الجسم، فلقّب التّنّين

لذلك، ولد في سنة اثنتين وستين ومئة، وتوفي سنة أربع وعشرين ومئتين وقيل: في سنة ثلاث وعشرين بسرّ من رأى، كان من أحسن النّاس غناء وأعلمهم به، وهو شاعر مطبوع مكثر. قال إسحاق بن الفضل الهاشميّ: كتب طاهر بن الحسين إلى إبراهيم بن المهديّ، وهو يحاربه، في ترك التّقحّم، والأخذ بالحزم، وإبراهيم في طاعة محمد بن زبيدة: بسم الله الرحمن الرحيم، حفظك الله وعافاك، أمّا بعد: فإنه كان عزيزاً عليّ أن أكتب إلى رجل من أهل بيت الخلافة بغير التّأمير، لكن بلغني عنك أنك مائل بالرّأي والهوى إلى النّاكث المخلوع، فإن يك ما بلغني حقّاً، فقليل ما كتبت به إليك كثير، وإن يك باطلاً فالسّلام أيّها الأمير ورحمة الله وبركاته. وكتب في أسفل كتابه: من البسيط ركوبك الهول ما لم تلق فرصته ... جهل ورأيك في الإقحام تعزير أعظم بدنيا ينال المخطئون بها ... حظّ المصيبين والمغرور مغرور ازرع صواباً وحبل الرأي موترة ... فلن يردّ لأهل الحزم تدبير فإن ظفرت مصيباً أو هلكت به ... فأنت عند ذوي الألباب معذور وإن ظفرت على جهل وفزت به ... قالوا جهول أعانته المقادير قال إبراهيم بن محمد بن عرفة: بعث المأمون إلى عليّ ين موسى الرّضا فحمله وبايع له بولاية العهد، فغضب من ذلك بنو العبّاس، وقالوا: لا تخرج الأمر عن أيدينا؛ وبايعوا إبراهيم بن المهديّ، فخرج إلى الحسن بن سهل فهزمه، وألحقه بواسط، وأقام إبراهيم بن المهديّ بالمدائن، ثم وجّه الحسن عليّ بن هشام وحميد الطّوسيّ، فاقتتلوا فهزمه حميد، واستخفى إبراهيم، فلم يعرف خبره، حتى قدم المأمون فأخذه. وقال إسماعيل بن علي بن إسماعيل: وبايع أهل بغداد لإبراهيم بن المهديّ بالخلافة ببغداد في داره المنسوبة إليه، في ناحية سوق العطش، وسمّوه المبارك، وقيل: سمّوه

المرضيّ، وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من المحرّم سنة اثنتين ومئتين، فغلب على الكوفة والسّواد، وخطب له على المنابر، وعسكر بالمدائن، ثم رجع إلى بغداد، فأقام بها، والحسن ين سهل مقيمّ في حدود واسط خليفة للمأمون، والمأمون ببلاد خراسان، فلم يزل إبراهيم مقيماً ببغداد على أمره يدعى بإمرة المؤمنين، ويخطب له على منبر بغداد وما غلب عليه من السّواد والكوفة، ثم رحل المأمون متوجهاً إلى العراق، وقد توفي عليّ بن موسى الرضا. فلّما أشرف المأمون على العراق وقرب من بغداد، ضعف أمر إبراهيم بن المهديّ، وقصرت يده، وتفرّق النّاس عنه، فلم يزل على ذلك إلى أن حضر الأضحى من سنة ثلاث ومئتين، فركب إبراهيم بن المهديّ في زيّ الخلافة إلى المصلّى فصلّى بالنّاس صلاة الأضحى، وهو ينظر إلى عسكر غليّ بن هشام مقدمة للمأمون، ثم انصرف من الصّلاة، فنزل قصر الرّصافة، وغدا النّاس فيه، ومضى من يومه إلى داره المعروفة به، فلم يزل فيها إلى آخر النّهار، ثم خرج منها باللّيل فاستتر وانقضى أمره. فكانت مدّته منذ بويع له بمدينة السّلام إلى يوم استتاره سنةً واحد عشر شهراً وخمسة أيّام، وكان سنّة يوم بويع له تسعاً وثلاثين سنة وشهرين وخمسة أيام، لأن مولده غرّة ذي القعدة من سنة اثنتين وستين ومئة، واستتر وسنّه إحدى وأربعون سنة وأيام، وأقام في استتاره ستّ سنين وأربعة أشهر وعشرة أيّام، وظفر به المأمون لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة عشر ومئتين، فعفا عنه واستبقاه، فلم يزل حيّاً طاهراً مكرّماً إلى أن توفي في خلافة المعتصم بالله، وكان واسع الأدب كثير الشّعر. قال ابن مهرويه: لمّا بويع إبراهيم بن المهديّ ببغداد قلّ المال عنده، وكان قد لجأ إليه أعراب من أعراب السّواد وغيرهم، فاحتبس عليهم العطاء، فجعل إبراهيم يسوّفهم بالمال ولا يرون لذلك حقيقة، إلى أن اجتمعوا يوماً وخرج رسول إبراهيم إليهم، فصرّح لهم أنه لا مال عنده؛ فقال قوم من غوغاء أهل بغداد: فإذا لم يكن المال، فاخرجوا إلينا خليفتنا فليإنلأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، ولأهل ذلك الجانب ثلاثة أصوات،

فيكون ذلك عطاءهم، فانشد دعبل في ذلك: من السريع يا معشر الأعراب لا تغلطوا ... وارضوا عطاياكم ولا تسخطوا فسوف يعكيكم حنينيّة ... لا تدخل الكيس ولا تربط والمعبديّات لقوّادكم ... وما بهذا أحد يغبط فهكذا يرزق أجناده ... خليفة مصحفة البربط البربط: العود، وأصله بالفارسية، والعرب تسميه المزهر. وقال محمد بن القاسم بن خلاد: لمّا طال على إبراهيم بن شكلة الاختفاء وضجر، كتب إلى المأمون: وليّ الثّأر محكّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الاغترار بما مدّ له من أسباب الرّجاء أمن عادية الدّهر على نفسه، وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق كلّ ذي عفو، كما جعل كلّ ذي ذنب دونه، فإنعفا فبفضله، وإن عاقب فبحقّه. فوقّع المأمون في قصّته أمانه، وقال فيها: القدرة تذهب الحفيظة، وكفى بالنّدم إنابة، وعفو الله أوسع من كلّ شيء. ولمّا دخل إبراهيم على المأمون، قال: من الخفيف إن أكن مذنباً فحظي أخطأ ... ت فدع عنك كثرة التّأنيب قل كما قال يوسف لبني يع ... قوب لمّا أتوه لا تثريب فقال: لا تثريب. قال ثمامة بن أشرس: قال لي المأمون: قد عزمت غداً على تقريع إبراهيم بن

المهديّ فاحضر مبكّراً، وليقرب مجلسك منّي، وقام السّماط، فبينا نحن كذلك إذ سمعت صلصلة الحديد، فرفعت نظري فإذا إبراهيم بن المهديّ موقوف على البساط، ممسوك بضبعيه، مغلولة يده إلى عنقه، قد تهدّل شعره على عينيه، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال المأمون: لا سلّم اله عليك ولا حيّاك ولا رعاك ولا كلاّك، أكفرّ يا إبراهيم بالنّعمة بغير شكر، وخروج على أمير المؤمنين بغير عهد ولا عقد! فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إن القدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له في الاغترار هجمت به الأناة على التّلف، وقد رفعك الله فوق كل ذي ذنب، كما وضع كلّ ذي ذنب دونك؛ فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك. فقال المأمون: إنّ هذين قد أشارا عليّ بقتلك وأومى إلى المعتصم والعبّاس ابنه! فقال: أشارا عليك يا أمير المؤمنين بما يشار به على مثلك في مثلي من حسن السّياسة والتدّبير، وإنّ الملك عقيم، ولكنّك تأبى أن تستجلب نصراً إلاً من حيث عوّدك الله عزّ وجلّ، وأنا عمّك، والعمّ صنو الأب؛ وبكى. فترغرغت عينا المأمون، ثم قال: يا ثمامة؛ فوثبت قائماً، فقال: إنّ من الكلام كلام كالدّرّ؛ حلّوا عن عمّي، وغيّروا من حالته في أسرع وقت، وجيئوني به. فأحضره مجلسه ونادمه، وسأله أن يغنّي، فأبى، وقال: نذرت يا سيدي لله عند خلاصي تركه، فعزم عليه، وأمر أن يوضع العود في حجره، فسمعته يغنّي: من مجزوء الكامل هذا مقام مشرّد ... خربت منازله ودوره نمّت عليه عداته ... كذباً فعاقبه أميره ثم ثنّى بشعر آخر: من الطويل ذهبت من الدّنيا وقد ذهبت منّي ... لوى الدّهر بي عنها وولّى بها عنّي

فإن أبك نفسي أبك نفساً عزيزة ... وإن أحتقرها أحتقرها على ضنّ وإنّي وإنكنت المسيئ بعينه ... بربّي تعالى جدّه حسن الظّنّ عدوت على نفسي فعاد بعفوه ... عليّ فعاد العفو منّا على منّ فقال له المأمون: أحسنت والله يا أمير المؤمنين حقاً! ؛ فرمى بالعود من حجره ووثب قائماً فزعاً من هذا الكلام؛ فقال له المأمون: اقعد واسكن، فوحياتك ما كان ذلك لشيء تتوهّمه، ووالله لا رأيت منّي طول أيّامي شيئاً تكرهه وتغتّم به. ثم أمر بكلّ ما قبض له من الأموال والدّور والعقار والدّواب والضّياع أن تردّ عليه، وأعاد مرتبته، وأمر له في تلك السّاعة بعشرة آلاف دينار، وانصرف مكرماً مخلوعاً عليه، على خيل ورجل أمير المؤمنين، واشتهر في الخاصّة والعامّة عفو أمير المؤمنين عن عمّه، فحسن موقع ذلك منهم، واستوسقوا على الطّاعة والموالاة، والشّكر والدّعاء. فقيل لثمامة: أي شيء كان جرمه؟ قال: بويع له بالخلافة بعد محمد بن هارون، والمأمون بخراسان، فلّما دخل المأمون اختفى، وأهدر المأمون دمه، ونادى عليه، فجاء من غير أن يجيء به أحد، فأمكن من نفسه، فحبسه ستة أشهر، وأخرجه، وعفا عنه. قال الفضل بن العبّاس الهاشميّ: بعث المأمون إلى إبراهيم عمّه بعدما حبسه، رجلاً يثق له، فقال: تعرف ما يعمل عمّي، وما يقول؛ قال: فعل، ثم رجع غليه، فقال: رأيته يبكي، وقد وضع إحدى رجليه على الأخرى، وهو يتغنّى: من الطويل فلو أنّ خدّاً من وكوف مدامع ... يرى معشباً لاخضرّ خدّي فأعشبا كأن ربيع الزّهر بين مدامعي ... بما انهل منها من حياً وتصبّبا ولو أنني لم أبك إلاً مودّعاً ... بقّية نفس ودّعتني لتذهبا وقد قلت لمّا لم أجد لي حيلةً ... من الموت لمّا حلّ أهلاً ومرحباً قال: فبكى المأمون، ثم أمر بالتحقيق عنه. وحدّث حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: لمّا دخلت على ابن شكلة في بقايا غضب

المأمون، فقلت: من البسيط هي المقادير تجري في أعنّتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال يوماً تريش خسيس الحال ترفعه ... إلى السّماء ويوماً تخفض العالي فأطرق، ثم قال: من البسيط عيب الأناة وإنسرت عواقبها ... أن لا خلود وأن ليس الفتى حجراً فما مضى ذلك اليوم حتى بعث إليه المأمون بالرّضى، ودعاه للمنادمة؛ والتقيت معه في مجلس المأمون، فقلت: ليهنك الرّضى؛ فقال: ليهنك مثله من متيّم، وكانت جارية أهواها، فحسن موقع ذلك عندي، فقلت: من الطويل ومن لي بأن ترضى وقد صحّ عندها ... ولوعي بأخرى من بنات الأعاجم وقال المبرّد: وقّع إبراهيم بن المهديّ في رقعة كاتب له ورآه يتتّبع الغريب والوحشيّ من الكلام: إيّاك والتتّبع لوحشيّ الكلام طمعاً في نيل البلاغة، فإن هذا العيّ الأكبر، وعليك بما سهل من الكلام، مع التحفّظ لألفاظ السّفل. وقال حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده: استزار إبراهيم بن المهديّ الرّشيد بالرّقّة، وإن الرّشيد كان لا يأكل الطعام الحارّ قبل البارد، وإنه لما وضعت البوارد على المائدة رأى فيما قرب منه قريس السّمك، فاستصغر القطع، فقال لإبراهيم: لم يصغّر طبّاخك قطع السمك؟ فقال: لم يصغّر طبّاخي القطع، وإنّما هذه ألسنة السّمك! فقال: يشبه أن يكون في هذا الجام مئة لسان؛ فقال له مراقب خادم إبراهيم وكان يتولّى قهرمة إبراهيم: فيه يا أمير المؤمنين أثر من مئة لسان! فاستحلفه على مبلغ ثمن السّمك، فاخبره أنه ألف درهمّ فرفع هارون يده عن الطعام، وحلف أن لا يطعم شيئاً دون أن يحضر مراقب ألف دينار، فأمر أن يتصدّق بها، وقال لإبراهيم: أرجو أن تكون هذه كفّارة لسرفك، على جام سمك ألف درهم! ثم أخذ الجام بيده ودفعه إلى بعض

خدمه، وقال: اخرج به من دار أخي، ثم انظر أوّل سائل تراه فادفعه إليه. قال إبراهيم: وكان شراء الجام عليّ مئتين وسبعين ديناراً، فغمزت خدمي أن يخرجوا مع الجام فيبتاعوه ممّن يدفع إليه، فكأن الرّشيد فهم ذلك منّي، فهتف بالخادم فقال: إذا دفعت الجام إلى السّائل فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: احذر أن تبيع الجام بأقلّ من مئتي دينار، فإنه خير منها: ففعل خادمه ما أمره به، فوالله ما أمكن خادمي أن يخلص الجام إلاّ بمئتي دينار. وقال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما اجتمع أخ وأختّ أحسن غناءً من إبراهيم بن المهدي وأخته عليّة وكانت تقدّم عليه. وعن الحسين بن عبد الرحمن الحلبي عن أبيه، قال: أمر المأمون أن يحمل إليه عشرة من الزّنادقة سمّوا له من أهل البصرة، فجمعوا وأبصرهم طفيليّ، فقال: ما اجتمع هؤلاء إلاّ لصنيع، فانسلّ فدخل وسطهم، ومضى بهم الموكّلون حتى انتهوا إلى زورق قد أعدّ لهم، فدخلوا الزّورق، فقال الطفيليّ: هي نزهة، فدخل معهم الزّورق، فلم يك بأسرع بأن قيّد القوم وقيّد معهم الطّفيليّ، فقال الطفيليّ: بلغ تطفيلي إلى القيود! ثم سيّر بهم إلى بغداد، فدخلوا على المأمون، فجعل يدعو بأسمائهم رجلاً رجلاً فيأمر بضرب رقابهم، حتى وصل إلى الطّفيليّ، وقد استوفوا عدّة القوم، فقال للموكلّين بهم: ما هذا؟ فقالوا: والله ما ندري، غير أنّا وجدناه مع القوم فجئنا به؛ فقال المأمون: ما قصّتك ويلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، امرأته طالق إن كان يعرف ن أقوالهم شيئاً، ولا يعرف إلاّ الله، ومحمداً النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنّما رجل رأيتهم مجتمعين، فظننت صنيعاً يغدون إليه؛ فضحك المأمون وقال: يؤدّب. وكان إبراهيم بن المهديّ قائماً على رأس المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي أدبه، أحدّثك بحديث عجيب عن نفسي، فقال: قل يا إبراهيم، قال: يا أمير المؤمنين، خرجت من عندك يوماً في سكك بغداد متطرّباً، حتى انتهيت إلى موضع سمّاه فشممت

يا أمير المؤمنين من جناح أبا زير قدور فاح طيبها، فتاقت نفسي إليها، وإلى طيب ريحها، فوقفت على خيّاط، وقلت له: لمن هذه الدّار؟ فقال: لرجل من التّجّار، من البزّازين؛ فقلت: ما اسمه؟ قال: فلان بن فلان، فرميت بطرّفي إلى الجناح فإذا في بعضه شبّاك، فأنظر إلى كفّ قد خرج من الشّباك قابضاً على بعضه، فشغلني يا أمير المؤمنين حسن الكفّ والمعصم عن رائحة القدور، فبقيت ها هنا ساعةً، ثم أدركني ذهني، فقلت للخيّاط: هل هو ممّن يشرب النبيذ؟ قال: نعم، وأحسب عنده اليوم دعوة، وليس ينادم إلاّ تجّاراً مثله مستورين. فإني كذلك إذا أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدّرب، فقال الخيّاط: هؤلاء منادموه؛ فقلت: ما أسماؤهما وماكناهما؟ فقال: فلان وفلان، وأخبرني بكناهما، فحرّكت دابّتي وداخلتهما، وقلت: جعلت فداكما، استبطأكما أبو فلان أعزّه الله، وسايرتهما، حتى أتينا إلى الباب، فأجلاني وقدّماني، فدخلت ودخلا، فلّما رآني معهما صاحب المنزل، لم يشكّ أني منهما بسبيل، أو قادم قدمت من موضع، فرحّب وأجلسني في أفضل المواضع، فجيئ يا أمير المؤمنين بالمائدة، وعليها خبز نظؤف، وأتينا بتلك الألوان، فكان طعمها أطيب من ريحها؛ فقلت في نفسي، هذه الألوان قد أكلتها، بقيت الكفّ أصل إلى صاحبتها؛ ثم رفع الطّعام وجيء بالوضوء، ثم صرنا إلى منزل المنادمة، فإذا أشكل منزل أمير المؤمنين، وجعل صاحب المنزل يلطفني، ويقبل عليّ بالحديث، وجعلوا لا يشكّون أن ذلك منه لي عن معرفة متقدمة، وإنّما ذلك الفعل كان منه لما ظنّ أني منهما بسبيل؛ حتى إذا شربنا أقداحاً خرجت علينا جارية يا أمير المؤمنين كأنها غصن بان تتثنّى، فأقبلت تمشي، فسلّمت غير خجلة، وثنيت لها وسادة فجلست، وأتي بعود فوضع في حجرها، فجسّته، فاستنبأت في جسّها حذقها، ثم اندفعت تغنّي وتقول: من الطويل توهّمها طرفي فأصبح خدّها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر وصافحها قلبي فآلم كفّها ... فمن مسّ قلبي في أناملها عقر

فهيّجت يا أمير المؤمنين لا بلي، وطربت بحسن شعرها، وحذقها؛ ثم اندفعت تغنّي: من الطويل أشرت إليها هل عرفت مودّتي ... فردّت بطرف العين إني على العهد فحدت عن الإظهار عمداً لسرّها ... وحاذت عن الإظهار أيضاً على عمد فصحت: السّلامة، يا أمير المؤمنين، وجاءني من الطّرب ما لم أملك نفسي، ثم اندفعت تغنّي الصّوت الثالث: من الطويل أليس عجيباً أن بيتاً يضمّني ... وإيّاك لا نخلو ولا نتكلّم سوى أعين تشكو الهوى بجفونها ... وتقطيع أنفاس على النّار تضرم إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكفّ تسلّم فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها وإصابتها معنى الشعر، وأنها تخرج من الفنّ الذي ابتدأت فيه؛ فقلت: بقي عليك يا جارية؛ فضربت بعودها الأرض، وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء؟ فندمت على ما كان منّي، ورأيت القوم كأنّهم قد تغيّروا بي، فقلت: ليس ثمّ عود؟ فقالوا: بلى والله يا سيّدنا، فأتينا بعود، فأصلحت من شأنه ما أردت، ثم اندفعت أغنّي: من الكامل ما للمنازل لا يجبن حزيناً ... أصممن أن قدم المدى فبلينا روحوا العشيّة روحة مذكورةً ... إن متن وإن حيين حيينا فما استتممته يا أمير المؤمنين حتى خرجت الجارية فأكبّت على رجلي فقبّلتها، وتقول: معذرةً يا سيّدي والله ما سمعت من يغنّي هذا الصّوت مثلك أحد، وقام مولاها وجميع من كان حاضراً فصنعوا كصنيعها، وطرب القوم، واستحثّوا الشراب فشربوا بالكاسات والطّاسات، ثم اندفعت أغنّي: من الطويل أفي الله أن تمشين لا تذكرينني ... وقد سمحت عيناي من ذكرك الدّما إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل منّي وتبذل علقما

فردّي مصاب القلب أنت قتلته ... ولا تتركيه ذاهب العقل مضرما إلى الله أشكو أنها أجنبيّة ... وأني بها ما عشت بالوّد مغرما فجاءنا من طرب القوم يا أمير المؤمنين شيء خشيت أن يخرجوا من عقولهم، فأمسكت ساعة حتى هدأوا ممّا كانوا فيه من الطّرب، ثم اندفعت أتغنّى بالصّوت الثالث: من البسيط هذا محبّك مطوّي على كمده ... حرّى مدامعه تجري على جسده له يد تسأل الرّحمن راحته ... ممّا به ويد أخرى على كمده يا من رأى أسفاً مستهتراً دنفاً ... كانت منيّته في عينه ويده فجعلت الجارية تصبح: هذا والله الغناء يا سيّدي. وذكر الحكاية إلى أن قال: وخلوت معه،

ثم قال لي: يا سيّدي ذهب ما كان من أيّامي ضياعاً إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت يا مولاي؟ فلم يزل يلحّ عليّ حتى أخبرته، فقام فقّبل رأسي، وقال: يا سيدي، وأنا أعجب يكون هذا الأدب إلاّ من مثلك! وإذا أني مع الخلافة وأنا لا أشعر! ثم سألني عن قصّتي، وكيف حملت نفسي على ما فعلت؛ فأخبرته خبر الطعام، وخبر الكفّ والمعصم، فقلت: أما الطعام فقد نلت منه حاجتي؛ فقال: والكفّ والمعصم؟ ثم قال: يا فلانة لجارية له فجعل ينزل لي واحدةً واحدةً، فأنظر إلى كفّها ومعصمها، فأقول: ليس هي؛ قال: والله ما بقي غير أختي وأمّي، والله لأنزلنّهما إليك! فعجبت من كرمه وسعة صدره، فقلت: جعلت فداك، ابدأ بأختك قبل الأم، فعسى أن تكون هي؛ فقال: صدقت، فنزلت، فلّما رأيت كفّها ومعصمها، قلت: هي ذه! فأمر غلمانه فصاروا إلى عشرة من جلّة جيرانه في ذلك الوقت، فأحضروا، ثم أمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، وقال للمشايخ: هذه أختي فلانة، أشهدكم أني قد زوّجتها من سيّدي إبراهيم بن المهديّ، وأمهرتها عنه عشرة آلاف درهم؛ فرضيت وقبلت النّكاح، ودفع إليها البدرة، وفرّق الأخرى على المشايخ؛ ثم قال لهم: اعذروا وهذا ما حضر على الحال، فقبضوها ونهضوا. ثم قال لي: يا سيّدي، أمهّد لك بعض البيوت تنام مع أهلك، فأحشمني والله ما رأيت من سعة صدره، وكرم خيمه؛ فقلت: بل أحضر عماريّة وأحملها إلى منزلي؛ قال: ما شئت. فأحضرت عماريّة فحملتها وصرت بها إلى منزلي. فوحقّك يا أمير المؤمنين لقد حمل إليّ من الجهاز ما ضاقت به بعض بيوتنا، فأولدتها هذا القائم على رأس سيّدي أمير المؤمنين. فعجب المأمون من كرم ذلك الرّجل، وسعة صدره، وقال: لله أبوهّ ما سمعت مثله قط؛ ثم أطلق الرّجل الطّفيليّ وأجازه بجائزة سنيّة، وأمر إبراهيم بإحضار الرّجل، فكان من خواصّ المأمون وأهل محبّته. وقال محمد بن الحارث بن بسخنّر: وجّه إليّ إبراهيم بن المهدي يوماً يدعوني، وذلك في أوّل خلافة المعتصم، فصرت إليه، وهو جالس وحده، وشارية جاريته خلف السّتارة؛ فقال لي: إني قلت شعراً وغنّيت فيه فطرحته على شارية، فأخذته وزعمت أنها أحذق به منّي، وأنا أقول: إني أحذق به منها، وقد رضيناك حكماً بيننا لموضعك من هذه الصّناعة، فاسمعه منّي ومنها، واحكم ولا تعجل، حتى تسمعه ثلاث مرّات، فاندفع يغنّي: من الطويل أضن بليلى وهي غير سخيّة ... وتبخل ليلى بالهوى فأجود وأنهى فلا ألوي على زجر زاجر ... وأعلم أني مخطئ فأعود فأحسن فيه وأجاد، ثم قال لها: تغنّي، فغنّت، فبرّزت فيه، حتى كأنه كان معها في أبي جاد، ونظر إليّ فعرف أني قد عرفت فضلها، فقال: على رسلك؛ ثم اندفع فغنّاه ثانية فأضعف في الإحسان، ثم قال لها: تغنّي، فبرعت وازدادت أضعاف زيادته، وكدت أشقّ ثيابي طرباً، فقال: تثبّت ولا تعجل؛ ثم غنّاه ثالثة، فلم يبق غاية في الإحكام، ثم أمرها فغنّت، فكأنما كان يلعب، ثم قال: قل: فقضيت لها، قال:

أصبت، بكم تساوي عندك الآن، فحملني الحسد له عليها والنّفاسة بمثلها، أن قلت: تساوي مئة ألف درهمّ فقال: وما تساوي على هذا الإحسان والتفّفضيل إلاّ مئة ألف درهم؟ قبّح الله رأيك، والله ما أجد شيئاً أبلغ في عقوبتك من أن أصرفك مذموماً مدحوراً، فقلت: ما لقولك: اخرج عن منزلي، جواب؛ وقمت أنصرف وقد أحفظني فعله وكلامه وأرمضني، فلّما خطوت خطوات التفتّ إليه، فقلت: يا إبراهيم، تطردني من منزلكّ فوالله ما تحسن أنت ولا جاريتك شيئاً. وضرب الدّهر ضربانه، ثم دعانا المعتصم وهو بالوزيريّة في قصر اللّيل، فدخلت ومخارق وعلّوية، والمعتصم بين يديه ثلاث جامات؛ جام فضّة مملوء ودنانير جدداً، وجام ذهب مملوءة دراهم، وجام قوارير مملوءة عنبراً، فظننّا أنها لنا، بل لم نشك في ذلك، فغنّينا وأجهدنا أنفسنا، فلم يطرب، ولم يتحرّك لشيء من غنائنا، ودخل الحاجب فقال: إبراهيم بن المهديّ، فأذن له، فدخل، فلّما أخذ مجلسه غنّاه أصواتاً أحسن فيها، ثم غنّاه بصوت من صنعته بشعره، فقال: من البسيط ما بال شمس أبي الخطّاب قد حجبت ... يا صاحبيّ لعلّ السّاعة اقتربت أشكو إليك أبا الخطّاب جاريةً ... غريرةً بفؤادي اليوم قد لعبت فاستحسنه المعتصم وطرب له، وقال: أحسنت والله يا عمّ، فقال إبراهيم: فإن كنت أحسنت فهب لي إحدى هذه الجامات؛ فقال: خذ أيها شئت، فأخذ التي فيها الدّنانير؛ ونظر بعضنا إلى بعض ساعةً لأنّا رجونا أن نأخذهنّ، وغنّاه بشعر له بعد ساعة: من المتقارب فما قهوة مزة قرقف ... شمول تروق براووقها بكفّ أإنخصيب البنا ... ن يخطر بين أباريقها بأطيب من فمها نكهة ... إذا امتصت الشّهد من ريقها فقال المعتصم: أحسنت والله يا عمّ وسررت؛ قال: يا أمير المؤمنين، فإن كنت أحسنت فهب لي جاماً أخرى، فقال: خذ أيّهما شئت، فأخذ الذهب التي فيها الدّراهم؛ فأيسنا نحن، وغنّى بعد ساعة: من الطويل

ألا ليت ذات الخال تلقى من الهوى ... عشير الذي ألقى فيلتئم الحبّ إذا رضيت لم يهنني ذلك الرّضى ... لعلمي به أن سوف يدركه العتب فارتجّ المجلس، وطرب المعتصم، واستخفّه الطّرب، وقام على رجليه ثم جلس، وقال: أحسنت والله يا عمّ ما شئت؛ قال إبراهيم: فإن كنت أحسنت فهب لي الجام الثالثة، قال: خذها. ونام أمير المؤمنين، فدعا إبراهيم بمنديل، فثناه عطفين، ووضع الجامات فيه وشدّه، ودعا بطين فختمه ودفعه إلى غلامه. ونهضنا لانصراف، فلّما ركب التفت إليّ فقال: يا محمد، زعمت أني وجاريتي لا نحسن شيئاً! فكيف رأيت ثمرة الإحسان ونموّه؟ وقال إبراهيم الموصلي: أرسلت أسماء بنت المهديّ إلى أخيها إبراهيم بن المهديّ، فقالت: أشتهي والله أن أسمع من غنائك، قال: إذاً والله لا تسمعي مثله، وعليه وعليه، وغلّظ في اليمين، إن لم يكن إبليس ظهر لي وعلّمني النقّر والنّغم، وصافحني، وقال: اذهب فأنت منّي وأنا منك! قال المبرّد: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: انصرفت ليلةً من عند المأمون مع إبراهيم بن المهديّ، فأنشأ يقول: من الطويل وما زلت مذ أيفعت أسعى مراهقاً ... إلى الغرض الأقصى أزور المعاليا إذا قنعت نفسي بكأس ومطعم ... فلا بلغت فيما تروم الأمانيا لحا الله من يرضى ببلغة يومه ... ولم يك ذا همّ إلى المجد ساعيا على المرء أن يسعى ويسمو بنفسه ... ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا حدّث يحيى بن عليّ قال: قال أحمد بن أبي فنن: أنا ابن قولي: من الكامل صبّ بحبّ متيّم صبّ ... حبّيه فوق نهاية الحبّ

أشكو إليه صنيع جفونه ... فيقول مت فأيسر الخطب وإذا نظرت إلى محاسنه ... أخرجته عطلاً من الذّنب أدميت باللّحظات وجنته ... فاقتصّ ناظره من القلب قال عليّ بن هارون: وهذا البيت الأخير من هذه الأبيات هو عينها، وأخذه ابن أبي فنن ممّا أنشدنيه أبي لإبراهيم بن المهديّ: من السريع يا من لقلب صيغ من صخرة ... في جسد من لؤلؤ رطب جرحت خدّيه بلحظي فما ... برحت حتى اقتصّ من قلبي أنشد يعقوب بن عباد الزّبيري لإبراهيم بن المهديّ، وقد أخدمته بعض العبّاسيّات في حال استخفائه عندها جاريةً، وقالت لها: أنت له، فإن مدّ يده إليك فلا تمتنعي؛ ولم يعلم بهبتها له، وكانت مليحةً، فجمّشها يوماً بأن قبّل يدها، وقال: من مجزوء الرمل يا غزالاً لي إليه ... شافع من مقلتيه والذي أكرمت خد ... ديه فقبّلت يديه بأبي وجهك ما أك ... ثر حسّادي عليه أنا ضيف وجزاء الض ... يف إحسان إليه وفي رواية: بأبي من أنا مأسو ... ر بلا أسر لديه والذي أجللت خدّي ... هـ فقبّلت يديه والذي يقتلني ظل ... ماً ولا يعدي عليه أنا ضيف وجزاء الض ... يف إحسان إليه وله: من البسيط

قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يشب ... إنّ الحريص على الدّنيا لفي تعب مالي أراني إذا طالبت مرتبة ... فنلتها طمحت عيني إلى رتب لو كان يصدقني ذهني بفكرته ... ما اشتدّ غمّي على الدّنيا ولا نصبي أسعى وأجهد فيما لست أدركه ... والموت يكدح في زندي وفي عصبي بالله ربّك كم بيت مررت به ... قد كان يعمر باللّذات والطّرب طارت عقاب المنايا في جوانبه ... فصار من بعدها للويل والخرب فامسك عنانك لا تجمح به طلع ... فلا وعيشك ما الأرزاق بالطلّب قد يرزق العبد لم تتعب رواحله ... ويحرم الرّزق من لم يموت من طلب مع أنني واجد للنّاس واحدة ... الرّزق والنّوك مقرونان في سبب وخصلة ليس فيها من ينازعني ... الرّزق أروع شيء عن ذوي الأدب يا ثاقب الفهم كم أبصرت ذا حمق ... الرّزق أغرى به من لازم الجرب قال أحمد بن كامل: سمعت ناشب المتوكلّية تغنّي لإبراهيم بن المهدي: من المجتث أنت امرؤ متجنّ ... ولست بالغضبان هبني أسات فهلاّ ... مننت بالغفران وله أو لغيره: من الطويل لحا الله من لا ينفع الودّ عنده ... ومن حبله إن مدّ غير متين ومن هو ذو لونين ليس بدائم ... على عهده خوان كلّ أمين وقال في ابن له يقال له: أحمد، مات بالبصرة: من الويل نأى آخر الأيّام عنك حبيب ... فللعين سحّ دائم وغروب دعته نوى لا يرتجى أوبة لها ... فقلبك مسلوب وأنت كئيب يؤوب إلى أوطانه كلّ غائب ... وأحمد في الغيّاب ليس يؤوب

تبدّل داراً غير داري وجيرةً ... سواي وأحداث الزّمان تنوب أقام بها مستوطناً غير أنّه ... على طول أيّام المقام غريب تولّى وأبقى بيننا طيب ذكره ... كما في ضياء الشّمس حين تغيب سوى أن ذا يفنى ويبلى وذكره ... بقلبي على طول الزّمان قشيب وكان نصيب العين من كلّ لذّة ... فأضحى وما للعين منه نصيب وكان وقد زان الرّجال بفعله ... فإن قال قولاً قال وهو مصيب وكان به ينهى الرّكاب لحسنه ... وهجم عنه الكهل وهو لبيب وكانت يدي ملأى به ثم أصبحت ... بعدل إلهي وهي منه سليب فأصبحت محنيّاً كئيباً كأنّني ... عليّ لمن ألقى الغداة ذنوب يخال الذي يحتاجه استدّ مرةً ... فيقذفه الأدنيّ وهو حريب يقلّب كفّيه هواء وقلبه ... هناك وحيداً ما لديه غريب ينادي بأسماء الأحبّة هاتفاً ... وما فيهم للهاتفين مجيب كأن لم يكن كالدّر يلمع نوره ... بأصدافه لمّا يشنه ثقوب كأن لم يكن كالغصن في ساعة الضّحى ... بماه النّدى فاهتّز وهو رطيب كأن لم يكن كالطّرف يمسح سابقاً ... سليم الشّظا لم تختبله عيوب كأن لم يكن كالصقّر أوفى بشامخ الذ ... رى وهو يقظان الفؤاد طلوب وريحان صدري كان حين أشمه ... ومؤنس قصري كان حين أغيب يسيراً من الأيّام لم يرو ناظري ... بها منه حتى أعلقته شعوب كظلّ سحاب لم يقم غير ساعة ... إلى أن أطاحته فطاح جنوب أو الشّمس لمّا من غمام تحسّرت ... مساء وقد ولّت وآن غروب كأني به قد كنت في النّوم حالماً ... نفى لذّة الأحلام منه هبوب جمعت أطبّاء إليك فلم يصب ... دواءك منهم في البلاد طبيب

ولم يملك الآسون دفعاً لمهجة ... عليها لأشراك المنون رقيب سأبكيك ما أبقت دموعي من البكا ... لعينيّ مساءً إن نأى ونحيب وما غاب نجم أو تغّنت حمامة ... وما اخضرّ في فرع الأراك قضيب وأضمر إن أنفذت دمعي لوعة ... عليك لها تحت الضّلوع لهيب حياتي ما كانت حياتي فإن أمت ... ثويت وفي قلبي عليك ندوب يعزّ عليّ أن تنالك حدّة ... يمسّك منها في الفؤاد دبيب وما زاد إشفاقي عليك عشيّةً ... وسادك فيها جندل وجنوب ألا ليت كفاً بان منها بنانها ... يهال بها عنّي عليك كثيب فما لي إلاّ الموت بعدك راحة ... وليس لنا في العيش بعدك طيب قصمت جناحي بعدما هدّ منكبي ... أخوك ورأسي قد علاه مشيب وأصبحت في الهلاك إلاّ حشاشة ... تذاب بنار الحزن فهي تذوب تولّيتما في حجّة وتركتما ... صدىً يتولّى ناره وينوب فلا ميت إلاّ دون زرئك رزؤه ... ولو فنيت حزناً عليك قلوب وإني وإن قدّمت قبلي لعالم ... بأني وإن أبطأت منك قريب وإنّ صباحاً نلتقي في مسائه ... صباح إلى قلبي الغداة حبيب وله يرثي ابنه أحمد: من المنسرح عصتك عين دموعها شنن ... فليس يغشى جفونها الوسن وكلّها بالنجوم يرقبها ... نجم فثنى في ليله الحزن لمّا ثوى أحمد الضّريح وكا ... ن الزّاد منه الحنوط والكفن والموت يغشى بياض سنته ... كالشمس يغشى ضياءها الدّجن يطلب روحاً عندي لكربته ... والرّوح في كفّ من له المنن هيهات قد حان وقت فرقتنا ... وانبتّ بيني وبينه القرن وخانني الصّبر إذ فجعت به ... وليس عندي لواعظ أذن تركتني ساهراً إذ رقد النّا ... س أخا لوعة إذا سكنوا لله ما أهدت الرّجال إلى ال ... قبر وما شدّوا وما دفنوا

إبراهيم بن محمد بن عبد الله

من يسل شيئاً فإن لوعته ... ليس يعفي آثارها الزّمن يا ليت شخصي قد زارها منّه ... فإن عيشي من بعده غبن ولّى حبيباً يتلو أخاه كما ... يوماً تدنّى للمنحر البدن كأنّما الدّهر في تحامله ... عليّ لي عند صرفه الزّمن قال أبو حسان الزّيادي: سنة أربع وعشرين ومئتين، فيها مات إبراهيم بن المهديّ، يوم الجمعة لسبع خلون من شهر رمضان، وصلّى عليه المعتصم بالله أمير المؤمنين. إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن بكّار والد أبي عبد الملك روى عن عبد الله بن العلاء، عن الزّهري، قال: العلماء أربعة: سعيد بن المسّيب بالمدينة، وعامر الشّعبيّ بالكوفة، والحسن بن أبي الحسن بالبصرة، ومكحول بالشام. إبراهيم بن محمد بن عبد الله أبو إسحاق البغدادي الحنبليّ سمع بدمشق وبغداد وحمص والرّملة، وحدّ بسمرقند والشّاش. روى عن عثمان بن سعيد الدّمشقي، بسنده عن أبي الدّرداء، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أصبح معافى في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا بأسرها، يا بن جعشم يكفيك منها ما سدّ جوعتك، ووارى عورتك، وما فوق الإزار حساب عليك. "

إبراهيم بن محمد بن عبد الله

وعن محمد بن جعفر الحمصي، بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من كان يحبّ أن يعلم كيف منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإنّ الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه ". إبراهيم بن محمد بن عبد الله ابن أحمد بن سليمان بن أيوب بن حذلم أبو إسحاق الأسديّ سمع الحديث، وحدّث بشيء يسير. روى عن عبد الوهاب بن الحسن الكلابي، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أتاني جبريل، فقال: يا محمد، إنّ وليّ الأمر بعدك أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ". إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن علي أبو عبد الله العقيليّ الجزريّ المقرئ سكن نيسابور، وحدّث بها، وكان قد سمع بدمشق، شيخ نيسابوريّ من أهل السّتر والدّيانة. روى عن أبي الحسن السّمسار، بسنده عن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتختم في يمينه، مرةً أو مرّتين. وعنه، بسنده عن صهيب الخير، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عليكم بالسّواد، فإنه من خير خضابكم، إلا وإنه أرغب لنسائكم فيكم، ألا إنه أرهب في صدور عدوّكم ". إبراهيم بن محمد بن عبد الأعلى ابن محمد بن عبد الأعلى بن عبد الرّحمن بن يزيد بن ثابت بن أبي مريم بن أبي عطاء أبو القاسم الأنصاري، المعروف بابن عليل، مولى سهل بن الحنظليّة.

إبراهيم بن محمد بن عبد الرزاق

إبراهيم بن محمد بن عبد الرّزّاق أبو طاهر العابد الحيفيّ من أهل قصر حيفة. سمع بأطرابلس، وحدّث سنة ست وسبعين وأربعمئة. إبراهيم بن محمد بن عبيد بن جهينة أبو إسحاق الشّهرزوريّ سمع بدمشق وحمص ومصر والرّيّ، وروى عنه جماعة. روى عن الحسين بن بيان، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عليكم بالإهليلج الأسود فاشربوه، فإنه شجرة من شجر الجنّة، طعمها مرّ، وهو شفاء من كلّ داء. إبراهيم بن محمد بن عبيد أبو مسعود الدّمشقي الحافظ أحد الجوّالين المكثرين، خرج عن دمشق قديماً، وطوّف البلاد. سمع وأسمع. روى عن عبد الله بن محمد المدني، بسنده عن ابن عمر: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمّا أتى وادي محسر راحلته، وقال: " عليكم بحصى الخذف ". قال الخطيب: سافر الكثير، وسمع وكتب ببغداد والكوفة والبصرة وواسط والأهواز

إبراهيم بن محمد بن عقيل بن زيد

وأصبهان وبلاد خراسان، ثم استوطن بغداد بأخرة، وكان له عناية بصحيحي البخاري ومسلم، وعمل تعليقة أطراف الكتابين، ولم يرو من الحديث إلا شيئاً يسيراً على سبيل التّذكرة، وكان صدوقاً ديّناً ورعاً فهماً. مات في سنة إحدى وأربعمئة ببغداد، وصلى عليه أبو حامد الإسفراييني، وكان وصيّة، ودفن في مقبرة المنصور، قريباً من السّكك. إبراهيم بن محمد بن عقيل بن زيد ابن الحسن بن الحسين أبو إسحاق بن أبي بكر الشّهرزوريّ، الفقيه الفرضيّ الواعظ سمع بدمشق وصور، وحدّث. روى عن محمد بن علي بن سلوان، بسنده عن عبد الله بن عمر، قال: كان النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر، يمشون أمام الجنازة. توفي سنة أربع وتسعين وأربعمئة، في يوم الاثنين السابع من محرم بدمشق، وكان مولده سنة خمس وعشرين. إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله ابن عبّاس بن عبد المطلب بن هاشم أبو إسحاق المعروف بالإمام كان يكون بالحميمة من أعمال السّراة، من أعمال دمشق، وهو الذي عهدّ إليه أبوه محمد بن علي بالإمامةمنبعده، فرفع أمره إلى مروان بن محمد، فأخذه وسجنه وقتله في السّجن بحرّان. روى عن جدّه، عن العبّاس بن عبد المطلب، قال: كان في مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جذع إذا خطب النّاس أسند إليه ظهره، قال: فلّما

كثر النّاس وانجفلوا عليه من كلّ ناحية، اتخذ له منبراً، فلّما صعده حنّ الجذع، دعاه، فأقبل يخدّ الأرض والنّاس حوله، والنّاس ينظرون فالتزمه وكلّمه، ثم قال له والنّاس يسمعون: عد إلى مكانك، فمّر حتى عاد إلى مكانه، وبحضرته المؤمنون، وجماعة من المنافقين، فازداد المؤمنون إيماناً وبصيرة، وشكّ المنافقون وارتابوا، وقالوا: أخذ محمد بأبصارنا، وهلكوا. وروى عن عبد الله بن عبّاس، قال: أرسل العبّاس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث ابنيهما: الفضل بن العبّاس، وعبد المطّلب بن ربيعة بن الحارث إلى النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأتياه فقالا له: يا رسول الله، إنّا نراك تستعمل رجالاً من غيرنا، فاستعملنا نودّ إليك كما يؤدّون، ونصيب ما نتزوّج ونستعين به على صنيعتنا؛ فأرسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بني هاشم خاصةً، فلّما اجتمعوا عنده، قال: يا بني عبد المطلب إن الصّدقة لا تحلّ لي ولا لكم، إنّما هي أوساخ النّاس، وغسول خطاياهم، ثم دعا بمحميّة بن جزيّ الكلبيّ، فقال لمحميّة: أنكح الفضل ابنتك ونظر إلى ربيعة فقال: أنكح ابن أخيك ابنتك أم حكيم. فقال: يا رسول الله، ما كنت أخبؤها إلاّ لك؛ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنكحها ابن أخيك " ثم انصرف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنهم، وعوّضهم من الخمس. وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى عمّاله يأمرهم أخذ الصّدقة، ويقول في كتبه: إن الصّقة لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ذكر إبراهيم بن عيسى بن المنصور: أن إبراهيم بن محمد الإمام ولد سنة ثمان وسبعين، وذكر غيره أنه ولد سنة اثنتين وثمانين، وأمّه أمّ ولد بربرية اسمها سلمى. قال إسماعيل الخطبي: وأوصى محمد بن علي إلى ابنه إبراهيم بن محمد، فسميّ الغمام بعد أبيه، وشهر بهذا الاسم، وانتشرت دعوته بخراسان كلّها، ووجّه بأبي مسلم إلى خراسان والياً على دعاته وشيعته، فتجرّد أبو مسلم لمحاربة عمّال بني أميّة، وقوي أمره، واستفحل، وأظهر لبس السّواد، وغلب على البلاد، يدعو هو ومن معه إلى طاعة الإمام، ويعمل بما يرد عليه من مكاتبة أبي إسحاق بن محمد الغمام له سامعاً منه مطيعاً له، غير مظهر

للنّاس اسمه إلاّ ممن كان من الدّعاة والشّيعة، فإنهم يعرفونه دون غيرهم من النّاس، إلى أين ظهر أمره وانكشف، ووقف مروان بن محمد على خبره، فوجّه إليه فأخذه وحبسه وقتله. وعن صالح بن سليمان قال: كان أبو مسلم يكاتب إبراهيم بن محمد، فقدم على إبراهيم رسوله فساءله، فإذا رجل من عرب خراسان فصيح، فغمّه ذلك، فكتب إلى أبي مسلم: ألم أنهك عن أين يكون رسولك عربياً؟ يطلّع مثل هذا على أمرك؟ فإذا أتاك فاقتله. وحبس الرسول، فلّما خرج من عنده قرأ الكتاب فأتى به مروان بن محمد، فأرسل فأخذ إبراهيم وحبسه، وهو بحرّان، وأمر به فغمّ، وقتل في الحبس. قال صالح بن سليمان: جعلوا على وجهه مرفقةً وقعدوا عليها؛ ويقال: إن قتله كان بحرّان في صفر سنة ثنتين وثلاثين ومئة، وله يومئذ من السّنّ إحدى وخمسون سنة، وصلّى عليه رجل يقال له: المهلهل بن صفوان. وقد ذكر أن إبراهيم الإمام كان حضر الموسم في سنة إحدى وثلاثين ومئة في جماعة من أهليه ومواليه ومعه نحو من ثلاثين نجيباً، فشهر نفسه في الموسم، ورآه أهل الشّام وغيرهم، فاشتهر عندهم، وبلغ مروان خبره في الموسم، وما كان معه من الربيء والآلة. وقيل له: إن أبا مسلم ومن لبس السّواد يأتّمون به، ويسّمونه الإمام، ويدعون إليه، فوجّه إليه في المحرم بعد منصرفه من الحجّ، فأخذه وقتله في صفر. قال إبراهيم بن هرمة يمدحه: من الطويل جزى الله إبراهيم عن جلّ قومه ... رشاداً يكفّيه ومن شاء أرشدا أغرّ كضوء الشمس يستمطر الذّرى ... ويهتاش مرتاحاً إذا هو أنفذا ومهما يكن منّي إليك فإنّه ... بلا خطأ منّي ولكن تعمّدا وقلت امرؤ غمر العطيّات ماجد ... متى ألقه ألق الجواري أسعدا غرائب شعر قلته لك صادقاً ... وأعلمته رسماً فغار وأنجدا

وأنت امرؤ حلو المؤاخاة باذل ... إذا ما بخيل القوم لم يصطنع يدا لك الفضل من هنّا وهنّا وراثة ... أباً عن أب لم يختلس تلك قعددا بناه لك العبّاس للمجد غاية ... إلى عزّ قدموس من المجد أصيدا وشيّد عبد الله إذ كان مثلها ... وشدّ بأطناب العلى فتشّيدا وشد عليّ في يديه بعروة ... وحبلين من مجد أغيرا وأحصدا وكم من غلاء أو علاً قد ورثتها ... بأحسن ميراث أباك محمّدا وأنت ارمؤ أوفى قريش حمالةً ... وأكرمها فيها مقاماً ومقعدا كريم إذا ما أوجب اليوم نائلاً ... عليه جزيلاً بثّ أضعافها غدا سعى ناشئاً للمكرمات فنالها ... وأفرع في وادي العلى ثم أصعدا على مأثرات من أبيه وجدّه ... فأكرم بذا فرعاً وبالأصل محتدا وأجرى جواداً يحسر الخيل خلفه ... إلى قصبات السّبق مثنى وموحدا إذا ساد يوماً عدّ من ولد هاشم ... أباً ذكره لا يقلب الوجه أسودا أغرّ مناقيباً بنى المجد بيته ... مكان الثّريّا ثم علاّ فكبّدا ومورد أمر لم يجد مصدراً له ... أتاك فأصدرت الذي كان أوردا وموقد نار لم يجد مطفئاً لها ... أتاك فأطفأت الذي كان أوقدا فلم أر في الأقوام مثلك سيّداً ... أهشّ بمعروف وأصدق موعدا وأنهض بالعزم الثقيل احتماله ... وأعظم إذ لا يرفد الناس مرفدا ولو لم يجد للواقفين ببابه ... سوى الثّوب ألقى ثوبه وتجرّدا ذكر هشام بن محمد بن يوسف: أن أبا مسلم كان عبداً سرّاجاً من أهل خراسان، وأنه صنع خرقاً سوداً، فجعلها في قناة؛ قال: فكانوا يسمعون في الحديث، أنها تخرج رايات سود من قبل المشرق، فكانت أنفسهم تتوق إلى ذلك، فلّما فعل أبو مسلم ذلك، تبعه عبيد وغير ذلك، وقال: من تبعني فهو حرّ، ثم خرج هو ومن اتّبعه فوقعوا بعامل كان في بعض تلك الكور، فقتلوه، واخذوا ما كان معه، وازداد من كان معه كثرةً، وسار في خراسان وأخذ كبراها، ثم كتب إلى إبراهيم بن محمد.

وكان إبراهيم فيما ذكروا مختفياً عند رجل من أهل الكوفة، قد حفر له نفقاً في الأرض، فكتب إليه أبو مسلم، فأرسل إليه رجلاً من أصحابه قد سمّى له موضعه، والرّجل الذي هو عنده فخرج رسوله حتى بلغ الرّجل، فادخله عليه، فدفع إليه كتابه، وجعل إبراهيم يسائله ما بلغوا من البلاد، وأجابه بما أجابه، فلّما ودّعه وهو يريد المسير قال له إبراهيم: أقر صاحبك السّلام، وقل له لا يمرّ بشجرة عظيمة في طريقه إلاّ نحّاها من طريقه. قال: فلّما خرج الرّجل، قال في نفسه، هذا الذي نحن نقاتل له على الدّين زعم وهو يأمرني بما أمر. قال: فجعل وجهه إلى مروان بن محمد؛ وإنما أراد بقوله: لا يمرّ بشجرة عظيمة إلاّ نحّاها من طريقه، يريد: ألاّ يمرّ برجل كبير القدر إلاّ قتله. قال: فلّما بلغ الرّجل دمشق، أتى إلى حاجب مروان، فقال: عندي لأمير المؤمنين نصيحة؛ قال: فدخل حاجبه فأعلمه، فأمره أن يدخله عليه؛ فلّما أدخل عليه قال: يا أمير المؤمنين، أتريد إبراهيم بن محمد؟ قال: نعم، وكيف لي بذلك؟ قال: وجّه معي من أدفعه إليه. قال: فوّجه فرساناً إلى الكوفة، فسار الرّجل حتى إذا بلغ الكوفة، قال للفرسان الذين معه: أنظروني حتى أصل إلى الموضع الذي أريد، فإذا دخلت فاقتحموا أثري. قال: ففعل وفعلوا: فدخل إلى إبراهيم، فبينا هو يكلّمه إذ دخل القوم فأخذوه؛ فذكروا أنه قال لصاحب منزله: أمّا أنا فلا أحسب إلاّ أني قد ذهبت، فإن كان أمر قولوا لأبي مسلم فليبايع لابن الحارثيّة، وهو أبو العبّاس، وهو أخوه. قال: فلّما ظفر أبو مسلم وجّه إلى الكوفة نفراً من شيعتهم، وأمرهم أن يستخرجوا أبا العبّاس. قال: فاستخرجوه من الموضع الذي كان فيه مختفياً، قال: فمضوا به إلى مسجد الكوفة، فأصعد المنبر، قال: وهو حينئذ فتىً شاب حين اخضرّ وجهه، قال: فذهب يتكلم فأرتج عليه.

قال: فصعد عمّه داود بن عليّ على المنبر حتى كان دونه بدرجة، قال: فحمد الله أثنى عليه، وقال فيما قال: إنّ الله عزّ وجلّ رحم أوّلكم بأوّلنا، آخركم بآخرنا، أمّا وربّ هذه القبلة ما صعد على هذه الأعواد خليفةً بعد عليّ بن أبي طالب إلاّ هو؛ قال: ثم أمره أبو العبّاس أن يحجّ بالنّاس، فخرج حتى حجّ بالنّاس، ثم فرش له في مسجد الحرام فكان ينظر في المظالم، إذ جاءه حاجبه فقال له: عبد الله بن طاووس، قال: قدّمه؛ فلّما تقدّم إليه وسلّم عليه، ردّ عليه السّلام، وقال: مرحباً بابن راوية ابن عبّاس. قال: فبينا هو على ذلك إذ تقدّم إليه رجل، فقال: أبقى الله الأمير، وأتمّ عليه نعمته، إني رجل من أهل الطّائف، من ثقيف، وإن رجلاً من هذه المسوّدة عدا على غلام لي فأخذه، وقد أتيت إلى الأمير أرجو عدله ونصفته؛ فقال له داود: فبئس الرّجل أنت، وبئس الحيّ حيّك، وسينالهم وبال ذلك، وستخلص إليك حصّتك من ذلك، قم؛ فأخذه الجند فأقاموه وأبعدوه. قال إبراهيم بن علي بن هرمة يرثيه: من البسيط قد كنت أحسبني جلداً فضعضعني ... قبر بحرّان فيه عصمة الدّين قبر الإمام الذي عزّت مصيبته ... وعيّلت كلّ ذي مال ومسكين إن الإمام الذي ولّى وغادرني ... كأنّي بعده في ثوب مجنون حال الزّمان بنا إذ مات يعركنا ... عرك الضّباع أديماً غير مدهون وأعقب الدّهر ريشاً في مناكبه ... فما يزال مع الأعداء يرميني فرحمة الله أنواعاً مضاعفةً ... عليك من مقعص ظلماً ومسجون ولا عفا الله عن مروان مظلمةً ... لكن عفا الله عمن قال آمين وقال إبراهيم بن علي بن هرمة يرثيه، ويمدح أمير المؤمنين أبا العبّاس، حيث يقول: من الطويل

أتاني وأهلي باللّوى فوق مثعر ... وقد زجر اللّيل النجوم فولت زفاة ابن عبّاس وصيّ محّمد ... فأبت فراشي حسرة ما تجلّت فإن تك أحداث المنايا اخترمنه ... فقد أعظمت رزءاً به وأجلّت وإن يك غدر ناله من منافق ... فإنّ له العقبى إذا النّعل زلّت فصال بنو الشّيخ الوليّ على التي ... أصابت جروماً منهم فاستملّت فقالوا بإبراهيم ثأراً ولم يكن ... دماً سال يجري في دماء فطلّت أمروان أولى بالخلافة منكما ... أصيبت إذاً يمنى يديّ فشلّت وأنتم بنو عمّ النّبيّ ورهطه ... فقد سمّت نفسي الحياة وملّت فشأن المنايا بعدكم ثم شأنها ... وشأني إذا طافت بكم وأظلّت وقد كان إبراهيم مولى خلافة ... بها خضعت صعر الرّقاب وذلّت وأوصى لعبد الله بالعهد بعده ... خلافة حقّ لا أماني ضلّت فشّمر عبد الله لمّا تجرّدت ... لواقح من حرب وحول تجلّت فقاد إليها الحالبين فأنهلوا ... ظماءً إذا صارت إلى الريّ علّت خلايا تخلّتها الحروب ولم يكن ... خلايا لقاح خلّيت فتخلّت فقام ابن عبّاس مقام ابن حرّة ... حصان إذا البيض الصّوارم سلّت أتته الصّواحي من معدّ وغيرها ... فطّنّب ظلاًّ فوقها فاستظلّت وشام إليه الراغبون غمامةً ... عريضاً يناها أنشئت فاستهلّت جزى الله إبراهيم خير جزائه ... وجادت عليه البارقات وظلّت وكنّا به حتى مضى لسبيله ... كذات العطول حلّيت فتحلّت يعين على الجلى قريشاً بماله ... ويحمل عن هلاّكها ما أكلّت وكم من كسير السّاق لاءم ساقه ... بمعروفه حتى استوت واستمرّت تولّيتكم لمّا خشيت ضلالةً ... ألا كلّ نعش أهلها من تولّت

إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد

إبراهيم بن محمدّ بن محمد بن أحمد ابن عليّ بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب أبو علي العلويّ الزّيديّ الكوفيّ قدم دمشق هو وأولاده عمر، وعمّار، ومعد، وعدنان، وسكن بها مدةً، وما أظنه حدّث بها بشيء، ثم رجع إلى الكوفة، وحدّث بها. روى عن عمّ والده زيد بن جعفر العلويّ، بسنده عن سفينة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنه ليس لنبيّ أن يدخل بيتاً مزوّقاً ". أنشد له ابنه عمر: من الرجز أرخ لها زمامها والأنسعا ... ورم بها من العلى ما شسعا وارحل بها مغترباً عن العدا ... توطئك من أرض العدا متسعا يا رائد الظعن بأكناف الحمى ... بلّغ سلامي إن وصلت لعلعا وحيّ خدراً بأثيلات الغضا ... عهدت فيه قمراً مبرقعا كان وقوعي في يديه ولعا ... وأوّل العشق يكون ولعا ماذا عليها لو رثت لساهر ... لولا انتظار طيفها ما هجعا تمنّعت من وصله فكلّما ... زاد غراماً زاده تمنّعا أنا ابن سادات قريش وابن من ... لم يبق في قوس الفخار منزعا وابن عليّ والحسين وهما ... أبرّمنحجّ ولبّى وسعى نحن بنو زيد وما زاحمنا ... في المجد إلاّ من غدا مدفّعا الأكثرون في المساعي عدداً ... والأطولون بالضّراب أذرعا

إبراهيم بن محمد بن أبي ملك

من كل بسّام المحيّا لم يكن ... عند المعالي والعوالي ورعا طاب أصول مجدكم في هاشم ... وطال فيها عودنا وفرعا وأنشد له ابنه عمر: من مجزوء الكامل لمّا أرقت بجلّق ... وأقضّ فيها مضجعي نادمت بدر سمائها ... بنواظر لم تهجع وسألته بتوجّع ... وتخضّع وتفجّع صف للأحبّة ما ترى ... من فعل بينهم معي واقر السّلام على الحبي ... ب ومن بتلك الأربع قال ابنه عمر: توفي في شوال سنة ستّ وستين وأربعمئة بالكوفة. إبراهيم بن محمد بن أبي ملك أظنّه من أهل ساحل دمشق. إبراهيم بن محمد بن يعقوب التّيميّ الهمذانيّ سمع بدمشق. روى عن سليمان بن أيّوب بن حذلم الدّمشقي، بسنده عن عائشة: أنّ النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا صلّى تطوّعاً عليه طول القيام ركع ثم سجد سجدتين، وقرأ قاعداً بما بدا له، فإذا أراد أن يركع قام فقراً ثم سجد. إبراهيم بن محمد البغدادي سمع بدمشق. روى عن محمد بن عبد الله، عن عمران الطّرسوسيّ، عن النّباجيّ أبي عبد الله،

إبراهيم بن محمد أبو إسحاق البجلي

قال: أصل العلم خمس خصال: أوّلها الإيمان بالله، والثّانية معرفة الحقّ، والثّالثة إخلاص العمل، والرّابعة أن يكون مطعم الرّجل من حلال، والخامسة أن يكون على السّنّة والجماعة؛ فلو أن عبداً آمن بالله عزّ وجلّ، وأخلص نيّته لله، وعرف بالحقّ على نفسه، وكان مطعمه ن حلال، ولم يكن على السّنّة والجماعة، لم ينتفع من ذلك بشيء. إبراهيم بن محمد أبو إسحاق البجليّ من أهل بوشنج. سكن دمشق، وكان يصلّي في مسجد دار البطّيخ، ويكتب المصاحف، ثم تولّى الصّلاة في المسجد الجامع مدّة سنين، إلى أن توفي. سمع وأسمع. روى عن أبي عليّ بن أبي نصر، بسنده عن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:: إنكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضي له على نحو ممّا أسمع، فمن قضيت له بحقّ أخيه شيئاً بغير حقّ، فإنّما أقطع له قطعة من النّار ". ولد في شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعمئة، وتوفي في محرّم سنة ستّ وثمانين وأربعمئة، وكان شيخاً ديّناً زاهداً ثقة؛ ودفن من يومه بعد الظّهيرة في مقابر باب الصّغير. إبراهيم بن محمود بن حمزة أبو إسحاق النيّسابوريّ، الفقيه المالكي تفقّه بمصر على ابن عبد الحكم، وسمع بدمشق ومصر والحجاز والعراق وخراسان، وحدّث.

إبراهيم بن مخلد الجبيلي

روى عن محمد بن الوليد الدّمشقي، بسنده عن أنس بن مالك، أن النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنّما الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى امرأة ينكحها أو دنيا يصيبها، فهجرته إلى ما هاجر إليه ". قال ابن عبد الحكم: ما قدم علينا من خراسان أعرف بطريقة مالك منك، فإذا انصرفت إلى خراسان فادع النّاس إلى رأي مالك. وقال محمود بن محمد: كان عمّي يصوم النّهار ويقوم اللّيل، ولا يدع الجهاد في كلّ ثلاث سنين. وقال ابن ماكولا: يعرف بالقطّان، لم يكن بعده للمالكيّة، مدّرس بنيسابور، توفي سنة تسع ومئتين. إبراهيم بن مخلد الجبيلي حكى عن أبيه، قال: خرج عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، بصيدا، إلى الرّحى، وأخرج معه حمارةً، وعليها غرارة قمح إلى الطّاحون، فلّما صار في الطّاحون ألقى الغرارة، وخلّى الحمارة ترتع في المرج، فجاء السّبع فافترس الحمارة، فلّما طحن طحينه خرج يطلب الحمارة، فأصاب السّبع قد افترسها، فجاء إلى السّب فقال: يا كلب الله، أكلت حمارتنا فتعال احمل دقيقنا، فحمّل الغرارة على السّبع، فلّما صار إلى باب صيدا ألقى الغرارة عن السّبع، وقال له: اذهب، لا تفزع الصّبيان! إبراهيم بن مروان بن محمد الطّاطريّ روى عنه جماعة. روى عن أبيه، بسنده عن معاوية بن أبي سفيان، أنه كان بحدّث عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه كان إذا حضر رمضان قال: " إنّا رأينا هلال شعبان يوم كذا وكذا، والصّيام يوم كذا وكذا ". قال: وكان إذا

إبراهيم بن مرة

كان يوم عاشوراء، قال: " اليوم عاشوراء وإنّا صائمون، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر ". وروى عن أبيه، بسنده عن عروة بن الزّبير، أن عائشة أخبرته: أن رسول الله صلى اله عليه وسلم كان يقبّلها وهو صائم. قال أبو حاتم: كتبنا عنه، وكان صدوقاً. إبراهيم بن مرّة حدّث عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سيكون بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون، ويفعلون ما يؤمرون، وسيكون بعدي خلفاء يعملون بما لا يعلمون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن أنكر عليهم برئ، ومن أمسك يده سلم، ولكن من رضي وبايع ". وعن الزهريّ، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار، عن المقداد بن الأسود الكنديّ، قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت كافراً فقاتلته، فقطع بي، ثم أهويت لأضربه فلاذ بشجرة، فقال: أسلمت لله، أأقتله؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله، إنه قطع يدي أأقتله؟ قال: لا قلت: يا رسول الله، إنه قطع يدي أأقتله؟ قال: لا، لأنك إن قتلته كان بمنزلتك قبل أن تقتله، وكنت بمنزلته قبل أن يقولها. إبراهيم بن مسكين حكى عن أبي جعفر المنصور، قال: عدل أبو جعفر أمير المؤمنين أرض الغوطة بدمشق ثلاثين مدياً بدينار، بالقاسميّ؛ وكان أداء النّاس على ذلك، ثم قال بعض الولاة: نجعل على الدّينار نصف دانق للكتب والرّسل، ثم قال غيره بعد: نجعل على الدّينار دانقاً؛ قال: فكان ذلك كذلك إلى أن تعدّى من تعدّى.

إبراهيم بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان

إبراهيم بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم بن أبي العاص، الأموي قتل يوم نهر أبي فطرس. إبراهيم بن المطهّر أبو طاهر الجرجانيّ السبّاك، الفقيه قدم دمشق في صحبة أبي حامد الغزالي. قال عبد الغافر: كان يتلّقف الدّرس عن إمام الحرمين، ويشتغل بكتبة الحديث، والسّماع والقراءة، سعد بصحبة الإمام الغزاليّ، وخرج معه إلى العراق، وحصّل المذهب والخلاف، وصحبه إلى الحجاز والشّام، وطاف معه مدّة ما كان الغزاليّ في تلك الدّيار، ثم عاد إلى وطنه بجرجان، وأخذ في التّدريس والوعظ، وظهر له القبول لفضله، وصار من جملة الأئمة، قتل شهيداً، وجاءنا نعيه في رجب سنة ثلاث عشرة وخمسمئة. إبراهيم بن معقل أبو إسحاق النّسفيّ سمع بدمشق وبغيرها، وحدّث عن البخاريّ بكتاب الصّحيح. روى عن أبي كريب، بسنده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من صلّى الضّحى بنى الله له قصراً في الجنّة من ذهب ". وروى عن هشام بن عمّار، بسنده عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بني الإسلام على خمسة أسهم: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محّمداً عبده ورسوله، وأقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وحجّ البيت، وصوم رمضان ".

إبراهيم بن معمر بن شريس

إبراهيم بن معمر بن شريس أبو إسحاق الأصبهاني الجوزدانيّ سمع بدمشق وأسمع. روى عن أبي أيّوب ابن أخي زريق الحمصيّ، بسنده عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " دعاء الوالد لولده مثل دعاء النّبيّ لأمته ". قال أبو نعيم: توفي سنة أربع وستين، يعني ومئتين؛ كانوا إخوة ثلاثة لم يحدّث منهم إلاّ إبراهيم. إبراهيم بن منصور إبراهيم بن موسى من أهل دمشق. روى عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رأس العمل بعد الإيمان بالله مداراة النّاس، وأهل المعروف في الدّنيا أهل المعروف في الآخرة، ولن يهلك أمرؤ بعد مشورة ". إبراهيم بن موهوب بن عليّ بن حمزة أبو إسحاق السّلميّ، المعروف بابن المفصّص سمع وهو صغير، وسمعت منه شيئاً يسيراً، ولم يكن الحديث من صنعته. روى عن علي بن الحسن الأزديّ، بسنده عن أنس بن مالك، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " الرؤيا الحسنة عن الرّجل الصّالح جزء من ستّة وأربعين جزءاً من النبوّة ".

إبراهيم بن مياس بن مهري بن كامل بن الصقيل

مات ودفن يوم الأحد التاسع العشرين من ذي العقدة سنة تسع وخمسين وخمسمئة، بباب الصّغير. إبراهيم بن ميّاس بن مهري بن كامل بن الصّقيل ابن أحمد بن ورد بن زياد بن عبيد بن شبيب بن نفيع بن الأعور ابن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة أبو إسحاق بن أبي رافع القشيريّ سمع وأسمع. سئل عن مولده، فقال: في جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين وأربعمئة، بالمؤنسة من أرض الشطّ. وتوفي في يوم الإثنين الثالث من شعبان سنة إحدى وخمسمئة، ودفن عند مسجد شعبان. إبراهيم بن ميسرة الطّائفيّ سكن مكة وحدّث عن جماعة، وحدّث عنه جماعة. روى عن وهب بن عبد الله بن قارب، قال: كنت مع أبي فرأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقول بيده هكذا عرضاً: " يرحم الله المحلّقين " قالوا: يا رسول الله والمقصّرين، فقال في الثّالثة: والمقصّرين. وسمع أنس بن مالك يقول: صلّى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة الظّهر أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين، يعني العصر. وقال: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب رجلاً في خلافته، غير رجل واحد تناول من معاوية فضربه ثلاثة أسواط.

إبراهيم بن نصر بن منصور

مات قريباً من سنة ثنتين وثلاثين ومئة. وقال ابن عيينة: وكان ثقة مأموناً من أوثق من رأيت. قال سفيان: كان عمرو بن دينار يحدّث بالحديث على المعنى، وكان إبراهيم بن ميسرة لا يحدّثه إلاّ على ما سمع. وكان من أصدق النّاس وأوثقهم. وقال ابن سعد: في الطبقة الرابعة من أهل مكة، مولى لبعض أهل مكة، توفي في خلافة مروان بن محمد. إبراهيم بن نصر بن منصور أبو إسحاق السّوريني، ويقال: السّورانيّ، الفقيه المطّوعيّ الشّهيد وسورين: محلّة بأعلى نيسابور، له رحلة إلى الشّام. سمع من جماعة، وروى الحديث. روى عن عبد الرحمن بن مغراء، بسنده عن ابن عباس، قال: قال أبو إسرائيل بن قشير: إنه كان نذر أن يصوم، ولا يقعد، ولا يستظلّ، ولا يتكلّم، فآتي به النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اقعد واستظل وتكلّم وكفّر قال سليمان بن مطر: لمّا جمع إبراهيم المسند أراد أن ينظر في كتب ابن المبارك، فعزم رأينا ورأيه على أن يذهب إلى الحسن بن عيسى، قال: فدخلنا عليه الخان، فقلنا: إن أبا إسحاق جمع المسند فأحبّ أن ينظر في كتب أبي عبد الرحمن، قال: فسكت ساعةً، ثم رفع رأسه، فقال: لا يجوز أن أحدّث ويحيى بن يحيى حيّ. وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: سمعت أبا زرعة يثني على إبراهيم بن نصر، فقال: هو رجل مشهور صدوق، أعرفه، رأيته بالبصرة، وأثنى عليه خيراً.

إبراهيم بن نصر الكرماني

قال أبو محمد: نظرت في علمه فلم أر فيه منكراً، وهو قليل الخطأ. وجد مقتولاً سنة عشر ومئتين. إبراهيم بن نصر الكرماني أحد الأبدال كان يكون بجبل لبنان من أعمال دمشق. حكى أبو عبد الله محمد بن مالك السّجستانيّ، قال: دخلت جبل لبنان مع جماعة، ومعنا أبو نصر بن بزراك الدّمشقيّ، نلتمس من به من العبّاد، فسرنا فيه ثلاثة أيّام، فما رأينا أحداً، فلّما كان اليوم الرّابع ضرّت عليّ رجلي، فإني كنت حافياً، وضعفت عن المشي، فصعدنا جبلاً شامخاً، كان عليه شجرة، وقعدنا، فقالوا لي: اجلس أنت ها هنا حتى نذهب لعلّنا نلقى واحداًمن سكّان هذا الجبل، فمضوا جميعاً وبقيت أنا وحدي، فلّما جنّ الليل صعدت إلى الشجرة، فلّما كان وجه الصّبح نزلت ألتمس الماء للوضوء، فانحدرت في الوادي لطلب الماء، فوجدت عيناً صغيرة، وتوضأت وقمت أصلي فسمعت صوت قراءة؛ فلّما أن سلّمت الأثر فرأيت كهفاً، وقدّامه صخرة، فصعدت الصّخرة، ورميت حجراً إلى الكهف خشية أن يكون فيه وحش، فلم أر شيئاً، فدخلت الكهف فإذا شيخ ضرير، فسلّمت عليه فقال: أجنّيّ أنت أم إنسيّ؟ فقلت: بل إنسيّ، فقال: لا إله إلاّ الله، ما رأيت إنسياً منذ ثلاثين سنة غيرك، ثم قال: ادخل، فدخلت، فقال: لعلّك تعبت، فاطرح نفسك، فدفعت إلى داخل الكهف فإذا فيه ثلاثة أقبر فلما كان وقت الزوال ناداني فقال: الصّلاة رحمك الله؛ فخرجت إلى العين وتمسّحت، فصلّينا جماعةً، ثم قام فلم يزل يصلّي حتى كان آخر وقت الظّهر، ثم أذّن وصلّينا العصر، ثم قام قائماً يدعو رافعاً يديه، فسمعت من دعائه: اللهم اصلح أمّة أحمد، اللهم فرّج عن أمّة أحمد، اللهم ارحم أمّة أحمد؛ إلى أن سقط القرص، ثم أذّن للمغرب ولم أر أحداً أعرف بأوقات الصّلاة منه فلّما أن صلّى المغرب قلت له: لم أسمع منك من الدّعاء إلاّ هذه الكلمات الثلاث!، فقال: من قال هذا كلّ يوم ثلاث مرّات كتبه الله من الأبدال. فلّما أن صلّينا العشاء الآخرة، قال لي: تأكل؟ فقلت: نعم؛ فقال لي: ادخل إلى

الدّاخل، فكل ما هنا لك، فدخلت فوجدت صخرة عظيمة عليها الجوز ناحيةً، والفستق ناحيةً، والزّبيب ناحيةً، والتين ناحيةً، والتفّاح ناحيةً، والخرنوب ناحيةً، والحبّة الخضراء ناحيةً، فأكلت منها ما أردت. فلما كان عند السّحر جاء هو فأكل منها شيئاً يسيراً، ثم قام فأوتر، فما زال يدعو ثم سجد، فسمعت في سجوده يقول: اللهم من عليّ بإقبالي عليك، وإضعافي إليك، وإنصاتي لك، والفهم منك، والبصيرة في أمرك، والبقاء في خدمتك، وحسن الأدب في معاملتك. فلّما رفع رأسه قلت: من أين لك هذا الدّعاء؟ فقال: ألهمت، ولقد كنت في بعض اللّيالي أدعو به، سمعت هاتفاً يهتف بي ويقول: إذا دعوت ربّك بهذا، فقم، فإنه مستجاب، فلّما أن صلّينا قلت: من أين هذه الفواكه فإني لم آكل أطيب منها؟ فقال: سوى ترى؛ فلّما كان بعد ساعة دخل الكهف طير له جناحان أبيضان، وصدر أخضر وفي منقاره حبّة زبيب، وبين رجليه جوزة، فوضع الزّبيب على الزّبيب، والجوزة على الجوز؛ فقال لي رأيته؟ فقلت: نعم؛ قال: هذا لي منذ ثلاثين سنة، يأتيني هذا، ويدخل عليّ في اليوم سبع مرّات. فلّما كان ذلك اليوم عددت مجيء الطّائر فجاء خمس عشرة مرّة، فقلت له ذلك، فقال: انظر أنت فقد زادك واحدة فاجعلنا في حلّ. وكان عليه قميص بلا كمين، ومئزر يشبه توز القوس، فقلت له: من أين لك هذا؟ قال: يأتيني كلّ سنة هذا الطّائر يوم عاشوراء بعشر قطع من هذا اللّحاء، فأسويّ منه قميصاً ومئزراً، وكان له مسلّة يخيط بها. فلّما كان بعد ليال دخل سبعة أنفس، ثيابهم شعورهم، وعيونهم مشقفةً بالطول، حمر، وليس فيها دوّارة؛ فسلّموا، فقال لي: لا تخف هؤلاء الجنّ؛ فقرأ واحد منهم عليه سورة طه، والآخر سورة الفرقان، وتلقّن منهم الآخر شيئاً من سورة

الرّحمن، ثم مضوا، فسألته عنهم، فقال: هؤلاء من الرّومية؛ فقلت له: كم لك في هذا الجبل؟ فقال: أربعين سنة، كان لي عشر سنين البصر، وكنت أجمع في الصّيف من هذه المباحات إلى هذا الكهف، فلّما ذهب بصري بقيت أيّاماً لم أذق شيئاً، فجاءني هؤلاء فقالوا:: قد رحمناك فدعنا نحملك إلى حمص أو دمشق؛ فقلت: اشتغلوا بما وكلتم به؛ فلّما كان بعد ساعة جاءني هذا الطّير الذي رأيت بتفاحة فطرحها في حجري، فقلت: لا تشغلني! اطرحها إلى وقت حاجتي إليها. ثم قال لي: وقد قال هؤلاء: إن القرمطيّ دخل مكة وقتل فيها وفعل وصنع؛ فقلت: قد كان ذلك، وقد كثر الدعاء عليه، فلم منع الإجابة؟ فقال: لأن فيهم عشر خصال، فكيف يستجاب لهم؟ فقلت: وما هن؟ قال: أوّلهنّ: أقرّوا بالله وتركوا أمره؛ والثاني: قالوا: نحبّ الرّسول، ولم يتبعوا سنته؛ والثالث: قرؤوا القرآن ولم يعملوا به؛ والرابع: قالوا: نحبّ الجنّة، وتركوا طريقها؛ والخامس: قالوا: نكره النّار، وزاحموا طريقها؛ والسادس: قالوا: إن إبليس عدّونا، فوافقوه؛ والسابع: دفنوا أمواتهم فلم يعتبروا، والثّامن: اشتغلوا بعيوب إخوانهم ونسوا عيوبهم؛ والتّاسع: جمعوا المال ونسوا الحساب؛ والعاشر: نقضوا القبور وبنوا القصور. قال أبو عبد الله: فأقمت عنده أربعة وعشرين يوماً في أطيب عيشة، فلّما كان اليوم الرّابع والعشرون قال لي: كيف وصلت إلى ها هنا؟ فحدّثته بحديثي، فقال: إنّا لله! لو علمت قصتك لم أتركك عندي لأنك شغلت قلوبهم، ورجوعك إليهم أفضل لك ممّا أنت فيه؛ فقلت له: إني لا أعرف الطّريق؛ فسكت. فلّما كان عند زوال الشمس، قال: قم، قلت: إلى أين؟ قال: تمضي؛ فقلت له: فأوصني، فأوصاني، ثم قال: إذا حججت وكان يوم الزّيارة، فاطلب بين المقام وزمزم رجلاً أشقر، خفيف العارضين، مجدور، بعد صلاة العصر، فأقره منّي السّلام، وسله أن يدعو لك فإنها فائدة كبيرة لك إن شاء الله.

إبراهيم بن نصير

ثم خرج معي من الكهف، فإذا بسبع قائم، فقال لي: لا تخف، وتكلّم بكلام أظنّه كان بالعبرانية فإني لم أكن أفهمه، ثم قال لي: اذهب خلفه، فإذا وقف فانظر عن يمينك تجد الطّريق إن شاء الله. فسار السّبع ساعةً ثم وقف، فنظرت فإذا أنا على عقبة دمشق، فدخلت دمشق والنّاس قد انصرفوا من صلاة العصر، فمضيت إلى ابن بزراك أبي نصر مع جماعة، فسرّ سروراً تامّاً. فحدّثته بحديثي، فقال: أمّا نحن فما رأينا إلاّ واحداً نصرانيّاً. قال أبو عبد الله: ثم خرجنا مقدار خمسين رجلاً إلى ذلك الجبل، وسرنا فيه في تلك الأودية، وحول الجبل، فلم نقف على موضعه، فقال لي: هذا شيء كشف لك ومنعنا نحن، فرجعنا. قال: فخرجت إلى الحجّ، فوجدت الرّجل بين المقام وزمزم جالساً بعد العصر، كما وصف، وعليه ثوب شرب ومئزر ذبيقي، وهو قاعد على منديل، وقدّامه كوز نحاس، فسلّمت عليه، فردّ عليّ السّلام، فقلت له: إبراهيم بن نصر الكرمانيّ يقرئك السّلام؛ فقال: وأين رأيته؟ قلت: في جبل لبنان؛ فقال: رحمه الله، قد مات؛ قلت: فمتى مات؟ قال: السّاعة دفنّاه، وكنّا جماعة، ودفنّاه عند إخوانه في الغار الذي كان فيه في جبل لبنان، فلّما أخذنا في غسله جاء ذلك الطّير فما زال يضرب بجناحيه حتى مات، فدفناه ودفنا الطّير عند رجليه؛ ثم قال: ما تقوم إلى الطّواف؟ فقمنا فطفت معه أسبوعين، ثم غاب عنّي!. إبراهيم بن نصير أبو إسحاق البعلبكّيّ

إبراهيم بن وثيمة النصري

إبراهيم بن وثيمة النّصريّ أخو زفر بن وثيمة بن مالك بن أوس بن الحدثان النّصريّ عن عراك بن خالد، قال: سمعت إبراهيم بن وثيمة النّصري يقول لعثمان بن محمد القارئ: الآيات التي يدفع الله بهنّ من اللّمم الزمهنّ في كل يوم يذهب عنك ما تجد؛ قال: وأيّ آيات هنّ؟ قال: " وإلهكم إله واحد " الآية، آية الكرسي، وخاتمة البقرة " آمن الرّسول إلى آخرها، و" إن ربّكم الله الذي خلق السمّوات والأرض " إلى المحسنين وآخر الحشر؛ فإنه بلغنا أنهنّ مكتوبات في زوايا العرش. فلزمهنّ فبرأ. وكان إبراهيم بن وثيمة يقول: اكتبوهنّ لصبيانكم من الفزع واللّمم. إبراهيم بن وضّاح الجمحيّ أحد فرسان أهل الشّام وشعرائهم. شهد صفّين مع معاوية، وقتل يومئذ. قال صعصعة بن صوحان: قتل الأشتر في تلك المعركة بيده سبعةً مبارزةً، منهم صالح بن فيروز العكّيّ، ومالك بن أدهم السّلاماني، ورياح بن عتيك الغسّانيّ، والأجلح بن منصور الكنديّ، وإبراهيم بن الوضّاح، وهو يقول: من الرجز هل لك يا أشتر في برازي ... براز ذي غشم وذي اعتزاز مقاوم لقرنه كزاز

إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك

فشدّ عليه الأشتر، وهو يقول: من الرجز نعم نعم أطلبه شديداً ... معي حسام يفصم الحديدا يترك هامات العدى حصيدا فقتله. إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف أبو إسحاق القرشيّ الأمويّ بويع له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن الوليد النّاقص، بعهد منه في ذي الحجّة سنة ستّ وعشرين ومئة. وقيل: إن أخاه لم يعهد إليه، وإنّه استولى بغير عهد. كان طويلاً جسيماً، أبيض جميلاً ذا شقرة، خفيف مقدم اللّحية والعارضين. قال معمر: سمعت إبراهيم بن الوليد رجلاً من بني أمية يسأل الزّهريّ وعرض عليه كتاباً من علم فقال: أحدّث عنك بهذا يا أبا بكر؟ قال: نعم، فمن يحدثّكموه غيري؟ عن برد بن سنان قال: حضرت يزيد بن الوليد حين حضرته الوفاة، فأتاه قطن فقال: أنا رسول من وراء بابك يسألونك بحقّ الله لم ولّيت أمرهم أخاك إبراهيم بن الوليد؟ فغضب وقال بيده على جبهته: أنا أولّي إبراهيم؟! ثم قال لي: يا أبا العلاء، إلى من ترى أن أعهد؟ فقلت: أمر نهيتك عن الدّخول في أوّله فلا أشير عليك في آخره. قال: وأصابته إغماءة حتى ظننت انه قد مات، ففعل ذلك غير مرّة. قال: فقعد قطن فافتعل كتاباً عن لسان يزيد بن الوليد، ودعا أناساً فأشهدهم عليه. قال: ولا والله ما عهد إليه يزيد شيئاً ولا إلى أحد من النّاس.

إبراهيم بن هانئ أبو إسحاق النيسابوري

وعن ابن أبي السّريّ قال: قاتل مروان الجعديّ سليمان بن هشام وأهل بيته حتى استوى له الأمر، وهرب إبراهيم بن الوليد في صفر سنة سبع وعشرين ومئة. قال: وكان إبراهيم مسمناً خفيف العارضين، صغير العينين، أبيضاً مشرباً حمرةً، مقبولاً. وقد روي: أن إبراهيم بن الوليد لمّا سلّم الأمر لمروان بن محمد وبايعه بالخلافة، تركه حيّاً، فلم يزل حيّاً إلى سنة ثنتين وثلاثين ومئة، فقتل حينئذ فيمن قتل من بني أميّة حين زالت دولتهم. وروي: أن مروان لما ملك الأمر، واستقام له قتله. وروي: أن إبراهيم خلع يوم الاثنين لأربع عشرة ليلةً خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومئة. وقال المدائني: لم يتّم لإبراهيم بن الوليد الأمر، كان قوم يسلّمون عليه بالخلافة، وقوم يسلمون عليه بالأمارة، وأبى قوم أن يبايعوا له، وقال بعض شعرائهم: من الطويل نبايع إبراهيم في كلّ جمعة ... ألا إن أمراً أنت وإليه ضائع وعن محمد بن المبارك قال: نقش خاتم إبراهيم بن الوليد: إبراهيم يثق بالله. إبراهيم بن هانئ أبو إسحاق النيسابوريّ الأرغيانيّ نزيل بغداد. سمع بدمشق وبمصر وبغيرهما، وروي عنه الحديث. روى عن أبي العبّاس المدائني، بسنده عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يوم السّبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وبناء، ويوم الاثنين يوم سفر

إبراهيم بن هبة الله بن إبراهيم

وطلب رزق، ويوم الثلاثاء يوم حديد وبأس شديد، ويوم الأربعاء يوم لا أخذ ولا عطاء، ويوم الخميس يوم دخول على سلطان وطلب الحوائج، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح ". قال ابن أبي حاتم: سمعت منه ببغداد في الرّحلة الثانية، وهو ثقة صدوق. وقال أبو بكر الخطيب: كان أحد الأبدال، ورحل في طلب العلم إلى العراق والشام ومصر ومكة، ثم استوطن بغداد، وحدّث بها. وقال أحمد بن حنبل: إن كان ببغداد رجل من الأبدال فإنه أبو إسحاق النّيسابوريّ، يريد إبراهيم بن هانئ. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: كان أحمد بن حنبل مختفياً ها هنا عندنا في الدّار، فقال لي أحمد بن حنبل: ليس أطيق ما يطيق أبوك، يعني من العبادة. وعن أبي بكر النّيسابوريّ قال: حضرت إبراهيم بن هانئ عند وفاته، فجعل يقول لابنه إسحاق: يا إسحاق ارفع السّتر، قال: يا أبه السّتر مرفوع، قال: أنا عطشان؛ فجاءه بماء، قال: غابت الشّمس؟ قال: لا؛ قال: فردّه، ثم قال: " لمثل هذا فليعمل العاملون " ثم خرجت روحه ". توفي يوم الأربعاء لأربع خلون من ربيع الآخر سنة خمس وستين ومئتين. إبراهيم بن هبة الله بن إبراهيم أبو إسحاق القرشيّ، الأطرابلسيّ، المرقانيّ قدم دمشق وحدّث بها. سمع بدمشق وروي عنه. روى عن أحمد بن كليب الطّرسوسيّ، بسنده عن أبي إدريس، قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا أنا بفتىً برّاق الثّنايا، وإذا النّاس حوله، وإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، فصدروا عنه، فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل.

إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام

فلّما كان من الغد هجّرت فوجدته قد سبقني بالتّهجير، فوجدته يصلّي، فانتظرته حتى إذا قضى صلاته جئته من قبل وجهه، فسلّمت عليه، وقلت له: والله إني لأحبّك، قال: الله؟ قلت: الله، فقال: الله؟ فقلت: الله، فأخذ بحبوتي وردائي فجذبني، وقال: أبشر، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول " قال الله عزّ وجلّ: حقّت محبّتي للمتحابّين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ ". إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام ابن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة القرشيّ، المخزوميّ ولي مكة والمدينة والموسم لهشام بن عبد الملك، ثم أقدمه الوليد بن يزيد بعد موت هشام وأخاه محمد بن هشام دمشق مسخوطاً عليهما، ودفعهما إلى يوسف بن عمر والي العراق، فعذّبهما حتى ماتا عنده. قال يعقوب بن سفيان: في سنة ستّ ومئة نزع عبد الواحد عن المدينة، وأمر إبراهيم بن هشام بن إسماعيل. قال: وفي سنة سبع حجّ بالنّاس عامئذ إبراهيم بن هشام وهو أمير على أهل مكة والمدينة، قال: وفي سنة ثمان ومئة حجّ عامئذ إبراهيم بن هشام، وفي سنة تسع ومئة وفي سنة عشر ومئة حجّ بالنّاس إبراهيم بن هشام، وفي سنة إحدى عشرة، وفي سنة اثنتي عشرة ومئة حجّ إبراهيم بن هشام، وفي سنة ثلاث عشرة عزل إبراهيم بن هشام عن المدينة. وعن الواقدي قال: وفيها يعني سنة سبع ومئة حجّ بالنّاس إبراهيم بن هشام فخطب بمنى الغد من يوم النّحر بعد الظّهر، فقال: سلوني، فأنا ابن الوحيد، لا تسألوا أحداً أعلم منّي، فقام إليه رجل من أهل العراق فقال: الأضحية أواجبة هي؟ فما درى أيّ شيء يقوله له، فنزل عن المنبر. وعن إبراهيم بن الفضل قال: بينا إبراهيم بن هشام يخطب على المنبر بالمدينة إذ

سقطت عصاً كانت معه في يده، فاشتدّ ذلك عليه فكرهه، فتناولها الفضل بن سليمان، وكان على حرسه، وناوله إيّاها، وقال: من الطويل فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عيناً بالإياب المسافر قال محمد بن الحسن: أذن إبراهيم بن هشام إذناً عامّاً فدخل عليه النّصيب، فانشده مديحاً له، فقال إبراهيم: ما هذا بشيء، أين هذا من قول أبي دهبل لصاحبنا ابن الأزرق: من البسيط إن تغد من منقلي نخلان مرتحلاً ... يبن من اليمن المعروف والجود قال: فغضب النّيب، فخلع عمامته وطرحها وبرك عليها بين يديه، ثم قال: فإن تأتونا برجل مثل ابن الأزرق نأتكم بمديح أجود من مديح أبي دهبل. عن رجل من قريش من أهل المدينة، قال: كنت أساير إبراهيم بن هشام بالمدينة وهو وال عليها، فلقيه رجل، فسلّم عليه، فرأيت رجه إبراهيم قد تغّير؛ فلّما مضى الرّجل سألته عن تغيّر وجهه، فقال لي: فطنت لذلك؟ قلت: نعم؛ قال: فإنّ له عليّ ديناً، وقال النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن لصاحب الحقّ مقالاً ". وقال عبد العزيز بن محمد المخزوميّ: كتب هشام بن عبد الملك إلى إبراهيم بن هشام المخزوميّ، وكان عامله على الحجاز: أمّا بعد: فإن أمير المؤمنين قد قلّد ما كان ولاّك من الحجاز خالد بن عبد الملك، وإن أمير المؤمنين لم يعزلك حتى كنت وإيّاه، كما قال القطامي: من الوافر أمور لو تدبّرها حليم ... إذاً لنهى وهيّب ما استطاعا ولكنّ الأديم إذا تفرّى ... بلى وتعيّناً غلب الصّناعا وإنّي والله ما عزلتك حتى لم يبق من أديمك شيء أتمسّك به.

إبراهيم بن هشام بن ملاس بن قسيم

فلّما ورد كتابه على إبراهيم بن هشام تغّير وجهه، وقال: " إنا لله وإنّا إليه راجعون " أصبحت اليوم والياً، وأنا السّاعة سوقة؛ فقام رجل من بني أسد بن خزيمة، فقال: من الوافر فإن تكن الإمارة عنك زاحت ... فإنك للهشام وللوليد وقد مرّ الذي أصبحت فيه ... على مروان ثم على سعيد قال: فسرّي عنه، وأحسن جائزة الأسديّ. قتل سنة خمس وعشرين ومئة. إبراهيم بن هشام بن ملاس بن قسيم النّميريّ، وقيل الغسّانيّ إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى أبو إسحاق الغسّانيّ سمع وأسمع. ولد سنة خمسين ومئة وله شعر حسن. روى عن سويد بن عبد العزيز، عن أبي الزّبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الله هو الدّهر ". توفي سنة ثمان وثلاثين ومئتين. إبراهيم بن يحيى بن إسماعيل ابن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزوميّ روى عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبد الله،

إبراهيم بن يحيى بن المبارك بن المغيرة

قال: قال لي عبد الملك بن مروان: يا إسماعيل أدّب ولدي، فإنّي معطيك أو مثيبك؛ قال إسماعيل: يا أمير المؤمنين، وكيف بذلك، وقد حدّثتني أمّ الدّرداء، عن أبي الدّرداء، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من اخذ على تعليم القرآن قوساً قلّده الله يوم القيامة قوساً من نار "؟ قال عبد الملك: يا إسماعيل إني لست أعطيك أو أثيبك على القرآن، إنّما أعطيك أو أثيبك على النحو. إبراهيم بن يحيى بن المبارك بن المغيرة أبو إسحاق بن أبي محمد العدويّ أحد بني عديّ بن عبد شمس بن زيد مناة بن تميم، من رهط ذي الرّمة؛ وقيل: إنّهم موالي بني عديّ بن عبد شمس، ويعرف أبوه باليزيديّ لأنه خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بالبصرة، ثم توارى حتى استتر أمره، واتّصل بيزيد بن منصور خال المهديّ فوصله بالرّشيد، فعرف باليزيديّ. وكان إبراهيم عالماً بالأدب، شاعراً مجيداً، نادم الخلفاء، وقدم دمشق صحبة المأمون والمعتصم، وذكر دير مرّان في شعره، وكان قد سمع أباه وغيره، وروي عنه. حدّث عن أبيه، قال: كنت مع أبي عمرو بن العلاء في مجلس إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، فسأله عن رجل من أصحابه فقده، فقال لبعض من حضره: اذهب فسل عنه، فرجع فقال: تركته يريد يموت؛ قال: فضحك منه بعض القوم، وقال: في الدنيا إنسان يريد أن يموت! فقال إبراهيم: لقد ضحكتم منها! غريبة، إنّ يريد في معنى: يكاد، قال الله تعالى: " جداراً يريد أن

ينقضّ " أي: يكاد، قال: فقال أبو عمرو: لا نزال بخير ما كان فينا مثلك. وحدّث قال: إنّي كنت يوماً عند المأمون، وليس معنا إلاّ المعتصم، فذكر كلاماً قال: فلم أحتمل ذلك منه يعني من المعتصم فأجبته، فأخفى ذلك المأمون، ولم يظهره ذلك الإظهار؛ فلّما صرت من غد إلى المأمون كما كنت أصير قال لي الحاجب: أمرت أن لا آذن لك، فدعوت بداوة وقرطاس، وكتبت: من الطويل أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو سكرت فأبدت منّي الكأس بعض ما ... كرهت وما إن يستوي السّكر والصّحو ولا سيّما إذ كنت عند خليفة ... وفي مجلس ما إن يليق به اللّغو ولولا حميّا الكأس كان احتمال ما ... بدهت به لا شكّ فيه هو السّرو تنصّلت من ذنبي تنصّل ضارع ... إلى من لديه يغفر العمد والسّهو فإن تعف عنّي ألف خطوي واسعاً ... وإلاّ يكن عفو فقد قصر الخطو قال: فأدخلها الحاجب، ثم خرج إليّ فأدخلني، فمّد المأمون باغيه، فأكببت على يديه فقبّلتهما، فضمّني إليه، وأجلسني. وفي رواية: أن المأمون وقّع على ظهر هذه الأبيات: من الخفيف إنّما مجلس النّدامى بساط ... للمودّات بينهم وضعوه فإن انتهوا إلى ما أرادوا ... من حديث ولذّة رفعوه وحدّث قال: كنت مع المأمون في بلد الرّوم، فبينا أنا سائر في ليلة مظلمة شاتية ذات غيم وريح، وإلى جانبي قبّة، إذ برقت برقة فإذا في القبّة عريب، فقالت: إبراهيم بن اليزيدي! فقلت: لبّيك، فقالت: قل في هذا البرق أبياتاً أغنّي فيها، فقلت: من الرجز ماذا بقلبي من أليم الخفق ... إذا رأيت لمعان البرق من قبل الأردنّ أو دمشق ... لأن من أهوى بذاك الأفق

إبراهيم بن يحيى البيروتي إبراهيم بن يحيى الدمشقي

فارقته وهو أعزّ الخلق ... عليّ والزّور خلاف الحق ذاك الذي يملك مني رقي ... ولست أبغي ما حييت عتقي فتنفّست نفساً ظننت أنه قد قطع حيازيمها، فقلت: ويحك، على من هذا؟ فضحكت، ثم قالت: على الوطنّ فقلت: هيهات، ليس هذا كلّه للوطن؛ فقالت: ويلك، أفتراك ظننت أنك تستفزّني، والله لقد نظرت نظرة مريبةً في مجلس فادّعاها أكثر من ثلاثين رئيساً، والله ما علم أحد منهم لمن كانت إلى هذا الوقت! قال أبو بكر الخطيب: وهو بصريّ سكن بغداد، وكان ذا قدر وفضل وحظّ وافر من الأدب، سمع من أبي زيد الأنصاريّ وأبي سعيد الأصمعيّ، وله كتاب مصنّف يفتخر به اليزيديّون، وهو ما اتّفق لفظه واختلف معناه نحو من سبعمئة ورقة، رواه عنه ابن أخيه عبيد الله بن محمد بن أبي محمد اليزيديّ، وذكر إبراهيم أنه بدأ بعمل ذلك وهو ابن سبع عشرة سنة، ولم يزل يعمله إلى أن أتت عليه ستون سنة؛ وله كتاب مصادر القرآن وكتاب في بناء الكعبة وأخبارها وكان شاعراً مجيداً. إبراهيم بن يحيى البيروتيّ إبراهيم بن يحيى الدّمشقيّ غير ثقة. إبراهيم بن يزيد النّصريّ من أهل دمشق، كان من حرس عمر بن عبد العزيز. روى عن عبدة بن أبي لبابة، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تابعوا بين الحجّ والعمرة، فوالذّي نفسي بيده لمتابعتهما لتنفي الفقر والذّنوب كما ينفي الكير خبث الحديد ". وحدّث الأوزاعيّ، عنه، عن عمر بن عبد العزيز، أنه خرج على حلقة من حرسه، قال: وقد كان نهاهم قبل ذلك أن يقوموا له إذا خرج عليهم، ولكن

إبراهيم بن يزيد

يوسّعوا؛ قال: فقال: أيّكم يعرف الرّجل الذي أمرنا أن يركب إلى مصر؟ فقالوا: كلّنا نعرفه؛ قال: فليقم إليه أحدكم فليدعه؛ فأتاه الرّسول، فقال: لا تعجل حتى أشدّ عليّ ثيابي؛ وظنّ أن ذلك استبطاء من عمر. قال: فأتاه، فقال له عمر: إن اليوم الجمعة، فلا تبرح حتى تصلّي، وأنّا بعثناك في أمر عجلة من أمر المسلمين، فلا يحملّنك استعجالنا إيّاك أن تؤخر الصّلاة عن وقتها، فإنك لا محالة أن تصلّيها، فإن الله عزّ وجلّ ذكر قوماً، فقال: " أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فسوف يلقون غيّاً "، ولم يكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا المواقيت. إبراهيم بن يزيد حكى، عن أبي سليمان الدّارانيّ، قال: قلت لراهب: يا راهب؛ فاخرج رأسه وقال: لست براهب، إنّما الرّاهب الذي يخشى الله، إنّما حبست نفسي عن الوقيعة في النّاس ومن أذى النّاس، اللّسان سبع إن تركته أكل النّاس. إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق أبو إسحاق السّعديّ الجوزجانيّ سكن دمشق، وحدّث عن جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن عمرو بن عاصم، بسنده عن أبي هريرة، قال: قلنا: يا رسول الله ونحن في غزوة تبوك، والخيل تمرّغ بنا في أدبار القوم: كان مسيرنا هذا في الكتاب الأوّل؟ قال: نعم. قال السّعديّ: سكن دمشق، يحدّث على المنبر، ويكاتبه أحمد بن حنبل، فيتقوّى بكتابه، ويقرؤه على المنبر، وكان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في التّحامل على عليّ.

إبراهيم بن يوسف

وقال الدّارقطني: أقام بمكة مدّة، وبالرّملة مدّة، وبالبصرة مدّة، وكان من الحفّاظ المصنّفين، والمخرّجين الثّقات، لكن كان فيه انحراف عن عليّ بن أبي طالب، اجتمع على بابه أصحاب الحديث فخرج إليهم، فأخرجت جارية له فرّوجة لتذبح، فلم تجد أحداً يذبحها؛ فقال: سبحان الله، لا يوجد من يذبحها، وقد ذبح عليّ بن أبي طالب في ضحوة نيفاً وعشرين ألفاً. قال ابن يونس: قدم مصر سنة خمس وأربعين ومئتين، وكتبت عنه، وكانت وفاته بدمشق سنة ستّ وخمسين ومئتين. وقال أبو الدّحداح: مات سنة تسع وخمسين ومئتين، يوم الجمعة مستهل ذي القعدة. إبراهيم بن يوسف بن خالد بن سويد أبو إسحاق الرّازي الهسنجانيّ سمع بدمشق، وأسمع. روى عن طالوت بن عبّاد، بسنده عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل إمامه أن يجعل الله رأسه رأس حمار ". قال ابن ماكولا: مات الهسنجانيّ في سنة إحدى وثلاثمئة. إبراهيم بن يوسف سمع من بعض أهل العلم بعد السّتّين وأربعمئة.

إبراهيم بن يونس بن محمد بن يونس

إبراهيم بن يونس بن محمد بن يونس أبو إسحاق بن أبي نصر المقدسيّ الخطيب أصبهاني الأصل، سمع بدمشق وبيت المقدس. روى عن علي بن طاهر المقدسيّ، بسنده عن ميمونة بنت الحارث: أن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلّي على الخمرة. توفي يوم الجمعة، وصلّى عليه ابنه أبو الحسين أحمد، يوم السبت الثاني من ذي الحجّة سنة إحدى وتسعين وأربعمئة بدمشق، ودفن بمقابر باب الصّغير. وقال عن مولده: ولدت في رمضان سنة إحدى وعشرين وأربعمئة؛ وكان كثير التّلاوة للقرآن. إبراهيم أبو زرعة مولى الوليد بن عبد الملك، والد زرعة بن إبراهيم كان من مسلمة أهل الكتاب، يعدّ في الشاميّين. إبراهيم أبو إسحاق ابن النّائحة، الشّاعر من أهل دمشق. كان في زمن أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون. حدّث قال: دخلت على أبي الجيش خمارويه بن أحمد، فقال لي: أخبرني بحديث حسن، فقلت: بلغني أيّد الله الأمير أن رجلاً من الممتحنين ممّن تولّت عنه الدّنيا،

وزالت عنه النّعمة، ولحقته النّحوس، وساءت حاله، ورثّت ثيابه، وشعث شعره، وكثر سهره، وقلّ فرخه، فوجد درهماً، فقال: آخذ شعري، وأغسل ثوبي، وأدخل الحمّام؛ فكسر الدّرهم بأربعة وجعله في جيبه، ومضى يغسل ثوبه، فسقطت القطع من جيبه، ولم يبق منها إلاّ قطعة واحدة، فرجع واجتاز في طريقه بحمّام فدخله، وأعطى القطعة؛ فلّما دخل الحمّام نام فيه، وقصد ذلك الحمّام رجل من الأغنياء ذو حشم وغلمان، فدخل الحمّام وليس فيه إلاّ هذا النّائم، فأراد الغلمان طرده، فنهاهم عن ذلك، وقال: دعوه. فلّما انتبه الرّجل استحيا وأراد الخروج، فدعاه الرّجل إليه، وخاطبه وكلّمه، فإذا رجل أديب متكلم فهم ظريف، قد كملت فيه الأخلاق الشّريفة، إلاّ انه فقير لا شيء له؛ وإذا بالرّجل الغنيّ صاحب الحشم رجل قصير، أعور، مقطوع الأذنين، أحدب؛ فعجب من نفسه وحاله ومن الرّجل. فأمر الرّجل غلمانه، فغسلوا رأسه، ودعا بمزيّن فأخذ شعره، ودعا له بثياب جدد، فلبسها، وحمله معه إلى منزله، وقدّم له طعاماً سريّاً، فأكل معه، وأمر له بمئة دينار، وقال له: قد أجريت لك في كلّ شهر عشرة دنانير، أكسوك كسوة الشّتاء والصّيف. فقال له: يا سيّدي، أريد أن تحدّثني ما الذي كان بسببه قطع أذناك، وقلعت عينك، وما هذه الحدبة التي في ظهرك؟ فقال له الرّجل: يا هذا، وأيش سؤالك عمّا لا يعنيك، اله عن هذه؛ قال: لا بدّ أن تحدّثني؛ قال: يا هذا؛ إنّ هذا الذي تسألني عنه شيء ما حدّثت به أحداً قطّ، ولا جسر أحد يسألني عنه غيرك؛ وأنا الذي جلبت لنفسي هذه البليّة بإدخالك منزلي، فقم عافاك الله وانصرف. فقال: لا والله لا برحت أو تحدّثني؛ فقا: يا هذا، اختر منّي خصلة من اثنتين؛ إمّا أن تنصرف وقد سوّغتك ما وهبت لك، وإمّا أن أحدّثك وآخذ منك كلّ ما أعطيتك، وألبسك خلقك، وأضربك مئة عصاً تأديباً لك! فقال: يا سيدي، خذ منّي، واعمل بي ما شئت بعد ذلك؛ فقال للغلمان: اعتزلوا،

ثم أنشأ يحدّثني، فقال: كانت لي ابنة عمّ غنيّة موسرة، عظيمة اليسار، فخطبتها، فلم ترغب في لدمامتي وفقري، فوجّهت إليها: يا بنت عمّي، أبي وأبوك أخوان، وأنا أولى النّاس بك، وأنا أسألك أن تحبسي نفسك عليّ سنةً، فإن رزقني الله، وفتح لي، فأنا أولى النّاس بك، وإلاّ فاعملي بنفسك ما أحببت؛ فأجابتني إلى ذلك، واحتلت بعشرين ديناراً فاشتريت فرساً وسرجاً ولجاماً وسلاحاً، وخرجت إلى رجل من الفتيان ممّن يقطع الطّريق، معروف بالشّجاعة والفروسيّة، والإحسان إلى الفتيان والصّعاليك؛ وحدّثته بخبري، وطرحت نفسي عليه، وقبّلت رأسه ويديه، فأقمت عنده شهراً، وهو محسن إليّ، ثمّ خرجنا إلى الصّحراء نطلب الطّريق، ونحن عشرة فتيان أجلاد شجعان، كلّ واحد يرى نفسه. فبينما نحن جلوس إذ وافى رجل على فرس فاره، وسرج ولجام محلّى، ومعه بغل عليه صناديق، فوق الصّناديق جارية كأنّها الشّمس الطّالعة، وعليها ثياب مرتفعة، وحلّي ظاهر؛ فقال رئيسنا: قد جاءكم رزقكم؛ ثم التفت إلى رجل من أصحابه، فقال: يا فلان، قم الحق الرّجل فاقتله، وائتنا بالجارية وما معها؛ فركب الرّجل فرسه، ومضى خلف الرّجل حتى غاب عنّا وأبطا؛ فقال رئيسنا: أظنّ صاحبنا قتل الرّجل واشتغل بالجارية يضاجعها؛ ثم قال لرجلين: قوما إلى الجارية والرّجل فاحضرا ذلك إلينا؛ فمضيا واحتبسا ولم يعودا! فقال: لأصحابنا خبر؛ ثم ركب فرسه، وركبنا خيلنا، وسرنا فوافينا صاحبنا الأوّل مقتولاً، ثم سرنا فوافينا الآخرين قتيلين، وسرنا حتى لحقنا الرّجل، وإذا معه قوس موترة، وفيه السّهم؛ فرمى رئيسنا فقتله، ثم ثنّى بآخر فقتله، فانهزم الباقون، وهربوا على وجوههم، وأقمت أنا، فطلبت منه الأمان، فأمّنني، وسألته أن يأذن لي في صحبته وخدمته، فقال: خلّ قوسك وتعال سق بالجارية، وسار، ولم يأخذ من سلب القوم شيئاً، ولا من دوابّهم؛ ولم يزل سائراً إلى العصر حتى أتى ديراً فدّق بابه، فنزل إليه صاحب الدّير ففتح الدّير، ودخل الرّجل والجارية الدّير وأنا معهما، وذبح له صاحب الدّير دجاحة، وأعدّ له طعاماً سريّاً، ثم قدّم المائدة، وجلس الرّجل والجارية وأنا وصاحب الدّير وابنه، فأكلنا حتى شبعنا، ثم احضر الشّراب فلم يزالوا يشربون إلى المغرب، ثم قام إليّ وقال: اعذرني فيما أفعله بك، فإنيّ لست آمنك، وإنّما

أنت لصّ بعد كل حال، وأكره غدرك؛ ثم شدّ يدي وحبسني في بيت وأقفل عليّ، ولم يزل يشرب حتى سكر ونام، وأنا أطالع من شقّ الباب. فإذا الجارية رميت بحصاة، فأشارت إلى الذي رماها، وقالت: قف قليلاً، فلّما استثقل الفتى قامت إلى ابن صاحب الدّير، فوطئها، ثم عادت إلى مولاها؛ فغرت عليها، وقلت: مثل هذه جسرت على هذا السّيّد الشّجاع الذي ما رأت عيني مثله قطّ، فأقبلت أرمقها من خلل الباب وهي تقصد ابن صاحب الدّير يقضي حاجته منها ثم تعود، فلّما أصبح الرّجل، فتح الباب، وحلّ عني، واعتذر إليّ أيضاً. ومضت الجارية خارج الدّير لما يخرج له النّساء، فحدّثت مولاها بما كان منها، فصاح عليّ وزبرني وانتهزني فسكتّ وأنا خجل، فقلت: هذا رجل قد علم بها وراقت الجارية، فلم يظهر لها شيئاً. وأقام يومه ذلك، وأعدّ له صاحب الدّير طعاماً كما فعل بالأمس، وهو في ذلك يضاحك الجارية ويمازحها، إلى أن قدّم الطّعام، فأكلنا ثم قدّم الشّراب، فشربنا كفعلنا بالأمس سواء؛ ومع الجارية عود تغنّي به، فلّما جاء المساء، قام إليّ واعتذر إليّ وشدّ يديّ وحبسني في البيت وأقفله عليّ، وأقبل يشرب، وأنا أنظر إليه إلى أن نام، ورميت الجارية بحصاة، فأومت إليه: قف قليلاً؛ فلّما علمت أن مولاها قد استثقل قامت إليه فوطئها، ووثب مولاها إليهما مبادراً فذبحها، ثم فتح الباب عليّ، وحلّ كتافي، ودعا بصاحب الدّير وقال: خذ ابنك فواره، وحدّثه بأمره؛ وقال لي: إنّما صحت عليك لأستثبت القصّة في سكون، ولا أقدم على ما أقدم عليه إلاّ بعلم وعذر واضح. ثم أمرني فأسرجت له فرسه، فركب وحمل الصّناديق والجارية فوقها، وسار وأنا بين يديه ماش حتى انتصف اللّيل، وقال: عاونّي؛ فلم أزل أنا وهو حتى حفرنا قبراً وطرح الجارية فيه بثيابها وحليها لم ينزعه عنها وطم القبر ودفع إلى صرة، وقال: هذه مئة دينار، خذها وامض إلى أهلك، ولا تقصد هذا القبر ولا تقربه، والله لئن قربته لأنكّلنّ بك؛ فقلت: ما أقربه. وانصرفت فاختفيت ثلاثة أيام، ثم جئت إلى القبر في اللّيل، فحفرت حتى وصلت

إلى الجارية، فإذا مولاها قائم على رأسي، فأخرجني من القبر، وقطع أذنيّ، وقال: والله لئن عدت لأنكلن بك. فأقمت عشرة أيام، ثم رجعت إلى القبر، فحفرته حتى وصلت إلى الجارية، وهممت بقلع الحليّ، فإذا مولاها قائم على رأسي فأخرجني، وقلع عيني اليمنى؛ وقال ألم أقل لك: إنك لصّ، ليس فيك حيلة، والله لئن عدت لأقتلنك. وانصرفت، ثم عدت إلى القبر بعد ستة أشهر، وحفرت عليها، فقلعت عنها الحليّ، ورددت القبر كما كان، وانصرفت، فوجدت في الحليّ خمسمئة دينار، وجئت بلدي، ورفقت بابنة عمّي حتى تزوّجت بها، وكانت عظيمة النّعمة، كثيرة الجواري، فأباحتني نعمتها، ووضعت يدي في التّجارة، فكثر مالي، واتسعت دنياي، وعشقت جارية من جواري زوجتي، وبليت بها، وزاد الأمر عليّ حتى كنت لا أصبر عن نظري إليها، وبذلت لها ثلاثمئة دينار على أن تمكّنني من نفسها فلم تفعل، فقنعت بالنّظر، فشكتني إلى ستّها، وأعلمتها محبتي لها، وما بذلت لها، فحجبتها عنّي، ومنعتني من النّظر إليها. فجعلت بيني وبينها رسولاً على أن أشتريها من ستّها ثم أعتقها وأتزوّج بها، وأهب لها ألف دينار، فامتنعت وكلّمتني من وراء حجاب، فقالت: يا مولاي: اصدقني حتى أصدقك، هل أحببت ستّي قطّ؟ فقلت: إي والله، حتى جاء حبّك فأزال حبّها؛ قالت: وكذا بعدي تحبّ غيري وتبغضني، أنت رجل ملول، لا تصلح لي، فلا تتعب نفسك، فليس والله تصل إليّ أبداً. ومضت إلى ستّها فحدّثتها بكل ما جرى بيني وبينها، فطردت الرّسول، وحجبتها عنّي، فاشتد قلقي، ثم قابلتني وقالت: أخذتك فقيراً وحشاً، فكسرت بختي، ولحقني منك بلاء؛ إلى أن زاد الأمر بيني وبيتها، فمددت يدي إليها فأقبلتها إلى الأرض، وجعلت أخنقها، فبادرت الجارية التي أحبهّا فأخذت منارة عظيمة فضربت بها ظهري، وخرجت من الدّار هاربة على وجهها منّي. فماتت زوجتي ممّا خنقتها، وظهرت لي حدبة في ظهري، ولم أر الجارية إلى يومي هذا ولا سمعت لها بخبر!

إبراهيم الخياط

ثم أمر بالرّجل فنزعت عنه ثيابه، وألبسه خلقانه، وأخذ المال منه، وضربه مئتي عصاً وطرده. قال أبو إسحاق: فضحك أبو الجيش، وأمر لي بمئة دينار، فأخذتها وانصرفت. إبراهيم الخيّاط كان شيخاً فاضلاً بدمشق، يسكن بمسجد باب كيسان في سنة تسع وخمسين وثلاثمئة. أسماء الرجال على حرف الألف أبرد الدّمشقي فرّق ابن مندة بينه وبين أبرد بن يزيد الشّاميّ أبرش بن الوليد بن عبد عمرو ابن جبلة بن وائل بن قيس بن بكر بن الجلاح وهو عامر بن عوف بن بكر بن كعب بن عوف بن عامر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن الحاف ابن قضاعة واسمه سعيد، والأبرش لقب؛ أبو مجاشع الكلبيّ أحد الفصحاء من أصحاب هشام بن عبد الملك. عن هشام بن محمد بن السّائب الكلبيّ: أتت الخلافة هشاماً، وعنده سالم كاتبه، وكان مولاه، وإليه تنسب أجمة سالم؛ والرّبيع حاجبه؛ والأبرش الكلبيّ جليسه؛ فسجد هشام وكاتبه وحاجبه، ولم يسجد الأبرش، فلّما رفع هشام رأسه قال:

يا أبرش، ما منعك من السّجود وقد سجدت وسجد هذا وهذا؟ قال: أمّا أنت فأتتك الخلافة فشكرت الله عزّ وجلّ على عطاء جزيل، وأما هذا فكاتبك وشريكك، وأمّا هذا فحاجبك والمؤدّي عنك وإليك، وأمّا أنا فرجل من العرب لي بك حرمة وخاصيّة، وأنا أخاف أن تغيّرك الخلافة، فعلى ماذا أسجد؟ قال: وإنّما منعك من السّجود ما ذكرت!؟ نعم؛ قال: فلك ذمّة الله وذمّة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن لا أتغيّر عليك؛ قال: الآن طاب السّجود، الله أكبر. وحدّث الأبرش، قال: دخلت على هشام بن عبد الملك، فسألته حاجة، فامتنع عليّ، فقلت: يا أمير المؤمنين لا بدّ منها، فإنّا قد ثنينا عليها رجلاً؛ قال: ذاك أضعف لك، أن تثني رجلك على ما ليس عندك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما كنت أظنّ أنّي أمدّ يدي إلى شيء ممّا قبلك إلاّ نلته؛ قال: ولم؟ قلت: لأنّي رأيتك لذلك أهلاً، ورأيتني مستحقّة منك؛ قال: يا أبرش، ما اكثر من يرى أنه مستحقّ أمراً ليس له بأهل؛ فقلت: أفّ لك! إنك والله ما علمت قليل الخير نكده، والله إن نصيب منك الشّيء إلاّ بعد مسألة، فإذا وصل إلينا مننت به، والله إن أصبنا منك الخير قطّ. قال: لا والله، ولكنّا وجدنا الأعرابيّ أقلّ شيء شكراً؛ قلت: والله إني لأكره الرّجل يحصي ما يعطي. ودخل عليه أخوه سعيد بن عبد الملك، ونحن في ذلك، فقال: مه يا أبا مجاشع، لا تقل ذلك لأمير المؤمنين. قال: فقال هشام: أترضى بأبي عثمان بيني وبينك؟ قلت: نعم؛ قال: قال سعيد: ما تقول يا أبا مجاشع؟ فقلت: لا تعجل، صحبت والله هذا، وهو أرذل بني أبيه، وأنا يومئذ سيّد قومي، وأكثرهم مالاً، وأوجههم جاهاً، ادعى إلى الأمور العظام من قبل الخلفاء، وما يطمع هذا يومئذ فيما صار إليه حتى إذا صار إلى البحر الأخضر غرف لنا منه غرفةً، ثم قال: حسبك؛ فقال هشام: يا أبرش، اغفرها لي، فوالله لا أعود بشيء تكرهه أبداً، صدق يا أبا عثمان. قال: فوالله ما زال لي مكرماً حتى مات.

وعن محمد بن سلاّم الجمحيّ، قال: قال الفرزدق أبياتاً كتب بها إلى سعيد بن الوليد الأبرش الكلبيّ، فكلّم له هشاماً، وهي: من الطويل إلى الأبرش الكلبيّ أسندت حاجةً ... تواكلها حيّاً تميم ووائل على حين أن زلّت بي النّعل زلّةً ... وأخلف ظنّي كلّ حاف وناعل فدونكها يا بان الوليد فإنّها ... مفضفة أصحابها في المحافل ودونكها يا ابن الوليد فقم لها ... قيام امرئ في قومه غير حامل فكلّم فيها هشاماً، فأمر بتخليته، فقال: من الطويل لقد وثب الكلبيّ وثبة حازم ... إلى خير خلق الله نفساً وعنصراً إلى خبر أبناء الخلافة لم تجد ... لحاجته من دونها متأخراً أبى حلف كلب في تميم وعقدها ... لما سنّت الآباء أن يتغيّرا وكان حلف قديم بين كلب وتميم في الجاهلية؛ في ذلك قول جرير: من الطويل تميم إلى كلب، وكلب إليهم ... أحقّ وأولى من صداء وحميرا وعن أبي اليقظان، قال: كان بين مسلمة وهشام تباعد، وكان الأبرش الكلبيّ يدخل إليهما، وكان أحسن النّاس حديثاً وعقلاً وعلماً، فقال له هشام: كيف تكون خاصّاً بي وبمسلمة على ما بيننا؟ فقال: لأنّي كما قال الشاعر: من الطويل أعاشر قوماً لست أخبر بعضهم ... بأسرار بعض، إن صدري واسع فقال: كذلك والله أنت. وعن محمد بن سلاّم، قال: حدا الأبرش بالمنصور، فقال: من الراجز

أبق بن محمد بن بوري

أغرّ بين حاجبيه نوره ... إذا توارى ربه ستوره فأطرب المنصور، فأمر له بدرهم! فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني حدوت بهشام بن عبد الملك، فطرب فأمر لي بعشرة آلاف درهم؛ فقال: يا ربيع، طالبه بها، وقد أعطاه ما لا يستحقّه، وأخذه من غير حلّه! ؛ فلم يزل أهل الدّولة يشفعون له حتى ردّ الدّرهم وخلّي. أبق بن محمد بن بوري ابن طغتكين أتابك أبو سعيد التّركيّ ولد ببعلبك، وقدم دمشق مع أبيه محمد، فلّما مات أبوه محمد ولي إمرة دمشق يوم الجمعة الثامن من شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمئة، وكان أتابك زنكي بن أق سنقر صاحب حلب وبعض الشّام والموصل والجزيرة محاصراً لدمشق، فلم يصل منها إلى مقصود، ورحل عنها، وكان أبق صغير السّنّ، واستولى على أمره أنر بن عبد الله، الملّقب بمعين الدّين مملوك جدّ أبيه طغتكين، والرئيس أبو الفوارس المسيّب بن عليّ بن الصّوفي، فلّما مات أنر انبسطت بد أبق، والرئيس أبو الفوارس يدبّر الأمور، وبعد مدّة دبّر أبق وجماعة من بطانته على الرّئيس حتى أخرجه من دمشق إلى صرخد، واستوزر أخاه أبا البيان حيدرة بن عليّ مديدة، ثم استدعى عطاء بن حفاظ السّلميّ الخادم من بعلبكّ، وجعله مقدّماً على العسكر، وقتل أبا البيان، ثم قبض على عطاء وقتله، ولم يلبث بعد ذلك إلاّ يسيراً حتى قدم الملك العادل محمود بن زنكي بن آق سنقر، فحاصر البلد مدّةً يسيرة وسلّم إليه بالأمان يوم الأحد العاشر من صفر سنة تسع وأربعين وخمسمئة، ووفى لأبق بما جعل له وسلّم إليه مدينة حمص، فأقام بها يسيراً، ثم انتقل منها إلى بالسن مدينة بناحية الفرات فسلّمت إليه بأمر الملك العادل، فأقام بها مدّةً، ثم توجه منها إلى بغداد، فقبله أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله، وأخرج له ديواناً كفاه ببغداد، وقد كان

أبو نخيلة بن حرز ويقال حزن

قبل أن يخرج أبق الصّوفيّ من دمشق قد رفع الأقساط وما كان يؤخذ في الكور من الباعة، وكان كريماً، ومات ببغداد. أبو نخيلة بن حرز ويقال حزن ابن زائدة بن لقيط بن هدم بن يثربيّ، وقيل: أثربيّ بن ظالم بن مخاشن بن حمّان بن عبد العزّي بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم أبو الجنيد، وأبو العرماس الحمّانيّ الشّاعر من أهل البصرة، وأبو نخيلة اسمه، وله كنيتان، ويقال: اسم أبي نخيلة حبيب بن حزن. وكان عاقّاً بأبيه فنفاه عن نفسه، فخرج إلى الشّام، واتّصل بمسلمة بن عبد الملك، فأحسن إليه، وأوصله إلى خلفاء بني أميّة واحداً بعد واحد، وبقي إلى أيّام المنصور، وكان الأغلب على شعره الرّجز، وله قصيد غير كثير؛ وفد على هشام بن عبد الملك؛ وولدته أمّه في أصل نخلة فسمّته أبا نخيلة، وقيل: إنه كان مطعون النّسب. عن يحيى بن نحيم، قال: لمّا انتفى أبو أبي نخيلة منه، خرج يطلب الرّزق لنفسه، فتأدّب بالبادية حتى شعر وقال رجزاً كثيراً، وقصيداً صالحاً، وشهر بهما، وشاع شعره في البدو والحضر ورواه النّاس. ثم وفد إلى مسلمة بن عبد الملك فرفع منه، وأعطاه وشفع له، وأوصله إلى الوليد بن عبد الملك، ولم يزل به حتى أغناه. قال يحيى بن نجيم: فحدّثني أبو نخيلة، قال: وردت على مسلمة بن عبد الملك فمدحته، وقلت له: من الطويل

أمسلم إنّي يا ابن كلّ خليفة ... ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض شكرتك إن الشّكر حبل من التّقى ... وما كلّ من أوليته نعمةً يقضي وألقيت لمّا أن أتيتك زائراً ... عليّ لحافاً سابغ الطّول والعرض وأحييت لي ذكري وما كان خامداً ... ولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض قال: فقال لي مسلمة: ممّن أنت؟ قلت: من بني سعد؛ فقال: ما لكم يا بني سعد وللقصيد، وإنّما حظّكم في الرّجز؛ قال: فقلت له: أنا والله أرجز العرب! ؛ قال: فأنشدني من رجزك. فكأنّي والله لمّا قال لي ذلك، لم أقل رجزاً قطّ، أنسانيه الله كلّه، فما ذكرت منه ولا من غيره شيئاً إلاّ أرجوزة لرؤبة، وقد كان قالها في تلك السّنة؛ فظننت أنها لم تبلغ مسلمة، فأنشدته إيّاها؛ فنكّس، وتتعتعت؛ فرفع رأسه إليّ، وقال: لا تتعب نفسك، فإنّي أروى لها منك!. قال: فانصرفت وأنا أكذب النّاس عنده، وأخزاهم عند نفسي؛ حتى تلطّفت بعد ذلك، ومدحته برجز كثير، فعرفني وقرّبني، وما رأيت ذلك فيه ولا قرعني به حتى افترقنا. وحدّث الأصمعي عن عبيد الله بن سالم، قال: دخل عليّ أبو نخيلة، وأنا في قبّة تركيّة مظلمة، ودخل رؤبة فقعد في ناحية منها، ولا يشعر كلّ واحد منهما بمكان صاحبه، وقد قلنا لأبي نخيلة: أنشدنا، فانشد هذه وانتحلها بنفسه: من الرجز هاجك من أروى كمنهاض الفكك ... همّ إذا لم يعده همّ فتك وقد أرتنا حسنها ذات المسك ... شادخةً الغرّة زاهراء الضّحك تبلّج الزهراء في جنح الدّلك ... يا حكم الوارث عن الملك أرديت إن لم تحب حبو المعتنك ... أنت بإذن الله إن لم تترك

مفتاح حاجات أنحناهنّ بك ... الذّخر فيها عندنا والأجر لك قال: ورؤبة يئط ويزحر، فلّما فرغ قال رؤبة: كيف أنتم أبا نخيلة؟ فقال: يا سوأتاه! ألا أراك ها هنا؟ إنّ هذا كبيرنا الذي يعلّمنا؛ فقال رؤبة: إذا أتيت الشّام فخذ منه ما شئت، وما دمت بالعراق فإيّاك وإيّاه. قال يموت بن المزرّع: سمعت خالي عمرو بن بحر الجاحظ يقول: قال احمد بن إسحاق: دخل أبو نخيلة اليمن فلم ير أحداً حسناً، ورأى وجهه وكان قبيحاً فإذا هو أحسن من بها، فأنشأ يقول: من الرجز لم أر غيري حسناً ... منذ دخلت اليمنا ففي حرامّ بلدة ... أحسن من فيها أنا! حدّث الدّغل بن الخطّاب، قال: بنى أبو نخيلة داره، فمّر به خالد بن صفوان، فوقف عليه، فقال له أبو نخيلة: يا أبا صفوان، كيف ترى؟ قال: رأيتك سألت إلحافاً، وأنفقت إسرافاً، وجعلت يديك سطحاً، وملأت الأخرى سلحاً، فقلت: من وضع في سطحي وإلاّ رميته بسلحي؛ ثم مضى. فقيل له: ألا تهجوه؟ قال: إذاً يقف على المجالس سنة يصف أنفي لا يعيد حرفاً!. حدّث أبو نخيلة، قال: قدمت على أبي جعفر، فأقمت ببابه شهراً لا أوصل إليه، حتى قال لي ذات يوم عبد الله بن الرّبيع الحارثيّ: يا أبا نخيلة، إن أمير المؤمنين يرشّح ابنه للعهد بالخلافة، وهو على تقديمه بين يدي عيسى بن موسى، فلو قلت شيئاً تحثّه على ذلك، وتذكر فضل المهديّ كنت بالحريّ أن تصيب خيراً منه ومن أبيه، فقلت: من الرجز.

دونك عبد الله أهل ذاكا ... خلافة الله الذي أعطاكا أصفاك والله بها أصفاكا ... فقد نظرنا زمناً أباكا ثم نظرناك لها إيّاكا ... ونحن فيهم والهوى هواكا نعم ونستذري إلى ذراكا ... أسند إلى محّمد عصاكا فأنت ما استرعيته كفاكا ... وأحفظ النّاس له أذناكا وقد حملت الرّجل والأوراكا ... وحكت حتى لم أجد محاكا وزدت في هذا وذا وذاكا ... فكلّ قول قلت في سواكا زور وقد كفرّ هذا وذاكا. وقلت أيضاً كلمتي التي أقول فيها: من الرّجز إلى أمير المؤمنين فاعمدي ... سيراً إلى بحر البحور المزبد أنت الذي يا ابن سمي أحمد ... ويا ابن بنت العرب المشيد بل يا أمين الواحد الموحدّ ... إنّ الذي ولاّك ربّ المسجد أمسى وليّ عهدها بالأسعد ... عيسى فزحلقها إلى محّمد من قبل عيسى معهداً عن معهد ... حتّى تؤدّى من يد إلى يد فيكم وتغنى وهي في تردّد ... فقد رضينا بالغلام الأمرد بل قد فزعنا غير أن لم نشهد ... وغير أنّ العهد لم يؤكد فلو سمعنا لّجة امدد أمدد ... كانت لنا كزعقة الورد الصّدي فبادر البيعة ورد الحسّد ... بيّن من يومك هذا أو غد فهو الذي تمّ فما من عنّد ... وردّ ما شئت فزده يزدد وردّه مثل رداء ترتدي ... فهو رداء السّابق المقلّد قد كان يروى أن ما كان قد ... عادت ولو فعلت لم تودد فهي ترامي فدفداً عن فدفد ... حيناً فلو قد حان ورد الورّد وحان تحويل القرين المفسد ... قال لها الله هلمّي فاسندي

فأصبحت نازلةً بالمعهد ... والمحتد المحتد خير محتد لم ترم ثرثار النّفوس الحسّد ... بمثل ملك ثابت مؤيّد لمّا انتخوا قدحاً بزند مصلد ... يلوي بمشرون القوى مستجمد يزداد إبغاضاً على التّهدد ... فزايلوا باللّين والتعبّد صمامة تأكل أكل المزبد قال: فرويت وصارت في أفواه الخدم، وبلغت أبا جعفر، فسأل عن قائلها، فأخبر أنها لرجل من زيد مناة، فأعجبته فدعاني فدخلت عليه، وإنّ عيسى بن موسى لعن يمينه، والنّاس عنده ورؤوس القّواد والجند. قال: فلّما كنت بحيث يراني ناديت: يا أمير المؤمنين، أدنني منك حتى أفهمك وتسمع مقالتي. ثال: فأومى بيده فأدنيت حتى كنت قريباً منه، فلّما صرت بين يديه، قلت ورفعت صوتي أنشده من هذا الموضع من الكلمة، ثم رجعت إلى أوّل الأرجوزة، فأنشدته من أوّلها إلى هذا الموضع أيضاً، فأعدت عليه حتى أتيت على آخرها والنّاس منصتون، وهو يتسارّ بما أنشدته، مستمع له، فلّما خرجنا من عنده، إذا رجل واضع يده على منكبي، فالتفت فإذا عقال بن شبّة، فقال: لها أنت، فقد سررت أمير المؤمنين، وإن التام الأمر على ما نحبّ فلعمري لتصيبنّ منه خيراً، وإن يك غير ذاك فابتغ نفقاً في الأرض أو سلّماً في السّماء. قال: فكتب له المنصور بصلة إلى الرّيّ، فوجّه عيسى في طلبه، فلحق في طريقه، فذبح وسلخ وجهه؛ وقيل: قتل بعدما انصرف من الرّيّ، وقد أخذ الجائزة.

أبي بن كعب بن قيس بن عبيد

أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد ابن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النّجار وهو تيم الله ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج أبو المنذر الأنصاريّ الخزرجيّ، ويكنى أيضاً أبا الطّفيل سيّد القرّاء، شهد مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدراً والعقبة وغيرهما من المشاهد، وروى عنه أحاديث صالحة، وشهد مع عمر بن الخطاب الجابية، وكتب كتاب الصّلح لأهل بيت المقدس. روى قال: كان رجل بالمدينة لا أعلم رجلاً كان أبعد منزلاً من المسجد منه، فقيل له: لو اشتريت حماراً تركبه في الرّمضاء والظلّماء؛ فقال: ما يسرّني أن داري إلى جنب المسجد. فنمى الحديث إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: ما أردت بقولك: ما يسرّنّي أنّ داري إلى جنب المسجد؟ قال: أردت أن يكتب إقبالي إذا أقبلت المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي؛ قال: أنطاك الله ذلك كلّه، أنطاك الله ما احتسبت أجمع مرتين. وعن أبي الحويرث، قال: كان يهود من بيت المقدس، وكانوا عشرين رأسهم يوسف بن نون، فاخذ لهم كتاب أمان، وصالح عمر بالجابية، وكتب كتاباً، ووضع عليهم الجزية وكتب: بسم الله الرّحمن الرحيم، أنتم آمنون على دمائكم وأموالكم وكنائكسم ما لم تحدثوا أو تؤوا محدثاً، فمن أحدث منهم أو آوى محدثاً فقد برئت منه ذمّة الله، وإنّي بريء من معرّة الجيش؛ شهد معاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وكتب أبيّ بن كعب. وعن عليّ بن رياح اللّخميّ، قال: خطب عمر بن الخطّاب بالجابية، فقال: أيّها

النّاس، من كان يريد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن كعب، ومن كان يريد أن يسال عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن كان يريد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن كان يريد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازناً وقاسماً، أبدأ بأزواج النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم بالمهاجرين بن الأوّلين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، أنا وأصحابي، ثم بالأنصار الذين تبوؤا الدّار والإيمان، فمن أسرع إلى الهجرة أسرع إليه العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة فلا يلومنّ رجل منكم إلاّ مناخ راحلته. قال ابن سعد: وأمّه صهيلة بنت الأسود بن حرام بن عمرو بن مالك بن النّجار، وكان لأبيّ بن كعب من الولد: الطّفيل ومحمد، وأمهّما أمّ الطّفيل بنت الطّفيل بن عمرو بن المنذر بن سبيع بن عبد نهم من دوس، وأمّ عمرو بنت أبيّ، ولا ندري من أمّها، وقد شهد أبيّ بن كعب العقبة مع السبعين من الأنصار في روايتهم جميعاً، وكان أبيّ يكتب في الجاهليّة قبل الإسلام، وكانت الكتابة في العرب قليلة، وكان يكتب في الإسلام الوحي لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمر الله رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقرأ على أبيّ القرآن؛ وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أقرأ أمتي أبيّ ".

وعن عبد الرحمن بن أبزى، قال: قلت لأبيّ بن كعب لمّا وقع النّاس في أمر عثمان: أبا المنذر، ما المخرج من هذا الأمر؟ قال: كتاب الله، ما استبان فاعمل به، وما اشتبه فكله إلى عالمه. وعن زرّ، قال: قلت لأبيّ بن كعب: أبا المنذر، أخبرني عن ليلة القدر، فإن صاحبنا يعني ابن مسعود كان إذا سئل عنها قال: من يقم الحول يصبها، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، أما والله لقد علم أنها في رمضان، ولكن أحبّ أن لا تتّكلموا، وأنها ليلة سبع وعشرين لم يستثن قلت: أبا المنذر، أنّى علمت ذلك؟ قال: بالآية التي قال لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صبيحة القدر تطلع الشّمس لا شعاع لها كأنها طست حتى ترتفع ". وعن عيسى بن طلحة، قال: كان أبيّ رجلاً دحداحاً ليس بالقصير ولا بالطويل. وقال سهل بن سعد السّاعدي: كان أبيّ لا يغّير شيبه، أبيض الرأس واللّحية. وعن عبد الرحمن بن أبزى، قال: قال أبيّ بن كعب: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنّي أمرت أن أقرأ عليك القرآن " قال: قلت: يا رسول الله، وسمّيت لك؟ قال: نعم. قلت لأبيّ: وفرحت بذلك؟ قال: وما يمنعني، وهو يقول: " قل: بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ". وعن خيثمة بن عبد الرحمن قال: كنت جالساً عند عبد الله بن عمرو فذكر ابن مسعود فقال: ذاك رجل لا أزال أحبّه بعد أن سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " استقرؤوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة ". وعن أنس بن مالك، قال: افتخر الحيّان من الأوس والخزرج، فقال الأوس، منّا غسيل الملائكة حنظلة بن الرّاهب، ومنّا من اهتزّ له عرش الرّحمن، ومنّا من حمته الدّبر عاصم بن ثابت بن الأقلح، ومنّا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت؛ قال: فقال الخزرجيّون: منّا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه أحد غيرهم؛ زيد بن ثابت، وأبو زيد وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل. وعن ابن عبّاس: أن أبيّاً قال لعمر: يا أمير المؤمنين إنّي تلّقيت القرآن ممّن تلقّاه من جبريل وهو رطب. زعم أبيّ بن كعب، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلّى بالنّاس فترك آية، فقال: " أيّكم أخذ عليّ شيئاً من قراءتي؟ " فقال أبيّ: أنا يا رسول الله، تركت آية كذا وكذا؛ فقال النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قد علمت إن كان أحد أخذها عليّ فإنك أنت هو ". وعن أنس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أرحم أمتّي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأفرضهم

زيد، واقرؤهم أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وإن لكل أمّة أميناً، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجرّاح ". عن أبيذ بن كعب، قال: بينا أنا يوماً في المسجد إذ قرأت آية في سورة النّحل كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقرأنيها، فقرأها رجل إلى جانبي فخالف قراءتي، فقلت: من أقرأك هذه القراءة؟ فقال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قرأ آخر فخالف قراءتي وقراءته، قلت: من أقرأكها؟ قال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قلت لله: لا أفارقكما حتى تأتيا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فأتيناه، فأخبرته الخبر، فقال: اقرأ فقرأت، فقال: أحسنت ثم قال لآخر: اقرأ فقرا، فقال: أحسنت، ثم قال للآخر: اقرأ فقرأ، فقال: أحسنت فدخلني شكّ يومئذ لم يدخلني مثله قطّ إلاّ في الجاهلية! فلّما رأى ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لعلّ الشّيطان دخلك؟ ثم دفع بكفّه في صدري، فقال: اللهم احبس عنه الشّيطان ثم قال: أتاني آت من ربّي، فقال: يا محّمد اقرأ القرآن على حرف، فقلت: يا رب خفّف عن أمتي، ثم أتاني آت من ربي فقال: يا محمد إقرأ القرآن على حرف، فقلت يا رب خفف عن أمتي ثم أتاني آت من ربي فقال: يا محمد إقرأ القرآن على حرف، فقلت: يا رب خفف عن أمتي ثم أتاني آت من ربّي، فقال: يا محّمد اقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكلّ ردّ مسألة، فقلت: يا رب اغفر لأمّتي، ثم قلت: يا رب اغفر لأمّتي، وأخّرت الثّالثة شفاعة إلى يوم القيامة، والذي نفس محّمد بيده إنّ إبراهيم ليرغب في شفاعتي. عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أبا المنذر، أيّ آية معك من كتاب الله أعظم؟ " قال: قلت: " الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم "؛ فضرب في صدري، فقال: " ليهنك العلم، فوالذي نفسي بيده إن لهذه للساناً وشفتين تقدّس الملك عند ساق العرش ".

وعن أبيّ بن كعب، قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذهب ربع اللّيل قام فقال: " أيّها النّاس اذكروا الله اذكروا الله، جاءت الرّاجفة تتبعها الرّادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه ". قال أبيّ: قلت: يا رسول الله، إنّي أكثر الصّلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير قال: الرّبع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير قال: أجعل النّصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير قال: الثّلثين؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير قال: أجعل لك صلاتي كلّها؟ قال: إذا تكفى همّك، ويغفر ذنبك. وعن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما من شيء يصيب المؤمن في جسده إلاّ كفّر الله عنه به من الذّنوب ". فقال أبيّ بن كعب: اللهم إنّي أسألك أن لا تزال الحمّى مضارعةً الجد أبيّ بن كعب حتى يلقاك، لا يمنعه من صيام ولا صلاة ولا حجّ ولا عمرة ولا جهاد في سبيلك؛ فارتكبته الحمّى فلم تفارقه حتى مات، وكان في ذلك يشهد الصّلوات ويصوم ويحجّ ويعتمر ويغزو. قال الحارث بن نوفل: وقفت أنا وأبيّ بن كعب في ظلّ أطم حسان، وسوق النّاس يومئذ في موضع سوق الفاكهة اليوم؛ فقال أبيّ: ألا ترى النّاس مختلفة أعناقهم في طلب الدّنيا؟ قلت: بلى؛ قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع النّاس بذلك وصاروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا النّاس يأخذونه ليذهبنّ به، قال: فيقتتل النّاس فيقتل من كلّ مئة تسعة وتسعون. وعن عمرو بت العاص، قال: كنت جالساً عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يوم عيد، فقال: " ادع لي سيّد الأنصار "

فدعو أبيّ بن كعب، فقال: يا أبيّ بن كعب، آيت بقيع المصلّى، فأمر بكنسه، ثم مر النّاس فليخرجوا، فلّما بلغ عتبة الدّار رجع، فقال: يا نبيّ الله، والنّساء؟ قال: نعم، والعواتق والحيض يكنّ في آخر النّاس يشهدن الدّعوة. وعن أبيّ بن كعب، قال: جاء رجل إلى النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن فلاناً يدخل على امرأة أبيه؛ فقال أبيّ: لو كنت أنا لضربته بالسّيف؛ فضحك النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: ما أغيرك يا أبيّ! إني لأغير منك، والله أغير منّي. وعن المزني قال: سمعت الشافعيّ يقول: قال رجل لأبيّ بن كعب: أوصني يا أبا المنذر؛ قال: لا تعترض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوّك، واحترس من صديقك، ولا تغبطنّ حيّاً إلاّ بما تغبطه به ميتاً، ولا تطلب حاجةً إلى من لا يبالي ألاّ يقضيها لك. ومرّ عمر بن الخطّاب بغلام، وهو يقرأ في المصحف: النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم وهو أب لهم، فقال: يا غلام حكّها؛ قال: هذا مصحف أبيّ؛ فذهب إليه فسأله فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصّفق بالأسواق. وعن جندب، قال: أتيت المدينة ابتغاء العلم، وإذا النّاس في مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حلق حلق يتحدثون؛ قال: فجعلت أمضي الحلق حتى أتيت حلقةً فيها رجل شاحب، عليه ثوبان كأنّما قدم من سفر، فسمعته يقول: هلك أصحاب العقدة وربّ الكعبة، ولا آسا عليهم، قالها ثلاث مرّات؛ قال: فجلست إليه فتحدّث بما قضي له، ثم قام، فلّما قام سألت عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبيّ بن كعب سيّد المسلمين؛ فتبعته حتى أتى منزله، فإذا هو رثّ المنزل، ورثّ الكسوة يشبه بعضه بعضاً، فسلّمت عليه، فرّد عليّ السّلام، ثم سألني: من أنت؟ قلت: من أهل العراق؛ قال: أكثر شيء سؤالاً! قال: فلّما قال ذاك

غضبت، فجثوت على ركبتيّ، واستقبلت القبلة، ورفعت يديّ، فقلت: اللهم إنّا نشكوهم إليك، إنّا ننفق نفقاتنا، وننصب أبداننا، ونرحل مطايانا ابتغاء العلم، فإذا لقيناهم تجهّمونا وقالوا لنا؛ قال: فبكى أبيّ، وجعل يترضّاني، وقال: ويحك، لم أذهب هناك؛ ثم قال: إنّي أعاهدك لئن أبقيتني إلى يوم الجمعة لأتكلمنّ بما سمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أخاف فيه لومة لائم؛ ثم أراه قام، فلّما قال ذلك انصرفت عنه وجعلت أنتظر الجمعة لأسمع كلامه؛ قال: فلّما كان يوم الخميس خرجت لبعض حاجاتي فإذا السّكك غاصّةمنالنّاس، لا آخذ في سكّة إلاّ تلقّاني النّاس، قلت: ما شأن النّاس؟ قالوا: نحسبك غريباً؛ قلت: أجل؛ قالوا: مات سيّد المسلمين أبيّ بن كعب. قال: فلقيت أبا موسى بالعراق فحدّثته بالحديث، فقال: والهفاه! ألا كان بقي حتى يبلغنا مقالة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن عمران بن عبد الله قال: قال أبيّ بن كعب لعمر بن الخطّاب: مالك لا تستعملني؟ قال: أكره أن يدنس دينك. وعن أبي المهلب، عن أبيّ بن كعب قال: أمّا أنا فأقرأ القرآن في ثمان ليال. وعن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطّاب: اخرجوا بنا إلى أرض قومنا؛ قال: فخرجنا، فكنت أنا وأبيّ بن كعب في مؤخّر النّاس، فهاجت سحابة، فقال أبيّ: اللهم اصرف عنّا أذاها، فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم، فقال عمر: أما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إن أبا المنذر دعا الله عزّ وجلّ أن يصرف عنّا أذاها؛ فقال عمر: ألا دعوتم لنا معكم! قال معمر: عامّة علم ابن عباس من ثلاثة: عمر، وعليّ، وأبيّ بن كعب، رضي الله عنهم أجمعين. وعن مسروق، قال: سألت أبيّ بن كعب عن شيء، فقال: أكان بعد؟ قلت: لا؛ قال: فأجمّنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. وعن أبي العالية، قال: كان أبيّ بن كعب صاحب عبادة، فلّما احتاج إليه النّاس ترك العبادة، وجلس للقوم.

أتسنر بن أوق بن الخوارزمي التركي

وعن عبد الله بن أبي نصير، قال: عدنا أبيّ بن كعب في مرضه، فسمع المنادي بالأذان، فقال: الإقامة هذه أو الأذان؟ فقلنا: الإقامة؛ فقال: ما تنتظرون؟ ألا تنهضون إلى الصّلاة؟ فقلنا: ما بنا إلاّ مكانك؛ قال: فلا تفعلوا، قوموا، إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلّى بنا صلاة الفجر، فلّما سلّم أقبل على القوم بوجهه، فقال: أشاهد فلان، أشاهد فلان حتى دعا بثلاثة كلّهم في منازلهم لم يحضروا الصّلاة، فقال: إن أثقل الصّلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأوهما ولو حبوا، واعلم أن صلاتك مع رجل أفضل من صلاتك وحدك، وأن صلاتك مع رجلين أفضل من صلاتك مع رجل، وما أكثرتم فهو أحبّ إلى الله، وإن الصّفّ المقدّم على مثل صفّ الملائكة، ولو يعلمون فضيلته لابتدروه، ألا وإن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرّجل وحده أربعاً وعشرين أو خمساً وعشرين. قال الهيثم ين عدّي: أبيّ بن كعب توفي سنة تسع عشرة. وقال المدائنيّ: سنة عشرين، فيها مات أبيّ بن كعب. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: مات أبيّ بن كعب في خلافة عمر سنة اثنتين وعشرين. وقال الواقدي: اختلف في موت أبيّ بن كعب، وأثبت الأقاويل عندنا أنه مات سنة ثلاثين. وقال ابن سعد: سنة ثلاثين، وهو أثبت هذه الأقاويل عندنا، وذلك أن عثمان بن عفّان أمره أن يجمع القرآن. أتسنر بن أوق بن الخوارزميّ التّركيّ ولي دمشق في ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمئة، بعد حصاره إيّاها دفعات، وأقام بها الدّعوة لبني العبّاس، وتغلّب على اكثر الشّام، وقصد مصر ليأخذها، فلم يتّم له

أجلح بن منصور الكندي

ذلك، ثم رجع إلى دمشق، ووجّه المصريّون إليه عسكراً ثقيلاً، فلّما خاف من ظفرهم به راسل تنش بن ألب أرسلان يستنجد به، فقدم دمشق سنة إحدى وسبعين وأربعمئة، فغلب على البلد، وقتل أتسنر لإحدى عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الآخر من هذه السّنة، واستقام الأمر لتتش. وكان أتسنر لمّا دخل البلد أنزل جنده آدر الدّمشقيين، واعتقل من وجوههم جماعةً، وشمّسهم بمرج راهط، حتى افتدوا نفوسهم منه بمال أدّوه إليه، ورحل جماعة منهم عن البلد إلى أطرابلس، إلى أن أريحوا منه بعد. أجلح بن منصور الكنديّ شاعر فارس، شهد صفّين مع معاوية، وقتل يومئذ. عن جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، عن الحارث بن أدهم وصعصعة بن صوحان، وأحدهما يزيد على الآخر: قالا: فقتل الأشتر في تلك المعركة بيده سبعة مبارزةً، منهم صالح بن فيروز العكّي، ومالك بن أدهم السّلامانيّ، ورياح بن عتيك الغسّانيّ، والأجلح بن منصور الكنديّ وإبراهيم بن الوضاح الجمحيّ، وزامل بن عتيك الجذامي، ومحمد بن روضة الجمحيّ. قالا: وقتل الأشعث فيها خمسة. وقال جابر: خرج الأجلح بن منصور وكان من فرسانهم، فلّما رآه الأشتر كره لقاءه فحمل عليه وهو يقول: من الرجز بليت بالأشتر ذاك المذحجيّ ... بفارس في حلق مدجّج كاللّيث ليث الغابة المهيّج ... إذا دعاه القرن لم يعرّج فضربه الأشتر فقتله.

أحمر بن سالم المري

أحمر بن سالم المرّيّ شاعر وفد على عبد الملك بن مروان. عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: دخل الأحمر بن سالم المرّيّ على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا أحمر، كيف قلت: من الطويل مقلّ رأى الإقلال عاراً فلم يزل ... يجوب بلاد الله حتى تموّلا فأنشده، فأصغى إليه مطرقاً، فلّما فرغ قال: حاجتك؟ قال: أنت يا أمير المؤمنين أعلى بالجميل غنياً، فافعل ما أنت أهله، فإني لمّا أوليتني غير كافر. فأمر له عبد الملك بعشرة آلاف درهم، وألحقه في الشّرف، فخرج من عبد عبد الملك وهو يقول: من الطويل بكفّ ابن مروان حييت وناشني ... إلهي من دهر كثير العجائب فلّما أنشد عبد الملك قال: أحسنت، ويحك، يا ابن سالم، هل كنت هيأت شيئاً ممّا قلت قبل اليوم؟ قال: لا، قال: ويحك، قد أمكنك القول فلا تكثر، وقليل كاف خير من كثير غير شاف؛ ثم أمر له بخلعة وأربعة آلاف درهم وحمله، وقال: الزم بابي، وإيّاك وأعراض النّاس، فإني أرى لك لساناً لا يدعك حتى يوقعك في ورطة يوماً، فاحذر أن يوردك شعرك مورد سوء يصيّرك تحت كلكل هزبر أبي أشبل يضغمك ضغماً لا بقيّة بعد ضغمه فيك. فلم يلبث الأحمر بن سالم أن قدم العراق فهجا الحجّاج بن يوسف، وقال في هجائه: من الطويل ثقيف بقايا من ثمود ومالهم ... أب ماجد من قيس عيلان ينسب

أحنف الكلبي

إذا انتسبوا في قيس عيلان كذّبوا ... وقالوا: ثمود جدّكم والمغيّب هم ولدوكم غير شكّ فيّمموا ... بلاد ثمود حيث كانوا وعذّبوا وأنت دعيّ يا ابن يوسف فيهم ... زنيم إذا ما حصّلوا تتذبذب فطلبه الحجّاج، وأجعل فيه، وتقدّم إلى سائر عمّاله أن لا يفلتهم؛ فأخذه صاحب هيت، ووجّه به مقيّداً؛ فلّما دخل الحجّاج بن يوسف، قال: ما جزاؤك عندي إلاّ أن أعذّبك بما اختاره الله لأعدائه من أليم عقابه؛ فأحرقه بالنّار! أحنف الكلبيّ أحد من دعا إلى بيعة يزيد بن الوليد النّاقص. أحوص بن حكيم بن عمير وهو عمرو ابن الأسود العنسيّ، ويقال: الهمدانيّ قيل: إنه دمشقيّ، والصحيح أنه حمصيّ. رأى أنس بن مالك، وعبد الله بن بسر، وحدّث عن جماعة. روى عن راشد بن سعد، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أصابه الصّداع ممّا ينزل عليه من الوحي غلّف رأسه بالحنّاء، وكان يأمر بتغيير الشّيب ومخالفة الأعاجم. وعن عبد الله بن عابر، عن عتبة بن عبد السّلمي، عن أبي أمامة الباهليّ، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه كان يقول: " من صلّى صلاة الصّبح وهو في الجماعة، ثم ثبت حتى يسبّح فيه سبحة الضّحى، فصلّى ركعتين أو أربعاً كان له مثل أجر حاجّ ومعتمر. تام له حجّه وعمرته ".

أحوص بن عبد الله

قال ابن عديّ: وللأحوص بن حكيم روايات، وهو ممّن يكتب حديثه، وقد حدّث عنه جماعةمن الثّقات، وليس فيما يرويه شيء منكر، إلاّ أنه يأتي بأسانيد لا يتابع عليها. وقال ابن حميد: قدم الرّيّ مع المهديّ الأحوص بن حكيم، وكان قدوم المهديّ الرّيّ سنة ثمان وستين ومئة. أحوص بن عبد الله ويقال: عبد الله بن الأحوص القرشيّ، الأمويّ من بني أميّة الأصغر بن عبد شمس، أخو أميّة الأكبر، ولاّه معاوية البحرين. عن سليمان بن يسار: أن الأحوص رجل من أشراف أهل الشّام، طلّق امرأته تطليقةً أو تطليقتين، فمات، وهي في الحيضة الثالثة، في الدم، فرفع ذلك إلى معاوية، فلم يوجد عنده بها علم، فسأل عنها فضالة بن عبيد ومن هناك من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يجد عندهم بها علماً، فبعث فيها راكباً إلى زيد بن ثابت، فقال: لا ترثه، ولو ماتت لم يرثها. أخضر القيسيّ والد مخارق بن الأخضر وفد على عبد الملك، وحكى عن جرير بن الخطفي الشاعر حدّث أبو الأخضر المخارق بن الأخضر القيسيّ، قال: قال أبي: كنت والله الذي لا إله إلا هو أخصّ النّاس بجرير، وكان ينزل إذا قدم على الوليد بن عبد الملك عند سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان عديّ بن الرّقاع خاصّاً بالوليد مدّاحاً له. فكان جرير يجيء إلى باب الوليد فلا يجالس أحداً من النّزاريّة، ولا يجلس إلاّ إلى

أخطل بن الحكم بن جابر

رجل من اليمن؛ بحيث يقرب من مجلس ابن الرّقاع، إلى أن يأذن الوليد للنّاس فيدخل. فقلت له: يا أبا حزرة، اختصصت عدوّك بمجلسك؟ فقال: إنّي والله ما أجلس غلي إلاّ لأنشده أشعاراً تخزيه وتخزي قومه. قال: ولم يكن ينشد شيئاً من شعره، إنّما كان ينشد من شعر غيره ليذلّه ويخوّفه نفسه؛ فأذن الوليد للنّاس ذات عشية، فدخلوا ودخلنا، فاخذ النّاس مجالسهم، وتخلّف جرير، فلم يدخل حتى دخل النّاس، وأخذوا مجالسهم، واطمأنوا فيها؛ فبينما هم كذلك إذا بجرير قد مثل بين السّماطين، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، إن رأى المؤمنين أن يأذن لي في ابن الرّقاع المتفرّقة أؤلف بعضها إلى بعض! قال: وأنا جالس اسمع؛ فقال الوليد: والله لقد هممت أن أخرجه على ظهرك للنّاس! فقال جرير وهو قائم كما هو: من الطويل فإن تنهني عنه فسمعاً وطاعةً ... وإلاّ فإني عرضةً للمراجم قال: فقال له الوليد: لا كثّر الله في النّاس أمثالك؛ فقال جرير: يا أمير المؤمنين، إنما أنا واحد قد سعرت الأمّة، فلو كثر أمثالي لأكلوا النّاس أكلاً. قال: فنظرت والله إلى الوليد تبسّم حتى بدت ثناياه تعجباً من جرير وجلده. قال: ثم أمره فجلس. أخطل بن الحكم بن جابر ويقال ابن معمر أبو القاسم القرشيّ سمع وأسمع. روى عن محمد بن يوسف القريابيّ، بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تستأمر اليتيمة في نفسها، وصمتها إقرارها ".

أخطل بن المؤمل أبو سعيد الجبيلي

وعن الفريابيّ، بسنده عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أتستأمر النّساء في أبضاعهنّ؟ قال: إن البكر لتستأمر فتستحيي فتسكت، وإذنها سكوتها. وعن الوليد بن مسلم، بسنده عن أبي الدّرداء، قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شهر رمضان، وإن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدّ الحر، وما فينا صائم إلاّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعبد الله بن رواحة. قال ابن زبر: مات سنة أربع وستين ومئتين. وقال ابن منده: مات سنة ستين ومئتين. أخطل بن المؤمل أبو سعيد الجبيلي روى عن مسلم بن عبيد، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية، من بني عبد الأشهل، أنها أتت النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو بين أصحابه، فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النّساء إليك، واعلم نفسي لك الفداء أنه ما من امرأة كانت في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع، إلاّ وهي على مثل رأيي؛ إن الله بعثك إلى الرّجال والنّساء كافّةً فآمنا بك وبإلهك، وإنّا معشر النّساء محصورات، مقصورات، قواعد بيتوتكم، ومفضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرّجال فضّلتم علينا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحجّ بعد الحجّ، وأفضل من ذلك، الجهاد في سبيل الله، وإن الرّجل منكم إذا خرج حاجّاً أو معتمراً أو مرابطاً، حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربّينا لكم أولادكم؛ فما نشاركم في هذا الخير يا رسول الله؟ فالتفت النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوجهه كلّه، ثم قال: " سمعتم مقالة امرأة قطّ أحسن

أخيج بن خالد بن عقبة بن أبي معيط

من مساءلتها عن أمر دينها من هذه؟ "؟ قالوا: يا رسول الله، ما ظنّنا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا! فالتفت النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليها، ثم قال: " انصرفي أيّتها المرأة، واعلمي من وراءك من النّساء، أن حسن تبعّل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، وأتباعها موافقته، يعدل ذلك كله ". قال: فأدبرت المرأة وهي تهلّل وتكبّر استبشاراً. أخيج بن خالد بن عقبة بن أبي معيط واسمه: أبان، ويقال: أجيج كان من صحابة الوليد بن عبد الملك. عن ابن الأعرابي، قال: كان عبد الله بن الحجّاج قد خرج مع نجدة بن عامر الحنفيّ الشّاريّ، فلما انقضى أمره هرب، وضاقت عليه الأرض من شدّة الطلب، فقال في ذلك: من الطويل رأيت بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطرود كفّة حابل تؤدّي إليه أن كلّ ثنيّة ... تيّممها ترمي إليه بقاتل قال: ثم لجأ إلى أخيج بن خالد بن عقبة بن أبي معيط، فسعى به إلى الوليد بن عبد الملك، فبعث إليه بالشّرط، فأخذ من دار أخيج، فأتي به الوليد، فحبسه، فقال وهو في الحبس: من الوافر أقول وذاك فرط الشّوق منّي ... لعيني إذ نأت ظمياء فيضي فما للقلب صبر يوم بانت ... وما للدّمع يسفح من مغيض كأن معتّقاً من أذرعات ... بماء سحابة خصر بضيض

بفيها إذ تخافتني حياءً ... بسر، لا تبوح به، خفيض يقول فيها: فإن يعرض أبو العبّاس عنّي ... ويركب بي عروضاً عن عروض ويجعل غرفه يوماً لغيري ... ويبغضني فإني من بغيض فإنّي ذو غنىً وكريم قوم ... وفي الأكفاء ذو وجه عريض غلبت بني أبي العاصي سماحاً ... وفي الحرب المذكّرة العضوض خرجت عليهم في كلّ يوم ... خروج القدح من كفّ المفيض فذلك من إذا ما جئت يوماً ... تلقّاني بجامعة ربوض على جنب الخوان وذاك لؤم ... وبئست تحفة الشّيخ المريض كأنّي إذا فزعت إلى أخيج ... فزعت إلى مقرقبة بيوض إوزّة غيضة لقحت كشافاً ... لقحقها إذا درجت نقيض قال: فدخل أخيج على الوليد بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عبد الله بن الحجّاج قد هجاك؛ قال: بماذا؟ فأنشده قوله: فإن يعرض أبو العباس عنّي ... ويركب بي عروضاً عن عروض ويجعل عرفه يوماً لغيري ... ويبغضني فإني من بغيض فقال الوليد: وأيّ هجاء في هذا؟ هو من بغيض إن أعرضت عنه أو أقبلت عليه، أو أحببته أو أبغضته، ثم ماذا؟ فانشده: كأني إذا فزعت إلى أخيج ... فزعت إلى مقرقبة بيوض فضحك الوليد، وقال: ما أراه هجا غيرك؛ فلّما خرج من عنده أمر بتخلية سبيل عبد الله بن الحجّاج.

إدريس بن إبراهيم أبو الحسين

إدريس بن إبراهيم أبو الحسين البغداديّ الواعظ صنّف كتاباً سمّاه: أنس الجليس، ومسرّة الأنيس: روى فيه عن جماعة، ولم يقع إليّمنروى عنه ولا ذكره أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد. إدريس بن أبي إدريس عايذ الله ابن عبد الله بن إدريس بن عايذ بن عبد الله بن عتبة بن غيلان بن مكين الخولانيّ قال المنذر بن نافع: سمعت إدريس بن أبي إدريس يقول: قال لي أبي: أتكتب شيئاً ممّا تسمع منّي؟ فقلت: نعم؛ قال: فائتني به، قال: فأتيته به فحرّقه. وعن يحيى بن الحارث قال: رأيت أبا إدريس الخولانيّ، وإدريس بن أبي إدريس يسجدان في الحجّ سجدتين. وروى عن أبيه قال: ليعقبنّ الله الذين يمشون إلى المساجد في الظّلم نوراً تامّاً يوم القيامة. وقال لأبيه: يا أبه، أما يعجبك طول صمت مسلم بن يسار؟ قال: يا بنيّ، تكلّم بالحق خير من سكوت عنه! فذهبت إلى مسلم بن يسار فأخبرته، فقال؛ يا ابن أخي، سكوت عن الباطل خير من التكلّم به. إدريس بن عبيد الله ويقال ابن عبد الله بن إدريس أبو القاسم الدّمشقيّ التّاجر سمع بمصر.

إدريس بن عمر بن عبد العزيز

إدريس بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس، الأمويّ حدّث عن أبيه. روى أن عمر بن عبد العزيز قال لجرير بن الخطفي: ما أجد لك في هذا المال حقاً، ولكن هذه فضلة من عطائي ثلاثون ديناراً، فخذها واعذر؛ قال: بل أعذرك يا أمير المؤمنين. إدريس بن محمد بن أحمد بن أبي خالد أبو عيسى الأزديّ الصّوريّ، الحلال روى عن محمد بن عبد الوهاب، بسنده عن أنس بن مالك، عن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أصحابه شكوا إليه: أنا نصيب من الذنوب؛ فقال لهم: " لولا أنكم تذنبون لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ". إدريس بن يزيد أبو سليمان النّابلسيّ سكن العراق، وكان أديباً شاعراً. قال أبو بكر الصّوليّ: لقيني يوماً أبو سليمان النّابلسيّ في مربد البصرة؛ فقلت له: من أين؟ قال: من عند أميركم الفضل بن العبّاس، حجبني، فقلت أبياتاً ما سمعها أحد بعد؛ فقلت: أنشدينها، فأنشدني: من مخلع البسيط لمّا تفكرت في احتجابك ... عاتبت نفسي على عتابك فما أراها تميل طوعاً ... إلا إلى اليأس من ثوابك قد وقع اليأس فاستوينا ... فكن كما شئت في احتجابك

آدم نبي الله صلى الله عليه وسلم

فإن تزرني أزرك وإن ... تقف ببابي أقف ببابك والله ما أنت في حسابي ... إلاّ إذا كنت في حسابك قال: وحدّثني إدريس هذا، قال: حجبني الحسن بن يوسف اليزيدي، فكتبت إليه: من الطويل سأترككم جتى يلين حجابكم ... على أنه لا بدّ أن سيلين خذوا حذركم من نوبة الدّهر إنّها ... وإن لم تكن حانت فسوف تحين فلّما قرأ البيتين ردّني وقضى حاجتي. آدم نبيّ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكنى: أبا محمد، ويقال: أبو البشر جاء في بعض الآثار أنه كان يسكن بيت أبيات، ومسجدها إليه ينسب. عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأسود والأبيض وسوى ذلك، والسّهل والحزن، والخبيث والطيّب ". وعن ابن عبّاس، قال: إن الله عزّ وجلّ خلق آدم يوم الجمعة بعد العصر، من أديم الأرض، فسمّي آدم، ألا ترى أن من ولده الأبيض والأسود، والطّيب والخبيث، ثم عهد إليه فنسي، فسميّ الإنسان، قال: فوالله ما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى أهبط. وعن عبد الله بن مسعود، قال: لمّا فرغ الله من خلق ما أحبّ استوى على العرش، وقال للملائكة: " إنّي جاعل في

الأرض خليفةً " إلى قوله " إنّي أعلم ما لا تعلمون "، من شأن إبليس، فبعث جبريل عليه السّلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إنّي أعوذ بالله منك أن تنقص منّي أو تشينني، فرجع، ولم يأخذ، فقال: يا رب إنّها عادت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل، فقالت مثل ذلك، فرجع، فبعث ملك الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلط فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به، فبّل ترابه حتى عاد طيناً لازباً واللاّزب: هو الذي يلتزق بعضه ببعض ثم لم يزل حتى أنتن وتغيّر، فذلك حين يقول: من حمأ مسنون، قال: منتن؛ ثم قال للملائكة: " إني خالق بشراً من طين فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين "، فخلقه الله بيديه لكي لا يتكبّر إبليس عنه، ليقول له: تتكبّر عمّا عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه؛ فخلقه بشراً، فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمّرت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم فزعاً منه إبليس، كان يمّر به فيضربه، فيصوّت الجسد كما يصوّت الفخّار، فيكون له صلصلة، فذلك حين يقول: من صلصال كالفخّار، ويقول: لأمر ما خلقت. ودخل في فيه وخرج من دبره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنّه؛ فلّما بلغ الحين الذي يريد الله أن ينفخ فيه الرّوح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلّما نفخ فيه الرّوح فدخل الرّوح في رأسه عطس، فقالت له الملائكة: قل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله: رحمك ربّك؛ فلّما دخل الرّوح في عينيه نظر إلى ثمار الجنّة؛ فلّما دخل في جوفه اشتهى الطّعام، فوثب قبل أن يبلغ الرّوح في رجليه عجلان إلى ثمار الجنّة، فذلك حين يقول: " خلق الإنسان من عجل "، فسجد الملائكة كلّهم أجمعون، إلاّ إبليس أبى واستكبر، قال الله عزّ وجلّ: ما منعك أن تسجد إذا أمرتك لما

خلقت بيدي، فقال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين. وفي حديث سعيد بن جبير، أنه قال: خلق الله عزّ وجلّ آدم من دحنا، وفي حديث آخر: ومسح ظهره بنعمان السّحاب، ونعمان: جبل بالقرب من عرفة، وبلغني أنه يتوصّل بوادي القرى ونواحيه، وهما جبلا نعمان، ونسبه إلى السّحاب لأنه يشرف عليهما ويعلوهما بالسّحاب، يركز عليهما ويعلوهما، قال الشاعر: منالطويل أيا جبلي نعمان بالله خلّيا ... سبيل الصّبا يخلص إليّ نسيمها وفي حديث آخر للحسن: انه خلق جؤجؤه من نقا ضرية، أي خلق صدره من رمل ضرية. وعن عليّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أكرموا عمّتكم النّخلة، فإنها خلقت من الطّين التي خلق منها آدم، وليس من الشّجر شيء يلقح غيرها، وأطعموا نساءكم الولد الرّطب، فإن لم يكن رطب فالتمر، وليس من الشّجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران عليهما السّلام ". وعن أبي سعيد الخدريّ، قال: سألنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ممّا ذا خلقت النّخلة؟ قال: " خلقت النّخلة والرّمان والعنب من فضلة طينة آدم ". وعن عائشة، قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خلقت الملائكة من نور، وخلق الجانّ من مارج من نار، وخلق آدم ممّا وصف لكم ". وعن شعيب، قال: لمّا خلق الله آدم عليه السّلام، خلقه خلقاً عظيماً؛ قال: فنفخ فيه الرّوح وأجرأه في رجليه تحرّك، فقال الله عزّ وجلّ: " خلق الإنسان

عجولاً "، ثم جرى الرّوح فيه حتى عطس فقال: الحمد له ربّ العالمين، فقال الله عزّ وجلّ: يرحمك ربّك، آدم من أنا؟ قال: أنت الله لا إله إلاّ أنت؛ قال: صدقت. قال: فلّما أصاب المعصية، قال: يا رب، رحمتني قبل أن تعذّبني، وصدّقتني قبل أن تكذّبني فتب عليّ فتاب الله عزّ وجلّ عليه؛ قال: فذلك قوله: " فتلّقى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه، إنّه هو التّواب الرّحيم ". وعن سعد بن عبادة، أن رجلاً من الأنصار أتى النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أخبرنا عن يوم الجمعة، ماذا فيه من الخير؟ قال: فيه خمس خلال: فيه خلق آدم، وفيه أهبط آدم، وفيه توفّى الله آدم، وفيه ساعةً لا يسال عبد شيئاً إلاّ آتاه الله إيّاه ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم، وفيه تقوم السّاعة؛ ما من ملك مقرّب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا حجر إلاّ وهو يشفق من يوم الجمعة. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له؛ قال: فجلس فعطس فقال: الحمد الله، فقال له ربّه: يرحمك ربّك، إيت أولئك الملأ من الملائكة فقل: السّلام عليكم؛ فأتاهم فسلّم عليهم فقالوا: وعليك ورحمة الله؛ ثم رجع إلى ربّه تبارك وتعالى، فقال: هذه تحيتّك وتحيّة ذريتك بينهم، ثم قبض له يديه، فقال له: خذ أو اختر؛ فقال اخترت يمين ربّي، وكلتا يديه يمين، ففتحها له، فإذا فيها صورة آدم وذريتّه كلّهم، وإذا كلّ رجل منهم مكتوب عند رأسه أجله، قال: فإذا آدم عليه السّلام قد كتب له ألف سنة، وإذا قوم عليهم النّور، قال: يا رب من هؤلاء الذين عليهم النّور؟ قال: هؤلاء الأنبياء والرّسل الذين أرسل إلى عبادي أو خلقي، وإذا فيهم رجل من أضواهم نوراً، لم يكتب له من عمره إلا أربعين سنة، قال: يا رب، ما بال هذا، هو من أضواهم نوراً لم يكتب له من عمره إلاّ أربعين سنة؟ قال: ذلك ما كتبت له؛ قال: يا رب، زده من عمري ستين سنة ".

قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فلّما أسكنه الله الجنّة، وأهبطه إلى الأرض، كما ذكر في القرآن، أتاه ملك الموت، فقال له آدم: عجلت عليّ! قال: ما فعلت؛ قال: بلى، بقي من عمري ستّون سنة؛ قال: ما بقي من عمرك شيء، سألت ربّك أن يكتبه لابنك داود، قال آدم: ما فعلت؛ قال: بلى. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فنسي فنسيت ذرّيّته، وجحد فجحدت ذرّيّته، فمن يومئذ وضع الله الكتاب وأمر بالشهود؛ قال: فلقيه موسى بن عمران، فقال: أنت آدم، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة أن يسجدوا لك، وأسكنك الجنّة، فأخرجت النّاس من الجنّة بذنبك، أو بخطيئتك؟ فقال له آدم: أنت موسى، اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأنزل عليك التّوراة فيها تبيان كلّ شيء، فبكم وجدت الله كتب التّوارة قبل أن يخلقني؟ قال: بأربعين عاماً؛ قال: فوجدت فيها وعصى آدم ربّه فغوى؟ قال: نعم؛ قال: فتلومني على أن أعمل عملاً كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين عاماً؟!. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فحجّ آدم موسى ". وعن أبيّ بن كعب، في قول الله عزّ وجلّ: " وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّاتهم " إلى قوله: " المبطلون " قال ": فجمعهم فجعلهم أزواجاً، ثم صوّرهم، ثم استيقظهم ليتكلّموا، فأخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم؟ قالوا: بلى الآية، قال: فإني اشهد عليكم السموات السّبع، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا؛ اعلموا أنه لا إله غيري، فلا تشركوا بي شيئاً، فإني سأرسل إليكم رسلاً يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي؛ فقالوا: شهدنا أنك ربّنا وإلهنا لا ربّ لنا غيرك؛ فأقروا يومئذ بالطاعة، ورفع عليهم أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغنّي والفقير، وحسن الصّورة وغير ذلك؛ فقال: يا ربّ، لو سوّيت بين عبادك؟ فقال: إني أحببت أن أشكر؛ ورأى فيهم الأنبياء مثل السّراج عليهم

النّور، وخصّوا بميثاق في الرّسالة والنّبوّة، وهو الذي يقول: " وإذ أخذنا من النّبيّين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم، وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً "، وهو الذي يقول: " فأقم وجهك للدّين حنيفاً " الآية. قال: فكان روح عيسى في تلك الأرواح التي أخذ الله عزّ وجلّ عليها العهد والميثاق؟ قال: نعم، أرسل ذلك الرّوح إلى مريم، قال الله تعالى: " فأرسلنا إليها روحنا ". وعن أبي الدّرداء، عن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمن فأخرج ذرّيّة بيضاء كأنّهم الذّرّ، وضرب كتفه اليسرى فأخرج منه ذرّيّةً سوداً كأنهم الحمم؛ فقال للذّي في يمينه: إلى الجنّة ولا أبالي، وقال للّذي في كفّه اليسرى: إلى النّار ولا أبالي. وقيل لأبي إبراهيم المزني رحمه الله: أسجدت الملائكة لآدم؟ فقال: إنّ الله تعالى جعل آدم كالكعبة فأمر الملائكة أن يسجدوا نحوه تعبّداً، كما أمر عباده أن يسجدوا إلى الكعبة. وعن قتادة، قال: قوله تعالى: " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً " قال: سخّر لكم ما في الأرض جميعاً كرامةً من الله، ونعمة لابن آدم، متاعاً وبلغةً ومنفعةً، إلى قوله: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء "، قال قتادة: قد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدّم والفساد في الأرض، قال الله: " إني أعلم ما لا تعلمون "، قال: قد كان من علم الله انه سيكون من تلك الخليقة رسل وأنبياء وقوم صالحون، وساكن الجنّة؛ وعلّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة حتى بلغ يا آدم أنبئهم بأسمائهم، قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لا تعلم الملائكة، فسمّى كلّ شيء باسمه، وألجأ كلّ شيء إلى جنسه، قال الله عزّ وجلّ: "

ألم أقل لكم إني أعلم غيب السّموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون "، قال: وذكر لنا: أن الله لمّا اخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله بخالق خلقاً هو أعلم منّا، ولا أكرم على الله منّا، قال: فابتليت الملائكة بخلق آدم. قال: ويتبلى الله عباده بما شاء ليعلم من يطيعه ومن يعصيه. قوله تعالى: " وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس أبى واستكبر "، قال: وكانت السّجدة لآدم والطّاعة لله، وحسده عدوّ الله إبليس على ما أعطاه اللهمنالكرامة، فقال: أنا ناريّ وهو طينيّ. قوله عزّ وجلّ: " قلنا: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة وكلا منها رغداً حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشّجرة فتكونا من الظّالمين "، قال: ابتلى الله آدم كما ابتلى الملائكة قبله، وكلّ شيء خلق مبتلىً، ولم يدع الله شيئاً من خلقه إلاّ ابتلاه بالطّاعة، وكما ابتلى السّماء والأرض بالطّاعة، فقال لهما: " ائتيا طوعاً أو كرهاً، قالتا، أتينا طائعين "، قال: ابتلى الله آدم فأسكنه الجنّة يأكل منها رغداً حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، وقدّم إليه فيها، فما زال به البلاء حتى وقع بما نهي عنه، فبدت له سوءته عند ذلك، وكان لا يراها، فأهبط من الجنّة. قوله عزّ وجلّ: " فتلّقى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه "، قال: ذكر لنا أنه قال: يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت؟ قال: فإنّي إذا أرجعك إلى الجنّة، قال: " قالا: ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين "، فاستغفر آدم ربّه وتاب إليه، فتاب عليه " إنه هو التوّاب الرّحيم " وأما عدوّ الله إبليس فوالله ما تنصّل من ذنبه ولا سأل التّوبة حين وقع بما وقع، ولكنه سأل النّظرة إلى يوم الدّين، فأعطى الله كلّ واحد منهما ما سأل.

وعن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: أخرج إبليس من الجنّة ولعن، وأسكن آدم حين قال له: " اسكن أنت وزوجك الجنّة "، فكان يمشي فيها وحشيّاً، ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومةً، فاستيقظ وإذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله عزّ وجلّ من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة؛ قال: ولم خلقت؟ قالت: تسكن إليّ؛ فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حوّاء؛ قالوا: لم سمّيت حوّاء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حيّ؛ فقال الله عزّ وجلّ: " اسكن أنت وزوجك الجنّة فكلا منها رغداً حيث شئتما " والرّغد: الهنيء " ولا تقربا هذه الشّجرة فتكونا من الظّالمين "، ثم إن إبليس حلف لهما بالله: إني لكما من النّاصحين، و" قال: يا آدم هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى "، وعلم أن لهما سوءة، وإنّما أراد أن يبدي لهما سوءاتهما، ما توارى عنهما، ويهتك لباسهما، فتقدّمت حوّاء فأكلت، ثم قالت: يا آدم كل، فإني أكلت فلم يضرّني؛ فلّما أكل آدم " بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة، وناداهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشّجرة وأقل لكما: إن الشيطان لكما عدوّ مبين "، فقال آدم: إنه حلف لي بك، ولم أكن أظنّ أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً، " وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين، قال: اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ فأهبطهم إلى الأرض، آدم وحوّاء وإبليس والحيّة، " ولكم في الأرض مستقّر ومتاع إلى حين ". وعن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنّ أباكم آدم كان كالنخلة السّحوق ستّين ذراعاً، كثير الشّعر، موارى العورة؛ فلّما أصاب الخطيئة بدت له سوءته، فخرج من الجنّة؛ قال: فلقيته شجرة فأخذت بناصيته، فناداه ربّه: أفراراً منّي يا آدم! قال: بل حياءً منك والله يا ربّ مما جئت به ". وعن خالد، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، آدم خلق للأرض أمّ للسّماء؟ فقال: ما هذا يا أبا مبارك؟ قال: فقال: خلق للأرض؛ قال: فقلت: أرأيت لو أنه

استعصم فلم يأكل من الشجرة؟ قال: لم يكن له بدّ من أن يأكل منها، لأنه خلق للأرض. وعن ابن عبّاس: إن آدم كان لغته في الجنّة العربيّة، فلّما عصى ربّه سلبه الله العربيّة فتكلّم بالسّريانيّة، فلّما تاب الله عليه ردّ عليه العربيّة. وعنه في قوله " إنّ عرضنا الأمانة على السّموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ". فلم تقبلها الملائكة، فلّما خلق الله آدم عرضها عليه، فقال: يا ربّ ما هي؟ قال: إن أحسنت جزيتك، وإن أسأت عذّبتك؛ قال: فقد تحمّلتها يا رب. قال: فما كان بين أن تحمّلها إلى أن أخرج من الجنّة إلاّ قدر ما بين الظّهر والعصر. قال جويبر: فقلت للضحّاك: وما الأمانة؟ قال: الفرائض على كل مؤمن، وحق على كلّ مؤمن أن لا يغشّ مؤمناً ولا معاهداً في قليل ولا كثير، فمن انتقص شيئاً من الفرائض فقد خان أمانته. وعن عطاء: إن آدم لمّا أهبط إلى الأرض كانت قدماه في الأرض ورأسه في السّماء، وكان يسمع تسبيح الملائكة وأصواتهم، وكانت الملائكة تهابه، فشكت ذلك إلى ربّها، فقيل له: يعني تواضع؛ فلّما فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم شكا ذلك لرّبه عزّ وجلّ؛ فقيل له: خطيئتك فعلت بك ذاك، غير أني سأهبط معك بيتاً تحفّ حوله، فطف كما رأيت الملائكة تطوف حول العرش، فكانت موضع كلّ قدم قرية، وما بينهما مفازة، فأتاه فطاف وصلّى عنده، فلم يزل كذلك حتى كان زمن الطّوفان حين غرّق الله قوم نوح، فرفع البيت حتى بوّأه الله عزّ وجلّ لإبراهيم، فوضعه على أساسه. وعن ابن عبّاس: إن آدم عليه السّلام حجّ على رجليه من الهند أربعين حجّة. وعن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لمّا أهبط الله آدم طاف بالبيت سبعاً، ثم صلّى حيال المقام ركعتين ثم قال: اللهم إنك تعلم سرّي وعلانيتي، فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي

فاغفر لي ذنبي؛ أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضىً بقضائك لي؛ فأوحى الله إليه: يا آدم إنك قد دعوتني بدعاء استجبت لك فيه، ولن يدعوني أحد من ذرّيّتك من بعدك إلاّ استجبت له، وغفرت ذنبه، وفرّجت همومه وغمومه، ونزعت الفقر من بين عينيه، وأنجزت له من وراء كلّ تاجر، وأتته الدّنيا وهي كارهةً وإن كان لا يريدها. وعن وهب بن منبّه، قال: لمّا أهبط الله آدم عليه السّلام إلى الأرض، ونقص من قامته، استوحش لفقد أصوات الملائكة، فهبط عليه جبريل فقال: يا آدم ألا أعلّمك شيئاً تنتفع به للدّنيا والآخرة؟ قال: بلى؛ قال: قل، اللهم تمّم لي النّعمة حتى تهنئني المعيشة، اللهم اختم لي بخير، حتى لا تضرّني ذنوبي، اللهم اكفني مؤونة الدّنيا وكلّ هول في القيامة حتى تدخلني الجنّة في عافية. وعن أنس في قوله عزّ وجلّ: فتلّقى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه إنّه هو التّوّاب الرّحيم "؛ قال: سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك خير الغافرين، لا إله إلاّ أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي، فارحمني إنك أنت أرحم الرّاحمين، لا إله إلاّ أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي، فتب عليّ إنك التّوّاب الرّحيم، وذكر أنه عن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن شكّ فيه. وقال عليّ بن أبي طالب: أطيب ريح الأرض الهند، هبط بها آدم، فعلق شجرها من ريح الجنّة. وعن الحسن، قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى آدم بأربع، فهن جماع الأمر لك ولولدك، قال: يا آدم واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين النّاس؛ فأمّا التي لي: تعبدني ولا تشرك بي شيئاً؛ وأمّا التي لك: فعملك أجزيك به أفقر ما تكون إليه؛ وأمّا التي بيني وبينك: فعليك الدّعاء وعليّ الإجابة؛ وأمّا التي بينك وبين النّاس: فتصحبهم بالذي تحبّ أن يصحبوك به.

وعن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنّ آدم قبل أن يصيب الذّنب كان أجله بين عينيه وأمله خلفه، فلّما أصاب الذّنب جعل الله أمله بين عينيه وأجله خلفه، فلا يزال يأمل حتى يموت ". وعن حمّاد رجل من أهل مكة، قال: لمّا أهبط آدم عليه السّلام إلى الأرض، أتاه جبريل بثلاثة أشياء: بالدّين والعقل وحسن الخلق؛ فقال: إنّ الله يخيّرك واحداً من الثلاثة؛ فقال: يا جبريل، ما رأيت أحسن من هؤلاء إلاّ في الجنّة، فمدّ يده إلى العقل فضمّه إلى نفسه، فقال لذيناك: اصعدا؛ قالا: لا نفعل؛ قال: أتعصياني؟ قالا: لا نعصيك، ولكنّا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان؛ فصارت الثلاثة إلى آدم. عن أبي أمامة، قال: إن رجلاً قال: يا رسول الله، أنبيّاً كان آدم؟ قال: نعم: قال كم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون؛ قال: كم كان بين نوح وإبراهيم؟ قال: عشرة قرون؛ قال: يا رسول الله، كم كانت الرّسل؟ قال: ثلاثمئة وخمسة عشر. عن عقبة بن عامر الجهني، عن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: " إذا جمع الله الأوّلين والآخرين فقضى بينهم وفرغ من القضاء، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربّنا تعالى، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم فإنه أبونا، وخلقه الله بيده، وكلّمه؛ فيأتونه فيكلّمونه أن يشفع لهم، فيقول لهم آدم: عليكم بنوح؛ فيأتون نوحاً، فيدلّهم على إبراهيم، ثم يأتون إبراهيم فيدلّهم على موسى، ثم يأتون موسى فيدلّهم على عيسى، ثم يأتون عيسى، فيقول لهم: أدلّكم على النّبيّ الأمّيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيأتوني، فيأذن الله عزّ وجلّ لي أن أقوم إليه، فيفوز مجلسي من أطيب ريح يشمّها أحد قطّ، حتى آتي ربّي عزّ وجلّ، فيشفّعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي؛ ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما هو إلاّ إبليس، هو الذي أضلّنا، فيفوز مجلسهمنأنتن ريح شمها أحد قطّ؛ ثم يعظّم لجهّنم. ويقول الشيطان لمّا قضي الأمر: إن الله وعدكم وعد الحقّ، ووعدتكم فأخلفتكم إلى آخر الآية.

آدم بن عبد العزيز بن عمر

وعن الحسن قال: يعتذر الله تبارك وتعالى إلى آدم يوم القيامة: يا آدم أنت اليوم عدل بيني وبين ذرّيّتك، قم عند الميزان فانظر ما رفع إليك من أعمالهم، فمن رجح خيره على شرّه مثقال ذرّة فله الجنّة حتى تعلم أني لا أعذّب إلاّ كلّ ظالم. وعن أبيّ بن كعب، قال: إن آدم لمّا حضره الموت، قال لبنيه: أي بنيّ، إني أشتهي من ثمار الجنّة، فذهبوا يطلبونه له، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل؛ فقالوا لهم: يا بني آدم، ما تريدون وما تطلبون؟ أو: ما تريدون وأين تذهبون؟ فقالوا: أبونا مريض فاشتهى من ثمار الجنّة؛ فقالوا لهم: ارجعوا، فقد قضاء أبيكم؛ فجاؤوا، فلّما رأتهم حواء عرفتهم، فلاذت بآدم، فقال: إليك عنّي، فإني إنّما أتيت من قبلك، خلّي بيني وبين ملائكة ربّي عزّ وجلّ؛ فقبضوه، وغسّلوه، وكفّنوه وحنّطوه، وحفروا له وألحدوا له، وصلّوا عليه، ثم دخلوا قبره، فوضعوه في قبره، ووضعوا عليه اللّبن، ثم خرجوا من القبر، ثم حثوا عليه التراب، ثم قالوا: يا بني آدم، هذه سنتّكم. وعن ابن عمر، قال: صلّى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنه إبراهيم وكبّر عليه أربعاً، وصلّى على السّوداء فكبّر عليها أربعاً، وصلّى على النّجاشيّ فكبّر عليه أربعاً، وصلّى أبو بكر على فاطمة بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكبّر أربعاً عليها، وصلّى عمر على أبي بكر وكبّر عليه أربعاً، وكبّرت الملائكة على آدم أربعاً. وعن عطاء الخراساني قال: بكت الخلائق على آدم حين توفّي سبعة أيّام. آدم بن عبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عمر الأمويّ وأمّه أمّ عاصم بنت سفيان بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم كان بالشّام حين ذهب ملك أهل بيته، وأراد عبد الله بن عليّ قتله فيمن قتل منهم

بنهر أبي فطرس، فاستعطفه فتركه، وسكن العراق بعد ذلك، وكان شاعراً ماجناً، ثم تنسّك بعد. أنشد أبو العيناء لآدم بن عبد العزيز في البراغيث ببغداد: من الطويل هنيئاً لأهل الرّيّ طيب بلادهم ... وواليهم الفضل بن يحيى بن خالد تطاول في بغداد ليلي ومن يبت ... ببغداد يلبث ليله غير راقد بلاد إذا زال النّهار تقافزت ... براغيثها من بين مثنى وواحد ديازجة شهب البطون كأنّها ... بغال بريد سرح في موارد وقال أبو بكر الخطيب: كان شاعراً خليعاً، ثم نسك بعد ذلك، وكان ببغداد في صحابة أمير المؤمنين المهديّ. وعن المدائنيّ، قال: قال آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: من الوافر فإن قالت رجال: قد تولّى ... زمانكم وذا زمن جديد فما ذهب الزّمان لنا بمجد ... ولا حسب إذا ذكر الجدود وما كنّا لنخلد لو ملكنا ... وأيّ النّاس دام له الخلود؟ وعن إسحاق، قال: كان مع المهديّ رجل من أهل الموصل، يقال له: سليمان بن المختار، وكانت له لحيةً عظية عظيمة طويلة، فذهب يوماً ليركب، فوقعت لحيته تحت قدمه في الرّكاب، فذهب عامّتها، فقال آدم بن عبد العزيز في ذلك: من الهزج قد استوجب في الحكم ... سليمان بن مختار بما طوّل من لحي ... ته جزاً بمنشار أو النتف أو الحلق ... أو التحريق بالنار فقد صار بها أش ... هر من راية بيطار

فأنشدها عمر بن بزيع المهديّ، فضحك، وسارت الأبيات، فقال أسيد بن أسيد وكان وافر اللّحية: ينبغي لأمير المؤمنين أن يكفّ هذا الماجن عن النّاس، فبلغت آدم، فقال: من الرمل لحية تّمت وطالت ... لأسيد بن أسيد يعجب النّاظر منها ... من قريب أو بعيد هي إن زادت قليلاً ... قطعت حبل الوريد قال: وكان المهديّ يدني آدم ويحبّه ويقرّبه، وهو الذي قال لعبد الله بن عليّ لمّا أمر بقتله بنهر أبي فطرس: إن أبي لم يكن كآبائهم، وقد علمت مذهبه فيكم؛ فقال: صدقت، وأطلقه؛ وكان طلق النّفس، متصوّناً، ومات على توبة ومذهب جميل. وعن الزّبير، قال: وكان آدم بن عبد العزيز كلباً على الفدّام والسّؤّال، وكان بطّالاً، فجاء أعرابيّ إلى فيئة فقال: هل تعرفنّ أحداً يصنع المعروف ويرغب فيه؟ فدلّوه على آدم، وقالوا: ذاك ابن الخليفة عمر بن عبد العزيز، فجاءه وهو جالس في فتية من بني عمّه، فقال: يا آدم، إنّ السّماء حبست قطرها، والأرض نبتها، وإن البادية أجحفت بنا، وإن عيالي قد هلكوا جوعاً، ووقع النقار في غنمي، فانظر في أمري؛ فقال آدم: يا ابن الخبيثة، والله لوددت أن السّماء صارت عليك طبق نحاس، لا تبضّ بقطرة، وأن الأرض ضنّت عليك فلا تنبت سنبلةً، وأن عيالك ماتوا قبل أن تأتيني بخمسمئة سنةً؛ يا بليق خذه، فوثب الكلب عليه فشقّ فروه وعقره؛ فتنحّى الأعرابيّ غير بعيد ثم قال: يا آدم، لقد خلقك اله فشوّه خلقك، ورزقك العظيمة في صرفك، فأعضّك الله ببظر أمك وبظر أمهّات هؤلاء الذين حولكّ.

وعن الزّبير بن بكار، قال: قال آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: من الرمل يا أمين الله إنّي قائل ... قول ذي دين وبر وحسب عبد شمس لا تهنها إنّما ... عبد شمس عمّ عبد المطّلب عبد شمس كان يتلو هاشماً ... وهما بعد لأم ولأب وعن الأصمعيّ، قال: كان آدم بن عبد العزيز وهو ابن عمر بن عبد العزيز، في أيّام حداثته، يشرب الخمر ويفرط في المجون والخلاعة، ويقول الشّعر، فرفع إلى المهديّ أنه زنديق، وأنشد شعراً له كان قاله في أيّام الحداثة على طريق المجون، فأخذه وضربه ثلاثمئة سوط يقرّره بالزّندقة، فقال: والله لا أقرّ على نفسي بباطل أبداً، ولو قطعت عضواً عضواً، والله ما أشركت بالله طرفة عين قطّ؛ فقال المهديّ: فأين قولك؟ من الرمل اسقني واسق خليلي ... في مدى اللّيل الطّويل قهوةً صهباء صرفاً ... سبيت من نهر بيل قل لمن يلحاك فيها ... من فقيه أو نبيل أنت دعها وارج أخرى ... من رحيق السّلسبيل قال: يا أمير المؤمنين، كنتمنفتيان قريش أشرب النّبيذ، وأتمجّن مع الشّباب، واعتقادي مع ذلك الإيمان بالله وتوحيده، فلا تؤاخذني بما أسلفت من قولي. قال: فخلّى سبيله. قال: ومن قوله أيضاً شعراً: من الرمل اسقني واسق غصينا ... لا نرد بالنّقد ديناً أسقنيها مزّة الطّع ... م تريك الشّين زيناً

أدهم بن محرز بن أسيد بن أخنس

قال: ثم أناب وأقلع، وقال في ذلك أشعاراً، منها قوله: من الطويل ألا هل فتىً عن شربه الرّاح صابر ... ليجزيه يوماً بذلك قادر شربت فلّما قيل ليس بمقلع ... نزعت وثوبي من أذى اللّوم طاهر أدهم بن محرز بن أسيد بن أخنس ابن رياح بن أبي خالد بن زمعة بن زيد بن عمرو بن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن بن مالك ن أعصر بن سعد بن قيس عيلان، الباهليّ، الحمصيّ أحد أمراء الجيش الذين وجّهوا مع عبيد الله بن زياد لقتال التّوّابين الذين قتلوا عند عين الوردة، وكان قد شهد صفّين مع معاوية، وكان من قوّاد الحجّاج بن يوسف. حدّث، قال: إنّ أول راية دخلت أرض حمص وركزت حول مدينتها لراية ميسرة بن مسروق العنسي، ولقد كانت لأبي أمامة، ولأبي: محرز بن أسيد راية، وأول رجل من المسلمين قتل رجلاً من المشركين لأبي: محرز بن أسيد، إلاّ أن يكون رجلاً من حمير، فإنه حمل وأبي جميعاً، فقتل كلّ واحد منهما في حملته تلك رجلاً من المشركين؛ فكان أبي يقول: أنا أول رجل من المسلمين قتل رجلاً من المشركين بحمص، إلاّ الحميري، فإني أنا وهو قتلنا في حملتنا رجلين. قال أدهم بن محرز الباهليّ: وإني لأوّل مولود ولد في الإسلام بحمص، وأوّل مولود فوض له بها، وأوّل مولود رؤي في كتف يختلف بها إلى الكتّاب أتعلّم الكتاب، ولقد شهدت مشهداً ما أحبّ أنّ لي بذلك المشهد حمر النّعم. قال خالد بن سعيد: دخل أدهم بن محرز الباهليّ أبو مالك بن أدهم على

عبد الملك، ورأسه كالثغامة، فقال: لو غيّرت هذا الشّيب؟ فذهب فاختضب بسواد ثم دخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، قلت بيتاً لم أقل قبله ولا أراني أقول بعده؛ قال: هات؛ فقال: من الطويل ولمّا رأيت الشّيب شيناً لأهله ... تفتّيت وابتعت الشّباب بدرهم وعن أدهم بن محرز الباهليّ؛ أنه أتى عبد الملك بن مروان ببشارة الفتح؛ قال: فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد، فإنّ الله قد أهلك من رؤوس أهل العراق ملقح فتنة ورأس ضلالة سليمان بن صرّد، ألا وإن السيّوف تركت رأس المسيّب بن نجبة خذاريف، ألا وقد قتل الله من رؤوسهم رأسين عظيمين ضالّين مضلّين: عبد الله بن سعد، أخا الأزد، وعبد الله بن وال، أخا بكر بن وائل؛ فلم يبق بعد هؤلاء أحد عنده دفاع أو امتناع. وعن عبد الملك بن عمير، قال: خرجت بوماً من منزلي نصف النّهار، والحجّاج جالس وبين يديه رجل موقف، عليه كمّةً من ديباج، والحجّاج يقول: أنت همدان مولى عليّ، تعال سبّه؛ قال: إن أمرتني فعلت، وما ذاك جزاؤه، ربّاني صغيراً، وأعتقني كبيراً؛ قال: فما كنت تسمعه يقرأ من القرآن؟ قال: كنت أسمعه في قيامه وقعوده، وذهابه ومجيئه يتلو: " فلّما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله ربّ العالمين "؛ وقال: فابرأ منه؛ قال: أمّا هذه فلا، سمعته يقول: تعرضون على سبّي فسّبوني، وتعرضون على البراءة منّي فلا تبرؤوا منّي، فإنّي على الإسلام. وقال: أما ليقومنّ إليك رجل يتبرأ منك ومن مولاك، يا أدهم بن محرز، قم إليه فاضرب عنقه؛ فقام إليه يتدحرج كأنه جعل، وهو يقول: يا ثارات عثمان.

أدهم مولى عمر بن عبد العزيز

قال: فما رأيت رجلاً كان أطيب نفساً بالموت منه، ما زاد على أن وضع القلنسوة عن رأسه، وضربه فندر رأسه، رحمه الله تعالى. أدهم مولى عمر بن عبد العزيز حدّث، قال: كنّا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيدين: تقبّل الله منّا ومنك يا أمير المؤمنين، فيردّ علينا ولا ينكر ذلك علينا. أرتاش بن تتش بن ألب رسلان ويقال: ألتاش كان أخوه الملك دقاق قد نفده إلى بعلبك، فاعتقل بها، فلّما هلك دقاق في سنة سبع وتسعين راسل طغتكين أتابك، كبشتكين التّاجي الخادم والي بعلبك في إطلاق أرتاش، فوصل إلى دمشق، فأقامه في منصب أخيه يوم السّبت لخمس بقين من ذي الحجّة أو ذي القعدة سنة سبع وتسعين وأربعمئة. فأقام بها إلى أن خرج منها سراً في صفر سنة ثمان وتسعين لاستشعار استشعره من طغتكين وزوجته أمّ الملك دقاق، ومضى إلى بغدوين ملك الفرنج، طمعاً في أن يكون له ناصراً، فلم يحصل منه على ما أمّل، فتوجّه عند اليأس منه إلى ناحية الرّحبة، ومضى إلى الشّرق فهلك. أرطاة بن زفر بن عبد الله بن مالك ابن شدّاد بن ضمرة بن عقفان بن أبي حارثة بن مرّة بن نشبة بن غيظ بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، ويقال: ابن زفر بن جزء بن شدّاد ويعرف بابن سهيّة، وهي أمّه، وهي بنت زامل بن مروان بن زهير بن ثعلبة بن

خديج بن أبي جشم بن كعب بن عوف بن عامر بن عوف بن شيبة بن كلب، وكانت لضرار بن الأزور، ثم صارت إلى زفر وهي حامل فجاءت بأرطاة على فراش زفر. عن المرزبانيّ، قال: وأرطاة يكنى أبا الوليد، وكان في صدر الإسلام، أدركه عبد الملك بن مروان شيخاً كبيراً، يقال: أتت عليه ثلاثون ومئة سنة، فأنشد عبد الملك: من الوافر رأيت المرء تأكله اللّيالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد وما تبغي المنيّة حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد وأعلم أنها ستكرّ حتى ... توفّي نذرها بأبي الوليد فارتاع عبد الملك وتغيّر وجهه، وقدّر أنه أراده، لأن عبد الملك يكنى أبا الوليد، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّما عنيت نفسي. وفي رواية الزّبير، قال: سرق أزطاة البيت الثاني من زبّان بن منظور بن سيّار، قال زبّان: من الوافر لئن فجعت بالقرناء يوماً ... لقد متّعت بالأمل البعيد وما تجد المصيبة فوق نفسي ... ولا نفس الأحبّة من مريد خلقنا أنفساً وبني نفوس ... ولسنا بالسّلام ولا الحديد فبلغت عبد الملك كلمة أرطاة، فأشخصه إليه، وقال له: ما أنت وذكري في شعرك! فقال: إنّي عنيت نفسي، أنا أبو الوليد، فسل عن ذلك؛ فأفلت منه فانصرف إلى أهله، وقال: من الطويل إذا ما طلعنا من ثنيّة لفلف ... فبشّر رجالاً يكرهون إبابي وأخبرهم أن قد رجعت بغبطة ... أحدّد أظفاري وأصرف نابي وأني ابن حرب لا تزال تهرّني ... كلاب عدو أو تهرّ كلابي

وعن إسماعيل بن سيّار، قال: مات ابن لأرطاة بن سهية المّريّ، مرّة غطفان، فأقام على قبره حوله، يأتيه كلّ غداة فيقول: يا عمرو إن أقمت حتى أمسي، هل أنت رائح معي؟ ويبكي وينصرف؛ ويأتي القبر عبد المساء فيقول: يا عمرو إن أقمت حتى أصبح هل أنت غاد معي؟ ويبكي وينصرف؛ فلّما كان عند رأس الحول تمثّل بشعر لبيد، فقال: من الطويل إلى الحول ثم اسم السّلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر ثم ترك قبره ومضى، وقال: من الطويل وقفت على قبر ابن ليلى فلم يكن ... وقوفي عليه غير مبكى ومجزع هل أنت ابن ليلى إن نظرتك رائح ... مع القوم أو غاد غداة غد معي فما كنت إلاّ والهاً بعد زفرة ... على شجوها بعد الحنين المرجّع متى لا تجده تنصرف لطياتها ... من الأرض أو ترجع لإلف فتربع على الدّهر فاعتب إنه غير متعب ... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع قال الزّبير بن بكّار: حدّثني عمّي مصعب بن عبد الله: أنشدني أبي لأرطاة بن سهيّة المّريّ أبياتاً مدح فيها ثابت بن عبد الله بن الزّبير، على الدّال؛ فقلت لعمّي: ما أعدّ أحداً يتقدّمني في معرفة شعر أرطاة بن سهيّة، ولا أعرف هذه الأبيات؛ ثم وجدت بعد ذلك في كتب إبراهيم بن موسى بن حديق، وكان من الفقهاء العبّاد الفصحاء، الرّواة للآثار والأخبار والشعر؛ قال أرطاة بن سهيّة المّريّ يمدح ثابت بن عبد الله بن الزّبير، فقال: من الطويل رأيت مخاضي أنكرت عبداتها ... محل أولي الخيمات من بطن أرثدا إذا راعياها أورداها شريعةً ... أعاما على دمن الحياض وصرّدا ولو جارها ابن المازنيّة ثابت ... لرّوح راعيها وندّى وأوردا

أرطاة بن المنذر بن الأسود بن ثابت

وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابيّ لأرطاة بن سهيّة المّريّ: من الطويل وإني لقوّام لدى الضّيف موهناً ... إذا غدر السير النجيل المواكل دعا فأجابته كلاب كثيرة ... على ثقة منّي بأني فاعل وما دون ضيفي من تلاد تحوزه ... لي النّفس إلاّ أن تصان الحلائل أرطاة بن المنذر بن الأسود بن ثابت أبو عديّ السّكوني الحمصيّ حدّث عن جماعة وحدّث عنه جماعة. روى عن غيلان بن معشر، قال: سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: لقد توفي رجل على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يجدوا له كفناً، فقالوا: يا نبيّ الله، إنّا لم نجد له كفتناً؛ قال: " التمسوا في مئزره " فوجدوا دينارين، فقال النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كيتّان، صلّوا على صاحبكم ". وعن ضمرة بن حبيب، قال: سمعت سلمة بن نفيل يقول: كنّا جلوساً عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ قال قائل: يا رسول الله، هل أتيت بطعام من السّماء؟ قال: نعم قال: وبماذا؟ قال: بمسخنة قال: فهل كان فيها فضل؟ قال: نعم قال: فما فعل به؟ قال: رفع، وهو يوحي إليّ أني مكفوت غير لابث فيكم، ولستم بلابثين بعدي إلاّ قليلاً، بل تلبثون حتى تقولوا: متى، وتأتون أفناداً يتبع بعضكم بعضاً، وبين يدي السّاعة موتان شديد، وبعده سنوات الزّلازل. قال أرطاة: لمّا فرض لي عمر بن عبد العزيز في جبلة، قال: يا فتى، إني أحدّثك بحديث كان عندنا من المخزون: إذا توضأت عند البحر، فالتفت إليه وقل: يا واسع المغفرة اغفر لي، فإنه لا يرتّد إليك طرفك حتى يغفر الله ذنوبك.

قال احمد بن حنبل: أرطاة بن المنذر ثقة ثقة. وعن أبي عبد الرحمن الأعرج قال: لم أر أرطاة بن المنذر قطّ يسعل ولا يعطس ولا يبزق، ولا يحكّ شيئاً من جسده، ولا يضحك، قال: وإنما عرف موته حين حضره الموت، أنه حكّ هذا عند أنفه؛ قال: فقال أصحابه: حكّ أبو عديّ! قال: فكأن جلساءه أيسوا منه حين حكّ. وعن أبي مطيع معاوية بن يحيى: أن شيخاً من أهل حمص خرج يريد المسجد، وهو يرى أنه قد أصبح، فإذا عليه ليبل طويل، فلّما صار تحت القبّة سمع صوت جرس الخيل على البلاط، فإذا فوارس قد لقي بعضهم بعضاً. قال بعضهم لبعض: من أين قدمتم؟ قالوا: ولم تكونوا معنا؟ قالوا: لا؛ قالوا: قدمنا من جنازة البديل خالد بن معدان؛ قالوا: وقد مات؟ ما علمنا بموته؛ قال: فمن استخلفتم بعده؟ قالوا: أرطاة بن المنذر. فلّما أصبح الشّيخ حدّث أصحابه، فقالوا: ما علمنا بموت خالد بن معدان؛ فلّما كان نصف النّهار قدم البريد من أنطرطوس يخبر بموته. وعن أرطاة بن المنذر، وكان من الحكماء، قال: لا يزال العبد متعلماً ما كان في الدّنيا، فإذا قال: قد اكتفيت، فهو أجهل ما يكون بأمر الدّنيا. وقال: آية المتكلّف ثلاث: يتكلّم فيما لا يعلم، وينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال. وقال: احذروا الدّنيا لا تسحركم، فهي والله أسحر من هاروت وماروت. مات سنة ثلاث وستين ومئة، وفي خبر آخر، أنه مات سنة ست وخمسين ومئة.

أرطاة الفزاري

أرطاة الفزاري والد عديّ بن أرطاة، وزيد بن أرطاة دمشقي. حكى عنه ابنه عديّ بن أرطاة، أن أباه حدّثه: أنه كان من قومه رجل يشتم، فسكت ونفض ثوبه. أرقم بن أرقم السّلميّ عن أبي عبيد الله، قال: دخلت المسجد يوماً فإذا برجلين جالسين، فمشيت نحوهما، فأشار إليّ أحدهما فجلست بين أيديهما، فإذا هما قد تقنّعا برداء أحدهما، وقد بكيا حتى كادت أعينهما أن تخرج، فقالا: لا ترق على ما ترى من بكائنا، ألا إنّما أبكانا أنا كنّا في قوم أصبحنا اليوم في غيرهم؛ وذلك على عهد معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهما، وإذا هما أرقم بن أرقم السّلميّ وأبو مسلم الجليليّ. أرقم بن شرحبيل الأوديّ الكوفيّ أخو هذيل بن شرحبيل، سمع ابن مسعود، وابن عبّاس وصحبه إلى الشّام. قال: سافرت مع ابن عبّاس من المدينة إلى الشّام، فسألته: أوصى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: إنّ النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمّا مرض مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة، فقال: " ليصلّ بالنّاس أبو بكر " فتقدّم أبو بكر فصلّى بالنّاس، ووجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نفسه خفّةً، فانطلق يهادى بين رجلين، فلما أحسّ أبو بكر به سبّحوا، فذهب أبو بكر يتأخر، فأشار النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مكانك فاستفتح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حيث انتهى أبو بكر

أرقم بن عبد الله الكندي

من القراءة، وأبو بكر قائم، ورسول الله جالس، فأئتمّ أبو بكر بالنّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وائتم النّاس بأبي بكر، فما قضي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ثقل جداً، فخرج يهادي بين رجليه لتخطان في الأرض، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص. قال محمد بن سعد: وكان ثقة قليل الحديث. أرقم بن عبد الله الكندي رجل من تابعي أهل الكوفة. كان ممن قدم به مع حجر بن عدي الكندي إلى عذراء في أثني عشر رجلاً، فشفع فيه وائل بن حجر إلى معاوية فأطلقه. قال أبو محنف: تسمية الذين بعث بهم إلى معاوية: حجر بن عدي بن جبلة الكندي، والأرقم بن عبد الله الكندي من بني الأرقم، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي، وكريم بن عفيف الخثمعي من بني عامر بن شهران ثم من بني قحافة، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العنزيان من بني هميم، ومحرز بن شهاب التميمي من بني منقر، وعبد الله بن حوية السعدي من بني تميم، فمضوا بهم حتى نزلوا مرج عذراء، فحبسوا بها. ثم إن زياداً أتبعهم برجلين آخرين مع عامر بن الأسود العجلي، بعتبة بن الأخنس من بني سعد بن بكر بن هوازن، وسعيد بن نمران الهمداني ثم الناعطي، فتموا أربعة عشر رجلاً. تسمية من قتل أصحاب حجر رحمه الله: حجر بن عدي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي ثم المنقري، وكدام بن حيان

إرميا بن حلقيا من سبط لاوي

العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي، بعث به إلى زياد فدفن حياً بقس الناطف، فهم سبعة قتلوا ودفنوا وصلى عليهم. قال: وزعموا أن الحسن لما بلغه قتل حجر وأصحابه، قال: صلوا عليهم، وكفنوهم، واستقبلوا بهم القبلة؟ قالوا: نعم؛ قال: حجوهم ورب الكعبة. تسمية من نجا منهم: كريم بن عفيف الخثعمي، وعبد الله بن حوية التميمي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، والأرقم بن عبد الله الكندي، وعتبة بن الأخنس، من بني سعد بن بكر، وسعيد بن نمران الهمذاني، فهم سبعة. قال الطبري: ومقتل حجر بن عديّ وأصحابه في سنة إحدى وخمسين. إرميا بن حلقيّا من سبط لاوي ابن يعقوب من أنبياء بني إسرائيل. ويقال: إنه الخضر عليه السّلام. جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريّا عليه السّلام بدمشق وهو يفور، فقال: أيّها الدّم دم يحيى بن زكريّا، فتنت بنو إسرائيل والنّاس فيك؛ فسكن الدّم، ورسب حتى غاب. عن الحسن، قال: إن إرميا كان غلاماً من أبناء الملوك، وكان زاهداً، ولم يكن لأبيه ابن غيره، وكان أبوه يعرض عليه النّكاح فكان يأبى مخافة أن يشغله عن عبادة ربّه، فألحّ عليه أبوه، فكره أن يعصي أباه، فزوّجه في أهل بيت من عظماء أهل مملكته، فلّما أن دخلت عليه امرأته قال لها: يا هذه إني أسرّ إليك أمراً، فإن كتمتيه عليّ وسترتيه سترك الله في الدّنيا والآخرة، وإن أنت أفشيتيه فضحك الله في الدّنيا والآخرة، قالت: فإني سأكتمه عليك؛ قال: فإني لا أريد النّساء. قال: فأقامت معه سنةً، ثم إن أباه أنكر ذلك، فسأله، فقال: يا أبه ما طال ذلك

بعد؛ فدعا امرأته فسألها، فقالت مثل ذلك ففرّق بينهما، وزوّجه امرأة في بيت أشرافهم، فأدخلت عليه، فاستكتمها أمره مثل ما استكتم الأولى؛ فلّما مضت سنة، فسأله أبوه مثل ما سأل، فقال: ما طال ذلك يا أبه؛ فسأل المرأة فقالت: كيف تحمل المرأة من غير زوج؟ ما مسني! فغضب أبوه، فهرب منه حتى بعثه الله نبيّاً مع ناشية الملك وجاءه الوحي. وعن وهب بن منبه: إنّ الله تعالى لمّا بعث إرميا إلى بني إسرائيل، وذلك حين عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وعملوا بالمعاصي فقتلوا الأنبياء، طمع بخت نصّر فيهم، وقذف الله في قلبه، وحدّث نفسه بالمسير إليهم لمّا أراد الله أن ينتقم به منهم، فأوحى الله إلى إرميا: إني مهلك بني إسرائيل ومنتقم منهم، فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي؛ فقام إرميا فشقّ ثيابه وجعل الرّماد على رأسه وخرّ ساجداً، وقال: يا ربّ، وددت أن أميّ لم تلدني حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل، فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي. فقيل له: ارفع رأسك؛ فرفع رأسه؛ قال: فبكى، ثم قال: يا رب، من تسلّط عليهم؟ قال: عبدة النّيران، لا يخافون عقابي ولا يرجون ثوابي، قم يا إرميا فاستمع وحيي أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل: من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصوّرك في رحم أمّك قدّستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهّرتك، ومن قبل أن تبلغ نبأتك، ومن قبل أن تبلغ الأشدّ اخترتك، ولأمر عظيم اجتبيتك، فقم مع الملك ناشية تسدّده وترشده. فكان معه يرشده ويأتيه الوحي من الله حتى عظمت الأحداث، ونسوا ما نجّاهم الله من عدوّهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله تعالى إلى إرميا: قم فاقصص عليهم ما آمرك به، وذكّرهم نعمتي، وعرّفهم أحداثهم. فقال إرميا: يا ربّ إني ضعيف إن لم تقوّني، عاجز إن لم تبلّغني، مخطئ إن لم تسدّدني، مخذول إن لم تنصرني، ذليل إن لم تعزّني. فقال الله له: أو لم تعلم أنّ الأمور كلّها تصدر عن مشيئتي، وأن الخلق والأمر كلّه

لي، وأن القلوب والألسنة كلّها بيدي أقلّبها كيف شئت فتطيعني؟ فأنا الله الذي ليس شيء مثلي، قامت السّموات والأرض وما فيهنّ بكلمتي، وأنه لا يخلص التّوحيد ولا تتمّ القدرة إلاّ لي، ولا يعلم ما عندي، وأنا الذي كلّمت البحار ففهمت قولي، وأمرتها ففعلت أمري، وحدّدت حدوداً فلا تعدو وحدّي، وتأتي بأمواج كالجبال فإذا بلغت حدّي ألبستها مذلةً لطاعتي، وخوفاً واعترافاً لأمري، وأني معك، ولن يصل إليك شيء معي، وأني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلّغهم رسالاتي، فتستوجب بذلك أجر من اتّبعك ولا ينقص من أجورهم شيئاً، وإن تقصّر عنها تستحق بذلك منّي وزر من تركته في عماية، ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً، انطلق إلى قومك فقمّ فيهم، وقل لهم: إن الله ذكّركم بصلاح آبائكم، فلذلك استبقاكم يا معشر أبناء الأنبياء، وتسألهم كيف وجد آباؤهم مغبّة طاعتي، وكيف وجدوا مغبّة معصيتي؛ وهل وجدوا أحداً عصاني فسعد بمعصيتي؟ وهل علموا أحداً أطاعني فشقي بطاعتي؟ إنّ الدّواب إذا ذكرت أوطانها الصّالحة نزعت إليها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة، وتركوا الأمر الذي به أكرمت آباءهم، وابتغوا الكرامة من غير وجهها. أمّا أحبارهم ورهبانهم فاتّخذوا عبادي خولاً يتعبّدونهم ويحكمون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وانسوهم ذكري وسنّتي، وغرّوهم عني، فدان لهم عبادي بالطّاعة التي لا تنبغي إلاّ لي، فهم يطيعونهم في معصيتي. وأمّا ملوكهم وأمراؤهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، وغرّتهم الدّنيا حتى نبذوا كتابي، ونسوا عهدي، فهم يحرّفون كتابي ويفترون على رسلي جراةً منهم عليّ، وغرّة بي. فسبحان جلالي وعلّو مكاني وعظمة شأني، هل ينبغي لي أن يكون لي شريك في ملكي؟ وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي؟ وهل ينبغي لي أن أخلق عباداً أجعلهم أرباباً ن دوني؟ أو آذن لأحد بالطّاعة لأحد؟ لا ينبغي إلاّ لي. وأمّا قراؤهم وفقهاؤهم فيدسون ما يتخيّرون، فينقادون للملوك، فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود النّاقضة لعهدي، فهم جهلة بما يعلمون، لا ينتفعون بشيء ممّا علموا من كتابي.

وأمّ أولاد النبيّين، فمقهورون ومفتونون، يخوضون مع الخائضين، يتمنّون مثل نصري آباءهم، والكرامة التي أكرمتهم بها، ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم، بغير صدق منهم ولا تفكّر، ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم، وكيف كان جهدهم في أمري، حتى اغترّ المغترون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا وصدقوا، حتى عزّ أمري وظهر ديني. فتأنّيت هؤلاء القوم لعلّهم يستحيون منّي ويرجعون، فتطوّلت عليهم، وصفحت عنهم فأكثرت، ومددت لهم في العمر، وأعذرت لهم لعلّهم يتذكّرون، وكلّ ذلك أمطر عليهم السّماء، وأنبت لهم الأرض، فألبسهم العافية، وأظهرهم على العدوّ، ولا يزدادون إلاّ طغياناً وبعداً منّي! فحتى متى هذا؟ أبي يسخرون؟ أم بي يتمرّسون؟ أم إيّاي يخادعون؟ أم عليّ يجترئون؟. فإني أقسم بعزتي لأتيحنّ لهم فتنةً يتحير فيها الحليم، ويضل فيها رأي ذوي الرأي، وحكمة الحكيم، ثم لا سلّطنّ عليهم جبّاراً قاسياً عاتياً، ألبسه الهيبة، وأنزع من صدره الرّأفة والرّحمة، وآليت أن يتبعه عدد سود مثل اللّيل المظلم، له فيه عساكره مثل قطع السّحاب، ومواكب مثل العجاج، وكأن حفيف راياته طيران النّسور، وحمل فرسانه كصوت العقبان، يعيدون العمران خراباً، والقرى وحشاً، ويعيثون في الأرض فساداً، ويتبّرون ما علوا تبتيراً، قاسية قلوبهم، لا يكترثون ولا يرقّون ولا يرحمون، ولا يبصرون ولا يسمعون، يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل رهيب الأسد، يقشعر من هيبتها الجلود، وتطيش من سمعها الأحلام، بألسنة لا يفقهونها، ووجوه ظاهرة عليها المنكر لا يعرفونها، فوعزّتي لأعطلّنّ بيوتهم من كتبي وقدسي، ولأخلينّ مجالسهم من حديثها، ولأوحشنّ مساجدهم من عمّارها وزوّارها الذين كانوا يتزيّنون بعمارتها لغيري، ويتهجّدون فيها ويتعبّدون لكسب الدّنيا بالدّين، ويتفقّهون فيها لغير الدّين، ويتعلّمون فيها لغير العمل. لأبدّلنّ ملوكها بالعزّ الذّل، وبالأمن الخوف، وبالغنى الفقر، وبالنّعمة الجوع، وبطول العافية والرّخاء ألوان البلاء، وبلباس الدّيباج والحرير مدارع الوبر والعباء، وبالأزواج الطيّبة والأدهان جيف القتلى، وبلباس التّيجان أطواق الحديد والسّلاسل

والأغلال، ثم لأعيدنّ فيهم بعد القصور الواسعة والحصون الحصينة الخراب، وبعد البروج المشيّدة مساكن السّباع، وبعد صهيل الخيل عواء الذّئاب، وبعد ضوء السّراج دخان الحريق، وبعد الأنس الوحشة والقفار. ثم لأبدّلنّ نساءها بالأسورة الأغلال، وبقلائد الدّرّ والياقوت سلاسل الحديد، وبألوان الطّيب والأدهان النّقع والغبار، وبالمشي على الزّرابي عبور الأسواق والأنهار والخبب إلى اللّيل في بطون الأسواق، وبالخدور والسّتور الحسور عن الوجوه والسّوق والأسفار والأرواح السّموم. ثم لأدوسنّهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حالق لوصل ذلك إليه، إني إنّما اكرم من أكرمني، وإنّما أهين من هان عليه أمري، ثم لآمرن السّماء خلال ذلك فلتكوننّ طبقاً من حديد، ولآمرنّ الأرض فلتكوننّ سبيكةً من نحاس، فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت، فإن أمطرت خلال ذلك شيئاً سلّطت عليه الآفة، فإن خلص لهم منه شيء نزعت منه البركة، وإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوني لم أعطهم، وإن بكوا لم أرحمهم، وإن تضرّعوا إليّ صرفت وجهي عنهم. وإن قالوا: اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك، وذلك بأنك اخترتنا لنفسك، وجعلت فينا نبوّتك وكتابك ومساجدك، ثم مكّنت لنا في البلاد واستخلفتنا فيها، وربّيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صغاراً، وحفظتنا وإيّاهم برحمتك كباراً، فأنت أولى المنعمين أن لا تغّير وإن غيّرنا، ولا تبدّل وإن بدّلنا، وأن يتّم نعمته وفضله ومنّه وطوله وإحسانه. فإن قالوا ذلك، قلت لهم: إني أبتدئ عبادي برحمتي ونعمتي، فإن قبلوا أتممت، وإناستزادوا زدت، وإن شكروا أضاعف، وإن بدّلوا غيّرت، وإن غيّروا غضبت، وإذا غضبت عذّبت، وليس يقوم شيء لغضبي. قال كعب: قال إرميا: برحمتك أصبحت أتكلم بين يديك، وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذلّ وأضعف من أن ينبغي لي أن أتكلّم بين يديك، ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم، وليس أحد أحقّ أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد منّي بما رضيت به منّي طولاً والإقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك حولي بغير تنكير ولا تغيير منّي، فإن تعذّبني فبذنبي، وإنترحمني فذلك ظنّي بك.

ثم قال: يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت ربّنا وتعاليت لمهلك هذه القرية وما حولها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك؛ يا ربّ سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رفعت لذكرك؛ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتك هذه الأمة وعذابك إيّاهم وهم من ولد إبراهيم خليلك، وأمّة موسى نجيّك، وقوم داود صفّيك، أيّ القرى تأمن عقوبتك بعد أورشلم؟ وأيّ العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم وأمة نجّيك موسى وقوم خليفتك داود؟ تسلّط عليهم عبدة النّيران؟ قال الله تعالى: يا إرميا، من عصاني فلا يستنكر نقمتي، فإني إنّما أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي، ولو أنهم عصوني لأنزلتهم دار العاصين إلاّ أن أتداركهم برحمتي. قال إرميا: يا ربّ، اتخذت إبراهيم خليلاً وحفظتنا به، وموسى قرّبته نجيّاً، فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطّفنا، ولا تسلّط علينا عدوّنا. فأوحى الله إليه: يا إرميا إني قدّستك في بطن أمّك، وأخرتك إلى هذا اليوم، فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكين وابن السّبيل لكنت الدّاعم لهم، وكانوا عندي بمنزلة جنّة ناعم شجرها، طاهر ماؤها، ولا يغور ماؤها، ولا تبور ثمارها ولا تنقطع، ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل: إني كنت بمنزلة الرّاعي الشّفيق أجنّبهم كلّ قحط وكلّ غرّة، وأتبع بهم الخصب حتى صاروا كباشاً ينطح بعضها بعضاً، فياويلهم ثم يا ويلهم، إنّما أكرم من أكرمني، وأهين من هان عليه أمري، إنّ من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي، وإن هؤلاء القوم يتبرّعون معصيتي تبرّعاً، فيظهرونها في المساجد والأسواق، وعلى رؤوس الجبال وظلال الشّجر، حتى عجّت السّماء إليّ منها، وعجّت الأرض والجبال، ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها، وفي كلّ لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب. وقال إسحاق: هؤلاء المسمّون بإسنادهم، لمّا بلّغهم إرميا رسالة ربّهم وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب عصوه وكذّبوه واتهموه، قالوا: كذبت وعظّمت على الله الفرية،

فتزعم أن الله معطّل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده، فمن يعبده، حتى لا يبقى له في الأرض عابد ولا مسجد ولا كتاب؟ لقد أعظمت على الله الفرية، ولقد اعتراك الجنون؛ فأخذوه وقيّدوه وسجنوه؛ فعند ذلك بعث الله عليهم بخت نصّر، فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم، ثم حاصرهم فكان كما قال الله تعالى: " فجاسوا خلال الدّيار ". قال: فلّما طال بهم الحصر، نزلوا على حكمه، فتحوا الأبواب، فتخلّلوا الأزقّة، فذلك قوله تعالى: " فجاسوا خلال الدّيار " وحكم فيها حكم الجاهليّة وبطش الجبّارين، فقتل منهم الثلث، وسبى الثلث، وترك الزّمني والشّيوخ والعجائز، ثم وطئهم بالخيل، وهدّم بيت المقدس، وساق الصّبيان، وأوقف النّسار في الأسواق محسّرات، وقتل المقاتلة، وخرّب الحصون، وهدم المساجد، وحرّق التّوراة، وسأل عن دانيال الذي كان كتب له الكتاب فوجده قد مات، وأخرج أهل بيته الكتاب إليه، وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر، وبنشايل، وعزرايل، وميخايل، فأمضى لهم ذلك الكتاب، وكان دانيال بن حزقيل خلفاً من دانيال الأكبر. ودخل بخت نصّر بجنوده بيت المقدس ووطئ الشّام كلّها، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، فلّما بلغ منها انصرف راجعاً، وحمل الأموال التي كانت بها، وساق السّبايا معه، فبلغ عدّة صبيانهممنأبناء الأحبار والملوك تسعين ألف غلام، وقذف الكناسات في بيت المقدس، وذبح فيه الخنازير؛ فكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود، وأحد عشر ألفاً من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط أشير بن يعقوب، وأربعة عشر ألفاً من سبط زبالون ونفتالي بن يعقوب، وأربعة عشر ألفاً من سبط دان بن يعقوب، ويمانية آلاف من سبط يسياخير بن يعقوب، ألفين من سبط رالون بن يعقوب، ورابعة آلاف من سبط روبيل ولاوي، واثنا عشر ألفاً من سائر بني إسرائيل؛ فانطلق بهم حتى قدم أرض بابل.

أزرق بن قرة السبيعي

قال وهب: لمّ فعل بخت نصّر ما فعل، قيل له: كان لهم صاحب يحذّرهم ما أصابهم ويصفك وخبرك لهم، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، وتهدم مساجدهم، وتحرّق كتابهم، فكذبوه واتّهموه وضربوه وقيّدوه وحبسوه؛ فأمر بخت نصّر فأخرج إرميا من السّجن، فقال له: أكنت تحذّر هؤلاء القوم ما أصابهم؟ قال: نعم: قال: فإني علمت ذلك؛ قال: أرسلني الله إليهم فكذّبوني؛ قال: كذّبوك وضربوك وسجنوك؟ قال: نعم؛ قال: بئس القوم قوم كذّبوا نبّيّهم رسالة ربّهم، فهل لك أن تلحق بي فأكرمك وأواسيك؟ وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمّنتك؛ قال إرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنت، ولم أخرج منه ساعة قطّ، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك، ولم يكن لك عليهم سلطان. فلّما سمع بخت نصّر هذا القول منه تركه؛ فأقام إرميا مكانه بأرض إيليا. أزرق بن قرّة السّبيعيّ من جند خراسان، وفد على الوليد بن يزيد قبل أن يستخلف، وأخبره بمنام رآه له. ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه قال: قدم السّبيعيّ من التّرمذ أيّام هشام على نصر بن سيّار، فقال لنصر: إني رأيت الوليد بن يزيد في المنام وهو وليّ عهد شبه الهارب من هشام، ورأيته على سرير يشرب عسلاً، وسقاني بعضه. فأعطاه نصر أربعة آلاف دينار، وبعث به إلى الوليد، وكتب إليه نصر، فأتى الأزرق الوليد فدفع إليه المال والكسوة، فسّر بذلك الوليد، وألطف الأزرق، وجزّى نصراً خيراً، وانصرف الأزرق، فبلغه ققبل أن ينصرف إلى نصر موت هشام، ونصر لا علم له بما صنع الأزرق، ثم قدم عليه فأخبره.

أزنم الفزاري

أزنم الفزاريّ كان بدمشق حين مات معاوية بن يزيد. قال محمد بن سعد: لمّا دفن معاوية بن يزيد، قام مروان على قبره، فقال: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: معاوية بن يزيد، فقال: هذا أبو ليلى! فقال أزنم الفزاريّ: من البسيط إني أرى فتناً تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا أزهر بن الوليد الحمصيّ سمع أمّ الدّرداء، واجتاز بدمشق إلى بيت المقدس. أزهر بن يزيد المراديّ الحمصيّ حدّث عن عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجرّاح ومعاذ بن جبل، وشهد اليرموك في خلافة عمر، وشهد الجابية. قال كثير بن مرّة: وقال الأزهر وكان رجلاً يرمى بالفقه لمعاذ بن جبل، ونحن بالجابية: من المؤمنون؟ قال معاذ أميرهم: والكعبة إن كنت لأظنّك أفقه مما أنت! هم الذين أسلموا وصاموا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة. أزهر الكوفيّ بياع الخمر وفد على عمر بن عبد العزيز، وحكى عنه، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز بخناصرة يخطب النّاس وقميصه مرقوع.

أسامة بن الحسن بن عبد الله

أسامة بن الحسن بن عبد الله ابن سلمان حدّث بعرفة من أعمال أطرابلس ن ساحل دمشق، عن علي بن معبد بن نوح البغداديّ نزيل مصر، بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من حفظ على أمتّي أربعين من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً ". أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل ابن عبد العزّي بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عبد ودّ بن كنانة بن عوف بن عذرة ابن عديّ بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور بن كلب أبو زيد، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حارثة، ويقال: أبو يزيد حبّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وابن حبّه، استعمله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على جيش فيه أبو بكر وعمر، فلم ينفذ حتى توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبعثه أبو بكر إلى الشّام، فأغار على أبنى من ناحية البلقاء؛ وشهد مع أبيه غزوة مؤتة، وقدم دمشق، وسكن المزّة مدّة، ثم انتقل إلى المدينة فمات بها، ويقال: بوادي القرى. روى عن النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وروى عنه جماعة من الصّحابة والتّابعين. عن أسامة بن زيد، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما تركت بعدي فتنةً أضرّ على الرّجال من النّساء ". وعنه، قال: كان النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأخذني والحسن فيقول: " اللهم إني أحبّهما فأحبّهما ". وعنه، أن رسول اله صلى اله عليه وسلم قال: " إنّما الرّبا في النّسيئة ".

قال محمد بن سعد: قبض النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن عشرين سنة، وكان قد نزل وادي القرى، ومات بالمدينة في آخر خلافة معاوية، وأمّه أمّ أيمن، واسمها بركة، وكانت حاضنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومولاته. وكان زيد بن حارثة في رواية بعض أهل العلم أوّل النّاس إسلاماً، ولم يفارق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وولد له أسامة بمكّة، ونشأ حتى أدرك لم يعرف إلاّ الإسلام، ولم يدن بغيره، وهاجر مع أبيه، وكان رسول اله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحبّه حبّاً شديداً، وكان عنده كبعض أهله. عن عائشة، قالت: دخل مجزّر المدلجي على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرأى أسامة وزيداً، وعليهما قطيفةً، قد غطيّا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض؛ فدخل عليّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسروراً. وعن أسامة، قال: جاء العبّاس وعليّ يستأذنان على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هل تدري ما جاء بهما "؟ فقلت: لا؛ قال: " لكنّي أدري، إيذن لهما " فدخلا، فقال عليّ: يا رسول الله، من أحبّ أهلك إليك؟ قال: فاطمة قال: إنّما أعني من الرّجال؛ قال: " من أنعم الله عليه، وأنعمت عليه، أسامة "؛ قال: ثم من؟ قال: ثم أنت؛ قال العبّاس: يا رسول الله، جعلت عمّك آخرهم! قال: " إنّ علياً سبقك بالهجرة ". قالت عائشة: لا ينبغي لأحد أن ينتقص أسامة بعدما سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من كان يحب الله ورسوله فليحبّ أسامة ". عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلّقها ألبتّة، وهو غائب بالشّام، فأرسل إليها وكيله بشعير فتسخّطته، فقال: والله، مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت ذلك

له، فقال: ليس لك عليه نفقة فأمرها أن تعتدّ في بيت أمّ شريك، ثم قال: تلك المرأة يغشاها أصحابي، اعتدّي عند ابن أمّ مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني قالت: فلّما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أمّا أبو جهم فلا يضع عصاه، وأمّا معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة فنكحته، فجعل الله فيه خيراً واغتبطت به. وعن ابن عمر، قال: لمّا استعمل النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسامة، قالوا فيه، فبلغ النّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: " قد بلغني ما قلتم في أسامة وقد قلتم ذلك في أبيه من قبل، وإنه لخليق للإمارة، وإنه لأحبّ النّاس إليّ ". قال ابن عمر: ما استثنى فاطمة ولا غيرها. عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أمّر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسامة بن زيد، وأمره أن يغير على أبنى من ساحل البحر، قال هشام: وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أمّر الرّجل أعلمه وندب النّاس؛ قال: فخرج معه سروات النّاس وخيارهم ومعه عمر؛ قال: فطعن النّاس في تأمير أسامة، قال: فخطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إن أناساً طعنوا في تأميري أسامة كما طعنوا في تأميري أباه، وإنه لخليق للإمارة، وإن كان لأحبّ إليّ، وإن ابنه لأحبّ النّاس إليّ بعد أبيه، وإني لأرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيراً. قال: ومرض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجعل يقول في مرضه " أنفذوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة ". قال: فسار حتى بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس فقالت: لا تعجل فإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثقيل؛ فلم يبرح حتى قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فلما قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجع إلى أبي بكر فقال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثني وأنا على غير حالكم هذه، وأنا أتخوف أن تكفر العرب، فإن كفرت كانوا أول من يقاتل، وإن لم تكفر مضيت، فإن معي سروات الناس وخيارهم. قال: فخطب أبو بكر الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: والله لئن تخطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فبعثه أبو بكر إلى أبنى، واستأذن لعمر أن يتركه عنده، قال: فأذن أسامة لعمر. قال: فأمره أبو بكر أن يجزر في القوم؛ قال هشام: يقطع الأيدي والأرجل والأوساط في القتال حتى يفزع القوم. قال: فمضى حتى أغار عليهم، ثم أمرهم أن يعظموا الجراحة حتى يرهبوهم؛ قال: ثم رجعوا وقد سلموا، وقد غنموا. قال: فكان عمر يقول: ما كنت لأحيي أحداً بالإمارة غير أسامة لأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبض وهو أمير. قال: فساروا، فلما دنوا من الشام أصابتهم ضبابة شديدة فسترهم الله بها حتى أغاروا وأصابوا حاجتهم. قال: فقدم بنعي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هرقل وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبراً واحداً، فقالت الروم: ما بالي هؤلاء بموت صاحبهم أن أغاروا على أرضنا! قال عروة: فما رؤي جيش كان أسلم من ذلك الجيش. وعن عائشة، قالت: دخل أسامة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأصابته عتبة الباب فشج في وجهه، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا بنت أبي بكر، قومي فامسحي عنه الأذى " قالت: فتقذرته؛ فقام إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعل يمصه ويمجه، ويقول: " لو كان أسامة جاريةً لحليته بكل شيء وزينته حتى أنفقه للرجال ".

وعن عبد الله بن دينار، قال: كان عمر بن الخطاب إذا رأى أسامة بن زيد يقول: السلام عليك أيها الأمير، فيقول أسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، تقول لي هذا؟ قال: فكان يقول له: لا أزال أدعوك ما عشت الأمير، مات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنت علي أمير. وعن ابن عمر، قال: فرض عمر لأسامة أكثر مما فرض لي، فقلت: إنما هجرتي وهجرة أسامة واحدة؛ فقال: إن أباه كان أحب إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أبيك، وإنه كان أحب إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منك، وإنما هاجر بك أبواك. وعن قيس بن أبي حازم: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بلغه أن الراية صارت إلى خالد بن الوليد، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فهلا إلى رجل قتل أبوه " يعني أسامة بن زيد. وعن يزيد بن عياض. قال: أهدى حكيم بن حزام للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الهدنة التي كانت بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين قريش حلة ذي يزن اشتراها بثلاثمئة دينار فردها عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: " إني لا أقبل هدية مشرك " فباعها حكيم، وأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من اشتراها له، فلبسها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما رآه حكيم فيها قال: من الطويل ما تنظر الحكام بالفضل بعدما ... بدا سابق ذو غرة وحجول فكساها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسامة بن زيد بن حارثة فرآها عليه حكيم، فقال: بخ بخ يا أسامة، عليك حلة ذي يزن! فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قل له: وما يمنعني وأنا خير منه وأبي خير من أبيه؟ ". وعن عبد الله بن عباس، ومحمد بن علي بن أبي طالب، قالا: دخل أسامة بن زيد على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأقبل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوجهه، ثم قال: " يا أسامة بن زيد عليك بطريق الجنة، وإياك أن تحيد عنه فتختلج دونها " فقال أسامة: يا رسول الله دلني على ما أسرع به قطع ذلك الطريق،؛ قال: " عليك بالظمأ في

الهواجر، وقصر النفس عن لذاتها ولذة الدنيا، والكف عن محارم الله، يا أسامة إن أهل الجنة يتلذذون بريح فم الصائم، وإن الصوم جنةٌ من النار، فعليك بذلك، وتقرب إلى الله بكثرة التهجد والسجود، فإن أشرف الشرف قيام الليل، وأقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، وإن الله عز وجل يباهي به ملائكته، ويقبل إليه بوجهه، يا أسامة بن زيد إياك وكل كبدٍ جائعةٍ تخاصمك عند الله يوم القيامة، يا أسامة بن زيد، إياك أن تعد عيناك عن عباد الله الذين أذابوا لحومهم بالرياح والسمائم، وأظمأوا الأكباد حتى غشيت أبصارهم الظلم، أسهروا ليلهم خشعاً ركعاً " يبتغون فضلاً من الله تعالى ورضواناً سيماهم في وجوههم من آثر السجود " تعرفهم بقاع الأرض تحف بهم الملائكة تحوم حواليهم الطير تذل لهم السباع كذل الكلب لأهله يابن زيد إن الله إذا نظر إليهم سر بهم، تصرف بهم الزلازل والفتن ". ثم بكى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكاء شديداً حتى اشتد بكاؤه، وخاف القوم أن يكلموه، وحتى ظن القوم أن أمراً نزل من السماء، ثم تكلم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو حزين، قال: " ويح هذه الأمة ما يلقى فيها من أطاع الله عز وجل كيف يكذبونه ويضربونه ويحبسونه من أجل أنه أطاع الله "، فقال بعض أصحابه: يا رسول الله، والناس يومئذٍ على الإسلام؟ قال: " نعم " قال: ففيم إذاً يعصون من أطاع الله؟ قال: " إنما يعصونهم حيث أمروهم بطاعة الله، ترك القوم الطريق ولبسوا اللين من الثياب، وخدمتهم أبناء فارس، وتزين الرجل بزينة المرأة، وتزينت المرأة منهم بزينة الرجل، دينهم دين كسرى وقيصر، همتهم جمع الدنانير والدراهم، فهي دينهم، وسنتهم القتل، تباهوا بالجمال واللباس، فإذا تكلم ولي الله، الغني من التعفف، المنحنية أصلابهم من العبادة، قد ذبحوا أنفسهم من العطش لأجل رضاء الله عز وجل، كذبوا وأوذوا وطردوا وحبسوا، وقيل لهم: قرناء الشيطان ورؤوس الضلال، تكذبون بالكتاب وتحرمون زينة الله والطيبات من الرزق التي أخرج لعباده. يا أسامة بن زيد، تأولوا الكتاب على غير تأويله، وتركوا الدين، فهم على غير دين، واستبدلوا بما تأولوا أولياء الله. يا أسامة بن زيد، إن أقرب

الناس من الله يوم القيامة من طال حزنه وظمؤه وسهره وفكرته، أولئك هم الأخيار الأبرار، لا أنبئك بصفتهم؟ قال: بلى يا رسول الله؛ قال: " هم الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يحضروا، وإذا نظر الناس إليهم قالوا: مجانين أو موسوسين، وما بالقوم جنون ولا وسواس، ولكنهم شغلوا أنفسهم بحب الله عز وجل وطلب مرضاته " يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً " " يبيتون لربهم سجداً وقياماً " " يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " فيقلون على ذلك. يا أسامة بن زيد، أكل الناس من كل نوع، أكلوا من حشيش الأرض وثمارها، وتوسد الناس الوسائد والنمارق، توسدوا اللبن والحجارة، نعم الناس بلذاتهم وشهواتهم، نعموا بجوعهم والعطش، افترش الناس لين الفرش، افترشوا الجنوب والركب، ضحك الناس من الفرح، بكوا هم من الأحزان، تطيب الناس بالطيب، تطيبوا بالماء والتراب، بنوا الناس المنازل والقصور، واتخذوا الخراب والفلوات وظلال الشجر منازل ومساجد ومقيلاً، اتخذ الناس الأندية والمجالس متحدثاً تلذذاً وتلهياً وبطراً واتخذوا المحاريب وحلق الذكر والخلوة تخشعاً وخوفاً وتفكيراً وتذكيراً وتشريفاً، أنس الناس بالحديث والاجتماع، أنسوا بذكر الله ومناجاته والوحدة والفرار بدينهم من الناس، وهب الناس أنفسهم للدنيا، وهبوا هم أنفساً هو وهبها لهم فباعوا قليلاً زائلاً واشتروا كثيراً دائماً. يا أسامة بن زيد، لا يجمع الله عليهم الشدة في الدنيا والآخرة، بل لهم الجنة، أولئك هم أحباء الله، يا ليت أني قد رأيتهم، الأرض بهم رحيمة، والجبار منهم راض، ضيع الناس أفعال النبيين وأخلاقهم، حفظوها هم وتمسكوا بها. يا أسامة بن زيد، الراغب من رغب إلى مثل رغبتهم، والمغتر المغبون من لم يلق الله عز وجل بمثل رغبتهم وأدبهم، والخاسر من خسر تقواهم وضيع أفعالهم. يا أسامة بن زيد، هم لكل أرضٍ أمان، تبكي الأرض إذا فقدتهم، ويسخط الجبار على بلدٍ ليس فيه منهم، ولا تزال الأرض باكيةً حتى يبدل الله مثله. يا أسامة بن زيد، اتخذهم لنفسك أصدقاء وأصحاباً عسى أن تنجو بهم، وإياك أن تدع ما هم عليه فتزل قدمك فتهوي في

أسامة بن زيد بن عدي

النار، يا أسامة بن زيد، زهدوا في الحلال فحرموه على أنفسهم وقد أحل لهم، طلباً للفضل فتركوه لينالوا به الزلفى والكرامات عند الله عز وجل، ولم يتكابوا على الدنيا تكاب الكلاب على الجيف؛ شغل الناس بالدنيا، شغلوا هم أنفسهم بطاعة الله عز وجل، ولم يكن ذلك إلا بتوفيق من الله عز وجل لهم، أكلوا حلو الطعام وحامضه، شعثاً غبراً هزلاً، يراهم الناس فيظنون أن فيهم داء، ويقال: قد خولطوا، وما بالقوم داء ولا خولطوا، ويقال: قد ذهبت عقولهم، وما ذهبت عقولهم، ولكنهم نظروا بقلوبهم إلى من أذهلهم عن الدنيا وما فيها، فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول حين ذهبت عقول الناس في سكرتهم بحب الدنيا ورفض الآخرة. أولئك لهم البشرى والكرامة برفضهم لهواهم وإيثارهم حق الله عز وجل على حقوق من عاشروا. فقال أسامة: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: " أللهم اجعله منهم " أو قال: " أنت منهم ". وعن محمد بن سيرين، قال: بلغت النخلة على عهد عثمان ألف درهم؛ قال: فعمد أسامة إلى نخلة فعقرها وأخرج جمارها وأطعمها أمه، فقالوا له: ما يحملك على هذا، وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟ قال: إن أمي سألتني ولا تسألني شيئاً أقدر عليه إلا أعطيتها. وعن الزهري، قال: قد حمل سعد بن أبي وقاص من العقيق إلى المدينة، وحمل أسامة بن زيد من الجرف. وقد تقدم أنه مات في خلافة معاوية، ومات معاوية سنة ستين. أسامة بن زيد بن عدي أبو عيسى التنوخي الكاتب، ويقال: الكلبي مولاهم مولى سليح، ولي كتابة الوليد بن عبد الملك، ثم قدم دمشق على يزيد بن عبد الملك، ثم ولي الخراج لهشام بن عبد الملك.

ذكر أبو الحسين الرازي في تسمية كتاب أمراء دمشق، أن أسامة بن زيد بن عدي صاحب قصر أسامة من أهل دمشق كان على ديوان الجند بدمشق في زمان الوليد بن عبد الملك، وتولى خراج مصر للوليد بن عبد الملك فاستخرج مالها اثني عشر ألف ألف دينار، وهو أول من اتخذ صاحب حمالة. قال ابن يونس: وهو الذي بنى مقياس النيل العتيق بجزيرة فسطاط مصر. قال الليث بن سعد: فيها يعني سنة سبع أو ست وتسعين دخل أسامة بن زيد مصر أميراً على أرض مصر، دخل يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول. وفيها يعني سنة تسع وتسعين نزع أسامة بن زيد من مصر في شهر ربيع الآخر، وأمر حيان بن شريح سنة اثنتين؛ قال: وفيها يعني سنة أربع ومئة خرج أسامة بن زيد إلى الشام فجعل على الدواوين، وأمر يزيد بن أبي يزيد على مصر. قال إسماعيل بن أبي الحكم: لما بعث سليمان بن عبد الملك أسامة بن زيد الكلبي على مصر، دخل أسامة على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أبا حفص، إنه والله ما على ظهر الأرض من رجل بعد أمير المؤمنين أحب إلي رضاء منك ولا أعز علي سخطاً منك، وإن أمير المؤمنين قد وجهني إلى مصر، فأوصني بما شئت، واكتب إلي فيما شئت، فإنك لن تأمر بأمر إلا نفذ إن شاء الله. قال: ويحك يا أسامة، إنك تأتي قوماً قد ألح عليهم البلاء منذ دهر طويل، فإن قدرت على أن تنعشهم فأنعشهم؛ قال: يا أبا حفص، إنك قد علمت نهمة أمير المؤمنين في المال، وإنه لن يرضيه إلا المال؛ قال: إنك إن تطلب رضاء أمير المؤمنين بسخط الله يكون الله قادراً على أن يسخط أمير المؤمنين عليك. قال: إني سأودع أمير المؤمنين وأنت حاضر إن شاء الله فتسمع وصاته. فلما كان في اليوم الذي أراد أن يسير فيه غدا على سليمان متقلداً بسيف، متوشحاً عمامته، يتحين دخول عمر فلما عرف أن عمر قد استقر فقعد مقعده عند سليمان استأذن ودخل وسلم، ثم مثل قائماً، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا وجهي وأردت أن أحدث عهداً بأمير المؤمنين، وأن يعهد إلي أمير المؤمنين.

أسامة بن سلمان النخعي

قال: احلب حتى ينفيك الدم، فإذا أنفاك فاحلب حتى ينفيك القيح لا تنفيها لأحدٍ بعدي. قال: فخرج، فلم يزل واقفاً حتى خرج عمر من عند سليمان، فسار معه قبل منزل عمر، فقال: يا أبا حفص قد سمعت وصاة أمير المؤمنين؛ قال: وأنت قد سمعت وصاتي؛ قلت: أوصني في خاصتك؛ قال: ما أنا بموصيك مني في خاصتي إلا أوصيك به في العامة. فسار إلى مصر، فعمل فيها عملاً، والله ما عمله فرعون، فقد قص علينا ما عمل فرعون. فقلت له: فما صنعتم به حين وليتم؟ قال: عزلناه، ووقفناه بمصر في العسكر، فوالله ما جاء أحد من الناس يطلب قبله ديناراً ولا درهماً إلا وجدناه مثبتاً في بيت المال، كان أميناً في الأرض. أسامة بن سلمان النخعي ويقال: العنسي، من أهل دمشق روى عن أبي ذر، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: " إن الله عز وجل ليغفر للعبد ما لم يقع الحجاب " قالوا: يا رسول الله، وما وقوع الحجاب؟ قال: " أن تموت يعني النفس وهي مشركة ". أسامة بن سلام القرشي من أهل صهيا.

أسامة بن مرشد بن علي

أسامة بن مرشد بن علي ابن المقلد بن نصر بن منقذ بن نصر بن هاشم أبو المظفر الكناني، الملقب بمؤيد الدولة له يد بيضاء في الأدب والكتابة والشعر. ذكر لي أنه ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمئة، وقدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وخمسمئة، وخدم بها السلطان وقرب منه؛ وكان فارساً شجاعاً، ثم خرج إلى مصر فأقام بها مدة، ثم رجع إلى الشام وسكن حماة؛ واجتمعت به بدمشق، وأنشدني قصائد من شعره سنة ثمان وخمسين وخمسمئة. قال لي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الملحي: الأمير مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن منقذ شاعر أهل الدهر، مالك عنان النظم والنثر، متصرف في معانيه، لاحق بطبقة أبيه، ليس يستقصى وصفه بمعان، ولا يعبر عن شرحها بلسان، فقصائده الطوال لا يفرق بينها وبين شعر ابن الوليد، ولا ينكر على منشدها نسبتها إلى لبيد، وهي على طرف لسانه، بحسن بيانه، غير محتفل في طولها، ولا يتعثر لفظه العالي في شيء من فضولها؛ والمقطعات فأحلى من الشهد، وألذ من النوم بعد طول السهد، في كل معنى غريب وشرح عجيب. كتب على حائط دار سكنها بالموصل: من البسيط دار سكنت بها كرها وما سكنت ... روحي إلى شجن فيها ولا سكن والقبر أستر لي منها وأجمل بي ... إن صدني الدهر عن عودي إلى وطني وكتب إلى أخيه: من الخفيف

عجمتني الخطوب حيناً فلما ... عجزت أن تطيق مساغا لفظتني وسالمتني فقد عا ... د حذاري أمناً وشغلي فراغا وأخو الصبر في الحوادث إن لم ... يلقه الحين مدرك ما أراغا وكتب على حائط جامع: من الكامل هذا كتاب فتى أحلته النوى ... أوطانها ونبت به أوطانه شطت به عمن يحب دياره ... وتفرقت أيدي سبا إخوانه متتابع الزفرات بين ضلوعه ... قلب يبوح ببثه خفقانه تأوي إليه مع الظلام همومه ... وتذوده عن نومه أشجانه لكنه لا يستكين لحادث ... خوف الحمام ولا يراع جنانه ألفت مقارعة الكماة جياده ... وسرى الهواجر لا يني ذملانه يومان أجمع دهره إما سرى ... أو يوم حرب تلتظي نيرانه أنشدنا أبو المظفر: من البسيط نافقت دهري فوجهي ضاحك جذل ... طلق وقلبي كئيب مكمد باكي وراحة القلب في الشكوى ولذتها ... لو أمكنت لا تساوي ذلة الشاكي وأنشدني أيضاً: من الكامل أصبحت لا أشكو الخطوب وإنما ... أشكو زماناً لم يدع لي مشتكى أفنى أخلائي وأهل مودتي ... وأباد إخوان الصفاء وأهلكا عاشوا براحتهم ومت لفقدهم ... فعلي يبكي لا عليهم من بكى وبقيت بعدهم كأني حائر ... بمفازة لم يلق فيها مسلكا وأنشدني أيضاً: من الكامل

أحبابنا كيف اللقاء ودونكم ... خوض المهالك والفيافي الفيح أبكيتم عيني دماً فكأنما ... إنسانها بيد الفراق جريح فكأن قلبي حين يخطر ذكركم ... لهب الضرام تعاورته الريح وأنشدني أيضاً: من البسيط يا مؤيسي بتجنيه وهجرته ... هل حرم الحب تسويفي وتعليلي يبدي لي اليأس تصريحاً فتكذبه ... طماعي وأرى والآمال تملي لي وقد رضيت قليلاتً منك تبذله ... فما احتيالي إذا استكثرت تقليلي وأنشدني ما قاله في ضرس له قلعه: من البسيط وصاحب لا تمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد لم يبد لي مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فرقة الأبد وأنشدني: من الكامل ومماذق رجع النداء جوابه ... فإذا عرا خطب فأبعد من دعي مثل الصدى يخفى علي مكانه ... أبداً ويملا بالإجابة مسمعي وأنشدني مما عمله بقيسارية: من الطويل أراني نهار الشيب قصدي وطالما ... تجاوز بي ليل الشباب سبيلي وقد كان عذري أن أضلني الدجى ... فهل لي عذر والنهار دليلي وأنشد: من الطويل إذا ما عدا دهر من الخطب فاصطبر ... فإن الليالي بالخطوب حوامل

وكل الذي يأتي به الدهر زائل ... سريعاً فلا تجزع لما هو زائل وأنشدني: من البسيط لا تخدعن بأطماع تزخرفها ... لك المنى بحديث المين والخدع فلو كشفت عن الهلكى بأجمعهم ... وجدت هلكهم في الحرص والطمع وأنشدني من الكامل لا در درك من رجاء كاذب ... يعترنا بورود لامع لال أبداً يسوفنا بنصرة خاذلٍ ... ووفاء خوان وعطفة قال ويري سبيل الرشد لكن ما لنا ... عزم مع الأهواء والآمال وأنشدني مما قاله بمصر: من البسيط أنظر إلى صرف دهري كيف عودني ... بعد المشيب سوى عاداتي الأول تغاير من صروف الدهر معتبرٌ ... وأي حال على الأيام لم يحل قد كنت مسعر حرب كلما خمدت ... أضرمتها باقتداح البيض في القلل همي منازلة الأقران أحسبهم ... فرائسي فهم مني على وجل أمضى على الهول من ليل وأهجم من ... سيل وأقدم في الهيجاء من أجل فصرت كالغادة المكسال مضجعها ... على الحشايا وراء السجف والكلل قد كدت أعفن من طول الثواء كما ... يصدي المهند طول اللبث في الخلل أروح بعد دروع الحرب في حللٍ ... من الدبيقي فبؤساً لي وللحلل وما الرفاهة من رأيي ولا وطري ... ولا التنعم من همي ولا شغلي ولست أرضى بلوغ المجد في رفهٍ ... ولا العلا دون حطم البيض والأسل وأنشدني بعد ما قاله في خروجه من مصر، قال: من الطويل

أسباط بن واصل الشيباني

إليك فما تثني شؤونك شاني ... ولا تملك العين الحسان عناني ولا تجزعي من بغتة البين واصبري ... لعل التنائي معقب لتداني فللأسد غيل حيث حلت وإنما ... يهاب التنائي قلب كل هدان ولا تحملي هم اغترابي فلم أزل ... غريب وفاء في الورى وبيان وفياً إذا ما خان جفن لناظر ... ولم يرع كف صحبة لبنان أرى الغدر عاراً يكتب الدهر وصمةً ... ويقراه ما بين الملا الملوان ولا تسأليني عن زماني فإنني ... أنزه عن شكوى الخطوب لساني ولكن سلي عني الزمان فإنه ... يحدث عن صبري على الحدثان رمتني الليالي بالخطوب جهالةً ... بصبري على ما نابني وعراني فما أوهنت عزمي الرزايا ولا لها ... بحسن اصطباري في الملم يدان وكم نكبةٍ ظن العدى أنها الردى ... سمت بي وأعلت في البرية شاني وما أنا ممن يستكين لحادث ... ولا يملأ الهول المخوف جناني وإن كان دهري غال وفري فلم يغل ... ثنائي ولا ذكري بكل مكان وما كان إلا للنوال وللقرى ... وغوثاً لملهوفٍ وفدية عان حمدت على حالي يسار وعسرةٍ ... وبرزت في يومي ندى وطعان ولم أدخر للدهر إن راب أو نبا ... وللخطب إلا صارمي وسناني لأن جميل الذكر يبقى لأهله ... وكل الذي فوق البسيطة فان أسباط بن واصل الشيباني والد يوسف بن أسباط الزاهد شاعر مدح يزيد بن الوليد، وكان قدرياً حكى ذلك ابنه يوسف. قال يوسف: كان أبي صديقاً ليزيد بن الوليد الناقص، فلما صارت إليه الخلافة دخل عليه ومعه عشرة من الشعراء، فسلم عليه بالخلافة، وقال له: من المتقارب

إسحاق بن أحمد

أتتك تزف زفاف العروس ... عن المسلمين فخذها هنيا في قصيدة له، فأمر لهم بكذا وكذا فرق بينهم؛ ثم عاش أبي حتى أدرك أبا جعفر، فأتاه بقصيدته التي قالها في يزيد، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فاستقلها أبي، وقال: عهد أمير المؤمنين بالفقر قريب. قال يوسف بن أسباط: مات أبي وترك مئة ألف ما أخذت منها شيئاً، إلا هذا المصحف، وليس في نفسي منه شيء. وقال يوسف: كان أبي قدرياً، وأخوالي روافض، فأنقذني الله تعالى بسيفين. قال أسباط يذكر غيبته عن قتل الوليد، وأنه لم يحضره، وقد كان قبل ذلك وبعد من المجلبين والداعين إلى قتاله وقتله؛ من المتقارب مررت بحيث قضى نحبه ... فكاد يشيب مني القذالا لذكري وقيعته إذ مضت ... ولم أك باشرت فيها قتالا ولكنني كنت في غيبةٍ ... أجل من القول عني عيالا أعرف ذا الجهل شراته ... وأذكر للناس منه خلالا ولأسباط بن واصل، مما ذكره محمد بن داود بن الجراح: من المتقارب دعاني أناجي إلهي قليلا ... إذا الليل ألقى علي السدولا إليك تيممت قولاً أصيلا ... أرجي به رب منك الفضولا لأنك تعطي على قدرةٍ ... وأنك لست بشيء بخيلا إسحاق بن أحمد روى عن جعفر بن محمد الفريابي، بسنده عن أنس، قال: دخلت على البراء بن مالك، وقد قال برجله على الحائط، وهو يترنم بالشعر، فقلت: بعد الإسلام والقرآن؟ قال: يا أخي، الشعر ديوان العرب.

إسحاق بن أحمد أبو يعقوب الطائي

إسحاق بن أحمد أبو يعقوب الطائي حدث عن أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، عن محمد بن القاسم الأنباري، عن أبي القاسم العبدي قال: قال المأمون: بينما أدور في بلاد الروم وقفت على قصر عادي مبني من رخام أبيض، كأن أيدي المخلوقين رفعت عنه تلك الساعة، عليه مصراعان مردومان، عليهما كتاب بالحميرية، فطلبت من قرأه، فإذا هو مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم: من الخفيف ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك ... قد زال سلطانه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبداً ... ليس بفانٍ ولا بمشترك قال: فأمرت بفتح المصراعين، فدخلت، فإذا أنا بقبةٍ من رخام أبيض مكتوبٍ حواليها مثل تلك الكتابة، فقرئ فإذا هو مكتوب: من الرجز لهفي على مختلس ... في قبره محتبس قد عاش دهراً ملكاً ... منعماً بالأنس لم ينتفع لما أتي ... بجنده والحرس وإذا داخل القبة سرير من ذهب عليه رجل مسجى، حواليه ألواح من فضة، مكتوب على لوح منها عند رأسه بمثل الكتابة: من البسيط الموت أخرجني من دار مملكتي ... فاخترت مضطجعي من بعد تتريف لله عبد رأى قبري فأحزنه ... وخاف من دهره ريب التصاريف أستغفر الله من ذنبي ومن زللي ... وأسأل الله عفواً يوم توقيفي

إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن محمد

إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن محمد ابن عطية بن زياد بن مزيد بن بلال بن عبد الله أبو يعقوب البغدادي أخو أبي بكر بن الحداد، سمع بدمشق ببيت لهيا، وببغداد، واستوطن مصر. إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن راشد ابن سليم الثقفي، يعرف بالضامدي روى عن عمر بن عبد الواحد، بسنده عن أنس بن مالك، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، كما أمركم الله، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ". إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل أبو محمد السبتي القاضي سمع بدمشق وبغيرها من جماعة، وروى عنه جماعة. روى قتيبة بن سعيد، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". مات سنة سبع وثلاثمئة. إسحاق بن إبراهيم بن بنان ويقال: بيان أبو يعقوب الجوهري مصري الأصل، سكن دمشق وحدث عن جماعة، وروى عنه جماعة.

إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان

روى عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، بسنده عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ". وعن أبي داود الحراني، بسنده عن البراء أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بقوم جلوس على ظهر الطريق، فقال: " إن كنتم لا بد فاعلين فأفشوا السلام، واهدوا الضال، وأغيثوا الملهوف ". قال أبو سليمان بن زبر: سنة سبع وعشرين وثلاثمئة، فيها توفي ابن بنان الجوهري في شعبان. إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان أبو يعقوب البغدادي الأنماطي سمع بدمشق وأسمع. روى عن هشام بن عمار، بسنده عن عائشة. أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا رأى المطر قال: " اللهم اجعله صيباً هنياً ". قال عنه الدارقطني: ثقة، وهو بغدادي. مات سنة اثنتين وثلاثمئة، يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم. إسحاق بن إبراهيم بن صالح بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي الصالحي ولي دمشق نيابة عن أبيه إبراهيم في خلافة الرشيد، وفي ولايته وقعت عصبية أبي الهيذام، حتى تفانى فيها جماعة من المسلمين وتفاقم أمرهم.

إسحاق بن إبراهيم بن عبد الواحد

عن أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم بدمشق، يقول على منبر دمشق: من آثره الله آثره، فرحم الله عبداً استعان بنعمته على طاعته، ولم يستعن بنعمته على معصيته، فإنه لا يأتي على صاحب الجنة ساعةً، إلا وهو مزداد صنفاً من النعيم لم يكن يعرفه، ولا يأتي على صاحب النار ساعة إلا وهو مستنكر لشيء من العذاب لم يكن يعرفه. وعن علي بن محمد المدائني، قال: ولما خرج إبراهيم من دمشق مع الوفد الذين قدم بهم على أمير المؤمنين الرشيد، استخلف ابنه إسحاق على دمشق، وضم إليه رجلاً من كندة، يقال له: الهيثم بن عوف، فغضب الناس، وحبس رؤوساً من قيس، وأخذ أربعين رجلاً من محارب فضربهم وحلق رؤوسهم ولحاهم، ضرب كل رجلٍ ثلاثمئة، فنفر الناس بدمشق فتداعوا إلى العصبية، ونشب الحرب، ورجعوا إلى ما كانوا عليه من القتل والنهب، فلم يزالوا على ذلك أشهراً، ثم خرج إلى حمص. إسحاق بن إبراهيم بن عبد الواحد ابن إبراهيم بن عبد الله بن عمران العبسي روى عن إسماعيل بن عبد الرحمن الخولاني، بسنده عن ابن عمر، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الجنة لتزخرف لشهر رمضان من رأس الحول إلى الحول، فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش فتفتقت ورق الجنة عن الحور العين يقلن: أللهم اجعل لنا من أوليائك أزواجاً تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا ". إسحاق بن إبراهيم بن العلاء ابن زبريق بن الضحاك بن مهاجر بن عبد الرحمن بن زيد أبو يعقوب بن أبي إسحاق الزبيدي، الحمصي وقيل: إنه دمشقي. سمع وأسمع.

إسحاق بن إبراهيم بن القاسم بن مخلد

روى عن عمرو بن الحارث، بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي يحلون عن الحوض، فأقول: أي رب، أصحابي، فيقول: إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ". قال ابن أبي حاتم: كتب أبي عنه، وسمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن معين، وأثنى على إسحاق بن الزبريق خيراً، وقال: الفتى لا بأس به، ولكنهم يحسدونه. قال ابن يونس في تاريخ الغرباء: توفي بمصر سنة ثمان وثلاثين ومئتين، يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان. إسحاق بن إبراهيم بن القاسم بن مخلد أبو يعقوب النيسابوري سكن دمشق وحدث بها عن جماعة، وروي عنه. روى عن يوسف بن موسى المروروذي، بسنده عن خالد بن الوليد قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة أشدهم عذاباً للناس في الدنيا ". إسحاق بن إبراهيم بن أبي كامل أبو الفضل، ويقال: أبو يعقوب الحنفي المروروذي، ويقال الباوردي سكن بغداد، وحدث عن جماعة، وحدث بمصر ودمشق. روى عن الحسن بن الأشيب، بسنده عن أبي هريرة، أنه قال: يا نبي الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: " جهد المقل، وابدأ بمن تعول ".

إسحاق بن إبراهيم بن محمد

قال أبو زرعة: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن أبي كامل، ثقة حافظ، من أهل مروروذ، قدم علينا طالب علم، عن بكر بن بكار، بسنده عن أبي بن كعب، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون ويبقى واحد ". روى عن عبد الرزاق، بسنده عن عبد الله بن عدي الأنصاري، قال: بينما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أصحابه، إذ جاءه رجل فساره في قتل رجلٍ من المنافقين، فجهر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كلامه، قال: " أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: بلى، ولا شهادة له؛ قال: " أليس يصلي؟ " قال: بلى، ولا صلاة له؛ قال: " أولئك الذين نهيت عن قتلهم ". وقال ابن أبي حاتم: وهو صدوق. إسحاق بن إبراهيم بن محمد ابن خازم بن سنين أبو القاسم الختلي، البغدادي سمع بدمشق وبغيرها من جماعة، وروي عنه. روى عن محمد بن أبي السري العسقلاني، بسنده عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها ". مات في سنة ثلاث وثمانين ومئتين، يوم الجمعة ليومين مضيا من شوال، وقيل: إنه مات وقد بلغ ثمانين سنة. وقال ابن قانع: مات سنة أربعٍ وثمانين ومئتين، في أولها.

إسحاق بن إبراهيم بن محمد

إسحاق بن إبراهيم بن محمد ابن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء أبو يعقوب، ويقال: أبو الأصبغ الأنصاري روى عن أبي الجماهر محمد بن عثمان التنوخي، بسنده عن جابر أن عمر بن الخطاب تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب على أربعين ألف درهم. قال إسحاق: حج سالم الخواص فلقي ابن عيينة في السوق، فقال: كنت أحب لقيك وما كنت أحب أن ألقاك في هذا الموضع؛ قال: فأنشأ ابن عيينة يقول: من البسيط خذ بعلمي وإن قصرت في عملي ... ينفعك عملي ولا يضررك تقصيري إسحاق بن إبراهيم بن محمد ابن عرعرة بن البرند أبو عبيد الله الشامي البصري قدم دمشق سنة إحدى وستين ومئتين، وحدث بها وبحمص. روى عن سليمان بن داود، بسنده عن أم سلمة. أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى عندها جارية بوجهها سفعة، فقال: " بها نظرة فاسترقوا لها ". وعن إبراهيم بن بشار الرمادي، بسنده عن أنس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولم على بعض نسائه بتمرٍ وسويق.

إسحاق بن إبراهيم بن مخلد

إسحاق بن إبراهيم بن مخلد ابن إبراهيم بن عبد الله بن بكر، ويقال مطر بدل بكر بن عبد الله بن غالب ابن عبد الوارث، ويقال: ابن الوارث بن عبد الله بن عطية بن مرة ابن كعب بن همام بن أسمر، ويقال: أسد بدل أسمر بن مرة ابن عمرو بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم أبو يعقوب التميمي الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه أحد أئمة الإسلام، وأعلام الدين. سمع بدمشق والشام، والري والكوفة والبصرة ومكة واليمن وخراسان. روى عن عيسى بن يونس، بسنده عن عائشة أن أبا بكر دخل عليها في أيام منى وعندها جاريتان تغنيان وتضربان بدفين، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسجى بثوبٍ على وجهه، لا يأمرهن ولا ينهاهن، فنهاهن أبو بكر، فكشف رسول لله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن وجهه الثوب، وقال: " دعهن يا أبا بكر، فإنها أيام عيد ". وعن المعتمر بن سليمان، بسنده عن علقمة بن عبد الله، عن أبيه، قال: نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن كسر سكة المسلمين الجائزة، إلا من بأس. وعن يحيى بن سعيد، بسنده عن ابن عباس. أنه كان يكبر من غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق. قال محمد بن رافع: فلقيت إسحاق بن إبراهيم، فقلت: إن يحيى بن آدم حدثني عنك، عن يحيى بن سعيد، فذكرت له هذا الحديث، فحدثني كما حدثني يحيى بن آدم. قال أبو العباس: فقلت لإسحاق: كم كتب عنك يحيى بن آدم؟ قال إسحاق: نحو ألفي حديث.

قال محمد بن إسحاق بن راهويه: ولد أبي رحمه الله سنة ثلاث وستين ومئة؛ توفي رحمه الله تعالى في ليلة الأحد النصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين ومئتين. قال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: قال لي عبد الله بن طاهر، لم قيل لك: ابن راهويه؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يقال لك هذا؟ قال: قلت: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق، فقالت المراوزة: راهويه، بأنه ولد في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلست أكرهه. وعن علي بن إسحاق بن راهويه قال: ولد أبي من بطن أمه مثقوب الأذنين، قال: فمضى جدي راهويه إلى الفضل بن موسى فسأله عن ذلك، فقال: ولد لي ولد خرج من بطن أمه مثقوب الأذنين؛ فقال: يكون ابنك رأساً إما في الخير وإما في الشر. قال وهب بن جرير: جزى الله إسحاق بن راهويه، وصدقة، ومعمر، عن الإسلام خيراً، أحيوا السنة بأرض المشرق. وعن يحيى بن يحيى قال: قالت لي امرأتي فاطمة: كيف تقدم إسحاق بين يديك إذا خرجت من الطارمة، وأنت أكبر منه؟ فقال: إسحاق أكثر علماً مني، وأنا أسن منه. وعن أحمد بن حفص السعدي قال: ذكر لأحمد بن حنبل، وأنا حاضر، إسحاق بن راهويه، فكره أحمد أن يقال: راهويه؛ وقال: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي؛ وقال: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً. قال إسحاق بن إبراهيم: سألني أحمد بن حنبل عن حديث الفضل بن موسى حديث ابن عباس: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلحظ في صلاته ولا يلوي عنقه خلف ظهره قال: فحدثتهن فقال له رجل: يا أبا يعقوب، رواه وكيع بخلاف هذا؛ فقال له أحمد بن حنبل: اسكت، إذا حدثك أبو يعقوب، أمير المؤمنين، فتمسك به.

إسحاق بن إبراهيم بن ميمون

أنشد أحمد بن سعيد الرباطي في إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: من السريع قربى إلى الله دعاني إلى ... حب أبي يعقوب إسحاق لم يجعل القرآن خلقاً كما ... قد قاله زنديق فساق جماعة السنة آدابه ... يقيم من شذ على ساق يا حجة الله على خلقه ... في سنة الماضين للباقي أبوك إبراهيم محض التقى ... سباق مجدٍ وابن سباق قال محمد بن إسحاق: ولما مات إسحاق بن إبراهيم، وقف رجلٌ على قبره، وقال: من الطويل فكيف احتمالي للسحاب صنيعه ... بإسقائه قبراً وفي لحده بحر وعن أبي سعيد الحسن بن عبد الصمد القهندزي، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: أحفظ سبعين ألف حديث، كأنها نصب عيني. قال أبو بكر الخطيب: كان أحد أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين، اجتمع له الحديث والفقه، والحفظ والصدق، والورع والزهد، ورحل إلى العراق والحجاز واليمن والشام، وورد بغداد غير مرة، وجالس حفاظ أهلها، وذاكرهم، وعاد إلى خراسان، واستوطن نيسابور، إلى أن توفي بها، وانتشر علمه عند الخراسانيين، ولم أر في أحاديث البغداديين شيئاً أستدل به على أنه حدث ببغداد، إلا أن يكون على سبيل المذاكرة، والله أعلم. إسحاق بن إبراهيم بن ميمون أبو محمد التميمي، المعروف أبوه بالموصلي روى عن جماعة، وروي عنه؛ وقدم دمشق مع المأمون.

عن حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: قال لي أبي: قلت ليحيى بن خالد، أريد أن تكلم لي سفيان بن عيينة ليحدثني بأحاديث؛ فقال: نعم، إذا جاءنا فأذكرني. قال: فجاءه سفيان، فلما جلس أومأت إلى يحيى، فقال: يا أبا محمد، إسحاق بن إبراهيم من أهل العلم والأدب، وهو مكره على ما تعلمه منه. فقال سفيان: وما تريد بهذا الكلام؟ قال: تحدثه بأحاديث؛ قال: فكره ذلك، فقال يحيى: أقسمت عليك إلا فعلت؛ قال: نعم، فليبكر إلي. قال: فقلت ليحيى: افرض لي عليه شيئاً؛ فقال له: يا أبا محمد، افرض له شيئاً؛ قال: قد جعلت له خمسة أحاديث؛ قال: زده؛ قال: قد جعلتها سبعة؛ قال: هل لك أن تجعلها عشرة؟ قال: نعم. قال إسحاق: فبكرت إليه، واستأذنت ودخلت وجلست بين يديه، فأخرج كتابه فأملى علي عشرة أحاديث، فلما فرغ قلت له: يا أبا محمد، إن المحدث يسهو ويغفل وإن المحدث أيضاً كذلك، فإن رأيت أقرأ عليك ما سمعته منك؛ قال: اقرأ فديتك؛ فقرأت عليه. وقلت له أيضاً: إن القارئ ربما أغفل طرفه الحرف، والمقروء عليه ربما ذهب عنه الحرف، فأنا في حل أن أروي جميع ما سمعته منك؟ قال: نعم، فديتك، أنت والله فوق أن تستشفع أو يشفع لك، فتعال كل يوم، فلوددت أن أصحاب الحديث كانوا مثلك. وعن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: جئت أبا معاوية الضرير، ومعي مئة حديث أريد أن أقرأها عليه، فوجدت في دهليزه رجلاً ضريراً، فقال: إنه قد جعل الإذن عليه اليوم إلي لينفعني، وأنا رجل جليل؛ فقلت له: معي مئة حديثٍ، وأنا أهب لك مئة درهم؛ فقال: قد رضيت.

ودخل فاستأذن لي، فدخلت وقرأت المئة حديث؛ فقال لي أبو معاوية: الذي ضمنته لهذا يأخذه من أذناب الناس، وأنت من رؤسائهم، وهو ضعيف معيل، وأنا أحب منفعته؛ قلت قد جعلتها له مئة دينار؛ فقال: أحسن الله جزاءك؛ فدفعتها إليه فأغنيته. قال أبو بكر الخطيب: يقال: إنه ولد في سنة خمس ومئة، وقيل: ولد بعد ذلك، وكتب الحديث عن سفيان بن عيينة وهشيم بن بشير، وأبي معاوية الضرير، وطبقتهم؛ وأخذ الأدب عن أبي سعيد الأصمعي، وأبي عبيدة، ونحوهما؛ وبرع في علم الغناء، وغلب عليه فنسب إليه، وكان حسن المعرفة، حلو النادرة، مليح المحاضرة، جيد الشعر، مذكوراً في السخاء، معظماً عند الخلفاء، وهو صاحب كتاب الأغاني الذي يرويه عنه ابنه حماد. قال إسحاق: بقيت دهراً من دهري أغلس كل يوم إلى هشيم أو غيره من المحديثن وأسمع منه، ثم أصير إلى الكسائي أو الفراء أو ابن غزالة فأقرأ عليه جزاءاً من القرآن، ثم آتي منصور زلزل فيضاربني طريقتين أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتاً أو صوتين، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأناشدهما وأحدثهما وأستفيد منهما، ثم أصير إلى أبي فأعلمه بما صنعت، ومن لقيت، وما أخذت، وأتغدى معه؛ فإذا كان العشي رحت إلى أمير المؤمنين الرشيد. وحدث محمد بن عطية العطوي الشاعر، أنه كان عند يحيى بن أكثم في مجلس له يجتمع الناس فيه، فوافى إسحاق بن إبراهيم فأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه فأحسن وقاس واحتج، وتكلم في الشعر واللغة ففاق من حضر؛ فأقبل على يحيى، فقال: أعز الله القاضي، أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن؟ قال: لا؛ قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها وأنسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه؟ قال العطوي: فالتفت إلي يحيى بن أكثم، فقال: جوابه في هذا عليك وكان العطوي من أهل الجدل فقلت: نعم أعز الله القاضي الجواب علي. ثم أقبلت على إسحاق، فقلت: يا أبا محمد، أنت كالفراء والأخفش في النحو؟ قال:

لا؛ قلت: أفأنت في اللغة وعلم الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة؟ قال: لا، قلت: أفأنت في الأنساب كالكلبي وأبي اليقظان؟ قال: لا؛ قلت: أفأنت في الكلام كأبي الهذيل والنظام؟ قال: لا؛ قلت: أفأنت في الفقه كالقاضي؟ قال: لا؛ قلت: فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي نواس؟ قال: لا؛ قلت: فمن هاهنا نسبت إلى ما نسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه ولا شبيه، وأنت في غيره دون رؤساء أهله. فضحك وقام فانصرف؛ فقال لي يحيى بن أكثم: لقد وفيت الحجة حقها، وفيها ظلم قليل لإسحاق، وإنه لممن يقل في الزمان نظيره. وعن محمد بن عبد الله بن الحزنبل، قال: ما سمعت ابن الأعرابي يصف أحداث بمثل ما يصف به إسحاق من العلم والصدق والحفظ، وكان كثيراً ما يقول: أسمتم بأحسن من ابتدائه في قوله: من الخفيف هل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل؟ هل تعرفون من شكا نومه بمثل هذا اللفظ الحسن؟ وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: كان إسحاق الموصلي ثقة صدوقاً عالماً، وما سمعت منه شيئاً، ولوددت أني سمعت، وما كان يفوتني منه شيء لو أردته. وعن يزيد بن محمد المهلبي، قال: سمعت إسحاق الموصلي يقول: لما خرجنا مع الرشيد إلى الرقة. قال لي الأصمعي: كم حملت معك من كتبك؟ قلت: تخففت فحملت ثمانية أحمال ستة عشر صندوقاً؛ قال: فعجب، فقلت: كم معك من كتبك يا أبا سعيد؟ قال: ما معي إلا صندوقٌ واحد! قلت: ليس إلا؟ قال: وتستقل صندوقاً من حق!. وعنه قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: رأيت في منامي كأن جريراً ناولني كبة من شعر فأدخلتها في فمي، فقال بعض المعبرين: هذا رجل يقول من الشعر ما شاء. قال: وجاء مروان بن أبي حفصة يوماً إلي فاستنشدني من شعري فأنشدته: من الطويل

إذا كانت الأحرار أهلي ومنصبي ... ودافع ضيمي خازم وابن خازم عطست بأنف شامخٍ وتناولت ... يداي السما قاعداً غير قائم قال: فجعل مروان يستحسن ذلك ويقول لأبي: إنك لا تدري ما يقول هذا الغلام!. قال إسحاق: دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: يا إسحاق أنشدني شيئاً من شعر؛ فأنشدته: من الطويل وآمرة بالبخل قلت لها: اقصدي ... فذلك شيء ما إليه سبيل قال الخطيب: كذا رأيته بخط ابن حيويه اقصدي بالدال. أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلاً له في العالمين خليل وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال: بخيل ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئاً أن يكون ينيل عطائي عطاء المكثرين تكرماً ... ومالي كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل فقال: لا، كيف؟ إن شاء الله، يا فضل أعطه مئة ألف درهم، ثم قال: لله در أبيات تأتينا بها يا إسحاق ما أجود أصولها، وأحسن فصولها؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، كلامك أحسن من شعري؛ فقال: يا فضل أعطه مئة ألفٍ أخرى. قال إسحاق: فكان ذلك أول مالٍ اعتقدته. عن أبي العيناء قال: قال لي الأصمعي يوماً: لقيني إسحاق الموصلي، فقال لي: ما تقول في قول الشاعر: من الخفيف هل إلى نظرة إليك سبيل ... يرو منها الصدى ويشفي الغليل إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير من المحب القليل فقلت له: هذا والله الديباج الخسرواني، وأعجبت به؛ فقال لي: إنه ابن ليلته، أي أنا قلته البارحة؛ فخجلت وقلت له: لا جرم، إن أثر التوليد فيه؛ قال: لا جرم، إن أثر الحسد فيك.

وإنما سرق إسحاق هذا البيت من العباس بن قطن الهلالي حيث يقول: من الطويل قفي متعينا يا مليح بنظرة ... فقد حان منا يا مليح رحيل أليس قليلاً نظرةٌ إن نظرتها ... إليك وكلاً ليس منك قليل قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: استبطأني أبو زيد الكلابي، فقال: من الطويل نزورك يا ابن الموصلي لحاجة ... ونفعك يا ابن الموصلي قليل وفي غير هذه الرواية بيت ثانٍ وهو هذا: فمالك عندي من فعالٍ أذمه ... ومالك ما يثنى عليك جميل فأعتبته. عن الناشئ قال: كتب علي بن هشام إلى إسحاق الموصلي يتشوقه، فكتب إليه إسحاق: وصل إلي منك كتاب يرتفع عن قدري، ويقصر عنه شكري، ولو ما قد عرفت من معانيه لظننت أن الرسول غلط بي وأراد غيري فقصدني، فأما ما ذكرت من التشويق واللوعة والتحريق فلولا ما حلفت عليه وصرفت الآلة إليه لقلت: من الكامل يا من شكا عبثاً إلينا شوقه ... فعل المشوق وليس بالمشتاق لو كنت مشتاقاً إلي تريدني ... ما طبت نفساً ساعةً بفراقي وحفظتني حفظ الخليل خليله ... ووفيت لي بالعهد والمثياق هيهات قد حدثت أمورٌ بعدنا ... وشغلت باللذات عن إسحاق وأنشد جحظة لإسحاق بن إبراهيم التميمي، فقال: من البسيط سقي نديمك أقداحاً معتقة ... قبل الصباح وأتبعها بأقداح تريك من حسنها في خده حللاً ... ويترك الريق منه طعم تفاح

لا تشرب الراح إلا من يدي رشأٍ ... تقبيل راحته أشهى من الراح وقال حماد بن إسحاق: أنشدني أبي: من الكامل يبقى الثناء وتذهب الأموال ... ولكل دهرٍ دولةً ورجال ما نال محمدة الرجال وشكرهم ... إلا الجواد بماله المفضال لا ترض من رجلٍ حلاوة قوله ... حتى يصدق ما يقول فعال فإذا وزنت مقاله بفعاله ... فتوازنا فأخاك ذاك جمال وعن نصر بن رباح، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: رضى المتجني غاية لا تدرك؛ وأنشد يقول: من الوافر ستذكرني إذا جربت غيري ... وتعلم أنني لك كنت كنزا بذلت لك الصفاء بكل جهدي ... وكنت كما هويت فصرت جزاً وهنت عليك لما كنت ممن ... يهون إذا أخوه عليه عزاً ستندم إن هلكت وعشت بعدي ... وتعلم أن رأيك كان عجزا وأنشد حماد لأبيه: من الوافر أخلاي الأطايب حيث كانوا ... وما لي في الأطايب من خليل أخلاي القليل بكل أرضٍ ... وكل الخير في ذاك القليل قال إسحاق الموصلي: كان في قلب محمد بن زبيدة علي شيء، فأهديته إليه جارية ومعها هدية، فردها، فكتبت إليه: من المتقارب هتكت الضمير برد اللطف ... وكشفت أمرك لي فانكشف فإن كنت تحقد شيئاً مضى ... فهب للخلافة ما قد سلف وجد لي بالعفو عن زلتي ... فبالفضل يأخذ أهل الشرف فلم يفعل، فكتبت إليه: من المجتث أتيت ذنباً عظيماً ... وأنت أعظم منه فخذ بحقك أولا ... فاصفح بفضلك عنه

فعاد إلى الجميل. وعن ثعلب قال: لقي مصعب الزبيري وصباح بن خاقان أحمد بن هشام، فقال لهما: لشيء ما شهركما إسحاق بن إبراهيم الموصلي! ؛ فقالا: بماذا؟ فقال: بقوله: من الرمل لام فيها مصعب وصباحٌ ... فعذ لنا مصعباً وصباحا عذلا ما عذلا ثم ملا ... فاسترحنا منهما واستراحا فقالا: ما قال إلا خيراً، إنما ذكرنا أنا نهيناه فلم ينته، لكن ما شهرك به أشد، قال: ما هو؟ قالا: قوله: من الطويل وصافية تعشي العيون لذيذةٍ ... رهينة عامٍ في الدنان وعام أدرنا بها الكأس الروية موهناً ... من الليل حتى انجاب كل ظلام فما ذر قرن الشمس حتى كأننا ... من العي نحكي أحمد بن هشام قال: فكأنما سود وجهه بأنقاس. قال صباح بن خاقان: اعتللت علة أشفيت منها، فبلغ ذلك إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فاغتم منها، ثم ورد عليها الخبر بإفاقتي، فكتب إلي: من الوافر حمدت الله إذ عافى صباحا ... وأعقبه السلامة والصلاحا وكنا خائفين على صباحٍ ... من الخبر الذي قد كان باحا وخوفني من الحدثان أني ... رأيت الموت إن لم يفد راحا وعن عبد الأول بن مريد، عن أبيه، قال: مات إسحاق الموصلي سنة خمس وثلاثين ومئتين، ومات فيها إسحاق بن إبراهيم الطاهري. قال: أنشدني في ذلك الوقت رجل يعرف بابن سيابة: من الوافر تولى الموصلي فقد تولت ... بشاشات المعازف والقيان

إسحاق بن إبراهيم بن نصر

وأي غضارةٍ تبقى فتبقي ... حياة الموصلي على الزمان ستبكيه المعازف والملاهي ... وتسعدهن عاتقة الدنان وتبكيه الغوية يوم ولى ... ولا تبكيه تالية القران إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو يعقوب النيسابوري، البشتي سمع بدمشق والحجاز والعراق وخراسان. وروى سنة ثلاث وثلاثمئة عن إبراهيم بن يوسف المكيائي وغيره. قال ابن ماكولا: نسب إلى بشت من أعمال نيسابور. إسحاق بن إبراهيم بن هاشم ابن يعقوب بن إبراهيم بن عمرو بن هاشم بن أحمد، ويقال: ابن إبراهيم بن زامل أبو يعقوب النهدي الأذرعي من أهل أذرعات، مدينة بالبلقاء. أحد الثقات، من عباد الله الصالحين، رحل وحدث عن جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن يحيى بن أيوب، بسنده عن ميمونة: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوجها وهو حلال، وبنى بها بما يقال له: سرف.

إسحاق بن إبراهيم بن يزيد

وعن عبد الوهاب بن عمرو الدمشقي، بسنده عن ابن عباس، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن أهل البيت إذا تواصلوا أجري عليهم الرزق وكانوا في كنف الرحمن ". وقال: خلوت في بعض الأوقات، فتفكرت وقلت: ليت شعري، إلى ما نصير؛ فسمعت قائلاً يقول: إلى رب كريم. وكان أبو يعقوب لا يكاد يفارقه قارورة البول لعلة كانت به، فدفعها إلى بعض من كان يخدمه لغسلها أو لإراقة ما فيها، فاحتاج إليها ولم يحضر من يناوله إياها، فقال: أسأل من حضر من إخواننا من المسلمين من الجن أن يناولينها، فنولها. وقال: سألت الله أن يقبض بصري، فعميت، فاستضررت في الطهارة، فسألته إعادتها، فأعاده علي تفضلاً منه. توفي أبو يعقوب يوم الأضحى سنة أربع وأربعين وثلاثمئة، وهو ابن نيف وتسعين سنة. إسحاق بن إبراهيم بن يزيد أبو النضر القرشي الفراديسي مولى أم الحكم بنت عبد العزيز، ويقال: إنه مولى عمر بن عبد العزيز. روى عن جماعة، وروى عنه البخاري في صحيحه، وأبو داود السجستاني في سننه، وغيرهما. روى عن يحيى بن حمزة، بسنده عن سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا هام ولا طيرة ولا عدوى، وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار ".

إسحاق بن إبراهيم بن يونس

وعن عبد العزيز بن أبي حازم، بسنده عن عائشة، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنما الأعمال بالخواتيم ". قال أبو زرعة الدمشقي: حدثني أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الدمشقي قال: ولدت سنة إحدى وأربعين ومئة. وقال: وكان أبو مسهر يوثقه؛ وكان من الثقات البكائين. توفي في سنة سبع وعشرين ومئتين. إسحاق بن إبراهيم بن يونس ابن موسى بن منصور أبو يعقوب البغدادي المعروف بالمنجنيقي الوراق، نزيل مصر سمع ببيروت وغيرها، وأسمع. روى عن محمد بن الصباح، بسنده عن أبي بردة، عن أبيه، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " اشفعوا فلتؤجروا، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء ". وعن عبد الله بن أبي رومان، بسنده عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". قال ابن عدي: المنجنيقي: بغدادي كان بمصر، وإنما لقب بالمنجنيقي، لأنه كان في جامع مصر منجنيق يصعده القوام يوقدون ثريا فيها، وكان يجلس هذا الشيخ قريباً إليه، فنسب إليه، وكان شيخاً صالحاً. توفي بمصر في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثمئة، يوم الجمعة لليلتين بقيتا منه.

إسحاق بن إبراهيم

إسحاق بن إبراهيم أبو يعقوب الأشقر سمع وأسمع. روى عن جرول بن جنفل، بسنده عن أبي هريرة، قال: أولم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بعض أزواجه بقدر من هريسة. إسحاق بن إبراهيم الرافقي قدم دمشق مع عبد الله بن طاهر لما توجه والياً على مصر من قبل المأمون. قال الطبري: ذكر أحمد بن حفص بن عمر عن أبي السمراء، قال: خرجنا مع الأمير عبد الله بن طاهر متوجهين إلى مصر، حتى إذا كنا بين الرملة ودمشق إذا نحن بأعرابي قد اعترض، فإذا شيخ فيه بقية، على بعير له أورق، فسلم علينا، فرددنا عليه السلام. قال: وأنا وإسحاق بن إبراهيم الرافقي، وإسحاق بن أبي ربعي، ونحن نساير الأمير، وكنا يومئذ أفره من الأمير دواباً وأجود منه كساء. قال: فجعل الأعرابي ينظر في وجوهنا، قال: فقلت: يا شيخ، قد ألحت في النظر، أعرفت منا أمراً أنكرته؟ قال: والله ما عرفتكم قبل يومي هذا، ولا أنكرتكم لسوء أراه بكم، ولكني رجل حسن الفراسة في الناس، جيد المعرفة بهم، قل فأشرت له إلى إسحاق بن ربعي، فقلت ما تقول في هذا؟ فقال: من الطويل أرى كاتباً زهو الكتابة بين ... عليه وتأديب العراق منير له حركات قد يشاهدن أنه ... عليم بتقسيط الخراج بصير قال:

إسحاق بن إبراهيم

ونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقي فقال: من الطويل ومظهر بسط ما عليه ضميره ... يحب الهدايا، بالرجال مكور إخال به جبناً وبخلاً وشيمة ... تخبر عنه أنه لوزير ثم نظر إلي وأنشأ يقول: من الطويل وهذا نديم للأمير ومؤنس ... يكون له بالقرب منه سرور إخالك للأشعار والعلم راوياً ... فبعض نديمٍ مرة وسمير ثم نظر إلى الأمير فأنشأ يقول: من الطويل وهذا الأمير المرتجى سيب كفه ... فما إن له فيمن رأيت نظير عليه رداء من جمالٍ وهيبةٍ ... ووجهٌ بإدراك النجاح بشير لقد عصم الإسلام منه بذي يدٍ ... بها عاش معروفٌ وغاب نكير ألا إنما عبد الإله بن طاهر ... لنا والد بر بنا وأمير قال: فوقع ذلك من عبد الله أحسن موقع، وأعجبه ما قال الشيخ، فأمر له بخمسمئة دينار، وأمره أن يصحبه. إسحاق بن إبراهيم أبو يعقوب الفرغاني، المعروف بجيش حدث بدمشق في سنة تسع وثمانين ومئتين. روى عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، بسنده عن علي، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما انتعل أحد قط ولا خصف ولا لبس ثوباً ليغدو في طلب علم يتعلمه لا غفر الله له حيث يخطو عتبة باب داره ".

إسحاق بن إبراهيم

إسحاق بن إبراهيم أبو بكر الجرجاني، ثم الإستراباذي سمع بدمشق وبغيرها، وأسمع. إسحاق بن إبراهيم أبو نصر الزوزني روى عن أبي عمرو محمد بن يحيى النيسابوري، بسنده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أشرف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل ". إسحاق بن إسماعيل بن إسحاق ابن إبراهيم بن طاهر بن عبد الله أبو الحسين الطاهري من أهل سامرة، حدث بدمشق عمن لم يبلغنا اسمه؛ وكان مولده بسامرة، وسكن بدمشق مدة ثم خرج عنها، وكان يخضب بالسواد.

إسحاق بن إسماعيل

إسحاق بن إسماعيل بن عبد الله ابن زكريا أبو يعقوب الرملي إسحاق بن إسماعيل من أهل دمشق. وأظنه إسحاق الخياط الذي يأتي ذكره. إسحاق بن الأشعث بن قيس وهو عندي: إسحاق بن محمد الأشعث الكندي كوفي كان في صحابة عمر بن عبد العزيز. حدث، قال: كنت في صحابة عمر بن عبد العزيز، فاستأذنته في الانصراف إلى أهلي بالكوفة، فقال لي عمر: إذا أتيت العراق فأقرهم ولا تستقرهم، وعلمهم ولا تتعلم منهم، وحدثهم ولا تسمع حديثهم. إسحاق بن أبي أيوب بن خالد ابن عباد بن زياد بن أبيه، المعروف بابن أبي سفيان من ساكني جرود من إقليم معلولا، من أعمال دمشق.

إسحاق بن بشر بن محمد

إسحاق بن بشر بن محمد ابن عبد الله بن سالم أبو حذيفة الهاشمي، مولاهم، البخاري حدث عن جماعة، وسمع منه جماعة. روى عن الحجاج بن أرطاة، بسنده عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " نعم البيت يدخله المسلم بيت الحمام، وذاك أنه إذا دخله سأل الله الجنة، واستعاذ بالله من النار؛ وبئس البيت بيت العروس وذلك لأنه يرغبه في الدنيا وينسيه الآخرة ". وعن أمير المؤمنين المأمون، بسنده عن ابن عباس، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " مولى القوم منهم " وقال مرة: " من أنفسهم ". فبلغ المأمون أن أبا حذيفة حدث بهذا الحديث عنه، فأمر له بعشرة آلاف درهم. قال ابن عدي: وأحاديثه منكرة إما إسناداً أو متناً، لا يتابعه أحد عليه. وعن إسحاق بن منصور قال: قدم علينا أبو حذيفة البخاري، فكان يحدث عن عبد الله بن طاوس، ورجال من كبراء التابعين ممن ماتوا قبل حميد الطويل؛ قال: فقلنا له: كتبت عن حميد الطويل؟ قال: ففزع، وقال: جئتم تسخرون بي؟ حميد عن أنس؟ جدي لم ير حميداً! قال: فقلنا له: أنت تروي عمن مات قبل حميد بكذا وكذا سنة. قال: فعلمنا ضعفه، وأنه لا يعلم ما يقول. توفي يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من رجب سنة ست ومئتين.

إسحاق بن ثعلبة

إسحاق بن ثعلبة أبو صفوان الحميري الحمصي استعمله الرشيد على خراج دمشق. روى عن محمد المليكي، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أتى بامرئ قد شهد بدراً والشجرة كبر عليه تسعاً، وإذا أتى به قد شهد بدراً ولم يشهد الشجرة أو شهد الشجرة ولم يشهد بدراً كبر عليه سبعاً، وإذا أتى به لم يشهد بدراً ولا الشجرة كبر عليه أربعاً. وعن مكحول، عن سمرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من كتم على غال فهو مثله ". وعنه، عن سمرة، قال: نهانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نستب، وقال: " إذا كان أحدكم ساباً صاحبه لا محالة، فلا يفتر عليه، ولا يسب والده، ولا يسب قومه، ولكن إن كان يعلم فليقل: إنك بخيل، إنك جبان ". وعنه، عن سمرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يعترض أحدكم أسير صاحبه، فيأخذه فيقتله ". قال عنه أبو حاتم: شيخ مجهول. وقال أبو أحمد الحافظ: روى أحاديث مسندة لا يرويها غيره.

إسحاق بن الحارث

إسحاق بن الحارث أبو الحارث، مولى بني هبار القرشي أحد المعمرين من أهل دمشق، رأى خمسة من الصحابة. قال: رأيت واثلة بن الأسقع صلى على جنازة، فكبر عليها أربعاً. وقال: رأيت أبا الدرداء أشهل أقنى، يخضب بالصفرة، ورأيت عليه قلنسوة مصرية صغيرة، ورأيت عليه عمامة قد ألقاها على كتفه؛ فقال له رجل: مذ كم رأيته؟ قال: مذ أكثر من مئة سنة. وقال: رأيت عمير بن جابر بن غاضرة بن أشرس الكندي، وكانت له صحبة، يخضب بالحناء. وقال: رأيت حشرجاً، رجلاً من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوضعه في حجره، ومسح رأسه، ودعا له. وقال: رأيت خالد بن الحواري رجلاً من الحبشة من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حضره الموت، فقال: اغسلوني غسلتين، غسلة للجنابة، وغسلة للموت. إسحاق بن حسان بن قوهي ويقال: قوهي لقب حسان أبو يعقوب الخريمي مولاهم المري شاعر متقدم، مطبوع مشهور، له ديوان معروف، وأصله من مرو الشاهجان، صغدي؛ ثم نزل الجزيرة والشام وسكن بغداد، وبلغني أنه قيل له: ما بال شعرك لا يسمعه أحد إلا استحسنه وقبله طبع؟ قال: لأني لا أجاذب الكلام إلا أن يساهلني عفواً، فإذا سمعه إنسان سهل عليه استحسانه.

وبلغني عن أبي العباس المبرد، قال: كان أبو يعقوب الخزيمي، واسمه إسحاق بن حسان، جميل الشعر مقبولاً عند الكتاب، له كلام قوي، ومذهب مبسوط، وكان يرجع إلى بيت في العجم كريم، وكان رجلاً من أبناء الصغد، وكان له ولاء في العرب، في غطفان؛ وكان اتصاله بمولاه ابن خريم المري الذي يقال له: خريم الناعم، وكان أبو يعقوب على ظرفه يرجع إلى إسلام وإلى وقار؛ وذهبت عيناه بعد أن طلع من السبعين، وله فيهما مراثٍِ جيدة، يتجاوز أهل عصر، وأمثاله مضروبة، وقناعة واعتصام. سمع أبو يعقوب الخريمي يوم مات أبو يوسف رجلاً يقول: اليوم مات الفقه، فقال: من السريع يا ناعي الفقه إلى أهله ... أن مات يعقوب وما يدري لم يمت الفقه ولكنه ... حول من صدر إلى صدر ألقاه يعقوب إلى يوسف ... فزال من طيب إلى طهر فهو مقيم فإذا ما ثوى ... حل وحل الفقه في قبر يعني يوسف بن أبي يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة. أنشد عون بن محمد لأبي يعقوب الخزيمي: من مجزوء الكامل باحت ببلواه جفونه ... وجرت بأدمعه شؤونه لما رأى شيباً علا ... هـ ولم يحن في العد حينه فعلا على فقد الشبا ... ب وفقد من يهوى أنينه ما كان أنجح سعيه ... وشبابه فيه معينه واللهو يحسن بالفتى ... ما لم يكن شيب يشينه

وله: من الخفيف لم ترعني دار عفت بالجناب ... دارس آيها كخط الكتاب أوحشت بعد أهلٍ وأنيس ... من جوارٍ خرائدٍ أتراب واضحات الخدود كالبقر الخن ... نس عين الحمى فروض الروابي إنما راعني لذكراي حالي ... بسجستان خادم الحجاب قل عني عناء عقلي وديني ... ودخولي في العلم من كل باب أدركتني وذاك أعظم ما بي ... بسجستان حرفة الآداب وله: من البسيط قد كنت أحسبني رأساً فقد جعلت ... أذنابهم تعتييني بالولايات الحمد لله كم في الدهر من عجبٍ ... ومن تصرف أحوالٍ وحالات بينا ترى المرء في عيطاء مشرفةٍ ... إذ زال عنها إلى دحض ومومات لا تنظرن إلى عقلٍ ولا أدبٍ ... إن الجدود قرينات الحماقات أصيب الخريمي بمصيبة في ابنه، وكان يميل إليه، فرثاه فقال: من الطويل ألم ترني أبني على الليث بيته ... وأحثي عليه الترب لا أتخشع ولو شئت أن أبكي دماً لبكيته ... عليك ولكن ساحة الصبر أوسع وأعددته ذخراً لكل عظيمةٍ ... وسهم المنايا بالذخائر مولع وإني ون أظهرت مني جلادةً ... وصانعت أعدائي عليك لموجع وقال في ابن له: من الطويل أعاذل كم من منفس قد رزئته ... وفارقني شخص علي كريم وقاسيت من بلوى زمانٍ وكربةٍ ... وودعني من أقربي حميم

فعزيت نفسي غير أني بأحمدٍ ... بني مسلوب العزاء سقيم أرى الصبر عنه جمرةً مستكنةً ... لها لهب في القلب ليس يريم وخط خيال منه يعتاد مضجعي ... له كرب ما تنجلي وغموم وآثاره في البيت حيث توجهت ... بي العين حزنٌ في الفؤاد مقيم إذا رمت عنه الصبر أرجو ثوابه ... أبى الصبر قلبٌ بالحميم يهيم لعمرك إني يوم أدفن مهجتي ... وأرجع عنه صابراً لكظيم وإن فؤادي بعده لمفجعٌ ... وإن دموعي بعده لسجوم خططت له في الترب بيت إقامةٍ ... إلى الحشر فيه والنشور مقيم وكان سروراً لم يدم لي وغبطة ... وأي سرور في الحياة يدوم وروحاً وريحاناً أتى دون شمه ... من الدهر يوم بالفراق عظيم على حين أمضيت الشباب وقاربت ... خطاي قيود الشيب حين أقوم وفارقت حلو العيش إلا صبابةٌ ... عليها خطوب الحادثات تحوم فجعت بشق النفس والهم والهوى ... عذاب لعمري في الحياة أليم ألا كل عيش بعد فرقة أحمدٍ ... وكل سرور ما بقيت ذميم يعيب علي الأخلياء صبابتي ... وحزني وكل يا بني يلوم فهل كان يعقوب النبي بحزنه ... سليماً وما يزري علي حكيم كوى قلبه حزن كأن لهيبه ... توقد نيران لهن ضريم فما غير الله النبي بحزنه ... أبى ذاك رب العالمين رحيم فلولا رجاء الأجر فيك وأنه ... ثواب وإن عز المصاب عظيم وأنك قربان لدى الله نافعٌ ... وحظ لنا يوم الحساب جسيم لأضعف حزني يا بني وأوشكت ... علي البواكي بالرنين تقوم وقال في أخيه: من الطويل أقول لعيني إن يكن كل مسعدي ... فأيتها العين السخينة أسعدي

إسحاق بن حماد النميري

ولا تبخلي عيني بدمعك إنه ... متى تسلبي لي يرق دمعي وتجمدي وكيف سلوي عن حبيب خياله ... أمامي وخلفي في مقامي ومقعدي نظرت إليه فوق أعواد نعشه ... بمطروقةٍ حيرى تحور وتهتدي فجاشت إلي النفس ثم رددتها ... إلى الصبر فعل الحازم المتجلد ولو يفتدى ميت بشيء فديته ... بنفسي وما لي من طريفٍ ومتلد ولكن رأيت الموت يمسي رسوله ... ويصبح للنفس اللجوج بمرصد إسحاق بن حماد النميري من أهل بيروت. قال محمد بن شعيب: ما رأيت ولا جلست إلى مثل الأوزاعي قط، إن كان آخر مجالسه لكأولها، وذلك لم أره في أحدٍ قط؛ فقال النميري: يا أبا عبد الله وكانت فيه ثم خلة؛ قال: وما هي؟ قال: ولا فارقه جليس له إلا وهو يرى أنه كان أحظا أهل المجلس عنده؛ قال: صدقت، كذلك كان. إسحاق بن خلف الزاهد صاحب الحسن بن صالح، من أهل الكوفة. سكن الشام وحدث. قال: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة؛ والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، لأنك تبذلهما في طلب الرياسة. وقال: لقيت عمر الصوفي بمكة، فقلت له: أراجلاً جئت أم راكباً؟ قال: فبكى، ثم قال: أما يرضى العاصي يجيء إلى مولاه إلا راكباً! وقال: ليس شيء أقطع لظهر إبليس من قول ابن آدم: ليت شعري بم يختم لي؟ قال: عندها ييأس منه ويقول: متى يعجب هذا بعلمه؟

إسحاق بن داود السراج

وقال إسحاق وكان من الخائفين لله: قال أحمد بن سليم: ما يتذاكر العلم إلا بالغفلة عن العبادة. وقال: ليس الخائف من بكى وعصر عينيه، ولكن الخائف من ترك الأمر الذي يخاف أن يعذب عليه. وقال: الكبائر أربعة، وأكبر الكبائر الإياس من روح الله. إسحاق بن داود السراج دمشقي ثقة. روى عن عبد الله بن وهب، بسنده عن أبي ذر، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا أبا ذر، إن للمسجد تحية وتحيته ركعتان، فقم فاركعهما ". إسحاق بن راشد أبو سليمان الحراني مولى عمر بن الخطاب، ويقال: مولى بني أمية. سمع وأسمع، وزار بيت المقدس فاجتاز بدمشق. روى عن الزهري، قال: رأيت سالم بن عبد الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا كبر للركوع رفع يديه، وذا رفع رأسه من الركوع ليسجد؛ قال: فسألت سالماً فقال: هكذا رأيت عبد الله بن عمر يفعل، وقال: هكذا رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل. قال أبو عروبة الحراني: في الطبقة الثانية من التابعين إسحاق بن راشد، عقبه بحران، وولده ينسبون إلى ولاء عمر بن الخطاب، وذكر بعضهم أنه مات بسجستان، أحسبه قال: في خلافة أبي جعفر المنصور.

إسحاق بن سعيد بن إبراهيم

إسحاق بن سعيد بن إبراهيم ابن عمير بن الأركون أبو مسلمة القرشي الجمحي روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما من مسلم يعرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كانت له صدقة ". وعن خليد بن دعلج، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أمان الأرض من الغرق القوس، وأمان الاختلاف الموالاة لقريش، قريش أهل الله، قريش أهل الله، فإذا خالفتها قبيلة من العرب صاروا حزب إبليس ". قال الدارقطني: ابن أركون شامي منكر الحديث. توفي في سنة ثلاث وثلاثين ومئتين. إسحاق بن سليمان بن هشام ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي إسحاق بن سليم القرشي من أهل صهيا. إسحاق بن سيار أبو النضر من أهل دمشق. سمع وأسمع.

إسحاق بن سيار بن محمد بن مسلم

روى عن يونس بن ميسرة، أنه سمع أبا إدريس الخولاني قال: قدم المغيرة بن شعبة دمشق، فأتيته فسألته عما حضر، فقال: وضأت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك، فمسح على خفيه. قال ابن أبي السائب: إن عمر بن عبد العزيز ولى إسحاق أبا النضر ومحمد بن المديني بيع ما في الخزائن، وقال: لا تبيعا بنسيئة. إسحاق بن سيار بن محمد بن مسلم أبو يعقوب النصيبي سمع بدمشق، وحدث عن جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن جنادة بن محمد، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لتنتقن كما ينتقى التمر من حثالته ". وعن إبراهيم بن زكريا العجلي، بسنده عن علي، قال: كنت عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البقيع في يوم دجن ومطر، فمرت امرأة على حمار ومعها مكاري، فهوت يد الحمار في وهدة من الأرض فسقطت المرأة، فأعرض عنها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوجهه، فقالوا: يا رسول الله، إنها متسرولة، فقال: " اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي، ثلاثاً، أيها الناس، اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم، وخذوا بها نساءكم إذا خرجن ". مات بنصيبين في ذي الحجة من سنة ثلاث وسبعين ومئتين. إسحاق بن صلتان القرشي من أهل صهيا.

إسحاق بن الضيف

إسحاق بن الضيف ويقال: إسحاق بن إبراهيم بن الضيف أبو يعقوب الباهلي البصري العسكري سمع وأسمع. روى عن عبد الرزاق، بسنده عن أنس قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستحب إذا أفطر أن يفطر على لبن، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء. وعن عبد الرزاق، بسنده عن أنس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يشير في الصلاة. وعن خالد بن محمد، بسنده عن عائشة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن من الشعر حكمة ". سئل عنه أبو زرعة، فقال: صدوق. قال إسحاق: قال لي بشر بن الحارث: إنك قد أكثرت مجالستي، ولي إليك حاجة؛ إنك صاحب حديث وأخاف أن تفسد علي قلبي، فأحب أن لا تعود إلي؛ فلم أعد إليه. إسحاق بن طلحة بن عبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، القرشي، التيمي، المديني روى عن أبيه طلحة، وابن عباس، وعائشة؛ وروي عنه. ووفد على معاوية وخطب إليه أخته أم إسحاق بنت طلحة على يزيد بن معاوية. روى عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ".

وبإسناده، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إن أعمال العباد لتعرض على الله في كل يوم اثنين وخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً، إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء ". وبإسناده، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو علموا ما فيهما لأتوهما ولو حبواً ". قال الخطيب: قال لي الحسن: لم يكن عند هذا الشيخ غير هذه الثلاثة الأحاديث. قال الزبير بن بكار: كان معاوية بن أبي سفيان قد خطب إلى إسحاق بن طلحة أخته أم إسحاق بنت طلحة على ابنه يزيد، فقال: أقدم المدينة فيأتيني رسولك فأزوجه؛ فلما شخص من عند معاوية قدم على معاوية عيسى بن طلحة، فذكر له معاوية ما قال لإسحاق، فقال له عيسى: أنا أزوجك؛ فزوج يزيد بن معاوية أم إسحاق بالمدينة حين قدم الحسن بن عيل بن أبي طالب، فلم يدر أيهما قبل، فقال معاوية ليزيد: أعرض عن هذا؛ فتركها يزيد، فدخل بها الحسن، فولدت له طلحة، ومات لا عقب له، فكانت في نفس يزيد على إسحاق؛ فلما ولي يزيد وجهز مسرف بن عقبة المري إلى أهل المدينة أمره إن ظفر بإسحاق بن طلحة أن يقتله، فلم يظفر به، فهدم داره. وعن الطبري: ولي إسحاق بن طلحة خراج خراسان، فلما صار بالري مات إسحاق بن طلحة فولي سعيد بن عثمان خراج خراسان وحربها، وكان ذلك في سنة ست وخمسين.

إسحاق بن عباد بن موسى

إسحاق بن عباد بن موسى أبو يعقوب المعروف بالختلي البغدادي روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن عبد الله بن حفص، بسنده عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أعان على دم مسلم بشطر كلمةٍ كتب بين عينيه يوم القيامة: آيسٌ من رحمة الله ". قال أبو الدحداح: فيها يعني سنة إحدى وخمسين ومئتين، توفي إسحاق بن عباد. إسحاق بن عبد الله بن الحارث ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو يعقوب الهاشمي النوفلي البصري سمع وأسمع. وهو بصري قدم دمشق. روى عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيت بعض نسائه إذ وضع رأسه فنام، فضحك في منامه؛ فلما استيقظ قالت له امرأة من نسائه: لقد ضحكت في منامك، فما أضحكك؟ قال: " أعجب من ناسٍ من أمتي يركبون هذا البحر هول العدو يجاهدون في سبيل الله " فذكر لهم خيراً كثيراً. وعن جدته أم الحكم، عن أختها ضباعة بنت الزبير. أنها دفعت إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحماً فانتهش منه، وصلى ولم يتوضأ. قال عنه العجلي: مدني ثقة.

إسحاق بن عبد الله

عن شعيب بن صحير قال: قال بلال بن أبي بردة لجلسائه: ما العروب من النساء؟ قال: فماجوا؛ وأقبل إسحاق بن عبد الله بن الحارث النوفلي، فقال: قد جاءكم من يخبركم، فسألوه، فقال: الخفرة المتبذلة لزوجها، وأنشد: من الكامل يعرين عند بعولهن إذا خلوا ... وإذا هم خرجوا فهن خفار إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة عبد الرحمن ابن الأسود بن سوادة ويقال: الأسود بن عمرو بن رياس أبو سليمان المديني، مولى آل عثمان بن عفان أدرك معاوية. روى الحديث عن جماعة وأسمعه. روى عن عمرو بن شعيب، بسنده عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام من الغد من يوم الفتح فألزق ظهره إلى باب الكعبة، ثم قال: " لا تتوارث أهل ملتين، المرأة ترث من عقل زوجها وماله، وهو يرث من عقلها ومالها إلا أن يقتل أحدهما صاحبه عمداً، فإن قتل لم يورث من ماله ولا من عقله شيئاً؛ وإن قتل أحدهما صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث من عقله؛ أيما امرأة وعد أبوها أو أخوها أو أحد من أهلها شيئاً قبل أن تملك عصمتها، ثم تملك عصمتها بالذي وعد أبوها أو أخوها أو أحد من أهلها فهو لها؛ فإذا ملكت عصمتها وأكرمها أبوها أو أخوها أو أحد من أهلها بشيء فهو له، وأحق ما يكرم به أخته أو ابنته. والبينة على المدعي، ألا ويد المسلمين على من سواهم واحدة. تكافأ دماؤهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ويرد قوي المؤمنين على ضعيفهم، ومتسريهم على قاعدهم، ويعقد أدناهم ". ثم انصرف.

وعن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن العبد ليدعو الله وهو يحبه، فيقول: يا جبريل، اقض لعبدي هذا حاجته وأخرها، فإني أحب أن اسمع صوته؛ وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه، فيقول الله تعالى: يا جبريل، اقض لعبدي حاجته بإخلاصه وعجلها له، فإني أكره أن أسمع صوته ". كتب إسحاق إلى عمر بن عبد العزيز يستأذنه في القدوم عليه، فكتب: الشقة بعيدة، والوطأة ثقيلة، والنيل قليل، ولا أنا عنك راض. وقال إسحاق: من لم يبال ما قال ولا ما قيل له، فهو كشيطان أو ولد غيةٍ. قال محمد بن سعد: في الطبقة الخامسة من أهل المدينة إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، ويكنى أبا سليمان، وكان أبو فروة مولى لعثمان بن عفان، ويقولون: إن عبيد الحفار جاء بأبي فروة عبداً مكانه، فأعتقه عثمان بعد ذلك؛ وكان أبو فروة يرى رأي الخوارج، وقتل مع ابن الزبير، فدفن في المسجد الحرام. وقال بعض ولده: إنه من بلي، وإن اسمه الأسود بن عمرو، وكان ابنه عبد الله بن أبي فروة مع مصعب بن الزبير بن العوام بالعراق، وكان مصعب يثق به، فأصاب معه مالاً عظيماً. وكانت لإسحاق بن عبد الله حلقة في مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجلس إليه فيها أهله، وهم كثير بالمدينة. وكان إسحاق مع صالح بن علي بالشام، فسمع منه الشاميون، ثم قدم المدينة فمات بها سنة أربع وأربعين ومئة، في خلافة أبي جعفر. وكان إسحاق كثير الحديث، يروي أحاديث منكرة، ولا يحتجون بحديثه. عن عتبة بن أبي حكيم، قال: جلس إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة بالمدينة في مجلس الزهري قريب منه، فجعل يقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال مالك: قاتلك الله، ما جرأك على الله يا ابن أبي فروة! ألا تسند أحاديثك؟ تحدثون بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة!

إسحاق بن عبيد الله بن أبي المهاجر

قال احمد بن حنبل: لا تحل الرواية عن إسحاق بن أبي فروة. توفي سنة أربع وأربعين ومئة في خلافة أبي جعفر. إسحاق بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي مولاهم، أخو إسماعيل بن عبيد الله روى عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن للصائم عند فطره دعوةٌ لا ترد "؛ قال ابن أبي مليكة: فسمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي. إسحاق بن عبد الرحمن بن أحمد ابن إسماعيل بن إبراهيم بن عامر بن عابد أبو يعلى النيسابوري الصابوني الواعظ أخو الأستاذ أبي عثمان. سمع وأسمع؛ وقدم دمشق حاجاً. روى عن أبي سعيد الرازي، بسنده عن أنس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قنت شهراً بعد الركوع يدعو على أحياء من أحياء العرب. قال عبد الغافر بن إسماعيل في تذييله تاريخ نيسابور: إسحاق بن عبد الرحمن، أبو يعلى الصابوني، شيخ ظريف ثقة، حسن الصحبة، خفيف المعاشرة على طريقة التصوف، قليل التكلف؛ وكان ينوب عن الأستاذ الإمام شيخ الإسلام في عقد الصوفية مجلس التذكير؛ وسمع الحديث الكثير بهراة ونيسابور وبغداد، وحدث.

إسحاق بن عبد الرحمن

توفي عشية الخميس، وصلي عليه عصر يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وأربعمئة. إسحاق بن عبد الرحمن أبو يوسف ويقال: أبو يعقوب الأنطاكي الأطروش العطار سمع بدمشق في شوال سنة سبع وثلاثين ومئتين، والموصل. روى عن هشام بن عمار، بسنده عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الله خلق مئة رحمة، فبث بين خلقه منها واحدة، فهم يتراحمون بها، وادخر عنده لأوليائه تسعة وتسعين ". وعنه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن هذه الآية التي تجدونها في القرآن: " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً " إنها مكتوبة في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى تقام به الملة المعوجة بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعين عمي وآذان صم وقلوب غلف. إسحاق بن عبد الرحمن مولى بني أمية أصله من البصرة.

إسحاق بن عبد المؤمن

إسحاق بن عبد المؤمن قال: كتب إلي أحمد بن عاصم الأنطاكي، فكان في كتابه: إنما أصبحنا في دهر حيرة تضطرب علينا أمواجه، يغلبه الهوى، العالم منا والجاهل، فالعالم منا مفتون بالدنيا يبيع ما يدعيه من العلم، والجاهل منا عاشق لها مستمد من فتنة عالمه، فالمقل لا يقنع والمكثر لا يشبع، فكل قد شغل الشيطان قلبه بخوف الفقر، فأعاذنا الله وإياك من قبول عدة إبليس وتركنا عدة رب العالمين. يا أخي لا تصحب إلا مؤمناً يعظك بعقله ومصاديق قوله، أو مؤمناً تقياً، فمتى صحبت غير هؤلاء أورثوك النقص في دينك، وقبح السيرة في أمروك؛ وإياك والحرص والرغبة فإنهما يسلبانك القناعة والرضا، وإياك والميل إلى هواك فإنه يصدك عن الحق، وإياك أن تظهر أنك تخشى الله وقلبك فاجر، وإياك أن تضمر ما إن أظهرته أرداك، والسلام. سئل عنه أبو حاتم فقال: صدوق. إسحاق بن عثمان أبو يعقوب الكلابي البصري سمع وأسمع، ووفد على عمر بن عبد العزيز. روى عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية، قالت: لما قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب، فسلم عليهن، فرددن السلام، فقال: أنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليكن؛ فقلن: مرحباً برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبرسول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فقال: يبايعكن على أن لا تشكرن بالله شيئاً، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن،

إسحاق بن عقيل بن عبد الرزاق

ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصين في معروف؛ فقلن: نعم؛ فمد عمر يده من خارج الباب، ومددن أيديهن من داخل؛ ثم قال: اللهم اشهد. وأمرنا أن نخرج في العيدين الحيض والعتق، ونهينا عن اتباع الجنائز، ولا جمعة علينا. فسألته عن البهتان، وعن قوله: ولا يعصينك في معروف؛ فقال: هي النياحة. وعن خالد بن دريك، عن أبي الدرداء، يرفع الحديث إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يجمع الله في جوف رجل غباراً في سبيل الله ودخان جهنم، ومن اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله سائر جسده على النار، ومن صام يوماً في سبيل الله باعد الله عنه النار مسيرة ألف سنة للراكب المستعجل، ومن جرح جراحة في سبيل الله ختم الله بخاتم الشهداء، له نور يوم القيامة، لونها مثل لون الزعفران وريحها مثل المسك يعرفه بها الأولون والآخرون، يقولون: فلان عليه طابع الشهداء؛ ومن قاتل في سبيل الله فوق ناقة وجبت له الجنة ". قال إسحاق: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، اثنا عشر درهماً. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن إسحاق بن عثمان، فقال: هو ثقة لا بأس به. إسحاق بن عقيل بن عبد الرزاق ابن عمر الدمشقي روى عن جده، بسنده عن أبي هريرة، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ثلاثة لا يريحون رائحة الجنة، رجل ادعى إلى غير أبيه، ورجل كذب علي، ورجل كذب على عيني ". إسحاق بن علي الصوفي حدث قال: لقيت عمر الصوفي بمكة، فقلت له: أراجلاً جئت أم راكباً؟ فبكى ثم قال: أما يرضى العاصي يجيء إلى بيت مولاه إلا راكباً!

إسحاق بن عمارة العقيلي المديني

إسحاق بن عمارة العقيلي المديني وفد على عبد الملك بن مروان، وأقطعه داراً بدمشق عند باب توما ودار الزينبي. إسحاق بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي إسحاق بن عيسى بن علي ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو الحسن الهاشمي ولي إمرة دمشق من قبل هارون الرشيد بعد عزل عبد الملك بن صالح، وكان قد ولي إمرة المدينة للمهدي، وولي البصرة للرشيد، وحدث. روى عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا جلس جلس أبو بكر عن يمينه، فأبصر أبو بكر العباس بن عبد المطلب يوماً مقبلاً فتنحى له عن مكانه، ولم يره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ما نحاك يا أبا بكر؟ " فقال: هذا عمك يا رسول الله؛ قال: فسر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى رؤي ذلك في وجهه. عن أبيه، بسنده عن ابن عباس، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ترك الوصية عار في الدنيا، ونار وشنار في الآخرة ". ذكر محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي: أن الرشيد قال لابنه: كان أبو العباس عيسى بن علي راهبنا وعالمنا أهل البيت، ولم يزل في خدمة أبي محمد علي بن عبد الله إلى أن توفي، ثم خدم أبا عبد الله إلى وقت وفاته، ثم إبراهيم الإمام وأبا العباس والمنصور، فحفظ جميع أخبارهم وسيرهم وأمورهم، وكان قرة عينه في الدنيا

إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي

إسحاق ابنه، فليس فينا أهل البيت أحد أعرف بأمرنا من إسحاق، فاستكثر منه واحفظ جميع ما يحدثك به فإنه ليس دون أبيه في الفضل وإيثار الصدق، فاستكثروا من الاستماع منه، فنعم حامل العلم هو. قال أبو الحسن المدائني: تناظر قوم في مجلس إسحاق بن عيسى الهاشمي، فألزم قوم علياً دم عثمان، وعابوه بذلك فرد عليهم قوم وعابوا عثمان، فاعترض الكلام إسحاق، فقال: أعيذ علياً بالله أن يكون قتل عثمان، وأعيذ عثمان بالله أن يكون علي قتله؛ فاستحسنوا كلامه جداً. مات سنة ثلاث ومئتين، عشية الثلاثاء لثمان خلون من ربيع الآخر. إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي كان على ديوان الزمنى بدمشق، وهو من أهلها، وسكن الأردن، ووليها لهشام بن عبد الملك. سمع وأسمع. ذكر أبو الحسين الرازي أن أباه قبيصة كان بدمشق، وداره بباب البريد. وذكر إسحاق بن قبيصة فقال: كان على ديوان الزمنى بدمشق في أيام الوليد بن عبد الملك؛ قال الوليد: لأدعن الزمن أحب إلى أهله من الصحيح. قال: وكان يؤتى بالزمن حتى يوضع في يده الصدقة؛ قال: وكان إسحاق على ديوان الصدقات أيام هشام. روى عن أبيه، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لا تبايعوا الذهب إلا مثلاً بمثل، ولا الفضة إلا مثلاً بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة ". وكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: لا إمرة لك على عبادة، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمر.

إسحاق بن قيس

عن إسحاق بن قبيصة، قال: قال كعب: لو غير هذه الأمة أنزلت عليهم الآية لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه فاتخذوه عيداً يجتمعون له؛ فقيل له: أي آيةٍ يا كعب؟ فقال: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً "، فقال عمر: فالحمد لله، قد عرفت اليوم الذي أنزل فيه، والمكان الذي أنزلت فيه: يوم عرفة في يوم الجمعة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد. إسحاق بن قيس مولى الحواري بن زياد العتكي وفد على عمر بن عبد العزيز، وحكى عنه وعن مولاه. قال: كنت أبيع الفلوس في مدينة واسط، فوجدوا عندي فلساً نبهرجاً، فضربوني وأغرموني ألفاً، وألقوني في السجن، حتى هلك الحجاج؛ فلما قام عمر بن عبد العزيز علمني مولاي الحواري بن زياد خطبة، فأتيت عمر بن عبد العزيز فقلت: أصلحك الله يا أمير المؤمنين، إنه لم يبق بيت من بيوتات العرب شعرٍ أو مدرٍ ولا وبرٍ، إلا وقد فتح الله عليهم بأمير المؤمنين باباً من العدل، وأغلق عنهم باباً من الجور، وإني صاحب الفلس؛ فقال: ويحك، وما صاحب الفلس؟ فقصصت عليه القصة؛ فأمر لي كل يومٍ برغيفين وبضعةٍ من لحمٍ، ولعن الحجاج يومئذٍ، ثم بعث إلي فأعطاني ألفاً، وأعطاني خمسين درهماً أيضاً، وقال: هذه نفقة الطريق، وقال: هل لك من ولد؟ قلت: بنية، قال: قد ألحقناها في المئة. إسحاق بن محمد بن أحمد بن يزيد أبو يعقوب الحلبي حدث بدمشق وبغداد.

إسحاق بن محمد بن إبراهيم

روى في المحرم سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة، عن سليمان بن سيف، بسنده عن عثمان بن عفان، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " المحرم لا يَنكح ولا يُنكح ". وعنه، بسنده عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، فإن زاد على ثلاث فهو مزكوم، ولا يشمت بعد ثلاث ". إسحاق بن محمد بن إبراهيم ابن حكيم بن أسيد أبو الحسن الأصبهاني، المعروف بابن ممك أخو أبي عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن حيك، وهو الأكبر. سمع وأسمع. روى عن الحسن بن عثمان، بسنده عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: " ويمنعون الماعون " قال: " ما تعاون الناس بينهم، الفأس والقدر والدلو وأشباهه ". وعن عبد الواحد بن شعيب، بسنده عن أبي الدرداء، قال: ما دعي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى لحم إلا أجاب، ولا أهدي له إلا قبله. قال أبو نعيم الحافظ: توفي في شهر رمضان، سنة اثنتي عشرة وثلاثمئة، شيخ ثبت صدوق، عارف بالحديث أديب، لا يحدث لا من كتابه؛ كتب بالشام والحجاز وبالعراق، صنف الشيوخ.

إسحاق بن محمد

إسحاق بن محمد بن معمر بن حبيب أبو يعقوب السدوسي، مولاهم، البصري سكن مصر، وحدث بها، وأقدمه أحمد بن طولون دمشق سنة تسع وستين ومئتين، لما عزم على خلع أبي أحمد الموفق، مع جماعة من وجوه أهل مصر. قال ابن يونس: قدم إلى مصر، وكان مولده بالبصرة سنة أربع وتسعين ومئة، ومات بمصر في ذي الحجة سنة أربع وثمانين ومئتين؛ وكان رجلاً صالحاً، وكان يتجر في الجوهر. إسحاق بن محمد أبو يعقوب الأنصاري، الأديب، من ولد النعمان بن بشير حدث بصيدا عن جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، قال: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحداً فأردت بمناظرتي إياه غير الله، ولا أردت الجدال، وذلك أنه بلغني أن من ناظر أخاه في العلم وكان مناظرته إياه يريد الغلبة أحبط الله له عمل سبعين سنة. وعن محمد بن إسحاق بن راهويه، قال: سمعت أبي وسئل: كيف وضع الشافعي هذه الكتب كلها ولم يكن بكبير السن؟ فقال: عجل الله له عقله لقلة عمره. أنشد له وكان من الأدب بمنزلة ومكان إلى أبي الحسن بن الغاز، أبياتاً يقول فيها: من الطويل أبا الحسن ابن الغاز يا ذروة الأدب ... ونجل الألى عوفوا من الطعن في النسب ويا ابن الذي قد أجمع الناس أنه ... لفضل التقى في زهده راهب العرب إسحاق بن محمد البيروتي روى عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قلت: يا رسول الله، أرسل وأتوكل؟ فقال: " قيد وتوكل ".

إسحاق بن مسبح أبو يعقوب

إسحاق بن مسبح أبو يعقوب روى عن مروان بن محمد، بسنده عن عائشة، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن هذا من شأن بنات آدم " يعني: الحيض. إسحاق بن مسلمة بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم الأموي إسحاق بن مسلم الكاتب من أهل دمشق، ولي خراج الأردن في خلافة عمر بن عبد العزيز. إسحاق بن مسلم بن ربيعة بن عاصم ابن حزن بن عامر بن عوف بن عقيل بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن أبو صفوان العقيلي كان قائداً من قواد مروان بن محمد، وولي إرمينية، وشهد مع مروان حربه بعين الجر مع سليمان بن هشام، ودخل معه دمشق، وكان إسحاق مع مروان حين توجه إلى دمشق لطلب الخلافة، وبقي إلى خلافة بين العباس، وكان أثيراً عند أبي جعفر المنصور. حدث، قال: قال المنصور: يا إسحاق بن مسلم أفرطت في وفائك لبني أمية! ؛ فقال: يا أمير المؤمنين، اسمع جوابي؛ قال: هات؛ قال: من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى؛ قال: صدقت. وعن أبي العباس المبرد قال: لما بلغ أبا جعفر المنصور وفاة أبي العباس السفاح بعث إلى إسحاق بن مسلم العقيلي وكان معه عند منصرفه من ملكة فحادثه ساعة ثم قال له:

إسحاق بن منصور بن بهرام

إنه يخطر ببالي ما يعرض للناس من الفكر، فقلت: إنه يغدا على الأنفس ويراح، وإن الأحداث غير مأمونة، فلو حدث لأمير المؤمنين حدث، ونحن بالموضع الذي نحن فيه، كيف كان الرأي؟ وما ترى عبد الله بن علي يصنع؟ قال إسحاق: أيها الأمير، ليس للكذوب رأي، أصدق الحديث أنصح لك الرأي؛ فأخبره الخبر، وسأله عن رأيه؛ فقال: إن كان ابن علي ذا حزم بعث حين يصل إليه الخبر خيلاً فتلقاك في هذا الموضع البراري، فحال بينك وبين دار الملك، وأخذتك، فأتته بك أسيراً. قال: ويحك، إن لم يفعل هذه، دعني عنها؟ قال: يقعد على دوابه، فإنما هي ليال يسيرة، قد يقدم الأنبار فيحتوي على بيوت الأموال والخزائن والكراع، فيصير طالباً، وأنت مطلوب، فإن لم يوفق قبل ذلك فلا حياة لعمك. وذكر أحمد بن يحيى البلاذري: أن إسحاق بن مسلم حج مع أبي جعفر المنصور، وكان عديله. وعن المدائني، قال: مات إسحاق بن مسلم ببثرة خرجت به في ظهره، فحضر المنصور جنازته، وحمل سريره حتى وضعه، وصلى عليه، وجلس عند قبره؛ فقال له موسى بن كعب أو غيره: أتفعل هذا به، قال: وكان والله مبغضاً لك كارهاً لخلافتك؟ فقال: ما فعلت هذا إلا شكراً لله إذ قدمه أمامي؛ قال: أفلا أخبر أهل خراسان بهذا من رأيك، فقد دخلتهم وحشة لك لما فعلت؟ قال: بلى؛ فأخبرهم فكبروا. إسحاق بن منصور بن بهرام أبو يعقوب الكوسج من أهل مرو، سكن نيسابور، روى عن جماعة، وروى عنه جماعة، وقدم دمشق وسمع بها.

إسحاق بن موسى بن سعيد

روى عن أبي أسامة، بسنده عن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من تصبح، أظنه قال: بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر ". قال أبو زرعة: وقد رأيت إسحاق وقدم علينا دمشق، فرأيته يكتب الحديث عند هشام بن عمار في سنة اثنتي عشرة ومئتين فيما أرى. سئل مسلم بن الحجاج عنه، فقال: ثقة مأمون؛ زاد البيهقي: قال الحاكم: وهو أحد الأئمة من أصحاب الحديث. مات بنيسابور يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومئتين. وقيل: يوم الخميس ودفن يوم الجمعة لعشر بقين من جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومئتين. إسحاق بن موسى بن سعيد ابن عبد الله بن أبي سلمة أبو عيسى الرملي، نزيل بغداد سمع ببيروت وقيسارية وحمص، وأسمع. روى عن محمد بن عوف الطائي، بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل بأبيه إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخاصمه فقال: " أنت ومالك لأبيك ". قال حمزة بن يوسف: سألت الدارقطني عنه فقال: ثقة. مات في سنة عشرين وثلاثمئة، في جمادى الأولى. إسحاق بن موسى بن عبد الله ابن موسى بن يزيد بن زيد أبو موسى الأنصاري الخطمي القاضي أصله من المدينة، وسكن الكوفة، وقدم دمشق مع جعفر المتوكل سنة ثلاث وأربعين ومئتين، وحدث ببغداد وغيرها عن جماعة، وروى عنه مسلم في صحيحه

إسحاق بن موسى بن عبد الرحمن

والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وغيرهم، وولي القضاء بنيسابور، وقال يحيى بن يحيى: هو من أهل السنة. روى عن محمد بن معن، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ". وعن ابن عيينة، بسنده عن عمر أنه كان عليه نذر ليلة في الجاهلية، فسأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمره أن يعتكفها. مات بجوسية من حمص، منصرفاً من المتوكل سنة أربع وأربعين ومئتين. إسحاق بن موسى بن عبد الرحمن ابن عبيد أبو يعقوب اليحمدي، الاستراباذي، الفقيه الشافعي، يعرف بابن أبي عمران سمع بدمشق وخرسان ومصر وحران والبصرة وبغيرها. روى عن حيون بن المبارك البصري بسنده عن أنس، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ليستتر أحدكم في الصلاة بالخط بين يده، وبالحجر، وبما وجد من شيء؛ مع أن المؤمن لا يقطع صلاته شيء ". وقال حمزة عنه: كان من ثقاتهم وفقهائهم، يقال: إنه أول من حمل كتب الشافعي إلى استراباذ. إسحاق بن موسى بن عمران أبو يعقوب ابن أبي عمران النيسابوري، ثم الإسفرييني، الفقيه الشافعي رحل وسمع وصنف، وروي عنه.

إسحاق بن يحيى بن طلحة

روى عن أبي محمد المروزي، بسنده عن معاذ بن جبل أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج في غزوة تبوك، فكان يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر فيجمع بينهما. قال أبو عبد الله الحافظ: هو من رستاق إسفراين، وأحد أئمة الشافعين، والرحالة في طلب الحديث، وإنما تفقه عند أبي إبراهيم المزني، وسمع المبسوط من الربيع، وكتب الحديث بخراسان والعراقين والحجاز والشام، وله مصنفات كثيرة. توفي في شهر رمضان من سنة أربع وثمانين ومئتين. إسحاق بن يحيى بن طلحة ابن عبيد الله أبو محمد التميمي، المدني رأى السائب بن يزيد صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. سمع وأسمع، ووفد على عمر بن عبد العزيز، وغزا القسطنطينية. روى عن المسيب بن رافع، عن الأسود بن يزيد قال: قدم علينا معاذ بن جبل حين بعثه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقسم المال بين الأختين والإبنة شطرين. قال إسحاق: أدربت مع مجاهد يعني دخل الدرب عام غزوة مسلمة بن عبد الملك. قال عنه النسائي: إنه ليس بثقة. مات سنة أربع وستين ومئة.

إسحاق بن يحيى بن معاذ

إسحاق بن يحيى بن معاذ ابن مسلم الختلي من ختلان، بلد عند سمرقند ولي دمشق من قبل المعتصم في خلافة المأمون، ثم وليها دفعة أخرى في خلافة الواثق بن المعتصم، وولي مصر من قبل المنتصر بن المتوكل في أيام المتوكل؛ وكان جد أبيه مسلم قد أقطعه معاوية بن أبي سفيان بدمشق، وكانت دار إسحاق بن يحيى خارج باب الفراديس. حدث، قال: كنت عند المعتصم أعوده، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت في عافية؛ قال: كيف تقول: وقد سمعت الرشيد يحدث عن أبيه المهدي، عن أبي جعفر المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من احتجم في يوم الخميس فمرض فيه مات فيه "؟. قيل لإسحاق بن يحيى بن معاذ: لم سكنت دمشق وفلحت أرضها، وأكثرت فيها من الغروس من أصناف الفاكهة، وأجريت المياه إلى الضياع وغيرها؟ فقال: لا يطيق نزولها إلا الملوك؛ قيل له: وكيف ذلك؟ قال: ما ظنك ببلدة يأكل في الأطفال ما يأكل في غيرها الكبار!. بلغني أن إسحاق بن يحيى مات بمصر بعد أن عزل عنها مستهل ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومئتين؛ وقيل: مات في آخر سنة خمس وثلاثين ومئتين، فقال فيه الشاعر: من الطويل سقى الله ما بين المقطم والصفا ... صفا النيل صوب المزن حيث يصوب وما بي أن أسقي البلاد وإنما ... أحاول أن يسقى هناك حبيب فإن يك يا إسحاق غبت فلم تؤب ... إلينا وسفر الموت ليس يؤوب فلا يبعدنك الله ساكن حفرةٍ ... بمصر عليها جندل وجبوب

إسحاق بن يعقوب بن إسحاق

إسحاق بن يعقوب بن إسحاق ابن عيسى بن عبيد الله أبو يعقوب الوراق المستملي الكفرسوسي سمع وأسمع. روى عن أحمد بن أنس بن مالك الدمشقي، بسنده عن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قريش خالصة الله، فمن نصب لها حرباً، أو: فمن حاربها سلب، ومن أرادها بسوء خزي في الدنيا والآخرة ". بإسناده عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من يرد هوان قريش أهانه الله عز وجل ". عن الربيع بن سليمان قال: حدثني محمد بن إدريس الشافعي، قال: دخلت اليمن، وذهبت إلى صنعاء لأسمع من عبد الرزاق، فمررت بباب دار وعليه شيخ كبير، وبين يديه هاون يدق فيه خبزاً يابساً، فقلت: ما هذا؟ قال: فتوقتاً لزوجتي؛ فقلت: إن حقها لواجب عليك؛ فقال لي: أي وأبيك، أقم لترى ذلك عياناً؛ فأقمت، فلم يكن بأسرع من أن أقبل خمسة مشايخ بيض الرؤوس واللحى كأن صورتهم صورة واحدة، وكأنما مسح على رؤوسهم بكف واحدة، فأكبوا على الشيخ فقبلوا رأسه وسلموا عليه وأقاموا هنيئة، فقال لهم: ادخلوا إلى أمكم فسلموا عليها، فدخلوا إلى الدار. فقلت له: يا شيخ أهؤلاء ولدك منها؟ فقال: نعم؛ فقلت: بار الله لك فلقد رأيت قرة عين؛ ثم هممت بالنهوض، فقال لي: أقم لترى ما هو أعجب من ذلك؛ فأقمت، فلم يكن بأسرع من أن أقبل خمسة كهول نصف كأن صورتهم صورة واحدة، وكأنما مسح على رؤوسهم بكف واحدة؛ فسلموا على الشيخ وأكبوا عليه وقبلوا رأسه، وقاموا هنيئة؛ فقال لهم: ادخلوا على أمكم فسلموا عليها! فدخلوا إلى الدار. قال: فقلت: يا شيخ، وهؤلاء ولدك منها؟ فقال لي: نعم؛ فقلت له: بارك الله لك فلقد رأيت قرة عين؛ ثم هممت بالنهوض، فقال لي: اثبت لترى ما هو أعجب من ذلك؛

إسحاق بن يعقوب بن أيوب بن زياد

فأقمت، فلم يكن بأسرع من أقبل خمسة رجال سود الرؤوس واللحى كأن صورتهم صورة واحدة، وكأنما مسح على رؤوسهم بكف واحدة؛ فأكبوا على الشيخ فقبلوا رأسه، ووقفوا هنيئة؛ فقال لهم: ادخلوا على أمكم فسلموا عليها؛ فدخلوا إلى الدرا. فقلت: يا شيخ، وهؤلاء ولدك منها؟ فقال لي: نعم؛ فقلت: بارك الله لك، فلقد رأيت قرة عين؛ ثم هممت بالنهوض، فقال لي: اثبت لترى ما هو أعجب من ذلك؛ فأقمت؛ فلم يكن بأسرع من أن أقبل خمسة غلمان مرد خضر الشوارب كأن صورتهم صورة واحدة، وكأنما مسح على رؤوسهم بكف واحدة؛ فأكبوا على الشيخ فقبلوا رأسه، وسلموا عليه، وأقاموا هنيئة؛ فقال لهم: ادخلوا إلى أمكم فسلموا عليها؛ فدخلوا إلى الدار. فقلت له: يا شيخ، وهؤلاء ولدك منها؟ فقال لي: نعم؛ فقلت له: بارك الله فيك، فلقد رأيت قرة عين، ثم هممت بالنهوض، فقال لي: اثبت لترى ما هو أعجب من ذلك؛ فأقمت؛ فلم يكن بأسرع من أن أقبل خمسة صبيان على ثيابهم المداد كأنما مسح على رؤوسهم بكف واحدة، وكأنما صورتهم صورة واحدة؛ فسلموا على الشيخ، وأكبوا عليه فقبلوا رأسه؛ وأقاموا هنيئة؛ فقال لهم: ادخلوا إلى أمكم فسلموا عليها، فدخلوا الدار. فقلت له: يا شيخ، وهؤلاء ولدك منها؟ فقال لي: ننعم؛ فقلت له: بارك الله لك، فلقد رأيت قرة عين؛ ثم نهضت، فقال لي: يا فتى، هؤلاء الخمسة والعشرون ذكراً ولدي منها في خمسة أبطن. قال الربيع بن سليمان: ولو جاء بهذا غير الشافعي ما قبلناه منه، وإن هذا لعجب!!. إسحاق بن يعقوب بن أيوب بن زياد أبو يعقوب الداراني الوراق سمع وأسمع. روى عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم، بسنده عن جابر، قال: ما كان نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينام حتى يقرأ " ألم، تنزيل " السجدة، و" تبارك الذي بيده الملك ".

إسحاق الخياط

وعن عبد الله بن محمد، بسنده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. " يا إخواني تناصحوا في العلم، ولا يكتمن بعضكم بعضاً فإن خيانة الرجل في علمه أشد من خيانته في ماله، فإن الله تعالى سائلكم عنه ". إسحاق الخياط إن لم يكن إسحاق بن عبد المؤمن فهو آخر قال: سمعت أبا سليمان الدارني يقول: لأن تذهب الشهوة من قلبي أحب إلي من أن يقال لي: ادخل الجنة. أسد بن سليمان بن حبيب بن محمد أبو محمد الطبراني؛ يعرف بابن الحافي سمع وأسمع. حدث عن محمد بن الحسن بن نصر البغدادي، عن علي بن الحسين بن أشكاب، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، قال: أردت الخروج إلى الكوفة، فقالت لي أمي: بحقي عليك يا إسحاق إذا دخلت الكوفة فلا تصر إلى الأعمش، فقد بلغني أنه يستخف بأصحاب الحديث؛ فلما دخلت الكوفة هممت بالذهاب إلى الأعمش، ثم ذكرت وصية أمي، فتخلفت، فلما رأيت أصحاب الحديث حملني حب العلم على أن صرت إليه؛ فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من واسط؛ قال: وما اسمك؟ قلت: إسحاق بن يوسف الأزرق؛ فقال: أليس قد قالت لك أمك: إذا دخلت الكوفة فلا تصر إلى الأعمش، فإنه يستخف بأصحاب الحديث؟ وقد بلغني ذلك؛ فقلت: ليس كل ما يبلغ الناس حق؛ قال: أما الآن فخذ. حدثنا عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الخوارج كلاب النار ".

أسد بن العباس بن القاسم

روى بطبرية في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة عن ابن عبادل. أسد بن العباس بن القاسم أبو الليث الرملي وأظنه أسد بن القاسم بن عباس، وسيأتي ذكره. أسد بن عبد الله بن يزيد ابن أسد بن كرز بن عامر بن عبقري أبو عبد الله ويقال: أبو المنذر البجلي القسري أخو خالد بن عبد الله. من أهل دمشق، وقسر: فخذ من بجيلة: ولاه أخوه خالد بن عبد الله خراسان، وكان جواداً ممدحاً، وشجاعاً مقداماً؛ ودار أسد بن عبد الله بدمشق عند سوق الزقاقين بناحية دار البطيخ. قال سلم بن قتيبة بن مسلم: خطبنا أسد بن عبد الله بن يزيد بن أسد على منبر مرو وهو على ولاية خراسان فقال في خطبته: حدثني أبي عن جدي، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ولا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره شره ". روى عن أبي يحيى بن عفيف، عن جده عفيف، قال: جئت في الجاهلية إلى مكة، وأنا أريد أن أبتاع لأهلي من ثيابها وعطرها، فأتيت العباس، وكان رجلاً تاجراً؛ فإني عنده حالس أنظر إلى الكعبة وقد حلقت الشمس فارتفعت في السماء فذهبت، إذا أقبل شاب فنظر إلى السماء ثم قام مستقبل الكعبة، فلم

ألبث إلا يسيراً حتى جاء غلام فقام عن يمنه، ثم لم ألبث إلا يسيراً حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فسجد الشاب فسجد الغلام والمرأة؛ فقلت: يا عباس، أمر عظيم؛ فقال: أمر عظيم، تدري من هذا الشاب؟ هذا محمد بن عبد الله، ابن أخي؛ تدري من هذا الغلام؟ هذا علي ابن أخي؛ تدري من هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد زوجته؛ إن ابن أخي هذا حدثني أن ربه رب السموات والأرض أمره بهذا الدين، ولا والله ما على ظهر الأرض أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة. قال ابن عدي: وأسد بن عبد الله هذا معروف بهذا الحديث، وما أظن أن له غير هذا، إلا الشيء اليسير، له أخبار تروى عنه، فأما المسند عنه من أخباره فهذا الذي ذكرته يعرف به. قال فيه قيس بين الحدادية حين نزل عليه هو وناس من أهل بيته هرباً من دم أصابوه، فآواهم، وأحسن إلى قيس، وتحمل عنهم ما أصابوا في خزاعة وفي بني فراس: من البسيط لا تعذليني سليمى اليوم وانتظري ... أن يجمع الله شعباً طالما افترقا إن شتت الدهر شملاً بين جيرتكم ... فطال في نعمةٍ يا سلم ما اتفقا وقد حللنا بقسري أخي ثقة ... كالبدر يجلو دجى الظلماء والأفقا كم من ثأىً وعظيمٍ قد تداركه ... وقد تفاقم فيه الأمر وانخرقا لا يجبر الناس شيئاً هاضه أسد ... يوماً ولا يرتقون الدهر ما فتقا عن السري بن سالم مولى بني أمية، قال: قعد أسد بن عبد الله يوماً على سرير، ورجل من جرم إلى جانبه، فأقبل عبد المؤمن أبو الهندي التميمي بفرس له فعرضها على أسد؛ فقال الجرمي: من أين الهندي؟ وساومه أسد بالفرس واشتراه منه، ثم قال أبو الهندي: أيها الأمير، ما تعدون

الكبائر؟ قال أسد: أربع؛ الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله. قال أبو الهندي: بلغني أنها خمس؛ قال: وما هن؟ قال: تجافيف على جمل، وسراج في شمس، ولبن في باطية، وخمر في علبة، وجرمي على سرير الأمير. فضحك أسد وقال: قد كنت عن هذا غنياً!. وعن المبرد، قال: سأل رجل أسد بن عبد الله، فاعتل عليه؛ فقال له السائل. والله لقد سألتك من غير حاجة؛ قال: فما الذي حملك على هذا؟ قال: رأيتك تحب من لك عنده حسن بلاء فأردت أن أتعلق منك بحبل مودةٍ! فوصله وأكرمه. وعن محمد بن جرير الطبري، قال: وفيها يعني سنة عشرين ومئة كانت وفاة أسد بن عبد الله في قول المدائني. وكان سبب ذلك أنه كانت به فيما ذكر دبيلة في جوفه، فحضر المهرجان وهو ببلخ، فقدم عليه الأمراء والدهاقين بالهدايا، فكان فيمن قدم عليه إبراهيم بن عبد الرحمن الحنفي عامله على هراة، وخراسان دهقان هراة، فقدما بهدية فقومت الهدية ألف ألف، فكان فيما قدما به قصران، قصر من ذهب وقصر من فضة، وأباريق من ذهب وأباريق من فضة، وصحاف من ذهب وفضة، فأقبلا وأسد جالس على سرير، وأشراف خراسان على الكراسي، فوضعها القصرين، ثم وضعا خلفهما الأباريق والصحاف والديباج المروي والقوهي والهروي وغير ذلك حتى امتلأ السماط، وكان فيما حيا به الدهقان أسداً كرة من ذهب، ثم قام الدهقان خطيباً، فقال: أصلح الله الأمير، إنا معشر العجم أكلنا الدنيا أربعمئة سنة، أكلناها بالحلم والعقل والوقار، ليس فينا كتاب ناطق ولا نبي مرسل، فكانت الرجال عند ثلاثة: رجل ميمون النقيبة أينما توجه فتح الله عليه؛ والذي يليه رجل تمت مروءته في بيته، فإن كان كذلك رجي وعظم وقود وقدم؛ ورجل رحب صدره، وبسط يده فرجي، فإن كان كذلك قود وقدم؛ وإن الله جعل صفات هؤلاء الرجال الثلاثة فيك أيها الأمير، فما نعلم أحداً هو أتم كتخدانية

منك، إنك ضبطت أهل بيتك وحشمك ومواليك، فليس أحد منهم يستطيع أن يتعدى على صغير ولا كبير، ولا غني ولا فقير؛ فهذا تمام التخدانية؛ ثم بنيت الإيوانات في المفاوز، فيجيء الجائي من المشرق والآخر من المغرب فلا يجدان عيباً إلا أني يقولا: سبحان الله، ما أحسن ما بني؛ ومن يمن نقيبتك أنك لقيت خاقان وهو في مئة ألف، معه الحارث بن سريج، فهزمته وفللته، وقتلت أصحابه، وأبحت عسكره، وأما رحب صدرك وبسط يديك، فإنا ما ندري أي المالي أقر لعينك؟ أمال قدم عليك، أم مال خرج من عندك! بل أنت بما خرج أقر عيناً. قال: فضحك أسد، وقال: أنت خير دهاقيننا، وأحسنهم هدية، وناوله تفاحة كانت في يده؛ وسجد له خراسان دهقان هرة؛ وأطرق أسد ينظر إلى تلك الهدايا، فنظر عن يمينه فقال: يا عذافر بن يزيد، مر بحمل هذا القصر الذهب، فحمل؛ ثم قال: يا معن بن أحمر رأس قيس أو قال: قنسرين مر بهذا القصر يحمل؛ ثم قال: يا فلان، خذ إبريقاً، ويا فلان، خذ إبريقاً، وأعطى الصحاف حتى بقيت صحفتان؛ ثم قال: قم يا ابن الصيداء فخذ صحفة؛ فقام فأخذ واحدة فوزنها فوضعها، ثم أخذ الأخرى فوزنها؛ فقال له أسد: مالك؟ قال: آخذ أرزنهما؛ قال: خذهما جميعاً. وأعطى العرفاء وأصحاب البلاء، فقام أبو اليعفور، وكان يسير أمام صاحب خراسان في المغازي ينادي: هلم إلى الطريق؛ فقال أسد: ما أحسن ما ذكرت بنفسك، خذ ديباجتين. قال: وقام ميمون بن الغراب فقال: إني على يساركم، إلى الجادة؛ قال: ما أحسن ما ذكرت بنفسك، خذ ديباجة. قال: وأعطى ما في السماط كله، فقال نهار بن توسعة: من الطويل تقلون إن نادى لروع مثوب ... وأنتم غداة المهرجان كثير ثم مرض أسد، فأفاق إفاقة، فخرج يوماً فأتي بكمثرى أول ما جاء، فأطعم الناس منه واحدةً واحدةً، ثم أخذ كمثراة فرمى بها إلى خراسان دهقان هراة، فانقطعت الدبيلة، فهلك. واستخلف جعفر بن حنظلة البهراني سنة عشرين ومئة، فعمل أربعة أشهر، وجاء

أسد بن القاسم بن العباس بن القاسم

عهد نصر بن سيار في رجب سنة إحدى وعشرين ومئة، فقال ابن عرس العبدي: من الوافر نعى أسد بن عبد الله ناع ... فريع القلب للملك المطاع ببلخ وافق المقدار يسري ... وما لقضاء ربك من دفاع فجودي عين بالعبرات سحاً ... ألم يحزنك تفريق الجماع! أتاه حمامه في جوف صيغ ... وكم بالصيغ من بطل شجاع كتائب قد يجيبون المنادي ... على جرد مسومةٍ سراع سقيت الغيث إنك كنت غيثاً ... مريعاً عند مرتاد النجاع وقال سليمان بن قتة، مولى بني تيم بن مرة، وكان صديقاً لأسد بن عبد الله: من الطويل سقى الله بلخاً حزن بلخٍ وسهلها ... ومروي خراسان السحاب المجمما وما بي لتسقاه ولكن حفرةً ... بها غيبوا شلواً كريماً وأعظما مراجم أقوامٍ ومردي عظيمةٍ ... وطلاب أوتارٍ عفرنا عثمثما لقد كان يعطي السيف في الروع حقه ... ويروي السنان الزاعبي المقوما قال خليفة بن خياط: وفيها يعني سنة عشرين ومئة مات أسد بن عبد الله بخراسان. أسد بن القاسم بن العباس بن القاسم أبو الليث المقرئ، العبسي الحلبي سكن دمشق، وكان إمام مسجد سوق النحاسين. سمع وأسمع.

أسد بن محمد الحلبي

روى عن أبي القاسم الفضل بن جعفر، بسنده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء ". قال ابن الأكفاني: توفي في شوال سنة خمس عشرة وأربعمئة. أسد بن محمد الحلبي روى عن أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي، بسنده عن بهز بن حكيم القشيري، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أول ما يشهد على أحدكم فخذه ". إسرائيل بن روح، ويقال: إسماعيل الساحلي الجبيلي حكى عن مالك بن أنس، قال: سألت مالك بن أنس، قلت: يا أبا عبد الله، ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم قوم عرب؟ هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ أما تسمعون الله يقول: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " قائمة وقاعدة وعلى جنبها، ولا تعدوا الفرج؛ قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون أنك تقول ذلك؛ قال: يكذبون علي، يكذبون علي، يكذبون علي. أسعد بن الحسين بن الحسن أبو المعالي، ابن القاضي أبي عبد الله الشهرستاني سمعت منه شيئاً يسيراً، وكان خيراً، وسكن الربوة مدة فكان يحسن إلى زوارها، ثم أخرج منها فانقطع، وسكن النيرب، وكان له بستان بين النهرين يظل أكثر أوقاته فيه منفرداً عن الناس.

أسعد بن سهل بن حنيف بن واهب

حكى عن أبي محمد ابن الأكفاني، بسنده عن حسين الصيرفي، قال: قال لي العتابي: قدمت على أبي ومعي حمار موقر كتباً؛ فقال لي: يا كلثوم، ما على حمارك؟ قلت: كتب يا أبه؛ فقال: والله، إن ظننت عليه إلا مالاً! ؛ فعدلت كما أنا إلى يعقوب بن صالح أخي عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس، فدخلت عليه فأنشدته، فقلت: من الخفيف حسن ظني إليك أصلحك الل ... هـ دعاني فلا عدمت الصلاحا ودعاني إليك قول رسول الل ... هـ إذا قال مفصحاً إفصاحا: إن أردتم حوائجاً من وجوه ... فتنقوا لها الوجوه الصباحا فلعمري لقد تنقيت وجهاً ... ما به خاب من أراد النجاحا فقال لي: يا كلثوم، ما حاجتك؟ قلت: بدرتان؛ قال: فأمر لي بهما؛ قال: فأتيت أبي وهما معي، فقلت له: يا أبه، هذا بالكتب التي أنكرت. مات أبو المعالي سنة سبع وخمسين وخمسمئة، ودفن بباب الصغير. أسعد بن سهل بن حنيف بن واهب ابن العكيم بن ثعلبة بن مجدعة بن الحارث بن عمرو، وهو بحزج ابن حنش ويقال: جلاس بن عوف بن عمرو بن عوف ابن مالك بن الأوس بن حارثة بن عمرو بن عامر أبو أمامة الأنصاري ولد على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو سماه، وحدث عنه مرسلاً. روى عن عدد من الصحابة، وروي عنه؛ وقدم على أبي عبيدة بن الجراح بكتاب من عمر رضي الله عنه، وغزا الشام.

عن ابن شهاب، أن أبا أمامة بن سهل بن حنيف أخبره أن مسكينة مرضت، فأخبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمرضها. قل: وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعود المساكين ويسأل عنهم، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا مات فآذنوني " قال: فخرج بجنازتها ليلاً، وكرهوا أن يوقظوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فلما أصبح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر بالذي كان من شأنها، فقال: " ألم آمركم أن تؤذنوني بها؟ " فقالوا: يا رسول الله، كرهنا أن نخرجك ليلاً أو نوقظك. قال: فخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى صف بالناس على قبرها، وكبر أربع تكبيرات. روى عن سعيد بن سعد بن عبادة، قال: كان بين أبياتنا رجل مخدج ضعيف سقيم، وكان مسلماً، فلم يرع أهل الدار إلا به على أمة من إماء أهل الدار يفجر بها؛ قال: فرفع شأنه سعد بن عبادة إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اضربوه حده مئة سوط " قال: فقال: يا رسول الله، هو أضعف من ذلك، لو ضربته مئة سوط مات؛ قال: " فخذ له إثكالاً فيه مئة شمراخ ثم اضربوه ضربة ". قال محمد بن إسحاق: الإثكال: عذق النخلة؛ وهو في حديث يزيد: عثكالاً. عن أبي أمامة بن سهل، قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح: أن علموا غلمانكم العوم، ومقاتلتكم الرمي، فكانوا يختلفون إلى الأغراض، فجاء سهم غرب إلى غلام فقتله، فلم يوجد له أصل، وكان في حجر خاله، فكتب فيه أبو عبيدة إلى عمر، فكتب فيه عمر: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول: " الله ورسوله مولى منم لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له ". قال الواقدي: ذكروا أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سماه أسعد، وكناه أبا أمامة باسم جده أبي أمامة أسعد بن زرارة، وكان ثقة كثير الحديث. عن عتبة بن مسلم، قال: إن آخر خرجة خرج عثمان بن عفان يوم الجمعة، فلما استوى على المنبر حصبه الناس، فحيل بينه وبين الصلاة، فصلى للناس يومئذ أبو أمامة بن سهل بن حنيف. مات سنة مئة.

أسلم أبو خالد

أسلم أبو خالد ويقال: أبو زيد القرشي مولى عمر بن الخطاب، من سبي اليمن حضر الجابية مع سيده عمر بن الخطاب رضي الله عنه. روى عن عمر بن الخطاب، قال: حملت على فرس عتيق في سبيل اله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أبتاعه، وظننت أنه بائعه، فسألت عن ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: " لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم واحد، ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه ". وروى أن عمر بن الخطاب خطب الناس بباب الجابية، فقال: يا أيها الناس، قام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فينا كمقامي فيكم، فقال: " أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم " ثم سكت، فقلنا: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: " ثم يظهر الكذب حتى يحلف المرء قبل أن يستحلف، ويشهد قبل أن يستشهد، فمن أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ". عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: لما كنا بالشام أتيت عمر بماء فتوضأ منه، ثم قال: من أين جئت بهذا الماء، فما رأيت ماء غدر ولا ماء سماء أطيب منه؟ قلت: من بيت هذه النصرانية. فلما توضأ أتاها فقال: أيتها العجوز أسلمي تسلمي، بعث الله محمداً بالحق، فكشفت عن رأسها فإذا مثل الثغامة، فقالت: عجوز كبيرة، وإنما أموت الآن؛ قال عمر: اللهم اشهد. قال أسلم: خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى الشام، فاستيقظنا ليلة وقد رحل لنا رواحلنا، وهو يرحل لنفسه، وهو يقول: من الرجز

لا يأخذ الليل عليك بالهم ... والبس له القميص واعتم وكن شريك رافع وأسلم ... ثم اخدم الأقوام حتى تخدم قال: فقلت: رحمك الله يا أمير المؤمنين، لو أيقظتنا كفيناك. قال القاضي: كأن أبا تمام سمع هذا فأخذ منه قوله: من الطويل ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم ... فإني لم أخدمك إلا لأخدما عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: اشتراني عمر سنة اثنتي عشرة، وهي السنة التي قدم الأشعث بن قيس أسيراً، فأنا أنظر إليه في الحديد يكلم أبا بكر الصديق، وأبو بكر يقول له فعلت وفعلت؛ حتى كان آخر ذلك أسمع الأشعث بن قيس يقول: يا خليفة رسول الله استبقني لحربك، وزوجني أختك؛ ففعل أبو بكر، فمن عليه، وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة، فولدت له محمد بن الأشعث بن قيس. قال يعقوب بن شيبة: واسلم من جلة موالي عمر، كان عمر يقدمه، وكان ابن عمر يعظمه، ويعرف له ذلك؛ وكان يكنى أبا خالد، وقد زعم لي بعض أهل العلم بالنسب: أن أهل بيت أسلم يزعمون أنهم من الأشعريين. وذكر مصعب الزبيري: أن أسلم مولى عمر توفي بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان. عن محمد بن إسحاق، قال: بعث أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب سنة إحدى عشرة، فأقام اللناس الحج، وابتاع فيها أسلم، يقال: إنه أدرك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يره، وهو من الحبشة؛ مات وهو ابن مئة سنة وأربع عشرة سنة، وصلى عليه مروان بن الحكم. قال العجلي: أسلم مولى عمر بن الخطاب مديني تابعي ثقة من كبار التابعين. عن أبي رافع المدني، أنه سمع زيد بن أسلم يحدث عن أبيه، قال: تماريت أنا وعاصم في حسن الغناء، فقلت: أنا أحسن منك غناء؛ وقال: أنا أحسن منك غناء؛ فقلت:

أسلم بن محمد بن سلامة

انطلق بنا إلى أمير المؤمنين يقضي بيني وبينك؛ فخرجنا حتى جئناه في بيته، فقال: مالكما؟ قلنا: جئناك لتقضي بيننا أينا أحسن غناء؛ قال: فخذا؛ قال: فتغنيت ثم تغنى صاحبي، فقال: كلاكما غير محسن ولا مجمل، أنتما كحماري العبادي، قيل له أي حماريك شر؟ قال: هذا ثم هذا!. وعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: ذكرت جديثاً رواه ابن عمر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما حق امرئ مسلم يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه ". قال: فدعوت بدواة وقرطاس لأكتب وصيتي، وغلبني النوم فنمت ولم أكتبها، فبينا أنا نائم إذ دخل داخل أبيض الثياب، حسن الوجه، طيب الرائحة؛ فقلت: يا هذا من أدخلك داري؟ قال: أدخلنيها ربها؛ قال: فقلت: من أنت؟ قال: ملك الموت؛ قال: فرعبت منه، فقال: لا ترع، إني لم أومر بقبض روحك، قال: قلت: فاكتب لي إذاً براءة من النار؛ قال: هات دواةً وقرطاساً؛ فمددت يدي إلى الدواة والقرطاس الذي نمت عنه وهو عند رأسي فناولته، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أستغفر الله، أستغفر الله، حتى مل ظهر الكاغد وبطنه، ثم ناولنيه، فقال: هذا براءتك رحمك الله. وانتبهت فزعاً، ودعوت بالسراج ونظرت، فإذا القرطاس الذي نمت وهو عند رأسي مكتوب ظهره وبطنه: أستغفر الله. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: سنة ثمانين فيها توفي أسلم مولى عمر. أسلم بن محمد بن سلامة ابن عبد الله بن عبد الرحمن أبو دفافة الكناني العماني من أهل عمان، مدينة البلقاء، قدم دمشق وحدث بها. روى عن أبي عطاء السائب بن أحمد، بسنده عن حذيفة بن اليمان، قال: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون

إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل الواسطي

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسر إلي في ذلك شيئاً لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال وهو يحدث مجلساً أنا فيهم عن الفتن، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يد الفتن: " منهن ثلاث لا يكون يذرن شيئاً، ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار ". قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط غيري. قال ابن زبر: مات سنة أربع وعشرين وثلاثمئة. خالفه الرازي، قال: مات سنة خمس وعشرين وثلاثمئة. إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل الواسطي سمع بدمشق وبيروت. روى عن أبي هبيرة محمد بن الوليد الدمشقي، بسنده عن أنس: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يشير في الصلاة. إسماعيل بن أحمد بن أيوب ابن الوليد بن هارون أبو الحسن البالسي الخيزراني سمع بأطرابلس وبالس وحلب. روى عن جعفر بن سهل، بسنده عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر ".

إسماعيل بن أحمد بن عبد الله

إسماعيل بن أحمد بن عبد الله أبو الفضل الجرجاني الصوفي قدم دمشق وحدث بها. روى عن الإمام أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، بسنده عن الزبير بن العوام، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهم باركت لأمتي في صحابتي، فلا تسلبهم البركة؛ وباركت لأصحابي في أبي بكر، فلا تسلبهم البركة، واجمعهم عليه، فإنه لم يزل يؤثر أمرك على أمره؛ اللهم أعز عمر بن الخطاب؛ وصبر عثمان بن عفان؛ ووفق علي بن أبي طالب؛ واغفر لطلحة، وثبت الزبير، وسلم سعداً، ووقر عبد الرحمن، وألحق بي السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ". إسماعيل بن أحمد بن عبيد الله ابن خلف، ويقال: خالد أبو إبراهيم البخاري، الكرميني، الكندقي قدم دمشق راجعاً من الحج، وحدث بها. روى عن أحمد بن محمد بن محمد بن الحسن البخاري، بسنده عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من رابط يوماً في سبيل الله كان كصيام شهر وقيامه، وأجير من فتنة القبر، وأجري عليه عمله إلى يوم القيامة ". إسماعيل بن أحمد بن عبد المؤمن ابن إسماعيل بن مشكان حرزاد، ابن أبي حازم حدث ببيروت؛ وابنه إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد.

إسماعيل بن أحمد بن عمر

روى عن محمد بن هاشم البعلبكي، بسنده عن أنس بن مالك، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من حرس على ساحل البحر ليلة، كان أفضل من عبادة رجل في أهله ألف سنة، كل سنة ثلاثمئة وستون يوماً، كل يوم كألف سنة ". إسماعيل بن أحمد بن عمر ابن أبي الأشعث أبو القاسم، ابن أبي بكر السمرقندي ولد بدمشق وسمع بها، ثم خرج إلى بغداد فاستوطنها إلى أن مات بها، وأدرك بها إسناداً حسناً، وسمع بها أبا الحسين ابن النقور، وأبا منصور بن غالب العطار، وأبا القاسم ابن البسري، وجماعة سواهم من أصحاب المخلص ممن دونهم، وكان مكثراً ثقة، صاحب نسخ وأصول، وكان دلالاً في الكتب. وسمعته غير مرة يقول: أنا أبو هريرة في ابن النقور، يعني لكثرة ملازمته له وسماعه منه، فقل جزء قرئ على ابن النقور إلا وقد سمعه منه مراراً. وبقي إلى أن خلت بغداد، وصار محدثها كثرة وإسناداً، حتى صار يطلب العوض على التسميع، بعد رغبته كانت إلى أصحاب الحديث وحرصه على إسماع ما عنده. وأملي في جامع المنصور زيادة على ثلاثمئة مجلس في الجمعات بعد الصلاة في البقعة المنسوبة إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل. وكان مبخوتاً في بيع الكتب، باع مرة صحيح البخاري وصحيح مسلم في مجلدة لطيفة بخط أبي عبد الله الصوري الحافظ بعشرين ديناراً؛ وقال لي: وقعت على هذه المجلدة بقيراط، لأني اشتريتها وكتاباً آخر معها بدينار وقيراط، فبعت ذلك الكتاب بدينار وبقيت هذه المجلدة بقيراط. وكان قد قدم دمشق سنة نيف وثمانين زائراً لبيت المقدس، فزارها وسمع بها من

إسماعيل بن أحمد بن محمد

جماعة، وسمع بدمشق نصر بن إبراهيم المقدسي، وحدث بدمشق في دار أبي الحسن ابن أبي الحديد، ثم رجع إلى بغداد. روى عن أبي بكر الخطيب، بسنده عن سويد بن غفلة، قال: كنا حجاجاً فوجدت سوطاً فأخذته، فقال لي القوم: ألقه فلعله لرجل مسلم؛ قال: قلت: أوليس آخذه فأمسكه خيرٌ من أن يأكله ذيب؟ فلقيت أبي بن كعب فذكرت له ذلك، فقال: قد أحسنت؛ ثم قال: التقطت صرة فيها مئة دينار، فأتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت له ذلك، فقال: " عرفها حولاً "؛ أتيته فقلت: قد عرفتها حولاً؛ فقال لي: " عرفها سنة " فقلت: قد عرفتها سنة؛ قال: " فعرفها سنة أخرى " ثم أتيته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: قد عرفتها؛ فقال: " انتفع بها ثم احفظ وكاءها وخرقتها واحص عددها فإن جاء صاحبها " قال جرير: قال شيئاً لا أحفظه. قال السمعاني: سألته عن ولاده، فقال: يوم الجمعة وقت الصلاة الرابع من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وأربعمئة بدمشق؛ توفي ليلة الثلاثاء ودفن ضحوة يوم الأربعاء السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ست وثلاثين وخمسمئة، ودفن بمقبرة الشهداء من غربي بغداد. إسماعيل بن أحمد بن محمد ابن عبد العزيز أبو سعيد الجرجاني، الخلال، الوراق نزيل نيسابور. رحل وسمع بدمشق وغيرها من جماعة، وروي عنه. روى عن محمد بن الحسن بن قتيبة، بسنده عن عائشة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أن رسول الله أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، وينظر في سواد، ويبرك في سواد،

إسماعيل بن أحمد بن محمد

فأتى به ليضحي به قال: " عائشة، هلمي المدية " ثم قال: " اشحذيها بحجر " ففعلت، فأخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: " بسم الله، اللهم تقبل عن محمد وآل محمد ". وعن محمد بن الفيض الغساني، بسنده عن عائشة، قالت: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رأى ما يحب، قال: " الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات " وإذا رأى ما يكره، قال: المد لله على كل حال ". قال أبو عبد الله الحافظ عنه: سكن نيسابور، وبها ولد له، وبها مات رحمه الله، وكان أحد الجوالين في طلب الحديث، والوراقين في بلاد الدنيا، والمفيدين؛ سمع في بلده ونيسابور وببغداد وبالكوفة والبصرة والجزيرة والشام ومصر، وذكر بعض مشايخه: انتقى عليه أبو علي الحافظ: ثم عقدت له المجلس بعد وفاته؛ وكان يملي من أصوله، وكان يحسن إلى أهل العلم ويقوم بحوائجهم، فإنه صار بتجارته موسعاً عليه. توفي بنيسابور يوم الخميس السابع عشر من صفر سنة أربع وستين وثلاثمئة، وهو ابن سبع وثمانين سنة، ودفن من يومه العشية. إسماعيل بن أحمد بن محمد أبو البركات ابن أبي سعد الصوفي، المعروف بشيخ الشيوخ كان أبوه من أهل نيسابور، واستوطن بغداد، وولد له أبو البركات بها. كتبت عنه شيئاً يسيراً، وكان قدم دمشق لزيارة بيت المقدس، ونزل في دويرة السميساطي. روى عن القاضي عبد الباقي بن محمد بن غالب المعدل، بسنده عن أبي قتادة، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: الرؤيا الصالحة من الله عز وجل، والرؤيا السوء من الشيطان؛ من رأى منكم

إسماعيل بن أبان بن محمد بن حوي

رؤيا فكره منها شيئاً فلينفث عن يساره ثلاثاً وليتعوذ بالله من الشيطان فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحداً؛ وإن رأى رؤيا حسنة فليستبشر ولا يخبر بها إلا من يحب ". قال السمعاني: سألت شيخ الشيوخ أبا البركات عن مولده فقال: في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وأربعمئة؛ ومات ليلة الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وخمسمئة ببغداد. إسماعيل بن أبان بن محمد بن حوي أبو محمد، السكسكي البتلهي روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن أبي مسهر، بسنده عن أوس بن أوس الثقفي، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من غسل واغتسل، وغدا وابتكر، ودنا ولم يلغ، كان له بكل خطوة مشاها عمل سنة صيامها وقيامها ". قال سعيد بن عبد العزيز: غسل رأسه واغتسل جسده. وعن أبي مسهر، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: جنة العالم قوله: لا أدري، فإذا أضاعها أصيبت مقاتله. قال عمرو بن دحيم: هو من بيت لهيا، مات بها يوم الثلاثاء الثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثلاث وستين ومئتين.

إسماعيل بن إبراهيم بن أحمد

إسماعيل بن إبراهيم بن أحمد ابن محمد بن إسحاق أبو الحارث المري الدمشقي إسماعيل بن إبراهيم بن بسام أبو إبراهيم الترجماني سمع بدمشق من جماعة، وأسمع. روى عن شعيب بن صفوان، بسنده عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من قال: الله أكبر، لا إله إلا الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كفر الله عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ". وعن أبي عوانه، بسنده عن الرحمن بن عوف، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ثلاث والذي نفسي بيده إن كنت لحالفاً عليهن: ما نقص مال من صدقة فتصدقوا، ولا يعفو عبد عن مظلمة يريد بها وجه الله إلا رفعه الله بها يوم القيامة، ولا يفتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ". قال محمد بن سعد: هو من أبناء أهل خراسان، ومنزله نحو صحراء أبي السري، توفي ببغداد لخمس ليال خلون من المحرم سنة ست وثلاثين ومئتين، وشهده ناس كثير، وكان صاحب سنة وفضل وخير كثير. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال لي أبي: اذهب إلى أبي إبراهيم الترجماني فأقرئه السلام، وقل له: وجه إلي بكتاب شعيب بن صفوان؛ قال: فجئت إليه فأقرأته من أبي السلام، وقلت له: قال لك أبي: ابعث إلي بكتاب شعيب بن صفوان؛ قال: نعم، يا أبا مسعود أخرج كتاب شعيب بن صفوان؛ قال: فأخرجه، فدفعه إلى؛ قال: فجئت به إلى أبي، فجعل ينظر فيه؛ قال: ثم قال: ما رأيت أحسن من هذه

إسماعيل بن إبراهيم بن زياد إسماعيل بن إبراهيم بن العباس

الأحاديث، اكتب، قال: فجعل ينتقي ويملي علي؛ قال: ثم ذهب أبي وذهبت معه إلى أبي إبراهيم فقرأها علينا. سئل يحيى بن معين عنه، فقال: ليس به بأس. إسماعيل بن إبراهيم بن زياد إسماعيل بن إبراهيم بن العباس ابن الحسن بن العباس أبو الفضل ابن أبي الحسين بن أبي الجن الحسني ولي قضاء دمشق وخطابتها بعد أبيه أبي الحسين إبراهيم بن العباس من قبل أبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب بن عبد الرحمن قاضي قضاة أبي تميم معد. وكان جارنا، ودخلت عليه داره، ولم يقض لي السماع منه. روى عن محمد بن عبد الرحمن التميمي، بسنده عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " إلى قوله: " وأنتم لا تشعرون " قال: قال ثابت بن قيس: أنا والله الذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإني أخشى أن يكون الله قد غضب علي. قال: فحزن واصفر، قال: ففقده النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأل عنه، فقيل: يا نبي الله، يقول: أخشى أن أكون من أهل النار، كنت أرفع صوتي عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فقال نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بل هو من أهل الجنة ". قال: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجلاً من أهل الجنة. ذكر أخوه أبو القاسم علي بن إبراهيم، أن أخاه أبا الفضل ولد لسبع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة عشرين وأربعمئة.

إسماعيل بن إبراهيم المخلوع

وذكر ابن الأكفاني أن الشريف القاضي أبا الفضل توفي ليلة الخميس الخامس والعشرين من صفر من سنة ثلاث وخمسمئة بدمشق. إسماعيل بن إبراهيم المخلوع ابن الوليد بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل ابن سهل أبو إسحاق الكوفي، المعروف بترنجة، مولى قريش نزيل مصر، سمع بالكوفة وبالمدينة، واجتاز بدمشق وسمع بها، وسمع بمصر. روى عن صفوان بن صالح، بسنده عن أبي عبد الله الأشعري، قال: صلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأصحابه، ثم جلس في طائفة منهم، فدخل رجل، فقام يصلي، فجعل يركع وينقر في سجوده، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أترون هذا! من مات على هذا مات على غير ملة محمد، نقر صلاته كما ينقر الغراب الدم؛ إنما مثل الذي يصلي ويركع وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا التمرة والتمرتين، فماذا تغنيان عنه؟ فأسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار، أتموا الركوع والسجود ". وعن سهل بن نصر، بسنده عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ". قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه، وهو صدوق. قال ابن يونس: توفي بمصر ليلة الخميس سلخ جمادى الآخرة سنة سبعين ومئتين، وكان قد فلج وثقل لسانه قبل موته بيسير.

إسماعيل بن إسحاق القاضي

إسماعيل بن إسحاق القاضي وليس بالحمادي البغدادي قاضي القضاة، هذا غيره. حدث بدمشق سنة ثلاث عشرة وثلاثمئة. إسماعيل بن أيوب بن سلمة ابن عبد الله بن الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب القرشي المخزومي المدني وفد على هشام بن عبد الملك يشكو إليه سجن أبيه حين تزوج فاطمة بنت حسن بن حسن. حدث أن الوليد بن الوليد كان محبوساً بمكة، فلما أراد أن يهاجر باع مالاً له يقال له: المياقة بالطائف، ونقال: من الرجز وليد هاجر وبع المياقه ... واشتر منها جملاً وناقه ثم ارمهم بنفسك المشتاقه فوجد غفلة من القوم عنه، فخرج هو وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة، وسلمة بن هشام بن المغيرة، مشاة يخافون الطلب، فسعوا حتى بلحوا، وقصر الوليد، فقال: من الرجز يا قدمي ألحقاني بالقوم ... لا تعداني بسلاً بعد اليوم فلما كان بحرة الأضراس نكب فقال: من الرجز هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت فدخل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، فقال: يا رسول الله، خسرت وأنا ميت،

فكفني في قميصك، واجعله مما يلي جلدي؛ فتوفي وكفنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قميصه، ودخل إلى أم سلمة وبين يديها صبي، وهي تقول: من مجزوء الكامل أبكي الوليد بن الولي ... د أبا الوليد بن المغيره إن الوليد بن الولي - د أبا الوليد كفى العشيره قد كان غيثاً في السني - ن وجعفراً غدقاً وميره فقال: " إن كدتم لتتخذون الوليد حناناً " فسماه: عبد الله. وروى الزبير بن بكار، عن عبد الرحمن بن عبد الله الزهري، عن عمومته موسى وإسماعيل وعمران بني عبد العزيز، قالوا: تزوج أيوب بن سلمة فاطمة بنت حسن بن حسن، زوجه إياها ابنها صالح بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، فقام في ذل عبد الله بن حسن يرده عند خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم، فجعل أمرها إلى قاضيه محمد بن صفوان الجمحي، وخالد إذ ذاك والي المدينة، فاختصما بين يديه. فقال له عبد الله بن الحسن، يعني أخاها: إن هذا تزوج هذه المرأة إلى غير ولي، هي امرأة من آل حسن، والمزوج من آل جعفر. فأقبل ابن صفوان، فقال: صدق، مالك لم تزوجها إلى قومها وعشيرتها؟ ومالك تزوجتها في مسجد الفتح؟ فكان بين أيوب بن سلمة وبين محمد بن صفوان ما أستغني عن ذكره؛ وسجن أيوب. وخرج إسماعيل بن أيوب إلى هشام بن عبد الملك فشق ثوبه بين يديه، وأخبره الخبر؛ فكتب له إلى خالد بن عبد الملك: أن اجمع بين أيوب بن سلمة وبين فاطمة بنت حسن، فإن هي اختارت أيوب فافسخ ذلك وزوجها تزويجاً من ذي قبل، وإن هي لم تختره فافسخ النكاح ولا نكاح بينهما. فلما جاءه الكتاب أرسل إلى فاطمة بنت حسن، فجاءت بين كساءين من خز

إسماعيل بن أبي بكر الرملي

وأتي بأيوب بن سلمة فخيرها خالد بن عبد الملك، فاختارت أيوب، ففسخ النكاح وأنكحها نكاحاً جديداً. قالوا: فلقد رأينا جرار الطبرزذ يرمى بها فيما بين مروان ودار أيوب بن سلمة حتى شج بعض الناس. إسماعيل بن أبي بكر الرملي رأى عمر بن عبد العزيز، وسمع مكحولاً الدمشقي. إسماعيل بن بوري بن طغتكين أبو الفتح، المعروف بشمس الملوك ولي إمرة دمشق بعد قتل أبيه بوري، المعروف بتاج الملوك، في العشر الأخير من رجب سنة ست وعشرين وخمسمئة، وكان شهماً مقداماً مهيباً، استرد بانياس من أيدي الكفار في يومين، وكانت قد سلمها إليهم الإسماعيلية، وأسعر بلاد الكفار بالغارات؛ ثم مد يده إلى أخذ الأموال، وعزم على مصادرة المتصرفين والعمال؛ ولم يزل أميراً على دمشق حتى كتب إلى قسيم الدولة زنكي بن آق سنقر يستدعيه ليسلم إليه دمشق، فخافته أمه زمرد فرتبت له من قتله في قلعة دمشق في شهر ربيع الآخر من سنة تسع وعشرين وخمسمئة، ونصبت أخاه محمود بن بوري مكانه.

إسماعيل بن حرب الأطرابلسي إسماعيل بن الحسين بن أحمد

إسماعيل بن حرب الأطرابلسي إسماعيل بن الحسين بن أحمد ابن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو محمد ابن أبي عبد الله العلوي النقيب، المعروف بالعفيف عم الشريفين العايد ومحسن، وأمه أم ولد. ولي النقابة بدمشق من قبل المقتدر بالله، وكاتبه علي بن عيسى الوزير. قرأت بخط عبد الوهاب الميدانين قال: وفي ليلة السبت توفي أبو محمد إسماعيل بن الحسين الحسيني العلوي، وأخرجت جنازته من الغد في يوم السبت لثمان خلون من رجب سنة سبع وأربعين وثلاثمئة، وكان له مشهد كبير، شهده الخاص والعام، والأمير فاتك، وصلي عليه في المصلى. إسماعيل بن حصن بن حسان أبو سليم القرشي الجبيلي من أهل جبيل، من ساحل دمشق. روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. روى عن محمد بن يوسف الفريابي، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن اليهود والنصارى لا تصبغ فخالفوهم ". وعن محمد بن شعيب بن شابور، بسنده عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان إذا افتتح الصلاة وكبر رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه وهو صدوق.

إسماعيل بن أبي حكيم المدني القرشي

قال ابن زبر: وفيها يعني سنة أربع وستين ومئتين مات أبو سليم. إسماعيل بن أبي حكيم المدني القرشي مولى عثمان بن عفان، ويقال: مولى الزبير بن العوام سمع وأسمع. روى عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عن أبي هريرة، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أكل ذي ناب من السباع حرام ". وعن سعيد بن مرجانة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب منه إرباً منه من النار ". وعن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه رأى أبا هريرة يتوضأ فوق ظهر المسجد، فقال: ما هذا الوضوء؟ قال أبو هريرة: وما تدري مم أتوضأ؟ أتوضأ من أثوار أقطٍ، وإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " توضؤوا مما مست النار ". وحدث، قال: بعثني عمر بن عبد العزيز. حين ولي في الفداء، فبينا أنا أجول في القسطنطينية إذ سمعت صوتاً يتغنى فيه: من الوافر أرقت وغاب عني من يلوم ... ولكن لم أنم أنا والهموم كأني من تذكر ما ألاقي ... إذا ما أظلم الليل البهيم سليم مل منه أقربوه ... وودعه المداوي والحميم وكم من حرة بين المنقى ... إلى أحد إلى ما حاز ريم

إلى الجماء من خد أسيل ... نقي اللون ليس له كلوم يضيء دجى الظلام إذا تبدى ... كضوء الفجر منظره وسيم فلما أن دنا منا ارتحال ... وقرب ناجيات السير كوم أتين مودعات والمطايا ... على أكوراها خوص هجوم فقائلة ومثنية علينا ... تقول وما لها فينا حميم وأخرى لبها معنا ولكن ... تستر وهي واجمة كظوم تعد لنا الليالي تحتصيها ... متى هو حائن منا قدوم متى تر غفلة الواشين عنا ... تجد بدموعها العين السجوم قال أبو عبد الله: والشعر لبقيلة الأشجعي؛ وسمعت العتبي صحف في اسمه فقال: نفيلة. قال إسماعيل بن أبي حكيم: فسألته حين دخلت عليه، فقلت: من أنت؟ قال: أنا الوابصي الذي أخذت فعذبت ففزعت فدخلت في دينهم، فقلت: إن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بعثني في الفداء، وأنت والله أحب من أفتديه إن لم تكن بطنت في الكفر؛ قال: والله قد بطنت في الكفر. قال: فقلت له: أنشدك الله أسلم؛ فقال: أسلم وهذان ابناي، وقد تزوجت امرأة منهم وهذان ابناها، وإذا دخلت المدينة فقال أحدهم: يا نصراني، وقيل لولدي وأمهم كذلك، لا والله لا أفعل؛ فقلت له: قد كنت قارئاً للقرآن؛ فقال: إي والله قد كنت من أقرأ القراء للقرآن؛ فقلت: فما بقي معك من القرآن؟ قال: لا شيء إلا هذه الآية "

إسماعيل بن حمدويه

ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " وقد رويت هذه القصة من وجه آخر. سئل يحيى بن معين عنه، فقال: ثقة. قال محمد بن سعد: وكان كاتباً لعمر بن عبد العزيز، وتوفي سنة ثلاثين ومئة، وكان قليل الحديث. إسماعيل بن حمدويه أبو سعيد البيكندي، البخاري قدم دمشق سنة تسع وستين ومئتين؛ وروى عن جمعة، وروى عنه جماعة. روى عن عبدان، بسنده عن أبي الطفيل، قال: سمعت علياً يسأل: هل خصكم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: ما خصنا بشيء لم يعم به الناس كافة، إلا ما في قراب سيفي هذا، فأخرج صحيفة مكتوب فيها: " لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثاً ". وعن أبي حذيفة، بسنده عن عبد الله، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك ". وعن مسلم بن إبراهيم، بسنده عن ابن عباس، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر رضاها سكوتها ". قال ابن يونس: قدم إلى مصر، وحدث بها، توفي سنة ثلاث وسبعين ومئتين.

إسماعيل بن حمد بن محمد بن المعلم

إسماعيل بن حمد بن محمد بن المعلم أبو القاسم الهمداني البيع توفي سنة أربع وخمسين وأربعمئة بدمشق في شعبان. إسماعيل بن خالد بن عبد الله ابن يزيد بن أسد البجلي القسري من وجوه أهل دمشق، كان في صحابة المنصور. حدث الوضاح بن حبيب بن بديل التميمي، عن أبيه، قال: كنت يوماً عند أبي جعفر المنصور، وعبد الله بن عياش الهمداني المنتوف، وعبد الله بن الربيع الحارثي، وإسماعيل بن خالد بن عبد الله القسري؛ وكان أبو جعفر ولى سلم بن قتيبة البصرة، وولى مولى له كور البصرة والأبلة، فورد الكتاب من مولى أبي جعفر يخبر أن سلماً ضربه بالسياط، فاستشاط أبو جعفر، وضرب إحدى يديه على الأخرى وقال: أعلي يجترئ سلم؟ والله لأجعلنه نكالاً وعظة؛ وجعل يقرأ كتباً بين يديه. قال: فرفع ابن عياش رأسه وكان أجرأنا عليه فقال: يا أمير المؤمنين، لم يضرب سلم مولاك بقوته ولا بقوة أبيه، ولكنك قلدته سيفك، وأصعدته منبرك، فأراد مولاك أن يطأطئ من سلم ما رفعت، ويفسد ما صنعت، فلم يحتمل له ذلك؛ يا أمير المؤمنين، إن غضب العربي في رأسه إذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسان أو يد؛ وإن غضب النبطي في استه فإذا خري ذهب غضبه. فضحك أبو جعفر، وقال: قبحك الله يا منتوف؛ وكف عن سلم. إسماعيل بن رافع بن عويمر ويقال: ابن أبي عويمر أبو رافع المدني، مولى مزينة روى عن جماعة،، وروى عنه جماعة؛ ووفد على عمر بن عبد العزيز.

إسماعيل بن رجاء بن سعيد

روى عن محمد بن المنكدر، عن جابر. قال: قال رجل: يا رسول الله، عندي دينار: قال: " أنفقه على نفسك " قال: عندي آخر؛ قال: " أنفقه على زوجتك " قال: عندي آخر؛ قال: " أنفقه على ولدك " أو " خادمك " شك الوليد قال: عندي آخر؛ قال: " اجعله في سبيل الله، وهو أخسها موضعاً ". قال ابن عدي: ولإسماعيل بن رافع أحاديث غير ما ذكرته، وأحاديثه كلها مما فيه نظر، إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء. وروى عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يعيبه، ولا يدفع مدفع سوء يعيبه فيه، ولا يتطاول عليه في البنيان فيصد عنه الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلا أن يغرف له منها ". إسماعيل بن رجاء بن سعيد ابن عبيد الله أبو محمد العسقلاني الأديب سمع وأسمع، وقدم صيدا من أعمال دمشق وقرأ بها القرآن، وبدمشق وبعسقلان. روى عن محمد بن أحمد الحندري، بسنده عن جابر، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " المؤمن آلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس ". قال أبو نصر بن طلاب: كان إسماعيل بن رجاء العسقلاني قدم صيدا وأنا بها، وهو طالب لقراءة القرآن وكان أديباً على الشيخ أبي الفضل محمد بن إبراهيم الدينوري بعلو إسناده، فاجتمعت معه دفعات للمحاورة والمؤانسة فأنشدني ما يروى للرشيد الخليفة: من الكامل

إسماعيل بن زياد

ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... ويه قوين أعز من سلطاني مات سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة بالرملة في رمضان. إسماعيل بن زياد أبو الوليد البيروتي، القاص. روى عن برد بن سنان، عن مكحول، عن عطية بن بسر، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من بات وفي يده غمر من لحم فأصابه شيء من الشيطان فلا يلومن إلا نفسه ". إسماعيل بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن ابن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة، القرشي الزهري اجتاز بدمشق غازياً. قال الزبير بن بكار: إسماعيل بن سعد بن إبراهيم، لأم ولد، استشهد بالروم. إسماعيل بن سعيد الهمداني وفد على الوليد بن عبد الملك بن مروان. بلغني عن بعض أهل العلم، قال: ودع الوليد بن عبد الملك قوم من اليمانية، فقال له إسماعيل بن سعيد الهمداني وكان في كلامه عجلة: أحسن الله لك الصحابة وعلينا الخلافة؛ فضحك الوليد، فقال له عياش بن عبد الله الموهبي: صه، لا تراك همدان تضحك من كلام سيدها؛ قال الوليد: فإن رأيتني فمه؟ قال: إذاً لا ترى من السماء إلا خطفة؛ فقال له الوليد: عفيرية يا عياش! فقال: هو ما أقول لك.

إسماعيل بن سفيان الرعيني الحجري

يعني قولهم في المثل: جبار من مس برنس عفير؛ وهو عفير بن زرعة كان من الدين والفضل بمكان، فخرج في جيش الصائفة إلى أرض الروم وجهه معاوية فوق في الجيش اختلاط، فخرج عفير ليصلح بين الناس وعليه برنس فجذب برنسه رجل من قيس، فلم يمس في ذلك الجيش قيسي إلا مكتوفاً! فجعل الرجل من اليمانية يقول لكتيفه: لعلك ممن مس برنس عفير؟ فيقول: لا والله؛ فيقول: لو كنت منهم لضربت عنقك!. ثم طلب فيهم عفير فأرسلوا؛ وعفير هذا من ولد سيف بن ذي يزن. إسماعيل بن سفيان الرعيني الحجري المصري الأعمى وفد على الوليد وسليمان، وعلى عمر بن عبد العزيز. حدث، قال: كنت أخرج إلى الوليد وسليمان بن عبد الملك فيعطوني، فلما ولي عمر بن عبد العزيز خرجت إليه، وكنت على الباب الذي يخرج منه فرفعت صوتي بالقرآن، فأرسل إلي: ممن أنت؟ قلت: من أهل مصر؛ قال: ما حملك إلينا؟ قلت: إني كنت أخرج إلى الوليد وسليمان بن عبد الملك فأصيب منهما؛ قال: أترى أنا كنا غافلين عنك وعن أشباهك وأنت في بلد ومنزلك؟ فأعطاني حمولتي إلى مصر، وأمرني بالانصراف. إسماعيل بن صالح بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي وهو ممن دخل دمشق. روى عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، قال: كنت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بغلته، وأنا ابن ثمان سنين، وهو يريد عمته بنت

عبد المطلب، فوقف في طريقه على شجرة قد يبس ورقها وهو يتساقط، فقال: " يا عبد الله " قلت: لبيك يا رسول الله؛ قال: " ألا أنبئك بما يساقط الذنوب عن بني آدم كتساقط الورق عن هذه الشجرة " قلت: بلى يا رسول الله بأبي أنت وأمي؛ قال: " قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن الباقيات الصالحات المنجيات المعقبات ". قال محمد بن إسماعيل بن صبيح: قال الرشيد للفضل بن يحيى وهو بالرقة: قد قدم إسماعيل بن صالح بن علي وهو صديقك، وأريد أن أراه؛ فقال له: إن أخاه عبد الملك في حبسك. وقد نهاه أن يجيئك؛ قال الرشيد: فإني أتعلل حتى يجيئني عائداً. فتعلل. فقال الفضل لإسماعيل: ألا تعود أمير المؤمنين؟ قال: بلى؛ فجاءه عائداً، فأجلسه ثم دعا بالغداء. فأكل وأكل إسماعيل بين يديه؛ فقال له الرشيد: كأني قد نشطت برؤيتك لشرب قدح؛ فشرب وسقاه، ثم أمر فأخرج جوار يغنين، وضربت ستارة، وأمر بسقيه؛ فلما شرب أخذ الرشيد العود من يد جارية ووضعه في حجر إسماعيل، وجعل في عنق العود سبحة فيها عشرة درات اشتراها بثلاثين ألف دينار، وقال: عن يا إسماعيل وكفر عن يمينك بثمن هذه السبحة؛ فاندفع يغني بشعر الوليد بن يزيد في عالية أخت عمر بن عبد العزيز وكانت تحته وهي التي ينسب إليها سوق عالية بدمشق: من الطويل فأقسم ما أدنيت كفي لريبةٍ ... ولا حملتني نحو فاحشةٍ رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأي عليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة ... من الدهر إلا قد أصاب فتى قبلي فسمع الرشيد أحسن غناء من أحسن صوت، وقال: الرمح يا غلام؛ فجيء بالرمح فعقد له لواء على إمارة مصر. قال إسماعيل: فوليت ست سنين أوسعتهم عدلاً، وانصرفت بخمسمئة ألف دينار. قال: وبلغت عبد الملك أخاه ولايته، فقال: غنى والله الخبيث لهم، ليس هو لصالح بابن.

إسماعيل بن العباس بن أحمد

قال إسماعيل: دخلت على الرشيد وقد عهد إلى محمد والمأمون فيمن يهنيه من ولد صالح بن علي، فأنشأت أقول: من مجزوء الكامل يا أيها الملك الذي ... لو كان نجماً كان سعداً اعقد لقاسم بيعة ... واقدح له في الملك زنداً الله فرد واحد ... فاجعل ولاة العهد فرداً قال: فاستضحك هارون؛ وبعثت إلي أم جعفر: كيف تحبنا وأنت شآم؟ وبعثت إلي أم المأمون: كيف تحبنا وأنت أخو عبد الملك بن صالح؟ وبعثت إلي أم القاسم بعشرة آلاف درهم. فاشتريت بها ضيعتي بأرتاح. إسماعيل بن العباس بن أحمد ابن العباس بن محمد بن عيسى أبو علي النيسابوري الصيدلاني المقرئ سكن دمشق، وحدث. روى عن الحسن بن علي بن إبراهيم المقرئ، بسنده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن لله عز وجل أهلين من الناس " قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: " هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته ". إسماعيل بن عبد الله بن خالد ابن يزيد أبو عبد الله القرشي العبدري، الرقي، المعروف بالسكري قاضي دمشق. سمع وأسمع.

روى عن عيسى بن يونس، بسنده عن مروان بن الحكم، قال: كنت جالساً عند عثمان بن عفان، فسمع علياً يلبي بعمرة وحجة فأرسل إليه فقال: ألم نكن نهينا عن هذا؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبي بهما جميعاً، فلم أكن أدع قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن الوليد بن مسلم، بسنده عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: " يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم، خمسين ألف سنة، فيهون ذلك اليوم على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب ". وعن عبيد الله بن عمرو، بسنده عن يعلى بن مرة الثقفي، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من سرق شبراً من الأرض جاء يحمله يوم القيامة إلى أسفل الأرضين ". عن يعلى بن الأشدق العقيلي، عن عمه، عن أبي ذر، قال: حفظت عن خليلي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثاً أوصاني بهن: صلاة الضحى في الحضر والسفر، وأن لا أنام إلا على وتر، وبالصلاة عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال إبراهيم بن أيوب الحوراني: قلت لإسماعيل بن عبد الله القاضي: بلغني أنك كنت صوفياً، من أكل من جرابك كسرة افتخر بها على أصحابه؟ فقال: " حسبنا الله ونعم الوكيل ". وعن ابن فيض، قال: لم يل القضاء بدمشق بعد محمد بن يحيى بن حمزة أحد في خلافة المعتصم وخلافة الواثق، حتى كانت خلافة جعفر المتوكل فولى ابن أبي دواد إسماعيل بن عبد الله السكري في أول سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، فأقام قاضياً إلى أن عزل أحمد بن أبي دواد. وولي يحيى بن أكثم، فعزل إسماعيل بن عبد الله السكري عن القضاء وولى محمد بن هاشم بن قيسرة مكانه. مات بعد الأربعين ومئتين

إسماعيل بن عبد الله بن سماعة

إسماعيل بن عبد الله بن سماعة أبو محمد القرشي، العدوي، مولى عمر بن الخطاب أصله من الرملة. روى عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن أنس بن مالك حدثه أن أبا طلحة كان يترس بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بترس واحد، وكان أبو طلحة رجلاً حسن الرمي، فكان إذا رمى يشرف رسول الله إلى موضع قبله. وعنه، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله يحب الرفق في الأمر كله ". وعنه، بسنده عن أبي جمعة، قال: تغدينا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقلنا: يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك؛ قال: " نعم، قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني ". قال العجلي عنه: دمشقي ثقة. إسماعيل بن عبد الله بن مسعود ابن جبير بن عبد الله بن كيسان أبو بشر العبدي، الفقيه المعروف بسمويه من أهل أصبهان، له رحلة واسعة سمع فيها وأسمع. روى عن سعيد بن أبي مريم، بسنده عن الهيثم بن شعبي، قال: خرجت أنا وأبو عامر المغافري إلى إيليا لنصلي، فأخبرني أبو عامر أنه سمع

إسماعيل بن عبد الله بن ميمون

أبا ريحانة يقول: نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الوشم والوشر، ون مكامعة المرأة في غير شعار. وعن علي بن عياش الحمصي، بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا حمى إلا لله ورسوله ". قال ابن أبي حاتم: وهو ثقة صدوق. وقال أبو نعيم الحافظ: كان من الحفاظ والفقهاء، توفي سنة سبع وسيتين ومئتين. إسماعيل بن عبد الله بن ميمون ابن عبد الحميد بن أبي الرجال أبو النضر العجلي البغدادي أصله من مرو. سمع وأسمع وقدم دمشق وحدث بها. روى بسر من رأى في رحبة أبي عون، عن محمد بن مصعب، بسنده عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ". وعن أبي النضر هاشم بن القاسم، بسنده عن أبي أمامة، قال: نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بيع المغنيات وعن شرائهن، وعن كسبهن، وعن أكل ثمنهن. قال عنه النسائي: مروزي ليس به بأس. قال محمد بن إسحاق الثقفي: أنشدني أبو النضر العجلي لنفسه: من الطويل

إسماعيل بن عبد الله

تخبرني الآمال أني معمر ... وأن الذي أخشاه عني مؤخر فكيف وبرد الأربعين قضية ... علي بحكم قاطع لا يغير إذا المرء جاز الأربعين فإنه ... أسير لأسباب المنايا ومعثر توفي ليلة الاثنين ودفن يوم الاثنين لثلاث وعشرين خلت من شعبان سنة سبعين ومئتين وقد بلغ أربعاً وثمانين سنة. إسماعيل بن عبد الله ابن وهب أبي البختري بن وهب القرشي، الأسدي من أهل صيدا. إسماعيل بن عبد الله بن أسد ابن كرز بن عامر بن عبد الله بن عبد شمس بن غمغمة بن جرير بن شق الكاهن ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير بن قسر أبو هاشم القسري البجلي، أخو خالد ولي إمرة الموصل. روى عن أخيه خالد، عن جده، أنه قدم على عمر بن الخطاب من دمشق، فقال له: يا ابن أسد، ما الشهداء فيكم؟ فقال: الشهيد يا أمير المؤمنين من قاتل في سبيل الله حتى يقتل؛ قال: فما تقولون فيمن مات حتف أنفه لا يعلمون منه إلا خيراً؟ قال: عبد خيراً، ولقي رباً لا يظلمه، يعذب من عذبه بعد الحجة عليه، والعذرة فيه، أو يعفو عنه. قال عمر: كلاً والله، ما هو كما يقولون؛ من مات مفسداً في الأرض، ظالماً للذمة، عاصياً للإمام، غالاً للمال، ثم لقي العدو فقاتل فقتل شهيداً، ولكن الله عز وجل قد يعذب عدوه بالبر والفاجر، ومن مات حتف أنفه لا يعلمون منه إلا خيراً، كما قال الله عز

إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر

وجل: " من يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين " الآية. قال ابن سعد: ولي الموصل، وكان في صحابة أبي جعفر. إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر واسم أبي المهاجر: أقرم أبو عبد الحميد، مولى بني مخزوم من أهل دمشق، كانت داره ظاهر باب الجابية، وعند طريق القنوات، وكان يؤدب ولد عبد الملك بن مروان، واستعمله عمر بن عبد العزيز على إفريقية. روى عن جماعة، وأدرك معاوية وروى عنه جماعة. روى عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله ". روى عمن حدثه، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من ستر فاحشة فكأنما أحيا مؤودة ". قال جابر بن عبد الله: وأنا سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الأوزاعي: أتانا إسماعيل بن عبيد الله في زمان مروان مرابطاً ببيروت، فجبذني، ثم قال: إني أركن هؤلاء القوم يعني القدرية فلعلك منهم؟ قلت: لا والله ما أنا منهم. وقال الهيثم بن عمران: رأيت إسماعيل بن عبيد الله وكان من صالحي المسلمين يخضب رأسه ولحيته. وقال عنه العجلي: شامي تابعي ثقة.

وقال الهيثم بن عمران: سمعن إسماعيل بن عبيد الله يقول: ينبغي لنا أن نحفظ حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما يحفظ القرآن لأن الله يقول: " وما آتاكم الرسول فخذوه ". وقال: سمعت إسماعيل بن عبيد الله وسمع ربيعة بن يزيد يحدث عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم ثنى ثم ثلث فحدث إسماعيل عن كسرى ثم ثنى ثم ثلث؛ فقال ربيعة: غفر الله لك أبا عبد الحميد، حدثت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتحدث عن كسرى؟ فقال: ما حدثت عنه إلا من أجلك، انظر كيف تحدث يا ربيعة، فإنك ترى الإمام على المنبر يتكلم بالكلام فما تخرجون من المسجد حتى تختلفوا عليه، والله لأن أكذب على كسرى أحب إلي من أن أكذب على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال: وسمعته يحدث، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: كم أتت عليك يا إسماعيل سنة؟ قلت: ستون سنة وشهور؛ قال: يا إسماعيل، إياك والمزاج. قال عبد الملك بن مروان: ما رأيت مثلنا ومثل هذه الأعاجم، كان الملك فيهم دهراً طويلاً، فوالله ما استعاذوا منا إلا برجل واحد يعني النعمان بن المنذر ثم عادوا عليه فقتلوه؛ وأن الملك فينا مد هذه المدة فقد استعنا منهم برجال حتى في لغتنا، هذا إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر يعلم ولد أمير المؤمنين العربية! قال إسماعيل لبنيه: يا بني أكرموا من أكرمكم وإن كان عبداً حبشياً، وأهينوا من أهانكم وإن كان رجلاً قرشياً. قال ابن يونس: توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة، وكان مولده سنة إحدى وستين.

إسماعيل بن عبيد الله

إسماعيل بن عبيد الله ويقال: ابن عبيد العكي روى عن غالب بن مسعود، عن أبي هريرة قوله: أوصاني خليلي أبو القاسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وسبحة الضحى في الحضر والسفر، وأنا لا أنام إلا على وتر. إسماعيل بن عبيد الله أبو علي المقرئ قرأ القرآن العظيم على هشام بن عمار بحرف ابن عامر. إسماعيل بن إبراهيم بن عامر بن عابد أبو عثمان الصابوني، النيسابوري، الحافظ، الواعظ، المفسر قدم دمشق حاجاً سنة اثنتين وثلاثين وأربعمئة، وحدث بها، وعقد مجلس التذكير. روى عن جماعة، وروى عنه جماعة كثيرة من أهل نيسابور وغيرهم. روى عن أبي سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي، بسنده عن أنس بن مالك، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان؛ حب المال وطول العمر ". وأنشد لنفسه: من البسيط ما لي أرى الدهر لا يسخو بذي كرم ... ولا يجود بمعوان ومفضال

ولا أرى أحداً في الناس مشترياً ... حسن الثناء بإنعام وإفضال ولا أرى أحداً في الناس مكتنزاً ... ظهور أثنية أو مدح مقوال صاروا سواسية في لؤمهم شرعاً ... كأنما نسجوا فيه بمنوال وقال: ورأيت في بعض أجزائي مكتوباً: من البسيط طيب الزمان لمن خفت مؤونته ... ولن يطيب لذي الأثقال والمؤمن فاستحسنته، وأضفت إليه من قبلي: من البسيط هذا يزجي بيسر عمره طرباً ... وذاك ينماث في غم وفي حزن فاجهد لتزهد في الدنيا وزينتها ... إن الحريص على الدنيا لفي محن وقال: وكنت قلت في غياب ولدي أبي نصر عبد الله الخطيب رحمه الله ورضوانه عليه: من المنسرح غاب وذكراه لم يغب أبداً ... وكان مثل السواد في الحدقه لو رده الله بعد غيبته ... جعلت مالي لشكره صدقه فلم يرد الله سبحانه وتعالى رده وقضى، قبض روحه في بعض ثغور أذربيجان متوجهاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، فصبراً لحكمه، ورضى بقضائه، وتسليماً لأمره " ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين " وإلى الله جل جلاله الرغبة في التفضل عليه بالمغفرة والرضوان والجمع بيننا وبينه في رياض الحنان بمنه وكرمه. ومن ذلك قوله: " من الطويل إذا ما أصب أموالكم ونوالكم ... ولم آمل المعروف منكم ولا البرا وكنتم عبيداً للذي أنا عبده ... فمن أجل ماذا تعب البدن الحرا

قال عنه البيهقي الحافظ: إمام المسلمين حقاً، وشيخ الإسلام صدقاً. قال الإمام أبو علي الحسن بن العباس: اتفق مشايخنا من أئمة الفريقين، وسائر من ينتهي إلى علم التفسير والتذكير أن أبان عثمان كامل في آلاته، مستحق للإمامة بصفاته، لم يترقل الكرسي في زمانه على ظرفه وبيانه، وثقته وصدق لسانه مثله. وحدث أبو طالب الحراني وكان قد أمضى في خدمته العلم طرفاً صالحاً من عمره بينسابور، وقرأ على بي منصور البغدادي وأبي محمد الجويني قال: توسطت مجالس أعيان الوقت أيام السلطان أبي القاسم رحمه الله، فصادفتهم مجمعين على أن أبا عثمان إذا نطق بالتفسير قرطس في غرض الإجادة والإصابة، وإذا أخذ في التذكير والرقائق أجابته القلوب القاسية أحسن الإجابة، وأنه في علم الحديث علم بل عالم وبسائر العلوم متحقق عالم. وقال أبو عبد الله الخوارزمي شيخ تفقه ببغداد: دخلت نيسابور عند اجتيازي إلى العراق لطلب العلم، فرأيت أبا عثمان مائساً في حلة الشباب، ولمته يومئذ كجناح الغداف أو حنك الغراب، وشيوخ التفسير إذ ذاك متوافرون كأبي سعد وأبي القاسم، وهو يعد على تقارب سنة صدراً وجيهاً، وشيخاً نبيهاً، له ما شئت من إكرام وإعظام وإجلال وإفضال. قال أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي: الأستاذ الإمام شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني، الخطيب المفسر المحدث الواعظ، أوحد وقته في طريقته، وعظ المسلمين في مجالس التذكير سبعين سنة، وخطب وصلى في الجامع نحواً من عشرين سنة، وكان أكثر أهل العصر من المشايخ سماعاً وحفظاً ونشراً لمسموعاته، وتصنيفاً وجمعاً وتحريضاً على السماع، وإقامة لمجالس الحديث. سمع الحديث بنيسابور وذكر بعض شيوخه وبسرخس وبهراة، وسمع بالشام

والحجاز وبالجبال وغيرها من البلاد، وحدث بخراسان إلى غزنة، وبلاد الهند وبجرجان وآمل وطبرستان والثغور، وبالشام وبيت المقدس والحجاز، وأكثر الناس السماع منه، ورزق العز والجاه في الدين والدنيا، وكان جمالاً للبلد، زيناً للمحافل والمجالس، مقبولاً عند الموافق والمخالف، مجمعاً على أنه عديم النظير، وسيف السنة ودامغ أهل البدعة. وكان أبوه أبو نصر من كبار الواعظين بنيسابور، ففتك به لأجل التعصب والمذهب، فقتل، وهذا الإمام صبي بعد حول سبع سنين، وأقعد بمجلس الوعظ مقام أبيه، وحضر أئمة الوقت مجالسه، وأخذ الإمام أبو الطيب الصعلوكي في تربيته وتهيئه أسبابه، وكان يحضر مجالسه ويثني عليه، وكذلك سائر الأئمة كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والأستاذ الإمام أبي بكر بن فورك وسائر الأئمة، ويتعجبون من كمال ذكائه وعقله، وحسن إيراده الكلام، وحفظه للأحاديث، حتى كبر وبلغ مبلغ الرجال، ولم يزل يرتفع شأنه حتى صار إلى ما صار إليه، وهو في جميع أوقاته مشتغل بكثرة العبادات ووظائف الطاعات، بالغ في العفاف والسداد وصيانة النفس، معروف بحسن الصلاة وطول القنوت، واستشعار الهيبة حتى كان يضرب به المثل، وكان محترماً للحديث. وعن بعض من يوثق بقوله من الصالحين، أنه قال: ما رويت خبراً ولا أثراً في المجلس إلا وعندي إسناده، وما دخلت بيت الكتب قط إلا على طهارة، وما رويت الحديث ولا عقدت المجلس ولا قعدت للتدريس قط إلا على الطهارة. أنشد أبو علي نصر الله بن أحمد بن عثمان الخشنامي، قال: أنشدني والدي لنفسه من قصيدة أنشأها في مدح شيخ الإسلام، ويهنئه بالقدوم من الحج: من الكامل

من أبرشهر الآن إذ هبت بها ... ريح السعادة بكرة وأصيلا بقدوم من أضحى فريد زمانه ... أعني أبا عثمان إسماعيلا فضلاً وعقلاً واشتهار صيانة ... وعلو شأن في الورى وقبولا من شاء أن يلقى الكمال بأسره ... خدم احتساباً ربه المأمولا لا زال ركناً للمفاخر والعلى ... ما لاح نجم للسراة دليلا وقال أبو الحسن الفارسي: حكى الأثبات والثقات أنه كان يعقد المجلس، وكان يعظ الناس ويبالغ فيه إذ دفع إليه كتاب ورد من بخارى مشتمل على ذكر وباء عظيم وقع بها، واستدعى فيه أغنياء المسلمين بالدعاء على رؤوس الملأ في كشف ذلك البلاء عنهم، ووصف فيه أن واحداً تقدم إلى خباز يشتري الخبز فدفع الدراهم إلى صاحب الحانوت، فكان يزنها والخباز يخبز والمشتري واقف، فمات الثلاثة في الحال؛ واشتد الأمر على عامة الناس. فلما قرأ الكتاب هاله ذلك، واستقرأ من القارئ قوله تعالى: " أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض "، ونظائرها، وبالغ في التخويف والتحذير، وأثر ذلك فيه، وتغير في الحال وغلبه وجع البطن من ساعته، وأنزل من المنبر، وكان يصيح من الوجع، وحمل إلى الحمام إلى قريب من الغروب للشمس، فكان يتقلب ظهراً لبطن، ويصيح ويئن، فلم يسكن ما به، فحمل إلى بيته وبقي فيه سبعة أيام لم ينفعه علاج؛ فلما كان يوم الخميس سابع مرضه ظهرت آثار سكرة الموت، فودع أولاده وأوصاهم بالخير ونهاهم عن لطم الخدود وشق الجيوب والنياحة ورفع الصوت بالبكاء؛ ثم دعا بالمقرئ أبي عبد الله خاصته حتى قرأ سورة " يس " وتغير حاله وطاب وقته، وكان يعالج سكرات الموت إلى أن قرأ إسناد ما روي عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة "، ثم توفي رحمه الله من ساعته عصر يوم الخميس، وحملت جنازته من الغد عصر يوم الجمعة إلى ميدان الحسين، الرابع من محرم سنة تسع وأربعين وأربعمئة، واجتمع من الخلائق ما الله أعلم بعددهم، وصلى عليه ابنه أبو بكر، ثم أخوه

إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبيد

أبو يعلى، ثم نقل إلى مشهد أبيه في سكة حرب؛ وكان مولده سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة، وكان وقت وفاته طاعناً في سبع وسبعين من سنه. وقال أبو الحسن عبد الغافر: ومن أحسن ما قيل فيه ما كتبته بهراة للإمام أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي البوسنجي: من الكامل أودى الإمام الحبر إسماعيل ... لهفي عليه فليس منه بديل بكت السما والأرض يوم وفاته ... وبكى عليه الوحي والتنزيل والشمس والقمر المنير تناوحا ... حزناً عليه وللنجوم عويل والأرض خاشعة تبكي شجوها ... ويلي تولول: أين إسماعيل؟ أين الإمام الفرد في آدابه؟ ... ما إن له في العالمين عديل لا تخدعنك مني الحياة فإنها ... تلهي وتنسي والمنى تضليل وتأهبن للموت قبل نزوله ... فالموت حتم البقاء قليل إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبيد ابن نفيع العنسي روى عن أبيه، أنه كان في مسجد الكوفة ينتظر ركوع الضحى، ويمتع النهار، إذ أجفل الناس من ناحية المسجد، فأجفلت فيمن أجفل، فإذا برجل عليه إزار له وملاءة، وهو يقول: أنا مصعب بن سعد بن أبي وقاص، سمعت أبي يأثر عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " أربع من كن فيه فهو مؤمن، ومن جاء بثلاث وكتم واحدة فقد كفر: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأنه مبعوث من بعد الموت، وإيمان بالقدر خيره وشره، فمن جاء بثلاثة وكتم واحدة فقد كفر ".

إسماعيل بن عبد الرحمن

قال أبو حاتم: إنه من أهل الشام، من أهل حرستا. إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبد الله أبو هشام الخولاني، الدمشقي، الكتاني روى عن الوليد بن الوليد القلانسي، بسنده عن ابن عمر، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الجنة لتزخرف لشهر رمضان من رأس الحول إلى الحول، فإذا كان أول يوم من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش فشققت عن ورق الجنة عن الحور العين، فقلن: اللهم اجعل لنا من أوليائك أزواجاً تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا ". قال عمرو بن دحيم: مات بدمشق مستهل شعبان سنة ست وسبعين ومئتين. إسماعيل بن عبد الرحمن البصري الثمالي المعروف بالمهدي قدم دمشق في أيام هشام بن عمار، وسمع بها الحديث، وحدث بها. إسماعيل بن عبد الصمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي من أهل دمشق. حدث عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن عباس، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " للمملوك على مولاه ثلاث؛ لا يعجله عن صلاته، ولا يقيمه عن طعامه، ويبيعه إذا استباعه ". وهو حديث غريب.

إسماعيل بن عبد العزيز بن سعادة

إسماعيل بن عبد العزيز بن سعادة ابن حبان أبو طاهر الأمير سمع بدمشق صحيح البخاري، ولا أراه حدث به، ووقفه على دار العلم بالقدس. توفي يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة سنة ستين. إسماعيل بن عبد الملك أبو القاسم الطوسي، المعروف بالحاكمي، الفقيه الشافعي قدم دمشق سنة تسع وثمانين وأربعمئة عديل الإمام أبي حامد الغزالي. سمعت جدي أبا المفضل يحيى بن علي القاضي يثني عليه ويذكر أنه كان أعلم بالأصول من الغزالي إلا أنه كان في لسانه ما يمنعه من الكلام. إسماعيل بن عبده رأى أبا مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وعليه قلنسوة سوداء. إسماعيل بن علي بن الحسين ابن بندار بن المثنى أبو سعد الاستراباذي الواعظ قدم دمشق وحدث بها، وأملى ببيت المقدس، وحدث بها عن جماعة. روى عن أبيه، بسنده عن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بكى شعيب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حب الله عز وجل حتى عمي، فرد الله إليه بصره، وأوحى إليه: يا شعيب ما هذا البكاء؟ أشواقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار؟ قال: إلهي وسيدي، أنت تعلم، ما أبكي شوقاً إلى جنتك ولا خوفاً من النار، ولكني اعتقدت حبك بقلبي، فإذا أنا نظرت إليك فما أبالي ما الذي صنع بي؛ فأوحى الله عز وجل إليه:

إسماعيل بن علي بن الحسين

يا شعيب إن يك ذلك حقاً فهنيئاً لك لقائي يا شعيب، ولذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي ". قال الخطيب: ولم يكن موثوقاً في الرواية. وأنشد، بسنده عن الربيع بن سليمان، أنشدنا الشافعي: من الكامل؟ يا راكباً قف بالمحصب من منى واهتف بقاطن خيفها والناهض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضاً كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضاً حب آل محمدٍ فليشهد الثقلان أني رافضي قال حمد الرهاوي: لما ظهر لأصحابنا كذب إسماعيل بن المثنى أحضروا جميع ما كتبوا عنه وشققوه ورموا به بين يديه؛ وكان يملي ويتكلم على الناس عند باب مهد عيسى عليه الصلاة والسلام يعني ببيت المقدس وكان حمد هذا إمام قبة الصخرة. قال أبو بكر الخطيب: قدم علينا بغداد حاجاً، وسمعت منه بها حديثاً واحداً مسنداً منكراً، وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة، ثم لقيته ببيت المقدس عند عودي من الحج في سنة ست وأربعين وأربعمئة، وسألته عن مولده فقال: ولدت بإسفراين في سنة خمس وسبعين وثلاثمئة، ومات ببيت المقدس على ما بلغني سنة ثمان وأربعين وأربعمئة. إسماعيل بن علي بن الحسين ابن محمد بن زنجويه أبو سعد الرازي، المعروف بالسمان الحافظ قدم دمشق طالب علم، وكان من المكثرين الجوالين، سمع من نحو من أربعة آلاف شيخ، وسمع بدمشق وببغداد. روى عن أحمد بن محمد بن عمران بن عروة، بسنده عن ابن عمر، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " علم لا يفاد به ككنز لا ينفق منه " الصواب: " لا يقال به ".

وعن أبي طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس، بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ هذه الآية " يوم يقوم الناس لرب العالمين "، قال: " يقومون حتى يبلغ الرشح أطراف آذانهم ". قال المرتضى أبو الحسن المطهر بن علي العلوي بالري: سمعت أبا سعد السمان إمام المعتزلة يقول: من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإسلام. قال أبو محمد عمر بن محمد الكلبي: وجدت على ظهر جزء: مات الشيخ الزاهد أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان، وقت العتمة من ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان سنة خمس وأربعين وأربعمئة، شيخ العدلية وعالمهم وفقيههم ومتكلمهم ومحدثهم، وكان إماماً بلا مدافعة في القراءات والحديث، ومعرفة الرجال والأنساب، والفرائض والحساب، والشروط والمقدورات، وكان إماماً أيضاً في فقه أبي حنيفة وأصحابه، وفي معرفة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي، وفي فقه الزيدية، وفي الكلام، وكان يذهب مذهب الحسن البصري ومذهب الشيخ أبي هاشم؛ وكان قد حج بيت الله الحرام وزار القبر، ودخل العراق والشامات والحجاز وبلاد المغرب، وشاهد الرجال والشيوخ، وقرأ على ثلاثة آلاف رجل من شيوخ زمانه، وقصد أصبهان لطلب الحديث في آخر عمره، وكان يقال في مدحه وتقريظه: إنه ما شاهد مثل نفسه؛ وكان مع هذه الخصال الحميدة زاهداً ورعاً مجتهداً قواماً صواماً، قانعاً راضياً، لم يتحرم في مدة عمره، وقد أتى عليه أربع وسبعون سنة، بطعام واحد، ولم يدخل يده في قصعة إنسان ولم يكن لأحد عليه منة ولا يد في حضره ولا في سفره. مات رحمه الله تعالى ولم يكن له مظلمة، ولا تبعة من مال ولا لسان؛ كانت أوقاته موقوفة على قراءة القرآن والتدريس والرواية والدراية، والإرشاد والهداية، والوراقة والقراءة. خلف ما جمعه في طول عمره من الكتب وجعلها وقفاً على المسلمين؛ كان رحمه الله، تاريخ الزمان، وشيخ الإسلام، وبقية السلف والخلف.

إسماعيل بن علي بن عبد الله

مات في مرضه، وما فاتته فريضة ولا صلاة، وما سال منه لعاب، ولا تلوث له ثياب، وما تغير لونه؛ كان مع ما به من الضعف يحدد التوبة، ويكثر الاستغفار؛ ودفن غد ليلته يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شعبان سنة خمس وأربعين وأربعمئة، بجبل طبرك، بقرب الفقيه محمد بن الحسن الشيباني، بجنب قبر أبي الفتح عبد الرزاق بن مردك. إسماعيل بن علي بن عبد الله ابن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو الحسن الهاشمي عم السفاح والمنصور، وكان معهم بالحميمة، وخرج معهم حين خرجوا لطلب الخلافة، وولي إمرة الموسم سنة سبع وثلاثين ومئة في خلافة المنصور، وولي البصرة. قال خليفة بن خياط: وأقام الحج سنة سبع وثلاثين إسماعيل بن علي، ولم تك تلك السنة صائفة؛ وقال: سنة اثنتين وأربعين أقام الحج إسماعيل بن علي. وقال الزبير بن بكار: حدثني مبارك الطبري قال: لما قدم إسماعيل بن علي من واسط أنزله أمير المؤمنين المنصور في منزل في داره، وفتح خوخة بينه وبينه، ثم جاءه أمير المؤمنين المنصور ونحن معه فسلم عليه، وعرض عليه تقديم أمير المؤمنين المهدي على عيسى بن موسى في ولاية العهد، فأجابه إلى ذلك، وبايعه. وذكر إبراهيم بن عيسى بن المنصور، أن إسماعيل بن علي ولد بالسراة سنة ثلاث ومئة، وتوفي سنة سبع وأربعين ومئة، وأمه وأم عبد الصمد كثيرة، التي يقول فيها ابن قيس الرقيات: من المنسرح عاد له من كثيرة الطرب ... فعينه بالدموع تنسكب

إسماعيل بن علي

وعن محمد بن عمر، قال: سنة ست وأربعين ومئة مات إسماعيل بالكوفة ودفن بها إسماعيل بن علي أبو محمد العين زربي شاعر محسن. أنشد أحمد بن محمد بن عقيل الشهرزوري له: من الطويل وحقكم لا زرتكم في دجنة ... من الليل تخفيني كأني سارق ولا زرت إلا والسيوف هواتف ... إلي وأطراف الرماح لواحق وله: من المتقارب أيا راقد الليل حتى يقال ... إذا هجع الجفن: زار الخيال فما لي وعهدك عهد به ... ولا سر جفني منه اكتحال أحن إلى ساكنات الحجاز ... وقد حجزتني أمور ثقال وأحنوا على طيبات هناك ... وقد تشتهي النفس ما لا يقال وجدتك يا قلب عن حبهن ... وقلت: أما آن منهن آل وما هن سمر طوال برزن ... بلى في الحشا هن سمر طوال بكيت ففاضت بحور الدموع ... كأن لها في جفوني انسيال وظن العواذل أني سلوت ... لفقد البكاء وجاؤوا فقالوا: حقيق حقيق وجدت السلو ... وعنها؟ فقلت: محال محال دليل على أنني ما سلو ... ت ذاك التثني وذاك الدلال

لهيباً ينفث من طرفها ... إذا ما بدت له سحر حلال وهي أطول من هذا. وله: من الرمل ما على ما قلت تعويل ... كله مطل وتعليل يا غزالاً غير مكتحل ... طرفه بالسحر مكحول كل ما حملت من سقم ... فعلى الأجفان محمول رب ليل ظل يجمعنا ... كله ضم وتقبيل أشرقت كاساته وعلت ... في أعاليها أكاليل أشموس لحن مشرقة ... أم كؤوس أم قناديل في يدي بدر يطوف بها ... من جنان الخلد منقول لم يشن أعطافه قصر ... فيه بتمجين ولا طول وكأن الحسن صاح بنا ... حين وافى: نحوه ميلوا كم أباطيل نعمت بها ... حبذا تلك الأباطيل وله: من الخفيف ترك الظاعنون قلبي بلا قل ... ب وعيني عيناً من الهملان وإذا لم تفض دماً سحب أجفا ... ني على بعدهم فما أجفاني حل في مقلتي فلو فتشوها ... كان ذاك الإنسان في الإنسان وله: من الطويل ألا يا حمام الأيك عشك آهل ... وغصنك مياس وإلفك خاضر أتبكي وما امتدت إليك يد النوى ... ببين ولم يذعر جنابك ذاعر لعمر الذي أولاك نعمة محسن ... لأنت بما أولى وأنعم كافر

إسماعيل بن عمرو الأشدق بن سعيد

وله: من الطويل على الدهر أبكي أم على الدهر أعتب ... على كل شيء مذ تعتبت أعتب سئمت من العيش الذي كان نالني ... وعفت من الماء الذي كنت أشرب فكل حياة مع سواك منية ... وكل ضحى في غير أرضك غيهب قال ابن الأكفاني: إن إسماعيل بن العين زربي مولده بدمشق، وتوفي سنة سبع وستين وأربعمئة. إسماعيل بن عمرو الأشدق بن سعيد ابن العاص بن سعيد بن العاص أبو محمد القرشي الأموي روى عن ابن عباس وغيره؛ وكان مع أبيه لما غلب على دمشق، ثم سيره عبد الملك إلى الحجاز مع إخوته، ثم سكن الأعوص، واعتزل أمر السلطان، وكان عمر بن عبد العزيز يراه أهلاً للخلافة. حدث عن عبيد الله بن أبي رافع، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله عز وجل لم يبعث نبياً إلا ولهم حواريون، فيمكث بين أظهرهم ما شاء الله يعمل فيهم بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا انقرضوا كان من بعدهم أمراء يكبون رؤوس المنابر، يقولون ما تعرفون، ويعملون ما تنكرون، فإذا رأيتم أولئك فحق على كل مؤمن يجاهدهم بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك إسلام ". وعن عثمان بن عبد الله بن الحكم بن الحارث، عن عثمان بن عفان أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى على عثمان بن مظعون وكبر عليه أربعاً.

إسماعيل بن عياش بن سليم

وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: " التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ". قال الزبير بن بكار: وكان إسماعيل بن عمرو يسكن الأعوص في شرقي المدينة على بضعة عشر ميلاً، وكان له فضل، لم يتلبس بشيء من سلطان بني أمية. وقال: حدثني غير واحد أن عمر بن عبد العزيز قال: لو كان لي أن أعهد ما عدوت أحد رجلين؛ صاحب الأعوص يريد إسماعيل بن عمرو أو أعيمش بني تميم يريد القاسم بن محمد وقال محمد بن سعد: وعاش إسماعيل إلى دولة ولد العباس، فقيل له ليالي قدم داود بن علي المدينة والياً على الحرمين: لو تغيب! فقال: لا والله ولا طرفة عين؛ وكان داود قد هم به فقيل له: ليس بك حاجة أن يتفرغ لك إسماعيل في الدعاء عليك؛ فتركه ولم يعرض له. وعاش إسماعيل بن عمرو بعد ذلك يسيراً ثم مات. إسماعيل بن عياش بن سليم أبو عتبة العنسي الحمصي روى عن جماعة، وروى عنه جماعة؛ وكان حجاجاً، وكانت طريقه على دمشق، حج بضع عشرة حجة، وبعثه أبو جعفر المنصور إلى دمشق، فعدل أرضها الخراجية. روى عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن رشد بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: في هذه الآية " قل: هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت

أرجلكم " فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أما إنها كائنة، ولم يأت تأويلها بعد ". وعن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن جبير بن نفير، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الأمير إذا ابتغى الزينة في الناس أفسدها ". قال أبو بكر الخطيب: وكان إسماعيل قد قدم بغداد على أبي جعفر المنصور، وولاه خزانة الكسوة، وحدث ببغداد حديثاً كثيراً. قال محمد بن عوف: سمعت أبا اليمان يقول: كان منزل إسماعيل بن عياش إلى جانب منزلي، فكان يحيي الليل، فكان ربما قرأ ثم قطع، ثم رجع فقرأ من الموضع الذي قطع منه؛ فلقيته يوماً، فقلت له: يا عم، قد رأيت منك شيئاً وقد أحببت أن أسألك عنه، إنك تصلي من الليل ثم تقطع، ثم تعود إلى الموضع الذي قطعت فتبتدئ منه! فقال: يا بني، وما سؤالك عن ذلك؟ قلت: أريد أن أعلم؛ قال: يا بني، إني أصلي فأقرأ، فأذكر الحديث في الباب من الأبواب التي أخرجتها، فأقطع الصلاة فأكتبه فيه، ثم أرجع إلى صلاتي، فأبتدئ من الموضع الذي قطعت منه. عن يحيى بن صالح، قال: ما رأيت رجلاً، كان أكبر نفساً من إسماعيل بن عياش، كما أنه إذا أتيناه إلى مزرعته لا يرضى لنا إلا بالخروف والخبيص؛ وسمعته يقول: ورثت عن أبي أربعة آلاف دينار فأنفقتها في طلب العلم. قال عثمان بن صالح: كان أهل مصر ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم الليث بن سعد يحدثهم بفضل عثمان فكفوا عن ذلك، وكان أهل حمص ينتقصون علي بن أبي طالب حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش فحدثهم بفضائله، فكفوا عن ذلك. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي لداود بن عمرو الضبي وأنا أسمع منه يا أبا سليمان، كان يحدثكم إسماعيل بن عياش هذه الأحاديث بحفظه؟ قال: نعم، ما رأيت معه كتاباً قط!؟ فقال له: لقد كان حافظاً، كم كان يحفظ؟ قال: شيئاً كثيراً،

إسماعيل بن يسار النسائي

قال له: كان يحفظ عشرة آلاف؟ قال: عشرة آلاف وعشرة آلاف! قال أبي: هذا كان مثل وكيع!. وقال أحمد بن حنبل: ليس أحد أروى لحديث الشاميين من إسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم. وقال أبو اليمان: كان أصحابنا لهم رغبة في العلم، وطلب شديد بالشام والمدينة ومكة، وكانوا يقولون: نجهد في الطلب ونتعب أبداننا ونغيب، فإذا جئنا وجدنا كل ما كتبنا عند إسماعيل. قال يعقوب بن سفيان: وتكلم قوم في إسماعيل، وإسماعيل ثقة عدل، أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا قالوا: يغرب عن ثقات المدنيين والمكيين. وقال يحيى بن معين: إسماعيل بن عياش ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم. قال خليفة بن خياط: مات إسماعيل بن عياش سنة اثنتين وثمانين ومئة. إسماعيل بن يسار النسائي عن مصعب بن عبد الله الزبيري، قال: كان إسماعيل بن يسار النسائي مولى بني تيم بن مرة؛ تيم قريش، وكان منقطعاً إلى آل الزبير؛ فلما أفضت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان وفد إليه مع عروة بن الزبير، ومدحه، ومدح الخلفاء من ولده بعده.

وعاش عمراً طويلاً إلى أن أدرك آخر سلطان بني أمية، ولم يدرك الدولة العباسية. وكان طيباً مليحاً مندراً بطالاً، مليح الشعر، وكان كالمنقطع إلى عروة بن الزبير. وإنما سمي إسماعيل بن يسار النسائي، لأن أباه كان يصنع طعام العرس ويبيعه فيشتريه منه من أراد التعريس من المتجملين، وممن لم تبلغ حاله اصطناع ذلك. أنش ثعلب عن عبد الله بن شبيب له: من الطويل ألا هل إلى ما لا ينال سبيل ... وهل يسعدني إن بكيت خليل وحتى متى تبقى عظام بجيفة ... عواري برتهن الهموم، نحول وطرف أفلت رعية النجم حدة ... وجانبه التغميض فهو كليل ونفس نهاها الحب عن مستقرها ... حشاشاتها بين الضلوع تجول وقد كنت إذ شربي وشربك واحد ... لساني به مني إليك رسول وكيف وأمسي لا أزال وحارس ... علي على أن لا أراك خليل وقال يرثي أبا بكر بن حمزة بن عبد الله بن الزبير: من الكامل غلب العزاء وفاتني صبري ... لما نعى الناعي أبا بكر وأقول أعوله وقد ذرفت ... عيني فماء شؤونها يجري أنى وأي فتى يكون لنا ... شرواك عند بوازم الأمر لدفاع خصم ذي مشاغبة ... ولعائل ترب أخي فقر ولعمر من حبس المطي له ... بالأخشبين صبيحة النحر لو كان نيل الخلد أدركه ... بشر بطيب الخيم والخير لغبرت لا تخشى المنون وما ... نالتك نبل غوائل الدهر قال: وهي طويلة.

إسماعيل الأسدي

وله يرثي أبا بكر بن حمزة: من الوافر أحين بلغت ما كنا نرجي ... وكنت على أنوف الكاشحينا أبا بكر ثويت رهين رمس ... يخب بنعيك المتعجلونا وهي طويلة. قال الزبير: ودار عدي بن نوفل بالبلاط، بين المسجد والسوق، وهي التي يعني إسماعيل بن يسار النساء حين يقول: من الخفيف إن ممشاك نحو دار عدي ... كان بالقلب شقوة وفتونا إذ تراءت على البلاط فلما ... واجهتنا كالشمس تعشي العيونا قال هارون: قف، فيا ليت أني ... كنت طاوعت ساعة هارونا وقد رواها ناس لابن أبي ربيعة. إسماعيل الأسدي من ِشعراء الدولة الأموية إن لم يكن إسماعيل بن محمد الأسدي الكوفي فهو غيره كان له انقطاع إلى مروان الحمار. عن أبي عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني قال: إسماعيل الأسدي ولم ينسب كان منقطعاً إلى مروان بن محمد، فذكر يوماً إسماعيل عند حدينة وهو سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ومودته لمروان، فقال سعيد: ومن ذلك الملط؟ فهجاه إسماعيل بقوله: من الكامل

أسماء بن خارجة بن حصن

زعمت خدينة أنني ملط ... ولخدنة المرآة والمشط ومجامر ومكاحل ومعازف ... وبخدها من شكلها نقط أفذاك أم زعف مضاعفة ... ومهند من شأنه القط لمفرض ذكر أخي ثقة ... لم يعده التأنيث واللقط أسماء بن خارجة بن حصن ابن حذيفة بن بدر بن عمر بن جؤية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان ابن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان أبو حسان، ويقال: أبو محمد الفزاري الكوفي وكان قد وفد على عبد الملك بن مروان. عن مالك بن أسماء بن خارجة، قال: كنت مع أبي أسماء إذ جاء رجل إلى أمير من الأمراء فأثنى عليه وأطراه، ثم أتى أسماء وهو جالس في جانب الدار، فجرى حديثهما، فما برح حتى وقع فيه، فقال أسماء: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ذو اللسانين في الدنيا له لسانان من نار يوم القيامة. عن أبي الأحوص قال: فاخر أسماء بن خارجة رجلاً، فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام؛ فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله عز وجل. عن البختري بن هلال قال: دخل أسماء بن خارجة على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: قد بلغني عنك خصال كريمة شريفة، فأخبرني عنها؛ قال: يا أمير المؤمنين، هي من غيري أحسن؛ قال: فإني أحب أن أسمعها منك فأخبرني بها، قال: يا أمير المؤمنين، ما أتاني رجل قط في حاجة صغرت أو كبرت فقضيتها، إلا رأيت أن

قضاءها ليس يعوض من بذل وجهه إلي؛ ولا جلس إلي رجل قط إلا رأيت له الفضل علي حتى يقوم من عندي؛ ولا جلست مع قومٍ قط فبسطت رجلي إعظاماً لهم وإجلالاً حتى أقوم عنهم. قال له عبد الملك: حق لك أن تكون شريفاً سيداً. قال أسماء بن خارجة: ما شتمت أحداً قط، ولا رددت سائلاً قط، لأنه إنما يسألني أحد رجلين: إما كريم أصابته خصاصة وحاجة، فأنا أحق من سد خلته، وأعانه على حاجته، وإما لئيم أفدي عرضي منه. وإنما يشتمني أحد رجلين: كريم كانت منه زلة وهفوة، فأنا أحق من غفرها، وأخذ بالفضل عليه فيها؛ وإما لئيم فلم أكن لأجعل عرضي له غرضاً؛ وما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط فيرى أن ذلك استطالة مني عليه؛ ولا قضيت لأحد حاجة إلا رأيت له الفضل علي حيث جعلني في موضع حاجته. وأتى الأخطل عبد الملك فسأله حمالات تحملها عن قومه، فأبى وعرض عليه نصفها؛ فقدم الكوفة فأتى بشر بن مروان فسأله، فعرض عليه مثل ما عرض عليه عبد الملك، ثم أتى أسماء بن خارجة فحملها عنه كلها، فقال فيه: من الوافر إذا ما مات خارجة بن حصن ... فلا مطرت على الأرض السماء ولا رجع البشير بغنم جيش ... ولا حملت على الطهر النساء فيوم منك خير من رجال ... كثير حولهم غنم وشاء فبورك في بنيك وفي أبيهم ... وإن كثروا ونحن لك الفداء فبلغت القصة عبد الملك، فقال عرض بنا النصراني وقال محمد بن سلام الحجمي: وقال يعني القطامي يمدح أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري: إذا مات ابن خارجة بن حصن ... فلا مطرت على الأرض السماء

ولا رجع البريد بغنم جيش ... ولا حملت على الطهر النساء وقال فيه أيضاً: من الكامل فستعلمين أصادر وراده ... عنه وأي فتى فتى غطفانا وعليك أسماء بن خارجة الذي ... علا الفعال ورفع البنيانا قال أسماء: ما بذل إلي رجل قط وجهه فرأيت شيئاً من الدنيا وإن عظم وجسم عوضاً لبذل وجهه إلي. وعن مروان بن معاوية الفزاري، قال: أتيت الأعمش فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: أنا مروان بن معاوية بن الحارث بن عثمان بن أسماء بن خارجة الفزاري؛ فقال لي: لقد قسم جدك أسماء قسماً فنسي جاراً له، ثم استحيا أن يعطيه وقد بدأ بآخر قبله، فبعث إليه، وصب عليه المال صباً؟ أفتفعل أنت شيئاً من ذلك؟؟؟؟!. وعن هند بنت محمد بن عتبة، عن أبيها، قال: بلغنا أن أسماء بن خارجة كان جالساً على باب داره، فمر به جوار يلتقطن البعر؛ فقال: لمن أنتن؟ فقلن: لبني سليم؛ فقال: واسوأتاه، جواري، بني سليم يلتقطن البعر على بابي! يا غلام انثر عليهن الدراهم؛ فنثر عليهن، وجعلن يلتقطن. وعن ابن الكلبي، قال: نزل أسماء بن خارجة ظهر الكوفة في روضة معشبة أعجبته، وفيها رجل من بني عبس، فلما رأى قباب أسماء قوض بيته؛ فقال له أسماء: ما شأنك؟ قال: معي كلب هو أحب إلي من ولدي، وأخاف أن يؤذيك فيقتله بعض غلمانك. فقال له: أقم وأنا ضامن لكلبك؛ فقال أسماء لغلمانه: إن رأيتم كلبه بلغ في قصاعي وقد رؤي فلا يهجه أحد منكم. فأقاموا على ذلك، ثم ارتحل أسماء، ونزل الروضة رجل من بني أسد، فجاء الكلب لعادته فنحى له الأسدي بسهم فقتله؛ فقدم العبسي على أسماء، فقال له: ما فعل الكلب؟

قال: أنت قتلته؛ قال: وكيف؟ قال: عودته عادة ذهب يرومها من غيرك فقتله؛ فأمر له بمئة ناقة دية الكلب؛ قال: هل قلت في هذا شعراً؟ قال: نعم؛ فأنشده: من الطويل عوى بعد ما شال السماك بزورة ... وطالب عهداً بعده قد تنكرا وشبت له نار من الليل شبهت ... له نار أسماء بن حصن فكبرا فلاقى أبا حيان عارض قومه ... على النار لما جاءها متنورا فما رامها حتى اكتسى من روائه ... رداء كلون الأرجواني أحمرا فقال يلوم النفس: ما خفت ما أرى ... وورد المنايا مدرك من تأخرا وعن بشر أبي نصر، أن أسماء بن خارجة زوج ابنته، فلما أراد أن يهديها إلى زوجها أتاها، فقال: يا بنية، كان النساء أحق بتأديبك، ولا بد من تأديبك: كوني لزوجك أمة يكن لك عبداً، ولا تدني منه فتمليه، ولا تباعدي منه فتثقلي عليه ويثقل عليك، وكوني كما قلت لأمك: من الطويل خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فإني رأيت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب وعن العتبي، عن أبيه، أن أسماء بن خارجة شرب شراباً يقال له: الباذق، فسكر، فلطم أمه! فلما صحا قالوا له، فاغتم وقال لأمه: من الخفيف لعن الله شربة جعلتني ... أن أقول الخنا لكم يا صفية لم تكوني أهلاً لذاك ولكن ... أسرع الباذق المقدي فيه قال الرياشي: المقد: قرية من قرى حمص، وأصل الباذق: الباذاه

بالفارسية، وإنما يعرف بالمقدية، وهو حصن من أرض البلقاء. قال عبد الملك ذات يوم لجلسائه؛ هل تعلمون بيتاً قيل لحي من العرب لا يحبون أن لهم به مثل ما ملكوا، أو قيل فيهم ودوا لو فدوه بجميع ما ملكوه؟ فقال له أسماء بن خارجة: نعم يا أمير المؤمنين، نحن، قال: وما ذاك؟ قال: قول قيس بن الخطيم الأنصاري: من الوافر هنينا بالإقامة ثم سرنا ... كسير حذيفة الخير بن بدر فوالله ما يسرنا أن لنا به مثل ما نملك؛ وقول الحارث بن ظالم: من الوافر فما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا والله إني لألبس العمامة الصفيقة فيخيل إلي شعر قفاي قد خرج منها!. وقال أسماء بن خارجة: من الطويل إذا طارقات الهم أسهرن الفتى ... وأعمل في التفكير والليل زاخر وباكرني إذ لم يكن ملجاً له ... سواي ولا من نكبة الدهر ناصر فرجت له من همه في مكانه ... فزاوله الهم الدخيل المخامر وكان له من علي بظنه ... بي خيراً إني للذي ظن شاكر قال الرياشي: قال أسماء بن خارجة لامرأته: اخضبي لحيتي، فقالت: إلى كم نرقع منك ما قد خلق منك؟ فأنشأ يقول: من البسيط غيرتني خلقاً أبليت جدته ... وهل رأيت جديداً لم يعد خلقاً كما لبست جديدي فالبسي خلقي ... فلا جديد لمن لا يلبس الخلقا

ومن بارع شعر أسماء بن خارجة: من البسيط قل للذي لست أدري من تلونه ... أنا صح أم على غش يداجيني إني لأكثر مما سمتني عجباً ... يد تشج وأخرى منك تأسوني! تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكل منك يأتيني هذان أمران شتى بون بينهما ... فاكفف لسانك عن ذمي وتزييني لو كنت أعرف منك الود هان له ... علي بعض الذي أصبحت توليني أرضى عن المرء ما أصفى مودته ... وليس شيء مع البغضاء يواسيني ورب امرئ لي أخفى بي ملاطفة ... محض الأخوة في البلوى يواسيني وملطف بسؤال أو مكاشرة ... مغض على وغر في الصدر مدفون ليس الصديق بمن تخشى غوائله ... وما العدو على حال بمأمون يلومني الناس فيما لو أخبرهم ... بالغدر فيه لما كانوا يلوموني وعن الأصمعي، قال: بينما أسماء بن خارجة قد عراه الأرق في ذات ليلة، إذ سمع نادبة تبكي بصوت حزين وهي تقول: من المتقارب من للمنابر والخافقا ... ت والجود بعد زمام العرب ومن للهياج غداة الطعان ... ومن يمنع البيض عند الهرب ومن للعفاة وحمل الديات ... ومن يفرج الكرب بعد الكرب فقال أسماء بن خارجة: انظروا من مات في هذه الليلة من الأشراف، فاتبعوا هذا الصوت، فانظروا من أين هو؛ فنظروا ورجعوا إليه، فقالوا: هذه امرأة فلان البقال تبكي أباها مروان الحائك!. وعن المبارك بن سعيد الثوري، قال: بينما أسماء بن خارجة الفزاري ذات ليلة جالس في منزله على سطح ومعه نساؤه إذ سمع في جوف الليل نادبة تندب، وهي تقول: من الهزج

أسود بن أصرم المحاربي

ألا فابك على السي ... د لما تعش نيرانه ولما يطل العهد ... ولما تبل أكفانه عظيم القدر والجف ... نة ما تخمد نيرانه قال: فاستوى أسماء بن خارجة جالساً، وقد اشتد جزعه، وهو يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون ". يا غلام يا غلام؛ فأتاه جماعة من غلمانه فوقفوا قريباً منه حيث يسمعون كلامه، فقال لأحدهم: يا فلان، إنه قد حدث الليلة في بعض أشرافنا حدث، فانطلق إلى منزل عكرمة بن ربعي التميمي، فانظر هل طرقهم شيء؟ فذهب الغلام ثم عاد فقال: ما طرقهم إلا خير؛ قال: فاذهب إلى منزل عبد الملك بن عبيد التميمي، فانظر هل طرقهم شيء؟ فذهب ثم عاد فقال: ما طرقهم إلا خير؛ ثم لم يزل يبعث إلى منازل أشراف الكوفة رجلاً رجلاً ممن يقرب جواره فيسأل عنهم، إذ قال له بعض جيرانه: أصلحك الله، ليس الأمر كما تظن؛ قال فما هذه النادبة؟ قال: هذه ابنة فلان البقال توفي أبوها فهي تندبه!. فقال أسماء: سبحان الله، ما رأيت كالليلة قط؛ ثم أقبل على نسائه، فقال: عزمت على كل واحدة منكن إن حدث بي حدث أن تندبني نادبة بعد ليلتي هذه أبداً. قال خليفة بن خياط: وفيها يعني سنة ست وستين مات أسماء بن خارجة، وهو ابن ثمانين سنة. أسود بن أصرم المحاربي من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. روى عنه حديثاً، وقدم الشام، وسكن داريا. قال سليمان بن حبيب المحاربي: قدم أسود بن أصرم بإبل له سمان المدينة في زمن محل وجدب من الأرض، فلما رآها أهل المدينة عجبوا من سمانتها، فذكرت

أسود بن بلال المحاربي

لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأرسل إليها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتى بها، فخرج إليها، فنظر إليها، قال: " لمن جلبت إبلك هذه؟ " قال: أردت بها خادماً: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من عنده خادم؟ " فقال عثمان بن عفان: عندي يا رسول الله، قال: " فأت بها "؛ قال: فجاء بها عثمان، فلما رآها أسود قال: مثلها أريد؛ فقال: " خذها يا أسود " وقبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبله، فقال أسود: يا رسول الله أوصني؛ قال: " هل تملك لسانك؟ " قال: فماذا أملك إذا لم أملكه؟ ؛ قال: " تملك يدك؟ " قال: فماذا أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: " فلا تقولن بلسانك إلا معروفاً، ولا تبسط يدك إلا إلى خير ". قال عبد الجبار بن محمد بن مهنا الخولاني في تاريخ داريا: ذكر أصرم بن أسود المحاربي، والدليل على نزوله داريا قطائع له بها معروفة به إلى اليوم. أسود بن بلال المحاربي الداراني ولي الباب والأبواب عن أبي الجماهر، قال: كنت بالباب والأبواب، وعليها الأسود بن بلال المحاربي، فأصاب الناس فزع من عدو، فصعد المنبر، فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ: " أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون "، قال: فصعق فخر عن المنبر. قال أبو القاسم: قال لي ابن أبي الحواري: أحب أن تجيء معي إلى أبي الجماهر حتى أسمع منه هذا الحديث؛ قال: فجئت معه حتى سمعه منه عند باب الساعات. قال: والأسود بن بلال من ساكني داريا، ذكره عبد الرحمن بن إبراهيم في الطبقة الخامسة من التابعين.

أسود بن قطبة أبو مفرز التميمي

عن غير واحد، أن سبب ولاية هشام بن عبد الملك الأسود بن بلال غازية البحر أن والي دمشق ولى الأسود بن بلال مدينة بيروت من ساحل دمشق لمكان أم الأسود عند سليمان بن حبيب القاضي، فأغارت الروم على سفن من التجار مرسية بنهر بيروت، فذهبت بها ومرت بها على باب ميناء بيروت، وأهلها ممسكون بأيديهم هيبة لهم، فصاح الأسود بهم وركب قوارب فيها، حتى استنقذ تلك المراكب وقتل منهم، وكتب إلى هشام، فكتب هشام إلى الأسود بولايته على البحر، فلم يزل يحمد حزمه وعزمه وصنع الله له حتى توفي هشام، فأقره الوليد بن يزيد حتى قتل، وولي يزيد بن الوليد، فعزله وولاه الأردن، وولى غازية البحر المغيرة بن عمير. قال الليث: وفيها يعني سنة عشرين غزا الأسود بن بلال على الجماعة، وفي سنة إحدى وعشرين غزا حفص بن الوليد البحر، وكان بالساحل حتى قفل منه، والأسود بن بلال على الجماعة فلم يخرجوا، وفي سنة اثنتين وعشرين ومئة غزا حفص بن الوليد البحر على أهل مصر، وعلى الجماعة أسود بن بلال فضلوا من إسكندرية فأصابوا إقريطش فبلغوا الجمع فهزمهم الله، ووطنوا إقريطش وأصابوا منها رقيقاً. وفيها يعني سنة خمس وعشرين ومئة غزا الأسود بن بلال البحر وعلى أهل مصر عياش بن عقبة، غزوا إلى قبرس فأجلوها إلى الشام. قال ابن بكير: أمر يعني الوليد بن يزيد على جيش البحر الأسود بن بلال المحاربي، وأمره أن يسير إلى قبرس فيخيرهم فإن أحبوا ساروا إلى الشام، وإن شاؤوا ساروا إلى الروم، فاختار طائفة منهم جوار المسلمين، فنقلهم الأسود إلى الشام، واختار آخرون أرض الروم فانتقلوا إليها. أسود بن قطبة أبو مفرز التميمي شاعر مشهور، شهد اليرموك والقادسية، وغيرهما من المشاهد، وقال في ذلك أشعاراً يعد بلاءه وبلاء قومه. قال في يوم اليرموك ثم شهد القادسية: من الطويل قد علمت عمرو وزيد بأننا ... نحل إذا خاف العشائر بالسهل نجوب بلاد الأرض غير أذلةٍ ... بها عرض ما بين الفرات إلى الرمل أقمنا على اليرموك حتى تجمعت ... جلابب روم في كتائبها العضل نرى حين نغشاهم خيولاً ومعشراً ... وأسلحة ما تستفيق من القتل شفاني الذي لاقى هرقل فرده ... على رغمه بين الكتائب والرجل قتلناهم حتى شفينا نفوسنا ... من القادة الأولى الرؤوس ومن حمل نعاورهم قتلاً بكل مهندٍ ... ونطلبهم بالذحل ذحلاً على ذحل وقال أبو مفرز التميمي أيضاً: من الطويل ألم تعلمي والعلم شاف وكافي ... وليس الذي يهدي كآخر لا يهدي بأنا على اليرموك غير أشابةٍ ... غداة هرقل في كتائبه يردي وأن بني عمرو مطاعين في الوغى ... مطاعيم في اللأواء أنصبة الجهد وكم فيهم من سيد ذي توسع ... وحمال أعباء وذي نائل قهد ومن ماجد لا يدرك الناس فضله ... إذا عدت الأحساب كالجبل الشد

وقال أيضاً: من الطويل وكم قد أغرنا غارة بعد غارة ... ويوماً ويوماً قد كشفنا أهوله ولولا رجال كان حشو غنيمة ... له أما قط رجت عليهم أوائله كفيناهم اليرموك لما تضايقت ... بمن حل باليرموك منه حمائله فلا تعدمن منا هرقل كتائباً ... إذا رامها رام الذي لا يحاوله وقال أبو مفرز في بهرسير: من الوافر زعمتم أننا لكم قطين ... وقول العجز يخلطه الفجور كذبتم ليس ذلكم كذاكم ... ولكنا رحى بكم تدور ولو رامت جموعكم بلادي ... إذا كرت رحانا تستدير فللنا حدكم بلوى قديس ... ولم يسلم هنالك بهرسير فتحت البهرسير بإذن ربي ... وأعدتني على ذاك الأمور وقد عضوا الشفاه ليهلكونا ... ودون القوم مهواة جرور فطاروا قضة ولهم زفير ... إلى دار وليس بها نصير وقال أبو مفرز: من الطويل تولى بنو كسرى وغاب نصيرهم ... على بهرسيرا واستهد نصيرها غداة تولت عن ملوك بنصرها ... لدى غمرات لا يبل بصيرها مضى يزدجرد ابن الأكاسر سادماً ... وأدبر عنه بالمدائن خيرها فيا فوحة بالأخشبين لأهلها ... ويثرب إذ جاء الأمير بشيرها ويا قرحة ما تبرحن عدونا ... إذا جاءهم ما قد أسر خبيرها فأبلغ أبا حفص هديت وقل له ... فأبشر بنصر الله، أنت أميرها

أسود بن قبيس بن معدي كرب

وقال أبو مفرز: من الطويل أبلغ أبا حفص بأني محافظ ... على الحرب والأيام فيها فتوقها أحطت بطورات الكتيبة إنها ... أعدت لفخر يوم ساحت عروقها حططت عليك القوم من رأس شاهقٍ ... وقد كان أعيا قبل ذلك نيقها وحيث دفعنا بهرسير بمنطق ... من القول لم يعبأ بضاعت حقوقها وقلدت كسرى خيل موت فلم تزل ... مرازبه عنه وفيها عقوقها حللت نظام القوم لما تحمسوا ... قطعت نفوس القوم واعتاط ريقها وأعجبني منهم هنالك أنهم ... على قنن منها وقد ضاق ضيقها قال الدارقطني: أبو مفرز الأسود بن قطبة، شهد الفتوح، فتح القادسية فما بعدها، له أشعار كثيرة، وهو رسول سعد بن أبي وقاص بسبي جلولاء إلى عمر بن الخطاب، وهو شاعر المسلمين في تلك الأيام. وقال أيضاً: قال أبو مفزر بعد فتح الحيرة: من الطويل ألا أبلغا عنا الخليفة أننا ... غلبنا على نصف السواد الأكاسرا في شعر كثير قاله، وكان مع خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، في فتوحه. أسود بن قبيس بن معدي كرب ابن عبد كلال الحميري عن عبد الله بن يزيد بن غنيم، أنه سمع الأسود بن قبيس بن معدي كرب وكان على زمام خراج الأرض لعمر بن عبد العزيز قال: فسألني عني شيء فقلت: برئت من الإسلام إن كنت فعلت؛ فقال عمر: إلى أي دين ترجع؟ كدت أن تغرنا من عملنا، إلحق بأهلك.

أسود بن مروان المقدي البلقاوي

أسود بن مروان المقدي البلقاوي من أهل حصن مقدية من عمل أذرعات من دمشق. روى عن سليمان بن عبد الرحمن، بسنده عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين ". وكان ثقة. أسود بن المغراء بن شراحيل ابن الأرقم بن الأسود شهد اليرموك نصرانياً، وقاتل بقوم قومه، ثم أسلم بعد ذلك بمن معه. أسيد بن الحضير بن سماك ابن عتيك بن رافع بن امرئ القيس، ويقال: ابن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم ابن الحارث بن الخزرج بن عمرو، وهو النبيت، بن مالك بن الأوس بن حارثة وهو العنقاء ابن عمرو، وهو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة ابن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، واسمه عمر بن يشجب بن يعرب بن قحطان أبو يحيى، ويقال: أبو عتيك ويقال: أبو الحضير ويقال: أبو عيسى ويقال: أبو عمرو، الأنصاري، الأوسي، الأشهلي، النقيب حدث عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشهد معه العقبة، وشهد مع عمر بن الخطاب الجابية، فيما ذكره الواقدي في فتوح الشام، وذكر أن عمر جعله على ربع الأنصار، وشهد معه فتح بيت

المقدس، ثم خرج معه خرجته الثانية التي رجع فيها من سرغ أميراً على الأنصار. روى أن رجلاً من الأنصار تخلى برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ قال: " إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ". وعن ابن شفيع وكان طبيباً قال: دعاني أسيد بن حضير فقطعت له عرق النسا، فحدثني بحديثين: قال: أتاني أهل بيتين من قومي، من أهل بيت من بني ظفر، وأهل بيت من بني معاوية، فقالوا: كلم رسول لله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقسم لنا أو يعطينا، أو نحواً من هذا؛ فكلمته فقال: " نعم أقسم لأهل كل بين منهم شطراً، فإن عاد الله علينا عدنا عليهم " قال: فقلت: جزاك الله خيراً يا رسول الله؛ قال: " وأنتم فجزاكم الله خيراً، فإنكم ما علمتكم أعفة صبر ". قال: وسمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إنكم ستلقون أثرة بعدي " فلما كان عمر بن الخطاب قسم حللاً بين الناس، فبعث إلي منها بحلة، فاستصغرتها فأعطيتها ابني، فبينما أنا أصلي إذ مر بي شاب من شباب قريش عليه حلة من تلك الحلل يجرها، فذكرت قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنكم ستلقون أثرة بعدي " فقلت: صدق الله ورسوله، فانطلق رجل إلى عمر فأخبره، فجاء فقال: صل يا أسيد؛ فلما قضيت صلاتي قال: كيف قلت؟ فأخبرته، فقال: تلك حلة بعثت بها إلى فلان وهو بدري أحدي عقبي فأتاه هذا الفتى فابتاعها منه، فلبسها، فظننت أن ذلك يكون في زماني! قلت: قد والله يا أمير المؤمنين ظننت أن ذاك لا يكون في زمانك. عن عائشة، قالت: قدمنا من حج أو عمرة، فتلقينا بذي الحليفة، وكان غلمان الأنصار يتلقون أهليهم، فلقوا أسيد بن حضير فنعوا له امرأته، فتقنع وجعل يبكي؛ فقلت: غفر الله لك، أنت صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولك من المسابقة والقدم مالك، وأنت تبكي على

امرأة؛ قال: فكشف رأسه، وقال: صدقت لعمري، ليحق أن لا أبكي على أحد بعد سعد بن معاذ، وقد قال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قال؛ قالت: قلت: وما قال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: قال: " لقد اهتز العرش لوفاة سعد بن معاذ "، قالت: وهو يسير بيني وبين رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أسيد، قال: بينما نحن عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نتحدث وكان فيه مزاح يحدث القوم ويضحكهم فطعنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خاصرته، فقال: أصبرني فقال: " اصطبر؟ " قال: إنك عليك قميص ولم يكن علي قميص؛ فرفع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قميصه، فاحتضنه وجعل يقبل كشحه ويقول: إنما أردت هذا يا رسول الله. عن مالك، قال: كان أسيد بن الحضير أحد النقباء، وكانت الأنصار بينهم اثنا عشر نقيباً، وكانوا سبعين رجلاً؛ قال مالك: فحدثني شيخ من الأنصار أن جبريل عليه السلام وعلى جميع الملائكة كان يشير له إلى أن يجعله نقيباً؛ قال مالك بن أنس: كنت أعجب كيف جاء من كل قبيلة رجلان، ومن قبيلة رجل حتى حدثني هذا الشيخ أن جبريل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يشير إليهم يوم البيعة يوم العقبة. قال مالك: عدة النقباء اثنا عشر رجلاً، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وعن عبد الله بن أبي سفيان: ولقيه أسيد بن حضير، فقال: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدواً، ولكنني ظننت أنها العير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت؛ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صدقت ". قل محمد بن سعد: وكان لأسيد من الولد: يحيى، وأمه من كندة، توفي وليس له عقب؛ وكان أبو

حضير الكتائب شريفاً في الجاهلية، وكان رئيس الأوس يوم بعاث، وهي آخر وقعة بين الأوس والخزرج في الحروب التي كانت بينهم، وقتل يومئذ حضير الكتائب؛ وكانت هذه الوقعة ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة قد تنبأ ودعا إلى الإسلام، ثم هاجر بعدها بست سنين إلى المدينة. ولحضير الكتائب يقول خفاف بن ندبة السلمي: من الطويل لو أن المنايا حدن عن ذي مهابةٍ ... لهبن حضيراً يوم غلق واقما يطوف به حتى إذا الليل جنه ... تبوأ منه مقعداً متناعما قال: وواقم أطم حضير الكتائب، وكان في بني الأشهل، وكان أسيد بن الحضير بعد أبيه شريفاً في قومه، في الجاهلية وفي الإسلام، يعد من عقلائهم وذوي رأيهم، وكان يكتب بالعربية في الجاهلية، وكانت الكتابة في العرب قليلاً، وكان يحسن العوم والرمي، وكان يسمى من كانت هذه الخصال فيه: الكامل، وكانت قد اجتمعت في أسيد، وكان أبوه حضير الكتائب يعرف بذلك أيضاً ويسمى به. عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر. قال يحيى بن بكير: مات سنة عشرين، وحمله عمر بين عمودي السرير حتى وضعه بالبقيع وصلى عليه. وعن ابن حازم وابن معيقب، قالا: بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مصعب بن عمير مع النفر الإثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى إلى المدينة يفقه أهلها ويقرئهم القرآن، وكان منزله على أسعد بن زرارة، وكان إنما يسمى بالمدينة المقرئ، فخرج يوماً أسعد بن زرارة إلى دار بني عبد الأشهل، فدخل به

حائطاً من حوائط بني ظفر وهي قرية لبني ظفر دون قرية بني عبد الأشهل، وكانا ابنا عم يقال لها: بئر مرق، فسمع بهما سعد بن معاذ وكان ابن خالة أسعد بن زرارة فقال لأسيد بن حضير: آئت أسعد بن زرارة فازجره عنا فليكف عنا ما نكره، فإنه قد بلغني أنه قد جاء بهذا الرجل الغريب معه يسفه سفهاءنا وضعفاءنا، فإنه لولا ما بيني وبينه من القرابة لكفيتك ذلك؛ فأخذ أسيد بن حضير الحربة، ثم خرج حتى أتاهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا والله سيد قومه قد جاءك فأبل الله فيه بلاء حسناً؛ فقال: إن يقعد أكلمه؛ فوقف عليهما متشتماً، فقال: يا أسعد ما لنا ولك تأتينا بهذا الرجل الغريب تسفه به سفهاءنا؟ فقال: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: قد أنصفتم. ثم ركز الحربة وجلس، فكلمه مصعب، وعرض عليه الإسلام، وتلا عليه القرآن؛ فوالله لعرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم لتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! فكيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟ قال: تطهر وتطهر ثيابك، وتشهد شهادة الحق، وتصلي ركعتين؛ ففعل، ثم قال لهما: إن ورائي رجلاً من قومي إن تابعكما لم يخالفكما أحد بعده، ثم خرج حتى أتى سعد بن معاذ؛ فلما رآه سعد بن معاذ مقبلاً قال: أحلف بالله لقد رجع عليكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به ممن عندكم؛ فلما وقف على النادي قال له سعد: فماذا صنعت؟ قال: قد ازدجرتهما، وقد بلغني أن بني حارثة يريدون أسعد بن زرارة ليقتلوه ليخفروك فيه لأنه ابن خالته فقام إليه سعد مغضباً، فأخذ الحربة من يده، وقال: والله ما أراك أغنيت شيئاً؛ فخرج. فلما نظر إليه أسعد بن زرارة قد طلع عليهما، قال لمصعب: هذا والله سيد من وراءه من قومه، إن هو تابعك لم يخالفك أحد من قومه، فاصدق الله فيه؛ فقال مصعب بن عمير: إن يسمع مني أكلمه. فلما وقف عليهما قال: يا أسعد ما دعاك إلى أن تغشاني بما أكره وهو متشتم أما

والله إنه لولا ما بيني وبينك من القرابة ما طمعت في هذا مني؛ فقالا له: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته أعفيت مما تكره؟ قال: أنصفتما بي؛ ثم ركز الحربة وجلس. فكلمه مصعب، وعرض عليه الإسلام، وتلا عليه القرآن؛ قال: فوالله لعرفنا فيه الإسلام قبل أن يتكلم لتسهل وجهه؛ ثم قال: وكيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟ فقالا له: تطهر وتطهر ثيابك، وتشهد شهادة الحق، وتركع ركعتين؛ فقام ففعل، ثم أخذ الحربة وانصرف عنهما إلى قومه. فلما رآه رجال بني عبد الأشهل قالوا: نقسم بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم؛ فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، أي رجل تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: نعلمك والله خيرنا أفضلنا، أيمننا نقيبةً، وأفضلنا فينا رأياً؛ قال: فإن كلام نسائكم ورجالكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وحده، وتصدقوا بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم. وعن أبي هريرة، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر نعم الرجل أبو عبيدة، نعم الرجل أسيد بن حضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح ". وعن أنس: أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار تحدثا عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة من حاجة لهما حتى ذهب من الليل ساعة في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا من عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبيد كل واحد منهما عصية، فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترق بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحدٍ منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله.

وعن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنزل الله تعالى: " يسألونك عن المحيض " إلى آخر الآية؛ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه؛ فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت كذا وكذا، أفلا يجامعوهن، فتغير وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى ظننت أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. عن عائشة، أنها قالت: كان أسيد بن حضير من أفاضل الناس، فكان يقول: لو أني أكون كما أكون في حال من أحوال ثلاثة لكنت من أهل الجنة، وما شككت في ذلك، حين أقرأ القرآن وحين أسمعه؛ وإذا سمعت خطبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وإذا شهدت جنازة، فما شهدت جنازة قط فحدثت نفسي بسوى ما هو مفعول بها وما هي صائرة إليه. وعن أسيد بن حضير وكان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن قال: قرأت ليلة سورة البقرة، وفرس لي مربوط، ويحيى ابني مضطجع قريب مني وهو غلام، فجالت الفرس فوقفت وليس لي هم إلا ابني، ثم قرأت فجالت الفرس فوقفت وليس لي هم إلا ابني، ثم قرأت فجالت الفرس فرفعت رأسي فإذا شيء كهيئة الظلة فيها مثل المصابيح مقبل من السماء، فهالني، فسكت؛ فلما أصبحت غدوت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته، فقال: " اقرأ أبا يحيى " فقلت: قد قرأت فجالت الفرس وليس لي هم إلا ابني فقال: اقرأ يا ابن حضير " فقلت قد قرأت فرفعت رأسي فإذا كهيئة الظلة فيها المصابيح فهالني؛ فقال: " تلك الملائكة دنوا لصوتك، ولو قرأت حتى تصبح لأصبح الناس ينظرون إليهم ".

أسيد ويقال أسيد

عن أبي قتادة، قال: انتهينا إليهم يعني بني قريظة فلما رأونا أيقنوا بالشر، وغرز علي الراية عند أصل الحصن، فاستقبلونا في صياصيهم يشتمون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأزواجه؛ قال أبو قتادة: وسكتنا، وقلنا: السيف بيننا وبينكم؛ وطلع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما رآه علي رجع إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمرني ألزم اللواء فلزمته، وكره أن يسمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذاهم وشتمهم، فسار رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم، وتقدمه أسيد بن حضير فقال: يا أعداء الله، لا نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعاً، إنما أنتم بمنزلة ثعلب في حجر؛ قالوا: يا ابن الحضير، نحن مواليك دون الخزرج؛ وخاروا؛ فقال: لا عهد بيني وبينكم ولا إل. وعن بشر بن يسار أن أسيد بن الحضير كان يؤم قومه، واشتكى، فصلى بهم قاعداً، فصلوا وراءه قعوداً. وعن عروة أن أسيد بن حضير مات وعليه دين أربعة آلاف درهم، فبيعت أرضه؛ فقال عمر: أترك بني أخي عالة! فرد الأرض وباع ثمرها من الغرماء أربع سنين بأربعة آلاف، كل سنة ألف درهم. توفي سنة عشرين وصلى عليه عمر، ودفن بالبقيع. أُسيد ويقال أَسيد شيخ من بني كلاب، من أصحاب مكحول. حدث بدمشق عن العلاء بن الزبير الكلابي، عن أبيه، قال: رأيت غلبة فارس

أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي الفلسطيني

الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، كل ذلك في خمس عشرة سنة. أَسيد بن عبد الرحمن الخثعمي الفلسطيني سمع وأسمع؛ واجتاز بناحية دمشق في مضيه إلى دابق روى عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز قال: قلت لأبي جمعة رجل من الصحابة: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: نعم، أحدثك حديثاً جيداً؛ تغدينا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعنا أبو عبيدة، فقال: يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك؛ قال: " نعم، قوم يكونون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ". وعن فروة بن مجاهد النخعي، عن عقبة بن عامر الجمحي، قال: لقيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لي: " يا عقبة، صل من قطعك، واعط من حرمك، واعف عمن ظلمك ". قال: ثم لقيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " يا عقبة بن عامر، ألا أعلمك سوراً ما أنزل الله في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلهن؟ لا يأتي عليك ليلة إلا قرأتهن فيها: " قل هو الله أحد " و" قل أعوذ برب الفلق " و" قل أعوذ برب الناس ". قال عقبة: فما أتت علي ليلة منذ أمرني بهن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا قرأتهن، وحق لي ألا أدعهن وقد أمرني بهن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وروى عن العلاء بن زياد، قال: إنكم في زمان أقلكم الذي ذهب عشر دينه، وسيأتي زمان أقلكم الذي يبقى عشر دينه. قال يعقوب بن سفيان: شامي ثقة. وعن ضمرة قال: توفي بالرملة سنة أربع وأربعين ومئة، قال: ورأيته يصفر لحيته

أشجع بن عمرو

أشجع بن عمرو أبو الوليد، وقيل: أبو عمرو، السلمي شاعر من ولد الشريد بن مطرود، مشهور، ولد باليمامة، ونشأ بالبصرة، وتأدب بها وقال الشعر، ثم قصد الرشيد بالرقة، وامتدحه، ومدح البرامكة، واختص بجعفر بن يحيى، وخرج معه إلى دمشق حين ندبه الرشيد للإصلاح بين أهلها. عن داود بن مهلهل، قال: لما خرج جعفر بن يحيى ليصلح أمر الشام، نزل في مضربه، وأمر بإطعام الناس فقام أشجع فأنشده: من الكامل فئتان باغية وطاغية ... جلت أمورهما عن الخطب قد جاءكم بالخيل شازبة ... ينقلن نحوكم رحى الحرب لم يبق إلا أن تدور بكم ... قد قام هاديها على القطب قال: فأمر له بصلة ليست بالسنية، وقال له: دائم القليل خير من منقطع الكثير؛ فقال له: ونزر الوزير أكثر من جزيل غيره؛ فأمر له بمثلها. قال: وكان جعفر يجري عليه في كل جمعة مئة دينار مدة مقامه ببابه. حدث أشجع السلمي، قال: أذن لنا المهدي وللشعراء في الدخول عليه، فدخلنا، فأمرنا بالجلوس، فاتفق أن جلس إلى جنبي بشار، وسكت المهدي وسكت الناس، فسمع بشار حساً، فقال لي: يا أشجع، من هذا؟ فقلت: أبو العتاهية؛ قال: فقال لي: أتراه ينشد في هذا المحفل؟ فقلت: أحسب سيفعل. قال: فأمره المهدي أن ينشد، فأنشد: من المتقارب

ألا ما لسيدتي مالها ... أدلاً فأحمل إدلالها قال: فنخسني بمرفقه فقال: ويحك، رأيت أجسر من هذا، ينشد مثل هذا الشعر في هذا الموضع؟ حتى بلغ إلى هذا الموضع: أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها ولو رامها أحد غيره ... لزلزت الأرض أثقالها ولو لم تطعه بنات النفو ... س لما قبل الله أعمالها قال: فقال بشار: انظر ويحك يا أشجع، هل طار الخليفة عن فرشه؟ قال: لا: والله ما انصرف أحد من ذلك المجلس بجائزة غير أبي العتاهية. وعن أحمد بن سيار الجرجاني وكان شاعراً راوية مداحاً ليزيد بن مزيد قال: دخلت أنا وأبو محمد التيمي، وأشجع بن عمرو، وابن رزين الخزاعي، على الرشيد بالقصر الأبيض بالرقة، وكان قد ضرب أعناق قوم في تلك الساعة، فتخللنا الدم حتى وصلنا إليه، فتقدم التيمي فأنشده أرجوزة يذكر فيها نقفور ووقعة الرشيد بالروم، فنثر عليه الدر من جودة شعره؛ ونشده أشجع: من الكامل قصر عليه تحية وسلام ... ألقت عليها جمالها الأيام قصر سقوف المزن دون سقوفه ... فيه لأعلام الهدى أعلام يثني على أيامك الإسلام ... والشاهدان: الحل والإحرام وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان: ضوء الصبح والإظلام فإذا تنبه رعته وإذا هدا ... سلت عليه سيوفك الأحلام القصيدة، قال: وأنشده: من الكامل زمن بأعلى الرقتين قصير

يقول فيها لا تبعد الأيام إذ ورق الصبا ... خضل وإذ غصن الشباب نضير قال: فأعجب بها، وبعث إلي الفضل بن الربيع ليلاً، فقال: أني أشتهي أن أنشد قصيدتك الجواري، فابعث بها إلي؛ فبعث بها إليه. قال أبو العباس: وركب الرشيد يوماً في قبة، وسعيد بن سالم عديله، فدعا محمداً الرواية يعرف بالبيذق لقصره وكان إنشاده أشد طرباً من الغناء، فقال له: أنشدني قصيدة الجرجاني التي مدحني بها، فأنشده؛ فقال الرشيد: الشعر في ربيعة سائر اليوم؛ فقال له سعيد بن سالم: يا أمير المؤمنين، أستنشده قصيدة أشجع التي مدحك بها: الشعر في ربيعة سائر اليوم فهم يزل به سعيد حتى استنشده، فأنشده فلما بلغ قوله: وعلى عدوك يا ابن عم محمد ... رصدان: ضوء الصبح والإظلام فإذا تنبه رعته وإذا هدا ... سلت عليه سيوفك الأحلام فقال له سعيد: والله لو خرس يا أمير المؤمنين بعد هذين البيتين كان أشعر الناس. قال الصولي: من أجمع ما في هذا المعنى وأحسنه، ما قاله أشجع السلمي لعثمان بن نهيك، حدثني به يحيى بن البحتري، عن أبيه، في خبر لأبيه مع الفتح: من الخفيف كم تغضبت بالجهالة مني ... بعد ملك الرضا على عثمان ملك يا عمر الخليقة تطري ... هـ بكل المديح كل لسان وإذا جئته تبين لك الإك ... رام منه في أوجه الغلمان فامتحنت الأيام جهدي حتى ... ردني صاغراً إليه امتحاني وأراني زماني الغض من جدوا ... هـ ادعاء السرور خير زمان فتلقى بالفضل سيء فعلي ... وذنوبي بالعفو والإحسان وعن مساور بن لاحق وكان أحد الكتاب الحذاق قال: اعتل يحيى بن خالد

ثم صلح، فدخل إليه الناس يهنئونه بالعافية فدخل عليه أشجع السلمي فأنشده: من الوافر لقد قرعت شكاة أبي علي ... صفاة معاشر كانوا صحاحا فإن يدفع لنا الرحمن عنه ... صروف الدهر والأجل المتاحا فقد أمسى صلاح أبي علي ... لأهل الأرض كلهم صلاحا إذا ما الموت أخطأه فلسنا ... نبالي الموت حيث غدا وراحا وكتب أشجع بن عمرو السلمي إلى الرشيد في يوم عيد: من البسيط لا زلت تنشر أعياداً وتطويها ... تمضي بهالك أيام وتثنيها مستقبلاً جدة الدنيا وبهجتها ... أيامها لك نظم في لياليها والعيد والعيد والأيام بينهما ... موصولة لك لا تفني وتفنيها ولا تقضت بك الدنيا ولا برحت ... يطوي لك الدهر أياماً وتطويها وله يمدح جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي: من المتقارب أتصبر يا قلب أم تجزع ... فإن الديار غداً بلقع غدا يتفرق أهل الهوى ... ويكثر باك ومسترجع وتختلف الدار بالظاعني ... ن وجوهاً تشذ ولا تجمع وتمضي الطلول ويبقى الهوى ... ويصنع ذو الشوق ما يصنع فها أنت تبكي وهم جيرة ... فكيف يكون إذا ودعوا وراحت بهم أو غدت أينق ... تخب على الأين أو توضع أيطمع في العيش بعد الفرا ... ق محب لعمرك ما يطمع هنالك يقطع من يشتهي ال ... وصال ويوصل من يقطع لعمري لقد قلت يوم الفرا ... ق وأسمعت صوتك من يسمع فما عروا حين ناديتهم ... وقد قتلوك وما ودعوا

فإن تصبح الأرض عريانة ... يهب بها الشمال الزعزع فقد كان ساكنها ناعماً ... له محضر وله مربع ومغترب ينقضي ليله ... هموماً ومقلته تهمع يؤرقه ما به من الفؤا ... د فما يستقر به مضجع ألا إن بالغور له حاجة ... تؤرق عيني فما تهجع إذا الليل ألبسني ثوبه ... تقلب فيه فتى موجع يجاذبه بالحجاز الهوى ... إذا اشتملت فوقه الأضلع ولا يستطيع الفتى ستره ... إذا جعلت عينه تدمع لقد زادني طرباً بالفرا ... ق بوارق غورية تلمع إذا قلت: قد هدأت عارضت ... بأبيض ذي رونق يسطع ودوية بين أقطارها ... مفاوز أرضين لا تقطع تضل القطا بين أرجائها ... إذا ما تسدي الفتى المصقع تخطيتها بين عيرانة ... من الريح في مرها أسرع إلى جعفر نزعت همتي ... فأي فتى نحوه تنزع إذا وضعت رحلها عنده ... تضمنها البلد الممرع وما لامرئ دونه مطلب ... وما لامرئ دونه مقنع رأيت الملوك تغض الجفو ... ن إذا ما بدا الملك الأتلع يفوت الرجال بحسن القوا ... م ويقصر عن شأوه المسرع إذا رفعت كفه معسراً ... أبي الفضل والعز أن يوضعوا فما يرفع الناس من حطه ... ولا يضع الناس من يرفع يريد الملوك مدى جعفر ... وهم يجمعون ولا يجمع وكيف ينالون غاياته ... وما يصنعون كما يصنع؟ وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفه أوسع هو الملك المرتجى ألذي ... يضيق بأمثالها الأذرع يلوذ الملوك بأركانه ... إذا نابها الحدث المفظع بديهته مثل تفكيره ... إذا رمته فهو مستجمع

أشعث بن عمر

إذا هم بالأمر لم يثنه ... هجوع ولا شادن أفرع فللجود في كفه مطلب ... وللسر في صدره موضع شديد العقاب على عفوه ... إذا السوء ضمنه الأخدع وكم قائل إذ رأى همتي ... وما في فضول الغنى أصنع غدا في ظلال ندى جعفر ... يجر ثياب الغنى أشجع كأن أبا الفضل بدر الدجى ... لعشر خلت بعدها أربع لفرقته التأمت بابل ... وأشرق إذ أمه المطلع فقل لخراسان تغشى الطري ... ق فقد جاءها الحكم المقنع ولا تركب الميل عند امرئٍ ... فتصرف عن عب ما تصنع فقد حبرت يا بن يحيى البلاد ... وكل إلى ملكه أنزع وله: من الخفيف أنت في غمرة المارة أعمى ... فإذا ما انجلت فأنت بصير لا تقولن ليتني كنت قدم ... ت جميلاً وقد طوتك الأمور وله: من الهزج هي الشمس التي تطل ... ع بين الثغر والعقد كأن الشمس لما ط ... لعت في ثوبها الوردي تباهي الغرة البيضا ... ء تحت الشعر الجعد أشعث بن عمر ويقال: ابن عمرو ويقال: ابن عثمان التميمي الحنظلي البصري قدم على عمر بن عبد العزيز، وروى عنه قوله. روى أنه أتى عمر بن عبد العزيز بالشام حين استخلف؛ قال: فكلمته، قلت:

أشعث بن قيس

اسقني سقاك الله؛ قال: أين؟ قلت: بالخرنق؛ قال: وما الخرنق؟ قلت: غائط بالشجي لا يطأه طريق؛ قال: لك الويل، ما تصنع بغائط لا يطأه طريق؟ قلت: أنا رجل صاحب سائمة أريد الفلاة؛ قال: بنى بالغائط أحد قبلك أثراً؟ قلت: نعم، حفر عبد الله بن عامر بها ركية؛ قال: كم صوبها؟ قلت: خمسون ذراعاً أو خمسون قامة؛ قال: كم هي من البصرة؟ قلت: مسيرة ثلاث ليال. فكتب إلى عدي بن أرطاة: أتاني رجل من بني تميم فاستحفرني بالخرنق وزعم أنها منك مسيرة ثلاث ليال فإذا أتاك فأحفره وأحفر من جاءك من أسود وأبيض، واشترط: ابن السبيل أول ريان، وأن حريمها طول رشائها. أشعث بن قيس أبو محمد الكندي له صحبة، روى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحاديث يسيرة، وشهد اليرموك، وأصيبت عينه به، وسكن الكوفة، وشهد الحكمين بدومة الجندل. عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: من حلف على يمين يستحق بها مالاً، وهو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان، ثم أنزل الله عز وجل تصديق ذلك: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ". فقال أشعث بن قيس: في نزلت، كان بيني وبين رجل خصومة، فاختصمنا إلى

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " شاهداك أو يمينه " فقلت: إنه يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من حلف على يمين يستحق بها مالاً، وهو فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان ". فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك؛ ثم قرأ هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً " إلى آخر الآية. قال خليفة بن خياط: الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن ثور، وهو كندة بن عفير؛ أمه كبشة بنت يزيد من ولد الحارث بن عمرو بن معاوية؛ يكنى أبا محمد؛ مات في آخر سنة أربعين بعد قتل علي عليه السلام قليلاً. وقال ابن سعد: وكان اسم الأشعث معدي كرب، وكان أبداً أشعث الرأس، فسمي الأشعث؛ ووفد الأشعث بن قيس على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سبعين رجلاً من كندة، وكل اسم في كندة وفد بوفادته إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع الأشعث. وقال أبو بكر الخطيب: ويعد فيمن نزل الكوفة من الصحابة، وله عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رواية، وقد شهد مع سعد بن أبي وقاص قتال الفرس بالعراق، وكان على راية كندة يوم صفين مع علي بن أبي طالب، وحضر قتال الخوارج بالنهروان، وورد المدائن ثم عاد إلى الكوفة فأقام بها حتى مات في الوقت الذي صالح فيه الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان، وصلى عليه الحسن. قال القحذمي: تزوج قيس بن معدي كرب بنت الحارث بن عمرو آكل المرار، فولدت له الأشعث بن قيس، فقال أبو هانئ الكندي: من الوافر بنات الحارث الملك بن عمرو ... تخيرها فتنكح في ذراها لها الويلات إذ أنكحتموها ... ألا طعنت بمديتها حشاها وقد نبئتها ولدت غلاماً ... فلا عاش الغلام ولا هناها فأجابه أبو قساس الكندي: من الوافر

ألا أبلغ لديك أبا هني ... ألا تنهى لسانك عن رداها فقد طالبت هذا قبل قيس ... لتنحكها فلم تك من هواها فطافت في المناهل تبتغيها ... فلاقت منهلاً عذباً شفاها شديد الساعدين أخا حروب ... إذا ما سيل منقصة أباها وما أحيت مطيته إليها ... ولا من فوق ذروتها أتاها قال القحذمي: وآل الأشعث ينشدون هذا الشعر ولا ينكرونه؛ قال: والأشراف لا يبالون أن يكون أخوالهم أشرف من أعمامهم. قال القاضي المعافى بن زكريا الجريري: قوله في هذا الشعر: ألا تنهى لسانك عن رداها؛ أنث اللسان، وذكر أهل العلم بالعربية أن العرب تذكر اللسان وتؤنثه؛ وقيل: من أنثه أراد به اللغة والرسالة، كقول الشاعر: من البسيط إذا أتتني لسان لا أسر بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر وعن الزهري، قال: قدم الأشعث بن قيس على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بضعة عشر راكباً من كندة، فدخلوا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسجده، وقد رجلوا جممهم واكتحلوا، وعليهم جباب الحبرة قد كفوها بالحرير، وعليهم الديباج ظاهر مخوص بالذهب، فقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ألم تسلموا؟ " قالوا: بلى؛ قال: " فما بال هذا عليكم؟ " فألقوه، فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أجازهم بعشر أواق عشر أواق، وأعطى الأشعث اثنتي عشرة أوقية. عن خيثمة، قال: بشر الأشعث بن قيس بغلام وهو عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أما والله لوددت أن لكم به قصعة من خبز ولحم! فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لئن قلت ذاك إنها لمحزنة مجبنة، وإنها لثمرة القلوب وقرة العين ". عن ابن إسحاق، قال: وكان من حديث كندة حين ارتدت، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

كان بعث إليهم رجلاً من الأنصار يقال له: زياد بن لبيد، وكان عقبيا بدرياً، أميراً على حضرموت، فكان فيهم حياة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطيعونه ويؤدون إليه صدقاتهم لا ينازعونه، فلما توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبلغهم انتقاض من انتقض من العرب ارتدوا وانتقضوا بزياد بن لبيد. وكان سبب انتقاضهم به أن زياداً أخذ فيما يأخذ من الصدقة قلوصاً لغلام من كندة، وكانت كوماء خيار إبله، فلما أخذها زياد فعقلها في إبل الصدقة ووسمها جزع الغلام من ذلك فخرج يصيح إلى حارثة بن سراقة بن معدي كرب، فقال: أخذت الفلانية في إبل الصدقة فأنشدك الله والرحم فإنها أكرم إبلي علي، فخرج معه حارثة حتى أتى زياداً فطلب إليه أن يردها عليه ويأخذ مكانها بعيراً، فأبى عليه زياد، وكان رجلاً صلباً مسلماً، وخشي أن يروا ذلك منه ضعفاً وخوراً للحديث الذي كان، فقال: ما كنت لأردها وقد وسمتها في إبل الصدقة، ووقع عليها حق الله عز وجل؛ فراجعه حارثة فأبى، فلما رأى ذلك حارثة قام إلى القلوص فحل عقالها ثم ضرب وجهها، فقال: دونك وقلوصك لصاحبها وهو يرتجز ويقول: من الرجز يمنعها شيخ بخديه الشيب ... قد لمع الوجه كتلميع الثوب اليوم لا أخلط بالعلم الريب ... وليس في منعي حريمي من عيب وقال حارثة بن سراقة الكندي: من الطويل أطعنا رسول الله ما دام وسطنا ... فيال عباد الله ما لأبي بكر أيأخذها قسراً ولا عهد عنده ... يملكه فينا وفيكم عرى الأمر فلم يك يهديها إليه بلا هدى ... وقد مات مولاها النبي ولا عذر فنحن بأن نختارها وفصالها ... أحق وأولى بالإمارة في الدهر إذا لم يكن من ربنا أو نبينا ... فذو الوفد أولى بالقضية في الوفر أيجري على أموالنا الناس حكمهم ... بغير رضى إلا التسنم بالقسر

بغير رضى منا ونحن جماعة ... شهوداً كأنا غائبين عن الأمر فتلك إذا كانت من الله زلفة ... ومن غيره إحدى القواصم للظهر فأجابه زياد بن لبيد: من الطويل سيعلم أقوام أطاعوا نبيهم ... بأن عدي القوم ليس بذي قدر أذاعت عن القوم الأصاغر لعنةٌ ... قلوب رجال في الحلوق من الصدر ودنوا لعقباه إذا هي صرمت ... هواديه الأولى على حين لا عذر فإن عصا الإسلام قد رضيت به ... جماعته الأولى برأي أبي بكر فإن كنتم منهم فطوعاً لأمره ... وإلا فأنتم من مخافته صعر فنحن لكم حتى نقيم صعوركم ... بأسيافنا الأولى وبالذيل السمر رويدكم إن السيوف التي بها ... ضربناكم بدءاً بأيماننا تبري أبعد التي بالأمس كنتم غويتم ... لها يبغون الغي من فرط الصغر وكان لهم في غير أسود عبرة ... وناهية عن مثلها آخر الدهر تلعب فيكم بالنساء ابن عبه ... وبالقوم حتى نالهن بلا مهر فإن تسلموا فالسلم خير بقية ... وإن تكفروا تستوبلوا غبة الكفر فتفرقت الناس عند ذلك طائفتين، فصارت طائفة مع حارثة بن سراقة قد ارتدوا عن الإسلام، وطائفة مع زياد بن لبيد؛ فلما رأى ذلك زياد قال لهم: نقضتم العهد وكفرتم، فأحللتم بأنفسكم واغتنمتم أولاها بعد عقباها؟ فقال حارثة: أما عهد بيننا وبين صاحبك هذا الأحدث فقد نقضناها، وإن أبيت إلا الأخرى أصبتنا على رجل، فاقض ما أنت قاض. فتنحى زياد فيمن اتبعه من كندة وغيرهم قريباً، وكتب إلى المهاجر أن يمده، وأخبره خبر القوم؛ فخرج المهاجر إليه، وسمع الأشعث بن قيس صارخاً من أعلى حصنهم في شطر من الليل: من الرجز عشيرة تملك بالعشيرة ... في حائط يجمعها كالصيرة والمسلمون كالليوث الزيرة ... فيها أمير من بني المغيرة

فلما سمع الأشعث الصارخ إلى ما قد رأى من اختلاف أصحابه بادرهم فخرج من تحت ليل حتى أتى المهاجر وزياداً فسألهما أن يؤمناه على دمه وماله حتى يبلغاه أبا بكر فيرى فيه رأيه، ويفتح لهم باب الحصن، ففعلا، ويفتح لهم باب الحصن فيدخل المسلمون على أهل الحصن فاستنزلوهم فضربوا أعناقهم، واستاقوا أموالهم، واستبوا نساءهم، وكتبوا إلى أبي بكر بذلك، واستوثقوا من الأشعث حتى بعثوا به إلى أبي بكر في الحديد موثقاً، فقال له أبو بكر: كيف ترى صنيع الله بمن نقض عهده؟ فقال الأشعث: أرى أنه قد أخطأ حظه ونفس جده؛ فقال له أبو بكر: فما تأمرني فيك؟ قال: آمرك أن تمن علي فتفكني من الحديد، وتزوجني أختك أم فروة بنت أبي قحافة؛ ففعل أبو بكر. فقال الأشعث حين زوجه أبو بكر: من الطويل لعمري وما عمري علي بهينٍ ... لقد كنت بالإخوان جد ضنين أحاذر أن تضرب هناك رؤوسهم ... وما الدهر عندي بعدها بأمين فليت جنون الناس تحت جنونهم ... ولم ترم أنثى بعدهم بجنين وكنت كذاب البو أنحت وأقبلت ... عليه بقلب والهٍ وحنين فأجابه مسلم بن صبيح السكوني: من الطويل جزى الأشعث الكندي بالغدر ربه ... جزاء مليم في الأمور ظنين أخا فجرة لا تستقال وغدرة ... لها أخوات مثلها ستكون فلا تأمنوه بعد غدرته بكم ... على مثلها فالمرء غير أمين وليس امرؤ باع الحياة بقومه ... أخا ثقةٍ أن يرتجى ويكون هدمت الذي قد كان قيس يشيده ... ويرضى من الأفعال ما هو دون وألبستنا ثوب المسبة بعدها ... فلا زلت محبوساً بمنزل هون أرى الأشعث الكندي أصبح بعدها ... هجيناً بها من دون كل هجين سيهلك مذموماً ويورث سبةً ... يبيت بها في الناس ذات قرون

وفي رواية ابن سعد: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد استعمل زياد بن لبيد على حضرموت، وقال له: " سر مع هؤلاء القوم يعني وفد كندة فقد استعملتك عليهم " فسار زياد معهم عاملاً لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حضرموت على صدقاتهم، الثمار والخف والماشية والكراع والعشور، وكتب له كتاباً، فكان لا يعدوه إلى غيره ولا يقبض دونه؛ فلما قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستخلف أبو بكر، كتب إلى زياد يقره على عمله ويأمره أن يبايع من قبله، ومن أبي وطئه بالسيف، ويستعين بمن أقبل على من أدبر، وبعث بكتابه إليه مع أبي هند البياضي، فلما أصبح زياد غدا بنعي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الناس وأخذهم بالبيعة لأبي بكر وبالصدقة؛ فامتنع قوم من أن يعطوا الصدقة، وقال الأشعث بن قيس: إذا اجتمع الناس فما أنا إلا كائدهم؛ ونكص عن التقدم إلى البيعة، فقال له امرؤ القيس بن عابس الكندي: أنشدك الله يا أشعث، ووفادتك على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإسلامك أن تنقضه اليوم، والله ليقومن بهذا الأمر من بعده من يقتل من خالفه، فإياك إياك وأبق على نفسك، فإنك إن تقدمت تقدم الناس معك، وإن تأخرت افترقوا واختلفوا فأبى الأشعث وقال: قد رجعت العرب إلى ما كانت تعبد، ونحن أقصى العرب داراً من أبي بكر، أيبعث أبو بكر إلينا الجيوش؟ فقال امرؤ القيس: إي والله، وأخرى: لا يدعك عامل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترجع إلى الكفر؛ فقال الأشعث: من؟ قال: زياد بن لبيد؛ فتضاحك الأشعث وقال: أما يرضى زياد أن أجيره! فقال امرؤ القيس: سترى. ثم قام الأشعث فخرج من المسجد إلى منزله، وقد أظهر ما أظهر من الكلام القبيح من غير أن ينطق بالردة؛ ووقف يتربص وقال: تقف أموالنا بأيدينا ولا ندفعها ونكون من آخر الناس. قال: وبايع زياد لأبي بكر بعد الظهر إلى أن قامت صلاة العصر، فصلى بالناس العصر ثم انصرف إلى بيته، ثم غدا على الصدقة من الغد كما كان يفعل قبل ذلك، وهو أقوى ما كان نفساً وأشده لساناً، فمنعه حارثة بن سراقة بن معدي كرب العبدي أن يصدق غلاماً

منهم، وقام يحل عقال البكرة التي أخذت في الصدقة وجعل يقول: من الرجز يمنعها شيخ بخديه الشيب ... ملمع كما يلمع الثوب ماض على الريب إذا كان الريب فنهض زياد بن لبيد وصاح بأصحابه المسلمين، ودعاهم إلى النصرة لله ولكتابه، فانحازت طائفة من المسلمين إلى زياد، وجعل من ارتد ينحاز إلى حارثة، وكان زياد يقاتلهم النهار إلى الليل، فقاتلهم أياماً كثيرة، وضوى إلى الأشعث بن قيس بشر كثير، فتحصن بمن معه ممن هو على مثل رأيه، فحاصرهم زياد بن لبيد، وقذف الله الرعب في أيديهم، وجهدهم الحصار فقال الأشعث بن قيس: إلى متى نقيم في هذا الحصن قد غرثنا فيه وغرث عيالنا، وهذه البعوث تقدم عليكم ما لا قبل لنا به، والله للموت بالسيف أحسن من الموت بالجوع، ويؤخذ من قبة الرجل كما يصنع بالذرية؛ قالوا: وهل لنا قوة بالقوم، ارتأ لنا، فأنت سيدنا؛ قال: أنزل وآخذ لكم أماناً تأمنون به، قبل أن تدخل عليكم هذه الأمداد، ما لا قبل لنا به ولا يدان. قال: فجعل أهل الحصن يقولون للأشعث؛ افعل فخذ لنا الأمان، فإنه ليس أحد أحرى أن يقدر على ما قبل زياد منك؛ فأرسل الأشعث إلى زياد: أنزل فأكلمك وأنا آمن؟ قال زياد: نعم؛ فنزل الأشعث من النجير فخلا بزياد، فقال: يا ابن عم، قد كان هذا الأمر ولم يبارك لنا فيه، ولي قرابة ورحم، وإن وكلتني إلى صاحبك قتلني يعني المهاجر بن أبي أمية وإن أبا بكر يكره قتل مثلي، وقد جاءك كتاب أبي بكر ينهاك عن قتل الملوك من كندة، فأنا أحدهم، وإنما أطلب منك الأمان على أهلي ومالي؛ فقال زياد بن لبيد: لا أؤمنك أبداً على دمك وأنت كنت رأس الردة والذي نقض علينا كندة؛ فقال: أيها الرجل دع عنك ما مضى، واستقبل الأمور إذا أقبلت عليك، فتؤمن على دمي وأهلي ومالي حتى أقدم على أبي بكر فيرى في رأيه؛ فقال زياد: وماذا؟ قال: وأفتح لك النجير؛ فأمنه زياد على أهله ودمه وماله، وعلى أن يقدم به على أبي بكر فيرى فيه رأيه ويفتح له النجير.

قال محمد بن عمر الواقدي: وهذا أثبت عند أصحابنا من غيره. قال أبو مغيث: كنت فيمن حضر أهل النجير، فصالح الأشعث زياداً على أن يؤمن من أهل النجير سبعين رجلاً ففعل، فنزل سبعون ونزل معهم الأشعث، فكانوا أحداً وسبعين؛ فقال له زياد: أقتلك، لم يبق لك أمان؛ فقال الأشعث: تؤمنني على أن أقدم على أبي بكر فيرى في رأيه، فأمنه على ذلك. وعن مصعب بن عبد الله قال: أمن زياد بن لبيد الأشعث بن قيس على أن يبعث به وبأهله وماله إلى أبي بكر فيحكم فيه بما يرى؛ وفتح له النجير، فأخرجوا المقاتلة وهم كثير، فعمد زياد إلى أشرافهم سبعمئة رجل فضرب أعناقهم على دم واحد؛ ولام القوم الأشعث، فقالوا لزياد: غدر بنا الأشعث وأخذ الأمان لنفسه وماله وأهله ولم يأخذه لنا جميعاً، فنزلنا ونحن آمنون فقتلنا؛ فقال زياد: ما آمنتكم؛ قالوا: صدقت، خدعنا الأشعث. وعن عبد الرحمن بن الحويرث قال: رأيت الأشعث بن قيس يوم قدم به المدينة في حديد مجموعة يداه إلى عنقه، بعث به زياد بن لبيد والمهاجرين أبي أمية إلى أبي بكر، وكتبا إليه: إنا لم نؤمنه إلا على حكمك، وقد بعثنا به في وثاق وبأهله وماله الذي خف حمله، فترى في ذلك رأيك. قال: وتولى نهيك بن أوس بالسبي في دار ملة بنت الحارث، ومعهم الأشعث بن قيس؛ فجعل يقول: يا خليفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما كفرت بعد إسلامي ولكن شححت على مالي؛ فقال أبو بكر: ألست الذي تقول: قد رجعت العرب إلى ما كانت تعبد، وأبو بكر يبعث إلينا الجيوش ونحن أقصى العرب داراً، فرد عليك من هو خير منك فقال: لا يدعك عامله ترجع إلى الكفر؛ فقلت: من؟ فقال: زياد بن لبيد؛ فتضاحكت، فيكيف وجدت زياداً؟ أذكرت به أمه؟ فقال الأشعث: نعم كل الإذكار؛ ثم قال الأشعث: أيها الرجل أطلق إساري واستبقني لحربك، وزوجني أختك أم فروة بنت أبي قحافة، فإني قد تبت مما صنعت، ورجعت إلى ما خرجت منه من منعي الصدقة.

فزوجه أبو بكر أم فروة بنت أبي قحافة، فكان بالمدينة مقيماً حتى كانت ولاية عمر بن الخطاب وندب الناس إلى فتح العراق، فخرج الأشعث بن قيس مع سعد بن أبي وقاص فشهد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند، واختلط بالكوفة حين اختط المسلمون، وبنى بها داراً في بني كندة، ونزلها إلى أن مات بها، وولده بها إلى اليوم. وعن قيس بن أبي خازم قال: لما قدم بالأشعث بن قيس أسيراً على أبي بكر الصديق أطلق وثاقه وزوجه أخته، اخترط سيفه ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملاً ولا ناقة إلا عرقبه؛ وصاح الناس: كفر الأشعث. فلما فرغ طرح سيفه وقال: إني والله ما كفرت، ولكن زوجني هذا الرجل أخته، ولو كنا في بلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه، يا أهل المدينة انحروا وكلوا، ويا أصحاب الإبل تعالوا خذوا شرواها. حدث أبو الصلت سليم الحضرمي، قال: شهدنا صفين، فإنا لعلى صفوفنا وقد حلنا بين أهل العراق وبين الماء، فأتانا فارس على برذون مقنعاً بالحديد، فقال: السلام عليكم، فقلنا: وعليك؛ قال: فأين معاوية؟ قلنا: هو ذا؛ فأقبل حتى وقف ثم حسر عن رأسه فإذا هو أشعث بن قيس الكندي، رجل أصلع ليس في رأسه إلا شعرات فقال: الله الله يا معاوية في أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ هبوا أنكم قتلتم أهل العراق فمن للبعوث والذراري؟ أم هبوا أنا قتلنا أهل الشام، فمن للبعوث والذراري؟ الله الله، فإن الله يقول: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله " فقال له معاوية: فما الذي تريد؟ قال: نريد أن تخلوا بيننا وبين الماء، فوالله لتخلن بيننا وبين الماء أو لنضعن أسيافنا على عواتقنا ثم نمضي حتى نرد الماء أو نموت دونه؛ فقال معاوية لأبي الأعور وعمرو بن سفيان: يا أبا عبد الله خل بين إخواننا وبين الماء؛ فقال أبو الأعور لمعاوية: كلا والله، لا نخل بينهم وبين الماء، يا أهل الشام دونكم عقيدة الله، فإن الله قد أمكنكم منهم؛ فعزم عليه معاوية حتى خلوا بينهم وبين الماء فلم يلبثوا بعد ذلك إلا قليلاً

أشعث بن محمد بن الأشعث

حتى كان الصلح بينهم، ثم انصرف معاوية إلى الشام بأهل الشام، وعلي إلى العراق بأهل العراق. عن أبي إسحاق، قال: صليت الفجر في مسجد الأشعث، أطلب غريماً لي، فلما صلى الإمام وضع رجل بين يدي حلة ونعلاً، فقلت: إني لست من أهل هذا المسجد، فقال: ابن قيس قدم البارحة من مكة فأمر لكل من صلى في المسجد بحلة ونعل. وعن ميمون بن مهران، قال: أول من مشت معه الرجال وهو راكب الأشعث بن قيس، وكان المهاجرون إذا رأوا الدهقان راكباً والرجال يمشون، قالوا: قاتله الله جباراً. وقال الأصمعي: أول من دفن في منزله، وصلى عليه الحسن بن علي وكانت ابنة الأشعث تحته قال: وأول من مشي بين يديه وخلفه بالأعمدة، الأشعث بن قيس. عن حكيم بن جابر، قال: لما توفي الأشعث بن قيس وكانت ابنته تحت الحسن بن علي قال الحسن: إذا غسلتموه فلا تهيجوه حتى تؤذنوني، فآذنوه، فجاء فوضأه بالحنوط وضوءاً. قال خليفة بن خياط: مات في آخر سنة أربعين بعد علي قليلاً. أشعث بن محمد بن الأشعث أبو النعمان الفارسي ويعرف: بابن أبي صرة حدث بأطرابلس. روى عن موسى بن عيسى، بسنده عن عبد الله بن الصامت، قال: سألت أبا ذر: ما يقطع الصلاة؟ قال: المرأة، والحمار، والكلب الأسود؛ قلت: ما بال الأسود من الأبيض من الأصفر؟ قال: يا ابن أخ سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عما سألتني عنه، فقال: " الكلب الأسود شيطان " مرتين.

أشعث بن يزيد

أشعث بن يزيد من أهل دمشق. حدث بالكوفة عن أبي سلام الأسود. /

أشعب بن جبير ويعرف بابن أم حميدة أبو العلاء، ويقال: أبو إسحاق المدني مولى عثمان بن عفان، ويقال: مولى سعيد بن العاص، ويقال: مولى فاطمة بنت الحسين، ويقال مولى عبد الله بن الزبير. حدث عبد الله بن جعفر ذي الجناحين قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتختم في يمينه مرة أو مرتين. وحدث قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " المحرم لا ينكح ولا ينكح ". حدث غياب بن إبراهيم قال: حدثني أشعب بن أم حميدة الذي يقال له الطامع: قال غياث: وإنما حملنا هذا الحديث عن أشعب أنه كان عليه، قال: أتيت سالم بن عبد الله أسأله، فانصرف علي من خوخة، قال لي: ويلك يا أشعب لا تسأل، فإن أبي حدثني عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ليجئن أقومٌ يوم القيامة ليس في وجوههم مزعة ". وحدث أشعب الطمع عن عكرمة بن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبى حتى رمى جمرة العقبة. وأشعب الطمع اسمه شعيب، ربته بنت عثمان وكفلته، وكفلت ابن أبي الزناد معه، وكان يقول: حدثني سالم بن عبد الله وكان يبغضني في الله عز وجل، فيقال: دع هذا عنك، فيقول: ليس للحق مترك.

وقولهم هو أطمع من أشعب: هو أشعب بن جبير من أهل المدينة، يضرب بملحه المثل. قال الخطيب هذا وهو أشعب الطامع ليس بغيرة. هو أشعب بن أم حميدة، يقال: حميدة، بضم الحاء وفتح الميم، ويقال بفتح الحاء وكسر الميم، ويقال: أن أمه جعدة مولاة أسماء بنت أبي بكر الصديق. قال أبو الحسن: أشعب رجلان: أحدهما أشعب الطامع مولى عثمان وهو ابن أم حميدة، وأشعب بن جبير مولى عبد الله بن الزبير. وقال: يضرب بملحه المثل. قال أبو بكر الخطيب: أشعب الطامع يقال: إن اسمه شعيب، وكنيته أبو العلاء، وهو أشعب بن أم حميدة، عمّر دهراً طويلاً، وأدرك زمن عثمان بن عفان، وله نوادر مأثورة، وأخبار مستطرفة، وكان من أهل مدينة سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو خال محمد بن عمر الواقدي. حدث جعفر بن سليمان قال: وقدم أشعب بغداد أيام أبي جعفر فطاف به فتيان بني هاشم فغناهم، فإذا ألحانه طرية، وحلقه على حاله، وقال: أخذت الغناء عن معبد. وقيل: اسم أبيه جبير، ويقال: أشعب بن جبير آخر ليس هو أشعب الطامع. قال: والذي عندي أنه واحد، وقال ابن ماكولا أيضاً: هما واحد. وقال الملحي بضم الميم وفتح اللام هو أشعب بن جبير الطامع. قيل لأشعب: طلبت العلم، وجالست الناس، ثم تركت وأفضيت إلى المسألة! فلو

جلست لنا وجلسنا إليك، فسمعنا منك. فقال لهم: نعم، فوعدهم، فجلس لهم. فقالوا له: حدثنا، فقال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " خلتان لا يجتمعان في مؤمن ". ثم سكت، فقالوا له: ما الخلتان؟ فقال: نسي عكرمة الواحدة، ونسيت أنا الأخرى. قال الأصمعي: قال أشعب: أنا أشأم الناس: ولدت يوم قتل عثمان، وختنت يوم قتل الحسين. قال: وقال الشعبي: لقيت طويس الشؤم، فقلت: ما بلغ من شؤمك؟ قال: بلغ من شؤمي أني ولدت يوم قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما فطمت مات أبو بكر، فلما راهقت قتل عمر، فلما دخلت الكتاب قتل عثمان، فلما تعلمت القرآن قتل علي، فلما أن تعلمت الشعر قتل الحسين. فقلت: ما أظن بقي من شؤمك شيء، قال: بلى، بقي من شؤمي حتى أدفنك. قال الشعبي: وأنا دفنته بحمد الله ومنه. وقيل: إن أشعب كان خال الأصمعي. قال مصعب الزبيري: خرج سالم بن عبد الله متنزهاً إلى ناحيةٍ من نواحي المدينة، هو وحرمه وجواريه، فبلغ أشعب الخبر فوافى الموضع الذي هم فيه، يريد التطفيل، فصادف الباب مغلقاً، فتسور الحائط، فقال له سالم: ويلك يا أشعب معي بناتي وحرمي، فقال: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد، فوجه إليه سالمٌ من الطعام ما أكل، وجمل إلى منزله. حدث الأصمعي عن أشعب الطامع قال: دخلت على سالم بن عبد الله فقال لي: يا أشعب، حمل إلينا جفنةٌ من هريسة، وأنا صائم فاقعد فكل. قال: فحملت على نفسي، فقال: لا تحمل على نفسك، ما يبقى يحمل معك. قال: فلما رجعت إلى منزلي، قالت امرأتي: يا مشؤوم، بعث عبد الله بن عمر بن عثمان يطلبك، ولو ذهبت إليه لحباك، قال: فما قلت له؟ قالت: قلت له: إنك مريض، قال: أحسنت، فآخذ قارورة دهن، وشيئاً من صفرة، فدخلت الحمام، ثم

تمرخت به، ثم خرجت، فعصبت رأسي بعصابة، وأخذت قصبة، واتكأت عليها، فأتيته وهو في بيتٍ مظلم، فقال لي: أشعب؟ فقلت: نعم، جعلني الله فداك، ما رفعت جنبي من الأرض منذ شهرين. قال: وسالم في البيت، وأنا لا أعلم، فقال لي سالم: ويحك يا أشعب. قال: فقلت لسالم: نعم جعلني الله فداك، منذ شهرين ما رفعت ظهري من الأرض. قال: فقال سالم: ويحك يا أشعب، قال: فقلت: نعم جعلني الله فداك، مريض منذ شهرين ما خرجت، قال: فغضب سالم وخرج، فقال لي عبد الله بن عمرو: ويحك يا أشعب، ما غضب خالي إلا من شيء؟ قال: قلت: نعم جعلت فداك، غضب من أني أكلت عنده اليوم جفنةً من هريسة. قال: فضحك عبد الله وجلساؤه، وأعطاني ووهب لي. قال: فخرجت فإذا سالمٌ بالباب، فلما رآني، قال: ويحك يا أشعب، ألم تأكل عندي؟ قال: قلت: بلى، جعلت فداك. قال: فقال سالم: والله لقد شككتني. قال الشافعي: مر أشعب، فولع به الصبيان، فأراد أن يفرقهم عنه. فقال: بمنزل فلانٍ الساعة يقسم الجوز، فأسرع الصبيان إلى المنزل الذي قال لهم، فلما رآهم مسرعين أسرع معهم. قال أبو عاصم: أخذ بيدي أبن جريج، فأوقفني على أشعب الطامع، فقال له: حدثه على ما بلغ من طمعك. قال: بلغ من طمعي أنه ما زفت امرأة بالمدينة إلا كنست بيتي رجاء أن تهدى إلي. قال الهيثم بن عدي: مر أشعب الطماع برجلٍ وهو يتخذ طبقاً، فقال: اجعله واسعاً لعلهم يهدون إلينا فيه. قال الضحاك بن مخلد: كنت يوماً أريد منزلي، فالتفت فإذا أشعب قدامي فقلت له: ما لك يا أشعب، قال: يا أبا عاصم، رأيت قلنسوتك قد مالت، فتبعتك، قلت: لعلها تسقط فآخذها، قال: فأخذتها عن رأسي فدعتها إليه، وقلت له: انصرف.

أصبغ بن عمر

قال أشعب الطامع: ما خرجت في جنازةٍ قط فرأيت اثنين يتساران إلا ظننت أن الميت قد أوصى لي بشيء. توفي أشعب الطامع سنة أربعٍ وخمسين ومائة. أصبغ بن عمر ويقال ابن عمرو ويقال ابن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب بن هبل الكلبي من أهل دومة الجندل، من أطراف أعمال دمشق. أسلم على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على يد عبد الرحمن بن عوف. حدث ابن عمر قال: دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الرحمن بن عوف فقال: " تجهز، فإني باعثك في سريةٍ من يومك هذا، لا أو من الغد. إن شاء الله. " قال ابن عمر: فسمعت ذلك، فقلت لأدخلنّ ولأصلينّ مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغداة ولأسمعن وصية عبد الرحمن. قال: فقعدت فصليت، فإذا أبو بكر وعمر وناسٌ من المهاجرين فيهم عبد الرحمن بن عوف، وإذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد كان أمره أن يسير من الليل إلى دومة الجندل، فيدعوهم إلى الإسلام. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعبد الرحمن: " ما خلفك عن أصحابك؟ " قال ابن عمر: وقد مضى أصحابه من سحر، وهم مغتدون بالجرف، وكانوا سبع مائة رجل قال: أحببت يا رسول الله أن يكون آخر عهدي بك وعلي ثياب سفري. قال: وعلى عبد الرحمن عمامةٌ قد لفها على رأسه. فقال ابن عمر: فدعاه نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأقعده بين يديه، فنقض، عمامته بيده، ثم عممه بعمامةٍ سوداء، فأرخى بين كتفيه منها ثم قال: " هكذا يا بن عوف ". يعني: فاعتم، وعلى ابن عوف السيف متوشحه. ثم قال

أصبغ بن محمد بن محمد بن لهيعة السكسكي

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اغز باسم الله وفي سبيل الله، قاتل من كفر بالله، لا تغلل ولا تغدر، ولا تقتل وليداً ". قال: فخرج عبد الرحمن بن عوف حتى لحق أصحابه، فسار حتى قدم دومة الجندل. فلما دخلها دعاهم إلى الإسلام، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، وقد كانوا أبوا أول ما قدم أن يعطوه إلا السيف. فلما كان اليوم الثالث، أسلم أصبغٌ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانياً، وكان رأسهم، وكتب عبد الرحمن إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخبره بذلك، وبعث رجلاً من جهينة يقال له رافع بن مكيث. فكتب إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أراد أن يتزوج فيهم، فكتب إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتزوج ابنة الأصبغ تماضر. فتزوجها عبد الرحمن. وبنى بها، ثم أقبل بها، وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن. أصبغ بن محمد بن محمد بن لهيعة السكسكي حدث أن الوليد بن عبد الملك حين بنى مسجد دمشق، مر برجلٍ ممن يعمل في المسجد، فرآه الوليد وهو يبكي، فقال له: ما قصتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! كنت رجلاً جمالاً، فلقيني يوماً رجلٌ فقال لي: أتحملني إلى مكان كذا وكذا؟ فذكر موضعاً في البرية، قلت نعم، فلما حملته وسرنا بعض الطريق التفت إلي فقال لي: إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك وأنا حيٌ أغنيتك، وإن مت قبل بلوغي إليه فاحمل جثتي إلى الموضع الذي أصف لك، فإنّ ثم قصراً خراباً، فإذا بلغته فامكث إلى ضحوة النهار، ثم عد سبع شرافات من القصر، واحفر تحت ظل السابع منها على قدر قامة، فإنه سيظهر لك بلاطة، فاقلعها فإنك سترى تحتها مغارة فادخلها فإنك ترى في المغارة سريرين، على أحدهما رجلٌ ميت، فاجعلني على أحد السريرين ومدني عليه، وحمل جمالك هذه وحمارتك مالاً من المغارة وارجع إلى بلدك. قال: فمات على الطريق، ففعلت ما أمرني به، وكان معي أربعة أجمال وحمارة، فأوسقتها كلها مالاً من المغارة، وسرت بعض الطريق، وكان معي مخلاة، فنسيت أملؤها من ذلك المال، وداخلني الشره، فقلت: لو رجعت فملأت هذه المخلاة أيضاً من المال، فرجعت وتركت الجمال والحمارة في الطريق، فلم أجد المكان الذي أخذت منه المال، فدرت فلم أعرف. فلما أيست رجعت إلى الجمال والحمارة فلم أجدها، وجعلت أدور

أغيبر مولى هشام بن عبد الملك

في البرية أياماً فلم أجد لها أثراً. فلما يئست رجعت إلى دمشق وقد ذهبت الجمال والحمارة، ولم أحصل على شيء، واضطرني الأمر إلى ما ترى يا أمير المؤمنين. هو ذا أعمل كل يوم في التراب بدرهم. فكالما ذكرت تلك الأموال والجمال والحمارة التي فرت مني لم أملك نفسي أن أبكي هذا البكاء الذي ترى. فقال له الوليد بن عبد الملك: لم يقسم الله لك من تلك الأموال شيئاً، وإلي صارت فبنيت بها هذا المسجد. أغيبر مولى هشام بن عبد الملك حدث قال: سمعت ابن شهاب الزهري يقول: ثلاثةٌ ليس من أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الجعدي، والمناني، والقدري. قيل: هم أصحاب ماني الزنديق. أفلح أبو كثير ويقال أبو عبد الرحمن مولى أبي أيوب الأنصاري أدرك زمان عمر، ورأى عثمان وعبد الله بن سلام. حدث عن أبي أيوب أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل عليه، فنزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسفل، وأبو أيوب في العلو، فانتبه أبو أيوب ذات ليلة، فقال: تمشي فوق رأس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فتحول، فباتوا في جانب، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أسفل أرفق بي ". فقال أبو أيوب: لا أعلو سقيفةً أنت تحتها، فتحول أبو أيوب في السفل والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في العلو. فكان يصنع طعام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيبعث إليه، فإذا رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيتبع أثر أصابع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيأكل من حيث أثر أصابعه. فصنع ذات يومٍ طعاماً فيه ثوم، فأرسل به إليه، فسأل عن موضع أثر أصابع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقيل: لم يأكل، فصعد إليه

فقال: أحرام؟ فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أكرهه ". قال: فإني أكره ما تكره أو قال: ما كرهته. وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يؤتى. روى صالح بن كيسان أن خالد بن الوليد سار حتى نزل على عين التمر. فقتل، وسبى، فكان في تلك السبايا أبو عمرة مولى بني شيبان، وهو أبو عبد الأعلى بن أبي عمرة، وعبيد مولى بلقين من الأنصار. ثم من بني زريق، وحمران بن أبان مولى عثمان بن عفان، وأفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، ثم أحد بني مالك بن النجار، ويسار مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، وهو جد محمد بن إسحاق. وكان في خلافة أبي بكر الصديق، وقد قيل: إن أفلح كنيته أبو عبد الرحمن، وسمع من عمر. وله دار بالمدينة. وقتل يوم الحرة، في ذي الحجة سنة ثلاث وستين في خلافة يزيد بن معاوية. وكان ثقة قليل الحديث. حدث محمد بن سيرين أن أبا أيوب كاتب أفلح على أربعين ألفاً، فجعل الناس يهنئونه ويقولون: ليهنك العتق أبا كثير. فلما رجع أبو أيوب أهله ندم على مكاتبته، فأرسل إليه فقال: إني أحب أن ترد الكتاب إلي وأن ترجع كما كنت، فقال له ولده وأهله: لم ترجع رقيقاً وقد أعتقك الله؟! فقال أفلح: والله لا يسألني شيئاً إلا أعطيته إياه، فجاءه بمكاتبته، فكسرها ثم مكث ما شاء الله، ثم أرسل إليه أبو أيوب فقال: أنت حرٌ. وما كان لك من مالٍ فهو لك. قال محمد بن سيرين: بينا أنا ذات ليلة نائمٌ، إذ رأيت أفلح أو قال: كثير بن أفلح وكان قتل يوم الحرة، فعرفت أنه ميت، وأني نائمٌ، وإنما هي رؤيا رأيتها، فقلت: أليس قد قتلت؟

أقرع بن حابس بن عقال بن محمد

قال: بلى. قلت: فما صنعت؟ قال: خيراً. قلت: أشهداء أنتم؟ قال: لا إن المسلمين إذا اقتتلوا فقتل بينهم قتلى فليسوا بشهداء. قال سعيد أحد رواته: قال هشام كلمة خفيت علي، فقلت لبعض جلسائه: ماذا قال؟ قال: قال: ولكنا ندباء. أقرع بن حابس بن عقال بن محمد ابن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، التميمي ثم المجاشعي. له صحبة. وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان سيد قومه. واسم الأقرع فراس، ولقب الأقرع لقرعٍ كان برأسه. وقدم دومة الجندل من أطراف أعمال دمشق في خلافة أبي بكر الصديق. حدث الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من وراء الحجرات، فقال: يا محمد، إن حمدي زين، وإن ذمي لشين. فقال: ذاكم الله عز وجل. وكان في وفد تميم الذين قدموا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأعطاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غنائم حنين مائة من الإبل. وهو الذي قال فيه عباس بن مرداس يومئذٍ حين قصر به في العطية: " من المتقارب " أتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع وما كان بدرٌ ولا حابسٌ ... يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئٍ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع قال جابر بن عبد الله الأنصاري: جاءت بنو تميمٍ إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشاعرهم وخطيبهم، فنادوا على الباب: اخرج إلينا فإن مدحنا زين، وإن ذمنا شين. قال: فسمعهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فخرج إليهم وهو

يقول: " إنما ذاكم الله الذي مدحه زين وشتمه شين. فماذا تريدون؟ " فقالوا: نحن ناسٌ من بني تميم جئناك بشاعرنا وخطيبنا لنشاعرك ونفاخرك، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما بالشعر بعثت، ولا بالفخار أمرت. ولكن هاتوا ". فقال الزبرقان بن بدر لشابٍ من شبانهم: يا فلان قم فاذكر فضلك وفضل قومك فقال: إن الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه، وآتانا أموالاً نفعل فيها ما نشاء. فنحن خير أهل الأرض: أكثرهم أموالاً، وأكثرهم عدداً، وأكثرهم سلاحاً؛ فمن أبى علينا فليأتنا بقولٍ هو أفضل من قولنا، وبفعلٍ أفضل من فعلنا. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لثابت بن قيس: قم يا ثابت بن قيس فأجبهم. فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. دعا المهاجرين من بني عمه أحسن الناس وجوهاً، وأعظم الناس أحلاماً، فأجابوه. الحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله، وعزاً لدينه؛ فنحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فمن قاله منع منا ماله ونفسه، ومن أبى قاتلناه. وكان رغمه علينا في الله هيناً، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات. فقال الأقرع بن حابس لشاب من شبابهم: قم يا فلان فقل أبياتاً تذكر فيها فضلك وفضل قومك فقال: " من البسيط " نحن الكرام فلاحيٌ يعادلنا ... نحن الرؤوس وفينا يقسم الربع ونطعم الناس عند القحط كلهم ... من السديف إذا لم يؤنس القزع إذا أبينا فلا يأبى لنا أحدٌ ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عليّ بحسان بن ثابت. فأتاه الرسول فقال له: وما يريد مني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنما كنت عنده آنفاً؟ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم وخطيبهم فتكلم فأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثابت بن قيس بن شماس فأجابه. وتكلم شاعرهم فبعث إليك

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتجيبه. فقال حسان: قد آن لكم أن تبعثوا إلى هذا العود. فجاء حسان فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا حسان، أجبه ". فقال: يا رسول الله مره فليسمعني ما قال. قال: أسمعه ما قلت. فأسمعه. فقال حسان: " من الطويل " نصرنا رسول الله والدين عنوةً ... على رغم عاتٍ من معدٍّ وحاضر بضربٍ كإيزاغ المخاض مشاشه ... وطعنٍ كأفواه اللقاح الصوادر وسل أحداً يوم استقلت شعابه ... بضربٍ لنا مثل الليوث الحوادر ألسنا نخوض الموت في حومة الوغى ... إذا طاب ورد الموت بين العساكر ونضرب هام الدارعين وننتمي ... إلى حسبٍ في جذم غسان قاهر فلولا حياء الله قلنا تكرماً ... على الناس بالخفين هل من منافر؟ فأحياؤنا من خير من طئ الحصى ... وأمواتنا من خير أهل المقابر فقام الأقرع بن حابس فقال: يا محمد، لقد جئت لأمر ما جاء له هؤلاء، وقد قلت شيئاً فاسمعه. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هات ". فقال: أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر المكارم وأّنا رؤوس الناس من كل معشرٍ ... وأنّ ليس في أرض الحجاز كدارم وأن لنا المرباع في كل غارةٍ ... تكون بنجدٍ أو بأرض التهائم فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحسان: " قم فأجبه ". فقال: " من الطويل " بني دارمٍ لا تفخروا إن فخركم ... يعود وبالاً عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خولٌ من بين ظئرٍ وخادم؟!

فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا أخا بني دارم، لقد كنت غنياً أن يذكر منك ما كنت ظننت أن الناس قد نسوه ". فكان قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أشد عليهم من قول حسان إذ يقول: هبلتم، علينا تفخرون وأنتم ... لنا خولٌ من بين ظئرٍ وخادم ثم رجع حسان فقال: وأفضل ما نلتم من المجد والعلا ... ردافتنا من بعد ذكر الأكارم فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله نداً وأسلموا ... ولا تفخروا عند النبي بدارم وإلا ورب البيت مالت أكفنا ... على روسكم بالمرهفات الصوارم فقام الأقرع بن حابس فقال لأصحابه: يا هؤلاء، ما أدري ما هذا؟! قد تكلم خطيبهم فكان خطيبهم أحسن قولاً وأعلى صوتاً، وتكلم شاعرهم فكان شاعرهم أحسن قولاً وأعلى صوتاً. ثم دنا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وآمن هو وأصحابه. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يضرك ما كان قبل هذا اليوم ". ولما قدم وفد بني تميم على سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال أبو بكر: يا رسول الله استعمل عليهم القعقاع بن زرارة فإنه سيد القوم وأفضلهم. فقال عمر: يا رسول الله استعمل عليهم الأقرع بن حابس فإنه سيد القوم وأفضلهم. فقال أبو بكر: والله ما أردت بهذا إلا خلافي! قال: ما أردت خلافك ولكني رأيت ذلك. قال: فتماريا في ذلك حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله تعالى: هاتين الآيتين: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " إلى قوله " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " الآية كلها. قال: فكانا لا يحدثانه حديثاً إلا استفهمه مراراً.

وفي رواية: " كاد الخيران يهلكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قدم عليه ركب بني تميم ... " الحديث. وعن أبي سعيد الخدري قال: بعث عليٌّ إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من اليمن ذهبة وفيها تربتها، فقسمها بين يدي أربعة: بين الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم أحد بني مجاشع، وبين عيينة بن حصن الفزاري وبين علقمة بن علاثة العامري وبين زيد الخيل الطائي. فقالت قريش والأنصار: أيقسم بين صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنما أتألفهم ". إذ أقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين كث اللحية محلوق، فقال: يا محمد، اتق الله. فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من يطيع الله إذا عصيته؟ " قال: فسأله رجل من القوم قتله - قال: حسبته خالد بن الوليد - فولى الرجل. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن من ضئضئ هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ". وعن ابن عباس قال: كانت المؤلفة قلوبهم خمسة عشر رجلاً منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس المجاشعي، وعيينة بن حصن الفزاري، وسهيل بن عمرو من بني عمرو بن لؤي، والحارث بن هشام المخزومي، وحويطب بن عبد العزى من بني عامر بن لؤي، وسهيل بن عمرو الجهني، وأبو السنابل بن بعكك، وحكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العزى، ومالك بن عوف النصري، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع من بني مالك، وجد بن قيس السهمي، وعمر بن مرداس السلمي، والعلاء بن الحارث الثقفي، أعطى كل رجلٍ منهم سهماً مائةً من الإبل، وأعطى ابن يربوع وحويطب خمسين من الإبل. في حديث طويل.

وهؤلاء هم المؤلفة قلوبهم. وكان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حنيناً والفتح والطائف. وخرج الأقرع والزبرقان إلى أبي بكر فقالا: اجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك أن لا يرجع من قومنا أحد، ففعل. وكتب الكتاب. وكان الذي يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله وأشهدوا شهوداً منهم عمر، فلما أتي عمر بالكتاب نظر فيه فلم يشهد، ثم قال: لا ولا كرامة، ثم مزق الكتاب ومحاه، فغضب طلحة وأتى أبا بكر، فقال: أنت الأمير أم عمر؟ فقال: عمر غير أن الطاعة لي، فسكت. وشهدا مع خالد المشاهد حتى اليمامة. ثم مضى الأقرع ومعه شرحبيل بن حسنة إلى دومة. وفي رواية أن عيينة بن بدر والأقرع بن حابس استقطعا أبا بكر أرضاً، فقال عمر: إنما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتألفكما على الإسلام فأما الآن فاجهدا جهدكما. قال عبيدة: جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالا: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها نخلٌ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نحرثها ونزرعها ولعل الله ينفع بها بعد اليوم. قال: فأقطعهما إياها، وكتب لهما كتاباً وأشهد، وعمر ليس في القوم، فانطلقا إلى عمر ليشهداه فوجداه فإنهما قائماً بغير اله، فقالا: إن أبا بكر قد أشهدك على ما في هذا الكتاب أفنقرأ عليك أو تقرأ؟ قال: أنا على الحال التي ترياني، فإن شئتما فاقرآ وإن شئتما فانتظرا حتى أفرغ فأقرأ، قالا: بل نقرؤه، فقرآ، فلما سمع ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل فيه فمحاه، فتذمراه وقالا مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتألّفكما والإسلام يومئذ ذليل، وإن الله عز وجل قد أعز الإسلام، فاذهبا فاجهدا جهدكما لا أرعى الله عليكما إن أرعيتما. قال: فأقبلا إلى أبي بكر

أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن

وهما يتذمران فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: بل هو لو كان شاء. قال: فجاء عمر مغضباً حتى وقف على أبي بكر فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين الرجلين أرض لك خاصة أم هي بين المسلمين عامة؟ قال: فما حملك على أن تخص هذين بها دون جماعة المسلمين؟ قال: استشرت هؤلاء الذين حولي فأشاروا علي بذلك. قال: فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك أكل المسلمين أوسعت مشورة ورضىً؟ قال: فقال أبو بكر: قد كنت قلت لك إنك أقوى على هذا الأمر مني ولكنك غلبتني. وفي رواية أن عثمان قال للأقرع بن حابس وللزبرقان لما أقطعهما أبو بكر قطيعة وكتب لهما كتاباً قال لهما عثمان: أشهد عمر فهو أحرز لأمركما، وهو الخليفة بعده. قال: فأتيا عمر فقال لهما: من كتب لكما هذا الكتاب؟ قالا: أبو بكر. قال: لا والله ولا كرامة، والله ليفلقنّ وجوه المسلمين بالسيوف والحجارة ثم يكون لكما هذا. قال: فتفل فيه ومحاه، فأتيا أبا بكر فقالا: ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟! قال: ثم أخبراه فقال: فإنا لا نجيز إلا ما أجازه عمر. وقيل: إن ابن عامر استعمل الأقرع بن حابس على جيش، فأصيب هو والجيش بالجوزجان. أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن ابن أعنى بن الحارث بن معاوية بن حلاوة بن أمامة بن شكامة بن شبيب بن السكون بن أشرس بن كندة بن عطية بن عدي بن الحارث الكندي صاحب دومة الجندل. أتي به إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلم. ويقال: بقي على نصرانيته. وكتب له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

كتاباً. ويقال: أسلم، ثم ارتد إلى النصرانية، فقتل على نصرانيته. قال قيس بن النعمان: كان صار إلى ضم القرآن على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: خرجت خيلٌ لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسمع بها أكيدر دومة الجندل، فانطلق إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: يا رسول الله، بلغني أن خيلك انطلقت وإني خفت على أرضي ومالي، فاكتب لي كتاباً لا تعرض لشيء هو لي، فإني مقرٌ بالذي علي من الحق. فكتب له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم إن أكيدراً أخرج قباء منسوجاً بالذهب مما كان كسرى يكسوهم فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ارجع بقبائك فإنه ليس أحدٌ يلبس هذا في الدنيا إلا حرمه في الآخرة ". فرجع به الرجل حتى إذا أتى منزله وجد في نفسه أن يرد عليه هديته، فرجع إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إنا أهل بيتٍ يشق علينا أن ترد هديتنا فاقبل مني هديتي. فقال له: " انطلق فادفعه إلى عمر ". وقد كان عمر سمع ما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه فبكى ودمعت عيناه وظن أنه قد لحقه شقاء، فانطلق إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أحدث فيّ أمرٌ؟ قلت في هذا القباء ما سمعت ثم بعثت به إليّ، فضحك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى وضع يده على فيه، ثم قال: " ما بعثت به إليك لتلبسه ولكن تبيعه فتستعين بثمنه ". قال عروة: ولما توجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قافلاً إلى المدينة بعث خالد بن الوليد في أربع مائةٍ وعشرين فارساً إلى أكيدر دومة الجندل، فلما عهد إليه عهده قال خالد: يا رسول الله كيف بدومة الجندل وفيها أكيدر، وإنما نأتيها في عصابةٍ من المسلمين؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لعل الله يكفيك أكيدراً ". أحسب قال: يقتنص فتقبض المفتاح فتأخذه، فيفتح الله لك دومة. فسار خالد بن الوليد حتى إذا دنا منها نزل في أدبارها، لذكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لعلك تلقاه يصطاد ". قال: فبينما خالد وأصحابه في منزلهم ليلاً إذ أقبلت البقر حتى جعلت تحتك بباب الحصن، وأكيدر يشرب ويتغنى في حصنه، بين امرأتيه، فاطلعت إحدى امرأتيه فرأت البقر تحتك بالباب وبالحائط، فقالت امرأته: لم أر كالليلة في اللحم، قال: وما ذاك؟ قالت: هذه البقر تحتك بالباب وبالحائط، فلما رأى ذلك أكيدر ثار، فركب على فرسٍ معدةٍ له، وركب غلمانه وأهله فطلبها حتى مر بخالدٍ وأصحابه، فأخذوه ومن

كان معه، فأوثقهم، وذكر خالد قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال خالد لأكيدر: أرأيتك إن أجرتك تفتح لي باب دومة؟ قال: نعم، فانطلق حتى دنا منها، فثار أهلها وأرادوا أن يفتحوا له فأبى عليهم أخوه، فلما رأى ذلك قال لخالد: أيها الرجل خلني فلك الله أن أفتحها لك، إن أخي لا يفتحها ما علم أني في وثاقك، فأرسله خالد وأصحابه، فذكر خالد قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والذي أمره. فقال أكيدر: والله ما رأيتها قطٌّ جاءتنا إلا البارحة - يريد البقر - ولقد كنت أضمر لها إذا أردت أخذها فأركب لها اليوم واليومين، ولكن هذا القدر ثم قال: يا خالد، إن شئت حكمتك وإن شئت حكمتني، فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت، فأعطاهم ثمان مائةٍ من السبي وألف بعير، وأربع مائة درع، وأربع مائة رمح. وأقبل خالد بأكيدر إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأقبل معه يحنّه بن رؤيا عظيم أيلة، فقدم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأشفق أن يبعث إليه كما بعث إلى أكيدر، فاجتمعا عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقاضاهما على قضيته على دومة، وعلى تبوك وعلى أيلة وعلى تيماء وكتب لهما كتاباً. وعن بلال بن يحيى قال: بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكر رضي الله عنه على المهاجرين إلى دومة الجندل، وبعث خالد بن الوليد على الأعراب معه، وقال: " انطلقوا فإنكم ستجدون أكيدر دومة يقتنص الوحش فخذوه أخذاً، فابعثوا به إلي، ولا تقتلوه وحاصروا أهلها ". قال: فانطلقوا، فوجدوا أكيدر دومة كما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخذوه فبعثوا به إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحاصروهم، فقال لهم أبو بكر: تجدون ذكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الإنجيل؟ قالوا: ما نجد له ذكراً، قال: بلى، والذي نفسي بيده إنه لفي الإنجيل مكتوب كهيئة قرست وليست بقرست، فانظروا. فنظروا، فقالوا: نجد الشيطان خطر خطرة بقلم لا ندري ما هي. فقال له، رجل من الأنصار أو المهاجرين: أكفر هؤلاء يا أبا بكر؟ فقال: نعم، وإنكم ستكفرون. فلما كان يوم مسيلمة قال ذلك الرجل لأبي بكر: هذا الذي قلت لنا يوم دومة الجندل إنا سنكفر؟ فقال: لا، ولكن آخر أمامكم.

ألب رسلان بن رضوان بن تتش

وقيل إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أسلم وكتب له كتاباً فلما قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منع الصدقة ونقض العهد وخرج من دومة الجندل فلحق بالحيرة وابتنى بها بناء سماه دومة بدومة الجندل. وروى عوانة بن الحكم، أن أبا بكر كتب إلى خالد بن الوليد وهو بعين التمر يأمره أن يسير إلى أكيدر فسار إليه فقتله، وفتح دومة، وقد كان خرج منها بعد وفاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم عاد إليها، فلما قتله خالد مضى خالد إلى الشام. قال: ولعله أن يكون قتله بدومة الجندل عند الحيرة فهي تقرب من عين التمر. ألب رسلان بن رضوان بن تتش ابن ألب رسلان التركي ولي إمرة حلب بعد موت أبيه رضوان في جمادى الآخرة سنة سبع وخمس مائة وهو صبي عمره ست عشرة سنة، وتولى تدبير أمره خادم لأبيه اسمه لؤلؤ البابا، ورفع عن أهل حلب بعض ما كان جدد عليهم من الكلف وقتل أخويه ملك شاه، وأميركا، وقتل جماعة من الباطنية وكانت دعوتهم ظهرت في حلب أيام أبيه، ثم كاتب طغتكين أمير دمشق، ورغب في استعطافه، فأجابه طغتكين إلى ذلك، ودعا له على منبر دمشق في رمضان من هذه السنة. ثم قدم ألب رسلان في هذا الشهر دمشق وتلقاه طغتكين وأهل دمشق في أحسن زي، وأنزله في القلعة بدمشق، وبالغ في إكرامه، فأقام فيها أياماً، ثم عاد إلى حلب في أول شوال، وصحبه طغتكين، فلما وصل إلى حلب لم ير منه طغتكين ما يحب، ففارقه، وعاد إلى دمشق، وساءت سيرة ألب رسلان بحلب، وانهمك في المعاصي، وخافه لؤلؤ البابا فقتله بقلعة حلب في ثاني ربيع الآخر سنة ثمان وخمس مائة.

إلياس بن تشبين بن العازر بن هارون

ونصب أخاً له طفلاً عمره ست سنين. وبقي لؤلؤ بحلب إلى أن قتل في آخر سنة عشر وخمس مائة ببالس. إلياس بن تشبين بن العازر بن هارون ويقال إلياس بن شبى ويقال إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون ويقال إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. أرسله الله تعالى إلى أهل بعلبك، وقيل: إنه اختفى من الكفار في المغارة التي بجبل قاسيون بدمشق عشر سنين. وروي عن كعب أنه قال: إن إلياس اختبأ من ملوك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين، حتى أهلك الله الملك، ووليهم غيره، فأتاه إلياس فعرض عليه الإسلام، فأسلم وأسلم من قومه خلق عظيم غير عشرة آلاف منهم، فأمر بهم فقتلهم عن آخرهم. وقيل: إنه أقام هارباً من قومه في كهف جبل عشرين ليلة، أو قال: أربعين، تأتيه الغربان برزقه. وروي عن الكلبي أنه قال: أول نبيٍّ بعث إدريس، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم إسماعيل وإسحاق، ثم يعقوب، ثم يوسف، ثم لوط، ثم هود، ثم صالح، ثم شعيب، ثم موسى وهارون ابنا عمران، ثم إلياس بن تشبين بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. وعن وهب أن حزقيل قام في بني إسرائيل بأمر الله عز وجل وطاعته، وكان فيما أعطاه الله عز

وجل عزة لبني إسرائيل حتى قبضه الله عز وجل إليه. فعظمت الأحداث في بني إسرائيل، وخالطوا عبدة الأوثان، فنصب الأوثان طوائف منهم، وطائفة منهم متمسكون بالعهد، فكانوا يقتلون الأنبياء وأبناء الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس، وأحبوا الملك، حتى بعث الله إليهم إلياس بن العازر بن العيزار نبياً، وإنما كانت الأنبياء تبعث في بني إسرائيل بعد موسى، لتجديد ما نسوا من التوراة، وكانت لا تنزل عليهم الكتب. إنما كانوا يعملون بما في التوراة، ويجددون لهم ما نسوا من التوراة، وكان إلياس عليه السلام مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقوم بأمره، وينتهي الملك إلى رأيه؛ وكان سائر ملوك بني إسرائيل اتخذوا الأصنام. وكان له صنم يقال له: بعل قال ابن عباس: البعل: الرب سموا الصنم رباً، وهو بلغة اليمن البعل: الرب. وعن كعب قال: أربعة أنبياء اليوم، اثنان في الدنيا، واثنان في السماء. فأما اللذان في الدنيا: فإلياس والخضر، وأما اللذان في السماء: فعيسى وإدريس عليهما السلام. قال عبد الله بن مسعود: إسرائيل هو يعقوب عليه السلام، وإلياس هو إدريس. قال أحمد بن حنبل: سمعنا أن ستة من الأنبياء لهم في القرآن اسمان اسمان: محمد وأحمد، وإبراهيم وأبراهام، ويعقوب وإسرائيل، ويونس وذو النون، وإلياس إلياسين، وعيسى المسيح عليهم السلام. وقيل: الخضر من ولد فارس، وإلياس من بني إسرائيل فيلتقيان كل عام بالموسم. وعن ابن عباس في قول الله عز وجل: " إن إلياس لمن المرسلين؛ إذ قال لقومه ألا تتقون، أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين "! قال: وإنما سمي

بعلبك، لعبادتهم البعل، وكان موضعهم يقال له: بك. فسمي بعل بك. يقول الله عز وجل: " وتذرون الله أحسن الخالقين ". وقال الحسن: إن الله عز وجل بعث إلياس إلى بعلبك، وكانوا قوماً يعبدون الأصنام، وكانت ملوك بني إسرائيل متفرقة على العامة. كل ملكٍ على ناحيةٍ يأكلها؛ وكان الملك الذي كان معه إلياس يقوم له أمره، ويقتدي برأيه، وهو على هدىً من بين أصحابه، حتى وقع إليهم قوم من عبدة الأصنام، فقالوا له: ما يدعوك إلياس إلا إلى الضلالة والباطل، وجعلوا يقولون له: اعبد هذه الأوثان التي يعبد الملوك، ودع ما أنت عليه، فقال الملك لإلياس: يا إلياس والله ما تدعو إلا إلى الباطل، وإني أرى ملوك بني إسرائيل كلهم قد عبدوا الأوثان التي يعبد الملوك، وهم على ما نحن عليه يأكلون ويشربون، وهم في ملكهم يتقلبون، وما تنقص دنياهم من أمرهم الذي تزعم أنه باطل، ومالنا عليهم من فضل، فاسترجع إلياس، وقام شعر رأسه وجلده، فخرج عليه إلياس. وقال الحسن: إن الذي زين لذلك الملك امرأته، وكانت قبله تحت ملكٍ جبار، وكان من الكنعانيين في طولٍ وجسم وحسن؛ فمات زوجها الأول، فاتخذت تمثالاً على صورة بعلها من الذهب، وجعلت له حدقتين من ياقوت، فتوجته بتاجٍ مكللٍ بالدر والجواهر، ثم أقعدته على سرير تدخل عليه، فتدخنه وتطيبه، وتسجد له، ثم تخرج عنه؛ فتزوجت بعد ذلك هذا الملك الذي كان إلياس معه. وكانت فاجرة قد قهرت زوجها، فكانت هي التي جمعت هؤلاء السبعين الذين زعموا أنهم أنبياء، وبنت بيت الأصنام ووضعت البعل. فدعاهم إلياس إلى الله فلم يزدهم ذلك إلا بعداً. فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك، وعبادة غيرك فغير ما بهم من نعمتك. قال الحسن: إن الله أوحى إلى إلياس أني قد جعلت أرزاقهم بيدك حتى تكون أنت الذي تأذن لهم. فقال إلياس: اللهم أمسك عنهم القطر ثلاث سنين، فأمسك الله عنهم القطر، وأرسل إلياس إلى الملك فتاه، وكان تلميذه، فقال

لهم اليسع بن خطوب، وليس باليسع الذي يقال له الخضر، وذلك ابن عاميا، وكان هذا غلاماً يتيماً من بني إسرائيل، آوت أمه إلياس وأخفت أمره، وكان اليسع به ضرٌّ، فدعا الله له فعافاه من الضر الذي كان به، واتبع إلياس وآمن به وصدقه ولزمه، فذهب حيثما ذهب، فلما أمسك الله عنهم القطر، أرسل إلياس اليسع إلى الملك فقال: قل له إن إلياس يقول لك: إنك اخترت عبادة البعل على عبادة الله، واتبعت عتاة قومك هؤلاء الكذبة الذين يزعمون أنهم أنبياء، واتبعت هوى امرأتك الخبيثة التي خانتك وأهلكتك، فاستعد للعذاب والبلاء. قال: وأمسك الله عنهم القطر حتى هلكت الماشية والدواب والهوام، وجهد الناس جهداً شديداً، وخرج إلياس شفقاً على نفسه حين دعا عليهم. فانطلق اليسع، فبلغ رسالته الملك، فعصمه الله من شر الملك، ولحق بإلياس. فانطلق إلياس حتى أتى ذروة جبل، فكان الله يأتيه برزقه، وفجر له عيناً معيناً لشرابه وطهوره، حتى أصاب الناس الجهد، فأكلوا الكلاب والجيف والعظام، فأرسل الملك إلى السبعين، فقال لهم: سلوا البعل أن يفرج ما بنا. قال: فأخرجوا أصنامهم، فقربوا لها الذبائح، وعكفوا عليها، وجعلوا يدعون حتى طال ذلك عليهم، فقال لهم الملك: إن إله إلياس كان أسرع إجابةً من هؤلاء. فبعثوا في طلب إلياس ليدعو لهم، فلم يجبهم، فغار ماؤه، فقال: يا رب، غار مائي، فأوحى الله إليه أني قد أهلكت خلقاً كثيراً، لم أرد هلاكهم بخطايا بني إسرائيل. فقال إلياس: أي ربٍّ، دعني أنا أكون الذي أدعو لهم لعلهم يرجعون، فقيل له: نعم فأتى بني إسرائيل فقال لهم: أتحبون أن تعلموا أن الله عليكم ساخط، وإنما حبس عنكم المطر للذي أنتم عليه، فأخرجوا أوثانكم التي تعبدونها، وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه، فادعوها هل تستجيب لكم؟ وإلا دعوت ربي يفرج عنكم، فقالوا: نفعل، فأخرجوا أوثانهم، فجعلت الكذبة تدعو وتتضرع، ويدعو إلياس معهم، فلا يستجاب لهم، فقالوا: يا إلياس ادع لنا ربك، قال: فدعا إلياس ربه أن يفرج عنهم، فارتفعت سحابة مثل الترس وهم ينظرون، حتى ركزت عليهم، ثم أدحيت، ثم أرسل الله عليهم المطر فأغاثهم. فقال الحسن: فتابوا وراجعوا. وقيل تمادوا بعد ذلك، فلما رأى ذلك إلياس دعا ربه أن يريحه منهم، فقيل له: انظر يوم كذا وكذا، فإذا رأيت دابة لونها مثل لون النار فاركبها، فجعل يتوقع ذلك اليوم، فإذا هو بشيء قد أقبل على صورة فرس لونه كلون النار، حتى وقف بين يديه،

فوثب عليه، فانطلق به، وناداه اليسع: يا إلياس، بماذا تأمرني؟ فكان آخر العهد به، فكساه الله عز وجل الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فصار في الملائكة فقال: كان إنسياً ملكياً سمائياً. وقال الحسن: هو موكل بالفيافي، والخضر بالبحار وقد أعطيا الخلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى. وإنهما يجتمعان في كل عام بالموسم. وفي حديث مرفوع عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " يلتقي الخضر وإلياس عليهما السلام في كل عام بالموسم بمنى فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات: سبحان الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله لا يصلح السوء إلا الله، ما شاء الله لا قوة إلا بالله ". قال ابن عباس: من قالهن حين يصبح ويمسي ثلاث مرات أمنه الله من الغرق والسرق: قال: وأحسبه قال: ومن الشيطان والسلطان والحية والعقرب. وعن قتادة: في قوله تبارك وتعالى: " وتركنا عليه في الآخرين " قال: ترك الله تبارك وتعالى عليه ثناء حسناً في الآخرة. قال واثلة بن الأسقع: غزونا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة تبوك، حتى إذا كنا في بلاد جذام في أرض لهم يقال لها الحوزة وقد كان أصابنا عطش شديد فإذا بين أيدينا آثار غيث، فسرنا ملياً، فإذا بغديرٍ وإذا فيه جيفتان، وإذا السباع قد وردت الماء، فأكلت من الجيفتين، وشربت من الماء، قال: فقلنا: يا رسول الله، هذه جيفتان وآثار السباع قد أكلت منها، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نعم. هما طهوران اجتمعا من السماء والأرض لا ينجسهما شيء، وللسباع ما شربت في بطونها، ولنا ما بقي ". حتى إذا ذهب ثلث الليل، إذا نحن بمنادٍ ينادي بصوت حزين: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، المبارك عليها، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا حذيفة ويا أنس، ادخلا إلى هذا الشعب، فانظرا ما هذا الصوت ".

قال: فدخلنا فإذا نحن برجل عليه ثياب بياض أشد بياضاً من الثلج، وإذا وجهه ولحيته كذلك، ما أدري أيهما أشد ضوءاً ثيابه أو وجهه! فإذا هو أعلى جسماً منا بذراعين أو ثلاثة. قال: فسلمنا عليه فرد علينا السلام، ثم قال: مرحباً، أنتما رسل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قالا: فقلنا: نعم، قالا: فقلنا من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا إلياس النبي، خرجت أريد مكة فرأيت عسكركم، فقال لي جندٌ من الملائكة على مقدمتهم جبريل وعلى ساقتهم ميكائيل: هذا أخوك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسلم عليه والقه، ارجعا فأقرئاه السلام، وقولا له: لم يمنعني من الدخول إلى عسكركم إلا أني أتخوف أن تذعر الإبل ويفزع المسلمون من طولي، فإن خلقي ليس كخلقكم، قولا له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأتيني. قال حذيفة وأنس: فصافحناه، فقال لأنس خادم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من هذا؟ قال: حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: فرحب به ثم قال: والله إنه لفي السماء أشهر منه في الأرض يسميه أهل السماء صاحب سر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال حذيفة: هل تلقى الملائكة؟ قال: ما من يوم إلا وأنا ألقاهم، ويسلمون علي وأسلم عليهم. قال: فأتينا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فخرج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معنا حتى أتينا الشعب وهو يتلألأ وجهه نوراً. وإذا ضوء وجه إلياس وثيابه كالشمس. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " على رسلكم ". قال: فتقدمنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدر خمسين ذراعاً، وعانقه ملياً، ثم قعدا. قالا: فرأينا شيئاً كهيئة الطير العظام بمنزلة الإبل قد أحدقت به وهي بيض، وقد نشرت أجنحتها فحالت بيننا وبينهم، ثم صرخ بنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " يا حذيفة ويا أنس تقدما ". فتقدمنا، فإذا بين أيديهم مائدة خضراء لم أر شيئاً قط أحسن منها، قد غلب خضرتها لبياضها، فصارت وجوهنا خضراء وثيابنا خضراء، وإذا عليها خبز ورمان وموز وعنب، ورطب وبقل، ما خلا الكراث. قال: ثم قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كلوا بسم الله ". قالا: فقلنا: يا رسول الله أمن طعام الدنيا هذا؟ قال: " لا ". قال لنا: هذا رزقي، ولي في كل أربعين يوماً وأربعين ليلة أكلة يأتيني بها الملائكة، وهذا تمام الأربعين يوماً والليالي، وهو شيء يقول الله عز وجل له: كن فيكون قال: فقلنا: من أين وجهك؟ قال: وجهي من خلف رومية، كنت في جيش من الملائكة مع جيش من المسلمين غزوا أمةً من الكفار. قال: فقلنا: فكم يسار من ذلك الموضع الذي كنت فيه؟ قال: أربعة أشهر، وفارقته أنا منذ عشرة أيام، وأنا أريد إلى مكة أشرب بها في كل سنة شربة، وهي ريي وعصمتي إلى تمام الموسم من قابل. قال: فقلنا: فأي المواطن أكبر معارك؟ قال: الشام وبيت المقدس

والمغرب واليمن، وليس من مسجد من مساجد محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا وأنا أدخله صغيراً كان أو كبيراً. قال: الخضر متى عهدك به؟ قال: منذ سنة كنت قد التقيت أنا وهو بالموسم، وقد كان قال: إنك ستلقى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبلي، فأقرئه مني السلام، وعانقه وبكى قال: ثم صافحناه وعانقناه وبكى وبكينا، فنظرنا إليه حتى هوى في السماء كأنه يحمل حملاً، فقلنا: يا رسول الله لقد رأينا عجباُ إذ هوى إلى السماء. فقال: " إنه يكون بين جناحي ملك حتى ينتهي به حيث أراد ". قال الحافظ ابن عساكر: هذا حديث منكر، وإسناده ليس بالقوي. وعن الخليل بن مرة قال: بينا رجل يبيع سلعة له وهو يكثر الكلام فيها، إذ أتى عليه آتٍ فقال: يا عبد الله، إن كثرة الكلام لا تزيد في رزقك شيئاً، وإن قلة الكلام لا تنقص من رزقك شيئاً، قال: عليك شأنك يا عبد الله قال: هذا شأني، ثم ولى الرجل، فلحقه، فقال: يا عبد الله، قلت لي قولاً فأحب أن تفسره لي، قال: إن من الإيمان أن تؤثر الصدق على الكذب وإن ضرك، وأن تدع الكذب وإن نفعك، وألا يكون لقولك فضل على عملك. قال: يا عبد الله، إني أحب أن تكتب لي هذا فإني أخاف أن أنساه، قال: فبينا أنا أكلمه إذ غاب عني فلم أره، فلقيت رجلاً من آل عمر رضي الله عنه، فأخبرته. فقال: هذا من قول إلياس عليه السلام. وفي حديث آخر بمعناه قال: كانوا يرونه الخضر أو إلياس عليهما السلام. وعن ثابت قال: كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة، فدخلت حائطاً أصلي ركعتين، فافتتحت " حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول " فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنة. فقال لي: إذا

أماجور

قلت: " غافر الذنب " فقل: يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، وإذا قلت: " قابل التوب " فقل: يا قابل التوب، تقبل توبتي، وإذا قلت: " شديد العقاب " فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني، وإذا قلت: " ذي الطول " فقل: يا ذا الطول طل علي منك برحمة. فالتفت فإذا لا أحد، خرجت فقلت: مر بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنةٍ؟ فقال: ما مر بنا أحد فكانوا لا يرون إلا أنه إلياس. أماجور ولي إمرة دمشق في أيام المعتمد على الله سنة ست وخمسين ومائتين. ومات سنة أربع وستين ومائتين، وكان أميراً مهاباً ضابطاً لعمله، خشناً، شجاعاً، لا يقطع في جميع أعماله الطريق، فوجه مرة فارساً إلى أذرعات في رسالة، فلما رجع الفارس من أذرعات نزل اليرموك، فصادف في القرية رجلاً من الأعراب، فلما رأى الأعرابي الجندي مد يده فنتف من سبال الجندي خصلتين من شعر. فلما أن رجع الفارس إلى دمشق اتصل الخبر بأماجور ما فعل الأعرابي بالفارس، فدعاه أماجور فسأله عن القصة؟ فأخبره، فأمر بالفارس فحبس، ثم قال لكاتبه: اطلبوا معلماً يعلم الصبيان فجاؤوا بمعلم، فقال أماجور للمعلم: هو ذا أعطيك نفقة واسعة وتخرج إلى اليرموك، وأعطيك طيوراً تكون معك، فإذا دخلت القرية، تقول لهم: إني معلم جئت أطلب المعاش، وأعلم صبيانكم، فإذا تمكنت من القرية، فارصد لي الأعرابي الذي نتف سبال الفارس، وخذ خبره واسمه، ولا تبرح من القرية وإن بقيت بها مدة طويلة، حتى يوافي هذا الأعرابي القرية، فإذا رأيته قد وافى، فخذ هذا الكتاب الذي أعطيك، وادفعه إلى أهل القرية حتى يقرؤوه، ثم أرسل الطيور إلي بخبرك طيراً خلف طير، ففعل المعلم ذلك، ووافى اليرموك، وأقام بها ستة أشهر، حتى وافى الأعرابي القرية، فلما أن رآه المعلم أخرج كتاب أماجور إلى القرية: الله الله في

أمد بن أبد الحضرمي اليماني

أنفسكم، اشغلوا الأعرابي إلى ما أوافيكم، فإن جئت ولم أوافه خربت القرية، وقتلت الرجال. وخلى المعلم الطيور إلى دمشق بخبر الأعرابي، وموافاته القرية، فلما أن وصل الخبر إلى أماجور ضرب بالبوق، وخرج من وقته حتى وافى اليرموك في أسرع وقت وأحدقوا بالقرية، فأصاب الأعرابي في وسط القرية، فأخذه وأردفه خلف بعض غلمانه، ووافى به دمشق، فلما أصبح أماجور دعا بالأعرابي فقال له: ما حملك على أن رأيت رجلاً من أولياء السلطان في قرية لم يؤذك ولم يعارضك، نتفت خصلتين من سباله، فقال الأعرابي: كنت سكران أيها الأمير لم أعقل ما فعلت، فقال أماجور: ادعوا لي بحجام، فأتي بحجام، فقال: لا تدع في وجه الأعرابي ولا في رأسه، ولا على بدنه شعرة إلا نتفتها، فبدأ بأشفار عينيه ثم بحاجبيه ثم بلحيته ثم بشاربه، ثم برأسه، ثم بيديه، فما ترك عليه شعرة إلا نتفها، ثم قال: هاتوا الجلادين، فأتي بالجلادين، فضربه أربع مئة سوط، ثم أمر بحبسه، فلما كان من الغد، دعا به فضربه أربع مئة سوط آخر، ثم قطع يديه، فلما أن كان اليوم الثالث قطع رجليه فلما أن كان في اليوم الرابع ضرب رقبته وصلبه، ثم دعا بذلك الجندي من الحبس، فضربه مائة عصا وأسقط اسمه، وقال: أنت ليس فيك خير لنفسك حيث رأيت أعرابياً واحداً ليس معه أحد ولا غلمان ولا أصحاب استخذيت له وخضعت له حتى فعل بسبالك ما فعل. كيف يكون لي فيك خير إذا احتجت إليك؛ وطرده. قال أبو يعقوب الأذرعي: لما بنى أماجور الفندق الذي في الخواصين كتب على بابه: مائة سنة وسنة. قال: فما عاش بعد أن كتب ذلك إلا مائة يوم ويوم، وتوفي أماجور أمير دمشق في سنة أربع وستين ومائتين. قال أبو علي الحسن بن قريش المحاملي: رأيت أماجور الأمير في النوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: بضبطي لطرق المسلمين، وطريق الحاج. أمد بن أبد الحضرمي اليماني أحد المعمرين، استقدمه معاوية بن أبي سفيان. قالوا: إن معاوية قال: إني لأحب أن ألقى رجلاً قد أتت عليه سنٌّ، وقد رأى

الناس يخبرنا عما رأى. فقال بعض جلسائه: ذلك رجل بحضرموت. فأرسل إليه، فأتي به، فقال له: ما اسمك؟ قال: أمد. قال: ابن من؟ قال: ابن أبد. قال: ما أتى عليك من السن؟ قال: ستون وثلاث مائة. قال: كذبت. قال: ثم إن معاوية تشاغل عنه، ثم أقبل عليه، فقال: ما اسمك؟ قال: أمد. قال: ابن من؟ قال: أبد. قال: كم أتى عليك من السن؟ قال: ثلاث مئة وستون سنة. قال: فأخبرنا عما رأيت من الأزمان، أين زماننا هذا من ذلك؟ قال: وكيف تسأل من تكذب؟ قال: إني ما كذبتك، ولكني أحببت أن أعلم كيف عقلك. قال: قال: يوم شبيه بيوم، وليلة شبيه بليلة، يموت ميت، ويولد مولود، فلولا من يموت لم تسعهم الأرض، ولولا من يولد لم يبق أحد على وجه الأرض. قال: فأخبرني هل رأيت هاشماً؟ قال: نعم رأيته رجلاً طوالاً، حسن الوجه، يقال، إن بين عينيه بركةً أو غرة بركةٍ. قال: فهل رأيت فهل رأيت أمية؟ قال: نعم، رأيته رجلاً قصيراً أعمى، يقال: إن في وجهه شراً أو شؤماً: قال: فهل رأيت محمداً؟ قال: من محمد؟ قال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: ويحك، ألا فخمته كما فخمه الله؟ فقلت: رسول الله. قال: فأخبرني، ما كانت صناعتك؟ قال: كنت رجلاً تاجراً. قال: فما بلغت تجارتك؟ قال: كنت لا أشتري عيباً ولا أرد ربحاً. قال له معاوية: سلني. قال: أسألك أن تدخلني الجنة. قال: ليس ذلك بيدي ولا أقدر عليه، قال: أسألك أن ترد علي شبابي، قال: ليس ذاك بيدي ولا أقدر عليه، قال: لا أرى بيديك شيئاً من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة. قال: فردني من حيث جئت، قال: أما هذا فنعم. ثم أقبل معاوية على أصحابه، فقال: لقد أصبح هذا زاهداً فيما أنتم فيه راغبون. قالوا: كذا جاء اسمه، فالله أعلم، هل هو اسمه الذي سمي به، أو هو اسم سمى به نفسه عند طول عمره؟

امرؤ القيس بن حجر

امرؤ القيس بن حجر ابن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار ابن عمرو بن معاوية بن الحارث بن يعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة، أبو يزيد ويقال أبو وهب ويقال أبو الحارث. كان بأعمال دمشق. وقد ذكر مواضع من أعمالها في شعره، فمن ذلك قوله: " من الطويل " قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوبٍ وشمأل وكل هذه مواضع معروفة بحوران ونواحيها. ومن ذلك قوله في قصيدة: " من الطويل " ولما بدا حوران والآل دونه ... نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا ثم قال بعدها أبيات منها: لقد أنكرتني بعلبك وأهلها ... ولابن جريجٍ كان في حمص أنكرا ففي كتاب طبقات الشعراء للجاهليين: في الطبقة الأولى: امرؤ القيس بن حجر. قال ابن كلبي: إنما سمي حجر بن عمرو بن معاوية الأكرمين آكل المرار لأن امرأته هند بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية الأكرمين لما أغار عليه ابن الهيولة السليحي فأخذها، فقال:

كيف ترين الآن حجراً؟ فقالت: أراه والله خبيث الطلب، شديد الكلب، كأنه بعير أكل مراراً. والمرار نبتٌ حارٌ يأكله البعير، فيتقلص منه مشفره. وكان حجر أفوه خارج الأسنان فشبهته به، فسمي آكل المرار بذلك. حدث ابن الكلبي أن قوماً أتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسألوه عن أشعر الناس. فقال: ائتوا ابن الفريعة، يعني حسان. فأتوه. فقال: ذو القروح، يعني: امرؤ القيس، فرجعوا فأخبروا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: صدق، رفيع في الدنيا خامل في الآخرة، شريف في الدنيا، وضيع في الآخرة، هو قائد الشعراء إلى النار. أو كما قال. قال محمد بن الحسن المخزومي: قيل لحسان بن ثابت: من أشعر الناس؟ قال: أبو أمامة يعني النابغة الذبياني. قال: ثم من؟ قال: حسبك بي مناضلاً أو منافحاً. قيل: فأين أنت من امرؤ القيس؟ قال: إنما كنت في ذكر الإنس. قدم قوم من اليمن على سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا: يا محمد أحيانا الله ببيتين من شعر امرئ القيس بن حجر. قال: " وكيف ذلك "؟ قالوا: أقبلنا نريدك فضللنا فبقينا ثلاثاً بغير ماء، فاستظللنا بالطلح والسمر وفي رواية فانطلق كل رجل منا إلى أصل شجرةٍ ليموت في ظلها فبينا نحن في آخر رمق إذ أقبل فأقبل راكب متلثم بعمامة، وتمثل رجل منا ببيتين: " من الطويل " ولما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائضها دامي تيممت العين التي عند ضارجٍ ... يفيء عليها الطلح عرمضها طامي فقال الراكب: من يقول هذا الشعر؟ قال: امرؤ القيس بن حجر. قال: فلا والله

ما كذب. هذا ضارج عندكم، فحبونا على الركب إلى ماء كما ذكر، عليه العرمض، يفيء عليه الطلح، فشربنا رينا، وحملنا ما بلغنا من الطريق. فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسيٌ في الآخرة، خاملٌ فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعر إلى النار ". ويقال: إن لبيداً قدم المدينة قبل إسلامه فقال رجل من قريش لرجل منهم: انهض إلى لبيد، فاسأله أن يسأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أشعر الناس؟ فنهض إليه فسأله. قال: " إن شئت أخبرتك من أعلمهم ". قال: بل أشعرهم. قال: " يا حسان! أعلمه "، فقال حسان: الذي يقول: " من الطويل " كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي قال: هذا امرؤ القيس، فمن الثاني؟ قال: " يا حسان أعلمه ". قال: الذي يقول: " من المتقارب " كأن تشوفه بالضحى ... تشوف أزرق ذي مخلب إذا سل عنه جلالٌ له ... يقال سليبٌ ولم يسلب قال لبيد: وهذا له أيضاً. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لو أدركته لنفعته ". ثم قال: " معه لواء الشعراء يوم القيامة حتى يتدهدى بهم في النار ". فقال لبيد: ليت هذه المقالة قيلت لي، وأني أدهدى في النار، ثم أسلم بعد، فحسن إسلامه. قال أبو سليمان الخطابي في حديث عمر، أنه ذكر امرأ القيس، فقال: خسف لهم عين الشعر، وافتقر عن معانٍ عورٍ أصح بصراً. فسره ابن قتيبة في كتابه، فقال: خسف من الخسيف، وهو البئر يحفر في حجارة،

فيستخرج منها ماءٌ كثير. وافتقر: فتح، وهو من الفقير. والفقير: فم القناة. وقوله: عن معان عور. يريد أن امرأ القيس من اليمن، وليست لهم فصاحة. قال أبو سليمان: هذا لا وجه له، ولا موضع لاستعماله فيمن لا فصاحة له، وإنما أريد بالعور ههنا: غموض المعاني ودفنها من قولك: عورت الركية إذا دفنتها، وركية عوراء، قال الشاعر: " من الزجر " ومنهل أعور إحدى العينين ... بصيرة الأخرى أصم الأذنين جعل العين التي تنبع بالماء بصيرة، وجعل المندفنة عوراء، فالمعاني العور على هذا: هي الباطنة الخفية. كقولك: هذا كلام معمى: أي غامض غير واضح. أراد عمر أنه قد غاص على معان خفية على الناس، فكشفها لهم. وضرب العور مثلاً لغموضها وخفائها، وصحة البصر مثلاً في ظهورها وبيانها. وذلك كما أجمعت عليه الرواة، من سبقه إلى معان كثيرة لم يحتذ فيها على مثال متقدم: كابتدائه في القصيدة بالنسيب، والبكاء في الأطلال، والتشبيهات المصيبة، والمعاني المقتضبة التي تفرد بها، فتبعه الشعراء عليها، وامتثلوا رسمه فيها. قال يونس بن حبيب: علماء البصرة يقدمون امرأ القيس بن حجر، وأله الكوفة يقدمون الأعشى، وأهل الحجاز والبادية يقدمون زهيراً والنابغة. قال ابن سلام: واحتج لامرئ القيس من يقدمه، وليس أنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها، استحسنتها العرب واتبعته فيها الشعراء، منه: استيقاف صحبه، والبكاء في الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء والبيض، وتشبيه الخيل بالعقبان والعصي وقيد الأوابد، وأجاد في التشبيه، وفصل بين النسيب وبين

المعنى، وكان أحسن طبقته تشبيهاً؛ وأحسن الإسلام تشبيهاً ذو الرمة. قال أبو عبيدة: ذهبت اليمن بجد الشعر وهزله؛ فجده امرؤ القيس، وهزله أبو نواس. سئل الفراء يحيى بن زياد القيسي النحوي عن أشعر العرب؟ فأبى أن يقول، فقيل له: إنك لهذا موضع فقل، فقال: كان زهير بن أبي سلمى واضح الكلام، مكتفية بيوته، البيت منها بنفسه كافٍ، وكان جيد المقاطع، وكان النابغة جزل الكلام حسن الابتداء والمقطع، يعرف في شعره قدرته على الشعر، لم يخالطه ضعف الحداثة. وكان امرؤ القيس شاعرهم الذي علم الناس الشعر والمديح والهجاء بسبقه إياهم، وإنه إن كان خارجاً من حد الشعراء ينوفهم وكان لطرفة شيء ليس بالكثير، وليس كما يذهب إليه بعض الناس لحداثته، وكان لو متع بسنٍّ حتى يكبر معه شعره، كان خليقاً أن يبلغ المبالغ. وكان الأعشى يضع لسانه من الشعر حيث شاء، وكان الحطيئة نقي الشعر، قليل السقط، حسن الكلام مستويه، وكان لبيد وابن مقبل يجريان مجرىً واحداً في خشونة الكلام وصعوبته. وليس ذلك بمحمودٍ عند أهل الشعر، وأهل العربية يشتهونه لكثرة غريبه، وليس يجود الشعر عند أهله حتى يكون صاحبه يقدر على تسهيله وإيضاحه؛ فإذا نزلت عن هؤلاء فجرير والفرزدق، فهما اللذان فتقا الشعر وعلما الناس، وكادا يكونان خاتمي الشعر. وكان ذو الرمة مليح الشعر يشبه فيجيد ويحسن، ولم يكن هجاءً ولا مداحاً، وليس الشاعر إلا من هجا فوضع، أو مدح فرفع، كالحطيئة والأعشى فإنهما كانا يرفعان ويضعان، ثم قال الفراء: والله الرافع والواضع. قال ابن الكلبي: لما أقبل امرؤ القيس بن حجر يريد بني أسد ثائراً بأبيه، وكان مرثد بن علس بن ذي حزن ملك جهينة قد أمده بخمس مائة رجل من حمير رماة، فسار حتى مر بتبالة وبها ذو الخلصة، وكانت العرب كلها تعظمه، فدخل امرؤ القيس عليه وعنده قداح له ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص، يستسقم في قتال بني أسد، فخرج

الناهي، فأعاد، فخرج الناهي، فأعاد، فخرج الناهي، فكسر الأقداح وضرب بها وجه ذي الخلصة، وقال: عضضت بأير أبيك، لو كان أبوك المقتول لما عوقتني، ثم أغار على بني أسد فقتلهم قتلاً ذريعاً، فلم يستسقم عند ذي الخلصة حتى جاء الله بالإسلام. قال أبو عمرو بن العلاء: أقبل امرؤ القيس حتى لقي الحارث التوأم اليشكري وكان الحارث يكنى أبا شريح، فقال امرؤ القيس: " من الوافر " أحار ترى بريقاً لم يغمض فقال الحارث: كنار مجوس تستعر استعارا فقال امرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال الحارث: إذا ما قلت قد هدأ استطارا فقال امرؤ القيس: كأن حنينه والذعر فيه فقال الحارث: عشارٌ ولهٌ لاقت عشارا فقال امرؤ القيس: فلم يترك ببطن الجو ظبياً فقال الحارث: ولم يترك بعرصتها حمارا

فقال امرؤ القيس: فلما إذ علا بقفا أضاحٍ قال الحارث: وعت أعجاز ريقه فحارا فقال امرؤ القيس: لا بغيت أحداً بعدك بالشعر. قال الشافعي: قال امرؤ القيس: " من الطويل " ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن السر أمثالي كذبت لقد أصبي على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي ومن شعره: فلو أن ما سعى لأدنى معيشةٍكفاني ولم أطلب قليلٌ من المال ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي قال خالد بن يزيد الكاتب: بينا أنا مارٌ بباب الطاق إذ براكب خلفي على بغلة، فلما لحقني نخسني بسوطه، فقال: أنت القائل يا خويلد: وليل المحب بلا آخر؟ قلت: نعم! قال: لله أبوك، وصف امرؤ القيس الليل الطويل في ثلاثة أبيات، ووصفه النابغة في ثلاثة أبيات، ووصفه بشار بن برد في ثلاثة أبيات، وبرزت عليهم بشطر

كلمة فلله أبوك. قلت: وبم وصفه امرؤ القيس؟ فقال: بقوله: " من الطويل " وليلٍ، كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبحٍ وما الإصباح فيك بأمثل قلت: وبما وصفه النابغة؟ فقال: بقوله: " من الطويل " كليني لهمٍّ يا أميمة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب وصدرٍ أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الهم من كل جانب تقاعس حتى قلت ليس بمنقضٍ ... وليس الذي يهدي النجوم بآيب قلت له: وبم وصفه بشار؟ فقال: بقوله: " من الطويل " خليلي ما بال الدجى لا تزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح؟ أظن الدجى طالت وما طالت الدجى ... ولكن أطال الليل سقم مبرح أضل النهار المستنير طريقه ... أم الدهر ليلٌ كله ليس يبرح؟ قلت له: يا مولاي هل لك في شعر قلته لم أسبق إليه؟ قال: نعم. فقلت: " من مجزوء الرمل " كلما اشتد خضوعي ... لجوىً بين ضلوعي ركضت في حلبتي خد ... ي خيلٌ من دموعي قال: فثنى رجله من بغلته وقال: هاكها فاركبها فأنت أحق بها مني. فلما مضى سألت عنه فقيل: هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي.

امرؤ القيس بن عابس بن المنذر

ومن شعر امرئ القيس: " من الطويل " إذا قلت هذا صاحبٌ قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت آخرا وذلك أني لم أثق بمصاحبٍ ... من الناس إلا خانني وتغيرا ولما احتضر امرؤ القيس بأنقرة نظر إلى قبر فسأل عنه فقالوا: قبر امرأة غريبة فقال: " من الطويل " أجارتنا إن المزار قريب ... وإني مقيمٌ ما أقام عسيب أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريبٍ للغريب نسيب وروي أن هذين البيتين وجدا على قبر أبي نواس مكتوبين والبيت الأول: أجارتنا إن الخطوب تنوب امرؤ القيس بن عابس بن المنذر ابن امرئ القيس بن عمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية ابن كندة، وهو ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الكندي، وفد على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأسلم، ورجع إلى بلاد قومه، وثبت على إسلامه، فلم يرتد مع من ارتد من كندة، ثم خرج إلى الشام مجاهداً وشهد اليرموك. وكان امرؤ القيس بن عابس نازلاً ببيسان من الشام. وكان شاعراً.

أمية بن أبي الصلت عبد الله

حدث رجاء بن حيوة وعرس بن عميرة أن رجلاً من حضرموت وامرأ القيس بن عابس كان بينه وبين آخر خصومة في أرض له، فأتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحضرمي البينة، فلم تكن له بينة، فقضى على امرئ القيس باليمين، فقال الحضرمي: يا رسول الله، أمكنته من اليمين، ذهبت والله أرضي، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها - يعني مال امرئٍ مسلم - لقي الله يوم يلقاه وهو عليه غضبان ". قال: فدعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امرأ القيس فتلا عليه هذه الآية: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً " إلى آخر الآية. قال امرؤ القيس: يا رسول الله، ماذا لمن تركها؟ قال: " الجنة ". قال: فإني أشهدك أني قد تركتها. وكان امرؤ القيس جاهلياً وأدرك الإسلام. ووفد إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يرتد في أيام أبي بكر، وأقام على الإسلام، وكان له غناءٌ في الردة، وهو القائل: " من الوافر " ألا أبلغ أبا بكرٍ رسولاً ... وخص بها جميع المسلمينا فلست مجاوراً أبداً قبيلاً ... بما قال الرسول مكذبينا دعوت عشيرتي للسلم حتى ... رأيتهم أغاروا مفسدينا فلست مبدلاً بالله رباً ... ولا متبدلاً بالسلم دينا أمية بن أبي الصلت عبد الله ابن أبي ربيعة بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وهو قسي بن منبه بن بكر بن هوازن، أبو عثمان، ويقال أبو الحكم الثقفي. شاعر جاهلي، قدم دمشق قبل الإسلام، وقيل: إنه كان نبياً وإنه كان في أول أمره على الإيمان، ثم زاغ عنه، وأنه هو الذي أراد الله تعالى بقوله: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ".

قال أبو سفيان: خرجت وأمية بن أبي الصلت الثقفي تجاراً إلى الشام، فكلما نزلت منزلاً أخذ أمية سفراً له يقرؤها علينا. فكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فجاؤوه وأهدوا له وأكرموه، وذهب معهم إلى بيتهم، ثم رجع في وسط النهار، فطرح ثوبيه، وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما وقال لي: يا أبا سفيان، هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب نسأله؟ قلت: لا أرب لي فيه، والله لئن حدثني بما أحب لا أثق به، ولئن حدثني بما أكره لأوجلن منه، قال: فذهب، وخالفه شيخ من النصارى، فدخل علي فقال: ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ؟ قلت: ألست على دينه، قال: وإن، فإنك تسمع منه عجباً وتراه؛ ثم قال لي: أثقفي أنت؟ قلت: لا ولكني قرشي. قال: فما يمنعك من الشيخ، فوالله إنه ليحتكم، ويوصي بكم. قال: فخرج من عندنا، ومكث أمية حتى جاءنا، بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه ثم انجدل على فراشه، فوالله ما نام ولا قام حتى أصبح كئيباً حزيناً ساقطاً غبوقه على صبوحه، ما يكلمنا ولا نكلمه، ثم قال: ألا ترحل؟ قلت: وهل بك من رحيل؟ قال: نعم، قال: فرحلنا فسرنا بذلك ليلتين من همه، ثم قال لي في الليلة الثالثة: ألا تحدث يا أبا سفيان؟ قلت: وهل بك من حديث؟ قال: والله ما رأيت مثل الذي رجعت به من عند صاحبك، قال: أما إن ذلك لشيءٌ لست فيه إنما ذلك جلت به من منقلبي؟ قال: قلت: وهل لك من منقلب؟ قال: إني والله لأموتن ثم لأحيين، قال: قلت: هل أنت قابل أمانتي؟ قال: على ماذا؟ قلت: على أنك لا تبعث ولا تحاسب، قال: فضحك ثم قال: بلى والله يا أبا سفيان، لنبعثنّ ولنحاسبنّ وليدخلنّ فريق الجنة وفريق النار، فقلت: ففي أيهما أنت أخبرك صاحبك؟ قال: لا علم لصاحبي بذلك لا فيّ ولا في نفسه، قال: فكان في ذلك ليلتين، يعجب مني وأضحك منه حتى قدمنا غوطة دمشق فبعنا متاعنا فأقمنا بها شهرين، فارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى، فلما رأوه جاؤوه وأهدوا له وذهب معهم إلى بيعتهم حتى بعدما انتصف النهار، فلبس ثوبيه وذهب إليهم حتى جاءنا بعد هدأة الليل، فطرح ثوبيه ورمى بنفسه على فراشه، فوالله ما نام ولا قام وأصبح حزيناً كئيباً لا يكلمنا ولا نكلمه، ثم قال: ألا ترحل؟ قلت: بلى إن شئت، فرحلنا كذلك من بثه وحزنه ليالي، ثم قال لي: يا أبا سفيان، هل لك في المسير نتقدم أصحابنا؟ قلت: هل لك فيه؟ قال: فسر،

فسرنا حتى برزنا من أصحابنا ساعة ثم قال: هيا صخر! قلت: ما تشاء؟ قال: حدثني عن عتبة بن ربيعة أيجتنب المظالم والمحارم؟ قلت: إي والله، قال: ويصل الرحم ويأمر بصلتها؟ قلت: إي والله. قال: وكريم الطرفين وسيط في العشيرة؟ قلت: نعم. قال: فهل تعلم قرشياً أشرف منه؟ قلت: لا والله لا أعلمه. قال: أمحوج هو؟ قلت: لا بل هو ذو مال كثير. قال: وكم أتى عليه من السن؟ قلت: قد زاد على المائة. قال: فالشرف والسن والمال أزرين به. قلت: ولم ذاك يزري به؟ لا والله بل يزيده خيراً. قال: هو ذلك، هل لك في المبيت؟ قلت: هل لي فيه؟ قال: فاضطجعنا حتى مر الثقل، قال: فسرنا حتى نزلنا في المنزل، وبتنا به، ثم رحلنا منه، فلما كان الليل قال لي: يا أبا سفيان، قلت: ما تشاء؟ قال: هل لك في مثل البارحة؟ قلت: هل لي فيه؟ قال: فسرنا على ناقتين بختيتين حتى إذا برزنا قال: هيا صخر هيه عن عتبة بن ربيعة، قلت: هيهاً فيه، قال: أيجتنب المظالم والمحارم ويصل الرحم، ويأمر بصلتها؟ قلت: إي والله إنه ليفعل. فقال: وذو مال؟ قال: أتعلم قرشياً أسود منه؟ قلت: لا والله ما أعلمه. قال: كم أتى له من السن؟ قلت: قد زاد على المائة، قال: فإن السن والشرف والمال أزرين به. قلت: كلا والله ما أزرى به ذاك، وأنت قائل شيئاً فقله. قال: لا تذكر حديثي حتى يأتي منه ما هو آتٍ، ثم قال: فإن الذي رأيت أصابني أني جئت هذا العالم، فسألته عن أشياء، ثم قلت: أخبرني عن هذا النبي الذي ينتظر قال: هو رجل من العرب. قلت: قد علمت أنه من العرب فمن أي العرب هو؟ قال: من أهل بيت يحجه العرب. قلت: وفينا بيت يحجه العرب؟! قال: هو من إخوانكم من قريش، قال: فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط، وخرج من يدي فوز الدنيا والآخرة وكنت أرجو أن أكون إياه. فقلت: فإذا كان ما كان فصفه لي، قال: رجل شاب حتى دخل في الكهولة، بدوّ أمره يجتنب المظالم والمحارم ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة، أكثر جنده الملائكة. قلت: وما آية ذلك؟ قال: قد رجفت الشام منذ هلك عيسى بن مريم عليه السلام ثلاثين رجفة كلها مصيبة وبقيت رجفة عامة فيها مصائب. قال أبو سفيان: قلت له: هذا والله الباطل. لئن بعث الله رسولاً لا يأخذه إلا

مسناً شريفاً. قال أمية: والذي حلفت به إن هذا لهكذا يا أبا سفيان، تقول إن قول النصراني حق. هل لك في المبيت؟ قلت: هل لي فيه؟ قال: فبتنا حتى جاءنا الثقل، ثم خرجنا حتى إذا كنا بيننا وبين مكة ليلتان أدركنا راكب من خلفنا، فسألناه، فإذا هو يقول أصابت أهل الشام بعدكم رجفةٌ، دمر أهلها وأصابتهم فيها مصائب عظيمة. قال أبو سفيان: فأقبل علي أمية فقال:: كيف ترى قول النصراني يا أبا سفيان؟ قلت: أرى والله وأظن أن ما حدثك صاحبك حق. قال: فقدمنا مكة، فقضيت ما كان معي ثم انطلقت حتى جئت اليمن تاجراً، فكنت بها خمسة أشهر، ثم قدمت مكة، فبينا أنا في منزلي جاءني الناس، يسلمون علي، ويسألون عن بضائعهم، ثم جاءني محمد بن عبد الله، وهند عندي تلاعب صبيانها، فسلم علي ورحب بي وسألني عن سفري ومقامي، ولم يسلني عن بضاعته، ثم قام فقلت لهند: والله إن هذا يعجبني، ما من أحد من قريش له معي بضاعة إلا قد سألني عنها، وما سألني هذا عن بضاعته، فقالت لي هند: وما علمت شأنه؟ قلت وفزعت: ما شأنه؟ قالت: يزعم أنه رسول الله، فوقذتني، وذكرت قول النصراني فوجمت حتى قالت هند: ما لك؟ فانتبهت فقلت: إن هذا لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا. قالت: بلى والله إنه ليقول ذلك، ويواتى عليه وإن له لصحابة على دينه. قلت: هذا الباطل. قال: وخرجت فبينا أنا أطوف بالبيت لقيته فقلت: إن بضاعتك قد بلغت كذا وكذا وكان فيها خير فأرسل فخذها ولست آخذ منك فيها ما آخذ من قومي، فأبى علي وقال: إذاً لا آخذها. فأرسلت: فأرسل فخذها وأنا آخذ منك ما آخذ من قومي. فأرسل إلى بضاعته فأخذها، وأخذت منه ما كنت آخذ من غيره ولم أنشب أن خرجت إلى اليمن، فقدمت الطائف، فنزلت على أمية بن أبي الصلت، فقلت له: يا أبا عثمان، قال: ما تشاء؟ قلت: هل تذكر حديث النصراني؟ قال: أذكره. قلت: فقد كان. قال: ومن؟ قلت: محمد بن عبد الله. قال: ابن عبد المطلب؟ قلت: ابن عبد المطلب، ثم قصصت عليه خبر هند. قال: فالله يعلم لتصبب عرقاً، ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله أن صفته لهي، ولئن ظهر وأنا حي لآتلين إلى الله في نصره عذراً. قال: ومضيت إلى

اليمن فلم أنشب أن جاءني هناك استهلاله، فأقبلت حتى نزلت على أمية بن أبي الصلت بالطائف، فقلت: أبا عثمان، قد كان أمر الرجل ما قد بلغك وسمعت، قال: قد كان لعمري. قلت: فأين أنت منه يا أبا عثمان؟ قال: والله ما كنت لأومن برسول من غير ثقيف أبداً. قال أبو سفيان: وأقبلت إلى مكة فوالله ما أنا ببعيد حتى جئت مكة فوجدت أصحابه يضربون ويحقرون، قال أبو سفيان: فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟ قال: فدخلني ما يدخل الناس من النفاسة. وعن نافع بن عاصم بن مسعود قال: إنني لفي حلقة فيها عبد الله بن عمر فقرأ رجل من القوم الآية التي في الأعراف: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ". قال هل تدرون من هو؟ قال بعضهم: هو صيفي بن الراهب، وقال آخر: بل هو بلعم رجل من بني إسرائيل. قال: لا. قالوا: فمن هو؟ قال: هو أمية بن أبي الصلت. قال الكلبي: بينا أمية راقد ومعه ابنتان له؛ إذ فزعت إحداهما فصاحت عليه، فقال: ما شأنك؟ قالت: رأيت نسرين كشطا سقف البيت فنزل أحدهما إليك فشق بطنك والآخر واقف على ظهر البيت، فناداه، فقال: أوعى؟ قال: نعم، قال: أزكا؟ قال: لا، فقال: ذاك خير أريد بأبيكما فلم يقبله. حدث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: استنشدني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته مائة بيت كلما أنشدته ما فيه قال: " إنه قد كاد أن يسلم ".

وحدث الشريد الهمداني قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجة الوداع، فبينا أنا أمشي ذات يوم إذا وقع ناقة خلفي، فالتفت فإذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: " الشريد؟ " فقلت: نعم، قال: " ألا أحملك؟ " قلت: بلى. وما بي من عناءٍ ولا لغوب، ولكن أردت البركة في ركوبي مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأناخ، فحملني، فقال: " أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت؟ " قلت: نعم. قال: " هات ". فأنشدته. قال: " أظنه قال مئة بيت، فقال: عند الله علم أمية بن الصلت ". قال أبو هريرة: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن أصدق كلمةٍ قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكاد ابن أبي الصلت أن يسلم ". وعن ابن عباس قال: أنشد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قول أمية بن أبي الصلت: " من الكامل " رجلٌ وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليثٌ مرصد فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فصدق ". وأنشد قوله: والشمس تطلع كل آخر ليلةٍ ... صفراء يصبح لونها يتورد فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صدق ". وأنشد قوله: تأبى فما تطلع لنا في رسلها ... إلا معذبةً وإلا تجلد فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صدق ". وعن عكرمة قال: قال ابن عباس: إن الشمس تطلع كل سنة في ثلاث مئة وستين كوة، تطلع كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلا ذلك اليوم من العام القابل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، فتقول: رب لا

تطلعني على عبادك فإني أراهم يعصونك، يعملون بمعاصيك. فقال: أو لم تسمعوا إلى ما قال أمية بن الصلت: حتى تجبر وتجلد؟ قلت: يا مولاي؟ أو تجلد الشمس؟ فقال: عضضت على هن أبيك إنما اضطر الروي إلى الجلد. وعن عكرمة قال: قلت لابن عباس: أرأيت ما جاء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمية بن أبي الصلت، آمن شعره، وكفر قلبه؟ فقال: هو حقٌّ فما أنكرتم من ذلك؟ قلت: أنكرنا قوله: والشمس تطلع كل آخر ليلةٍ ... صفراء يقبح لونها يتورد ليست بطالعةٍ لهم في رسلها ... إلا معذبةً وإلا تجلد ما بال الشمس تجلد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك، فيقولون لها: اطلعي اطلعي، فتقول: لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملكٌ، فيستقل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تحتها، وذلك قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما طلعت إلا بين قرني شيطان ". وما غربت الشمس قط إلا خرت لله ساجدة، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين قرنيه فيحرقه الله تحتها. وقد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ولا غربت إلا بين قرني شيطان ". قال ابن أبي الدنيا: إن لله تعالى من العلوم ما لا يحصى، يعطي كل واحد من ذلك ما لا يعطي غيره. لقد روي عن بكر السهمي عن أبيه أن قوماً كانوا في سفر، فكان فيهم رجل يمر الطائر فيقول: تدرون ما يقول هذا؟ فيقولون: لا فيقول: يقول: كذا وكذا، فيحيلنا على شيء لا ندري أصادق هو أم كاذب إلى أن مروا على غنم وفيها شاة قد تخلفت على سخلة لها، فجعلت تحنو عنقها إليها وتثغو فقال: أتدرون ما تقول هذه الشاة؟ قلنا: لا، قال: تقول للسخلة: الحقي لا يأكلك الذئب كما أكل أخاك عام أول في هذا المكان، قال: فانتهينا إلى الراعي، فقلنا له: ولدت هذه الشاة قبل عامك هذا؟ قال: نعم، ولدت سخلة عام أول، فأكلها الذئب بهذا المكان، ثم أتينا على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو يحنو عنقه إليها، فقال: أتدرون ما يقول هذا البعير؟ قلنا: لا. قال: فإنه يلعن

راكبته، ويزعم أنها رحلته على مخيط، فهو مزنر في سنامه. قال: فانتهينا إليهم، فقلنا: يا هؤلاء، إن صاحبنا هذا يزعم أن هذا البعير يلعن راكبته ويزعم أنه رحلته على مخيط وأنه في سنامه قال: فأناخوا البعير، فحطوا عنه، فإذا هو كما قال. قال الأصمعي: كل شعر قيل في السخاء غلب عليه حاتم، وكل شعر قيل في الشجاعة غلب عليه عنترة، وكل شعر قيل في الغزل غلب عليه ابن أبي ربيعة، وكل ما قيل في الزهد غلب عليه أمية بن أبي الصلت. قال الحسين بن الحسن المروزي: سألت سفيان بن عينية عن تفسير قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ". فقلت له: هذا ثناء وليس بدعاء. فقال: أما بلغك حديث منصور عن مالك بن الحارث يقول الله تعالى: " إذا شغل عبدي ثناؤه علي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي للسائلين؟ " قلت: نعم، قال: هذا تفسيره، ثم قال: أما بلغك ما قال أمية بن أبي الصلت حين أتى ابن جدعان يطلب فضله ونائله فقال: " من الوافر "

أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء ثم قال: يا حسين هذا مخلوق يكتفي بالثناء عليه دون مسألته فكيف بالخالق عز وجل؟. قال أبو عاصم: اشترى أخ لشعبة من طعام السلطان، فحبس وشركاؤه، فحبس بستة آلاف دينار بحصته، فخرج شعبة إلى المهدي ليكلمه فيه، فلما دخل عليه قال له: يا أمير المؤمنين أنشدني قتادة لأمية بن أبي الصلت بقوله لعبد الله بن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء كريمٌ لا يعطله صباحٌ ... عن الخلق الكريم ولا مساء فأرضك أرض مكرمةٍ بنتها ... بنو تيمٍ وأنت لها سماء إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء فقال: لا يا أبا سطام لا تذكرها قد عرفناها وقضيناها لك. ادفعوا إليه أخاه، لا تلزموه شيئاً. ومن شعر أمية بن أبي الصلت: " من الكامل " لا ينكتون الأرض عند سؤالهم ... لتطلب العلات بالعيدان بل يسفرون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان وإذا المقل أقام وسط رحالهم ... ردوه رب صواهل وقيان وإذا دعوتهم لكل مهمةٍ ... سدوا شعاع الشمس بالفرسان ومن شعره: " من الطويل " عطاؤك زينٌ لامرئٍ إن حبوته ... بخيرٍ وما كل العطاء يزين وليس بشينٍ لامرئٍ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين قال سعيد بن المسيب: قدمت الفارعة أخت أمية بن أبي الصلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد فتح مكة، وكانت ذات عقلٍ ولبٍ وجمال، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها معجباً، فقال لها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم: " يا فارعة هل تحفظين من شعر أخيك شيئاً؟ "، فقالت: نعم، وأعجب منه ما قد رأيت قالت: كان أخي في سفر، فلما انصرف بدأ بي، فدخل علي، فرقد على السرير وأنا أحلق أديماً في يدي إذ أقبل طائران أبيضان أو كالطيرين أبيضين، فوقع على الكوة أحدهما،

ودخل الآخر فوقع عليه فشق الواقع عليه ما بين قصته إلى عانته، ثم أدخل يده في جوفه فأخرج قلبه فوضعه في كفه ثم شمه، فقال له الطائر الأعلى: أوعى؟ قال: وعى. قال: أزكا؟ قال: أبى، ثم رد القلب إلى مكانه، فالتأم الجرح أسرع من طرفة عين، ثم ذهبا، فلما رأيت ذلك دنوت منه فحركته، فقلت: هل تجد شيئاً؟ قال: لا، إلا توصيباً في جسدي وقد كنت ارتعت مما رأيت، فقال لي: ما لي أراك مرتاعة؟ قالت: فأخبرته الخبر، فقال: خير أريد بي ثم أصرف عني، فأنشأ يقول من أبيات: " من المنسرح " باتت همومي تسري طوارقها ... أكف عيني والدمع سابقها مما أتاني من اليقين ولم ... أوت براةً يقص ناطقها أمن تلظى عليه واقدة النار محيطٌ بهم سرادقها أم أسكن الجنة التي وعد ال ... أبرار مصفوفةٌ نمارقها لا يستوي المنزلان ثم ولا ال ... أعمال لا تستوي طرائقها قالت: فلما انصرف إلى رحله لم يلبث إلا يسيراً حتى ظعن في جنازته، فأتاني الخبر، فانطلقت إليه، فوجدته منعوشاً قد سجي عليه، فدنوت منه فشهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السقف ورفع صوته: لبيكما ها أنذا لديكما لا ذو مال فيفديني ولا ذو أهل فيحميني، ثم أغمي عليه، إذ شهق شهقة، قلت: قد هلك الرجل فشق بصره نحو السقف ورفع صوته فقال: " من مجزوء الرجز "

لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما لا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو عشيرة فأنتصر، ثم أغمي عليه إذ شهق شهقةً، ونظر نحو السقف فقال: لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما إن تغفر اللهم تغفر جماً ... وأي عبدٍ لك إلا ألما ثم أغمي عليه إذ شهق شهقة فقال: لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما " من الخفيف " كل عيشٍ وإن تطاول دهراً ... صائرٌ مرةً إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا ثم مات. فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا فارغة! إن مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها " إلى آخر الآية. قال يعقوب بن السكيت: كان أمية بن أبي الصلت بسرف قال: فجاء غراب، فنعب نعبة فقال له أمية: بفيك التراب، ثم نعب نعبة أخرى قال: بفيك التراب، ثم أقبل على أصحابه، فقال: تدرون ما قال الغراب؟ يزعم أني أشرب هذا الكأس ثم أتكئ فأموت، ثم نعب نعبة أخرى، فقال: وآية ذلك أني أقع على هذه المزبلة فأبتلع عظماً ثم أقع فأموت قال: فوقع الغراب على المزبلة فابتلع عظماً فمات، فقال أمية: أما هذا فقد صدقني عن نفسه ولكن لأنظرن أيصدقني عن نفسي؟ قال: فشرب الكأس ثم اتكأ فمات. قال ابن شهاب: قال أمية ابن أبي الصلت: " من البسيط " ألا رسول لنا منا يخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا

قال: ثم خرج أمية إلى البحرين ونبئ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأقام أمية بالبحرين ثماني سنين، ثم قدم الطائف، فقال لهم: ما يقول محمد بن عبد الله؟ قالوا: يزعم أنه نبي فهو الذي كنت تتمنى. قال: فخرج حتى قدم عليه مكة. قال: فلقي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا بن عبد المطلب ما هذا الذي تقول؟ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أقول أني رسول الله وأن الله لا إله إلا هو ". قال: فإني أريد أن أكلمك، تعدني غداً؟ قال: " فموعدك غداً ". قال: فتحب أن آتيك وحدي أو في جماعة من أصحابي وتأتي وحدك أو في جماعة من أصحابك؟ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أي ذلك شئت ". قال: فإني آتيك في جماعة فأت في جماعة، فلما كان الغد غدا أمية في جماعةمن قريش قال: وغدا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معه نفرٌ من أصحابه حتى جلسوا في ظل البيت. قال: فتبدأ أمية فخطب، ثم سجع ثم أنشد الشعر قال: حتى إذا فرغ قال: أجبني يا بن عبد المطلب قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بسم الله الرحمن الرحيم يس والقرآن الحكيم ". قال: حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه قال: فتبعته قريش تقول: ما تقول يا أمية؟ قال: أشهد أنه الحق. قالوا: فهل تتبعه؟ قال: حتى أنظر في أمره. قال: ثم خرج أمية إلى الشام. قال: وقدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، فلما قتل أهل بدر، أقبل أمية من الشام حتى نزل بدراً، قال: ثم ترحل يريد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فقال قائل: يا بن أبي الصلت ما تريد؟ قال: أريد محمداً. قال: وما تصنع؟ قال: أؤمن به وألقي إليه مقاليد هذا الأمر. قال: تدري من في القليب؟ قال: لا. قال: فيه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وهما ابنا خالك وأمه رقيقة بنت عبد الشمس. قال: فجدع أنف ناقته وقطع ذنبها، ثم وقف على القليب يقول: " من مجزوء الكامل " ماذا ببدرٍ فالعقن ... قل من مرازبةٍ جحاجح قال: فرجع إلى مكة وترك الإسلام، فخرج حتى قدم الطائف، وقدم على أخته فوجدها تجلي أدماً لها، وذكر حديث الطائرين وشق بطنه وإخراج قلبه، وقول الأعلى منهما: أوعى؟ قال: وعى. قال: أقبل؟ قال: أبى. قال: فرده، ثم طار، فأتبعهما

أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد

أمية بصره، وقال: لبيكما لبيكما وقص بقية الحديث وأنشأ يقول من أبيات: " من الخفيف " ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قنان الجبال أرعى الوعولا فاجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدهر إن للدهر غولا وخرج من عندها حتى إذا كان بين بيتها وبيته أدركه الموت. قال: ففيه أنزل الله عز وجل: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ". أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي. أصله من مكة قدم على عبد الملك وكانت داره بدمشق. عن أمية بن عبد الله بن خالد أنه سأل عبد الله بن عمر قال: قلت له: أرأيت قصر الصلاة في السفر إنا لا نجدها في كتاب الله، إنما نجد ذكر صلاة الحضر؟ قال أمية: قال عبد الله بن عمر: يا بن أخي إن الله أرسل إلينا محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا نعلم شيئاً، وإنما نعمل ما رأينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل. وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال خليفة بن خياط: وفي سنة ثلاث وسبعين بعث خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وهو والي البصرة أخاه أمية بن عبد الله إلى البحرين إلى أبي فديك في جمع كثير، فالتقوا فانهزم أمية وأهل البصرة.

أمية بن عبد الله بن عمرو

قال: سنة أربع وسبعين، فيها بعث عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي إلى أبي فديك، فقتل أبو فديك، وكتب عبد الملك إلى بكير: إن قتلت ابن خازم أو أخرجته من خراسان فأنت الأمير، فقتل بكيرٌ ابن خازم، وأقام والياً على حتى قدم أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد فعزله، وولى أمية - يعني خراسان - ثم عزله، وولى المهلب بن أبي صفرة في سنة تسع وسبعين سجستان ولاها عبد الملك عبد الله بن علي بن عدي ثم عزله، وضمها من خراسان إلى أمية بن عبد الله، وذلك سنة ثلاث وسبعين، فولى أمية ابنه عبد الله بن أمية نحواً من ثلاث سنين فعزله عبد الملك، وولى محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، فقتله شبيب الحروري بالأهواز قبل أن يصل إليها، وذلك سنة سبع وسبعين، ثم عزل أمية فضمت إلى الحجاج. ومات أمية بن عبد الله في ولاية عبد الملك. وقيل: إن أمية بن خالد وخالد بن يزيد بن معاوية وروح بن زنباع ماتوا بالصنبرة في عام واحد. وقيل: مات روح في سنة أربع وثمانين، وقال: أبو الحسن المدائني: مات أمية بن عبد الله بن خالد سنة سبع وثمانين. أمية بن عبد الله بن عمرو ابن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية أبو عثمان القرشي الأموي. حدث عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث مروان بن الحكم وهو أمير المدينة قال: خلق الله عز وجل الملائكة لعبادته أصنافاً، وإن منهم لملائكة قياماً صافين من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة ركوعاً خشوعاً من يوم خلقهم إلى يوم القيامة وملائكة سجوداً منذ خلقهم الله إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم تبارك وتعالى ونظروا إلى وجهه الكريم قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.

أمية بن عثمان الدمشقي

قال أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان: قدمت الصائفة غازياً، فدخلت على عمر بن عبد العزيز، فرحب بي وقال: أين يا أبا عثمان؟ قلت: غازياً إن شاء الله، قال: صنعت الذي يشبهك وما كان عليه أولوك وخيار سلفك، إن ها هنا شيئاً قد أمرنا به لمثل من كان في وجهتك، قال: فقبلت ذلك وكان خمسين ديناراً، فلما رجعت مررت عليه، فقال لي مثل مقالته الأولى، فقلت: يا أمير المؤمنين ما يقع مني هذا موقعاً. قال: ما يزيد على هذا أحد، ولو وجدت سبيلاً إلى أن أعطيك غيره من بيت مال المسلمين لفعلت، فقلت: إن لي ولداً، قال: هذا حق نكتب لك إلى عاملك من كان منهم يطيق معاملة المسلمين في مغازيهم فرض له في عيال المسلمين. قلت: فإن علي ديناً فاقضه عني، قال: هذا حق نكتب لك إلى عاملك، فيبيع مالك فيقضي دينك، وما فضل عليك قضاه من بيت مال المسلمين، فقلت له: والله ما جئتك لتفلسني وتبيع مالي. قال: والله ما هو غيره. قال أمية بن عبد الله: كنا عند عمر بن عبد العزيز فقال رجل لرجل: تحت إبطك، فقال عمر: ما على أحدكم أن يتكلم بأجمل ما يقدر عليه، قالوا: وما ذاك؟ قال: لو قال تحت يدك كان أجمل. وكان أمية غزا طيئاً يوم المنتهب فهزمته وفي سنة ثلاثين ومائة يوم القديد قتل أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان. أمية بن عثمان الدمشقي حكى عنه محمد بن عكاشة الكرماني أصول السنة على ما قيل. قدم محمد بن عكاشة الكرماني البصرة سنة خمس وعشرين ومائتين، فقال: هذا ما اجتمع أهل السنة والجماعة ممن رأيت وسمعت من أهل العلم منهم: سفيان بن عينية، فذكر

جماعة، ثم قال: وأمية بن عثمان الدمشقي وأحمد بن خالد الدمشقي، فذكر ما عليه أهل السنة من السنن. قال محمد بن عكاشة وقد كان روى لنا عن الزهري قال: من اغتسل ليلة الجمعة وصلى ركعتين يقرأ فيهما " قل هو الله أحد " ألف مرة، رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامه. قال محمد بن عكاشة فدمت عليه نحواً من سنتين أغتسل كل ليلة جمعة وأصلي ركعتين أقرأ فيهما " قل هو الله أحد " ألف مرة طمعاً أن أرى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأعرض عليه هذه الأصول قال: فأتت علي ليلة باردة، فاغتسلت طمعاً أن أرى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصليت ركعتين قرأت فيهما " قل هو الله أحد " ألف مرة، فلما أخذت مضجعي أصابني حلم، فقمت الثانية فاغتسلت، ثم صليت ركعتين قرأت فيهما " قل هو الله أحد " ألف مرة فلما فرغت منهما كان قريباً من السحر فاستندت إلى الحائط ووجهي إلى القبلة، فجاءني النوم، فدخل علي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على النعت والصفة وعليه بردان من هذه البرود الثمانية، قد تأزر بإزار وارتدى بآخر فجثا مستوفزاً على رجله اليسرى وأقام اليمنى. قال محمد بن عكاشة فأردت أن أقول حياك الله يا رسول الله، فبدأني فقال: حياك الله. قال: وكنت أحب أن أرى رباعيته المكسورة فتبسم فرأيت رباعيته المكسورة فقلت: يا رسول الله الفقهاء قد خلطوا علي في الاختلاف وعندي أصيلات من السنة أعرضها قال: نعم. قلت: الرضى بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والصبر على حكمه، والأخذ بما أمر الله، والنهي عما نهى الله، وإخلاص العمل، والإيمان بالقدر خيره وشره، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين، والمسح على الخفين، والجهاد مع كل خليفة، والصلاة يوم الجمعة مع كل بر وفاجر والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة، والإيمان قول وعمل، والإيمان يزيد وينقص، والقرآن كلام الله، والصبر تحت لواء السلطان على ما كان منهم من عدل أو جور، ولا نخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا، ولا ننزل أحداً من أهل القبلة جنة ولا ناراً، ولا نكفر أحداً من أهل التوحيد وإن عملوا بالتوحيد والكف عن مساوئ أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأفضل الناس بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان قال محمد بن عكاشة: فوقفت على علي وعثمان كأني هبت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أفضل عثمان على علي، فقلت في نفسي: علي ابن عمه وختنه، فتبسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأنه قد علم، فقال: " عثمان ثم علي " ثم قال: " هذه السنة فتمسك بها ". وضم أصابعه وعقد على ثلاثةٍ وتسعين، وحول الإبهام

أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص

وعطفها على أصابعه. قال محمد بن عكاشة: فعرضت هذه الأصول عليه ثلاث ليال كل ليلة أقف على علي وعثمان فيبتسم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند قولي كأنه قد علم، ثم يقول: " عثمان ثم علي "، فكنت أعرض عليه هذه الأصول وعيناه تهطلان. قال: فلما قلت: والكف عن مساوئ أصحابك انتحب حتى علا صوته. قال ابن عكاشة: ووجدت حلاوة في فمي وقلبي فمكثت ثمانية أيام لا آكل طعاماً حتى ضعفت عن صلاة الفريضة فلما أكلت ذهبت عني الحلاوة. وقد روي عن منبه بن عثمان بدل أمية. قال: وهو الصحيح. أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص ابن سعيد بن العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي والد إسماعيل بن أمية كان بالشام عند قتل أبيه وبعد ذلك، وكان عند عمر بن عبد العزيز وسكن مكة. حدث محمد بن كعب قال: كنا بخناصرة في مجلس فيه أمية بن عمرو بن سعيد وعراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز فقال عمر بن عبد العزيز: ما أحد أكرم على الله عز وجل من كريم بني آدم قال الله عز وجل: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " وقال أمية بن عمرو مثل قول عمر بن عبد العزيز فقال عراك بن مالك: ما أحد أكرم على الله من ملائكته، هم خدمة داريه ورسله إلى أنبيائه، وما خدع إبليس آدم إلا أنه قال: " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما من الناصحين " قال: فقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيك يا أبا حمزة - يعني محمد بن كعب - فيما امترينا فيه؟ قال: قلت: قد أكرم الله آدم خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة أن يسجدوا له وجعل من ذريته من تزوره الملائكة، وجعل من ذريته الأنبياء والرسل وأما قوله " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " فهذا للخلائق كلهم قال الله تعالى: " والذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون

أمية بن يزيد بن أبي عثمان

بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً " الآية، فهؤلاء من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم ذكر الجن فقال: إنهم قالوا: " وإنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً وأنا منا المسلمون " فهؤلاء من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم جمع الخلائق كلهم وقال: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " فهؤلاء من الملائكة والإنس والجن ليس خاصة لبني آدم. أمية بن يزيد بن أبي عثمان ابن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أمية الأموي. روي عن أبي مصبح الحمصي عن ثوبان مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رأس الدين النصيحة " وفي رواية عنه " الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة ". قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". قافل أمية بن يزيد: سألت عمر بن عبد العزيز أن يفرض لابنٍ لي، فقال: لو كنت أفرض لابن لي مثله فرضت لهذا. قال أمية بن يزيد: كان عمر بن عبد العزيز إذا أملى على كتابه قال: اللهم إني أعوذ بك من شر لساني. قتله صالح بن علي بن أو عبد الله بن علي يوم نهر أبي فطرس سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

انتصار بن يحيى المصمودي

انتصار بن يحيى المصمودي المعروف برزين الدولة. غلب على دمشق في المحرم سنة ثمان وستين وأربع مائة حين هرب عنها معلى بن حيدرة بن منزو، فاجتمعت المصامدة إلى انتصار هذا، وكان زمامهم والمقدم عليهم، وقووا نفسه على الأمر فرضي أكثر الناس بذلك لسداده وحميد سيرته، فاستقر أمره يوم الأحد مستهل المحرم، وأقام والياً بها إلى أن دخلها أتسز في ذي القعدة من هذه السنة، فعوضه عن دمشق بانياس ويافا من الساحل. أنس بن السلم بن الحسن بن السلم أبو عقيل الخولاني الأنطرطوسي. حدث بدمشق سنة تسع وثمانين ومائتين عن عيسى بن سليمان الشيزري بسنده إلى أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستعيذ من عذاب القبر. وحدث عن عمرو بن هشام الحراني بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ". أنس بن سيرين وكنية سيرين أبو عمرة أخو محمد بن سيرين أبو حمزة، ويقال: أبو موسى. ويقال: أبو عبد الله من أهل البصرة. قدم دمشق مع أنس بن مالك. قال أنس بن سيرين: سألت ابن عمر عن الركعتين قبل الغداة أطيل فيهما القراءة؟ قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي مثنى مثنى، ويوتر بركعة. قال: قلت: ليس غير هذا أسألك، قال: إنك لضخم، ألا تدعني أستقرئ لك الحديث! كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي

من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، ويصلي ركعتي الغداة، وكان الأذان بأذنه. قال حماد: يعني بسرعته. قال أنس بن سيرين: سمعت أنس بن مالك قال: قال رجل من الأنصار وكان ضخماً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إني لا أستطيع الصلاة معك، فصنع الرجل له طعاماً فدعاه إلى بيته، ونضح له طرف حصير لهم، فصلى عليه ركعتين. قال: فقال فلان بن فلان بن الجارود لأنس: أكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي الضحى؟ قال: ما رأيته صلاها غير ذلك اليوم. قال الأوزاعي: حدثت أن أنس بن سيرين صام يوم عرفة فجهده الصوم، فسأل ابن عمر وابن عباس وأبا سعيد الخدري وأنس بن مالك فأمروه أن يفطر ويقضي. قال أنس بن سيرين: تلقينا أنس بن مالك حين قدم من الشام، فلقيناه بعين التمر وهو يصلي على دابته لغير القبلة، فقلنا له: إنك تصلي إلى غير القبلة، فقال: لولا أني رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل ذلك ما فعلت. وعن أنس بن سيرين قال: أقبلت مع أنس بن مالك من الشام فكان يصلي على حماره أين ما توجه به تطوعاً حتى أتينا أطط وأصبحت الأرض غدائر، فاستخار ربه واستقبل القبلة وصلى على حماره. قال أنس بن سيرين: ولد محمد بن سيرين لسنتين بقيتا من خلافة عثمان بن عفان، وولدت لسنةٍ بقيت من خلافته.

أنس بن عباس بن عامر بن حي

وكانوا ستة، خمسة أخوة، وأختهم حفصة وكان أكبرهم معبد بن سيرين، ويحيى بن سيرين، ومحمد بن سيرين، وخالد بن سيرين، وأنس بن سيرين - وكان أصغرهم - وحفصة بنت سيرين. قال حماد بن زيد: قلنا لأنس بن سيرين: حدثنا بحديث عسى الله أن ينفعنا به. قال: اتقوا الله واتقوا أحاديث أحدثت لا نعرفها. وعن أنس بن سيرين قال: ولي أنس بن مالك أعمالاً من أعمال البصيرة، فاستعملني على الأبلة، قال: فقلت: تستعملني على المكس من بين عملك؟ قال: وما عليك أن تأخذ بكتاب عمر قال: قلت: وما كتاب عمر؟ قال: كتب أن آخذ من المسلمين من كل أربعين درهماً درهماً ومن أهل الذمة من كل عشرين درهماً درهماً، وممن لا ذمة له من كل عشرة. يعني درهما، فقلت: ومن لا ذمة له؟ قال: الروم كانوا يجيئون بتجارات لهم إلى المدينة فيؤخذ منهم العشر. حدث حماد بن زيد قال: أتينا أنس بن سيرين فلما رآنا قال: قد جاء اللغاطون قد جاء اللغاطون. يعني أصحاب الحديث. ومات أنس بن سيرين سنة ثمان عشرة وقيل سنة عشرين. أنس بن عباس بن عامر بن حي ابن رعل بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور السلمي، أدرك سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ووفد عليه وكان في الجيش الذي أمد بهم عمر بن الخطاب أهل القادسية ممن شهد اليرموك.

وفيما ذكر العلماء من وفود العرب على سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: وقدم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل من بني سليم يقال له قيس بن نشبة، فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه، ووعى ذلك كله، ودعاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الإسلام فأسلم، ورجع إلى قومه بني سليم، فقال: قد سمعت ترجمة الروم، وهيمنة فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمدٍ شيئاً من كلامهم، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه. فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلقوه بقديد وهم سبع مائة رجل، ويقال كانوا ألفاً، وفيهم العباس بن مرداس، وأنس بن عباس بن رعل، وراشد بن عبد ربه، فأسلموا وقالوا: اجعلنا في مقدمتك، واجعل لواءنا أحمر، وشعارنا مقدماً، ففعل ذلك بهم، فشهدوا معه الفتح والطائف وحنيناً. وأعطى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راشد بن عبد ربه رهاطاً وفيها عين يقال لها عين الرسول، وكان راشد يسدن صنماً لبني سليم، فرأى يوماً ثعلبين يبولان عليه فقال: ربٌّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب ثم شد عليه فكسره، ثم أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: " ما اسمك؟ " قال: غاوي بن عبد العزى، قال: أنت راشد بن عبد ربه. فأسلم وحسن إسلامه وشهد الفتح مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خير قرى عربية خيبر، وخير بني سليم راشدٌ ". وعقد له على قومه. قال عبد الله محمد بن المكرم معلق هذا المختصر: هكذا رأيت هذا البيت بتثنية الثعلب، والبيت نعرفه أن ذكر الثعلب يقال له ثعلبان، وعلى ذلك أورد علماء اللغة هذا البيت، وفي أول البيت همزة استفهام: أربٌّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب

أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي المدني

وما أدري هذا تصحيف أو رواية! وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو على رعل وفالج وذكوان وعصية، وهؤلاء كلهم من بني سليم، ولما قتل أصحاب بئر معونة دعا عليهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعين ليلة حتى نزل عليه: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " فأمسك عنهم. أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي المدني حدث عن هشام بن عروة عن أبيه يحدث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء ". قال أبو ضمرة: ولدت سنة أربع ومائة، وكان أبو ضمرة قدم بلخ في ولاية نصر بن سيار، ومات سنة مائتين. كان ثقة. وقيل مات سنة تسع وتسعين ومائة. قال أبو خيثمه: قال لنا أنس بن عياض: أنا أسير الله في أرضه، يعني أنه بلغ تسعين سنة. أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم ابن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة، ويقال: أبو ثمامة الأنصاري النجاري، خادم سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحبه، قدم دمشق أيام الوليد بن عبد الملك. حدث أنس بن مالك قال: كان ابن لأم سليم يقال له: أبو عمير، كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمازحه إذا دخل على أم سليم، فدخل يوماً فوجده حزيناً فقال: " ما لأبي عمير حزيناً؟ فقالت: يا رسول الله مات

نغيره الذي كان يلعب به، فجعل يقول: " يا أبا عمير ما فعل النغير؟ ". وعن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام ". أو قال: " ثلاث ليال ". وعن عروة بن رويم قال: أقبل أنس بن مالك إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بدمشق قال: فدخل عليه فقال له معاوية: حدثني بحديث سمعته من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس بينك وبينه فيه أحد. قال أنس: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " الإيمان يمانٍ هكذا إلى لخم وجذام ". قال الحافظ: هكذا قال معاوية، وقال: والمحفوظ على عبد الملك وعلى الوليد. وعن إسماعيل عن عبيد الله قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فقال له الوليد: ما سمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر الساعة؟ فحدث أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لست من الدنيا وليست مني؟ إني بعثت والساعة نستبق ". وفي رواية قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنتم والساعة كتين ". وعن مكحول قال: رأيت أنس بن مالك يمشي في هذا المسجد فقمت إليه فقلت: كيف ترى في الوضوء من الجنازة؟ فقال: أليس إنما كنا في صلاة ورجعنا إلى صلاة؟ لا وضوء. قال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو وحده فسألته وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئاً مما أدركنا إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت. قال أبو مسهر: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك حين استخلف في سنة ست وثمانين،

وقال إسماعيل بن عبيد الله: إنه حضر أنس بن مالك عند الوليد بن عبد الملك سنة ثنتين وتسعين، ومات أنس بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة ثنتين وتسعين، وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقيل: كان يوم مات ابن تسع وتسعين سنة، وأمه أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن مالك بن النجار، وقيل: اسمها مليكة بنت ملحان، وأمها الرميصاء. قال قتاده: لما مات أنس بن مالك رضي الله عنه قال مورق: ذهب اليوم نصف العلم، قيل: كيف ذلك يا أبا المعتمر؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا: تعالى إلى من سمعه من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. روى الزهري عن أنس قال: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة، كون أمهاتي يحثثنني على خدمته، فدخل علينا دارنا فاستقينا من بئرنا وحلبنا له من شاة لنا داجن، فناولته فشرب، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: " الأيمن فالأيمن ". وحدث سعيد بن المسيب عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وأنا ابن ثمان سنين، فأخذت أمي بيدي وانطلقت بي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت: يا رسول الله إنه لم يبق رجل ولا امرأة من الأنصار إلا قد أتحفتك بتحفة، وإني لا أقدر على ما أتحفك به إلا ابني هذا، فخذه فليخدمك ما بدا لك. فخدمت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشر سنين، فما ضربني ضربة، ولا سبني سبة، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي، فكان أول ما أوصاني به أن قال: " يا بني اكتم سري تك مؤمناً ". فكانت أمي وأزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسألنني عن سر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا أخبرهم به، وما أنا مخبر بسر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحداً أبداً. وقال: " يا بني عليك بإسباغ الوضوء يحبك حافظاك ويزد في عمرك، ويا بني بالغ في الاغتسال من الجنابة فإنك تخرج من مغتسلك وليس عليك ذنب ولا خطيئة ". قال: قلت: كيف المبالغة يا رسول الله؟ قال: " تبلغ

أصل الشعر وتنقي البشرة، ويا بني إن استطعت أن لا تزال أبداً على وضوء فإنه من يأته الموت وهو على الوضوء يعطى الشهادة، ويا بني إن استطعت لا تزال أن تصلي فإن الملائكة تصلي عليك مادمت مصلياً، ويا بني إذا ركعت فأمكن كفيك من ركبتيك، وافرج بين أصابعك، وارفع مرفقيك عن جنبيك، ويا بني إذا رفعت رأسك من الركوع فأمكن كل عضوٍ منك موضعه؛ فإن الله لا ينظر يوم القيامة إلى من لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده، ويا بني فإذا سجدت فأمكن جبهتك وكفيك من الأرض، ولا تنقر نقر الديك، ولا تقع إقعاء الكلب - أو قال: إقعاء الثعلب - وإياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لابد ففي النافلة لا في الفريضة، ويا بني إذا خرجت من بيتك فلا تقعن عينك على أحد من أهل القبلة إلا سلمت عليه؛ فإنك ترجع مغفوراً لك، ويا بني إذا دخلت منزلك فسلم على نفسك وعلى أهلك، ويا بني إن استطعت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك شيء لأحد؛ فإنه أهون عليك في الحساب، ويا بني إن اتبعت وصيتي فلا يكن شيء أحب إليك من الموت ". وفي رواية: " يا بني إن قدرت أن تكون من صلاتك في بيتك مثنى فافعل ". وفي آخر الحديث ثم قال: " يا بني وذلك من سنتي، ومن أحب سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة ". وعن ابن همام قال: قال أنس: خدمت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا ابن ثمان، وقبض وأنا ابن ثمان عشرة؛ فما قال لي لشيء صنعته لما صنعته؟ ولا قال لشيء لم أصنعه لمَ لم تصنعه؟ وقال لي في مرضه: إني أوصيك بوصية فاحفظها: " أكثر الوضوء يزد في عمرك، ولا تزل طاهراً ولا تبيتن إلا على طهر؛ فإن مت متَ شهيداً، وأكثر صلاة الليل والنهار تحبك الحفظة، وصل صلاة الضحى؛ فإنها صلاة الأوابين، وإذا خرجت من بيتك فسلم على من لقيت من المسلمين تزد في حسناتك، وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم يزد في بركاتك، ووقر كبير المؤمنين، وارحمنّ صغيرهم تكن معي ". وضم بين أصابعه. قال أنس بن مالك: جاءت بي أم سليم إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أزرتني بنصف خمارها، وردتني ببعضه،

فقالت: يا رسول الله هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك فادع الله له، فقال: " اللهم أكثر ماله وولده ". قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي يتعادون على نحو مائة اليوم. وفي رواية قال: " اللهم أكثر ماله وولده، وأدخله الجنة ". قال: فلقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة. وعن ثابت وعن أنس قال: دخل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علينا، وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام خالتي، قال: " قوموا فلأصل بكم - في غير وقت صلاة - فصلى بنا "، فقال رجل لثابت: أين جعل أنساً منه؟ قال: جعله عن يمينه، ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة، فقالت أمي: يل رسول الله خويدمك أدع الله له، قال: فدعا لي بكل خير، فكان في آخر ما دعا به لي أن قال: " اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيه ". وفي حديث آخر، فقال: " اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره واغفر له ". قال: فكثر مالي حتى صار يطعم في السنة مرتين، وكثر ولدي حتى دفنت من صلبي أكثر من مائة، وطال عمري حتى استحيت من أهلي واشتقت لقاء ربي، وأنا أرجو الرابعة. وفي حديث أن أنساً قال: دفنت بكفي هذه أكثر من مائة ما فيهم ولد ولا سقط. وفي حديث: وكان له بستان يحمل الفاكهة في السنة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منه ريح المسك.

وعن أنس قال: لما كان صبيحة اليوم الذي احتلمت فيه أخبرت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فقال: " لا تدخل على النساء إلا بإذن ". قال: فما أتى علي يوم كان أشد علي منه. وعن ثابت البناني قال: دخلت على أنس بن مالك، فقلت: رأت عيناك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أظنه قال: نعم، قال: فقبلتهما. قال: فمشت رجلاك في حوائج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم. قال: فقبلتهما ثم قلت: فصببت الماء بيديك؟ قال: نعم. فقبلتهما. ثم قال أنس لي: يا ثابت، صببت الماء بيدي على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لوضوئه، فقال لي: " يا غلام أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وأفش السلام تكثر حسناتك، وأكثر من قراءة القرآن تجيء يوم القيامة معي كهاتين ". وقال بأصبعيه هكذا، وأرانا أبو الحسن محمد بن سنان السبابة والوسطى. وعن ثابت عن أنس قال: دخل علينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال عندنا، فعرق، فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلب العرق فيها فاستيقظ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها فقال: " يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين؟ " قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب من ريح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال ثابت: قال أنس بن مالك: ما شممت عنبراً قط، ولا مسكاً أطيب ولا مسست شيئاً قط ديباجاً، ولا خزاً ولا حريراً ألين مساً من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ثابت: فقلت يا أبا حمزة ألست كأنك تنظر إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكأنك تسمع إلى نغمته؟ قال: بلى والله إني لأرجو أن ألقاه يوم القيامة فأقول: يا رسول الله خويدمك، قال: خدمته عشر سنين بالمدينة وأنا غلام، ليس كل امرئ كما يشتهي صاحبي أن يكون. ما قال لي فيها أفٍّ، وما قال لي لما فعلت هذا؟ أو ألا فعلت هذا. وعن جميلة مولاة أنس قالت: كان ثابت إذا جاء إلى أنس قال: يا جميلة ناوليني طيباً أمس به يدي فإن ابن

أبي ثابت لا يرضى حتى يقبل يدي يقول: يدٌ مست رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أنس بن مالك أنه سأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقال: خويدمك أنس اشفع له يوم القيامة، قال: " أنا فاعل ". قال: فأين أطلبك؟ قال: " اطلبني أول ما تطلبني عند الصراط؛ فإن وجدتني وإلا فأنا عند الميزان وإلا فأنا عند حوضي لا أخطئ هذه الثلاثة المواضع ". وعن ثمامة بن أنس قال: قيل لأنس: أشهدت بدراً؟ قال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال الحافظ: لم يوافق أصحاب المغازي على هذا القول. وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: خرج أنس بن مالك مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين توجه إلى بدر وهو غلام يخدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن أبي قلابة عن أنس قال: شهدت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحديبية وعمرته والحج والفتح وحنيناً والطائف وخيبراً. قال إسحاق بن عثمان: سألت موسى بن أنس كم غزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: سبع وعشرون غزوة، ثمان غزوات يغيب فيها الأشهر، وتسع عشرة يغيب فيها الأيام. قال: قلت: كم غزا أنس بن مالك؟ قال: ثمان غزوات. وعن أبي هريرة قال: ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ابن أم سليم أنس بن مالك.

وعن أنس بن سيرين قال: كان أنس أحسن الناس صلاة في السفر والحضر. وعن ثمامة بن عبد الله قال: كان أنس يصلي فيطيل القيام حتى تفطر قدماه دماً. وعن ثمامة بن عبد الله بن أنس قال: كان لأنس ثوبان على المشجب كل يوم؛ فإذا صلى المغرب لبسهما فلم يقدر عليه ما بين المغرب والعشاء قائماً يصلي. وعن ثابت قال: قال أنس: يا أبا محمد خذ عني فإني أحدث عن سول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الله، ولن تأخذ عن أحد أوثق مني. قال: ثم صلى بي العشاء، ثم صلى ست ركعات يسلم بين الركعتين ثم أوتر بثلاث يسلم في آخرهن. وعن أنس بن مالك قال: ما أورثتني أم سليم إلا برد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقدحه الذي كان يشرب فيه، وعمود فسطاطه وصلايةً كانت تعجن عليها أم سليم الرامك بعرق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكون في بيت أم سليم، فينزل عليه الوحي وهو على فراشها، فيجدل كما يجدل المحموم فيعرق؛ فكانت أم سليم تعجن الرامك بعرقه. حدث أبو نعيم - يعني عبيد الله بن هشام - عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما بقي أحد مما صلى القبلتين غيري. قال أبو نعيم: والقبلتان بالمدينة بطرف الحرة: قبلة إلى بيت المقدس، وقبلة إلى الكعبة.

وعن ثابت قال: كنت مع أنس فجاء قهرمانه، فقال: يا أبا حمزة عطشت أرضنا، قال: فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البرية، فصلى ركعتين ثم دعا، فرأيت السحاب يلتئم، قال: ثم مطرت حتى ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال: انظر أين بلغت السماء فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيراً. حدث من صحب أنس بن مالك: فلما أحرم فلم أقدر أكلمه حتى حل، من شدة إتقانه على إحرامه. وقال الجريري: أحرم أنس بن مالك من ذات عرق قال: فما سمعناه متكلماً إلا بذكر الله عز وجل حتى أحل. قال: فقال لي: يا بن أخي هكذا الإحرام. قال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: دخل علينا أنس بن مالك يوم الجمعة والإمام يخطب، ونحن في بعض أبيات أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نتحدث، فقال: مه، فلما أقيمت الصلاة قال: إني أخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم مه. كان أبو غالب يقول: لم أر أحداً كان أضنّ بكلامه من أنس بن مالك. قال محمد بن سيرين: كان أنس بن مالك قليل الحديث عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان إذا حدث، أو قلما يحدث إلا قال حين يفرغ: أو كما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن حميد عن أنس بن مالك يحدث بحديث عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رجل: أنت سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فغضب غضباً شديداً وقال: والله ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكن كان يحدث بعضنا بعضاً ولا نتهم بعضنا.

وعن محمد بن سيرين: أن أميراً من الأمراء أعطى أنس بن مالك شيئاً من الفيء، فقال أنس: أخمس؟ فقال: لا. فلم يقبله. حدث النضر بن شداد عن أبيه قال شداد قال: اعتل أنس بن مالك فعدناه، فقلنا له: ندعو لك الطبيب. قال: الطبيب أمرضني. قال يزيد بن خصيفة: تنخم أنس بن مالك في المسجد ونسي أن يدفنها، ثم خرج حتى جاء أهله، فذكرها فجاء بسعفةٍ من نار فطلبها حتى وجدها ثم حفر لها فأعمق فدفنها. جاء زياد النميري مع القراء إلى أنس بن مالك، فقيل له: اقرأ فرفع صوته، وكان رفيع الصوت، فكشف أنس عن وجهه الخرقة، وكان على وجهه خرقة سوداء، فقال: ما هذا ما هذا ما هذا؟ ما هكذا كانوا يفعلون. قال: وكان إذا رأى شيئاً ينكره كشف الخرقة عن وجهه. وعن ابن شهاب قال: دخلت على أنس بن مالك بالهاجرة، فذكرت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمر وعثمان، فبكى، فقلت: ما يبكيك يا أبا حمزة؟ فقال: ما أخرت له، فقلت: لا تبك إني لأرجو أن تكون أخرت لخير، صحبت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمر وعثمان وما أخرت إلى الآن إلا أن تكون شهيداً على هؤلاء، فقال: والله ما أنتم على شيء مما كانوا عليه إلا الصلاة، وإنها هي المؤخرة. وعن موسى بن أنس أن أبا بكر لما استخلف بعث إلى أنس بن مالك ليوجهه إلى البحرين على السعاية قال: فدخل عليه عمر، فقال له أبو بكر: إني أردت أن أبعث هذا إلى البحرين وهو فتى شاب قال: فقال له عمر: ابعثه فإنه لبيب كاتب. قال: فبعثه فلما قبض أبو بكر قدم على عمر، فقال له عمر: هات هات يا أنس ما جئت به، قال، قال: يا أمير المؤمنين

البيعة أولاً قال: فقال: نعم. قال: فبسط يده. قال: قال: على السمع والطاعة، قال ابن عون: فما أدري، قال ما استطعت، أو قال أنس ما استطعت، قال: فأخبرته ما جئت به، قال: فقال: أما ما كان من كذا وكذا فاقبضوه، وما كان من المال فهو لك. قال: فأتيت على زيد بن ثابت وهو جالس على الباب، فقال: ألق عليه ما أعطاك أمير المؤمنين قال: فألقيت عليه، فحسب. قال ابن عون: فلا أدري أقصر على بني النجار أو قال: أنت أكثر خزرجي فيها مالاً. وفي حديث آخر: وكان المال أربعة آلاف. قال أنس: كان جرير بن عبد الله معي في سفر فكان يخدمني، فقال: إني رأيت الأنصار تصنع برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً فلا أحداً منهم إلا خدمته. وعن الأعمش قال: شكونا الحجاج بن يوسف قال: فكتب أنس إلى عبد الملك: إني خدمت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسع سنين، والله لو أن اليهود والنصارى أدركوا رجلاً خدم نبيهم لأكرموه. قال علي بن زيد: كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن شعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي يا خبيث! جوال في الفتن، مرة مع علي بن أبي طالب، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث! أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما يجرد الضب. قال: يقول أنس: من يعني الأمير؟ قال: إياك أعني، أصم الله سمعك، قال: فاسترجع أنس، وشغل الحجاج وخرج أنس فتبعناه إلى الرحبة، فقال: لولا أني ذكرت ولدي وخشيته عليهم بعدي لكلمته بكلام في مقامي لا يستحيينني بعده أبداً. وعن أزهر بن عبد الله: كنت في الخيل الذين بيتوا أنس بن مالك وكان فيمن يؤلب على الحجاج وكان مع عبد الرحمن بن الأشعث فأتوا به الحجاج فوسم في يده: عتيق الحجاج.

وقيل: إن أنس لما قال له الحجاج: إياك أعني أصم الله سمعك، كتب إلى عبد الملك بن مروان بذلك، فكتب عبد الملك إلى الحجاج: يا بن المستفرمة بحب الزبيب، لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار جهنم، قاتلك الله، أخيفش العينين، أصك الرجلين، أسود الجاعرتين. قال أحمد بن صالح العجلي: لم يبتل أحد من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا رجلين معيقيب كان به هذا الداء الجذام، وأنس بن مالك كان به وضح. قال أبو جعفر محمد بن علي: رأيت أنس بن مالك أبرص وبه وضح شديد، ورأيته يأكل فيلقم لقماً كباراً. قال أيوب بن أبي تميمة: ضعف أنس عن الصوم فصنع جفنة من ثريد ودعا بثلاثين مسكيناً، فأطعمهم. وحدث محمد بن سيرين عن أنس بن مالك أنه كان عنده عصية لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمات فدفنت معه بين جيبه وبين قميصه. قال أنس بن سيرين: شهدت أنس بن مالك وحضره الموت، فجعل يقول: لقنوني لا إله إلا الله فلم يزل يقولها حتى قبض. ومات وهو ابن مائة وسبع سنين وقيل: ابن تسع وتسعين، وكان آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتوفي سنة تسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، وقيل سنة اثنتين وتسعين.

أنس الجهني

قال محمد السنبلاني: أتيت أنس بن مالك، فقلت: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: قد بقي قوم من الأعراب فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي. قال أبو نعيم: مات جابر بن زيد وأنس سنة ثلاث وتسعين في جمعة. وقال أحمد بن حنبل: مات أنس بن مالك وجابر بن زيد في جمعة في سنة ثلاث وتسعين، وصلى على ابن مالك قطن بن مدرك الكلابي. أنس الجهني له صحبة على ما قيل، نزل الشام، وكان بدمشق عند مرض أبي الدرداء. قال أنس: دخلت على أبي الدرداء أعوده في مرضه، فقلت: يا أبا الدرداء إنا نحب أن تصح فلا تمرض، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن المليلة والصداع يولعان بالمؤمن، وإن ذنبه مثل جبل أحد، حتى لا يدعا عليه من ذنبه مثقال حبة من خردل ". وروى يونس بن محمد بسنده عن أنس، قال يونس: وكان من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اركبوا هذه الدواب سالمة، وايتدعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي ". وروى هذا الحديث معاذ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم رواحل، فقال لهم: " اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركبة خير من راكبها، وأكثر ذكراً لله عز وجل منه ".

أوسط بن عمر ويقال ابن عامر

أوسط بن عمر ويقال ابن عامر ويقال: ابن إسماعيل أبو إسماعيل، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو عمرو البجلي، أدرك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يره، وسكن دمشق وحمص، وكان له بدمشق دار عند الباب الشرقي. حدث أوسط بن عمرو البجلي قال: قدمنا المدينة بعد وفاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعام، فلقيت أبا بكر على منبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب الناس، قال: قام فينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام الأول هذا الأول، فاغرورقت عيناه، فما استطاع أن يتكلم من العبرة، ثم قال: " يا أيها الناس سلوا الله العافية، فإنه لن يؤت أحدٌ بعد يقين خيراً من معافاة، وإياكم والكفر، فإنه لن أجد أشد من ريبةٍ بعد كفرٍ، وعليكم بالصدق، فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب؛ فإنه مع الفجور وهما في النار ". وفي حديث آخر بمعناه: " ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا ". أوس بن أوس ويقال ابن أبي أوس الثقفي، صاحب سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نزل دمشق وقبره بها. وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من غسل يوم الجمعة واغتسل، ودان واستمع وأنصت، كان له بكل خطوةٍ يخطوها من حين يخرج من بيته إلى حين يأتي المسجد أجرها كصيام سنةٍ وقيامها ". وفي وراية: " وأنصت ولم يلغ حتى يفرغ الإمام ". وفي رواية: " مشى ولم يركب ". وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضةٌ علي ". قالوا: وكيف تعرض

أوس بن حارثة بن لأم

صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: " إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ". قال الحافظ: وقيل إنهما اثنان: أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس، وأوس بن أوس هذا الذي نزل الشام، وابن أبي أوس من أهل الطائف. أوس بن حارثة بن لأم وإليه البيت في طيئ، ابن عمرو بن طريف ين ثمامة بن مالك بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن حرب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيئ بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الطائي، شاعر. قدم دمشق في الجاهلية خاطباً لماوية بنت حجر بن النعمان الغسانية، وكان مقامها بدمشق، وكانت تخطب في سائر العرب من يمنيٍّ أو مضريٍّ، فلا يكلمها أحدٌ في التزويج مصرحاً إلا أن يكون في الشعر. قال عبد الله بن المبارك: سأل النعمان حاتم طيئ: من سيدكم؟ قال: أوس بن حارثة، قال: فأين أنت منه؟ قال: ما أصلح أن أكون مملوكاً له، فقال: النعمان: هذا السؤدد. قال عبد الله: فأين قراؤنا وعلماؤنا عن هذا؟! وأوس بن حارثة هذا هو أوس بن سعد الطائي.

أويس بن عامر بن مالك بن عمرو

وقيل لأوس بن حارثة: أنت أسود أم حاتم؟ وكان أوس يحتبي في ثلاثين من ولده، فقال: لو أني وولدي لحاتم لانتهبنا في غداة. وقيل لحاتم: أنت أسود أم أوس؟ فقال: بعض بني أوس أسود مني. أويس بن عامر بن مالك بن عمرو ابن سعد بن عصوان بن قرن بن رمدان بن ناحية بن مراد وهو عامر بن مالك بن أدد من مذحج، ويقال: أويس بن عمرو بن حمدان بن عصوان، ويقال: ابن سعد بن عصوان، ويقال: أويس بن عامر بن الخليص، ويقال: أويس بن عبد الله أبو عمر المرادي القرني، من تابعي أهل اليمن، أدرك حياة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يره، ووفد على عمر بن الخطاب، وسكن الكوفة ويقال: إنه مات بدمشق، وإن قبره في مقابر باب الجابية. روى أويس القرني عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن لله عز وجل تسعةٌ وتسعون اسماً، مائةً غير واحدة، إنه وتر يحب الوتر، وما من عبد يدعو بها إلا وجبت له الجنة ". وذكر الأسماء كلها. وروى عن علي وعمر من أحصاها دخل الجنة. وروى أويس القرني عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أنهما قالا: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من دعا بهذه الأسماء استجاب الله له: اللهم أنت حيٌ لا تموت، وخالقٌ لا تغلب، وبصيرٌ لا ترتاب، وسميعٌ لا تشك، وصادقٌ لا تكذب، وقاهر لا تغلب، وندًى لا تنفد، وقريبٌ لا تبعد، وغافرٌ لا تظلم، وصمدٌ لا تطعم، وقيوم لا تنام، ومجيبٌ لا تسأم، وجبارٌ لا تقهر، وعظيمٌ لا ترام، وعالمٌ لا تُعلّم، وقويٌ لا تضعف، وعلمٌ لا توصف، ووفيٌّ لا تخلف، وعدلٌ لا تحيف، وغنيٌّ لا تفتقر، وحليمٌ لا تجور،

ومنيعٌ لا تقهر، ومعروفٌ لا تقهر، ووكلٌ لا تخفر، وغالبٌ لا تُغلب، وقديرٌ لا تستأمر، وفردٌ لا تستشير، ووهابٌ لا تمل، وسريعٌ لا تذهل، وجوادٌ لا تبخل، وعزيزٌ لا تذل، وحافظٌ لا تغفل، وقائمٌ لا تنام، ومحتجب لا ترى، ودائم لا تفنى، وباقٍ لا تبلى، وواحدٌ لا تشبه، ومقتدرٌ لا تنازع ". قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " والذي بعثني بالحق لو دعا بهذه الدعوات والأسماء على صفائح من حديد لذابت، ولو دعي بها على ماءٍ جارٍ لسكن، ومن أبلغ إليه الجوع والعطش، ثم دعا ربه أطعمه الله وسقاه، ولو أن بينه وبين موضع يريد جبلاً لانشعب له الجبل حتى يسلكه إلى الموضع، ولو دعا على مجنون لأفاق، ولو دعا على امرأة قد عسر عليها ولدها لهون عليها ولدها، ولو دعا بها والمدينة تحترق وفيها منزله لنجا ولم يحترق منزله، ولو دعا بها أربعين ليلة من ليالي الجمعة غفر الله له كل ذنب بينه وبين الله عز وجل، ولو أنه دخل على سلطان جائر ثم دعا بها قبل أن ينظر السلطان إليه لخلصه الله من شره، ومن دعا بها عند منامه بعث الله بكل حرف منها سبع مائة ألف ملك من الروحانيين، وجوههم أحسن من الشمس والقمر يسبحون له، ويستغفرون له، ويدعون ويكتبون له الحسنات ويمحون عنه السيئات، ويرفعون له الدرجات ". فقال سلمان: يا رسول الله أيعطي الله بهذه الأسماء كل هذا الخير؟ فقال: " لا تخبر به الناس حتى أخبرك بأعظم منها فإني أخشى أن يدعوا العمل أو يقتصروا على هذا ". ثم قال: " من نام وقد دعا، فإن مات مات شهيداً وإن عمل الكبائر، وغفر لأهل بيته، ومن دعا بها قضى الله له ألف ألف حاجة ". قال البخاري: أويس القرني أصله من اليمن مرادي، في إسناده نظر فيما يرويه. قال ابن عدي: وليس لأويس من الرواية شيء، وإنما له حكايات ونتف وأخبار في زهده، وقد

شك قوم فيه إلا أنه من شهرته في نفسه وشهرة أخباره لا يجوز أن يشك فيه، وليس له من الأحاديث إلا القليل، فلا يتهيأ أن يحكم عليه بالضعف، بل هو صدوق ثقة مقدار ما يروى عنه، ومالك ينكره يقول: لم يكن. القرني: بالقاف والراء مهملة والنون. أويس: بطن من مراد، أخبر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل وجوده، وشهد مع علي صفين، وكان من خيار المسلمين. قال أصبغ بن يزيد: أسلم أويس القرني على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن منعه من القدوم بره لأمه. قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إن من خير التابعين رجل من قرن، يقال له أويس القرني. حدث أسير بن جابر قال: كان محدث بالكوفة يحدثنا، فإذا فرغ من حديثه تفرقوا، ويبقى رهطٌ فيهم رجل يتكلم بكلامٍ لم أسمع أحداً يتكلم بكلامه، فأتيته ففقدته، فقلت لأصحابي: هل تعرفون رجلاً كان يجالسنا كذا وكذا؟ فقال رجل من القوم: أنا أعرفه ذاك أويس القرني. قلت: أفتعرف منزله؟ قال: نعم. فانطلقت معه حتى جئت حجرته فخرج إلي، فقلت: يا أخي من حبسك عنا؟ قال: العري. قال: وكان أصحابه يسخرون منه ويؤذونه قال: قلت: خذ هذا البرد فالبسه. قال: لا تفعل فإنهم إذاً يؤذوني إذا رأوه. قال: فلم أزل به حتى لبسه فخرج عليهم، فقالوا: من ترون خدع عن برده هذا؟! قال: فجاء موضعه، قال: أترى؟ قال: فأتيت المجلس فقلت: ما تريدون من هذا الرجل؟ قد آذيتموه، الرجل يعرى مرة ويكتسي مرة، قال: فأخذتهم بلساني أخذاً شديداً، قال: فقضي أن أهل الكوفة وفدوا على عمر بن الخطاب، فوفد رجل ممن كان يسخر به، فقال عمر: ما ههنا أحد من القرنيين؟ قال: فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له أويس، لا يدع باليمن غير أمٍّ له، وقد كان به بياض فدعا الله عز وجل فأذهبه عنه، إلا مثل موضع الدينار، أو الدرهم، فمن لقيه منكم فأمروه أن يستغفر لكم. قال - يعني عمر -: فقدم علينا، قال: قلت: من أين؟ قال: من اليمن. قلت: ما اسمك؟ قال: أويس. قال: قلت: فمن تركت باليمن؟ قال: أماً لي قال:

قلت: أكان بك بياض فدعوت الله عز وجل فأذهبه عنك؟ قال: نعم! قال: قلت: استغفر لي قال: أو يستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين!؟ قال: فاستغفر لي. قال: قلت: أنت أخي لا تفارقني قال فانملس مني، فأنبئت أنه قدم عليكم بالكوفة. قال: فجعل ذلك الذي يسخر به يحقره قال: يقول: ما هذا فينا ولا نعرفه. قال عمر: بلى! إنه رجل كذا، قال: - كأنه يضع شيئاً - فينا يا أمير المؤمنين رجل يقال له أويس، قال: أدرك ولا أراك تدرك قال: فأقبل ذلك الرجل حتى دخل عليه قبل أن يأتي أهله، فقال له أويس ما هذه بعادتك فما بدا لك؟ قال: سمعت عمر يقول فيك كذا وكذا فاستغفر لي يا أويس، قال: لا أفعل حتى تجعل لي عليك ألا تسخر بي فيما بعد ولا تذكر ما سمعته من عمر لأحد. قال: فاستغفر له، قال أسير: فما لبثنا أن فشا أمره بالكوفة، قال: فدخلت عليه فقلت له: يا أخي ألا أراك العجب ونحن لا نشعر؟ فقال: ما كان في هذا ما أتبلغ به الناس، وما يجزى كل عبدٍ إلا بعمله، قال: فانملس مني فذهب. رواه مسلم في الصحيح عن زهير بن حرب عن هاشم مختصراً. وعن أبي هريرة قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلقةٍ من أصحابه إذ قال: " ليصلين معكم غداً رجل من أهل الجنة ". قال أبو هريرة: فطعمت أن أكون أنا ذلك، فغدوت وصليت حلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأقمت في المسجد حنى انصرف الناس، وبقيت أنا وهو، فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل أسود متزرٌ بخرقة مرتدٍ بقباطي، حتى وضع يده في يد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قال: يا نبي الله ادع الله لي، فدعا له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالشهادة، وإنا لنجد منه ريح المسك الأذفر، فقلت: يا رسول الله أهو هو قال: " نعم وإنه لمملوك بني فلان ". فقلت: ألا تشتريه فتعتقه يا نبي الله؟ فقال: " وأرى ذلك إن كان الله يريد أن يجعله من ملوك أهل الجنة يا أبا هريرة، إن لأهل الجنة ملوكاً وسادة وإن هذا الأسود أصبح من ملوك أهل الجنة

وسادتهم، يا أبا هريرة إن الله يحب من خلقه الأصفياء الأحفياء الأتقياء، الشعثة رؤوسهم، المغبرة وجوههم، الخمصة بطونهم من كسب الحلال الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإن خطبوا المتنعمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا. قالوا: يا رسول الله كيف لنا برجل منهم؟ قال: " ذاك أويس القرني ". وما أويس القرني؟ قال: أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنبكين، معتدل القامة، آدم شديد الأدمة، ضاربٌ بذقنه إلى صدره، رامٍ ببصره موضع سجوده، واضع يمينه على شماله، يتلوا القرآن، يبكي على نفسه، ذو طمرين لا يؤبه له، متزرٌ بإزار صوف ورداء، تحت منكبه لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد: ادخلوا الجنة، ويقال لأويس: قف لتشفع، فيشفعه الله في مثل عدد ربيعة ومضر؛ يا عمر ويا علي، إذا أنتما لقيتماه فاطلبا إليه إن يستغفر لكما يغفر الله لكما ". قال: فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه، فلما كان في آخر سنة قبض فيها عمر في ذلك العام، صعد على أبي قبيس فنادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج أهل اليمن، أفيكم أويس القرني؟ فقام شيخ كبير طويل اللحية فقال: إنا لا ندري ما أويس، ولكن ابن أخ لي يقال له أويس وهو أخمل ذكراً وأقل مالاً وأهون أمراً فينا، نرفعه إليك وإنه ليرعى إبلنا حقيراً بين أظهرنا، فعمى عليه عمر كأنه لا يريده، فقال: ابن أخيك هذا بحرمنا هو؟ قال: نعم، قال: وأين يصاب؟ قال: بأراك عرفات قال: فركب عمر وعلي سراعاً إلى عرفات، فإذا هو قائم يصلي إلى شجرة والإبل حوله ترعى، فشدا حماريهما، ثم أقبلا إليه فقالا: السلام عليك ورحمة الله، فخفف أويس الصلاة ثم قال: السلام عليكما ورحمة الله وبركاته قالا: من الرجل؟ قال: راعي أبل وأجيرٌ لقوم، قالا: لسنا نسألك عن الرعاية ولا عن الإجارة، قالا: ما اسمك؟ قال: عبد الله. قالا: قد علمنا أن أهل السماوات وأهل الأرض كلهم عبيد لله. فما اسمك الذي سمتك أمك؟ قال: يا هذان ما تريدان إلى هذا؟ قال: وصف لنا محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أويس القرني، فقد عرفنا فيك الصهوبة والشهولة، وأخبرنا أن تحت منكبك الأيسر لمعةً بيضاء فأوضحها لنا فإن كانت بك فأنت هو، فأوضح منكبه فإذا اللمعة، فابتدراه يقبلانه وقالا:

نشهد أنك أويس القرني فاستغفر لنا يغفر الله لك، قال: ما أخص باستغفاري نفسي ولا أحداً من ولد آدم، ولكنه في البر والبحر في المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، يا هذان قد شهر الله لكما حالي وعرفكما أمري فمن أنتما؟ فقال علي: أنا علي بن أبي طالب وهذا عمر أمير المؤمنين، فاستوى أويس قائماً، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فجزاكما الله عن هذه الأمة خيراً، وقالا: وأنت فجزاك الله عن نفسك خير الجزاء، فقال عمر: رحبك حتى ندخل مكة فآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي، هذا الميعاد بيني وبينك قال: يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك ولا أعرفك بعد اليوم، ما أصنع بالنفقة؟ ما أصنع بالكسوة؟ أما ترى علي إزاراً من صوف ورداء من صوف؟ متى تراني أخرقهما؟ أما ترى أن نعلي مخصوفتان؟ متى ترى أبليهما؟ أما تراني أني قد أخذت من رعايتي أربعة دراهم؟ متى تراني آكلها؟ يا أمير المؤمنين إن بين يديّ ويديك عقبة كؤوداً، لا يجاوزها إلا ضامرٌ مخفف مهزول. فأخف عني رحمك الله، فلما سمع ذلك عمر من كلامه ضرب بدرته الأرض ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت أن عمر لم تلده أمه، يا ليتها كانت عاقراً لم تعالج حمله، ألا من يأخذها بما فيها ولها؟ قال أويس: من جدع الله أنفه. ثم قال: يا أمير المؤمنين خذ أنت هاهنا، وآخذ أنا هاهنا، فولى عمر ناحية مكة، وساق أويس إبله فوافى القوم إبلهم، وخلى عن الرعي، وأقبل على العبادة حتى لحق بالله. فهذا ما أتانا عن أويس القرني سيد التابعين. وحدث هرم بن حيان قال: قدمت الكوفة فلم يكن لي همٌّ إلا أويس القرني أطلبه وأسأل عنه، حتى سقطت عليه نصف النهار على شاطئ الفرات يتوضأ أو يغسل ثوبه، قال: فعرفته بالنعت الذي نعت لي، فإذا رجل لحيم آدم أشعر محلوق الرأس، كث اللحية، مغبر، كريه الوجه والمنظر، وعليه إزار من صوف، فسلمت عليه، فقلت: حياك الله من رجل، كيف أنت رحمك وغفر لك يا أويس؟ فقال: وأنت فحياك الله يا هرم بن حيان

كيف أنت؟ قال: وخنقتني العبرة حين رأيت من حاله ما رأيت قال: فمددت يدي لأصافحه فأبى أن يصافحني، قال: وعجبت حين عرفني وعرف اسم أبي، ما كنت رأيته قبل ذلك ولا رآني قال: قلت: رحمك الله من أين عرفتني وعرفت اسم أبي ولم أكن رأيتك قط؟ قال: نبأني العليم الخبير، وعرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك، إن الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد يتحابون بروح الله وإن لم يتلاقوا ولم يتعارفوا وتفرقت بهم المنازل. قال: فقلت: حدثني بحديث سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحفظه عنك، فقال: إني لم أدرك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بأبي رسول الله وأمي، ولم تكن لي معه صحبة، ولكن أدركت رجالاً رأوه فحدثوني عنه نحو ما حدثوك، ولست أحب أن أفتح هذا الباب على نفسي أن أكون محدثاً أو قاصاً أو مفتياً، في نفسي شغل عن الناس يا هرم بن حيان. قال: قلت: اقرأ علي آيات من كتاب الله أسمعها منك، وادع لي بدعوات أحفظها عنك فإني أحبك حباً شديداً، فقال: " سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا " فأخذ بيدي فمشى على شاطئ الفرات، ثم قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين " إلى قوله " إنه هو العزيز الحكيم " قال: فنظرت إليه وأنا أحسب أنه قد غشي عليه. قال: ثم نظر إلي فقال: يا هرم بن حيان مات أبوك، فإما إلى الجنة وإما هو إلى النار، ويوشك أن تموت، ومات آدم ومات حواء ومات إبراهيم خليل الله ومات موسى نجي الله ومات داود خليفة الله ومات محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليهم أجمعين، ومات أبو بكر خليفة المسلمين ومات خليلي وصفيي عمر بن الخطاب، وقال: واعمراه، واعمراه! وعمر يومئذ حي، وذلك عند آخر خلافته، قال: فقلت له: إن عمر لم يمت، فقال: بلى قد نعاه إلي ربي إن كنت تفهم وعقلت ما قلت وأنا وأنت غداً في الموتى، وكأن قد، ثم صلى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم دعا بدعوات خفاف، ثم قال: عليك بذكر الموت لا يفارق قلبك طرفة عين، وإياك أن تفارق الجماعة فيفترق دينك وأنت لا تعلم فتدخل النار، ثم قال: اللهم إن هذا يزعم أنه يحبني فيك، وزارني فيك، اللهم أدخله علي زائراً في دارك دار السلام. وضم علي

ضيعته، وأرضه من الدنيا باليسير، وما أعطيته من الدنيا فاجعله لما تعطيه من الشاكرين، ثم قال: لا أراك فيما بعد اليوم فإني كثير الهم شديد الغم مادمت مع هؤلاء الناس حياً وأكره الشهرة، والوحدة أحب إلي فلا تطلبني خذ هكذا. قال: فجهدت أن أمشي معه ساعة فأبى علي، فدخل في بعض أزقة الكوفة، قال: فجعلت التفت إليه وأنا أبكي ويبكي حتى توارى عني، فسألت عنه وطلبته فلم أجد أحداً يخبر عنه بشيء، قال: فما أتت علي جمعة إلا وأنا أراه في منامي مرة أو مرتين. أو كما قال. وفي وراية حديث آخر بمعناه، في آخره قال: فغزا غزوة أذربيجان فمات، قال: فتنافس أصحابه في حفر قبره، قال: فحفروا فإذا بصخرة محفورة ملحودة. قال: وتنافسوا في كفنه قال: فنظروا فإذا في عيبته ثياب ليس مما ينسج بنو آدم، قال: فكفنوه في تلك الثياب ودفنوه في ذلك القبر. قال علقمة بن مرثد الحضرمي: انتهى الزهد إلى ثمانية نفر من التابعين: عامر بن عبد الله، وأويس القرني، وهرم بن حيان العبدي والربيع بن خثيم القوري، وأبي مسلم الخولاني، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، والحسن بن أبي الحسن البصري. فأما أويس القرني فإن أهله ظنوا أنه مجنون، فبنوا له بيتاً على باب دارهم فكان يأتي عليه السنة والسنتان لا يرون له وجهاً، وكان طعامه مما يلقط من النوى، فإذا أمسى باعه لإفطاره، وإن أصاب حشفة خبأها لإفطاره. وعن سعيد بن المسيب قال: نادى عمر بن الخطاب وهو على المنبر بمنى: يا أهل قرن، فقام مشايخ، فقالوا: نحن يا أمير المؤمنين، قال: أفي قرن من اسمه أويس؟ فقال شيخ: يا أمير المؤمنين ليس فينا أويس إلا مجنون يسكن القفار والرمال، لا يتألف ولا يؤلف، فقال: ذاك الذي أعنيه، إذا عدتم إلى قرن فاطلبوه وبلغوه سلامي، وقولوا له: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشرني بك، وأمرني أن أقرأ عليه سلامه، قال: فعادوا إلى قرن فطلبوه فوجدوه

في الرمال، فأبلغوه سلام عمر، وسلام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: عرفني أمير المؤمنين وشهر باسمي، السلام على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللهم صل عليه وعلى آله، وهام على وجهه فلم يوقف له بعد ذلك على أثر دهراً، ثم عاد أيام علي فقاتل بين يديه فاستشهد في صفين أمامه، فنظروا فإذا عليه نيف وأربعون جراحة، من طعنة وضربة ورمية. وروي عن ابن عمر قال: بينما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بفناء الكعبة، إذ نزل عليه جبريل عليه السلام في صورة لم ينزل عليه مثلها قط، فقال: السلام عليك يا محمد، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ". فقال: يا محمد إنه سيخرج في أمتك رجل يشفع فيشفعه الله في عدد ربيعة ومضر فإن أدركته فسله الشفاعة لأمتك فقال: " أي حبيبي، يا جبريل، ما اسمه وما صفته؟ " فقال: أما اسمه فأويس، وأما صفته وقبيلته في اليمن من مراد، وهو رجل أصهب، مقرون الحاجبين، أدعج العينين، بكفه اليسرى وضح أبيض، قال: فلم يزل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطلبه فلم يقدر عليه، فلما احتضر النبي أوصي أبا بكر وأخبره بما قال له جبريل في أويس القرني: " فإن أنت أدركته فسله الشفاعة لك ولأمتي ". فلم يزل أبو بكر يطلبه فلم يقدر عليه، فلما احتضر أبا بكر أوصى به عمر بن الخطاب وأخبره بما قال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: يا عمر إن أنت أدركته فسله الشفاعة لي ولك ولأمة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يزل عمر يطلبه حتى كان آخر حجةٍ حجها عمر وعلي بن أبي طالب، فأتيا رفاق اليمن، فنادى عمر بأعلى صوته: يا معشر الناس، هل فيكم أويس القرني؟ أعاد مرتين، فقام شيخ من بعض الرفاق، فقال: يا أمير المؤمنين نعم. هو ابن أخ لي، هو أخمل أمراً، وأهون ذكراً من أن يسأل مثلك عن مثله. وساق الحديث بمعنى الأحاديث المتقدمة إلى آخره، فقال أويس: جزاك الله خيراً يا عمر عن هذه الأمة، وأنت يا علي فجزاك الله خيراً عن هذه الأمة، تعيشان حميدين وتموتان فقيدين، فقالا له: أوصنا بحاجتك يرحمك الله، فقال لهم أويس: أوصيكما بتقوى الله والعمل بطاعته والصبر على ما أصابكما فإن ذلك من عزم الأمور، وأوصيكما أن تلقيا هرم بن حيان فتقرئاه مني السلام، وخبراه أني أرجو أن يكون رفيقي في الجنة. قال: فودعاه ولم يزل عمر وعلي رضي الله عنهما يطلبان هرم بن

حيان، فبينما هما ماران في مسجد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إذا هما بهرم بن حيان قائماً يصلي، فانتظراه، فلما انصرف سلما عليه فرد عليهما السلام، ثم قال لهما: من أين جئتما؟ قالا: جئنا من عند أويس القرني وهو يقرئك السلام، وهو يقول لك: إني أرجو أن تكون رفيقي في الجنة قال: فلم يزل هرم بن حيان في طلب أويس، فبينا هو في الكوفة مارٌّ على شاطئ الفرات؛ إذا هو برجل أصهب، مقرون الحاجبين، أدعج العينين، يغسل طمرين له من الصوف، فدنا منه هرم بن حيان فقال: السلام عليك ورحمة الله يا أويس، فأجابه بمثل ذلك من السلام وقال له: يا هرم بن حيان، قال له هرم: كيف الزمان عليك؟ قال له أويس: كيف الزمان على رجل إذا أصبح يقول: لا أمسي، ويمسي يقول: لا أصبح، يا أخا مراد إن الموت وذكره لم يترك للمؤمن فرحاً، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يترك للمؤمن صديقاً، فقال له هرم: يا أويس أما معرفتك أن عمر وعلياً وصفاك لي فعرفتك بصفتهما فأنت من أين عرفتني؟ قال له أويس: إن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها في الله ائتلف، وما تناكر في الله اختلف، قال له أويس: يا هرم اتل علي آيات من كتاب الله عز وجل، فتلا عليه هذه الآية: " وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين " قال: فخرّ أويس مغشياً عليه، فلما أفاق قال له هرم: إني أريد أن أصحبك وأكون معك، فقال له أويس: لا يا هرم، ولكن إذا مت لا يكفني أحد حتى تأتي أنت، فتكفني، وتدفني، ثم إنهما افترقا، ولم يزل هرم بن حيان في طلب أويس حتى دخل مدينة من مدائن الشام يقال لها: دمشق؛ فإذا هو برجل ملفوف في عباءةٍ له، ملقى في صحن المسجد، فدنا منه فكشف العباءة عن وجهه؛ فإذا هو بأويس قد توفي، فوضع يده على أم رأسه، ثم قال: واأخاه! هذا أويس القرني مات ضائعاً، فقالوا له: من أنت يا عبد الله؟ ومن هذا؟ فقال: أما أنا فهرم بن حيان المرادي، وأما هذا فأويس القرني ولي الله، قالوا: فإنا قد جمعنا له ثوبين نكفنه فيهما، فقال لهم هرم: ما له بثمن ثوبيكم حاجة، ولكن يكفنه هرم بن حيان من ماله: قال: فضرب هرم بيده إلى مزود أويس فإذا هو بثوبين لم يكن له بهما عهد عند رأس أويس على أحدهما مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، براءة من الله الرحمن الرحيم لأويس القرني من النار، وعلى الآخر

مكتوب: هذا كفن لأويس القرني من الجنة. قال عبد الحمن بن أبي ليلى: لما كان يوم صفين نادى مناد من أصحاب معاوية أصحاب علي: فيكم أويس القرني؟ قالوا: نعم، فضرب دابته حتى دخل معهم، وقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " خير التابعين أويس القرني. " قال سلام بن مسكين: حدثني رجل قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خليلي من هذه الأمة أويس القرني. " وعن إبراهيم بن عيسى اليشكري قال: قال أويس القرني: لأعبدن الله في الأرض كما تعبده الملائكة في السماء. قال: فكان إذا استقبل الليل قال: يا نفس، الليلة القيام، فيصف قدميه حتى يصبح، ثم يستقبل الليلة الثانية، فيقول: يا نفس الليلة الركوع فلا يزال راكعاً حتى يصبح، ويستقبل الليلة الثالثة فيقول: يا نفس الليلة السجود فلا يزال ساجداً حتى يصبح. وعن الربيع بن خثيم قال: أتيت أويس القرني فوجدته جالساً قد صلى الصبح، فقلت: لا أشغله عن، فمكث مكانه ثم قام إلى الصلاة حتى صلى الظهر ثم قام إلى الصلاة فقلت: لا أشغله عن العصر فصلى العصر ثم صلى المغرب، فقلت: لابد له من أن يرجع فيفطر، فثبت مكانه حتى صلوا العشاء الآخرة، فقلت: لعله يفطر بعد العشاء الآخرة، فثبت مكانه حتى صلى الفجر ثم جلس، فغلبته عيناه فانتبه وقال: اللهم إني أعوذ بك من عين نوامة، ومن بطن لا يشبع، فقلت: بي ما عاينت منه فرجعت. ومن حديث آخر: كان أويس إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب، ثم يقول اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به، ومن مات عرياناً فلا تؤاخذني به. وكان أويس يقول إذا جنه الليل: اللهم إني أبرأ إليك من كل كبدٍ جائعة، ومن كل بدنٍ عار، اللهم لا أملك إلا ما ترى.

جاء رجل إلى أويس القرني، فقال: السلام عليكم، فقال: وعليكم قال: كيف أنتم يا أويس؟ قال: فحمد الله. قال: كيف الزمان عليكم؟ قال: ما دنيا رجلٍ إذا أصبح لم تر أنه يمسي، وإذا أمسى لم تر أنه يصبح، فيبشر بجنة أو بنار، يا أخا مراد، إن الموت لم يبق فرحاً، يا أخا مراد، قيام المؤمن بحقوق الله لم يبق ذهباً ولا فضة، يا أخا مراد، قيام المؤمن بأمر الله لم يبق صديقاً، والله إنا لنأمرهم بالمعروف، وننهاهم عن المنكر، فيرمونا بالعظائم، ويتخذونا أعداء، ويجدون على ذلك أعوناً، وايم الله لا يمنعني ذلك أن نقوم لله عز وجل بحق. قال بشر بن الحارث: قال أويس: لا ينال هذا الأمر حتى تكون كأنك قتلت الناس أجمعين. قال أويس القرني: لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضاء من الله الذي قضى " شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ". قال أبو سليمان: لما حج أويس القرني دخل المدينة، فلما وقف على باب المسجد قيل له: هذا قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فغشي عليه، فلما أفاق قال: أخرجوني فليس ببلدي بلدةٌ محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها مدفون. مر أويس القرني على قصار في يوم شديد البرد، فرحمه أويس وجعل يبكي، فنظر إليه القصار، فقال له: يا أويس ليت تلك الشجرة لم تخلق. قال: فما سمع جواب أسرع منه. وعن عطاء قال: خرج أويس القرني غازياً راجلاً إلى ثغر أرمينية، فأصابه البطن، فالتجأ إلى أهل

إياس بن زيد ويقال ابن يزيد

خيمة فمات عندهم، ومعه جراب وقعب، فقالوا لرجلين منهم: اذهب فاحفر له قبراً، قالوا: فنظرنا في جرابه فإذا فيه ثوبان ليسا من ثياب الدنيا وجاء الرجلان فقالا: قد أصبنا قبراً محفوراً في صخرة كأنما رفعت الأيدي عنه الساعة فكفنوه ودفنوه ثم التفتوا فلم يروا شيئاً. وقال سليمان بن قيس العامري: رأيت أويس القرني بصفين صريعاً بين عمار وخزيمة بن ثابت. إياس بن زيد ويقال ابن يزيد أبو زكريا الخزاعي، والد عبد الله بن أبي زكريا الدمشقي من التابعين، أدرك عمر بن الخطاب وكان عمر يثني عليه. روى أبو زكريا الخزاعي عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رباط يوم وليلةٍ في سبيل الله عز وجل كصيام شهرٍ وقيامه، إن مات جرى له أجر المرابط إلى أن يبعث، وأومن من الفتان، وقطع له من الجنة رزق. وعن أبي زكريا عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين، أو لذي حسبٍ، أو لذي حلم. قال سعيد بن عبد العزيز: كتب عمر بن الخطاب إلى يزيد بن أبي سفيان أو إلى أبي الدرداء: وأقرئا مني الرجل الصالح السلام، يعني أبا زكريا والد عبد الله بن أبي زكريا.

إياس بن معاوية بن قرة بن إياس

إياس بن معاوية بن قرة بن إياس ابن هلال بن رئاب بن عبد العزيز بن دريد بن أوس بن سواءة بن عمرو بن سارية بن ثعلبة ابن ذبيان بن ثعلبة بن أوس بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وأوس هو ابن مزينة وهي أمه، وإليهما ينسب المزنيون ومزينة بنت كلب بن وبرة. وقيل: هو إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن زياد بن عبيد بن سواءة بن سارية وكنيته أبو واثلة المزني قاضي البصرة. ولجده صحبة وأمه امرأة من خراسان. قدم الشام في أيام عبد الملك، ثم قدم على عمر بن عبد العزيز في خلافته، ثم قدم مرة أخرى حين عزله عدي بن أرطاة عن القضاء. حدث إياس بن معاوية قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فذكر عند الحياء، فقالوا: الحياء من الدين، فقال عمر بن عبد العزيز: بل هو الإيمان كله. قال: قلت: يا أمير المؤمنين حدثني أبي عن جدي قرة المزني: قال كنا عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكر عنده الحياء فقالوا: يا رسول الله الحياء من الدين؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الحياء والعفاف والعي عن اللسان لا عي القلب والعمل من الإيمان؛ وإنهن يزدن في الآخرة وينقصن من الدنيا، وما يزدن في الآخرة أكثر مما ينقصن من الدنيا، وإن الشح والفحش والبذاء من النفاق وإنهن ينقصن من الآخرة ويزدن في الدنيا، وما ينقصن من الآخرة أكثر مما يزدن في الدنيا ". قال إياس: فحدثت به عمر بن عبد العزيز، فأمرني فأمليته عليه وكتبه بخطه، ثم صلى الظهر والعصر وإنها في كفه لم يضعها إعجاباً بها. دخل إياس بن معاوية الشام وهو غلام فقدم إلى قاض لعبد الملك بن مروان، وكان خصمه شيخاً صديقاً للقاضي فقال له القاضي: يا غلام أما تستحي، أتقدم شيخاً كبيراً! قال إياس: الحق أكبر منه. قال له: اسكت، قال: فمن ينطق بحجتي إذا سكت؟ قال: ما أحسبك تقول حقاً حتى تقوم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: ما أظنك إلا ظالماً له! قال: ما على ظن القاضي خرجت من منزلي، فدخل القاضي على عبد الملك، فأخبره الخبر. فقال له: اقض حاجته واصرفه عن الشام لا يفسد الناس علينا.

استعمل عمر بن عبد العزيز عدي بن أرطاة الفزاري على البصرة، فولى إياس بن معاوية القضاء، فهرب إياس من عدي إلى عمر بن عبد العزيز. قال سليمان بن زياد: خرج إياس إلى الشام إلى عمر بن عبد العزيز، فمات عمر قبل أن يصل إليه، فكان يجلس في مجلس مسجد دمشق في حلقة فيها قوم من قريش، فحدث رجل من بني أمية رجلاً بحديث، فرده إياس فأغلظ له الأموي، فقام إياس من الحلقة فقيل للأموي: إن هذا إياس بن معاوية المزني، قال: لم أعرفه، فلما عاد إياس من غدٍ، قال له الأموي: إنك جالستنا في ثياب السوقة بكلام الأشراف، فلم نحتمل ولم أكن عرفتك. كان إياس قاضياً بالبصرة مرتين، وكان عاقلاً من الرجال فطناً، كان فقيهاً عفيفاً. قيل لمعاوية بن قرة: كيف ابنك لك؟ قال: نعم الابن، كفاني أمر دنياي، وفرغني لآخرتي. ذكر إياس بن معاوية عند ابن سيرين، فقال: إنه لفهمٌ إنه لفهمٌ. قال: وكان رزق إياس كل شهر مائة درهم. قال ابن شوذب: كان يقال: يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل. فكانوا يرون أن إياس بن معاوية منهم. ودخل عليه ثلاث نسوةٍ، فقال: أما واحدة فمرضع، والأخرى بكر، والأخرى ثيب، فقيل له: بم علمت؟ قال: أما المرضع فلما قعدت مسكت ثديها بيدها، وأما البكر فلما دخلت لم تلتف إلى أحد، وأما الثيب فلما دخلت نظرت ورمت بعينيها. قال حماد بن سلمة: سمعت إياس بن معاوية يقول: أذكر الليلة التي ولدت فيها، وضعت أمي على رأسي جفنة. قال المدائني: قال إياس بن معاوية لأمه: ما شيء سمعته وأنا صغير وله جلبةٌ شديدة؟ قالت:

تلك يا بني طست سقطت من فوق الدار إلى أسفل، ففزعت، فولدتك تلك الساعة. إياس بن معاوية: كنت في مكتب بالشام، وكنت صبياً، فاجتمع النصارى يضحكون من المسلمين، وقالوا: إنهم يزعمون أنه لا يكون تفل للطعام في الجنة، قال: قلت: يا معلم أليس يزعم الناس أن أكثر الطعام يذهب في البدن؟ فقال: بلى. فقال: قلت: فما تنكر أن يكون الباقي يذهبه الله في البدن كله؟ فقال: أنت شيطان. قال إياس بن معاوية: ما يسرني أن أكذب كذبةً لا يطلع عليها إلا أبي معاوية بن قرة لا أسأل عنهم يوم القيامة وأن لي بالدنيا بحذافيرها. قال ابن شبرمة: قال إياس بن معاوية: إياك وما استشبع الناس من الكلام، وعليك بما يعرف الناس من القضاء. قال إياس بن معاوية: ما خاصمت أحداً من أهل الأهواء بعقلي كله إلا القدرية. قال: قلت: أخبروني عن الظلم ما هو؟ قالوا: أخذ ما ليس له. قال: قلت: فإن لله تعالى كل شيء. قال عدي: اجتمع إياس بن معاوية وغيلان عند عمر بن عبد العزيز فقال عمر: أنتما مختلفان، وقد اجتمعتما، فتناظرا تتفقا. فقال إياس: يا أمير المؤمنين إن غيلان صاحب كلام، وأنا صاحب اختصار، فإما أن يسألني ويختصر أو أسأله وأختصر، فقال غيلان: سل. فقال إياس: أخبرني ما أفضل شيء خلقه الله عز وجل؟ قال: العقل. قال: فأخبرني عن العقل، مقسوم أو مقتسم؟ فأمسك غيلان. فقال له: أجب فقال: لا جواب عندي. فقال إياس قد تبين لك أمره يا أمير المؤمنين. إن الله تبارك وتعالى يهب العقول لمن يشاء فمن قسم له منها شيئاً، ذاده به عن المعصية، ومن تركه تهور.

قال الأصمعي: إن إياساً وغيلان اجتمعا، فقال له بعد سؤاله عن العقل وسكوته عن جوابه، قال له: سل عن غير هذا. فقال له إياس: أخبرني عن العلم قبل أو العمل؟ فقال غيلان: والله لا أجبتك فيها. فقال إياس: فدعها وأخبرني عن الخلق خلقهم الله مختلفين أو مؤتلفين؟ فنهض غيلان، وهو يقول: والله لا جمعني الله وإياك مجلس أبداً. قال الأصمعي: ومن حديث عدي أن غيلان قال لعمر: أتوب إلى الله ولا أعود إلى هذه المقالة أبداً، فدعا عليه عمر إن كان كاذباً، فأجيبت دعوته. قال عمر بن علي: قال رجل لإياس بن معاوية: يا أبا واثلة حتى متى يتوالد الناس ويموتون؟ فقال لجلسائه: أجيبوه. فلم يكن عندهم جواب، فقال إياس: حتى تتكامل العدتان: عدة أهل النار، وعدة أهل الجنة. قال سفيان بن حسين: سمعت إياس بن معاوية يقول: لأن يكون في فعال الرجل فضل عن قوله أجمل من أن يكون في قوله فضل عن فعاله. قال سفيان بن حسين: كنت عند إياس بن معاوية وعنده رجل تخوفت إن قمت من عنده أن يقع في. قال: فجلست حتى قام فلما قام ذكرته لإياس. قال: فجعل ينظر في وجهي ولا يقول لي شيئاً حتى فرغت فقال لي: أغزوت الديلم؟ قلت: لا، قال: غزوت السند؟ قلت: لا، قال فغزوت الهند؟ قلت: لا، قال: غزوت الروم؟ قلت: لا، قال: فسلم منك الديلم والسند والهند والروم، وليس يسلم منك أخوك هذا. قال: فلم يعد سفيان إلى ذلك. قال سفيان بن حسين: قال إياس بن معاوية: لابد للناس من ثلاثة أشياء. لابد لهم من أن تأمن سبلهم، ويختار لحكمهم حتى يعتدل الحكم فيهم، وأن يقام لهم بأمر الثغور التي بينهم وبين عدوهم، فإن هذه الأشياء إذا قام بها السلطان احتمل الناس ما كان سوى ذلك من أثرة السلطان وكل ما يكرهون.

قال العتبي: مر رجلان بإياس بن معاوية، فعرج عليه أحدهما، وتجاوز الآخر، فكان المعرج عليه أراد أن يغريه به قال: فقال إياس: أما أنت فعرجت بكرمك، وأما هو فاستمر على ثقته. قال الأصمعي: قال إياس بن معاوية: امتحنت خصال الرجال، فوجدت أشرفها صدق اللسان، ومن عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم أخلاقه. قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: قال إياس بن معاوية: يا ربيعة! كل ما بني على غير أساس فهو هباء، وكل ديانة أسست على غير ورع فهي هباء. حدث المستنير بن لأخضر عن إياس بن معاوية قال: جاءه دهقان، فسأله عن المسكر، أرحام هو أم حلال؟ فقال: هو حرام. فقال: كيف يكون حراماً؟ أخبرني عن التمر، أحلال أم حرام؟ قال: حلال. قال: فأخبرني عن الكشوث، أحلال هو أم حرام؟ قال: حلال. قال: فأخبرني عن الماء. قال: حلال. قال: فما خالف ما بينهما، وإنما هو التمر والكشوث والماء، أن يكون هذا حلالاً وهذا حراماً؟ فقال إياس للدهقان: لو أخذت كفاً من تراب، فضربتك به، أكان يوجعك؟ قال: لا. قال: فأخذت كفاً من ماء، فنضحته في وجهك، أكان يوجعك؟ قال: لا. قال: فأخذت كفاً من تبن، فضربتك به، أكان يوجعك؟ قال: لا. قال: فإذا أخذت هذا التراب، فعجنته بالتبن والماء، ثم جعلته كتلاً حتى يجف، فضربتك به، أكان يوجعك؟ قال: نعم. ويقتلني! قال: فكذا هو التمر والماء والكشوت، إذا جمع ثم عتق حرم، كما يجفف هذا. أرسل عمر بن عبد العزيز رجلاً من أهل الشام، وأمره أن يجمع بين إياس وبين

القاسم بن ربيعة الجوشني من بني عبد الله بن غطفان، ويولي القضاء أنفذهما، فقدم يجمع بينهما، فقال إياس للشامي: سل عني وعن القاسم فقيهي المصر الحسن وابن سيرين، ولم يكن إياس يأتيهما، فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به، فقال للشامي: لا تسل عنه، فوالله الذي لا إله إلا هو إن إياساً أفضل مني وأفقه، وأعلم بالقضاء، فإن كنت فيمن يصدق، فينبغي لك أن تصدق قولي، وإن كنت كاذباً فما يحل أن توليني وأنا كذاب، فقال إياس للشامي: إنك جئت برجل فأقمته على جهنم، فافتدى نفسه من النار أن تقذفه فيها بيمين حلفها كذب فيها يستغفر الله عز وجل منها، وينجو مما يخاف. فقال الشامي: أما إذ فطنت لها فإني أوليك، فاستقضاه، فلم يزل على القضاء سنة ثم هرب، وكان يفصل بين الناس، إذا تبين له الأمر حكم به. قيل لإياس لما ولي القضاء: إنك تعجل بالقضاء. قال إياس: كم بكفك من إصبع؟ فقال: خمسة، فقال له إياس: عجلت بالجواب، قال: لم يعجل من استيقن علماً، فقال إياس: هذا جوابي. قال حميد الطويل: لما ولي إياس بن معاوية القضاء دخل عليه الحسن وإياس يبكي. فقال له: ما يبكيك؟ فذكر إياس الحديث: " القضاة ثلاثةٌ، اثنان في النار، وواحد في الجنة ". فقال الحسن: إن فيما قص الله عليك من نبأ داود وسليمان ما يرد قول هؤلاء الناس، ثم قرأ: " وداود وسليمان إذا يحكمان الحرث " إلى قوله " ففهمناها سليمان وكلاًّ آتينا حكماً وعلماً " فحمد سليمان ولم يذم داود. وفي رواية أنه قال: " القضاة ثلاثة: رجل اجتهد وأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة ". قال الحسن: أخذ الله على الحكام ثلاثة: أن لا يشتروا به ثمناً، ولا يخشوا فيه الناس، وأن لا يتبعوا الهوى. قال: ثم قرأ هذه الآية: " يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك " وقال: "

ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ". قال إبراهيم لإياس بن معاوية: لولا خصال فيك كنت أنت الرجل. قال: وما هي؟ قال: تقضي قبل أن تفهم، ولا تبالي من جالست، ولا تبالي ما لبست. قال: أما قولك: أقضي قبل أن أفهم، فأيهم أكثر ثلاثة أو اثنان؟ قال: لا. بل ثلاثة قال: ما أسرع ما فهمت! قال: ومن لا يفهم هذا! قال: ذلك أنا، لا أقضي حتى أفهم. وأما قولك: إني لا أبالي مع من جلست، فإني أجلس مع من يرى لي، أحب إلي من أن أجلس مع من أرى له. وأما قولك: إني لا أبالي ما لبست، فلأن ألبس ثوباً يقي نفسي، أحب إلي من ألبس ثوباً أقيه بنفسي. قال أبو محمد القرشي: استودع رجل رجلاً مالاً. ثم طلبه فجحده، فخاصمه إلى إياس بن معاوية، فقال الطالب: إني دفعت المال إليه. قال: ومن حضرك؟ قال: دفعته إليه في مكان كذا وكذا، ولم يحضرنا أحد. قال: فأي شيء كان في ذلك الموضع؟ قال: شجرة. قال: فانطلق إلى ذلك الموضع، وانظر إلى الشجرة، فلعل الله تعالى يوضح لك هناك ما يبين لك حقك، لعلك دفنت مالك عند الشجرة ونسيت، فتذكر إذا رأيت الشجرة، فمضى الرجل وقال إياس للمطلوب: اجلس حتى يرجع خصمك، فجلس وإياس يقضي وينظر إليه ساعة، ثم قال له: يا هذا أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة التي ذكر؟ قال: لا. قال: يا عدو الله إنك لخائن. قال: أقلني أقالك الله، فأمر من يحتفظ به حتى جاء الجل، فقال له إياس: قد أقر لك بحقك فخذه به. واستودع رجل رجلاً مالاً. قال: وكان أميناً لا بأس به وخرج المستودع إلى مكة، فلما رجع طلبه فجحده، فأتى إياس بن معاوية، فأخبره، فقال له إياس: أعلم أنك أتيتني؟ قال: لا. قال: فنازعته عنه أحد؟ قال: لا. لم يعلم أحد بهذا قال: فانصرف واكتم أمرك، ثم عد إلي بعد يومين، فمضى الرجل، فدعا إياس أمينه ذاك، قال: قد حضر مال كثير أريد أن أصيره إليك، أفحصينٌ منزلك؟ قال: نعم. قال: فأعد موضعاً للمال

وقوماً يحملونه، وعاد الرجل إلى إياس، فقال له: انطلق إلى صاحبك فاطلب مالك، فإن أعطاك فذاك، وإن جحدك فقل له: إني أخبر القاضي، فأتى الرجل صاحبه، فقال له: مالي وإلا أتيت القاضي وشكوت إليه أمري، فدفع إليه ماله، فرجع الرجل إلى إياس، فقال: قد أعطاني المال، وجاء الأمين إلى إياس لموعده فزبره وانتهره، وقال: لا تقربني يا خائن. واستودع رجل رجلاً كيساً فيه دنانير وغاب الرجل، فطالت غيبته فلما طال الأمر، فتق المستودع من أسفله، وأخذ الدنانير وجعل في الكيس دراهم وخيطه والخاتم على حاله، فقدم صاحب المال بعد خمس عشرة سنة وطلب ماله، فدفع إليه الكيس بخاتمه فلم يقبله، وقال: هذه دراهم، ومالي دنانير. قال: هذا كيسك بخاتمك، فرافعه إلى عمر بن هبيرة، فقال لإياس بن معاوية: انظر في أمر هذين. فقال إياس للطالب: ما تقول؟ قال: أعطيته كيساً فيه دنانير. قال: مذ كم؟ قال: مذ خمس عشرة سنة. قال للآخر: ما تقول؟ قال: كيسه بخاتمه. قال: منذ كم؟ قال: منذ خمس عشرة سنة. قال: ففضوا الخاتم، ونثروا الدراهم، فوجدوا ضرب عشر سنين وخمس سنين، فأقر بالدنانير، فألزمه إياها. قال معتمر: رد رجل جارية اشتراها من رجل غلبه، فخاصمه إلى إياس بن معاوية، فقال له: لم تردها؟ قال: أردها بالحمق. قال إياس لها: أي رجليك أطول؟ قالت: هذه. قال: تذكرين أي ليلة ولدت؟ قالت: نعم. فقال له إياس: رد رد. قال المدائني: قيل لإياس بن معاوية: ما فيك إلا كثرة الكلام قال: أفتسمعون صواباً أو خطأ؟ قالوا: لا بل صواباً. قال: فالزيادة من الخير خير. قال: وما رمي إياس بالعي قط، وإنما عابوه بالإكثار. قال محمد بن سلام: قيل لإياس: ما فيك عيب، غير أنك معجب بقولك. فقال لهم: أو أعجبكم قولي؟

أيمن بن خريم بن الأخرم بن شداد

قالوا: نعم، قال: فأنا أحق بأن أعجب بما أقول وما يكون مني. قال: وهذا مما استحسنه الناس من قوله. قال ابن شوذب: كان أبو إياس يقول: الناس ولدوا أبناءً وولدت أباً. توفي إياس بن معاوية سنة اثنتين وعشرين ومئة بواسط. أيمن بن خريم بن الأخرم بن شداد ابن عمرو بن فاتك بن القليب بن عمرو بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار أبو عطية الأسدي، له صحبة كان يسكن دمشق ثم تحول إلى الكوفة. روى عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا أيمن إن قومك أسرع العرب هلاكاً ". وحدث أيمن بن خريم قال: قام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطيباً فقال: " يا أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكاً بالله ". ثلاثاً، ثم قرأ " فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ". خريم أوله خاء معجمة مضمومة وراء مفتوحة. وأمه الظناء وأمه الصماء بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك الأسدي. قال الشعبي: أتاني عامريٌّ وأسديٌّ قال: وقد أخذ العامري بيد الأسدي فهو لا يفارقه قال: فقلت له: يا أخا بني عامر إنه قد كانت لبني أسد ست خصال لا أعلمها، كانت بحي من العرب: كانت امرأة زوجها الله عز وجل بنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السماء، والسفير بينهما جبريل، أفكانت هذه لقومك؟ وكان أول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش الأسدي، أفكانت هذه

لقومك؟ وكان أول مغنم قسم في الإسلام مغنم عبد الله بن جحش، أفكانت هذه لقومك؟ وكان منهم رجل يمشي بين الناس مقنعاً، وهو من أهل الجنة عكاشه بن محصن الأسدي أخو بن غنم بن دودان، فكانت هذه لقومك؟ وكان أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان عبد الله بن وهب فقال: يا رسول الله ابسط يدك أبايعك قال: " على ماذا؟ " قال: على ما في نفسك. قال: " وما في نفسي؟ " قال: فتح أو شهادة. قال: " نعم ". فبايعه. قال: فجعل الناس يبايعونه ويقولون: على بيعة أبي سنان على بيعة أبي سنان. فكانت هذه لقومك؟ وكانوا سبع المهاجرين. روى الشعبي قال: قال مروان لأيمن بن خريم يوم المرج يوم قتل الضحاك بن قيس: ألا تخرج فتقاتل معنا؟ قال: لا. إن أبي وعمي شهدا بدراً مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعهدا إلي أن لا أقاتل رجلاً يشهد أن لا إله إلا الله. قال: ائتني ببراءة من النار فأنا معك، قال: اذهب فلا حاجة لنا فيك، فقال: " من الوافر " ولست بقاتلٍ رجلاً يصلي ... على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعلي إثمي ... معاذ الله من جهلٍ وطيش أأقتل مسلماً في غير شيءٍ ... فلست بنافعي ما عشت عيشي قال الواقدي: حديث خريم بن فاتك أنه قال: إن أبي وعمي شهدا بدراً مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: ما شهد أبوه ولا عمه بدراً وأنكر ذلك هو والعلماء وقالوا: أهل بدر أعرف من ذلك لا يستطاع الزيادة فيهم ولا النقصان.

أيمن بن نابل كنيته أبو عمران

قال المدائني: كان أيمن بن خريم بن فاتك عند عبد العزيز بن مروان بمصر، فدخل عليه نصيب فأنشده مديحاً امتدحه به، فقال لأيمن: نصيبٌ أشعر منك، قال: لا والله، ولكنك طرفٌ ملولٌ فقال: أتقول: إني ملولٌ وأنا أواكلك مذ كذا وكذا وكان بأيمن برصٌ في يده فغضب ولحق ببشر بن مروان فقال: " من الوافر " ركبت من المقطم في جمادى ... إلى بشر بن مروان البريدا ولو أعطاك بشرٌ ألف ألفٍ ... رأى حقاً عليه أن يزيدا قال: ومر به نصيب بالكوفة فقال له: إني تركت غديراً ناضباً وأتيت بحراً زاخراً، وكان بشر لا يؤاكل أيمن، فاشتهى يوماً لبنا وقال للحاجب: اخرج فانظر لي من يأكل معي، فخرج فأدخل أيمن بن خريم، فلما رآه بشر آساه فقال: إني اشتهيت البارحة لبنا فهيئ لي، وأصبحت أنوي الصوم فأتيت باللبن فلما وضع بين يدي ذكرت أني صائم وليس أحد أحق بأكله منك فدونكه. فلم يلبث أن صفره وكان يغير بياض يده بالزعفران. أيمن بن نابل كنيته أبو عمران ويقال: أبو عمر المكي الحبشي مولى أبي بكر اجتاز بدمشق حين توجه إلى غزو الروم. روى أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ناقةٍ صهباء يرمي الجمرة، لا ضرب ولا طرد ولا جلد ولا إليك إليك.

قال أيمن بن نابل: سألت قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: إن ريش الحمام قد كثر في المسجد فإذا سجد أحدنا دخل في عينيه، فقال: انفخوا. وحدث أيمن بن نابل عن ابن الزبير عن جابر قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمنا التشهد: " بسم الله التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصاحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله نسأل الله الجنة ونعوذ بالله من النار ". قال أيمن بن نابل: كنت أسير مع مجاهد في أرض الروم فسألته عن صوم السفر فقال: صم فأنا الساعة صائم. ونابل بالباء الموحدة تحتها. قال السيناني: دلني على أيمن بن نابل سفيان الثوري فقال: هل لك في أبي عمران؟ فلقيته فإذا رجل حبشيٌّ طوال ذا مشافرٍ مكفوف. وكان أيمن بن نابل من سودان مكة المعتقين، وكان فصيحاً عابداً فاضلاً يحدث عنه بزهد وفضل، فقال يحيى: كان أيمن ثقة وكان لا يفصح وكانت فيه لكنة. وقال الدارقطني: أيمن ليس بالقوي خالف الناس ولو لم يكن إلا حديث التشهد.

أيمن رجل من ثقيف

أيمن رجل من ثقيف والد إسحاق أبي أيمن، من أهل حمص، حكى عن ابن يناق صاحب رحاب، ورحاب قرية من عمل الصويت من نواحي دمشق. وروى عنه ابنه إسحاق أبو أيمن أنه سمع ابن يناق صاحب رحاب يقول: أنزلت في هذا الأندر ملوكاً، كسرى وقيصر وأمير المؤمنين عمر، وقد هيأت هذا المنزل لعمر كما كنت أهيئه لمن كان قبله، فإني لفي تهيئة طعام الناس وما يصلحهم جعلت أتعاهد المكان الذي أعددته له لا ينزله أحد، فأتيته فإذا فسيطيط يضرب فيه، فقلت: تنحوا رحمكم الله فإن هذا المكان أعددته لأمير المؤمنين، فقالوا: أمير المؤمنين الذي يأخذ بعمود الفسطاط؟؟! فخرج علي فإذا عليه قميص كرابيس وسخ قد كاد يتقطع من الوسخ فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أغسل قميصك هذا حتى يجف عليك؟ قال: بلى إن شئت. فاغتنمت ذلك فدعوت بقميص قبطي قد خيط فلبسه، فلما وجد لينه وقعقعته قال: ويحك يا بن يناق ائتني بقميصي قال: فجئته به ولما يجف بعد، فذهبت أدخله بيتاً، فرأى فيه صورة فأبى أن يدخله، ثم أتيته بعسل فشربه، فقال: إن هذا لا يسع الناس فهل من شراب يسع الناس؟ فأتيته بطلاء قد طبخ على الثلثين فنظر إليه فقال: ما أشبه هذا بطلاء الإبل، ثم سقى رجلاً منه، فشربه، فقال: أتجد دبيباً تجد شيئاً؟ قال: لا، ثم ثنى، فقال: تجد شيئاً؟. قال: لا. قال: ثم ثلث، فقال: أتجد شيئاً؟ قال: لا، قال: قم فامش، فمشى حتى رجع، فقال: أتجد دبيباً تجد شيئاً؟ قال: لا، قال: فقال: نعم ارزق الناس من هذا، وكتب به إلى سعد بالكوفة.

أيوب نبي الله صلى الله على نبينا وعليه وسلم بن زارح بن آموص بن ليفزر

أيوب نبي الله صلى الله على نبينا وعليه وسلم بن زارح بن آموص بن ليفزر بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام ويقال: أيوب بن آموص بن رازح بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل واختلف فيه على غير ذلك. وكان أيوب عليه السلام يسكن بالشام وديره معروف بناحية البثنية من نواحي دمشق بقرب نوى وموضع مغتسله وأندرته بتلك القرية معروف، وكانت له البثنية بأسرها سهلها وجبلها، وكانت له الخيل والإبل والبقر والغنم والحمير والعبيد. وأم أيوب بنت لوط النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم، وكان تحته رحمة بنت منشأ بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق عليهم السلام. قال وهب بن منبه: كان أيوب أعبد أهل زمانه وأكثرهم مالاً، وكان لا يشبع حتى يشبع الجائع، وكان لا يكتسي حتى يكسو العاري، وكان إبليس قد أعياه أمر أيوب عليه السلام ليغويه فلا يقدر، وكان عبداً معصوماً. قال: وكانت شريعة أيوب عليه السلام بعد التوحيد إصلاح ذات البين، وإذا طلب حاجة إلى الله عز وجل خر ساجداً ثم طلب. وروي عن ابن عباس أنه قال: يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته، ولما تتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته، فإن قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال، وأنت على الذنب أعظم من الذي عملته، وضحكك وأنت لا تدير ما الله صانع بك أعظم من الذنب، وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب، وحزنك من الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب إذا ظفرت به، وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب لا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك

أعظم من الذنب إذا عملته. ويحك هل تدري ما كان ذنب أيوب فابتلاه الله بالبلاء في جسده، وذهاب ماله؟ إنما كان ذنب أيوب أنه استعان به مسكين على ظلم يدرؤه عنه فلم يعنه، ولم يأمر بمعروف وينه الظالم عن ظلم هذا المسكين، فابتلاه الله عز وجل. حدث أبو إدريس الخولاني قال: أجدب الشام فكتب فرعون إلى أيوب عليه السلام أن هلم إلينا فإن لك عندنا سعةً، فأقبل بخيله وماشيته وبنيه، فأقطعهم وبنيهم، فدخل شعيب عليه السلام، وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر شعيب قال: ذاك خطيب الأنبياء. قال: يا فرعون أما تخاف أن يغضب الله فيغضب لغضبه أهل السموات والأرض والجبال والبحار؟ فسكت أيوب، فلما خرجا من عنده، أوحى الله إلى أيوب: يا أيوب، أوسكتّ عن فرعون لذهابك إلى أرضه؟ استعد للبلاء، قال أيوب: أما كنت أكفل اليتيم، وآوي الغريب، وأشبع الجائع، وأكفت الأرملة؟ فمرت سحابة يسمع فيها عشرة آلاف صوت من الصواعق، يقولون: من فعل ذلك يا أيوب؟ فأخذ تراباً فوضعه على رأسه، وقال: أنت يا رب. فأوحى الله إليه: استعد للبلاء، قال: فديني؟ قال: أسلمه لك قال: فما أبالي. قال الليث بن سعد: كان السبب الذي أصاب أيوب وابتلي به أنه دخل أهل قريته على ملكهم وهو جبار من الجبابرة - وذكر بعض ما كان ظلمه الناس ويقع به عليهم - فكلموه فأبلغوا في كلامه ورفق أيوب في كلامه له مخافةً لزرعه، فقال الله: " اتقيت عبداً من عبادي من أجل زرعك أن تصدقه مخافة منك أن يغلظ عليك؟ " فأنزل الله عز وجل به ما أنزل به من البلاء. قال الحسن: ضرب أيوب بالبلاء ثم البلاء بعد البلاء بذهاب الأهل والمال، ثم ابتلي في بدنه، ثم ابتلي حتى قذف به في بعض مزابل بني إسرائيل، قال الحسن: فما يُعلم أيوب دعا الله عز وجل يوماً أن يكشف ما به ليس ذلك إلا صبراً واحتساباً حتى مر به رجلان، فقال أحدهما

لصاحبه: لو كان لله في هذا حاجة ما بلغ به هذا كله، فسمع أيوب فشق عليه، فقال: رب مسني الضر ثم رد ذلك إلى ربه فقال " وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم " قال: وأتيناه أهله في الدنيا ومثلهم معهم بالآخرة. وعن ابن عباس قال: قالت امرأة أيوب لأيوب: إنك رجل مجاب الدعوة، فادع الله أن يشفيك، فقال: كنا في النعماء سبعين سنة، فدعينا نكون في البلاء سبعين سنة، قال: فمكث في ذلك البلاء سبع سنين. قال قتادة: ابتلي أيوب عليه السلام سبع سنين ملقًى على كناسة بيت المقدس. وعن الحسن قال: إن كانت الدودة تقع من جسد أيوب عليه السلام فيأخذها فيعيدها إلى مكانها، ويقول: كلي من رزق الله عز وجل. قال الفضيل بن عياض: كان بين فراق يوسف حجر يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، قال: ومكث أيوب مطروحاً في الكناسة سبع سنين لا يسأل الله عز وجل أن يكشف عنه، قال: وما على ظهر الأرض خليفة أكرم على الله عز وجل يومئذ من أيوب. سئل أبو العباس بن عطاء: عن قوله عز وجل: " مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " فقال: إن الله عز وجل سلط الدود على جسم أيوب كله إلا على قلبه ولسانه، فكان القلب غنياً بالله قوياً، واللسان بذكر الله رطباً دائماً، يأكل الدود الجسم كله حتى بقيت أضلاعه مشبكةً والعروق ممدودةً، وحتى ما بقي للدود شيئاً يأكله، فسلط الله الدود بعضه على بعض، فأكل بعضه بعضاً حتى بقيت دودتان، فجاعتا جميعاً، فشدت إحداهما على الأخرى فأكلتها، وبقيت واحدة فجاعت ودنت إلى القلب لتنقره، فقال أيوب عليه السلام عند ذلك " مسني الضر " أن

فقدت حلاوة ذكرك من قلبي، لأنك لو جمعت البلاء كله علي بعد أن لا أفقدك من قلبي ما وجدت للبلاء ألماً، فأوحى الله عز وجل إليه: " يا أيوب إنك لتنظر إلي غداً "، قال: يا رب بهاتين العينين، فقال له عز وجل: " يا أيوب أجعل لك عينين يقال لهما: البقاء، فتنظر إلى البقاء بالبقاء ". قال وهب بن منبه: لم يكن أصاب أيوب الجذام ولكنه أصابه أشد منه، كان يخرج في جسده مثل ثدي المرأة ثم يتفقأ. قال طلحة بن مصرف: قال إبليس: ما أصبت من أيوب شيئاً أفرح به إلا أني كنت إذا سمعت أنينه علمت أني قد أوجعته. قال سفيان: لم يفقه عندنا من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة. قال ابن عباس: اتخذ إبليس تابوتاً فجلس في الطريق وجعل يداوي المرضى قال: فمرت به امرأة أيوب، فقالت له: هل لك أن تداوي هذا المبتلى؟ قال: نعم بشرط إن أنا شفيته أن يقول أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غيره. قال: فأتت أيوب فذكرت ذلك له. قال: ويحك ذاك الشيطان، لله علي إن عافاني لأجلدنك مائة جلدة قال: فلما عوفي قال الله له: " خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث " قال: فاتخذ عذقاً في مئة شمراخ فضربها به ضربةً واحدة. قال وهب بن منبه: قال إبليس لامرأة أيوب: بم أصابكم ما أصابكم؟ قالت: بقدر الله، قال: وهذا أيضاً! فاتبعيني فاتبعته، فأراها جميع ما ذهب منهم في واد، فقال: اسجدي لي وأرد

عليكم، فقالت: إن لي زوجاً أستأمره، فأخبرت أيوب فقال: أما آن لك أن تعلمي؟ ذلك الشيطان، لئن برئت لأضربنك مئة جلدة. وعن مجاهد في قوله تعالى: " وخذ بيدك ضغثاً " قال: هي لأيوب خاصة. وقال عطاء: هي للناس عامة، وقال الحسن: فنادى حين نادى " إني مسني الشيطان بنصبٍ وعذاب " فأوحى الله عز وجل إليه " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ " قال: فركض ركضة خفيفة، فإذا عين تنبع حتى غمرته فرد الله عز وجل جسده، ثم مضى قليلاً، ثم قيل له: " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب " فركض ركضة أخرى، فإذا هو بعينٍ تجري فشرب منها، فطهرت جوفه، وغسلت كل قذرٍ كان فيه. قال ليث بن سليم: قيل لأيوب عليه السلام: يا أيوب لا يعجبك تصبرك، فإني قد علمت ما في كل شعرة من لحمك ودمك، ولولا أني أعطيت موضع كل شعرة منك صبراً ما صبرت. ولما اشتد على أيوب البلاء أوحى الله إليه: " لو أصبحت في يدي عبد من عبيدي لأصبحت في بلاء أشد من البلاء الذي أنت فيه، ولكنك أسير في يدي وأنا أرحم الراحمين ". وهب بن منبه قال: إن إبليس طار في المردة، فأتى مشارق الأرض ومساربها لينظر هل يجد عبداً لله عز وجل مخلصاً يثني على ربه فيغويه؟ قال: فأتاه نداء: يا لعين أتعلم أن أيوب عليه السلام عبد صالح مخلص لله عز وجل لا تستطيع أن تغويه، قال: يا رب إن أيوب قد أعطيته من المال والولد والسعة وقرة العين في الدنيا إذا نظر إليه فلا يستطيع أحد أن يغويه، ولكني سلطني على ماله وولده، وكان له ثلاثة عشر ولداً ذكوراً كلهم، وكانوا من رحمة بنت منشّا بن يوسف بن يعقوب، فقال: سلطني عليهم، فترى أيوب كيف يطيعني

ويعصيك، ويؤمن بي ويكفر بك، فقال: اذهب فقد سلطتك على ماله وولده، قال: فرجع إبليس إلى مجلسه وجمع شياطينه ومردته فقالوا: سيدنا لم حشرتنا وجمعتنا ودعوتنا؟ قال: ألا ترون هذا العبد الذي أثنى عليه ربه ومدحه، وزعم أني لا أستطيع أن أغويه، وقد سلطني على ماله وولده؟ فقاموا جميعاً، فقالوا: نحن عونك عليه. قال: فما عندكم؟ فقامت طائفة منهم مثل الجيش العظيم، معهم عواصف الريح، وقام قومٌ منهم صاحوا صيحةً خرجت لأفواههم كلهب النيران، وقام قوم منهم صاحوا صيحة رجفت الأرض منها، فقال للذين جاؤوا بعواصف الريح: انطلقوا إلى دواب أيوب وغنمه ورعاته فاحتملوها حتى تقذفوها في البحر، وأنا منطلق إليه في صورة قيمه بشأنهم فأغويه. قال: فانطلقوا فجاؤوا بالرياح من أركان الأرض فعصفتهم ثم احتملتهم حتى قذفتهم في البحر فغرقتهم، فجاء إبليس في صورة قيمه إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال: يا أيوب ألا أراك قائماً تصلي وقد أقبلت ريح عاصف فاحتملت دوابك وغنمك برعاتها فعصفتها وقذفتها في البحر فغرقتها وأنت قائم تصلي! قال: فلم يرد عليه شيئاً حتى فرغ من صلاته فقال: الحمد لله الذي هو رزقنيه ثم قبله مني كالقربان النقي وميزك منهم كما يميزوا الزوان من القمح. قال: فانصرف خائباً، فدعا الذين يخرج من أفواههم كلهب النيران فقال: انطلقوا إلى جنان أيوب وزرعه فأحرقوها حتى أذهب أنا إليه في صورة قيمة فأغويه، فانطلقوا فصاحوا صيحة فتوجهت ناراً من أفواههم كأنها لهب النار فأتت على جنانه ومزارعه ومعايشه فصارت كالرميم، وجاء إبليس في صورة قيمه فسلم وأيوب قائم يصلي، فقال: يا أيوب ألا أراك قائماً تصلي وقد جاء الحريق فأتى على جنانك ومزارعك ومعايشك كلها فصارت كالرميم! فلم يرد عليه شيئاً حتى فرغ من صلاته فقال: الحمد لله الذي رزقنيه ثم قبضه مني كالقربان النقي يقربه صاحبه وميزك منه كما يميز الزوان من القمح ولو كان فيك خير لقبضك معهم، ثم أقبل على صلاته، فرجع إبليس فدعا هؤلاء الذين يزيلون الأرض بصيحتهم، فقال: اذهبوا إلى منازل أيوب حتى تزلزلوا بهم وترمسوا فيها ولده وخدمه، قال: فانطلقوا فصاحوا صيحة عظيمة جعلوها دكةً واحدة، ثم جاء إبليس إلى أيوب في صورة حاضن ولده، فقال: يا أيوب إنه قد جاءت صيحة فصارت منزلك دكةً واحدة فما بقي لك ولد ولا خادم إلا رمس تحته، وأنت قائم تصلي! قال: فانصرف، فقال: الحمد لله الذي هو رزقنيهم وقبضهم مني كالقربان النقي وميزك من بينهم كما يميز الزوان من القمح،

ولو كان فيك خيراً لقبضك معهم، فانصرف إبليس عدو الله خائباً منكسراً، فأتاه نداء " كيف رأيت عبدي أيوب؟ " قال: يا رب! إن أيوب قد علم أنك ستعوضه بكل واحدٍ اثنين، ولكن سلطني على جسده فسوف ترى كيف يطيعني ويعصيك، ويؤمن بي ويكفر بك؛ قال: اذهب فقد سلطتك على جسده من غير أن أسلطك على روحه، فجاء فنفخ في إبهام قدميه. قال: فاشتعل فيه مثل النار. وروي عن مجاهد أن أول من أصابه الجدري أيوب عليه السلام. وعن أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن أيوب نبي الله لبث في بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: مذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب عليه السلام: لا أدري ما يقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله عز وجل فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق، وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحي إلى أيوب " اركض برجلك هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب " فاستبطأته فبلغته ينتظر فاستقبلته فتلقته، فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ ووالله على ذلك ما رأيت أحداً أشبه به منك إذ كان صحيحاً، قال: فإني أنا هو، وكان له أندران أندر القمح وأندر الشعير، فبعث الله سحابتين فكانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض ". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بينما أيوب يغتسل عرياناً

خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يخبئ في ثوبه، فناداه ربه عز وجل: " يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ " قال: بلى يا رب، ولكن لا غناء بي عن بركتك. وفي حديث آخر بمعناه، قال: يا رب من يشبع من رحمتك أو من فضلك؟ وعن ابن عباس قال: سألت نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قوله: " ووهبنا له أهله ومثلهم معهم " قال: " يا بن عباس رد الله امرأته إليه، وزاد في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرون ذكراً، وأهبط الله إليه ملكاً، فقال: يا أيوب إن الله يقرئك السلام بصبرك على البلاء، فاخرج إلى أندرك، فبعث الله سحابة حمراء فهبطت عليه بجراد الذهب، والملك قائم معه، فكانت الجرادة تذهب فيتبعها حتى يردها في أندره، قال الملك: يا أيوب أما تشبع من الداخل حتى تتبع الخارج؟ فقال: إن هذه بركة من بركات ربي وليس أشبع منها ". وروي عن ابن عباس: أن أيوب عاش بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية وعلى ذلك مات، وتغيروا بعد ذلك وغيروا دين إبراهيم كما غيره من كان قبلهم. حدث وهب بن منبه أن ابن عباس طاف بالبيت حين أصبح سبوعاً، وأنا وطاوس معه وعكرمة مولاه، وكان قد رق بصره فكان يتوكأ على العصا، فلما فرغ من طوافه انصرف إلى الحطيم فصلى ركعتين ثم نهض فنهضنا معه فدفع عصاه إلى عكرمة مولاه، وتوكأ علي وعلى طاوس، ثم انطلق بنا إلى غربي الكعبة بين باب بني سهم وباب بني جمح فوقعنا على قوم بلغ ابن عباس أنهم يخوضون في حديث القدر وغيره مما يختلف الناس فيه، فلما وقف عليهم سلم عليهم، أجابوه ورحبوا وأوسعوا له، فكره أن يجلس إليهم ثم قال: يا معشر المتكلمين فيما لا يعنيهم ولا يرد عليهم، ألم تعلموا أن لله عباداً قد أسكتتهم خشيته من غير عيٍّ ولا بكم

وإنهم لهم الفصحاء الطلقاء النبلاء الألباء العالمون بالله وبآياته، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم وكسرت قلوبهم وطاشت عقولهم إعظاماً لله عز وجل وإعزازاً وإجلالاً، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله عز وجل بالأعمال الزاكية، يعدون أنفسهم من الظالمين الخاطئين، وإنهم لأنزاه برآء، ومع المقصرين والمفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء، ولكنهم لا يرضون منه بالقليل ولا يستكثرون له الكثير ولا يدلون عليه بالأعمال، متى ما لقيتهم فهم مهتمون محزونون مروعون خائفون مشفقون وجلون فأين أنتم منهم؟ يا معشر المبتدعين اعلموا أن أعلم الناس بالقدر أسكتهم عنه، وأن أجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه. قال وهب: ثم انصرف عنهم وتركهم، فبلغ ابن عباس أنهم قد تفرقوا عن مجلسهم ذلك، ثم لم يعودوا إليه حتى هلك ابن عباس. وفي حديث آخر عن وهب قال: بلغ ابن عباس عن مجلس كان في ناحية بني سهم يجلس فيه ناس من قريش فيختصمون فترتفع أصواتهم، فقال لي ابن عباس: انطلق بنا إليهم، فانطلقنا حتى وقفنا عليهم، قال ابن عباس: أخبرهم عن كلام الفتى الذي كلم به أيوب وهو في حاله، قال وهب: فقلت: قال الفتى: يا أيوب أما كان في عظمة الله وذكر الموت ما يكل لسانك ويقطع قلبك ويكسر حجتك؟ يا أيوب أما علمت أن لله عباداً أسكتتهم خشية الله من غير عيٍّ ولا بكم، وإنهم لهم الفصحاء الطلقاء الألباء العالمون بالله وآياته، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله تقطعت قلوبهم وكلت ألسنتهم وطاشت عقولهم وأحلامهم فرقاً من الله وهيبة له، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية لا يستكثرون لله الكثير ولا يرضون له بالقليل، يعدون أنفسهم مع الظالمين الخاطئين، وإنهم لأنزاه أبرار أخيار، ومع المضيعين المفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء ناحلون دائبون، يراهم الجاهل فيقول مرضى، وليسوا مرضى وقد خولطوا وقد خالط القوم أمرٌ عظيم. قال مجاهد: يؤتى بثلاثة يوم القيامة: بالغني والمريض والعبد المملوك فيقال للغني: " ما منعك من عبادتي؟ " فيقول: يا رب أكثرت لي من المال فطغيت، فيؤتى بسليمان في ملكه فيقول: " أنت كنت أشد شغلاً من هذا؟ " قال: يقول: لا بل هذا، قال: " فإن هذا لم يمنعه ذلك أن

أيوب بن إسحاق بن إبراهيم بن سافري

عبدني ". قال: ثم يؤتى بالمريض قال: فيقول: " ما منعك من عبادتي؟ " قال: فيقول: شغلت على جسدي. قال: فيؤتى بأيوب في ضره، فيقول: " أنت كنت أشد ضراً من هذا؟ " قال: لا بل هذا. قال: " فإن هذا لم يمنعه ذلك أن عبدني ". قال: ثم يؤتى بمملوك فيقول: " ما منعك من عبادتي؟ " فيقول: يا رب جعلت علي أرباباً يملكونني. قال: فيؤتى بيوسف في عبوديته فيقول: " أنت كنت أشد عبودية أم هذا؟ " قال: لا بل هذا. قال: " فإن هذا لم يمنعه ذلك أن عبدني ". وعن أبي عبد الله الجدلي قال: كان أيوب نبي الله صلى الله على نبينا وعليه وسلم يقول: اللهم إني أعوذ بك من جار عينه تراني وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة أطفأها وإن رأى سيئة أذاعها. قال: ذكر أبو جعفر الطبري أن عمر أيوب كان ثلاثاً وتسعين سنة. أيوب بن إسحاق بن إبراهيم بن سافري أبو سليمان البغدادي الإخباري، قدم دمشق وحدث بها وبمصر. روى عن محمد بن عبد الله الرقاشي بسنده عن أبي سعيد قال: رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناساً في مؤخر المسجد فقال: " لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله، ادنوا مني فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم ". توفي بدمشق سنة تسع وخمسين، وقيل سنة ستين ومئتين.

أيوب بن بشير بن كعب العدوي البصري

أيوب بن بشير بن كعب العدوي البصري قال أيوب بن بشير: لما سير أبو ذر إلى الشام قلت له: إني أريد أن أسألك عن حديث من حديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إذاً أحدثك به إلا أن يكون سراً. قال: ليس بسرٍّ. قلت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني. قال: هكذا روي، وأيوب لم يلق أبا ذر وإنما رواه عن رجل عنه كما رواه في حديث آخر عن فلان العنزي أنه أقبل مع أبي ذر فلما رجع تقطع الناس عنه. قلت: يا أبا ذر إني سائلك عن بعض أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: إن كان سراً من سر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم أخبرك به. قلت: ليس بسرٍّ، ولكن كان إذا لقي الرجل فأخذ بيده يصافحه؟ قال: على الخبير سقطت، لم يلقني قط إلا أخذ بيدي غير مرةٍ واحدة وكانت تلك آخرهن، أرسل إلي فأتيته في مرضه الذي توفي فيه فوجدته مضطجعاً فأكببت عليه فرفع يده فالتزمني. وفي حديث آخر بمعناه: فلقيني فاعتنقني وكان ذلك أجود وأجود. وعزى أيوب بن بشير سليمان بن عبد الملك على ابنه فقال: آجرك الله يا أمير المؤمنين في الفاني وبارك لك في الباقي. أيوب بن تميم أبو سليمان التميمي المقرئ روى عن الأوزاعي بسنده عن أبي هريرة إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من أدرك من الصلاة ركعةً فقد أدركها ". حدث أيوب بن تميم قارئ أهل دمشق عن عثمان بن أبي العاتكة قال: سمع كعب الأحبار رجلاً ينشد:

أيوب بن حسان أبو حسان الجرشي

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يهلك العرف بين الله والناس فقال كعب: والذي نفسي بيده إنه لمكتوب في التوراة. قال عبيد بن أبي السائب: إذا حدثك أيوب بن تميم عن الأوزاعي فشد يدك به. قيل: إن أيوب بن تميم توفي سنة بضع وتسعين ومئة. أيوب بن حسان أبو حسان الجرشي من أهل دمشق. روى عن ثور بن يزيد بسنده عن عمرو بن الأسود العنسي قال: أتينا عبادة بن الصامت أيام أرواد فإذا هو قائم يركع فقالت له أم حرام: يا أبا الوليد هؤلاء إخوانك جاؤوك تحدثهم فقال لها: إن كنت صحبت فقد صحبت وإن أكن سمعت فقد سمعت فحدثيهم أنت، فقالت: أتانا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " أين أبا الوليد؟ " فقلت: الساعة يأتيك. فألقيت له وسادةً فجلس عليها، فضحك، فقلت: ما أضحكك؟ قال: " أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا ". قلت: أدع لي أن أكون معهم. قال: " اللهم اجعلها معهم ". قالت: ثم ضحك فقلت: ما الذي أضحكك؟ قال: " أول جيشٍ من أمتي يرابطون مدينة قيصر مغفور لهم ".

أيوب بن حمران

أيوب بن حمران ويقال حمران مولى عبيد الله بن زياد، قدم دمشق على بني أمية. حدث يونس بن حبيب الجرمي قال: لما قتل عبيد الله بن زياد الحسين بن علي عليه السلام وبني أبيه عليهم السلام، بعث برؤوسهم إلى يزيد بن معاوية، فسر بقتلهم أولاً، وحسنت بذلك منزلة عبيد الله عنده، ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ندم على قتل الحسين عليه السلام، فكان يقول: وما كان علي لو احتملت الأذى وأنزلته معي في داري، وحكمته فيما يريد؛ وإن كان في ذلك وكفٌ ووهنٌ في سلطاني، حفظاً لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورعاية لحقه وقرابته! لعن الله ابن مرجانة فإنه أخرجه واضطره، وقد كان سأل أن يخلي سبيله ويرجع من حيث أقبل، أو يأتيني فيضع يده في يدي، أو يلحق بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله، فأبى ذلك ورده عليه وقتله، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، وأبغضني البر والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حسيناً، مالي ولابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه! ثم إن عبيد الله بن زياد بعث مولى له يقال له أيوب بن حمران إلى الشام ليأتيه بخبر يزيد، فركب عبيد الله ذات يوم حتى إذا كان في رحبة القصابين، إذا هم بأيوب بن حمران قد قدم، فلحقه فأسر إليه بموت يزيد بن معاوية، فرجع عبيد الله من مسيره ذلك وأتى منزله، وأمر عبد الله بن حصن أحد بني ثعلبة بن يربوع فنادى: إن الصلاة جامعة. وفي حديث آخر غيره: فلما تجمع الناس صعد المنبر فنعى يزيد، وعرض بثلبه لقصد يزيد إياه قبل موته خافه عبيد الله فقال الأحنف لعبيد الله: إنه قد كانت ليزيد في أعناقنا بيعة، وكان يقال: أعرض عن ذي قبر. فأعرض عنه.

أيوب بن خالد أبو عثمان الجهني الحراني

أيوب بن خالد أبو عثمان الجهني الحراني دخل دمشق. حدث عن الأوزاعي بسنده إلى ابن عباس عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس " وروى أحاديث أخر. قال ابن عدي: أيوب بن خالد حدث عن الأوزاعي بالمناكير، وكان ولي بريد بيروت فسمع من الأوزاعي هناك فجاء بأحاديث مناكير: قال أيوب بن خالد: خرجت إلى الأوزاعي فوافيته بدمشق، فقال لي: من أين جئت؟ فقلت: من حران. فقال لي: ومن كم فارقت في حران؟ فقلت: من ثمانية أيام. فقال لي: من حران إلى دمشق في ثمانية أيام؟ قال: على أي شيء جئت؟ فقلت: على البريد: فقال: على البريد! والله لا حدثتك بحرف، أو ترجع إلى حران وتجيء على راحلتك، أو على كريٍّ حتى أحدثك. قال: فرجعت إلى حران واكتريت منها، وجئت إليه إلى بيروت ومعي المكاري حتى شهد لي ثم حدثني. أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد ابن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب أبو سلمة القرشي المخزومي. ولد بدمشق، وأتى به أبوه إلى معاوية فسماه أيوب، ثم سكن المدينة، وقدم على هشام بن عبد الملك

أيوب بن سليمان بن داود

وكان عمر بن مصعب وأيوب بن سلمة يتواصلان، ويذكر أن أميهما أختان من ولادة العجم، وأنهما بنتا خال حيلان الملك. قال: وكانت الشهقة تعتري أيوب بن سلمة كثيراً وكان يرقى منها. حدث عن عامر بن سعيد عن أبيه قال: كنا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمعرس فقال: " لقد أتيت ". فقيل لي: إنك لبالوادي المبارك يعني العقيق. وعاش أيوب بن سلمة بالدولتين دولة بني أمية لمكان بنت أخيه أم سلمة عند مسلمة بن هشام ودولة بني العباس لمكانها عند أبي العباس أمير المؤمنين. أيوب بن سليمان بن داود ابن عبد الله بن حذلم الأسدي. روى عن سويد بن عبد العزيز بسنده عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السبع. أيوب بن سليمان بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم الأموي، ولي غزو الصائفة، وكان أبوه قد رشحه لولاية العهد من بعده، فمات في حياة أبيه، ومدحه جرير بن الخطفى الشاعر. لم تعلم له رواية. وأم أيوب بن سليمان أم أبان بنت أبان بن الحكم بن أبي العاص. بايع سليمان لابنه أيوب يوم الفطر من سنة ست وتسعين، وتوفي أيوب يوم السبت

لثمان ليال خلون من المحرم، وتوفي سليمان بدابق في صفر لعشر ليال بقين من سنة تسع وتسعين، وكان بينه وبين ابنه اثنان وأربعون يوماً، وكان جرير قال فيه لما عهد إليه سليمان: " من البسيط " إن الإمام الذي ترجى نوافله ... بعد الإمام ولي العهد أيوب كونوا كيوسف لما جاء إخوته ... فاستسلموا قال ما في اليوم تثريب وقيل توفي سنة ثمان وتسعين. قال رجاء بن حيوة: لما كان الجمعة لبس سليمان بن عبد الملك ثياباً خضراً من وخز ونظر في المرآة، فقال: أنا والله الملك الشاب، فخرج إلى الصلاة فصلى بالناس الجمعة، فلم يرجع حتى وعك، فلما ثقل كتب كتاب عهده إلى ابنه أيوب وهو غلام لم يبلغ. فقلت: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ إنه مما يحفظ به الخليفة في قبره أن يستخلف الرجل الصالح، فقال سليمان: كتاب أستخير الله فيه وأنظر، ولم أعزم عليه، فمكث يوماً أو يومين ثم خرقه. حدث بريد ليزيد بن المهلب قال: حملت حملين مسكاً من خراسان إلى سليمان بن عبد الملك، فانتهيت إلى باب ابنه أيوب وهو ولي العهد، فدخلت عليه، فإذا بدار مجصصة حيطانها وسقوفها، وإذا بها وصفاء ووصائف عليهم ثياب صفر وحلي الذهب، ثم دخلت داراً أخرى، فإذا حيطانها وسقوفها خضراء وإذا وصفاء ووصائف عليهم ثياب خضر وحلي الزمرد، قال: فوضعت الحملين بين يدي أيوب وهو قاعد على سرير معه امرأته، لم أعرف أحدهما من صاحبه، فانتهبت المسك من بين يديه فقلت له: أيها الأمير اكتب لي براءة، فنهرني فخرجت فأتيت سليمان فأخبرته بما كان، فقال: قد عرفنا قصتك، فكتب براءة، ثم عدت بعد أحد عشر يوماً، فإذا أيوب وجميع من كان معه في داره قد ماتوا أصابهم الطاعون.

دخل عمر بن عبد العزيز على سليمان بن عبد الملك وعنده أيوب ابنه وهو يومئذ ولي عهده قد عقد له من بعده، فجاء إنسان يطلب ميراثاً من بعض نساء الخلفاء، فقال سليمان: ما أخال النساء يرثن في العقار شيئاً، فقال عمر بن عبد العزيز: سبحان الله! فأين كتاب الله؟ قال: يا غلام اذهب فائتني بسجل عبد الملك بن مروان الذي كتب في ذلك، فقال له عمر: لكأنك أرسلت إلى المصحف! قال أيوب: والله ليوشكن الرجل يتكلم بمثل هذا عند أمير المؤمنين ثم لا يشعر حتى يفارقه رأسه. قال له عمر: إذا أفضى الأمر إليك وإلى مثلك فما يدخل على أولئك أشد مما خشيت أن يصيبهم من هذا، فقال سليمان: مه، ألأبي حفص تقول هذا؟ قال عمر: والله لئن كان جهل علينا يا أمير المؤمنين ما حلمنا عنه. قال الأصمعي: اشتد جزع سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب حتى جاءه المعزون من الآفاق. فقال رجل منهم: إن امرأ حدث نفسه بالبقاء في الدنيا ثم ظن أن المصائب لا تصيبه فيها لغبين الرأي ولما حضر أيوب الوفاة وهو ولي العهد، دخل سليمان وهو يجود بنفسه، ومعه عمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة وسعد بن عقبة فجعل ينظر في وجهه، فخنقته العبرة، ثم نظر فقال: إنه ما يملك العبد أن يسبق إلى قلبه الوجد عند المصيبة، والناس في ذلك أضراب: فمنهم من يغلب صبره على جزعه، فذلك الجلد الحازم المحتسب، ومنهم من يغلب جزعه على صبره، فذلك المغلوب الضعيف العقدة، وليست منكم خشية، فإني أجد في قلبي لوعة، إن أنا لم أبردها بعبرة خفت أن يتصدع كبدي. فقال له عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، الصبر أولى بك فلا تحبطن. قال ابن عقبة: فنظر إلي وإلى رجاء بن حيوة نظر مستعتب يرجو أن يساعده على ما أراد من البكاء، فأما أنا فكرهت آمره أو أنهاه، وأما رجاء فقال: يا أمير المؤمنين فافعل فإني لا أرى بذلك بأساً ما لم تأت من

ذلك المفرط، وقد بلغني أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لما مات ابنه إبراهيم واشتد عليه وجده وجعلت عيناه تدمعان قال: " تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ". قال: فأرسل عينيه، فبكى حتى ظننا أن نياط قلبه قد انقطع، قال: فقال عمر بن عبد العزيز لرجاء: يا رجاء ما صنعت بأمير المؤمنين؟ قال: دعه يقضي من بكائه وطراً، فإنه إن لم يخرج من صدره ما ترى خفت أن يأتي على نفسه. قال: ثم رقأت عبرته، فدعا بماء فغسل وجهه، وأقبل علينا حتى قضى أيوب، وأمر بجهازه، وخرج يمشي أمام الجنازة، فلما دفناه، وحثا التراب عليه وقف ملياً ينظر إليه، وقال: " من الطويل " وقوف على قبر مقيم بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق ثم قال: السلام عليك يا أيوب، وأنشد: " من السريع " كنت لنا أنساً ففارقتنا ... فالعيش من بعدك مر المذاق ثم قال: أدن مني دابتي يا غلام، فركب، ثم عطف رأس دابته إلى القبر وقال: لئن صبرت فلم أقبلأ ألفظك من شبعٍ ... وإن جزعت فعلقٌ منفسٌ ذهبا فقال له عمر بن عبد العزيز: الصبر يا أمير المؤمنين، فأنه أقرب إلى الله وسيلة، وليس الجزع بمحيي من مات ولا راد ما فات. قال: صدقت وبالله التوفيق. وقال الأصمعي: وعزى رجل سليمان بن عبد الملك عن ابنه أيوب فقال: إن من أحب البقاء، وأمن الحدثان لعازب الرأي.

أيوب بن أبي عائشة

أيوب بن أبي عائشة حدث عن أبي هبيرة: أن رجلاً ضاف بأعمى فعشاه، فلما كان من الليل قام فتوضأ فصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم دعا فقال: اللهم رب الأرواح الفانية ورب الأجساد البالية، أسألك بطاعة الأرواح إلى أجسادها، وبطاعة الأجساد البالية إلى عروقها، وأسألك بدعوتك الصادقة فيهم، وكلمة الحق بينهم، وبشدة سلطانك، ينتظرون قضاءك، ويرجون رحمتك، ويخافون عذابك، أسألك أن تجعل النور في بصري والإخلاص في عملي، والشكر في قلبي أبداً ما أبقيتني، فحفظ الأعمى هذا الدعاء، فلما كان من القابلة، فتوضأ وصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم رفع يديه، فدعا بهذا الدعاء، فلما بلغ: أن تجعل النور في بصري أبصر الأعمى، ورد الله عز وجل إليه بصره. حدث أيوب بن أبي عائشة، وكان من الصالحين، وكان يتبرك بدعائه، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم. قال: قيل لموسى عليه السلام: يا موسى إنما مثل كتاب أحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الكتب بمنزلة وعاء فيه لبن كلما مخضته أخرجت زبدته. أيوب بن عبد الله بن مكرز ابن الأخيف العامري القرشي. حدث عن وابصة بن معبد الأسدي قال: أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا لا أريد أن أد ع شيئاً من البر والإثم إلا سألته عنه، فأتيته وحوله عصابة من الناس يستفتونه، فجعلت أتخطاهم، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلت لهم: دعوني أدن منه، فإنه أحب الناس إلي أن أدنو منه، فقال: دعوا وابصة. ادن يا وابصة ادن يا وابصة. فدنوت حتى قعدت بين يديه، فقال لي: " يا وابصة أتسألني أو أخبرك؟ " قلت: بل أخبرني يا رسول الله. قال: " أتسألني عن البر والإثم؟ " فقلت: نعم. فجمع أنامله، ثم جعل ينكت بهن في صدري ويقول: " يا وابصة استفت

أيوب بن عثمان الدمشقي

قلبك، واستفت نفسك. البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدور، وإن أفتاك الناس وأفتوك ". ثلاث مرات. وعن ابن مكرز - رجل من أهل الشام من بني عامر بن لؤي - عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله عز وجل وهو يبتغي عرضاً من الدنيا، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا أجر له ". فأعظم ذلك الناس، وقالوا للرجل: عد إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلعلك لم تفهمه، فقال الرجل: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا، فقال: " لا أجر له ". فأعظم ذلك الناس، فقالوا للرجل عد إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال له الثالثة: رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا فقال: " لا أجر له ". أيوب بن عثمان الدمشقي حدث عن عثمان بن أبي عاتكة عن كعب الحبر أنه سمع رجلاً ينشد بيت الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس فقال: والذي نفسي بيده إن هذا البيت لمكتوب في التوراة. أيوب بن محمد بن زياد بن فروخ أبو سليمان الرقي الوزان مولى ابن عباس، قدم دمشق. قيل: إن أيوب يلقب بالقلب، وقيل: إن القلب هو أيوب بن محمد الصالحي البصري. حدث عن مروان بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: مر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغلام يسلخ شاةً، فقال له: " تنح حتى أريك فإني لا أراك تحسن

أيوب بن محمد بن محمد

تسلخ ". قال: فأدخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده بين الجلد واللحم فدحس بها حتى توارت إلى الإبط وقال: " هكذا يا غلام فاسلخ ". ثم انطلق فصلى بالناس ولم يتوضأ يعني لم يمس ماءً. وحدث أيوب عن ضمرة بسنده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم أفضلها وأكرمها على الله عز وجل ". كان أيوب يزن القطن في الوادي، لا يخضب. مات في ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين. وقيل: في سنة ست وأربعين. أيوب بن محمد بن محمد ابن أيوب أبي سليمان بن سليمان أبو الميمون الصوري، حدث بدمشق وصور. روى عن علي بن معبد بسنده عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الذي يجر ثوبه من الخيلاء لا ينظر الله عز وجل إليه يوم القيامة ". وحدث عن كثير بن عبيد الله الحذاء بسنده عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " خلق الله آدم على صورته، طوله سبعون ذراعاً ". ذكر أيوب مع الضعفاء. أيوب بن مدرك بن العلاء أبو عمرو الحنفي من أهل دمشق، قرأ القرآن وأقرأه. وحدث عن مكحول عن واثلة بن الأسقع وأنس بن مالك قالا: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تذهب الدنيا حتى يستغني النساء بالنساء، والرجال بالرجال ". والسحاق زنى النساء فيما بينهن.

أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد

وحدث عن مكحول عن معاوية بن قرة قال: سمعت أبا هريرة يقول: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه يكشفون رؤوسهم في أول قطرةٍ تكون من السماء في ذلك، ويقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هو أحدث عهداً بربنا عز وجل وأعظمه بركةً ". وحدث عن مكحول عن أبي أمامة قال: لما آخى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الناس، آخى بينه وبين علي. وأيوب بن مدرك ضعيف. أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المكي. حدث أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا زنت أمة أحدكم فليحدها الحد ولا يثرب - قال سفيان: لا يعير - وإن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب، ثم إن زنت في الثالثة أو في الرابعة فليبعها ولو بضفيرٍ ". حدث أيوب عن موسى عن نافع قال: خرج ابن عمر يريد العمرة فأخبر أن بمكة أمراً يخاف أن يحبس. فقال: أهل بالعمرة فإن حبست صنعت كما صنع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام الحديبية، فأهلّ بالعمرة، فلما سار قليلاً وهو بالبيداء أوجب حجاً، وقال: ما سبيل العمرة إلا سبيل الحج، وقال: أشهدكم أني قد أوجبت حجاً. وقدم مكة فطاف بالبيت سبعاً، وطاف بين الصفة والمروة سبعاً طاف لهما طوافاً واحداً، وقال: هكذا رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل، فلما أتى قديداً اشترى هدياً وساق معه. كان أيوب والياً على الطائف لبعض بني أمية وكان ثقة ممن يحمل عنه الحديث. حمل عنه مالك بن أنس، وأمه أم ولد.

أيوب بن موسى ويقال ابن محمد

وفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة قتل داود بن علي أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد. أيوب بن موسى ويقال ابن محمد ويقال ابن سليمان أبو كعب السعدي، من أهل البلقاء من نواحي دمشق. حدث عن سليمان بن حبيب عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه ". أيوب بن ميسرة بن حلبس أخو يونس بن ميسرة الجبلاني. قال أيوب بن ميسرة: سمعت بسر بن أبي أرطاة يقول: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. فقلت: إني أسمعك تردد هذا الدعاء. قال: إني سمعت رسول اللهصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو به. حلبس بالحاء غير معجمة مفتوحة وباء معجمة بواحدة. أيوب بن نافع بن كيسان ولكيسان صحبة، ويقال: لنافع أيضاً صحبة. روى عن أبيه نافع - وقيل: كيسان - أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ستشرب أمتي من بعدي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يكون عونهم على شربها أمراؤهم ".

أيوب بن هلال وهلال أبو عقال

أيوب بن هلال وهلال أبو عقال ابن زيد بن حسن بن أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي. حدث أبو زيد يحيى بن أيوب بن أبي عقال هلال أن أباه حدثه وكان صغيراً فلم يع عنه، قال: فحدثني عمي زيد بن أبي عقال عن أبيه أن أباه حدثه أن حارثة تزوج إلى طيئ بامرأة من بني نبهان فأولدها جبلة وأسماء، وقيل: وأسامة وزيداً، وتوفيت أمهم وبقوا في حجر جدهم لأمهم وأراد حارثة حملهم فأبى جدهم لأمهم فقال: ما عندنا خير لهم، فتراضوا إلى أن حمل جبلة وأسماء، وقيل: وأسامة وخلف زيداً، فجاءت خيل من تهامة من فزارة فأغارت على طيئ فسبت زيداً فصاروا به إلى عكاظ، فرآه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قبل أن يبعث فقال: " يا خديجة رأيت في السوق غلاماً من صفته كيت وكيت، يصف عقلاً وأدباً وجمالاً ولو أن لي مالاً لاشتريته ". فأمرت خديجة ورقة بن نوفل فاشتراه من مالها، فقال لها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا خديجة هبي لي هذا الغلام بطيبةٍ من نفسك "، فقالت: يا محمد إني أرى غلاماً وضيئاً وأحب أن أتبناه وأخاف أن تبيعه أو تهبه، فقال: " يا موفقة ما أردت إلا أن أتبناه "، فقالت: به فديت يا محمد، فرباه وتبناه، إلى أن جاء رجل من الحي فنظر إلى زيد فعرفه فقال له: أنت زيد بن حارثة؟ قال: لا أنا زيد بن محمد، فقال: بل أنت زيد بن حارثة، إن أباك وعمومتك وإخوتك قد أتعبوا الأبدان، وأنفقوا الأموال في سببك فقال: " من الطويل " ألكني إلى قومي وإن كنت نائياً ... فإني قطين البيت عند المشاعر وكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر فإني بحمد الله في خير أسرة ... خيار معدٍّ كابراً بعد كابر فمضى الرجل فخبر حارثة، ولحارثة فيه أشعار منها: " من الطويل " بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحيٌّ يرجى أم أتى دونه الأجل ووالله ما أدري وإني لسائل ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل

فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرينه الشمس عند طلوعها ... ويعرض ذكراه إذا عسعس الطفل وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول أحزاني عليه ويا وجل سأعمل نص العيش في الأرض جاهداً ... ولا أسأم التطوف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتي علي منيتي ... وكل امرئ فانٍ وإن غره الأمل ثم إن حارثة أقبل إلى مكة في إخوته وولده وبعض عشيرته، فأصاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بفناء الكعبة في نفر من أصحابه وزيداً فيهم، فلما نظروا إلى زيد عرفوه وعرفهم، فقالوا له: يا زيد، فلم يجبهم إجلالاً منه لسيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وانتظاراً منه لرأيه. فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من هؤلاء؟ " قال: يا رسول الله، هذا أبي وهذان عماي، وهذا أخي، وهؤلاء عشيرتي. فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قم فسلم عليهم يا زيد ". فقام فسلم عليهم، وسلموا عليه، وقالوا: امض معنا يا زيد. قال: ما أريد برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدلاً، فقالوا له: يا محمد إنا معطوك بهذا الغلام ديات، فسم ما شئت فإنا حاملوها إليك. قال: أسألكم أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني خاتم أنبيائه ورسله. فأبوا وتلكؤوا وتلجلجوا، وقالوا: تقبل ما عرضنا عليك يا محمد؟ فقال: " هاهنا خصلة غير هذه، قد جعلت أمره إليه، إن شاء فليقم وإن شاء فليرحل ". قالوا: قضيت ما عليك يا محمد، وظنوا أنهم قد صاروا من زيد إلى حاجتهم، قالوا: يا زيد قم قد أذن لك محمد فانطلق معنا. قال: هيهات هيهات، ما أريد برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدلاً، ولا أوثر عليه والداً ولا ولداً، فأداروه وألاصوه واستعطفوه وذكروا وجد من وراءهم به، فأبى وحلف أن لا يصحبهم، فقال حارثة: يا بني أما أنا فإني مؤنسك بنفسي، فآمن حارثة وأبى الباقون، فرجعوا إلى البرية، ثم إن أخاه جبلة رجع فآمن بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأول لواء عقده النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الشام لزيد، وأول شهيد كان بمؤتة زيد وثانيه جعفر الطيار، وآخر لواء عقده بيده لأسامة على اثني عشر ألفاً من الناس فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال: إلى أين يا رسول الله؟ قال: " عليك

بأبنى فصبحها صباحاً فقطع وحرق وخذ بثأر أبيك ". واعتل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: " جهزوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة ". فجهز إلى أن صار إلى الجرف واشتدت علة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبعث إلى أسامة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريدك، فرجع، فدخل على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد أغمي عليه، ثم أفاق صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنظر إلى أسامة فأقبل فرفع يديه إلى السماء ويفرغها عليه. قالوا: فعرفنا أنه إنما يدعو له، ثم قبض صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان فيمن غسله الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب، وأسامة يصب عليه الماء، فلما دفن عليه السلام. قال عمر لأبي بكر: ما ترى في لواء أسامة؟ قال: ما أحل عقداً عقده النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يحل من عسكره رجل إلا أن تكون أنت يا عمر، ولولا حاجتي إلى مشورتك لما حللتك من عسكره. يا أسامة عليك بالمياه يعني بالبوادي وكان يمر بالبوادي ينظرون إلى جيش رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيثبتوا على أديانهم، إلى أن صاروا إلى عشيرته كلب فكانت تحت لوائه إلى أن قدم الشام على معاوية، فقال له معاوية: اختر لك منزلاً فاختار المزة واقتطع فيها هو وعشيرته. وقال الشاعر أعور كلب: " من الطويل " إذا ذكرت أرض لقوم بنعمةٍ ... فبلدة قومي تزدهي وتطيب بها الدين والإفضال والخير والندى ... فمن ينتجعها للرشاد يصيب ومن ينتجع أرضاً سواها فإنه ... سيندم يوماً بعدها ويخيب تأتى لها خالي أسامة منزلاً ... وكان لخير العالمين حبيب حبيب رسول الله وابن رديفه ... له ألفةٌ معروفة ونصيب فأسكنها كلباً وأضحت ببلدة ... لها منزل رحب الجناب خصيب فنصف على بر فسيح ونزهة ... ونصف على بحر أغر رطيب ثم أن أسامة خرج إلى وادي القرى إلى ضيعة فتوفي بها، وخلف في المزة ابنة له يقال

أيوب بن يزيد بن قيس

لها: فاطمة، فلم تزل مقيمة إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز، فجاءت، فدخلت عليه، فقام من مجلسه وأقعدها فيه، وقال لها: حوائجك يا فاطمة؟ قالت: تحملني إلى أخي، فجهزها وحملها. أيوب بن يزيد بن قيس ابن زرارة بن سلمة بن حنتم بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد بن مناة بن عوف بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، ويعرف بابن القرية النمري. والقرية التي نسب إليها هي: خماعة بنت جشم بن ربيعة بن زيد مناة. تزوجها مالك بن عمرو، فولدت له حنتم بن مالك. وفد على عبد الملك بن مروان. وصحب أيوب بن قرية بن مروان والحجاج بن يوسف. يضرب به المثل في الفصاحة. وكان أيوب خرج مع ابن الأشعث فقتله الحجاج بن يوسف. وبعض الناس ينفيه ويقول لم يكن. قال الأصمعي: وأربعة لم يلحنوا في جدٍّ ولا هزل: الشعبي، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، وابن القرية. والحجاج أفصحهم. وسأل الحجاج ابن القرية عن الصبر؟ فقال: كظم ما يغيظك واحتمال ما ينوبك. وقال الحجاج لابن القرية: ما الإرب؟ قال: الصبر على كظم الغيظ حتى تمكنك الفرصة.

قال أيوب بن القرية: الرجال ثلاثة: عاقل وأحمق وفاجر، فالعاقل إن تكلم أجاد، وإن سمع وعى، وإن نطق نطق بالصواب، والأحمق إن تكلم عجل، وإن حدث ذهل، وإن حمل على القبيح فعل. والفاجر إن ائتمنته خانك وإن حادثته شانك. وفي حديث آخر: وإن استكتمته سراً لم يكتمه عليك. قال الجاحظ: سأل الحجاج ابن القرية عن أضيع الأشياء؟ فقال: سراج في شمس، ومطر في سبخة، وبكر تزف إلى عنين، وطعام متأنق فيه عند سكران ومعروف عند غير أهله. وفي رواية: وامرأة حسناء تزف إلى أعمى، وطعام طيب يهيأ لشبعان، وصنيعةٌ عند من لا يشكرها. قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: وجه الحجاج بن يوسف أيوب بن القرية إلى عبد الرحمن بن الأشعث عيناً عليه بسجستان، فلم يلبث أن غمز به، فأدخل على عبد الرحمن. فقال له: مرحباً بالموصوف عندنا بتزين البلاغة. أأنت ابن القرية؟ قال: نعم. أصلح الله الأمير، فقال له عبد الرحمن: أخبرني عن أمر. قال: يسأل الأمير عما أحب. قال: أخبرني عن الحجاج ما أمره لديك؟ أعلى محجة القصد أم في مجانبة الرشد؟ قال: أسألك الأمان قبل البيان، قال: لك الأمان. قال: إن الحجاج على احتجاج في قصد المنهاج يمنح الظفر ويجتنب الكدر، لا تفظعه الأمور، وليس فيها بعثور، في النعماء شكور، وفي الضراء صبور فإنهاك أن تقاوله، وأعيذك بالله أن تطاوله، وهو على تربة

العدل لا تزل به النعل، ولا يعرنك الجبن ولك الحق، فإنكم خير داعية وأوثق، قال له عبد الرحمن: كذبت يا عدو الله، والله لأقتلنك، قال: فأين اللعان قال: وكيف الاقان لمن كذب وفجر والله لاقتلنك أو لتظاهرني عليه. قال له: أصلح الله الأمير. إنما أنا رسول. قال: هو ما أقول لك، فلما رأى أنه غير منتهٍ عنه تابعه وأقام معه يصدر له كتبه إلى الحجاج. فجمع له عبد الرحمن الناس فأصعده على المنبر، فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن الأمر الذي يدعوكم الحجاج إليه لم ينزل من السماء، ولم تقم به الخطباء ولم تسنه الأنبياء، ولم تصدر به إلينا من قبله كتب. ثم نزل، فلم يلبث أن قتل عبد الرحمن وهزم الحجاج الناس، فبعث في طلب الفار، فأتي بابن القرية أسيراً، فلقيه عنبسة بن سعيد، فقال له: أيوب! قال: أيوب، فما وراءك؟ قال: ورائي أنك مقتول، قال: كلا. إني قد أعددت للأمير كلمات صغاراً صلاباً كركب وقف قد قضين من حاجة وطراً، وقد استقبلن سفراً، قال: هو ما أقول لك. فلما أدخل على الحجاج تجاهل عليه. فقال: من أنت؟ قال: أنا أيوب. قال: يا أيوب ألم تكن في خمول من الدعة، وعدمٍ من المال، وكدرٍ من العيش، وتضعضعٍ من الهيئة، ويأسٍ من بلوغ ما بلغت، فوليتك ولاية الوالد ولم أكن لك والداً، ووليتك ولاية الراجي عندك الخير ولم أرج عندك خيراً، ووليتك ولاية الجاري باليد ولم يكن عندي يد، وأجرتك بها ثم قمت عند عبد الرحمن فقلت: إن الأمر الذي يدعوكم إليه الحجاج لم ينزل من السماء ولم ولم، والله لتعلمنّ يا بن القرية أن قتلك قد نزل من السماء. قال له: أصلح الله الأمير. إني قد أتيت إنساناً في مسك شيطان يتهددني بتخونه ويقهرني بسلطانه، فنطق اللسان بغير ما في القلب، والنصيحة لك ثابتة، والمودة لك باقية. قال: صدقت يا عدو الله، فلم كنت كاذباً وكان قلبك منافقاً وأردت كتمان ما كان الله معلنه منك، وإخفاء ما كان الله يعلمه من سريرتك، وكيف علمك بالأرض؟ قال: علمي بها كعلمي ببيتي، قال: فأخبرني عن الهند. قال: بحرها درٌ، وترابها مسك، وحطبها عود، وورقها عطر. قال: فأخبرني عن مكة. قال: تمرها دقل، ولصها بطل، إن كثر الجند بها جاعوا: وإن قلوا

بها ضاعوا. قال: فأخبرني عن عمان. قال: حرها شديد، وصيدها عتيد، يشدون الجلوف وينزلون الطفوف، وكأنهم بهائم ليس لهم راع، قال فأخبرني عن اليمامة. قال: أهل جفاء وطيرة ونكد قال: فأخبرني عن البصرة. قال: ماؤها مالح، وشربها سانح، مأوى كل تاجر، وطريق كل عابر. قال: فأخبرني عن واسط. قال: جنة بين حماةٍ وكنة. قال: وما حماتها وما كنتها؟ قال: البصرة والكوفة، ودجلة والفرات يحقران شأنها وينقصان الخير عنها. قال: فأخبرني عن الكوفة. قال: ارتفعت عن البحر، وسفلت عن الشام، فطاب ليلها، وكثر خيرها. قال: فأخبرني عن المدينة. قال: رسخ العلم فيها ووضح، وسناؤها قد طفح. قال: فأخبرني عن مكة. قال: رجالها علماء وفيهم جفاء، ونساؤها كساةٌ كعراة. قال: فأخبرني عن اليمن. قال: أصل العرب. وأهل بيوتات الحسب. قال: فأخبرني عن مصر. قال: عروس نسوة، كلهن يزفها. قال: وما ذاك بها؟ قال: فيها الثياب وإليها الأموال. قال: فأمر به فحبس عشراً، ثم أخرجه يوم العيد، فأقعده إلى جانب المنبر، ثم صعد الحجاج فخطب الناس ونزل، ثم دعا به والناس مجتمعون على الموائد، فكفوا عن الطعام، وأقبلوا يستمعون ما يكون من محاورتهما. فقال له الحجاج: يا بن القرية. كيف رأيت خطبتي؟ قال: أصلح الله الأمير، أنت أخطب العرب. قال: عزمت عليك إلا صدقتني. قال: تكثر الرد، وتشير باليد، وتقول أما بعد. قال له: ويلك! أو ما تستعين أنت بيدك في كلامك؟ قال: لا أصل كلامي بيدي حتى يضيق علي لحدي يوم أقضي نحبي. قال: علمت أني قاتلك؟ قال: ليستبقني الأمير أكن له كما كنت عليه قبل أنا في طاعته أشد مبالغة وفي مناصحته أشد نصرة، قال له: هيهات، هيهات، كذبت نفسك، وساء ظنك، وطال أملك، وكان أملك مع سوء عملك الموت قبل ذلك ثم دعا بحربة فجمع بها يده ثم هزها، فجزع أيوب من ذلك جزعاً شديداً. فقال: أصلح الله الأمير، دعني أتكلم بكلمات صعاب صلاب كركب وقف قد قضين من حاجة وطراً، وقد استقبلن سفراً، يكن مثلاً بعدي. قال: هاتهن إنهن لن ينجيك مني. قال: أصلح الله الأمير. إن

لكل جواد عثرة، ولكل شجاع سهوة ولكل صارم نبوة، ولكل حليم زلة، ولكل مذنب توبة قال: لا نقيلك عثرتك، ولا تقبل توبتك، ولا يغفر ذنبك. قال: أصغني سمعك. قال: قد أصغيتك سمعي. وأقبلت عليك وأنا ممضٍ فيك أمري. قال: أصلح الله الأمير، أنت منهج السالكين، غليظ على الكافرين، رؤوف بالمؤمنين، تام السلاح، كامل الحلم، راسخ العلم، فكن كما قال الأخطل. قال: وما قال؟ قال: قال: " من البسيط " شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا قال: ليس هذا حين المزاح، اليوم أروي من دمك السلاح. قال له: قد قال الله عز وجل: " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " قال: فأطرق طويلاً ثم قال له: أخبرني بأصدق بيت قاله الشاعر فأنشأ يقول: " من الطويل " وما حملت من ناقةٍ فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمةً من محمد ولا فقد الماضون مثل محمد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد قال: صدقت. فرجا أيوب أن يكون له عنده فرج. قال: أخبرني بأشكل بيت قاله الشاعر فأنشأ يقول: حبذا رجعها يديها إليها ... في يدي درعها تحل الإزارا ثم قال: أخبرني بأسير بيت قاله الشاعر. قال: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود قال: فأخبرني بأكرم بيت قاله الشاعر. قال: " من الوافر "

وكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا فصالوا صولةً فيمن يليهم ... وصلنا صولةً فيمن يلينا فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا فقال له: كذبت يا بن اللخناء، بل كنتم ألأم وأوضع، ثم رفع القناة فوضعها بين ثندوتة، ثم غمزها حتى طلع الدم، ثم قال: هكذا يقتل اللئيم يا بن اللخناء، ثم قال: ارفعوه فرفعوه، فجعل يقول: ثكلتك أمك يا بن القرية لقد فات منك كلام كثير، ومنطق بليغ، لله درك ودرايتك. قيل: قتل الحجاج ابن القرية سنة أربع وثمانين.

أسماء النساء على حرف الألف

أسماء النساء على حرف الألف أسماء بنت عبد الله أبي بكر الصديق ذات النطاقين التيمية، زوج الزبير بن العوام، وأم عبد الله بن الزبير، وأخت عائشة الصديقة، وأمها قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسعد بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي. ويقال: قتلة. لها صحبة، شهدت أسماء اليرموك مع زوجها الزبير. حدث هشام عن فاطمة: أن أسماء كانت إذا أتيت بالمرأة قد حمت تدعو لها، أخذت الماء فصبته بينها وبين جيبها، وقالت: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأمرنا أن نبردها بالماء. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء، ماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك كيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً ". قال: وقالت أسماء بنت أبي بكر: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إني على الحوض أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ أناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، " فيقول: " ما شعرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم ". فكان ابن أبي ملكية يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا. وعن مسلم القري قال: سألت ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها. فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رخص فيها، فادخلوا عليها فسلوها. قال: فدخلنا فإذا امرأة ضخمة عمياء، فقالت: قد رخص رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وعن أبي واقد صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه شهد اليرموك، قال: وكانت أسماء بنت أبي بكر مع الزبير في خبائها فسمعها تقول للزبير: إن كان الرجل من العدو ليمر يسعى، فتصيب قدميه عروة أطناب خبائي، فيسقط على وجهه ميتاً ما أصابه السلاح. وسميت أسماء ذات النطاقين لأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما تجهز مهاجراً ومعه أبو بكر الصديق أتاهما عبد الله بن أبي بكر في الغار ليلاً بسفرتهما، ولم يكن لها أشناق، فشقت لها أسماء نطاقها فشنقتها به. فقال لها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قد أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة فقيل لها ذات النطاقين. وقتلة أمها نزلت فيها: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ". كانت قتلة قدمت على ابنتها أسماء بنت أبي بكر، وقتلة راغبة عن الإسلام على دين قومها، ومعها ابنها الحارث بن مدرك بن عمر بن مخزوم، فأبت أسماء أن تقبل هديتها حتى تسأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسألته، فأنزل الله عز وجل: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين " الآيات. فأدخلتها أسماء وقبلت هديتها. قال محمد بن مسلمة: تصلون ذوي أرحامكم. قال ثم نسخ هذا بقوله: " لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروحٍ منه، ويدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون ". وكانت أسماء مع ابنها عبد الله حين قتل، وبقيت مائة سنة حتى عميت، وماتت بعد قتل عبد الله بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعد ابنها بليال، وكانت أخت عائشة لأبيها. وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما خرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على

باب أبي بكر، فخرجت إليهم؛ فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشاً خبيثاً، فلطم خدي لطمة خر منها قرطي. قالت: ثم انصرفوا، فمضى ثلاث ليال ما ندري أين توجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يغني بأبيات شعر غنى بها العرب، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته ولا يرونه، حتى خرج بأعلى مكة: " من الطويل " جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى واغتدوا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت: فلما سمعنا قوله، عرفنا حيث وجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن وجهه إلى المدينة، وكانوا أربعة: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وعبد الله بن أريقط دليلهما. وعن أسماء قالت: لما توجه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة إلى المدينة معه أبو بكر، حمل أبو بكر معه جميع ماله خمسة آلاف أو ستة آلاف، فأتاني جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره. فقال: إن هذا والله فجعكم بماله مع نفسه فقلت: كلا يا أبه! قد ترك لنا خيراً كثيراً، فعمدت إلى حجارة فجعلتهن في كوةٍ في البيت، كان أبو بكر يجعل ماله فيها، وغطيت على الأحجار بثوب ثم جئت به، فأخذت يده فوضعتها على الثوب، فقلت: ترك لنا هذا، فجعل يجد مس الحجارة من وراء الثوب، فقال: أما إذ ترك لكم هذا فنعم. ولا والله ما ترك لنا قليلاً ولا كثيراً. قال كثير أبو الفضل: حدثني رجل من قريش من آل الزبير، أن أسماء بنت أبي بكر أصابها ورم في رأسها ووجهها، وأنها بعثت إلى عائشة بنت أبي بكر: اذكري وجعي لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لعل الله

يشفيني، فذكرت عائشة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجع أسماء، فانطلق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى دخل على أسماء، فوضع يده على وجهها ورأسها من فوق الثياب. فقال: " بسم الله أذهب عنها سوءه وفحشه بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك، بسم الله ". صنع ذلك ثلاث مرات. فأمرها أن تقول ذلك، فقالت ثلاثة أيام، فذهب الورم. قال كثير: تصنع ذكر عند حضور الصلوات المكتوبات بقولها وتراً ثلاثاً. وعن ابن أبي ملكية: أن أسماء بنت أبي بكر الصديق كانت تصدع، فتضع يدها على رأسها وتقول: بذنبي وما يغفره الله أكثر. وعن أسماء قالت: تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه، قالت: فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤنته، وأسوسه، وأدق النوى لناضحه وأعلفه، وأستقي الماء، وأخرز غربه، وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، فكان يخبز لي جارات من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير الذي أقطعه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ. قالت: فجئت يوماً والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه نفر من أصحابه، فدعاني، فقال: " إخ إخ " ليحملني خلفه. قالت: واستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته. قالت: وكان أغير الناس فعرفه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعني أني استحيت - فمضى. فجئت الزبير، فقلت: لقيني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب فاستحييت وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه، قال: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني. وعن عكرمة: أن أسماء كانت تحت الزبير بن العوام وكان شديداً عليها، فشكت ذلك إليه. فقال: يا بنية اصبري، فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح، ثم مات عنها فلم تزوج بعده جمع بينهما في الجنة.

قال هشام بن عروة: ضرب الزبير أسماء بنت أبي بكر، فصاحت بعبد الله بن الزبير فأقبل، فلما رآه قال: أمك طالق إن دخلت. فقال له عبد الله: أتجعل أمي عرضة ليمينك؟ فاقتحم عليه فخلصها منه، فبانت منه. قالت أسماء بنت أبي بكر: مر بي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أحصي شيئاً وأكيله، فقال: " يا أسماء لا تحصي فيحصي الله عليك ". قالت: فما أحصيت شيئاً بعد قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من عندي ولا دخل علي، وما نفد عندي من رزق إلا أخلفه الله. كانت أسماء تقول لبناتها: يا بناتنا تصدقن ولا تنتظرن الفضل فإنكن إن انتظرتن الفضل لم تجدنه، وإن تصدقتن لا تجدن فضله. كان ابن الزبير يقول: ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء، وجودهما يختلف. أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه. وأما أسماء فإنها كانت لا تدخر شيئاً لغد. ولما فرض عمر الأعطية، فرض لأسماء بنت أبي بكر ألف درهم. قال عبد الله بن عروة بن الزبير: قلت لجدتي أسماء: كيف كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سمعوا القرآن؟ قالت: تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله. قال: قلت: فإن ناساً هاهنا إذا سمع أحدهم القرآن خر مغشياً عليه، قالت: أعوذ بالله من الشيطان. حدث عثمان بن حمزة قال: أرسلتني أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى السوق، وافتتحت بسورة الطور، فخرجت وقد انتهت إلى " ووقانا عذاب السموم " فذهبت إلى السوق ثم رجعت، وهي تكررها "

ووقانا عذاب السموم " وهي تصلي. كانت أسماء بنت أبي بكر تمرض المرضة، فتعتق كل مملوك لها. كانت أسماء اتخذت خنجراً زمن سعيد بن العاص للصوص، وكان استعروا بالمدينة، فكانت تجعله تحت رأسها. قالت فاطمة بنت المنذر: ما رأيت أسماء لبست إلا معصفرة، حتى لقيت الله عز وجل، وإن كانت تلبس الدرع يقوم قياماً من العصفر. وكان عروة بن الزبير تعصفر له الملحفة بالدينار، قال: وإن كان لآخر ثوب لبسه لثوب عصفر له بالدينار. وعن أسماء قالت لعبد الله بن الزبير حين قاتل الحجاج: يا بني عش كريماً، ومت كريماً، لا يأخذك القوم أسيراً. وكانت أسماء تقول وابن الزبير يقاتل الحجاج: لمن كانت الدولة اليوم؟ فيقال: للحجاج. فتقول: ربما أمر باطل، فإذا قيل لها: هي لعبد الله وأصحابه، تقول: اللهم انصر أهل طاعتك ومن غضب لك. اشتكت أسماء وعبد الله بن الزبير يقاتل الحجاج، وكانت قد كبرت ورقت فنظر إليها، فقال: ما أحسن الموت، فسمعت ذلك العجوز. فقالت: يا بني والله ما أحب أن أموت يومي هذا حتى أعلم إلى ما تصير إليه، إما ظفرت فذلك الذي نرجو ونسر به، وإما الأخرى فأحتسبك وتمضي لسبيلك. وفي حديث بمعناه، فقالت له: وإياك أن تعرض على خطة فلا توافق، فتقبلها كراهية الموت، وإنما عنى ابن الزبير أن يقتل فيحزنها ذلك، وكانت ابنة مائة سنة. لما قتل الحجاج يوسف بن عبد الله بن الزبير، دخل على أسماء بنت أبي بكر وقال لها: يا أمه إن أمير المؤمنين أوصاني بك، فهل لك من حاجة؟ فقالت: لست لك بأم؛ ولكني أم المصلوب على رأس الثنية، ومالي من حاجة، ولكن انتظر حتى أحدثك ما

سمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إني سمعته يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير ". فأما الكذاب فقد رأيناه - تعني المختار - وأما المبير فأنت. فقال لها الحجاج: مبير النافقين. حدث يعلى التيمي قال: دخلت مكة بعدما قتل ابن الزبير بثلاثة أيام، وهو حينئذ مصلوب، فجاءت أمه عجوز طويلة مكفوفة البصر فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل. فقال الحجاج: المنافق، فقالت: والله ما كان منافقاً، إن كان لصواماً قواماً براً، فقال: انصرفي يا عجوز فإنك قد خرقت. قالت: لا والله ما خرقت منذ سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يخرج من ثقيف كذاب ومبير ". فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت. لما قلت الحجاج ابن الزبير صلبه على عتبة المدينة، فمر به ابن عمر فوثب عليه، فقال له: السلام عليك يا أبا خبيب، أما والله لقد نهيتك عن هذا ثلاثاً، أما والله ما علمت إن كنت صواماً قواماً وصولاً للرحم، وإن أمة أنت شرهم لأمة صدق، فلما بلغ ذلك الحجاج أمر به فطرح في مقابر اليهود، ثم أرسل إلى أمه أن تأتيه، فأبت أن تأتيه، فأرسل إليها: لتأتين أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك حتى يأتيني بك، فأرسلت إليه: والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، فلما رأى ذلك لبس سبتيه ثم خرج يتوذف إليها حتى دخل عليها، فقال: كيف رأيتني صنعت بعبد الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وقد بلغني أنك كنت تعيره بابن ذات النطاقين، وقد والله كنت ذات نطاقين أما أحدهما، فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه وأما الآخر، فإني كنت أرفع فيه طعام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وطعام أبي، فأي ذلك - ويل أمك - عيرته بك؟ أما إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحدثنا أنه سيخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير فأما الكذاب فابن أبي عبيد، وأما المبير فأنت. قال: فانصرف عنها ولم يراجعها. قال: وفي رواية يخرج من ثقيف ثلاثة: كذاب ومبير وذيال. قالت: وأما الذيال فلم نره وسوف يرى.

لما صلب ابن الزبير، دخل ابن عمر المسجد، وذلك حين قتل ابن الزبير وهو مصلوب ومطروح، فقيل له: إن أسماء في ناحية المسجد، فمال إليها فقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، وأما الأرواح عند الله، فاتقي الله، وعليك بالصبر. فقالت: وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. قال ابن أبي ملكية: دخلت على أسماء بعدما أصيب ابن الزبير فقالت: بلغني أن الرجل صلب عبد الله اللهم لا تمتني حتى أوتى به فأحنطه وأكفنه، فأتيت به بعد ذلك قبل موتها، فجعلت تحنطه بيدها وتكفنه بعدما ذهب بصرها. وفي حديث بمعناه: وصلت عليه فما أتت عليها إلا جمعة حتى ماتت وقيل ثلاثة أيام. وعن أسماء: أنه لما قتل عبد الله بن الزبير، كان عندها شيء أعطاها إياه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمرت طارقاً فطلبه، فلما جاءها به سجدت. قال الركين بن الربيع: دخلت على أسماء وقد كبرت وهي تصلي، وامرأة تقول لها: قومي، اقعدي، افعلي. من الكبر. قال هشام: أتى على أسماء مئة عام وما سقط لها سن. وزاد غيره: ولم ينكر من عقلها شيء. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت: إذا أنا مت فاغسلوني وحنطوني وكفنوني ولا تذروا علي كفني حنوطاً، ولا تدفنوني ليلاً. وفي رواية: ولا تتبعوني بنار.

أسماء بنت واثلة بن الأسقع الليثية

أسماء بنت واثلة بن الأسقع الليثية حدثت عن أبيها قالت: كان أبي يصوم الاثنين والخميس فقلت: ما هذا الصوم الذي لا تدعه؟ قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصومهما ويقول: " تعرض فيهما الأعمال على الله عز وجل ". وعن أسماء بنت واثلة قالت: كان أبي إذا صلى صلاة الصبح جلس مستقبل القبلة، لا يتكلم حتى تطلع الشمس، فربما كلمته في الحاجة فلا يكلمني، فقلت له: ما هذا؟ فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من صلى صلاة الصبح، ثم قرأ: " قل هو الله أحد " مائة مرة قلب أن يتكلم فكلما قال: " قل هو الله أحد " غفر له ذنب سنة ". أسماء ويقال فكيهة بنت يزيد ابن السكن بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن عامر. أم عامر، ويقال أم سلمة الأنصارية الأشهلية لها صحبة، وهي من اللاتي بايعن سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشهدت اليرموك، وقتلت من الروم تسعة بعمود فسطاطها، وشهدت خيبر مع سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. روت أسماء بنت يزيد أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج والنساء في جانب المسجد، وأنا فيهن، فسمع ضوضاءهن، فقال: " يا معشر النساء، أنتن أكثر حطب جهنم ". قالت: فناديت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكنت جريئة على كلامه، فقلت: يا رسول الله، بماذا؟ قال: " إنكن إذا أعطيتن لم تشكرن، وإذا ابتلين لم تصبرن، وإذا أمسك عنكن شكوتن، وإياكن وكفر المنعمين ". فقلت: يا رسول الله، وما المنعمون؟ قال: " المرأة تكون تحت الرجل وقد ولدت الولدين والثلاثة، فتقول: ما رأيت منك خيراً قط ".

وعن أسماء قالت: لما أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببيعة النساء أتيته أنا وبنات عمٍ لي نبايعه، فعرض علينا الإسلام فأقررنا، وأخرجت ابنة عمٍ لي يدها لتبايعه فكف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده وقال: " إني لست أصافح النساء " ورأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المرأة سوارين وخواتم في أصابعها من ذهب، فأخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حصاة فرمى بها، ثم قال: " أيتها المرأة أيسرك أن يحليك الله مكان هذا سوارين وخواتم من نار؟ " قالت: لا يا رسول الله قال: " فاطرحيه إذاً " فانتزعت الخواتم فوضعتهن بين يديها، وعالجت السوارين فلم ينزع أحدهما، وعسر الآخر عليها، فاستعانت امرأة فلم تزالا تعالجاه حتى نزعتاه، فوضعتاه بين أيدينا، فوالله ما أدري من أخذه من العالمين. ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من حلى أو تحلى أو ترك مثل عين جرادة أو مثل خربصيصة كوي بها يوم القيامة معذباً أو مغفوراً له ". فقال رجل: ما الخربصيصة؟ قال: " أصغر من عين الجرادة ". وفي رواية، أن أسماء كان عليها سواران وأنه قال: " ألق السوارين يا أسماء، أما تخافين أن يسورك الله بسوارين من نار ". قالت: فألقيتهما فما أدري من أخذهما. وعن أسماء قالت قالت امرأة من النسوة: يا رسول الله ما هذا المعروف الذي ليس لنا أن نعصيك فيه؟ فقال: " لا تنحن ". فقلت: يا رسول الله إن بني فلان قد أسعدوني على عمي فلابد من قضائهن، فأبى علي، فعاتبته مراراً فأذن لي في قضائهن، فلم أنح بعد في قضائهن ولا في غيره حتى الساعة، ولم يبق امرأة من النسوة إلا قد ناحت. وعن أم عامر بنت يزيد بن السكن، وكانت من المبايعات، أنها أتت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعرقٍ فتعرقه، وهو في مسجد بني عبد الأشهل، ثم قام، فصلى، ولم يتوضأ. وعن أم عامر أسماء بنت يزيد قالت: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسجدنا المغرب، فجئت منزلي، فجئته بعرق وأرغفة

أسماء امرأة كانت في عصر أم الدرداء

فقلت: بأبي وأمي تعش، فقال لأصحابه: " كلوا بسم الله ". فأكل هو وأصحابه الذين جاؤوا معه، ومن كان حاضراً من أهل الدار. والذي نفسي بيده لرأيت بعض العرق لم يتعرقه وعامة الخبز، وإن القوم أربعون رجلاً، ثم شرب ما عندي في شجب، ثم انصرف، فأخذت ذلك الشجب فذهبت فطويته نسقي فيه المريض ونشرب منه في الحين رجاء البركة. الشجب: القربة تخرز من أسفلها ويقطع رأسها إذا خلقت، شبه الدلو العظيم. أسماء امرأة كانت في عصر أم الدرداء حكى أبو عبد رب الزاهد قال: أمرتني أم الدرداء أن أبيع لها جارية، فبعتها من امرأة يقال لها أسماء، فلم تلبث أن أصابها طاعون، فقلت لأم الدرداء: إن الجارية أصابها طاعون فهلكت، فقالت: لا تأخذ من ثمنها شيئاً، فلقيتها فأخبرتها، فقالت: الله! إن كانت أم الدرداء غنية تريد أن تكون أولى بالأجر مني لا أفعل، فما زلت أمشي بينهما حتى أصلحت بينهما على النصف من الثمن. آمنة ويقال أمة بنت سعيد بن العاص ابن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، كانت زوج خالد بن يزيد بن معاوية، فطلقها، فتزوجها الوليد بن عبد الملك، وفيها يقول خالد: " من الطويل " كعابٌ أبوها ذو العصابة وابنه ... وعثمان ما اكفاؤها بكثير فإن تفتلتها والخلافة تنقلب ... بأكرم علقى منبرٍ وسرير قال الهيثم بن عدي: كانت ابنة سعيد بن العاص تحت الوليد بن عبد الملك. فمات عبد الملك فلم تبك عليه. فقال لها الوليد: ما يمنعك من البكاء على أمير المؤمنين؟ قالت: وما أقول له إلا أن

آمنة بنت الشريد زوج عمر بن الحمق

أدعو الله أن يحييه حتى يقتل لي أخاً آخر، قال: إي والله لقد كسرنا ثناياه فقالت: علمت من شقت استه السيوف، قال: الحقي بأهلك، قالت: ألذ من الدنيا وأيسر. آمنة بنت الشريد زوج عمر بن الحمق كانت بدمشق ذكر أبو الحسن علي بن محمد الكاتب الشابشتي: أن عمرو بن الحمق، لما قتل حمل رأسه إلى معاوية، وهو أول رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد، وكانت آمنة بنت الشريد زوجته بدمشق، فلما حمل رأس عمرو إليه أمر أن يلقى في حجرها وأن يسمع منها تقول، فلما رأته ارتاعت له. وأكبت عليه تقبله، وقالت: واضيعتا في دار هون! بقيتموه طويلاً، وأهديتموه إلي قتيلاً، فأهلاً وسهلاً، كنت له غير قالية، وأنا له غير ناسية، قل لمعاوية: أيتم الله ولدك، وأوحش منك أهلك، ولا غفر الله ذنبك، فعاد الرسول إليه بما قالت، فأمر بها فأحضرت، وعنده جماعة وفيهم إياس بن شرحبيل وكان في شدقيه نبوٌّ لعظم لسانه. فقال لها معاوية: يا عدوة الله أنت صاحبة الكلام. قالت: نعم، غير فازعةٍ ولا معتذرة، قد لعمري اجتهدت في الدعاء، وأنا أجتهد إن شاء الله إن نفع الاجتهاد والله من وراء العباد. فأمسك معاوية. فقال إياس: اقتل هذه، فما كان زوجها بأحق بالقتل منها. فقالت له: تبا لك ويلك! بين شدقيك جثمان الضفدع وأنت تأمره بقتلي كما قال تعالى: " إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين " فضحك معاوية والجماعة، وبان الخجل من إياس، ثم قال معاوية: اخرجي عني فلا أسمع بك في شيءٍ من الشام. قالت: سأخرج عنك، فما الشام لي بموطن، ولا أعرج فيه على حميم ولا سكن، ولقد أعظمت في مصيبتي، وما قرت به عيني، وما أنا إليك بعائدة ولا لك حيث كنت بحامدة، فأشار إليها بيده أن اخرجي، فقالت: عجباً لمعاوية يبسط علي غرب لسانه ويشير إلي ببنانه، فلما خرجت قال معاوية: يحمل إليها ما يقطع بها غرب لسانها ويخفف به إلى بلدها فقبضت ما أمر لها به وخرجت تريد الكوفة، فلما وصلت إلى حمص توفيت.

آمنة ويقال أمينة

آمنة ويقال أمينة بنت عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم. حدثت عن ميمونة أنها قالت: يا رسول الله أفتنا عن الصدقة. قال: " إنها حجابٌ من النار لمن احتسبها يبتغي بها وجه الله ". قالت: أفتنا في ثمن الكلب. قال: " طعمة جاهلية وقد أغنى الله عنها ". قالت: أفتنا عن عذاب القبر. قال: " أثر البول فمن أصابه بولٌ فليغسله، فمن لم يجد ماءً مسحه بتراب طيب. حدث شيخ من ساكني العقيق قال: إني لواقف بالعقيق وقد جاء الحاج، إذ طلعت امرأة على رحالةٍ حولها صففٌ فنظرنا إليها فأعجبنا حالها فلما أن كانت حذو قصور سفيان بن عاصم يعني ابن عبد العزيز بن مروان عدلت إليها ونحن ننظر، فاضطجعت في موضعٍ ساعة ثم قامت، فدخلت قصراً من تلك القصور فأقامت فيه ساعة، ثم خرجت، فركبت ومضت. قلنا: لننظرنّ إلى ما صنعت هذه المرأة، فجئنا مضجعها الذي اضطجعت فيه، ثم دخلنا القصر الذي دخلته؛ فإذا بكتاب يواجهنا في الجدار فإذا هو: " من الطويل " كفى حزناً بالهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا بلى إن ذا الشوق الموكل بالهوى ... يزيد اشتياقاً كلما حول الصبرا مقيماً بها يوماً إلى الليل لا يرى ... أوانس قد كانت تكون بها عصرا وتحته مكتوب: وكتبت آمنة بنت عمر بن عبد العزيز: كان سفيان بن عاصم زوجها.

آمنة أو أمية بنت أبي الشعثاء الفزارية.

آمنة أو أمية بنت أبي الشعثاء الفزارية. حدثت عن مدلوك أبي سفيان قال: أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع موالي فأسلمت، فمسح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده على رأسي، قالت آمنة: فرأيت ما مسح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من رأسه أسود، وقد شاب ما سوى ذلك. آمنة بنت محمد بن أحمد العجلية والدة الحسن بن الحنائي. حدثت عن أبي محمد عبد الله بن عبد الرزاق الأزدي بسنده عن جابر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يموت بثلاثة أيام يقول: " لا يموت أحدكم إلا وهو بالله حسن الظن ". آمنة ذات الذنب كان لها ذنب مخلوق في عجزها فنخسها مروان المرتعش فضرطت فخاصمته إلى نمير بن أوس فقضى لها بأربعين درهماً وعباءة.؟ أميمة بنت أبي بشر بن زيد الأطول الأزدية زوج عبد الله بن قرط الثمالي الأزدي. شهدت اليرموك مع بعلها. قال أبو حذيفة إسحاق بن بشر: وأقبلوا - يعني الروم - حتى نزلوا بمكانٍ من اليرموك يدعى دير الخل مقابل المسلمين، والمسلمون قد تحرزوا وأصعدوا النساء.

أميمة بنت رقيقة

قالوا: فمر قيس بن هبيرة على نسوةٍ من نساء المسلمين مجتمعاتٍ، فلما رأينه قامت إليه أميمة بنت أبي بشر، وكانت تحب عبد الله بن قرط الثمالي، وكان فرس قيس أشبه شيء بفرس عبد الله بن قرط، وكان باده على الفرس شبيهاً بباده، فظنته زوجها، فقامت إليه فقالت: استمتع، بنفسي أنت. فظن قيس أنها شبهته بزوجها، قال: أظنك شبهتني بعبد الله. قالت: واسوأتاه! فانصرفت. فقال: أيتها المرأة، وإياكن أعني أيضاً، قبح الله امرأة تضطجع لزوجها، وهذا عدوه قد حل بساحته يقاتله إذا أراد منها ذلك، فلتحث التراب في وجهه، ثم لتقل: اخرج فقاتل عني فإني لست بامرأتك حتى تمنعني، فلعمري ما يقرب النساء على مثل هذه الحال إلا فسلٌ من الرجال، ثم مضى، قال: تقول المرأة: واسوأتاه! هذا يظن أني ظننت أنه زوجي، فقمت إليه أتعرض له، إنما ظننت أنه ابن قرط، ولم يكن تعشى البارحة إلا عشاء خفيفاً، كان تعشى عنده رجلان من إخوانه، فكنت قد هيأت له غداءه، فأردت أن ينزل فيتغدى. أميمة بنت رقيقة وهي أميمة بنت عبد ويقال: عبد الله بن بجاد بن عمير بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وأمها رقيقة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد، لها صحبة، وهي من المبايعات. شهدت مؤته، وقدمت على معاوية دمشق، وروت عن سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحاديث. قالت أميمة بنت رقيقة: أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نسوة نبايعه، فقلنا: نبايعك يا رسول الله على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فيما استطعتن وأطقتن ".

فقالت: فقلت: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله. فقال: " إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمئة امرأة، كقولي لامرأة واحدة، أو مثل كقولي لامرأة واحدة ". وفي حديث آخر: جاءت أميمة بنت رقيقة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبايعه على الإسلام. فقال: " أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً، ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفتريه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى ". وعن رقيقة قالت: كان للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدحٌ من عيدان يبول فيه، ويضعه تحت السرير، فجاءت امرأة يقال لها بركة قدمت مع أم حبيبة من الحبشة فشربته، فطلبه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يجده، فقيل: شربته بركة. فقال: " احتظرت من النار بحظار ". كان معاوية قد حول أميمة إليه إلى الشام، وبنيت لها دار، ودخلت على معاوية في مرضه الذي مات فيه، فقال: اندبيني يا بنت رقيقة؟ فتسجت بثوبها ثم قالت: " من الهزج " ألا ابكيه ألا ابكيه ... ألا كل الفتى فيه ثم قال: لابنتيه: اقلبنني، فقلبته هندٌ ورملة، فقالت: إنكما لتقلبان حولاً قلباً، إن وقي كبده النار غداً. ثم قال: " من الكامل " لا يبعدن ربيعة بن مكدم ... وسقى الغوادي قبره بذنوب

أنيسة بنت معبد المغني

قال هشام بن عروة سمعت عبد الله بن الزبير يقول: كان والله - يعني معاوية - كما قالت بنت رقيقة: " من الهزج " ألا ابكيه ألا ابكيه ... ألا كل الفتى فيه وقيل رقيقة هي أم مخرمة بن نوفل صاحبة الرؤيا في استسقاء عبد المطلب بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أنيسة بنت معبد المغني ومعبد مولى ابن قطن. يقال لها: عروس القيان. خرجت مع أبيها معبد وأخيها كردم إلى يزيد بن عبد الملك فأقاموا بالشام حياة يزيد كلها، ثم رجعوا إلى المدينة طول أيام هشام، فلما ولي الوليد بن يزيد استحضرهم فخرجوا إليه، ولم يزالوا مقيمين في عسكره حتى مات معبد، فخرج الوليد بن يزيد وأخوه الغمر متبذلين يحملان مقدم جنازته. اصطبح الوليد بن يزيد يوماً وعنده أنيسه بنت معبد وأخوها كردم وشهدة جاريته. فقال لأنيسة: أتعرفين صوتاً كان أبي يقترحه على أبيك فيه ذكر لبابة؟ فقالت: نعم. وغنته: " من الكامل " ودع لبابة قبل أن تترحلا ... واسأل فإن قلاله أن تسألا إلبث لعمرك ساعةً وتأنها ... فلعل ما بخلت به أن يبذلا حتى إذا ما الليل جن ظلامة ... ورجوت غفلة حارسٍ أن يغفلا خرجت تأطر في الثياب كأنها ... أيم يسيب على كثيبٍ أهيلا فطرب الوليد وقال: هو هو واصطبح عليه يومه، ووالى الشرب سبعة أيام فأمر فيها في كل يوم لأنيسة بألف دينار، ثم أمر أن تجهز بذلك وتزوج رجلاً شريفاً موسراً، فزوجها رجلاً من وجوه أصحابه من تنوخ. أسماء الرجال على

حرف الباء

حرف الباء بحيري الراهب الذي حذر على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الروم، ورده من أرض بصرى، وكان على دين المسيح، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. توفي قبل البعث، كان يسكن قرية يقال لها: الكفر، بينها وبين بصرى ستة أميال تعرف اليوم بدير بحيرى؛ وقيل: كان يسكن البلقاء بقريةٍ يقال لها: ميفعة وراء زيزاء. عن ابن عباس: أنا أبا بكر الصديق صحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن ثمان عشرة، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن عشرين، وهم يريدون الشام في تجارة، حتى إذا نزلوا منزلاً فيه سدرة قعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرى يسأله عن شيء، فقال له: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال له: ذلك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال: هذا والله نبي، ما استظل تحتها بعد عيسى بن مريم إلا محمد. ووقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، فلما نبئ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتبعه. حدث أبو داود سليمان بن موسى: أن أبا طالب عم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج به إلى الشام، فلما مروا بقرية يقال لها: ميفعة من أرض البلقاء، وفيهم راهب يقال له: بحيرى، فخرج إليهم بحيرى، وكانوا قبل ذلك يقدمون فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، فجعل يتخللهم حتى انتهى إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

بختري بن عبيد بن سليمان الطابخي

فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا الذي بعثه الله رحمة للعالمين. فقال شيوخ من قدم معه من قريش: وما علمك؟ قال: أنكم لما أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً ولا يسجد إلا لنبي، وأعرفه بالصفة وبخاتم النبوة مثل التفاحة أسفل من غضروف كتفه، ثم انطلق بحيرى فأتاهم بطعام، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رعية إبل أصحابه، فقال: أرسلوا إليه، فأرسلوا إليه، فقال بحيرى: انظروا عليه غمامة تظله! فانتهى إليهم وقد علموه على الشجرة فيء الشجرة، فجلس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومال إليه فيء الشجرة، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة كيف مال إليه! فبينا هم يأكلون وهو قائم عليهم؛ إذ هو بفوارس من الروم مقبلين، فلما رآهم بحيرى استقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ فقالوا: جئنا لأنه بلغنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق من طرق الروم إلا وقد بعث عليه قوم وبعثنا إلى هذه الطريق. فقال: ما وراءكم أفضل لكم، قال: أرأيتم أمراً أراد الله أن يمضيه يستطيع أحد رده؟ فتبعوه وأقاموا وأتاهم بحيرى فقال: أيكم ولي هذا الغلام؟ فأشاروا إلى أبي طالب. فقال: إنهم إن رأوه عرفوه، فقتلوه، فرده أبو طالب. وذكر حديث بحيرى لما عمل الطعام ودعاهم إليه، وقد ذكرناه في ترجمة سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال في آخره: وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وعرفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه، فذهبوا إلى بحيرى فذاكروه أمره فنهاهم أشد النهي، وقال لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم. فما لكم إليه سبيل، فصدقوه، وتركوه، ورجع أبو طالب فما خرج به سفراً بعد ذلك خوفاً عليه. بختري بن عبيد بن سليمان الطابخي الكلبي من أهل القلمون من قرية الأفاعي حدث البختري بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رجل من الناس: يا رسول الله ما العاديات ضبحاً؟ فأعرض عنه، ثم رجع إليه من الغد. فقال:

بخت نصر بن بيت بن جوذرز

ما الموريات قدحاً؟ فأعرض عنه، ثم رجع الثالثة، فقال: ما المغيرات صبحاً؟ فرفع العمامة أو القلنسوة عن رأسه بمخصرته فوجده مفرعاً رأسه. فقال: " لو وجدته طاماً رأسه لوضعت الذي فيه عيناه ففزع الملأ من قوله ". فقالوا: يا نبي الله ولم؟ قال: " إنه سيكون أناس من أمتي يضربون القرآن بعضه ببعض ليبطلوه ويتبعون ما تشابه منه ويزعمون أن لهم في أمر ربهم سبيلاً ولكل دين مجوس وهم مجوس أمتي وكلاب النار. فكان يقول: هم القدرية. وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سموا أولادكم فإنهم من أطفالكم " والمحفوظ: أفراطكم. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أشربوا أعينكم الماء ولا تنفضوا أيديكم من الماء فإنها مراوح الشيطان ". وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي: " إنك لأول من يقاتل الخوارج، فلا تتبعن مدبراً، ولا تجهز على جريح ". وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً ". بختري باء معجمة بواحدة وخاء معجمة، وتاء معجمةٌ باثنتين من فوقها. كان فيه ضعف، وروى عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدر عشرين حديثاً عامتها مناكير، منها: أشربوا أعينكم الماء، ومنها: الأذنان من الرأس. بخت نصر بن بيت بن جوذرز الملك البابلي. دخل دمشق ومضى منها إلى بيت المقدس فخربها وسبى أهلها وحملها إلى بابل وقيل إنه آمن بعد ذلك.

حدث مجاهد قال: كان من قصة بخت نصر أنه كان يتيماً بأرض لا يؤبه له، وكان فيما ذكروا من جيش نمرود صاحب إبراهيم، وكان لزنية، بغت أمه فكان من شأنه أن دانيال الأكبر وكان قد قرأ التوراة ذات يوم فأتى على هذه الآية " فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً " قال: فطوى التوراة فقال: يا رب من هذا المكان الذي يكون خراب بيت المقدس على يديه وهلاك بني إسرائيل؟ قال: فأري في المنام أن يتيماً بأرض بابل يقال له بخت نصر عليلاً فقيراً فقضيت ذلك على يديه فلما أصبح تجهز بمال عظيم، ثم خرج نحو أرض بابل حتى وردها، وملكها يومئذ سنحاريب. فدخل عليه، فقال: من أنت ومن أين أقبلت؟ قال: أقبلت من أرض بني إسرائيل وحملت معي أموالاً أقسمها في فقراء أهل أرضك ويتاماهم. قال: فأنزله وأكرمه، وأجعل يلطف اليتامى والفقراء فيعطيهم ويسأل عن أسمائهم حتى قسم مالاً كثيراً فكان لا يظفر ببخت نصر حتى أعياه ذلك فبعث من يطلبه في قرى بابل ومدائنها فلا يظفر به حتى أيس منه فأقام ببابل رجاء أن يظفر به. قال: فخرج غلامه ذات يوم إلى بعض قرى بابل للميرة، قال: فمر بغلام مريض على طريق الناس قد اتخذ له عريش، وقد فرش له الرماد، به الذرب يسيل الماء الأصفر منه، فلما نظر إليه غلام دانيال رأى منظراً فظيعاً فقال له: ما حالك يا غلام؟ قال: أنا غلام يتيم قد كنت أكد على أم لي عجوز حتى أصابني ما ترى فعجزت عني فوضعتني هاهنا يعطف الناس علي والمارة فأصيب الشيء والكسرة. فقال له: وما اسمك؟ قال: ما تسأل عن اسمي؟ قال: إن مولاي قسم مالاً كثيراً في اليتامى والمساكين فكيف غبت عنه؟ قال بخت نصر: هي أرزاق، قال: فأخبرني عن اسمك حتى أخبره بحالك فيعطيك كما يعطي غيرك، قال: اسمي بخت نصر. قال: فلما انصرف الغلام إلى سيده فأخبره بما رأى. قال دانيال: هذا بغيتي وأسر في نفسي، وانطلق معه غلامه إليه. فقال: ما اسمك؟ قال: اسمي بخت نصر، وأنا غلام يتيم من أهل بيت شرف، ولكن انقلب علينا الزمان وأصابتنا الشدة فعجزت أمي عني فألقتني هذا الموضع.

قال: فأمر غلامه فغسله وطيبه وكساه، ثم حمله حتى جاء به إلى أمه، وأجرى عليها حتى برأ وصح، وكان قبل أن ينزل به المرض يخرج مع أتراب له إلى البراري فيحتطب فكانوا يؤمرونه على أنفسهم فيحتطبون له ويحملونه فيما بينهم حتى ينتهوا إلى القرية فيحتزمون له حزمة فكان يدخلها السوق فيبيعها، فكان منها معيشته ومعيشة أمه، فلما صح قال له دانيال: يا بخت نصر هل تعلم أني قد أحسنت إليك؟ قال: نعم. قال: فما رأيك إن وصلت إلي مكافأتي هل أنت مكافيّ؟ قال: يا سيدي هل صنع أحد بأحد إلا دون ما صنعت بي، ومن أين أقدر على مكافأتك! قال: أخبرني إن ملكت يوماً من الدهر بابل وغزوت بلاد بني إسرائيل فلي الأمان منك ولأهل بيتي؟ قال: نعم. غير أني أظن أن هذا منك استهزاء! قال دانيال: لا بل هو الجد مني. قالت أمه: يا سيدي، إن كان الذي تقول حقاً فأنت الملك وهو تبع لك، فقال دانيال: أتكتب لي أماناً ولأهل بيتي يكون كتابك علامة بيني وبينك وبين أهل بيتي وأعطيك عشرين ألف درهم؟ قال: نعم. قال: فكتب له بخت نصر كتاباً أماناً بخط يده ولأهل بيته، وجهز بالذهب، وأعطاه دانيال عشرين ألف درهم، ثم ودع الملك ولحق ببلاده، فعمد بخت نصر ففرق تلك الدراهم في الغلمة الذين كان يترأس عليهم، فكساهم واشترى لهم الدواب، وكان ظريفاً كاتباً أديباً، فانطلق إلى سنحاريب الملك، فانتسب له ولزم بابه في أصحابه، فكان يوجهه في أموره وكان مظفراً حتى بدا لسنحاريب أن يغزو بيت المقدس، فبعث جواسيسه يأتونه بخبر الأرض، فانطلق بخت نصر فركب حماراً ثم جاء حتى دخل على الملك، فقال: أيها الملك إنك تبعث عيوناً إلى أرض بني إسرائيل فأحب أن أنطلق أنا بنفسي، فإني أنا أعلم منهم بالأمر الذي تدرك به حاجتك. قال له الملك: ألا أعلمتني فكنت أستعملك عليهم، ولكن امضه. فمضى حتى وردها، فكان أصحابه يسألون عن الحصون وعن العدة والرجال والمدخل والمخرج وكان بخت نصر يسأل بقوله: هل فيكم اليوم أنبياء وكتب تقرؤونها؟ قالوا: نعم. قال: أفتطيعون أنبياءكم؟ قالوا: لا. قال: أفتقيمون كتبكم؟ قالوا: لا. قال: فانصرف، وانصرف أصحابه، فأعلموا الملك ما عاينوا. وقال بخت نصر: أيها الملك إن فيهم أنبياء لا يطيعونهم وكتباً لا يقيمونها فإن نصرت فبهذا. قال سنحاريب: إنه ليس للقوم بنا يدان، وسأغزوهم بجنود لا قبل لهم بها، وكان من قصته ما كان. يروى أن بخت نصر دخل الشام ومصر في ست مائة ألف راكب وهو راكب على أسد أحمر

متعمم بثعبان، متقلداً سيفاً طوله عشرة أشبار في عرض شبر، أخضر النصل، يقطر منه الماء شبه الشرر، غمده من ذهب مرصع بصنوف الجوهر والياقوت الأحمر، منقوش عليه هذه الأبيات: " من السريع " وأنت إن لم ترج أو تتقي ... كالميت محمولاً على نعشه لا تنجش الشر فتصلى به ... فقل من يسلم من نجشه وأخمد الشر فإن هجته ... فاحرص لأعدائك في جشه للبحر أقراشٌ لها صولةٌ ... فاحذر على نفسك من قرشه إذا طغى الكبش بشحم الكلى ... أدخل رأس الكبش في كرشه وناطح الكبش له ساعةٌ ... تأخذه أنطح من كبشه فكم نجا من يد أعدائه ... وميتٌ مات على فرشه من يفتح القفل بمفتاحه ... نجا من التهمة في فشه ونابش الموتى له ساعةٌ ... تأخذه أنبش من نبشه والبغي صراعٌ له صولةٌ ... تستنزل الجبار عن عرشه قال ابن المبارك: رئي لقمان يعدو خلف بخت نصر فراسخ، فقيل له: يا ولي الله تعدو خلف هذا الكافر؟ قال: لعلي أسأله في مؤمن فيجيبني فيه. قال وهب: لما فعل بخت نصر ما فعل - يعني ما ذكر في ترجمة أرميا - قيل له: كان لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم، ويصفك وخبرك لهم، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلهم، وتسبي ذراريهم، وتهدم مساجدهم، وتحرق كنائسهم، فكذبوه، واتهموه، فضربوه، وقيدوه، وحبسوه، فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن، فقال له: أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم؟

قال: نعم. قال: فأنى علمت ذلك؟ قال: أرسلني الله تعالى إليهم فكذبوني. قال: كذبوك وضربوك وسجنوك! قال: نعم. قال: فبئس القوم قوم كذبوا نبيهم، وكذبوا رسالة ربهم، فهل لك أن تلحق بي فأكرمك، وأواسيك، وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك. قال له أرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ساعة قط، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك لو لم يكن لك عليهم سلطان. فلما سمع بخت نصر قوله تركه. فأقام أرميا بأرض إيلياء، وأخرج أهل بيت دانيال الأكبر كتاب آمان بخت نصر فأمضاه لهم، وأخرج بهم معه فكانوا خمسة أنفس: دانيال بن حزقيل وميشائيل وميخائيل وعيصو، وحرسوس، ويقال: كان عزير معهم وعزرائيل. والله أعلم. وكانوا شباباً لم يبلغوا الحلم، دانيال بن حزقيل كان أعطاه الله الحكمة، وكان عبداً صالحاً كريماً على الله عز وجل. وقال ابن عباس: إنه مزق كتاب دانيال فنشأ هؤلاء الغلمة فكانوا وصفاء وكان أكبرهم دانيال، وهو دانيال الحكيم الذي أنقذ الله به بني إسرائيل من أرض بابل فعمد بخت نصر - حين سمع كلام دانيال وحكمته ونظر إليه - إلى جب في فلاةٍ من الأرض، فألقى فيه دانيال مع شبلين، وأطبق عليه الجب وهو مغلول، وقتل على دم يحيى بن زكريا سبعين ألفاً، وذلك أن ما بعث الله تعالى بخت نصر عليهم عقوبة لهم بما قتلوا يحيى وزكريا؛ وذلك أنه أمر بالموضع الذي قتل فيه يحيى وزكريا، فرأى دماءهما تغلي، فسأل عن ذلك؟ فقالوا: هي دماء نبيين، ولا تسكن حتى يقتل بكل واحد منهما سبعون ألفاً، فلما قتل بخت نصر على دمائهما هذه العدة سكنت تلك الدماء. قال ابن عباس: لم يقتل كهلاً ولا وليداً ولا امرأة، إنما قتل أبناء الحرب وقادة الجيوش حتى استكمل هذه العدة، ودانيال في الجب مع الشبلين سبعة أيام فأوحى الله إلى نبي من بني إسرائيل كان بالشام، فقال: " انطلق فاستخرج دانيال من الجب "، فقال: يا رب! ومن يدلني عليه؟ فقال: " هو في موضع كذا وكذا يدلك عليه مركبك "، فركب أتاناً له وخرج

حتى انتهى إلى ذلك الموضع، فدارت به حمارته ثلاث مرات في أرض ملساء، فعرف أن بغيته فيها، فقال: يا صاحب الجب، فأجابه دانيال، فقال: قد أسمعت فما تريد؟ قال: أنا رسول الله إليك لأستخرجك من هذا الموضع، فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، الحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحساناً، والحمد لله الذي يجزي بالإساءة غفرانا، والحمد لله الذي يكشف ضرنا عن كربنا، ثم استخرجه، وإن الشبلين لعن يمينه وعن شماله يمشيان معه، وإن ذلك النبي لفي ناحية يفرق منهما، حتى عزم عليهما دانيال أن يرجعا إلى الغيضة. قال ابن عباس: من قال عند كل سبع: اللهم رب دانيال ورب الجب، ورب كل أسد مستأسد، احفظني واحفظ علي، لم يضره السبع. وحدث قتادة عن كعب: أن بخت نصر انطلق بدانيال معه إلى أرض بابل يصدر عن رأيه، حتى قيل له: إنه مخالفٌ لك ولا يأكل لحم الخنزير. قال: فدعاه إلى طعامه فأبى أن يأكله، فسجنه في السجن حتى رأى رؤياه التي قطع بها على ما سنذكره. وحدث عن وهب أن بخت نصر سار ببني إسرائيل وكنوز بيت المقدس إلى أرض بابل، فأقام أرميا بأرض إيلياء وهي خراب، فكان يبكي وينوح على بيت المقدس، وكان يساعده عليه الخطاف فيطوف حوله، فمن ثم نهي عن قتله، وكانت بقايا من بني إسرائيل متفرقين بلغهم أمر أرميا ومقامه بإيلياء، فاجتمعوا إليه، فقالوا: قد عرفنا الآن أنك نصحتنا، ولو أطعناك لم يصبنا ما أصابنا فمرنا بأمرك. فقال لهم: أقيموا في أرضنا فنستغفر الله ونتوب إليه لعله يتوب علينا، فقالوا: إنا نخاف أن يسمع بنا بخت نصر، فيبعث إلينا من يتخطفنا، ونحن شرذمة قليلون، ولكن ننطلق إلى ملك مصر، فنستجيره، وندخل في

ذمته. فقال أرميا: ذمة الله أولى الذمم لكم، وإنكم لا يسعكم أمان أحد في الأرض إن أخافكم الله، وإن أمان الله هو أوسع لكم. قالوا: إن الأمر كما تقول، لو كان الله راضياً عنا، ولكن الله ساخط علينا، ولسنا نأمن سطوته أن يسلمنا إلى عدونا، فانطلقوا إلى ملك مصر. فأوحى الله إلى أرميا أنهم لو أطاعوا أمرك ثم كنت أطبقت عليهم السماء والأرض، لجعلت لهم من بينهما مخرجاً، وما كنت لأخفرك لو أطاعوك، وإني لأقسم بعزتي لأعلمنهم أنه ليس لهم ملجأ ولا محيض إلا طاعتي، واتباع أمري، فلما وردوا على ملك مصر شكوا إليه شأنهم. فقال: أنتم في ذمتي وجواري، فسمع بذلك بخت نصر، فأرسل إلى ملك مصر أن لي قبلك عبيداً أبقوا معي، فابعث بهم إلي مصفدين، وإلا فأذن بحرب، فكتب إليه ملك مصر: إنك كاذب ما هم بعبيد. إنهم أبناء الأحرار، وأهل النبوة والكتاب، ولكنك ظلمتهم واعتديت، فلما سمع بذلك أرميا رحمهم، فبادر إليهم ليشهدهم. فأوحى الله إليه: " إني مظهر بخت نصر على هذا الملك الذي اتخذوه حرزاً ". فقال لهم ذلك أرميا، فإن لم تطيعوني أسركم بخت نصر وقتلكم، فإن آية ذلك أن الله قد أراني موضع سرير بخت نصر الذي يضعه فيه بعدما يظفر بمصر وملكها، ثم عمد فدفن أربعة أحجار في الموضع الذي يضع بخت نصر فيه سريره، ثم قال: تقع كل قائمة من سريره على حجر منها. قال: فلجوا في رأيهم، فسار بخت نصر، فأسر الملك وبني إسرائيل، وقتل جنوده، وقسم الفيء، وأراد قتل الأساري وقد وضع سريره في ذلك الموضع، فوقعت كل قائمة منه على حجر من تلك الأحجار التي دفن أرميا. فقال له بخت نصر: ألا أراك مع أعدائي بعد أن أمنتك وأكرمتك؟! قال له أرميا: إنما جئتهم محذراً أخبرتهم خبرك، وقد وضعت لهم علامة من تحت سريرك، وأريتهم هذا المكان الذي يوضع فيه سريرك، فإن تحت كل قائمة حجراً دفنته، فلما رفع سريره وجد مصداق ما قال، فقال لأرميا: لو أعلم أن فيهم خيراً لوهبتهم لك، وما بي إلى قتلهم من حاجة، ولكن أقتلهم غضباً لك إذ كذبوك، واتهموا نصيحتك، فقتلهم ثم لحق بأرض بابل، فأقام أرميا بمصر، واتخذ بها جنينة وزرعاً يعيش منه. فأوحى الله تعالى إليه: " إن لك عن الزرع والمقام بأرض مصر شغلاً، فكيف تسعك أرض وأنت تعلم سخطي على قومك ولا يحزنك هذا البلاء الذي يصب على إيلياء وأهلها، فالحق بهم حتى يبلغ كتابي أجله، فإني راد بني إسرائيل تارة أخرى إلى الأرض المقدسة، ومستنقذهم من عدوهم، وناظر كيف يعملون ". فخرج أرميا مذعوراً حتى أتى بيت المقدس، فأوحى الله

إليه: " سأعمره وأرفعه، وإني باعث ملكاً يقال له كورش من أرض فارس، حتى ينزل بقومه ورجاله حتى يعمرها، ويبني قصورها ومساجدها، ويكشف عن أنهارها، ويغرس أعنابها ونخلها وزيتونها "، فتوجه كورش إليها في جمع ومعه ثلاثون ألف قيم يستعملون الناس، كل قيم على ألف عامل ومعهم ما يحتاجون إليه، ولما أرميا عمارتها سأل ربه أن يقبضه إليه، فمات أرميا، وأنقذ الله بني إسرائيل بعد مائة سنة من أرض بابل على يدي دانيال. وقال كعب: كان سبب إنقاذ بني إسرائيل من بابل أن بخت نصر لما صدر من بيت المقدس بالأسارى، وفيهم دانيال وعزير وأربعة وصفاء غلمان لم يبلغوا الحلم غير دانيال، واتخذ بني إسرائيل خولا زماناً طويلاً، وإنه رأى رؤيا فزع منها، فدعا كهنته وسحرته، فأخبرهم بما أصابه من الكرب بما في رؤياه، وسألهم أن يعبروها له، فقالوا له: قصها علينا. قال: قد أنسيتها فأخبروني بتأويلها. فقالوا: إنا لا نقدر على أن نخبرك بتأويلها حتى تقصها علينا، فغضب، وقال لهم: اخترتكم واصطفيتكم لمثل هذا، اذهبوا فقد أجلتكم ثلاثة أيام، فإن أتيتموني بتأويلها وإلا قتلتكم، وشاع ذلك في الناس، فبلغ دانيال وهو مسجون. فقال لصاحب السجن وهو إليه محسن: هل لك أن تذكرني للملك فإن عندي علم رؤياه، وإني لأرجو أن تنال بذلك عنده منزلة تكون سبب عاقبتي. قال له صاحب السجن: إني أخاف عليك سطوة الملك، لعل غم السجن حملك على أن تتروح بما ليس عندك فيه علم، مع أني أظن إن كان أحد عنده من هذه الرؤيا علم فأنت هو. قال دانيال: لا تخف علي، فإن لي رباً يخبرني بما شئت من حاجتي، فانطلق صاحب السجن، فأخبر بخت نصر بذلك، فدعا دانيال، فأدخل عليه، ولا يدخل عليه أحد إلا سجد له، فوقف دانيال فلم يسجد له، فقال الملك لمن في البيت: اخرجوا، فخرجوا، فقال بخت نصر لدانيال: أخبرني عما يمنعك أن تسجد لي، قال دانيال: إن لي رباً آتاني هذا العلم الذي

سمعت به على أن لا أسجد لغيره، فخشيت أن أسجد لك فينسلخ عني العلم، ثم أصير في يدك أمياً لا ينتفع بي، فتقتلني، فرأيت بترك سجدة أهون من القتل، وخطر سجدة أهون من الكرب والبلاء الذي أنت فيه، فتركت السجود نظراً لي ولك، فقال بخت نصر: لم يكن قط أوثق في نفسي منك حين وفيت لإلهك، وأعجب الرجال عندي الذين يوفون لأربابهم بالعهود، فهل عدنك علم الرؤيا التي رأيت؟ قال: نعم. عندي علمها وتفسيرها. رأيت صنماً عظيماً رجلاه في الأرض ورأسه في السماء. أعلاه من ذهب، ووسطه من فضة، وسفله من نحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من فخار، فبينا كنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه، وإحكام صنعته، قذفه الله حتى طحنه، فاختلط ذهبه، وفضته، ونحاسه، وحديده، وفخاره، حتى يخيل لك أنه لو اجتمع جميع الإنس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك، ولو هبت ريح لأذرته، ونظرت إلى الحجر الذي قذف به يربو ويعظم، ويكبر حتى ملأ الأرض كلها، فصرت لا ترى إلا السما والحجر، قال له بخت نصر: صدقت الرؤيا فما تأويلها؟ فقال دانيال: أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وفي وسطه وفي آخره، وأما الذهب فهذا الزمان وهذه الأمة التي أنت فيها، وأنت ملكها، وأما الفضة، ابنك من بعدها تملكها، وأما النحاس فأمة الروم، وأما الحديد ففارس، وأما الفخار فأمتان تملكها امرأتان، إحداهما في مشرق اليمن، والأخرى في غربي الشام، وأما الحجر الذي قذف به الصنم، فدين يقذف الله به هذه الأمم في آخر الزمان ليظهره عليها، يبعث الله نبياً أمياً من العرب، فيدوخ الله به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم، ويظهره على الأديان والأمم، كما رأيت الحجر ظهر على الأرض وانتشر فيها حتى ملأها، فيحق الله به الحق، ويزهق به الباطل، ويهدي به أهل الضلال، ويعلم به الأميين، ويقوي به الضعفة، ويعز به الأذلة، وينصر به المستضعفين. قال له بخت نصر: ما أعلم أحداً استعنت به منذ وليت الملك على شيء غلبني غيرك، ولا لأحد عندي يدٌ أعظم من يدك، وأنا جازيك بإحسانك، فاختر من ثلاث أعرضهن عليك: واحدة أن أردك إلى بلادك وأعمر لك كل شيء خربته، وإن أحببت كتبت لك أماناً تأمن به حيث ما سلكت، وإن أحببت أن تقيم معي، فأواسيك. قال: أما قولك: تردني إلى بلادي وتعمر لي ما خربت؛ فإنها أرض كتب الله عليها الخراب وعلى أهلها الفناء إلى أجل معلوم، وليس تقدر أن تعمر ما خرب الله عز وجل، ولا ترد

أجلاً أجله الله حتى يبلغ الكتاب أجله، وينقضي هذا البلاء الذي كتبه الله على إيلياء وأهلها، وأما قولك: إنك تكتب لي أماناً آمن به حيث ما توجهت؛ فإنه لا ينبغي أن أطلب مع أمان الله أمان مخلوق، وأما ما ذكرت من مواساتك؛ فإن ذلك أوفق لي يومي هذا حتى الله فينا قضاءه، فجمع بخت نصر ولده وحشمه وأهل العلم والرأي، فقال لهم: هذا رجل حكيم قد فرج الله عني الكرب الذي عجزت عنه به، وإني قد رأيت أن أوليه أمركم، فخذوا من أدبه وحكمته، وأعظموا حقه، فإن جاءكم رسولان أحدهما مني والآخر من دانيال، فآثروا حاجته على حاجتي، ونزل منه دانيال بأفضل المنازل، وجعل تدبير ملكه إليه، فلما رأى ذلك عظماء أهل بابل حسدوا دانيال، واجتمعوا إلى بخت نصر، فقالوا له: لم يكن على الأرض ملك أعز من ملكنا ولا أعظم، ولا قوم أهيب في صدور أهل الأرض منا حتى دانت لنا الأرض، واعترفت لنا الأمم، فليس يطمع فينا أحد، وإنا نخبرك أن الأمم قد طمعوا فينا منذ قلدت أمر ملكك هذا العبد الإسرائيلي، وإنك لم تفعل هذا حتى أنكرت عقلك ورأيك، وعجزت عن السياسية، وقد نصحناك، فقال لهم بخت نصر: ما أنكرت عقلي ولا رأيي، ولا تزيدني الأيام إلا تجربة وعلماً، ولكنه كان نزل بي ما رأيتم، فعجز عنه رأيي، وعجزتم أنتم، ففرج عني، فماذا تنقمون أن عمدت إلى أحكم أهل الأرض فاستعنت به مع رأيي، وكل ذلك أريد به صلاح أمركم وقوام ملككم؟ قالوا: فإن كان كما تقول، أفليس يخبرك أن له رباً عظيماً هو الذي يدبر له أمره ويطلعه على الغيب؟ قال بخت نصر: بلى، يزعم أن له رباً لولاه لم يك شيئاً، ولا يعلم شيئاً. قالوا له: هذا العبد الضعيف قدر على أن يتخذ إلهاً يخبره بما شاء، فكيف لا تقدر أنت في مثل خطرك وعظم ما أوتيت من الملك على أن تتخذ إلهاً، فيخبرك بحاجتك ويكفيك ما أهمك، وتستغني به عن الناس، ونحن لك على ذلك مؤازرون؟ قال بخت نصر: فأنتم وذاك. قالوا: فأعطنا الطاعة والسلطان حتى نفرغ مما تريد، ففعل بهم ذلك، فعملوا طوله في السماء سبعون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً من الألواح ثم دسروه بالحديد والمسامير، وألبسوه الذهب، وكللوه بالياقوت وألوان الجوهر، ثم صنعوا له عيداً عظيماً، وذبحوا له الذبائح، وواعدوا الناس لذلك اليوم يجتمعون فيه، فيعبدون ذلك الصنم ويسجدون له، واتخذوا أخدوداً في الأرض، فأوقدوا فيها ناراً عظيمة، وهم أصحاب الأخدود، وكانت الأخدود باليمن وبابل، فأما الذي كان باليمن فاتخذه يوسف ذوا وناس الحميري، وهو الذي

ملك حمير، وكان صاحب عنفصير، وهو الذي قتل الناس وأحرقهم بالنار ليدعوا إلى الإسلام، وكان الأخدود الأخرى بابل اتخذها بخت نصر، فلما اجتمع الناس يوم عيدهم، أمروهم بالسجود لذلك الصنم فسجدوا، فمن أبى حرقوه في تلك الأخدود، وكان بخت نصر سبى من إيلياء سبعين ألف غلام، فقسمهم في ملوك بابل، ماخلا دانيال وميشائيل وعيصو ومرسوس فأقاموا بذلك زماناً يستخدمونهم حتى أدرك الوصفاء، فأنكر أهل بابل شأنهم، فقالوا لبخت نصر: إنا أنكرنا شأننا منذ أدرك عبيدنا، فإنا نحب أن تنفيهم منا فتخرجهم عنا، أو تأذن لنا فنقتلهم. فقال لهم: أنتم وذاك. قال: فقتلوهم جميعاً، وبقي هؤلاء العدة في يدي الملك، فكانوا يدعون الله ويقولون: يا رب قد عذبت آباءنا بذنوبهم فما بالنا؟! فأوحى الله إلى دانيال: " إني مخلصهم "، فعطف عليهم بخت نصر فلم يقتلهم، فلما أخرجوا صنمهم ليوم عيدهم، دعوا هؤلاء العدة من بني إسرائيل، فقالوا لهم: اسجدوا لآلهتنا، فقالوا: إن هذا ليس بإله نسجد له، إنما هو خشب عملته الرجال، فإن شئتم سجدنا للذي خلقه فاغتنموا خلافهم ليحرقوهم وليغيظوا بهم دانيال، فكتفوهم ثم رموا بهم في تلك النار فباتوا فيها حتى أصبحوا، فاطلع بخت نصر عليهم من قصره، فرأى فيها خمسة نفر في النار، ورأى خامسهم خلقاً عظيماً له ريش، فرأى النار قد عادت جليداً، وإذا صاحب الريش يكنفهم ويلحفهم بريشه من برد الجليد، فلما نظر بخت نصر إلى ذلك امتلأ رعباً، فدعا قومه فقال: كم كنتم ألقيتم في النار؟ قالوا: أربعة. قال: فإن معهم خامساً له ريش وهيبة وجسم لا يقدر قدرها. قالوا: ليس لنا به علم، فدعا دانيال، فسأله. فقال: هؤلاء الأربعة أعرفهم فمن الخامس صاحب الريش؟ قال: دانيال: الخامس الذي وكله الله بالظل والبرد والثلج والجليد، وهذه خزائن بيده، فأرسله إلى هؤلاء الفتية حتى صير النار جليداً حتى لا يضرهم برد الجليد. وقيل: إن دانيال قال لبخت نصر لما سأله عن الخامس، قال: ذاك جبريل بعثه الله يروح عنهم ويؤنسهم، وقيل: إن بخت نصر قال لدانيال: ألا أعلمتني حين عرض لهم فأحول بينهم وبين ما صنعوا بهم! قال دانيال: حملني على ذلك الرفق بك لما أدخل عليك أهل مملكتك ووثقت لهم

بنصر الله، وأن الله لم يخذلهم، وأردت أن يرى قومك عزة الله وسلطانه وكيف يعز أولياءه، فأمر بهم فأخرجوا من النار. قال وهب: لما وقفوا بين يدي بخت نصر قال: كيف بتم البارحة؟ قالوا: بأفضل ليلة مرت علينا منذ خلقنا، قال بخت نصر: وهي أفضل من لياليكم في بلادكم؟ قالوا له: سبحان الله ومتى كنا نطمع في بلادنا ملائكة الرحمن أن يلحفونا بالريش، ويردون عنا أذى البرد، ويستغفرون لنا، ويصافحونا! فأمرهم أن يلحقوا بدانيال فأكرمهم، فلم يزالوا حتى على ذلك ثلاث سنين، ثم إن بخت نصر رأى رؤيا أهول وأعظم مما كان رأى، فأرسل إلى عظماء قومه، فقال لهم: إني قد رأيت في مضجعي هذا ولم أتحول عنه رؤيا فيما يخيل إلي أشد من الأولى، وخشيت أن يكون فيها هلاكي وهلاككم، وذهاب ملككم وقد نسيتها فما ترون؟ فجعلوا علة عجزهم دانيال فقالوا: إنك عمدت إلى أسحر العالمين فوضعته عند رأسك، فهو يفزعك بسحره، ويريك الأحلام لينال منك المنزلة والكرامة، فشأنك وشأنه، وقد عمرت قبله زماناً لا ترى شيئاً تكرهه. وأنت مستغنٍ برأيك، فأدخلت على نفسك هذا البلاء، فقال لهم بخت نصر: أما عندكم غير هذا؟ قالوا: لا. قال: اخرجوا عني، ثم دعا دانيال، فقال: إني قد رأيت في مضجعي هذا ولم أتحول عنه رؤيا قد نسيتها هي عندي أعظم من الأولى فهل عندك علمها؟ قال: نعم. قال: إذاً فاقصصها علي، قال دانيال: رأيت شجرة عظيمة أصلها ثابت وفرعها ذاهب في السماء، في فرعها طير السماء كله، وفي ظلها وحوش الأرض وسباعها كلها، فبينا أنت تنظر إليها، وقد أعجبك حسنها وعظمها وخضرتها، والذي جمع الله في فرعها من الطير، وفي ظلها من الوحوش؛ إذ أقبل ملك يحمل حديداً كأنه الفأس على عاتقه، وهو يؤم الشجرة؛ إذ ناداه ملك من فوقه من باب من أبواب السماء فقال له: ما أمرك ربك في هذه الشجرة؟ قال: أمرني أن لا أدع منها شيئاً، فناداه الملك من فوقه: إن الله يأمرك أن لا تستأصلها من أصلها خذ بعضها وأبق بعضها، فنظرت إلى الملك قد ضرب رأسها بالفأس فانقطع منها بعض أغصانها، وتفرق ما كان فيها من الطير، وما كان في ظلها من السباع، وبقي الجذع متغيراً قد تغير حسنه وخضرته لا هيئة له. قال بخت نصر: هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها؟ قال دانيال: أنت الشجرة، وما رأيت فوقها من الطير فولدك وأهلك وحشمك، وما رأيت في ظلها من السباع والوحوش فخولك وعبيدك ورعيتك،

كانوا في ظلك وملكك، وقد أغضبت الله فيما بايعت هؤلاء عليه من عمل هذا الصنم، فإنهم لن يأتوا بمثل الله أبداً، فذكر الله بك عندما أراد من هلاكك فصفح عنك، ثم رأيت الملك وقد أهم أن يستأصل الشجرة من أصلها، فناداه الآخر من فوقه أن يأخذ منها ويبقي منها، وكذلك يصنع الله بك يأخذ منك ويبقي. قال بخت نصر: وكيف يفعل بي؟ قال: يبتليك ببدنك، يعرفك به قدرته، فلا يدع صورة مما خلق وأخرى فيها الروح إلا مسخك فيها، فلبثت في ذلك البلاء سبع سنين، ولو شاء أن يجعل ذلك في أوشك من طرفة عين لفعل، ولكن ليطول عليك البلاء ويعرفك أنه ليس لك من دونه وال، ولا يملك لك أحد معه شيئاً، ثم لا يحولك في صورة من تلك الصور إلا كنت ملك ذلك الجنس وتعلوه وتقهره، فإذا انقضت السبع سنين رجعت إنساناً كما كنت أول مرة، فقال بخت نصر: فهل يقبل ربك مني توبة أو فدية أو رجعة؟ فقال: لا، حتى يعرفك قدرته وينفذ قضاءه فيك. قال: فلما قال هذا اعتزل ملكه وأهله ووكل ابنه، وأمره أن يكون السائس دانيال، وأغلق عليه أبوابه وقعد يبكي على نفسه، فمكث في البكاء سبعة أيام، فلما غمه البكاء ظهر فوق بيته يتروح من غم ما هو فيه، فساعة ظهر أنبت الله له ريشاً وزغباً، وجعل له مخاليب ومنقاراً، فصار عقاباً، ثم ذهب يطير فلا يقوم له طير في السماء إلا قهره، وتحدث به أصحاب النسور الذين يصيدون الطير فقالوا: إنه حدث في السماء طير عظيم على صورة عقاب لا يقوم له شيء ولا يطيقه إنسان، ثم حوله فرساً، فتحدث به أصحاب الأرمال، وقالوا إنه حدث في المروج حصان من الخيل ما رأينا مثله عظماً وجسماً، لا يقوم له شيء، ولا يرومه إنسان، فجعل لا يمسخ في شيء إلا ذكر عظمه وقوته وتحدث بذلك، فلم يزل في ذلك سبع سنين وولده وملكه على حاله لم يتغيروا، ولم يحدثوا فيه شيئاً، وكان يأمرهم دانيال أن لا يغيروا من أمره شيئاً حتى يرجع إليهم. وفي رواية، وكان إذا مسخ في جنس ذكراً فاشتهى الإناث واغتلم حوله أنثى، فأحرم واشتهى الذكور حوله الله ذكراً، فكان لا يصل إلى شهوته من الجماع، ولا يوصل إليه.

قالوا: وكان آخر خلق مسخ فيه بخت نصر البعوضة، فأقبل في صورتها يطير حتى دخل بيته، فحوله الله إنساناً، فاغتسل بالماء ولبس المسوح، وألقى جفن سيفه، ثم خرج به صلتاً يتوكأ عليه حتى برز إلى جناته، فأمر بجمع قومه فاجتمعوا كأجمع ما كانوا قط، ثم قال: يا أيها الناس إني وإياكم كنا نعبد من دون الله ما لا يضرنا ولا ينفعنا، ولا يخلقنا ولا يرزقنا، ولا يميتنا ولا يحيينا، ولا يملك لنا من الله شيئاً، وإنه قد تبين لي من قدرة الله في نفسي أن لا إله إلا إله بني إسرائيل، فمن بايعني على هذا أو أجابني عليه، فأنا منه وهو مني، وأنا وهو في الحق سواء، ومن أبى وخالف ضربته بسيفي هذا، وأشار به إليهم - وكان فيهم مهيباً - حتى يحكم الله بيني وبينه، ألا وإني قد أجلتكم يومي هذا، فإذا أصبحت فأجيبوني، ثم انصرف عنهم، فساعة دخل بيته وقعد على فراشه قبض الله روحه. فقال وهب بن منبه: سألني ابن عباس عن قصة بخت نصر فقصصتها عليه، فقال ابن عباس: ما شبهت إيمانه إلا بإيمان سحرة فرعون حين قالوا: آمنا برب موسى وهارون. وكان وهب بن منبه يقول: لما مسخ بخت نصر كان في ذلك يعقل عقل الإنسان، ثم رد الله روحه فدعا إلى توحيد الله، وقال: كل إله باطل إلا إله السماء. قال بكار: فقيل لوهب: أمؤمناً مات؟ فقال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: قد آمن قبل أن يموت، وقال بعضهم: قتل الأنبياء، وحرق الكتب، وخرب بيت المقدس، فلن تقبل توبته. وقيل: إن بخت نصر لما قتل بني إسرائيل وخرب بيت المقدس، وسار بسبايا بني إسرائيل إلى أرض بابل، فسامهم سوء العذاب، فأراد أن يتناول السماء، فجمع بني إسرائيل وعظماء أهل بابل ممن عنده علم، فقال لهم: إني قد قهرت أهل الأرض، فأريد أن أتناول ملك السماء، فهل عندكم علم أو حيلةٌ أصعد إلى السماء؟ فقالوا: لا. فقال لهم: انطلقوا فاطلبوا لي حيلة أصعد بها إلى السماء. فسلط الله عليه بعوضة، فدخلت منخره، فوقعت في دماغه، فلم تزل

بخيت بن محمد بن حسان البسري

البعوضة تعذبه وتأكل دماغه، فلم يزل ينطح رأسه على الحجر حتى مات، ثم أوصى أن شقوا هامته فينظروا ما كان فيه. قال: ففعلوا، فرأوا قدرة الله، فإذا هم ببعوضة قد تعلقت بدماغه. والله أعلم أي ذلك كان. قالوا: وملك بخت نصر خمسٌ وأربعون سنة، منها تسع عشرة سنة قبل خراب أورشلم - وهي بيت المقدس - وسباء بابل، وست وعشرون بعد الخراب. قالوا: كان أمره بعدما رفع عيسى بن مريم، وقيل: كان قبل عيسى بن مريم، وقيل: كان قبل الاسكندر والمسيح بأكثر من ثلاث مائة سنة. قالوا: ومن زمن آدم إلى سبي بابل أربعة آلاف وتسع مائة وثمان عشرة سنة. بخيت بن محمد بن حسان البسري بخيت أوله باء مضمومة خاء معجمة مفتوحة وآخره تاء معجمة باثنتين من فوقها هو بخيت بن أبي عبيد البسري. من أهل بسر. كان أبوه من كبار الزهاد. قال أبو بكر الهلالي: اجتمع أصحاب الحديث بطبرية إلى بخيت بن أبي عبيد البسري، فسألوا أن يملي عليهم حديثاً، فقال: ما أحب أن ألقى الله وأنا صاحب حديث. قالوا: فاحك لنا عن أبيك شيئاً، فقال: سمعت أبي يقول: " من الرجز " البيت خالٍ والكباش تنتطح ... فمن نجا برأسه فقد ربح

بدر بن الهيثم بن خالد بن عبد الرحمن

بدر بن الهيثم بن خالد بن عبد الرحمن وقيل: بدر بن الهيثم بن نصر مولى بني هاشم الدمشقي. حدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " طاعة الإمام حقٌ على المرء المسلم، ما لم يأمر بمعصية الله، فإذا أمر بمعصية الله عز وجل فلا طاعة له ". بدر بن عبد الله أبو النجم مولى المعتضد بالله المعروف بالحمامي وبالكبير. قدم دمشق من مصر ممداً لأميرها طغج بن جف الفرغاني في خلافة المكتفي من قبل الطولونية لما حاصر القرمطي دمشق، فلقيه بكناكر، فقتل القرمطي، وانصرف إلى طبرية راجعاً إلى مصر، ثم رجع من الطريق والياً على دمشق من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، فقدمها في شعبان سنة تسعين ومائتين. حدث أبو النجم بدر الكبير عن عبيد الله بن محمد بن رماحس بسنده عن أبي جرول زهير بن صرد الجشمي قال: لما أسرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم حنين يوم هوازن، وذهب يفرق السبي، أتيته فأنشأت أقول: " من البسيط " امنن علينا رسول الله في كرمٍ ... فإنك المرء نرجوه وننتظر امنن على بيضةٍ قد عاقها قدرٌ ... مشتتٌ شملها في دهرها غير أبقت لنا الحرب هتافاً على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلماً حين يختبر امنن على نسوةٍ قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من محضها الدرر إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي ومت تذر لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر إنا لنشكر للنعماء إذا كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر

فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر يا خير من مرحت كمت جياد به ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر إنا نؤمل عفواً منك تلبسه ... هذي البرية إذ تعفو وتنتصر فاعف عفا الله عما أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر فلما سمع هذا الشعر، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ". وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله. قال أبو نعيم الحافظ: بدر الأمير أبو النجم، قدم أصبهان سنة ثلاث وثمانين ومائتين لإخراج عمر بن عبد العزيز أخي أحمد بن عبد العزيز إلى مدينة السلام وقدمها أيضاً واليها عليها سنة خمس وتسعين ومائتين في رمضان، فتولاها إلى صفر من سنة ثلاث مائة، وكان عاد لأحسن السيرة، منع من نزول الجند في الدور إلا بالكراء الوافي، وكان يقرب أهل العلم، ويرفع منهم. وقال أبو نعيم أيضاً: كان عبداً صالحاً مجاب الدعوة. قال أبو بكر الخطيب: ولي بدر الإمارة في بلدان جليلة، وكان له من السلطان منزلة كبيرة، وتولى الأعمال بمصر مع ابن طولون، إلى أن فسد أمر ابن طولون وقتل، فقدم بدر بغداد، فأقام بها مدة، ثم ولاه السلطان بلاد فارس، فخرج إلى عمله وأقام هناك إلى أن توفي. حدث جحظة قال: كنت بحضرة المعتضد ذات يوم، فأمرني أن أغني صوتاً فغنيت، ثم استعاده دفعة أخرى، وطرب له طرباً شديداً، فأمر لي بمائة درهم، وقال: عرجوا به على بدر - يريد

بدر بن عبد الله أبو النجم الأرمني

صاحب جيشه - فقلت لعله أن يوجد مما أطلق لي حق الجراية، فلما وثب أمير المؤمنين حملني الخادم إلى قصر بدر، فرأيت مجلساً أحسن من مجلس الخليفة، وفيه من الغناء طرائقه، فلما رآني وثب وأجلسني في دسته وقال له الخادم: هذه تحفة أمير المؤمنين، فأكرمني، فغنيته ثلاثة أصوات، فلما سمعهن أمر بمائة ألف درهم، وعشرة تخوت ثياب، وشهريٍ لين الركوب، وغلام أسود. وانصرفت وعدت إلى مجلس أمير المؤمنين في الغد، فغنيته صوتاً فأطربه، فأمر لي بالجائزة فقلت: يا أمير المؤمنين ويعرج بي على بدر، فقال: ذلك لا يعاود. قال إسماعيل بن علي الخطبي: ورد الخبر في ربيع الأول سنة إحدى عشرة وثلاث مائة بموت بدر غلام ابن طولون المعروف ببدر الحمامي، وكان أميراً على بلاد فارس كلها وكورها، وقد طالت أيامه بها، وصلحت بمكانه، والسلطان حامد لأمره فيها، وشاكر إلى مكانه بها، فورد الخبر بوفاته، وأن ابنه محمداً قام بالأمر هناك، وسكن الناس، وضبط ما تهيأ له ضبطه، فأمر السلطان أن يكتب إليه بالولاية مكان أبيه، وتأمر على بلاد فارس، وأطاعه الناس. وقيل: مات بدر بشيراز وهو أمير على فارس. بدر بن عبد الله أبو النجم الأرمني التاجر المعروف بالشيحي، عتيق عبد المحسن بن محمد، قدم دمشق دفعات. حدث عن أبي محمد الصريفيني بسنده عن شعبة عن ثابت قال: كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يقوم فيصلي فإذا قال: سمع الله لمن حمده، يقوم حتى نقول قد نسي.

بديح مولى عبد الله بن جعفر

توفي بدر ببغداد في ليلة السبت التاسع من رمضان سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة. بديح مولى عبد الله بن جعفر من أهل المدينة. حدث بديح قال: كان عبد الله بن جعفر يحدثنا قال: فأقبل علي بن أبي طالب من سفر، فلقيناه غلمة من بني عبد المطلب، فينا الحسن والحسين، فلما دفعنا إليه تناولني فضمني إليه، فقال: يا بن أخي إني معلمك كلمات سمعتهن من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من قالهن عند وفاته دخل الجنة: لا إله إلا الله الحكيم الكريم - ثلاث مرات - الحمد لله رب العالمين - ثلاث مرات - تبارك الذي بيده الملك يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وعن بديح قال: أن عبد الله بن جعفر قدم على عبد الملك بن مروان، فأهدى له رقيقاً من رقيق المدينة، فقال له يحيى بن الحكم وهو عنده: إنما أهديت لأمير المؤمنين وحشاً من وحوش رقيق الحجاز، وقال له يحيى بن الحكم: ما فعلت خبثة؛ يعني المدينة؟ قال له عبد الله بن جعفر: سماها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طيبة وسميتها خبثة! وفي رواية: خالفت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما أرى الله سيخالف بينك وبينه. قال أبو الحسن المدائني: دخل عبد الله بن جعفر على معاوية ومعه بديح، فقال لبديح: هات بعض هناتك، فغنى، فحرك معاوية رجليه، فقال ابن جعفر: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إن الكريم طروب. قال الأصمعي: قال الوليد بن عبد الملك لبديح: خذ بنا في المنى، فوالله لأغلبنك قال: لا تغلبني. قال: بلى لأفعلن، قال: فستعلم، قال الوليد: فإني أبداً أتمنى ضعف ما تتمنى أنت فهات،

بديع بن عبد الله أبو الحسن

قال: فإني أتمنى سبعين كفلاً من العذاب، ويلعني الله لعناً كبيراً، فعليك ضعف ذلك. قال: غلبتني قبحك الله. بديع بن عبد الله أبو الحسن مولى الميانجي حدث عن مولاه القاضي أبي بكر يوسف بن القاسم الميانجي بسنده عن ابن عباس قال؟ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أحبوني لحب الله عز وجل، وأحبوا أهل بيتي لحبي ". برد بن سنان أبو العلاء القرشي مولاهم من أهل دمشق سكن البصرة. حدث عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يؤاجر أرضه حتى ذكر رافع بن خديج أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن كراء الأرضين، فترك ذلك. وحدث برد بن سنان عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله: أن جبريل أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمه الصلاة، فجاء جبريل حين زالت الشمس، فتقدم جبريل، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه، والناس خلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصلى الظهر، ثم جاءه حين صار الظل كأنه مثل شخص الرجل، فتقدم جبريل، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه، والناس خلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصلى العصر، ثم جاءه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه، والناس خلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصلى المغرب، ثم جاءه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه، والناس خلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصلى العشاء، ثم أتاه اليوم الثاني جبريل حين صار الظل كأنه مثل شخص الرجل، فتقدم جبريل، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه، والناس خلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصلى الظهر، ثم جاءه حين صار الظل مثل الرجل، فتقدم جبريل ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه، والناس خلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصلى

بركان بن عبد العزيز بن الحسين

العصر، ثم جاءه حين وجبت الشمس لوقت واحد، فتقدم جبريل ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه، والناس خلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلى المغرب. قال: ثم قمنا نحو ثلث الليل، فتقدم جبريل ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه، والناس خلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصلى العشاء الآخرة، ثم جاءه حين أضاء الفجر وأضاء الصبح، فتقدم جبريل ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه، والناس خلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصلى الغداة، ثم قال: ما بين صلاتين وقت. قال: فسأل رجل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الصلاة؟ فصلى بهم كما صلى به جبريل، ثم قال: " أين السائل عن الصلاة؟ ما بين الصلاتين وقت ". توفي برد بن سنان سنة خمس وثلاثين ومائة. ووثقه قوم، وضعفه آخرون قليلون، وكان قدرياً. بركان بن عبد العزيز بن الحسين ابن أحمد، أبو الحسن بن أبي محمد الأنماطي، كان مستوراً حافظاً للقرآن، ولم يكن الحديث من شأنه. حدث عن أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تجوزا في الصلاة فإن خلفكم الضعيف والكبير وذا الحاجة ". ولد بركات ليلة نصف شعبان سنة خمس وأربعين وأربع مائة بدمشق. قال: وكان شيخاً مغفلاً. حكى أبو الحسين القيسي أنه قال له: إن الناس يقولون: إن صلاتي كافرة، فقال له: إنما يقولون إنها بدعة. فقال: هو هذا. وكان يديم الخروج إلى مغارة الدم، ويصلي بمن يكون فيها النوافل جماعةً، ولم يفرق بين بدعة وكافرة، وحكي أنه كان يعمم الصبيان يوم العيد. توفي يوم السبت ثامن عشر من رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة.

بركات بن عبد الواحد بن محمد

بركات بن عبد الواحد بن محمد ابن عمرو بن حميد بن صدقة بن معترف الهمذاني الدمشقي سكن مصر. حدث عن عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بسنده عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ". بركات بن علي بن الحسين بن مسعود أبو سعد الأردبيلي. قدم دمشق مع أخيه أبي عمرو مسعود سنة إحدى وثمانين وأربع مائة. أنشد أبو سعد بركات لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري: " من الكامل " وإذا سقيت من المحبة جرعةً ... ألقيت من فرط الخمار خماري كم تبت جهداً ثم لاح عذاره ... فخلعت من ذاك العذار عذاري بركة الأردني ويقال الأزدي قال: توضأ مكحول في منزلي، فأتيته بمنديل، فأبى أن يتمندل، وتمسح ببرقة قبائه وقال: إن فضل الوضوء بركة؛ وأنا أحب أن لا تعدو البركة ثوبي. بركة بضم الباء وتسكين الراء. بريدة بن الحصيب بن عبد الله ابن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان ابن أسلم بن أفصى، أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو ساسان، ويقال: أبو الحصيب الأسلمي، صاحب سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أسلم حين اجتاز به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مهاجراً إلى المدينة، وشهد غزوة خيبر، وأبلى يومئذ، وشهد فتح مكة، وكان معه أحد لواءي أسلم، واستعمله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على صدقات قومه؛ وكان يحمل لواء أسامة لما بعثه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أرض البلقاء يطلب قتلة أبيه بمؤته. وخرج مع عمر إلى الشام لما رجع من سرغ أميراً على ربع أسلم. حدث بريدة الأسلمي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يتطير من شيء وكان إذا بعث عاملاً سأل عن اسمه؛ فإن أعجبه فرح بذلك ورئي بشر ذلك في وجهه؛ وإن كره اسمه رئي كراهية ذلك في وجهه. روى بريدة أنه دخل على معاوية رجلٌ يتناول علياً ويقع فيه؛ قال فقال: يا معاوية، تأذن لي في الكلام؟ قال فقال: تكلم - وهو يرى أنه سيقول مثل ما قال صاحبه - فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إني لأرجو أن أشفع عدد كل شجرةٍ ومدرة ". أفترجوها أنت يا معاوية ولا يرجوها علي؟ قال فقال: اسكت، فإنك شيخٌ قد ذهب عقلك. قال أحمد بن سنان: نزل بريدة بن الحصيب الأسلمي على مرو عن أمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قال له: " كن في بعث المشرق، ثم في بعث خراسان، ثم اسكن مدينة مرو ". فقدمها، وأقام بها إلى أن توفي. وأوصى أن لا يدفن على جادة. فحفر له على جادة، فسقط، ثم تنحوا به عن الجادة، فدفنوه في زمن معاوية؛ وله عقبٌ من ولده. ودفن بمرو رجلان من أصحاب سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بريدة والحكم الغفاري. قال أحمد بن عثمان وهو ابن الطوسي: بريدة اسمه عامر بن حصيب، بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة. وقيل: إن بريدة مات في زمن يزيد بن معاوية سنة اثنتين أو ثلاثٍ وستين. حدث بريدة

قال: كانت قريش جعلت مائةً من الإبل لمن يأخذ نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيرده عليهم حين توجه إلى المدينة. فركب بريدة في سبعين راكباً من أهل بيته من بني سهم، فتلقى نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أنت؟ " قال: بريدة. فالتفت إلى أبي بكر فقال: " يا أبا بكر، برد أمرنا وصلح "؛ قال: ثم ممن؟ قال: من أسلم؛ قال لأبي بكر: سلمنا. قال: ثم ممن؟ قال: من بني سهم. قال: خرج سهمك. قال: وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يتطير، ولكن يتفاءل. وفي رواية: قال بريدة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فمن أنت؟ قال: " أنا محمد بن عبد الله، رسول الله ". فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله. فأسلم بريدة وأسلم الذين معه جميعاً، فلما أن أصبح قال بريدة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تدخل المدينة إلا معك لواء. قال: فحمل عمامته ثم شدها برمح، ثم مشى بين يديه حتى دخل المدينة؛ فقال بريدة: يا رسول الله تنزل علي؟ قال: " أما إن ناقتي هذه مأمورة ". قال: فسارت حتى وقفت على باب أبي أيوب فبركت. قال بريدة: الحمد لله الذي أسلمت بنو سهمٍ طائعين غير مكرهين. حدث محمد بن عمرو الواقدي عمن ذكره من شيوخه قال: قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، نعم الرجل بريدة لقومه، عظيم البركة عليهم، مررنا به ليلة مررنا ونحن مهاجرون إلى المدينة، فأسلم معه من قومه من أسلم. فقال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نعم الرجل بريدة لقومه وعز قومه، إن خير القوم من كان مدافعاً عن قومه ما لم يأثم، فإن الآثم لا خير فيه ". وغزا بريدة مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ست عشرة غزوة. حدث بريدة قال: شهدت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتح خيبر، فكنت فيمن صعد الثلمة، فقاتلت حتى رأى بلائي ومكاني، وأبليت وعلي ثوب أحمر، وما علمت أني ركبت في الإسلام ذنباً أعظم منه للشهرة.

حدث بريدة قال: لما كان يوم خيبر أخذ اللواء أبا بكر، فرجع ولم يفتح له، فلما كان الغد أخذه عمر، فرجع ولم يفتح له، وقتل محمود بن مسلمة. فرجع الناس، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لأدفعن لوائي غداً إلى رجلٍ يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، لن يرجع حتى يفتح له ". فبتنا طيبةً أنفسنا أن الفتح غداً. فصلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الغداة، ثم دعا باللواء، وقام قائماً؛ فما منا من رجلٍ له منزلةٌ من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا يرجو أن يكون ذلك الرجل؛ حتى تطاولت أنا لها، فدفعت رأسي لمنزلةٍ كانت لي منه؛ فدعا علي بن أبي طالب وهو يشتكي عينه. قال: فمسحها ثم دفع إليه اللواء؛ وقال بريدة: إنه كان صاحب مرحب. وعن بريدة قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وللحكم الغفاري: " أنتما عينان لأهل المشرق، وبكما يحشر أهل المشرق ". فقدما مرو وماتا بها. وعنه: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: " يا بريدة إنه لا يكل بصرك، ولا يذهب سمعك، أنت نورٌ لأهل المشرق ". وعن ابن بريدة قال: كان بريدة ربع الإسلام. قال أبو عبد الله: وإنما يعني بقوله ربع الإسلام، أن يكون الأول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والثاني أبو بكر، والثالث عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، والرابع بريدة. حدث رجلٌ من بكر بن وائل قال: كنت مع بريدة الأسلمي بسجستان، قال: فجعلت أعرض بعلي وعثمان وطلحة والزبير لأستخرج رأيه؛ قال: فاستقبل القبلة، فرفع يديه فقال: اللهم اغفر لعثمان،

واغفر لعلي بن أبي طالب، واغفر لطلحة بن عبيد الله، واغفر للزبير بن العوام. قال: ثم أقبل علي فقال لي: لا أبا لك، أتراك قاتلي!؟ قال فقلت: والله ما أريد قتلك، ولكن هذا أردت منك. قال: قومٌ سبقت من الله سوابق، فإن يشأ يغفر لهم بما سبق لهم، وإن يشأ يعذبهم بما أحدثوا فعل. حسابهم على الله عز وجل. وكان بريدة يقول: لا عيش إلا طراد الخيل للخيل. قال عبد الله بن مولة: بينا أنا أسير بالأهواز على دابة لي، فإذا بين يدي رجلٌ على دابة وهو يقول: اللهم ذهب قرني من هذه الأمة، اللهم ألحقني بهم. فلحقته فقلت له: وأنا معك يرحمك الله. قال: اللهم وصاحبي هذا إن أراد ذلك؛ قال: يا بن أخي، سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " خير أمتي قرن بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ". قال بعض رواته: ولا أدري ذكر الثالثة أم لا. ثم يظهر فيهم السمن، ويزهقون الشهادة ولا يسألونها. قال: فإذا الرجل بريدة. قال عبد الله بن بريدة: مات والدي بمرو، وقبره بحصين؛ وهو قائد أهل المشرق يوم القيامة ونورهم. قال لي بريدة: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أيما رجلٍ من أصحابي مات ببلدةٍ فهو قائدهم ونورهم يوم القيامة ".

بريد الكلبي ثم العليمي

بريد الكلبي ثم العليمي والد البطريق بن بريد حدث عن أبيه أو عن ابن عمه الوليد - شك - قال: كنت بالمدينة، فأصابتنا عكة أوفى الناس منها على جبل سلع، يلتمسون الروح فجلست إلى شيخ قد جلس الناس إليه، كان رأسه ولحيته ثغامة، فسلمت؛ فقال: ممن؟ فانتسبت له، فقال: ومن أي الأجناد؟ فقلت: من الشام. فقال: والله يا أخا أهل الشام، ليخرجن إليكم الروم، فليخرجنكم منها كفراً كفراً، وليقفنّ فوارس من الروم على جبلنا هذا؛ فليتشمر أهل المدينة، ثم لينزلن الله نصره. بسر بن أرطاة ويقال: ابن أبي أرطاة، عمير بن عويمر بن عمران بن الحليس بن سيار بن نزار بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، أبو عبد الرحمن العامري. له صحبة؛ ويقال: لا صحبة له. وسكن دمشق، وشهد صفين مع معاوية، وكان على رجالة أهل دمشق. وولاه معاوية اليمن، وكانت له بها آثار غير محمودة. وقيل: إنه خزف قبل موته. روى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثين. روي عن بسر بن أرطاة: أنه كان يدعو كلما ارتحل: اللهم إنا نستعينك على أمرنا كله، فأحسن عونك، ونسألك خير المحيا وخير الممات. فقال له عبيدة المليكي: أمن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمعتها؟ قال

بسر: نعم، كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو بها. وكان بسر كلما ارتحل يقول: إنا مرتحلون وربنا محمود. قال الحافظ: هذا إسنادٌ غريب، ومتنٌ غير محفوظ، والمحفوظ عن بسر بن أرطاة، أنه سمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو: " اللهم أحسن عاقبتي في الأمور كلها، وأجرني من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ". وعن جنادة بن أبي أمية: أنه قال على المنبر برودس حين جلد الرجلين اللذين سرقا غنائم الناس فقال: إنه لم يمنعني من قطعهما إلا أن بسر بن أبي أرطاة وجد رجلاً سرق في الغزو يقال له مصدر، فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن القطع في الغزو. وحدث بسر أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لا تقطع الأيدي في الغزو ". قال الواقدي: ولد بسر قبل وفاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسنتين، وقبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو صغير. وأنكر أن يكون روى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ روايةً أو سماعاً. وغيره قال: أدرك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وروى عنه، وكان يسكن الشام، وبقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان. وأمه بنت الأبرص بن الحليس بن سيار بن نزار بن معيص بن عامر بن لؤي. فولد بسر الوليد لأم ولدٍ. وشهد بسر فتح مصر، واختط بها؛ وله بمصر دار بسر، وحمام بسر. وكان من شيعة معاوية، وشهد معه صفين. وكان معاوية وجهه إلى اليمن والحجاز في أول سنة أربعين؛ وأمره أن يتقرى من كان في طاعة علي فيوقع بهم، ففعل بمكة والمدينة واليمن

أفعالاً قبيحة. وقي ولي البحر لمعاوية، وكان وسوس في آخر أيامه، وكان إذا لقي إنساناً قال: أين شيخي؟ أين عثمان؟ ويسل سيفاً؛ فلما رأوا ذلك جعلوا له في جفنه سيفاً من خشب، فكان إذا ضرب به لم يضر. قال أبو الحسن الدارقطني: بسر بن أرطاة له صحبة ولم يكن له استقامة بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال العلاء بن سفيان: غزا بسر بن أرطاة الروم، فجعلت ساقته لا يزال يصاب منها طرف، فجعل يلتمس أن يصيب الذين يلتمسون عورة ساقته فيكمن لهم كمين، فيصاب الكمين، فجعلت بعوثه تلك لا تصيب ولا تظفر؛ فلما رأى ذلك تخلف في مائةٍ من جيشه، ثم جعل يتأخر حتى تخاف وحده، فبينا هو يسير في بعض أودية الروم إذ رفع إلى قرية ذات جوز كثير، وإذا براذين مربطة بالجوز ثلاثين برذوناً، والكنيسة إلى جانبهم، فيها فرسان تلك البراذين الذين كانوا يعقبونه في ساقته؛ فنزل عن فرسه فربطه مع تلك البراذين، ثم مضى حتى أتى الكنيسة فدخلها، ثم أغلق عليه وعليهم بابها، فجعلت الروم تعجب من إغلاقه وهو وحده؛ فما استقلوا إلى رماحهم حتى صرع ثلاثة، وفقده أصحابه، فلاموا أنفسهم وقالوا: إنكم لأهلٌ أن تجعلوا مثلاً للناس؛ إن كبيركم خرج معكم فضيعتموه حتى هلك، ولم يهلك منكم أحد! فبينا هم يسيرون في ذلك الوادي حتى أتوا مرابط تلك البراذين؛ فإذا فرسه مربوطٌ معها، فعرفوه، وسمعوا الجلبة في الكنيسة فأتوها، فإذا بابها مغلق، فبلغوا طائفةً من سقفها، فنزلوا عليهم وهو ممسكٌ طائفةً من أمعائه بيده اليسرى والسيف بيده اليمنى؛ فلما تمكن أصحابه في الكنيسة سقط بسر مغشياً عليه؛ فأقبلوا على من كان بقي فأسروه وقبلوا. فأقبلت عليهم الأسارى فقالوا: ننشدكم الله، من هذا الذي دخل علينا؟ قالوا: بسر بن أرطاة. فقالوا: ما ولدت النساء مثله. فعمدوا إلى معاه فردوه في

جوفه، ولم يخرق منه شيء، ثم عصبوه بعمائمهم، وحملوه على شقه الذي ليست به جراح، حتى أتوا به المعسكر فخاطوه، فسلم وعوفي. قال أيوب بن ميسرة بن حلبس: كان بسر بن أرطاة على شاتيةٍ بأرض الروم، قال: فوافق يوم الضحى؛ فالتمسوا الضحايا فلم يجدوها، فقام في الناس يوم الأضحى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنا قد التمسنا الضحايا اليوم والتمسوها، فلم نقدر على شيء - قال: وكانت معه نجيبةٌ له يشرب لبنها لقوح - ولم نجد شيئاً نضحي به إلا هذه النجيبة، فأنا مضحٍّ بها عني وعنكم، فإن الإمام أبٌ وولد. ثم قام فنحرها فقال: اللهم تقبل من بسرٍ ومن بنيه. ثم قسموا لحمها بين الأجناد، حتى صار لهم منها جزءٌ من الأجزاء مع الناس. وعن شريح بن عبيد أن بسر بن أرطاة قال: والله ما عزمت على قوم قط عزيمةً إلا استغفرت لهم حينئذٍ ثم قلت: اللهم لا حرج عليهم. روى الشعبي: أن معاوية بن أبي سفيان أرسل بسر بن أرطاة القرشي ثم العامري في جيش من الشام، فسار حتى قدم المدينة، وعليها يومئذ أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري صاحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فهرب منه أبو أيوب إلى عليٍّ بالكوفة. فصعد بسر منبر المدينة، ولم يقاتله بها أحد، فجعل ينادي: يا دينار، يا زريق، يا نجار، شيخٌ سمحٌ عهدته هاهنا بالأمس - يعني عثمان رضي الله عنه - وجعل يقول: يا أهل المدينة، والله لولا ما عهد إلي أمير المؤمنين، ما تركت بها محتلماً إلا قتلته. وبايع أهل المدينة لمعاوية. وأرسل إلى بني سلمة فقال: لا والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله صاحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فخرج جابر بن عبد الله حتى دخل على أم سلمة خفياً فقال لها: يا أمه!

قد خشيت على ديني، وهذه بيعةٌ ضلالة. فقالت له: أرى أن تبايع، فقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة أن يبايع، فخرج جابر بن عبد الله فبايع بسر بن أرطاة لمعاوية. وهدم بسر دوراً كثيرة بالمدينة، ثم خرج حتى أتى مكة، فخافه أبو موسى الأشعري وهو يومئذٍ بمكة، فتنحى عنه، فبلغ ذلك بسراً فقال: ما كنت لأوذي أبا موسى، ما أعرفني بحقه وفضله! ثم مضى إلى اليمن، وعليها يومئذٍ عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب عاملاً لعلي بن أبي طالب، فلما بلغ عبيد الله أن بسراً قد توجه إليه هرب إلى علي، واستخلف عبد الله بن عبد المدان المرادي. وكانت عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان قد ولدت من عبيد الله غلامين من أحسن صبيان الناس وأوضئه وأنظفه، وهما عبد الرحمن وقثم، فذبحهما ذبحاً. وكانت أمهما قد هامت بهما وكادت تخالط في عقلها. وكانت تنشدهما في الموسم في كل عام تقول: " من البسيط " ها من أحسن بنييّ اللذين هما ... كالدرتين تجلى عنهما الصدف ها من أحسن بنييّ اللذين هما ... سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف ها من أحسن بنييّ اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مزدهف حدثت بسراً وما صدقت ما زعموا ... من قولهم ومن الإفك الذي وصفوا أنحى على ودجي إبنيّ مرهفةً ... مشحوذةً وكذاك الإثم يقترف من ذا لوالهةٍ حرى مفجعةٍ ... على صبيين ضلاّ إذ غدا السلف قال: فلما بلغ علياً رضي الله عنه مسير بسرٍ وما صنع، بعث في عقب بسر بعد منصرفه من الشام جارية بن قدامة السعدي؛ فجعل لا يلقى أحداً خلع علياً إلا قتله وأحرقه بالنار حتى انتهى إلى اليمن؛ فلذلك سمت العرب جارية بن قدامة محرقاً. قال أبو سعيد بن يونس: ويقال: إن أم عبد الرحمن وقثم ابني عبيد الله بن العباس جويرية بنت قارظ

الكنانية. وكان عبيد الله بن العباس قد جعل ابنيه هذين عبد الرحمن وقثم عند رجلٍ من بني كنانة، وكان صغيرين؛ فلما انتهى بسرٌ إلى بني كنانة بعث إليهما ليقتلهما، فلما رأى ذلك الكناني دخل بيته، وأخذ السيف ثم خرج يشتد عليهم بسيفه حاسراً وهو يقول: " من الزجر " الليث من يمنع حافات الدار ... ولا يزال مصلتاً دون الجار ألا فتى أروع غير غدار فقال له بشر: ثكلتك أمك، والله ما أردنا قتلك، فلم عرضت نفسك للقتل؟! فقال: أقتل دون جاري، فعسى عند الله وعند الناس. فضرب بسيفه حتى قتل. وقدم بسرٌ الغلامين فذبحهما ذبحاً؛ فخرج نسوةٌ من بني كنانة، فقالت منهن قائلة: يا هذا، هذا الرجال قتلت فعلام تقتل الولدان، والله ما كانوا في جاهليةٍ ولا إسلام، والله إن سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الضرع الصغير، والمدره الكبير، وبرفع الرحمة، وعقوق الأرحام، لسلطان سوء. فقال لها بسر: والله لهممت أن أضع فيكن السيف. فقالت: تالله إنها لأخت التي صنعت، وما أنا لها منك بآمنة. ثم قالت للنساء واللائي حولها: ويحكن تفرقن. فقالت جويرية أم الغلامين: امرأة عبيد الله بن العباس تبكيها وذكر الأبيات بعينها. قال هشام الكلبي: من قال إن أمهما عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان بن الديان فقد أخطأ، لم تلد عائشة الحارثية إلا ابنه العباس وابنته العالية. قال واهب بن عبد الله المعافري: قدمت المدينة فأتيت منزل زينب بنت فاطمة بنت عليٍّ لأسلم عليها، فدخلت عليها الدار، فإذا عندها جماعةٌ عظيمة، وإذا هي جالسة مسفرة، وإذا امرأةٌ ليست بالجليلة، ولم تطعن في السن؛ فاحتملتني الحمية والغضب لها فقلت: سبحان الله! قدرك قدرك،

بسر بن عبيد الله الحضرمي

وموضعك موضعك وأنت تجلسين للناس كما أرى مسفرة؟! فقالت: إن لي قصة، قال: قلت: وما تلك القصة؟ قالت: لما كان أيام الحرة، وفد أهل الشام المدينة، وفعلوا فيها ما فعلوا، وكان لي يومئذ ابنٌ قد ناهز الاحتلام. قالت: فلم أشعر به يوماً وأنا جالسةٌ في منزلي إلا وهو يسعى وبسر بن أرطاة يسعى خلفه حتى دخل علي فألقى نفسه علي وهو يبكي، يكاد البكاء أن يفلق كبده، فقال لي بسر: ادفعيه إليّ: فأنا خيرٌ له. قالت: فقلت له: اذهب مع عمك، قالت: فقال: لا والله لا أذهب معه يا أمة، هو والله قاتلي. قالت فقلت: أترى عمك يقتلك!؟ لا، اذهب معه. قالت فقال: لا والله يا أمة لا أذهب معه هو والله قاتلي. قالت: وهو يبكي يكاد البكاء أن يفلق كبده، قالت: فلم أزل أرفق به وأسكته حتى سكن. قالت: ثم قال لي بسر: ادفعيه إليّ فأنا خير له؛ قال فقلت: اذهب مع عمك، قالت: فقام فذهب معه، قالت: فلما خرج من باب الدار قال للغلام: امش بين يدي، قالت: وإذا بسرٌ قد اشتمل على السيف فيما بينه وبين ثيابه؛ فلما ظهر إلى السكة، رفع بسرٌ ثيابه وشهر السيف عليه من خلفه ثم علاه به، فلم يزل يضربه حتى برد. قالت: فجاءتني الصيحة: أدركي ابنك قد قطع. قالت: فقمت أتعثر في ثيابي، ما معي عقلي. قالت: فإذا جماعةٌ قد أطافوا به، وإذا هو قتيل قد قطع، قالت: فألقيت نفسي عليه، وأمرت به يحمل. قالت: فجعلت على نفسي من يومئذ لله أن لا أستتر من أحد، لأن بسراً هو أول من هتك ستري وأخرجني للناس، فالله حسيبه. بسر بن عبيد الله الحضرمي روى عن أبي إدريس الخولاني قال: حدثني النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ما من قلبٍ إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن جل وعز، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه ".

بشار بن أحمد بن محمد أبو الرجاء

وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ". قال: " والميزان بيد الرحمن عز وجل، يرفع أقواماً، ويضع آخرين إلى يوم القيامة ". وعن بسر قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها ". بشار بن أحمد بن محمد أبو الرجاء الأصبهاني، الحاج، القصار، الصوفي. قدم دمشق طالب علم في سنة تسعٍ وسبعين وأربع مائة بعد منصرفه من الحج. حدث عن أبي عمرو عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده بسنده، عن ابن عباس قال: بينما رجلٌ واقفٌ مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعرفة؛ فأوقصته راحلته فمات. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً ". وقيل: ملبداً. بشرى بن عبد الله الروحي الرملي الخادم مولى المقتدر بالله. قدم دمشق. حدث عن علي بن عبد الحميد الغضائري قال: حدثنا أحمد بن علي الخواص، قال: رأيت يحيى بن أكثم القاضي في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني ووبخني؛ فلحقني ما يلحق العبد بين يدي سيده؛ وقال: " يا شيخ السوء، لولا شيبتك

بشر بن إبراهيم أبو سعيد القرشي

لحرقتك بالنار ". فقلت: ما هكذا حدثنا عنك. قال: فبم حدثت عني؟ قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن أنس، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن جبريل، عنك أنك قلت: " ما من عبدٍ يشيب في الإسلام فأعذبه بالنار ". فقال: " صدق عبد الرزاق، صدق معمر، صدق الزهري، صدق أنس، صدق محمد نبيي، صدق جبريل. انطلقوا به إلى الجنة ". بشر بن إبراهيم أبو سعيد القرشي ويقال: أبو عمرو الأنصاري، المفلوج، من أهل دمشق. سكن البصرة. روى عن الأوزاعي بسنده عن عائشة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما أذنب عبدٌ ذنباً فساءه إلا غفر الله له وإن لم يستغفر منه ". وروى عن ثور بن يزيد بسنده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رب عابدٍ جاهل، ورب عالمٍ فاجر؛ فاحذروا الجهال من العباد، والفجار من العلماء، فإن أولئك فتنة الفتناء ". وحدث عن الأوزاعي بسنده عن واثلة بن الأسقع الليثي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أراد الحاجة أوثق في خاتمه خيطاً. وروى عن ثور بن يزيد بسنده، عن معاذ بن جبلٍ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما أزين الحلم لأهله ". بشر بن بكر أبو عبد الله من أهل دمشق سكن تنيس حدث عن الأوزاعي بسنده، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب. "

بشر بن الحارث بن عبد الرحمن

توفي بشر في دمياط في ذي القعدة سنة خمسٍ ومائتين، وقيل: سنة مائتين. بشر بن الحارث بن عبد الرحمن ابن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله، أبو نصر المروزي، الزاهد، المعروف بالحافي، أحد أولياء الله الصالحين، والعباد السائحين. قدم الشام، واجتاز بجبل لبنان. قال بشر بن الحارث: سمعت العوفي يذكر عن الزهري، عن أنسٍ قال: اتخذ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتماً فلبسه ثم ألقاه. وحدث عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بسنده، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثلاثٌ لا تفطر الصائم: الحجامة، والاحتلام، والقيء ". وكان بشرٌ ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد. وتفرد بوفور العقل، وأنواع الفضل، وحسن الطريقة، واستقامة المذهب، وعزوف النفس، وإسقاط الفضول. وسمع جماعة، وكان كثير الحديث إلا أنه لم ينصب نفسه للرواية؛ وكان يكرهها، ودفن كتبه لأجل ذلك؛ وكل ما سمع منه فإنه على طريق المذاكرة. كان أبو نصر بشر بن الحارث ابن أخت علي بن خشرم كبير الشأن؛ وكان سبب توبته أنه أصاب في الطريق كاغذةً مكتوباً عليها اسم الله وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه غالية، فطيب بها الكاغذة وجعلها في شق حائط، فرأى فيما يرى النائم كأن قائلاً قال له، يا بشر طيبت اسمي لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة. قال أيوب العطار: كنت خارجاً من باب حرب فلقيني بشر بن الحارث وقال: يا أيوب انظر إلى جميل ما ينشر وقبيح ما يستر، كنت اليوم خارجاً من باب حرب فلقيني رجلان، فقال أحدهما لصاحبه: هذا بشر الذي يصلي كل ليلة ألف ركعة، ويواصل في كل ثلاثة أيام

والله يا أيوب ما صليت ألف ركعة مكاناً واحداً، ولا واصلت ثلاثاً قط، إلا أني أحدثك عن بدء أمري. قلت: نعم، فقال: دعاني رجل من أهل الربض؛ فبينما أنا أمضي إليه رأيت قرطاساً على وجه الأرض، فيه اسم الله تعالى؛ فأخذته ونزلت إلى النهر، فغسلته وكنت لا أملك من الدنيا إلا درهماً فيه خمسة دوانيق، فاشتريت بأربعة دوانيق مسكاً وبدانقٍ ماء ورد؛ وجعلت أتتبع اسم الله تعالى فأطيبه. ثم رجعت إلى منزلي فنمت؛ فأتاني آتٍ في منامي فقال لي: يا بشر، كما طيبت اسمي لأطيبن ذكرك، وكما طهرته لأطهرن قلبك. قال بشر بن الحارث: أتيت باب المعافى بن عمران، فدققت الباب، فقيل لي: من؟ فقلت بشر الحافي. فقالت لي بنيةٌ من داخل الدار: لو اشتريت نعلاً بدانقين لذهب عنك اسم الحافي. قال أبو الحسن للحسن بن عمرو: سمعت بشراً وجاء إليه أصحاب الحديث يوماً وأنا حاضر، فقال لهم بشر: ما هذا الذي أرى معكم قد أظهرتموه؟ قالوا: يا أبا نصر، نطلب هذه العلوم، لعل الله ينفع بها يوماً. قال: علمتم أنه يجب عليكم فيها زكاة كما يجب على أحدكم إذا ملك مائتي درهم: خمسة دراهم؛ فكذلك يجب على أحدكم إذا سمع مائتي حديث أن يعمل منها بخمسة أحاديث؛ وإلا فانظروا أيش يكون عليكم هذا غداً. قال البيهقي: لعله أراد من الأحاديث التي وردت في الترغيب في النوافل؛ وأما في الواجبات فيجب العمل بجميعها. حدث قاسم بن إسماعيل بن علي قال: كنا بباب بشر بن الحارث، فخرج إلينا فقلنا: يا أبا نصر، تحدثنا؟ فقال: أتؤدون زكاة الحديث؟ قال: قلنا: يا أبا نصر وللحديث زكاة؟ قال: نعم، إذا سمعتم عملاً أو صلاة أو تسبيحاً استعملوه.

قال محمد بن المثنى البزاز: قلت لبشر بن الحارث: تذكر بكورنا إلى فلان وفلان المحدث؟ شكره الله لك؛ قال: لا بل غفره الله لي. قال بشر: لو أن رجلاً كان عندي في مثال سفيان ومعافى، ثم جلس اليوم يحدث، ونصب نفسه لانتقص عندي نقصاناً شديداً. قال بشر: إني وإن أدنيت الرجل وهو يحدث، فإنه عندي قبل أن يحدث أفضل كثيراً من كان من الناس؛ وإنما الحديث اليوم طرف من طلب الدنيا وكده؛ وما أدري كيف يسلم صاحبه، وكيف يسلم من يحفظه، لأي شيء يحفظه! قال بشر: وإني لأدعو الله أن يذهب به من قلبي، ويذهب بحفظه من قلبي، وإن لي كتباً كثيرة قد ذهبت وأراها تطوى فيرمى بها فما آخذها، وإني لأهم بدفنها كلها، وأنا حيٌ صحيح، وما أكره ترك ذلك من خيرٍ عندي، وما هو من سلاح الآخرة ولا من عدد الموت. قيل لبشر بن الحارث: يقولون إنك لا تحفظ الحديث! فقال: أنا أحفظ حديثاً واحداً إذا عملت به فقد حفظت الحديث؛ قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ". حتى أفعل هذا وأحفظ الحديث. قال أيوب العطار: سمعت بشر بن الحارث يقول: حدثنا حماد بن زيد، ثم قال: أستغفر الله أن أذكر الإسناد، في القلب خيلاء. قال محمد بن المثنى السمسار: كنا عند بشر بن الحارث وعنده العباس بن عبد العظيم العنبري - وكان من سادات المسلمين - فقال له: يا أبا نصر، أنت رجل قد قرأت القرآن، وكتبت الحديث، فلم لا تتعلم من العربية ما تعرف به اللحن حتى لا تلحن؟ قال: ومن يعلمني يا أبا الفضل؟ قال: أنا يا أبا نصر، قال: فافعل، قال: قل ضرب زيدٌ عمراً، قال فقال له بشر: يا أخي ولم ضربه؟ قال: يا أبا نصر ما ضربه وإنما هذا أصل وضع، فقال بشر: هذا أوله كذب، لا حاجة لي فيه.

قال عمار: رأيت الخضر عليه السلام فسألته عن بشر بن الحارث؟ فقال: مات يوم مات، وليس على ظهر الأرض أتقى لله منه. قال بلال الخواص: كنت في تيه بني إسرائيل، فإذا رجلٌ يماشيني، فتعجبت! ثم ألهمت أنه الخضر، فقلت له: بحق الحق من أنت؟ فقال: أخوك الخضر، فقلت له: أريد أن أسألك، فقال: سل، فقلت: ما تقول في الشافعي رحمه الله؟ قال: هو من الأوتاد. فقلت: ما تقول في أحمد بن حنبل؟ قال: رجل صديق قلت: فما تقول في بشر بن الحارث؟ فقال: لم يخلف بعده مثله. فقلت: بأي وسيلة رأيتك؟ فقال: ببرك بأمك. سأل إنسانٌ أبا خيثمة عن الرجل إذا دخل المسجد الجامع يوم الجمعة، كم يصلي؟ قال: هذا بشر بن الحارث، بلغني أنه إذا دخل المسجد الجامع صلى ركعتين ثم لم يزد عليهما حتى يصلي الجمعة وينصرف. قال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتم عقلاً ولا أحفظ للسانٍ من بشر بن الحارث، كان في كل شعرة عقل، ووطئ الناس عقبه خمسين سنةً ما عرف له عيبةٌ لمسلم؛ لو قسم عقله على أهل بغداد صاروا عقلاء، وما نقص من عقله شيء. قال بشر الحافي: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام فقال لي: " يا بشر، تدري لم رفعك الله من بين أقرانك؟ " قلت: لا يا رسول الله قال: " باتباعك لسنتي وخدمتك للصالحين، ونصيحتك لإخوانك، ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي، هو الذي بلغك منازل الأبرار ". قال بشر بن الحارث: ما أنا بشيءٍ من عملي أوثق مني بحب أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان يقول: لو أن الروم سبت من المسلمين كذا وكذا ألفاً، ثم فداهم رجلٌ كان في قلبه سوءٌ لأصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لم ينفعه ذلك.

سئل أحمد بن حنبل عن مسألة في الورع؟ فقال: أنا، أستغفر الله، لا يحل لي أن أتكلم في الورع، أنا آكل من غلة بغداد، لو كان بشر بن الحارث، صلح أن يجيبك عنه، فإنه كان لا يأكل من غلة بغداد، ولا من طعام السواد، يصلح أن يتكلم في الورع. كان بشر يقول: إن الجوع يصفي الفؤاد، ويميت الهوى، ويورث العلم الدقيق. وكان يقول: طوبى لمن ترك شهوةً حاضرةً لموعد غائب لم يره. قال بشر بن الحارث: ما تركت الشهوات منذ أربعين سنة إلا أنه لا يصفو لي درهمٌ حلال. قال أبو حفص ابن أخت بشر بن الحارث: اشتهى بشر سفرجلة في علته، فقالت لي أمي: يا بني اطلب لي سفرجلة. قال: فجئت بها، فأخذها، فجعل يشمها، قال: ثم وضعها بين يديه. فقالت أمي: يا أبا نصر كلها، قال: ما أطيب ريحها! قال: فما زال يشمها حتى مات، وما ذاقها. قال عبد الوهاب: ما رأيت أحداً أقدر على ترك شهوةٍ من بشر الحافي. وقال عبد الله الرضواني: ما رأيت أحداً من الزهاد إلا وهو يذم الدنيا ويأخذ منها، غير بشر بن الحارث، فإنه كان يذمها ويفر منها. قال أحمد بن المغلس: سمعت أبا نصر بشراً وقد قال له رجل: يا أبا نصر ما أشد حب الناس لك! فغلظ ذلك عليه، ثم قال: ولك عافاك الله، قال: وكيف؟ قال: دع لهم ما في أيديهم. فذكرت لأبي نصر فقلت: حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، حدثنا مالك عن

نافع، عن ابن عمر قال: أتى رجل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، دلني على عملٍ إذا أنا عملته أحبني الله من السماء، وأحبني الناس من الأرض؟ قال: فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ". فرأيت أبا نصرٍ قد فرح به، إذ وافق قوله سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كان بشر بن الحارث يقول: ينبغي لنا أن لا نحب هذه الدار، لأنها دارٌ يعصى الله فيها، ووالله لو لم يكن منا إلا أنا أحببنا شيئاً أبغضه الله عز وجل لكفانا. وكان يقول: ما عرف الخلق أفضل من شيئين: الله والدنيا؛ فإنهم إذا عرفوا الله اجتهدوا في طاعته، وإذا عرفوا الدنيا اجتهدوا في تركها. قال علي بن عثام: أقام بشر بن الحارث بعبادان عشر سنين يشرب من البحر، ولا يشرب من حياض السلاطين حتى أضر بجوفه؛ فرجع إلى أخته، وأخذه وجعٌ لا يقوم به إلا أخته. وهو يتخذ المغازل فيبيعه، وذلك كسبه. قال محمد بن يوسف الجوهري: كنت أمشي مع بشر بن الحارث في يومٍ صائف، منصرفاً من الجمعة، فاجتزنا بسور دار إسحاق بن إبراهيم، وله فيءٌ، فجعلت أزحم بشراً إلى الفيء وهو يمشي في الشمس، فقلت: لأسألنه، أيش الورع أن يمشي إنسانٌ في الشمس فيضر بنفسه، فقلت: يا أبا نصر أنا أضطرك إلى الفيء وأنت تمشي في الشمس!؟ فقال مجيباً لي: هذا فيء سوء. كان بشر لا ينام الليل، تراه بالنهار كأنه مهوس. فقيل له في ذلك، فقال: أكره أن يأتيني أمر الله وأنا نائم.

قال أبو علي الدقاق: مر بشرٌ ببعض الناس، فقالوا: هذا الرجل لا ينام الليل كله، ولا يفطر إلا في كل ثلاثة أيامٍ مرة. فبكى بشر، فقيل له في ذلك فقال: لا أذكر أني سهرت ليلةً كاملة، ولا أني صمت يوماً ثم لم أفطر من ليلته، ولكن الله سبحانه يلقي في القلوب أكثر مما يفعله العبد، لطفاً منه سبحانه وكرماً. ثم ذكر ابتداء أمره كيف كان، كما ذكرناه. قالت زبدة أخت بشر: دخل علي بشرٌ ليلةً من الليالي، فوضع إحدى رجليه داخل الدار، والأخرى خارجها وبقي كذلك يتفكر حتى أصبح، فلما أصبح وتهيأ للطهارة سألته وقلت: أقسمت عليك فبماذا تفكرت طول ليلتك؟ قال: تفكرت في بشر النصراني، وبشر اليهودي، وبشر المجوسي، ونفسي واسمي بشر؛ فقلت: ما الذي سبق منك إليه حتى خصك؟ فتفكرت في تفضله علي، ومنته علي في أن جعلني من خاصته، وألبسني لباس أحبائه. وقيل لبشر: لما لا تصلي في الصف الأول؟ فقال: أنا أعلم أيش يريد، يريد قرب القلوب لا قرب الأجسام. قال بشر بن الحارث: أشتهي منذ أربعين، أن أضع يداً على يد في الصلاة ما يمنعني من ذلك إلا أن أكون قد أظهرت من الخشوع ما ليس في قلبي مثله. قال أيوب العطار: انصرفت مع بشر بن الحارث يوم الجمعة من مسجد الجامع، فمررنا في درب أبي الليث، وإذا صبيانٌ يلعبون بالجوز، فلما رأوا بشر بن الحارث قالوا: بشر بشر، واستلبوا الجوز ومروا يحضرون، فوقف بشرٌ ثم قال لي: أي قلبٍ يقوى على هذا!؟ إن هذا لدربٌ لا مررت فيه حتى ألقى الله عز وجل.

قال محمد بن قدامة: لقي بشراً الحافي رجلٌ سكران، فجعل يقبله ويقول: يا سيدي يا أبا نصر، ولا يدفعه بشرٌ عن نفسه، فلما ولى تغرغرت عينا بشرٍ وقال: رجلٌ أحب رجلاً على خيرٍ توهمه، لعل المحب قد نجا والمحبوب لا يدري ما حاله. وكان بشر يقول: إذا أحب الله عز وجل أن يتحف العبد، سلط عليه من يؤذيه. وكان يقول: لا خير فيمن لا يؤذى. وكان يقول: الصبر الجميل الذي لا يشكو فيه إلى الناس. وكان يقول: من لم يحتمل الغم والأذى لم يدخل فيما يحب. قال عبيد الله الوراق: خرجت يوم جمعةٍ مع بشر بن الحارث إذ دخل المسجد وعليه فروٌ مقطع فرده العون، فذهبت لأكلمه، فمنعني، فجاء فجلس عند قبة الشعراء فقلت له: يا أبا نصر لمَ لم تدعني أكلمه؟ قال: اسكت، سمعت المعافى بن عمران يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: لا يذوق العبد حلاوة الإيمان، حتى يأتيه البلاء من كل مكان. قال محمد بن المثنى: انصرفت مع بشر بن الحارث في يوم أضحى من المصلى، فلقي خالد بن خداش المحدث، فسلم عليه، فقصر بشرٌ في السلام، فقال خالد: بيني وبينك مودة من أكثر من ستين سنة، ما تغيرت عليك، فما هذا التغير؟ فقال بشر: ما هاهنا تغيرٌ ولا تقصير، ولكن هذا يومٌ يستحب فيه الهدايا، وما عندي من عرض الدنيا شيءٌ أهدي لك، وقد روي في الحديث: أن المسلمين إذا التقيا كان أكثرهما ثواباً أبشهما بصاحبه. فتركتك لتكون أفضل ثواباً. كان ببغداد رجلٌ من التجار، وكان كثيراً ما يقع في الصوفية، قال: فرئي

بعد ذلك وقد صحبهم وأنفق عليهم جميع ما ملك. فقيل له: أليس كنت تبغضهم؟! فقال: ليس الأمر على ما توهمت، وإني صليت الجمعة يوماً وخرجت، فرأيت بشر بن الحارث خرج من المسجد مسرعاً، فقلت في نفسي: انظر إلى هذا الرجل الموصوف بالزهد، ليس يستقر في المسجد! قال: فتركت حاجتي فقلت: أنظر إلى أين يذهب؟ قال: فتبعته، فرأيته تقدم إلى الخباز واشترى بدرهمٍ خبز الماء. قال: فقلت: انظر إلى الرجل يشتهي خبز الماء! ثم تقدم إلى الشواء فأعطاه درهماً وأخذ الشواء. قال: فزادني عليه غيظاً! ثم تقدم إلى الحلاوي فاشترى فالوذجاً بدرهم. فقلت في نفسي: والله لأنغصن عليه حين يجلس ويأكل؛ ثم خرج إلى الصحراء، وأنا أقول: يريد الخضرة والماء. قال: فما زال يمشي إلى العصر وأنا خلفه، قالب: فدخل قرية، وفي القرية مسجد، وفيه رجلٌ مريض، قال: فجلس عند رأسه، وجعل يلقمه، قال: فقمت لأنظر إلى القرية، فبقيت ساعةً ثم رجعت فقلت للعليل: أين بشر؟ قال: ذهب إلى بغداد، قال: فقلت: وكم بيني وبين بغداد؟ فقال: أربعون فرسخاً، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أيش عملت بنفسي! وليس معي ما أكتري ولا أقدر على المشي، قال: اجلس حتى يرجع، قال: فجلست إلى الجمعة القابلة؛ قال: فجاء بشر في ذلك الوقت ومعه شيءٌ يأكل المريض، فلما فرغ قال له: يا أبا نصر هذا رجلٌ صحبك من بغداد وبقي عندي منذ الجمعة، فرده إلى موضعه. قال: فنظر إلى كالمغضب وقال: لم صحبتني؟ قال: فقلت: أخطأت. قال: قم فامش. قال: فمشيت إلى قرب المغرب. قال: فلما قربنا قال لي: أين محلتك من بغداد؟ قلت: في موضع كذا، قال: اذهب ولا تعد. قال: فتبت إلى الله وصحبتهم وأنا على ذلك. وكان بشر يقول: من أحب العز في الدنيا والشرف في الآخرة، فليكن فيه ثلاث خصال: لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يذكر أحداً بسوء، ولا يجيب أحداً إلى طعامه. وكان بشرٌ يقول: لو لم يكن في القنوع إلا التمتع بالعز كفى صاحبه.

قال رجلٌ لبشر بن الحارث: يا أبا نصر، لا أدري بأي شيء آكل خبزي؟ قال: إذا أردت أن تأكل خبزك فاذكر العافية فاجعلها أدمك. قال بشر: كلما اشتهى رجلٌ لقاء رجل ذهب إليه. هذه فتنة، ولذةٌ يتلذذون بلقاء بعضهم بعضاً. ينبغي للإنسان أن يقبل على نفسه وعلى القرآن. وقال بشر: إذا عرفت في موضعٍ فاهرب منه، وإذا رأيت الرجل إذا اجتمعوا إليه في موضعٍ لزمه، واشتهى ذلك فهو يحب الشهرة. قال محمد بن نعيم بن الهيصم: دخلت على بشر في علته فقلت: عظني، فقال: إن في هذه الدار نملةً تجمع الحب في الصيف لتأكله في الشتاء؛ فلما كان يومٌ أخذت حبةً في فمها، فجاء عصفورٌ فأخذها والحبة؛ فلا ما جمعت أكلت، ولا ما أملت نالت. قلت له: زدني، قال: ما تقول في من القبر مسكنه، والصراط جوازه، والقيامة موقفه، والله مسائله، فلا يعلم إلى جنةٍ يصير فيهنى، أو إلى نارٍ فيعزى، فوا طول حزناه! وواعظم مصيبتاه! زاد البكاء فلا عزاء، واشتد الخوف فلا أمن. قال: وقال لي بشرٌ مراراً كثيرة: انظر خبزك من أين هو؟ وانظر إلى مسكنك الذي تتقلب فيه كيف هو؟ وأقل من معرفة الناس، ولا تحب أن تحمد، ولا تحب الثناء. كان بشر يقول: لا تكاد تضع يدك إلا على مراءٍ؛ إما مراءٍ بدين، وإما مراءٍ بدنيا، وهما جميعاً شر شيء، فانظر أشد الناس توقياً، وأعفهم وأطيبهم مكسباً فجالسه، ولا تجالس من لا يعينك على آخرتك. وقف بشر على أصحاب الفاكهة، فجعل ينظر إليها، فقيل له: يا أبا نصر لعلك تشتهي من هذا شيئاً؟ قال: لا ولكن نظرت في هذا إذا كان يطعم هذا من يعصيه، فكيف من يطيعه!.

قال بشر الحافي لرجل: احذر أن تمر في حاجتك، فيأخذك وأنت لا تدري. كان بشر الحافي يقول: أما تستحي أن تطلب الدنيا ممن يطلب الدنيا، اطلبها ممن بيديه الدنيا. قال الحسن الحناط: كنت عند بشر الحافي، فجاءه نفر فسلموا عليه فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن من الشام جئنا نسلم عليك ونريد الحج، فقال: شكر الله لكم. فقالوا: تخرج معنا؟ فقال: بثلاث شرائط: لا نحمل معنا شيئاً؛ ولا نسأل أحداً شيئاً؛ وإن أعطانا أحدٌ لا نقبل. قالوا: أما أن لا نحمل فنعم؛ وأما أن لا نسأل فنعم؛ وأما أن لا نقبل إن أعطينا؛ فهذا لا نستطيع. فقال: خرجتم متوكلين على زاد الحجيج! ثم قال: يا حسن! الفقراء ثلاثة: فقيرٌ لا يسأل، وإن أعطي لا يأخذ، فذلك من جملة الروحانيين. وفقيرٌ لا يسأل، وإن أعطي قبل، فذلك ممن يوضع له موائد في حظائر القدس. وفقير يسأل، وإن أعطي قبل قدر الكفاية، فكفارته صدقه. وكان بشر يقول: الحلال لا يحتمل السرف. وكان يقول: الأخذ من الناس مذلة. وكان يقول: ليس هذا زمان اتخاذ الإخوان، إنما هو زمان خمول، ولزوم البيوت. وكان يقول: لا يجد من يحب الدنيا حلاوة العبادة. وكان يقول: يأتي على الناس زمانٌ لا تقر فيه عين حكيم. ويأتي على الناس زمانٌ تكون الدولة فيه للحمقى على الأكياس. وقيل لبشر: بالله يا أبا نصر، أيهما أحلى الدنانير أو الدراهم؟ قال: الطاعة والله أحلى منهما جميعاً. قال يحيى بن المختار: سمعت بشراً يقول: ما ظنكم بقومٍ وقفوا بين يدي الله عز وجل مقدار خمسين ألف عام لم يأكلوا ولم

يشربوا حتى قحلت أجوافهم من الجوع وانقطعت أكبادهم من العطش، واندقت أعناقهم من التطاول، ورجوا الفرج، أمر بهم إلى النار!. وقال بشر: سكون النفس إلى قبول المدح أشد عليها من المعاصي. وكان بشر يقول: العداوة في القرابة، والحسد في الجيران، والمنفعة في الإخوان. وقيل لبشر: العبادة لا تصلح إلا بالصيام، فقال: قد يصوم البر والفاجر، فإن كنت صائماً فاجتنب كثرة الكلام والغيبة، وأطب مطعمك لعله أن يسلم لك صومك، وإلا فاستخر الله وكل. نظر بشر الحافي إلى حدثٍ جميل فقال: إن الذي قدر على زينتك، قادر على صرف القلوب عنك. قال أحمد بن الفتح: قال لي بشر: يا أحمد، إن قوماً غرهم ستر الله عز وجل، وفتنهم حسن ثناء الناس عليهم، فلا يغلبنّ جهل غيرك بك على علمك بنفسك أعاذنا الله عز وجل وإياك من الاغترار بالستر، والاتكال على حسن الذكر. كان بشر يقول: النظر إلى الأحمق سخنة عين، والنظر إلى البخيل يقسي القلب. وكان يقول: صاحب زيغ سخي أخف على قلبي من عابدٍ بخيل. وكان يقول: بقاء البخلاء كربٌ على قلوب المؤمنين. وكان يقول: البخيل لا غيبة له، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنك

لبخيل ". ومدحت امرأةٌ عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: صوامةٌ قوامة إلا أن فيها بخلاً. قال: " فما خيرها إذاً ". قال بشر: أي ليس فيها خير. قال العباس بن يوسف: أنشدني بشر بن الحارث: " من السريع " برمت بالناس وأخلاقهم ... فصرت أستأنس بالوحده هذا لعمري فعل أهل التقى ... وفعل من يطلب ما عنده قد عرف الله فذاك الذي ... آنسه الله به وحده وكان بشرٌ يقول: حسبك أن أقواماً موتى تحيا القلوب بذكرهم، وأن أقواماً أحياء تقسو القلوب برؤيتهم. وكان يقول: ليس شيءٌ من أعمال البر أحب إلي من السخاء، ولا أبغض إلي من الضيق وسوء الخلق. وأنشد بشر: " من السريع " أقسم بالله لرضخ النوى ... وشرب ماء القلب المالحه أعز للإنسان من فقره ... ومن سؤال الأوجه الكالحه فاستشعر اليأس تكن ذا غنى ... وترجعن بالصفقة الرابحه فاليأس عزٌ والتقى سؤددٌ ... وشهوة النفس لها فاضحه من كانت الدنيا به برةً ... فإنها يوماً له ذابحه وأنشد بشر في القناعة: " من الوافر " أفادتني القناعة أي عزٍ ... ولا عزاً أعز من القناعه

فخذ منها لنف مالٍ ... وصير بعدها التقوى بضاعه تحز حالين: تغنى عن بخيلٍ ... وتسعد في الجنان بصبر ساعه قال أبو عاصم المتطبب: سمعت بشر بن الحارث يتمثل بهذين البيتين - وهما لمحمود الوراق - فعجبنا منه كيف بلغه هذان البيتان: " من مجزوء الرمل " مكرم الدنيا مهانٌ ... مستذلٌ في القيامه والذي هانت عليه ... فله ثم كرامه قال أبو عبد الرحمن الزاهد رفيق بشر بن الحارث: رأى صاحبٌ لنا رب العزة في النوم قبل موت بشرٍ بقليل فقال: " قل لبشر بن الحارث: لو سجدت لي على الجمر ما كنت تكافئني بما نوهت اسمك في الناس ". قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: مات بشر سنة سبع وعشرين ومائتين قبل المعتصم بستة أيام، وقد بلغ من السن خمساً وسبعين سنة، وحشر الناس بجنازته، ورئي أبو نصر التمار، وعلي بن المديني في جنازته، وهما يصيحان: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة. وذلك أن بشراً خرجت جنازته بعد صلاة الصبح، وكان نهاراً صيفاً، والنهار فيه طول، ولم يستقر في القبر إلى العتمة. وقال أبو حفص ابن أخت بشر: كنت أسمع الجن تنوح على خالي في البيت الذي كان فيه غير مرة، سمعت الجن تنوح عليه. وقال خشنام ابن أخت بشر: رأيت خالي بشراً في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وجعل يذكر ما فعل الله من الكرامة. فقلت له: قال لك شيئاً؟ فقال: نعم فقلت له:

ما قال لك؟ قال: قال لي: " يا بشر ما استحييت مني، تخاف ذلك الخوف على نفسٍ هي لي!. قال الحسين بن إسماعيل المحاملي رأيت القاساني في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فأوحى إلي أنه نجا بعد مدة. قلت: فما تقول في أحمد بن حنبل؟ قال: غفر الله له. قلت: فبشر الحافي؟ قال ذاك تحيه الكرامة من الله في كل يوم مرتين. قال عاصم: رأيت في المنام كأني قد دخلت درب هشام، فلقيني بشر بن الحارث، فقلت: من أين يا أبا نصر؟ قال: من عليين، قلت: ما فعل أحمد بن حنبل؟ قال: تركت الساعة أحمد بن حنبل وعبد الوهاب الوراق بين يدي الله عز وجل، يأكلان ويشربان ويتنعمان. قلت: فأنت؟ قال: علم الله عز وجل قلت رغبتي في الطعام، فأباحني النظر إليه. قال أحمد بن الفتح: رأيت أبا نصر بشر بن الحارث في منامي وهو قاعدٌ في بستان، وبين يديه مائدة وهو يأكل منها، فقلت له: يا أبا نصر ما فعل الله بك؟ قال: رحمني وغفر لي، وأباحني الجنة بأسرها وقال لي: " كل من جميع ثمارها واشرب من أنهارها، وتمتع بجميع ما فيها كما كنت تحرم نفسك الشهوات في دار الدنيا ". فقلت له: زادك يا أبا نصر، فأين أخوك أحمد بن حنبل؟ فقال: هو قائمٌ على باب الجنة، يشفع لأهل السنة ممن يقول القرآن كلام الله غير مخلوق، فقلت: ما فعل معروف الكرخي؟ فحرك رأسه ثم قال لي: هيهات هيهات، حالت بيننا وبينه الحجب، إن معروفاً لم يعبد الله شوقاً إلى جنته، ولا خوفاً من ناره، وإنما عبده شوقاً إليه، فرفعه الله إلى الرقيع الأعلى، ورفع الحجب بينه وبينه ذلك الترياق المقدسي المجرب. فمن كانت له إلى الله حاجة، فليأت وليدع، فإنه يستجاب له إن شاء الله.

قال الحسين بن مروان: رأيت بشراً في النوم فقلت: يا أبا نصر، ما فعل الله بك؟ فقال: غفر الله لي، وغفر لمن تبع جنازتي، قال: فقلت: ففيم العمل؟ فأخرج كسرةً ثم قال: انظر في هذه الكسرة. وقال القاسم بن منبه: رأيت بشراً في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وقال لي: " يا بشر قد غفرت لك ولكل من تبع جنازتك "، فقلت: يا رب ولكل من أحبني؟ فقال: " ولكل من أحبك إلى يوم القيامة ". قال إسحاق بن محمد: لما مات بشر بن الحارث رآه بعض العلماء واقفاً بين يدي الله عز وجل، فق الله: " يا بشر قد غفرت لك ولجميع من حضر جنازتك، ولسبعين ألفاً ممن سمعوا بموتك ". قال أبو العباس القرشي: أتيت أبا نصر التمار بعد موت بشر بن الحارث بأيامٍ نعزيه، فقال لنا أبو نصر: رأيته البارحة في النوم في أحسن هيئة، فقلت له: ما صنع بك ربك؟ قال: قد استحييت من ربي من كثرة ما أعطاني من الخير، وكان فيما أعطاني أن غفر لمن تبع جنازتي. قال أحمد بن الدورقي: مات جارٌ لي، فرأيته في الليل وعليه حلتان قد كسي، فقلت: أيش قصتك ما هذا؟ قال: دفن في مقبرتنا بشر بن الحارث، فكسي أهل المقبرة حلتين حلتين. قال مؤذن بشر بن الحارث: رأيت بشراً في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: ما فعل بأحمد بن حنبل؟ فقال: غفر له، فقلت: ما فعل بأبي نصر التمار؟ قال: هيهات، ذلك في عليين، فقلت: فبماذا نال ما لم تنالاه؟ فقال: بفقرة وصبره على بنياته. قال محمد بن خزيمة: لما مات أحمد بن حنبل اغتممت غماً شديداً، فبت في ليلتي، رأيته في المنام وهو

بشر بن أبي حفص

يتبختر في مشيته، فقلت: يا أبا عبد الله، أي مشيةٍ هذه؟ فقال: مشية الخدام في دار السلام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وتوجني، وألبسني نعلين من ذهب، فقال: " يا أحمد، هذا بقولك: إن القرآن كلامي "، ثم قال لي: " يا أحمد، ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن الثوري، كنت تدعو بها في دار الدنيا "، فقلت: يا رب كل شيء، فقيل: هيه، فقلت: بقدرتك على كل شيء، فقال لي: " صدقت "، فقلت: لا تسألني عن شيء، واغفر لي كل شيء قال: " قد فعلت ". ثم قال: " يا أحمد هذه الجنة قم فادخل إليها ". فدخلت فإذا بسفيان الثوري وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة ويقول: " الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين " فقلت له: ما فعل عبد الوهاب الوراق؟ قال: تركته في بحرٍ من نور، في زلالٍ من نور يزار به إلى الملك الغفور، قال: قلت له: فما فعل بشر؟ - يعني ابن الحارث - فقال لي: بخٍ بخٍ! ومن مثل بشر! تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائدة من الطعام، والجليل مقبلٌ عليه وهو يقول: " كل يا من لم تأكل، واشرب يا من لم تشرب، وانعم يا من لم تتنعم في دار الدنيا ". قال: فأصبحت، فتصدقت بعشرة آلاف درهم. بشر بن أبي حفص ويقال: ابن أبي جعفر الكندي الدمشقي. حدث عن مكحول أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لبلال: " ألا لا تغادر صيام الاثنين، فإني ولدت يوم الاثنين، وأوحي إلي يوم الاثنين، وهاجرت يوم الاثنين، وأموت يوم الاثنين ".

بشر بن حميد بن أبي مريم

بشر بن حميد بن أبي مريم المزني المدني قال بشر بن حميد: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول بخلافته بخناصرة: سمعت بالمدينة والناس يومئذٍ كثير، من مشيخة المهاجرين والأنصار أن حوائط النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني السبعة التي وقف - من أموال مخيريق، وقال: إن أصبت فأموالي لمحمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضعها حيث أراه الله. وقتل يوم أحد، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مخيريق خير يهود ". ثم دعا لنا عمر بتمرٍ منها، فأتي بتمرٍ في طبق فقال: كتب إلي أبو بكر بن حزم يخبرني أن هذا التمر من العذق الذي كان على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل منها. قال: قلت: يا أمير المؤمنين فاقسمه بيننا، قال: فقسمه فأصاب كل رجلٍ منا تسع تمرات. قال عمر بن عبد العزيز: قد دخلتها إذ كنت والياً بالمدينة، وأكلت من هذه النخلة ولم أر مثلها من التمر أطيب ولا أعذب. بشر بن حيان الخشني البلاطي قال بشر: أقبل واثلة بن الأسقع يسير حتى وقف علينا ونحن نبني مسجدنا - يعني مسجد بيت البلاط - فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من بنى لله مسجداً بنى الله له في الجنة أفضل منه ".

بشر بن عبد الله بن يسار

بشر بن عبد الله بن يسار السلمي الحمصي حدث بشر عن عبادة بن نسي بسنده عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشغل، فإذا قدم الرجل مهاجراً على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دفعه إلى رجلٍ منا يعلمه القرآن، فدفع إلي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلاً كان معي في البيت أعشيه عشاء أهل البيت، وكنت أقرئه القرآن؛ فانصرف إلى أهله، فرأى أن عليه حقاً، فأهدى إلي قوساً لم أر أجود منها عوداً، ولا أحسن منها عطفاً، فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: ما ترى يا رسول الله؟ فقال: " جمرةٌ بين كتفيك تعلقتها "، أو قال: " تقلدتها ". حدث بشر بن عبد الله عن مكحول قال: قام فينا عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " مهلّ أهل المدينة من ذا الحليفة، ومهل أهل المغرب من الجحفة، ومهل أهل نجدٍ من قرن ". قال عبد الله: وقال الناس: مهل أهل اليمن من يلملم، ولم أسمعه من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بشر بن عبيد الله بن صالح أبو عبد الله القرشي الزمعي الدمشقي. حدث عن داود بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من قال حين يصبح: اللهم إنا أصبحنا نشهدك ونشهد ملائكتك، وحملة عرشك، أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، غفر الله له ما أصاب في يومه ذاك من ذنب؛ وإن هو قالها حين يمسي غفر الله له ما أصاب في ليلته تلك من ذنب ".

بشر ويقال بشير بن عبد الوهاب

بشر ويقال بشير بن عبد الوهاب ابن بشير، أبو الحسن الأموي، مولى بشير بن مروان، من أهل دمشق، زاهد. حدث عن الوليد بن مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات شرف وهو حين ينتهبها مؤمن ". حدث علي بن الحسين بن إسماعيل بن صبيح البزاز قال: سمعت بشر بن عبد الوهاب، وكان صاحب خير وفضل، وكان ينزل دمشق وذكر أنه قدر الكوفة فكانت ستة عشر ميلاً وثلثي الميل، وذكر أن فيها خمسين ألف دار للعرب من ربيعة ومضر، وأربعة وعشرين ألف دارٍ لسائر العرب، وستة وثلاثين ألف دارٍ لليمن، قال: أخبرني بذلك سنة أربعٍ وستين ومئتين. مات بشر بدمشق يوم السبت لليلتين خلتا من رجب سنة أربع وخمسين ومئتين. بشر بن أبي عمرو بن العلاء ابن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جلهم بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تيم بنمر بن أد المازني. قدم دمشق مع أبيه حين قدمها. حدث عن أبيه عن الذيال بن حرملة قال: سمعت صعصعة بن صوحان يقول: لما عقد علي بن أبي طالب الألوية أخرج لواء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم ير ذلك اللواء منذ قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعقده ودعا قيس بن سعد بن عبادة، فدفعه إليه، فاجتمعت الأنصار وأهل بدر، فلما نظروا إلى لواء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكوا، فأنشأ قيس بن سعد بن عبادة يقول: " من البسيط " هذا اللواء الذي كان نحف به ... دون النبي وجبريل له مدد ما ضر من كانت الأنصار عيبته ... أن لا يكون له من غيرهم عضد

بشر بن عون أبو عون القرشي

وبسنده عنه أيضاً قال: جاء أعرابيٌّ إلى علي بن أبي طالب فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، كيف نقرأ هذا الحرف: لا يأكله إلا الخاطون؟ كلٌّ والله يخطو؟ قال: فتبسم عليٌّ وقال: يا أعرابي " لا يأكله إلا الخاطئون " قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ما كان الله ليسلم عبده. ثم التفت عليٌّ إلى أبي الأسود فقال: إن الأعاجم قد دخلت في الدين كافة، فضع للناس شيئاً يستدلون به على صلاح ألسنتهم. فرسم لها الرفع والنصب والخفض. بشر بن عون أبو عون القرشي الجوبري الدمشقي، من باب الجابية، وقيل: من قرية تدعى جوبر. حدث عن بكار بن تميم، عن مكحول، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " القتال قتالان: قتال المشركين حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون؛ وقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله؛ فإذا فاءت أعطيت العدل ". وحدث عن بكار، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع الليثي، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " مثل الجمعة مثل قومٍ غشوا ملكاً، فنحر لهم الجزور، ثم جاء قومٌ فذبح لهم البقر، ثم جاء قومٌ فذبح لهم الغنم، ثم جاء قومٌ فذبح لهم النعام، ثم جاء قومٌ فذبح لهم الوز، ثم جاء قومٌ فذبح لهم الدجاج، ثم جاء قومٌ فذبح لهم العصافير ".

بشر بن العلاء بن زبر

بشر بن العلاء بن زبر أخو عبد الله وبشر هو الأكبر منهما. قال بشر: سمعت حزام بن حكيم يحدث عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله، ذهب بالأجور أصحاب الدثور؛ نصلي ويصلون، ونصوم ويصومون، ولهم فضول أموالٍ يتصدقون بها وليس لنا ما نتصدق، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا أبا ذر! ألا أعلمك كلماتٍ تقولهن تلحق من سبقك ولا يدركك إلا من أخذ بعلمك؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: " تكبر دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتسبح ثلاثاً وثلاثين - يعني - وتحمد ثلاثاً وثلاثين، وتختم بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير ". فأخبر الآخرون بذلك، فأتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: يا رسول الله إنهم قد قالوا مثل ما قلنا! فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وعلى كل نفسٍ في كل يومٍ صدقة، فضل بصرك للمنقوص بصره صدقة، وفضل سمعك للمنقوص سمعه صدقة، وفضل شدة ذراعيك للضعيف لك صدقة، وفضل شدة ساقيك للملهوف صدقة، وإرشادك الضال صدقة، وإرشادك سائلاً أين فلانٌ فأرشدته لك صدقة، ورفعك العظام والحجر عن طريق المسلمين لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر لك صدقة، ومباضعتك أهلك صدقة ". بشر بن قيس التغلبي والد قيس بن بشر، من أهل قنسرين، جالس أبا الدرداء بدمشق، فسمع منه ومن معاوية بن أبي سفيان وغيرهم. حدث بشر بن قيس قال: كان بدمشق رجلٌ يقال له ابن الحنظلية، متوحداً لا يكاد يكلم أحداً، إنما هو في

بشر بن مروان بن الحكم

صلاة، فإذا فرغ يسبح ويكبر ويهلل حتى يرجع إلى أهله. قال: فمر علينا ذات يوم ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة منك تنفعنا ولا تضرك؟ قال: بعثنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سرية، فلما قدمنا جلس رجلٌ منهم في مجلسٍ فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: يا فلان لو رأيت فلاناً طعن ثم قال: خذها وأنا الغلام الغفاري، فما ترى؟ قال: ما أراه إلا قد حبط أجره. قال: فتكلموا في ذلك حتى سمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصواتهم فقال: " بل يحمد ويؤجر ". قال: فسر بذلك أبو الدرداء حتى هم أن يجثو على ركبتيه، فقال: أنت سمعته مراراً؟ قال: نعم، قال: ثم مر علينا يوماً آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك؟ قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " نعم الرجل خريم الأسدي، لو قص شعره وشمر إزاره ". فبلغ ذلك خريماً، فعجل فأخذ شفرةً فقص من جمته ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه. قال: فدخلت على معاوية، فرأيت رجلاً معه على السرير، شعره فوق أذنيه، مؤتزراً إلى أنصاف ساقيه. قلت: من هذا؟ قالوا: خريم الأسدي. قال: ثم مر علينا يوماً آخر فقال أبو الدرداء: كلمة منك تنفعنا ولا تضرك؟ قال: نعم، كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لنا: " إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم ولباسكم، حتى تكونوا في الناس كأنكم شامة؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ". بشر بن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو مراون الأموي القرشي، أخو عبد الملك وعبد العزيز ومحمد. ولاه أخوه عبد الملك المصرين: الكوفة والبصرة. وكان كريماً ممدحاً. وداره بدمشق بعقبة الصوف، وإليه ينسب دير بشر الذي عند حجيرا. وأمه قطية بنت بشر بن عامر ملاعب الأسنة أبي براء بن مالك بن جعفر بن كلاب. وقطية بضم القاف وفتح الطاء وتشديد الياء باثنتين من تحتها.

قال الأصمعي: أنشدت يونس بن حبيب يوماً: " من البسيط " إن الرياح لتمسي وهي فاترةٌ ... وجود كفك قد يمسي وما فترا فقال لي يونس: من يقول هذا؟ قلت: الفرزدق، قال: ويك! فيمن؟ قلت: في بشر بن مروان، فقال: قد كان - والله - الفرزدق من مداحي العرب. كان بشر بن مروان بن الحكم إذا ضرب البعث على أحدٍ من جنده، ثم وجده قد أخل بمركزه، أقامه على كرسي، ثم سمر يديه في الحائط، ثم انتزع الكرسي من تحت رجليه، فلا يزال يتشحط حتى يموت. وإنه ضرب البعث على رجلٍ حديث عهدٍ بعرس ابنة عمه، فلما صار في مركزه كتب إلى ابنة عمه كتاباً ثم كتب في أسفله: " من البسيط " لولا مخافة بشرٍ أو عقوبته ... وأن يرى حاسدٌ كفي بمسمار إذاً لعطلت ثغري ثم زرتكم ... إن المحب إذا ما اشتاق زوار فورد الكتاب على ابنة عمه، فأجابته وكتبت في أسفله: ليس المحب الذي يخشى العقاب ولو ... كانت عقوبته في فجوة النار بل المحب الذي لا شيء يفزعه ... أو يستقر ومن يهواه في الدار فلما قرأ كتابها قال: لا خير في الحياة بعدها، فأقبل حتى دخل المدينة، فأتى بشر بن مروان في وقت غذائه، فلما فرغ من غذائه أدخل عليه، فقال: ما الذي دعاك إلى تعطيل ثغرك، أما سمعت نداءنا وإيعادنا!؟ فقال له: اسمع عذري، فإما عفوت وإما عاقبت، قال: ويلك وهل لمثلك من عذر! فقص عليه قصته وقصة ابنة عمه، فقال: أولى لك، ثم قال: يا غلام حط اسمه من البعث، وأعطه عشرة آلاف درهم. الحق بابنة عمك.

وعن حصين قال: كنت مع عمارة صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يوم عيد مع بشر بن مروان، قال: فرفع يديه بالدعاء، قال: فقال عمارة: قبح الله هاتين اليدين القصيرتين، لقد رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما يزيد أن يشير بإصبعه. قال حصين: أول من أذن له في العيد بشر بن مروان. ولما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير، ودخل الكوفة، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني قد استعملت عليكم رجلاً من أهل بيتٍ لم يزل الله عز وجل يحسن إليهم في ولايتهم، أمرته بالشدة والغلظة على أهل المعصية، وباللين على أهل الطاعة، فاسمعوا وأطيعوا، وهو بشر بن مروان، وخلفت معه أربعة آلاف من أهل الشام، منهم روح بن زنباع الجذامي، ورجاء بن حيوة الكندي. وكان بشر يشرب باليل وينادم قوماً من أهل الكوفة، فقال لندمائه ليلةً: إن هذا الجذامي يمنعني من أشياء أريد أن أعطيكموها. فقال له رجل مولىً لبني تميم: أنا أكفيكه. فكتب على باب القصر ليلاً: " من البسيط " إن ابن مروان قد حانت منيته ... فاحتل لنفسك يا روح بن زنباع إن الدنانير لا تغني مكانكم ... إذا نعاك لأهل الرملة الناعي فلما أصبحوا قرأ ذلك الناس، فبلغ ذلك روحاً؛ فجاء إلى بشر فقال: ائذن لي فإن أهل العراق أصحاب توثب، فجعل بشر يتمنع عليه وهو يشتهي أن يخرج، فأذن له. فلما قدم على عبد الملك جعل يخبره عن أهل العراق فيقول له عبد الملك: هذا من جبنك يا أبا زرعة، فاستخلف عبد الملك على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن العيص بن أمية، ثم عزله وولى بشر بن مروان البصرة مع الكوفة؛ فأتاه الكتاب بولاية البصرة وهو يشرب الدواء الكبير، فقال له الأطباء: إن هذا دواء نريد أن تودع نفسك بعده،

فلا تخرج، فأبى، فلما دنا من البصرة تلقاه فيمن لقيه الحكم بن الجارود، فقال له: مرحباً وجعله عن يمينه، ثم لقيه الهزيل بن عمران البرجمي فرحب به وجعله عن يساره؛ ثم لقيه المهلب، فلما رآه يسير بينهما فقال: هذان شاهدان، وأميرنا صاحب شراب. فلم يلبث بالبصرة إلا أشهراً حتى مات. فضره ذلك الدواء. ولما ولى عبد الملك بن مروان أخاه بشر بن مروان العراقين كتب إليه بشر حين وصل: أما بعد، يا أمير المؤمنين فإنك قد أشغلت إحدى يدي وهي اليسرى، وبقيت اليمنى فارغةً لا شيء فيها. قال: فكتب إليه: فإن أمير المؤمنين قد شغل يمينك بمكة والمدينة والحجاز واليمن. قال: فما بلغه الكتاب حتى وقعت القرحة في يمينه. فقيل له: تقطعها من مفصل الكف، فجزع، فما أمسى حتى بلغت المرفق، فأصبح وقد بلغت الكتف، وأمسى وقد خالطت الجوف. فكتب إليه: أما بعد يا أمير المؤمنين، فإني كتبت إليك وأنا في أول يومٍ من أيام الآخرة، وآخر يومٍ من أيام الدنيا، وقال: " من الطويل " شكوت إلى الله الذي قد أصابني ... من الضر لما لم أجد لي مداويا فؤادٌ ضعيفٌ مستكينٌ لما به ... وعظمٌ بدا خلواً من اللحم عاريا فإن مت يا خير البرية فالتمس ... أخاً لك يغني عنك مثل غنائيا يواسيك في السراء والضر جهده ... إذا لم تجد عند البلاء مواسيا قال: فجزع عليه، وأمر الشعراء فرثوه. قال الحسن البصري: قدم علينا بشر بن مروان البصرة وهو أبيض بض، أخو خليفةٍ وابن خليفة ووالٍ على العراق، فأتيت داره، فلما نظر إلي الحاجب قال: يا شيخ من أنت؟ قلت: الحسن البصري، قال: فادخل إلى الأمير وإياك أن تطيل الحديث معه، واجعل الكلام الذي يدور بينك وبينه جواباً ولا تمكنه من المجالسة فتثقل عليه. قال: فدخلت، فإذا بشرٌ على سريرٍ عليه فرشٍ قد كاد أن يغوص فيها، وإذا رجلٌ متكئٌ على سيف، قائمٌ على رأسه، فسلمت عليه فقال: من أنت يا شيخ، أعرفك؟ قلت: الحسن البصري الفقيه.

بشر بن وهب أبو مروان السراج

قال: أفقيه هذه المدرة؟ قال: قلت: نعم أيها الأمير. قال: فاجلس، ثم قال لي: ما تقول في زكاة أموالنا، أندفعها إلى السلطان أم إلى الفقراء؟ قال: قلت: أي ذلك فعلت أجزأ عنك، قال: فتبسم ثم رفع رأسه إلى الذي كان على رأسه فقال: لشيءٍ ما يسود من يسود. ثم جعل يديم النظر إلي، فإذا أملت طرفي إليه صرف بصره عني، وإذا أطرقت أبدّ في نظره. قال: ثم قمت فاستأذنت في الانصراف، فقال لي: مصاحباً محفوظاً. قال: ثم عدت بالعشي فإذا هو قد انحدر من سريره إلى صحن مجلسه، وإذا الأطباء حواليه وهو يتململ تململ السليم، فقلت: ما للأمير؟ قالوا: محموم. ثم عدت من غد، وإذا الناعية ينعاه، وإذا الدواب قد جزوا نواصيها، قلت: ما للأمير؟ قالوا: مات. فحمل ودفن في جانب الصحراء. ووقف الفرزدق على قبره فرثاه، فلم يبق أحدٌ كان على القبر إلا خر باكياً. قال: ثم انصرفت فصليت في جانب الصحراء ما قدر لي ثم عدت إلى القبر، وإذا قد أتي بعبدٍ أسود، فدفن إلى جانبه، فوالله ما فصلت بين القبرين حتى قلت: أيهما قبر بشر بن مروان؟! وكانت ولاية بشرٍ للعراق سنة أربع وسبعين. ومات في أول سنة خمسٍ وسبعين. وقيل: مات سنة ثلاث وسبعين. بشر بن وهب أبو مروان السراج حدث عن الهيثم بن عمران، عن أبيه، عن مكحول، قال: إياك وطلبات الحوائج من الناس، فإنه فقرٌ حاضر، وعليك بالإياس، فإنه الغنى؛ ودع من الكلام ما يعتذر منه، وتكلم بما سواه؛ وإذا صليت فصل صلاة مودع. بشر وهو الحتات بن يزيد بن علقمة ابن حوي بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، أبو منازل المجاشعي التميمي.

وفد على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وفد بني تميم مع جماعة من أشرافهم. وآخى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينه وبين معاوية بن أبي سفيان. ووفد على معاوية. قال ابن إسحاق: فقدمت وفود العرب على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي في أشراف من بني تميم، فيهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، والحتات، ونعيم بن زيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصٍ في وفد عظيم من بني تميم، معهم عيينة بن حصن الفزاري، وهم الذين دخلوا المسجد ونادوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من وراء الحجرات: أن اخرج إلينا يا محمد! فآذى لك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من صياحهم فخرج إليهم فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا وقص الحديث كما ذكرناه في ترجمة الأقرع بن حابس أو بمعناه. ونزل فيهم القرآن: " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ". والحتات هو الذي مات عند معاوية، وورثه الفرزدق، وهجا معاوية لأخذه ميراثه، ويجمعهما في النسب سفيان. والحتات هو القائل للفرزدق وأراد الخروج إليه إلى عمان: " من الوافر " كتبت إلي تستهدي الجواري ... لقد أنعظت من بلدٍ بعيد أقد لا تأتنا فعمان أرضٌ ... بها سمكٌ وليس بها ثريد وكان للحتات قدر وذكر في الجاهلية، ثم أسلك ووفد إلى عمر بن الخطاب. وهو الذي أجار الزبير بن العوام لما انصرف عن الجمل. وقتل الزبير في جواره. فجرير يعير مجاشعاً بذلك، فمما قال فيهم: " من الكامل " قال النوائح من قريشٍ غدوةً ... غدر الحتات وجاره والأقرع

وقال أيضاً فيهم: " من الكامل " لو كنت حراً يا بن قين مجاشعٍ ... شيعت ضيفك فرسخين وميلا وبنو مجاشع تنكر أن يكون الحتات أجاره، ويقولون: إنما كان الزبير قصد النعر بن الزمام المجاشعي، فلم يصادفه. ثم قتل من ليلته. وكان الحتات ممن هرب من عليٍّ عليه السلام؛ وهو القائل: " من المتقارب " لعمر أبيك فلا تجزعي ... لقد ذهب الخير إلا قليلا وقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شرٌ طويلا وكان الحتات عم الفرزدق، وفد على معاوية والأحنث بن قيس وجارية بن قدامة السعدي، ففضلهما على الحتات في الجائزة، ولم يعلم بذلك الحتات؛ فلما خرجوا علم به فرجع إليه وقال: فضلت علي محرقاً ومخذلاً؟! يعني بالمحرق لأنه حرق دار الإمارة، والأحنف خذل عن عائشة والزبير - فقال معاوية: إنما اشتريت منهما دينهما ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان بن عفان - وكان عثمانياً - فقال: وأنا فاشتر مني ديني؛ فألحقه بهما. فخرج الحتات، فمات في الطريق، فبعث معاوية فأخذ المال. فوفد الفرزدق على معاوية فقال من أبيات: " من الطويل " أبوك وعمي يا معاوي أورثا ... تراثاً فأولى بالتراث أقاربه فما بال ميراث الحتات أخذته ... وميراث صخرٍ جامدٌ لك ذائبه فلو كان هذا الأمر في جاهليةٍ ... عرفت من المولى القليل حلائبه ولو كان هذا الأمر في عز ملككم ... لأديته أو غص بالماء شاربه فرد عليه معاوية ميراث الحتات. قال: فأنشد هذه الأبيات بعض خلفاء بني أمية

بشير بن أبان بن بشير بن النعمان

فقال: ما فعل معاوية؟ قالوا: رد عليه ماله، فقال: لو كنت مكانه لقلت له: يا مصان وضربت عنقه. بشير بن أبان بن بشير بن النعمان ابن بشير بن سعد الأنصاري. حدث عن أبيه، عن جده، قال: كتب مروان بن الحكم إلى النعمان بن بشير يخطب على ابنه عبد الملك بن مروان أم أبان بنت النعمان، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من مروان بن الحكم إلى النعمان بن بشير، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن الله ذو الجلال والإكرام، والعظمة والسلطان، قد خصكم معاشر الأنصار بنصرة دينه، وإعزاز نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد جعلك الله منهم في البيت العميم والفرع القديم، وقد دعاني ذلك إلى اختيار مصاهرتك وإيثارك على الأكفاء من ولد أبي؛ وقد رأيت أن أزوج ابني عبد الملك بن مروان ابنتك أم أبان بنت النعمان؛ وقد جعلت صداقها ما نطق به لسانك، وترنمت به شفتاك، وبلغه مناك، وحكمت به في بيت المال قبلك. فلما قرأ النعمان كتابه كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم من النعمان بن بشير إلى مروان بن الحكم، بدأت باسمي سنةً من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وذلك لأني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إذا كتب أحدكم إلى أحد فليبدأ بنفسه ". أما بعد فقد وصل إلي كتابك، وفهمت ما ذكرته فيه من محبتنا. أما إن تكن صادقاً فغنماً أصبت، وبحظك أخذت، لأنا أناسٌ جعل الله حبنا إيماناً، وبغضنا نفاقاً. وأما ما أطنبت فيه من ذكر شرفنا وقديم سلفنا، ففي مدح الله لنا وذكره إيانا في كتابه المنزل وقرآنه المفصل على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما أغنانا عن مدح أحدٍ من الناس؛ وأما ما ذكرت من أنك آثرتني بابنك عبد الملك بن مروان على الأكفاء من ولد أبيك فحظي منك مردودٌ عليهم موفرٌ لهم، غير مشاحٍ لهم فيه، ولا منازعٍ لهم عليه، وأما ما ذكرت أنك جعلت صداقها ما نطق به لساني وترنمت به شفتاي وبلغه

بشير بن سعد بن ثعلبة بن خلاس

مناي، وحكمت به في بيت المال قبلي، فقد أصبح بحمد الله - لو أنصفت - حظي في بيت المال أوفر من حظك وسهمي فيه أجزل من سهمك، وأنا القائل: " من الطويل " فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حفدٌ مما يعد كثير ولكنها نفسٌ علي كريمةٌ ... عيوفٌ لأصهار اللئام قذور لنا في بني العنقاء وابني محرقٍ ... مصاهرةٌ يسمى بها ومهور وفي آل عمرانٍ وعمر بن عامرٍ ... عقائل لم يدنس لهن حجور بشير بن سعد بن ثعلبة بن خلاس ابن زيد بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الحارث بن الخزرج، أبو مسعود ويقال: أبو النعمان الأنصاري، والد النعمان بن بشير، له صحبةٌ وروايةٌ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. بشير بفتح الباء وكسر الشين، وخلاس بفتح الخاء وتشديد اللام. حدث بشير بن سعد قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رحم الله عبداً سمع مقالتي فحفظها، فرب حامل فقهٍ غير فقيه، ورب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه. ثلاثٌ لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله عز وجل؛ ومناصحة ولاة الأمر؛ ولزوم جماعة المسلمين ". وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " منزلة المؤمن من المؤمن، منزلة الرأس من الجسد، متى اشتكى الجسد اشتكى له الرأس، ومتى اشتكى الرأس اشتكى له الجسد ".

شهد بشير بن سعدٍ بدراً والعقبة والمشاهد بعدهما؛ وبعثه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سريتين إلى بني مرة، إحداهما بعد الأخرى. وهو الذي كان كسر على سعد بن عبادة الأمر يوم سقيفة بني ساعدة؛ فبايع أبا بكر هو وأسيد بن الحضير أول الناس. واستشهد بعين التمر مع خالد بن الوليد سنة إحدى عشرة بعد انصرافه من اليمامة. وقيل: سنة ثلاث عشرة، وقيل: سنة اثنتي عشرة. وأمه وأم أخيه سماك ابني سعد بن ثعلبة: أنيسة بنت خليفة بن عدي بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك الأغر. وكان بشير يكتب بالعربية في الجاهلية، وكانت الكتابة في العرب قليلاً.

وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشير بن سعد في ثلاثين رجلاً إلى بني مرة بفدك، فخرج فلقي رعاء الشاء، فسأل: أين الناس؟ فقالوا: هم في بواديهم، والناس يومئذٍ شاتون لا يحضرون الماء، فاستاق النعم والشاء منحازاً إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبرهم، فأدركه الدهم منهم عند الليل، فتراموا بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير وأصبحوا؛ وحمل المريون عليهم فأصابوا أصحاب بشير. وولى منهم من ولى، وقاتل بشيرٌ قتالاً شديداً حتى ضرب كعبه. وقيل قد مات. ورجع بنعمهم وشائهم. وكان أول من قدم بخبر السرية ومصابها علبة بن زيد الحارثي، وأمهك بشير بن سعد وهو في القتلى؛ فلما أمسى تحامل حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهوديٍ بفدك أياماً حتى ارتفع من الجراح، ثم رجع عليهم فأصابوا أصحاب بشير. وولى منهم من ولى، وقاتل بشيرٌ قتالاً شديداً حتى ضرب كعبه. وقيل قد مات. ورجع بنعمهم وشائهم. وكان أول من قدم بخبر السرية ومصابها علبة بن زيد الحارثي، وأمهك بشير بن سعد وهو في القتلى؛ فلما أمسى تحامل حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهوديٍ بفدك أياماً حتى ارتفع من الجراح، ثم رجع إلى المدينة، وهيأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزبير بن العوام فقال: " سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير، فإن ظفرك الله بهم فلا تبقي فلهم ". وهيأ معه مائتي رجل، وعقد له اللواء. فقدم غالب بن عبد الله من سريةٍ قد ظفره الله عليهم، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للزبير بن العوام: " اجلس ". وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل. فخرج أسامة بن زيد في السرية حتى انتهى إلى مصاب بشيرٍ وأصحابه، وخرج معهم علبة بن زيد. وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشير بن سعد في سرية فيها ثلاث مائة إلى يمن وجبار من فدك ووادي القرى، وكان بها ناسٌ من غطفان قد تجمعوا مع عيينة بن حصن فلقيهم بشير ففض جمعهم، وظفر بهم وقتل وسبى وغنم، وهرب عيينة وأصحابه في كل وجه. وكانت هذه السرية في شوال سنة سبع. وعن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: أتانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله عز وجل أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى تمنينا أنه لم يسأله، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قولوا: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم، في العالمين إنك حميدٌ مجيد. والسلام كما قد علمتم ". قال يحيى بن سعيد الأنصاري: لما قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عيادة في سقيفة بني ساعدة، فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال بشير بن البراء الأنصاري: منا أمير ومنكم أمير. قال عمر: فأردت أن أتكلم فمنعني أبو بكر، فقلت: لا أعصيه. ثم تكلم أبو بكر، فما ترك شيئاً أردت أن أتكلم به إلا تكلم به وزاد عليه، وذكر حق الأنصار وما

بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة

أعطاهم الله وقال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، والأمر بيننا نصفان كقد الأنملة. فقال بشير بن سعد: والله ما إياكم أيها الرهط يكره، ولا عليكم ننفسها، ولكنا نتخوف أن يليها قومٌ - أو قال: رجال - قد قتلنا آباءهم وأبناءهم. قال يحيى: فزعموا أن عمر بن الخطاب قال: إذا كان ذلك فاستطعت أن تموت فمت. قال يحيى بن سعيد: فكان أول من بايع أبا بكر بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير. وقال عمر بن الخطاب في مجلسٍ وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنت فاعلين؟ فسكتوا - فقال ذلك مرتين أو ثلاثاً - فقال بشير بن سعد: لو فعلت ذلك قومناك تقويم القدح. فقال عمر: أنتم إذاً أنتم. بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي البصري، قيل: إنه وفد على معاوية مع أبيه. حدث بشير بن عبيد الله قال: أول من نعى الحسن بن عليٍّ بالبصرة عبد الله بن سلمة بن المحبق أخو سنان، نعاه لزياد، فخرج الحكم بن أبي العاص الثقفي فنعاه، فبكى الناس وأبو بكرة مريض، فسمع الضجة فقال: ما هذا؟ فقالت امرأته عبسة بنت سحام من بني ربيع: مات الحسن بن علي، فالحمد لله الذي أراح الناس منه، فقال أبو بكرة: اسكتي ويحك! فقد أراحه الله من شرٍّ كثير، وفقد الناس خيراً كثيراً. قال خلاد بن عبيد: تغدى يوماً معاوية وعنده عبيد الله بن أبي بكرة، ومعه ابنه بشير - ويقال: غير

بشير بن عقربه ويقال بشر

بشير - فأكل فأكثر من الأكل، فلحظه معاوية، وفطن عبيد الله بن أبي بكرة، فأراد أن يغمز ابنه فلم يمكنه ولم يرفع رأسه حتى فرغ. فلما خرج لامه على ما صنع؛ ثم عاد إليه وليس معه ابنه، فقال معاوية: ما فعل ابنك التلقامة؟ قال: اشتكى، قد علمت أن أكله سيورثه داءً. قال سلم بن قتيبة: مر بي بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة فقال: ما يجلسك؟ قلت: خصومةٌ بيني وبين ابن عمٍ لي ادعى شيئاً في داري. قال: فإن لأبيك عندي يداً، وإني أريد أن أجزيك بها، وإني والله ما رأيت شيئاً أذهب للدين، ولا أنقص للمروءة، ولا أضيع للذة، ولا أشغل لقلبٍ من خصومة. قال: فقمت لأرجع، فقال خصمي: ما لك؟ قلت: لا أخاصمك، قال: عرفت أنه حقي؟ قلت: لا ولكني أكرم نفسي عن هذا. قال: فمررت بعد ببشيرٍ وهو يخاصم فذكرته قوله؛ قال: لو كان قدر خصومتك عشر مراتٍ فعلت، ولكنه مرغاب، أكثر من عشرين ألف ألف. بشير بن عقربه ويقال بشر أبو اليمان الجهني له صحبة. روى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثين. حدث عبد الله بن عوف الكناني - وكان عاملاً لعمر بن عبد العزيز على الرملة - قال: شهدت عبد الملك بن مروان قال لبشير بن عقربة الجهني يوم قتل عمرو بن سعيد بن العاص: يا أبا اليمان قد احتجت اليوم إلى كلامك، فقم فتكلم. فقال: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من قام بخطبةٍ لا يلتمس بها إلا رياءً وسمعةً وقفه الله يوم القيامة موقف رياءٍ وسمعة ". قال بشير بن عقربة: لما قتل أبي يوم أحد أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أبكي، فقال: " يا حبيب ما يبكيك؟ أما ترضى أن أكون أنا أبوك، وعائشة أمك ". فمسح على رأسي فكان أثر يده من رأسي

بشير بن الخصاصية

أسود وسائره أبيض، وكانت بي رتة، فتفل فيها فانحلت. وقال لي: " ما اسمك؟ " قلت: بجير، قال: " بل أنت بشير ". وبشير معروف بفلسطين. بشير بن الخصاصية وهي أمه، واسم أبيه معبد، ويقال: زيد بن معبد بن ضباب بن سبيع، وقيل: ابن شراحيل بن سبع بن ضباري بن سدوس السدوسي، صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كان اسمه زحم، فسماه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشيراً، سكن البصرة وتوجه منها إلى حمص واجتاز دمشق. حدث بشير قال: كنت أماشي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخذ بيده، فقال لي: " يا بن الخصاصية، ما أصبحت تنقم على الله تبارك وتعالى، أصبحت تماشي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". قال: أحسبه قال: أخذ بيده، قال: قلت: ما أصبحت أنقم على الله شيئاً، قد أعطاني الله تبارك وتعالى كل خير. قال: فأتينا على قبور المشركين، فقال: " لقد سبق هؤلاء خيراً كثيراً ". ثلاث مرات. ثم أتينا على قبور المسلمين فقال: " لقد أدرك هؤلاء خيراً كثيراً ". ثلاث مرات يقولها. قال: فبصر برجلٍ يمشي بين المقابر في نعليه فقال: " ويحك يا صاحب السبتين، ألق سبتيك ". مرتين أو ثلاثاً. فنظر الرجل، فلما رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلع نعليه. قال بشير: أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فدعاني إلى الإسلام ثم قال لي: " ما اسمك؟ " قلت: نذير، قال: " بل أنت بشير ". قال: فأنزلني الصفة، فكان إذا أتته هدية أشركنا فيها، وإذا أتته صدقة صرفها إلينا. قال: فخرج ذات ليلة فتبعته، فأتى البقيع فقال: " السلام

عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا بكم لاحقون، وإنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أصبتم خيراً بجيلاً، وسبقتم شراً طويلاً ". ثم التفت إلي فقال: " من هذا؟ " قال: فقلت: بشير، فقال: " أما ترضى إن أخذ الله بسمعك وقلبك وبصرك إلى الإسلام من بين ربيعة الفرس الذين يزعمون أن لولاهم لائتفكت الأرض بأهلها؟ " قلت: بلى يا رسول الله. قال: " ما جاء بك؟ " قلت: خفت أن تنكب أو تصيبك هامةٌ من هوام الأرض. قال محمد بن عبد الكريم: إنما سمي الفرس لأن أباه نزار بن معد كان له فرس، وقبةٌ من أدم وحمار، فجعل الفرس لأكبر ولده ربيعة، والقبة للذي يتلوه وهو مضر، والحمار للثالث وهو إياد. فلذلك يقال: ربيعة الفرس، ومضر الحمراء، وإياد الحمار. حدث بشير بن الخصاصية قال: أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبايعه، فاشترط علي فقال: " تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وتجاهد في سبيل الله ". قال: قلت: والله يا رسول الله، أما اثنتان فلا أطيقهما: الصدقة والجهاد، والله ما لي إلا عشرة زودٍ هن رسل أهلي وحمولتهن؛ وأما الجهاد فيزعمون أنه من ولى فقد باء بغضبٍ من الله عز وجل، وأخاف إن حضر القتال جزعت نفسي وخفت الموت. قال: فقبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده ثم بسطها فقال: " لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة؟! " قال: قلت: يا رسول الله أبايعك، فبايعني عليهن كلهن. قالت ليلى امرأة بشير: إنها سمعته سأل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أصوم يوم الجمعة ولا أكلم ذلك اليوم أحداً؟ فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تصم الجمعة إلا في أيامٍ هو أحدها، أو في شهر، فأما أن لا تكلم أحداً فلعمري لأن تكلم بمعروف وتنهى عن منكر خيرٌ من أن تسكت ".

بشير بن النعمان بن بشير بن سعد

بشير بن النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري الخزرجي. حدث عن أبيه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في خطبته أو في موعظته: " أيها الناس، الحلال بينٌ والحرام بين، وبين ذلك أمورٌ مشتبهاتٌ، فمن تركهن سلم دينه وعرضه، ومن أوضع فيهن يوشك أن يقع فيه، ولكل ملك حمى، فإن حمى الله في أرضه معاصيه ". بشير بن النعمان بن علي بن محمد ابن الحجاج بن نوح بن يزيد بن النعمان بن بشير بن سعد، أبو الخزرج بن أبي القاسم، الأنصاري النعماني المقرئ. حدث بسنده عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنا سيد الناس يوم القيامة، يدعوني ربي فأقول: لبيك وسعديك، والخير بيديك والشر ليس إليك ". قال: والشر ليس إليك: يعني ليس يتقرب به إليك. وحدث بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " والله لله أفرح بتوبة العبد من العبد يجد ضالته بالفلاة ". مات أبو الخزرج بشير بن النعمان سنة خمسٍ وأربع مائة، وقيل: سنة تسع وأربع مائة. بشير مولى معاوية بن أبي سفيان حدث عن عشرة من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أحدهم حدير أبو فوزة، أنه سمعهم يقولون إذا رأوا الهلال: اللهم اجعل شهرنا الماضي خير شهر وخير عاقبة، وأرسل علينا شهرنا هذا بالسلامة والإسلام، والأمن والإيمان، والمعافاة والرزق الحسن.

بشير مولى معاوية بن بكر

بشير مولى معاوية بن بكر بفتح الباء وكسر الشين أيضاً. قال بشير مولى معاوية بن بكر: أمرني عمر بن عبد العزيز أخصي له نعلاً في خلافته. بشير مولى هشام بن عبد الملك قال: أتي هشام برجلٍ عنده قيانٌ وخمرٌ وبربط، فقال: اكسروا الطنبور على رأسه، فضربه، فبكى الشيخ. قال بشير: فقلت له وأنا أعزيه: عليك بالصبر، فقال: أتراني أبكي للضرب، إنما أبكي لاحتقاره البربط سماه طنبوراً. قال: وأغلظ رجلٌ لهشام، فقال له هشام: ليس لك أن تغلظ لإمامك. قال: وتفقد هشامٌ بعض ولده لم يحضر الجمعة فقال له: ما منعك من الصلاة؟ قال: نفقت دابتي، قال: فعجزت عن المشي فتركت الجمعة. فمنعه الدابة سنة. بشير بن كعب بن أبي الحميري أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الله العدوي البصري. شهد وقعة اليرموك، واستخلفه أبو عبيدة على خيلٍ باليرموك بعد فراغه منه وتوجهه إلى دمشق. حدث بشير بن كعب عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي وأنا عبدك، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، أصبحت على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنوبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ".

بطريق بن بريد بن مسلم

لما كان طاعون الجارف احتفر بشير بن أبي كعب العدوي قبراً، فقرأ فيه القرآن، فلما مات دفن فيه. حدث حجير بن الربيع عن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " الحياء خيرٌ كله ". فقال بشير بن كعب: إن منه ضعفاً ومن وقاراً، فقال عمران: يا حجير من هذا؟ قال: هذا بشير بن كعب، وأثنى عليه خيراً، فقال عمران: أحدثك عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتزعم أن منه ضعفاً ومنه وقاراً! والله لا أحدثكم اليوم بحديث، وقام. قال مجاهد: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه؛ فقال: يا بن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنا كنا مرةً إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. قال علي بن زيد: كان بشير بن كعب كثيراً ما يقول: انطلقوا حتى أريكم الدنيا، قال: فيجيء بهم إلى السوق وهي يومئذٍ مزبلة فيقول: انظروا إلى دجاجهم وبطهم وثمارهم. قال عنه الدارقطني: بشير ثقة، جليس ابن عباس. وأخرج عنه مسلم. بطريق بن بريد بن مسلم ابن عبد الله الكلبي العليمي من أهل دمشق. حدث عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: بلغني أن المؤمن إذا مات تمنى الرجعة إلى الدنيا، ليس ذلك إلا ليكبر تكبيرةً أو يهلل تهليلةً أو يسبح تسبيحة.

بغا أبو موسى الكبير

بغا أبو موسى الكبير أحد قواد المتوكل، قدم معه دمشق سنة ثلاث وأربعين ومائتين، فاستشعر من قربه فأشخصه من دمشق لغزو الصائفة، ومعه القواد، ففتح صملة. حدث علي بن الحسين بن عبد الأعلى قال: كان عبد الله بن طاهر قد أهدى للمعتصم شهريين ملمغين، ذكر أن خراسان لم تخرج مثلهما، فسأله بغا أن يحمله على أحدهما، فأبى وقال: تخير غيرهما ما شئت فخذه. قال: فخرجنا ولم نأخذ شيئاً، فلما صرنا بطبرستان عرض له قوم من أهلها فقالوا له: إن في بعض هذه الغياض سبعاً قد استكلب على الناس وأفناهم؛ فقال: إذا أردت الرحيل غداً فكونوا معي حتى تقفوني على موضعهم، قال: فلما رحلنا من غد حضر جماعة منهم، فانفرد بهم في عشرين فارساً من غلمانه، ومعه قوسه ونشابتان في منطقته، فصاروا به إلى الغيضة، فثار السبع في وجهه من بينهم، فقال: فحرك فرسه من بين يديه وأخذ نشابةً من النشابتين فرماه في لبته، فمر السهم فيها إلى الريش، وركب السبع رأسه، وعاد بغا إليه، فما اجترأ أحدٌ على النزول إليه حتى نزل بغا فوجده ميتاً. قال: فشبرناه، فكان من رأسه إلى رأس ذنبه ستة عشر شبراً، ووجدناه أحصى الشعر إلا معرفته. قال: فكتبنا بخبره إلى المعتصم فلحقنا جواب كتابنا بحلوان يذكر فيه أنه قد تفاءل بقتل السبع ورجا أن يكون من علامات الظفر ببابك، وأنه قد وجه إلى بغا بالشهريين الذين كان يطلب

أحدهما فمنعه، وبسبع خلعٍ من خاصة خلعه وثيابه، وخمس مائة ألف درهم صلةً له وجزاءً على قتل السبع، قال: وإنما أراد المعتصم بذلك إغراءه على طاعته ومجاهدة عدوه. وكان بغا ملوكاً لذي الرياستين الحسن بن سهل. وكان يحمق ويجهل في رأيه مع شجاعته وإقدامه وكثرة وقائعه وفتوحه؛ وولاه المستعين ديوان البريد. ومرض في جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وأربعين ومائتين، وعاده المستعين، فلما انصرف من عيادته قضى من وقته. وذكر أبو الحسن بن الوراق: أن بغا كسر باب بيت المال فأخذ منه ما أراد وجمع أصحابه، ثم صار إلى البيت، فأحرق بابه ونهبت داره ودور ولده وأسبابه بسر من رأى، فطلب الأمان فلم يؤمن، فاستتر من أصحابه وانحدر في زورق مستخفياً، فأخذته المغاربة عند الجسر بسر من رأى ليلة الخمسي لليلةٍ بقيت من ذي القعدة سنة أربعٍ وخمسين ومائتين، فقتله وليد المغربي، وطيف برأسه ثم بعث به إلى بغداد فنصب هناك.

بقية بن الوليد بن صائد

بقية بن الوليد بن صائد ابن كعب بن حريز، أبو يحمد - بضم الياء وإسكان الحاء وفتح الميم - الكلاعي الحمصي. بعثه أبو جعفر المنصور إلى دمشق لمساحتها. روى عن الزبيدي، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا دعي أحدكم إلى عرس أو نحوه فليجب ". حدث بقية بسنده، عن أبي الأسد السلمي، عن أبيه، عن جده، قال: كنت سابع سبعة، فأمرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجمع كل رجلٍ منا درهماً، فاشترينا أضحيةً بسبعة دراهم، فقلنا: يا رسول الله قد أغلينا بها! فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن أفضل الضحايا أغلاها وأنفسها ". فأمر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلاً فأخذ بيد، ورجلاً بيد، ورجلاً برجل، ورجلاً برجل، ورجلاً بقرن، ورجلاً بقرن، وذبحها السابع وكبرنا عليها جميعاً. وحدث بقية عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رخص في دم الحبون - الدماميل - قال: فكان عطاء يصلي وهي في ثوبه. وقد أنكروا هذا الحديث وقالوا: إن بقية قال: لم أسمعه أنا من ابن جريج. ولد بقية سنة عشرٍ ومائة، ومات سنة سبعٍ وتسعين. حدث بقية بن الوليد عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن خيار بن سلمة قال: سألت عائشة عن أكل البصل فقالت: آخر طعام أكله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طعامٌ فيه بصل. قال بقية بن الوليد: قدمت على شعبة فأبعدني وأقصاني، فأقمت عنده شهرين لا أصل منه إلى شيء، فبينا أنا عنده بين الظهر والعصر إذ أقبل إليه رسول الأمير فقال له: يا أبا بسطام، الأمير يقرأ

عليك السلام ويقول لك: ما تقول في رجلٍ ضرب رجلاً على الرأس فادعى المضروب أنه قد منعه الشم؟ قال: فلم يكن عند شعبة جواب، فانصرف إلى جلسائه فقال لهم: ما تقولون في مسألة الأمير؟ فقالوا: وما هي؟ فأخبرهم، فلم يكن عند القوم جواب، فالتفت إلي فقال: ما اسمك؟ قلت: بقية، قال: إذا نزل بكم هذا إلى من ترجعون؟ قلت: إليك وإلى أمثالك، قال: دع هذا عنك إلى من ترجعون؟ قلت: إلى أبي عمرو عبد الحمن بن عمرو الأوزاعي، قال: ما يقول في مسألة الأمير؟ قلت: أصبحك الله يشمه الخردل المدقوق، فإن دمعت عيناه فكاذب، وإن لم تدمع عيناه فصادق. قال: فأفتى رسول الأمير بذلك. قال: وأقبل علي فحدثني في شهرين ما كنت أرضى أن يحدثنيه في ستة أشهر. قال بقية: دخلت على هارون الرشيد فقال: يا بقية إني أحبك فقلت: ولأهل بلدي؟ قال: لا إنهم جند سوء، لهم كذا وكذا غدرة في الديوان. قال: قلت يا أمير المؤمنين إذاً أنت وليهم ماذا تعهد إليهم؟ قال: أعهد إليهم أن يكونوا لليتامى كالأب الرحيم، وللأرامل كالزوج الشفيق، ويكونوا ويكونوا، ولا أرضى منهم بذلك حتى يضعوا أيديهم على رأسي، قال: فإنهم لا يفون بذلك يا أمير المؤمنين، نحن قوم عرب يسرفون علينا، فقال هارون الرشيد: فذلك كذلك، ثم قال: حدثني يا بقية، فقلت: حدثني محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنا سابق العرب إلى الجنة وسلمان سابق فارس إلى الجنة، وصهيب سابق الروم إلى الجنة، وبلال سابق الحبشة إلى الجنة ". قال: زدني، قلت: حدثني محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً، مع كل ألف سبعين ألفاً، وثلاث حثياتٍ من حثيات ربي ". قال: فامتلأ من ذلك فرحاً وقال: يا غلام ناولني أكتبها. قال: وكان القيم بأمره الفضل بن الربيع، ومتربته بعيدة، فناداني فقال لي: يا بقية ناول أمير المؤمنين بجنبك، قلت: ناوله أنت يا هامان، فقال: سمعت ما قال لي يا أمير المؤمنين؟ قال: اسكت فما كنت أنت عنده هامان حتى كنت أنا عنده فرعون.

بقي بن مخلد بن يزيد

وكان بقية بن الوليد يقول: ما أرحمني للثلاثاء ما يصومه أحد. مات بقية سنة ست وتسعين ومائة. وقيل سنة سبعٍ وتسعين ومائة بحمص. وقيل: سنة ثمانٍ، وقيل: سنة تسعٍ. وسنة سبعٍ وتسعين أصح. بقي بن مخلد بن يزيد أبو عبد الرحمن الأندلسي الحافظ أحد علماء الأندلس، ذو رحلةٍ واسعة. وكان ورعاً فاضلاً زاهداً مجاب الدعوة. وروي أن عدد شيوخه الذين روى عنهم مائتان وأربعة وثمانون رجلاً. قال عبد الرحمن بن أحمد: سمعت أبي يقول: جاءت امرأة إلى بقي بن خويلد فقالت: إن ابني قد أسره الروم، ولا أقدر على مال أكثر من دويرة ولا أقدر على بيعها، فلو أشرت إلى من يفديه بشيء فإنه ليس لي ليلٌ ولا نهار ولا نوم ولا قرار. فقال: نعم، انصرفي حتى أنظر في أمره إن شاء الله. قال: وأطرق الشيخ، وحرك شفتيه. قال: فلبثنا مدة، فجاءت المرأة ومعها ابنها، فأخذت تدعو له وتقول: قد رجع سالماً وله حديثٌ يحدثك به، فقال الشاب: كنت في يدي بعض ملوك الروم مع جماعة من الأسارى، وكان له إنسانٌ يستخدمنا كل يوم، يخرجنا إلى الصحراء للخدمة، ثم يردنا وعلينا قيودنا، فبينا نحن نجيء من العمل بعد المغرب مع صاحبه الذي يحفظنا، فانفتح القيد من رجلي ووقع على الأرض؛ ووصف اليوم والساعة فوافق الوقت الذي جاءت المرأة ودعا الشيخ؛ قال: فنهض إلي الذي كان يحفظني وصاح علي وقال: كسرت القيد!؟ قلت: لا إنه سقط من رجلي، فتحير وأخر صاحبه وأحضر الحداد وقيدوني، فلما مشيت خطواتٍ سقط القيد من رجلي، فتحيروا في أمري! فدعوا رهبانهم فقالوا لي: ألك والدة؟ قلت: نعم، فقالوا: وافق دعاؤها الإجابة، وقالوا: أطلقك الله فلا نقيدك. فزودوني وأصحبوني إلى ناحية المسلمين. مات بقي بن مخلد الأندلسي سنة ستٍ وسبعين ومائتين. وقيل: سنة ثلاثٍ وسبعين. وولد في رمضان سنة إحدى ومائتين.

بكار بن بلال أبو أيوب العاملي

بكار بن بلال أبو أيوب العاملي مولى الثقيف، وينسب إلى عاملة. بلغني أنه لما بلغ أهل الشام يوم صفين أن عمار بن ياسر قد قتل بعثوا من يعرفه ليأتيهم بعلمه؛ فعاد إليهم فأخبرهم أنه قد قتل؛ فنادى أهل الشام أصحاب علي: إنكم لستم بأولى بالصلاة على عمار بن ياسر منا. قال: فتواعدوا عن القتال حتى صلوا عليه جميعاً. حدث بكار بن بلال عن أبي عمرو الأنصاري أن علياً قال لأهل العراق: إن بسر بن أبي أرطاة قد صعد إلى اليمن، ولا أحسب هؤلاء القوم إلا ظاهرين عليكم - يعني أهل الشام - وما ذلك أنهم أولى بالحق منكم، ولكن ذاك لاجتماعهم على أميرهم وافتراقكم، وإصلاحهم في بلادهم، وفسادكم في بلادكم، وأدائهم الأمانة وخيانتكم، والله لقد فلانا فخانني، وفلانا فخانني - يعدد - وفلاناً وليته، فجمع ما جمع من المال فانطلق به إلى معاوية؛ ولقد خيل لي أني لو ائتمنت أحدكم على قدحٍ لسرق علاقته. اللهم إني قد مللتهم وملوني، اللهم اقبضني إلى رحمتك، وأبدلهم بي من هو شرٌّ لهم مني. توفي أبو بلال بكار بن بلال سنة ثلاث وثمانين ومائة. وكان مولده في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة مائة. وهو ابن ثلاثٍ وثمانين سنة. بكار بن تميم أبو عبد الرحمن من دمشق حدث عن مكحول، عن أبي أمامة قال: كان أحب الشراب إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحلو البارد.

بكار بن شعيب أبو خزيمة العبدي الدمشقي

بكار بن شعيب أبو خزيمة العبدي الدمشقي حدث عن أبي حازم المدني، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الناس سواءٌ كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون بالعافية، والمرء يكثر بإخوانه المسلمين، ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل الذي ترى له. وقال عمر: عليك بإخوان الصدق تعيش في أكنافهم، فهم زينةٌ في الرخاء، وعدةٌ في البلاء. بكار بن قتيبة بن عبيد الله ابن أبي برذعة بن عبيد الله بن بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة، أبو بكرة الثقفي. قاضي مصر أصله من البصرة، ولي القضاء بمصر سنين كثيرة. قدم دمشق سنة تسع وستين ومائتين في صحبة أحمد بن طولون، وحدث بها، وروى عنه جماعةٌ من أهلها. حدث عن روح بن عبادة بسنده، عن ابن عباس أن أم الفضل أرسلت إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم عرفة بلبن، فشربه وهو يخطب الناس. وحدث عنه أيضاً بسنده، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلةٌ في الجنة. وحدث عن الضحاك بن مخلد بسنده، عن أبي بكرة قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أتاه الشيء يسره سجد. قال أحمد بن سهل بن بويه الهروي: كنت ألازم غريماً لي إلى بعد العشاء الآخرة، وكنت ساكناً في جوار بكار بن قتيبة، فانصرفت إلى منزلي فإذا هو يقرأ: " يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض " إلى قوله: "

فيضلك عن سبيل الله " فوقفت أتسمع عليه قليلاً، ثم انصرفت، فقمت في السحر على أن أصير إلى منزل الغريم، فإذا هو يقرأ هذه الآية يرددها ويبكي، فعلمت أنه كان يقرؤها من أول الليل. قال سعيد بن عثمان: سمعت بكار بن قتيبة ينشد: " من الطويل " لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها ... لعيبي في نفسي عن الناس شاغل ولي بكار بن قتيبة القضاء بمصر من قبل المتوكل. قدمها يوم الجمعة لثمانٍ بقين من جمادى الآخرى سنة ستٍ وأربعين ومائتين. وتوفي في ذي الحجة سنة سبعين ومائتين. ولم يزل قاضياً إلى أن توفي. وأقامت بمصر بلا قاضٍ سبع سنين إلى أن ولى خمارويه بن أحمد بن طولون محمد بن عبدة القضاء. وكان أحمد بن طولون أراد بكاراً على لعن الموفق فامتنع من ذلك فسجنه إلى أن مات أحمد؛ فأطلق من السجن. فمكث بعد ذلك يسيراً ثم مات؛ فغسل ليلاً وكثر الناس فلم يدفن إلى وقت صلاة العصر. وكان مولد بكار بالبصرة سنة اثنتين ومائة، ومات وهو ابن سبع وثمانين. وكان من الحمد في ولايته القضاء ومن القبول لأهلها إياه، ومن عفته عن أموالهم ومن سلامته في أحكامه، ومن اضطلاعه بذلك على نهاية ما يكون عليه مثله، حتى لو كانت أخلاقه ومذاهبه هذه فيمن تقدم لكان يبين بها عن كثيرٍ منهم. وكان الأمير أحمد بن طولون من المعرفة بحقه، والميل إليه والتعظيم لقدره على نهاية، وكان يأتي إليه وهو يملي على الناس الحديث على كثرة من كان يحضر مجلسه، فيمنع حاجبه مستمليه من الانقطاع عن الاستملاء عليه؛ ثم يصعد إليه إلى المجلس الذي كان يحدث فيه، فيقعد مع الناس فيه ويستتم بكارٌ مجلسه وهو حاضر، ثم لا يقطعه بحضوره إياه؛ فلم يزل كذلك حتى أراد منه أحمد طولون خلع أبي أحمد الموفق ولعنه، فأبى ذلك عليه، فلما رأى أحمد بن طولون أنه لا يلتئم له منه ما يحاوله منه ألب عليه سفهاء أهل الأحباش ومن سواهم من العوام، وجعله لهم خصماً. وكان يقعد له من يقيمه بين يديه مع من يخاصمه مقام الخصوم فلا يأبى ذلك ويقوم بالحجة لنفسه. وكان أحمد قد حبس القاضي بكاراً بالمرفق في القماحين. قال:

بكار بن محمد

فأدخل إليه فقال: هذا رجل كان يزعم أنه قاضي المسلمين خمسةً وعشرين سنة، وقد غصبني داري وهو ساكنها الآن ولي عليه من أجرتها خمسة دنانير؛ فسئل القاضي بكار عن ذلك فقال: لا أدري ما يقول هذا الرجل، أنا لم أنزل هذه الدار، وإنما أنزلتها كرهاً، فإن كان مغصوباً فالذي غصبه هو الذي أنزلنيها. وهذا في الجملة كلامٌ محال، ما ظننته يجوز على أحد، لأني إن كنت غاضباً فما له علي أجرة معلومة، ولئن كانت له علي أجرة بسكناي داره فما أنا غاضب. قال: فأمر للذي كان يخاصم إليه بخمسة دنانير فدفعت إلى الذي خاصمه ما كان يلبسه للجمعة وخرج إلى الباب يريد الرواح منه فيقول له الموكلون به: ارجع، فيقول: اللهم اشهد، ثم يرجع. فلم يزل كذلك فيها حتى توفي أحمد بن طولون؛ فبقي هو فيها بعد ذلك حتى توفي وأخرجت جنازته بعد العصر وكثر الناس وفيهم أصحاب أحمد بن طولون قد غطوا رؤوسهم حتى لا يعرفوا وزادت الجماعة من غير أن يرى في الناس راكبٌ واحد، فشهده أكثر ممن شهد العيد بوقارٍ وسكينة. بكار بن محمد حدث عبد الله بن سعيد بن يحيى الرقي قاضي فارس قال: كتبت إلي والدتي مرية بنت مروان بن يزيد بن عبد الملك بن عياض بن غنم القرشية من الرقة وأنا على قضاءٍ تستر تقول: حدثتني والدتي عاتكة بنة بكار عن أبيها بكار بن محمد قال: دخلت على هشام بن عبد الملك بالرصافة وهو جالسٌ في قبته الخضراء وعنده ابن شهاب الزهري: فحدثنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما ترك عبد الله أمراً لا يتركه إلا لله تعالى إلا عوضه الله منه ما هو خيرٌ له منه في دينه ودنياه ". قالت العجوز: فآثرني على ما أنت فيه يعوضك الله تعالى ويؤثرك. وكتب إلي في أسفل كتابها لنفسها: " من الطويل " عجوزٌ بأرض الرقتين وحيدةٌ ... لنأيك بالأهواز ضاق بها الذرع وقد ماتت الأعضاء من كل جسمها ... سوى دمع عينيها فلم يمت الدمع

بكر بن أحمد بن حفص بن عمر

تراعي الثريا ما تلذ بغمضها ... إلى أن يضيء الصبح أنجمه السبع وكم في الدجى من ذي همومٍ مقلقل ... وآخر مسرورٍ يدر له الضرع ومن أضحتكه الدار وهي أنيسةٌ ... بكاها إذا ما ناب من حادثٍ قرع بكر بن أحمد بن حفص بن عمر ابن عثمان بن سليمان، أبو محمد التنيسي المعروف بالشعراني. سمع بدمشق جماعة. حدث عن محمد بن عوف بسنده، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الإخصاء وقال: " فيه نماء خلق الله تعالى ". بكر بن سهل بن إسماعيل بن نافع أبو محمد الدمياطي مولى بني هاشم، سمع بدمشق. حدث عن عبد الله بن يوسف بسنده، عن عقبة بن عامر، أن نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة، والذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة ". وحدث أيضاً بكر بن سهل - وكان شيخاً مربوعاً أسمر، كبير الأذنين حدث بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما من عبدٍ يمر بقبر كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ". وفي رواية: ورد عليه السلام. توفي بدمياط في ربيع الأول سنة تسعٍ وثمانين ومائتين. وقيل: إنه مات في ربيع الآخر بالرملة بعد عوده من الحج، وإن مولده سنة ستٍ وتسعين ومائة. وكان قد جمع له بالرملة خمس مائة دينار ليقرأ عليهم التفسير فامتنع وقدم بيت المقدس، فجمع له من الرملة ومن بيت المقدس ألف دينار، فقرأ عليهم الكتاب ومات في هذه السنة.

بكر بن شعيب بن بكر بن محمد

بكر بن شعيب بن بكر بن محمد ابن أيوب بن عبد الرحمن أبو الوليد القرشي. روى عن أبي بكر القاسم بن عيسى العصار بسنده، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " التمسوا ليلة القدر في السبع الأواخر ". وحدث عن سعيد بن عبد العزيز بسنده، عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول ". توفي أبو الوليد يوم السبت لستٍ خلون من جمادى سنة أربعٍ وخمسين وثلاث مائة. بكر بن عبد العزيز بن إسماعيل ابن عبيد الله بن أبي المهاجر أبو عبد الحميد القرشي المخزومي. مولاهم. حدث عن سليمان بن أبي كريمة، عن حيار مولى أم الدرداء عن أم الدرداء قالت: خرج أبو الدرداء يريد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوجد جماعةً من العرب يتفاخرون، قال: فاستأذنت، فأذن لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لي: " يا أبد الدرداء ما هذا اللجب الذي أسمع؟ " قال: قلت: يا رسول الله هذه العرب تتفاخر فيما بينها، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا أبا الدرداء إذا فاخرت ففاخر بقريش، وإذا كاثرت فكاثر بتميم، وإذا حاربت فحارب بقيس، إلا أن وجوهها كنانة، ولسانها أسد، وفرسانها قيس؛ إن لله يا أبا الدرداء فرساناً في سمائه يقاتل بهم أعدائه، وهم الملائكة، وفرساناً في الأرض يقاتل بهم أعداءه وهم قيس، يا أبا الدرداء، إن آخر من يقاتل عن الإسلام حين لا يبقى إلا ذكره، ومن القرآن إلا رسمه لرجلٌ من قيس ". قال: قلت: يا رسول الله من أي قيس؟ قال: " من سليم ".

بكر بن عمرو المعافري المصري

قيل لعبد الملك بن مروان: من أفضل قريش؟ قال: بنو هاشم، قيل: ثم من؟ قال: ثم بنو أمية، قيل: ثم من، قال: بنو مخزوم، قيل: ثم من؟ قال: قريشٌ بعد هؤلاء كأسنان المشط. بكر بن عمرو المعافري المصري إمام المسجد الجامع بمصر. حدث عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لو كان بعدي نبيٌ لكان عمر بن الخطاب ". توفي بكر بن عمرو في خلافة أبي جعفر المنصور، وكانت له عبادةٌ وفضل. حدث بكر عن عمرو: أنه لم ير أبا أمامة - يعني ابن سهل - واضعاً إحدى يديه على الأخرى قط، ولا أحدٌ من أهل المدينة حتى قدم الشام فرأى الأوزاعي وناساً معه يضعونه. بكر بن محمد بن بكر بن خريم أبو القاسم المزي الطرائفي المعدل. حدث بدمشق عن أبي الحسن أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصا بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا "، قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: " حلق الذكر ". ولد بكر بن محمد سنة تسعٍ وثلاث مائة.

بكر بن محمد بن علي بن حيد

بكر بن محمد بن علي بن حيد ابن عبد الجبار بن النضر بن مسافر بن قصي، أبو المنصور التاجر النيسابوري. حدث عن أبي الحسين أحمد بن محمد بن عمرو الخفاف بسنده، عن أنس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يدخر شيئاً لغدٍ. قال أبو بكر الخطيب: سمعت ابن حيد يقول: ولدت في سنة ست وثمانين وثلاث مائة. وحيد بكسر الحاء المهملة والياء باثنتين من تحتها. وكان بكر ثقة، حسن الاعتقاد، صحيح المذهب، كثير الدرس للقرآن، محباً لأهل الخير، متفقداً للفقراء بالبر والإرفاق. مات بالري سنة أربعٍ وستين وأربع مائة. بكر بن مصعب دخل دمشق وسئل عنها، فقال: هي جنة الدنيا للمطيع لله، إذا مات بها لا يقال له: استراح من الدنيا، يعني أنه كان في جنة فانتقل إلى جنة. بكير بن ماهان أبو هاشم الحارثي أحد دعاة بني العباس. روي عن بكير بن ماهان أنه قال: يلي من ولد العباس أكثر من ثلاثين رجلاً، ستةٌ منهم يسمون باسم واحد، وثلاثةٌ باسم واحد، يفتح أحد الثلاثة القسطنطينية.

بكير بن محمد بن بكير

قال محمد بن جرير الطبري: وفي سنة ثماني عشرة ومائة وجه بكير بن ماهان عمار بز يزيد إلى خراسان والياً على شيعة بني العباس، فنزل فيما ذكر مرو، وغير اسمه وتسمى بخداش، ودعا إلى محمد بن علي، فسارع إليه الناس وقبلوا ما جاءهم به، وسمعوا له وأطاعوا، ثم غير ما دعاهم إليه، وتكذب وأظهر دين الخرمية ودعا إليه، ورخص لبعضهم في نساء بعض وأخبرهم أن ذلك عن أمر محمد بن علي؛ فبلغ أسد بن عبد الله خبره، فوضع عليه العيون حتى ظفر به، فأتي به وقد تجهز لغزو بلخ، فسأله عن حاله، فأغلظ خداش له القول؛ فأمر به فقطعت يده، وقطع لسانه، وسمل عينيه. فذكر محمد بن علي عن أشياخه قال: لما قدم أسد آمل في مبدئه أتوه بخداش صاحب الهاشمية، فأمر به قرعة الطبيب فقطع لسانه وسمل عينيه وقال: الحمد لله الذي انتقم لأبي بكر وعمر منك. ثم دفعه إلى يحيى بن نعيم الشيباني عامل آمل، فلما قفل من سمرقند كتب إلى يحيى فقتله وصلبه بآمل. بكير بن محمد بن بكير أبو القاسم المنذري الطرسوسي حدث بدمشق. وروى عن أبي القاسم علي بن يعقوب بن إبراهيم المعروف بابن أبي العقب، عن عيسى بن عبد الله، عن نعمان وهو المتعبد قال: سمعت ابن عاصم يقول: من لم ينتهز البغية عند إمكان الفرصة عض على الندم عند فوات الإمكان، فلا إمكان كسلامة الأبدان في الأيام الخالية؛ فمن أحب أن يكون في الدنيا حكيماً مؤدباً، وفي الآخرة ملكاً متوجاً فليقبل مني ثلثا خلال: ينفي عن قلبه سلطان الطمع بالإياس؛ ويميت من قلبه سورة الغضب بالتواضع لله عز وجل؛ والثالثة رأس كل خير هي ابتداؤه ووسطه وتمامه: يؤثر دلالة العقل والعلم على جلب الهوى يقع به الحق حيث كان.

بكير بن معروف أبو معاذ

بكير بن معروف أبو معاذ ويقال: أبو الحسن الأسدي الدامغاني قاضي نيسابور، سكن دمشق. قال بكير بن معروف: أخذ بيدي إبراهيم الصايغ فذهب به إلى أبي الزبير فسألته فقال أبو الزبير: حدثني ابن عم لأبي هريرة يقال له عبد الرحمن عن أبي هريرة أن ماعزاً أتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: طهرني يا رسول الله، فإني قد زنيت. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أو تدري ما الزنى؟ " فقال: أصبت امرأة حراماً ما يصيب الرجل من امرأته. قال: فطرده رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم عاد، فطرده ثم عاد، فطرده قال: ثم عاد، فطرده، ثم عاد، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أتدري ما الزنى؟ " قال: نعم، أصبت من امرأةٍ حراماً ما يصيب الرجل. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أدخلت وأخرجت؟ " قال: نعم. قال له " أربع مرات، قال: نعم. قال: فأمر به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرجم؛ فاضطرته الحجارة إلى شجرة، حتى قتل؛ فمر به رجلان فقالا: انظر إلى هذا أتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فطرده، ثم أتاه فطرده، فلم يذهب حتى قتل كما يقتل الكلب ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسمع، فسار ساعة فمر بحمار ميت، شائلٍ برجله فقال لهما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كلا من هذا الحمار ". فقالا: وهل يؤكل من هذا؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " والذي نفسي بيده، إنه لفي نهر من أنهار الجنة يتقمص فيه " فقال له هزال: أنا أمرته أن يأتيك، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لو سترته بملحفتك كان خيراً ". وحدث بكير عن معروف عن مقاتل بن حيان بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا بن مسعود " قلت: لبيك يا رسول الله، قال: " هل تدري أوثق عرى الإيمان؟ "

بلعم ويقال بلعام بن باعوراء

قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " الولاية في الله، والحب في الله، والبغض في الله ". توفي بكير بن معروف سنة ثلاثٍ وستين ومائة. بلعم ويقال بلعام بن باعوراء ويقال: ابن أبر، ويقال: ابن أوبر، ويقال: ابن باعر بن شتوم بن قرشيم بن ماب بن لوط بن حران بن آزر. كان يسكن قرية من قرى البلقاء، وهو الذي كان يعرف اسم الله الأعظم، فانسلخ من دينه. له ذكر في القرآن. قال قتادة في قوله تعالى: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها " قيل: بلعم، وقيل أمية بن أبي الصلت. وقال الكلبي: " ولكنه أخلد إلى الأرض " قال: مال إلى الدنيا وركن إليها، فمثله " كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث " فذلك الكافر هو ضالٌّ وعظته أو لم تعظه. وقال كعب الأحبار: هو بلعم، وكان رجلاً من أهل البلقاء، وكان بلغه اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وكان من الجبابرة الذين كانوا ببيت المقدس. وقال ابن عباس: في قوله تعالى " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها " قال:

هو رجلٌ كان في بني إسرائيل أعطي ثلاث دعواتٍ يستجاب له فيهن ما يدعو به، وكانت له امرأة، له منها ولد، وكانت سمجةً دميمة، قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأةٍ من بني إسرائيل؛ فدعا الله لها، فلما علمت أن ليس في بني إسرائيل مثلها رغبت عن زوجها وأرادت غيره؛ فلما رغبت عنه دعا الله أن يجعلها كلبةً نباحة؛ فذهبت منه فيها دعوتان؛ فجاء بنوها وقالوا: ليس بنا على هذا صبر! أن صارت أمنا كلبةً نباحة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها أولاً؛ فدعا الله فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات الثلاث، فسميت البسوس. فقيل: أشأم من البسوس. قال أبو الفرج: المشهور عند أهل السير والأخبار أن البسوس التي يقال من أجلها: أشأم من البسوس: الناقة التي جرى فيما جرى من أمرها حرب داحس والغبراء. والمعروف من قول أهل التأويل أن قوله عز وجل: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها " عنى به بلعم بن باعوراء الذي دعا للجبارين على موسى وبني إسرائيل. وقال بعضهم نزلت في أمية بن أبي الصلت. قال مقاتل بن سليمان: سمعت من حدثني عن كعب الحبر، وعن جماعة من الرواة، كلهم عن بلعم بن باعوراء. وزاد بعضهم على بعض قالوا: إن بلعم بن باعوراء كان ينزل قريةً من قرى البلقاء - وفي رواية يقال لها بالعة - وكان يحسن اسم الله الأعظم، وكان متمسكاً بالدين، وإن موسى لما نزل أرض كنعان من الشام بين أريحا وبين الأردن، وجبل البلقاء والتيه، فيما بين هذه المواضع، قال: فأرسل إليه بالق الملك فقال: إنا قد رهبنا من هؤلاء القوم - يعني موسى بن عمران - وإنه قد جاز البحر ليخرجنا من بلادنا وينزلها بني إسرائيل، ونحن قومك وليس لك بقاءٌ بعدنا، ولا خير لك في الحياة بعدنا، وأنت رجلٌ مجاب الدعوة فاخرج فادع عليهم، فقال بلعم: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون، كيف أدعو الله عز وجل عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم! وإني لا أدخل في شيء من أموركم فاعذروني. فقالوا له: ما لنا من متركٍ في هذه الحال. فلم يزالوا يترفقون به ويتضرعون إليه، قال بعضهم وكانت له امرأةٌ يحبها ويطيعها

وينقاد لها فدسوا لها هدايا فقبلتها، ثم أتوها فقالوا لها: قد نزل بنا ما ترين، فيجب أن تكلمي بلعام فإنه مجاب الدعوة فيدعو الله عز وجل فإنه لا خير فيه بعدنا. فقالت له: إن لهؤلاء القوم حقاً وجواراً وحرمة، وليس مثلك أسلم جيرانه عند الشدائد، وقد كانوا مجملين في أمرك وأنت جديرٌ أن تكافئهم وتهتم بأمرهم! فقال لها: لولا أني أعلم أن هذا الأمر من الله عز وجل لأجبتهم. فقالت: انظر في أمورهم ولينفعهم جوارك. فلم تزل به حتى ضل وغوى، وكان الله عز وجل عزم له في أول أمره على الرشد ففتنته فافتتن، فركب حمارة فوجهها إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل، فلما سار غير بعيد ربضت به حمارته فنزل عنها فضربها حتى أذلقها، فقامت فلم تسر إلا قليلاً حتى ربضت، ففعل بها بمثل ذلك، فقامت فلم تسر إلا قليلاً حتى ربضت، فضربها حتى أذلقها، فقامت فأذن لها فكلمته فقالت: يا بلعم أني مأمورة فلا تظلمني، فقال لها: ومن أمرك؟ قالت: الله عز وجل أمرني، انظر إلى ما بين يديك، ألا ترى إلى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا يقولون: أتذهبين إلى نبي الله والمؤمنين يدعو عليهم بلعم؟! فقال بعضهم: إن الحمارة قالت: ألا ترى الوادي أمامي قد اضطرم ناراً؟ قال: فخلى سبيلها ثم انطلق حتى أشرف على رأس جبلٍ مطلٍّ على بني إسرائيل، فجعل يدعو عليهم، فلا يدعو بشيءٍ من سوء إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله عز وجل لسانه إلى بني إسرائيل، وجعل يترحم على بني إسرائيل ويصلي على موسى، فقال له قومه: يا بلعم أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، فقال: هذا ما لا أملك وهذا شيءٌ قد غلب الله عز وجل عليه. وأدلع لسانه. فقيل: إنه جاءته لمعةٌ فذهبت ببصره فعمي، فقال لهم: قد ذهبت الدنيا والآخرة مني، ولم يبق إلا المكر والحيلة، وليس إليهم سبيل، وسأمكر لكم وأحتال لهم: اعلموا أنهم قومٌ إذا أذنب مذنبهم ولم تغير عامتهم عمهم البلاء. فقالوا له: كيف لنا بشيء يدخل عليهم منه ذنب يعمهم من أجله العذاب؟ قال: تدسون في عسكرهم النساء، فإني لا أعلم أوشك صرعةً للرجل من المرأة؛ فانظروا نساءً لهن جمال، فأعطوهن

السلع ثم أرسلوهن إلى العسكر تبيعها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأةٌ نفسها من رجلٍ إذا أرادها، فإنهم إن زنى منهم رجلٌ كفيتموهم؛ ففعلوا ذلك، فلما دخل النساء العسكر مرت امرأةٌ من الكنعانيين إسمها كبسى بنة صوريا برأس سبط بن شمعون بن يعقوب وهو زمري بن شولوا فقام إليها فأخذ بيدها حتى أعجبه جمالها، ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى فقال: إني لأظنك يا موسى ستقول هذا حرامٌ عليك! فقال موسى: أجل إنها حرام فلا تقربها، فقال: والله لا أطيعك في هذا؛ ثم دخل بها قبته فوقع عليها. فأرسل الله عز وجل الطاعون في بني إسرائيل. وكان فنحاص بن العيزار بن هارون، وهو صاحب أمر موسى، وكان رجلاً قد أوتي بسطةً في الخلق وقوةً في البطش، وكان غائباً حين صنع زمري بن شولوا ما صنع؛ فجاء والطاعون قد وقع في بني إسرائيل، فأخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت حربته من حديد كلها، فدخل عيلهما القبة وهما مضطجعان فانتظمهما بحربته ثم خرج بهما وقد رفعهما إلى السماء بحربته قد أخذها بذراعيه واعتمد بمرفقيه على خاصرته وأسند الحربة إلى لحيته فجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن عصاك. فرفع الله عز وجل الطاعون بينهم. فحسب من هلك في الطاعون سبعون ألفاً من بني إسرائيل. فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحةٍ يذبحونها القبة والذراع واللحي لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعيه وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من أموالهم وأنفسهم لأنك كان البكر من ولد هارون. وقال بعض الرواة: إن بلعم أخذ أسيراً فأتي به موسى - على نبينا وعليه الصلاة السلام - فقتله. وهكذا كانت سنتهم، وفيه نزلت " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا " إلى قوله " لعلهم

بنان بن حازم أبو عبد السلام

يتفكرون " فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عما مضى فيهم إلا نبي يأتيه خبر السماء. وروي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال، إن كان قاله: كان مثل بلعم بن باعوراء في بني إسرائيل كمثل أمية بن أبي الصلت في هذه الأمة. بنان بن حازم أبو عبد السلام حدث ببعلبك عن ثور بن يزيد عن مدرك بم عبد الله الكلاعي عن كعب قال: إن خيار هذه الأمة خيار الأولين والآخرين، إن من هذه الأمة رجالاً إن أحدهم ليخر ساجداً لا يرفع رأسه حتى يغفر الله لمن خلفه فضلاً عنه. وكان كعب يتحرى الصفوف المؤخرة رجاء أن يكون من أولئك. بندار بن عبد الله الهمذاني الصوفي حدث بدمشق عن أبي الحسن عبد العزيز بن داود بسنده، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله لا ينز ع العلم من الناس بعد أن يعطيهم إياه، ولكن يذهب بالعلماء، كلما ذهب بعالم أذهب ما معه من العلم، حتى يبقى من لا يعلم فيضلوا ". وفي رواية " فيضلوا ويضلوا ". بندار بن عمر بن محمد بن أحمد أبو سعيد التميمي الروياني. قدم دمشق وحدث بها وبغيرها. حدث عن أبي محمد عبد الله بن جعفر الخبازي بسنده، عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خمس ليال لا ترد فيهن الدعوة: أول ليلةٍ من رجب؛ وليلة النصف من شعبان؛ وليلة الجمعة؛ وليلة الفطر؛ وليلة النحر ".

بلال بن جرير بن عطية

بلال بن جرير بن عطية ابن الخطفى، واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة التميمي اليربوعي الكلبي، من البصرة، شاعر بن شاعر. وفد على بعض خلفاء بني أمية. ولي بلال السعاية على تيم والرباب، فمر بمنازل بني تيم بن عبد مناة بن أد، فلبس النساء بتوتهن، ورفعن سجوفهن، وتزين جهدهن وقلن: مرحباً بابن جرير، انزل فلك ما شئت من شواءٍ وأقطٍ وتمرٍ وسمن، فأما الطحين فطار فلا طحين، يردن بذلك ما قال فيهن جرير: إذا أخذت تيميةٌ هادي الرحا ... تنفس قنباها فطار طحينها قال: فاستحيا بلال فعدل عنهن وبه حاجةٌ إلى النزول عندهن. بلال بن الحارث بن عكم ابن سعد بن قرة بن مازن بن خلاوة بن ثعلبة بن ثور، ويقال: بلال ابن الحارث بن عصم بن سعيد، أبو عبد الرحمن المزني. صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من أهل بادية المدينة. شهد الفتح، وكان يحمل أحد ألوية مزينة، وكان فيمن غزا دومة الجندل مع خالد بن الوليد. حدث بلال بن الحارث المزني عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الرجل ليتكلم الكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة؛ وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها من سخطه إلى يوم يلقاه ".

وحدث علقمة بن وقاص الليثي أن بلال بن الحارث المزني قال له: إني رأيتك تدخل على هؤلاء الأمراء وتغشاهم، فانظر ماذا تحاضرهم به، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الخير، ما يعلم مبلغها، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من الشر ما يعلم مبلغها، فيكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه ". فكان علقمة يقول: رب حديثٍ قد حال بيني وبينه ما سمعت من بلال. وحدث علقمة أيضاً قال: أقبلت راكباً وناداني بلال بن الحارث المزني، فوقفت له حتى جاءني فقال: يا علقمة إنك أصبحت اليوم وجهاً من وجه المهاجرين، وإنك تدخل على هذا الإنسان - يعني مروان - وإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يكون بعدي أمراء، من دخل عليهم فليقل حقاً، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة يرضي بها السلطان فيهوي بها أبعد من السماء ". توفي بلال سنة ستين في أواخر أيام معاوية وهو ابن ثمانين سنة. ويقال: إن بلال بن الحارث أول من قدم من مزينة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رجالٍ من مزينة في رجب سنة خمسٍ من الهجرة. وقدم بلال بن الحارث مصر لغزو إفريقية سنة سبعٍ وعشرين. وكانت مزينة في غزو إفريقية أربع مائة، كان لواؤهم على حدة يحمله بلال بن الحارث. قال الواقدي: سمعنا أن بلال بن الحارث أول من قدم من وفد مزينة في رجب سنة خمس، فقال: يا رسول الله إن لي مالاً لا يصلحه غيري، فإنا كان الإسلام لا يكون إلا لمن هاجر بعنا أموالنا ثم هاجرنا؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " حيث ما كنتم اتقيتم الله لم يلتكم من أعمالكم شيئاً ". وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقطع بلال بن الحارث معادن القبيلة جلسيها وغوريها، وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم. وكتب له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلال بن الحارث المزني، أعطاه معادن القبيلة جلسيها وغوريها وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم ".

بلال بن رباح أبو عبد الكريم

الغوري: ما كان من بلاد تهامة، والجلسي: ما كان من أرض نجد. قال عبد الله بن أبي بكر: جاء بلال بن الحارث المزني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاستقطعه أرضاً، فقطعها له طويلةً عريضة، فلما ولي عمر قال له: يا بلال إنك استقطعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرضاً عريضةً طويلةً فقطعها لك، وإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن يمنع شيئاً يسأله، وإنك لا تطيق ما في يديك، فقال: أجل، قال: فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه، وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين، فقال: لا أفعل والله، شيءٌ أقطعنيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال عمر: والله لتفعلنّ. فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين. بلال بن رباح أبو عبد الكريم ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو الحبشي. مولى أبي بكر الصديق، وهو ابن حمامة وهي أمه، مؤذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من المهاجرين الأولين الذين عذبوا في الله عز وجل. سكن دمشق ومات بها سنة عشرين ابن بضعٍ وتسعين. حدث بلال قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ومسح على الخفين والخمار. وروى أبو بكر الصديق عن بلال، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم للأجر ".

شهد بلالٌ بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يعقب. وكان مولدا من مولدي بني جمح، اشتراه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فأعتقه. قال الوضين بن عطاء: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر اعتزلا في الغار، فبينما هما كذلك إذ مر بهما بلال وهو في غنم عبد الله بن جدعان، وبلال مولد من مولدي مكة، قال: وكان لعبد الله بمكة مائة مملوكٍ مولد؛ فلما بعث الله نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بهم فأخرجوا من مكة إلا بلالاً يرعى عليه غنمه تلك؛ فأطلع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأسه من ذلك الغار فقال: " يا راعي، هل من لبن؟ " فقال بلال: ما لي إلا شاةٌ منها قوتي، فإن شئتما آثرتكما بلبنها اليوم، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إيت بها. فجاء بها، فدعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقعبه، فاعتقلها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحلب في القعب حتى ملأه، فشرب حتى روي، ثم حلب حتى ملأه، فسقى أبا بكر، ثم احتلب حتى ملأه فسقى بلالاً حتى روي، ثم أرسلها وهي أحفل ما كانت، ثم قال: " يا غلام، هل لك في الإسلام؟ فإني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". فأسلم، وقال: " أكتم إسلامك ". ففعل وانصرف بغنمه، وبات بها وقد أضعف لبنها، فقال له أهله: لقد رعيت مرعىً طيباً فعليك به، فعاد إليه ثلاثة أيام يستقيهما ويتعلم الإسلام، حتى إذا كان اليوم الرابع، فمر أبو جهل بأهل عبد الله بن جدعان فقال: إني أرى غنمكم قد نمت وكثر لبنها! فقالوا: قد كثر لبنها منذ ثلاثة أيام وما نعرف ذلك منها! فقال: عبدكم ورب الكعبة يعرف مكان ابن أبي كبشة، فامنعوه أن يرعى ذلك المرعى؛ فمنعوه من ذلك المرعى. ودخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة فاختفى في دارٍ عند المروة، وأقام بلالٌ على إسلامه، فدخل يوماً الكعبة وقريشٌ في ظهرها لا يعلم، فالتفت فلم ير أحداً، أتى الأصنام وجعل يبصق عليها ويقول: خاب وخسر من عبدكن فطلبته قريشٌ فهرب حتى دخل دار سيده عبد الله بن جدعان فاختفى فيها، ونادوا عبد الله بن جدعان فخرج فقالوا: أصبوت؟ قال: ومثلي يقال له هذا! فعلي نحر مائة ناقةٍ للات والعزى، قالوا: فإن أسودك صنع كذا وكذا، فدعا

به، فالتمسوه فوجدوه، فأتوه به فلم يعرفه، فدعا خوليه فقال: من هذا؟ ألم آمرك أن لا يبقى بها أحداً من مولديها إلا أخرجته؟ فقال: كان يرعى غنمك، ولم يكن أحدٌ يعرفها غيره؛ فقال لأبي جهل وأمية بن خلف: شأنكما به فهو لكما، اصنعا به ما أحببتما. فخرجا به إلى البطحاء يبسطانه على رمضائها، ويجعلان رحاً على كتفيه ويقولان: اكفر بمحمد، فيقول: لا، ويوحد الله، فبينما هما كذلك إذ مر بهما أبو بكر، فقال: ما تريدان بهذا الأسود؟ والله ما تبلغان به ثأراً، فقال أمية بن خلف لأصحابه: ألا ألعبنكم بأبي بكر لعبةً ما لعبها أحدٌ بأحد، ثم تضاحك وقال: هو على دينك يا أبا بكر فاشتره منا، فقال: نعم، فقال: أعطني عبدك نسطاساً - ونسطاس عبد لأبي بكر، حداد يؤدي خراجه نصف دينار - فقال أبو بكر: إن فعلت تفعل؟ قال: نعم، قال: فذلك لك، قال: فتضاحك وقال: لا والله حتى تعطين ابنته مع امرأته، قال: إن فعلت تفعل؟ قال: نعم، قال: قد فعلت، قال: فتضاحك وقال: لا والله حتى تزيدني معه مائتي دينار، قال أبو بكر أنت رجلٌ لا تستحي من الكذب، قال: لا واللات والعزى، لئن أعطيتني لأفعلن، فقال: هي لك، فأخذه. قال زر: قال عبد الله: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأبو بكر، وعمار وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمنعه الله بعمه أبي طالب؛ وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد وصفدوهم في الشمس؛ وما منهم أحدٌ إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالاً، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحدٌ أحد.

قال عمرو بن عبسة: أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: من تابعك على أمرك؟ قال: " حرٌّ وعبد ". يعني أبا بكر وبلالاً، فكان عمر يقول بعد ذلك: ولقد رأيتني وإني لربع الإسلام. وحدث هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر ببلال وهو يعذب على الإسلام وهو يقول: أحدٌ أحد، فيقول ورقة: أحدٌ أحد والله يا بلال! ثم يقبل على من يفعل ذلك به من بني جمح وعلى أمية فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حناناً، يقول: لأتمسحن به. قال عامر: كان موالي بلال يأخذونه فيضجعونه في الشمس ثم يأخذون الحجر فيضعونه على بطنه ويعصرونه ويقولون: دينك اللات والعزى، فيقول: ربي الله، ويقول: أحدٌ أحد، فقال: وايم الله لو أعلم كلمةً هي أغلظ لكم منها لقلتها، قال: فمر أبو بكر الصديق بهم، فقالوا: يا أبا بكر أل تشتري أخاك في دينك؟ قال: بلى، فاشتراه بأربعين أوقية فأعتقه. وفي حديث آخر: أن أبا بكرٍ قال لعباس: اشتر أنت بلالاً، فاشتراه وبعث به إلى أبي بكر فأعتقه؛ فكان يؤذن لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما مات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد أن يخرج إلى الشام فقال أبو بكر: بل عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله فذرني أذهب إلى الله. قال: فخرج إلى الشام فأقام بها حتى مات. وقيل: إن أبا بكر رضي الله عنه اشتراه بسبع أواقي ثم أعتقه، ثم انطلق إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله اشتريت بلالاً، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الشركة يا أبا بكر ". فقال: قد أعتقته

يا رسول الله، فبلغ أبا بكر أنهم قالوا: اشتراه منا بسبع أواقي، لو أبى إلا أوقية لبعناه إياه. فقال أبو بكر: لو أبوا إلا مائة أوقية لاشتريته بها. قال مسلم بن صبيح: قال أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنا قد كثرنا فلوا أمرت كل عشرةٍ منا فبيتوا رجلاً من صناديد قريش ليلاً فأخذوه فقتلوه، فتصبح البلاد لنا؟ فسر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك حتى رئي في وجهه، فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله، أبناؤنا، آباؤنا، إخواننا، فما زال عثمان يردد ذلك حتى ساء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قولهم الأول، ورئي في وجهه حتى رفض ذلك، وأخذنا المشركون حين أمسينا، فما من أحدٍ من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا قد أعطى الفتنة غير بلال قال: الأحد الأحد. حدث الأصمعي عن العمري قال: أول من أذن بلال، وأول من ابتنى مسجداً يصلى فيه عمار بن ياسر، وأول من رمى بسهم في سبيل الله سعد بن أبي وقاص وأول من تغنى بالحجاز المصطلق أبو خزاعة، وإنما سمي المصطلق لحسن صوته. وفي حديث آخر: وأول من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد بن الأسود، وأول من أفشى بمكة القرآن عبد الله بن مسعود، وأول من استشهد من المسلمين يوم بدر مهجع مولى عمر، وأول حيٍّ آلفوا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جهينة، وأول حيٍّ أدوا الزكاة طائعين من أنفسهم بنو عذرة بن سعد. وعن خباب بن الأرت في قوله عز وجل " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " إلى " الظالمين " قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا

النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعداً مع بلال وصهيب وخباب وناسٍ من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فخلوا به فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً يعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب ترد عليك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فأقعدهم إن شئت. قال: " نعم ". قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل عليه السلام " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيءٍ فتطردهم فتكون من الظالمين " ثم قال: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلامٌ عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " فرمى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: " سلامٌ عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " فدنونا منه يومئذٍ حتى وضعنا ركبنا على ركبته، فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجلس معنا، فإذا أراد يقوم قام وتركنا، فأنزل الله عز وجل: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا " قال: تجالس الأشراف " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا " قال: عيينة والأقرع " واتبع هواه وكان أمره فرطا " قال: هلاكاً. ثم ضرب لهم مثلاً رجلين كمثل الحياة الدنيا، قال: فكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقعد معنا، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه، وإلا صبر أبداً حتى نقوم. قالت عائشة: لما قدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وعك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: " من الرجز " كل امرئ مصبحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله قال: وكان بلال إذا أقلع عنه رفع عقيرته يقول: " من الطويل "

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعها ومدها، وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة ". وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اشتاقت الجنة إلى ثلاثة: إلى علي، وعمار، وبلال ". وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنه لم يكن نبيٌ قبلي إلا قد أعطي سبعة رفقاء نجباء وزراء، وإني أعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر وعليٌ وحسن وحسين وأبو بكر وعمر والمقداد وحذيفة وسلمان وعمار وبلال "، سقط ذكر ابن مسعود وأبي ذر، وهما تمام الأربعة عشر. وعن أبي هريرة قال: قال نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبلال عند صلاة الفجر: " يا بلال أخبرني بأرجى عملٍ عملته منفعةً في الإسلام، فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة؟ " قال: ما عملت يا رسول الله في الإسلام عملاً أرجى عندي منفعةً من أني لم أتطهر طهوراً تاماً قط في ساعةٍ من ليلٍ أو نهار إلا صليت بذلك الطهور لربي ما كتب لي أن أصلي. قال بريدة: أصبح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدعا بلالاً فقال: " يا بلال بم سبقتني إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك، فأتيت على قصرٍ من ذهب مربعٍ مشرف، فقلت: لمن هذا القصر؟ " قالوا: لرجل من العرب، قلت: " أنا عربي، لمن هذا القصر؟ " قالوا: لرجل من المسلمين من أمة محمد، قلت: " فأنا محمد لمن هذا القصر؟ " قالوا: لعمر بن الخطاب، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لولا غيرتك يا عمر

لدخلت القصر ". فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، قال: وقال لبلال: " بم سبقتني إلى الجنة؟ " قال: ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بهذا ". وفي رواية: ولا أذنت قط إلا صليت ركعتين، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بها ". وعن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " دخلت الجنة فرأيت امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفةً أمامي فقلت: ما هذا يا جبريل؟ " قال: بلال. خشفة: أي صوت. وعن سويد بن عمير قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " حوضي أشرب منه يوم القيامة ومن اتبعني من الأنبياء، ويبعث الله ناقة ثمود لصالح فيحتلبها فيشربها والذين آمنوا معه حتى يوافوا بها الموقف معه ولها رغاء ". قال: فقال له رجلٌ من القوم وأظنه معاذ بن جبل: يا رسول الله وأنت يومئذ على العضباء؟ قال: " لا ابنتي فاطمة على العضباء، وأحشر أنا على البراق فأختص به دون الأنبياء ". قال: ثم نظر إلى بلال فقال: " يحشر هذا على ناقةٍ من نوق الجنة، فيقدمنا بالأذان محضاً، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله قالت الأنبياء مثلها: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، فمن مقبولٍ منه ومردودٍ عليه "، قال: " فيتلقى بحلة من حلل الجنة، وأول من يكسى يوم القيامة من حلل الجنة بعد الأنبياء الشهداء وصالح المؤذنين ". وفي رواية: " وأول من يكتسي من حلل الجنة بعد النبيين والشهداء بلال وصالح المؤذنين ". وعن ابن عمر أنه قال: أبشر يا بلال، فقال: بم تبشرني يا عبد الله بن عمر؟ فقلت: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يجيء بلالٌ يوم القيامة معه لواءٌ يتبعه المؤذنون حتى يدخلهم الجنة ".

وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نعم المرء بلال، ولا يتبعه إلا مؤمن، وهو سيد المؤذنين، والمؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة ". وعن أنسٍ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يحشر المؤذنون يوم القيامة على نوقٍ من نوق الجنة، يقدمهم بلال رافعي أصواتهم بالأذان، ينظر إليهم الجمع، فيقال: من هؤلاء؟ فيقال: مؤذنو أمة محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون ". وعن سليمان بن بريدة قال: دخل بلالٌ على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يتغدى، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الغداء يا بلال ". قال: إني صائم يا رسول الله، قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نأكل رزقنا، وفضل رزق بلال في الجنة، أشعرت يا بلال أن الصائم تسبح عظامه وتستغفر له الملائكة ما أكل عنده ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اتخذوا السودان فإن ثلاثةً منهم من سادات الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي؛ وبلال المؤذن ". قال الطبراني: أراد الحبش. وفي روايةٍ في حديثٍ آخر: " سادة السودان أربعة: لقمان الحبشي؛ والنجاشي؛ وبلال؛ ومهجع ". وعن عائذ بن عمرو، قال: مر أبو سفيان ببلال وسلمان وصهيب فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق هذا بعد مأخذها، فقال أبو بكر الصديق: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها! فذهب أبو بكرٍ إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره بذلك فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ". قال: فرجع أبو بكر فقال: يا إخوة! لعلكم غضبتم؟ قالوا: يغفر الله لك يا أبا بكر.

وعن امرأة بلالٍ: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاها فسلم فقال: " أثمّ بلال؟ " فقالت: لا، قال: " فلعلك غضبى على بلال؟ " قالت: إنه يجيئني كثيراً فيقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما حدثك عني بلالٌ فقد صدقك بلال، بلال لا يكذب، لا تغضبي بلالاً، فلا يقبل منك عملٌ ما أغضبت بلالاً ". حدث زيد بن أسلم أن بني أبي البكير جاؤوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: زوج أختنا فلاناً، فقال لهم: " أين أنتم عن بلال؟ " ثم جاؤوا مرةً أخرى فقالوا: يا رسول الله أنكح أختنا فلاناً، فقال: " أين أنتم عن بلال؟ " ثم جاؤوا الثالثة فقالوا: أنكح أختنا فلاناً، فقال: " أين أنتم عن بلال، أين أنتم عن رجل من أهل الجنة! " قال: فأنكحوه. وعن أبي أمامة قال: عير أبو ذرٍ بلالاً بأنه فقال: يا بن السوداء! وأن بلالاً أتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره، فغضب؛ فجاء أبو ذرٍ ولم يشغر، فأعرض عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: ما أعرضك عني إلا شيءٌ بلغك يا رسول الله، قال: " أنت الذي تعير بلالاً بأمه!؟ " قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " والذي أنزل الكتاب على محمد - أو ما شاء الله أن يحلف - ما لأحدٍ على أحدٍ فضلٌ إلا بعمل، إن أنتم إلا كطف الصاع ". وعن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " مثل بلال كمثل نحلةٍ عدت، تأكل من الحلو والمر، ثم هو حلو كله ". وعن بلال قال: مررت على فاطمة - عليها سلام الله - وهي تعالج الرحا، قال: وابنها الحسين يبكي، قال: وحانت الصلاة، قال بلال: فقلت لفاطمة: أيما أعجب إليك؟ أكفيك الرحا أو الصبي؟ فقالت فاطمة: أنا ألطف بصبيي، قال: فأخذت بقية الطحن فطحنته عنها؛

فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " يا بلال ما حبسك؟ " فقلت: يا رسول الله، مررت على فاطمة وهي تعالج الرحا فأعنتها على طحنها، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رحمتها رحمك الله ". وعن بلالٍ قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا بلال الق الله فقيراً ولا تلقه غنياً ". قال: قلت: وكيف لي بذلك يا رسول الله؟ قال: " إذا رزقت فلا تخبأ، وإذا سئلت فلا تمنع ". قال: قلت: وكيف لي بذلك يا رسول الله؟ قال: " هو ذاك وإلا النار ". وعن مجاهد: في وقله عز وجل: " ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار " قال: يقول أبو جهل: أين بلال أين فلان أين فلان؟ كنا نعدهم في الدنيا من الأشرار، فلا نراهم في النار! أم هم في مكان لا نراهم فيه؟ أم هم في النار لا يرى مكانهم؟!. وفي رواية: أين عمار، أين بلال؟. وفي رواية عن ابن عباس: " كنا نعدهم من الأشرار " خباباً وبلالاً. قال ابن أبي مليكة: لما كان يوم الفتح رقي بلالٌ فأذن على ظهر الكعبة فقال بعض الناس: يا عبد الله، لهذا العبد الأسود أن يؤذن على ظهر الكعبة! فقال بعضهم: إن يسخط الله يغيره، فأنزل الله جل ذكره: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليمٌ خبيرٌ ".

وعن أنس قال: أذن بلالٌ بليل، فأمره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعيد الأذان، فرقي بلال وهو يقول: " من الرجز " ليت بلالاً ثكلته أمه ... وابتل من نضح دمٍ حبينه يرددها حتى صعد، فلما صعد نادى: ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام، فلما انشق الفجر أعاد الأذان. أذن بلالٌ حياة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم أذن لأبي بكر حياته، ثم لم يؤذن زمن عمر، فقال له عمر: ما يمنعك أن تؤذن؟ فقال: إني أذنت لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قبض، وأذنت لأبي بكر حتى قبض لأنه كان ولي نعمتي وقد سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يا بلال، ليس شيءٌ أفضل من عملك إلا الجهاد في سبيل الله ". فخرج مجاهداً. وعن سعد القرظ قال: خرجت مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرأيت الزنج يتراطنون حين رأوه ليس معه أحد، ولم يدر به الناس، قال: فارتقيت على نخلةٍ فأذنت، قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما هذا يا سعد، من أمرك بهذا؟ " قال: قلت: يا رسول الله بأبي وأمي أنت، إني رأيت الزنج يتراطنون ولم يكن معك أحد، فخفتهم عليك، فأردت أن يعلم أنك قد جئت حتى يجتمع الناس؛ فقال: " أصبت، إذا لم يكن معي بلالٌ فأذن ". قال: وكان النجاشي قد أهدى له عنزتين فأعطى بلالاً واحدة فكان يمشي بها بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى توفي. قال: فجاء بلالٌ إلى أبي بكر الصديق فقال: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إن أفضل أعمالكم الجهاد في سبيل الله ". وقد أردت الجهاد، فقال له أبو بكر: أسألك بحقي إلا ما صبرت، إنما هو اليوم أو غد حتى أموت؛ فأقامٌ بلالٌ معه يمشي بالعنزة بين يديه حتى توفي أبو بكر، فجاء إلى عمر فقال له كما قال لأبي بكر، فسأله عمر بما سأله أبو بكر، فأبى، فقال: فمن

يؤذن؟ قال: سعد القرظ، فإنه قد كان أذن بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأعطاه العنزة، فمشى بين يدي حتى قتل، ثم بين يدي عثمان. وقيل: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما توفي أذن بلال ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقبر، فكان إذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله انتحب الناس في المسجد، قال: فلما دفن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له أبو بكر: أذن، فقال: إن كنت إنما أعتقتني لأكون معك فسبيل ذلك، وإن كنت أعتقتني لله فخلني ومن أعتقتني له، فقال: ما أعتقتك إلا لله، قال: فإني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: فذلك إليك. قال: فأقام حتى خرجت بعوث الشام، فسار معهم حتى انتهى إليها. وعن أبي الدرداء قال: لما دخل عمر بن الخطاب من فتح بيت المقدس فصار إلى الجابية، سأل بلالٌ أن يقره بالشام، ففعل ذلك، قال: وأخي أبو رويحة الذي آخى بيني وبينه رسول الله؛ فنزل داريا في خولان، فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان فقال لهم: قد أتيناكم خاطبين، وقد كنا كافرين فهدانا الله، ومملوكين فأعتقنا الله، وفقيرين فأغنانا الله؛ فإن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله. فزوجوهما، ثم إن بلالاً رأى في منامه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال! أما آن لك أن تزورني يا بلال!. فانتبه حزيناً وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين، فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: يا بلال نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السحر؛ ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: الله أكبر، الله أكبر ارتجت المدينة، فلما أن قال: أشهد أن لا إله طح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: الله أكبر، الله أكبر ارتجت المدينة، فلما أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله ازداد رجتها فلما أن قال: أشهد أن محمداً رسول الله خرج العواتق من خدورهن وقالوا: أبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!؟ فما رئي يوم أكثر باكياً ولا باكيةً بالمدينة بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك اليوم.

وعن جابر قال: كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، يعني بلالاً. وعن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: ذكر عمر بن الخطاب ذات يوم أبا بكر فجعل يصف مناقبه ثم قال: وهذا سيدنا بلال حسنةٌ من حسنات أبي بكر. وعن سالم: أن شاعراً امتدح بلال بن عبد الله بن عمر فقال في شعره: " من الطويل " بلال بن عبد الله خير بلال فقال له ابن عمر: كذبت، بل بلال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير بلال. وعن أنس بن مالك قال: بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلاً من أصحابه يقال له سفينة بكتابٍ إلى معاذ، إلى اليمن؛ فلما صار في الطريق إذا هو بالسبع رابضٌ في وسط الطريق، فخاف أن يجوز فيقوم إليه فقال: أيها السبع إني رسول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى معاذ، وهذا كتاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى معاذ. قال: فقام السبع فهرول قدامه غلوةٌ ثم همهم، ثم صرخ ثم تنحى عن الطريق؛ فمضى بكتاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى معاذ، ثم رجع بالجواب، فإذا هو بالسبع، فخاف أن يجوز فقال: أيها السبع إني رسول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى معاذ، وهذا جواب كتاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى معاذ، فقام السبع فصرخ ثم همهم ثم تنحى عن الطريق؛ فلما قدم أخبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وتدرون ما قال أول مرة؟ قال: كيف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟ وأما الثانية فقال: أقرئ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وسلمان وصهيباً وبلالاً مني السلام ". روى الأوزاعي: أن بلالاً أتى عمر بن الخطاب فقال: الصلاة، فرددها عليه، فقال له

عمر: نحن أعلم بالوقت منك، قال له بلال: لأنا أعلم بالوقت منك، إذ أنت أضل من حمار أهلك. وحدث ابن مراهن قال: كان أناس يأتون بلالاً فيذكرون فضله وما قسم الله له من الخير، فكان يقول: إنما أنا حبشي كنت بالأمس عبداً. وعن قيس قال: بلغ بلالاً أن ناساً يفضلونه على أبي بكر فقال: كيف تفضلوني عليه وإنما أنا حسنة من حسناته. حدث من رأى بلالاً قال: كان بلال رجلاً آدم، شديد الأدمة، نحيفاً طوالاً، أجنأ له شعر كثير، خفيف العارضين، به شمطٌ كثير، وكان لا يغير. حدث سعيد بن عبد العزيز قال: قال بلال حين حضرته الوفاة: " من الهزج " غداً نلقى الأحبه ... محمداً وحزبه قال: تقول امرأته: واويلاه! قال: يقول هو: وافرحاه!. وكان سعيد بن طلحة من ولد أبي بكر يقول: كان بلال ترب أبي بكر، فكان مولده بعد الفيل بثلاث سنين أو أقل.

بلال بن سعد بن تميم أبو عمرو

بلال بن سعد بن تميم أبو عمرو ويقال أبو زرعة السكوني. إمام الجامع بدمشق، كان أحد الزهاد، له كلامٌ كثير في المواعظ، وليس له عقب. قال أبو مسهر: كان بلال بن سعدٍ بالشام مثل الحسن البصري بالعراق، فكان قارئ الشام، وكان جهير الصوت. حدث بلال بن سعد عن أبيه قال: قلنا يا رسول الله ما للخليفة بعدك؟ قال: " مثل الذي لي ما رحم وأقسط في القسط، وعدل في القسم ". قال الأصمعي: كان بلال بن سعد يصلي الليل أجمع، فكان إذا غلبه النوم في الشتاء - وكان في داره بركة ماء - فيجيء فيطرح نفسه مع ثيابه في الماء حتى ينفر عنه النوم. فعوتب في ذلك، قال: ماء البركة في الدنيا خيرٌ من صديد جهنم. قال الأوزاعي: كان بلال بن سعد من العبادة على شيء لم يسمع بأحدٍ من الأمة قوي عليه؛ كان له في كل يوم وليلة ألف ركعة. قال أبو عمرو: سمعت بلال بن سعد يقول في مواعظه: والله لكفى به ذنباً أن الله عز وجل يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها، زاهدكم راغب، وعالمكم جاهل، ومجتهدكم مقصر. قال بلال بن سعد: أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله، خيرٌ لك من أخٍ كلما لقيك وضع في كفك ديناراً.

وكان يقول: لا تكن ولياً لله في العلانية وعدوه في السر. وكان يقول: لا تكن ذا وجهين وذا لسانين، فتظهر للناس أنك تخشى الله فيحمدوك وقلبك فاجر. وكان يقول: إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تغير ضرت العامة. وكان يقول: أيها الناس إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما خلقتم للبقاء، وإنما تنقلون من دارٍ إلى دار، كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى جنةٍ أو نار. وكان يقول في موعظته: عباد الرحمن، اعلموا أنكم تعملون في أيامٍ قصار لأيام طوال، في دار زوال لدار مقام، ودار حزنٍ ونصب، لدار نعيمٍ وخلد، ومن لم يعمل في اليقين فلا يتعبنّ. وكان يقول: عباد الرحمن، أشفقوا من الله واحذروا، ولا تأمنوا مكر الله ولا تقنطوا من رحمة الله، واعلموا أن لنعم الله عز وجل عندكم ثمناً، فلا تشبهوا على أنفسكم تعملون عملاً لله لثواب الدنيا، ومن كان كذلك فوالله لقد رضي بقليل حيث استغنيتم باليسير من عرض الدنيا، ولم ترضوا ربكم فيها، ورفضتم ما يبقى لكم، وكفاكم منه يسير. وكان يقول: عباد الرحمن، أما ما وكلكم الله به فتطيعون، وأما ما تكفل الله لكم به فتطلبون! ما هكذا نعت الله عباده الموقنين؛ ذوو عقولٍ في طلب الدنيا وبلهٌ عما خلقتم له! فكما ترجون رحمة الله بما تؤدون من طاعته، فكذلك أشفقوا من عذاب الله بما تنتهكون من معاصي الله.

بلال بن أبي بردة عامر بن عبد الله

وكان يقول: من سبقك إلى الود فقد استرقك بالشكر. وكان يقول: من سبق إحسانه إليك فقد استرقك شكره. قال بلال بن سعد: لما حضرت أبي الوفاة قال: اجمع لي بنيك، فألبستهم ثياباً بيضاً ثم جئت بهم، فقال: اللهم إني أعيذهم بك من الكفر، ومن ضلالة العمل، ومن السباء والفقر إلى بني آدم. وكان بلال يقول: لا تنظر إلى صغر خطيئتك، ولكن انظر إلى من عصيته. قال سعيد بن عبد العزيز: رمي بلال بن سعد بالقدر، فأصبح فتكلم في قصصه فقال: رب مسرور مغبون، والويل لمن له الويل ولا يشعر، يأكل ويشرب وقد حق عليه في علم الله أنه من أهل النار. بلال بن أبي بردة عامر بن عبد الله أبي موسى بن قيس، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله الأشعري البصري. ولي إمرة البصرة. حدث عن أبيه عن جده، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ما من مسلمين تواجها بسيفهما فقتل أحدهما الآخر إلا دخلا النار جميعاً ". فقيل له: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: " إنه أراد قتل صاحبه ". وحدث أيضاً عن أبيه عن جده أبي موسى الأشعري، أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ما من وصبٍ يصيب العبد في دار الدنيا، ولا نكبة، ولا ما يصيبه في دار الدنيا إلا كان كفارةً لذنبٍ قد سلف منه، ولم يكن الله ليعود في ذنبٍ قد عاقب منه ". جاء رجلٌ إلى بلال بن أبي بردة، فسعى برجل؛ فقال لصاحب شرطته: سل عنه،

فسأل عنه فقال: أصلح الله الأمير، إنه ليقال فيه، فقال: الله أكبر، حدثني أبي عن جدي أبي موسى قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يسعى بالناس إلا ولد زنى ". قال جويرة بن أسماء: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة وفد عليه بلال بن أبي بردة فهنأه، فقال: من كانت الخلافة - يا أمير المؤمنين - شرفته فقد شرفتها، ومن كانت زانته فقد زنتها، وأنت - والله - كما قال مالك بن أسماء: " من الخفيف " وتزيدين طيب الطيب طيباً ... إن تمسيه أين مثلك أينا وإذا الدر زان حسن وجوهٍ ... كان للدر حسن وجهك زينا فجزاه عمر خيراً؛ ولزم بلالٌ المسجد يصلي، ويقرأ ليله ونهاره؛ فهم عمر أن يوليه العراق، ثم قال: هذا رجل له فضل، فدس إليه ثقةً له فقال له: إن عملت لك في ولاية العراق ما تعطيني؟ فضمن له مالاً جليلاً؛ فأخبر بذلك عمر، فنفاه وأخرجه وقال: يا أهل العراق إن صاحبكم أعطى مقولاً ولم يعط معقولاً، وزادت بلاغته ونقصت رادته. وكان بلال بن أبي بردة يقول: يا معشر الناس، لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون. وقال بلال بن أبي بردة: رأيت عيش الدنيا في ثلاثة: امرأة تسرك إذا نظرت إليها، وتحفظ غيبك إذا غبت عنها؛ ومملوكٌ لا تهتم بشيءٍ معه وقد كفاك جميع ما ينوبك، فهو يعمل على ما تهوى، كان قد علم ما في نفسك؛ وصديقٌ قد وضع مؤنة الحفظ عنك فيما بينك وبينه، فهو لا يتحفظ في صداقتك ما يرصد به عداوتك، يخبرك بما في نفسه، وتخبره بما في نفسك. دخل مالك بن دينار على بلال بن أبي بردة فقال له: يا أبا يحيى ادع الله لي، فقال له: ما ينفعك دعائي لك وعلى بابك أكثر من مائتين يدعون عليك!.

قال محمد بن واسع: دخلت على بلال بن أبي بردة فقلت له: يا بلال إن أباك حدثني عن أبيه، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن في جهنم وادياً يقال له: هبهب، حقاً على الله أن يسكنه كل جبار ". وإياك يا بلال أن تكون ممن يسكنه. قال المدائني: أرسل بلال إلى قصابٍ في جواره في السحر، قال: فدخلت عليه وبين يديه كانون، وفي صحن الدار تيسٌ ضخم، فقال: أخرج الكانون واذبح التيس واسلخه وكبب لحمه، ففعلت، ودعا بخوانٍ فوضع بين يديه، وجعلت أكبب اللحم، فإذا استوى منه شيء وضعته بين يديه يأكله حتى تعرقت له لحم التيس، فلم يبق إلا بطنه وعظامه، وبقيت بضعةٌ على الكانون فقال لي: كلها، فأكلتها، وجاءت جارية بقدر فيها دجاجتان وناهضتان، ومعه صحفةٌ مغطاة لا أدري ما فيها، فقال: ويحك ما في بطني موضع، فضعيها على رأسي، فضحك إلى الجارية وضحكت إليه ورجعت، ثم دعا بشرابٍ فشرب منه خمسة أقداح، وأمر لي منها بقدح فشربته، ثم قال: الحق بأهلك. وكان بلال يخاف الجذام، فوصف السمن يستنقع به، فكان يقعد فيه ثم يبيعه؛ فترك أهل البصرة أكل السمن وشراءه إلا ممن كان يسليه في منزله. وكان بلال موصوفاً بالبخل على الطعام. قال ابن سلام: أمر بلال بن أبي بردة بالتفريق بين رجلٍ وامرأته، فقالت: يا آل أبي موسى، إنما خلقكم الله للتفريق بين المسلمين، أرادت ما صنع أبو موسى بعليٍّ ومعاوية. قال أبو زيد الأنصاري: دعا ابن أبي بردة أبا علقمة، فلما دخل عليه قال: تدري لم أرسلت إليك؟ قال: لا، قال: لأسخر بك، فقال أبو علقمة: لئن فعلت ذلك لقد سخر أحد الحكمين بصاحبه، فلعنه ابن أبي بردة وأمر بحبسه، فمكث أياماً ثم أخرجه يوم السبت، فلما وقف بين يديه

بلال بن أبي هريرة الدوسي

قال له: يا أبا علقمة ما هذا الذي في كمك؟ قال: طرف من طرف السجن، قال: أفلا تهب لنا منه؟ قال: هذا يوم لا نأخذ فيه ولا نعطي، فقال له، ما أبردك وأثقلك يا أبا علقمة! قال: أبرد مني وأثقل مني من كانت جدته يهوديةٌ من أهل السواد. وروي: أن بلالاً إنما قتله دهاؤه؛ وذلك أنه قال للسجان: خذ مني مائة ألف درهم وتعلم يوسف أني قد مت، وكان يوسف إذا أخبر عن محبوسٍ أنه قد مات أمر بدفعه إلى أهله، فطمع بلال أن يأمر يوسف بدفعه إلى أهله، قال السجان: كيف تصنع إذا دفعت إلى أهلك؟ قال: لا يسمع لي يوسف بخبرٍ ما دام والياً؛ فأتى السجان يوسف بن عمر فقال له: إن بلالاً قد مات، فقال: أرنيه ميتاً فإني أحب أن أراه ميتاً، فجاء السجان فألقى عليه شيئاً غمه حتى مات، ثم أراه يوسف. بلال بن أبي هريرة الدوسي صاحب سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شهد مع معاوية صفين، وجعله على بعض رجالته، وبقي إلى أيام سليمان بن عبد الملك. حدث عن أبيه، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يخرج الدجال من هاهنا، وأشار نحو المشرق ". وروي عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتي بصحفةٍ تفور، فرفع يده منها ثم قال: " إن الله لم يطعمنا ناراً ". بلال بن عويمر أبي الدرداء أبو محمد الأنصاري القاضي ويقال: كان أميراً ببعض الشام، وهو في عداد أهل دمشق. حدث عن أبيه أبي الدرداء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " حبك الشيء يعمي ويصم ".

وحدث أيضاً عن أبيه أبي الدرداء قال: " ما أمكنهم من دمائكم فبما غيرتم من أعمالكم، فإن يك خيراً فواهاً واهاً، وإن يك شراً فآهاً آهاً ". هكذا سمعت من نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال أبو سليمان الخطابي: قوله: واهاً. إنما يقال ذلك على التمني للخير، قال الشاعر: " من الرجز " واهاً لريا ثم واهاً واها وقوله لآهاً: إنما يقال ذلك في التوجع، قال نابغة بني شيبان: " من الخفيف " أقطع الليل آهةً وحنيناً ... وابتهالاً لله أي ابتهال توفي بلال بن أبي الدرداء في آخر سنة ثلاثٍ وتسعين.

أسماء النساء على حرف الباء

أسماء النساء على حرف الباء بثينة بنت حبا بن ثعلبة بن الهوذ ابن عمرو بن الأحب بن حن بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة؛ أم عمرو، ويقال: أم الوليد، ويقال: أم عبد الملك، ويقال: أم المسور العذرية، صاحبة جميل بن معمر، وفدت على عبد الملك، ويقال: إن لأبيها حبا صحبة؛ وكان زوجها بنبيه بن الأسود العذري والد سعيد بن الأسود، ويقال: هي بنت خالة جميل. قال محمد بن يزيد المبرد: دخلت بثينة على عبد الملك، فأحد النظر إليها ثم قال: يا بثينة ما رأى فيك جميل حين قال ما قال؟ قالت: ما رأى الناس فيك حين ولوك الخلافة يا أمير المؤمنين؟ قال: فضحك عبد الملك حتى بدت سنٌ له كان يخفيها، فما ترك لها من حاجةٍ إلا قضاها. قال أبو عثمان المازني: حج عبد الملك بن مروان فنزل بوادي القرى، فدخلت عليه بثينة عليها ثيابٌ من ثياب البادية، وعلى وجهها برقع، فقال: أقسمت عليك إلا نحيت البرقع عن وجهك،

ففعلت، فإذا وجهٌ ليس ببارع الجمال، وعليه أثر كلفة، قال: ما أراك كما قال جميل: " من الكامل " بيضاء آنسة كأن حديثها ... درٌ تهلّل سلكه منثور ولقد طربت إليك حتى إنني ... لأكاد من طربٍ إليك أطير ما أنت يا بثينة بهذه الصفة! قالت: يا أمير المؤمنين لكنني كنت عنده كذلك، أما سمعت قول ابن أبي ربيعة: " من الرمل " ولقد قالت لأترابٍ لها ... وتعرت ذات يومٍ تبترد أكما ينعتني تبصرنني ... عمركن الله أم لا يقتصد فتضاحكن وقد قلن لها ... حسنٌ في كل عينٍ من تود فبرها وقضى حوائجها. كانت عزة كثير وبثينة تتحدثان، فأقبل كثيرٌ نحوهما، فقالت بثينة لعزة: استخفي حتى أولع بكثير، فتوارت، فأتى فسلم، فردت بثينة عليه السلام وقالت له: أما آن لك أن تشبب بنا فأنشأ يقول: " من الطويل " رمتني على قربٍ بثنية بعدما ... تولى شبابي وارجحنّ شبابها بعينين نجلاوين لو رقرقتهما ... لنوء الثريا لاستهل سحابها قال: فأطلعت عزة رأسها فقال: ولكنما ترمين نفساً مريضةً ... لعزة منها ودها ولبابها قال أدهم التميمي: لقيت كثير عزة في البادية فقال: لقيني جميل بن معمر في هذا الموضع وأنا جاءٍ من عند أبي بثينة صاحبته، فقال: من أين يا كثير؟ فقلت: من عند أبي الحبيبة - يعني

صاحبته - قال: وأين تريد؟ فقلت: أريد الحبيبة - يعني عزة - فقال: ارجع من حيث جئت. وواعد بثينة، فقلت: لا أقدر، من عندهم جئت وإذا رجعت من ساعتي اتهمني أبوها؛ فقال: لابد، فقلت: متى كان آخر عهدك بهم؟ قال: بالدوم وهم يرحضون أثواباً لهم، قال: فرجعت، فلما رآني أبو بثينة قال: يا كثير أليس كنت عندنا الآن؟ قلت: بلى ولكن ذكرت أبياتاً قلتها في عزة فأحببت أن أنشدك إياها، قال: وما هي؟ قال: وبثينة في خيمةٍ من وراء خيمته فأنشدته: " من الطويل " فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... إليّ رسولاً والموكل مرسل بأن تجعلي بيني وبينك موعدا ... وأن تأمريني بالذي فيه أفعل وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل قال: فضربت بثينة بيدها على الخباء وقالت: اخسأ، اخسأ، فقال أبوها: ما هذا يا بثينة؟ قالت: كلبٌ يأتينا من وراء الرابية إذا نام الناس يؤذينا، قال: فرجعت إلى جميل فقلت: قد وعدتك من وراء الرابية إذا نام الناس. روى بعض أهل العلم لبثينة: " من الطويل " تواعدني قومي بقتلي وقتله ... فقلت اقتلوني واخرجوه من الذنب ولا تتبعوه بعد قتلي أذيةً ... كفى بالذي يلقاه من شدة الحب لما مات جميل بن معمر رثته بثينة بهذين البيتين، وقيل: إنهما لم تقل غيرهما: " من الطويل " وإن سلوي عن جميلٍ لساعةٌ ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها سواءٌ علينا يا جميل بن معمرٍ ... إذا مت بأساء الحياة ولينها

بحرية بنت هانئ بن قبيضة

بحرية بنت هانئ بن قبيضة ابن مسعود الشيبانية، امرأة عبيد الله بن عمر، كانت حازمة عاقلة، ووردت معه الشام، وكانت معه بصفين حين قتل. حدثت بحرية بنت هانئ: أنها زوجت نفسها من القعقاع بن شور، وبات عندها ليلةً وجاء أبوها فاستعدى علياً فقال: أدخلت بها؟ قال: نعم، فأجاز النكاح. حدث يزيد بن يزيد بن جابر أن معاوية دعا عبيد الله بن عمر فقال: إن علياً كما ترى في بكر بن وائل، قد حامت عليه، فهل لك أن تسير في الشهباء قال: نعم، فرجع عبيد الله إلى خبائه فلبس سلاحه ثم إنه فكر وخاف أن يقتل مع معاوية على حاله، فقال له مولى له: فداك أبي إن معاوية إنما يقدمك للموت، إن كان لك الظفر فهو يلي، وإن قتلت استراح منك ومن ذكرك، يقال: ابن عمر بن الخطاب، فأطعني واعتل؛ قال: ويحك قد عرفت ما قلت، فقالت له امرأته بحرية بنت هانئ: ما لي أراك مشمراً؟ قال: أمرني أمير المؤمنين أن أسير في الشهباء، قالت: هو والله مثل التابوت لم يحمله أحدٌ قطٌّ إلا قتل، أنت تقتل وهو الذي يريد معاوية، قال: اسكتي والله لأكثرن من القتل في قومك اليوم، فقالت: لا تقل هذا، خدعك معاوية، وغرك من نفسك، وثقل عليه مكانك، قد أبرم هذا الأمر هو وعمرو بن العاص قبلاليوم فيك، لو كنت مع عليٍّ أو جلست في بيتك كان خيراً لك؛ قد فعل ذلك أخوك وهو خير منك، قال: اسكتي - وهو يبتسم ضاحكاً - لترينّ الأسارى من قومك حول خبائك هذا، قالت: والله لكأني راكبةٌ دابتي إلى قومي أطلب جسدك لأن أورايه؛ إنك مخدوع، إنما تمارس قوماً غلب الرقاب، فيهم الحرون، ينظرونه نظر القوم إلى الهلال، لو أمرهم ترك الطعام والشراب ما ذاقوه؛ قال: أقصري من العذل، فليس لك عندنا طاعة. فرجع عبيد الله إلى معاوية فضم إليه الشهباء، وهم اثنا عشر ألفاً، وضم

برق الأفق المدنية

إليه ثمانية آلاف من أهل الشام فيهم ذو الكلاع في حمير؛ فقصدوا يؤمون علياً فلما رأتهم ربيعة جثوا على الركب وشرعوا الرماح، حتى إذا غشوهم ثاروا إليهم واقتتلوا أشد القتال، ليس فيهم إلا الأسل والسيوف؛ وقتل عبيد الله، وقتل ذو الكلاع؛ والذي قتل عبيد الله زياد بن خصفة التيمي، فقال معاوية لامرأة عبيد الله: لو أتيت قومك فكلمتهم في جسد عبيد الله بن عمر؟ فركبت إليهم ومعها من يجيرها، فأتتهم فانتسبت، فقالوا: قد عرفناك، مرحباً بك فما حاجتك؟ قالت: هذا الذي قتلتموه، فأذنوا لي في حمله، فوثب شبابٌ من بكر بن وائل فوضعوه على بغل، وشدوه، وأقبلت امرأته إلى عسكر معاوية، فتلقاها معاوية بسريرٍ فحمله عليه وحفر له وصلى عليه ودفنه ثم جعل يبكي ويقول: قتل ابن الفاروق في طاعة خليفتكم حياً وميتاً، وإن كان الله قد رحمه ووفقه للخير، قال: تقول بحرية وهي تبكي عليه، وبلغها ما يقول معاوية فقالت: أما أنت فقد عجلت له يتم ولده وذهاب نفسه، ثم الخوف عليه لما بعد أعظم الأمر. فبلغ معاوية كلامها فقال لعمرو بن العاص: ألا ترى ما تقول هذه المرأة؟ فأخبره فقال: والله لعجبٌ لك ما تريد أن يقول الناس شيئاً! فوالله لقد قالوا في خير منك ومنا، فلا يقولون فيك أيها الرجل، إن لم تغض عما ترى كنت في نفسك في غم. قال معاوية: هذا والله رأيي الذي ورثت من أبي. برق الأفق المدنية قال دحمان الأشقر: كتب عامل الحجاز إلى عبد الملك بن مروان: إن بالحجاز رجلاً يقال له ابن مسجح، أسود يغني، وقد أفسد رهبان قريش، وأنفقوا عليه أموالهم. فكتب إليه في نفيه عن الحجاز وأخذ ماله، فنفي، فخرج إلى الشام في صحبة رجلٍ له جوارٍ مغنيات، فكان معه حتى بلغا دمشق، فدخلا مسجدها فسألا من حضر عن أخص الناس بالخليفة؟ فقالوا:

هؤلاء النفر من قريش وأخصهم بنو عمه؛ فعمد ابن مسجح إلى القرشيين فسلم عليهم وقال لهم: يا فتيان هل فيكم من يضيف رجلاً غريباً من أهل الحجاز؟ فنظر بعضهم إلى بعض، وكانوا قد تواعدوا أن يذهبوا إلى قينةٍ يقال لها برق الأفق، فتثاقلوا به إلا فتى منهم تذمم فقال: أنا أضيفك، وقال لأصحابه: انطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفي، فقالوا له: لا، بل تجيء أنت وضيفك، فذهبوا جميعاً إلى بيت القينة؛ فلما أتوا بالغداء قال لهم ابن مسجح: إني رجلٌ أسود، فلعل فيكم من يقذرني، فأنا أجلس ناحية، وقام، فاستحوا منه وبعثوا إليه بما أكل، فلما صاروا إلى الشراب، قال لهم مثل ذلك، ففعلوا به، وأخرجت لهم القينة جاريتين، فجلستا على سريرٍ قد وضع لهما، فغنتا إلى العشاء، ثم دخلتا وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة، وهما معها، فجلست على السرير وجلستا أسفل منها عن يمين السرير وشماله؛ قال ابن مسجح: فتمثلت بهذا البيت: فقلت أشمسٌ أم مصابيح بيعةٍ ... بدت لك خلف السجف أم أنت حالم فغضبت الجارية وقالت: أيضرب لنا هذا الأسود الأمثال؟! فنظروا إلي نظراً منكراً، ولم يزالوا يسكتونها، ثم غنت صوتاً فقلت: أحسنت والله، فغضب مولاها وقال: هذا الأسود يقدم على جاريتي! فقال لي الرجل الذي أنزلني عليه: قم فانصرف إلى منزلي فقد ثقلت على القوم، فذهبت أقوم، فتذمم القوم مني وقالوا: بل أقم وأحسن أدبك، فأقمت، وغنت لحناً لي فقلت: أخطأت والله - أي زانية - وأسأت، ثم اندفعت فغنيت الصوت، فوثبت الجارية فقالت لمولاها: هذا والله أبو عثمان سعيد بن مسجح، فقلت: إني والله أنا هو، ولا أقيم عندكم، فوثب القرشيون فقال لي: هذا يكون عندي وقال هذا: لا بل يكون عندي، فقلت: لا والله لا أقيم إلا عند سيدكم - يعني الرجل الذي أنزله - وسألوه عما أقدمه؟ فأخبرهم، فقال له صاحب منزله: أنا أسمر الليلة عند أمير المؤمنين فهل تحسن أن تحدو؟ قال: لا والله، ولكني أصوغ لحناً على الحداء، قال: فافعل، فصنع لحناً على ألحان الحداء في هذا الشعر: " من مشطور الرجز " إنك يا معاوي المفضل ... إن زلزل الأقوام لم تزلزل

عن دين موسى والكتاب المنزل ... تقيم أصداغ القرون الميل للحق حتى ينتحوا للأعدل وسمعه الفتى فقال: أحسنت والله، وأجدت، رح معي، فراح معه وجلس على الباب، فلما طابت نفس عبد الملك بعث القرشي بغلامه إليه أن يعلو السور ويرفع صوته بالأبيات، وكان من أحسن الناس صوتاً، ففعل، فلما سمع عبد الملك صوته طرب وقال: من هذا؟ قال الفتى: هذا رجلٌ من أهل الحجاز قدم علينا فأحببت أن تسمع حداءه؛ قال: هاتوه فجاؤوا به، فسمعه من قريب، ثم قال: أتغني غناء الركبان؟ قال: نعم، قال: فغن، فغناه فازداد طربه واستزاده، ثم قال له: هل تغني الغناء المتقن؟ قال: نعم، قال: عن، فغناه فاهتز عبد الملك طرباً، واستزاده فقال له: إن لك في القوم اسماً كبيراً فمن أنت منهم؟ قال: أنا المظلوم المنفي، المقبوض ماله ابن مسجح، فأمر بالكتاب إلى عامله برد ماله، وألا يعرض له بسوءٍ إذا عاد إلى وطنه. وأمر له بمائة، وسأل القرشي عن خبره؟ فأخبره به، فضحك حتى استغرب، فقال عن الصوت الذي أخطأت فيه الجارية فغناه وهو للحادرة: " من الكامل " بكرت سمية غدوةً فتمتع ... وغدت غدوة مفارقٍ لم يرجع وتعرضت لك فاستبتك بواضحٍ ... صلتٍ كمنتص الغزال الأتلع أسمي ما يدريك كم من فتيةٍ ... باكرت لذتهم بأدكن مترع بكروا علي بسحرةٍ فصحبتهم ... من عاتقٍ كدم الذبيح مشعشع فطرب عبد الملك ورمى إليه بمطرفٍ كان عليه وقال له: كن مع الحرس مادمت مقيماً حتى نأنس بصوتك، ففعل، وتوسل مولى برق الأفق إليه بصاحب منزله حتى وصل إليه فوصله صلةً سنية، وأخذت جاريته عنه فأكثرت وانصرفت.

بلقيس بنت شراحيل الهدهاد بن شرحبيل

بلقيس بنت شراحيل الهدهاد بن شرحبيل وفي نسبها اختلاف، ملكة سبأ. قيل: إنها ملكت اليمن تسع سنين، ثم كانت خليفةً عليها من قبل سليمان بن داود أربع سنين. قال مسلمة بن عبد الله بن ربعي: لما أسلمت بلقيس تزوجها سليمان بن داود ومهرها باعلبك. روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أحد أبوي بلقيس كان جنياً ". سئل الحسن عن ملكة سبأ، وقالوا: إن أحد أبويها جني؟ فقال الحسن: لا يتوالدون؛ أي إن المرأة من الإنس لا تلد من الجن. قال مجاهد: كان تحت يدها اثنا عشر ألف قيل، تحت يد كل قيل مائة ألف. وعن مجاهد: إن ذا القرنين ملك الأرض إلا بلقيس صاحبة مأرب، وإن ذا القرنين كان يلبس ثياب المساكين ثم يدخل المدائن فينظر من عورتها قبل أن يقاتل أهلها؛ فأخبرت بلقيس بذلك، فبعثت رسولاً يصور لها صورته في ملكه حين يقعد، وصورته في ثياب المساكين، ثم جعلت كل يومٍ تطعم المساكين فتجمعهم، فجاءها رسولها بصورته، فجعلت

إحدى صورتيه على باب بيتها، والأخرى على باب الأصطوان، فكانت تطعم المساكين كل يوم، فإذا فرغوا عرضتهم واحداً واحداً حتى جاء ذو القرنين في ثياب المساكين، فدخل مدينتها، ثم جلس المساكين إلى طعامها، فلما خرجوا أخرجتهم واحداً واحداً وهي تنظر إلى صورته في ثياب المساكين، حتى مر ذو القرنين فنظرت إلى صورته فعرفته فقالت: احبسوا هذا، فقال لها: لمَ حبستني فإنما أنا مسكين من المساكين؟ قالت: أنت ذو القرنين وهذه صورتك في ثياب المساكين، والله لا تفارقني أو تكتب أماناً بملكي أو أضرب عنقك؛ فلما رأى ذلك كتب لها أماناً بملكها. فلم ينج منه أحدٌ غيرها. وعن قتادة: " إني وجدت امرأةً تملكهم " قال: بلغني أنها امرأة تسمى بلقيس - أظنه قال: بنت شراحبيل - أحد أبويها من الجن، مؤخر أحد قدميها مثل حافر الدابة؛ وكانت بأرضٍ يقال لها مأرب، على ثلاثة أيام من صنعاء. خرج ذو رعين ملك اليمن يتصيد ومعه العساكر، فطاب له الصيد وانقطع عسكره؛ فعطش واشتد عطشه، فسار في تلك الصحراء يطلب ماءً إذ رفع له خباء فقصده، فإذا شيخٌ محتبٍ بفناء الخيمة فقال: أنعم صباحاً أيها الشيخ، قال: وأنت، قال: اسقني ماءً، فقال الشيخ: يا حسنه اسقي عمك ماء، فخرجت جاريةٌ كأنها الشمس الطالعة، أصاب الصحراء من نور وجهها، وبيدها كأسٌ من ياقوتٍ أحمر، فتعجب الملك من جمالها وقال: في قصري ألف جارية ما فيهن جاريةٌ في جمالها ولا في مملكتي مثل هذا الكأس؛ فأخذ الكأس من يدها فشرب حتى روي، وانصرفت، فقال الملك: أيها الشيخ ما هذه الجارية منك؟ قال: ابنتي، قال: ألها زوج؟ قال: لا ولا تزوجت قط، قال: أفتزوجني إياها؟ قال: لا، قال: ولمَ؟ قال: لا تصلح لك، قال: لأي شيء؟ قال: لأني من الجن وأنت من الإنس، قال الملك: قد رضيت وأنا كفؤٌ كريم، أنا ذو رعين ملك اليمن بيدي والحجاز والسند والهند، وقد هويت ابنتك فلا تحرمني إياها، فقال

لها الشيخ: ما تقولين؟ قالت: إن أجابني إلى خصلةٍ واحدة تزوجت به! قال الملك: وما هي؟ قالت: لا تسألني عن شيءٍ أعمله لمَ عملته، فإني لا آلوه نصحاً؛ فمتى سألني عن شيءٍ فعلته لمَ فعلته فهو طلاقي، ولا يراني أبداً، فأجابه الملك إلى ذلك وأحضر الملك إخوانه من الجن وأقاربه، وعقد نكاح ابنته، وسار الملك إلى قصره وحملت إليه ودخل بها وجليت عليه، فكانت كل يوم تتصور له في صورةٍ جديدة، وثيابٍ جدد، وحلي جديد، ثم حملت منه؛ وكان للملك ذي رعين سبعون بنتاً وما رزق ابناً قط، وهو يشتهيه ويتمناه، فلما تم حملها ولدت ابناً من أحسن البنين، فبشر الملك بذلك فسر سروراً عظيماً وفتح بيوت الأموال للصدقات والجوائز، وقطعت ثياب الخلع للأمراء والقواد، وصنعت السروج، وأعد الطعام كل أسبوع؛ فوثبت إلى الابن فذبحته، وإلى الطعام فأراقته، وإلى الخلع والسروج فضرمت فيها النار؛ ولما بلغ ذلك الملك غضب غضباً شديداً وهم بقتلها وقام ليسألها لمَ صنعت ذلك؛ فقال له وزيره: كيف حبك لها؟ قال: ما أحببت شيئاً قط كحبي لها، ولو غابت عن بصري حسبت التلف على نفسي، فقال: أيها الملك، لا تلم إلا نفسك إذا تزوجت جنيةً ليست من جنسك ولا تحبك ولا تشفق عليك، ولعلها تبغضك وتريد فراقك ففعلت هذا! لتسلها فتخرج من قصرك فيكون ابن الملك قد مات ويزول عن الملك من يحبه ويهواه فلا يطيق فراقه ويعطيها مناها، فقال الملك: أما بغض فما تبغضني لأني أتتني محبتها لي وشفقتها علي. وتوقف الملك عن مسألتها، وهي مع ذلك متحننة على الملك غير مقصرة عن خدمته والتذلل له، فلما طهرت من نفاسها واقعها الملك فحملت، فلما تم حملها ولدت بنتاً، ولا شيء أبغض إليه من البنات إذ له سبعون بنتاً، فلما ولدتها أرسلت إليه: أيها الملك افتح بيوت الأموال وصدق وهب وأعط، وادع الأمراء والقواد؛ فلما وصلت إليه الرسالة لم يملك نفسه من الغضب أن صار إليها فقال: ما هذه؟ أنا لم يجئني ابنٌ قط، فلما جاءني سررت به ذبحته وحرمتني إياه، فلما جاءتني ابنةٌ وأنا لها كاره أمرتني بالفرح والسرور وهو عندي حزن؛ فما الذي دعاك إلى ذبح ابني ومهجة قلبي؟! فلما قال لها ذلك أسبلت عينها بالدموع والبكاء، ولطمت وجهها وهتكت ثيابها وحلقت شعرها وقالت: أيها الملك طلقتني بعد صحبة خمس سنين، وما أحببت شيئاً قط حبي إياك، فكان هذا جزائي منك أو أملي فيك! ثم قالت: أيها الملك، اعلم أني ذبحت ابني ومهجة قلبي في هواك ومحبتك، وذلك أن والدي الذي رأيته ممن

يسترق السمع من السماء، فلما ولدت الابن عرج أبي إلى السماء فسمع الملائكة يقولون: إن الله قد قضى على ابنك أنه إن عاش حتى يبلغ الحلم يذبحك على فراشك، فمن شدة حبي لك آثرتك على ابني ورأيت أن أذبحه صغيراً ولا يكبر، فيدخل قلبي من محبته ما أعاونه عليك، ولقد وجدت عليه مثلما تجد الوالدة على ولدها، إلا أني رأيت نار أطفئت، كل ذلك محبة للمك، وأما الثياب والسروج التي حرقتها والطعام الذي أهرقته فإن لي ابن عمٍّ كان مسمى علي، فلما صرت إليك حسدني وعاداني، فلما ولدت الابن جاء ابن عمي فسمّ الطعام والثياب والسروج ليهلك الملك ورجاله؛ فلذلك فعلت الذي فعلت، فلما ولدت هذه الابنة صعد والدي إلى السماء فاسترق السمع فسمع الملائكة يتحدثون أن هذه البنت أبرك بنتٍ ولدت على وجه الأرض، وأشرفه وأجله، وإنها وارثة ملكك بعد أن يغصبه غاصبٌ ليس من أهله، فهي التي ترتج منها البلاد، وتملك اليمن وحضرموت والحجاز ويجل سلطانها ويعظم شأنها حتى يكون تحت يدها ألف أمير، وتحت يد كل أميرٍ ألف قائد، تحت يد كل قائدٍ ألف جندي، وإنه يتزوج بها نبيٌ يكون في زمانها يقال له سليمان، تسمع له الجن والإنس والشياطين والسحاب والرياح ويسخر ذلك كله له ويسمعون ويطيعون أمره، ويفهم كلام الوحش والطير، فيكون بيده نصف الأرض فاستوص أيها الملك بها خيراً إذ حرمتني قربها، وانظر كيف تكون لها بعدي، فلن تراني أبداً ولن أراك بعد يومي هذا. ثم غابت عن بصره. وعن ابن عباس قال: كان سليمان إذا سار في ملكه فالإنس عن يمينه، والجن عن يساره، والشياطين بين يديه، والوحوش خلفه، والطير تظله والريح تحمله؛ وكان دليله على الماء في المفاوز الهدهد، فإذا احتاجوا إلى الماء جاء الهدهد فشم الأرض ثم نقر بمنقاره، فيحفر الماء على وجه الأرض، فبينما سليمان يسير بين المشرق والمغرب في مفازة احتاج الجنود إلى الماء، وكان الهدهد غائباً، فشكت الجنود العطش إلى آصف - وكان صاحب أمر سليمان - فقال: أيها الملك إن الجنود قد عطشوا ولا ماء، فرفع سليمان رأسه فنظر إلى الطير ففقد الهدهد فقال: " مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين " فقالت الطير: هو من الغائبين، فغضب سليمان فقال: بعد عني وأنا في المفازة معي الجنود " لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو

ليأتيني بسلطان مبين " قال: عذرٌ مبين، فلما سمع الطير ذلك استقبلوا الهدهد فقالوا: ويلك أين كنت؟ قد غضب عليك وحلف ليعذبنك أو ليذبحنك أو لتأتينه بعذرٍ مبين يخرجك من ذنبك، فلما سمع الهدهد ذلك أدبر راجعاً، فارتفع حتى أشرف على الجبال والبحور، فبينا هو كذلك إذ أشرف على جبل سبأ ونظر إلى بلقيس ملكتهم وهي جالسةٌ على عرشها وبين يديها ألف رجل متقلدون السيوف، قيام، كل رجلٍ منهم ملك على قومه؛ فلما رأى الهدهد ذلك قال: هذا حجتي التي أرجع بها إلى سليمان، فرجع فوقع بين يدي سليمان فسجد فقال سليمان: ما لك؟ وأين غبت؟ فقال: " أحط بما لم تحط به، وجئتك من سبأٍ بنبأٍ يقين " قال: وما نبؤك؟ قال: " إني وجدت امرأةً تملكهم وأوتيت من كل شيء، ولها عرشٌ عظيم " إلى " فهم لا يهتدون " فدعا سليمان برقٍّ فكتب فيه بيده وطواه وختمه بخاتمه، ولم يكتب فيه عنواناً ثم قال: " سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين " إلى " فانظر ماذا يرجعون " فانطلق الهدهد بالكتاب حتى ألقاه في حجر بلقيس. وفي رواية: فجاء الهدهد وقد غلقت الأبواب، وكانت تغلق أبوابها وتضع مفاتحها تحت رأسها، فجاء الهدهد فدخل من الكوة فألقى الصحيفة عليها ففرحت وظنت أنه ألقي إليها من السماء فقالت: يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتابٌ كريم " وظنت أنه من عند الله، فمن هناك سمته كريماً، فلو أنها علمت أنه من سليمان ما سمته كريماً، كانت هي أعز في نفسها من أن تسمي كتاب سليمان كريماً، فلما فتحته قالت: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين، قالت: يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعةً أمراً حتى تشهدون " قالوا: أيها الملكة ما أحدٌ في الأرض أعز منا منعةً، ولا أقوى منا بمال، ولا أشد منا بطشاً ولا أبعد منا صوتاً، ولا أقهر منا عزاً، فنرى أن نسير إليهم " والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين " فقالت: إن سليمان قد ادعى أنه نبي فإن كان

صادقاً فإن الله معه، ومن يكن الله معه يغلب، وإن كان نبياً ثم سرنا إليه أهلكنا بجنود الله، وإن سار إلينا فوطئنا بمن معه من الجنود كان فساد بلادكم وأهل ملتكم، ولكني باعثةٌ إليه بهدية، فإن كان سليمان ملكاً يرضى بالدنيا ويريدها، فإنه سيرضى منا بالهدايا واللطف، وإن كان نبياً فإنه لا يرضى دون أنى نأتيه مسلمين أو مقهورين، فإن كان نبياً أتيناه مسلمين أحب إلينا من أن يطأ بلادنا، فقال القوم: فأمرك عندنا طاعة؛ فبعثت إليه بثلاث لبناتٍ من ذهب في كل لبنةٍ مائة رطل من ذهب، وياقوتةٍ حمراء طولها شبر، مثقوبة، وثلاثين وصيفاً قد حلقت رؤوسهم، وثلاثين وصيفةً قد حلقت رؤوسهن، وكتبت إليه: إني قد بعثت إليك بهديةٍ فاقبلها؛ وبعثت إليك بياقوتةٍ طولها شبر مثقوبة فأدخل فيها خيطاً ثم اختم على طرفي الخيط بخاتمك؛ وبعثت إليك بثلاثين وصيفاً وثلاثين وصيفةً تميز الغلمان من الجواري ولا تجرد منهم أحداً. فلما فصلت الرسل من عندها جاء دمرياط - وكان أميراً على الشياطين - فقال لسليمان: إن بلقيس قد بعثت إليك بثلاث لبناتٍ من ذهب، وياقوتةٍ حمراء، وثلاثين وصيفاً وثلاثين وصيفةٍ؛ فقال سليمان لدمرياط: افرشوا لي من باب مجلسي إلى طريق القوم ثمانية أميالٍ في ميل عرضاً لبن ذهب، فبعث دمرياط الشياطين فقطعوا من الجبال الملس، فموهوه بالذهب، ففرشوا من باب سليمان الطريق للرسل ثمانية أميالٍ في ميلٍ عرضاً، ونصبوا على جنبتي الطريق أساطين من ياقوتٍ أحمر، فلما جاءت الرسل فنظروا إلى الذهب والياقوت! فقال بعضهم لبعض: أن ننطلق إلى هذا الرجل بثلاث لبناتٍ من ذهب وعنده من الذهب ما قد فرش به الطريق!؟ فقال رئيسهم إنما نحن رسل نبلغ ما أرسل به معنا؛ فمضوا حتى دخلوا على سليمان، فقرأ كتاب بلقيس، ووضعوا اللبنات بين يديه فقال: " أتمدوننّ بمال " إلى " تفرحون " قال: تفرحون بثلاث لبنات ذهب؟! انطلقوا فخذوا ما رأيتم ثلاثمائة أو ثلاثة آلاف أو ثلاثين ألفاً أو ثلاث مائة ألف أو ثلاثة آلاف ألف، فقالوا: أيها الملك إنما نحن رسل، فأمر بقبض اللبنات، ثم دعا بالياقوتة فأخذ ذرةً فربط فيها خيطاً ثم أدخلها في ثقب الياقوت حتى خرجت من الجانب الآخر، ثم جمع طرفي الخيط ثم ختم عليه، ثم دعا بتورٍ من ماء، فوضعوه، ثم أمر أولئك الوصفاء أن يتوضؤوا واحداً واحداً فميزهم

بالوضوء، الغلمان من الجواري ثم قال: هؤلاء غلمان وهؤلاء جوارٍ. قالت الرسل: أيها الملك اكتب إليها بجواب كتابها، فقال: لا، ارجعوا إليهم " فلنأتينهم بجنودٍ لا قبل لهم بها " الآية، فرجعت إليها الرسل فقالت: ما جئتم به من عند سليمان؟ فقالوا: ما كنت صانعةً حتى يأتيك الجنود فالآن. فاستقلت ومن معها وحملت الخزائن والسلاح على سبعين فيلاً، ثم توجهت ومعها أولئك الألف الذين بين يديها، وخلفت عرشها، فلما فصلت جاء دمرياط فقال: أيها الملك إن بلقيساً قد خرجت إليك ومعها ألف ملك قد حملت خزائنها وسلاحها على سبعين فيلاً، فقال سليمان: ما فعل عرشها أمعها أم خلفته؟ فقال: بل خلفته، قال سليمان: " فأيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين "؟ قال دمرياط: " أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنه عليه لقويٍّ أمين " وكان سليمان يصلي الصبح ثم يجلس للناس إلى طلوع الشمس، فقال: آتيك به من حين تجلس إلى حين تقوم، فقال سليمان: أريد أعجل من ذلك، فقال آصف: " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " قال: يرتد إليك طرفك: هو أن تنظر إلى الشيء فتتبين أنه حمار أو دابة حتى ينتهي إليك أو تنتهي إليه؛ وكان آصف يقوم على رأس سليمان بالسيف. قال: أنت؟! قال: نعم، قال: فافعل، فنزل آصف قائم السيف من يده ثم رفع يده فإذا العرش موضوعٌ بين يدي سليمان، فكاد سليمان أن يفتتن، فقال: ربي سألتك ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي، ربي فجعلت في ملك يمني وفي خولي ومن يجري عليه رزقي من قدر على هذا ولم أقدر عليه، هذا نقصانٌ في ملكي، فدخلت سليمان فتنةٌ، ثم عصم فراجع فقال: أليس " هذا فضل ربي، ليبلوني أأشكر أم أكفر " الآية. " قال: نكروا لها عرشها "، وكان عرشها عليه صفائح من ذهبٍ وفضة، قد ركبت فيه فصوص الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والدر واللؤلؤ، وكان للعرش قائمتان من زبرجد وقائمتان من ياقوتٍ أحمر، فكان تنكيرهم إياه، أن نزعوا صفيحة الذهب، فجعلوها مكان الفضة، وصفيحة الفضة مكان الذهب، والياقوت مكان الزبرجد والدر مكان اللؤلؤ والقائمتين للزبرجد مكان القائمتين للياقوت، فجاءت بلقيس فدخلت على سليمان وقد وضع لها بين

يدي سليمان كرسي، فجلست عليه، فقال سليمان: أنت امرأةٌ من العرب يا بلقيس في بيت ملكٍ ومملكة، تعبدين الشياطين وتشركين بالله، وتكفرين النعم؟! فقالت: يا سليمان إنك نبيٌ مصطفى وقد انتخبك الله لنفسه، واختارك لخلقه، ورضي بك لعباده، ولا ينبغي لك أن تعيرني، لأن الله تعالى يغير ولا يغيَر؛ فكف سليمان عنها، فأنشأت تذكر منزلتها ومجلسها، فقال سليمان لآصف: خذ بيدها فأدخلها صرحي، وكان صرح سليمان ميلاً في ميل، طول سقفه ثمانون ذراعاً قارورةٌ خضراء، أرضه وجدره وسقفه، فلما قامت بلقيس على باب الصرح حسبته لجةً وكشفت عن ساقيها وكانت بيضاء، كثيرة الشعر، فنظر سليمان إلى ساقيها ثم صرف بصره فقال آصف: أرسلي ثيابك إنه صرحٌ ممردٌ من قوارير، فلما مشت في الصرح ورفعت رأسها ونظرت قالت في نفسها: لا والله ما هذا عمل الإنس، قالت: رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين "، فقال سليمان لدمرياط: اصنعوا شيئاً يذهب شعر بلقيس، فقال: الحلقة، فقال سليمان: هذا يحلق ما ظهر فكيف بما بطن؟ فصنعوا النورة، فكانت النورة أول ما صنعت. فأمر سليمان ببلقيس فانطلق بها إلى النساء فهيئت، فتزوجها سليمان فأحبها ونزلت منه بمنزلةٍ لم ينزلها أحدٌ من نسائه. وكان سليمان قبل أن يتزوج بلقيس لا يدفع خاتمه إلى أحدٍ ولا يأمن عليه أحداً، فلما تزوج بلقيس أمنها على خاتمه، وكان إذا دخل لحاجته جاءت بلقيس فدفع الخاتم إليها، فإذا قضى حاجته خرج فقال لها: هاتي ماءً فتوضئه، ثم يأخذ الخاتم منها فيخرج إلى الناس، فبينما هو ذات يوم قد دخل لحاجته، وقد دفع الخاتم لبلقيس؛ إذ جاء دمرياط فدخل في صورة سليمان ثم تسور الحائط فخرج من باب المخرج فقال لبلقيس: هاتي ماءً، فجاءته بماء فوضأته، قال: هاتي الخاتم فأخذ الخاتم فلبسه فأفرغ على الخبيث بهجة الملك؛ وكان سلطان سليمان في خاتمه، فخرج الخبيث فجلس على عرش سليمان وبنو إسرائيل حوله جلوسٌ لا ينكرونه، وآصف قائمٌ على رأسه لا يعرفه، فخرج سليمان من الحاجة، فثارت بلقيس، فقالت في نفسها: ما لسليمان أن دخل معه الخاتم؟! فقال لها سليمان: هاتي ماءً، فجاءته

بماء، فتوضأ ثم قال: هاتي الخاتم قالت: قد دفعت إليك الخاتم قال سليمان: يا بلقيس اتقي الله فإن الله قد هداك على يدي للإسلام، وأخرجك من الشرك وأهله، وإني قد ائتمنتك على سلطان ربي الذي وهبه لي فلا ينبغي لك أن تخونيني، قالت بلقيس: وأنت يا سليمان فاتق الله، فإن الله قد اصطفاك وأكرمك برسالاته، ولا ينبغي لك أن تخونني، فإني لم أخنك، فقال سليمان: من أخذ الخاتم؟ قالت: أنت أخته ولا أنكرك، فعرف سليمان أن البلية قد نزلت، فاطلع إلى مجلسه فإذا دمرياط جالسٌ على عرشه، فطرح سليمان ثيابه ولبس ثياباً دونها ثم خرج يسيح في الأرض، فإذا جاع دخل بعض القرى فيأتي العجوز جالسةً بباب بيتها فيستطعمها فترده فيقول: أطعميني فإني سليمان، فتقول: سليمان ملك الدنيا وتأخذ التراب والحجارة وترميه به وتقول: لمَ تكذب على سليمان؟ فلم يزل يطوف حتى انتهى إلى بحر القلزم، فإذا صيادون في سفينة يصيدون الحيتان، فقال لهم سليمان: أؤاجركم على نفسي على أن تطعموني. قالوا: نعم، فاستأجروه كل يومٍ بأربعة أرغفة وحوتين، فكان معهم فإذا جاءت السفينة فيها حيتان أخذ سليمان مكيلاً فنقل الحيتان من السفينة إلى البر، فلم يزل مع الصيادين. وأنكرت بنو إسرائيل أحكامهم وأمورهم وقضاياهم؛ ففزع بعضهم إلى بعض ولقي بعضهم بعضاً، وفزعت الأشراف إلى الفقهاء فقالوا: ما أنكرتم ما أنكرنا من أمر سليمان؟ فقال الفقهاء: بلى، فقالوا: لئن كان هذا سليمان لقد خولط فهلكت الأرض ومن عليها، فلقي الفقهاء آصف، فقالوا: هل أنكرت من أمر سليمان؟ فقال: لئن كان هذا سليمان لقد هلكنا، وكان آصف غلاماً من أولاد الأنبياء، كان في حجر سليمان قد تبناه، وكان يدخل على نسائه، فقال الفقهاء: لآصف: ادخل على النساء فسلهن؛ فدخل آصف على النساء فسألهن، فقلن: ما هذا سليمان وبكين، وقلن: لئن كان هذا سليمان لقد هلكنا وهلكتم وهلكت الأرض، لا والله ما هو سليمان. وكان ذلك لتسعٍ وثلاثين ليلةً من بلية سليمان، فخرج آصف فقال: يا معشر بني إسرائيل افعلوا ما أنتم فاعلون، فإن هذا ليس بسليمان، واجتمعت بنو إسرائيل وأجمعوا على أن ينهضوا بالفاسق دمرياط؛ فبلغه ذلك فهرب وذهب معه بالخاتم صبيحة أربعين ليلة من بلية سليمان حتى أتى بحر القلزم، وكان القلزم من أبعد البحور قعراً، فرمى بالخاتم في البحر وقال: لا يرجع إلى سليمان ملكه أبداً، ثم أتى جزيرةً من القلزم فكان فيها، وبعث الله حوتاً تدعى الملكة فالتقمت الخاتم

حين طرحه الفاسق، فانطلق الصيادون الذين معهم سليمان فألقوا شبكتهم، فجروا الشبكة وألقوا ما فيها في السفينة، فأخذ سليمان مكيلاً ينقل الحيتان على عنقه إلى الشاطئ حتى حان غداؤه، فقال لأصحابه: هاتوا غدائي فأعطوه رغيفين ثم تناول بعضهم حوتاً وطرحه إليه وهي الملكة، فأخذها وشق بطنها، فبدر الخاتم فأخذه سليمان فقبله ووضعه في يده فجاءته الطير فأظلته وجاءت الريح فحفت به وجاءت الجن فطارت بجنبيه، فنظر إليه الملاحون فكبروا وخروا سجداً له، فقالوا: أيها الملك إنا لم نعرفك، فقال سليمان: لست ألومكم على ما كان ولا أحمدكم على ما صنعتم إنما هو سلطان ربي أعطانيه قهر به خلقه، وسخرهم لي. وأمر الريح فحملته ومن معه من الجنود تزيف بهم على وجه الأرض وعلى البحور حتى أتى منزله؛ ثم قال للشياطين علي بالفاسق دمرياط؛ فطافت الشياطين حتى وجدوه في جزيرة القلزم، فصرخوا به فخرج، فقالوا: يا دمرياط أجب سليمان، قال: وأين سليمان؟ أليس قد هلك، ألقيت خاتمه حيث لا يرجع ملكه إليه أبداً!؟ فقالوا: ويلك، إن سليمان قد رد الله إليه خاتمه ورجع إليه ملكه، فقال الفاسق: لا والله لا آتيه أبداً، فرجعوا إلى سليمان فقالوا: إنه قد أبى، فدعا سليمان بطينة فختمها بخاتمه ثم قال: انطلقوا بهذه الطينة واصرخوا به، فإذا خرج فاطرحوا الطينة إليه فإنه سيأتي صاغراً، فانطلقوا فصرخوا به، فلما خرج إليهم، قالوا: انطلق إلى سليمان، قال: لا والله، قالوا: فانظر في هذه الطينة، فطرحوا إليه الطينة، فنظر فيها، فبكى وقال: قهرني سليمان بسلطان ربي، فجاء حتى عبر إليهم فأخذوه وأوثقوه، وأتوا به سليمان، فلما كلمه سليمان قال له دمرياط: لا عذر لي فاصنع ما أنت صانع. فأمر سليمان الشياطين، فأتوه بحجر طوله أربعون ذراعاً فقال: خذوا الخبيث فأدخلوه في جوفه، ثم أمر بالقطر - وهو النحاس الأحمر - فصب عليه، ثم قال: خذوا هذه الصخرة فانطلقوا بها إلى القلزم فاطرحوه في قعرها ففعلت الشياطين. قال ابن عباس: لم يجر عرش صاحبة سبأٍ بين السماء والأرض ولكنه انشقت له الأرض، فجرى تحت

الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان. وكان عرشها ثلاثة أبيات بعضها على بعض من ياقوتةٍ حمراء، على أربع دعائم. قال أبو المليح: أردت سفراً فأتيت ميمون بن مهران أودعه فقال لي: لا تيأس أن تصيب في سفرك هذا أفضل ما طلبت، فإن موسى خرج يقتبس لأهله ناراً فكلمه الله، وإن صاحبة سبأ خرجت ليس شيءٌ أحب إليها من ملكها فرزقها الله الإسلام. قال همام بن منبه: قدمت مكة فجلست إلى ابن الزبير ومعه جماعةٌ من قريش. فقال رجل من قريش: ممن أنت؟ قلت: من اليمن قال: ما فعلت عجوزكم؟ قلت: أي عجوز؟ قال: بلقيس. قلت له: عجوزنا أسلمت مع سليمان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعجوزكم حمالة الحطب في جيدها حبلٌ من مسد. روى الأوزاعي قال: كسر برجٌ من أبراج تدمر، فأصابوا فيه امرأةً حسناء، دعجاء، مدرجةً مدمجة، كأن أعطافها طي الطوامير المدرجة، عليها عمامة طولها ثمانون ذراعاً مكتوبٌ على طرف العمامة بالذهب: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا بلقيس ملكة سبأ، زوجة سليمان بن داود ملكت الدنيا كافرةً ومؤمنة، ملكت ما لم يملكه أحدٌ قبلي، ولا يملكه أحدٌ بعدي، صار مصيري إلى الموت، فأقصروا يا طلاب الدنيا. ولما تزوج سليمان بلقيس قالت: ما مستني حديدةٌ قط، فقال للشياطين: انظروا أي شيءٍ يذهب بالشعر غير الحديد، فوضعوا له النورة، فكان أول من وضعها له شياطين سليمان. أسماء الرجال على

حرف التاء المثناة فوقها

حرف التاء المثناة فوقها تُبع بن حسان بن ملكيكرب بن تبع ابن الأقرن ويقال: إن اسم تبع هذا حسان بن تبع بن أسعد بن كرب الحميري، وتبع لقبٌ للملك الأكبر بلغة أهل اليمن، ككسرى بالفارسية، وقيصر بالرومية، والنجاشي بالحبشة، ملك تبع دمشق. قال أبو نصر بن ماكولا: أما تبان، أوله تاء معجمة باثنتين من فوق، وبعدها باء معجمة بواحدة، فهو تبع الحميري واسمه أسعد تبان أبو كرب بن ملكي كرب بن قيس بن زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرايش بن قيس بن صيفي بن سبأ، ويقال: هو أول من كسا البيت. قال سعيد بن عبد العزيز: كان تبع إذا عرض الخيل قاموا صفاً من دمشق إلى صنعاء اليمن. وعن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما أدري الحدود كفارةٌ لأهلها أم لا، ولا أدري تبع لعيناً كان أم لا، ولا أدري، ذو القرنين نبياً كان أم ملكاً؟ ". وفي رواية: " أعزير كان نبياً أم لا؟ ".

وعن ابن عباسٍ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثلاث وثلاث وثلاث، فثلاث لا يمين فيهن، وثلاث الملعون فيهن، وثلاث أشك فيهن؛ فأما الثلاث التي لا يمين فيهن: فلا يمين مع والد؛ ولا المرأة مع زوجها؛ ولا المملوك مع سيده. وأما الملعون فيهن؛ فملعونٌ من لعن والديه؛ وملعونٌ من ذبح لغير الله، وملعون من غير تخوم الأرض. وأما الذي أشك فيهن: فعزير لا أدري أكان نبياً أم لا؛ ولا أدري ألعن تبع أما لا؟ قال: ونسيت ". - يعني الثالثة - وهذا الشك من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قبل أن يتبين له أمره ثم أخبر أنه كان مسلماً. كما روي عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم ". قال أبو مجلز: جاء ابن عباس إلى عبد الله بن سلام. فقال: إني أسألك عن ثلاث؟ قال: تسألني وأنت تقرأ القرآن؟! قال: نعم. قال: تسألني وأنت تقرأ القرآن؟! قال: نعم، أسألك عن تبع ما كان؟ وأسألك عن عزير ما كان؟ وأسألك عن الهدهد لمَ تفقده سليمان صلى الله على نبينا وعليه، من بين الطير؟ قال: أما تبع فإنه كان رجلاً من الهرب ظهر على الناس وسبى فتيةً من الأحبار فأفسد عليهم أوقات دعائهم فأنكر الناس تبعاً، قال: قد ترك دينكم وآلهتكم فما تقولون، أو فما تأمرون؟ فقالوا: بيننا وبينهم النار التي تحرق الكاذب وينجو منها الصادق، فعرض ذلك تبع على أصحابه، فرضوا بذلك، فعمد بهم تبع إلى النار فأمر الفتية أن يدخلوا فيها، فألقوا مصاحفهم في أعناقهم فلما أرادوا أن يدخلوها سفعت النار وجوههم فوجدوا حرها فنكصوا، فقال تبع: لتدخلنها، فدخلوها فانفرجت عنهم حتى مضوا، ثم أمر قومه أن يدخلوها فلما أرادوا أن يدخلوها سفعت وجوههم فوجدوا حرها فنكصوا، فأمر بهم تبع أن يدخلوها فدخلوها فانفرجت لهم حتى توسطوها، فأحاطت بهم فأحرقتهم. فأسلم تبع. وكان رجلاً صالحاً. وأما عزير فإنه لما ظهر بخت نصر على بني إسرائيل خرب بيت المقدس، وشقوا المصاحف. ودرست السنة، وكان عزير توحش في الجبال، وكانت له عينٌ يشرب منها.

فمثلت له عند العين امرأة، فلما جاء ليشرب فبصر بالمرأة فانصاع. فلما جهده العطش أتاها وهي تبكي. قال: ما يبكيك؟ قالت: أبكي على ابني، قال: أكان يخلق؟ قالت: لا. قال: فكان يرزق؟ قالت: لا، وذكر الحديث، قالت: ما بالك هاهنا تركت قومك؟ قال: وأين قومي؟ قالت: ادخل هذه العين فامش فيها حتى تبلغ قومك. قال: فدخلها فجعل لا يرفع قدمه إلا زيد في علمه فانتهى إلى قومه فأحيا لهم التوراة والسنة. وأما الهدهد فإن سليمان - صلوات الله على نبينا وعليه - نزل منزلاً فلم يدر ما بعد الماء، فسأل عن بعد الماء، فقالوا: الهدهد فعند ذلك تفقده. حدث محمد بن إسحاق قال: سار تبع الأول إلى الكعبة. فأراد هدمها وكان من الخمسة الذين لهم الدنيا بأسرها. وكان له وزراء. فاختار منهم واحداً وأخرجه معه وكان يسمى عميارسنا لينظر إلى مملكته، وخرج في مائة ألف وثلاثين ألفاً من الفرسان ومائة ألف وثلاثة عشر ألفاً من الرجالة. وكان يدخل كل بلدة وكانوا يعظمونه وكان يختار من كل بلدةٍ عشرة أنفس من حكمائهم حتى جاء إلى مكة ومعه أربعة آلاف رجل من الحكماء الذين اختارهم من بلدانٍ مختلفة، فلم يتحرك له أحد ولم يعظموه، فغضب عليهم، ودعا عميارسنا وقال: كيف شأن أهل هذه البلد الذين لم يهابوني ولم يهابوا عسكري كيف شأنهم وأمرهم؟ قال الوزير: إنهم قوم عربيون جاهلون لا يعرفون شيئاً، وإن لهم بيتاً يقال له الكعبة، وإنهم معجبون بها، ويسجدون للطاغوت والأصنام من دون عز وجل. قال الملك: إنهم معجبون بهذا البيت؟ قال: نعم. فنزل ببطحاء مكة معه عسكره، وتفكر في نفسه دون الوزير ودون الناس وعزم أن يأمر بهدم هذا البيت وأن التي سميت كعبة تسمى خربة، وأن يقتل رجالهم ويسبي نساءهم وذراريهم. فأخذه الله عز وجل بالصداع، وفتح من عينيه وأذنه وأنفه وفمه ماءً منتناً، فلم يكن يستقر أحدٌ عنده طرفة عين من نتن الريح، فاستيقظ لذلك وقال لوزيره اجمع العلماء والأطباء وشاورهم في أمري؛ فاجتمع العلماء والأطباء عنده فلم يصبر أحد منهم ولم تمكنهم مداواته؛ قال: قد جمعت حكماء بلدانٍ مختلفة ووقعت في هذه العلة،

فلم يقم أحدٌ في مداواتي، فقالوا: بأجمعهم: يا قوم أمرنا أمر الدنيا، وهذا أمرٌ سماويٌ لا نستطيع مرد أمر السماء، واشتد الأمر على الملك، فتفرق الناس وأمره كل ساعةٍ أشد، حتى أقبل الليل وجاء أحد العلماء إلى وزيره فقال: إن بيني وبينك سراً وهو أنه إن كان الملك يصدق لي في كلامه وما نواه عالجته فاستبشر بذلك الوزير وأخذ بيده وحمله إلى الملك وقال للملك إن رجلاً من العلماء ذكر: إن صدق الملك وما نواه في قلبه ولم يكتم شيئاً منه عالجه؛ فاستبشر الملك وأذن له بالدخول عليه فدخل فقال: إن بيني وبينك سراً أريد الخلوة فيه، فخلا به وقال: هل نويت في هذا البيت أمراً؟ قال: نعم، نويت أن أخرب هذا البيت وأقتل رجالهم وأسبي نساءهم، فقال: إن وجعك وبلاءك من هذا، اعلم أن صاحب هذا البيت قويٌ يعلم الأسرار، فيجب أن تخرج من قلبك جميع ما نويت من أذى هذا البيت وذلك خير الدنيا والآخرة، قال الملك: فقد أخرجت جميع المكروهات من قلبي ونويت جميع الخيرات والمعروفات، فلم يخرج العالم الناصح من عنده حتى برأ من العلة وعافاه الله عز وجل بأمر الله جل وعلا من ساعته، وخرج من منزله صحيحاً على دين إبراهيم - صلى الله على نبينا وعليه - وخلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أول من كسا البيت ودعا أهل مكة فأمرهم بحفظ الكعبة، وخرج هو إلى يثرب. ويثرب هي بقعةٌ فيها عين ماء ليس فيها نبت ولا بيت ولا أحد فنزل على رأس العين مع عسكره بجمع العلماء والحكماء الذين كانوا معه واختارهم من بلدانٍ مختلفة ورئيس العلماء العالم الناصح الشفيق لدين الله عز وجل الذي أعلم الملك شأن الكعبة، ثم إنهم اجتمعوا وتشاوروا فاعتزل من بين أربعة آلاف رجلٍ عالم أربع مائة رجل، كل من كان أعلم وأفهم وبايع كل واحدٍ منهم صاحبه أنهم لا يخرجون من ذلك المقام وإن ضربهم الملك وقتلهم وقرضهم وأحرقهم وجاؤوا بجملتهم ووقفوا بباب الملك وقالوا: إن خرجنا من بلداننا فطفنا مع الملك زماناً وحيناً ونريد أن نقيم في هذا المقام إلى أن نموت فيه، وإنا قد عقدنا أن لا نخرج من هذا المقام إلى أن نموت، وإن قتلتنا وحرقتنا، فقال الملك للوزير: انظر ما شأنهم يمتنعون عن الخروج معي وأنا أحتاج إليهم ولا أستغني عنهم، وأي حكمةٍ في نزولهم في هذا المقام واختيارهم؟ فخرج الوزير وجمعهم وذكر لهم قول الملك، فقالوا للوزير مثل ما قالوا للملك، قال الوزير: فما الحكمة في ذلك؟ قالوا: أيها الوزير اعلم أن شرف هذا البيت وشرف هذه البلدة بسبب هذا الرجل الذي يخرج، يقال له محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

إمام الحق، صاحب القضيب والناقة والتاج والهراوة، وصاحب القرآن والقبلة، وصاحب اللواء والمنبر، صاحب قول لا إله إلا الله، ومولده بمكة، وهجرته إلى ههنا فطوبى لمن أدركه وآمن به، وكنا على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا فلما سمع الوزير مقالتهم هم أن يقيم معهم؛ فلما جاء وقت الرحيل أمر الملك أن يرحلوا، فقالوا بأجمعهم: لا نرحل، وقد أخبرنا الوزير بحكمة مقامنا ههنا؛ فدعا الملك الوزير فقال له: لم تخبرنا بمقالة القوم، قال: لأني عزمت على المقام معهم وخفت أن لا تدعني، وأعلم أنهم لا يخرجون، فلما سمع الملك منه تفكر أن يقيم معهم سنة رجاء أن يدرك محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمر الملك أن يبنوا أربع مائة دار، لكل رجلٍ من العلماء دار، واشترى لكل منهم جاريةً وأعتقها وزوجها منه، وأعطى لكل واحد منهم عطاءً جزيلاً، وأمرهم أن يقيموا في ذلك الموضع إلى وقت محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكتب كتاباً وختمه بالذهب ودفع الكتاب إلى العالم الذي نصحه في شأن الكعبة، وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن أدركه، وإن لم يدركه إلى أولاده، وأولاد أولاده أبداً ما تناسلوا إلى حين رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان في الكتاب: أما بعد، يا محمد فإني آمنت بك وبكتابك الذي أنزله الله عليك، وأنا على دينك وسنتك وآمنت بربك ورب كل شيء، وبكل ما جاء من ربك عز وجل من شرائع الإيمان والإسلام، وإني قبلت ذلك، فإن أدركتك فبها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني، وإني من أمتك الأوابين وبايعتك قبل مجيئك، وقبل إرسال الله تعالى إياك، وأنا على ملتك وملت أبيك إبراهيم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وختم الكتاب بالذهب ونقش عليه " لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله " وكتب عنوان الكتاب إلى محمد بن عبد الله خاتم النبيين ورسول رب العالمين صلوات الله عليه، من تبع الأول حمير بن وردع، أمانة الله في يد من وقع، إلى أن يوصل إلى صاحبه. ودفع الكتاب إلى العالم الذي نصح له في شأن الكعبة وأمره بحفظها. وخرج تبع من يثرب، ويثرب هو الموضع الذي نزل به العلماء، وهو مدينة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وسار تبع حتى مر بغلسان بلدةٍ من بلاد الهند فمات بها.

ومن اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي ولد فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألف سنةٍ لا زيادة فيه ولا نقصان، ثم إن أهل المدينة الذين نصروا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أولاد أولئك العلماء الأربع مائة الذين سكنوا دور تبع إلى أن بعث الله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما هاجر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسمعوا بخروجه استشاروا في إيصال الكتاب إليه فأشار عليهم عبد الرحمن بن عوف وكان قد هاجر قبل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن اختاروا رجلاً ثقةً وابعثوا بالكتاب معه إليه فاختاروا رجلاً يقال له: أبو ليلى وكان من الأنصار، ودفعوا إليه الكتاب وأوصوه محافظة الكتاب والتبليغ؛ وخرج على طريق مكة، فوجد محمداً رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قبيلة سليم، فعرف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعاه وقال: " أنت أبو ليلى ومعك كتاب تبع الأول ". فبقي الرجل متفكراً وذكر في نفسه أن هذا من العجب ولم يعرفه، فقال: من أنت فإني لست أعرف في وجهك أثر السجود، وتوهم أنه ساحر فقال: " لا بل أنا محمد، هات الكتاب ". ففتح الرجل رحله وكان يخفي الكتاب فدفعه إليه، فقرأه أبو بكر على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: " مرحباً بالأخ الصالح ". ثلاث مرات، وأمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة، فرجع وبشر القوم، فأعطاه كل واحدٍ منهم عطاءً على تلك البشارة. وجاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسأله أهل القبائل أن ينزل عليهم وتعلقوا بناقته، فقال: " دعوها فإنها مأمورة ". حتى جاءت إلى دار أبي أيوب فبركت، ونزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دار أبي أيوب، وأبو أيوب كان من أولاد العالم الناصح لتبع في شأن الكعبة، وكانوا ينتظرونه، فهم من أولاد العلماء الذين سكنوا يثرب في دور تبع الذي بنى لهم، والدار التي نزل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها هي الدار التي بنى تبع لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأنشد أبو زيد لتبع الأول: " من الكامل " منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي وطلوعها بيضاء صافيةً ... وغروبها صفراء كالورس تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت بالنفس قال محمد بن إسحاق: ولما فعل تبع ما فعل غضبت ملوك حمير وقالوا: أما كان يرضى أن يطيل غزونا ويبعدنا في المسير من أهلنا حتى طعن علينا أيضاً في ديننا وعاب آباءنا فاجتمعوا على أن

يقتلوه ويستخلفوا أخاه من بعده. فاجتمع رأي الملوك كلهمعلى ذلك إلا ذا همدان فإنه أبى أن يمالئهم على ذلك، فثاروا به فأخذوه ليقتلوه، فقال لهم: أتراكم قاتلي؟ قالوا: نعم، قال: أما لا، فإذا قتلتموني فادفنوني قائماً فإنه لن يزال لكم ملك قائم مادمت قائماً فلما قتلوه قالوا والله لا يهلكنا حياً وميتاً فنكسوه على رأسه فقال في ذلك ذو همدان في الذي كان من أمره: " من الوافر " إن تك حميرٌ غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين ألا من يشتري سهراً بنومٍ ... سعيدٌ من يبيت قرير عين ثم استخلفوا أخاً له يقال له عبد كلال فزعموا أنه كان لا يأتيه النوم بالليل فأرسل إلى من كان ثم من يهود فقال: ويحكم ما ترون شأني؟ فقالوا: إنك غير نائمٍ حتى تقتل جميع من مالأك على قتل أخيك. فتتبعهم فقتل رؤوس حمير وخونتهم، ثم خرج ابنٌ لتبع يقال له: دوس، حتى أتى قيصر فهو مثلٌ في اليمن يضرب به بعد لا كدوس ولا كعملق رحله. فلما انتهى إلى قيصر دخل عليه، فقال له: إني ابن ملك العرب، وإن قومي عدوا على أبي فقتلوه، فجئتك لتبعث معي من يملك لي بلادي وذلك لأن ملكهم الذي ملكهم بعد أبي قد قتل أشرافهم ورؤوسهم، فدعا قيصر بطارقته فقال: ما ترون في شأن هذا؟ فقالوا: لا نرى أن تبعث معه أحداً إلى بلاد العرب وذلك أن لا نأمن هذا عليهم ليكون إنما جاء ليهلكهم؟ فقال قيصر: كيف أصنع به وقد جاءني مستغيثاً؟ فقالوا: اكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة - وملك الحبشة يدين لملك الروم - فكتب له إليه وأمره أن يبعث معه رجالاً إلى بلده، فخرج دوسٌ بكتاب قيصر حتى أتى به النجاشي، فلما قرأه نخر وسجد له، وبعث معه ستين ألفاً واستعمل عليهم روزبه، فخرج في البحر حتى أرسى إلى ساحل اليمن فخرج عليهم هو وقومه، فخرجت عليهم حمير، وحمير

تبوك بن أحمد بن تبوك بن خالد

يومئذٍ فرسان أهل اليمن، فقاتل أهل اليمن قتالاً شديداً على الخيل، فجعلوا يكردسونهم كراديس، ثم يحملون عليهم فكلما مضى منهم كردوس تبعه آخر فلما رأى ذلك روزبه، قال لدوس: ما جئت بي هاهنا إلا لتحرر بي قومك فلأبدأن بك ولأقتلنك قبل أن أقتل، فقال: لا تفعل أيها الملك ولكن أشير عليك فتقبل مني؟ قال: نعم فأشر عليّ، قال له دوس: أيها الملك إن حمير قوم لا يقاتلون إلا على الخيل، فلو أنك أمرت أصحابك فألقوا بين أيديهم درقهم وأترستهم، ففعلوا ذلك، فجعلت حمير تحمل عليهم فتزلق الخيل عن الترسة والدرق فتطرح فرسانها فيقتل الآخرون، فلم يزالوا كذلك حتى رقوا وكثرهم الآخرون، وإنهم ساروا حتى دخلوا صنعاء فملكوها وملكوا اليمن. تبوك بن أحمد بن تبوك بن خالد ابن يزيد بن عبد الله بن يزيد بن غنم بن حجر، أبو محمد مولى نصر بن الحجاج بن علاط السلمي. حدث عن هشام بن عمار بسنده إلى عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأن الجنة حق وأن النار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة شاء ". توفي تبوك بن أحمد في ذي الحجة سنة ثلاثين وثلاث مائة. تبوك بن الحسن بن الوليد بن موسى ابن سعيد بن راشد بن يزيد بن فندش بن عبد الله أبو بكر الكلابي المعدل، أخو عبد الوهاب. حدث عن محمد بن أحمد الخلال بسنده عن عبد الله بن معقل قال: دخلت أنا وأبي على ابن مسعود فقال له أبي: أنت سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " الندم توبة؟ " قال: نعم أنا سمعته يقول الندم توبة.

تبيع بن عامر أبو عبيدة

وحدث عن سعيد عن عبد العزيز بسنده عن الزهري: أن مروان بن الحكم قال: سألت زيد بن ثابت عن الخلسة؟ فقال: ليس في الخلسة قطع. توفي تبوك بدمشق في رمضان سنة ثمانٍ وسبعين وثلاث مائة. تبيع بن عامر أبو عبيدة ويقال: أبو عتبة، ويقال: أبو عبيد، ويقال: أبو حمير، ويقال: أبو غطيف، ويقال: أبو عامر الحميري. ابن امرأة كعب الأحبار. يقال إنه أدرك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأسلم في زمن أبي بكر الصديق، وقرأ القرآن على مجاهد بأرواد جزيرة في البحر قريبة من القسطنطينية، وكانا غازيين بها. حدث تبيع عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا آتاك الله هذا المال من غير مسألة ولا إشراف فخذه فكله وتموله ". وحدث تبيع عن كعب قال: من أحسن الوضوء، ثم صلى العشاء الآخرة، ثم صلى بعدها أربع ركعاتٍ يتم الركوع والسجود، يعلم ما يقرأ فيهن كن له بمنزلة ليلة القدر. وعن خليد بن عجلان قال: قال ابن امرأة كعب لعمرو بن سعيد حين خلع: إني قد قرأت في الكتب أن رجلاً من قريش يسافر مع ملك، ثم يغدر به ويدخل مدينةً من مدائن الشام يتحرز فيها ثم يقتل، وأنا خائفٌ عليك فاتق لا تكونه. قال معاذ بن عبد الله بن حبيب: رأيت ابن عباس يسأل تبيعاً: هل سمعت كعباً يذكر السحاب بشيء؟ قال: سمعت كعباً يقول: إن السحاب غربال المطر، ولولا السحاب لأفسد المطر ما يقع عليه. قال: صدقت، وأنا قد سمعته. قال: وسمعت كعباً يذكر أن الأرض نبتت العام نبتاً وقابل

غيره؟ قال: نعم، قال: وسمعت كعباً يقول: إن البذر ينزل مع المطر فيخرج في الأرض قال: صدقت، وأنا قد سمعته. كان تبيع بن عامر رجلاً مرحلاً كان دليلاً للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعرض عليه الإسلام فلم يسلم حتى توفي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأسلم مع أبي بكر رضي الله عنه، وقد كان يقص عند أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال حسين بن شفي بن ماتع الأصبحي: كنا جلوساً مع عبد الله بن عمرو بن العاص إذ أقبل تبيع فقال عبد الله: أتاكم أعلم من عليها، فلما جلس قال عبد الله بن عمرو: يا أبا عبيدة أخبرنا عن الخيرات الثلاث والشرات الثلاث، قال: نعم، الخيرات الثلاث: لسانٌ صادق، وقلبٌ نقي، وامرأة صالحة، والشرات الثلاث: لسانٌ كذوب، وقلبٌ فاجر، وامرأة سوء. فقال عبد الله قد قلت لكم. حدث رشيد بن كيسان الفهمي قال: كنا برودس وأميرنا جنادة بن أبي أمية الأزدي، فكتب إلينا معاوية بن أبي سفيان: إنه الشتاء ثم الشتاء، فتأهبوا له. فقال له تبيع ابن امرأة كعب الأحبار: تقفلون إلى كذا وكذا، فقال الناس: وكيف نقفل وهذا كتاب معاوية إن الشتاء ثم الشتاء؟ فأتاه بعض أهل خاصته من الجيش فقال: ما يسميك الناس إلا الكذاب لما تذكر لهم من الفعل الذي لا يرجونه، فقال تبيع: فإنهم يأتيهم إذنهم في يوم كذا وكذا وشهر كذا وكذا، وآية ذلك أن تأتي ريحٌ فتقلع هذه الثنية التي في مسجدهم هذا، فانتشر قوله فيهم، فأصبحوا ذلك اليوم في مسجدهم ينتظرون ذلك وكان يوماً لا ريح فيه، فانتظروا حتى احتاجوا إلى المقيل والغداء، وملوا فانصرفوا إلى مساكنهم أو إلى مراكبهم، حتى إذا انتصف النهار، وقد بقي في المسجد بقايا من الناس، فأقبلت ريحٌ عصار فأحاطت بالثنية فقلعتها وتصايح الناس في منازلهم خرت الثنية، خرت الثنية، فأقبلوا

تليد الخصي مولى عمر بن عبد العزيز

من كل مكان حتى اجتمعوا على الساحل، فرأوا شيئاً لاصقاً يتحول في الماء، حتى تبين لهم أنه قاربٌ، فأتاهم بموت معاوية، وبيعة يزيد ابنه، وآذنهم بالقفل. فزكوا تبيعاً وأثنوا عليه خيراً ثم قالوا: وأخرى بقيت قد دخل الشتاء ونحن نخاف أن تنكسر مراكبنا، فقال لهم تبيع: لا ينكس لكم عود نصركم، ولا ينقطع لكم حبل نصركم حتى تردوا بلادكم. فساروا فسلمهم الله عز وجل. كان تبيع يقول: إني لأجد نعت أقوامٍ يتفقهون لغير الله، ويتعلمون لغير العبادة، ويلتمسون الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، فبي يغترون، وإياي يخادعون، فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تترك الحليم فيها حيران. حدث ربيع بن سيف عن تبيع قال: إذا فاض الظلم فيضاً، وكان الولد لوالده غيظاً، والشتاء قيظاً، والحكم حيفاً والشرطة سيفاً أتاكم الدجال يزيف زيفاً. قال تبيع: من أعرقت فيه الفارسيات لم يخطئه دينٌ أو حلم، ومن أعرقت فيه الروميات لم يخطئه شدةٌ أو ثقابة، ومن أعرقت فيه البربريات لم يخطئه حدةٌ أو تكلف، ومن أعرقت فيه الحبشيات لم يخطئه سكر أو تأنيث. توفي تبيع سنة إحدى ومائة. تليد الخصي مولى عمر بن عبد العزيز ويقال: مولى زبان بن عبد العزيز. قال تليد: كان عمر بن عبد العزيز إذا صلى الصبح في خلافته جلس في مجلسه الذي ينظر فيه

تمام بن عبد الله بن المظفر

في أمر الناس، فلا يكلم أحداً حتى يقرأ: قاف والقرآن المجيد؛ كان يفعل ذلك حتى مرض مرضه الذي مات فيه. تمام بن عبد الله بن المظفر أبو القاسم الظني السراج. حدث عن أبي الحسن علي بن الحسن بن طاوس المغربي بسنده عن عبد الله بن بحينة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام في اثنتين من الصلاة ولم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم بعد ذلك. توفي تمام في المحرم سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة. تمام بن عبد السلام بن محمد ابن أحمد، أبو الحسن اللخمي. حدث عن أبي الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة القرشي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " بلغوا عني - يعني ولو آية - وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ". تمام بن كثير أبو قدامة الجبيلي من أهل جبيل، من ساحل دمشق. حدث عن عقبة بن علقمة قال: سألت الأوزاعي عن الإيمان أيزيد؟ قال: نعم، حتى يكون مثل الجبال. قال قلت: ينتقص؟ قال: نعم حتى لا يبق منه شيء.

تمام بن محمد بن عبد الله

وسئل العباس بن الوليد البيروتي وقيل له: أليس تقول: بقول الأوزاعي؟ فقال: نعم. وحدث عن محمد بن شعيب بن شابور، عن الوليد القاص قال: أتيت أنطاكية فإذا أسود قد نبش قبراً فأصاب فيه صحيفة نحاس، فيها مكتوبٌ بالعبرانية، فأتوا بها إلى إمام أنطاكية، فبعث إلى رجل من اليهود فقرأه فإذا فيه: أنا عون بن إرميا بعثني ربي إلى أنطاكية أدعوهم إلى الإيمان بالله فأدركني فيها أجلي، وسينبشني أسود في زمان أمة أحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. تمام بن محمد بن عبد الله ابن جعفر بن عبد الله بن الجنيد أبو القاسم بن أبي الحسن البجلي الرازي الحافظ، ولد بدمشق وسمع بها. حدث عن أبي الحسن خيثمة بن سليمان بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشةٌ في قبورهم، كأني أنظر إليهم إذا انفلقت الأرض عنهم يقولون: لا إله إلا الله. والناس بهمّ ". وحدث عن أبي الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي بسندهإلى سفيان الثوري قال: ما أعرف شيئاً أفضل من طلب الحديث إذا أريد به الله عز وجل. توفي تمام بن محمد في المحرم سنة أربع عشرة وأربع مائة، وكان مولده سنة ثلاثين وثلاث مائة. وكان ثقة مأموناً؛ قال أبو بكر بن الحداد: ما لقينا مثله في الحفظ والخبرة.

تمام بن نجيح الأسدي

تمام بن نجيح الأسدي دمشقي، وقيل إنه حلبي. حدث عن الحسن البصري، عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما من حافظين رفعا إلى الله ما حفظا، فيرى الله عز وجل في أول الصحيفة خيراً أو في آخرها خيراً إلا قال الله لملائكته: اشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة ". وفي رواية: " يرفعان إلى الله ما حفظا من الليل والنهار ". قال تمام بن نجيح: كنت عند ابن سيرين فأتاه رجلٌ فقال: إني رأيت كأني أقطف الزيتونة فأعصره في أصلها؛ فقال: إن كنت صادقاً فأنت على نكاح أمك. قال: فلقيت عون بن عتبة - وكان شاهداً معنا عند ابن سيرين - فقال: ألم تسمع الرجل الذي سأل ابن سيرين عن الرؤيا؟ قال: قلت بلى، قال: فإني لقيته فقال لي: إني رجعت إلى امرأتي فناشدتها، فإذا هي أمي. قال تمام بن نجيح: كنت قاعداً عند محمد بن سيرين إذ أتاه رجل فقال: إني رأيت الليلة أن طائراً نزل من السماء فوقع على ياسمينة، فنتف منها ثم إنه طار حتى دخل في السماء. قال: فقال ابن سيرين: هذا قبض علماء. قال تمام: فلم تمض تلك السنة حتى مات الحسن وابن سيرين ومكحول، وستةٌ من العلماء سواهم، فكانوا تسعة من علماء أهل الأرض ماتوا في تلك السنة.

تميم بن أوس بن خارجة

تميم بن أوس بن خارجة ابن سود بن جذيمة بن دراع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب، أبو رقية الداري، له صحبة. حدث عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وروى عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديث الجساسة. وكان يسكن فلسطين وقيل: إنه سكن دمشق. حدث عامر قال: دخلنا على فاطمة بنت قيس نسألها عن قضاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها، فلما ذهبنا لنخرج قالت: كما أنتم، أحدثكم بحديثٍ سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: وأراها أمرت بطعامٍ يصنع فصنع، فأرادت أن تحبسنا عليه، قالت: بينما أنا في المسجد وفيه أناس - كأنها تقللهم - إذ خرج إلينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضحك حتى كادت تبدو نواجذه، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إني حدثت حديثاً فرحت به فخرجت لأحدثكم به لتفرحوا لفرح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إن تميم الدري حدثني أنه ركب البحر في نفرٍ من أهل فلسطين فرمت بهم الريح إلى جزيرةٍ فخرجوا، فإذا هم بشيء طويل الشعر، كبير، لا يدرون ما تحت الشعر أذكر أم أنثى؟! فقلنا لها: ألا تخبرينا وتستخبرينا؟ فقال: ما أنا بمخبركم شيئاً ولا مستخبركم، ولكن ائتوا هذا الدير فإن فيه من هو فقير إلى أن يخبركم ويستخبركم، قالوا: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة. فأتينا الدير فإذا فيه إنسانٌ نضرٌ وجهه، به زمانة، قال - وأحسبه موثق -: من أنتم؟ قلنا: نفرٌ من العرب، قال: هل خرج نبيكم؟ قالوا: نعم، قال: فما صنعتم؟ قلنا: اتبعوه، قال: أما إن ذلك خير لهم، قال: فما فعلت فارس والروم؟ قلنا: العرب تغزوهم، قال: فما فعلت البحيرة؟ قلنا ملأى تدفق، قال: فما فعل نخلٌ بين الأردن وفلسطين؟ قلنا: قد أطعم، قال: فما فعلت عين

زغر؟ قال: تسقي ويسقى منها؛ قال: أنا الدجال، أما إني سأطأ الأرض كلها ليس طيبة ". قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " طيبة المدينة لا يدخلها ". وعن تميم الداري: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنما الدين النصيحة، إنما الدين النصيحة ". قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ". وعن تميم الداري، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يقول الله عز وجل لملك الموت: انطلق إلى وليي فأتني به فإني قد ضربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب. ائتني به فلأريحه. قال: فينطلق ملك الموت إليه ومعه خمس مائةٍ من الملائكة، معهم أكفانٌ وحنوطٌ من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد، وفي رأسها عشرين لوناً، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر؛ قال: فيجلس ملك الموت عند رأسه وتحفه الملائكة، ويضع كل ملكٍ منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر من تحت ذقنه، ويفتح له باب إلى الجنة، فإن نفسه لتعلل عند ذلك بطرف الجنة؛ مرة بأرواحها ومرة بكسوتها، ومرة بثمارها كما يعلل الصبي أهله إذا بكى. قال: وإن أزواجه ليبتهشنّ عند ذلك ابتهاشاً قال: وتنزو الروح، قال: تريد أن تخرج من العجلة إلى ما تحب، قال: ويقول ملك الموت: اخرجي يا أيتها الروح الطيبة إلى " سدرٍ مخضودٍ، وطلحٍ منضودٍ، وظلٍّ ممدودٍ، وماءٍ مسكوب " قال: ولملك الموت أشد لطفاً به من الوالدة بولدها، يعرف أن ذلك الروح حبيبٌ لربه، فهو يلتمس بلطفه تحبباً لربه، رضىً للرب عنه، فيسل روحه كما تسل الشعرة من العجين، قال: وقال الله تبارك وتعالى: " الذين تتوفاهم الملائكة طيبين " وقال: " فإما إن كان من المقربين فروحٌ

وريحان وجنة نعيم " قال: روحٌ من جهد الموت، قال: وريحانٌ يتلقى به، قال: وجنة نعيم مقابلة. قال: فإذا قبض ملك الموت روحه، قال الروح للجسد: جزاك الله عني خيراً فقد كنت سريعاً بي إلى طاعة الله، بطيئاً بي عن معصية الله، وقد نجوت وأنجيت. قال: ويقول الجسد للروح مثل ذلك، قال: وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها، وكل بابٍ من السماء يصعد منه عمله، أو ينزل منه رزقه أربعين سنة، قال: فإذا قبض ملك الموت روحه أقامت الخمس مائة من الملائكة عند جسده، فلا يقلبه بنو آدم لشقه إلا قلبته الملائكة قبلهم وعلته بأكفانٍ قبل أكفان بني آدم، وحنوط قبل حنوط بني آدم، ويقوم من بين باب بيته إلى باب قبره صفان من الملائكة يستقبلونه بالاستغفار، قال فيصيح عند ذلك إبليس صيحةً يتصدع منها بعض عظام جسده، ويقول لجنوده: الويل لكم كيف تخلص هذا العبد منكم؟ قال: فيقولون: إن هذا كان عبداً معصوماً، قال: فإذا صعد ملك الموت بروحه إلى السماء يستقبله جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة كلٌ يأتيه ببشارةٍ من ربه سوى بشارة صاحبه؛ قال: فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش خر الروح ساجداً؛ قال: يقول الله لملك الموت: انطلق بروح عبدي هذا فضعه في " سدرٍ مخضودٍ، وطلحٍ منضودٍ وظلٍّ ممدودٍ وماءٍ مسكوب " قال: فإذا وضع في قبره قال: جاءته الصلاة فكانت عن يمينه، وجاءه الصيام فكان عن يساره، وجاءه القرآن والذكر فكانا عند رأسه، وجاءه مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاءه الصبر فكان في ناحية القبر، قال: فيبعث الله عنقاً من العذاب قال: فيأتيه عن يمينه، فتقول الصلاة: وراءك، والله مازال دائباً عمره كله، وإنما استراح الآن حين وضع في قبره، قال: فيأتيه عن يساره فيقول الصيام مثل ذلك، قال: ثم يأتيه عند رأسه فيقول القرآن والذكر مثل ذلك، قال: ثم يأتيه من عند رجليه فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك، قال: فلا يأتيه العذاب من ناحيةٍ يلتمس هل يجد إليه مساغاً إلا وجد ولي الله قد أخذ جنته؛ فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج. قال: ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن أباشر أنا بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم فإن عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذ أجزأتم عنه فأنا له ذخرٌ

عند الصراط والميزان، قال: وبعث الله ملكين، أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصياصي وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما، بين منكب كل واحدٍ منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة يقال لهما منكرٌ ونكير، في يد كل واحدٍ منهما مطرقة، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها؛ قال: فيقولان له: اجلس، قال: فيجلس فيستوي جالساً، قال: وتقع أكفانه في حقويه، قال: فيقولان له: من ربك؟ وما دينك ومن نبيك؟ " قالوا: يا رسول الله، ومن يطيق الكلام عند ذلك، وأنت تصف من الملكين ما تصف، قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء " قال: فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة، ونبيي محمدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتم النبيين؛ قال: فيقولان: صدقت، قال فيدفعان القبر فيوسعانه من بين يديه أربعين ذراعاً، ومن خلفه أربعين ذراعاً، وعن يمينه أربعين ذراعاً، وعن شماله أربعين ذراعاً، ومن عند رأسه أربعين ذراعاً، ومن عند رجليه أربعين ذراعاً، قال: فيوسعان مائتي ذراع، قال: فأحسبه قال: أربعون ذراع يحاط به، قال: ثم يقولان: انظر فوقك، قال: فينظر فوقه فإذا بابٌ مفتوح إلى الجنة؛ قال: فيقولان له: ولي الله هذا منزلك إذ أطعت الله ". قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " والذي نفس محمد بيده، إنه تصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبداً، قال: ثم يقال له: انظر تحتك، فينظر تحته، فإذا بابٌ مفتوحٌ إلى النار، قال: فيقولان: يا ولي الله نجوت آخر ما عليك ". قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " والذي نفس محمد بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبداً "، قال: قالت عائشة: يفتح له سبعةٌ وسبعون باباً إلى الجنة، يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله، قال: فيقول الله لملك الموت: " انطلق إلى عدوي فائتني به، فإني قد بسطت له في رزقي، وسربلته نعمتي فأبى إلا معصيتي، فائتني به لأنتقم منه، قال: فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورةٍ رآها أحدٌ من الناس قط، له اثنتا عشرة عيناً،

ومعه سفود من النار، كثير الشوك، ومعه خمس مائةٍ من الملائكة معهم نحاس وجمر من جمر جهنم، ومعه سياطٌ من نار، لينها لين السياط وهي نار تأجج، قال: فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربةً يغيب أصل كل شوكةٍ من ذلك السفود في أصل كلّ شعرةٍ وعرقٍ وظفر، ثم يلويه لياً شديداً قال: فينزع روحه من أظفار قدميه، قال: فيلقيها في عقبيه؛ قال: فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة، فيرفه ملك الموت عنه، قال: فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، قال: ثم ينتره ملك الموت نترةً فينزع روحه من عقبيه فيلقيها في ركبتيه، ثم يسكر عدو الله سكرةً عند ذلك، فيرفه ملك الموت عنه، قال: فتضرب الملائكةوجهه ودبره بتلك السياط، فينتره ملك الموت نترة، قال: فينزع روحه من ركبتيه فيلقيها في حقويه، فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة، فيرفه ملك الموت عنه، قال: وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، قال: كذلك إلى صدره، ثم كذلك إلى حلقه، قال: ثم تبسط الملائكة النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه، ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح اللعينة الملعونة إلى " سمومٍ وحميم، وظلٍّ من يحموم، لا باردٍ ولا كريم " قال: فإذا قبض ملك الموت روحه قال الروح للجسد: جزاك الله عني شراً فقد كنت سريعاً بي إلى معصية الله، بطيئاً بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت، قال: ويقول الجسد للروح مثل ذلك، فتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله عليها؛ وينطلق جنود إبليس يبشرونه بأنهم قد أوردوا عبداً من ولد آدم النار، قال: فإذا وضع في قبره ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، حتى تدخل اليمنى في اليسرى واليسرى في اليمنى، قال: ويبعث الله إليه أفاعي دهماء كأعناق الإبل، يأخذون بأرنبته وإبهامي قدميه، فتقرضه حتى يلتقين في وسطه؛ قال: ويبعث الله ملكين، أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما، بين منكبي كل واحدٍ منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما منكرٌ ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها، قال: فيقولان له اجلس، قال: فيجلس، فيستوي جالساً، قال وتقع أكفانه في حقوه، قال: فيقولون له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري،

قال: فيقولان له: لا دريت ولا تليت، قال: فيضربانه ضربةً يتطاير سراره في قبره، ثم يعودان فيقولان له: انظر فوقك، فنظر، فإذا بابٌ مفتوحٌ من الجنة، قال: فيقولان: عدو الله هذا منزلك لو كنت أطعت الله. قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " والذي نفس محمد بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرةٌ لا ترتد أبداً "، قال: فيقولان له: انظر تحتك، قال: فينظر تحته، فإذا بابٌ مفتوحٌ إلى النار، قال: فيقولان: عدو الله هذا منزلك إذ عصيت الله. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " والذي نفس محمدٍ بيده، إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرةٌ لا ترتد أبداً ". قال: وقالت عائشة: ويفتح له سبعةٌ وسبعون باباً إلى النار يأتيه حرها وسمومها حتى يبعثه الله إليها ". حدث عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي، عن أبيه قال: قدم وفد الداريين على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منصرفه إلى تبوك، وهم عشرة نفر، فيهم تميم ونعيم ابنا أوس بن خارجة، ويزيد بن قيس بن خارجة، والفاكه بن النعمان بن جبلة بن صفار بن ربيعة بن دراع بن عدي بن الدار، وجبلة بن مالك بن صفارة وأبو هند والطيب ابنا ذر، وهانئ بن حبيب، وعزيز ومرة ابنا مالك بن سواد بن جذيمة فأسلموا، وسما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطيب عبد الله، وسمى عزيزاً عبد الرحمن؛ وأهدى هانئ بن حبيب لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راوية خمر وأفراساً وقباء مخوصاً بالذهب فقبل الأفراس والقباء وأعطاه العباس بن عبد المطلب، فقال: ما أصنع به؟ قال: " تنزع الذهب فتحليه نساءك أو تستنفقه، ثم تبيع الديباج فتأخذ ثمنه ". فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف

درهم؛ وقال تميم: لنا جيرةٌ من الروم لهم قريتان، يقال لإحداهما حبرى وللأخرى بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي، قال: " فهما لك "، فلما قام أبو بكر أعطاه ذلك، وكتب له به كتاباً، وأقام وفد الداريين حتى توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأوصى لهم بجاد مائة وسق. قال أبو هند الداري: قدمنا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة ونحن ستة نفر: تميم بن أوس، ونعيم بن أوس أخوه، ويزيد بن قيس، وأبو هند بن عبد الله - وهو صاحب الحديث - وأخوه الطيب بن عبد الله، فسماه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الرحمن، وفاكه بن النعمان فأسلمنا، وسألنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقطعنا من أرض الشام فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سلوا حيث شئتم ". فقال تميم: أرى أن نسأله بيت المقدس وكورها، فقال أبو هند: وكذلك يكون فيها ملك العرب، وأخاف إن لا يتم لنا هذا، فقال تميم: فنسأله بيت جبرين وكورتها فقال أبو هند: هذا أكبر وأكبر، فقال: فأين ترى أن نسأله؟ فقال: أرى أن نسأله القرى التي يقع فيها حصن تل مع آبار إبراهيم؛ فقال تميم: أصبت ووفقت قال: فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تميم أتحب تخبرني بما كنتم فيه، أو أخبرك؟ " فقال تميم: بل تخبرنا يا رسول الله، نزداد إيماناً، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أردتم أمراً وأراد هذا غيره، ونعم الرأي رأى ". قال: فدعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقطعة جلدٍ من أدم، فكتب لنا فيها كتاباً نسخته: "

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ذكر ما وهب محمدٌ رسول الله الداريين إذ أعطاه الله الأرض، وهب لهم بين عين وحبرون وبيت إبراهيم، بمن فيهن، لهم أبداً، شهد عباس بن عبد المطلب وجهم بن قيس وشرحبيل بن حسنة، وكتب ". قال: ثم دخل بالكتاب إلى منزله، فعالج في زاوية الرقعة، وعساه شيءٌ لا يعرف، وعقده من خارج الرقعة بسير عقدين، وخرج إلينا به مطوياً وهو يقول: " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا، والله ولي المؤمنين " ثم قال: " انصرفوا حتى تسمعوا بي قد هاجرت ". قال أبو هند: فانصرفنا، فلما هاجر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة قدمنا عليه فسألناه أن يجدد لنا كتاباً فكتب لنا كتاباً نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أنطى محمدٌ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لتميم الداري وأصحابه، إني أنطيتكم عين وحبرون والبرطوم وبيت إبراهيم بدمنهم وجميع ما فيهم نطيةً بتة، ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد الأبد، فمن آذاهم فيها أذله الله. شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وكتب ". فلما قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وولي أبو بكر، وجه الجنود إلى الشام فكتب لنا كتاباً نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر الصديق إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلامٌ عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: امنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفساد في قرى الداريين، وإن كان أهلها قد جلوا عنها، وأراد الداريون أن يزرعوها فليزرعوها، فإذا رجع أهلها إليها فهي لهم وأحق بهم، والسلام عليك ".

قال عكرمة: لما أسلم تميم الداري قال: يا رسول الله، إن الله مظهرك على الأرض كلها، فهب لي قريتي من بيت لحم، قال: " هي لك ". قال: وكتب له بها، فلما استخلف عمر فظهر على الشام جاء تميم بكتاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال عمر: أنا شاهد ذلك، فأعطاها إياه. قال: وبيت لحم هي القرية التي ولد عيسى ابن مريم فيها. قال أبو عبيد: تميم الداري فخذٌ من لخم أو جذام. وعن سماعة أن تميم الداري سأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقطعه قرياتٍ بالشام عينون وقلاية والموضع الذي فيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلوات الله على نبينا وعليهم، قال: وكان بها ركحه ووطيئه قال: فأعجب ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " إذا صليت فسلني ذلك ". ففعل، فأقطعه إياهن بما فيهن. فلما كان زمن عمر، وفتح الله الشام أمضى ذلك لهم. قال أبو عبيد: أهل المدينة إذا شبروا الدار قالوا: بجميع أركاحها، يريدون جميع نواحيها. وعن راشد بن سعد قال: قال تميم الداري، وهو تميم بن أوس، رجلٌ من لخم، فقال: يا رسول الله إن لي جبرةً من الروم بفلسطين لهم قرية يقال لها حبرى، وأخرى يقال لها بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي، قال: " هما لك ". قال: فاكتب لي بذلك كتاباً، فكتب فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من محمدٍ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لتميم بن أوس الداري، أن له قرية حبرى وبيت عينون، قريتها كلها سهلها وجبلها وماؤها وحرثها، وأنباطها وبقرها، ولعقبه من بعده، لا يحاقه فيها أحد، ولا يلجه عليهم أحدٌ بظلم، فمن ظلمهم أو

أخذ من أحدٍ منهم شيئاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وكتب علي ". فلما ولي أبو بكر كتب لهم كتاباً نسخته: هذا كتابٌ من أبي بكر أمين رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي استخلف في الأرض بعده، كتبه للداريين، أن لا يفسد عليهم مأثرتهم قرية حبرى وبيت عينون، لمن كان يسمع ويطيع، فلا يفسد منها شيئاً، وليقم عمرو بن العاص عليهما فليمنعهما من المفسدين. وعن محمد بن سيرين، عن تميم الداري قال: استقطعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرضاً بالشام قبل أن تفتح، فأعطانيها، ففتحها عمر بن الخطاب في زمانه، فأتيته فقلت: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعطاني أرضاً من كذا إلى كذا، فجعل عمر ثلثها لابن السبيل، وثلثها لعمارتها، وترك لنا ثلثاً. وعن مقاتل بن سليمان في قوله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " نزلت في بديل بن أبي ما رية مولى العاص بن وائل السهمي كان خرج مسافراً في البحر إلى أرض النجاشي، ومعه رجلان نصرانيان أحدهما يسمى تميم بن أوس الداري، وكان من لخم، وعدي بن بداء، فمات بديل وهم في السفينة في البحر؛ قال: " حين الوصية "، وذلك أنه كتب وصيةً، ثم جعله في متاعه، ثم دفعه إلى تميمٍ وصاحبه، وقال لهما: بلغا هذا المتاع أهلي. فخلا ببعض المتاع، وحبسا جاماً من فضة مموهاً بالذهب، فنزلت " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية " يقول: عند الوصية يشهد وصيته " اثنان ذوا عدلٍ " من المسلمين في دينهما " أو آخران من غيركم " يعني من غير أهل دينكم النصرانيين تميم الداري وعدي بن بداء " إن أنتم " يا معشر المسلمين " ضربتم في

الأرض " للتجارة " فأصابتكم مصيبة الموت " يعني بديل بن أبي مارية حين انطلق تاجراً في البحر، فانطلق معه تميمٌ وعديٌ صاحباه، فحضره الموت فكتب وصيته ثم جعله في المتاع وقال: أبلغا هذا المتاع أهلي، فلما مات بديل قبضا المال فأخذا منه ما أعجبهما؛ وكان فيما أخذا إناءً من فضة فيه ثلاث مائة مثقال منقوشاً مموهاً بالذهب، فلما رجعا من تجارتهما دفعا بقية المال إلى ورثته، ففقدوا بعض متاعه فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيه تاماً لم يبع منه ولم يهب؛ فكلموا تميماً وصاحبه فسألوهما: هل باع صاحبنا شيئاً أو اشترى فخسر فيه؟ أو طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا، قالوا: فإنا قد افتقدنا بعض ما أبدى به صاحبنا، قالا: ما لنا علم بما أبدى ولا بما كان في وصيته، ولكنه دفع إلينا هذا المال فبلغناكم إياه. فرفعوا أمرهما إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونزلت " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت " يعني بديل بن أبي مارية - " اثنان ذوا عدلٍ منكم " من المسلمين: عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان " أو آخران من غيركم " من غير أهل دينكم - يعني النصرانيين " إن أنتم " يا معشر المسلمين " ضربتم في الأرض " تجاراً " فأصابتكم مصيبة الموت " يعني بديل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي " تحبسونهما " يعني النصرانيين تقيمونهما " من بعد الصلاة " يعني صلاة العصر " فيقسمان بالله " يقول: فيحلفان بالله " إن ارتبتم " يعني إن شككتم - نظيرها في النساء الصغرى - أن المال كان أكثر من هذا الذي أتيناكم به " لا نشتري به ثمناً " يقول: لا نشتري بأيماننا عرضاً من الدنيا " ولو كان ذا قربى " يقول: ولو كان الميت ذا قرابة منا " ولا نكتم شهادة الله " إنا إذا كتمنا شيئاً من المال " إنا إذاً لمن الآثمين " بالله؛ فحلفهما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند المنبر بعض صلاة العصر، فحلفا أنهما لم يخونا شيئاً من المتاع، فخلى سبيلهما. فلما كان بعد ذلك، وجد الإناء الذي فقدوه عند تميم الداري، قالوا: هذا كان من آنية صاحبنا الذي كان أبدى بها، وقد زعمتما أنه لم يبع ولم يشتر ولم ينفق على نفسه؛ فقالا: قد كنا اشتريناه منه فنسينا أن نخبركم به. فرفعوهما إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثانية، فقالوا: يا نبي الله إنا وجدنا مع هذين إناءً من فضة من متاع صاحبنا؛ فأنزل الله عز وجل "

فإن عثر على أنهما " يقول: فإن اطلع على أنهما يعني النصرانيين كتما شيئاً من المال أو خانا " فآخران " من أولياء الميت وهما عبد بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان " يقومان مقامهما " يعني مقام النصرانيين " من الذين استحق " الإثم " عليهم الأولين فيقسمان بالله " يعني فيحلفان بالله في دبر صلاة العصر: أن الذي قالا في وصية صاحبنا حق، وأن المال كان أكثر من الذي أتيتمانا به وأن هذا الإناء لمن متاع صاحبنا الذي خرج به معه وكتبه في وصيته، وأنكما خنتما، فذلك قوله تعالى " لشهادتنا " يعني عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة " أحق من شهادتهما " يعني النصرانيين " وما اعتدينا " في الشهادة عليكما - يعني النصرانيين بشهادة المسلمين من أولياء الميت " إنا إذاً لمن الظالمين، ذلك أدنى " يعني أجر نظيرها في النساء " أن يأتوا " يعني النصرانيين " بالشهادة على وجهها " كما كانت، ولا يكتما شيئاً " أو يخافوا أن ترد أيمانٌ بعد أيمانهم " يقول: أو يخافوا أن يطلع على خيانتهما فرد شهادتهما بشهادة الرجلين المسلمين من أولياء الميت، فحلف عبد الله والمطلب كلاهما أن الذي في وصية الميت حق وأن هذه الآنية من متاع صاحبنا فأخذوا تميم بن أوس الداري وعدي بن بداء النصرانيين بتمام ما وجدا في وصية الميت حين اطلع الله تبارك وتعالى على خيانتهما في الإناء، ثم وعظ الله المؤمنين أن يفعلوا مثل هذا أو يشهدوا بما لم يروا ولم يعاينوا؛ فقال يحذرهم نقمته: " واتقوا الله " واسمعوا مواعظه " والله لا يهدي القوم الفاسقين " ثم إن تميم بن أوس الداري اعترف بالخيانة فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ويحك يا تميم أسلم يتجاوز الله عنك ما كان في شركك ". فأسلم تميم الداري وحسن إسلامه، ومات عدي بن بداء نصرانياً. قال تميم الداري: كنت بالشام حين بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخرجت إلى بعض حاجتي فأدركني الليل

فقلت أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة، قال: فلما أخذت مضجعي إذا منادٍ ينادي لا أراه: عذ بالله فإن الجن لا تجير أحداً من الله. فقلت: أيم تقول؟ فقال: قد خرج رسول الأميين رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصلينا خلفه بالحجون وأسلمنا واتبعناه؛ وذهب كيد الجن، ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمد وأسلم. فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب فسألت راهباً به، وأخبرته الخبر، فقال: قد صدقوك نجده يخرج من الحرم، ومهاجره الحرم، وهو خير الأنبياء، فلا تسبق إليه. قال تميم: فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلمت. قال محمد بن سيرين: جمع القرآن على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعثمان بن عفان، وتميم الداري. وقيل: جمع القرآن على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعةٌ لا يختلف فيهم: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد، وأبو زيد؛ واختلفوا في رجلين من ثلاثة، قالوا: عثمان وأبو الدرداء، وقالوا: عثمان وتميم الداري. وعن أبي كعب أنه كان يختم القرآن في ثمان ليال، وكان تميم الداري يختمه في سبع. وعن ابن سيرين أن تميم الداري كان يقرأ القرآن في ركعة. قال: وقالت امرأة عثمان حين دخلوا عليه ليقتلوه فقالت: إن تقتلوه فقد كان يحيي الليل كله بالقرآن في ركعة. وعن محمد بن أبي بكر عن أبيه قال: زارتنا عمرة، فباتت عندنا، فقمت من الليل فلم أرفع صوتي بالقراءة، فقالت: يا بن أخي ما منعك أن ترفع صوتك بالقراءة؟ فما كان يوقظنا إلا صوت معاذ القارئ وتميم الداري.

قال خارجة بن مصعب: ختم القرآن في الكعبة أربعةٌ من الأئمة: عثمان بن عفان؛ وتميم الداري؛ وسعيد بن جبير؛ وأبو حنيفة. قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري صلى ليلةً حتى أصبح أو كرب أن يصبح يقرأ آيةً يرددها ويبكي: " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءٌ محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون " وعن مسروق: أن تميم الداري ردد هذه الآية حتى أبح: " إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ". وعن منكدر بن محمد، عن أبيه: أن تميم الداري نام ليلةً لم يقم يتهجد فيها حتى أصبح، فقام سنةً لم ينم فيها عقوبةً للذي صنع. حدث أبو العلاء عن رجل قال: أتيت تميم الداري، فتحدثنا حتى استأنست إليه، فقلت: كم جزءاً تقرأ القرآن في ليلة؟ فغضب وقال: لعلك من الذين يقرأ أحدهم القرآن في ليلة ثم يصبح فيقول: قد قرأت القرآن في هذه الليلة؟ فوالذي نفس تميمٍ بيده لأن أصلي ثلاث ركعاتٍ نافلةٍ أحب إلي من أن أقرأ القرآن في ليلةٍ ثم أصبح فأقول: قرأت القرآن الليلة. قال: فلما أغضبني قلت: والله إنكم معاشر صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من بقي منكم - لجديرون أن تسكتوا فلا تعلموا وأن تعنفوا من سألكم! فلما رآني قد غضبت لان وقال: ألا أحدثك يا بن أخي؟ قلت: بلى، والله ما جئت إلا لتحدثني؛ قال: أرأيت إن كنت أنا مؤمناً قوياً، وأنت مؤمن

ضعيف، فتحمل قوتي على ضعفك فلا تستطيع، فتنبت، أو رأيت إن كنت مؤمناً قوياً وأنا مؤمن ضعيف أتيتك ببساطي حتى أحمل قوتك على ضعفي فلا أستطيع فأنبت؟ ولكن خذ من نفسك لدينك أو من دينك لنفسك حتى يستقيم بك الأمر على عبادةٍ تطيقها. وعن معاوية بن حرمل قال: قدمت المدينة، فلبثت في المسجد ثلاثاً لا أطعم، قال: فأتيت عمر فقلت: يا أمير المؤمنين تائبٌ من قبل أن تقدر عليه، قال: من أنت؟ قلت: أنا معاوية بن حرمل، قال: اذهب إلى حبر المؤمنين فانزل عليه، وكان تميم الداري إذا صلى ضرب بيده عن يمينه وعن شماله فأخذ رجلين فذهب بهما، فصليت إلى جنبه، فضرب يده وأخذ بيدي فذهب بي فأتينا بطعام، فأكلت أكلاً شديداً وما شبعت من شدة الجوع. قال: فبينا نحن ذات يوم، إذ خرجت نارٌ بالحرة، فجاء عمر إلى تميم فقال: قم إلى هذه النار، فقال: يا أمير المؤمنين، ومن أنا وما أنا؟! قال: فلم يزل به حتى قام معه، قال: وتبعتهما، فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها بيده حتى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها، قال: فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير؛ قالها ثلاثاً. وعن أنس: أن تميماً الداري صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشترى رداءً بألف درهم، وكان يصلي بأصحابه فيه. وقال محمد بن سيرين: إن تميم الداري اشترى حلةً بألف درهم، فكان يقوم فيها بالليل إلى الصلاة. وعن السائب بن يزيد، قال: لم يكن يقص على عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا أبي بكر، ولا عمر؛ كان أول من قص تميمٌ الداري، استأذن عمر فأذن له فقص قائماً. وعن حميد بن عبد الرحمن: أن تميم الداري استأذن عمر في القصص سنين، فأبى أن يأذن له، فاستأذنه في يوم واحد، فلما أكثر عليه قال له: ما تقول؟ قال: أقرأ عليهم القرآن وآمرهم بالخير، وأنهاهم

عن الشر؛ قال عمر: ذلك الذبح، ثم قال: عظ قبل أن أخرج في الجمعة. فكان يفعل ذلك يوماً واحداً في الجمعة، فلما كان عثمان استزاده، فزاده يوماً آخر. قيل: إن تميم الداري استأذن عمر بن الخطاب في القصص، فقال له عمر: أتدري ما تريد؟ إنك تريد الذبح، ما يؤمنك أن ترفع نفسك حتى تبلغ السماء، ثم يضعك الله. وفي حديث أن عمر أذن لتميم، وجلس إليه يوماً فقال تميم في قوله: اتقوا زلة العالم. فكره عمر أن يسأله عنه فيقطع بالقوم، وحضر منه قيامٌ، فقال لابن عباس: إذا فرغ فسله: ما زلة العالم؟ ثم قام عمر، فجلس ابن عباس فغفل غفلة، ففرغ تميم وقام يصلي، وكان يطيل الصلاة، فقال ابن عباس: لو رجعت فقلت: ثم أتيته فرجع، وطال على عمر، فأتى ابن عباس فسأله فقال: ما صنعت؟ فاعتذر إليه فقال: انطلق، فأخذ بيده حتى أتى تميم الداري، فقال له: ما زلة العالم؟ قال: العالم يزل بالناس فيؤخذ به، فعسى أن يتوب منه العالم، والناس يأخذون به. وعن ميسرة قال: رأى عمر بن الخطاب تميم الداري يصلي بعد العصر فضربه بدرته على رأسه. فقال له تميم: يا عمر تضربني على صلاةٍ صليتها مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! قال عمر: يا تميم ليس كل الناس تعلم ما تعلم. وعن ابن عمر أن تميم الداري سأل عمر بن الخطاب عن ركوب البحر وكان عظيم التجارة في البحر، فأمر بتقصير الصلاة. قال: يقول الله عز وجل " هو الذي يسيركم في البر والبحر " قال أبو سعيد الخدري: أول من أسرج في المساجد تميم الداري.

تميم بن بشر الأنصاري

قال الكلابي: تميم الداري أبو رقية، لا عقب له، مات بالشام. تميم بن بشر الأنصاري كان من أصحاب معاوية، ووجهه رسولاً إلى القسطنطينية. قال هشام بن عروة: أسلم جبلة بن الأيهم بن جفنة الغساني، وكان آخر ملوكهم إسلاماً. ونزل المدينة في خلافة عمر، وذكر تنصره ولحوقه بأرض الروم، فلما غلب معاوية على الملك بعث رجلاً من الأنصار يقال له تميم بن بشر إلى قيصر، فلما دخل عليه سأله عن معاوية، وعن العرب، وعن الشام، فأخبره، ثم قال: هل لك إلى رجلٍ من العرب تلقاه من أهل بيت ملك وشرف؟ قال: نعم. قال تميم: فأرسل معي إليه، فدخلت عليه في كنيسة، فذكر قصته. قال تميم: ثم سألني عن حسان فقال: ما فعل ابن الفريعة؟ قلت: صالح وقد ذهب بصره، قال: فإني باعثٌ معك إليه بكسوة وصلة مرتفعة، فإن ذلك رجلاً كان لنا مداحاً، فبعث إليه معي أربع مائة دينار هرقلية، وسبعة أثواب بزيون، ثم قال: قل لمعاوية إن أنكحتني ابنتك، أو عقدت لي الخلافة من بعدك، جئت فدخلت في دينك. قال: فقدمت المدينة، فلقيت حسان بن ثابت بقباء، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: تميم بن بشر قال: كيف أنت يا بن أخي، أين كنت؟ قلت: بالشام، ثم إلى أرض الروم بعثني معاوية إلى قيصر. قال: هل لك علمٌ بصديق لي هناك؟ قلت: من هو؟ قال: جبلة بن الأيهم. قلت نعم. وهو يقرئك السلام. قال حسان: ما أهدى إلي معك؟ وقد كان جبلة جعل له أن لا يلقى جبلة أحداً يعرف حساناً إلا بعث إليه معه صلةً، فمن هناك قال حسان: هات ما أهدى إلي معك. قال: وأخبرت معاوية، قلت: رجلٌ قال كذا وكذا. قال: ذاك جبلة بن الأيهم، وما علي أن أخرجه مما هو فيه بما طلب مني. قال: فبعثني إليه، فلما انتهيت إلى باب القسطنطينية إذا بجنازةٍ معها القسيسون، قلت: من هذا؟ قالوا: جبلة مات، فرجعت إلى معاوية، فأخبرته الخبر.

تميم بن محمد بن طمغاج

تميم بن محمد بن طمغاج أبو عبد الرحمن الطوسي. حدث تميم بن محمد عن أبي كامل بسنده عن أنس بن مالك قال: وقت لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قص الشارب، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، أن لا يترك أكثر من أربعين ليلةٍ. وحدث عن سليمان بن سلمة الحمصي بسنده عن عائشة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أربعٌ لا يشبعن من أربع: عينٌ من نظر، وأرضٌ من مطر، وأنثى من ذكر، وعالمٌ من علم ". تميم بن نصر بن تميم بن منصور بن حية أبو السعد التميمي السندي. حدث عن أبي الحسن بن أبي القاسم بسنده عن علي بن أبي طالب. قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من قرأ القرآن، فحفظه واستظهره، أدخله الله الجنة، وشفعه في عشرةٍ من أهله، كلهم قد وجبت له النار ". توبة بن أبي أسد واسم أبي أسد كيسان أبو المورع العنبري البصري، مولى بني العنبر. حدث توبة العنبري قال: سمعت الشعبي يقول: أرأيت فلاناً حين يروي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقد جالست ابن عمر سنتين ونصف فما سمعته يروي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً، إلا أنه ذكر أنهم كانوا في سفرٍ فأصابوا ضباً، فجعلوا يأكلونها، فقالت امرأةٌ من أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنها ضب، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كلوا فإنه حلال، وإنه لا بأس به، ولكنه ليس من طعام قومي ". وحدث توبة العنبري عن مورق العجلي قال: قال رجلٌ لابن عمر: أخبرني عن صلاة الضحى، أتصليها؟ قال: لا، قال: فصلاها

عمر؟ قال: لا، قال: فصلاها أبو بكر؟ قال: لا، قال: فصلاها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: لا إخال. قال توبة العنبري: كان ابن عمر ينزل برجلٍ يقال له حمران، وكان ينفق نفقاتٍ عظاماً، فقال ابن عمر: يا حمران، أمن مالك تنفق هذا من أمانتك؟ قال: لا، بل من مالي. قال: فاحفظ عني ثلاثاً لا تدعهن: لا تموتن وعليك دينٌ لا تدع من يكافئك به؛ ولا تنتفينّ من ولدك لتفضحه؛ فيفضحك الله عز وجل يوم القيامة؛ وركعتين قبل الصبح لا تدعهما، فإن فيهما الرغائب. قال توبة العنبري: أرسلني صالح بن عبد الرحمن إلى سليمان بن عبد الملك، فقدمت عليه، فقلت لعمر بن عبد العزيز: هل لك حاجةٌ إلى صالح؟ فقال: قل له: عليك بالذي يبقى لك عند الله عز وجل، فإن ما بقي لك عند الله، بقي لك عند الناس، وما لم يبق عند الله عز وجل، لم يبق عند الناس. وقيل: إنه لما وفد إلى سليمان بن عبد الملك سأله عن حاجته، فأثبت له عيلين في العطاء، وأذن له أن يتخذ حماماً بالبصرة، ويحتفر بئراً بالبادية، فأجابه إلى ذلك؛ وكان لا يفعل ذلك أحدٌ إلا بإذن الخليفة، فاتخذ حماماً إلى جانب منزله في بني العنبر الرابية، وحفر بئراً بالبادية بالخرنق، وبين الخرنق، والبصرة ثلاث مراحل. ووفد توبة أيضاً على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فلما وفد عليه رأى بناته حوله يلعبن وعليهن التبابين. وجهد قومٌ من بني العنبر بتوبة أن يدعي فيهم فأبى، وجهد به أخواله بنو نمير أن يدعي فيهم فأبى؛ وكان صاحب بداوة، ومات بضبع، وهي من البصرة على يومين، فدفن هناك وعمر أربعٌ وسبعون سنة.

قال توبة: أكرهني يوسف بن عمر على العمل، فلما رجعت حبسني وقيدني، فكنت في السجن حتى لم يبق في رأسي شعرةً سوداء، فأتاني آتٍ في المنام، عليه ثياب بيض، فقال: يا توبة قد أطالوا حبسك! قلت: أجل. قال: قل اسأل الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة. فقلتها ثلاثاً؛ فاستيقظت، فقلت: يا غلام هات السراج والدواة، فكتبت هذا الدعاء؛ ثم إني صليت ما شاء الله أن أصلي، فما زلت أدعو به حتى صليت الصبح، فلما صليت جاء حرسيٌّ فضرب باب السجن، ففتحوا له، ثم قال: أين توبة العنبري؟ فقالوا: هذا. فحملوني بقيودي حتى وضعوني بين يدي يوسف وأنا أتكلم به، فقال: يا توبة، قد أطلت حبسك، قلت: أجل، قال: أطلقوا عنه قيوده وخلوه. فعلمته رجلاً في السجن، فقال لي صاحبي: لم أدع إلى العذاب قط فقلتهن إلا خلي عني؛ قال: فجيء به يوماً إلى العذاب، فجعلت أتذكرهن فلم أذكرهن، حتى جلدت مائة سوط، ثم إني ذكرتهن، فقلتهن، فخلي عني.

أسماء النساء على حرف التاء

أسماء النساء على حرف التاء تجيفة زوج أبي عبيدة بن الجراح لم تنسب، كانت مع أبي عبيدة بدمشق، وشهدت وفاته. حدث عياض بن غطيف قال: دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده، فإذا وجهه نحو الحائط وعنده امرأته تجيفة، فقلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ فقالت: بات بأجرٍ، فالتفت إلينا، فقال: ما بت بأجر. قال: فسكتنا، فقال: ألا تسلوني عما قلت! فقلنا والله ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه. فقال: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من أنفق نفقةً فاضلة في سبيل الله فبسبع مائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضاً أو أماط أذىً عن الطريق فحسنة بعشر أمثالها؛ الصوم جنةٌ ما لم يخرقها ومن ابتلاه الله ببلاءٍ في جسده فهو له حطة ". وكان سفيان صحف اسم امرأة أبي عبيدة فقال: حفتة بالحاء. قال سليمان بن عامر: لما قدم عمر بن الخطاب الجابية، جلس في أمر الناس والقضاء بينهم حتى إذا حان الانصراف فقال: قم يا أبا عبيدة نحو منزلك. فقال مرحباً وأهلاً بأمير المؤمنين، وتقدم إلى منزله، فقال لأهله: هذا أمير المؤمنين، ثم دخل عمر، فقالت امرأة أبي عبيدة: مرحباً بك يا أمير المؤمنين وأهلاً، قال عمر: أفلانة؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين. قال عمر: أما والله لأسوءنك، قالت: إياي تعني يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. والذي نفسي بيده لأسوءنك، قالت: والله ما تقدر على ذلك، فقال عمر: لا؟ قالت: لا والله. فأشفق أبو عبيدة أن تبدر منه إليها بادرة، فقال: بلى والله يا أمير المؤمنين، إن شئت لتفعلن. فقالت: كلا

تماضر بنت الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة

والله ما هو على ذلك بقادر. فقال عمر لكأنك تدلين! قالت: إنك لا تستطيع تسلبني الإسلام، قال: لا والله. قالت: فوالله ما أبالي ما كان بعد ذلك. قال عمر: استغفر الله، ثم سلم. قال صفوان: فسألت سليمان بن عامر ما الذي أغضب عمر عليها؟ قال: بلغه أن امرأة طاغية الروم حين فتحت دمشق أهدت لها عقد خرزٍ ولؤلؤ وشيءٍ من ذهب، لعله أن يساوي ثلاث مائة درهم. وقد روي أنه لما قدم عمر نزل على أبي عبيدة، فخرجت بنت أبي عبيدة، وهي جويرية من داخل إلى عمر، فجعل عمر يسترسلها الكلام، ما حليك؟ قالت: كذا وكذا، قال عمر: حليك الذي تخرجين به؟ فسمعت أمها من داخل البيت، فقالت: كأنك تريد التاج، نعم، وقد أهدي له تاج، فقسمه أبو عبيدة بين المسلمين ولم يجعل لنا منه شيئاً. تماضر بنت الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة ابن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب بن هبل الكلبية زوج عبد الرحمن بن عوف من أهل دومة الجندل من أطراف دمشق، سكنت المدينة، وأدركت سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن الفقيه. بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل فتخلف عن الجيش حتى غدا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه عمامةٌ حرقانية سوداء. فقال له: " ما خلفك عن أصحابك؟ " قال: أحببت أن أكون آخرهم عهداً بك، فأجلسه، فنقض، عمامته، وعممه بيده، وأسدلها بين كتفيه قدر شبر، وقال: " هكذا فاعتم يا بن عوف، اغد بسم الله، فجاهد في سبيل الله تقاتل من كفر بالله، إذا لقيت شرفاً فكبر، وإذا ظهرت فهلل، وإذا هبطت فاحمد واستغفر، وأكثر من ذكري عسى أن يفتح بين يديك، فإن فتح على يديك، فتزوج بنت ملكهم ". وقال بعضهم: " بنت شريفهم ". وكان الأصبغ بن ثعلبة شريفهم، فتزوج

بنته تماضر، فلما قدم بها المدينة رغب القرشيون في جمالها، فجعلوا يسترشدونها، فترشدهم إلى بنات أخواتها وبنات إخوتها. وتماضر أول كلبيةٍ نكحها قرشي، ولم تلد لعبد الرحمن بن عوف غير أبي سلمة. قال عبد الرحمن بن عوف: لا تسلني امرأةٌ لي طلاقاً إلا طلقتها، فأرسلت إليه تماضر تسأل طلاقها، فقال للرسولة: قولي لها إذا حضت فلتؤذني، فحاضت، فأرسلت إليه، فقال للرسولة: قولي لها: إذا طهرت فلتؤذني، فطهرت، فأرسلت إليه في مرضه فقال: وأيضاً، وغضب، فقال: هي طالق البتة لا أرجع لها. فلم تمكث إلا يسيراً حتى مات، فقال عبد الرحمن بن عوف: لا أورث تماضر شيئاً. فرفع ذلك إلى عثمان، فورثها، وكان ذلك في العدة، فصالحوها من نصيبها من ربع الثمن على ثمانين ألفاً وما وفوها. وكن له أربع نسوة. حدث ابن أبي مليكة أنه سأل ابن الزبير عن الرجل يطلق المرأة فيبينها ثم يموت وهي في عدتها؟ فقال عبد الله بن الزبير: طلق عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ الكلبية فبتها، ثم مات، وهي في عدتها، فورثها عثمان. قال ابن الزبير: وأما أنا فلا أرى أن ترث مبتوتة. ومن شعر عمر بن أبي ربيعة: " من الطويل " ألا يا لقومي قد سبتني تماضر ... جهاراً وهل يسبيك إلا المجاهر أرتك ذراعي بكرة بحريةً ... من الأدم لم تقطع مطاها العوابر فبلغ الشعر تماضر، فتعلقت بثوبه، وهو يطوف بالبيت، فقالت: سبيتني، واجتمع الناس عليها، فقال: إني والله ما سبيتها ولا أعرفها ولا رأيتها قط قبل ساعتي هذه. قالت: صدق عدو الله، اشهدوا على كذبه، فإنه قال لي كذا وكذا. ولما طلق عبد الرحمن بن عوف امرأته الكلبية تماضر حممها جاريةً سوداء، يقول: متعها إياها. أسماء الرجال على

حرف الثاء المثلثة

حرف الثاء المثلثة ثابت بن أحمد بن الحسين أبو القاسم البغدادي، قدم دمشق حاجاً. حدث ثابت أنه رأى رجلاً بمدينة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذن الصبح عند قبر سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال فيه: الصلاة خيرٌ من النوم، فجاءه خادمٌ من خدم المسجد، فلطمه حين سمع ذلك فبكى الرجل وقال: يا رسول الله في حضرتك يفعل بي هذا الفعال، ففلج الخادم في الحال وحمل إلى داره، فمكث ثلاثة أيام ومات. ذكر ثابتٌ أنه ولد في مستهل محرم سنة إحدى وأربع مائة، وتوجه للحج في سنة سبعٍ وسبعين وأربع مائة، ولم يعلم خبره بعد ذلك. ثابت بن أحمد بن أبي الفوارس أبو نصر البوشنجي الصوفي، شيخ الصوفية. حدث عن أبي الحسن بن أبي القاسم بن عبيد الله الحوراني بسنده عن أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كان يصبح جنباً من الوقاع لا من احتلام، فيصوم يومه ذلك. سقط منه ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي

ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي ابن الجد بن عجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام بن جعل بن عمرو بن جشم بن ودم بن ذبيان بن هميم بنت ذهل بن هني بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة العجلاني البلوي، حليف الأنصار، له صحبة شهد بدراً ومؤتة. لما قتل ابن رواحة انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رئيت قط في كل وجه، ثم إن المسلمين تراجعوا، فأقبل ثابت بن أقرم من الأنصار، فأخذ اللواء، وجعل يصيح بالأنصار، فجعل الناس يتواثبون إليه من كل وجهٍ وهم قليل، وهو يقول: إلي أيها الناس، فاجتمعوا إليه، قال: فنظر ثابتٌ إلى خالد بن الوليد، فقال: خذ اللواء يا أبا سليمان، فقال: لا آخذه أنت أحق به، أنت رجلٌ لك سن، وقد شهدت بدراً. قال ثابت: خذه أيها الرجل، فوالله ما أخذته إلا لك. فأخذه خالد، فحمله ساعة، وجعل المشركون يحملون عليه، - فثبت حتى تكركر المشركون وحمل أصحابه، ففض جمعاً من جمعهم، ثم ذهب منهم بشرٌ كثير، فانحاش بالمسلمين فانكشفوا راجعين فروي عن أبي هريرة قال: شهدت مؤتة فلما رأينا المشركين رأينا ما لا قبل لنا به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة ما لك كأنك ترى - جموعاً كثيرة؟ قلت: نعم، قال: لم تشهدنا ببدر إنا لم ننصر بالكثرة. قال محمد بن إسحاق: وثابت بن أقرم ليس له عقب، وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخرج مع خالد بن الوليد إلى أهل الردة في خلافة أبي بكر.

وقتل مع عكاشة يوم طليحة الأسدي ببزاخة. وروى عروة: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث سريةً قبل العمرة من نجد أميرهم ثابت بن أقرم فأصيب فيهم ثابت بن أقرم. حدث عميلة الفزاري قال: خرج خالد بن الوليد على الناس يعترضهم في الردة، فكلما سمع أذاناً للوقت كف، وإذا لم يسمع أذاناً أغار، فلما دنا خالدٌ من طليحة وأصحابه بعث عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم طليعةً أمامه يأتيانه بالخبر، وكانا فارسين، عكاشة على فرس، يقال له الرزام، وثابت على فرس يقال له المحبر، فلقيا طليحة وأخاه سلمة بن خويلد طليعةً لمن وراءهما من الناس، فانفرد طليحة بعكاشة، وسلمة بثابت، فلم يلبث سلمة أن قتل ثابت بن أقرم، وصرخ طليحة بسلمة: أعني على الرجل فإنه قاتلي، فكر سلمة على عكاشة فقتلاه جميعاً، ثم كرا راجعين إلى من وراءهما من الناس فأخبراهم، فسر عينية بن حصن، وكان مع طليحة، وكان قد خلفه على عسكره، وقال: هذا الظفر. وأقبل خالدٌ معه المسلمون فلم يرعهم إلا ثابت بن أقرم قتيلاً تطؤه المطي، فعظم ذلك على المسلمين، ثم لم يسيروا إلا يسيراً حتى وطئوا عكاشة قتيلاً، فثقل القوم على المطي كما وصف واصفهم حتى ما تكاد المطي ترفع أخفافها. قال أبو واقد الليثي: كنا نحن المقدمة مائتي فارس وعلينا زيد بن الخطاب، وكان ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن أمامنا، فلما مررنا بهما سيء بنا، وخالد والمسلمون وراءنا بعد، فوقفنا عليهما حتى طلع خالدٌ يسير، فأمرنا فحفرنا لهما، ودفناهما بدمائهما وثيابهما، ووجدنا بعكاشة جراحاتٍ منكرة. وفي حديث آخر: فسار خالد إلى بزاخة، فلقي طليحة ومعه عيينة بن حصن بن مالك الفزاري، وقرة بن هبيرة القشيري، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فهزم الله سبحانه طليحة، وهرب إلى

ثابت بن ثوبان

الشام، وأسر عيينة وقرة بن هبيرة، فبعث بهما خالد إلى أبي بكر، فحقن دماءهما، فتفرق الناس عن بزاخة، وكانت وقعة بزاخة سنة اثنتي عشرة. ثابت بن ثوبان حدث عن أبيه ثوبان بسنده عن معاذ بن جبل قال: إن آخر كلام فارقت عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن قال لي: " أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله عز وجل ". وحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يمنعن جارٌ جاره أن يضع خشبةً في حائطه ". وحدث ثوبان عن مكحول بسنده، عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الله تعالى ليغفر للعبد ما لم يغرغر ". قال يحيى بن معين: ابن ثوبان خراسانيٌ نزل الشام. وروى عن مكحول، وهو ثقةٌ لا بأس به. ثابت بن جعفر بن أحمد أبو طاهر النهاوندي حدث عن أبي علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي بسنده، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء ". حدث في سنة سبعٍ وستين وأربع مائة عن أبي علي الأهوازي بجزء لطيف.

ثابت بن الحسين بن محمد بن عيسى

ثابت بن الحسين بن محمد بن عيسى ابن حبيب بن مروان، أبو نصر البغدادي قدم دمشق، وحدث بها. روى عن عيسى بن علي بن عيسى بسنده، عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليقل: سبحانك اللهم، بك وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي، فاغفر لها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ". ثابت بن سرج أبو سلمة الدوسي من أهل دمشق. حدث عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: كان من دعاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهم ارزقني عينين هطالتين تشفيان القلب بذرف الدموع من خشيتك، قبل أن يكون الدمع دماً والأضراس جمراً ". ثابت بن سعد أبو عمرو الطائي الحمصي شهد صفين مع معاوية، ووفد على عبد الملك بن مروان. حدث عن جبير بن نفير الحضرمي، عن أبي بكر الصديق، قال: قام في المدينة إلى جانب منبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو عليه، فذكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبكى، ثم قال: قام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مقامي هذا عام الأول، فقال: " أيها الناس سلوا الله العافية، سلوا الله العافية، سلوا الله العافية - ثلاث مرات - فإنه لم يؤت أحد مثل العافية بعد اليقين ". سأل عبد الملك بن مروان ثابت بن سعد: أي يومٍ رأيت أشد؟ قال: رأيتنا يوم صفين والأسنة في صدور هؤلاء وهؤلاء، حتى لو أن إنساناً أراد أن يمشي عليها لمشى.

ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام

ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بت عبد العزى بن قصي أبو مصعب. ويقال: أبو حكم الأسدي الزبيري. وفد على عبد الملك بن مروان، ثم وفد على سليمان بن عبد الملك، فأدركه أجله في رجوعه. حدث ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيتني مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ماءٍ من السماء وأني لأدلك ظهره وأغسله. قال الزبير بن بكار: كان ثابت بن عبد الله بن الزبير لسان آل الزبير خلداً وفصاحةً وبياناً. قال: وحدثني مصعب بن عبد الله قال: لم يزل بنو عبد الله بن الزبير خبيب وحمزة وعباد وثابت عند جدهم أبي أمهم منظور بن زبان بالبادية يرعون عليه الإبل كما يفعل عبيده حتى تحرك ثابت، فقال لإخوته: انطلقوا بنا نلحق بأبينا، فركبوا بعض الإبل حتى قدموا على أبيهم، واتبعهم منظور بن زبان، فقدم على آثارهم، فقال لعبد الله بن الزبير: اردد علي أعبدي هؤلاء، فقال: إنهم قد كبروا واحتاجوا أن نعلمهم القرآن، ولا سبيل إليهم، قال: أما إن الذي صنع بهم الصنيع ابنك هذا، مازلت أخافها منه مذ كبر، يعني ثابتاً. قال: وقال عمي مصعب: فزعموا أن ثابتاً جمع القرآن أو أتم جمعه في ثمانية أشهر، وزوجه عبد الله بن الزبير قبلهم بنت ابن أبي عتيق عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فولدت له جاريتين يقال لإحداهما حكمة، وكان يكنى أبا حكمة، وكان أبوه يكنيه أبا حكمة يشبه لسانه بلسان زمعة بن الأسود، وكان زمعة يكنى أبا حكيمة، وكان ثابتٌ يشهد القتال مع أبيه، ويبارز بين يديه، وكان حمزة بن عبد الله بن الزبير قال لبني عبد الله: لا تطلبوا أموالكم من عبد الملك حين قبضها، وأنا أنفق عليكم، فأتى ثابت بن عبد الله، وقدم على

عبد الملك بن مروان، فدخل عليه، فأكرمه، ورد على ولد عبد الله بعض أموالهم بكلامه. وانصرف بها ثابتٌ معه. قال سليمان بن عبد الملك لثابت بن عبد الله: من أفصح الناس؟ قال: أنا، قال: ثم من؟ قال: أنا، قال: ثم من؟ قال: أنا، قال: ثم من؟ قال: ثم أنت، فرضي بذلك سليمان منه بعد مكثٍ، وكان سليمان فصيحاً. قال مسور بن عبد الملك: كنا نأتي مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما ينزعنا إليه إلا استماع كلام ثابت بن عبد الله. حدث مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: قال لي أبي: يا بني تعلم العلم، فإنك إن تكن ذا مالٍ يكن لك العلم كمالاً، وإن تكن غير ذي مالٍ يكن لك العلم مالاً. قال جويرية بن أسماء: أتى عبد الله بن الزبير بابنه ثابت في قيوده فقال: أما والله لو ساف من والدٍ قتل ولده لقتلته. قال: فبينا هو كذلك إذ حمل عليه أهل الشام حتى دخلوا المسجد، فقال: يا ثابت، قمفرد هؤلاء عني، فقام وإنه لفي ثوبين، فتناول سيفاً وجحفةً، فردهم ولم يرجع حتى دمي سيفه ثم رجع فقعد، فعاد أهل الشام فدخلوا المسجد فقال: يا ثابت قم فردهم عني، فقام فردهم حتى أخرجهم من المسجد. فلما قتل ابن الزبير لحق ثابتٌ بعبد الملك بن مروان، فأكرمه، ثم قال له يوماً: فيم غضب عليك أبوك؟ قال: أشرت عليه أن يخرج من مكة، فعصاني وغضب علي. وكان عبد الملك قد فبض أموال ابن الزبير، فقال له ثابت: إن رأيت أن ترد علي حصتي من ميراث أبي فافعل، فردها عليه، فقال ثابت لحمزة: كيف ترى أبا بكر كان صانعاً لو رأى هؤلاء قد سلموا إلي حصتي من ميراثه من بني ولده، وكنت أبغضهم إليه؟ فقال: تالله إن كان يحاكمهم إلا بالسيف. دخل ثابت بن عبد الله بن الزبير على عبد الملك بن مروان، وهو صبي صغير، فقال

له عبد الملك ألا تنبئني عنك لمَ كان أبوك يشتمك ويبعدك، إني لأحسبه كان يعلم منك ما تستحق منه أن يفعل ذلك بك؟ فقال: إذن أخبرك يا أمير المؤمنين: كنت أشير عليه فيستصغرني، ويرد نصيحتي، من ذلك أني نهيته أن يقاتل بأهل مكة، وقلت له: لا تقاتل بقومٍ أخرجوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأخافوه، فلما جاؤوا إلى الإسلام أخرجهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعرض بجده الحكم بن أبي العاص حين نفاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونهيته عن أهل المدينة، وذكرته أنهم خذلوا أمير المؤمنين عثمان، وتقاعدوا عنه حتى قتل بين ظهرانيهم - يعرض ببني أمية وأبيه مروان - فقال عبد الملك: اسكت لعنك الله، فأنت كما قال الأول: شنشنةٌ أعرفها من أخزم قال ثابت: إني لكذلك في حلمي السلف، غير جبان ولا غدار - يعرض بغدره بعمرو بن سعيد بن العاص - وإني لكما قال كعب بن زهير: " من الطويل " أنا ابن الذي لم يخزني في حياته ... ولم أخزه لما تغيب في الرجم أقول شبيهاتٍ بما قال عالمٌ ... بهن ومن أشبه أباه فما ظلم فأشبهته من بين من وطئ الثرى ... ولم ينتزعني شبه خالٍ ولا ابن عم مات ثابت بن عبد الله بن الزبير بسرغ من طريق الشام، منصرفاً من عند سليمان بن عبد الملك إلى المدينة، وهو ابن سبعٍ أو ثمان وسبعين سنة. وقيل توفي بمعان من طريق الشام؛ وموته بسرغ أثبت.

ثابت بن عجلان أبو عبد الله

ثابت بن عجلان أبو عبد الله الحمصي سمع بدمشق. حدث ثابت بن عجلان، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الله يقول: يا بن آدم، إني إذا أخذت إراءة كريمتيك، فصبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى، لم أرض لك ثواباً دون الجنة ". قال ثابت بن عجلان: أدركت أنس بن مالك، وابن المسيب، والحسن البصري وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وطاووساً، ومجاهداً، وعبد الله بن أبي مليكة، والزهير، ومكحولاً، والقاسم أبا عبد الرحمن، وعطاء الخراساني، وثابت البناني، والحكم بن عيينة، وأيوب السختياني، وحماداً، ومحمد بن سيرين، وأبا عامر - وقد أدرك أبا بكرٍ الصديق - ويزيد الرقاشي، وسليمان بن موسى كلهم يأمرني بالصلاة في الجماعة، وينهاني عن أصحاب الأهواء، ثم بكى وقال: يا بن أخي ما من عملٍ أرجى لي، ولا أوثق في نفسي من مشيٍ إلى هذا المسجد، يعني مسجد الباب. قال ثابت بن عجلان: رأيت أنس بن مالك يعتم بعمامة سوداء ولا يرخي من خلفه. وقال ثابت بن عجلان: إن الله عز وجل يريد بأهل الأرض عذاباً، فإذا سمع الصبيان يتعلمون الحكمة صرف ذلك عنهم. ثابت بن قيس بن الخطيم واسمه ثابت بن عدي بن عمرو بن سواد بن ظفر وهو كعب بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الظفري. له صحبة، وشهد مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحداً وما بعدها، وصحب علياً عليه السلام، وولاه المدائن، ووفد على معاوية، وكان قيس بن الخطيب لقي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة، فدعاه إلى الإسلام، فاستنظره حين يقدم عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة،

ثابت بن قيس بن منفع

فقتل قيسٌ قبل قدوم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لو بقي الأديعج وفى ". ومن ولده يزيد بن قيس وبه كان يكنى، وجرح ثابت بن قيس يوم أحد اثنتي عشرة جراحةً، وسماه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حاسراً، وجعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يا حاسر أقبل، يا حاسر أدبر ". وهو يضرب بسيفه بين يديه، وشهد المشاهد بعدها، ومات أيام معاوية. وكان ثابت بن قيس شديد النفس، وكان له بلاءٌ مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، واستعمله على المدائن. فلم يزل عليها حتى قدم المغيرة بن شعبة الكوفة، وكان معاوية يبغي مكانه. انصرف ثابت بن قيس إلى منزله، فيجد الأنصار مجتمعةً في مسجد بني ظفر يريدون أن يكتبوا إلى معاوية في حقوقهم أول ما استخلف وذلك أنه حبسهم سنتين أو ثلاثاً لم يعطهم شيئاً، فقال: ما هذا؟ فقالوا: نريد أن نكتب إلى معاوية، فقال: ما تصنعون أن يكتب إليه جماعة يكتب إليه رجلٌ منا؛ فإن كانت كائنةٌ برجلٌ منكم خيرٌ من أن تقع بكم جميعاً، وتقع أسماؤكم عنده، فقالوا: فمن ذلك الذي يبذل نفسه لنا؟ قال: أنا، قالوا: فشأنك. فكتب إليه وبدأ بنفسه، فذكر أشياء منها: نصرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وغير ذلك، وقال: حبست حقوقنا، واعتديت علينا وظلمتنا، ومالنا إليك ذنبٌ إلا نصرتنا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما قدم كتابه على معاوية دفعه إلى يزيد، فقرأه ثم قال له: ما الرأي؟ فقال: تبعث فتصلبه على بابه، فدعا كبراء أهل الشام فاستشارهم، فقالوا: لتبعث إليه حتى تقدم به هاهنا وتقفه لشيعتك ولأشراف الناس حتى يروه ثم تصلبه، فقال: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: لا، فكتب إليه: قد فهمت كتابك، وما ذكرت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد علمت أنها كانت ضجرةً لشغلي وما كنت فيه من الفتنة التي شهرت فيها نفسك، فأنظرني ثلاثاً. فقدم كتابه على ثابت، فقرأه على قومه، وصبحهم العطاء في اليوم الرابع. قيل: ثم أتاه بعد، فأقام عنده فمكث عنده نحواً من شهرين لا يلتفت إليه، ثم استأذنه الخروج، فبعث إليه بمائة ألف درهم، فوضعها في منزله وتركها وخرج. ثابت بن قيس بن منفع أبو المنفع النخعي كوفي. حدث ثابت بن قيس عن أبي موسى يرفعه قال: أبردوا بالظهر، فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم.

ثابت بن معبد أخو عطية بن معبد

ثابت بن معبد أخو عطية بن معبد كان والياً على الساحل. حدث ثابت عن أبي إدريس عائذ الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا وضع الطعام فليبدأ أمير القوم، أو صاحب الطعام، أو خير القوم ". ثم أخذ بيد أبي عبيدة. قال: فكانوا يرون أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان صائماً. قال سليمان بن حبيب المحاربي: خرجت غازياً، فلما مررت بحمص خرجت إلى السوق لأشتري ما لا غناء للمسافر عنه، فلما نظرت إلى باب المسجد قلت: لو أني دخلت فركعت ركعتين، فلما دخلت نظرت إلى ثابت بن معبد وابن أبي زكريا ومكحول في نفرٍ من أهل دمشق، فلما رأيتهم، فجلست إليهم، فتحدثوا شيئاً ثم قالوا: إنا نريد، أبا أمامة الباهلي، فقاموا وقمت معهم فدخلنا عليه، فإذا شيخٌ قد رق وكبر، فإذا عقله ومنطقه أفضل مما ترى من منظره، فكان أول ما حدثنا أن قال: إن مجلسكم هذا من بلاغ الله إياكم وحجته عليكم، إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد بلغ ما أرسل به، فإن أصحابه قد بلغوا ما سمعوا، فتبلغوا ما تسمعون: ثلاثةٌ كلهم ضامنٌ على الله عز وجل: رجل خرج في سبيل الله فهو ضامنٌ على الله حتى يدخله الجنة، أو يرجعه بما نال من أجرٍ أو غنيمة؛ ورجلٌ دخل بيته بسلام. وذكر الثالث. حدث ثابت بن معبد قال: قال موسى عليه السلام: رب؛ أي الناس أتقى؟ قال: " الذي يذكر ولا ينسى ". قال: رب، أي الناس أغنى؟ قال: " الذي يقنع بما يؤتى ". قال: رب، أي الناس أعلم؟ قال: " الذي يأخذ من علم الناس إلى علمه ". قال: رب، أي الناس أحكم؟ قال: " الذي يحكم للناس كما يحكم نفسه ". قال: رب، أي الناس أعز؟ قال: " الذي يغفر بعدما يقدر ". وقال ثابت بن معبد: ثلاثة أعينٍ لا تمسها النار: عينٌ حرست في سبيل الله، وعين سهرت بكتاب الله، وعين بكت في سواد الليل من خشية الله عز وجل.

ثابت بن يحيى بن إسار

ثابت بن يحيى بن إسار أبو عباد الرازي كاتب المأمون، وكان يصحبه في سفره وحضره، وكان قدم معه دمشق، وكان من الكفاة. حدث أبو عباد، وذكر المأمون فقال: كان والله أحد ملوك الأرض الذي يجب له هذا الاسم بالحقيقة، ثم أنشأ يحدث قال: كان يلزم بابي رجلٌ لا أعرفه، فلما طالت ملازمته قلت له بسوء لقائي: يا هذا ما لزومك بابي؟ قال: طالب حاجة، قلت: وما هي؟ قال: توصلني إلى أمير المؤمنين، أو توصل لي رقعة، قلت: ما يمكنني ما تريد في أمرك. فانصرف ولم يرد علي شيئاً؛ وجعل يلزم الباب فما يفارقه، فإذا انصرف فرآني نشيطاً تصدى لي، فأراني وجهه فقط، فإن رآني بغير تلك الحال كمن ناحية، فما زالت تلك حاله صابراً علينا حتى رفقت عليه، فقلت له يوماً وقد انصرفت من الدار: مكانك، فأقام، فقلت للغلام: أدخل هذا الرجل، فأدخله، فقلت: يا هذا إني أرى لك مطالبةً جميلة، وأظن أنك ترجع إلى محتدٍ كريم، وأدبٍ بارع، قال: أما المحتد فرجلٌ من الأعاجم، وأما الأدب فأرجو أن تجده إن طلبته، قلت: إن عندي منه علماً، قال: وما هو أدام الله عزك؟ قلت: صبرك على المطالبة الجميلة، قال: ذاك أقل أحوالي أعزك الله. قال: فدخلتني له جلالة، فقلت: حاجتك؟ قال: ضيعة صارت لأمير المؤمنين أيده الله كانت لسعيد بن جابر وكنا شركاءه فيها. فجاء وكيله فضرب منارة على حدودنا وحدوده، وهذه ضيعةٌ كنا نعود بفضلها على الغريب والصديق والجار الأخ؛ قلت: فمعك رقعة؟ قال: نعم. فأخرج رقعة من خفه فيها مظلمته، فلما قرأتها ووضعتها، قام فانصرف، فخف على قلبي، وأحببت نفعه، فأدخلته على المأمون مع خمسةٍ من أصحاب الحوائج فاتفق أن كان أول من تكلم منهم، فاستنطق رجلاً فصيحاً، حسن العبارة لسناً، فقال: تكلم بحاجتك، فتكلم، فقال: يا ثابت وقع له بقضائها، ثم قال: ألك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أرضٌ غلبني

ثابت بن يوسف بن الحسين

عليها ابن البختكان بالأهواز بقوة السلطان، فأخرجها عن يدي، ودعاني إلى أخذ بعض ثمنها، فقال: يا ثابت وقع له بالكتاب إلى القاضي هناك يأمره بإنصافه وإخراج يد ابن البختكان منه وأخذها من الرجل بحكمه. ألك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قطيعة كان المنصور أقطعها أبي، فأخذت من أيدينا بسبب البرامكة، قال: وقع برد عليه هذه موفورة وينظر ما أخرجت منذ قبضت عنهم إلى هذه الغاية فيدفع إليهم حاصل غلاتهم. ثم قال: ألك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، علي دين قد كظني وأزلني بكثره، وقوى علي أربابه، قال: وكم دينك؟ قال: أربع مائة ألف دينار، قال: وقع يا ثابت بقضاء دينه. قال: فسأل سبع حوائج قيمتها ألف ألف درهم؛ فوالله ما إن زالت قدمه عن مقرها حتى قضيت. فامتلأت غيظاً، وفرت فور المرجل حتى لو أمكنت من لحمه لأكلته. ثم دعا للمأمون وخرج. فقال: يا ثابت، أتعرف هذا الرجل؟ قلت: فعل الله به وفعل، فما رأيت والله رجلاً أجهل منه، ولا أوقح وجهاً! فقال: لا تقل ذاك فتظلمه، فما أدري متى خاطبت رجلاً هو أعقل منه، ولا أعرف بما يخرج من رأسه. فقصصت عليه قصته أولها وآخرها، فقال: هذا من الذي قلت لك، ثم قال: وأزيدك أخرى ولا أحسبك فهمتها، قال: قلت: وما هي؟ قال: أما رأيت خاتمه في إصبعه اليمنى؟ قال: " ولتعرفنهم في لحن القول ". ثابت بن يوسف بن الحسين أبو الحسن الورثاني حدث عن عبد الله بن محمد بن عبد الله الحافظ بسنده عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، وإذا استطاب فلا يستطب بيمينه ". وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة.

ثروان أبو علي مولى عمر بن عبد العزيز

ثروان أبو علي مولى عمر بن عبد العزيز قال ثروان: دخل عمر بن عبد العزيز وهو غلام اصطبل أبيه، فضربه فرسٌ على وجهه، فأتي به أبوه يحمل، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: لئن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد. وفي رواية: أن عمر بن عبد العزيز رمحته دابةٌ وهو غلام بدمشق وذكر الحديث. ثريا بن أحمد بن الحسن بن ثريا أبو القاسم الألهاني البزار. حدث عن أبي علي الحسين بن إبراهيم بن جابر الفرائضي بسنده، عن ابن عمر، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " لا تسافر المرأة ثلاثة أيامٍ إلا مع ذي محرمٍ لا تحل له ". ثعلب بن جعفر بن أحمد بن الحسين أبو المعالي بن أبي محمد السراج. حدث عن أبي القاسم الحنائي بسنده عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطع سارقاً في مجنٍ قيمته ثلاثة دراهم. توفي ثعلب في ربيع الأول سنة أربعٍ وعشرين وخمس مائة. ثمامة بن حزن بن عبد الله بن سلمة ابن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان القشيري البصري، أدرك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يره، وقيل: بل له صحبة، وقدم دمشق وسمع من أبي الدرداء.

ثمامة بن عدي القرشي أمير صنعاء

حدث ثمامة قال: سألت عائشة عن النبيذ، فدعت جاريةً حبشية، فقالت: سل هذه فإنها كانت تنبذ لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسألتها، فقالت: كنت أنبذ لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سقاءٍ من الليل وأوكيه، فإذا أصبح شرب منه. وحدث قال: أتيت عائشة فسألتها عن النبيذ، فحدثتني أن وفد عبد القيس سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن النبيذ، فنهاهم أن يشربوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم، فدعت عائشة جاريةً حبشية، وساق تتمته بمعنى الحديث الأول. وذكر مسلم بن الحجاج من أدرك الجاهلية ولم يلق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكنه صحب الصحابة بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم ثمامة بن حزن القشيري. وقال بعض الملح الأدباء: المخضرم اشتقاقه من أهل الجاهلية كانوا يخضرمون آذان الإبل أي يقطعونها لتكون علامةً لإسلامهم إن أغير عليها أو حوربوا. ثمامة بن عدي القرشي أمير صنعاء له صحبة. حكى عنه أبو الأشعث الصنعاني أن ثمامة كان على صنعاء، وكان من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما جاء نعي عثمان بكى بكاءً شديداً، فلما أفاق قال: هذا حين انتزعت خلافة النبوة من آل محمدٍ وصارت ملكاً وجبرية، من غلب على شيءٍ أكله.

ثميل بن عبد الله الأشعري

وفي بعض الروايات: كان على صنعاء الشام، ورواه خليفة بن خياط على صنعاء. قال الحافظ: وهذا القول من خليفة يدل على أنها صنعاء اليمن. قال: وذلك هو الصواب. ثميل بن عبد الله الأشعري من أهل دمشق. كان من أصحاب أبي الدرداء. وحدث عن أبي الدرداء، قال: قام فينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " إن الجنة لا تحل لعاصٍ، من أتى الله وهو ناكث يبعث يوم القيامة وهو أجذم، ومن خرج من الطاعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومن أصبح ليس لأمير جماعة عليه طاعة بعثه الله يوم القيامة من ميتةٍ جاهلية، ولواء الغادر عند استه يوم القيامة ". ثوابة بن أحمد بن عيسى بن ثوابة ابن مهران بن عبد الله أبو الحسين الموصلي، سمع بدمشق. حدث عن أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى بسنده عن بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثلاثةٌ لا ترى أعينهم النار يوم القيامة: عين بكت من خشية الله، وعينٌ حرست في سبيل الله؛ وعينٌ غضت عن محارم الله ". توفي ثوابة بمصر في المحرم سنة ثمانٍ وخمسين وثلاث مائة.

ثواب بن إبراهيم بن أحمد

ثواب بن إبراهيم بن أحمد أبو الحسن الأنصاري حدث عن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بسنده عن ابن عمر عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن أحدكم إذا مات عرض على مقعده بالغداة والعشي؛ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، ثم يقال: هذا مقعدك حتى تبعث يوم القيامة ". ثوبان بن جحدر ويقال ابن يجدد أبو عبد الله ويقال: أبو عبد الرحمن مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أهل اليمن أصابه سباء فأعتقه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحدث عنه. قال سالم بن أبي الجعد: قيل لثوبان: حدثنا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كذبتم علي وقلتم ما لم أقل! قالوا: حدثنا، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " ما من عبدٍ يسجد لله سجدةً إلا رفع الله له بها درجة وحط عنه بها خطيئة ". وعنه قال: أتاه أناسٌ فقالوا: حدثنا فقد ذهب أصحابك، وافتقرنا إلى ما عندك، فحدثنا ما ينفعنا ولا يضرك، قال: عليكم بكتاب الله عز وجل، فإنه أحسن الحديث، وأبلغ الموعظة. قالوا: صدقت، ولكن حدثنا بما سمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " تلقوني بجنبات الحوض أزود أهل اليمن بعصاي حتى يرفض عنهم ". فقال رجل: من أهل اليمن؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نعم أهل اليمن ". فقال رجل:

كم طوله؟ قال: " من مقامي إلى عمان - وهو يومئذٍ بالمدينة - شرابه أطيب من اللبن وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها حتى يفرغ من الحساب - أو كما ذكر - له ميزابان يصبان فيه من ورق ". حدث أبو الدرداء أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فقال: أنا صببت عليه وضوءه. كان ثوبان من العرب من حكم بن سعد، كان يسكن بالرملة، وكانت له هناك دار، ولا عقب له، وكان من ناحية اليمن. ومات ثوبان بمصر سنة أربعٍ وخمسين، وقيل: مات بحمص، وله بها دار صدقة، حبسٌ على مهاجري فقراء ألهان. ولثوبان في اليمن نسب. ولما أعتقه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: " يا ثوبان، إن شئت أن تلحق بمن أنت منه فعلت، فأنت منهم، وإن شئت أن تثبت فأنت منا أهل البيت ". فثبت على ولاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قبض بحمص. وشهد ثوبان فتح مصر واختط بها داراً. قال يوسف بن عبد الحميد: لقيت ثوبان فرأى علي ثياباً، فقال: ما تصنع بهذه الثياب؟ ورأى علي خاتماً فقال: ما تصنع بهذا الخاتم؟ إنما الخواتيم للملوك. قال: فما اتخذت خاتماً بعد. قال: فحدثني ثوبان أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا أهله، فذكر علياً وفاطمة وغيرهما، قال: قلت: يا رسول الله، أمن أهل البيت أنا؟ فسكت، ثم قلت: يا رسول الله أمن أهل البيت أنا؟ فسكت. فقال في الثالثة: " نعم، على أن لا تقف على باب سدة ولا تأتي أميراً ".

وعن ثوبان أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من يتكفل لي أن لا يسأل شيئاً وأتكفل له بالجنة؟ " قال ثوبان مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنا. قال: " فكان يعلم أن ثوبان لا يسأل أحداً شيئاً. قال معمر: وبلغني أنا عائشة كانت تقول: تعاهدوا ثوبان فإنه لا يسأل أحداً شيئاً، فكان يسقط منه العصا والسوط، فما يسأل أحداً أن يناوله إياه حتى ينزل فيأخذه. قال أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي، قال: قوله " من يطع الله والرسول " قال الكلبي: نزلت في ثوبان مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان شديد الحب له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا ثوبان ما غير لونك؟ " فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك فاستوحشت وحشةً شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أن لا أراك هنالك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلةٍ أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذلك حين لا أراك أبداً. فأنزل الله عز وجل هذه الآية. قال شريح بن عبيد: مرض ثوبان بحمص وعليها عبد الله بن قرط الأزدي فلم يعده، فدخل على ثوبان رجلٌ من الكلاعيين عائداً له، فقال له ثوبان: أتكتب؟ فقال: نعم، فقال: أكتب، فكتب: للأمير عبد الله بن قرط من ثوبان مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما لعد، فإنه لو كان لموسى وعيسى صلى الله عليهما مولى بحضرتك لعدته. ثم طوى الكتاب، وقال له: أتبلغه إياه؟ فقال: نعم. فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط، فلما قرأه قام فزعاً، فقال الناس: ما شأنه؟ أحدث أمر؟ فأتى ثوبان حتى دخل عليه، فعاده وجلس عنده ساعةً، ثم قام، فأخذ ثوبان بردائه وقال جالس حتى أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سمعته يقول: " ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً، لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً ".

ثوبان بن شهر الأشعري

قال محمد بن زياد الألهاني: كان ثوبان جاراً لنا، وكان يدخل الحمام فقلت له، فقال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدخل الحمام، قال: وكان يتنور. ثوبان بن شهر الأشعري قال ثوبان بن شهر: كنا عند عبد الملك في سطح بدير المران عنده كريب بن أبرهه، فذكروا الكبر، فقال كريب: سمعت أبا ريحانة يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لا يدخل الجنة من الكبر شيء ". قال أبو ريحانة: فقلت: يا رسول الله إني أحب الجمال حتى في جلازي وشراك نعلي، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ليس ذلك من الكبر، إن الله جميلٌ يحب الجمال، إنما الكبر من سفه الحق وغمص الناس بعيبه ". ثوب ويقال ثوب بن تلدة الوالبي الأسدي أحد المعمرين المخضرمين، وفد على معاوية بن أبي سفيان. قال ثوب بن تلدة الوالبي: أدركت ثلاث والبات، وكان قد بلغ مائتي سنة وأربعين سنة، يقول: كل ثمانين سنة قرن من بني والبة.

ثور بن يزيد بن زياد أبو خالد

هو ثوب بن تلدة، ويقال: ثوب، بفتح التاء وسكون الواو، وقيل: تلدة أمه وأبوه ربيعة، وهو القائل: " من الطويل " وإن امرءاً قد عاش عشرين حجةً ... إلى مائتين كلها هو دائب كرهن لأحداث المنايا وإنما ... تلهته في الدنيا مناه الكواذب قال الكلبي: أدرك ثوب بن تلدة معاوية فدخل عليه، فقال له: ما أدركت، وكم عمرك؟ قال: لا أدري. إلا أني أدركت بني والبة ثلاث مرات - يريد أفنيت ثلاثة قرون - قال: فكيف بصرك اليوم؟ قال: أحد ما كان قط، كنت أرى الشخص واحداً، فأنا أراه اليوم شخصين. قال: فكيف مشيك؟ قال: أمشي ما كنت قط، كنت امشي تائداً فأنا اليوم أهرول هرولةً، فقال: أدركت أمية بن عبد شمس؟ قال: نعم، وهو أعمى وعبد له يقوده، قال له معاوية: كف فقد جاء غير ما ذكرت، ثم قال معاوية: ليس في البيت إلا أموي، فانظر أي هؤلاء أشبه بأمية؟ ثم قال: هذا، لعمرو بن سعيد بن العاص وهو عمرو الأشدق، وقيل له: ((الأشدق، لأنه كان خطيباً مفلقاً. وفي رواية أخرى من حديث: ولقد رأيتني وأمية بن عبد شمس نطوف بالبيت، ما أدري أنا أكبر أم هو. ثور بن يزيد بن زياد أبو خالد الكلاعي ويقال: الرحبي الحمصي. قدم دمشق وحج منها مع مكحول. حدث عن خالد بن معدان عن أبي أمامة: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا رفع العشاء من بين يديه قال: " الحمد لله كثيراً طيباً ماركاً فيه غير مكفورٍ ولا مودعٍ ولا مستغنىً عنه ربنا ". حدث عن خالد بن معدان عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح الشهداء في طير كزرازير ترد أنهار الجنة حتى يردها الله عز وجل في أجسادها.

قال محمد بن راشد: خرجنا مع مكحول إلى مكة فكان ثور بن يزيد يؤذن له، قال: فكان يأمره أن لا ينادي بالعشاء حتى تذهب الحمرة، ويقول: هو الشفق. مات أبو خالد ببيت المقدس سنة ثلاثٍ وخمسين ومائة وهو ابن بضعٍ وستين سنة، وقيل: مات سنة خمسٍ وخمسين ومائة. وكان ثقةً في الحديث، ويقال: إنه كان قدرياً، وذ (ان جد ثور بن يزيد قد شهد صفين مع معاوية، وقتل يومئذ، وكان ثور إذا ذكر علياً قال: لا أحب رجلاً قتل جدي. لقي ثور الأوزاعي، فمد ثورٌ يده، فأبى الأوزاعي أن يمد يده إليه، وقال: يا ثور إنه لو كانت الدنيا كانت المقاربة ولكن الدين، يقول: لأنه كان قدرياً. قال أبو مسلم الفزاري: ما سمعت الأوزاعي يقول في أحدٍ من الناس إلا في ثور بن يزيد ومحمد بن إسحاق، قال: ذلت له: يا أبا عمرو حدثنا ثور بن يزيد، قال: فغضب علي غضبةً ما رأيت مثلها، ثم قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ستةٌ لعنتهم فلعنهم الله وكل نبيٍ مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله ". ثور بن يزيد أحدهم، تأخذ دينك عنه! وأما محمد بن إسحاق فكان يرى الاعتزال، قال: فجئت إلى كتابي الذي سمعته من ثور ومحمد بن إسحاق، فألقيته في التنور. وقد روي عنه أنه تبرأ من القول بالقدر.

أسماء النساء على حرف الثاء المثلثة

أسماء النساء على حرف الثاء المثلثة الثريا بنت عبد الله بن الحارث ويقال بنت علي بن عبد الله بن الحارث، ويقال: بنت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث ابن أمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية المكية. وفدت على الوليد بن عبد الملك - بعد موت سهيل بن عبد الرحمن زوجها - في دينٍ عليها، وهي التي ذكرها عمر بن أبي ربيعة في شعره. تزوج سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الثريا بنت عبد الله بن الحارث، فحملت إليه من مكة إلى الشام، فقال عمر بن أبي ربيعة: " من الخفيف " أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يجتمعان هي شاميةٌ إذا ما استقلت ... وسهيلٌ إذا استقل يماني فلما وفدت على الوليد دخل عليها وهي عند أم البنين بنت عبد العزيز، فقال: من هذه يا بنت عبد العزيز؟ قالت: هذه الثريا بنت عبد الله، جاءتك في دينٍ ركبها، فأقبل الوليد على الثريا فقال: هل تروين من شعر عمر شيئاً؟ فقالت: نعم، أما إنه رحمه الله كان عفيف الشعر أروي قوله: " من الخفيف " ما على الرسم المرس لو ب ... ين رجع التسليم أو لو أجابا فإلى قصر ذي العشيرة فال ((مأ ... لف أمسى من الأنيس جوابا ربما قد أرى به حي صدقٍ ... طاهر العيش نعمةً وشبابا وحساناً مثل المها خفراتٍ ... حافظاتٍ عند الهوى الأحبابا لا يكثرن في الحديث فلا يت ... بعن ينعقن بالبهام الضرابا

فلما خلا الوليد مع أم البنين قال لها: لله در ثريا! أما تدرين ما أرادت بإنشادها الذي أنشدتني من قول ابن أبي ربيعة؟ قالت: لا، قال: لما عرضت لها به عرضت لي بأن أأعرابية. قال إسحاق الموصلي: بلغني أن الثريا كانت من أكمل النساء، وأحسنهم خلقاً، فكانت تأخذ جرةً من ماء فتفرغها على رأسها فلا تصيب باطن فخذها قطرةٌ من عظم كفلها. قال أبو سفيان بن العلاء: بصرت الثريا بعمر بن أبي ربيعة وهو يطوف حول البيت فتنكرت وفي كفها خلوق فرجمته، فأثر الخلوق في ثوبه، فجعل الناس يقولون: يا أبا الخطاب، ما هذا زي المحرم. فأنشأ يقول: " من الخفيف " أدخل الله رب موسى وعيسى ... جنة الخلق من ملاني خلوقا مسحت كفها بجيب قميصي ... حين طفنا بالبيت مسحاً رفيقا فقال له عبد الله بن عمر: مثل هذا القول تقول في مثل هذا الموضع!؟ فقال له: يا أبا عبد الرحمن قد سمعت مني ما سمعت، فورب هذه البنية ما حللت إزاري على حرامٍ قط. قال الزبير بن بكار: لما صرمت الثريا عمر بن أبي ربيعة اشتد وجده بها، دعا غلاماً له، ثم كتب معه في قرطاس: " من الخفيف " من رسولي إلى الثريا فإني ... ضقت ذرعاً بهجرها واجتنابي وهي مكفوفة تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب ذكرتني من بهجة الشمس لما ... طلعت بين دجنةٍ وسحاب دميةٌ عند راهبٍ قسيسٍ ... صوروها في مذبح المحراب فارجحنت في حسن خلقٍ عميمٍ ... تتهادى في مشيها كالحباب

ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهراً ... عدد الرمل والحصى والتراب سلبتني محاجر الماء عقلي ... فسلوها بما يحل اغتصابي ثم قال للغلام: انطلق بهذا الكتاب إلى ابن أبي العتيق بالمدينة؛ فلما قرأ ابن أبي عتيق الكتاب قال: أنا والله رسوله إليها، فسار من فوره لا يعلم به أهله حتى قدم مكة، فأتى منزل عمر، فوجده غائباً، فنزل عن دابته وركب دابة لعمر، وقال لغلامه: دلني على منزل الثريا؛ فمضى معه، فلما انتهى إلى منزلها وجدها قد خرجت إلى البادية على رأس أميالٍ من مكة، فخرج نحوها، فلما دنا من الحي صهل البرذون، فعرفت الثريا صوته، فقالت لجواريها: هذا برذون الحبيب، ثم دعت براحلة، فرحلتها وركبتها وخرجت تلقاه، فإذا هي بابن أبي عتيق، فقالت: مرحباً، قد آن لك أن نراك يا عم ما جاء بك؟ قال: أنت والعاشق جئتما بي، فقالت: أما والله لو بغيرك تحمل ما أجبناه وليس لك مدفع امرر بنا نحوه. قال فأقبل نحو منزل عمر وقد كان بعض غلمانه صار إليه فأعلمه أن رجلاً قد صار إليهم من صفته كذا وكذا، قال: ويحك هو ابن أبي عتيق اسبقني إليه فقل له: هذا مولاي يأتيك الساعة. ثم انصرف مسرعاً فصار إلى منزله فسأل عن ابن أبي عتيق فأخبر أنه قد توجه إلى الثريا، فلم يلبث إلا يسيراً حتى وافاه ابن أبي عتيق، فخرج إليه فقبل يديه ورجليه، ثم قال: انزل جعلني الله فداك، فقال ابن أبي عتيق: مكة علي حرام إن أقمت بها ساعتي هذه، ثم دعا بدابته فتحول عنها، وشخص إلى المدينة راجعاً. أسماء الرجال على

حرف الجيم

حرف الجيم جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب أبو خالد، ويقال أبو عبد الله السوائي. صاحب سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال جابر: صلى بنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة الفجر فجعل يهوي بيده بين يديه وهو في الصلاة، فسأله القوم حين انصرف، فقال: " إن الشيطان جاءني يلقي علي شرر النار ليفتنني فتناولته، فلو أخذته ما انفلت مني حتى يناط بساريةٍ من سواري المسجد ينظر إليه ولدان أهل المدينة ". وحدث جابر أيضاً قال: مات رجلٌ على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأتاه رجلٌ فقال: يا رسول الله، مات فلان، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لم يمت ". فأتاه الثانية، فقال مثل ذلك، ثم أتاه الثالثة، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كيف مات؟ " قال: نحر نفسه بمشقصٍ عنده، فلم يصل عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وحدث أيضاً قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي نحواً من صلاتكم، ولكنه كان يخفف الصلاة، كان يقرأ في صلاة الفجر بالواقعة ونحوها من السور. وحدث أيضاً أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقرأ في الصبح بقاف والقرآن المجيد، ورأيت صلاته بعد تخفيفاً.

وحدث جابر بن سمرة قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: قام فينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم يفشو الكذب، حتى يشهد الرجل وما يستشهد وحتى يحلف الرجل وإن لم يستحلف، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ألا لا يخلون رجلٌ بامرأة فإن ثالثهما الشيطان، ألا فمن سرته حسنته، وساءته سيئته فهو مؤمن ". قال محمد بن سعد: وممن نزل الكوفة سمرة بن جنادة بن جندب بن حجير، صحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو وابنه جابر بن سمرة وهم حلفاء في بني زهرة، وابتنى بها داراً في بني سواءة، وتوفي بها في خلافة عبد الملك في ولاية بشر بن مروان على الكوفة. وأم جابر بن سمرة خالدة أخت سعد بن أبي وقاص. قال أبو بكر بن أبي خيثمة: جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. قال جابر بن سمرة: جالسته أكثر من مائة مرة - يعني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخطب خطبته الأولى ثم يقعد قعدةً ثم يقوم فيخطب خطبته الأخرى. قال جابر بن سمرة: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمر بنا فيمسح خدودنا، فمر ذات يومٍ فمسح بخدي، فكان الذي مسحه أحسن من الآخر.

جابر بن عبد الله بن عمرو

توفي جابر سنة ثلاثٍ وسبعين. قال: والمحفوظ سنة ست وسبعين في ولاية بشر بن مروان. جابر بن عبد الله بن عمرو ابن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج، أبو عبد الله ويقال: أبو عبد الرحمن ويقال: أبو محمد الأنصاري الخزرجي السلمي الحرامي المدني. صحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حدث جابرٌ قال: ولد لرجلٍ منا غلام، فسماه القاسم فقلنا: لا نكنيك أبا القاسم، ولا تنعم عيناً. فأتينا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر ذلك له فقال: " سم ابنك عبد الرحمن ". وحدث جابرٌ قال: دخلت المسجد ضحىً، فإذا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاعد، فقال: " قم فصل ركعتين ". وعن جابرٍ قال: كنت في الجيش الذين مع خالد بن الوليد الذين أمد بهم أبو عبيدة بن الجراح وهو محاصرٌ دمشق، فلما قدمنا عليهم، قال لخالد: تقدم فصل فأنت أحق بالإمامة، لأنك جئت تمدني، فقال خالد: ما كنت لأتقدم رجلاً سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لكل أمةٍ أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ". جابر بن عبد الله شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، وكان أصغرهم يومئذ. وشهد المشاهد كلها إلا بدراً وأحداً، وأراد شهود بدر فخلفه أبوه على أخواته، وكنّ تسعاً، وخلفه أيضاً حين خرج إلى أحدٍ، وشهد ما بعد ذلك من المشاهد. واستشهد أبوه يوم أحد.

وقال جابر: كنت أميح أصحابي الماء يوم بدر. وأنكر محمد بن عمر أن يكون جابرٌ شهد بدراً. قال جابر: غزا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحدى وعشرين غزوةً بنفسه، شهدت منها تسع عشرة غزوةً. وذهب بصر جابرٍ أخيراً. قال جابر: غزوت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسع عشرة غزوة. قال: لم أشهد بدراً ولا أحداً، منعني أبي، قال: فلما قتل عبد الله يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوةٍ قط. قال جابر بن عبد الله: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة العقبة، وأخرجني خالي وأنا لا أستطيع أن أرمي بحجر. قال جابر: حملني خالي جد بن قيس وما أقدر أن أرمي بحجر في سبعين راكباً من الأنصار الذين وفدوا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال: فخرج إلينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه العباس بن عبد المطلب، فقال: " يا عم خذ لي على أخوالك ". قالوا: يا محمد سل لربك ولنفسك ما شئت، قال: " أما الذي أسأل لربي، فتعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأما الذي أسأل لنفسي، فتمنعوني مما تمنعون منه أموالكم وأنفسكم ". قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: " الجنة ". سئل جابر بن عبد الله: كم غزا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: سبعاً وعشرين غزوةً، غزا بنفسه وغزوت معه منها ست عشرة غزوةً، لم أقدر أن أغزو حتى قتل أبي - رحمه الله - بأحد. وكان يخلفني على أخواتي، وكنّ تسعاً، فكانت أول عزوةٍ غزوتها معه حمراء الأسد إلى آخر مغازيه.

قال موسى بن عقبة: وأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه وبهم أشد القرح بطلب العدو وليسمعوا بذلك، وقال: " لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال ". يعني: بأحد، فقال عبد الله بن أبي: أنا راكب معك، فقال: " لا "، فاستجابوا لله ولرسوله على الذي بهم من البلاء، فانطلقوا، فقال الله عز وجل في كتابه: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجرٌ عظيم ". قال: وأقبل جابر بن عبد الله السلمي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله إن أبي رجعني وقد خرجت معك لأشهد القتال، فقال: ارجع. وناشدني أن لا أترك نساءنا، وإنما أراد حين أوصاني بالرجوع رجاء الذي كان أصابه من القتل، فاستشهده الله فأرادني للبقاء لتركته، ولا أحب أن تتوجه وجهاً إلا كنت معك، وقد كرهت أن تطلب معك إلا من شهد القتال، فأذن لي، فأذن له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فطلب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العدو حتى بلغ حمراء الأسد، ونزل القرآن في طاعة من أطاع، ونفاق من نافق، وتعزية المسلمين، وشأن مواطنهم كلها، ومخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ غدا، فقال جل ثناؤه: " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال، والله سميعٌ عليم " ثم ما بعد الآية في قصة أمرهم. وعن جابرٍ قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربع مائة، فقال لنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنتم خير أهل الأرض. ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة ". قال جابر: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربع مائة فبايعنا وعمر آخذ بيده، تحت شجرةٍ وهي سمرة، قال: بايعنا على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت. وعن جابرٍ في قوله: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " قال: بايعنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

على الموت. وعن جابرٍ: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: " يا جابر هل تزوجت؟ " قلت: نعم يا رسول الله قال: " بكرٌ أو ثيب؟ " قلت: بل ثيب. قال: " فهلا بكراً تضاحكها وتضاحكك ". فقلت: يا نبي الله، إنها وإنها، وإنما أردتها لتقوم عليهن، ويأخذوا من آدابها، قال: " أصبت أرشدك الله ". قال جابر بن عبد الله: لما انصرفنا راجعين - يعني في غزوة ذات الرقاع - فكنا بالشقرة قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا جابر ما فعل دين أبيك؟ " فقلت: عليه، انتظرت يا رسول الله أن يجذ نخله، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا جذذت فأحضرني ". قال: قلت: نعم. قال: " من صاحب دين أبيك؟ " قلت: أبو الشحم اليهودي، له على أبي سقة من تمر. فقال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فمتى تجذها؟ " قال: قلت: غداً. قال: " يا جابر فإذا جذذتها فاعزل العجوة على حدتها، وألوان التمر على حدتها ". قال: ففعلت، فجعلت الصيحاني على حدة، وأمهات الجرادين على حدة، والعجوة على حدة، ثم عمدت إلى جماعٍ من التمر، مثل نخبة وقرن وشقمة، وغيرها من الأنواع، وهو أقل التمر، فجعلته حبلاً واحداً، ثم جئت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخبرته، فانطلق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه علية أصحابه فدخلوا الحائط، وحضر أبو الشحم. قال: فلما نظر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى التمر مصنفاً قال: " اللهم بارك له ". ثم انتهى إلى

العجوة فمسها بيده وأصناف التمر، ثم جلس وسطها، ثم قال: " ادع غريمك "، فجاء أبو الشحم، فقال: " اكتل ". فاكتال حقه كله من حبلٍ واحد وهو العجوة، وبقية التمر كما هو، فقال: " يا جابر هل بقي على أبيك شيء؟ " قال: لا، وبقي سائر التمر، فأكلنا منه دهراً، وبعنا منه حتى أدركت الثمر من قابل، ولقد كنت أقول: لو بعت أصلها ما بلغت ما على أبي من الدين، فقضى الله ما على أبي من الدين؛ فلقد رأيتني والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لي: " ما فعل دين أبيك؟ " فقلت: قد قضاه الله. قال: " اللهم اغفر لجابر "، فاستغفر لي في ليلة خمساً وعشرين مرة. قال جابر: أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أستعينه في دينٍ كان على أبي. قال: فقال: " آتيكم ". قال: فرجعت، فقلت للمرأة: لا تكلمي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا تسأليه. قال: فأتانا، فذبحنا له داجناً كان لنا، فقال: " يا جابر كأنكم عرفتم حبنا اللحم! " قال: فلما خرج قالت له المرأة: صل علي وعلى زوجي، أو صل علينا. قال: فقال: " اللهم صل عليهم ". قال: قلت لها: أليس قد نهيتك؟ قالت: ترى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدخل علينا ولا يدعو لنا!. وعن جابرٍ قال: أردفني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلفه، فجعلت فمي على خاتم النبوة فجعل ينفح علي مسكاً، وقد حفظت منه تلك الليلة سبعين حديثاً ما سمعها معي أحد. قال جابر بن عبد الله: دخلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم، فقال: " مرحباً بك يا جابر، جزاكم الله معشر الأنصار خيراً، آويتموني إذ طردني الناس، ونصرتموني إذ خذلني الناس، فجزاكم الله خيراً ". قال: قلت: بل جزاك الله عنا خيراً، هدانا الله إلى الإسلام، وأنقذنا من شفا حفرة النار، فبك نرجو الدرجات العلا من الجنة. ثم قال: " يا جابر! هؤلاء الأعنز أحد عشر عنزاً في الدار أحب إليك أم كلمات علمنيهنّ جبريل عليه السلام آنفاً تجمع لك خير الدنيا والآخرة؟ " قال: فقلت: والله يا رسول الله إني لمحتاج وهؤلاء الكلمات أحب إلي، قال: " قل اللهم أنت الخلاق العظيم، اللهم إنك سميع عليم، اللهم إنك غفور رحيم، اللهم إنك رب العرش العظيم، اللهم إنك أنت الجواد الكريم، فاغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واسترني واجبرني

وارفعني واهدني ولا تضلني وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين ". قال: فطفق يرددهن علي حتى حفظتهن، ثم قال لي: " تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك ". ثم قال: " استقهن معك ". قال: فسقتهن معي. وعن جابر قال: عادني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر في بني سلمة، فوجدني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ ثم رش علي منه، فأفقت فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ قال: فأنزلت " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ". وفي حديثٍ آخر: فقلت يا رسول الله إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض. وفي رواية: فلم يقل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً حتى نزلت آية الميراث يرونها " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " يقول: فهذه نزلت فيه. روى عبد الرحمن بن سعيد قال: جئت جابر بن عبد الله الأنصاري في فتيانٍ من قريش، فدخلنا عليه بعد أن كف بصره، فوجدنا حبلاً معلقاً في السقف وأقراصاً مطروحةً بين يديه أو خبزاً فكلما استطعم مسكين قام جابر إلى قرصٍ منها وأخذ الحبل حتى يأتي المسكين فيعطيه ثم يرجع بالحبل حتى يقعد، فقلت له عافاك الله نحن إذا جاء المسكين أعطيناه، فقال: إني أحتسب المشي في هذا، ثم قال: ألا أخبركم شيئاً سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قالوا: بلى، قال: سمعته يقول: " إن قريشاً أهل أمانة لا يبغيهم العثرات أحد إلا أكبه الله عز وجل لمنخريه ". وعن جابر بن عبد الله قال: هلاك بالرجل أن يدخل عليه الرجل من إخوانه فيحتقر ما في بيته أن يقدمه إليه وهلاكٌ بالقوم أن يحتقروا ما قدم إليهم.

وعن جابر بن عبد الله قال: تعلموا العلم، ثم تعلموا الحلم، ثم تعلموا العلم، ثم تعلموا العمل بالعلم، ثم أبشروا. حدث عباس بن سهل الساعدي عن أبيه قال: كنا بمنى فجعلنا نخبر جابر بن عبد الله ما نرى من إظهار قطف الخز والوشي - يعني السلطان وما يصنعون - فقال: ليت سمعي قد ذهب كما ذهب بصري حتى لا أسمع من حديثهم شيئاً ولا أبصره. وعن جابر بن عبد الله قال: لما قدم بسر بن أرطاة المدينة أخذ الناس بالبيعة، قال: فجاءت بنو سلمة وتغيب جابر فقال: لا أبايعكم حتى يجيء جابر، قال: فانطلق جابر إلى أم سلمة فسألها، فقالت: هذه بيعة لا أرضاها، إذهب فبايع تحقن بها دمك. قال أبو الحويرث: هلك جابر بن عبد الله فحضرنا بابه في بني سلمة، فلما خرج بسريره من حجرته إذا حسن بن حسن بين عمودي السرير، فأمر به الحجاج بن يوسف أن يخرج من بين العمودين فيأبى عليهم حتى تعاطوه، فسأله بنو جابر إلا خرج، فخرج، وجاء الحجاج حتى وقف بين العمودين حتى وضع فصلى عليه ثم جاء إلى القبر، فإذا حسن بن حسن قد نزل في قبره، فأمر به الحجاج أن يخرج، فأبى، فسأله بنو جابر بالله فخرج، فاقتحم الحجاج الحفرة حتى فرغ منه. وكان جابرٌ آخر من مات بالمدينة من أصحاب سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ومات سنة ثمانٍ وسبعين، وقيل غير ذلك، وهو ابن أربعٍ وتسعين سنة وصلى عليه أبان بن عثمان وهو والي المدينة.

جابر بن عبد الله بن عصمة المحاربي

جابر بن عبد الله بن عصمة المحاربي حدث الأوزاعي قال: قال جابر بن عبد الله بن عصمة لثابت بن معبد، وهو ومن قومه: يا ثابت هل راعك ما راعني؟ قال: وما هو؟ قال: لقد أتى علي زمانٌ لو قيل لي: هل تعرف في قومك امرأ سوء؟ لوقفت أتذكر، فهذا أنا الآن لو قيل لي: هل تعرف في قومك رجلاً صالحاً لوقفت أتذكر. جارية بن قدامة بن مالك بن زهير ويقال ابن قدامة بن زهير بن الحصين بن رزاح بن أبي سعد واسمه أسعد بن بجير بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر، أبو أيوب، ويقال: أبو قدامة، ويقال: أبو يزيد التميمي ثم السعدي، وقيل اسمه جويرية. له صحبة، وقيل لا صحبة له، وروى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثاً واحداً، وشهد صفين مع علي أميراً، وقدم دمشق على معاوية. حدث الأحنف بن قيس عن عم له وهو جارية بن قدامة قال: قلت: يا رسول الله، قل لي قولاً وأقلل لعلي أعقله قال: " لا تغضب ". فرددت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يرد علي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تغضب ". صحب جارية أمير المؤمنين علياً، وكان يقال له محرق لأنه أحرق ابن الحضرمي بالبصرة، وكان ابن الحضرمي وجه به معاوية إلى البصرة ينعى قتل عثمان ويستنفر أهل البصرة على قتال علي، فوجه عليٌ جارية بن قدامة إليه، فتحصن منه ابن الحضرمي بدار تعرف بدار سنبل، فأضرم جارية الدار عليه، فاحترقت بمن فيها، وكان جارية شجاعاً مقداماً فاتكاً. وكان عم الأحنف بن قيس.

وكان معاوية في سنة أربعين بعث بسر بن أرطاة أحد بني عامر بن لؤي إلى اليمن وعليها عبيد الله بن العباس، فتنحى عبيد الله وأقام بسرٌ عليها، فبعث عليٌ جارية بن قدامة السعدي فهرب بسر، ورجع عبيد الله بن عباس إليها، فلم يزل عليها حتى قتل عليٌ رضي الله عنه. قال عبد الملك بن عمير: قدم جارية بن قدامة السعدي على معاوية، ومع معاوية على سريره الأحنف بن قيس والحتات المجاشعي، فقال له معاوية: من أنت؟ قال: جارية بن قدامة - قال: وكان قليلاً - قال: وما عسيت أن تكون؟ هل أنت إلا نحلة؟ قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فقد شبهتني بها حامية اللسعة، حلوة البساق، والله ما معاوية إلا كلبةٌ تعاوي الكلاب، وما أمية إلا تصغير أمة، قال معاوية: لا تفعل، قال: إنك فعلت، قال: إذاً فاجلس معي على السرير، قال: لا، قال: لمَ؟ قال: رأيت هذين قد أماطاني عن مجلسك فلم أكن لأشركهما، قال: إذاً أسارك، فدنا، قال: إني اشتريت من هذين دينهما. قال: ومني فاشتر يا أمير المؤمنين، قال: لا تجهر. قال الفضل بن سويد: وفد الأحنف بن قيس، وجارية بن قدامة، والحتات بن يزيد المجاشعي على معاوية، فقال لجارية: أنت الساعي مع علي بن أبي طالب والموقد النار في شعلك، تجوس قرى عربية بسفك دمائهم. قال جارية: يا معاوية دع عنك علياً، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه، قال: ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية. قال: أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية، قال: لا أم لك، قال: أم ما ولدتني، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا، قال: إنك لتهددني! قال: إنك لم تملكنا قسرة ولم تفتتحنا عنوة، ولكن أعطيتنا عهوداً ومواثيق، فإن وفيت لنا وفينا لك، وإن نزعت إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالاً مداداً، وأذرعاً شداداً وأسنةً حدداً، فإن بسطت إلينا فتراً من غدر، دلفنا إليك بباعٍ

من ختر. قال معاوية: لا كثر الله في الناس أمثالك. قال: قل معروفاً يا أمير المؤمنين فقد بلونا قريشاً فوجدناك أوراها زنداً وأكثرها رفداً، فارعنا رويداً، فإن شر الرعاء الحطمة. ولما خرج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ومعه لواء معاوية جعل يقاتل ويرتجز: أنا ابن سيف الله ذاكم خالد ... أضرب كل قدمٍ وساعد بصارمٍ مثل الشهاب الواقد ... أنصر عمي إن عمي والدي بالجهد لا بل فوق جهد الجاهد فخرج إليه جارية بن قدامة وهو يقول: " من مشطور الرجز " اثبت لصدر الرمح يا بن خالد ... اثبت لليث ذي فلولٍ حارد من أسد خفان شديد الساعد ... ينصر خير راكعٍ وساجد من أسد خفان كحق الوالد ثم اطعنا فلم يصنعا شيئاً، وانصرف كل واحد منهما عن صاحبه. حدث أحمد بن عبيد قال: بين الأحنف في الجامع بالبصرة، إذا رجل قد لطمه، فأمسك الأحنف يده على عينه وقال: ما شأنك؟ فقال: اجتعلت جعلاً على أن ألطم سيد بني تميم، فقال: لست سيدهم، إنما سيدهم جارية بن قدامة - وكان جارية في المسجد - فذهب الرجل فلطمه، قال: فأخرج جارية من حقه سكيناً وقطع يده وناوله، فقال الرجل: ما أنت قطعت يدي، إنما قطعها الأحنف بن قيس.

جامع بن بكار بن بلال

جامع بن بكار بن بلال أبو عبد الرحمن العاملي حدث عن يحيى بن أيوب بسنده عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال وهو قائم على المنبر: " من جاء منكم الجمعة فليغتسل ". وحدث عن محمد بن راشد بسنده عن بلال مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " امسحوا على الموقين والخمار ". قال جامع بن بكار: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: لما قتل علي بن أبي طالب عليه السلام حملوه ليدفنوه مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبينا هم في مسيرهم إذ ند الجمل الذي حملوا عليه علياً فلم يدروا أين ذهب، ولم يقدر عليه. قال: فلذلك يقول أهل العراق: هو في السحاب. جانوش بن بك أبو الحسن الفرغاني حدث بدمشق عن أبي يحيى الفضل بن يحيى الوراق بسنده عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ستكون فتن ". قيل: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: " عليكم بالشام ". سمع بدمشق سنة ست عشرة وثلاث مائة. جبرون بن عبد الجبار بن واقد الليثي الدمشقي. حدث عن سفيان عن الزهري قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا كان آخر الزمان حرم فيه دخول الحمام على ذكور أمتي بمئازرها ". قالوا: يا رسول الله لمَ ذاك؟ قال: " لأنهم يدخلون على قومٍ عراة، ويدخل عليهم أقوام عراة، ألا وقد لعن الله الناظر والمنظور إليه ".

جبريل بن يحيى بن قرة

جبريل بن يحيى بن قرة ابن عبيد الله بن عتبة بن سلمة بن خويلد بن عامر بن عائذ بن كلب بن عمرو بن لؤي بن رهم بن معاوية بن أسلم أحمس بن الغوث أبو غالب البجلي الجرجاني. شهد حصار دمشق مع عبد الله بن علي، وولي بعض مغازي الروم في أيام المنصور، وولاه المهدي سمرقند. وفي سنة أربعين ومائة كتب أمير المؤمنين أبو جعفر إلى صالح بن علي يأمره ببناء مدينة المصيصة، فوجه جبريل بن يحيى فرابط بها حتى بناها، وفرغ منها سنة إحدى وأربعين ومائة. وقيل: إن صالح بن علي وجه جبريل بن يحيى الخراساني في سنة اثنتين وأربعين ومائة في جماعة من أهل خراسان إلى المصيصة، فبنى مدينتها القديمة وعمرها وأنزلها الناس. جبلة بن الأيهم بن جبلة ابن الحارث بن أبي شمر، واسمه المنذر بن الحارث، وهو ابن مارية ذات القرطين، وهو ابن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، واسمه كعب بن عامر بن جارية بن امرئ القيس، ومارية هي بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، ويقال جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، أبو المنذر الغساني الجفني. أدرك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقيل: إنه أرسل إليه شجاع بن وهب يدعوه إلى الإسلام وكان منزله الجولان وغيره من أعامل دمشق، ودخل دمشق غير مرة، وأسلم ثم تنصر ولحق ببلاد الروم، وكان آخر ملوك غسان، وقيل: إنه لم يسلم قط.

روي في أحاديث دخل بعضها في بعض قالوا: وكتب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى جبلة بن الأيهم ملك غسان يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، وكتب بإسلامه إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأهدى له هدية، ثم لم يزل مسلماً حتى كان في زمن عمر بن الخطاب، فبينا هو في سوق دمشق إذا وطئ رجلاً من مزينة، فوثب المزني فلطمه، فأخذ فانطلق به إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقال: هذا لطم جبلة. قال: فيلطمه. قالوا: أوما يقتل؟ قال: لا، فقالوا: أفما تقطع يده؟ قال: لا، إنما أمر الله بالقود، قال جبلة: أترون أني جاعل وجهي نداً لوجه جديٍّ جاء من عمق؟! بئس الدين هذا! ثم ارتد نصرانياً، وترحل بقومه حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر، فشق عليه، وقال لحسان بن ثابت: أبا الوليد أما علمت أن صديقك جبلة بن الأيهم ارتد نصرانياً؟ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ولمَ؟ قال: لطمه رجل من مزينة. قال: وحق له، فقام إليه عمر بالدرة فضربه بها. وقيل إن جبلة أقام على نصرانيته إلى أن شهد اليرموك مع الروم في خلافة عمر، ثم أسلم بعد ذلك. وقيل: إن جبلة لم يسلم البتة، وإنما سأل عمر أن لا يأخذ منه الجزية، ويقبل منه الصدقة، فامتنع عليه، فلحق بالروم، والأظهر أنه أسلم ثم تنصر. وقال سعيد بن عبد العزيز: قال عمر بن الخطاب لجبلة: يا جبيلة! فلم يجبه، ثم قال: يا جبلة! فلم يجبه مرتين، ثم قال: يا جبلة! فأجابه. قال: اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تسلم فيكون لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، وإما أن تؤدي الخراج، وإما أن تلحق بالروم. قال: فلحق بالروم. قال الكلبي: ذكروا أنه لما أسلم جبلة بن الأيهم الغساني من ملوك جفنة في خلافة عمر بن الخطاب، كتب إلى عمر يعلمه بإسلامه ويستأذنه في القدوم عليه، فلما وصل كتابه إلى عمر سره ذلك، وكتب إليه يأذن له في القدوم عليه، فخرج جبلة في خمسين ومائة رجل من أهل

بيته حتى إذا كانوا من المدينة على ميلين عمد إلى أصحابه فحملهم على الخيل وقلدهم قلائد الفضة وألبسهم الديباج وسرق الحرير، ولبس تاجه فيه قرطا مارية وهي جدته. قال: وبلغ عمر بن الخطاب، فبعث إليه بالنزل هناك، ثم دخل المدينة في هيئته. قال: فلم تبق بكر ولا عانس إلا خرجت تنظر إلى جبلة وموكبه، فأقبل حتى دخل على عمر بن الخطاب، فسلم عليه ورحب به عمر، وسر بإيلامه وقومه، ثم أقام أياماً، وأراد عمر الحج من عامة ذلك، فخرج جبلة معه مشهوراً بالموسم ينظر إليه الناس ويتعجبون من هيئته وكماله. قال: فبينا جبلة يطوف بالبيت إذ وطئ رجل من بني فزارة إزاره من خلفه فانحل، فما ورع جبلة أن رفع يده فهشم أنف الفزاري، فولى الفزاري والدماء تشخب من أنفه حتى استعدى عليه عمر بن الخطاب، فبعث إلى جبلة فأتاه، فقال له: يا جبلة هشمت أنف الرجل؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اعتمد حل إزاري، ولولا حرمة الكعبة لضربت بالسيف بين عينيه، فقال له عمر: أما أنت فقد أقررت، فإما أن ترضي الرجل، وإلا أقدته منك، قال: تصنع ماذا؟ قال عمر: إما أن يهشم أنفك كما هشمت أنفه، وإما أن ترضيه. قال جبلة: أو خطير هو لي؟ قال: تعم. قال: وكيف وأنا ملك وهو سوقة؟ قال عمر: الإسلام قد جمعك وإياه، فلست تفضله إلا بالعافية. قال جبلة: والله لقد ظننت يا أمير المؤمنين أن سأكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية. قال عمر: هو ما ترى إما أن تقيده أو ترضيه. قال جبلة: إذاً أتنصر. قال عمر: إن فعلت قتلتك. قال: لمَ؟ قال: لأنك قد دخلت في الإسلام فإن ارتددت قتلتك. قال: فلما رأى جبلة أن عمر لا تأخذه في الله لومة لائم وليست له حيلة، واجتمع من حي الفزاري وحي جبلة على باب عمر جمعٌ كثير حتى كادت تكون فتنة عظيمة، فقال: أنا أنظر في هذا الأمر ليلتي هذه، وانصرف إلى منزله، وتفرق الناس فلما ادلهم الليل عليهم تحمل جبلة في أصحابه من ليلته إلى الشام، وأصبحت المدينة منه ومن قومه بلاقع، ثم أتى الشام فتحمل في خمس مائة أهل بيت من عكٍّ وجفنة حتى دخل القسطنطينية في زمن هرقل فتنصر هو وقومه فلما رأى ذلك هرقل أقطعه حيث شاء وأجرى عليه من النزل ما شاء، وجعله من سماره ومحدثيه، وظن أنه فتحٌ من الفتوح عليه عظيم، فمكث دهراً، ثم إن عمر بدا له أن

يكتب إلى هرقل كتاباً يدعوه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، فكتب إليه ووجه به مع رجلٍ من أصحابه، فأتى هرقل، فأعطاه كتاب عمر، فسر به وأجاب إلى كل خير من غير أن يجيب إلى الإسلام، ولما أراد صاحب عمر الخروج من عنده، قال هرقل يا عربي قال: قل ما تشاء؟ قال: هل لقيت ابن عمك؟ قال: من ابن عمي؟ قال: جبلة بن أيهم الغساني. قال: لا، قال: فالقه وانظر إلى حاله، قال صاحب عمر: فأتيت جبلة بن أيهم، فما إخالني رأيت بباب هرقل من السرور والبهجة ما رأيت بباب جبلة، فلما استأذنت عليه أذن لي، فدخلت، فقام إلي ورحب بي وألطفني وعانقني وعاتبني في ترك النزول عليه. قال: وإذا هو في بهوٍ عظيم فيه من التماثيل والهول ما لا أحسن أصفه، وإذا هو في جماعة على سريرٍ من ذهب وأربع قوائمه أسد من ذهب، وإذا هو رجلٌ أصهب ذو سبال، وإذا هو قد أمر بالذهب الأحمر فسحك فذر في لحيته، واستقبل مجلسه ذلك عين الشمس، فما أحسبني رأيت شيئاً قط أحسن منه، ثم أجلسني على شيءٍ لم أتبينه فلما تبينته إذا هو كرسيٌ من ذهب، فانحدرت عنه، فقال: ما لك؟ قلت: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن هذا وشبهه، قال: وسألني عن الناس، وألحف في السؤال عن عمر، ثم جعل يتنهد حتى عرف الحزن فيه، فقلت: ما يمنعك من الرجوع إلى قومك وإلى الإسلام؟ قال: بعد الذي كان! قلت: نعم، وكان الأشعث بن قيس الكندي ارتد عن الإسلام فضربهم بالسيف ومنعهم الزكاة ثم دخل في الإسلام وزوجه أبو بكر الصديق، فقال: دع هذا عنك، ثم أومأ إلى وصيفٍ قائمٍ على رأسه فولى يحضر فما شعرنا إلا بالصناديق يحملها الرجال، فوضعت أمامنا مائدةٌ من ذهب فاستعفيت منها، فأمر بمائدة خلنجٍ فوضعت أمامي، وسعى علينا من كل حارٍ وبارد في صحاف ذهبٍ وفضة، قال: وأداروا علينا الخمر فاستعفيت منها، فأمر برفعها، فلما فرغنا من الطعام، أتي بطشتٍ من ذهب وإبريق من ذهب فتوضأ، ثم أومأ إلى وصيفٍ له فولى يحضر، فما كان إلا هنيهة حتى أقبل عشرة جوارٍ فقعد خمسٌ على يمينه وخمسٌ عن يساره على كراسي العاج، قال: ثم سمعت وشوشةً خلفي، فإذا عشرٌ أخر لم أر مثلهنّ حسناً وجمالاً أفضل من الأول، فقعد خمسٌ عن يمينه وخمسٌ عن يساره على كراسي الخز والوشي، ثم أقبلت جارية من أحسن ما تكون من الجواري بطائرٍ

أبيض مؤدب، في يدها اليمنى جام ذهبٍ فيه مسكٌ وعنبر سحينان وفي يدها اليسرى جام من فضة فيه ماء ورد وزنبق لم أشم مثله فنفرت بالطائر فانحدر في جام الماورد والزنبق، فأعقب بين ظهره وبطنه وجناحيه فلم يدع منه شيئاً إلا احتمله، ثم نفرت به حتى سقط على صليبٍ في تاج جبلة، ثم رفرف بجناحيه فلم يبق عليه شيء إلا كان على جبلة على رأسه ولحيته. قال: ثم دعا بمكوكٍ طويل من ذهب شرب فيه خمسة خمراً أعدها عداً، ثم استهل واستبشر ثم قال للجواري: أطربنني قال: فخفقنا بعيدانهن، واندفعن يغنين: " من الكامل " لله در عصابةٍ نادمتهم ... يوماً بجلق في الزمان الأول أولاد جفنة عند قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل يسقون من ورد البريص عليهم ... صهبا تصفق بالرحيق السلسل بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل قال: فطرب ثم قال: هل تعرف هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: قاله ابن الفريعة حسان بن ثابت شاعر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فينا وفي ملكنا، قال: قلت: نعم أما إنه ضرير كبير، قال: ثم سكت هنية ثم قال: أطربنني، فخفقن بعيدانهن واندفعن يغنين: " من الخفيف " لمن الدار أقفرت بمعان ... بين فرع اليرموك فالصمان فالقريات من بلاس فداري ... افسكاء فالقصور الدواني فحمى جاسم إلى مرج ذي الصف ... ر مغنى قبائلٍ وهجان

تلك دار العزيز بعد ألوفٍ ... وحليلٍ عظيمة الأركان صلوات المسيح في ذلك الدي ... ر دعاء القسيس والرهبان ذاك مغنى لآل جفنة في الده ... ر محاه تعاقب الأزمان قال: هل تعرف هذه المنازل ومن قائلها؟ قلت: لا، قال: يقولها ابن الفريعة فينا وفي ملكنا ومنازلنا بأكناف غوطة دمشق حسان بن ثابت. قال: ثم سكت طويلاً، ثم قال: بكينني. قال: فوضعن عيدانهن، ونكسن رؤوسهن، واندفعن يقلن: " من الطويل " تنصرت الأشراف من عار لطمةٍ ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني فيها لجاجٌ ونخوةٌ ... وبعت بها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى القول الذي قاله عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرةٍ ... وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بالشام أدنى معيشةٍ ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر أدين بما دانوا به من شريعة ... وقد يصبر العود الكبير على الدبر قال: وانصرف الجواري وجعل يده على وجهه يبكي حتى نظرت إلى دموعه تحول لحيته كأنها فصيص اللؤلؤ. قال: وبكيت معه، ثم نشف دموعه بكمه ومسح وجهه، ثم قال: يا جارية هاتي، فأتته بخمس مائة دينار هرقلية، قال: ادفع به إلى حسان بن ثابت وأقرئه مني السلام، ثم قال: يا جارية هاتي، فأتته بخمس مائة دينار هرقلية قال: خذها صلة لك، فأبيت عليه، قلت: لا أقبل صلة رجلٍ ارتد عن الإسلام وأمير المؤمنين عليه ساخط، فحرص بي، فأبيت عليه، ثم ودع وقال: أقرئ عمر بن الخطاب مني والمسلمين السلام، ثم خرجت من عنده فأتيت عمر، فقال: هيه ما يصنع هرقل؟ فخبرته، ثم قال: هل لقيت جبلة بن أيهم الغساني؟ قلت: نعم قال: وتنصر؟ قلت: نعم. ال: أو رأيته يشرب الخمر؟ قلت: نعم، قال: أبعده الله، تعجل فانية بباقية فما ربحت تجارته، فما الذي سرح به معك؟ قلت: وجه إلى حسان بن ثابت خمس مائة دينار،

جبلة بن سحيم أبو سويرة

واقتصصت عليه القصة من أولها إلى آخرها قال: هاتها، فدفعتها إليه، فقال: يا غلام ادع لي حسان بن ثابت، فدعي، فلما دخل عليه وكان ضريراً ومعه قائده، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين إني لأجد روائح آل جفنة عندك. قال: نعم، قد أتاك الله من جبلة بمعونة، ونزع لك منه على رغم أنفه، قال: فأخذها وولى وهو يقول: " من الكامل " إن ابن جفنة من بقية معشرٍ ... لم يغذهم أباؤهم باللوم لم ينسني بالشام إذ هو ربها ... لا لا ولا متنصراً بالروم يعطي الجزيل ولا يراه عنده ... إلا كبعض عطية المذموم وأتيته يوماً فقرب مجلسي ... وسقى فرواني من الخرطوم وقيل إن جبلة توفي في أول خلافة معاوية بأرض الروم سنة أربعين من الهجرة. جبلة بن سحيم أبو سويرة ويقال: أبو سريرة - براءين - التيمي، ويقال الشيباني الكوفي. قال جبلة: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الشهر هكذا وهكذا وهكذا "، وقبض إبهامه في الثالثة. قال جبلة بن سحيم: دخلت على معاوية بن أبي سفيان وهو في خلافته وفي عنقه حبل وصبيٌ يقوده فقلت: يا أمير المؤمنين أتفعل هذا وأنت على أربع؟! فقال: يا لكع اسكت، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من كان له صبي فليتصاب له ". توفي جبلة بن سحيم في فتنة الوليد بن يزيد. وقال: وتوفي سنة خمسٍ وعشرين ومائة.

جبلة بن مطر

جبلة بن مطر قال جبلة بن مطر: سمعت فضالة بن عبيد يقول: كل ما رد عليك سيفك وصويلجانك. قال عبد الله بن يوسف: الصويلجان: المقراض. جبير بن الحويرث بن نقيذ ابن بجير بن عبد بن قصي بن كلاب، ويقال: الحويرث بن نقيذ بن عبد بن قصي القرشي. له رؤية وإدراك للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليست له رواية عنه. حدث جبير بن الحويرث قال: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة ". قال جبير بن الحويرث: رأيت أبا بكر رضي الله عنه واقفاً على قزح وهو يقول: أيها الناس أصبحوا، أيها الناس أصبحوا، ثم دفع وإني لأنظر إلى فخذه قد انكشفت مما يخرش بعيره بمحجنه. وفي حديث آخر: يعني من جمع. وقزح جبل المزدلفة. ويخرش أو يجرش بالجيم. قالوا: الخرش: الكد والاستحثاث، والمحجن: العصا المعوجة للرأس. وقد يكون المحجن الصولجان، والخرش أن يضربه بالمحجن ثم يجتذبه إليه يريد بذلك تحريكه للإسراع والسير. قال جبير بن الحويرث: حضرت يوم اليرموك المعركة، فلا أسمع للناس كلمة ولا صوتاً إلا نقف الحديد بعضه

بعضاً، إلا أني قد سمعت صائحاً يصيح يقول: يا معشر المسلمين يوم من أيام الله أبلوا فيه بلاء حسناً، وإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان. قال الزبير بن بكار: والحويرث بن نقيذ بن بجير بن عبد بن قصي، كان ممن أهدر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دمه يوم فتح مكة، وكان مؤذياً لله ورسوله.

نجز الجزء الخامس ويتلوه في السادس إن شاء الله تعالى جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل. /

جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب. أبو محمد - ويقال أبو عدي القرشي المكي له صحبة ورواية عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حدث جبير بن مطعم أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا يدخل الجنة قاطع ". وحدث جبير قال: سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ في المغرب بالطور، قال: فلما سمعته يقرأ: " أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ". إلى قوله: " فليأت مستمعهم بسلطان مبين "، كاد قلبي يطير. وعن جبير قال: قدمت على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة في فداء الأسرى، فاضطجعت في المسجد بعد العصر وقد أصابني الكرى فنمت، فأقيمت صلاة المغرب، فقمت فزعا بقراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المغرب: " والطور وكتاب مسطور ". فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد، فكان يومئذ أول ما دخل الإسلام قلبي. قال جبير بن مطعم: لما بعث الله عز وجل نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام، فلما كنت

ببصرى أتتني جماعة من النصارى، قالوا: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم. قالوا: فتعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم. قال: فأخذوا بيدي، فأدخلوني ديرا لهم فيه تماثيل وصور، فقالوا لي: انظر، هل ترى صورة هذا النبي الذي بعث فيكم؟ فنظرت فلم أر صورته، قلت: لا أرى صورته، فأدخلوني ديرا أكبر من ذلك الدير، وإذا فيه تماثيل وصور أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: انظر، هل ترى صورته؟ فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصورته، وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته، وهو آخذ بعقب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقالوا لي: هل ترى صفته؟ قلت: نعم، فقلت: لا أخبرهم حتى أعرف ما يقولون، قالوا: أهو هذا قلت؟ وأشاروا إلى صفة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت: اللهم اشهد أنه هو، قالوا: أتعرف هذا الذي أخذ بعقبه؟ قلت: نعم، قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم، وأن هذا الخليفة من بعده وحدث جبير أيضاً قال: كنت أكره أذى قريش لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لما ظننت أنهم سيقتلونه خرجت حتى لحقت بدير من الديارات، فذهب أهل الدير لرأسهم، فأخبروه فقال: أقيموا له حقه الذي ينبغي له ثلاثاً. فلما مرت ثلاث رأوه لم يذهب، فانطلقوا إلى صاحبهم فأخبروه فقال: قولوا له: قد أقمنا لك حقك الذي ينبغي لك، فإن كنت وصباً فقد ذهب وصبك، وإن كنت واصلاً فقد نأل لك أن تذهب إلى من تصل، وإن كنت تاجراً فقد نأل لك أن تخرج إلى تجارتك، قال: ما كنت واصلاً ولا تاجراً وما أنا بنصب، فذهبوا إليه فأخبروه فقال: إن له لشأناً فسلوه ما شأنه؟ قال: فأتوه فسألوه فقال: لا والله إلا أني في قرية إبراهيم، وابن عم يزعم أنه نبي فآذاه قومه وتخوفت أن يقتلوه، فخرجت لئلا أشهد ذلك. قال: فذهبوا إلى صاحبهم فأخبروه بقولي، قال: هلموا، فأتيته فقصصت عليه قصتي، فقال: تخاف أن يقتلوه؟ قلت: نعم، قال: وتعرف شبهه لو تراه مصوراً؟ قلت: نعم، عهدي به قريب، فأراه صوراً مغطاة، فجعل يكشف صورة صورة ثم يقول:

أتعرف؟ فأقول: لا، حتى كشفت صورة مغطاة، فقلت: ما رأيت شيئاً أشبه بشيء من هذه الصورة به، كأنه طوله وجسمه وبعد ما بين منكبيه، فقال: فتخاف أن يقتلوه؟ قال: أظنهم قد فرغوا منه. قال: والله لا يقتلوه ولنقتلن من يريد قتله، وإنه لنبي، وليظهرنه الله، ولكن قد وجب حقك علينا، فامكث ما بدا لك وادع بما شئت، قال: فمكثت عندهم حيناً ثم قلت: لو اطلعتهم فقدمت مكة فوجدتهم قد أخرجوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة. فلما قدمت قامت إلي قريش فقالوا: قد تبين لنا أمرك وعرفنا شأنك، فهلم أموال الصبية التي عندك استودعكها أبوك، فقلت: ما كنت لأفعل حتى تفرقوا بين رأسي وجسدي، ولكن دعوني أذهب فأدفعها إليهم، فقالوا: إن عليك عهد الله وميثاقه ألا تأكل من طعامه. قال: فقدمت المدينة وقد بلغ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبر فدخلت عليه، فقال لي فيما يقول: إني لأراك جائعاً، هلموا طعاماً. قلت: لا آكل حتى أخبرك، فإن رأيت أن آكل أكلت، قال: فحدثته بما أخذوا علي، قال: فأوف بعهدك ولا تأكل من طعامنا ولا تشرب من شرابنا. قال عبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيره: كان من إعطاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المؤلفة قلوبهم من أصحاب المئين من بني نوفل بن عبد مناف: جبير بن مطعم مئة من الإبل. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة قريب مكة في غزوة فتح: إن بمكة أربعة نفر من قريش أربأ بهم عن الشرك وأرغب لهم في الإسلام، فقيل: وما هم يا رسول الله؟ قال: عتاب بن أسيد، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو. وعن جبير بن مطعم أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أدخلوا علي ولا تدخلوا علي إلا بني عبد المطلب، فدخل جبير من تحت القبة فأخذوا برجله، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أرسلوه فإن ابن أخت القوم منهم. وعن جبير بن مطعم أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: يا جبير، أتحب إذا خرجت سفراً أن تكون من أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زاداً؟

فقلت: نعم بأبي أنت وأمي، قال: فاقرأ هذه السورة: قل يا أيها الكافرون، وإذا جاء نصر الله والفتح، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وافتح كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم. قال جبير: وكنت غير كثير المال، فكنت أخرج مع من شاء الله في السفر، فكنت أبذهم هيئة أقلهم زاداً، فما زلت منذ علمنيهن وقرأتهن أكون أحسنهم هيئة وأكثرهم زاداً حتى في سفري ذلك وفي إقامتي، وما كان من أصحابي أحد أقل ديناً مني. كان جبير ابن مطعم من أنسب قريش لقريش وللعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أنسب العرب. ولما أتي عمر بن الخطاب بسيف النعمان بن المنذر، دعا جبير بن مطعم فسلحه إياه ثم قال: يا جبير، ممن كان النعمان؟ قال: كان رجلاً من أشلاء قنص بن معد، وكان جبير أنسب العرب للعرب. كان مطعم بن عدي - أبو جبير - من أشراف قريش، وكان كافاً عن أذى سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أسارى بدر: " لو كان مطعم بن عدي حياً لوهبت له هؤلاء النتنى "، وذلك ليد كانت لمطعم عند سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان أجاره حين رجع من الطائف، وقام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم حين حصروا في الشعب، وكان مبقياً على نفسه، لم يكن يشرف لعداوة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولإيذائه ولا يؤذي أحداً من المسلمين كما كان يفعل غيره، ومدحه أبو طالب في قصيدة له. وتوفي مطعم بن عدي بمكة بعد هجرة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسنة واحدة، ودفن بالحجون، مقبرة أهل مكة، وكان يوم توفي ابن بضع وتسعين سنة. وكان يكنى أبا وهب. ورثاه حسان بن ثابت بقصيدته التي يقول فيها:

جبير بن نفير بن مالك بن عامر

فلو كان مجد يخلد اليوم واحداً ... من الناس أنجى مجده اليوم مطعما أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبى ملب وأحرما تزوج جبير بن مطعم امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، فقرأ: " إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ". قال: أنا أحق بالعفو منها، فسلم لها المهر كاملاً فأعطاها إياه. توفي جبير بن مطعم سنة ثمان وخمسين. وقيل سنة تسع وخمسين. جبير بن نفير بن مالك بن عامر أبو عبد الرحمن ويقال أبو عبد الله الحضرمي من أهل حمص. أدرك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقدم دمشق وسمع بها. حدث جبير بن نفير عن النواس بن سمعان الكلابي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله تبارك وتعالى ضرب مثلاً صراطاً مستقيماً على كنفي الصراط، سوران لهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور، وداع يدعو على رأس الصراط وداع من فوقه، والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فالأبواب التي على كنفي الصراط حدود الله، لا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف ستر الله، والذي يدعو من فوقه واعظ الله تبارك وتعالى ". حدث جبير بن نفير عن المقداد بن الأسود قال: جاءنا المقداد بن الأسود لحاجة له فقلنا: اجلس عافاك الله حتى نطلب لك حاجتك، فجلس فقال: العجب من قوم مررت بهم آنفاً يتمنون الفتنة، يزعمون ليبتليهم الله فيها بما ابتلى رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، وأيم الله، لقد سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إن

السعيد لمن جنب الفتن، يوردها ثلاث مرات وإن ابتلي وصبر، وايم الله، لا أشهد لأحد أنه من أهل الجنة حتى أعلم ما يقول عليه "، بعد حديث سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " لقلب ابن آدم أسرع انقلاباً من القدر إذا استجمعت غلياً ". قال جبير بن نفير: دخلت على أبي الدرداء بدمشق وبين يديه جفنة من لحم، فقال لي: ياجبير، اجلس فأصب من هذا اللحم، فإن كنيسة في ناحيتنا أهدى لنا أهلها مما ذبحوا لها، فجلست فأكلت معه. وقيل إن جبير بن نفير لم يلق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكنه صحب الصحابة بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل إنه أسلم في خلافة أبي بكر، وكان ثقة قيما يروي من الحديث. وحدث جبير بن نفير قال: أدركت الجاهلية وأتانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باليمن فأسلمنا. في حديث طويل. وحدث جبير بن نفير قال: قد استقبلت الإسلام من أوله، فلم أزل أرى في الناس صالحا وطالحا. حدث جبير بن نفير: أن يزيد بن معاوية كتب إلى معاوية فذكر أن جبير بن نفير قد نشر في أهل مصري حديثا، فقد تركوا القرآن، قال: فبعث إلى جبير، فقرأ عليه كتاب يزيد، فعرف بعضه، وأنكر بعضه، فقال معاوية: لأضربنك ضربا أدعك لمن بعدك نكالا، قال جبير: يامعاوية لاتطغ في، يامعاوية، إن الدنيا قد انكسرت عمادها، وانخسفت أوتادها، وأحبها أصحابها، قال: فجاء أبو الدرداء فأخذ بيد جبير فقال: والذي نفس أبي الدرداء بيده لئن كان تكلم به جبير لقد تكلم به أبو الدرداء، ولو شاء جبير أن يخبر أنه إنما

جحاف بن حكيم بن عاصم بن قيس

سمعه من أبي الدرداء لفعل، ولو ضريتموه يامعاوية لضربكم الله بقارعة تحل بدياركم فتتركها منكم بلاقع. وعن جبير بن نفير قال: خمس خصال قبيحة في أصناف من الناس: الحدة في السلطان، والحرص في القراء، والفتوة في الشيوخ، والشح في الأغنياء، وقلة الحياء في ذوي الأحساب توفي جبير بن نفير سنة خمس وسبعين. وقيل سنة ثمانين. جحاف بن حكيم بن عاصم بن قيس ابن سباع بن خزاعي بن محارب بن هلال بن فالج بن ذكوان ابن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منصور السلمي. قال الجحاف بن حكيم: دخلت على عبد الملك بن مروان وهو خليفة فقال لي: ما قلت في حرب قيس وتغلب؟ قال: قلت: صبرت سليم للطعان وعامر ... وإذا جزعنا لم نجد من يصبر قال: كذبت من يصبر كثير. قال: ثم قلت: نحن الذين إذا غلوا لم يضجروا ... يوم الطعان وإن علوا لم يفخروا قال: صدقت، كذلك حدثني أبي عن أبي سفيان قال: لما انهزم الناس ورجعوا أشرف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على وادي حنين فبصر ببني سليم في أيديهم الجحف والرماح والسيوف ولم ينهزموا، فلما نظر إليهم على تلك الحال قال: أنا ابن العواتك من سليم ولا فخر.

قال الجحاف: وقد قال شاعرنا لبني هاشم: اذكروا حرمة العواتك منا ... يابني هاشم بن عبد مناف قد ولدنا كم ثلاث ولادا ... ت خلطنا الأشراف بالأشراف قال الحسن بن علان: الجحاف بن حكيم السلمي الذكواني الذي وقع ببني تغلب الوقعة المشهورة بالبشر فبقر بطون النساء، ثم خرج هاربا لعظم ما أتى إليهم، فحمل الحجاج بن يوسف تلك الحمالة لبني تغلب عنه، يقال إنه لم تكن حمالة قط أعظم منها. وروي أن عبد الله بن عمر رأى الجحاف وهو يطوف بالبيت ويقول: اللهم اغفر لي، وما أراك تفعل، فقال له: يا عبد الله، لو كنت الجحاف ما زدت على ما تقول، قال: فأنا الجحاف. حدث عمر بن عبد العزيز بن مروان: أنه حضر الجحاف بن حكيم السلمي والأخطل عند عبد الملك بن مروان والأخطل ينشد: ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر قال: فقيض وجهه في وجه الأخطل ثم قال: نعم سوف نبكيهم بكل مهند ... ونبكي عميراً بالرماح الخواطر يعني عمير بن الحباب السلمي، ثم قال: لقد ظننت يابن النصرانية أنك لم تكن تجترئ علي، ولو رأيتني لك مأسورا، وأوعده، فما زال الأخطل من موضعه حتى حم، فقال له عبد الملك: أنا جارك منه. قال: هذا أجرتني منه يقظان فمن يجيرني منه دائماً؟ فضحك عبد الملك.

وفي رواية: أن الجحاف كان عند عبد الملك بن مروان فدخل عليه الأخطل فأنشده: ألا أبلغ الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر قال: وهم يأكلون تمرا، قال: فجعل الجحاف يأخذ التمرة ويجعلها في عينه من الغضب، ثم نهض وقد سقط رداؤه من جانب، وهو يجره، فقال عبد الملك للأخطل: ويحك إني أخشى أن تكون قد سقت إلى قومك شراً، فخرج الجحاف حتى أتى قومه وقد أوسق بغالا، فيها حصا في الأحمال يوهم أنها مال، ثم نادى في قومه فاجتمعوا إليه على أخذ الجائزة، فلما اجتمعوا كشف عما فيها فإذا هو الحصا، وقال: انما أردت أن أجمعكم لهذا، ثم أنشدهم قول الأخطل. قال: فمن أراد أن يتبعني فليتبعني، فاتبعه منهم عدة آلاف، فسار. فلما أمسى قال: من كان منكم مضعفا فليرجع، فرجع قوم ثم مضى فقال: من كان يكره الموت فليرجع، فرجع عنه قوم، فسار مسيرة أربع في يوم وليلة حتى صبح حي الأخطل، فأغار عليهم فقتل النساء والصبيان والماشية، وذبح الدجاج والكلاب، وأفلت الأخطل هاربا، فقال لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول وإلا تغيرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومزحل قال: فقيل له: إلى أين؟ قال: إلى النار، فقال له عبد الملك: يابن اللخناء أيكون عن قريش مستماز ومزحل؟ قال: ثم إن الجحاف خاف من عبد الملك، فخرج إلى بلاد الروم فقبله صاحب الروم، ثم إن عبد الملك وجه الصائفة فلقيهم الروم ولقيهم الجحاف مع الروم، فهزمت الصائفة. فلما رجعوا سأل عبد الملك عن الخبر فقالوا: أتينا من الجحاف، فبعث إليه عبد الملك يؤمنه فرجع وعرض عليه صاحب الروم النصرانية والمقام عنده ويعطيه ما شاء فأبى وقال: لم أخرج رغبة عن الإسلام، إنما خرجت حمية، فلما رجع تفكر فيما صنع وندم فدعا مولى له أو اثنين فركبا وركب معهما وقد لبس أكفانا حتى أتى إلى البشر إلى حي الأخطل، فلم يرعهم حتى جاءهم، فقالوا: قد أتى الجحاف فقالوا:

جدار بن جدار العذري الصنعاني

ما جاء بك؟ قال: أعطي القود من نفسي فإن شئتم فاقتلوا، فتسرع بعضهم، وقال مشايخهم: تجبذون عنقه في الحبل وتقتلونه أسيرا؟ لا كان هذا أبداً، فتركوه وعفوا عنه. قالوا: وقيل: إن الجحاف لما سار في جماعة من قومه إلى بني جشم بن بكر رهط الأخطل وأوقع بهم وقتل مقتلة عظيمة فيهم أبو الأخطل، وقع الأخطل في أيديهم وعليه عباءة دنسة، فسألوه فذكر أنه عبد فأطلقوه فقال: لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة جدار بن جدار العذري الصنعاني صنعاء دمشق. كانت له بدمشق دار. حدث بسنده عن أبي أمامة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من هاله الليل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدو أن يقاتله فليكثر أن يقول: سبحان الله وبحمده، فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب وفضة ينفقان في سبيل الله. وحدث جدار أيضا أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول سمعت أبا الدرداء يقول: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يعلم أن للقرآن وجوها. جد بن قيس أحد العباد كان يكون بجبل لبنان من أعمال دمشق. قال جد بن قيس: كان أول عبادتي أني قعدت على جبل لبنان، فإذا أنا بثلاثة قبور على ارتفاع من الأرض فإذا على أحدها مكتوب:

جراح بن عبد الله بن جعادة

وكيف يلذ العيش من كان موقناً ... بأن إله الخلق لا بد سائله فيأخذ منه ظلمه لعباده ... وتجزيه بالخير الذي هو فاعله ورأيت على القبر الثاني مكتوبا: وكيف يلذ العيش من كان صائراً ... إلى جدث تبلي الشباب منازله ويذهب رسم الوجه من بعد حسنه ... فأين منه جسمه ومفاصله ورأيت على القبر الثالث مكتوبا: وكيف يلذ العيش من كان موقناً ... بأن المنايا بغتة ستعاجله وتسلبه ملكا عظيما ونخوة ... وتسكنه البيت الذي هو آهله جراح بن عبد الله بن جعادة ابن أفلح بن الحارث بن درة بن حدقة بن مظة، واسمه سفيان بن سليم بن الحكم بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، أبو عقبة الحكمي من قواد أهل الشام من دمشق. ولي البصرة في أيام الوليد بن عبد الملك للحجاج، ثم ولي العراق في أيام سليمان خلافة ليزيد بن المهلب، ثم ولي خرا سان وسجستان لعمر بن عبد العزيز، وولي عدة جهات وكان قارئا غازيا. قال الجراح بن عبد الله: تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع.

وفي رواية: تركت الذنوب حياء من الناس أربعين سنة. فلما جاوزت الأربعين أدركني الورع. فتركتها حياء من الله عز وجل. قال الوليد بن مسلم: كان الجراح بن عبد الله الحكمي إذا مشى في مسجد الجامع بدمشق يميل رأسه عن القناديل من طوله. قال أبو عمرو: بعث الحجاج إذ كان يقاتل مصعباً والحرورية بالعراق إلى صاحب أهل دمشق، فلما أتاه قال له: اطلب لي من أصحابك رجلاً جليداً بئيساً ذا رأي وعقل، فقال: أصلح الله الأمير، ماأحسبني إلا وقد أصبته، إن في أصحابي رجلا من حكم بن سعد يقال له الجراح، جلدا صحيح العقل يعد ذلك من نفسه، يعني البأس، قال: فابعث إليه، فلما رآه الحجاج قال له: ادن يا طويل، فلم يزل يقول له ذلك ويشير إليه بيده حتى لصق به أو كاد، ثم قال: اقعد فقعد تحك ركبته وليس عنده غيره، ثم قال له: قم الساعة إلى فرسك فاحسسه واعلفه وأصلح منه، ثم خذ سرجه ولجامه وسلاحك فضعه عند وتد فرسك، ثم ارقب أصحابك حتى إذا أخذوا مضاجعهم ونوموا فاشدد على فرسك سرجه ولجامه، واصبب عليك سلاحك وخذ رمحك، ثم اخرج حتى تأتي عسكر أعداء الله فتعاينهم، وتنظر إلى حالاتهم وماهم عليه، ثم تصحبني غداً، ولاتحدثن شيئا حتى تنصرف، فإذا انصرفت إلى أصحابك الساعة فلا تخبرهم بما عهدته إليك، فنهض الجراح. فلما أتى أصحابه وهم متشوقون له سألوه عن أمره فقال: سألني الأمير عن أمر أهل دمشق واعتل لهم، ثم فعل ما أمره الحجاج، ثم خرج من العسكر يريد عسكر القوم، فلما كان في المنصف من العسكرين لقي رجلا في مثل حاله، فعلم الجراح أنه عين للعدو يريد مثل الذي خرج له، فتوافقا وتساءلا ثم شد عليه الجراح فقتله وأوثق فرسه برجله، ثم نفر إلى المعسكر الذي فيه القوم فعاينه وعرف من حاله وحال أهله ما أمر به، ثم انصرف إلى القتيل فاحتز رأسه وأخذ سلاحه

وجذب فرسه وعلث الرأس في عنق فرسه، ثم أقبل. وصلى الحجاج صلاة الصبح وقعد في مجلسه وأمر بالأستار فرفعت، وتشوف منتظراً الجراح وجعل يومئ بطرفه إلى الناحية التي يظن أنه يقبل منها. فبينا هو كذلك إذ أقبل الجراح يجذب الفرس، والرأس منوط في لبان فرسه، فأقبل الحجاج يقول ويقلب كفيه: فعلت ما أمرتك به؟ قال: نعم، ومالم تأمرني، حتى وقف بين يديه، فسلم ثم نزل. وحدث الحجاج بما صنع وما عاين من القوم، فلما فرغ من حديثه زبره الحجاج وانتهره وقال له: انصرف، فانصرف فبينا هو في رحله إذ أقبل فراشون يسألون عن الجراح معهم رواق وفرش وجارية وكسوة، فدلوا على رحله، فلم يكلموه حتى ضربوا له الرواق وفرشوا له فرشاً وأقعدوا فيه الجارية، ثم أتوه فقالوا: انهض إلى صلة الأمير وكرامته. فلم يزل الجراح بعدها يعلو ويرتفع حتى ولي أرمينية واستشهد، قتلته الخزر سنة خمس ومئة. قال أبو حاتم: الجراح مولى مسكان أبي هانئ أبي أبي نواس، عني أبو نواس بقوله: يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم قال الصلت بن دينار: رأيت في المنام كأن رجلا قطعت يداه ورجلاه وآخر صلب، فغدوت على ابن سيرين فأخبرته بذلك فقال: إن صدقت رؤياك نزع هذا الأمير وقدم أمير آخر قال: فلم نمس من يومنا حتى نزع قطن بن مدرك وقدم الجراح بن عبد الله. كتب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة إلى عامله على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي يأمره أن يدعو أهل الجزية إلى الإسلام، فإن أسلموا قبل إسلامهم ووضع الجزية عنهم، وكان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فقال له رجل من أشراف أهل خراسان: إنه والله ما يدعوهم إلى الإسلام إلا أن توضع عنهم الجزية، فامتحنهم بالختان،

فقال: أنا أردهم عن الإسلام بالختان؛ هم لو قد أسلموا كانوا إلى الطهرة أسرع، فأسلم على يده نحو من أربعة آلاف. قال السائب بن محمد: كتب الجراح بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز: سلام عليك، وبعد. فإن أهل خراسان قوم قد ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في تلك فعل. قال: فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى الجراح بن عبد الله: سلام عليك، أما بعد؛ فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وأنه لايصلحهم إلا السيف والسوط، وتسألني أن آذن لك فقد كذبت، بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم والسلام. وقتل الجراح لثمان بقين من رمضان سنة اثنتي عشرة ومئة، وغلبت الخزر على أذربيجان وساحت خيولهم حتى بلغوا قريباً من الموصل. وذكر الواقدي: أن البلاء كان بمقتل الجراح على المسلمين عظيما، فبكي عليه في كل جند من أجناد العرب ومصر من أمصار المسلمين. حدث إسماعيل بن عبيد الله مولى الحارث بن هشام، قال: قدمت علينا امرأة يمانية عليها ثياب اليمن فقالت: هل تعرفون أبا المقدام رجاء بن حيوة؟ قلنا: نعم. قالت: رأيت رجلا في النوم فقال: أنا أبو المقدام رجاء بن حيوة فقلت: ألم تمت؟ قال: بلى، ولكن نودي في أهل الجنة أن يتلقوا روح الجراح بن عبد الله الحكمي، وذلك قبل أن يأتيهم نعي الجراح، فكتبوا الوقت، فجاءهم أن الجراح قد قتل يومئذ بأرمينية، جاشت عليه الخزر فقتلوه. قال أبو مسهر: قال الجراح يوم قتل لأصحابه: أيها القواد وأمراء الأجناد، فيم اهتمامكم؟! غدوتم

جرجة بن عبد الله الرومي

أمراء وتروحون شهداء، اللهم اذ رفعت عنا النصر فلا تحرمنا الصبر والأجر ثم قال: لم يبق إلا حسبي وكفني ... وصارم تلذه يميني وقاتل حتى قتل. وأنشد أبو مسهر للفرزدق من أبيات: لقد صبر الجراح حتى مشت به ... إلى رحمة الله السيوف الصوارم جرجة بن عبد الله الرومي أسلم على يدي خالد بن الوليد يوم اليرموك وحسن إسلامه، وقاتل الروم فاستشهد في يومه. وكان قائدا من قواد الروم وخرج يوم اليرموك حتى كان بين الصفين، ونادى: ليخرج إلي خالد، فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه، فوافقه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما وقد أمن أحدهما صاحبه، فقال جرجة: يا خالد، اصدقني ولا تكذبني، فان الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على جند أبدا إلا هزمتهم؟ فقال: لا. قال: فبم سميت سيف الله؟ فقال: إن الله عز وجل بعث فينا نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فلما ناوأنا كنا على ذلك، فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله، ثم إن الله عز وجل أخذ بقلوبنا ونواصينا إليه، فهدانا به فتابعناه فقال: أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين. قال: صدقتني. ثم أعاد عليه جرجة: يا خالد، أخبرني إلام تدعون؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله والإقرار بما جاء من عند الله. قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعكم. قال: فمن لم يعط هذا؟ قال: نؤذنه بحرب ثم نقاتله.

جرول بن أوس بن جؤية

قال: فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله عز وجل علينا، شريفنا ووضيعنا، أولنا وآخرنا. ثم أعاد عليه جرجة: يا خالد، هل لمن دخل فيكم اليوم مثل مالكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم، وأفضل. قال: وكيف يساوى بكم وقد سبقتموه؟ فقال: إنا دخلنا في هذا الأمر، وبايعنا نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو حي بين أظهرنا تأتينا أخبار السماء، ويخبرنا بالكتب، ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا منزلة. قال جرجة بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ولم تألفني؟ فقال: بالله لقد صدقتك ومالي إليك، ولا إلى أحد منكم وحشة، وإن الله لولي ما سألت عنه. فقال: صدقتني، وقلب الترس ومال مع خالد وقال: علمني الإسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فشن عليه قربة، ثم صلى به ركعتين. وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد، وهم يرون أنها حملة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، عليهم عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام، وركب خالد ومعه جرجة، والروم خلال المسلمين فتنادى الناس وثابوا، وتراجعت الروم إلى مواقفهم، فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيوف، فضرب فيهم خالداً وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب، ثم أصيب جرجة ولم يصل صلاة سجد فيها إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما. جرول بن أوس بن جؤية ويقال: جرول بن مالك بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض ابن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر - أبو مليكة العبسي، المعروف بالحطيئة: والحطيئة يهمز ولا يهمز، فمن همزه جعله تصغير الحطأة وهي الضربة باليد، ومن لم يهمزه جعله من الحطأة وهي القملة الصغيرة، شبه بها لقصره وقربه من الأرض. وكان جوالا في الآفاق يمتدح الأماثل ويستجديهم.

وقدم حوران ممتدحا لعلقمة بن علاثة فمات علقمة قبل أن يصل إليه ولما أطلق عمر بن الخطاب الحطيئة من حبسه قال له: يا أمير، المؤمنين، اكتب لي كتابا إلى علقمة بن علاثة لأقصده به، فقد منعتني التكسب بشعري، فقال: لا أفعل. فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما عليك من ذلك علقمة ليس بعاملك فتخشى أن تأثم، وإنما هو رجل من المسلمين، قال: فشفع له إليه، فكتب له ما أراد. فمضى الحطيئة بالكتاب، فصادف علقمة قد مات، والناس منصرفون عن قبره، فوقف عليه ثم أنشده قوله: لعمري لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى أعلقته الحبائل فإن تحي لا أملك حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل وما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى إلا ليال قلائل فقال له ابنه: كم ظننت علقمة يعطيك؟ قال: مئة ناقة يتبعها مئة من أولادها. فأعطاه إياها. وقيل إنه بلغه أنه في الطريق يريده، فأوصى له بمثل سهم من سهام ولده. قال محمد بن سلام: قال الحطيئة لكعب بن زهير: قد علمت انقطاعي إليكم أهل البيت وروايتي إليك ولك، فشرفني بأبيات تقولها فيّ. فقال كعب بن زهير: فمن للقوافي بعدنا من يقيمها ... إذا ما ثوى كعب وفوز جرول يقول فلا يعيا بشيء يقوله ... ومن قائليها من يسيء ويعمل جرول هو الحطيئة، والجرول: الحجر وهو الجراول. ويقال أرض جرلة. قال الأصمعي: قيل للحطيئة: من أشعر الناس؟ فأخرج لسانه وقال: هذا إذا طمع.

قال الشعبي: كان الحطيئة وكعب عند عمر رضي الله عنه فأنشد الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس فقال كعب: هي والله في التوراة، لا يذهب العرف بين الله وبين خلقه. أراد الحطيئة المضي إلى بعض ملوك اليمن لقصيدة كان امتدحه، فأمر أهله فشدوا رحله على ناقته، ثم ركبها وأنشأ يقول: عدي السنين إذا خرجت لغنية ... ودعي الشهور فإنهن قصار فأجابته بنية له في الخدر فقالت: اذكر تحنننا إليك وضعفنا ... وارحم بناتك إنهن صغار قال: فحط رحله وأمسك عن ذكر الأسفار. نزل الحطيئة برجل من العرب ومعه ابنته مليكة، فلما جنه الليل سمع غناء فقال لصاحب المنزل: كف هذا عني، قال له: وما تكره من ذلك؟ فقال: إن الغناء رائد من رائدة الفجور، ولا أحب أن تسمعه هذه - يعني ابنته - فإن كففته، وألا خرجت عنك. قالت مليكة بنت الحطيئة لأبيها: ما أصارك إلى القصار في الشعر بعد الطوال؟ قال: لأنها في الآذان أولج، وفي المحافل أجول، وعلى القلوب أسهل، وبأفواه الرجال أعلق. قال حماد الراوية: أفضل بيت روي من أشعار العرب بيت الحطيئة حيث يقول: يقولون تستغني ووالله ما الغنى ... من المال إلا ما يعفو وما يكفي

وأنشد أحمد بن عباد التميمي للحطيئة يعدد محاسن قوم، قيل: إنه يعني آل منظور بن زبان بن سيار بن عمر الفزاريين: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والحقد أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا لما نزل بعبد الله بن شداد الموت، دعا ابناً له يقال له محمد فأوصاه، وكان فيما أوصاه أن قال: يا بني أرى دواعي الموت لا تقلع، ومن مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع. وإني أوصيك بوصية فاحفظها: عليك بتقوى الله، وليكن أولى الأمر بك الشكر لله وحسن الثناء عليه في السر والعلانية، واعلم أن الشكور مزيد والتقوى خير زاد، فكن يا بني كما قال الحطيئة العبسي: ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكن التقي هو السعيد وتقوى الله خير الزاد ذخراً ... وعند الله للأتقى مزيد وما لا بد أن يأتي قريب ... ولكن الذي يمضي بعيد كان سبب هجائه للزبرقان أنه صادفه بالمدينة وكان قدمها على عمر، فقال الحطيئة: وددت أني أصبت رجلاً يحملني وأصفيه مديحي وأقتصر عليه. قال الزبرقان: قد أصبته، تقدم على أهلي فإني على إثرك. فتقدم فنزل بحماه، وأرسل الزبرقان إلى امرأته أن أكرمي مثواه. وكانت ابنته مليكة جميلة، فكرهت امرأته مكانها فظهرت منها لهم جفوة - وبغيض بن عامر بن لأي بن شماس - أحد بني قريع بن عوف، ينازع يومئذ الزبرقان الشرف، والزبرقان أحد بني بهدلة بن عوف، أرسخ في الشرف من الزبرقان،

وقد ناوأه الزبرقان ببدنه حتى ساواه بل اعتلاه، فاغتنم بغيض وأخواه علقمة وهوذة ما فيه الحطيئة من الجفوة، فدعوه إلى ما عندهم فأسرع، فبنوا عليه قبة ونحروا له وأكرموه كل الإكرام وشدوا بكل طنب من أطناب خبائه جلة من برني هجر. قال: والمخبل شاعر مفلق وهو ابن عمهم يلقاهم إلى أنف الناقة، وهو جعفر بن قريع. قال: وقدم الزبرقان أسيفاً عاتباً على امرأته، مدح بني قريع وذم الزبرقان، فاستدعى عليه الزبرقان إلى عمر فأقدمه عمر وقال للزبرقان: ما قال لك؟ قال: قال لي: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي قال عمر لحسان: ما تقول؟ أهجاه؟ وعمر يعلم من ذلك ما يعلم حسان، ولكنه أراد الحجة على الحطيئة، فقال: ذرق عليه. فألقاه عمر في حفرة اتخذها محبساً فقال الحطيئة: ماذا تقول لأفراخ بذي أمج........... قال أسلم: أرسل عمر إلى الحطيئة الشاعر وأنا عنده، وقد كلمه عمرو بن العاص وغيره من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخرجه من السجن فقال: ماذا تقول لأفراخ بذي أمج ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر هداك مليك الناس يا عمر

أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النهى البشر لم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الأثر فامنن على صبية بالرمل مسكنهم ... بين الأباطح يغشاهم بها القرر أهلي فداؤك كم بيني وبينهم ... من عرض داوية تعيا بها الخبر قال: فبكى عمر حين قال له:؟؟؟ ماذا تقول لأفراخ بذي أمج............. فقال عمرو: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أعدل من رجل يبكي على تركه الحطيئة، فقال عمر: علي بالكرسي، فوضع له فجلس عليه وقال: أشيروا علي في الشاعر فإنه يقول الهجر ويشبب بالحرم ويمدح الناس ويذمهم بما ليس فيهم، ما أراني إلا قاطعاً لسانه. ثم قال: علي بالطست فأتي به، ثم قال: علي بالمخصف، علي بالسكين، علي بالموسى، فقالوا: لا يعود يا أمير المؤمنين، وأشاروا عليه قل. لا أعود يا أمير المؤمنين، فقال لا أعود يا أمير المؤمنين. قال له: النجاء. فلما أدبر قال: يا حطيئة، كأني بك وأنت عند فتى من فتيان قريش، قد بسط لك نمرقة وكسر لك أخرى وأنت تغنيه بأعراض المسلمين! قال أسلم: فدخلت على عبيد الله بن عمر بعد أن توفي عمر وعنده الحطيئة، وقد بسط له نمرقة وكسر له أخرى وهو يغنيه. فقلت: يا حطيئة، أما تذكر ما قاله عمر؟ قال: فارتاع لها وقال: رحم الله ذلك المرء، لو كان حياً ما فعلنا هذا. فقال عبيد الله: وما قال؟ قلت: قال: كذا وكذا، فكنت أنت ذلك الفتى. ولما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له: أوص يا أبا مليكة، قال: نعم، أخبروا الشماخ أنه أشعر غطفان. قالوا: فأوص في مالك، قال: نعم، ما لي للذكور دون الإناث. قالوا: فأوص للمساكين. قال: أوصيهم بإلحاف المسألة. قالوا: فأعتق غلامك يساراً. قال: اشهدوا أنه

جرول بن جنفل

مملوك ما بقي. قالوا: فما توصينا بشيء؟ قال: بلى، احملوني على حمار، فإنه لم يمت عليه كريم قط، فلعلي لا أموت. قالوا: يا أبا مليكة، أي العرب أشعر؟ قال: هذا الجحير إذا طمع في خير، وأشار إلى فيه ولسانه، ثم استعبر وبكى، فقالوا: ما يبكيك؟؟ أفزعاً من الموت؟ سوءة لك؟ قال: لا، ولكني أبكي للشعر من راوية السوء. ثم لم يلبث أن مات، فبلغ ذلك الشماخ فقال: ليبك على الشعر الرواة فقد مضى ... وفارق إذ مات الحطيئة جرول وأودى فما أبقى مقالاً لشاعر يقوم ليبلى من يشا أو يعدل مضى ذا وهذا والسلام عليهما ... وكل عليه سوف يبكي ويعول جرول بن جنفل ويقال: ابن جنقل بالقاف، والأول أصح - أبو توبة النميري الحراني المعلم، قدم دمشق وحدث بها. روى عن سعيد بن سنان الحمصي عن عمرو بن عريب عن أبيه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: في قوله تعالى: " وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم " قال: " هم الجن، ولن تخبل الجن رجلاً في داره فرس عتيق ". وحدث عن خليد بن دعلج الموصلي عن قتادة بن دعامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا ادهن أحدكم فليبدأ بحاجبيه فإنه يذهب بالصداع ". أو قال ينفع من الصداع. قدم جرول بن جنفل حمص، فأتى بقية بن الوليد فقال له: ما اسمك؟ قال: جرول. قال: ابن من؟ قال ابن جنفل. قال: أبو من؟ قال: أبو تيفل. فقال له:

جرير بن عبد الله بن جابر

تب إلى الله تعالى من هذه الأسماء. قال: قد تبت فكنني، قال: أنت أبو توبة فكان يكنى بها. جرير بن عبد الله بن جابر ابن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم بن عويف بن خزيمة بن حرب بن علي بن مالك بن سعيد بن مالك بن نذير بن قسر، وهو مالك بن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث ابن نبت بن مالك بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان أبو عمرو وقيل أبو عبد الله البجلي القسري. صحب سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وروى عنه أحاديث صالحة. قدم دمشق رسولاً من علي عليه السلام إلى معاوية، وقدم على معاوية مرة أخرى في خلافته. حدث جرير بن عبد الله قال: بايعت رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على النصح لكل مسلم. حدث جرير بن عبد الله قال: بعثني علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان يأمره أن يبايع هو ومن قبله، قال: فخرجت لا أرى أحداً سبقني إليه حتى قدمت على معاوية، وإذا هو يخطب الناس وهم حوله يبكون حول قميص عثمان، وهو معلق في رمح، فدفعت إليه كتاب علي، ومثل رجل إلى جنبي كان يسير بمسيري، ويقوم بمقامي لا أشعر به فقال لمعاوية: إن بني عمك عبد المطلب ... هم قتلوا شيخكم غير كذب وأنت أولى الناس بالوثب فثب ... واغضب معاوي للإله وارتقب بادر بخيل الأمه الغار الأشب ... بجمع أهل الشام ترشد وتصب وسر مسير المحزئل المتلئب ... وهزهز الصعدة للبأس الشغب

قال ثم دفع إليه كتاباً من الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه فإذا فيه: معاوي إن الملك قد جب غاربه ... وأنت بما في كفك اليوم صاحبه أتاك كتاب من علي بخطة ... هي الفصل فاختر سلمه أو تحاربه فإن كنت تنوي أن تجيب كتابه ... فقبح ممليه وقبح كاتبه وإن كنت تنوي ترك رجع جوابه ... فأنت بأمر لا محالة راكبه فألق إلى الحي اليمانين كلمة ... تنال بها الأمر الذي أنت طالبه تقول أمير المؤمنين أصابه ... عدو وما لا هم عليه أقاربه وكنت أميراً قبل بالشام فيكم ... وحسبي من الحق الذي هو واجبه فجيئوا ومن أرسى ثبيراً مكانه ... ندافع بحراً لا ترد غواربه فأكثر وأقلل ما لها الدهر صاحب ... سواك فصرح لست ممن تواربه قال: فقال: أقم، فإن الناس قد نفروا عند قتل عثمان حتى يسكنوا. قال: فأقمت أربعة أشهر، ثم جاءه كتاب من الوليد بن عقبة فيه: ألا أبلغ معاوية بن حرب ... فإنك من أخي ثقة مليم قطعت الدهر كالسدم المعنى ... تهدر في دمشق وما تريم فإنك والكتاب إلى علي ... كرابعة وقد حلم الأديم فلو كنت القتيل وكان حياً ... لشمر لا ألف ولا سؤوم فلما جاءه كتابه وصل ما بين طومارين، ثم طواهما أبيضين، وكتب عنوانهما: من

معاوية بن أبي سفيان، إلى علي بن أبي طالب، ودفعهما إلي، وبعث معي رجلاً من عبس، لا أدري ما مع العبسي، قال: فقدمنا الكوفة فاجتمع الناس إلى علي في المسجد، ولا يشكون أنها بيعة أهل الشام، فلما فتح الكتاب لم يوجد شيء، وقام العبسي فقال: من ها هنا من أفناء قيس، إني أخص من قيس غطفان، وأخص من غطفان عبساً، وإني أحلف بالله لقد تركت تحت قميص عثمان أكثر من خمسين ألف شيخ، خاضبي لحاهم بدموع أعينهم متعاقدين متحالفين ليقتلن قتلته، وإني أحلف بالله ليقتحمنها عليكم ابن أبي سفيان بأكثر من أربعة آلاف من خصيان الخيل، في ظنكم بعد بما فيها من الفحول! فقال له قيس بن سعد: يا أخا عبس لا نبالي بخصيان خيلك ولا ببكاء كهولك، ولا يكون بكاؤه بكاء يعقوب على يوسف. ثم دفع العبسي كتاباً من معاوية فيه: أتاني أمر فيه للناس غمة ... وفيه اجتداع للأنوف أصيل مصاب أمير المؤمنين وهذه ... تكاد لها صم الجبال تزول فلله عينا من رأى مثل هالك ... أصيب بلا ذنب وذاك جليل دعاهم فصموا عنه عند دعائه ... وذاك على ما في النفوس دليل ندمت على ما كان من تبع الهوى ... وحسبي منه حسرة وعويل سأبغي أبا عمرو بكل مهند ... وبيض لها في الدار عين صليل فأما التي فيها المودة بيننا ... فليس إليها ما حييت سبيل سألقحها حرباً عواناً ملحة ... وإني بها من عامها لكفيل قال: فأمر علي قيس بن سعد أن يجيبه في كتابه، فكتب إليه قيس: معاوي لا تعجل علينا معاويا ... فقد هجت بالرأي السخيف الأفاعيا وحركت منا كل شيء كرهته ... وأبقيت حزات النفوس كما هيا بعثت بقرطاسين صفرين ضلة ... إلى خير من يمشي بنعل وحافيا مضى أو بقي بعد النبي محمد ... عليه سلام الله عوداً وباديا ألا ليت شعري والأماني ضلة ... على أي ما تنوي أردت الأمانيا

على أن فينا للموارث مطمعاً ... وأنك متروك بشامك عاصيا أبى الله إلا أن ذا غير كائن ... فدع عنك ما منتك نفسك خاليا وأكثر وأقلل إن شامك شحمة ... يعجلها طاه يبادر شاويا من العام أو من قابل كل كائن ... قريب وأبعد بالذي ليس جائيا حدث قيس قال: قال جرير لعبد الله بن رباح: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ". فكتب معاوية: أن أرسل إلي جريراً على المربد فأتاه فقال: أنت سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله "؟ قال: نعم. قال: لا جرم لا أغزي جيشاً وراء الدرب في شتاء أبداً. وبعث إليهم بطعام ولحف. قيل إن جريراً تنقل من الكوفة إلى قرقيسياء وقال: لا أقيم ببلدة يشتم فيها عثمان. وتوفي في زمن معاوية بعد الخمسين، يقال سنة إحدى وخمسين. وقيل: مات سنة أربع وخمسين. وكان سيداً في قومه، وبسط له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثوباً ليجلس عليه وقت مبايعته له، وقال لأصحابه: " إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه "، وجهه إلى الخلصة طاغية دوس فهدمها. ودعا له حين بعثه إليها، وشهد جرير مع المسلمين يوم المدائن وله فيها أخبار مأثورة. وجرير هذا هو الذي يقول له الشاعر: لولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيله قال جرير: لما دنوت من مدينة سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنخت راحلتي وحللت عيبتي فلبست

حلتي، فدخلت ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب، فسلم علي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي: يا عبد الله، هل ذكر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أمري شيئاً؟ قال: نعم، ذكرك بأحسن الذكر، بينا هو يخطب إذ عرض له في خطبته قال: " إنه سيدخل عليكم من هذا الباب، أو من هذا الفج، من خير ذي يمن، وإن على وجهه لمسحة ملك ". قال: فحمدت الله على ما أبلاني. قال جرير: ما رآني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا تبسم في وجهي. في حديث. حدث عبد الله بن ضمرة أنه بينما هو ذات يوم عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جماعة من أصحابه أكثرهم اليمن، إذ قال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سيطلع عليكم من هذه الثنية خير ذي يمن "، فبقي القوم كل رجل منهم يرجو أن يكون من أهل بيته، فإذا هم بجرير بن عبد الله قد طلع عليهم من الثنية، فجاء حتى سلم على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى أصحابه، فردوا عليه بأجمعهم السلام، ثم بسط له عرض ردائه وقال له: على ذا يا جرير فاقعد. فقعد معهم ثم قام وانصرف. فقال جماعة أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لقد رأينا اليوم منك منظراً لجرير ما رأينا منك لأحد، قال: " نعم، هذا كريم قوم. إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. وقال عدي بن حاتم: لما دخل جرير على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ألقى له وسادة فجلس على الأرض، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً "، فأسلم. من حديث. وفي حديث: قال جرير: فبسط رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يده فبايعني وقال: " على أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتنصح المسلم، وتطيع الوالي، وإن كان عبداً حبشياً ". فقال: نعم. قال: فبايعه. حدث عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى الفجر لم يرم مجلسه حتى تطلع الشمس، فقال لنا ذات يوم حين طلعت الشمس: " يطلع عليكم من هذا الفج خير ذي يمن، على وجهه مسحة

ملك ". فطلع جرير بن عبد الله البجلي ثم القسري على راحلته حتى نزل على باب المسجد، ثم دخل فقال: يا معشر قريش، أين رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال: هذا هو، يعني نفسه عليه السلام، ثم التفت إلى أصحابه فقال لهم: " أتاكم أهل اليمن، وهم أرق أفئدة. الإيمان يمان والحكمة يمانية والغلظة والقسوة والكبرياء والفخر والجفاء عند أصحاب الوبر والصوف، نحو هذا المشرق في ربيعة ومضر ". فلما جلس جرير بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: ما اسمك؟ قال: أنا جرير بن عبد الله البجلي. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا جرير، إنك لن تدرك شريعة الإسلام، ولن تدرك حقيقة الإيمان حتى تترك عبادة الأوثان ". قال جرير: يا رسول الله، قد أسلمت، فادعوا الله أن يشرح قلبي للإسلام. قال: " اللهم، اشرح قلبه للإيمان، ولا تجعله من أهل الردة، ولا تكثر له فيطغى، ولا تملي عينيه فينسى "، قال جرير: يا رسول الله، حدثني عما جئت أسألك عنه. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تسأل عن حق الوالد على ولده، وحق الولد على والده. وإن من حق الوالد على ولده أن يخشع له عند الغضب، ويؤثره عند الشكاية والوصب، فإن المجافي ليس بالواصل، ولكن الواصل إذا قطعت رحمه وصلها. ومن حق الولد على والده أن لا يجحد نسبه، وأن يحسن أدبه ". قال جرير: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هذا - والله الذي بعثك نبياً - الذي جئت له، وأنا أريد أن أسألك عنه، آمنت بالله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أين منزلك يا جرير؟ قال: نحن بأكناف بيشة بين سلم وأراك وسهل ودكداك وحمض وعلاك،

في نخلة وضالة ونجمة وأثلة، ونجل وتالة. ربيعنا مريع، وشتاؤنا ربيع، وماؤنا نبيع، لا يقام ماتحها ولا يحسر مائحها ولا يعزب سارحها، فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم: " خير الماء الشبم، وأفضل الأموال الغنم، وأجود المراعي الأراك والسلم. وإذا أخلف كان لجينا، وإذا سقط كان درينا، وإذا أكل كان لبينا. قال جرير: يا رسول الله، أخبرني عن السماء الدنيا والأرض السفلى. قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان وماء، ثم رفعها وجعل فيها سراجاً مضيئاً، وقمراً منيراً، وزينها بمصابيح النجوم، وجعلها رجوماً للشياطين، وحفظها من كل شيطان رجيم. وأما الأرض السفلى، فإن الله تعالى خلقها من الزبد الجفاء والماء الكباء، حملها على ظهر حوت، تحته ملك على صخرة يتفجر منها الماء، لو انخرق منها خرق لأذهب من على ظهر الأرض سبحان خالق النور. قال جرير: يا رسول الله، ابسط يدك أبايعك على الإسلام فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتسمع وتطيع الوالي وإن كان حبشياً، قال جرير: نعم

يا رسول الله. فبايعه، ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا جرير ما فعل قومك؟ قال: يا رسول الله، ليس ينتظرون أحداً غيري. قال: فانطلق فادعهم إلى الإسلام. فخرج جرير حتى أتى بلاد قومه فسار فيهم حياً حياً، ودعاهم إلى الإسلام، وأمرهم بالهجرة إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان أول من أجابه إلى ذلك قيس بن غزية الأحمسي ثم الذهني، وهو أبو عروة. وروي عن جرير بن عبد الله قال: كنت لا أثبت على الخيل، فشكوت ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً، فما قلعت عن فرسي بعد ذلك. وفي حديث آخر: فقال لي بعد إسلامي: يا جرير، إن ربي قد أعلمني أن إبليس قد أيس من أن تعبد الأصنام في أرض العرب، فتهيأ حتى تسير إلى بيت قومك خثعم ذي الخلصة فتدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وعلى أن تكسر أصنامهم وتحرق بيتهم، قال: فقلت: يا رسول الله؛ إني رجل قلع: لا أثبت في السرج، قال: فادن إلي، قال: فدنوت إليه، فضرب في صدري وقال: اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً. قال: ثم ندب الناس معي فانتدب معي مئتان جلهم من أحمس، وانطلقت. حدث إبراهيم قال: توضأ جرير ثم مسح على خفيه، فقيل له: أتمسح على خفيك! قال: ومالي لا أمسح، وقد رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح! قال: فكان حديث جرير أوثق حديث في المسح، لأنه أسلم في العام الذي قبض فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد نزول المائدة. وعن جرير بن عبد الله قال: ما حجبني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منذ أسلمت، ولا رآني إلا ضحك.

وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا تسبوا جرير بن عبد الله، إن جريراً منا أهل البيت. وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جرير بن عبد الله منا أهل البيت ظهر لبطن ظهر لبطن ظهر لبطن. وعن جرير قال: بايعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ما بايعت عليه النساء، لمن مات منا ولم يأت شيئاً ضمن له الجنة، ومن مات منا وأتى شيئاً منهن فأقيم عليه الحد فهو كفارته، ومن مات منا وأتى شيئاً منهن فستر عليه فعلى الله عز وجل حسابه. وروي عن جرير أنه كان إذا باع رجلاً قال له: إن الذي آخذ منك أحب إليك من الذي أعطيك، فقال له بنوه: إذا فعلت لم ترتفع إلى بيع سلعة، فقال: إني بايعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الإسلام والنصح لكل مسلم. وعن جرير قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنك امرؤ قد حسن الله خلقك فأحسن خلقك. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن جريراً يوسف هذه الأمة، يعني حسنه. وعن عبد الملك بن عمير قال: رأيت جرير بن عبد الله وكأن وجهه شقة قمر. وقال عبد الله بن عمير: رأيت جرير بن عبد الله يخضب لحيته بالزعفران. وحدث ابن لجرير قال: كان نعل جرير بن عبد الله طولها ذراع.

وعن جرير قال: تنفس رجل ونحن خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصلي، وفي رواية يعني: أحدث، فلما انصرف قال: اعزم على صاحبها إلا قام فتوضأ وأعاد الصلاة، قال: فلم يقم أحد. قال جرير: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تعزم عليه، ولكن اعزم علينا كلنا فتكون صلاتنا تطوعاً وصلاته الفريضة، قال عمر: فإني أعزم عليكم وعلى نفسي قال: فتوضأ وأعادوا الصلاة. وفي حديث بمعناه فقال: يرحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد أنت في الإسلام. وفي رواية فقال: رحمك الله إن كنت لسيداً في الجاهلية، فقيها في الإسلام. وعن جرير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له - والناس يتحامون العراق وقتال الأعاجم -: سر بقومك، فما غلبت عليه فلك ربعه، فلما جمعت الغنائم غنائم جلولاء. ادعى جرير أن له ربع ذلك كله، فكتب سعد رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب عمر رضي الله عنه: صدق جرير، قد قلت ذلك له، فإن شاء أن يكون قاتل هو وقومه على جعل فأعطوه جعله، وأن يكون إنما قاتل لله ولدينه وجاهد فهو رجل من المسلمين له مالهم وعليه ماعليهم. وكتب عمر رضي الله عنه بذلك إلى سعد رضي الله عنه، فلما قدم الكتاب على سعد دعا جريراً فأخبره ما كتب به إليه عمر، فقال جرير: صدق أمير المؤمنين، لاحاجة لي به، بل أنا رجل من المسلمين لي مالهم وعلي ماعليهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: جرير بن عبد الله ذهبت عينه بهمذان حيث وليها في زمان عثمان بن عفان رضي الله عنه. ومات جرير سنة إحدى وخمسين.

جرير بن عبد الله بن عنبسة

وعن محمد بن سلام قال: قال جرير بن عبد الله - وسأله رجل حاجة فقضاها فعاتبه بعض أهله فقال -: المال ودائع الله في الدنيا ونحن وكلاؤها، فمن غرثان نشبعه، ومن ظمآن نرويه. وقيل: مات جرير سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة ست وخمسين. جرير بن عبد الله بن عنبسة أظنه ابن سعيد بن العاص بن سعيد العاص بن أمية بن عبد شمس المدني، وفد على هشام بن عبد الملك. حدث جرير بن عبد الله قال: خرجت مع أبي إلى هشام بن عبد الملك فقدمنا عليه، فبعث إلى أبي بألطاف فيها شراب، وكتب إليه رقعة يصف له الشراب ومنفعته ويقول: شراب عمل لي يدعى الرساطون. قال: فلما خرجت رسله الذين حلوا الألطاف قال أبي: إنا لله، خدع والله أمير المؤمنين بها، فأمر بالقوارير فكدرت في البلاعة. جرير بن عبد المسيح بن عبد الله ابن زيد بن دوفن بن حرب بن وهب بن جلى بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد ابن عدنان الضبعي المتلمس شاعر مشهور جاهلي. قدم دمشق هارباً من عمرو بن هند. وذكر دمشق وبصرى في شعره.

والمتلمس خال طرفة بن العبد، وكان سيداً، وإنما سمي المتلمس لقوله: فهذا أوان العرض جن ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس روى أبو مسلم الخطابي في حديث سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كتب لعيينة بن حصين كتاباً. فلما أخذ كتابه قال: يا محمد، أتراني حاملا إلى قومي كتابا كصحيفة المتلمس. يقول: لا أحمل إلى قومي كتابا لاعلم لي بمضمونه. وكان من قصة المتلمس وصحيفته أنه وطرفة بن العبد كانا ينادمان عمرو بن هند ملك الحيرة فهجواه. وفي حديث: فبينما طرفة يوما يشرب معه في يده جام من ذهب فيه شراب أشرفت أخت عمرو فرأى طرفة خيالها في الإناء فقال: ألا يا بأبي الظبي الذي يبرق شنفاه ... ولولا الملك القاعد قد ألثمني فاه فسمعها عمرو فاصطنعها عليه، وأمسكها في نفسه، وقد كان هجاه فمما قاله فيه: وليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثاً حول قبتنا تخور وكان المتلمس قال في عمرو أيضاً شعراً كان يتوعده فيه، فبلغ ذلك عمراً، فهم عمرو بقتل المتلمس وطرفة، ثم أشفق من ذلك وأراد قتلهما بيد غيره، وكان على طرفة أحنق، فأراد قتله فعلم أنه إن فعل هجاه المتلمس، فكتب لهما كتابين إلى البحرين وقال لهما: إني قد كتبت لكما بصلة فخرجا من عنده والكتابان في يديهما، فمرا بشيخ جالس على ظهر الطريق متكشفاً لقضاء الحاجة، وهو مع ذلك يأكل ويتفلى. فقال أحدهما لصاحبه: هل رأيت أعجب من هذا الشيخ! فسمع الشيخ مقالته فقال: ما ترى من عجبي؟ أخرج خبيثاً وأدخل طيباً وأقتل عدواً، وإن أعجب مني لمن يحمل حتفه بيده وهو لايدري. فأوجس المتلمس في

جرير ويقال حريز بن عتبة

نفسه خيفة، وارتاب بكتابه. ولقيه غلام من أهل الحيرة فقال له: أتقرأ يا غلام؟ فقال: نعم. ففض خاتم كتابه ودفعه إلى الغلام فقرأه عليه، فإذا فيه: إذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه واصلبه حياً. وأقبل على طرفة فقال: تعلم والله لقد كتب فيك بمثل هذا، فادفع كتابك إلى الغلام يقرأه. فقال: كلا، ما كان يجسر على بمثل هذا. وألقى المتلمس كتابه في نهر الحيرة؛ ومضى طرفة بكتابه إلى صاحب البحرين، فأمر به المعلى بن حنش العبدي فقتله، وهرب المتلمس فلحق ببلاد الشام وهجا عمراً، وبلغ شعره عمراً فآلى إن وجده بالعراق ليقتلنه، فقال المتلمس من أبيات: آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس فضرب المثل بصحيفة المتلمس. قال الخليل بن أحمد: أحسن ما قاله المتلمس: وأعلم علم حق غير ظن ... لتقوى الله من خير العتاد فحفظ المال أيسر من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد قال أبو عمرو بن العلاء: كانت العرب إذا أرادت أن تنشد قصيدة المتلمس توضؤوا لها: تعيرني أمي رجال ولن ترى ... أخا كرم إلا بأن يتكرما جرير ويقال حريز بن عتبة ابن عبد الرحمن الحرستاني من أهل دمشق. قال جرير: سمعت أبي يحدث الأوزاعي وأنا جالس قال: سمعت القاسم مولى يزيد بن معاوية يحدث عن أبي أمامة رضي الله عنه قال:

جرير بن عطية بن الخطفى

كنت قاعداً مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رهط، فذكروا الشام ومن فيها من الروم. قال فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ستظهرون بالشام وتغلبون عليها وتصيبون من سيف بحرها حصناً يقال له أنفة يبعث الله منه يوم القيامة اثني عشر ألف شهيد. قال: فسمعت الأوزاعي يقول لأبي: لقد سمعت منك حديثاً جيداً ياشيخ. جرير بن عطية بن الخطفى واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة ابن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار أبو حزرة الشاعر بالحاء المهملة البصري قدم دمشق غير مرة، وامتدح يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان، وأمره في ذلك مشهور، وامتدح الوليد وسليمان ابني عبد الملك، وقدم على عمر بن عبد العزيز، وعلى يزيد بن عبد الملك. قال عثمان البتي: رأيت جريراً وما تضم شفتاه من التسبيح فقلت: ما ينفعك هذا وأنت تقذف المحصنة! فقال: سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، إن الحسنات يذهبن السيئات، وعد من الله حق. قال ابن مناذر: قلت لابن هرمة: من أشعر الناس؟ قال: من إذا لعب لعب، وإذا جد جد. قلت: مثل من؟ قال: مثل جرير حيث يقول: إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا

قال الفرزدق لامرأته نوار: أنا أشعر أم ابن المراغة؟ قالت: غلبك على حلوه، وشركك في مره. قال ابن سلمة: سألت الأسيدي - أخا بني سلمة - عن جرير والفرزدق فقال: بيوت الشعر أربعة، فخر ومديح وهجاء ونسيب، وفي كلها غلب جرير، فالفخر قوله: إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا والمدح قوله: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح والهجاء قوله: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا والنسيب قوله: إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا قال الكلبي: أتى أعرابي عبد الملك بن مروان، فمدحه فأحسن المدحة، فأعجب به عبد الملك فقال له: من أنت يا أعرابي؟ قال: رجل من عذرة. قال: أولئك أفصح الناس. هل تعرف أهجا بيت في الإسلام؟ قال: قول جرير: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا فقال عبد الملك: أحسنت فهل تعرف أمدح بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم، قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح

قال عبد الملك: أصبت وأحسنت، فهل تعرف أرق بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم، قول جرير: إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا قال: أحسنت يا أعرابي، فهل تعرف جريراً؟ قال: لا والله، وإني إلى رؤيته لمشتاق، قال: فهذا جرير، وهذا الأخطل، وهذا الفرزدق، فأنشأ الأعرابي يقول: فحيا الإله أبا حزرة ... وأرغم أنفك يا أخطل وجد الفرزدق أتعس به ... ودق خياشيمه الجندل فأنشأ الفرزدق يقول: قد أرغم الله أنفاً أنت حامله ... يا ذا الخنا ومقال الزور والخطل ما أنت بالحكم المرضى حكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل ثم أنشأ الأخطل يقول: يا شر من حملت ساق على قدم ... ما مثل قولك في الأقوام يحتمل إن الحكومة ليست في أبيك ولا ... في معشر أنت منهم إنهم سفل فقام جرير مغضباً وهو يقول: شتمتما قائلاً بالحق مهتدياً ... عند الخليفة والأقوال تنتضل أتشتمان سفاهاً خيركم حسباً ... ففيكما وإلهي الزور والخطل شتمتماه على رفعي ووضعكما ... لا زلتما في انحطاط أيها السفل قال: ثم وثب فقبل رأس الأعرابي وقال: يا أمير المؤمنين، جائزتي له. قال: وكانت

جائزة جرير خمسة عشر ألفاً كل سنة. فقال عبد الملك: وله مثلها من مالي. فقبضها وخرج. قال مروان بن أبي حفصة: جلس عبد الملك بن مروان يوماً للناس على سرير، وعند رجل السرير محمد بن يوسف أخو الحجاج بن يوسف، وجعل الوفود يدخلون عليه ومحمد بن يوسف يقول: يا أمير المؤمنين هذا فلان، هذا فلان، إلى أن دخل جرير بن الخطفى فقال: يا أمير المؤمنين هذا جرير بن الخطفى، قال فلا حيا الله القاذف المحصنات، العاضة لأعراض الناس، فقال جرير: يا أمير المؤمنين، دخلت فاشرأب الناس نحوي، ودخل قوم فلم يشرأب الناس إليهم، فقدرت أن ذلك لذكر جميل ذكرني به أمير المؤمنين. فقال عبد الملك: لما ذكرت لي قلت: لا حيا الله القاذف المحصنات، العاضة لأعراض الناس. فقال جرير: والله يا أمير المؤمنين، ما هجوت أحداً حتى أخبره غرضي سنة، فإن أمسك أمسكت، وإن أقام استعنت عليه وهجوته. فقال: هذا صديقك أبو مالك سلم عليه لهو الأخطل، فاعتنقه وقال: والله يا أمير المؤمنين، ما هجاني أحد كان هجاؤه علي أشد من أمك. قال جرير: صدقت وخنازير أمك. فقال عبد الملك: أحضروا جامعة، فأحضرت، وغمز الوليد الغلام أن تأخر بها. فقال عبد الملك للأخطل: أنشد فأنشد: تأبد الربع من سلمى بأحفار ... وأقفرت من سليمى دمنة الدار حتى ختمها. فقال له عبد الملك: قضينا لك أنك أشعر من مضى ومن بقي. واستأذنت قيس عبد الملك في أن ينشد جرير فأبى، ولم يزل مقيماً دهراً يلتمس إنشاد عبد الملك، وقيس تشفع له، وعبد الملك يأبى إلى أن أذن له يوماً فأنشد: أتصحوا أم فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح

فقال له عبد الملك: بل فؤادك يا بن اللخناء. فلما اتهى إلى قوله: تعزت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي لقاح تعلل وهي ساغبة بنيها ... بأنفاس من الشبم القراح فقال عبد الملك: لا أروى الله غلمتها. فلما انتهى إلى قوله: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح قال عبد الملك: من مدحنا فليمدحنا هكذا. فلما ختمها أمره بإعادتها، فلما أنشد: أتصحوا أم فؤادك غير صاح............. لم يقل له ما قال في المرة الأولى. فلما ختمها، أمر له بمئة ناقة بأداتها ورعاتها. فقال جرير: يا أمير المؤمنين، اجعلها من إبل كلب - وإبل كلب سود كرام - فأجابه. حدث محمد بن خطاب الأزدي أن الأخطل أنشد عبد الملك بن مروان وجرير خلفه: وإني لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها فقال: أجل، صدق والله إنه ليقوم إلى الخمر فيشربها، وإلى الخنزير فيذبحه، وإلى الصليب فيقبله ويسجد له، وما أفعل ذلك ولا مولاي. دخل جرير على بشر بن مروان والأخطل جالس عنده، فقال له بشر: أتعرف هذا يا أبا حزرة؟ قال: لا، فمن هو؟ قال الأخطل: أنا الذي شتمت عرضك، وأسهرت ليلك، وآذيت قومك، أنا الأخطل. فقال له جرير: أما قولك: شتمت عرضك، فما يضر البحر أن يشتمه من غرق فيه، وأما قولك: أسهرت ليلك، فلو تركتني

أنام لكان خيراً لك، وأما قولك: آذيت قومك، فكيف تؤذي قوماً أنت تؤدي لهم الجزية!. قال عوانة بن الحكم: لما استخلف عمر بن عبد العزيز، وفد إليه الشعراء وأقاموا ببابه أياماً لا يؤذن لهم، فبينا هم كذلك يوماً وقد أزمعوا على الرحيل، إذ مر بهم رجاء بن حيوة، وكان من خطباء أهل الشام، فلما رآه جرير داخلاً على عمر أنشد: يا أيها الرجل المرخي عمامته ... هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا قال: فدخل ولم يذكر من أمرهم شيئاً. ثم مر بهم عدي بن أرطاة، فقال له جرير: يا أيها الراكب المزجي مطيته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن أنت لاقيه ... أني لدى الباب كالمصفود في قرن لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني قال: فدخل عدي على عمر فقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة، قال: ويحك يا عدي، ما لي وللشعراء! قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد امتدح وأعطى، ولك في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسوة، فقال: كيف! قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة قطع بها لسانه. قال: أفتروي من قوله شيئاً؟ قال: نعم، فأنشده من أبيات: رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتاباً جاء بالحق معلما شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا ... عن الحق لما أصبح الحق مظلما

قال: ويحك يا عدي، من بالباب منهم؟ قال: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة. قال: أليس هو الذي يقول: ثم نبهتها فهبت كعاباً ... طفلة ما تطيق رجع الكلام ساعة ثم إنها بعد قالت ... ويلتا قد عجلت يا بن الكرام أعل غير موعد حيث تسري ... تتخطى إلى رؤوس النيام ما تجشمت ما ترين من الأمر ... ولا جئت طارقاً لخصام فلو كان عدو الله إذ فجر كتم على نفسه. لا يدخل والله علي أبداً. فمن بالباب سواه؟ قال: همام بن غالب - يعني الفرزدق - قال: أوليس هو الذي يقول: هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الرأس كاسره فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا ... أحي يرجى أم قتيل نحاذره لا يطأ والله بساطي، فمن بالباب منهم؟ قال: الأخطل. قال: هو الذي يقول: ولست بصائم رمضان طوعاً ... ولست بآكل لحم الأضاحي ولست بزاجر عنساً بكوراً ... إلى بطحاء مكة للنجاح ولست بزائر بيتاً بعيداً ... بمكة أبتغي فيه صلاحي ولست بقائم كالعير أدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح ولكني سأشربها شمولاً ... وأسجد عند منبلج الصباح والله لا يدخل علي وهو كافر أبداً. فهل بالباب سوى من ذكرت؟ قال: نعم، الأحوص. قال: أليس هو الذي يقول: الله بيني وبين سيدها ... يفر مني بها وأتبعه

عد عنه، فما هو بدون من ذكرت. فمن ها هنا؟ قلت: جميل بن معمر. قال: هو الذي يقول: ألا ليتنا نحيا جميعاً وإن نمت ... يوافق في الموتى ضريحي ضريحها فما أنا في طول الحياة براغب ... إذا قيل قد سوى عليها صفيحها فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بعد ذلك صالحاً. والله لا يدخل علي أبداً. فهل سوى من ذكرت أحد؟ قال: نعم، جرير بن عطية. قال: هو الذي يقول: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام فأن كان لا بد فهو. قال: فأذن لجرير، فدخل وهو يقول: إن الذي بعث النبي محمداً ... جعل الخلافة للإمام العادل وسع الخلائق عدله ووفاؤه ... حتى ارعوى وأقام ميل المائل إني لأرجو منك خيراً عاجلاً ... والنفس مولعة بحب العاجل فلما مثل بين يديه قال: ويحك يا جرير، اتق الله ولا تقل إلا حقاً. فأنشأ جرير يقول: أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم قد كفاني ما بلغت من خبري كم باليمامة من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر ممن يعدك تكفي فقد والده ... كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر يدعوك دعوة ملهوف كأن به ... خبلاً من الجن أو مساً من النشر خليفة الله ماذا تأمرون بنا ... لسنا إليكم ولا في دار منتظر

ما زلت بعدك في هم يؤرقني ... قد طال في الحي إصعادي ومنحدري لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا باد على حضر إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر نال الخلافة إذ كانت له قدراً ... كما أتى ربه موسى على قدر هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر الخير ما دمت حياً لا يفارقنا ... بوركت يا عمر الخيرات من عمر فقال: يا جرير: ما أرى لك فيما ها هنا حقاً، قال: بلى يا أمير المؤمنين، أنا ابن سبيل ومنقطع بي، فأعطاه من صلب ماله مئة درهم. وذكر أنه قال له: ويحك يا جرير! لقد ولينا هذا الأمر وما نملك إلا ثلاث مئة درهم، فمئة أخذها عبد الله، ومئة أخذتها أم عبد الله. يا غلام، أعطه المئة الثالثة. فأخذها وقال: والله لهي أحب ما اكتسبته إلي. قال: ثم خرج، فقال له الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسوءكم، خرجت من عند أمير المؤمنين، وهو يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض. وأنشأ يقول: رأيت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا وفي سنة إحدى عشرة ومئة توفي الفرزدق بن غالب الشاعر بالبصرة، وتوفي بعده بأربعين يوماً جرير بن الخطفى. وقيل في سنة عشر. قال الأصمعي: حدثني أبي قال: رأى رجلاً جريراً في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بتكبيرة كبرتها على ظهر المقر. قال: ما حول الفرزدق؟ قال: إيهاً، وأهلكه قذف المحصنات. قال الأصمعي: ما تركه جرير في المحيا ولا في الممات.

جرير بن غطفان بن جرير أبو القاسم

جرير بن غطفان بن جرير أبو القاسم حدث عن عفان بسنده عن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي ". وحدث عنه بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من سأل عن علم فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ". توفي جرير بن غطفان بدمشق، ليلة السبت مستهل المحرم، سنة ست وستين ومئتين. جسر بن الحسن من أهل اليمامة قدم الشام. حدث عن نافع عن ابن عمر قال: كنا نفضل على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكر وعمر وعثمان ثم لا نفضل أحداً على أحد. وحدث جسر عن الحسن البصري أن رجلاً لقي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: مرحباً بسيدنا وابن سيدنا، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " السيد الله تبارك وتعالى ". قال جسر بن الحسن: رأيت عمر بن عبد العزيز يبكي حتى نفد الدمع، ثم رأيته يبكي الدم. ضعفه قوم.

جعثل بن هاعان بن عمرو بن البثوث

جعثل بن هاعان بن عمرو بن البثوث أبو سعيد الرعيني القتاني المصري قاضي إفريقية. وفد على هشام بن عبد الملك، وتوفي في خلافته قريباً من سنة خمس عشرة ومئة. روى عن أبي تميم الجيشاني عن عقبة بن عامر، أن أخت عقبة نذرت في ابن لها أن تحج حافية بغير خمار، فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " لتخرج راكبة مختمرة، ولتطعم ". وفي حديث بمعناه: ولتصم ثلاثة أيام. في رواية أخرى، فقال: مرها فلتركب، فإن الله عن تعذيب أختك لغني. كان قاضي الجند بإفريقية لهشام بن عبد الملك، وكان عمر بن عبد العزيز أخرجه من مصر إلى المغرب ليقرئهم القرآن، وكان أحد القراء الفقهاء. جعد بن درهم أول من قال بخلق القرآن. كان يسكن دمشق، وله بها دار، وهو الذي ينسب إليه مروان بن محمد، لأنه كان معلمه. وقيل إنه كان من أهل حران، هو الذي قتله خالد بن عبد الله القسري بالكوفة يوم الأضحى، وكان أول من أظهر القول بخلق القرآن في أمة محمد، فطلبه بن أمية فهرب من دمشق وسكن الكوفة، ومنه تعلم الجهم بن صفوان بالكوفة

جعفر بن أحمد بن الحسين أبو الفضل

خلق القرآن، وهو الذي تنسب الجهمية إليه، وقتله سلم بن أحوز بأصبهان. سئل أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الغسيلي: من أين كان جهم؟ قال: من ترمذ، وكان يذهب في بدء أمره، ثم صار صاحب جيش الحارث بن سريج بمرو، فقتله سلم بن أحوز في المعركة وقبره بمرو. وسئل: ممن أخذ ابن أبي دؤاد؟ فقال: من بشر المريسي، وبشر المريسي أخذه من جهم بن صفوان، وأخذه جهم من الجعد بن درهم، وأخذه جعد بن درهم من أبان من طالوت ابن أخت لبيد وختنه، وأخذه طالوت من لبيد بن أعصم، اليهودي الذي سحر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان لبيد يقرأ القرآن، وكان يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان طالوت زنديقا وأفشى الزندقة، ثم أظهره جعد بن درهم، فقتله خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالكوفة، وكان خالد واليا عليها، أتي به في الوثاق حتى صلى وخطب، ثم قال في آخر خطبته: انصرفوا وضحوا تقبل الله منا ومنكم، فإني أريد أن أضحي اليوم بالجعد بن درهم، فإنه يقول ما كلم الله موسى تكليما، ولا اتخذ إبراهيم خليلا، تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علواً كبيراً، ثم نزل وحز رأسه بيده بالسكين. جعفر بن أحمد بن الحسين أبو الفضل المقرئ المعروف بابن كرار الضرير الثقفي مولى بني هبار. وبنو هبار موالي أبي الخليل، وبنو أبي الخليل موالي بني ثقيف. حدث عن محمد بن إسماعيل بن علية بسنده عن أنس " أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رآى نخامة في قبلة المسجد فحكها بيده، فرئي في وجهه شدة

جعفر بن أحمد بن الحسين

ذلك عليه فقال: إن أحدكم إذا صلى فإنما يناجي ربه إن ربه فيما بينه وبين القبلة، فإذا بصق أحدكم فليبصق عن يساره أو تحت قدمه، أو يفعل هكذا، ثم يبصق في ثوبه ويدلك بعضه ببعض. " وحدث أيضاً عن محمد بن عبد الرحمن بسنده عن أبي أمامة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. في قوله عز وجل: " وإبراهيم الذي وفى " قال: صلاة أربع ركعات من أول النهار. وفي قوله " إن الإنسان لربه لكنود " قال: لكفور. جعفر بن أحمد بن الحسين أبو محمد، القارئ المعروف بالسراج البغدادي حدث عن الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يهرم ابن آدم وتبقى منه اثنتان الحرص والأمل. ولد سنة ست عشرة، أو سبع عشرة وأربع مائة، وتوفي سنة خمس مائة، وقبل سنة إحدى، وقيل: سنة اثنتين وخمس مائة. وله شعر وتصانيف.

جعفر بن أحمد بن عاصم بن الرواس

جعفر بن أحمد بن عاصم بن الروّاس أبو محمد الأنصاري الدمشقي حدث عن هشام بن عمار بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " كان فيما قبلكم رجل يأتي وكر طائر إذا أفرخ، فيأخذ فرخيه، فشكا ذلك الطير إلى الله عز وجل ما يصنع ذلك الرجل، فأوحى الله إليه إن عاد فسأهلكه، فلما أفرخ خرج ذلك الرجل كما كان يخرج، وأسند سلما، فلما كان في طرف القرية لقيه سائل فأعطاه رغيفا من زاده، ومضى حتى أتى ذلك الوكر فوضع سلمه، ثم صعد فأخذ الفرخين وأبواهما ينظران، فقالا: ألا يا رب، إنك وعدتنا أن تهلكه إن عاد، وقد عاد فأخذهما ولم تهلكه، فأوحى الله إليهما: أولم تعلما أني لا أهلك أحداً تصدق في يوم بصدقة ذلك اليوم بميتة سوء؟ ". توفي جعفر بن أحمد بن عاصم سنة سبع وثلاث مئة. جعفر بن أحمد بن أبي عبد الرحمن أبو محمد الشاماتي النيسابوري من أهل ربع الشامات من أرباع رستاق نيسابور. رحل وسمع بدمشق وبغيرها. حدث عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بدمشق بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً أتى بابنته إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: هذه ابنتي تأبى أن تزوج، فقال لها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أطيعي أباك. فقالت: لا، حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته، تعني؛ فقال: لو كانت به قرحة فلحستها ما أدت حقه. قالت: والذي بعثك بالحق ما أتزوج أبدا. فقال: لا تنكحوهن إلا بإذنهن. " قال جعفر بن أحمد الشاماتي: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن كتب الحديث

جعفر بن أحمد بن علي بن بنان

قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه. توفي جعفر بن أحمد الشاماتي في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين ومائتين. جعفر بن أحمد بن علي بن بنان ابن زيد بن شبابة أبو الفضل الغافقي المصري قدم دمشق. حدث عن يحيى بن عبد الله بن بكر المخزومي بسنده عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله. وحدث عن سعيد بن عفير بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة. " قال أبو أحمد بن عدي: وهذا الحديث مع أحاديث أخر بهذا الإسناد، مقدار عشرين حديثا " حدثنا بها جعفر كلها غير محفوظة، وكنا نتهمه بوضعها. وكان جعفر رافضيا كذابا خبيثا، وكان قليل الحياء في دعاويه على قوم لعلة لم تلحقه، وكان يضع الحديث على أهل البيت، وكان يعرف بابن الماسح.

جعفر بن أحمد ويقال ابن محمد

جعفر بن أحمد ويقال ابن محمد أبو محمد ويقال أبو الفضل المروروذي. حدث عن عبد العزيز بن بندار الشيرازي قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن الخضر القارىء رحمه الله يقول: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النوم، فعلمني هذا الدعاء، وأمرني أن أعلم الناس، وهو هذا: إلهي بثبوت الربوبية، وبعظمة الصمدانية، وبسطوات الإلهية، وبعزة الفردانية إلا غفرت لي ياأرحم الراحمين. أنشد جعفر بن محمد المروروذي قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن ابراهيم قال: أنشدنا أبو بكر بن مالك القطيعي لبعضهم: ما أكثر الناس لابل ما أقلهم ... الله يعلم أني لم أقل فندا إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا جعفر بن إياس أبو بشر ابن أبي وحشية اليشكري الواسطي حدث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رجلاً أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو محرم على بعير فوقصه بعرفات. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اغسلوه بماء، وسدر، وكفنوه في ثوبيه خارجا رأسه، ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. وحدث عنه أيضا له قال: مر ابن عمر بفتيان قد نصبوا طائراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحبه كل خاطئة من

جعفر بن برقان أبو عبد الله الكلابي مولاهم الرقي

نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟! لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا. وحدث عنه أيضا عن ابن عباس قال: أتى رجل الني صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إن أختي نذرت أن تحج، وأنها ماتت يعني ولم تحج. قال: أرأيت لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فالله أحق بالوفاء. قال أبو بشر: سمعت يزيد بن أبي كبشة يخطب بالشام، قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحدث عبد الملك بن مروان أنه قال في الخمر: إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الخمر: إن شربها فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد الرابعة فاقتلوه. توفي جعفر بن إياس سنة خمس وعشرين ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث، وقيل: سنة ثلاث وعشرين، وقيل: أربع وعشرين، وقيل خمس عشرة ومائة، وقيل: كان ساجدا خلف المقام حين مات. جعفر بن برقان أبو عبد الله الكلابي مولاهم الرقي حدث عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: تظهر الفتن ويكثر الهرج. قلنا: وما الهرج؟ قال: القتل القتل، ويقبض العلم. فسمعها عمر بن الخطاب من أبي هريرة يأثرها عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقال: إن قبض العلم ليس بشيء ينتزع من صدور الرجال، ولكنه فناء العلماء. وحدث بسنده عنه أيضا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لقد هممت أن آمر بالصلاة، ثم آمر فتيتي فيجمعوا حزم الحطب، ثم أحرق على أقوام لا يشهدون الصلاة. وحدث عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن لبستين: الصماء وهو أن يلتحف الرجل في الثوب الواحد، ثم

جعفر بن الحسن بن العباس بن الحسن

يرفع جانبه عن منكبه، ليس عليه ثوب غيره، ويحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس بينه وبين السماء، يعني: سترا. ونهانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نكاحين: أن تتزوج المرأة على عمتها أو على خالتها. ونهانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مطعمين: الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، أو يأكل الرجل وهو مسطح على بطنه. ونهانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بيعتين: عن المنابذة وعن الملامسة وهي بيوع كانوا يتبايعون بها في الجاهلية. قال كثير: سألت جعفراً: ما المنابذة والملامسة؟ قال: المنابذة إذا نبذت إليك هو لك بكذا وكذا، والملامسة أن يغطي الرجل الشيء ثم يلمسه المشتري بيده وهو مغطى لا يراه. وحدث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، فجاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبدرتني إليه حفصة وكانت بنت أبيها فقالت: يا رسول الله، كنا صائمتين اليوم، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه. فقال: اقضيا يوما آخر. كان جعفر ثقة صدوقا، له رواية وفقه وفتوى، وكان ينزل الرقة، ومات بها سنة أربع وخمسين ومائة، في خلافة أبي جعفر. وكان أميا لا يكتب، فليس هو مستقيم الحديث. وكان ضعيفا في روايته عن الزهري. جعفر بن الحسن بن العباس بن الحسن ابن الحسين وهو أبو الحسن بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي أبو القاسم بن محمد الحسيني المعروف بولي الدولة. حدث عن سهل بن بشر بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.

جعفر بن الحسين أبو الفضل الصيداوي

ولد أبو القاسم في ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وأربع مائة، وتوفي في ربيع الأول سنة خمس وعشرين وخمس مائة. جعفر بن الحسين أبو الفضل الصيداوي يعرف بابن الخراساني حدث عن أبي الحسن علي بن الحسن بن عمر الثمانيني القرشي، بسنده عن ابن عباس ن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من قبل بين عيني أمه كان له سترا من النار. توفي في شوال سنة ثمان وستين وأربع مئة. جعفر بن حميد بن عبد الكريم ابن فروخ بن ديزح بن بلال بن سعد الأنصاري الدمشقي حدث عن جده لأمه عمر بن أبان بن مفضل المدني قال: أراني أنس بن مالك أخذ ركوة فوضعها عن يساره، وصب على يده اليمنى فغسلها ثلاثاً، ثم أراد الركوة على يده اليمنى، فتهيأ فتوضأ ثلاثاً، ومسح برأسه ثلاثاً، وأخذ ماءً جديدا لسماخيه فمسح سماخه، فقلت له: قد مسحت أذنيك، فقال: ياغلام، إنهما من الرأس ليس هما من الوجه. ثم قال: يا غلام، هل رأيت وفهمت أم أعيد عليك؟ فقلت: قد كفاني، وقد فهمت. فقال: هكذا رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ.

جعفر بن الزبير الحنفي

جعفر بن الزبير الحنفي ويقال الباهلي دمشقي سكن البصرة. حدث عن القاسم عن أبي أمامة قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا جلس مجلساً فأراد أن يقوم، استغفر عشراً إلى خمس عشرة، وحدث عنه أيضاً أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من أسلم على يدي رجل فله ولاؤه. وحدث عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله خلق الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين، وعرشه على الماء، فأهل الجنة أهلها، وأهل النار أهلها. وحدث عنه أيضاً قال: أعتق رجل في وصيته ستة أرؤس لم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتغيظ عليه، ثم أسهم عليهم فأخرج ثلثهم. قال يزيد بن هارون: كان جعفر بن الزبير وعمران بن جرير في مسجد واحد مصلاهما، وكان الزحام على جعفر بن الزبير، وليس عند عمران أحد، وكان شعبة يمر بهما فيقول: يا عجبا للناس! اجتمعوا على أكذب الناس، يعني جعفراً، وتركوا أصدق الناس، يعني: عمران. قال يزيد: فما أتى علينا إلا القليل حتى رأيت ذلك الزحام على عمران، وتركوا جعفراً وليس عنده أحد. قال غندر: رأيت شعبة راكبا على حمار، فقيل له: أين تريد يا أبا بسطام؟ قال: أذهب فأستعدي على هذا، يعني: جعفر بن الزبير، وضع على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربع مائة حديث كذب، خذوا به، فإنه يكذب على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

جعفر بن سعيد بن جعفر البعلبكي

حدث معاذ بن معاذ قال: حدثني قرة بن خالد قال: عندنا امرأة في الحي عرج بروحها، فمكثت سبعاً لا ترجع، إلا أنهم يجدون عرقا ضارباً من وريدها. قال: ثم رجعت. قال: وقد كان جعفر بن الزبير مات في تلك الأيام. قالت: رأيته في سماء الدنيا وأهل الأرض والملائكة يتباشرون به أعرفه في أكفانه، وهم يقولون: قد جاء المحسن. قال لي قرة: اذهب فاسمعه منها. قلت: وما أصنع إن أسمعه منها وقد حدثتنيه!. قال: وكان جعفر صاحب عهر وهو شاب، فلما أسن وكبر اجتهد في العبادة. جعفر بن سعيد بن جعفر البعلبكي حدث عن أبي عمرو بن أبي غرزة بسنده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أكل الطين حوسب على مانقص من لونه، ونقص من جسمه. جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس بن عبد المطلب الهاشمي ولد بالشراة من أرض البلقاء، وولي إمرة المدينة في خلافة المنصور، ثم عزله بالحسن بن زيد بن الحسن بن علي، ثم ولي مكة والمدينة واليمامة والطائف، ثم ولي البصرة للرشيد. قال الأصمعي: ما رأيت أكرم أخلاقاً، ولا أشرف أفعالاً من جعفر بن سليمان. حدث عن أبيه، عن أبي قلابة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أخذ بركاب رجل لا يرجوه ولا يخافه غفر له ".

وحدث عن أبيه بسنده عن أبيه عن جده عن أبيه علي بن عبد الله بن العباس قال: سمعت أبي يقول: سألت علي بن أبي طالب: لم لم يكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة أنزلت بالسيف ليس فيها أمان. حدث احمد بن القاسم أن جعفر بن سليمان الهاشمي قال: حدثني أبي قال: عطست بين يدي جدك جعفر بن سليمان. قال فشمتني، فقلت: يغفر الله لك. فقال لي: يا بني لا تفعل، أخبرني أبي علي بن عبد الله بن عباس أنه عطس بين يدي أبيه عبد الله بن عباس فشمته، فقال له: لا تفعل، فإن ابن عباس قال: عطست بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت يغفر الله لك، فقال: لا تفعل. فقلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قل يهديكم الله ويصلح بالكم. قال الزيادة: كان الخليل بن أحمد صديقاً لجعفر بن سليمان الهاشمي، فجاء يوما ايدخل إليه فوجد على بابه الشعراء قد أنشدوه، وقبل أشعارهم وما جهز جوائزهم، فشكوا ذلك غليه وسألوه تذكاره، فدخل إليه وأنشده: لا تقبل، الشعر ثم تعقه ... فتنام والشعراء غير نيام واعلم بأنهم إذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكام وجناية الجاني عليهم تنقضي ... وعقابهم يبقى على الأيام وقد رويت هذه الأبيات لابن الرومي. قال أبو خليفة: كان جعفر بن سليمان الهاشمي له بالبصرة كل يوم غلة ثمانين ألف درهم، فبعث إلى علماء أهل البصرة يستشيرهم في امرأة يتزوجها، فأجمعوا على رابعة العدوية فكتب إليها: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الذي هو ملكي من غلة الدنيا في كل يوم ثمانون ألف درهم، وليس يمضي إلا القليل حتى أتمها مائة ألف إن سألته. وأنا أخطبك نفسك، وقد بذلت لك من الصداق مائة ألف. وأنا مصير إليك من بعده أمثالها فأجيبي. فكتبت إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب

جعفر بن أبي طالب عبد مناف

والبدن، والرغبة فيها يورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيئ زادك، وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك، ولا تجعل وصيك غيرك، وصم دهرك، واجعل الموت فطورك، فما يسرني أن الله عز وجل خولني أضعاف ما خولك، فيشغلني بك عنه طرفة عين والسلام. قال الأصمعي: سمعت جعفر بن سليمان يقول: ماساد منا إلا سخي على الطعام. قال: كنت أتغذى مع جعفر على مائدته فجاء الطباخ بصحفة ليضعها واستعجل الطباخ، فزلقت الصحفة من يده في حجر جعفر بن سليمان وعليه جبة خز نفيسة، قال: فكان بعض من كان على المائدة أغرى بالطباخ فقال جعفر: ما أراد البائس إلا خيرا إنما أراد أن يتقرب إلى قلوبنا، خذ يا غلام الجبة، ودفعها إليه. كان جعفر بن سليمان حيا إلى سنة أربع وسبعين ومئة. جعفر بن أبي طالب عبد مناف ابن عبد المطلب بن هاشم الطيار ابن عم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسلم وهاجر الهجرتين، واستعمله نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على غزوة مؤتة بعد زيد بن حارثة، واستشهد بها. ومؤتة بأرض البلقاء. قالت أم سلمة: لما ضاقت على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة، وأوذي أصحابه، وقنتوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحداً عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه، فخرجنا إليها أرسالاً حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا، ولم نخش ظلماً. فلما رأت قريش أنا قد أصبنا داراً وأمناً، اجتمعوا

على أن يبعثوا إليه فينا ليخرجونا من بلاده، وليردنا عليهم. فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فجمعوا له هدايا ولبطارقته، فلم يدعوا منهم رجلاً إلا بعثوا له هدية إلى حدة، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا فيهم، ثم ادفعوا إليه هدايا، وإن استطعتما أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا. فقدما عليما، فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته، فكلموه، فقالوا له: إنا قدمنا على هذا الملك في سفهاء من سفهائنا، فارقوا أقوامهم في دينهم، ولم يدخلوا في دينكم فبعثنا قومهم ليرهم الملك عليهم، فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل، فقالوا: نفعل. ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، فكان من أحب ما يهدى إليه من مكة الأدم. فلما أدخلوا عليه هداياه فقالوا له: أيها الملك إن فتية منا سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه، وقد لجؤوا إلى بلادك فبعثنا إليك فيهم عشائرهم، آباؤهم وأعمامهم وقومهم لترهم عليهم، فهم أعلى بهم عينا. فقالت بطارقته: صدقوا أيها الملك، ولو رددتهم عليهم كانوا هم أعلى بهم، فإنهم لم يدخلوا في دينك فيمنعهم أملك. فغضب، ثم قال: لا لعمر الله، لا أردهم عليهم حتى أدعوهم وأكلمهم وأنظر ما أمرهم، قوم لجؤوا إلى بلادي، واختاروا جواري على جوار غيري، فإن كانوا كما تقولون رددتهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم، ولم أدخل بينهم وبينهم، ولم أنعمهم عينا. فأرسل إليهم النجاشي فجمعهم، ولم يكن شيء أبغض إلى عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم، فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القم فقال: ماذا تقولون؟ فقالوا: وماذا نقول! نقول والله ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا، وما جاء به نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كائن من ذلك ما كان. فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب، فقال له النجاشي: ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية فما هذا الدين؟ فقال جعفر: أيها الملك كنا قوما على الشرك نعبد الأوثان نأكل الميتة، ونسيء الجوار، ونستحلّ المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، لانحلّ شيئاً ولا نحرّمه، فبعث الله إلينا نبياً من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونصل الرحم، ونحسن الجوار، ونصلّي لله تعالى، ونصوم له،

ولا نعبد غيره. قال: فقال: هل معك شيء مما جاء به؟ وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله، فقال له جعفر: نعم. فقال: هلمّ فاتل عليّ ما جاء به. فقرأ عليه صدراً من " كهيعص " فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم. ثم قال: إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها المشكاة التي جاء بها موسى؛ انطلقوا راشدين، لا والله لا أردهم عليهم، ولا أنعمكم عينا. فخرجنا من عنده، وكان أتقى الرجلين فينا عبد الله بن أبي ربيعة. فقال عمرو بن العاص: والله لأثنينه غداً بما أستأصل به خضراءهم، فلأخبرنه أنهم يزعمون أن إلهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل، فإنهم وإن كانوا خلفونا فإن لهم رحماً ولهم حقاً، فقال: والله لأفعلن. فلما كان الغد دخل عليه فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسلهم عنه، فبعث إليهم ولم ينزل بنا مثلها. فقال بعضنا لبعض8: ماذا تقولون له في عيسى إن هو سألكم عنه؟ فقال: نقول والله الذي قاله الله تعالى، والذي أمرنا به نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نقول فيه؛ فدخلوا عليه وعنده بطارقته، فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر: نقول: هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فدلى النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عوداً بين أصبعيه فقال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العويد، فتناخرت بطارقته، فقال: وإن تناخرتم والله، اذهبوا، فأنتم شيوم في أرضي - والشيوم الآمنون - من سبّكم غرم، ثم من سبّكم غرم، ثم من سبّكم غرم، فأنا ما أحب أن لي دبرا وأني آذيت رجلاً منكم - والدبر بلسانهم الذهب - فوالله ما أخذ الله تعالى مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه، ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، واخرجا من بلادي. فرجعا مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به. فأقمنا مع خير جار، وفي خير دار. هـ، فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر: نقول: هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فدلى النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ عوداً بين أصبعيه فقال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العويد، فتناخرت بطارقته، فقال: وإن تناخرتم والله، اذهبوا، فأنتم شيوم في أرضي - والشيوم الآمنون - من سبّكم غرم، ثم من سبّكم غرم، ثم من سبّكم غرم، فأنا ما أحب أن لي دبرا وأني آذيت رجلاً منكم - والدبر بلسانهم الذهب - فوالله ما أخذ الله تعالى مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه، ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، واخرجا من بلادي. فرجعا مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به. فأقمنا مع خير جار، وفي خير دار. فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فوالله ما علمنا حزناً حزنّا قط كان أشد منه فرقاً من أن يظهر ذلك الملك عليه، فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه، فجعلنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي، فخرج إليه سائراً فقال أصحاب

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعضهم لبعض: من رجل يخرج فيحضر الوقعة حتى ننظر على من تكون؟ فقال الزبير وكان من أحدثهم سناً: أنا، فنفخوا له قربة، فجعلها في صدره، ثم خرج يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس، فحضر الوقعة، فهزم الله ذلك الملك وقتله، وظهر النجاشي عليه. فجاءنا الزبير فجعل يليح إلينا بردائه ويقول: ألا أبشروا، فقد أظهر الله تعالى النجاشي، فوالله ما علمنا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي، ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا راجعاً إلى مكة، وأقام من أقام. ومعنى قوله: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، ولا أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه، حدثت عائشة: أن أباه كان ملك قومه، وكان له أخ من صلبه له اثنا عشر رجلاً، ولم يكن لأبي النجاشي ولد غير النجاشي، فأدارت الحبشة رأيها بينها فقالوا: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإن له اثني عشر رجلاً من صلبه، فتوارثوا الملك لبقيت الحبشة دهراً طويلاً لايكون بينهم اختلاف، فعدوا عليه فقتلوه وملّكوا أخاه، فدخل النجاشي لعمه حتى غلب عليه فلا يدبر أمره غيره، وكان لبيباً. فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا: قد غلب هذا الغلام على أمر عمه، فما يأمن أن يملكه علينا، وعرف أنا قد قتلنا أباه، فإن فعل لم يدع منا شريفاً إلا قتله، فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا، فمشوا إلى عمه فقالوا: قد رابنا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفت أنا قد قتلنا أباه وجعلناك مكانه، فلا نأمن إن تملك علينا فيقتلنا فإما أن تقتله، وإما أن تخرجه من بلادنا. قال: فقال: ويحكم، قتلتم أباه بالأمس، وأقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم، فخرجوا به فوقفوه بالسوق، وباعوه من تاجر من التجار، فقذفه في سفينة بست مائة درهم أو بسبع مائة درهم فانطلق به، فلما كان العشيّ هاجت سحابة من سحاب الخريف، فخرج عمه يتمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقين ليس في واحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم: تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره الذي يعتم الغداة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه قبل أن يذهب، فخرجوا في طلبه حتى أدركوه فردوه، فعقدوا عليه تاجه وأجلسوه على سريره وملكوه، فقال التاجر:

ردوا عليّ مالي كما أخذتم مني غلامي؛ فقالوا: لانعطيك. فقال: إذاً والله أكلمه فقالوا: وإن. فمشى إليه فكلمه فقال: أيها الملك إني ابتعت غلاماً فقبض مني الذي باعونيه ثمنه، ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا علي مالي، فكان أول ما خبر من صلابة حكمه وعدله أن قال: لتردّن عليه ماله، فأعطوه إباه. فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة فيه حين ردّ علي ملكي، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه. وجعفر وعلي وعقيل بنو أب طالب، وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وكنيته أبو عبد الله، وهو ذو الجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء صاحب الهجرتين، اسلم بعد أحد وثلاثين إنساناً، يقال له: جعفر الطيار، قتل يوم مؤتة شهيداً. وروي عن الحسن بن زيد: أن علياً عليه السلام أول ذكر أسلم، ثم أسلم زيد بن حارثة رضي الله عنه حبّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان أبو بكر رضي الله عنه الرابع في الإسلام أو الخامس. وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: بينما أنا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حير لأبي طالب أصلي أشرف علينا أبو طالب فنظر إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا عم ألا تنزل فتصلي معنا؟ فقال؟ يا بن أخي، إني لأعلم أنك على الحق، ولكن اكره أن أسجد فيعلو استي، ولكن انزل يا جعفر فصل جناح ابن عمك. قال: فنزل فصلى عن يساري. فلما قضى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاته التفت إلى جعفر فقال: أما إن الله تعالى قد وصلك بجناحين تطير بهما في الجنة، كما وصلت جناح ابن عمك. حدث صلصال بن الدّلهمس قال: كان أبي يعني الدلهمس لأبي طالب ولده، فكان الذي بينهما في الجاهلية عظيم، قكان أبي يبعثني إلى مكة لأنصر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أبي طالب قبل إسلامي، فكنت

أقيم بمكة الليالي عند أبي طالب لحراسة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قومه، فإني يوم من الأيام جالس بالقرب من منزل أبي طالب في الظهيرة وشدة الحر، إذ خرج أبو طالب شبيها بالملهوف فقال لي: يا أبا العصيفر، هل رأيت هذين الغلامين فقد ارتبت بإبطائهما عليّ، فقلت: ما أحسست لهما خبرا منذ جلست، فقال: انهض بنا فنهضت وإذا جعفر بن أبي طالب يتلو أبا طالب، قال: فاقتصصنا الأثر حتى خرج بنا من أبيات مكة، قال: ثم علونا جبلاً من جبالها فأشرفنا منه على أكمة دون ذلك التل، فرأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليا قائما عن يمينه، ورأيتهما يركعان ويسجدان قبل أن أعرف الركوع والسجود، ثم انتصبا قائمين فقال أبو طالب لجعفر: أي بني، صل جناح ابن عمك، قال: فمضى جعفر مسرعاً حتى وقف بجنب علي. فلما أحس به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخرهما وتقدم، وأقمنا موضعنا حتى انقضى ما كانوا فيه من صلاتهم، ثم التفت إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرآنا بالموضع الذي كنا فيه، فنهض ونهضنا معه مقبلين، فرأينا السرور يتردد في وجه أبي طالب ثم انبعث يقول: إن عليا وجعفرا ثقتي ... عند مهم الأمور والكرب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما ... وابن أمي من بينهم وأبي والله لا أخذل النبي ولا ... يخذله من بني ذو حسب قال: فلما آمنت به ودخلت في الإسلام، سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تيك الصلاة فقال: نعم، يا صلصال هي أول جماعة كانت في الإسلام. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجعفر بن أبي طالب: " إن الله تعالى أوحى إلي أنه شكرك على أربع خصال، كنت عليهن مقيما قبل أن يبعثني الله، فماهن؟ " قال له جعفر: بأبي أنت وأمي، لولا أن الله أنبأك بهن ما أنبأتك عن نفسي كراهية التزكية، إني كرهت عبادة الأوثان لأني رأيتها لا تضر ولا تنفع، وكرهت الزناء لأني رأيتها ... أن ... إلي، وكرهت شرب الخمر لأني رأيتها منقصة للعقل، وكنت إلى أن أزيد في عقلي أحب إلي من أن أنقصه، وكرهت الكذب لأني رأيته دناءة.

وعن محمد بن علي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خلق الناس من أشجار شتى، وخلقت أنا وجعفر من طينة واحدة ". وعنه قال: ضرب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجعفر يوم بدر بسهمه وأجره. وعن علي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إن لكل نبي سبعة نقباء نجباء يعني: وإني أعطيت أربعة عشر، فعدني، وابني، وحمزة، وجعفراً، وأبا بكر وعمر، وابن مسعود، وحذيفة، والمقداد، وسلمان، وعماراً، وبلالاً، وأبا ذر ". وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نحن بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحمزة سيد الشهداء، وجعفر ذو الجناحين، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين ". وفي رواية أخرى: " نحن سبعة بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة، أنا، وعلي أخي، وعمي حمزة، وجعفر، والحسن والحسين، والمهدي ". وعن علي رضي الله عنه قال: قدم جعفر من أرض الحبشة في يوم فتح خيبر، فقبل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين عينيه وقال: " ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً، أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر ". قال علي بن يونس المديني: كنت جالساً في مسجد مالك بن أنس، حتى إذا استأذن عليه سفيان بن عينية قال مالك: رجل صالح وصاحب سنة، أدخلوه. فلما دخل، سلم ثم قال: السلام خاص وعام، السلام عليك أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته. فقال له مالك: وعليك السلام أبا محمد ورحمة الله وبركاته، وقام إليه وصافحه وقال: لولا أنه بدعة لعانقتك. قال سفيان: قد عانق من هو خير مني من هو خير مني ومنك. فقال له مالك: النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعفراً؟ قال له سفيان: نعم، فقال مالك ذاك حديث خاص ليس بعام. فقال له:

ما عم جعفراً يعمنا، وما خصه يخصنا، إذا كنا صالحين، ثم قال له سفيان: يا أبا عبد الله أتأذن لي أن أحدث في مجلسك؟ فقال له مالك: نعم، فقال: سفيان: اكتبوا: حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أن جعفر بن أبي طالب لما قدم من أرض الحبشة، تلقاه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واعتنقه، وقبل ما بين عينيه وقال: " مرحباً بأشبههم بي خلقاً وخلقاً ". وعن جابر رضي الله عنه قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، تلقاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما نظر جعفر إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجل - مشى على رجل واحدة - إعظاماً منه لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقبل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين عينيه وقال: " يا حبيبي، أنت أشبه الناس بخلقي وخلقي، وخلقت من الطينة التي خلقت منها ". حدثني ببعض عجائب أرض الحبشة قال: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، بينا أنا سائر في بعض طرقاتها إذا بعجوز على رأسها مكتل، فأقبل شاب يركض على فرس له فرجمها فألقاها لوجهها وألقى المكتل عن رأسها، فاسترجعت قائمة، وأتبعته النظر وهي تقول: الويل لك غداً إذا جلس الملك على كرسيه فاقتص للمظلوم من الظالم. قال جابر، فنظرت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإن دموعه على لحيته مثل الجمان، ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا قدس الله أمة لا تأخذ للمظلوم حقه من الظالم غير متعتع ". وكان قدوم جعفر من الحبشة سنة سبع. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما صدرنا من مكة إذا ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها فأخذها، فقال لفاطمة: دونك ابنة عمك فحملتها، فاختصم فيها علي وجعفر وزيد، قال علي: أنا آخذ بها وهي ابنة عمي، قال جعفر: ابنة عمي وخالتها عندي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخالتها وقال: " الخالة بمنزلة الأم. وقال لعلي: أنت مني وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي. وقال: يا زيد، أنت أخونا ومولنا ". قال علي: يا رسول الله، ألا تزوج ابنة حمزة قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنها ابنة أخي من الرضاعة ".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أسمح أمتي جعفر. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما احتذى البغال، ولا انتعل، ولا ركب المطايا، ولا ركب الكور بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل من جعفر. وزاد في رواية أخرى يعني في الجود والكرم. وأنشد أبو هريرة لحسان بن ثابت من أبيات: رأيت خيار المؤمنين توادوا ... شعوب وقد خلفت فيمن يؤخر فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... جميعاً ونيران الحروب تسعر غداة غدا بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النقيبة أزهر وكنا نرى في جعفر من محمد ... وقاراً وأمراً حازماً حين يأمر وما زال للإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا تزال ومفخر بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر بهم تفرج اللأواء في كل مأزق ... عماس إذا ما ضاق بالأمر مصدر وهم أولياء الله نزل حكمه ... عليهم وفيهم والكتاب المطهر وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا ندعو جعفر بن أبي طالب أبا المساكين، وكنا إذا أتيناه قرب إلينا ما حضر فأتيناه يوماً فلم نجد عنده شيئاً، فأخرج إلينا جرة من عسل فكسرها فجعلنا نلعق منها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إني كنت لأسأل الرجل من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الآيات، لأنا أعلم بها منه لا أسأله إلا ليطعمني شيئاً، قال: فكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب، لم يجبني حتى

يذهب معي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعمينا، فإذا طعمنا أجابني. وكان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه. وفي رواية: وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكنيه أبا المساكين. حدث أبو قتادة فارس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جيش الأمراء وقال: " عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري، فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله وأمي فإني ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيداً، قال: امضوا فإنك لا تدري أي ذلك خير ". قال: فانطلق الجيش فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صعد المنبر وأمر أن ينادي بالصلاة جامعة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ناب خيراً أم باب خير ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي، إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو، فأصيب زيد شهيداً فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على الناس حتى قتل شهيداً، أشهد له بالشهادة فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل شهيداً فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه، فرفع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصبعيه وقال: " اللهم هو سيف من سيوفك فانصره "، وقيل: فانتصر بهفيومئذ سمي خالد سيف الله. ثم قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " انفروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد "، فنفر الناس في حر شديد مشاة وركباناً. قال عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه: وجد في بدن جعفر أكثر من ستين جرحاً. قال أحد بني مرة بن عوف رضي الله عنه: لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة حين اقتحم عن فرس له شقراء

فعقرها، ثم تقدم فقاتل حتى قتل. قال ابن إسحاق: فهو أول من عقر في الإسلام وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها ... علي إن لاقيتها ضرابها فلما قتل أخذ الراية عبد الله ين رواحة. وعن سعيد بن المسيب قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مثلوا لي في الجنة في خيمة من درة، كل واحد منهم على سريره، فرأيت زيداً وابن رواحة في أعناقهما صدوداً، وأما جعفر فهو مستقيم ليس فيه صدود، قال: فسألت، أو قال: قيل لي: إنهما حين غشيهما الموت، كأنهما أعرضا، أو كأنهما صدا بوجوههما. وأما جعفر فإنه لم يفعل ". قال ابن عيينة: فذلك حين يقول ابن رواحة: أقسمت يا نفس لتنزلنه ... بطاعة منك لتكرهنه فطالما قد كنت مطمئنه ... جعفر ما أطيب ريح الجنه ولما أخذ جعفر بن أبي طالب الراية، جاءه الشيطان فمناه الحياة والدنيا، وكره إليه الموت فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا، ثم مضى قدماً حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعا له، ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " استغفروا لأخيكم جعفر فاستشهد وقد دخل الجنة، وهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث شاء من الجنة ". قال ابن عمر: كان فيما أقبل من جعفر تسعين، من ضربة بسيف وطعنة برمح. قال عمرو بن ثابت: سمعت أبي قال: سأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن جعفر بن أبي طالب عليه السلام، فقال رجل: أنا والله أنظر إليه حين طعنه رجل، فمشى إليه في الرمح فضربه فماتا جميعاً، فدمعت عين رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الحكم بن عيينة: لما أصيب جعفر بن أبي طالب عليه السلام جاء رجل فنعاه لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاشتد ذلك عليه

فأقيمت الصلاة، فلما قضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاته قال: " أين هو؟ فجاءه فقال: كيف صنع جعفر؟ فقال: قاتل يا رسول الله على فرسه، حتى إذا اشتد القتال نزل فقاتل حتى قتل. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لقد رأيته، أو قال: لقد أريته ملكا ذا جناحين، مضرجاً بالدماء مصبوغ القوادم ". ثم أرسل إلى امرأة جعفر أسماء ابنة عميس، وكان لها منه ثلاثة، بنون، فقال: " انظري بني أخي فاستوصي بهم خيراً، واكتحلي ولا تسلتي، ولا تبكيه بعد اليوم " قالت أسماء بنت عميس: لما أصبي جعفر وأصحابه أتاني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولقد هيأت أربعين مناً من أدم وعجنت عجيني، وأخذت بني فغسلت وجوههم ودهنتهم، فدخل علي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " يا أسماء، أين بنو جعفر؟ فجئت بهم إليه، فضمهم إليه وشمهم، ثم ذرفت عيناه فبكى، فقلت: أي رسول الله لعله بلغك عن جعفر شيء فقال: نعم، قتل اليوم ". قالت: فقمت أصيح، واجتمع إلي النساء، قالت: فجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يا أسماء، لا تقولي هجراً، ولا تضربي صدراً ". قالت: فخرج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى دخل على ابنته فاطمة، وهي تقول: واعماه، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " على مثل جعفر فلتبك الباكية "، ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم ". وعن الحسين بن عبد الله بن عبيد الله ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال بعد قتل جعفر: " لقد مر بي الليلة جعفر يقتفي نفراً من الملائكة، له جناحان متخضبة قوادمهما بالدم، يريدون بيشة "، بلداً باليمن. وعن ابن عباس قال: بينما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالس وأسماء بنت عميس قريباً منه، إذ رد السلام. قال: " يا أسماء، هذا جعفر - يعني ابن أبي طالب - مع جبريل وميكائيل والملائكة عليهم السلام، مروا فسلموا علينا، فردوا عليهم السلام، وأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا "، قبل ممره

على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثلاث أو أربع فقال: لقيت المشركين فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثة وسبعين من طعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى فقطعت، ثم أخذته بيدي اليسرى فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل، أنزل من الجنة حيث شئت، وآكل من ثمارها ما شئت. قالت أسماء: هنيئاً لجعفر ما رزقه الله من الخير، لكني أخاف أن لا يصدق الناس، فاصعد المنبر فأخبر به الناس. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أيها الناس، إن جعفر بن أبي طالب مر مع جبريل وميكائيل وله جناحان، عوضه الله من يديه فسلم علي ". ثم أخبرهم كيف كان أمره حيث لقي المشركين. فاستبان الناس من بعد ذلك اليوم الذي أخبر به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن جعفراً لقيهم، فلذلك سمي الطيار في الجنة. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دخلت الجنة البارحة فنظرت، فإذا جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة متكىءعلى سرير. وذكر ناساً من أصحابه. وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: عرفت جعفراً في رفقة من الملائكة يبشرون أهل بيشة بالمطر. وبيشة قرية باليمن. وعن عامر الشعبي قال: أصيب جعفر بن أبي طالب بالبلقاء يوم مؤتة، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم اخلف جعفراً في أهله، كأفضل ما خلفت عبدا من عبادك الصالحين. قال الواقدي وغيره: خرج جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة سنة خمس من مبعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقدم سنة سبع من الهجرة، وقتل سنة ثمان من الهجرة بمؤتة هو وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة. وعمر جعفراً ثلاثاً وثلاثين سنة، وقيل: قتل وهو ابن خمس وعشرين سنة.

جعفر بن عبد الجبار

جعفر بن عبد الجبار ويقال ابن عبد الرزاق بن محمد بن جبير بن عبد الرحمن أبو محمد القراطيسي حدث عن يحيى بن أيوب بسنده عن هريرة، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من سأله جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه. مات أبو محمد جعفر سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة. جعفر بن عبد الرزاق بن عبد الوهاب ابن عبد الرزاق أبو الحسين المهندس من موالي يحيى بن الحكم بن أبي العاص أخي مروان بن الحكم. روى عن محمد بن أحمد بن عمارة بسنده عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي ". توفي أبو الحسن جعفر في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وثلاث مئة. جعفر بن عبد الواحد بن جعفر ابن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القاضي روى عن روح بن عبادة، بسنده عن علي بن أبي طالب قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تنظر إلى فخذ حي ولاميت، فإن الفخذ عورة. كان جعفر بن عبد الواحد كذاباً، يضع الحديث، وفي سنة خمسين ومائتين نفي عن قضاء القضاة إلى البصرة، بسبب كلام روي عنه إلى المستعين، وكان من حفاظ الحديث،

جعفر بن عمرو بن أمية

وكانت له بلاغة ولسن، وكان بخيلاً، وكان بسر من رأى يستهدي الرطب، وكان له صديق يوجه كل يوم بسلة رطب مع غلام له، فقال له: إن الغلام يشعث السلة فاختمها، ففعل، فوجدها قد تشعثت فقال له: إن أردت أن تبرني بها فاختمها بعد أن تودعها زنبورين يكونان فيها، فكان يجيئه بها، فإذا فتحها طار الزنبوران، وعلم أن اليد لم تدخل فيها وتوفي جعفر بن عبد الواحد سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة ثمان وستين ومئتين. وقال أبو أحمد الحسن بن محمد يرثي عمه القاضي جعفر بن عبد الواحد: ما اختص أهلوك بالرزايا ... كل على فقدك المرزا وما المعزي عليك أولى ... من المعزى بأن يعزى جعفر بن عمرو بن أمية ابن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبد بن ناشرة بن كعب بن جدي بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة الضمري المديني حدث عن أبيه قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحتز من كتف، فيأكل منها، فدعي إلى الصلاة فقام، وطرح السكين فصلى ولم يتوضأ. وحدث عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، أرسل وأتوكل، أو أقيد وأتوكل؟ قال: بل قيد وتوكل. وكان جعفر أخا عبد الملك بن مروان من الرضاعة، فوفد على عبد الملك بن مروان في خلافته فجلس في مسجد دمشق، وأهل الشام يعرضون على ديوانهم، قال: وتلك اليمانية حوله يقولون: الطاعة الطاعة، فقال جعفر: لا طاعة إلا لله فوثبوا عليه، وقالوا: توهن الطاعة، طاعة أمير المؤمنين! حتى ركبوا الأسطوان عليه، قال: فما أفلت إلا بعد جهد، وبلغ الخبر عبد الملك فأرسل إليه فأدخل عليه، فقال: أرأيت؟ هذا من عملك، أما والله

جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد

لو قتلوك، ما كان عندي مثل شيء، ما دخولك في أمر لا يعنيك! ترى قوما يشدون ملكي وطاعتي، فتجيء فتوهنه أنت، إياك إياك. ومات جعفر بن عمرو في خلافة الوليد بن عبد الملك، سنة خمس أو ست وتسعين. جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد ابن موسى بن الحسن بن الفرات أبو الفضل المعروف بابن حنزابة البغدادي الوزير سكن مصر ووزر بها لكافور الإخشيدي، وكان أبوه وزيراً للمقتدر، واجتاز أبو الفضل بدمشق وسمع بها. حدث عن إبراهيم بن محمد بن أبي عباد بسنده عن عبيدة السلماني أن علياً ذكر أهل النهروان فقال: فيهم رجل متدردر اليد، أو مثدن اليد، أو مخدج اليد، لولا أن ينظروا لأنبأتكم بما وعد الله الذين قتلوهم على لسان محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال عبيدة: فقلت لعلي: أنت سمعته؟ قال: إي ورب الكعبة. ومن شعر أبي الفضل جعفر بن حنزابة: من أخمل النفس أحياها وروحها ... ولم يبت طاوياً منها على ضجر إن الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشجر أملى الحديث بمصر، وبسببه خرج أبو الحسن الدارقطني إلى هناك، وأقام عنده مدة يصنف له المسند، وحصل له من جهته مال كثير، ولم يزل في أيام عمره يصنع أشياء من المعروف عظيمة، وينفق نفقات كثيرة على أهل الحرمين من الأشراف وغيرهم، إلى أن تم له أن اشترى بالمدينة داراً إلى جانب المسجد، من أقرب الدور إلى القبر، ليس بينه وبين القبر إلا الحائط وطريق في المسجد، وأوصى أن يدفن فيها، وقرر عند

جعفر بن محمد بن أحمد بن حماد

الأشراف ذلك فسمحوا له بذلك وأجابوا إليه، فلما مات وحمل تابوته من مصر إلى الحرمين، خرجت الأشراف من مكة والمدينة لتلقيه والنيابة في حمله، إلى أن حجوا به وطافوا ووقفوا بعرفة، ثم ردوه إلى المدينة ودفنوه في الدار التي أعدها لذلك. ولد أبو الفضل جعفر بن الفرات في ذي الحجة سنة ثمان وثلاث مائة وتوفي قيل: سنة تسعين. قالوا: وهو الصحيح، وقيل: توفي سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة. جعفر بن محمد بن أحمد بن حماد ابن صبيح بن زياد التميمي والد الفضل بن جعفر روى عن محمود بن خالد بسنده عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ". وفي رواية عن أبي أمامة أنه سمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إنه لا يلبس الحرير في الدنيا إلا من لا خلاق له في الآخرة ". جعفر بن محمد بن بكر أبو العباس البالسي روى عن الحكم بن موسى بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً، اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ". وروى عن هشام بن عمار بسنده عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعاماً على شهوة أبداً، ولا شربتم شراباً على شهوة أبداً، ولا دخلتم بيتاً تستظلون به، ولمررتم إلى الصعدات تكدمون صدوركم وتبكون على أنفسكم ". ثم قال حين حدث بهذا الحديث: " لوددت أني شجرة أعضد في كل عام فأوكل ".

جعفر بن محمد بن جعفر بن رشيد

جعفر بن محمد بن جعفر بن رشيد أبو الفضل الكوفي حدث بدمشق عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يقول أحدكم: صمت رمضان، وقمت رمضان، ولا صنعت في رمضان كذا وكذا، فأن رمضان اسم من أسماء الله العظام. ولكن قولوا: شهر رمضان، كما قال ربكم في كتابه ". جعفر بن محمد بن جعفر بن هشام ابن عبد ربه بن زيد بن خالد بن قيس بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن الحارث، - أبو عبد الله الكندي - المعروف بابن بنت عدبس، أخو هشام بن محمد الكندي أصله من الكوفة. روى عن يزيد بن محمد بن عبد الصمد بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " طلب العلم فريضة على كل مسلم ". توفي في سنة سبع وأربعين وثلاث مئة. وكان مولده سنة ثمان وخمسين ومئتين، وكان سنه قد نيف على الثمانين. جعفر بن محمد بن الحارث أبو محمد المراغي أحد الرحالين في طلب الحديث وجمعه، سمع بدمشق وغيرها، كتب الحديث بأصابعه نيفاً وستين سنة، ولم يزل يكتب إلى أن توفاه الله، وكان من أعرف الناس فيه، وأثبتهم، رحمة الله عليه. حدث جعفر بن محمد عن أبي الأزهر جماهر بن محمد الغساني بسنده عن الأوزاعي قال: كانوا يستحبون أن يحدثوا أهل الشام بفضائل أهل البيت، ليرجعوا عما كانوا عليه. أنشد جعفر بن الحارث المراغي لمنصور الفقيه:

جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض

لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيله من كان يكذب ما يري ... د مخيلتي فيه قليله وأنشد له أيضاً: الكلب أحسن عشرة ... وهو النهاية في الخساسه ممن ينازع في الرئا ... سة قبل أوقات الرئاسه توفي أبو محمد المراغي في رجب سنة ست وخمسين وثلاث مائة، وهو ابن نيف وثمانين سنة. جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض أبو بكر الفريابي القاضي قدم دمشق وسمع بها. حدث عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي سنة ثمان وتسعين ومئتين، بسنده عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بشاة - يعني ميتة - فقال: " هلا استمتعتم بجلدها؟ قالوا: يا رسول الله، إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها ". ورو عن صفوان ابن صالح بسنده عن فضالة بن عبيد الأنصاري قال: غزونا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزوة تبوك، فجهد الناس جهداً شديداً، فشكوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما بظهرهم من الجهد، فتخير لهم مضيقاً سار الناس فيه، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " مروا باسم الله ". فمروا، فجعل ينفخ بظهرهم وهو يقول: " اللهم احمل عليها في سبيلك، فإنك تحمل على القوي والضعيف، والرطب واليابس، في البر والبحر " قال: فما بلغنا المدينة حتى جعلت تنازعنا أزمتها. قال فضالة: فقلت هذه دعوة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على القوي والضعيف، فما بال الرطب واليابس؟ قال: فلما قدمنا الشام غزونا غزوة قبرس في البحر، ورأيت السفن وما تحمل فيها، عرفت دعوة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولد الفريابي في سنة سبع ومئتين.

جعفر بن محمد بن حماد أبو الفضل القلانسي

قال جعفر بن محمد الفريابي: انصرفت من مجلس عبيد الله بن معاذ بالبصرة، فإذا بحلقة وبجماعة من الناس قيام، فنظرت فإذا بشاب مجنون، فقيل لي: يا فتى، تؤذن في أذنه؟ فقلت: أمسكوا يده ورجله، وأذنت في أذنه، فلما بلغت: أشهد أن محمد رسول الله، قال لي على لسان المجنون بصوت يسمعه الحاضرون: من لسوم محمد مكن يعني أنا انصرف ولا تذكر محمداً. قال أبو أحمد بن عدي: رأيت مجلس الفريابي تجوز فيه خمسة عشر ألف محبرة وكنا نحتاج أن نبيت في موضع المجلس، لنجد من الغد موضع مجلس. مات الفريابي ببغداد، سلخ ذي الحجة، سنة ثلاث مائة، والمحفوظ سنة إحدى وثلاث مئة. وولد سنة سبع ومائتين، وكان عمره أربعاً وتسعين سنة. جعفر بن محمد بن حماد أبو الفضل القلانسي من أهل الرملة: سكن عسقلان، وحدث بدمشق. روى عن أحمد بن يونس بسنده عن داود بن علي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صوموا عاشوراء وخالفوا فيه اليهود صوموا قبله يوماً وبعده يوماً ". توفي في الرملة سنة إحدى وثمانين ومئتين، وقيل: سنة ثمانين.

جعفر بن محمد بن سعيد بن شعيب

جعفر بن محمد بن سعيد بن شعيب ابن عبد الله بن عبد الغفار وقيل ابن شعيب بن ذكوان بن أبي أمية أبو عبد الله العبدري مولى بني عبد الدار من أهل بج حوران من إقليم باناس. روى عن أبي عبد الله أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة بسنده عن أنس ابن مالك قال: مطرت السماء برداً، فقال أبو طلحة: ناولني من ذلك البرد، فناولته، فجعل يأكل وهو صائم وذلك في رمضان - قال أبو سليمان: أشك في رمضان وحده - قال: قلت: ألست صائماً؟ قال: بلى إن هذا ليس بطعام ولا شراب، وإنه بركة نزلت من السماء نطهر به بطوننا. قال أنس: فأتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكرت ذلك له فقال: " خذ عن عمك " قال عبد الوارث: سمعته من علي بن زيد وإلا فصمتا، وقال كل راو كذلك إلى ابن عساكر. وحدث عن أحمد بن نجدة أيضاً بسنده عن ابن عباس قال: عاش فرعون أربع مئة سنة، وكان طوله ستة أشبار، وكان اسمه الوليد بن مصعب، وكانت كنيته أبو مرة. توفي سنة تسع وعشرين وثلاث مئة. جعفر بن محمد بن سوار بن سنان أبو محمد النيسابوري الحافظ حدث عن قتيبة بن سعيد بسنده عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " والذي نفس محمد بيده، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ".

جعفر بن محمد بن عبد الله

وبإسناده أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " قال الله عز وجل: أنفق أنفق عليك ". توفي جعفر بن سوار سنة ثمان وثمانين ومئتين. جعفر بن محمد بن عبد الله ابن أحمد بن العباس بن إدريس بن محمد بن جعفر بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب أبو محمد الجعفري النيسابوري قدم دمشق وحدث بها. روى عن أحمد بن محمد الغزال بطوس بسنده عن أنس بن مالك، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من وعده الله على عمل ثواباً، فهو منجزه له، ومن وعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار ". جعفر بن محمد بن علي بن يزيد ابن عبد الله أبو محمد الهمداني المعروف بالمليح سمع بدمشق حدث عن هلال بن العلاء بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من جلس في مجلس كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك ثم أتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه.

جعفر بن محمد بن الفضل

جعفر بن محمد بن الفضل ابن عبد الله أبو القاسم البغدادي الدقاق المعروف بابن المارستاني نزيل مصر. قرأ بصيدا وببغداد، وولد سنة ثمان وثلاث مئة. حدث عن الحسين بن الخضر بسنده عن أبي هند الداري قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قال الله عز وجل: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، فمن ذكرني وهو مطيع فحق علي أن أذكره مني بمغفرتي، ومن ذكرني وهو لي عاص فحق علي أن أذكره بمقت ". قال محمد بن علي الصوري: كان كذاباً، ومات بمصر في سنة سبع وثمانين وثلاث مئة. جعفر بن محمد بن الفضيل أبو الفضل الجزري الرسعني سمع بدمشق حدث عن سعيد بن أبي مريم بسنده عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من رآني، فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتلون بي ". جعفر بن محمد بن محمد ويقال جعفر بن محمد بن خالد البرذعي روى عن هشام بن خالد بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " شهر رمضان شهر الله، وشهر شعبان شهري، وشعبان المطهر، ورمضان المكفر ".

جعفر بن محمد بن موسى

جعفر بن محمد بن موسى أبو محمد النيسابوري الأعرج الحافظ سكن حلب. حدث عن محمد بن يحيى بسنده عن أنس قال: " كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. " وحدث عن إدريس بن يونس الحراني بسنده عن أبي الدرداء قال: " قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر أو إدخال السرور رفعه الله في الدرجات العلى من الجنة ". كان جعفر ثقة، حافظاً، عالماً، عارفاً. توفي بحلب سنة سبع وثلاث مئة. جعفر بن محمد بن الوليد حدث عن الوليد بن ميلم عن ابن جابر قال: " شكت أم عمر بن المنكدر إلى أخيه محمد بن المنكدر ما يلقاه من كثرة بكائه بالليل، فاستعان محمد عليه بأبي حازم، فدخلوا عليه فقال أبو حازم: يا عمر، ما هذا البكاء الذي شكته أمك! قال: إنه إذا جن علي الليل هالني فأستفتح القرآن، فما تنقضي عني عجيبة، حتى إن الليل ينقضي، وما قضيت نهمتي. قال: فما الذي أبكاك؟ قال: آية في كتاب الله عز وجل هي التي أبكتني: " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ". جعفر المتوكل بن محمد المعتصم ابن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بويع بالخلافة بعد موت أخيه هارون الواثق بمشاورة في ذلك.

قال محمد بن شجاع الأحمر: دخلت على المتوكل وبين يديه نصر بن علي الجهضمي، فجعل نصر يحض المتوكل على الرفق، ويمدح الرفق، ويوصي به، والمتوكل ساكت، فلما سكت نصر قال المتوكل، والتفت إلى يحيى بن أكثم القاضي فقال له: أنت يا يحيى حدثتني بسندك عن جرير بن عبد الله عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " من حرم الرفق حرم الخير. " ثم أنشأ يقول: الرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا لا خير في حزم بغير روية ... والشك وهن إن أردت سراحا لما مات الواثق أجمع وصيف التركي وأحمد بن أبي دؤاد ومحمد بن عبد الملك وأحمد بن خالد المعروف بابن أبي الوزير وعمر بن فرج، فعزم أكثرهم على تولية محمد بن الواثق، فأحضروه وهو غلام أمرد، فقال أحمد بن أبي دؤاد: أما تتقون الله! كيف تولون مثل هذا الخلافة؟! فأرسلوا بغا الشرابي إلى جعفر بن المعتصم فأحضروه، فقام ابن أبي دؤاد فألبسه الطويلة ودراعة، وعممه بيده على الطويلة، وقبل بين عينيه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم غسل الواثق، وصلى عليه المتوكل ودفن. وكان المتوكل رأى في النوم كأن سكراً سليماً نيئاً سقط عليه من السماء، مكتوبا عليه: جعفر المتوكل على الله. فلما صلى على الواثق قال محمد بن عبد الملك: نسميه المنتصر، وخاض الناس في ذلك، فحدث المتوكل أحمد بن أبي دؤاد بما رآه في منامه، فوجده موافقا، فأمضى وكتب بذلك للآفاق. ولد المتوكل سنة سبع ومائتين، وقيل خمس، وبويع بسر من رأى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكان أسمر، حسن العينين، نحيف الجسم، خفيف العارضين، إلى القصر أقرب، كنيته أبو الفضل، وأمه أم ولد يقال لها شجاع، من سروات النساء سخاء وكرماً، ولما بويع أظهر السنة وبسطها ونصر أصحاب السنة. ودخل دمشق في صفر سنة أربع وأربعين ومائتين، وكان من لدن شخص من سامراء إلى أن دخلها سبعة وسبعون يوما، وعزم على المقام بها ونقل دواوين الملك إليها، وأمر بالبناء بها، فتحرك الأتراك في أرزاقهم وأرزاق عيالاتهم، فأمر لهم بما أرضاهم، ثم استوبأ

البلد وذلك أن الهواء بها بارد ندي، والماء ثقيل، والريح تهب فيها مع العصر، فلا تزال تشتد حتى تمضي عامة الليل، وهي كثيرة البراغيث، وغلت عليه الأسعار، وحال الثلج بين السابلة والميرة، وسير المتوكل بغا لغزو الروم، وغزا الصائفة. وأقام المتوكل بدمشق شهرين وأياماً، ثم رجع إلى سر من رأى. وكان السبب الذي عزم به المتوكل على الشخوص إلى دمشق أن خرج إلى الموضع المعروف بالمحمدية بسامراء في بعض نزهه التي كان يخرج فيها، وذكروا بحضرته البلدان وهواء كل بلد وطيبه، وما فيه مما يفضل به على غيره، وذكر إسرائيل بن زكريا المتطبب المعروف بالطيفوري دمشق، واعتدال الهواء بها وطيبها في الصيف، وقلة حرها وبرد مياهها، وكثرة البساتين والأشجار بها، وأنها من البلدان التي يصلح لأمير المؤمنين سكناها وتلائم بدنه، وتنحل عنه فيها العلل التي لا تزال تعرض له في العراق عند حلول الصيف، ووافق ذلك مجيء كتاب عامل سميساط بمصير الروم إلى القرى التي بالقرب من المدينة وإخرابهم إياها، فأمر المتوكل بالأهبة للسفر. ولما نزل دمشق بنى بأرض داريا قصراً عظيماً، ووقعت من قلبه بالموافقة، فخرج يوماً يتصيد فأجمع قوم من جنده على الفتك به، واتصل ذلك به فرحل إلى سامراء، وقتل بها. قال علي بن الجهم السامي: وجه إلي المتوكل فأتيته، فقال لي: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الساعة في المنام، فقمت إليه فقال لي: تقوم إلي وأنت خليفة فقلت له: أبشر يا أمير المؤمنين، أما قيامك إليه فقيامك بالسنة، وقد عدك من الخلفاء. قال: فسر بذلك. كان إبراهيم بن محمد التميمي قاضي البصرة يقول: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق، قاتل أهل الردة حتى استجابوا له، وعمر بن عبد العزيز رد مظالم بني أمية، والمتوكل محا البدع، وأظهر السنة.

قال محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب: جعلت دعائي في المشاهد كلها للمتوكل، وذلك أن عمر بن عبد العزيز جاء الله به يرد المظالم، وجاء الله بالمتوكل يرد الدين. قال هشام بن عمار: سمعت المتوكل يقول: واحسرتي على محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه، وأشاهده، وأتعلم منه، فإني رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام ثلاث ليال متواليات وهو يقول: يا أيها الناس، إن محمد بن إدريس المطلبي قد صار إلى رحمة الله، وخلف فيكم علماً حسناً فاتبعوه تهتدوا، فإن كلام المطلب سنتي، يا أيها الناس، من ترحم على محمد بن إدريس الشافعي غفر الله تعالى له ما أسر وما أعلن. ثم قال المتوكل: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه، وارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة، وسهل علي حفظ مذهبه، وانفعني بذلك. حكى علي بن الجهم عن المتوكل، كلاماً، وقد بلغه أن رجلا أنكر على رجل ينتمي إلى التشيع وقال قولا أغرق فيه من مدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فغضب المتوكل وقال: الناسب هذا المادح إلى الغلو جاهل، وهو إلى التقصير أقرب، وهل أحد بعد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أئمة الإسلام أحق بكل ثناء حسن من علي! وجه المتوكل إلى أحمد بن المعذل وغيره من العلماء فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم له غير أحمد بن المعذل فقال المتوكل لعبيد الله: إن هذا لا يرى بيعتنا. فقال له: بلى، يا أمير المؤمنين، ولكن في بصره سوء. فقال أحمد بن المعذل: يا أمير المؤمنين، ما في بصري سوء، ولكنني نزهتك من عذاب الله، قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار " فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه.

قال يزيد المهلبي: قال لي المتوكل يوماً: يا مهلبي، إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها، وأنا ألين لهم ليحبوني فيطيعوني. قال عبد الأعلى بن حماد الزينبي: قدمت على المتوكل بسر من رأى، فدخلت عليه يوماً فقال: يا أبا يحيى، قد كنا هممنا لك بأمر فتدافعت الأيام به، فقلت: يا أمير المؤمنين، سمعت مسلم بن خالد المكي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: من لم يشكر الهمة لم يشكر النعمة وأنشدته: لأشكرنك معروفاً هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف ولا أذمك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف فجذب الدواة فكتبها. ثم قال: ننجز لأبي يحيى ما كنا هممنا له به، وهو كذا ونضعف لخبره هذا. دخل علي بن الجهم على جعفر المتوكل وبيده درتان يقلبهما، فأنشده قصيدته التي يقول فيها: وإذا مررت ببئر عر ... وة فاسقني من مائها قال: فدحا بالدرة التي في يمينه فقبلتها، فقال لي: تستنقص بها! وهي والله خير من مائة ألف. قلت: لا والله، مااستنقصت، ولكن فكرت في أبيات أعملها آخذ التي في يسارك. فقال لي: قل، فأنشأت أقول: بسر من را إمام عدل ... تغرف من بحره البحار يرجى ويخشى لكل خطب ... كأنه جنة ونار

الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار يداه في الجود ضرتان ... عليه كلتاهما تغار لم تأت منه اليمين شيئاً ... إلا أتت مثله اليسار قال: فدحا بالتي في يساره وقال: خذها لا بارك الله لك فيها. وقد رويت هذه الأبيات للبحتري في المتوكل. قال الفتح بن خاقان: دخلت يوماً على المتوكل فرأيته مطرقاً يتفكر فقلت: ما هذا الفكر يا أمير المؤمنين! فوالله ما على ظهر الأرض أطيب منك عيشاً ولا أنعم منك بالاً. فقال: يا فتح، أطيب عيشاً مني رجل له دار واسعة، وزوجة صالحة، ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه. قال المتوكل لعلي بن الجهم وكان يأنس به ولا يكتمه شيئاً من أمره: يا علي، إني دخلت على قبيحة الساعة فوجدتها قد كتبت على خدها بغالية - جعفر -، فوالله ما رأيت شيئاً أحسن من سواد تلك الغالية على بياض ذلك الخد، فقل في هذا شيئاً. قال: وكانت محبوبة جالسة من وراء الستارة تسمع الكلام، قال: إذ دعي لعلي بالدواة والدرج، وأخذ يفكر، قالت على البديهية: وكاتبة بالمسك في الخد جعفراً ... بنفسي محط المسك من حيث أثرا لئن كتبت في الخد سطراً بكفها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا فيا من لمملوك لملك يمينه ... مطيع له فيما أسر وأظهرا ويا من مناها في السريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك جعفراً وبقي علي بن الجهم واجماً لا ينطق بحرف، وأمر المتوكل عريباً فغنت في هذا الشعر. وفي رواية أخرى: أن المتوكل لما رآها أنشد هو هذه الأبيات.

قال علي بن الجهم: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل على الله أهدى إليه عبد الله بن طاهر من خراسان جواري، فكانت فيهن جارية يقال لها محبوبة، وكانت قد نشأت في الطائف، وكان لها مولى مغرى بالأدب، وكانت قد أخذت عنه وروت الأشعار، وكان المتوكل بها معجباً، فغضب عليها ومنع جواري القصر من كلامها، فكانت في حجرتها لا يكلمها أحد أياماً، فرأته في المنام كأنه قد صالحها. قال علي: فلما أصبح دخلت عليه فقال: يا علي، أشعرت أني رأيت محبوبة في منامي كأني قد صالحتها وصالحتني! فقلت: خيراً يا أمير المؤمنين، إذاً يقر الله عينك، ويسرك، فوالله إنا لفيما نحن فيه من حديثها، إذ جاءت وصيفة لأمير المؤمنين فقالت: يا سيدي، سمعت صوت عود من حجرة محبوبة، فقال أمير المؤمنين: قم بنا يا علي ننظر ما هذا الأمر! فنهضنا حتى أتينا حجرتها، فإذا هي تضرب بالعود وتقول: أدور في القصر لا أرى أحداً ... أشكو إليه ولا يكلمني حتى كأني أتيت معصية ... ليست لها توبة تخلصني فهل شفيع لنا إلى ملك ... قد رآني في الكرى فصالحني حتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجره فصارمني قال: فصاح أمير المؤمنين وصحت معه، فسمعت فتلقت أمير المؤمنين، وأكبت على رجليه تقبلهما فقالت: يا سيدي، رأيتك في ليلتي هذه كأنك قد صالحتني. فقال: وأنا والله قد رأيتك، فردها إلى مرتبتها كأحسن ما كانت. فلما كان من أمر المتوكل ما كان، تفرقن وصرن إلى القواد، ونسين أمير المؤمنين، فصارت محبوبة إلى وصيف الكبير، فما كان لباسها إلا البياض، وكانت تنتحب وتشهق، إلى أن جاس وصيف يوماً للشرب، وجلس جواري المتوكل يغنينه، فما بقيت منهن واحدة إلا تغنت غيرها. فقالت: إن رأى الأمير أن يعفيني فأبى. فقال لها الجواري: ل وكان في الحزن فرج لحزنا معك. وجيء بالعود فوضع في حجرها فأنشأت تقول:

أي عيش يطيب لي ... لا أرى فيه جعفراً ملك قد رأته عي ... ني جريحاً معفرا كل من كان ذا هيا ... م وسقم فقد برا غير محيوية التي ... لو ترى الموت يشترى لاشترته بما حوت ... هـ جميعاً لتقبرا فاشتد ذلك على وصيف. وفي رواية: فهم بقتلها، فاستوهبها منه بغا وكان حاضراً. وفي هذه الرواية: فأمر بإخراجها فصارت إلى قبيحة، ولبست الصوف، وأخذت ترثيه وتبكيه حتى ماتت. قال عمرو بن شيبان الحلبي: رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل فيما يرى النائم حين أخذت مضجعي كأن آتياً أتاني فقال: يا نائم العين في أوطار جثمان ... أفض دموعك يا عمرو بن شيبان أما ترى الفتية الأرجاس ما فعلوا ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان وافى إلى الله مظلوماً فضج له ... أهل السموات من مثنى ووحدان وسوف تأتيكم أخرى مسومة ... توقعوها لها شأن من الشان فابكوا على جعفر وارثوا خليقتكم ... فقد بكاه جميع الإنس والجان قال: فأصبحت فإذا الناس يخبرون أن جعفراً المتوكل قد قتل في هذه الليلة. قال أبو عبد الله: ثم رأيت المتوكل بعد هذا بأشهر كأنه بين يدي الله تعالى، فقلت: ما فعل بك ربك؟

قال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: بالقليل من السنة تمسكت بها. قلت: فما تصنع ها هنا؟ قال: أنتظر محمداً ابني، أخاصمه إلى الله الحليم العظيم الكريم. حدث إسماعيل بن داود: أن المتوكل وصف له سيف بمصر، فأنفذ رسولاً قاصداً في طلبه، وكتب له إلى عامل مصر، فلما وصل إليه سأله عن السيف فأخبر أن السيف بدمشق، فركب الرسول إلى دمشق وسأل عن السيف، فأخبر أنه صار إلى الحجاز، فعاد الرسول إلى المتوكل فأخبره بذلك، فأنفذ رسولاً إلى الحجاز بكتابه إلى عامله بها، فبحث عن السيف فأخرج إليه، فأخذه ومضى به إلى المتوكل وهو بسر من رأى. فلما رآه المتوكل لم يعجب به ورآه وحشاً واستزراه وتصفح وجوه الغلمان الذين حوله فرأى غلاماً تركياً يقال له ياغر وكان سمجاً، فقال له: أنت وحش وهذا السيف وحش فخذه، فلما صار عنده ومضت مدة دخل ياغر في ليلة من الليالي بالسيف فقتل به المتوكل، وكان من أمره ما كان به. بويع جعفر المتوكل في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وقتل ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، فكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر ويوماً واحداً، وأمه أم ولد تركية يقال لها شجاع، وكنيته أبو الفضل، وصلى عليه المنتصر، وكان عمره أربعين سنة، ومولده سنة سبع ومائتين. قال أبو أيوب جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: أخبرني بعض الزمازمة الذين يحفظون زمزم قال: غارت زمزم ليلة من الليالي، فأرخناها فجاءنا الخبر أنها كانت الليلة التي قتل فيها جعفر المتوكل. كان يزيد بن محمد المهلبي من ندماء المتوكل، فلما قتل قال يزيد: لما اعتقدتم أناساً لا حفاظ لهم ... ضعتم وضيّعتم ما كان يعتقد ولو جعلتم على الأحرار نعمتكم ... حمتكم الذادة المنسوبة الحسد قوم هم الجذم والأرحام تجمعكم ... والمجد والدين والإسلام والبلد إن العبيد إذا ذللتهم صلحوا ... على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا

جعفر بن محمد بن هشام بن ملاس

ما عند عبد لمن يرجوه محتمل ... ولا على العبد عند الخوف معتمد فاجعل عبيدك أوتاداً تشحجها ... لا يثبت البيت حتى يثبت الوتد جعفر بن محمد بن هشام بن ملاس ابن قاسم النميري حدث عن سلم بن ميمون الخواص بسنده عن أبي ثعلبة الخشني قال: نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قتل النساء والولدان. جعفر بن محمد بن يزدين أبو الفضل ابن السوسي سكن مكة، وسمع بدمشق. روى عن كثير بن عبيد بسنه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما عال مقتصد قط. وحدث عن إسحق الفروي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة. جعفر بن محمد أبو عبد الله المعّري المغربي حدث بدمشق. ومن شعره مما أنشده بدمشق: إذا أراد الله أمراً بامرىء ... وكان ذا علم ورأي وبصر وحيلة يعملها في كل ما ... يأتي به مكروه أشتات القدر

جعفر بن محمود الكاتب

أغراه بالجهل وأعمى قلبه ... وسلّه من رأيه سلّ الشعر حتى إذا أنفذ فيه حكمه ... ردّ عليه عقله ليعتبر جعفر بن محمود الكاتب قدم دمشق صحبة المتوكل، واستوزره المستعين سنة ثمان وأربعين ومائتين، ثم استوزره المعتز بالله. ولما عزل من الوزارة واستوزر بعده عيسى بن فرخان شاه أنشد محمد بن غياث لنفسه: في غير حفظ الله يا جعفر ... زلت فزال الجور والمنكر بلغت أمراً لست من أهله ... باعك عمّا دونه يقصر كنت كثوب زانه طيّه ... حيناً فأبدى عيبه المنشر ماينفع المنظر من جاهل ... بأمره ليس له مخبر بل مثل عيسى لا انقضى عمره ... يخص بالعرب ويستوزر حلم وعلم ثاقب زنده ... بمثله من مثله يفخر تذكره الأشعار إن أنشدت ... وأنت منسيّ فما تذكر توفي جعفر بن محمود في سنة ثمان وستين ومائتين. جعفر بن موسى حدث بدمشق عن عبد الرحمن بن خالد بن نجيح المصري بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أراد هوان قريش أهانه الله.

جعفر بن ميسر بن يغنم أبو محمد

جعفر بن ميسر بن يغنم أبو محمد أنشد أبو محمد جعفر بن يغنم بصيدا لمحمد بن عمر الأنباري يرثي نصير الدولة أبا طاهر بن بقية وزير عز الدولة بختيار، حين صلبه عضد الدولة ببغداد سنة تسع وأربع مائة: علو في الحياة وفي الممات ... بحق أنت إحدى المعجزات كأن الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصلات كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلهم قيام للصلاة مددت يديك نحوهم اقتفاء ... كمدهما إليهم بالهبات ولمل ضاق بطن الأرض عن أن ... تضم علاك من بعد الممات أصاروا الجو قبرك واستنابوا ... عن الكفان ثوب السافيات لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحفاظ وحراس ثقات وتشعل حولك النيران ليلاً ... كذلك كنت أيام الحياة ولم أر قبل جذعك قط جذعاً ... تمكن من عناق المكرمات أسأت إلى النوائب فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النائبات وكنت تجير من صرف الليالي ... فعاد مطالبا لك بالتراب وصير دهرك الإحسان فيه ... إلينا من عظيم السيئات ركبت مطيةً من قبل زيد ... علاها في السنين الذاهبات وتلك فضيلة فيها تأس ... تباعد عنك أسباب الدنات وكنت لمعشر سعداً فلما ... مضيت تمزقوا بالمنحسات غليلي باطن لك في فؤادي ... يخفف بالدموع الجاريات ولو أني قدرت على قيامي ... بفرضك والحقوق الواجبات ملأت الأرض من نظم المراثي ... ونحت بها خلاف النائحات

ولكني أصبر عنك نفسي ... مخافة أن أعد من الجناة ومالك تربة فأقول تسقى ... لأنك نصب هطل الهاطلات عليك تحية الرحمن تترى ... برحمات روائح غاديات ولما أمر عضد الدولة بقتل الوزير محمد بن بقية وصلبه بمدينة السلام في سنة سبع وثلاث مائة كان له صديق يعرف بأبي الحسن الأنباري، فرثاه بهذه الأبيات، فرثاه بهذه الأبيات، فكتبها ورمى بها في شوارع بغداد، فتداولها الأدباء إلى أن اتصل الخبر بعضد الدولة، فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه، فقال: علي بهذا الرجل فطلب سنة كاملة، واتصل الخبر بالصاحب إسماعيل بن عباد بالري فكتب له الأمان. فلما سمع بذكر الأمان قصد حضرته فقال له: أنت القائل هذه الأبيات؟ قال: نعم. قال: أنشدنيها. فلما أنشده: ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عناق المكرمات قام الصاحب فعانقه وقبل فاه، وأنفذه إلى حضرة عضد الدولة. فلما مثل بين يديه قال له: ما الذي حملك على مرثية عدوي؟ فقال: حقوق سلفت وأياد مضت، فجاش الحزن في قلبي فرثيت، فقال: هل يحضرك شيء في الشموع؟ - والشموع تزهر بين يديه - فأنشأ يقول: كأن الشموع وقد أظهرت ... من النار في كل رأس سنانا أصابع أعدائك الخائفين ... تضرع تطلب منك الأمانا فلما أنشده هذين البيتين خلع عليه، وحمله على فرس وأعطاه بدرة. وكان جعفر هذا أديبا فاضلا، وصدرا كاملا، رثاه القاص أبو الحسن بن هندي بقصيدة غراء ثلاثة وتسعون بيتا منها: يا من كأن الدهر يعشق ذكره ... فلسانه من وصفه لا يفتر بأبي ثراك وما تضمنه الثرى ... كل يموت وليس كل يذكر

جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك

جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك أبو الفضل البرمكي وزير الرشيد هارون، ولاه هارون دمشق وقدمها سنة ثمانين ومائة. حدث عن أبيه يحيى بسنده إلى زيد بن ثابت كاتب الوحي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه. وقال جعفر بن يحيى البرمكي لهرون الرشيد: يا أمير المؤمنين، قال لي أبي يحيى: إذا أقبلت الدنيا عليك فأعط، فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأعط، فإنها لا تبقى. قال جعفر: وأنشدنا أبي: لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف فإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف ولما ثارت العصبية بالشام في سنة ثمانين ومائة وتفاقم أمرها اغتم الرشيد فعقد لجعفر بن يحيى على الشام، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقبل بنفسي، فشخص في جلة القواد والكراع والسلاح، فأتاهم فأصلح بينهم، وقتل زواقيلهم والمتلصصة منهم، ولم يدع بها رمحا ولا قوسا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وأطفأ النائرة. وكان جعفر بن يحيى من علو القدر، ونفاذ الأمر، وعظم المحل، وجلالة المنزلة عند هرون بحلة انفرد بها ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق طلق الوجه، ظاهر البشر. وأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر، وكان أيضا من ذوي الفصاحة واللسن والبلاغة. يقال: إنه وقع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، ونظر في جميعها فلم

يخرج بشيء منها عن موجب الفقه. وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمه إلى أبي يوسف القاضي حتى علمه وفقهه. وغضب الرشيد عليه في آخر عمره فقتله، ونكب البرامكة لأجله. كان أبو علقمة الدمشقي - صاحب الغريب - عند جعفر بن يحيى في بعض لياليه التي يسمر فيها، فأقبلت خنفساءة إلى أبي علقمة فقال: أليس يقال إن الخنفساء إذا أقبلت إلى الرجل أصاب خيراً! قالوا: بلى، قال جعفر بن يحيى: يا غلام، أعطه ألف دينار، قال: فنحوها عنه فعادت إليه، فقال: يا غلام، أعطه ألف دينار، فأعطاه ألفي دينار. خرج عبد الملك بن صالح مشيعاً لجعفر بن يحيى البرمكي، فعرض عليه حاجاته فقال له: قصارى كل مشيع الرجوع، وأريد أعز الله الأمير أن تكون لي كما قال بطحاء العذري: وكوني على الواشين لداء شغبة ... فإني على الواشي ألد شغوب فقال جعفر: بل أكون لك كما قال جميل: وإذا الواشي وشى يوما بها ... نفع الواشي بما جاء يضر كان أحمد بن الجنيد الإسكافي أخص الناس بجعفر بن يحيى، فكان الناس يقصدونه في حوائجهم إلى جعفر، فكثرت رقاع الناس في خف أحمد بن الجنيد، ولم يزل كذلك إلى أن تهيأ له الخلوة بجعفر فقال له: قد كثرت رقاع الناس معي وأشغالك كثيرة وأنت اليوم خال، فإن رأيت أن تنظر فيها. فقال له جعفر: على أن تقيم عندي اليوم، فقال له أحمد: نعم، فصرف دوابه، فلما تغدوا جاءه بالرقاع، فقال له جعفر: هذا وقت ذا؟! دعنا اليوم، فأمسك عنه أحمد، وانصرف في ذلك اليوم ولم ينظر في الرقاع. فلما كان بعد أيام خلا به فأذكره الرقاع فقال: نعم، على أن تقيم عندي اليوم، فأقام عنده ففعل به مثل الفعل الأول، حتى فعل به ثلاثا، فلما كان في آخر يوم أذكره فقال: دعني الساعة وناما، فانتبه جعفر قبل أحمد فقال لخادم له: اذهب إلى خف أحمد بن الجنيد فجئني بكل رقعة فيه، وانظر لا تعلم أحمد، فذهب الخادم وجاء

بالرقاع، فوقع جعفر فيها عن آخرها بخطه بما احب أصحابها ووكد ذلك، ثم أمر الخادم أن يردها في الخف فردها، وانتبه أحمد وأخذوا في شأنهم ولم يقل له فيها شيئا، وانصرف أحمد، فركب يعلل أصحاب الرقاع بها أياما، ثم قال لكاتب له: ويلك، هذه الرقاع قد أخلقت في خفي، وهذا - يعني جعفراً - ليس ينظر، فخذها تصفحها وجدد ما خلق منها، فأخذها الكاتب فيها فوجد الرقاع موقعا فيها بما سأل أهلها وأكثر، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه، وأنه قضى حاجته ولم يعلمه بها، لئلا يظن أنه اعتد بها عليه. حدث مهذب حاجب العباس بن محمد، صاحب قطيعة العباس والعباسة قال: نالت العباس إضافة، وكثر غرماؤها والمطالبون له، فأخرج سفطا فيه جوهر، شراؤه ألف ألف درهم، أعده ذخراً لبناته، فحمله إلى جعفر بن يحيى، فتلقاه جعفر وسط الصحن وجلس بين يديه، فقال له العباس: نالني ما ينال الأحرار من الإضافة، وهذا سفط شراؤه علي ألف درهم، فامر بعض تجارك أن يقبضه ويقرضني عليه خمس مائة ألف درهم فإذا وردت الغلة رددتها إليه، وأخذت السفط، قال: أفعل. وختم السفط ودفعه إلى غلام بين يديه، وأوعز إليه بسرار ثم قال: الحاجة توافيك العشية وتتفضل بالغداء عندي ففعل، فقال له: ثيابي لا تصلح على الأمير، وهذه عشرة تخوت، ومهري لين الركوب، ينصرف الأمير عليه، فانصرف وذلك بين يديه، فوجد السفط في بيته ومعه ألف ألف درهم قد وصله بها جعفر. قال مهذب: فما بات وعليه درهم واحد، فقال لي: نبكر غداً على الرجل شاكرين له، فبكرنا فقيل لنا: هو عند أخيه الفضل، فجئنا إلى دار الفضل فقالوا: هما في دار أمير المؤمنين، فصرنا إلى دار أمير المؤمنين، فدخل مولاي فوجدهما في الصحن لم يؤذن لهما، فقال له جعفر: حدثت أخي بقصتك فأمر أن يحمل لك خازنك ألف ألف درهم، وما أشك أنها في دارك، ونحن نكلم أمير المؤمنين أعز الله نصره الساعة في أمرك، فدخلا إلى الخليفة فأمر له بثلاث مائة ألف دينار، فلم يكن في بيت المال منها حاضر إلا مائتي ألف دينار

فدفعت إليه، وقيل له اختر أين نسيب لك بهذا المال؟ قال: إلى مصر، فما كانت إلا أيام حتى أتت السفائح من مصر. قال إبراهيم الموصلي: حج الرشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكي وكنت معهم، فلما صرنا إلى مدينة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لي جعفر: انظر لي جارية ولا تتق غاية في حذافتها بالغناء والضرب، والكمال في الظرف والأدب، وجنبني قولهم صفراء. قال: فأرشدت إلى جارية لرجل فدخلت عليه، فرأيت رسوم النعمة، وأخرجها إلي فلم أر أجمل منها ولا أصبح ولا أدب. قال: ثم تغنت لي أصواتا فأجادتها. قال: فقلت لصاحبها: قل ما شئت. قال: أقول لك قولا لا أنقص منه درهما. قلت: قل. قال: أربعين ألف دينار. قلت: قد أخذتها وأشترط عليك نظرة. قال: ذلك لك. قال: فأتيت جعفر بن يحيى فقلت: قد أصبت حاجتك، على غاية الكمال والظرف والأدب والجمال ونقاء اللون وجودة الضرب والغناء، وقد اشترطت نظرة، فاحمل المال ومر بنا، فحملنا المال على حمالين، وجاء جعفر مستخفياً، فدخلنا على الرجل وأخرجها. فلما رآها جعفر أعجب بها، وعرف أن قد صدقته. ثم غنته فازداد بها عجبا، فقال لي: اقطع أمرها، فقلت لمولاها: هذا المال قد نقدناه ووزناه، فإن قنعت وإلا فوجه إلى من شئت لينتقده، قال: لا بل أقنع بما قلتم قال: فقالت الجارية: يا مولاي في أي شيء أنت! فقال: قد عرفت ما كنا فيه من النعمة وما كنت فيه من انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان علينا، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك فتنبسطي في شهواتك ولذاذتك، فقالت الجارية: والله يا مولاي لو ملكت منك ما ملكت مني ما بعتك بالدنيا وما فيها. وبعد، فاذكر العهد وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنا قال فتغرغرت عين المولى وقال: اشهدوا أنها حرة لوجه الله، وأني قد تزوجتها وأمهرتها داري، فقال جعفر: انهض بنا، قال: فدعوت الحمالين ليحملوا المال، فقال جعفر: لا والله لا يصحبنا منه درهم، ثم أقبل على مولاها وقال: هو لك مبارك لك فيه أنفقته.

قال الأصمعي: كنت عند جعفر بن يحيى ودخل عليه رجل فقال: أعذني أيها الأمير. قال: هو ذاك، صاحب شرطتي على الباب. فقال: أعذني أيها الأمير. قال: ويحك، ما أعذتك! قال: على الفقر. قال: نعم، يا غلام، أعطه ألف دينار. ولما غضب على البرامكة وجد في خزانة لجعفر بن يحيى في جرة ألف دينار، في كل دينار مائة دينار، على جانبيها مكتوب: وأصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحداً ... متى تعطه معسراً يوسر كان جعفر بن يحيى أمر أن تضرب له دنانير، في كل دينار ثلاث مائة مثقال، وتصور عليها صورة وجهه، فضربت، وبلغ أبا العتاهية فأخذ طبقا فوضع عليه بعض الألطاف ووجهه إلى جعفر، وكتب إليه رقعة في آخرها: وأصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح على وجهه جعفر ثلاث مئين يكن وزنه ... متى يلقه معسر ييسر فأمر بقبض ما على الطبق، وصير عليه ديناراً من تلك الدنانير ورده إليه. قال الأصمعي: كان رجل له انقطاع إلى جعفر بن يحيى، فعتب على جعفر لجفوة إليه منه، فلزم منزله زمانا لا يأتيه، فمر يوما على ظهر الطريق، فوقف عليه واستبطأه في تأخره عنه، فعرفه سبب غيبته وقال له: أيها الوزير، لو أتيناك لما كان عجبا، لعلم الناس بحاجتنا إليك، ولو أتيتنا لكان تفضلاً، لعلم الناس بغناك عنا. فاعتذر جعفر، وجعل على نفسه أن لا يغيب عنه أحد من أصحابه أو يتخلف عنه بسبب إلا أتاه. وأقام رجلاً يتعرف أخبار المتخلفين عنه، ويعرفه السبب في ذلك، وأجرى عليه الرزق لهذا الباب فقط. حدث جعفر بن يحيى أباه يحيى بن خالد، في بعض ماكان يخبره به من خلواته مر الرشيد، قال له بأنه أخذ أمير المؤمنين بيدي، ثم أقبل في حجر يخترقها، حتى

انتهى إلى حجرة مغلقة ففتحت له، ثم رجع من كان معنا من الخدم، ثم صرنا إلى حجرة مغلقة ففتحها بيده، ودخلنا معاً وأغلقها من داخلها بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه وفي صدره مجلس مغلق، فقعد على باب المجلس ونقر الباب نقرات، فسمعت حساً، ثم أعاد النقر فسمعت صوت عود، ثم أعاد النقر الثالثة فغنت جارية، ما ظننت والله أن الله خلق مثلها في حسن الغناء وجودة الضرب، فقال أمير المؤمنين لها: غني صوتي فغنته: ومحبب شهد الزفاف وقبله ... غنى الجواري حاسراً ومنقبا لبس الدلال وقام ينقر دفه ... نقراً أقر به العيون فأطربا إن النساء رأينه فعشقنه ... وشكون شدة ما بهن فكذبا قال: فطربت والله طربا هممت معه أن أنطح برأسي الحائط، ثم قال لها: غني صوتي الآخر فغنت: طال تكذيبي وتصديقي ... لم أجد عهداً لمخلوق إن ناساً في الهوى حدثوا ... أحدثوا نقض المواثيق قال: فرقص الرشيد ورقصت معه، ثم قال: امض بنا، فإنني أخشى أن يبدو ما هو أكثر من هذا، فمضينا. فلما صرنا في الدهليز قال وهو قابض على يدي: أعرفت هذه المرأة؟ قلت: لا، يا أمير المؤمنين، قال: فإني أعلم أنك ستسأل عنها ولا تكتم ذلك، وأنا أخبرك بها، هي علية، والله إن لفظت به بين يدي أحد وبلغني لأقتلنك، قال: فقال له أبوه قد والله لفظت به، ووالله ليقتلنك فاصنع ما أنت صانع. قال أبو القاسم النصراني: دخلت على جعفر بن يحيى البرمكي في يوم بارد، فأصابني البرد فقال: يا غلام، اطرح عليه كساء من أكسية النصارى، فطرح علي كساء خز قيمته ألف، قال: فانصرفت إلى منزلي، فأردت أن ألبسه في يوم عيد، فلم أصب له في منزلي ثوبا يشاكله، فقالت لي بنية لي: اكتب إلى الذي وهبه لك حتى يرسل إليك بما يشاكله من الثياب، فكتبت إليه: أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا ... رأيت مباهاة لنا في الكنائس فلو كان ذاك المطرف الخرّ جبة ... لباهيت أصحابي بها في المجالس فلا بد لي من جبة من حبابكم ... ومن طيلسان من جياد الطيالس

ومن ثوب قوهي وثوب غلالةً ... ولا بأس إن أتبعت ذاك بخامس إذا تمت الأثواب في العيد خمسةً ... كفتك فلم تحتج إلى لبس سادس لعمرك ما أفرطت فيما سألته ... وما كنت إذ أفرطت فيه بآيس وذلك أن الشعر يزداد شدةً ... إذا ما البلى أبلى جديد الملابس فبعث إليه حين قرأ الشعر بتخوت خمسة، من كل نوع تختاً. فبعث إليه حين قرأ الشعر بتخوت خمسة، من كل نوع تختاً قال: فوالله ما انقضت الأيام حتى قتل جعفر بن يحيى، وصلب وحبس الفضل، فرأينا أبا قابوس قائما تحت جذعه يزمزم، فأخذه صاحب الخبر فأدخله على الرشيد، فقال له: ما كنت قائلاً تحت جذع جعفر؟ فقال: أينجيني منك الصدق؟ قال: نعم. قال: ترحمت عليه وقلت في ذلك: أمين الله هب فضل بن يحيى ... لنفسك أيها الملك الهمام وما طلبي إليك العفو عنه ... وقد قعد الوشاة به وقاموا أرى سبب الرضا فيه قوياً ... على الله الزيادة والتمام نذرت علي منه صيام حول ... فإن وجب الرضا وجب الصيام وهذا جعفر بالجسر تمحو ... محاسن وجهه ريح قتام أقول له وقمت لديه نصاً ... إلى أن كاد يفضحني القيام أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالركن استلام فأطرق هارون ملياً ثم قال: رجل أولى جميلاً فقال فيه جميلاً: يا غلام ناد بأمان أبي قابوس، وألا يعرض له أحد، ثم قال لحاجبه: إياك أن تحجبه عني صر متى شئت إلينا في مهمك. وقيل: إن هذه الأبيات للرقاشي، وإنه وقف لما صلب جعفر وقال هذه الأبيات، وفي آخرها:

فما أبصرت قبلك يابن يحيى ... حساما فله السيف الحسام على اللذات والدنيا جميعاً ... لدولة آل برمك السلام فقيل ذلك للرشيد، فأحضره وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: تحركت نعمته في قلبي فلم أصبر، قال: كم كان أعطاك؟ قال: كان يعطيني في كل سنة ألف دينار. فأمر له بألفي دينار. قال محمد بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة: دخلت على أمي في يوم أضحى وعندها امرأة برزة جلدة في أثواب دنسة رثة، فقالت لي: أتعرف هذه؟ قلت: لا. قالت: هذه عبادة أم جعفر بن يحيى؛ فسلمت عليها ورحبت بها، وقلت لها: يا فلانة، حدثيني ببعض أمركم، قالت: أذكر لك جملة كافية فيها اعتبار لمن اعتبر، وموعظة لمن فكر، لقد هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربع مائة وصيفة، وأنا أزعم ان ابني جعفراً عاق بي، وقد أتيتكم في هذا اليوم والذي يقنعني جلدا شاتين، أجعل أحدهما شعاراً والآخر دثاراً. قال ثمامة بن أشرس: بت ليلة عند جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، فانتبهت ببكائه فقلت: ما يبكيك، لا أبكى الله عينيك؟ قال: رأيت في منامي كأن شيخاً قد أتاني، فأخذ بعضادتي باب البيت الذي أنا فيه فقال: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر فقلت مجيباً له: بلى نحن كنا أهلها وأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر قال: فلما رأيته على هذه الحال انصرفت إلى منزلي، فلما أصبحت غدوت إلى دار السلطان فإذا بجثته عند الجسر، وإذا خلق كثير حولها. فقلت: ما هذا؟ فقالوا: وجه السلطان إلى جعفر بن يحيى في الليل من ضرب عنفه، وقد أمر بصلبه. فمضيت لحاجتي ورجعت، فإذا هو مصلوب فقلت: في آل برمك للورى عظة ... لو كان يعمل فيهم الفكر منحتهم الدنيا خزائنها ... واختصهم بصفائه الدهر

حتى إذا بلغوا السها شرفا ... حقا وقصر عنهم الفخر عز الزمان بهم فجعفرهم ... بعد الحجاب محله الجسر وتمزقوا من بين مصطلم ... ومكبل قد ضمه الأسر قال اسحق الموصلي: قال لي الرشيد بعد قتل جعفر وصلبه: اخرج بنا لننظر إلى جعفر فلما وصل إليه جعل ينظره ويتأمله، وأنشأ يقول: تقاضاك دهرك ما أسلفنا ... وكدر عيشك بعد الصفا فلا تعجبن فن الزمان ... رهين بتفريق ما ألفا قال: فنظرت غليه ثم قلت: إن كنت يا جعفر أصبحت آية، فلقد كنت في الجود غاية، قال: فنظر إلي الرشيد كالجمل الصؤول وهو مغضب وأنشأ يقول: ما يعجب العالم من جعفر ... ما عاينوه فبنا كانا من جعفر أو من أبوه ومن ... كانت بنو برمك لولانا؟؟ ثم حول وجه فرسه وانصرف. ولما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحيى وما نزل بالبرامكة، حول وجهه إلى الكعبة وقال: اللهم، إنه قد كان كفاني مؤنة الدنيا، فاكفه مؤنة الآخرة. قال الأصمعي: كنت أجالس الرشيد وأسامره، فوجه إلي ليلة في ساعة يرتاب فيها البريء، فتناولت أهبة الدخول عليه فمنعت من ذلك وأعجلت، فدخلني من ذلك رعب شديد وخوف، وجعلت أتذكر ذنباً فلا أجده، وجعلت نفسي تظن الظنون. فلما دخلت عليه سلمت ومثلت بين يديه قائما وهو مطرق، فرفع رأسه إلي، فلما رآني أمرني بالجلوس، فجلست، فقال: يا عبد الملك، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال:

جعونة بن الحارث بن خالد

لو أن جعفر خاف أسباب الردى ... لنجا بمهجته طمر ملجم ولكان من حذر المنون بحيث لا ... يرجو اللحاق به الغراب القشعم لكنه لما تقارب يومه ... لم يدفع الحدثان عنه منجم وكان بين يديه طست مغطى بمنديل، فأمر بكشفه فكشف، فإذا رأس جعفر بن يحيى البرمكي، ثم قال: الحق بأهلك يابن قريب، فنهضت ولم أجر جوابا للرعب. فلما أفرخ روعي فكرت في ذلك، فوجدته أحب أن يعلمني مكره ونكره ودهاءه ليتحدث به عنه. قال الأصمعي: فخرجت وأنا أقول: أيها المغرور هل لك ... عبرة في آل برمك عبرة لم ترها أنت ... ولا قبل آت لك قتل جعفر بن يحيى في صفر سنة سبع وثمانين ومائة، وهو ابن سبع وثلاثين سنة. وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة. جعونة بن الحارث بن خالد ويقال: ابن جعونة بن قرة النميري العامري من أهل الرها، روى عن عمر بن عبد العزيز، واستعمله عمر بن عبد العزيز على الدروب. حدث عن هاشم الأوقص، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من اشترى ثوبا بعشرة دراهم، منه درهم حرام، لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه.

وفي رواية: ثم أدخل أصبعيه في أذنيه ثم قال: صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرتين أو ثلاثا. قال جعونة: ولى عمر بن عبد العزيز عمرو بن قيس السكوني الصائفة فقال: اقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم، ولا تكن في أولهم فتقتل، ولا في آخرهم فتفشل، ولكن كن وسطاً حيث يرى مكانك ويسمع صوتك. دخل جعونة بن الحارث على عمر بن عبد العزيز فقال: ياجعونة، إني قد ومقتك فإياك أن أمقتك، أتدري ما يحب أهلك منك؟ قال: نعم، يحبون صلاحي. قال عمر: لا، ولكنهم يحبون ما قام لهم سوادك، وأكلوا في غمارك، وتزودوا على ظهرك. فاتق الله ولا تطعمهم إلا طيبا. ونسبه بعض ولده فقال: هو جعونة بن الحارث بن خالد بن سعد بن مالك بن نضلة بن عبد الله بن كليب بن عمرو بن عامر بن ببيعة بن عامر بن صعصعة. وذكروا أن أباه الحارث لما هاجر إلى الجزيرة نزل وادي بني عامر، ثم انتقل منه إلى الرها فاتخذها منزلا، وعظم قدر جعونة بها حتى اختصه عمر بن عبد العزيز. وكان ابنه منصور بن جعونة أحد عدد عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس ووجوه قواده، فلما سار إلى كفر توثا لمرافقة أبي مسلم خلف أمواله ونقلته بالرها عند منصور، فلما هزم عبد الله وانحل أمره امتنع منصور على أبي مسلم بالرها بالرها، فحاصره مدة، فلم تكن له فيه حيلة إلا بالأمان، فإنه أمنه على نفسه وماله. فلما حصل في يد المنصور نقله عنها إلى ملطية، وهدم سور مدينة الرها وسائر سيران الجزيرة من أجل ما كان من امتناع منصور بها وذلك سنة أربعين ومائة.

جماهر بن محمد بن أحمد بن أحمد

قال أبو سهل الرازي النحوي: قال أبو جعفر المنصور يوماً: ألا تحمدون الله إذ رفع عنكم الطاعون في ولايتنا؟ فقال له جعونة: الله أعدل من أن يجمعك علينا والطاعون. فقتله. قال الحافظ: يعني إذ كان المنصور والياً على الجزيرة قال: ولا أرى جعونة بقي إلى أيام السفاح، ولعله ابنه منصور بن جعونة. جماهر بن محمد بن أحمد بن أحمد ابن حمزة بن سعيد بن عبيد الله بن وهيب بن عباد بن سماك بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سينا بن يشجب بن يعرب بن قحطان الغساني من أهل زملكا ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين. حدث عن هشام بن عمار بسنده عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة. " كان ثقة مأموناً. توفي في المحرم سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة. جمال بن بشر العامري الكلابي قيل: ممن غزا مع مسلمة بن عبد الملك. قال أبو محمد عبد الله بن سعد القطربلي: اجتمع قوم فذكروا الكذب فذموه، فقال شيخ منهم: لربما نفع الكذب ونعم الشيء

هو فاستعملوه. قال: فعجب القوم لقوله ونظروا إليه فقال: سأخبركم بذلك؛ إني كذبت كذبتين فسرقت بإحداهما واستغنيت بالأخرى؛ كنت في الأمداد الذين وجهوا إلى مسلمة بن عبد الملك بأرض الروم، فالتقى المسلمون والعدو ذات يوم فوقفت مع الناس وراء مسلمة، ورجل من المسلمين يقاتل العدو قتالاً شديداً، ويبلي بلاء حسناً، فقال مسلمة، من الرجل جزاه الله خيراً عن الإسلام؟ فقلت من ورائه: هذا جمال بن بشر الكلابي أصلح الله الأمير، فسميت نفسي إذ لم يحضر من يعرفني ولا يعرف الرجل، فجعل مسلمة يقول: جزاك الله يا جمال عن الإسلام خيرا. فلما انصرف، وكان العشي رأيت وجوه أصحابي يتهيؤون للمصير إليه فتهيأت، ثم صرت إلى الباب فزبرني الحاجب ومنعني من الدخول فناديت بأعلى صوتي: أنا جمال بن بشر الكلابي أصلح الله الأمير. فقال مسلمة: أدخلوه أدخلوه، جزاك الله خيراً يا جمال عن الإسلام، أتدرون ما صنع هذا؟ فأحسن الثناء. فلما رأى ذلك أصحابي أطنبوا في الثناء علي، وشايعوه على غير معرفة منهم، فألحقني في شرف العطاء، فسرقت بهذه. ثم صرنا بعد ذلك إلى أمير المؤمنين، فأوفد رجلين إلى خالد بن عبد الله القسري أنا أحدهما، والآخر روح بن زنباع الجذامي، فلما وصلنا إلى خالد قدم ابن عمه علي وفضله في المجلس واللقاء والجائزة وانصرفنا، وقد كنت أخالط أقواما بالكوفة يعرفون بالتجارة، فأبضعوا معي بضائع من مال وبرود وغير ذلك، فأصابتنا السماء في الطريق، فلما نزلت المنزل حللت ما كان معي وسررت الثياب، وأخرجت المال فخلطت بعضها ببعض فنظر إلي روح، فدخله من ذلك حسد فقال: ما هذا يا أخا بني عامر؟؟ قلت: ما كنت احب أن تعلم بهذا، فألح علي في المسألة فقلت: ابن عملك فضلني في الجائزة واستحياك فاستكتمني، فتغيظ عليه وبسط لسانه فيه يسبه ويتنقصه ويشكوه عند وجوه قومه، وجعلت أحسن الثناء عليه وأظهر الشكر له، فكتب إليه بذلك، فكتب: إني والله ما فعلت، ولقد فضلت روحا على العامري في جميع حالاته، ولكن العامري رجع إلى شرف وكرم ورجع روح إلى لؤم، وقد وجهت بألف دينار إلى العامري فأوصلوها إليه. قال: فاستغنيت بها. فنعم الشيء الكذب. قال الحافظ: إن كان حفظ اسم روح في هذه الحكاية فهي كذبة ثالثة من جمال الكلابي، فإن روحاً مات في آخر أيام عبد الملك، قيل أن يلي خالد القسري العراق، فإنه إنما وليه لهشام بن عبد الملك، إلا أن يكون ابن روح أو رجلا من قبيلة روح. والله أعلم.

جمح بن القاسم بن عبد الوهاب

جمح بن القاسم بن عبد الوهاب ابن القاسم بن عبد الوهاب بن أبان بن خلف أبو العباس الجمحي المؤذن المعروف بابن أبي الحواجب حدث عن إسماعيل بن محمد أبي قصي بسنده عن عبد الله بن عمر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو كلب ضاري، نقص من أجره كل يوم قيراط. القيراط مثل أحد ". وحدث عنه أيضا بسنده إلى كعب بن عجرة. أنه مر به سلمان الفارسي وهو مرابط في بعض أرض فارس، فسأله سلمان: مالك هاهنا؟ قال: مرابط. قال: أفلا أخبرك بأمر سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أجير من فتنة القبر، وأجري عليه صالح عمله إلى يوم القيامة ". ولد جمح بن القاسم في سنة ثمان وتسعين ومائتين، وتوفي بدمشق سنة ثلاث وستين وثلاث مائة في شعبان. وكان ثقة نبيلاً. جميل بن أحمد بن فضالة بن الصقر ابن فضالة ابن سالم بن جميل بن عمرو بن ثوابة بن الأخنس بن مالك بن النعمان بن امرىء القيس أبو حارثة اللخمي أنشد جميل بن أحمد لبعض أهل العلم: وما لمت في الإنفاق نفسي لأنني ... رأيت بخيل القوم أهونهم فقدا فلا تعجبي يا سلم إن قل درهم ... فما قل حتى قل من يطلب الحمدا

جميل بن تمام بن علي

وليس الفتى المرزوق من زاد ماله ... ولكنما المرزوق من رزق الرشدا جميل بن تمام بن علي أبو الحسن المقدسي الطحان كان حافظا للقرآن، وسمع الحديث. حدث بدمشق عن أبي الحسن علي بن طاهر، بسنده عن عبد الله بن السائب قال: شهدت العيد مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فلما قضيت الصلاة قال: " قد قضينا الصلاة، فمن شاء أن يشهد الخطبة فليشهد، ومن أحب أن ينصرف فلينصرف ". توفي جميل بن تمام في صفر سنة ست وثلاثين وخمس مائة. جميل بن عبد الله بن معمر ابن صباح بن ظبيان بن حن بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد أبو عمرو العذري الشاعر المعروف بجميل بن معمر صاحب بثينة حدث عن أنس بن مالك، ووفد على الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، وقد اختلف في نسبه، ومنهم من لم يذكر صباح في نسبه. وحن بحاء مهملة مضمومة بعدها نون. وبثينة هي بنت حبا بن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن الأحب بن حن بن ربيعة. قال: والحني بضم الحاء المهملة وكسر النون، هو جميل بن عبد الله بن معمر الشاعر الحني.

كان جميل مع الوليد بن عبد الملك في سفر والوليد على نجيب، فرجز به ابن العذري فقال: يا بكر هل تعلم من علاكا ... خليفة الله على ذراكا فقال الوليد لجميل انزل فارجز، وظنه يمدحه، فنزل فقال: أنا جميل في السنام من معد ... في الذروة العلياء والركن الأشد فقال له: اركب لا حملك الله. ولم يمدح جميل أحد قط. قال أدهم التميمي: لقيني كثير عزة فقال: لقيني جميل بن معمر في هذا الموضع الذي لقيتك به فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند أبي الحبيبة - يعني أبا بثينة - ثم قال لي: وإلى أين تريد؟ فقلت إلى الحبيبة - أعني عزة - فقال لي: لا بد من أن ترجع عودك على بدئك، فتسجد لي موعداً. فقلت: إن عهدي بها الساعة، وأنا أستحيي. قال: لابد من ذلك. قال: قلت: فمتى آخر عهدك بهم؟ قال: بالدوم وهم يرحضون ثيابهم. قال: فأتيت أباها فقال: ما ردك يا بن أخي؟ فقلت: أبيات عرضت لي أحببت أن أعرضها عليك. قال: هات. فأنشدته: فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... على نأي دار والموكل مرسل بأن تجعلي بيني وبينك موعداً ... وأن تأمريني بالذي فيك أفعل وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل

قال: فضربت بثينة جانب الخدر وقالت: إخسأ اخسأ. فقال أبوها، مهيم يا بثينة! قالت: كلب يأتينا إذا الناس نوم الناس من وراء الرابية. قال: فأتيته، فأخبرته أن قد وعدته إذا نوم الناس من وراء الرابية. ولما استعدى آل بثينة مروان بن الحكم على جميل، وطلبه ربعي بن دجاجة العبدي صاحب تيماء، هرب إلى أقاصي بلاده، فأتى رجلاً من بني عذرة شريفاً وله بنات سبع كأنهن البدور جمالاً، فقال: يا بناتي تحلين بجيد حليكن، والبسن جيد ثيابكن، ثم تعرضن لجميل، فإني أنفس على مثل هذا من قومي، فكان جميل إذا مر بهن ورآهن أعرض بوجهه فلا ينظر إليهن، ففعل ذلك مراراً، وفعله جميل، فلما علم ما أريد بهن أنشأ يقول: حلفت لكي تعلمن أني صادق ... وللصدق خير في الأمور وأنجح لتكليم يوم من بثينة واحد ... ورؤيتها عندي ألذّ وأملح من الدهر لو أخلو بكنّ وإنما ... أعالج قلباً طامحاً حيث يطمح قال: فقال لهن أبوهن: ارجعن فوالله لا يفلح هذا أبداً. قال محمد بن أحمد بن جعفر الأهوازي: قدم جميل بن عبد الله بن معمر على عبد العزيز بن مروان بمصر، فدخل حماماً لهم، فإذا في الحمام شيخ من أهل مصر، وكان جميل رجلا جسيماً حسناً وسيماً، فقال له الشيخ: يا فتى، كأنك لست من أهل هذه البلدة! قال: أجل. قال: فمن أين أنت؟ قال: من الحجاز. قال: من أي أهل الحجاز؟ قال: رجل من بني عذرة. قال: فما اسمك؟ قال: جميل بن عبد الله بن معمر. قال صاحب بثينة؟ قال: نعم. قال: فما رأيت فيها يا ابن أخي! فوالله لقد رأيتها ولو ذبح بعرقوبها طائر لانذبح. فقال له جميل: يا عم، إنك لم

جميل بن يوسف بن إسماعيل

ترها بعيني، ولو نظرت إليها بعيني لأحببت أن تلقى الله وأنت زان. قال: ومرض جميل بمصر مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه العباس بن سهل الساعدي وهو يجود بنفسه، فقال له جميل: يا عباس، ما تقول في رجل لم يقتل نفساً، ولم يزن قطّ، ولم يسرق، ولم يشرب خمراً قطّ، أترجو له؟ فقال العباس: إي والله. قال: فقال جميل: إني لأرجو أن أكون ذلك الرجل. قال العباس: فقلت له سبحان الله! وأنت تتبع بثينة منذ ثلاثين سنة. فقال: يا عباس؛ إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، لا نالتني شفاعة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن كنت وضعت يدي عليها قطّ. قال: ومات رحمه الله. وقيل: إن هذه الحكاية جرت له بالشام، وفيها: إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط. ثم مات. وحدث هارون بن عبد الله القاضي قال: قدم جميل بن معمر مصر على عبد العزيز بن مروان ممتدحاً له، فأذن له وسمع مدائحه، وأحسن جائزته، وسأله عن حبه بثينة، فذكر وجداً فوعده في أمرها موعداً، وأمره بالمقام، وأمر له بمنزل وما يصلحه، فما أقام إلا يسيراً حتى مات هناك، وذلك في سنة اثنتين وثمانين. جميل بن يوسف بن إسماعيل أبو علي البادرائي العراقي نزل بانياس سمع بدمشق وقدمها سنة خمس وستين وأربع مائة. حدث عن القاضي أبي الحسن محمد بن محمد بن حامد بن بنبق بسنده عن أبي أيوب أن رجلاً قال: يا رسول الله، عظني وأوجز. قال: إذا كنت في صلاتك فصلّ صلاة مودّع وإياك وما يعتذر منه، واجمع اليأس مما في أيدي الناس. توفي جميل بالأكواخ من بانياس سنة أربع وثمانين وأربع مائة.

جناح بن الوليد

جناح بن الوليد حدث أبو مسهر عن سعيد قال: قال رجل لجناح بت الوليد: أدام الله فرحكم. قال: " إن الله لا يحب الفرحين ". قال الحافظ: كذا قال الراوي: وإنما هو جناح مولى الوليد الذي يذكر بعد هذا. جناح أبو مروان مولى الوليد بن عبد الملك وكاتبه على الرسائل، وصاحب خاتمه. روى عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ليس للمرأة أن تنتهك شيئاً من مالها، إلا بإذن زوجها. جنادة بن حنيفة الصنعاني حدث عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا جاء نصر الله والفتح، قال: وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم، لينة طباعهم، سخية قلوبهم، عظيمة خشيتهم، دخلوا في دين الله أفواجا. جنادة بن أبي خالد أبو الخطاب قيل: إنه دمشقي سكن الرّها، كان على الطراز في أيام هشام، وكان اسمه على الرقم.

جنادة بن عمرو بن الجنيد

حدث عن أبي شيبة قال: قلنا لعمرو بن عنبسة. حدثنا حديثاً ليس فيه وهم ولا نسيان قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: والله ما كذبت ولا وهمت ولا نسيت وهو يقول: من توضأ خرجت خطاياه كما يخرج من بطن أمه، ومن رمى بسهم في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة، ومن صام يوماً في سبيل الله باعده الله من النار سبعين خريفاً. وحدث جنادة عن مكحول عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد، آتاه الله نوراً يوم القيامة. جنادة بن عمرو بن الجنيد ابن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة ابن غيظ بن مرة المري حدث عن أبيه عن جده الجنيد بن عبد الرحمن قال: دخلت من حوران آخذ عطائي، فصليت الجمعة، ثم خرجت إلى باب الدرج، وإذا عليه شيخ يقال له أبو شيبة القاصّ، يقصّ على الناس، فرغّب فرغبنا، وخوّف فبكينا. فلما انقضى حديثه قال: اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب، فلعنوا أبا تراب عليه السلام. فالتفت عن يميني فقلت له: ومن أبو تراب؟ فقال: علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وزوج ابنته، وأول الناس إسلاماً، وأبو الحسن والحسين. فقلت: ما أصاب هذا القاص! فقمت إليه وكان ذا وفرة، فأخذت وفرته بيدي، وجعلت ألطم وجهه وأنطح برأسه الحائط، وصاح واجتمع أعوان المسجد، فوضعوا ردائي في رقبتي، وساقوني حتى أدخلوني على هشام بن عبد الملك وأبو شيبة يقدمني، فصاح: يا أمير المؤمنين، قاصّك وقاصّ آبائك وأجدادك أتى إليه اليوم أمر عظيم. فقال: من فعل بك هذا؟ فالتفتّ إلى هشام وعنده أشراف الناس فقال: أبو يحيى، متى قدمت؟ فقلت:

جنادة بن كبير وكنية كبير أبو أمية

أمس، وكنت على المصير إلى أمير المؤمنين فأدركتني الجمعة، فصليت، وخرجت إلى باب الدرج، فإذا هذا الشيخ قائم يقصّ، فجلست إليه فقرأ فسمعنا، ورغّب فرغبنا، وحذّر فبكينا، ودعا فأمّنّا، وقال في آخر كلامه، اختموا مجلسنا بلعن أبي تراب. فسألت: من أبو تراب؟ فقيل: علي بن أبي طالب، أول الناس إسلاماً، وابن عم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وزوج ابنته، وأبو الحسن والحسين، فوالله يا أمير المؤمنين لو ذكر هذا قرابة لك بمثل هذا الذكر ولعنه هذه اللعنة لأحللت به الذي أحللت به، فكيف لا أغضب لصهر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وزوج ابنته؟! قال: فقال هشام: بئس ما صنع. ثم عقد لي على السّند. ثم قال لبعض جلسائه: مثل هذا لا يجاورني هاهنا فيفسد علينا البلد فباعدته إلى السند. فقال لنا بشر بن عبد الوهاب: وهو ممثّل على باب السند، بيده اليمنى سيف وبيده اليسرى كيس يعطي منه. ومات الجنيد بالسند فقال فيه الشاعر: ذهب الجود والجنيد جميعاً ... فعلى الجود والجنيد السّلام جنادة بن كبير وكنية كبير أبو أمية الدّوسي الأزدي لأبيه صحبة، وأدرك وفاة سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وله صحبة أيضاً. سكن الأردن، وقدم دمشق. روى أبو عبد الله الصنابحي أن جنادة بن أبي أمية أمّ قوماً. فلما قام من الصلاة التفت عن يمينه فقال:

أترضون؟ قالوا: نعم، ثم فعل ذلك عن يساره، ثم قال: إني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: من أمّ قوماً وهم له كارهون، فإنّ صلاته لا تجاوز ترقوته. وروى أبو الخير أن جنادة بن أبي أمية حدثه، أنّ رجالاً من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال بعضهم: إن الهجرة قد انقطعت فاختلفوا في ذلك، قال: فانطلقت إلى رسول الله فقلت: يا رسول الله، إن أناساً يقولون: إن الهجرة قد انقطعت، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد. وروى حذيفة الأزدي عن جنادة الأزدي أنهم ولجوا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم ثمانية رهط وهو ثامنهم يوم الجمعة، فدعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بطعام، فقال لرجل: كل. فقال: صائم، قال لآخر: كل. قال: صائم. حتى سألهم جميعاً فقال: صمتم أمس؟ قالوا: لا. قال: أصيّام غداً؟ قالوا: لا. فأمرهم أن يفطروا. وروى جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من تعارّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: رب اغفر لي - أو قال: ثم دعا - استجيب له. فإن عزم فتوضأ ثم صلى تقبّلت صلاته. توفي جنادة سنة ثمانين، وقيل: سنة سبع وستين، وقيل: سنة خمس وسبعين، وقيل: سنة ست وثمانين. وشهد فتح مصر، وولي البحر لمعاوية. حدث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من ادعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين

جنادة بن محمد بن أبي يحيى

عاماً ". فلما رأى ذلك جنادة بن أبي أمية، وكان معاوية أراد أن يدعيه قال جنادة: إنما أنا سهم من كنانتك، فارم بي حيث شئت. حدث سفيان بن سليم عن جنادة بن أبي أمية الأزدي: أن معاوية كتب إليه يأمره بالغارة على جزيرة البحر بمن معه، وذلك في الشتاء بعد إغلاق البحر. فقال جنادة: اللهم، إن الطاعة علي وعلى هذا البحر، اللهم، إنا نسألك أن تسكنه وتسيرنا فيه. فزعموا أنه ما أصيب به أحد. قال الليث: في سنة ست وخمسين غزوة عابس بن سعيد ومالك بن عبد الله الخثعمي اصطاذنة. جعل عابس على أهل مصر، وجنادة بن أبي أمية على أهل الشام، ومالك بن عبد الله على الجماعة، فشتوا بأقريطش سنة الجوع من بعد مرجعهم من اصطاذنة، وفي سنة تسع وخمسين غزوة جنادة بن أبي أمية هو وعلقمة بن جنادة الحجري وعلقمة بن الأجثم رودس. قال جنادة بن أبي أمية: أول خطيئة كانت الحسد، أمر إبليس أن يسجد لآدم، فحسده فلم يسجد له. جنادة بن محمد بن أبي يحيى أبو عبد الله ويقال أبو يحيى المري الدمشقي. حدث عن عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " قلب ابن آدم شاب في حب اثنتين، حب المال وطول الأمد ". توفي في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومئتين.

جندب بن زهير بن الحارث بن كثير

جندب بن زهير بن الحارث بن كثير ابن جشم بن سبيع بن مالك بن ذهل بن مازن بن ذبيان بن ثعلبة بن الدؤل بن سعد مناة بن غامد وهو عمرو بن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، ويقال جندب بن عبد الله بن زهير الغامدي الأزدي. يقال: إن له صحبة، وهو من أهل الكوفة، وكان ممن سيره عثمان من الكوفة إلى دمشق، وشهد مع علي صفين أميراً على الأزد. قال ابن عباس: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لقالة الناس، فلا يريد به الله عز وجل. فنزل في ذلك: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ". قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: خرج إلينا رجل من أصحاب علي يوم الجمل فقال: يا معشر شباب قريش، اكفونا أنفسكم، فإن لم تفعلوا فقد أنذرتكم رجلين، فإنهما نهمتان في الحرب. أما أحدهما، فجندب بن عبد الله الغامدي، وسأصفه لكم: هو رجل طويل، طويل الرمح يحتزم على درعه حتى تقلص عن ساقيه. وأما الآخر فمالك بن الحارث، وسأصفه لكم: هو رجل طويل الرمح، يسحب درعه سحباً عند النزال. فبينا أنا أقاتل أقبل جندب فعرفته بصفته، فأردت أن أحيد عنه فقلت: والله ما حدت عن قرن قط، فدفع إلي وطعن برمحه في وجه حديد كان علي، فزلق عند الرمح فقال: أي عدو، قد عرفتك، ولولا خالتك لقتلتك. ثم نظرت إليه قد طعن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فعدله عن فرسه كالنحلة السحوق متعطفاً ببرد حبرة. ثم قاتلت ساعة، فأقبل مالك فعرفته بصفته، فأردت أن أحيد عنه فقلت: والله، ما حدت

جندب بن عبد الله ويقال ابن كعب

عن قرن قط، فدفع إلي فتطاعنا برمحينا، كأنهما قصبتان، ثم اضطربنا بسيفينا كأنهما مخراقان، ثم احتملني وكان أقوى مني فضرب بي الأرض وأخذ برجلي فقال: أما والله لولا خالتك ما شربت البارد أبداً. قتل جندب مع علي بصفين، وكان على الرجالة. جندب بن عبد الله ويقال ابن كعب ابن عبد الله بن جزء بن عامر بن مالك بن عامر بن دهمان بن ثعلبة بن ظبيان بن غامد واسمه عمرو بن عبد الله بن كعب له صحبة. حدث عن سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان ممن قدم دمشق في المسيرين من أهل الكوفة في خلافة عثمان. حدث أبو عثمان النهدي: أن ساحراً كان يلعب عند الوليد بن عقبة، فكان يأخذ سيفه فيذبح نفسه ولا يضره، فقام جندب إلى السيف فأخذه فضرب عنقه، ثم قرأ: " أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ". وروى الحسن عن جندب أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " حد الساحر ضربة بالسيف ". قال ابن منده: جندب بن كعب قاتل الساحر عداده في أهل الكوفة. حدث علي قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسير، فنزل فساق بأصحابه الركاب، فجعل يقول: "

جندب وما جندب؟ والأقطع الخير زيد وجعل يعيد ذلك ليلته ". فقال له القوم: يا رسول الله، ما زال هذا قولك منذ الليلة قال: " رجلان من أمتي يقال لأحدهما جندب، يضرب ضربة يفرق بين الحق والباطل، والآخر يقال له زيد، يسبقه عضو من أعضائه إلى الجنة، ثم يتبعه سائر جسده ". قال: فأما جندب فإنه أتي بساحر عند الوليد بن عقبة وهو يريهم أنه يسحر، فضربه بالسيف فقتله، وأما زيد فقطعت يده في بعض مشاهد المسلمين، ثم شهدا جميعاً مع علي. فقتل زيد يوم الجمل مع علي. وفي حديث آخر: فلما ولي عثمان، ولى الوليد بن عقبة الكوفة، فصلى بهم الغداة ركعتين ثم قال: اكتفيتم أو أزيدكم؟ فقالوا: لا تزدنا. قال: ثم أجلس رجلاً يسحر، يريهم أنه يحيي ويميت، فأتى جندب الصياقلة، فقال: ابغونا صفيحة لا ترد علي، فجاء بسيف تحت برنسه، ثم ضرب به عنق الساحر فقال: أحي نفسك الآن. فقال الناس: خارجي فقال: لست بخارجي، من عرفني فأنا الذي أعرف، ومن لم يعرفني فأنا جندب. فرفع إلى عثمان فقال: شهرت سيفاً في الإسلام، لولا ما سمعت من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيك لضربتك بأجود صفيحة بالمدينة. ثم أمر به إلى جبل الدخان. وأما زيد فقطعت يده بالقادسية، وقتل يوم الجمل. فقال: ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم، أتيناهم في دارهم، وطعنا على خليفتهم، فيا ليتنا إذ ابتلينا صبرنا. وقيل: إن الوليد أمر بجندب ديناراً صاحب السجن، وكان رجلاً صالحاً فسجنه، فأعجبه نحو الرجل فقال: أفتستطيع أن تهرب؟ قال: نعم: قال: فاخرج، لا يسألني الله عنك أبداً.

حدث محمد بن مخنف قال: كان أول عمال عثمان أحدث منكراً الوليد بن عقبة، كان يدني السحرة، ويشرب الخمر، وكان يجالسه على شرابه أبو زبيد الطائي، وكان نصرانياً، وكان صفياً له، فأنزله دار القبطي وكانت لعثمان بن عفان، اشتراها من عقيل بن أبي طالب، فكانت لأضيافه، وكان يجالسه على شرابه عبد الرحمن بن خنيس الأسدي، فكان الناس يتذاكرون شربهم وإسرافهم على أنفسهم، فخرج بكير بن حمدان الأحمري من القصر، فأتى النعمان بن أوس المزني وجرير بن عبد الله البجلي، فأسر إليهما أن الوليد يشرب الساعة. فقاما ومعهما رجل من جلسائهما، فمروا بحذيفة بن اليمان فأخبروه الخبر، فقال: ادخلا عليه فانظرا إن أحببتما، فمضيا حتى دخلا عليه فسلما، ونظر إليهما الوليد فأخذ كل شيء كان بين يديه فأدخله تحت السرير، فأقبلا حتى جلسا، فقال لهما: ما جاء بكما؟ قالا: ما هذا الذي تحت السرير؟ ولم يريا بين يديه شيئاً، فأدخلا أيديهما تحت السرير، فإذا هو طبق عليه قطف من عنب قد أكل عامته، فاستحييا وقاما، فأخذا يظهران عذره ويردان الناس عنه، ثم لم يرعهما من الوليد إلا وقد أخرج سريره فوضعه في صحن المسجد، وجاء ساحر يدعى بطروني، وكان ابن الكلبي يسميه اليشتابي من أهل بابل، فاجتمع إليه الناس فأخذ يريهم الأعاجيب، يريهم حبلاً في المسجد مستطيلاً وعليه فيل يمشي، وناقة تخب، وفرس تركض، والناس يتعجبون مما يرون. ثم يدع ذلك فيريهم حماراً يجيء، يشتد، حتى يدخل من فيه فيخرج من دبره، ثم يعود فيدخل من دبره فيخرج من فيه. ثم يريهم رجلاً قائماً، ثم يضرب عنقه، فيقع رأسه جانباً، ويقع الجسد جانباً، ثم يقول له: قم. فيرونه يقوم وقد عاد حياً كما كان. فرأى جندب بن كعب ذلك فخرج إلى معقل مولى لصقعب بن زهير بن أنس الأزدي، وكانت عنده سيوف وكان معقل صيقلاً، فقال: أعطني سيفاً قاطعاً. فأعطاه إياه، فأقبل فمر على معضد التيمي من بني تيم الله بن ثعلبة فقال له: أين تريد يا أبا عبد الله؟ قال: أريد أن أقتل هذا الطاغوت الذي الناس عليه علوق. قال: من تعني؟ قال: هذا العلج الساحر، الذي سحر أميرنا الفاجر العاتي، فإني والله لقد مثلت الرأي فيهما، فظننت أني إن قتلت الأمير سيوقع بيننا فرقة تورث عداوة، فأجمع رأيي على قتل الساحر. قال: فاقتله ولا تل في نيتك فأنت على هدى وأنا شريكك.

فجاء حتى انتهى إلى المسجد والناس فيه مجتمعون على الساحر، وقد التحف على السيف بمطرف كان عليه، فدخل بين الناس فقال: أفرجوا أفرجوا، فأفرجوا له، فدنا من العلج فشد عليه فضربه بالسيف فأذرى رأسه، ثم قال: أحي نفسك. فقال الوليد: علي به، فأقبل به إليه عبد الرحمن بن خنيس الأسدي وهو على شرطة، فقال: اضرب عنقه. فقام مخنف بن سليم في رجال من الأزد فقالوا: سبحان الله! أتقتل صاحبنا بعلج ساحر! لا يكون هذا أبداً. فحالوا بين عبد الرحمن وبين جندب. فقال الوليد: علي بمضر. فقام إليه شبيب بن ربعي فقال: لم تدعو مضر! تريد أن تستعين بمضر على قوم منعوا أخاهم منك أن تقتله بعلج ساحر كافر من أهل السواد! لا تجيبك والله مضر إلى الباطل، ولا إلى ما لا يحل! قال الوليد: انطلقوا به إلى السجن حتى أكتب فيه إلى عثمان. قالوا: أما السجن فإنا لا نمنعك أن تحبسه. فلما حبس جندب أقبل ليس له عمل إلا الصلاة الليل كله وعامة النهار، فنظر إليه رجل يدعى دينار ويكنى أبا سنان، وكان صالحاً مسلماً، وكان على سجن الوليد فقال له: يا أبا عبد الله ما رأيت رجلاً قط خيراً منك، فاذهب رحمك الله حيث أحببت، فقد أذنت لك. قال: فإني أخاف عليك هذا الطاغية أن يقتلك. قال أبو سنان: ما أسعدني إن قتلني، انطلق أنت راشداً. فخرج فانطلق إلى المدينة. وبعث الوليد إلى أبي سنان، فأمر به فأخرج إلى السبخة فقتل، وانطلق جندب بن كعب فلحق بالحجاز فأقام بها سنين. ثم إن مخنفاً وجندب بن زهير قدما على عثمان فأتيا علياً فقصا عليه قصة جندب بن كعب، فأقبل علي فدخل معهما على عثمان فكلمه في جندب بن كعب، وأخبره بظلم الوليد له. فكتب عثمان إلى الوليد: أما بعد، فإن مخنف بن سليم وجندب بن زهير شهدا عندي لجندب بن كعب بالبراءة وظلمك إياه، فإذا قدما عليك فلا تأخذن جندباً بشيء مما كان بينك وبينه، ولا الشاهدين لشهادتهما، فإني والله أحسبهما قد صدقا، ووالله لئن أنت لم تعتب وتنيب، لأعزلنك عنهم عاجلاً والسلام.

جندب بن عمرو بن حممة بن الحارث

جندب بن عمرو بن حممة بن الحارث ابن رفاعة بن ثعلبة بن لؤي بن عامر بن غنم بن دهمان بن منهب بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد الدوسي الأزدي: له صحبة شهد يوم اليرموك أميراً على بعض الكراديس، واستشهد بأجنادين سنة ثلاث عشرة. ويقال باليرموك. قال أبو حذيفة إسحاق بن بشر: وثبت جندب بن عمرو - يعني يوم اليرموك - ورفع رايته وهو يقول: يا معشر الأزد، إنه لا يبقى ولا ينجو من القتل والعدو والإثم إلا من قاتل، ألا وإن المقتول الشهيد والخائب من تولى ثم أخذ يقول: يا معشر الأزد، إنه لا يمنع الراية إلا الأبطال. فقاتل حتى قتل. وفي رواية: ونادى أبو هريرة الدوسي: يا مبرور يا مبرور، فطافت به الأزد. جنيد بن حكيم بن الجنيد أبو بكر الأزدي البغدادي الدقاق سمع بدمشق. حدث عن منصور بن أبي مزاحم بسنده عن أنس قال: كناني النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببقلة كنت أجتنيها. توفي جنيد بن حكيم سنة ثلاث وثمانين ومائتين.

جنيد بن خلف بن حاجب بن الوليد

جنيد بن خلف بن حاجب بن الوليد ابن جنيد أبو يحيى السمرقندي الفقيه قدم دمشق وحدث بها. روى عن أبي هشام المؤمل بن هشام العسكري بسنده عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: هل من رجل يأخذ مما فرض الله ورسوله كلمة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فيجعلهن في طرف ردائه فيعمل بهن ويعلمهن؟ قال: قلت: أنا، وبسطت ثوبي، وجعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحدث بحديث، حتى سكت، فضممت ثوبي إلى صدري. فإني لأرجو أن أكون لم انس حديثاً سمعته منه بعد. جنيد بن عبد الرحمن بن عمرو ابن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف ابن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان أبو يحيى المري من أهل دمشق. استعمله هشام بن عبد الملك على السند وخراسان فمات بها، وكان من الأجواد. روى عنه ابن ابنه جنادة بن عمرو بن الجنيد بن عبد الرحمن حكاية مذكورة فيما تقدم في ترجمة جنادة. قال أبو القلمّس: كان الشعراء يغشون الجنيد بن عبد الرحمن المري، فقال رجل منهم يوماً والجنيد مغتم: أيها الأمير، إما أن تصلني أو تضرب لي موعداً، قال موعدك الحشر. فمر الشاعر راجعاً. فلما كان بعد أيام دنا من الجنيد شاعر آخر فقال: أرحني بخير منك إن كان آتياً ... وإلا فواعدني كميعاد زابل وزابل هو الشاعر الأول الذي وعده الحشر فقال له الجنيد: ويحك، وما وعدت

زابلاً؟ قال: الحشر. فقال الجنيد لصاحبه شرطه: إن فاتك زابل فهيئ نفسك فأتبع زابل على البريد، فلحق بالطريق بهمذان، فرد إلى الجنيد بمرو، فأعطاه الجنيد مائة ألف، وأعطى المذكر به الشاعر خمسين ألفاً. قال: وبين مرو وهمذان نحو ثلاث مائة فرسخ. وكان الجنيد بن عبد الرحمن تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فغضب هشام على الجنيد وولى عاصم بن عبد الله خراسان، وكان الجنيد سقي بطنه فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فأزهق نفسه، فقدم عاصم وقد مات الجنيد. وذكروا أن جبلة بن أبي رواد دخل على الجنيد عائداً فقال: يا جبلة، ما يقول الناس؟ قال: قلت: يتوجعون للأمير. قال: ليس عن هذا أسألك، ما يقولون؟ وأشار نحو الشام. قال: قلت: يقدم على خراسان يزيد بن شجرة الرهاوي. قال: ذلك سيد أهل الشام. قال: ومن؟ قلت: عصمة أو عصام. وكنيت عن عاصم. قال: إن قدم عاصم قعد وجاهد، لا مرحباً به ولا أهلاً. قال: فمات في مرضه وذلك في المحرم سنة ست وعشرة ومائة، واستخلف عمارة بن خريم، وكانت وفاته بمرو فقال أبو الجويرية عيسى بن عصبة يرثيه: ذهب الجود والجنيد جميعاً ... فعلى الجود والجنيد السلام أصبحا ثاويين في بطن مرو ... ما تغنى على الغصون الحمام كنتما نهزة الكرام فلما ... مت مات الندى ومات الكرام ثم أتى أبو الجويرية بعد ذلك خالد بن عبد الله وامتدحه فقال له خالد: ألست القائل: ذهب الجود والجنيد جميعاً اذهب إلى الجود حيث دفنته فاستخرجه. وفي رواية: مالك عندنا شيء. فخرج فقال: تظل لامعة الآفاق تحملنا ... إلى عمارة والقود السراهيد

جون بن قتادة بن الأعور بن ساعدة

قصيدة امتدح بها عمارة بن خريم ابن عم الجنيد، وعمارة هو جد أبي الهيذام صاحب العصبية بالشام. قال: وقدم عاصم بن عبد الله، فحبس عمارة بن خريم وعمال الجنيد وعذبهم، وقيل: إن الجنيد مات سنة خمس عشرة. عن ضمرة بن ربيعة قال: جاء مؤذن الجنيد بن عبد الرحمن إليه في مرضه الذي مات فيه فسلم عليه بالإمارة، فقال: يا ليتها لم تقل لنا. جون بن قتادة بن الأعور بن ساعدة ابن عوف بن كعب بن عبد شمس بن سعد بن زيد مناه بن تميم العبشمي قيل: إن له صحبة. حدث جون بن قتادة قال: كنا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض أسفاره، فمر بعض أصحابه بسقاء معلق فيه ماء، فأراد أن يشرب فقال صاحب السقاء: إنه جلد ميتة، فأمسك حتى لحقهما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكروا ذلك له فقال: اشربوا فإن دباغ الميتة طهورها. هكذا روي. وقيل: ليس لجون صحبة، وإنما هو يرويه جون بن قتادة عن سلمة بن المحبق. قال: وهو الصواب. عن جون عن سلمة بن المحبق أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا في غزوة تبوك بماء من عند امرأة، فقالت ما عندي ماء إلا في قربة غير ذكي، فقال: أليس دبغتها؟ قالت: نعم. قال: فإن دباغها ذكاتها ". وفي رواية: فإن الأديم طهوره دباغه.

جوية بن عائذ ويقال بن عاتك

وحدث شعبة عن قتادة عن الحسن عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق، أن رجلا من صحابة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يزال يسافر ويغزو، وأن امرأته بعثت معه جارية لها فقالت: تغسل رأسك وتخدمك، وتحفظ عليك. ولم تجعلها له، وإنه طال سفره في وجهة فوقع بالجارية، فلما قفل أخبرت الجارية مولاتها بذلك، فغارت غيرة شديدة فغضبت، فأتت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته يالذي صنع فقال لها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كان استكرهها فهي عتيقة وعليه مثلها، وإن كان أتاها عن طيب نفس منها ورضاها فهي له، وعليه مثل ثمنها لك. ولم يقم فيه حداً. حدث جون بن قتادة قال: كنت مع الزبير فجاء فارس يسير، وكانوا يسلمون على الزبير بالإمرة. فقال: السلام عليك أيها الأمير؛ فقال: وعليك السلام. قال: هؤلاء القوم قد أتوا إلى مكان كذا وكذا، قال: فلم أر قوماً أرث سلاحاً ولا أقل عدداً ولا أرعب قلوباً من قوم أتوك، ثم انصرف. جوية بن عائذ ويقال بن عاتك ويقال ابن أبي إياس ويقال ابن عبد الواحد النصري من بني نصر بن معاوية ويقال الأسدي النحوي الكوفي وفد على معاوية قال: لما قدمت على معاوية بن أبي سفيان قال لي: يا جوية ما القرابة؟ قلت: المودة. قال: فما السرور؟ قلت: المواتاة. قال: فما الراحة؟ قلت: الجنة. قال: صدقت.

جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون

قال الفراء في قوله تعالى: " قل أوحي إلي " قال القراء مجمعون على أوحي وقرأها جوية قل أحي إلي، من وحيت، فهمز الواو لأنها انضمت. كما قال: " وإذا الرسل أقتت " قال: وأهل الحجاز يقولون: أوحيت. وأسد: وحيت. وقال بعض بني كلاب: إنه ليحى إلي وحياً ما أعرفه. جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون ولي إمرة دمشق بعد أبيه أبي الجيش مدة يسيرة، ثم خرج متوجهاً إلى مصر فقتل قبل أن تطول مدته. بويع جيش بدمشق في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وخرج إلى مصر، واستخلف على دمشق طغج بن جفّ. حدث ربيعة بن أحمد بن طولون قال: لما توفي خمارويه قبض علّ وعلى مضر وشيبان ابني أحمد بن طولون جيش بن خمارويه وحبسنا بدمشق. فلما قفل إلى مصر حبسنا في حجرة من الميدان معه، وكانت تأتينا في كل يوم مائدة نجتمع عليها، وكان في الحجرة رواق وبيتان وجلوسنا في الرواق، فوافى خادم له، فأدخلوا أخانا مضر في البيت فانفصل عنا، فكانت المائدة تقدم إلينا ونمنع أن نلقي إليه منها شيئا، فقام خمسة أيام لا يطعم ولا يستغيث، ثم وافانا ثلاثة من أصحاب جيش فقالوا: ما مات أخوكم بعد! فقلنا: ما نسمع له حسّاً، ففتحوا الباب فوجدوه حيّاً، ورام القيام فلم يصل إليه، فرماه الثلاثة بثلاثة أسهم في مقاتله فطعن، وكانت ليلة الجمعة وأخرجوه وأغلقوا الباب علينا، وأقمنا يوم الجمعة والسبت ولم يقدم إلينا طعام، فظننا أنهم يسلكون بنا طريقه، فلما كان يوم الأحد سمعنا صارخة في الدار، وفتح باب الحجرة

وأدخل إلينا جيش بن خمارويه. فقلنا: ما خبرك؟ فقال: غلب أخي على أمري، وتولى إمارة البلد هارون بن خمارويه؛ فقلنا: الحمد لله الذي قبض يدك وأضرع خدك. فقال: ما كان عزمي إلا أن أحقكما بأخيكما. وأنفذ إلى جماعتنا مائدة. فلما طعمنا بعث إلينا خادماً أن جيشاً قد كان عزم على قتلكما كما قتلأخاكما، فاقتلاه وخذا بثأركما منه وانصرفا على أمان، وبعث إلينا خدماً فتسرعوا إليه فقتل، وانصرفنا إلى منازلنا وقد كفينا عدونا. وكان جيش لما صار إلى مصر وثب بعمه أبي العشائر فقتله، فتحرك الناس بمصر لقتله، ووقع بمصر نهب وحريق، ووثب هارون بن خمارويه على جيش بن خمارويه فقتله، وصار الأمر إلى هارون في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وكانت مدة جيش تسعة أشهر. وقيل ستة أشهر.

أسماء النساء على حرف الجيم

أسماء النساء على حرف الجيم جويرية بنت أبي سفيان صخر بن حرب أخت أم حبيبة ويزيد ومعاوية بني أبي سفيان أسلمت بعد الفتح وبايعت سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشهدت اليرموك، وسكنت دمشق، وأمهم جميعاً هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. دخلت جويوية بنت أبي سفيان على أخيها معاوية تشكو إليه الأرق. فقال: ولم ذاك يا أخته؟ قالت: أم والله إنه لمن غير ألم، وما هو إلا تفكر فيك وفي علي بن أبي طالب، وتفضيل الناس علياً عليك، وأنت ابن صخر بن حرب بن أمية، وكان أمية من قريش لنابها الذي تقضى عنده آرابها، وأنت ابن صخر بن حرب بن أمية، القائل الفاعل. ابن ماء المزن الحلاحل، وأنت بعد ذلك كاتب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذو صهره من أمته ونجيبه من عترته. فقال لها معاوية: فعلى عليّ تعوّلين بالشرف! وهو ابن عبد المطلب، المطعم في الكرب، الفرّاج للكرب، مع ما كان له من الفواضل والسوابق مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أما إني سأريك التي حاولت وحاولت، حتى تعلمي فضل رأيي وحلمي، فادخلي القبة، وأرخي عليك السجف. ثم قال لآذنه: انظر من بالباب. فإذا هو بأربعة من بني تميم، الأحنف بن قيس، وزيد بن جلبة، وجارية بن قدامة، وسماك بن مخرمة، فقال: ائذن للأحنف بن قيس فدخل وقضى سلامه فقال: إيهاً يا حنيف بني قيس! قال: مهلاً يا أمير المؤمنين، بل

الأحنف بن قيس. قال: أأنت المطلع غدراً، الناظر في عطفيه شزراً، تحمل قومك على مدلهمات الفتن، وتذكرهم بقديمات الإحن، مع قتلك أمير المؤمنين عثمان، وخذلانك أم المؤمنين، ورودك عليّ بالخيل يوم صفين! فقال: والله يا أمير المؤمنين، إن منه ما أعرف، ومنه ما أنكر، فأما قولك قتل أمير المؤمنين، فأنتم معشر قريش نحرتم ودجه، وسقيتم الأرض دمه. وأما قولك خذلاني أم المؤمنين عائشة، فإني نظرت في كتاب الله فلم أر لها عليّ حقاً إلا أن تقر في بيتها وتستتر بسترها. فلما برزت عطّلت ما كان لها عليّ من حق. وأما قولك ورودي عليك بالخيل يوم صفين، حين أردت أن تقطع أعناقهم عطشاً وتقتلهم غرثاً. وايم الله لو أحد الأعجمين غلب كانوا أنكى شوكة وأشد كلبا. قال: اخرج عني. ثم قال: ائذنوا لزيد بن جلبة. فدخل وقضى سلامه. فقال له: إيهاً يازييد بني جليبة! قال: مهلاً يا أمير المؤمنين، بل زيد بن جلبة يا أمير المؤمنين. إنا فررنا قريشاً كلها، فوجدناك آمنها عهداً، وأوفاها عقداً، فإن تف فأهل الوفاء أنت، وإن تغدر فإنا خلّفنا خلفنا خيلاً جيادا، وأذرعة شدادا، وأسنة حدادا، وإن شئت لتصفين روعة صدورنا بفضل رأيك وحلمك. قال: إذاً نفعل. قال: إذاً نقبل. قال: اخرج عني. ثم قال: ائذن لجارية بن قدامة. فدخل وقضى سلامه، فقال له: إيهاً يا جويرية بني قدامة! قال مهلاً يا أمير المؤمنين، بل جارية بن قدامة يا أمير المؤمنين. إنا كنا نصار حرب يوم الفجار، حين حزمتم الغبار، وهمت قريش بالفرار. فقال له مه، لا أرضى لك، أنت الذي قريت أهل الشام ظباة السيوف وأطراف الرماح، قال: إي والله يا أمير المؤمنين إني لأنا هو، ولو كنت بالمكان الذي كان فيه أهل الشام لقريتك بمثل ما قريتهم به، قال: فحاجتك يا أبا فندش؟ قال: أما إنها إليك غير طويلة، تقر الناس في بيوتهم فلا توفدهم إليك، إنما يوفد إليك الأغنياء وتذرون الفقراء. قال: ائذن لسماك بن مخرمة. فدخل وقضى سلامه. فقال: إيهاً يا سميك بني مخرمة! قال: مهلا يا أمير المؤمنين، بل سماك بن خرمة، والله يا أمير المؤمنين ما أحببناك

جرباء بنت عقيل بن علفة بن الحارث

منذ أبغضناك، ولا أبغضنا علياً منذ أحببناه، وإن السيوف التي ضربناك بها لعلى عواتقنا، وإن القلوب التي قاتلناك بها لبين جوانحنا، ولئن قدمت إلينا شبرا من غدر، لنقدمن إليك باعاً من ختر، قال: اخرج عني. ثم قال لأخته: الذي عانيت من قبيله واحدة، فماذا رأيت! قالت: والله يا أمير المؤمنين لقد ضاق بي مجلسي حتى أردت أن أكلمهم لنا كلموك به. قال: إذاً والله كانوا إليك أسرع، وعليك أجراً، هم العرب لا تفروها. جرباء بنت عقيل بن علفة بن الحارث ابن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن سعد بن ذبيان المرية شاعرة، تزوجها يحيى بن الحكم بن أبي العاص زوجه إياه أبوه، ثم طلقها فأقبل إليها عقيل ومعه ابناه العملس وحزام، فحملها، فقال في ذلك عقيل: قضت وطراً من دير يحيى وطالما ... على عجل ناطحنه بالجماجم فأصبحن بالموماة ينقلن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم ثم قال: أجز يا حزام، فأرتج عليه، فقالت الجرباء: كأن الكرى يسقيهم صرخدية ... عقاراً تمشت في القرى والتوائم فقال عقيل: شربتها ورب الكعبة، وشد عليها بالسيف، فطرح حزام نفسه عليها، فضربها، فأصاب حزاماً. وقيل: إن الذي حال بينه وبينها عملس. أسماء الرجال على

حرف الحاء المهملة

حرف الحاء المهملة حابس بن سعد ويقال ابن ربيعة ابن المنذر بن سعد بن يثربي بن عبد رضى بن قمران بن ثعلبة بن عمرو بن ثعلبة بن حيان ابن جرم وهو ثعلبة بن عمرو بن الغوث بن طيىء الطائي اليماني. يقال إن له صحبة. وكان فيمن وجهه أبو بكر الصديق إلى الشام، فنزل حمص، وولاه عمر قضاء حمص، وقدم دمشق، وشهد مع معاوية حرب صفين، وجعله على الرجالة. حدث حابس اليماني، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا تخفروا الله في عهده، فمن قتله طلبه الله حتى يكبه في النار على وجهه ". حدث عبد الله بن غابر فال: دخل حابس بن سعد المسجد من السحر. وقد أدرك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرأى الناس يصلون في المسجد، فقال المراؤون: أرعبوهم فمن أرعبهم فقد أطاع الله ورسوله، فقام الرجل إلى الرجل من خلفه فوخزه من صدر المسجد وقال: إن الملائكة تصلي من السحر في مقدم المسجد. قال الحارث بن يزيد: لما كان يوم صفين اجتمع أبو مسلم الخولاني وحابس الطائي وربيعة الجرشي، وكانوا مع معاوية فقالوا: ليدع كل إنسان منكم بدعوة، فقال أبو مسلم: اللهم، اكفنا وعافنا. وقال حابس: اللهم، اجمع بيننا وبينهم، ثم احكم بيننا وبينهم. وقال ربيعة: اللهم، اجمع بيننا

حاتم بن شفي بن يزيد ويقال مرثد

وبينهم، ثم ابلنا بهم وابلهم بنا. فلما التقوا قتل حابس، وفقئت عين ربيعة، وعوفي أبو مسلم. فقال في ذلك شاعر أهل العراق: نحن قتلنا حابساً في عصابة ... كرام ولم نترك بصّفين معصبا قال عبد الواحد بن أبي عون: مرّ علي بن أبي طالب عليه السلام وهو متكىء على الأشتر، فإذا حابس اليماني مقتول، فقال الأشتر: إنا لله وإنا إليه راجعون، حابس اليماني معهم يا أمير المؤمنين، عليه علامة معاوية، أما والله لقد عهدته مؤمناً، فقال علي بن أبي طالب: والآن هو مؤمن قال: وكان حابس رجلا من أهل اليمن، من أهل العبادة والاجتهاد. قتل حابس بصفين سنة سبع وثلاثين، وبين الجمل وبين صفين شهران أو نحوه. حاتم بن شفيّ بن يزيد ويقال مرثد ويقال ابن نبيه أبو فروة الهمذاني كان يخضب بحمرة. حدث أبو فروة حاتم قال: رأيت مكحولاً يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع، ويرفع يديه قليلاً من تحت الرواح ويقول: ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرضين السبع، وملء ما فيهن من شيء بعد، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق. وحدث حاتم بن شفي بن مرثد ابن أخت يزيد بن مرثد قال: رأيت مكحولاً يعتمّ على قلنسوة، ويرخي لها من خلفها شبراً، أو أقل من الشبر، بعمامة بيضاء.

حاتم بن عبد الله بن سعد

حاتم بن عبد الله بن سعد ابن الحشرج امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث ابن طيئ واسمه جلهمة أبو سفانة الطائي الجواد شاعر جاهلي، قدم دمشق يخطب ماوية بنت حجر بن النعمان الغسانية. قال جميل بن زياد النخعي: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا سبحان الله، ما أزهد كثيراً من الناس في خير! عجباً لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة، فلا يرى نفسه للخير أهلاً، فلو كان لا يرجو ثواباً، ولا يخشى عذاباً لكان ينبغي أن يسارع في مكارم الأخلاق، فإنها تدل على سبيل النجاح. فقام إليه رجل وقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين، أسمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم، وما هو خير منه، لما أتي بسبايا طيىء، وقعت جارية حمراء لعساء ذلفاء عيطاء شمّاء الأنف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خدلّجة الساقين، لفّاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين، قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت: لأطلبن إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجعلها في قبتي فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت: يا محمد، إن رأيت أن تخلي عنا ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني ابنة سيّد قومي، وإن أبي كان يحمي الذّمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ولم يردّ طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيىء. فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا جارية، هذه صفة المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه، خلّوا عنها، فإن أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق. فقام

أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، والله يحب مكارم الأخلاق؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والذي نفسي بيده لا يدخلن الجنة أحد إلا بحسن الخلق. وعن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إن أبي كان يقري الضيف، ويحب الضيافة وذكر أشياء من مكارم الأخلاق. قال: إن أباك أراد أمراً فأدركه. قال سماك: يقول الذكر. ذكر أعرابيّ حاتم الطائي فقال: كان والله إذا قاتل غلب، وإذا غلب أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب القداح سبق، وإذا أسر أطلق. قيل لنوار امرأة حاتم: حدثينا عن حاتم. قالت: كل أمره كان عجباً، أصابتنا سنة خصّت كل شيء، فاقشعرت لها الأرض، واغبرّت لها السماء، وضنت المراضع على أولادها، وراحت الإبل حدباء حدابير ما تبض بقطرة، وحلق المال. وإنا لفي ليلة صنبرة، بعيدة ما بين الطرفين، إذ تضاغى الأصبية من الجوع عبد الله وعدي وسفانة، فوالله إن وجدنا شيئاّ نعلّلهم به. فقام إلى أحد الصبيين فحمله، وقمت إلى الصبيّة فعلّلتها، فوالله إن سكتا إلا بعد هدأة من الليل. ثم عدنا إلى الصبي الآخر فعللناه حتى سكت وما كاد. ثم افترشنا قطيفة لنا شامية ذات خمل، فأضجعنا الصبيان عليها، ونمت أنا وهو في حجرة، والصبيان بيننا. ثم أقبل عليّ يعللني لأنام، وعرفت ما يريد فتناومت فقال: مالك، أنمت! فسكتّ. فقال: ما أراها إلا قد نامت، وما بي نوم. فلما أدلهمّ الليل، وتهوّرت النجوم، وهدأت الأصوات، وسكت الرحل، إذا جانب البيت قد رفع فقال: من هذا؟ فولّى، حتى إذا قلت: قد أسحرنا أو كدنا عاد، فقال: من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة يا أبا عدي، ما وجدت على أحد معوّلاً غيرك، أتيتك من عند أصبية يتعاوون عواء الذئب من الجوع، قال: أعجليهم عليّ. قالت النوار: فوثبت فقلت: ماذا صنعت! فوالله لقد تضاغى أصبيتك فما وجدت ما تعللهم به، فكيف بهذه وبولدها!

فقال: اسكتي فوالله لأشبعنك وإياهم إن شاء الله. قال: فأقبلت تحمل اثنين، ويمشي جنبيها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجاً بحربته في لبته، ثم قدح زنده وأورى ناره، ثم جاء بمدية فكشط عن جلده، ثم دفع المدية إلى المرأة، ثم قال: دونك، ثم قال: ابغي صبيانك فبغيتهم، ثم قال نسوة: أتأكلون شيئاً دون أهل الصّرم! فجعل يطوف فيهم حتى هبوا، فأقبلوا عليه، والتفع ببتّه، ثم اضطجع ناحية ينظر إليها، لا والله ما ذاق مزعة وإنه لأحوجهم إليه، فأصبحنا وما على الأرض منه إلا عظم أو حافر، وأنشأ حاتم يقول: مهلاّ نوار أقلّي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا قالت امرأة حاتم لحاتم: يا أبا سفانة، إني لأشتهي أن آكل أنا وأنت طعاماً وحدنا ليس عليه أحد، قال: أو اشتهيت ذلك؟ قالت: نعم. قال: فوجّهي وبرّزي خيمتك حيث اشتهيت، فحولت الخيمة من الجماعة على فرسخ، وأمرت بالطعام فهيىء وهي مرخاة ستورها عليها وعليه. فلما قارب نضج الطعام كشف عن رأسه وقال: فلا تطبخي قدري وسترك دونها ... عليّ إذن ما تطبخين حرام ولكن بها ذاك اليفاع فأوقدي ... بجزل إذا أوقدت لا بضرام وكشف الستور، وقدم الطعام، ودعا الناس، فأكل وأكلوا، فقالت: ما أتممت لي بما قلت. فأجابها بأني لا تطاوعني نفسي، ونفسي أكرم عليّ من أن تثني عليّ هذا، وقد سبق لي السخاء وقال: أمارس نفسي البخل حتى أعزّها ... وأترك نفس الجود لا أستشيرها ولاتشتكيني جارتي غير أنها ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها سيبلغها خيري ويرجع بعلها ... إليها ولم تقصر عليّ ستورها

قال الوضاح بن معبد الطائي: وفد حاتم الطائي على النعمان بن المنذر فأكرمه وأدناه، ثم زوده عند انصرافه حملين ذهباً وورقاً غير ما أعطاه من طرائف بلده، فرحل. فلما أشرف على أهله تلقته أعاريب طيىء، فقالت: جاء حاتم، أتيت من عند الملك بالغنى، وأتينا من عند أهالينا بالفقر. فقال حاتم: هلم فخذوا ما بين يدي فتوزعوه، فوثب القوم إلى ما بين يديه من حباء النعمان فاقتسموه، فخرجت إلى حاتم طريفة جاريته فقالت له: اتق الله، وأبق على نفسه، فما يدع هؤلاء ديناراً ولا درهماً، ولا شاة ولا بعيراً. فأنشأ حاتم يقول: قالت طريفة ما تبقى دراهمنا ... وما بنا سرف فيها ولا خرق إن يفن ما عندنا فالله يرزقنا ... ممن سوانا ولسنا نحن نرتزق ما يألف الدّرهم الكاريّ خرقتنا ... إلا يمرّ علينا ثمّ ينطلق إنا إذا اجتمعت يوماً دراهمنا ... ظلّت إلى سبل المعروف تستبق قال أبو بكر بن عباس: قال رجل لحاتم: هل في العرب أجود منك؟ قال: كل العرب أجود مني. ثم قال: نزلت على غلام من العرب يتيم ذات ليلة، وكانت له مائة من الغنم، فذبح لي منها شاة وأتاني بها، فلما قرّب إلي دماغها قلت: ما أطيب هذا الدماغ! قال: فذهب فلم يزل يأتيني منه حتى قلت قد اكتفيت، قال: فلما أصبحت فإذا هو قد ذبح المائة شاة، وبقي لا شيء له. قال الرجل: فقلت: ما صنعت به؟ قال: ومتى أبلغ شكره، ولو صنعت به كل شيء! قال: على كل حال؟ قال: أعطيته مائة ناقة من خيار إبلي. قال أبو عبد الله بن الأعرابي: كان حاتم الطائي أسيراً في عنزة، فقالت له امرأة يوماً: قم فافصد لنا هذه الناقة - وكان الفصد عندهم أن يقطع عرق من عروق الناقة، ثم يجمع الدم فيشوى - فقام حاتم إلى الناقة فنحرها، فلطمته المرأة فقال حاتم: لو غير ذات سوار لطمتي. فذهب قوله: لو غير ذات سوار لطمتني مثلا، وقال له النسوة: إنما قلنا لك تفصدها. فقال: هكذا فصدي أنه - يريد: أنا وهي لغة طيىء -.

وفي أنا أربع لغات: " أن قائم " بإسقاط الألف في الوصل. " وأنا قائم " بإثباتها. " وأنه " بإدخال هاء السكت. " وأن قائم " بإسكان النون. يراد بها أنا قائم. وقوله لو غير ذات سوار لطمتني صارت مثلا، يقولها القائل عند عدو الرقيق الحسب على من هو فوقه، وحين يهتضم الرفيع ذا القدر من هو دونه. ويروى أن حاتماً قال في هذا الخبر: هكذا فزدي أنه. وإشمام الصاد الساكنة الزاي إذا وليتها الدال لغة للعرب معروفة جيدة، قد قرأ بها القرآن عدد من القراء، كقوله " يصدفون "، و" يصدر الناس " و" يصدر الرعاء ". وكانت أم حاتم أيضاً من أسخى الناس. قالوا: كانت عتبة بنت عفيف بن عمرو بن امرئ القيس أم حاتم الطائي لا تمسك شيئاً، سخاء وجوداً، وكان إخوتها يمنعونها فتأبى، وكانت موسرة، فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها، لعلها تكف عما تصنع. ثم أخرجوها بعد سنة، وقد ظنوا أنها قد تركت ذلك الخلق، فدفعوا إليها صرمة من مالها وقالوا: استمتعي بها، فأتتها امرأة من هوزان كانت تغشاها، فسألتها، فقالت: دونك هذه الصرمة، فقد مسني من الجوع ما آليت ألا أمنع سائلا شيئاً. ثم قالت: لعمري لقدماً عضني الجوع عضة ... فآليت ألا أمنع الدهر جائعا فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا فماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو منع من كان مانعا ومهما ترون اليوم إلا طبيعة ... فكيف بتركي يا بن أم الطبائعا

قال أبو عبيدة: لما بلغ حاتم طيىء قول المتلمس: قليل المال يصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد وحفظ المال خير من فناه ... وعسف في البلاد بغير زاد قال: ماله - قطع الله لسانه - حمل الناس على البخل! فهلا قال: فلا الجود يفني المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال الشحيح يزيد فلا تلتمس مالاً بعيش مقتر ... لكل غد رزق يعود جديد ألم تر أن المال غاد ورائح ... وأن الذي يعطيك غير بعيد قال أبو الفرج المعافى بن زكريا: لقد أحسن حاتم في قوله: وإن الذي يعطيك غير بعيد ولو كان مسلماً، لرجي له بما أتى من هذا ما يغتبط به في معاده، وقد أتى كتاب الله تعالى في هذا بما يعجز المخلوقون عن دركه، قال الله تعالى: " واسألوا الله من فضله " وقال تعالى " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان " قال عدي بن حاتم: شهدت أبي يكيد بنفسه، فقال لي: أي بني، إني أعهد من نفسي ثلاث خلال: والله ما خاتلت جارة لي لربية قط، ولا اؤتمنت على أمانة إلا أديتها، ولا أتي أحد قط من قبلي بسوء. قال محرز بن أبي هريرة: مر نفر من عبد القيس بقبر حاتم طيىء، فنزلوا قريباً منه، فقام إليه بعضهم فجعل

يركض قبره برجله ويقول: يا أبا الجعواء، أقرنا. فقال له بعض الصحابة: ما تخاطب من رمة قد بليت! وأجنهم الليل فنوموا، فقام صاحب القول فزعاً. فقال: يا قوم، عليكم مطيكم، فإن حاتماً أتاني في النوم وأنشدني شعراً وقد حفظته يقول: أبا خيبري وأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة شتامها أتيت بصحبك تبغي القرى ... لدى حفرة صخب هامها تبغي لي الذنب عند المبيت ... وحولك طي وأنعامها فإنا سنشبع أضيافنا ... وتأتي المطي فنعتامها قال: وإذا ناقة صاحب القول تكوس فنحروها، وباتوا يشتوون ويأكلون، فقالوا: والله لقد أضافنا حاتم حياً وميتاً. وأصبح القول وأردفوا صاحبهم وساروا، فإذا رجل ينوه بهم، راكبا على جمل يقود آخر فقال: أيكم أبو الخيبري؟ قال: أنا. قال: إن حاتماً أتاني في النوم فأخبرني أنه قرى أصحابك ناقتك، وأمرني أن أحملك، وهذا بعير فخذه فدفعه إليه. ويحقق هذا الحديث عند العرب، قول ابن دارة الغطفاني، وأتى عدي بن حاتم ليمدحه فقال له: أخبرك بمالي، فإن رضيت فقل. فقال: وما مالك؟ قال: مائتا صائية وعبد وأمه وفرس وسلاح، فذلك كله لك إلا الفرس والسلاح، فإنهما في سبيل الله عز وجل. قال: قد رضيت. قال: فقل، فقال ابن دارة: أبوك أبو سفانة الخير لم يزل ... لدن شب حتى مات في الخير راغبا به تضرب الأمثال في الجود ميتاً ... وكان له إذ كان حياً مصاحبا قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا

حاتم بن يونس أبو محمد

حاتم بن يونس أبو محمد المعروف بالمخضوب الجرجاني حدث عن هشام بن عمار، بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تطلق الأمة بطلقتين، وتعتد حيضتين. حاجب بن مالك بن أركين أبو العباس الزكي الفرغاني سكن دمشق وحدث. روى عن عبد الرحمن بن بشر، بسنده عن جابر قال: طفنا مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طوافاً واحداً، وسعينا سعياً واحداً لحجنا وعمرتنا. توفي بدمشق سنة ست وثلاث مائة. حارثة بن بدر بن حصين بن قطن ابن مالك بن غدانة بن يربوع أبو العبيس الغداني التميمي البصري واسم غدانة أشرس وغدانة لقب واشتقاقه من التغدن، وهو التثني والاسترخاء، ويربوع هو أبو حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة. وفد حارثة على الوليد بن عبد الملك. قال الشعبي: كان حارثة بن بدر التميمي أفسد في الأرض وحارب، فأتى سعد بن قيس، فانطلق سعد إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، ما جزاء من حارب وسعى في الأرض فساداً؟ قال: "

حارثة بن قطن بن زابر بن حصن

أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ". قال: فإن تاب قبل أن نقدر عليه؟ قال: تقبل توبته. قال: فإنه حارثة بن بدر، فأتاه به فأمنه، وكتب له كتاباً. دخل حارثة بن بدر الغداني على زياد وبوجهه أثر، وكان حارثة صاحب شراب، فقال له زياد: ما هذا الأثر بوجهك؟ فقال: أصلح الله الأمير، ركبت فرساً أشقر فحملني حتى صدم بي الحائط. فقال زياد: أما إنك لو ركبت الأشهب لم يصبك مكروه. أراد حارثة بالأشقر أنه شرب الخمر صرفاً، وأراد زياد بالأشهب الممزوج. حارثة بن قطن بن زابر بن حصن ابن كعب بن عليم الكلبي ثم العليمي من أهل دومة الجندل. وفد على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحمل بن سعدانة بن حارثة بن معقل بن كعب بن عليم فأسلما، وعقد لحمل بن سعدانة لواء، فشهد بذلك اللواء صفين مع معاوية، وكتب لحارثة بن قطن كتاباً فيه: هذا كتاب من محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن، لنا الضاحية من البعل ولكم الضامنة من

الحارث بن بدل وقيل ابن سليم

النخل، على الجارية العشر، وعلى الغائرة نصف العشر، لا تجمع سارحتكم، ولا تعد فاردتكم. تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقها، لا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات، لكم بذلك العهد والميثاق، ولنا عليكم النصح والوفاء وذمة الله ورسوله. شهد الله ومن حضر من المسلمين. الضامنة: التي لا يترطب بسرها، والجارية: الماء الجاري، والغائرة: ماء لا يجري. الحارث بن بدل وقيل ابن سليم ابن بدل النّصري من أهل دمشق. قيل: إنه أدرك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حدث الحارث بن بدل قال: شهدت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم حنين، فانهزم أصحابه أجمعون إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث، فرمى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوهنا بقبضة من الأرض فانهزمنا، فما خيّل إليّ أنّ شجراً ولا حجراً إلا وهو في آثارنا. وفي رواية عن الحارث بن بدل عن رجل من قومه شهد ذاك يوم حنين. قال الثقفي: فأعجزت على فرسي حتى دخلت الطائف.

الحارث بن الحارث أبو المخارق الغامدي

الحارث بن الحارث أبو المخارق الغامدي له صحبة، سكن الشام، وشهد وقعة راهط. حدث الحارث بن الحارث الغامدي قال: قلت لأبي ونحن بمنى: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء قوم اجتمعوا على صابئ. قال: فتشرفنا، فإذا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به، وهم يردون عليه قوله ويؤذونه حتى ارتفع النهار، وانصدع عنه الناس، وأقبلت امرأة قد بدا نحرها تبكي، تحمل قدحاً فيه ماء ومنديلاً، فتناوله منها وشرب وتوضأ، ثم رفع رأسه إليها فقال: يا بنيه خمري عليك نحرك، ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلاً. فقلنا: من هذه؟ قالوا: هذه زينب ابنته. حدث أبو أمامة والحارث بن الحارث وعمير بن الأسود في نفر من الفقهاء: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نادى في قريش فجمعهم، ثم قام فيهم فقال: ألا إن كل نبي بعث إلى قومه، وإني بعثت إليكم، ثم جعل يستقرئهم رجلاً رجلاً، ينسبه إلى آبائه، ثم يقول: " يا فلان عليك بنفسك فإني لن أغني عنك من الله شيئاً ". حتى خلص إلى فاطمة عليها السلام، ثم قال لها مثل ما قال لهم، ثم قال: يا معشر قريش، لا ألقين أناساً يأتوني يجرون الجنة، وتأتوني تجرون الدنيا. اللهم، لا أجعل لقريش أن يفسدوا ما أصلحت أمتي. ثم قال: ألا إن خيار أمتكم خيار الناس، وشرار قريش شرار الناس، وخيار الناس تبع لخيارهم، وشرار الناس تبع لشرارهم. وعن الحارث بن الحارث وكثير بن مرة وعمرو بن الأسود وأبي أمامة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خيار أئمة قريش خيار أئمة الناس ". الحارث بن حرمل بن تغلب بن ربيعة ابن نمر الحضرمي ويقال الرهاوي حدث عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: يا أهل العراق، لا تسبوا أهل الشام، فإن فيهم اللأبدال.

الحارث بن الحكم بن أبي العاص

قال رجاء بن حيوة: اذكر لي رجلين من أهل بيسان، فإنه بلغني أنه اختص بيسان برجلين من الأبدال، لا يقبض الله رجلاً منهم إلا بعث الله مكانه رجلاً ولا تذكر لي متماوتاً ولا طعاناً على الأئمة، فإنه لا يكون منهم الأبدال. وعن رجاء بن أبي سلمة قال: قال الحارث بن حرمل لرجاء: حدثني عن رجالات بيسان، فإنا كنا نتحدث أنه لا يزال بها رجل أو اثنان من الأبدال، ولا تحدثني عن متماوت ولا طعان. الحارث بن الحكم بن أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس الأموي أخو مروان قال يعمر بن عبد الله: كنت عند أبي هريرة فجاءه الحارث بن الحكم فجلس على وسادة أبي هريرة، فظن أبو هريرة أنه جاء لحاجة، فجاء رجل فجلس بين يدي أبي هريرة فقال له أبو هريرة: مالك! قال: أستعدي على الحارث بن الحكم. فقال أبو هريرة: قم يا حارث فاجلس مع خصمك، فتلكأ الحارث. فقال أبو هريرة: قم يا حريث، فإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر إذا جلس الحاكم فلا يجلس خصمان إلا بين يديه، ومضت السنة بذلك من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن أئمة الهدى أبي بكر وعمر. فقام الحارث، فجلس مع خصمه بين يدي أبي هريرة فقال أبو هريرة: الآن درست. يقول: الآن صحيح. قال سليمان بن يسار: تزوج الحارث بن الحكم امرأة، فقال عندها فرآها خضراء، فطلقها ولم يمسها، فأرسل مروان إلى زيد بن ثابت فسأله. فقال زيد: لها الصداق كاملاً. قال: إنه ممن لا يتهم. فقال: أرأيت يا مروان لو كانت حبلى، أكنت مقيماً عليها الحد؟ قال: لا.

الحارث بن سعيد بن حمدان

الحارث بن سعيد بن حمدان أبو فراس ابن أبي العلاء التغلبي الحمداني الأمير الشاعر فارس كان يسكن منبج، ويتنقل في بلاد الشام في دولة ابن عمه أبي الحسن سيف الدولة بن حمدان. من شعر أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان: يا معجباً بنجومه ... لا النحس فيك ولا السعاده الله ينقص ما يشا ... ء ومنه إتمام الزياده دع ما تريد لما يري ... د فإن لله الإراده وله: لم أؤاخذك إذ جنيت لأني ... واثق منك بالإخاء الصحيح فجميل العدو غير جميل ... وقبيح الصديق غير قبيح وله: لطيرتي بالصداع نالت ... فوق منال الصداع منى وجدت فيه اتفاق سوء ... صدعني مثل صدعني وله: ألزمني ذنباً بلا ذنب ... ولج في الهجران والعتب أحاول الصبر على هجره ... والصبر محظور على الصب وأكتم الوجد وقد أصبحت ... عيناي عينيه على قلبي قد كنت ذا صبر وذا سلوة ... فاستشهدا في طاعة الحب قتل أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان في سنة سبع وخمسين وثلاث مائة، قتله قرغويه يعني غلام سيف الدولة المتغلب على حلب، أمر غلاماً له بالتركية فضربه بلت وقطع رأسه، وقلعت أمه سخينة عينها لما بلغها قتله. وذكر ثابت بن سنان أن أبا فراس قتل عند ضيعة تعرف بصدد، في حرب كانت بين شريف بن سيف الدولة وبين أبي فراس.

الحارث بن سعيد الكذاب

الحارث بن سعيد الكذاب ويقال الحارث بن عبد الرحمن بن سعد المتنبي دمشقي مولى أبي الجلاس العبدري القرشي، ويقال مولى مروان بن الحكم. قال عبد الرحمن بن حسان: كان الحارث الكذاب من أهل دمشق، وكان مولى لأبي الجلاس، وكان له أب بالحولة، فعرض له إبليس، وكان رجلا متعبداً زاهداً، لو لبس جبة من ذهب لرئيت عليه زاهدة، قال: وكان إذا أخذ في التحميد، لم يسمع السامعون إلى كلام أحسن من كلامه. قال: فكتب إلى أبيه وهو بالحولة، يا أبتاه، أعجل علي، فإني قد رأيت أشياء أتخوف أن يكون الشيطان قد عرض لي، قال: فزاده أبوه عناء، فكتب إليه أبوه: يا بني، أقبل على ما أمرت به، إن الله يقول: " تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم ". ولست بأفاك ولا أثيم، فامض لما أمرت به. وكان يجيء إلى أهل المسجد رجلاً فيذاكرهم أمره، ويأخذ عليهم بالعهد والميثاق إن هو رأى ما يرضى قبل، وإلا كتم عليه؟ قال: وكان يريهم الأعاجيب، كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح؛ قال: وكان يطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء، وكان يقول لهم: اخرجوا حتى أريكم الملائكة. قال: فيخرجهم إلى دير المران، فيريهم رجالاً على جبل. فتبعه بشر كثير، وفشا الأمر في المسجد وكثر أصحابه، حتى وصل الأمر إلى القاسم بن مخيمرة. قال: فعرض على القاسم وأخذ عليه العهد والميثاق، إن هو رضي أمراً قبله، وإن كرهه كتم عليه. فقال له: إني نبي، فقال له القاسم: كذبت يا عدو الله، ما أنت بنبي، ولا لك عهد ولا ميثاق. قال: فقال له أبو إدريس: بئس ما صنعت إذ لم تلين حتى تأخذه، الآن يفر. قال: وقام من مجلسه حتى دخل على عبد الملك فاعلمه بأمر حارث، فبعث عبد الملك في طلبه فلم يقدر عليه، وخرج عبد الملك فنزل الصنبرة. قال: فاتهم عامة عسكره بالحارث أن يكونوا يرون رأيه.

وخرج الحارث حتى أتى بيت المقدس فاختفى فيها، وكان أصحابه يخرجون يلتمسون الرجال يدخلونهم عليه، وكان رجل من أهل البصرة قد أتى بيت المقدس، فأتاه رجل من أصحاب الحارث فقال له: هاهنا رجل يتكلم، فهل لك أن تسمع من كلامه؟ قال: نعم - قال الوليد: وأهل البصرة يشتهون الكلام - فقال: نعم. فانطلق معه حتى على الحارث، فأخذ في التحميد. قال: فسمع البصري كلاماً حسناً، ثم أخبره بأمره وأنه نبي مبعوث مرسل. فقال له: إن كلامك لحسن، ولكن في هذا نظر. قال: فانظر. فخرج البصري ثم عاد إليه فرد عليه كلامه، فقال: إن كلامك لحسن وقد وقع في قلبي، وقد آمنت بك، هذا الدين المستقيم. قال: فأمر أن لا يحجب. قال: فأقبل البصري يتردد إليه، وعرف مداخله ومخارجه، وأين يهرب وأين يذهب، حتى صار من أخص الناس به. ثم قال له: إئذن لي قال: إلى أين؟ قال: إلى البصرة، أكون أول داعية لك بها. قال: فأذن له فخرج مسرعاً إلى عبد الملك وهو بالصنبرة، فلما دنا من سرادقه صاح: النصيحة النصيحة. فقال أهل العسكر: وما نصيحتك؟ قال: نصيحة لأمير المؤمنين. حتى دنا من أمير المؤمنين، فأمر عبد الملك أن يأذنوا له، فدخل وعنده أصحابه فصاح: النصيحة. قال: وما نصيحتك؟ قال: أخلني، لا يكون عندك أحد. قال: أخرج من في البيت. وكان عبد الملك قد اتهم أهل عسكره أن يكون هواهم معه، ثم قال له: أدنني. فقال: ادن فدنا وعبد الملك على السرير. فقال: ما عندك؟ قال: الحارث. فلما ذكر الحارث طرح نفسه من السرير. ثم قال: أين هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ببيت المقدس، وقد عرفت مداخله ومخارجه، فقص عليه قصته وكيف صنع به. فقال: أنت صاحبه، وأنت أمير بيت المقدس، وأمير ما هناك، فمرني بما شئت. قال: يا أمير المؤمنين، ابعث معي قوماً لا يفقهون الكلام. فأمر أربعين رجلاً من فرغانة، فقال: انطلقوا مع هذا، فما أمركم به من شيء فأطيعوه. قال: وكتب إلى صاحب بيت المقدس أن فلاناً أمير عليك حتى يخرج فأطعه فيما أمرك به، قال: فلما قدم بيت المقدس أعطاه الكتاب فقال: مرني بما شئت. فقال: اجمع إن قدرت كل شمعة ببيت المقدس، وادفع كل شمعة إلى رجل ورتبهم على أزقة بيت المقدس وزواياها بالشمع، فإذا قلت أسرجوا، فأسرجوا جميعاً. قال: فرتبهم في أزقة بيت المقدس وفي زواياها بالشمع، وتقدم البصري وحده إلى منزل الحارث فأتى الباب. فقال للحاجب: استأذن لي على نبي الله. فقال: في

هذه الساعة! ما يؤذن عليه حتى يصبح. قال: أعلمه أني إنما رجعت شوقاً إليه قبل أن أصل. قال: فدخل عليه فأعلمه كلامه وأمره. قال: ففتح الباب ثم صاح البصري: أسرجوا، فأسرجت الشمع حتى كانت بيت المقدس كأنها النهار، ثم قال: من مر بكم فاضبطوه. قال: ودخل كما هو إلى الموضع الذي يعرفه، فنظر فإذا لا يجده، فطلبه فلم يجده، فقال أصحابه: هيهات تريدون أن تقتلوا نبي الله! قد رفع إلى السماء. قال: فطلبه في شق قد كان هيأه سرياً، قال: فأدخل البصري يده في ذلك الشق فإذا بثوبه، فاجتره فأخرجه إلى خارج، ثم قال للفرغانيين: اضبطوه فربطوه، فبينا هم يسيرون به البريد إذ قال: " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله " الآية، فقال أهل فرغانة: أولئك العجم: " هذا كراننا فهات كرانك أنت " فسار به حتى أتى به عبد الملك. فلما سمع به أمر بخشبة فنصبت، فصلبه، وأمر بحربة، وأمر رجلاً فطعنه، فأصاب ضلعاً من أضلاعه، فكعب الحربة، فجعل الناس يصيحون: الأنبياء لا يجوز فيهم السلاح. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين تناول الحربة، ثم مشى بها إليه، ثم أقبل يتحسس حتى وافى بين ضلعين فطعنه بها، فأنفذها فقتله. قال الوليد بن مسلم: بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية دخل على عبد الملك فقال: لو حضرتك ما أمرتك بقتله. قال: ولم؟ قال: إنما كان به المذهب. فلو جوعته ذهب ذلك عنه. وقيل: إن الحارث لما حمل على البريد وجعلت في عنقه جامعة من حديد فجمعت يداه إلى عنقه، فأشرف على عقبة بيت المقدس، فتلا هذه الآية: " قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ". قال: فتقلقلت الجامعة، ثم سقطت من يده ورقبته إلى الأرض، فوثب إليه الحرس الذين كانوا معه فأعادوها عليه، ثم

الحارث بن سليم بن عبيد بن سفيان

ساروا به. فلما أشرف على عقبة أخرى قرأ آية لا أحفظها، فسقطت من رقبته ويده إلى الأرض، فأعادوها عليه. فلما قدموا على عبد الملك حبسه، وأمر رجالاً كانوا معه في السجن من أهل الفقه والعلم أن يعظوه، ويخوفوه الله، ويعلموه أن هذا من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم، فأتوا عبد الملك فأخبروه بأمره، فأمر به فصلب. وجاء رجل بحربة فطعنه فانثنت الحربة، فقال الناس: ما ينبغي لمثل هذا أن يقتل، ثم أتاه حرسي برمح دقيق فطعنه بين ضلعين من أضلاعه، ثم هزه فأنفذه. قال الراوي: وسمعت غير واحد ولا اثنين يقولون: إن الذي طعن الحارث بالحربة فانثنت قال له عبد الملك: أذكرت الله حين طعنته؟ قال: نسيته أو قال: لا - قال: فاذكر اسم الله ثم اطعنه. قال: فطعنه فأنفذها. قال العلاء بن زياد العدوي: ما غبطت عبد الملك بشيء من ولايته إلا بقتله حارثاً؛ حدثت أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون، دجالون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي. فمن قاله فاقتلوه. ومن قتل منهم أحداً فله الجنة ". الحارث بن سليم بن عبيد بن سفيان ابن مسعود بن سكين ويقال الحارث بن عبيد الهجيمي البصري والد خالد بن الحارث وفد على سليمان بن عبد الملك. حدث أبو عبيدة النحوي قال: كنا نأتي رؤبة بن العجاج، فربما أعوزنا مطلبه، فطلبته مظانه، وكان للحارث بن سليم الهجيمي - وهو أبو خالد بن الحارث - غدائرلف، وكان رؤبة ربما أتاه، فطلبته

يوماً فأتيت مجلس الحارث بن سليم، فتحدث القوم، وتحدث الحارث بن سليم. قال: شهدت مجلس سليمان بن عبد الملك، فأتى سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، أتيتك مستعدياً. قال: من بك؟ قال: موسى شهوات. قال: وماله! قال: سمّع بي واستطال في عرضي. قال: يا غلام، علي موسى. فأتي به فقال: أسمّعت به واستطلت في عرضه؟ قال: ما فعلت يا أمير المؤمنين، ولكني مدحت ابن عمه فغضب هو. قال: وما ذلك؟ قال: يا أمير المؤمنين، علقت جارية لم يبلغ ثمنها جدتي فأتيته وهو صديقي فشكوت ذلك إليه، فلم أصب عنده في ذلك شيئاً، فأتيت ابن عمه سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فشكوت إليه ما شكوت إلى هذا، قال: تعود إلي، فتركته ثلاثاً ثم أتيته، فسهل من إذني، فما استقر المجلس حتى قال: يا غلام، قل لقيّمي: وديعتي، ففتح باباً بين بابين، فإذا أنا بالجارية. فقال لي: هذه بغيتك؟ قلت: نعم، فداك أبي وأمي. قال: اجلس. يا غلام، قل لقيمي: طيّبة نفقتي، فأتى بطيبة فنثرت بين يديه، فإذا فيها مائة دينار وليس فيها غيرها، فردت في الطيبة، ثم قال: عتيدتي التي فيها طيبي، فأتي بها فقال: ملحفة فراشي، فأتي بها. فضرب الطيبة وما في العتيدة حواشي الملحفة وقال لي: شأنك فهو لك واستعن بهذا عليه. فقال سليمان فذلك حين تقول ماذا؟ فقال: أبا خالد اعني سعيد بن خالد ... اخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد ولكنّني اعني ابن عائشة الذي ... أبو أبويه خالد بن أسيد عقيد الندى ما عاش يرضى به النّدى ... وإن مات لم يرض النّدى بعقيد دعوه دعوه، أنكم قد رقدتم ... وما هو عن أحسابكم برقود فقال: يا غلام، علي بسعيد بن خالد، فأتي به فقال: يا سعيد، لأحق ما وصفك به موسى! قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ فأعاد عليه فقال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين. قال: فما طوقك ذلك، قال: الكلف. قال: فما حملتك الكلف؟ قال: دين والله يا أمير

الحارث بن عباس

المؤمنين، ثلاثون ألف دينار. قال: قد أمرت لك بمثلها وبمثلها وبمثلها، وثلاث مثلها. فلقيت سعيد بن خالد بعد حين، فأخذت بعنان دابته فقلت: بأبي وأمي، ما فعل المال الذي أمر لك به سليمان؟ قال: ما علمك به؟ قال: أنا والله حاضر المجلس يومئذ. قال: والله ما أصبحت أملك ديناراً ولادرهماً. قال: فما اغتاله؟ قال: خلة من صديق، أو فاقة من ذي رحم. كان خالد بن الحارث يقول: كان أبي يقول: إن الرجل ليثني لي عنان دابته فأشكرها له. ولما هزم بنو المهلب أيام هلال بن احوز بلغ أبي ذلك فأرسل إلى وليهم بأربعة آلاف درهم كانت عنده، لكل رجل منهم مائة درهم، وكانوا بأربعين. فقال: تبلّغوا بها البصرة. وكان الحارث بن سليم من أشراف قومه ووجوههم، وفيه يقول رؤبة: وأنت يا حارث نعم الحارث وشهد سليم بن عبيد الهجيمي الجمل مع عائشة. الحارث بن عبّاس حدث الحارث قال: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحداً يحفظ على هذهالأمة أمر دينها؟ قال: لا أعلمه، إلا شاب في ناحية المشرق. يعني أحمد بن حنبل.

الحارث بن عبد الله

الحارث بن عبد الله ابن أبي ربيعة ذي الرمحين واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان اسم عبد الله بجيراً، فسماه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبد الله، المخزومي القرشي المعروف بالقباع المكي كان قد استعمله ابن الزبير على البصرة، فمر بالسوق فرأى مكتالاً فقال: إن مكتالكم هذا لقباع، فسماه أهل البصرة القباع. قال: وأم الحارث بن عبد الله بنت أبرهة حبشية. روى عن عائشة وغيرها وولي البصرة لابن الزبير، ثم وفد على عبد الملك بنمروان. قال عبد الله بن عبيد: وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته فقال عبد الملك: ما أظن ابن الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها. قال الحارث: بلى، سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت عائشة: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن قومك استقصروا من شأن البيت، وإني لولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك أن يبنوه، وتعالي لأريك ما تركوا منه. فأراها قريباً من سبعة أذرع. وفي حديث آخر: وجعل لها بابين موضوعين في الأرض شرقياً وغربياً. وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: فقلت: لا. قال: تعززاً لئلا يدخلها إلا من أرادوه، كان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها، يدعونه حتى يرتقي، حتى إذا كان يدخل، دفعوه فسقط. قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم. قال: فنكت بعصاه ساعة، ثم قال: وددت أني تركته وما تحمّل.

وفي حديث بمعناه قال: لو سمعت هذا قبل أن انقصه لتركته على ما بنى ابن الزبير. حدث عبد الله بن صفوان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليس لهم منعة ولا عدد ولا عدة، فيبعث إليه جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم. قال يوسف بنماهك: وأهل الشام يومئذ يتجهزون إلى مكة، فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذاالجيش. وروى الحارث بن أبي ربيعة، عن أم المؤمنين مثل هذا الحديث، غير انه لم يذكر الجيش الذي ذكرهم عبد الله بن صفوان. قالوا: وأم المؤمنين هذه هي أم سلمة، بدليل حديث آخر. قال عبيد الله بن القبطية: دخلت أنا والحارث بن أبي ربيعة ورجل آخر إلى أم سلمة، فقال لها الحارث: يا أم المؤمنين، حدثينا بحديث الجيش الذي خسف به. فقالت: قال رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم. فقلت: كيف بمن كان كارهاً أو مكرهاً؟ قال: يبعث على ما كان في نفسه. قال عبد العزيز: فقلت لأبي جعفر: إنها قالت ببيداء من الأرض؟ قال: والله إنها لبيداء المدينة. حدث ابن شهاب: أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة ذكر أن معاوية قضى أنه أيّما رجل وهب امرأته لأهلها، وجعل أمرها بيدها أو يد وليّها، فطلقت نفسها ثلاث تطليقات فقد برئت. حدث المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة قال: سبى عبد الله بن أبي ربيعة سبحاء الحبشية وكانت نصرانية، وسبى معها ست مائة من الحبش، وهو عامل على اليمن لعثمان بن عفان، فقالت: لي إليك ثلاث حوائج. قال: ما هي؟ قالت: تعتق هؤلاء الضعفاء الذين معك. قال: ذلك لك. فأعتق لها ست مائة

الحارث بن عبدة

من الجيش. فقالت: ولا تمسني حتى تصير إلى بلدك ودارك. ففعل. قالت: ولا تحملني على أن أغير ديني. قال: وذلك لك. فقدم بها. فولدت الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة. فلما ماتت حضر القرشيون وغيرهم من الناس لشهودها، فقال: أدى الله الحق عنكم، إن لها أهل ملّة هم أولى بها منكم، فانصرفوا عنها. وقال مصعب بن عبد الله: لم يكن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة يدري أن أمه على النصرانية حتى ماتت، وحضر لها الناس، فخرجت إليه موالاة له، فسارته وقالت: اعلم أنا وجدنا الصليب في رقبة أمك حين جردناها لغسلها. فقال للناس: انصرفوا أدى الله عنكم، فإن لها أهل ملة هم أولى بها منكم. فانصرف الناس، وكبر الحارث بما فعل من ذلك عند الناس. قالوا: أول من وضع وزن سبعة الحارث بن أبي ربيعة، يعني العشرة عدداً، سبعة وزناً. الحارث بن عبدة ويقال عبيدة بن رباح الغساني حدث الحارث بن عبيدة عن أبيه عبيدة - وقال الطبراني: حدث عبدة بن رباح، عن منيب بن عبد الله - قال: تلا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علينا هذه الآية: " كل يوم هو في شأن " قلنا: يا رسول الله، ما ذلك؟ قال: أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع أقواماً، ويضع آخرين.

الحارث بن عميرة الزبيدي الحارثي

الحارث بن عميرة الزبيدي الحارثي حدث الحارث بن عميرة عن سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ". وعن الحارث بن عميرة قال: قدمت إلى سلمان إلى المدائن، فوجدته في مدبغة له يعرك إهاباً بكفيه، فلما سلمت عليه قال: مكانك حتى أخرج إليك. قال الحارث: والله ما أراك تعرفني، أنا عبد الله. قال: بلى، قد عرفت روحي روحك، قبل أن أعرفك، فإن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها في الله عز وجل ائتلف، وما كان في غير الله اختلف. حدث عبد الرحمن بن غنم، عن حديث الحارث بن عميرة الحارثي: انه قدم مع معاذ من اليمن، فبت معه في داره وفي منزله، فأصابهم الطاعون، فطعن معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وأبو مالك، جميعاً في يوم واحد، وكان عمرو بن العاص حين أحس بالطاعون فرق فرفقاً شديداً فقال: يا أيها الناس، تبددوا في هذه الشعاب وتفرقوا، فإنه قد نزل بكم أمر من الله لا أراه إلا رجزاً أو الطوفان. قال شرحبيل بن حسنة: قد صاحبنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنت أضل من حمار أهلك قال: عمرو: صدقت. قال معاذ بن جبل لعمرو بن العاص: كذبت. ليس بالطوفان ولا بالرجز، ولكنها رحمة ربكم، ودعوة نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقبض الصالحين قبلكم، اللهم ائت آل معاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة، فما أمسى حتى طعن عبد الرحمن ابنه الذي كان يكنى به بكره وأحب الخلق إليه، فرجع معاذ من المسجد فوجده مكروباً. فقال: يا عبد الرحمن، كيف أنت؟ فاستجاب له فقال: يا أبه، الحق من ربك فلا تكن من الممترين فقال معاذ: وأنا إن شاء الله ستجدني من الصابرين. فأمسكه ليلته ثم دفنه من الغد. فأخذ بامرأتيه جميعاً فأراد أن يقرع بينهما أيهما تجيء قبل الأخرى فقال الحارث بن عميرة: جهزهما جميعاً أبا عبد الرحمن ونحفر لهما قبراً واحداً، فشق لإحداهما والحد للأخرى. فما عدا أن فرغ

منهما، فطعن، فأخذ معاذ يرسل الحارث بن عميرة إلى أبي عبيدة بن الجراح، يسأله كيف هو؟ فأراه أبو عبيدة طعنة خرجت من كفه، فتكاثر شأنها في نفس الحارث، وفرق منها حين رآها، فأقسم له أبو عبيدة: ما يحب أن له مكانها حمر النعم، فرجع الحارث إلى معاذ فوجده مغشياً عليه، فبكى الحارث واشتكى عليه ساعة، ثم إن معاذاً أفاق فقال: يا بن الحميرية لم تبكي علي! أعوذ بالله منك أن تبكي علي. فقال الحارث: والله ما عليك أبكي. قال معاذ: فعلام تبكي؟ قال: أبكي على ما فاتني منك العصرين الغدو والرواح. قال معاذ: أجلسني، فأجلسه الحارث في حجره. قال: اسمع مني فإني أوصيك بوصية؛ إن الذي تبكي علي زعمت من غدوك ورواحك إلي، فإن العلم مكانه لمن أراد بين لوحي المصحف، فإن أعيا عليك تفسيره فاطلبه بعدي عند ثلاثة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود بن أم عبد - وفي رواية: وابن سلام الذي كان يهودياً فأسلم، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " هو عاشر عشرة في الجنة " - وأحذرك زلة العالم، وجدال المنافق، واحذر طلبة القرآن. قال: سمعته يحدث أن معاذاً اشتد عليه النزع نزع الموت فنزع نزعاً لم ينزعه أحد، فكان كلما أفاق من غمرة فتح طرفه ثم قال: اخنقي خنقك، فوعزتك ربي إنك لتعلم أن قلبي يحبك. فلما أن قضى نحبه انطلق الحارث حتى أتى أبا الدرداء بحمص، فمكث عنده ما شاء الله أن يمكث، ثم قال الحارث: إن أخي معاذاً قد أوصاني بك وبسلمان الفارسي وبابن أم عبد، فلا أراني إلا منطلقاً قبل العراق. فقدم الحارث الكوفة ثم أخذ يحضر مجلس ابن أم عبد بكرة وعشياً، فبينما هو كذلك في المجلس يوماً قال ابن أم عبد: ممن أنت بابن أخي؟ قال الحارث: امرؤ من أهل الشام. فقال ابن أم عبد: نعم الحي أهل الشام لولا واحدة. فقال الحارث: وما تلك الواحدة؟ فقال: لولا أنهم يشهدون على أنفسهم أنهم من أهل الجنة. فاسترجع الحارث مرتين أو ثلاثاً ثم قال: صدق معاذ ما قاله لي. قال ابن أم عبد: ما قال لك معاذ يابن أخ؟ قال: حذرني زلة العالم، قال: والله ما أنت يابن مسعود إلا أحد رجلين، إما رجل أصبح علي يقين من الله ويشهد أن لا إله ألا الله فأنت من أهل الجنة، أم رجل مرتاب لا تدري أين منزلك. قال ابن مسعود صدقت يابن أخي إنها زلة

الحارث بن عمير الأزدي

مني فلا تؤاخذني بها. فأخذ ابن مسعود بيد الحارث فانطلق به إلى رحله، فمكث عنده ما شاء الله أن يمكث. ثم قال الحارث: لابد لي من أطلع أبا عبد الله سلمان إلى المدائن، فانطلق الحارث حتى قدم على سلمان في المدائن، فوجده في مدبغة له يعرك الأهب بكفيه. فلما أن سلم عليه قال: مكانك حتى أخرج إليك. قال الحارث: والله ما أراك تعرفني يا عبد الله. قال: بلى، قد عرفت روحي روحك قبل أن أعرفك، فإن الأرواح عند الله جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما كان في غير الله اختلف. فمكث عنده ما شاء الله أن يمكث ثم رجع إلى الشام. فأولئك الذين كانوا يتعارفون في الله ويتزاورون فيه، اللهم اجعلنا منهم برحمتك. مات الحارث بن عميرة زمن يزيد بن معاوية. الحارث بن عمير الأزدي له صحبة. بعثه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسولاً إلى صاحب بصرى، فقتل بمؤتة، فوجه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أهل مؤتة جيشاً. قال عمرو بن الحكم: بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحارث بن عمير الأزدي ثم أحد بني لهب، إلى ملك بصرى بكتاب. فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقال: أين تريد؟ قال الشام. قال: لعلك من رسل محمد! قال: نعم، أنا رسول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فأمر به فأوثق رباطاً، ثم قدمه فضرب عنقه صبراً، ولم يقتل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول غيره. فبلغ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبر فاشتد عليه وندب الناس وأخبرهم بمقتل الحارث ومن قتله، فأسرع الناس وخرجوا فعسكروا بالجرف. وكان ذلك سبب خروجهم إلى غزوة مؤتة. ومؤتة بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق.

الحارث بن عمير أبو الجودي

الحارث بن عمير أبو الجودي الأسدي الشامي سكن واسط. حدث أبو الجودي بواسط أيام الحجاج عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أنظر من هو أسفل مني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أحب المساكين، وأن أدنو منهم، وأن أصل رحمي وإن قطعوني وجفوني، وأن أقول الحق وإن كان مراً، وألا أخاف في الله لومة لائم، وألا أسأل أحداً شيئاً، وأن أستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنز الجنة. روى أبو الجودي عن بلج، عن أبي شيبة المهري قال: قلنا لثوبان: حدثنا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاء فأفطر. حدث أبو الجودي الأسدي قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: نعم الذخيرة للمرء المسلم عند الله يوم القيامة اصطناع المعروف. قال: فقال لي عمر: يا أبا الجودي اغتنم الدمعة تسبلها على خدك لله عز وجل. الحارث بن محمد بن الحارث بن خسرو أبو الليث الهروي الصياد العابد حدث أبو الليث بدمشق عن عمرو بن عثمان بسنده عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي أبو القاسم ألا أترك صلاة الضحى في حضر ولا سفر، ولا أنام إلا على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر. وحدث أبو الليث عن يحيى بن عثمان بسنده عن بهز قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستاك عرضا، ويشرب مصاً، ويتنفس ثلاثاً. ويقول: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ.

الحارث بن مخمر أبو حبيب الظهري الحمصي

الحارث بن مخمر أبو حبيب الظهري الحمصي قاضي عمان وحمص. وولي قضاء دمشق للوليد بن يزيد. حدث أبو حبيب عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ما من مؤمن يصيبه صداع في رأسه، أو شوكة فتؤذيه، أو ما سوى ذلك من الأذى، إلا رفع الله له. وفي رواية: إلا رفعه الله بها يوم القيامة درجة، وكفر عنه بها خطيئة. وحدث الحارث عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزداد وينتقص. قال صفوان بن عمرو: كتب عبد الملك بن مروان إلى أبي حبيب قاضي حمص يسأله: كم عقوبة اللوطي؟ فكتب إليه: أن يرمى بالحجارة، كما رجم قوم لوط. قال الله تعالى: " وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ". فقبل عبد الملك ذلك منه، وحسنه من رأيه. هو أبو حبيب بالحاء المهملة. والظهري: قبيلة من حمير. توفي في أيام يزيد بن الوليد.

الحارث بن مسلم بن الحارث

الحارث بن مسلم بن الحارث ويقال مسلم بن الحارث وهو الصحيح حدث الحارث بن مسلم التميمي عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سرية، فلما هجمنا على القوم تقدمت أصحابي على فرس، فاستقبلنا النساء والصبيان يعجون، فقلنا لهم: تريدون أن تحرزوا منهم؟ قالوا: نعم. قلت: قولوا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فقالوها، فجاء أصحابي فلاموني وقالوا: أشرفنا على الغنيمة فمنعتنا! ثم انصرفنا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخبروه بالذي صنعت. فقال: أتدرون ما صنع! لقد كتب الله له بكل إنسان كذا وكذا من الأجر. ثم أدناني منه فقال: إذا صليت صلاة الغداة فقل قبل أن تكلم: اللهم أجرني من النار، سبع مرات، فإنك إن مت من يومك ذاك كتب لك جوار من النار. فإذا صليت المغرب قبل أن تكلم أحداً، فقل: اللهم أجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك تلك، كتب الله تعالى لك بها جوازاً من النار. وفي حديث آخر ثم قال: أكتب لك كتاباً أوصي به أئمة المسلمين بعدي. قال: فكتب لي كتاباً، وختمه. فلما قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتيت أبا بكر بالكتاب، ففضه وأعطاني شيئاً ثم ختمه. فلما قبض أبو بكر أتيت عمر بن الخطاب بالكتاب، ففضه وأعطاني شيئاً ثم خنمه. فلما استخلف عثمان أتيته بالكتاب، ففضه فقرأه فأعطاني شيئاً ثم ختمه. فلما استخلف عمر بن عبد العزيز بعث إلى الحارث بن مسلم فأتاه، فأعطاه شيئاً وقال: لو أردت لوصلت إليك، ولكنني أردت أن تحدثني بحديثك عن أبيك عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحدثه به. سئل أبو زرعة عن مسلم بن الحارث أو الحارث بن مسلم؟ فقال: الصحيح: الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه. توفي الحارث بن مسلم في خلافة عثمان بن عفان. فالوافد إذاً على عمر بن عبد العزيز مسلم بن الحارث.

الحارث بن معاوية الكندي الأعرج

الحارث بن معاوية الكندي الأعرج أي بلال بن رباح بدمشق وروى عن عمر بن الخطاب. حدث الحارث بن معاوية أنه قدم على عمر بن الخطاب فقال: إني قدمت أسألك عن الوتر في أول الليل أو في وسطه أو في آخره؟ فقال عمر: كل ذلك قد عمل به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حدث الحارث الكندي، أنه ركب إلى عمر بن الخطاب فسأله عن ثلاث خلال قال: فقدم المدينة فسأله عمر: ما أقدمك؟ قال: لأسألك عن ثلاث. قال: وما هن؟ قال: ربما كنت أنا والمرأة في بناء ضيق، فتحضر الصلاة، فإن صليت أنا وهي كانت بحذائي، وإن صلت خلفي خرجت من البناء. فقال عمر: تستر بينك وبينها بثوب، ثم تصلي بحذائك. فقال عمر: تستر بينك وبينها بثوب، ثم تصلي بحذائك إن شئت. وعن الركعتين بعد العصر. فقال: نهاني عنهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن القصص فإنهم أرادوني على القصص فقال: ما شئت. كأنه كره أن يمنعه. قال: إنما أردت أن أنتهي إلى قولك. قال: أخشى عليك أن تقص فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقص فترتفع حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا، فيضعك الله عز وجل تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك. حدث الحارث بن معاوية الكندي قال: كنت أتوضأ أنا وأبو جندل بن سهيل على المطهرة فذكرنا نزع الخفين، ومر بنا بلال مؤذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلنا: يا أبا عبد الرحمن، كيف سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في نزع الخفين؟ فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " امسحوا على الموق والخمار "، فرد أبو جندل عقبه في الخف، بعد أن كان أخرجه. وذكر مكحول أن المطهرة عند الجب في مسجد دمشق. وحدث الحارث عن بلال قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " تمسحوا على الأمواق والنصف ". والنصيف: الخمار.

الحارث بن أبي وجرة

وحدث الحارث عن بلال قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الخفين والعمامة. وفي حديث آخر فقال بلال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح على الخفين والخمار. قدم الحارث بن معاوية على عمر بن الخطاب فقال له: كيف تركت أهل الشام؟ فأخبره عن حالهم، فحمد الله ثم قال: لعلكم تجالسون أهل الشرك. فقال: لا يا أمير المؤمنين. قال: إنكم إن جالستموهم أكلتم وشربتم معهم، ولن تزالوا بخير ما لم تفعلوا ذلك. قال مسلم بن مشكم: قال الحارث بن معاوية الكندي: إن شئتم لأحلفن لكم أن أبا الدرداء لم يحمله شغل أن يؤخر الصلاة. الحارث بن أبي وجرة واسم أبي وجرة تميم بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي قدم الشام مع عمر بن الخطاب، وشهد خطبته بالجابية. ووجرة بالجيم والراء. حدث إسماعيل بن عبيد الله قال: لما سار عمر إلى الشام قال: لأعرفن ما مدحتم خالد بن الوليد، فإنه رجل يهتز عند المدح، وأنت يا بن أبي وجرة فلأعرفن ما مدحته. قال: فلما قدموا الشام أقبل ابن أبي وجرة وعمر في مجلسه، وعنده خالد بن الوليد متقنع بردائه، فسلم ابن أبي وجرة وقال: أفيكم خالد بن الوليد هو والله ما علمت أجملكم وجهاً، وأجرأكم مقدماً، وأبذلكم يداً، فلما انصرف خالد بن الوليد بعث إلى ابن أبي وجرة بمئة دينار وراحلة. فلما انصرف عمر قال: يابن أبي وجرة ألم أنهك عن مدح خالد بن الوليد! قال ابن أبي وجرة: من أعطانا منكم مدحناه، ومن منعنا سببناه سباب العبد سيده. قال: وكيف يسب العبد سيده؟ قال: حيث لا يسمع. فضحك عمر. وقيل: إن المادح لخالد هو أبو وجرة. وسيذكر في موضعه. وعاش أبو وجرة ثمانين ومئتي سنة، حتى أقعد عن رجليه.

الحارث بن وداعة الحميري

الحارث بن وداعة الحميري ممن شهد صفين مع معاوية، وبارز علي بن أبي طالب عليه السلام فقتله علي يومئذ. روى مجالد عن عامر الشعبي قال: سئل عن أهل الجمل وأهل صفين فقال: أهل الجنة لقي بعضهم بعضاً، فاستحيوا أن يفر بعضهم من بعض. الحارث بن هانئ بن مدلج ابن المقداد بن زمل بن عمرو العذري حدث أبو الحارث محمد بن الحارث بن هانئ بن الحارث بن هانئ بن مدلج بن المقداد بن زمل بن عمرو العذري قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبيه عن جده عن أبيه عن زمل بن عمرو العذري قال: كان لبني عذرة صنم يقال له: حمام، وكانوا يعظمونه، وكان في بني هند بن حرام بن ضنة بن عبد بن كثير بن عذرة، وكان سادنه رجل يقال له طارق، وكان يعترون عنده فلما ظهر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمعنا صوتاً: يا بني هند بن حرام، ظهر الحق وأودى حمام، ودفع الشرك الإسلام قال: ففزعنا لذلك وهالنا، فمكثنا أياماً، ثم سمعنا صوتاً وهو يقول: يا طارق يا طارق، بعث النبي الصادق، بوحي ناطق، صدع صادع بأرض تهامة، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة، هذا الوداع مني إلى يوم القيامة، قال زمل: فوقع الصنم لوجهه. قال زمل: فاتبعت راحلة ورحلت حتى أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع نفر من قومي، وأنشدته شعراً قلته: إليك رسول الله أعملت نصها ... أكلفها حزناً وفوراً من الرمل لأنصر خير الناس نصراً مؤزراً ... وأعقد حبلاً من حبالك في حبلي وأشهد أن الله لا شيء غيره ... أدين له ما أثقلت قدمي نعلي

الحارث بن هشام بن المغيرة

قال: فأسلمت وبايعته وأخبرناه بما سمعنا فقال: ذلك من كلام الجن ثم قال: يا معشر العرب، إني رسول الله إلى الأنام كافة، أدعوهم إلى عبادة الله وحده، وأني رسوله وعبده، وأن يحجوا البيت، ويصوموا شهراً من اثني عشر شهراً، وهو شهر رمضان، فمن أجابني فله الجنة نزلاً وثواباً، ومن عصاني فله النار منقلباً. قال: فأسلمنا وعقد لنا لواء وكتب لنا كتاباً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله، لزمل بن عمرو ومن أسلم معه خاصة، إني بعثته إلى قومه عامة، فمن أسلم ففي حزب الله ورسوله، ومن أبى فله أمان شهرين. شهد علي بن أبي طالب، ومحمد بن مسلمة الأنصاري. قال: غريب جداً. الحارث بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو عبد الرحمن المخزومي له صحبة. أسلم يوم الفتح، ثم حسن إسلامه. وخرج إلى الشام مجاهداً وحبس نفسه في الجهاد. ولم يزل بالشام إلى أن قتل باليرموك. ويقال: مات بطاعون عمواس. حدث عبد الرحمن بن سعد المقعد عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه أنه قال: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به. قال: املك عليك هذا. وأشار إلى لسانه. قال عبد الرحمن: فرأيت ذلك يسيراً، وكنت قليل الكلام، فلم أفطن له، وإذا ليس شيء أشد منه. حدث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه قال: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجته، وهو واقف على راحلته، وهو يقول: " والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ". قال: فقلت ولم أبين: يا ليتنا لم نفعل فارجع إليها، فإنها منبتك ومولدك. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إني سألت ربي فقلت: اللهم إنك أخرجتني من أحب أرضك إلي، فأنزلني أحب أرضك إليك، فأنزلني المدينة ".

وشهد الحارث بن هشام بدراً مع المشركين، وكان فيمن انهزم فعيره حسان بن ثابت فقال: إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام فقال الحارث يعتذر من فراره يومئذ: القوم اعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا فرسي بأشقر مزبد فعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل، ولا ينكي عدوي مشهدي فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد ثم غزا أحداً مع المشركين، ولم يزل متمسكاً بالشرك حتى أسلم يوم فتح مكة. روى سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد: " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث، اللهم العن صفوان بن أمية ". فنزلت: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " فتاب عليهم وأسلموا وحسن إسلامهم. وعن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم الفتح ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية بن خلف، وإلى أبي سفيان بن حرب، وإلى الحارث بن هشام قال عمر: فقلت قد أمكن الله منهم، أعرفهم ما صنعوا، حتى قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مثلي ومثلكم كما قال يوسف لأخوته: " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " قال عمر: فانتضحت حياء من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كراهية أن يكون قد بدر مني شيء، وقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما قال.

قال عبد الله بن عكرمة: لما كان يوم الفتح دخل الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة على أم هانئ بنت أبي طالب فاستجارا بها، وقالا: نحن في جوارك. فأجارتهما فدخل علي بن أبي طالب فنظر إليهما، فشهر عليهما السيف. قالت: فألقيت عليهما واعتنقته وقلت: تصنع هذا بي من بين الناس! لتبدأن بي قبلهما. قال: تجيرين المشركين! فخرج ولم يكد، فأتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: يا رسول الله ما لقيت من ابن أمي علي، ما كدت أفلت منه، أجرت حموين لي من المشركين، فتفلت عليهما ليقتلهما. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما كان ذلك له، قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت ". فرجعت إليهما فأخبرتهما، فانصرفا إلى منزلهما. فقيل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة جالسان في ناديهما يتفضلان في الملاء المزعفر. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا سبيل إليهما قد أمناهما " قال الحارث بن هشام: وجعلت أستحيي أن تركت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأذكر رؤيته إياي في كل موطن موضعاً مع المشركين، بما ذكر بره ورحمته وصلته، فألقاه وهو داخل المسجد فيلقاني بالبشر، ووقف حتى جئته وسلمت عليه وشهدت شهادة الحق. فقال: الحمد لله الذي هداك، م كان مثلك يجهل الإسلام. قال الحارث بن هشام: فوالله ما رأيت مثل الإسلام جهل. وشهد الحارث بن هشام مع سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حنيناً، وأعطاه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غنائم حنين مائة من الإبل، ولم يزل الحارث بن هشام مقيماً بمكة بعد أن أسلم، حتى توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو غير مغموص عليه في إسلامه، فلما جاء كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه يستنفر المسلمين إلى غزوة الروم، قدم الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو على أبي بكر الصديق رضي الله عنه المدينة، فأتاهم في منازلهم فرحب بهم وسلم عليهم وسر بمكانهم، ثم خرجوا مع المسلمين غزاة إلى الشام. فشهد الحارث بن هشام فحل وأجنادين، ومات بالشام في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة، فتزوج عمر بن الخطاب ابنته أم حكيم بنت الحارث، وهي أخت عبد الرحمن بن الحارث. فكان عبد الرحمن بن الحارث يقول: ما رأيت ربيباً خيراً من عمر بن الخطاب.

وقيل: إن الحارث بن هشام استشهد يوم اليرموك، وقيل: إنه كان عمي قبل وفاته. ولما خرج الحارث بن هشام من مكة جزع أهل مكة جزعاً شديداً، فلم يبق أحد يطعم إلا خرج يشيعه، حتى إذا كان بأعلى البطحاء، أو حيث شاء الله من ذلك وقف، ووقف الناس حوله يبكون، ولما رأى جزع الناس قال: يا أيها الناس إني والله ما خرجت رغبة بنفسي عن أنفسكم، ولا اختيار بلد عن بلدكم، ولكن كان هذا الأمر فخرجت فيه رجال من قريش، والله ما كانوا من ذوي أنسابها ولا في بيوتاتها، فأصبحنا والله لو أن جبال مكة ذهباً فأنفقناها في سبيل الله عز وجل ما أدركنا يوماً من أيامهم، والله لئن فاتونا به في الدنيا لنلنمسن أن نشاركهم في الآخرة فاتقى الله امرؤ. فتوجه غازياً إلى الشام، واتبعه ثقله فأصيب شهيداً. قال معمر بن المثنى: نزل هشام بن المغيرة بحران، وبها أسماء بنت مخربة النهشلي، نهشل بن دارم، قد هلك عنها زوج لها، وكانت امرأة لبيبة عاقلة ذات جمال. فقيل له: يا أبا عثمان، إن هاهنا امرأة من قومك، وأثنوا عليها، فأتاها فلما رآها رغب فيها، فقال: هل لك أن أتزوجك، وأنقلك إلى مكة؟ قالت: ومن أنت؟ قال: أنا هشام بن المغيرة. قالت: فإني لا أعرفك، ولكني أنكحك نفسي، وتحملني إلى مكة، فإن كنت هشاماً فأنا امرأتك. فعجب من عقلها، وازداد رغبة فيها، فحملها فلما قدمت مكة أعلمت أنه هو هشام، فنكحها فولدت له عمراً، الذي كناه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا جهل، والحارث بن هشام، ثم فارقها فخلف عليها أخوه أبو ربيعة بن المغيرة. قال إسحاق بن بشر: ثم إن عمر قسم الأموال بين الناس، فآثر أهل بدر على غيرهم من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان آثر الناس عنده في القسم بعد أهل بدر أزواج النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم من قتل أبوه مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهيداً، ثم الذين اتبعوهم بإحسان، وكان ذلك القسم أول فيء قدم على عمر. فلما بلغ القسم سهيل بن عمرو والحارث هشام بن المغيرة ولم يبلغ بهما عمر في القسم ما بلغ بأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالا: يا عمر لا تؤثرن علينا أحدا، فإنا قد آمنا بالله ورسوله

وشهدنا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فقال لهما عمر: إني لم أوثر عليكما من آثرت من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا أنهم سبقوكم بالهجرة ولو كنتما من المهاجرين الأولين لم أوثر عليكما أحدا قال: وإن كنا سبقنا بالهجرة فإنا لم نسبق بالجهاد في سبيل الله عز وجل. قال: ثم تكلم الحارث بن هشام فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم صلى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم قال: يا أمير المؤمنين، حق على كل مسلم النصيحة لك والاجتهاد في أداء حقك، لما أفضى إليك من أمر هذه الأمة التي وليت، فعليك بتقوى الله في أمرك كله سره وعلانيته، والاعتصام بما تعرف من أمر الله الذي شرع لك وهداك له، فإن كل راع مسؤول عن رعيته، وكل مؤتمن مسؤول عن أمانته، والحاكم أحوج إلى العدل من المحكوم عليه، فتسأل الله لمن ولك التقوى وللعامة، وتمام النعمة في الدنيا والآخرة، ونستودعك الله. فقال عمر: هداك الله وأعانك وصحبك، عليكما بتقوى الله في أمركما كله، ف " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ". فأمر عمر لكل واحد منهم بأربعة آلاف عونا على جهازهما. فخرجا إلى الشام فلم ير إلا مجاهدين، فقتل الحارث بن هشام يوم اليرموك شهيدا، وتوفي سهيل بن عمرو في طاعون عمواس من أرض فلسطين. حدث حبيب بن أبي ثابت: أن الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة ارتثوا يوم اليرموك، فدعا الحارث بماء ليشربه، فنظر غليه عكرمة فقال الحارث: ادفعوه إلى عكرمة، فنظر إليه عياش بن أبي ربيعة فقال عكرمة: ادفعوه إلى عياش، فما وصل إلى عياش ولا إلى أحد منهم حتى ماتوا وما ذاقوه. وروى جماعة من أهل العلم والسيرة: أن عكرمة بن أبي جهل قتل يوم أجنادين، شهيداً في خلافة أبي بكر الصديق والاختلاف بينهم في ذلك. وأما عياش بن أبي ربيعة فمات بمكة، وأما الحارث بن هشام فمات بالشام في طاعون عمواس، سنة ثمان عشرة، وقيل: إن الحارث بن هشام استشهد في

الحارث بن يمجد الأشعري القاضي

أجنادين ومرج الصفر، سنة ثلاث عشرة، وقيل: إنه بقي إلى زمن عثمان. وعن أبي بكر بن عبد الرحمن، أن الحارث بن هشام كاتب عبداً له، في كل أجل شيء مسمى. فلما فرغ من كتابته أتاه العبد بماله كله، فأبى الحارث أن يأخذه وقال: لي شرطي ثم إنه رفع ذلك إلى عثمان بن عفان عليه السلام فقال عثمان: هلم المال اجعله في بيت المال، ونعطيه في كل أجل ما يحل، وأعتق العبد قال أبو موسى: هذا قول مالك وأهل المدينة. الحارث بن يمجد الأشعري القاضي ولي القضاء بدمشق في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك. يمجد أوله ياء مضمومة والميم ساكنة وبعدها جيم مكسورة ودال. حدث الحارث بن يمجد عن عبد الله بن عمرو قال: الناس في الغزو جزآن، فجزء خرجوا يكثرون ذكر الله عز وجل والتذكر به، ويجتنبون الفساد في المسير، ويواسون الصاحب، وينفقون كرام أموالهم؛ فهم أشد اغتباطاً بما أنفقوا من أموالهم منهم بما استفادوا من دنياهم. فإذا كانوا في مواطن القتال استحيوا من الله عز وجل في تلك المواطن أن يطلع على ريبة في قلوبهم، أو خذلان للمسلمين. فإذا وردوا على الغلول طهروا منه قلوبهم وأعمالهم، فلم يستطع الشيطان أن يفتنهم ولا يكلم قلوبهم. فبهم يعز الله دينه ويكيد عدوه. وأما الجزء الآخر، فخرجوا فلم يكثروا ذكر الله عز وجل ولا التذكر به، ولم يجتنبوا الفساد، ولم ينفقوا أموالهم إلا وهم كارهون، وما أنفقوا من أموالهم رأوه مغرماً، وحدثهم به الشيطان. فإذا كانوا عند مواطن القتال كانوا مع الآخر الآخر، والخاذل الخاذل، واعتصموا برؤوس الجبال ينظرون ما يصنع الناس، فإذا فتح الله

حازم بن مالك بن بسطام الدمشقي

عز وجل للمسلمين كانوا أشدهم تخاطباً بالكذب، فإذا قدروا على الغلول اجترؤوا فيه على الله عز وجل، وحدثهم الشيطان أنها غنيمة، إن أصابهم رخاء بطروا، وإن أصابهم خدش فتنهم الشيطان بالعرض. فليس لهم من أجر المؤمنين شيء غير أن أجسادهم مع أجسادهم ومسيرهم مع مسيرهم، دنياهم وأعمالهم شتى حتى يجمعهم الله عز وجل يوم القيامة، ثم يفرق بينهم. قال عبد الحكيم بن سليمان بن أبي غيلان: بعث عمرو بن عبد العزيز يزيد بن أبي مالك الدمشقي والحارث بن يمجد الأشعري يفقهان الناس في البدو، وأجرى عليهما رزقا، فأما يزيد فقبل، وأما الحارث فأبى أن يقبل، فكتب إلى عمرو بن عبد العزيز بذلك، فكتب عمر: إنا لا نعلم بما صنع يزيد بأساً، وأكثر الله فينا مثل الحارث بن يمجد. حازم بن مالك بن بسطام الدمشقي حدث حازم عن عبد العزيز بن الحصين قال: بلغني أن عيسى بن مريم قال: من كثر كذبه ذهب جماله، ومن لاحى الرجال سقطت كرامته، ومن كثر همه سقط جسده، ومن ساء خلقه عذب نفسه. حامد بن أحمد بن محمد بن أحمد أبو أحمد المروزي ويعرف بالزيدي الحافظ عرف بذلك لأنه كان يجمع حديث زيد بن أبي أنيسة. حدث عن محمد بن عمران بن موسى بسنده عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثلاث: الوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والغسل يوم الجمعة.

حامد بن سهل بن الحارث أبو محمد البخاري

وحدث عن أبي العباس محمد بن نصر بسنده عن انس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله تعالى يقول كل يوم: أنا ربكم العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز. توفي أبو احمد اليزيدي الحافظ سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة وقيل: كان مولده سنة اثنتين وثمانين. حامد بن سهل بن الحارث أبو محمد البخاري سمع بدمشق وغيرها. حدث حامد بن سهل الثغري عن هشام بن عمار بسنده عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. ثم ذكر الحديث بطوله. توفي حامد بن سهل سنة سبع وتسعين ومائتين. حامد بن محمد بن حامد بن بحر أبو العباس النسوي سكن دمشق وحدث بها. حدث عن أبي نصر أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن الليث الخطيب بشيراز بسنده عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: من يتواضع لله تعالى درجة يرفعه الله تعالى درجة، ومن يتكبر على الله تعالى درجة يضعه الله تعالى درجة، حتى يجعله في أسفل السافلين. وحدث أبو العباس النسوي عن أبي نصر الواعظ بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رضى الله في رضى الوالد، وسخط الله في سخط الوالد ".

حامد بن يوسف بن الحسين

توفي أبو العباس حامد النسوي في ربيع الأول سنة أربع وستين وأربع مائة، ودفن بباب الصغير. حامد بن يوسف بن الحسين أبو احمد التغلبي قدم دمشق زائراً لبيت المقدس، وحدث بدمشق وحلب سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة. روى عن أبي حكيم عبد الله بن إبراهيم الفرضي بسنده عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني أحب فلاناً في الله عز وجل قال: فأخبرته؟ قال: لا. قال: قم فأخبره. قال: فلقيه فقال: إني أحبك في الله يا فلان. فقال له: أحبك الذي أحببتني له. حبان بن موسى بن حبان بن موسى أبو محمد الكلابي حدث عن زكريا بن يحيى السجزي بسنده عن سعد: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يمسح على الخفين. حبان بكسر الحاء، الدمشقي، متأخر. توفي سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة في ربيع الأول.

حبيب بن أوس بن الحارث

حبيب بن أوس بن الحارث ابن الأشج بن يحيى بن مزينا بن سهم بن خلجان الكاتب بن مروان، بن رفافة بن موسى بن سعد بن كاهل بن عامر - ويقال: ابن عمرو - ابن عدي بن عمرو بن طيء، أبو تمام الطائي الشاعر من أهل قرية جاسم من حوران. وكان أبوه أوس نصرانياً. مدح الخلفاء والأمراء فأحسن، وحدث عن جماعة، وكان أسمر طويلا فصيحاً حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة. ولد سنة ثمان وثمانين ومائة، وقيل: سنة تسعين ومائة. حدث عن صهيب بن أبي الصهباء الشاعر، عن الفرزدق همام بن غالب الشاعر، عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الشاعر، عن حسان بن ثابت الشاعر قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يا حسان، اهجهم وجبريل معك. وقال: إن من الشعر حكمة. وقال: إذا حارب أصحابي بالسلاح، فحارب أنت باللسان. قال أبو بكر الخطيب: حبيب بن أوس شامي الأصل، كان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع، ثم جالس الأدباء وأخذ منهم، وكان فطناً فهماً، وكان يحب الشعر، فلم يزل يعاينه حتى قال الشعر فأجاد، وشاع ذكره، وسار شعره، وبلغ المعتصم خبره فحمله إليه، وهو بسر من رأى، فعمل أبو تمام فيه قصائد عدة، وأجازه المعتصم وقدمه على شعراء وقته، وقدم بغداد فجالس بها الأدباء وعاشر العلماء، وكان موصوفاً بالظرف وحسن الأخلاق وكرم النفس. قال يحيى بن صالح أبو الوليد: رأيت أبا تمام الطائي بدمشق غلاماً يعمل مع قزاز، وكان أبوه خماراً بها، وقيل إن أبا تمام هو حبيب بن تدوس النصراني، فغير فصير أوساً.

قال علي بن الجهم: كان الشعراء يجتمعون كل جمعة في القبة المعروفة بهم من جامع المدينة، يتناشدون الشعر، يعرض كل واحد منهم على صاحبه ما أحدث بعد مفارقتهم في الجمعة التي قبلها، فبينا أنا في جمعة من تلك الجمع ودعبل وأبو الشيص وابن أبي فنن مجتمعون، والناس يستمعون إنشاد بعضنا بعضاً، أبصرت شاباً في أخريات الناس جالساً في زي الأعراب وهيئتهم، فلما قطعنا الإنشاد قال لنا: قد سمعت إنشادكم منذ اليوم فاسمعوا إنشادي. قلنا: هات، فأنشدنا: فحواك عين على نجواك يا مذل ... حتام لا يتقضى قولك الخطل فإن أسمج من تشكو إليه هوى ... كمن كان أحسن شيء عنده العذل ما أقبلت أوجه اللذات سافرة ... مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول إن شئت ألا ترى صبراً لمصطبر ... فانظر على أي حال أصبح الطلل ثم مر فيها حتى انتهى إلى قوله في مدح المعتصم: تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل فعقد أبو الشيص عند هذا البيت خنصره، ثم مر فيها إلى آخرها فقلنا: زدنا، فأنشدنا بمدح المأمون: دمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام فأنشدها إلى آخرها، فاستزدناه، فأنشدنا: قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي إلى آخرها. فقلنا له: لمن هذا الشعر؟ قال: لمن أنشدكموه. قلنا: ومن تكون؟ قال: أبو تمام حبيب بن أوس الطائي. فقال له أبو الشيص: تزعم أن هذا الشعر لك وتقول: تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل قال: نعم، لأني سهرت في مدح ملك، ولم أسهر في مدح سوقة، فرفعناه حتى

صار معنا في موضعنا، ولم نزل نتهاداه بيننا، وجعلناه كأحدنا، واشتد إعجابنا به لدماثته وظرفه وكرمه وحسن طبعه وجودة شعره، وكان ذلك اليوم أول يوم عرفناه فيه، ثم تراقت حاله حتى كان من أمره ما كان. قال الحسين بن إسحاق: قلت للبحتري: الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام. قال: والله ما ينفعني هذا القول ولا يضر أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كما قالوا، ولكني والله تابع له، لائذ به، آخذ منه، نسيمي يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه. قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: حدثت إبراهيم بن المدبر - ورأيته يستجيد شعر أبي تمام ولا يوفيه حقه - بحديث حدثنيه أبو عمرو بن أبي الحسن الطوسي وجعلته مثلاً له، قال: بعثني أبي إلى ابن الأعرابي لأقرأ عليه أشعاراً، وكنت معجباً بشعر أبي تمام، فقرأت عليه من أشعار هذيل، ثم قرأت عليه أرجوزة أبي تمام على أنها لبعض شعراء هذيل: وعاذل عذلته في عذله ... فظن أني جاهل لجهله حتى أتممتها فقال: اكتب لي هذه: فكتبتها له ثم قلت له: أحسنة هي؟ قال: ما سمعت بأحسن منها. قلت: إنها لأبي تمام. قال: خرق خرق. قال ابن المعتز: وهذا الفعل من العلماء مفرط القبح، لأنه يجب ألا يدفع إحسان محسن عدواً كان أو صديقاً، وأن تؤخذ الفائدة من الرفيع والوضيع، فإنه يروى عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: الحكمة ضالة المؤمن، فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك. ويروى عن بزرجمهر قال: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه حتى انتهيت إلى الكلب والهر والخنزير والغراب. فقيل له: وما أخذت من الكلب؟ قال: إلفه لأهله وذبه عن حريمه، قيل: فمن الهر؟ قال: حسن مرفقها عند المسألة ولين صياحها. قيل له: فمن الخنزير؟

قال: بكوره في إرادته. قيل له: فمن الغراب؟ قال: شدة حذره. قدم عمارة بن عقيل إلى بغداد، فاجتمع الناس إليه، وكتبوا شعره، وسمعوا منه، وعرضوا عليه الأشعار، فقال له بعضهم: هاهنا شاعر يزعم قوم أنه أشعر الناس طراً، ويزعم غيرهم أنه ضد ذلك. فقال: أنشدوني، فأنشدوه: غدت تستجير الدمع خوف نوى عد ... وعاد قتاداً عندها كل مرقد وأنقذها من عمرة الموت أنه ... صدود فراق لا صدود تعمد فأجرى لها الإشفاق دمعاً مورداً ... من الدم يجري فوق خد مورد هي البدر يغنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت وإن لم تودد ثم قطع المنشد. فقال له عمارة: زدنا من هذا. فوصل نشيده وقال: ولكنني لم أحو وفراً مجمعاً ... ففزت به إلا بشمل مبدد ولم تعطني الأيام نوماً مسكناً ... ألذ به إلا بنوم مشرد فقال عمارة: لله دره، لقد تقدم في هذا المعنى جميع من سبقه، على كثرة القول فيه حتى تحبب الاغتراب، هيه، فأنشده: وطول مقام المرء بالحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد فقال عمارة: كمل، والله إن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني واطراد المراد، واستواء الكلام فصاحبكم هذا أشعر الناس، وإن كان بغيره فلا أدري. قال موسى بن حماد: سمعت علي بن الجهم وقد ذكر دعبلاً فكفره ولعنه، وقال: كان قد أغري بالطعن على أبي تمام، وهو خير منه ديناً وشعراً، فقال له رجل: لو كان أبو تمام أخاك ما زاد على كثرة وصفك له، فقال: إلا يكن أخاً بالنسب، فإنه أخ بالأدب والدين والمروءة، أو ما سمعت قوله في طيئ:

حبيب بن أبي حبيب من أهل دمشق

إن يكد مطرف الإخاء فأننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدر من غمام واحد أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه فقام الوالد ومن شعر أبي تمام حبيب: رددت إفرند وجهي في صفحتيه ... رد الصقال بماء الصارم الخذم وما أبالي وحر القول أصدقه ... حقنت من ماء وجهي أو حقنت دمي ولد أبو تمام سنة ثمان وثمانين ومئة، ومات سنة إحدى وثلاثين ومئتين ودفن بالموصل، وقيل: ولد سنة تسعين ومئة، ومات سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وقيل: مات سنة ثمان وعشرين ومئتين بسر من رأى. وقال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه، وهو حينئذ وزير: نبأ أتى من أعظم الأنباء ... لما ألم مقلقل الأحشاء قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم ... ناشدتكم لا تجعلوه الطائي وقال الحسن بن وهب يرثيه: فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطائي ماتا معاً فتجاورا في حفرة ... وكذلك كانا قبل في الأحياء حبيب بن أبي حبيب من أهل دمشق حدث عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: وبلغها أن ابن عمر يحدث عن أبيه: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: يرحم الله ابن عمر وعمر، والله ما هما بكاذبين ولا متزايدين، ولكنهما وهما، إنما مر

حبيب بن الشهيد

النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على رجل من اليهود وهم يبكون على قبره، فقال: إنهم ليبكون عليه، وإن الله يعذبه في قبره. وحدث حبيب بن أبي حبيب الدمشقي عن يزيد الخراساني قال: بينما أنا ومكحول، إذ قال مكحول: يا وهب بن منبه، ما شيء بلغني عنك في القدر؟ قال: والذي اكرم محمداً بالنبوة، لقد اقترأت من الله اثنين وسبعين كتاباً منه ما يسر وما يعلن، ما فيه كتاب إلا وجدت فيه: من أضاف إلى نفسه شيئاً من قدر الله فهو كافر بالله. قال مكحول: الله اكبر. حبيب بن الشهيد أبو مرزوق التجيبي ثم القتيري المصري حدث عن فضالة بن عبيد: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا ذات يوم بشربة، فقيل: يا رسول الله، عن هذا يوم كنت تصومه. فقال: أجل، ولكن قئت فأفطرت. وحدث أبو مرزوق مولى تجيب، عن حنش الصنعاني قال: غزونا مر رويفع الأنصاري فافتتحنا قرية يقال لها جربة، فقام خطيباً فقال: إني لا أقول إلا ما سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول يوم خيبر، قام فينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماؤه زرع غيره يعني إتيان الحبالى من الفيء ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي ثيباً حتى يستبرئها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر يبيع مغنماً حتى يقسم، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوباً من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه رده فيه.

حبيب بن عبد الرحمن بن سلمان

وحدث محمد بن القاسم المرادي عن أبي مرزوق حبيب بن الشهيد أنه قال لامرأته: لست مني بسبيل البتة. فاختلف عليه العلماء في ذلك، فركب إلى عمر بن عبد العزيز فدينه في ذلك. قال فتيان بن أبي السمح: كان أبو مرزوق حبيب مولى عقبة بن بحرة يفتي أهل أنطابلس وهي برقة، كما يفتي يزيد بن أبي حبيب بمصر. قال ابن الوزير: توفي أبو مرزوق سنة تسع ومئة، وله وفادة على عمر بن عبد العزيز، وكان فقيهاً، وكان ينزل أطرابلس المغرب. حبيب بن عبد الرحمن بن سلمان ابن أبي الأعيس الخولاني حدث عن أبيه أبي الأعيس قال: الجن والإنس عشرة أجزاء، فالإنس من ذلك جزء، والجن تسعة أجزاء. حبيب بن عبد الملك بن حبيب والد الحسن بن حبيب قال حبيب بن عبد الملك: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: كان أبو سليمان زميلي إلى مكة، فذهبت منا الإداوة في طريق مكة، فقلت له: ذهبت الإداوة، فأخرج يده من الخربست، ثم قال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، يا هادي كل ضال ويا راد الضلال، رد علينا ضالتنا، وصل على محمد وعلى آل محمد. فما

حبيب بن قليع

أدخل يده إلى الخربست إذا إنسان يصيح: يا صاحب الإداوة. فقال لي: خذها يا أحمد، إذا سألت الله عز وجل حاجة فابدأ بالصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسل حاجتك، ثم اختم بالصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنهما دعوتان لا يردهما، ولم يكن ليرد ما بينهما. حبيب بن قليع ويقال عمر بن حبيب بن قليع المدني حدث عبد الله بن جعفر عن حبيب بن قليع قال: ضقت بالمدينة ضيقاً شديداً، فكنت أخرج من منزلي بسحر، ولا أرجع إلا بعد ليل، من الدين، فجلست مع ابن المسيب يوماً، فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد، إني رأيت في النوم كأني أخذت عبد الملك بن مروان فوتدت في ظهره أربعة أوتاد. قال: ما أنت رأيت ذلك، أخبرني من رآها: قال: أرسلني إليك ابن الزبير بهذه الرؤيا، رآها في عبد الملك. قال: إن صدقت رؤياه قتل عبد الملك ابن الزبير، وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة. فركبت إلى عبد الملك فدخلت عليه في الخضراء، فأخبرته الخبر، فسر وسألني عن ابن المسيب وعن حاله، وسألني عن ديني فقلت أربع مئة، فأمر بها لي من ساعته، وأمر لي بمئة دينار، وحماني طعاماً وزيتاً وكساً، فانصرفت بذلك راجعاً إلى المدينة. وقد روي هذا عن عمر بن حبيب بن قليع. حبيب بن محمد أبو محمد العجمي بصري من الزهاد. قدم الشام، وبها لقي الفرزدق. حدث عن شهر بن حوشب، عن أبي ذر قال: إن الله عزّ وجلّ يقول: " يا جبريل، انسخ من قلب عبدي المؤمن الحلاوة التي كان يجدها، فيصير العبد المؤمن والهاً، طالباً للذي كان يعهد من نفسه، نزلت به مصيبة لم

تنزل به مثلها، فإذا نظر الله إليه على تلك الحال قال: يا جبريل ردّ إلى قلب عبدي ما نسخت منه فقد ابتليته فوجدته صادقاً، وسأمدّه من قبلي بزيادة. وإذا كان عبداً كذاباً لم يكترث ولم يبال ". حدث أبو محمد حبيب، أنه سمع الحسن قال: الأوّاه الذي قلبه معلق عند الله. قال حبيب أبو محمد: رأيت الفرزدق بالشام فقال: قال لي أبو هريرة: إنه سيأتيك قوم يوئسونك من رحمة الله فلا تيأس. قال أبو جعفر السائح: كان حبيب تاجراً يعير الدراهم، فمر ذات يوم بصبيان يلصّون، فقال بعضهم: قد جاء آكل الربا، فنكس رأسه وقال: يا رب، أفشيت سرّي إلى الصبيان، فرجع فلبس مدرعة من شعر، وغل يده، ووضع ماله بين يديه، وجعل يقول: يا رب، غني أشتري نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح تصدق بالمال كله وأخذ في العبادة، فلم ير إلا صائماً أو قائماً أو ذاكراً أو مصلياً، فمر ذات يوم بأولئك الصبيان الذين كانوا عيّروه بأكل الربا، فلما نظروا إلى حبيب قال بعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيب العابد، فبكى وقال: يا رب، أنت تذم مرة وتحمد مرة، فكل من عندك. وبلغ من فضله أنه كان يقال: إنه مستجاب الدعاء. وأتاه الحسن هارباً من الحجاج فقال الحسن: يا أبا محمد، احفظني من الشرط على إثري، فقال: استحييت لك يا أبا سعيد، ليس بينك وبين ربك من الثقة ما تدعو فيسترك من هؤلاء، ادخل البيت فدخل، ودخل الشرط على إثره فقالوا: يا أبا محمد، دخل الحسن هاهنا؟ قال: هذا بيتي فادخلوا، فدخلوا فلم يروا الحسن في البيت. وذكروا ذلك للحجاج، فقال: بلى، كان في بيته، ولكن الله طمس على أعينكم فلم تروه. قال عبد الواحد بن زيد: كان في حبيب العجمي خصلتان من خصال الأنبياء: النصيحة والرحمة.

قال عبد الواحد بن زيد: كنا عند مالك بن دينار ومعنا محمد بن واسع وحبيب أبو محمد، فجاء رجل فكلم مالكاً فأغلظ له في قسمة قسمها، وقال: وضعتها في غير حقها، وتتبعت بها أهل مجلسك ومن يغشاك، لتكثر غاشيتك وتصرف وجوه الناس إليك. قال: فبكى مالك وقال: والله ما أردت هذا. قال: بلى، والله لقد أردته، فجعل مالك يبكي والرجل يغلظ له، فلما كثر ذلك عليهم رفع حبيب يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إن هذا قد شغلنا عن ذكرك، فأرحنا منه كيف شئت. قال: فسقط والله الرجل على وجهه ميتاً فحمل إلى أهله على سرير. وكان يقال: إن أبا محمد مجاب الدعوة. قال الحسن بن أبي جعفر: مرّ الأمير يوماً، فصاحوا: الطريق. ففرج الناس، وبقيت عجوز كبيرة لا تقدر أن تمشي،، فجاء بعض الجلاوزة فضربها بسوط ضربة. فقال حبيب أبو محمد: اللهم اقطع يده. فما لبثنا إلا ثلاثاً حتى مرّ بالرجل قد أخذ في سرقة، فقطعت يده. حدث مسلم أن رجلاً أتى حبيباً أبا محمد فقال: إن لي عليك ثلاث مائة درهم. قال: من أين صارت لك عليّ؟ قال: لي عليك ثلاث مائة درهم. قال حبيب: اذهب إلى غد، فلما كان من الليل توضأ وصلى وقال: اللهم إن كان هذا صادقاً فأدّ إليه، وإن كان كاذباً فابتله في يده، قال: فجيء بالرجل من غد قد حمل، وقد ضرب شقّه الفالج فقال: مالك؟ قال أنا الذي جئتك أمس لم يكن لي عليك شيء، وإنما قلت: يستحي من الناس فيعطيني فقال له: تعود؟ قال: لا. قال: اللهم إن كان صادقاً فألبسه العافية. فقام الرجل على الأرض كأن لم يكن به شيء. قال حبيب: أتانا سائل وقد عجنت عمرة، وذهبت تجيء بنار تخبزه. فقلت للسائل: خذ

العجين. قال: فاحتمله. فجاءت عمرة فقالت: أين العجين؟ فقلت: ذهبوا يخبزونه. فلما أكثرت عليّ أخبرتها، فقالت: سبحان الله، لا بد لنا من شيء نأكله، قال: فإذا رجل قد جاء بجفنة عظيمة مملوءة خبزاً ولحماً. فقالت عمرة: ما أسرع ما ردوه عليك، قد خبزوه وجعلوا معه لحماً. قال ابن المبارك: كان حبيب العجمي يضع كيسه خالياً، فيجده ملآن. قال السّري بن يحيى: كان حبيب أبو محمد يرى بالبصرة عشية التروية، ويرى بعرفات عشية عرفات. قال جعفر بن سليمان: سمعت حبيباً يقول: أتى زوّر لنا وقد طبخنا سمكاً وكنا نريد أن نأكله، فأبطأ الزوّر في القعود، فلما قام قلت لعمرة: هاتي حتى نأكله، قال: فجاءت به فإذا هو دم عبيط، فألقيناه في الحشّ. قال عبد العزيز بن محمد: مرّ حبيب بمصلوب بالبصرة، فوقف عنده فقال: بأبي ذلك اللسان الذي كنت تقول: لا إله إلا الله، اللهم هب لي دينه. قال: وكان صلب ووجهه إلى الشرق، فأصبحت خشبته قد استدارت إلى القبلة. قال داود بن رشيد: قيل لحبيب الفارسي في مرضه الذي مات فيه: ما هذا الجزع الذي ما كنا نعرفه منك! فقال: سفري بعيد بلا زاد، وينزل بي في حفرة من الأرض موحشة بلا مؤنس وأقدم على ملك جبار قد قدم إلى العذر. قال عبد الواحد بن زيد: إن حبيباً أبا محمد جزع جزعاً شديداً عند الموت، فجعل يقول بالفارسية: أريد أن أسافر سفراً ما سافرته قط، أريد أن أسلك طريقاً ما سلكته قط، أريد أن أزور سيّدي ومولاي ما رأيته قط، أريد أن أشرف على أهوال ما شاهدت مثلها قط، أريد أن أدخل تحت التراب، فأبقى إلى يوم القيامة، ثم أوقف بين يدي الله عز وجل، فأخاف أن يقول

حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر

لي: يا حبيب، هات تسبيحة واحدة سبحتني في ستين سنة لم يظفر بك الشيطان فيها بشيء. فماذا أقول وليس لي حيلة؟ أقول: يا رب هو ذا، قد أتيتك مقبوض اليدين إلى عنقي. قال عبد الواحد: هذا عبد الله ستين سنة مشتغلاً به، ولم يشتغل من الدنيا بشيء قط. فأي شيء يكون حالنا! واغوثاه يا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر ابن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن أبو عبد الرحمن ويقال أبو مسلمة ويقال أبو سلمة الفهري صحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشهد صفين مع معاوية. قال حبيب بن مسلمة: شهدت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفل الربع في البداءة، والثلث في الرجعة. وأنكر بعض العلماء أن يكون حبيب بن مسلمة غزا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويقولون: إنه كان في غزاة تبوك، وهي آخر غزاة غزاها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وتوفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحبيب بن مسلمة ابن اثنتي عشرة سنة. وعن حبيب بن مسلمة: أنه أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو بالمدينة، فأدركه أبوه فقال: يا نبي الله، يدي ورجلي. فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارجع معه فإنه يوشك أن يهلك. قال: فهلك في تلك السنة. روى عبد الله بن أبي مليكة: أن حبيب بن مسلمة قدم على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة غازياً، وأن أباه أدركه بالمدينة، فقال مسلمة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا نبي الله، إني ليس لي ولد غيره، يقوم في مالي وضيعتي وعلى أهل بيتي، وأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رده معه. وقال: لعلك أن يخلو لك وجهك في عامك، فارجع يا حبيب مع أبيك. فرجع، فمات مسلمة في ذلك العام، وغزا حبيب فيه.

وكان يقال له: حبيب الروم لكثرة دخوله عليهم وجهاده لهم، ومات بالشام، ويقال بأرمينية، سنة اثنتين وأربعين، وكان يجول، ونزل بالشام، ولم يزل مع معاوية بن أبي سفيان في حروبه في صفين وغيرها، ووجهه إلى أرمينية والياً عليها، فمات بها سنة اثنتين وأربعين، ولم يبلغ خمسين سنة. قال مكحول: سألت الفقهاء: هل كانت لحبيب صحبة؟ فلم يثبتوا ذلك. وسألت قومه، فأخبروني أنه قد كانت له صحبة. حدث سعيد بن عبد العزيز: أن حبيب بن مسلمة كان يلي الصوائف في خلافة عمر بن الخطاب، ويبلغ عمر عنه ما يحب، فلم يكن عمر يثبته معرفة، حتى قدم عليه حبيب في حجة، فسلم عليه، فقال له عمر: إنك لفي قناة رجل، قال: إني والله وفي سنانه. قال عمر: افتحوا له الخزائن فليأخذ ما شاء، قال: ففتحوها له، فعدل عن الأموال وأخذ السلاح. حدث سعيد بن عبد العزيز: أن حبيب بن مسلمة كان يلي الصوائف في خلافة عمر بن الخطاب، ويبلغ عمر عنه ما يحب، فلم يكن عمر يثبته معرفة، حتى قدم عليه حبيب في حجة، فسلم عليه، فقال له عمر: إنك لفي قناة رجل، قال: إني والله وفي سنانه. قال عمر: افتحوا له الخزائن فليأخذ ما شاء، قال: ففتحوها له، فعدل عن الأموال وأخذ السلاح. حدث سعيد بن عبد العزيز: أنه بلغ الروم مكان حبيب بن مسلمة والمسلمين بإرمينية الرابعة في ستة آلاف من المسلمين، فوجهوا إليهم موريان الرومي في ثمانين ألفاً، فبلغ ذلك حبيباً، فكتب إلى معاوية، فكتب معاوية إلى عثمان، فكتب عثمان إلى صاحب الكوفة يمده، فأمده بسلمان الباهلي في ستة آلاف، وأبطأ على حبيب المدد، ودنا منه موريان الرومي، فخرج مغتماً بلقاه ومكيدته، فغشي عسكره وهم يتحدثون على نيرانهم، إذ سمع قائلاً يقول لأصحابه: لو كنت ممن يسمع حبيب مشورته لأشرت عليه بأمر، يجعل الله لنا ولدينه نصراً وفرجاً إن شاء الله، فاستمع حبيب لقوله فقال أصحابه: وما مشورتك؟ قال: كنت مشيراً عليه ينادي في الخيول يتقدمها، ثم يرتحل بعسكره يتبع خيله فتوافيهم الخيل في جوف الليل، وينشب القتال، ويأتيهم حبيب بسواد عسكره مع الفجر، فيظنون أن المدد قد جاءهم فيرعبهم الله، فيهزمهم بالرعب. فانصرف ونادى في الخيول فوجهها في ليلة مقمرة

مطيرة، فقال: اللهم خل لنا قمرها، واحبس عنا مطرها، واحقن لي دماء أصحابي، واكتبهم عندك شهداء. قال سعيد: فحبس الله عنهم مطرها، وخلى لهم قمرها، ووافقهم من السحر. قال سعيد: وتواعد عتبة بن جحدم والجلندح العبسي حجرة موريان، فشدا ووجدا قتيلين على باب حجرة موريان. وفي حديث آخر: أن المدد ساروا يريدون غياث حبيب مع سلمان بن ربيعة الباهلي، فلم يبلغوهم حتى لقي حبيب وأصحابه العدو، ففتح الله لهم، فلما قدم سلمان وأصحابه على حبيب، سألوهم أن يشركوهم في الغنيمة، وقالوا: قد أمددناكم، وقال أهل الشام: لم يشهدوا القتال، فليس لكم معنا شيء، فأبى حبيب أن يشركهم، وحوى هو وأصحابه على غنيمتهم، فتنازع أهل الشام وأهل العراق، حتى كاد يكون بينهم في ذلك كون، فقال بعض أهل العراق: إن تقتلوا سلمان تقتل حبيبكم ... وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل قال أبو بكر بن أبي فهم: سمعت من يقول: فهي أول عداوة وقعت بين أهل الشام وبين أهل العراق. وكان حبيب بن مسلمة يستحب إذا لقي عدواً أو ناهض حصناً قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وإنه ناهض يوماً حصناً فانهزم الروم، فقالها المسلمون، فانصدع الحصن. وعن حبيب بن مسلمة الفهري، وكان مستجاباً أنه أمر على جيش بدرب الدروب. فلما لقي العدو قال للناس: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم إلا أجابهم الله. ثم إنه حمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: اللهم أحقن دماءنا، واجعل أجورنا أجور الشهداء. فبيناهم على ذلك إذ نزل الهنباط، أمير العدو فدخل على حبيب سرادقه. قال الطبراني: الهنباط بالرومية: صاحب الجيش. وكان حبيب رجلاً تام البدن.

حبيب الأعور

قال الأسود بن قيس: لقي الحسن بن علي حبيب بن مسلمة فقال له: يا حبيب، رب مسير لك في غير طاعة الله. فقال: أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك. قال: بلى، ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة، فلئن كان قام بك في دنياك، لقد قعد بك في دينك، ولو كنت إذ فعلت سراً قلت خيراً، كان ذلك كما قال الله عز وجل: " خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً "، ولكنك كما قال الله تعالى: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ". دخل الضحاك بن قيس على حبيب بن مسلمة في مرضه الذي قبض فيه، فقال: ما كان بدء مرضك؟ قال: دخلت الحمام فأوتيت غفلة، فجعلت على نفسي ألا أخرج منه حتى أذكر الله كذا وكذا مرة، فمرضت. ومات حبيب هو وعمرو بن العاص في عام واحد، فقال معاوية لامرأته قرظة وغيرها: قد كفاني الله مؤنة رجلين، أما أحدهما فكان يقول الإمرة الإمرة، وأما الآخر فكان يقول السنة السنة يعني حبيب بن سلمة. حبيب الأعور مولى عروة بن الزبير الأسدي حدث عن مولاه عروة بن الزبير، عن أبي مراوح الغفاري عن أبي ذر قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله فقال: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال إيمان بالله وجهاد في سبيله. قال: فأي العتاقة أفضل قال أنفسها. قال: أفرأيت إن لم أجد؟ قال: فتعين الضائع أو تصنع لأخرق. قال: أفرأيت إن لم أستطع؟ قال: فدع الناس من شرك، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك. قال حبيب: أراني عروة قاتل عبد الله بن الزبير في عسكر الوليد، قتله واحتز رأسه، فجاء إلى

حبيب المؤذن

الحجاج فأوفدهما إلى عبد الملك، فأعطى كل واحد منهما خمس مئة دينار، وفرض لكل واحد منهما في كل سنة مئتي دينار. حبيب المؤذن كان يؤذن في مسجد سوق الأحد. حدث حبيب المؤذن في مسجد ابن أبي الخليل في سوق الأحد، عن أبي زياد الشعباني وأبي أمية الشعباني قالا: كنا بمكة فإذا رجل في ظل الكعبة، فإذا هو سفيان الثوري، فسأله رجل فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في الصلاة في هذه البلدة؟ قال: بمئة ألف صلاة. قال: ففي مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: بخمسين ألف صلاة. قال: في مسجد بيت المقدس؟ قال: بأربعين ألف صلاة. قال: في مسجد دمشق؟ قال: بثلاثين ألف صلاة. حبيش بن دلجة القيني أحد وجوه أهل الشام. شهد صفين مع معاوية، وكان على قضاعة الأردن يومئذ، وولاه يزيد بن معاوية على أهل الأردن، يوم وجههم إلى الحرة من زيزا - قرية من قرى البلقاء من كورة دمشق - وكان في أهل الشام جليلاً، وكان قد قدم عند مروان قدم صدق، فدخل به يوماً على مروان وكان يجلسه على السرير معه، فرأى روح بن زنباع في موضعه من السرير معه، فأمر حملته ألا يضعوه وقال: إن رددتم علينا موضعنا وإلا انصرفنا عنكم. قال مروان: مهلاً فإن لأبي زرعة مثل سنك، وبه مثل علتك - يعني النقرس - فقال حبيش: أوله مثل يدي عندك؟ قال: وله مثل يدك عندي، إلا أن يده غير مكدرة بمن. قال: إني لأظنك يا مروان أحمق. قال: أظن أيها الشيخ ظننته أم يقين استيقنته؟ قال: بل ظن ظننته. قال: فإن أحمق ما يكون الشيخ إذا أعجب بظنه.

قال صالح بن حسان البصري: رأيت حبيش بن دلجة على منبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأكل من مكتله تمراً، ويطرح نواه في وجوه القوم. وقال: والله إني لأعلم أنه ليس بموضع أكل، ولكنني أحببت أن أذلكم لخذلانكم لأمير المؤمنين. قال ابن دريد: وهو أول أمير أكل على المنبر، منبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال علي بن محمد: إن الذي قتل حبيش بن دلجة يوم الربذة يزيد بن سياه الأسواري، رماه بنشابه فقتله، فلما دخلوا المدينة وقف يزيد بن سياه على برذون أشهب وعليه ثياب بياض، فما لبث أن اسودت ثيابه مما مسح الناس به، ومما صبوا عليه من الطيب. قالوا: وبايع أهل الشام مروان بن الحكم فسار إلى الضحاك بن قيس الفهري وهو في طاعة ابن الزبير يدعو له، فلقيه بمرج راهط فقتله وفض جمعه، ثم رجع فوجه حبيش بن دلجة القيني في ستة آلاف وأربع مئة إلى ابن الزبير، فسار حتى نزل بالجرف في عسكره، ودخل المدينة، فنزل في دار مروان، دار الإمارة، واستعمل على سوق المدينة رجلاً من قومه يدعى مالكاً، وأخاف أهل المدينة خوفاً شديداً، وآذاهم، وجعل يخطبهم فيشتمهم ويتوعدهم، وينسبهم إلى الشقاق والنفاق والغش لأمير المؤمنين. فكتب عبد الله بن الزبير إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وهو واليه على البصرة أن يوجه إلى المدينة جيشاً، فبعث الحنيف بن السجف التميمي في ثلاثة آلاف، فخرجوا ومعهم ألف وخمس مئة فرس وبغال وحمولة، وبلغ الخبر حبيش بن دلجة فقال: نخرج من المدينة فنلقاهم، فإنا لا نأمن أهل المدينة أن يعينوهم علينا فخرج، وخلف على المدينة ثعلبة الشامي، فالتقوا بالربذة عند الظهر، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل حبيش بن دلجة، وقتل من أصحابه خمس مئة، وانهزم الباقون أسوأ هزيمة، ففرح أهل المدينة بذلك، وقدم الأسارى فحبسوا في قصر حل، فوجه إليهم عبد الله بن الزبير مصعب بن الزبير، فضرب أعناقهم جميعاً. قال أبو يزيد المديني: خرج حبيش بن دلجة، قلنا: هذا الجيش الذي يخسف بهم بالبيداء، جيش حبيش بن دلجة. وقتل حبيش بن دلجة في سنة خمس وستين.

حبيش بن عمر أبو المنهال

حبيش بن عمر أبو المنهال من أهل دمشق، طباخ المهدي. حدث عن أبي عمرو الأوزاعي، عن أبي معاذ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه استغناؤه عما في أيدي الناس ". حبيش بن محمد بن حبيش أبو القاسم الموصلي حدث عن علي بن موسى السمسار، بسنده عن عبد الرحمن بن سمرة قال: سالت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن صومه فقال: " ثلاثة عشرة وأربعة عشر وخمسة عشر ". وسألته عن الصلاة بالليل فقال: " ثمان ركعات وأوتر بثلاث ". فقلت: ما تقرأ فيها؟ فقال: " سبح اسم ربك الأعلى " و" قل يا أيها الكافرون " و" قل هو الله أحد ". الحجاج بن الريان حدث الحجاج بن الريان في سنة أربع وستين ومئتين - وفيها مات - بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: يخرج رجل من ولد حسن من قبل المشرق، ولو استقبل به الجبال لهدها، فلا يجد فيها طريقاً.

الحجاج بن سهل الدمشقي

الحجاج بن سهل الدمشقي قال حجاج بن سهل: كان لي أخ، وكنا في بلاد الروم في الشتاء، فقال لي: اشتهت نفسي عنباً. فقلت له: من أين! فإذا بصخرة مملوءة عنباً. حدث حجاج بن سهل عن إبراهيم بن أدهم قال: قلت لمحمد بن كثير وعلي بن بكار: تريان ألا أرفع غداء لعشاء ولا عشاء لغداء، أو يكون ثم فضلة، فإن كان سقم أو فتنة أغلقت علي بأبي، وأكلت من تلك الفضلة، واستغنيت بها عن مأكلة السوء؟ فقالا: إن الذي يعرفك في الصحة، هو الذي يعرفك في السقم، والذي يعرفك في الرخاء، يعرفك في الشدة. قال: فلقيت أبا إسحاق الفزاري ويوسف بن أسباط فقلت لهما: ما تريان لي، لا أرفع غداء لعشاء وعشاء لغداء، أو يكون ثم فضلة، فإن كان سقم أو فتنة أغلقت علي بابي، وأكلت من تلك الفضلة، واستغنيت بها عن مأكلة السوء؟ فقالا لي: بل يكون ثم فضلة. قال: فقلت لهما: الذي يعرفني في الصحة هو يعرفني في السقم، والذي يعرفني في الرخاء هو يعرفني في الشدة. قال: فقال لي يوسف: يا بن أدهم أين تذهب؟ أخبرني عن شيء أسألك عنه. قال: قلت: سل عما بدا لك. قال: فهل أصبحت في دهرك تحدث نفسك بالصيام، فغلبتك نفسك فأفطرت؟ قال: قلت: قد كان ذلك. قال: فنفسك في الرخاء غلبتك، فهي في الشدة أغلب. قال: فرجعت إلى قول يوسف. الحجاج بن عبد الله ويقال ابن سهيل النصري قيل إن له صحبة. حدث الحجاج بن عبد الله النصري قال: النفل حق، نفل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الحجاج بن علاط بن خالد بن ثويرة

حدث مكحول قال: لما كان يوم بدر قاتلت طائفة من المسلمين، وثبتت طائفة عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فجاءت الطائفة التي قاتلت بالأسلاب وأشياء أصابوها، فقسمت الغنيمة بينهم، ولم تقسم للطائفة التي لم تقاتل، فقالت الطائفة التي لم تقاتل: اقسموا لنا فأبت، وكان بينهم في ذلك كلام، فأنزل الله عز وجل: " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم "، فكان صلاح ذات بينهم أن ردوا الذي كانوا أعطوا ما كانوا أخذوا. قال مكحول: حدثني بهذا الحديث الحجاج بن سهيل النصري، فما منعني أن أسأله عن إسناده إلا هيبته. الحجاج بن علاط بن خالد بن ثويرة ابن جسر بن هلال بن عبد بن ظفر بن سعد بن عمرو بن تيم بن بهز بن امرئ القيس بن بهثة ابن سليم أبو كلاب ويقال أبو محمد ويقال أبو عبد الله السلمي ثم البهزي له صحبة، وأسلم عام خيبر. عن أنس قال: لما افتتح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله: إن لي بمكة مالاً، وإن لي بها أهلاً، وإني أريد أن آتيهم، أفأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئاً؟ فأذن له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول ما شاء. فأتى امرأته حين قدم فقال: اجمعي لي ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا وأصيبت أموالهم. قال: وفشا ذلك بمكة فانقمع المسلمون، وأظهر المشركون فرحاً وسروراً، قال:

وبلغ الخبر العباس عليه السلام فعقر، وجعل لا يستطيع أن يقوم، قال: فأخذ ابناً له يقال له: قثم، واستلقى، فوضعه على صدره وهو يقول: حبي قثم، شبيه ذي الأنف الأشم نبي ذي النعم، برغم من رغم قال أنس: ثم أرسل غلاماً له إلى الحجاج بن علاط: ويلك ما جئت به، وماذا تقول؟! فما وعد الله تبارك وتعالى خير مما جئت به. قال الحجاج بن علاط لغلامه: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: فليخل لي في بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر على ما يسره. فجاء غلامه. فلما بلغ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، قال: فوثب العباس فرحاً حتى قبل بين عينيه، فأخبره ما قال الحجاج، فأعتقه، قال: ثم جاءه الحجاج فأخبره أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله عز وجل في أموالهم، واصطفى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صفية بنة حيي فاتخذها لنفسه، وخيرها أن يعتقها وتكون زوجته أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته. ولكني جئت لمال كان لي هاهنا، أردت أن أجمعه فأذهب به، فاستأذنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثاً، ثم اذكر ما بدا لك. قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي أو متاع فجمعته، فدفعته إليه، ثم انشمر به؛ فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه قد ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يخزيك الله يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك. قال: أجل لا يخزيني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجرت فيها سهام الله عز وجل، واصطفى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صفية لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به، وقالت: أظنك والله صادقاً. قال: فإني صادق والأمر على ما أخبرتك، ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش، وهم يقولون إذا مر بهم:

لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل. قال: لم يصبني إلا خير بحمد الله، قد أخبرني الحجاج بن علاط أن خيب فتحها الله على رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجرت فيها سهام الله واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثاً، وإنما جاء ليأخذ ماله وما كان له من شيء هاهنا ثم يذهب، قال: فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون من كان دخل بيته مكتئباً حتى أتوا العباس عليه السلام فأخبرهم الخبر فسر المسلمون، ورد الله من كان من كآبة أوغيظ أو حزن على المشركين. قال واثلة بن الأسقع: كان إسلام الحجاج بن علاط البهزي ثم السلمي، أن خرج في ركب من قومه يريد مكة، فلما جن عليهم الليل وهم في واد وحش مخيف قفر، فقال له أصحابه: يا أبا كلاب، قم فاتخذ لنفسك ولأصحابك أماناً، فقام الحجاج فجعل يطوف حولهم ويكلؤهم ويقول: أعيذ نفسي وأعيذ صحبي ... من كل جني بهذا النقب حتى أؤوب سالماً وركبي قال: فسمع صوت قائل يقول: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا ولا تنفذون إلا بسلطان " قال: فلما قدموا مكة خبر بذلك في نادي قريش فقالوا: صدقت والله يا أبا كلاب، إن هذا مما يزعم محمد أنه أنزل عليه. قال: قد والله سمعته وسمعه هؤلاء معي، فبينا هم كذلك إذ جاء العاص بن وائل فقالوا له: يا أبا هشام، أما تسمع ما يقول أبو كلاب! قال: وما يقول؟ فخبروه بذلك. فقال: وما يعجبكم من ذلك، إن الذي سمع هناك هو الذي ألقاه على لسان محمد، فنهنه ذلك القوم عني، ولم يزدني في الأمر إلا بصيرة، فسألت عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخبرت أنه قد خرج من مكة إلى المدينة، فركبت راحلتي وانطلقت حتى أتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة، فأخبرته بما سمعت فقال: " سمعت والله الحق، هو والله من كلام ربي عز وجل الذي أنزل علي، ولقد سمعت حقاً يا أبا كلاب "، فقلت: يا رسول الله، علمني الإسلام. فشهدني كلمة الإخلاص وقال: سر إلى قومك فادعهم إلى مثل ما أدعوك إليه، فإنه الحق.

الحجاج بن يوسف بن الحكم

ونزل الحجاج بن علاط حمص ومنزله بها، وهي الدار المعروفة بدار الخالديين. وهو أبو نصر بن حجاج صاحب المتمنية التي قالت فيه: هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أو هل سبيل إلى نصر بن حجاج وهو أول من بعث بصدقته إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من معدن بني سليم، عداده في أهل الحجاز. والحجاج مدفون بقاليقلا من أرض الروم. الحجاج بن يوسف بن الحكم ابن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف ابن ثقيف واسمه قسيّ بن منبه بن بكر بن هوازن أبو محمد الثقفي ولاه عبد الملك الحجاز فقتل ابن الزبير: وعزله عنها وولاه العراق، وقدم دمشق وافداً على عبد الملك، وكانت له بدمشق آدر، منها دار الزاوية التي بقرب قصر ابن أبي الحديد. قال قتيبة بن مسلم: خطبنا الحجاج بن يوسف فذكر القبر فما زال يقول: إنه بيت الوحدة وبيت الغربة حتى بكى وأبكى من حوله، ثم قال: سمعت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يقول: سمعت مروان يقول في خطبته: خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته: ما نظر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قبر وذكره إلا بكى.

قال مالك بن دينار: دخلت يوماً على الحجاج فقال لي: يا أبا يحيى، ألا أحدثك بحديث حسن عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقلت: بلى، فقال: حدثني أبو بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها دبر صلاة مفروضة. قال أبو موسى بن أبي عبد الرحمن: أخبرني أبي قال: أبو محمد، حجاج بن يوسف الثقفي ليس بثقة ولا مأمون. ولد الحجاج بن يوسف سنة تسع وثلاثين، وقيل سنة أربعين، وقيل سنة إحدى وأربعين. حدث محمد بن إدريس الشافعي قال: سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة نظر إلى امرأته وهي تتخلل من أول النهار فقال: والله لئن كانت باكرت الغداء إنها لرغيبة، وإن كان شيء بقي من فيها من البارحة إنها لقذرة، فطلقها فقالت: والله ما كان شيء مما ذكرت، ولكنني باكرت ما تباكره الحرّة من السواك، فبقيت شظية في فيّ، قال: فقال المغيرة بن شعبة ليوسف أبي الحجاج بن يوسف: تزوجها، فإنها لخليقة أن تأتي بالرجل يسود، فتزوجها، قال الشافعي: فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام، فقيل له في النوم: ما أسرع ما ألقحت بالمبير. حدث ابن حمدان عن أبيه قال: دخل الحجاج خربة فدعاني، فقال: أفرغ علي من الإداوة فأفرغت عليه، فإذا عضيدتان وجنيبان. قال ابن عون: كنت إذا سمعت الحجاج يقرأ، عرفت أنه طالما درس القرآن. قال أبو محمد الحناني: عملناه - يعني تجزئة القرآن في أربعة أشهر - وكان الحجاج يقرأه في كل ليلة.

قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أحداً أفصح من الحسن ومن الحجاج. فقيل: فأيهما كان أفصح؟ قال: الحسن. قال عتبة بن عمرو: ما رأيت عقول الناس إلا قريباً بعضها من بعض، إلا الحجاج وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس. حدث عبد الله بن كثير ابن أخي إسماعيل بن جعفر المديني: أن الحجاج بن يوسف صلى مرة إلى جنب سعيد بن المسيب. قال: فجعل يرفع قبل الإمام ويضع قبله، فلما سلم الإمام أخذ سعيد بثوب الحجاج، قال: وسعيد في شيء من الذكر كان يقوله بعدما يصلي، قال: فجعل الحجاج يجاذبه عن ثوبه ليقوم فينصرف، قال: وسعيد يجذبه ليجلسه، حتى فرغ سعيد مما كان يقول من الذكر، قال: ثم جمع بين نعليه فرفعهما على الحجاج وقال: يا سارق، يا خائن، تصلي هذه الصلاة! لقد هممت أن أضرب بهما وجهك قال: ثم مضى الحجاج وكان حاجاً، ففرغ من حجه ورجع إلى الشام، ثم رجع والياً على المدينة، فلما دخلها مضى كما هو إلى المسجد قاصداً نحو مجلس سعيد بن المسيب، فقال الناس ما جاء إلا لينتقم منه، قال: فجاء فجلس بين يدي سعيد فقال له: أنت صاحب الكلمات؟ قال: فضرب سعيد صدر نفسه بيده وقال: أنا صاحبها. فقال له الحجاج: جزاك الله من معلم ومؤدب خيراً، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك، ثم قام فمضى. حدث سفيان فقال: كانوا يرمون بالمنجنيق من أبي قبيس وهم يرتجزون ويقولون: خطارة مثل الفنيق المزبد ... أرمي بها عواذ هذا المسجد قال: فجاءت صاعقة فأحرقتهم، فامتنع الناس من الرمي فخطبهم الحجاج فقال:

ألم تعلموا أن بني إسرائيل كانوا إذا قربوا قرباناً، فجاءت نار فأكلتها علموا أنه قد تقبل منهم، وإن لم تأكلها قالوا: لم تقبل. قال: فلم يزل يخدعهم حتى عادوا فرموا. قال عطاء بن أبي رباح: كنت مع ابن الزبير في البيت، فكان الحجاج إذا رمى ابن الزبير بحجر وقع الحجر على البيت، فسمعت للبيت أنيناً كأنين الإنسان: أوه. روي عن معاذ بن العلاء أخي أبي عمرو بن العلاء قال: لما قتل الحجاج بن يوسف ابن الزبير ارتجت مكة بالبكاء، فأمر الناس فجمعوا في المسجد، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال بعقب حمد ربه: يا أهل مكة، بلغني إكثاركم واستفظاعكم قتل ابن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من أخيار هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها، فخلع طاعة الله واستكن بحرم الله، ولو كان شيء مانع للعصاة لمنعت آدم حرمة الجنة، لأن الله خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته وأباحه كرامته وأسكنه جنته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته، وآدم على الله أكرم من ابن الزبير، والجنة أعظم حرمة من الكعبة. اذكروا الله يذكركم. وعن أبي الصديق الناجي: أن الحجاج بن يوسف دخل على أسماء بنت أبي بكر بعدما قتل ابنها عبد الله بن الزبير فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم، وفعل به وفعل. فقالت: كذبت كان براً بالوالدين، صواماً قواماً، والله لقد أخبرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول، وهو مبير. وفي رواية أنها قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يخرج من ثقيف رجلان، مبير وكذاب، فأما الكذاب فابن أبي عبيد - يعني المختار - وأما المبير فأنت. قال سعد بن حذافة: خطبنا الحجاج في الجمعة الثانية من مقتل ابن الزبير فقال: الحمد لله الرافع

للمتواضعين، الواضع للمتكبرين، وصلى الله على خير رسول دل على خير سبيل، أيها الناس، إن الراعي مسؤول عن رعيته، فإن أحسن فله، وإن أساء فعليه، وأنه يخيل إلي أنكم لا تعرفون حقاً من باطل، وإني أسألكم عن ثلاث خصال، فإن أجبتم عنها وإلا ضربت عليكم خمس الجزية، وكنتم لذلك مستأهلين. أسألكم عن شيء لا يستغني عنه شيء، وعن شيء لا يعرف إلا بكنيته، وعن والد لا والد له فقام إليه جبير بن حية الثقفي فقال: لولا عزمتك أيها الأمير لم أجبك. أما الشيء الذي لا يستغني عنه شيء فالاسم، لأن الله خلق الأشياء فجعل لكل شيء اسماً يدعى به ويدل عليه. وأما الشيء الذي لا يعرف إلا بكنيته فأم الحبين. وأما الولد الذي لا والد له فعيسى بن مريم. قال: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا جبير بن حية الثقفي. قال: الآن ضل صوابك، ما بطأ بك عني مع قرب قرابتك؟ قال: أيها الأمير، إنك لا تبقي لقومك ولا يدوم عزك، لأن الدهر دول ولا نحب أن نصيب اليوم ما يصاب منا مثله في غد. قال: فأمر له بجائزة. روى نافع: أن ابن عمر اعتزل بمنى في قتال ابن الزبير والحجاج، فصلى مع الحجاج. قال مكحول الأزدي: شهدت الحجاج بمكة فخطب الناس يوم جمعة، حتى كاد أن يذهب وقت الصلاة. فقام ابن عمر فقال: أيها الناس، قوموا لصلاتكم فقال الناس، فنزل الحجاج فصلى، فلما فرغ قال: من هذا؟ قال: قالوا: ابن عمر. قال: لولا أن به لمماً لعاقبته. وفي رواية: فنزل الحجاج فصلى ثم دعا به فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: إنما تجيء للصلاة فإذا حضرت الصلاة فصل الصلاة لوقتها، ثم بقبق بعد ذلك ما شئت من بقبقة. قال القعقاع بن المهلب: خطب الحجاج فقال: إن ابن الزبير غير كتاب الله، فقال ابن عمر: ما له سلطه الله على ذلك ولا أنت معه، ولو شئت أن أقول: كذبت، لفعلت.

وعن عبد الله بن جعفر: أنه زوج ابنته من الحجاج بن يوسف فقال لها: إذا دخل بك فقولي: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، وزعم أن رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا حزبه أمر قال هذا. قال حماد: فظننت أنه قال، فلم يصل إليها. قال محمد بن إدريس الشافعي: لما تزوج الحجاج بن يوسف ابنة عبد الله بن جعفر قال خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك بن مروان: أتركت الحجاج يتزوج ابنة عبد الله بن جعفر؟ قال: نعم، وما بأس بذلك؟ قال: أشد البأس والله. قال: وكيف؟ قال: والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب ما في صدري على ابن الزبير منذ تزوجت رملة بنت الزبير، قال: فكأنه كان نائماً فأيقظه قال: فكتب إليه يعزم عليه في طلاقها فطلقها. قال سعيد بن أبي عروبة: حج الحجاج، ونزل بعض المياه بين مكة والمدينة، ودعا بالغداء فقال لحاجبه: انظر من يتغدى معي، وأسأله عن بعض الأمر، فنظر نحو الجبل فإذا هو بأعرابي بين شملتين من شعر، نائم، فضربه برجله وقال: ائت الأمير، فأتاه. فقال له الحجاج: اغسل يدك وتغد معي، فقال: إنه دعاني من هو خير منك فأجبته، قال: ومن هو؟ قال: الله تبارك وتعالى، دعاني إلى الصوم فصمت. قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم، صمت ليوم هو أشد حراً من هذا اليوم، قال: فأفطر، وتصوم غداً. قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد. قال: ليس ذلك إلي. قال: فكيف تسألني عاجلاً بآجل لا تقدر عليه! قال: إنه طعام طيب؛ قال: لم تطيبه أنت ولا الطباخ، ولكن طيبته العافية. قال عبيد الله بن يزيد بن أبي مسلم الثقفي عن أبيه قال: كان الحجاج عاملاً لعبد الملك على مكة، فكتب إليه بولايته على العراق، قال: فخرج وخرجت معه في نفر ثمانية أو تسعة على النجائب، فلما كنا بماء قريب من الكوفة نزل، فاختضب وتهيأ، وذلك في يوم جمعة، ثم راح معتماً قد ألقى عذبة العمامة بين كتفيه، متقلداً سيفه حتى نزل عند دار الإمارة عند مسجد الكوفة، وقد أذن المؤذن بالأذان الأول لصلاة الجمعة، وخرج عليهم الحجاج وهم لا يعلمون، فجمع بهم، ثم صعد المنبر فجلس عليه،

فسكت وقد اشرأبوا إليه وجثوا على الركب، وتناولوا الحصى ليقذفوه بها ويخرجوه عنهم - قال: وقد كانوا حصبوا عاملاً قبله فخرج عنهم - فسكت سكتة أبهتهم بها، وأحبوا أن يسمعوا كلامه. قال: فكان بدء كلامه أن قال: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق، ويا أهل النفاق، والله إن كان أمركم ليهمني قبل أن آتيكم، ولقد كنت أدعو الله أن يبتليكم بي وأن يبتليني بكم، فأجاب دعوتي. ألا إني أسريت البارحة، فسقط مني سوطي فاتخذت هذا، - وأشار إليهم بسيف مكانه - فوالله لأجرنه فيكم جر المرأة ذيلها، ولأفعلن ولأفعلن. قال يزيد: حتى رأيت الحصى متساقطاً من بين أيديهم. قال: قوموا إلى بيعتكم. فقامت القبائل قبيلة قبيلة تبايع فيقول: من؟ فتقول: بنو فلان. حتى جاءته قبيلة قال: ومن؟ قالوا: النخع. قال: منكم كميل بن زياد؟ قالوا: نعم. قال: ما فعل؟ قالوا: أيها الأمير، شيخ كبير، قال: لا بيعة لكم عندي ولا تقربون حتى تأتوني به، قال: فأتوه به منعوشاً في سرير، حتى وضعوه إلى جانب المنبر. فقال: ألا إنه لم يبق ممن دخل على عثمان الدار غير هذا، فدعا بنطع فضرب عنقه. قال أبو بكر الهذلي: حدثني من شهد الحجاج بن يوسف حين قدم العراق، فبدأ بالكوفة قبل البصرة، ونودي للصلاة جامعة، فأقبل الناس إلى المسجد والحجاج يتقلد قوساً عربية، وعليه عمامة خز حمراء متلثماً، فقعد وعرض القوس بين يديه، ثم لم يتكلم حتى امتلأ المسجد. فقال محمد بن عمير: فسكت حتى ظننت أنما يمنعه العي، وأخذت في يدي كفاً من حصى، أردت أن أضرب به وجهه، قال: فقام فوضع نقابه، وتقلد قوسه، وقال: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني إني لأرى رؤوساً قد أينعت، وحان قطافها، كأني أنظر إلى الدماء بين العمائمواللحى. ليس بعشك فادرجي قد شمرت عن ساقها فشمري

قد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم قد لفها الليل بعصلبي ... مهاجر ليس بأعرابي إني والله ما أغمز غمز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وجريت من الغاية. فإنكم يا أهل العراق طالما أوضعتم في الضلالة، وسلكتم سبيل الغواية، أما والله لألحينكم لحي العود، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأقرعنكم قرع المروة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، ألا إن أمير المؤمنين نكب كنانته بين يديه، فعجم عيدانها فوجدني أمرها عوداً، وأصلبها مكسراً، فوجهني إليكم، فاستقيموا ولا يميلن منكم مائل، واعلموا أني إذا قلت قولاً وفيت به. من كان من بعث المهلب فليلحق به، فإني لا أجد أحداً بعد ثالثة إلا ضربت عنقه، وإياي وهذه الزرافات، فإني لا أجد أحداً يسير في زرافة إلا سفكت دمه، واستحللت ماله. ثم نزل. قال محمد بن صالح الثقفي وغيره: فأتاه عمير بن ضابئ بعد ثالثة معه ابنه فقال: هذا ابني، هذا أشد بني تميم يداً وبطشاً وظهراً، وأعدّهم سلاحاً، وأنا شيخ كبير، وهو خير لك مني قال: صدقت، من يشهد على تزمينك؟ فقام قوم فشهدوا أن بشراً أزمنه؛ وأخذ عطاءه، وقال: إنك لمعذور، ولكني أكره أن أطمع الناس فيّ، أنت بعد ابن ضابىء قاتل عثمان، فأنت كأبيك فأمر بقتله. وقيل: إن عنبسة بت سعيد قال: هذا ابن ضابىء الذي يقول:

هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله فقال: أخروه، أما أمير المؤمنين عثمان فتغزوه بنفسك، وأما الأزارقة فتبعث بديلاً! فأمر به فقتل. وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي: أقول لعبد الله لما لقيته ... أرى الأمر أمسى هالكاً مذ تشعبا تخيّر فإمّا أن تزور ابن ضابىء ... عميراً وإمّا أن تزور المهلّبا فما إن أرى الحجاج يغمد سيفه ... مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليّاً من الثلج أشهبا فحال، ولو كانت خراسان خلتها ... عليه مكان السوق أو هي أقربا وفي رواية أنه قال: والله ما أقول إلا وقيت، ولا أهمّ إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت. وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم، وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه. يا غلام، اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم. فلم يقل أحد شيئاً. فقال الحجاج: اكفف يا غلام. ثم أقبل على الناس فقال: أسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردوا عليه شيئاً! هذا أدب ابن نهية. أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب، أو لتستقيمن. اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين، فقرأ. فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق في المسجد أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام. ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم، فجعلوا يأخذون، حتى أتاه شيخ يرعش كبراً فقال: أيها الأمير، إني من الضعف على ما ترى، ولي ابن هو أقوى على الأسفار مني، أفتقبله مني

بديلاً؟ فقال له الحجاج: نفعل أيها الشيخ. فلما ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا. قال: هذا عمير بن ضابئ البرجمي، الذي يقول أبوه: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولاً، فوطئ بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه. فقال: ردوه، فلما رد قال الحجاج: أيها الشيخ، هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بديلاً يوم الدار! إن قتلك أيها الشيخ صلاح للمسلمين. يا حرسي اضربا عنقه. فجعل الرجل يضيق عليه بعض أمره فيرتحل، وبأمر وليه أن يلحقه بزاده. حدث عمران الضبعي أنه رأى في منامه كأن الحجاج بن يوسف على بغل، وكأنه على حائط كلس، وكأنه يستف التراب، قال: فقصها على غير واحد من أصحابه، فكلهم يقول خيراً حتى قصها على أبي قلابة، فقال له: هاتها ما كانت. فقال أبو قلابة: أما البغل فليس في الدواب أطول عمراً من البغل، وأما حائط كلس فليس في البناء أثبت من كلس، وأما سفه التراب فأكله أموالكم. قال حفص بن النضر السلمي: خطب الحجاج الناس يوماً فقال: أيها الناس، الصبر عن محارم الله أشد من الصبر على عذاب الله. فقام إليه رجل فقال: يا حجاج، ويحك ما أصفق وجهك وأقل حياءك! تفعل ما تفعل، ثم تقول مثل هذا. فأمر به فأخذ، فلما نزل عن المنبر دعا به فقال له: لقد اجترأت علي. فقال له: يا حجاج، أنت تجترئ على الله قلا تنكره على نفسك، وأجترئ أنا عليك فتكثره علي! فخلى سبيله. قال الهيثم بن عدي: دخل الأبي بن الإباء على الحجاج بن يوسف فقال: أصلح الله الأمير، موسوم بالميل، مشهور بالطاعة، خرج أخي مع ابن الأشعث فخلق على اسمي، وحرمت عطائي، وهدم منزلي، فقال: أما سمعت ما قال الشاعر: جانيك من يجني عليك وقد ... تعدي الصحاح مبارك الجرب

ولرب مأخوذ بذنب قرينه ... ونجا المقارف صاحب الذنب قال: أيها الأمير، سمعت الله يقول غير هذا. قال: وما قال جل ثناؤه؟ قال: " قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون ". قال: يا غلام، اردد اسمه، وابن داره، وأعطه عطاءه، ومر منادياً ينادي: صدق الله وكذب الشاعر. قال ابن عياش: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف: أما بعد، إذا ورد عليك كتابي هذا فابعث إلي برأس أسلم بن عبد البكري، لما قد بلغني عنه. قال: فلما ورد عليه كتاب أحضره، فقال: أعز الله الأمير، أمير المؤمنين الغائب وأنت الحاضر، قال الله تعالى: " يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ". وما بلغه عني فباطل، فاكتب إليه: إني أعول أربعاً وعشرين امرأة، ما لهن بعد الله كسب غيري. فقال: ومن لنا بتصديق ذلك؟ قال: هن بالباب أصلح الله الأمير. فأمر بإحضارهن فلما دخلن عليه جعل يسائلهن، فهذه تقول: عمته، والأخرى تقول: خالته، والأخرى: زوجته، إلى أن انتهى إلى جارية فوق الثمانية ودون العشارية فقال لها: من أنت منه؟ قالت: ابنته أصلح الله الأمير، ثم جثت بين يديه وأنشأت تقول: أحجاج لم تشهد مقام بناته ... وعماته يندبنه الليل أجمعا أحجاج كم تقتل به إن قتلته ... ثمانً وعشراً واثنتين وأربعا أحجاج من هذا يقوم مقامه ... علينا فمهلاً أن تزدنا تضعضعاً أحجاج إما أن تجود بنعمة ... علينا وإما أن تقتلنا معا قال: فما استتمت كلامها حتى أسبل الحجاج دمعه من البكاء، وقال: والله لا أعنت الدهر عليكن، فلا زدتكن تضعضعا، وكتب إلى عبد الملك بخبر الرجل والجارية، فكتب

إليه عبد الملك: إن كان كما ذكرت فأحسن له الصلة، وتفقد الجارية، وعجل بسراحهن ففعل ما أمره. قال المدائني: أتي الحجاج بأسيرين ممن كان مع الأشعث، فأمر بضرب أعناقهما، فقال أحدهما: أصلح الله الأمير، إن لي عندك يداً. قال: ما هي؟ قال: ذكر ابن الأشعث يوماً أمك بسوء فنهيته. قال: ومن يعلم بذلك؟ قال: هذا الأسير الآخر. فسأله الحجاج فقال: قد كان ذلك. فقال له الحجاج: فلم لم تفعل كما فعل؟ قال: أينفعني الصدق عندك؟ قال: نعم. قال: لبغضك وبغض قومك. قال الحجاج: خلوا عن هذا لصدقه، وعن هذا لفعله. قال الحجاج ليحيى بن يعمر الليثي: أتسمعني ألحن على المنبر؟ قال يحيى: الأمير أفصح الناس. - قال يونس: فصدق، كان أفصح الناس إلا أنه لم يكن يروي الشعر - قال: تسمعني ألحن؟ قال: حرفاً. قال: في أي؟ قال: في القرآن. قال: فذاك أشنع له. قال: ما هو؟ قال: تقول: " إن كان آباؤكم وأبناؤكم " الآية " أحب إليكم من الله ورسوله " بالرفع. قال: فبعث به إلى خراسان، وبها يزيد بن المهلب، فكتب يزيد إلى الحجاج: إنا لقينا العدو ففعلنا وفعلنا، واضطررناهم إلى عرعرة الجبل. فقال الحجاج: ما لابن المهلب وهذا الكلام! فقيل له: إن ابن يعمر عنده. فقال: ذلك إذاً أحرى. وفي حديث آخر بمعناه: أن يحيى بن يعمر كان كاتب المهلب بخراسان فجعل الحجاج يقرأ كتبه فيتعجب منها، فقال: من هذا؟ فأخبر، فكتب فيه، فقدم، فرآه فصيحاً فقال: أنى ولدت؟ قال: بالأهواز. قال: فما هذه الفصاحة؟ قال: كان أبي نشأ في تنوخ، فأخذت ذلك عنه. قال: أخبرني عن عنبسة بن سعد يلحن؟ قال: كثيراً. قال: فأنا ألحن؟ قال: لحناً

خفياً، قال: أين؟ قال: تجعل إن أن، وأن إن، أو نحو ذلك. قال: لا تساكني ببلد، أخرج. وكان يحيى بن يعمر من عدوان، وعدوان من قيس. قال عاصم بن بهدلة: اجتمعوا عند الحجاج، فذكر الحسين بن علي فقال الحجاج: لم يكن من ذرية النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعنده يحيى بن يعمر، قال: كذبت أيها الأمير، فقال: لتأتيني على ما قلت ببينة ومصداق من كتاب الله عز وجل، وإلا قتلتك قال: " ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون " إلى قوله " وزكريا ويحيى وعيسى " فأخبره الله عز وجل إن عيسى من ذرية آدم بأمه، والحسين بن علي من ذرية محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمه، قال: صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسي؟ قال: ما أخذ الله على الأنبياء " لتبيننه للناس ولا تكتمونه " قال الله عز وجل " فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً " قال: فنفاه إلى خراسان. قال الأصمعي: أخبرت أن الحجاج بن يوسف لما فرغ من أمر عبد الله بن الزبير بن العوام وصلبه، قدم المدينة فلقي شيخاً خارجاً من المدينة، فلما رآه الحجاج قال: يا شيخ من أهل المدينة أنت؟ قال: نعم. قال الحجاج: من أيهم أنت؟ قال: من بني فزارة. قال: كيف حال أهل المدينة؟ قال: شر حال. قال: ومم؟ قال: لما لحقهم من البلاء بقتل ابن حواري رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال له الحجاج: من قتله؟ قال: الفجر اللعين حجاج بن يوسف، عليه لعائن الله وبهلته من قليل المراقبة لله. فقال له الحجاج: وقد استشاط غضباً: وإنك يا شيخ ممن حزنه ذلك وأسخطه؟ قال الشيخ: إني والله أسخطني ذلك، فأسخط الله الحجاج وأخزاه. فقال الحجاج: أوتعرف الحجاج إن رأيته؟ قال: أي والله إني به لعارف، فلا عرفه الله خيراً، ولا وقاه ضيراً. فكشف الحجاج لثامه وقال: هذا والله العجب،

أما والله يا حجاج لو كنت تعرفني، ما قلت هذه المقالة. أنا والله يا حجاج العباسي بن أبي ثور، أصرع في كل يوم خمس مرات. فقال الحجاج: انطلق فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه. قال محمد بن إدريس الشافعي: قال الوليد بن عبد الملك للغازي بن ربيعة. إني سأدعوك وأدعو الحجاج فتتحدثان عني، فإذا قمت وخلوت به فسله عن هذه الدماء: هل يحيك في نفسه منها شيء، أو يتخوف لها عاقبة؟ قال: فتحدثا عن الوليد، ثم خرجا فألقي لهما وسادة في الجبل أو في القصر، وقام الحجاج ينظر إلى الغوطة. قال: واستحييت أن أجلس فقمت معه، فقلت: يا أبا محمد، أرأيت هذه الدماء التي أصبت، هل يحييك في نفسك منها شيء، أو تتخوف لها عاقبة؟ قال: فجمع يده فضرب بها في صدري، ثم قال: يا غاز ارتبت في أمرك، أو شككت في طاعتك! والله ما أود أن لي لبنان وسنير ذهباً مقطعاً أنفقها في سبيل الله مكان ما أبلاني الله من الطاعة. حدث أبو المضرجي قال: أمر الحجاج محمد بن المستنير ابن أخي مسروق بن الأجدع أن يعذب أزادمرد بن الهربد، فقال له أزادمرد: يا محمد، إن لك شرفاً قديماً وإن مثلي لا يعطي على الذل شيئاً، فاستأدني وثق بي، فاستأداه في جمعة ثلاث مئة ألف، فغضب الحجاج وأمر معداً صاحب العذاب أن يعذبه، فدق يديه ورجليه، فلم يعطهم شيئاً. قال محمد: فإني لأسير بعد ثلاثة أيام، إذا أنا بأزدامرد معترضاً على بغل، قد دقت يداه ورجلاه. فقال لي: يا محمد. فكرهت أن آتيه فيبلغ الحجاج، وتذممت من تركه إذ دعاني، فدنوت منه فقلت: حاجتك؟ فقال: قد وليت مني مثل هذا وأحسنت إلي، ولي عند فلان مئة ألف درهم، فانطلق فخذها. قلت: لا والله لا آخذ منها درهماً وأنت على هذه الحال، قال: وإني أحدثك حديثاً سمعت من أهل دينك يقولون: إذا أراد الله تعالى بالعباد خيراً أمطرهم في

أوانه، واستعمل عليهم خيارهم، وجعل المال عند سمائحهم. وإذا أراد بهم شراً أمطروا في غير إبانه، واستعمل عليهم شرارهم، وجعل المال في أحشائهم، ومضى فأتيت منزلي فما وضعت ثيابي حتى جاءني رسول الحجاج، فأتيته وقد اخترط سيفه فهو في حجره فقال: ادن فدنوت قليلاً، ثم قال: ادن. فقلت: ليس لي دنو وفي حجر الأمير ما أرى، فأضحكه الله تعالى لي وأغمد السيف فقال: ما قال لك الخبيث؟ فقلت: والله ما غششتك منذ استنصحتني، ولا كذبتك منذ صدقتني، ولا خنتك منذ ائتمنتني. فأخبرته بما قال: فلما أردت ذكر الرجل الذي عنده المال، صرف وجهه وقال: لا تسمه. وقال: لقد سمع عدو الله الأحاديث! قال عوف: خرجت يوم عيد فقلت: لأسمعن الليلة خطبة الحجاج، فجئت فجلست على الدكان، وجاء الحجاج يتمايل حتى صعد المنبر فتكلم، وكان إذا أكثر وضع يده على فيه حتى يفهمنا كلامه، ثم قال: يا أهل الشام إنكم حاججتم الناس ففلجتم عليهم بالسيف، وأن حكم الدنيا والآخرة فيكم واحد، وهو عدل لا يجوز فكما فلجتم عليهم في الدنيا كذلك تفلجون عليهم في الآخرة ثم قال: من كان سائلاً عن هذا الخليفة فليسأل الله عنه، كان لا يشاقه أحد ولا ينازعه إلا أتي برأسه وهو على فراشه مع أهله وولده، فمن كان سائلاً عنه أحداً منالناس فليسأل الله عز وجل عنه. تزعمون يا أهل العراق أن خبر السماء قد انقطع عن أمير المؤمنين وكذبتم والله يا أهل العراق، والله ما انقطع خبر السماء عنه إن عنده منه كذا وعنده منه كذا. حدث بزيغ بن خالد الضبي قال: سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله! فقلت في نفسي: لله علي ألا أصلي خلفك صلاة أبداً، وإن وجدت قوماً يجاهدونك لأجاهدنك معهم. قال عاصم: سمعت الحجاج وهو على المنبر يقول: اتقوا الله ما استطعتم، ليس فيها مثوبة.

واسمعوا وأطيعوا، ليس فيها مثوبة لأمير المؤمنين عبد الملك، والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دمائهم وأموالهم، والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي لله حلالاً، ويا عذيري من عبد هذيل، يزعم أن قرآنه من عند الله، والله ما هي إلا رجز من رجز الأعراب، ما أنزلها الله عز وجل على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعذيري من هذه الحمر، أيزعم أحدهم أنه يرمي بالحجر فيقول: إلا أن يقع الحجر حدث أمر، فوالله لأدعنهم كالأمس الدابر. قال عاصم والأعمش: سمعنا الحجاج بن يوسف على المنبر يقول: عبد هذيل يعني ابن مسعود يقرأ القرآن رجزاً كرجز الأعراب، ويقول هذا القرآن. أما لو أدركته لضربت عنقه. وفي رواية: يا عجباً من عبد هذيل، يزعم أنه يقرأ قرآناً من عند الله، والله ما هو إلا رجز من رجز الأعراب، والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه. قال عوف: سمعت الحجاج يخطب وهو يقول إن مثل عثمان عند الله، كمثل عيسى بن مريم ثم قرأ هذه الآية يقرأها ويفسرها: " إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا " يشير إلينا بيده وإلى أهل الشام. قال عتاب بن أسيد بن عتاب: لما قبض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعلت أم أيمن تبكي ولا تستريح من البكاء. فقال أبو بكر لعمر: قم بنا إلى هذه المرأة، فدخلا عليها فقالا: يا أم أيمن ما يبكيك! قد أفضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ما هو خير له من الدنيا. فقالت: ما أبكي لذلك، إني لأعلم أنه قد أفضى إلى ما هو خير من الدنيا، ولكن أبكي على الوحي انقطع. فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف فقال: كذبت أم أيمن، ما أعمل إلا بوحي.

قال عوانة: خطب الحجاج الناس بالكوفة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل العراق، تزعمون أنا من بقية ثمود! وتزعمون أني ساحر! وتزعمون أن الله عز وجل علمني اسماً من أسمائه، أقهركم وأنتم أولياؤه بزعمكم! وأنا عدوه! فبيني وبينكم كتاب الله تعالى، قال عز وجل: " فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه ". فنحن بقية الصالحين إن كنا من ثمود. وقال عز وجل: " إن ما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ". والله أعدل في حكمه أن يعلم عدواً من أعدائه اسماً من أسمائه يهزم به أولياءه. ثم حمي وكثر كلامه فتحامل على رمانة المنبر فحطمها، فجعل الناس يتلاحظون بينهم وهو ينظر إليهم فقال: يا أعداء الله، ما هذا الترامز! أنا حديا الظبي السانح، والغراب الأبقع، والكوكب ذي الذنب. ثم أمر بذلك العود فأصلح قبل أن ينزل من المنبر. قوله: أنا حديا الظبي. أراد، إنا لثقتنا بالغلبة والإستعلاء نتحدى ارتفاع الظبي سانحاً، وهو أحمد ما يكون في سرعته ومضائه، والغراب الأبقع في تحذره وذكائه ومكره وخبثه ودهائه، وذا الذنب من الكواكب فيما تنذر به من عواقب مكروه بلائه. والله ذو البأس الشديد بالمرصاد له ولحزبه وأوليائه. قال أبو حفص الثقفي: خطب الحجاج يوماً فأقبل عن يمينه فقال: إن الحجاج كافر، ثم أطرق فقال: إن الحجاج كافر ثم أطرق وأقبل عن يساره فقال: ألا إن الحجاج كافر. فعل ذلك مراراً ثم قال: كافر يا أهل العراق باللات والعزى. قال أبو شوذب: ما رئي مثل الحجاج لمن أطاعه، ولا مثله لمن عصاه. قال الأصمعي: مثل فتى بين يدي الحجاج فقال: أصلح الله الأمير، مات أبي وأنا حمل، وماتت

أمي وأنا رضيع، فكفلني الغرباء حتى ترعرعت، فوثب بعض أهلي على مالي واجتاحه، وهو هارب مني ومن عدل الأمير. فقال الحجاج: الله، مات أبوك وأنت حمل، وماتت أمك وأنت رضيع، وكفلك الغرباء، فلم يمنعك ذلك من أن فصح لسانك وأنبأت عن إرادتك. اطردوا المؤدبين عن أولادي. قال محمد بن إدريس الشافعي: بلغني أن عبد الملك بن مروان قال للحجاج بن يوسف: ما من أحد إلا وهو عارف بعيوب نفسه، فعب نفسك ولا تخبأ منها شيئاً. قال: يا أمير المؤمنين، أنا لجوج حقود حسود. فقال عبد الملك: إذاً بينك وبين إبليس نسب. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الشيطان إذا رآني سالمني. ثم قال الشافعي: الحسد إنما يكون من لؤم العنصر وتعادي الطبائع واختلاف التركيب وفساد مزاج البنية وضعف عقد العقل، والحاسد طويل الحسرات عادم الراحات. قال سلم بن قتيبة: عددت أربعاً وثمانين لقمة من خبز الماء، في كل لقمة رغيف، وملء كفه سمك طري، يعني على الحجاج. جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فأخبره أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم، فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة فسها فيها حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله، سبحان الله. فلما سلم أقبل على الناس فقال: من هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل، ثم قام آخر. قال الراوي: ثم قمت أنا ثالثاً أو رابعاً. فقال: يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ، اللهم إنهم قد لبسوا علي فالبس عليهم، وعجل عليهم بالغلام الثقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم. حدث الحسن، أن علياً كان على المنبر فقال: اللهم، إني ائتمنتهم فخانوني، ونصحتهم فغشوني، اللهم، فسلط عليهم غلام ثقيف، يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية. فوصفه وهو

يقول: الزبال مفجر الأنهار، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها. قال: فقال الحسن. هذه والله صفة الحجاج. وفي حديث آخر قال: يقول الحسن: وما خلق الحجاج يومئذ. حدث حبيب بن أبي ثابت قال: قال علي لرجل: لا مت حتى تدرك فتى ثقيف. قيل له: يا أمير المؤمنين، ما فتى ثقيف! قال: ليقالن له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين أو بضعاً وعشرين سنة، لا يدع لله تعالى معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة فكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يقتل بمن أطاعه من عصاه. قال العتبي: قال الحجاج لرجل وأراد أن ينفذه في بعض أموره: أعندك خير؟ قال: لا، ولكن عندي شر. قال: إياه أردت. وأنفذه فيه. قال محمد بن عائشة: أراد الحجاج الخروج من البصرة إلى مكة، فخطب الناس فقال: يا أهل البصرة، إني أريد الخروج إلى مكة، وقد استخلفت عليكم محمداً ابني، أوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأنصار، فإنه أوصى في الأنصار أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ألا وإني قد أوصيته فيكم: ألا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم، ألا وإنكم قائلون بعدي كلمة ليس يمنعكم من إظهارها إلا الخوف، ألا وإنكم قائلون: لا أحسن الله له الصحابة. وإني معجل لكم الجواب: لا أحسن الله عليكم الخلافة. قال إسحاق بن يزيد: رأيت أنس بن مالك مختوماً في عنقه ختمة الحجاج، أراد أن يذله بذلك. قال محمد بن عمر: وقد فعل ذلك بغير واحد من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يريد أن يذلهم بذلك، وقد مضت العزة لهم بصحبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قال سماك بن موسى الضبي: أمر الحجاج أن توجأ عنق أنس بن مالك، وقال: أتدرون من هذا؟ هذا خادم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أتدرون لم فعلت به هذا؟ قالوا: الأمير أعلم. قال: لأنه تبنى البلاء في الفتنة الأولى. عاش الصدر في الفتنة الآخرة. قال عوانة بن الحكم الكلبي: دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف، فلما وقف بين يديه سلم عليه فقال: إيه إيه يا أنيس، يوم لك مع علي، ويوم لك مع ابن الزبير، ويوم لك مع ابن الأشعث، والله لأستأصلنك كما تستأصل الشأفة، ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة. قال أنس: إياي يعني الأمير أصلحه الله؟ قال: إياك، سك الله سمعك. قال أنس: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت، ولا أي ميتة مت. ثم خرج من عند الحجاج، فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك. فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضباً، وصفق عجباً، وتعاظمه ذلك من الحجاج. وكان كتاب أنس إلى عبد الملك بن مروان: بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، من أنس بن مالك. أما بعد، فإن الحجاج قال لي هجراً، وأسمعني نكراً، ولم أكن لذلك أهلاً، فخذ لي على يديه، فإني أمت بخدمتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحبتي إياه، والسلام عليك ورحمة الله. فبعث عبد الملك إلى إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وكان مصادقاً للحجاج فقال له: دونك كتابي هذين، فخذهما واركب البريد إلى العراق، فابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وادفع كتابه إليه، وأبلغه مني السلام، وقل له: يا أبا حمزة، قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتاباً، إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك. وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى أنس بن مالك خادم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت من شكاتك الحجاج، وما سلطته عليك، ولا أمرته بالإساءة إليك، فإن عاد لمثلها فاكتب إلي بذلك، أنزل به عقوبتي، وتحسن لك معونتي. والسلام. فلما قرأ أنس كتابه

وأخبره برسالته قال: جزى الله أمير المؤمنين عني خيراً، وعافاه وكافأه عني بالجنة، فهذا كان ظني به، والرجاء منه. فقال إسماعيل بن عبيد الله لأنس: يا أبا حمزة، إن الحجاج عامل أمير المؤمنين، وليس بك عنه غنى ولا بأهل بيتك، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك، لقدر أن يضر وينفع. فقاربه وداره. فقال أنس: أفعل إن شاء الله. ثم خرج إسماعيل من عنده فدخل على الحجاج. فلما رآه الحجاج قال: مرحباً برجل أحبه وكنت أحب لقاءه. فقال له إسماعيل: أنا والله كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به. قال: وما أتيتني به؟ قال: فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس عليك غضباً، ومنك بعداً. قال: فاستوى الحجاج جالساً مرعوباً، فرمى إليه إسماعيل بالطومار، فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق، وينظر إلى إسماعيل أخرى. فلما نفضه فال: قم بنا إلى أبي حمزة نعتذر إليه ونترضاه. فقال له إسماعيل: لا تعجل. قال: كيف لا أعجل، وقد أتيتني بأمره؟ وكان في الطومار إلى الحجاج بن يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد، فإنك عبد طمت به الأمور، فسموت فيها، وعدوت طورك، وجاوزت قدرك، وركبت داهية أذىً، وأردت أن تبورني، فإن سوغتكها مضيت قدماً، وإن لم أسوغكها رجعت القهقرى، فلعنك الله عبداً أخفش العينين، منقوص الجاعرتين، أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، وحفرهم الآبار، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا بن المستفرمة بعجم الزبيب! والله لأغمزنك غمز الليث الثعلب، والصقر الأرنب، وثبت على رجل من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أظهرنا فلم تقبل له إحسانه، ولم تجاوز له إساءته، جرأة منك على الرب عز وجل، واستخفافاً منك بالعهد، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلاً خدم عزيز بن عذرة وعيسى بن مريم، لعظمته وشرفته وأكرمته فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خدمه ثمان سنين يطلعه على سره، ويشاوره في أمره، ثم هو هذا بقية من بقايا أصحابه. فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله، وإلا أتاك

مني سهم مثكل بحتف قاض. و" لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ". قال الزبير بن عدي: أتينا أنس بن مالك نشكو إليه الحجاج. فقال: لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم. سمعت ذلك من نبيكم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الشعبي: والله لئن بقيتم لتمنون الحجاج. وقال الشعبي: يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج. قال الأصمعي: قيل للحسن: إنك كنت تقول الآخر شر. وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج! فقال الحسن: لا بد للناس من متنفسات. قال ميمون بن مهران: بعث الحجاج إلى الحسن وقد هم به، فلما دخل عليه فقام بين يديه قال: يا حجاج، كم يتلو من آدم من أب؟ قال: كثير. قال: فأين هم؟ قال: ماتوا. قال: فنكس الحجاج رأسه، وخرج الحسن. وعن أيوب بن أبي تميمة أن الحجاج بن يوسف أراد قتل الحسن بن أبي الحسن مراراً، فعصمه الله منه مرتين، وكان اختفى مرة في بيت علي بن زيد بن جدعان سنتين، ومرة في طاحنة في بيت أبي محمد البزاز، فعصمه الله من شره، حتى إذا كان يوم من أيام الصيف شديد القظة والرمدة، أرسل إليه نصف النهار فتغفله في ساعة لم يحسب أن يرسل إليه فيها، دخل عليه ستة من الحرس فأخذوه وأتعبوه إتعاباً شديداً. قال أيوب: وبلغنا ذلك، فسعيت أنا وثابت البناني وزياد النميري وسويد بن حجير الباهلي نحو القصر معنا الكفن والحنوط، لا نشك في قتله،

فجلسنا بالباب، فخرج علينا وهو يكثر مبتسماً، فلما لحظناه حمدنا الله على سلامته. قال الحسن: العجب والله لهذا العبد، دخلت عليه وهو في مثنية رقيقة متوشح بها ذات علم، في جنبذة من خلاف سقفها الثلج، فهو يقطر عليه، فوجدت القر، وسلمت عليه وفي يده القضيب فقال: أنت القائل يا حسن ما بلغني عنك؟ قال: وما الذي بلغك؟ قال: أنت القائل: اتخذوا عباد الله خولاً، وكتاب الله دغلاً، ومال الله دولاً، يأخذون من غضب الله، وينفقون في سخط الله، والحساب عند البيدر؟ والله يقول: " وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين " فيكفي بها إحصاء. قال: نعم، أنا القائل ذلك. قال: ولم؟ قال: لما أخذ الله ميثاق الفقهاء في الأزمنة كلها: " لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم " الآية. قال: فنكت بالقضيب ساعة وفكر، ثم قال: يا جارية، الغالية، قال: فخرجت جارية ذات قصاص، معها مدهن من فضة. فقال: أوسعي رأس الشيخ ولحيته ففعلت، ثم قال: يا حسن، إياك والسلطان أن تذكرهم إلا بخير، فإنهم ظل الله في الأرض، من نصحهم اهتدى، ومن غشهم غوى. فقلت له: أصلحك الله، هكذا بلغني عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " وقروا السلطان وأجلوهم، فإنهم عز الله في الأرض، وظله، ومن نصحهم اهتدى، ومن غشهم غوى، إذا كانوا عدولاً ". قال الحجاج: لا والله ما فيه إذا كانوا عدولاً، ولكنك زدت يا حسن، انصرف إلى أصحابك، فنعم المؤدب أنت. وفي رواية، في حديث الحسن: أن الحجاج أرسل إليه، فأدخل عليه. فلما خرج من عنده قال: دخلت على أحيول يطرطب شعرات له، فأخرج إلي ثياباً قصيرة. قلما عرقت فيها الأعنة في سبيل الله. قوله: يطرطب شعرات له: أن ينفخ شفتيه في شاربه غيظاً له أو كبراً.

قال سليمان بن علي الربعي: لما كانت فتنة ابن الأشعث، إذ قاتل الحجاج بن يوسف انطلق عقبة بن عبد الغافر وأبو الحوراء وعبد الله بن غالب في نفر من نظرائه، فدخلوا على الحسن فقالوا: يا أبا سعيد، ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة، وفعل وفعل؟ قال: وذكروا من فعال الحجاج. قال: فقال الحسن: أرى ألا تقاتلوه، فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادّي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العلج! قال: وهم قوم عرب. وخرجوا مع ابن الأشعث. قال: فقتلوا جميعاً. قال أبو التياح: شهدت الحسن وسعيد بن أبي الحسن حين أقبل ابن الأشعث، فكان الحسن ينهى عن الخروج على الحجاج ويأمر بالكف، وكان سعيد بن أبي الحسن يحضض. ثم قال سعيد، فيما يقول: ما ظنك بأهل الشام إذا لقيناهم غداً، فقلنا: والله ما خلعنا أمير المؤمنين، ولا نريد خلعه، ولكنا نقمنا عليه استعماله الحجاج فاعزله عنا. فلما فرغ سعيد من كلامه، تكلم الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنّه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم بالسكينة والتضرع، وأما ما ذكرت من ظنّي بأهل الشام، فإن ظني بهم أن لو جاؤوا فألقمهم الحجاج دنياه، لم يحملهم على أمر إلا ركبوه، هذا ظني بهم. قال عمر بن عبد العزيز لعنبسة بن سعيد: أخبرني ببعض ما رأيت من عجائب الحجاج فقال: كنا جلوساً عنده ذات ليلة قال: فأتي برجل فقال: ما أخرجك في هذه الساعة؛ وقد قلت: لا آخذ فيها أحداً إلا فعلت به وفعلت؟! قال: أما والله لا أكذب الأمير، أغمي على أمي منذ ثلاث فكنت عندها، فأفاقت الساعة فقالت: يا بني، مذ كم أنت عندي فقلت لها: منذ ثلاث، قالت: أعزم عليك إلا رجعت إلى أهلك، فإنهم مغمومون بتخلفك عنهم، فكن عندهم الليلة وتعود إليّ غداً. فخرجت فأخذني الطائف. فقال: ننهاكم وتعصونا! اضربوا عنقه. ثم أتي برجل آخر فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟ فقال: والله لا أكذبك، لزمني غريم لي على

بابه؛ فلما كانت الساعة أغلق بابه دوني وتركني على بابه، فجاءني طائفك وأخذني. فقال: اضربوا عنقه. ثم أتي بآخر فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: كنت مع شربة أشرب، فلما سكرت خرجت فأخذني الطائف، فذهب عني السكر فزعاً. فقال: يا عنبسة، ما أراه إلا صادقاً، خليا سبيله. فقال عمر بن عبد العزيز لعنبسة: فما قلت له شيئاً؟ فقال: لا، فقال عمر لآذنه: لا تأذن لعنبسة علينا، إلا أن تكون له حاجة. قال ابن عائشة: أتي الوليد برجل من الخوارج فقيل له: ما تقول في أبي بكر؟ قال: خيراً قال: فما تقول في عمر؟ قال: خيراً. قال: فعثمان؟ قال: خيراً. قال: فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من خطاياه! قال علي بن مسلم الباهلي: أتي الحجاج بن يوسف بامرأة من الخوارج، فجعل يكلمها ولا تكلمه معرضة عنه، فقال بعض الشرط: الأمير يكلمك وأنت معرضة! فقالت: إني لأستحي أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه، فأمر بها فقتلت. قال العتبي: كانت امرأة من الخوارج من الأزد يقال لها فراشة، وكانت ذات نبه في رأي الخوارج، تجهّز أصحاب البصائر منهم، وكان الحجاج تطلّبها طلباً شديداً فأعجزته، ولم يظفر بها، وكان يدعو الله أن يمكنه من فراشة أو بعض من جهّزته. فمكث ما شاء الله، ثم جيء برجل: فقيل: هذا ممن جهزته فراشة، فخرّ ساجداً ثم رفع رأسه فقال له: يا عدو الله؟ قال: أنت أولى بها يا حجاج. قال: أين فراشة؟ قال: مرت تطير منذ ثلاث. قال: أين تطير؟ قال: تطير ما بين السماء والأرض. قال: أعن تلك سألتك عليك لعنة الله! قال: عن تلك أخبرتك عليك غضب الله. قال: سألتك عن المرأة التي جهزتك وأصحابك. قال: وما تصنع بها؟ قال: دلنا عليها. قال: تصنع بها ماذا؟ قال: أضرب

عنقها. قال: ويلك يا حجاج ما أجهلك! تريد أن أدلك وأنت عدو الله على من هي ولي الله " قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين " قال: فما رأيك في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: على ذلك الفاسق لعنة الله ولعنة اللاعنين. قال: ولم لا أم لك؟ قال: إنه أخطأ خطيئة طبقت ما بين السماء والأرض. قال: وما هي؟ قال: استعماله إياك على رقاب المسلمين. فقال الحجاج: ما رأيكم فيه؟ قالوا: نرى أن نقتله قتلة لم يقتل مثلها أحد قال: ويلك يا حجاج، جلساء أخيك كانوا أحسن مجالسة من جلسائك. قال: وأي إخوتي تريد؟ قال: فرعون، حين شاور في موسى فقالوا: " أرجه وأخاه "، وأشار عليك هؤلاء بقتلي. قال: فهل حفظت القرآن؟ قال: وهل خشيت فراره فأحفظه! قال: هل جمعت القرآن؟ قال: ما كان متفرقاً فأجمعه. قال: قرأته ظاهراً؟ قال: معاذ الله، بل قرأته وأنا إليه، قال: فكيف تراك تلقى الله إن قتلتك؟ قال: ألقاه بعملي، وتلقاه بدمي. قال: إذاً أعجلك إلى النار. قال: لو علمت أن ذلك إليك، أحسنت عبادتك، وأيقنت عذابك، ولم أبغ خلافك، ومناقضتك. قال: إني قاتلك. قال: إذاً أخاصمك لآن الحكم يومئذ إلى غيرك. قال: نقمعك عن الكلام السيئ، يا حرسي اضرب عنقه، وأومأ إلى السيّاف ألا يقتله. فجعل يأتيه من بين يديه ومن خلفه ويروعه بالسيف، فلما طال ذلك عليه رشح جبينه. قال: جزعت من الموت يا عدو الله! قال: لا، يا فاسق، ولكن أبطأت علي بما لي فيه راجية. قال: يا حرسي، أعظم جرحه. فلما أحس بالسيف قال: لا إله إلا الله، والله لقد أتمها ورأسه على الأرض. قال جعفر بن أبي المغيرة: كان حطيط صواماً قواماً، يختم في كل يوم وليلة ختمة، ويخرج من البصرة ماشياً حافياً إلى مكة في كل سنة، فوجّه الحجاج في طلبه فأخذ، فأتي به الحجاج فقال له: إيهاً، قال: قل، فإني قد عاهدت الله إن سئلت لأصدقن، ولئن ابتليت لأصبرن، ولئن عوفيت لأشكرن، ولأحمدن الله على ذلك. قال: ما تقول فيّ؟ قال: أنت عدو الله، تقتل على الظنّة. قال: فما قولك في أمير المؤمنين؟ قال: أنت شررة من شرره، وهو

أعظم جرماً منك. قال خذوا ففظعوا عليه العذاب، ففعلوا، فلم يقل حساً ولا بساً، فأتوه فأخبروه، فأتوه فأخبروه، فأمر بالقصب فشقق ثم شد عليه، وصب عليه الخلّ والملح، وجعل يستل قصبة قصبة، فلم يقل حساً ولا بساً، فأتوه فأخبروه قال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه. قال جعفر: فأنا رأيته حين أخرج، فأتاه صاحب له فقال: لك حاجة؟ قال: شربة من ماء، فأتاه بماء فشرب ثم ضربت عنقه. وكان ابن ثمان عشرة سنة. قال سالم الأفطس: أتي الحجاج بسعيد بن جبير، وقد وضع رجله في الركاب فقال: لا أستوي على دابتي حتى تبوّأ مقعدك من النار. فأمر به فضربت عنقه. قال: فما برح حتى خولط. قال: قيودنا قيودنا. فأمر برجليه فقطعتا، ثم انتزعت القيود منه. قال علي بن نديمة: ختم الدنيا بقتل سعيد بن جبير، وافتتح الآخرة بقتل ماهان. قال قتادة: قيل لسعيد بن جبير: خرجت على الحجاج. قال: إني والله ما خرجت عليه حتى كفر. حدث مبشر بن بشر أن رجلاً هرب من الحجاج، فمر بساباط فيه كلب بين جبّين يقطر عليه ماؤهما. فقال: يا ليتني كنت مثل هذا الكلب، فما لبث أن مر بالكلب في عنقه حبل، فسأل عنه فقالوا: جاء كتاب الحجاج يأمر بقتل الكلاب. قال هشام بن حسان: أحصوا ما قتل الحجاج صبراً، فبلغ مئة ألف وعشرين ألفاً. قال الهيثم بن عدي: مات الحجاج بن يوسف وفي سجنه ثمانون ألف محبوس، منهم ثلاثون ألف امرأة. ووجد في قصة رجل بال في الرحبة وخري في المسجد. فقال أعرابي: إذا نحن جاوزنا مدينة واسط ... خرينا وصلّينا بغير حساب

قال صالح بن سليمان: قال زياد بن الربيع الحارثي لأهل السجن: يموت الحجاج في مرضه هذا، في ليلة كذا وكذا. فلما كان تلك الليلة لم ينم أهل السجن فرحاً، جلسوا ينتظرون، حتى سمعوا الداعية. وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان. قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان يصلح لدنيا ولا آخرة. لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون من العمارة، فأخسّ به حتى صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدي إلي في عامي هذا ثمانون ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدي إلي ما أدي إلى عمر بن الخطاب، مئة ألف ألف، وعشرة آلاف ألف. قال مخذم: جبى عمر بن الخطاب العراق مئة ألف ألف، وتسعة وكذا وكذا ألف ألف، وجباها عمر بن عبد العزيز مئة ألف وأربعة عشر ألف ألف، وجباها الحجاج ثمانية عشر ألفألف. قال يحيى بن يحيى الغساني: قال لي عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بأبي محمد لفتناهم، فقال له رجل من آل أبي معيط: لا تقل ذلك، فوالله إن وطّأ لكم هذا الأمر الذي أصبحتم فيه غرّة فقال عمر: أتحب أن يدخلك الله مدخلك الحجاج؟ قال: إي والله، إني لأحب أن يدخلني الله مدخله ولا يدخلني مدخلك. فقال عمر: أمّنوا، اللهم أدخله مدخل الحجاج. كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: بلغني أنك تستنّ بسنن الحجاج، فلا تستن بسنته، فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع.

قال مالك بن دينار: كنا إذا صلينا خلف الحجاج فإنا نلتفت ما بقي علينا من الشمس؟ فيقول: إلام تلتفتون أعمى الله أبصاركم! أنا لا أسجد لشمس ولا لقمر ولا لحجر ولا لوثن. قال الريان بن مسلم: بعث عمر بن عبد العزيز بآل أبي عقيل أهل الحجاج إلى صاحب اليمن وكتب إليه: أما بعد، فإني بعثت بآل أبي عقيل، وهم شر بيت في العرب، ففرقهم في عملك على قدر هوانهم على الله تعالى وعلينا، وعليك السلام. وإنما نفاهم، رحمه الله. قال الأعمش: اختلفوا في الحجاج فقالوا: بمن ترضون؟ فقال بعضهم: بمجاهد. فأتوه فسألوه، فقال: تسألوني عن الشيخ الكافر؟! قال الأجلح: اختلفت أنا وعمر بن قيس الماصر في الحجاج فقلت أنا: الحجاج كافر، وقال عمر: الحجاج مؤمن ضال. قال: فأتينا الشعبي فقلت: يا أبا عمرو، إني قلت: إن الحجاج كافر، وقال عمر: الحجاج مؤمن ضال. قال: فقال الشعبي: يا عمرو، شمرت ثيابك، وحللت إزارك، وقلت: إن الحجاج مؤمن ضال، فقال: فكيف يجتمع في رجل إيمان وضلال؟! الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله العظيم. قال الأوزاعي: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول: كان الحجاج ينقض عرى الإسلام. قال عاصم بن أبي النجود: ما بقيت لله تعالى حرمة، إلا وقد انتهكها الحجاج. قال العيزار بن جرول: خرجت مع راذان إلى الجبال يوم العيد نصلي، وستور الحجاج ترفعها الرياح فقال: هذا والله المفلس. فقلت له: تقول مثل هذا وله مثل هذا؟! فقال: هذا المفلس من دينه.

وقال طاوس: عجبت لإخواننا من أهل العراق، يسمون الحجاج مؤمناً. قال منصور: سألنا إبراهيم النخعي عن الحجاج فقال: ألم يقل الله: " ألا لعنة الله على الظالمين ". قال سلام بن أبي مطيع: لأنا أرجى للحجاج بن يوسف مني لعمرو بن عبيد، إن الحجاج بن يوسف إنما قتل الناس على الدنيا، وإن عمرو بن عبيد أحدث بدعة، فقتل الناس بعضهم بعضاً. قال الزبرقان: كنت عند أبي وائل فجعلت أسب الحجاج وأذكر مساوئه، فقال: لا تسبه وما يدريك لعله قال: اللهم اغفر لي فغفر له. قال عوف: ذكر الحجاج عند محمد بن سيرين قال: مسكين أبو محمد، إن يعذبه الله عز وجل فبذنبه، وإن يغفر له فهنيئاً، وإن يلق الله عز وجل بقلب سليم فقد أصاب الذنوب من هو خير منه. قال: فقلت لمحمد بن سيرين: وما القلب السليم؟ قال: أن تعلم أن الله عز وجل حق، وأن الساعة حق قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. قال رباح بن عبيدة: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر الحجاج فشتمته ووقعت فيه. قال: فنهاني عمر وقال: مهلاً يا رباح، فإنه بلغني أن الرجل يظلم بالمظلمة، ولا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه، حتى يستوفي حقه، ويبقى للظالم الفضل عليه. قال السري بن يحيى: مر الحجاج في يوم جمعة، فسمع استغاثة فقال: ما هذا؟ فقيل له: أهل السجون،

يقولون: قتلنا الحر. قال: قولوا لهم: " اخسأوا فيها ولا تكلمون " قال: فما عاش بعد ذلك، إلا أقل من جمعة حتى مات. قال الأصمعي: ولي الحجاج العراق عشرين سنة، صار إليها في سنة خمس وسبعين، وكانت ولايته أيام عبد الملك إحدى عشرة سنة، وفي أيام الوليد تسع سنين، وبنى واسط في سنتين، وفرغ منها في السنة التي مات فيها عبد الملك سنة ست وثمانين، ومات الوليد بعد الحجاج بتسعة أشهر. قال الصلت بن دينار: مرض الحجاج فأرجف به أهل الكوفة. فلما تماثل من علته صعد المنبر وهو يتثنى على أعواده، فقال: يا أهل الشقاق والنفاق والمراق، نفخ الشيطان في مناخركم فقلتم: مات الحجاج، مات الحجاج، فمه، والله ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت، وما رضي الله الخلود لأحد من خلقه إلا لأهونهم عليه إبليس، وقد قال العبد الصالح سليمان بن داود عليه السلام: " رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي " فكان ذلك ثم اضمحل، فكأن لم يكن يأتيها الرجل، وذلكم ذلك الرجل كأني بكل حي ميت، وبكل رطب يابس، وبكل امرئ في ثياب طهوره إلى بيت حفرته، فخد له في الأرض خمسة أذرع طولاً في ذراعين عرضاً، فأكلت الأرض من لحمه، ومصت من صديده ودمه، وانقلع الحبيبان يقاسم أحدهما صاحبه من ماله، أما إن الذين يعلمون يعلمون ما أقول، والسلام. حدث الأحوص بن حكيم العبسي عن أبيه عن جده قال: حضرت نزيع الحجاج بن يوسف، فلما حضره الموت جعل يقول: ما لي ولك يا سعيد بن جبير.

قال عمر: ما حسدت الحجاج عدو الله عن شيء حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي، فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل. قال الأصمعي: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول: يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا ... بأنني رجل من ساكني النار أيحلفون على عمياء وحيهم ... ما علمهم بكثير العفو غفار فأخبر بذلك الحسن فقال: بالله، إن نجا فبهما. قال أحمد بن عبد الله التيمي: لما مات الحجاج بن يوسف لم يعلم بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات. ثم أنشأت تقول: اليوم يرحمنا من كان يغبطنا ... واليوم يأمننا من كان يخشانا قال ابن طاوس: دخل رجل على أبي فقال: مات الحجاج بن يوسف. فقال له أبي: اربعوا على أنفسكم، حبس رجل عليه لسانه، وعلم ما يقول. فقال له الرجل: يا أبا عبد الرحمن، برح الخفاء، هذه نساء وافد بن سلمة قد نشرن أشعارهن، وحرقن ثيابهن، ينحن عليه. قال: أفعلوا؟ قال: نعم. قال: " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " قال علي بن يزيد: كنت عند الحسن، فجاءه رجل فقال: مات الحجاج. فسجد الحسن.

قال ابن شوذب: لما مات الحجاج قال الحسن البصري: اللهم قد أمته فأمت عنا سننه، ثم قال: إن الله عز وجل قال لموسى عليه السلام: ذكر بني إسرائيل أيام الله، وقد كانت عليكم أيام كأيام القوم. وتوفي الحجاج لأربع وعشرين من رمضان سنة خمس وتسعين. قال ابن شوذب: ولي الحجاج العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وقيل: ابن أربع وخمسين سنة. قال علي بن المديني: مات الحجاج سنة خمس وتسعين، وفيها مات إبراهيم، وقبلها قتل سعيد بن جبير. قال سماك بن حرب: قيل لي في النوم: إياك والغيبة، إياك والنميمة، إياك وأكل أموال اليتامى، إياك والصلاة خلف الحجاج، فإني أقسمت أن أقصمه، كما قصم عبادي. قال أبو معشر: مات رجل عندنا بالمدينة، فلما وضع على مغتسله ليغسل استوى قاعداً، ثم أهوى بيده على عينيه فقال: بصر عيني، بصر عيني، بصر عيني إلى عبد الملك بن مروان، وإلى الحجاج بن يوسف يسحبان أمعاءهما في النار، ثم عاد مضطجعاً كما كان. روى الأصمعي عن أبيه قال: رأيت الحجاج في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: قتلني بكل قتلة قتلت بها

إنساناً، ثم رأيته بعد الحول فقلت: يا أبا محمد، ما صنع الله بك؟ فقال: يا ماص بظر أمه، أما سألت عن هذا عام أول! قال أبو يوسف القاص: كنت عند الرشيد، فدخل عليه رجل فقال: رأيت الحجاج البارحة في النوم. قال: في أي زي رأيته؟ قال: قلت: في زي قبيح، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: ما أنت وذاك يا ماص بظر أمه! قال: هرون صدقت، والله أنت رأيت الحجاج حقاً، ما كان أبو محمد ليدع صرامته حياً وميتاً. قال أشعب المدائني: رأيت الحجاج في منامي بحال سيئة، فقلت: يا أبا محمد، ما صنع بك ربك؟ قال: ما قتلت أحداً قتلة إلا قتلني بها. قلت: ثم مه؟ قال: ثم أمر بي إلى النار. قلت: ثم مه؟ قال: ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله. قال: فكان ابن سيرين يقول: إني لأرجو له. قال: فبلغ ذلك الحسن. قال: فقال الحسن: أم والله ليجعلن الله عز وجل رجاءه فيه. يعني: ابن سيرين. قال أبو سليمان الداراني: كان الحسن البصري لا يجلس مجلساً إلا ذكر الحجاج، فدعا عليه، قال: فرآه في منامه فقال: أنت الحجاج؟ قال: أنا الحجاج. قال: ما فعل الله بك؟ قال: قتلت بكل قتلة قتلة، ثم عزلت مع الموحدين. قال: فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه.

الحجاج بن يوسف

الحجاج بن يوسف بن أبي منيع عبيد الله بن أبي زياد أبو محمد الرصافي حدث عن جده عبيد الله بن أبي زياد عن الزهري عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فقال رجل منهم: اللهم، كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي الشجر، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به، فوجدتهما نائمين، فتحرجت أن أوقظهما، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فقمت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر فاستيقظا، فشربا غبوقهما. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه - قال حجاج: من هم هذه الصخرة - فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه ". قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وقال الآخر: اللهم، كانت لي ابنة عم أحب الناس إلي، فأردتها على نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة - قال حجاج: جهدت فيه من السنين - فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم، فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه - قال حجاج: من هم هذه الصخرة - فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها ". قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثم قال الثالث: اللهم استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم إلا

حجر بن عدي الأدبر بن جبلة

رجلاً واحداً منهم، ترك الذي له وذهب، فثّمرت حتى كثرت الأموال فارتعجت، فجاءني بعد حين فقال لي: يا عبد الله، أد لي أجري. فقلت: كل ما ترى من أجرتك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله، لا تستهزئ بي. فقلت له: إني لا أستهزئ بك. فأخذ ذلك كله، فاستاقه فلم يترك منه شيئاً. اللهم، فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه - قال حجاج: من هم هذه الصخرة - فانفرجت، فخرجوا من الغار يمشون. قال هلال بن العلاء: كان الحجاج بن أبي منيع من أعلم الناس بالأرض وما أنبتت، وأعلم الناس بالفرس من ناصيته إلى حافره، وأعلم الناس بالبعير من سنامه إلى خفه، وكان مع بني هاشم في الكتاب. هو شيخ ثقة. حجر بن عدي الأدبر بن جبلة ابن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن ثور، وهو كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد ابن كهلان بن سبأ وسمي أبوه الأدبر لأنه طعن مولياً فسمي الأدبر أبو عبد الرحمن الكندي من أهل الكوفة، وفد على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وغزا الشام في الجيش الذين افتتحوا عذراء، وشهد صفين مع علي أميراً، وقتل بعذراء من قرى دمشق، ومسجد قبره بها معروف. حدث حجر بن عدي قال: سمعت شراحيل بن مرة قال: سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " أبشر يا علي حياتك وموتك معي ".

وقال حجر بن عدي: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: الوضوء نصف الإيمان. وفي رواية: الطهور نصف الإيمان. شهد حجر القادسية، وهو الذي افتتح مرج عذراء وشهد الجمل وصفين مع علي عليه السلام، وكان في ألفين وخمس مئة من العطاء، وقتله معاوية بن أبي سفيان وأصحابه بمرج عذراء، وابناه عبيد الله وعبد الرحمن ابنا حجر قتلهما مصعب بن الزبير صبراً، وكانا يتشيعان. وكان حجر ثقة معروفاً، وكان مع علي بصفين حجر الخير وحجر الشر، فأما حجر الخير فهذا، وأما حجر الشر فهو حجر بن يزيد بن سلمة بن مرة. قال أبو معشر: كان حجر بن عدي رجلاً من كندة، وكان عابداً. قال: ولم يحدث قط إلا توضأ، ولم يهرق ماء إلا توضأ، وما توضأ إلا صلى. قال عبد الكريم بن رشيد: كان حجر بن عدي يلمس فراش أمه بيده، فيتهم غلظ يده، فينقلب على ظهره، فإذا أمن أن يكون عليه شيء أضجعها. قال يونس بن عبيد: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: إني قد احتجت إلى مال فأمدني، قال: فجهز المغيرة إليه عيراً تحمل المال؛ فلما فصلت العير بلغ حجراً وأصحابه، فجاء حتى أخذ بالقطار فحبس العير. قال: لا والله، حتى يوفى كل ذي حق حقه، فبلغ المغيرة ذلك أنه قد رد العير معه. فقال شباب ثقيف: ائذن لنا أصلحك الله فيه فنأتيك برأسه الساعة. قال: لا والله، ما كنت لأركب هذا من حجر أبداً، فبلغ معاوية فاستعمل زياداً وعزل المغيرة. قال أبو معشر: فتعترف به معاوية وأمره على العراقين - يعني زياداً - فلما قدم الكوفة، دعا حجر بن الأدبر فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف تعلم حبي لعلي؟ قال: شديداً. قال:

فإن ذلك قد انسلخ أجمع فصار بغضاً، فلا تكلمني بشيء أكرهه، فإني أحذرك. فكان إذا جاء إبان العطاء قال حجر لزياد: أخرج العطاء فقد جاء إبانه، فكان يخرجه، وكان لا ينكر حجر بن زياد شيئاً إلا رآه عليه، فخرج زياد إلى البصرة واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث، فصنع عمرو شيئاً كرهه حجر، فناداه وهو على المنبر، فرد عليه ما صنعه، وحصبه هو وأصحابه. قال: فأبرد عمرو مكانه بريداً إلى زياد، وكتب إليه بما صنع حجر؛ فلما قدم البريد على زياد، ندم عمرو بن حريث وخشي أن يكون من سطواته ما يكره، وخرج زياد من البصرة إلى الكوفة، فتلقاه عمرو بن حريث في بعض الطريق فقال: إنه لم يك شيء يكرهه، وجعل يسكنه، فقال زياد: كلا والذي نفسي بيده، حتى آتي الكوفة فأنظر ماذا أصنع، فلما قدم الكوفة سأل عمراً عن البينة، وسأل أهل الكوفة، فشهد شريح في رجال معه على أنه حصب عمراً وردّ عليه، فاجتمع حجر وثلاثة آلاف من أهل الكوفة فلبسوا السلاح، وجلسوا في المسجد، فخطب زياد الناس وقال: يا أهل الكوفة، ليقم كل رجل منكم إلى سفيهه فليأخذه، فجعل الرجل يأتي ابن أخيه وابن عمه وقريبه فيقول: قم يا فلان، قم يا فلان، حتى بقي حجر في ثلاثين رجلاً. فدعاه زياد فقال: أبا عبد الرحمن، قد نهيتك أن تكلمني، وإن لك عهد الله ألاّ تراب بشيء حتى تأتي أمير المؤمنين فتكلمه، فرضي بذلك حجر وخرج إلى معاوية. وفي حديث ابن سيرين قال: لما قدم زياد الكوفة لم يكن له هم إلا حجراً، وأصحابه، فتكلم يوماً زياد وهو على المنبر فقال: إن من حق أمير المؤمنين، إن من حق أمير المؤمنين؛ مراراً. فقال: كذبت ليس كذلك، فسكت زياد ونظر إليه، ثم عاد في كلامه فقال: إن من حق أمير المؤمنين، إن من حق أمير المؤمنين. مراراً. قال حجر: كذبت ليس كذلك، فسكت زياد ونظر إليه، ثم عاد في كلامه فقال: إن من حق أمير المؤمنين، إن من حق أمير المؤمنين. مراراً. نحواً من كلامه. فأخذ حجر كفاً من حصى فحصبه وقال: كذبت، عليك لعنة الله. قال: فانحدر زياد من المنبر فصلى، ثم دخل الدار، وانصرف حجر فبعث إليه زياد الخيل والرجال، أجب، قال حجر: إني والله ما أنا بالذي يخاف، ولا آتيه أخاف على نفسي.

قال ابن سيرين: لو مال لما أهل الكوفة معه، ولكن كان رجلاً ورعاً فأبى زياد أن تقلع عنه الخيل والرجال، حتى اصطلحا أن يقيده بسلسلة، ويرسله في ثلاثين من أصحابه إلى معاوية؛ فلما خرج أتبعه زياد برداً بالكتب بالركض إلى معاوية، إن كان لك في سلطانك حاجة أو في الكوفة حاجة فاكفني حجراً، وجعل يرفع الكتب إلى معاوية حتى ألهفه عليه، فقدم فدخل عليه فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال: وأمير المؤمنين أنا! قال: نعم ثلاثاً. فأمر بحجر وبخمسة عشر رجلاً من أصحابه قد كتب زياد فيهم وسمّاهم، وأخرج حجراً وأصحابه الخمسة عشر، وأمر بضرب أعناقهم. فال حجر للذي أمر بقتله: دعني فلأصل ركعتين. قال: صله. قال: فصلى ركعتين خفيفتين، فلما سلم أقبل على الناس فقال: لولا أن تقولوا جزع من القتل لأحببت أن تكون ركعتان أنفس ما كانتا، وايم الله لئن لم تكن صلاتي فيما مضى تنفعني ما هاتان بنافعيّ شيئاً. ثم أخذ برده فتحزم به، ثم قال لمن يليه من قومه: لا تحلوا قيودي، ولا تغسلوا عني الدم، فإني أجتمع أنا ومعاوية غداً على المحجّة. وفي حديث فيل مولى زياد قال: لما قدم زياد الكوفة أميراً أكرم حجر بن الأدبر وأدناه، فلما أراد الانحدار إلى البصرة دعاه فقال: يا حجر، إنك قد رأيت ما صنعت بك، وإني أريد البصرة فأحب أن تشخص معي، فإني أكره أن تخلف بعدي، فعسى أن أبلغ عنك شيئاً فيقع في نفسي، فإذا كنت معي، لم يقع في نفسي من ذلك شيء، فقد علمت رأيك في علي بن أبي طالب، وقد كان رأيي فيه قبلك على مثل رأيك. فلما رأيت الله صرف ذلك الأمر عنه إلى معاوية لم أتهم الله ورضيت به، وقد رأيت إلى ما صار أمر عليّ وأصحابه، وإني أحذر كأن تركب أعجاز أمور هلك من ركب صدورها. فقال له حجر: إني مريض ولا أستطيع الشخوص معك. قال: صدقت والله إنك لمريض، مريض الدين، مريض القلب، مريض العقل، وايم الله إن بلغني عنك شيء أكرهه لأحرضن على قتلك، فانظر لنفسك أو دع. فخرج زياد فلحق بالبصرة. واجتمع إلى حجر قرّاء أهل الكوفة، فجعل عامل زياد لا ينفذ الأمر ولا يريد شيئاً إلى منعوه إياه، فكتب إلى زياد: إني والله ما أنا في شيء، وقد منعني حجر

وأصحابه كل شيء، فأنت أعلم. فركب زياد بعماله حتى اقتحم الكوفة، فلما قدمها تغيب حجر، فجعل يطلبه فلا يقدر عليه، فبينا هو جالس يوماً وأصحاب الكراسي حوله، فيهم الأشعث بن قيس، إذ أتى الأشعث ابنه محمد فناجاه، وأخبره أن حجراً قد لجأ إلى منزله. فقال له زياد: ما قال لك ابنك؟ قال: لا شيء. قال: والله لتخبرني ما قال لك حتى اعلم أنك قد صدقت، أو لا تبرح مجلسك حتى أقتلك. فلما عرف الأشعث أخبره. فقال لرجل من أهل الكوفة من أشرافهم: قم فأتني به. قال: اعفني من ذلك، ابعث غيري. قال: لعنة الله عليك خبيثاً مخبثاً، والله لتأتيني به أو لأقتلنك. فخرج الرجل حتى دخل عليه، فأخذه وأخبر حجراً الخبر، فقال له: ابعث إلى جرير بن عبد فليكلمه فيك، فإني أخاف أن يعجل عليك. فدخل جرير على زياد فكلمه فقال: هو أمن من أن أقتله، ولكن أخرجه، فأبعث به إلى معاوية، فجاءه على ذلك، فأخرجه من الكوفة ورهطاً معه، وكتب إلى معاوية أن اغن عني حجراً، إن كان لك فيما قبلي حاجة، فبعث معاوية فتلقاه بعذراء، فقتل هو وأصحابه. وملك زياد العراق خمس سنين، ثم مات سنة ثلاث وخمسين. وفي حديث آخر، أن عائشة رضي الله عنها بلغها الخبر، فبعثت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي إلى معاوية، تسأله أن يخلي سبيل حجر وأصحابه. فقال عبد الرحمن بن عثمان الثقفي: يا أمير المؤمنين، جذاذها جذاذها لاتعنّ بعد العام أبراً. فقال معاوية: لا أحب أن أراهم، ولكن اعرضوا علي كتاب زياد، فقرئ عليه الكتاب، وجاء الشهود فشهدوا. فقال معاوية: أخرجوهم إلى عذراء فاقتلوهم هنالك. قال: فحملوهم إلى عذراء. فقال حجر: ما هذه القرية؟ قالوا: عذراء. قال: الحمد لله، أما والله إني لأول مسلم نبح كلابها في سبيل الله، ثم آتي إليها اليوم مصفوداً. وقد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على معاوية برسالة عن عائشة وقد قتلوا قال: يا أمير المؤمنين، أين غرب عنك حلم أبي سفيان؟ فقال: غيبة مثلك عني من قومي.

وقد كانت هند ابنة زيد من مخرّبة الأنصارية قالت حين سير حجراً إلى معاوية: ترفع أيها القمر المنير ... ترفّع هل ترى حجراً يسير يسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله كما زعم الخبير تجبّرت الجبابر بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد له محولاً ... كأن لم يحيها يوم مطير ألا يا حجر حجر بن عدي ... تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أردى عدياً ... وشيخاً في دمشق له زئير فإن تهلك فكل عبيد قوم ... إلى هلك من الدنيا يصير وقد رويت هذه الأبيات لهند أخت حجر بن عدي، وزيد فيها بيت قبل البيت الأخير وهو: يرى قتل الخيار عليه حقاً ... له من شرّ أمته وزير وفي شعر أخته: يسير إلى معاوية بن حرب ... فيقتله كما زعم الأمير وكان حجر بن عدي عند زياد وهو يومئذ على الكوفة، إذ جاءه قوم قد قتل منهم رجل، فجاء أولياء القتيل وأولياء المقتول فقالوا: هذا قتل صاحبنا. فقال أولياء القاتل: صدقوا، ولكن هذا نبطي وصاحبنا عربي، ولا يقتل عربي بنبطي. فقال زياد: صدقتم، ولكن أعطوهم الدية. فقالوا: لا حاجة لنا في الدية، إنا كنا نرى أن الناس فيه سواء. فقام حجر بن عدي فقال: نعطيك كتاب الله عز وجل، أو سنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنا حجر، لتقتلنه أو لأضربن بسيفي حتى أموت والإسلام عزيز. قال: فوالله ما برح حتى وضع السكين على حلقه. وكان يقال: أول ذلّ دخل على الكوفة قتل حجر بن عدي.

قال أبو معشر: وركب إليهم معاوية إلى مرج العذراء، حتى أتاهم فسلّم عليهم وسألهم: من أنت؟ من أنت؟ حتى انتهى إلى حجر فقال: من أنت؟ قال: حجر بن عدي. قال: كم مر بك من السنين؟ قال: كذا وكذا. قال: كيف أنت والشتاء اليوم؟ فأخبره. قال: كيف أنت والطعام اليوم؟ فاخبره. ثم انصرف وأرسل إليهم رجلاً أعور، معه عشرون كفناً، فلما رآه حجر تفاءل وقال: يقتل نصفكم ويترك نصفكم، فجعل الرسول يعرض عليهم التوبة والبراءة من علي، فأبى عدة وتبرأ عدة فقتل الذين أبوا، وترك الذين تبرأوا، وحفر لهم قبوراً، فجعل يقتلهم ويدفنهم. فلما انتهى إلى الحجر جعل حجر يرعد فقال له أراد قتله: مالك ترعد! قال: قبر محفور وكفن منشور وسيف مشهور. قال: تبرأ مني علي؟ قال: لا أتبرأ منه. فضرب عنقه ودفنه. ولما حج معاوية دخل على عائشة فقالت له: يا معاوية، قتلت حجر بن الأدبر. قال: أقتل حجراً، أحب إلي من أن أقتل معه مئة ألف. وفي حديث: أنه استأذن عليها فأبت أن تأذن له، فلم يزل حتى أذنت له، فلما دخل عليها قالت: أنت الذي قتلت حجراً! قال: لم يكن عندي أحد ينهاني. قال أبو الأسود: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء، حجر وأصحابه؟ فقال: يا أم المؤمنين، إني رأيت قتلهم صلاحاً للأمة، وأن بقاءهم فساد للأمة. فقالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء. وعن علي بن أبي طالب قال: يا أهل الكوفة، سيقتل منكم سبعة نفر خياركم، مثلهم كمثل أصحاب الأخدود، منهم حجر بن الأدبر وأصحابه. قتلهم معاوية بالعذراء من دمشق كلهم من أهل الكوفة. وروي أن الحسن بن علي أتاه ناس من أهل الكوفة من السبعة، فشكوا إليه ما صنع

زياد بحجر وأصحابه، وجعلوا يبكون عنده، وقالوا: نسأل الله أن يجعل قتله بأيدينا. فقال: مه، إن في القتل كفارات، ولكن نسأل الله أن يميته على فراشه. قال مروان بن الحكم: دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة فقالت: يا معاوية: قالت حجراً وأصحابه، وفعلت الذي فعلت، أما خشيت أن أخبأ لك رجلاً فيقتلك! فقال: لا، إني في بيت أمان، سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: الإيمان قيد الفتك. لا يفتك مؤمن يا أم المؤمنين، كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك وأمرك؟ قالت: صالح. قال: فدعيني وحجراً حتى نلتقي عند ربنا عزّ وجلّ. قال سفيان الثوري: قال معاوية: ما قتلت أحداً إلا وأنا اعلم فيم قتلته، وما أردت به، إلا حجر بن عدي، فإني لا أعرف فيم قتلته. وكان قتل حجر بن عدي سنة إحدى وخمسين، وقيل: قتل سنة ثلاث وخمسين، وفيها مات زياد بن أبي سفيان. قال أبو بكر بن عياش: دخل عبد الله بن يزيد بن أسد على معاوية وهو في مرضه الذي مات فيه، فرأى منه جزعاً فقال: ما يجزعك يا أمير المؤمنين إن مت؟ قال: الجنة. وإن عشت، فقد علم الله حاجة الناس إليك. قال: رحم الله أباك إن كان لناصحاً، نهاني عن قتل ابن الأدبر يعني حجراً، ثم عاده عبد الله بن يزيد فعاد معاوية مثل ذلك القول. وقد تقدم في ترجمة أرقم بن عبد الله الكندي حديث طويل في ترجمة حجر وأصحابه.

حجوة بن مدرك الغساني

حجوة بن مدرك الغساني أصله من الكوفة، سكن دمشق، وروى عن جماعة. حدث عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الجار أحق بشفعة جاره ينتظر به وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً. وحدث حجوة بن مدرك أيضاً بسنده عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولو كان خبيثاً لم يعطه. حديج خصي كان لمعاوية بن أبي سفيان. قال عوانة: حدثني حديج خصي لمعاوية، رأيته في زمن يزيد بن عبد الملك في ألفين من العطاء قال: اشترى لمعاوية جارية بيضاء جميلة، فأدخلها عليه مجردة وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها ويقول: هذا المتاع لو كان له متاع! اذهب بها إلى يزيد بن معاوية. ثم قال: لا، ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشي وكان فقيهاً، فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذلك وذلك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد. قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنها لا تصلح له. قال: نعم ما رأيت. ثم قال: ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري، فدعوته - وكان آدم شديد الأدمة - فقال: دونك هذه بيض بها ولدك. وهو عبد الله بن مسعدة بن حكمة بن بدر. قال عوانة: وكان في سبي فزارة، فوهبه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابنته فاطمة، فأعتقه، كان غلاماً ربته فاطمة وعلي عليهما السلام وأعتقته، وكان بعد ذلك مع معاوية، أشد الناس على علي.

حدير أبو فوزة

حدير أبو فوزة وقيل أبو فروة الأسلمي ويقال السلمي مولاهم يقال: إن له صحبة. سكن حمص. قال عثمان بن أبي العاتكة: حدث أخ لي يقال له زياد أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا رأى الهلال قال: " اللهم، بارك لنا في شهرنا هذا الداخل ". فذكر الحديث وقال: توالى على هذا الدعاء ستة من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمعوه منه، والسابع صاحب الفرس الجرموز والرمح الثقيل حدير أبو فوزة السلمي. قال أبو نصر بن ماكولا: أما أبو فروة بتقديم الراء فجماعة، وأما بتقديم الواو فهو أبو فوزة حدير السلمي. قال بكر بن سوادة: دخل حدير الأسلمي على أبي الدرداء يعوده وعليه جبة من صوف، وقد عرق فيها وهو نائم على حصير، فقال: يا أبا الدرداء، ما يمنعك أن تلبس من الثياب التي يكسوك معاوية، وتتخذ فراشاً! قال: إن لنا داراً لها نعمل، وإليها نظعن، والمخف فيها خير من المثقل. قال أبو فوزة حدير السلمي: خرج بعث الصائفة فاكتتب فيه كعب، فلما نفر البعث خرج كعب وهو مريض، وقال: لأن أموت بحرستا أحب إلي من أن أموت بدمشق، ولأن أموت بدومة أحب إلي من أن أموت بحرستا، هكذا قدماً في سبيل الله. قال: فمضى. فلما كان بفج معلولا قلت: أخبرني. قال: شغلتني نفسي. قلت: أخبرني. قال: سيقتل رجل يضيء دمه لأهل السماء. ومضينا حتى إذا كنا بحمص توفي بها. فدفناه هنالك بين ربيويات بأرض حمص. ومضى البعث، فلم يقفل حتى قتل عثمان.

حدير بن كريب

قال الجريري: حدثت أن أبا الدرداء ترك الغزو عاماً، فأعطى رجلاً صرة فيها دراهم فقال: انطلق فإذا رأيت رجلاً يسير من القوم، في هيئة بذاذة، فادفعها إليه. قال: ففعل. فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم لم تنس حديراً لا ينساك. قال: فرجع إلى أبي الدرداء فأخبره، فقال: ولي النعمة ربها. حدير بن كريب أبو الزاهرية الحميري ويقال الحضرمي الحمصي قال أبو الزاهرية: كنت مع عبد الله بن بسر صاحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب، فقال: " اجلس فقد آنيت وآذيت ". روى أبو الزاهرية، عن جبيربن نفير، عن ثوبان قال: ذبح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أضحيته ثم قال: " يا ثوبان أصلح لهم هذه الأضحية ". فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة. قال حدير بن كريب وابن عبد الله بن بسر: إنهما رأيا عبد الله بن بسر وأبا أمامة وغيرهما من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصبغون لحاهم. حدث أبو الزاهرية قال: أغفيت في صخرة بيت المقدس، فجاءت السدنة فأغلقوا علي الباب، فما انتبهت إلا بتسبيح الملائكة، قال: فوثبت مذعوراً، فإذا البيت صفوف، فدخلت معهم في الصف، فإذا رجل قائم على الصخرة يقول: سبحان الدائم القائم، سبحان الحي القيوم، سبحان الله وبحمده، سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، سبحان ربي العلي الأعلى، سبحانه

وتعالى، قال: فيجيبه أسفل منه. قال: ثم ترتج الصفوف بهذا التسبيح. فنظر إلي الذي يليني فقال: آدمي أنت! فقصصت عليه قصتي. فلما استأنست إليه قلت: بعزة من قواكم لما أرى من عبادته، من القائم على الصخرة؟ قال: ذاك جبريل. قلت: بعزة من قواكم لما أرى من عبادته، من الذي يرد عليه؟ قال: ذلك ميكائيل عليه السلام. قلت: بعزة من قواكم لما أرى من عبادته فمن أنتم؟ قال: نحن ملائكة الله عز وجل. قلت: بعزة من قواكم لما أرى من عبادته فما لمن يقولها؟ قال: من قالها سنة في كل يوم مرة، أو في يوم بعدد أيام السنة، لم يخرج من الدنيا حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له. قال الحافظ: رواه غيره عن شهاب بن خراش، فأسنده إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من قال كل يوم مرة سبحان القائم الدائم، سبحان الحي القيوم، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الله العظيم وبحمده. سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبحان ربي العلي الأعلى، سبحانه وتعالى، لم يمت حتى يرى مكانه من الجنة، أو يرى له ". وكان أبو الزاهرية أمياً لا يكتب؛ وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. قال أبو الزاهرية: ما رأيت قوماً أعجب من أصحاب الحديث، يأتون من غير أن يدعوا، ويزورون من غير شوق، ويبرمون بالمساءلة، ويملون بطول الجلوس. قال أبو عبيد: توفي أبو الزاهرية سنة مئة بالشام، وقيل: توفي سنة سبع وعشرين ومئة، وقيل: سنة تسع وعشرين في خلافة مروان بن محمد. وكان ثقة كثير الحديث؛ وكذا قال أبو بكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري.

حدير بن جعفر بن محمد

حدير بن جعفر بن محمد أبو نصر الأنباري الرماني روى عن أبي الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدة القرشي، بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً، مئة غير واحد، الله وتر يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة ". حذيفة بن أسيد ويقال ابن أمية بن أسيد أبو سريحة الغفاري صاحب سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ممن بايع تحت الشجرة، وهو أول مشهد شهده مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فشهد فتح دمشق مع خالد بن الوليد، وأغار على عذراء، واستوطن الكوفة بعد ذلك. قال حذيفة بن أسيد الغفاري: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة، فيقول: أي رب، ذكر أو أنثى؟ قال: فيقول الله ويكتب الملك. قال: فيقول: أي رب، أشقي أو سعيد؟ قال: فيقول له ويكتب. قال: ثم يكتب عملاه ورزقه وأجله وأثره، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص. وقيل: إن أول مشاهد حذيفة بن أسيد مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحديبية. أسيد السين مكسور، والياء ساكنة. وهو حذيفة بن أسيد بن خالد بن الأعوس ين الوقيعة بن حرام بن غفار. وقيل: حذيفة بن أسيد بن الأعور بن واقعة بن حرام بن غفار بن مليل، وقيل: حذيفة بن أمية بن أسيد بن الأعوز.

حذيفة بن اليمان

حذيفة بن اليمان وهو حذيفة بن حسيل، ويقال: حسل بن جابر بن أسيد بن عمرو بن مالك ويقال: اليمان بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث، أبو عبد الله العبسي حليف بني عبد الأشهل، صاحب سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصاحب سره من المهاجرين. وحسل كان يقال له اليمان. حدث حذيفة قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام من الليل، يشوص فاه بالسواك. حدث زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم قال: سمعت عمر بن الخطاب بالمدينة وهو يقول: تقاتلون الروم باليرموك وذكر اهتمامه بخبرهم وأمرهم والله إني لأقوم إلى الصلاة فما أدري، أفي أول السورة أنا أم في آخرها، ولأن لا تفتح قرية في الشام، أحب إلي من أن يهلك أحد من المسلمين بمضيعة. قال أسلم: فبينا أنا ذات يوم مقابل الثنية بالمدينة إذ أشرف منها ركب من المسلمين فيهم حذيفة بن اليمان، فقام إليهم من يليهم من المسلمين، فاستخبروهم فأسمعهم يقولون: أبشروا معشر المسلمين بفتح الله عز وجلّ ونصره. قال أسلم: فانطلقت أسعى حتى أتيت عمر بن الخطاب فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله وبنصره. فخر عمر ساجداً. قال الوليد: فذاكرت عبد الله بن المبارك سجدة الفتح، وحدثته بهذا الحديث، فقال عبد الله بن المبارك: بهذا حدثك عبد الرحمن بن زيد؟ فقلت: نعم. فقال: ما سمعت في سجدة الشكر والفتح بحديث أثبت من هذا. وفي نسبه اختلاف، وقيل فيه: جروة بن اليمان، من ولده حذيفة، وإنما قيل اليمان لأنّ جروة أصاب دماً في قومه، فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل، فسمّاه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية.

وأم حذيفة الرّباب بنت كعب بن عدي بن كعب بن عبد الأشهل. لم يشهد بدراً وشهد أحداً. وقتل أبوه يومئذ، قتله المسلمون ولا يعرفونه، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، وجاءه نعي عمار وه بالمدائن، وتوفي بها سنة ست وثلاثين. وحضر حذيفة ما بعد أحد من الوقائع، وكان صاحب سرّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لقربه منه وثقته به، وعلو منزلته عنده. وولاه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب المدائن، فأقام بها إلى حين وفاته. قال حذيفة بن اليمان: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي الحسيل، فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمداً فقلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرناه الخبر فقال: نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليم. وعن حذيفة قال: خيّرني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الهجرة والنصرة، فاخترت النصرة. ومن حديث آخر: أن أبا حذيفة قتل مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد، أخطأ به المسلمون، فجعل حذيفة يقول لهم: أبي، أبي، فلم يفهموا حتى قتلوه. فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فزادت حذيفة عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيراً، وأمر به فأوري، أو قال: فأودي. قال حذيفة: سألت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن كل شيء، حتى عن مسح الحصا فقال: واحدة أو دع. قال حذيفة: لقد حدثني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما يكون حتى تقوم الساعة، غير أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة منها.

قال حذيفة: أنا أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسرّ إلي شيئاً لم يحدّث به غيري، وكان ذكر الفتن في مجلس أنا فيه، فذكر ثلاثاً لا يذرن شيئاً، فما بقي من أهل ذلك المجلس غيري. قال حذيفة: قام فينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقاماً ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنهليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره. وفي رواية: فأذكر كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه. وعن حذيفة قال: كنتم تسألون عن الرخاء، وكنت أسأله عن الشدة لأتقيها، ولقد رأيتني وما من يوم أحب إلي من يوم يشكو إلي فيه أهل الحاجة، إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، يا موت، غظ غيظك وشدّ شدك، أبى قلبي إلا حبك. قال حذيفة بن اليمان: سألتني أمي: منذ متى عهدك بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: فقلت لها: منذ كذا كذا. قال: فنالت مني وسبتني. قال: فقلت لها: دعيني حتى آتي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأصلي معه المغرب، ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك. قال: فأتيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصليت معه المغرب، فصلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العشاء، ثم انفتل فتبعته، فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فاتبعته، فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة. فقال: ما لك؟ فحدثته بالأمر. فقال: غفر الله لك ولأمك، ثم قال: أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ قال: قلت: بلى. قال: فهو ملك من الملائكة، لم يهبط إلى الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم عليّ، ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.

وعن حذيفة قال: أتيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرضه الذي توفاه الله فيه فقلت: يا رسول الله، كيف أصبحت بأبي أنت وأمي؟ قال: فرد عليّ بما شاء الله، ثم قال: يا حذيفة، ادن مني. قال: فدنوت من تلقاء وجهه. قال: يا حذيفة، إنه من ختم الله به بصوم يوم، أراد به الله تعالى أدخله الله الجنة، ومن أطعم جائعاً، أراد به الله أدخله الله الجنة، ومن كسا عارياً، أراد به الله أدخله الله الجنة. قال: قلت: يا رسول الله، أسرّ هذا الحديث أم أعلنه؟ قال: بل أعلنه. قال: فهذا آخر شيء سمعته من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن علي قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما من نبي إلا قد أعطي سبعة نجباء رفقاء، وأعطيت أنا أربعة عشر: سبعة من قريش؛ علي، والحسن، والحسين، وحمزة، وجعفر، وأبو بكر، وعمر، وسبعة من المهاجرين: عبد الله بن مسعود، وسلمان، وأبو ذر، وحذيفة، وعمار، والمقدار، وبلال، رضوان الله عليهم. ومن حديث آخر، عن علي بن أبي طالب قال: قام إليه رجل فقبّل رأسه وقال: أخبرني عن قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نجباء أمته فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لكل نبيّ من أمته نجباء، ونجبائي من أمتي: الحسن، والحسين، وحمزة، وجعفر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وسلمان، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وحذيفة، وعبد الله بن مسعود وبلال. وعن حذيفة قال: قالوا: يا رسول الله، ألا تستخلف لنا؟ قال: إني إن أستخلف عليكم فعصيتموه نزل عليكم العذاب، ولكن ما أقرأكم ابن مسعود فاقرؤوه، وما حدثكم حذيفة فاقبلوه. قال علقمة: قدمت الشام فسألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً، فجلست إلى أبي الدرداء. فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أو ليس فيكم صاحب سواد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني عبد الله بن مسعود - أو ليس فيكم صاحب سرّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي لا يعلمه غيره - يعني حذيفة - أليس فيكم من أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

يعني عمّار بن ياسر - ثم قال: كيف سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ " والليل إذا يغشى "؟ فقلت " والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى " فقال: هكذا سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأها فأراد هؤلاء أن يستزلوني. قال خيثمة بن أبي سبرة الجعفي: أتيت المدينة، فسألت الله عز وجلّ أن ييسر لي جليساً صالحاً، فيسّر لي أبو هريرة، فجلست إليه فقلت: إني سألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً فوقعت لي. فقال: من أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، جئت ألتمس العلم والخير. قال: أو ليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة؟ وعبد الله بن مسعود صاحب طهور رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونعليه وحذيفة بن اليمان صاحب سرّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وعمار بن ياسر الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وسلمان صاحب الكتابين! قال قتادة: والكتابان الإنجيل والفرقان. وعن قيس بن أبي حازم قال: سئل علي بن أي طالب عن عبد الله بن مسعود فقال: قرأ القرآن، فوقف عند متشابهه، فأحل حلاله، وحرم حرامه. وسئل عن عمار بن ياسر فقال: مؤمن نسي، وإذا ذكر ذَكر، قد حشي ما بين فيه إلى كعبه إيماناً. وسئل عن حذيفة فقال: أعلم الناس بالمنافقين. فقالوا: أخبرنا عن سلمان. قال: أدرك العلم الأول والعلم الآخر، منا أهل البيت. قالوا: أخبرنا عن أبي ذر. قال: وعى علماً. قالوا: أخبرنا عن نفسك. قال: إيّاها أردتم، كنت إذا سكت ابتديت، وإذا سألت أعطيت، وإن بين دفتيّ علماً جماً. قلت لإسماعيل بن خالد: ما بين دفتيه؟ قال: جنبيه. وفي حديث، عن النزال بن سبرة الهلالي قال: وافقنا من علي بن أبي طالب ذات يوم طيب نفس ومراح، فقلنا: يا أمير المؤمنين، حدثنا عن أصحابك. وذكر الحديث وفيه قلنا: فحدثنا عن حذيفة. قال: ذاك امرؤ علم المعضلات والمفصّلات، وعلم أسماء المنافقين، إن تسألوه عنها تجدوه بها عالماً.

وعن حذيفة قال: مر بي عمر بن الخطاب وأنا جالس في المسجد فقال لي: يا حذيفة، إن فلاناً قد مات فاشهده. قال: ثم مضى حتى إذا كاد أن يخرج من المسجد التفت إلي فرآني وأنا جالس فعرف، فرجع إليّ فقال: يا حذيفة، أنشدك الله أمن القوم أنا؟ قال: قلت: اللهم لا، ولن أبرئ أحداً بعدك. قال: فرأيت عيني عمر جاءتا. وعن نافع بن جبير بن مطعم قال: لم يخبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأسماء المنافقين الذين بخسوا به ليلة العقبة بتبوك غير حذيفة، وهم اثنا عشر رجلاً ليس فيهم قرشي، وكلهم من الأنصار، أو من حلفائهم. وعن حذيفة بن اليمان قال: صليت ليلة مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رمضان، فقام يغتسل وسترته، ففضلت منه فضلة في الإناء فقال: إن شئت فأرقه، وإن شئت فصبّ عليه. قال: قلت: يا رسول الله، هذه الفضلة أحب إلي مما أصب عليه. قال: فاغتسلت به وسترني قال: قلت: لا تسترني. قال: بل لأسترنك كما سترتني. حدث إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال رجل: لو أدركت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقاتلت معه وأبليت معه، فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك! لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة، وقرّ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة. قال: فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة. قال: فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال: فسكتنا. فقال: قم يا حذيفة - أراه قال: فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم - قال: اذهب فائتنا بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ، فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهماً في كبد القوس فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته خبر القوم وفرغت قررت، فألبسني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائماً حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: قم يانومان.

وفي حديث آخر بمعناه، عن حذيفة قال: فقمت وإن جنبيّ ليضربان من البرد فمسح رأسي ووجهي ثم قال: ائت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم، ولا تحدثن حدثاً حتى ترجع، ثم قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته حتى يرجع. قال: فلأن يكون أرسلها كان أحب إلي من الدنيا وما فيها. الحديث. وعن حذيفة قال: بعثني رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سرية وحدي. وعن زيد بن أسلم قال: قال رجل لحذيفة: أشكو إلى الله صحبتكم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره. قال حذيفة: ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه. والله ماتدري لو أنك أدركته كيف كنت تكون! لقد رئينا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الخندق، ليلة باردة مطيرة، إذ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل من رجل يذهب فيعلم لنا علم القوم، جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة؟ فما قام منا أحد. ثم قال: هل من رجل يذهب فيعلم لنا علم القوم، أدخله الله الجنة؟ قال: فوالله ما قام منا أحد. قال: هل من رجل يذهب، فيعلم لنا علم القوم جعله الله رفيقي في الجنة؟ فما قام منا أحد. فقال أبو بكر: يا رسول الله، ابعث حذيفة. قال حذيفة: فقلت: دونك، فوالله ما قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا حذيفة، حتى قلت: يا رسول الله بأبي وأمي أنت، والله ما بي أن أقتل، ولكني أخشى أن أؤسر. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنك لن تؤسر. فقلت: يا رسول الله، مرني بما شئت. فقال: اذهب حتى تدخل في القوم، فتأتي قريشاً فتقول: يا معشر قريش، إنما يريد الناس أن يقولوا غداً: أين قريش؟ أين قادة الناس؟ أين رؤوس الناس؟ تقدموا، فتقدموا، فتضلوا بالقتال، فيكون القتل بكم، ثم ائت كنانة فقل: يا معشر كنانة، إنما يريد الناس غداً أن يقولوا: أين كنانة؟ أين رماة الحدق؟ تقدموا، فتقدموا فتضلوا

بالقتال، فيكون القتل بكم. ثم ائت قيساً فقل: يا معشر قيس، إنما يريد الناس غداً أن يقولوا: أين قيس؟ أين أحلاس الخيل؟ أين فرسان الناس؟ تقدموا، فتقدموا فتضلوا بالقتال، ويكون القتل بكم. ثم قال لي: ولا تحدث في سلاحك شيئاً. قال حذيفة: فذهبت فكنت بين ظهراني القوم أصطلي معهم على نيرانهم، وأذكر لهم القول الذي قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أين قريش؟ أين كنانة؟ أين قيس؟ حتى إذا كان وجه السحر، قام أبو سفيان يدعو باللات والعزى ويشرك، ثم قال: نظر رجل من جليسه؟ قال: ومعي رجل يصطلي، قال: فوثبت عليه مخافة أن يأخذني فقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان. قلت: أولى. فلما رأى أبو سفيان الصبح، قال أبو سفيان: نادوا: أين قريش؟ أين رؤوس الناس؟ أين قادة الناس؟ تقدموا. قالوا هذه المقالة التي أتينا بها البارحة. ثم قال: أين كنانة؟ أين رماة الحدق؟ تقدموا. فقالوا: هذه المقالة التي أتينا بها البارحة. ثم قال: أين قيس: أين فرسان الناس؟ أين أحلاس الخيل؟ تقدموا فقالوا: هذه المقالة التي أتينا بها البارحة. قال: فخافوا فتخاذلوا، وبعث الله عليهم الريح، فما تركت لهم بناء إلا هدمته، ولا إناء إلا أكفته، وتنادوا بالرحيل. قال حذيفة: حتى رأيت أبا سفيان وثب على جمل له معقول، فجعل يستحثه للقيام ولا يستطيع القيام لعقاله. قال حذيفة: فوالله لولا ما قال لي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا تحدث في سلاحك شيئاً لرميته من قريب. قال: وسار القوم، وجئت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته، فضحك حتى رأيت أنيابه. وفي حديث آخر بمعناه، عن حذيفة: ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت المعسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر، الرحيل الرحيل لا مقام لكم، وإذا الريح في معسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبراً، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما انتصف الطريق أو نحو ذلك إذا بنحو من عشرين فارساً أو نحو ذلك معتّمين فقالوا: أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو

مشتمل في شملة يصلي، فوالله ما غدا أن رجعت راجعني القر، وجعلت أقرقف، فأوحى إلي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده وهو يصلي، فدنوت منه، فأسبل علي شملته، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم، وأخبرته أني تركتهم يترحلون، فأنزل الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها " الآية. وعن حذيفة قال: تعودوا الصبر - وفي رواية: تعودوا البلاء - فيوشك أن ينزل بكم البلاء، مع أنه لا يصيبكم أشد مما أصابنا، ونحن مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن مسلم بن مخراق قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من هذا؟ قال: أنا عمار بن ياسر قال: ونظر خلفه قال: من هذا؟ قال: أنا حذيفة. قال: بل أنت كيسان ". وعن بريدة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استعمل حذيفة بن اليمان على بعض الصدقة. فلما قدم قال: " يا حذيفة، هل رزئ من الصدقة شيء؟ قال: لا يا رسول الله، أنفقنا بقدر إلا أن ابنة لي أخذت جدياً من الصدقة. قال: كيف بك يا حذيفة إذا ألقي في النار وقيل لك ائتنا به! فبكى حذيفة، ثم بعث إليها فجيء بها فألقاها في الصدقة ". قال محمد بن سيرين: كان عمر بن الخطاب إذا بعث عاملاً كتب في عهده: أن اسمعوا له، وأطيعوا ما عدل فيكم. قال: فلما استعمل حذيفة على المدائن كتب في عهده: أن اسمعوا له وأطيعوا، وأعطوه ما سألكم. قال: فخرج حذيفة من عند عمر على حمار موكف، وعلى الحمار زاده. فلما قدم المدائن استقبله أهل الأرض والدهاقين، وبيده رغيف وعرق من لحم على حمار

على إكاف. قال: فقرأ عهده عليهم، فقالوا: سلنا ما شئت. قال: أسألكم طعاماً آكله وعلف حماري هذا ما دمت فيكم، مرتين. قال: فأقام فيهم ما شاء، ثم كتب إليه عمر أن اقدم. فلما بلغ عمر قدومه كمن له على الطريق في مكان لا يراه. فلما رآه عمر على الحال التي خرج من عنده عليها، أتاه فأكرمه وقال: أنت أخي، وأنا أخوك. وفي حديث آخر عنه قال: كان عمر بن الخطاب إذا بعث أميراً كتب إليهم: إني قد بعثت إليكم فلاناً وأمرته بكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا، فلما بعث حذيفة إلى المدائن كتب إليهم: إني قد بعثت إليكم فلاناً فأطيعوه، فقالوا: هذا رجل له شأن، فركبوا ليتلقوه، فلقوه على بغل تحته إكاف، وهو معترض عليه، رجلاه من جانب واحد، فلم يعرفوه فأجازوه، فلقيهم الناس فقالوا: أين الأمير؟ قالوا: هو الذي لقيتم. قال: فركضوا في أثره، فأدركوه وفي يده رغيف وفي الأخرى عرق وهو يأكل، فسلموا عليه، فنظر إلى عظيم منهم فناوله العرق والرغيف. قال: فلما عقل ألقاه. أو قال: أعطاه خادمه. قال أبو عبيدة: ومضى حذيفة بن اليمان - يعني سنة اثنتين وعشرين. بعد نهاوند إلى مدينة نهاوند، فصالحه دينار على ثماني مئة ألف درهم كل سنة. وغزا حذيفة مدينة الدينور فافتتحها عنوة، وقد كانت فتحت لسعد، ثم انتقضت، ثم غزا حذيفة ما سبذان فافتتحها عنوة، وقد كانت فتحت لسعد، فانتقضت. قال خليفة: وقد قيل في ماه غير هذا: يقال: أبو موسى فتح ماه دينار، ويقال: السائب بن الأقرع. قال أبو عبيدة: ثم غزا حذيفة همذان، فافتتحها عنوة، ولم تكن فتحت قبل ذلك، ثم غزا الري

فافتتحها عنوة، ولم تكن فتحت قبل ذلك، وإليها انتهت فتوح حذيفة. وقال أبو عبيدة: فتوح حذيفة هذه كلها في سنة اثنتين وعشرين. ويقال: همذان، افتتحها المغيرة بن شعبة سنة أربع وعشرين، ويقال: جرير بن عبد الله افتتحها بأمر المغيرة. قال أبو عبد الرحمن السلمي: جمعت مع حذيفة المدائن، فسمعته يقول: إن الله يقول: " إقتربت الساعة وانشق القمر " ألا إن القمر انشق على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ألا إن الساعة قد اقتربت، ألا إن المضمار اليوم والسبق غداً، قال: فقلت لأبي: غداً مجرى الخيل. قال: إنك لغافل، حتى سمعته يقول: السابق من سبق إلى الجنة، والغاية النار. قال أبو هريرة: قال حذيفة بن اليمان: لأقومن الليلة، فلأمجدن ربي عز وجل. قال: فسمعت صوتاً ورائي لم اسمع صوتاً قط أحسن منه. قال: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وإليك يرجع الأمر كله، علانيته وسره، اغفر لي ما سلف مني، واعصمني فيما بقي من أجلي. وعن حذيفة بن اليمان أنه قال: إن أقر أيامي لعيني يوم أرجع فيه إلى أهلي، فيشكون إلي الحاجة، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: عن الله ليتعاهد عبده بالبلاء، كما يتعاهد الوالد ولده بالخير، وإن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن الدنيا، كما يحمي المريض أهله الطعام. وعن حذيفة قال: بحسب المرء من العلم أن يخشى الله عز وجل، وبحسبه من الكذب أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، ثم يعود.

قال أبو البحتري: قال حذيفة: لو حدثتكم بحديث لكذبني ثلاثة أثلاثكم، فقال: ففطن له شاب فقال: من يصدقك إذا كذبك ثلاثة أثلاثنا! فقال: إن أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا يسألون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر. قال: فقيل له: ما حملك على ذلك؟ فقال: إنه من اعترف بالشر، وقع في الخير. قال قتادة: قال حذيفة: لو كنت على شاطئ نهر، وقد مددت يدي لأغرف، فحدثتكم بكل ما أعلم ما وصلت يدي إلى فمي حتى أقتل. وعن حذيفة أنه قال: خذوا عنا، فإنا لكم ثقة، ثم خذوا عن الذين يأخذون عنا، فإنهم لكم ثقة، ولا تأخذوا عن الذين يلونهم. قالوا: لم؟ قال: لأنهم يأخذون حلو الحديث، ويدعون مره، ولا يصلح حلوه إلا بمره. وقال حذيفة بن اليمان: عن الحق ثقيل، وهو مع ثقله مريء، وإن الباطل خفيف، وهو مع خفته وبيء، وترك الخطيئة خير من طلب التوبة، ورب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً. وعن جابر بن عبد الله قال: قال لنا حذيفة: إنا حملنا هذا العلم، وإنا نؤديه عليكم، وإن كنا لا نعمل به. قال البيهقي: قوله: وإن كنا لا نعمل به، يريد والله أعلم فيما يكون ندباً واستحباباً، فلا يظن بهم أنهم كانوا يتركون الواجب عليهم ولا يعملون به، إذ كانوا أعمل الناس بما وجب عليهم، ويحتمل أن يكون ذهب مذهب التواضع في ترك التزكية. وعن أبي الطفيل قال: قال حذيفة: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء

فقيل له: يا أبا عبد الله، وما ميت الأحياء؟ قال: الذي لا يعرف المعروف بقلبه، ولا ينكر المنكر بقلبه. عن حذيفة، أنه سئل عن ميت الأحياء قال: هو الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه. قال حذيفة لأبي هريرة: إني أراك إذا دخلت الكنيف أبطأت في مشيك، وإذا خرجت أسرعت. قال: إني أدخل وأنا على وضوء، وأخرج وأنا على غير وضوء، فأخاف أن يدركني الموت قبل أن أتوضأ. قال له حذيفة: إنك لطويل الأمل، لكني أرفع قدمي، فأخاف ألا أضع الأخرى حتى أموت. وعن حذيفة قال: لوددت أن لي من يصلح لي في مالي، فأغلق علي بابي فلا يدخل علي أحد، حتى ألحق بالله عز وجل. قال فضيل بن عياض: قيل لحذيفة: مالك لا تتكلم؟ قال: إن لساني سبع، أتخوف إن تركته يأكلني. قال حذيفة: ليس خياركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا خياركم من ترك الآخرة للدنيا، ولكن خياركم من أخذ من كل. وعن حذيفة بن اليمان أنه قال لرجل: أيسرك أن تغلب شر الناس؟ قال: إنك إن تغلبه تكن شراً منه. قال ابن سيرين: سئل حذيفة عن شيء فقال: إنما يفتي أحد ثلاثة: من عرف الناسخ والمنسوخ، أو رجل ولي سلطاناً فلا يجد من ذلك بداً، أو متكلف. قال النزال بن سبرة: كنا مع حذيفة في البيت فقال له عثمان: يا أبا عبد الله، ما هذا الذي بلغني عنك؟

قال: ما قلته. فقال عثمان: أنت أصدقهم وأبرهم، فلما خرج قلت: يا أبا عبد الله، ألم تقل ما قلته؟ قال: بلى، ولكني أشتري ديني ببعضه: مخاف أن يذهب كله. قال بلال بن يحيى: بلغني أن حذيفة كان يقول: ما أدراك هذا الأمر أحد من أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا قد اشترى بعض دينه ببعض، قالوا: فأنت؟ قال: وأنا، والله إني لأدخل على أحدهم وليس أحد إلا وفيه محاسن ومساوئ، فأذكر من محاسنه وأعرض عما سوى ذلك، وربما دعاني أحدهم إلى الغداء فأقول: إني صائم ولست بصائم. قال ربعي بن خراش: لما كانت الليلة التي حضر فيها حذيفة، جعل يقول، أي الليل هذا؟ قال: فقلنا له وجه السحر. فاستوى جالساً ثم قال: اللهم، إني أبرأ إليك من دم عثمان، والله ما شهدت ولا قتلت ولا مالأت على قتله. وعن خالد بن ربيع العبسي قال: سمعنا توجع حذيفة، فركب إليه أبو مسعود الأنصاري في نفر أنا فيهم إلى المدائن، قال: فأتيناه في بعض الليل فقال: أي الليل ساعة هذه؟ قلنا: بعض الليل. لوجود الليل. قال: هل جئتم بأكفاني؟ قلنا: نعم. قال: فلا تغالوا بكفني، فإن يكن لصاحبكم عند الله خير يبدل خيراً من كسوتكم، وإلا تسلب سلباً سريعاً. قال: ثم ذكر عثمان فقال: اللهم لم أشهد، ولم أقتل، ولم أرض. وعن ربعي بن خراش أنه حدثهم أن أخته وهي امرأة حذيفة قالت: لما كان ليلة توفي حذيفة، جعل يسألنا أي الليل هو؟ فنخبره، حتى كان السحر. قالت: فقال: أجلسوني. فأجلسناه، قال: وجهوني. فوجهناه، قال: اللهم إني أعوذ بك من صباح النار ومن مسائها. قال ربعي بن خراش: قال حذيفة عند الموت: رب يوم أتاني الموت لم أسأل، أما اليوم فقد خالطت أشياء لا أدري علام أنا فيها؟ قال: وأوصى أبا مسعود فقال: عليك بما تعرف ولا تلون في أمر الله عز وجل.

وعن صالح بن حسان، أن حذيفة لما نزل به الموت قال: هذه آخر ساعة من الدنيا، اللهم، إنك تعلم أني أحبك، فبارك لي في لقائك. ثم مات. قال أسد بن وداعة: لما مرض حذيفة مرضه الذي مات فيه قيل له: ما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة. قالوا: فما تشتكي؟ قال: الذنوب. قالوا: أفلا ندعو لك الطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، لقد عشت فيكم على خلال ثلاث: الفقر فيكم أحب إلي من الغنى. والضعة فيكم أحب إلي من الشرف، وإن من حمدني منكم ولامني في الحق سواء. ثم قال: أصبحنا؟ أصبحنا؟ قالوا: نعم. قال: اللهم، إني أعوذ بك من صباح النار، حبيب جاء على فاقة، فلا أفلح من ندم. حدث جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال حذيفة حين حضره الموت: مرحباً بالموت وأهلاً، مرحباً بحبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم إني لم أحب الدنيا لحفر الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لسهر الليل وظمأ الهواجر، وكثرة الركوع والسجود، والذكر لله عز وجل كثيراً، والجهاد في سبيله، ومزاحمة العلماء بالركب. وعن زياد مولى ابن عياش عن بعض أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: دخلت على حذيفة في مرضه الذي مات فيه فقال: اللهم، إنك تعلم لولا أني أرى أن هذا اليوم أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا لم أتكلم بما أتكلم به، اللهم، إنك تعلم أني كنت أختار الفقر على الغنى، وأختار الذلة على العز، وأختار الموت على الحياة، حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم. ثم مات. وتوفي حذيفة بعد عثمان بأربعين يوماً. وقيل: مات سنة ست وثلاثين. وقيل: قبل عثمان بأربعين ليلة. قال حفص بن غياث: رأيت أبا حنيفة في المنام فقلت له: أي الآراء وجدت أفضل أو أحسن؟ قال: نعم الرأي رأي عبد الله، ووجدت حذيفة بن اليمان شحيحاً على دينه.

حرام بن حكيم بن خالد بن سعد

وقيل: إنه مات سنة خمس وثلاثين. وقولهم: قبل قتل عثمان خطأ، لأن عثمان قتل في آخر سنة خمس وثلاثين. حرام بن حكيم بن خالد بن سعد ابن حكم الأنصاري ويقال: حرام بن معاوية من أهل دمشق. حدث حرام عن عمه عبد الله بن سعد قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد. فقال: " لقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، ولأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد، إلا أن تكون صلاة مكتوبة. وحدث عنه أيضاً عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: إنكم أصبحتم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، قليل سؤّاله، كثير معطوه، العمل فيه خير من العلم، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه، كثير خطباؤه، كثير سؤّاله، قليل معطوه، العلم فيه خير من العمل. وحدث حرام بن حكيم، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول، في يوم الجمعة والفطر: من كان خارجاً من المدينة فبدا له فليركب، فإذا جاء المدينة فليمش إلى المصلى، فإنه أعظم أجراً، وقدّموا قبل خروجكم زكاة الفطر، فإن على كل نفس مدّين من قمح أو دقيق. وعن حرام بن حكيم قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: حدثوا عني كما سمعتم ولا حرج، إلا من افترى علي كذباً متعمداً بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار. وفي حديث آخر بمعناه: إلا من افترى علي كذباً متعمداً ليضل به الناس، فليتبوأ مقعده من النار.

حرب بن إسماعيل بن محمد الكرماني

حدث عمرو بن مهاجر، عن عمر بن عبد العزيز أنه كان لا يجيز على رؤية الهلال إلا رجلين عدلين. كان بلغه أنّ محمدا بن سويد الفهري ضحّى بدمشق قبل الناس بيوم، فكتب إليه عمر: ما حملك أن خالفت المسلمين؟ فكتب إليه محمد بن سويد يذكر: إنما فعلته من أجل حرام بن حكيم، شهد عندي بذلك. فكتب إليه عمر: حرام بن حكيم أذو اليدين هو! إنكاراً يعني أنّ تجاز شهادته وحده، دون أن يكونا رجلين. قال القاسم: لعله أراد ذو الشهادتين! حرب بن إسماعيل بن محمد الكرماني سمع بدمشق حدث أبو محمد حرب بن إسماعيل بسنده عن عباد بن تميم أن عويمر بن أشقر ذبح قبل الصلاة يوم العيد، فأمره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعيد. حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية كان جواداً ممدحاً ذا قدر ونبل، وأمه أم ولد. وعن حرب بن خالد قال: قال معاوية لابن عباس: يا عجباً من وفاة الحسن، شرب عسلاً بماء رومة فقضى نحبه، لا يحزنك الله ولا يسؤك في الحسن. فقال: لا يسوءني الله ما أبقاك، فأمر له بمائة ألف وكسوة.

قال: ويقال إنّ معاوية قال لابن عباس يوماً: أصبحت سيد قومك. قال: ما بقي أبو عبد الله فلا. وعن حرب بن خالد قال: قال معاوية يوماً لحسين: يا حسين؛ فقال عبد الله بن الزبير: يا أبا عبد الله إياك يريد. فقال له معاوية: أردت أن تغريه في أني سميته وأنك كنيته؛ أما والله ما أولع شيخ قوما قط بالرتاج إلا مات بينهما. قال: الرتاج: الغلق والباب. قال حرب بن خالد: سألت زيد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب: وفي كم كان علي بن أبي طالب؟ قال: في مائة الف. يعني يوم صفين. قال وهب بن حسن مولى الربيع بن يونس، وكان عالماً فاضلاً عاقلاً قال: خرج داود بن سلم حتى قدم على حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، فلما نزل به قام غلمانه إلى متاعه، فأدخلوه وحطوا على راحلته، ثم دخل عليه فأنشده قوله: ولمّا دفعت لأبوابهم ... ولاقيت حرباً لقيت النجاحا وجدناه يحمده المجتدون ... ويأبى على العسر إلا سماحا ويغشون حتى ترى كلبهم ... يهاب الهرير وينسى النباحا فأنزله وأكرمه، وأجازه بجائزة عظيمة، ثم استأذنه للخروج فأذن له، وأعطاه ألف دينار وقال: لا إذن لك علي، فودعه وخرج من عنده وغلمانه جلوس، فلم يقم إليه منهم أحد ولم يعنه، فظن أن حرب بن خالد ساخط عليه فرجع إليه، فقال له: إنك على موجدة؟ قال: لا، وما ذاك؟ فأخبره أن غلمانه لم يعينوه على رحله. فقال له: ارجع إليهم فسلهم، فرجع إليهم فسألهم فقالوا: إنا ننزل من جاءنا، ولا نرحل من خرج من عندنا. فلما قدم المدينة سمع الغاضري بحديثه وجاءه فقال: إني أحب أن أسمع الحديث من فيك، فحدثه به وأنشده الأبيات. فقال: هو يهودي، وهو نصراني إن لم يكن الذي فعل الغلمان أحسن من شعرك.

حرب بن محمد بن حرب بن عامر

حرب بن محمد بن حرب بن عامر أبو الفوارس السلمي الحراني حدث بدمشق، عن أبي القاسم الخضر بن أحمد الحراني بسنده عن عبد الله بن قيس قال: قال رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل، يجعلون له نداً، ويجعلون له ولداً، وهو مع ذلك يرزقهم ويعطيهم. حرب بن محمد بن علي بن حيان ابن مازن بن الغضوبة الطائي الموصلي والد علي بن حرب، استقدمه المأمون إلى دمشق لأجل المساحة. روى عن المعافى بن عمران، بسنده عن النعمان بن بشير قال: كنا إذا صلينا خلف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: سمع الله لمن حمده، لم يحن أحد منا ظهره، حتى نرى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد سجد. وروى عن محمد بن الحسن، بسنده عن فضالة بن عبيد قال: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يقسم للمملوكين. وروى عن المعافى بن عمران، بسنده عن أبي ذر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يقول الله عز وجل: " حسنة ابن آدم عشر وأزيد، والسيئة واحدة أو أغفرها، ومن لقيني بقراب الأرض خطايا لقيته بمثلها مغفرة، ما لم يشرك بي شيئاً. كان حرب بن محمد رجلاً نبيلاً ذا همة رحل في طلب العلم، وكتب عن مالك بن أنس ونظرائه. وتوفي سنة ست وعشرين ومئتين.

حرملة بن المنذر بن معد يكرب

قال علي بن حرب الموصلي: في سنة أربع عشرة ومائتين قدم عبد الله المأمون دمشق، ففرق المعدلين يعني المساح في أجناد الشام في تعديلها يعني مساحتها ووجه في ذلك إلى رؤساء أهل الجزيرة والموصل والرقة، فقدم عليه جماعة، منهم حرب بن عبد الله الطائي وسفيان بن عبد الملك الخولاني، فاستعفوه من التعديل فأعفاهم وصرفهم، واجتلب لتعديل الشام المساح من العراق والأهواز والري، وأقام بدمشق تلك الشتوة على التعديل. حرملة بن المنذر بن معد يكرب ابن حنظلة بن النعمان بن حية بن سعنة ويقال ابن سعد بن الغوث بن الحارث، ويقال ابن الحويرث بن ربيعة بن مالك بن صقر بن هنيء بن عمرو بن الغوث بن الحارث بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يشجب بن يعرب بن قحطان، أبو زبيد الطائي: شاعر مشهور مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام ولم يسلم وكان نصرانياً، وفد على الحارث بن أبي شمر الغساني، وكان ينزل بنواحي دمشق. وكان أبو زبيد من زوار الملوك ولملوك العجم خاصة، وكان عالما بسيرهم، وكان عثمان بن عفان يقربه على ذلك ويدني مجلسه، وكان نصرانياً، فحضر ذات يوم عثمان وعنده المهاجرون والأنصار فتذاكروا مآثر العرب وأشعارها، فالتفت عثمان إلى أبي زبيد، فقال: يا أخا تبع المسيح، أسمعنا بعض قولك فقد أنبئت أنك تجيد، فأنشده قصيدته التي يقول فيها: من مبلغ قومنا النائين إذ شحطوا ... أن الفؤاد إليهم شيق ولع ووصف فيها الأسد، فقال عثمان: تالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت! والله إني

لأحسبك جباناً هدانا، قال: كل يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت منه منظراً وشهدت منه مشهداً لا يبرح ذكره يتجدد في قلبي، ومعذور أنا بذلك يا أمير المؤمنين غير ملوم. فقال له عثمان: وأنى كان ذلك؟ قال: خرجت في صيابة أشراف من أفناء قبائل العرب ذوي هيئة وشارة حسنة، ترتمي بنا المهاري بأكسائها، والقيروانات على قنو البغال تسوقها العبدان، ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروط بنا السير في حمارة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه وذبلت الشفاه وشالت المياه وأذكت الجوزاء المعزاء وذاب الصيهد وصر الجندب وضاف العصفور الضب في جحره أو قال في وجاره وقال قائلنا: أيها الركب، غوروا بنا في ضوج هذا الوادي، وإذا واد قد بدا لنا كثير الدغل دائم الغلل، شجراؤه مغنة وأطياره مرنة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات، فأصبنا من فضالات المزاود، واتبعناها الماء البارد، فإنا لنصف حر يومنا ذلك ومماطلته إذ صر أقصى الخيل أذنيه، وفحص الأرض بيديه، فوالله، ما لبث أن جال، ثم حمحم فبال، ثم فعل فعله الذي يليه واحد فواحد، فتضعضعت الخيل

وتكعكعت الإبل وتقهقرت البغال، فمن ناد بشكاله وناهض بعقاله، فعلمنا أن قد أتينا وأنه السبع، ففزع كل امرئ منا إلى سيفه، فاستله من جربانه، ثم وقفنا زردقا. فأقبل يتظالع من بغيه كأنه مجنوب أو في هجار مسحوب، لصدره نحيط، ولبلاعيمه غطيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنما يخبط هشيماً، أو يطأ صريماً، وإذا هامة كالمجن، وخد كالمسن، وعينان سجراوان كأنهما سراجان يقدان، وقصرة ربلة ولهزمة رهلة، وكتد مغبط، وزور مفرط، وساعد مجدول، وعضد مفتول، وكف شثنة البراثن إلى مخالب كالمحاجن، فضرب بيديه فأرهج، وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول، مصقولة غير مفلولة، وفم أشدق كالغار

الأخوق، ثم تمطى فأشرع بيديه، وحفز وركيه برجليه حتى صار ظله مثليه، ثم أقعى فاقشعر ثم تميل فاكفهر، ثم جهز فازبأر. فلا والذي بيته في السماء ما اتقينا بأول أخ لنا من بني فزارة كان ضخم الجزارة، فوقصه ثم نفضه نفضة فقضقض متنيه، وجعل يلغ في دمه، فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا، فهجهجنا به فكر مقشعراً بزبرته، كأن به شيهماً حولياً، فاختلج رجلاً أعجر ذا حوايا، فنفضه نفضة تزايلت مفاصله، ثم نهم ففرفر، ثم زفر فبربر ثم زار فجرجر ثم لحظ، فوالله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه، من عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، وأطت الأضلاع، وأرتجت الأسماع وحمجت العيون،

وألحقت الظهور بالبطون، وانخزلت المتون، وساءت الظنون. فقال عثمان: اسكت، قطع الله لسانك! فقد رعبت قلوب المؤمنين. وقال يصف الأسد: فباتوا يذلجون وبات يسري ... بصير بالدجى هاد هموس إلى أن عرسوا وأغب عنهم ... قريباً ما يحس له حسيس خلا أن العتاق من المطايا ... حسن به فهن إليه شوس فلما أن رآهم قد تدانوا ... أتاهم وسط أرجلهم يميس فثار الزاجرون فزاد منهم ... تقراباً وواجهه ضبيس بنصل السيف ليس له مجن ... فصد ولم يصادفه جسيس فيضرب بالشمال إلى حشاه ... وقد نادى فأخلفه الأنيس يشمر كالمحالق في قنوت ... تقيه قضة الرض الدخيس فخر السيف واختلفت يداه ... وكان بنفسه وقيت نفوس فطار القوم شتى والمطايا ... وغودر في مكرهم الرسيس وجال كأنه فرس صنيع ... يجر جلاله ذيل شموس كأن بنحره وبساعديه ... عبيراً بات تعبؤه عروس فذلك إن تلاقوه نفادوا ... ويحدث بينكم أمر شكيس وكان أبو زبيد الطائي منقطعاً إلى الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان الوليد يكنى بوهب. فقال أبو زبيد: من يرى العيس لابن أروى على ظه ... ر المرورى حداهن عجال

مصعدات والبيت بيت أبو وه ... ب خلاء تحن فيه الشمال يعرف الجاهل المضلل أن الده ... ر فيه النكراء والزلزال بعدما تعلمين يا أم وهب ... كان فيهم عيش لنا وجمال ووجوه تودنا مشرقات ... ونوال إذا يراد النوال فلعمر الإله لو كان للسي ... ف مصال أو للسان مقال ما تناسيتك الصفاء ولا الو ... د ولا حال دونك الأشغال ولحرمت لحمك المتعصي ... ضلة ضل حلمهم ما اقتالوا أصبح البيت قد تبدل بالحي ... وجوهاً كأنها الأقتال غير ما طالبين ذحلاً ولكن ... مال دهر على أناس فمالوا قولهم بشرب الحرام وقد كا ... ن شراب سوى الحرام حلال وأبى ظاهر العداوة إلا ... طغياناً وقول ما لا يقال من يخنك الصفاء أو يتبدل ... أو يزل مثلما تزول الظلال فاعلمن أنني أخوك أخو الود ... حياتي حتى تزول الجبال كان أبو زبيد جاهلياً إسلامياً، وأقام في الإسلام علة النصرانية وعاش مائة وخمسين سنة، وكان يحمل في كل يوم أحد إلى البيعة مع النصارى فيظل يومه يشرب، فبينا هو في بعض تلك الآحاد يشرب، وحوله النصارى وفي يده الكأس إذ وقع بصره إلى السماء فنظر نظراً شديداً طويلاً، ثم رمى بالكأس من يده وقال: إذا جعل المرء الذي كان حازماً ... يحل به حل الحوار ويحمل فليس له في العيش خير يريده ... وتكفينه ميتا أعف وأجمل ثم مات.

حريث بن أبي حريث

وزاد في رواية بيتاً آخر: أتاني رسول الموت يا مرحباً به ... لآتيه وسوف والله أفعل ثم مات. حريث بن أبي حريث ويقال زيد بن جارية القرشي، مولاهم: من أهل دمشق. حدث حريث بن أبي حريث أنه سأل ابن عمر قلت: رجل أراد أن يأتي مصر فقال لصاحبه: أعطني مائة دينار تجوز بمصر، وأعطيك مائة مما يجوز هاهنا وزناً، فوضعاها في الميزان حتى استوت، فكانت الدنانير التي أخذ مائة دينار عدداً، وكانت الدنانير التي أعطى دينارين ومائة. فقال عبد الله: وزناً بوزن؟ قلت: نعم: قال: فإذا اختلف العدد فقد فسدا، رباً خبيث فلا تقربها. قال البخاري: حريث بن أبي حريث؛ سمع ابن عمر، روى عنه ابن حليس في الصرف، قاله أبو المغيرة عن الأوزاعي، لا يتابع على حديثه. وأدخل البخاري حديث ابن أبي حريث في كتاب الضعفاء فقال: تحول اسمه من هناك، يكتب حديثه ولا يحتج به.

حريث بن زيد الخيل الطائي

حريث بن زيد الخيل الطائي وفد على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم تنصر وهرب إلى أرض الروم. كتب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى يوحنا بن رؤبة وسروات أهل أيلة: سلم أنتم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، فإني لم أكن لأقاتلكم حتى أكتب إليكم، فأسلم أو أعط الجزية، وأطع الله ورسوله ورسل رسوله وأكرمهم، واكسهم كسوة حسنة غير كسوة الغزاء، واكس زيداً كسوة حسنة، فمهما رضيت رسلي فإني قد رضيت، وقد علم الجزية، فإن أردتم أن يأمن البحر والبر فأطع الله ورسوله، ويمنع عنكم كل حق كان للعرب والعجم، إلا حق الله وحق رسوله، وإنك إن رددتهم ولم ترضهم لا آخذ منكم شيئا حتى أقاتلكم، فأسبي الصغير وأقتل الكبير، فإني رسول الله بالحق، أومن بالله وكتبه ورسله والمسيح بن مريم أنه كلمة الله، وإني أومن به أنه رسول الله، وائت قبل أن يمسكم الشر، فإني قد أوصيت رسلي بكم، وأعط حرملة ثلاثة أوسق شعيراً، وإن حرملة شفع لكم، وإني لولا الله وذلك لم أراسلكم شيئاً حتى ترى الخميس، وإنكم إن أطعتم رسلي فإن الله لكم جار ومحمد، وإن رسلي شرحبيل وأبي وحرملة وحريث بن زيد الطائي، فإنهم مهما قاضوك عليه فقد رضيته، وإن لكم ذمة الله وذمة محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والسلام عليكم إن أطعتم، وجهزوا أهل مقنا إلى أرضهم. وكان لزيد من الولد مكنف بن زيد الخيل، وبه كان يكنى، وقد أسلم وصحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشهد قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد، وكان له بلاء. وحريث بن زيد وكان فارساً، وقد صحب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشهد الردة مع خالد بن الوليد وكان شاعراً. وعروة بن زيد شهد القادسية.

حريث بن ظهير الكوفي

حريث بن ظهير الكوفي قدم الشام. روى عن عبد الله بن مسعود قال: لا يموت مسلم إلا في الإسلام ثلمة لا تجبر بعده أبداً. وعن حريث بن ظهير قال: قال عبد الله بن مسعود: أيها الناس، قد أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك، وإن الله عز وجل قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في كتاب الله عز وجل، فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله عز وجل ولم يقض به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فليقض بما قضى به الصالحون، فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه. ولا يقولن أحدكم: إني أخاف، وإني أرى، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما لايريبك. حريث مولى معاوية بن أبي سفيان كان فارساً بطلاً، وكان معاوية يعتمد عليه في حربه، وشهد معه صفين، وقتل يومئذ، وكان فارسه الذي يعده للمبارزة، وكان يلبس سلاح معاوية متشبهاً به، فإذا قاتل قال الناس: ذاك معاوية. وإن معاوية قال له: يا حريث، اتق علياً، ثم ضع رمحك حيث شئت. فقال له عمرو بن العاص: إنك والله يا حريث لو كنت قرشياً لأحب معاوية أن تقتل علياً، ولكن كره أن يكون لك حظها، فإن رأيت منه فرصة فاقتحم عليه، فلما خرج الناس إلى القتال وتصافوا خرج علي أمام أصحابه قالوا: وخرج حريث مولى معاوية يوم صفين، فدعا علياً إلى المبارزة فقال: هلم يا أبا الحسن إلى المبارزة، فخرج إليه علي وهو يقول: أنا علي وابن عبد المطلب ... أنا وبيت الله أولى بالكتب

حريز بن عثمان بن جبر بن أحمد

أهل اللواء والمقام والحجب ... نحن نصرناه على جل العرب ثم حمل عليه علي عليه السلام، فطعنه فدق ظهره. وجزع معاوية على حريث جزعاً شديداً، وعاتب عمراً فيما أشار عليه من لقاء علي فأنشأ يقول: حريث ألم تعلم وعلمك ضائر ... بأن علياً للفوارس قاهر وأن علياً لم يبارزه فارس ... من الناس إلا قصدته الأظافر أمرتك أمراً حازماً فعصيتني ... فجدك إذ لم تقبل النصح عاثر حريز بن عثمان بن جبر بن أحمد ابن أسعد أبو عثمان، ويقال: أبو عون الرحبي الحمصي: وفد على عمر بن عبد العزيز. قال حريز: سألت عبد الله بن بسر: أشاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم. وأومأ إلى عنفقته. وقال حريز: قلت لعبد الله بن بسر: هل كان في رأس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شيب؟ قال: كان في رأس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شعرات بيض، كان إذا ادهن تتغير. وحدث حريز بن عثمان قال: رأيت عبد الله بن بسر المازني صاحب رسوا الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحمص، والناس يسألونه، فدنوت منه وأنا غلام. قال: قلت: رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: نعم. فقلت له: شيخاً كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم شاباً؟ فتبسم وقال: رأيت هاهنا وأشار بيده إلى ذقنه شعرات بيض.

قال حريز بن عثمان: رأيت مؤذني عمر بن عبد العزيز يسلمون عليه في الصلاة، السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة قد تقاربت. وحدث حريز قال: صليت مع عمر بن عبد العزيز العيدين، فكان يكبر فيهما سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة، يبدأ فيكبر ثم يقرأ، ويركع ثم يقوم. فيكبر، ثم يقرأ ويركع. وحدث حريز قال: صليت خلف عمر بن عبد العزيز فسلم تسليمة. توفي حريز سنة ثلاث وستين ومائة، ومولده سنة ثمانين، وتوفي وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وكان قدم بغداد وسمع بها منه العراقيون، وكان ابيض الرأس واللحية، وكان له جمة إلى شحمة أذنيه. وقال معاوية بن عبد الرحمن الرحبي الحمصي: سمعت حريز بن عثمان يقول: لا تعاد أحداً حتى تعلم ما بينه وبين الله، فإن يكن محسناً، فإن الله لا يسلمه لعداوتك إياه، وإن يكن مسيئاً فأوشك بعلمه أن يكفيكه. وكان حريز بن عثمان ينتقص علياً وينال منه. قال أبو اليمان: كان حريز يتناول من رجل يعني علياً ثم ترك. قال الخطيب: ولم يكن لحريز كتاب، وكان يحفظ حديثه، وكان ثقة ثبتاً، وحكي عنه من سوء المذهب وفساد الاعتقاد ما لم يثبت عليه. قال معاذ: ولا أعلمني رأيت شامياً أفضل منه. وقال أحمد: ليس بالشام أثبت من حريز. وقال في أثناء الحديث: لم يكن يرى القدر.

ويقال في حريز مع ثبته: إنه كان سفيانياً. وقال أبو حفص: حريز بن عثمان ثبت شديد التحامل على علي عليه السلام، وكان يشتم علياً على المنابر، وكان يقول: لا أحبه قتل آبائي. يعني علياً. قال الحسن بن علي: قلت ليزيد بن هارون: هل سمعت من حريز بن عثمان شيئاً تنكره عليه من هذا الباب؟ قال: إني سألته ألا يذكر لي شيئاً من هذا، مخافة أن أسمع منه شيئاً يضيق على الرواية عنه. قال: فأشد شيء سمعته يقول: لنا أمير ولكم أمير. يعني لنا معاوية ولكم علي. فقلت ليزيد: فقد آثرنا على نفسه. قال: نعم. قال إسماعيل بن عياش: عادلت حريز بن عياش من مصر إلى مكة، فجعل يسب علياً ويلعنه. وقال يزيد بن هارون: قال حريز بن عثمان: لا أحب من قتل لي جدين. حدث عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش قال: سمعت حريز بن عثمان قال: هذا الذي يرونه الناس عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى حق، ولكن أخطأ السامع. قلت: فما هو؟ فقال: إنما هو أنت مني بمكان قارون من موسى. قلت: عمن ترويه؟ قال: سمعت الوليد بن عبد الملك يقوله وهو على المنبر. قال الخطيب: عبد الوهاب بن الضحاك كان معروفاً بالكذب في الرواية، فلا يصح الاحتجاج بقوله. قال يحيى بن صالح الوحاظي وقيل: لم لم تكتب عن حريز بن عثمان؟ قال: كيف أكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين، فكان لا يخرج من المسجد حتى يلعن علياً سبعين لعنة كل يوم. قال أحمد بن سنان: سمعت يزيد بن هارون يقول: رأيت رب العزة تبارك وتعالى فقال لي: يا يزيد تكتب من حريز بن عثمان!

فقلت: يا رب، ما علمت منه إلا خيراً. فقال لي: يا يزيد، لا تكتب منه شيئاً، فإنه يسب علياً. قال حوثرة بن محمد المنقري البصري: رأيت يزيد بن هارون الواسطي في المنام بعد موته بأربع ليال فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: تقبل مني الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ووهب لي التبعات. قلت: وما فعل بك بعد ذلك؟ قال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم، غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة. قلت: بم نلت الذي نلت؟ قال: بمجالس الذكر، وقولي الحق، وصدقي الحديث، وطول قيامي في الصلاة، وصبري على الفقر. قلت: منكر ونكير حق؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، لقد أقعداني وسألاني، فقالا لي: من ربك؟ وما ذنبك؟ ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب، فقلت: مثلي يسأل! أنا يزيد بن هارون الواسطي، وكنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس. قال أحدهما: صدق، هو يزيد بن هارون، نم نومة العروس، فلا روعة عليك بعد اليوم. قال أحدهما: أكتبت عن حريز بن عثمان؟ قال: نعم. وكان ثقة في الحديث. قال: ثقة، ولكنه كان يبغض علياً، ابغضه الله. وقد روي أنه قد رجع عن ذلك. قال علي بن عياش، وسأله رجل من أهل خراسان ن حريز، هل كان يتناول علياً؟ فقال علي بن عياش: أنا سمعته يقول: إن أقواماً يزعمون أني أتناول علياً، معاذ الله أن أفعل ذلك، خيبهم الله. قال علي بن عياش: سمعت حريز بن عثمان يقول لرجل: ويحك، أما خفت الله عز وجل، حكيت عني أني أسب علياً، والله ما أسبه وما سببته قط.

الحر بن سليمان بن حيدرة

الحر بن سليمان بن حيدرة أبو شعيب الأطرابلسي حدث عن سعد بن عبد الله بن الحكم، بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعة. الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية أمره هشام بن عبد الملك على مصر سنة ست ومائة، فلم يزل عليها إلى أن وفد عليه سنة ثمان ومائة، فعزله عنها، ويقال: وفد عليه في شوال سنة سبع ومائة. حدث موسى بن أيوب: أن الحر بن يوسف أمير مصر سأل عبد الرحمن بن عتبة عن أمة اشتراها رجلان، فوطئاها في طهر واحد، فحملت. فقال: سلا ابن خدام يعني عبد الله بن يزيد وهو قاضي المصر. فسأله، فقال: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز في مثل ذلك فكتب إلي عمر قال: يرثهما الولد ويرثانه. وعاقبهما.

حزام بن هشام بن حبيش ين خالد

حزام بن هشام بن حبيش ين خالد ابن الأشعر الخزاعي القديدي من أهل الرقم بادية بالحجاز، وفد على عمر بن عبد العزيز مع أبيه. حدث حزام بن هشام صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قتيل البطحاء يوم الفتح، عن أبيه عن جده حبيش بن خالد وهو أخو عاتكة بنت خالد، وكنيتها أن معبد أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين خرج من مكة خرج منها مهاجراً إلى المدينة، هو وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة دليلهم الليثي عبد الله بن الأريقط، فنزلوا خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة، تحتبي بفناء القبة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحماً وتمراً ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين. فنظر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى شاة في كسر الخيمة قال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم. قال: هل من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: أتأذنين أن أحلبها؟ قالت: بأبي أنت وأمي، نعم إن رأيت بها حلباً فاحلبها. فدعا بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمسح بيده ضرعها، وسمّى الله، ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرّت واجترت ودعا بإناء يربض الرهط، فحلب فيه ثجّاً حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم أراضوا، ثم حلب فيه ثانياً بعد بدء، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها وبايعها، فارتحلوا عنها. فقلما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد، يسوق أعنزاً عجافاً يتساوكن هزلاً، فلما أن رأى عند أم معبد اللبن عجب وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد، والشاء عازب، ولا خلوف في البيت؟! قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا،

فقال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به سفلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق فصل، لا نزر ولا هذر، كأنما منطقه خرزات نظم يتحدّرن، لا تشنؤوه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون، إن قال أنصتوا له، وإن أمر بادروا إلى أمره، محفود محشود. قال أبو معبد: هو الله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، فأصبح صوت بمكة عالياً يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد هما نزلاها بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا يجاري وسؤدد ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلّبت ... عليه صريحاً ضرّة الشاة مزبد

فغادرها رهناً لديها لحالب ... يردّدها في مصدر ثم مورد فلما سمع حسان بن ثابت الأنصاري الهاتف يهتف، أنشد يجاوب الهاتف ويقول: لقد خاب قوم زال عنهم نبيّهم ... وقدّس من يسري إليهم ويغتدي ترحّل عن قوم فضلت عقولهم ... وحلّ على قوم بنور مجدد هداهم به الضلالة ربهم ... وأرشدهم. من يتبع الحق يرشد وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمايتهم هاد به كل مهتدي وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مسجد وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد ليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد قال حزان: أرسل عمر بن عبد العزيز إلى أبي يوماً، فدعا أبي براحلة له فركب عليه، وأنا إذ ذاك غلام أعقل الكلام، فدعاني أبي فحملني خلف رجله، فخرجنا حتى إذا نحن بعمر بن عبد العزيز في جماعة من أصحابه. فسلم عليه أبي بالخلافة، فرد عليه عمر السلام. ثم قال له عمر: يا أبا حزام، أين نحن من القوم؟ فقال له أبي: كل يعمل على شاكلته، أشهد يا عمر بن عبد العزيز، لأرسل إلي عمر بن الخطاب في منزلك هذا، فرأيته في جماعة من أصحابه نزل عن راحلته، ثم حط رحله، ثم قيد راحلته كرجل من أصحابه، ثم حس ركاب القوم فوجد فيها راحلة مقارباً لها من قيدها، فأرخى لها عمر بن الخطاب، ثم أقبل يتغيظ، قال: بئس الغيظ في وجهه فقال: أيكم صاحب الراحلة، فقال رجل من القوم: أنا أمير المؤمنين. قال: بئس ما صنعت، تبيت على فؤاده تضرب صدره، حتى إذا حان رزقه جمعت بين عظمين من عظامه، فهلا كنت فاعلاً هذا يا عمر بن عبد العزيز! فبكى عند ذلك عمر بن عبد العزيز بكاء شديداً.

حزور ويقال نافع

وحدث حزام أيضا قال: بعث عمر بن عبد العزيز إلى أبي، فانطلقت معه إليه، فقال له عمر: أين ترانا من القوم؟ قال: كل يعمل على شاكلته. قال: فأخبرنا عن القوم؟ قال: شهدت عمر بن الخطاب، وأتاه صاحب الصدقة فقال: إن إبل الصدقة قد كثرت، فقام عمر بناس معه، فنادى عمر على فريضة فيمن مر يزيد، وأخذ عقلها فشد به حقوه، ثم مر على المساكين، فجعل يتصدق به عليهم. وكان حزام ينزل قديداً. وأسلم خالد الأشعر قبل فتح مكة، وشهد مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفتح، فسلك هو وكرز بن جابر غير طريق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي دخل منها مكة، فأخطأ الطريق، ولقيتهم خيل المشركين فقتلا شهيدين. وكان الذي قتل خالد الأشعر، ابن أبي الجذع الجمحي. حزوّر ويقال نافع ويقال سعيد ابن الحزوّر أبو غالب البصري مولى عبد الرحمن بن الخضرمي ويقال مولى خالد بن عبد الله القسري ويقال مولى بني أسد سمع بدمشق أبا أمامة الباهلي وغيره قال أبو غالب: كان أبو أمامة يسكن حمص، وكان لي صديقاً، وكان مسكني دمشق، وكان إذا جاء لحاجة بدأ فصلى في المسجد ركعتين إلى جنبي، ثم أخذ بيدي فخرجنا من المسجد، فتلقانا ستة وعشرون رأساً من رؤوس الخوارج، فيهم رأس عبد رب الصغير، ففاضت عبرته فقال: كلاب النار، وكلاب النار، شر قتلى تحت ظل السماء. ثلاث مرات.

خير قتلى من قتلهم هؤلاء. ثلاثاً. قلت: فاضت عبرتك قال: رحمة لهم، إنهم كانوا مؤمنين. قلت: أكانوا مؤمنين؟؟؟! قال: نعم، أما تعلم الآية التي في آل عمران، إن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ وفتنة فزيغ بهم، ألا تعلم التي بعد المائة " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم " فهم هؤلاء؟ قال: نعم. قلت: أشيء من رأيك أم عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: إني إذاً لجريء. ثلاث مرات. سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " تفترق هذه الأمة على اثنتين أو ثلاث وسبعين فرقة شك أبو غالب كلها في النار، ليست سواد الأعظم. قلت: فقد ترى ما في سواد الأعظم؟ قال: عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم، وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ المبين. قال: الجماعة خير من الفرقة، إن هؤلاء يغضبون عليكم فيقتلونكم، أما إنكم من أهل بلدهم، فأعاذك الله أن تكون منهم. وروى أبو غالب عن أبي أمامة قال: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوتر بتسع حتى بدن وكثر لحمه أوتر بسبع، وصلى ركعتين وهو جالس يقرأ فيهما ب " إذا زلزلت " و" قل يا أيها الكافرون ". وكان أبو غالب صاحب أبي أمامة يعرف بصاحب المحجن، وهو أبو حزور، بفتح الحاء المهملة والزاي وتشديد الواو. قال أبو غالب: كنت أختلف إلى الشام في تجارة، وعظم ما كنت أختلف من أجل أبي أمامة، فإذا فيها رجل من قيس من خيار الناس، فكنت أنزل عليه، ومعنا ابن أخ له مخالف لأمره ينهاه ويضربه، فلا يطيعه، فمرض الفتى، فبعث إلى عمه فأبى أن يأتيه، فأتينا به حتى أدخلته عليه، فأقبل يشتمه ويقول: أي عدو الله الخبيث، ألم تفعل كذا؟! ألم تفعل

كذا؟! قال: أفرغت أي عم؟ قال: نعم. قال: أرأيت لو أن الله دفعني إلى والدتي، ما كانت صانعة بي؟ قال: إذاً والله كانت تدخلك الجنة. قال: فوالله لله أرحم بي من والدتي. فقبض الفتى. فخرج عليه عبد الملك بن مروان، فدخلت القبر مع عمه، فخطوا له خطاً ولم يلحدوه. قال: فقلنا باللبن فسوينا. قال: فسقطت منها لبنة، فوثب عمه متأخر، قلت ما شأنك؟ قال: ملئ قبره نوراً، وفسح له مد البصر. وحدث أبو غالب قال: خرجت من الشام في ناس، فنزلنا منزلاً بحضرة قرية عظيمة خربة، فدخلتها لأنظر فيها، فرأيت بيتاً مسقفاً، فيه روزنة، في الروزنة سلة، ورأيت جرة فيها ماء، ورأيت أثر وضوء. قلت لتفسي: إن لهذا البيت عامراً، هذا رجل يكون بالنهار في الجبل، ويأوي بالليل إلى هذا البيت. فقلت لأصحابي: إن لي حاجة أحب أن تبيتوني الليلة في هذا المكان. قالوا: نعم. فتأهبت حتى إذا صليت مع أصحابي المغرب. قال: فقمت وجئت حتى دخلت ذلك البيت، وجلست في ناحية البيت، حتى اختلط الظلام، فإذا أنا بشخص إنسان يجيء من نحو الجبل، فجعل يدنو حتى قام على باب البيت، فوضع يديه على عضادتي البيت، فحمد الله بمحامد حسنة، ثم سلم ودخل، فجلس ثم تناول السلة فأخذها، فوضعها بين يديه، ففتحها وأخرج منها شيئا، فوضع، ثم سمى فأكل، وجعل يحمد الله ويأكل، حتى فرغ. فلما فرغ أعاد السلة مكانها، ثم قام فأذن، ثم أقام، ثم صلى، وصليت بصلاته. فلما قضى صلاته وضع رأسه فنام غير كثير، ثم قام فخرج يتباعد، ثم رجع فاخذ الجرة فحلها، ثم جاء فأعادها مكانها، ثم توضأ، ثم جاء فقام في المسجد فكبر، ثم استعاد فقرأ، وقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة قراءة لم أسمع مثلها قط من أحد أحزن، ولا يمر بآية فيها ذكر الجنة إلا وقف وسأل الله الجنة، ولا يمر بآية فيها ذكر النار إلا وقف وبكى وتعوذ بالله من النار، ثم أوتر وأصبح. لما أصبح إذ ركع ركعتي الغداة، وركعت أنا، ثم أقام وصلى الغداة، وصليت بصلاته. قال أبو غالب: ثم قمت رويداً فخرجت لم يشعر بي، ثم جئت وسلمت، فرد علي السلام قال: قلت

حسان بن أبان البعلبكي

أدخل؟ قال: أدخل. قال: فدخلت. فقلت له: أجنيّ أنت أم أنسي؟ قال: سبحان الله بل إنسي. قلت: فما أنزلك هاهنا؟ قال: ما لك ولذلك؟ قال: كلمته وقلبته، فجعل يكتمني أمره. قال: قلت إني بت الليلة معك في بيتك. قال: خنتني. قلت: ما خنتك. قال: قد فعلت. قلت: يرحمك الله، إني لم أصنع ذلك لبأس، إني أخوك، وإني طاب خير، وليس عليك من بأس، قال: فسكن. قلت: حدثني ممن أنت؟ قال: أنا من أهل الكوفة. قلت: مذ كم مكثت هنا؟ قال: من سبع سنين. قلت: فما عيشك؟ قال: الله يرزقني. قلت: على ذلك ما عيشك؟ قال: لا أشتهي شيئاً بالنهار إلا وجدته في سلتي. قلت: والطري؟ يعني السمك قال: والطري. قلت: كيف تصنع؟ قال: أكون في النهار في الجبل، فإذا كان الليل أويت إلى هذا البيت من السباع ومن القر. قلت: فرضيت بهذا العيش؟! قال: فكأنه غضب وقال: إن كنت لأحسبك أفقه مما أرى، ومن أعطي أفضل مما أعطيت؟! قد كفاني مؤنتي هذه، ثم أقبل علي فقال: يسرك أن لك بيديك مئة ألف؟ قلت: لا. قال: يسرك أن لك برجليك مئة ألف؟ قال: قلت: لا. قال: يسرك أن لك بعينيك مئة ألف؟ قلت: لا. قال: يسرك أن لك بسمعك مئة ألف؟ قلت: لا. قال: فمن أعطي أفضل مما أعطيت؟! قال: إن مكانك هذا منقطع من الناس، أخاف لو مرضت أو مت أن تضيع، وقد مررت بجبل كذا وكذا فرأيت فيه غاراً، وعند الغار عين تجري، وهو من القرى قريب نحو من فرسخين، فلو تحولت إليهما احب لك من مكانك هذا، وكنت تجمع بين المسلمين، ولو مرضت لم تضع، ولو مت لم تضع، قلت له: فإن عندي جبة مدرعة أحب أن تأخذها فتلبسها. قال: ما شئت. فجئت بالجبة فدفعتها إليه، فأخذها. قال: فتحول إلى المكان الذي نعته. قال: وكاتبني سبع سنين، ثم انقطع كتابه. حسان بن أبان البعلبكي شاعر. قال حسان بن أبان: لما قدم سعد بن أبي وقاص القادسية أميراً أتته حرقة بنت النعمان بن المنذر في جوار

كلهن في مثل زيها تطلب صلته. فلما وقفن بين يديه قال: أيتكن حرقة؟ قلن: هذه. فقال لها: أنت حرقة؟ قالت: نعم، فما تكرارك استفهامي، إن الدنيا دار زوال، وإنها لا تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقالاً، وتعقبهم بعد حال حالاً، إنا كنا ملوك هذا المصر قبلك، يجبى غلينا خرجه، ويطيعنا أهله، مدى المدة وزمان الدولة. فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا، وشتت ملأنا، وكذلك الدهر يا سعد، إنه ليس من قوم عبرة إلا والدهر معقبهم عبرة. ثم أنشأت تقول: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف فأف لدنيا لا يدوم سرورها ... تقلب تارات بنا وتصرف فقال سعد رضي الله عنه: قاتل الله عدي بن زيد، كأنه كان ينظر إليهما حيث يقول: إن للدهر صولة فاحذرنها ... لا تبيتن قد أمنت الشرورا قد يبيت الفتى معافى فيرزا ... ولقد كان آمناً مسرورا وأكرمها سعد، وأحسن جائزتها. فلما أرادت فراقه قالت له: حتى أحييك بتحية أملاكنا بعضهم بعضاً، لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا زالت لكريم عندك حاجة، ولا نزع من عبد صالح نعمة إلا جعلك سبباً لردها عليه. فلما خرجت من عنده تلقاها نساء المصر فقلن لها: ما صنع بك الأمير؟ قالت: حاط لي ذمتي وأكرم وجهي ... إنما يكرم الكريم الكريم وقد روي أن المغيرة بن شعبة خطب حرقة هذه، فقالت له: إنما أردت أن يقال: تزوج ابنة النعمان بن المنذر، وإلا فأي حظ لأعور في عمياء؟! ولحسان بن أبان يفخر: نهضنا سمواً إلى المكرمات ... فصرنا سناءً بها للسناء وأدنى مواقع أقدامنا ... إذا ما وطئنا عنان السماء فإن شئت فاغد بنا للقراع ... وإن شئت فاغد بنا للحباء

حسان بن تميم بن نصر

حسان بن تميم بن نصر أبو الندى الصيرفي ويعرف أبوه بتميم الزيات. وكان قد ترك الصرف قبل أن يموت بمدة، وحج وحسنت طريقته، ولازم صلاة الجماعة. حدث أبو الندى بسنده عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر أنه قال: صليت خلف أبي هريرة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ: " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قال: آمين. فقال الناس: آمين، يقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، فإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. توفي حسان ودفن في العشرين من رجب، سنة ستين وخمس مئة. حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام ابن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، أبو الوليد، ويقال أبو عبد الرحمن، ويقال أبو الحسام الأنصاري الخزرجي النجاري. شاعر سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفد على عمرو بن الحارث بن أبي شمر، ووفد على جبلة بن الأيهم، ووفد على معاوية حين بويع سنة أربعين. وأم حسان الفريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبد ود بن

زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن كعب بن ساعدة، وكان حسان يعرف بابن الفريعة، وهي أمه. حكى محمد بن سعد قال: عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، ومات في خلافة معاوية، وهو ابن عشرين ومئة سنة. وكان حسان بن ثابت قديم الإسلام، ولم يشهد مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مشهدا، وكان يجبن. وقال بعض الناس: توفي قبل الأربعين. عن حسان بن ثابت قال: إني والله لغلام يفعة، ابن سبع سنين أو ثمان سنين، أعقل كل ما سمعت يعني إذ سمعت يهودياً يصرخ على أطم يثرب: يا معشر يهود، إذ اجتمعوا إليه قالوا: ويلك مالك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي به ولد. قال ابن إسحق: فسألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان: ابن كم كان حسان بن ثابت مقدم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة؟ قال: ابن ستين. وقدمها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فسمع حسان ما سمع وهو ابن سبعين. حدث سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب مر على حسان، وهو ينشد في مسجد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فانتهره عمر، فأقبل حسان فقال: كنت أنشد فيه من هو خير منك، فانطلق عمر حينئذ، وقال حسان لأبي هريرة: أنشدك الله، هل سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: يا حسان، أجب عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللهم أيده بروح القدس؟ قال: اللهم، نعم. روى البراء بن عازب قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحسان بن ثابت: اهجهم وهاجهم وجبريل معك.

وفي رواية عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحسان: إن روح القدس معك ما هاجيتهم. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضع لحسان بن ثابت منبراً في المسجد، ينشد عليه قائماً، ينافح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يقول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال جابر بن عبد الله: لما كان يوم الأحزاب، وردّ الله المشركين بغيظهم لم ينالوا خيراً قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من يحمي أعراض المسلمين؟ قال كعب بن مالك: أنا. وقال ابن رواحة: أنا يا رسول الله. قال: إنك لحسن الشعر. وقال حسان بن ثابت: أنا، يا رسول الله. قال: نعم، اهجهم أنت، وسيعينك عليهم روح القدس. وعن عروة قال: سببت ابن فريعة عند عائشة فقالت: يا ابن أخي، لأقسم عليك لما كففت عنه، فإنه كان ينافح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال عطاء بن أبي رباح: دخل حسان بن ثابت على عائشة بعدما عمي، فوضعت له وسادة، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: أجلسته على وسادة، وقد قال ما قال! فقالت: إنه - تعني كان يجيب عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويشفي صدره من أعدائه - وقد عمي، وإني لأرجو ألا يعذّب في الآخرة. وعن عائشة قالت: مشت الأنصار إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: يا رسول الله إن قومك قد تناولوا منا، فإن أذنت لنا أن نرد عليهم فعلنا. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أكره أن تنتصروا ممن ظلمكم، وعليكم بابن أبي قحافة، فإنه أعلم القوم بهم. قال: فمشوا إلى عبد الله بن رواحة، فقالوا: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أذن لنا أن ننتصر من قريش فقل، فقال عبد الله بن رواحة في ذلك شعراً، فلم يبلغ منهم الذي أرادوا. فأتوا كعب بن مالك فقالوا له: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أذن لنا أن ننتصر من قريش، فقال كعب في ذلك شعراً، هو أمتن من شعر عبد الله بن

رواحة، فلم يبلغ منهم الذي أرادوا. فأتوا حسان بن ثابت فقالوا له، إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أذن لنا أن ننتصر من قريش، فقل: فقال حسان: لست فاعلاً حتى أسمع ذلك من نبي الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فانطلق معهم حتى أتى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: يا رسول الله، أنت أذنت لهؤلاء؟ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أكره أن ينتصروا ممن ظلمهم، وأنت يا حسان لن تزال مؤيداً بروح القدس ما نافحت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي حديث الترمذي: ما كافحت. وفي رواية أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لحسان: إني أخاف أن تصيبني معهم، تهجو من بني عمي - يعني أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب - فقال حسان: لأسلّنّك منهم سلّ الشعرة من العجين، ولي مقول ما أحب أنّ لي به مقول أحد من العرب، وإنه ليفري ما لا تفريه الحربة. قال: ثم أخرج لسانه، فضرب به أنفه، كأنه لسان شجاع، بطرفه شامة سوداء، ثم ضرب به ذقنه. قال: فأذن له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي رواية فهجاهم حسان، فقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لقد شفيت يا حسان واشتفيت. وعن محمد بن بركة عن أمه عن عائشة أنها طافت بالبيت، فقرنت بين ثلاثة أسابيع، ثم صلت بعد ذلك ست ركعات، قالت - وذكر لها حسان بن ثابت في الطواف - قالت: فابتدرنا نسبّه، فقالت عائشة: مه، وبرأته أن يكون فيمن قال عليها، وقالت: إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بقوله: هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء

فأنشدت عائشة هذين البيتين وهي تطوف بالبيت. وعن مسروق قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها، وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعراً..... بأبيات له فقال: حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت عائشة: لكنك لست كذلك. قال مسروق: فقلت لها: لم تأذنين له يدخل عليك؟ وقد قال الله عز وجل: " والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم " فقالت: فأي عذاب أشد من العمى؟ وقالت: إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعن هشام بن عروة، عن أبيه أن حسان بن ثابت ذكر عند عائشة رضي الله عنها، فانتبهت فقالت: من تذكرون؟ فقالوا: حسان. قال: فنهتهم وقالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق. وعن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع عائشة تقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: حسان حجاز بين المؤمنين والمنافقين، لا يحبه منافق ولا يبغضه مؤمن. وعن سعيد بن جبير قال: قيل لابن عباس: قد قدم حسان اللعين. قال: فقال ابن عباس: ما هو بلعين، قد جاهد مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنفسه ولسانه. وعن محمد بن عباد عن أبيه قال: لما أنشد حسان بن ثابت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عفت ذات الأصابع فالجواء........

فانتهى إلى قوله: هجوت محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جزاؤك على الله الجنة ياحسان. وعن يزيد بن عياض بن جعدبة: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما قدم المدينة تناولته قريش بالهجاء، فقال لعبد الله بن رواحة: رد عني فذهب في قديمهم وأولهم، ولم يصنع في الهجاء شيئاً، فأمر كعب بن مالك فذكر الحرب فقال: نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدماً ونلحقها إذا لم تلحق ولم يصنع في الهجاء شيئاً، فدعا حسان بن ثابت فقال: اهجهم وائت أبا بكر يخبرك بمعايب القوم، فأخرج حسان لسانه حتى ضرب به على صدره وقال: والله ما أحب أن لي به مقولاً في العرب، فصب على قريش منه شآبيب شر، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اهجهم كأنك تنضحهم بالنبل. وعن عبد الله بن بريدة: أن جبريل أعان حسان بن ثابت على مدحه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسبعين بيتاً. وعن عروة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تسبوا حساناً، فإنه ينافح عن الله وعن رسوله ". قال محمد بن المكرم: في الأصل هنا، حديث جابر بن عبد الله الأنصاري: لما جاءت بنو تميم إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشاعرهم وبخطيبهم، وأمر ثابت يا قيس أن يجاوب خطيبهم، وأمر حسان بن ثابت أن يجاوب شاعرهم. وقد تقدم هذا الحديث مستوفى في ترجمة الأقرع بن حابس، في حرف الألف. والله أعلم.

حدث أبو هريرة قال: جاء الحارث الغطفاني المري إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا محمد، شاطرني تمر المدينة، ولأملأنها عليك خيلاً ورجالاً. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حتى أستأذن السعود. فدعا سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسعد بن زرارة فقال: ها قد تعلمون أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وهذا الحارث الغطفاني يسألكم أن تشاطروه تمر المدينة فادفعوها إليه إلى يوم ما، قالوا: يا رسول الله، إن كان هذا أمراً من أمر الله عز وجل فالتسليم لأمر الله، وإن كان هذا أمراً من أمرك أو هوى من هواك، فأمرنا لأمرك تبع وهوانا لهواك تبع، وإلا فوالله لقد كنا نحن وهم في الجاهلية على سواء، ما كانوا ينالون تمرة ولا بسرة، إلا شرى أو قرى، فكيف وقد أعزنا الله بك وبالإسلام! فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ها يا حارث قد تسمع. فقال: يا محمد، عذرت فأنشأ حسان يقول: يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لم يغدر وأمانة المري حيث لقيتها ... كسر الزجاجة صدعها لا يجبر إن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبر قالوا: يا محمد اكفف عنا لسانه، فوالله لو مزج بماء البحر مازجه. والسخبر حشيش ينبت حول المدينة. حدث معن بن عيسى قال: بينما حسان بن ثابت في أطمه فارع، وذلك في الجاهلية، إذ قام من جوف الليل فصاح: يا آل الخزرج، فجاؤوه وقد فزعوا: فقالوا: مالك يابن الفريعة؟ قال: بيت قلته، فخشيت أن أموت قبل أن أصبح فيذهب ضيعة، خذوه عني قالوا: وما قلت؟ قال: قلت:

رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم وعن ابن عباس: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج وقد رش حسان فناء أطمه، وأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سماطين، وبينهم جارية لحسان يقال لها شيرين، ومعها مزهر لها تغنيهم، وهي تقول في غنائها: هل علي ويحكم ... إن لهوت من حرج فتبسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: لا حرج. وعن خارجة بن زيد بن ثابت وغيره، يزيد بعضهم على بعض، وهذا لفظ ابن دريد قال: كانت مأدبة في زمن عثمان، فدعي لها الناس، وكان فيهم عدة من أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيهم زيد بن ثابت وخارجة بن زيد وحسان بن ثابت وعبد الرحمن بن حسان، وقد كف حسان وثقل سمعه، وكان إذا دعي قال: أخرس أم عرس أم إعذار؟ ثم يجيب. قال خارجة: فأتينا بالطعام، فجعل حسان يقول لابنه: أطعام يد أم طعام يدين؟ فإذا قيل طعام يد أكل، وإذا قيل طعام يدين أمسك. فلما فرغ القوم، بنيت له وسادة، وأقبلت الميلاء وهي يومئذ شابة، فوضع في حجرها مزهر فضربت، ثم غنت فكان أول ما بدأت بشعر حسان: انظر حبيبي بباب جلق هل ... تؤنس دون البلقاء من أحد أجمال شعثاء إذ هبطن من ال ... محضر بين الكثبان فالسند يحملن حور العيون يرفلن في الري ... ط حسان الوجوه كالبرد من دون بصرى، وخلفها جبل الثل ... ج عليه السحاب كالقدد

إني وأيدي المخيسات وما ... يقطعن من كل سربخ جدد والبدن إذ قربت لمنحرها ... حلفة بر اليمين مجتهد ما حلت عن عهد ما علمت ولا ... أحببت حبي إياك من أحد تقول شعثاء لو صحوت عن ال ... خمر لأصبحت مثري العدد أهوى حديث الندمان في وضح ال ... فجر وصوت المسامر الغرد لا أخدش الخدش بالنديم ولا ... يخشى نديمي إذا انتشيت يدي يأبى لي السيف والسنان وقو ... م لم يضاموا كلبدة الأسد فطرب حسان وبكى وقال: لقد أراني هناك سميعاً بصيراً، وعيناه تنضحان على خديه، وهو مصغ لها. وجعل عبد الرحمن يشير إليها ويقول: أعيدي وأسمعي الشيخ. قال خارجة: فيعجبني لعمر الله ما يعجب عبد الرحمن من بكاء أبيه. قال أبو غزية: لحسان بن ثابت مواضع، هو شاعر الأنصار، وشاعر اليمن، وشاعر أهل القرى، وأفضل ذلك كله هو شاعر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير مدافع. قال محمد بن يونس: كنا عند الأصمعي فسئل: ما أراد حسان بقوله: أولاد جفنة عند قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل ما في هذا ما يمدحهم به! قال: أراد أنهم ملوك حلول في موضع واحد، وهم أهل مدر وليسوا بأهل عمد ينتقلون. قال هشام بن محمد الكلبي: قال حسان بن ثابت الأنصاري: خرجت أريد عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني، فلما كنت في بعض الطريق

وقفت على السعلاة في جوف الليل فقالت: أين تريد يابن الفريعة؟ فقلت لها: أريد الملك. قالت: أتعرفني؟ قلت لها: لا. قالت: أنا السعلاة صاحبة النابغة، وأختي المعلاة صاحبة علقمة بن عبدة، وإني مقترحة عليك بيتاً، فإن أنت أجزته شفعت لك إلى أختي، وإن لم تجزه قتلتك. فقلت: هات. قالت: إذا ما ترعرع فينا الغلام ... فما إن يقال له من هوه قال: فتبعتها من ساعتي فقلت: فإن لم يسد قبل شد الإزار ... فذلك فينا الذي لاهوه ولي صاحب من بني الشيصبان ... فحيناً أقول وحيناً هوه فقالت أولى لك نجوت، فاسمع مقالتي واحفظها: عليك بمدارسة الشعر، فإنه أشرف الآداب وأكرمها وأنورها، به يسخو الرجل، وبه يتظرف، وبه يجالس الملوك، وبه يخدم، وبتركه يتضع. ثم قالت: إنك إذا وردت على الملك وجدت عنده النابغة، وسأصرف عنك معرته، وعلقمة بن عبدة، وسأكلم المعلاة أختي حتى ترد عنك سورته. قال حسان: فقدمت على عمرو بن الحارث، فاعتاص علي الوصول إليه فقلت للحاجب بعد مدة: إن أنت أذنت لي عليه وإلا هجوت اليمن كلها، ثم انتقلت عنها. فأذن عليه، فلما وقفت بين يديه وجدت النابغة جالساً عن يمينه، وعلقمة جالساً عن يساره، فقال لي: يابن الفريعة قد عرفت عيصك ونسبك في غسان فارجع، فإني باعث إليك بصلة سنية، ولا أحتاج إلى الشعر، فإني أخاف عليك هذين السبعين أن يفضحاك، وفضيحتك فضيحتي، وأنت اليوم لا تحسن أن تقول: رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب فقلت: لا بد منه. فقال: ذلك إلى عميك؛ فقلت: أسألكما بحق الملك الحراب، إلا ما قدمتماني عليكما. فقالا: قد فعلنا. فقال: هات. فأنشأت أقول والقلب وجل:

أسالت رسم الدار أم لم تسأل ... بين الجوابي فالبضيع فحومل حتى أتيت على آخرها، فلم يزل عمرو بن الحارث يزحل عن مجلسه سروراً، حنى شاطر البيت وهو يقول: هذه والله البتارة، التي قد بترت المدائح، هذا وأبيك الشعر، لا ما تعللاني به منذ اليوم، يا غلام، ألف دينار مرموجة. فأعطيت ألف دينار، في كل دينار عشرة دنانير، ثم قال: لك مثلها في كل سنة، قم يا زياد بن ذبيان، فهات الثناء المسجوع. فقام النابغة فقال: ألا انعم صباحاً أيها الملك المبارك، السماء غطاؤك والأرض وطاؤك، ووالدي فداؤك، والعرب وقاؤك، والعجم حماؤك، والحكماء وزراؤك، والعلماء جلساؤك، والمقاول سمارك، والحلم دثارك، والسكينة مهادك، والصدق رداؤك، واليمن حذاؤك، والبر فراشك، وأشرف الآباء آباؤك، وأطهر الأمهات أمهاتك، وأفخر الشبان أبناؤك، وأعف النساء حلائلك، وأعلى البنيان بنيانك، وأكرم الأجداد أجدادك، وأفضل الأخوال أخوالك، وأنزه الحدائق حدائقك، وأعذب المياه مياهك، قد لازم الردن أوقك، وحالف الإضريج عاتقك، ولاوم المسك مسكك، وقابل الصرف ترائبك، العسجد قواريرك، واللجين صحافك، والشهاد إدامك، والخرطوم شرابك، والأبكار مستراحك، والصبر سواسك، والخير بفنائك، والشر في ساحة أعدائك، والذهب عطاؤك، وألف دينار مرموجة إيتاؤك، والنصر منوط بأبوابك، زين قولك فعلك، وطحطح عدوك غضبك، وهزم مغايبهم مشهدك، وسار في الناس عدلك، وسكن تباريح البلاء ظفرك، أيفاخرك ابن المنذر اللخمي! فوالله لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولصمتك خير من كلامه، ولأمك خير من أبيه،

ولخدمك خير من علية قومه. فهب لي أسارى قومي، واسترهن بذلك شكري، فإنك من أشراف قحطان، وأنا من سروات عدنان. فرفع عمرو بن الحارث رأسه إلى جارية كانت على رأسه قائمة فقالت: مثل ابن الفريعة فليمدح الملوك، ومثل زياد فليثن على الملوك. وهذه القصيدة: أسألت رسم الدار أم لم تسأل ... بين الجوابي فالبضيع فحومل فالمرج مرج الصفرين فجاسم ... فديار بثنى درّساً لم تحلل دار لقوم قد أراهم مرة ... فوق الأعزة عزّهم لم ينقل لله درّ عصابة نادمتهم ... يوماً بجلّق في الزمان الأول أولاد جفنة عند قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل مارية: أمهم. المفضل: الذي يفضل ما ملك. ومعنى حول قبر أبيهم: أي هم آمنون، لا يبرحون ولا يخافون كما يخاف العرب، وهم مخصبون لا ينتجعون. يسقون من ورد البريص عليهم ... برداً يصفّق بالرّحيق السّلسل برداً: أراد ثلجاً. يصفق: يمزج. الرحيق: الخمرة البيضاء. السلسل: تنسل في الحلق تذهب ويروى: بردى - ممال - وهو نهر. يسقون درياق المدام ولم تكن ... تغدو ولائدهم لنقف الحنظل أي شرابهم في الأشربة بمنزلة الدرياق في الدواء. ولم تكن تغدو ولائدهم لنقف الحنظل: أي هم ملوك يخدمون، وهم في سعة، لا يحتاجون إلى ما يحتاج إليه العرب من نقف الحنظل وغيره.

بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل يقول: هم أصحاب كبر وتيه. والأشم: المرتفع. وإنما خص الأنف بذلك، لأن الأنفة والحمية والغضب فيه. ولم يرد بذلك طول الأنف. والعرب تقول: شمخ بأنفه. فيضرب المثل بالأنف للكبر والعزة. ومنه قوله عز وجل: " سنسمه على الخرطوم ". ومن الطراز الأول: يقول هم مثل آبائهم الأشراف المتقدمين، الذين لا تشبه خلائقهم وأفعالهم هذه الأفعال المحدثة. يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل يقول: إن منازلهم لا تخلو من الضياف والطراق والعفاة، فكلابهم لا تهر على من يقصد منازلهم. وقوله: لا يسألون عن السواد المقبل: أي هم في سعة لا يبالون كم نزل بهم من الناس، ولا يهولهم الجمع الكبير وهو السواد، إذا قصدوا نحوهم. فلبثت أزماناً طوالاً فيهم ... ثم ادّكرت كأنني لم أفعل أي: بقيت دهراً فيهم، ثم انتقلت فتذكرت ما كنت فيه، فكأنه شيء لم يكن، فلم يبق إلا الحديث والذكر. إما تري رأسي تغير لونه ... شمطاً فأصبح كالثغام الممحل يخاطب امرأة. والثغامة: شجرة بيضاء نورها وورقها كأنها القطن. شبه الشيب بها. والثغامة إذا قل المطر كان أشد لبياضها، لأنها تيبس وتجف، فيخلص بياضها ولا تخضر. فلقد يراني الموعدي وكأنني ... في قصر دومة أو سواء الهيكل يقول: كان يراني الذي يتوعدني ويتهددني في العز والمنعة، كأنني مع أولاد جفنة في دومة الجندل وهو منزل بالشام وأصحاب الحديث يقولونه بفتح الدال: دومة الجندل.

وأهل الأعراب: بضم الدال. وقوله: سواء الهيكل: أي وسط الهيكل. والهيكل: بيت للنصارى يعظمونه. ولقد شربت الخمر في حانوتها ... صهباء صافية كطعم الفلفل يسعى عليّ بكأسها متنطف ... فيعلني منها وإن لم أنهل المتنطف: الذي في أذنه قرط. ويروى: متنطق: أي في وسطه منطقة. فيعلني: يسقيني مرة بعد مرة. والنهل: الري هاهنا. والعلل: الشرب الثاني. إن الذي عاطيتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل قتلت: أي صب فيها الماء فمزجت، فهاتها صرفاً غير ممزوج. كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل كلتاهما: يعني، الخمر والماء. أرخاهما للمفصل: أي الصرف. والمفصل بكسر الميم: اللسان، والمفصل: واحد المفاصل. بزجاجة رقصت بما في جوفها ... رقص القلوص براكب مستعجل المعنى رقص مافي جوفها. ويروى قعرها. حسبي أصيل في الكرام ومذودي ... تكوي مراسمه جنوب المصطلي مذوده: لسانه. يقول: من اصطلى بناري، أي من يعرض لي وسمت جنبه بلساني، أي بهجائي. ولقد تقلدنا العشيرة أمرها ... ونسود يوم النائبات ونعتلي أي إن عشيرتهم تفوض أمرها إليهم وتطيعهم. والتقليد هاهنا: الطاعة. ويسود سيدنا جحاجح سادة ... ويصيب قائلنا سواء المفصل الجحاجح: السادة. فقال: سادة سادة تأكيداً. وقائلهم: خطيبهم. وسواء المفصل: وسط المفصل. والسواء: الوسط. وتزور أبواب الملوك ركابنا ... ومتى نحكم في العشيرة نعدل

وفتى يحب الحمد يجعل ماله ... من دون والده وإن لم يسأل يعطي العشيرة حقها ويزيدها ... ويحوطها في النائبات المعضل وعن صفية بنت عبد المطلب: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما خرج إلى أحد، جعل نساءه في أطم يقال له فارع، وجعل معهن حسان بن ثابت. فكان حسان ينظر إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا شد على المشركين شد معه وهو في الحصن، فإذا رجع رجع، وأنه قال: فجاء إنسان من اليهود فرقي في الحصن حتى أطل علينا، فقلت لحسان: قم فاقتله. فقال: ما ذاك فيّ، لو كان فيّ ذاك كنت مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قالت صفية: فقمت إليه فضربته حتى قطعت رأسه، فلما طرحته قلت لحسان: قم إلى رأسه فاطرحه على اليهود وهم أسفل الحصن. فقال: والله ما ذاك فيّ. قالت: فأخذت رأسه فرميت به عليهم فقالوا: قد والله علمنا أن هذا لم يكن ليترك أهله خلوفاً ليس معهم أحد. قالت: فتفرقوا فذهبوا. قال: قوله يوم أحد: وهم إنما كان ذلك يوم الخندق، كما روي من وجه آخر عن صفية. وروى ابن الكلبي: أن حسان بن ثابت كان لسنا شجاعاً، فأصابته علة أحدثت فيه الجبن، فكان بعد ذلك لا يقدر أن ينظر إلى قتال ولا يشهده. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: سنة أربع وخمسين، فيها توفي حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وسعد بن يربوع المخزومي، وحسان بن ثابت الأنصاري، ويقال: إن هؤلاء الأربعة ماتوا وقد بلغ

حسان بن سليمان أبو علي الساحلي

كل واحد منهم عشرين ومئة سنة. وقيل: توفي حسان سنة أربعين. وقال المداتني: توفي حسان بن ثابت وهو ابن مئة وأربع سنين محجوباً. حسان بن سليمان أبو علي الساحلي قال حسان بن سليمان: كنت رفيقاً لسفيان الثوري زماناً، فحبب إلي الرباط فقلت له: يا أبا عبد الله، إنه قد حبب إلي الرباط، وقد أحببت أن ترداد لي موضعاً، أحبس فيه نفسي بقية أيامي فقال لي: إن الأوزاعي بالشام فأته، فإنه لن يدخر عنك نصيحة. فأتيت بيروت فبت بها، فلما صليت الغداة مع الجماعة قلت لرجل إلى جانبي: أيهم الأوزاعي؟ فأشار إلي بيده، وكان مستقبل القبلة، وكان إذا صلى لم يلتفت عن القبلة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت أسند ظهره إلى القبلة، فمن سأله عن شيء أجابه. فقال: إن يكن عند أحد خبر من سفيان فعند هذا الرجل، فتقدمت فسلمت عليه فقال لي: كيف تركت أخي سفيان؟ فقلت له: بخير، وهو يقرئك السلام. فقلت له: يا أبا عمرو، إني كنت رفيقاً لسفيان زماناً، وإنه حبب إلي الرباط، فسألت أن يرتاد لي موضعاً أحبس فيه نفسي بقية أيامي فقال لي: إن الأوزاعي بالشام فأته، فإنه لن يدخر عنك نصحته، فأتيتك لترتاد لي موضعاً أحبس فيه نفسي بقية أيامي. فقال: عليك بصور، فإنها مباركة، مدفوع عنها الفتن، يصبح فيها الشر فلا يمسي، ويمسي فيها الشر فلا يصبح، بها قبر نبي في أعلاها. فقلت له: يا أبا عمرو، تشير علي بسكنى صور وقد سكنت بيروت! فقال لي: سبق المقدور، ولو أني استقبلت ما استدبرت ما عدلت بها.

حسان بن عطية

حسان بن عطية أبو بكر المحاربي مولاهم حدث حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي: أنه سأل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنا نكون في أرض فتصيبنا المخمصة، فنصيب الميتة فما يحل لنا منها؟ قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا لم تغتبقوا ولم تصطحبوا ولم تجتفئوا بقلاً فشأنكم بها. قال أبو شعيب: ليس هو كما قال تجتفئوا، وإنما هو تختفئوا بقلاً، أي تظهروه. وقد قرئ " أكاد أخفيها " أي أظهرها. وحدث حسان بن عطية عن أبي أمامة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: الحياء والعي شعبتان من الإيمان. وزاد في رواية: " والبذاء والبيان شعبتان من النفاق ". كان حسان بن عطية من أهل الساحل، من أهل بيروت، مولى لمحارب، وكان قدرياً. روي عن حسان بن عطية أنه قال: ما ابتدع قوم في ديتهم بدعة إلا نزع الله عز وجل منهم مثلها من السنة، ثم لا يردها عليهم إلى يوم القيامة. وروى الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: امش ميلاً وعد مريضاً، امش ميلين وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة وزر في الله.

قال العباس بن الوليد بن صبح السلمي الدمشقي: قلت لمروان بن محمد: لا أرى سعيد بن عبد العزيز روى عن عمير بن هانئ شيئاً ولا عن حسان بن عطية؟! فقال: كان عمير بن هانئ وحسان بن عطية أبغض إلى سعيد من النار. قلت: ولم؟ قال: أو ليس هو القائل على المنبر حين بويع ليزيد يعني ابن الوليد: سارعوا إلى هذه البيعة، إنما هما هجرتان هجرة إلى الله وإلى رسوله وهجرة إلى يزيد. قال: وأما حسان بن عطية، فكان سعيد يقول: هو قدري. قال مروان: فبلغ الأوزاعي كلام سعيد في حسان فقال الأوزاعي: ما أعز سعيداً بالله، ما أدركت أحداً أشد اجتهاداً ولا أعمل منه. وقال رجاء بن سلمة: سمعت يونس بن سيف يقول: ما بقي من القدرية إلا كبشان أحدهما حسان بن عطية. روى الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: من أطال قيام الليل هون الله عليه قيام يوم القيامة. وقال الأوزاعي: ما رأيت أحداً أكثر عملاً منه في الخير. يعني حسان بن عطية. وقال الأوزاعي: كان حسان بن عطية ينتحي إذا صلى العصر في ناحية المسجد، فيذكر الله حتى تغيب الشمس. وقال الأوزاعي: كانت لحسان غنم، فلما سمع في المنايح الذي سمع، تركها. قال الراوي: قلت للأوزاعي: كيف الذي سمع؟ قال: يوم له ويوم لجاره. وروى الأوزاعي، عن حسان أنه كان يقول: اللهم، إني أعوذ بك من شر الشيطان، ومن شر ما تجري به الأقلام، وأعوذ بك أن

حسان بن فروخ

تجعلني عبرة لغيري، وأعوذ بك أنت تجعل غيري أسعد بما آتيتني مني، وأعوذ بط أن أتغوث بشيء من معصيتك عند ضر ينزل بي، وأعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، وأعوذ بك أن أقول قولاً أبتغي به غير وجهك، اللهم اغفر لي فإنك بي عالم، ولا تعذبني فإنك علي قادر. قال الأوزاعي: قال حسان بن عطية: ما عادى عبد ربه بشيء، أشد عليه من أن يكره ذكره أو من يذكره. سئل يحيى بن معين عن حسان بن عطية: كيف حاله؟ فقال: ثقة. حسان بن فروخ من أهل البصرة وفد على عمر بن عبد العزيز. قال حسان بن فروخ: سألني عمر بن عبد العزيز عما يقول الأزارقة، فأخبرته. فقال: ما يقولون في الرجم؟ قلت: يكفرون به. قال: الله أكبر، كفروا بالله ورسوله. ثم ذكر حديث ماعز بن مالك.

حسان بن كريب بن ليشرح

حسان بن كريب بن ليشرح ابن عبد كلال بن عريب بن شرحبيل بن يريم بن فهد بن معد يكرب بن أبي شمّر بن أبي كرب بن شراحيل بن معد يكرب بن فهد بن عريب بن شمّر بن يرعش بن مالك بن مرثد بن نتوف بن هاعان بن شراحيل بن الحارث بن زيد بن ذي شوب أبو كريب الرّعيني المصري. حدث حسان بن كريب قال: سمعت أبا ذر، أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: سيكون بمصر رجل من قريش أخنس، يلي سلطاناً، ثم يغلب عليه - أو ينزع منه، فيفرّ إلى الروم، فيأتي بهم إلى الإسكندرية، فيقاتل أهل الإسلام بها، فتلك أولى الملاحم. وفي رواية: سيكون بمصر رجل من بني أمية أخنس، يلي سلطاناً. وساق الحديث. حدث حسان بن كريب، عن علي بن أبي طالب، أنه كان يقول: القائل الفاحشة والذي يسمع لها في الإثم سواء. حدث حسان بن كريب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأله: كيف تحسبون نفقاتكم؟ قال: قلنا: إذا قفلنا من الغزو وعددناها بسبع مئة، وإذا كنا في أهلينا عددنا بعشرة. فقال عمر: قد استوجبتموها بسبع مئة، إن كنتم في الغزو وإن كنتم في أهليكم. هاجر حسان بن كريب في خلافة عمر بن الخطاب، وشهد فتح مصر.

حسان بن مالك بن بحدل بن أنيف

حسان بن مالك بن بحدل بن أنيف ابن دلجة بن قنافة بن عدي بن زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف ابن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة أبو سليمان الكلبي زعيم بني كلب ومقدمهم. شهد صفين مع معاوية، وكان على قضاعة دمشق يومئذ، وكان له مقدار ومنزلة عند بني أمية، وهو الذي قام بأمر البيعة لمروان بن الحكم، وقد كان يسلم عليه بالإمرة قبل ذلك أربعين ليلة، وكان له شعر، وداره بدمشق، وهي قصر البحادلة التي تعرف اليوم بقصر ابن أبي الحديد، أقطعه إياها معاوية. قال خليفة بن خياط: مات يزيد يعني ابن معاوية وعلى الأردن حسان بن مالك بن بحدل، وضمّ إليه فلسطين، فولى حسان بن مالك روح بن زنباع فلسطين. حدث عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده قال: سلّم على حسان بن مالك بن بحدل أربعين ليلة بالخلافة، ثم سلمها إلى مروان وقال: فإلاّ يكن منّا الخليفة نفسه ... فما نالها إلاّ ونحن شهود وقال بعض الكلبيين: نزلنا لكم عن منبر الملك بعدما ... ظللتم وما إن تستطيعون منبرا قال عبد الله بن صالح: كان يقال: لم تهيّج الفتن بمثل ربيعة، ولم تطلب التّرات بمثل تميم، ولم يؤيّد الملك بمثل كلب، ولم ترع الرعايا بمثل ثقيف، ولم يجب الخراج بمثل اليمن.

الحسن بن أحمد بن جعفر

قال رجاء بن أبي سلمة: خاصم حسان بن مالك عجم أهل دمشق إلى عمر بن عبد العزيز في كنيسة، كان فلان - وسمى رجلاً من الأمراء - أقطعه إياها. فقال عمر: إن كانت من الخمس عشرة كنيسة التي في عهدهم فلا سبيل إليها. الحسن بن أحمد بن جعفر أبو القاسم البغدادي الصوفي سمع بدمشق وببغداد حدث عن أبي بكر عبد الله بن محمد بن زياد الخراساني قال: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن تعلم اللغة رقّ طبعه، ومن تعلم الحساب تجزل رأيه، وكتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه. الحسن بن أحمد بن أبي حازم حدث بدمشق عن محمد بن يوسف الفريابي بسنده إلى ابن عباس قال: شرب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ماء زمزم وهو قائم. الحسن بن أحمد بن الحسن ابن أحمد بن ربيعة بن سلام بن عبيد الله أبو علي الهمذاني المقرئ المعروف بأبي الناغس حدث عن أبي عمرو محمد بن عبد الله السوسي بسنده إلى أبي هريرة، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: الصلوات والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر. توفي أبو الناغس في دمشق في شوال سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة.

الحسن بن أحمد بن أبي سعيد

الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنّابي القرمطي واسمه الحسن بن بهرام ويقال الحسن بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن كوذربار يقال أصله من الفرس أبو محمد القرمطي المعروف بالأعصم ولد بالأحساء في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين ومئتين، وغلب على الشام في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وثلاث مئة، وولى على دمشق وشاحاً السلمي، ثم رجع إلى الأحساء في صفر سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة، ثم خرج إلى الشام بابنه فدخل دمشق في ذي القعدة سنة ستين، وكسر جيش جعفر بن فلاح وقتل جعفراً الذي كان افتتح دمشق للمصريين، ورحل عنها في ذي القعدة الدلجة، وتوجه إلى مصر فحصرها في ربيع الأول سنة إحدى وستين شهوراً، واستخلف على دمشق ظالم بن مرهوب العقيلي، ثم توجه راجعاً إلى الأحساء في ربيع الأول سنة إحدى وستين، ثم رجع إلى الشام، ومات بالرملة في رجب سنة ست وستين وثلاث مئة، وهو إذ ذاك يظهر طاعة عبد الكريم الطائع لله بن المطيع. قال أبو عبد الله الحسين بن عثمان الخرقي الفارقي الحنبلي التميمي: كنت بالرملة سنة ست وخمسين وثلاث مئة، وقد ورد إليها أبو علي القرمطي القصير الثياب، فاستدناني منه وقربني إلى خدمته، فكنت ليلة عنده إذ أحضر الفراشون الشموع، فقال لأبي نصر بن كشاجم - وكان كاتبه - يا أبا نصر، ما يحضرك في صفة هذه الشموع، فقال: إنما نحضر في مجلس السيد لنسمع من كلامه ونستفيد من أدبه. فقال أبو علي في الحال بديهاً: ومجدولة مثل صدر القناة ... تعرت وباطنها مكتس

لها مقلة هي روح لها ... وتاج على هيئة البرنس إذا غازلتها الصبا حركت ... لساناً من الذهب الأملس وإن رنقت لنعاس عرا ... وقطت من الرأس لم تنعس وتنتج في وقت تلقيحها ... ضياء يجلي دجى الحندس فنحن من النور في أسعد ... وتلك من النار في أنحس فقام أبو نصر بن كشاجم، وقبل الأرض بين يديه، وسأله أن يأذن له في إجازة الأبيات فأذن له، فقال: وليلتنا هذه ليلة ... تشاكل أشكال إقليدس فيا ربة العود حثي الغناء ... ويا حامل الكأس لا تحبس فتقدم بأن يخلع عليه، وحمل إليه صلة سنية، وإلى كل واحد من الحاضرين. ومن مختار شعر الحسن بن أحمد الأعصم: يا ساكن البلد المنيف تعززاً ... بقلاعه وحصونه وكهوفه لا عز إلا للعزيز بنفسه ... وبخيله وبرجله وسيوفه وبقبة بيضاء قد ضربت على ... شرف الخيام لجاره وحليفه قرم إذا اشتد الوغى أردى العدا ... وشفى النفوس بضربه ووقوفه لم يرض بالشرف التليد لنفسه ... حتى أشاد تليده بطريفه وقوله في علته: ولو أني ملكت زمام أمري ... لما قصرت عن طلب النجاح ولكني ملكت فصار حالي ... كحال البدن في يوم الأضاحي يقدن إلى الردى فيمتن كرهاً ... ولو يسطعن طرن مع الرياح

الحسن بن أحمد بن الحسن بن سعيد

الحسن بن أحمد بن الحسن بن سعيد أبو محمد الصيداوي البزاز سمع بدمشق. حدث بصيدا، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن أحمد بن طبيز الحلبي، بسنده عن أم سلمة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية، قاتلك في النار. الحسن بن أحمد بن الحسين ويقال ابن الحسن أبو علي المصيصي الوراق الخواص حدث في مسجد باب الجابية قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عمر الغلقي بجامع طرسوس قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله الهاشمي الرقي بالرملة قال: دخلت في بلاد الهند إلى بعض قراها، فرأيت شجر ورد أسود، يتفتح عن وردة كبيرة طيبة الرائحة سوداء، عليها مكتوب - كما تدور - بخط أبيض: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق. فشككت في ذلك وقلت: إنه عمل معمول، فعمدت إلى جنبذة لم تفتح، ففتحتها فكان فيها وردة سوداء، فيها مكتوب خط أبيض، كما رأيت في سائر الورود، وفي البلد منه شيء كثير عظيم، وأهل تلك القرية يعبدون الحجارة، لا يعرفون الله عز وجل.

الحسن بن أحمد بن صالح

الحسن بن أحمد بن صالح أبو محمد السبيعي الكوفي الحافظ قدم دمشق وذاكر بها. حدث عن عبد الله بن إسحق بن أبي مسلم الصفري، بسنده عن أبي موسى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن الله تعالى إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطاً وسلفاً بين يديها، وإذا أراد هلاكها عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره ". توفي أبو محمد السبيعي يوم الاثنين سابع عشر ذي الحجة، سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة. الحسن بن أحمد بن عبد الواحد ابن محمد بن أحمد بن عثمان بن الوليد بن الحكم بن سليمان أبو عبد الله بن أبي الحسن بن أبي الحديد السلمي الخطيب المعدل حكم بين الناس بدمشق حين عزل القاضي الغزنوي، إلى حين وصول الشهرستاني من الحج، أيام تاج الدولة. حدث عن أبي الحسن علي بن موسى بن الحسن بن السمسار بسنده أن أبا يونس مولى عائشة أخبر: أنه سمع عائشة تقول: أتى رجل إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله، فقالت عائشة: وأنا وراء الباب أسمع: فقال: يا رسول الله، إني أدركتني صلاة الصبح وأنا جنب، وكنت أريد الصيام، أفأصوم؟ فقال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، " قد تدركني صلاة الصبح وأنا جنب، ثم أغتسل وأصبح صائماً ". فقال: يا رسول الله، إني لست كهيئتك، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعرفكم بما أتقي ".

الحسن بن أحمد بن عمير بن يوسف

ولد القاضي أبو عبد الله الخطيب في ربيع الأول سنة ست عشرة وأربع مئة، وتوفي سنة اثنتين وثمانين وأربع مئة بدمشق في ذي الحجة. الحسن بن أحمد بن عمير بن يوسف ابن جوصا أبو محمد بن أبي الحسن حدث الحسن بن أحمد سنة خمس وأربعين وثلاث مئة عن أحمد بن أنس بسنده عن ابن عباس أنه قال: تزوجها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حراماً وبنى بها حلالاً وماتت بسرف فذلك قبرها تحت السقيفة. يعني ميمونة. الحسن بن أحمد بن غطفان بن جرير أبو علي الفزاري حدث عن عمه جرير بن غطفان، بسنده عن أبي هريرة، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا اختلفتم في طريق، فعرضه سبعة أذرع ". وحدث الحسن بن أحمد، عن أبي عتبة أحمد بن الفرج، بسنده عن عمير بن هانئ العبسي قال: سمعت ابن عمر يقول: توشك المنايا أن تسبق الوصايا. وحدث الحسن بن أحمد عن ربيعة بن الحارث، بسنده عن عبادة بن نسي قال: حج عيسى بن مريم على ثور. توفي أبو علي الحسن بن أحمد بدمشق، سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة.

الحسن بن أحمد بن محمد بن بكار

الحسن بن أحمد بن محمد بن بكار ابن بلال أبو علي العاملي حدث عن جده محمد بن بكار بن بلال، بسنده عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن بيع الولاء. وفي حديث آخر، أراه قال: وعن هبته. توفي الحسن بن أحمد في صفر، سنة خمس وسبعين ومئتين. الحسن بن أحمد بن محيميد أبو محمد الحمصي حدث عن بعض شيوخه، عن شيخ له: أنه خرج في نزهة ومعه صاحب له، فبعثه في حاجة، فأبطأ عليه فلم يره إلى الغد، فجاء إليه وهو ذهل العقل، فكلموه فلم يكلمهم إلا بعد وقت، فقالوا له: ما شأنك وما قصتك؟ فقال: إني دخلت إلى بعض الخراب أبول فيه، فإذا حية فقتلتها، فما هو إلا أن قتلتها حتى أخذني شيء فأنزلني في الأرض، واحتوشتني جماعة فقالوا: هذا قتل فلاناً. فقالوا: نقتله. فقال بعضهم: امضوا به إلى الشيخ. فمضوا بي إليه، فإذا شيخ حسن الوجه كبير اللحية أبيضها، فلما وقفنا قدامه قال: ما قصتكم؟ فقصوا عليه القصة. فقال: في أي صورة ظهر؟ قالوا: في حية. فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لنا ليلة الجن: " ومن تصور منكم في صورة غير صورته فقتل فلا شيء على قاتله ". خلوه. فخلوني.

الحسن بن أحمد بن أبي البختري

الحسن بن أحمد بن أبي البختري وهب بن وهب القرشي الصيداوي خطيب صيدا. حدث على باب منزله سنة خمس وثلاث مئة إملاء من حفظه، عن يونس بن عبد الأعلى، بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرزق إلى بيت فيه السخاء أسرع من الشفرة إلى سنام البعير. الحسن بن أحمد أبو علي القلانسي قال: سمعت ابن الطرائفي يدور بدمشق وأنا صبي، فيترحم على أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويذكر الفضيل، ويذكر عائشة، ومعاوية ويترحم عليهما، ويقول: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والقرآن كلام الله عز وجل منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، والخير والشر من الله، وإن الله عز وجل يرى في القيامة لا يشكون في رؤيته، ولا يضامون في رؤيته، وإن نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعطى الشفاعة في المذنبين من أمته. الحسن بن إبراهيم بن الأصبغ أبو علي البجلي العكاوي حدث بصيدا، عن أبي الدرداء عبد الوهاب بن محمد بن أبي قرة مولى عثمان بن عفان العكي، بسنده عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لعثرة في كد حلال على عيل محجوب أفضل عند الله من ضرب بسيف حولاً كاملاً لا يجف دماً مع إمام عادل.

الحسن بن إبراهيم بن عثمان

الحسن بن إبراهيم بن عثمان أبو محمد العماني القاضي قدم دمشق وسمع بها، سنة ست وثمانين وثلاث مئة. حدث عن محمد بن عبد الله الربعي، بسنده عن ابن عمر، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار. وفي رواية: ينفقه في طاعة الله عز وجل. الحسن بن إبراهيم بن محمد ابن عبد الله بن أحمد أبو علي السلمي الصائغ: حدث عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن سلامة الطحان بسنده عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: أنا أول من سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينهى أن تستقبل القبلة بغائط أو بول. قال: فخرجت إلى الناس فأخبرتهم. الحسن بن إبراهيم بن يوسف بن حلقوم أبو علي المقرئ حدث عن إبراهيم بن هشام الغساني بسنده عن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر، فإن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعبد الله بن رواحة.

الحسن بن أسامة بن زيد بن حارثة

وحدث عنه أيضاً بسنده عن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر. وحدث أيضاً عن هشام بن عمار بسنده عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لو أن أحدكم إذا عاد مريضاً لم يحضر أجله قال: أسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم أن يشفيك، سبع مرات، إلا شفاه الله عزّ وجلّ. وفي حديث عن عائشة قالت: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا عاد مريضاً وضع يده على بعضه وقال: أذهب الباس ربّ الناس، واشف أنت الشافي شفاء لا يغادر سقماً. الحسن بن أسامة بن زيد بن حارثة ابن شراحيل الكلبي يعد في أهل المدينة. حدث عن أبيه قال: رأيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مشتملاً على الحسن والحسين وهو يقول: هذان ابناي وابنا فاطمة، اللهم إنك تعلم أني أحبهما فأحبهما. وفي حديث آخر يرويه عن أبيه أيضاً قال: طرقت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات ليلة لحاجة، فخرج وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو. فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فإذا هو حسن وحسين على وركيه فقال: هذان ابناي وابنا ابنتي. اللهم، إنك تعلم أحبهما فأحبهما. ثلاث مرات. أخرجه الترمذي في جامعه. خرج أسامة إلى وادي القرى إلى ضيعة له فتوفي بها، وخلّف في المزة ابنة له يقال لها فاطمة، ولم تزل مقيمة إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز، فجاءت فدخلت عليه،

الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد

فقام من مجلسه وأقعدها فيه. وقال لها: حوائجك يا فاطمة. قالت: تحملني إلىأخي. فجهزها وحملها، وخلفت قوماً من بني الشجب في ضيعتها، إلى أن قدم الحسن بن أسامة فباعها. قال محمد بن عمر: خاصم ابن أبي الفرات مولى أسامة بن زيد الحسن بن أسامة بن زيد ونازعه، فقال له ابن أبي الفرات في كلامه: يا بن بركة - يريد أم أيمن - فقال الحسن: اشهدوا. ورفعه إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو يومئذ قاضي المدينة، أو وال لعمر بن عبد العزيز، وقصّ عليه قصته. فقال أبو بكر لابن أبي الفرات: ما أردت إلى قولك بابن بركة؟ قال: سميتها باسمها. قال أبو بكر: إنما أردت بهذا التصغير بها، وحالها من الإسلام حالها، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لها: يا أمّه، ويا أم أيمن لا أقالني الله إن أقلتك. فضربه سبعين سوطاً. الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد أبو محمد الأصبهاني المعدل رحّال اجتاز بدمشق أو بساحلها، وسمع ببيت المقدس وبحمص. حدث عن الفضل بن مهاجر ببيت المقدس بسنده عن عبد الله قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: على كل مسلم في كل يوم صدقة. قلنا: ومن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: السلام على المسلم صدقة، وعيادتك المريض صدقة، وصلاتك على الجنازة صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق صدقة، وعونك الضعيف صدقة. توفي أبو محمد المعدل سنة سبعين وثلاث مئة في ذي الحجة.

الحسن بن إسحاق بن إبراهيم

الحسن بن إسحاق بن إبراهيم أبو الفتح البرجي الأصبهاني المستملي سمع بدمشق وبأصبهان وبالعراق والحجاز. حدث عن أحمد بن محمد بن إسماعيل الدمشقي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن العبد ليعمل الذنب، فإذا ذكره أحزنه، وإذا نظر الله إليه قد أحزنه غفر له ما صنع، قبل أن يأخذ في كفارته بلا صلاة ولا صيام ". توفي بعد السبعين وثلاث مئة. الحسن بن إسحاق بن بلبل أبو سعيد المعرّي القاضي سمع بدمشق وبغيرها. حدث عن أبي عبد الله السوابيطي محمد بن أحمد بن موسى بسنده عن حذيفة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سيأتي عليكم زمان لا يكون فيه أعزّ من ثلاثة: أخ يستأنس به، أو سنّة يعمل بها، أو درهم حلال. وحدث عن السريّ بن سهل بسنده عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن أشفق من النار لها عن الشهوات، ومن ترقب الموت هانت عليه اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات. كان ابن بلبل حيّاً سنة إحدى وخمسين وثلاث مئة.

الحسن بن أشعث بن محمد بن علي

الحسن بن أشعث بن محمد بن علي أبو علي المنبجي سمع ببعلبك. حدث الحسن بن أشعث المنبجي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مطل الغني ظلم. الحسن بن إلياس أبو عليّ حدث عن أبي أمية بسنده عن ابن ثوبان قال: ما ينبغي أن يكون أحد أشد شوقاً إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدهم. الحسن بن بلال نسب إلى جد أبيه وهو الحسن بن محمد بن بكار بن بلال حدث عن هشام بن عمار بسنده أن عمر بن الخطاب كتب إلى معاذ بن جبل بكتاب، فأجابه معاذ بن جبل، فكان كتابه إليه: " من معاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب. وحدث عن محمد بن بكار بسنده عن أنس بن مالك، أن ثم