مجلة لغة العرب العراقية
أنستاس الكرملي
العدد 1
العدد 1 بسم الله الفتاح المعين بعد حمده تعالى والشكر على آلائه، والاتكال على مدده، قد عقدنا على إصدار هذه المجلة الشهرية خدمة للوطن والعلم والأدب. من إنشائها: نعرف العراق وأهله ومشاهيره، بمن جاورنا من الديار الشرقية وبمن نأى عنا من العلماء والباحثين والمستشرقين؟ الغربية. وننقل إلى وطنيينا العراقيين، ما يكتبه عنهم الإفرنج من الكتاب المشهورين، عن بلادهم وأقوامهم؟ من خالين
وحاليين وخالدين. والذي دفعنا إلى هذا العمل هو إننا رأينا أغلب المجلات والجرائد والصحف السيارة، تبحث عن بلاد أصحابها ورجالها، ولا تذكر إلا النزر التافه من هذه الأرجاء وذويها. فرأينا من المناسب، أن ننشئ مجلة تفي بما في الأمنية ليدخل العراق في مصاف الربوع المعروفة بين الأمم المتمدنة المتحضرة. أما الأبواب التي نطرقها، فظاهرة من اسم المجلة نفسها، وما الغاية التي توخيناها من وضعها. وزيادة على ذلك نعقد في كل جزء من أجزائها (تاريخ الشهر في العراق) وندون فيه ما صرح ومحض من الأخبار والوقائع التي جرت في العراق ونواحيه من ديار جزيرة العرب لتصلح هذه الصحف، أن تكون ألواحاً تنقش فيها الحقائق الراهنة لا الشقاشق الواهنة ومرجعاً يرجع إليه عند الحاجة. ونكتب أيضاً في كل عدد من أعدادها رواية تاريخية أو خيالية أو تاريخية خيالية معاً يكون موضوعها أحد أبناء العرب أو جرت واقعتها في بلاد العرب أولها تعلق بهذه الديار الكريمة أرضاً وماء هواءً وسماء. سكاناً وعمراناً. ثم إننا لا ندع ديواناً من دواوين هذه المجلة إلا ونورد فيه شيئاً من المصطلحات الحديثة، والأوضاع العربية الطريفة، مما يوسع لغتنا الشريفة. ويحدو بنا إلى مجاراة الأقوام المتقدمة في الحضارة المنيفة بما يستحدث فيها من الموضوعات العصرية، والمدلولات العقلية
والأدوات الفنية أو الصناعية. والتصاوير الخيالية. والأفكار العلمية التي لا مقابل ولا مرادف لها في لساننا في هذا العهد. لانقطاع نظام العقد. بكثرة ما انتاب هذه الربوع من النوائب والرزايا. وانقطاع ديارنا عن معالم الحضارة ومعاهدها الغربية التي لا زالت في سير حثيث شديد. وتقدم وتجدد. وتوسع وتولد. ونحن لا نزا في سير ريث وئيد ووقوف وجمود. خمود وركود. فهذا أملنا الكبير، ومن الله العون والتيسير. وهو على كل شيء قدير وبالإجابة جدير: حاول جسيمات الأمور ولا تقل ... إن المحامد والعلى أرزاق وارغب بنفسك أن تكون مقصراً ... عن غاية فيها الطلاب سباق أصدقاؤنا الخلص لا بد من وقوع هذه المجلة في أيدي بعض الأدباء الفضلاء فيستحسنها بعضهم ويستقبحها البعض الآخر. على أن مجرد الاستحسان والاستقباح بدون الإشارة إلى ما يحمل القائل على أحد هذين الأمرين لا معنى له. والمحق: يؤيد كلامه بالبرهان الناصع ويبعث به إلينا لنتدبر صحة كلامه وانتقاده بيد أننا نجهز بأننا لا نلتفت إلى المقرض أو المادح وان ظهر لكلامه وجه لصحته، لعلمنا اليقين بقصورنا. ولهذا لا ندرج له شيئاً في مجلتنا هذه. لكننا نوجه كل نظرنا إلى الناقد الخبير الكفؤ الجهبذ، الذي يرمي بكلامه إلى الغرض فيصيب.
التقريظ والمشارفة والانتقاد
ومن ثم فنحن نرحب من الآن بكل من ينبهنا على غلط من أغلاطنا أو ينتقد كلامنا أو آراءنا أو أقوالنا بأي صورة كانت. بشرط أن يكون خالياً من الغرض والهوى. بل ونشكره على عمله هذا المبرور كل الشكر، ونطلب له من الله أن يثيبه عليه. كما أننا ننوه بفضل كل من يرشدنا إلى ما به خير الجمهور. ولا نستنكف من الإقرار بغلطنا، حالما نطلع عليه. لأن الكمال لله وحده. التقريظ والمشارفة والانتقاد نحن أغلب معشر الشرقيين إن لم نقل كلنا لم نتعود سماع عيوبنا من لسان غيرنا، ولو كانت تلك العيوب ظاهرة للعيون لا كذب فيها البتة. وكلنا أو جلنا يحب التقريظ ولو كان كذباً محضاً. وهذا الذي أخر شرقنا وأضر به هذا الضرر العظيم. بيد أن جماعة من متقدمي أدبائنا الراسخي القدم في الفضل لا يهابون اليوم شيئاً من هذا القبيل، ويحبون المنتقد الصادق النظر ويفضلونه بكثير على المقرظ الكاذب اللهجة. ولما كنا نجهل المجلين في هذه الحلبة من أهل الفضل والأدب فنطلب إلى الذين يهدوننا هداياهم العلمية من جرائد ومجلات ومؤلفات ومطبوعات وسائر نتاج العلم والحلم والقلم أن يراعوا في مراجعاتهم إيانا معنى هذه الألفاظ وهي: التقريظ، والمشارفة، والانتقاد. فإن كتبوا على الهدية العلمية (للتقريظ
أسفنا
فنحن لا نتكلم عن هديتهم إلا بما يطيب خاطرهم وثلج صدرهم ويقر ناظرهم. وإن صدورها بلفظة (للمشارفة فنحن نذكر حسنات ما في الهدية بقدر ما نذكر من سيئاتها بدون أن نرجح إحدى كفتي الميزان على الأخرى. لأن المشارفة مصدر شارف الشيء إذا اطلع عليه من فوق. والمطلع على الأمر من موطن يعلوه أتم العلاء يشاهد ما يتثبت رؤيته لا غير. وعند الحاجة إليه ينطق بما وقف عليه وقوف مخلص خال من كل غرض. وأما إذا كتب على الهدية (للانتقاد فحينئذ نبدي فيه رأينا على ما يلوح لنظرنا فنرجح إحدى الكفتين على الأخرى من حسنات أو سيئات. لأن الانتقاد في الأصل مأخوذ من انتقاد الدراهم. يقال: انتقدها: إذا ميزها ونظرها ليعرف جيدها من زيفها. وإذا خلت الهدية من الإشارة ساغ لنا أن نبدي فيها رأينا على أحد الوجوه الثلاثة بالخيار. بدون أن يحق للمهدي أن يلومنا بأي صورة كانت. لأننا قمنا بالواجب علينا منذ العدد الأول هذا. وقد أبلغنا كلامنا إلى الجميع. وما على الرسول إلا البلاغ. أسفنا نأسف لكوننا لم نجد في حاضرتنا دار السلام كاغداً كبير الحجم
شكرنا
لنصدر هذه المجلة بقطع سائر للمجلات العربية في الديار الشامية والمصرية. نأسف لكوننا لم نجد حرفاً كحرف سائر المجلات وسط الكبر ليكون طبع هذه الصفحات رائقاً للنظر لا ضخم الحرف ولا دقيقه. نأسف لكوننا لم نر هذا الحرف كامل التنقيط في ياءاته ولا كاملاً في بعض تصاوير حروفه ولاسيما: نأسف لكوننا لا نستطيع أن نضبط بعض الكلم بالشكل الكامل من حركات وعلامات لعدم وجودها فنضطر للضبط إلى ذكر التلفظ بالحرف بكلام يطيل البحث بدون أن يزيده فائدة تذكر. ومع ذلك فنحن نأمل أن مطابعنا تترقى مع الزمان فتتم عندنا المعدات كما هي تامة في البلاد العربية اللسان التي هي أرقى من ديارنا وما ذلك على وطنيينا بعسير أو بعيد. ومنه تعالى التوفيق. شكرنا ما كاد يفشو خبر إصدارنا المجلة إلا وتسابق الكرماء والأدباء إلى مساعدتنا. نخص بالذكر بين الأجواد ذاك الحميم القديم. من يغني التلويح بفضله العميم. عن التصريح باسمه الكريم. الذي يأتي الحسنات عن يد سخية. ولا ينظر إلى ما تتبرع به نفسه الأبية. ولكوننا نعلم أنه
فضل أهل العراق
لا يحب أن يسمع شيئاً بهذا الشأن فلا نطلق العنان. في هذا الميدان أكثر من هذه الإشارة الخفية. إلى أن تأتي الساعة نتكلم بها عنه بكل حرية. وهناك غيره من السراة الأماثل الأسخياء يأتي ذكرهم عند سنوح الفرصة لأن الأمور مرهونة بأوقاتها. وأما الأدباء من الكتاب. فعددهم وفضلهم ظاهر من مقالاتهم التي تشهد بطول باعهم. وحسن يرعاهم. وتغلغلهم في العلم والأدب. وسائر فنون العرب. وكفانا تقريظاً إياهم الوقوف على ما أتحفونا من النبذ والمقالات. وعلى ما يتحفونا هم وغيرهم من هذا القبيل فلهم منا الشكر الجزيل. فضل أهل العراق على سائر أقوام الآفاق في جمع شتات لغة العرب كان سكان جزيرة العرب يتكلمون لغات عديدة ولغياتٍ شتى حتى جاء الإسلام فوحدها وميز لغة قريش مضر الحمراء عن سائر أخواتها لفصاحتها وكثرة أوضاعها ومعظم اتساعها. وما كادت تنبغ بين لدائها حتى زادت مباني ومعاني فأصبحت بحراً زاخراً بعد أن كانت نهراً دافقاً بيد أنها بقيت قرنين لا ينمو قرن غزالها الشارقة بعد أن ذر ذروراً بيناً. حتى خالط العرب العجم فعني هؤلاء الأغراب غاية العناية بتدوين
اللغة وأصولها وقواعد ضبط شواردها وأوابدها. ووضعوا مبادئ أخذها وتلقيها والجري على أساليب العرب بأحكام ضوابطها الجزئية وروابطها الكلية. فنشأت حينئذٍ علوم اللغة العربية على ضروب تنوعها في الكيفية والكمية. على أن الفضل كل الفضل في ذلك عائد إلى أهل العراق باتفاق أهل الآفاق لأن جميع العلماء الذين نبغوا في صدر الإسلام كانوا من العراقيين أو ممن خالطوهم أو ممن أخذوا عنهم. وهل أنت تجهل سبب تمحيص اللغة العربية الشريفة وترقيها وتدوين وتحقيق أصولها واتباع السراط القوم من طرقها المتعددة المختلفة؟ أليس في المصرين الكوفة والبصرة من ديار العراق نشأت طائفتا العلماء الذين تفتخر بهم اليوم اللغة القرشية؟. طائفتان تشبهان ما يسميها اليوم أدباء عصرنا من الإفرنج الأكاديمية أي المجمع اللغوي. أجل. إنك ترى في هذا العهد مجمعاً لغوياً في كل أمة من أمم الغرب التي يمتاز أهلها عن جيرانهم بلغتهم الخاصة بهم. والغاية منه الداب في تحسين لغة أصحابه ولذا ترى أعضاء هذه الأكاديمية (التي لا يتعدى عددها الواحد في كل أمة) يسهرون على حفظ سلامة اللغة من كالخلل أو فساد. ويقتبسون من عوامهم بعد الألفاظ المأنوسة التي لا مقابل أو مرادفها في لغتهم الفصيحة والتي لا مندوحة لهم عنها للتعبير عن أفكارهم. ويدخلون الألفاظ الحديثة المعنى أو الطريفة الوضع والاكتساب لقرب العهد باستنباط مدلولاتها أو باكتشاف وجودها.
والخلاصة أن هذه الأكاديمية (أي المنتدى اللغوي) تسعى كل السعي لأن تجعل لغة قومها حية ابنة اليوم والعصر تغتذي بأطعمة جديدة لتعوض بها عما فنى ويفنى منها لقيامها بوظائف الحياة. وتقذف بأحشائها ما لم يعد صالحاً لبقائه في المذاخر (وهي من الأعضاء الداخلية ما يدخل فيها الطعام كالاجواف والأمعاء والعروق واسافل البطن) على غير جدوى. على أن الأكاديمية إذا كانت واحدة قد تهفو إن لم يعارضها معارض أو يناوئها مناوئ. أما إذا ناظرها منتدى آخر لغوي كفوء لها وناقشها في المسائل وجاذبها أطراف ما يقع فيه الخلاف أو يمكن أن يقع فيه نظر منتقد جهبذ خلصت اللغة من كل شائبة مشوبٍ. وتخلصت قائبة من قوب. ولم تبق حاجة في نفس يعقوب. فهذا الذي يتمناه كل عاقل لبيب محب للغته ومغرم بمحاسنها وقع في لغة العرب عندما أميطت عنها قمط الطفولة وشبت عن الطوق فأزيحت عنها التمائم وألبست القلائد. فبرزت من حجلها شابة بارعة الجمال رائعة الكمال كاملة السن كافلة لنفسها البقاء مهما صادفها وصادمها من الأحداث والطوارئ القومية والاجتماعية والعمرانية وقد زودت من الوسائط ما تدفع عنها كل غائلة أو كل ما يشين عرضها ويدنس نسبها أو حسبها. وخلاصة القول عن مذهب البصريين والكوفيين: إن البصريين أصح قياساً لحفظ لغة قريش. لأنهم لا يلتفتون إلى كل مسموع ولا
يقيسون على الشاذ والكوفيون أوسع روايةً. لأنهم جمعوا شتات لغات جميع قبائل العرب وحفظوها. قال ابن جني: الكوفيون علامون بأشعار العرب مطلعون عليها. (نقله صاحب الاقتراح ص 100) ولهذا فنتبع آراء الكوفيين واستقراؤها يطلعك على لغات قدماء العرب. وهو أمر جليل الشأن وأما تأثر آراء البصريين فلا يوقفك إلا على لغة قريش الفصحى. وقال الأندلسي في شرح المفصل: الكوفيون لو سمعوا بيتاً واحداً فيه جواز شيء مخالف للأصول (المتعارفة في لغة مصر) جعلوه أصلاً وبوَّبوا عليه. بخلاف البصريين. قال: ومما افتخر به البصريون على الكوفيين: نحن نأخذ اللغة من حرشة الضباب وآكلة اليرابيع. وأنتم تأخذونها من آكلة الحلوى وباعة الكواميخ. (عن كتاب الاقتراح للسيوطي ص100) على أنه هناك من سبق البصريين والكوفيين معاً. وكان قبل ظهور الإسلام بمائتي وخمسين سنة وهو من أهل العراق أيضاً. وبه يتضاعف فضل العراقيين على من سواهم ويتطاول طولهم على من نازعهم شرف حفظ اللغة العربية وآدابها وأشعارها وأريد به النعمان ابن المنذر المتنصر فقد قال عنه حماد الراوية ما نصه: (أمر النعمان بن المنذر فنسخت له أشعار العرب في الطنوج وهي (الكراريس)) ثم دفنها في قصره الأبيض. فلما كان المختار بن أبي عبيد الثقفي (وهو أبو اسحق المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي الذي طوى بساط أيامه في القرن الأول من الهجرة في عهد الأمويين) قيل له إن تحت القصر كنزاً فاحتفره. فأخرج تلك الأشعار. فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من
أهل البصرة. (اهـ كلامه نقلاً عن المزهر121: 1) وكأن أهل العراق خصوا من بين أقوام الآفاق لترقية شأن اللغة العربية كلما مست الحاجة إليه. لأنه ما عدا ما أتى به النعمان بن المنذر المتنصر من المآثر الجليلة بحفظ أشعار العرب. وما خلا ما قام فيهم من علماء المصرين (البصرة والكوفة) من جمع شتات لغات القبائل وتدوين منظومها. فقد جاء بعد ذلك عهد العباسين فدفعوا اللغة في ميدان السباق حتى استنزفوا حضرها (بضم الحاء) وبلغوا بها إلى شأو الحصر (بفتح الحاء وهو التضييق والحبس) لأنهم بلغوا بها إلى أبعد غاية يكن الوصول إليها في عهدهم. أما في عهدنا فإذا كان العراقيون لم يشبهوا السلف بجلائل مآثرهم فليس الذنب ذنبهم. وإنما الجريرة جريرة المربي (بكسر الباء المشددة) وحالة المربى (بفتح الباء الخفيفة) ليس إلا. ومع ذلك فإننا نستبشر بسنة التأسل في وطنيينا العراقيين إذا أعانتهم الحكومة. إذ من شأنها أن تساعد حملة الأقلام ورافعي أعلام العلم بين الأنام. وما ذلك بعزيز على ربك العليم العلام. مما جاء في مدح العلم قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل لا يولد عالماً. وإنما العلم بالتعلم وأخذه الشاعر فقال: تعلم فليس المرء يولد عالماً. ... وليس أخو علم كمن هو جاهل وقال آخر بالمعنى المذكور: تعلم فليس المرء يخلق عالماً ... وما عالم أمراً كمن هو جاهله
بغية الأنام في لغة دار السلام
وقال غيره: ولم أر فرعاً طال إلا بأصله ... ولم أر بدء العلم إلا تعلماً وقال رابع: العلم يحيي قلوب الميتين كما. ... تحيا البلاد إذا ما مسها المطر والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه ... كما يجلى سواد الظلمة القمر بغية الأنام في لغة دار السلام مقدمة الحمد لله الذي فطر الأنام، وخصهم بمواهب العقل والنطق والإفهام، وميزهم بها عن سائر الحيوان، ليكون ذلك أس النقد والمدينة والعمران، على ممر الدهور وتوالى الأزمان في كل أين وآن. أما بعد فقد قام في هذا العهد فريق من أفاضل المستشرقين يشيرون على الأدباء من أهل الفضل والعلم في الديار العربية أو في البلاد التي يتكلم سكانها باللغة القرشية أن يبذلوا جهد المستطاع في تقييد أوابد لغايتهم وإحياء دوارس معالم لهجاتهم وجمع كل ما يتداوله عوامهم ليدون في بطون الكتب ومعاجم اللغة وذلك لعدة فوائد منها: أولاً: لأن في بعض معاجم اللغة ألفاظاً نظنها مائتة وهي حية فنعرف معناها الحقيقي. ثانياً: لأن اللغويين قد جمعوا ألفاظ جميع القبائل بدون أن يصرحوا
باسم القبيلة التي نقلت عنها اللفظة إلا في ما ندر. فإذا عرفنا اليوم من يتكلم بها وقفنا على القوم الذين ينتمي هؤلاء الناس المعاصرون لنا وعرفنا قبيلتهم في سابق العهد. وهو أمر مهم للتاريخ ولا سيما لان بعض قدماء اللغويين قد بينوا لنا في غير كتب اللغة مميزات بعض القبائل في لفظها ومصطلحها ومساقط معنى حروفها وتعبير أفكارها الخ. ثالثاً: لأن في اللغة المدونة في الدواوين ألفاظاً مبهمة أو غير صريحة كأكثر ألفاظ علم المواليد ومصطلحات الصنائع. فإذا دونا لغة كل قوم صرحت لنا المعاني بوجهها الصحيح واتخذناها عند الحاجة للتعبير عما يجول في أفكارنا أو يدور على ألسنة جيراننا. رابعاً: لأن بعض الأوضاع والألفاظ العامية استعمالاً قديماً يرتقي إلى قرون عديدة ولا مرادف لها في الفصيح فتنفعنا حينئذٍ للتعبير عن أفكارنا ولإدخالها في لغتنا عوضاً من أن نقتبس ماضاهاها من أهل اللغات الدخيلة. خامساً: إن ما هو حي من الألفاظ اليوم يموت بعد سنين وإذا مات يحب من يأتي بعدنا أن يعرف ما كانت أقوالنا وأفكارنا ومصطلحاتنا فيكون ما دوناه احسن دليل على تاريخ حياتنا وآدابنا وعوائدنا ومآكلنا ومشاربنا إلى آخر ما هناك. سادساً: لو فعل اللغويون في سابق العهد في جمع لغات القبائل والعوام على ما يحب العلماء أن يفعلوه اليوم لوقفنا على شيء كثير من عمران أجدادنا وتاريخهم وهو اليوم في خبر كان مما اضر كثيراً بسابق
منافع تدوين اللغات واللغيات واللثغات
مجد أجدادنا وتمدنهم وارتقاء حضارتهم الخ. والخلاصة عن في تدوين اللغة العامية كل بلد من الفوائد التي لا تقل عن فوائد سائر العلوم التاريخية والعمرانية والتهذيبية والعادية والأثرية. هذا فضلاً عن أن مثل هذا الكتاب يكون مرجعاً ينتابه الكاتب كل مرة يريد أن يعرف فصيح الكلمة العامية التي تجري على لسانه فيصلح أود لغته ولغة قومه. وهي فائدة عظيمة لإبقاء اللغة على سلامتها وفصاحتها. ولهذا يجب في مثل هذا العمل أن يوضع بازاء كل لفظ عامي الحرف الفصيح المعروف عند أصحاب اللغة الصحيحة لتتم الفائدة المنشودة. والله الموفق. منافع تدوين اللغات واللغيات واللثغات إذا أردت أن تقف على منافع تدوين اللغة زيادةً على ما تقدم ذكره اعتبر هذا الأمر وهو أنك إذا أنعمت النظر في الماء عند منبعه ثم تفقدته في مجراه تحقق أنه كلما ابتعدت عن العين زادت كدورته أو زادت الجواهر الغريبة التي تخالطه لكثرة ما يصادفه من الأجسام عند هبوطه من مصدره. وإذا انتهيت إلى مندفعه لا تكاد تجسر على أن تقطع بأن هذا الماء من ذاك المعين. وعلى مثل هذا تقيس مجرى اللغات ومسراها وامتزاجها وكثرة ما يحل بها من الغير. هذه لغات اليونان والروم والعرب فطالما كانت غير مقيدة الألفاظ والقواعد حل بها من الطوارئ ما يسر تعدادها. فنشأ منها اللغات
الفرعية الكثيرة. ومنذ أن قيدت اوابدها انحصر شر فسادها وضاق أيضاً نطاق عبث بناتها من اللغات منذ أن عوملت هذه المعاملة. ولولا ذلك لتسلط عليها عامل الاحتكاك والتآكل كما هو متسلط على جميع موجودات الكون مهما تنوعت واختلفت. فهذا الحديد على شدة صلابته بل هذا الألماس على قوة مناعته إذا احتك بغيره من جنسه أو من غير جنسه تأكل شيئاً فشيئاً حتى يفنى مع الزمان. وهذه ألفاظ اللغة عند احتكاكها بغيرها يعتورها مثل هذا النقص والفناء حتى يدخل بعضها في بعضٍ وتضمر ضمور الحي حتى لا يبقى منها إلا الأثر أو يكاد. فجمع سقاط اللغة من لغية ولثغة وخلل وفساد والإشارة إلى تصحيح أود ما فيها هو من النعم اللغوية التي لا يقدرها إلا عشاق اللغة والغيورون على سلامتها. افعل هذا تر في الأجيال المقبلة ما رأيت نتيجته منذ خمسين سنة أي من دخلت الصحافة في بلادنا فادعمت ما تداعى من بنيانها وأسندت وشادت ما انهار منه فحصلنا على نتيجة لم نحلم بها في السابق وسوف تكون أعظم إذا سعى أصحاب كل بلدٍ على نشر المطبوعات ولاسيما على نشر اللغيات والإشارة إلى ما يحسن عيبها وينفي عنها ما يشوه محاسن محياها. ومن ثم فقد أخذتني النخوة العربية والنشوة الأدبية في أن أشمر عن ساعد الجد وألبي إلى تأليف معجم يستوعب أغلب الألفاظ
نجد
العامية والدخيلة البغدادية إن لم أقل كلها. ليكون سراجاً منيراً يهتدي بنوره العوام. وقائداً مرشداً إلى شحذ الإفهام. ودليلاً يركن إليه الغرباء عن اللهجة واللسان. إن من المستشرقين وإن المستعربين في جميع البلدان. هذا ومع إقراري بقصر باعي أعلم حق العلم أن أمامي عقبة كئوداً من دونها خرط القتاد. وورائي من الصعوبات ما لا يشعر بها إلا من سلك هذا الوعث وعرف ما يحصل منه من الوعثاء. بيد أني استسهلت تلك العراقيل والعواقيل لما ينجم من وراء ركوبها من الفوائد الجمة والمنافع العامة. وقد وسمت كتابي هذا ببغية الأنام، في لغة دار السلام، عملاً بإشارة أعز الإخوان، وأخص الأخدان، وأطلب ممن يقف على ما يقع فيه من الأغلاط أن ينبهني عليها وأنا لا أنساه من الإقرار بفضله والتنويه بأدبه عن الله مثيب الصالحين والمصلحين: رزوق عيسى نجد 1 - موقع نجد وحدودها ديار نجد واقعة في قلب بلاد العرب أو هي سرتها. وحدودها هي من الشمال النفوذ الفاصلة بلاد الجوف عن بلاد نجد. وهي النفود بوجه الإطلاق.
ومن الجنوب النفود المسماة بالربع الخالي وهي بلاقع أو مفازة أو فلوات لا تفرق بشيء عن نفود الشمال ومن الشرق الاحساء والقطيف ومن الغرب أغلب بلاد الحجاز. 2 - سكان نجد في الزمن الخالي وفي الزمن الحالي كان أهل نجد في الساب كأغلب سكان بلاد العرب. أخلاطاً من أمم شتى من عرب وفرس وأرميين وعبران وآشوريين وكلدان وبابليين. ثم امتزجوا امتزاجاً واحداً مع الزمان حتى أضحوا أمة واحدة ولما جاء الإسلام زادوا وحدة ولما ظهرت الوهابية بانوا كل البينونة عن سائر سكان الجزيرة حتى أضحوا أمة مستقلة بنفسها ولها أوصاف خاصة بها كالشجاعة والبسالة والتدين المفرط الضارب إلى التعصب والاباءة وعدم تحمل الضيم وتوقد الذكاء وحب التجارة الواقفة على أصول الشرع إلى غير هذه المناقب الدالة على النجديين من الناس الذين بانوا عن سائر العرب بالمآثر الجليلة التي لا تشاهد إلا في السلف الخالي. 3 - أقسام نجد (تقسم نجد إلى ثلاث إمارات ولكل إمارة حاضرة قائمة بنفسها).
الإمارة قاعدتها (الرياض) وهي حاضرة إمارة الأمير الخطير ابن سعود الذي قام بتجديد مذهب السلف الصالح وهو المذهب الذي يعرف الآن بمذهب الوهابية أو بالوهابية من باب الإطلاق أو من باب الأغلبية وأهل نجد كلهم يلقبون بالوهابية نسبة إلى من قام بالدعوة في بادئ الأمر وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب. أما موقع الرياض فمعروف أي في جنوبي نجد. الإمارة الثانية: إمارة الأمير الجليل ابن الرشيد وقاعدتها (حائل) وهي في شمالي نجد. الإمارة الثالثة: (القصيم) (بالصاد لا بالسين كما يكتبها بعض أهل الجرائد) وهي عبارة عن بلدتين كبيرتين وهما: (عنيزة) وهي عاصمة إمارة (آل سليم) (وبريدة) وهي عاصمة إمارة (آل مهنأ) وما بين هاتين البلدتين مسافة قدرها ست ساعات للراكب. وكلتا البلدتين: عنيزة وبريدة دخلتا في قبضة الأمير عبد العزيز ابن السعود الموجود الآن. 4 - العلم بوجه الإجمال في هذه الإمارات الثلاث استناداً على ما تقدم، نقسم البحث إلى ثلاثة أقسام نخص كل إمارةٍ بكلام يناسبها مناسبة إجمالية. فنقول: كانت ربوع ديار (الرياض) وتلقب حيناً (بالعارض) منبعث أنوار العلم والعرفان في عهد غضارة إمارة آل سعدون. لكن أكثر هذا العلم يدور على علم التوحيد والكلام
والأصول والتفسير والفقه واللغة وجميع العلوم الدينية وقليل من النحو والصرف وسائر علوم الآلة. فلما أخذت دولتهم بالزوال تقلصت ظلال العلوم عنها أيضاً رويداً رويداً وتشتت العلماء على أوجه شتى: فمنهم بالموت وآخرون بالمهاجرة إلى بلاد أخرى يرتزقون فيها لأن عيشتهم في السابق كانت متوقفة على ما يجريه الأمير ابن السعود من الرواتب الدارة الإخلاف الجارية من بيت المال وهذا يمتلئ مما كان يجمع على ما جاء به الشرع الشريف من النظام والأصول المثبتة في الإسلام. أما اليوم فلم يبق من تلك العلوم شيئاً في الرياض وانتقل أغلبه إلى بلاد (القصيم) و (حائل) السالفتي الذكر. ولا يوجد من يتعاطى العلوم فيها إلا أناس قلائل. ووجودهم كعدمهم. وهم الذين يقال أنهم خبطوا في الديانة خبط عشواء. وأظهروا التعب الديني الأعمى وأشاعوا عنه وعن أصحابه أموراً لا توافق مذهب السلف. وهي وإن كان أغلبها ملفقاً إلا أن لها بعض الحقيقة فجسمها خصومهم وحسادهم على تلك البقاع وعلى عزتهم فيها وانتصارهم على مناوئيهم إلى أن آل تقلص ظل دولة آل سعود ففرحوا بذلك فرحاً لا يوصف. وما زالت الحالة في تأخر وتقهقر حتى اضطر أكثر أهل تلك البلاد إلى المهاجرة للاسترزاق فظعنوا عنها مكرهين ولكن هجرتهم لم تبعد لأنهم لم يتجاوزوا الاحساء والزبير والبصرة. أما أكثرهم فتراهم في البحرين وعمان وسائر تلك الأصقاع وكلها لا تخرج عن بلاد العرب. والذين
هاجروا لم يكتسبوا بهجرتهم علوماً تقدمهم إلا النزر القليل مما يوافق مشربهم وتغربهم أي معرفة أعداء الدول وقواها وبعض ممالكها ومستعمراتها وسياسة بعضها لبلاد نجد. والخلاصة إنهم يتأثرون كل ما له تعلق ببلادهم. والبعض منهم (وهم أفراد قليلون) وصلوا إلى الهند كمدينة لكنو وحيدر آباد وأمرتسر وغيرها ودرسوا بعض علوم الدين وشدوا شيئاً من الفلسفة وعلوم العمران والاجتماع. لكن علوم هؤلاء الأفراد لم تؤثر في قومهم التأثير المطلوب لما رجعوا إليهم قافلين بها. ولذا لا تراهم حظيين في عيون وطنييهم. أما إمارة ابن السعود الآن وحاشيتها. وان شئت فقل.: أما مقدموا إمارة ابن السعود فانهم على كفاية من العلم اللازم لإدارة شؤونهم حسب سعتها وما تطلبه منهم مكانتهم بل يوجد بينهم أفراد لا يستغنى عنهم لحل الأمور المعضلة أو المشكلة. وأكثرهم ممن تربوا في المدن. وفي هذا العهد (أي منذ إعلان الدستور العثماني) انتبهوا انتباهاً عظيماً وهم في شوق لاعج إلى الاطلاع على حقائق الأمور والانضمام إلى الحكومة العثمانية. ولكن يا للأسف إن الحكومة لم تشرح صدرهم إلى اليوم ولا تراسلهم بل ولا تنظرهم. لا بل لما طلب ابن السعود من ناظر الداخلية (طلعت بك) حسبما بلغني - ليبعث إلى المجلس من قبله مبعوثين رده قائلاً: نفعل ذلك في الانتخاب
الجديد. ولما كانت بيني وبين الأمير ابن السعود قرابة مثلت بين يديه بعدما قضيت سنين في الهند وشرحت له أحوال الدستور في الأمم الراقية فانشرح له صدره وأفادني بأنه يكون أول مؤيد له واعظم مساعد للحكومة العثمانية فيما تريده. وألححت عليه بان يوفد إلى الحكومة العثمانية مبعوثين من قبله ففعل وطلب ذلك لكنه رد كما تقدم القول. هذا أهل هذه الإمارة يطالعون بلاعج الهوى الجرائد والمجلات وتأتيهم من كل حدب وصوب ويطلبون الكتب ولا سيما الحديثة الوضع ليقتنوها ويطالعونها. ويقبلون عليها إقبال الجياع على القصاع غير أن الاضطرابات التي تحدث بين القبائل غالباً لأدنى سبب. وسنة الأعراب منذ القدم. وسنة الأعراب منذ القديم سنة الغزو والهجوم لا تدعهم يتفرغون لها كل التفرغ يستفيدون منه الفائدة المطلوبة. ومع هذا فأنا أرى انه لا تمضي سنوات إلا ويصلون إلى درجة حسنة من العلوم والآداب بمنه تعالى وكرمه. 2ًواما العلوم والآداب في الحائل (ويقال لهذه الإمارة أيضاً الجبل) و (جبل شمر) (وهو جبل طيء في السابق) فهي على غير ما رأيته في الإمارة الأولى. ومما يجب أن تعلمه قبل الإيغال في البحث أن هذه البلاد قد وصلت إلى درجة تذكر في العلوم والمعارف منذ سابق العهد. وإمارتها
لشمر منذ أن وجدوا إلى يومنا هذا. وقد استولى عليها آل سعود حين قويت شوكتهم وعظمت صولتهم. وما كادت شمسهم تميل إلى الغروب إلا وعادت تلك الديار إلى أهلها الأقدمين. وكان أول أهلها ورؤسائهم: آل على ثم انتقلت إلى طلال. فبندر فمحمد الرشيد فعبد العزيز ثم إلى ابنه متعب ثم إلى خال متعب (سلطان) ثم إلى سعود أخ سلطان ثم إلى سعود بن عبد العزيز أخ متعب. ولهؤلاء في ذلك قصة تاريخية عجيبة طويلة لا يسع المقام ذكرها. ولما دالت إمارة آل سعود وافق آخرها نمو إمارة محمد الرشيد فانتقلت اكثر الكتب إلى حائل. وأنت تعلم لا صناعة ولا تجارة لأهل حائل إلا الغزو لا غير. ومع ذلك فتراهم قد سبقوا غيرهم في العلوم العصرية وذلك لاختلاف كبرائهم إلى الأستانة ومصر والحجاز أيام السلطان عبد الحميد المخلوع فاصبح البعض منهم يعرف اللسان التركي والفارسي. وترى في بلادهم اليوم الكتب العربية القديمة النادرة الثمينة التي لا ترى لها وجوداً في سائر البلاد العربية وأغلبها غير مطبوع. وتؤنس جماعةً منهم تطالع الصحف السيارة والمجلات الموقوتة. وأهل هذه الديار أنور من غيرهم من تلك الأقطار في العلوم العصرية وأوسع اطلاعاً في الأمور السياسية. ولهم ميل شديد إلى الحكومة العثمانية وهذا الميل أظهر فيهم ممن سواهم. لكن الحكومة لا تزال في ريبٍ من أمر العرب والإحجام عنهم. وعلى ما أرى: أنها تود أن
تكون في غنىً عن نصرتهم. ولعلها تخاف من انهم إذا تمدنوا قلبوا لها ظهر المجن وعادوا إلى مجدهم السابق. وهذا كله من التخيلات السياسية ومن الأوهام التي لم تدر في خلد العرب. ولما أتيت بغداد ورأيت الحالة الحاضرة أبديت ما أوجبته على الوطنية العثمانية والعربية للطرفين بجامعة الدين وشرحت ذلك بعدة مقالاتٍ بسطتها في جريدتي الرياض وبينت ما يجب من الفوائد الجمة إذا انضموا إلى أبناء آل عثمان وصاروا يداً واحدة على الأعداء. ولقد أثر كلامي هذا على أبناء وطني تأثيراً عظيماً حسناً ذا نتيجة تذكر لكن ذهب كله أدراج الرياح لما رأوا أن الدولة العثمانية لا تعيرهم أذناً صاغية ولا أحلاماً واعية. فلعل الزمان يحسن النيات في أبناء عثمان فيجني هؤلاء في بضع سنين ما لم يجنوه بحذرهم مدة سنوات متطاولة. هذا فضلاً عما شرحت للحكومة ما يجب أن تتخذه من الاحتياطات اللازمة لمنع الأسلحة من دخولها العرب. وذكرت لها الوسائط الحسنى للبلوغ إلى تمدن صادق وأرسلته إلى أحد مبعوثي العراق وبعد أن قرأ في المجلس حول إلى النظارة. ولا أدري بعد هذا ما جرى به. ولعله ضاع أو احترق مع جملة الأوراق التي ذهبت في إحدى حرائق الأستانة في هذه الأيام الأخيرة. أما ميلهم إلى العلوم الأدبية كالشعر والنحو وعلوم الآلة والسياسة والاجتماع فمما تظهر منافعه عن قريب إذا ما تحسنت الأحوال
وتوفرت وسائط النقل والانتقال بعد أمد غير بعيد بمنه تعالى وكرمه. 2 - القصيم: - البحث في علوم وآداب أهالي القصيم يتناول البلدتين المذكورتين اللتين تتقوم منهما فأهل هذه البلاد ليسوا كاهل الديار الأخرى. فلقد دخلوا بتجارتهم البلاد الكثيرة من الأصقاع المتمدنة كالهند ومصر والشام ولندن ومدن أميركية. وتجد بعضهم قد توطنوا تلك الربوع كما احتلوا بلاد العراق كبيرها وصغيرها. ولقد تقدموا في التجارة أحسن من غيرهم بكثير. وكذلك قل في العلوم على مختلف أنواعها وتشعب أفنانها كل ذلك في البلاد المختلفة المذكورة كما في ديار قطرهم الواسع. فانك لا تسير إلى بلدٍ إلا وتجد فيه منهم نفراً يتعاطى الأمور التجارية غير غافل عن العلوم المعروفة في تلك البلدة مقامه. ولهذا إذا تيسر لك فدخلت بلادهم ترى فيهم هذا يكلمك بالتركية وذاك يطارحك الكلام بالفارسية وتسمع واحداً يذاكرك بالهندية ويقبل إليك آخر يفاتحك بالإيطالية. ويقترب منك صديق محب يخاطبك بالفرنسوية إلى غير هذه اللغات من أردوية وتامولية وإنكليزية. أما التاريخ فهم يعتنون أشد الاعتناء. وكذلك يزالون علوم الاجتماع والسياسة مزاولة تفوق معالجة سواهم لها. وهنا نختصر القول بإضافة إلى ما تقدم ذكره عن الإمارتين الأوليين بخصوص العلوم والمعارف أنه لا يوجد في تلك الربوع مدارس أو مكاتب على ما نشاهده في البلاد الأخرى المتمدنة من ابتدائية ورشدية وكلية وجامعة.
التأسل والتأسن
إما مدارسهم فهي مدارس خاصة بهم تشمل جميع المطالب وتجمع في ردهاتها كل طالب على السواء. فالتلميذ يأخذ أي كتاب كان أو أي كتاب أراد قراءته ثم يحضر المدرسة ويقرأه على المعلم الموجود فيها بدون أن ينتظم في سلك حلقةٍ تتلقى العلم معاً من الأستاذ في وقتٍ محدود كما في المر الجاري في المكاتب العصرية المنتظمة. (وبيوت أكثرهم ليست إلا مدارس ونوادي علم. إذ ترى فيهم من ينضم إلى رفيقٍ ثانٍ له أو إلى ثالث أو أكثر حسبما يتفقون عليه فيجتمعون في بيتٍ واحد منهم. أو انهم يجتمعون في كل يوم في بيت غير البيت الأول في بيت الرفيق على التوالي فيتدارسون في الكتب التي وقعت بأيديهم وهكذا يفعلون حتى النهاية على ما كان جارياً في سالف الزمن في أنديتهم ومجالسهم ومجتمعاتهم). سليمان الدخيل: صاحب جريدة الرياض ومنشئها. التأسل والتأسن للإفرنج لفظة وهي يريدون بها خاصية تكون في الكائنات الحية من شأنها أن تنقل صفاتها وفصولها إلى من يخلفها أو يعقبها، تلك الصفات والفصول الراجعة إلى هيئة جسمها أو تركيب بنيتها مادياً أو أدبياً أو عقلياً. وقد تظهر هذه المميزات في الابن رأساً بعد أن كانت في الأب. وقد لا تظهر في الابن قدماً بل تنتقل إلى الحفيد أو إلى ما وراءه بعد
فترةٍ في النسب أو فتراتٍ لا تظهر فيها تلك الفصول وكل ذلك يحسب من باب الوراثة. والعرب يسمون هذه الخاصية (التأسن والتأسل) على ما نراه قال في تاج العروس: تأسن أباه: أخذ أخلاقه. نقله الجوهري عن أبي عمرو. وقال اللحياني: إذا نزع إليه في الشبه. وأنشد ابن بري رحمه الله تعالى لبشير الفريري: تأسن نريد فعل عمرو وخالدٍ ... أبوة صدق من فرير وبحتر وقال في لسان العرب: يقال: هو على آسانٍ من أبيه. أي على شمائل من أبيه وأخلاق من أبيه. واحدها أسن مثل خلق وأخلاق. . . وقال ابن الأعرابي: السن: الشبه وجمعه آسان. وأنشد: تعرب في أوجهها البشائر ... آسان كل أفقٍ مشاجر آه والبيت الأول يدلك كل الدلالة يدلك كل الدلالة على المعنى الذي يعقده الإفرنج بلفظتهم ونحن نظن أن التأسن لغة في التأسل. والعرب كثيراً ما تعاقب بين النون واللام. قال في اللسان تأسل أباه: نزع إليه في الشبه كتأسنه. وقولهم: هو على آسالٍ من أبيه مثل آسانٍ أي على شبه من أبيه وعلامات وأخلاق. قال ابن السكيت: ولم أسمع بواحد الآسال) اهـ. ونظن أيضاً أن أصل (التأسل) بالسين: التأصل بالصاد. ومعناه العود إلى الأصل. وهو المعنى المطلوب من وضع هذه اللفظة. واللغويون يقولون: تأصل الشيء: صار ذا أصل أو ثبت أو رسخ أصله. وهذا
أيضاً يتحصل من الوراثة المذكورة. على أنه لم يسمع في كلامهم: هو على آصال من أبيه. ولم يقولوا في جمع أصل: آصالاً بل أصولاً وآصلاً. وهذا لا يمنع منبت اللفظة لأن العرب قد تتصرف بالمصحف والمحرف حتى تجعله أصلاً حياً قائماً بنفسه. وتميت الأصل الذي نما منه هذا الفرع على حد ما يفعل الزراعون بأنبتتهم وأشجارهم. وخلاصة البحث أن لفظة (التأسل) أو (التأسن) هي أحسن حرف يقوم بمؤدى الكلمة الإفرنجية (آتافسم وهي مشتقة عندهم من آتافس أي الجد الرابع أو أب الجد الثالث. ومعناه. (العود إلى الجد الأكبر). وقد أثبت الباحثون اليوم أن التأسن لا يكون في الإنسان فقط بل في الحيوان أيضاً وحتى في النبات. وهذا ما يشاهده كل منا إذا ما تدبر بعض ما يقع تحت ناظريه فقد رأينا مرارا كلاباً ولدت من آباء هي بنات آوى تنزع دائماً إلى أصلها. كما ثبت لنا أحياناً أننا قد ركبنا نارنجاً على كبادٍ. فرجع كباداً بعد حين. وكم من مرة أردنا أن نركب توتاً شامياً على توت عراقي فعاد الشامي عراقياً نازعاً إلى أصله.
المتكهفة والمكتهفة
وقد تفيد التربية الحسنة الإنسان والحيوان فتفنى فيهما بعض السيئات إذا اخذ كل من الإنسان والحيوان في حداثة سنه وقد لا تفيد أبداً بل وربما أحدثت فيه انتكاسا أو ارتكاساً. وهذا ما انتبه إليه أو إلى مثله قدماء العرب. ومن هذا القبيل ما يحكى أن إعرابيا ربى بالبادية ذئبا فلما شب افترس سخلةً له. فقال الإعرابي: فرست شويهتي وفجعت طفلا ... ونسواناً وأنت لهم ربيب نشأت مع السخال وأنت طفل ... فما أدراك أن أباك ذيب اذا كان الطباع طباع سوء ... فليس بمصلح طبعا اديب وقال غيره: وأنت كجرو الذئب ليس بآلف ... أبى الذئب إلا إن يخون ويظلما وهذا الكلام يصدق على كثيرين ممن ربوا تربية صالحة فلما شبوا دبت إليهم عقارب خصالهم الرديئة فلسعت آدابهم فأوردتهم حياض الموت. فاصبحوا في ديارهم جاثمين. ولأخرتهم خاسرين. بعد أن كانوا في دنياهم من الخاسئين. المتكهفة والمكتهفة أو المنتفقة للإفرنج لفظة يونانية الأصل منحوتة من كلمتين من نفس تلك
اللغة وهما (تروغلى) أي النفق أو الكهف. و (دوين) أي دخل فنشأت من تركيبهما لفظة (تروغلوديت) أي (داخل الكهف أو داخل النفق) وقد زعم بعض كتاب العرب ممن يرمي اللغة بالعجز والقصور والشيخوخة أن لا مردف لهذا الحرف اليوناني في العربي وكل من تكلم من العرب عن الأقوام الذين يأوون إلى الكهوف أو الأنفاق أو المغاور لم يذكروهم إلا باسم (تروغلوديت أو تروغلوديته) ولو انصفوا لوجدوا في العربية غير لفظة. من ذلك: المتكهفة والمكتهفة. فالمكتهفة. من اكتهف أي لزم الكهف. ومثله: تكهف والكهف كالغار إلا انه أكبر منه. والمنتفقة. وقد مر الكلام عنها وعن صحة استعمالها بهذا المعنى وانطباقها اشد الانطباق على اللفظة اليونانية كأنها قدت من أديم واحدٍ. وإذ قد أثبتنا صحة مقابلة هذه الكلمة لكلمتهم نقول: قد قرر الباحثون أصحاب القدم الراسخة في العلم أن أول سكنى البشر كان الكهوف والمغاور والأنفاق على حد ما يفعله بعض الحيوان إلى عهدنا هذا. ثم ارتقى الإنسان شيئا فشيئا في سلم الحضارة حتى ابتنى الدور العامرة وشيد القصور الفاخرة. إلا أن هناك أقوام بقوا على حالتهم الوحشية وهمجيتهم الدنيئة ومن حواليهم أناس متحضرون يهزءون من إخوانهم المتأخرين وجيرانهم الجامدين بل الهامدين.
وممن اشتهر بهذه الحالة أقوام كانوا في أقطار بلاد الحبشة وصعيد مصر وسواحل البحر الأحمر وميسية وموريطانية (بلاد الغرب) بل وأناس منهم كانوا في الصقع الشمالي من جبل قاف (قوقاس) إلا أن البلاد التي اشتهرت ببلاد المكتهفة كانت تبتدئ من بلدة برنيقة إلى مالا حد له من فلوات أفريقية وأنت تمعن فيها. وقال بعضهم بان الذين اشتهروا بالمكتهفة هم سكان الجهة الشرقية من أفريقية على طول الخليج العربي المعروف أيضاً باسم ساحل الحبش. وذهب فريق إلى أن المشتهرين بالمكتهفة هم سكان مصر الجنوبية والحبشة حيث توجد مقاطعة واسعة تعرف باسمهم. وفي صقع من بلاد العرب جبال متكهفة (فيها كهوف) تأوي إليها إلى عهدنا هذا قبائل من البادية تكاد تكون متوحشة وتوشك ديارهم أن تكون محاذية لربوع أولئك الأقوام الموجودين في أفريقية أو الذين وجدوا فيها. واغلب مساكن هذه الأجيال هي كهوف منها ما حفرتها أيدي الطبيعية ومنها ما نحتها ابن آدم. واغلب ما تكون هذه المغور في الجبال والأودية التي قوامها الجص أو الكلس واكثر هذه الجبال واقعة على شواطئ البحر الأحمر من جهة بلاد الحبشة وهي غير ذاهبة في السماء بل متوسطة الارتفاع. واسم المكتفهة لفظ عام يشمل أقواماً شتى تأوي كلها إلى هذه المغاور فمنها طائفة كانت قد أوغلت في داخل البلاد وكانت تطارد النعامة والفيل. ومنها طائفة كانت تقيم على ضفاف البحر الأحمر وطعامها
السمك وجذور الانبتة. ولهذا سماهم اليونان بما معناه: (آكلة النعام) و (آكلة الفيلة) و (آكلة السمك) و (آكلة الرز) إلى ما ضاهى وضارع هذه الألقاب وكلها دون هذه ضبطا وتحقيقا. وكان لكثير من ديار المكتهفة اصورة (قطعان بقر) وأسراب معز. وهذه الأموال كانت تثير نيران الشرور في الصدور بل قل كانت تسعر نيران حروب لا تعرف الفتور وان مرت عليها طوال الدهور بيد أنها كانت تخمد بعض الأحايين على طلب النساء والحاحهن. ومن شعائرهم الغريبة انهم كانوا إذا أرادوا دفن موتاهم يربطون رأس الميت برجليه ثم ينقلون جثته وهي على هذه الهيئة إلى هضبة وهناك يجتمع الجم الغفير من أقاربه وأصدقائه وأنسابه فارحين ضاحكين. ثم يلقون عليه الحجارة إلى أن يواروه عن الأبصار. ومن نوادر الاتفاق انه وجد في بلاد اسكندنافية (اسوج ونروج) قبور عادية فيها جثث أموات هامدة موضوعة على الصورة المذكورة تحت ركام من الحجارة. إلا أن هذه الحجارة مصفوفة صفا فيه شئ من النظام والإتقان. فانظر يا هذا كيف تتلاقى الشعائر الغريبة بين أقوام وأقوام وان شط بينهم المزار وترامت بهم الديار وتلاعبت بهم الأقدار. المعنى الثاني للمكتهفة وقد جاءت هذه اللفظة عندهم للدلالة على فرقة نصرانية كانت في صدرها وهم قوم من المبتدعة دفعتهم جميع الفرق من بين ظهرانيها
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
فاضطرت إلى أن تعقد مجالسها في المغاور والكهوف فسموا بهذا الاسم. المعنى الثالث أطلق العلامة لينيوس هذا اللفظ في علم المواليد على ضرب من القرد يقيم اغلب أوقاته في الكهوف والغيران وقد جعله بعد الإنسان العاقل في الترتيب والنظام. واليوم يسمي العلماء (مكتهفة) أنواع الشمبانزي والغورلي: ولا سيما المكتهف الأسود المعنى الرابع يسمى اليوم الإفرنج مكتهفة أيضاً أناساً يقضون معظم ساعات نهارهم تحت الأرض لأشغالهم أو لطلب رزقهم كالمعدنين مثلا والمشتغلين باستخراج الفحم الحجري من قلب الأرض. المعنى الخامس تجئ هذه اللفظة أيضاً للدلالة على طويئرات طعامها الدويبات وهي التي يسميها أهل الشام وما جاورها: (سكسوكة الحيطان. نمنمة. أم نوح. سكسكة. دعويقة.) وسوف نعقد لهذا المعنى فصلا إيفاءً. للموضوع حقه في عدد آتٍ وكل آتٍ قريب. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره (الكلية الاعظمية) في أوائل شهر حزيران (أوائل جمادي
الآخرة) تم تخطيط كلية العراق الإسلامية المعروفة (بالكلية الاعظمية) ولا زالت عناية دولة يوسف باشا مصروفة إلى إخراج هذه الكلية من عالم الخيال إلى عالم المثال. وهي تلك الكلية التي رفعت إلى هذه المرتبة نهار الجمعة 26 أيار (28جمادي الأولى سنة 1329) وكان قد حضر حفلة ترقيتها جم غفير من أكابر البلدة ورجالها الأماثل من عسكريين وملكيين ومدنيين. (الأمير ابن سعود (في أواخر شهر أيار وأوائل حزيران طارد حضرة الأمير عبد العزيز باشا آل سعود بعض القبائل العائثة في طريق العقير ولاسيما فتك بإحدى عشائر العجمان المخلة براحة أهل السبيل فكسب شكر أهل الجميل. (ملخص عن الرياض في عددها 72). (الأمير ابن الرشيد) وفي مثل ذلك العهد ضرب الأمير سعود باشا الرشيد بعض قبائل الرولة وشتت شملها واخذ شيئا كثيرا مما ملكت أيديهم من مال وخيل وابل وقد رجع إلى بلاده غانماً مظفراً. واكثر أولئك المفسدين هم الذين يتعرضون لسكة الحجاز ويبعثون بأمن تلك الأرجاء (عنها) (عشيرة الضفير) ظعنت هذه العشيرة إلى نواحي الكويت بعد أن كانت محتلة ما جاور البصرة من الربوع كالزبير ونواحيه (عن الزهور في عددها 83) (إنكلترا في شط العرب) ركزت إنكلترا ثلاثة أعلام في كل من القريتين الآتيتين وهما: (القصبة) (والمنوحى) وكلتاهما داخل شط العرب. (عنها) (باخرتان على الفرات) أخذت الحكومة في ولاية بغداد بان تسير باخرتين
على الفرات لتقريب المسافة بين بغداد الزوراء. وحلب الشهباء فسافرنا من بلدتنا في أواخر أيار متجهتين إلى الفلوجة ومنها إلى مسكنه فقطعتا المسافة التي بينهما في 85 ساعة (عنها يبسط في العبارة). (حوادث الناصرية) جاء في بعض الرسائل البرقية الموثوق بها انه لما كانت عشائر البدور تضيق الخناق على الأعراب الموجودين في (المائعة) والمحاصرين فيها وكان هؤلاء إلى حاجة ماسة إلى القوت سارت باخرتان من مركز الناصرية اسم الواحدة (فرات) وفيها مدفعان واسم الثانية (استيم بوط) وفيها بندقية آلية (ماكينولى تفنك) ولما وصلتا إلى المحل المرغوب إليه قابلها الأعراب بإطلاق الرصاص فأمطر عليهم العسكر حينئذٍ مطرا من الرصاص فتبددوا بعد أن قتل منهم جم غفير وهدمت المدافع قلاعهم وحصونهم. وإذ ذاك تيسر للمحاصرين أن يتلمسوا الطعام الذي جاء به لهم العسكر المظفر. وفي رسالة برقية أخرى: انقسمت عشيرة الحسينات إلى فرقتين إحداهما مهادنة للبدور والثانية متفقة مع سعدون باشا. فلما وقع هذا النفور بين الجمعين المفترقين تقاتلا في محل يبعد عن الناصرية نحو نصف ساعة فلما علمت الحكومة بأمر هؤلاء الأعراب أنفذت إليهم باخرة لتصلح ذات البين فلما دنت من موطنهم تفرقوا تحت كل كوكب أما الآن فالظاهر أن الأمن سائد في تلك الأرجاء بفضل سعي الحكومة. (عن الرصافة ببعض تصرف. في العدد 66) (تأمير الشيخ مصبح) الشيخ مصبح رجل بدوي لا تملك يداه
(ملخص عن الرياض 73)
غير بيت من الشعر ينزله هو وولده وقد قدمه بعض أهل الأغراض والأهواء لغايات في صدرهم وادعوا بأنه رئيس عشيرة فيها ثلاثة آلاف فارس. . . ثم طلبوا إلى الوالي أن يقيمه شيخاً لعشيرة بني مالك ومن ينتمي إليها وتعترف يه الحكومة اعترافا رسميا. فلبى طلبهم والى ولاية البصرة حسين جلال بك. (ملخص عن الرياض 73) (حريق في الديوانية) وقع في نحو منتصف هذا الشهر حريق في سوق من أسواق الديوانية فالتهمت النار ما يقدر بخمسين دكانا مع محتوياتها. ولا تزال الخسائر مجهولة. (بين عشيرتين كرديتين) وفي مثل ذلك العهد وقعت معركة بين داود خان رئيس عشيرة كلهر وبين شيرخان رئيس عشيرة السنجاوية. وكانت الدائرة على داود خان فقد قتل كثير من جنوده وأما شيرخان فانه خرج ظافراً من هذه الموقعة وكل ذلك يدلك على أن الأمن ليس على ما يرام. ولهذا رجعت قوافل التجار العثمانية وتضاعفت ضرائب المعتدين ويخشى سوء المغبة إذا لم تبادر حكومة إيران إلى ما يؤيد الراحة والسلام ويعيد المياه إلى مجاريها. (عنها) (هجوم في البرجسية) هجم بعض الأشقياء من عشيرة بني مالك على (البرجسية) إحدى ضواحي الزبير وهي تبعد عنها نحو خمسة أميال. واخذوا أربعة من الحمير وعبثوا بشيءٍ من الزرع وعادوا على آثارهم. فأخذ أصحابها المنكوبون بالاستغاثة بأصحاب الحمية لكن لم ير
من يغيث. أما مدير الناحية (محمد زكي أفندي) فقد استاء جداً من هذه الواقعة فأخذ يبحث وينقب عن المصدر الحقيقي فعلم أن (مصبح العوفج) الذي كان زعيماً لعشيرة بني مالك أمسى ثاوياً هو وأهل بيته في (الشعبية) إحدى ضواحي الزبير وهي تبعد عنها نحو ثلاثة أميال ونصف. وقد لجأ إليها منذ عامين. ولما كان اعتداء هذه العشيرة في هذه الأيام متوالياً على ناحية الزبير كانوا إذا أخلوا بالأمن آووا إلى حماه. . . فلما وقف المدير على جلية الأمر أرسل حالاً يطلب حضوره. فحضر ولده الأكبر (مهلهل) والزمه بالجلاء عن (الشعبية) مع تأدية ما أخذته يد الأشقياء. فأبدى أعذارا ربما كانت صحيحة في حد نفسها. إلا أن المدير الحازم لم يقبلها منه. وفي الأخر كتب مهلهل عريضة إلى الولاية يطلب فيها أن يتم حصاد زرعه ثم يبارح الشعبية. بيد أن الوالي حسين جلال بك اصدر أمراً باتاً في 26 جمادي الأولى (24 أيار) إلى المدير: أن لم يأخذ الشيخ مصبح بالسير حالاً اضربوه بالسلاح. فلما رأى أن لا مفر من هذا القضاء المبرم غادرها صاغراً مرغماً. فانقطعت بذهابه جرثومة الفساد والإفساد (الزهور العدد 84) (الصحة في بغداد في هذه الأيام) نشر مجلس ولاية بغداد تقريراً هذا معناه: بناءً على ما دهم حاضرة الولاية بغداد من الغرق في هذه السنة
ينبوع الشفاء
حتى أحاط الماء كل جانبٍ وملأ الخندق نتجت منه أنواع الأمراض التي أضرت بالأهالي ولاسيما الحمى المعروفة بحمى البطائح وعليه فيجب على الحكومة أن تتخذ وسيلة تزيل بها الماء المنتن المحيط بالبلد والمضر بالصحة العمومية وذلك بان يجعل منفذ لماء الدفرة (وهو الماء المتدفق في سهل بغداد) يفضي إلى الخندق ليغسل ما فيه من الأقذار والأوضار ثم يمضي بوجهه إلى منفذ آخر يفضي إلى الشط وحينئذ لا يبقى ماء في الخندق ولا في الدفرة. وإذا تم ذلك يباشر بدفن خندق المدينة الذي لم يعد ينفع شيئاً البتة. وإذ قد ظهر في هذه الأيام اثر للوباء في البصرة وظهرت بعض إصابات بالهيضة في العزير فيجب أن نتخذ الذرائع اللازمة لحفظ الصحة في دار الولاية واعتناء البلدية بالتطهير والتنظيف فوق ما كان يجري في السابق. وان ترمى أقذار البواليع والكنف في غير ضاحية المدينة لما ينشأ منها من الأمراض. وان تتخذ الوسائل اللازمة لكي لا يضر جواره بأحدٍ. (عن الرصافة ببعض تصرف العدد67) ينبوع الشفاء أحدوثة إسلامية وضعها بالفرنسوية الكاتب كزافيه مرميه من أعضاء المجمع اللغوي وعربها الأب انستاس الكرملي.
كان في دمشق الشام في سالف الأيام رجل قد اشتهر بالمال والغنى ولا شهرة قارون أو ثروة هارون وكان الناس يقولون عن مبارك (وهو اسم الرجل): (لقد وافق الاسم المسمى فان مباركاً قد بارك الله في ثروته) وكان بيده كنوز الهند وديار العرب ويسكن داراً مفروشة بأبهى الفرش وأفخره وكان الله قد من عليه بامرأة حسناء ذات فضل وفضيلة. وأولاد نجباء عددهم عدد نجوم الثريا (أي سبعة) ومع هذا كله لم يكن الفرح من نصيبه لأنه كان قد بذل معظم همه وراء زيادة زهو بيته مقتنياً النفائس مزيناً بها داخل مسكنه وكان كلما حصل على شيء طلب شيئاً آخر وهو لا يعلم إلى أين المنتهى. ولا متى يبلغ موئل السعادة القصوى. إذ لا يزال في تعب ونصب وكلما فاز بالمبتغى. تولدت في قلبه رغائب أخرى كلها غرائب. ومن ثم كان يطوى بساط أيامه وهو يعلل النفس عند النوم بأنه ينال الراحة عند الصباح وإذا لاح جبين الفجر الصبيح يقول في نفسه: لعلي أنال المنى عند غياب الشمس وهو لا يعرف ما هذه المنى كما لا يزال على هذا التعليل. والنفس تفيض بالكآبة لا يسليه مسل. ولا يضحكه مضحك ولا يستطيب لذة من اللذات. ولما كانت امرأته ترى هذا الحال تحزن لحزنه كما كان أولاده يغتمون لغم الوالدين والجميع من كبار وصغار يفرغون ما في وسعهم وطاقتهم لإرضائه أو لتطييب مر أيامه. وهو لا يزال إلا تبرماً من الحياة وتأففاً من العيشة. وقد ضجر من هذه الدنيا وما فيها لشعبه منها بل
لتخمة. وكان يود أن يموت والموت لا يزال منه إلا هرباً وبعداً. فسمع ذات يوم انه في بلدة منف من ديار مصر رجل عالم بل حكيم لا بل بنى يستطيع أن يحل اعقد المسائل وأعضلها ويصف الدواء الناجع لأي مرض كان. فعقد مبارك النية على الذهاب إليه واستفتائه أو استشفائه. فدعا وصيفه (مالكاً) وكان يثق به كل الثقة وأمره أن ينتخب له من ابله أحاسنها وان يحمل على واحد من نجبها أسفاطاً يملاها ذهباً وفضة وجواهر وجماناً ويجعل على مهري آخر أنواع الطيوب طيوب بلاد العرب ويركب كل منهما مهرباً ويظعنان إلى منف مقر الولي العظيم. لها بقية -
-
العدد 2 - بتاريخ: 01 - 08 - 1911 المنتفق عقدنا ضميرنا على أن نكتب كثيرا عن أعراب العراق. إلا أن عملنا هذا يجرنا إلى إعادة العنوان الواحد مرارا عديدة. وهذا مما يدفع إلى السام فحذراً من هذه الرطمة قصدنا أن نصدر البحث الواحد بعناوين أقسامه دفعاً للملل وتشويقاً لمطالعة الموضوع. وهانحن نبتدئ بأصل معنى المنتفق. أعراب المنتفق يلفظون الكلمة (المنتفج) بميم مضمومة بعدها نون ساكنة يليها تاء مثناة مفتوحة ووراءها فاء مكسورة وفي الآخر
جيم مثلثة النقط فارسية اللفظ كما في جيم جهره وجهار وجه الفارسيات التركيات. وأنت تعلم أن كل ما يلفظه الأعراب بالجيم المثلثة هو بالكاف العربية إذ لا يسمع منهم لفظ الكاف الحقيقي إلا نادراً فهم يقولون مثلاً جال وحجي وشبجه وشباج في كال (يكيل) وحكى (يحكى) وشبكة (للصيد) (وشباك للطاقة أو النافذة) وعليه: فيكون في لفظة المنتفق لغة ثانية وهي (المنتفك) على أنك إذا تسمعت بعضهم ممن يعنون بحسن اللفظ والكلام تحققت أنهم يقولون (المنتفج) بالجيم العراقية الفصيحة وهي الجيم المنصوص عليها في كتب النحاة والصرفيين والقراء والمجودين لا الجيم الشامية أو المصرية. وأعراب المنتفق كسائر أعراب البادية لا يعرفون لفظ القاف الفصيح وهم يكرهونه أشد الكراهية ويقلبونه جيماً عراقية أينما وقعت وفي أي لفظة جاءت ومنهم من ينطق بها كافاً فارسية كما في كلستان وكوز وكرم الفارسيات. وعليه ففي لفظة (المنتفق) خمس لغات وهي المنتفق بقاف والمنتفك بكاف والمنتفج بجيم فارسية وفصحاهن الأولى لأنها هكذا وردت في كتب الأقدمين من البلغاء وهي لا تزال ترد بهذه الصورة في من يتحرى الفصيح في كتابته وكلامه كما يتضح لك صحة هذا اللفظ من الشواهد الآتي إيرادها. ما معنى المنتفق ولمَ سموا كذلك لكل اسم من أسماء العرب يرجع إلى حكاية أو واقعة أو بيت شعر أو صناعة أو ما ضاهى هذه الأبواب وهي كثيرة عندهم. فما
عسى أن يكون معنى المنتفق ولمَ سموا بهذا الاسم. قلنا: علينا أولاً أن نعلم ما معنى انتفق في اللغة. فقد جاء في تاج العروس ما معناه انتفق اليربوع: خرج من نافقائه. . . وانتفق الرجل: دخل النفق. . . والنفق: السرب ووكر اليربوع أيضاً. اه فيكون سبب هذه التسمية إما لأن الجد الأكبر لبني كان يحرش قبل الإسلام فبقي عليه هذا الاسم وهو غير بعيد لأنهم سموا أيضاً حريشاً وحرشاء ومحرشاً فمن سمي بحريش كأمير: قبيلة من بني عامر. وبحرشاء كصفراء: امرأة وبمحرش كمحدث: محرش الكعبي ومحرش بن عبد عمر والحنفي وغيرهما. وإما لأنه كان يقيم في نفق لشدة الحر. فيكون شبيهاً بسكنة المغاور. وقد وجد في بلاد العرب أناس (منتفقة) أي سكنة الأنفاق أو الأسراب والمغاور وقد ذكر ذلك بعض المؤرخين ومنهم من وجد في غير بلاد العرب ويسميهم الإفرنج تروكلوديت، كما مر الكلام عنهم في الجزء الأول. وأول من ذكر هؤلاء الأقوام كتاب اليونان فقد قالوا عنهم انهم أناس نازلون في الشمال الشرقي من أفريقية ويأوون إلى الأنفاق والمغاور وأكثر ما يكونون بين نهر النيل والبحر الأحمر وكان يحتل تلك الجهات أيضاً قوم من العرب يأتون إليها من بلادهم. وإلى هذا العهد يوجد جم غفير من الأفريقيين هم (منتفقون) حقيقة وهم مبثوثون في أصقاع مختلفة من قارة أفريقية.
وفي بلاد العرب قطر كله جبال تحيط به الأودية العظيمة العديدة وفيها من الكهوف والأنفاق شيء كثار تأوي إليه قبائل من الأعراب الأوابد والشراذم والشوارد. ولا يبعد أن يكون هؤلاء من أولئك أو أن منتفقة بلاد العرب من منتفقة بلاد الحبشة ونواحيها والله أعلم. أما رأينا الخاص فهو أن بني المنتفق لم يسموا بهذا الاسم لكون جدهم كان من منتفقة اليرابيع أي محرشها ولا من المنتفقة بمعنى سكنة الكهوف. إنما سموا كذلك لكونهم اتفقوا على التناصر والتكلف اشتقاقاً من الاتفاق لا من الانتفاق. ويؤيد قولنا هذا أن بني المنتفق هم عبارة عن ثلاث قبائل كبار قد اجتمعت متحدة بينها كل الاتحاد وهي: قبيلة بني مالك وبمي سعيد والأجود (الأجود كأفضل لا الأجواد بألف بين الواو والدال) وكثيراً ما كان يفعل العرب والأعراب على التعاقد والتعاهد والتناصر ليكونوا اشد صولة على أقرانهم. وقد كان ذلك قبل الإسلام وبعده ومن هذا القبيل الأحلاف والأحابيش وقريش وخثعمة والرباب ولعقة الدم والقارة وجمرات العرب ورضفات العرب وجمهرة العرب وتنوخ والضفير (هذه الكلمة تكتب بالضاد لا بالظاء المنقوطة المشالة) والمطيبون وغيرهم ولعلك تقول: إذا كان المنتفق من الاتفاق فكان يجب عليك أن تقول: (المتفق أو بنو المتفق) فمن أين هذه النون في المنتفق إذا كان من الاتفاق؟ قلنا أن العرب كثيراً ما تفك الحرفين المدعمين وتبدل الأول منهما نوناً وتبقي الثاني على حاله. وهذا الأمر معروف عندهم وإن لم يصرحوا
بهذه القاعدة في كتبهم. فقد قالوا: الأجار بتشديد الجيم والأنجار. والأجاص والإنجاص. والرز والرنز. والإجانة والإنجانة. والقبرة والقنبرة. والخروب والخرنوب. وربما أبدلوا نوناً من الحرف الثاني لا من الحرف الأول كقوله الخرنابتان وهما الخرابتان. وهناك غير هذه الأمثال مما يطول سرده. ومما يؤيد هذا الاشتقاق أن (المنتفق وردت بدلاً من المنتفق في نسخ ياقوت القديمة وقد صرح بذلك الفاضل وستنفلد في طبعه لمعجم البلدان. وهكذا وردت في نسخ الأغاني القديمة. وقد يتفق أمران والجوهر واحد كما يجتمع زندان في وعاء. فقد يمكن أن يكون المنتفق رجلاً سمي لبعض الأوجه اللغوية التي ذكرناها فكان رأس قبيلة. ثم ضعف في ما بعد أمر عشيرته حتى اضطرت إلى أن تنضم إلى أحياء أو أقوام أخرى فكان منها هذه العميرة أو هذه العشائر المشهورة باسم المنتفق. نسب المنتفق قال في تاج العروس: المنتفق أبو قبيلة وهو المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وقال السيد إبراهيم فصيح الحيدري في كتابه عنوان المج في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد: وجميع قبائل المنتفق بطن من عامر بن صعصعة من العدنانية وهم بنو المنتفق بن عامر بن ربيعة بن كعب بن عامر بن صعصعة ويقال المنتفق متفق. اهـ. وبنو صعصعة: بطن من هوازن
من العدنانية. وهم بنو صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن كان له من الولد: عامر ومرة ومازن وغامر ووائل. وأمهم عمرة بنت عامر بن الضرب. وغالب وأمه غامزة بها يعرفون. وقيس وعوف ومساور ويسار ومثجور وأمهم عدية بها يعرفون. وكبيرة وزبينة وأمهم وائلة بها يعرفون وربيعة وأمه غويصرة بها يعرفون وعامر أكثرهم بطوناً. (عن أنساب العرب للقلقشندي). وذكر صاحب لسان العرب المنتفق ولم ينسبه ولم يذكر قبيلته. ومن العجب العجاب أن القلقشندي كتب سفراً مطولاً عن قبائل العرب ولم يذكر المنتفق أبداً. مع أنها قبيلة ضخمة بل عميرة جليلة. وممن ذكر نسب بني المنتفق ابن خلدون المغربي في تأريخه في المجلد 312: 2 قال: ومن بني كعب بن ربيعة. . . بنو عقيل (بن كعب وهم بطون كثيرة. منهم: بنو المنتفق بن عامر بن عقيل) ومن أعقاب بني المنتفق هؤلاء الأعراب المعروفون في الغرب (بالخلط). قال علي بن عبد العزيز الجرجاني: (الخلط): بنو عوف وبنو معاوية ابنا المنتفق بن عامر بن عقيل). انتهى. . . . قلت: والخلط في هذا العهد في أعداد جشم بالمغرب. ومن بني عقيل بن كعب: بنو عبادة بن عقيل: منهم الأخيل واسمه: كعب بن الرحال بن معاوية بن عبادة. ومن عقبه: ليلى الاخيلية بنت حذيفة بن سداد بن الأخيل.
وذكر ابن قتيبة: أن قيس بن الملوح المجنون منهم. وبنو عبادة لهذا العهد فيما قال ابن سعيد بالجزيرة الفراتية فيما يلي العراق. ولهم عدد وذكر وغلب منهم على الموصل وحلب في أواسط المائة الخامسة قريش بن بدران بن مقلد فملكها هو وابنه مسلم بن قريش من بعده. ويسمى شرف الدولة. وتوالى الملك في عقب مسلم بن قريش منهم إلى أن انقرضوا. قال ابن سعيد: ومنهم لهذا العهد بقية بين الحازر والزاب يقال لهم: عرب شرف الدولة. ولهم إحسان من صاحب الموصل. وهم في تجمل وعزٍ. إلا أن عددهم قليل نحو مائة فارس. وذكر المنتفق صاحب الأغاني في كلامه عن يزيد بن الطثرية قال: أن طثراً من عبد بن وائل أخوة بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وكان أبو جراد أحد بني المنتفق بن عامر بن عقيل أسر طثراً فمكث عنده زماناً ثم خلاه وأخذ عليه أصراً ليبعثن إليه بفدائه أو ليأتينه بنفسه وأهله فلم يجد فداء فاحتمل بأهله حتى دخل على أبي جراد فوسمه سمة إبله. فهم حلفاء لبني المنتفق إلى
اليوم نحو من خمسمائة رجل متفرقين فببني عقيل يولون إلى بني المنتفق وهم يعيرون بذلك الوسم. وقال بعض من يهجوهم: عليه الوسم وسم أبي جراد) اه وذكرهم في موطن آخر فقال: زعم علماؤنا أنه لما انهزم الناس خرجت بنو عامر وحلفاؤهم في آثارهم (في آثار بني تميم) يقتلون ويأسرون ويسلبون فلحق قيس بن المنتفق بن عامر بن عقيل عمرو بن عمرو فأسره (اهـ المراد من ذكره للتنويه بنسب المنتفق) وممن ذكر نسب المنتفق الطبري قال: وبارز زياد بن النضر أخاً له لأمه يقال: عمرو بن معاوية بن المنتفق بن عامر بن عقيل. وكانت أمهما امرأة من بني يزيد. فلما التقيا تعارفا فتوافقا. ثم انصرف كل واحد منهما عن صاحبه وترتجع الناس. اهـ. وقد ذكر بني المنتفق غير هؤلاء الكتاب فاجتزأنا بالقليل السلسبيل الراوي للغليل عن الكثير الأجاج المهيج لعلة العليل. ديارهم القديمة قد جاء في كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر لابن خلدون المغربي في الجزء 302: 2 ما هذا نصه: (وأٌما بنو عجل بن لجيم بن صعب وهم الذين هزموا الفرس بمؤتة يوم ذي قار فمنازلهم من اليمامة إلى البصرة. وقد دثروا وخلفهم اليوم في تلك البلاد بنو عامر المنتفق بن عقيل بن عامر:) فهذا كلام نفيس يدلك على قدم احتلال بني المنتفق لهذه البلاد.
وقال ابن خلدون في موطن آخر من كتابه في المجلد 2: 312 نقلا عن ابن سعيد: (ومنازل المنتفق الآجام التي بين البصرة والكوفة. . . ومن بني عامر بن عقيل: بنو عامر بن عوف بن مالك بن عوف وهم اخوة بني المنتفق وهم ساكنون بجهات البصرة وقد ملكوا البحرين بعد بني أبي الحسن ملكوها من تغلب. قال ابن سعيد: وملكوا أرض اليمامة من بني كلاب وكان ملكهم لعهد الخمسين من المائة السابعة عصفور وبنوه.) اهـ ومما يدلنا على الربوع التي احتلوها في سابق العهد المياه التي كانت لهم فإنها تطلعنا احسن الاطلاع على منازلهم وديارهم القديمة. فمن مياه بني المنتفق: (الميثب) كمبرد قال ياقوت: الميثب ماء بنجد لعقيل ثم للمنتفق واسمه معاوية بن عقيل. وقال الأصمعي: المثيب ماء لعبادة بالحجاز وقال غيره: مثيب واد من أودية الأعراض التي تسيل من الحجاز في نجد اختلط فيه عقيل بن كعب وزبيد من اليمن.) اهـ ومن مياههم (البيضاء) قال ياقوت: البيضاء ماء لبني عقيل ثم لبني معاوية بن عقيل وهو المنتفق. ومعهم فيها عامر بن عقيل. قال حاجب بن ذبيان المازني يرثى أخاه معاوية بالبيضاء قال. تطاول بالبيضاء ليلى فلم انم ... وقد نام قساها وصاح دجاجها معاوى كم من حاجةٍ قد تركتها ... سلوباً وقد كانت قريباً نتاجها السلوب في النوق. التي ألقت ولدها لغير تمام.) اه
ومن ربوعهم (العقيق) قال الهمداني في جزيرة العرب: العقيق عقيقان: العقيق الأعلى للمنتفق ومعه معدن صعاد على يوم أو يومين وهو اغزر معدن في الجزيرة العرب. وهو الذي ذكره النبي عليه السلام في قوله: مطرت أرض عقيل ذهباً. والأسفل هو في طي.) اهـ ويقال لهذا العقيق الأعلى: (عقيق بني عقيل). قال ياقوت: (ومن الاعقة) العقيق الذي في بلاد بني عقيل. قال أبو زياد الكلابي عقيق بني عقيل فيه منبر من منابر اليمامة. ذكره القحيف بن حمير العقيلي حيث قال. أأم ابن إدريس ألم يأتك الذي ... صبحنا ابن إدريس به فتقطرا فليتك تحت الخافقين ترسه ... وقد جعلت درعاً عليها ومغفرا يزيد العقيق ابن المهير ورهطه ... ودون العقيق الموت ورداً وأحمرا وكيف تريدون العقيق ودونه ... بنو المحصنات اللابسات السنورا انتهى النقل عن ياقوت. ومن هنا ترى أن المنتفق كانوا منتشرين بين العرق وجزيرة العرب ويترددون بين بلاد وبلاد للانتجاع أو للغزو أو لغاية أخرى على ما هو معهود في حياة أهل البادية. ربوعهم الحالية تمتد من الناصرية إلى الحي وبينهما شطرة المنتفق والحمار وسوق الشيوخ والبطحاء والبدعة وبني أسد وبني سيد والمشارقة وقلعة صقر
إلى غيرها من الأقضية والنواحي. وقصبة اللواء: الناصرية. وبكلمة واحدة هي البلاد التي احتلوها من سابق العهد. ومن ديارهم المشهورة في الأزمنة الخالية والحالية (الغراف) وهو نهر كبير تحت واسط بينها وبين البصرة وعلى هذا النهر كان في سابق العهد كورة عظيمة فيها قرى كثيرة وأما اليوم فلم يبق منها شيء يذكر. وكذلك القول عن البطائح التي كانت في جواره. فإنها كانت متسعة الأطراف مترامية الضفاف وأما في هذا العهد فقد نضبت مياهها وضاق عقيقها. وسمى الإفرنج نهر الغراف باسم (شط الحي) نقلاً عن العوام والحي قرية ضخمة راكبة الغراف سابقاً. واسم الغراف في العهد الماضي (المسرهد) على وزن مدحرج بفتح ما قبل الآخر وقريته الحي تبعد عن هذا النهر نحواً من نصف ساعةٍ لتحول مجراه مع الزمان. ونهر الغراف أو المسرهد أو شط الحي ينقسم هناك إلى شعبتين فالشعبة التي عن يمينك تسمى (أبو حجيرات) مجموع حجيرة مصغرة حجرة. والشعبة التي عن يسارك يقال لها (شط العمى) لأنه لا يدفع مياهه إلى نهر آخر ولان الرمال تدفن عقيقه رويداً رويداً. ولا يوجد الماء في شعبة إلا أربعة أشهر في السنة هي أشهر الشتاء. ومن غريب تأويل بعض كتاب الإفرنج أن هذا الشط يسمى (شط الحية) لا شط الحي. وسمى بذلك لأنه يتمعج الحية قلنا. وليس الأمر كذلك لأنه لا يوجد نهر إلا ويكون متعرجاً في سيره تبعا لحركة
الكلدانيون
الماء. نعم لو كان متعرجة شديداً يفوق منعطفات سائر الأودية والأنهر لصح التأويل. إلا أن الأمر ليس كما توهموه. وقد رأيت سبب تسمية العامة له بنهر الحي وسمى الحي حيا لحيوية أرضه وقوة إنباتها وخصب طينته مما لا يشبهه نظير قط في القرى المجاورة أو المندرسة. الكلدانيون واصل اسمهم ومعناه واختلاف الروايات فيه كان الكلدانيون في سابق العهد أمة عظيمة بلغت من شاو الحضارة مبلغا بعيدا، وكانت تسكن العراق من شماليه إلى جنوبيه، وكان لهم شهرة طبقت الخافقين. وقد ورد ذكرهم في كتب الأقدمين على اختلاف أجيالهم ولغاتهم، وقد جاء بنوع أخص في أسفار الكتبة المحدثين، لكثرة تتبعهم للحقائق، وتطال أعناقهم إلى تواريخ الأمم الخالية، وإمعانهم فيها بنوع لا يجاريهم مجار بل ولا يشق لهم غبار. ولما كان شغفهم بالروايات الصادقة لا يضاهيه شغفهم بغيرها نقبوا عن مصادرها كل التنقيب حتى ظفروا بضالتهم، أعنى بذلك: الآثار والعاديات التي اكتشفوها في بلادنا بينما نحن في غفلة عنها وعن المنقبين وكل ما عثروا عليه منقوش على الحجارة أو الصخر أو الآجر أو الفخار أو ما ضاهي هذه المواد من مشوية في النار أو غير مشوية في النار أو غير مشوية أو مقطوعة من مقالعها ومدافنها أو غير ذلك. واليوم يعرف الإفرنج تواريخ بلادنا وأممها وأجيالها ومواقع مدنها
وأنهارها وسابق مجدها ما لا تعرف منه عناوين أبحاثهم فيها أو عناوين المضامين التي بحثوا عنها. هذا فضلاً عن إننا لا نجد في المصنفات العربية من حديثة وقديمة ما يتصدى لهذا الفرع من العلوم الضرورية للعمران والتبسط في الحضارة والمدنية. ولهذا رأينا من الواجب علينا أن نتعرض لهذا البحث الغزير الفائدة ليقف عليه أهل الوطن، ويعرف ما كان عليه أصحاب هذه الديار في سابق الإعصار من الهمة والنشاط والتيقظ فيعظم في قلبهم حبها ويغارون عليها، ويسعون كل السعي إلى الاحتفاظ بها، وترقيتها إلى أوج الفلاح، كما فعل من سبقنا على هذه الأرض وعلى الله الاتكال. وأول شيء نستهل به بحثنا هذا هو كلمة الكلدانيين واصلها أو معناها مع أيراد جميع أقوال العلماء المختلفة فيها من قديمة وحديثة، فتقول:. . جاءت هذه الكلمة بصور شتى وكل يعتقد أنها اللغة الفصحى واللفظة الحقيقة القديمة التابعة لأتصل الوضع، وان ما سواها من اللفظ المرغوب عنه بيد انك إذا سالت: من المحق في كلامه؟ أجابك كل منهم من فوره: أنا المحق. فتعال يا أيها الأديب ننظر في الأمر لننشد ضالتنا. إن لفظة الكلدانيين وردت في التوراة البرية منذ العصر الذي طوى فيه الكلدانيون أيامهم أي منذ القرن العشرين قبل المسيح. وقد جاءت بصورتين متقاربتين وهما: كسديم وكشديم أي بالسين وبالشين وكذا
أيضاً وردت في بعض الرقم البابلية اللغة أو الأصل أو النقل أو الرواية وقد ذهب العلماء مذاهب في معناها. فمنهم من قال إنها تعنى الفاتحين. وفريق أولها ببلاد الكس (بفتح الكاف) لان (كس). اسم الجبل نفسه، و (ده) البلد وصرح آخرون أن الرواية الفصحى هي كشيديم بالشين المثلثة (لاكسيديم) بالسين المهملة وكذا وردت في النسخ القديمة من نسخ التوراة ومعناها عندهم. (الفاتكون). لأنهم كانوا في أول أمرهم أهل غزو وغارات وفتك. فتكون الكلمة من أصل شائع في العربية والبابلية واللغات السامية معاً. فقد جاء في كتب اللغة عن معنى كشد: قطع بأسنانه كقطع الجزر، وكشد الناقة حلبها بثلاث أصابع، وهذا يدل على انهم كانوا أصحاب ابل وأنعام. وكشد فلان: اخلص الزبدة وهو يدل على انهم كانوا في سابق عهدهم أهل بادية يمخضون الألبان ويخلصون الزبدة. ومن اللغويين من اثبت أنها مشاقة من الكشد (بضمتين) والياء والميم من علامات الجمع عند العبريين) ومعناها: الكثيروا الكسب والكادون على عيالهم، الواصلون أرحامهم، والواحد: كاشد وكشود وكشد (وهذه الأخيرة مفتوحة الأول والثاني) والكلدانيون كانوا مشهورين بكثرة كسبهم وحبهم لعيالهم.
وذهبت جماعة من البحثين إلى أن أصل (كسيديم أو كسديم: حسيديم اوحسديم) أي بالحاء في الأول بدلاً من الكاف ومعناها في العبرية: المحبون عيالهم الواصلون أرحامهم. وكان الكلدانيون معروفين يوصل الأرحام. والأخبار التي تنقل عنهم في هذا الباب كثيرة مستفاضة في أسفار تاريخ هذا الجيل. وقال بعض المحققين بان الأصل هو (كرديم) لاكسديم أو كشديم ومعناها الأكراد. لان الكلدانيين لما اخذوا بالانقراض لجاءوا إلى جبال أو بلاد كردستان فبقى اسمهم القديم عليهم وما الاسم المصحف فبقى في بطون المهارق والأوراق. وقد وردت الكلمة في الكلمة في بعض نسخ التوراة العربية بصورة (خلدانيين وسبب ذلك هو أن للخاء والكاف صورة واحدة في اللغة الارمية فالذين قرؤوها خاء في العربية والذين جروا على رسم اللغة الارمية أثبتوها كافا عند نقلهم إياها إلى لغتنا. على أن المشهور المستفاض هو كلدانيون بالكاف بعدها لام. وأما العرب فقد تلاعبوا باللفظة كل التلاعب. وهم يفعلون ذلك في جميع الكلم الدخيلة في لسانهم ولا عجب في ذلك فان الأعاجم يتصرفون أيضاً كل التصرف بالألفاظ العربية ويسومونها الذل والخسف والتصحيف والتشويه فلا يحق لهم أن يعيروا العرب بم يركبون متنه. وقد أشار بن عربشاه إلى تصرف العرب هذا بقوله: أن كرة الألفاظ الأعجمية، إذا تداولها صولجان اللغة العربية، خرطها في الدوران على بناء أوزانها
ودحرجها كيف شاء في ميدان لسانها،. . اهـ. وعليه فقد ذكر كتاب العرب الكلدانيين بصور مختلفة وهانحن نورد بعض ما جاء من القبيل. قال في تاج العروس في مستدرك مادة ك ل د: الكلدانيون بالضم: طائفة من عبدة الكواكب. اهـ وقد وردت (ك ش د) الكشدانيون بالضم: طائفة من عبدة الكواكب. اهـ وقد وردت في كتاب الفهرست لابن النديم بصور مختلفة كرداني وكزداني وكسداني (ص194 و195 من التذبيل الذي ذيله فلوغل) وكأنها بضم الكاف وهو غريب لان الأصل هو بفتح الكاف إلا أن العرب لم تجار الأجانب في نقلهم هذا. وجاء في مروج الذهب طبعة باريس 2: 112 و4: 681 أن الصابئين كانوا يعرفون أيضاً باسم كماريون وهو لفظ غريب أيضاً فقيل الأصح كتباريون وقيل كسكريون وفي مروج الذهب المطبوع على حاشية نفح الطيب (279: 1) الكيماريين وفي (2: 152) الكنياريون وهذه التصحيفات أيضاً تختلف باختلاف طبعات مروج الذهب الكثيرة وفي كل طبعة رواية جديدة غريبة وعندي ثلاث طبعات منه وفي كل طبعه ما يؤيد قولي هذا. ولو سردت الكل لطال المقال على غير جدوى. وقد ذكرهم ابن خلدون باسم قنطارية قال. والقنطارية أصحاب قنطارين ارفكشاد. وقد جاءت مصحفة على اوجه شتى منها كنتاريون وكتباريون وقطباريون والأصح في ذلك كشدانيون فصحفت كشرانيون وكنترانيون وقترانيون. وأساس كل هذه التصحيفات والتحريفات
والتشويهات الكتابة غير المنقوطة. وأما الرواية الصحيحة فهي الكلدانيون نسبه إلى كلدة بفتح الكاف فسكون اللام أو كلدة بفتحتين وهو اسم شيخ أو أمير من شيوخ العرب غزا ديار العراق في بطائح الفرات فتسمت البلاد باسمه ومن صلبه ولد الملك مرودخ بلدان ملك بابل وكان الشيخ كلدة في عهد إبراهيم الخليل وحارب الآشوريين ومنعهم من التسلط على العراق. واسم كلدة كان في صدر الإسلام معروفاً عند العرب ومنه اسم الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج الثقفي طبيب العراب المشهور والكلدة بكسر الكاف وسكون اللام نبت مشهور بالعراق يسميه أهل البادية بهذا الاسم كما يسميه أهل بلاد العرب أيضاً وهو يشبه بعض الشبه الحلفاء أو غيرها من الانبتة وهو إذا تأصل في الأرض فشا فيه فشواً مريعاً ولا يقلع أو يزال إلا بجهد جهيد وأمل البلاد سميت بهذا الاسم من باب التشبيه لان العرب الكلديين أو الكلدانيين لما نزلوا هذه الديار لم يستأصلوا منها إلا بشق النفس. ومن غريب الأمر أن العراق فخذا من الإعراب يرجعون إلى العبيد اسمهم الكلادنة أو الكلدانية وصيحتهم للحرب (أي استنفارهم) هي واحدة مع أعراب الغوالبة والكبيشات وقد رأيت هؤلاء البدو في 14 آذار سنة 1904 سألتهم عن سبب تسميتهم بهذا الاسم فلم يستطيعوا أن يفيدوني فائدة تذكر. فلعلهم سموا بهذا الاسم لأنهم احتلوا أراضي بابل فعرفوا باسم الأرض التي نزلوها لأول مرة وهي الأرض المعروفة باسم كلدية في هذه الأيام عند بعض سكان البادية. والله اعلم
هذا جملة ما يقال في أصل هذا الاسم وتشويه المختلف ومعناه المشتبه والخلاصة هي: أن الكلدانيين قوم من العرب فتحوا العراق وبقوا فيه وتغلبوا على من عاداهم فنشأت منهم هذه الدولة الضخمة المشهورة. ومن غريب الأمر أن العرب لم يعرفوا أن هؤلاء كانوا منهم في سابق الزمن بل كما اتفق لهم الكلام عنهم ذكروهم باسم نبط العراق أو أنباط العراق ونسوا اسم الكلدانيين بتاتا. قال المسعودي في كتابه مروج الذهب في الباب العشرين: (ذكر ملوك بابل وهم النبط وغيرهم المعروفين بالكلدانيين): ذهب جماعة من أهل التنقير والبحث والعناية بأخبار ملوك العالم: أن أول ملوك بابل هم أول ملوك العالم الذين مهدوا الأرض بالعمارة. وان الفرس الأولى إنما أخذت الملك عن هؤلاء كما اخذ الروم المملكة من اليونانيين فكان أولهم نمرود الجبار. . . إلى آخر البحث. ولم يذكر اسم الكلدانيين إلا شيئا نزراً، على أن الذي أثبته العلماء اليوم أن الكلدانيين غير الأنباط. لا يجوز خلط اسم قوم باسم قوم آخر وقد جرى سائر مؤرخي العرب على هذه التسمية المغلوطة أن كانوا ممن تقدم المسعودي أو ممن جاء بعده. هذا فضلاً عن أن لفظة النبط أو الأنباط جاءت عند كتاب العرب بمعان عديدة. منها: بمعنى الأنباط الحقيقيين. ومنها معنى الآراميين ومنها بمعنى السريانيين. ومنها بمعنى الكلدانيين. واغلب هذا الوهم ناشئ من اللغة الشائعة بين هؤلاء الأقوام فإنها كانت الارمية. ولهذا
كتاب الفرق بين الصالح وغير الصالح
وقع الكتاب في مهواة هذه المغواة. والله الهادي إلى سبيل الهداية والسداد. كتاب الفرق بين الصالح وغير الصالح تأليف أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن احمد الغزالي. تاريخ كتابته 648 هـ (- 1250 - 1251 م) بيد ناسخه علي ابن أبي العشائر بن الغزالي. طوله 23 سنتيمترا عرضا. عدد أوراقه 71 وفي كل صفحة 15 سطراً بخطٍ نسخي حسن. هذا الكتاب من كتب اسكندر أفندي داود مسيح في بغداد. تنقصه ورقة واحدة من الرأس والظهر مصحف بالمقوى بكعب سختيان أخضر فاتح اللون. وخطه وان كان حسنا إلا انه لكونه غير منقوط في بعض الألفاظ تصعب قراءته لقدم النسخة. وفي بعض الأوجه بقع تدل على انه قد بل بالماء في بعض المواطن. وكثيرا ما حيل الغزالي في كتابه (نصيحة الملوك) وربما قيل (التبر المسبوك. في نصائح الملوك) على هذا الكتاب. وكتابه (نصيحة الملوك) فارسي وهذا الكتاب قد أقامه على سبعة أبواب وهي: الباب الأول: في سياسة السلطنة وسيرة السلطان. الباب الثاني: في سياسة الوزارة وسيرة الوزراء. الباب الثالث: في ذكر الكتاب وآدابهم وسيرة الوزراء. الباب الرابع: في سمو همم الملوك. الباب الخامس: في ذكر حكمة الحكماء وهو باب جليل.
الباب السادس: في شرف العقل. الباب السابع: في نعت النساء وذكر ما فيهن من خير وشر. وليس في ديار الشرق نسخة ثانية لهذا السفر الفذ وقد تصفحت ما قد وصلت إليه يدي من فهارس كتب خزائن الشرق والغريب فلم اظفر بضالتي وهو غير مذكور بين مصنفات الإمام والذين ذكروه نفر قليل. قال السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى في مقدمة شرح أحياء العلوم في الفصل التاسع عشر في ذكر مصنفات أبي حامد الغزالي (ورتب ذكرها على حروف المعجم). قال في حرف الفاء: والفرق بين الصالح وغير الصالح ذكره في كتابه نصيحة الملوك. اهـ. فيعلم من هذه العبارة أن السيد محمد مرتضى لم يعثر على نسخة كتاب الفرق هذا. وإنما تعرض لذكره وعلم به من استقراء كلام الغزالي نفسه في كتابه نصيحة الملوك. وأما الحاج خليفة فلم يذكر إلا اسمه ولم يصفه لأنه لم يقف عليه في عهده. وقد بذلت جهدي في الفحص عنه في خزائن الكتب الشرقية حتى استكتب الورق المنخرم من أول هذه النسخة فلم أفز بطائل. ثم علم انه يظهر من مطاوي كلامٍ له في الباب الثاني في الوزارة أن أيام تصنيفه كانت في عهد السلجوقية. وأما ناسخ هذه النسخة فهو على ابن أبي العشائر بن الغزالي. وأظنه علي بن احمد الغزالي الذي
حكاية انوشروان والصبية الحكيمة
ذكره السيد محمد مرتضى في شرحه على الأحيياء. قال: العلامة علي بن احمد الغزالي مؤلف كتاب ميزان الاستقامة لأهل القرب والكرامة: توفي سنة 731 هـ (- 1330م) وقال الملا كاتب جلبي في كشف الظنون: (ميزان الاستقامة لأهل القرب والكرامة لعلي بن الغزالي المتوفي سنة 731هـ وهو غير الغزالي المشهور اهـ. وفي هذا السفر الجليل شئ كثير من الأمور التاريخية غير معروفة وغير مذكورة في الكتب كبعض أمور رواها عن البرامكة ونحوهم ممن كان في عهد المؤلف أو قبله بقليل وفيه أيضاً أخبار تدل على حكمة وأصالة رأي تفيد القارئ وسوف نأتي على نتف منها أن سنحت الفرصة ونحن نروي هنا حكاية تتعلق بانوشروان لتكون أنموذجا مما يحوي الكتاب. حكاية انوشروان والصبية الحكيمة يقال: أن انوشروان الملك العادل مضى يوما إلى الصيد، فرأى ضيعة في القرب منه، وكان قد عطش. فقصد الضيعة وآتي باب دار قوم، وطلب ماء ليشرب، فخرجت صبية فأبصرته. ثم عادت إلى البيت، فدقت قصبة واحدة من قصب السكر، ومزجت ما عصرته بشيءٍ من الماء، ووضعته بالقدح وسلمته إلى انوشروان. فنظر في القدح فرأى فيه تراباً وقذى. فشرب منه قليلاً حتى انتهى إلى آخره. وقال للصبية: نعم الماء لولا قذىً كدره.
فقالت: أنا عمدا ألقيت به القذي. فقال: ولم فعلت ذلك؟ قالت: رايتك شديد العطش، فلو لم يكن في الماء قذي كنت شربته عجلاً في نوبةٍ واحدة، وكان يضرك شربه فعجب انوشروان من كلامها. وعلم إنها قالته عن ذكاءٍ وفطنةٍ. ثم قال لها: من كم قصبةٍ دققت ذلك الماء؟ فقالت: من قصبة واحدة. فتعجب انوشروان واضمر في نفسه انه إذا عاد أمر يزاد عليهم في الخراج. ثم عاد إلى تلك الناحية بعد وقتٍ، واجتاز على ذلك الباب منفرداً، وطلب ماء. فخرجت تلك الصبية بعينها فرأته، فعرفته، ثم عادت لتخرج الماء، فأبطأت عليه، فاستعجلها انو شروان. وقال: لأي سبب أبطأت: قالت لأنه لم يخرج من قصبة واحدة حاجتك، وقد دققت ثلاث قصباتٍ. ولم يخرج منها بقدر ما كان يخرج من واحدة. فقال انوشروان: ما سبب هذا العجز؟ فقالت الصبية: سببه تغير نية السلطان. فقد سمعنا: انه إذا تغيرت نية السلطان على قوم زالت بركاتهم. وقلت خيراتهم. فضحك انوشروان وعجب من قولها وأزال من نفسه ما كان قد اضمر لهم. وتزوج الصبية لتعجبه من ذكائها وحسن كلامها.
أخلاق أهل نجد
الرجل الفاسق والمرأة العفيفة فقال: انه كان رجل فاسق يكايد امرأةً عفيفةً بالحرام. فلما حصل عندها. قال لها: امضي واغلقي جميع أبواب الدار واحكمي إغلاقها. فمضت المرأة. ثم عادت وقالت: قد أغلقت سائر الأبواب التي بيننا وبين الخلق وقد أحكمتها. وقد بقى الباب الذي بيننا وبين الخالق تعالى، ما قدرت عليه ولا استطعت أن احكم إغلاقه وهو بحاله مفتوح. فوقع في نفس الرجل الهيبة. فاخلص لله التوبة واقلع عن ذنبه وعاد إلى طاعته تعالى. اهـ وبهذا القدر كفاية لمن يريدان يعرف ما في هذا الكتاب من الكنوز الأدبية والحكمية وكفى بالكتاب أن يكون منسوباً إلى مثل الغزالي لتعرف مكانته من البلاغة والفصاحة وحسن سبك العبارة مع اختيار احسن الحكايات واصح الأخبار. السيد صدر الدين الكاظمية: أبو محمد الحسن العاملي أخلاق أهل نجد (تتمة) (5:) أخلاقهم هي أخلاق العرب الأقدمين العزيزي النفس المتوقدي الذهن الأذكياء الشهام الأباة أخلاق لم تغيرها الحوادث والأزمان فهم اليوم أهل كرم وشجاعة ووفاء وسماحة وحمى ودخالة وسيرتهم توافق قوانينهم وتنطبق عليها أتم الانطباق ولا تحيد عن الكتاب والسنة فهم يجلونهما اعظم الإجلال ولا يعتبرون إلا إياهما.
نعم يوجد بين القبائل من يجري على قوانين وسنن وشرائع راجعة إليهم وخاصة بهم يقومون لها ويقعدون لكن إذا جاءوا المدن رجعوا إلى الشرع الشريف في أمورهم وشؤونهم الاجتماعية. هذا فضلاً عن أن لهذه السنن من المزايا والمحاسن ما تفيد كل الإفادة تلك الأقوام في هاتيك الربوع ولولا ضيق المقام لأتينا على ذكر بعض منها إظهاراً لمنافعها ولما أودعتها من الحكمة البعيدة المرمى والمبنى والمعنى (6 جارتهم) (التجارة التي يتعاطاها أهل تلك الأرجاء هي الخيل والإبل وكلاهما من احسن ما وجد من جنسيهما في الدنيا كلها جمعاء. ولعلنا نعقد يوما فصلاً نذكر فيه ما يجب الوقوف عليه في البحث والتمر وأنواعه كثيرة وأسماؤه هي تلك الأسماء القديمة لا تتغير وهذا يفيدنا في تصحيح بعض الألفاظ الواردة في هذا المعنى والسمن (واسمه عندهم الدهن كما يسميه العراقيون) والصوف والوبر. ويذهبون بكل صنف من هذه الأصناف إلى حيث يكون رواجه. فيذهب بالخيل مثلا إلى بلاد الهند. واغلب أصائل هذه الأنحاء من نجد. وينقلون الإبل إلى مصر والشام. ويحملون التمر إلى الحجاز. ويبيعون الدهن أو السن في البصرة والكويت والحجاز حسب الوقت الذي يوافق نقله أو يصادف تصريفه وإنفاقه في موطن دون الموطن الآخر الذي رخص فيه. وهذا هو سر أسفارهم المترامية وتغريهم عن أقطارهم العزيزة ولهم في ذلك من الصبر والجلادة مالا تراه في أقوام آخرين سواهم. فانك ترى الواحد منهم يقيم نائباً عن مسقط رأسه ثلاثين حولاً مثلاً ولا
يتأفف من حالته البتة وهم أهل سعى وكد وجد ولا تعيقهم الأخطار الشديدة ولا الأهوال الهائلة عن الوصول إلى ما به منفعتهم. أفبعد هذا تتعجب من كون كثيرين منهم وصلوا إلى لندن وأميركة والديار النائية فلقد يقضي واحدهم الأيام الطوال والاعوام الكثار بدون أن يلتفت إلى وطنه). (7: زراعتهم) (اغلب زراعتهم متوقفة على الحنطة والشعير والذرة (الاذرة أو الادرة) والسمسم والدخن ويزرعون كل هذه الحبوب بقدر حاجتهم. وإذا حبست السماء ماءها اضطروا إلى جلب ما يحتاجون إليه من البلاد الأخرى كالكويت والبصرة والسماوة وغيرها ولقد كانت الزراعة تتقدم عندهم تقدما عظيما لولا أمرين أحدهما: جور الحكام. والثاني قلة المياه. ولقد حاولوا مرارا استنباط المياه بالآلات المختلفة أو حفر الآبار الارتوازية فلم يتيسر لهم ذلك. لصعوبة الطرق ووعورتها بحيث لا تستطيع العجلات السير فيها. وأما إذا قلت: فهناك جمال تضطلع بحملها. قلنا: تضطلع بحمل بعضها لا بكلها لأنه يوجد آلات ثقيلة غاية الثقل لا يحملها البعير الواحد بل ولا البعيران أو الثلاثة. ومن ثم أصبح نقلها من البعيد التحقيق. ولولا ذلك لأصبحوا في غنى عن الديار الأخرى في كل أين وان. بل لزادت حاصلاتهم على نفقتهم ولربحوا من التجارة بما فضل عندهم أموالاً طائلة تأتيهم من البلاد التي ينفقون اليوم فيها أموالهم للحصول على ما يحتاجون إليه.
(8: الصناعة عندهم) (ليس لهم من الصنائع إلا ما لغيرهم من مجاوريهم من أهل الكويت والبصرة كالنجارة والحدادة والسكافة والخياطة وما ضاهي هذه المهن. ومهارتهم في الأسلحة غريبة فانهم وان كانوا إخلاء من جميع الوسائل الميسرة لهذه الغاية فانك تراهم يصلحون ما يقع من أنواع الخلل ببنادق ما وزر ومارتيني. واغرب من هذا انهم يفرغون المدافع إفراغاً محكماً ويحسنون التصرف بالمدافع الجديدة الطرز حتى انك تخالهم انهم تلقوا علم المدافع عن أصحابه المهرة وإذا وقع في هذه الآلات خلل أصلحوه على أقوم وجه. ومع كل هذه البراعة والتفنن لا تشاهد في أيديهم أدوات تامة العدة كما ترى في البلاد الراقية في المدنية. وعندي انه لو وجد بأيديهم آلات تساعدهم على تحقيق أمنيتهم لبرزوا في الصناعيات على من سواهم ولاتوا بكل عجاب. وأوقفك الآن على اغرب من هذا كله: انهم يتحرون المباحث العلمية الدقيقة ويتتبعون الاكتشافات الحديثة كالكهرباء والسلك الجوي وبعض الآلات البرقية وما ضاهي هذه الموضوعات الجديدة واعهداً واحد في القصيم يضيء محله بالنور الكهربائي الذي هو صنع يديه وقد ركب الأجزاء التي يتولد منه بأعمال فكرته. وإذا كانوا لا يحققون دائما ما يعقدون النية علبه فهو لأنهم في شغل شاغل عنه بما يقومون به من أمر العيشة وتطلبها في الأقطار النائية.) (9: ديانتهم) (بقى علينا أيراد أمر الديانة والاعتقاد عندهم. فقد أسلفت وقلت. انهم يعتمدون على الكتاب (القرآن) والسنة
(وهي الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ولدى بحث جليل في هذه الموضوع وهو لا يخلو من فائدة لمن يريد تتبع الحقائق على وجهها الصادق الصحيح واستقراء ثوابت الأمور. ولعلى أعود إلى هذا المجال في فرصة أخرى.) (10: هواء البلاد) لا تكاد تلفظ كله نجد إلا وتتصور هذه البلاد تحت عينيك ويهب عليك نسيمها ويتلاعب أمامك هواؤه الطيب الجاف. لان معنى (نجد) ما اشرف من الأرض وارتفع واستوى وصلب وغلظ. . . ولا يكون النجد إلا قفاً أو صلابة من الأرض من ارتفاع مثل الجبل معترضا بين يديك يرد طرفك عما وراءه. . .) - (عن التاج) -، والهواء في منتهى الحرارة وقد تبلغ في الظل في بعض المواطن 52 درجة بالميزان المئوي. وعند الصباح يهب نسيم طيب لذيذ في الصيف وإذا تكبدت الشمس السماء انقطع الهواء في شهر تموز وأب وأيلول حتى يكاد الإنسان يموت اختناقا إلا انه لجفافه لا يؤثر كثيرا على الصحة. ويضطر من يسكن تلك الديار اتخاذ المآكل الخفيفة الهضم والانقطاع عن المسكرات والامتناع عن الأطعمة المطبوخة باللحوم الثقيلة. (11: تأثير الهواء على السكان) اعلم أن اغلب الأمراض تتولد هناك من الكبد لشدة الحر. ومن مؤثرات الحر على أهل البلاد أن اغلبهم ضعاف نحاف سمر الألوان طوال القامة إلا انهم أقوياء يحتملون الجوع والعطش والحر إلى درجة لا تكاد تراها في سواهما. وهم عصبيو
البنية ذو عزم شديد ومضاء بعيد إذا قصدوا شيئاً لا يرجعون عنه ولو كلفهم كرب الموت وإراقة الدماء وهم من بين جميع العرب سريعو تلقن العلوم والمعارف بل هم يتلقفونها تلقفا لسرعة تناولهم إياها وكذا قل عن الصنائع والفنون على أعلى اختلاف أنواعها وضروبها. (12: عدد السكان) ليس في بلد من بلدٍ العرب من يحصى عدد الأنفس. هذا فضلاً عن أن هذا العمل عندهم مشؤوم. إلا أن العارفين يقدرون أهل نجد بما ينيف على مليون نسمة. (13: نظرة وادع لبلاد نجد) يتضح لك مما أسلفنا ذكره أن بلاد نجد من احسن بلاد جزيرة العرب ترابا وهواءً. ولهذا قال ياقوت في معجمه: (لم يذكر الشعراء موضعا اكثر مما ذكروا نجدا وتشوقوا إليها من الأعراب المتحضرة) من ذلك قول أعرابي: حنينا إلى أرض كان ترابها ... إذا أمطرت عود ومسك وعنبر بلاد كان الأقحوان بروضه ... ونور الأقاحي وشي برد محبر احن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها اطرف يقصر وما نظري من نحو نجد بنافع ... اجل لا ولكني إلى ذاك انظر أفي كل يوم نظرة ثم عبرة ... لعينيك مجرى ماؤها يتخدر متى يستريح القلب أما مجاوز ... بحربٍ وأما نازح يتذكر وقال أعرابي آخر: فيا حبذا نجد وطيب ترابه ... إذا هضبته بالعشي هواضبه وريح صبا نجدٍ إذا ما تنسمت ... ضحىً أو سرت جنح الظلام جنائبه
نظرة عامة في لغة بغداد العامية
بأجرعٍ ممراعٍ كان رياحه ... سحاب من الكافور والمسك شائبه واشهد لا أنساه ما عشت ساعة ... وما إنجاب ليل عن نهار يعاقبه ولا زال هذا القلب مسكن لوعة ... بذكراه حتى يترك الماء شاربه بغداد: سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض ومنشئها نظرة عامة في لغة بغداد العامية على من ليس من الزوراء أن يعلم: أن أهل دار السلام ينقسمون إلى ثلاثة أقسام كبيرة تابعة لأديانهم وهي: المسلمون واليهود والنصارى ولكل منهم لغة أو لهجة خاصة بهم دون غيرهم. حتى انك إذا سمعت كلام واحد منهم حكمت للحال على الدين الذي ينتحله المتكلم أو ينتسب إليه. وذلك لان لهجة المسلم غير لهجة النصراني، وكلام هذا يمتاز عن نطق اليهودي كل الامتياز، عربية اليهودي لا تشبه لسان المسلم والنصراني بشيء أبداً من جهة النبرة والنغمة: وهذا الأمر لا تشاهده على مثل هذه الصورة العجيبة إلا في بغداد وبعض مدن العراق. نعم كان يمكنك قبل عشرين سنة أن تميز المسلم من النصراني في اليهودي بمجرد النظر إلى ثيابه وبزته. وأما اليوم فقد اختلط عليك الحابل بالنابل، إذ أن اغلب شبان بغداد يلبسون زياً واحداً لا يكاد يميز صاحبه عن وطنيه المنتسب إلى الدين الآخر إلا بأمرٍ واحد وهو أمر اللغة التي يتكلم بها.
أما احسن اللهجات البغدادية فهي لهجة المسلم لأنها فصيحة الكلمات مربوطة المعاني محكمة لفظ الأحرف كل الأحكام. ودونها لغة النصراني ومن بعدها لغة اليهودي. المسلم لا يتنازل أبداً إلى أن يتشبه بالنصراني أو اليهودي من قبيل اللفظ إلا ليهزا منهما. وإذا حاول التشبه بهما لغير السخرية خانه لسانه وظهر خداعه بعد ألفاظٍ قلائل. وقد يقلد النصراني المسلم بسهولة عظيمة غير انه يصعب عليه كل الصعوبة مجاراة اليهودي في نطقه لما في لهجته من النبرة اليهودية التي يرتضخها والتي لا يستطيع أن يأتيها إلا من ولد بين اليهود أو نشا فيهم منذ نعومة أظفاره وأما اليهودي فيصعب عليه كل الصعوبة محاكاة المسلم أو النصراني من جهة التلفظ. هذا وأنت تعلم أن أصحاب الأديان الثلاثة كانوا في بغداد قبل زهاء عشر سنوات في محلات خاصة بهم لا يخرجون عنها. بل وكان اليهود في عزلة تامة عن غيرهم لا تعلق لهم بمن ليس منهم. اللهم إلا في الأسواق ومعاطاة الأمور التجارية. وما عدا ذلك فكانوا ملازمين بيوتهم لا يترددون إلى دور غيرهم بل ولا يطأون عتباتها لأي غاية كانت. أما اليوم فان اختلاط قوم يقوم أصبح من الأمور التي لا غنى عنها مراعاة لمقتضيات الأحوال وتغير المنشأ أو اقل: لتغيير الأديم الأدبي والاجتماعي.
فإذا علمت ذلك زد على ما تقدم: أن لأصحاب كل دين مخالطة لا تجدها أو لا تكاد تجدها إلا قليلاً في أصحاب الدين الآخر. فان المسلم يعاشر مثلاً: التركي والكردي والهندي والفارسي اكثر من معاشرة النصراني واليهودي لهم. والنصراني يؤالف الإفرنجي والآرامي الأصل اكثر من سواه لهما. واليهودي يمازج أهل المال مهما كان وأينما وجده وعلى أي دين كان والي أي قوم ينتسب. ولهذا ترى هذه المخالطة تأثيرا عظيما في ألفاظ اللغة ومفرداتها ومركباتها. ومن ثم إذا آنت أنعمت النظر في لغتنا البغدادية وجدت فيها بقايا أو آثار من جميع اللغات أي انك تسمع بين ألفاظها مفرداتٍ تركية وفارسية وكردية وهندية وإنكليزية وفرنسية ورومية وإيطالية وألمانية وأرامية وعبرية. ولعلك تجد أيضاً فيها من غير هذه اللغات إلا انك إذا استقريت هذه الألفاظ ألفيتها تكثر بالنسبة إلى المتكلم بها ممن يخالط قوماً دون قومٍ. فان الحروف التركية مثلا تتوفر في لغة العسكري والمتوظف في الحكومة ولو كان عربي المنشأ والنجار. وذلك لكثرة ما يسمع هناك من اللغة الرسمية وهي التركية والهندية والفارسية تتدفق على السنة التجار ومن اخذ أخذهم. والإنكليزية تكثر على السنة المتوظفين في البواخر لان أول من ادخل السفن التجارية في العراق كان الإنكليز. والفرنسية تسمعها من طلبه المدارس وأصحاب المحلات التجارية ولو لم يكونوا فرنسويين أي انك تسمع هذه اللغة من الألمان والنمسيين والإيطاليين وغيرهم لان لغتهم التي
يتعاطون بها في تجارتهم هي الفرنساوية. والآرامية تكون في لغة النصارى لاسيما في لغة أولئك الذين يأتوننا من شمالي الموصل أي من تلكيف والقوش وما جاورهما. وقس على هذا القياس ألفاظ سائر اللغات. وكل من طرق باب هذا البحث من الأدباء المتأخرين أشار إلى هذا التداخل تداخل اللغات الغريبة في لغتنا العربية البغدادية. إلا أن بعضهم قصروا كلامهم على لغة وغضوا الطرف عن اللغة الأخرى التي لها أيضاً تأثير على لغتنا. أي انهم قالوا مثلاً: أن لغة عوام بغداد اقرب إلى التركية منها إلى العربية. وسكتوا عن دخول سائر اللغات فيها. ومنهم من قالوا مثل هذا القول إلا انهم جعلوا الفارسية أو الإفرنجية أو الكردية إلى غيرها بدلا من التركية. على أن الحق هو أن ألفاظ بعض هذه اللغات تكثر على السنة قوم دون قوم على ما ألمعنا إليه بعيد هذا بموجب طبقات الناس وتفاوتهم في مخالطتهم للأعاجم. فإلى فشو الألفاظ الفارسية في لغتنا أشار واحدهم بقوله: (شعر) أن العناكير ساهت بعدما سبزت. بعدما كانت طراشيش ومعناه حرفاً بحرف هو: (أن) أداة التوكيد. - (العناكير) بكاف فارسية جمع عنكور تصحيف لتكور وهو العنب بالفارسية. وقد جمعت جمعا عربياً حملاً لوزنها على الأوزان العربية. - (ساهت): اسودت وهي مشتقة من سياه الفارسية. والتاء للتأنيث. - (بعدما) عربية بمعناها المألوف. - (سبزت): أخضرت من سبز بالفارسية. -
ينبوع الشفاء
(واستشرنت) حلت (من الحلاوة) وهي مشتقة من شرين الفارسية وهو الحلو. (بعدما كانت) عربية مفهومة المعنى. (طراشيش) جمع طرش أي ترش معناها الحامض بالفارسية وقد جمعت جمعاً عربياً على هذه الصورة لمزواجة الوزن أو لأقامته. ومحصل معنى البيت: (إن العنب اسود بعد اخضراره واحلولي بعد أن كان حامضاً) وتكاد تجد جميع هذه الألفاظ في كلام أهل بغداد من العوام. فمن ذلك بيت (انكورلي) لصاحب بيت شهير وكان في السابق من باعة العنب أي عناباً ويقولون: (سياه بخت) أي اسود الحظ لمن كان سيئ الطالع. ويسمون الخضروات: سبزوات أو زوزوات. والشيرة عندهم: السكر العقود أو المطبوخ وهو الرب بضم الراء بالعربية. والطرشي عندهم الأثمار المخللة. رزوق عيسى ينبوع الشفاء (تتمة) فلبي العبد سيده وودع مبارك أهله وولده وسافر مع مالك إلى ديار مصر وما سارا زمانا إلا وأضلهما الطريق ملاك الله فأخذا يضربان في البوادي ولا بادي يبدو لهما. كما انهما لم يقعا أبداً على طريق لاحب يؤدي بهما إلى منزلة ترام. فاخذ العطش يفعل في جوفيهما فعل النار في الهشيم. وكانا في الليل ينشران رداءيهما في الهواء وعند الصباح ينهضان باكراً ليرطبا شفتيهما بوضعهما إياهما عليهما. وما كانا يفوزان بشيء يل كانا كالقابض إلى الماء لأنه ما كان يقع سدى ولا ندى في تلك الفلوات المحرقة أو اقل في تلك الحرار الجهنمية.
فلما تأجج صدرهما عطشاً وأخذا يتلعلعان على نحر واحد من الإبل في وسط تلك الرمال المتوهجة المتقدة وشرب الماء الذي يجدانه في معدته. ولما فعلا ما نويا خاب مسعاهما إذ لم يجدا فيها قطرة ماء. فقال حينئذٍ مبارك لعبده: وأسواتاه! هل أني أخذتك إلى هنا لأميتك. فلقد أحببت نفسي فوق ما يتصوره كل عاقل. ولقد غررت بنفسك على غير جدوى. وزد على ذلك أني اقر باني قترت على عيالي تقتيراً ذميما استنزل على كل البلايا وصبها على صباً. فهل من بعد هذا كله أتلف روحك وأكون أنا دائماً ذلك الظلوم الغشوم بعينه وأنت لا تتشكى ولا تتظلم ولا تتضجر بل تتبعني بكل وداعة اتباع الفرار لامه. بل ولا تلومني على شيء حينما لا أقابل إحسانك بحسنة من الحسنات. فقال له مالك: مالك يا سيدي ولم هذه الوساوس. وكيف لا اتبعك يا مولاي إلى القبر. ألم أكل من خبزك وملحك واشرب من ماءك ولبنك. ألم أتتنعم بالطيبات أيام السعد فلم لا أذوق الخبيثات يوم النحس؟ وكل أملي أن أرى سيدي يفوز بالنجاة من هذه المفازة الغائلة وان يستعيدني ربي إليه ويضم ما بقي من أيام حياتي إلى أيامك لتعود إلى عيالك قرير العين على الطائر الميمون. وأني اطلب هذا إلى ربي لأني بدون أهل وولد. وأما أنت وسندي فان ذويك ينتظرونك على أحر من جمر الغضا. وما نطق مالك بهذا الكلام إلا وخر مغشياً عليه. فلما رآه شيده اخذ يتلوى من الألم ويتحوى ثم ركع ساجداً واخذ يبتهل إلى الله ويقول: اللهم أطلق روحي من سجنها وأمتني في هذه البادية لأني لم اكن أهلاً
لا تلقى منذ تلك النعم والآلاء وها أنا ثقل أوزاري يرهقني فلا حق لي أن أعيش بعد هذا فدونك نفسي، دونك نفسي! وملا أتم كلامه خارت قواه واخذ ينتحب انتحابا. ومضى على هذه الحالة هنيهة من الزمان ثم تألقت غرته وبرقت أساريره وزالت غضون جبينه فابتسم عن ثغر كالأقحوان واخذ يتسع ويتنصت. وبينما كان قد الصق أذنه. . . وما زال يصغي له حتى تخيل له انه يسمع دوياً، وهل الدوي من اثر الجوع أم من اضطراب في دماغه لآفة أصيب بها؟. . . وبعد التدقيق والتثبت تحقق أن لا وهم هناك وان تحت الأرض خرير ماء يتدفق من عين تزارة فهرول متتبعاً ذلك الهدير وإذا به أمام عين تنفجر زلالاً نميراً بل كوثراً وسلسبيلا فقام ورفع يديه وأهل بذكر الله. وقبل أن يبل صداه فكر بوصيفه مالك الذي بقي صريعاً على الأرض فملاء قدحاً من هذا الماء الزلال واخذ يسقيه منه جرعة بعد جرعة بعد أن بلل صدغيه وشفتيه حتى أفاق. ثم قال له: (لست يا مالك من الآن وصاعدا عبدا لي بل رفيقا. فان عودتك إلى الحياة هي بمنزلة تحرير لك فتعال واشكر الله معي على انه أنقذنا من هذا الموت الزؤام. فذهب كلاهما إلى حافة العين وكرعا منها أنفاساً ثم أوردا ابلهما فشربت حتى رويت. وحينئذٍ فتحا مزاودهما واكلا هنيئاً مرئياً وحمدا الله على هذه المنة التي لم يتوقعاها. ثم قال الملك لمبارك. بقي علينا الآن أن نبحث عن طريق التي تؤدي بنا إلى منف.
قال مبارك: لا حاجة لي الآن أن اذهب إلى تلك المدينة بل فلنرجع إلى دمشق الفيحاء قال هذا: وحملا أثقالهما ورجعا إلى الوطن العزيز ولما دخلا داره طيب خاطر أمرائه وأولاده ببشاشة وجهه وتلألوء جبينه. فأهلت امرأته وقالت: بارك الله في ذلك الرجل الذي شفاك من حزنك وغمك وهمك! فقال لها مبارك: (يا زهراء) أن الذي يشفاني هو الله نفسه لا ابن آدم. فإني لما تبطنت الصحراء وليس هناك ما يتعلق به قلبي جردني الله من حب الدنيا فاثبت في التواضع ثم باحتمال تلك الداهية الدهماء علمني الرأفة بالقريب ومحبته. وعليه فلا أريد أبداً أن أعيش كما عشت سابقاً أي أن لا اهتم إلا بنفسي بل عقدت النية على محبة الغير والاهتمام بأمرهم مصلحا ما كنت قد أفسدته وراتقاً ما كنت قد فتقته.) والحق يقال: أن مباركاً منذ دخوله قصره المشيد اخذ بمساعدة الفقراء وإعالتهم وتسلية الحزانى وتطييب خاطرهم. ومنذ ذاك الحين تولد في قلبه سرور لا يشبه سرور وأيقن أن الفضيلة وحدها هي رسول السعادة والفرح وهناء العيش ورغده. ولم تنحصر السعادة ببيته فقط بل امتدت إلى حواليه ومنها إلى ما وراء مسقط رأسه حتى بدا الناس يقولون: أن مباركاً ليس مباركاً في ثروته فقط كما في السابق بل هو مبارك في فضله وفضيلته وفواضله.) وفي السنة الثانية ظعن مع عياله إلى تلك الفلاة الشهيرة التي
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
وجد فيها الهدى والرعوي. وبنى بجانب العين منزلا للمسافرين ودعا تلك العين (ينبوع الشفاء.) تمت تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره (الإسرائيليون في بغداد) للإسرائيليين في بغداد عدة مدارس ومن جملتها مدرسة ثانوية أخرجت عدة طلبة نجباء وهي (مدرسة التعاهد الإسرائيلي) (اليانس) وتدرس العلوم فيها باللغة الفرنسوية وهي أيضاً لغتها الرسمية. وقد وقع اليوم خلاف بين الإسرائيليين في إبقاء هذه اللغة بمنزلة لغة أصلية أو جعلها فرعية. فان الجمعية الصهيونية تريد نزعها وإبدالها باللغة العبرية. وجمعية التعاهد الإسرائيلي تقاوم هذا التغبير اشد المقاومة. وأخذت تجمع الإعانات لإبقاء الأمور على حالتها. وأخذت الجمعية الصهيونية تقاومها بان شرعت هي أيضاً تجمع المال لتغيير هذا الأمر. وقد قامت شركة أو جمعية ثالثة في ألمانية لتكون بمنزلة الحكم بين الضرتين وتجعل اللغة الألمانية واجبة التدريس في المدرسة المذكورة وتكون لغتها الرسمية ثم تعلم سائر اللغات بمنزلة السنة فرعية. وقد نمى إلى الزهور أن في نية جناب مناحيم أفندي إنشاء مكتب ساحته 1500 ذراع مربع وتكون نفقة تعميره من ماله الخاص ويجري على المكتب مائة ليرة مسانهة ويودع إدارته إلى جمعية التعاهد الإسرائيلي فعسى تزداد المدارس ويترقى العلم ويتنافس كل قوم بإعلاء شانه ومجده. (الأمير ابن سعود وأعراب العجمان) ما زال الأمير يطارد
العجمان حتى اضطروا إلى دخول متصرفية الاحساء فتأثرهم الأمير وخيم قريباً منهم. فاحتج عليه المتصرف والزمه بالرحيل وبان لا يتعرض لعشيرة العجمان فأجابه: أن طلبي للعشيرة هو لأمر تعود فائدته على العموم لان هؤلاء الأعراب هجموا على الرجل الذي اسمه (ذو النون) واخذوا أباعره، ولما كان الرجل من رعيتي فأنا اطلب إرجاع ما سلب. والأمر بقي على هذا الوجه ويؤمل أن المتصرف يعيد أباعر الرجل المنهوب. (عشيرة الضفير) عادت هذه العشيرة تمتار (تكتال) من قصبة الزبير بعد طعن عشيرة بني مالك إلى مربع العيث والفساد أي الغراف (عن الزهور) (المنتفق) لما سارت الباخرتان بالميرة والمؤونة إلى المائعة لإنجاد سعدون باشا وإذلال العشائر المعادية له تحقق هؤلاء الأعراب أن الحكومة تذب عن حياضه انتصاراً له. فتجمهرت حينئذٍ جميع العشائر وهي: البدور، وال غزي، والجوارين، والعساكرة، والحسينات، وال ازيرق، وسائر أعراب الشامية وغيرهم وأحاطوا بالناصرية إحاطة السوار بالمعصم وأمطروا على السعدون ومن معه رصاصا حاميا داويا وما زالوا على هذا الفتك حتى وصلوا إلى ديار الصابئة (الصبة) فاحرقوا البيوت ونهبوا الأموال. ولما بلغوا إلى خان (أبو ليرة) داخل مركز الناصرية اتخذوه حصناً لهم. فلما رأى الأهالي هذا المشهد أيقنوا بالهلاك ولهذا أوفدوا إلى المحاصرين جمعاً من أكابرهم يسألون عما
يريدون من عملهم هذا. فأجابوهم انهم يريدون إكراه سعدون على الخروج من الناصرية وإلا فهم مصرون على نهب الناصرية وإتلافها وقتل من فيها على أخرهم. والظاهر انهم لا يرجعون عن عزمهم لأنهم أقاموا جماعة منهم على محل من نهر الفرات يقال له (أبو جداحة) هو مشرف (مسلط) عل الناصرية حتى انه إذا كسر مقدار شبر من سدته غرقت الناصرية بأسرها. وكان قصدهم إغراقها بعد نهبها وقتل أهلها وإحراقها. وحينئذ أعطوهم هدنة (عطوة) ثلاثة أيام ليخرجوا في مدتها سعدون باشا من الناصرية. واتفق انه في اليوم الثاني قام أحد رؤساء المركز وهو السيد زيدان ليبني منافذ الطرق والأزقة فظنت العشائر الهاجمة إنها حيلة ومكيدة فثاروا ثانية ثورة عظيمة ودخلوا مركز اللواء ونهبوا الديار وقتلوا من الأهالي نحو ثلاثين نفساً وقتل من العسكر عشرة رجال، وأما الأعراب فقتل منهم نحو عشرين نفساً. وفي اليوم الثالث أكرهت الحكومة سعدون على الخروج من مقره فخرج ذليلا بحماية آل إبراهيم وأوصل إلى محل مزيد باشا ابن عمه فهو الآن عنده كالمستجير به. ولا زالت الحرب على ساق لان المتصرف أمر بحبس (نجيدي) من آل جاسم زاعماً انه سبب هذه الفتنة. والعشائر تريد إطلاقه كما تريد إخراج السيد زيدان من الناصرية لأنه من خواص سعدون. وطريق الناصرية يكاد يكون الآن مقطوعا ولا يجسر أحد على
أن يمر به لكثرة إطلاق الرصاص فيه. ومن اشد ما يروى بخصوص التنكيل أن قوماً ما آل ازيرق قبضوا على جنديين من عساكر الحكومة ودفنوهما إلى صدريهما وجاء الأعراب يعذبونهما أنواع العذاب وهما يستغيثان بكل مارٍ بهما. وكان في نية الحكومة أن تجهز أربعة طوابير لحل هذه المشكلة التي وقعت بين السعدون وأعدائه. وفي الآخر اكتفت بإيفاد وفد من أمراء العساكر والضباط ومن موظفي الملكية تسمى (الهيئة التحقيقية والإجرائية) لإصلاح ذات البين فعسى أن تكون النتيجة حسنة حقناً للدماء وحباً بالأمن والسلام. عن الرصافة والزهور بتصرف قليل (هجوم أعراب على جابي البأج) قريباً من بغداد على منحدر دجلة قرية اسمها البغيلة مصغر بغلة. وقد ذهب جاب البأج (وهو مأمور الكودة بلسان العوام) واسمه مصطفى بك ومعه خمسة من الفرسان المسلحين (من سواريه الجادنرمه) لجباية غنم عشيرة أعراب السراية فوجدها قد هربت إلى ناحية عشيرة الخوالد في أرض (أبو جاموس) قرب أراضي الأمير (نفي) وبينما هو سائر نحوها إذ اقبل عليهم قوم من عشائر البادية وأمطروا على الجباة رصاصاً حامياً فأصيب واحد من الجندرمة وتوفي قبل أن يصل ناحية البغيلة بمسافة ساعتين ولا شك أن مثل هؤلاء الأعراب يستحقون العقاب الرادع لهم عن الإمعان في غيهم (عن الرياض بتصرف)
العدد 3
العدد 3 آثار سامراء الخالية وسامراء الحالية سامراء من المدن القديمة الحضارة والعمران، وقد سبق وجودها ظهور الإسلام بقرون عديدة، ومن بعد أن بلغت ابعد شأوٍ في المدينة، أخذت بالهبوط والهوى شان كل موجود، حتى كان عصر المعتصم فقام وبناها ثم نزلها سنة 221هـ (836م)، ثم جاء بعده الخلفاء العباسيون وكل منهم يبتني له قصراً أو صرحاً، حتى غدت غادة مدن العراق، بل واجمل غاداتها، وأخذ يقصدها القاضي والداني من
(لغة العرب)
أهل النزهة والأنس. وكان في جوارها من سابق العهد أي قبل الإسلام عدة أديرة لنصارى كلها شهيرة، منها: (قلاية العمر أو عمر نصر)، وكان من متنزهات آل المنذر بالحيرة، (ودير مار سرجيس)، (ودير العذارى)، ودير السوسي، وغيرها. أما اسمها فقد اختلفت الروايات فيه وفي معانيها. وكلها لا نصيب لها من الحقيقة، واصدق لغة رويت في اسمها هو سامراء (بفتح السين بعدها ألف يليها ميم مفتوحة وبجانبها راء مثقلة مفتوحة ثم ألف ممدودة وفي الآخر همزة). وأما قولهم أن الرواية الصحيحة هي سر من رأى أو سام راء فهذه وغيرها من مخترعات المخيلة، ومن التأويل التي أنتجها قرائح بعضهم إجابة للعقل الذي يحب الوقوف على أسرار الكون والاكتفاء بما يرضيه. ولو فكروا قليلاً لأقروا أن تأويلهم بعيد لقدم ورود الاسم، ولعله من وضع البابليين أو الآشوريين أو الكلدانيين أو غيرهم من الأقوام الخالية. فكيف يطلب له معنىً في اللغة العربية. وقد ذهب مدير هذه المجلة إلى مشاهدة ما يجري في هذه المدينة من التنقيب والحفر عن آثارها القديمة فكتب النبذة الآتية. وقد اعتمد في اغلب ما أثبته هنا على كتاب (سامراء) للدكتور هرتسفلد المطبوع في برلين سنة 1907 وعلى ما سمعه من المعمرين وشاهده هو بنفسه: (لغة العرب)
نظرة عامة في سامراء وفي التنقيب الجاري فيها. منذ غرة هذه السنة أي 1911 م أخذت بعثة ألمانية بالشروع تنقيبا عن آثار سامراء. وقد نال الامتيازبالحفر حضرة العلامة المشهور الأستاذ فريدريك صارة البرليني الرحالة، الذي يعرفه أهل المشرق والغرب برحله المتعددة إلى بلاد فارس وتركستان والأناضول (بلاد الروم) وبيت النهريين (الجزيرة) وعهد إلى اللوذعي الجهبذ الدكتور هرتسفلد من أساتذة جامعة برلين للأخذ بهذه الأشغال المهمة. وأهل بغداد يعرفون الأستاذ المذكور حق المعرفة. لاسيما الذين واجهوه وشافهوه. إذ عهدوا فيه سعة العلم والمعرفة بكل ما يتعلق بالشرق وآثاره. وبالأخص بكل ما يتعلق بالمسلمين وسابق حضارتهم. وهاهو الآن يواصل التنقيب والتنقير منذ أول قدومه حتى هذا اليوم بدون ملل أو ضجر أو قطع في الأشغال. وسامراء جليلة القدر والشان لأنك تجد بين أسوارها مشهد الإمامين العاشر والحادي عشر (علي الهادي وحسن العسكري) وسرداب غيبة صاحب الزمان وهي من المشاهد العزيزة على أبناء الشيعة. وإلا لما كان لهذه المدينة منزلة وقدر عند أهل العصر. أما موقع هذه البليدة فهو في سهل تموج فيه الاخربة الشواخص موج المياه في البحور الزواخر. وهي كلها من بقايا ذلك العمران الشهير الزاهر النضر المثبت ذكره في تاريخ صدر الإسلام. وتمتد هذه الأطلال على طول ضفتي دجلة الناشزتين وعلى مسافة 30 كيلو متراً وفي قراب
كيلو مترين عرضاً. ومما يشاهد هناك أيضاً إطلال قصور ذات بال ممتدة على الضفة اليمنى من دجلة. ومنذ بضع سنوات أخذت سامراء بان تستوقف أطيار الأفكار على جنباتها. ولا سيما أفكار أهل العلم والبحث من مسافرين ومؤرخين ومنقبين. وكان في مقدمتهم الأستاذ الدكتور هرتسفلد. فانه هو ومن جاء بعده زاروا هذه الآثار الطامسة، والأطلال الدارسة، والمبثوثة بث الجراد على أديم الأرض، ووصفوها قليلاً أو كثيراً. كل بموجب علمه ونظره. على أن الأنقاض ليست بشيء يذكر بجانب ما تحت تلك التلول المتراكمة من بقايا الأبنية وهي تغشى وجه المدينة القديمة كلها. حتى انك تخال إنها أمواج بحر هائج صادقته عوامل الجمود فجأة فوقفت ماثلة لا حراك لها ولا هبوط على نفسها. كيف لا ويرى في سامراء آثار جليلة وقد كانت في سابق الزمن مقاماً للعباسيين خلفاء هارون الرشيد. وبقيت نصف قرن عرشا لهم وذلك من سنة 221 - 262هـ (836 - 876 م) بل ومرجع دولة الخلافة العظمى، وان شئت فقل بدون غلو ومبالغته (سرة العالم المتمدن) في ذلك الأوان، ولذا تراكمت فيها كنوز لا يفي تعدادها اللسان، وثروة تخالها من نتاج عالم الخيال. لا من نتاج عالم المثال. وبعبارة أخرى: كانت سامراء تحقيق حكايات ألف ليلة وليلة. التي تخال أنها من أوضاع الوهم والتصور الفارغ.
على أن تاريخ سامراء ليس من الأمور المجهولة. فان ما أثبته مؤرخو العرب ووصافوا بلدانهم المعاصرون لزهوها وغضارتها كالطبري والبلاذري واليعقوبي وغيرهم لا يبقى ريباً في صدر المستريب. لا بل قد كتب اليعقوبي فصلاً نفيساً مفيداً للمسافر فائدة تشبه فائدة كتاب (بيدكر) اليوم ليطلع على ما يعثر عليه في تطوافه في سر من رأى وقد عقد هذا الفصل في مؤلفه الجليل (كتاب البلدان). أما الأسباب التي حملت المعتصم بالله بن هارون الرشيد على بناء هذه المدينة الطائرة الشهرة فكانت سياسية ودينية معاً. فان الخليفة المذكور كان ينتصر للمعتزلة وأي انتصار حتى أن مسلمي بغداد لم يعودوا ينظرون إليه بالعين التي كانوا يرمقونه بها سابقاً. هذا فضلاً عن انه كان أول من انشأ جيشاً من الترك يتقوم من موالٍ (مماليك) اشتراهم النخاسون من أسواق تركستان وتخوم بلاد الصين حتى أوصل عددهم إلى 70000 رجل. وذلك بعد أن خلف أخاه المأمون على عرش العباسين في حاضرتهم. على أن وجود مثل هذا الجيش في موطن لا يخلو من خطر ومن مناوشات بين أفراده وبين أهل البلدة. ولذا كانت تكثر الأحداث في الزوراء حتى تجري الدماء بين القبيلين. وكانت بغداد تمتد يومئذ من الكاظمية إلى مقبرة الشيخ معروف الكرخي. فلما رأى الخليفة أن لا سلام في دار السلام عقد نيته على بناء مدينة في الموضع الذي ترى اليوم سامراء. وفي هذه الحاضرة اخذ ظل الدولة العباسية يتقلص
أي منذ عهد هذا الخليفة ومن جاء بعده وسببه تكاثر الموالي وتداخلهم في شؤون الدولة وشؤون قادة أعنتها الأمراء العباسيين. وبعد أن مضى أربعون سنة على أعمال هؤلاء الموالي هي أعمال كلها منكرات خلدتها دواوين التاريخ وبطون الأوراق. أفضى بهم الأمر إلى إنشاء رتبة (منصب) أمير الأمراء وكان عبارة عن سيد مطلق اليد في ما يأتيه من الأوامر والزواجر. وقد وقع ذلك عند أفول شمس هذه الدولة في مدة الأربعين سنة. وهذا أمير الأمراء هو الذي انفق مع الموالي على إكراه المعتمد على الرجوع إلى بغداد وقضاء ثمالة أيامه في قصره الذي أصبح له بمنزلة سجن ذهبي الظواهر. وعلى اثر هذه الحوادث اخذ سكان سر من رأى بمزايلتها، الجماعة بعد الجماعة، منتجعين مرابع بغداد وجنباتها الخضرة النضرة، ولم تمض أيام كثيرة إلا وهدمت سامرا بالسرعة التي فنشئت بها. وكل من جاء بعد هذا العهد من كتبه العرب كابن حوقل وابن جبير وياقوت الحموي وابن بطوطة. لم يجدوا لوصفها إلا ما يفتت الأكباد ويلين الجماد إذ لم يعثروا فيها إلا على أنقاض وأطلال لمدينة كانت أزهى مدن الدنيا وأبدعها وأعجبها وأتقنها بناء وهندسة. وأذ لم تخرب هذه المدينة لا بالحرب ولا بالحرق ولا بالاكتساح ولا بزلزلة الأرض ولا بمرض من الأمراض الوافدة الجارفة بل بمهاجرة أصحابها لها، مهاجرة متصلة الأوائل بالأواخر، فلا يأمل الناقب العثور على الكنوز المذكورة في كتاب ألف ليلة وليلة لان سكانها اخذوا معهم
عند انحدارهم إلى بغداد على دجلة كل ما يحمل وينقل ويفيدهم ولو فائدة زهيدة. حتى انهم اخذوا معهم مرادي السقوف وحراديها وأبواب الدور. وكل ما ضاهى هذه الأمور. على أن العلماء من المنقبين، أهل البحث والتحقيق، لا يطلبون اليوم الركائز والدفائن. ولا الإغلاق ونفائس المعادن. إنما همهم تنوير الأفكار في ما يتعلق بأمر تاريخ عمران ابن آدم في سابق العهد. فالعراق العربي هو من البلاد التي يحق للعلماء أن يتباهوا ويتفاخروا بأرضه، لما فيه من الآثار العادية، لكل عصر من العصور الخالية، ومع ذلك لا ترى إلا أناسا يعدون على الأصابع عرفوا مكانه هذه الديار الرفيعة القدر، وأنزلوها حق منزلتها. وعلى كل حال فان التنقيب الحديث الطريقة العلمية يرى لأول مرة في سامراء، وهي الطريقة التي اتبعت في البحث عن آثار الجزيرة (بين النهرين) وبلاد الروم (بر الأناضول) وبلاد اليونان منذ 70 سنة. وذلك نشداً لضالة العمران الإسلامي في الديار المذكورة، ومن ثم فالتنقيب الجاري اليوم في سامراء هو جليل القدر والخطر ووحيد المثال، لان الدكتور العلامة هرتسفلد يتوخى الطريقة القربى للبلوغ إلى تحقيق ما في الأمنية. هذا فضلا عن أن البحث عن حضارة الإسلام اخذ مأخذاً عجيباً في ديار الإفرنج منذ عشرين عاماً، لاسيما بعدما أثبته وقرره علماء أذكياء نجباء لا يشق لهم غبار، يعدون من الطبقة الأولى في التدقيق والتحقيق،
مثل تيودور نولدكه في استراسبورغ. وانياز غولدزهير في بودابست وككبار المستشرقين الهولنديين مثل ده غوية واسنوك هوغرنية وغيرهما الذين غاصوا على دور الحقائق في بحار المشكلات والمعضلات المتعلقة بالإسلام، على وجه لم يسبقهم إليه سابق. ومما ساعد أيضاً في توسيع نطاق العلوم العربية (ديوان الرقم العربية) للدكتور مكس ون برحم وكتاب تاريخ الإسلام للبرنس ليونه كائتاني وكتاب الموسوعات الإسلامية الذي يولف بمراقبة الأستاذ هوتسما في ليدن وبنظارة مجامع العلم الدولية الأوربية ففي هذا الكتاب بل البحر المحيط تجد جميع المباحث المتعلقة بديار الإسلام كلها قاطبة وذلك من بلاد الأندلس إلى الصين، مع ذكر جميع الألفاظ التي وردت على السنة المسلمين، أوعنت على بالهم، أو خطرت في خيالهم، أو أبرزته مخيلتهم وقريحتهم، أو اتصلت إليه حضارتهم الخاصة بهم. أما الكتبة الذين يشتركون في إنشاء هذا الديوان الواسع المباحث والأكناف فهم عبارة عن جيش لهام، أسلحته الأقلام، وميدانه مطالب العلماء الأعلام، وقد جمعت أبطاله الصناديد المغاوير، من جميع الديار والأصقاع، وهم يدأبون
في التحقيق والتدقيق بدون أن يأخذهم ملل أو سأم. ومما يحق لنا أن ندونه بأحرف من ذهب هو أننا وجدنا بعض الأخوان المسلمين من أبناء هذه اللغة الشريفة يملئون الإفرنج في سعيهم هذا كعلماء تونس ومصر والهند. وأما في ديار دولة آل عثمان فلا نرى فيهم ممن اهتم لهذا المشروع العميم الفائدة، وعضده بما في طاقته ووسعه إلا الدكتور خليل ادهم بك الرئيس العام لدور التحف الشاهانية. ومما يجب أن يعرفه مطالع هذه السطور، أن الدكتور الأستاذ صارة يهتم منذ مدة مديدة بتاريخ الصناعة الإسلامية الفنية، ولقد ضرب في الأرض متجولا ليبحث في أسفاره عما يحقق أمنيته في هذه الغاية فجمع مجموعة كلها غرر بل دور من نتائج الصناعة الإسلامية، وهي اليوم في بابها يتيمة الدهر، وخريدة العصر، لا يضاهيها أو يدانيها عاق مهما كان نفسياً، والخلاصة أن الكلام يطول لذكر كل ما ينشر ويبرز من المطبوعات لترقية هذا الفرع من علوم المسلمين وعمرانهم وتمدنهم فرع، هو كما تراه، في المنزلة القصوى من القدر والخطر. ولتحقيق هذه الغاية على احسن وجه، وأدق أسلوب، بعث الدكتور صارة المذكور، دكتورنا العلامة هرتسفلد للبحث عن آثار سامراء والكشف عن دفائنها ووصفها. فقد ثبت لديك بعد هذا كله أن لا غاية لهؤلاء العلماء الإعلام إلا الهيام بالصناعة الإسلامية الفنية ولا سيما الهيام بفن الأبنية، والأسلوب المتخذة لتزيينه وتزويقه وتحسينه، أساليب متحدة به اتحاداً لا محيد عنه.
ولقد كانت الصنائع الفنية الإسلامية في القرن الثالث للهجرة، تكون مجهولة إلى عهدنا. ولهذا أصبحت نتائج التنقيبات في الغابة القصوى من الخطر والشان العلمي، وأول ما شرع به في سامراء كان رفع كل ما يغشى أخربة الجامع الأعظم الذي بناه المتوكل على الله، والمنارة الغريبة البناء الموجودة فيه، وهي المنارة المعروفة باسم (الملوية) وقد بنيت على غرار برج بابل أو الزقورة أو الذكورة البابلية. وبعد أن ظهر للعيان صحن الجامع بانت كل البيان البناية الداخلية وعمد الرخام وما يزينه في الداخل من نقوش مطبوعة وتصاوير ملونة وفسيفساء. ولقد دقق الدكتور هرتسفلد نظره في بعض دور الخاصة المجاورة للمدينة الحديثة فإذا هو أمام مدينة مدفونة في الشرق دفن بمبائي في الغرب. ووجد غرفاً وحجراً وردهاتٍ قد زينت جدرانها وغشيت حيطانها بتصاوير شرقية منقوشة نقشاً بارزاً وغائراً في الجص وهي في غاية البهاء والجمال، وكلها محفوظة احسن الحفظ، كان البناة قد غادروها قبل أن يدخلها أهل البحث. هذا ولا ترى النقش على الجص فقط بل انك تشاهد تصاوير ملونة في مواضع الجص الفارغة من النقوش، وهناك أيضاً تصاوير مختلفة الألوان بل وصور أناس كلها ملونة على أبدع مثال وهو أمر في غاية الندرة في تاريخ الصناعة الإسلامية أن فنية وان بنائية. وخلاصة القول انك تجد في سامراء كنوز فن ودفائن صناعة لم تسمع يمثلها من أفواه الناس والمسافرين، كما لم تشاهد العينان
نظيرها. ولقد سبر الدكتور بعض السير قصراً واقعاً على عدوة دجلة اليمنى يعرف (بقصر العاشق) ورأى انه يتابع السير بعد ذلك. أما الآن فانه يجري التنقيب في قصر مبنى قد افترش من الأرض فسحة عظيمة تناهز كيلو مترين مربعين ونصفا. وهو واقع في جنوبي سامراء واسمه (المنقور) وهو ولاشك القصر المعروف سابقاً باسم (بلكوارا) الذي بناه وسكنه المعتز بالله بن المتوكل على الله وذلك قبل ارتقائه عرش الخلافة. إلى هنا نوقف جواد القلم عن الجري في ميدان التنقيب ونلفت عنانه إلى ما يجب أن تحوم عليه أطيار الأفكار والأنظار وهو: انه ليس من ينكر اليوم المنافع الجزيلة التي انتفع منها الناس اثر التنقيبات التي أجراها أهل البحث، وممن انتفع منها بوجه أخص محبو تاريخ بلادنا ومجد السلف أجدادنا، مجد من شانه أن يفاخر به أبناء هذا العصر ليندفعوا إلى التشبه واللحاق بهم، ويعيدوا سابق عز هذه البلاد، ويستعيدوا ما سلب منهم أو يسلب ليحافظوا على ما لديهم من وسائط الغنى والثراء والنماء في مستقبل الأيام. وفي هذا الصدد لا يمكننا السكوت عن إبراز ما يكنه صدرنا من الأسف واللهف. فان هذه التحف التي أزيح عنها الستار، ذاك الستار الذي سدله عليها الزمان مع بواثقه، والجو مع تقلباته، إذا بقيت مكشوفة الوجه والظاهر، فإنها تكون عرضة للتلف
العاجل. ومما يساعد على ذلك قانون الآثار والعاديات نفسه ذاك القانون الذي يمنع كل المنع نقل الآثار القديمة بأي وجهٍ كان. ومع ذلك فان المتاجرين بها يتخذون أدق الوسائل وأوفاها بالمطلوب لتحقيق أمانيهم، أي انهم يتوصلون إلى مشترى ما يريدون بدون أن يقعوا في شرك التبعة المشؤومة، لأنهم يتخذون من الظواهر ما ينيلهم مرغوبهم وينجيهم من البلايا التي يقع في مهاويها من لا يحسن مزاولة هذه التجارة وإذا أنعمت النظر في ما يباع ويشتري في أسواق باريس من الآثار العادية تجد ثلاثة أرباعها قادمة من البلاد العثمانية، وقد بعث بها إلى فرنسة خفيةً وتهريباً، فتباع هناك بأثمان باهضة ينتفع بها من يشتريها فتخسرها الدولة خسارة لا مقابل لها، بل ويخسرها أصحاب تلك الديار التي كانت فيها، لا بل ويفقد منافعها أصحاب دور التحف الإفرنجية والعثمانية كما يفقد منافعها من قد الهج بجمعها ليستفيد منها فائدة علمية، ومن يفقدها العلم وأصحابه كل الفقد لأنها تقع بيد جهلة لا يعرفون قدرها. أذلاهم لهم إلا هم جمع المال بأي واسطة كانت وعلى أي وجه يكون، أريد بهم تجار الآثار العادية في باريس. فمما تقدم ذكره وتقريره ترى النتائج المشؤومة التي تتولد من قانون حصر الآثار المثبت في قوانيين الدولة، وكيف انه مضر بالعلم. فإذا لابد من اتخاذ ما يبعد هذا الخطر ويفيد الدولة والأمة ولهذا اعرض هذا الفكر:
إن قانون حصر الآثار القديمة لا يتكفل لنا أبداً بحفظها في محلها ولا في محل آخر خاص بها. وهي طامة كبرى لا يعرف عقباها الوخيمة إلا من يقدر التحف حق قدرها. وإننا لا نظن مثلاً أن المتحفة الشاهانية تعنى باتخاذ الوسائط اللازمة والناس المهرة لنزع ما على جدران وحيطان سامراء من المزينات والمزوقات والمحسنات البنائية وجعلها في صناديق ونقلها إلى الآستانة، لأنه قبل أن يخطر لها هذا الخاطر تسبقهم الأمطار والأرياح وسائر عوامل الجو إلى إيقاع الأضرار بهذه الكنوز الصناعية فضلاً عن وصول أيدي تجار العاديات إليها فتبعث بها ولا تبقى ولا تذر، وتنزع ما هنالك من عجب التصاوير والنقوش حتى لا تبقى لها أدنى اثر. نعم قد عني محبو الآثار في ديار مصر بحفظ ما يجدونه فيها وقد اخذوا جميع الوسائط اللازمة للانتفاع بما يكتشفونه. وربما كانت تلك الوسائط تضاهي الوسائط المتخذة في بلاد الافرنج، بل ولعلها تفوقها بكثير لحداثتها ووفائها بالغرض على احسن وجه، لكن أين بلادنا من ديار مصر. ومع هذا فان القانون هناك يبيح مقاسمة الآثار بين الحكومة وبين الناقب، كما تحبير له نقل الآثار العاديات إلى بلاده. فهذا أيضاً مثال يحتذي عليه ويتبع لحفظ هذه الآثار من التلف والفساد والاضمحلال أو أن أحسنت ظناً: من الضياع والانتشار فرادى مبثوثة على غير جدوى. ونحن نستحسن هذه الطريقة، ولا سيما إذا كانت تلك العاديات مزدوجة المثال، فان الناقب يحرص عليها اكثر من حرصه
يقظة العلم في ديار العراق
على حياته. فأملنا إذاً من الحكومة أن تسعى إلى اتباع هذا القانون الحسن النتيجة لها ولمتن يبحث وينقب عنها. وان لم يصح هذا الرأي فلنا فكر آخر في حفظ هذه الآثار وهو وان تسعى الولاية في إقامة دار للتحف في الحاضرة كما يرى مثل هذه الدور في سائر البلاد المتمدنة، فهذا أيضاً من الصعب الممتنع أو من المستحيل البعيد؟ إلا يوجد مثل هذه المتاحف في بلاد الهند ومصر وتونس لا بل ونجد اليوم في قونية نفسها من بلاد الدولة العلية متحفة صغيرة حسنة، أفلا يمكن لبعض أعيان مدينتنا الزوراء الزاهرة أن يتضافروا ويتكاتفوا للاشتراك في جمع مال، لمثل هذا المشروع المفيد الذي يزري بجمع اللآل. فهذا العمل، وأيم الحق، أحد تلك الأعمال التي تخلد أسماء الرجال. ونجاري بها أهل الديار الغربية. ونفاخرهم بآثار أجدادنا مفاخرة تعود فائدتها علينا وعلى بلادنا العربية أن الله على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. وسنكتب في وصف سامراء ووصف ما شاهدناه فيها من الآثار الطوامس، والطلول الدوارس، وصفا يفيد متبعي الآثار، ومقتبسي الأخبار مما يدهش القارئ ويبهر السامع في العدد الآتي وما بعده أن شاء الله تعالى. للبحث صلة م. كاظم الدجيلي يقظة العلم في ديار العراق أسلفنا القول في العدد الأول من هذه المجلة ما كان لأهل العراق من اليد العاملة في جمع شتات لغة العرب قبيل الإسلام وبعيده.
على أن فضلهم يبدو كل البدو بل كالشمس في رائعة النهار، إذا ما نظرنا إلى ما أتاه العباسيون من جلائل المآثر لتدون اللغة وجميع علومها العربية، ترجمة الأسفار الأعجمية، واتخاذ كل ما يسير بها وبأهلها سيراً حثيثاً إلى بلوغ ابعد شأوٍ في العمران والحضارة والتبسط فيهما. وما زال الأمر على تقدم ونجاح حتى عصر المأمون، فان العربية وعلومها بلغت في عهده مناط العيوق، ثم وقفت حيناً من الزمن كأنها تكبدت سماءها، ومن بعده أخذت بالانحدار المتئد متبعة سنة الشروق والغروب. - ولما سقطت بغداد على يد هولاكو، غربت شمس العربية وعلومها، وخبت انوارها، وادلهمت دياجير الجهل، وتلبدت سماء العراق بالسحب المكفهرة، أو أن شئت فقل: أصيب العلم وذووه ورافعو ألويته بداهية لم تضارعها داهية في سابق تاريخها أهوت بهم إلى قعر الذل والهوان، بل إلى أقصى دركات الخمول والجمود. وهل تخال أن النوائب وقفت عند ذاك الحد؟ - كلا، فأنها سارت في وجهها صارعة أم العراق وبناتها وبنياتها، كإنها تحاول التشفي من ترقيها السابق، والانتقام من تقدمها الحثيث حتى إنها لم تبق لكان هذه الديار المنكوبة الأهم التخلص من دوائرها، والإفلات من سطواتها وفتكاتها. نعم اشتهر بعد ذلك جماعة من أهل العلم والأدب والفضل والكتابة
لكنهم لقلتهم عدوا من نوادر الزمان وفلتات بوائق الأيام. بيد أن بعضهم شدا اللغة ألا فارسية فنظم بها وانشأ وحرر وحبر وكتب التواريخ، ومع ذلك لم يرفع له منار كما رفع لمن تقدمه من أبناء هذه اللغة الضادية. وبقيت الأمور تجري على غير هدى: بين سير إلى الإمام، ورجوع إلى الوراء، وخبط أو جمع بينهما، حتى كان عصر حكومة سليمان باشا الكتخدا أو القتيل في فجر القرن الثاني عشر من التاريخ الهجري فاخذ العلماء والأدباء يتنفسون الصعداء، من تلك البرجاء، مستنشقين نسيم الراحة والطمأنينة، متمنيين بأيامه، متفائلين بيده عودة عهد غضارة لذاك كالمأمون للرشيد مع حفظ قاعدته النسبة لكل واحد بموجب عهده ومقدرته ومنشأه. ولابد من أن نذكر طرفاً من ترجمة كل من هذين الياشوبن الوزيرين حتى يجوز إنا بعد ذلك أن نتكلم عمن نبغوا في عصرهما أو اشتهروا بعدهما. ترجمة سليمان باشا القتيل كان سليمان باشا القتيل والكتخدا، الثالث ممن تسمى بهذا الاسم من ولاة بغداد، وهو ابن أخت علي باشا القتيل، وزر على بغداد سنة 1221هـ (1806 م) ولما تولى الوزارة سار في الرعية سيرة حسنة حميدة، ورغب في العلوم، ونكب عن الأبحاث الفلسفية التي
كان قد الهج بها في غلوائه، ومنع العمال من اخذ الرشا والهدايا، وكان يعاقب من يخالفه اشد المعاقبة وكان يتجسس الأخبار ليقف على من يتطلب السحت أو يأتي هذه الدناءة، واكرم العلماء واحتفى بهم والتفرغ للصلاح وأعمال البر. وكان ممن نال الحظوة عنده الشيخ علي بن محمد السويدي وكان هذا الرجل من مشاهير ذلك الأوان بعلمه وفضله وفضليته. وكانت ديار العراق في ذلك العهد عرضة لمساوئ أهل البادية وسكان جبل سنجار، ففكر الوزير بان يمثل بهؤلاء المفسدين العائثين بالبلاد ليستريح الناس منهم ويطمئنوا بالا. فلما كانت سنة 1224هـ (1809 م) غزا فيها ديار بكر بجيش لهام لتأديب أعراب الضفير وقبيلة من عنزة كان كبيرها الدريعي. وكان خروجه من الزوراء في الخامس والعشرين من محرم (12 آذار) فلما جاوز الموصل شن الغارة على اليزيدية فصبح القرية المعروفة باسم (البلد) وغنم وقتل وسبى. ثم تحصن أهلها بثنية من ثنايا سنجار ثنية لا تراهم فعدل عنهم. ثم توجه الوالي إلى الضفير والعنزيين فلما هبط البلدة المعروفة باسم (العين) الواقعة بين حران ونصيبين جاءه رسول من قبل رئيس الجند الذين في ماردين يطلب منه المدد، ولما لم يكن له بد أن يمده هو بنفسه أنقذ إليه أخاه في الرضاعة (احمد بيك) بباقي العسكر ليزحفوا
على الضفير وتوجه هو إلى ديار، بكر فلما وصل إلى قرية يقال لها (ديرك) حاصرها. فخضع أهلها وأدوا ما عليهم من الخراج. ثم توجه منها إلى ماردين ولما أوشك الوصول إليها جاءه اخوة في الرضاعة احمد بيك وقد كسره الضفير وقتلوا من عسكره خلقاً كثيراً فأراد الوزير الكرة على الضفير لكن لم تساعده الأحوال، لان عسكر الأكراد تخلف عنه، ولذا عدل عن مناجزتهم وحاول الرجوع إلى بغداد. فلما وصل الموصل أقام فيها ثلاثة أيام ثم رأى في خلالها أن الأصلح له أن يسرع في الرجوع إلى دار السلام ويبرز منها أوامره وزواجره سياسية للولاية ففعل ونجح لأنه قهر بني عبد الجليل في الموصل عند خروجهم عن الطاعة وان كان خسر في الموقعة واليها احمد باشا. وبعد أن انتشر الأمن في ديار العراق اخذ الوزير بمد أروقة العلم وضرب خيامه، فانشأ في بغداد عدة مدارس، وأعاد بناء ما كان منها دوارس، وشيد المساجد والجوامع، وأجرى على العلماء دافق سيول الوظائف والرواتب، وكافأ أهل الفضل والأدب بما لا يفي وصفه اليراع فكان هذا الوزر أول من أيقظ العلم والمنتمين إليه بعد ذاك السبات العميق ثم جاء بعده بقليل داود باشا فأنهضه النهضة التي خلدت له الأثر المحمود والذكر الطيب. وكان سليمان باشا شاباً متوقد الفؤاد، حسن الشمائل، جليل المناقب، كثير الحسنات والميزات محباً للعدل والقسط، كريماً، عارفاً بأمور الدنيا والدين، وديعاً، مطلعاً أتم الاطلاع على أمور
السياسة لين العريكة، رقيق العواطف دقيق الشعور، محبوباً لدى الكبار والصغار، ألغى بعض الضرائب القديمة وجميع الرسوم التي أقامها الولاة الذين سبقوه ولا وجه حسن لها وكانت قد أضرت بالبلاد وأهلها كالاحتساب وتحصيل الرسم ومباشرة الخدمة وضبط المخلفات وغيرها وابطل القتل إلا ما كان منه بمنزلة القصاص. والخلاصة: اتخذ له أئمة جماعة الحنفيين. ومما أتاه من الحسنات انه أمر أن ينفق على قضاة بغداد من مال خزانته الخاصة وأجرى مثل ذلك على سائر قضاة ديار العراق ونوابها الراجعين إليه. وكانت أرزاقهم في السابق غير معينة تأتيهم من حسنات المسلمين. ومن غرائب ما وقع لهذا الوزير الخطير انه من بعد أن نسخ تلك الرسوم الباهظة والضرائب الرازحة زادت واردات الخزانة أضعاف إضعاف ما كان يدخلها سابقاً وساد الأمن والسلام في جميع البلاد مع انه أزال كل تعذيب من أي نوع كان أن صلباً وان قتلاً. ومع ما كان الرجل العظيم من الأوصاف العجيبة طوحه غروره في مالا تحمده عقباه لأنه اعتزل الناس واخذ يعمل بما يوحيه إليه عنفوان شبابه وإشارة المعجبين به ممن يخاف أن ينبهه على زلله لئلا يفقد حسن التفاته إليه. ولهذا تتابعت عليه المصائب والنوائب حتى لم تبق له مجالاً، وفي النهاية أفضت به إلى عزله. ثم لما تظاهر بالعصيان قتل قبل أن يبلغ السنة الثلاثين من عمره على يد أحد أعراب الدفافعة سنة 1225هـ
مؤسس الصهيونية
(1810 م) فأسف عليه كل من عرفه. مؤسس الصهيونية كثر في هذه الأيام ذكر الصهيونية، واغلب الناس لا يعرفون من أمرهم شيئاً، كم لا يدرون عن مؤسسهم ما يبل صدى تشوقهم إلى الوقوف على دخلة نيته الأولى، وقد كتب بهذا الصدد أحد أدباء الأستانة رسالة إلى جريدة (الاونيفر) الفرنسوية، في عددها الصادر في 16 حزيران 1911، بها يطلع الناس على صاحب هذه العصابة بما هذا معناه: قبل أن تشتهر هذه الجماعة باسم (الصهيونية) كان الترك يسمونها (الدونمة) وهي لفظة تركية معناها: (المهتدون). ثم لما انتشر أمرها في البلاد عرفت باسمها الحقيقي. كان مؤسس هذه الفرقة رجل طوى بساط أيامه في القرن السابع عشر من الميلاد وكان يقول عن نفسه انه (المسيح المنتظر). وكان اسمه (شبطاي) ولد في ازمير سنة 1626م من آب كان قد قدم من إسبانية. ولما ترعرع بانت عليه مخايل الذكاء والنجابة، وكان حسن الصورة وضاء الوجه، ذا عارضة وفصاحة، وكان إذا تكلم جذب إليه الأنظار وحام عليه أطيار الأفكار، وكان همه معاطاة العلوم الخفية المعروفة
بعلوم الجفر، وكان قد أفضى به الأمر إلى انه اقنع عدداً مذكوراً من اليهود بسمو بعثته حتى أيقنوا به كل اليقين. ثم قضى عليه القضاء أن ينتقل من أزمير إلى الأستانة إلى سلانيك إلى حلب إلى القدس الشريف، فزاد بذلك جمع المنضمين إليه. ولما بلغ الأمر إلى هذا الحد من الشهرة ادعى انه متحد اتحاداً سرياً (بالشريعة) فتيسر له أن يتنبأ عن قرب عودة الأسباط الإثني عشر في ديار فلسطين. وبينما كان يوماً في مصر القاهرة، صادف فيها امرأة يهودية بارعة الجمال، غريبة الأطوار، قد اخذ منها الهوس كل مأخذ، وكانت تدعي أنها العروس الموعودة للمسيح المنتظر، ولا حاجة إلى القول (وافق شن طبقه) وما أبطأ أن تزوجها وأتم أسفاره في ديار الشرق، وهو بين إجلال وإذلال، بين رقي وهوى، تارة يعظمه القوم، وطوراً يطردونه من المدن بدون أن يدعوه أن يمضي فيها نهار اليومِ. ومن جملة ما حل به من النوائب انه دخل سنة 1665م الأستانة فعلم بأمره السلطان فاعتقله في قصر ابيدوس، وأذن له بعض الحرية لاسيما أن يقابل تلامذته ويجاذبهم أطراف الكلام. واتفق له أن في ذلك الحين حدث له ما بقي له شهرة حالته أي انتحاله الإسلام لاسيما أن السلطان وعده بالهيل والهيلمان أن اسلم. فظن هذا المسيح الممسوخ انه ألم يلب طلب الباديشاه، يخرج من هذه الدنيا بصفقة المغبون أو بسمة الملعون، فلبى طلب الخاقان واسلم.
أما متبعوه فلما كانوا قد اعجبوا به وبآرائه قالوا: أن لم يكن شيخنا ممن يعلم بحسن مآل أعماله هذه ويجذب المسلمين إليه لما كان يدين بالإسلام، ولهذا يحسن بنا أن نماثله في كل أمر ونتبعه في عمله هذا فتأثروه واسلموا جميعاً عن بكرة أبيهم. فوقع الرجل احسن موقع في عيني السلطان واحله محلاً رفيعاً في قصره، وبقى هناك قائماً يسنن ديانته الجديدة المركبة من اليهودية والإسلامية. ومتمماً شعائرها ومناسكها. غير انه بينما كان ذات يوم يزمر المزامير مع جماعة من قومه بوغت فنفي إلى دلشينيو من أعمال البانية (بلاد الارناؤوط) فمات فيها سنة 1676 في السنة الخمسين من عمره. مات الرجل المحتال وعاشت بعده فرقته متظاهرة بالإسلام مبطنة الموسوية وهي بعيدة عما تتظاهر به بعد الثريا عن الثرى. واليوم تجد أصحاب هذه الفرقة في أدرنه وسلانيك. وترى المسلمين ينظرون إليهم نظر المتحرزين المتحذرين منهم لأنهم بقوا على اعتقاد آبائهم. والحقيقة انهم أصبحوا بدون دين معلوم مترددين بين الشك واليقين. على حد ما يروى عن الغراب في سالف الأحقاب: إن الغراب وكان يمشي مشية ... في ما مضى من سالف الأجيال حسد القطاة ورام يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العقال فاضل مشيته واخطأ مشيها ... فلذاك سموه أبا المرقال لقد رأيت من هم الصهيونيون. وإلى من ينتمون. ولهذا تجد
الحكومة والمنتسبين إليها يخافونهم خوف الرجال من الأسد الرئبال، لأن الصهيونيين أناس ذوو جد وجهد. وسعي وكد وذكاء ودهاء، أوتوا من دقة النظر في الأمور ما يدفعك إلى أن تجعلهم في مصف الطائر المعروف بالقرلي. الذي قيل عنه: إذا رأى خيراً تدلى. وان رأى شراً تولى. ولهم سطوة عظيمة عجيبة على من حواليهم. لما بيدهم من الأصفر الفتان. والأبيض الرنان. ولهذا ترى مجلس المبعوثين من يلفت الأنظار إليهم. خوفاً من دسائسهم ودبيب عقاربهم ومن ذلك اصطلح عليهم المصلحون من أبناء الدولة الصادقي التبعة باسم (الخطر الصهيوني). وممن نبه الأفكار إليهم مبعوثو سورية وفلسطين فأنهم أشاروا إلى نمو اليهود في العراق وديار الشام وازدياد معاهدهم الزراعية والصناعية وحسن نظام مستعمراتهم. ومما قاله مبعوث القدس الشريف: أن في المدينة المقدسة ثمانين ألف يهودي بينما أن المسلمين لا يزيدون على تسعة آلاف نسمة. وقد أيد مبعوث الشام ما قاله رصيفه القدسي وزاد عليه قوله: أن السير هؤلاء الأقوام سير أمة ليس إلا. فأنك تراهم في أيام أعيادهم يركزون رايةً زرقاء مكتوب عليها (صهيون). ومهما يكن من أمر الصهيونية فلا خوف انهم يحشرون يوماً أمةً. وهم مهما فعلوا لا يكونون كذلك في الأرض التي تسكنها أنت. بيد أن الذي يبقى راسخاً في الأذهان هو أن هؤلاء ألا جناب يزاحمون بالمناكب أبناء الوطن ويقاسمونهم خبزتهم فيزداد التنازع عليها ويكثر
سؤال إلى مجلة العلم
الهراش والمراش بخصوصها ولما كان اليهود من اشد الأمم ارتباطاً في ما بينهم وان نأت الديار كان روح التكافل والتعاضد والتضامن قد بلغ منهم ابعد المبلغ. فليكن إذاً مثالهم آية لغيرهم ليكونوا يداً واحدة على من يناوئهم فيفوزوا بالنجاح. لان ربك قريب ممن يعقد نيته على الصلاح. ويبغي لقومه الخير والفلاح. سؤال إلى مجلة العلم في الديمقراطية والأرستقراطية جاء في ص78 من مجلة هذه السنة من (العلم) أن الديمقراطية نظام سياسي اخترعه ديمقراطس الفيلسوف. والأرستقراطية اختراع ارسطو الفيلسوف. والأرسطقراطية من اختراع ارسطو الفيلسوف. وقد فتشنا في ما لدينا من الكتب عن هذا الرأي فلم نقف عليه. فهل عثرت يا رصيفنا على هذا الرأي في أحد الكتب أم وجدت ضالتك هذه نبهاً بعد إمعانك في حقيقة البحث عنها ولا سيما لأنك أعدت مثل هذا الكلام في ص83 من مجلتك المذكورة الزاهرة. أما الذي حفظناه فهو أن الديمقراطية كلمة يونانية منحوتة من ديموس أي شعب وقراطس أي حكومة ومحصلها (حكومة الشعب أو الجمهور) والأرسطقراطية منحوتة من ارسطوس أي وجيه وقراطوس أي حكومة ومحصلها حكومة الوجهاء أو الأعيان. فنرجوك أن تفيدنا أي الوجهين اصح ولك الفضل.
سفرة إلى كربلاء والحلة ونواحيها
سفرة إلى كربلاء والحلة ونواحيها سافرت في شهر نيسان من هذه السنة إلى نواحي كربلا والحلة فوقفت في طريقي على بعض الأمور لا تخلو من فوائد أحببت أن أدونها في لغة العرب لكي يطلع عليها من لم يعرف هذه النواحي من عراقنا فأقول: قبل نحو عشرين سنة كان السفر إلى الحلة من الأمور الشاقة لما يتكلف المسافر من تحميل الأثقال وركوب البغال وإعداد الزاد واتخاذ المبذرقة لتخفره في الطريق من الأعراب المبثوثة في بوادي هذه الأرجاء أما اليوم فتوثير الطريق الواصل بغداد بالحلة وتمهيده آثار في أهل الوطن الغيرة على خير العموم فانشئوا شركات عجلات متعددة سهلت اعظم التسهيل قطع هذه السهول والحزون بدون أن يحصل ما يكدر صفو رحلتهم. اللهم إلا في النادر. والنادر لا يقاس عليه. ركبت إحدى هذه العجلات مع بعض الأصدقاء وذلك صباحاً في الساعة الحادية عشرة وربع ووصلنا (جسر الخر) نحو الساعة
الثانية عشرة إلا ربع الساعة فعبرناه على ظهر العجلات بسهولة عظيمة ولم نفعل كما يفعله ركاب العجلات التي تجري على جسر دجلة في بغداد فان من يريد العبور على جسر بغداد المؤلف من القوارب على الصورة القديمة المعروفة في عهد العباسيين والمبني كان من الخشب، عليه قبل كل شيء أن ينزل عن مركبته ويفرغها من كل ما فيها. ثم يدعو الحوذي أو السائق جماعة من أصحابه ليجروا العجلة جراً بكل رفقٍ بدلاً من الدواب فإذا أنزلوها إلى الجسر دفعوها بكل تحرز عليه خوفاً من أن تنكسر مما تصطدم به من العواثير المتوفرة على ظهر الجسر، وإذا قرب إخراجها من الجسر اجتمع الناس جماعات ليدفعوها إلى حيث يكون الخروج بسلامةٍ. وقد لا يكون الأمر كما توهموه. وأما جسر الخر فهو جسر من حديد مده الفرنسيون قبل 14 سنة فنجحوا ولم يصبه مصيبة إلى يومنا هذا، مع وقع من طغيان دجلة واشتداد جريان ما الخر وازدحام العجلات عليه وكثرة الأثقال التي تجر فوقه. هذا فضلا عن الواردات التي تأتيه. وقد سد مشتراه مرارا عديدة، فقلنا في نفسنا: ليت الحكومة تسعى إلى مد جسر من
حديد على دجلة وتحقق هذه الأمنية إلى حيز الوجود تلك الأمنية التي في صدور الكبار والصغار منذ سنوات كثار. ونحو الساعة الثانية صباحاً وصلنا إلى (المحمودية) فنزلناه لنستريح فيها. وهي قرية فيها منتديات لشرب القهوة وسوق وخان وعدة دور. ويجد فيها المسافر كل ما يحتاج إليه من طعام ومأوى. والظاهر أن هذه القرية حديثة البناء في هذه البقعة من الأرض لأني لم أر لها ذكرا في كتب التاريخ والبلدان التي بحث عن هذه الأرجاء. قمنا من المحمودية نحو الساعة الثالثة ألا ثلثاً فمررنا بعد قليل على (خان زاد) كذا يلفظ العوام هذا الاسم. والأصح (خان زاد) وهو خان قديم يرتقي بناؤه إلى عدة قرون فلما تهدم في أوائل القرن الحادي عشر للهجرة (أوائل القرن السابع للميلاد) أصبح مخبأ للصوص وقطاع الطرق فأعاد بناءه عمر باشا سنة 1089هـ (1678م) وأقام فيه حامية تحمى الحجاج والزوار والمسافرين من أهل العيث والفساد. بيد انه لم يمض نصف قرن على تجديده إلا وعاد اللصوص العماريط إلى هدمه وسكنه. ونحو الساعة الرابعة ونصف وصلنا إلى (الإسكندرية) وهي اليوم قرية خاملة الذكر فيها عدة قهوات وخان وبساتين ومقبرة وعدة
دور. لكننا لم نقف فيها بل سرنا قليلاً ووقفت العجلات في مقبرة الشيخ هرواي (الشيخ الهروي) في الساعة الخامسة إلا ربعاً. وأما الإسكندرية فكانت في سابق العهد مدينة كبيرة بناها الاسكندر ذو القرنين. وهي التي يسميها المؤرخون إسكندرية بابل. وقد بنى الملك المذكور إسكندرية ثانية في العراق على شط دجلة بازاء الجامدة قرب واسط بينهما خمسة عشر فرسخاً. وهي التي تسمى إسكندرية العراق. ثم أتممنا المسير إلى نحو الساعة السابعة فهبطنا (المسيب) (بضم الميم وتشديد الياء المفتوحة) فنزلنا من العجلات وعبرنا الجسر وهذه القرية مبنية على ضفتي الفرات فيها مساكن كثيرة وجامع فيه منارة ثم محجر صحي ودار برق (تلغرافخانة) إلى غير ذلك. وسميت هذه البليدة باسم المسيب بن نجبة الفزاري وكان من أصحاب علي بن أبى طالب وخيارهم (راجع تاريخ الطبري 497: 2 و 551) وكان قد قتل يوم الجمعة لخمس بقينا من جمادي الأولى سنة 65هـ (6 كانون الثاني 685م) في وقعة عين الورد. ولكن لا نظن انه دفن في هذا الموطن وإنما نبني له فيه مزار فسمى باسك المزار. وفي المسيب حركة عظيمة لما يختلف إليها من الناس إذ يرى فيها
باب التقريط
كل سنة اكثر من مائتي ألف زائر يأتونها من جميع البلاد عن طريق بغداد ليذهبوا إلى كربلاء. إما عدد سكانها المقيمين فيها فيقدر بستة الآلاف نسمة. وكان في نية مدحت باشا أن يجعل ممر السكة الحديدية في المسيب على جسر يركب الفرات. برحنا المسيب في الساعة السابعة وعشر دقائق ونحو الساعة الحادية عشرة وصلنا إلى (الإمام عون بن عبد الله بن جعفر الطيار) وهو الذي قال عنه في أسد الغابة هو عون بن جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي والده جعفر ذو الجناحين ولم يقل: عون بن عبد الله وإنما عبد الله هو أخوه على أن الذي نقلناه هو ما سمعناه. وهناك ضريح يقال انه ضريحه تظلله قبة معقودة من الحجر القاشاني فوقفنا هنيهة لنريح دوابنا ثم أسرعنا في السير إلى نحو الساعة الواحدة وكنا نمر ببساتين كربلاء فاجتازت عجلاتنا تلك الخمائل إلى أن انتهينا إلى المدينة. الباقي للآتي عمانوئيل فتح الله عمانوئيل مضبوط باب التقريط كتاب الإرشاد لمن أنكر المبدأ والنبوة والمعاد طبع بمطبعة الآداب في بغداد، تأليف واعظ زاده أبى إسماعيل السيد مصطفى نوري الحسيني الحنفي مبعوث بغداد. عدد صفحاته 93
باب المشارفة
ويليه زهر الربى في حرمة الربى. له أيضاً، من ص94 إلى 102 ويعقبه: المطالب المنفية في الذب عن الإمام أبى حنيفة في 24 صفحة له أيضاً ويتلوه: خلاصة المقال فيشد الرحال في 18ص. له أيضاً. ويختم الكتاب 6 صفحات (فقط) لتصحيح الأغلاط الواردة فيه. وهو كتاب جدل ودفاع وذب يفيد جماعة من أنكر من المسلمين، بعض الحقائق المدونة في أسفار الأيمة والدين، عسى تكون براهينه مقنعة لمن أنكرها. وهادية إياهم إلى سواء الصراط المستقيم. باب المشارفة مجلة الآثار مجلة عامة الأبحاث تصدر في رحلة في نصف كل شهر وهي اليوم شهرية موقتاً. وتطبع في دمشق. لمنشئها ومديرها المسؤول الكاتب الشهير صديقنا ورصيفنا عيسى أفندي أسكندر المعلوف اللبناني. بدل اشتراكها في البلاد العثمانية 6 فرنكات ونصف. وفي الديار الخارجية 10 فرنكات. برز عددها الأول في تموز من هذه السنة. فألفيناه حسن السبك والإنشاء مختلف المواضيع غزيرها. لكنه لا يخلو من مغامر: منها: خلو مباحثه من انتبويب أو من نظام متسق متبع كما هو الأمر في مجلات هذا العصر. ومنها: أن نقل أبيات السلطان احمد بن محمد (ص11) لا يستحب في مجلة تتناولها أيدي الكبار والصغار، لا سيما منشدها رجل والمقولة فيه من الشبان، الأمر الذي تأباه آداب هذا العصر.
تاريخ وقائع العراق وما جاوره
ومنها: أن في بعض العناوين شيئاً من التكلف كورود (مخطات العقول) ويراد بها (الآثار الأدبية) أو (المطبوعات الحديثة). نعم أن التأليف هي بمنزلة المحنطات، لبقائها على حالها بقاء المحنطات وان تراخت عليها أستار الاعصار، لكن ما ضر الرصيف لو قال مثلاً (مخلدات الكتاب) أو (مآثر العقول) أو (الآثار الأدبية) أو نحو ذلك، وبالأخص لان البلى قد يدب إلى المحنطات ولو بعد حين، لكنه لا يدب إلى المخلدات أو المآثر الأدبية أو العقلية. ومنها: انه سمي (باب الأخبار السياسية) متحف الأخبار. ليس لهذه اللفظة وجه لغوي فصيح صحيح. اللهم ألا أن يقال فيها (متحفة أو دار تحف أو خزانة تحف) أو ما أشبه ذلك (راجع المشرق 343: 10 - 344). ولم لا ينحو صديقنا سهولة اللفظ وسلاسته مع الفصاحة والبلاغة وهو من مشاهير كتاب هذا العصر ومقدميه. وعليه: فما ضره لو قال (باب الأخبار السياسية). على أن هذا كله لا يحط شيئاً من منزلة المجلة. ولا من مقام منشئها الرفيع. حفظه الله. وانجح مسعاه. خدمة للغة والعلم ولكل من ينتمي أليهما. تاريخ وقائع العراق وما جاوره (سعدون باشا والمنتفق) لا حديث اليوم في العراق إلا ما يدور قطبه على سعدون باشا والمنتفق على سعدون وإرساله إلى بغداد وسجنه
في قلعة المدفعية ثم أنفاده إلى حلب الشهباء. أما سبب هذا الانقلاب فطويل الشؤون، كثير الشجون، نورد مضامينه ملخصيه عن عدة أعداد صحف بغداد ولا سيما عن جريدة الزهور الغراء، فنقول: إن أعراب العراق من اشد الناس دهاء وذكاء وهي تميل من ذاتها إلى الفتك والغزو والحرب وان لم تحتج إلى ما يقوم بها عيشها. وإنما تفعل هذه الأفعال ظناً منها أنها من علامات البسالة والشجاعة والأقدام على الأمور الجسام. على أنها تسكن وتستكين إذا رأت من الحكومة ما تكبح به جماحها. والعكس بالعكس. ولما أسفر وجه الدستور عن حسنه البديع ظن بعض الرعاع أن الحرية هي الاندفاع إلى المعاصي والمنكرات وإتيان كل محظور، ومن جملة من شق عصا الطاعة العشائر المنبثة على ضفتي الفرات وفي سقيه حتى انقطعت حبال المواصلات بين (القرنة) إلى (الناصرية) ومنها إلى (السماوة) وكل ذلك في شهر ربيع الثاني من هذه السنة (نيسان 1911) فلما رأى آل سعدون عبث العشائر في تلك الديار تركت أملاكها وعبرت إلى جهة الشامية للتخلص من بغي تلك الأقوام الطاغية. ولما شاع مجيء ناظم باشا إلى بغداد وانه قد قدم لإصلاحه وترقية شؤونه طار فرحا السعدونيون واظهروا من السرور ما لم يخف على أحد. فسبب هذا الفرح ما آثار في صدور أولئك الناس اشد الحقد عليهم، وجزموا بان السعدون يكونون عوناً ويداً للحكومة. ومنذ
ذاك اليوم اخذوا ينظرون إليهم نظرهم إلى أعدائهم أو إلى كابحي جماحهم. وكانت عشيرة الضفير موالية لآل سعدون ومحبة له غاية المحبة حتى أنها كانت تود أن تفديه بحياتها. ثم انقلبت الأمور ظهراً لبطن وإذا بالضفير قد أصبحت من اشد أصبحت من اشد الناس عدواة له. والسبب على أثبته الرواة هو انه لما كان سعدون باشا في شهر محرم (كانون الثاني 1911) نزيل (الروضة) ومعه جميع عشائر الموالية له دبت عقارب الفتنة إليه وإلى الضفير فوقع الخلاف بين الفريقين وللحال انفصلت الضفير إليه وغادرته إلى مكان قصي فحاول سعدون باشا إلى إعادة المياه إلى مجاريها فلم يفلح وأظهرت العشيرة أعذاراً هي أو هي من بيت العنكبوت. فبعث إليها رسولاً ابنه (ثامر بك) مرة ثانية وقال له: أن لم تجبك اخفرها جرياً على سنن الأعراب وأمرائهم) (والخفر عندهم أن يأخذ الأمير الكبير من العشيرة العاصية بعضاً من ابلها بموجب الجرم الذي ركبت متنه تأديباً لها). فذهب الولد ووافى (ابن حويط) رئيس عشيرة الضفير وبلغه رسالة أبيه. فلم يعبأ ابن حويط بقوله، فأراد ثامر الخفر فمنعه الحاضرون عن مد يده بما سمع من إطلاق الرصاص، وعلى هذا الوجه رجع ثامر بك بما رجع به حنين بعد أن قتل رجل من رجاله وامرأة ضفيرية. وفي تلك الأثناء اخذ بعض محبي السلم الوسائل لإصلاح ذات البين بين سعدون وشيخ الكويت فرحب بها سعدون بدون شرط وعاد
أدراجه إلى دياره ومعه الضفير وفي القلوب من الذخل والغيظ والموجدة مالا يخفى على أحدٍ حتى بلغ صداه إلى ابن الرشيد لنصرته على الضفير لاسيما لأنها اعتدت عليه بتعرضها لقوافله سابقاً أخذها منه عدداً من الإبل وكان قد امتنع من التنكيل بها محبة لسعدون صديقه. فلما أحس ابن حويط بقدوم ابن الرشيد وانه يكون ظهر السعدون شعر بحرج الموقف ولهذا أسرع في الذهاب أمامه واستقباله ولما تلاقيا طلب ابن حويط من ابن الرشيد العفو والصفح فعفا عنه، ثم طلب إليه أن يتوسط بينه وبين سعدون لعقد عرى الصلح بينهما، فلبى طلبه، فسار للحال ابن سبهان ومعه شيوخ الضفير إلى سعدون باشا وأقنعوه بقبول الصلح فلم يقبل إلا بعد اللتيا والتي وبشرط أن تدفع الضفير خفر 300 بعير و70 جواداً. فقبلت ودفعت إلى سعدون ما طلبه أعطى هذا من هذا الخفر 70 بعيراً و15 فرساً هدية لابن الرشيد. وهنا روايتان: الرواية الأولى هي أن ابن الرشيد فرقها على عشائره التي كانت الضفير قد أخذت جمالها سابقاً. والثانية: انه وهبها للضفير. وبعد هذا الوفاق رجع كل منهم إلى قومه. وأما ابن الرشيد فانه من بعد أن أقام بين ظهرانيهم يومين بعد الوفاق ظعن عن ديارهم. على أن الدسائس لازالت تجري أفاعيها تحت ظواهر الصلح حتى ابتعد ابن الرشيد فقامت الضفير على سعدون حتى خذلته وليس من العجب أن يخذل سعدون لأنه لم يكن مستعداً لمثل هذه الخيانة وانجلت الموقعة عن قتل في الفريقين وممن عرف عن القتلى ثلاثة من السعدون وثلاثة
من شيوخ الضفير. وكانت هذه الوقعة في 22 ربيع الأول من هذه السنة (24 آذار سنة 1911) في موضع اسمه (الحسينية قرب (شقراء) التي فيها قصر سعدون باشا. فلما بلغت الأمور هذا المبلغ كتب محمد العصيمي من أعيان الزبير كتاباً إلى سعدون بتاريخ آخر ربيع الثاني (أواخر نيسان) يقول له فيه أن يرسل يوسف بك ابن أخيه إلى أنحاء الزبير لينضم إلى عشيرة بني مالك ويقطع الطريق عن قوافل الضفير التي آذنت لها الحكومة أن تأتي إلى الزبير. فأجاب طلبه السعدون وذهب يوسف بك حتى وصل إلى مسافة ميل من بلدة الزبير فاخذ من العشيرة المعادية ثمانية بعران ولما رأى أن لا قبل له بإتمام ما بدأ به لمقاومة الضفير له لجأ إلى قصر خالد العون في (الشعبية) إحدى ضواحي الزبير الذي اتخذه العصيمي مقاماً له. ثم كتب محمد العصيمي ليوسف بك أن يرغم العشيرة ويسلبها وينهها انتقاماً من الزبيريين (الذين استقبحوا عمل العصيمي) فحاصرها يوسف بك في 2 جمادي الأولى (1 أيار) حتى انقطعت السبل بين البصرة والزبير وغلت الأطعمة غلاء فاحشا وخاف الناس على أنفسهم إلى أن من الله بالفرج على عباده. ولم تنتبه الأمور إلى هذا الحد بل آلت إلى صورة أشنع وافظع: زار تسعة من شيوخ البدور في عيد الأضحى من هذه السنة عجيمي بك ابن سعدون باشا ولعلهم فعلوا ذلك حباً بالسلام والرجوع إلى الاتفاق
والوئام، لاسيما وان عجيمي المذكور أمنهم على أنفسهم وعاهدهم العهود الوثيقة أن لا يؤذيهم، ثم بعد ذلك غدر بهم كما غدروا هم بابيه فقتل سبعة منهم وفدى اثنان نفسيهما بمال طائل فافلتا. ولما سمعت العشائر بهذه الخيانة التي لم تكن ألا بآمر من سعدون باشا هاجت وماجت والت على نفسها أن تنتقم من سعدون مهما كلفها من المال والرجال وخلعت طاعته ولم يبق من العشائر الموالية له سوى الضفير وهذه أيضاً لم تبق على حبها له لأنه غزا عنزة مع الضفير ومع بعض عشائر السماوة وكانوا له بمقام الخدم والعبيد منقادين لجميع أوامره وزواجره وما كان يكرم أحداً منهم غير رؤسائهم فانه كان يكسوهم ثياباً في السنة مرة لا غير وبعد انتصاره نوى أن يحرم عشائر السماوة من الغنيمة. فأنكر الضفير عليه هذا العمل، ومن ثم تحكمت النفرة بين سعدون باشا وبين العشيرة المذكورة وأصبح سعدون وحيداً شريداً طريداً، لا يرق عليه قلب، ولا يعطف عليه عاطف. ولما كان بقاء سعدون باشا في مقامه مما يزعج الخواطر ويقلقها ويديم الاضطراب في أرجاء المنتفق، كتب رؤساء العشائر رسالة ونفذوها إلى ولايتي البصرة وبغداد وقد ذيلها أربعة عشر رئيساً باسمائهم، وهذا بعض ما فيها نقلاً عن جريدة مصباح الشرق في عددها 47 بدون إصلاح عبارتها المغلوطة: من المعلوم أن الدور البائد باستبداد حمولة آل سعدون على لواء المنتفقك
كانت حياة عموم الرعية مستغرقة، ولما تحقق لدى الحكومة جهزت جنداً كافياً فأخرجتهم إلى جهة الشامية وبقوا مدة سنين فاستراحت الأهالي وكسبت الأمنية وكانت الأميرية تعطى من قبل الأهالي. أما من مدة ثمان سنين، فبواسطة أهل الغرض عبر سعدون من الشامية إلى جزيرة الغراف وذلك في زمان ولاية مصطفى نوري باشا، واخذ العهود عليهم لإحياء مشيخة آبائه وأجداده، والذي يمتنع ينهب ماله ويسفك دمه فصارت السلطة عليهم ولما تمكن هجم على قضاء الشطرة وقتل رهطاً من الجند وضايقها، حتى اضطر الأهالي إلى دفع الأموال لخلاصهم من القتل، ثم ارتحل وهجم على قضاء السوق ونهب واحرق، ولما تحققت معاملته لدى الحكومة ساقت الجند مع الفريق محمد باشا بعد أن استغاث اللواء وعشائره، ففر إلى الكويت ثم عاد بواسطة العفو وشيد قلعة المائعة ووضع فيها ما تمكن من الذخيرة، ثم تسلط على العشائر واخذ يجلب رؤساءهم والذي لم يوافقه يقتله، وهكذا استمرت أفعاله والحكومة كانت تراها ولم تعاقبه لإطماعها فيه، إلى زمن الوالي السابق مخلص باشا فساق عليه الجند وأمر بقلع المائعة، ولما انفصل من وظيفته رجع واستمر على جوره، حتى بزغ الدستور وتلطف الباري علينا بالعدل فما لبث أن عاد لحانته الأولى أيضاً وجرى ما جرى منه من سفك الدماء وقتل الأنفس. ونظراً لما شاهدته العشائر من انتصار حكومة المركز أخيراً، وإعطاء القوة إلى سعدون وولده صاروا مأيوسين ومحاذرين من تسلط سعدون وولده، لعلمهم بمعاملاته السابقة من قتل النفوس والفعل الشنيع الذي
صدر من عجيمي فوقعت مناوشة خفيفة بين عشائر والبدور والجند، وعند دخوله إلى اللواء صارت مصادمة بنفس اللواء حتى تلفت جملة نفوس واحترقت جملة بيوت وانتهبت، وترك الناس يقتلون بعضهم بعضاً فلم يصلحوا ذات بينهم ولا اخرجوا سعدون من قلعة المائعة وقد كان ذلك غاية ما تطلبه البدور من الحكومة، وقد سحبوا تلغرافات إلى المقامات العالية شارحين الحال طالبين إخراجه من المائعة ووضع مفرزة فيها من العساكر المظفرة لإصلاح الطرق قيها والأمنية منتظرين الجواب. فإذا لم يصدر الأمر بإجراء الإيجاب على النظام تتحد عشائر البدور مع الضفير والشيخ مبارك الصباح وتتصل قبائل لواء المنتفك في معيته والي الآن ما حصلت النتيجة ولا صدر أمر بإجرائها. أما الضفير فقد ثم اتفاقهم مع الشيخ مبارك الصباح وأما عشائره البدور وقبائل لواء المنتفك ففي المخابرة والمذاكرة وإذا بقى هذا الحال ولم يصدر أمر بإجلاء سعدون وقلع المائعة لقطع دابر الفساد وإصلاح الحال ووضع مفرزة من الحكومة إلى إصلاح أحوال العراق وحقن دماء المسلمين وتخليصهم من يد سعدون وأولاده وتعيين مأمورين إلى اللواء خالين من الغرض محافظين حقوق الدولة والملة فيسعون إلى إصلاح هذه المفاسد قبل أن تكون ولاية البصرة مسرحاً للأجانب. اهـ ولما تريثت الحكومة في إصدار أمرها تحالفت العشائر على مناهضة
سعدون وضبطت قلعة صغيرة قتل في أثناء أخذها اثنان من رؤساء المنتفق فطلب حينئذٍ سعدون من الحكومة إرسال الطعام إلى أهل بيته بواسطة البواخر ففعلت وأرسلت معها العساكر، فلما علمت العشائر بذلك أمطرت الرصاص على المركب وعلى من فيها فقابلها الجند بالمثل ذهاباً وإياباً ودام إطلاق البنادق من الجانبين اكثر من 12 ساعة. وبعد أن تحققت العشائر وجود سعدون في اللواء حاصرته اشد الحصار لا كراهه على الخروج من تلك الديار فخرج بعد حصار دام يومين وليلتين وبخروجه انتهى الحصار. أما العشائر التي ناوأته في تلك الواقعة فكانت البدور والغزي والحسينات والبوعظم والعساكرة. بعد أن أهين سعدون هذه الإهانة وتثبت أن كل هذه البلايا التي نزلت به كانت بسبب الضفير إلى على نفسه أن يطاردها ولو بذل دمه في سبيل تحقيق أمنيته فما زال وراءها حتى أتى الزبير فسمع هناك بقدوم صديقه الحميم السيد طالب باشا مبعوث البصرة إلى المدينة عائداً من الآستانة فاحب مواجهته وكتب إليه رسالة ليعرف منه إذا كان هناك مانع يحول دون زيارته فأجابه المبعوث أن لا مانع من دخوله البصرة. فذهب ولما وصل إلى البصرة نزل به ضيفاً. وحالما علة والي ولاية البصرة بدخول سعدون باشا المدينة أنبأ بلسان البرق لجنة التحقيق والأجراء بموافاة الشيخ المذكور فورد الجواب بالقبض عليه وإرساله إلى بغداد مخفوراً. فأرسل إليه آمر المبدرقة (أي قومندان الجاندرمة) وقت القيلولة وطلب إليه أن يواجه والي الولاية، فلبى الطلب مسرعاً
فلما وصل دار الحكومة قيل له أن الوالي في العشار (محلة من محلات البصرة واقعة على شط العرب) فركب العجلة، ولما وصل الحي المذكور قيل له انه في المركب وما كادت أقدامه تطأ باخرة (مسعودي) إلا وشعر بأنه محاط بالخفر وانه ينقل إلى بغداد فوصلها في 27 تموز وانزل في دار خاصة به عينتها له الحكومة وجعلت له خدماً على نفقته ثم في 3 آب نقل إلى قلعة المدفعية الواقعة على دجلة. وفي ليل 20 آب سافر إلى حلب الشهباء عن طريق الموصل لمحاكمته هناك والله اعلم بمصير الأمور. أما أعراب المنتفق فقد أخلدت إلى السكون والراحة ريثما تجد لها ما يثير غضبها وفق الله الجميع إلا ما به خير العباد ونفع البلاد. في المدينة بضع إصابات بالهيضة أما الوفيات فتكاد لا تكون شيئاً مذكوراً. إلا أن هذا العرض يفتك في المحمرة والوفيات فيها من 25 إلى 30 في اليوم مع أن المدينة قليلة السكان. قدم إلى بغداد واليها الجديد احمد جمال بك نهار السبت 26 آب وقرء الفرمان نهار الأربعاء 30 آب.
العدد 4
العدد 4 البريم أو عبادان الحديثة 1 - تمهيد في الجهة الشرقية من البصرة الفيحاء، موطنان شهيران اسمهما اسما مدينتين قديمتين كانتا في سابق العهد بعيدتي السمعة وهما: عبادان (وزان شداد بالتثنية والرفع) وقبان (كشداد). وكانتا قبل 50 سنة داخلتين في أقصى حدود البصرة، ومعدودتين من أواخر السواد جنوباً، أو من ذنائب العراق، وهما اليوم في ملك دولة إيران، أو أن شئت مزيد التدقيق فقل: عما اليوم من أراضي الشيخ خزعل، أمير المحمرة، والمحمرة هي قاعدة إماراته.
وليس كلامنا هذا هو جواد قلمنا في ميدان البحث عن الأولى، لمونها أشهر من أختها في التاريخ والموقع. ونبقى الكلام عن اختنا إلى وقت الحاجة. وقد سمينا عبادان مدينة وان كان لا يحق لنا نطلق عليها مثل هذا اللفظ، لان ليس هناك ما يصدق فيه أن يسمي بهذا الاسم، وإنما دعوناها كذلك اتباعاً للفظ القديم، وجرياً على العادة، ولأنها الآن آخذة بالعودة إلى سابق عزها وعمرانها، وسوف تسمع بعد بضع ساعات بطائر شهرتها بعد أن تكمل عمارتها حتى تكسف شمس شهرتها بدر شهرة البصرة وبغداد، بل وشهرة جميع ديار العراق. وسوف يؤمها ويقصدها كبار الناس وسراتهم وأصحاب الثروة الطائلة، حتى تصبح من المدن الجليلة التي لا يمكنك أن تعارض بها بعد ذلك إلا من مدن ديار الإفرنج بل ومدنها الكبار، وحواضرها الواسعة الكثيرة السكان. وان سألتني عن سبب هذا التفاؤل الغريب وعن صدق هذا النبأ، أقول: أن شركة إنكليزية كبيرة راس المال واسمها - تهتم باستخراج الزيت الحجري، (وهو النفط المعروف عند الإفرنج باسم البترول) وقد ضمنت الأراضي التي ينبع فيها هذا السائل الجزيل الفائدة والعائدة لمدة سبعين سنة، واسم الأرض اليوم رامز (واسمها القديم رامهز أو رامهرمز اردشير) وهي
تشمل عدة مدن وقرى وهاك أسماء بعضها: مسجد سليمان، وميدان النفط، والناصرية (التي في فارس لا التي على الفرات) شيرين، ودار الخزينة وغيرها. وقد وجدت اليوم الشركة المذكورة بتعمير هذه المدينة على طرز لندن، حتى أن كثيرين من الإنكليز والوطنيين اخذوا يسمونها (لندن الصغيرة) وهي تسرع في بنائها وأي سرعة، حتى أنها بنت في ثلاث سنوات ما لا يبنيه أهل هذه الديار الشرقية إلا في 15 أو 20 سنة. هذا فضلا عن انه لا يكون إلا دونه أحكاماً ونظاماً وهندسةً وصبرا على الزمان. والغريب في هذه المدينة الحديثة أن تخطيطها لم يرسم في الوطن عينة أو بعد النظر إلى مواقع المدينة، بل إنما خط في غلاسو، فيعمل بموجبه الرازة والمهندسون، ولا يندون عن الرسم قدر شعرة أو ذرة. وجميع ما يأتيهم من بلادهم من أدوات ومواد مصنوعة ومهيئات يردهم على القدر المقدر في الرسم، فلا يعاني الرازة عناءً مذكوراً في إنزاله في محله كما انك لا تتكلف مشقة في إرجاع المفرغ في قالبه. وعبادان واقعة على شط العرب، ومراكب البحر تصل إليها وتقف في مرساها الجديد الذي بناه الإنكليز أهل الشركة المذكورة.
وقد تمت أشغاله في آخر يوم من تموز، ووقف فيه لأول مرة مركب (اناطوليا) في 29 تموز من هذه السنة 1911. ويبعد عن غربي عبادان بخمس دقائق أرض خالية اسمها بريم (مصغرة. ويلفظها العوام بإسكان الأول)، وهي تكاد تكون متصلة بعبادان لقربها منها. ولا بد من أن تضم إليها يوماً فيجتمع من المدينتين بلدة كبيرة من أكبر مدن العراق. 2 - معنى عبادان وبريم قال ياقوت الحموي في معجمه: قال البلاذري: كانت عبادان قطيعة لحمران بن أبان، مولى عثمان بن عفان رضه، قطيعة من عبد الملك بن مروان، وبعضها فيما يقال: من زياد. وكان حمران من سبى عين التمر، يدعي انه من النمر بن قاسط. فقال الحجاج يوماً وعنده عباد بن حصين الحبطي: ما يقول حمران، لئن انتمي إلى العرب، ولم يقل انه مولى لعثمان: لأضربن عنقه فخرج عباد من عند الحجاج مبادراً، فاخبر حمران بقوله: فوهب له غربي النهر وحبس الشرقي فنسب إلى عباد بن الحصين. وقال ابن الكلبي: أول من رابط بعبادان عباد بن الحصين) اهـ وقال غيرهما: بل سميت عبادان نسبة إلى العباد الذين كانوا منقطعين فيها. قلنا: هذا غير صحيح: أولاً، لان عين عبادان مفتوحة لا مضمونة. ثانياً، لان الألف والنون اللاحقتين بآخر (عباد) هما
من قبيل ياء النسبة عند أهل البصرة وهي لغة خاصة بهم جارية على ألسنتهم إلى يومنا هذا. إلا أن هذا الإلحاق النسبي الغريب خاص بالأعلام لا غير. فتسمعهم يقولون إلى اليوم يوسفان وسعيدان ومهيجران في النسبة إلى يوسف وسعيد ومهيجر، ولا يقولون غير ذلك. قال ياقوت: أما إلحاق الألف والنون فهو لغة مستعملة في البصرة ونواحيها، انهم إذا سموا موضعاً أو نسبوه إلى رجل أو صفة يزيدون في آخره ألفاً ونوناً كقولهم في قرية عندهم منسوبة إلى زياد بن أبيه: زيادان، وأخرى إلى عبد الله: عبد الليان، وأخرى إلى بلال بن أبي بردة: بلالان. قال: وهذا الموضع فيه قوم مقيمون للعبادة والانقطاع، وكانوا قديماً في وجه ثغر سمي الموضع بذلك. والله اعلم. وأما البريم فسميت كذلك لكثرة ما كان فيها في سابق العهد من البريم (مصغرة، وهو ضرب من التمر حسن للغاية أصفر اللون مدور الشكل عذب الحلاوة. وهو الذي كان يسميه الأقدمون من فصحاء العرب: البرني نسبةٍ إلى برن بالفتح والإسكان. وهي قرية في البحرين نسب إليها التمر البرني. (عم معجم البكرى) فلما صغروا البرني قالوا: البريني ثم حذفوا ياء النسب للتخفيف وللشهرة، وقلبوا النون ميماً. كما قلبوها في كثير الألفاظ. 3 - موقع عبادان وبريم وذكر أهلهما. قال ياقوت: (موقعها) تحت البصرة قرب البحر الملح، فان دجلة إذا قاربت البحر انفرقت فرقتين عند قرية تسمى المحرزي.
ففرقة يركب فيها إلى ناحية البحرين نحو بر العرب وهي اليمنى، فأما اليسرى فيركب فيها إلى سيراف وجنابة فارس، فهي مثلثة الشكل، وعبادان في هذه الجزيرة التي بين النهرين، فيها مشاهد ورباطات، وهي موضع رديء سبخ لا خير فيه. وماؤه ملح، فيه قوم منقطعون عليهم وقف في تلك الجزيرة، يعطون بعضه، واكثر موادهم من النذور، وفيه مشهد لعلى بن أبي طالب رضه وغير ذلك، واكثر أكلهم السمك الذي يصيدونه من البحر ويقصدهم المجاورون في المواسم للزيارة، ويروى في فضائلها أحاديث غير ثابتةٍ. اهـ كلامه وقد قال صاحب دائرة المعارف: وليس لعبادان (اليوم) من اثر باقٍ. فان مياه شط العرب تجري الآن إلى خليج فارس من مصب واحدٍ وليس هنالك جزيرة على ما وصفوا فقد أكلتها المياه (كذا) اهـ. قلنا: وقد وهم صاحب الدائرة لان البحر يجزر هناك ولا يتقدم أو يمد. ومن ثم لم يأكل شيئاً، وإنما غاضت تلك المياه ونشفت فانحسرت أرضها. وعبادان واقعة اليوم على شط العرب على عدوته اليسرى ويحيط بها من الشرق عدة انهر لا سيما نهر بهشمير وحولها مستنقعات كثيرة تنشف مياهها في أيام الصيف. وهي تبعد اليوم عن البحر قراب 20 كيلومتراً. ولكونها محاطة بالمياه يصدق عليها لقب الجزيرة إلى الآن. وبريم تبعد عن عبادان زهاء خمس دقائق أو اكثر بقليل. وفيها الآن آثار أبنية قديمة يقال أنها آثار حصن بناه في سابق العهد عبد
لهرون الرشيد اسمه غصيب سكن في الموضع المعروف اليوم بالبريم فعمر ذلك القصر. وارض عبادان اليوم مع أرض البريم خصبة جداً وهواؤهما على احسن ما يرام. والماء عذب فرات. وليس في هذين الموضعين وبالة كما في أرض البصرة وجوارها. 4 - مذهب أهل عبادان قال السيد إبراهيم فصيح الحيدري في عنوان المجد (وهو كتاب خط): (كان أهل عبادان كلهم مع نواحي المحمرة في القديم على مذهب الإمام الشافعي رضه كالبصرة ونواحها، ثم تشيع جميع أهل عبادان ونواحي المحمرة في القديم كلهم، وما بقي منهم أحد من أهل السنة والجماعة سوى بعض الأفراد من الدوق من عشيرة كعب.) اهـ 5 - وجود قرى كثيرة في جوار عبادان كان يقال سابقاً: (ليس وراء عبادان قرية) قال المجد في شرحه لكلمة عبادان: (عبادان جزيرة أحاط بها شعبتا دجلة ساكبتين في بحر فارس) اهـ. وأما اليوم فوراء عبادان قرى عديدة. ويطوف بها من جهة الشرق نهر بهمشير الحاجز بينها وبن المحمرة إلى أن ينتهي إلى البحر الفارسي أو خليج فارس. فعبادان هذه واقعة على جهة النهر المذكور الغربية وعلى جهته الشرقية ترى قبان، وشاطئ نهر بهمشير المقابل لراس
جزيرة عبادان من جهة الشمال يسمى المحمرة وهي غير المحمرة المشهور الآن بهذا الاسم. اهـ قال السيد إبراهيم الحيدري المذكور: (مما يدخل في جانب جزيرة عبادان من الجهة الغربية (من القرى التي هي) من أملاك الدولة العلية قديماً: (أما الجريدية، والحدة، (بتشديد الدال)، ونهر الشيخ وحوش العامر، وجزيرة المحلة، والشطيط، والبريم، والبويرة (هذه الثلاث تلفظ مصغرات) والمنجوحي، وقصبة النصار) وهي آخر جزيرة عبادان، وسميت قصبة لأنها منبت قصب. وأما ما على جانب جزيرة عبادان من الجهة الشرقية: (فنهر الحياج، وكوت شنة (بتشديد النون) ونهر الحدادين، ونهر مهيوب، والصوينخ (مصغرة) فهذه كلها معمورة وباقي القرى لا غرس فيها (ولهذا لا نتعرض لذكر أسمائها).) اهـ وأما بازاء نهر الدعيجي: فخميسة (مصغر خمسة)، وسعيدان (مصغرة)، ونهر يوسف والشاخورة، والمعموري، والدربند، والخيين. (مثناة) 6 - علماؤها خرج منها عدة زهاد وعباد ومحدثين وعلماء، ذكر بعضاً منهم ياقوت في معجمه. وممن اشتهر منهم في أواخر هذه الأزمان: ابن قاسم العبادي وهو الذي حشى تحفة ابن حجر المكي الهيتمي، وله حاشية
كتاب الصبوح والغبوق
على جميع الجوامع في الأصول اسمه: الآيات البينات، وشرح الغاية في فقه الشافعية، وحاشيته على حاشية اللقاني المصري على شرح التصريف للتفتازاني، وحاشيته على حاشية عصام الدين على شرح الكافية للجامي وغير ذلك من الكتب. وفي العدد القادم نذكر بناية عبادان الجديدة مع التفاصيل المتعلقة بها. كتاب الصبوح والغبوق لعله من تأليف شمس الدين محمد بن حسن بن علي بن عثمان النواحي القاهري الشافعي صاحب حلبة الكميت، المتوفى سنة 859هـ - 1455م. عدد قوائمه 155 وفي كل صفحة من صفحة 19 سطراً بخط نسخي واضح. طوله 15 سنتمتراً في عرض 11 سنتمتراً. هذا الكتاب من أسفار الأديب انطوان أفندي سمحيري في بغداد واسم المؤلف لم يذكر فيه لا في صدوره ولا في آخره. إلا انه يؤخذ من الصفحة 143 أن كاتب السفر أدرك عبد الوهاب بن حسن بن جعفر الحاجب وعاشره. فلعله إذاً للنواجي نسخة في خزانة كتب برلين الملكية عددها 8396. وقد جاء في آخر النسخة: (تم الكتاب بعون الملك الوهاب في
صبح يوم الجمعة المبارك سادس شهر ربيع الأول من شهور سنة واحد (كذا) وأربعين وألف. احسن الله ختامه آمين. على يد الفقير إلى عفو ربه المغني رمضان بن موسى بن عطيف الحنفي غفر الله تعالى له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين والحمد لله رب العالمين سنة 1041) اهـ وعنوان الكتاب يدل على فحواه. وهذا استهلال المقدمة: بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي ونعم الوكيل، أما بعد الحمد لله على ما وهب من إصلاح الشان، وإيضاح البرهان، وإفصاح السان، وسماح الجنان بالبيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، واله وأصحابه ذوي الفصاحة والتبيان، والسماحة والإحسان، فأنني رأيت طائفة الشعراء من المحدثين والقدماء، قد وصفوا الصبوح ومدحوه، وذكروا محاسنه وفضله وشرحوه، وبينوا منافعه وأوضحوه، فقصروا في المدح وطولوا. وأسهلوا في المدح والشرح واجلبوا،. . . . وقد رتب هذا الكتاب على ثلاث طبقات: فالطبقة الأولى: نذكر فيها الملوك ومذاهبهم في الصبوح وأخلاقهم والطبقة الثانية: نذكر فيها وزراء الملوك وخوصهم وأمراءهم ومن شاكلهم. والطبقة الثالثة: نذكر فيها سوقة الناس وعوامهم. ونذكر في كل طبقة ما يستدل به على همها وأحوالها واختلاف أهوائها وشهواتها وتباين طبائعها، وتركيبها وترتيبها،. ثم نتبع
ذلك بما قالته الشعراء ومن اختار منهم الصبوح على البساتين والأزهار، وشطوط البرك والأنهار، ونجتزئ من ذلك باليسير القليل، مخافة الإكثار والتطويل، وحسينا الله ونعم الوكيل. اهـ. والكتاب في غاية الإفادة لمن يعني بالأمور التاريخية في عصر العباسيين، والاطلاع على عوائد المتحضرين من العرب في ذلك العهد، وما كان يدور في مجالسهم من الحديث ونظم الشعر وتجاذب أطراف الكلام. وهذا الكتب ينفع أيضاً لإصلاح عدة أغلاط وردت في كتاب الأغاني، سواء وقعت من المطابع أو من الناسخ. لان اغلب الذين ذكرهم الاصبهاني في أغانيه من معاقري الخمرة ذكرهم أيضاً صاحب هذا التأليف الغريب، وفي الكتاب ما عدا هذه المنافع فائدة ثالثة وهي معرفة بعض الموضع والأمكنة والبلدان معرفة تامة وهي المواطن التي اشتهرت بحسن موقعها فجذبت إليها أصحاب الأنس والقصف فأقاموا فيها للأكل والشرب أياما عديدة. وها أنا اذكر لك شاهدا على ما أقول: كل من يبرح بغداد طالبا حلب يمر في طريقه بموطن على الفرات اسمه القائم فيه نفر من العسكر في قلعة قد بنيت في عهد مدحت باشا حفظاً للطريق من قطاع الإعراب وشذاذهم ونفضاً إياها من أشرارهم. وهناك بقايا أبنية فخمة ضخمة تدل على أن (القائم) كانت سابقاً قرية كبيرة فيها أديرة للنصارى بيد انه لم يجسر أحد أن يقول هذا القول لعدم وقوعه على ما يثبت ما يختلج
فصل في دير القائم الأقصى
في الصدر وقد رأينا في ص33 ما يؤيد هذا الظن ويخرجه إلى عالم الحقيقة والصحة. قال المؤلف: فصل في دير القائم الأقصى قال أبو الفرج علي بن الحسين الاصبهاني: (دير القائم الأقصى) على شاطئ الفرات بطريق الرقة. القائم الأقصى مرقب (قلت أنا: والى اليوم ترى آثار هذا المرقب مائلة) كان بين أرض الروم وارض فارس. وعنده دير جليل. ومر به الرشيد في خلافته فاستحسن الموضع واستطابه، وكان الوقت ربيعاً، وكانت المروج التي حوله مملوءة بالشقائق والأنوار، وأصناف الرياحين والازهار، فنزل به وأقام ثلاثة أيام. قال هاشم ابن محمد الخزاعي: فدخلت الدير لأراه وأطوف فيه، فرأيت جاريةً ديرانية حين نهد ثدياها، لم أر احسن منها وجهاً وقداً وملاحة واعتدالاً، وكان والله تلك المسوح حلياً لها، تضئ بها وتنير. فدعوت بمن جاءني مسرعاً بشراب، فأقبلت اشرب على وجهها واستمتع من محاسنها، فقلت فيها هذه الأبيات: بدير القائم الأقصى ... غزال شادن أحوى برى حبي له جسمي ... ولا يدري بما ألقى وأخفى جليل جهدي ... ولا والله لا يخفى (كذا) إلى آخر الحكاية. وقد روى مثلها صاحب الأغاني في 5: 123 وفي صدر البيت الأخير: واكتم حبه جهدي
وأنت ترى من هذا المثال ما في هذا السفر الجليل من الفوائد التاريخية والجغرافية والعلمية والأخلاقية إلى غيرها. وفي هذا المجلد كتاب ثانٍ يبتدي من الصفحة 196 اسمه مفتاح الراح، في امتداح الراح. (ويروى مفتاح الأرواح) ونظنه لمؤلف الكتاب المذكور وهو عبارة عن ديوان شعر جمع كل مقاله الشعراء في الخمر وقد رتبه على حروف المعجم إلا أن غالب القصائد لأبي نؤاس وهذه فاتحة الكتاب بعد البسملة: (الحمد لله على ما وهب من إصلاح الشان. وإيضاح البرهان. وإفصاح اللسان. وسماح الجنان بالبيان. وصلاته وسلامه على نبيه محمد اشرف أنواع الإنسان. المنزل عليه القرآن. . . . وبعد فأنني رأيت طائفة الشعراء. من المحدثين والقدماء. وقد وصفوا الراح ومدحوها، وذكروا محاسنها وشرحوها. . . . وآخر قصائده تستهل بهذه الأبيات: في الله أياماً مضت ولياليا ... تروح روائح تربها وغواديا ليالي أطلقت العنان مع الهوى ... ورحت بها في ربقة الذنب عانيا فيا طيبها لو لم تكن قلائلا ... ويا حسنها لو لم تكن فوانيا وآخر بيت هذه القصيدة هو: وادعوا لمحو الذنب في كل موطن ... الهي عساه أن يستجيب دعائيا على أن أهم ما في هذا المجلد القسم الأول الذي ذكرناه. أما الثاني
ماذا يرى اليوم في سامراء
فدونه منزلة وان كان لا يخلو من فائدة. بغداد: الشماس فرنسيس اوغسطين جبران ماذا يرى اليوم في سامراء إذا أتيت سامراء وأطلقت فيها طائر نظرك لا يكاد يقف على عامر قديم العهد بل تراه يحوم على أطلال وأنقاض وتلال صغار وكبار، وإذ لا يجد له مقراً يعود إليك وقد وهنت قواه. ولكل تل من هذه التلول اسم معروف عند أهل المدينة، ولما كانت هذه الأنقاض مثبوثة شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، صعب عليك حفظها أن لم تدونها في رقعة تكون بيدك. وهل يدهشك وجود هذه الأطلال الدوارس، وأنت تعلم أنها كانت في سابق العهد منتزهاً للمناذرة، ومباءة لبني العباس، ومعهد انس، ينتابه كبار الدول المجاورة؟ وكيف تعجب وأنت تدري انه كان في سامراء من القصور والشوامخ مالا يصل إلينا إلا بعض أسمائه كالشاه، والعروس، والقصر المختار، والوحيد، والجعفري المحدث، والغروب، والشيدان، والبرج، والصبح، والمليح، وقصر بستان الايتاخية، والتل، والجوسق، والمسجد الجامع، وبركوان، (ويروى بلكوارا وهو الأصح) والقلائد، والفرد، والماحوزة، والبهو، واللؤلؤة، وغيرها وغيرها. ومع ذلك فإننا لا نروي هنا إلا بعض ما رأيناه لا كله، لان وصف
كل ما وقفنا عليه يستلزم وضع كتاب قائم برأسه، ثم إننا نذكر أسماء بعض الأطلال مستندين على رواية الكثيرين من المعمرين الذين قطنوا في جهاتها أو ترددوا إلى جنباتها إذ هي لا تعرف اليوم إلا بهذه الأسماء التي ننقلها عنهم. فنقول: ينتهي الخراب من جهة الغرب فوق سامراء إلى (أبي دلف) أي إلى مسافة ثلاث ساعات وفيه من الآثار الخربة أربعة مواضع ويفضي الخراب من جهة الشرق وراء سامراء إلى (قلعة الجالسية) وهي تبعد عن المدينة مسافة ساعتين ونصف. أما الآثار الأربعة الغربية فهي: الأول (الصليبية) (بالتصغير والنسبة) وتبعد عن سامراء ساعة واحدة، وهي عبارة عن دعائم (أي ذلك بلغة أهل بغداد جمع دنكة مائلة لا غير. وبنائها بالجص والأجر. والأثر الثاني: (العاشق) وهو فوق الصليبية نحو ربع ساعة وأرضه كثيرة الأبنية والسراديب: واليوم قد اخذ رئيس شركة التنقيب الألمانية وهو الدكتور هرتسفلد في كشف التراب عن بعض ما فيه. وقد وجد هناك سرداباً نزل فيه العملة إلى خمسين دركاً فلم يصلوا إلى قعره بل تجولوا في فناءٍ من أفنيته ما يقرب من مائة متر فلم ينتهوا إلى آخره ولا إلى أقصى جنبة من جنباته. أما طول كل دركة من دركه فمتر واحد و72 سنتيمتراً. وعرضها متر و9 سنتيمترات. والفراغ أي ما بين مرقاة ومرقاة 35 سنتيمتراً.
وأما سقف ذلك الفناء فمعقود بالطاباق أو الطابوق (وهو اسم الآجر المشوي بالنار بلغة أهل العراق والكلمة قديمة الوضع وترى في كتبهم) والجص: وفيه من غريب التصاوير والرسوم الهندسية وبديعها، ما يدهش الأفكار ويسحر الأبصار. وتبلغ ساحة أرض العاشق الخربة 350 متراً طولاً في 220 متراً عرضاً. وبجانب العاشق قصر آخر يعرف (بالمعشوق) ويسمى البعض (العاشق والمعشوق) باسم (الشاه والعروس) وقد ذكرهما ياقوت فقال: الشاه والعروس: قصران عظيمان بناحية سامرا انفق على عمارة الشاه عشرون ألف ألف درهم. وعلى العروس ثلاثون ألف ألف درهم. ثم نقضت في أيام المستعين، ووهب نقضانها لوزيره احمد ابن الخصيب فيما وهب له. اهـ كلام ياقوت.
وإزاء العاشق في الجانب الشرقي من ضفة دجلة (الكوبر) (بالكاف الفارسية وتصغير الاسم) وهو تلول مسافة طولها قراب 100 متر وعرضها
اليوم 10 أمتار وقد أكل الشط نصفها وبقي نصفها الآخر وظهرت
فيها غرف مبنية بالجص والآجر مع سراديب وهي اليوم في وسط الماء إذ مهواه عليها وفي أيام الفيضان يحيط بها الماء وتكون شبيهة بالجزيرة. والأثر الثالث (حويصلات. مصغرة وبتشديد اللام المفتوحة) وهي فوق العاشق بنحو ساعة. وهي تلول صغار وكبار لا غير. والأثر الرابع مهيجير (مصغرة) وهو تل مسطح علوه 5 أمتار وطوله 20 متراً. هذا كل ما في الجانب الغربي من الآثار. وأما الجانب الشرقي فآثاره الدوارس كثيرة لا تكاد تحصى. وقد قلنا إنها تنتهي من جهة الغرب إلى (أبي دلف) ومن جهة الشرق إلى قلعة (الجالسية). فلنأخذ الآن بذكر أم هذه الآثار وأعظمها شاناً وهي سامراء نفسها. ثم نأتي على ذكر بعض تلك الآثار شيئا بعد شيءٍ شرقاً وغرباً. واعلم قبل ذلك أن سامراء هي اليوم قائم مقامية من ملحقاتها قرية الدور وهي تبعد عنها غرباً مسافة أربع ساعات ونصف. وتكريت وهي فوق الدور مسافة 3 ساعات. وبلد وهي في شرقي سامراء وتبعد عنها مسافة 7 ساعات. والدجيل (مصغرة) ويقال لها أيضاً سميكة (مصغرة) وتبعد عن بلد 3 ساعات ونصف. ويحيط اليوم بسامراء سور عظيم له أربعة أبواب كبار تكاد تكون
متجهة نحو الجهات الأربع المعروفة. ولكل باب من هذه الأبواب اسم يعرف به وقوم من أقوامها يخرجون منه ويدخلونه. فالباب الذي عن يمينك يعرف (بالناصرية) وبعضهم يسميه (الحاوي) وهو باب (البو بدري والعشاعشة) ويبلغ رجال البو بدري من 150 إلى 200 رجل. ورئيسهم (جاسم المحمد فائز). وعدد العشاعشة ما يقرب من 40 بطلاً. ومن رؤسائهم (السيد حسون الياسين). والباب الذي عن شمالك اسمه الباب (الملطوش) والملطوش بلسانهم المردوم. وكان مسدودا بالآجر ثم فتح عند ورود بعض شاهات العجم إلى سامراء. وهذا الباب خاص بأعراب (البو عبد الرحمن) ومقدارهم 30 رجلا. ورئيسهم (خلف الحسين). والباب الذي يكون وراءك يعرف بباب القاطون (بالنون وهو تصحيف القاطول باللام) وهو خاص (بالبونيسان والبو عباس) وعدد اولئك يتردد بين المائتين والثلاثمائة رجل. وهؤلاء بين الستمائة والثمانمائة. رئيس البونيسان (الحاج فتح الله) ورئيس البو عباس (السيد حمدي). والباب الذي تراه أمامك يعرف بباب بغداد. وهو باب بغداد (البوباز والبو عظيم) تصغير عظيم. وعدد صناديد العشيرة الأولى 700 رجل
ورجال العشيرة الثانية 20 ورئيس الفرقة الأولى السيد جاسم العلي الأكبر ومقدم الزمرة الثانية (علي خلف) - وكل هؤلاء الأقوام يدعون السيادة وانهم حسينية النسب. وفيهم من يقطن البادية إلا انهم غير بعيدين عن الحاضرة. وهم (البو دراج) والبو عيسى) وغيرهم. ويبلغون ستة آلاف رجل. ومنهم من استوطن جانبي بغداد وعددهم زهاء ألف رجل ورؤساء جميع أهل سامراء من بلد منهم ومن تبدي هم (البو صالح الشيخ) ولهم الكليدارية أي بيدهم مفاتيح حضرة الإمامين علي بن محمد الجواد، وأبو الحسن العسكري وراثةً أباً عن جد والذي منهم اليوم في المنصب (السيد حسن ابن السيد علي). وهو رجل جليل فاضل لا يضاهيه رجل من أهل بلدته. وأما الغرباء الذين فيها فلا يقلون عن ألفي رجل. منهم دوريون (أي من قرية الدور المذكورة) في صدر هذه المقالة ومن بقي منهم أعجام من بلاد إيران. وقد توطنوها حباً وشغفاً بالأيمة المدفونين فيها. وتبركاً بمجاورة ضرائحهم. وقد شيد قبل نحو عشرين سنة الميرزا السيد حسن الشيرازي
طيب الله ثراه أندية العلم للزائرين والغرباء المسافرين. ولو بقي هذا الرجل حياً إلى هذا اليوم لأعاد شيئاً مذكوراً من مجد سامراء في سابق عهدها. لكن أبى الله أن يكون ذلك. وفي سامراء اليوم ثلاث مدارس يدرس في إحداها من انخرط في سلك طلبة العلوم الدينية وعلوم اللغة والأدب على ذاهب أهل السنة. ومن مدرسيها حضرة العلامة السيد عباس أفندي آل أمين الفتوي. وهو اليوم أيضاً أمين الإفتاء في سامراء. ومنهم أيضاً حضرة السيد عبد الوهاب أفندي وهو المدرس الثاني. - والمدرسة الثانية مدرسة رسمية خاصة بالحكومة والمترددون إليها مبتدئو الطلبة ويدرس فيها مبادئ العلوم التركية. والمدرسة الثالثة مدرسة تحاكي الأولى في الرتبة والتدريس إلا أن طلبتها من الشيعة وكلهم من الإيرانيين. وهذه المدرسة أكبر بناءً من أختها بناءً ومادة في العلوم. ومن أساتذتها الكبار حضرة المجتهد الشيخ محمد تقي التبريزي. وحضرة الشيخ محمد حسن آل كبة. وليس لمدرسي هذه المدرسة راتب من قبل الحكومة ولا لطلبتها رزق في السجلات الرسمية. غير انه يأتيهم من بلاد إيران حقوق معلومة من خمس وزكاة وما أشبههما فيدرون إخلافها على الطلبة هناك. وفي سامراء حضرة لمرقدي الإمامين علي الهادي وحسن
العسكري. وحليمة خاتون أخت الإمام علي الهادي. ونرجس خاتون زوجة الإمام حسن العسكري وأم صاحب الزمان معاً. وصاحب الزمان هذا هو محمد المهدي ويحيط بتلك الضرائح شباك من النحاس الأصفر يعلوه قبة من الذهب الإبريز كبيرة جداً ترى من بعد 12 ساعة وهي تتلألأ في الشمس كأنها شمس ثانية. وباطن هذه القبة البديعة الحسن مع الرواق الذي فيها مرصوف بقطع الزجاج المقطوعة على رسوم هندسية وقد رصعت في الحيطان ترصيعاً تسحر الألباب وتسبي العقول. وهذه القطع الموضوعة على أشكال هندسية تعرف باسم (عاينة) (بإسكان الياء وفتح النون، عند أهل العراق واللفظة تركية بمعنى المرآة) وفي الجهة الغربية من الرواق التي عن يسارك إذا دخلت الباب قبور الخلفاء العباسيين المعتصم والمتوكل وغيرهما وقد خربها الحاج ميرزا محمد السلماسي يوم عمر الحضرة المذكورة ولذلك لا يعرف لها اليوم اثر يذكر
ويطوف بتلك الحضرة صحن يدور عليها من أربعة أركانها. وأما جدرانه فمبنية كلها بالرخام إلى ارتفاع نحو خمسة أمتار. وما بقي من الجدار إلى نحو متر ونصف فمزين بالقاشاني ومكتوب عليه آيات من القرآن. وفي الزاوية الغربية من الصحن عن يمين الحضرة بئر يحتال بها خدام ذلك المحل على المغفلين من الزوار بأن يطلعوا في وسط مائها هيئة قمر بازغ لا يأفل ليلاً ولا نهاراً بل ولا يتحول عن محله ويروون لهم في هذا الصدد أن نرجس خاتون أم المهدي أطلت يوماً من الأيام على قمر البئر فقطر من ثديها قطرة من اللبن. فكان من تأثيرها على قعر البئر هذا الأثر وذلك لابتزاز المال. وبجنب البئر جدار حاجز بين الصحن المذكور وصحن قبة (غيبة الصاحب ابن الحسن العسكري) الذي تدعي الشيعة انه غاب عن الأبصار وهو حي يرزق وانه يظهر بعد حين. الأمر الذي ينكره السنة كل الإنكار. وقد اتفق الفريقان على ولادته واختلفا في وفاته واسم هذا الإمام الأصلي محمد المهدي. وله أسماء وألقاب كثيرة منها: صاحب الزمان، والقائم، والحجة، والمنتظر، وصاحب العصر، وخليفة الله في الأرض، وصاحب الأمر وغيرها. ولذلك المحل أيضاً حضرة ذات صحن صغير وهو عبارة عن صفة أو طارمة عرضها ما يقرب من سبعة أمتار وطولها 15 متراً وسمكها مثل عرضها. ثم تدخل رواقاً على مثال الصفة أو الطارمة المسنمة. ثم تنزل إلى سرداب فيه 13 دركة. ثم تمشي مسافة قدرها عرض 5
درجات ثم تنحدر منها 6 دركات فتهوى إلى فرجة بين عقدين. ثم تسلك في برزخ وتأتي بهواً صغيراً فتجد هناك باب مخدع من خشب الصندل مكتوب حفراً على إطاره مما يلي الأرض من يمينك ما هذا نقل نصه بالحرف الواحد: (بسم الله ارحمن الرحيم. قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى. ومن يقترف حسنةً نزد له فيها حسناً. وان الله غفور شكور.) ثم تجد كتابة تبتدئ من اسفل الإطار وتصعد إلى أعلاه ثم تنحدر إلى أسفله. وهذا حرفها: (هذا ما أمر بعمله سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام أبو العباس احمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين. الذي طوى البلاد إحسانه وعدله. وغمر البلاد فضله. قرن الله أوامره الشريفة باستمرار النجح والنشر. وبإظهاره التأييد والنصر وجعل لأيامه المخلدة حداً لا يكبو جواده. ولآرائه الممجدة سعداً لا يخبو زناده في عز تخضع له الأقدار فتطيعه عواصيها. وملك تخشع له الملوك فتملكه نواصيها. يتولى المملوك معد ابن الحسين بن معد الموسوي الذي يرجو الحيوة في أيامه المخلدة ويتمنى أنفاق بقية عمره في الدعاء لدولته المؤبدة. استجاب الله ادعيته. وبلغه في أيامه الشريفة أمنيته). وترى على العتبة محفوراً أيضاً ما هذا إعادة نصه:
(للبحث صلة)
(من سنة 606 هلالية. وحسبنا الله ونعم الوكيل. وصلى الله على محمد وعترته الطاهرين). وفي عتبة باب المخدع عن يمينك مما يلي الأرض ثقب بقدر ما يدخل فيه الكف. ويروي عنه أن الناصر لدين الله هو الذي ثقبه لكي يلقى فيه من يريد أن يوصل عريضة إلى صاحب الزمان وهو اليوم على حالته الأولى. أما قدر المخدع فطوله متران وعرضه متر وعلوه ثلاثة أمتار وفيه يجنب الباب عن يمينك إذا دخلت نفق عمقه قريب من مترين ونصف وعرضه من فوق قدر ما يسلك فيه الرجل الوسط واقفاً ومن تحت قدر متر ونصف وهو مستدير الأطراف. ويروى عن هذا المحل انه كان يتوضأ فيه صاحب الزمان فجاء من بعده أناس فأخذوا من ترابه قبضة قبضة قصد التبرك فحدث من هذا الأخذ هذا النفق. وقد أمر بكبسه أي طمه حضرة الميرزا حسن الشيرازي المذكور آنفاً. فردم ولكن بعد وفاته نبشه الخدم هناك من أهل سامراء وذلك لابتزاز بعض الدراهم من الزوار. ويدعي ضعفاء العقول أن في هذا النفق غاب المهدي. أما علماء الشيعة فلا تعير لهذا الزعم أذناً صاغية، ولا تحله محلاً. وأما جدران تلك الحضرة فداخلها مغشى بالرخام من الأرض إلى علو متر ونصف. وما فوقه مغشى بالقاشاني وكذلك ظاهر القبة. وأما جدران الحضرة من الخارج فكله مغشى بالرخام. وكذا قل عن جدران البهو مع فرش ساحته. (للبحث صلة) م. كاظم الدجيلي
إفادة لمجلتي المشرق والعلم
إفادة لمجلتي المشرق والعلم نشرت مجلة العلم في عددها الثالث من سنتها الحالية وهي سنتها الثانية ص128 رسالة سمتها: (تشريح الحروف على الوجوه اللغوية) (كذا). ونظن هذه التسمية حديثة الوضع، ولعلها من يراعة وبراعة صاحب المجلة. وقد قال قبل نشرها:. . . نبتدئ بنشر رسالة وجيزة نادرة الوجود، قديمة الخط والتأليف، (ولم يذكر سنة كتابتها، حتى ولا على سبيل التخرص) من مؤلفات العالم النحوي اللغوي الشهير: النظر بن الشميل (كذا. والأصح النضر بن شميل) من قدماء العلماء، (قلنا: توفي النضر سنة 203هـ - 820م) وهي:. . .) قلنا: أن مجلة المشرق نشرت هذه الرسالة قبل أربع سنين أي في سنتها 11: 265 وسمتها: (رسالة الحروف العربية)، إلا أن ناشرها لم يهتد إلى معرفة كاتبها، فقد اتضح اليوم أنها للنضر بن شميل. ومما يجدر التنبيه عليه هنا: أن في كلتا الرسالتين أغلاطاً واختلافاً في رواية النص والأمثلة، فيحسن بمن يعنى بنشر هذه الرسالة على حدة أن يعارض النسختين الواحدة بالأخرى. فبثبت الرواية الصحيحة منهما، وينبه على الرواية المصحفة أو المغلوطة، ليكون القارئ على نجوةٍ من لحاق سيل الوهم به. ومما يزيد الرسالة فائدة تعليق حواشٍ عليها يستدرك بها الناشر على ما فات المؤلف من حقائق الأبواب التي عقدها لكل حرف كما فعل
أول مجلة في العراق
الأب شيخو. بيد انه، (والحق يقال) قد فات الأب المذكور أشياء جمة لم يتعرض لها. ولولا ضيق المقام لسردناه كلها. لكن لابد من ذكر شيء منها زهيد يكون بمنزلة الشاهد: ذكر المحشى مثلاً أن الخاء تبدل من الهاء. ولم يذكر اكثر من هذا القدر، مع أنها تبدل من الكاف أيضاً. مثل: اخبن من تربك واكبن، والخدب والكذب، وقد خدب وكذب (وفيها ابدالان) الخ. وتبدل أيضاً من الغبن: كاخبن واغبن، والوثيخة والوثيغة، وخب وغب، وختره وغدره، (وفيها ابدالان). - وقد تبدل من الشين: كالبخنقة والبشنقة. - ومن العين: كأرض خربسيس، وبخثره وبعثره، والخاميز والعاميص (وفيها ابدالان). ومن الصاد: كتنخل الشيء وتنصله. - ومن الضاد: كالخبدع والضفدع (وفيها ابدالان). - وكذا قل عن كل حرف من حروف الهجاء التي عقدت لها الأبواب. والشواهد عندنا كثيرة. فعسى تطبع هذه الرسالة احسن طبع على أجود ورق مع ضبط ما يجب ضبطه بالشكل الكامل، ويعمل بما نبهنا عليه. والله الموفق إلى سبيل الصواب والرشاد. وعليه الاعتماد في المبدأ والمعاد. أول مجلة في العراق كتب صاحب مجلة العلم في (2: 143) (أول مجلة عربية ظهرت في العراق هي هذه المجلة الموسومة بالعلم بكسر العين وسكون اللام وهي
كتاب طبقات الأمم
الآن في سنتها الثانية) والحق أن أول مجلة عربية صدرت في العراق هي (زهيرة بغداد) للآباء الكرمليين المرسلين صدر عددها الأول في 25 آذار سنة 1905 الموافقة لشهر صفر سنة 1323هـ: وبقيت حية سنة واحدة ثم توارت عن الأبصار. كتاب طبقات الأمم ينشر اليوم الأب لويس شيخو اليسوعي (مشرق) هذه السنة كتاباً نفيساً جليلاً ممتعاً لا يعرف رفيع منزلته إلا من قدر كتب التاريخ حق قدرها، ولا سيما لان المؤلف هو من اجل كتاب المسلمين وهو القاضي أبو القاسم صاعد الأندلسي وقد أخذنا بمطالعته بكل شوق ولذة، بيد أننا وجدنا فيه بعض أغلاط تشوه بديع محاسنه، منها صادرة من الناسخ، ومنها صادرة من الناشر نفسه، ونحن نذكر بعضاً منها. قال: (وجدنا بلادها (أي بلاد فارس) من الجبال التي في شمال العراق المتصل بعقبة حلوان والذي فيه اتجاهات (والأصح. كنجهات وهي جمع كنجه أو كنجات وتعرب جنزة، وهي اسم اعظم مدينة باران وتذكر بالمفرد والجمع على السواء مثل عابات وشامات) والكرج (وكان الأحسن أن تضبط هذه الكلمة هنا بالتحريك كابد وأزل لكي لا يقرأها القارئ بالضم والسكون فيعتقد أنها من بلاد الكرج بالضم ويحتمل أن تكون هنا الكرخ بخاء موحدة فوقية في الآخر. راجع مروج الذهب 9: 8). . . وطبرستان ومولتان (كذا. وقد ضبط الميم بالفتح والواو بالسكون وفيها غلطان: الأول، لا يوجد مولتان في بلاد فارس القديمة. والأصح
أن يقال هنا (موقان). والثاني. أن مولتان التي هي من بلاد الهند تضبط بضم الميم وسكون الواو واللام، أو يقال فيها (ملتان) بضم الميم وسكون اللام). . . وارزن (كذا. وفي النسخة التي بيد الناشر: أذان، وكلاهما غلط. والأصح (أران) أي بهمزة بعدها راء مشددة مفتوحة ثم ألف ونون). . . والمرو (والأصح (مرو) بدون لام التعريف) وغيرها من بلاد خراسان إلى بلاد تبجستان (كذا وقد احسن الناشر في قوله: لعله يريد سجيتان). وذكر بين لغات الفرس (الزرية) وقال الناشر في الحاشية: (كذا ولعله تصحيف الزندية) قلنا: كلا، بل هي تصحيف الدرية نسبة إلى الدر وهو الباب بالفارسية ويراد بالدرية اللغة التي كان يتكلم بها في بلاد فارس لا سيما في المدائن كما كان يتكلم بها أيضاً من بباب الملك فهي منسوبة إلى در بفتح وسكون حاضرة الباب والغالب عليها أنها من لغات أهل المشرق ولغات أهل بلخ) اهـ. وذكر (فارسون) والأصح (فارسان) أي الفرس باللغة الفارسية وورود بين الشعوب الكلدانية (الكوثابيون) بباء موحدة تحتية بعد الألف. والأصح الكوثانيون بنون موحدة فوقية نسبة إلى كوثي. ونبطها اوكلدانيوها مشهورون في سابق العهد. وجاء بين أجناس الترك (ص570) ذكر الجريجية. والأصح الخرلخية وقد صحفها النساخ بل المساخ بصورة غريبة منها الجريجية والخزلجية والحدلحية والقارلخية إلى غير هذه والأصح ما ذكرناه. - وذكر بين
الترك (جيلان) وفسر جيلان بكونها قريبة من الديلم. وهذا أيضاً خطأ لان جيلان من بلاد فارس وهنا الكلام عن أمة من أمم الترك والأصح جيدان (راجع المسعودي 2: 7 و39 من مطبعة باريس). - وذكر بين الترك أيضاً الخرزان وهؤلاء أيضاً غير معروفين والأصح الخرزان بتقديم الراء المهملة على الزاء المنقوطة (راجع المسعودي 2: 65). - وقال: البرابر ومن اتصل بهم إلى بحر اقنايس (كذا) الغربي المحيط. (وذكر في الحاشية: (والصواب بحر قابس) وكلاهما غلط. والأصح بحر اقيانس الغربي. وذكر في ص571 من الأمم حوران وكشل. والأصح جيدان أو جودان وكشك (مفتوحة) (راجع المسعودي 2: 45). وعد بين أصناف السودان (ص571) الزنج وعانة (كذا بالعين المهملة والأصح غانة بغين معجمة) وكذلك وردت في آخر ص582 مما يدل على أنها ليست من خطأ الطبع. وقال في ص571 (وحظهم من المعرفة التي يدور فيها مناجد الأمم). والأصح عندنا مساعد جمع مسعدة ما يبعث إلى السعادة، أو جمع مسعد مصدر ميمي بمعنى السعادة بمعنى سعد وحينئذ يستقيم المعنى) وقال في نحو آخر ص572 (وسكان الفلوات والفيافي كرماغ البجة وهمج عانة) (والأصح كرعاع البجة وهمج غانة) وورد في ص575 (صحة النظر وبعد الفور) (كذا بالفاء الموحدة والأصح الغور بالغين المعجمة).
هل الحي قرية أم مدينة
وجاء في نحو آخر ص576 الفرقتين الأوليتين (كذا) ولاشك أن هذا الخطاء من تنقيط الكاتب للكلمة والأصح الأوليين. وفي ص576 عرف الناشر الأوج بقوله: (ابعد نقطة من الخارج عن مركز الفلك) والأصح أن يقال: هو ابعد نقطة من الفلك الخارج المركز وبين التعبيرين بون بين في المعنى كما لا يخفى على المتأمل. وقال في ص577 وغوامض يتنحلوها من القوى الخارجة) والأصح (يتنخلوها) بالخاء المعجمة الفوقية كما يتطلبه المعنى في هذا الموطن. وذكر في ص578 أميم بن الاد (بتشديد الدال، كذا) والأصح لا ود أو لا وذ بالاعجام أو بدونه. وذكر في تلك الصفحة ازدشير بالزاء المنقوطة جرياً على لفظ بعض العرب. والأصح أن يقال اردشير بالراء المهملة. وقال: ملك ازدشير بن بابك الساساني أول ملوك بني إسرائيل) (كذا، والأصح أول ملوك (بني ساسان) كما يتضح لأدنى تأمل.) وهناك غير هذه الأغلاط إلا أننا اجتزأنا بما ذكرنا لضيق نطاق المجلة. وربك فوق كل علم عليم. هل الحي قرية أم مدينة سألنا بعضهم: هل الحي قرية كما ذكرنا في ص51 أم مدينة. نقول: الحي قرية لا مدينة أن لغة وان اصطلاحا. أما كونها قرية بموجب اصطلاح اللغويين فظاهر من كلامهم عند تعريفهم القرية فقد قال الفيروز أبادي: القرية: المصر الجامع. وقال في كفاية
نظرة عامة في لغة بغداد العامية
المتحفظ: القرية كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا، وتقع على المدن وغيرها. اهـ وفي محيط المحيط: قيل: المدينة ما كان حولها سور بخلاف القرية والبلد.) اهـ. وعليه فلما لم يكن للحي سور لم يجز أن يطلق عليها اسم المدينة لغة. وأما اصطلاحاً فالقرية هي البلدة التي اغلب سكانها أهل زارعة وفلاحة. وهذا أيضاً يصدق في الحي ولا يصدق فيها كلمة مدينة. فاحفظه ولا تغفل. نظرة عامة في لغة بغداد العامية (تتمة) والى توفر المفردات الكلدانية أو السريانية (الارمية) انشد عبد الباقي العمري هذه الأبيات الشهيرة: شبح لالاها وخلابو ... شبحا شمت حيزو لابو كوذنتا وخمارت شابو ... وقس مسكنتا بشاشة ليل دنحاوالو برطت قاشا ... شموقا لوطو وبراشا ومارت كركيزا ابن شاشا ... يوحنا واسحاقت شموئيل فرجو قس عمو قمبازو ... بادو واستخلو بي سازو ملكت حيزو خازو بازو ... طينلكابرطت طنبيل شعيا سمكا ماتيكا ... وشموني قاشا طمسيكا بيعة مارجرجس تحرسكا ... خوفا موفا بالزنبيل
جارت خيزو برطت طنبي ... بر بوطت شعيا قبصني لخمة غبشة ياقوغبني ... ومشيحا بصحفت لنجيل طنجي ميخا واشبانيثة ... دوخو قاطوثا ثرطيثا قريت برطلي وبشبيشا ... فقط عين كاوة ارويل والى وجود الكلم التركية قال الرصافي: (بينما كنت واقفاً مع الواقفين على جسر سامراء تقدم إلى رجل فقال: أين تريد؟ قلت: أريد العبور إلى سامراء. فقال: أأنت (قالي)؟ وفخم اللام. فلم افطن لما أراد. فقلت: وما تعني يا هذا؟ فأعاد على الجملة الاستفهامية وزاد فيها كلمة (هنا). فلم افهم أيضاً. فقال: أمقيم أنت هنا أم لا؟ فقلت: لا. وحينئذ علمت أن كلمة (قالى) قد أخذها من (قالمق) بمعنى البقاء في اللغة التركية. ولهذا الكلمة اليوم نظائر كثيرة في لغة العامة. فانك تسمعهم يصرفون الأفعال والأسماء تصريفاً عربياً من مصادر تركية فيقولون (لا تبوز فكري) أي لا تشاوشه. يأخذونه من بوزمق. ويقولون: (أنا اجالش) أي أسعى. من (جالشمق). وتغلب هذه الألفاظ على أفراد الجند ومأموري الحكومة من أبناء العرب فتسمع الجندي يقول للجندي: (اذهب داكش النوبة) أي بدلها. من (دكشدرمك) ويقول: (سبرك الأرض) أي اكنسها من (سبورمك). ويقول: (أنا أسيل تفكتي): امسح بندقيتي وأجلوها. من سلمك. وقد اجتمعت مرة واحدة بأحد مأموري الحكومة ببغداد في مجلس حافل فاخذ يكلم بعض الحاضرين هكذا:
(رحنا أمس إلى بيت فلان، فلما دخلنا السلاملك صعدنا فوق، وكانت باية من بايات النردبان منهدمة. وبما أن النردبان كان قرانلق عثرت رجلي. نه ايسه، صعدنا فدخلنا الاودة، وقعدنا بصورة قارمة قاريشق، وكان الضياء سونك، فحصل عندي صنقنتي. . . الخ) فهمست في إذن أحد الجالسين قائلاً: ما ضر الرجل لو تكلم التركية أو تكلم العربية الدارجة البغدادية وهو من أهلها من هذه الألفاظ التركية؟ - وهذا من اعظم ما قضى على اللغة العربية بالمسخ حتى كادت تخرج به عن وضعها الأصلي. ولو أردت أن استقصي البحث هنا لأتيت بما يبكي الناطقين بالضاد على ما منيت به هذه اللغة التعسة الحظ في بغداد.) اهـ. ومما يسوءني ذكره أن بعض هذه الألفاظ قد تسربت إلى بعض الجرائد والمجلات العراقية فأضرت بسمعتها. وعسى أرباب جرائدنا المحلية لا يستاءون من وصفى للغتنا العامية هذه، ولا من انتقادي إياها كما أرجوهم أن لا يسيئوا بي الظن لأني تجرأت على ذكر بعض أمور طفيفة ربما لا تصادف قبولا واستحسانا لديهم. فأوكد لحضراتهم أني قد كتبت ما كتبت مندفعاً بعامل الغيرة على الوطن والمحبة الخالصة لذويه النجباء لا غير ويا ليتهم يقومون بمؤازرتي في هذا الأمر الخطير الشان وينزهون منها جرائدهم الغر، معوضين عنها بما هو عربي النصاب فصيح اللهجة والبيان. وهذا القدر كاف في هذا المقام والسلام. رزوق عيسى
معنى انكورلي
معنى انكورلي نبهنا أحد الأصدقاء أن انكورلي صاحب البيت الشهير في البصرة مشتق من انكورة وهي بلدة أنقرة باللغة الأرمنية. ومن ثم فمعنى انكورلي بالكاف الفارسية (الانقري) لا العناب. كما توهمناه. بالنسبة باللام والياء هي على الطريقة المستعملة في العراق. فنشكر الأديب على تنبيهه هذا. رزوق عيسى سفرة إلى كربلاء والحلة ونواحيهما لاحق بسابق وقد سرنا منظر (كربلا) اعظم سرور، لاسيما (كربلا الجديدة) أو شهر نوفان طرقها منارة كلها تنيرها القناديل والمصابيح ذات الزيت الحجري. والقادم من بغداد إذا كان لم يتعود مشاهدة الطرق الواسعة والجادات العريضة أو إذا كان لم يخرج من مدينته الزوراء يدهش اعظم الدهش عند رويته لأول مرة هذه الشوارع الفسيحة التي تجري فيها الرياح والأهوية جرياً مطلقاً لا حائل دونها كالتعاريج التي ترى في أزقة بغداد واغلب مدن بلادنا العثمانية. وعند دخولنا المدينة نزلنا ضيفاً على أحد تجار المدينة وهو السيد صالح السيد مهدي الذي كان قد اعد لنا منزلاً نقيم فيه، فاقمنا
فيه نهاراً وليلتين. وفي الليلة الأولى خرجنا لمشارفة ما في المدينة مع السيد احمد. وأخذنا نطوف ونجول في الطرق فمررنا على عدة قهوات حسنة الترتيب والتنسيق ورأينا فيها جوامع فيحاء، ومساجد حسناء وتكايا بديعة البناء وفنادق تأوي عدداً عديداً من الغرباء، وقصوراً شاهقة، ودوراً قوراء، وانهاراً جارية، ورياضاً غناء، وأشجاراً غبياء. والخلاصة وجدنا كربلاء من أمهات مدن العراق، إذ أن ثروتها واسعة، وتجارتها نافقة، وزراعتها متقدمة، وصناعتها رائجة شهيرة، حتى أن بعض الصناع يفوقون مهرة صناع بغداد بكثير، لاسيما في الوشي والتطريز والنقش والحفر على المعادن والتصوير وحسن الخط والصياغة والترصيع وتلبيس الخشب خشبا اثمن وانفس على أشكال ورسوم بديعة عربية وهندية وفارسية وهندسية. ولما كان الغد وكان يوم السبت رأينا ما لم نره في الليل فسبقنا وصفه. وكنا نقف عند التجار زملائنا وحرفائنا ومعاملينا الذين نتعاطى معهم بالبيع والشراء. وفي خارج المدينة نهر اسمه (الحسينية) (بالتصغير) وماؤه عذب فرات ومنه يشرب السكان، إلا أن ماءه ينضب في القيظ فتحرج الصدور، وتضيق النفوس ويغلو ثمن الماء، فيضطر اغلبهم إلى حفر الآبار وشرب مياهها وهي دون ماء الحسينية عذوبة فتتولد الأمراض وتفشو بينهم فشواً ذريعاً كالحميات والأدواء الوافدة. والأمل أن الحكومة تسعى في حفر النهر وحفظ مياهه طول السنة.
وفي كربلاء مستشفى عسكري ودار حكومة (سراي) وثكنة للجند وصيدلية وحمامات كثيرة، ودار برق وبريد وبلدية وقيسريات عديدة. وفيها قنصلية إنكليزية والوكيل مسلم واغلب رعية الإنكليز من الهنود وفيها قنصل روسي وهو مسلم أيضاً من كوة قاف (قوقاس) وهيئة كربلا الجديدة ترتقي إلى مدحت باشا الشهير. ويبلغ سكانها نحو 105. 000 نسمة، منها 250 ألفاً من العثمانيين، و60 ألفاً من الإيرانيين وبعض الأجانب المختلفى العناصر و20 ألفاً من الزوار والغرباء الوافدين إليها من الديار البعيدة. وليس فيها نصارى لكن فيها عدد من اليهود. أما هواء كربلاء فمعتدل في الشتاء وردى في الصيف لرطوبته وأما في سائر أيام السنة فيشبه هواء سائر مدن العراق بدون فرق يعتد به. والذي يجلب المسلمين إلى كربلاء هو زيارة قبر الحسين ابن بنت رسول المسلمين وقبور جماعة من شهداء آل البيت والحسين مدفون في جامع فاخر حسن البناء فيه ثلاث مآذن وقبتان كلها مبنية بالآجر القاشاني ومغشاة بصفيحة من الذهب الإبريز. وهناك أيضاً ساعتان كبيرتان دقاقتان وكل ساعة مبنية على برج شاهق. وفي كربلاء جامع آخر لا يقل عن السابق حسنا في البناء وهو جامع العباس وفيه أيضاً مئذنتان. وقبتان وساعتان كبيرتان على الصورة المتقدم ذكرها ووصفها. وفي هذه المدينة قسم قديم البناء والطرز ضيق الأزقة والشوارع
والأسواق إلا أن ما يباع في تلك الأسواق بديع الصنع واغلب بضائعها تشاكل بضائع بلاد فارس لا سيما يشاهد الناظر كثيراً من الطوس من كبيرة وصغيرة من النحاس الأصفر (الصفر)، وهناك سلعة لا تراها تباع في غير كربلاء وهي الترب (جمع تربة وزان غرفة) وهي عبارة عن قطعة من الفخار اخذ ترابها من أرض كربلاء وجبلت على صورة مستديرة أو مربعة أو مستطيلة أو نحو ذلك يتخذها الشيعة وقت الصلاة فيجعلونها في جهة القبلة ويصلون متجهين نحوها. ومما يكثر في أسواقها أنواع الأحذية المختلفة الشكل الفارسية الطرز، وترى في الحوانيت الزعفران الفاخر الخالص من كل شائبة وغش مما لا تجد مثله في بغداد. ولغة اغلب أهل كربلاء الفارسية لكثرة أعجم فيها إلا أن كثيرين منهم تعلموا العربية ويحسنون التكلم بها. ويقسم لواء كربلاء إلى ثلاثة اقضيه وهي مركز قضاء كربلاء والهندية والنجف والى سبع نواح وهي: ثلاث منها في مركز القضاء وأسماؤها: المسيب والرحالية وشفاته وواحدة في الهندية وهي الكفل وثلاث في النجف وهي: الكوفة والرحبة والناجية. ولما كان نهار الأحد 4 نيسان نهضنا صباحاً وفطرنا ثم ركبنا العجلات وبرحنا كربلاء في نحو العاشرة فرجعنا إلى الإمام عون
بن عبد الله نحو الساعة الثانية عشرة إلا ربعاً، ثم إلى المسيب ووقفنا فيها إلى الساعة الثالثة إلا ثلثاً، ثم سرنا من المسيب في الساعة الرابعة إلا ثلثاً طالبين الحلة، ولما كنا في الساعة الخامسة إلا نصفاً رجعنا إلى الإسكندرية فاسترحنا فيها. ثم ارتحلنا إلى (خان الحصوة) فوصلنا إليه في الساعة السابعة وعشر دقائق، وأقمنا فيه للاستراحة. وهو خان واسع تقف فيه القوافل وفيه حجر واكناج للشتاء ودكة كبيرة للصيف يضطجع عليها المسافرون، وبجانب الخان قهوة، وهذا كل ما يرى هناك. ومن بعد أن تغدينا ظعنا من ذلك الموطن نحو الساعة الثامنة ونصف فجرت بنا العجلات جرياً حثيثاً حتى بلغنا في الساعة العاشرة إلى (خان الناصرية) ولم نقف فيه لأننا وجدناه (افرغ من فؤاد أم موسى). وما زلنا ننهب الأرض على ظهر عجلتنا حتى أتينا (خان المحاويل) عند غروب الشمس، فوقفنا فيه. وهذه المرحلة تشتمل على خان واسع وبعض دورٍ لا علو فيها ولا ارتفاع محوطة بسياج، فبتنا ليلتنا هناك. ولما أسفر الصبح عن جبينه الصبيح استيقظنا وسرنا منه نحو الساعة الثانية عشرة ونصف متجهين نحو (كويرشن) (بالتصغير) التتمة للآتي عمانوئيل فتح الله عمانوئيل مضبوط
العدد 5
العدد 5 - بتاريخ: 01 - 11 - 1911 وصف أطلال سامراء إذا خرجت من سامراء وصرت وراء سورها، وقعت في مسجد (الملوية)، وذلك على بعد 500 متر تقريبا: وهو هذا الجامع الذي قال عنه اليعقوبي: (وبنى المتوكل بن المعتصم المسجد الجامع في أول الحير في موضع واسع خارج المنازل لا يتصل به شيء من القطائع والأسواق وأتقنه ووسعه واحكم بناءه وجعل فيه فوارة ماء (أي شاذروانا) لا ينقطع ماؤها، وجعل الطرق إليه من ثلثة صفوف واسعة عظيمة من الشارع الذي يأخذ من وادي إبراهيم بن رياح، في كل صف حوانيت فيها أصناف التجارات والصناعات والبياعات، عرض كل صف مائة
ذراع بالذراع السوداء، لئلا يضيق عليه الدخول إلى المسجد إذا حضر المسجد في الجميع في جيوشه وجموعه وبخيلة ورجله، ومن كل صفٍ إلى الصف الذي يليه دروب وسكك فيها قطائع جماعة من عامة الناس، فاتسعت على الناس المنازل والدور، واتسع أهل الأسواق والمهن والصناعات في تلك الحوانيت والأسواق التي في صفوف المسجد الجامع.) اهـ. وقد وجدت اليوم آثار تلك الفوارة حتى لم يبق ريب في أن هذا الجامع هو الذي بناه المتوكل، هذا فضلاً عن بقاء الملوية على حالها الأولى، وهي اقدم مئذنة في الإسلام، لأنها على طرز الزقورة التي كان يتخذها الصابئة من الكلدانيين والحرنانيبن والبابليين في بيوت عباداتهم وكان يسنيها العرب (الهيكل). ومنه كلام صاعد الأندلسي عن الكلدان: وهم نجوا لأهل الشق الآخر من معمور الأرض الطريق إلى تدبير الهيكل، لاستجواب قوى الكواكب، وإظهار طبائعها، وطرح شعاعاتها عليها، بأنواع القرابين القربة لها، وضروب التدابير المخصوصة بها.) اهـ. وكانت هذه الأبراج على سبع طبقات وكل طبقة بلون يوافق لون السيارة الذي خص بها. ويصعد إلى أعلاها من الخارج لا من الداخل وكل ذلك على شكل ملوي. والظاهر أن المتوكل بنى تلك المئذنة على الصورة المذكورة تحويلاً للأنظار إليها للصائبة إلى دين الإسلام، لان الصائبة كانوا كثيرين في عهد الخلفاء العباسيين وقد برعوا في جميع علوم ذلك العصر ويحتمل أن يكون هناك سبب آخر لا يخطر ببالنا اليوم لان أسباب الحضارة
والتمدن قد اختلفت عمن كانت في سابق العهد. أما السور فمبني بالآجر والجص ويبلغ امتداد الباقي منه المبنى (240) متراً في جهة الطول وطول الباقي منه في جهة العرض (160) متراً فيكون مجموع ما في الطوليين والعرض (800) متر ويبلغ علوه (15) متراً وفي كل جانب من جانبيه في الطول (12) برجا وفي العرض (8) أبراج وفي كل ركن من أركانه برج أكبر مما تقدم ذكره فيكون الجميع (44) وبين كل برج وبرج أن كان في جانب الطول أو العرض (55) قدما وثلاثة أرباع القدم أو (14) متراً وأربع وثلاثون سنتيمتراً ومستدير قطر كل برج (27) قدماً وربع القدم أو (7) أمتار وسنتيمتران ومستدير قطر كل برج من أبراج الأركان (46) قدماً وربع القدم أو (11) مترا وتسعة وثمانون سنتيمتراً وفيه (13) باباً وبين كل باب وباب قراب (20) متراً وقد يكون دون ذلك. أما بابه الأصلي فمقابل للقبلة. وعلى جانبيه بابان دونه طولاً وعرضاً بشيء قليل. ويقابلهما أيضاً بابان بقدرهما. وعلو الباب الأوسط خمسة أمتار ونصف في ثلاثة أمتار عرضاً. وفي أعلى حائط الباب المذكور من داخل السور اثنتان وعشرون مشكاة يبلغ طول كل مشكاة نحواً من مترين في عرض متر و (25) سنتيمتراً.
وفي السور أيضاً بابان بكبر البابين المذكورين في الحائط الذي يكون عن يسارك إذا دخلت الباب الأكبر. وفي ركن الحائط المذكور من الجانب الآخر باب صغير يعلو الرجل بنصف متر ويقابله باب مثله. وفوق كل باب منهما في راس الحائط روزنتان نافذتان إلى الجهة الأخرى بقدر المشاكي المتقدم ذكرها في الطول والعرض. وأما فناء المسجد فهو اليوم عبارة عن أنقاض ركام لا غير. إلا أن الدكتور العلامة هرتسفلد كشف تراب جانب منه فأنحسر عن آثار الفوارة التي مر ذكرها واثر رواق. والفناء كله مفروش بالطاباق أو الآجر وقدر ذلك الطاباق هو قدر الآجر المستعمل اليوم في بغداد أي طوله وعرضه (30) سنتيمتراً. وربما كان الطاباق سامراء أكبر بقليل لكنه دون اجر بغداد ثخناً. ومما اكتشفه الدكتور المذكور دكة (أي دكان) قدام الباب الأصلي من الخارج علوها متر ونصف وطولها متران في عرض متر ونصف. وعند الدكان من الخارج قبر طوله ثلاثة أمتار وعرضه متر ونصف. ويظن إنه أطول مما يشاهد لان طرفه داخل تحت الردم. وبينه وبين المصطبة زهاء مترين. ووراء ذلك القبر من الخارج على مسافة (10) أمتارٍ سرداب عمقه (10) أمتار غير أن فيه أنقاضاً كثيرة ولا يعرف مقدار عمقه الأصلي.
أما الطاباق الذي بني منه حائط المسجد فهو بقدر طاباقنا البغدادي الحالي المذكور تكسيره آنفاً. إلا أن بعضه أثخن من آجرنا وبعضه أصغر منه أي بقدر الذي يسمونه في زورائنا (الطاوق السلطاني) الذي تكسيره (17) سنتيمتراً. أما الثخين من هذا الآجر فيبلغ ثخنه من (10) إلى (11) سنتيمتراً. وبين يدي السور من جهة المدينة فناء واسع مفروش بالآجر مساحته خمسون خطوة، ووراء سور المسجد من الجهة الأخرى المقابلة لذلك الفناء بهو يبلغ عرضه (50) متراً وعلى حد البهو مئذنة المسجد المعروفة بالملوية. وبها يسمى المسجد اليوم أي يقال (جامع الملوية) بدلاً من (الجامع المسجد المتوكلي). أما بناء هذه الملوية فبالجص والآجر وشكلها شكل مفتول أو مبروم فتل ست فتلات (ولعل الفتلة الأولى لا ترى لأنها تحت الأرض) ومن يريد الصعود يرتقيها دائراً فيها حتى يصل إلى أعلاها. وفي ذروتها باب معقود مسنم علوه (3) أمتارٍ وعرضه متر ثم تصعد منه في درج عدد درجاته (18) طول كلٍ منها متر وعلوها (20) سنتيمتراً والفرغ بين الدرجة والدرجة (250) سنتيمتراً وبين تلك الدرجات درجة وهي السابعة في الصعود والثانية عشرة في النزول فرغها (80) سنتيمتراً أما سقف تلك الدرجات فهو أيضاً معقود مسنم وعلوه وعرضه مثل علو وعرض الباب المذكور أنفا وفي رأسها محل يسع اثني عشر رجلاً. وعرض الطريقة التي يصعد فيها قراب مترٍ ومسافة فتلاتها
الست (400) خطوة أو (247) متراً ومدة الصعود أربع دقائق لا غير أما محيط الملوية من الأسفل فبين الأربعين والخمسين متراً ومن الأعلى بين (18) و (20) متراً وارتفاعها (50) متراً. والفناء الذي بين سور المسجد والملوية مفروش كله بالآجر أو الطاباق ويتخلل ذلك الفناء عمد مبنية بالآجر بعضها مربع وبعضها مدور مستطيل وهي متفرقة والمسافات بينها متفاوتة. وبجانب المسجد وعن يمينه من الوراء سور يسمونه (سور عيسى) ولا يعلم على التحقيق من هو هذا عيسى هل هو عيسى بن علي أو عيسى بن موسى العباسي لان اليعقوبي لم يذكره في كتاب البلدان عند إيراده الإقطاعات التي اقطعها الخليفة أصحابه وبعضهم يسميه (سور أم عيسى). ولم يبق البلى منه سوى بعض شرفات متداعيات وبناء هذا السور من اللبن ومسافة طوله (360) وعرضه (200) متراً وفي ساحته تلول صغار وكبار. ووراء سور عيسى على مسافة 200 متر عن جهتك اليمنى تلول كثيرة. كشف الدكتور هرتسفلد الآنف الذكر عن قسم منها معروف اليوم عند العوام باسم (دار بهلول) فظهرت فيه أبنية هي عبارة عن غرف متصلة بعضها ببعض مختلفة في طولها وعرضها. وبناؤها باللبن ومطلي خارجها بالجص وعلى الجص غشاء من البورق. ولون هذا البورق ضارب إلى الزرقة. وعلو الشاهق من حيطان من حيطان هذه الأبنية متران ونصف. أما ساحتها فبعضها مرتفع وبعضها منخفض. وفي جدرانها نقوش مختلفة
الأشكال بديعة الصنع. وقد اخذ الأستاذ الدكتور صور تلك الآثار ونقوشها وما فيها بالتصوير الشمسي. وقد رأينا في بعض جدرانها سطرين بالقلم الفارسي محفورين حفراً طول كل منهما عشرين سنتيمتراً غير إننا لم نهتد إلى قراءتهما كما ولا الدكتور ولا المهرة من أبناء اللغة الفارسية لقدم عهدهما وإندراس آثارهما. وتلك الأبنية المكشوفة هي عبارة عما يقرب من عشرين داراً. وهذا الوصف يذكرنا عما جاء عن المختار في معجم ياقوت إذ يقول: هو قصر كان بسامراء من أبنية المتوكل. ذكر أبو الحسن علي بن يحيى المنجم عن أبيه قال: اخذ الواثق بيدي يوماً وجعل يطوف الأبنية بسامراء ليختار بها بيتاً يشرب فيه، فلما أنتهي إلى البيت المعروف بالمختار استحسنه وجعل يتأمله وقال هل رأيت احسن من هذا البناء؟ - فقلت: يمتع الله أمير المؤمنين به، وتكلمت بما حضرني، وكانت فيه صور عجيبة من جملتها صورة بيعة فيه رهبان وأحسنها صورة شهار البيعة، فأمر بفرش الموضع وإصلاح المجلس، وحضر الندماء والمغنون، وأخذنا في الشرب، فلما انتشى
في الشرب اخذ سكيناً لطيفا وكتب على حائط البيت: ما رأينا كبهجة المختار ... لا ولا كصورة الشهار مجلس حف بالسرور وبالنر ... جس والاس والغنا والزمار ليس فيه عيب سوى أن ما في ... هـ سيفنيه نازل الأقدار فقلت يعيذ الله أمير المؤمنين ودولته من هذا. ووجمنا. فقال: شأنكم وما فاتكم من وقتكم، وما يقدم قولي خيراً ولا يؤخر شراً. قال أبو علي: فاجتزت بعد سنياتٍ بسر من رأي، فرأيت بقايا هذا البيت وعلى من حيطانه مكتوب: هذه ديار ملوك دبروا زمنا ... أمر البلاد وكانوا سادة العرب عصى الزمان عليهم بعد طاعته ... فأنظر إلى فعله بالجوسق الخرب وبركوار وبالمختار قد خلتا ... من ذلك العز والسلطان والترب وبركوار بيت بناه المتوكل. اهـ. وهو الذي مر الكلام عليه وصحة اللفظة بركوارا بألف في الآخر ومنهم من سماه خطأ بركوان بنون في الآخر على ما ذكره ياقوت في كلامه عن سامراء. ووراء سور عيسى أيضاً من جهة الشمال على مسافة ربع ساعة من يرى (الجب) وقد أنشأه (على ما يقال وينقل) الخليفة المتوكل العباسي ويحيط بالجب سور مبني بالطاباق والجص وقد سقطت منه بعض الشرفات، والباقي منه متداع مائل. ومسافة محيطه لا تقل عن مائتي متر. أما هيئة الجب فهي عبارة عن حفرة كبيرة في بطن الأرض مربعة الأركان تنزل فيها فتفضي إلى عشرين سردابا ينفذ بعضها إلى بعض.
وعمق كل سرداب منها أربعة أمتار وطوله سبعة وعرضه ثلاثة وتحت هذه السردايب واقع بابه في القبلة وقد سلكنا فيه ما يقرب من عشرين متراً فلم نصل إلى آخره غير إننا انتهينا إلى أنقاضٍ كثيرة ثم رجعنا أدراجنا. أما عمقه فلا ندري قدره لكثرة ما هنالك من الصخور المتراكمة. والحجارة المتبعثرة على أهاب الأرض. والذي يشاهد فيه اليوم أن غوره 1 متر وعرضه متران. وحدثني بعض المعمرين من أهل سامراء قال كان في القرن الماضي في هذا الجب سرداب ينفذ من الجب إلى بركة السباع وسيأتي ذكرها. أما عمق الجب في الأرض فيبلغ قراب 20 متراً ومسافة محيطه قراب 60 متراً وتمشي فوق الجب وأنت مغرب في أرض كلها دكادك وصخور وأنقاض متراكمة بعضها فوق بعض مسافتها 350 متراً. ثم تقف على بركة السباع التي مر ذكرها آنفا ويسميها أهل سامراء (أم البطوط) وهي نقرة مربعة الأركان يبلغ مسافة محيطها قراب (110) أمتار وعمقها قراب 16 مترا ويحيط بها سور قد سقطت جوانبه الثلاثة وبقي منه الجانب الرابع وقد سقطت منه أيضاً بعض شرافات والباقي مائل. وحول ذلك السور في جهاته الأربع أنقاض وأحجار وصخور كثيرة لا تقل مسافة محيطها عن ثلث ساعة ولعلها أنقاض القصور التي ذكرها اليعقوبي في كتاب البلدان قال بعد كلام طويل: ثم عزم المعتصم على أن ينزل بذلك الموضع (وكان فيه دير للنصارى) فاحضر محمد بن عبد الملك الزيات وابن أبي دؤاد وعمر بن فرج واحمد بن خالد المعروف بابي الوزير
البعبع والوعوع والضبغطري
وقال لهم اشتروا: من أصحاب هذا الدير هذه الأرض وادفعوا إليهم ثمنا أربعة آلاف دينار ففعلوا ذلك ثم احضر المهندسين فقال: اختاروا اصلح هذه المواضع. فاختاروا عدة مواضع للقصور وصير إلى كل رجل من أصحابه بناء قصر فصير إلى خاقان عرطوج أبي الفتح ابن خاقان بناء الجوسق الخاقاني وإلى عمر بن فرج بناء القصر المعروف بالعمري وإلى أبي الوزير بناء القصر المعروف بالوزيري. انتهى. ويظن إنها هي لان دار السلطنة المعروفة بدار العامة حولها واليوم تعرف تلك الدار بقصر الخليفة وسيأتي ذكرها أن شاء الله. للبحث تلو م. . . كاظم الدجيلي البعبع والوعوع والضبغطري إذا هبطت ديار الشام، وبالخصوص إذا نزلت لبنإن، وتجولت في ربوعه وزرت بيوت أهاليه. ثم تنصت لما تقوله الأمهات لأولادهن عند إسكاتهن لهم أو تخويفهن اياهم، تسمعهن يقلن: بعبع بعبع، اسكت جاء البعبع (بضم الباء وإسكان العين) فإذا سمع الوليد هذا الصوت خاف وسكت. وإذا سالت الأم: ما معنى البعبع وما تريدين بهذا اللفظ؟ تلجلجت وما استطاعت أن تفيدك شيئاً يروى غليلك. على إني سالت كثيرين من الأدباء أن يطلعوني على معنى هذا الحرف فقال قوم منهم: هذه كلمة تخويف ليس إلا. وقال فريق يراد بذلك حيوان مجهول الأوصاف إلا إنه من الوحوش الضارية. وقالت جماعة: بل
البعبع كلمة لا يراد بها سوى إسماع الطفل لفظاً غريباً على الآذان ليخاف ويسكت. ثم إني ما زلت ابحث عن هذه اللفظة لأعرف اصلها ومأتاها فلم اقف على ما فيها من غامض السر إلا في هذه الأيام. وهذا أيضاً من باب التخرص لا من باب التأكيد. أما الواسطة التي اتخذتها للبلوغ إلى غايتي فكانت مقابلة ألفاظ أهل البلاد بعضها ببعض وبما ينطقون في مثل هذه الأحوال. فان أهل الموصل يقولون (جت الدامي) أي جاءت الدامي. ومرادهم بالدامي أو الدامية السعلاة أو شبهها، وطعامها دم ابن ادم، تعضه من موطن من جسده ثم تشرب دمه. والظاهر أن اللفظة صحيحة لان أهل العراق يعرفون أيضاً الدامي ويعنون بها أنثى الغول. والبين أن اللفظ فصيح، وفعل دماه بمعنى أدماه أي أسال دمه قديم، لان الفصحاء يقولون: (الشجة الدامية) ويردون بها الشجة التي تدمي ولا تسيل. فتكون الدامي بمعنى الدامية وفاعل بمعنى فاعلة كثير الورود في كلام العرب ككاعب وناهد وحائض وعارك وهاجن. وعليه فيكون قولهم جاءت الدامي كقولك جاءت السعلاة. والمسلمون في بغداد يقولون لولدانهم: جاك الواوي، (أي جاءك ابن آوى)، جاك الذيب، (أي جاءك الذئب)، جاك السبعطلان، (أي جاءك السبتلان)، (وهو عامل السلال من نصارى النساطرة يأتي إلى بغداد من كردستان في أيام الشتاء ليكسب دريهمات من عمل لسلال ويرجع بها إلى
وطنه في أواخر الربيع)، جتك السعلوة، (أي جاءتك السعلاة)، والنصارى من أهل مدينتنا يقولون: السعلوة، السعلوة جتك السعلوة. السبع، السبع، جاك السبع، الواوي، الواوي. جاك الواوي. الهارون، الهارون، جاك الهارون (الهارون هو القط الذكر الضخم ويسمونه أيضاً البزون بفتح الباء وتشديد الزاي المضمومة). هذا ما تقوله الأمهات في يومنا هذا. وكل هذه الألفاظ لا تخرج عن معنى الحيوان المفترس حقيقياً كان أو خيالياً. - وأما قبل أربعين سنة فكنت اسمع الوالدات يقلن لأولادهن. بعبع، بعبع (بفتح الباء وإسكان العين) جاء البعبع. ومنهن كن يقلن: وعوع، وعوع، جاء الوعوع، أو وعواع، وعواع، جاءك الواعواع. هوين الواوي، جا الواوي (أي هوذا ابن آوى، جاء ابن آوى). فمن هذا ترى أن البعبع الشامي (أو اللبناني ويقال بضم الباء وإسكان العين) ما هو إلا وعوع أو عواعه لا غير (ويقال بفتح الواو والباء وإسكان العين) أما قلب الواو باء فكانت لغة بعضهم شابهوا بها النبط. وقد أثبتنا ذلك من تتبع ألفاظهم كقولهم: باشق وواشق. وجارية بكبابة ووكواكة أي سمينة. وبزمة ووزمة (أي وجبة من الطعام). وماله حبربر ولا حورور، والشواهد على ذلك كثيرة. وأما ضم المفتوح عند أهل الشام ولبنان فهذا غالب في أهل القرى. وربما ضموا المكسور أيضاً فيقولون مثلا المشمش بضم الميمين وهما مكسوران على الحقيقة. وهذا كان معروفاً في سابق العهد لان من الألفاظ العربية
ما هي بالحركات الثلاث في الأول بدون تغيير في المعنى وذلك جرياً على لغة قوم وقوم من تعشق الضم في الأول أو الفتح أو الكسر. ومن ثم فقد ثبت لديك أن البعبع والوعوع شيء واحد وكذلك الوعواع. فلننظر الآن ما معنى الوعوع. قال أصحاب اللغة على الاتفاق: الوعوع ابن آوى. . . والثعلب. وقالوا في الوعواع: صوت ابن آوى والكلاب وبنات آوى. إلى غير هذه المعاني. ولم نر اللغويين زادوا على معنى الحيوانين المذكورين حيواناً آخر. إلا إننا رأينا في ذيل فصيح ثعلب لموفق الدين أبي محمد عبد اللطيف البغدادي النحوي اللغوي ما نصه: الفرانق. حيوان شبيه بابن آوى. يقدم الأسد، ويصيح منذراً به. ويسمى فرانق الأسد. ويقال إنه الوعوع (بالعربية) وهو (أي الفرانق) فارسي معرب. اهـ. وهذا عندنا هو الرأي الأصح والوعوع هو عناق الأرض أيضاً المسمى عند العلماء ولعناق الأرض أسماء كثيرة في العربية منها (العناق، والغنجل (كهدهد) والعنفط. والخنجل. (كجرجر) والحنجل (كهدهد) والعنجل (كهدهد) والبريد. والنذير. والتميلة. والتفة. والفنجل. وغيرها. وهو المسمى بالتركية قرة قولق. وبالفارسية بروانك وبالفرنسوية وعليه فان الأم إذا قالت لولدها جاء البعبع أو الوعوع أو الوعواع فكأنها تقول له: جاء الأسد ليفترسك بما أن الوعوع لا يأتي إلا ووراء الأسد إذ ذاك منذر بهذا. فقد عرفنا الآن معنى هذه الألفاظ. فهل ترى كان العرب الأقدمون
يخيفون أولادهم وما كان اللفظ الذي يستعملونه في مثل هذه الحال وما هو معناه. قلنا: كان العرب يخيفون أولادهم بقولهم: (ضبغطري) قال في تاج العروس. الضبغطري مقصورة. . . كلمة أو شيء يفزع به الصبيان. . . والعين الذي ينصب في الزرع يفزع به الطير. والضبغطري الضبع. . . أو أنثاها. اهـ. ومثله الضبغطي بالغين المعجمة والضبعطي بالعين المهملة. قال ابن دريد: هو ما يفزع به الصبي. والجمع ضباغط وضباعط. ويقال. اسكت لا ياكلك الضبغطي. روى بالوجهين (بالغين المعجمة والمهملة). وقال أبو عمرو: الضبغطي (بالوجهين) ليس شيء يعرف، ولكنها كلمة تستعمل في التفزيع، وأنشد ابن دريد: وبعلها زونزك زونزي ... (يخضف أن فزع بالضبغطي إذا حطأت رأسه تبكى ... وان نقرت أنفه تشكى) قلنا: هذا ما رأيناه في دواوين اللغة. وأما أصل اللفظة فعندنا إنها منحوتة من قولك: (ضبع طرأ) أي جاءتك الضبع فجأةً. من قولهم: طرأ فلان على القوم إذا آتاهم من مكان بعيد أو خرج عليهم منه فجأةً. والضبع أنثى على الأشهر إلا أن ابن الإنباري يقول بتأنيثه وتذكيره. وعيه فقول قدماء العرب ضبغطرى كقول المعاصرين: (جاءك الوعوع). والظاهر أن هذه اللفظة كانت كثيرة الورود على ألسنتهم حتى أن صاحب ذيل الفصيح يقول: الضبغطى: شيء يفزع به الصبيان
ولا تقل ضبغطي. فهذا يدل على أن العوام كانت تتداول هذا اللفظ حتى إنها تصرفت به هذا التصرف وصحفته هذا التصحيف. ورب سائل يسألنا: إذا كانت الضبغطى منحوتة من (ضبع طرأ) فلم لم يرد في كتب اللغة (ضبعطرى) بالعين. قلنا: أن فصحاء العرب كانوا يقلبون العين المهملة غيناً معجمة كلما جاورت الطاء. من ذلك قولهم (المغط، بالغين واصله المعط بالعين المهملة ومعناه المد. ومغطه مثل معطه. وغير ذلك. ثم أن المزهر أورد اللفظ على اصله وان كان اللغويين كلهم أجمعون أهملوه. فقد قال (في 1: 263) ما نصه: (الضبعطرى والضبغطرى بالعين والغين مقصورتان: كلمة يفزع بها الصبيان يقال: جاء ضبغطرى ويا ضبغطرى خذيه (كذا. مرة بالمؤنث ومرة بالمذكر) قال الشاعر: يفزع أن فزع بالضبغطى. اه فهذا الكلام يؤيد رأينا في منحوت. ثم إنك ترى هذا المعنى المنحوت في شرحهم للفظة ضبغطى بكونها الضبع. ولما قر اللفظ عندهم نسوا اصله المنحوت وتصرفوا به تصرفهم باللفظ الواحد وبالمعنى الواحد وهو معنى الضبع. ولما كثر استعمالهم له أنقصوه على حد ما يطرأ على المواد التي يكثر استعمالها فإنها مع الزمان تتحات وتتناقص. فأحفظ ذلك تصب أن شاء الله. على أن هناك رأياً آخر وهو دون الأول متانة أي ربما تكون اللفظة منحوتة من ضاغب طرأ. والضاغب هو الرجل يختبئ فيفزع الإنسان بصوت كصوت الوحش. فهذان رأيان اختر
المباني الحديثة في البريم
منهما ما وافقك والله اعلم. وسوف نبحث في عدد قادم عن الضبغطى عند سائر القوام. وكل آتٍ قريب. المباني الحديثة في البريم وصف أحد مكاتبي جريدة الزهور البغدادية هذه القرية وزار مبانيها فكتب فصلاً تخلص منه ما يأتي قال: (البريم بفتح الراء: اسم قرية من قرى العراق العجمي واقعة على ضفة دجلة والفرات وهي في منتصف الطريق تقريباً الودية من ولاية البصرة إلى فم خليج فارس. وقد سعت شركة إنكليزية وهي شركة النفط الإنكليزية الفارسية برضى حكومة إيران لتعمير هذه القرية بناء على أن تكون هذه القطعة مستودعاً للزيت الحجري وقد نالت الامتياز باستخراجه من أرض رامز لمدة خمسين سنة (والأصح لمدة 75 سنة) وقد أصبحت اليوم مقاماً خطيراً في العراق لكثر ما يرد إليها من المعدات الحربية الكافية. اهـ كلامه. وقد مدت الشركة الإنكليزية المذكورة قساطل من حديد أي أنابيب منحدر من محل مخرج النفط إلى البريم حتى إذا تفجرت العيون تصب سائلها في الأحواض التي قد ركبت في بطونها تلك الأنابيب فينحدر الزيت الحجري إلى البريم ومن هناك يحمل إلى البلاد ليباع فيها. ولا تقل أن المسافة بين رامهرمز وبين البريم عظيمة وان بين عيون النفط
وهذه القرية نهر بهمشير. فان الأنابيب قد مدت على طول المسافة وليس هناك ما يحول دونها. ومساحة الأرض التي بدئ بعمارتها تقدر بعشرة آلاف متر ويحيط بها مشبك من نسيج الحديد. وتنقسم مبانيها على رواية مكاتب الزهور إلى قسمين: قسم لمستودع الذخائر الحربية (كذا. والأصح انه ديوان العمال والمتوظفين في أشغال الزيت والصيدلية) وقسم للزيت الحجري. فأما معاهد القسم الأول وهو القسم الشمالي فاهم ما فيه قصر ذو طبقتين مطل على الشط لم تر العيون مثل حسن بنائه وضخامته في ولاية البصرة. وعن يسارك مساحة من الأرض تكون في مستقبل الزمان حديقة غناء. وقد خطت على هيئة مضلع تمتد إحدى أضلاعه امتداداً حتى تحاذي منتصف بورة القصر الشمالية. ومن ثم يكون للقصر فجونان غربية وشرقية. يقال: إنهما دبرتا على هذه الصورة لتكونا محلين للجلوس متى تفرعت أغصان الأشجار واشتبكت فيها الأفنان ممتدة من الحديقة إلى القصر. قال المكاتب: وعندي إنها ستكونان غطاءين لمخزنين تحت أطباق الثرى تودع فيهما القنابل الجهنمية حفظاً لها من حرارة ووهج الشمس فتبقى تلك الذخائر في مامن من عوامل اشتداد الحر وأيدي العداة فضلاً عن إنها تبقى هناك في هواء معتدل طول السنة لترطيب عروق الأشجار له. قلنا هذه أفكار خطرت للمكاتب وليس إلى اليوم ما يؤيد هذا
الظن. وترى اليوم في شرقي القصر وقريباً منه أربعين حوضاً صغيراً لتصفية الزيت الحجري وقد تم عملها. وبجانبها يبنى سبعة أحواض كبار تم بناء حوضين منها. يسع كل واحد منها 30. 0000 تنكة (أي صندوق من الصفيح المستعمل لنقل النفط إلى البلاد وسعة كل تنكة 19 لتراً) وفوق كل حوض من هذه الأحواض كبيرة كانت أو صغيرة مشبك من الحديد. وقد مد اليوم سلك للبرق (تلغراف) وسلك للمسرة (أي التلفون)
وذلك في نية ضم شتات المدن والقرى إلى بعضها البعض، فضلا عن جمع أمر المتوظفين ليكونوا يداً واحدة مع المدير الأكبر. وفي أواخر شهر تموز وأوائل آب من هذه السنة وصل الشركة جميع الأدوات اللازمة لتنوير المدينة ومحلاتها الكهربائية. وقد شرعوا في وضعها منذ شهر أيلول. وهي قريب تتم على الوجه الأكمل. وقد جلبت تلك الشركة الإنكليزية أيضاً آلة عظيمة لصنع الآجر بطريقة سريعة وحسنة وعلى قدر واحد. كما إنها مدت سكة حديد لنقل الأدوات والأحمال والأثقال الداخلة في أشغالهم. وهناك أنبار كبير طوله مائة متر في عرض 75 متراً مبني بأجر البصرة ومشدود بعضه إلى بعض بالملاط (شيمنتو) والحديد للحمل البضائع فيه. قال عبد العزيز أفندي الطباطبائي: إني طفت مدن قارة آسية فجبت الهند وجبال سرنديب وجزيرة فلفلان وجاوة وسومطرة وجزائر الفيلبين حتى وصلت إلى حدود أميركة الشمالية وشاهدت من مستودعات الزيت الحجري شيئاً كثيراً وسمعت تفاصيل جمة عن كثير منها فلم أجد شبيهاً لهذه المستودعات التي بنيت حديثاً في البريم بل ولا ما يقرب منها. وإنما وجدتها على غرار القلاع بل هي هي بدون أدنى فرق. وفي القصر نوافذ كثيرة ووراء تلك البرك أو الأحواض معمل عظيم يدأب في قطع الحدائد للأشغال الآلية فيحملها قطار يخترق
البقعة بآسرها طولاً وعرضاً فيوزعها على آلات صغار هناك. ومن نظر إلى المعمل وكيفية وضعه وإلى المباني الموجودة حوله وإلى ينوى فيها ثم سمع بما يراد من تلك المشيدات في أرض رامز حول عيون النفط يحكم عقله بضرورة النتيجة وبان هذه الأبنية لا تحتاج إلى جلب معمل (فبريقة) كهذا. وإنما جلبت آلاته لأعمال غير هذه الأعمال ولغير ما تدركه الحواس الآن. والله اعلم بالسرائر وبما تخفيه الضمائر. أما معاهد القسم الثاني فهي الأبنية القائمة بجوار شط النهر. وهي عبارة عن ثلاثة مخازن طويلة متصل الواحد بالآخر وهي مسنمة ولولا تسنيمها لما عرفت إنها ثلاثة. وقد أقيمت ليوضع فيها ما يتعلق بالبواخر التجارية من شخص ونفض. ويمر بها فرع من الخط الحديدي حتى يوفي المسنا من عن يمين المخازن ويسارها. وقد خطت بجانبها رسوم أخرى تبرز إلى عالم الوجود شيئا بعد شيء. أن الرائي إذا قصر نظره على مجرد هذه البقعة لا يتصور إنها للتجارة وبيع النفط، لا سيما إذا علم بعدها الشاسع عن رامهرمز بل تحقق أن في الأمر إجحافا بشؤون التجارة كيف لا والتجارة مبنية على أسس الاقتصاد وليس هنا ما يؤيد أن في هذه المباني الفخمة وهذه المشيدات الضخمة ما يرى للعاقل أن الغاية منها توفير النفقات وتقليلها. أما إذا فزع إلى الدلائل العقلية فتراه للحال يعدل عن هذه الفكرة ويقول لك: بل أن الغاية من هذه المباني وتخير هذه البقع من بقع ديار العجم كلها هو الاستعداد لإيقاع
مصيبتين في هذه البلاد وما جاورها: الأولى أن موقع البريم السياسي ذو بال، إذ هو كموقع بلدة البحرين السياسي. فالسلطة المطقة التي فازت بها إنكلترا في الخليج لم يبد آثرها إلا بعد ما اتخذت لها مركزاً في البحرين. فمركزها هناك هو الذي خولها الحول والطول في الخليج وهو العامل الأكبر في انتشار سياستها في بر عمان من جهة، ولنجه وأبي شهر من الجهة الأخرى. إذ أن جزيرة البحرين واقعة في منتصف الطريق الواصلة الجهتين الواحدة بالأخرى. وأنت تعلم أن مركزها في البحرين هو الأنموذج الذي جعل لها مركزا آخر في الكويت. وان كان للكويت أسباب أخرى فتلك لا تنافي هذه التي ذكرناها. فكان إنكلترا والحالة هذه قد أخذت على نفسها أن لا تذر شعبا من الشعوب الإسلامية خاليا من هيجان وفتنة فكما إنها كانت السبب الوحيد لتهييج العشائر الرحل من عشائر الجزيرة والحويزة تريد أن تكون سببا لإثارة قبائل العراق الحاضرة ليتم لها بذلك حق المساواة والمؤاخاة في نظر عدلها وإنصافها. فيا له من حق ويالها من مساواة ومؤاخاة. والمصيبة الثانية هي: جعل البريم مقاما أبا يتولد منه عدة مراكز في العراق العجمي. إذ لو كان المركز على حافة نهر بهمشير الشرقية (وهو على بعد ميل ونصف من البريم) لما تمكنوا من التسلط التام على سكان العراق العربي والاختلاط بهم. ورب قائل يقول: أن المركز لو كان على ما ذكرت لصعب النقل
منه واليه. قلنا: أن صعوبة النقل موجودة إذا كانت البريم هي المحطة نظراً لعدم بعد عيون زيت الحجر، هذا مع غض الطرف عما يتطلب من النفقات التي لا توافق نجاح التجارة. وأما لو كان هناك ما يسهل النقل كالبواخر الصغيرة مثلا التي تقطر السفن المحملة (وهذا محسوس ومصلحته ظاهرة) فالعدول عنه إلى ما هو اصعب لا بد له من مصلحة بينة. والحال ليس من مصلحة أكبر عدد من تعدد المراكز التي تكون على حافات نهر بهمشير. وهنا يظهر أن جلب ذلك المعمل لم يكن من العبث. والخلاصة أن موطن البريم سيكون بمنزلة الآلة الكهربائية التي تحرك جميع سائر المواطن وتذخر فيها اعظم القوى على حد ما يرى في مولد الكهربائية. والله اعلم بمصير الأمور. وأما ما بقي من وصف البريم فهو: أن طرقها واسعة يبلغ عرضها 15 متراً. وهواؤها حسن وشرب أهلها من ماء (شط العرب) وطعام أهلها وخضرهم تجلب من أرض العراق. وما بقي يجلب من بهمشير أو أرض فارس. وقد بنى فيها من القصور إلى آخر شهر آب من هذه السنة سبعة وكلها ذات طبقتين. وثماني دور ذات طبقة واحدة وفي كل دارٍ عشر غرف. وفيها من الإنكليز خمسة عشر رجلا وكلهم من المتوظفين في أشغال الشركة. ومن الهنود رعية الإنكليز أربعمائة عامل. ومن الوطنيين العثمانيين اثنا عشر عاملا. ومن العجم أو رعية إيران من عامل وحمال
ومستخدم مائة وخمسون. ومن أعراب البادية أربعون رجلاً. فتكون جملة المشتغلين في الشركة ووظائفها وأعمالها 637 نفساً. ويبلغ سكان البريم ألف نسمة لا اكثر. وليس لأهل البليدة دار مبنية باللبن إلا دار السيد محمد وهو رجل نزل ذلك الموطن منذ اكثر من 50 سنة، ويرأس الأهالي باسم الشيخ خزعل أمير المحمرة، وكل دعوى تقع هناك ترفع إليه فيقضها على الوجه الأصوب. وهو شيخ كبير السن له ابن اسمه السيد علي وهو ولي عهده. ومن رجال البريم الملا سلمان وقد احتل ذاك الصقع منذ نيف وثلاثين سنة وله هناك مسجد يجتمع فيه المسلمون نهار كل جمعة. وللملأ ابن شاب. وكلاهما في خدمة الإنكليز مع أن أملاك الملا كثيرة واسعة لا حاجة إلى أن يستخدم في محل. وفي شرقي هذه المخازن أربعة مواف كبار لطبخ الآجر
سؤال إلى العلماء ولا سيما المتصوفة منهم
وبجانب كل منها آلات ضغار لتقطيع اللبن وإفراغه في القوالب وقصه وسحق ما يتكسر منه. وفي شمالي الآتاتين ردهة كبيرة مبنية بالآجر الصلب وبازائها شرفاً المستودع الحقيقي للزيت الحجري وهو حوض عظيم وله حيطان من حديد سمكها ثمانية أمتار. سؤال إلى العلماء ولا سيما المتصوفة منهم بخصوص قدم الكرمليين جاء في كتاب محاضرة الأبرار، ومسامرة الاخبار، في الأدبيات والنوادر والأخبار، للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في الجزء الثاني من النسخة المطبوعة بالمطبعة العثمانية في مصر سنة 1305 في الصفحة 192 و193 ما هذا إعادة نصه بحرفه: (أنشد ابن ثابت قال: أنشدني الحسن بن محمد البلخي قال: أنشدني طاهر بن الحسين وهو أبو الحسن المخزومي لنفسه: ليس التصوف أن يلاقيك الفتى ... وعليه من نسج المسيح مرقع بطرائق بيضٍ وسودٍ لفقت ... فكأنه فيها غراب أبقع إن التصوف ملبس متعارف ... فيه لموجده المهيمن يخشع اهـ. وفي هذا الكلام إشارة إلى ملبس الكرمليين في عصر المخزومي المتوفي في أوائل القرن الخامس للهجرة أي أوائل القرن الحادي عشر للمسيح. لأنهم كانوا يلبسون أردية أو أعبئة بطرائق سود وبيض
كما هو مشهور فيكونون فيها كالغربان البقع. على أن أحد علماء المستشرقين وهو المسيو لويس ماسنيون كتب إلينا في رسالته الأخيرة ما هذا تعريبه (إنك تتذكر الأبيات الثلاثة التي أنشدها المخزومي بخصوص مرقعه الصوفي، وكنت قد نقلت لك نصها، تلك المرقعة التي تشبه ملبوس طريقتك في سابق العهد، فوا سوءتاه! إني وجدت النص المطبوع على الحجر في مصر القاهرة محرفا عن اصله، واليك اقدم رواية لهذه الأبيات كما أوردها السلمي (المتوفي سنة 412هـ - 1021م) في كتابه (بيان أحق آل الصوفية) بموجب النسخة الخطية الموجودة في (لآللي جامع) العدد 1516 الورقية 173 في وجهها) (للمخزومي: ليس التصوف أن يلاقيك الفتى ... وعليه من (نسج النحوس) مرقع بطرائق بيضٍ وسودٍ لفقت ... فكأنه فيها غراب أبقع إن التصوف ملبس متعارف ... (يخشى الفتى فيه إلا له ويخضع) فإنك ترى أن اسم (المسيح، قد حذف.) اهـ.
كتاب في لغة الحديث
فنحن نطلب اليوم إلى الذين قد عثروا على هذه الأبيات في غير هذا الكتاب أن يطلعونا على ما عثروا عليه من حقيقة هذا النص وان يفيدونا عن اقرب هاتين الروايتين إلى الأصل لنكون على بينة من معنى هذه الأبيات. وله منا سلفا اعظم الشكر، كما له من الله اعظم الآجر. كتاب في لغة الحديث لعله كتاب مشارق الأنوار عند حضرة الفاضل اسكندر أفندي داود مسيح كتب قديمة كثيرة في مواضيع مختلفة. ومن جملتها في كتاب في اللغة يرتقي عهد كتابته إلى القرن السادس للهجرة. إلا إنه ناقص منه ورقة في الأول وورقة من الآخر. عدد أوراقه 250 ويبتدئ الكتاب بالهمزة وينتهي بالياء وعليه فالناقص منه شئ قليل جداً وهو الذي ذكرناه وقد كتب عليه بخط حديث (كتاب مشارق الأنوار) فلعله يكون إذا كتاب مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي المتوفي سنة 544. وهو على ما قال صاحب كشف الظنون (كتاب مفيد جدا) أوله: الحمد لله مظهر دينه على كل دين الخ. واختصره ابن قرقول الحافظ أبو اسحق إبراهيم بن يوسف الوهراني
الحمزي المتوفي سنة 569 وسماه المطالع. وزاد عليه بعضاً. وقال قبل ذلك: هو كتاب في تفسير غريب الحديث المختص بالصحاح الثلاثة وهي الموطأ والبخاري ومسلم. طول النسخة التي أمامنا 27 سنتيمتراً في عرض 18 سنتيمتراً وفي كل صفحة 31 سطراً وطريقة المؤلف في وضع كتابه إنه يذكر الباب بقوله مثلاً (الهمزة مع الميم) ويذكر الجميع ما ورد من الألفاظ معقودا تحت هذا الباب. ثم يذكر فصلا يعنونه (فصل في الاختلاف والوهم) وان كان في المادة ذكر بعض البلاد أو المواطن يزيد فصلا آخر يسميه (فصل في ما ذكر في هذا الحرف وفي هذه الكتب (أي الصحاح الثلاثة) من أسماء المواضع والبقع من الأرض) وان احتاج إلى إزالة ليس يعقد فصلا رابعا عنوانه (فصل في مشكل الأسماء والكنى). وقلما تجتمع كل هذه الفصول في مادة واحدة. ودونك مثالا ننقله عن أسف ونائلة قال المؤلف: (اساف ونائلة) اسم صنمين كانا بمكة. ذكر محمد بن إسحاق إنهما كانا من جرهم رجلاً وامرأة اسم الرجل: اساف بن مينا، والمرأة نائلة بنت ذئب. ويقال: ديك. ويقال: اساف بن عمرو، ونائلة بنت سهل زنيا بالكعبة فمسخهما الله حجرين فنصبا عند
نقد طبع كتاب طبقات الأمم
الكعبة. وقيل: نصب أحدهما على الصفا والآخر بزمزم، وقيل: بل جعلهما بموضع زمزم. فكان ينحر عندهما، وكانت الجاهلية تتمسح بهما، فلما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة يوم الفتح كسرهما. وجاء في بعض أحاديث المسلمين: إنهما كانا بشط البحر وكانت الأنصار في الجاهلية تهل لهما وهو وهم. والصحيح أن التي كانت بشط البحر مناة الطاغية.) اهـ. هذا مثال مما في هذا الكتب من المباحث الجليلة مع ما عليه من الاطلاع على مثل هذه النسخة أن يفيدنا عن اسم الكتاب وعن نسخة ثانية منه وعن سنة تاريخها. لأننا قد نقرنا في ما لدينا من فهارس خزائن كتب الديار الإفرنجية والعربية فلم نعثر على نسخة ثانية تكون أختاً لها. فعسى أن يرشدنا قراؤنا إلى تحقيق الأمنية ولهم الأجر والثواب خفية وعلانية. نقد طبع كتاب طبقات الأمم (تلو) ووردت لفظة التبرؤ مكتوبة بياءٍ في الآخر (أي بالتبرئ ص667)
والأصح كتابتها بالواو. وفي الحاشية: (هذه رواية حب وحك وصحيحة) والأصح: (وهي صحيحة). وقال في ص669 (وأما ارسطاطاليس بن نيقوماخوش الجهراشي الفيثاغوري). فقال الناشر في الجاشية: (في كتاب الحكماء: الجهراشني. وفي حب: الجراسني. لعله يريد: الاسطاغيري نسبة إلى اسطاغيرا موطن ارسطو (كذا) قلنا: أين الجهراشني من الاسطاغيري وبين اللفظيين من البون البين ما لا يخفى على ذي بصر فضلا عن ذي بصيرةٍ. وعندنا أن الجهراشني يونانية الأصل من جهرائسي أو جهرائشي ومعناها (الشيخ الجليل أو الوقور الشيبة) وتحتمل وجهاً آخر أي أن تكون اللفظة مصحفة عن جهرائستي أو جراستي أو عن جهرائشتي أو جراشتي نسبة إلى جهراست أو جراشت وهواله من آلهة اليونان والرومان هو ابن يوبيتر (المشتري). وكان الأقدمون من الأعاجم إذا عظموا رجلاً نسبوه إلى واحد من آلهتهم كما يسمون الإمام الكبير بالإلهي أو المتأله وأنت تعلم أيضاً أن جهراست نعت من نعوت نبطون آخي يوبيتر. - وهناك وجه ثالث من الاحتمال والتخرج وهو أن تكون الجهراستي بالسين أو بالشين والجراستي بدون هاء وبكلا الحرفين السين المهملة والشين المعجمة منسوبة إلى جهرست أو جرست وهي مدينة من أعمال الاوبية وراس من رؤوسها. وقد جاء بهذا الاسم أيضاً ميناء من موانئ يونية. فلعل أحد أجدادنا فيلسوفنا من أحد هذه البلاد المذكورة فحفظ نسبه. والخلاصة أن الجراستي
من ألقاب الحسب والنسب والتفخيم لقب به ارسطو أو أبوه أو أحد أجداده لعلو منزلته وسموق شرفه أو لغاية أخرى نجهلها الآن. وجاء في تلك الصفحة قول المؤلف: (وهي السبعون كتاباً التي وضعها لاونارس) فقال الناشر: (يريد أحد أعيان اليونان ولعل الاسم مصحف). قلنا: لا يظهر إنه مصحف لان طابع كتاب ابن القفطي لم ير اختلاف الروايات فيه. وورد في صفحة 670 (المقاتلين الأوليتين) والأصح الأوليين. وفي ص671: (واليد الحليلة (بالحاء المهملة) ونظنها (الجليلة) بالجيم وفي ص673 (وردا عليهم بالحجاج الصحيحة) والأسد أن يقال (بالحجج الصحيحة). وفي ص674 (وكان) (والكلام فيه عن مثنى) والأقوم أن يقال (وكانا) بالتثنية. وفي ص676 (كتاب سيبويه المصري (كذا) وهو تصحيف غريب. لان المطالعين يعرفون أن سيبويه لم يهبط مصر في حياته فكيف جاز أن ينسب إلى مصر. والأصوب أن يقال (المصري) بالباء في الأول نسبة إلى البصرة وقد نزلنا فنسب إليها وان كان اصله من البيضاء من قرى شيراز. وجاء في ص678 (وكان شديد الانحراف عن ارسطاطاليس وغانياً له في مفارقته معلمه أفلاطون). فأنت ترى أن لا معنى لكلمة (غانياً) هنا. ولذا قال الناشر في الحاشية: (لعل الصواب (عاتياً). قلنا: وهذه أيضاً لا محل لها ههنا. إذ لو كانت كذلك لما جاء بعدها: له في
اقتراح على علماء الشرق وأدبائه
مفارقته) لأنه يقال. عتبه على شيء. ومن ثم وجب أن تكون الكلمة (عائباً له أو غائباً له) وكلاهما بمعنى واحد. - وقال في تلك الصفحة: (ونحل مذاهب العلماء) والأصح (نخل) بالخاء المنقوطة. والمؤلف ينشر طي كلامه بعد ذلك بقوله: (وأنتقى لبابها، واصطفى خيارها.) قال في ص679 والبرغز، والاصح والبرغر براء مهملة في الآخر. وورد في حاشية ص680 (لم يتم تنصرهم دفعة واحدة بل تمادى الزمان) والأصح يتمادى الزمان. وجاء بين أسماء مؤلفات يوحنا بن ماسويه (كتاب البقرة) فوضع الناشر بعد هذا الاسم علامة الاستفهام (؟) كأنه شعر بغرابة هذا الاسم، ولقد صدق ظنه، لان اسم الكتاب هو (كتاب البصيرة) (له تلو) اقتراح على علماء الشرق وأدبائه قرأنا في مجلة العالم الإسلامي في الصفحة 183 من مجلدها الخامس عشر في عددها السابع والثامن الصادرين في شهري تموز وآب من هذه السنة هذه العبارة الغريبة وهذا تعريبها: (أن الفلسفة والعلوم المشهورة باسم (العلوم العربية) ليست في الحقيقة إلا عبارة عن نقل وشرح مؤلفات اليونان، وبخلاف الفقه فإنه من النتاج الخاص بالإسلام ومن نتاجه النادر. وهذا أيضاً لا يعتبر كذلك إلا طالما لا تظهر لحمة النسب بينه وبين فقه الروم.) اهـ.
مذنب بروكس
فنحن نطلب إلى علماء الشرق والراسخي القدم في تاريخ الإسلام أن يردوا على هذا المستشرق (وهو العلامة أ. آمار في الجرائد والمجلات بشرط أن يكون الرد خاليا من الطعن ومعززا بالأدلة والبراهين، ونحن نرحب بكل مقالة تكتب في هذا المعنى ونفتح لها باباً واسعاً في مجلتنا ومن الله العون والتوفيق. مذنب بروكس إذا استيقظت باكراً هذه الأيام أي نحو الساعة الرابعة ونصف إفرنجية، أو نحو الساعة العاشرة ونصف عربية صباحاً، أطلق طائر بصرك إلى جهة مشرق الشمس عند منفتق أو منبثق أهاب الفجر، تر كوكباً ذا ذؤابةٍ واقعاً عن يسارك إذا نظرت إلى نجم الصبح، واسم هذا الكوكب (مذنب بروكس وهذا الاسم مضاف إلى من رآه ووصفه وعين أوقات ظهوره وعودته لأول مرة. وقد رأينا هذا المذنب رأى العين (أو كما يقول العوام: بالعين المجردة، وهو من التعبير الإفرنجي المعرب تعريباً حرفياً) منذ نحو منتصف شهر آب، وهو لا يزال يطلع إلى الآن، وبلغ هذا الكوكب نقطة الرأس في 27 تشرين الأول نحو الساعة التاسعة مساء. الفانوس والمنوار سألنا بعضهم: ما أصل لفظة الفانوس وما الذي يقابلها في اللغة الفصحى.
باب المشارفة
الفانوس لفظة يونانية الأصل من أو والبعض يقول فانوص بالصاد وتجمع على فوإنيس. وقد وردت هذه اللفظة في تاريخ كتاب السلاطين المماليك. وكان يراد به في الأصل كما كان يريد به العراقيون قبل عشرين سنة أي مصباح يتخذ من نسيج مشنع مستدير الشكل على هيئة اسطوانةٍ قصيرة وهو متجعد تجعيدا من شأنه أن ينطوي على نفسه فيحتوي تحويا وفي قعره ورأسه قطعة من الصفيح ويركز في أسفله شمعة. ثم لما تحسن أمر الاستصباح نقل إلى صورة المصباح الذي تتخذ جوانبه من الزجاج وقد نزل هذا الزجاج في زوايا من الصفيح (التنك) لتمسكه من السقوط. ثم نقل معناه إلى هذه المصابيح التي توضع في الطريق ليستضيء بها الساري وهي المعروفة عند الإفرنج باسم ويقابلها بالعربية (المناوير مفردها المنوار). قال في ذيل الفصيح: (العوام يسمون ما يستصبح به على أبواب الملوك (المنيار) والقياس (منوار) لأنه من النور أو النار) اهـ. قلنا: يؤخذ من هذا أن الملوك في سابق الزمن كانوا يجعلون على أبواب دورهم مصابيح لتميز من سائر الدور. أما اليوم وقد شاع الاستصباح في كل البلاد لرخص مواده فالمناوير تعلق في جميع الطرق والشوارع إراحة للناس بدون تفريق بين التابع والمتبوع. باب المشارفة (البيان السنوي للكلية العثمانية الإسلامية في بيروت عن سنة 1329)
البيان
تلقينا بفرح هذا البيان ووقفنا على ما فيه وعلى تقدم هذا المعهد معهد العلم فوجدناه أنتقل من طور الصبوة إلى طور الكمال ونحن نتمنى له العروج في سلم الترقي الدائم. أن ربك على كل شيءٍ قدير. البيان مجلة تبحث في الأدب والتاريخ والفلسفة والأخلاق والتربية والاجتماع والنقد والروايات والصحة وتدبير المنزل وتعنى بنشر آثار الغرب وآثار العرب وتضرب بسهم في كل فن ومطلب، لصاحبها عبد الرحمن البرقوقي ومنشئيها عبد الرحمن البرقوقي ومحمد السباعي، وتظهر آخر كل شهر عربي في 80 صفحة وقيمة اشتراكها في السنة 50 قرشا ومحل أدارتها بشارع عبد العزيز في مصر. وقد طالعناها فوقفنا على هذه العبارة في ص7 إذ يقول الرصيف عبد الحمن أفندي البرقوقي: (أشركت في أمري آخي وصديقي الكاتب الكبير محمد السباعي أمكن من علمت في آداب العرب والمغرب واخلب من سمعت بياناً. وأكثرهم في مناحي البيان افتنانا) ومع ذلك فقد وجدنا في العدد ما لا ينطبق كل الانطباق على هذه الأوصاف. وأول شيء نأخذه على المجلة هو هذا المدح الذي يغض من كتاب مصر وفيهم حملة الأقلام وقالة الشعر ومجيدي النظم والنثر ما لا يرد على يراعتهم مثل ما ورد في مجلة البيان من هذا الكلام المغلق المعضل مما يحتاج فتحه إلى مقاليد الأرض والسماء. من ذلك قوله ص52: فلا درس يعطى للغلام. وهو من التركيب الأعجمي والأفصح فلا يدرس
الغلام درساً حتى. . . وفيها: (حتى يعرض عليها فتصدق عليه). والأفصح فتصدقه. وقوله: (وقدماً أيقظ الله بالجليد سوليه ووسيمه (كذا) اوجاستين من رقدته ونبهه بالثلج من غفلته) وكان الأليق بالمعرب أن يصحح وهم الكاتب اللورد بيرون لان صغار طلبة المدارس يعرفون أن الذي دفع القديس اوغسطين أو اوغسطينس (لااوجاستين) إلى الرعوي هو سماعه صوتاً يقول له خذ أقراً فاخذ رسائل الإناء المصطفى وتصفح وجهاً منها فوجد فيه الدواء لدائه فاهتدى إليه تعالى. ثم ما معنى (وليه ووسيمه) فلا جرم أن المعرب لا يريد التلميح إلى المطر ووسميه بل إلى وليه (أي وليه تعالى) وسميه. لكن لم يرد السمي عند العرب والنصارى بمعنى الإمام في القداسة. وإنما تسمى النصارى سمياً من الأولياء من كان اسمه شبيه اسمك لا معنى مجرد الصديق أو الصالح. ثم ما معنى هذا اللفظ المنكر (اوجاستين) والمشهور على الألسنة والمذكور في الكتب القديس اوغسطينس أو اوغسطين فلماذا هذا التغيير. وقال: (ص58 أن الآنسة أخبرتني أن اذهب شملة) أي يسرة. ولم يرد هذا الحرف في لغتهم بل صرح ثعلب في صفيحة بفساد هذا التعبير قال: ونظرت يمنة وشامة أي جانب اليمين وجانب الشمال. ولا تقل شلة) لأنها بالشملة وهي الكساء الذي يشمل به أي يتغطى به.
تحريم نقل الجنائز
وقال في تلك الصفحة: (لجهلي بالألمانية) والأفصح لجهلي الألمانية. وفيها أيضاً: (واستلمت الحلقة). والأصح وأخذت الحلقة. وقال في ص67 (فلففتها في قفازة الفتاة). وأعاد القفازة مرارا والأصح قفاز. وقال في تلك الصفحة أيضاً: (لا زهقت روحه لتوه وساعته) والأصح لتوته وساعته. والتوة (لا التو) هي الساعة. وأمثال هذا التعبير كثير فنجتزي بهذا القدر اليسير. هذا من جهة الإنشاء والتعريب وأما من جهة المواضيع فإننا رأينا منقوشا على صدر المجلة مواد كثيرة مختلفة لم نجد في مثانيها إلا ما يحصر في ثلاثة فصول. ومن اغرب ما رأينا في هذه المجلة مقالة التطفيل. فأي فائدة يا ترى أن نتعلم كيف يكون وكيف يتطرق إليه. ذلك إذاً فصل من الفصول النوافل التي نحن الآن في غنى عنها. - وهناك غير ما انتقدناه من التعبير والتنسيق والتفصيل إلا أن هذا كله لا يحط شيئاً من رفيع مقام المجلة لأنه قد قيل: كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه تحريم نقل الجنائز (رسالة فقهية علمية إصلاحية حرة من مؤلفات الأستاذ العلامة حضرة هبة الدين الشهرستاني صاحب مجلة العلم الغراء) طبعت بمطبعة الآداب سنة 1329 في 18 صحيفة بقطع الثمن.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
وهي رسالة مفيدة للإمامية غاية الإفادة ونحن نتمنى أن تنتشر بينهم وتزيل تلك العادة التي يتضرر منها أناس كثيرون وهي عادة نقل الموتى إلى كربلا التي بواسطتها تنقل عدة أمراض بين الأحياء وتفشو بين ظهرانيهم فشواً متلفاً لكثير من النفوس حقق الله الآمال. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره (سعدون باشا) وصل سعدون باشا إلى حلب في أواسط أيلول الماضي رغما عما أشاعه بعض المغرضين المرجفين وكان يخفره ضابط وثمانون جنديا وأودع سجن حلب ريثما يحاكم. (الدواسر) خطر في بال الحكومة بيع مقاطعة (الدواسر) في جوار البصرة إلى بيت آل براهيم من أغنياء الهند. والظاهر إنها عدلت الآن عن عنيتها لما رأت وراء الأكمة ما رأت. وموقع الدواسر جليل الخطر لأنه محاذ لجزيرة عبادان وقريب من الكويت ولان المسافة بينهما قراب 12 ساعة ولا فاصل بينهما سوى خور عبادان. (اضطراب في البصرة) وقع في أوائل أيلول في البصرة بعض أمور أقلقت راحة أهلها، ملخصها: إنه هجم نحو عشرين من الأشقياء على السوق نهاراً، فنهبوا بعض الأموال، وقتلوا أحد التجار، وجرحوا آخر اسمه موشي كباي، بعد أن اخذوا منه خمسين ليرة، وقد وقعت مناوشة بين هؤلاء اللصوص وجند الدولة، فانجلت الواقعة عن مقتل أربعة رجال: اثنان من الجند واثنان من العماريط، وقبض على خمسة
من هؤلاء الأنذال مقلقي راحة العموم. والتحقيق جار في تتبعهم والاقتصاص منهم والضرب على أيديهم واستئصال شافتهم. (غرق سفن جسر بغداد) يعلم القراء أن جسر بغداد الأكبر واقف أو ممتد على سفن أو زوارق تسمى جساريات مفردها جسارية (أي حاملة الجسر). ففي الساعة 7 من نهار السبت 9 أيلول أخذت سفينة من هذه السفن بالرسوب في قعر دجلة بعد أن امتلأ جوفها من الماء ولما بدأت بالغوص تصايح من كان على الجسر وعلى الشاطئ استنجاداً وتخلصاً فلم يكن هناك من مجيب. وكان سائر السفن حسدت أختها البكر فتسابقت في الهبوط في قعر الماء، وعلى هذا الوجه غرقت خمس منها في مدة ساعتين أو تزيد على هذه المدة قليلاً. أفلا يحسن بعد هذا أن يمد على دجلة جسر من حديد كجسر الخر حتى يأمن الناس على نفوسهم. (إصدار الخيل إلى بلاد الأجانب) كانت الحكومة قد منعت منعاً باتاً المتاجرين بالخيل العراب إصدارها إلى الديار الأجنبية، ولا سيما إلى ديار الهند، فلما درى بهذا المنع أرباب الخيل اخذوا يرسلونها على الطريق بدلا من إرسالها في البواخر فهم يذهبون بها إلى البصرة فالزبير فالكويت أو المحمرة ومن هناك تنزل في مراكب البحر لتباع في الهند. وهكذا خسرت الحكومة وإدارة المراكب وإدارة المكس (الكمرك) ما تستوفيه من إصدار الخيل. فقد قيل أن في الأسبوع الأول من أيلول سار الباعة بستمائة راس من الجياد عن طريق البر، فالأمل من الحكومة أن تسعى ف إصلاح هذا الخلل المضر بها
وبأهل الوطن. (صحن الشعلان) اظهر هذا الشيخ سوء نياته في ما آتاه وأجترحه من المنكرات كالعصيان على الدولة وآبائه دفع الزكاة والهجوم على البريد وقطع الطرق وتهييج العشائر على الحكومة ونهب أموال التجار والقوافل وابتداعه رسوماً جديدة لنفسه لم يسبقه إليها أحد إلى آخر ما جاء به، فسعت الحكومة في تعبئة الجيوش لكبح جماحه وردعه عن غيه فلما علم الشيخ بهذا النبأ، نهض مع عشيرته الخزاعل ونزل في عشيرة بني قحيم والبدور وسوف نرى ما تكون النتيجة. (زوال الهيضة) زالت الهيضة من بغداد وأنفذ مجلس المعارف وإدارة الصحة إلى أصحاب المدارس أمراً بفتح المكاتب، ففتح كثير منها في أوائل تشرين الأول. (تأثير معالنة إيطالية بالحرب للدولة العثمانية) في اليوم 29 من شهر أيلول أعلنت إيطالية الحرب للدولة العثمانية فاحدث هذا النبأ في بغداد والعراق بأسره هزة أشبهت الهزة الكهربائية واظهر المسلمون من التحمس الوطني والحمية العثمانية ما لا مثيل له وقد عقدت عدة مجالس ومجامع وخطب فيها مصاقع الخطباء وفي مقدمتهم والي الولاية فاظهر السامعون من حسن الالتفات والإجابة ما دفع أكثرهم إلى بذل المال والتطوع في خدمة الوطن العزيز. حقق الله الأماني ونصر المظلوم على الظالم، وكفى به نصيرا. (ذكر تفصيل واقعة الديوانية) واجه أحد كتاب جريدة الزهور
الغراء حضرة الوالي جمال بك فسأله عن القوة العسكرية التي يقودها الوطني سليمان بك قائد المجنبة (أي القول اغاسي) فقال له ما معناه: (لما هبطت الولاية رايتها والفوضى قد عمت فيها، لاختلال النظام والراحة في جميع إنحائها. وفي اليوم الثاني من وصولي إلى هنا ورد ألي نبأ برقي من متصرف لواء الديوانية ينبئني عن تحفز كل من عشيرتي الشبل والغزالات لجمع الجموع وإعداد القوة للهجوم على صاحبتها وقد أوعز إلى رئيس عشيرة ثالثة أن يتوسط في منع وقوع الحرب. فرأيت أن توسط من لا علاقة له بالمسألة غير موافق لحكمة الحكومة وللحال سيرت إلى محل النضال طابوراً من الجند البغالة وطابورين من المشاة وفرقة (بلوكا) من المندفعين أصحاب المدافع الرشاشة، وثلة من مدفعية الصحراء لمنع نهوض المعتدين، وحقن دماء العثمانيين، وإظهار سطوة الحكومة، وتأديب المخالفين. وقبل أن يزحف الجند على أولئك المقلقين وقائم مقام الشامية تطلعني على وقوع مناوشة بين العشيرتين انجلت عن قتل مائتي نفس من القبيلين فأمرت قيم المقام أن يزحف على أولئك الأقوام بطابور الرماة المقيم في النجف. فوصل إلى حومة الوغى قبل وصول سليمان عسكري بك إليها فلم يوفق إلى شيء بل ظهر من هيئة تصرفه وأعماله ما أوجبني إلى عزله. ولما وصل سليمان عسكري بك إلى المحل خضد شوكتهم وانتصر عليهم نصراً مبيناً. فاستراح الناس بعد هذا ولم يبق ما يخل بالراحة.
العدد 6
العدد 6 وصف القطار (أنفت إن أمس وجه الصعيد ... فتغشت محجة من حديد) وغدت تنهب السباسب ركضاً ... فغدا للقريب كل بعيد كلما هزها إلى السير شوق ... أخذت في الحنين والتغريد فهي طوراً (ظئر) أضلت فصيلا ... وهي طوراً كقينةٍ ذات عود وهي حيناً ذات الخلاخل خود ... وأوانا كراسفٍ في قيود فكأن الغناء والصدح والبغ ... م روته والبأس عن دواد كلما انحل المسير قواها ... جددوها بالنار ذات الوقود وإذا صادفت لدى السير طوداً ... جاوزته بأي بأس شديد
طوت الأرض في السرى أي طي ... ولديها (الاهراع كالتهويد) وإذا ارقلت ترى الشرق والغر ... ب سواً عندها بلا تحديد لو تبارى النوق المراسيل منها ... ساريات من غيب وشهود لأرتها في ساحة السبق ممشى ... عرش بلقيس في يد التأييد وارتها بساط ريح سليما ... ن عياناً محشداً بالجنود ولدى يوم خمسها تركتها ... خوف سبقٍ تعاف يوم الورود وأعادت ذاك الوجيف ذميلا ... بعد جهد من كل عنس شرود ما جرت للسباق إلا وحازت ... قصبات السباق من كل قود ذات جرىٍ يكاد يسبق نجم ال ... ليل بل ظل شخصها الممدود لا تشق الهجان منها غباراً ... بل ولو قد خفها من حديد سعد أين الهجان من ذات عدوٍ ... جاوزت فيه غاية المقصود يا لمقصود لها قاصرات ال ... طرف حمل من كل قب النهود ورشاً يفضح الغصون بقدٍ ... وغزال النقا بعين وجيد من نحيل الأعطاف يهتز قسراً ... عطفه لاضطراب ورد الخدود وابن سبعين حجة ثم عشرٍ ... وعجوز تزيده في العديد ثم من بعد ساعة فإذا هي ... ولدتهم فيالها من ولود مثل سرب القطا تجر قطاراً ... نظمته (الأسلاك) نظم العقود إن تمشت من بأسها ترجف الأر ... ض حذاراً منها فيا أرض ميدي
وإذا نوديت بهلا امتلأت ... فتناديهم بهل من مزيد ما شكت للوني وما عرفت قط ... كلالاً في الغور أو في النجود هذه الآية التي عرفتنا ... بالهٍ مدبرٍ للوجود تلك بنت البخار أم جوارٍ ... منشآت تدعو وجيب الكبود كل سيارةٍ لجوب القيافي ... ذات شوقٍ تهيم في كل بيد كم وكم صعدت لأنفاس صب ... وزفير وانةٍ ورعود وبخار يطوي السحاب بنشر ... قد تسامى وجازه في الصعود ولها مرجل من الشوق يغلي ... بين أحشائها بذات الوقود عبودتها عليه حكمة (وطٍ) ... يا عميداً فديته من عميد ذاك علامها أمام هداها ... علم مفرد بغير نديد ذاك شهم فيه الزمان تباهي ... كتباهي (أقوامنا!!! بالجدود) ذاك شهم بذكره يفخر الذك ... ر ويسمو القريض عند النشيد ذاك شهم بالجد ساد افتخاراً ... فشاي كل سائدٍ ومسود طبت نفساً يا واط بل طبت مثوىً ... وحباك الإله دار خلود أنت سهلت للآنام الطريق ال ... صعب فارتاح ذو المكان البعيد
وربطت البلاد بعضاً ببعضٍ ... خدمة للورى (بخط الحديد) فالوري شاكر لك اليوم فعلاً ... ما على غاي شكره من مزيد وكفى الناس فيك يا وط فخراً ... ولو قيل الإنسان نسل (القرود) يا زمان البخار يا زمان البخار شكراً لك اليو ... م وشكراً لعصرك المسعود يا زمان البخار عصرك عصر ال ... نور عصر التهليل والتمجيد يا زمان البخار عصرك عصر ال ... علم عصر الآداب عصر القصيد يا زمان البخار عصرك عصر ال ... كهربا والمنطاد عصر الصعود يا زمان البخار عصرك عصر ال ... برق عصر (التلفون) عصر (البريد) يا زمان البخار عصرك عصر ال ... كشف عصر الإبداع والتجريد يا زمان البخار عصرك عصر ال ... سبق عصر الأسطول عصر الجنود يا زمان البخار عصرك عصر ال ... فكر عصر الآراء والتسديد يا زمان البخار عصرك عصر ال ... حزم عصر الأقدام والتمهيد يا زمان البخار عصرك عصر ال ... نقض عصر الإبرام عصر العهود يا زمان البخار عصرك عصر ال ... فضل والارتقاء والتصعيد يا زمان البخار عصرك عصر ال ... فيلسوف المفيد والمستفيد يا زمان البخار عصرك عصر (ال ... رازي) عصر (المأمون) عصر (الرشيد) يا زمان البخار عصرك عصر ال ... كفر عصر الإيمان والتوحيد يا زمان البخار عصرك عصر ال ... شك عصر اليقين عصر الجحود
بعض الأعراب غير المنسوبة
يا زمان البخار عصرك عصر ال ... عقل عصر التنوير عصر الجمود يا زمان البخار حياك عصر ... منه قد جئتنا بعصر جديد وحباك القريض كل ثناءٍ ... وامتداحٍ لفعلك المحمود (لست ادري) لست ادري وليتني ذو اختبارٍ ... أي يوم يموت غيظا حسودي أي يوم أحظى بنيل الأماني ... من بني قومنا وبالمقصود ذاك يوم فيه العراقي يباهي ... كل قطر بالاختراع المفيد هل لأبناء قومنا من حراكٍ ... وانتباهٍ من غفلةٍ ورقود ما لأبناء قومنا من قيام ... يا ابن ود من بعد هذا القعود لا ولا نهضة لهم ابد الده ... ر تراها حتى ليوم الوعيد تعست أمة فشا الجهل فشواً ... بين أحرارها وبين العبيد (الدجيلي) بعض الأعراب غير المنسوبة 1 - نظر عام يوجد اليوم بين القبائل والعشائر الرحل ستة أفناد غير منسوبة وهي: الشرارات، والهتيم، والعونة، والصليلات، والعوازم، والرشائدة، والصلبة. وهذه كلها لا يعرف لها بين القبائل أصل يرجع إليه في النسب، اللهم إلا ما يزعمونه هم، أو يزعمه البعض منهم، أو يتقوله
بعض من لا إلمام له بهمم من أعراب وإغراب. وعلى كل حال فإن هذا الزعم باطل من عدة اوجه: أولا: لأن العرب الذين كتبوا في هذا البحث التأليف الجمة ونسبوا كل قبيل إلى الجد الأعلى الذي ينتمون إليه أم يذكروا هؤلاء الأقوام الرحل، بل لم يعترضوا لذكرهم حتى من باب التلويح إلى وجودهم. ثانيا إن القبائل العربية الحالية لا تعترف بمزاعم أنسابهم التي ينتحلونها لأنفسهم. ثالثاً: ليس من قبيلة واحدة أو عشيرة واحدة بدوية تعترف لهؤلاء الأقوام إنهم على النسب الذي يدعونه لأنفسهم. رابعاً: إن هؤلاء الأدعياء إذا جاوروا قبيلةً، انتسبوا إليها مما يدل على إنهم شذاذ خامساً: إن الأعراب ينظرون إليهم نظر أهل المدن إلى النور أو الكاولية المنتشرين في ضواحي المدن. فهذا يدلك على إنهم سقط الناس. ومن بعد إن أثبتنا هذه المقدمة العامة التي تصدق على هؤلاء الطراء جميعهم معاً نعقد فصلاً وجيزاً يتعلق بكل قوم من هؤلاء الأقوام دون غيره. فنقول:
2 - الصليب أو الصلبة (لفظة الكلمة وذكر لغاتها) الصليب مصغرة. وبعضهم يقول اصليب بهمزة موصولة بعدها صاد ساكنة وتلفظ هم الصليب (متحركة) أيضاً والصلبة (وتلفظ بضم الصاد وفتح اللام والباء الموحدة التحتية. وأما العوام فيلفظونها بإسكان الصاد وإشمام اللام ضماً ضعيفاً أي تلفظ اللام بحركة تشبه حركة الحرف الإفرنجي المعروف (بألف الروم أو الألف الخرساء) أي وهي الحركة التي نسميها من الآن وصاعداً (الحركة المشتركة) لاشتراكها بين حركتين أي بين الضم والكسر أو بين الضم والفتح. ومنهم من يقول: الصلب (أي بالصاد المشمومة ضماً واللام المفتوحة) وتلفظ أو معنى اللفظة على اختلاف لغاتها ومحل وجود الصليب لم يتفق العرب والأعراب والصلبة على معنى هذه الكلمة، فالصلبة أنفسهم يقولون إنهم من صلب العرب أي صميمهم، ولذلك سموا بهذا الاسم حفظا لأصلهم، ولا سيما لأنهم أصبحوا خاملي الذكر عند سائر العشائر والقبائل كلها. لكن يرد على هذا الزعم القائل إنهم لو كانوا من صميمي العرب لعنى بنسبهم الكتاب الأقدمون ولتشرفوا بذكرهم. والحال: إن الأمر على خلاف ما يظن أو يروى. وغيرهم يقول: إن الصلبي أو الصلب بمعنى السائل أو الطفيلي من
صلب العظام: إذا استخرج ودكها. كان هؤلاء الأقوام بكثرة إلحافهم يستخرجون من الناس ودك العطايا والحسنات. وهذا الزعم يصدق فيهم لأنه لا يعرف لهم أصل مثبت ولأنهم يتطفلون على ربوع الأعراب أينما حلوا وإلى حيثما ارتحلوا. ولهذا لا تعرف لهم دار كما لا يقر لهم قرار. ومن ثم فكل أرض لهم أرض وكل دار لهم دار. واستناداً على هذا المبدأ لا يطمع فيهم طامع، ولا يغضب عليهم أحد، ويزعم البعض إنهم من بقية الصليبين الذين تخلفوا بعد الحروب الصليبية عن رفاقهم الافرنج، ويقولون إنهم من الإنكليز. والحق إن أصلهم لا يعرف على التحقيق كما قدمناه فويق هذا. أقسامهم يقسم الصلبة إلى قسمين أو فرقتين أو شعبتين وهما: (قبيلة الغنمي) (بإشمام الغين المعجمة رائحة الضم المصحف عن الضم الصريح وإسكان النون وكسر الميم وتشديد الياء التحتية في الآخر) (وغير الغنمي) فالفرقة الأولى أعلى منزلة وارفع درجة من الشعبة الثانية، ولا يعطى رجالها بناتهم لشبان الفرقة الثانية، كما لا يتزوجون واحدة من نسائهم ولهم اليد العليا في كل أمر. نظرة عامة في أحوالهم وأخلاقهم وأوصافهم اكثر معاطاة هؤلاء الأقوام صيد الضباء والغزلإن، ولهم فيه
مهارة تامة وحذاقة عظيمة. - وهم اعرف القبائل كلها بطرق البر ومسالكه، وابصر الناس بأمكنة المياه والآبار. ومما لا ينكره عليه أحد هو إن الأعراب جميعهم يتخذونهم أدلة لهم في قطع البراري والفيافي دون غيرهم. - ولهم صبر جميل على الضما والجوع والبرد والحر. ومن خواص ما عرفوا به جودة النظر وبعد البصر وصحة الأجسام فترى الواحد منهم يبلغ الثمانين أو التسعين من سنيه ونظره شاب صحيح البدن والنظر. وأسنانه تضارع الدر المنظوم. وذلك لكثرة سيرهم في النهار ورياضة أجسامهم وقلة خلطهم في المآكل وتحاشيهم عن المشارب المسكرة أو المضرة بالأبدان. وسكناهم الأراضي العذبة ذات الأديم الرائق الموافق للصحة. 3 - الشرارات لفظة الكلمة الأعراب يلفظون هذه الكلمة بإشمام الشين رائحة الضم وفتح الراءين. والظاهر إن هذا اللفظ قديم على هذا الوجه لأن الفصحاء اختلفوا في حركة الراء فمنهم من جعلها فتحةً صريحة ومنهم من اعتبرها كسرة. فتكون الحقيقة إنها بين بين كما هو حالة الروم. قال في تاج العروس: الشرار ككتاب والشرر مثل جبل: ما يتطاير من
النار. واحدتهما بهاءٍ. هكذا في سائر النسخ التي بأيدينا. قال شيخنا: الصواب كسحاب. وهو المعروف في الدواوين. وأما الكسرة فلم توجد لغير المصنف. وهو خطأ. ولذلك قال في المصباح: الشرار: ما تطاير من النار. الواحدة شرارة. والشرر مثله. وهو مقصور منه ومثله في الصحاح وغيره من أمهات اللغة. وفي اللسان: والشرر ما يتطاير من النار. اهـ. ونظن الصواب إن الأصل في حركة الشين الروم أو إشمام الضم رائحة الكسر وهي الحركة التي هي بين بين التي سميناها ونسميها (الحركة المشتركة). ومن ذلك نشأ الاختلاف في الضبط. معنى اللفظة معنى هذه اللفظة ظاهر لكل ذي عينين لي إن الشرارات سموا كذلك لخستهم أو لقلة الاعتداد بهم فأصبحوا بالنسبة إلى العرب كنسبة ما يتطاير من النار عند اشتعالها إلى النار نفسها. وهذا كاف لتستدل على منزلتهم عند أهل البادية. عددهم ومحل وجودهم عددهم بين الألفين والثلاثة الآلاف من الرجال. وهم يسكنون وداي السرحان من الجوف إلى قرب القريات (جمع قرية مصغرة ومجموعة جمعاً مؤنثاً سالماً) في آخر الوادي المذكور. ويجني من هذه القرى الملح. وموقع هذه القرى في يمنة شرقي جبل الدروز.
أحوالهم هؤلاء الأعراب يسرحون ويمرحون كعادة سائر القبائل الرحل. إلا إن عوائدهم تختلف كثيراً عن أخلاق العرب في عدة أمور: فإنك لا تجد فيها الكرم ولا الترحيب بالضيف ولا حمى الذمار ولا سطوة لهم بالنسبة إلى سائر الأقوام. إلا إنهم يدافعون عن أنفسهم إذا اعتدى عليهم أحد. وبيوتهم حقيرة جداً. وقلما بنوا أو يبنون بيوتاً لهم خوفاً من قرى الضيف. فهم يتركونها على ظهور ابلهم وينزلون حيثما غربت الشمس في مفلى من مفاليهم ونيرانهم ضئيلة. واستعمالهم قهوة البن نادر. وكذلك يندر عندهم عقد المجالس والدواوين والأندية. 4 - الهتيم لفظ الكلمة الهتيم مصغرة كزبير. والبعض يقول: (اهتيم) بهمزة حركتها بين الفتح والضم أو بين الفتح والكسر، وتاء مفتوحة فتحاً ممالاً فيه إلى الياء وياء ساكنة. والبعض الآخر يقول: هتيم بإسكان الهاء وبقية لفظ الكلمة كما في اهتيم. قال ابن سيده: وارى هتيما تصغير ترخيم. نقله ابن منظور.
ذكرهم في كتب المؤرخين إن الهتيم كسائر حثالة الأعراب يتنقلون في كل صقع، وينتجعون كل ربع. وقد نزل قوم منهم ديار مصر وتنقلوا فيها. قال في تاج العروس بنو هتيم كزبير: الأم قبيلة من العرب، وهم ينزلون أطراف مصر. ويقال إنهم بطن من الترابين. وقال الحافظ: عرب مساكين يستجدون من ركب الشام). اهـ كلامه. سبب تسميتهم أظن إن الهتيم سموا كذلك أخذاً من الهتم وهو الكسر والتهتم: التكسر، كأنهم لذلتهم وخستهم ولومهم يعتبرون من كسارة العرب وحثالتهم. مساكنهم الهتيم يسكنون (ما عدا ديار مصر المذكورة) الحرة الواقعة في شرقي المدينة المنورة إلى روضة المستجدة، وهذه تقرب من حائل بيوم أو بعشر ساعات ونيف. والهتيم ارفع منزلة من الشرارات لرفعة نفوسهم وإبائها. أشغالهم وأحوالهم اعظم أشغالهم تربية الأغنام وتسلم ودائع المدن وحفظها والارتزاق منها ما دامت عندهم واستمناحها.
5 - العونة ضبط الكلمة العونة تلفظ بضم العين وفتح الواو والنون وفي الآخر هاء: وكأن اللفظة مأخوذة من الإعانة. وذلك لما كانوا عالة على الأعراب الذين ينزلون عليهم أصبحوا لهم أعواناً عند الحاجة إليهم. محل وجودهم ديار العونة هي ديار ابن الرشيد وتختلط هذه القبيلة بين العمائر المنتسبة إلى ابن رشد. وهؤلاء الأعراب الأدعياء هم أهل ابل وغنم. إلا إنهم لا يقبلون رعاية ما ليس لهم، وأحوالهم لا تند كثيراً عن أحوال الهتيم. 6 - الصليلات كيفية لفظ الكلمة ومعناها يلفظها الأعراب اليوم بإشمام الصاد حركة بين الكسر والضم ولام ممالة وياء ساكنة ثم لام وألف وتاء. والكلمة جمع صليلة تصغير صلة والصلة وزان زلة: الأرض اليابسة. ونسبوا إليها لفقرهم المدقع كما يقال: (المترب) ويراد به الفقير كأنه لصق بالتراب لشدة فقره، ومثله المدقع: وهو الفقير الملتصق بالدقعاء وهي التراب. ومثلهما بنو الغبراء: وهم الفقراء لإستفراشهم وجه الأرض. إلى أخر ما ضاهى هذا التعبير. نظر عام فيهم لا يزيد عدد الصلات على أربعة آلاف من الرجال. وهم في
عوائدهم وأخلاقهم وآدابهم ومآثرهم ومناقبهم دون سائر الأعراب من بقية القبائل. وهم يشابهونهم بحمى الذمار وإكرام الضيف، فلا يفرقون عنهم بشيء. واغلب منازلهم قرب القصيم ويحتلون أيضاً النفود والدهناء. ويصيفون في الأغلب بجوار مياه القصيم. وفي الربيع ينزلون كل واد كسائر القبائل بدون فرق يذكر. وهي في ذات أنفسهم يقسمون إلى شعب تبلغ العشر: ثنتان منها في الجنوب أي قرب الرياض، وسائر الشعب متفرقة على الوجه الذي لمعنا إليه. وكثيراً ما يجتمعون فيختلطون معاً. 7 - العوازم والرشائدة معنى اللفظتين العوازم جمع عازم على غير قياس كفوارس وهوالك جمع فارس
وهالك. والعوازم أهل عزم وجد واجتهاد كما إن الرشائدة أهل رشاد وسداد. منازلهم وأشغالهم منازلهم طفوف الكويت بلاد ابن الصباح. وهم أهل ابل وغنم وقد اخذوا في هذه الأيام الأخيرة يعانون الغوص على اللآلئ في بحر فارس ويمارسون سائر الأعمال المتعلقة بركوب البحر والاشتغال فيه فينتفعون من ذلك المنافع الجزيلة. وأما من بقي منهم في الفلوات والبوادي فإنهم يزاولون رعاية الأغنام واستمناحها على ما هم عليه الصليلات والعونة. واعلم إن هؤلاء الأعراب الأدعياء الشذاذ على اختلاف طبقاتهم وأسمائهم هم من أدنياء البوادي واسافلهم، ولذا لا تعطيهم العرب المنسوبة ما يحرص عليه ولا يأخذون منهم شيئاً من هذا القبيل، كما لا تعترف لهم بأصالة حسب أو نسب أو كرم محتد. هذا ما علق في الخاطر الفاتر وأودعته هذه الصحيفة حرصاً على
لغة العرب
الحقائق، وأظن إن من يخالف مقالي هذا لا يخلو من خطأ أو خطل، والله الموفق إلى السداد، والهادي إلى الرشاد. وكفى به هادياً ورشيداً. مدير جريدة الرياض وصاحبها: سليمان الدخيل لغة العرب لا يخفى ما في هذه الأبحاث من الفوائد الجزيلة، ولا سيما لأنها ليست مدونة في كتاب. ولا جرم إن هؤلاء الأعراب المتبدين الرحل وجدوا في سابق العهد، إلا إن كتاب العرب لم يتعرضوا لذكرهم استنكافاً منه. وإلا إنهم نوهوا بذكر من هم أدنى منهم عددا أو محلا أو محلة. فهذا ابن خلدون قد ذكر في كتابه (العبر) شيئاً جماً عن العرب والأعراب حتى إنه وضع مجلدا قائما برأسه في هذا البحث عدد صفحاته 338 من الصفحات الكبار، وقد نقرنا عما يفيدنا في هذا الصدد فلم نهتد فيه على شيء واو طفيف. ثم هذا القلقشندي قد صنف كتاباً جليلا في أنساب العرب على اختلاف قبائلهم وبطونهم وافخاذهم، وسمة بنهاية الأرب، في معرفة أنساب العرب، ولم يذكر عن هؤلاء الرحل شيئاً ولو من طرف خفي. فأنظر إذا حفظك الله إلى فائدة هذه المقالة وما حوت من ضروب الأخبار القومية. ولهذا فإننا نشكر حضرة الكاتب المتفنن ونتلمس منه كما نتلمس من غيره إن يتحفونا بما هو من هذا الباب حفظا لتاريخ العرب ولما يتعلق بهم ولهم الشكر الجزيل على عملهم هذا.
حول المنتفق
حول المنتفق سألكم سائل عن (الحي أقرية هي أم مدينة فكان الجواب (إنها قرية لا مدينة إن لغة وإن اصطلاحاً (ولما كان لدى شيء عن بلاد المنتفق وعن المنتفق وحاضرهم وباديهم جئتكم بما يمس البحث منه رغبة في الوصول إلى الحقيقة التي كثيراً ما توجد في وسط الاختلافات كما إنها كثيراً ما تضيع في ظلماتها الكثيفة. كانت تتجاذب طرفي الفرات الأدنى منذ عهد غير قريب عميرتان من أكبر عمائر العراق وهما خزاعة (الخزاعل) وكان منتهى ما يحتلون من ضفاف الفرات (سدرة الأعاجيب) وسدرة الأعاجيب هذه شجرة نبق قائمة على متن الفرات دون السماوة بأربع ساعات والأعاجيب قبيلة تنضوي تحت راية خزاعة التي لم يكن يتجاوز احتلالها سدرة المنتهى المتقدمة الذكر والتي أصبحت اليوم عشائر أشتاتاً لا تجمعها تلك الجامعة وكانت قبائل المنتفق تحتل ما وراء تلك السدرة من ضفاف الفرات حتى يودعوه عند دجلة في ملتقى النهرين. وقد جاء في مجلتكم النافعة إن (الغراف) سكان من ديار المنتفق الأزمنة الخالية وأنا اعلم خلاف ذلك وقد أكون مخطئاً فإن الغراف كان في الأزمنة الخالية من ديار ربيعة (الأمارة) وهي العميرة الكبيرة التي تحتل ضفاف دجلة اليوم من (البغيلة) (تصغير بغلة) إلى (الكوت) ويحتلون من الغراف فراسخ أيضاً تنتهي بأرض يقال لها (البسروقية) على خمس ساعات من الحي وذلك مما يقوى كون تلك البلاد بلاد ربيعة
ربيعة الفرس. أما المنتفق فلما تتغلب على الغراف إلا بعد إن قبض على صولجان الزعامة فيهم أجداد العائلة التي تدعي اليوم (آل سعدون) فإنهم يومئذٍ ناهضوا (ربيعة) في تلك البلاد حتى امتلكوا أكثرها بشبا السيوف والأسنة وأوضح دليل على إن الغراف لم يك من بلاد المنتفق إن كثيراً من العشائر النازلة في صميمه اليوم هي من ربيعة لا من المنتفق فمياح وآل سراج (وكلاهما كشداد) والعبودة وبنو ركاب وآل غريب والشحمان وعقيل وكنانة كل أولئك من ربيعة وكلهم في الغراف وبالجملة الغراف من ديار ربيعة في الأزمنة الخالية والمنتفق متغلبون ولذلك فالبغضاء مستحكمة بين أمراء العميرتين وبسببها جرت حادثات مشهورة في تاريخ تلك البلاد الذي أكثره في الصدور لا في السطور وآخرها الحادثة التي ساعدت ربيعة فيها الحكومة على فتح بلاد المنتفق على الغراف وذلك في أخريات القرن الماضي فتم للحكومة الاستيلاء عليها واجلب زعماءها آل سعدون بعد إن كان لهم الحول والطول وغب إن استبحر نفوذهم في البصرة والاحساء. وهذا واراكم قرنتم بين ربوع المنتفق على الشطين (الفرات والغراف) وأبرزتموها كأنها في صعيد واحد هو الغراف وذلك حيث قلتم عن ربوع المنتفق الحالية ما نصه: (تمتد من الناصرية إلى الحي وبينهما شطرة المنتفق والحمار وسوق الشيوخ والبطحاء والبدعة وبني أسد وبني سيد والمشارقة وقلعة صقر إلى غيرها من الأقضية والنواحي)
ففي كلامهم هذا تشويش وتصحيف وجمع بين بلادين بينهما بون بعيد ولعل تبعة ذلك على كتاب الإفرنج الذين نقلتم عنهم فإن بعض هذه البلاد على الفرات وبعضها على الغراف وها أنا ذاكرها حسب عرفاني كما يلي. ربوع المنتفق على الفرات البطحة أو البطيحة بالتصغير هي اليوم أول بلاد المنتفق على الفرات التي كانت تمتد من قبل إلى ابعد من ذلك بكثير والبطحة (ولا يقال لها البطحاء كما جاء في كلامكم) قرية قائمة على ضفة الفرات الغربية تبعد عن الناصرية من جهة الشمال أربع ساعات وهي حد بلاد المنتفق. الناصرية أكبر مراكز المنتفق على الفرات وهي مدينة جميلة خططها ناصر السعدون أحد أمراء المنتفق فنسبت إليه. وقد أقيمت على ضفة الفرات الشرقية واتخذتها الحكومة مركز متصرفية لها يوم استلمت أزمة البلاد وقرب هذه المدينة مصب للغراف طم أو كاد يعلم عليه إهماله وترك تطهيره. ويظهر الناصرية على نصف ساعة منها بحيرة (أبو قداحة) الهائلة التي تنتهي إليها فضول مياه دجلة والفرات. والبحيرة تتهدد البلاد بالفيضان ولم تمسح على التحقيق إلا إنها تبلغ بضعة أميال عرضاً وطولاً والظاهر إنها دعيت (أبو قداحة) لأنها تقدح الشرر ولعل ذلك لكثرة الأحياء
الفصفورية فيها. سوق الشيوخ الشيوخ هم مشايخ المنتفق أي زعماؤهم وهناك كانت سوقهم يبتاعون منها ما يضطرون إليه. وسوق الشيوخ اليوم بلدة على متن الفرات تحوطها البساتين واكثر ما فيها النخل مثل الناصرية ولكن هواءها غير صحي وتكثر فيها على الأخص حمى الغب وهي مركز قضاء للحكومة على ساعتين من جنوب الناصرية ووراء سوق الشيوخ الحمار (وزان شداد) وهو هور من اهوار الفرات ومن بلاد المنتفق أيضاً ووراءه طوائف (الجزائر) فالقورنة وعندها يلتقي النهران دجلة والفرات. وقد ذكر (الحمار) ياقوت وقال إنه موضع بالجزيرة وذكر في
(قورين) إنها مدينة بالجزيرة أيضاً ولعلها (القورنة) وهي مدينة على رأينا لا على رأيكم، أما الجزيرة فتوشك إن تكون ما بين النهرين. نقول كل ذلك تقريباً لا تحقيقاً. واقرب من ذلك إن الأصل في القورنة (قرنة) على زنة هجنة. إلا إنهم اشبعوا الضمة فكانت واوا. والقرنة لغة الشاخص من أطراف الشيء أي البارز. وغير خفي على المقبل من شط العرب عل الجزيرة إن أول ما يشخص لعينيه مما بين النهرين هو هذه البلدة لأنها حيث ملتقى النهران. وقد يقال إنها دعيت (قرنة) لأنها حيث يقترن الشيطان غير إن الكلمة ليست اسم (مكان) هذه أهم مراكزهم على الفرات.
بلاد المنتفق على الغراف
بلاد المنتفق على الغراف الغراف نهر كبير مخرجه من دجلة ومصبه في الفرات ينحدر إليه من الجزيرة ويصب في موضعين منه أعظمهما مصب الحمار قرب الناصرية فمضمحل ضيق على إن الغراف كله على وشيك الاضمحلال وللمنتفق عليه مراكز مهمة ومنها: الشطرة يتشعب الغراف شعبتين قبل انحطاطه إلى الشطرة بستة كيلومترات وتذهب الشعبة الكبرى منهما إلى الحمار وتصب الثانية بظهر الناصرية في شعبة من شعب الفرات وعلى هذه الشعبة الصغيرة بلدة الشطرة الجميلة وقد قضي عليها نحس الطالع إن تكون في محيط فتن المنتفق
الأخيرة فانحطت عمرانا واقتصادا وقد كان يؤمل لها مستقبل زاهر ولكن أبى ذلك جهل الاهلين، وسوء نية المتولين. قلعة سكر بليدة آهلة حسنة الموقع على متن الغراف تبعد عن الشطرة من جهة الشمال ثماني ساعات وقد نسبت إلى (سكر) (كعنب) بن مشلب (وزان مذهب) مؤسسها وهو زعيم عشيرة تدعى (الطوقية) والعشيرة هذه تقيم في أعراض البلدة وتسوم المترددين إليها سوء العذاب وقد جاء في كلامكم إنها (قلعة صقر) وهو تحريف والصحيح ما تقدم وجاء في كلامكم عن بلادهم (بنو سيد) والظاهر إنه تحريف: (بني زيد) وهم طائفة تقيم في البدعة على شعبة الغراف الذاهبة إلى الحمار. أما (المشارقة) التي جاءت في كلامكم فلا تعرف مكان أو طائفة بهذا الاسم في الغراف بل في بلاد المنتفق اجمع.
الحي من مدن الغراف المهمة الحي وهي قائمة على ضفته الغربية وتبعد عن القلعة ثماني ساعات أيضاً. وأما قولكم إن الحي: (قرية لا مدينة إن لغةً وإن اصطلاحا) فمنظور فيه، لان للقرية إطلاقات: فمنها (المصر الجامع) وقد ذكرتموه، ومما تطق عليه (الضيعة) والضيعة هي الأرض المغلة فيها من بيوت وسكان وهذا هو الذي جعلتموه معنىً عرفياً اصطلاحيا أي محدثاً مع إنه لغوي فصيح، وقد أغفلتموه وذلك حيث قلتم: (وأما اصطلاحاً فالقرية هي البلدة التي اغلب سكانها أهل زراعة وفلاحة. وهذا أيضاً يصدق في الحي ولا يصدق فيها كلمة مدينة). هذا كلامكم. وأنا أقول: أم (الحي) مدينة لأن المدينة، المصر الجامع وكذلك الحي. وليست بقرية، لأن القرية: هي الضيعة في الأشهر لغةً واستعمالا. والحي ليس بضيعة وعلى هذا فاستعمالكم (القرية) بمعنى (المصر الجامع) استعمال بعيد أو متروك فقد أصبح من المنكر إن نقول الفصيح لمثل بغداد أو البصرة (قرية). أما تخصيص المدينة بذات السور فإنه من تنطعات اللغويين، والفصحاء يأبونه وقد تمسكتم به على إنه ضعيف ومجهول قائله وما تعطيه عبارتكم من أن اكثر سكان
الحي أهل زراعة وفلاحة خلاف ما شاهدناه لأن سكان الحي لفيف من الأكراد والبغاددة والعرب المتحضرين من الغراف وغيره. وأكثرهم ابعد الناس عن الزراعة وإنما هم تجار حبوب وأقمشة وباعة بقول وعقاقير وصناع وحاكة وذلك على النحو المعهود في طبقات كل مدينة. ثم إنكم قلتم في آخر كلامكم على بلاد المنتفق ما يأتي: (ونهر الغراف يتقسم هناك إلى شعبتين فالشعبة التي عن يمينك تسمى (أبو حجيرات) مجموع حجيرات مصغر حجرة والشعبة التي على يسارك يقال لها (شط العمى) لأنه لا يدفع مياهه إلى نهر آخر ولأن الرمال تدفن عقيقه رويداً رويداً ولا يوجد الماء في هذه الشعبة إلا أربعة أشهر في السنة هي أشهر الشتاء) أما إن النهر ينقسم قرب الحي إلى شعبتين فصحيح ولكن شعبة اليسار تدعى (أبو جحيرات) بتقديم الجيم لا بتأخيرها وكأنه مصغر
ثابت الدين الألوسي
جحرة (على زنة فجرة) وهي جمع جحر الضب فيحتمل إن الضبان كانت كثيرة هناك وربما كان بنو المنتفق يحترشونها كما يحترشون اليربوع من نافقائه!!! وبتقديم الجيم يلفظها الناس هنالك وكذلك تلقوها وبعد فهل لديكم دليل يدفع (التلقي) ويضاد ما عليه الناس؟ أما في اللغة والتاريخ فلا حجة لأحد الفريقين على ما اعلم. أما تسمية الشعبة الثانية (شط العمى) فلأن الماء لا يصعد أبداً وليس لأنه لا يدفع مياهه إلى نهر آخر فلا مياه فيه حتى يدفعها وقولكم إن الماء يوجد فيه أشهر الشتاء غريب إذ لا يوجد فيه ولا يوماً واحداً من أيام الشتاء والصيف وإنما الذي يلجه الماء أيام الشتاء وبعض أيام الصيف هو أبو جحيرات وهو هو شط الغراف لا غير ولكنه يبس في اكثر أيام الصيف والخريف. النجف: محمد رضا الشبيبي (لغة العرب) نشكر حضرة الكاتب الشهير على مقالته هذه اليتيمة ونؤمل إنها تكون راس عدة نبذ تكون حلقاً متتابعاً. إن في المعنى الذي تعرض له هنا وإن في سواه، إن نثراً وإن شعراً، هو الشاعر الناظم، والناثر الناغم. ثابت الدين الألوسي 1 - نسبه هو السيد محمد ثابت الدين أفندي أكبر أنجال العلامة، والنحرير
الفهامة، ذي التصانيف المفيدة، والتأليف السديدة، نعمان خير الدين ابن المفسر الشهير أبي الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الالوسي وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. مولده ومنشأه واشتغاله - ولد على ما ذكره في (أريج الود والعود) فجر يوم الأحد لست عشرة ليلةً خلت من ذي الحجة الحرام سنة 1275هـ (- 18 تموز 1858م) فتربى في حجر الوالد، ونشأ في ربع المحامد، وترعرع بلبان الكمال، فلم يبلغ الحلم إلا وهو من كمل الرجال، وقد قرا طرفا من العلوم على والده، وبعض أفاضل بلده، ثم أجاز له والده بما تجوز له روايته، وتصح لديه درايته، ثم اشتغل بمطالعة كتب الأدب والتاريخ والسير، وحفظ طرفاً من جيد الشعر، وكان قوى الحافظة سديد الذاكرة، حسن المحاضرة، سريع الفهم، ذكي القلب، واسع الذهن، جيد التلقي، وكان اغلب ما يحفظ من الشعر ما كان فيه حماسة، أو حكمة، وموعظة، لما جبل عليه من شرف النفس، وعلو الهمة، وكان يحب الخيل حباً جماً، ويقتني جيادها، ويعلم ممدوحها، ومذمومها، وأدوائها، كثير المطالعة لما ألف في شؤونها من الكتب، وربما أنتقد بعض كلام المصنفين فيها، ألوفاً للعرب وعوائدهم، يتمنى السكنى معهم في البوادي ويطربه قول القائل: وما العيش إلا الضب يجرشه الفتى ... وورد بمستن اليرابيع أكدر هذا ما كان عليه من الأخلاق العظيمة، والسجايا العالية، من التواضع، ولين الجانب لكل واحد، وعدم التطاول على عباد الله والأرزاء بهم،
وإكرام الضيوف، ومزيد الكرم والإحسان، بما عز وهان، وكأنه المعنى بقول القائل: تعود بسط الكف حتى لو إنه ... دعاه لقبض لم تطعه أنامله لا يحب إيذاء أحد بقولٍ ولا بفعل، ولا يستخف بمخلوق من مخلوقات الله، ولا يغتاب أحداً، ولا يحب إن يذكر في مجلسه أحد بسوء فإذا تكلم أحد جلسائه في هذا الباب بادره بقول القائل: إذا أنت عبت الناس عابوا واكثروا ... عليك وابدوا منك ما كان يستر وكان ذا سكون ووقار، قليل الكلام، كثير الحياء والأدب، حليما، سليم القلب، فسيح الصدر، كثير الصبر على الأذى، متوكلا في كل شؤونه على الله، لا يشكو حاله لاحد، ولا يحزن مما أصابه، ولا يفرح بما يسر، وكان إذا اشتد به الضيق أنشد: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعاً وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظن إن لا تفرج والحاصل إن أوصافه كلها غرر، ومزاياه عقود درر، 3 - أيامه - ولم يبلغ من العمر خمس وعشرين سنة إلا وابتلى بغائلة عائلةٍ عظيمة، فاضطر إلى إن يتقلد مناصب الحكومة والسلوك في مسالك طلب المعيشة، فساح كثيراً من البلاد، وإلى القسطنطينية أربع مرات، وإلى الحرمين الشريفين وأدى فريضته، وتقلد قضاء النجف، وكربلاء، والسليمانية، والاحساء، وغير ذلك، فاحبه أهل كل بلد دخله، ولما كان عليه من العفاف، والانتصار للحق، والأخذ يضبع المظلوم، وكل ضارع لخصومة. وبعد عوده
من الإحسان إلى على نفسه أن لا يتقلد منصباً، وإن يترك خدمة الحكومة بالمرة، وعزم على الإقامة في بلده بغداد، وإن يشتغل بالحرث، ويتعيش بما يرزقه الله من الزرع والضرع، فسلك هذا المسلك عدة سنيين فلم ينجح ولم يظفر بمقصده لفقد الأمن والأمانة من بوادي العراق حتى أثقلت كاهله الديون وضيقت عليه المحن والشجون فأنتخب لرئاسة بلدية بغداد فتقلدها نحو سنتين ثم لما لم يجر على ما يهواه أمراء ذلك العصر أنتخب غيره لهذه الرئاسة وبعد مدة يسيرة سعى فيه بعض الحسدة من منافقي بغداد إلى واليها فزور عليه بما أوجب تغريبه إلى الديار البعيدة ظلما وعدواناً. فلما وصل هو ومن معه إلى الموصل تبين للسلطان السابق تزوير ما اسنده إليه أهل النفاق فأمر بإعادته إلى وطنه وهو على خلاف ما إعتاده من إصراره على الظلم فعاد قرير العين مسرور الخاطر. وكانت مدة الذهاب والإياب نحو مدة شهرين بعد إن رأى من حفاوة أهل كل بلد مر عليه واحتفالهم به ما لم يره غيره، لا سيما ما رآه من اماجد الموصل. 4 - أفول شمسه - ثم إنه بقي مدة في وطنه يكتسب بالزرع فلم تنجح أيضاً، فاضطر إلى السفر إلى دار السلطنة بعيد الإنقلاب، فكلف بنيابة لواء السليمانية مرة ثانية فتقلد قضائها وعاد إليها ففرح به أهلها وابتهجوا به لما رأوا من حسن سيرته في المرة الأولى. وبقي فيها ما يزيد على سنتين
هو الموت
والكل لفعله شاكرون، حتى آتاه اليقين، وأنتقل إلى رحمة رب العالمين، وذلك أيضاً يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي العقدة الحرام سنة 1329هـ - 6ت2 سنة 1911 وبعد يوم ورد خبر نعيه إلى بغداد، وهناك سالت عليه من العيون، عيون، وتصاعدت أنفاس الشجون، وأصاب كل من عرفه مصيبة تفطرت لها القلوب: وزوال ذلك الطود بعد ثباته ... ينبيك إن الراسيات تبيد ولعمري إن الحزن عليه لطويل، والجزع من خطبه على ممر الأيام مقيل، فلذلك قلت في رثائه هذه الأبيات، وإن كانت لا تؤدي حق ما اتصف به من جليل الصفات، معزياً فيها حضرة أستاذي علامة العراق، ومن طبق ذكره الافاق، السيد محمود شكري أفندي الالوسي متع الله الأمة بحياته، وهي: هو الموت على أي أفعال الزمان مسالمة ... وهذي عواديه وهذي جرائمه عظام رزاياه وجم بلاؤه ... وتأتي على قدر العظام عظائمه دهى اليوم أبناء النبي وحيدر ... بخطبٍ به الإسلام هدت دعائمه نعى (ثابت الإسلام) ناعيه غرةً ... فعمت بنى الشرق الكبير مآتمه وأمسى منادي القوم تنبهوا ... فدهركم قومي تنبه نائمه وكان له من ثابت العزم (ثابت) ... يناجزه في حربه ويقاومه يعين عليه خصمه وغريمه ... إذا ما اكفهرت بالخطوب غمائمه وقد كان براً بالمساكين راحماً ... ومن قد بلاه الدهر قد عز راحمه
وقد كان عوناً للضعيف وناصراً ... على الدهر إن أنحت عليه مظالمه وقد كان للإسلام ركناً وجانباً ... منيعاً وأما اليوم فالموت هادمه ولما دعاه الله لبى دعاءه ... وراح وقد راح الفخار ملازمه فأصبح مأمون الحوادث خائفاً ... كمن جاءه موج وقد غاب عاصمه فقل للذي قد عاش منه بنعمة ... تبدل ذاك العيش بالبؤس ناعمة وقل للذي قد كان يأمل جوده ... رويدك إن الجود قد مات حاتمه أيا رائداً للجود أقفر ريعه ... ويا ناشد الإحسان أقوت معالمه ويا قاصد العلياء قد مات فردها ... ويا طالباً العلم غاضت خضارمه فكن حذراً من دهرنا لا تثق به ... فقد راح من قد كنت فيه تقاومه سرى نعشه والعلم يندب خلفه ... عليه ويرثيه من الشرق عالمه ويأسى عليه الدين والفضل والنهى ... ويعوله المعروف إذ هو ناجمه وساءله خل وسر مكاشح ... لئيم أبت حفظ الذمام محارمه بفيك الثرى إن سرك اليوم موته ... فلابد من يوم لشخصك عادمة وما مات من يبقى له الذكر خالداً ... وأعماله في القبر ظلت تنادمه ولولا التأسي بالأولى الغر آله ... وأبنائه لم (يكظم الغيظ كاظمه) هم القوم أبناء (الالوسي) مجدهم ... أثيل رفيع ساميات دعائمه (فشاكرهم) (محمود شكري) (عليهم) ... أئمة هذا العصر يشهد عالمه (بمحمود شكري) إن سطا حادث البلا ... لنا أسوة والموت تسطو صوارمه
هو الفيلسوف العالم الفاضل الذي ... تعظمه من كل حي أعاظمه فتىً سار سير البدر والشمس ذكره ... وهبت كما هب النسيم كرائمه ومن عصرنا شرقاً وغرباً بفضله ... لقد شهدت أعرابه وأعاجمه فلله هاتيك الفضائل ريحها ... تهب خوافيه صباً وقوادمه فتى العلم إن الصبر اجدر بالفتى ... إذا أصبحت جل الرزايا تزاحمه بأبنائه الكرام لك العزا ... وسلواً إذا ما ذكرتك مكارمه (جلال) و (إبراهيم) (عيسى) وغيرهم ... فكل لنيل الفضل قد قام قائمه لعمرك يا فخر العراق وإنه ... ابر يمينٍ للفتى هو قاسمه لأنت خبير بالذي ينتهي له ... مصير الورى في ذي الحياة وعالمه هو الموت حتماً لا محالة نازل ... بنا وعلينا الواحد الفرد حاتمه نعيش غروراً في الحياة وإننا ... جهلنا وراء الموت ماذا نصادمه فلو عقل الإنسان يبكي حياته ... ويرثى لها ما دام في الأرض دائمة وقد رثاه أيضاً الكثير من شعراء العراق 5 - صفاته - وكإن، عليه الرحمة، ربعة من القوم إلى الطول اقرب، اسمر اللون، بهي المنظر، شديد سواد الشعر، حديد النظر، قد وخطه الشيب، شجاعاً، حلو الحديث، لا يمله جليسه. وكان مجلسه غاصاً بأحبابه وأصحابه اكثر الأوقات، وقد أعقب تسعة أبناء وهم: جلال الدين، وحسن، وإبراهيم، وعيسى، ويحيى، وعطاء الله،
نقد طبع كتاب طبقات الأمم
وموسى، وسيف الدين، وعبد الرزاق، وكلهم يشتغلون بالعلم، سالكون مسلك والدهم، وبالجملة: هو كما قال القائل: صفاته لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها وقد فقده قومه وأضاعه وطنه، رحمه الله رحمة الأبرار، واسكنه الجنة دار القرار. الدجيلي نقد طبع كتاب طبقات الأمم (تلو) وقال في ص754:. . . (وغير ذلك مما ذكره عنهم الوصفي في تاريخه المؤلف في أخبار مصر). وقال في الحاشية: (حك: الوصيفي. ولم نجد ذكراً في التاريخ.) كذا). والمؤلف مشهور بتأليفه واسمه إبراهيم بن وصيف شاه ويقال فيه أيضاً (الوصيفي) لا الوصفي. - وضبط في تلك الصفحة لفظة (البرابي) بتشديد الياء. والأصح بتخفيفه لأنها جمع بربا أو بربى أي بالألف المشالة أو بألف على صورة الباء. - وذكر في تلك الصفحة جمع المرآة بالآلف الممدودة بصورة (المرآي) والأصح (المرائي) وقال في ص755: ومن علمائهم بعده (أي من علماء مصر بعد هرمس) بصناعة العدد (بوقيطوس الاسكندراني). وذكر في الحاشية: (وفي حك (ص98): برقطوس. ولعل الصواب برقلوس.) قلنا نحن: وورد هذا الاسم في كشف الظنون المطبوع
في ديار الإفرنج (6: 50) (بقراطوس الإسكندري). ونظنها الرواية الصحيحة. وورد في النسخة المطبوعة بالآستانة 493: 2 (برطقوس الإسكندري ونظنها مصحفة. وفي رواية: بن طقوس. وفي رواية ثانية لابن القفطي برقطس وكلها مخطوء فيها. 198. . - وجاء في تلك الصفحة ذكر (بيوت الاسكندراني) وليس بين علماء الهندسة من اشتهر بهذا الاسم. وإنما النابغة فيهم هو (ثيون كما هو معروف. - وورد في ذلك الوجه قول المؤلف: (ومن علمائهم ورؤوسهم صاحب الكتب الجليلة في صناعة الكيمياء). قال الناشر في الحاشية: (يظهر إنه سقط اسم العالم الذي أراد الكاتب وصفه.) قلنا: وقد أصاب حضرته. والكلمة التي سقطت هي (اسطانس أو اسطانيس) وباللغة الإفرنجية ويقال أيضاً أو قال في كتاب الفهرست ص353: (ومن الفلاسفة أهل الصناعة. . . اسطانس الرومي من أهل الإسكندرية وله من الكتب على ما ذكر في بعض رسائله ألف كتاب ورسالة، ولكل كتاب ورسالة اسم يسمى بها.) اهـ. وقد ذكره في كشف الظنون 5: 280 من الطبعة الإفرنجية. إلا إن الطبعة الآستانة 2: 344 ذكرته خطأ باسم (أرسطاليس). - وورد في تلك الصفحة: (فيمن جامع) والأصح: (في من جامع). - وقال: (ما يول) والأصح: (ما يولد) بدال في الآخر.
وقال في ص756: (ومن علمائهم بأحكام النجوم وأليس صاحب الكتاب المعروف باليرندج الرومي المؤلف في المواليد). قلنا: أصل لفظ وأليس هو (والني اوفالنس وهو المعروف عند الإفرنج باسم أو وقد ذكره في كشف الظنون 1: 198 باسم وأليس المصري. لكننا لم نهتد إلى حقيقة اسم كتابه (اليرندج أو الزبرج أو البريدج) لقلة ما بيدنا من الكتب الهادية إلى تراجم الرجال. ولو كان بيدنا أسماء مصنفات هذا الرجل لاهتدينا إلى صحة اسم الكتاب المعروف باليرندج. - وقال في تلك الصفحة (فهي متفرقة من جذمين) والأصح: (متفرعة) كما في الحاشية نقلا عن ابن العبري. وورد في ص758: (فلا يزالون في حل ورحال) والأصح (وترحال) لأن لا معنى للرحال هنا. - وقال فيها: فإذا جاء الشتاء واقشرت الأرض ومدت. . .) والأصح: واقشعرت الأرض وعرت براء مشددة بعد العين في كلتا اللفظتين. ومعنى اقشعرت الأرض: اربدت وتقبضت وتجمعت (التاج) وليس لاقشرت هذا المعنى، ومعنى عرت ذهب خصبها أو قل اتاؤها من عر السنام. وهذا المعنى لا تراه في قرت، إذ معناه بردت فكيف تراه في مدت. - وجاء فيها أيضاً. . . . (يشاركون في بلغتهم مدمنون على أباء الضيم.) قال في الحاشية: وفي الأصل: لا منون (؟) قلنا: والأصح: لابثون أي مقيمون ومحافظون. وأما مدمنون فلا يعدى بعلي، بخلاف لابثون. هذا
فضلا عن إن تصوير الكلمة لا يوافق وضع كلمة (مدمنون) هنا. وقال في ص759: (وفي ذلك يقول خزيمة بن الاشيم؟.) وحسناً فعل بوضعه علامة الاستفهام وراء اسم هذا الشاعر، والأصح: (جريبة بن الاشيم) وقد جاء ذكره ومقاطيع من شعره في كتاب الحماسة 2: 139 من الطبيعة المصرية. وقد جاء ذكره أيضاً مع أيراد الأبيات برواية مختلفة في كتاب البدء للبلخي 2: 144 من الطبعة الباريسية. فلتراجع للمقابلة ولتحقيق المعنى. وجاء في ص760: (فعنه أتى كئير) والأصح: كثير. وورد في ص763: (فاستجاد (أي المأمون) لها (أي لكتب الأعاجم) مهرة التراجمة.) ولا معنى لاستجاد هنا. والأصح: (فاستخار) بخاء منقوطة بعدها ألف ثم راء في الآخر من الخيرة. أي (طلب لها خيرة التراجمة ومهرتهم.) ومن أغلاطهم ما وقع في ص765 في قوله: (جميع علماء عصره (أي المأمون) من أقطار مملكته وأمرهم إن يضعوا مثل تلك الآداب وإن يقيسوا بها الكواكب.) قلنا: لا نفهم كيف تقاس الكواكب بالآداب!!! وإنما تقاس (بالادوات) وهي اللفظة اللازمة هنا. ومن ذلك ما ورد في ص767: (الرد على المنائية) والمشهور عند الفصحاء العرب المنانية بنونين تفصلهما ألف. أو المانوية كما في هذا البيت للمتنبي: وكم لظلام الليل عندي من يدٍ ... تخبران المانوية تكذب.
الشق والشقة والشقيقة
ومن هذه الأوهام ما جاء في ص768 عن الرازي:) وتقلد آراء سخيفة وأنتحل مذاهب سخيفة.) وقد تكررت كلمة سخيفة بدون معنى جديد. والأصح (مذاهب خفيفة) كما وردت في كتاب تاريخ الحكماء ص271 س20. ومن تلك الأغلاط ما جاء في ص768 قال: (ومنهم. . . الفارابي فيلسوف المسلمين بالحقيقة اخذ صناعة المنطق. . . فبذ جميع أهل الإسلام فيها واتى عليهم في التحقيق). قلنا: والصحيح: أربى عليهم في التحقيق أي زادهم وفاقهم في التحقيق. وجاء في تلك الصفحة. (وسمى تأليفه). وضبط الهاء بالكسر والأصح ضبطها بالضم. (له تلو) الشق والشقة والشقيقة سألنا سائل عن احسن لفظة عربية تؤدي المعنى المعقود بناصية الكلمة الإفرنجية نقول: احسن لفظة في هذا المعنى هي كلمة شقة وزان علة: قال البلوى في كتابه ألف باء 274: 1 (قال ثابت رحمه الله في قوله عم: (إنما النساء شقائق الرجال). يقول: هن في شبههن بالرجال كعصاً ارفضت شقتين فكان الرجل شقة والمرأة شقة. اهـ كلامه. وقال البلوى قبل ذلك: (الشقائق جمع شقة ويجمع على شقق) إلا إن أصحاب الدواوين اللغوية لم يذكروا الشقة مجموعة على شقائق يل على شقق لأن فعلة بالكسر لا تجمع على فعائل. قلت: إن جمع فعلة بالحركات الثلاث على فعائل مطرد في باب التضعيف. قاله
أتجوز الكتابة باللغة العامية
الأزهري في التهذيب. ومثله حقة وحقائق، غرة وغرائر، ضرة وضرائر، حرة وحرائر كنة وكنائن شدة وشدائد، حمة وحمائم، شبة وشبائب، إلى آخر ما هناك من الأمثال. ومن اغرب الأمور تناسب وتشابه لفظه الإفرنجية لكلمة شقة العربية مبنيً ومعنىً ومثل الشقة: الشق بالكسر والشقيقة. - وأما المحدثون فقد عربوا اللفظة الإفرنجية المذكورة بكلمة (جنس) فيقولون جنس الإناث وجنس الذكور. والحال إن الجنس يقابله بالإفرنجية ولهذا وجب التمييز لا من اللبس. فحفظ ذلك تصب إن شاء الله. أتجوز الكتابة باللغة العامية لقد قامت اغلب الجرائد والمجلات، وكتبت الفصول الطوال، وأرصدت عواميد عديدة من صفحاتها، لتتلافى بها الخطر المحدق باللغة العربية من كل حدب وصوب. وقد نطقت كل صحيفة من هذه الصحف بما يخطر لها وعن، وأوجبت التمسك به حسب ظنها. فبعضها قالت: يلزم إن نستأصل شافة الكلمة العامية والدخيلة ونستعمل عوضها كلمات لغوية فصيحة. وفي نظري إن في الوقت الحاضر، من رابع المستحيلات لأنه كيف يتأتى لشخصٍ إن يترك تلك الكلمات والعبارات بعد إن رضعها مع الحليب وكادت تكون بعضاً من لحمه وعظماً من عظامه. وقالت غيرها: إنه من اللازم اللازب إدخال الاصطلاحات العلمية
الحديثة العهد بالوضع في العربية لافتقارها اليها، لإنه لا يوجد اليوم في اللغة الفصحى كلمات تقوم مقامها، لاسيما في هذا العصر عصر الاكتشافات والاختراعات وركوب أجنحة الخيال من الأفكار. وهذا كلام يصدق في أمور ولا يصدق في غيرها. وقالت أخرى: إذا أراد علماء العربية اليوم وضع ألفاظ حديثة ففي وسعهم إن يشتقوا كلمات مأنوسة الوضع يتخذونها من نفس لغتنا ويصطلحوا اصطلاحات علمية لم يسبقهم إليها القدماء لخلو عصرهم من وجودها. فإذا قعدوا (لا سمح الله) عن إتمام هذا الغرض المقدس والواجب الذي لابد منه، فعار عليهم ونقص على لغتنا الشريفة التي نحسبها أوسع اللغات وأفصحها، ونفاخر بها الاعاجم، إن تعجز عن مباراة لغات أوربا في هذا المضمار. (فكر حسن ونافع جدا لو عمل به اليوم علماء اللغة النحارير). وقالت أخرى: يجب إن تجمع الكلمات العامية وتدون في معاجم اللغة وكتبها وتحسب كجزءٍ منها. ذلك في نظري وفي نظر غيري أيضاً مما يقضي على فصيح اللغة بالتلاشي، ويشوه رونقها، ويعدم جمالها، هذا فضلا عما هناك من العقبات التي ليست بالحسبان. منها: إذا كان المقصود تدوين كلمات بغداد العامية والدخيلة فقط لكان الأمر سهلاً. لكن كيف العمل والمراد كتابة كلمات جميع أقطار البلاد العربية العامية كمصر وبيروت وحلب والشام وبلاد اليمن والحجاز ونجد وما يجاورها من القرى والدساكر. فإن ذلك ما يلزم جميع أبناء العرب بأن
يبدءوا بلغتهم ويتعلموها من جديد، لأن الكلمات العامية تختلف باختلاف الأماكن والبلاد. وعدا هذه الصعوبات والعراقيل، هناك أمر لا يرضاه كل من كان محباً لوطنه وقومه لغته، وهو إلحاق الضرر بلغة فصيحة تقتل بدون جريرة، لخير أحياء لغية لا تقوم بجميع ما قامت به أختها البكر، ومن ثم: فعلى العربية الفصحى السلام، لأننا نطفئ إذ ذاك نورها السني بايدينا، وتنقلب لغة الكتاب عامية محضة. والحاصل كل من الجرائد والمجلات تقريباً ارتأت رأياً وأشارت إلى أمرٍ أوجبت التمسك به والتعلق باذياله، امر لو حققناه لما وجدنا لذلك سبيلا، لاختلاف الآراء، تشعب الطرق، ووعرة المسالك، هذا فضلا عن العراقيل والموانع التي تعترضنا. ولكني اسمع من الآن قائلا يقول: إذا كنا لا نلتفت إلى كلام هذه الجريدة، ولا نحفل بقول تلك الصحيفة، فكيف العمل، يا رعاك الله، ونحن في موقف حرج؟ أجيب قائلا: لي فكر أبديه اليوم لعلماء اللغة وأربابها فإن وافق العقل والصواب، فليحلوا محله، ويعملوا به، وإلا فليضربوا به عرض الحائط. وهذا الرأي هو: إن يجمعوا كلمات البلاد العربية العامية والدخيلة، وينتقوا منها ما هو قريب من اللغة الفصحى والتفاهم به بين الأمصار العربية، ويدخلوها في اللغة ويحسبوها كجزء منها لأن خير الأمور أوسطها. وأما الكلمات التي هي عامية ودخيلة فلينبذوها نبذ النواة وعسى إن يروق ذلك في أعين أدبائنا، ويتلقوه بالقبول والاستحسان، ولو
كان صادراً من فكر رجل خامل الذكر، وليس له اسم في عالم الأدب. فن الأمر غير بعيد عن همتهم لو أرادوا. ثم إذا تساهل علماء العربية اليوم وعملوا بما أشرت إليه، فإنهم يخدمون اللغة والبلاد خدمة تذكر فتشكر، ولا يمضي زمان إلا وترى جميع من يطالع الجرائد والمجلات والكتب من العوام يفهم ما يقرا، وحينئذ تصبح لغته الدارجة ولغة الكتب واحدة كبعض اللغات الحية اليوم. لكن بما إن هذا الفكر ربما لا يوافق الجميع، ونحن في حاجة ماسة إلى سد هذا الثغر، وإصلاح هذا الخلل، فقد رأيت منذ بضعة أشهر إن اجمع كلمات بغداد العامية والدخيلة، وأنقب عن اصلها، واضع لها ما يرادفها من الكلمات الفصيحة. وقد جمعت منها الآن ما ينيف على ألف وخمسمائة كلمة أنشرها تباعاً على صفحات مجلة لغة العرب الغراء. واسلك مع عوامنا إن شاء الله سلوك الطبيب الحاذق مع مريضه وعلى الله الاتكال. هذا رجائي الوطيد من لغويينا الكرام إن ينتقدوا كل لفظة عامية أم دخيلة إذا ظهرت لهم غير صحيحة، سواءً كان في الأصل أو المعنى. فإذا فعلوا ما نوهت به، وما أخالهم إلا فاعليه، خدموا اللغة العربية اجل خدمة وأخص منهم بالذكر نارسيسيان أفندي ترجمان قنصل إنكلترا العظمى الذي ارصد نفسه لدرس اللغات القديمة والحديثة، وعسى إن يصادف رجائي قبولا عند ذوي الاطلاع على مكونات اللغة العربية وغيرها من اللغات، بمنة تعالى. رزوق عيسى
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره حبس شيخي عشيرة الفتلة حبس شيخا عشيرة الفتلة مزهر الفرعون وأخوه مبدر ومعهما سبعة من رؤساء وأشراف هذه العشيرة لاتهامهم بحادثة الديوانية أو الجعارة. وقد أودعوا جميعهم سجن المشخاب. ثم نقلوا إلى سجن بغداد. مدرسة الألمان في بغداد فتح الألمان منذ سنتين مدرسة في بغداد وكان محلها بجوار مدرسة الكرملين في دار آل ابكيان. وفي غرة هذه السنة المدرسية (أي أوائل ت1) نقلوها إلى دار أوسع في محلة رأس القرية في زقاق التكية الخالدية مع توسيع خطة علومها وآدابها. ويكون إلقاء الدروس فيها باللغة الألمانية. ومن اللغات التي تعلم بها العربية والتركية والفرنسية. وقد أفردت حلقة للشبان ليتلقوا اللغة الألمانية في وقت هو غير وقت التدريس، ليسهل عليهم التردد إلى اخذ اللغة المذكورة من الأستاذ المخصص بهم. مكتب أهلي في الهويدر لما رأى سراة الهويدر (وهي قرية من قرى بغداد) إن لا مندوحة اليوم عن الاكتحال بنور العلم، سعوا في إنشاء مكتب أهلي لتخريج أولادهم في الأدب والعرفان، وكان مجموع ما تبرع به أولو الفضل والحمية 7715 قرشاً صاغاً إعانة فتح المكتب. والأمل إن لا يقف معين
العطاء عند هذا القدر. والله لا يضيع فضل المحسنين. عود أشقياء الأعراب إلى العيث عادت عشيرة ابن هذال، أي عشيرة الصقور، إلى العيث والفساد وقطع طرق العباد، ونهب أموال التجار. وتعقبوا المسافرين إلى إنحاء الشام فسرقوا من بعضهم 222 بعيراً وحصاناً ونحو 400 ليرة وعروضاً وبضائع وقد اخلدوا إلى الفرار. وممن نزع إلى هذا العيث عشيرة السويلمات وشيخها ابن مجلاد فإنها أغارت على عشيرة ابن خالد بنواحي حمص وأخذت زهاء 300 بعير. وأغارت فرقة أخرى منها على عشيرة العقيدات واستاقت منها عدة قطعان من الغنم وهؤلاء ينزلون ربوع كربلاء. فعسى إن تسعى الحكومة إلى كبح جماحهم. وردع قبائحهم. تشييد دار المعلمين عند الساعة العاشرة عربية من نهار الجمعة 8 كانون الأول، احتفل بوضع الحجر الأول لدار المعلمين في بغداد وذلك بحضور وإلى الولاية وآمر الفيلق والرؤساء الروحانيين والدنيويين من جميع الملل والطوائف وكان يوماً مشهوداً. وقد ورد من مجلس المعارف في الآستانة مبلغ مائة ألف قرش لتنفق على تعميرها. وقد خصص لبنائها بأسرها 10، 600 ليرة. حقق الله الأماني. مبالغ للمدارس ورد من الآستانة مبلغ 35 ألف غرش لتنفق في سبيل إعلاء شأن الطلبة المتعلمين في المكتب الإعدادي الملكي الداخلي.
تعاضد الأعراب للدفاع عن حمى الوطن كتب الشيخ سلمان المنشد والشيخ شواي الفهد من رؤساء العشيرة الازيرق (الازيرج) المقيمين في لواء العمارة إلى أصحاب الحل والعقد كتابا يقدمان فيه نفسيهما ونفوس عشائرهما وكل أموالهما وأموالهم ذبا عن حياض الوطن وفدى عنه. وكذلك فعل رؤساء البو محمد النازلين في العمارة ونواحيها. تضرر النخل هذه السنة في العراق كانت شتوة هذه السنة شديدة الوطأة في العراق ولهذا جاء إناء النخل قليلاً. وكان هذه البلية لم تكف لديارنا ونخلنا فأصابتنا مصيبة أخرى وهي: إن الصيفة لم تكن شديدة الحر فاضطر ضمانوا النخل إن يبقوا التمر على أشجاره مدة أطول من سائر السنين، وإذ بأمطار غزيرة وافتنا قبل أوانها من العفونة، وفي بعضها نوعاً من الحموضة، أحدثت خسارة للضمانين. وقد قيل إن مبلغ الخسارة في العراق كله ألف ليرة. عوض الله عنها بربح في السنة المقبلة. مصالحة العشيرتين عشيرة بنى لام وعشيرة البودارج وقع نزاع بين هاتين العشيرتين فصمم رؤساء عشيرة الازيرق (الازيرج) الانتصار للواحدة على الأخرى، وكادت تكون الفتنة كبيرة لولا وطنينا الغيور جميل صدقي أفندي مدير المجر الصغير الذي أطفأ جذوتها بمهارته العجيبة وكتب رسالة إلى الشيخ شواي الفهد
والشيخ سلمان المنشد والشيخ زيارة المحيي (الذين كانوا قد صمموا على نصرة السواعد النازلين في مقاطعة (الكميت) ردعاً للشيخ خطاب الحسين رئيس عشيرة البودارج) ليحضهم على الوئام والوفاق فنجح في سعيه كل النجاح، وفقه الله إلى كل خير. وفاة الشيخ محمد اليماني ليلة الاثنين الثالث عشر من شهر ت2 أنتقل إلى دار القرار الشيخ محمد اليماني عن عمر يناهز التسعين، وكانت وفاته في جامع الإمام أبي حنيفة. وكان من المشتغلين بالعلم والمطالعة وتوخى القربات. عوض الله لأولاده عن فقده وسلاهم تسلية توفقهم إلى اكتساب الصبر الجميل. مدرسة الأعظمية العالية يعز علينا إن نرى ديار العراق لا تسير السير الحثيث في طريق الرقى والنور كسائر ديار الله في هذا العصر: - كان بعض منوري قصبة الاعظمية (وفي مقدمتهم الشيخ الأجل السيد نعمان أفندي الاعظمي صاحب مجلة تنوير الأفكار) سعوا كل السعي في إعادة مدرسة الاعظمية إلى سابق مجدها وسامقه، فأجابت الحكومة العثمانية سؤالهم لعلمها ما ينجم من الفوائد الجمة عن هذا العمل، وأصدرت أمراً بتشييد كلية تفي بالمطلوب، وعينت مبلغاً طائلا لهذه الغاية مع وجوب إدخال جميع العلوم العصرية في خطة التدريس (أي بروغرامه). فلما سمع بذلك أهل الغايات وأصحاب الأغراض الدنيئة الذين هم خفافيش العلم
ووطاويطه وأعداء النور والعمران والوطن اخذوا يفتلون في الذروة والغارب حتى بناية المدرسة إلى يومنا هذا، بل ربما إلى يوم النشر والحشر وعلى هذا الوجه تضرر الطلبة اشد التضرر من سوء تصرف بعض أهل النزغات نزغات هي شيطانية ليس إلا. . . فإلى متى يا قوم هذا التخاذل؟ وإلى متى هذه الكراهية كراعية النور والتمتع بأشعته المنعشة؟ لكن: شر الجهالة ما كنت على كبر ... تسود الشيب مثل الحبر في الورق وايسر الجهل ما يرتد صاحبه ... عنه كمن هب منتاشاً من الغرق وهل يجهل هؤلاء الأعداء أعداء الإنسانية والألفة والوطن ما قال الشاعر: إذا رمت يوماً أن تميت قبيلةً، ... فبث بها روح التعصب والجهل وهل أطفأ الأنوار واستعبد الورى ... سوى الجهل أن الجهل مجلبة الخذل جماعة من أكابر إيران في بغداد منذ أوائل الشهر الحالي اخذ بعض أكابر إيران يفدون إلى بغداد ومنهم: (الأمير الأفخم) وهو الذي كان حاكماً على همذان وهو الذي طلب من حكومته بلسان البرق في عهد ولايته 15 ألف تومان ولما حصل على المبلغ لحق سالار الدولة، وهو صاحب (أزار اللؤلؤ) الذي نهب من داره حين فراره من همذان إلى العراق. وقد رأى هذا الأزرار يباع في سوق بغداد بيد أحد اليهود بقيمة بخسة فلم يسترجعه الأمير استنكافاً منه. وقد قدم معه ابناه (احتشام الدولة، وحسام ولاة الملك).
وهم يقيمون اليوم في قضاء الكاظمية مع ستين شخصاً من حاشيتهم ومن القادمين (عضد السلطان) وهو أخو الشاه المخلوع محمد علي شاه وكان حاكماً على كرمنشاه من قبل أخيه سالار الدولة، وقد نزل ضيفاً على الشابندر أو الفضيلة الإيرانية. ومن بعد زيارة قبور الأئمة يرجع إلى إيران ما يقال. ومن الوافدين إلى الزوراء أيضاً (الخطيب السيد اكبر شاه) وهو من اعظم أعوان (سالار الدولة) والذي احدث الأحداث في كرمنشاه فصارت سبباً لدخول سالار فيها. ومن بعد أن نزعتها الدولة من يده التجأ إلى القنصلية الروسية ثم فر إلى هذه الديار. وهناك غير هؤلاء مما يطول ذكره. السيد هبة الدين الشهرستاني صاحب مجلة العلم نشر حضرة السيد رسالة في تحريم نقل (بعض) الجنائز ولاسيما الجنائز التي يتضرر منها الناس لما صارت إليه من الفساد والانحلال، فسبب نشر هذه الرسالة بين القوم حزبين: حزب انتصر لحضرة السيد الأستاذ وحزب قام عليه معادياً له. والذي شاهدناه أن الغلبة هي إلى اليوم بجانب صاحب مجلة العلم. ونحن نتمنى أن يزول روح الخلاف والشقاق بين الوطنيين وان يهتموا بما يعود فيه خير العموم. إذ هذه الأحوال المضطربة مما تحط بشأنهم. مكتب الإناث الإسرائيليات في بغداد نهار الثلاثاء 14 ت2 جرت حفلة افتتاح هذه المدرسة بحضور
والي الولاية احمد جمال بك واغلب موظفي العسكرية والملكية والوجهاء. وقد قضى البناءون أربع سنوات في تشييد هذا المعهد الحسن البناء وصرف عليه بانيه واحداً وعشرين ألف ليرة عثمانية وهذا المحسن العظيم هو العازار خضوري أفندي وقد جعل البناء على اسم قرينته (لورا) فعسى أن تكون هذه المدرسة سبب ترقٍ للإسرائيليات. قتل وسرقة في خان المخزوم دخل جماعة من السفلة ليلة السبت 25 تشرين 2 خان المخزوم الواقع في السوق الكبيرة وبعد أن خنقوا الحارس سرقوا شيئاً غير زهيد من حلى ومصوغات من دكان الصائغ شاول يونة اليهودي. وقد شاع أن هذه الفعلة المنكرة قد دبرت برأي (وضحاء) زوجة المقتول المطلقة. وكان قد راجعها قبل يوم. اعتذار كثرت المواضيع في هذا الشهر فأصدرنا المجلة في ثلاث ملازم ولم نستوف الأبحاث حقها والأبواب قرعها. فنمتاح القراء عذراً والعفو من شيم الكرام.
العدد 7
العدد 7 - بتاريخ: 01 - 01 - 1912 هيت ومعادنها 1 - (تمهيد البحث ونظرة عامة في هبة العراق من سبات الغفلة) مما يستدل به العارفون على نهضة الأمة من رقادها: وجود حركة فكرية تدفع بعض الأفراد إلى البحث عن طريق الحياة المؤدية إلى سعادتها الحقيقية المتوجهة إليها، سواء كان ذلك البحث والتنقيب نشدا لاستمداد حياتها من الخارج، كتقليد أمة أخرى في أعمالها الجليلة، ومآثرها الخطيرة واكتساب ما عندها من العلوم والفنون، - وسواء كان ذلك البحث طلباً لآثار هذه الأمة نفسها وتاريخ آباءها وأجدادها السابقين، الذين خلدوا ذكرهم بما وصلوا
إليه من الوقوف على أسرار الكون، وهتك أستارها، وقوف يدل على ما كان لهم من اليد الطولي في العلم والعمل. - اجل: انك أن رأيت هذا كله فاعلم رعاك الله، أن الحياة تجري في روق تلك الأمة وان تلك الحياة هي حياة مادية وأدبية وعلمية معاً. وغير خفي على قراء (لغة العرب) أن العراق هو مهبط الأمم الكبيرة، ومنبع العلوم الغزيرة، في سالف القرون الغابرة، والعصور الدابرة، ففي العراق كان بناة القصور الشاهقة، ومشيدو الصروح السامقة؛ في العراق كان أصحاب الحدائق المعلقة، والجنان ذوات الأشجار الباسقة؛ في العراق كان سباق الأقوام إلى العلوم المتنوعة؛ في العراق نشأ حملة الأقلام الرائعة؛ في العراق ظهر اعظم الرجال وأشهر الملوك؛ في العراق بدا أولوا العزائم والأعمال وخيرة أهل السلوك. كيف لا وقد كان في هذه الديار من الملوك من إذا سمعنا التاريخ يروى لنا أعمالهم، ويورد على أسماعنا أخبارهم وسيرهم، نقول: أن هذه إلا حديث خرافة أو من أساطير وأقاصيص الأولين، أذلا تعن ليال، ولا يخطر على الأفكار منها خيال. ومع ذلك فإننا إن أوغلنا في البحث عن حقيقتها، لا نصدر عن مواردها أو مشارعها إلا رواء، بل ومتضلعين منها. ثم إننا لو فتشنا عن هذه الأخبار والأعمال تفتيش متتبع الحقائق ومتوخيها، وتحدينا ما فيها من العبر المعجزات، والأنباء البينات،
لعدنا وبيدنا من حقائق التاريخ الصادقة، وأستار أسرار الحياة المتفتقة، ما يغنينا عن مد يد العوز إلى الغرب، أو عن طرقه هذا الطرق الملحف، ولصدرنا عنها وصدورنا مفعمة علماً وخبراً وخبراً، وجيوبنا مملوءة لجيناً بل نضاراً لا بل درراً. هذا وأني لا أريد أن اذكر هنا شيئاً قد أثبته التاريخ إثبات الشمس في رائعة النهار، وقد علمه الخاص والعام بل الكبار والصغار، واجمع عليه علماء الاجتماع، وفحول الباحثين في جميع الاصقاع، بل الذي أريد أن اسطره على صفحات (لغة العرب) من حين إلى حين آخر هو ما اعلمه عن بلادي وآثارها ومعادنها وما فيها من المرافق والخيرات، مما علمته بنفسي، أو نقبت عنه بذاتي ومما خفي أو يخفى على كثيرين من القراء، أو مما كنت أجهله فأحفيت في نشد ضالتي حتى توصلت إليها بوسائل شتى ووسائط متنوعة. ذلك ليثبت لدى العالم اجمع مزية هذه البلاد الطيبة وفضلها على سواها، وليعلم الطامعون في ديارنا أن فيها رجالاً يذيقونهم الأمرين، قبل أن تدنسها أيديهم بالإشارة إليها، وان فيها اسوداً يصدونهم عن هجماتهم، ويقفون سداً حصيناً دون أطماعهم. ويمنعونهم عن الانتفاع بمرافق ديارهم وربوعهم، - بل ليعلموا أن وصية أولئك الأباء الاماجد مغروسة في نفوس الأبناء الأباة، وان الزمان يظهرها عن قريب. على أن القول لا يفيد إذا كان مجمل التعبير، فلهذا أردنا أن نبين
اليوم غنى إحدى بلداننا وثروتها الطبيعية، وما قد أودعته أحشاؤها من الكنوز المدفونة وهي بلدة (هيت) فأقول: 2 - موقع هيت وحدودها هيت من مدن العراق الواقعة على ضفة الفرات اليمنى، وهي اليوم (ناحية) تابعة لقضاء الرمادي التابع لولاية بغداد. - يحدها من الشمال (بغداد)، ومن الجنوب (قلعة الرمادي)، ومن الشرق (وادي الفرات)، ومن الغرب (وادي الأسد). - وهي تبعد 160 كيلو مترا عن بغداد في الدرجة 40 والدقيقة 32 طولا من الشرق وفي الدرجة 33 والدقيقة 38 عرضا من الشمال. 3 - اسمها ذهب لغويونا مذاهب شتى في اسم هذه البلدة ومعانيه. قال ياقوت في معجمه: هيت بالكسر، وآخره تاء، مثناة. قال ابن السكيت: سميت هيت هيت، لأنها في هوة من الأرض. انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. قال رؤية: في ظلمات تحتهن هيت أي هوة من الأرض، وقال أبو بكر: سميت هيت لأنها في هوة من الأرض. والأصل فيها: (هوت) فصارت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها. وهذا مذهب أهل اللغة والنحو. (قلنا: ويرد هذا: أن الذين وضعوا اسم هيت لم يكونوا من العرب حتى تؤول هذه اللفظة جريا على أصول اللغة العربية، بل كانوا من الأعاجم
4 - ذكرها في التاريخ القديم
الأقدمين) وذكر أهل الأثر: إنها سميت باسم بأنها وهو: هيت بن السنيدي ويقال: البلندي، بن مالك بن دعر بن بويب بن عنقا بن مدين بن إبراهيم عم. (قلنا: ولم نجد إلى اليوم في التاريخ ذكر هذا الباني، فلعل الآثار التي هي مدفونة اليوم تبوح لنا باسمه وبعصره في العصور المقبلة!!!) وأما الحقيقة. فهي أن اسم هيت القديم هو (ايس فقلب العرب الهمزة هاء على لغة لهم كما قالوا في أراق: هراق وفي النأي: النهي، وفي هنئت ولا تنكأ: هنئت ولا تنكه. وجعلوا السين التطرفة تاء جريا على لغة ثانية لهم يسمونها الوتم كما قالوا في الناس: النات. وفي المسلئب: المتلئب وفي السوس (أي الأصل): التوس، وقد سماها الأقدمون أيضاً (ايوبوليس ومعناها (مدينة أيا) بتشديد الياء. و (أيا) من معبوداتهم. ويحتمل أن تكون (ايس) مقصورة من (ايوبوايس). 4 - ذكرها في التاريخ القديم هيت من المدن القديمة وقد كانت عصر الكلدانيين والآشوريين، ولعلها كانت قبلهم بكثير، وكان البابليون يجلبون منها القار. قال هيرودوتس المؤرخ الشهير: (على مسافة ثمانية أيام من بابل مدينة (ايس) وهي راكبة جدولاً اسمه كاسمها، ويدفع مياهه في الفرات، وتجر مياهه شيئاً كثيراً من القير، ومنه جمعوا ما احتاجوا إليه لبناء
أسوار المدينة) فهذه الكلمات الوجيزة تفيدنا فائدة عظمى وهي: أن البابليين لما بنوا أسوار مدينتهم بنوها بالقير، لعلمهم أن المياه التي تكثر في سقي الفراتين تدأب في العبث بالأبنية بل وبأسسها فتنقضها وتلاشيها، ولهذا اتخذوا القير لكي لا يعمل الماء فيها. وهذا النص يدلنا أيضاً على أن البابليين كانوا يجمعون القار من على وجه الفرات الذي كان يشق مدينتهم، وما كانوا أبداً يتكلفون عناء في نقله أو جلبه كما هو الأمر في هذا العهد. لان في ذلك الزمن كان يوجد جدول أو نهر اسمه (هيت) يدفع مياهه في الفرات وكان القير مخلوطاً بمائه. وأما اليوم فان ذاك الجدول قد دفن ولم يبق له اثر، ولهذا لم يعد يأتي القير محمولاً على ظهر الفرات كما كان يأتي سابقاً، لان عيون القارة بعيدة اليوم عنه. 5 - سكانها يبلغ اليوم عدد سكان هيت خمسة آلاف نسمة من العرب والأعراب المختلفي النسب، فالقسم الكبير منهم يرجع أصلهم إلى الدليم (مصغرة) والقسم الآخر ينتمي إلى سادات قريش، وفيه من ينتسب إلى عشيرة عقيل، وما بقى خليط من الأقوام الغريبة المستعربة إلا انه تضمهم جامعة واحدة هي جامعة الكرم وحسن الأخلاق والأقدام والثبات والآباء. ولا بدع في ذلك فانهم من سلالة أولئك الأجواد الأمجاد (العرب) الذين يفتخر التاريخ ذكرهم. إبراهيم حلمي: من طلبة المكتب الإعدادي الملكي.
المنحوت العامي واللفظ الدخيل في لغة بغداد
المنحوت العامي واللفظ الدخيل في لغة بغداد كانت الألفاظ العامية جلها، ألم اقل كلها، فصيحة صحيحة في عصر من العصور، ثم طرأ عليها ما طرأ على موجودات الكون من زيادة ونقصان، وإبدالٍ وتغيير، وتقديم وتأخير، وتصحيف وتحريف، وقلب وحذف، ونقل ونحت، وما شاكل ذلك شيء كثير مالا يقع تحت الحصر والعد، حتى اصبح الخوض في هذا البحث من اصعب المباحث اللغوية، لما يقتضي له من الدقة النظر وأعمال الروية. ولما كان الجزء الأوفر والأعظم من لغتنا العامية مركباً من كلمات منحوتة ومقلوبة ومحرفة ومصحفة الخ فلا أرى بداً من التلميح والإشارة إلى بعضها لخطورتها وعلاقتها الكلية في موضع كتابي (المعجم) الذي امامي، فاقول: النحت إن النحت في العربية هو: عبارة عن جعل كلمتين كلمةً واحدةً وذلك يضم بعض حروف إحداهما إلى بعض حروف الأخرى في الألفاظ التي يكثر استعمالهم لها. وقد ورد على السنة عوامنا شيء كثير، من ذلك قولهم: (اشبيك) في أي شيء بك، (ومنو) في من هو، (وشنو) في أي شيء هو، (ومحد) في ما أحد، (واشعبالك) في أي شيء عرا بالك، أو أي شيء على بالك، (واشجالك) في أي شيء جاء لك، (ولحد) في لا أحد، (واشكان) في أي شيء كان، (ويابا) في يااباه، (ويما) في يا أماه، (وبشبيا) في بي شيء بها،
(واشبيها) في أي شيء بها، (وليش) في لاي شيء، (وبيش) في بأي شيء، وقس عليها. وقد جاء أيضاً مثل ذلك في كلام أسلافنا في لا حول ولا قوة إلا بالله. أما النحت في اللغات الأوربية فعلى نوعين: أحدهما كما في العربية لا يفرق عنها بشيء، ومصداقاً لقولي خذ الإنكليزية مثلاً، تر شيئاً كثيراً مما ذكرت، فان أهلها يقولون في وفي في في في وهكذا قل عن الافرنسية والألمانية والإيطالية والنمسوية والأسبانية الخ أما النوع الثاني، فيختلف عن الأول اختلافاً لا مثيل له في العربية الفصحى، ولاسيما في أول عهدها، ولا أظن انه يوجد منها كلمة واحدة في لغتنا، اللهم إلا بعد زمان العباسيين، حينما أخذت اللغة العربية تنحط انحطاطاً بيناً، وابتدأت عقارب الفساد والركاكة تدب في جسمها، وسرت إلى شرايينها وأعماق قلبها، وهذا النوع يسمى بالإنكليزية وبالفرنسوية أيضاً وسميناه في العربية باللفظ الهجين.
إن لفظة مركبة من كلمتين وهما: اللاتينية أي سبب وجيه الإنكليزية، أي، بلا، فيكون معنى اللفظتين: (بلا سبب أو داعٍ). ولفظة من الإنكليزية أي أكل، اللاتينية أي صالح، فيكون معناهما (صالحاً للأكل) من اليونانية، أو الفرساوية، أي رد ودفع، اللاتينية أي شمس، فيكون المعنى من تركيبهما رادة الشمس أي مظلة أو شمسية، وقس على ذلك كثيراً من الكلمات وقد ورد شيء على هذا النحو في العربية ولكنه قليل جداً بالنسبة إلى اللغات الأوربية، من ذلك قولنا: (شمعدان) فان لفظة شمعة عربية ودان أداة تلحق الأسماء الفارسية فتفيد الظرفية. وهكذا قل سكردان، وبخوردان، وما كان من هذا الباب مثل كلمة شاه بلوط من شاه الفارسية أي ملك أو كبير وبلوط العربية بمعناها المشهور، وعلمدار، وتحصيلدار، وسلاحدار؛ وقلمدان، وبيرقدار، وسردار، وبازيدار، وخبردار، وباش كاتب، ودفتردار، وهذه اللفظة الأخيرة يونانية وفارسية، وقد جاء مثل ذلك على لسان العوام كقولهم: خدمتكار وبعضهم يقول خزمتكار (أي خادم)،
وعقلسز (جاهل)، وبيذمام والبض يقول بيذمان (أي بدون ذمام أو بدون وفاء)، وبداصل أو اصلسز (أي بدون شرف أو اصل كريم)، وبيذات (سيئ الذات)، وبيكار (أي بلا عمل) الخ. أما القلب فهو عبارة تقديم بعض حروف الكلمة على بعضها أو تأخيرها على أخواتها، نحو: خشاف في خفاش، وأجا في جاء ولبق في لقب، وخفس في خسف. وطاف في طفا، وبغبغ في غبغب، وجضع في ضجع، ومعلقة في ملعقة، وكصب في قبض، وهنا قد وقع الإبدال والقلب معاً. فتأمل. وقد ورد من ذلك في اللغة الفصحى شيء كثير، ويعرف بالاشتقاق. وقد قالوا في تعريفه: هو أن تجد بين كلمتين تناسباً في اللفظ والمعنى دون الترتيب، كجذب وجبذ، وذبح وبذح، ويقال له الاشتقاق الكبير؛ وإما إذا كان بينهما تناسب في المخرج والمعنى، كنعق ونهق؛ فيقال له الاشتقاق الأكبر. الإبدال أما الإبدال: فهو أن تقيم بعض الحروف مقام حروف أخرى. كقول العوام: مرد في مرث، وجاسم في قاسم، وعنجاص في انجاص واللية في الالية، والعطر في الإطار، وعنبار في أنبار. ومثل ذلك في العربية الفصحى شيء كثار. الدخيل إنني قد تكلمت في ما تقدم عن الكلام العامي وبينت بوجيز العبارة اصله وفرعه معاً، وأريد الآن أن ابحث عن الدخيل أيضاً بحيث يكون
هذا البحث جامعاً، خالياً من الإسهاب المخل والتقصير الممل. فأقول إن الداعي إلى استعمالنا الألفاظ الأعجمية هو اختلاطنا بالأعاجم ومشاركتنا إياهم في عالم التجارة والصناعة والعلم والأدب، ودرسنا لغاتهم على أنواعها، وتداول كثير من مفرداتها في مخاطباتنا اليومية. وقد عد أحدهم ذلك من أكبر الوسائل وأقوى الذرائع على انتشار الألفاظ الأعجمية بيننا. أما سبب تهافت أقوامنا على إدخال تلك الألفاظ الغريبة لغتنا العربية فهو افتقار هذه اللغة إليها، ولاسيما في الأمور المستحدثة أو المستنبطة في هذه العصور الأخيرة. وبعض الألفاظ ادمج في كلامنا العامي لعدم وفوقنا التام على ألفاظ لغتنا الشريفة. وكثير منها فشا قسراً بين أظهرنا، على انه يوجد في العربية ألفاظ تكفينا مؤونة الاستعارة من غيرها من اللغات الأجنبية، وإنما استعملها كبار حملة الأقلام رغماً عنهم لشيوعها الفاحش بين العوام، ألفاظ التقوطها من أفواه غرباء اللسان وحافظوا عليها محافظتهم على إنسان عينهم، كأنها كنز ثمين لابد من ذخره، حتى انك لو خاطبتهم بغيرها من الألفاظ العربية الفصحى لنظروا إليك شزراً، وأجابوك بكل تهكم واستهزاء وسلقوك بالسنة حداد ظناً منهم انك تضحك عليهم بإلقائك على مسامعهم الكلمات الصحيحة الاصل، والقويمة المنشأ، والحق معهم لأنهم لا يفهمون ما تكلمهم به، لان تلك العبارات عباراتهم المستهجنة هي التي أصبحت السيدة المالكة فؤادنا، والحاكمة على لساننا، والمتداولة في أنديتنا
وملاهينا، ومدارسنا، وقهواتنا هذا فضلاً عن إن جلب البضائع والمصنوعات والآلات والأدوات الإفرنجية التي نتخذها في منازلنا ومعاملنا وتكاد لا تخلو بقعة في مديتنا منها، ساعدت أيضاً على شيوع الألفاظ الغريبة بيننا شيوعاً يذكر. بل وقد دفعنا حبنا لها المفرط أن اتخذناها هي وأسماءها الإفرنجية غير ملتفتين إلى ألفاظ تقوم مقامها وغير مكترثين لها، من ذلك مثلاً كلمة (شمندوفير) الفرنسية للسكة الحديدية مع إننا نقدر نستغني عنها بكلمتين هما بمعناهما أي سكة الحديد وكقول بعضهم (الترين) وهو القطار أو الرتل والجمع ارتال وهكذا قل عن (فاكالس) فما ضرنا يا ترى لو قلنا عوضها (عطلة) أو (فراغ) وكقول كثيرين من البغاددة (كلاص) الإنكليزية وهم يريدون بها القدح وكقولهم كونيا ويونانية وقد استعمل السلف بمعناها كلمة كوس الفارسية وتجمع على كوسات ويراد بها مقياس الزاوية وهي التي سماها فصحاء العرب بالإمام. إلى غير هذه الألفاظ مما يجئ ذكره في موطنه إن شاء الله تعالى. رزوق عيسى سفرة إلى كربلاء ونواحيها والحلة ونواحيهما وكويرش هذه من المدن القديمة. وقد وجد
فيها الألمانيون من الآثار العادية شيئاً كثيراً. وكان فيها أحد العلماء الألمانيين العارفي الآشورية وهو الدكتور مايستر، فكان يقرأ العاديات ويحل طلاسمها ويفكك قيودها ويقيد مندرجاتها في صحفه قبل أن يبعث بها إلى دار التحف الشاهانية في الأستانة العلية. وقد جاء ذكر كوبرش أو كيرس أو كيرس في كتاب المجامع النسطورية الذي تولى طبعه ج. ب. شابو، في الصفحة 321 وهذا تعريبه: (انتعش يومئذٍ ضعف البطريق مار آبا محب المسيح، وحالما وقع الصلح في المدائن (سلوقية وطيسفون) زايل المدينة كيرس دار الملك (ومقر الاكاسرة في أيام الصيف) الواقعة في كورة فيروز سابور من ديار العرب. وكان نزولنا في دار الأستاذ الدكتور الألماني (روبر كولدواي) رئيس مهندسي في بابل. وفي كويرش عدة أمكنة قديمة، وبيوت خربة، وقصور عادية، تنشئ كلها بقدم تلك الحاضرة ويختلف
طرز بنائها باختلاف الأمم والأجيال التي احتلتها: أبنية كلدانية، وآشورية، وساسانية، وعربية. ومن جملة ما شاهدناه فيها: أسد كبير منحوت من الصخر، إلا إن وجهه قد تشوه لكثرة ما مر عليه من طوارئ الجو وأحداث الزمان. ومما يدهش الناظر هناك دور المدينة، وبيوتها المنقلبة، وجدرانها الشامخة الذاهبة صعداً في السماء، وسراديبها الغائرة، هناك يرى جب يزعم انه الجب الذي القي فيه دانيال النبي، وفيه درك تنزل بك إلى قعره، هناك يرى على الحيطان رسوم كثيرة، وصور حيوانات مختلفة، إلا إن الزمان قد طمس محاسنها، وشوه بدائعها وروائعها لتقادم عهدها. ويحسن بي هنا أن اترك الأب لويس الرملي يتكلم عوضاً عني، لأنه زار هذه الأنقاض قبلي واحسن وصفها فقال: عمانوئيل فتح الله عمانوئيل مضبوط
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد كثرت لدينا هدايا الأدباء من جرائد ومجلات وكتب وكلهم يحبون أن نشارفها أو ننقدها أو يخيروننا بين مشارفتها وانتقادها. على أن المجلة قليلة الصفحات، صغيرة الحجم، لا تحتمل أن تطيل النفس في انتقاد الكتاب الواحد إلا إذا كان ذا شأن وخطر يجتني منه القراء الفوائد الجمة، أو إذا كان التصنيف لأحد مشاهير الكتاب ويتوقع انتشاره بين ظهراني القوم، فنحرص حينئذ على نقده لئلا يشفو الوهم فيهم وتتأصل جذوره في العقول فيصعب بعدئذ استئصالها. بيد أننا أن كنا لا نخصص عدة صفحات لنقد الكتاب الواحد فإننا لا نغضي الطرف عنه كل الإغضاء تعريفا له عند من يجهله أو يريده الحصول عليه. وها نحن نسرد أسماء بعض الكتب الواردة علينا إشعارا لأصحابها بوصولها وسوف ننقدها عند سفوح الفرصة الواحد تلو الآخر حسب بلوغها إلينا: 1 - العقد المتلألئ. 2 - مناظرة الحاتمي والمتنبي. 3 - إتمام المتون 4 - المجازات النبوية. 5 - شواهد القطر. 6 - ذخيرة الأصغرين. 7 - كتاب الذهب. 8 - تاريخ آداب اللغة العربية. 9 - العلم الموروث في إثبات الحدوث. 10 - طلستوى. 11 - إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق. 12 - الفوز بالمراد في تاريخ بغداد. 13 - قرة العين في تاريخ الجزيرة والعراق والنهرين. وغيرها كما سيأتي بيان أسمائها في أوقاتها المرهونة.
العقد المتلألئ في حساب اللآلئ (تأليف صالح سليمان بن صالح الدخيل من أهالي القصيم في نجد (وهو اليوم صاحب جريدة الرياض في بغداد) يتضمن بيان معرفة كيفية تكون اللؤلؤ والصدف وأنواع ألوانه وقيمة وحساب أوزانه وبيان كيفية الغواص في الخليج (الفارسي) وسيلان وغيره) (كدا). - حقوق الطبع محفوظة للمؤلف. - طبع في مطبع الترقي في بمبي). - وليس في ذكر سنة الطبع. - بقطع 18 وعدد صفحاته 140 وقيمته قرنك ونصف في بغداد. هو كتاب جليل لا يستغني عنه من يريد التعاطي بتجارة اللآلئ لاسيما في خليج فارس. وفيه من اصطلاحات أهل الفن في هذا العصر ما يحرص عليه التاجر واللغوي والغريب الوطن لفهم رطيني الغواصين. وقد ذكر عدد من السفن التي ترصد لهذه الغاية وسمى البلاد التي ترجع إليها فإذا هي على هذا الوجه: 100 سفينة من الكويت400 سفينة من أبو ضبير300 سفينة من البحرين 100 سفينة من دلما 200 سفينة من قطر 1300 سفينة من بقية القرى 30 سفينة من لنجة وفارس 3160 المجموع 80 سفينة من دبي 500 سفينة من الشارقة 150 سفينة من أم التمور
وعدد غواصي كل سفينة يختلف بين أربعين إلى 150 رجلاً. ولكل أمير حق يستوفيه من كل سفينة، قدره حصة غواص واحد. وحصة الغواص هي ضعف حصة السياب. ولرب السفينة شئ معلوم من الكسب مذكور في قوانين سنت لهم في هذا الموضوع. ووقت الغوص يكون في إبان الهجيرة (وفي الأصل عند هوجرة الحر وهو من اصطلاح النجديين) ومدته ثلاثة أشهر، وغور الماء في محل الغوص يبلغ 15 إلى 20 قامة وقد يتكفلون لعمله هذا الشاق أتعاباً فادحة، إلا انه إذا كان الهواء رائقا والبحر رهواً هادئا لا يلاقون كلفة في غوصهم وقد يتضرر الغواصون بآفة في أجسامهم أو يفقدون حياة بعض أعضائهم بل منهم من يعتريه الخبل فيظن فيه العوام انه صار واحدا من الجان. إلى آخر ما هناك من التفاصيل الغربية التي يتطال إليها الأديب للوقوف على ما يجهل فيعود بفائدة جزيلة بعد الاطلاع عليه. والكتاب مطبوع على الحجر وفيه أغلاط طبع كثيرة لم تصحح. هذا فضلا عن ركاكة العبارة في بعض المواطن وتتالى اللحن في كل صفحة تقريباً. إلا أن هذا كله هو على حد ما قيل: الفرس الأصيل لا يعيبه جلاله. مناظرة الحاتمي والمتنبي هي رسالة في المناظرة (بين أبي علي محمد بن الحسين الحاتمي وأبي الطيب المتنبي. رواية أبي عبد الله الحسين بن محمود الحسين
البغدادي) طبعت في بغداد بمطبعة الآداب سنة 1327 وهي في 40 صفحة بقطع الثمن. والرسالة فريدة في بابها وتقسم قسمين: في القسم الأول منها ذكر ما جرى بين الإمامين اللغويين من تجاذب أطراف الكلام في أسرار اللغة، وفي القسم الثاني ذكر ما أخذه المتنبي من المعاني الفلسفية والمنطقية وأودعها شعره. وكل بأسلوب رائق، وقالب شائق، لا يأخذ بمطالعتها الأديب إلا ويأتي على آخرها، لحسن عبارتها وتداخل حلقات روايتها، إلا أن فيها بعض أغلاط الطبع لا تخفى على المطالع. المسامرات (جريدة تصدر في يوم الأحد من كل أسبوع موقتاً). وهي تنشر في بيروت. برز عددها الأول في 28 ذي القعدة سنة 1329 - 19 تشرين الثاني سنة 1911 لصاحبها احمد حرب. بدل اشتراكها في الجهات ريال مجيدي وربع وفي الخارج 8 فرنكات. المنير (جريدة عربية أسبوعية صاحبها ومديرها احمد جودت كاظم) وهي تصدر في البصرة. بدل اشتراكها في البصرة والبلاد العثمانية 40 غرشا، وفي البلاد الأجنبية 12 فرنكاً. وصل إلينا العدد 5 فألفيناه حافلا بالمقالات المفيدة. وقد صدر العدد المذكور في 2 ذي الحجة سنة 1329، ونتمنى لها الرواج ونود أن تكثر من درج المقالات التي يكون مبحثها عن خليج فارس والثغور التي فيه وعن بلاد العرب، لان
أنظار الأجانب قد تحولت إلى تلك الأرجاء واقل إهمال في هذا الصدد يؤدي إلى إخطار عديدة. دار السلام تقويمي من احسن مطابع بغداد على الاتفاق مطبعة دار السلام، فان ما تبرزه من المنشورات المختلفة يرفل بحلة الحسن والوشي والنظام. وها قد أصدرت الآن (رزنامة) سمتها بالاسم المذكور باللغة التركية. وفيها ذكر أيام السنة الهجرية والمالية والعبرانية والإفرنجية وبحرف جميل وعلى كاغد فاخر. وقيمتها خمسة قروش صاغ. وإننا لنخيرها على كثير من الرزنامات التي تصدر في بيروت وديار مصر، لما فيها من الدقة في الفوائد الجزيلة المذكورة في بويب لها عنونته باسم (المواسم) فنحث القراء والتجار وبيوت العلم على اقتنائها. فوائد الفنر والفرن وكلاهما وزان سبب هو اسم الفانوس المتخذ من الكاغد على لغة البغدادين من العوام. وقد ذكر لنا غير واحد أن البعض يستعمله إلى يومنا هذا ومنهم عند خروجهم من مجالس الأنس والطرب. واللغة المشهورة فيه هي الفنر وقد يصحفها البعض بالنقل فيقول الفرن. وأما الفانوس فيخصونه بالذي تتخذ من الزجاج المركب في الصفيح. وقد دخل استعمال الفانوس عن طريق الهند فانه كان يؤتى بأمثاله
صغارا فتباع ببغداد باثمان حسنة فاخذ حينئذٍ البغداديون باصطناع أمثالها صغاراً وكباراً. وأما وضع المناوير في بغداد فكان في شتاء سنة 1875 في ذلك الوقت أيضاً أقيم حراس الليل (أو النواطير) في عدة محلات المدينة. الخازر لا الحازر ولا الجار كتبنا في الصفحة 47 نقلا عن تاريخ ابن خلدون أن من المنتفق من يسكن بين الحازر والزاب. وصحيح الرواية هو على ما نبهنا عليه حضرة الشماس فرنسيس اوغسطين جبران: بين الخازر والزاب. والخازر تكتب بالخاء المنقوطة الفوقية بعدها ألف ثم زاء منقوطة ثم راء مهملة. والاسم معروف إلى اليوم كمعرفة الزاب، وهو نهر بين أربيل والموصل كما أشار إليه ياقوت الحموي في معجمه. شرح مقامات الحريري للمطرزي كثيرون هم الذين شرحوا مقامات الحريري، لما حوت من الألفاظ العربية الغربية الجمة حفظاً تتسق فيها المعاني اتساقاً يسهل حفظها على من يريد استظهارها وليس كما يتوهم السواد الأعظم إنها آية الإنشاء يحتذي مثالها. لان احسن الكلام أقربه إلى الطبع وأنفذه إلى القلب، إلا ترى انه لا يروقك الزهر الصناعي مثل الزهر الطبيعي، فبلاغة الحريري في مقاماته بلاغة صناعية يظهر التكلف في كل حرف من حروفها بخلاف كلام الجاحظ مثلا ففيه من النفس العالي ما يزري
باللآلئ وفيه من الفصاحة والبلاغة ما ينفذ إلى الجنان قبل ولوجه الأذان. ولكون مقامات الحريري أصبحت بمنزلة ديوان لغة جامع لمفرداتها تصدى كثير من الكتاب لحل معضلها وفتح مغلقها وفض طلاسمها، ومن جملتهم المطرزي فقد قال عن شرحه صاحب كشف الظنون. . . والإمام أبو الفتح ناصر بن عبد السيد المطرزي النحوي شرحها أيضاً وسماء (الإفصاح) ذكر في أوله علمي المعاني والبيان وقواعد البديع وتوفي سنة 610. أوله: الحمد لله المحمود على جميع الآلاء الخ والنسخة التي بيدنا هي لأسكندر أفندي داود مسيح وهي بخط قديم وقد جاء في آخرها: (وقع الفراغ من إتمامه، وفتح اكمامه، في شهور سنة ثلاث وستين وخمسمائة وفي الحواشي عدة تعاليق علقها بعض العلماء الأعلام وقد وقع الكتاب بيد جماعة لنفاسة النسخة كما يشاهد ذلك من تواقيعهم وختومهم واسماهم الموشحة بها والكاغد حسن ثخين والكتابة واضحة سهلة القراءة ولا تخلو كلمة من ضبط ما يحتاج إلى ضبطه بالحركات والشكلات. والمؤلف يتصدى لشرح مقامة مقامة بدون أن يسرد نصها على التمام. طول النسخة 23 سنتيمتراً في عرض 17 وفيها 196 ورقة أو قائمة أي فيها 392 صفحة. وفي كل منها 19 سطراً. وطوال المكتوب من الصفحة 18 سنتيمتراً في عرض 12 غير أن الذي يشين هذه النسخة النادرة اختلاف الكتابة فيها، فأن الأوراق الأول والقوائم الأواخر
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
من خط واحد وأما اوراق الوسط بل اغلب الأوراق فهي بيد الكاتب الأصلي وهي اقدم عهداً من الصفحات الصدر والعجز التي هي أيضاً قديمة. وعلى كل حال فان النسخة حسنة مقروءة على الأئمة تصلح أن تكون أماً لبنات تطبع عليها طبعاً متقناً. عسى أن يتصدى لها أحد الأدباء فيبرزها بطراز الطبع الموشى والله الميسر. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - سير البريد بين بغداد والشام وأوربة كان يدوم سير البريد الذي يجري بين بغداد وديار الإفرنج مدة 28 يوماً إذا سار سيراً حثيثاً. وأما اليوم فان الدولة العثمانية قد اشترطت شروطا جديدة منذ شهر ونيف على أحد أصحاب البرد لتكون المدة بين الزوراء وباريس ولوندرة وهامبورغ تختلف بين 17 و21 يوما لا أزيد. وقد أقام المتعهد المذكور دواب مستريحة بين مرحلة ومرحلة فأصبحت المدة بين دار السلام وحلب 8 أيام ومنها إلى دمشق الشام يوم ومنها إلى بيروت يوم ومنها إلى أوربا 4 أو 5 أيام. وسوف تحافظ إدارة البريد على إدامة هذا النظام وتحسين أمورها بما في وسعها. حقق الله المساعي. 2 - مكتب الحقوق على حاله كان في نية حضرة والينا جمال بك أن يلغى مكتب الحقوق في بغداد بوسائط تهون هذه الضربة على أهل هذه المدينة، لكن لما رأى في
العرب من المدافعة التي لا تنكر وانه يخلف هذا الإلغاء سوء عقبى، عدل عن فكره الاول، واليوم يجري المكتب على مألوف عادته. 3 - الشيخ خزعل والإنكليز في البريم وقعت سارية علم (دقل بيرق) قنصل دولة الإنكليز في المحمرة لتقادمها وكانت قائمة على سطح القنصلية فأمر الجري (القنصل) أن يعاد نصبها لكن في أرض بستان القنصلية. فلما سمع بهذا الأمر حضرة سمو الأمير الشيخ خزعل، وكان ماراً بزورقه أمام القنصلية، منع هذا النصب في المحل المذكور، ونقدم بإقامة الدقل في موطنه السابق أي على سطح القنصلية، ثم وضع حراساً يحافظون على إجراء امره، اما القنصل الإنكليزي فلم ير في الأمر مانعا فأعاده إلى معهده الأول. وحضرة الأمير في اتفاق تام مع الأجانب وموظفي الحكومة العثمانية وليس هناك ما يعبث بالراحة والأمن أو يقلل محبته في القلوب. 4 - تعاضد أمراء العرب في إعانة الدولة العثمانية المع الأمير الشيخ مبارك ابن الصباح إلى الدار العلية بنية بأنه مستعد
لان ينجد جند الدولة المحارب بستين ألفاً من أبناء العشائر المنتمية إليه وأرسل لهذه الغاية 3000 ليرة إعانة للدولة. فشكر جلالة السلطان حضرة الأمير وانعم عليه بوسام يليق بشأنه.
وجمع أهل البحرين عشرة آلاف ليرة، وأمير راس الخيمة ثلاثة آلاف ليرة، وشيخ الشارجة ألفي ليرة، وابن دلموك ألفي ليرة أيضاً وشيخ آخر ألفي ليرة أخرى. وقد اخذ أهل ساحل عمان بجمع الإعانات ويقدر العارفون مبلغ ما يتحصل من أمراء العرب بخمسين ألف ليرة عثمانية. وعدد المقاتلة بمائة وعشرين ألفاً. بارك الله في سعاة الخير. 5 - المجتهدون والعلماء في النجف وفتاويهم بخصوص الحرب لما سمع أهل النجف بدخول روسية بلاد إيران عقد مجتهدوها وعلماؤها مجالس شتى وعطلوا الدروس والجماعة، وذهب عبد العزيز بك قائم مقام النجف إلى (حجة الإسلام السيد محمد كاظم اليزدي) وطلب منه فتوى مفصلة مفيدة للحكومتين العثمانية والايرانية، فافتاه حضرة السيد المذكور، وهذا تعريب الفتوى بحروفها وأغلاطها نقلاً عن الزهور في عددها 149 الصادر في 15 ذي الحجة 1329
(اليوم لما هجمت الدول الأوربية على الممالك الإسلامية من كل جهة، فمن جهة هجمت إيطاليا على طرابلس الغرب. ومن جهة أخرى الروسيا بتوسط عساكرها اشتغلت شمال ايران، والإنجليزي أتت جنوده إلى جنوب إيران، وهذا موجب لمخاطرة واضمحلال الإسلام، فلهذا يجب على عموم المسلمين من العرب والعجم أن يهيئوا أنفسهم إلى دفاع الكفر عن الممالك الإسلامية، وان لا يقصروا ولا يبخلوا في بذل أنفسهم وأموالهم في جلب الأسباب التي يكون بها إخراج عساكر إيطاليا عن طرابلس الغرب، وإخراج عساكر الروسيا والإنجليز من شمال وجنوب إيران، التي هي من أهم الفرائض الإسلامية حتى تبقى المملكتان العثمانية والإيرانية مصونتان محفوظتان (كذا) بعون الله من هاجم الصليبيين (كذا) حرر يوم الانين خامس ذي الحجة الحرام سنة 1329 حرره الاحقر: محمد كاظم الطباطبائي وقد المع أيضاً علماء النجف إلى الإيرانيين ومسلمي الهند ما هذا حرفه أيضاً: (إلى الإيرانيين ومسلمي الهند عامةً. - إن هجوم روسيا على ايران، وإيطاليا على طرابلس الغرب موجب لذهاب الإسلام واضمحلال الشريعة الطاهرة والقرآن، فيجب على كافة المسلمين أن يجتمعوا ويطالبوا من دولهم المتبوعة، رفع هذه التعديات الغير القانونية من روسيا وإيطاليا، وليحرموا السكون والراحة على
أنفسهم ما لم تكشف هذه النغمة والغائلة العظمى، وليعدوا هذه النهضة منهم تجاه المعتدين على البلاد الإسلامية جهاداً في سبيل الله كالجهاد في بدر وحنين. (محمد كاظم الخراساني) (عبد الله المازندراني) (شيخ الشريعة الأصفهاني) (إسماعيل بن صدر الدين العاملي). اهـ) وقد شاع بين الناس إن علماء النجف وكربلاء وسامراء يجتمعون في أواخر شهر ذي الحجة في الكاظمية لينظروا في مسألة إيران ويتخذوا الوسائل اللازمة لإيقاف رحى الحرب الطاحنة في طرابلس الغرب وللمحافظة على استقلال إيران لكن لم يتحقق الأمر لوفاة الملا الخراساني. 6 - السكة الحديدية في السواد أي في الجزيرة والعراق روى (المصباح الأغر) (من جرائد بغداد) أن الحكومة أوقفت أعمال مشروع السكك الحديدية الألمانية في الجزيرة ريثما تترضى الحكومة الألمانية الدولة العلية. ولعلها فعلت الآن. لان الأشغال المذكورة لم تنقطع في العراق البتة منذ الابتداء بها. 7 - وفاة حجة الإسلام الملا محمد كاظم الخراساني المع من النجف صاحب مجلة العلم هبة الدين الشهرستاني النبأ الآتي نصه: نعزي عموم الملمين والإيرانيين والعثمانيين، بوفاة اعظم رجال الإسلام، حضرة حجة الإسلام، الشيخ ملا كاظم الخراساني ليلة الثلاثاء
(12 ك1) بكيد الأعداء ليمنعوه عن هجرته إلى إيران مع الطلبة والأهالي لدفاع الروس عنها فبتنا أيتاماً، ليتنا فديناه بأرواحنا) اهـ. 8 - وفاة سعدون باشا توفى الشيخ سعدون باشا رئيس عشائر المنتفق في حلب الشهباء في أوائل شهر كانون الأول. 9 - شركة بواخر وطنية على الفراتين أنشئت شركة بواخر وطنية في أواخر الشهر الماضي بعنوان (شركة تجارة مراكب البصرة) لكي تسير على نهري الفرات ودجلة، وقد أتت منها باخرتان في أوائل هذا الشهر فيهما أموال وركاب قادمة من البصرة فنتمنى لها النجاح. 10 - سباق الخيل جرى سباق الخيل نهار الثلاثاء 5 ك1 بحضور والي الولاية وآمر الموقع وكبار المدينة ووجهائها وكان المجلي سليمان البحر أحد الإعراب صاحب فرس دفع له بها سابقاً ناظم باشا مائتي ليرة فلم يبيعها وكان الرهان 25 ليرة. إلا أن صاحبها أركضها بعد السباق فوقع منها ودقت عنق حجره فماتت بعد قليل أما هو فقام سالماً، حفظه الله. 11 - شريف مكة جمع شريف مكة مائتي جندي برئاسة أحد أنجاله ليذهبوا إلى القصيم في نجد. وأمر جميع القبائل المنقادة له من عتبة وغيرها أن تنضم إلى هذا الجمع لأنه قد عقد الني على أن يذهب بنفسه إلى تلك الديار
بعد انقضاء أيام الحج. وقد أرسل إلى الأمير ابن الرشيد يخبره بأنه يجتمع به، ولهذا ضرب الأمير موعداً على أحد الموارد التي هي بين المدينة وحائل. ملخص عن الرياض 12 - مصالحة عجمي بك السعدون وحمود بك السويط سار عجمي بك السعدون إلى ابن الرشيد، وما وصل إليه إلا وحضر حمود بك السويط رئيس عشيرة الضفير، فاصلح الأمير ما بينهما، والآن هما على وشك الوصول إلى ديارهما. ثم برز بعد ذلك الأمير ابن الرشيد بجيوشه إلى الضفير، وشمر، وحرب، ومن والاهم طالباً منهم أن يجتمعوا به هناك. (عنها) 13 - أعمال ابن السعود بعد أن غزا ابن السعود قبيلة (عتبة) ذهب فنزل بلاد القصيم وأبدل أميرهم محمد ابن جلوي بأمير آخر. ثم توجه قاصداً الرياض دار إمارته ليجم نفسه حيناً من الزمن ويعدها لأمر ذي بالٍ. (عنها) 14 - الإنكليز في أبي شهر (بوشهر أو بوشير من ثغور بلاد إيران) في خليج فارس أفاد مكاتب الرياض إن الإنكليز انزلوا 600 فارس و400 راجل من جنود الهنود في أبي شهر، وقد استقبلهم بعض الجنود الإيرانية وسار الجميع قاصدين شيراز. 15 - شيخ عشيرة شمر الجديد عين والى ولاية بغداد حميدي بك ابن فرحان الجرباء شيخاً لعشيرة
شمر بدلاً من أخيه مجول، الذي تبين عجزه عن حفظ الأمن في دياره. ولما طرق سمع مجول ذلك أمر بعض العشائر من اتباعه وتعرف (بالمثلوثة) (ومعنى المثلوثة عندهم أخلاط من الناس من عشائر متفرقة) بان ينهبوا ويسلبوا كل من عارضهم في طريقهم وقد حصل بعض ذلك سيما في طريق بغداد وسامراء. فعسى أن يحقق الشيخ الجديد صدق الأماني ويمنع رسم المرور بدياره وهو الرسم المعروف (بالخاوة)، ويترك الغزو ويحافظ على تأمين الطرق ويشوق عشائره إلى الفلاحة والزراعة ونزع الأسلحة على أسباب الرقى والحضارة والتمدن. (عنها) 16 - إطلاق سراح النوري شيخ عشيرة الرولة بلغ الرياض أن قد عقدت النية على إطلاق سراح النوري من سجنه في دمشق بشرط أن يدفع 4000 ليرة. وقد جمعت عشيرته الرولة 500 بعير لتباع في هذا السبيل فعسى أن يكون ذلك من باب العقاب والتأديب لا من باب الرشوة والبرطيل. 17 - التدريس في المكاتب باللغة العربية خطت الحكومة الدستورية خطوة عظيمة في إلزام الطلبة بتحصيل مبادئ العلوم باللغة العربية بشرط المحافظة على التدريس باللسان العثماني، فان هذا القانون من أدل التباشير على انبلاج صبح الرقي والتبسط في العمران والحضارة. 18 - انكسار الفلوس الفارسية والإنكليزية في بغداد نهار الخميس 14 ك1 ناد المنادي في الأسواق والطرق أن
المعاملة بدراهم بلاد العجم لا تقبل. ولم يعلم السبب. ولا يخفى ما في هذه المناداة من الأضرار: 1 لان اغلب الدراهم الفارسية التي يتعامل بها هي من النقود الصغيرة التي تختلف قيمتها بين السنتيم والفرنك. ولا تتجاوزه 2ً لان بدل للشاهيات (وهي بارات العجم) في نقود الدولة العثمانية. فكيف المعاملة بالورق (أي دراهم زهيدة السعر كالبارات) لاوجود له. 3ً إن الفقراء والأوساط من الناس يملكون شيئاً كثيراً من هذا الورق فكيف يبقى عندهم بلا ثمن ولاعوض، افليس من هذا الأضرار الفادحة التي تحل بالأمة. وهناك من هذه البلايا. ولهذا رجعت المعاملة بتلك الدراهم بعد أسبوعين من هذه المناداة. 19 - تشييد دار لإدارة البرق والبريد في نحو ظهر نهار السبت 16ك1 تألب الناس على اختلاف طبقاتهم في حفلة يرأسها والي الولاية ومدير البرق والبريد ووضع الحجر الأول للدار الجديدة التي تبنى لإدارة البرق والبريد فنتمنى إتمامها على احسن وجه وطرز وامتن أساس وبناء. 20 - مكتب جديد للتعاهد الإسرائيلي في خانقين أنشأ اليهود في خانقين مدرسة جديدة راجعة إدارتها إلى (التعاهد الإسرائيلي) فنقل له الخواجا الياهو روبين من حاجياته ما حمل على ثمانية عشر بعيراً بدون أجرة، حباً بنشر المعارف. 21 - نهضة العلم في الكويت اتصل بالرياض أن حضرة الأمير والشيخ الكبير مبارك باشا الصباح
عقد النية على إنشاء مدرسة عالية علمية راقية في الكويت، وعندما ابرز هذا الفكر لكبار الكويت قدر العارفون نفقاتها بمائة ألف ربية (أي بمائتي ألف فرنك) فتبرع للحال الإخوان محمد وزيد الخالد بخمسة آلاف ربية، ومثلهما إبراهيم ابن مضفر، وكذلك فعل هلال المطيري وحسين بن علي وأخوه شملان، وقد اصبح المجموع الآن أربعين ألف ربية، والبقية يجود بها الأمير الجليل. وعن قريب يشرع ببنائها. حقق الله الآمال، وبارك الله بهمة هؤلاء الرجال. الذين يحسنون تحري الأعمال، بوضع المال، إلى ما به خير المآل. 22 - عشيرة البوعاينة وعشيرة الفتلة علمت الرياض إن أبناء عشيرة البوعاينة المقيمين في أنحاء الشامية والزارعين عند الشيخ عليوي الرخيص من شيوخ أعراب الحجارة قد عزموا على الرجوع إلى أراضيهم السابقة. والحال إن هؤلاء الإعراب كانوا قد قتلوا (في سنة 1907) 35 إعرابياً من عشيرة الفتلة. وكانت الحكومة قد أرسلت في ذلك الحين جماعة من الجند معقودة اللواء لقائم المقام عبد الجبار بك وللبيكباشي محمود أفندي لتأديب أولئك المخلين بالراحة. فما كان من أولئك الأغرار إلا أن قابلوا الجند بما في مكنتهم ورفعوا الأسلحة عليهم فحينئذ هدمت تلك الجنود قلاعهم ومقاتيلهم، فهرب العصاة مولين الأدبار.
ولما كان من عادة العرب المطالبة بالدم أن كان من باب الآثار وان كان من باب الدية أو الفصل. ودم أولئك القتلى لو يفصل بوجه من الوجوه، فحضورهم في ذلك الموطن يسبب القلاقل والفتن التي تجر إلى ما لا تحمد عقباه. اصلح الله الأمور. 23 - زرع مقاطعة البغيلة ورئيس عشائر عفك صممت الحكومة على تسليم أراضي مقاطعة البغيلة لعهدة الشيخ الحاج مهدي الفاضل رئيس عشائر عفك لتزرع وتؤكد عيشة إعرابه ويؤمن شر بطالة منهم.
مريم
مريم معربة عن الفرنسوية عن الرسائل البانية في سنة 1214هـ (1799) كان في الناصرة رجل نصراني اسمه يوسف. وكان قد تزوج امرأة كنعانية اسمها مرتا. فبارك الله اقترانهما وولدت مرتا بعد سنيين ابنة حسناء تخجل البدر بطلعتها البهية. ولم يجد لها أبوها من الأسماء ما يذكر هذا الجمال البديع، والمنظر السنيع، إلا (مريم) تلك العذراء التي قضت بضعة أعوام في هذه البليدة عينها فسماها باسمها. فحق أن يقال عن كل من هتين المريمين: ولو كانت النساء كمثل هذى ... لفضلت النساء على الرجال نشأت مريم بين أترابها وهي بينهن كالبدر بين الكواكب الزاهرة، لان جمالها لم يكن إلا أمراً لا شأن له بالنسبة إلى ما اتصفت به من الأوصاف التي تجعل الابنة في مقام رفيع من الخطوة عند الناس بحسن الآداب وتوخى الفضائل والمبرات، حتى ناهزت السنة الثانية عشرة من عمرها، ففقهها الأب انطونيو رئيس دير الرهبان الفرنسيين أصول الدين واعدها للتناول الأول. في أثناء تعليمها مبادئ الديانة لاحظ رئيس دير اللاتين ذكاء هذه الابنة ما يميزها عن سائر أترابها. فعرض على والديها أن يعلمها القراءة والكتابة. ففرحا بهذه البشرى فرحا لا مزيد عليه. وأما مريم فكادت تطير من فرحها لما عرفت ما نواه أبواها ومرشدها. لأنها كانت تقول لمن يسمعها: ما اسعد حظي إذا تمكنت من مطالعة
الإنجيل الجليل كلما أمكنني ذلك. وما اعظم فرحي حينما اتبع الكاهن عند تلاوته التنزيل العزيز ولما سمع كلام الله وقت القداس في الكنيسة التي هي بيعة مريم ومحل تبشيرها بأجل البشائر. ما مضت ثمانية أشهر على ابتدائها بالدرس إلا وأتقنت مريم اللغة العربية والإيطالية والأسبانية قراءة وكتابة. فهل بعد هذا الدليل الواضح ما يبقى شكاً في توقد فؤاد هذه الغادة الغيداء الغريبة الذكاء. وان خفيت كانت لعينيك قرةً ... وان تبد يوماً لم يعمك عارها من الخفرات البيض لم تر شقوة ... وفي الحسب المحض الرفيع نجارها فلما رأى الأب انطونيو هذه الابنة تتلقف من فيه العلم تلقفاً، أوقفها على وقائع التاريخ وعلى علم تقويم البلدان وتخطيطها فشدت شيئاً منهما. وكانت كلما تعلمت بعض العلوم يتسع لعينيها أفق المعارف وتنبسط تخوم أفكارها وتمتد إلى ابعد الأصقاع. والخلاصة أنها كانت تزيد علماً وفضيلة كلما تقدمت سناً. لان الغاية الصمدانية كانت قد جادت عليها بعوارف العقل والذكاء فزاد فؤادها توقدا المثابرة على الدرس وتعاطي أطراف العلوم. ولما بلغت السنة الخامسة عشرة من عمرها أصبحت ابنة يوسف خوداً من أشهر الخود بمضاء ذكائها وصدق اطلاعها على جل معارف القوم. ذلك هو وصف مجمل ما ازدان به عقلها الثاقب وأما محاسنها الظاهرة فلا يصورها قلم ولو كنت مصورا ماهراً أو كاتباً جليلاً.
على انه مالا يدرك كله، لا يترك جله. فكان قوامها خوط بان. في قراح من أرض لبنان. وشعرها الأسود الفاحم، يفحم كل شاعر ناظم: اضفيرتان على بياض خدودها ... أو في كتاب الحسن سلسلتان أو ليلتا العيدين أقبلتا معا ... أو من قصائدهم معلقتان وكان ثغرها عبارة عن نضدين من اللآلئ الغوالي. يزيد ماءهما بريقاً بريمان من الأرجوان. أما محياها فكان آية في حسن التقطيع كأنه بيضة غضة، أو بيضة في روضة، ولونه لون السنبل إذا نضج. وكان ثوبها الأزرق. يشبها حسناً. كيف وقد: ليست حسيناء الغوير بنفسجاً ... يا ربنا صنها عن المعيان قد حل لون في لون الهوى ال ... عذرى بالإفرنج والسريان وكان يجللها أزار يبرزها للناس قمراً من الأقمار، لا سكناً من سكان هذه الديار. وأما آدابها فكانت أيضاً من هذا الطراز العالي البديع فإنها كانت حليمة، وديعة كالحمامة، رقيقة الشعور والقلب، تغض من طرفها إذا مشت، ومن صوتها إذا تكلمت. وإذا جدت عليها بقطرة من الندى، كانت لك اشكر من بروقة. وهي مع ذلك في ابعد غاية من السذاجة وفي أعلى مقام من الطهر والعفاف. وهذه المناقب والخصال الحميدة كانت تزيدها حسناً وبهاءً. ولهذا كان إذا نظرها الناظر يظن انه يرى ملكا من النور، أو غادة من حور القصور. وكل الناس كانوا يقدرونها حق قدرها لهذه المحاسن الفريدة التي تحلت بها، إلا هي فإنها كانت تجهل نفسها.
وهل احتاج بعد هذا التفصيل المجمل إلى أن أقول لك إن أهل الناصرة من مسلمين ونصارى كانوا يعزونها اعظم الإعزاز، ويحبونها الحب العذري، فوق ما يدور في الخلد. وكان يوسف ومرتا يشكران العناية الإلهية على كونها جادت عليهما بهذه الخريدة الفريدة، بل يتيمة الدهر الوحيدة، وكانا يطلبان إلى الله أن يصونها من كل شائبة لتكون سعيدة في الدارين. وكان من عادة مريم الغادة أن تجمع في بيت أهلها أترابها الناصريات، وتفقههن أصول الدين على الأسلوب الذي تلقته من الأب انطونيو. وكانت تفعل هذا الفعل عن طيبة خاطر وبغيرة تتقد اتقاداً. وكانت تفيدهم اعظم فائدة، لما كانت تلقيه عليهم من الشروح لتؤيد بها تلك الأصول الدينية في القلوب الغضة، وكل ذلك يخرج من فمها عفواً بدون تعمل أو تصنع لأنها كانت تتكلم عن كثرة حبها لله عز وجل لا غير. وكانت تلك النفوس الناشئة تتقلى تلك الإفادات تلقى الوردة العطشى لندى الصباح. وتفعل فيها الفعل المكين. ولو رأيت مريم بين أترابها لقلت هذه أرزة لبنان بين سائر أشجار الجنان. إذ إنها كانت تقضى معظم نهارها في تعليم بنات الناصرة الخياطة والتطريز، ومطالعة الكتاب العزيز، وخدمة كنيسة القديسة مريم. ومما كان يطيب لها مناجاة العذراء في مصلاها في مغارة البشارة، حتى ما كانت ترى إلا هناك كلما دخلت تلك البيعة، لان هناك ظهر ملاك الرب لابنة يواكيم ليبشرها بأنها تلد للعالم مخلص الأمم ولهذا لم ير ذلك
الموطن مزيناً مثلما كان يرى في عهد تردد الغادة إليه ولا سيما أنها تتعهد فيه النظافة فوق مألوف العادة. ومن جملة ما كان يذكر لهذه الابنة الصالحة في هذا المعبد إنها كانت طرزت ستراً ابيض بقى مدة طويلة حول دمية العذراء مريم الموضوعة على اليكل، وكانت أواني البلور الموضوعة على المذبح مملوءة أزهاراً وأوراداً وأنواع الرياحين، تقطفها بيديها الرخصتين على منعطف هضبات الناصرة بينما كانت ترنم بصوتها الشجي أنواع الترانيم العذبة، ونور القناديل الضئيل يخيل للسامعات أترابها إنهن يغردن معها تغريد الهزار، عند منبثق الأنوار. واغلب تلك الألحان الشجية كانت طلبة العذراء وسائر الأناشيد التي يدور موضوعها على محاسن العذراء مريم وفضائلها. وكان كل من سمع صوتها الزجل ويشاهد محاسنها الفتانة يندفع إلى أن يقول رغماً عنه ما سمع يقال عن سميتها العذراء الحسناء: يا نجم الصبح، ووردة سرية، ومرآة العدل، وهيكل الحكمة، ادعى لنا. ونحن لا نريد أبداً أن نقيم مناسبة بين هذه الابنة الأبية، وبين سميتها العذراء النبية. فكلما نقوله هو من باب الخيال، بالنسبة إلى المثال. أو من باب الصورة إلى الحقيقة وهل من مناسبة بين ابنة خاملة الذكر فقيرة حقيرة وبين تلك البكر التي سحقت برجلها الطاهرة رأس الحية الجهنمية وأعادت مجد ابن آدم الساقط إلى سابق عزه، وسامق فخره. هل من مقابلة بين هي كالزهرة ابنة اليوم الذابلة الزائلة
وبين تلك الزهرة التي يضوع منها روح الحياة الخالدة. هل من مفاضلة بين غادة لا تعرف إلا في قرية وبين عذراء طبقت الدنيا شهرتها وردد اسمها الأقوام وارتفع عرشها في أعلى السماء. من هي مريم ابنة يوسف بالنسبة إلى مريم ابنة يواكيم. ابنة يوسف فقيرة حقيرة. وابنة يواكيم غنية ثرية. وعن كنز فضيلة كلتيهما أتكلم لا عن كنز الأموال الفانية. ابنة يواكيم رمزها القمر، لان القمر يسلى بأنواره الذهبية من يغوص في البحار الفكرية أو يغرق في لجج الأحزان المضنية، ابنة يواكيم رمزها الزهرة، ذلك النجم الذي يشع ضياء يجلو صدى القلب وينعش الفؤاد. ابنة يواكيم رمزها الشمس لأنها بنور هداها ومحياها تطرد ظلمات الضلال إلى حيث لا رجوع منه. نعم وان لم يكن مناسبة بين الزهرتين الزاهرتين، إلا أننا نقول انه يوجد بعض الشبه بينهما: فابنة يوسف ولدت كما ولدت مريم العذراء في وادي الناصرة. وكانت تقضي أيامها كالبتول الأم في البيع والكنائس متذكرة في عملها هذا تلك التي قد تسمت باسمها الكريم العظيم. - أن ذوق ابنة يوسف وأشغالها وعوائدها تنظر إلى مثل تلك الأعمال التي كانت تأتيها ابنة يواكيم. هذا فضلاً عن إن جمال هذه الابنة وسناءها وبهاءها وخفرها يذكرنا محاسن تلك البتول التي قيل عنها: إنها بهية تبهر الأعين والتي قال عنها القديس ديونيسيوس الاريوباجي: إنني لولا علمي انه لا يوجد إلا اله واحد لسجدت للعذراء سجودي لمعبودة.
أصفر الحصاد ست عشرة مرة على جبال الجليل وفي أوديته منذ ولدت مريم بنت يوسف وبعد ذلك جاء الطاعون تلك الطلعة الكبرى التي تحفر القبور في بلادنا الشرقية وتجرف النفوس جرفاً وتلقيها في المدافن الفاغرة أفواهها. ومن جملة من أخذه سيل الموت أو إحتزه سيفه أم مريم. فكانت هذه الوفاة بمنزلة صاعقة نزلت على هذه المظلومة لأنها كانت تحب والدتها محبة لا توصف بعد هيامها بالله وبالعذراء مريم. بيد أنها لما كانت متمسكة بعروة الدين الوثقى كل التمسك سلمت أمرها بيد خالقها متكلة على عنايته، وعلى أن أمها انتقل من دار الفرار، إلى دار القرار، وقد فازت بالنعيم المقيم. وبعد أن مضى على هذا الحادث المشؤوم ستة أشهر وتصرمت ثلاث ليال بعد عيد جميع القديسين تذكرت مريم أهوال الموت وفظائعه، وتجددت قروح قلبها المصاب بأنواع الآلام، لان في تلك الأيام، تتذكر النصرانية جميع موتاها وتستمطر البركات على قبورهم. ومن غريب الاتفاق إن وجه السماء الصاحي السافر في اغلب بلادنا الشرقية امتقع لونه، وتغضن جبينه، واكفهر سحابه، وتثاقل ضبابه. فضاق الأفق على منفسحه، واحتجبت الشمس كأنها لم تكن شارقة. ومما زاد في هذا المنظر حزناً وكآبة تناثر أوراق الأشجار. وسكوت الأطيار. وهبوب الأرياح. بين الادواح. هبوباً تتلاعب فيه الأوراق اليابسة. وتسمعك أصواتها المائتة كأنها حفيف الأفعى أو سحيق الملعى. لها تابع
العدد 8
العدد 8 - بتاريخ: 01 - 02 - 1912 الحفر والتنقيب في أطلال بابل تمهيد أول ما يشتاق إليه المتطال إلى معرفة أخبار التاريخ ودقائقه إذا ما ألقى عصاه في بابل العظمى، هو الوقوف على مصير قصر يخت نصر الملك (نبو كدر أصر) ذلك القصر الشهير الذي بنى في نحو سنة 600 قبل ظهور المسيح، والذي خطت على أحد حيطانه أنامل لم تر، تلك الكلم الثلاث السرية الغامضة التعبير التي قامت الملك وأقعدته، لا بل أقامت وأقعدت جميع أشراف مملكته وكل من ينتمي إليه. فهذا الشوق هو الذي
دفعنا حال قدومنا إلى استطلاع طلع تلك الإطلال لنشاهد ما فيها بأعيننا. تنبيه عام وأول كل شيء يجب علينا حفظه قبل أن نتغلغل في البحث ونستقصي في ذكر التفاصيل المختلفة هوان نعلم مرة واحدة استغناءً عن التكرار أن ما تطلق عليه اسم (اخرية) هو عبارة عن أسس الأبنية القديمة التي ندعوها بأسمائها وقد كشفها قبيل بضع سنوات علماء المانيون راسخو القدم في التاريخ وقراءة الآثار العادية وقد أتوا إلى هذه الديار حباً بالوقوف على صحيح الأخبار وإفادة لأبناء وطنهم المشهورين بالحرص على العلوم باختلاف أنواع مواضيعها. فما نورده إذاً مأخوذ عن أوثق المصادر وقد تلقفناه في مواطن التاريخ عينها من أفواه الذين أوقفوا قواهم وحياتهم خيرا للعلم تحت شمس وقادة تصهر الأدمغة صهرا ونذيبها ذوباً كل ذلك ليعيدوا تاريخ تلك الحاضرة الشهيرة إلى نصابه الأول. اجل، أن الأبنية نفسها التي كانت قائمة على أديم الأرض هدمت منذ عهد عهيد، ليستخرج منها الأجر فاستخرج منها شيء لا يتصوره العاقل لكثرته وبنيت به أبنية، ليتها لم تبن ولم تكن، إذ نقلت أولا تلك الأنقاض إلى سبوقية (على ما رواه جلة المؤرخين) وذلك في عهد خلف إسكندر ذي القرنين ثم إلى طيسفون (المعروفة اليوم باسم سلمان باك وهو سلمان الفارسي وعند الإفرنج باسم اكتيسيفون الراكبة
دجلة ومنها إلى بغداد، إذ وجد الناقبون ولا يزل يجدون في بغداد أبنية قد شيدت قواعدها وأسسها باجر عليه كتابات وخطوط آشورية أو مسمارية مصدرها أو مأخذها مدينة بابل الشهيرة ولعل القارئ يستغرب قولنا هذا فنقول له: إذا علمت السبب، بطل العجب. ولا تستغرب هذا النقل من مدينة إلى مدينة أخرى، لأنك إذا أغرت في العراق، وانجدت، واسهلت وأحزنت، وصعدت وحدرت، لاتعثر فيه على حجارة للبناء كما تعثر في سائر الديار، وعليه فالعثور على آجر هو إليك اقرب من حبل الوريد يعد بمنزلة العثور على كنز دفين، أو علق ثمين ولذلك جميع عمائر هذه الديار من قديمة وحديثة مبنية كلها بالأجر الذي يسميه العراقيون (الطابوق أو الطاباق) بتفخيم الألف الثانية. يدخل في تلك الأبنية مع الطابوق الخشب بأقدار وافرة وفي بعض الأحايين لا ترى أجراً في تلك المشيدات، بل ليناً لندرة الوقود وفي هذه البلاد ولغلاء أسعار الخشب. فيتخذ حينئذ الوطنيون الشمس بمنزلة الوقود. لكن ما كان اللبن لا يصبر على طوارئ الجو صبر الأجر فتتهور الأبنية في زمن وجيز. هذا فضلاً عن أن البناء باللبن لا يستعمله إلا المتحضرة من الإعراب المجارة للمدن أو المنبثة في أرياضها وأرجائها. وأما المنازل القوراء، والقصور الفيحاء، والأبنية الشاهقة، والمعاهد العمومية العالية فلا تشاد إلا بالطاباق الحسن المتخذ من صلصال أرض بغداد والمشوي في مواف منتشرة في حوالي الحواضر والقرى. ومما لا ينكر أن ما يشوي اليوم من الأجر هو دون ما كان يشوى سابقاً أن من جهة الشيء، وان من جهة الصلابة والصبر على مساوئ الزمان وفتكاته ومما يفوق آجر جميع هذه الديار جميع هذه الديار هو طاباق
بابل لان الأقدمين كانوا قد جادوا عن يد ندية ليكون لهم معدات من احسن معدات البناء ولهذا لما أراد سلوقوس بناء مدينته المسماة باسمه (أي سلوقية على عدوة دجلة نثل كنانة وسعه لينقل معدات بابل الجليلة إلى مدينته الجديدة، فنجح كما نجح في نقل أهاليها أيضاً إلى حاضرته هذه. وأما الوسائط التي اتخذت لنقل تلك الأنقاض فكانت في ذلك العهد كما هي اليوم (السفن) من النوع المألوف الذي نشاهده وهي مصنوعة صنعاً بدون إحكام ولا هندام؛ ومقيرة من الخارج بدون إتقان وهي تنحدر انحداراً ناصبة الأشرعة وسائرة سيراً متئداً متبعة جرى الماء، وإذا أريد اصعادها جرها الرجال بالفلوس والحبال المتينة جراً بزهق الارواح، على حد ما يرى اليوم بدون أدنى تغيير. ولما كان هذا النقل لا يكلف مبالغ باهظة استسهله الأقدمون والمحدوثون وجروا عليه جرياً مطرداً، سنة الله في خلقه ولن تجد لسن الله تبديلا. هذا ولولا وقوف بعض العقبات في وجه المخربين لما بقى اليوم في ديار العراق حجر من حجارة الأقدمين وبعض هذه العقاب فراغ أيديهم من معاول وآلات هادمة تنسف الأبنية من أسسها ولهذا افلت من أيديهم ما افلت، وما ذلك إلا لان ربك أراد أن يثبت لك حقائق كنت تنكرها كل الكير، لو لم تقع على آثارها اليوم، تلك الآثار الناطقة بسابق وجودها. قصر بخت نصر لقد حان لنا الآن أن ننظر إلى ما بقى من قصر نبو كدر أصر (بخت
قصر) الذي كشف اليوم عنه الناقبون كل ما كان يغشاه من النبائث والنثائل، والأنقاض والاردام، التي تراكمت عليه منذ قرون مديدة عديدة، وقد أميطت عنها بنفقات لاتقدر، وباتعاب لاتعبر، ولاتسطر؛ كل ذلك على أصول مقررة في هذه الصناعة الحديثة الوضع بحيث لو يتلف شيء من كل ما كانوا يبحثون عنه. والبناية واسعة الأرجاء، رحبة الأبهاء، على هيئة مربع مستطيل، وفيها أربعة قصور مبنية في زواياه الأربع يجمعها كلها سور في غاية الثخن. قيدانا زيارتنا في القسم الشمالي الغربي وهو دون سائر الأقسام حفظاً، إذ لا يوجد منه إلا بعض إطلال حيطان منها ساجدة راكعة، ومنها قد ألقيت على ظهرها نجداً برقيم أو كنز يجده في بطنها أحد المتطالين إلى الغرائب التاريخية أو الدفائن العادية ومهما يكن من أمراً غاية صرع هذه الجدران وجندلتها، فهذا الهدف من القصر يعد اقدم من سائر ما هناك من الأبنية ويظن انه يرتقي على الأقل (نبويل أصر) والد (نو كدر أصر) الكبير مؤسس مملكة بابل الحقيقي. ولم نقف كثيراً على هذه الدوارس المواثل لقلة جدواها، فانتقلنا إلى القسم الشمال الشرقي، وهو احسن منه حالاً ومشهور بأسد موجود عليه، وقد قطع ونحت في الحجر الاصم، كبير الجثة، أكبر مما هو عليه في الحقيقة، ويرى تحت أرجله عدو صريع مقهور، وكان هذا الليث الغضنفر مستلقياً مدفوناً في الارض، فلما وجد أمرت الحكومة العثمانية أن يقام على أرجله فأنهضه المسيو موجيل مهندس ولاية بغداد الفرنسوي، ونصبه على أحد تلك
إعراب الشرارات
الحيطان وهو جدار محفوظ احسن الحفظ بالنسبة إلى سائر الأسوار ويشرف على تلك الاخربة كلها. أما نحت هذا الأسد فهو وان لم يكن متقناً أتم الإتقان إلا أن سمت هذا السبع حسن أي حسن حتى انه يخال الناظر إليه أنه يرى عظمة بابل السابقة السامقة التي يمثلها أبدع تمثيل ملك الحيوانات هذا، ويصورها لأهل عصرنا هذا كما تصورها أهل تلك القرون الخالية. وفي زاوية هذا الصرح المنيع تبتدئ الجادة السلطانية التي كانت تؤدي السائر فيها إلى عدوة الفرات التي تتشطط الجهة الشرقية من القصر الثالث الذي يسميه اليوم المهندسون (قصر الجنوب الشرقي) وهذه الجادة عريضة بعرض طرقنا الإفرنجية العمومية ومحدودة بحائطين عظيمين هائلين، وقارعتها مفروشة بطبقة قير ثخينة وعليها آجر عريض تكسير وجهه المربع خمسون سنتيمتراً وثخنه اثنا عشر سنتيمتراً. وفي وسط الجادة بين القصرين قصر الشمال الشرقي وقصر الجنوب الشرقي. الأب لويس الكرملي إعراب الشرارات ذكر حضرة الكاتب الألمعي سليمان أفندي الدخيل هؤلاء الإعراب في مقالته (بعض الإعراب غير المنسوبة) ص309 ووعدنا القراء أن نوافيهم معرفتنا لهؤلاء الأقوام فنقول:
1. عددهم ومحل وجودهم ووصف بلادهم الذي سمعناه نحن عن عدد هؤلاء الأقوام انه يتردد بين الستين والثمانيين ألف نسمة، يأوون جميعهم إلى خيم يحيكونها من وبر الجمال ويضربونها في الديار الواقعة بين مواب (متصرفية معان الحالية) والبلقاء شرقاً بين خليج الفارس غراباً وشمالاً إلى غرب. واسم تلك الديار (ارض السرحان وارض الصوان والحماد) أما أراضي السرحان (والسرحان بكسر فسكون) فأكثرها سوداء مثل حلك الغراب، بركانية الأصل والتركيب، كلها حرار، وسميت بأراضي السرحان والسرحان هو الذئب والأسد لان الإعراب يتوهمون أن الذئاب والأسود تكثر فيه وتفتك بالمسافرين. وأما أراضي الصوان فبعضها حرار وبعضها عبلاء وحمراء قليلاً. وسميت بأراضي الصوان لكثرته هناك. وهي متوفرة الحصى واسعة الأكتاف مترامية الأطراف وأكثرها سهول وحزون. لأنه يرى فيها هضاب وتلال. ويبلغ طولها من شمال إلى الجنوب نحو خمسة أيام على الهجين، وعرضها من الشرق إلى الغرب نحو مسير ثلاثة أيام. وتبعد عن الكرك شرقاً نحو ستة أيام على ذلك السير، ونحو ذلك من مادبا. ومادبا قرية نصرانية في سهول البلقاء. وأما الحماد (وزان سحاب) فهو أرض واسعة واقعة في جنوبي تدمر ممتدة من وادي الفرات إلى جبال حوران عرضاً. وأما طولاً فلا يعرف
له قرار متفق عليه. وقيل: أن تحت اسم الحماد ينطوي أراضي أو وادي السرحان وأراضي الصوان، لان الحماد صقع تكسير سطح اكثر من خمسمائة ألف كيلومتر مربع وهو عبارة عن كل شنخوبة جزيرة العرب من الشمال أي بين جبال عبر الأردن وجبال ديار أدوم والحرار غرباً، وبين جبل شمر جنوباً، وسهول الفرات شرقاً وشمالاً، والحماد هو الذي يسميه بعضهم (بادية العرب) وفريق منهم (بادية الشام) وارض العراق (شولاً) وهذا الصقع وان كان عبارة عن فلواتٍ وفدافد، إلا أن أدنى مطر يسقط عليها ينبتها كلأ ووافراً ترعاه ماشية الإعرابي ومن ذلك اسمه الحماد لمحمدة ارضه، وحسنه. 2 - زرعهم وطعامهم قد رأيت أن هذه الأراضي فلوات قاحلة لا زرع فيها من زرع ابن آدم، بل أن ما ينبت فيها بعض الأنبتة الضعيفة من جنس الحشائش ولاسيما نوع منها يتغذون بحبوبه اسمه (السمح) بفتح وسكون. وتلك الحبوب تشبه السمسم أو الخشخاش بلونها وقدرها. ونوع آخر اسمه الدخن (بضم فسكون) وحبته صغيرة جدا تشبه حبة القريص ولونها أحمر جداً. وهو غير الدخن المعروف بهذا الاسم في العراق. فمن حبوب هذين النبتين يتقوم طعام الشرارات إذ يطحنونها ويتخذون منها أقراصاً ثم يخبزونها. وهم يظنون أن من يأكل خبز الحنطة أربعين سنة تنهكه الأمراض وتتمزعه الأسقام ولهذا يسمونه (خبز الأوجاع) ويكرهونه اشد الكراهية حتى انهم لا يبقونه عندهم في البيت لاعتقادهم أن مجرد وجوده فيه مجلبة للأضرار والأدواء على أصحاب الديار. وهم يرون انهم إذا حرموا حب السمح أو الدخن
فالأحسن لهم أن يأكلوا خبز الشعير. بيد أنني شاهدت فقراء منهم يأكلون خبز الحنطة بشوق وارتياح كما يأكله غيرهم من أعراب سائر القبائل والعشائر. ومن أطعمتهم نوع من العجر النباتية اسمها التمر (وزان سكر) تشبه البطاطة وهي تجيء عفواً في الصحراء في شرقي معان. وفي الجوف أنواع النخل إلا أن الشرارات لا يذوقون تمرها لأنها راجعة إلى ملاكين آخرين، ولهذا فليس لهم شيء يذكر سوى ما يقتنونه من غنمهم ومواشيهم. وإذا وقع في بلادهم الجراد فرحوا اعظم الفرح لأنهم يفضلونه على سائر الأطعمة والألوان. وفي أراضيهم تنبت أنواع الحمض والأشواك كالعاقول وغيره فتكون طعام الجمال. وهم يكثرون من شرب لبن النوق حتى انه كثيراً ما يتفق لهم انهم يبقون أياماً عديدة بدون آكل وشرب ماء لاعتمادهم على جرعة من اللبن المذكور. وفي ديار الشرارات ملح كثير وهو يغزر في بقعة اسمها (ارض السيار) بتشديد الياء. وهناك كثير من الإعراب يحملون منه الأقدار العظيمة فيذهبون به إلى سائر قبائل وعشائر البوادي المبثوثة في ديار مؤاب وسهول البلقاء وحزون السلط. وقد شاهدت هذا الملح فوجدته احسن بكثير من ملح جبل أسدم الواقع في الزاوية الجنوبية الغربية من البحر الميت.
3 - المطر المطر القليل في تلك الأرجاء، ألا أن الضباب يكثر عندهم في أيام الشتاء ومثله الندى والسدى فيقوم ذلك كله مقام الأمطار الغزار. على انه يرى فيها عدة ينابيع وعيون ماء شديدة الاندفاع وفي بعض أراضيها من المياه المخزونة ما يكفيك أدنى حفر لتقع على حائر وافر الماء. 4 - حيواناتهم مال هؤلاء الرجال: الحمر والهجان والجمال. وقد سمعت بعضهم يقول أن بعض اتتاتتئم (تلد ولدين) وعندهم عدد غير يسير من جياد الخيل العراب. ولهم أيضاً شئ من البغال. يسمون بلسانهم البغل الذي أبوه حصان وأمه أتان (سيسي) وتجمع على سياسي وكلا اللفظيين بتشديد الياء ويقوم مقام السرج عندهم ضرب من الجلال يتخذ من الجلد يعلقون به ركابات بسيطة يسوونها من قشر الحمض ويضفرونها ضفراً أو يبرمونها برماً ويعلقون بالطرف الأسفل من كل جهةٍ من جهتي الراكب عودة مستديرة
أو كالمستديرة يقطعنها من الحمض فيتخذونها بمنزلة الركابات التي نتخذها نحن لخيلنا. أما سائمنهم فهي البقر والغنم وهي قليلة عندهم. ولبغض هذه الغنم أربعة أو ستة قرون وهي وان تكن نادرة فانك لا تشاهد مثلها في الديار المجاورة للمدن. 5 - لباسهم يلبس رجال الشرارات مئزراً من جلد الجمال يسترون به عورتهم. والشيوخ منهم يستشعرون شعاراً من وبر الجمال يستر جسدهم من فوق إلى اسفل. وأما نساؤهم فلباسهن كلباس الرجال إلا أن مآزرهن مزركشة الأهداب والذباذب. 6 - نقودهم هؤلاء الأعراب لا يعرفون من النقود إلا المجيدي. وهم يقيسون كل الدراهم من كبيرة وصغيرة على هذا النقد. فربما اخذوا ما ليس بمجيدي واعتبروه مجيدياً لكونه بقدره. وفي المعاملات التي هي أدنى من مجيدي يقولون: نصف مجيدي وربع مجيدي ونصف ربع المجيدي. وما عدا ذلك لا يعرفون شيئاً. 7 - القراءة والكتابة عندهم لا تجد فيهم من يحسن القراءة والكتابة بل ولا من يميز حرفاً من حرف. وإذا اضطر أحدهم في معاملاته إلى التعبير عن أفكاره اتخذ الرسول كتاباً ناطقاً وأنفذه صاحبه.
الكسوف والخسوف في سنة 1916
8 - أخلاقهم وعوائدهم هؤلاء الإعراب أشداء في الحرب، بارعون في الغزو، يكثرون شن الغارات على من جاورهم، ولديهم من وسائل جوب القفار وقطع الفلوات والفيافي ما ليس في مكنه سائر أهل البادية المجاورين لنهر الأردن والبحر الميت هذا عندهم الذلول (الهجين السهل الانقياد) السريع السير الذي يستعينون به على قضاء حوائجهم. وشن الغارات على أعدائهم. أما سائر عوائدهم وأخلاقهم فهي كعوائد وأخلاق سائر أعراب البادية ما عدا الزواج فانه يختلف عندهم بعض الاختلاف. هذا ما علق بالذهن الفاتر، وهو فوق كل علم عليم. الكسوف والخسوف في سنة 1916 يكون في السنة المقبلة كسوفان وخسوفان: فالخسوف الأول يكون في نهار الاثنين والثلاثاء 1 - 2 نيسان (- 13 - 14 ربيع الثاني 1330) ويكون جزئياً أو حلقياً ويدخل: في الظليل في مساء 1 نيسان في الساعة 8 و 55 دقيقة على الحساب المتوسط من ساعة أوربة الوسطى. وفي الظل10و26 ويكون وسطه11 و 14 ويخرج من الظل في صباح 2 نيسان 03 ويخرج من الظليل 1 و، 34
نهر فسقس
ويكون كبر الخسوف 188، 0 من قطر القمر. ويكون كسوف القمر نهار الأربعاء 17 نيسان - (29 ربيع الثاني) ولا يرى إلا قليلاً ويكون حلقياً. ويبتدئ في النيرول وسويسرة في الساعة 11 و 54 دقيقة (أي قبيل الظهر) ويبلغ وسطه في الساعة 1 و 17 دقيقة وينتهي في الساعة 2 و 39 ويبلغ كبيره 830، 0 من قطر الشمس. ويكون الخسوف الثاني نهار الخميس 26 أيلول (4 شوال) ويكون حلقياً. ولا يرى في جنوبي أوربة. ويكون الكسوف الثاني نهار الخميس 10ت 1 (28 شوال) يكون تاماً لكن لا يرى في جنوبي أوربة. نهر فسقس وهو حمشا ومدينة أوبي أو اوابيس وهي باحمشا من الألفاظ التي أعيى تحقيقها العلماء فسقس (وزان هدهد) وهو اسم نهر بلاد أشور القديمة. ومعنى فسقس بلغة اليونان المعا أو اسفل البطن أو الربيض (وهو مجتمع الحوايا في البطن). ولاشك أن النهر المذكور الموجود في بلاد آشورية أو ارمياً لم يكن باليونانية في اصل وضعه بل كان لفظاً آشوريا وارمياً، فنقله اليونان إلى لغتهم بمعناه لا بلفظه لصعوبة نطقهم بالكلمة الأصلية. ومن ثم وجب البحث عن لفظة ارمية تعنى هذا المعنى وتكون في الوقت عينه واردة باسم نهر يدفع مياهه في الفرات وفي الموطن الذي عينه له المؤرخون أوصاف البلدان الأقدمون. والحال لا يوجد حرف يجمع في نفسه هذه الشروط كلها إلا كلمة (حومشا) (وتلفظ بضم الحاء
أصل لفظة الرزق
وإسكان الواو والميم وفتح الشين بعدها ألف) ثم تصروه تسهيلاً للفظ فقالوا فيه حمشا. فيكون هذا رفسقس شيئاً واحداً. ثم أن الأقدمين من مؤرخي اليونان قالوا ما مخلصه: أن عند مصب نهر قسقس في الفرات بلداً اسمه أوبي (أو اوبيس) ولم يعرف ما كان يقابل هذه اللفظة اليونانية أيضاً عند أهل تلك الديار في السابق الإعصار. والذي تحققناه اليوم أن اوبيس أو هي باحمشا. وأنت تعلم أن (با) أو (ب) في الارمية مقطوعة من بيت أي ودار ومدينة. وتكون هذه اللفظة بصحتها أو حرف منها رأساً لألفاظ كثيرة تدل على مدن أو قرى. من ذلك: بيت لحم، وبيت زبدي أو بازبدي، وبادرايا، وباعذري، وبا جرمي، وبيلاب أو بيت لافط أو بيلاقط، وبانهدرا، وبعقوبا) الخ. فتكون باحشما من هذا القبيل ومن المدن المبنية على نهر حمشا. قال ياقوت: باحمشا بسكون الميم والشين معجمية، قرية بين أوانا (وتسمى اليوم وأنا) والحظيرة (وكذلك اسمها اليوم) وكانت بها وقعة للمطلب. . .) اهـ. وتعرف اليوم باحمشا باسم (بوحمشة) وهي عبارة عن نهر في أرضه تلول، وهي قريبة من الدجيل أو السميكة (مصغرتان). فاحفظ ذلك تصب أن شاء الله ملخص عن حديث جرى بين الدكتور هرتسفلد والشيخ كاظم الدجيلي. أصل لفظة الرزق المشهور بين اللغويين أن لفظة الرزق عربية فصيحة. ولم يخطر ببال أحد إنها من اصل أعجمي. أما نصوص اللغويين على صحة هذه اللفظة
وعربيتها المحظة فاكثر من أن تحصى ومن أراد التحقيق فليطلبها في مظانها على إني اذهب إلى أنها من اصل فارسي. وقبل أن تقف على هذا الأصل عليك أن تعلم أن المراد من الرزق في كلام الفصحاء والعوام هو (قوت اليوم) سواء كان هذا القوت لأبناء آدم أو لأبناء الحيوان على اختلاف طبقات القبليين. ومنه: (وكلوا من رزقه - إلا على الله رزقها - يأتيها رزقها رغداً - وعلى المولود له رزقهن - أن الله هو الرزاق) فإذا أعلمت ذلك فلا يبعد من أن يكون هذا اللفظ مشتقاً من لفظة (روزه) الفارسية ومعناها (القوت اليومي) وروزه مأخوذة من روز أي يوم. وأنت خبير بان ما يكون آخره بالهاء في الفارسية يعرب بالقاف أو الجيم أو السكاف بالعربية كجردق وجرموق وخندق وديباج ودورق ودلق ودانق ودهلج والأصل فيها: جرد، وسرموزه، وخنده وديباه ودوره ودله ودانه ودهنة. وعليه قالوا: روزق في روزه ثم خففت فقيل (رزق). ولما ادخلوها في لغتهم شنقوا منها ألفاظاً أخرى وتصرفوا بها تصرفهم بالألفاظ العربية فقالوا: رزق وارتزق واسترزق والرزاق ولرزقه والمرزق والمرزوق إلى أخر ما هناك. نرسيسيان الترجمان الأول في القنصلية الإنكليزية في بغداد
(لغة العرب) وممن ذهب إلى هذا الرأي أيضاً السيد أدي شير رئيس أساقفة سعرد الكلساني (الألفاظ الفارسية المعربة) ص72. وهو رأي محتمل كما انه يحتمل أن يكون عربياً صرفاً مشتقاً من الزق يقال: زق الطائر فرخه: أطعمه بمنقاره. ويفعل الطائر هذا الفعل كل يوم إلى أن ينهض أو يقوى فرخه. فإطعام الله عبيده كل يوم هو من هذا الباب لأنه تعالى بمنزلة الأب الشفيق على أبنائه. هكذا تصور العرب أمر الرزق بالنسبة إلى الرازق. وان قلت من أين أتت الراء المثبتة في أول اللفظة. قلنا: قد أثبتنا في إحدى المجلات العلمية التي تنشر في بيروت أن اصل الألفاظ العربية كلها ثنائي كما اتفق عليه جمهور اللغويين في عهدنا هذا. ثم زيدت حروف في أوائل اللفظة أو أواسطها أو أواخرها كلما احتاج الواضع إلى معنى جديد وأراد أن يحدثه في اللفظ الثنائي. فزادوا هنا الراء في الأول لان الراء تفيد التكرير والإعادة فكان الواضع أراد في قوله: رزق الله عبده: (زقه مكررا عمله يوما بعد يوم). وزيادة الراء في الأول حقيقة لا تنكر. من ذلك مثلا: رجس الماء قدره بالمرجاس واصله: جسه. ورمث الشيء: مسحه بيده واصله: مثه. والرحامس بضم الأول وكسر الميم: الجري الشجاع. وهو مشتق من الحماسة. وزيادة الراء في الوسط واردة أيضاً في العربية منها: العربرب في العبرب (وهو السماق) وقدر عربربية في عبربية. والخرنوص في الخنوص. وشرطا النهر، هما شطاه. والجحمرش في الجحمش.
التنهس
وكذلك معروفة زيادة الراء في الآخر، من ذلك: شمخر في شمخ، وبحثر في بحث، وفجر الشيء في فجه، والبحريت في البحت. إلى آخر ما ورد في لسانهم وهو كثير لا يحصى. وأما زقه فعربية قحة لأنها مشتقة من حكاية صوت الزق. - والقارئ مخير في اتباع الرأي الذي يستحسنه أو يلذ له وهو فوق كل علم عليم. التنهس (وهو البركندان أو المرفع) والتنحس (وهو القطاعة) سألنا بعضهم: هل كان المرفع معروفاً عند العرب النصارى سابقا وما كان اسمه عندهم؟ - ثم ما كان اسم الانقطاع عن أكل اللحم عندهم المعروف اليوم باسم القطاعة؟ قلنا: كان المرفع معروفاً سابقا باسم التنهس. والكلمة لم يذكرها أصحاب المعاجم اللغوية، إلا أن موفق الدين أبا محمد عبد اللطيف البغدادي ذكرها في ذيل الفصيح لثعلب ص105 قال: العوام نقول: تنهس النصارى والمسلمون، إذا أكلوا اللحم واكثروا منه قبيل صومهم. ووجهه ظاهر. لان العرب تقول: تنحس النصارى: إذا تركوا اللحم. والعامة تقول: تنهسوا: إذا أكلوه. وأيام التنهيس هي أيام في أواخر شعبان يغتنم فيها أكل اللحم في النهار. وهذا سائغ لأنه من النهس وهو أكل اللحم بشره وخطف. لأنهم يأكلونه أكل مودع. اه فنرى مما تقدم أن التنهس أو أيام التنهيس يقابل ما يسميه أهل الشام
وديار مصر: المرفع، وأهل العراق، بركندان. والتنحس هو القطاعة. أما المرفع فلفظة ليست بقديمة إذ لا وجود لها في دواوين اللغة ولا في كتب نصارى العرب نهى إذاً محدثة. ويرتقي دخولها في اللغة إلى المائة السادسة عشرة على ما يبين لنا، وقد دخلت عند قدوم المرسلين الإيطاليين إلى ديار الشام ومصر. فعربوا كلمة بكلمة مرفع تعريباً معنوياً أي من باب النقل، ومرفع اسم زمان من رفع ويراد به قرب زمان رفع اللحم. وعليه فعندنا أن الفرنسوية ماخوذة من الإيطاليين. وهؤلاء نحتوها من حرفين لاتينيين وهما أي رفع اللحم. ويشهد على صحة ذلك: أن أهل ميلان يسمون المرفع وان مولدي اللاتين يقولون وهذا ينفي قول من يزعم أن مأخوذة من وأي وداع اللحم أو أي بلع اللحم، لكثرة ابتلاع الناس للحم في تلك المدة. فهذه الآراء الأخيرة هي عندنا في منتهى السخف. أما أهل العراق والجزيرة أي أهل السواد من نصارى العرب فلا يعرفون لفظة المرفع. والمستعمل عندهم كلمة بركندان بالكاف الفارسية (أي وقد اختلف في اصلها. فقال قوم: إنها من اللغة الأرمنية منحوتة من أي حسن وجيد. وكنتان أي قصف، فيكون محصل معناها. القصف الحسن. وذهب قوم إلى إنها فارسية الأصل مركبة من (باده) أي خمر (وخوردن) أي شرب ومؤداها شرب الخمر، لان القصف لا يخلوا من شربها ثم صحف ونحت. بيد أني
خبايا الزوايا في الرجال من البقايا
أرى أن اصلها من (بركردن) الفارسية المستعملة في اللغة التركية ايضا، ومعناها: الاستئصال والرفع، فيكون محصلها نفس مؤدي لفظة مرفع. بقي علينا أن نوضح سبب تسمية التنحس بهذا الاسم. والذي نراه في اصله هو انه مشتق من تنحس الرجل: إذا جاع، لان من يأكل الأطعمة الخالية من اللحم يجوع بسرعة لسهولة هضمها وخفتها على المعدة، على أني اجنح اكثر الجنوح إلى أن تنحس هنا بمعنى تجنب النحس المتولد من أكل اللحم. لأنك تعلم أن أكل النصارى للحم في الأيام المحرم إلا كل فيها من مخالفات الشريعة، ومخالفة السنن من الأمور المشؤومة التي تجر الويلات على صاحبها. ولعلك تقول: لم يأت قط تفعل بمعنى نفي الشيء عن صاحبه أو إلقائه عنه حتى يكون هذا من ذلك - قلنا: قد وردت بضعة أفعال من هذا القبيل ولا يبعد أن تكون هذه العصا من تلك العصبة، فقد جاء عندهم تنجس بمعنى القي عنه النجاسة بان أتى فعلا يخرج به من النجاسة إلى الطهارة. وتأثم، إذا فعل فعلا يخرج به من الإثم. ومثلهما: تحرج وتحنث وتحنف وتحوب. وعليه، فتكون تنحس بمعنى خرج من النحس بامتناعه عن أكل اللحم. احفظ ذلك كله تصب أن شاء الله تعالى. خبايا الزوايا في الرجال من البقايا للعلامة المحقق، والفهامة المدقق: الشهاب احمد الخفاجي المصري، تغمده الله برحمته، أمين أمين) هذا هو نقل النص الموجود في الصفحة
الأولى من كتاب خط في التراجم للخفاجي المشهور، موجود في دير المبعث في بغداد. طوله 19 سنتيمتراً في عرض 12، فيه 172 ورقة وفي كل صفحة 29 سطراً دقيق الحرف حسن الخط، وقد ضبطت ألفاظه في المواطن التي تحتاج إلى ضبط، والعناوين كلها مكتوبة بالأحمر. وقد وصف صاحب كشف الظنون هذا الكتاب النفيس فقال: مجلد لأديب العصر شهاب الدين احمد الخفاجي المصري المتوفى سنة 1069 (0 - 1658م)، أوله: (حمداً لك اللهم يطوق جيد البلاغة نظم عقوده الخ. ذكر فيه أدباء عصره من شيوخه وشيوخ أبيه كصاحب الذخيرة، وقلائد العقيان، واليتيمة، والدمية، وعقود الجمان. ورتبه على خمسة أقسام: الأول في رجل الشام (وهو في نسختنا من ص11 - 65) الثاني في رجال الحجاز (وهو في نسختنا في ص65) الثالث في رجال مصر (وهو في نسختنا في ص80) الرابع في رجال المغرب (وهو في نسختنا في ص126)
الخامس في رجال الروم وهو في نسختنا في ص144 الخاتمة، في نظم المؤلف ونثره وهو تأليف لطيف يدل على مهارة مؤلفه في الأدب اهـ كلام الحاج خليفة وفي الصفحات الاول إشعار خارجة عن نص الكتاب وهي بأقلام مختلفة والشعراء شتى. ومن جملة ما ورد في إحدى الصفحات ما هذا نصه: (ومما كتبه المرحوم سلطان سليم خان على جدار تكية القادرية الواقعة على نهر العاصي لما دخل حماة حين ذهابه لفتح مصر القاهرة. بنو الكيلان (كذا) طبتم في مقام ... أرى من دونه السبع الطباقا أطاع لديكم العاصي ولما ... تشرف بالجوار حلا وراقا وقد يبلغ عدد المترجمين من علما الشام وشعرائها 47، ومن أعيان مكة 19 ومن مشاهير مصر 62، ومن نوابغ أهل المغرب 14، ومن فضلاء وأدباء ديلر الروم 3 فيكون مجموع التراجم 145 وفي الختام أرجوزة طويلة للمؤلف سماها (بذوات الأمثال) وفيها 627 بيتا وكلها من روائع، الحكم، وبدائع الكلم: أولها. الشكر روض قد زها أنوارا ... ما كل نور يعقد الثمار فالشكر لله على الأنعام ... يختال في ملابس الدوام وختامها: والدهر نجار له حانوت ... ينحت فيه المهد والتابوت لا شيء كالقلب انفساحاً وسعه ... فكل شيء في الوجود وسعه
فلا تضيقه بهم قد نزل ... وما لغير الله فيه من محل فاشرحه بالفوز اللطيف القدسي ... وصير البسط أنيس النفس إن فيه عيباً لا يغتفر، وهو أن المؤلف قد جرى في وضع كتابه يجري بعض من تقدمه من شيوخه وشيوخ أبيه، كصاحب الذخيرة، وقلائد العقيان، واليتيمة، والدمية أي انه يترجم الشاعر بعبارات مسجعة منمقة بدون أن يذكر سنة ولادته ولا مسقط رأسه ولا يوم وفاته ولا محل دفنه وهذه كلها من الأمور التي لا يستغني عنها. وكذلك لا يقول شيئاً عن مؤلفات المترجم ولا ما يبين علو كعبه في الفضل والعلم ليميزه عمن سواه. ومن عيوبه أيضاً انه يصف الشاعر بأوصاف علمه يمكن أن تصح في مئات من أهل النظم والأدب بدون فرق جزيل. فانظر مثلا ما يقول في تقي الدين بن معروف: (ص80) (سماء نضل معروف. وغيث كرم ومعروف. رياض علمه أريضه. وساحة مجده عريضة. إذا لمس اليراع سجد في محراب طرسه شكرا، وماد بمدام مدامه سكرا. فكم بليل حبره المسكي الأنفاس، يد بيضاء بيض الله بها وجه القرطاس، تخبران المانوية تكذب. وله في علم النجوم مرتبة دونها الثريا إذا رامها سواه. قالت أعوذ بالرحمن منك أن كنت تقيا. فلا زال ينم بأسرار السما، إذ صعدها بخطوات أفكاره وسما، حتى كأنه اتخذ جداولها له سلماً. . . .) إلى آخر هذه السجعات التي لا تزيدنا علما بالمترجم ولا تميزه عمن سواه.
باب المشارفة والانتقاد
وليس في نسختنا تاريخ كتابتها، لكنها قديمة ولعلها من عصر المؤلف وورقها حسن من أجود النوع، وفي هذا القدر كفاية لمن يريد أن يتولى نشر هذا الكتاب أو مقابلة نسخة طبع عليه، والسلام. باب المشارفة والانتقاد 1 - تمام المتون، في شرح رسالة ابن زيدون. للعلامة صلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي. طبع في مطبعة الولاية في 321 صفحة بقطع الثمن سنة 1327. وقد عني بنشره محمد رشيد أفندي الصفار أحد كتاب جريدة (بغداد) سابقاً. وصاحب صحيفة (الزهور) البغدادية حالاً. وبعد أن بيع في أوائل طبعه بعشرين قرشاً صاغاً يباع اليوم بخمسة غروش صاغ لا غير حباً بتعميم نشره. كل أديب من أدباء العرب يعرف ما لأبي الوليد احمد بن عبد الله المخزومي الخضرمي الأندلسي القرطبي المشهور بابن زيدون المتوفى سنة 463هـ (- 9ت1 سنة 1330م) من الإنشاء العالي النفس والاطلاع على آداب العرب وأمثلهم وأخبارهم وآثارهم وله عدة تأليف منها التاريخ المسمى باسمه. والرسالة التي كتبها إلى الوزير أبي عامر بن عبدوس وشرحها جمال الدين أبو عبد الله محمد بن محمد نباتة الشاعر المشهور المتوفى سنة 768. وسمى هذا الشرح سرح العيون، في شرح رسالة ابن ء ؤزيدون؟
والرسالة التي كتبها إلى أبي الوليد بن جهور وشرحها ابن أبيك وهي التي طبعت في بغداد على كاغد حسن، لكن الطبع غير جلي. وقد نشر محمد رشدي أفندي الحكيم الدمشقي في مجلة المقتبس 6: 542 شيئاً كثاراً من المتن نقلاً عن النسخة المخطوطة الموجودة في خزانة السيد عبد الباقي الحسني الجزائري والمكتوبة سنة 1256هـ. ومن يقابل بين نسختي المتن ير بينهما فرقا يذكر. وكنا نود أن ينشر متولو الكتب القديمة اختلاف الروايات أو النسخ، وان يميز المتن عن الشرح بشكلين من الحروف: المتن بحرف ضخم والشرح بحرف أدق. وان ينبه على المواطن المغلوطة بقواهم: (كذا) حتى يفهم القارئ أن هذا الغلط من النسخة الأصلية لا من الطبع. والظاهر من نسخ هذه الرسالة وشرحها أنها كثيرة الأغلاط دسها جهلة النساج لقلة بضاعتهم في الأدب. وكأن ذلك لم يكف لمسخ هذا السفر الجليل فقد ورد في طبعها أغلاط أخرى أتى بها الصفافون ولم تصحح. والأمل أن يصححها ناشرها كما وعد. حرصاً على كنوز السلف الأدبية. وضناً بفرائدها من الامتهان. 2 - المجازات النبوية إليك ما كتب في صدر هذا الكتاب لتعريفه: (كتاب للشريف الموسوي السيد راضي، ذي الحسين، فصيح قريش وناطقة الأدباء، وقدام العلماء، والمبرز على سائر البلغاء، أبي الحسن محمد بن أبي احمد النقيب الطاهر، ذي المناقب، الحسين بن موسى الابرش بن محمد بن موسى أبو (كذا)
صبحة ابن إبراهيم الأصغر المرتضى بن موسى الكاظم، عليه آلاف التحية والسلام، وعلى آبائه الأئمة الكرام. (ولو قيل: للشريف الموسوي لكفى، لشهرة الكاتب البليغ). - طبع في مطبعة الآداب، على نفقة جلالة السيد العالم الفاضل، والحبر الكامل، اشرف الحاج جناب السيد محمد نجل حجة الإسلام والمسلمين السيد سيد حسن صدر الدين، دام ظله العالي آمين. حق الطبع محفوظ. (ولو بقي في الصفحة بياض لما اكتفى الطابع بهذا الكلام، بل لزاد عليه حتى يثير في صدر القارئ دفين السام.) الكتاب بقطع الثمن وعلى ورق حسن وعدد صفحاته 287 إلا انه كثير أغلاط الطبع التي تشوه محاسن هذا السفر البليغ كما هو شان جميع ما يطبع في حاضرنا لقرب عهد أبناء وطننا بهذه الصناعة الشريفة. وليس في آخره إصلاح الغلط. فمما ورد في ص2 وأخفانها (أي وأجفانها) وجاء في ص3 وعرنينين (والأصح وعرينين) لقوله بعد ذلك: لم اسبق إلى قرع بابهما. وجاء: (بتوفيق لله). والأصح (بتوفيق الله). وجاء: لم يبق من الفضل إلا الدماء (والأصح الذماء) بذال معجمة. وورد أن يفوثني والأصح أن يفوتني فهذه خمسة أغلاط في الصفحتين فما القول فيما يتلو من الصفحات وكنا نود أن تكون العبارة المشتملة على المجاز أو على الأثر بحرف يمتاز عن حرف الشرح وان تقع في سطر لا يتصل بما قبله أو بما بعده إراحة للفكر والنظر. وإلا فالكتاب على ما تراه عبارة عن جملة واحدة تبتدئ بالسطر الاول وتنتهي في آخر سطر من الوجه الآخر. ولا يخفي ما في ذلك
من الارتباك والتشويش المخالف لأصول الطبع في عصرنا هذا. والأمل أن يصلح هذا الخلل وما ضاهاه في الطبعة الثانية تقريباً لمنافعه. 3 - شواهد القطر (كتاب شواهد القطر وحاشيته، للفاضل الكامل، والعالم العامل، الشيخ عبد الرحيم ابن الشيخ محمد ابن الشيخ عبد الرحمن السويدي الشافعي البغدادي العباسي) (قام بطبعه خدمة للعلم أفقر الورى إلى الملك الوهاب محمود بن عبد الوهاب. حقوق الطبع محفوظة للطابع. طبع بمطبعة الآداب في بغداد سنة 1329) في 315 صفحة بقطع الثمن الكبير. كتاب قطر الندى، وبل الصدى، لابن هشام الأنصاري من اشهر الكتب النحوية وهو اشهر من القمر. وقد عني بشرحه وتعليق حواشٍ عليه جماعة من النحاة في كل عصر من العصور، فشروحه إذا لا تعد وكذلك حواشيه. وممن اهتم بشرحه علماء بغداد في جميع الأزمنة ولا تخلو أسرة من اسر مدينة السلام إلا وفيها من تصدى للتأليف في الموضوع المذكور مع أن الشروح أصبحت اكثر من أن تذكر أو تحصر. والكتاب المطبوع في مطبعة الآداب هو العلامة السويدي المشهور. وهو لا يمتاز بشيء عما صنف في هذا الباب. فكنا نود أن نرى ما يطبع اليوم واضح الأبواب. مقسم الفصول، وان لا يكون السفر من أوله إلى آخره عبارة عن فصل واحد يبتدئ بأول سطر وينتهي في السطر الأخير. تلك الفصول في تلك العصور الخالية
وتوفيرا للدراهم. وأما اليوم فان طلبة العلم يحبون أن يصرفوا شيئاً من مالهم ضنا بالوقت، وحبا بأخذ العلم بسرعة. وهذا لا يكون إلا بتسهيل وسائل التلقين والتلقي، ومن جملتها هذه الذرائع التي أشرنا أليها. فالأمل أن تكون الطبعة الثانية واقية بالمقصود، بمنة تعالى وكرمه. 4 - ذخيرة الأصغرين (الجزء الاول) طبع بمطبعة ماربولس في حريصا (لبنان) سنة 1911 في 308 صفحات بقطع الثمن. وهو كتاب مختارات جمعها سيادة الحبر الجليل والكاتب المجيد جرمانوس معقد مطران اللاذقية من أقوال بعض أعاظم الكتبة الأقدمين كصاحب الأغاني، وابن المقفع، وابن خلدون، والمحدثين كاليازجية ولا سيما الشيخ إبراهيم اليازجي. وهو سفر يصلح لان يكون مصحفاً بأيدي الطلبة لحسن طبعه وتهذيب عبارته وضبطها بالشكل الكامل، إلا انه ورد في الصفحة 34 عبارة لا توافق الغاية التي توخاها سيادته من وضع هذا الكتاب وهي تعميم نفعه بين جميع الطلبة على اختلاف مللهم ونحلهم. فعسى أن يكون الجزء الثاني أوفى بالمراد. 5 - كتاب الذهب، لتهذيب أحداث العرب (الجزء الاول) طبع بمطبعة الآباء الدومنيكيين في الموصل سنة 1911 في 80 صفحة تأليف سليم أفندي حسون، احد معلمي مكتب الآباء الدومنيكيين والغاية من وضعه: (إتحاف أحداث العرب بكتاب قراءة عصري جديد يلذ لهم ويفيدهم) على أن هذه الكتب التي توضع في أيدي أحداث الطلبة من
كيش وهس اليوم تل الاحيمر
أبناء اللغة لا تكون مفيدة ما لم تكن مهذبة العبارة غاية التهذيب، حتى تنشأ في المتعلم ملكة الكتابة، وان تكون الألفاظ مضبوطة ضبطاً صحيحاً وقد وقع في هذا الكتاب شيء كثير يخالف هذه السنن كقوله ص36 حوش الدجاج والأصح حير الدجاج وكقوله أيضاً: بنظر نظرة الحائر وضبط نون نظرة بالفتح، والأصح بالكسر، وكقوله وهو يعطي الأوامر والنوهي، والاصح يأمر وينهى. فنأمل أن يكون الجزء التالي أوفى بالمقصود من ضوء هذا كيش وهس اليوم تل الاحيمر (تل الاحيمر) راجع إلى لواء أو سنجق الديوانية، الذي هو من ملحقات قيم مقامية الحلة. وهو واقع على بعد 20 كليو متراً من الشمال الشرقي من الحلة. وقد زارته البعثة الفرنسوية في سنة 1853 التي كان زعيمها جول اوير وذلك عند عودتها من بابل قافلةً إلى بغداد بعد أن حفرت في هذه المدينة العظمى حفراً هو الحفر الاول الذي أجراه الأوربيون في حاضرة ديار بابل. وكان أولئك العلماء رأوا في ذلك الصقع ثلاث طوائف من التلال الطائفة الأولى: تلال الغرب ويسميها أهل تلك الديار. (تل الخزنة) وقد وجدوا فيها بعض الرقم أو الآجر المكتوب. والطائفة الثانية: تلال الوسط ويسميها الأعراب (الاحيمر) (تصغير الأحمر) وهيئته هيئة هرم، ويظن انه البرج ذو الطبقات، وقد وجدوا فيه آجرة من نبو كر أصر.
والطائفة الثالثة (تلال الشرق) وهي تشمل على عدة أطلال تدل على إنها كانت دوراً ومنازل في سابق العهد، ما عدا التلال الكثيرة المنبثة في حواليها، وبناء غريباً بصورة نعل فرس مستطيل الشكل. ويطلق البدو عليها اسم (البندر). وممن زار هذه الاخربة قبل البعثة العلمية الرحالة الإنكليزي كير بورتر الشهير وتتفق أوصافه لهذه الاخربة مع أوصاف اوبر وتوما. والاحيمر هذا هو كيش بكسر الكاف بعدها ياء ساكنة وفي الآخر شين مثلثة أما أن أطلال الاحيمر هي كيش في سابق العهد، فقد كان قد ذهب إلى هذا الرأي العلامة ويسباخ من باب الرجم إلا أن الباحث النقاب ثورو دانجين بين بأدلة قاطعة ناصعة في سنة 1908 أن الاحيمر هو كيش، وقد أوضحت بعده أنا أيضاً هذه الحقيقة بحجج لا تقبل الشك والريب مأخوذة من نصوص جديدة عثرت عليها في السنة المنصرمة في الرقم والكتابات القديمة المسمارية الخط. كانت كيش من اقدم مدن ديار بابل، وكانت من جملة بلاد مملكة أكد (وزان شمر) (وكانت مملكة سامية) مقابلة لمملكة سومر (وكانت سومرية). ومما وجد بخصوص تاريخ كيش ما وقعوا عليه في تلو (بفتح التاء واللام المشددة المفتوحة والواو الساكنة) من الآثار وهي جملة أسلحة كانت لملك من ملوك كيش اسمه مي سليم - وقد اشتهر بعد ذلك في ما اكتشف في الأسانيد التي وصلت إلينا، بكونه سعى في إصلاح ذات البين
بين اثنين من أصحاب اقطاعاته وهما: حاكم لجش وهي المسماة اليوم تلو وحاكم (أُمَّا) (بضم الهمزة في الاول بعدها ميم مشددة مفتوحة وفي الآخر ألف مقصورة) وهي التي تسمى اليوم جوخى ويلفظها بعض أعراب المنتفق بوخى. ومن أخبار ملوك كيش انهم ناوأوا حكام تلو. وقد أبقى أحد هؤلاء الحكام وهو المسمى: أي أن ناتوم - نصبا يعرف بنصب النسور وهو محفوظ اليوم في قصر اللوثر في باريس محفور عليه صورة لملك كيش وقد فاز به الحاكم المذكور وانتصر عليه. وبقيت كيش مدة قرن كرسي المملكة في عهد الملوك اورومش ومانشتوسو ووشروجين ومن أسماء ملوكها ما وجد في رقيم نشره في السنة الماضية الأثري العلامة الأب شيل الدومنيكي وقدمه إلى ندوة علماء الآثار الفرنسوية، وفيه مختصر تاريخ خمس دول. وهذا الرقيم وجده الأعراب في الاحيمر عند تنقيبهم فيه عن الآثار العادية. ومن بعد أن خمل ذكر كيش مدة عاد فنبه في عهد حمورابي معاصر إبراهيم الخليل، (وحمورابي هذا هو المعروف في التوراة باسم امرافيل على ما أثبته النقاب الأب شيل الدومنبكي وهو موحد المملكة البابلية) فلما اتضح لهذا الملك الغيور ثبوت شهرة كيش وخاف من أن تضره بنوع من الأنواع آلي على تخريبها فاكتسحها وضعضعها. ومن ذاك الحين خبت نارها، واندرست آثارها. ومما وجد في كيش (الاحيمر) كتابات تثبت وجود مدرسة للكتبة
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
في سابق الزمن كما كان مثلها في سيارة (وهي اليوم أبو حبة) وهناك كان الكتاب يمارسون الخط والمشتق والإنشاء والترسل وكتابة الوثائق والحجج وما كان من هذا الباب قبل أن يتخذوا لهم تلك الصناعة مهنة لهم. فهل بعد ذكر هذه الأمور المقررة من يشك بالفوائد التي تنجم للباحث إذا ما نقب في الاحيمر عن الآثار العادية التي يعثر عليها. فلهذه الغاية عينها اتفقت دولة فرنسة مع الدولة العلية فعينتني في هذه البعثة العلمية التي أتوسم فيها النجاح للتاريخ ومحببة والسلام. دجنوياك تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره أشتاء بغداد اغلب ما يشتد البرد في بغداد في شهري كانون فينزل إلى درجة السادسة أو الثامنة تحت الصفر، وأما هذه السنة فلم ينزل إلى الصفر، وابرد يوم كان عندنا هو الذي فيه نزلت الحرارة إلى الدرجة الثانية فوق الصفر ولهذا لم يكن عندنا إلا وبيع لما كان هذا الربيع غير مألوف في مثل هذين الشهرين كثرت الأمراض ولا سيما أنواع الحميات والأدواء المتولدة من الرطوبة كالرثية (وجع المفاصل) والنقرس والنزلة والزكام ولا يخلوا أسبوع إلا ويموت فيه واحد أو اثنان من النصارى. فما القول في المسلمين واليهود وهم اكثر عدداً من أولئك.
2 - المسرة (التلفون) بين بغداد والكاظمية وضع التلفون بين بغداد والكاظمية في نحو أوائل شهر كانون الاول وعن قريب يقام بين بغداد وخراسان. 3 - عشائر البوشبل وحسن آغا كانت العساكر العثمانية تحافظ على حسون آغا لمنع الأعراب من الهجوم عليه. فلما ذهبت عنه ولم يبق بجانب الاغا إلا قراب ثمانين من الجند سارت عشائر البوشبل تريد احتلال أراضيها السابقة وقد انقسمت قسمين: القسم الواحد يجمع أن آل صادق والثاني آل دهيم (كزبير) فأما آل صادق فعبروا من (أبي تبن). وأما آل دهيم فانهم عبروا من (الهبش) ولما اجتمع القبيلان سارا على بني زريق (كزبير) وهم أعمام حسن آغا وحمى الوطيس وانجلت المعركة عن استيلاء آل البوشبل على القلاع وإخراج من فيها وأما حسن آغا فقد هرب إلى معسكر الجند فتعقبه الأعراب ولما اصبحوا على قاب قوسين من الفتك به خرجت العساكر على المعتدين فوقع بين الجمعين إطلاق نار أماتت طائفة من المتخاصمين وفي تلك الأثناء سمع سلمان الظاهر أحد رؤساء عشيرة الخزاعل دوى البنادق فخرج للمحاجزة واخذ حسن اغا إلى بيته فسكنت ثائرة الفتنة. وكانت العشائر الشبلية هدمت جميع القلاع التي بنتها الحكومة لحسن آغا بدون أن تخاف عساكر الدولة لا بل لبثت واقفة أمامها بقلب كأنه قد من جلمود إلى أن جاء طابور النجف فناجزها كل المناجزة وحينئذ وقفت عن
الإمعان في القتال. والظاهر أن الأمور لم تنته إلى هذا الحد، فان عشائر البوشبل تبلغ عشرة آلاف رجل من حملة السلاح وهي تريد الرجوع إلى أراضيها فإذا دفعوا عنها يصرون على أن يطالبوا بها الحكومة إلى أن يحصلوا عليها. وان لم يفد الإلحاح يلجئون إلى القوة. ومن ثم يضطرب حبل الأمن في تلك الأرجاء. هذا فضلاً عن أن العشائر إذا علمت إنها محرومة من أراضيها أو أن لا ديار لها وهي قد آذت الحكومة فلا يسعها إلا ارتكاب الموبقات والمنكرات حملا لأهل الحل والعقد على توخي الصلح والسلم إنهاء للمعضلات. (ملخص عن الرياض) 4 - أشقياء الاحساء كثر الأشقياء في هذه الأيام في الاحساء وجوارها وعاثوا فيها عيث الذئب الامعط في الغنم. من ذلك أن رؤساء العجمان اخذوا من ذي النون الموصلي (المصلاوي) ثلاثمائة بعير، ولم يستطع أن يسترجع منها إلا خمسين بعيراً، لتراخي الحكومة في القبض على شؤون تلك الديار. وحاول الأمير عبد العزيز باشا السعود إرجاعها إلا أن الأعراب اثبتوا إنها أصبحت في قبضة الرؤساء رجال الحكومة. فتأسف الأمير على وقوع مثل هذه الأمور في هذا العهد. (عنها ببعض التصرف) 5 - نهر الحسينية جرى الماء في نهر الحسينية (كربلا) بعد أن كاد أهالي تلك الأنحاء
يموتون عطشا. 6 - علماء النجف ومجتهدوه وفد إلى الكاظمية عصر نهار الاثنين 8ك2 علماء النجف ومجتهدوه وهم: آية الله المازندراني مع جم غفير من طلبة العلم. وقدم نهر الثلاثاء الشيخ باقر القمي حجة الإسلام السيد علي التبريزي المشهور بالداماد، والشيخ عبد الهادي شليلة، وشيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد مصطفى الكاشاني، والسيد آغا القزويني، والشيخ محمد حسين القمشي، والسيد محمد علي الشاه عبد العظيمي. وقدم من كربلاء السيد محمد الكاشاني والسيد إسماعيل الصدر والشيخ حسين، ومن مجتهدي الحلة السيد محمد القزويني. وجاء من سامراء حجة الإسلام الميرزا محمد تقي الشيرازي. 7 - قدوم عالمين فرنسويين للتنقيب في الاحيمر مساء نهار الخميس 11ك2 قدم على الباخرة (خليفة) عالمان فرنسويان وهما الابيل دجنوياك والأديب المسيو دروين الاول مستشرق كبير ويحسن اللغة المسمارية قراءة وكتابة ويفهم معانيها والثاني راز (عارف بأصول البناء وتزينه وقد قدما لينقبا في الاحيمر التي كانت تسمى قديماً (كيش) اوكيشو وقد مر الكلام عنها في هذا الجزء. 8 - أشقياء من عشيرة الصائح وأعراب التومان سرق بعض الأشقياء من عشيرة الصائح 167 رأساً من الشياه من أعراب عنزة القاطنين في ارض الجزيرة وحالما وصل الخبر إلى مدير ناحية تكريت هجم هذا
الهمام على اللصوص بينما كانوا يستعدون للهرب وكانوا مقيمين في شريعة القائم التي تبعد نصف ساعة عن تكريت قاصين عبور نهر دجلة. ولمل اصبح المدير على قاب قوسين منهم رمى هؤلاء العماريط أسلحتهم وامتطوا خيلهم وفروا وتركوا كل ما نهبوه من أعراب عنزة فسبق إلى دار الحكومة. وبعد يومين سرقت شرذمة أخرى من العشيرة المذكورة 29 رأسا من الغنم وثلاثة من الحمر قلما درى بأمرهم المدير وقع له ولهم ما وقع له ومع رفقائهم المذكورين وسلبت جماعة من عشيرة التومان وهي من سكن (حويجة العبيد رجلا من قضاء عانة اسمه السيد احمد الراوي 83 رأساً من الشاه فاستردها أيضاً المدير المذكور. فمثل هذا يجب أن يكون أرباب الحكومة لأن الأمور لتي أتاها وان كانت لا تعد شيئاً بالنسبة إلى الأعمال العظيمة إلا إنها تدل على نفس عظيمة فعسى أن يكون المتوظفين مثله. (ملخص عن الزهور البغدادية) 9 - البريد العثماني والبريد الإنكليزي مضت طائفة من الشهر الماضي واغلب أيام هذا الشهر والبريد
العثماني لم ينقل ألينا جرائد البلاد العثمانية ولا صحف الديار الغربية ولم نقف على السبب إلى الآن. أما الرسائل فقد جاءنا بعضها في ميعادها. فإلى متى يسود في بلادنا الارتباك والتشويش والاضطراب؟ أما البريد الإنكليزي فهو في غاية الانتظام ولولا إياه لأصبحنا في بلاد لا تتصل بديار خلق الله البتة. 10 - اللقالق وسائر الطير القواطع في ديار العراق اللقالق في العراق من الطيور القواطع، تأتينا في أواخر ك2، أو أوائل شباط وتهجر ديارنا في أوائل أيلول. أما هذه السنة فإننا رأيناها منذ ت2 فتفاءلنا بسرعة عودها ألينا وبربيع لا يسبقه شتاء بارد. وهكذا كان الآمر. وما قلناه عن اللقالق نقوله عن سائر الطير القواطع كالسنونو والحدأة وبعض أنواع الغراب وغيرها، فإنها كلها قدمت قبل أوانها المعهود لتبشرنا بربيع طويل وأمطار غزيرة وخيرات متدفقة. 11 - عشائر آل غزالات وآل إبراهيم هجمتا على عشيرة آل نبهان في اليوم 25 من شهر رمضان من السنة الماضية (15 أيلول 1911) وفي أثناء الهجوم قتل الأعراب المعتدون من عشيرة آل نبهان 12 رجلاً وامرأتين واخذوا قلعتين واحرقوا ما يقرب من أربعين داراً ونهبوا من المواشي شيئاً مذكوراً وحاصروا القلعة التي يأوي إليها عيالهم وأطفالهم من 15 إلى 21 من الشهر المذكور. ولما زحف عليهم جند الدولة أمر
حضرة قائدهم أن يرجع الضباط المنهوبات لأصحابها فأرجعت واخذ المعتدين إلى قضاء (أبي صخير) وقبض على جماعة من العشيرتين الهاجمتين أي على ملاح آل طغيش، والسيد علوان، وشعلان، وعبد آل صفوق، ورباط ومعهم شيخ آل نبهان وولده فسلموا كلهم إلى قضاء أبي صخير وأوقفوا هناك. ومن بعد أيام قلائل أطلقتهم الحكومة جميعهم إلا آل نبهان وولده فابقوا محفوظين. وزيادة على ذلك أمرت الحكومة بإخراج آل نبهان من أراضي (أم سباع) وإعطائها إلى حسن آغا. فلما صدر الأمر بذلك امتثلت تلك العشيرة الأمر وانتقلت من أرضها التي عمرتها بأيديها وجدها وكدها واحتلت دارا خربة هي وعيالها ومن يلوذ بها. والأمل أن الحكومة تستجلي الأمر وتؤدي لكل ذي حق حقه. لان الأمور بقيت معلقة بهذه الصورة الآن. الحقوق جريدة يومية تنشر في دار السلام إلا إنها تصدر الآن أسبوعية وهي (محبة للحقيقة وخادمة للحق) اغلب مندرجاتها باللغة التركية وفيها ما يقارب العمود باللغة العربية صدر عددها الأول في 28 محرم 13330 الموافق 18 كانون الثاني سنة 1912 وهي تطبع في مطبعة الشابندر وصاحبها ومديرها المسؤول اصغر زاده معروف أفندي ومحررها معروف أفندي المضحكات جريدة هزلية فكاهية تصدر في بغداد مرة في الأسبوع موقتا وقد برز
المعاجم العامية في اللغة العربية
عددها الاول في 8 صفر 1330 الموافق 23 كانون الثاني 1912 لصاحبها ومديرها م. لطفي. المعاجم العامية في اللغة العربية إني لست أول من تصدى لجمع الألفاظ العامية والدخيلة والتقاطها من أفواه العموم وتدوينها بطون الكتب والقواميس بل قد سبقني إلى هذا الموضوع الحيوي كثيرون من الأدباء. أما المؤلفات التي وصلت يدي إليها فهي ثلاثة: الأول، هو المعجم الموسوم بالدليل، إلى مرادف العامي والدخيل، تأليف اللغوي الفاضل رشيد أفندي عطية اللبناني وهو أكبرها حجماً وأدقها بحثاً وأغزرها مادة وفيه ما ينيف على ألف لفظة مع ما يرادفها من الكلمات العربية الفصحى وكان الفراغ من تأليفه في 30 نيسان سنة 1898 وقد جاء في الصحيفة 341 منه ما يأتي: (إن هذا الباب من التأليف في لغتنا لم يطرقه أحد بعد من الأدباء سوى الطيب الذكر الشيخ خليل شقيق علامتنا اللغوي الفاضل الطائر الشهرة الشيخ إبراهيم اليازجي. ولسوء الحظ انقض عليه طائر الموت فاختطفه قبل إنجازه ولم يتيسر لنا وجود شيء مما كتب في هذا الموضوع لنستعين به على الخوض في هذا الميدان) فيكون حسب رواية هذا الأديب أم حضرته أول من ألف في هذا الموضوع الجليل. والثاني هو: أصول الكلمات العامية تأليف حسن أفندي توفيق وهي الرسالة الأولى التي برزت في سنة 1898 تقع في 46 صحيفة وقد وعد
صاحبها انه سيشففعها بثانية وثالثة وهلم جراً ولكن لم يقم بوعده فلربما ثبطه عن سعيه تراكم الأشغال وهاك بعض ما ورد في المقدمة: (وقد اختلست أوقات الراح التي سمحت بها الأشغال للقيام بهذا الموضوع الوعر الطريق وبعد زمن ليس بالقليل وجدتني قد وقفت على كثير من أصول هذه الكلمات. إلى أن بعضها يحتاج إلى زيادة التحقيق والتدقيق كان بودي لو انشرها جميعاً في كتاب ضخم بعد تتبع كل الكلمات إلا أن كثير من الأخوان والطلاب رغبوا إلى أن انشرها تباعا في رسائل متتالية تعجيلاً بالفائدة وتسهيلاً للتداول. ولم يسعني سوى إيثاري رغبتهم وإبلاغهم أمنيتهم، فأنفذت هذه الرسالة الأولى في جامعة لأصول (مائة) كلمة مرتبة على حروف المعجم علها تكون داعية للشبان ولناشئة المدارس إلى تقويم ألسنتهم وباعثة لهمهم الأخوان للبحث معي في هذا الموضوع الذي يكاد تقصر دونه همة الفرد الواحد.) والثالث هو: الدوائر السريانية، في لبنان وسورية صدر عام 1920 بقلم القس الفاضل يوسف حبيقة الماروني وهو الجزء الأول عدد صفحاته نحو 130 وقد وعد مؤلفه انه سيردفه بغيره ولكنه لم يقم بما قال والأسباب أجهلها. واليك ما ورد في مقدمة المؤلف: (فان أصاب كتابنا هذا عند حفدة العلم انعطافاً عليه ولاسيما حضرات الأعلام المستشرقين أتينا غير هذه نعدها أما على هذه الطريقة أو على سواها لأن إقبال الأدباء على ثمرات الأقلام يزيدها استدراراً وانتجاعهم رياض الأدب يحث من وليها ركاب الجد وراء تعهدها بما يزيدها رونقاً ورواءً)
فقد ظهر مما تقدم أن بعض أدباء سوريا ومصر ألفوا بعض كتب في العامي والدخيل. أما أدباء العراق فلا أظن أن أحداً منهم كتب شيئاً من هذا القبيل. لأني بحثت ملياً ونقبت لعلى اظفر بتأليف قديم أم حديث في لغة ديارنا لاستعين به على الإقدام في هذا الميدان فذهبت أتعابي أدراج الرياح ولم احصل على طائل. بيد أني وجدت داود أفندي فتو الصيدلي قد أخذ بتأليف معجم عربي إنكليزي يشتمل على لغة اغلب أهالي العراق وهو على وشك إنجازه وتمثيله للطبع فعساه وافياً بالمطلوب يمنه تعالى وكرمه رزوق عيسى (لغة العرب) أن جماعةً من المستشرقين كتبوا عن لغة العراق ولا سيما عن لغة بغداد، لكنهم لو يؤلفوا كتاباً قائماً برأسه في الألفاظ والمفردات. ومم خاض عباب هذا الموضوع أحد أبناء بغداد من النصارى وهو القس جبرائيل أوساني الكلدانى وقد نشر مقالة طويلة في هذا البحث أدرجها في مجلة أميركية اسمها (مجلة اللجنة الأميركية الشرقية) في سنتها الثانية والعشرين التي صدرت في سنة 1901 في الصفحة 97 وما يليها وعنوان المقالة: (اللغة العامية البغدادية) والمستشرقون الذين طرقوا باب هذا البحث هم: الدكتور ماينر والدكتور يحيى الدانمركي وغيرهما.
العدد 9
العدد 9 - بتاريخ: 01 - 03 - 1912 السيد صالح القزويني تمهيد شعراء العراق في القرن الثالث عشر للهجرة، أو القرن الثامن عشر للميلاد، كثيرون واغلبهم من المكثرين. ومع توفر عددهم لا تكاد ترى لهم تراجم مدونة. وما ذلك إلا لضعف همم رجال ذلك العصر، أو لاشتهار أولئك الشعراء في عهد معاصريهم، فظنوا أن شهرتهم تنتقل خلفاً عن سلف. وما خالوا أن ما لا يدون في بطون الكتب والأسفار، لا يصبر على تتالى الإعصار. وممن برز
في حلبة الشعر السيد صالح ابن السيد مهدي ابن السيد رضى ابن السيد محمد علي الحسيني الشهير بالقزويني، من مقدمي شعراء العراق الامامية، واحد نوابغ دار السلام في القرن الماضي 2 - نسبه وولادته وأول نشأته ولد في النجف نهار الخميس في اليوم 17 من شهر رجب من سنة 1208 (19 شباط سنة 1793) وما كاد يترعرع إلا ومال إلى الشعر كل الميل وكانت نفسه كبيرة نتوق إلى الأعالي وتميل إلى الأمور الدينية السامية. ولما كان مسقط رأسه مدينة العلم والدين معاً ساعده منشأه على إنماء شواغره وتوجيهها احسن متجه ولهذا اصبح وهو صغير السن متقد الخاطر قوي الحافظة بعيد الهمة صادق اللهجة متضلعاً من العلوم الدينية والدنيوية معاً. ولما راهق اخذ يتلقن مبادئ العلوم من بعض مشايخ أهل بلدته حتى بلغ اشده فأخذ الفقه والتفسير والمعاني والبيان والمنطق وغيرها من العلوم العقلية والنقلية عن الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر (في الفقه) وكان هذا من مشاهير عصره في قطر العراق ولاسيما في النجف إلا أن السيد صالحاً اشتهر بشعره الرائق الرقيق المترقرق حتى اقر بالسباق أئمة عصره من قاص ودان. 3 - (خلقه وخلقه) كان السيد صالح حسن الصورة ابيض اللون مشرب حمرة بهي الطلعة طويل الرقبة ممتلئها أزج الحاجبين أفنى الأنف صغير الأذنين
أنجل العينين أزرقها واسع الجبهة بارزها اسود الشعر في صباه بين الوجنتين طويل الحية كثها خفيف الشاربين متوسط الفم رقيق الشفتين العسهما طويل الذراعين خثن الكفين لطيف البنان طويل النجاد خشن العظام ريان الأعضاء لاسمينا بدينا ولا ضعيفا نحيفاً. وأما خلقه فكان كثير الأدب حسن السلوك ومما كان يشاهد فيه وهو أمر نادر في أبناء الإمامة البشاشة فانه كان طليق المحيا يهش بمن يلاقيه وكان مع ذلك على جانب عظيم من التؤدة والوقار لا تكاد تنظر إليه إلا ويجذب قلبك بمحاسن سمته لما طبع عليه من كرم الخصال والمزايا الشريفة وكان من عادته أن لا يرد سائلا أبداً أن استجداه أن في الطريق وان في المجالس العامة. وكان مضيافا يحب إكرام زائريه في أقصى الغاية فان داره كانت تقسم إلى قسمين البهو وهو (الدوة خانة أو الديوان خانة) وكان يستقبل فيه الضيوف ويعدون بالعشرات كل يوم والحرم وهو البيت المعد للسكنى. وكان ينتاب مجلسه الشعراء والعلماء والأدباء والفضلاء على اختلاف مراتبهم وطبقاتهم وإذا جرى الحديث بحضوره لم يجسر أحد أن يخلط به ما يخالف أصول الآداب أو الدين أو يشتم منه رائحة العداوات لأنه كان يضع له حداً لا يتعداه أحد كما أنه كان يزع الحضور وزعاً فت منتهى الأدب والرقة واللطافة إذا احتاج الأمر إلى ذلك ولما كان عمله هذا بارزاً بأحسن صورة من المجاملة
فما كنت ترى أحداً يمتعض منه البتة. 3 - (شعره) قال الشعر منذ حداثته ونظم القصائد الطويلة النفس العامرة الإثبات وقد أبدع في الوصف حتى يصح أن يقال فيه إنه كان شاعراً ساحراً وقد وضع ديواناً قائماً برأسه اسمه الدرر الغروية في العترة المصطفوية. موضوعه مديح نبي المسلمين والأئمة الأثني العشر والديوان يشتمل على أربع عشرة قصيدة في مدح كل من نسبت إليه. وأبيات كل قصيدة تزيد على المائتين والقصائد كلها تشتمل على ما يناهز ثلاثة آلاف بيت. وله ديوان ثانٍ كبير الحجم موضوع نظمه يختلف بين مديح وثناء ووصفٍ وردٍ وحكمٍ وعلمٍ ونسب وغزل ورثاء إلى آخر ما هناك لأنه طرق جميع أبواب الشعر وقد انشد اغلب قصائده في أيام غضاضة أهابه ومقتبل شبابه ثم مازال يقال من النظم ويجرد المواضيع من كل ما لا يناسب تقدم العمر حتى انقطع عنه بتة عند تجاوز سن الكهولة لأنه كان يعتبر الشعر منقصة وشأن الإنسان في كماله أن لا يتجنب الآثام فقط بل أن يتحاشى النقائص أيضاً ولهذا فطم نفسه عما تحن إليه. حتى تفرغ للعلم كل التفرغ والمراد بالعلم علم الدين بفروعه وكان لا يمدح في شعرهِ إلا أهل البيت والأحباب والجلساء والعلماء ومن يحق له أن يمدح. . .
4 - (انتقالهِ إلى بغداد وزواجه وأولاده ووفاته) إن السيد صالح لم يقم طول عمرهِ في النجف يل صعد إلى بغداد في سنة 1259هـ (1843م) وكان قد تزوج في النجف ابنة أستاذه ومعلمه الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر المذكور ولما جاء بغداد تزوج ابنة الحاج محمد علي الشهير بالصفار. وولد له ستة بنين وست بنات. أما البنون فهم 1: السيد مهدي وكان عالماً فاضلاً 2: السيد راضي وكان شاعراً مجيداً ماهراً بالتخميس كان إذا خمس قصيدة زاد الأصل حسناً ورونقاً وبهاءً بما يحيطه من درر نظمه ولفظه الرائع وقد أعقب أبناؤهم السيد محمود والسيد جواد والسيد أحمد وقد توفوا هم وأبوهم 3: السيد باقر وقد توفي 4: السيد حسون 5: السيد علي وهما حيان يرزقان. وقد توفي السيد صالح القزويني في بغداد نهار الجمعة بعد الظهر 5 ربيع الأول من سنة 1301هـ (4 كانون الثاني 1883م) وكان عمره زهاء 93 سنة ثم نقلت جثته ودفنت في النجف. قصر بخت نصر (تلو) وفي وسط هذه الجادة بين القصرين قصر الشمال الشرقي وقصر الجنوب الشرقي رتاج (باب عظيم واسع) مزدوج يرى إلى
يومنا هذا وهو محفوظ احسن الحفظ. على أن الذي يستوقف طائر بصر الناظر الحائر وخاطر المتجول الزائر ويثير فيه عواطف العجب العجاب هو نقشان بارزان منقوشان في الآجر نقشاً دقيقاً محكماً متقناً بديعاً رائعاً يأخذ بمجامع القلوب ويسحر الألباب ويفتنها فتناً يرى في كل نقش من هذين النقشين الرائعين ثور أو حيوان خرافي كالثور، لسانه لسان حية نضناض، ومخالبه مخالب يبر هزبر، وذنبه ذنب عقرب شائل، وعنقه عنق تمساح مراوغ. ومن ينظر هذين الحيوانين الغريبين العجيبين البارزي النقش لا يتمالك عن أن يحكم حكماً صائباً: أن الأقدمين كانوا قد أمعنوا كل الإمعان في هذه الصناعة، وقد بلغوا منها أقصى الغاية وابعد المرمى. وأما الحيطان الخارجة عن هذه الجادة، فالظاهر من كلام المؤرخين إنها كانت مزينة بأسد من آجر مطلية بطلاء اصفر كالميناء (أي القيشاني أو الكاشاني) على ارض بيضاء.
وقبل أن ننزع في قوس البحث ونتعهد القسم الأخير من هذا الصرح الممرد وهو اجمل قسم فيه. نغادر هنيهةً هذه الأطلال الناطقة بلسانها الأعجم افصح نطق لنعبر الجادة العظمى ونزور دوارس هيكل الزهرة، وهذا الهيكل يشتمل على فناءٍ صغير ومقدس ومشكاة (روزنة اورشن) كان يضع فيها تمثال هذه المعبودة، وكان التمثال من الذهب الإبريز، وكان قد عقد عليها قبة من الذهب الخالص أيضاً إلا إنها لم تكن عالية. هذا ما نقله إلينا الرواة وثقات المؤرخين ووجد مسطرا في الرقم المكتشفة في تلك الأنحاء. فإذا علمت هذا تصور الآن تألق تلك القبب المتلألئة حينما تشرق عليها الشمس أو تفيض عليها صيب أنوارهما عند تكبدها السماء في بلاد كبلاد الشرق الرائقة الهواء الشفافة الأثير، الناعمة الأديم. وفي قصر طوله من أربعمائة إلى ستمائة مثر في عرض ثلاثمائة متر، وقد تدفقت فيه جميع أعاجيب الكون والطبيعة، وغرائب الصناعة البديعة ومحاسن الزهو الرائعة السنيعة. وأما مجدل الجنوب الغربي متصل بمجدل الجنوب الشرقي بأبنية فخمة ضخمة، قوراء غراء، مقسومة إلى ردهات وغرف متعددة، وفي هذا الصرح الممرد، وجدت الردهة الكبيرة، ردهة العرش، التي لو كان يجمع فيها هذا الطاغية مجلسه العظيم، ويعقد فيه تلك المقاصد بل المطامع، التي كان غرض مرماها إخضاع الدنيا كلها
إلى صولجان، فهذه الردهة هي والفناء الداخلي الذي بين يديها محفوظان احسن الحفظ حتى أن الرائي يستطيع أن يشاهد مشاهدة صادقة الطوابيق (الآجر) المفروشة فيهما فوقفنا في هذا المعهد وقوفاً طويلاً لسرح فيه طائر النظر، ونطلقه على القرون الماضية الخالية المنقرضة فيذهب ويحلق في عالم الخيال، ويستحضر تلك الأمم البائدة، من حاضرة وبادية، ويحييها بلمح البصر، ويبعث فيها دبيب الحياة ومظاهرها، ومحاسنها ومساوئها ويشاهد ما كان يصدر من أصحابها. ثم نعيده إلى الأيام الحاضرة وهو حاسر نقض، فينبئنا بلسان فصيح عن أمور لا يسع إيرادها القلم، لان ذلك اللسان لسان الفكر، لا لسان الفم. ومما صوره لنا هذا الطائر الخيالي مشهد الوليمة الشهيرة التي أولمها بلعشصر آخر ملوك بابل ويرويها لنا التنزيل العزيز بتفاصيل تريك الأمور بصورتها وحقيقتها، بل تجعلك كأنك واحد من أولئك المدعوين إليها. ولقد نشر لنا الخيال تلك الحقائق التاريخية من دفائنها أي نشور، حتى إننا رفعنا لننظر إلى الحائط الذي كتبت عليه تلك الألفاظ العجيبة، أو الغريبة، أو السرية، والسحرية، أو المطلسمة، بل الأولى والأصح الإلهية إذ خطتها أنامل يهوه، فلم نرها، فتأكدنا إننا من أهل الغفلة، لا من أهل اليقظة، ومن أهل الذهول، لا من منتبهي العقول. وإننا في عالم الخيال، لا في عالم المثال. فيالها من الألفاظ، وما هي إلا ثلاثة! (منا، ثقل، فرس) هـ لكنها
من أهول ما كتب في الكتب، ومن اعجب ما دون في الصحف، ومن اذهل ما تحقق تأويله، كيف لا ومؤوله دانيال النبي الكبير. فإذا زدت على هذا كله أن الموقف هو الموطن الذي أولمت فيه تلك الوليمة المشوومة التي عقبها بعد قليل فتح كورش لبابل تحققت أن ما تولانا من الحرس واعتقال اللسان والدله مالا مزيد عليه وان كان الفاصل بيننا وبين أولئك الأقوام البائدة أعوام مديدة بل عصور عديدة. ولم نجسر أن نزور في هذا النهار اكثر مما زرنا، خوفاً من أن يكل غرب نشاطنا وتخور قوانا. ولذا رجعنا إلى مضيفنا نمشي الهوينا ونحن نفكر في تلك الممالك الضخمة التي أبادها ربك لكبريائها وغطرستها. وأما منزل القرى فانه مبنى كسائر أبنية هذه البلاد أي انه عبارة عن دار فيها فناء تطل عليه جميع الغرف والعلالي. وهي واسعة ذات رفاهة جديرة بساكنيها المهندسين والمنقبين الألمانيين. ومن حسنات هذه الدار إنها مبنية على عدوة الفرات، وقد تحول قليلاً عن عقيقه الأول الذي كان عليه في عهد غضارة بابل. هذا ووجود الأشجار، وتدفق الأنهار، وتجاوب الاطيار، في تلك المواطن الساحرة للأنظار وللأفكار، ذكرينا منفى اليهود إلى هذه الديار، فأخذنا كتاب صلواتنا، وجلسنا على شط هذا النهر الجليل، وأخذنا نتلو ذاك المزمور الذي مستهله: (على انهار بابل) والذي انشأ في هذه الأرجاء الغناء.
وفي تلك الأثناء كانت الشمس تنحدر في الأفق كل الانحدار، حتى غابت عن الأبصار، وراء رمال تلك القفار، فأجبرتنا جنود الظلام، على العودة إلى دار أولئك الكرام، وفي خلال تناولنا الطعام، أخذنا نتجاذب أطراف الكلام، ولم تخرج مواضيعها كلها عن أمور الخفر والتاريخ ووقائع الأيام. ولما اقبل وقت النوم شعرنا بحاجة عظيمة إليه استجماعاً لقوانا، لأننا كنا قد عزمنا على أن نسير على دوابنا ست ساعات لنزور ما هو واقع على طف الفرات، وهو ما يظنه البعض (وظنهم فائل) انه: (برج بابل)، وتسميه كتب التاريخ: (برج نمروذ) وتسميه العرب منذ سابق العهد إلى زمننا هذا: (برس) أو (برس نمروذ) وقد ورد ذكره في كتب الفتوحات كما سنذكره بعيد هذا. والرأي الراجح اليوم هو أن هذه الأنقاض هي بقايا (هيكل نيو) الذي يتكلم عنه اشعياء والذي كانت تفتخر به بابل. ومهما يكن من حقيقة الأمر فان الليلة كانت طيبة، وما كاد جبين الصباح الاغربيين إلا وسمعنا في جوارنا دويا مهماً هو جعجعة الجواريش وكانت النساء في أثناء الطحن يغنين غناء شجياً على نغم واحدٍ. وما سمعنا ذلك إلا وتذكرنا كلام
بقايا قصور الخلفاء في مدينة سامراء
إعياء النبي القائل لبنات بابل اللواتي ربين في الترف والكسل: (انزلي واجلسي على التراب، أيتها البكر بنت بابل، اجلسي على الأرض، فانه لا عرش لك يا بنت الكلدانيين، ولا تدعين من بعد ناعمة مترفة، خذي الرحى واطحني الدقيق، اكشفي نقابك وشمري الذيل (اشعياء 47: 1 - 2) -. من العجب أم مر على كلام الرب قرون وعصور ولم نر ما يكذب ذاك العقاب الذي عاقب به تلك المدينة العظمى من جراء شعب الله. وكنا نتصور عند سماعنا تلك الجعجعة إننا نسمع دائما ذلك الوعيد يدوي في آذاننا، ولعل تلك النساء كن مولودات في أرض تلك المدينة القديمة بابل العظيمة. (الأب يوسف لويس الكرملي) بقايا قصور الخلفاء في مدينة سامراء تابع لما في الجزء الخامس 5 - قصر الخليفة إذا جزت (بركة السباع) أو (أم البطوط) وأنت متوجه إلى الشمال الغربي، وقطعت مسافة لا تقل عن 500 متر تقف على قصر يعرف اليوم عند أهل سامراء (بقصر الخليفة) والبعض
يسميه: (دار الخليفة) والمعنى واحد. وهو الذي مر ذكره في آخر مقالة الجزء الخامس. أما هيئة هذا القصر فتشبه بعض الشبه (إيوان كسرى) المشهور الواقع في شرقي بغداد في جانبها الشرقي على مسافة عشرين كيلومتراً تقريباً. ولا نعلم شيئا يعتمد عليه من أمر هذا القصر بوجه اكيد، ولا لمن هو، ولا أي خليفة كان ينزله كما نجهل الخليفة الذي ينسب إليه، والوقت الذي بني فيه، ونحن لم نعثر على ما يدلنا إلى غايتنا، لا كتابة ولا علامة، إذ الذي يشاهد هو بناء مرتفع ذاهب في السماء وقد افترش من الأرض مساحة تقارب كيلومترا، وهو ولاشك من آثار الخلفاء العباسيين الذين دوخوا العالم بمدنيتهم وحضارتهم، إذ لكل من نزل سامراء شيد فيها قصرا بل ربما قصورا، لا سيما المتوكل، فقد قال ياقوت في معجمه عند ذكره قصور سامراء: (وأراد الرشيد أيضاً بناءها (يعني سامراء) فبنى بحذائها سراً بازاء اثر عظيم قديم كان للاكاسرة. . . وكان الرشيد حفر؟ دها نهرا سماه (القاطول) (وهو الذي مر ذكره في الجزء الرابع من هذه المجلة) واتى الجند وبني عنده قصراً، ثم بنى المعتصم أيضاً هناك قصرا ووهبه لمولاه اشناس. . . ولم يبن أحد من الخلفاء سر من رأى من الأبنية الجليلة مثل ما بناه. فمن ذلك القصر المعروف (بالعروس)، انفق عليه ثلاثين ألف درهم، والقصر
(المختار) خمسة آلاف ألف درهم، (والوحيد) ألفى ألف درهم (والسيدان) عشرة آلاف درهم، و (البرج) عشرة آلاف ألف درهم، (والصبح) خمسة آلاف ألف درهم، (والمليح) خمسة آلاف ألف درهم، (وقصر بستان الايتاخية) عشرة آلاف ألف درهم، (والتل) علوه وسفله خمسة آلاف ألف درهم، (والجوسق) في ميدان الصخر خمسمائة ألف درهم،
(والمسجد الجامع) خمسة عشر ألف ألف درهم، (وهو الذي جاء وصفه في الجزء الخامس باسم مسجد الملوية)، وبركوارا (ويروى بركوان وهو خطاء) للمعتز ألف ألف درهم، (والقلائد) خمسين ألف دينار، وجعل فيها أبنية بمائة ألف دينار. (والفرد) في دجلة ألف ألف درهم، (والقصر بالمتوكلية) وهو الذي يقال له (الماحوزة خمسين ألف ألف درهم. (والبهو) خمسة وعشرين ألف ألف درهم، (واللؤلؤة خمسة آلاف ألف درهم. . . وكان المعتصم والواثق والمتوكل إذا بنى أحدهم قصراً أو غيره، أمر الشعراء أن يعلموا فيه شعراً فمن ذلك قول على بن الجهم في الجعفري الذي للمتوكل: ومازلت اسمع أن الملك ... تبني على قدر أقدارها واعلم أن عقول الرجال ... تقضى عليها بآثارها فلما رأينا بناء الإمام ... رأينا الخلافة في دارها بدائع لم ترها فارس ... ولا الروم في طول أعمارها وللروم مشيد الأولون ... وللفرس آثار أحرارها وكنا نحن لها نخوة ... فطامنت نخوة جبارها وأنشأت تحتج للمسلمين ... على ملحديها وكفارها صحون تسافر فيها العيون ... إذا ما تجلت لأبصارها وقبة ملك كأن النجوم ... تضيء إليها بأسرارها نظمن الفسافس نظم الحلي ... لعون النساء وإبكارها
لو أن سليمان أدت له ... شياطينه بعض أخبارها لا يقن أن بني هاشم ... تقدمها فضل أخطارها ولا تكاد ترى اليوم أثراً لهذه القصور التي ذكرها ياقوت بل ولا تسمع من أسمائها إلا ما ذكرناه أو سوف نذكره. 2 - قصر الخليفة قصر ينبئك مرآه ورصانة بنائه وحسن وضعه عن مدنيةٍ لم تجئ في العصور التي تلت بناء ذلك الصرح. فهو إذن اثر عظيم من آثار العراق الخالدة. ونظن أن هذا القصر من أبنية المعتصم، ويؤيد ظننا قول اليعقوبي في كتاب البلدان وهذا نصه:. . . (ويمتد الشارع (أي الشارع الكبير وهو الأول) وفيه قطائع عامة إلى دار هارون بن المعتصم وهو الواثق. ) ثم باب دار العامة ودار الخليفة وهي دار العامة التي يجلس فيها يوم الاثنين والخميس:. . (ثم قال عن الشارع الثاني.،. (ويتصل ذلك (أي مجموع الإقطاعات) إلى باب البستان وقصور الخليفة.) اهـ والذي أقطع الاقطاعات وبنى القصور وكان صاحب دار العامة هو المعتصم بالله. ولعل هذا القصر من بقية قصور الخليفة وإنما لم يقولوا (قصور الخليفة) بالجمع لان من يراه اليوم وهو قصر واحد ظن انه إذا سماه بلفظ الجمع يخطأ، فلهذا يعدل عنه إلى المفرد تطبيقاً للكلام على حقيقة الواقع فيقول (قصر الخليفة) والجري على هذا السنن من مألوف عوائد أعراب العراق في تحريف الكلم عن مواضعها.
أو لعل ما يرى اليوم هو دار العامة لان بعض أهل سامراء يسميه اليوم (دار الخليفة) كما ذكرناه فويق هذا. وهذا الاسم يقرب أيضاً الظنون من الرأي الأول. وعلى كل فهو لابد أن يكون للمعتصم أو لولده المتوكل والله اعلم. ودونك الآن وصف هذا القصر على ما يرى اليوم: هو إيوان كبير كما أسلفنا القول في صدر هذه المقالة وعن جانبيه إيوانان آخران أصغر منه طولاً وعرضاً وارتفاعاً. ووجهه يقابل الشمال الغربي. أما طول الإيوان الكبير وهو الأوسط فيبلغ 13 متراً وعرضه ثمانية أمتار ونصفاً. وارتفاعه 25 متراً. وفي آخره من داخله باب ينفذ إلى إيوانٍ صغير ليس له منفذ من الجهة الأخرى. أما عرض الباب المذكور فثلاثة أمتار ونصف ارتفاعه خمسة أمتار. وعرض الجدار الذي عليه طرفا عقد الإيوان الكبير فطول كل منهما خمسة أمتار ونصف. في أربعة أمتار ونصف متر عرضاً وعشرة أمتار علواً. وعرض الحائط الذي يقوم عليه طرفا العقد متران أيضاً. ولكل منهما من الداخل باب ينفذ إلى حجرة صغيرة. أما عرض الباب فمتران وارتفاعه ثلاثة أمتار ونصف مترٍ. أما بناء هذا الصرح الفخم فبالجص والأجر أو الطاباق الكلدانى، وبعض هذا الطاباق من نوع طاباق جامع الملوية، وقد فرش صحنه بالطاباق الكبير المذكور أي الكلداني وكل عقوده
مقوسة. وعن جانبيه فناءان طول كل منهما سبعة أمتار. أما الفناء الذي عن يمين الإيوان المقابل للشرق فقد سقط ثلثه وبقى منه ثلثان. والذي عن الشمال وهو المقابل للغرب فقد هدم ثلثاه ويلم منه ثلث واحد. ووراء الإيوان المذكور تجاه الجنوب الشرقي بناء قد بقى منه شيء وهو متصل به وما هذا الشيء الأرسمه. ويمتد إلى الشرق من وراء الإيوان مسافة ثمانية أمتار ونصف متر وحوله أنقاض جمة لا تكاد ترى موضع شبر من أرضها خالياً منها لتراكمها وتكاثرها. وفوق سطح الإيوان جاه الشرق أو قل تجاه الشمال الشرقي شرافة قد سقط معظمها وبقي منها ما يبلغ علوه زهاء ثلاثة أمتار في متر ونصف طولاً. والإيوان الكبير مائل بهيئته الأولى ولم يتلف منه إلا بعض الحجارة وبينه وبين الشط قراب كيلومتر. 3 - سوراشناس على بعد نحو 1300 متر من جهة الشمال الغربي من سامراء سور اشناس. هذا الاسم القديم معروف إلى هذا اليوم وهو مضاف إلى اشناس التركي قال اليعقوبي: (واقطع (أي المعتصم) اشناس وأصحابه الموضع المعروف (بالكرخ) وضم إليه عدة من قواد الأتراك والرجال وأمره أن يبنى المساجد والأسواق. . . ولما
اقطع اشناس التركي في آخر البناء مغرباً واقطع أصحابه معه وسمى الموضع (الكرخ) أمره أن لا يطاق لغريب من تاجر ولا غيره مجاورتهم ولا يطلق معاشرة المولدين. . . وقال ياقوت. . . ثم بنى المعتصم أيضاً قصراً وهبه لمولاه اشناس وانزل اشناس بمن ضم إليه كرخ سامراء وهو كرخ فيروز. . . ولم يبق منها (أي من سامراء) إلا الموضع الذي به سرداب القائم المهدى ومحلى أخرى بعيدة منها يقال لها كرخ سامراء. . .) أما السور فهو عبارة عن شرفات قاعات لا غير، وبناؤه باللبن والجص وساحته كلها عبارة عن تلول صغار وكبار ومساحته بقدر مساحة عيسى المار ذكره في الجزء الخامس، بل ربما يزيد عليه بقليل. وفي جوانبه الأربعة أنقاض كثيرة. وإذا جزته وأنت متجه إلى الشمال الغربي تقع بعد مسافة نحو (50) متراً على طريق شبيه بالشارع عرضه زهاء عشرين متراً ويمتد إلى أبي دلف قراب خمسة كيلومترات إلا انه يتشعب من جانبيه مسالك وطرق كثيرة هي اليوم ضيقة تتفاوت مسافاتها في القرب والبعد عن سامراء.
4 - أبو دلف إذا أمنعت في ذلك الشارع ينتهي بك إلى (أبي دلف) وهو عبارة عن مسجد له سور بالطاباق والجص على غرار سور (مسجد الملوية) بالطول والعرض، بل ربما يكبره بقليل. أما طاباقه فهو أكبر حجماً من طاباق مسجد الملوية وأقوى بناءً واحسن هندسةً. وقد سقط جانبان منه وبقي الجانبان الآخران. وفيه منارة بهيئة منارة مسجد الملوية إلا إنها ليست مفتولة بل مستديرة مستطيلة يبلغ محيط أسفلها نحو (130) متراً وأعلاها قراب (10) أمتار. وهي دون الملوية علواً بنحو (15) متراً والجامع قريب من دجلة بينه وبين الماء زهاء (20) متراً وفوقه بنحو (50) متراً صدر نهر (الرصاصي)، وقد كانت عليه في سابق العهد قنطرة عامرة مبنية بالجص والطاباق وقد تهدمت اليوم ولم يبق منها سوى الأثر. وحول أبي دلف شرقاً وغرباً أنقاض وتلول تفترش على أرض
غنى هيت وذكر معادنها
تبلغ مسافتها نصف مسير نصف ساعة، ثم إذا جزت تلك الأنقاض وسرت في أرض تقارب مساحتها مساحة تلك الأرض التي غادرتها تقف في قرية الدور. كاظم الدجيلي غنى هيت وذكر معادنها 6 - هوائها وماؤها وأرضها وزراعتها هوائها طيب ومناخها حسن وأرضها عذبة. وليس في العراق بلدة مشهورة بنقاوة هوائها وصفاء مائها وحسن تربتها مثل هيت. ولهذا اشتهر أهلها بالزراعة والحراثة منذ سابق العهد إلى يومنا هذا. لكن زراعة اليوم ليست كزراعة أمس في عهد العباسيين فهي لا تكاد تذكر بجنب ما كانت عليه في عصر غضارتها.
7 - البلور يرى في نهر الفرات بين هيت وعانة بلور يستخرجه بالغطس بعض أهالي الأنحاء فيتزين به بناتهم ونساؤهم. 8 - المغرة وفي غربي هيت على بعد نصف ساعة نوع من التراب اسمه المغرة ويسميها بعضهم (القرمز) وهو في بطن من الأرض تقدر مساحته بنحو نصف كيلومتر. 9 - الكبريت في هيت وضاحيتها وجوارها عيون كبريت كثيرة وقد قدر بعض العارفين ريع ما يستخرج منه لو بذلت له الهمة بنحو خمسين ألف ليرة سنويا. لكن أصحاب الهمم؟ 10 - النورة في هيت نفسها وأطرافها نورة كثيرة منها ما هو على وجه الأرض ومنها ما هو مدفون في بطنها. واغلب ما تكون في الأرضيين المرتفعة حتى أن بضع عيالٍ قد اتخذت استخراجها وبيعها مهنة لها فتبيعها على نفقتها بدون معارضٍ. 11 - الفحم الحجري على بعد كيلومترين من هيت في الجهة الشرقية منها مناجم فحم حجري وتقدر مساحة تلك الأرض بنحو عشرين كيلومتراً. حتى أن بعض العارفين يقول: لو اهتمت شركة بتعدين هذه المناجم
لأمكنها أن تستخرج منها اكثر مما يستخرجه الأمير كيون في اركلي من بر الأناضول. 12 - الملح في الجهة الجنوبية من هيت وعلى بعد ثلاثة كيلومترات منها ملح كثير مبذول. واغلب ما يكون في الأراضي المرتفعة وفي هيت عين ملح كبيرة تجرى في الشتاء بقوة 12 حصاناً وفي الصيف تنجمد فتستخرج الحكومة ملحها. 13 - الزيت الحجري على بعد كيلومتر من هيت وفي الجهة الجنوبية منها الزيت الحجري (البترول) بكثرة، وتقدر مسافة الأرض التي فيها هذا السائل النفيس بكيلومتر مربع. وهو شيء ليس بزهيد. وفي جانبها الشرقي عين أخرى على حافة الفرات اسمها (النفاطة) وهناك جماعة من العسكر تحافظ عليها وتستخرج منها النفط الأسود ليباع في الأسواق. 14 - البورق الورق كثير الوجود في هذه المدينة حتى أن الفقراء يبنون بيوتهم بحجارته فضلاً عن الأغنياء والموسرين. وهو يقطع من جبل محيط بهيت. 15 - عيون مياه معدنية على ربع ساعة من شرقي هيت عين تنبط ماء معدنياً حاراً
اسمها (العين الجرباء) يقصدها أهالي هيت والديار المجاورة لها ليستحموا بها إذا أصيبوا بالجرب أو بمرض من أمراض الجلد. وماؤها ملح ورائحته كريهة كسائر المياه المعدنية الكبريتية الجوهر. 16 - عيون القار في هت اكثر من عشر أعين يجري منها القير على أنواعه وأشهرها ثلاث وهي كبار والسبع الأخر صغار. فإحدى الكبار في جنوبي هيت والثانية في شرقيها والثالثة متوسطة بينهما. واليك تفصيل هذه العيون: 1 - عن (لطيف) (والكلمة مصغرة) تنبع قيراً نفيساً 2 - عين (الذهبي) تفيض قيراً أيضاً، وعلى وجه الماء رغوة خفيف ذهبية اللون. 3 - عين (دروبي) بضم الدال والراء وإسكان الواو وكسر الباء الموحدة ثم ياء مثناة) وتجرى قيراً حسناً، لكن رائحة هذه العيون لا تطاق. وهي على بعد عشرين دقيقة من البلدة، وينبط منها الماء مرتفعاً صعداً إلى علو متر ونصف متر عند اشتداده العظيم. ومع الماء يخرج الحمر (أي القير) كتلاً كتلاً بحجم البندقة أو أصغر، وكلما هدأت قوة الاندفاع لانسداد مسام العين حفرها صاحبها وتتبع آثارها في أعماق الأرض. والماء المنبجس منها عكر وله دوي عظيم يسمع على بعد خمس دقائق وحرارته واحدة صيف شتاء ولا تنقص كميته على مدار السنة، ويخرج من هذه العين
يومياً من أربعين إلى مائة حمل حمار من القير الفاخر. والقيم عليها يضمنها من الحكومة بعشرين قرشاً صاغاً عن أربع وعشرين ساعة. 4 - عين (لائق) يغتسل فيها المرضى والزمني أصحاب العاهات الجلدية. 5 - عين (معمورة) تسيل (قسطاً) وهو القير الذي يعلك 6 - عين الملح وهي تفيض ماء ملحاً ومعه فصفور وقير. والماء سخن صيف شتاء. وعند خروجه من منبعه تسمع له بقبقة شبيهة ببقبقة الكوز. يسمعها من يدنو منها. وقد اهتم من يعنى باستخراج الملح منها بتحويل الماء عند خروجه إلى دبرات يقيم فيها مدة ستة أشهر اقل أو اكثر وبعد تبخر السائل منه يرسب الملح طبقات بعضها فوق بعض يكون ثخنها من سنتمترين إلى خمسة عشر سنتيمتراً، وهو ابيض اللون حسن الطعم تحمل منه سنوياً أحمال كثيرة تشحن بها السفن فتنزل بها إلى بغداد أو البلاد الراكبة الفراتين ولشدة ملوحته يضرب طعمه إلى المرارة ولهذا لا يستعمله البغداديون للطعام بل للصنائع فقط. وهذه العين نفسها تجري قيراً ومادة فصفورية فالقير يعوم على
وجه الماء كتلاً صغيرة يجمعها القيم عليها كلما كثرت وتجمعت. والعين مكشوفة على مساواة وجه الأرض مستديرة الشكل يبلغ قطرها متراً واحداً ولا يحيط بها إلا دائرة من التراب صدا للمياه النابعة كي لا تطفح عليها وتصب فيها من كل الجهات وللماء منفذ واحد غلظه غلظ الزند، ومنه يجري في ساقية مكشوفة ومنها إلى الدبرات والمشاور، - أما المواد الفصفورية فتراها سابحة على وجه الماء تنبعث منها تلك الرائحة المشهورة التي تغنيك عن وصفها وكنهها. وإذا كان الإنسان جاهلاً خواص الفصفور ومفاعيله في الجسم ولمس تلك المواد فانه يحترق لا محالة. كما جرى لبعض الهيتيين الذين يعترفون للسائح بان عين الملح تقذف ناراً طبيعية، ولهذا لا يجسر أحد على جمع تلك المواد الثمينة لأنهم يجهلون كيفية التقاطه ومنافعه العديدة في أمور الكيمياء. 7 - عين (المرج) (وزان سبب) وهي تنبع قسطاً. 8 - (العطاعط (وزان سباسب) وهي تفجر قيراً فقط ولا يبض منها قطرة ماء. 9و10 عينا (الجرب) (وزان سبب) وهما عينان تفيدان أصحاب العاهات الجلدية. هذه العيون التي تحققت وجودها ومنافعها المعدنية، فهل من حاجة بعد هذه الحقائق المذكورة إلى القول أن هيت من أغنى مدن الدولة العثمانية ومع ذلك فلا ترى من يستغل أو يستثمر ما فيها من أسباب
هل كان أعشى قيس نصرانيا؟
الغنى والثروة ورقى البلاد، مع انك لوزرت إحدى مدن ديار الإفرنج ولها عين واحدة معدنية الماء أو فيها مادة مفيدة من نفط أو زيت حجري أو قير أو ملح أو كبريت أو فصفور أو نحوها لرأيت أصحابها الثروة يكترون (يضمنون) ما فيها من المرافق ومندفق الريع والإناء. وتحققت أن من عنى باستثمار ما في الطبيعة فالطبيعة تفيض عليه بالفواضل والنعم، عسى أن ييسر الله من يحقق هذه الأماني من أبناء الوطن. وإلا سبقنا الأجانب إلى تلقف ما في أيدينا لأننا لا نعرف قدره. والسلام على من سمع وعمل. إبراهيم حلمي من طلبة المكتب الإعدادي الملكي هل كان أعشى قيس نصرانياً؟ سألنا سائل قال: قرأت في كتاب شعراء النصرانية للأب الفاضل لويس شيخو اليسوعي أن أعشى قيس كان نصرانياً إذ عده بين شعرائهم. ثم بحثت في كتابه عن دليل يؤيد هذا الرأي فلم أر فيه إلا قوله: وقال يذكر مدينة اورشليم (1: 378) وقال يمدح بعض أكابر بيوتات النصارى ودياراتهم: (ص372). وكعبة نجران حتم عليك ... م حتى تناخي بأبوابها نزور يزيداً وعبد المسيح ... وقيسا هم خير أربابها وقال يمدح يزيد وعبد المسيح أبني الديان (وكانا من النصارى) وقيل: يمدح السيد والعاقب أساقفة نجران: (ص384) ألا سيدي نجران لا يوصينكما ... نجران فيما نابها واعتراكما. . .
وان أحلبت صهيون يوماً عليكما ... فان رحا الحرب الدكوك رحاكما فهل هذه الأقوال كافية ليستنتج انه كان نصرانيا؟ قلنا: 1 - لم نعثر في ما قرأناه على من صرح أن أعشى من باب إطلاق اللفظ أو من باب التغلب) كان يدين بالنصرانية. 2 - لا يجوز لكاتب أن يستنتج أن فلانا نصراني لكونه مدح نصرانيا أو ذكر ألفاظاً نصرانية أو ذكر معتقدات النصارى فان لكل أديب فاضل من كل دين اطلاعا كافية على أصحاب سائر الأديان ومعتقداتهم. فمجرد الاطلاع على شئ لا ينتج قبوله أو القول أو القول به. وإلا فلم لا يقال أن الأعشى كان مسلما وقد مدح نبي المسلمين مدحا صريحا بقوله (وهو يكلم ناقته): فآليت لا أرثى لها من كلالة ... ولا من حفا حتى نزور محمدا تبى يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وانجدا متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا (ثم سئل): أين أردت يا أبا نصر؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. . . (عن الأغاني 8: 85 و86) فهذا كلام واضح على انه كان يريد الإسلام. 3 - لا يمكن أن قال أنه كان نصرانياً وقد سمى الصليب وثنا والنصراني لا يجسر على أن ما يسميه بهذا الاسم. أما انه سماه وثنا فظاهر من هذا البيت:
كأني محاربه
تطوف العفاة بأبوابه ... كطوف النصارى بيت الوثن قال صاحب اللسان: وكانت النصارى نصبت الصليب وهو كالتمثال تعظمه وتعبده. ولذلك سماه الأعشى وثنا. وقال (البيت) ثم قال: أراد بالوثن الصليب.) 4 - كان الأعشى على دين دهماء العرب وهي الوثنية مع التوحيد وكان قدرياً وقد اخذ مذهبه عن العباديين نصارى الحيرة وكان يأتيهم يشترى منهم الخمر فلقنوه ذلك (عن الأغاني 8: 79) وهذه الأدلة كافية ليهتدي بها ويؤخذ منها أن الأعشى لم يكن نصرانيا أبداً، وان عاشر النصارى وخالطهم، فالرجل كان منهكاً يشرب الخمر ولم يهمه أمر الدين البتة. على الأب لويس شيخو لم ينصر هذا الرجل وحده بل نصر جماعة من شعراء الجاهلية لكن وا أسفاه! بعد موتهم وانتقالهم إلى دار البقاء! حقق الله أمنيته وأثابه على نيته أن لم يثبه على عمله المبرور!!! كأني محاربه وعرفني بالناس ما كنت جاهلاً ... به صرف دهرٍ حنكتني تجاربه فها أنا للأيام ما زلت شاكراً ... وللدهر لما حاربتني نوائبه جزى الله الدهر عنى الدهر خيراً لأنه ... أرتني إخلاء الزمان عواقبه واظهرن لي حب الحبيب وبغضه ... وغدر أخي القربى ومن أنا صاحبه
باب المشارفة والانتقاد
فلم أر منهم مذ دهتني رزية ... من الدهر إلا من كأني احاره كاظم الدجيلي باب المشارفة والانتقاد 1 - جبل عامل (جريدة أسبوعية جامعة تعتني اعتناء خاصا بشؤون جبل عامل) وتصدر في صيداء، وتطبع بمطبعة العرفان، لصاحبها ومديرها المسئول: احمد عارف أفندي الرين، صاحب مجلة العرفان وهي من الجرائد التي تغني مطالعتها عن كثير من الصحف اليومية والأسبوعية التي تنتشر في الديار الشامية، لان صاحبها يجمع فيها خلاصة الأخبار ولبابها بحيث لا يرى فيها قشوراً تنبذ كما يرى في بعض الجرائد التي أشرنا إليها. وأما خطتها فهي من احسن الخطط، أذهى علمية، إخبارية، سياسية، اجتماعية غايتها الأولى والقصوى: الجمع بين العناصر والحث على الاتحاد والاتفاق. وصل إلينا العدد الأول منها، الذي برز في 7 المحرم سنة 1330 الموافق 28ك1 سنة 1911، وقد بحث فيه الكاتب النحرير عن جبل عاملة وسبب تسميته بهذا الاسم، فرجح انه اسمي كذلك بالإضافة إلى عاملة بن سبا، وقيل: إلى بني عاملة، وهم من القبائل اليمانية. قلنا: هذا رأي كثير من الكتاب والأدباء، إلا إننا لا نرى هذا الرأي، لان اسم (جبل عاملة) حديث الوضع بالنسبة
إلى عاملة بن سبا، أو إلى بني عاملة، فلو كان الأمر كما ذهب إليه جماعة، لعرف هذا الاسم منذ الإعصار المتوغلة في القدم، والحال إننا لا نعلم به إلا منذ خمسة أو ستة قرون، والاسم الذي كان يطلقه عليه العرب في سابق العهد هو: (جبل الخليل). قال ابن الأثير في الكامل (12: 84) من الطبعة الإفرنجية أو 12: 50 من الطبعة المصرية): (جبل الخليل الذي يعرف بجبل عاملة) فالظاهر من كلامه هذا أن اسم جبل الخليل اخذ بالتناسي، وباشتهاره باسم (جبل عاملة) (حتى ذكر ما ذكر. وقد نوه بهذا الاسم أبو الفداء في تقويم البلدان ص48 من الطبعة الباريسية، وممن ذكر أيضاً هذا الاسم صاحب دائرة المعارف في مادة (عاملة) وأما حروف الجريدة وطبعها وكاغدها ففي غاية الجودة، ولا ينقصها إلا عناية بتصحيح أغلاط الطبع وهي كثيرة. كقوله في ص2 من العدد 1 في العمود 1 (لمصالح القضوات الثلاث) فالقضاء مذكر فكان يجب أن يقال الثلاثة والقضاء لا يجمع على قضوات لأنه ممدود بل على أقضية. وكقوله: صيدا. وصوور. والمراد: صور وكقوله: يتبركون هناك في العاملين، والأصح: بالعاملين، وكقوله في العمود 4 يتخرج منها أفاضل، والمراد يتخرج فيها أو يخرج منها. وكقوله: وناهيك أن يوجد في هذه الرقعة. ولا معنى لناهيك هنا. فلا جرم أن هذه الأغلاط من المنضد أو دسها بعض جهله المصححين. وإلا فان حضرة صاحب الجريدة من الكتاب
المجدين. ومن شيوخ العلم المعروفين، وفقه الله إلى ما به خير العموم، ونهضة الوطن. بمنة تعالى وكرمه. 2 - العلم الموروث، في إثبات الحدوث رسالة للشيخ محمد سعيد أفندي النقشبندي وقعت في 30 صحيفة بحرف دقيق وهي تفيد من ينكر وجود الكون أو خالقه، واغلب ما ورد فيها من الأدلة معروف. فكان من الأجدر بالكاتب أن يأتينا ببراهين جديدة (لان لكل جديد لذة) والرسالة كلها على نفس واحد لا تقطيع فيها وهي على الطريقة القديمة التي يستثقلها الذوق ولا يستحسنها العقل فضلا عن أهل العصر. فالأمل إنها إذا طبعت ثانية تقطع المباحث بعضها عن بعض ويعنون كل بحث على حدة في سطر خاص به تشويقا للمطالعة وترويحا للعين والنفس معاً. 3 - طلستوي (ترجمة حياته - منتخبات من تأليفه وقصصه - آراؤه الفلسفية ثم روايته سلطان الضلال. تأليف وتعريب محمد أفندي المشريقي. طبع بمطبعة التقدم الإسلامية لصاحبها البشير الفورتي في تونس. وكثير من الكلام هذه السنيين الأخيرة عن الكاتب الروسي طلستوي ولاسيما عند وفاته التي وقعت في 20ت 2 سنة 1910 فمنهم من صوب كتاباته كلها بدون أن يرى فيها أدنى مغمز ومنهم من عابها بتاتا ومنهم. من استصوب ما جاء فيها من الحسنات ورذل ما جاء فيها من الآراء الواهنة الواهية. ونحن من أصحاب الفريق الثالث، واحسن دليل على ما تقوله
مطالعة ما نقله حضرة محمد أفندي المشيرقي فانه عرب شيئا من نفثات طلستوي ليطلع عليها أبناء هذه اللغة ولكي يعلم الكل أن ما ذهب إليه هذا الرجل الغريب الأطوار هي من باب الخياليات أو المحاليات، إذ (يقول: انه بعد أن تحمل زمنا طويلا الآلام الباطنية لعدم مقدرته على تطبيق شؤون حياته المنزلية على أصول معتقداته النفسية - إذ الزم بالعيش بوسط باذخ رغم انفه - ترك ذويه ليلقى الموت ناسكاً مثل روسي الغابرة) (ص3) وهذا الكلام وحده كاف لإظهار ما كان في مذهبه من خلل وعيب. وقد رأينا في كلام المعرب تكلفاً ظاهراً وفي بعض المواضيع عدم تدقيق في تعريب الألفاظ الإفرنجية كقوله النهيليسم (الفوضى) والأصح أن يقال (العدمية). ولو فرضنا أن الفوضى هي اللفظة الواجبة في هذا المقام من جهة المعنى فهي لا توافقها كل الموافقة من جهة المقابلة الواجبة هنا فكان يجب أن يقال مثلا (الفوضوية) على أن هذه هي (انارشي) باللغة الفرنسوية. ومن أغلاطه النحوية قوله: كلما استغرق متأملاً. . . إلا وازدادت مفارقته.) ص15 والأصح: ازدادت بحذف (الآلف والواو) وكقوله في تلك الصفحة: لم يكن الحب خيالي دون شخص معين.) والأصح: خياليا. إلى آخر ما هناك. وعلى كل فان هذا الكتاب لا يخلو من فائدة لمن يطالعه بعين نقادة. 4 - إرشاد الخلق، إلى العمل بخبر البرق
(تأليف الشيخ محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح القاسمي الدمشقي. هو كتاب في جواز الاعتماد على التلغراف، ويليه عدة من فتاوى الإشراف في العمل بالتلغراف. طبع في ملعبه المقتبس سنة 1329) عدد صفحاته 104 يقطع 104 الثمن الكبير. الكتاب الذين يجمعون بين سداد الرأي وحسن التعبير ومتانته قليلون يعدون على الأصابع بالنسبة إلى كثرة المؤلفين. وممن يعد من مبرزي هذه الجماعة الشيخ العلامة محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي فان كل ما خطته أنامله وخبرته يراعته يشف عن سمو في الأفكار وابتداع في المعاني وابتكار في الآراء. وله عدة تأليف تؤيد قولنا هذا ومن جملتها هذا الكتاب الذي نتصفحه اليوم فانه مفيد كل الإفادة ولاسيما لهؤلاء الأقوام الذين يريدون بالأمة التخلف عن سائر الناس والجمود في حالتها الأولى التي فطروا عليها. وهم ليسوا بقليلين في الديار العربية اللسان والإسلامية المعتقد. وفي هذا الكتاب (تمهيدات) حرية بأن يطالعها كل مسلم، فهي تدل على ذكاءٍ غريب في كاتبها. والسفر حسن العبارة، على إننا كنا نود أن ينزه الكاتب قلمه عن بعض الألفاظ غير الفصيحة كقوله في ص4 (وما أوصلهم إلى هذه الميزة إلا تمنعهم في دقائق الأمور) ولو قال إمعانهم في دقائق الأمور أو تدبرهم دقائق الأمور لكان اصح وافصح. ومثله قوله: (وسبر غور الماجريات). فلقد اكثر أصحاب الجرائد من هذه اللفظة وهي لا تليق أن ترد على قلم
القسطاس
مثل قلم شيخنا الفاضل، على أن مثل هذه الألفاظ قليلة جدا لا تكاد تذكر. فعسى أن تكون الطبعة الثانية منزهة عن هذه الشوائب. القسطاس (جريدة مؤقتة أسبوعية (أي أسبوعية مؤقتاً) أدبية سياسية جدية هزلية حرة. . . . لصاحب امتيازها أعظمي عبد الجبار أفندي. ومديرها المسؤول: محمد هادي أفندي). صدر عددها الأول في بغداد في 17 صفر سنة 1330 الموافق 5 شباط سنة 1912 وهي تنشر بالعربية والتركية معا. وعساها أن لا تحتجب كما توارت أخواتها عن الأنظار. الحياة ظهرت في بغداد (مجلة شهرية تبحث في السياسة والاقتصاد والتاريخ والاجتماع) مديرها المسؤول: سليمان أفندي الدخيل وصاحبها ومحرراها: سليمان أفندي الدخيل وإبراهيم حلمي أفندي. وقد طالعنا العدد الأول منها الصادر في صفر هذه السنة (الموافق لشهر شباط 1912) فوجدناه حافلاً بالمباحث، جم المادة، متوفرها. ومن خطة هذه المجلة: (البحث في الإسلام، والعرب والعجم، والآثار، والأمم والشعوب، والسياسة الداخلية والخارجية، والانتقاد، والهجوم والدفاع، وأقواس (؟) وأنفاس، والتاريخ. اشتراكها في بغداد 40 غرشاً صاغا و45 غرشاً في
نفكر
البلاد العثمانية و15 فرنكاً في الخارج. والمجلة كثيرة المواضيع، مختلفة التبويب، إلا انه يشوه محاسنها غرائب بعض الآراء كالتي وردت في ص9 وركاكة التعبير في بعض المواطن وكثرة أغلاط الطبع في (جميع الصفحات). من ذلك ما ورد على الغلاف: أصحابها ومحرروها سليمان الدخيل وإبراهيم حلمي. والأصح صاحباها ومحرراها. وفي ص1 كانون الثاني. والأصح كانون الثاني. وفي ص2 وردت كتابة (ابن) بدون ألف 11 مرة مع إنها لم تقع هناك بين علمين بين اسم الابن وأبيه. وجاء فيها ذكر (بن خرد باذيه) والأصح: ابن خرداذبة. (ويظن في وقته) والأصح: ويظن وقته، (ويصرفه فيما لا ينفع) والأصح: في ما لا ينفع). وهكذا لا تخلوا كل صفحة من بعض أغلاط، وما العتب إلا على أصحاب المطابع الذين لا يعنون بإصلاح ما ينقح لهم. فعسى أن يكون العدد الثاني اقل أغلاطاً. ويوفق رصيفانا وصديقانا الماجدان لكل نجاح وفلاح، يمنه تعالى وكرمه. نفكر كثرت الصحف والمجلات في بغداد على قلة عدد القراء، ولهذا لا تعيش طويلاً والتي تعيش منها تتبع خطة خاصة بها ومن جملة الجرائد التي برزت إلى عالم الوجود هي (تفكر) وهي تركية عربية قد كتبت على صدرها: (اونيون اوتومان معافيرور جمعيتك مروج أفكاري)
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
أفكار نده حر عثمانلي غزته سيدر. (وقد ظهر عددها الأول نهار الأربعاء في 3 ربيع الأول سنة 1330 الموافق 21 شباط 1291 صاحب امتيازها ومديرها المسؤول سلمان أفندي عنبر ومحرر قسمها العربي ابن المنذر. وهي تخدم أفكار الاتحاد العثماني وتسعى في نشرها. وهي تطبع في مطبعة دنكور. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره بيع أرض عقرقوف - عقرقوف بناء فحم ضخم على أربعة فراسخ من غربي بغداد وله شهرة عظيمة في التاريخ. وكانت حواليه قرية تعد من نواحي دجيل. وليس اليوم هناك قرية بل أرض قفر فيها تل عظيم مبني باللبن. وكان هذا التل في عهد الكلدانيين صرحاً جليلاً مبنيا في مدينة كانوا يسمونها (دور كوريجلزو). وكان قد دوخها ملك أشور (تفلت فلاشر) في نحو سنة 1130 قبل المسيح. فتكون المدة من تدويحها إلى هذا اليوم 3042 سنة فإذا زدنا عليها إنها بنيت ومصرت قبل هذا التاريخ ببضع مئات من السنين، فيكون بناء هذا التل من نحو أربعة آلاف سنة، أي من عهد إبراهيم الخليل مع أن الذي يراه اليوم لا يحال انه شاهد صرحاً من تلك العصور الخالية. وهذا الذي نقوله ليس من باب الرجم والتكهن بل هو من باب الحقائق المثبتة المقررة والتاريخية التي لا تحتمل
لريب والشك لكثرة ما اكتشف من الرقم المؤيدة لهذه الأنباء بدونه. وقد ذكر التاريخ عدة أحداث وقعت في أنحاء عقرقوف، منها سبقت الإسلام بمئات من السنيين، ومنها طرأت بعده، ومنها لا تزال مع حواليه بين أعراب البادية إلى يومنا هذا، والغور (أو الهور) الذي يسمى بعقرقوف يشمل أرضاً واسعة، ومساحة أهم قسم فيه يبلغ 690 فدانا ويسميها اليوم بعضهم القرمة) ويلفظونها (الكرمة) بالكاف الفارسية المثلثة التنقيط بالجيم المصرية أي تلفظ والقرمة عند العراقيين أرض مئنة تفيض فيها بعض الأحيان مياه أمطار التلاع والأراضي العالية تكون لورة لها، أو مياه الأنهار المشرفة عليها والغياض والآجام آنية لها، حتى انه يشق منها انهار تسقى بها الأرضون لمزروعة؟ تاجه إلى الماء. وقد جاء دار السلام في هذه الأيام رجل اسمه (السيد أبو بن عبد الله العطاس) من تجار جزيرة جاوة، مسلم العقيدة أني الأصل، هولندي التبعة، يريد المهاجرة إلى العراق هو روه، ليعمر فيه أرضا بكده وجده. وقد وقع نظره على أرض وقوف المذكورة التي هي من الأملاك الأميرية. ووعد انه إذا رآها يجلب لها زراعاً من أهالي اليمن ومسقط ويتقيد بين العثمانيين
الأمير أحمد بك السعود
هو من ينتمي إليه. وبعد أن عين رجال يبحثون في مساحة الأرض التي تباع وقيمتها وقع أرضى بين أرباب العقد والحل وبين هذا الرجل الجاوي اليماني انه يشتريها بسبعة آلاف وخمسمائة ليرة فقط على الشروط الآتية: 1 - يجب أن تعرض رسوم إنشاء الأنهر التي تشق من الفرات على المهندس الأول لمياه الولاية ليوافق عليها إذا كانت وافية بالمقصود. 2 - أن يكون هذا الرجل وابن عمه السيد عمر بن علوي العطاس وجميع المسلمين الذين يزرعون تحت أنظارهما من التبعة العثمانية. 3 - يجب أن تعرض على الحكومة مواقع القرى التي ينشئانها وطرز إنشاء الأبنية التي يبنيانها وتقدم لها مخططاتها لترى رأيها فيها وتوافق عليها. 4 - يجب أن ينشأ مكتب ومسجد في كل قرية يحدثانها. لا يسوغ لهما أن يبيعا الأراضي المذكورة لا قطعةً قطعة ولا صفقة واحدة وبعد أن وقع لاتفاق بين الفريقين على هذه الشروط سافر السيد أبو بكر إلى الأستانة لينهي الأمر على وجه لا يكون فيه فسخ ولانقض. الأمير أحمد بك السعود قدم دار السلام في هذا الشهر احمد بك أحد أبناء السعود من أمراء نجد، وقد حل ضيفا في دار سليمان أفندي الدخيل صاحب جريدة الرياض. والغاية من قدومه بحقوق النيابة
الأمراض في البلدة
لديار نجد. الأمراض في البلدة لازالت الأمراض الوافدة كثيرة في البلدة ولاسيما في محلة النصارى فان الحمى التيفوئيدية (ويسمها العوام هنا النقطة) تفتك فتكا ذريعا ولاسيما في الأولاد. وربما وجد ولدان أو ثلاثة في البيت الواحد. والأطباء ينسبون هذا الداء إلى أكل الخس الذي يمد بأنواع السرقين ولاسيما بالبراز المتحلل. والأولاد مولعون بأكل أحرار البقول وينسبونه أيضاً إلى الماء الذي يتحلل فيه أنواع الأوساخ. فيجب على أهل البيوت أن ينقوا مياههم بإغلائه إلى أن تضمحل الوافدة من المدينة. وقد كثر أيضاً موت الفجأة أو الموت بعد مرض قليل المدة رحم الله عباده. أشغال السكة الحديدية البغدادية الألمانيون يسرعون في أشغالهم كل السرعة والأعمال الأولى قد تقدمت كل التقدم والأمل أن تكثر العملة والموظفون لكي لا يمضي الزمان بدون فائدة. إعراب العبارة جمع الجموع حاتم وعبد الكريم ابنا الشيخ صيهود رئيس عشيرة البو محمد وأخذا يتعرضان للسفن والبواخر السائرة بين القرنة وشطرة العمارة ومن بعض تعديات هؤلاء الأقوام انهم هجموا على الباخرة
مدارس في البحرين
(بغداد) في ذهابها إلى البصرة، والباخرة (برهانية) في عودتها من البصرة، وأمطروا الرصاص على المركبين من جانبي دجلة ولولا وصول الباخرة (مرمريس) البحرية وإطلاق مدافعها على هؤلاء الأشقياء لكان الضرر عظيماً. (عن جريدة بين النهرين ببعض تصرف). مدارس في البحرين لما يئس أهل البحرين من مطالبة الحكومة بما يعود إلى خيرهم وخيرها اخذوا يجمعون المال من باب الإعانة لفتح مدارس يدرس فيها اللغة العربية والإنكليزية. وفي نيتهم أن يجلبوا لها معلمين من بيروت بشرط أن يكونوا من العرب. (عن الرياض) تبرع في سبيل كلية الكويت تبرع الشيخ عبد الرحمان ابن الشيخ جاسم من آل إبراهيم بعشرين آلف ربية تشييد هذه الكلية فبلغ مجموع ما جمع في هذا السبيل النافع ثمانيين آلف ربية. والأمل انه يشرع ببناءهما هن قريب. (الرياض) التنقيبات في الاحيمر عثر الابيل دجنوباك في تنقيباته في الاحيمر على هيكل قديم العهد، لكنه لم يجد ثم أجرا مكتوبا أو تماثيل تدله على ما يتعلق بتاريخ ذلك الموقع، فلعل تتابع الحفر يميط النقاب عما يرغب فيه.
العدد 10
العدد 10 بلد روز أو بلاد الروز في التاريخ في قضاء خراسان من ولاية بغداد وان شئت فقل في شمالي مركز لواء بغداد قرية شهيرة بخصبها اسمها الحالي (بلد روز) ويظن البعض أن هذه القرية هي حديثة العهد وإنها سميت بهذا الاسم لكثرة زراعة الرز فيها إذ هو من اعظم حاصلاتها. على انهم لو انعموا النظر في اللفظة لما قالوا ذلك لان اللفظ الشائع هو (بلد روز) لا (بلد رز) على انه يحتمل أن يقال أن اللفظة صحفت على هذا الوجه ولا شئ أهون من هذا التصحيف كما يظهر لأدنى روية.
بيد أن الأمر ليس كما يتوهم. فان بلد روز قديمة العهد ولعلها ترتقى إلى ما وراء عهد ملوك بنى ساسان، إذ قد ورد ذكرها منذ أول عهد فتوح العرب لهذه الديار، واسمها الحقيقي هو (براز الروز) أو (إبراز الروز) بسكون الباء في الحرفين. قال الطبري (2: 906 من طبعة دي كوي) في أحداث سنة 76 هـ (695م): ثم أخذنا (أي شبيب الذي يتكلم وجنده حيثما كنوا بجوار الكوفة) الطريق على براز الروز ثم مضينا على جرجرايا وما يليها. وقال (في 2: 909) وقد اخذ شبيب إلى براز الروز فنزل قطيطيا وأمر دهقانها أن يشترى لهم ما يصلحهم ويتخذ لهم غداءً ففعل) والظاهر انه كان في جوار براز الروز دير للنصارى فقد قال المؤرخ المذكور (في 2: 91 وفي حوادث تلك السنة). . . . والحديث الآخر قتالهم فيما بين دير أبى مريم إلى براز الروز. وقد ذكر المحققون من أهل التاريخ أن خصب هذا الصقع من اخصب ديار السواد (أي شمالي العراق) فقد ذكر ابن خرداذبة باتاء سنة 260هـ (873م) ما هذا نصه: كان حاصل طسوج براز الروز 3000 كر حنطة 5100 كر شعير 120000 درهم عن ريع سائر الغلات. وقد كانت براز الروز طسوجاً من طساسيج كورة (استان شاذهر مز) وهو من تعبير ذلك العصر نقلاً عن الفرس يقابله اليوم قولنا: قضاء من أقضية خراسان.
وكان هواؤها طيباً يذهب إليها بعض موسري بغداد طلباً لترويح النفس وقد كان المعتضد بالله قد بنى فيها قصراً. قال الطبري (في 3: 2192) ولأربع ليال بقين من صفر (سنة 287 هـ 1 آذار سنة 900م) دخل المعتضد من منتزهه ببراز إلى بغداد، وأمر ببناء قصر في موضع اختاره من براز الروز فحمل إليه الآلات وابتدأ في عمله. وقال ياقوت في كلامه عن هذا الطيوج ما هذا نصه: براز الروز: بالزاء (في آخر كلمة براز) ثم ألف لام وراء مضمومة وواو وزاء. من طساسيج السواد ببغداد من الجانب الشرقي من استان (شاذ قباذ) (ويقال أيضاً شاذ هرمز وهما اسمان لمسمى واحد وهذا تقول ما تريد فانك مخير في اللفظيين) وكان للمعتضد به أبنية جليلة. وممن ذكر هذا الطسوج المسعودي في كتابه التنبيه والإشراف ص 61 من طبعة ليدن فقد في كلامه عن آطام البحر الخزري ما هذا نصه: (اطمة اربوجان ممايلى السيروان من بلاد ماسبذان وهي المعروفة (بحمة نومان) مما يلي منجلان. وذلك يرى على أربعين فرسخاً من بغداد على طريق البند نيجين وإبراز الروز) وقد ذكر براز الروز غير هؤلاء الكتاب ولا حاجة لنا إلى إيراد جميع النصوص فحسبنا ما استشهدتا به إلى الآن وقد جاءت في اغلب الكتب المذكورة بألف في الأول أي إبراز الروز. ومنهم
من لم يذكرها إلا بالألف ومنهم أيضاً بالوجهين. ويوجد مدينة ثانية مسماة بهذا الاسم وهي على طريق واسط. قال ابن رستة في كتابه الاعلاق النفسية ص186 ما نصه وهو يعتبره وادياً: (من (المدائن) إلى (قباب حميد) تسير حتى تنتهي إلى قنطرة على شط دجلة يقال لها (قباب حميد). وبحذائها مما يلي الجانب الغربي موضع يسمى (طيرستان). ومنه إلى (سيب بنى كوما) تسير حتى تنتهي إلى واد يقال له (براز الروز) وينصب في دجلة فتعبر بالسفن حتى تنتهي إلى (سيب بنى كوما) وكان هذا الموقع وقعة الصفار مع الخليفة وفيها أشجار الزيتون. اهـ. ومعنى براز الروز بالفارسية (ضياء النهار أو بهاء النهار) لحسن موقع المكان لا لأنه بلد الرز كما يتوهمه العوام. واليوم براز الروز قرية مهمة. ولاسيما لان أحد موسري الأستانة وهو المسيو زريفي اشترى فيها أرضاً واسعة مساحتها 45 ألف هكتار وعين لها أحد مهرة العارفين بأصول الزراعة على أنواعها. فكان مثال سعى المشترى والخبير القيم بأمرها ومن معه من الإفرنج من احسن ما يمكن أن يدفع أهالي هذه البلاد إلى اقتفاء آثارهم للحصول على ما بلغوا إليه من النتائج الحسنة. ومنذ أن اشترى المسيو زريفي تلك الأرض وهي عبارة عن ربع مساحة القضاء (لان تكسير القضاء المزروع بأسره هو
عبارة عن 179208 هكتارات) اصبح من احسن اقضية هذه الديار ومن أغزرها عائدة للبلاد ولأهاليها وللحكومة. وهذا الكلام يشمل الزرعين الشتوي والصيفي. فشتويه الحنطة والشعير والطرماهي وغيرها. وصيفيه: السمسم والرز والقطن وغيرها. وهناك النخل وتموره المتنوعة وفي قضاء خراسان العنب والرمان والبرتقال وكلها من أجود الأنواع وأفخرها وشهيرة في العراق. واحسن أرز خراسان هو أرز ملك المسيو زريفي. وأما المياه التي تسقى هذه الزروع فكلها تأتى من ديالى الذي كان يسمى أيضاً في السابق نهر تامرا وهو يقطع القضاء بأسره من
أنواع الأرز المعروفة في العراق
الشمال إلى الجنوب ومنها تأتي من نهر خراسان وهو النهر الذي يسمى في السابق جلولاء وكانت تسير فيه السفن في عهد العباسيين إلى باجسرا (المسماة اليوم أبو جسرة) وأما اليوم فقد اصبح نهراً صغيراً لا شان له الاسقى الأرضيين. وأما حاصلات هذا القضاء فكانت من الحنطة والشعير في السنة الماضية. 14200 طغار حنطة 52400 شعير21، 868، 000 كيلو غرام 80696000 - المجموع 66600 طغارالمجموع 102564000 كيلو غرامفهذه الأرقام وحدها من احسن الأدلة على غنى هذا القضاء والله الموفق. أنواع الأرز المعروفة في العراق يسمى العراقيون الأرز باسم آخر مشهور عندهم وهو التمن بتاء مثناة مضمومة يليها ميم مشددة مفتوحة بعدها نون. وأسماؤه تختلف باختلاف تفاوته في اللون وطول الحبة أو امتلائها إلى غير ذلك. فمنه: 1 - الرز أو الأرز أو التمن الأحمر أو تمن الخالص وتكون حبته حمراء ممتلئة وأكثر زرعه يكون في الخالص وهو كورة في شرقي بغداد. وهو أدنى أصناف الرز في الطعم والرائحة واللون والغذاء، لأنه يزرع لكثرة ما تؤتي الحبة الواحدة منه فانه تفوق سائر الأنواع
نتاجاً وحاصلاً. ولا يأكله إلا الفقراء. 2 - التمن النقازة (وزان رمانة ونشابة أو اقل بالحركة المشتركة) هو أرز فاخر يشتريه أصحاب الذوق اللطيف لا يأكله إلا المثرون لغلائه. وهو إذا طبخ لا يحتاج إلى سمن كثير وطعمه فاخر وكذلك رائحته. ولعله سمى كذلك لأنه ينقز عنه أي يدفع عنه كل تمن سواء. ويسمى النقازة أيضاً بالمولاني نسبة إلى المولى لان السادة تأكله. 3 - التمن الشنبة بالحركة المشتركة في الأول ثم نون ساكنة وباء مفتوحة هو دون أخيه السايق ويأكله متوسطو الحال والمال ولعله سمى كذلك لان حبوبه المتراصة تشبه أسنان الاشنب لان الشنب هو صفاء الأسنان ورقة مائها. 4 - التمن عنبر بوه أي ذو الرائحة (بوه) العنبرية وهو افخر أنواع التمن كلها لحسن رائحته وطول حبته وامتلائها وحسن لونها وهو أغلى الكل ثمناً كما انه أغلى أنواع التمن كلها قاطبة. ويقال له أيضاً تمن عنبر. 5 - تمن العقر. البعض يقول تمن عقرا، والعقر (وبلسان الآراميين أو الكلدان الحاليين عقرا) قرية بين تكريت والموصل وهو أرز حسن جلبت حبثه من هناك واخذ العراقيون بزرعها منذ بضع سنوات فنجحت عندهم وجاءت بإيتاء وافر هذه الأنواع الخمسة تزرع في الخالص ولاسيما في (بلدروز) وهي مشهورة عندهم بالأسماء التي ذكرناها. ومن الأنواع التي
الأمثال العامية في ديار العراق
تجلب إلى العراق وتباع في بغداد هي الآتية: 1 - تمن زيرة بكسر فسكون. 2 - التمن البنكالي (بكاف فارسية) ويوتي بهما من الهند. 3 - الحويزاوى (نسبة عامية إلى الحويزة كما يقولون حلاوي وبصراوي في حلي وبصري) يجلب من الحويزة وهي بليدة بين واسط والبصرة وخوزستان في وسط البطائح. 4 - تمن الهندية ويؤتي به من الهندية بجوار بغداد. 5 - تمن شتال وهو مشتق من الشتل وهو الغرس بلسان العراقيين زنة ومعنى ويؤتي به من أنحاء العراق. هذه هي أنواع الأرز المشهورة في العراق ذكرناها لان الكلام يكثر عنها كل مرة يجرى البحث عن مزروعات هذه الديار ومحصولاتها. فأحببنا أن نجمعها في نبذة واحدة تسهيلاً للرجوع إليها عند الحاجة. الأمثال العامية في ديار العراق مضى على اللغة العربية ردح من الزمن وهي تسكن القفار وتعيش بين البهائم وفي ظل الكهوف يلوكها قوم بينهم وبين العمران شقة قذف ومسافة شاسعة قد قنعوا بشظف العيش ومن جراء ذلك بقيت لغتنا العربية متسلحة بهمجيتهم مصونة عن فواعل التغيير بعيدة عن التحريف منزهة عن وصمة الدخيل حتى إذا ائتشب القوم بسواهم وكثرت حاجياتهم دعتهم الضرورة إلى أن يتخذوا ألفاظاً ليست من لغتهم وهذا أول حجر وضع في أساس تغييرها ولما استحكمت
عرى المواصلات واشتد احتكاكهم بالغير واضطر غير العربي إلى أن يعرف العربية خف إليها النحت والقلب والتحريف والتصحيف مسرعات هذا هو السبب الوحيد الذي استأصل شأفة مجدها التالد ودهورها في هوة الانحطاط ودفعها إلى ما هي عليه اليوم إلى ما نسميه لغتنا الدارجة فلغتنا الدارجة هي نسيلة اللغة العربية وقد اختصت لغتنا الدارجة بأوزان تتغنى بها العوام وتتمادح بها وتتهاجى وتهيج بها في ساحة الكفاح كما يكون ذلك في القريض وكم برع بالنظم رجال يضاهون أب الطيب في قريضه ولو جمع الجيد مما نظم فيها لكان سفرا غزير الفائدة ولكل واحد من هذه الأوزان اسم يعرف به فمنها ما يسمونه (أبوذيه) وهذا قد فاز من بينها بمجد الشهرة
والانتشار ومنها ما يسمونه (العتابة) ومنها ما يسمونه (المربع) وغير ذلك وعسانا أن نكتب شيئا عنها على حياله وكلها قد اشتملت على أمثال كثيرة هي موضوع البحث وسأذكر فيها ما ظفرت به منها والحق ما يحتاج إلى إيضاح بيان موجز واذكر بعد ذلك مورد المثل وأظني أن هذا الموضوع لم أضع فيه قدما على قدم وسأبالغ في رسم المثل بما ينطق به العوام. اسمي بالحصاد ومنجلي مكسور حصد الزرع والنبات حصاداً قطعه بالمنجل والمحصد كمنبر المنجل يقال فلان بالحصاد وبالسقي وبالكري (وتقول العامة بالجري بالجيم المثلثة الفارسية وكثيراً ما تقلب الكاف جيماً مثلثة كقولهم في سمك سمج وفي أكيدة اجيدة وغير ذلك) أي في محل الحصاد ومحل السقي ومحل الكري وليس المراد وجوده في ذلك المحل فقط بل أن يكون مشتغلاً بذلك الفعل غالباً وهذا ما يسميه علماء البيان بالمجاز في الإعراب ومنجل كمقول آلة تعمل من حديد مقوسة مسننة كالمنشار شائعة الاستعمال عند الفلاح العراقي يقضب بها الزرع وهي عربية. تقول العامة اسمه يفعل كذا واسمه بالشغل واسمي افعل كذا أو بالفعل الفلاني وتقصد أحد المعنيين: أما انه لا ينفك مبالغا ومجتهداً في فعل كذا وإذا قصدت هذا فالأكثر أن تعقب ذلك بجملة تدل على حال الفاعل غب هذه المثابرة كما يقال اسمه يفعل كذا ومعناه يستفيد منه وقد لا يستفيد منه ومفاد التركيب على هذا انه من شدة
الملازمة لهذا الفعل صار اسمه الذي يعرف به (يفعل كذا) أو (بالفعل الفلاني) وهو عنوانه ومن تبطن لغتنا العامية ومارس لهجاتها يعلم أن هذا المعنى غير مقصود هنا وأما لا يقصد ذلك بل يراد انه معدود في من يفعل هذا الفعل وان لم يثابر عليه وغالباً يستعمل في هذا المقام (اسمي) (لا اسمه) ومعنى اسمي بالحصاد على هذا أن لي اسما في محل الحصاد أي أمد من الحاصدين والأشيع حينئذ أن تعقب هذه الكلمة بجملة تدل على فقدان الفائدة الناشئة عن هذا الفعل كما ترى في هذا المثل فان (منجلي مكسور) كناية عن عدم الفائدة وقد يقول بعضهم اسمه الخ ويريد به المعنى الثاني إلا انه يكون من غير الشائع يضرب لمن يشتهر في عمل ذي فائدة وهو لا يحصل عليها. أكبر منك بيوم اعقل منك بسنة ليس في هذا المثل ما يحتاج إلى الشرح من الألفاظ العامية واللغوية والقول في حقيقة العقل وما يرتئيه الماديون فيه وغيرهم خروج عن خطة البحث والمراد بالعقل هنا ما يسمونه العقل المكسوب والمسموع وهو ما يستفيده الإنسان من (دروس الحوادث في كلية العالم) وقد قسمه صاحب أحياء العلوم وغيره إلى قسمين فقال بعد ما ذكر قسمي المطبوع. الثالث علوم تستفاد من التجارب بمجارى الأحوال فان من حنكته التجارب وهذبته المذاهب يقال انه عاقل في العادة ومن لا يتصف بهذه الصفة فيقال انه غبي غمر جاهل فهذا نوع آخر من العلوم يسمى عقلاً الرابع أن تنتهي قوة تلك الغريزة
إلى أن يعرف العواقب ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها فإذا حصلت هذه القوة سمى صاحبها عاقلا من حيث أن أقدامه وأحجامه بحسب ما يقضيه النظر في العواقب لا يحكم الشهوة العاجلة إلى أن قال فالأولان بالطبع والأخيران بالاكتساب (قال) ولذلك قال علي (ع) رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مطبوع إذا لم يك مسموع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع أقول والمنقول عن المازني وعن يونس وقد صوب الأول الزمخشري انه لم يقل عليه السلام غير هذين البيتين وهما: تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك ما بروا ولا ظفروا فان هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها اثر والمعروف عن الأشكال إذ الزيادة المستفادة من صيغة التفضيل أما في العقل المطبوع وهو لا يتفاوت في الصغر والكبر كما هو معروف عند من تكلم على العقل من قدماء الفلاسفة (والظاهر أن المثل يجري على قولهم) وإذا نظرت إلى رسالة الحدود لابن سينا ومقالة معاني العقل للفارابي وكلام أحياء العلوم في حقيقة العقل يتضح لك ما قلنا جلياً وأما المسموع فهو لا يتفاوت بالصغر والكبر إلا أم زيادة العمر بيوم لا تقضي حتماً بزيادة عقل صاحبه بل هذا من
الأدب والمجاملة ومعنى المثل أن من هو أسن منك اعقل منك أي اعرف منك بالحوادث لزيادته عليك بالتجارب يضرب لمن يستبد برأيه ولا يشاور من هو أكبر منه. عيوني اليحط بالسكلة رقي (اليحط) الذي يضع الألف واللام من قبيل الأسماء الموصولة وهي أما بمعنى الذي وأما مقتطعة منها لكثرة الاستعمال والقول الثاني قال به بعض النحاة في ال الموصولة هذه على الفعل المضارع موجود في شعر العرب والنحويون يحظرونه إلا في الخطورة والمخالف في ذلك قليل قال دينار بن هلال يقول الخنى وابغض العجم ناطقا ... إلى ربه صوت الحمار اليجدع وقال آخر ما أنت بالحكم الترضي حكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل (بالسكلة) السكلة اصلها الاسكلة حذفت منها الهمزة والاسكلة كلمة تركية معناها آلمينا ومرسى السفن والتركية مأخوذة من الإيطالية والأولى أن يقال من اللاتينية وتطلقها العامة الآن على المحل الذي توضع فيه الأشياء المختلفة كالفحم الحجري والحطب والبترول والقير والفاكهة والخشب الذي تصنع منه الروادف وأبواب الدور والغرف والبلاط وغير ذلك مما لا يوضع في الأماكن المنظمة والمناسبة بين المعنى الذي تستعمله العامة فيه وبين معناه الأصلي جلى وإذا لم تعدد الأنواع التي وضعت فيها أضيفت إلى النوع الذي اختص بالوضع
مختارات من شعر السيد صالح القزويني
فيها فيقال حينئذ (سكلة الرقي) و (سكلة السمج (الرقي) قال صاحب القاموس والحبحبة البطيخ الشامي الذي تسميه أهل العراق يأتيهم من جهة الرقة والفرس من جهة الهند أو أن اصل منشأه من هناك وروى له أسماء غير هذه أقول ويسميه فرس اليوم هندونة وهندانة ودونة ودانة الحبة أي حبة الهند ثم أطلقوها على هذه الفاكهة لان هذه الحبة أتى بها من هناك لتزرع في بلادهم واستعمال العامة في كل لغة يكفيها أدنى ملابسة هذا ما يظهر لي وأهل الحجاز إلى اليوم يسمونه الحبحب على ما روي لنا والرقة على ما قال ياقوت مدينة مشهورة على الفرات بينها وبين حران ثلاثة أيام معدودة في بلاد الجزيرة لأنها من الجانب الشرقي ومعنى المثل أن الذي يجتهد في سعيه ويأتي بالفائدة ولا يكون رفيفه اكثر من زفيفه وكنى عن ذلك (باليحط بالسكلة رقي) محبوب عندي وأنا أهواه وأوده وكنى عن ذلك (بعيوني) يضرب لمن لم يقصر في عمله ويحصل على نتيجته الباقي للآتي النجف: (مرج) مختارات من شعر السيد صالح القزويني قال السيد صالح في مدح بغداد حيا العهاد معاهد الزوراء ... وجرى النسيم بها مع الأنواء وزهت أزاهير الرياض بلؤلؤ ... رطب تسمطه يد الانداء
وعلا الحمام على الاراكة صادحاً ... يثنى على الأنواء خير ثناء نشرت غضون الآس أعلامكما ... نشر الورى الأعلام في الهيجاء ورنا لخال شقائق النعمان نر ... جس روضها في مقلة كحلاء والجلنار كاكؤس فيها طلا ... صيغت من الياقوتة الحمراء والورد نم على البنفسج مذراي ... برد الحداد عليه في الأرجاء وترى الغصون تميس ما جر الصبا ... طربا على الأزهار فضل رداء تالله ما الزوراء إلا جنة ... الفردوس فيها وافر النعماء ما الترب إلا عنبر ما الماء إلا ... كوثر يبري عضال الداء وكان بين رياض وحسانها ... درر على ديباجة خضراء وقال يمدح النارجيلة: باكر مذهبة البلور باكرة ... والشمس بالبدر يجلوها لك القمر فالجمر والتتن ياقوت على ذهب ... دخانه فاح منه العنبر العطر كأنما الماء فيها هو مضطرب ... بحر قد انتثرت في موجه الدرر أو أنه برد زجته بارقة ... بالرعد كان رذاذا فوقه المطر وقال يصف حالة قلبه وتقدمه في السن: قلب تصارع فيه الهم والهمم ... حتى تسارع فيه الضعف والسقم فالرأس مشتعل شيباً ومنعطف ... كالقوس ظهري وأذني نالها صمم والجسم فيه ضنى والقلب فيه لظى ... والجفن فيه قذى والدمع فيه دم فلم يغثني أخ أشكو إليه على ... علم بضري ولا خل ولا رحم فالجأ إلى الله واشفع بالنبي فما ... حقا سوى الله موجود هو العدم
رحمت ولدى على ضعفي وكنت بهم ... على شفا جرف هار وما رحموا وقال في دجاجة أهديت: هدية من ملك صالح ... قد أهديت للملك الصالح دجاجة يوقظني ديكها ... قبل طلوع الفجر بالصائح ولو سليمان حبته بها ... كان عن الهدهد بالصافح تهزا بالقمري في صدحها ... راد الضحى والبلبل الصادح تمشي رويداً وإذا ما عدت ... كأنها تعدو على سابح تجنح للطاؤوس في ريشها ... بحسن ذاك الرونق الجانح لم يمش كدري القطا مشيها ... إلى ورود الماء في بارح كلا ولا البط إلى ورده ... غداة تمشي مشية المارح لم يروها النيل ولم تغذها ... غلاته في الزمن السامح لو بعتها في ملك مصر وما ... وراءه ما كنت بالرابح سوداء كالليل ومن عرفها ... يلوح لون الشفق الواضح تفارق الجوزاء في برجها ... إن قرنت بسعدها الذابح وطائر النسر تراه على ... سماكها الأعزل والرامح لا تنجس الميزان في حملها ... إن نقلت للمشتري الرائح طال بها متن امتداحي وما ... أرى لذلك المتن من شارح فما أرى فرحة كسرى ولا ... قيصر في عزمها الجامح كلا وسابور في فتحه ... وقبضه للملك الفاتح
كفرحة الملك الذي أصبحت ... ملكا له والملك المانح لم يستطع حصراً لأوصافها ... نظم لسان اللسن المادح فهاكها عذراء ما شامها ... سواك من دان ومن نازح وقال يمدح ميرزا علي نقي الطباطبائي: لم يشرب الصفو من لم يشرب الكدرا ... وليس يخطر من لم يركب الخطرا ولم يفز بالمنى من ذل جانبه ... ولم يطل في الورى من باعه قصرا من شاء نيل الأماني لا ينهه ... خوف المنية لا ورداً ولا صدرا ولا يقود العلى من لا يقود لها ... قود العزائم يرمي زندها الشررا أولى الورا بالعلى من كان أكرمها ... كفا وأشرفها ذكراً إذا ذكرا فانصب نصب خفض عيش رافعاً علماً ... للعزم تقتاد فيه المجد والخطرا وانهض لشمس المعالي مدركاً قمراً ... من الأماني يغشى الشمس والقمرا وطر لها بقدامى العزم مرتقياً ... إلى العلى تقض في إدراكها الوطرا وخض غمار المنايا فوق سابحة ... تشق بحراً بموج العزم منغمرا جرد لحفظ المعالي صارماً ذكرا ... من العزائم يبرى الصارم الذكرا ومدفكاً إلى العلياء باسطة ... للمجد برداً بطي البيد منتشرا إذا خطبت العلى فاسهر تلذ كرى ... فلن يلذ الكرى إلا لمن سهرا وصل على كبر الأقدار بالهمم ال ... كبرى تصغر من الأقدار ما كبرا إن كذبتك الأماني بالعلى فابن ... بصادق العزم منها الكاذب الأشرا من يشتري الحمد فلينفق خزائنه ... فليس يحمد من لم ينفق الدررا شمر من العزم أذيالاً وكن رجلاً ... بالحزم يملا سماع الدهر والبصرا
وغر على غير الأيام جامحة ... مغيرا بسرايا عزمك الغيرا وافزع إذا أفزعتك النائبات إلى ... كهف الأرامل والأيتام والفقرا مصباح كل هدى مفتاح كل ندى ... مقباس كل تقي مطعام كل قرى وهكذا إلى آخر القصيدة، فأنت ترى أن الأبيات الأولى جمعت حكما رائعة بخلاف ما يرى في اغلب قصائد المدح التي ينسج بردها على منوال عصر انحطاط الشعر في القرون المتأخرة. ومن شعره قوله طالباً تبغاً من صديق له: يا خير فرع طيب الأصل ... وخير قرم شامخ الفضل إليك أشكو توتناً منتنا ... يأذن قبل الشرب بالقتل جد لي بتتن منك يشفى الضنى ... مشروبه بالعل والنهل ما أنا عنه راغب بالذي ... توليه من شرب ومن أكل وصلت في حبلك حبل الرجا ... فصل به حبلك في حبلي إن قلت هل في الناس من مفضل ... قالوا نعم ذاك أبو الفضل فأن يكن بعل لبكر العلي ... فما لها سواه من بعل كم في المعالي من قضايا له ... منتجة عقيمة الشكل وكم له وابل جود همي ... أزرى على منهمل الوبل. . . فاسلم مدى الأيام من غدرها ... من العلي تجني جني النحل وقال في وصف شمعة: وبيضاء يحكي ألبان حسن اعتدالها ... أضاءت لنا ليلاً وأغنت عن البدر فكانت كخطى القنا غير إنها ... لحين وقد كان السنان من التبر
اسم بغداد
وله أيضاً مرتجلا: إن أبا الفضل له همة ... تنحط عنها همة الطائي ينهل كالوسمى لكن هما ... ما بين ضحاك وبكاء محله النجم وقد لاح ما ... بين الورى كالنجم في الماء وقد مدح طائفة من علماء زمانه بقصائد عامرة الأبيات طويلة النفس ورثى كثيراً من أبناء وطنه فاجتزأنا بما ذكرنا تعريفا به ومن أراد الوقوف عليها فليطلبها في ديوانه. فقد جمع ووعى. وأبقى له فيه أثراً لا يمحى. اسم بغداد ومعناها وقدمه ولغاته ومرادفاته اختلف العلماء في اسم بغداد ومعناه. وهاء نحن نجمع ما قالوا فيه من الأقوال. قال أبو الفداء في كتابه تقويم البلدان: قال في اللباب: وإنما سميت (بغداد) بهذا الاسم لان كسرى
أهدى إليه خصي من الشرق فاقطعه بغداد. وكان لهم صنم يعبدنه بالمشرق، يقال له (بغ) فقال ذلك الخصي: (بغ داذ)، يقول: أعطاني الصنم. والفقهاء يكرهون هذا الاسم من اجل هذا. وسماها المنصور مدينة السلام. لان دجلة كان يقال له: (وادي السلام) قال: وكان ابن مبارك يقول: لا يقال بغداذ. يعني بذال المعجمة، فإن (بغ) شيطان. و (داذ) عطية، وإنها شرك. وإنما يقال بغداد، يعني بالدالين المهملتين، وبغدان أيضاً. وقال بعضهم أن (بغ) بالعجمية (البستان) و (داذ) اسم رجل يعني بستان داذ) اهـ. وقال ابن الانباري: أصل بغداد للأعاجم. والعرب تختلف في لفظه، إذ لم يكن اصلها من كلامهم ولا اشتقاقها من لغاتهم. . اهـ. وقال بعض الأعاجم (نقلا عن معجم ياقوت): تفسيره بستان رجل. (فباغ): بستان. (وداد) اسم رجل. وبعضهم يقول: بغ: اسم للصنم، فذكر انه أهدى إلى كسرى خصي من المشرق فاقطعه إياها، وكان الخصي من عباد الأصنام ببلده، فقال: (بغ داد) أي الصنم أعطاني. وقيل: (بغ) هو البستان. و (داد) أعطى. وكان كسرى قد وهب لهذا الخصي هذا البستان فقال (بغ داد) فسميت به. وقال حمزة بن الحسن. بغداد اسم فارسي معرب عن باغ داذويه) لان بعض رقعة مدينة المنصور كان (باغ) لرجل من الفرس اسمه داذويه) وبعضها اثر مدينة دارسة كان بعض ملوك
الفرس اختطها فاعتل. فقالوا: ما الذي يأمر الملك أن تسعى به هذه المدينة فقال: (هليدوه وروز) أي خلوها بسلام) فحكى ذلك للمنصور، فقال سميتها مدينة السلام. وفي بغداد سبع لغات: بغداد. وبغدان. ويأبى أهل البصرة ولا يميزون بغداد في آخره الذال المعجمة. وقالوا لأنه ليس في كلام العرب كلمة فيها دال بعدها ذال. قال أبو القاسم عبد الرحمن بن اسحاق: فقلت لأبي اسحاق إبراهيم بن السرى: فما تقول في قولهم خرداذ، فقال: هو فارسي ليس من كلام العرب. قلت أنا: وهذا حجة من قال: بغداذ، فانه ليس من كلام العرب. وأجاز الكسائي بغداد على الأصل، وحكى أيضاً مغداذ ومغداد ومغدان. وحكى الخرزنجي: بغداد بدالين مهملتين وهي في اللغات كلها تذكر وتؤنث. وتسمى مدينة السلام أيضاً. فأما الزوراء فمدينة المنصور خاصة. وسميت مدينة السلام لان دجلة يقال له (وادي السلام). وقال موسى بن عبد الحميد النسائي كنت جالساً عند عبد العزيز بن أبي رواد فاتاه رجل فقال له: من انت؟ فقال له: من بغداد، فقال: لا تقل بغداد، فان (بغ) صنم. و (داد) أعطى. ولكن قل: مدينة السلام، فان الله هو السلام والمدن كلها له. وقيل أن بغداد كانت قبل سوقا يقصدها تجار أهل الصين تجاراتهم فيربحون الربح الواسع. وكان اسم ملك الصين (بغ فكانوا إذا انصرفوا إلى بلادهم قالوا: بغ داد) أي أن هذا الربح الذي ربحناه من عطية الملك.
وقيل: إنما سميت مدينة السلام. لان السلام هو الله. فأرادوا مدينة الله. إلى هنا من كلام ياقوت بحرفه. وقال صاحب تاج العروس: بغداد وبغذاذ بمهملتين ومعجمتين، وتقديم كل منها. فهذه أربع لغات في المصباح: الدال الأولى مهملة وهو الأكثر. وأما الثانية ففيها ثلاث لغات، حكاها ابن الانباري وغيره دال مهملة وهو الأكثر، والثانية وهي الأقل ذال معجمة، وبعضهم يختار بغدان، بالنون، لان بناء فعلال بالفتح بابه المضاعف كالصلصال والخلخال، ولم يجيء من غير المضاعف، إلا ناقة بها خزعال، وهو الظلع، وقسطال ممدود من قسطل وقال أبو حاتم: سالت الأصمعي: كيف يقال: بغداد أو بغداذ أو بغدين، وقد تقلب الباء ميما، فيقال، همذان. فقال: قل: مدينة السلام فهذه سبع لغات الفصيح منها بغداد بدالين (مهملتين) وبغدان بالنون (في الأخر). كما اقتصر عليه ثعلب، وأورد ابن سيدة هذه اللغات كما أوردها المصنف، وزاد القزاز: بغدام بالميم في أوله، وزاد صاحب الواعي عن أبي محمد الرشاطي: بغذان بدال معجمة. وحكى أبو زكريا، يحيى بن زياد الفراء بهداد بالهاء والدال. قال أبو العباس كلها لهذه البلدة المشهورة بمدينة السلام قال: وهو اسم أعجمي عربه العرب. وقال صاحب الواعي: هو اسم صنم فتأويلها: بستان صنم وقال الرشاطي قال عبد الله بن المبارك لا يقال بغداذ بالدال الثانية معجمة
فان (بغ (صنم و (داذ) عطية وعن أبي بكر ابن الانباري عن بعض الأعاجم يزعم أن تفسيره بستان رجل فبغ بستان وداد رجل وبعضهم يقول بغ اسم صنم لبعض الفرس كان يعبده وداد رجل قال الرشاطي: وكان الأصمعي ينهى عن ذلك ويقول مدينة السلام قال شيخنا ويقال لها دار السلام أيضاً) اهـ وقال في البرهان القاطع: بغداد مخفف باغ داد، ومعناه بستان العدل وقال ابن الخازن وابن المكين بغداد مأخوذة من اسم راهب كان يقوم بشؤون كنيسة مبنية في الموقع الذي هو اليوم بغداد فقيل: مدينة بغداد مضافة إلى اسمه، كما يقال مثلا مدينة اسكندر أو قسطنطين أو المنصور. وقال آخرون: بغداد مأخوذة من (بيت غدادا) الارمية ومعناها: مدينة الغزل أو الحياكة والنسيج أو أيضاً: مدينة الجداد (وزان الرمان) وهو كل متعقد بعضه ببعض من خيط أو حبالٍ صغارٍ. قلنا نحن: هذه كلها خواطر خيالية اخترعها مخيلة اللغويين أو واهمة بعض المتشدقين والمتحذلقين إجابة لما في الإنسان من حب الوقوف على ما يجهل لكي لا يقال عنه انه جاهل وإلا فان اسم
نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية
بغداد قديم إذ قد ورد في تاريخ الآشوريين قبل المسيح بألف وتسعين سنة. فقد جاء في التواريخ المسمارية الخط المكتوبة على الآجر: أن الملك أشور بلكلا رتق ما فتقه أبوه فأخذه بغداد واكتسح أنحاء بابل واضطر الملك مردوخ شايكزر مايي على أن يطلب الصلح. وقد وجد العلماء في نفس بغداد أجراً كثيرا مكتوبا عليه اسم بغداد وبعض الوقائع التي جرت فيها، وعليه فالقول أن اللفظة فارسية أو أرمية أو غير ذلك هو من باب التكلم على أساس غير ثبت. وأما معناها في اللغة الآشورية فلم يهتد إليه العلماء فلعل التبحر في هذه اللغة يكشف القناع عن حقيقة معناه. وأما أسماء بغداد واختلاف اللغات فيها فقد رأيت أنها كثيرة تبلغ العشرين وهي: بغداد. وبغذاذ، وبغداذ. وبغذاد، وبغدان، وبغدين، ومغذان، ومغدان، وبغدام، ومغدام، وبغذان، وبهداد، والزوراء، ومدينة السلام، ودار السلام، وقبة الإسلام، وحاضرة العباسببن، ودار الخلافة، ودار الأمارة العباسية، وأم العراق. إلى غير هذه الأسماء ما يستغني عن ذكرها. رزوق عيسى نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية 1 - تمهيد إذا بحثت عن كتبة العرب في هذا العصر وجدتهم كثيرين
وفيهم المعرب والجاري على طريقة الكتابة في عصر انحطاط اللغة. والجاري إلى أساليب أهل هذا العصر. والجاهل الذي لا يدري ما يكتب، أما إذا فتشت عن الكاتب البليغ المبتدع للمعاني، والمبتكر للمواضيع، فانك لا تجده إلا بشق النفس ونعني بالمبتدع المبتكر من يكتب في المواضيع لم يسبقه إليها أحد فينقلها عنه من يجيء بعده من الكتبة أو ينقلها الأجانب إلى لغاتهم إقراراً بفضل المؤلف وعلمه وابتكاره المباحث. وممن نفتخر بقلمه وعلمه الكاتب والمؤرخ الشهير جرجي أفندي زيدان صاحب مجلة الهلال والتأليف المختلفة المواضيع، والذي نقلت عدة كتب من تصانيفه إلى لغات الأجانب. فإذا قلنا أنه هو العربي الوحيد الذي اقر بفضله علما الإفرنج لنقلهم بعض أسفاره إلى ألسنتهم لما غالينا في كلامنا، ولما تعدينا الحقيقة. على أن سماع هذه الكلمات بشق على كثيرين من الحساد. ولهذا اخذ بعضهم يتنقصونه ويغضون منه ظناً منهم انهم أن فعلوا هذا الفعل يزيدونه قدراً ويسبونه إلى الفضل ويتفوقون عليه كل التفوق، ونسوا قول الشاعر: ترى متى تشتفي الحساد من رجل ... تريد خفضاً له والله يرفعه إذا قضى الله أمراً لا يرد وان ... أجرى عطاء فمن في الأرض يمنعه ألف جرجي أفندي زيدان عدة كتب وروايات حظيت غاية الحظوة عند العامة والخاصة، ومن الكتب التي وقعت احسن موقع
عندهم هذا كتابه الأخير وهو: (آداب اللغة العربية) فلما وقف عليه الحساد جاشت في صدورهم أبحر الغيظ وأخذت الحزازة تزداد شدة وأذى. حتى انهم اخذوا يتعرضون لما يمس شرفه وشخصه في انتقادهم لهذا الكتاب الجليل عوضاً من أن يذكروا ما فيه من المغامز والأغلاط لتصحح في الطبعة الثانية. هذا وأننا وأن أجللنا المؤلف وتأليفه فأننا لا نريد بهذا الإجلال أن نعصمه من الخطأ أو نجعل مصنفاته بعيدة عن شوائب النقص والخلل فالإنسان لكونه إنساناً ينزله الوهم وينتابه الزلل، على حد ما قيل: الإنسان، محل النسيان. وكتاب تاريخ آداب اللغة العربية من المؤلفات التي تطرق إليها السقط على أنواعه ونحن نقسمه إلى ثلاث طوائف: 1 - أغلاط الطبع والأصول العربية 2 - أغلاط التعبير 3 - الأوهام في جدة الآراء. ونحن نأتي بذكر كل طائفة على حدة لتتضح الأمور للقارئ فنقول: 2 - أغلاط الطبع والأصول العربية كنا نظن أن مطابع بغداد وحدها تأتينا بأعاجيب الأغلاط وما كنا نخال أن سائر المطابع تلد مثل ذلك النتاج الغريب. فان أغلاط هذا الكتاب كثيرة تعد بالعشرات وتكاد تبلغ المائة. وكان الأجدر بمتولي طبع هذا السفر الجليل أن يصونه عن مثل هذه الشوائب المخلة به. لاسيما لأنه ينتظر أن يقع في أيدي الكثيرين من علماء وجهلاء. ولهذا كان يحسن بان ينزه عن كل ما يشوه محاسنه. من
ذلك ما ورد في ص 11 قوله الاحافير وهي لفظة لاحظ لها من العربية بهذا المعنى والأحسن أن يقال: الآثار المدفونة. أو المندرجات أو الرقم بضمتين جمع رقيم. لان الاحافير جمع احفار جمع حفر وهو التراب المخرج من المحفور لا غير. وقوله ص 120 وقد تعاصر البابليون والمصريون. والأصح: وقد عاصر البابليون المصريون لان لاوجود للتفاعل في مادة ع ص ر. وقوله في تلك ص: فيها قائمة بأسماء، والأصح: قائمة أسماء، واحسن منه: ذكر أسماء وقوله: ورقة. وهي اسم بلدة قديمة في العراق. والأصح: وركاء بالكاف لا بالقاف وراءها ألف ممدودة (راجع معجم ياقوت. ومجلة المشرق 5: 675. وجاء ص13: بغدد، والأصح بغداد، والمتحف، والأصح دار المتحف. وعثر النقابون أمس على بقايا هذه المكتبة مكتبة بين النهرين. أو على بقايا مكتبة بين النهرين هذه. أو نحو ذلك. وورد في ص14: فالتمدن الإسلامي مدين لآداب اليونان في اكثر العلوم الطبيعية. فهذا تعبير إفرنجي، ولو قال: فلآداب اليونان فضل على التمدن الإسلامي في اكثر العلوم الطبيعية، لكان افصح وأحلى عبارة. ومن هذا الباب باب الوهم قوله في ص15: تجد لكل أمة خصائص في شعائر ومداركها تمتاز بها عن سواها، والمطلوب في
هذا المقام شواعرها بدل شعائرها. وهذه غير تلك وبالعكس. وفي ص17 الشعر الغنائي والأصح الغنائي وفي ص30 والزراقة للزرافة وفي ص40 الطياهج للطباهج والسكنجين والخلنجين في السكنجين والخلنجين والمزنجوش في المرزنجوش وفي ص45: وكان الهذيليون وهم قبيلة من مضر يجعلون الحاء عيناً ويسمونها العجعجة (كذا). والأصح الفحفحة بفاءين عوض العينين. وقال: ومنها الجعجعة (كذا) في قضاعة وهي أن يجعلوا الياء المشددة جيناً (كذا) والأصح العجعجة. . . جيماً. ثم أن تقييد القول يجعل الياء المشددة جيماً هو موافق لبعض اللغويين والحق أن قلب الياء جيماً غير خاص بالياء المشددة بل بمطلق الياء. راجع التاج مادة ع ج ع ج. وقوله: الاسننطاء في لغة سعد بن بكر وهي أن يقولوا أنطى بدل أعطى. وليس هذا الكلام بصحيح وإنما الصحيح هو: أن الاستنطاء في لغة سعد بن بكر وهذيل والازد وقيس والأنصار جعل العين الساكنة نوناً إذا جاورت الطاء (لا في انطى فقط بل كلما شابه اللفظ) وما انطى إلا من باب التمثيل هنا. وان كان الاستنطاء مشتق من ذلك فهذا من باب تعميم التسمية. (راجع المزهر 1: 109). وقوله ص46: ليس في جزيرة فقط بل في كل بلد دخله الإسلام. والأصح أن يقال: ليس في الجزيرة فقط (أي في جزيرة بلاد العرب) بل. . .
الخستاوي والزهدي
وجاء في ص48 المعائب (مهموزة) والأصح المعايب بالياء لان الياء فيها أصيلة وود فيها: لكل قوم أعجاز. وصور الهمزة فوق الألف والأصح جعلها تحت الألف لأنها مكسورة. ومثل هذين الضبطين المخطوئين شيء كثير لا يعد. ومثله قوله ص52: سبق السيف العزل. والأصح العذل. وهو كثيراً ما يجعل الذال المعجمة زاء تبعا للفظ أهل الشام ومصر كما أن أهل العراق كثيراً ما يخلطون الصاد بالظاء وبالعكس كما يرى ذلك في صحفهم وكتبهم ومطبوعاتهم. وورد في ص60 والشعب في حطم. والأصح: والعشب في حطم. وفي ص63 كانت بداية النظم والأفصح بداءة. وفيها: صفاء جوههم. والأصح جوهم. وقال في ص126: إذا قالت حزام فصدقوها. فان القول ما قالت حزام. والأصح حذام بالذال المعجمة. وقال ص65 فدسوا رجلا اسمه زيابة. وقد تكرر الغلط مراراً. والأصح ابن زيابة كما في الأغاني (21: 95، 96) وشرح الحماسة للتبريزي. قلنا: ونقف عند هذا الحد من نوع هذه الأغلاط لئلا نملأ عدداً من مجلتنا منها. وبهذا القدر كفاية. (للبحث تلو) الخستاوي والزهدي سألنا أحدهم عن التمر المعروف اليوم عند أهل العراق
باسم الخستاوي، هل هذه اللفظة فصيحة وان لم تكن كذلك فما هي الكلمة التي صحفت عنها. قلنا: الخستاوي ويلفظها العوام بضم الخاء المنقوطة وإسكان السين المهملة وفتح التاء المثناة بعدها ألف ثم واو مكسورة وفي الآخر باء مشددة هي كلمة مصحفة عن الخستواني بضم فسكون فضم ففتح إلى آخر الضبط السهل المعرفة. وقد جاء ذكر هذا التمر الصادق الحلاوة اللذيذ الطعم في كتاب احسن التقاسيم للمقدسي ص130 من الطبعة الإفرنجية قال: عبد الله: وبالبصرة من أجناس التمور تسعة وأربعون ثم عددها وذكر فيها: الخستواني وقد صحف في بعض الكتب بصورة: (خاستوي) كما جاء في كتاب خط موجود في دار المتحف البريطانية عدده 19913 في وجه القائمة 41 على ما نقله دي كويه في كتابه معجم مجموعة البلاد (ص175) إذ يقول في ما ذكره من أنواع التمور: القرش والخاستوي والمشمش. . . .) وقد ذكره نيبهر الرحالة باسم الخستاوي (في 2: 215) بفتح الخاء وكذلك نقله دوزي في كتابه ملحق المعاجم العربية في الجزء 1 ص 371، والظاهر أن الخستواني منسوب إلى الخستوان ومعناها الأكابر أو الأغنياء باللغة الفارسية وهي جمع خستو. وسبب تسمية هذا لنوع من التمر بهذا اللفظ هو لأن الأغنياء مولعون بأكله بخلاف الزهدي فانه لا يأكله إلا الفقراء وأهل الزهد في الدنيا ولم يرد
الجكير
كلا اللفظيين (الخستواني والزهدي) في دواءين اللغة أن مطولة وأن مختصرة بل ورد بدلاً من الثاني الازاذ والحر وهما مرادفاه الفصيحان وما الزهدي إلا تصحيف الازاذ. الجكير أو الشجير أو الجقير وسألنا آخر قال: نصارى العراق والجزيرة يستعملون لفظة الشجير ليدلوا بها على اليوم الأول من صومهم الكبير الذي لا يبتدي عندهم الأنهار الاثنين بخلاف نصارى الطائفة اللاتينية فهم لا يبتدئونه الأنهار الأربعاء الذي يتلو يوم الاثنين الشجير أو الجكير (بالكاف الفارسية في الثاني وبالجيم المصرية في الأول) فمن أين لهم هذه اللفظة وما معناها. قلنا: الشجير لفظة ارمية الأصل وهي بلسانهم. أو ومعناها البعث والإرسال. وسبب هذه التسمية أن بطرك الطائفة كان يرسل إلى أبنائه راهباً في بدء الصوم ليبلغهم أوامره وزواجره وليعظهم في تلك الأيام وكان الأهلون يعرفون هذا الأمر فيخرجون إليه زرافات ليستقبلوه ويرحبوا به. ثم أصبحت تلك العادة سنة جروا عليها وأن انقطع عنهم رسول الإمام الأكبر لان العامة تحافظ دائماً على ما به ترويح الجسد. وأصبح ذلك اليوم عندهم يوم نزهة ولهو وقصف وكان الأجدر بهم أن يجعلوه يوم توبة وقشف. وهذه العادة جارية في جميع البلاد التي كان فيها للبطاركة
بغية الأنام في لغة دار الإسلام
الشرقيين السلطة العظمى. إلى أن أهل العراق والجزيرة حافظوا على الاسم بخلاف أهل الشام مثلاً فإنهم لم يحافظوا عليه. ومما تقدم إيضاحه ترى مناسبة استعمال اللفظة وسبب اتخاذها للدلالة على هذا اليوم. وقدم هذه العادة في الشرق لقدم التسمية. بغية الأنام في لغة دار الإسلام وعدنا القراء بجمع ألفاظ عوام العراق ولا سيما أهل بغداد فها نحن ذا ننجز وعدنا مبتدئين بالحرف الأول من حروف الهجاء (آب كشت أو آب كوشت) كلمة فارسية معناها: ماء اللحم: هذه اللفظة شائعة ومنتشرة بين الجعفرية خاصةً. ولم ترد على لسان غيرهم. وقد اقتبسوها من العجم لكثرة مخالطتهم إياهم. أما السنيون واليهود والنصارى فيستعملون عوضها لفظة (تشريب أو تشريبة أو مشرب) وهذه الحروف الثلاثة مشتقة من شرب المضاعف العين بمعنى جعله يشرب. لأنهم يثردون الخبز في مرق اللحم فيتشرب الخبز ذلك المرق شيئاً فشيئاً. والتشريب طعام مشهور بعرفه أهل العراق كلهم ويتخذه الخاص والعام منهم. أما كيفية تهيئته فهي أن تأخذ اللحم وتقطعه قطعاً عديدة، ثم تغسله غسلاً نعما وتلقيه في قدر فيها ماء صاف نقي.
وتوقد النار تحتها إلى أن يأخذ الكل بالغليان والرغو. (وهم يسمون الرغو: الزفر. والرغوة: الزفرة أو القشفة وكلاهما وزان حركة)، فإذا رغا تقشط رغوته بمعرفة كبيرة مثقبة يسمونها الكفكير وهي لفظة فارسية ويراد بها بالعربية الفصحى المطفحة والمرغاة. وهي كالقفشليل التي عربها الأقدمون بالمعنى عينه. وتحرص عند الإرتغاء أن لا تغترف المرق. ثم تجتهد أن لا ترفع النار من تحت القدر إلى أن ينضج اللحم تماماً ويكون صالحا للأكل. ثم تحضر الخبز وتثرده ونضعه في الصحفة وتذر فوقه قليلاً من الفلفل المسحون، وتقدد بصلة أو اكثر وتضعها فوق كسر الخبز، وفي الآخر تسكب عليه اللحم والمرق. والبعض يصبون عليه سمناً إذا لم يكن ماء اللحم ودكا - والتشريبة لغة في التشريب وكان يجب أن يقال تشربة بحذف الياء كما هو القياس إلا أن العوام لا تعرفه. ولأولادهم لعبة يقف واحدهم وراء صاحبه ظهرا لظهر ثم يأخذ الواحد بذراع الآخر وينحني به إلى الأرض ويفعل الثاني بالأول ما فعل الأول به وعند انحنائه يقول: (يا حمصة يا زبيبة، وقت العشا تشريبة) وهم يفعلون هذا الفعل لتقوية الظهر أو لمجرد اللهو واللعب. والمشرب بتشديد الراء مصدر ميمي بمعنى المصدرين السابقين. وكل هذه الألفاظ الثلاثة مستعملة على السواء. وهم يميزون بينه وبين الثريد. فالثريد عندهم خبز مثرود في ماء قد غليا معاً في قدر
بها قطع اللحم. وأما عند العرب الفصحاء فالثريد مشتق من ثرد الخبز: إذا فته ثم بكله بمرق ثم شرفه وسط القصعة. فهو إذا نفس المشرب أو يكاد. وقد قيل أن هاشم بن عبد مناف أبا عبد المطلب كان اسمه عمرا وسمى هاشماً لأنه أول من هشم الثريد. فقلت فيه ابنته: عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف آب نبات لفظة مركبة من الفارسية والعربية. معناها ماء النبات. ويريدون بها أنابيب دقيقة تتخذ من سكر النبات (أي الطبرزد) وتكون بحجم الخنصر. يتخذها حمولا المصاب بالقبض أي الاستمساك أو ببعض أمراض البطن ظانا أنها تجذب الرياح الداخلية وتطردها وتزيل الادران الجسدية فيستريح. واليوم لا يستعملها من أهل العراق إلا من يجهل أدوية الطب الجديد. والكلمة التي استعملها المولدون من العرب بهذا المعنى هي (الحمول) بفتح وضم. وأن أريد التدقيق قيل: الحمول السكري. آبونة كلمة فرنسية الأصل وقد أخذها العراقيون المحدثون عن الترك. ويراد بها الاشتراك في جريدة أو مجلة. آبيل كلمة عبرية معناها: الحزن والكآبة ويجمعونها على (آبيليم) ويستعملها يهود العراق في مخاطباتهم ولا يعرفها غيرهم. ويريدون بها مجرد
الدعاء بالشر على من يخالفهم وذلك من باب التوسيع وقد يستعملونها على سبيل المزاح مع أصحابهم وأخدانهم. فيقولون مثلا: آبيل عليك، أو برأسك، أو بمخك أو نحو ذلك. آجغ (بالجيم الفارسية المضمومة) كلمة محرفة عن آجيق (بالجيم الفارسية) أو آجق (بحذف الياء) ومعناها المكشوف والواضح والظاهر ومن الألوان الواضح البين الغير المشبع وهو الرائق أيضاً. وعوام العراق تستعمل هذه اللفظة بجميع معانيها التركية فيقولون مثلا: هذا البيت آجغ أي غير مستور وهذا اللون آجغ أي غير مشبع ورائق وهذا اللون آجغ أو أاجغ من هذا (هكذا بهمزتين) أي أوضح منه. ويقولون: هذا الرجل بقى آجغ أي بدون شغل وقد خرج من خدمته. ويقولون: في المحل الفلاني موضع آجغ أي انه موضع فارغ يحتاج إلى شخص ليشتغل فيه أو يملأ فراغه. آجي (بالجيم الفارسية المشددة المكسورة) كلمة تركية الأصل وهي محرفة عن اشجي ومعناها الطباخ والظاهي والعجاهن. وأهل الشام يقولون: العشي بتشديد الشين والياء ويظن بعضهم أن اللفظة مشتقة من العشاء وهو خطأ ولو كان كذلك لقيل المعشي المشددة العين. هذا فضلاً عما هناك من التكلف في المعنى. آخ (بمد الهمزة وإسكان الخاء) كلمة هي حكاية صوت المتألم أو المتضجر. والعوام يمدونها والفصحاء يقولون أخ بهمزة غير ممدودة يليها خاء موحدة
فوقية مشددة. قال في التاج: أخ كلمة تكره وتوجع وتأوه من غيظ أو حزن. قال ابن دريد: واحسبها محدثة. قلنا ليست اللفظة محدثة بل حكاية صوت المتألم ومن ثم هي قديمة. ويقول العوام: أخ بطني، أخ ظهري، إذا رأوا الاخوة أو الأقارب أو الأصحاب يتضاربون ويتنازعون ليس في الإمكان المدافعة عن الواحد دون الآخر إذ جميع الأقارب هم أعزاء لأنهم أخطاء جسد واحد أدبي هو الأسرة أو العشيرة. آخور فارسية تركية معناها: الاصطبل والمربط. والعامة تستعملها بمعنى مربط الدواب وبمعنى البيت القديم البناء الضيق الفناء العميق الأرض الكثير الرطوبة المظلم المساكن القليل النوافذ الفاسد الهواء الذي لا يصلح للإقامة ولا للسكنى. وذلك لما بين مثل هذه الدور ومرابط الخيل من المشابهة. ويجمعونها على أواخير وقليل منهم يجمعونها على آخورات وقد جاءت هذه اللفظة (بمعنى المربط) متشابهة في عدة لغات كالتركية والفارسية والكردية والأرمنية والسريانية والهندية والروسية أو الفرنسية والإيطالية واللاتينية المولدة والألمانية القديمة العالية إلى آخر تلك اللغات المتناسبة الأصل. رزوق عيسى
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد 1 - الفوز بالمراد في تاريخ بغداد الكتب التي يرى فيها تاريخ بغداد الحديث قليلة واغلبها لا تزال في بيوت الخواص لم تظهر إلى عالم الطبع. ثم أن هذه المؤلفات تبحث عن عصر من عصور بغداد أو عن جملة من سنيه، وخلاصة القول انك لا ترى كتاباً مطبوعاً جامعاً لتاريخ بغداد من عهد سقوطها على يد هولاكو إلى يومنا هذا، فأراد (ساتسنا) أن يضع على طرف الثمام هذه الحاجة فاخذ بإنشاء سفر يحقق هذه الأمنية وينشره في جريدة الرياض البغدادية وبعد أن تم جزء منه نشره على نفقته صاحب الرياض، إلا انه وقع فيه من أغلاط الطبع ما ينفر القارئ عن مطالعته من ذلك ما ورد في ص2: تسيبر (والصحيح تسيير)، الداويدار (الدوايدر)، محى الدين (محيى الدين) طيب قلبه (وطيب قلبه) إلى آخر ما صحف وحرف ومسخ ونسخ لا سيما في الاعلام، مع انه يجب العناية بكل العناية في ضبط الإعلام وبالأخص القليلة الورود على الألسنة. لكن كيف العمل وقد قضى على بغداد أن تتأخر عن سائر بلاد الله حتى في مطابعها، فعسى أن يقوم أحد أصحاب الغيرة على وطنه يصلح هذا الخلل بجلب مطبعة تفي بالمرام، وليس هذا بعسر على أبناء الكرام. 2 - كتاب قرة العين، في تاريخ الجزيرة والعراق والنهرين. (تأليف محمد رشيد ابن العالم العامل المرحوم السيد داود ابن
الورع الزاهد السيد سعدي طاب ثراهما، آمين طبع على نفقة مطبعة الرشيد، حقوق الطبع محفوظة للمطبعة. مطبعة الرشيد بشارع بابلاتنك رود ببومبي سنة 1325 هجرية.) في 128 صفحة من قطع الثمن. هذا عنوان أطول من يوم الصوم لكتاب صغير لا يخلو من فائدة. والكتاب يحتاج تقسيم منظم يقرب فهم الفصول وهو كثير أغلاط التعبير والطبع كقوله في ص 6 والأزهار البديعة الألوان. . . التي لم يحتوي عليها (كذا) علم النباتات تزيد العيون نظرة (؟) وتفيدها خظرة (كذا)!!! وفرجة (!!!). . . ومزيداً على هذا فإن لأنهارها منظر عجيب (كذا) ومخبر عريب (كذا) مع ما يوجد فيها وفيما حولها من الأدوية النباتية (كذا). فاحكم أنت بعد هذا عن احتياج الكتاب إلى تهذيب أم لا وقل كيف جاز للمؤلف أن ينشره بهذه العبارة الركيكة ولهذا فالأمل انه يصلح في طبعة ثانية وتقرب فوائده من المطالع. 3 - خليل الخوري هو عنوان كتاب عنيت بطبعه ونشره حديقة الأخبار وما احسن ما قالت عن نفسها في صدر الكتاب: باغتت (الملية) نافح ازهاري، ومطلع ثماري، المغفور له المرحوم خليل الخوري، مؤسس الصحافة السورية، نائل أول رخصة سنية صدرت بإنشاء جريدة في السلطنة، شاعر الدولة، مدير الأمور الأجنبية سابقاً في ولاية سورية، صاحب زهر الربى
والعصر الجديد، والسمير الأمين، والشاديات، والنفحات، والخليل، وناظم الكواكب العثمانية، في تاريخ الدولة العلية، والكتاب مصدر برسم الفقيد وقع في 208 صفحات من قطع الثمن. قد جمع فيه كل ما يتعلق به من ترجمة وتأليف وأقوال الصحف والمجلات في خطب وفاته. ولا يشين هذا السفر الحسن إلا أمر واحد وهو سوء الكاغد النسي طبع عليه، فكان يليق بإدارة الجريدة أن غير اهـ احسن الورق إقراراً بفضل الفقيد رحمه الله. 4 - شجرة الرياض، في مدح النبي الفياض (من نظم عبيد الله المنتجي إليه: محمد ابن الشيخ طاهر السماوي طبعت على نفقة الشيخ احمد آل عبد الرسول لتكون هدية لمن له انس بالشعر من جميع المسلمين. طبعت في مطبعة الآداب سنة 1330) في 60 صفحة بقطع الثمن. قال الناظم بعد الحمد له: (نظمت قبلاً قصيدة في قصيدة في بحر السريع مشجرة الأوائل بحروف المعجم، خدمت بها أعتاب حضرة النبي الأعظم، - صلى الله عليه وسلم -، فحداني داعي التوفيق، على أن أتمها بذلك الطريق، روضة مشجرة، واخدم بها تلك الحضرة النظرة (النضرة)، فهاكها شجرة الرياض، في مدح النبي الفياض،. . . والكتاب حسن الطبع جيد الورق لكنه لا يخلو من أغلاط الطبع كما جاء في ص7: فاستوسق والصحيح فاستوثق وفي ص8: وهاث، والصحيح وهات، وفيها أيضاً: يدعوا والصحيح يدعو وفي ص9: الغوات والصحيح الغواة، وفيها: أحياءاً والصحيح
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
أحياء، وفيها العتات، والصحيح العتاة. وفي ص10 ماثر والصحيح موثر. وفيها: مازر والصحيح مازر. وفيها: للمهظوم والصحيح للمهضوم، وفي ص11: السمحاء والأصح السمحة وحينئذ ينكسر البيت. وقس على ذلك إلى آخر الكتاب. وهو مما يشوه محاسنه فعسى أن تكون الطبعة الثانية خالية من هذه الشوائب. 5 - الحاجيات والكماليات وفي أي منها نحن الآن خطية تلاها الدكتور كامل سليمان الخوري عيسى في نادي الحرية في حمص في 24 ت اغ سنة 1908 ثمن النسخة منها 30 بارة. طبعت في مطبعة التوفيق لنسيب أفندي صبر في بيروت. عدد صفحاتها 22. وهي خطبة حسنة إبان فيها صاحبها وجوب الابيداء بإصلاح ولا سيما بإصلاح الزراعة، والصناعة، والعلوم، والآداب وقد صدق في كلامه وأجاد في إظهار الأدلة المقنعة. حقق الله الأماني. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره ابن الرشيد والضفير أخبرت الرياض أن حضرة الأمير ابن الرشيد قد اقبل بخيله ورجله فنزل على (أبي غار) من ديار المنتفق. والغاية من هبوطه تلك الأرجاء تأديب عشيرة إعراب الضفير لإصرارها على قطع الطرق ونهب القوابل وهضم حقوق المنتفق وشق عصا الطاعة، على أن الأمير يعدل عن الإيقاع بهم إذا ارعوا عن ضلالهم، هداهم الله إلى الصراط المستقيم (طبعت بمطبعة دنكور - بغداد)
العدد 11
العدد 11 نظر تاريخ لغوي انتقادي بعث إلينا حضرة الكاتب اللوذعي، والشاب الألمعي، يوسف أفندي يعقوب مسيح بهذه المقالة التي جمعت فأوعت، وزفها إلى القراء بحلة وشاها قلمه البليغ، ودبجتها براعته الحسناء، فنوجه إليها الأنظار ونستوقف على أفنانها أطيار الأفكار (لغة العرب) إن من اطلع على شئٍ من تاريخ الثوائر المدلهمة التي ثار ثائرها على
الأمة العربية في اعصر حضارتها المدرسة وما إدراكها إذ ذاك من توالي غارات الأقدار ودواعي الدمار التي أفضت بفخامة ملكها ومدنيتها إلى مهاوي الذل والبوار إلى آخر ما طرأ عليها من الاستسلام إلى أحكام الجهل الذي مد رواقه وضرب إطنابه ما بينها يرى انه لم يبق لها من أعلام مجدها وسالف فخرها إلا هذه اللغة التي لا تكاد تضاهيها في الاتساع أي لغة كانت لما خصت به من المزية التي عز أن توجد في غيرها حتى تجاوب صداها بين مشارق الأرض ومغاربها مما لا يسعنا استيفاء ذلك في هذا المقال ومعلوم أن اللغة إنما تقوم بالذين ينطقون بها وتثبت بثباتهم ومن تدبر ما أشرنا إليه من انفصام عروة حضارة الأمة العربية وتخلفها في حلبة تنازع البقاء تخلص إلى ما لحق باللغة من عوامل الفناء التي دكت حصون ما كتب المتقدمون من مبتكرات الفرائح وطمست الألوف المؤلفة التي لا يأخذها الحصر من أسفار العلوم الجلائل أن كان بالإحراق كما وقع بمكاتب بغداد وفارس والإسكندرية والأندلس وغيرها أو بالاجتياح والنهب والإغراق في لجج لا يعرف لها درك ولا ساحل
بحيث لم يبق منها إلا الشيء النزر مما لا يتجاوز في الغالب علوم الدين ومما يتصل بها وإما ما سوى ذلك فلا يرى اليوم إلا في مكاتب الأعاجم وأكثره ابتيع من أيدينا وصار من مودعات الخزائن وبعضه قويض بكتب الخرافات والمجون وما يقابلها فأصبح في جملة الدفائن. غير انه مهما يكن من أمر هذه الرزايا التي حلت بالأمة العربية فلو أنها بقيت ثابتة ومجدة في أشواط سلفها من الاشتغال بأسباب العلم ولاسيما في ما يتعلق منه بمسائل اللغة لأحيت من آثار أساطينها ما خففت به اليوم عن كتبتها ما يلاقونه من العي في التعبير لقعود اللغة عن معايشتهم إلى مجاراة العصر الحاضر بالتأدية والتحبير بل لو اقتفت آثار الألوف من أولئك الدارسين والمصنفين ممن ضربوا في مناكب الأرض بحثا عما خبأته ذراتها من العناصر وما اشتملت عليه من المعادن والجواهر فوضعوا لها المسميات ونفضوا آفاق السماء تطلعاً إلى حقائق كواكبها وحركاتها فضبطوا ما اشتقوا لها من المصطلحات لخدمت العلم واللغة خدمةً لا يمحى ذكرها على تراخي الإعصار ولا تنقرض إلا بانقراض القرون والأجيال بل لو أنها تفانت في الحرص
على ما كان بينهما من استتباب الصلة الاجتماعية وتوحيد الكلمة القومية غير منصرفة إلى ما من شأنه إطفاء شعلة الآداب فيها وضرب الحواجز في سبيل نمو مداركها لنجت من تأثير عوامل الفاتحين لبلادها واستئثارهم بخصائصها الحسية والمعنوية التي أصبحت أثراً بعد عين كما ثبت الأمر لكل ذي عينين بل لصانت لغتها التي هي افصح ما اختلج به لسان واستدركت ما طرأ عليها من ألفاظ العجمية التي فشت في جميع البلدان إلى حد لم يكن يرى له مثيل في شيءٍ من لغات بني الإنسان غير أن الأمة تسربت من جوانب هذه الخطط الأدبية تسرب الماء من الإناء المثلم ونزعت عن هذه المناحي التي هي عنوان منزلة الشعوب الراقية إلى ما لا يعرف له منحى من غابر خمولها وتخاذلها حتى اختلط حابلها بنابلها فاستسلمت للقضاء المبرم الذي قذف بها وبعلومها ولغتها من أسمى ذرى الجلالة والعلاء إلى فيافي الضلالة والبلاء وسجل التاريخ في صحيفته البيضاء هذه الرزايا الدهماء وقامت لها قيامة الخطباء والشعراء وعلا من فوق المنابر ضجيج أصواتهم قياماً بواجب تأبين أمةٍ كانت دولة علومها رفيعة العماد فسيحة الظلال ورنت
المحافل بصدى الراثين للغتها التي فجعت بفجوع المتكلمين بها حتى بلغ أنين رثائهم عنان السماء. ومذ ذاك العهد سقطت هذه اللغة الشريفة من عالم الأقلام وفسدت بفساد ألسنة الأعقاب فاتشحت عليها بالحداد أنديتها بل تحطمت أقفرت أوديتها وطال بها عهد السكون في عالم الدثور عدةً من القرون دون أن تجد من خلف أولئك الذين طالما حملوا منارها وبثوا أشعتها من اخطر للنظر فيها فكراً ولا أجرى لأمر بعثها ذكراً فكان أبواب الأبدية أوصدت في وجها لذنبٍ فاضحٍ اقترفته حتى حق عليها مثل هذا المنفى المفرط. وقد توالت بعد ذلك الأحقاب والعصور واللغة لم تزل متسكعة في ديجور القبور إلى أن مست الضرورة إلى تدارك هذه الحال فمن الله على العربية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ببضعة رجال هم على الحقيقة أولو عزم وحزم بل فحول من فحول بر الشام ومصر إلا وهم الشيخ ناصيف اليازجي. المعلم بطرس البستاني. الدكتور كرنيليوس فانديك. احمد فارس الشدياق. رفاعة بك الطهطاوي.
عبد الهادي نجا الابياري. فيحق لهؤلاء الزعماء الأماثل أن تدون أسماؤهم بمحلول من التبر في صفحات التاريخ إجلالا لقدرهم بل أحر بهم أن تقام الأنصاب لعلماء مثلهم تخليداً لذكرهم فانهم رحمهم الله لما عاينوا أن اللغة العربية في غمراتٍ هي بالموت أشبه منه بالرقاد شدوا لها مئزر الإخلاص واندفعوا بفواعل قلما يحلم الدهر بمثلها إلى إنهاضها من رمسها وأحياء ما درس من معالمها فعطفوا على التأليف السديدة المنهج من علومها وآدابها بما تقصر بجانبها التأليف العصرية مما في بابها لأنهم استقصوا أطرافها وأحاطوا بأصولها وفروعها فجاءت آيةٍ في البراعة والبيان. ثم تناولوا بعد التحري والتنقيب طائفة من انفس ما وصل إليهم من كتب ورسائل المتقدمين من فحول علماء الأدب ممن أبدعوا في صناعتي النثر والنظم وأجادوا فوقفوا على بعضها ونزهوها عن شوائب اللبس والتحريف اللاحقة بها من قبل النساخ حتى أعادوا إلى مطرد انسجامها وذيلوا بعضها برخيم الحواشي فاستبطنوا دقائق أغراضها ومكنون فرائدها وعلقوا التفاسير على مغلق ألفاظها حتى برزت كالصبح وضوحاً وجلاءً. وإذ لم يقضوا نهمتهم من تمثيلها
أذاعتها بين ظهراني الأمة تصدوا لتدريسها بأنفسهم لطلبة العلم من تلامذة المدارس فلقنوهم إياها أجزاءً وقربوا مداركهم من استيعابها فاستضاءت بصائرهم بنبراسها وتأدب عليهم كثير من نوابغ العصر وجلة الكتبة ممن أزهرت بهم تلك الثغور وابتسمت وحفلت بمطابعها ومكاتبها وانتشرت. غير انك لا تجدهم قد اقتصروا على هذا القدر من الاشتغال بأسباب العلوم وفنون الآداب العربية بل انهم عمدوا إلى إنشاء الصحف والمجلات التي كانت من أعون الذرائع الموصلة إلى سرعة انتشارها بين طبقات الناس فأيقظت الهمم من غفلتها وهبت بالفطن من ضجعتها وتهافت القوم على تلاوتها ومطالعتها. ولم تكد ترى أولئك الأسود الأفاضل زعماء هذه النهضة العلمية والحركة الفكرية دائبين في مزاولة هذه الوجهة الأدبية شاحذين لها العزائم الماضية مستنزفين أيامهم في توطيد شانها دون أن يكترثوا بما طوروا من مراحل الحياة وما انتهوا منها حتى زفوا إليها من أشبالهم وذوي قرباهم أن ممن وردوا شرعتهم واقتبسوا من علومهم وان من أولئك المجيدين في
صناعة الأدب من خريجي المدارس الآخر التي كثرت في عهد هذه النهضة العلمية واتسع نطاقها ما يدعو إلى التنويه بذكرهم والإشادة ببيض أياديهم. فمن لنا بإمام من أئمة علماء هذا العصر تنقاد لبادرته دقائق الوصف لنشد إليه الرحال فيميط لنا اللثام عما أوتيه الشيخ إبراهيم ابن الشيخ ناصيف اليازجي من التفوق بل التناهي في إبداع أساليب الكلام والغوص على درر المعاني التي مثلها للأبصار تمثيلاً تفرد به عن الأشباه والنظراء بل مصاقع الخطباء ومتفنني الشعراء حتى نكب به عن طريق أبي تمام فانتهت إليه عن استحقاقٍ تام الرئاسة بين حملة العلم والأقلام. إنما ما لنا والضرب في مثل هذه البيداء وتحمل مشاق التكليف للبلوغ إلى من أوتى فصل الخطاب وهاهو ذا بين أظهرنا من تأليفه في فنون اللغة والآداب ما تكاد تحتجب بازائها الأنوار والأضواء والبيان والضياء التي دوى صدى شهرتها في كل قطر وناد ما تقف دون مجاراتها سوابق أفكار المبرزين في علم الإنشاء وكيف
لا وقد نهج من طريق الكتابة في ابرز المبتكرات ما كشف لنا النقاب عن مخدرات الأفكار واحدث من مذاهب التلاعب في قوالب اللفظ ما يحمل المطالع إلى التصور أن ذهنه عالم الصنع والإبداع. على انه أن وجد من يرتاب في مثل هذه المقررات البديهيات فما عليه إلا أن يسرح رائد الطرف فيما كتب فيها من مواضيعه المستفيضة المترامية الأغراض الجامعة لأصول العلم وفروعه المعنونة باللغة والعصر المجاز لغة الجرائد، أغلاط العرب، أغلاط المولدين، أغلاط لسان العرب، الشعر التعريب، وغير ذلك من المواضيع الجليلة في انتقاد ذخائر المتقدمين وتذليل بعضها فيجد هنالك من الإحاطة بأسرار اللغة وآدابها وسبر غور حالاتها وأطوارها ما لم يباره مبارٍ فيها بل إذا استقرينا ما جاء بين تضاعيف تلك المواضيع مما كتب من المقالات المحيرة في القمر والزهرة والمشتري نراه قد نهج فيها من جديد الوصف بل غرر البدائع ورشيق الاستعارات وضروب المجاز والكنايات التي لم يسبقه إليها سابق ما حق له أن يلفظ بقطب أفلاكها دون أن ينازعه فيه منازع وعلى الإجمال فانه أثابه الله أقام نفسه ترساً منيعاً وقى
به اللغة وفنونها من هجوم الأقلام المعتسفة فأفنى حياته في خدمتها وجدد من رسوم فصاحتها وبلاغتها ما يكاد يسترد لها سابق أبهتها ورفيع شرفها. ولما كان القيام باستيفاء الكلام عن جميع نصراء علوم العربية من العلماء الأفاضل والكتاب القرح الأماثل الذين رفعوا بتأليفهم ومنشوراتهم منار الفصاحة النعمانية وشيدوا الصروح الفخيمة للبلاغة المقفعية مما لا يضطلع بأعبائه وصف واصف فضلاً عن انه يتجاوز نطاق هذا الموقف لم تجد بداً من الإضراب عن الخوض في مثل هذا العباب الواسع الاكناف والاكتفاء بالإشارة إلى ذكر بعضهم على قدر ما تعين عليه الحافظة. ولكننا نستطرد في هذا المقام إلى أيراد أولئك الأفاضل الذين قد تقطعت أوتار أقلامهم على اثر إجابتهم إلى دعوة ربهم وهم محمد عبده، نجيب الحداد، إبراهيم المويلحي، الدكتور بشارة زلزل، الشيخ خليل اليازجي عبد الرحمن الكواكبي الشيخ محمد محمود الشنقيطي بطرس كرامة أديب بك، اسحق نصر الهوريني رشيد الشرتوني وسواهم ممن طوتهم الأيام
ولكن نفثات أقلامهم باقية على توالي الأعوام سقى الله يصيب الرحمة تربتهم واجزل في دار النعيم ثوابهم. وأما الجهابذة الذين ما فتئوا حتى الآن متفانين في نصرة اللغة عاقدين الخناصر على الدفاع عن حياض علومها فهم سليمان البستاني، نجيب البستاني، نسيب البستاني، الأب شيخو اليسوعي، سليم بك عنجوري، سعيد الخوري الشرتوني، احمد زكي باشا قسطاكي بك الحمصي، ولي الدين يكن، الدكتور شلبي شميل، خليل المطران، حافظ إبراهيم، احمد شوقي، نقولا الحداد، جماعة من بيت المعلوف مصطفى صادق الرافعي، يوسف جرجس زخم، توفيق اليازجي، خليل سركيس، مجلة المقتطف، مجلة الهلال، مجلة المقتبس (الخ). وعلى أثرهم نذكر أيضاً الأعلام الذين نبغوا في بغداد من القرن الغابر وهم السيد محمود الالوسي، عبد الباقي العمري الأخرس وأما العالمان الفاضلان اللذان تثني بهما الأصابع، في هذا العصر اللامع، فهما الشيخ محمود شكري اللالوسي وجميل صدقي الزهاوي من قد استصبح أدباء العراق ببدر علمهما في المعضلات اللغوية وضربت إليهما
أكباد الإبل في المشكلات العقلية والنقلية بل طالما رن في الخافقين صدى تأليفهما فانبثقت أنوار العرفان من سماء محرابهما. فهؤلاء الأفاضل وكثيرون غيرهم خواص أهل الأدب قد أذابوا أدمغتهم ولضنوا أجسادهم بل ضحوا حياتهم في أحياء رسوم اللغة وجمع شتيتها فأدركوا من علومها حظاً وسيعاً وبلغوا من القبض على أعناق المعاني فسخروها تسخيراً تأتي لهم معه أن يطرسوا عل آثار السلف من واضعي هذه اللغة وعلى الجملة فانهم أغاروا على حصون أسرها وما لبثوا أن نسفوها نسفاً أهلهم من أن يظهروها بما انتهت إليه اليوم من مظاهر الحسن والجمال بل العز والكمال وهو السر في سرعة نموها وبلوغها إلى هذا الحد العجيب. إلا انك مع ما ترى من انتعاش اللغة من كبوتها وإحياء ما اندرس من آثارها حتى بلغت آلة مثل هذا الطور طور ترعرها وريعان شبابها تجد من حين إلى آخر آراء لبعضهم في استبدالها وتنكرها مبسوطةً على صفحات الصحائف معززة بمقدمات ونتائج لم يكد يتناولها القلم والبرهان حتى يزيفها تزييفاً يلحقها بخبر كان ولعمر الحق
ما ندري ما الدواعي الباعثة إلى محاولة اقتحام مثل هذه العقبات المودية بشرف اللغة وطلاوة أسفارها إلى أحط الدركات ولقد طالما عرضت ضروب شتى من مثل هذه الاقتراحات وحيث إنها لم تلاق اكتراثاً ممن يعول عليهم في علوم اللغة طويت طيا بل لما انتبر اللغويون وتناصروا على دحضها بالحجج القواطع دحروها دحراً ولكنهم مع ما اثبتوا في أشهر الصحف البلاد التي هي مستودع ذخائر العلم والعلماء من وجوب التجافي عن مثل هذه الآراء والتنصل مما فيه تبخيس أو مساس باللغة فقد استأنف بعضهم هذه الكرة وعرض على أرباب العلم ما عن له من الرأي في تدوين جميع كلم البلاد العامة وان يعولوا فيها على تثبيت ما هو قريب من اللغة الفصحى ويعرضوا عن الأوضاع العامية والدخيلة القحة حتى إذا ألحقت بأصل اللغة واعتمدها جميع أهل الصحف ومؤافي الكتب حملوا قرائح العامة على فهمها وتقليدها فتغرب إذ ذاك شمس اللغة العامية بازائها ويسود تكلم الخاصة والعامة بها. ولا يخفى أن الاضطلاع بجمع لغة البلاد العامية عقبة تكاد لا
تظفر بها أمنية بل أحر به كمن يطلب أمراً لا تبلغ إليه همة قصية لما انه من الأعمال التي لا يقوم بأعبائها إلا العدد العديد في الزمن المديد من الكتبة المحققين والأفاضل المدققين مع ما يستلزم من تفرغهم للاشتغال به دون سواه بحيث ربما يستغرق هذا العمل جيلا برمته ولم يفوزوا بنهايته وحسبنا برهاناً على هذا ما ورد عن المستشرق النحرير دوزي من مقال له في هذا المعنى ما تعريبه (. . فمن الواجب إذا إنشاء معجم للغةٍ غير فصيحة لكن اللغة العربية وآدابها غنية حتى انه يجب أعوام بل عصور تمضي قبل أن يشرع بمثل هذا المشروع وقد قال لاين اللغوي الإنكليزي من الجهابذة لا يؤلف إلا ويقوم له جماعة عظيمة من علماء مبرزين مبثوثين في عدة مدن من ديار الإفرنج وتحت أيديهم مكاتب حافلة بكتب خط عربية ومنهم جماعة منتشرة في بلدان آسيا وأفريقية
شانهم شان أولئك المذكورين فيجمع جانب من اللغة من الكتب المخطوطة والجانب الآخر من أفواه الإعراب وان يتضافر لهذا المشروع علماء عارفون بعلوم المسلمين). ثم على تسليمٍ أن استجماع مثل هذه المؤن والمهام ليس مما يحول دونه تعذر وعناء غير انه والحالة هذه مما يقتضي نفقات طائلة ذات موارد غير منقطعة فكيف يتسنى لمن يقومون بهذه الأعمال أن يأتوا بمثل هذا المال؟ وأين الرجال من أرباب الغنى واليسار من تستفزهم النخوة العربية وتستمطر برهم الغيرة على الآداب اللغوية فيدرون عليها من فيض نعمهم السنية؟ بل أين يا ترى من شكا من اللغة عجزاً أو تقصيراً بما يستطير الخواطر للأخذ بأسباب الولوج في مثل هذه الأبواب ومعاناة اقتحام هذه الأمور الصعاب؟ ولكن هي اللغة التي طالما وصفها الواصفون من جلة العلماء الناطقين بها ومشاهير المستشرقين من الدخلاء فيها بأنها اغزر الألسنة مادة وأوسعها تعبيراً وأبعدها للأغراض متناولاً وأطوعها للمعاني تصويراً وكفى الناظر أن يجيل طرفه بين ألواح معجماتها فانه يجد هنالك ما يغنيه
عن إفسادها بإدخال الألفاظ المتداولة فيها لما عنده من وفرة الكلم ومرادفاتها ما لو شاء أن يضع عدة طبقات متفاوتة المراتب من محض اللغة الفصحى مركبةً من انس الألفاظ وأسلسها لما وجد من ذلك ما هو أدنى إليه منالا وأطوع له انقياداً ومما لا يجد له مثيلاً في شيءٍ من هذا بين جميع اللغات المنتشرة على ألسنة البلاد. اجل لا ننكر وجود لغةٍ صدعت في وضعها رؤوس أربابها لما بالغوا في نسجها من أوابد يعسر جمعها على العوام والخواص وفرائد غالية لكنها أشبه بدرر الغواص مما لا تخرق معانيها حس العامي فيقف بازائها قاصراً عن فهمها إلا أن مثل هذه اللغة قد أهملت من عهد عهيد ولم نجد لاستعمالها ظلا فيما بين أيدينا من التأليف الحديثة والكتابات المتداولة على ألسنة أرقى الصحف والمجلات التي أصبحت لغتها عذبة المورد خفيفة المحمل على سمع العامي وفهمه مما لو تسنى له استخدامها في معاملاته ومحادثاته لأنتسخت بازائها لغته الساقطة المبتذلة التي يمجها الذوق وينفر منها الطبع. ولذا فإذا ثبت ذلك تبين أن الداء الذي أريد علاجه لاستئصال
شافة اللغة العامة ليس من الأدواء التي ينجع فيها اقتباس ألفاظٍ من أوضاعها وإلحاقها بأصل اللغة الفصحى فهذا الضرب من العلاج مما يشوه وجه الجمال وينكر أسلوب وضعها بل يزيد اخرق بذلك اتساعاً والطينة بلةً وقد سبق أولئك النوابغ من كتبة العصر الذين أشرنا إليهم واغنوا بسعة علمهم وفرط اطلاعهم وتنقيبهم جميع المتشوقين إلى الخوض في مثل هذا العباب وكفوهم مؤونة التطرق إلى مثل هذه الأبواب إنما علاجه اتخاذ لغة هؤلاء الأفاضل مناراً عالياً نقتفي به آثارهم وأستاذاً هادياً يؤهلنا من النسج فيه على منوالهم والإجماع على إدخالها مدارس الفتيان والفتيات كلها جمعاء بل مدارس الحكومة نفسها وان تعمم المكاتب في جميع أنحائها وتحمل الأمة قسراً على الانضمام إليها ولا يستثنى منها ذليل ساقط ولا ضئيل لاقط حتى إذا احكم أصول تلقين هذه اللغة وبثت أشعتها في فضاء الإفهام لا تلبث أن تبلغ منها على طرف الثمام فتسقط إذ ذاك اللغة العامية من عالم اللسان وتلحق بما سبقها من لغات القرون الخوالي. ولقد كنا وقفنا على شيء مما تنبهت إليه الخواطر من هذا القبيل
وثارت على أثره حركة أرباب الصحف تتقاضى الحكومة لإبرازه من حيز القوة إلى عالم الفعل وانصرفت وجوه الأمة العربية استبشاراً لما من شانه تعزيز آخر ذخيرة تركها لها الدهر في عالم الوجود إلا انه ما عتمت الحوائل أن قضت قضاءها على ما جرى للحكومة في هذا الباب من المفاوضات فاندكت هذه الأماني الحيوية في عالم الأموات. وعليه فإذا تقرر أن اللغة قد انتعشت من رقدتها وتجلت في مجالي عزها وجمالها وتأتي لحملة الأقلام من فصحائها استخدام فنونها ومحاسنها لزمهم ضرورة أن يقفوا بها عند هذا الحد من الاتساع والإبداع وينتقلوا إلى عطف النظر إلى مزاولة أمر الوضع فيها والأحداث وهذا ولا جرم من الأمور الحرية بأن تتظافر الآراء عليه وتتزاحم أعمدة الصحف في مقاضاته وينتدب للقيام به علماء العصر بأسرهم على تفاوت مراتب علمهم وتحصيلهم ويكون محل شغل شاغل لعقولهم في مثل هذا العصر الذي اتسعت فيه سبل التنقيب عن أسرار الطيبعة والتطلع إلى خفايا الكائنات بعد ما ظهر من المكتشفات التي نبهت أرباب العقول للإيغال فيها وكشف غوامضها وهتك حجب
رموزها وآثارها وليس بين معجمات اللغة من الأوضاع ما يقوم بمباراة ذلك الغناء بل لم ير هناك ما يعين على أداء كثيرٍ من المعاني المدنية والعلمية مما كان ولا ريب متداولاً على ألسنة السلف وكتاباتهم في عهد حضارتهم وعز مدنيتهم لإغفال المدونين عن نقل كثير من أوضاعهم وبعد فلو كانت اللغة قد خلت من سنن وصيغ وضع الألفاظ فيها لوجد العلماء في ذلك عذراً يشفع بوقوفهم دون النزول إلى مثل هذا المضمار وأنى لهم مثل هذه الأعذار وقد سبق السابقون فمهدوا سبل استقراء أحكام الوضع واستنبطوا سره وقبضوا على قياده على ما يجدون ذلك مثبتا في محله. وغير خافٍ أن مواضيع الخلل في اللغة من هذه الجهة قد لاحت طلائعه فان نهض اليوم علماؤنا والسراة ممن يهمهم صيانة لغتهم عن الفساد ووقفوا في سبيلها الأعمار ومطامعهم من المال وإلا فهذه لغتهم بعد زمنٍ يسير ستنحط من عالم الأقلام وتذهب كل مذهب من الخلط بين السماء والأرض وتصبح عرضة للناقدين من فحول المؤرخين وهدفا لسهام المنددين والمفندين.
إلى حضرات المشتركين الكرام
إلى حضرات المشتركين الكرام طالما تبرم وسئم كل من طالع الصحف والمجلات التي لا تزال تطبع في مطابع بغداد لما أن جميع حروفها تركية النمط ولا تقبل شيئاً من الحركات في بعض المواضع اللازم أشكالها وياءاتها غير المنقطة وحين وقوعها من آخر الكلم لا تمتاز عن الألف المقصورة وحجمها متعب للأنظار وطرازها لا يقابل جمال الحروف العربية الحديثة وأما الأغلاط المطبعية الفاشية في جميع منشوراتنا فحدث عنها ولا حرج. وغير خاف عما ينجم عن مثل هذه الأحوال من الإخلال بالمعاني والذهاب بطلاوة ترصيفها وفضل ناشريها مما لا يسع المطالع في خلال ذلك إلا أن يقف بازائها حائراً بل متوقعاً أن يؤتى علم الغيب حتى يتكهن لمواقع الفساد ليتسنى له أن يرد كل معنى منه إلى نصابه. ولما كانت الحالة هذه مست الضرورة إلى تدارك شيءٍ من تلك الثلم فاستحضرت في هذه الأيام مطبعة بيخور الحرف المطبوع به هذا العدد وهو كما يراه القراء الأدباء من الحروف الوضاءة المعتدلة الحجم التي يطبع بها كثير من جرائد ومجلات ديار مصر والشام بل الآمال
معقودة على هذه الخطوة مما تدعو إلى تنبيه أرباب المطابع الأخرى إلى أن يحذو حذوها ملافاةً للتشكي بل للنفور المحيق بمطابعهم من تلك الأوجه. وحيث أن هذا الحرف يستهلك من المجلة محلاً أوسع مما يستغرق من ذاك فإدارة المجلة قد أعاضت عن ذلك على المشتركين بإصدار هذا العدد فما يليه في ثلاث ملازم أي بزيادة نصف ملزمة عما كان يصدر عليه أولاً وفي عزمها استئناف هذه الخطة حيناً بعد حين تذرعاً إلى التوسع في المباحث واختيار ما يكون منها اجزل فائدة واجمل وقعاً مع إبقاء قيمة الاشتراك بحالها. وقد انتدب لتنضيد حروف هذه المجلة الفتي الذكي البارع الياس أفندي يعقوب من قد امتاز على حداثة عهده في هذه الحرفة على كثير من المنضدين القديمي العهد بها. ومأمولنا في غيرته دوام الاجتهاد فيها تفديا من شوائب اللبس والأغلاط وهنا محل للإجهار بالثناء الطيب على حضرات المشتركين الأفاضل من الناطقين بلغة العرب والمستعربين معاً لما تفضلوا على إدارة هذه المجلة من كتب التهنئة والتقريظ ونقل كثيرٍ من مواضيعها إلى بعض
الجرائد الأوربية سائلين الله عز وجل أن يوفق الإدارة إلى ما به نفع عامة القراء انه تعالى ولي الإعانة والتوفيق الخميسية أو لؤلؤة البرية (1 - موقع هذه المدينة) بلدة واقعة في لواء المنتفق بين سوق الشيوخ والهور الكبير أي يحدها شمالاً الفرات وأبو غار والشقراء وهما من منازل لبعض أهل البادية وجنوباً شرقياً بلدة الزبير وهي تبعد عنها نحو عشرين ساعة وشرقاً وغرباً الحماد أو بادية العرب وهي على هور يأخذ ماءه من الفرات وواقعة بين الدرجة 44 وربع طولاً و30 عرضاً عن بارس (2 - حداثة نشأتها) الخميسية حديثة العهد، قد ولدتها حادثات الليالي الأخيرة. ومع حداثة وجودها أصبحت اليوم من اجل المدن الساعية وراء التقدم والرقي والعمران، بالنسبة إلى ما يجاورها من الربوع والديار، ولولا عوائق الفضاء وعوادي الدهر، التي لا تزال قائمةً في وجه سبيل رقي البلاد العثمانية كلها، ولا سيما البلاد العربية منها، لأوغلت في الحضارة والعمران أي إيغال. ولبلغت من
الحال والمنزلة غاية هي غاية ما وراء الآمال. الخميسية التي نروي ليوم حديث نشأتها على قراء لغة العرب، وتاريخ بدئها وتقدمها هي من القرى التي أبرزتها الحاجة إلى الوجود، ودفعتها إليه طبيعة البلاد لأنها أجبرت أهاليها على اعمارها، واقامة أعلام التمدن فيها رغماً عما هناك من سوء أصحاب السياسة والإدارة الذي كان في عهد الاستبداد، إذ وجد بينها من كانوا بمنزلة لمعاول بيد الزمان دائبين في تأخير البلاد وتخريبها إلى المهالك والمهاوي فضلاً عما كانوا يفتحونه على الرعية من أبواب الجور والظلم، ويطلقون عليها عقال العسف والغشم ومع ذلك فلقد قويت عليهم طبيعة هذا الفطر المبارك وأجبرتهم على أعمار تلك الخطة فأصبحت لؤلؤة البرية، وسوقاً قائمة لأهل البادية (3 - سبب تسميتها وضبط اسمها وبناؤها وقدمها) سميت بالخميسية نسبةً إلى عبد لله بن خميس (وزان كبير) وهو رجل من أبناء القصيم، قرية من القرى التابعة لبريدة إحدى عاصمتي القصيم والبعض يلفظونها خطأ مصغرة أي بضم الخاء المعجمة الفوقية وفتح الميم بعدها ياء ساكنة مثناة تحتية مشددة وفي الآخر هاء. والذي
دعاه إلى بنائها هو انه كان مع جماعة فاضلة من النجديين ممن كانوا يوالون فالح باشا السعدون أيام كان السعد يخدمهم والتوفيق يرافقهم أيام كانت كلمتهم نافذة، وصولتهم عظيمة في بلاد المنتفق وما يجاورها ثم قلب الزمان ظهر الجن لآل السعدون وذلك أن هذه العشيرة استاءت من حكومة ذلك العهد لكثرة ما ضيقت عليها الخناق فرفعت عليها راية العصيان وللحال أرسلت الحكومة جنداً في أواخر أيام تقي الدين باشا في منتصف سنة (1297 مالية 1881) لمناواة بني السعدون والتنكيل بهم، فاضطر المنتفق إلى الإمعان في بر الشامية وظلوا هناك حيناً من الدهر، وكانوا يمتازون من سوق الشيوخ. وبعد أن مضى على هذه الحال بضعة أعوام، حدث أن طغى ماء الفرات فأحاط بسوق الشيوخ ولا إحاطة الهالة بالغمر فتعطلت لتجارة وتعذر الامتياز (المسابلة) وأصاب أهل الأموال أضرارا فاحشة، ولا سيما لما كثرت الأمراض الوافدة بأسباب العفونات التي تولدت من زيادة المياه فهاجر اكثر ساكني سوق الشيوخ إلى جهات الزبير والبصرة والكويت وكادت سوق الشيوخ تتضعضع دعائمها وتنتكث مرائرها وفي واقع
الحال إنها أخذت منذ ذاك الحين بالتقهقر إلى أن وصلت إلى درجة قامت مقامها الخميسية المذكورة وذلك بصادراتها ووارداتها وحسن تجارتها. ومما زادها شأناً وقدراً أن الحكومة نظرت إليها نظر وامقٍ لحسن موقعها والعشائر قطعت التردد من سائر المدن المجاورة وأخذت تختلف إليها وهي ترد إليها من جهات نجد والزبير والبصرة والكويت وسائر ديار العراق. وعليه فان عبد الله بن خميس لم يختط تلك المدينة إلا سنة غرق سوق الشيوخ وجعلها على الهور قريبة من لبر على مسافة زهيدة منه بحيث جعلها مقاماً صالحاً لجميع أبناء البادية والمتحضرين، بين البصرة والكويت، بين بادية العراق وعشائر نجد والمنتفق، بين الزبير وسوق الشيوخ. وبعد أن اختطها بني فيها قصره فجاراه من كان معه من النجديين فبنوا لهم دويرات واخذوا يجابون إليها الأموال والبياعات والتجارات وأنواع المؤونة والميرة من طعام كالأرز والحنطة والشعير والتتن (التبغ) ولباسٍ كأنواع الأنسجة والأقمشة. وللحال اقبل
عليها الناس من كل حدب وصوب لقربها إليهم ولسهولة المعاملة فيها إذ ليس هناك دار مكس ولا رسوم ولا ضرائب ولا ما يماثل هذه الوضائع والجبايات كالتي تؤخذ على الحيوانات كما هو الأمر في البلاد المتمدنة وديار نجد والكويت وغيرها. ولما اتسع نطاق هذه المدينة ورأى فالح باشا إنها صالحة للأعمار وعليها إقبال عظيم من كل صقع وقطر قام وبنى فيها مسجداً تصلي فيها الجمعة ومدرسة يدرس فيها مبادئ العلوم الدينية وجلب لها أحد العلماء من نجد وهو حضرة الشيخ علي بن عرفج من أحد البيوتات الكريمة من إحدى القرى التابعة لبريدة السالفة الذكر وخصص لهذه الغاية واردات بأخذها العالم المذكور كل سنة من أطعمة السعدون فيصرفها على كل ما يتعلق بأمر المدرسة وطلبة العلم وما زال ذلك الشيخ مقيماً فيها حتى توفاه الله في سنة 1328 هجرية 1910 م فطلب حينئذٍ آل السعدون شيخ علم آخر بدلاً من المتوفي فجاءهم الشيخ العلامة إبراهيم بن جاسم قاضي القصيم عنيزة وبريدة سابقاً وهو لا يزال مقيماً هناك ومضطلعاً بوظيفته أتم اضطلاع إلى يومنا هذا.
أما عبد الله بن خميس فانه انتقل إلى رحمة الله منذ بضع سنوات فخلفه ابنه في مقامه ولا يزال الأمر الناهي في تلك المدينة الحديثة إلا انه لا يستغني اليوم عن مراجعة بعض ممثلي الحكومة التي أرسلتهم في آخر هذا العهد للمراقبة ومنع دخول الأسلحة الواردة من الكويت (4 - الخميسية في هذا اليوم) في الخميسية اليوم من البيوت ما يقدر بلف ويبلغ كأنها خمسة آلاف وهي لا تزال آخذةً في الرقي والتمدن للأسباب التي ذكرناها وما زالت الأسرة المؤسسة فيها إلى يومنا هذا وكلمتها نافذة ومما يجدر ذكره أن هذا البيت أصبح ملجأ الكرا الذين يخونهم الدهر من أمراء وشيوخ وتجار وأغنياء أو كل من نبذته أرضه فزايل وطنه فهؤلاء جميعهم يحلون ضيوفاً مكرمين في دار أولئك الاماجد فيجدون هناك وجوهاً باسمة وصدوراً رحبة وكرماً حاتمياً ومقاماً منبعاً بدون أن يسمعوا شكوى أو يروا فيهم مللاً أو يظهر منهم اقل ضجر. (5 - سكانها) اغلب هؤلاء السكان من نجد أن لم نقل كلهم والسبب في ذلك رخص المعيشة وسهولة تناولها حتى انه يقال إنها على
طرف الثمام. فالخميسية إذاً مأوى أمين بل حصن حصين لأهالي نجد، وبالأخص في هذه الأيام الأخيرة التي حدثت فيها الحروب بين ابن الرشيد وبين ابن الصباح من جهة وبين آل أبا الخيل وبين ابن السعود وال سليم من جهة أخرى ففي أثناء تلك الفتن والحروب التي طالت كانت هذه البلدة ملاذاً للذين يفرون من الحرب ويؤثرون السلم والراحة فكان الناس يأتونها فرادى ومثنى وزرافات والحق يقال أن ليس هناك من المدن القريبة إليهم مثل حافلة بما يحتاج إليه من ذخيرة وميرة ولباس وترى في هذه المدينة الحديثة لؤلؤة البرية بيوتاً نزحت عن وطنها نجد بذراريها وظعائنها وعيالها وفضلة الإقامة في هذه البلدة، غير ملتفتة إلى مسقط رأسها تلك هي نتيجة الحروب إنها إذا تفيد بعض الأفراد خدمةً لمنفعتها الشخصية فإنها بالجملة تضر بالجم الغفير من الناس. (6 - ديانة أهلها ومذهبهم) من عرف أن اغلب أهالي هذه المدينة هم من نجد علم أيضاً أن لا دين لهم إلا الإسلام وان مذهبهم
مذهب النجديين لا غير آذانهم سنيون على مذهب الإمام احمد بن حنبل (رضه) أو الوهابية وقلت أو الوهابية لان الوهابين هو حنابلة إلا أن المحدثين أعداء النجديين سموهم كذلك كأنهم يريدون أن ينسبهم إلى مذهب جديد ويكفروهم وليس الأمر كذلك إنما الحنابلة وهابية والوهابية حنابلة في المذهب وان كان الاسم حديثاً فالمعتقد واحد وعليه فديانة سكان الخميسية ديانة السلف، مذهب شيخ الإسلام ابن تميية، مذهب تلميذه ابن القيم، مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب (7 - تجارتها) يصدر من الخميسية أنواع الحبوب كالأرز والشعير والذرة وغيرها، ويصدر منها أيضاً التتن (التبغ أو الدخان) والملبوسات وأنواع الأقمشة وغيرها من الحاجيات الضرورية وهذه تنفق على قبائل وعشائر العراق ونجد كالمنتفق والضفير وشمر وعتبة ومطير وغيرها ولكل قبيلة وعشيرة وقت للامتياز والابتياع. وإذا أصيبت ديار نجد بمحل أو غلاء اقبل أهلها على الخميسية وجاءت القوافل تتري وحملت منها إلى نجد مرتزقات تسد عوزها وإذا اضطر
أحد الأمراء لي شيءٍ من ذلك وجه إلى (لؤلؤة البرية) إحدى عشائره أو كلها لتمتاز ما يعوزها من المرتزقات والمؤونة والذخيرة أما وارداتها فهي التمر والسمن (الدهن) والصوف والوبر والجلود والخيل والإبل وأنواع البنادق من مارتيني (ماطلي) وموزر وغيرها والآن قد قل نقل هذه الأسلحة إليها لان ابن الصباح منع تهريب السلاح إجابةً لطلب إحدى الدول التي اتفقت على هذا الأمر مع دولة عثمان. (8 - زراعتها) ليس هناك من يعنى اشد العناية بالزراعة فالخميسيون لا يزرعون إلا الحبوب والبقول وما ضاهاها. (9 - صناعتها) قل عن الصناعة ما قلت لك عن الزراعة لان البلدة حديثة النشوء ليس فيها من قد احكم الصنائع وليس هناك من يحتاج إلا إلى الصنائع الضرورية التي تسد حاجاتهم التي لا غنى لهم عنها. (10 - العلوم قيها) لا يوجد فيها من يزاول العلوم والمعارف إلا ما نزر والذي يعنى بها لا يتفرغ إلا لعلوم الدين والعقيدة والمذهب بل ولمذهب الحنابلة فقط إذ لا يوجد في تلك المدينة من يقول بغير مذهب
الوهابية أو مذهب السلف (11 - الآثار القديمة فيها) سمعت كثيرين يقولون في جوار الخميسية آثار قديمة لكني لم أتحقق الأمر بنفسي كما لم استطع إلى الآن أن أتتثبت الخبر على أني لا اعجب من ذلك لان شاطئ الفرات كان آهلاً بالسكان في سابق العهد ومدنه كثيرة لا يعرف عددها على التحقيق فإذا ثبت لي صدق النبأ وأمكنني بسطه على وجهٍ مفيد أتيت به قراء لغة العرب إن شاء ربك القدير والسلام. سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض ومجلة الحياة البعبع في مصر كتب إلينا العلامة الأستاذ الدكتور اغناز غولدزيهر في بودابشت كتاباً دل على طيب عنصره وكرم أخلاقه ومن جملة ما ذكره تعقيب له على مقالة البعبع قال حرسه الله بحرفه العربي، ونصه البدوي (أستأذن حضرتكم في أن استخرج من حافظتي لأعقب على ما في مجلتكم في الصفحة 70 أو ما يليها بصدد كلامكم عن البعبع وعما
يستعمله العوام من الألفاظ لزجر الصبيان وتخويف الأولاد الصغار فأقول في الزمان الذي كنت في مصر (1874) سمعت من بعض العوام عبارات يخوفون بها أولادهم بقولهم (اسكت لحسن (الأحسن بمعنى لئلا) أحط لك في عينك، (يعني الششمة) اسكت لحسن أحط لك في بقك الفلفل، اسكت لحسن أجيب لك شيخ الحارة اسكت لحسن السماوي (من السم) بيجي يأخذك ثم أن التخويف بالبعبع مذكور أيضاً في كتاب هز الفحوف، في شرح قصيدة أبي شادوف، (طبع حجر الإسكندرية 1289) ص147 وهاكم عبارته (وإذا أرادت أمه أن تخوفه أو تسكته عن الصياح تقول له اسكت لا يأكلك البعبع بكسر الموحدتين ورفعهما وجزم العينين المهملتين. والبعبع مشتق من البعبعة وهي صوت الجمل) اهـ في الصبر يقولون أن تصبر تنل كل غاية ... وقد فلتهم أن المرارة في الصبر وهل يستطيع المرءُ صبراً على أذى ... يكابده حتى يغيب في القبر محيي الدين فيض الله الكيلاني
يهتف باسمه وكم هادم للدين يهتف باسمه ... وينعاه للإسلام وهو يقاتله ويأمر بالمعروف وهو غريمه ... ويدعو إلى نصر الهدى وهو خاذله ويزعم أن الحق لولاه ما سما ... ويأتي بقولٍ يدحض الحق باطله ويدعي بأيد الدين حامي حمى الهدى ... وكم غالت الدين القويم غوائله ولو سلم الإسلام منه لأصبحت ... معارفه منشورة وفضائله كاظم الدجيلي أرز أو تمن العقر أرز العقر المشهور في العراق ينسب إلى العقر القلعة الحصينة (التي هي اليوم مدينة شهيرة) في جبال الموصل والتي أهلها أكراد وهي شرقي الموصل المعروفة أيضاً باسم عقر الحميدية لا إلى العقر التي هي بين تكريت والموصل كما كتبناه في ص375 البربن والبدرايي والإبراهيمي والبريم سألنا بعضهم ما صحة هذه الألفاظ من الفصاحة وما أصابها أو ما يقابلها عند لفصحاء الأقدمين
قلنا: هذه كلها من أنواع التمور المشهورة في العراق فأما البرين وزان جعفر فمن أصل فارسي وهو في هذه اللفظ (بهاربانو) ثم قصرت وصحفت ومعنى هذا اللفظ المركب: العروس أو السيدة (بانو) الحسناء (بهار) لان هذه لتمرة من احسن التمر بلونها لأحمر البديع وكبرها وطعمها اللذيذ فهي بين سائر أخواتها كالعروس أو السيدة الحسناء بين سائر العرائس. وأما اسم هذا النوع من التمر في سابق الزمان فهو الطن بضم الطاء وفتحها والنون المشددة. قال في لسان العرب: الطن ضرب من التمر أحمر شديد الحلاوة كثير الصقر. اهـ وفي الحاشية عن الصغاني: قوله كثير الصقر يقال لصقره السيلان بكسر السين لأنه إذا جمع سال سيلاً من غير اعتصار لرطوبته، قلت: وكذا قال ابن سيدة في المخصص على أن العراقيين لا يخصون لفظة السيلان بصقر الطن أو البربن بل بصقر كل تمر. وإذا طبخ السيلان قيل له الفضيخ. وأما البدرايي فهو نسبةً إلى بادرايا (بفتح الحروف كلها إلا الألف) لا بادورايا. وبادرايا هذه هي التي تسمى اليوم بدرة قال ياقوت:
بادرايا: ياء بين الألفين: طسوج بالنهروان، وهي بليدة بقرب باكسايا بين البندنيجين ونواحي واسط، منها يكون التمر الفسبا اليابس الغاية في الجودة واليبس اهـ. فالأصح إذاً أن يقال: البادرايي. لكن العوام تقصر الكلمة للتخفيف. وأما البريم فلفظه الحقيقي (البريني) تصغير البرني ثم نقله العوام إلى لفظ متعارف مشهور بينهم جهلاً للفظه الأصلي. قال في التاج: البرني بالفتح: تمر معروف أصفر مدور وهو أجود التمر، واحدته برنية وقال الأزهري: ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء، عذب الحلاوة، يقال: نخلة برنية، ونخل برني قل الراجز: برني عيدان قليل قشرة وهو معرب، وأصله: برنيك أي الحمل الجيد. وقال أبو حنيفة: إنما هو بارني، فالبار الحمل، وني تعظيم ومبالغة. وقول الراجز: وبالغداة فلق البرنج أراد البرني، فأبدل من الياء جيما. اهـ والأصح، أن البرني منسوب إلى البرن وهي قرية مشهورة بهذا التمر كما جاء في معجم لبكري كما
أن البادرايي منسوب إلى قرية بادرايا ومثل البرني أو البريم الصرفان والصيحاني. قال في التاج: الصرفان (بالتحريك) تمر رزين مثل البرني لأنه صلب المضاغ علك بعده ذوو العيالات وذوو الأجراء وذوو العبيد لجزائه وعظم موقعه والناس يذخرونه قال أبو حينفة: أو هو الصيحاني بالحجاز نخلته كنخلته حكاه أبو حنيفة عن النوشجاني فاحفظه نصب أن شاء الله ديوان ابن الخياط هو كتاب خط موجود عند أحد أدباء بغداد وهو من الدواوين القديمة. طوله 18 سنتيمتراً في 13 ونصف عرضاً. فيه 88 ورقة مكتوبة أي 176 صحيفة. وطول المكتوب من الصفحة 12 سنتمتراً في 9 عرضاً وهو كامل لا ينقصه شيء لا في الأول ولا في الآخر. وهذا بدا كلامه بحرفه، (بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله قال الشيخ أبو عبد الله احمد بن محمد بن الخياط يمدح الأمير أبا القوام وثاب بن نصر بن صالح: عتادك أن تشن بها مغارا ... افقدها شذباً قباً تبارا
كأنَّ أهلة قذفت نجوماً ... إذا قدحت سنابكها شرارا وهل من ضمر الجرد المذاكي ... كمن جعل الطراد لها ضمارا إلى آخر القصيدة وهي في 37 بيتاً عامراً والكتاب حسن الخط جلي الحروف محلى بالشكل الكامل لاسيما في المواطن التي تحتاج إلى تحرير وضبط وتدقيق وفي كل وجه 19 سطراً وقد كتبت العناوين مرة بالحبر الأحمر ومرة الحبر الأخضر الضفدعي اللون، وربما لم يتبع الكاتب هذه القاعدة اتباعاً مطرداً فيخالفها في بعض الأحايين والنسخة قديمة جداً ويكاد كاغدها يتمزق أرباً أرباً لقدمه وتطاول الزمان عليه وقد جاء في آخره: (تم الديوان بأسره على ما قرره صاحبه أبو عبد الله محمد بن نصر بن الخياط من نسخة قبل فيها من نسخة الشيخ أبي عبد الله محمد بن نصر بن صغير الخالدي، ثم قال أيضاً: كتبته من نسخة عليها خط الشيخ أبي عبد الله بن الخياط رحمه الله بما نسخته كلما رواه عني الشيخ الأجل الأديب أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير، فهو ما سمعه مني وقراه علي وما رواه غيره فحالف ما في نسخته هذه فلا يعتد به، وكتبه احمد بن محمد بن علي بن الخياط
في سنة سبع عشرة. اهـ وهذه الأسطر مكتوبة بشكل مثلث وعن يمين المثلث هذه الأسطر وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة في يوم الجمعة المبارك رابع عشر شهر رجب الفرد من شهور سنة أربع عشرة 814 (ووراء هذه السنة كلمة محكوكة حتى ثقب الورق هناك قم هتان اللفظتان) ختمت بخير وعن يسار المقلق هذه الكلمات (كاتبه الفقير الحقير، من حف باللطف الخفي، يوسف الملاح سبط الحنفي، غفر الله له ولوالديه والمسلمين أمين.) فترى من هذا الكلام نفاسة هذه النسخة أن بصحتها وان بقدمها وان بشهرة صاحبها. كيف لا وهو ابن الخياط الذي قال عنه ابن خالكان: هو أبو عبد الله احمد بن محمد بن علي بن يحي بن صدقة التغلبي المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي الكاتب الذي كان من الشعراء المجيدين طاف البلاد وامتدح الناس ودخل بلاد العجم وامتدح بها ولما اجتمع بابي الفتيان ابن حيوس الشاعر المشهور بحلب وعرض عليه شعره.
نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية
قال قد نعاني هذا الشاب إلى نفسي فقلما نشأ ذو صناعة ومهر فيها إلا وكان دليلاً على موت الشيخ من أبناء جنسه. ودخل مرة إلى حلب وهو رقيق الحال لا يقدر على شيء فكتب إلى ابن حيوس المذكور يستمنحه شيئاً من بره بهذين البيتين لم يبق عندي ما يباع بحبةٍ ... وكفاك علماً منظري عن مخبري إلا بقية ماء وجهٍ صنتها ... عن أن تباع وأين أين المشتري وكانت ولادته سنة 450 بدمشق (1058م) وتوفي بها في حادي عشر شهر رمضان سنة 517 (1123م) وبهذا كفاية لمن يريد أن يعرف قدر هذا الديوان الذي لم يطبع بعد وقد أصبحت نسخه الصحيحة كهذه اعز من بيض الأنوق، أو ابلق العقوق. نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية 3 - أغلاط التعبير جرجي أفندي زيدان من الكتاب المعروفين بسلاسة الإنشاء وحسن سبك العبارة حتى انك لتقرأ كتبه من الأولى إلى الآخر ولا يحدث فير صدرك ما يحدثه فيه حملة الأقلام في كتاباتهم فأنك إذا قرأت
صفحة أو صفحات من نفثات يراعتهم حرج صدرك وضاق نفسك وحارت عيناك ونشأ فيك نوع من السأم يدفعك إلى الثؤباء والمطواء يعقبهما ضرب من الوناء والفتور والرخوة إلى درجة يسقط فيها الكتاب من يديك ولا تشعر بإفلاته منهما. وانك لتشعر بالعكس عند تصفح مصنفات كاتبنا البارع ومهما اختلفت مواضيعها وطالت أبحاثها. على أن هذا القول لا ينفي عن المؤرخ البارع كل شائبة. فلقد رأينا في مؤلفاته بعض الشبهات ولعلها من سوءِ فهمنا إياها لا من وجودها حقيقةً فيها بيد أننا نذكرها على ما هي ونسوق لها ما يعن لنا إنها اجدر بالمقام للمقابلة بين التعبيرين وللأخذ بأحد الوجهين. فمن ذلك ما جاء في ص207 إذ قال اعتنق الإسلام وفي ص211 واعتنقها (أي النصرانية) اليونان وقد كثر هذا التعبير في مطبوعات هذا العصر منقولاً عن تعبير الإفرنج وله وجه في المجاز لا تأباه العربية إلا أن فصحاء كتاب العرب الذين يرمون إلى البلاغة يعدلون عن هذا القول وينخون نحواً عربياً صرفاً فيقول مثلاً دان بالإسلام أو دان دين الإسلام كما ورد في الأغاني (18: 2) إذ قال ودان دين المسيح.
وقال في ص216 كانت المدينة قد أصبحت مرسحاً للهو وهذا أيضاً من التعبير لدخيل وهو قبيح لان العرب لم تعرف لفظة المرسح لا بالمعنى الحديث ولا بمعنى لغوي يحرر هذا الاستعمال أو يحقه والأصح أن يقال هنا (ميداناً للهو) فان العرب عرفت الميدان وهو يوافق هذا التعبير هنا وإذا أراد الكاتب مقاتلاً فصيحاً لكلمة مرسح فالأفصح المرسح لان العين تسرح في جوانبه وفي الأشخاص والزينة التي ترى فيه. قال الحريري في المقامة الصنعانية: وأورد في مسارح لمحاتي ومسايح غدواتي وروحاتي. وفسروها بالمواضع التي يسرح أي ينطلق النظر فيها. وهو المراد هنا. إلا أن أحد الكتاب أنكرها في المقتطف فلا يحق له هذا الإنكار ووجه التسمية واضح لكل ذي عينين. وقوله في ص223 الأمور الهامة. والمهمة افصح. ومثلها في ص52 وقوله في ص224 وهكذا العرب فقد نظموا والأفصح وهكذا العرب نظموا. وجاء في ص228 أحراف الأخرى الألسنة والمسموع حروف وأحرف لجمع حرف.
وورد في ص230. . . فلما ظهر الإسلام واشتغل المسلمون بالفتح والحرب حتى استتب لهم الأمر ونزعوا إلى الجهاد، تدرجوا في وضع التاريخ. والأوفق أن يقال هنا: ونزعوا عن الجهاد لأن النزوع إلى الشيء الميل إليه أو الذهاب إليه. والمراد هنا الانتهاء أو الانقطاع عنها كما هو سياق العبارة ومقتضى المعنى. ومن هذا الباب ما جاء في ص231 فمعاوية بن أبي سفيان كان يجلس لأصحاب الأخبار في كل ليلة. . . فلقوله يجلس لأصحاب الأخبار وجه مقبول لكن لو قال يجلس مع أصحاب الأخبار أو يجالس أصحاب الأخبار لكانت العبارة أتقن وأوفي بالمراد ومن هذا القبيل قوله في ص237 (وكان عمال الأمويين أصحاب شعر وخيال وحساسة مثلهم) ولا نعلم ما بالمراد بالحساسة هنا فلعلها الحس أو الشعور أو دقتهما وعلى كل فليست الكلمة فصيحة إلا إذا كانت مضمومة الأول بمعنى مفرد الحساس وهو غير المطلوب هنا ومما يدخل تحت هذا لباب قوله ص250 (فكان اكثر الشعراء في هذا لدور أما على الحياد خوفاً من معاوية أو. . .) والأصح أن يقال
أما على. . . . وأما. . . بإعادة أما لان الأولى ذكرت متأخرة فيجب أن تعاد (أما) في الثانية وتعاد متقدمة كما هو مثبت في كتب القوم ثم أن الناس قد أفاضوا في استعمال الحياد بمعنى تجنب التحزب أو عدم الميل إلى أهل الحزبين الخصمين والمألوف عند العرب بهذا المعنى الاعتزال وان كان للحياد وجه فصيح لا غبار عليه إلا أن اتباع المألوف المطرد خير من اتباع غير المألوف القليل الورود في كلامهم. وجاء في تلك الصفحة دعا إلى ابن الزبير وخالف عَلى مروان (والاظهر خالف في مروان. وفيها أيضاً. . . ولذلك فلما علم بقصيدة الاخطل. والأفصح ولذلك لما. . . ومثلها في ص102 و181. وربما جاءت بعض الألفاظ في غير موطنها من وضع معناها كما جاءت (ناهيك ب. . . ) بمعنى (فضلاً عن) وقد وردت مراراً عديدة في الكتاب منها في ص41، 48، 66، 178، 195، 209، 234 إلى غيرها. وذكر في ص136 ما هذا نصه وكان (أمية بن أبي الصلت) يسمي الله في بعض أشعاره (السلطيط) وفي بعضها (التغرور) فربما اقتبسها
من الحبشية أو صاغها على صيغ تلك اللغة. اه: قلنا: التغرور أرمنية الأصل تصحيف تغفور أو تكفور ومعناها الملك أو الأمير. وجعل الراء فاء لغة عندهم قديمة فيقولون الصرير أو الصريف. وردم الباب والثلمة: سده كله أو ثلثه أو الردم اكثر من السد. وقدم فم الإبريق غطاه ووضع الفدام عليه. وقال في ص58 المودعة عنده. والأفصح المودعة إياه. لأنه يقال أودعه شيئاً. وجاء في ص114 نظم معلقته على مرتين. وهو من تعبير عوام الشام ومصر والأفصح مرتين بحذف (على). وذكر في ص174 قي الأشهر الحرام. والأصح في الأشهر الحرم وعدَّ في ص186 أيام الأسبوع عند العرب في عهد الجاهلية فقال أول أهون جبار والأصح (اوهد) كما ذكره اغلب اللغويين. نعم انه جاء في بعض النسخ (أول) لكن هذا من تصحيف النساخ أو من تصحيف الجهلاء تلك الأيام. وورد في ص93 أو التهويل عَلَى عدوهم. والأصح: تهويل عدوهم
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
وفسر العسب في ص201 بما حرفه: قحوف جريد النخل ولا نعلم معنى القحوف هنا إنما العسب جمع عسيب والعسيب السعفة مما لا ينبت عليه الخوص. وقال في ص94 ويسمونهم (أي يسمي اليونان الرواة) والحال هذه اللفظة بهذه الكتابة ليست إنكليزية واليونانية تكتب ومن هذا الباب كتابته للفظة (ص57) بهذه الحروف المذكورة. فإذا كانت بهذا الوجه فهي لا إنكليزية ولا فرنسوية ولا. . . ولا. . . والأصح أن تكتب إذا أردنا كتابتها باللغة الإنكليزية بالفرنسوية. الخ. وجاء في ص111 س22: وقد آلي على نفسه في الجاهلية أن تهب صبا إلا أطعم. (والمراد هنا: أن لا تهب صباً إلا أطعم.) هذا ما بدا لنا في أثناء المطالعة ونحن نحدر فيها تحديراً ولعنا في اغلب الأحيان من المخطئين لا من المصيبين وربك فوق كل علم عليم. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - ابن السعود والشيابين
أخبرت الرياض أن الأمير عبد العزيز باشا السعود غزا بجيشه الجرار القبائل العاصية من عتيبة وهم الشيابين فاخذ منهم غنائم كثيرة واحسن تأديبهم وقد أخلدت اليوم هذه الأعراب إلى السكون والراحة وعدلوا عن إثارة نيران الفتن وانتشر بين ظهرانيهم فكر الاتحاد العربي أي المطالبة بإرسال مبعوثين من جميع البلاد العربية ليشاركوا إخوانهم ويكونوا يداً واحدة عَلَى الأعداء. 2 - إنكليزي في بلاد العرب برح أحد سفار الإنكليز الكويت قاصداً التجول في الديار نجد والوقوف على ما فيها من الدفائن والمعادن وقد اخذ معه أحد أدلة العرب اسمه عثيمين (تصغير عثمان) ونقده لهذه الغاية مائة وخمسين ليرة ويقال انه قتل في الطريق. 3 - لجنة نجدية علمت الرياض من مصدر ثقة أن الباب العالي أرسل لجنة قوامها عالم ونباتي ومهندس وجغرافي ومكتشف معادن للوقوف على تلك الديار وما فيها وقوفاً تاماً وإحصاء نفوسها وعشائرها والاطلاع على
دخلة أمورها. وإذا تم إحصاء سكانها يوفد حينئذٍ أهلها مبعوثين ينوبون عنهم في المجلس فعسى أن تتحقق الأماني. 4 - قداد (ترامواي) للاعظمية وتنوير بغداد بالكهربائية توفق وطنينا الفاضل محمود جلبي الشابندر للحصول على امتياز إنشاء قداد (ترامواي) من الاعظمية إلى القرارة وقد سافر من الآستانة إلى ديار الإفرنج لجلب مهندسين مهرة يقومون احسن قيام بم يعهد إليهم. ومما حصل عليه حضرة وطنينا تنوير بغداد بالكهربائية وهو أمر يتشوق إليه جميع أهل الحاضرة. 5 - القضاء على صحف بغداد ورد أمر من نظارة الداخلية ما ملخصه: أن الجرائد التي اخذ امتيازها ولم تنشر حتى 5 مارت (آذار الرومي) أو نشر أصحابها بضعة أعداد منها ثم احتجبت حتى هذا التاريخ لا يسمح لأصحابها بعد ذلك أن ينشروها لسقوط امتيازاتهم بعد ذاك الحين. أما الجرائد التي وقعت تحت هذه الضربة القاضية في حاضرتنا
فهي هذه وقد أحطنا بقوسين ما لم يظهر منها عدد بل اخذ بها أصحابها امتيازاً لإصدارها وهي هذه: سيف الحق. الحقوق. (الرياحين)، يكي موده. خان لذهب، دونيلا. صائب. (الوطن)، أخوت. قلنج. العلم (بفتح العين واللام). الرقيب. تفكر، خان جغان. الأسرار. سبيل الرشاد، أفكار عمومية. تعاون. وجدان. بالك. البلبل. (جهينة)، يلديرم بين النهرين، الصاعقة. الرصافة. (عصا موسى)، المضحكات. القسطاس خردلة العلوم، (الكرخ)، روضه، (لسان)، العراق. الحقيقة، (الشرق)، (رعد)، (لسان الصدق)، بغداد. الإرشاد. الانقلاب. الظرائف. تنوير الأفكار. الوجدان. كرمه ونرمه. مصبح الشرق وعليه فالباقي من الجرائد هو الزوراء الزهور، الرياض، المصباح، صدى بابل، النوادر، والمجلات الحية هي: العلم (بكسر الأول) الحياة لغة العرب، لاغير، فليتدبر العقلاء.
العدد 12
العدد 12 وضع اللغات وخضوعها للطبيعة ذهب الأوائل مذاهب شتى في من هو واضع اللغات، فقال بعضهم: انه الخالق العظيم وضعها مباشرة أو بالهام منه، وينسب الأصوليون إلى سليمان بن عباد القول بأن الوضع حدث بالمناسبة الذاتية؟ ويفسرون هذا الرمز بأن الألفاظ بطبيعتها ولمناسبة ذاتية فيها دلت على المعاني دلالة أزلية. وخشي بعض أهل الرهبة من علماء الأصول وجود تلك الروح في الألفاظ واحتمال القدرة أو القوة الكامنتين فيها فاخذ ينزل ذلك ويؤله طبق الأصول المسلمة عند العقلاء قائلاً ما معناه:
أن الألفاظ وان دلت بطبيعتها إلا أن المبدأ الأعلى في تلك الدلالة هو الخالق، شأنه في رجوح اكثر الظواهر الطبيعية إليه، فدلالة الألفاظ بالطبيعة مثل هبوب الرياح، ونزول الأمطار، ولمعان البرق، وجولان السحاب، من رجوعها ظاهراً إلى الطبيعة والأسباب المخلوقة وواقعاً إلى الخالق. هكذا كتب بعضهم في هذا القول الغريب الذي لا تفهم فلسفته. ثم أن الرأي المعول عليه في هذا العصر، عصر الانتقاد والتمحيص، هو أن اللغات كلها جمعاً نشأت من الأصوات الطبيعية وتكونت قهراً بعد إرادة التعبير عن المرئيات أو غيرها، من معلومات الإنسان الأول، وليس هذا الرأي بحديث العهد، فقد قال به بعض العلماء الأول، كما قالوا بكير من الآراء العلمية المسلمة في هذا العصر المنسوبة إليه، الملزوزة به. فقد ذهب بعض الأوائل إلى حركة الأرض وقد عبروا عن الجاذبية بالثقل المركزي وذهبوا أيضاً إلى القول بالنشوء والارتقاء واتحاد أصل الكائنات إجمالاً، إلى غير ذلك من المذاهب العلمية التي يحسب بعضهم أنها أبكار، هذه الإعصار. وكذلك قل عن المذاهب الاجتماعية كالاشتراكية والإباحية أو السياسية كالجمهورية أو الملكية فقد قيل فيها في الأزمنة الخالية بل ووضعوها موضع الأعمال. فالقول بان اللغة من وضع الإنسان قديم، قال العرب به. وممن نذكر أن مذهبهم ذلك ابن سيده اللغوي الكبير صاحب المخصص أمتع
كتاب في اللغة العربية، غير انهم لم يصرحوا فيما اعلم بأن الألفاظ تكونت من الأصوات البسيطة بل صرحوا بأنها من وضع الإنسان مباشرة لا من وضع غيره. وقد استنكر الجامدون هذا المذهب واعترضوا عليه ذاهبين إلى أن الإحاطة بجملة المعاني الموضوع لها غير مقدور للبشر. فيقال لهم أن المعاني لم تعلم دفعة واحدة، وكذلك الألفاظ توضع دفعة واحدة، بل كلما تجددت المعاني، وعلا إدراك الإنسان، وتصور الأمور الدقيقة، اضطر لأحداث الألفاظ متبعاً في ذلك التدريج، لان الطفرة محال. هذا ما كان من أمر الوضع والواضع. وهناك نواميس طبيعية عامة مثل ناموس (التحول) وناموس (بقاء الأصلح) فهل اللغة خاضعة لها وهي جارية على سنتها جريان سائر الأشياء، وهل عرف العرب ذلك كما عرفه الإفرنج؟ فنجيب بنعم عن الجميع، وإليك البيان: اللغة كالأخلاق أو ككل مميزات الإنسان، خاضعة للقوى العاملة فيه فيصح من بعض الوجوه أن نقول أنها كائن حي كالإنسان، ولحياته أطوار كأطوار حياة الإنسان، فما كان ليسمع المقيم في إحياء عرب الجاهلية من الألفاظ غالباً إلا في أمثال السباسب والبسابس والغيلان والذعلبة والكوماء والفنيق والبيداء والفيفاء والأجرد وما أشبه ذلك وما كانت لتمر الألفاظ السهلة الجزلة المعبرة عن المعاني العالية إلا شذاناً. كل ذلك لتأثير محيطهم في أوضاعهم وأخلاقهم وظواهرهم الطبيعية
ومنها اللغة التي يتكلمون. ثم أن أوان البعثة فبعث النبي وأثرت تعاليمه في نفوسهم فأثرت في لغتهم، فكنت تسمه فيما يدور على ألسنتهم الصوم والصلوة والزكوة والعبادة والإيمان والاعتقاد والتوبة والثواب والعقاب وغيرها من الألفاظ الدينية ناهيك بالقرآن العظيم، وما أبقى في لغة العرب، فقد لطفها ورقق ألفاظها وبعث فيها روحاً من الفلسفة الأدبية، ثم لم يطل العهد حتى رأينا في ثنيات ألفاظهم: الألفاظ الرياضية، والعلمية، والفلسفية، وذلك العصر العباسي، عصر سلطان العرب، واستفحال حضارتهم العجيبة. في ذلك العصر رقت لهجة اللغة، وتهذبت ألفاظها، وحلت نغماتها، ليس من اجل انبعاث المؤلفين، والمترجمين فقط، بل قد ساعد على ذلك جمع من ذوي الذوق، والقريحة، وأرباب الفنون الجميلة، وهم طبقة من الشعراء، والكتاب والأدباء الفكهين، ورجال الغناء، والمطربات، والمطربين، فتكونت إذ ذاك آداب اللغة العربية كأرقي ما يمكن أن يكون، وبلغت شأوا لم تبلغه لغة من اللغات القديمة.
فمن آلم بآداب هذه اللغة عرف إنها كيف خضعت لناموس (التحول) وكيف اختلف باختلاف الأدوار تابعة سير الناطقين بها قرونا متمادية وعرف أيضاً كيف قضى ناموس (بقاء الأصلح) على الألفاظ الخشنة الوحشية والأصول الضخمة المستنكرة والتراكيب الثقيلة بحيث أصبح الشعراء والكتاب يشمئزون منها وينعون على مستعمليها ما يفعلون. وقد حفظت المعاجم الكبيرة شيئاً كثيراً من ذلك المتاع الكاسد أو اقل من تلك الأعضاء الأثرية في جسم اللغة التي قضت الطبيعة عليها بالضمور، فأصبحت لا وظيفة لها، غير أنها كل وعبء ثقيل على كاهل تلك اللغة الشريفة، ولو دونت تلك الأصول على حدة، أو اصطلح عليها قوم، لجاءت كأثقل ما تتحاماه الطباع، وأنكر ما يطرق الأسماع. هذا وربما كبر ما نقول على الذين يحبون القديم، لأنه قديم، فنقول لهم: أنا لم نختلف عن سنة السلف من قبلنا، في ما أردنا من هذه العجالة فأنا لنعرف رجالاً من سلفنا الصالح، كانوا يعتقدون بخضوع اللغة لناموس بقاء الأصلح وقد جروا فيما نظموا ونثروا وألفوا على ذلك لا بل الطبيعة اضطرتهم إليه. ألف أبو الحسن احمد بن فارس اللغوي المعروف المتوفي سنة 398 كتاب (المجمل) وهو الكتاب النادر الوجود، وقد قال المؤلف في مقدمة كتابه:
(أنشأت هذا الكتاب بمختصر من الكلام قريب، يقل لفظه، تكثر فوائده، لتبلغ بك طرفاً مما أنت ملتمسه، وسميته (مجمل اللغة) لأني أجملت فيه الكلام إجمالاً، ولم أكثره بالشواهد والتصارف، إرادة الإيجاز فمن مرافقه قرب ما بين طرفيه، وصغر حجمه، ومنها حسن ترتيبه) اهـ وقد انتقد هذا الكتاب واختصره الشيخ الأستاذ أبو الحسن بن المظفر النيسابوري، أستاذ الزمخشري، مؤدب أهل خوارزم ومخرجهم، وشاعرهم في وقته. وقد وقفنا على هذا المختصر المفيد مخطوطاً خطاً قديماً فوجدنا صاحب المختصر كصاحب الأصل ممن يقول مع أهل هذا العصر بخضوع اللغة لناموس (بقاء الأنسب) واليك ما جاء في صدر الكتاب: قال الشيخ الأستاذ العالم أبو الحسن بن المظفر النيسابوري: أني لما تصفحت هذا الكتاب، وجدته في النهاية من الاختصار والكفاية مع ما اختص به من حسن الوضع، وقرب المأخذ، وعموم النفع ورأيت ماشذ عنه من العربية وحشا شاذاً قد درس شأنه،! وانقضى زمانه! وبعد فأن هذا الكلام صريح فيما نريد إثباته من أن العرب عرفوا أن لكل عصر آدابا وأخلاقاً، وان الجمهور يناقض السنة الكونية سنة التبديل، والتحويل وتغير الأشياء، فالطبيعة تقضي على البشر بالتصرف وهم والهفاه يتطبعون على الجمود، ثم ليس أو المظفر هذا هو كل من يقول بهذا الرأي فان علماء العرب الأولين جمعا يرى ذلك. وابلغ شاهد نسوقه لك قصة الشيخ صفي الدين الحلي الشاعر المشهور مع أحد
فضلاء عصره، وقد قرأ شعره، فقال لا عيب فيه، سوى قلة استعماله اللغة العربية، فكتب الصفي إليه هذه الأبيات المعروفة: إنما الحيزبون والدردبيس ... والطخا والقاخ والعلطيس والسبنتي والحقص والهيق ... والهجرش والطرقسان والعطسوس وبعد أن ذكر أمثال هذه الألفاظ، قال: لغة تنفر المسامع منها ... حين تروى وتشمئز النفوس وقبيح أن يذكر النافرالوح ... شي منها ويترك ألمانوس درست تلكم اللغات!! وأمسى ... مذهب الناس ما يقول الرئيس إنما هذه القلوب حديد ... ولذيذ الألفاظ اللغة مغناطيس وممن تنبه لهذه المقالة من المتأخرين الشيخ كاظم الازري شاعر بغداد في القرن الثاني عشر، وزاد نغمة في الطنبور انه جمع إلى استهجان الألفاظ القديمة استهجان المعاني المفرغة في تلك الألفاظ. ومن العجب انه كان يستعمل ما يستهجن معاني وألفاظاً وهي شنشنة الشعراء الأول يقولون ما لا يفعلون. فقد كتب هذا الشاعر في ما نحن في صدده إلى صديق له أبياتاً جاء فيها: يا أبا احمد رويداً رويداً ... أنا في الشعر صاحب المعجزات! إن شعر الأولى غريب المعاني! ... رنق غير رائق الكلمات لو يريد الإنسان أمثال هذا ... لأتي بالألوف دون المئات فلهذا صددت عنه صدوداً ... وتعوضت عنه بالبينات
أمثال عوام العراق
كنقاخٍ وطحلب وجفاخ ... وسنيد وشبرق وطخاة فإلى مثل هذا نوجه أنظار علماء العربية وذلك لينشئوا في أبحاثهم لغة تناسب هذا العصر الذي اتضحت هذا العصر الذي اتضحت فيه أعمال القوى الاجتماعية والطبيعية ليسيروا معها لا ليقضوا في سبيلها جامدين فتقضي الطبيعة على هذا اللسان العربي المبين بمقتضى أصولها المقررة الثبوت. النجف: محمد رضا الشبيبي أمثال عوام العراق عرس الجليلو الجليلو (بجيم مثلثة فارسية وهو من لفظ أهل البادية للكاف العربية كما أشرنا إليه سابقا)، حشرة مائية يبلغ طولها من سنتمترين إلى ثلاثة وقد تزيد كبيرتها على ذلك، لونها ليس بأبيض يقق، ولا أصفر فاقع، بل قد يقال انه أزهر، وجناحان أبيضان لها شوكتان في ذنبها، وهي رخوة المجموع غير متماسكة البنية تتأثر من اقل ضغط وقد تختلف عما ذكرنا، ترى على وجه الماء عند الزيادة متراكمة بعضها فوق بعض متداخلة كأنها تتسافد أو هي كذلك. ترتفع قليلا طائرة ثم تسقط سابحة، ويعلل ذلك بأنها تعيش في ضفاف الأنهر فإذا زاد الماء أخذها بجريه لضعفها عن المقاومة. وبهذا يفسر عدم بقائها على وجه الماء اكثر من يوم أو يومين. وعندئذٍ تغدو فريسة
الحيوانات المائية والطيور ومنظرها على هذه الحالة شائق يصبو إليه الناظر ويتباشر الفلاحون إذا رأوها لان وجودها برهان على زيادة المياه المنوطة حياتهم بها. ويقولون آنئذٍ (أعراس الجليلو) أو (الجليلو عرس). اشتقاقه من قول العامة: (جلجل عليه) بفتح الجيمين المثلثتين وسكون اللامين وجلجل أي كل كل كل. وكله بمعنى كلله أي ألبسه الإكليل قال صاحب القاموس: وكلل فلاناً البسه الإكليل. وقال شارحه وكذلك كله. اه. أو هي بمعنى كلله بالحجارة أي علاه بها (كما استدرك عليه الشارح) إلا أن كل تتعدى بنفسها والعامة تعدى جلجل بعلي وهي عندهم بمعنى صار عليه كالإكليل أو علاه الإكليل على ما ذكرنا من اختلاف المأخذ. وكله معناها ألبسه الإكليل أو علاه والفرق بين علا عليه وعلاه يعرفه من مارس اللهجة أو نقول انه مشتق من قولهم (جل عليه) بمعنى جلجل عليه والفرق بينهما كما يشهد له استعمال العامة أن الأولى تفيد المبالغة لأنها مأخوذة من المؤكد دون الثانية والأولى اقرب إلى (الجليلو) معنى والثانية لفظاً لان الجليلو فيه جيم مثلثة واحدة وكذا (جل) والذي أظنه انه مشتق من الأولى ومثل هذا الحذف أعنى حذف الجيم من الجليلو الموجودة في المشتق منه سهل عند العامة وذلك لوجود معنى الكثرة في الجليلو وان ألغيت في الاستعمال وأطلق على الواحد. وشاهدي أن التسمية قارنت رؤيته بتلك الحالة وإلا لما صح نحته من هذه اللفظة لان تلك الحالة بها كانت المناسبة بين المعنيين. هذا هو الذي أظنه في
اشتقاق هذه الكلمة وإذا أنصفت الصواب ولم أجازف في القول القي معرفة اصلها على عاتق من يعرفه بل هو سؤال القيه أمام قراء مجلة لغة العرب الغراء وأستميحهم نشر ما تسمح به قرائحهم. كيف تقوله العامة عرس، العين مشتركة الحركة بين الفتح والكسر. والراء والسين ساكنتان وعند أضافتها إلى ما بعدها تحرك بحركة مشتركة. الجليلو الجيم أيضاً مشتركة الحركة واللام الأولى مكسورة واللام الثانية مضمومة. يضرب للمسرة تنقضي سريعاً. الشاص شاص والحمل حمل اشاصت النخلة أي حملت الشيص والجملة الأولى اصلها الاشاص (أي النخل الذي اشاص) ثم اقتضى التخفيف مجوز كل شيء عند العامة في لغتهم فحذفت الهمزة ثم أدغمت اللام في لأنها من الحروف الشمسية المعروفة وحذفت الهمزة من الثانية أما لأنها تناسب الأولى وأما للتخفيف وإضراب هذا التركيب - اعني ما كان فيه الخبر عين صلة الموصول الذي وقع مبتدأ - كثيرة في الكلام العربي قال الشاعر:
ما فات فات فلن يعود وإنما ... هم الفتى من أمره المستقبل والغرض منها بيان عدم القدرة على التلافي والاستدراك وان لا ندحة إلى العلاج. (ضبط الألفاظ) الشاص حركة الهمز مشتركة بين الفتح والكسر. والشين مفتوحة والصاد ساكنة في اللفظتين. والحمل حمل حركة الواو مشتركة بين الفتح والكسر، واللام ساكنة وحركة الحاءين مكسور والميمان مفتوحتان واللامان ساكنتان. يضرب للأمر فات ولا يتدارك فهو يشارك المثل العربي (سبق السيف العذل) في المضرب. كص راس وميت خبر (ضبط الألفاظ) الكاف مثلثة فارسية مضمومة بضمة خفيفة هي الحركة المشتركة، والصاد ساكنة مشددة. ميت الميم مفتوحة، الياء مشددة والتاء ساكنة ويروي بدل الياء المشددة واو مشددة أي موت. كص أمر من قص بتشديد الصاد بمنى قطع أو قطع بالمقصين وكافة الفارسية مقلوبة عن القاف وهو كثير وقد تقلب القاف جيماً كما سيأتي. يضرب لعمل الشيء وكتمانه. ما تخلف النار إلا الرماد (ضبط الألفاظ) تخلف التاء مفتوحة بفتحةٍ خفيفة، اللام مشددة
الفاء ساكنة، النار، الراء ساكنة، رماد، الميم مفخمة. يضرب للخلف السوء الشريف الأصل الدني النفس الذي لا ينفع به كما ينتفع بأصله فهو والمثل العربي (خوق من السام بجيدٍ أو قص) يتوارد على مورد واحد إلا أن الظاهر أن المثل العامي مورداً. صحبتة على ركبتة (ضبط الألفاظ) صحبته الصاد مضمومة. الحاء مشتركة الحركة بين الضمة والفتحة، الباء ساكنة، التاء مفتوحة، الهاء ساكنة، والتاء مفتوحة، والهاء ساكنة. مورد هذا المثل كنائي المعنى وهو عدم دوام الصحبة وانتفاء لوازمها، وهي أمور تجب على المصاحبين كان يغار كل منهما على صاحبه ويعينه عند الشدة وينصره إذا استنصر، ويغيثه إذا استغاث، ويقف معه في الحياة بكل صفاته الحسنة الغيرية. فالصحبة اخوة أدبية تضاهي الاخوة المادية وقد تكون اشد منها. وهذا المعنى ظاهر من وضع الصحبة على الركبة. ضع شيئاً على ركبتك ثم قم فانه يسقط لا محالة. ففعلك هذا يفسر هذا المثل. وهذا المعنى بعينه موجود في المثل العربي (شر الناس من ملحه على ركبته) والمراد بالملح غير الغضب. قال ابن الحديد في شرح نهج البلاغة في الكناية ويقولون ملحه على ركبته أي يغضب لأدنى شيء قال الشاعر:
(وهو مسكين الدارمي في امرأته): لا تلمها إنها من نسوة ... ملحها موضوعة فوق الركب كشموس الخيل يبدو شغبها ... كلما قيل لها هاب وهب ويروي البيت (من عصبة) بدلاً (من نسوةٍ) فرد يد ما تصفك الفرد لغة نصف الزوج ومن لا نظير له وجمع الأول فراد والثاني أفراد وفرادى والعامة تارة تقول (فرد) وأخرى (فد) وتستعمل هذه الكلمة إذا أرادت عدم تعيين مدخولها وتنكيره فيقال (فرد رجل) أو (فد رجل) والمراد رجل ما، والظاهر أن استعمال هذه الكلمة في أمثال هذا التركيب بهذا المعنى مأخوذ من التركية فأنه كثيراً ما يقال (بركون) (بر آدم) والمراد يوم ما ورجل ما و (بر) معناها فرد وواحد ومن يحفظ التركية يعلم أن نظائر هذا التركيب كثيرة فيها. وسنطلق عليها بعد هذا لفظ (أداة التنكير) فانه لم يقصد بها إلا التنكير كما هو ظاهر. وقد تستعملها العامة للمبالغة في مدح مدخولها أو ذمه. والغالب استعمال (فد) في هذا المقام كما أن الغالب في الأول استعمال (فرد) وحينئذٍ تكون (فد) تصحيف فذ بالذال المعجمة. وأهل العراق لا يميزون بين الدال المهملة والمعجمة أو لا يكادون يفرقون بينهما وتكون القرينة حينئذٍ لتعيين إرادة
هذا المعنى حركة خصوصية في يد المتكلم وفي عضلات وجهه وكثيراً ما تعين العامة المعنى المراد من الجمل المحتملة لوجوه شتى بحركات الأيدي وتغيير السحن وهي إذا استعملتها بهذا المعنى فالغالب أن تلحقها بوصف يدل على ذلك. فيقول: (فد رجل عظيم) وفي هذا المثل يقال تارة: (فديد الخ) وأخرى (فرد يد الخ) وأحياناً (فد أيد) أو (فد يد) وإنما بسطت الكلام في هذه الكلمة لشيوع استعمالها. كيف تقوله العامة فرد: بفتح الفاء وسكون الراء والدال. يد: بكسر الياء وسكون الدال. تصفك: التاء ساكنة والصاد مفتوحة والفاء مشددة. والكاف (المثلثة الفارسية) ساكنة. وقد يقال: متصفك بفتح الميم وسكون التاء وحذف ألف ما. يضرب لعدم القدرة على العمل لفقدان أسبابه أو لقلة المساعدين على إبرازه إلى عالم التحقيق. الباقي للأتي النجف: (مرج) الدور الدور (بفتح الدال المهملة بلغة العوام وبضمها باللغة الفصحى والبعض منهم يقول الدر ويسميها اليوم بعضهم (قرية العلماء) هي بليدة مبنية على كهف ذي صخور وحجارة، وذلك الكهف يطل على دجلة ويناوح الغرب. ويبلغ طول القرية (800) متر في عرض (350) متراً تقريباً فتكون
مساحتها 280 كيلو متراً. يبلغ عدد بيوتها 150 وسكانها نحو آلفي رجل. وهم يقسمون إلى خمس عشائر وهي: الأولى: (عشيرة الشويخات) (بالتصغير) وهم من (الجبور) ويبلغ عدد رجالها 160، ورئيسهم اسعد الطه. والثانية: (عشيرة البوجمعة) ومقدار رجالها مائة وشيخهم عتوي الجدوع. والثالثة: (عشيرة البومدلل) وعددهم 60 رجلاً وزعيمهم عبد الله رشيد. والرابعة: (عشيرة المواشط ويزعم في سبب تسميتهم هذه انهم من نسل عجوزٍ كانت ماشطة لنساء الخلفاء العباسيين). ورجالها مائة وأربعون ورئيسهم محمد الملا خليل. والخامسة (البوحيدر) وهم عبارة عن 140 رجلاً وعميدهم احمد الشهاب. وبين هؤلاء الأعراب أجناب دخلاء لا يرجعون إلى عشيرة مسماة أو منسوبة. وكل هؤلاء الناس على مذهب الشافعي من مذاهب أهل السنة. وهم كثيرو التعصب وفيهم بعض الحنفية. - والرئاسة الكبرى فيها هي لأسعد الطه السابق الذكر. أما لغة أصحاب هذه القرية ففصيحة إلا انهم يلفظون الراء المهملة
غيناً معجمة كما يفعل أهل الموصل وتكريت ويهود بغداد ونصاراها. والظاهر أن هذه اللغة قديمة في دار السلام وما جاورها شمالاً وجنوباً فقد جاء في ترجمة عبيد الله بن محمد بن جرو على ما رواه ياقوت في معجم الأدباء ما هذا نقله: حكى بعض الأشياخ من أهل صناعة النحو: أن عضد الدولة الدليمي التمس من أبي على الفارسي إماماً يصلي به واقترح عليه أن يكون جامعاً إلى العلم بالقراءة العلم بالعربية. فقال: ما اعرف من قد اجتمعت فيه مطلوبات الملك إلا ابن جرو أحد أصحاب أبي علي، وهو أبو القاسم عبيد الله بن جرو الاسدي. فقال: أبعثه إلينا. فجاء به وصلى بعضد الدولة. فلما كان الغد وافى أبو علي وسأل الملك عنه. فقال: هو كما وصفت إلا انه لا يقيم الراء أي يجعلها غيناً كعادة البغداديين في الأغلب فقال: أبو علي لابن جرو ورآه كما قال عضد الدولة: لم لا تقيم الراء؟ فقال هي عادة للساني لا أستطيع تغييرها. . . . إلى آخر الرواية. فضلاً عن أن صاحب المزهر ذكر في 269: 1 أن جعل الراء غيناً لثغته معروفة عند العرب. وأبنية هذه البليدة بالحجارة والجص لا بالآجر أو الطين فقط أو باللبن والطين معاً واغلب أشغال رجالها مكاراة الدواب والبذرقة واتخاذ الاكلاك
والعبرات.
وأمام البلد على شفا الكهف قبة لمرقد الإمام محمد الدوري الذي يصحفه عوام في هذه البلدة في هذه الأيام فيقولون (محمد الدر) بضم الدال المهملة وتشديد الراء. قال عيسى القادري البندنيجي في كتابه جامع الأنوار: أن هذا الشيخ ينتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم وكان من أكابر مشايخ الأعاظم ذا إشارات غريبة وكرامات عجيبة، توفي في قرية الدور.) اهـ. ولا نعلم إذا كان هو المقصود من كلام ياقوت الحموي في معجمه معجم البلدان في مادة دور سامراء قال: (فمنها محمد بن فرخان بن روزبة أبو الطيب الدوري: حدث عن أبي خليفة (الجمحي وغيره) أحاديث منكرة، وروي عن الجنيد حكايات في التصوف). اهـ. وزاد في التاج: (مات قبل الثلثمائة، وقال الذهبي: قال الخطيب: غير ثقة.) ويزعم أهل الدور أن قرية سميت باسمه من قولهم: قرية الدر ثم مدوا الضم فقالوا الدور. وذلك تجنباً للالتباس من قولهم: (در) التركية ومعناها: قف. وهذا من سوء التأويل لجهلهم أن القرية موجودة بهذا الاسم قبل وجود الإمام المذكور. أما المحل المدفون فيه محمد الدوري فهو عبارة عن بهو مربع الأركان يبلغ طول كل ركن منه قراب 30 متراً وفي وسطه قبة معقودة بالجص والطاباق القديم مربعة الأركان من الأسفل. يبلغ طول كل ركن منها نحو 20 متراً. وتحتها مصطبة عليها شباك من الخشب كل ركن منها نحو 20 متراً. وتحتها مصطبة عليها شباك من الخشب يبلغ طوله ثلاثة أمتار وعرضه متراً وأربعين سنتيمتراً وارتفاعه
مترين. ولهذا الإمام زيارة يزورها أهل الدور في عصر كل خميس ويطلبون منه حاجاتهم وينذرون له النذور ويقربون القرابين وفي الدور خمسة مساجد أولها: الجامع الكبير ويزعمون انه من أبنية عمر بن عبد العزيز ولا اثر هناك من كتابة وغيرها يحقق زعمهم. أما اليوم فهو عبارة عن بهو كبير مسافة محيطه زهاء 150 متراً وقد سقط من حائطه شيء من طواره وفيه رواق معقود على ست دعائم ويبلغ ارتفاع حائطه 8 أمتار وفيه قبور أجداد آل مدلل منها: قبر الشيخ عبد العزيز والشيخ حمد وفيه منارة يبلغ سمكها عشرين متراً وفي أعلاها كتابة بارزة مخطوطة على البناء على شكل هندسي لم نهتد إلى قراءتها. والمسجد الثاني يعرف بجامع السادة وهو مسجد صغير قديم الوضع لا يعرف بانيه الأول ولما أخنى عليه الزمان جدده قبل أربع سنوات فخذ من الأعراب يعرف بالسادة وهم من سادة النعيم (وزان زبير) من عشيرة البو جمعة. فنسب إليهم. والثالث مسجد الشويخات وهو أيضاً قديم الوضع ولا يعرف بانيه. والرابع مسجد المواشط وهو اليوم خرب. والخامس جامع البو حيدر وهو قديم البناء أيضاً لا يعرف من عمره وقد خرب. وفي ظهر الدور تجاه الشرق على بعد عشر دقائق تل يعرف بتل البنات ولا نعرف من أمره شيئاً ووصاف البلدان لم يذكروه. ويبلغ محيطه قراب 300 متر وسمكه 20 متراً وفيه آثار انقباض. وفي شمال
غربي الدور على بعد 48 كيلومتراً نهر يعرف بنهر الحفر واقع في أرض تسمى بأرض نائفة. وفوقه بساعة ونصف حاو (هو بلسان العامة الوهدة بلسان العرب الفصحاء) يسمى الكلك. يمتد الحفر إلى مسافة 60 كيلومتراً ويصب في نهر الرصاصي
الجدول عندهم شاخة واللفظ من أصل أرمى معناها: سال وجرى) يسمى الحديد (كزبير) ولم نجد له ذكراً في كتب هذه البلاد. وفوقه بمسافة 12 كيلومتراً في فتحة جبل حمرين (أي شعب هذا الجبل) تل يعرف بتل الذهب. وهو على ضفة دجلة وقد أكل الماء نصفه. ويبلغ محيط الباقي منه نحو 130 متراً. وفوقه تجاه الشمال الشرقي على مسافة 60 كيلومتراً أو على بعد 50 كيلومتراً من غربي جبل حمرين في أرض الجبور تل يعرف عند أهل تلك الديار (بتل الماحوز) ينزله نحو مائة بيت من أعراب الجبور وهم أهل ماشية وأغنام وبيوتهم من الشعر. أما التل المذكور فيبلغ محيطه قراب 350 متراً وسمكه نحو 30 متراً. والظاهر من تسمية هذا التل بالماحوز انه كان هناك قصر جليل ولعله بني للأشراف على العدو وحركاته. فقد قال صاحب اللسان في مادة محز. . . . . . . . (أهل الشام يسمون المكان الذي بينهم وبين العدو وفيه أساميهم ومكاتبهم (ماحوزاً). وقيل: هو من حزت الشيء: أحرزته. وتكون الميم زائدة. قال ابن الأثير: قال الأزهري: لو كان منه لقليل محازناً ومحوزنا. قال: واحسبه بلغةٍ غير عربية.) اه. قلنا نحن: الماحوز لفظ كلداني أو سرياني (والأصح ارمي) معناه الحصن أو الحرز وأيضاً البليدة أو المدينة الصغيرة المسورة. وهم يشتقوها في لسانهم من مادة محز. والأصح أن يقال من مادة ح وز ثم تأصلت فيها الميم لكثرة استعمالها كما يقول العرب: تمذهب فلان
وهي من مادة ذهب. وعليه: فيكون (تل الماحوز) حرزاً حريزاً كان قد بنى على حدود ديار العدو للاطلاع على أعماله. أو لعله كان مدينة صغيرة دفنت تحت الأنقاض وهي هذا التل الذي يشاهد اليوم. على أن وجود اسم الماحوز بقرب الدور أو بقرب سامراء يدفع مستقري الآثار ومتتبعها إلى القول انه هو قصر الماحوزة المذكور في التاريخ والذي أسلفنا ذكره عن ياقوت الرومي في صدر المقالة لكنه ليس به على التحقيق، والذي يسوقنا إلى هذا القول هو ما قاله اليعقوبي في كتاب البلدان. . . (وارتفع البنيان (أي بنيان الجعفرية) في مقدار سنة، وجعلت الأسواق في موضع معتزل، وجعل كل مريعة وناحية سوقاً، وانتقل المتوكل إلى قصوره هذه من المدينة أول يوم من المحرم سنة 247 وأقام المتوكل نازلا في قصوره بالجعفرية تسعة أشهر وثلاثة أيام، وقتل لثلاث خلون من شوال سنة 247 في قصره الجعفري. واتصل البناء من الجعفرية إلى الموضع المعروف بالدور ثم الكرخ وسر من رأى، ماداً إلى الموضع الذي نزله ابنه أبو عبد الله المعتز بين شيءٍ من ذلك فضاء ولا فرج ولا موضع لا عمارة فيه فكان مقدار ذلك سبعة فراسخ.) اهـ. فإذا عرفنا أن المسافة بين الجعفرية وبين الموضع الذي ينزله المعتز، وهو آخر البناء شرقاً. هي سبعة فراسخ والمسافة بين تل الماحوز ومنزل المعتز زهاء 140 كيلو متراً يتبين للحال أن تل الماحوز ليس من قصور الجعفرية. أما الجعفرية فلا تكاد ترى لها اليوم أثراً يذكر، بل ولا تسمع
مغاصات اللؤلؤ
بشيء يدلك على آثرها، لأنها لم تبق عامرة بعد وفاة المتوكل ولا سكنها أحد بعده. قال اليعقوبي (وولى محمد المنتصر بن المتوكل (يعني بعد وفاة أبيه) فانتقل إلى سر من رأى، وأمر الناس جميعاً بالانتقال عن الماحوزة وان يهدموا المنازل ويملوا النقض إلى سر من رأى فانتقل الناس وحملوا نقض المنازل إلى سر من رأى وخربت قصور الجعفري ومساكنه وأسواقه في أسرع مدة وصار الموضع موحشاً لا أنيس به ولا ساكن فيه، والديار بلاقع كأنها لم تعرف ولم تسكن.) فهذا هو السبب الوحيد لإهمال ذكر الجعفرية وعفاء رسمها واندراس أثرها. - ويوجد اليوم في تكريت قوم يعرفون (بالجعافرة) والبعض يسميهم (بالجعفرية) وتظن جماعة من أهل العراق انهم بقية من بقايا أولئك القوم الذين نزلوا بالجعفرية أيام المتوكل وبقى هذا الاسم عليهم. - والحقيقة انهم ليسوا كما يظن بهم، بل هم من ولد رجل اسمه جعفر وقد انتسبوا إليه وهو جدهم الخامس. إلى هنا ينتهي ما كان في غربي سامراء من الإطلال الدوارس المعروفة الأسماء عند أهل تلك الديار. وهو فوق كل علم عليم. كاظم الدجيلي مغاصات اللؤلؤ إن برزخ بناما الواقع في العالم الجديد كان في حين من الزمان زاهراً
مملوءاً بالأصداف النفيسة حتى أن سفيل جلب في سنة واحدة كمية وافرة جداً من اللؤلؤ وكان بينها لآلئ حسنة ذات قيمة عظيمة قادرة الوجود ولكن واهاً على تلك الأراضي الجميلة المزدانة بأنواع الأشجار فقد أصبحت خراباً بعد أن كانت زاهية وذلك اثر ما آتاه فريق من بني البشر من التعديات الفظيعة على سكان تلك البقاع الضعفاء المساكين الذين كانوا يقاسون من الذل والهوان، ما تقشعر له الأبدان، وينفر من سماعه الإنسان. فكم هندي صار هدفاً لسهام المسيطرين الذين دوخوا تلك الربوع عندما اكتشفها كولمبس العظيم، وكم منهم لم يعط قوت يومه يطوي نهاره وليله صائماً خائر القوى، وكم منهم صار فريسة سائغة لكلاب الماء وتماسيحه المفترسة. وكم منهم ضربه سيده سياطاً ذلك السيد الفاقد المروءة والشهامة حتى مزقت لحمانه واسلت دماءه، وكم منهم انزل رغم انفه ليغطس في البحر ويستخرج الجواهر المدفونة في قعره فغاص مضطراً كارهاً ولم ير نور الشمس ثانية تخلصاً من العذابات الأليمة والقصاصات الشديدة، وكم منهم هرب ولم يوقف له على اثر، وكم منهم نجا بنفسه تاركاً وراءه عائلته المحبوبة تتضور جوعاً، وكم من الأطفال والنساء العاجزات لعبت بهم أيدي العبث والفناء. فشطوط اللؤلؤ تجردت هناك من أصدافها رحمةً بأولئك الأقوام النحسي الطالع وانتقاماً من ذوي المطامع الاشعبية الذين همهم الوحيد في هذه الدنيا جمع الأموال ولو سبب ذلك انقراض القبائل والشعوب
الضعيفة ودمار الأمصار العامرة وخرابها. ولحسن الحظ لم يحدث عندنا في الشرق ولا في غيره ما حدث عند إخواننا في العالم الجديد من الضغط والعبودية الجائرة، وعليه فمغاصات اللؤلؤ والمرجان لم تزل حتى يومنا هذا زاهية بالأصداف البديعة وهذه المغاصات هي في بحر هولاندا والمكسيك وشطوط اليابان والخليج الفارسي وجزيرة سيلان وقد وصف الأخيرة منها بلينوس الروماني العالم بالطبيعيات الذائع الصيت صاحب كتاب علم المواليد المشهور منذ آلفي سنة تقريباً بقوله (جزيرة ذات ذهب خالص ولآلئ لا نظير لها. جزيرة يغشاها النخل الذي لا يموت. جزيرة هي كالملكة جالسة على عرش المياه الساطعة بأشعة الشمس. جزيرة من غياضها تفوح رائحة القرفة الذكية ومن غاباتها تتضوع الأرجاء بشذا عبير أطيابها العطرية). إن أكبر مغاص للؤلؤ في جزيرة سيلان هو الشواطئ التي تبعد عنها نحو عشرين ميلا فيراها الإنسان مقفرة طول السنة إلا في شهري شباط وآذار فيوجد فيها من طلاب الكنوز النفيسة والجواهر الثمينة أقوام شتى مختلفة اللغات متباينو الدرجات قد آتوا من ممالك ومدن عديدة وجميعهم ساعون لغرض واحد وهو احتكار اللؤلؤ. فهناك التاجر والمسافر والكاتب والعامل والغواص الوطني الخ. أما كيفية استخراج اللؤلؤ هناك فهو عندما تجنح الشمس إلى مغاربها يطلق مدفع إشارة إلى إنزال القوارب في الماء ومباشرة العمل. وفي كل قارب
نحو عشرين رجلاً، عشرة منهم تجذف والعشرة الثانية تغطس متناوبة أما الغطس فلا يبدأ إلا حينما يقتنص بازي الضوء غراب الظلام. وفي اسفل كل زورق خمسة أحجار حمراء. وفي وسط كل منها ثقب فيه حبل متين فإذا غاص الغواص يضع قدمه اليمنى بثبات على الحجر ويتمسك بالحبل فيهبط حالاً إلى قعر البحر معه سلة أو كيس مربوط حول عنقه ثم يأخذ يجمع الأصداف التي حواليه بسرعة تحاكي وميض البرق بدون أن يلتفت يميناً أو شمالاً خوفاً من رؤية عدوه الأزرق. واعلم أن بعض الغواصين يبقون تحت سطح البحر دقيقة واحدة وآخرون دقيقتين وغيرهم ثلاث دقائق أو أربعاً أو خمساً الخ إلى أن تضيق بهم الحال فيحركون الحبل الذي بيدهم إشارة إلى أكتافهم بما لديهم والى ضيق ذرعهم فيسرع رفقائهم الذين في القارب إلى جذبهم إلى فوق. وكل من يبقى تحت الماء اكثر من اللازم يصاب غالبا بأنه في بدنه حتى أن اغلب الغواصين، ألم اقل كلهم، حينما يرفعون إلى وجه البحر يرعفون بل ربما تسيل الدماء من أفواههم وآذانهم ولكن قل من يفتكر منهم بهذه المسألة الخطرة. أما الذي يخيفهم ويفزعهم هو ذلك العدو الألد اعني به القرش أو الكوسج لا غير. هذا وكل من الغواصين يغوص في اليوم من أربعين إلى خمسين مرة تقريباً وإذا امتلأت القوارب يقفل أصحابها راجعين إلى الشواطئ حيث يفرغون الوسق ثم يستأنفون العمل على هذه الصورة يومياً إلى أن ينتهي فصل استخراج اللؤلؤ. أما استخراج اللؤلؤ في الكويت والبحرين وفي ثغور خليج فارس
فهو في كل سنةٍ يزداد ازدياداً باهراً وينمو نمواً عظيماً على ما ذكره عبد العزيز أفندي ابن احمد الرشيد البداح الكويتي وقد قال: (إن تعبه عظيم، ونصبه جسيم، وتقسم سفنه قسمين: قسم يكون صاحب السفينة هو الذي يعطي البحرية ما تحتاجون إليه من الدراهم ويكون إعطاؤها إياهم منجماً ومرتباً. وذلك قبل السفر وبعده: فما قبل السفر يسمى في اصطلاحهم سلفاً وما بعده تسقاماً. والغالب أن من اخذ بهذه الصفة تحسب عليه العشرة اثني عشر، فإذا أعطى صاحب السفينة للبحرية بهذه الصفة يكون له خمس قيمة اللؤلؤ ونصف الخمس لأجل السفينة. والنصف الآخر لأجل إعطاء الدراهم. والقسم الثاني أن يعطى صاحب السفينة سفينة لقوم يسافرون فيها ولا يعطيهم شيئاً من الدراهم فهذا القسم يكون لصاحب السفينة نصف خمس قيمة اللؤلؤ لأجل السفينة وهذا القسم قليل إذ الغالب هو القسم الأول. وأما من حيث البحرية فقسمان أيضاً قسم يباشرون استخراج اللؤلؤ بأنفسهم ويسمون هؤلاء في اصطلاحهم غاصة. وقسم يباشرون فيه الغوص على حساب غيرهم. وأما كيفية الغوص فأنواع: نوع يغوص الإنسان به بحجر في عنقه شبه الزبيل يجعل فيه الصدف المستخرج من البحر. ونوع يغوص الإنسان وفي رجله حجر فإذا وصل إلى الأرض نزعه من رجله ثم مضى لأجل الصدف وليس معه حبل. ثم إذا ضاق نفسه خرج، ونوع يغوص الإنسان وفي رجله حجر ومعه حبل فإذا وصل إلى الأرض نزع
باب المشارفة والانتقاد
الحجر من رجله ومضى ومعه الحبل وقد شد طرفه بالسفينة فيجره. والقسم الثاني أناس في السفينة يباشرون استخراج الأحجار التي تغوص فيها الغائصون ويباشرون أيضاً جر الغائصين في النوع الثالث وهؤلاء يسمون في اصطلاحهم (سيوب وارضفة) فالسيب له ثلثا الغائص والرضيف له نصف الغائص. وأما اللؤلؤ الحاصل في أيدي الغواصين فغالب المشترى له تجار أهل الكويت. فتارة يبيعونه في البحر وتارة يسافرون به للهند. ويبتدئ سفر الغواصين عند ابتداء دفء البحر ورجوعهم من السفر عند ابتداء برودته. فمدة أقامتهم في البحر أربعة أشهر إلا انهم في أثناء هذه المدة يمضون للميري أو القطيف أو دارى لأجل الراحة والقضاء بعض الحاجات ورواحهم. هذا في كل شهرٍ مرتين. فاستخراج اللؤلؤ من البحر هو الأصل الأصيل لأهل الكويت. والموضع الثاني الذي أريد أن ابحث عنه هو مغاص البحرين الواقع في خليج العجم فانه مشهور منذ الأزمنة العريقة في القدم وهو أكبر مغاص لؤلؤ في العالم على الإطلاق وقد قدر ما يستخرج منه سنوياً بربع مليون ليرة إسترلينية. رزوق عيسى باب المشارفة والانتقاد 1 - كتاب إرشاد الأريب، إلى معرفة الأديب، المعروف بمعجم الأدباء أو طبقات الأدباء لياقوت الرومي
وقد اعتنى بنسخه وتصحيحه د. س. مرجليوث، مطبعة هندية بالموسكى بمصر. الجزء الخامس كل منا يعلم ما الياقوت الرومي أو الحموي البغدادي من المنزلة الرفيعة في علوم العرب وبلادها وعلمائها ومشاهيرها. وله هذا السفر الجليل الذي لا يستغني عنه كاتب إذا أراد الوقوف على ماضي اللغة العربية ونوابغها وكتابها وتاريخها إلى آخر ما هناك مما يتصل بها. والكتاب حسن الكاغد والطبع. هذا فضلا عن أن متولي طبعه هو ذاك العلامة المستشرق الإنكليزي الشهير مرجليوث الذي لا يقوم بأمر إلا ويوفيه قسطه من الأحكام والإتقان. ونحن نتمنى لهذا الكتاب الأماني الآتية: 1 - إن وضع عند إتمامه وإكماله فهارس عامة للأعلام الواردة فيه ولو لم تدخل تحت الأبواب المصدرة بحروف المعجم، ونريد بها الأعلام الواردة في نص الكتاب وسياق التراجم المذكورة فيه. 2 - فهارس لأسماء الكتب الواردة ذكرها في مثاني التراجم. 3 - فهارس للبلدان والأبنية العامة والمدارس والمعاهد والمكاتب وما يدخل تحت هذا الباب. 4 - فهارس تذكر فيها الأعلام المترجمة في تضاعيف الكتاب بموجب شهرتها (كلقب الرجل أو كنيته أو اسم أبيه أو أمه أو نحوها) لا بموجب اسمه كما ورد في مثاني المعجم.
5 - لو كانت تطبع الأعلام المترجمة بحرف ممتاز عن النص لكان الأمر أهون مراساً للباحث أو المطالع واسهل وقوعاً للعين عليها. 6 - أن يفرد فهرس للألفاظ اللغوية التي ورد تفسيرها في المعجم حتى يتخذها الكاتب العصري عند الحاجة إليها. 7 - أن يجعل فهرس للقواعد اللغوية والنحوية التي وردت فيه. 8 - أن يعقد فهرس لتصحيح ما ورد من خطأ الطبع. فقد ورد في هذا الجزء الخامس في ص5 س13 زكياً والأصح ذكياً. - وفي ص7 س10 لأحد أصحاب والأصح أحد أصحاب. - وفي ص16 س8 قد جرد وأشتاط وغضب. والأصح واستشاط إذ لم يرد اشتاط بهذا المعنى أي ذوت نضرة الأدب. - وفي ص20 س10 وإدارة. والأصح: وأدرئه بإجلاس الهمزة على كرسي الباء. وفي تلك ص س18 وعزم غير مغلول. والأصوب هنا يقال غير مفلول بالفاء. وفي ص22 س6 فيبردها. والأصح. فيبرزها. وفي تلك ص س14 مهدبة والأصوب مهذبة. - وفي ص23 س2 يسموا والأصح يسمو إلى آخر ما ورد من هذا القبيل. ونحن نتمنى أن تتحقق هذه الأماني أو جلها لمنزلة المؤلف والناشر والله الموفق. 2 - كتاب غاية المراد، في الخيل الجياد. الخيل العراب من أشهر الخيل في الدنيا حتى أن سائر البلاد إذا
أرادت أن تصلح جيادها فلا تستغني من أن تستجلب لها فحولاً عراباً. وقد وضع العرب كتبا في وصف الخيل وكل ما يتعلق بها حتى أنها أدهشت العلماء في عصرنا هذا. وقد ألف صديقنا السيد رشيد أفندي ابن السيد داود السعدي رسالة سماها بالاسم الذي ذكرناه فويق هذا. وكان الأليق به أن يطلق عليه اسم الرسالة لأنها وقعت في 45 صفحة صغيرة لا غير إلا أنها مع صغر حجمها لا تخلو من فائدة. لان مؤلفها قد ذكر أسماء الخيل الجياد في العراق وأنحائه وفي نجد وجواره وذكر القبائل البدوية التي تربى مثل هذه الخيل في الديار المذكورة. إلا أننا نأخذ عليه نقصاً لا يمكننا السكوت عنه وهو خلو الرسالة من فهرس يطلعك بلمح البصر على محتوياتها بدون أن يتصفحها القارئ من الأول إلى الآخر. - ومما نأخذه عليه كتابة بعض الألفاظ فأنه يصور القاف البدوية كافاً عربية خالصة فكان الأصوب أن يكتبها قافاً صريحة أو كافاً منقوطة بثلاث فانه كتب مثلاً الصقلاوي: صكلاويا والمعنق (بتشديد النون) معنكاً (وكلاهما ص24) ومثلهما في ص25 فقد كتب بواق وطوقان: بواك طوكان. ومن هذا الباب كتابة الضاد ظاء أو بالعكس كقوله في ص30 الاضافر، والاصح: الأظافر ومثل هذا الخطأ كثير في هذه الرسالة الوجيزة وكذلك الأغلاط النحوية فعساها أن تصلح في الطبعة الثانية. 3 - عنوان المجد، في تاريخ نجد
(تأليف الإمام العالم العلامة بحر العلوم النقلية والعقلية الرحالة عثمان بن عبد الله بن بشر رحمه الله تعالى. - عنى بتصحيحه محمد بن عبد العزيز بن مانع النجدي ومدير جريدة الرياض سليمان الدخيل. الجزء الأول - الطبعة الأولى. طبع في مطبعة الشابندر في بغداد سنة 1328) نجد من البلاد العربية التي لا نعرف عنها إلا الشيء النزر. وهل من أمرٍ أشهر من مذهب الوهابيين، ومع ذلك فانك لا تجسد أناساً يعرفون أتم المعرفة ما يتعلق بأصل صاحب هذا المذهب ومنشأه والبلاد التي اختلف إليها. ولهذا كل كتاب أو رسالة أو مقالة تكتب في هذا المعنى تحل في القوم احسن محل لقلة ما اتصل إلينا منها ولا سيما إذا كان الكاتب ممن له اطلاع على تلك الأرجاء العربية البحتة. ومن ثم فإننا نرحب بهذا الكتاب كل الترحيب ونتمنى له الرواج والانتشار لان كاتبه ابن بشر الحنبلي (الوهابي) النجدي من اعلم الناس ببلاده وأقوامها ووقائعها. وقد صدر الواقفان على طبعه بترجمة مصنف الكتاب إلا انهما لم يتيسر لهما الحصول على سنة ولادته ووفاته. وهذا الكتاب سقيم الطبع كثير الأغلاط سيئ الورق لا يكاد القارئ يمسه بيده لقبح منظره غير أن محتوياته تهون هذا الخطب وتجرئ المطالع على تصفحه رغماً عن الاشمئزاز الذي يشعر به عند وقوعه بين يديه. فالأمل أن هذه الأمور تصلح في الطبعة الثانية أن شاء الله تعالى.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - أمراء العرب نمى إلى جريدة الرياض تفصيل المعركة التي جرت بين ابن الرشيد وبين عشيرة المنتفق التي آبت إلا ركوب مطايا العصيان والضلال وذلك على الصورة الآتية: ذهب ابن الرشيد إلى الخميسية للامتيار (وبلسان أهل البادية للمسابلة وبغبارة أخرى لمشتري ما يحتاج إليه من طعام وذخيرة ولباس للسنة كلها) فعارضته العشائر المعادية واجتمعت عليه من باب مدينة النجف (المعروفة أيضاً باسم المشهد أو مشهد علي) إلى باب مدينة البصرة. فلما رأى ذلك اخذ يراسل الحكومة والعشائر ليوقف أولي الأمر على الحقائق. أما العشائر فأعارته آذناً صماء لا بل طردت رسوله ومزقت كتابه وذكرت له أمراؤها لا يحق له أن يمتار من تلك الربوع وان يقفل عائداً إلى جبله، وقد وافقهم على هذا الكلام جميع تلك العشائر وهي: الزياد (كشداد) والضفير (وزان الضغير)، وبنو حكيم (وزان زبير وتلفظ الكاف جيماً مثلثة فارسية ويسمون أيضاً بنو حكام كشداد وتلفظ الكاف أيضاً جيماً مثلثة فارسية)، والبدور (كأنها جمع بدر)، والغزى (كغزى)، والخزاعل، والحسينات (مصغرة مجموعة)، وغيرها. وكلها من القبائل الغازية للأمير ولأمواله وسوائمه أينما وجدت. فالح الأمير عليهم أن يعدلوا عن مساوئهم وان يسيروا في سبيل
الصلاح والإصلاح، بل زادوا طغياناً وضلالاً. فلما رأى الأمير أن لا أمل في ما سعى انقض عليهم ولا انقضاض العقاب الكاسر ففل شباتهم وهزمهم شر هزيمة، واخذ منهم شيئاً كثيراً من أسلحتهم وأموالهم وعددهم وكبل بالقيود ثلاثة من شيوخ الضفير وآخذهم معه. فعسى الرعوي تعقب البلوى. 2 - طاعة العشائر كتب إلى الرياض ما ملخصه: لما رأت عشيرة البدور ما أوقعه ابن الرشيد بعشائر الضفير سلمت إلى الحكومة ما كان عليها من متأخر البأج (الكودة) وهو عبارة عن عشرة آلاف راس غنم. وكذلك فعلت عشيرة (أبي عظم). أما عشيرة البو شرف الحكام فأنها أظهرت من المقاومة ما سبب تلف أملاكها. ولهذا داخل الرعب قلوب عصاة العشائر ومن ثم أصبح رجوعهم إلى المسالة والأمن قريب الوقوع. والفضل في ذلك كله راجع إلى حضرة متصرف الناصرية فريد بك الذي يفرغ كل وسعه لتامين لواء المنتفق. 3 - انقضاض صاعقة وغرابة فتكها نهار الأحد 7 نيسان انقضت صاعقة على الحسينية العائدة إلى قضاء كوت الأمارة فأصابت امرأة اسمها (مرزة) زوجة (ذئب) فأماتتها للحال حرقا، وأصابت فتاة أيضاً لكنها في قيد الحياة. 4 - مبعوثو العراق انجلى الانتخاب في البصرة عن المبعوثين الآتية أسماؤهم وهم:
حضرة السيد طالب بك النقيب وقد أعيد انتخابه للمرة الثانية، وعبد الله بك الزهير صاحب جريدة الدستور، وحضرة عبد الوهاب باشا القرطاس، واحمد أفندي رئيس محكمة الجزاء. وانتخب فؤاد أفندي الدفتري البغدادي ونوري أفندي راس كتاب القسم التركي في جريدة الزهور البغدادية نائبين عن كربلاء. وعين إسماعيل حقي بك البابان المبعوث عن بغداد سابقاً نائباً عن لواء الديوانية. وانتخب مبعوثاً عن لواء المنتفق جميل صدقي أفندي الزهاوي. وأما مبعوثو بغداد فهم (مراد بك شقيق ناظر الحربية محمود شوكت باشا، والسيد عبد القادر محيي الدين أفندي الكيلاني، وفؤاد أفندي مدير الأملاك المدورة، وساسون أفندي وقد انتخب عن بغداد للمرة الثانية. والمبعوثان اللذان عينا للعمارة هما عبد الرزاق منبر أفندي ومجيد بك.) 5 - مصرف إنكليزي قدم في أوائل هذا الشهر رجال إنكليز ليؤسسوا في حاضرتنا مصرفاً (بنكاً)، ولا نعلم إذا كانوا ينجحون في سعيهم في مثل هذا الأوان، وعلى كل حالٍ فقد فتحوه واخذ المتوظفون بالعمل. 6 - مدرسة الوطن تم في ليلة الأحد 31 آذار الماضي احتفال فتح (مدرسة الوطن) التي أسسها يهود بغداد للطلبة الذين يريدون أن يدرسوا العلوم واللغات
بعد غروب الشمس، وقد حضر الحفلة والى ولاية بغداد وقائد الفيلق محمد علي رضا باشا الركابي وجم غفير من وجهاء البلدة من جميع الملل والطوائف. 7 - مجتهدوا النجف زايل بغداد مجتهدوا النجف وعادوا إلى مقرهم فاستقبلهم الاهلون استقبالاً حافلاً 8 - الطاعون في أبي شهر (بوشير) يظهر أن الطاعون قد توطن أبا شهر فهو في كل سنة يظهر في نيسان وآذار ويخف في أيار ويزول في حزيران. وعدد الوفيات يختلف بين 25 و30 في اليوم الواحد، وهو مما يدل على انه اثقل وطأة من السنة الماضية وقد هجر المدينة عشرة آلاف نفس واتأد سير التجارة فيها. 9 - ابن الرشيد وعنزة في أوائل هذا الشهر مثل ابن الرشيد بعشيرة عنزة شر تمثيل فغنم منهم ألوفاً من الخيل والإبل والشاء والأمتعة كانوا غزوها من قبيلة شمر فصادهم في الطريق فسلبهم إياها ورجعوا إلى ربوعهم خاسرين. 10 - الحر في بغداد تردد الحر من أوائل نيسان إلى الأسبوع الثالث منه بين 35و36 درجة من المقياس المئوي وهو غريب في مثل هذا الأوان. فكيف يكون حر صيفنا هذه السنة.
11 - عجيمي بك السعدون مع الضفير والبدور لم ينس عجيمي بك ما فعله أعداء أبيه في السنة المنصرمة. فتوفز للقتال بان ذهب إلى ابن الرشيد وتزوج ابنته فأمده حموه بجيش من شجعان الفرسان المقاتلين. ثم انظم إليهم أيضاً بنو خيقان (أو خيكان) ومن جاورهم من أعراب تلك الربوع وهجموا هجمة واحدة على الضفير والبدور فكانت الواقعة من اشد الوقائع هولا خذل فيها أهل العث والفساد وهم الضفير والبدور وكان الفوز للمؤدبين عجيمي السعدون ومن كان معه. وكانت خسائر النفوس كثيرة ومثلها خسائر الأموال والخيل والإبل ومن بعد هذا سار مزيد باشا السعدون لمساعدة عجيمي بك فعبر الفرات بأهله وعشائره وخيله ورجله وانضم إلى الشيخين أيضاً عبد الله بك ابن فالح باشا السعدون فأصبحوا سدا منيعا في وجه أعدائهم. ولعل الأعداء إذا رأوا هذه القوة العظيمة اخلدوا إلى الطاعة والسلام واهتموا بما فيه خير الأيام. 12 - كلية الكويت تم بناء قسم منها ووقف لها الشيخ مبارك الصباح خمسين حانوتاً ما عدا ما جاد به عليها من النعم والآلاء. 13 - مفتش العراق عين جلال بك متصرف كربلاء سابقاً ووالي ولاية البصرة مفتشاً عاماً لإصلاح العراق. 14 - إصلاح الخالص
قضي على ستة آلاف فدان من أراضي الخالص الغنية التربة القوية الإنبات أن تكون قاعاً صفصقاً كأن لم تكن بالأمس أنباراً للعراق وسائر الأفاق وقد ذهب بفنائها عدة قرى وضيع وبساتين وسببها سدة العويجة. فهل من يفكر في إعادتها إلى حالتها الأولى إرجاع الغنى إلى مجاريه في تلك الربوع؟ 15 - خزعل خان أمير المحمرة انتصر سمو معز السلطانة السردار الأرفع خزعل خان على مناوئيه عشائر البختارية وقد طلبت منه الصلح والأمن. فعسى أن يرعرعوا. 16 - حريق في خان النفط في بغداد في الساعة الثامنة من ليلة الأحد الواقع في 12 أيار شبت النار في خان الزيت الحجري والمواد الملتهبة الزيتية في محلة العوينة فدام الحريق 160 ساعة إلا انه لم يتجاوز الخان. وخسر التجار أربعة عشر ألف صندوق فيها زيت حجري (كاز أو نفط) وبنزين وثقاب (شخاطات) ولم يصب أحد من الناس بشيء لكن احترق في تلك النار أربعة حمير. وتقدر الخسائر بأكثر من خمسة آلاف ليرة عثمانية. 17 - ريح عاصفة في 14 أيار هبت ريح صرصر قبيل غروب الشمس بساعتين وذرت من الغبار شيئاً لا يقدر فاستحوذ الفزع على الناس وأضرموا المناوير والمصابيح إلا أن هذه الحالة لم تدم سوى نصف ساعة فسرى عن قلوبهم.
مفردات عوام العراق
18 - حريق في البصرة نمى إلى الرياض أن النار استعرت في المحل الألماني (محل روبرت فان كاوز وشركائه الواقع على سيف البصرة) فكانت المحترقات شيئاً من الصوف والعفص والجلود بما قدره 14 ألف ليرة عثمانية وقد التهمت أيضاً منزل الحيدر أبادية الراكب نهر العشائر والخسائر مجهولة. 19 - حريق في المعامل العسكرية في الساعة العشرة من صباح الجمعة 31 أيار ظهرت النار في الغرفة العليا من المعامل العسكرية فالتهمت مخزن الصوف وآلة النقش وتنظيفه ونسجه ولما درى بنشوبها أسرع الجند إلى إيقاف سير ضررها فأخمدوا أنفاسها وحصروا فتكها في العلية التي ظهرت فيها بعد أن هدموا ما حواليها، ولم يقع ضرر في الأنفس، وتقدر الخسائر بألفي ليرة عثمانية ومنهم من يقول بأكثر من ذلك. مفردات عوام العراق أخوند فارسية، معناها قارئ كبير أو معلم عظيم. وقد أخذت بعض الجرائد المحلية تستعملها. ولا بأس من استعمالها لكثرة شيوعها على السنة العوام والخواص. وهذه اللفظة تختص بنفر من علماء الجعفرية. وهم أولئك الذين يتعاطون الأمور الدينية والمسائل الشرعية ويرادفها في العربية الفقيه والمجتهد.
آذار الشهر الثالث من السنة المسيحية وهو 31 يوماً وصوابه أن يكتب اذار أو آذار بالذال المعجمة. إدريس كلمة إفرنجية الأصل وهي بإنكليزية وبالفرنسية وعربيتها العنوان. ادمجيل (تركية) معناها وحشي أو غير أنيس وهي تطلق على من كان غريباً في زيه وحديثه وأطواره لا يحب المخالطة والمعاشرة ولا يميل إلى الصحبة والألفية ويرادفها في العربية الطوراني والطوري وهو الوحشي من الطير والناس ومثلهما الوحشي والمتوحش. ادمي (عربية عبرانية) نسبة إلى آدم وآدم معناها الأحمر أو الترابي والجمع أوادم والعامة تتوسع في استعمالها وان كان معناها الأصلي هو الإنسان وقد استعملها ابن خلدون مراراً عديدة في تاريخه بهذا المعنى وجمعها على آدميين. والعامة تستعمل اللفظة تارة بمقام السخرية والازدراء وطوراً بمقام المدح والإطراء، فإذا قال أحدهم مثلا كأنه ادمي كان المراد من كلامه التهكم والاستهزاء بالرجل لتكبره وتصلفه وادعائه الطويل العريض. وإذا قال أن زيداً صار ادمياً كان المقصود منه انه نال منزلة رفيعة وأصبح غنياً ومشهوراً بعد أن كان ذليلاً فقيراً خاملاً وإذا قال أن عمراً ادمي ابن أوادم أو فيه رائحة أوادم كان المعنى انه نجيب شهم لين العريكة دمث الأخلاق متنور العقل والذهن. (رزوق عيسى)
العدد 13
العدد 13 - بتاريخ: 01 - 06 - 1912 سنتنا الثانية قد بلغنا، بحوله تعالى، السنة الثانية من مجلتنا؛ وقد رأينا من حسن التفات العلماء إلينا على اختلاف مذاهبهم وديارهم، ما يدفعنا إلى إتمام ما بدأنا به؛ ومن يطالع أعداد مجلتنا من أولها إلى آخرها، يرى أننا لم نبتعد عن الخطة التي اختططناها لأنفسنا ولو قيد ذرة. وهنا نشكر جميع الذين شجعونا بكتاباتهم الخصوصية والعمومية، أن كانوا من أصحاب المجلات والجرائد، وأن كانوا من أرباب العلم والقلم. كما أننا لا ننسى المستشرقين الذين جادوا علينا بهداياهم وتاَليفهم، وبادلونا بمجلاتهم مع صغر مجلتنا هذه وحداثة نشأتها. وما ذلك إلا لحسن أعراقهم، وطيب عنصرهم، وعظم فضلهم، إذ لا يعرف الفضل إلا ذووه. وكنا قد تهيأنا لترقية هذا الديوان، واتخذنا الوسائل اللازمة للبلوغ إلى غايتنا، منذ نصف السنة الأولى؛ فكتبنا إلى باريس لنجلب منها كاغداً حسنا كبير الحجم وصوراً وغير ذلك، فلم نفز بأمنيتنا. لأن بغداد في أقصى ديار الله. على أننا لا نيأس من التقدم والترقي، ولا سيما إذا ساعدنا الأصدقاء بايدهم، والكتاب ببنات أفكارهم، والقراء بالإقبال على مطالعة ما يقدم لهم. وهانحن ننتظر منه تعالى تحقيق هذه الأماني. (ومن يتوكل على الله فأن الله عزيز حكيم.)
العراق
العراق 1 - مقدمة تمهيدية عن العراق كثر الباحثون عن العراق وحالته الاجتماعية والسياسية والأدبية، وعن الحركة الفكرية التي ظهرت في أهاليه، وعن عادات قطانه وأخلاقهم وعاداتهم، وملئوا بكتاباتهم صفحات الصحف الكبيرة والمجلات الراقية؛ إلا أن أبحاثهم لم تكن وافية، ليتمكن القارئ بواسطتها من أن يقف على أحواله تماماً، إذ أن بعض أولئك الكتاب من هم ليسوا من أهل البلاد، فإذا كتبوا ما رأوه بأعينهم، دونوه عن غير بحث وتنقيب وإيغال، لعدم اطلاعهم تمام الاطلاع على ما عليه السكان من العادات والاخلاق، وما جبلوا عليه من الخصال، وما اتصفوا به من الأوصاف الجميلة، والمناقب الحميدة. وبعضهم من أهل البلاد، إلا انهم، ويا للأسف! قليلو البضاعة والتنقيب؛ وبما أني منذ أن مارست الكتابة أخذت أفتش وأنقب عن حالة العراق الاجتماعية وما بلغ إليه هذا الصقع من العمران والتقدم والترقي، أظنني أني وقفت على أشياء لم يعثر عليها غيري؛ وقد كتبت ما شاهدته ورأيته وعلمته وتوصلت إليه في عدة مقالات متسلسلة نشرتها في أكبر جرائد سورية كالمقتبس وغيرها، وبعض جرائد بغداد، بينت فيها بأجلى وضوح، حالة العراق العلمية والزراعية والاجتماعية والإدارية والسياسية، وقد رفعت بها الستار عن سياسة الأجانب في العراق، وما يرمون إليه بسياستهم فيه؛ وقد طلب مني من لا يسعني مخالفته، أن ارصد مقالة تضم شتات تلك الفوائد إلى فوائد أخرى جمعتها في أثناء أبحاثي المختلفة، وأن انشرها في إحدى المجلات البغدادية ليطلع عليها الجمهور، فأجبت طلبه، وقد شمرت عن ساعد الجهد للخوض في بحر هذا الموضوع، فعسانا أن نتوصل به إلى الغاية المطلوبة، وهي إسعاد هذه الأمة ورقيها. إن ربك على كل شيءٍ قدير. 2 - نظرة في هبة العراق أننا لا نريد أن نذكر هنا عن العراق ما قد أثبتته التواريخ إثبات الشمس في رابعة النهار فعلمه الخاص والعام، بل الكبار والصغار، واجمع عليه علماء
الاجتماع؛ بل الذي أريد أن اعرضه على قراء (لغة العرب) هو ما أشرت إليه في صدر هذه المقالة ولمحت إليه في كلامي عن هيت (راجع لغة العرب 249: 1) 3 - حالة العراق الاجتماعية الحاضرة إن صدري، وربك، ليضيق؛ بل ويقف قلمي عندما أريد أن أخوض في هذا الموضوع، لألم بحالة العراق العلمية والاجتماعية الحاضرة، وما قضى به عليها الدهر الخؤون، والطالع التعس، من التقهقر والتأخر وتبديل الحال بما هو اتعس منها من ذل، وجهل، وفقر، وفقد رجال علم وعمل. فقد اصبح الوطن بين جاذب ودافع وعامل لخرابه وجاهل بإصلاحه وضارٍ له غير نافع إياه. اللهم إلا في هذا العهد الجديد الذي تغيرت فيه الأحوال. ولا ادري ما السبب لهذا التأخر؟ إلا أن النواميس الطبيعية التي وضعها الحكيم، جل وعلا، هي أقوى دليل على إثبات الأسباب؛ فقد قضى ربك أن يكون لكل شيء ناموس طبيعي يجذبه إلى العلو، ويرفعه إلى فوق، وإذا فسد مجراه، عاد إلى الوراء أو هوى إلى تحت. وقد كانت هذه البلاد لما كان القائمون بها رجالاً يسيرون بها على مقتضى القانون والحكمة التي وضعها الله، سبباً لرقي الأمة: منبع الحكمة، وكعبة العلم، وأم المدنية، وعروس الحضارة والتقدم، في العلم والأدب والصناعة والزراعة والتجارة والحكمة والفلسفة والهندسة والطب وغير ذلك. فنبغ في ذلك الأوان أولئك الرجال الكبار الذين كانوا السبب الأعظم في كشف كثير من الأسرار الغامضة في عالم الطبيعة. ذلك ولما كانت العربية تتجلى عصرئذٍ في وطننا بأجلى محاسنها، وأبهى مناظرها، وكان إذ ذاك قائد الأمة واحداً، وهو التعاون على حفظ كيان الدين والوطن والاتحاد، وعلى السعي للحصول على السعادة المقدسة الدائمة، بلغت هذه الديار أقصى غايةٍ من الحضارة والعمران. أما اليوم وقد بدل من على هذه الأرض، وتغيرت تلك الأحوال، وطمست الآثار، وتهدمت صروح العلم، وسلط ربك على هذه البلاد الغرق،
والحرق، والطاعون، والتفرقة، غدت العربية تندب رجالها، وتبكي المنازل أبطالها، والمدارس طلابها، وأمست إلى ما تراه، أي لا تجد من الناس إلا القليل ممن يعرف تاريخ بلاده، وحياة آبائه، أو يحسن النطق بلغته. وهل بعد هذا الهوان العظيم هوان اعظم وادهم؟! وكلما سرحت طرفي في تاريخ هذه البلاد، وأخذت أفتش عن تلك المعاهد والمنتديات، وتلك المدارس والكليات، وتلك المعالم والمستشفيات، لا أجد فيها إلا آثاراً قائمة على جرفٍ هارٍ، كالمستنصرية، وقد اصبح قسم منها داراً للمكس، وآخر مطبخاً للآكلين، وشطراً منه مشرب قهوة للبطالين وأهل الفراغ. فيا لخجل العراق والعراقيين! وكلما أردت أن أرى رجالاً مثل الفارابي، وابن سينا، والبغدادي، لا يقع نظري إلا على أناس أفذاذ شغلتهم الحياة الدنيا عن السعي مثل ما سعى إليه أولئك الرجال، ولا أرى إلا مظاهر جلها البلاء الأكبر على البلاد، والعباد. 4 - حدود العراق وقسماه اختلفت حدود العراق باختلاف الأعصر والدول. قال ياقوت في معجم البلدان: (قال بعضهم: العراق هو السواد. . . وذهب آخرون في ما ذكر المدائني فقالوا: حده حفر أبي موسى من نجد، وما سفل عن ذلك يقال له العراق. وقال قوم: العراق: الطور والجزيرة والعبر. والطور ما بين ساتيدما (والمراد بساتيدما هنا جبل حمرين) إلى دجلة والفرات. وقال ابن عياش: البحرين من أرض العراق. وقال المدائني: عمل العراق من هيت إلى الصين والسند والهند والري وخراسان وسجستان وطبرستان إلى الديلم والجبال. قال: واصبهان سنة العراق. وإنما قالوا ذلك لأن هذا الكلام كان في أيام بني أمية يليه والى العراق لا أنه منه. والعراق هي بابل فقط كما تقدم.) اهـ ومهما يكن من أرف العراق سابقاً، فحدوده اليوم هي: الجزيرة في الشمال وخليج فارس في الجنوب، وجبال لورستان وبعض خوزستان وشيء من عربستان
ودورقستان في الشرق، وبادية الشام أو الحماد في الغرب. ويقسم العراق اليوم قسمين وكل قسم منهما عبارة عن ولاية قائمة بنفسها وهما: ولاية بغداد، وولاية البصرة. وكلتاهما كبيرة تحتوي على عدة ألوية وكثير من الأقضية، وألوف من القرى والنواحي. ولهاتين الولايتين شان عظيم في التاريخ سنأتي بذكره بحوله تعالى. 5 - اصل اسم العراق ومعناه وأقوال العلماء فيه. ذهب العلماء مذاهب شتى في حقيقة هذا الاسم وأصله ومعناه. قال ياقوت سميت العراق بذلك من عراق القربة، وهو الخرز المثنى الذي في أسفله، أي إنها اسفل أرض العرب. وقال أبو القاسم الزجاجي: قال ابن الأعرابي: سمي عراقاً لأنه سفل عن نجد ودنا من البحر. اخذ من عراق القربة وهو الخرز الذي في أسفلها. وانشد: (تكشري مثل عراق الشنة) وانشد أيضاً: لما رأينا دردرى وسنى ... وجبهتي مثل عراق الشن متن عليهن ومتن مني قال ولا يكون عراقها إلا أسفلها من قربة أو مزادة. قال: وقال غيره: العراق في كلامهم الطير. قالوا وهو جمع عرقة، والعرقة ضرب من الطير. ويقال أيضاً العراق جمع عرق. وقال قطرب: إنما سمي العراق عراقاً لأنه دنا من البحر. وفيه سباخ وشجر يقال استعرقت ابلهم، إذا أتت ذلك الموضع وقال الخليل: العراق شاطئ البحر وسمي العراق عراقاً لأنه على شاطئ دجلة والفرات مداً، حتى يتصل بالبحر على طوله، قال: وهو مشبه بعراق القربة، وهو الذي يثنى منها فتخرز. وقال الأصمعي: هو معرب عن إيران شهر، وفيه بعد عن لفظه، وأن كانت العرب قد تتغلغل في التعريب بما هو مثل ذلك، ويقال: بل هو مأخوذ من عروق الشجر. والعراق من منابت الشجر فكأنه جمع عرق. وقال شمر: قال أبو عمرو: سميت العراق عراقاً لقربها من البحر قال: وأهل الحجاز يسمون ما كان قريباً من البحر عراقاً. . . وقال حمزة: الساحل بالفارسية اسمه أيراه، ولذلك سموا كورة اردشير خرة، من أرض فارس، ايراهستان لقربها من البحر فعربت العرب لفظ أيراه بإلحاق القاف فقالوا:
أيراق. وقال حمزة في الموازنة: وواسطة مملكة الفرس العراق، والعراق تعريب أيرأف بالفاء. ومعناه مغيض الماء وحدور الماء. وذلك أن دجلة والفرات وتأمرا تنصيب من نواحي أرمينية وبندٍ من بنود الروم إلى أرض العراق وبها يقر قرارها فتسقى بقاعها وكان دار الملك من أرض العراق إحداهما عبر دجلة، والأخرى عبر الفرات، وهما بافيل وطوسفون، فعرب بافيل على بابل وعلى بابلون أيضاً، وطوسفون على طيسفون وطيسفونج. وقيل سميت بذلك لاستواء أرضها حين خلت من جبال تعلو وأودية تنخفض. والعراق: الاستواء كما في كلامهم قال الشاعر: سقتم إلى الحق معاً وساقوا ... سياق من ليس له عراق أي استواء.) إلى هنا كلام ياقوت. وأصدق هذه الأقوال وأوفقها للحقيقة: إن العراق هو تعريب (أيراه) وعليه إجماع العلماء من وطنيين وأجانب. وهو رأينا ايضاً، وصحته ظاهرة من مناسبة الاسم للمسمى كما هو بين لأدنى تأمل. 6 - أديم العراق وهواؤه وتأثيره على سكانه العراق اعدل أرض الله هواء وأصحها مزاجا وماءً. . . وليس بالعراق مشاتٍ كمشاتي الجبال، ولا مصيف كمصيف عمان، ولا صواعق كصواعق تهامة، ولا دمامل كدمامل الجزيرة، ولا جرب كجرب الزنج، ولا طواعين كطواعين الشام، ولا طحال كطحال البحرين، ولا حمى كحمى خيبر، ولا كزلازل سيراف ولا كحرارات الأهواز، ولا كأفاعي سجستان، وثعابين مصر، وعقارب نصيبين، ولا يتلون هواؤها تلون هواء مصر، وهو الهواء الذي لم يجعل الله فيه في أرزاق أهله نصيباً من الرحمة التي نشرها الله بين عباده وبلاده حتى ضارع في ذلك عدن أبين. (ياقوت) والحر والبرد شديدان في العراق ولكنهما في اغلب الأحايين يابسان. وقد رأينا الشتاء اشتد، حتى نزل ميزان الحرارة إلى 8 درجات تحت الصفر في المدن. و16 درجة في البرية، فقتل مئات من الناس والحيوان والنبات في ليلة واحدة. ويشتد الحر في كل سنة حتى يبلغ 48 درجة في الظل، وكان قبل 25 سنة يبلغ 50
درجة. على أنه يحتمل بعض الاحتمال إذا كان يابساً، والهواء غربياً أو شمالياً؛ أما إذا كان شرقياً فتضيق الأنفس وتحرج الصدور ويشتهى السكان سكنى القبور. وفي جنوبي العراق، يقتل الحر كل سنة عدة أُناس بأمراض تتولد من حماوة القيظ. وقد لاحظ بعضهم أن بين مناخ العراق ومناخ يعقوب آباد وبشاور (من ديار الهند العالية) مشابهة عظيمة. قال السر وليم ولكوكس: (أن حالة الهواء القصوى في نهار أيام الربيع تختلف بين 2، 23 درجة في ت2 إلى 4، 15 درجة في كانون الثاني؛ ثم ترتفع رويداً رويدا حتى تبلغ 7، 28 في نيسان. ومتوسط حالة الهواء. في يعقوب آباد في مثل تلك الأيام وتلك الساعات هو: 1، 23 في كانون الثاني و5، 17 درجة في بشاور في ذلك الشهر. وعليه فتكون حالة الهواء في بغداد أدنى بكثير في قلب الشتاء منها في الأصقاع الواقعة في ديار الهند العليا وعلى ذلك الخط عرضاً. ولعل ذلك ناتج من تراكم الثلوج البعيدة الأكناف التي تكسو الديار في الشمال الشرقي من العراق، أي بلاد كردستان وأرمنية. وحالة الهواء في الليل تنزل في كانون الثاني إلى الدرجة 2، 4 في بغداد. وفي الهند العليا تكون الدرجة الدنيا في شهر كانون الأول فإنها تنزل إلى الدرجة 9، 3 في بشاور و6، 4 في لاهور و3، 6 في يعقوب آباد. ومن ثم تكون حالة الهواء في بغداد أوطأ مما هي عليه في سائر مدن الهند العليا إذا كانت على خط ارتفاع بغداد أو أعلى منها بقليل.) 7 - الضغط الجوي أعلى ضغط جوي في بغداد يقع في شهر كانون الأول فيبلغ متوسطه 768 مليمتراً وينزل قليلاً جداً في شهري كانون الثاني وشباط. ثم بعد ذلك يهوى سريعاً إلى شهر تموز فيكون 753 مليمتراً تقريباً. ثم يصعد صعوداً متئداً في آب، وبعد ذلك يصعد صعوداً وحياً متواصلاً إلى شهر كانون الأول. ومحيان الدرجة العليا والسفلى يكون في مثل ذينك الشهرين في ديار الهند الشمالية أي في شهري كانون الأول وتموز. وتكون فسحة التراوح السنوي 16 مليمتراً وهي
أعلى بقليل في بشاور (15 درجة) منها في لاهور (14 درجة) وهي أدنى بقليل في يعقوب آباد (5، 16 درجة). وفي أيام الشتاء توجد بغداد (وهي معدودة من المدن المتصدرة شرقي العراق) قريبة من محور خطٍ منحنٍ وهمي عالي الضغط أو مقاوم للرياح الزعازع يمتد من آسيا الوسطى إلى بحر الروم. وعلى طول هذا المحور يزداد الضغط في كانون الأول وكانون الثاني وشباط من نحو 762 مليمتراً، في غربي بحر الروم، إلى نحو 763 مليمتراً في صقع متوسط قريب من بحيرة بيكال. هذا وفي أبان الحر اليابس تعد بغداد داخلة في الخط المنحني، خط ضغط قارة آسية الجنوبية، وهو الموطن الممتاز كل الامتياز من هذا الصقع في أوان البرشكال (1) الجنوبي الغربي. والصقع المتوسط يمتد من ساحل جزيرة العرب الشمالي الشرقي (أي عمان) إلى الجنوب الغربي من بنجاب، وصورته خط متشابه الامتداد أو يكاد، وهو يكون 748 مليمتراً في حزيران، و747 في تموز، و749 في آب، وهو خط يكاد لا يتغير عن موضعه في هذه الأشهر. وعليه فيكون الضغط الهوائي في وادي الفراتين طول السنة أوطأ مما هو عليه في تلك البلاد الهندية. ومتوسطها لا يتغير تغيراً عظيما في مدة أشهر السنة (معرب عن ويلكوكس) 8 - السحب في العراق إن مقدار السحب التي تبرقع وجه سماء العراق نزر جداً في مدة السنة. وهي لا تكاد تكون شيئاً، في أوان القيظ ولا تبلغ ألا 5، 0 (والسماء إذا تغشت كلها تبلغ 10) وفي أبان الرطوبة تبلغ 8، 1 في كانون الاول، و 7، 2 في كانون الثاني وشباط. والغيوم في هذا الفصل هي اقل مما هي عليه في مثل هذا الفصل في ديار الهند العالية، وأن كانت عللها واحدة على ما يظن، أي نشؤ أو تقرب هبوط عظيم، لكنه واطئ، أو بعبارة أخرى، اضطراب الجو في فصل الصيف. وهذه الانقلابات تنشأ في اغلب الأحيان في فارس، وتولد سحباً جمة
ابنة اليوم وحقيقتها وأسماؤها
في فارس نفسها وفي بلاد البلوص (بلوجستان) وأفغانستان وفي ربوع الهند الشمالية. وتعد بغداد من البلاد الداخلة في الصقع الغربي التي تقل سحبه غاية القلة. (عن وليم ولكوكس) 9 - المطر ثخن مقدار الماء الممطور في السنة 212 مليمتراً، منه 203 راجع إلى مطر الشتاء. وعدد أيام المطر هو 7، 18 فقط في السنة (ومقدار ماء المطر في اليوم مليمتران ونصف على الأقل). والمطر يسقط سقوطاً منتظماً في فصل البرد من تشرين الثاني إلى آذار. واعظم قدر المطر وقع في العراق هو الذي كان في سنة 1894 فأن مقياس المطر بلغ مائتي مليمتر ومليمتراً. سقط منه 158 مليمتراً في يوم واحد، وهي اعظم كمية سقطت في العراق في مدة 24 ساعة. وعليه فيكون معظم المطر في الشتاء ومزيته مزية مطر فارس وبلاد البلوص والأفغان. إلا أنه دون مطر تلك البلاد لموقع العراق الذي هو دون تلك البلاد ارتفاعاً (عن وليم ولكوكس) بغداد: إبراهيم حلمي ابنة اليوم وحقيقتها وأسماؤها ابنة اليوم، وتجمع على بنات اليوم، هي هذه الدويبة التي وصفها وصفاً دقيقاً صاحب مقالة (أمثال عوام العراق)؛ وهذا الاسم هو من وضعنا وهو تعريب اللفظة الإفرنجية أو الإنكليزية وكلاهما من اليونانية ومعناها: (ذو أو ذات يوم واحدٍ) ونحن نصفها هنا وصفاً علمياً على ما جاء في كتب أهل الفن، فنقول: ابنة اليوم جنس من الدويبات من رتبة العصبية الأجنحة من فصيلة المخصفية القرن راس أو أصل قبيلة بنات اليوم طويلة الجسم، لونها إلى البياض أو إلى الصفرة، (أو كما قال كاتبنا المحقق: إلى الزهرة) وأجنحتها طويلة ومثلثة ومرتفعة إلى فوق في وقت الراحة. وأجنحتها السفلى في غاية الصغر وكأنها فص من فصوص الأجنحة الخارجية. وينتهي مؤخرها بخييطين في الذكور وبثلاثة خيوط في الإناث، وللذكور ماعدا ذلك مقراضان واقعان في الأسفل.
وهي تولد عند أفول شمس الصيف، وتموت عند شروقها، ومنها ما يصبر على بضعة أيام فتكون بمنزلة العجائز المعمرة. على أنها إذا كانت تعيش قليلاً بعد بلوغها الحالة الكاملة فهي تعيش اكثر من سنتين في حالة الدودة أو الدعموصة وهذا الدود طويل وله متنفسات أو خياشيم خارجية لا يفتر عملها. وبعضها يقيم في الأرض في نخاريب حفرت في جروف الأنهر، وهذه النخاريب مزدوجة يفصلها فاصل على هيئة لسان صغير دقيق، ألا أنها لا تكون كذلك في الداخل، بل يكون النخروب وحيد المأوى. وبعضها تتيه على وجهها عائرة، ولا تحفر لنفسها مسكناً ولا مأوى. أما إسراف هذه الدويبات فلا تختلف عن دعاميصها ألا بنبت الأجنحة فإذا حان وقت التطور الأخير، تخرج الإسراف من الماء وتذهب لتقف على موطن يابس فلا تعتم أن تشق كفنها التي كانت مسجاة به، وما ذاك الكفن إلا جلدها. تولد بنات اليوم، كما ألمعنا إليه، نحو الأصيل، فإذا خرجت من سرفها ترتفع فوق سطح المستنقعات والبطائح خشارم لا تعد والغالب فيها الذكور. ولهذا ترى للأنثى الواحدة عدة طلاب يقضون وقتهم، على شدة قصره، في المنازعة سعياً وراء عقد الوصال، وصال لا يدوم إلا هنيهة من الزمان يبتدئ بالمعارك وينتهي بالموت الوحي، وإذا نال الذكر بغيته من اتخاذ عروسه يأخذها إلى محل بعيد عن الجماعات وهناك يعرس بها وما يكاد يقضي وطره إلا ويفاجئه الموت الزؤام. - أما الأنثى فأنها من بعد اللقاح يأخذها نوع من الطلق فتهوى على الماء وترفع مؤخر جسمها وهي مرقرقة فيخرج من نحو موصل الحلقة السادسة انظامان يتركان على الماء. وعدد بيض كل من هاتين الأنظومتين يتردد بين الثلاثمائة والأربعمائة فإذا صار على الماء هبط إلى أسفله وتفرق شذر مذر. وإذا وقفت على ما ذكرناه اتضح لك أمر ازدحام هذه الدويبات في أيام الصيف الرائقة الصاحية في البلاد التي تكثر فيها الغدران والبطائح والمستنقعات والأنهر الهادئة الجري. وعلمت أن تلك الألوف المؤلفة إذا ماتت طفت
جثتها على وجه الماء، ولا يمضي قليل من الزمن إلا وقد اضمحلت تلك الأشلاء البيضاء، لأن الأسماك وطير السماء قد ازدردتها بأسرع من البرق الخاطف، ولهذا سماها البعض (من السمك أو سلوى السمك) وإذا ماتت هذه الدويبات بعيدة عن المياه، ترى الأرضين المجاورة لها مغشاة عند الصباح بشيءٍ ابيض كالثلج أو كالقطن المندوف فيأخذ بك ذاك المنظر كل مأخذ. (وابنة اليوم المشهورة) ترى على شطوط الفرات وطولها من 18 إلى 19 مليمتراً، وخيبطات ذنبها أطول من جسمها، ويرى دباها على طول جرف الفرات وقد ثقبه ثقوباً كثيرة تعد بألوف الألوف وقد رأيناها رأي العين. أما حياة (ابنة اليوم) فإذ اعتبرناها في حد ذاتها فهي ليست دون حياة اعمر الحيوانات، لأن الخالق قد ضرب لها ساعات معدودة هي 12 أو 24 لا غيرها. وهي في هذه المدة تنتقل إلى جميع الأحوال التي ينتقل إليها الحيوان المعمر بدون اختلاف عظيم سوى المدة. فسبحان الباقي الذي لا يموت. أسماء هذه الدويبة اسم هذه الدويبة في العراق هو الجليلو أو الكليلو حسب المتلفظين به. فإن كان الناطق به بدوياً أو مسلماً متحضراً فهو يلفظه بالجيم المثلثة الفارسية، وأن كان نصرانياً وينطق بلغة النصارى واليهود، فهو يلفظه بالكاف العربية الفصيحة. والكلمة مشتقة من الإكليل والعوام تحذف منها الهمزة فتقول كليل بإسكان الأول. ثم زادوا (الواو) في الأخر على طريقة الأتراك للدلالة على النسبة، وهم يفعلون ذلك اذا كان آخر الحرف لاماً، وإلا فانهم يزيدون اللام والواو. فيقولون مثلاً في (كوبري) (الجسر) كوبريلو (الجسري) وفي ديكن (شوك) ديكنلو (شوكي) الخ فمعنى كليلو أو جليلو (الإكليلي أو الإكليلية) أو أيضاً (ذو الإكليل أو ذات الإكليل أو المكللة) لشبه أجنحتها بإكليل ابيض يعلو جسمها الدقيق. وكنت قد تشططت الفرات في رحلتي إلى حلب سنة 1886 فسألت عن اسمها بعض الأعراب الذين كانوا هناك فقيل لي (الخيتعور) ولا يبعد من أن يكون فصيحاً. لأن الخيتعور في دواوين اللغة:. . . كل ما لا يدوم
على حالة واحدة ويتلون ويضمحل. . . وشيء كنسيج العنكبوت يظهر في الحر ينزل من السماء كالخيوط البيض في الهواء. . . والخيتعور دويبة سوداء تكون على وجه الماء لا تثبت في موضع إلا ريثما تطرف. . .) اهـ. فيكون هذا الإطلاق على هذه الدويبة سائغ لسرعة زوالها من الحياة. ثم مررت بجرف الفرات سنة 1904 ومنه انتقلت إلى جرف الخابور، وكان الفصل فصل صيف كما في سفرتي الأولى فسألت عن اسمها فقيل: (الزخرف) والذي نراه في كتب اللغة عن الزخارف: إنها دويبات تطير على الماء ذوات أربع كالذباب قال أوس بن حجر: تذكر عيناً من غمازة ماؤها. له حدب تستن فيه الزخارف ولا يخفى ما في لونها الأبيض وهي على الماء من الزخرف الذي يبين لكل ذي عينين. ثم مررت بالفرات سنة 1908 فسألت عن اسمها فقيل لي هي (البعصوصة) والبعصوصة في معاجم اللغة: دويبة صغيرة كالوزغة بيضاء لها بريق من بياضها. قاله أبو عبيده ونقله الجوهري. وقال ابن دريد: هي البعصوص كقربوس. وعلى كل حال لا ترى كيف أن هذه اللفظة توافق هذه الدويبة؛ إلا أن يقال إنها مشتقة من البعص وهو الاضطراب ونحافة البدن وكلاهما ينطبق عليها أتم الانطباق. ثم عدت إلى بغداد سنة 1909 فمررت بشطوط الفرات فسألت عن اسمها فقيل إنها (الجليلو) والبعض سماها: الجليلة فاتضح لي صحة هذه التسمية كما اتضح لي أن أسماء الشيء الواحد قد تختلف باختلاف القبائل والأنحاء والأصقاع والبقاع وهو أمر جليل. وعليه فقد صح أن نسميها بعدة أسماء وهي: (ابنة اليوم) لأنها لا تعيش اكثر من ذلك، وهو معنى اسمها العلمي واليوناني (الخيتعور) لأنها سريعة الزوال والاضمحلال. - (والزخرف) لأنها زينة الماء والغدران - والبعصوصة لكثر اضطرابها ونحافة بدنها - والإكليلية أو ذات الإكليل أو المكللة لما يظهر من هيئتها للناظر إليها من الخارج. هذا ما أردنا أن نبينه
سرعة عمران عبادان
في هذا الباب وأن كان للقارئ شيء يزيد على هذا القدر فليتحفنا به ونحن له من الشاكرين. سرعة عمران عبادان اطلع كثيرون على مقالتنا التي أدرجناها في الجزء الرابع من السنة الأولى من لغة العرب (1: 121 - 129) فنقلتها بعض الجرائد الشامية والمصرية وترجمتها أيضاً بعض الصحف والمجلات الإفرنجية. ثم طلب إلينا بعض القراء أن نزيدهم علماً فيما حدث بعد تلك المقالة، وأي مبلغ بلغ عمران تلك المدينة الحديثة، وهل نبع الزيت الحجري أم لا، وكم يبلغ مقداره في اليوم. فالقينا هذا السؤال على أحد مخبرينا أبناء العرب النبهاء فكتب إلينا ما يأتي: أن اقتراحكم علي صعب التحقيق، والسبب هو: لأن الإنكليز أصحاب الأمر في عبادان يمنعون منعا باتا كل من يريد دخولها من أجانب ووطنيين من نقلة الأخبار. فقد حاول الدخول خمسة من الإنكليز قبل شهرين فردوا على أعقابهم خائبين لا يلوون على شيء. وحاول آخرون رشو بعض الحرس فلم يفلحوا وعادوا بخفي حنين. ولهذا اصبح الوقوف على ما يجري هناك اعز من جبهة الأسد. على أن الدخول مباح لكل رجل أمي لا يحسن القراءة والكتابة أو بيده رخصة من مدير محل ستريك سكوت وشركائهما في المحمرة وبالإنكليزية وأما الموظفون أو المشتغلون بإشعال المدينة وعمرانها على نفقة الشركة فهؤلاء يدخلون ويخرجون متى يشاءون. ولا يحق لهم أن يكتبوا شيئاً أو يبوحوا بسر من أسرار عمران الحاضرة أن كتابة وأن مشافهة. وإذا كان الموظفون من الإنكليز فهم يبدلون مرة في كل ثلاثة أعوام، وإذا رجعوا إلى أوطانهم وخرجوا من وظائف الشركة لا يجوز لهم نشر شيء مما علموه. وألا تقام عليهم الدعوى ويحاكمون. أما أنا فقد نكرت زيي ودخلت المدينة دخول عامل أمي يطلب رزقه بعرق جبينه فكانت هذه الواسطة سبب نجاحي وفوزي بمرامي.
وبعد هذا التمهيد أقول: إن أدوات المسرة (التلفون) والإبراق (التلغراف) قد تمت اليوم؛ وقد ربطت بها جميع المقامات والمراكز والمدن التي فيها محلات أو أشغال الشركة. وزيادة على ذلك تنور اليوم تلك الحاضرة الجديدة بالكهربائية البديعة الضياء حتى أن الليل فيها يشبه النهار. ولا تظن أن العمران قد بلغ اليوم أقصاه هناك ولم يبق مجال للإيغال فيه؛ بل بالعكس فأن البواخر البحرية لا زالت تتردد إليها وتنقل أنواع الأدوات والعروض والبضائع والأموال؛ منها للبناء، ومنها للبيع، وبعضها للاتجار، وغيرها طلباً لرغد ورفاهية المتوظفين وجميع الإنكليز الموجودين هناك. ومن جملة ما نقلته البواخر البحرية الأخيرة قطع من الحديد تدخل في الأبنية وفي تركيب الآلات الضخمة الراجعة إلى معامل الزيت الحجري وتصفيته وترويقه الخ؛ ومنها مراجل أو خلاقين من حديد هائلة العظم، وزن كل اثنين منها 31 طناً وعددها 30 مرجلاً فيكون وزنها جميعاً 930 طناً. وقد ادخلوا في عبادان جميع مستحدثات الحضارة حتى المطيرة وأول من ركبها وطار بها المستر ريتشي وبعد أن حلق بها لم يحسن تسيير آلتها المحركة، فهوت به فجأة إلى الأرض واوثى، إلا أن راكبها لم يصب بأذى وقد كتب فجلب مطيرة ثانية بدلاً من الأول فنجح في سعيه. وأما مقدار النفط أو الزيت الحجري الذي ينبع من الارض، ويستخرج من منبعه فلا يعرف على التحقيق، لأن الباخرة (سلطان فأن التي رست في عبادان في شهر أيار شحنت ثلاثة آلاف طن من هذا السائل في يوم واحد، وكان الشحن على هذا الوجه وهو: تركب أنبوبة تجمع بين منبع النفط وداخل الباخرة فكان السائل يجري جرياناً متصلاً إلى أن أخذت الباخرة ما يمكنها حمله فأقلعت في اليوم عينه متجهة نحو جاوة. ثم جاءتها في ذلك الشهر باخرة منهلا وشحنت ألف طن من النفط (وهو الزيت الحجري قبل أن يصفى) ونقلته إلى رانكون في الهند؛ ثم أقبلت بعدها باخرة (جلنار) من سفن شركة لنج التي تسير على دجلة من
البصرة إلى بغداد ونقلت مرتين 107 براميل ضخمة من هذا النفط ثم جاءت عدة سفن شراعية لتتزود ما يحتاج إليه (جلنار) من هذه المادة. وإذا أردت أن تعلم الآن ما هناك من الأبنية والمعاهد التي أقيمت لاستخراج النفط والزيت الحجري وما جلب له من الأدوات والسفن والآلات وما هيئ له من المعدات، فدونك أسماءها بالعربية والإنكليزية: أنابيب يجري فيها (الدوبة بلسان العراق هي السفينة الجنيب عند الفصحاء)
للمراجل أو الخلاقين الكبيرة 1، 2، 3، 1 2 3محل للمراجل مع 3 لتصفية زيت لتصفية زيت الاستصباح مع دار فيها متعددة الحمالين. والحي يشمل عدة خطوط وهي عشرة اليوم وفيكل خط عشر حجر ولكل حمال حجرة. فيها منزفة للزيت غير (قاطرة صغيرة) التصوير لتصفية - للأشغال أو صغيرة وسفن - (جنيبة) لجر الزيت مع دار القوى القوى (إسطبل أو آخور) كبار أحواض 1 3 4خمسة أحواض كبار 4 5 6 7 مسمرة (تلفون) ماء (وهو بناء موقت) لصناديق الصفيح (التنك) الماء ومحلات ميناء عبادان فقد اصبح من احسن موانئ خليج فارس وأمنها والآن لا يدع الإنكليز أن يرسو فيه ألا البواخر التي تنقل إلى عبادان ما يفيد أشغالها الخاصة بالزيت الحجري وبالعملة الذين يشتغلون به. فقد جاءها في شهر شباط مركب غريكوي وقد نقل حدائد تركب منها دوبة (جنيبة) حملها ألف طن. وقد ركبت قطعها في عبادان. وجاءها في شهر آذار مركب (أداليا وكان قد نقل إليها مائتي ألف صندوق خشب للنفط. وجاءها في ذلك الشهر أيضاً مركب وكان محموله عشرين ألف صندوق صفيح (تنك) وفي كل صندوق عشر قطع من الصفيح.
الخطر على نخل العراق
ورسا فيها في شهر نيسان مركب وكان مشحونه قطع حديد لدوبة كبيرة محمولها خمسمائة طن مع ستمائة صندوق من الحامض الكبريتي (دهن الكبريت وكان مركب منهلا قد حمل إليها أيضاً 1372 صندوقاً من هذه المادة. هذا أهم ما يقال في سرعة عمران عبادان، ولا ريب في إنها لا تقف عند هذا الحد بل تسير سيراً حثيثاً فيه، ولا يمضي عليها عشرة أعوام حتى تعد من اعظم مدن العراق وخليج فارس. فسبحان مالك الملك الذي يؤتيه من يشاء وهو الحي الباقي السرمدي. البصرة: عربي متبدٍ الخطر على نخل العراق ذهبنا هذا الشهر والشهر الماضي إلى الكاظمية، فرأينا نخل بساتينها مصاباً بعلة تجعل خوصها يبرق بريقاً غريباً كأنه طلي بطلاء من الصمغ، فسألنا عن اسمها، فقيل لنا: هذا داء المن. فطلبنا إلى حضرة صديقنا الفاضل وجيه بك مدير الزراعة في ولايتنا أن يصف لنا وصفة يدفع بها هذا الداء الفتاك، فوضع لنا هذا البيان الآتي نصه، ليقف عليه أرباب البساتين والزراعة فيدفعوا عنهم شراً هائلاً لا يعرف ما وراءه من الأخطار والأضرار، ألا من عرف هذا الداء وفتكه بالاشجار، في سائر الديار. وهذا كلام حضرة المدير عزه الله: إلى الملاكين وأصحاب البساتين اعلموا يا أهل بغداد أن قد حل بنخيلكم مصيبة عظيمة في هذه الأيام، وهذه الطامة الكبرى هي وقوع مرض فيه يسميه العامة (المن) ويسميه من ليس من هذه البلاد باسم (ندوة العسل) وبالفرنسوية
فهذا الداء يسري بسرعة عجيبة إلى سائر النخيل فيتلفها، وإذا أهملت المعالجة ولم تؤخذ التدابير الواقية أو الشافية تعم البلوى، ولا يبقى اثر لمحصول النخيل، بل ولا يمكنكم أن تجنوا منه شيئاً بالنسبة إلى العام الماضي، أو أنكم تجنون ثلاثين بالمائة فقط، إذا أخذتم الوسائل اللازمة لدفعه قبل أن يعم البلاء. أما الحكومة السنية فإنها تبذل كل ما في طاقتها لتبعد عنكم هذا الداء، وقد أخذت التدابير اللازمة للبلوغ إلى أمنيتها. وهذا لا يمنع الملاكين وأصحاب البساتين وأرباب النخيل من أن يتذرعوا بالذرائع الآتية وهي: 1 يجب قطع جميع السعف المصاب بالداء منعاً لسرايته. 2 بعد قطع السعف المصاب بالداء يهيأ إناء يوضع فيه ماء ويحل في كل مائة درهم منه درهمان من الليزول (وهي مادة سائلة توجد في الصيدليات أو الاجزائيات)، أو ان يحل في كل مائة درهم من الماء خمسة دراهم من الزنجارة (كبريتات النحاس) وبعد أن تحل إحدى هاتين المادتين بالنسبة المذكورة تغمس مكنسة في ذلك المحلول، ويرش بها السعف السليم حتى يشمل الرش السعفة كلها خوصها وعسيبها. - وهناك طريقة ثانية للرش وهي أن يؤخذ من البلدية المضخات (الطرمبات) التي كانت تستعمل في أيام الهيضة (الكولرة) وتملأ من ذلك المحلول، ثم يرش النخيل بها، فيكون حينئذٍ الرش بها محكماً وهذه الطريقة الأخيرة هي احسن من الأولى. وعلى كل حال فإياكم الإهمال، لأن من ورائه فشو الداء، وعموم البلاء، وقانا الله منه. - هذا وقد أبلغتكم وما على الرسول إلا البلاغ، والسلام على من اتبع الهدى. وجيه مدير الزراعة في ولاية بغداد (ملحق بما سبق) أن هذا الداء الذي عم بلاؤه النخيل في هذه الأيام كان يرى سابقاً على أوراق أشجار القطن وأغصانه في السنين الرطبة الكثيرة الأرياح الشرقية؛ وكان يسبب لأصحاب تلك الأشجار خسائر جمة عظيمة. ثم لما كثرت بزيراته نما نمواً فاحشاً. ومن خصائص انتشاره أن تبقى تلك الحبيبات أو البزيرات تحت التراب بدون أن يتكاثر فإذا تكاثر؛ فإذا صادفه سنة رطبة وهي
خواطر في المنتفق وديارهم
الشرقية الأهوية في العراق، ساعدته حينئذٍ البيئة على النمو فيأخذ بالتوالد والتكاثر بسرعة غريبة ويسبب خسائر عظيمة لأصحاب الزراعة. والحييوين الذي يفرز هذه المادة الصمغية يسمى (المن) بالعربية وبالفرنسوية والضرر ينتج من أن هذا الحييوين الذي يفرز هذه المادة الصمغية فيطلى بها مسام الأوراق والأغصان. وكما أن هذه المسام هو لازمة الحياة أعضاء الأشجار لزومها في الإنسان والحيوان فإذا سدت امتنع التنفس وأمتنع أيضاً سير الماء في داخل الأنبتة والأشجار، فينشأ حينئذٍ نوع من الاختناق يودي بها إلى الذبول والموت. فعسى أن ينتبه العقلاء إلى هذا الخطر ويدفعوه عنهم بأقرب وقت وأنجع وسيلة. (لوجيه بك صاحب النبذة المذكورة) خواطر في المنتفق وديارهم وقع بيدي نهار أمس العدد السادس من مجلتكم (لغة العرب) فرأيت في مقالة حسناء مذيلة باسم الشيخ محمد رضا الشبيبي الكاتب النجفي الشهير، وعنوانها (حول المنتفق) فبدا لي في أثناء مطالعتها بعض الخواطر فأحببت أن أبديها للقراء لاعتقادي المكين أن حضرة الكاتب ممن لا يخاف التعقيب على كلامه؛ لاسيما وقد قال في مستهل مقاله انه ممن (يرغب في الوصول إلى الحقيقة التي كثيراً ما توجد في وسط الاختلافات) قال حضرة الشيخ الكاتب: (كانت تتجاذب طرفي الفرات الأدنى منذ عهد غير قريب عميرتان من أكبر عمائر العراق وهما: خزاعة. . .) ونسي ذكر الثانية التي هي عميرة المنتفق. ولعله أغفلها عمداً لاشتهار أقامتها في تلك الربوع، وقد مر عليها في مطاوي البحث في صدره وحشوه وآخره. وقال حضرته: إن الغراف لم يكن في الأزمنة الخالية من ديار المنتفق وقد صدق. وأزيد على ذلك: إن ديار ربيعة تمتد حتى اليوم إلى نحو نصف المسافة الموجودة بين الحي وقلعة سكر على عدوتي الغراف وقد كانت عميرة ربيعة في صدر القرن التاسع عشر للميلاد محتلة الغراف، ثم وقع نزاع بين عميرتي ربيعة والمنتفق أدى إلى انجلاء أمير ربيعة عن تلك الديار إلى موطن اسمه (شادي)
ومن الأقوال العائرة المعروفة عند عمائر تلك الأصقاع (وأظنه من أقوال ضرب من أغاني الموال المسمى في لغتهم أبو دية، بكسر الدال المهملة وتشديد الباء المثناة المفتوحة وهاءٍ في الآخر): (اللي يريد البرص ما ينزل بشادي. وينزل بين العبد والقادرية). فالبرص (بضم الأول والثاني) تل يقرب جداً من مدينة الناصرية. وشادي من ديار ربيعة واقع بين الكوت والبغيلة (مصغرة) على العدوة اليسرى من دجلة العظمى. والعبد (بفتح العين وتحريك الياء بحركة مشتركة) تل يبعد عن شرقي قلعة سكر نحو خمسة عشر كيلو متراً. ويتوسع في معناه فيطلق اللفظ على الأرض المحيطة به. والقادرية (وتلفظ الجادرية) اسم ترعة تسقي هذه الأرض. وذكر حضرة الشيخ: إن ربيعة لا زالت محتلة من الغراف فراسخ تنتهي بأرض يقال لها البسروقية على خمس ساعات من الحي. ولا غرو انه قصد من قوله الحي: شماليه. وقال: إن كثيراً من العشائر النازلة في صميم الغراف هي من ربيعة لا من المنتفق. . . الخ. وأظن إن في هذا الكلام ما يناقض سابق كلامه بعض الناقضة. نعم أن كثيراً من العشائر النازلة في صميم الغراف هي اليوم من ربيعة كما سبقت الإشارة إليه، وصرحنا به نحن أيضاً، لكن فيهم من المنتفق أيضاً لأن ربيعة تقسم إلى ثلاث عشائر وهي: أولاً: العشائر التابعة رأساً لأمير ربيعة ويطلق عليها اسم بني عمير (بإسكان العين وميم مفتوحة بإمالة) وقريش (وتلفظ بالكاف الفارسية المثلثة وإسكان الأول وفتح الثاني فتحاً بإمالة) ثانياً: مياح (وزان شداد) وهي تحت زعامة أحد أبناء بيت ناصر من الشحمان (بتحريك الأول حركة مشتركة والباقي وزان سكران) ثالثاً: السراج (وزان شداد. والبعض يحملون الجسيم ياء فيقولون السراء) وهم تحت زعامة أحد أبناء بيت كليب (وتلفظ جليب بجيم مثلثة فارسية)
وأما عشيرتا عبودة وبني ركاب فبعد ان خاصمتا آل السعدون على الإمارة وخفقتا في سعيهما، انضمتا إلى عشائر المنتفق، وقطعتا كل علاقة مع ربيعة، وأخذتا تؤديان كل الضرائب والرسوم لوالي بغداد، وهي ضرائب ورسوم يؤديها عشائر المنتفق للوالي المذكور. بل أخذت تؤدي حتى الضرائب التي كانت معروفة باسم (الحصان) وهو ما كان مكلفاً بتأديته شيخ المنتفق من الجياد إلى والي بغداد. ويخرج من هاتين العشيرتين فخذا العائد والصالح من بني ركاب، ذلك لقربهما من عشائر ربيعة، ولهذا بقيتا منقادتين لزعامة آل السعدون من باب السياسة وتسهيل المعاملات مع مجاوريهم. وأما عشيرة مياح (وهي التي سبق الكلام عنها) مع جميع افخاذها، وآل غريب (وهي فرقة من هذه العشيرة)، وعقيل (وهي عشيرة من عشائر السراج)، والسراج وجميع افخاذها، وكنانة (تلفظ جنانة)، فكلها من الأحياء المنتسبة رأساً إلى أمير ربيعة. وعليه: فقد رأينا بعضهم لا ينتسبون إلى ربيعة. ولهذا وجب التصريح بهم وأن كانوا قليلي العدد بين الجم الغفير حرصاً على الحقيقة. وأما الناصرية فقد ذكر الكاتب اسم مؤسسها وبانيها، وهو ناصر باشا السعدون ولم يزد على ذلك ولهذا أضيف على ما ذكر ما يأتي: إن الذي خططها هو المهندس البلجيكي المسيو جول تلي ولم يعرف على التحقيق عام تخطيطها؛ ألا أن الحجر الأول الذي وضع لأساس دار الحكومة كان في سنة 1285 مالية الموافقة لسنة 1286 هجرية و 1869 ميلادية أي في عهد ولاية طائر الصيت مدحت باشا وعلى ترغيبه. وكان أول من بنى فيها داراً للسكنى نعمة الله بن آكوبجان بن سركيس بن آكوبجان بن مقصود المعروف بنعوم سركيس الحلبي الأصل، الأرمني العنصر، الكاثوليكي الطائفة. ثم بنى فيها أسواقاً وخانات وقهوات. وقد ولد نعوم سركيس في بغداد سنة 1830 مسيحية. وكان والده قد هجر حلب لكثرة الزلازل التي كان وقع فيها في أوائل القرن التاسع عشر. وبعد أن نشأ نعوم وشب اتصل بناصر باشا فقربه منه وأقامه أميناً لخزانته. ومات وهو اعز أصدقاء آل السعدون.
أشار حضرة الشيخ إلى أن سوق الشيوخ هي على ضفة الفرات وحسناً قال إذ ذلك مطابق للواقع. واحسن من هذا أن يقال أنها واقعة على ضفة الفرات اليمنى، وأنها تبعد نحو ست ساعات عن جنوبي الناصرية وليس على بعد ساعتين. وسوق الشيوخ من اقدم مدن المنتفق. وسورها اليوم متهدم. وكان هواؤها سابقاً حسناً جداً، لأن مياه الفرات كانت تجري في عقيق النهر ولم تتجاوزه لتفسد الأرض والبقاع. وقال حضرة الكاتب الفاضل: إن الغراف يصب في موضعين: أعظمهما مصب الحمار (وزان شداد) قرب الناصرية وهو مضمحل ضيق. ولم يبين المصب الثاني. قلت: أما مصب الغراف في هور الحمار فهو مصب شعبة الغراف المسماة (بالبدعة) وسيأتي البحث عنها. وهذا الموقع يبعد عن الناصرية بما يزيد على أربعين كيلومتراً. وأما المصب المضمحل فهو غير الذي ذكره حضرة الكاتب بل هو المصب المعروف (بشط الازيرق) المختلط ماؤه سابقاً بماء جدول (السديناوية المتفرع من الفرات. وقد اضمحل اليوم كل الاضمحلال. وذكر حضرة الكاتب النحرير الشطرة فقال عنها: وعلى هذه الشعبة الغيرة بلدة الشطرة. قلنا: الأمر على خلاف ما ظهر له فأن ما سماه شعبة الغراف هو الغراف الأصلي عينه وقد كان عامراً حين شيدت بلدة الشطرة الحالية وقد كانت الشطرة قبل ذلك العهد على جدول صغير آخذ من الغراف تبعد عن موقعها الحالي نحو كيلومترين من جهة الغرب واسم هذا الجدول الخليلية فلما كانت أوائل متصرفية ناصر باشا تحقق أن هذا الجدول اخذ بالاندراس وأن احسن موطن تنقل إليه الشطرة هو هذا الذي حولت أليه. وكان الذي حسن في عين ناصر باشا هذه البقعة العذبة هو مستشاره وصديقه الوفي الأمين نعوم سركيس المذكور آنفاً. ومن بعد أن تم الاتفاق على هذا الرأي شيد نعوم دوراً عديدة وأسواقاً وخاناً وقهوات ثم مسكناً له ولاتباعه. ثم عمر بيوتاً أخرى وأهداها إلى بعض وجوه
الشطرة القديمة، تشويقاً للانتقال إلى الشطرة الجديدة وقد تم بناؤها بعد إتمام أبنيته في الناصرية. ولم يكن اسمها كذلك بادئ بدء، بل كانت تسمى (بالفالحية) نسبة إلى فالح باشا (وهو فالح بك يومئذ) أكبر أنجال ناصر باشا. غير ان اسم الشطرة غلب عليها وهي تسمى كذلك إلى اليوم. وأما ما سماه حضرة الشيخ بالشعبة الكبرى وقد قصد بها (البدعة) فهي تبتلع اليوم نحو ثلاثة أرباع مياه الغراف أو اكثر. فهذا الجدول على ما وراء الرواة الثقات لم يكن في غرة القرن الميلادي السابق إلا قاعاً صفصفاً أهداها أحد أمراء ربيعة لآل السعدون (والواهب هو خال الموهوب له، وظنه الشيخ عيسى من آل السعدون) فشق لها نهراً اتسع شيئاً فشيئاً لانحدار مياهه في أرض مطمئنة، فأصبحت الآن من احسن مزارع تلك الجهات. وبخصوص قلعة سكر أقول: إن اسمها الأول كان (العلة) (بكسر العين وتشديد اللام المفتوحة) وكان هذا الاسم معروفا قبل نصف قرن. وسبب هذه التسمية هو انه كان في تلك البليدة قلعة مبنية من الطين يحتلها جماعة من الجند صداً لغارات الأعراب فكانت في وجههم كالعلة في البدن؛ وما أولئك الأعراب إلا العشيرة النازلة في العدوة اليمنى من أبي جحيرات واسمها عشيرة الجابر. ولهذا نسمع إلى اليوم من يسميها بالعلة وهو مع ذلك نادر. وأما ما يتعلق بأهل الحي فاغلبهم أهل زراعة؛ وإذا قلت نصفهم فلا أخطئ ومما احب أن أذكره هنا هو بعض الإفادات عن الغراف لكثرة وروده على الألسنة وفي هذه المجلة فأقول: للغراف اسمان (الواحد المسرهد) وقد نوهت به هذه الصحيفة في مقالتها عن المنتفق، وهو الاسم الكثير الورود في سجلات الحكومة المعروفة (بالدفتر الخاقاني)، والمسرهد لغة: المنعم والمغذي، ولا أرى كيف أن هذا المسمى يوافقه هذا الاسم. على أن الذي يتبادر إلى الذهن هو غزارة أناء أرضه وكثرة مياهه الوافرة الغريل الناعمة، فإذا زدت على ذلك قناعة الأعراب اتضح لك سبب هذه التسمية. وهناك وجه آخر مأخوذ من قولهم: رجل مسرهد أي سمين. وسمن مجاري المياه بمعنى غزارة تدفقها من باب المجاز أمر مشهور. وإن لم تقنع بما تقدم شرحه فلك وجه ثالث
مؤتمر المستشرقين في سنة 1912
وهو أن المسرهد سمى كذلك من قولك: ماء مسرهد أي كثير، وعليه فقولك نهر مسرهد هو من مائتي واحد أو وادٍ واحد. وأما اسم الغراف الثاني فهو الحمر وزان الجبل وهو تخفيف الأحمر وهذا اللفظ يعرفه بعض عشائر لواء الديوانية. وسموه كذلك لحمرة غريل مائه. وأما شط العمى (بفتحتين وهو تخفيف الأعمى) فقد كان قديماً الشعبة الأصلية؛ وعلى عدوته اليمنى قبة مبنية على اسم العقار (وزان شداد) وهو أحد أبناء الإمام موسى الكاظم؛ وكانت السفن تجري في هذه الشعبة من النهر إلى أمد غير بعيد؛ وأظنه لا يتجاوز ربع القرن. وكان محمول كل سفينة من هذه السفن خمسين ألف كيلو غرام. وأما قول حضرة الكاتب البارع أن الغراف ينقسم قرب الحي. فلا جرم انه قصد بكلامه هذا أن الانقسام يحصل على بعد نحو كيلومترين ونصف من الحي جنوباً. وعلمه فوق كل علم وهو الهادي إلى الصواب. الناصرية: منتفقي مؤتمر المستشرقين في سنة 1912 (1330) اجتمع المستشرقون في آثينة في شهر نيسان من هذه السنة وتليت فيه الخطب وجرت فيه المباحث حتى تذكر غير واحد منهم سوق عكاظ. أما المواضيع التي طرق أبوابها أولئك العلماء فكثيرة نذكر منها ما يختص بالإسلام مع ذكر أسامي أصحابها: 1 الأب هنري لامنس اليسوعي: المسجد في أول نشأته ومنزلته في القرآن. 2 سيكا في صورة صور فيها ذو القرنين. 3 بكر في الإسلام السوداني (تشاد) حسب بعثات مكلمبرج دخول دعاة العرب (رابح) - مراكز بث الدعوة - عبادة الأئمة. - حج مكة. 4 مرغليوث - نقد المجلد السادس من معجم الأدباء
لياقوت. وفيه تراجم في غاية القدر والشان كالجاحظ والشافعي والطبري. 5 دلبدن نقد ترجمته للفصل الثاني من الرسالة القشيرية 6 أحمد تركي باشا. بحث في نقل الألفاظ الكلامية اليونانية وكتابتها وتعريبها على ما وجدها في كتاب معرب غفل محفوظ في خزانة كتب كوب قبو. والكتاب الأصلي اليوناني تأليف ثمسطس بليطون. 7 احمد زكي باشا: نقد كتاب كنز الدر، تأليف أبي بكر الدواداري (المتوفى سنة 709 للهجرة) في اصل التتر. - عرض ما يريد أن يتولى طبعه من الكتب العربية القديمة ككتاب التاج للجاحظ وكتاب النويري، وكتاب ابن فضل الله العمري وكتاب الأصنام لابن الكلبي. 8 زكي باشا. في نشوء وتكامل الفنون المستظرفة عند المسلمين. 9 الشيخ احمد الإسكندراني (من أساتذة مصر القاهرة) نظر في كتابه آداب اللغة الدارجة المصرية. وفيه بحث عن الأغاني وما يتعلق بها. 10 دفوراك بحث في طبعه لديوان (باقي) التركي. وبأي قدر اقتبس من أفكار (حافظ). 11 لويس ماسنيون نقد عبارة المتصوفة (أنا الحق) استناداً على ما كتبه أهل الجدل من المسلمين. 12 ج. ج. هس بحث في لغة نجد الحالية. وفي انتقال النبرة والتنوين في كلامهم كما في (هي امرأة لي) فيقولون: (هي مرتا للي). 13 ناصف حفني بك. بحث في حقن (من ديار مصر)، مسقط راس مارية القبطية، وبحث آخر في رقيم عربي من بلاد اليمن. 14 احمد حكمت بك. (من الأستانة) ميل الآداب التركية العصرية إلى اللغة الطورانية. 15 الدكتور اوغسط فيشر (من لبيسيك) فكره في وضع معجم عربي تؤخذ مواده من كتب الفصحاء مواد أو اللفظ لم يذكرها أصحاب المعاجم.
المختار في الطب
16 الدكتور الأستاذ اغناز غولزيهر. بحث في علم كلام فخر الدين الرازي. وجمعه الفلسفة إلى علم الكلام. ومجادلته لأهل الجرجانية (وكانوا معتزلة من خوارزم) التي أقامها على ثلاث دعائم وهي: ضوابط لتأويل القرآن. نقد الحديث نقداً بتدقيق نظرية خلق (الكلام) في محل. فمن نظر إلى هذه المباحث وكثرتها وما فيها من الوعورة والصعوبة حكم أن ذاك المؤتمر كان من اجل المؤتمرات التي عقدت وكان للعرب فيه حظ وافر؛ فعسى أن ينشط الشرق من خموده أو جموده ويعود إلى سابق عزه، وسامق مجده. ل. م المختار في الطب (تصنيف الشيخ الإمام العالم الأوحد مهذب الدين شمس الإسلام أبى الحسن على بن احمد بن هبل المتطبب)، المولود ببغداد في 23 ذي القعدة سنة 515، والمتوفى في الموصل ليلة الأربعاء 13 من المحرم سنة 610هـ (أي ولد في 3 شباط 1122 وتوفي في 5 شباط سنة 1213م). قبل أن نصف هذا الكتاب البديع في خطه ومحتوياته نذكر ترجمة المؤلف نقلا عن ابن القفطي قال: على بن احمد أبو الحسن يعرف بابن هبل (لا الهبل كما جاءت في النسخة المطبوعة في ليبسك) الطبيب، ولد في بغداد ونشأ بها، وقرأ فيها الأدب والطب، وسمع وروى عن مشايخ وقته. ثم صار إلى الموصل، وخرج إلى أذربيجان، وأقام بخلاط عند صاحبها شاه أو من يطبه. وقرأ الناس عليه هناك الحكمة والأدب. وفارق تلك الديار لسبب وهو: إن بعض الطشتدارية (الخدام الذين يحملون الطشت للأمير) قال له يوما وقد نظر إلى قارورة الملك في بعض أمراضه: يا حكيم لمَ لا تذوقها؟ فسكت عنه. فلما انفصل عن المجلس قال له في خلوة: قولك هذا اليوم عن اصل أم قول غيرك أو هو شيء خطر لك فقال: إنما خطر لي لأنني سمعت أن ذوق القارورة من شروط اختبارها. فقال له: الأمر كذلك، ولكن لا في كل الأمراض. وقد أسأت ألي بهذا القول لأن الملك إذا سمع
هذا ظن إنني قد أخللت بشرط واجب. من شروط خدمته وقوانين الصناعة فيها. ثم انه عمل على الخروج لأجل هذه الحركة والخوف من عاقبتها بعد أن رشا الطشتدار حتى لا يعود إلى مثلها. وخرج وعاد إلى الموصل وقد تمول فأقام بها إلى حين وفاته وحدث بها وأفاد. وعمر حتى عجز عن الحركة فلزم منزله قبل وفاته بسنين. وكان الناس يترددون إليه ويقرءون عليه وسئل عن مولده فقال: ولدت ببغداد بباب الازج في 23 من ذي القعدة سنة515، وتوفي بالموصل ليلة الأربعاء 13 من المحرم سنة 610 وله كتاب في الطب سماه المختار رايته في أربعة مجلدات وله غير ذلك. وهذه الترجمة وردت في تاريخ الدول لابن العبري ص 420. وقد ذكر صاحب كشف الظنون كتابا آخر لطبيبنا هذا واسمه (مختارات ابن هبل) قال عنه: (في الطب ترتيب الأعضاء). والظاهر أن هذا الطبيب كان عظيم الشهرة في زمانه لأن ابن الحاج الشيرواني لما ألف كتابه (روضة العطر) نقل عن مؤلفات ابن هبل لأنه يقول في مقدمة كتابه: وكنت لما هممت بهذه الصنعة (أي الصيدلية) كتبت لنفسي هذا الكتاب حسب مرادي مجتمعاً من كتب شتى كالقانون والذخيرة ومختارات ابن هبل. . .) والظاهر أن صاحب كشف الظنون لم ير كتاب المختار لأنه لم يصفه. وقد وقع هذا الكتاب بيد أحد أدباء بغداد فأرانا إياه لنصفه للقراء. والموجود هو المجلد الأول وهو كبير الحجم طوله 26 سنتمتراً في 10 عرضا. وفيه 204 صفحات في كل صفحة 16 سطراً. طول كل منها 14 سنتمتراً. خطه في منتهى الحسن والجودة. وقد كتبت عناوين الفصول بالحبر الأحمر. ومن خصائص خط هذا الكتاب أن لكل حرف مهمل يقابله حرف معجم علامة تميزه، وهي سكون غير تام الاستدارة أو هلال صغير متجه قرناه إلى فوق. في أول صفحة من الكتاب هذا العنوان بحرف ضخم حسن: المجلد الأول من المختار في الطب. تصنيف. . . وفي أعلاه: طالعه محمد بن نصر الطبيب. وقد تملك الكتاب جماعة من الناس. يشهد على ذلك ما هناك من التعليقات وهذا نص بعضها: انتقل إلى تصرف الأمير حسن بن المرحوم بيري بك عفى عنهما العافي،، - (والآن قد انتقلت بالشراء الشرعي إلى الفقير محمد
بن غريب الموصلي أصلا والحلي مسكناً.) - انتقل بحكم المبايعة الشرعية إلى ملكه العبد الضعيف موسى بن القس مسعود عرف بالجصلوني وذلك في تاريخ رابع عشر نيسان سنة ألف وسبعمائة وثلاثة للإسكندر اليوناني ولله الحمد دائما كما هو أهله ومستحقيه. أمين. (هذه السنة توافق 1391م أو 794 هجرية) - قد انتقل إلى ملكي الحقير المتطبب محمد علي الطهراني مسكناً ومسقطاً الملقب بمؤيد الأطباء البختياري أصلاً. في كربلاء المعلي في سنة مائتين بعد الألف من الهجرة النبوية.) (لكن قد حكت كلمة مائتين وكتب عوضها ستة عشر وثلاثمائة إلا أن نقش الخاتم المطبوع بعد الكتابة وتاريخه 1200 يكذب كلام المزور المحتال أو السارق الخبيث) - قد اشتريت هذا الكتاب وصار من ممتلكاتي وأن فقير إليه تعالى محمد الحسيني الطبيب المازندراني في شهر ربيع الأول سنة 88، يلي ذلك نقش الخاتم وهذا نصه: لا اله إلا الله. الملك المحق المبين محمد الحسيني 88 ومن الذين تملكوه اثنان آخران لم نهتد إلى قراءة اسمهما. والظاهر أن هذه النسخة وضعت في مجلدين كبيرين لا في أربعة مجلدات، لأننا نرى في الصفحة الأخيرة ما هذا نصه: ولنختم الآن الكلام في الأصول الكلية في الطب ولنأخذ في ذكر الأدوية المفردة والمركبة ولنبسط الكلام فيها، لأنها هي الآلة المعينة في مقاومة الأمراض. ثم يقول: تم الكتاب الأول من المختار في الطب والحمد لله تعالى. . . المين وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلامه وتحيته وإكرامه. ووافق الفراغ منه ثاني عشر شهر رمضان سنة عشر وستمائة. علقه لنفسه محمد بن احمد بن محمد بن يحيى.) وعليه فيكون الكتاب قد كتب في سنة وفاة المؤلف أي بعد ثمانية أشهر من وفاته. والكتاب يبتدئ هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد الله الواحد القهار، الملك الجبار، مدبر الفلك الدوار، ومرسل الشعاع من الأجرام ذوات الانوار، إلى سطح الأرض بلا قرار، لتصعيد أجزاء البخار، من الأرض والماء ومزجها بالهواء والنار، مزجا بالتفاعل والتضاد ثم بالثبات والقرار. على كيفية وأحكام متشابهة فيما بين الرطب واليابس والبارد
والحار. الخالق من هذه الأركان للإنسان بسائط الأعضاء. فمن الأرض اللحوم والعظام. ومن الماء جواهر الدماء. ومن الهواء الروح ومن النار الحرارة الغريزية الطابخة للغذاء المحسوسة في باطن الفضاء، من الصدر والمعاء، الحافظ لصحته بالإغتذاء وتنشق النسيم البارد من الهواء. منزل الداء ومعلم الدواء. والهادي إلى الشفاء. حمداً بلا انتهاء، وشكراً بلا انقضاء. والصلاة على محمد سيد الأنبياء، وعلى آل محمد الأتقياء الأصفياء. أما بعد. . . . فهذا هو الكتاب الجليل الذي أردنا أن نصفه للقراء وهو حسن الورق ثخينه مجلد بالسختيان الأحمر ومطبوع عليه نقوش عربية بارزة في الوسط والحواشي. أما عبارته فسلسة سهلة وفيه كثير من الألفاظ الإصلاحية الطبية التي تفيد اعظم فائدة للمشتغلين بالطبابة، فضلاً عن أن فيه من الحقائق العلمية ما يوافق العلم الحديث وهانحن نذكر شاهداً وجيز الفصل للدلالة على أسلوبه وطريقته. قال: فصل في تسمين القضيف وتقضيف السمين. السمين العبل مستعد لوقوعه في المرض سريعاً. وطريق تهزيله تقليل غذائه بحيث لا تضعف القوة، ورياضته على الريق رياضة متعبة، متنقلاً إليها بالتدريج. فإن السمين إذا فاجأ الحركة العنيفة اخطر بنفسه. ويجب أن يغذى بالأغذية اليابسة كالقلايا (أي المقليات) والمطجنات. ويجنب الامراق والدسم، ويتناول من الخل حسب الاستطاعة ومما يطبخ بالخل. وكذلك المري، ويستحم على الريق ويستكثر من الدلك، وخاصة الدلك الخشن والأدهان بالأدهان الحارة ومصابرة الجوع. ومن الأدوية المهزلة مداومة اخذ الاطريفل الصغير. وأما المهازيل فهؤلاء. تخصب أبدانهم باستعمال الأغذية المرطبة ويتفسحوا في تناولها، ويدخلوا الحمام عقيب الهضم، وقبل الحركة ويقللوا التعب، ولا يتعرضوا للشمس، ولا للعرق والدخان والغبار ويجلسوا على الفرش الوثيرة، ويهجروا الأغذية الحامضة ألا ما اصلح الشهوة ونبهها من المقدار اليسير. وسيأتي في كتاب الزينة كلام مستوفي في هذا الباب.
فترى من هذا المثال منزلة هذا الكتاب وبذل العناية في تعميم فوائده في طبعه إذا تمت أجزاؤه. ومن الغريب أن من هذا الكتاب نسختين في دار الكتب الخديوية وكل نسخة منهما تحوي الجزء الأول والتي عددها 7697 تامة والتي عددها 7698 ناقصة الأخر لكن فهرست الكتب المذكورة لم تذكر سنة كتابتهما. ولعل ذلك ناجم من إهمال التاريخ فيهما. وبهذا القدر كفاية. التشبيهات العامية أصبحت اللغة العربية تضم بين دفتيها أمماً شتى متبعثرة في كل صقع من أقاصي الهند وماليزيا شرقاً، إلى أقصى بلاد الغرب وبحر الادرياتيك غرباً، لا بل تعدت عباب الاقيانوس، ونثرت بذورها الحية في أميركا، فأصبحت موضوعاً من المواضيع التي تستحق البحث، لا سيما وأن اللغة خزانة تكنز تحت إغلاقها آثار الأمة وأفكارها، ولولا تقيد خواطر الأمم بالأخبار، وتدوينها في الكتب التي هي نسيلة لغتهم لضاعت الأمم كلها بأسرها؛ فهي أوسع عيبة لأخلاق الأمم ومعارفها، واعدل شاهد على الناقص والوافر من الناطقين بها. نرى صفاً من العلماء قد واصلوا الخطى، واجهدوا دقائق الدماغ، تفكراً وسعياً وراء العلوم الطبيعية أم الاختراعات الحديثة، وطلباً لمصادر الثروة، وتقريباً لأسباب المعيشة وتسهيلاً للنقل، وتخفيفاً للأثقال، ونرى أمامهم صفاً آخر ليس بالقليل يفتش أعماق الصخور، وينقب في أجواف الكهوف، عن كلمة من لغة الأمم البائدة، أو عن سطر من أسفارها، طلباً لتوسيع المدارك واختباراً لحالات البائدة. وتصفحاً لأخبارها وآثارها ومن أخلاق وعلوم وعادات. على أن علماء هذا اليوم لم يوجهوا أنظارهم إلى ما تقادم عهده من الأمم الهلكة المنقرضة، ولغاتها، وآدابها، وتاريخها، بل حولتها أيضاً إلى لغات أقوام هذا العهد الحية، وأخذت تعارضها بما سبق مثاله منها. لتعرف أسرار
الغابرين من وقوفها على دخائل المعاصرين. فنهض لهذه الغاية من جميع الأمم قوم من أهل السعي والإقدام، ونثلوا كنانة وسعهم وراء تحقيق هذه الأمنية، ففازوا بالسهم المعلى منها؟ وهانحن أولاء نقتفي آثارهم في وضع حجر في أساس لغتنا الشائعة العامية، تلك التي اختصم في أمرها أقلام ثلة من الكتاب، تختلف آراء أصحابها بعضها عن بعض. فقوم يظن أنها كانت قبل الإسلام أسيرة خدرها قد اشتبكت على حجلتها الإطناب، فعاشت بعيدة عن عوامل النحت والتحريف، نائية عن فواعل القلب والتصحيف؛ بل أصبحت في منحى لا يصل إليه التغيير، ولا يتطرق إليه الفساد. كيف لا وهي لغة نشأت بين قوم لم يألفوا ألا البهائم والقفار؛ ولم يعرفوا سوى المغاور والكهوف من الأمصار، حتى قال قائلهم: (ليس وراء عبادان قرية). ولهذا قال أصحاب هذا الحزب أن اللغة العامية ليست واللغة الفصيحة بتوأم، بل هي أخت صغيرة لها، نشأت بعد أن قطعت أختها البكر نصاباً من العمر أو مئين من السنين. وهناك حزب يرى انهما رضيعتا لبان، نشأتا في مهد واحد، وترعرعتا في حضن واحد، وأن اللغة العامية برأسها قديمة بقدم الفصحى. وربما ينضم إلى الحزبين حزب معارض وهذا صوته: إن اللغة العامية أن أريد بها نتائج التحريف والقلب والتصحيف فهي قديمة لوجودها في لغة الناطقين بالضاد منذ الزمن الأول، ولأنه لا يمكن للغات كلها أن تخضع لقانون عام ترسف بقيوده، وليس غرض الناطق إلا ما يدل على المقصود؛ فيردد ما يخف على الشفاه، ويسهل على اللسان، فيضطر حينئذٍ إلى التصحيف والتحريف؛ وحسبنا شاهداً على ذلك أن اللغة العامية في الأول كانت مقصورة على النادر والشاذ، ثم نمت هذا النمو المدهش؛ ولولا خطة البحث هنا أضيق من سم الخياط، لسردنا عليك أدلة جمة مقنعة. وإن أريد بالعامية ما اشتملت على الدخيل، وما حط بفنائها من النزيل، فهي ليست بقديمة كما هو مذهب الحزب الأول والشواهد هي أدلتهم. ولقد تتبع الباحثون عن لغتنا الفصحى، فكانت نتيجة استقرائهم قوانين
ونواميس قد عمت مفرداتها ومركباتها، فأودعوها مجلدات ضخمة، هي المعاجم وكتب النحو والصرف وأسفار المعاني والبيان والبديع؛ ولو قيض للغتنا العامية نقاب يستقري كلماتها، وينقب عن دقائقها، لعرف أن في الفرع ما في الأصل، بل وزيادة. ولا يلبث أن يرجع ممتلئ الحقائب من تلك النواميس الوضعية. فإن من عرف أن تلك القوانين ليست بالطبيعية ولا العقلية ولا يمكن التملص منها بل هي وضعية ناتجة عن قياس: كبراه الاستقراء، وصغراه الأغلب، آمن بأن لغتنا العامية قابلة للخضوع لتلك القوانين عينها. أما الأعراب فلا يستطاع إدخاله فيها كما هو في أختها لأن السكون سائد عليها فلا تجد حركة في آخر كلمة منها، ولكن النحو مستطاع لمعرفة الفاعل والمفعول وجملة من مسائل النحو بطريقة أخرى؛ عسانا أن نطرق موضوعها بعد البحث والتنقيب. وأما البديع فهو بأغلب أنواعه موجود فيها كالجناس والانسجام والاقتباس والاستعارة والتلميح والتشبيه الذي هو موضوع البحث. فالتشبيه، وبعبارة اضبط: القياس أو المقارنة موجود في لغتنا العامية ووجوده في أختها وسأفرغ الوسع في رسم التشبيهات بنصها ومنطوقها؛ ولا اتعرض للتشبيهات المبذولة فإنها لا تصلح لأن تكون غذاء للفكر، ولا مورداً للأقلام؛ وإنما اذكر الشائعة منها، والجارية مجرى المثل، وأنت تعلم بين التشابيه والمثل. فالمثل توقيفي، وهي ليست بتوقيفية، وربما التقينا على مادة البحث بصاحب الأمثال العامية وافترقنا بسلام وبعد هذا التمهيد أقول: أدوات التشبيه في لغتنا العراقية العامية ثلاث: (مثل) (وجنه) بالجيم المثلثة الفارسية ونون مفتوحة وهاء ساكنة؛ اصلها كأنه وقد اعتاد بعض العراقيين قلب الكاف جيماً كما مر الكلام عنه في هذه المجلة والأداة الثالثة المصدر المدخول عليه أداة تشبيه محذوفة. فإذا علمت ذلك اذكر لك الآن ما يقع في حفظي من التشابيه، فمنها قولهم: (مثل الزيبك لا يطير بعيد، ولا ينلزم بالأيد) الزيبك كثير الاضطراب، منه ما يستقى من معدنه، ومنه ما يستخرج من حجارة معدنية؛ واصل اللفظة زئبق، والعامة تبدل القاف كافاً فارسية مثلثة كما مر الكلام
عنها في غير هذا الموطن؛ وتبدل الهمزة ياء كما في وسائل ومائل فتقول فيهما (سايل ومايل) والزئبق بفتح الباء وكسرها فارسي معرب. (ابعيد) بهمزة مكسورة كسراً غير بين، وسكون الباء وهو بعيد فعيل بمعنى فاعل، زادوا عليه الهمزة هرباً من الابتداء بالساكن. (ينلزم) بفتح الباء وسكون النون وكسر اللام والزاء وسكون الميم وهو مضارع انلزم انفعل من لزم، ولزم في اللغة يأتي بمعنى ثبت ودام وأما العوام فيستعملونه بمعنى مسك وقبض. وزادوا في أوله النون إشارة إلى ما لم يسم فاعله، فانهم إذا أرادوا بناء الفعل للمجهول حملوه على وزن انفعل كما في قولهم أتقتل ينقتل وانضرب ينضرب، وليس عندهم بناء للمجهول في غير انفعل إلا ما ندر. وهذا النادر هو وزن تفعل وافتعل. والأيد. اليد. وعدم بعد الزيبك كناية عن اضطرابه المتواصل وهي وجه الشبه وقد قصد أبو تمام هذا التشبيه في الزئبق، فقال: وتنقل من معشر في معشرٍ ... فكأن أمك أو أباك الزئبق وأورده المتنبي في قوله: أدرن عيوناً حائرات كأنها ... مركبة أحداقها فوق زئبق وهذا التشبيه يذكر لمن يكون قريب المنال وعزيز الحصول عليه وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس وتشبيه حالة بحالة. ومن هذه التشابيه الخاصة بأهل العراق قولهم: (الطول طول النخلة والعقل عقل الصخلة) الطول: بكسر الألف كسراً غير بين، وحذف اللام لفظاً، وواو ولام ساكنتين، معروف. طول، بطاء مضمومة بعدها والساكنة يليها لام متحركة مشتركة هو أيضاً. بالمعنى المشهور. النخلة بالضبط المتعارف واللام المفخمة هي بمعناها المألوف. والعقل بالضبط المشهور ولفظ القاف الصريحة كافاً مثلثة فارسية واللام الساكنة. وعقل الثانية، مثل الأولى مع تحريك اللام بحركة مشتركة والصخلة. وزان النخلة. مع تفخيم اللام في كلا اللفظيين. والصخلة تصحيف السخلة وهي العنزة عند أهل العراق، تأنيث السخل وهو التيس عندهم. والبحث عن أدراك الحيوانات وتعقلها أمر لا حقيقة له ألا عند أصحاب
الخرافات وواضعي الأمثال على السنة العجماوات. فانهم قد فعلوا ذلك بغية إصلاح الإنسان لا غير. ومهما يكن من هذا الأمر وآراء الماديين والروحانيين فيه، فإننا لا ننظر إليه هنا إلا من جهته عند أهل البديع. فإن هذا التشبيه يضم تشبيها آخر على حد طريقة التشبيه المركب في اصطلاح علماء هذا الفن. إما تول المتشبهين فلا يتضمن شيئاً يوجب الالتفات. وإما الثاني ففيه فائدة لأن العامة تقول: عقل صخل، وعقل اصخول (- صخول) وتريد به أحد الوجهين. وهما: أما لأن المعز اشتهرت عند العرب بالغباوة - وهو مما لم يثبته الواقع إثباتاً لا يبق مجالاً للريب - فانهم إذا أرادوا التعريض بجهله وظلمة عقله قالوا: هو تيس. وإذا أرادوا الغاية في الجهل والغباوة قالوا: ما هو ألا تيس في سفينة. فأخذت ذلك العامة وشبهت به البليد. - وأما انهم يطلقون لفظ الصخل ولا يستعملونه في معناه الحقيقي بل هو عارية عندهم للزنجي لما بين لوني هذين المخلوقين من المشابهة في اللون. أو لتوحش الزنوج وهمجيتهم. وهذا التشبيه يساق لمن كبرته المناظر، وصغرته، المخابر، فالرائي يرى المرئي طوله كطول النخلة وعند الاختبار لا يرى فيه من العقل ما يزيد على عقل السخلة. وقد حذفت العامة أداة التشبيه وأقامت المصدر مقامها كما في قولهم: تمر مر السحاب. ومن تشابيههم قولهم: (مثل البعير، يشيل شكر، ويأكل عاكول) (ضبط الألفاظ ومعانيها) البعير، بكسر الباء عندهم دائما ولا يفتحونها البتة. وهي لغة قديمة في العراق وغير هذه الديار. قال عمر بن خلف بن مكي: (كل فعيل وسطه حرف حلق مكسور، يجوز فيه كسر ما قبله، أو كسر فاءه اتباعاً للعين في لغة تميم، كشعير ورحيم ورغيف وما أشبه ذلك، بل زعم الليث: إن قوماً من العرب يقولون ذلك وأن لم تكن عينه حرف حلق ككبير وجليل وكريم.). - والبعير للذكر من الإبل. ويسمون الأنثى ناقة (بلفظ القاف كافا فارسية مثلثة) وبعيرة. (يشيل) مضارع شال ومعناها عندهم رفع وحمل. وهي مأخوذة عندهم
باب المشارفة والانتقاد
من شالت الناقة بذنبها: رفعته، وشال الذنب نفسه أي ارتفع متعدٍ ولازم - (شكر) سكر. وهي لفظة قديمة في الفارسية من اصل سنسكريتي. والسكر عند الفرس قسمان: قسم طبيعي وهو ماء القصب (وقصب السكر وهو الابلوج وهذه أيضاً من اصل فارسي واللفظة العربية هي المصاب، بضم الميم). وقسم صناعي، وهو يكون أجزاء صغيرة متبلورة ذات أشكال هندسية مختلفة الهيئة من مثلثة ومربعة ومستطيلة. ولم نجد لكلمة سكر مرادفاً عربياً صرفاً في ما وصلت إليه أيدينا من الكتب. ولا جرم أنها دخلت لغتنا باحتكاك أبناء العرب بأبناء الفرس. وشكر (وزان سبب) تخفيف شكر الفارسية (وزان زفر وقبر أي بضم وفتح في الأول. وضم وفتح بتشديد في الثاني) (ويأكل) غير مهموزة وهي لغة فاشية عندهم. (وعاكول) بكاف مثلثة النقط أو قاف هو العاقول، النبات الشائك المشهور الذي تأكله الابال وهو دائم الخضرة ينبت في الأرضيين الرملية وعلى ضفاف الأنهار. وجميع ألفاظ هذا التشبيه ساكنة الأخر ألا كلمة (مثل) فلكون وراءها أل التعريف تحرك بحركة مختلفة مشتركة اللفظ بين الكسر والضم. يساق هذا التشبيه لمن يجلب المال الكثير بأنواع الكسب؛ وعليه فهو (يشيل شكر) ويقنع بالعيش الوبيل فهو (يأكل عاكول). وهذا من باب تشبيه غير المحسوس بالمحسوس وتشبيه حالة بحالة وكأن لغتنا الفصحى لم ترض لأختها الانفراد بهذا التشبيه فشاركتها بقول الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول النجف: (عش) باب المشارفة والانتقاد 1 - سبل الرشاد (مجلة بغدادية) مجلة دينية علمية اجتماعية فلسفية تاريخية، تصدر في الشهر مرة.
(في 32 صحيفة) لصاحبها ومديرها المسؤول: محمد رشيد الصفار. - يحرر فيها أحد فضلاء الهيئة العلمية. - اشتراكها السنوي ريال مجيدي في الممالك العثمانية. وفي البلاد الأجنبية يضاف عليها أجرة البريد ونصف القيمة لتلاميذ المدارس والعلماء ورؤساء الأديان على اختلافها. - نقلنا هنا بالحرف والرسم ما جاء على غلاف المجلة. واليك فهرس أبحاث هذا العدد: فاتحة الكلام. سبل الرشاد. التفكير والتدبر. كلمات من الحكم. نبذة من الأدب. تاريخ بغداد للعلامة شكري أفندي آل الالوسي. المتولد والمتوالد من الحيوان. منشور من باب مشيخة عموم السادات الصوفية بالديار المصرية. مراتب الكمال. مدرسة الإمام الأعظم رضه. كلية الإمام الأعظم. الفلسفة والفلاسفة. تاريخ صدور المجلة. وقيمة النسخة غرشان. فمن وقف على هذا كله علم ما في هذه المجلة والى أي غرض ترمي ومنزلتها من العلم وكفاها فخراً أن يقال: صاحبها محمد رشيد أفندي الصفار ومن كتابها محمود شكري أفندي الالوسي. وكلاهما من مشاهير بغداد. ونحن نتمنى أن تكون أبحاثها مفيدة للقراء نافعة لأبناء الوطن. بمنه تعالى وكرمه. 2 - دير القمر (جريدة) جريدة لبنانية عامة، تصدر موقتاً مرة في الأسبوع في دير القمر (لبنان) قيمة اشتراكها في لبنان والولايات العثمانية مجيديان وفي القطر المصري 10 فرنكات وفي البلدان الأجنبية نصف ليرة إنكليزية. وصلنا العدد الثالث من هذه الجريدة لصاحبها مسعود سماحة ونعوم افرام البستاني. وهي من الصحف التي تود ترقي جبل لبنان ولذا ترى صاحبيها يبذلان ما في وسعهما للبلوغ إلى أمنيتهما وهي نعم الأمنية. والظاهر من عبارة الجريدة أن كاتبيها يعنيان كل العناية تحبير الصفحة الأولى منها فإذا بلغا الوجه الثاني قل سعيهما في تحسينها؛ وهي كثيرة أغلاط الطبع كمطبوعات بغداد (ما عدا مطبعة الآداب) من ذلك ما جاء في راس الصفحة الثانية: 150 نفس والأصح 150 نفساً، ومنها مخابرة أهالي القرى، والأفصح: مفاوضة أهالي القرى. ومنها: وقد بلغت لمنكوبي هذه الحادثة مليون وخمسة وعشرون ألف فرنك. والأفصح: مليوناً
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
وخمسة وعشرين ألف فرنك. وقس على ذلك سائر المقالات. فالأمل أن يعتني بتخير مواضيعها وتحرير عبارتها. 3 - التنقيب في سامراء من ديار العراق. قصر إسلامي من القرن التاسع تأليف المسيو م. هو فيوله، رازٍ له شهادة عالية من الحكومة. ذاع خبر سامراء وقصورها السامقة الشهيرة البناء فطبق الخافقين؛ إلا انه كان يظن انه لم يبق من تلك المعاهد الجليلة ألا الموطن لا غير. بيد أن الإفرنج أهل السعي المتواصل والتحقيق الذي ليس وراءه غاية، بذلوا ما في وسعهم ليتأكدوا الأمر بأنفسهم. فلما جاء منهم نفر وبحثوا عن الأمر نعما اثبتوا أن هناك أشياء جمة تميط اللثام عن كثير من الحقائق المنشودة. ومن جملة من تابع البحث بنفسه عن هذا الدوارس المسيو فيوله. فانه احذ رسوم كثير من تلك البقايا العربية منها بالقلم ومنها بالشمس، فجاءت تلك الصور احسن دليل على ما كان عليه رقي فن عهد العباسيين. وفي الكتاب 33 صفحة كبيرة مع رسوم مختلفة و23 لوحة متقنة الرسم. فنحت علماء البحث من عارفي اللغة الفرنسية أن يطالعوا هذا الكتاب بتدبر ليقفوا على آثار السلف ويتقفوهم. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - الحر والغيم والمطر في الحاضرة اشتد الحر منذ أوائل هذا الشهر إلى آخره، فبلغ اغلب الأيام الدرجة 45 من المقياس المئوي في الظل الظليل. وتكاثفت السحب نهار الخميس والجمعة 6 و 7 حزيران وأبرقت السماء ورعدت ثم أمطرت قطراً ضخماً دام 5
دقائق. وكل ذلك من الأمور التي لم يسمع بها في حاضرتنا في مثل هذا الشهر. 2 - حريق في الجزيرة ليلة السبت 23 جمادى الآخرة (- 8 حزيران) بعد صلاة العشاء ظهرت النار في سوق الجزيرة (قضاء من اقضية بغداد نظم بصورة قضاء في سنة 1884 عند فصل ولاية البصرة من ولاية بغداد وهو واقع على ضفة دجلة اليمنى على بعد 95 كيلومتراً من جنوب شرقي بغداد) فنادى المنادي بالويل والثبور فأسرع الناس إلى محل الطامة، وحصروا مأكل النار موطن بأن هدموا ما حواليه من الأبنية المعرضة للخطر وذلك بهمة قيم مقام القضاء ومن معه. وما مضت ثلاث ساعات إلا وقد خمدت تماماً. أما الخسائر فرجل واحد من الأعراب وجد بعد خمود النار محروقاً في إحدى الحوانيت. ونحو نيف وخمسين حانوتاً مع قهوتين وثلاث علاوٍ (جمع علوى وهي محل بيع الحنطة وسائر الحبوب). عوض الله المنكوبين من خسائرهم ما يعيد إليهم حالتهم الأولى. (ملخصة عن الزهور) 3 - الساعة الزواليةٍ اتخذت الحكومة في دواوينها العسكرية والملكية الساعة الزوالية (الإفرنجية) مع بقاء الساعة الغروبية للصلاة والآذان. وعليه فيكون فتح دواوين الحكومة في الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الثانية عشرة ونصف وحفظاً لمصالح متوظفي الحكومة وحرصاً على أوقاتهم أقيمت ساعتان عند باب دار الحكومة الواحدة لأوقات العبادة والثانية لأوقات الشغل. 4 - نهر الرشادي تم حفر نهر الرشادي (من انهر الديوانية) وجرى الماء فيه نهار الخميس 21 جمادى الآخرة (- 6 حزيران) ووصل الماء إلى الديوانية نهار الجمعة. 5 - غزوات الأعراب هجمت عشائر عنزة والرولة (رولة ابن شعلان) والحويطات طائفة من الشرارات وبنو صخر والسرحان على شمر في ديار نجد فأخذت منها 600 بعير وقتلت 16 رجلاً. فلما رأت شمر ما حل بها من الذل والعسف تجمعت عشائرها
وتأثرت الغزاة، فاستردت منهم ابلها وسلبتها 700 هجين وشيئاً كثيراً من الخيل والعدد. (عن الرياض بتصرف في العبارة) 6 - سالار الدولة في المحمرة لما يئس سالار الدولة من متابعة خطته وتحقيق أمنيته فر في هذه الأيام إلى المحمرة لائذاً بالشيخ خزعل خان. ولا نعلم إذا كان يطيب له المقام هناك، بعد أن اشتهر هذه الشهرة بين الخاصة والعام. (ملخصة عن الزهور) 7 - إحصاء المارين على جسر بغداد عينت البلدية أناساً لإحصاء عدد المارين ليلاً ونهاراً على الجسر من الجانبين. فكان عدد المارين يوم الأحد 16 حزيران من جانب الرصافة إلى جانب الكرخ 19 ألف عابر من إنسان وحيوان (كذا. أي بإحصاء الإنسان والحيوان معاً. وهذه هي المرة الأولى التي رأينا فيها هذا النوع من الإحصاء فهل ترى يوجد مثله في غير بلدتنا؟!) وكان عدد العابرين من جانب الكرخ إلى جانب الرصافة 24 ألف عابر (من إنسان وحيوان معاً!). وكان جملة العابرين يوم الاثنين (17 حزيران) من الرصافة إلى الكرخ 20 ألفاً (من إنسان وحيوان معاً!) والذين انتقلوا من ضفة الكرخ إلى ضفة الرصافة 30 ألف (من إنسان وحيوان معاً!) والغاية من ذلك معرفة عدد قاطعي دجلة على الجسر (من إنسان وحيوان معاً!) ولا تزد غاية على هذه الغاية. (نقلاً عن الزهور بتصرف قليل.) 8 - تجديد (سبيل شوكت باشا) شوكت بك دفتردار ولاية بغداد سابقاً (1271 - 1854) وهو شوكت باشا بعد ذلك كان قد شيد سنة 1272 (- 1855) سبيلاً رفعه على قواعد من المرمر. ثم توالت النكبات على محلة الميدان وهي المحلة التي فيها هذا السبيل، فخرب كما خربت أبنية ذلك الحي. فلما جاء قدرت بك مدير الأمور الأجنبية حالاً إلى ولايتنا وهو ابن عصمت باشا ابن شوكت باشا ورأى ما حل بذلك البناء صمم على تعميره بصورة تناسب دار الخلافة العباسية، فطلب إلى المهندس الفرنسوي المسيو غودار أن يخطط رسمه على هيئة بديعة، فلبى طلبه. وقد تم هذا البناء في منتصف الشهر ووزع الماء الزلال على العطاش
وقد بلغ مصرفه 108 ليرات. وللبناء صدران، على الصدر الواحد أبيات عربية وعلى الثاني أبيات فارسية وتركية. وكلها مكتوبة على الأجر المطلي بالقاشاني ويطيف بالكتابة أشجار خضراء، وأغصان غضة، ونقوش عربية، وأثمار بألوانها الطبيعية، حتى تخالها حقيقية. أما الأبيات العربية فهي هذه: ناظر أوقاف العراق الفتى ... شريف رب الحسب الطاهر في البلدة الزورا قضى نحبه ... وفاز بالغفران من غافر فسخر الباري له صاحباً ... كان له في الزمن الغابر محمد شوكت أقلامه ... تغني عن الذابل والباتر أنشأ له هذا السبيل الذي ... أبيح للوارد والصادر أصفى من الدمع على فقده ... ما قد جرى زج من الناظر (؟) وقد شوى الآجر وطلي بالطلاء القاشاني البديع وكتب في كربلاء مدينة الصناعة. فنحن نتمنى أن تكون جميع المباني الحديثة على هذا الطراز العربي العباسي البديع، أحياء للصناعة العربية. والله المعين. 9 - معرض صناعي زراعي في بغداد جمال بك والينا الحالي من احسن الولاة الذين قدموا إلى ولايتنا، ومن أشدهم حرصاً على ترقيتها، وأبعدهم همة في السهر على سعادة أبناء الوطن. ومما انتبه إليه من الأمور المنشطة والدافعة إلى خير هذه البلاد وعمرانها، إقامة معرض صناعي زراعي يعرض فيه كل ما هو من نتاج هذين السببين من أسباب النجاح والفلاح. وقد ألف لهذه الغاية لجنة أصحابها ذوو همة معروفة: 1 - لطفي بك معاون الوالي 2 - محمد كمال بك المدير الأول للرسومات 3 - السيد داود أفندي الكيلاني 4 - المسيو غرابوسكي مدير المصرف العثماني 5 - مناحيم صالح أفندي من وجهاء الإسرائيليين 6 - وجيه بك مدير الزراعة في الولاية 7 - رستم بك مدير مكتب الصنائع 8 - خسرو بك قيومجيان، من وجهاء الأرمن غير الكاثوليك 9 - المسيو فيوله، راس مهندسي البلدية. - ونحن نؤمل كل خير من وراء هذا المعرض لما ينشأ منه من ترقي الوطن والسعي وراء إسعاده وسعادته.
العدد 14
العدد 14 - بتاريخ: 01 - 08 - 1912 تيتنيك بأبيك أقسم يا ابنة البحر الذي ... واراك كيف رأيت فتك أبيك ما حط ثقلك في حشاه إهانة ... لكنه فرط احتفال فيك أبكيت اهلك لا الجزائر وحدها ... فالعالمون جميعهم أهلوك نبأ على الكرة استوى فأهالها ... فبكت وحسبك إنها تبكيك شكوا يحيلون أنطماسك آية ... هي تلك منشأ حيرة وشكوك عبرت تشق اليم غير مطيعة ... لإشارة التسكين والتحريك والبحر رهو ذو سكون رائعٍ ... والشمس تحت الأفق ذات دلوك أمليكة البحر اسمعي لك أسوة ... في الأرض كم ثلت عروش ملوك أنى ينجيك الحديد وما نجوا ... بأشد من فولاذك المسبوك يا بابل البحر الخضم سحرتنا ... سحراً أرى هاروت في تيتنيك السحر آيتك التي توحينها ... أم أنت آيته التي يوحيك وكأنك القمر الذي ألقي به ... ليضيئنا فلك السماء أبوك زعموا ضللت ولو أردت هدايةً ... كان (المحيط) بنفسه (هاديك)
ولو أن آلهة الجمال تمثلت ... للناس قبلك صورة ظنوك ولألهوك ووحدوك حقيقةً ... إذ أنت واحدة بغير شريك ما كان اقصر منك عمراً لم يطل ... لكن أطال شجا الأولى عمروك ألحقت هلهلة الشعوب بنعيها ... وجمعت تعزية إلى تسبريك أهل الثراء الجم اهلك في الملا ... وذوو النضار المستفيض ذووك ما وفروا سفن النجاة كثيرة ... تكفي الذين حملت أو تكفيك فدهيت من قوم حموك وهدمت ... فيك اليد الطولى التي تبنيك قالوا انزلي فالخطب خلفك صاعد ... وتقدمي فالنائبات تليك قتلوا بقتلتك النفوس فاينهم ... ليدوا النفوس مضاعة ويدوك واجل عاطفة لذكرك خلدت ... إيثار مالكة على مملوك سلمت نساؤك عن بوار رجالها ... ونجت بناتك في فناء بنيك خير النجاة نجاتهن فأنها ... بالدمع كانت لا الدم المسفوك كالدر ينتثر انتثار فرائد ... منها وينتظم انتظام سلوك من كل سافرة النقاب تنقبت ... بسنا ملاك واحتشام مليك جمدت تقلدها الحلي وكأنما ... جمد السبيك على مثال سبيك ولرب منتظرين آخر قبلة ... أدنت ضحوكة مبسم لضحوك يتشاكيان وإنما هي السن ... لولا البلاء لأفصحت تشكوك تدعو المتيم مقلتاك وفوك لي ... أمل فيصدع مقلتاك وفوك أفراق أختك هين فيجيبها ... كلا يهون إذاً فراق أخوك وتقول تسلوني فينطق دمعه ... لو كان لي قلب به أسلوك يا روحي احتملي الشقاء فربما ... يا روح أسعدك الذي يشقيك ما آن أن تتذكري فتذكري ... من لا يميل لخاطر ينسيك أما الرجا فلأزفرن على الرجا ... سلك القنوط له أدق سلوك أأنا أروح شريكة لك في الردى ... أم أنت ترجع في الحياة شريكي يا وجنة احترقي فقد فتك الثرى ... والماء بالماء الذي يرويك
نظرة في العادات
ولعز أن تدميك حمرة ادمعي ... من بعد حمرتك التي تدميك أما جنى الورد فيك فذابل ... إن كان عاش جنى ورد فيك قد كان مقطوفا لأكرم قاطف ... فليغد اقتل شائك لمشوك النجف: محمد رضا الشبيبي نظرة في العادات استفحل شأن العادات فاستحكمت عراها؛ وقويت حلقاتها، بعد أن كانت ضعيفة، ولكن تخالفت مظاهره في الأمم، فاصبح في أمة أقوى منه في أخرى. . . . . لا أقول: إن نفوذها استبحر في (عالمنا الإسلامي)، لا بل استغرق ثلة عوالم وأمم، فاخذ من كل أمةٍ نصيبه، حتى زحف إلى عالمنا هذا متخفياً، فاخذ يبث فيه روحه الخبيثة، إلى أن انتشر انتشاراً طبيعياً، واستوثقت روابطه فيه، فصار له النصيب الأكبر، والحظ الاوفر، فمالت إليه النفوس، وطمحت إليه الأنظار، وملك زمامها، وصارت تحت قبضته، وفي حكم سيطرته، فتمسك الناس بأصوله، وأنطبعوا به على خصال، توارثها الأبناء، عن الاباء؛ ومهما حرفوا، وغيروا، وبدلوا، كانت بقايا ما ورثوه راسخةً في أذهانهم. . . . سرى هذا الداء العضال في محيطنا، حتى صار عقبةً كؤوداً في طريق رقينا المادي، والأدبي، عقبةً في طريق نهضتنا الاجتماعية، عقبة في ترويج الإصلاح، عقبةً في طريق كل شيء تصلح به حالتنا الحاضرة. . . ذاعت نزعات العادات الخبيثة فينا، فهتك الحياء، وفشا الجهل، وغلبت النذالة، واستولى حكم الصفات الرذيلة، على النفوس النبيلة، وفسدت الاخلاق، وانحطت الطبائع عن حالق. . . . لم يستطع أحد نزع هذه الأوهام الفاسدة، والخيالات الواهية، بعد أن تعلقت بالعقول، والتبست بالأفكار، فكانت منشأ الهمجية والتعصب، منشأ الصفات الذميمة، منشأ حصول التعاسة، منشأ ما يمس بشرف الإنسانية، ويخدش عواطفها. . . .
أن قوماً تخلقوا بالعادات والخزعبلات، قوم هجر الحياء نفوسهم، فلا ترى فيهم سوى سوء الطبائع، وقبح الأخلاق، والإخلاد إلى سفاسف الأمور، قوم شوهوا محاسن وجه الحقيقة ببراقع الخرافة والمداجاة، بستائر الأقاويل والتمويهات، وألبسوها حلةً غير حلتها الطبيعية. إن النفوس الميالة بالطبع إلى هذه السفاسف والخرافات، كفى بها شناعةً أنها سقطت إلى حضيض الخسة، وانحطت عن درجات الإنسانية، ومكانة الاعتبار. . . جارت صروف هذه العادات على محيطنا، فثلمت مجده، وسلبته مزية الفضائل، وأورثته فتوراً في حركاته تجاه المعالي، قصوراً في همته نحو الفضائل، ضعفاً في قواه، بلادة في شعوره الفطري. . . . نجمت هذه الخرافات، فكانت صدمةً شديدة على بناء المعارف، صاعقة مجتاحةً لاقتطاف ثمرها الجني، صدعاً متفاقماً في روح الاجتماع، عقبةً في سبيل المدنية والحضارة، أماتت الأذهان الحية، حصرت الأفكار المنورة، ضغطت على الإحساس الحي، نفثت سمها في روح الأخلاق. . . أصبحت هذه الخرافات الاعتيادية، سداً منيعاً حال بيننا وبين الإصلاح، ووقف بيننا وبين المعارف الحقة، وقتل نهضتنا الأدبية، فقضى على أخلاقنا البسيطة، وشعورنا الفطري. . . تدرجت هذه الاعتيادات، فاتسعت لها أذهان الخرافيين، وتدحرجت فدخلت قلوبهم، حتى صيرت أذهانهم عشاً لها واهي الدعائم، بل هو (أوهى من بيت العنكبوت). . . مدهشة أنت أيتها العادة. مدهشة سياستك. سياستك تشبه سياسة (الإنكليز) حيث (تدخل في الأذن بغير إذن). آهٍ آهٍ! أخشى أن نقضي سيطرة الغفلة، فتحل طباعنا، وتقضي على نواميس حقائقنا الخرافات الاعتيادية وعلى لبابها الصافي من القشور!!! النجف: محمد باقر الشبيبي
قصر الاخيضر
قصر الاخيضر ورأي العلامة الآلوسي فيه. 1 - ما هو قصر الاخيضر على بعد نيف وخمسين كيلو متراً من غربي كربلاء، أو على بعد 100 كيلو مترا من غربي الفرات، قصر فخم ضخم، قائم احسن قيام على أسسه المتينة المكينة، يسميه العراقيون: (الاخيضر)، مصغر الأخضر، وهو ذو طبقتين يبلغ طوله 200 متر. وأول إفرنجي زار هذا القصر زيارة تذكر هو الرحالة نيبهر ثم زراه بعض سياح الإنكليز إلا انهم لم يكتبوا عنه شيئاً يستحق التنويه به، وفي سنة 1908، تعهده الشاب الذكي، والمستشرق اللوذعي، صديقنا لويس ماسنيون، فكتب عنه في عدة مواطن من المجلات، من جملتها في (نشرة مشارفة مجالس ندوة العلماء للرقم وعلوم الأدب، وفي (المذكرات التي ينشرها أعضاء دار العلوم الفرنسوية للآثار الشرقية، المقامة في مصر القاهرة، تحت إدارة المسيو أ. شاسينا؛ ثم زارته، بعد بضعة أشهر من تلك السنة، الآنسة الإنكليزية ج. ل. بل ووصفته وصفا مدققاً في كتابها (مراد إلى مراد) وبالإنكليزية ثم زاره الأديب الفرنسوي فيوله في شهر آب من سنة 1910، وكتب عنه مقالاً نفيساً قدمه إلى الأديب ديولافوا.
2 - عصر بناء القصر وبانيه اختلف العلماء كل الاختلاف في اسم هذا القصر، وفي بانيه الأول، وفي القرن الذي بني فيه. فالمهندس الأثري الأديب ديولافوا يذهب إلى أن هذا القصر يرتقي إلى الربع الأخير من القرن السادس للميلاد، أي قبيل العصر الإسلامي. والذي يحدوه إلى هذا الرأي هو قوله: (أن الريازة (فن البناء) وفن تزويق الأبنية كانا قد بلغا أوج الكمال، منذ عصر سامراء، ومن ثم يتضح أن كل بناء عظيم لا ترى فيه الريازة إلا في نيتها أو في نشوئها، فهو على الأرجح سابق للإسلام كقصر الاخيضر في العراق. أما الآنسة (بل) فإنها لا ترى هذا الرأي، بل تذهب إلى أن هذا القصر أقيم في الصدر الأول للإسلام. ووافقها على هذا الفكر الأديب فيوله المذكور، وهو اليوم رأس مهندسي الولاية، قال: (لقد تحققت كل التحقق أن هذا القصر إسلامي كل الإسلام، وهذا ما يظهر من الأساليب والذرائع المتخذة لتشييده. وقد زاد يقيني هذا كل الزيادة، لما نبشت في الأرض نبشاً زهيداً بواسطة المعول؛ وللحال وقعت على محراب في وسط الحائط الجنوبي وهو حائط بهو عظيم، سمته الآنسة (بل) (وقد صدقت تسميتها) بالمسجد. ولو فرضنا أننا لم نعثر على هذا المحراب، فأن استقراءات الأديب ديولافوا، لا تقضي إلى نتيجة تؤيد أن قصر الاخيضر هو غير إسلامي، ولو أنه تفرغ كل التفرغ لإنعام النظر في البحث الذي أنشأنه في هذا الصدد. لأن الريازة وفن تزويق البناء عند المسلمين، لم يبلغا طور الكمال في سامراء؛ بل كانا في حال التكون بامتزاج امشاج اطراز الأبنية المختلفة التي تآصرت فيما بينهما وتآخت. وهذا الأمر من اثبت الأمور، لأن التشابك لم يكن له بعد وجود عندهم. ولو فرضنا أن طرز البناء الإسلامي بلغ قراره في سامراء، فهذا لا يدل على ما يبين لي، أن الأخيضر يسند إلى العصر السابق للإسلام، لأن تزاويقه البنائية هي في غاية النشوء، وهي فيه بعد كالجنين في رحم أمه. نعم قد يحتمل أن غاشية الجص التي كانت تغشى دواخل الحيطان تزيينا لها، قد سقطت عنها على تراخي أستار الأيام على هذا القصر
السيئ البناء، لكن قد يحتمل أيضاً أنها لم تكن، لسبب أن هذا القصر قد بني، على ما يظهر، بناءً حثيثاً ليكون مصيفاً لصاحبه، لأن مواد بنائه رديئة (وهي أحجار وحصى أو جنادل مغرقة في ملاطٍ) فيكون هذا البناء من الجنس المعروف باسم حشو الاشكنج ولا يحتمل أن يكون مقاماً مزيناً بتزاويق البناء، كما هو الأمر في قصور الخلفاء. من قصور سامراء أو بغداد كلام الأديب فيوله. وأما الأديب لويس ماسنيون، فأنه لم يبت أمراً في ما يتعلق ببانيه، وعهد بنائه بل يميل إلى القول بأن هذا القصر إن لم يكن الخورنق أو السدير، فلا يبعد من أن يكون القصر، ذا الشرفات من سنداد، الذي يقول فيه الأسود بن يعفر: ماذا اومل بعد آل محرقٍ ... تركوا منازلهم وبعد أياد أهل الخورنق والسدير وبارقٍ ... والقصر ذي الشرفات من سنداد وأما أستاذنا، حضرة الشيخ العلامة السيد محمود شكري أفندي الآلوسي، فأنه يذهب إلى أن هذا البناء شيد في صدر الإسلام، في عهد عمر بن الخطاب في نحو سنة 635 للمسيح، أي في السنة الثانية من خلافة عمر وقد بناه اكيدر الملك السكوني الكندي، فسمي باسمه، ثم صحفه العوام هذه الكلمة بأن جعلوا الكاف، خاء والدال ضادا كما هو معروف في لسانهم فقالوا فيه: (قصر الاخيضر) وإنما هو (قصر الاكيدر). ومما يثبت هذا الرأي ما ذكره ياقوت في معجمه، قال في مادة دومة الجندل:
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح اكيدر على دومة، وأمنه، وقرر عليه، وعلى أهله الجزية، وكان نصرانياً، فاسلم أخوه حريث فاقره النبي (صلى الله عليه وسلم) على ما في يده، ونقض اكيدر الصلح بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) فأجلاه عمر (رضه) من دومة، في من أجلى من مخالفي دين الإسلام إلى الحيرة، فنزل في موضع منها قرب عين تمر، وبنى به منازل وسماها: (دومة). وقيل (دوماء) باسم حصنه بوادي القرى، فهو قائم يعرف، إلا أنه خراب. فقصر الاكيدر إذاً هو بناء نصراني بناه صاحبه على عجلة بعد أن أجلى عن حصنه بوادي القرى. وهو قريب من عين التمر وليس حصن هناك قريباً من هذه المدينة قرب قصر الاكيدر منها. وأما وجود المحراب في حائط الجنوب، فيعلل بأن المسلمين الذين احتلوا القصر بعد صاحبه، أقاموا فيه محراباً، قياماً بشعائر الدين، كما هي عاداتهم في قصورهم وحصونهم الكبيرة ولا سيما إذا بنيت بعيدةً عم جامع أو مسجد، كما هو الأمر في بادية مثل هذه البادية التي شيد فيها قصر الاخيضر أو الاكيدر. 3 - سبب تسمية هذا القصر بالاخيضر قد مر بك أن الاخيضر سمي كذلك من تصحيف العوام للفظة الاكيدر ليس إلا. وأما الذين لم يقفوا على هذه الحقيقة المقررة، فقد ذهبوا في هذه اللفظة ومناسبتها لهذا الحصن مذاهب شتى، منها: 1: إنما سمي كذلك، لأن الاخيضر تصغير الأخضر، وقد أتته الخضرة من عين هناك يبض منها الماء بضاً، فينبت حول القصر عشب، يحسن منظر القصر في عين الزائر، أو تنمو في فصل الأمطار خضرة على حيطانه القديمة، فيظهر كأنه البس ثوباً من سندس أو إستبرق. وقيل: لأن أرض الحصن خصبة والخصب ينعت بالأخضر، لأن الخضرة هي من أسباب الخصب. ومنه قول العرب: (هم خضر المناكب) أي في خصب عظيم. ومثله: هم خضر المرابع. ومنه قول الشيخ صفي الدين الحلي: أنا لقوم أبت أخلاقنا شرفاً ... أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا بيض صنائعنا سود وقائعنا ... خضر مرابعنا حمر مواضينا
وقيل: إنه سمي بالاخيضر لأن هناك ذباباً يعرف بهذا الاسم وهو يكثر فيه في أبان الربيع وهو بقدر الذباب الأسود المتوسط الكبير، وقد يؤذي الدواب والناس. 2: ذهب بعضهم إلى أن اصل هذه التسمية، (تسمية الاخيضر)، ترتقي إلى سنة 310. وذلك أن ابن سيرين ذكر في تاريخه قال: وفيها (أي في سنة 310هـ - 2922م) انتقل أهل قران من اليمامة إلى البصرة لحيف لحقهم من ابن الاخيضر في مقاسماتهم وجدب ارضهم، فلما انتهى أمرهم إلى أهل البصرة سمي أبو الحسن احمد بن الحسين بن المثنى في مال جمعه لهم فقووا به على الشخوص إلى البصرة، فدخلوا على حال سيئة، فأمر لهم سبك، أمير البصرة بكسوة ونزلوا بالمسامعة محلة بها. وقال المسعودي في كتابه التنبيه والأشراف ص 381 بخصوص الاخيضر ما هذا نصه: . . . ثم مسيرة (مسير أبي طاهر سليمان بن الحسن بن بهرام الجنابي، صاحب البحرين، في سنة 313هـ - 925م) عن الكوفة إلى الاحساء بالذرية والثقلة وتسليمه البلد إلى إسماعيل بن يوسف بن محمد بن يوسف المعروف بالاخيضر، صاحب اليمامة، ابن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ومسير أبي القاسم يوسف بن أبي الساج عن واسط في عساكره للقائه؛ وكان السلطان أشخصه عما كان يليه من الأعمال من بلاد أذربيجان، وأرمينية، واران، والبيلقان، وغيرها، ليستعد من واسط، وينفذ إلى بلاد البحرين؛ وكان مقيماً بواسط مستعداً، إلى أن جاءه الخبر بمسير صاحب البحرين إلى الكوفة، فخرج مبادراً له فسبقه أبو طاهر إليها، ونزل الموضع المعروف بالخورنق وجازها؛ ونزل ابن أبي الساج في اليوم الثاني بالقرب منه في الموضع المعروف ببين النهرين، مما يلي القرية المعروفة (بحر وراء)، واليها أضيفت (الحرورية)، من الخوارج، وأبو طاهر بينه وبين الكوفة: فكانت الواقعة بينهم يوم السبت لتسع خلون من شوال سنة 315هـ (أي في 9 ك1 من سنة 927م). المقصود من إيراده. وعليه فالمراد بالاخيضر، الخورنق. وسمي الخورنق بالاخيضر لأنه نزل
فيه فأضيف إليه منذ ذاك اليوم، وحمل اسم الخورنق الفارسي الاصل، الثقيل على لسان العربي. 3: وقال المستشرق الأديب لويس ماسنيون: وهناك رجم آخر وهو غير محتمل لما بين اللفظين من البعد أن الاخيضر مأخوذ من (الاكيدر)، صاحب دومة الجندل الكندي الذي ارتد إلى النصرانية. بعد وفاة النبي، وكان لهذا الملك حصنان: الواحد في دومة الحيرة (وهو في الواقع قريب من عين التمر)، والآخر في دومة الجندل، وقد ذكره ياقوت (في 2: 626) في قوله: (وفي داخل السور حصن منيع يقال له مارد وهو حصن (اكيدر) إلا أن هذا الرأي هو رجم محض، وموقع دومة الجندل على بعد أربع ليال من تيماء بين المدينة والشام؟ يجعل هذا الرأي بعيد التمسك به لا سيما القول بأنه قصر دومة الجندل. كلامه. قلنا: نعم، أن القول بأن حصن الاكيدر هو الذي كان له في دومة الجندل من وادي القرى بعيد الاحتمال؛ لكن القول بأنه الحصن الذي كان له في دومة الحيرة قريب، ولا قرب حبل الوريد. كيف لا وقد قال عنه ياقوت أنه قرب عين التمر وهو قائم يعرف إلا أنه خراب، وهو كلام يصدق على الاخيضر إلى يومنا هذا. 4: ذهب بعض الأدباء إلى أن الاخيضر هو ترجمة لفظة السدير القديمة لأن هذه الكلمة تعني العشب وكذلك الاخيضر، وربما كان هذان الحرفان متعاورين منذ البدء، ثم قتل الواحد الآخر لسهولة حفظه، وقرب معناه من الافهام، ولا شك أن معنى السدير للقصر النعماني المشهور هو بالفارسية ذو البيوت الثلاثة (سه د ير)، إلا أن العرب تركوا المعنى الأجنبي، وتمسكوا بالمعنى العربي حياً
بلغتهم، ومعانيها وكرهاً للأعاجم. ونحن نرى أن هذا الرأي فطير، بل في منتهى الفطر. وهناك غير هذه الآراء وكلها قائلة؛ وقد اجتزأنا بما ذكرنا، لشهرتها، ولعرضها على القراء الكرام. 4 - موقع قصر الاكيدر الحربي والسياسي قال صديقنا الفاضل لويس ماسنيون في كتابه: (بعثة في العراق) ص 2 ما هذا تعريبه: إن موقع الاخيضر من احسن المواقع، واجلها لبناء حصن هناك. وذلك لأنه في وسط نوع من الحلقة عظيمة القطر، يخطها الفرات خطاً بديعاً، على أبعاد متناسبة متساوية، أو تكاد تكون كذلك، من هيت، والانبار، وبابل، والحيرة؛ فموقعه إذاً من اجل المواقع الحربية؛ فهو يحافظ احسن المحافظة على صقع واقع على ثغر البادية، وكان مسقياً احسن السقي، لأن الأقدمين كانوا قد حفروا في أرضه انهراً، تأليها من الفرات، وتخرقها خرقاً كما يشق اليوم نهر الحسينية جوار كربلاء منذ القرن العاشر قريباً من رزازة. وهناك كان أيضاً بطائح تأتي مياهها من الفرات وتدفع فيها وفي البادية بعد أن تسقى الأراضي المزروعة؛ ولهذا كان يطوف بها الأدغال والآجام الكثيرة الطير والصيد (وهذه أيضاً أحدوثة ما يروى عن الخورنق وكان ملتقى الصيادين وموعدهم). (والى اليوم ترى آثار الزراعة وبقايا عقيق النهر القديم الجامع بين هيت والابلة، وهي ظاهرة كل الظهور بين كربلاء والاخيضر. وما عدا ذلك كان يمكن لأصحاب ذلك القصر أو الحصن المنيع أن يقبضوا على الذعار وقطاع الطرق الذين يأتون من ديار نجد أو من أنحاء بلاد الشام، قبل أن يتوغلوا في الارضين المزروعة أو العامرة ويعيثوا فيها. كلام صديقنا. 5 - موقعه السياسي الحالي. الاخيضر هو منتهى قيم مقامية رزازة، الراجع أمرها إلى فهد بك، من العنزة؛ وآخر حدود مديرية شفاتا (التي يسميها البعض شتاتة والبعض الأخر من الترك أو من المتتركين شفاتية والأصح ما أوردناه كما وردت في ياقوت في مادة
نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية
عين التمر 3: 759). ويزعم فهد بك أن هذا القصر له. ومدير شفاتا؛ قد استخص عين الماء المجاورة له، وهي العين الوحيدة الموجودة في تلك الأنحاء والتي يخلو ماؤها من مادة كبريتية. (عن المذكور ص 2) نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي أفندي زيدان صاحب مجلة الهلال. 3 - أوهامه في الآراء في تأليف جرجي أفندي زيدان، من المزايا الخاصة به، ما لا تكاد تراه في غيرها. ومن جملة المحاسن أنه يهيئ لك موضوع الفصل التالي للفصل الذي تطالعه؛ حتى انك لتقول في نفسك: هذا لابد منه. وعلى هذا الوجه تتصل الفصول وتأخذ بعضها برقاب بعض حتى نقضي العجب من هذا التداخل العجيب والالتحام البديع. وكثيراً ما اتفق لي أني بدأت بتصفح كتاب من كتبه، فلم اقدر أن القيه من يدي إلى أن أتيت على آخره. كأن الكتاب اصبح شيئاً من ضرائر حياتي في ذلك النهار ولم يمكنني أن استغني عنه. ومهما يكن من إعجابي بالمؤلف وشغفي بمطالعة أسفاره، فأني أرى فيها بعض الأمور التي كنت أود أن تكون منزهة عنها. ومن جملة هذه الشوائب انتقاله من وهم إلى حقيقة، ومن حقيقة إلى وهم، بعد إدماج عبارة يوهم هذا الانتقال أتم الإيهام، مثال ذلك: إنه قال في الصفحة الأولى من مقدمته (وهي ص 3 من الكتاب) ما هذا نصه بحرفه: (أما العرب فالمشهور انهم لم يؤلفوا في تاريخ آداب لسانهم. والحقيقة انهم اسبق الأمم إلى التأليف في هذا الموضوع مثل سبقهم في غيره من المواضيع (كذا). ثم أراد أن يؤيد هذا الرأي بدليل تاريخي نقلي صريحٍ، فقال: (فأن في تراجم الرجال كثيراً من هذا التاريخ لأنهم يشفعون الترجمة بما خلفه المترجم من الكتب ويبينون مواضيعها وقد يصفونها. . .) اهـ
قلنا. إن المؤلف خرج من الحقيقة إلى ما يشبهها فأن ما أراده بقوله: (تاريخ آداب اللغة العربية) لم يصدق على ما أراد أن يبينه بعد ذلك، بقوله: (أن العرب اسبق الأمم إلى هذا الموضوع) فأين كتابه مثلاً في (آداب اللغة) من كتاب الفهرست لابن النديم فهل يقال أن هذا الكتاب الأخير هو تاريخ الآداب للغة العربية. واحسن تفنيد لهذا الزعم أن ابن النديم سمى كتابه (الفهرست) ولم يسمه باسم آخر يحقق بعض ما أراد أن يطلق عليه حضرة كاتبنا الفاضل ولو انصف لقال: إن العرب ألفوا في تاريخ آداب لسانهم، ما يسهل للباحث أن يؤلف كتاباً يفي بمثل هذا الموضوع. ثم أن كان حضرته قد اقر للعرب بهذا الفضل، فلماذا أنكره على أهل الغرب! وهو يعلم أن لليونان والرومان تأليف تفضل كتاب الفهرست من جهة الموضوع الذي يدور قطب الكلام عليه. ونحن لا نفند قوله من كلام نأخذه من المؤلفين الاغراب، بل يكفينا شاهداً ما قاله هو في كتابه ص 15 وهذا نقله: (واقدم الأمم التي دونت تاريخ آدابها وعلومها على نحو ما نحن فاعلون في هذا الكتاب اليونان فقد ألفوا في تاريخ آداب لغتهم غير كتاب وقسموها وبوبوها وانتقدوها.؟ وألف آخرون في آداب اللغة اللاتينية، ثم آداب كل لغة من اللغات الأوربية الحية. . .) إذا لم يكن العرب اسبق الأمم إلى التأليف في هذا الموضوع. على أن جرجي أفندي زيدان ما أبطأ أن أنكر على العرب أنفسهم هذه المزية التي كان قد أثبتها لهم في أول مقدمته. فلقد قال في الصفحة التالية لمقاله الأول (أي في ص 4) ما هذا حرفه: (على أن هذه الكتب وأمثالها (أي كتب العرب كالفهرست ونحوه) تعد من المآخذ الأساسية لدرس آداب اللغة، ولكنها لا يصح أن تسمى تاريخاً لها بالمعنى المراد بالتاريخ اليوم.) وهذا هو الحق عينه. ومن كان الأجدر به أن لا يقول ما قال في الصفحة السابقة مما يشم منه رائحة التضاد والتناقض. كثيراً ما ينتقل حضرة المؤلف من الترجيح إلى اليقين، ويتفق له ذلك على
هذه الصورة وهي: يبدأ أولاً بعرض فكره أو رأيه في معرض الارتياب أو الترجيح، ثم يكرره مراراً وعلى كل مرة يعيده يقرض شيئاً من الألفاظ، وينحى عنها بعض الأدوات التي تدل على الأرجحية؛ ثم لا يزال يفعل ذلك حتى لا تمر بضع صفحات إلا وقد تحول الأرجح يقيناً لا يشوبه أدنى ريب. وما كنا نود أن نرى هذا الخلل في حضرة كاتبنا الفاضل. إذ هذا لا يجدر بالمؤرخ، وبالأخص في الأمور التي فيها شأن خطير، كما هي مسئلة دولة حمورابي. فانك ترى الكاتب مثلا رجح في كتابه (العرب قبل الإسلام) (1: 49) أنها عربية؛ وقد ذهب فيها إلى ما ذهب إليه جماعة من كبار المؤرخين والأثريين أي أنها كانت عربية الأصل ثم انتقل في كتابه هذا إلى أنها عربية اللسان، بل وعدها أول دولة عربية ظهرت في العصر القديم، لا بل جعلها في صدر دول الجاهلية الأولى. فلا جرم أن في ذلك تسرعاً في الحكم وتهوراً في الرأي. ثم أن طائفة من الباحثين ذهبوا إلى أن حمورابي، عربي النجار، كما أشرنا إليه، وأن دولته عربية المحتد بهذا المعنى: لكن بين أن يكون ملك قوم عربي المنبت؛ وبين أن تكون دولته، ولسان دولته عربية، وجميع رعيته وسوقته من العرب بون ظاهر. كيف لا ونحن نرى في هذا العهد ملوكاً ليسوا من اصل مملوكيهم؛ وهم مع ذلك يسوسون رعيتهم بدون أن تيجنس التابعون بجنسية متبوعهم. ألم نر ملكاً عربياً جلس على عرش رومة؛ ولم نر أيضاً ملوكا أجانب مختلفي العنصر حكموا على بلاد العرب؛ وعليه فلا نرى من المناسب أن تثبت دولة حمورابي بين الدول العربية وتدخل لغة ذلك العهد في تاريخ آداب اللغة العربية وليس هناك ما يمكن أن يبين أنها من هذه اللغة القرشية، التي وضع الكاتب كتابه من اجلها. فالأدلة التي أتى بها في كتاب (العرب قبل الإسلام) لا تقطع هذا الرأي قطعاً لأرد عليه، إذ لا يزال الحكم فيه من باب المجازفة. وأما أنه صرح في الأخير أن تبعة حمورابي هم عرب بدون أن يستريب به، فظاهر من نص عبارته في ص 47 وهذا هو: (ومما يحسن استطراده: إن اللغات السامية القديمة على كثرتها اختص منها بالأعراب لغة بابل (الآشورية) واللغة العربية، ويؤخذ ذلك من الأدلة على وحدة اصل العرب والحمورابيين
وأن الأمتين كانتا أمة واحدة يتكلمون لساناً واحداً معرباً؛ فتحضر الحمورابيون وظل العرب بادية؛ ومنهم العمالقة فلما تمدن الحمورابيون واركنوا إلى الرخاء ذهب الإعراب من لسانهم وبقي في كتاباتهم المنقوشة. كما أصاب العرب بعد قيام دولتهم وتقييد لغتهم؛ فنشأ من بقايا البابليين أمة لغتها غير معربة هم السريان والكلدان؛ كما نشأ من العرب أقوام لا يعربون كلامهم وهم عامة الشام ومصر وغيرهما من بلاد العرب، وكان أجدادهم في البادية يعربونه. فنحن نود للمؤلف أن يسير في ما يكتبه لأن (من سلك الجدد أمن العثار) ومن آرائه التي ننسبها إلى التهور قوله أن اللغة العربية (هي على الأجمال أغنى آداب سائر لغات العالم) فقوله هذا يحملنا على أن نظن في أنه أراد بالآداب غير ما اصطلح عليه في صدر كتابه. لكن تلو كلامه ينفي عن ذهن القارئ معنى آخر؛ لأنه يقول بعد ذلك: (لأن الذين وضعوا آدابها في أثناء التمدن الإسلامي أخلاط من أمم شتى جمعهم الإسلام أو الدولة الإسلامية وفيهم العربي والفارسي والتركي. . . وكلهم تعربوا ونظموا الشعر العربي وألفوا الكتب العربية في الأدب والنحو. . . فاحتوت آداب اللغة العربية بسبب ذلك على احاسن القرائح وشتات الأخلاق والآداب والصنائع؛ وادخلوا فيها كثيراً من أساليب ألسنتهم الأصلية بدون قصد أو تعمل.) والذي نراه انهم ادخلوا بعض الألفاظ وبعض الاصطلاحات التي لا تند كثيراً عن مناحي العرب وأصولهم، ولهذا لا نجسر أن نقول: إن العربية على وجه الأجمال أغنى آداب سائر لغات العالم. فاللغات السنسكريتية واليونانية والرومانية من اللغات التي اتسعت أكنافها، وجمعت في أحضانها من الأبناء ما لا ينكر عددهم واختلاف منشآهم ومنبتهم وعنصرهم. وأبقت من الآثار الأدبية شيء كثار لا يخطر على بال العربية أن تعارض نفسها بهن. ولا افهم كيف خفي هذا الأمر على حضرة الكاتب العلامة. ومن أوهامه أنه جعل الكهانة والعرافة والقيافة والفراسة وتعبير الرؤيا
وزجر الطير وخط الرمل وغيرها (ص 187 - 190) من العلوم التي اصطلح عليها العلماء باسم (ما وراء الطبيعة)، وليس الأمر كذلك. لأن هذه العلوم التي عدها، تعرف باسم العلوم الخفية أو السرية وأما علوم ما وراء الطبيعة فأنها تشمل عالم النفس وعلم سنن العالم وضوابطه وعلم اللاهوت أو علم الكلام؛ وعليه فخروجه عن مصطلح القوم ليس مما يمدح عليه. ومن أوهامه أن الأعشى أعشى قيس كان نصرانياً (ص 32). وقد أثبتنا في السنة الأولى (ص 354 - 356) من هذه المجلة أن الشاعر المذكور لم يكن نصرانياً البتة، وإنما كان في آرائه شيء من النصرانية، أخذه من نصارى الحيرة لتردده اليهم، لكنه لم يتنصر، بل بقي على دين دهماء العرب أي الوثنية، فاخذ بعض آراء دين من الأديان شيء، والتدين بدين شيء آخر. ومما يعد في هذا الباب كلامه عن النساء في الجاهلية، فأنه ذكر بعض من اشتهرن بخصال ومناقب ومحامد. ثم أطلق تلك المحاسن على جميع نساء الجاهلية فلا نرى ذلك من الأنصاف. فكان يحسن بالمؤلف أن يقيد كلامه لا أن يطلقه؛ أي أنه لو كان يقول مثلاً أن كثيراً من نساء الجاهلية كن يخيرن قبيل الزواج. لكان التعبير خالياً من كل غبار. لكن قوله: (على أن الغالب في نساء الجاهلية أن يخيرن قبيل الزواج) من الكلام الذي يخالف حقيقة الحال. ومن غريب ما ذكره قوله (ص 34): وكان في الجاهلية خطيبات اشتهرت منهن هند بنت الخس وهي الزرقاء (كذا) وجمعه بنت حابس. ولا ندري عمن نقل هذا الكلام والأصح أن بنت الخس هي غير الزرقاء قال في تاج العروس في مادة خ س س: (الخس) بالضم (وهو) الخس بن حابس: رجل من أياد معروف وهو أبو هند بنت الخس الايادية التي جاءت عنها الأمثال وكانت معروفة بالفصاحة، نقله ابن دريد. وفي نوادر ابن الأعرابي يقال فيه خسس وخص، بالسين والصاد، وهو خس بن حابس بن قريط الأيادي. وقال أبو محمد الأسود:
لا يجوز فيه الخس بالسين. أو هي (أي ابنة الخس) من العماليق. نقله ابن الأعرابي. والايادية هي جمعة بنت حابس الأيادي، وكلتاهما من الفصاح؛ والصواب أن ابنة الخس المشهورة بالفصاحة واحدة، وهي من بني أياد. واختلف في اسمها. فقيل هند. وقيل: جمعة. ومن قال: أنها بنت حابس، فقد نسبها إلى جدها، كما حققه غير واحد. ونقل شيخنا عن ابن السيد في الفرق: إنه يقال لامرأة من العرب، حكيمة بنت الخص، وابنة الخس. فهذا يدلك على أنها امرأة واحدة. والاختلاف في اسمها. فتأمل وقال عن الزرقاء في مادة زرق: (زرقاء اليمامة: امرأة من جديس، وكانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام. قاله ابن حبيب. وذكر الجاحظ أنها من بنات لقمان بن عاد وأن اسمها عنز وكانت هي زرقاء، وكانت الزباء زرقاء. ومن أوهامه، ذكره أول من وصل إلينا خبره من الشعراء، فرجح أنه أبو دؤاد الأيادي ولقيط الأيادي. والواقف على تاريخ العرب لا يجسر على ذكر اسم الشاعر الأول الذي وصل إلينا شعره، لما في وضع العرب من الأشعار المفتعلة، المنسوبة إلى رجال من الأقدمين، لا يوافق شعرهم عصرهم. وأني أرى أن التصريح بجهل اسم الشاعر الأول، أولى من التعريض لهذا البحث، الذي لا تحل عقده على الوجه الذي انتهى إلينا من كلامهم. ومما ينطوي على هذا الغر، قوله: (ص 68) وفيها (أي في ديار نجد) جبل عكاد (كذا) الذي لم تثبت العربية الفصيحة بعد تمادي الأجيال إلا بين أهله. قلنا: أول وهم في هذا الكلام أنه جعل جبل عكاد في نجد. والأصح أنه باليمن. وهو أشهر من أن يذكر، وليس في ديار نجد جبل بهذا الاسم. هذا فضلاً عن أن العرب إذا أرادوا ذكر حفظ الفصاحة في بلد من بلادهم، ذكروا جبل عكاد، وقالوا عنه أنه في بلاد اليمن، والوهم الثاني أنه جعل أصحاب هذا الجبل وحدهم ممن بقيت فيهم الفصاحة، بعد زوالها من سائر سكان جزيرة العرب؛ والصواب أن هناك أناساً آخرين، منهم: بنو صاهلة أو الكاهليون. قال صاحب التاج في مادة ك هـ ل: بنو صاهلة بن كاهل بن
الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل: قبيلة، ويقال، لهم الكاهليون بكسر الهاء، وقيده الوقشى هكذا: كاهل بفتح الهاء، الهاء، كأنه سمي بالفعل من كاهل يكاهل. كذا في الروض؛ وفي المقدمة لابن الجواني. وهم افصح العرب. قال: وبلغني أن بطناً منهم مقيمون إلى الآن على اللغة البسالمة من اللحن والتغير والفساد. ومن العرب الفصحاء الذين نسيهم قعين نصر أو نصر قعين. قال في التاج في مادة ق ع ن: قعين كزبير: بطن من أسد، وهو قعين بن الحرث بن ثعلبة بن دودان ابن أسد. وسئل بعض العلماء: أي العرب افصح؟ فقال: نصر قعين أو قعين نصر. ثم إن حضرة الكاتب نسب إلى أهل نجد افصح العرب، ودعماً لرأيه ذكر أولاً عكاد. وقد رأيت خطأ هذا الرأي. ثم ذكر أهل السروات كأن السروات (وهي ثلاثة اجبل) من نجد، والحال أنها اجبل مطلَة على تهامة، مما يلي اليمن، فهي اقرب إلى هذه منها إلى ديار نجد. وعليه فقد سقط رأيه في أن أهل نجد افصح العرب في العهد السابق. نعم، أن هذا الرأي صحيح بعض الصحة في هذا العهد، إلا أن ما ينسب في هذا العصر، لا يجوز نسبته إلى ذلك، وبالعكس. واحسن فصل جاء في تقسيم فصاحة اللغة العربية، هو ما ذكره الهمداني في كتابه (صفة جزيرة العرب) ص 134، فأنه أجاد كل الإجادة في هذا الباب فليراجع. ومن غريب استدلال واستقراء كاتبنا ما كتبه في ص 178 قال: (ويؤخذ مما حوته اللغة العربية قبل الإسلام من أسماء العلل والأمراض والعقاقير، أن العرب عرفوا كثيراً من الأمراض ومعالجتها، فلو قال (إنهم عرفوا كثيراً من الأمراض) بدون أن يزيد (ومعالجتها) لما كان على كلامه غبار، لكن زاد هذه الكلمة فافسد الاستدلال، إذ نحن جميعنا نعرف اغلب أسماء الأمراض بدون أن نعرف كيف نعالجها. وكذلك نعرف أسماء عدة أشياء أخرى ولا نعرف حقيقتها كما يعرفها الغير.
وفي بعض الأحيان يهمل علل الحقائق الاصلية، ويتمسك بعلل دونها قوة وإقناعاً. من ذلك ما قال في أسباب كثرة المترادفات وهذا كلامه: (وأسباب كثرة المترادفات في العربية عديدة منها: إن كثيراً من أسماء الحيوان اصلها نعوت ثم صارت أسماءً، وبعضها مأخوذ عن لغة أخرى. . . وقد يكون السبب في زيادة المترادفات استعارة أسماء حيوانات أخرى للدلالة على هذا الحيوان يتكنون بها عن بعض طبائعه.) - قلنا: وقد أهمل ذكر السبب الأصلي لهذه المترادفات وهو اختلاف القبائل، فأن الشيء الفلاني إذا عرف باسم عند قوم فهو يعرف باسم آخر عند قبيلة تجاورها. فلما جمع العرب في صدر الإسلام مفردات اللغة اثبتوا تلك الألفاظ على كثرتها بدون أن ينسبوها إلى القبيلة التي تتكلم بها فكثرت المترادفات. وكذلك القول في الأضداد في العربية. فإن هذه الألفاظ لا توجد بالمعاني المتضادة في لغة القبيلة الواحدة وإنما هي بمعنى في لغة جماعة منهم، وبمعنى آخر في لغة طائفة أخرى. أي أن القبيلة التي تستعمل مثلاً حرف (قعد) بمعنى جلس لا تستعمله أيضاً بمعنى قام. وألا امتنع التفاهم. وإنما هي بمعنى دون آخر عند قبيلة أخرى، كما أثبته القوم في كتبهم ودواوينهم. - ونقول مثل ذلك في الألفاظ الكثيرة المعاني، اللهم إلا أن تكون تلك المعاني متجاورة الوضع، أو مجازية، أو فيها بعض المناسبة اللغوية، أو الاشتقاقية؛ فالأمر كما ذكر. ومن الأقوال التي لا نوافقه عليها: زعمه في ص 59 أن: (ليس في الدنيا أمة تضاهي العرب في كثرة الشعر والشعراء.) فنظن أن حضرته لم يقف أتم الوقوف على شعراء اليونان والرومان وعددهم وعدد دواوينهم. فليطالع في هذا الموضوع ما كتبه العلماء في هذا العصر. ومما يدخل تحت هذا الباب قوله (ص 199): أما الأسلوب الإنشائي فلا يمكننا تعيين مقدار التغيير الذي أصابه، لأن ما وصلنا من إنشاء الجاهليين لا يخلو من صبغة إسلامية إلا سجع الكهان، فالغالب أنه بقي على حاله. والفرق بينه وبين أسلوب القرآن كالفرق بين الثريا والثرى.)
وقبل أن ننتقد رأيه في هذه المسألة نقول: إنه ختم تعبيره بخلاف ما يريد، لأنه أراد أن يبين الفرق بين سجع وسجع، وأراد أن يشبه سجع الكهان بالثرى وسجع القرآن بالثريا، فعكس التشبيه وقال كالفرق بين الثريا والثرى. فكان يجب أن يعكس ويقول (بين الثرى والثريا.) لأن الثريا في كلامه راجعة إلى المشبه الأول وهو سجع الكهان، والثرى راجعة إلى المشبه الأخير وهو القرآن فجاء كلامه بخلاف مرامه. وإذ قد بينا ذلك نقول: إن التغيير وقع في كلام الكهان اكثر مما وقع في غيره لأسباب: 1 - لأن كلام الكهان ليس من الأحاديث ولا من الأقوال الجارية مجرى الأمثال، حتى يحرص عليها وعلى الصورة التي جاءت بها. 2 - لأن كلامهم غير موزون. فكيف بهذا السجع، سجع الكهان وكيف تظن أنه لم تحل به الغبر، وقد غير الرواة من نظم الشعراء شيئاً لا يقدر. 3 - لأن سجع الكهان دون في القرن الثالث من الهجرة، بخلاف الأحاديث وأشعار الجاهلية فأنها دونت قبله. 4 - لأن لرواة العرب وكتابهم في صدر الإسلام غاية في تحقير سجع الكهان، ونسبته إلى الركاكة، وإبرازه بحلة زرية. 5 - لأن طول بعض هذه المسجعات يحول دون حفظها بحروفها. إلى غير ذلك من العلل والأسباب التي يضيق المقام دون استيعابها. وذكر في (ص 210 إلى 213) حالة الشرق العلمية عند الفتح الإسلامي فذكر آداب الروم في مصر والشام، ثم آداب مملكة الفرس ومدارس جميع هذه البلاد، ولم يتعرض لذكر مدارس الرها ونصيبين، وقد زل هنا الكاتب زلة لا تغتفر، إلا بعد أن يتعرض لها في طبعة كتابه الثانية، وقد وضع لهذا البحث رسائل وكتب عديدة، ومن جملتها تأليف السيد أدي شير، رئيس أساقفة سعرد على الكلدان، واسمه: (مدرسة نصيبين الشهيرة) طبع في المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين في بيروت سنة 1905 وهو كتاب في 63 صفحة في غاية النفاسة. وقال في صفحة 213: (ولم يبلغ العرب من العز والسؤدد ما بلغوا إليه في أيام هذه الدولة (الأموية)، ونحن نقضي كل العجب من هذا القول ومن
قائله. فما يريد بهذا العز وهذا السؤدد، وأي عصر يشمل كلامه هذا. فهل ترى يشمل عهد الحميريين، وحضارتهم، وعزهم، وسؤددهم، وإيغالهم في التمدن والحضارة؟ أو يشمل عهد العباسيين؟ فكنا نحب أن نعلم هل كلامه هذا يرجع إلى ما قبل عصر الأمويين، أم إلى بعده. ليجوز الحكم بعد ذلك. ومن آرائه القائلة التي توافق آراء كثيرين من الكتاب قوله ص 225 (أن الفتوح دعت إلى الاختلاط بالاعاجم، والاختلاط دعا إلى فساد اللغة؛ فاصبح الناس يهملون الإعراب. وكان العرب عند ظهور الإسلام يعربون كلامهم على نحو ما في القرآن. إلا من خالطهم من الموالي والمتعربين، فأن هؤلاء كانوا حتى في أيام النبي يخطئون الإعراب.) قلنا: ولنا أدلة على أن العرب خالطوا الأعاجم قبل الإسلام بأعصر متطاولة، لمجاورة جزيرتهم بلاد الفرس، والهند، والاشوريين، والكلدانيين، والفنيقيين، والمصريين، وغيرهم. والتاريخ خير شاهد على ذلك. ثم أن إهمال الإعراب كان معروفاً عند بعض قبائل العرب، كما كان معروفا استعماله وفي عهد واحد. ولنا أدلة نقلية وعقلية نأتي بها يوماً وليس هنا محل ذكرها. وذهب في ص 227 (إلى أن الحركات عند العبرانيين 11، وعند السريان الشرقيين 7، وعند السريان الغربيين 5، أما في العربية فهي ثلاث فقط.) قلنا: إن أراد بالحركات هنا حركات الإعراب فهي ثلاث كما قال. لكن يؤخذ من سياق الكلام أن المراد بها غير حركات الإعراب. فإذا كان كذلك فهي 7، بالعربية: ثلاث منها لها صور موضوعة، والأربع الأخرى لا صورة لها، ولا بد أن نتعرض لذكرها يوماً. اللهم إلا أن يريد الكاتب ذكر الحركات المعروفة صورها، فما قاله هو الصواب. ونظن أن الأمر كذلك؛ لأنه يقول في ص 228: والحركات العربية لا تقل عدداً عن الحركات السريانية، وربما زادت عليها؛ ولكن الأحرف الصوتية في العربية ثلاث (كذا أي ثلاثة) فقط (الواو والألف والياء) فاستعاروها للدلالة على الضم والفتح والكسر، وهي الحركات الرئيسية، وتركوا سائر الحركات المختلسة كالإشمام والروم والإمالة لفطنة القارئ.
العراق
والنفس يطول بنا إذا أردنا أن ننتقد كل ما رأيناه في هذا الكتاب. ولا سيما لأن فيه بعض الأمور التي لا يوافقنا أن نبدي فيها رأياً، وفي موطننا ومقامنا وما يحيط بنا من الأحوال والظروف ما يمنعنا عن إبراز كل ما في خاطرنا. فإن كلامه المذكور مثلا في آخر ص 211 لا يوافق الحق البتة، فهي من مبتدعات العصريين الأخيرين، من أصحاب التهور والإلحاد ومحبي الفجور. على أننا نختم كلامنا بهذا القول: إن كتاب آداب اللغة العربية هو احسن كتاب ابرز للقوم إلى هذا اليوم، ولا يمكن أن يستغني عنه أحد إلا من أعمته الأغراض، وقذفت به إلى مهاوي الجهل والضلال والغض من أصحاب الفضل والأعراض. والسلام. (تنبيه) وصلنا الجزء الثاني من هذا الكتاب النفيس وسوف ننتقده في وقته. العراق: (تابع لما قبله) العراق 10 - الأرياح فيه قد سبق القول أن الضغط الجوي في وادي الفراتين ينزل متدرجاً من الشمال إلى الجنوب سحابة السنة. وأرصاد الأرياح الشهرية تتفق على أن تبين أن الريح تهب من الشمال في مدة جميع الأشهر، بميل طفيف إلى الغرب. ماعدا في شهر شباط فأن وجهتها المتوسطة هي الشمال الشرقي، لكن في الدرجة التاسعة من الشمال. والمزية الخاصة بهذه الريح هي ثبات هبوبها، طول المدة الموجودة بين أيار وأيلول فحينئذٍ تهب نادراً في وجهة مخالفة لوجهة الشمال والشمال الغربي. 11 - الرطوبة الهواء في العراق جاف بوجه العموم، لكنه رطب في جنوبيه، وفي الأنحاء التي تكثر فيها البطائح والمستنقعات. وهو رطب أيضاً بعض الرطوبة على ضفة دجلة وقد لاحظ أصحاب المراقبة الجوية في دار الجرى (القنصل) الإنكليزي
أن ميزان الرطوبة يحوي من بخار الماء في كانون الثاني اقل مما يحويه في سائر الأشهر، (بموجب قياس الضغط الذي يرى فيه) فضغط بخار الماء هذا، هو 5. 9 مليمترات في هذا الشهر، وهو أعلى بقليل من ضغط بخار ماء بشاور (وهو هناك 5 مليمترات) ويعقوب آباد (5. 3)، ثم يعظم هذا الضغط متدرجاً، كلما عظمت حالة الهواء، واشتد التبخر؛ وهذا التبخر يتصاعد من انهر الجوار. ولا يقف في صعوده إلا في شهر آب، وهو أحر أشهر السنة في العراق، وحينئذ يبلغ 13. 7 مليمتراً، وهو دون ضغط يعقوب آباد، إذ يبلغ هناك 20. 8 مليمتراً، وضغط بشاور هو 19. 8 مليمتراً (اغلب هذا الكلام معرب عن السر وليم ولكوكس). 12 - خصب أرض العراق وحسن تربته ونظرة عامة في غلاته سابقاً قد جمع الله في أرض العراق ما لم يجمعه في غيرها من مرافق الخيرات، وجلائل البركات. إذ فيها غضارة العيش، وخصب المحل، وطيب المستقر، وسعة المير، من أطعمتها، وأوديتها، وعطرها، ولطيف صناعتها. ولهذا كان ملوك فارس يشبهون العراق بالقلب، وسائر الدنيا بالبدن، ومن أسمائه عندهم: (دل ايرانشهر) أي قلب ايرانشهر، وايرانشهر الإقليم المتوسط لجميع الأقاليم. قالوا وإنما شبهوه بذلك لأن الآراء تشعبت عن أهله بصحة الفكر والروية، كما تتشعب عن القلب بدقائق العلوم ولطائف الآداب والأحكام. فأما من حولها، فأهلها يستعملون أطرافهم بمباشرة العلاج، وخصب بلاد ايرانشهر، بسهولة لا عوائق فيها ولا شواهق تشبيها، ولا مفاوز موحشة، ولا براري منقطعة عن تواصل العمارة، والأنهار المطردة من رساتيقها، وبين قراها مع قلة جبالها وآكامها وتكاتف عمارتها، وكثرة أنواع غلاتها، وثمارها، والتفاف اشجارها، وعذوبة مائها، وصفاء هوائها، وطيب تربتها، مع اعتدال طينتها، وتوسط مزاجها، وكثرة أجناس الطير والصيد في ظلال شجرها: من طائر بجناح، وماش على ظلف، وسابح في بحر. قد أمنت مما تخافه البلدان من غارات الاعداء، وبوائق المخالفين، مع ما خصت به من الرافدين: دجلة والفرات، إذ قد اكتنفاها، لا ينقطعان شتاء ولا صيفاً، على بعد منافعهما في
غيرها، فأنه لا ينتفع منهما بكثر فائدة، حتى يدخلاها فتسبح مياههما في جنباتها، وتتبطح في رساتيقها، فيأخذون صفوه هنيئاً، ويرسلون كدره وأجنه إلى البحر، لأنهما يشتغلان عن جميع الأراضي التي يمران بها، ولا ينتفع بهما في غير السواد، إلا بالدوالي والدواليب بمشقة وعناء. وكانت غلات السواد تجري على المقاسمة في أيام ملوك الفرس والاكاسرة وغيرهم، إلى أن ملك قباذ بن فيروز، فأنه مسحه وجعل على أهله الخراج وكان السبب في ذلك: إنه خرج يوماً متصيداً، فانفرد عن أصحابه بصيد طرده حتى وغل في شجر ملتف، وغاب الصيد الذي اتبعه عن بصره، فقصد رابية يتشوفه، فإذا تحت الرابية قرية كبيرة، ونظر إلى بستان قريب منه فيه نخل ورمان وغير ذلك أصناف الشجر، وإذا امرأة واقفة على تنور تخبز ومعها صبي لها، كلما غفلت عنه، مضى الصبي إلى شجرة رمان مثمرة ليتناول من رمانها، فتعدو خلفه وتمنعه من ذلك ولا تمكنه من اخذ شيء منه، فلم تزل كذلك حتى فرغت من خبزها، والملك يشاهد ذلك كله. فلما لحق به اتباعه، قص عليهم ما شاهده من المرأة والصبي، ووجه إليها من سألها عن السبب الذي من اجله منعت ولدها من أن يتناول شيئاً من الرمان. فقالت للملك فيه حصة ولم يأتنا المأذون بقبضها، وهي أمانة في اعناقنا، ولا يجوز أن نخونها ولا نتناول مما بأيدينا شيئاً حتى يستوفي الملك حقه. فلما سمع قباذ ذلك أدركته الرقة عليها وعلى الرعية، وقال لوزرائه: إن الرعية معنا لفي بلية، وشدةٍ، وسوء حال، بما في أيديهم من غلاتهم، لأنهم ممنوعون من الانتفاع بشيء من ذلك، حتى يرد عليهم من يأخذ حقنا منهم، فهل عندكم حيلة تفرج بها عنهم؟ فقال بعض وزرائه نعم، يأمر الملك بالمساحة عليهم ويأمر أن يلزم كل جريب من كل صنف، بقدر ما يخص الملك من الغلة فيؤدي ذلك اليه، وتطلق أيديهم في غلاتهم، ويكون ذلك على قرب مخارج المير، وبعدها من الممتارين. فأمر قباذ بمساحة السواد وإلزام الرعية الخراج بعد حطيطة النفقة، والمؤونة على العمارة، والنفقة على كري الأنهار وسقاية الماء وإصلاح البرندات، وجعل جميع ذلك على بيت المال فبلغ إخراج السواد
في السنة مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم مثاقيل. فحسنت أحوال الناس، ودعوا للملك بطول البقاء، لما نالهم من العدل والرفاهية. وقد وقع اختلاف مفرط بين مساحة قباذ ومساحة عمر بن الخطاب رضه، ذكرته كما وجدته من غير أن أحقق العلة في هذا التفاوت الكبير: أمر عمر بن الخطاب رضه بمسح السواد الذي تقدم حده، لم يختلف صاحب هذه الرواية فيه، فكان بعد أن اخرج عنه الجبال والأدوية والأنهار ومواضع المدن والقرى ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب الكرم والشجر ستة دراهم، وختم الجزية على ستمائة ألف إنسان، وجعلها طبقات: الطبقة العالية ثمانية وأربعون درهماً، والوسطى أربعة وعشرون درهماً، والسفلى اثنا عشر درهماً، فجبى السواد مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم. . . وجباه زياد مائة ألف الف وخمسة وعشرين ألف ألف درهم وجباه ابنه عبيد الله اكثر منه بعشرة آلاف ألف درهم، ثم جباه الحجاج مع عسفه وظلمه وجبروته، ثمانية وعشرين الف ألف درهم فقط، واسلف الفلاحين للعمارة ألفى الف، فحصل له ستة عشر ألف الف. قال عمر بن عبد العزيز: وهاأنا قد رجع إلي على خرابه فجبته مائة ألف ألف وأربعة وعشرين ألف ألف درهم بالعدل والنصفة، وأن عشت له لأزيدن على جباية عمر بن الخطاب رضه. وكان أهل السواد قد شكوا الحجاج خراب بلدهم، فمنعهم من ذبح البقر لتكثر العمارة، فقال شاعر: شكونا إليه خراب السواد ... فحرم جهلاً لحوم البقر، وقال عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان: مال السواد ألف ألف ألف درهم، فما نقص مما في يد السلطان منه فهو في يد الرعية، وما نقص من يد الرعية فهو في بيت مال السلطان. قيل أراد عمر قسمة السواد بين المسلمين فأمر أن يحصوا، فوجدوا الرجل يصيبه ثلاثة من الفلاحين، فشاور أصحاب رسول الله في ذلك فقال علي رضه: دعهم يكونوا مادة للمسلمين. فبعث عثمان بن حنيف الأنصاري فمسح
من أسماء ابنة اليوم
الأرض، ووضع الخراج، ووضع على رؤوسهم ما بين ثمانية وأربعين درهماً، وأربعة وعشرين درهماً، وأثنى عشر درهماً، وشرط عليهم ضيافة المسلمين وشيئاً من بر وعسل؛ ووجد السواد ستة وثلاثين ألف ألف جريب، فوضع على كل جريب درهماً وقفيزاً. قال أبو عبيد: بلغني أن ذلك القفيز كان مكوكا لهم يدعى السابرقان. وقال يحيى بن آدم وهو المحتوم الحجاجي: وقال محمد بن عبد الله الثقفي: وضع عمر رضه على كل جريب من السواد، عامراً كان أو غامراً، يبلغه الماء: درهما وقفيزاً، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة اقفزة، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم وعشرة اقفزة ولم يذكر النخل. وعلى رؤوس الرجال ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين وأثنى عشر درهماً. وحتم عثمان بن حنيف على رقاب خمسمائة ألف وخمسين ألف علج لأخذ الجزية، وبلغ الخراج في ولايته مائة ألف ألف درهم. (اه عن ياقوت بتصرف قليل في العبارة) فيؤخذ مما تقدم أنه كان لكل رجل من المسلمين ثلاثة فلاحين من النصارى من باب التعديل المتوسط لا من باب الحقيقة. وعليه كان نصارى العراق الفلاحون في عهد علي ثلاثة أضعاف المسلمين، ماعدا من كان منهم في المدن الكبار كبغداد والموصل والبصرة. وكانت مساحة السواد 360. 000. 000 جريب مزروع، والجريب يساوي اليوم ما يسميه الإفرنج بالهكتار فتكون إذاً مساحة الأراضي المزروعة يومئذ 360. 000. 000 مترٍ مربعٍ فأين أولئك السكان من عدد سكان هذا اليوم؟ وأين تلك الارضين المزروعة وخراجها، وأراضي هذا العهد وخراجه؟ أعاد الله كل شيء إلى سابق مجده، وسامق عزه، بمنه وكرمه! إبراهيم حلمي من أسماء ابنة اليوم ذكرنا أسماء بنات اليوم على اختلاف بعض ربوع العرب والأعراب. وقد ذكر لنا أستاذنا الكبير حضرة الشيخ العلامة والسيد السند محمود شكري أفندي الآلوسي: إن الفرس يسمون هذه الدودة التي تأتي بها السيول من جبال الثلج (زالو) بزاي فارسية. ثم قال: فلعل الكلمة المعهودة (أي
الجليلو) محرفة عنها، ومغيرة منها، فأن كثيراً من كلمات الفرس دخلت لغة بغداد وحرفت عن اصلها. قلنا نحن: وكلمة (زالو) مختزلة عن (زلال) الفارسية القديمة. فإذا أملت ألفها قلت (زليل)، وهذه لا تبعد كثيراً عن جليلو، التي إذا كتبتها بالإمالة كانت جلالو. وأنت تعلم أن الزاي والجيم على أنواعهما كثيراً ما تتبادلان؛ ولا سيما، مبادلة الجيم والزاي الفارسية، مثل الجدوار واصلها زدوار. والجية، وفارسيتهازي. والازدهاق واصلها ازدهاك، وكلها بالزاي الفارسية، ومثلها كثير في اللغة. وأما أن الزلال هو الزالو أو الجليلو فهذا واضح من نص اللغويين: قال في التاج: الزلال بالضم: حيوان صغير الجسم أبيضه، إذا مات جعل في الماء فيبرده؛ ومنه سمي الماء البارد زلالاً. قلنا: إن هذا التعليل غريب. والحق هو هذا: إن هذه الدويبة تكثر في أيام الربيع وفي البلاد الكثيرة الثلوج والمياه المتحللة منها. فيتولد فيها. فنسب بعضهم برودة الماء إلى وجوده. وإنما لبرودته سبب آخر وهو سقوط درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر لا غير. وليس في الحشرة قوة لإنزال الحرارة إلى هذه الدرجة. وقال فارس في معجمه الفارسي اللاتيني: زلال كلمة عربية فارسية، يراد بها دودة تنشأ في الثلج ثم تطير منه، وتكثر في الماء الصافي، فيسمى ذلك الماء (آب زلال) أي الماء الزلال. وهي لا تعيش كثيراً، وإذا ماتت ظهر فيها حركة كحركة المذبوح. قلت: وهذا الأمر الأخير هو مطابق للحقيقة لا شبهة فيه. وهذا مما يزيدنا يقيناً في رأينا وتمسكا به. والفضل في ذلك راجع إلى شيخنا الآلوسي. وقال في (برهان قاطع) الزلال: دودة الثلج وهي تولد كل سنة عند تراكم الثلوج في الجبال الشاهقة؛ وهي دقيقة بيضاء مدورة الرأس وضعت في الماء بردته إلى الغاية وجعلته سائغاً لذيذاً، ومنه الماء الزلال لذلك الماء. والماء الزلال بالارمية (زليلا) وكذلك يقال له أيضاً بالعربية أي
باب المشارفة والانتقاد
وهو كقولك الماء الزلال. فاللغات كلها متفقة على وضع هذه الكلمة، أخذاً من مادة زلل. ومن أسمائها أيضا على ما ذكره لنا أحد الأصدقاء: (الجلبة) بهاء وهي بلغة أهل الشرقية من أنحاء بغداد. ويسميها العرب القاطنون في غربي بغداد: (سليلبح)، بحركة السين المختلسة، وفتح اللام فتحاً فيه إمالة، وسكون الياء المثناة، وتحريك اللام الثانية بحركة مشتركة، وفتح الباء الموحدة التحتية، وبحآء مهملة في الآخر أي وبعض أهل بغداد من ساكني الأهوار والمجاورين لها، (والأهوار هي البطائح أو المستنقعات)، يسمونه (مغيزل داده) ولعلها تصحيف (مغيزل ذاته) وهي كثيرة في تلك الأهوار. وهذا ضبطها: بسكون الميم، وفتح الغين المعجمة فتحاً فيه إمالة، وسكون الياء التحتية المثناة، وتحريك الزاي بحركة مشتركة، وسكون اللام. وضبط داده كضبط غاية. وفي الختام نشكر حضرتي الكاتبين الشهيرين، ونسدي آلاء الجميل والإحسان لكل من ينبهنا على كل هفوة أو زلة تقع منا لأن الكمال، لمن تنزه عن المثال، وهو وحده المتعال. باب المشارفة والانتقاد 1ً. موليير مصر وما يقاسيه (رواية تمثيلية هزلية، بقلم الشيخ يعقوب صنوع المشهور بأبي نظارة المصري، شاعر الملك، ومؤسس التياترات (المسارح) العربية في وادي النيل. طبعت في بيروت بالمطبعة الأدبية، سنة 1912، بقطع الثمن الصغير في 40 صفحة حسنة الكاغد والطبع. وقد صدرت بصورة الفيكونت فيليب دى طرازى الذي أهديت إليه هذه الرواية، وختمت بصورة المؤلف. هذه الرواية حسنة المغزى، وقد ألفها صاحبها بعبارة عامية مصرية، طلباً لإصلاح عوائد العوام، وإفهامهم فحواها بلسانهم. لكننا لا نرى من الصواب
أن تسجع عبارتها؛ وما أقبح السجع في هذا المقام. لا سيما لما ترى الكاتب يجد كل الجد وراء كلمة، ليقيمها بازاء أختها ويقابلها بها. ومما نأخذه على المؤلف أيضاً مزج الفصيح بالعامي. فكان عليه أما أن يجعل كلامه كله فصيحاً، وأما كله عامياً. أو أن يجعل أحد الممثلين مهذب العبارة، والآخر يعكسه، وأن يبقيهما بلهجتهما إلى آخر الرواية. ومهما يكن من حلة الرواية، فإن حليتها قائمة بمحاسنها الداخلية، وهي حليتها الحقيقية. وكفاها حسناً! 2 - فصل القضاء، في الفرق بين الضاد والظاء (أثر أحمد عزت) مميز قلم تحريرات ولاية بغداد. حق الطبع محفوظ لصاحبه. طبعت في مطبعة الشابندر في بغداد سنة 1328) في 186 صفحة من قطع الثمن الصغير. كل من يطالع كتب العراقيين المطبوعة في بغداد، يتحقق أنهم كثيراً ما يغلطون في رسم الضاد والظاء. وهذه جرائدنا ومجلاتنا من اصدق الشواهد على ما نقول؛ وهذا الغلط قديم في العراق. وسببه أن أهل بغداد لا يميزون بين اللفظين، فهم يلفظون الضاد كما يلفظون الظاء وهو خطأ بين، بعكس أهل الموصل فإنهم يلفظون الظاء كالضاد. ولهذا أراد صاحب هذا الكتاب أن يجمع جميع الألفاظ الواردة في اللغة العربية بهذين الحرفين، وينقل معناها إلى اللغة التركية أو الفارسية، فأجاد في العمل. فالكتاب المذكور إذاً عبارة عن معجم في ثلاث لغات، نافع لجميع أهل العراق، فليحرصوا عليه. أما أغلاطه الطبعية فهي أكثر من أن تحصى، ولهذا لا نتعرض لذكرها. ويكفيك علماً أن الكتاب طبع بمطبعة الشابندر التي لا تعني كل العناية بتصحيح مسودات الطبع على ما تنقح لها. فعساها أن تجد لها من يقوم بشؤونها أحسن القيام والله الموفق. 3 - كتاب التوحيد (للإمام جعفر الصادق عم وهو الذي أملاه على المفضل بن عمرو رحمه الله تعالى. كمل طبعه في مطبعة النفاسة الكائنة في شارع أبي السعود نومرو 55
بدار السعادة إسلامبول المحمية سنة 1330 في 82 صفحة بقطع الثمن الصغير وقيمة النسخة غرشان. أهدانا حضرة السيد العلامة، أستاذنا الشيخ محمود شكري أفندي الآلوسي، كتابين: أولهما، هذا الذي ذكرنا اسمه والثاني الآتي ذكره. وهذا الكتاب من اجل الكتب الدالة على وحدانيته تعالى، متين العبارة، محكم الآراء، يجدر بأن يكون كتاباً، يصاحب كل امرئ في حله ورحيله. إلا أنه يؤخذ على طبعه أن الطابع جعل الفصول كلها متسقة، الكلمة بعد الكلمة، والسطر بعد السطر، حتى انك لتخال أن الكتاب كله عبارة واحدة، بحيث لا يجد فيه القارئ موطناً يريح فيه نظره أو يتنفس فيه الصعداء. وأما النقط والفواصل فلا اثر لها هناك. وأما أغلاط الطبع، ففيه شيء غير يسير، من ذلك قوله: ص 47 فوجدت شيئاً من الصنف الذي يسمى الحاذون فأكلته. والأصح: الحلزون. وقوله بعد ثلاثة اسطر: إنشاء الله. والأصح: إن شاء الله. وهذا الغلط فاشٍ أيضاً في مطبوعات بغداد. وقوله بعد سطر: تضاعف سروري بما عرفينه، مبتهجا بما منحينه، حامداً الله على ما أنينه. والأصح في كل ذلك: عرفنيه. . . منحنيه. . . آنانيه. إلى آخر ما هناك، فعسى أن تصلح هذه الأغلاط في طبعه ثانية. 4 - استدراكات ابن الخشاب على مقامات الحريري وانتصار علامة المقدس ابن بري لابن الحريري طبعت في مطبعة (الشركة الطبعية) بالأستانة الكائنة في خان الوزير سنة 1328. في 94 ص من قطع الثمن الصغير، وثمنه قرشان. كتاب جليل من اجل كتب الانتقاد اللغوي، لا يطالعه الكاتب إلا ويرجع مملوء الحقيبة علماً وتحقيقاً. وقد صدر الكتاب بترجمة ابن الخشاب، ثم بترجمة ابن بري. ودونك مثالاً وجيزاً يطلعك على ما في هذا السفر الصغير من النفع الكبير. قال في ص 56: (وفيها (أي في المقامة الحادية والعشرين): (فاعتقبته أخطو متقاصراً، واريه لمحا باصراً.) (قال ابن الخشاب): هذا استعمال من لا يعلم حقيقة معنى قولهم: أراه لمحاً باصراً، لأن مراده
باب التقريظ
اتقاصر لئلا يراني في اتباعي إياه، وأتامله مع ذلك تأملا شديداً، كيلا يفوت بصري. وهذا المعنى لا يؤديه قوله: أريه لمحاً باصراً، لأن قولهم: أراه لمحاً باصراً، أي نظراً بتحديق شديد. (قال ابن بري): (كلام ابن الحريري صحيح، لأنه أراد أني أخطو خلفه متقاصراً، وأتبعه نظراً بتحديق، لئلا أضل عنه بتقاصر خطوي، فيفوتني. فالمتقاصر على هذا اشد تحديقا من غير المتقاصر.) هذا شاهد وجيز العبارة أتينا به، ليطلع على هذا الكتيب النفيس، من لم يقع بيده ليقدره حق قدره. ويسعى في الحصول عليه. باب التقريظ حفاوة التهليل بعيد اليوبيل قصيدة عامرة الابيات، وعددها 51، نظمها حضرة الأب الفاضل القس باسيل بشوري السرياني البغدادي، بمناسبة عيد صاحب الغبطة الفضي، مار اغناطيوس افرام الثاني بطريرك السريان. وقد أجاد الشاعر في تعديد حسنات صاحب العيد بما هو أهل له. فنحن نهنئ الناظم والمنظوم له: الأول لإجادته في النظم، والثاني لبلوغه المرحلة الأولى من عمره، وهو رائع بحلة الفضل والفضيلة. فوائد لغوية سألنا بعضهم: ما احسن لفظة عربية تقابل الكلمة الفرنسوية في معناها المجازي، وما الذي يرادف كلمة قلنا: معنى المجازي هو: محاكاة الواحد للآخر في حركاته وأقواله محاكاة مبالغاً فيها، حملاً للناظرين أو السامعين على الضحك. وبعبارةٍ أخرى: هي أن يحكي الواحد فعل الآخر أو قوله على جهة الهزوء. ويقابلها بالعربية (اللمص) قال اللغويون: اللمص هو حكاية فعل الواحد أو قوله على جهة الهزوء.
وأما ومعناها فن التمثيل بالإشارة أو الحركة فيقابلها بالعربية (المحاكاة). وسألنا آخر: كيف أن لفظ (القداد) يعني (الترامواي) قلنا: جاء في كتب اللغة: قد الشيء: قطعه مستطيلاً أو شقه طولاً. والعجلة السائرة على خطين من حديد، تجرها الدواب أو الكهربائية أو البخار، تتصور لعيني الرائي كأنها تشق الأرض شقاً مستطيلاً، لاسيما وهي تجري على قدد من حديد. والكلمة على قياس لفظة الجواري بمعنى السفن؛ وأنت تعلم أنها مشتقة من جرت السفينة على الماء بمعنى سارت عليه. ونظائر هذه الحروف كثيرة في العربية. وباب الوضع يعقد لأدنى ملابسة في المعنى بين كلمة وأخرى. وسألنا آخر قال: جاء في مجلة الكوثر البيروتية (301: 3) في مقالة الحليم إبراهيم دموس ما هذا نصه: وقال آخر (وعد كلامه من سقطات الأقلام) في مقالة يصف فيها وصوله إلى أمريكا: (هي أول مرة وطئت أقدامي أرض أميركا)، ونسي حضرة الكاتب أنه إنسان وله قدمان فقط، وليس هو من ذوات الأربع قوائم!! (ثم ذكر الكاتب أقوال كثير من الكتاب الذين سقطوا في مهواة هذه الهفوات ومنها العيون للعينين) قلنا: كان يحسن بالمخطئ أن يطلع على أقوال العرب في هذا الباب قبل أن يتعرض لتخطئة جماعة من أئمة الكتاب، من قد برعوا في أصول الإنشاء والبلاغة. وما جوابنا هنا إلا ما ذكره السيوطي في المزهر 158: 1 قال: (ومن سنن العرب ذكر الواحد والمراد الجمع. كقولهم للجماعة: ضيف وعدو. قال تعالى: هؤلاء ضيفي. وقال: ثم يخرجكم طفلاً. وذكر الجمع والمراد واحد أو اثنان. قال تعالى: إن يعف عن طائفة. والمراد واحد؛ أن الذين ينادونك من وراء الحجرات. والمنادي واحد؛ بم يرجع المرسلون. وهو واحد، بدليل: ارجع إليهم؛ فقد سغت قلوبكما، وهما قلبان. وصفة الجمع بصفة الواحد، نحو: وإن كنتم جنباً والملائكة بعد ذلك ظهير. وصفة الواحد والاثنين بصفة الجمع، نحو: برمة أعشار، وثوب اهدام،
وحبل احذاف. قال: جاء الشتاء وقميصي أخلاق. وارض سباسب، يسمون كل بقعة منها سبسباً لاتساعها. قال: ومن الجمع يراد به الاثنان قولهم: امرأة ذات أوراك ومآكم. وبهذا النص كفاية للمخطئ. وسألنا السائل المذكور: وأنكر كاتب الكوثر المذكور كلمة افود إذ قال: (302: 3) وجاء في الجريدة نفسها قول الآخر: (فنكتة أدبية هي عندهم افود من الانتقاد والصواب: أفيد، لأن الفعل يائي، لأنك تقول: (كلامك يفيدني) وليس: (يفودني). قلنا: المراد بافود في العبارة المذكورة: (اثبت) من فاد المال لفلان: ثبت. والاسم الفائدة. وقد ذكر صاحب التاج في فود أنها واوية ويائية بعد قوله: والاسم الفائدة. وقال: لأن المصنف ذكرها في المادتين. ثم زاد على ما تقدم: وأفاده واستفاده وتفيده: اقتناه، وأفدته أنا: أعطيته إياه. وسيأتي بعض ذلك في قيد، لأن الكلمة يائية وواوية. ومن احسن الأدلة على أن الافود من الفائدة جاءت بمعنى الافيد استعمال صاحب التاج لها. قال في مادة قصر: (506: 3) (ولو ذكر المصنف الكل في محل واحد كان افود.) وكفى بذلك جواباً، لشهرة صاحب التاج ولا سيما بعد أن قال في مادة ف ود) أن الكلمة يائية وواوية، فجاء استعماله هذا بالواو سنداً لما ذهب إليه. على أن كاتب مقالة (سقطات الأقلام) قد خطئ اكثر مما خطأ فكان يجدر به أن يتحقق الأمور قبل أن يستهدف لسهام الأقلام. والسلام. سؤال يسأله أحد أدباء النجف ويطلب من القراء أن يجيبوه عنه وهو في: (التأنيث في اللغة العربية) هل هو أمر لفظي أو معنوي؟ ولو كان معنوياً فلماذا نجد اللفظين الموضوعين لمعنى واحد أحدهما مؤنثاً والآخر مذكراً؟ ولو كان أمراً لفظياً فهل له قياس يوقف عنده وقاعدة لا يتعداها؟ - وما هو ذلك الأمر الذي أوجب تأنيث هذا اللفظ دون ذاك. وللقراء مهلة ثلاثة أشهر للجواب عنه، فأن لم يجب عنه أحد وافيناهم بما نحفظه في هذا الباب. والله المعين.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - ابن الشعلان غزا نوري بن الشعلان أعراب شمر، من العشائر الراجعة إلى ابن الرشيد في نجد، فغنم منهم ثلاثة آلاف بعير. فتأثره أصحاب الإبل، وهجموا عليه فاستردوها منه. وغنموا هجين ابن شعلان وقتلوا من أعرابهم جماعة، فرجع ابن شعلان بخفي حنين، وقد اخذوا منه رايته، وأرسلوا بها إلى الأمير ابن الرشيد. 2 - ابن هذال غزا اذعار بن هذال عشائر الشام (الشرارات)، وغنم منهم مائة بعير، ورجع بها إلى أصحابه سالماً. (عن الرياض) 3 - ابن السعود اشتدت الضغائن بين شريف مكة وابن السعود، وامتنعت قوافل نجد من الذهاب إلى الحجاز، ورجع وفد ابن السعود من عند الشريف، وامتنع عن الحج سكان ديار نجد هذه السنة؛ وقد أفاد بذلك القومان الأستانة وكل منهما يروي الحكايات تبعاً لغاياته، وعليه فإن لم تخمد الحكومة هذه الفتن فالظنون أن ابن السعود يتفق مع بعض الأمراء على الشريف. فيكون من هذا الاتفاق ما يكون وهو ما تطلبه سياسة إحدى الدول وتسعى له منذ حين من الدهر. (عنها) 4 - ابن الرشيد أرسل ابن الرشيد إلى الأستانة وفداً برئاسة ناصر باشا الخشمان لمطالب متعددة، منها: قبول مبعوثين عن بلاد العرب النجدية، وإطلاق الحرية له لتأديب العصاة العائثين في العراق، والمطالبة بحقوق أبناء سعدون. وغيرها. 5 - الفدعان أغار ابن مهيد، رئيس الفدعان، على شمر، النازلين بأنحاء الموصل، فغنم منهم 300 بعير كلها لفيصل بن فرحان باشا وقفل إلى دياره سالماً. (عنها) 6 - الضفير أغارت الضفير ومعها بعض أعراب ديار نجد على أطراف حمص وحلب
فغنمت اباعر وأموالاً تجارية ورجعتا بها إلى ديارها بدون معارض. (عنها) 7 - التمياط اغار برغش التمياط ومعه حسين بن سعدون رئيس العبيد في مائتي فارس ولم يأت خبر إلى اليوم بما صاروا إليه. (عنها) 8 - نزال ابن مهيد وشمر استنزل ابن مهيد، قائد عشائر الفدعان وعنزة، عشائر شمر بالجزيرة، وقد زحف بعشائره وعبر نهر الفرات واجتاز عانه وراوة متوجهاً إلى شمر في أنحاء الموصل (عنها) 9 - شمر خرج الحميدي، رئيس عشائر شمر، في اطرف الموصل ومعه طائفة من العسكر لتحصيل الضرائب الأميرية (عنها) 10 - الدويش غزا الدويش، رئيس قبيلة مطير؛ فغنم اباعر فهد الدغيم بن هذال وقبيلته، ولما صار إلى الصحراء أهلكه الظمأ؛ فمات من أصحابه ثلاثون رجلاً، ورجع من بقي منهم إلى ربوعهم صفر اليدين، لأن الإبل التي استاقوها رجعت إلى أصحابها من تلقاء أنفسها إذ بقيت بدون سائق. (عنها) 11 - الضفير وأولاد سعدون آبى عجيمي بك السعدون أن يصالح الضفير بعد تلك الخيانة الشهيرة. وهو على وشك الرحيل إلى حائل، مقر إمارة ابن الرشيد. وسبب انتكاث حبل الأمن بعد إمراره أن ابن ضويحي، أحد مشايخ الضفير، استاق من عشيرة عجيمي بك ابلاً من موطن يبعد عن الزبير 8 ساعات. والآن يحاول الضفير المصالحة بإلحاح فأحالهم عجيمي بك على رأي ابن الرشيد وبما يأمر به. 12 - تسقيف الأسواق بالتوتياء جميع أسواق بغداد مسقفة بالحصر والبواري والقصب، ممدودة على المرادي المقاومة بهيئة مسنم، فكانت إذا أصابتها النار تضطرم اضطرام الهشيم، فلا تلبث أن تصير رماداً في قليل من الزمن. ولهذا كان يكثر الحريق في بغداد لاسيما في أيام الصيف. وأما الآن فأن البلدية اهتمت بإبدال الحصر بالتوتياء (الزنك) وقد سقفت كثير منها على هذه الصورة المستحسنة وأمن الناس شر الحريق.
13 - احتجاب جرائد الموصل توارت عن الأنظار جريدة نينوى والنجاح وجكة باز وتلاثتها موصلية. 14 - وفاة الشيخ غلام رسول الهندي توفي هذا الشيخ مبطونا في 1 تموز وله من العمر نحو ستين عاما. وهو هندي الموطن، وقد قدم العراق منذ اكثر من 20 سنة، وكان صادق اللهجة العربية، عارفاً بقواعدها وشواردها. يحسن التكلم بها على الأصول الأعرابية بدون تعمل أو تصنع. وكان أول تدريسه في بغداد في جامع عبد القادر الجيلى، ثم انتقل بعد نحو سنة إلى جامع الست نفيسة، ثم درس في جامع حبيب الأعجمي، ومنه تحول إلى جامع الباجه جي، ومنه ذهب إلى مندلي (البندنيجين)، ولما قدم منها عين مدرساً في جامع الخضار. وكان متفرغا لعلوم الدين، ولا سيما لتعلم الكلام منها. وكان يعلم أيضاً الرياضيات. وقد رحل إلى الأستانة ثلاث مرات. وكان في منتهى القناعة وقد تخرج عليه جم غفير من أبناء هذه المدينة ومن غيرها من مدن العراق. - وهو لم يؤلف شيئاً سوى بعض التعليقات وهذه أيضاً لم تر عالم المطبوعات. وقد حضر دفنته زرافات من الناس من طلبته ومن معارفه ومن غيرهم. إن الله مع الصابرين. 15 - ارتفاع أسعار الأرضين في بغداد منذ أن سمع الناس بأن الحكومة صممت على مد السكة الحديدية بين بغداد وحلب، ثم بين بغداد والبصرة، جد كثير في مشترى الأراضي في بغداد وما جاورها، ولا سيما ما كان منها واقعاً على إحدى ضفتي دجلة. ولما أعلن الدستور في أنحاء الدولة زادت الرغبة في مشترى الأملاك حتى أن أثمانها ارتفعت أضعاف الأضعاف. واليوم اغلب المشترين هم الاجانب، واليهود الوطنيون، واغلب البائعين هم المسلمون ثم النصارى. ولا بد أن نذكر بعض الشواهد على ارتفاع هذه الأسعار الفاحشة، من ذلك: ما اشتراه سعادة الكونت جبرائيل أصفر في سنة 1906 في محلة السيد سلطان علي، وهو بستان مساحته 9000 ذراع مربعة بقيمة 2000 ليرة مع النفقات. والآن طلب منه الراغبين في مقتنى قطعة منه دافعين في الذراع من
ليرتين إلى ليرتين ونصف؛ والبائع يطلب 3 ليرات بالذراع. فتكون قيمة تلك الأرض سبعة أضعاف ما كانت عليه قبل 6 سنوات. اشترى قيومجيان أفندي في نحو سنة 1905 أرضا في محلة الدباغ خانة بقيمة 500 ليرة عثمانية. والآن يدفع له بها 2300 ليرة وهو يأبى بيعها بهذه القيمة. لصديقنا ن. أرض اشتراها سنة 1908 بقيمة 300 ليرة عثمانية. والآن يدفع له بها 1200 ليرة. والأرض واقعة في كرادة البو جمعة أي تحت كرد الباشا حيث تشيد القصور. وصاحب الأرض لا يبيع منها قيد ذراع. وفي سنة 1903 اشترى حضرة القس يوحنا مقصود جاقر بستاناً في محلة الزاوية، بقرب السيد ادريس، طوله 250 متراً في عرض 50، بمبلغ قدره 300 ليرة. فبيع بهذا الشهر بمبلغ 1300 ليرة وقد اقتطع منها قطعة لنفسه بقيمة 300 ليرة، فيكون حضرة القس ربح 1300 ليرة مع أناء بستانه في مدة السنوات التسع التي مضت. وأما أثمان الدور في داخل المدينة فقد تضاعفت أيضا، ولا سيما ما كان منها مبنيا على شاطئ دجلة من جانب الرصافة. والآن اخذ الألمانيون في تعيين موقع محطة السكة الحديدية وهو في جانب الكرخ بازاء دار ريشارتز قنصل ألمانية سابقا، الواقع في جانب الرصافة، ولهذا ارتفعت فجأة أسعار أراضي كرادة مريم بما يفوق التصور. وقد اشترى الألمانيون اغلب تلك الأملاك. وقالت الرياض: كانت قيمة السيفية 300 ليرة فاشتراها الأجانب بمبلغ 7200 ليرة. وكانت قيمة اليوسفية 600 ليرة فاشتراها الأعراب بمبلغ قدره 6200 ليرة. وهناك غير هذه الأملاك مما هو في شرقي بغداد وغربيها. 16 - الحرائق في بغداد كثرت الحرائق في بغداد حتى حار أهلها في أمرها وتتاليها، وبأضرارها،
ودونك الآن عددها في هذا الشهر: 1 - حريق ليلة الاثنين الواقع في 8 من هذا الشهر. وقد شبت النار نحو الساعة 12 زوالية في قهوة محمود بن حسين الواقعة في محلة الصدرية. وأطفأت بعد ثلاث ساعات من نشوبها. ولم تتجاوز مشرب القهوة. 2 - شبت النار يوم الجمعة في 12 من هذا الشهر بساعتين بعد الظهر في حجرة الملا حسين صاحب خان الدجاج الواقع في سوق العطارين، وكان سببها بقايا لفيفة تبغ، ألقيت هناك، فسرت نارها إلى ما يقرب منها من الكاغد، فاحترق الخان وما فيه ثم اندلع لسانها إلى ما يجاورها فكلفت طعمتها من 25 إلى 30 ألف ليرة على ما يتناقله الناس. ولعل في المبلغ مبالغة. 3 - استعرت النار في ضحوة ذلك اليوم في المنضحة (مكينة السقي أو طرمبة الماء كما يقول أهل بغداد) التي تسقي أرض محمود أفندي في ديالى. فأضرت بمتولي أمرها وهما: حسن بن عباس وابنه جاسم، حتى أصبحت اليوم حياتهما في خطر. وقد دبت النار إلى الغابة المجاورة المعروفة بالجادرية فأكلت الحطب المقطوع وأشجار الحرجة، وبقيت تضطرم إلى أن لم تجد ما تفترسه. 4 - في ذلك النهار دبت النار في دار مختار محلة (فضوة العرب) وهو الحاج ناصر، فأحرقت الدار برمتها، ولم تبق فيها شيئاً ولم تذر، لكنها لم تتعداها إلى سائر الدور، وسبب نشوبها الحطب الموضوع في المطبخ بجوار النار المتقدة للطعام. 5 - شبت النار أيضاً في ذلك النهار (وكانت حرارته في الظل 45 درجة مع رياح غربية حارة من نوع السموم) في دار زهرة بنت صالح من أهالي محلة الحاج فتحي، فسرت النار من الموقد إلى ما يجاوره، فأحرقت الدار وحدها ولم تتجاوزها. 6 - في اليوم الثاني في 13 من هذا الشهر شبت النار في موقد حمام الحاج رسول أفندي فأخمدت من فورها بهمة رجال الإطفاء ولم يصب الحمام أو غيره
مما يجاوره بضرر يذكر. 17 - تغير حالة الهواء كانت حرارة حزيران غير مألوفة هذه السنة، لشدتها في غير أوانها، كما ذكرنا في العدد السابق. وفي أوائل شهر تموز حدث تغير فجائي وهبوط غريب في الحرارة حتى كان معظم الحرارة في بعض الأيام 37 درجة مئوية، وهو أمر غريب يكذب المثل العامي البغدادي: حر تموز، يحمي الماء بالكوز. وفي الموصل شعر الناس ببرد شديد في الليل حتى تذكروا برد تشرين الأول، إلا أن الهواء كان طيباً في النهار؛ وسبب هذا البرد وقوع ثلج في الجبال المجاورة للموصل مع مطر في ديار بكر وجوارها. فأصبحت هذه السنة، صيفها وشتاؤها من اغرب السنين. 18 - ادمون أفندي بشارة قدم في أوائل هذا الشهر حضرة المهندس البارع الشهير ادمون أفندي بشارة، وقد عينته الدولة العلية مندوباً عثمانياً لها ومهندساً أكبر لأعمال الري في العراق. ونحن نفخر به لأنه من أبناء الدولة المخلصين لها، والعاملين لنجاح الوطن وترقيه. ونأمل بقدومه تقدم الأشغال وسرعتها. 19 - معتمد الأمير ابن الرشيد وقدم إلى حاضرتنا في الأسبوع الأول من هذا الشهر عبد الله أفندي ابن جاسم، معتمد الأمير سعود باشا الرشيد، لأمور عائدة إلى حضرة الأمير والدولة. 20 - إيران خمدت نار الفتنة والاضطراب في إيران، لا سيما بعد أن قتل الأمير فرمان فرما داود خان وابنه الكبير، وأقام خلفاً للأب، الابن، سليمان خان رئيساً على عشائر الكلهر. وإقراراً بهذا الفضل أهدى هذا الولد إلى الأمير المذكور هدية تبلغ قيمتها 50 ألف تومان و30 بغلا و3 رؤوس من جياد الخيل. 21 - الابيل الدكتور موسيل والأمير سكتوس البربوني نهار السبت 4 أيار قدم إلى حاضرتنا الابيل الدكتور الرحالة لويس موسيل، ومعه البرنس سكستوس من بيت بربون بارما، ومن بعد أخذا راحتهما في المدينة وتجولا فيها مدة 4 أيام، سافرا نحو شمالي بغداد. وقد أتيا إلى إدارة
هذه المجلة وتجاذبا أطراف الكلام مع صاحبها. ويؤخذ من كلام حضرتيهما، أنهما عثرا على أسماء بلدان وقرى مذكورة في التاريخ، وكان يظن أنها أصبحت في خبر كان، ولم يبق منها اسم يعرف. وقد حققا أيضاً أموراً شتى تخالف ما جاء به الأب لامنس اليسوعي في ما كتبه عن الأخطل وتاريخ بني أمية. لأنه كان كتب ما كتب عن جهل البلاد التي لم يطأها. مما وقعا عليه أيضاً حقائق مقررة عن بلاد العرب كان قد طمسها البرنس الإيطالي كائتاني، في كتابه تاريخ المسلمين أو قلبها ظهراً لبطن، لأنه يجهل تلك الديار. والخلاصة أن هذين السائحين وقعا على أمور كثيرة، من شأنها أن تصلح ما أفسده بعض المستشرقين الذين يضعون أنفسهم فوق ما هم عليه. وسوف ينشرانها خدمة للعلم. والبرنس الشاب المذكور جاب ديار الإفرنج ومصر والحبشة، ثم رغب في الضرب في ربوع العرب ليتعرف بأهلها، وقبائلها، وعوائدها، وآدابها، فرافق لهذه الغاية، الابيل الدكتور موسيل االنمسوي، وهو من اعظم الناس خبرة بلغة العرب، وتاريخهم، وبلادهم، وأحوالهم، إذ قد تفرغ لها منذ 16 سنة، فتوفقا في رحلتهما هذه، وخططا جميع ما رأياه من البلاد، ودونا الحقائق التاريخية، وعثرا على كتابات ورقم كثيرة مفيدة للعلم والتاريخ اعظم فائدة. وللابيل المذكور كتب كثيرة في بلاد العرب على اختلاف انحائها، وقد شهد له القوم بمحاسنها، وبما فيها من الأمور المبتكرة التي لم يأت بمثلها من سبقه في تلك الأبحاث. إلا أنه يسؤنا أن نذكر هنا، أن أعراب شمر غزوها قبل أن يصلا حلب بيومين، واخذوا منهما كل ما كان معهما، ومن جملة ذلك مصور بلاد العرب والديار التي هبطوا فيها، ومجموعة نباتات نادرة لا يعرفها الإفرنج إلى اليوم، يبلغ عددها على ما قيل 800 نوع. فذهب الابيل موسيل إلى شيخ شمر واسترجع منه كل ما نهبوه إلا الجمال وبعض الاثاث، وتبلغ قيمتها 15000 فرنك فقد بقيت بأيديهم. وأما اليوم فأن السائحين قد وصلا محلهما وعن قريب ينشران فوائد رحلتهما. فالحمد لله على سلامتهما وعلى ما عثرا عليه من الآثار العلمية والتاريخية على ضروبها.
العدد 15
العدد 15 - بتاريخ: 01 - 09 - 1912 الصحف صوت الشعوب وصيتها الصحف ... تجري بهم للمجد أن وقفوا ماذا أقول وكيف اذكرها ... وبأي وصفٍ مثلها اصف أن قلت داعية العلى فلها ... ولأهلها العلياء والشرف الناطقات ونطقها حكم ... والحاكمات وحكمها النصف والعادلات فلا يلم بها ... كلا ولا برجالها الجنف والمنزلات على الأولى ظلموا ... رجزاً بما ظلموا وما اعتسفوا فهي اللواتي أينما ثقفت ... تأتي عليهم أينما ثقفوا عكفت تندد بالذي فعلوا ... وهم على مرضاتها عكفوا من كل سائرةٍ مغلفةٍ ... كالدر اطلع وجهه الصدف لا البحر يمنع أن تخب به ... سيراً ولا المتباعد القذف منهن نور الفضل (مقتبس) ... وبهن نور (العلم) (مقتطف) المورقات فكل زاهرة ... في مجتلاها روضة انف بيضاء ما وشيت بأسودها ... إلا تلاقي الصبح والسدف فإذا ترى لونيهما اختلفا ... فالناس من اجليهما ائتلفوا
عرفوا الحقوق وكل عارفةٍ ... فيها ولولاها لما عرفوا ولمنكري آياتها كشفت ... عن حجة كالصبح فاعترفوا كم سددت بالحق أسهمها ... لكن قلب الباطل الهدف الداعيات لكل سالفة ... غراء أبقاها لنا السلف أخلاق علامين أن وعدوا ... لم يخلفوا حاشاهم الخلف قوم إذا ما الضيم أوترهم ... نهضوا له بالعزم فانتصفوا لا يتلف المعروف بينهم ... هيهات بل يحمي ولو تلفوا لا يأسفون على فنائهم ... فيه وحق عليهم الأسف لهم إلى العلياء متجه ... وبهم عن الفحشاء منصرف لم يتبعوا بالحلف قولهم ... فإذا دعوا فالصدق إن حلفوا ترفت ضمائرهم فما بطروا ... فيها ولا أغواهم الترف كم مفخرٍ أبدوه مخترعاً ... لله ما اخترعوا وما اكتشفوا النجف: محمد باقر الشبيبي العشائر القاطنة بين بغداد وسامراء 1 - خطورة البحث البحث عن العشائر والقبائل الصغيرة المجهولة النسب، من اصعب الأبحاث، وبالأخص العشائر القاطنة في أطراف العراق، من اللائي قد ضاع نسبها بانقسامها إلى افخاذ، وبطون، وعمائر، واختلط حابلها بنابلها، وفشت بينها الأخلاق الغريبة، والعوائد المستهجنة، باختلاطها بسكان المدن الذين هم خليط من أقوام مختلفة، وشعوب متفرقة. ولم يقف الباحثون، الذين يهمهم أمر هذه البلاد وسكانها، إلا وقوفاً طفيفاً على انساب تلك القبائل الحقيقية، وماضيها، وعاداتها، وأخلاقها. ذلك لأن اكثر هذه القبائل قد خيم الجهل في ربوعها، وضرب ستاراً كثيفاً على عقول أفرادها، فحجب أبصارهم عن
إدراك حقيقة ماضيهم، حتى جعلهم لا يعرفون من هذه الحياة أمراً سوى القتل، والنهب، والسلب. ولو سألت واحداً منهم عن تاريخ قبيلته، ونسبها، وتاريخ الأراضي القاطنة فيها، وعن السبب في تسميتها، باسمها الحالي، لما أمكنه أن يجيبك عن سؤالك بشيء، وبقي واجماً لا يعرف ماذا يقول وماذا يفعل؟ ومما يزيد البحث صعوبةً وخطورةً: عدم وجود كتاب أو رسالة بحث عن أحوال هاتيك القبائل، وعن أسباب هذا التشعب الذي بدا فيها، من تفرقهم إلى بطون، وأفخاذ، وعمائر، وجماعات. وهناك أسماء محرفة، مشوهة، تزيدك ارتباكاً وضلالاً. وإذا وجد شيء من ذلك، فهو لا يميط لك النقاب عن تلك المسميات. ولا يهديك إلى ضالتك المنشودة، وغايتك المطلوبة. وزيادة على ذلك، أن الحكومة السابقة، صاحبة البلاد، لم تكن تعرف من أمر هذه القبائل شيئاً سوى أن منهم الزراع، والغزاة، وقطاع الطرق، وأن منهم من يطيعونها، فتضرب عليهم الرسوم الفادحة والضرائب الثقيلة، فتثقل كاهلهم بالديون، وتجعلهم يئنون من وطأة الفقر عليهم. وإن منهم من يعصون أمرها، فكانت تسوق عليهم الجنود فترجع أما بصفقة الخاسر المغبون، وأما بتشتيت تلك القبائل في أطراف البلاد، فينتشر عقد جامعتها، ويذهب بذلك نسبها، ويمحى تاريخها، بمحو عصبيتها وجامعتها، وتندرس أطلالها، وتعفى رسومها. وعندي أنه لولا عصبة من دهاقين الغرب المنقبين، وفئة من أساطين الشرق الباحثين، تتبع الحوادث، وتقيد الشارد والوارد منها، وتبحث من غير كلل ولا ملل عن أحوال تلك القبائل، وتاريخها، ونسبها، فتذلل لنا الصعاب وتزيل عنها العقبات؛ بما كشفته من الأسرار الغامضة، لذهب تاريخها، كما ذهب من قبلها تاريخ عاد وثمود، وسائر الأمم البائدة. إلا أن أبحاث أولئك المنقبين، ويا للأسف! محصورة في بعض العشائر التي تراجع الكويت، وتتردد إلى البلدان الساحلية، ولم تتعرض لغيرها. ومن القبائل التي لم يهتد إليها كبار الباحثين، ولم يعرف تاريخها عظماء الاجتماعيين، القبائل القاطنة في ضفف دجلة، بين بغداد وسامراء (أو سر
من رأى) وهي موضوع بحثنا، ولصعوبة ووعورة طريقه، نستميح القراء عذراً، عما يبدو لنا من الغلطات، والهفوات. ولما كانت هذه القبائل كثيرة الاختلاط بعضها ببعض، والخصال المستحكمة في قبيلة، مستحكمة في أخرى؛ والبحث عن أخلاق وعادات قبيلة، كالبحث عن جميعها، أردنا أن نورد هنا البحث عنها مجملاً، ونأتي بعد ذلك بما نعرفه من مصيفها، ومشتاها، وأقامتها، وترحالها، وزرعها، وحاصلاتها، وعدد رجالها، ورؤسائها مفصلاً وعلى ذلك نقول: 2 - حالتها الاجتماعية من طبيعة البلاد التي يقل فيها الرزق، وتشتد الفاقة بسكانها، ويعم الخراب اراضيها، ان يشتغل القاطنون فيها بالتنقل والارتحال، من مكان إلى آخر، طلباً للرزق وللحصول على المعيشة الضرورية، ومن اجل ذلك كان اكثر الأعراب رحلاً، وهم سكان البادية الجرداء الخالية من كل نهر وينبوع، يتنقلون من قطر إلى آخر، للانتجاع، والافتلاء، ومن طبيعة اشتداد الفاقة التنازع، والتنافس، وعلى هذا المبدأ ابن أحوال جميع الأعراب، فانهم لما كانوا قليلي الاعتناء بالأمور الزراعية التي تزيد رفاهيتهم، اشتدت الفاقة بهم فتولد من ذلك الخصام، والقتال على الأراضي والمياه والمواشي والأنعام. حتى عد ذلك من خصالهم وصفاتهم، ولهذا لم يعدوا القتل والغزو سبة أو أمراً كبيراً لاعتيادهم إياهما. وكلما أتاح الجهل لهذه الحروب فرصة، ثارت نيرانها واندلعت السنة لهيبها، ولو حدث بعضها في بلد آمن قد ضرب العلم فيه اطنابه، وخيمت المدنية في ربوعه، لعد أمراً ذا بال، ينفر النفوس، ويستوقف الأنظار. - وعليه فأن هذه الشجاعة وهذا الأقدام اللذين يبديهما الأعراب في حروبهم وغزواتهم هي نتيجة تمرنهم عليها، إذ أن الإنسان قابل لكل شيء. وهذه العشائر التي نحن بصددها تقسم قسمين: قسم قد اقتطعوا أرضاً فيزرعونها ويحرثونها، وهؤلاء هم الذين يتخذون دوراً من اللبن، لحماية حيواناتهم ودوابهم من حرارة القيظ. وبرد الشتاء، وبيوتاً للسكنى يصطنعونها في أيام الصيف، من عروق السوس والعاقول (نوع من الشوك
أخضر اللون) فيرشون عليها الماء، فيجد الساكن فيها لذة عجيبة، لأن الهواء يأتيه من منافذ العاقول بارداً نقياً، ولو كانت حرارة الشمس شديدة الوطأة. وفي الشتاء يرحلون من الأراضي الوطيئة إلى الأراضي المرتفعة، التي لاتصل إليها المياه، عند فيضان دجلة، فيكونون في مأمن من الغرق، ومع ذلك يكثر فيها النبات والعشب فتكون مرعى لحيواناتهم. - ويتخذون حينئذٍ لسكانهم بيوتاً من الشعر وزان (سبب) تقام على أعمدة من الخشب لا يتجاوز طولها مترين، تقيهم برد الشتاء. وهؤلاء بطبيعتهم هادئون، قليلو الغزو، لاشتغالهم بالزرع والحرث، وتربية المواشي، مما يغنيهم عن طرق أبواب السلب والنهب. وسمى ابن خلدون مثل هؤلاء البدو (أهل مدر). والقسم الأخر يعنون بتربية الاغنام، والابل، وسائر الأنعام، يتغذون بلبانها، ويتجرون بأصوافها، ويندر بينهم أن يستقروا بأرض واحدةٍ، بل دأبهم التنقل والارتحال ارتياداً للمنتجع. ولما كان الارتزاق من الأنعام ضيقاً، ومن طبيعة ضيق الرزق التنازع فيه رأيت دأب هؤلاء البدو الغارات، ونهب المواشي بعضهم لبعض. 3 - أسماء القبائل وأخلاقها وعاداتها العشائر القاطنة في ضفاف دجلة، بين بغداد وسامراء كثيرة، وهي مختلفة في مصيفها، ومشتاها، وانتجاعها، وافتلائها، وزروعها، واراضيها، بقدر ما هي متفقة الكلمة، ومربوطة بعضها ببعضٍ بجامعة واحدةٍ. وهي الجامعة العربية بالوجه الاخص، والعثمانية بالوجه الأعم. وأما أخلاقهم فهي كأخلاق سائر العرب أي الكرم، والوفاء، وأداء الأمانة، وإكرام الضيف، والإباء، وحسن الجوار، وإعالة الفقير، والمدافعة عن الدخيل. ومن طبيعتهم الشجاعة، والأقدام، والثبات، والصبر على الملمات. ولهم عادات لا تزال مستحكمة فيهم منذ عصور الجاهلية، واطلاع غريب على خفيات الأمور، كالقيافة مثلاُ فانهم يزعمون أن الولد إذا ولدته أمه يجب أن يكون بين هيئته وهيئة أبيه تقارب في الهيكل، والشكل، والطول، والقصر. والقيافة علم يؤخذ بالحدس والتخمين، لا بالاستدلال واليقين، ولهذا يعتبر من شر العلوم،
لما يقوم على الظن من الأمور الكبائر. والقيافة من العلوم التي كانت قبل الإسلام؛ ومختصة ببني مدلج ومضر بن نزار ومنهم تعلمته القبائل العربية. وهي كثيراً ما هتكت الحرائر، وفضحت الطاهرات ظلماً وزوراً. وهؤلاء لا يزالون عاكفين على هذا العلم المستهجن، وكثيراً ما اتهموا زوجاتهم بالمنكرات التي لا حقيقة لها البتة، وأما ما يتعلق بسحناتهم، فهم سمر الألوان المشربة بحمرة صبيحو الوجوه، سود العيون كبارها، حادو النظر، لؤلؤيو الأسنان، قويو الأبدان، رحبو الصدور، ضخام الجثة مع طول، ويقل بينهم القصار. ولهم حذاقة ومهارة عجيبة بإصابة المرمى؛ كثيرو الصبر على الظما، والجوع، والعري، والحر، والبرد. وهم يضفرون شعورهم (قصائب) أي جدائل، ويرسلونها على اقفيتهم، أو على جانبي رؤوسهم أو على خديهم، ويسرحون لحاهم، ويخففون من شواربهم، ويقتاتون لحوم الابل، والضان؛ ويتغذون بألبانها. ومن أشهر تلك القبائل: بنو تميم، والمجمع، والعيدان، والحباب، والسعود، والبو عتاب، والبو دراج، والبو عباس، والبو عيسى، والبو مليس، والبو نيسان، والبو اسود، والبو باز، والبو صليبي، والغوالبه، والجبور، والخزرج، والبو فراج، والكبيشات، والبو طلحة، والعزة، والمشاهدة. وسيأتي ذكرها مفصلاً. 4 - المزروعات والحاصلات تزرع هذه القبائل أرضاً كبيرة ممتدة على جانبي دجلة، من قضاء الكاظمية إلى سامراء من الجهة اليمنى، ومن ناحية الأعظمية إلى سامراء أيضاً من الجهة اليسرى، وتقدر الأراضي المزروعة على الجانبين بما يزيد على 20 ألف فدانٍ. والزرع هناك قسمان: صيفي وشتوي، فالصيفي يزرع على ضفاف النهر وتسقيه المياه التي تجرها السانية، وهي الناقة، أو البغلة، أو البقرة التي يستقى عليها من البئر بواسطة دلو كبيرةٍ، فيسيحون الماء على المزروعات بالسواقي (بالأنهر الصغيرة) وهو ما يسمونه عندهم (بزرع الكرود). وكان الأقدمون يسمونه (زرع السيح أو زرع السانية). والشتوي هو الذي يزرع
في الأراضي المرتفعة البعيدة عن النهر، الآمنة من الغرق، فتسقيه السماء بما تجود عليه السحب من المياه وهو ما يسمونه (زرع الديم)؛ وكان يسميه الأقدمون (العذي)؛ ولهم نخيل وأشجار لا يصلها سيح ولا مطر، فيشرب بعروقه من غير سقي ولا سماءٍ وهو (البعل). ومن مزروعاتهم الصيفية الذرة، والدخن، والسمسم، واللوبيا، والماش، ويقدر محصولات هذه الأنواع بما يربو على 8 آلاف تغار. والخضروات، وعنايتهم بها قليلة لقلة أنفاقها أو صرفها وبعد الولاية عنهم. والرقي (البطيخ الأحمر) والبطيخ (البطيخ الأصفر أو القاون) وهذان النوعان مبذولان لكثرتهما هناك، وسهولة إنفاقهما، وفي كل سنة يرسل منهما إلى بغداد قدر جليل، ويبلغ قيمة حاصلاتهما خمسة آلاف ليرة. ومن مزروعاتهم الشتوية القمح، والشعير والهرطمان، والعدس، وغيرها. ومزروعاتهم هذه كلها على الأصول القديمة. 5 - رسوم الحكومة وضرائبها كانت الحكومة تأخذ سابقاً من هذه العشائر رسوماً كثيرة؛ وكانت كلها ثقيلة وهي التي حملت الكثيرين من رؤسائها على أن يندمجوا في العشائر الرحل هرباً من تلك الضرائب الفادحة؛ وبقيت اكثر الأراضي خراباً؛ ولو فتشت عن تلك الأراضي العامرة الآهلة بالسكان، لوجدتها اليوم اغلبها غامرة قفرة. ولو فتشت في دفاتر الحكومة لما وجدت فيها زيادة في الواردات بل نقصاناً، وأن كان ثم زيادة فما هي إلا من نماء موارد أخرى، أو من زيادة مكوس وضرائب. ولو أن الحكومة السابقة خففت من ثقلها ولم تستعمل العنف والشدة في تحصيلها، لعمرت اكثر الأراضي، ولعادت على الخزينة بالربح الكثير، والمال والغزير. ولو زادت على ذلك اتخاذ الوسائل الناجعة لوقايتهم من الغرق، فعمرت السدود، وشقت الجداول، وكرت الأنهار المندرسة، لما جاز لنا أن ننتقدها أو نطالبها بشيء. والأمل بهمة رجالنا الدستوريين الحاليين أن يتلافوا هذه الأخطار بأمرين: أما بإصلاح الأنهر وإنشاء السدود وشق الجداول، وأما بتخفيف الضرائب. وعندي أن العمل بالأول، يفيد
الطيارة في ديار العرب والغرب
الخزينة أضعاف ما كانت تحصله الحكومة السابقة بالعنف، والشدة، ولكفاها مؤونة سوق الجيوش، ومحاربة الرعايا، وإزهاق النفوس، ومن ضرائب تلك الحكومة التي يؤديها الأعراب اليوم، أنها تأخذ عن كل كردٍ من الكرود 30 مجيدياً. والكرد عبارة عن ثلاثة افدنة. ومن حيث أن المزروع 20000 فدانٍ أي عبارة عن 2000 كردٍ؛ فإذا ضرب بثلاثين مجيدياً، بلغت واردات الحكومة من الحاصلات الصيفية وحدها 60000 مجيدي أو ما يقرب من 11 ألف ليرة عثمانية. وتأخذ عن المزروعات الشتوية (الديم) الخمس؛ إلا أراضي (عظيم) وزان (زبير)، فإنها تأخذ عن شتويها العشر. وتأخذ عن كل رأس من الغنم أربعة غروش صحيحة؛ وعن كل رأس من الإبل فرنكاً واحداً. وتأخذ رسماً يسمى (البيتية) وهي ثلاثة عشر غرشاً صحيحاً عن كل رجل متأهل. إبراهيم حلمي الطيارة في ديار العرب والغرب - جاء في المثل العامي العراقي: (طياره وطايره في السما أو بالسما). (فطياره) خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا أو هذه، بحسب المشبه، والجملة المقرونة بالواو حالية أتى بها لبيان أن التشبيه يكون في هذه الحالة، ولولا إياها لما صح التشبيه، وذاك ظاهر إذا نظر إلى مورد المثل. والطيارة لعبة شائعة بين صبية العراق، وسائر الآفاق، تتخذ في الأغلب من القرطاس. وتكون على أشكال مختلفة، ولكل منها اسم خاص في العراق، فمنها ما يسمى بالطيارة العربية، وما يسمى بالطيارة العجمية (أي الفارسية أو الإيرانية) ومنها ما يسمى بالطيارة الافرنجية، ومنها يعرف باسم المربعة؛ والمستطيلة، والعقرقة، وغير ذلك. وكيفية صنعها معروفة لاشتهارها. وهي تسمى بالفرنسية - وبالإنكليزية أو - وبالألمانية - وبالإيطالية وبالأسبانية وباللاتينية
وبالنرمندية وبالتركية (اوجورتمة) وبالفارسية (بادبر، بادير، كاغد باد، باديرك، باد بادك أو باد برك). ووجود هذه الألفاظ في اللغات المحدثة دليل على أن استعمالها غير مختص بصبية العرب. أما كيفية إرسالها فيكون بأن يركض صاحبها بخلاف مهب الريح، وأن يطلق لها رويداً رويداً الخيط الذي يربطها. وقد لاحظ أصحاب النظر أن الطيارة ترتفع صعوداً، وترسم على الأفق زاوية حادة لا تتجاوز الخمس والأربعين درجة. وإذا أردت أن لا (تضرب طيارتك رأساً) إلى اسفل شد بأسفلها (ذيلاً) تتخذه من الخرق المعقدة، أو من الكاغد الملفوف، على أبعاد متساوية أو تكاد، وتشدها كلها بخيط، وذاك الخيط يمسك التوازن في طيرانها. وللهنود ولع خاص بها. ولهم مهارة فائقة في تطييرها. وقد يجعلون الفضاء ساحة حرب تشب نارها بين طياراتهم. والمنصور فيها من قطع خيط طيارة صاحبه. وهذا يكلفهم نفقات باهظة كما نشاهد ذلك فيهم ممن يحتل العراق. وقد يجعل لهذه الطيارات بعض وريقاتٍ خصوصية تدوي في الهواء ونسمع أصواتاً مختلفة يسمونها (السنطور)؛ والطيارة التي فيها السنطور يسمونها (أم السنطور) وبعض الأحيان يصعدون إلى الطيارة خرقه أو قطعة ورق أو مصباحاً يرسلونها على الخيط الذي باليد، فيسمون هذه القطعة (الساعي) كأنها تسعى بمنزلة الرسول إلى الطيارة. وقد وجدت للطيارة أصلا عند العرب في سابق الزمن. قال أبو عنان الجاحظ في جملة كلام له فيما اشتق له من البيض اسم من كتاب الحيوان: (119: 4 وما يليها). . . وأما قول الشاعر الهذلي في مسيلمة الكذاب في احتياله وتمويهه وتشبيه ما يحتال به من أعلام الأنبياء بقوله: بيضة قارورٍ وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جائف
قال: هذا شعر أنشدناه أبو الزرقاء سهم الخشعمي هذا، اكثر من أربعين سنة. والبيت من قصيدة كان انشدنيها، فلم احفظ منها إلا هذا البيت. فذكر أن مسيلمة طاف قبل التنبؤ في الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب، يلتقون فيها للتسوق والبياعات، كنحو سوق الأبلة، وسوق لقة (كذا في الأصل المطبوع وهو غلط. والأصح بقة بباء موحد تحتية في الأول بدلاً من اللام، وكذا وردت مصحفة في كتاب تاريخ آداب العرب للرافعي ص 85) وسوق الانبار، وسوق الحيرة. وقد كان يلتمس تعلم الحيل والنيرنجيات (وفي الأصل: النيرجان وهو غلط) وإحتيالات أصحاب الرقي والعزائم (وفي الأصل المطبوع: واختيارات النجوم والمتنبئين)، وقد كان احكم حيل السدنة وأصحاب الزجر (وفي الأصل المطبوع: حيل السدنة والحواء وأصحاب الزجر والخط، ومذهب الكاهن والعياف والساحر)، وصاحب الجن الذي كان يزعم ن معه تابعه. قال: فخرج وقد احكم من ذلك أموراً. وذكر الجاحظ كلاماً مسهباً في بيضة القارور وتوصيل المقصوص وكيف احتال بهما مسيلمة وموه على الأعراب إلى أن قال: ثم أنه قال لهم وذلك في ليلة منكرة الرياح مظلمة في بعض أزمان البوارح: إن الملائكة تنزل علي وهي ذوات أجنحة، ولمجيئها زجل، وخشخشة، وقعقعة؛ فمن كان منكم ظاهراً فليدخل منزله، فأن من تأمل اختطف بصره. ثم صنع راية من رايات الصبيان التي تعمل من الورق الصيني ومن الكاغد وتجعل لها الأذناب والأجنحة وتعلق في صدورها الجلاجل وترسل
يوم الريح بالخيوط الطوال الصلاب. (قلنا: هذا وصف الطيارة أم السنطور) قال فبات القوم يتوقعون نزول الملائكة، ويلاحظون السماء، وأبطأ عنهم حتى قام جل أهل اليمامة وقويت الريح فأرسلها. وهم لا يرون الخيوط. والليل لا يبين عن صورة الرق وعن دقة الكاغد، وقد توهموا قبل ذلك الملائكة. فلما سمعوا ذلك ورأوه تصارخوا. وصاح: من صرف بصره ودخل بيته فهو أمن، فاصبح القوم وقد أطبقوا على نصرته والدفع عنه. انتهى المراد من الاستشهاد بكلامه. ونقل ابن أبي الحديد، في مقام يذكر فيه الطيرة والفال وما ورد في ذلك من الحكايات التاريخية، هذا الحديث عن الجاحظ باختلاف يسير في التعبير. أقول: ويظهر من هذا الكلام أن هذه اللعبة كانت تسمى عند العرب (براية الشادن). لأن اسمها عند الأعاجم يعني هذا المعنى تقريباً. فمعنى اللفظة الفرنسوية (الأيل أو الشادن الطائر) ومعنى الإنكليزية (الحدأة الطائرة) ومعنى الألمانية (راية التمساح أو التنين) ومعنى الإيطالية كمعنى الفرنسوية، ومعنى الأسبانية (المذنبة) وهكذا إلى سائر حروف اللغات. فضلا عن أن شاعر العرب أراد أن يصف الشيء باسمه المعهود عندهم كما وصف بيضة القارور وتوصيل المقصوص؛ وإلا لما فهموه، لوضعه ألفاظاً حديثة المعنى. وعليه، تكون (راية الشادن) عند عرب الجاهلية بمعنى (الطيارة) عند المحدثين من أبناء العرب. ويظهر من ذلك أيضاً أن مسيلمة الكذاب لم يخترع هذه اللعبة، بل كانت معروفة عند العرب الذين لم يكونوا من قبيلة. أما أول من اخترعها فهو القائد الصيني (هان سين - بمائتي سنة قبل ولادة المسيح، والذي حداه إلى ذلك أنه حوصر هو وجنده في مدينة فاتخذ هذه الوسيلة للمفاوضة مع جيش يأتي لإمداده.
وقد اتخذ فرانكلين الطيارة أو راية الشادن لاختبار في عالم الطبيعيات، في منتهى الإفادة، إلا أنه خطر. وقد توصل إلى أن يستل الكهربائية من السحب بطيارة، اثبت في رأسها مسماراً معدنياً، وربطها بحبل موصل الكهربائية. ولقد اخترع روماس (العجلة الكهربائية) وهي مما يعين الباحث على التنقيب عن الكهربائية بدون أن يتعرض لخطر كهربائية السحب وذلك بواسطة الطيارة. وما هذه العجلة إلا مرفعة أو خنزيرة (ويسميها بعض عوام العراق بزونة وهي اسطوانة من خشب كالمحالة تدور على محور لترفع بها الأثقال وبالفرنسوية تقوم على قوائم من زجاج ويلف عليها خيط أو حبل الطيارة. وقد يلف ويحل هذا الخيط بمقبض من زجاج، حتى لا تضر الكهربائية بمن يزاول البحث عن خواص كهربائية الغيوم، ولا تناله الصاعقة بوجه من الوجوه. وإتماما لرواية المثل العامي نذكر هنا كيفية التلفظ بحروفه فنقول: (طياره) الطاء مكسورة بكسرة خفيفة، وقد تفتح فتحة طفيفة أيضا. والياء مشددة مفتوحة، وفي الأخر هاء ساكنة. (وطايره) الواو ساكنة وكذلك الياء التي تلي الألف. وفي الأخر هاء ساكنة. (بالسما) السين ساكنة والميم مفتوحة فتحة مشبعة، وقد تكسر السين فيكون في الآخر بدل الألف هاء ساكنة. يضرب هذا المثل للشخص الذي لا يستقر على حالة واحدة، وهو ينظر إلى قول الشاعر: كريشة بمهب الريح طائرة ... لا تستقر على حالٍ من القلق أو يضرب لمن اتسع له ميدان العمل فيفعل ما يشاء، كما قال الشاعر: يالك من قبرةٍ بمعرٍ ... خلا لك الجو فبيضي وأصفري ويضرب أيضاً للأمر الأسد الذي لا ينال، كما قال الأقدمون: اعز من الأبلق العقوق، ومن ألف الأسد، ومن است النمر، ومن أم قرفه، ومن بيض الانوق، ومن حليمة، ومن الزباء، ومن عقاب الجو، ومن الترياق، ومن مخ البعوض، ومن ابن الخصي، ومن الغراب الاعصم، ومن قنوع، ومن
السفن في العراق
الكبريت الأحمر، ومن كليب وائل، ومن مروان القرظ. هذا ما أردنا كتابته في هذا الباب، ومن زاد عليه فله الأجر والثواب النجف: مرج السفن في العراق 1 - مقدمة تمهيدية الإبحار، (أي ركوب البحر على سفينة أو نحوها)، أمر عريق في القدم. والظاهر، أن الذي ساق الإنسان إلى ركوب البحر - (والبحر في العربية ما خالف البر نهراً كان أو يماً) - رؤيته سير الأشجار، أو جذوعها، على ظهر الماء؛ فحاول حينئذٍ صنع شيء يتخذه من الخشب ليركبه، ويسير، به على الماء، تحدياً لما رأى. ثم أوحى الله إلى نوح (ع) صنع الفلك، فانتقل الإبحار إلى طور النشوء البين؛ ومنذ ذاك ارتقى رويداً رويداً، حتى بلغ هذا المبلغ في أيامنا هذه. ونحن لا نتعرض هنا ألا للسفينة، وانواعها، وما يتعلق بها، على ما يشاهد اليوم في العراق. 2 - السفينة في العراق المراد بالسفينة في العراق، مركب مائي يسير بالشراع أو بالمردى، أو بالمجذاف لا غير. وقد اختلفت أنواع تلك السفينة وأشكالها اليوم، كما اختلفت أسماؤها. ولم نعثر حتى اليوم على خبر يبين لنا هيئة السفينة القديمة في العراق، وكيف تدرج التغير في وضعها، حتى صارت إلى ما هي عليه اليوم؛ وذلك لأن وجود السفينة عندنا، وحالتها الأولى، اعني في عصور البابليين، مجهولة. ولم يعرف أسلافنا القدماء من أمر تلك الأمم البائدة شيئاً، إلا ما جاء منقولاً عن السنة الأعراب، من نوع الأقاصيص التافهة، المعروفة بالخرافات. وعليه لم يعرفوا من سفنهم ما يفيدهم علماً بها، وببنائها، وبتركيبها، وبتسييرها.
ثم أن الذين جاءوا أبعدهم، وهم أهل القرون الوسطى وما بعدها، وجدوا في عصر انحطت فيه المدنية، وتشاغل فيه الناس عن العلوم، ولم يلتفت إليها من كتب منهم، في مثل هذه المواضيع. وبقي أمر السفينة سدىً. ولذا اخذ العرب هذه الصناعة (اعني صناعة السفن)، عن اليونانيين؛ فكانوا يبنونها على طرز سفن اليونان والرومان ثم عدلوها أيام حضارتهم. والتعرض لهذا الموضوع، يستلزم تأليف كتاب، قائم برأسه. ولهذا نضرب صفحاً عن الإيغال فيه. ونجتزئ بذكر ما يفيد بحثنا، وهو وصف السفينة العراقية الحالية، وشرح أسمائها، وآلاتها المتداولة المستعملة عند أهلها اليوم. والإشارة إلى المخالف والمؤالف منها عند الاقدمين، مستندين في وضع ذلك كله، على ما سمعناه من أهلها، ورأيناه بالمشاهدة، وسألناهم اياه، حينما ترددنا إلى نهري دجلة والفرات، غير مرة. ولم يكن لنا وقتئذٍ مركب على الماء سواها. فلنبدأ الآن بوصف إنشاء السفينة أولا، ولنأت بعد ذلك على أسمائها، وآلاتها، شيئاً بعد شيء. فنقول: 3 - بناء السفينة العراقية أول ما يبنى من السفينة صحنها، ويسمونه (طابقاً)، ويلفظون القاف كافاً فارسية أو جيما مصرية. وهو عبارة عن أخشاب سوية ممدودة عرضاً. ثم يؤخذ ببناء جنبيها، ويتخذان من أخشاب منحنيات قليلاً. وتسمى تلك الحنايا عند أهل السفن: (عطوفاً) وأحدها (عطف)، عند الأقدمين (قائفاً)؛ ويسمون ما بين العطوف: (جوابش - كوابش) جمع جابشٍ - كابشٍ) وعند الأقدمين: (طائقاً). ويختلف طول تلك الأخشاب وقصرها، وكذلك يختلف ارتفاع ذلك الجنب. فأطول ما يكون من خشب العطوف نحو ثلاثة أمتار. وأقصرها قراب مترٍ ونصف مترٍ. ويكون صدرها مرتفعاً مستطيلاً ملقوطاً أي ململماً. فهو أشبه شيء بأحد طرفي القوس إذا وضعتها على
كبدها. أو أشبه شيء بعنق اللقلق؛ ومؤخرها غير مرتفع عن جنبها ولا هو مستطيل. ألا أنه ملقوط بدون ارتفاع وتسمر في تلك الأخشاب من الظاهر ألواح صغار تنشر من خشب الغرب، والتوت والصفصاف يبلغ طول كل لوحة منها متراً ونصف مترٍ في عرض 20 سنتيمتراً على الأكثر، ويكون ذلك التسمير بمسامير من حديد ينفذ طرفها إلى باطن السفينة، ثم يلوى المسمار على الخشبة بقدر ما ينفذ منه فيها، ويسمى ذلك اللوح المسمور (طابقاً) أيضاً. وبعد الفراغ من هذا العمل وإكماله تقام السفينة على أحد جنبيها. ثم تطلى بالقار المسمى (دوسة) وأول ما يطلى منها ظهرها. وإذا تم طلاؤها طرحت عليه، كما كانت في أول بنائها، ويبتدأ بتدميمها، اي بطلائها من اسفل جنبها حتى أعلاها. والمدمم (بالكسر) يسمى عندهم (قياراً) بتشديد الياء. وهي فصيحة: وتسمى آلته (سوبجا - سوبكا) وهي تصحيف الشوبك أو الشوبق وكلها من اصل فارسي وفصيحها بالعربية (المسطح) وهو محور من الخشب، مستدق الطرفين، ضخم الوسط، يبلغ غلظ أكبرها عشرين سنتيمتراً، في طول 40 سنتيمتراً. وأكبر نوع هذه السفن المبنية في العراق، وهو الذي يطلق عليه اسم السفينة دون سواه، يبلغ طوله 30 ذراعاً في عرض 6 اذرع من الأسفل
وثماني اذرع ونصف ذراع من الأعلى. وليس على حاشيتها من فوق لوح ممدود يغشيها، بخلاف ما يأتي ذكره منها. ولا يكون سير السفينة إلا في دجلة، لأنك لا تكاد ترى منها واحدة في الفرات بين الألف من سفنه. ومن السفن نوع آخر اسمه (المهيلة والبلم) وما شاكلهما - فالمهيلة تبنى كالسفينة إلا أن أخشاب جنبيها اكثر انحناء من السفينة، فهي أشبه شيء بإنسان مجردة أضلاعه من اللحم، ملقى على قفاه. أما صدرها فهو أوطأ من صدر السفينة وأطول، وهو كثير الشبه بجؤجؤ طير الماء، ومنه اسمه عند العرب أي الجؤجؤ. وأما مؤخرها فهو في الغالب غير ملقوط كثيراً، وعرض مؤخرها قراب مترين. وإذا كان كذلك يبنى عليه قبة، أو مخدع، أو علية، من الخشب يسمونها (عرشة). وتغشى أخشاب المهيلة بلوح الساج، وطول كل لوحة منها من ثلاثة إلى خمسة أمتار في عرض 25 سنتيمتراً و5 سنتيمترات ثخناً على التقريب. ويعد الغشاء تجلفط، أو تقلفت، بالقطن والدهن، ولا تطلى بالقار أو بالزفت أبداً. وصنع البلم مثل صنع المهيلة ألا أنه ليس فيه (عرشة) وليس في جنبيه انحناء كالمهيلة فهما بين جنبي السفينة والمهيلة وصدره ومؤخره واحد. وهما ملقوطان كمؤخر السفينة ومعقوفان إلى الأعلى. والبلم كلمة هندية وبلسانهم (ولم أو بلم). ويقولون (وشر) المهيلة أو البلم أي صنعهما أو انفق ما يفي بصنعهما: ولعله مأخوذ من قولهم وشر الخشبة بالميشار إذا نشرها به. ويقولون أيضاً (دق) السفينة، أي صنعها الصانع أو أمر بصنعها صاحب النفقة. وخصوا (الدق) بالسفينة، والتوشير بالمهيلة والبلم: لأن السفينة تطلى بالقار كما علمت، والمهيلة والبلم لا يطليان بالقار. وكذلك قالوا (وشر المهيلة والبلم، و (دق) السفينة، ويطلق الدق على كل ما يطلى من السفن بالقار. وكذلك
يطلق (التوشير) على كل ما لا يطلى بالقار من السفن. ويسمى المجلفط، أو المقلفت، عندهم (جلافاً) بتشديد اللام، وهو تخفيف جلفاط. قال في المخصص ما نصه: (. . . والجلفاط الذي يجلفط السفن وهو أن يدخل بين مسامير الألواح وخروزها مشاقة الكتان ويمسحه بالزفت والقار.) وسير هذين النوعين من السفن وما يشاكلهما يكون في الفرات، وقد تسير المهيلة في دجلة: أما البلم فلا تراه في دجلة. هذا وصف السفينة في العراق وسيأتي وصف الأنواع الأخرى استطراداً عند ذكر اسمائها. 4 - أسماء بقية السفن في العراق 1: (البركش) يجمع عندهم على (براكش) وهو أكبر السفن وسيره من البصرة وما تحت. وفي دجلة بغداد اليوم نوع من السفن يسمى بهذا الاسم أيضاً يبلغ طوله قراب 5 أمتار في عرض مترين، وارتفاع جنبه عن الماء نحو متر واحد، وصنعه من اللوح المقلفط والمطلي بالقار الرقيق: وله دقل وسكان ولا عرشة فيه وهو ملقوط الطرفين بقصر، إلا أن مؤخره اعرض من صدره: وهو أشبه شيء (بالدوبة) أي جنيب المركب البخاري الذي يسير بين بغداد والبصرة. أو (بالقائق) أي البلم البغدادي. 2: (البغلة) تجمع عندهم على (بغال) و (وبغلات): من السفن الكبار السيارة في البحار، لاسيما في خليج فارس وبحر الهند 3: (البلم) يجمع عندهم على (ابلام) (باسكان الهمزة وتخفيف اللام) (وبلامة) (وبلمات) والبلم كلمة هندية من (الولم) وقد تقدم وصفه ولا عرشة فيه، وله دقل وسكان، وحمل أصغره 10 طغارات وأكبر 50 طغاراً. والابلام أربعة: بلم عراقي، وبلم بصري، وبلم عشاري، (بتشديد الشين) وبلم بغدادي. أما العراقي، والبصري فهما واحد في الشكل والصناعة. وأما العشاري: (ويجمع عندهم على عشاريات): فهو كالبصري، والعراقي: إلا أنه صغير
ويصنع من خشب الساج أيضا: يبلغ طوله 7 أمتار، في عرض متر واحد من الوسط. وهو ملقوط الطرفين مستوِ ومحل ركابه في الوسط، وهو لا يصلح إلا للتنزه والعبور من جانب إلى جانب أخر من النهر. ولا يسع اكثر من خمسة ركاب و (دافوعين): أي ملاحين: ويسير بالدفع والجدف؛ واكثر سيره في نهر العشار الذي في البصرة، واليه ينسب. وليس له دقل، ولا سكان. والعشاريات سفن قديمة عند العرب قال في التمدن الإسلامي 1: 161 (. . . والعشاريات مراكب يسار بها في النيل.). وأما البلم البغدادي: فهو بلم أصغر من العشاري ويخالفه في الهيئة والشكل ولوحه من خشب التوت، ومحل ركابه في مؤخره. وله سكان ولا دقل فيه وغاية ما يسع سبعة ركاب (وبلامين) أي جدافين: لأنهم يسمون صاحبه (بلاما): بتشديد اللام: ويطلى بطلاء ابيض يسميه أهل بغداد (بالبوية) والكلمة تركية. ويسميه أهل بادية العراق (مغراً) بالتحريك. وسيأتي ذكر البلم أيضاً في باب أشباه السفن باسم (القائق). 4: (البوت) (بضم الباء وإسكان الواو والتاء) يجمع عندهم على (بواتي) والكلمة إنكليزية معناها المركب: وهي مهيلة لها صدر عالٍ وعرشتها أي عليتها وراءها منفصلة عنها وسكانها من الوسط وحملها مقدار 60 طغاراً من الطعام وسيرها في أطراف البصرة. 5: (الخشبة): بكسر الخاء وسكون الشين وفتح الباء الموحدة التحتية وفي الأخر هاء تجمع عندهم على (خشوب) والأقل على (خشبات) وهو زورق يصنع من خشب الساج يكون جنيباً للمهيلة الكبيرة جداً (وللبلم العراقي وهو الكبير أيضاً يستخف لحوائجهم: ويراد بالبلم العراقي ما كان أصحابه وبناؤه في شط الفرات) ويطلق عليه هذا الاسم أهل شط دجلة والبصرة أما البلم الذي يصنع في البصرة فيسمى عند أهل الفرات البصري وكذلك يقال سفينة بصرية. 6: (الدائك - الدانق) بالكاف الفارسية وتجمع عندهم على (دوانك - دوانق) ويسميه البعض (عانية) بتشديد الياء يتخذ من لوح الساج وهو
مخصوص بالعبور ويبلغ طوله 4 أمتار وعرضه من الوسط 80 سنتيمتراً على التقريب يسع من 6 إلى 10 رجال، وله دقل وسكان وطرفاه شبيهان بطرفي السفينة وهو بين السفينة والساجة واكثر ما يوجد في شط دجلة مما يلي العمارة وما فوق إلى الشرق الجنوبي وشط الغراف أيضاً. 7: (الساجة): وزان الحاجة تجمع عندهم على (سوج) والبعض يسميها الساجية بتخفيف الياء، والأول اصح، لأنها مصنوعة من خشب الساج فسميت به: وأما لفظ الساجية فانهم يزعمون أنها مأخوذة من الساقية (والساقية) الجدول الصغير الجاري وذلك لأنها تجري جريه في المسير. تسع من 5 إلى 10 رجال، وطولها قراب 5 أمتار وعرضها من الوسط الأعلى نحو متر واحد ومن الأسفل زهاء 40 سنتيمترا، وطرفاها ملقوطان لقطا مستدقا، ولا فرق بين مؤخرها ومقدمها وقد يطول مقدمها على مؤخرها: وقد يغلف طرف مقدمها أو مؤخرها بالحديد وليس لها دقل ولا سكان وتسييرها على الأغلب يكون بالدفع ولهذا يسمون نوتيها اليوم (دافوعا) - إلا إذا قصر المردي (وهو ما تدفع به السفينة) ولم ينل رأسه الأرض لارتفاع الماء فيكون سيرها بالمجداف ويسمى عندهم (غرافة): بكسر الغين وتشديد الراء وهي مأخوذة من غرف الماء وحينئذٍ تكون بفتح الغين: وعامة بغداد يكسرونها وأهل الفرات يفتحونها وهي خشبة غلظها قبضة الكف وطولها قراب متر ونصف وفي أحد طرفيها لوحة مثلثة الشكل ورأس المثلث متصل بالخشبة ويبلغ طولها 35 سنتيمترا تقريبا في عرض 20 سنتيمترا. وكذلك تسيير (الخشبة) و (الدانك) و (الجلابية) و (المعيبر) و (العسبية) و (المشحوف). ولعل يقابل هذه السفن السبع سفن أخرى كانت للأقدمين وهي (الزورق) و (البوصي) و (القارب) و (الركوة) و (المعبر). لأن أقدار هذه المراكب كأقدار تلك على ما يؤخذ من كلام ابن سيدة في المخصص. 8: (السفينة) بكسر السين والفاء تجمع عندهم على (سفن) وهي عربية فصيحة: وفصيحها (بفتح السين) وقد اختلف في اشتقاقها: قال ابن سيدة في المخصص عن ابن دريد: (. . . السفينة: فعيلة بمعنى فاعلة مشتق من السفن - أي
القشر لأنها تسفن الماء كأنها تقشره والجمع سفن وسفائن: وحكى ابن جني: سفون: ونظيره (قطوف) وقد تقدم وصفها أيضاً ولها دقل وسكان ولا عرشة فيها. واليوم تستعمل لحم التبن والاحطاب: وقد يطلق البعض اسم السفينة في الفرات على المهيلة الكبيرة الخالية من العرشة. 9: (السمادية): (بتشديد الميم بعدها دال مكسورة ثم ياء مشددة) هي سفينة أكبر من الساجة يحمل فيها السماد وتوجد في أطراف البصرة وليس لها دقل ولا سكان واسمها مشتق من السماد. 10: (السماجية - السماكية): (بتشديد الميم بعدها جيم فارسية ثم ياء مشددة) أو (الجبارية - القيارية) اسمان يطلقهما أهل بغداد على نوع واحد من السفن. والسماكية تصنع كما تصنع السفينة في دجلة وتطلى بالقار أيضاً: يبلغ طولها قراب 5 أمتار وعرضها من الوسط نحو مترٍ واحد ولا تستعمل إلا لصيد السمك ومنه اسمها. أما الجيارية فأنها تصحيف القيارية من القير وفيها دقل وسكان وقد يقلع منها الدقل في بعض الأحيان. وسيرها بالمجداف. وطول خشبة مجدافها قراب (3) أمتار ويبلغ غلظها زهاء 20 سنتيمتراً وفي طرفها لوحة مثل لوحة مجداف الساجة وقد تكبرها بقليل. 11: (السنبك) أو السنبق (بضم السين وإسكان النون وضم الباء الموحدة التحتية وإسكان القاف أو الكاف الفارسية) ويجمع عندهم على (سنابك وسنابق) والكلمة يونانية الأصل. وهو شبيه بالبوت وسيره في أطراف البصرة. 12: (الشختور، أو الشخطور، أو الجخجور) (بفتح الشين وسكون الخاء وضم التاء) أسماء لنوع واحد وتجمع عندهم على (شخاتير، أو شخاطير، أو جخاجير): والشختور مشتق من الكشتور وهو الكشتري من كشتى الفارسية والكشتور تصغير كشتى على الطريقة الآرامية: يطلق
عليه اسم الجخجور (والجخجور) من ألفاظ أهل الفرات الذين بين الكوفة والبصرة يكون صنه من اللوح فقط، وهو ذو أربعة اركان، يبلغ طوله قراب 3 أمتار، وعرضه نصف طوله. ويبنى في هيت، وعانة، وهو لا يصلح إلا لحمل النورة، والاحطاب، والقير المعروف بالسيال). وليس له سكان، ولا دقل. وإذا انحدر لا يستطاع أن يصعد به، بل تباع الواحه حيث يقف. 13: (الطرادة): (بفتح الطاء وتشديد الراء وفتح الدال المهملة بعدها هاء) وتجمع عندهم على (طراريد) والقليل منها على (طرادات) وهي عربية فصيحها طراد. قال في التاج: (طراد) ككتان سفينة صغيرة سريعة السير الجري. وهي اليوم كذلك وهيئتها كالمهيلة، وليس فيها عرشة، ولها دقل وسكان تسع من 40 إلى 60 رجلا وسير أكثرها في الفرات وقليلها في دجلة. وقد يطلق اسمها على غيرها من السفن. 14: (العسيبة): (بكسر العين وإسكان السين المهملة وكسر الباء وتشديد الياء بعدها هاء) تجمع عندهم على (عسابى): وهي تنسج نسيجا، ونسيجها من القصب والبردي. ويبلغ طولها 3 أمتار في عرض متر واحدٍ وعمقها يتفاوت من نصف المتر إلى المتر وتطلى بالقار واكثر ما يستعملها المعدان أهل الجاموس في الأهوار. 15: (الكروفي - القروفي) (بضم الكاف الفارسية والراء): وهو بين السفينة والبلم ويطلى بالقار. يسع 30 رجلا وله دقل وسكان، وسيره في الفرات. ونسبته إلى رجل يسمى الحاج محمد بن كروف - قروف، من أهل الكوت، وهو أول من بناه على هذا الشكل فنسب إليه. وهو اليوم ساكن في الكوفة وصناعته فيها تعمير هذه السفن إلى يومنا هذا. 16: (الكار) جمع السفن المنحدرة، أو المغربة؛ كالقوافل، والكراوين في البر. قال في المخصص: (. . . الكار، سفن منحدرة فيها طعام في موضع واحد). 17: (الجايه - الكلية): (بتخفيف الياء بعدها هاء) تجمع عندهم على (جوايا - كوايا) وهي سفينة تصحب السفن المحملة من طعام وغيره،
لتخفف من حمل السفينة إذا جنحت في هور وغيره (أي إذا انتهت إلى الماء القليل فلزقت بالأرض) حتى تخف السفينة فتجوز ذلك المحل ويعاد بعد ذلك ما حملها إليها. ويتفاوت كبر الجاية وصغرها، فكبراها ما طوله 10 أمتار وصغراها ما طوله 5 أمتار على التقريب: والجاية بالبصرة المهيلة الكبيرة، إذا قلع منها الدقل. ولا يصح عليها هذا الاسم إلا إذا ينزع منها. 18: (الكعد الصغير والكعد الكبير) (بكسر الكاف والعين كسراً غير بين) يجمع عندهم على كعود. وهو من نوع المهيلة) إلا أنه يطلى بالقار؛ وفنته تكون دائما أصغر من فنة المهيلة؛ وأن كان بمقدار المهيلة. يسع من 20 إلى 40 رجلا. وله دقل، وسكان، ولا عرشة فيه؛ وسيره في الفرات. 19: (الجلابية - الكلابية): (بفتح الكاف وتشديد اللام بعدها باء موحدة مكسورة يليها ياء مثناة تحتية مشددة بعدها هاء). واسمها عند معدان الهور والمعدان (قبيلة من الأعراب معروفة في العراق) (نجمة) ويسميها بعضهم (زعيمة) بالتصغير وهي تنسج، ونسيجها يكون من القصب. يبلغ طولها ثلاثة أمتار على التقريب، وعرضها من الوسط 60 سنتيمتراً؛ ومن طرفيها قراب (25) سنتيمتراً. وتطلى بالقار، وهي لا تصلح إلا لصيد السمك؛ أو عبور رجل من جانب إلى جانب آخر من النهر. وغاية ما تسع ثلاثة رجال، وليس لها دقل ولا سكان وسيرها في الفرات. 20: (المسح): (بفتح الميم وكسر السين بعدها حاء) سفينة ليس لها عرشة. 21: (المشحوف): (بفتح الميم وإسكان الشين وضم الحاء المهملة يليها واو ثم فاء): ويجمع عندهم على (مشاحيف): مشتق من شحف لغة يمانية، وبدوية، في سحف يقال: (سحفت الريح السحابة ذهبت به.) ومنه أيضاً: (السحوف، الناقة التي إذا مشت جرت (بتشديد الراء) فراسنها على الأرض.) وهو الذي يسع من 5 إلى 10 رجال، ويطلق عليه هذا الاسم من العمارة إلى المحمرة؛ وفي شط العرب من المدينة إلى سوق الشيوخ. وغاية
المنصورية أو المنصوري
طوله 7 أمتار، وعرض وسطه 70 سنتيمتراً على التقريب من الأعلى، و40 سنتيمتراً من الأسفل أي (من ساحته) وعرض صدره قراب 30 سنتيمتراً؛ وعرض مؤخره نحو 45 سنتيمتراً. وإذا ركب فيه الركاب لا يبقى من حاشيته المجاورة للماء سوى مقدار خمسة سنتيمترات. ولا يمكن أن يركب فيه غير أهل تلك الديار، لأنه متى ما تحرك الراكب أدنى حركة غرف ماءً، وقد يتحارب فيه، لأنه سريع الجري؛ وتسييره بالدفع وقد يمشي بعض الأحيان على الردغة: أي (الطين الرقيق) وذلك إذا ضايق ركابه العدو وليس لهم مهرب سوى ذلك الطريق. ويظلل أيام الصيف؛ وذلك خصيص بالرؤساء الكبار. وخشبه من الساج. وليس له دقل، ولا سكان. 22: (المعيبر): (بالتصغير) بلم من ابلام الفرات صغير يتخذ من لوح الساج، ويبلغ طوله 5 أمتار على التقريب. وعرضه من الوسط 80 سنتيمتراً؛ وهو مخصوص بالعبور يسع من 6 إلى 10 رجال وقد يسمى صاحبه به؛ والاسم قديم. قال في المخصص: (. . . المعبر - المركب الذي يعبر فيه). وليس له دقل ولا سكان. وسيره في الفرات. ويسمى (المعيبر) في البصرة (بلماً) وذلك خصيص بالتنزه فيما بين العشار والبصرة. 23: (المهيلة): (بإسكان الميم وفتح الهاء وسكون الياء بعدها لام مفتوحة يليها هاء): تجمع عندهم على (مهيلات) والأغلب يقولون (مهاييل) وقد سبق وصفها. وصغراها تحمل عشرين ظغاراً من الطعام ولها عرشة (أي علبة) ودقل وسكان وسير أكثرها في الفرات. هذا ما يوجد اليوم من السفن في نهري دجلة والفرات. وفي دجلة بغداد طائفة أخرى تدخل في ضمن السفن التي تسمى بهذه الأسماء. كاظم الدجيلي المنصورية أو المنصوري المنصورية أو المنصوري: نهر يعرف بهذا الاسم تابع لناحية دلي
عباس التابعة لقضاء بعقوبا؛ وهو أول نهر يخرج من ديالى أو تامرا، ويمتد إلى الغرب منها؛ ومخرجه من سلسلة جبال حمرين، من المحل الذي تنحدر ديالى منه إلى سهول العراق العربي؛ وينتهي إلى هور أبي فراش (بتشديد الراء وزان شداد) بالقرب من نهر المرفوع (أحد سواعد الخالص). وطوله من مخرجه إلى منتهاه مسافة ثلاث ساعات للراكب، وأربع للراجل وعرضه متران ونصف، وفي بعض الأماكن يكون عرضه أربعة أمتار؛ وفوهته منحوته في الجبل المتكونة بعض طبقاته في ذلك المحل من البورق؛ وعمق النحت 20 متراً وطوله مسافة ثلث ساعة وعرضه ثلاثة أمتار ومقدم النحت من جهة ديالى مبني بالطاباق والكلس، ولفوهته صناع أي باب من خشب وهو هناك من خشب التوت قد ركب في البناء وهو يرفع وينزل في فوهة النهر بحسب الاقتضاء والاحتياج إلى الماء أو لا. وعند نهاية القسم المنحوت في الجبل من هذا النهر رابيتان صغيرتان، علو الأولى القريبة من مجرى النهر أربعة أمتار وتسمى نفاضة الزنبيل، وعلو الثانية ثلاثة أمتار وتبعد عن الأولى خمسين متراً ولهاتين الرابيتين رواية خرافية يرويها أهل تلك الديار وهي: تحت مجرى هذا النهر في الجبل عفريت كانت تأجره صاحبة هذا النهر على عمله ديناراً في اليوم، وعند المساء كان يعيد لها الدينار فتؤاجره عليه فيزنى بها. وبقيا على هذا المنوال أياماً عديدة حتى تم نحت جدول النهر المذكور بدينار واحد. وتانك الرابيتان نفاضة زنبيل ذلك العفريت بعد إتمامه العمل في اليوم الأخير. ولهذا السبب يسمى الآن ذلك القسم من نهر المنصورية نهر الزناء أيضاً.
وعلى مسافة ثلثي ساعة من مخرج النهر، قرية تسمى المنصورية أيضاً أو منصورية الجبل. تتصل بساتينها بديالى فيسقيها نهر المنصوري الذي يخترقها من الوسط طولاً. وفي القرية 300 دار تقريباً. وأهلها أخلاط من العرب والأكراد وكلهم سنية حنفية المذهب ويتكلمون اللغات العربية والتركية والفارسية والكردية. ورئيس القرية رجل اسمه مالك أفندي؛ وفي القرية جامع قديم البناء مربع الأركان تكسير مساحته خمسون متراً في خمسين وطول مصلاه 20 متراً وعرضه 16 متراً. وهو مبنى بالطاباق القديم والجص والكلس وقد طليت جدرانه من الداخل بالبورق. وفي القرية من النخيل ما يقدر بخمسة آلاف رأس. وفيها من سائر أنواع الفواكه والأشجار كل ما ينبت في إقليم العراق. وهي مشهورة بكثرة كرومها وجودة عنبها الأسود وأهلها مشهورون بغرس الكرم اكثر من اشتهارهم بغرس سائر أنواع الأشجار ولهم بغرسه تعلق شديد، وغرام عظيم. وعلى مسافة ساعتين من قرية المنصورية وساعة من مركز ناحية دلي عباس مزار السيد مبارك مبنية قبته بالطاباق والجص وصحنه مربع البناء قياسه خمسة وعشرون بخمسة وعشرين من الأمتار، وجدارها من الطين أي (الطوف). وفي داخل المزار صخرة يبلغ طولها ومحيطها متراً واحداً ويعتقد الزائرون أن لهذه الصخرة بركة فتراهم يتبركون بها ويحملونها على ثقلها ويطوفون بها حول قبر المزار. ويروي أن أحد الأعجام حملها مرة على كتفه ولثقلها لم يتمالك عن أن يسمع ما يخجله، فرماها للحال على الأرض لكثرة ما اعتراه من الخجل؛ وأخذته سورة الغضب واستل قامته من جنبه وضربها بها فقطع منها قطعة صغيرة ولا يزال أثرها في الصخرة ظاهراً للعيان. وأهل تلك الديار يشدون الرحال بلا انقطاع لزيارة هذه الصخرة ولما ماثلها من بقية محلات الزيارة. أما نهر المنصورية وقريته فيه من الأوقاف العائدة إلى دائرة أوقاف
بغداد. ويزرع على نهر المنصوري الأرز والقطن وسائر أنواع الحبوب وزراعته من 250 إلى 300 فدان نيرين، وزراعه من ثلاث قبائل: الأولى طاطران ويتكلمون العربية والتركية والفارسية والكردية. وأصلهم أكراد. وهم سنية حنفية المذهب واسم رئيسهم عباس بك؛ والثانية المجاريون ويتكلمون العربية فقط وهم سنية حنفية المذهب واسم رئيسهم احمد الطعمة، والثالثة الجبور ويتكلمون بالعربية فقط وهم سنية حنفية المذهب وليس لهم رئيس بل هم وجميع عشيرة الجبور في تلك الأنحاء تحت رئاسة صالح العنبر النازل في نهر الزاوية التابع لناحية قزل رباط التابعة لقضاء خانقين. وعلى مسافة نصف ساعة، من مركز ناحية دلي عباس، إلى الشمال منه تل يعرف بتل (شكبان - شقبان): بضم الشين وسكون الكاف الفارسية. علوه قراب 15 متراً، ومحيطه زهاء 800 مترٍ، وهو واقع في منتهى (نهر السليماني) أحد متفرعات نهر المنصوري، ويقابل هذا التل تل آخر يعرف (بتل شهاب)، واقع في منتهى (نهر سمير)، من متفرعات نهر شروين، ويحكى أن عفريت المنصورية، حرد مرة من العمل في نهر المنصوري، ومضى لسبيله تاركا هزته المفعمة تراباً على كتفه، فلحقت به صاحبة النهر المذكور وصالحته على أن يرجع إلى عمله، فلما سكن غضبه نفض ما كان في هزته من التراب فكان منه هذا المثل.
كتاب معارج القدس
هذا ما سنحت لي الفرصة بمعرفته من أحوال هذه البقعة ولعلني قد أخطأت في بعض ما هنالك مما يستحق الذكر فالتمس من القراء عذراً. محي الدين فيض الله الكيلاني كتاب معارج القدس لأبي حامد الغزالي كتاب خط كان يظن أنه مفقود فوجد عند أحد أدباء بغداد كتب نفيسة نادرة ومن جملتها مجموعة فيها الكتب الآتية: 1 - مسائل في أحوال النفس. رسالة في ثلاث صفحات. (غير مطبوعة) 2 - كتاب معارج القدس لأبي حامد الغزالي (وهو غير مطبوع) 3 - كتاب معيار العلم للغزالي (مطبوع في مصر) 4 - كتاب محك النظر للغزالي أيضاً. (وهو مطبوع أيضاً) ونحن لا نصف هنا إلا الكتاب الثاني وهو في 82 صفحة. طول كل منها 17 سنتيمتراً في 9 سنتيمترات عرضاً. وطول المكتوب من الصفحة 13 سنتيمتراً في 6 سنتيمترات عرضاً. وفي كل صفحة 18 سطراً. وهو حسن الخط من نوع المعلق. اسود الحبر فاحمه. والمجموعة مجلدة بالسختيان الأحمر وفي اسفل الكتاب وأعلاه شيرازة محكمة الصنع بلونين أحمر وأخضر. وقد كتبت العناوين بحبر أحمر حسن. والمجموعة كلها بيد كاتب واحد ماهر. والكتاب الذي نحن في صدده محفور على طوله حفراً مسنناً وفيه ثلاث حفر. والكاغد حسن أصفر ترمذي، أما تاريخ المجموعة فلم يذكر إلا في آخر كتاب معيار العلم. إذ يقول ما هذا حرفه: (. . . وكما يشتبه العلم الحقيقي بما لا حقيقة له، وافتقر بسببه إلى معيار: فكذلك يشتبه العمل الصالح النافع في الآخرة بغيره، فيفتقر إلى ميزان تدرك به حقيقته. فلنصف كتاباً في ميزان العمل كما صنفنا هذا في معيار العلم. ولنفرد ذلك الكتاب بنفسه ليتجرد له من لا رغبة له في هذا الكتاب. ولله تعالى يوفق متأمل الكتابين للنظر إليهما بعين العقل لا بعين التقليد. إنه ولي التسديد والتأييد. - والحمد الله رب العالمين، حمد الشاكرين. وصلوته على
نبيه محمد وآله الطاهرين وأصحابه الهادين المهدين. ووقع الفراغ منه يوم الثلاثاء وهو يوم عيد الفطر سنة سبع وثمانين وثمانمائة (- يوم الثلاثاء 12 من شهر ت 2 سنة 1482م). - ودونك الآن فاتحة المؤلف: عونك يا لطيف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مبدع الأرواح وخالق الجسد. وفاتح الإغلاق والعقد. ومانح الاعلاق والعدد. ومن أعطا الهدى والرشد. حمداً بعدد ما يتكرر من لحظات العيون ويتعدد. ويتجدد من أنفاس الصدور ويتردد. والصلوة والسلام على اكرم والدِ وولد. محمدِ وآله صلوة تبقى وتتأيد. اعلم أن الله فتح بصائر أوليائه بالحكم والعبر. واستخلص هممهم لمشاهدة عجائب صنعه في البدو والحضر. فكلما لا حظوا شيئاً لا حظوا فيه عبرة لأن جميع الموجودات مرآة للوجود الحق المحض. فالظاهر بذاته هو الله سبحانه. وما سواه غايات ظهوره ودلائل نوره، شعر: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد فكلما سنح لهم شيء في مسارح النظر. ومجاري الفكر. عاجوا منه إلى جناب القدس. حتى يتصلوا بمن هو شديد القوى. ذو مرة فاستوى. لم تغيره الأحوال بل علا. وكمالاته حاصلة بالفعل وهو بالأفق الأعلى. وإذا سنح لهم هذا العروج فلا يزالون في دنوِ وقربٍ حتى يبلغوا الغاية القصوى. فيفيض عليهم حقائق العلوم. وأسرار المعارف. وغرائب الآيات. في ملكوت الأرض والسموات. وإذا بلغوا هذا المنتهى. فهو السدرة المنتهى. فلا يلتفتون إلى شيء من عالم الزور وعبر التنزيل عن هذه الجملة بقوله علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. إلى قوله من آيات ربه الكبرى. فينبغي لكل عاقل أن يكون الله سبحانه وتعالى أول كل فكرِ له وآخره. وباطن كل اعتبار وظاهره. فتكون عين نفسه مكحولة بالنظر إليه. وقدمه موقوفة على المثول بين يديه، مسافراً بعقله في الملكوت الأعلى، وما فيها من آيات ربه الكبرى. فإذا انحط إلى قراره فليره في آثاره. فانه باطن ظاهر. تجلى لكل شيء
واظهر الآثار التي يرى فيها جلال الحق وكمال صفاته. إنما هو معرفة النفس. كما قال تعالى: سنريهم آياتنا في الأفق. وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون. وقال عليه السلام: من عرف نفسه. فقد عرف ربه. وقال عليه السلام: أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه. ونحن نعرج في هذا الكتاب من تدرج معرفة النفس إلى معرفة الحق جل جلاله. ونذكر مخ ما يؤدي إليه البراهين من حال النفس الإنسانية. ولباب ما وقف عليه البحث الشافي من أمرها. وكونها منزهة عن صفات الأجسام. ومعرفة قواها وجنودها. ومعرفة حدوثها وبقائها وسعادتها وشقاوتها. بعد المفارقة على وجه يكشف الغطاء. ويرفع الحجاب ويدل على الأسرار المخزونة. والعلوم المكنونة. المضنون بها على غير أهلها. ثم إذا ختمنا فصول معرفة النفس، فحينئذ ننعطف على معرفة الحق جل وعلا. إذ جميع العلوم مقدمات ووسائل لمعرفة الأول الحق جل وعلا، وكل ما يراد لشيء فدون حصول مقصوده يكون ضائعاً. فمن عرف نفسه. عرف ربه. وعرف صفاته. وأفعاله. وعرف مراتب العالم مبدعاته. ومكنوناته وعرف ملائكته. ومراتبهم. وعرف لمة الملك. ولمة الشيطان. والتوفيق والخذلان. وعرف الرسالة والنبوة. وكيفية الوحي وكيفية المعجزات. والأخبار عن المغيبات، وعرف الدار الآخرة. وسعادته وشقاوته. وأقسامها ولذة البهجة فيها. وعرف غاية السعادة والتي هي لقاء الله تعالى. فمن يسر له هذا السفر. لم يزل في سيره متنزهاً في جنة عرضها السموات والأرض وهو ساكن بالبدن. مستقر في الوطن. وهو السفر الذي يسفر فيه عن وجه المعرفة. وتنحل أزرار الأنوار في هذه الأسفار. وهو السفر الذي لا تضيق فيه المناهل والموارد. ولا يضر فيه التزاحم والتوارد. بل يزيد بكثرة المسافرين غنائمه، وتتضاعف ثمراته وفوائده. فغنائمه غير ممنوعة، وثمراته متزايدة غير مقطوعة، ومن لم يؤهل للجولان. في هذا الميدان. والتطواف في منتزهات هذا البستان، فليس بيده إلا القشر. يأكل كما تأكل الأنعام. ويرتع كما ترتع البهائم. وشرح هذا السفر. وبيان هذا العلم العظيم القدر، لا يمكن (كذا أي لا يكون) في أوراق. وأطباق.
ويقصر عن شرح عجائبه العبارات والأقلام. ونحن بعون الله وتوفيقه، نشير إلى كل واحد من هذه الجمل على وجه يستقل به المتفطن. وأما الجامد البليد، الذي يأخذ العلم بالتقليد. فهو عن معرفة مثل هذه العلوم بعيد. إذ كل ميسر لما خلق له. فمن رشح للسعادة. وشارف نيل الإرادة. أعطى أولاً كمال الدرك من وفور العقل وصفاء الذهن. وصحة الغريزة. واتقاد القريحة. وحدة الخاطر. وجودة الذكاء والفطنة. وجزالة الرأي. وحسن الفهم. وهذه تحفة من الله تعالى، وهدية لا تنال بيد الاكتساب. وتنير دونها وسائل الأسباب. ومن وهبت له هذه الفطنة فحينئذ عليه استكداد الفهم. والاقتراح على القريحة. واستعمال الفكر، واستثمار العقل. بتحديق بصيرته إلى صوب الغوامض؛ وحل المشكلات بطول التأمل. وإمعان النظر. والاستعانة بالخلوة وفراغ البال. والاعتزال عن مزدحم الأشغال. والقيام بوظائف الطاعات، حتى يصل إلى كمال العلوم. وسمينا الكتاب معارج القدس، في مدارج معرفة النفس، وفقنا الله لإتمامه.) اهـ. ومن بعد هذه المقدمة الطويلة ذكر محتويات الكتاب وهي هذه: فهرست الكتاب 1. مقدمة الكتاب 2. بيان إثبات النفس 3. بيان أن النفس جوهر 4. بيان أنه جوهر ليس له مقدار وكمية 5. بيان قوى الحيوانية وتقسيمها إلى محركة ومدركة 6. بيان القوى الخاصة بالنفس الإنسانية من العقل النظري والعملي 7. بيان مراتب العقل واختلاف الناس في العقل الهيولاني وبيان العقل القدسي 8. بيان أمثلة درجات العقل من الكتب الإلهي 9. بيان تظاهر العقل والشرع وافتقار أحدهما إلى الآخر 10. بيان حقيقة الإدراك ومراتبه في التجريد.) اهـ وألان نذكر فصلاً من فصول هذا السفر الجليل وهو الذي عنوانه: بيان أن النفس قد تحتاج إلى البدن وقد لا تحتاج إليه إن القوى الحيوانية قد تعين النفس الناطقة في أشياء، منها: أن يورد الحس عليه الجزيئات فيحدث له من الجزيئات أمور أربعة.
أحدها، انتزاع النفس الكليات المفردة عن الجزيئات على سبيل تجريد معانيها عن المادة وعن علائق المادة ولواحقها ومراعاة المشترك فيه. والمباين به، والذاتي وجوده، والعرضي وجوده، فيحدث للنفس عن ذلك مبادئ التصور عن استعمال الخيال والوهم مثل الجنس والفصل والعرض العام والعرض الخاص. والثاني، إيقاع النفس مناسبات بين هذه الكليات المقودة على مثال سلب وإيجاب فما كان التأليف فيه ذاتياً بيناً بنفسه أخذه وما كان ليس كذلك تركه إلى مصادفة الواسطة. الثالث، تحصيل المقدمات التجريبية وهو أن يوجد بالحس محمول لازم الحكم لموضوع ما كان حكمه بالايجاب، أو السلب، أو نال موجب الاتصال أو مسلوبه، أو موجب القياد، أو مسلوبه، وليس ذلك في بعض الأحايين دون بعض، ولا على المساواة، بل دائماً متى تسكن النفس. على أن طبيعة هذا المحمول أن يكون فيه هذه النسبة إلى هذا الموضوع، والتالي أن يلزم هذا المقدم، أو بنافيه لذاته، لا باتفاق، فيكون ذلك اعتقاداً حاصلاً من حسٍ وقياس. أما الحس فلأجل مشاهدة ذلك؛ وأما القياس فلأنه لو كان اتفاقاً لما وجد دائماً، أو في الأكثر؛ وهذا كالحكم بان السقمونيا يسهل للصفراء بطبعة، لإحساسنا ذلك، وبقياسنا أنه لو كان لاعن الطبع بل بالاتفاق لوجد في بعض الأحايين. الرابع، الأخبار التي يقع بها التصديق لشدة التواتر. فالنفس الإنسانية تستعين بالبدن لتحصيل هذه المبادئ للتصور والتصديق ثم إذا حصلته رجع إلى ذاته؛ فإن تعرض لها من القوى التي دونها، بأن تشغله، شغلته عن فعله، واضرب بفعله، إلا في أمور تحتاج فيها النفس خاصة، بأن تعاود القوة الخيالية مرة أخرى لاقتناص مبدأ غير الذي حصل أو معاونة بإحضار خيال. وهذا يقع في الابتداء كثيراً ولا يقع بعده إلا قليلاً. وأما إذا استكملت النفس وقويت، فإنها تنفرد بأفاعيلها على الإطلاق وتكون القوة الخيالية والحسية وسائر القوى البدنية غير صارفة لها من فعلها؛ بل شاغلة لها. ومثال ذلك أن الإنسان قد يحتاج إلى أدلةٍ وآلات ليتوصل بها إلى المقصد؛
صحة اصل كلمة شاخة
فإذا وصل إليه ثم عرض من الأسباب ما تحوله عن مفارقتها صار السبب الموصل بعينه عائقاً. اهـ. هذا مثال من فصول هذا السفر الجليل الذي لم نجد له نسخة ثانية في ما وصلنا إليه من قوائم الكتب في خزائن ديار الغرب وديار العرب. ونحن نأمل أن يعني بعض الأدباء بنشره لما في مؤلفات الغزالي من محكم الآراء وحسن العبارة الكلامية والفلسفية وحمل المرء على محبة ربه والإخلاص له. حقق الله الأماني! صحة اصل كلمة شاخة شاخة قد ذكرنا في 477: 1 أن اصل الشاخة بمعنى الجدول من اللغة الآرمية بمعنى سال وجرى. وقد أفادنا حضرة الشيخ محمد رضا أفندي الشبيبي أن الكلمة فارسية الأصل لفظاً ومعنى، ويقال فيها أيضاً الشاخ بدون هاءٍ. وهو مأخوذ في الأصل من معنى الغصن والفنن، ثم نقل إلى الجدول الذي يتفرع من النهر من باب المشابهة في التفرع. فنشكر فضل الكاتب على تنبيهنا على هذا الغلط. عريسات ذكر لنا الثقة أنه على بعد 4 ساعات من جنوب غربي النجف باب كباب السرداب يودي إلى ديماس واسع فيه أزقة واسع ودور مبنية بالآجر، وفيه فسحة يقوم فيها منبر مبني بالآجر أيضاً ومجصص يصعد إليه بدرج. ويظن أن هذا الديماس كان مسلحة للنعمان من المناذرة لأنه يروى أنه كان له مسلحة تحت الأرض. فنؤمل أن بعض القراء والمشتركين الذين في نواحي النجف يوافوننا بما رأوه أو يرونه في هذه المدينة الغريبة ولهم منا سلفاً مزيد الشكر. الشهرستانية أسرة كبيرة في العراق. وشهرستان بفتح الشين وسكون الهاء وكسر الراء وسكون السين كلمة فارسية مركبة من (شهر) بمعنى البلد ومن (ستان)
بمعنى الناحية، والمراد منه حوالا البلد. وشهرستان اسم يقع على ثلاث مدن بإيران: الأولى، مدينة (جي) على مسافة ميل عن مدينة أصفهان الحاضرة وهي على نهر (زانيده رود) وبها قبر إمام الراشدين المسترشد والمؤرخون على أنها هي أصفهان القديمة ولها شان عظيم في تواريخ الفرس وأشعار الأدباء وينسب إليها سلمان الفارسي الثانية مدينة بخراسان بين نيسابور وخوارزم على طرف بادية الرمل، وبساتينها بعيدة عنها والرمال متصلة بها، ولا تزال الريح تسفيها، وهي تجري جري الماء هناك وينسب إلى هذه المدينة محمد الشهرستاني الاشعري، صاحب كتاب المثل والنحل، المتوفى سنة 548 هـ. بنى هذه المدينة عبد الله بن طاهر أمير خراسان في خلافة المأمون وأخرجت خلقا كثيراً من العلماء. الثالثة، في طبرستان مازندران وهي قرية اسمها (آمل) وفيها السادة المرعشية من عترة النبي صم. قال الشيخ الشهيد محمد بن مكي العاملي في بعض مجاميعه، نقلاً عن كتاب انساب الألباب، وألقاب الأعقاب؛ أن المرعش هو يحيى بن علي بن عبد الله بن محمد بن حسن بن الحسين الأصغر بن زين العابدين علي بن الحسين البسيط بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. والمرعشية ينسبون إليه وأكثرهم بالدليم وطبرستان انتهى. أقول: وكان عميد المرعشية في طبرستان السيد قوام الدين المشهور بينهم بمير بزرك وقبره الآن في (آمل) وعليه قبة عظيمة. الشهرستانية في العراق عائلة كبيرة شريفة امتزجت من عنصرين فصارا أسرة واحدة: العنصر
باب المشارفة والانتقاد
الأول، أشراف وردوا العراق من شهرستان اصفهان في حدود سنة 1180 هـ وينتهي نسبهم إلى الإمام الكاظم موسى بن جعفر الصادق عليهما السلام. وأول من انتقل منهم إلى العراق هو: السيد مهدي وكان عالماً جليلاً، ورفيع المنزلة، قطن في كربلاء، من مدن العراق، للتتلمذ على أستاذه اغا محمد باقر المشهور بالمؤسس البهبهاني وقد بلغت ذريته اليوم اكثر من 120 نفساً. والعنصر الثاني، أشراف وردوا مدينة كربلاء من شهرستان مازندران في أوائل القرن الثاني عشر الهجري، وينتهي نسبهم إلى السيد قوام الدين مير بزرك المذكور، ثم منه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وقد امتزج هذا العنصر الأول امتزاجا غريباُ حتى صار جميع أعضائهما أسرة واحدة وفصيلة متصلة لا يكاد يمتاز واحدهم عن الأخر واصبح اسم الشهرستانة يقع عليهم جميعا بعد أن صاروا عائلة واحدة. احفظ هذا تصب إن شاء الله. النجف: هبة الدين الشهرستاني صاحب مجلة العلم باب المشارفة والانتقاد 1 - السجلات الاسوية مجلة فرنسوية العبارة، تصدر في الأستانة مرتين في الشهر. وقد أرصدت أبحاثها بالشرق، أقصاه وأدناه، ومنه اسمها أي (السجلات الآسوية) وهي في سنتها الأولى والأديب يرى فيها (مجموعة أبحاث وفوائد وأسانيد وتقارير تتعلق ببر الأناضول (أو آسية الصغرى) وديار الشام وفلسطين وكلدية وبلاد العرب وفارس وتركستان وافغانستان والهند البريطانية) وهي حسنة الطبع كثيرة المواضيع مختلفتها. وفي عدديها الأخيرين التاسع والعاشر المقالات الآتية: 1 - مشارفة الأشغال التي تمت في بلاد مصر لإحياء الآداب العربية 2 - من حمص إلى بغداد 3 - سير القطلونيين والاراغونيين في ديار الأناضول في القرن الرابع عشر 4 - فوائد عن أجناس المعزي الأصلية
في آسيه الصغرى. 5 - أعمال الري في العراق 6 - سنو تاريخ الخلفاء 7 - حول البحر الميت 8 - المؤتمر الثالث الآثاري الدولي في رومة سنة 1912 9 - هل يجب أن تنشر النصوص القديمة على ما هي أم ينبذ منها ما لا يصح نشره في هذا العهد 10 - تكذيب 11 - كتابة أصوات اللغة المندرينية 12 - أخبار المعادن 13 - بريد آسية 14 - الأشغال في آسية 15 - المطبوعات الاسوية. يكتب إلى إدارة المجلة في لطيف خان العدد 1 و 2 شارع مرطباني في غلطة. وبدل اشتراكها في الأستانة ليرة عثمانية وفي الولايات 120 قرشاً صاغا وفي الخارج 25 فرنكاً. ومما تقدم عرضه يرى القارئ علو شان أبحاث هذه المجلة وفائدة الاشتراك بها. على أنها لا تخلو من مغامز فلقد طالعنا المقالة التي عنوانها (سنو تاريخ الخلفاء) فإذا صاحبها يقول في تتمة العنوان: (كلهم أجمعين وهم خلفاء محمد الهاشمي القريشي (كذا والأصح القرشي) العربي الاسمعيلي الإبراهيمي الكلداني (كذا) نبي المسلمين.) - ونحن لم نر في كتاب إسلامي هذه النسبة وأن كان لها وجه للتأويل. لأن إبراهيم الخليل خرج من اور الكلدانيين. لكن الكتاب يحافظون على نسبة الرجل بحسب ما يتعلق به لا غير. - ثم يقول: أبحاث المطران الكلداني أبو بحيراء (كذا) ومواعظه وتأملاته وإعلانه لنبوته وذلك في سنة 28 - 13 قبل الهجرة 594 - 609 للميلاد. ففي هذه العبارة أغلاط بقدر ما يوجد ألفاظ. فلتراجع في مواطنها. والظاهر أن الكاتب كلداني النسب، فأراد أن ينسب إلى قومه كل ما يقع عليه من أمور التاريخ. والتاريخ لا يكتب بهذه الصورة. فعسى أن يدقق فيه اكثر مما قرأناه إلى اليوم. وما هذا بصعب المنال، لذوي الهمم من الرجال. 2 - قاموس القضاء العثماني لمؤلفه سليمان مصوبع المحامي وصلنا الجزء الأول من هذا المعجم (ولا نرى مناسبا أن يسميه بالقاموس إذ لم ترد هذه اللفظة عندهم بمعنى المعجم إلا من باب تنكير العلم وإطلاق قيده
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
على ما ضاهى قاموس الفيروزابادي) فألفيناه احسن ما جاء في اللغة العربية من هذا القبيل. فإن المؤلف حفظه الله قد بوبه تبويباً سهل المتناول، حتى أن أصغر طلبة المدارس يستطيع أن يهتدي إلى ضالته بدون عناء يذكر. هذا فضلا عن أنه يحوي لباب 48 مؤلفاً في هذا المعنى. والكاتب حسن الطبع جيد الورق، إلا أننا نرى فيه خللا وهو انك لا ترى فيه (نقط القراءة) وهي النقط التي تستعمل لتسهيل القراءة على المطالع كالفاصلة، والنقطة. والفاصلة مع النقطة؛ وعلامة الاستفهام؟ إلى آخر ما هناك. وكنا نود أيضاً أن يدفع المؤلف كتابه إلى أحد الكتاب ليصلح بعض اللحن الذي وقع فيه كقوله في ص 2 (مدة تنوف عن العشرين) والأصح: تنيف على العشرين وكقوله في تلك ص (أشبه بمجموعة) والأفصح: أشبه شيء بمجموعة وكقوله ص 3: (من المتعذر بهذه الحالة على الحاكم أن يضع أمامه صبرة من الكتب القضائية التي لا يستغني عن اقل من خمسة وثلاثين كتاباً منها). ولو قال: إن يضع أمامه طائفة من الكتب لا تقل عن 35 كتاباً. لأوجز في الكلام وافصح. وفي كل صفحة أغلاط طبع كثيرة لكنها لا تضر به لا بمعنى ما ورد فيه من الكلام. فسبحان من تنزه عن كل عيب! 3 - الكهف والرقيم كنا نظن أن هذه الرسالة تبحث عن أهل الكهف والرقيم. فإذا هي ملخص رحلة السيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار بقلم السيد عبد الحق حقي الأعظمي البغدادي. ولو ذكر الكاتب عنواناً يناسب الموضوع لكان احسن وأوفى بالمقصود. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - عيد الأمة العثمانية في 23 تموز كان عيد الأمة العثمانية، فجرى في بغداد احتفال عظيم فاق
كل ما شابهه في الماضي. فعند انبثاق الفجر تجمعت الجنود كلها في المكان المعد لها في الفضاء المتسع المقابل لتربة الشيخ عمر السهروردي؛ ثم اجتمعت هناك طلبة المكاتب والمدارس على اختلاف مللها ونحلها؛ ومذاهبها واجتمع من الخلق من سكان الحاضرة وجوارها ما يربو على مائة ألف نسمة. وهو أمر ليس بطفيف. ومما زاد رونق العيد أن شيوخ أعراب ولاية بغداد مع جماعة من كل قبيلة وعشيرة شهدوا تلك الحفلة واشتركوا مع الجنود في العرض وكانوا على جيادهم العراب شاكي السلاح وبلغ عددهم 1500 مع الشيوخ ابتدأت الحفلة في الساعة السادسة زوالية وانتهت بعد ساعتين. فأبقت في الفكر ذكراً لا يمحى. 2 - خلع لمشايخ الأعراب كانت الولاية قد دعت رؤساء القبائل الموجودين في الولاية وأطرافها ليشتركوا بعيد الأمة العثمانية، فأتوا ملبين أمر الوالي. وفي يوم الاثنين 22 تموز ليلة عيد الامة، اجتمع روساء القبائل وشيوخها قبل غروب الشمس بساعتين ونصف، في الخيام المعدة لهم بجوار المعسكر، فخلع عليهم الوالي ألبسة بحضور أماثل المدينة من وطنيين وأجانب. وكان عدد الشيوخ 150. وكان اللباس عبارة عن عباءة وكوفية وعقال مقسومة إلى ثلاثة أصناف: فاخر، وجيد، ومتوسط. فوزع كل صنف على الرئيس المناسب له من شيخ كبير، ووسط، وصغير. 3 - تدشين سكة حديد بغداد صباح نهار السبت 27 تموز، كان الاحتفال بوضع الحجر الأول لسكة حديد بغداد في جانب الكرخ بقرب السن. وقد دعا رئيس الأشغال وهو مايستر باشا الألماني، والي الولاية، وآمر الموقع، وسراة الوطنيين والاجانب، إلى الاشتراك بوضع الحجر الأول. وكان عدد المهندسين الموجودين أربعين من أمم مختلفة وكلهم من المشتغلين بالسكة إلا أن اغلبهم ألمانيون. 4 - تكاثر السكان في بغداد وغلاء المعيشة تكاثر الخلق في بغداد منذ إعلان الدستور، لكنهم زادوا زيادة فاحشة في هذه السنة، وكثر الأجانب في هذه الولاية حتى ارتقت جميع الأطعمة لا سيما
الحبوب والقطاني على أنواعها. فزادت حقة الخبز قرشا صاغاً عن سابق، وكذلك الشعير، أما اللحم والبيض فقد تضاعفت أثمانهما، فقد كان في السابق تباع ثلاث بيضات بعشر بارات أو بقرش رائج. أما الآن فتباع بعشرين بارة. واغلب المأكولات لا يرجى لها نزول في القيمة أو الثمن. أما الحبوب فيرجى لها إذا شددت الحكومة في منع إصدارها إلى ديار الغرب. فإن وزنة الحنطة تباع اليوم بليرة عثمانية. وكانت تباع سابقاً بخمسين أو ستين قرشاً صاغاً. ووزنة الشعير تباع اليوم بخمسين غرشاً، وكانت تباع سابقاً بعشرين أو 25 غرشاً فاحكم بعد هذا على بقية الأطعمة التي ارتفعت أسعارها بارتقاء الحبوب. 5 - بذور البقول والخضراوات جلبت إدارة الزراعة في الولاية بذوراً كثيرة اغلبها بذور بقول يرغب الناس في أكلها كبذور الملفوف (اللهانة) والقنبيط (القرنبيط) والكراب ونحوها. والحكومة توزعها مجاناً على من يتعهد ببذرها. 6 - مكتب للهنود في كربلاء أسس الهنود مكتباً مجانياً يقبل فيه التلميذ من أي رعية كان. وقد ادخلوا فيه تعليم اللغة الإنكليزية. وفي المكتب الآن نحو 130 طالباً. واغلبهم من رعية الدولة البريطانية وكذلك اغلب معلميهم. (عن الزهور العدد 289) 8 - السعدون حدثت معركة عظيمة بين عشيرة الضفير وبين ولد سعدون باشا وهم عجمي بك وإخوانه ومعهم العشائر العديدة المنضمة إليهم. فدام الصراع مدة طويلة انجلى عن انكسار الضفير وقتل كثير منهم كالشيخ عفتان بن ضويحي وخمسة من كبارهم وجرح حمود بن سويط رئيسهم الأكبر. وقد غنم ولد سعدون وعشائرهم إبلاً وخيلاً وأمتعة كثيرة. اصلح الله الأمور! 9 - مطير أغارت عشيرة مطير ورئيساها ابن لاحي وابن مبرد على تجار ابل في طريق الشام فسلبت أصحاب الاباعر ما يقدر بستمائة منها، قيمتها نحو 7000 ليرة فعسى أن تردع الحكومة هؤلاء الأشقياء وتومن أموال التجار!
10 - غرق الباخرة دمرا غرقت الباخرة من شركة المراكب الهندية البريطانية التي تتردد بين بمبى والبصرة وذلك في غبة برطيلة قرب كراجي وغرق معها الركاب والأموال. 11 - ناد في الكويت عقد شبان الكويت نادي أدبٍ وذلك بهمة الفاضل فرحان بن خالد الخضير. 12 - الأمن في إيران استتب الأمن في تلك الديار واخذ البريد والقوافل والمسافرين بالتردد إليها، إلا أن عشيرة (كاكاوند) هجمت على أموال التجار التي تنقل بين كرمنشاه وهمدان وحصيلتهم نحو مائة وعشرين حملاً من أحمال الدواب. فالأمل أنها تسترجع إلى أصحابها! 13 - عداي الجريان ورشيد الدبوني وقع قبل ما يزيد على سنة منافرة بين الشيخ عداي وبين رشيد الدبوني؛ وذلك لأن الحكومة أعطت الشيخ عداي أراضي الغبيشية، من ملحقات البغيلة، والجزيرة ليزرعها. فحاول رشيد أن ينزعها من يده فلم يفلح وقتل رشيد. ثم ارجع ناظم باشا عداي إلى أراضيه واسكنه فيها. لكن العدلية حكمت على عداي وعشيرته حكماً غيابياً، فهم الآن يسترحمون الحكومة لتعفو عنهم. 14 - وفاة عيسى جميل زاده نهار الاثنين 29 تموز غربي انتقل إلى دار البقاء عيسى أفندي جميل زاده أحد أشراف بغداد وعلمائها عن نحو 50 عاماً. ودفن في جامع آل جميل بجوار والده نسأل الله لآله ولمن يلوذ به الصبر والسلوان! 15 - غرق سبعة يهود بينما كان هارون بن ساسون وابنه كرجي والياهو، ويعقوب، وسليم، وعبد الله، أولاد عزرا، وعزرا بن ساسون، راكبين عند العشاء زورق ناصر بن خشان وذاهبين إلى قصرهم الواقع في الكرادة الشرقية أو البو جمعة إذ اصطدم الزورق بجسارية قديمة (سفينة تدعم الجسر) كانت غارقة في جوار شريعة باب
الشرقي وانقلب الزورق بمن فيه من الركاب ولم ينج منهم إلا صاحبه ناصر المذكور، وعبد الله بن عزرا، وعزرا بن ساسون، ولكن لما بلغ عزرا الشاطئ وعلم ما حل بابنه مات لما نزل به من الهلع الفجائي. سلى الله أقاربهم. 16 - قدوم شيوخ عنزة قدم شيوخ قبائل عنزة الحالة في ديار الشام وولاية حلب واظهروا خضوعهم للحكومة مذعنين لأوامر والي ولايتنا، وهم: حاكم بك بن مهيد، وبرجس بك ابن هديب، وتركي بك، وماجد بك الشعلان، وغشوان بك ابن رشيد، وفياض بك ابن جندل. ولما سمعوا باستعفاء الوالي أبوا أداء الرسوم الأميرية ولهذا ابلغ الأمر إلى كربلاء وشثاثا والهندية والنجف بمنع العشائر حق الامتياز (المسابلة) حتى تدفع ما عليها من الرسوم. 17 - غزوات الأعراب لا زال الضفير مجاورين اليوم لعشائر عنزة، وهم يدفعونهم إلى غزو المنتفق ومطير. وقد قام فهد الدغيم بن هذال بجيش لهام من عنزة صال على المنتفق ومطير ووعدهم ابن سويط زعيم الضفير أن يجمعوا قوتهم إلى قوة هذال ولا يرجعون حتى يضربوا أعداءهم ضربة قاضية. فإلى متى هذه الغزوات وهذه الفتكات؟ واملنا في الحكومة أن تردع هؤلاء الأعراب وتومن الطرق وتحافظ على حياة المسافرين وتمنع وقوع مثل هذه الأحداث، أحداث الجاهلية لا أحداث هذه العصور النيرة 18 - مبارك الصباح ومطير مطير قبيلة تحب الفتك والغزو، ولا تخلد إلى الراحة طالما ينبض فيها عرق. ولهذا ترى أفرادها في شن الغارات الدائمة والهجوم المتصل. وقد استاء الشيخ مبارك الصباح من عمل الدويش رئيس مطير لنزول إعرابه بجوار عجمي بك السعدون فكان خبر استيائه منهم باعثاً على مزيد فرحهم فجيشوا جيشاً، وأغاروا على اتباع مبارك النازلين في سفوان، واستاقوا منهم إبلاً وأموالاً فاسترجعها أصحابها بعد ملحمة عظيمة، ورجع كل قوم إلى أصحابهم. اصلح الله الأحوال! (كلها عن الرياض)
العدد 16
العدد 16 - بتاريخ: 01 - 10 - 1912 خمعة بنت الخس الإيادية - وقف حضرة أستاذنا الشهير، السيد الشيخ محمود شكري أفندي الآلوسي، على مقالتنا: (نقد تاريخ آداب اللغة) (المدرجة في 25: 2 - 62) فرأى إننا ذهبنا في اسم ابنة الخس الأيادي جمعة، كما ذهب إليه اغلب كتاب العرب فنبهنا على ذلك قائلاً: أنها بالخاء المعجمة الفوقية، لا بالجيم المعجمة التحتية فذكرنا له أن صاحب القاموس، وتاج العروس، ولسان العرب، والاوقيانوس وصاحب الاغاني، وغيرهم، من مشاهير الكتاب الأقدمين والمحدثين، ذكروها بالجيم لا بالخاء، فوعدنا حضرته بأن يذهب بنفسه إلى خزانة كتب المدرسة السليمانية في بغداد، ويراجع المادة بنفسه ليتحققها ويثبتها. وبعد أن وقف على مطلبه كتب الينا، حرسه الله وابقاه، الاسطر التالية: اليوم (7 آب)، وجدت فرصة لنقل ما ذكرته لكم، فذهبت إلى خزانة كتب مدرسة السليمانية؛ وراجعت (شرح حديث أم زرع) للقاضي عياض وذكر في هذا الشرح على سبيل الاستطراد، نبذة غير يسيرة من كلام من اشتهرن بالفصاحة من نساء الجاهلية، فقال: ومنهن خمعة، بضم الخاء وفتح الميم والعين المهملة، كما ضبطه صاحب العباب، والمحكم، وابن الشجري في كتابه: ما اتفق لفظه واختلف معناه، يقال: خمع في مشيته أي ظلع، وبه خماع أي ظلع، والخامعة: الضبع. إلى أن قال: واختلف نسبها، والمشهور أنها ابنة الخس أخت هند. وقيل: غير ذلك اهـ. ثم ذكر نبذة من كلامها المسجع
وشرحه. ومن جملة ما قال: إن كثيراً من النساخ بهم في هذه اللفظة، فيكتب الخاء جيماً، وهو غلط إذ ليس في أسماء العرب جمعة علماً على ذكر أو أنثى. اهـ كلام الأستاذ ونقله. قلنا: إن أستاذنا مصيب في كلامه هذا. وأصحاب المعاجم والدواوين اللغوية والشعرية والأدبية الذين ذكروها، لم يتعرضوا لها في بحثهم ولم يضبطوا الكلمة ضبطاً بالألفاظ، وإنما جاءت في كلامهم استطراداً، ولعلهم ذكروها في الأصل بالخاء المنقوطة الفوقية، فلما لم يفهمها النساخ، أو أصحاب المطابع حرفوها. وما اسهل إبدال اسم مجهول، أو نادر الورود، كخمعة، باسم معلوم أو متداول وهو جمعة. قلت: إن كان لم يرد علم ذكر أو أنثى باسم جمعة في القديم كما ذكره القاضي عياض، فأنه مشهور اليوم، لا سيما في العراق. فقد يسمى به بعض من يولد يوم الجمعة. لا بل ذكر صاحب التاج في المستدرك، أنه قد سموا جمعة بضمتين. فإنكار القاضي عياض لها في غير محله. وعلى كل قاسم المرأة المشهورة الايادية هي خمعة، بالخاء المنقوطة الفوقية، كما حققه شيخنا الأستاذ الآلوسي على ما تقدم إيضاحه. وقد ذكر الأدباء من كلامها المأثور، شيئاً من المنثور، ولم يذكروا لنا شيئاً من المنظوم، وقد روى لنا ابن أبي طاهر، صاحب كتاب بلاغات النساء أبياتاً من شعرها منها هذه: اشد وجوه القول عند ذوي الحجى ... مقالة ذي لب يقول فيوجز وافضل غنم يستفاد ويبتغى ... ذخيرة عقل يحتويها ويحرز وخير خلال المرء صدق لسانه ... وللصدق فضل يستبين ويبرز وإنجازك الموعود من سبب الغنى ... فكن موفياً بالوعد تعطى وتنجز ولا خير في حرٍ يريك بشاشة ... ويطعن من خلف عليك ويلمز إذا المرء لم يسطع سياسة نفسه ... فأن به عن غيرها هو أعجز وكم من وقور يقمع الجهل حلمه ... وآخر من طيش إلى الجهل يجمز وكم من أصيل الراي طلق لسانه ... يصير بحسن القول حين يميز وكم مافون يلوك لسانه ... ويعجن بالكوعين نوكا ويخبز
تذييل في نساء العرب
وكم من اخى شر قد أوثق نفسه ... وآخر ذخراً لخير يحوي ويكنز يفر الفتى والموت يطلب نفسه ... سيدركه لا شك يوماً فيجهز وهي كلها أبيات حكيمة في غاية الجودة ومن شعرها قولها: رأيت بني الدنيا كأحلام نائم ... وكالفيء يدنو ظله ثم يقلص وكل مقيم في الحياة وعيشها ... بلا شك يوماً أنه سوف يشخص يفر الفتى من خشية الموت والردى ... وللموت حتف كل حي سيغفص أتاه حمام الموت يسعى بحتفه ... وقد كان مغروراً بدنيا تربص كأنك في دار الحياة مخلد ... وقد بان منها من مضي وتقنصوا لقد افسد الدنيا وعيش نعيمها ... فجائع تترى تعتري وتنغص إلا رب مرزوق بغير تكلف ... وآخر محروم يجد ويحرص وقد ذكرنا هذا الشعر حرصا عليه ولقلة وروده في كتب الأدب ولما تضمن من الحكمة الرائعة، والأمثال الشائعة. والسلام. تذييل في نساء العرب كتب أحد المستشرقين وهو العلامة برون فرنسوياً عنوانه (النساء العربيات قبل الإسلام وبعده) وقد طبعه في الجزائر سنة 1858، وجمع فيه كل قاله العرب في نساء العرب قبل الإسلام (أي في عهد الجاهلية) وبعده (إلى عصر المأمون) ولا نظن أننا وجدنا كتابا عربيا حوى ما وعى هذا السفر الجليل الفذ، بل يتيمة الدهر. والكتاب في قطع الثمن الكبير في 604 صفحات يليها فهرس وافٍ يطلعك على محتوياته بسرعة لا تنكر. والقسم الأول منه، وهو قسم عصر الجاهلية، يحوي 42 فصلا، كل فصل يبحث عن حالة من أحوال المرأة. والقسم الثاني، وهو قسم عصر صدر الإسلام، يحوي 31 فصلا وكلها مرتبة ترتيبا انيقا، يجمع بين اللذة، والانس، ورغبة الوقوف على أخبار نساء ذلك العصر. ولما تكلم المؤلف عن المرأة الايادية ذكرها باسم جمعة وكتبها هكذا أي بالجيم لا بالخاء. ولا جرم أن الكاتب اعتمد في رسم هذا
العشائر القاطنة بين بغداد وسامراء
الاسم على الكتب المتداولة بين القوم، ولاسيما الكتب الخطية. لأنه وضع كتابه منذ اكثر من خمسين سنة. والمطبوعات العربية في مثل هذه المواضيع كانت نزرة أو نادرة. ومما يشهد على ذلك رسمه لأعلام أخرى على غير وجهها المشهور كقوله، جابس، في (حابس) والد جمعة على رواية، وغير ذلك، مما ليس هذا المقام مقامه. على أن هذا كله لا يضر بمنزلة هذا السفر الجليل، فأن فيه من الخواطر والأفكار في نساء العرب، ما لا تعثر عليه في المجلدات الضخمة أو ينتبه له أحد من كتاب العرب. فعسى أن يكون شرعة يردها أدباؤنا عند تعرضهم لأبحاث العرب، ولا سيما لنسائهم، ليكونوا على بصيرة مما يكتبون! والله الهادي إلى السراط المستقيم! العشائر القاطنة بين بغداد وسامراء 6 - نفوسها ورؤساؤها ومساكنها 1 - بنو تميم بنو تميم (وزان قدير) قبيلة كبيرة مبثوثة في أرجاء مختلفة من ديار العراق والعرب. ومنها عشيرة قاطنة في شرقي ناحية (بلد). عدد رجالها يربون على ألفي رجل ورئيسهم حسين الثامر وهم يحرثون الأراضي المدورة على ضفة دجلة اليمنى المقابلة لأراضي (عظيم) وأكثرهم على مذهب أهل السنة والجماعة وبينهم عدد قليل جعفريون؛ ومنهم قسم يزرعون أراضي الخضيرة شرقي بلد 2 - المجمع المجمع بضم الميم الأولى وفتح الجيم وتشديد الميم الثانية وفتحها يليها عين مهملة وزان (معظم) عشيرة كبيرة تقسم إلى عدة أفخاذ وبطون كثيرة لا يمكننا الإحاطة بها. رجالها ألف ومائتان ورئيسهم محمد المهدي. ومنهم من يشتغل بتربية الأغنام والمتاجرة بأصوافها ومنهم الزراع. وهم قاطنون في أراضي (قبان) (بفتح القاف وتشديد الباء وزان شداد) من أراضي
دجيل وأكثرهم من أهل السنة والجماعة وقليلون منهم جعفريون. 3 - العيدان العيدان (وزان ديدان) وهي عشيرة صغيرة لا يتجاوز عدد رجالها ثمانين وهم زراع نجباء افتعلوا لهم أرضاً في جنوبي (بلد) على حافة دجلة يحرثونها ويزرعونها ورئيسهم حسين العبد الله. 4 - السعود السعود (وزان جلود) فخذ من أفخاذ بني سعد (كذا قيل). عدد رجالها مائة وعشرون. رئيسهم خسارة الحمد. وهم يحرثون قسماً من أراضي دجيل. ويكثر بينهم الجعفرية. 5 - البو عتاب البو عتاب (وزان شداد)، عشيرة كبيرة بالنسبة إلى أخواتها. عدد رجالها ثلثمائة. رئيسهم محمد السبتي. وهم زراع في أراضي الخضيرة على حافة دجلة وشرقي ناحية بلد وسموا بهذا الاسم نسبة إلى رجل من أجدادهم اسمه (عتاب) وهم على مذهب أهل السنة والجماعة. 6 - البو دراج البو دراج (وزان شداد) فخذ من أفخاذ عشيرة السوامرة (وزان ملائكة) (كذا قيل) وعندي انهم خليط أقوام تسموا بهذا الاسم نسبة إلى رجل اسمه (دراج). عدد رجالها مائة رئيسهم السيد على العابد. ومحل سكناهم أراضي العابرية على ضفاف دجلة في الجهة الغربية من ناحية (بلد) وهم كلهم سنيون. 7 - البو عباس البو عباس (وزان شداد) عشيرة ضخمة متشتتة في أطراف بغداد يتجاوز عدد رجالها الألف رئيسهم (حمدي الحمد) وهو رجل موظف في عدلية سامراء مشهور بدماثة الأخلاق. وكلهم زراع وبينهم من يشتغل بتربية الأنعام أي انهم أصحاب ابل وماشية وخيام والزراع منهم في أراضي (الحاوي) وأرباب المواشي منهم ينتقلون من أرض إلى أرض على اختلاف فصول
السنة. ويدعون انهم سادة قرشية. وهم جميعهم على مذهب السنة والجماعة. 8 - البو عيسى البو عيسى فخذ من أفخاذ عشيرة السوامرة الكبيرة. عدد رجالها مائتان. رئيسهم حسين الحمادي. وهم يقطنون في شرقي بليدة تكريت وجلهم زراع وقيل انهم نسل الخلفاء العباسيين ولا نعلم مبلغ ذلك من الصحة. وهم جميعهم سنيون. 9 - البو مليس (مليس) بكسر الميم كسراً غير بينٍ وتشديد اللام الممالة وسكون الياء وفي الأخر سين مهملة. قبيلة صغيرة عدد رجالها تسعون رئيسهم عبد الوهاب ابن الشيخ عباس والقسم الأعظم منهم يسكنون بليدة سامراء وفيهم عدد قليل يقطنون في أراض العيث ومهنتهم تربية الأغنام وسائر الأنعام والمتاجرة بصوافها ويزعمون انهم سادة قرشية. واغلبهم سنيون. 10 - البو نيسان البو نيسان (بالضبط المشهور) والبعض يلفظها بفتح النون فخذ من أفخاذ
(السوامرة) عدد رجالها ثمانون رئيسهم الحاج فتح الله وهم من سكان سامراء وبينهم عدد قليل زراع في الأراضي المسماة (البركية) (بفتح الباء وإسكان الراء وكسر الكاف مع فتح الياء المشددة في آخرها هاء) المقابلة لبلدة سأمراء؛ ويدعون انهم سادة قرشية والسبب في تسميتهم بهذا الاسم هو أن جداً لهم ولد في شهر نيسان فسمى باسمه وسميت القبيلة (بالبو نيسان) نسبة إليه كما هي عادة الأعراب بأن يأتوا بكلمة (البو) ويدخلونها على الكلمة الأصلية فتكون بمعنى آل أبو (أبي). . . . واغلبهم سنيون. 11 - البو اسود البو اسود (وزان احمد) عشيرة صغيرة رجالها لا يتجاوزون المائة رئيسهم سهيل المطر وهم سادة قرشية وكلهم زراع يسكنون أراضي مختلفة وأشهرها (عزيز بلد) (والصعيوية) والضلوعية وجميعهم سنيون. 12 - البو باز البو باز (وزان عاد عشيرة) كبيرة مبثوثة في أرجاء مختلفة عدد رجالها ستمائة. رئيسهم جاسم محمد العلي الأكبر. واغلبهم يسكنون في أرض النباعي وهم زراع كرود وكرودهم عبارة عن فقر أي آبار متجاورة ينفذ بعضها إلى بعض يزروعون عليها زروعهم وذلك لبعدهم عن دجلة إلا أن هذه الآبار قد اشتهرت بعذوبة مائها وبرودته وخفته على المعدة. وهم سنيون.
13 - البو بدري البو بدري بفتح الباء وإسكان الدال وكسر الراء في آخرها ياء عشيرة صغيرة لا يتجاوز عدد رجالها الثمانين رئيسهم جاسم المحمد بن جعيص (مصغرة) ومهنتهم تربية الأغنام والمتاجرة بأصوافها وسمنها ويسكنون في أراض الكوش (بكاف فارسية مضمومة وهي أرض في شمالي سامرا كثيرة الآبار تبعد عن سامرا ساعتين) وجميعهم سنيون. 14 - البو عظيم البو عظيم (على زنة زبير والعامة يتلفظونها بإسكان العين المهملة والبعض يتلفظها بكسر العين المهملة كسراً غير بين) عشيرة عدد رجالها ثمانون رئيسهم حسين الكريم وكلهم زراع يقطنون شرقي مخيم البو عيسى في أراض مقابلة لسامرا. وجميعهم سنيون. 15 - البو صليبي البو صليبي (وزان زبيري) والبعض يتلفظونها بالهمزة الموصلة والصاد المحركة بحركة بين الضم والفتح واللام الممالة. وفي آخرها ياء النسبة. هي عشيرة قليلة العدد: رجالها 150 رئيسهم شهاب الحمد ويسكنون في أراضي الدوجمة (بضم الدال وإسكان الواو وكسر الجيم وفتح الميم وفي آخرها ياء) على حافة دجلة وسميت بهذا الاسم نسبة إلى رجل جاء من عشيرة (صليب) (وزان زبير) من قطان فيافي نجد والدهناء فسكن هذه الأراضي وكثر أولاده ونمت أبناؤهم حتى تألفت هذه القبيلة من صلبه. فسميت باسم القبيلة الأصلية وإن لم تكن عيشتهم كعيشتها (كذا حدثني رجل خبير). وجميعهم سنيون. 16 - الغوالبة الغوالبة جمع غالبي عشيرة كبيرة عدد رجالها ألفان ومن أكبر رؤسائهم خلف المرهج وجميعهم زراع يقطنون أراضي الصفيط (وزان زبير ويلفظها العامة بتحريك الصاد حركة مشتركة وفتح الضاد ممالة وإسكان الياء وفي الآخر طاء مهملة ويقال فيها) (السفيط) أيضاً بالسين عوضاً من الصاد وأكثرهم سنيون.
17 - الخزرج (وزان جدول) عشيرة أو فخذ من أفخاذ عشيرة خزرج العدنانية التي نصرت النبي (صلى الله عليه وسلم) عند مهاجرته من مكة (كذا قبل) عدد رجالها 400 رئيسهم جاسم المحمد الصلماوي وهم يحرثون الجهة الغربية من أراضي دجيل والجهة الشرقية من أراضي الضلوعية على ضفة دجلة اليسرى. 18 - الجبور الجبور، وزان دخول عشيرة ضخمة العدد مبثوثة في أرجاء مختلفة من العراق العربي. يتبعها بطون وأفخاذ كثيرة نضرب عنها صفحاً لجهلنا اغلب أسمائها. عدد رجالها ثمانية آلاف. والقسم الأعظم منهم في أطراف بغداد ولهم فيها خاصة بهم واقعة في جانب الكرخ تسمى (محلة الجبور) ورئيسهم في بغداد أحد تجار الأبل عبد الله المهيدي. وقسم منهم يقطنون في أراضي الضلوعية على حافة دجلة من الجهة الشرقية وعددهم 500 ورئيسهم عبد اللطيف بن سلامة ومنهم يسكنون في أراضي الخرنينة والشرقاط وأراضي العوجة والماحوز والزاب والخابور وجميعهم سنيون. 19 - البو فراج البو فراج وزان شداد. عشيرة رجالها أربعمائة. رئيسهم محمد المصطفى
وهم يزرعون القسم الشرقي من أراضي الضلوعية. وفيهم من يزرع في حويجة الجويزات (مصغرة) المقابلة لناحية (بلد). وهم سنيون. 20 - الكبيشات الكبيشات بالتصغير أي بضم الكاف وفتح الباء وإسكان الياء وهي عشيرة كثيرة العدد رجالها يتجازون الستمائة رئيسهم محمد أبو خشيم (بالتصغير) وهم متفرقوا الربوع فقسم منهم في أراضي العيث الواقعة شمالي سامراء وقسم في عظيم (بالتصغير) وأكثرهم قليلو الاهتمام بالزراعة وبينهم عدد قليل يربون المواشي ويتاجرون بها والقسم الأعظم منهم قطاع طرق. واغلبهم سنيون. 21 - البو طلحة البو طلحة (وزان كثرة) عشيرة قليلة العدد لا يتجاوز عدد رجالها الثمانين رئيسهم شكلة الحمد وهم سكان أراضي عظيم واكثر زروعهم عذى أي ديم لأنهم بعيدون عن دجلة اكثر من خمس ساعات ولا يصل الماء زروعهم وأراضيهم ليسقيها. وهم سنيون. 22 - العزة العزة (على زنة كنة) بفتح العين المهملة وتشديد الراء المعجمة وفي آخرها هاء عشيرة ضخمة منتشرة في ديار العراق العربي عدد رجالها ألفان ومائتان وهي تقسم إلى أفخاذ منها فخذ البو بكر ورئيسهم (دلو) بفتح الدال وتشديد اللام وإسكان الواو. والبو عواد (وزان شداد) ورئيسهم (جايل) بجيم فارسية - كائل (وزان قائم) والسبوطران (وزان جماد) ورئيسهم طعمة الخلف. والبو اجول وزان احمد ورئيسهم غضبان بن خلف الغصيبة وهو الرئيس الكبير لهذه القبيلة وله سلطة عظيمة على سائر القبائل القاطنة في جواره وهو مشهور بمحاسن الأخلاق والكرم الحاتمي. وهذه البطون أو الأفخاذ تقطن في أراض العظيم وجبل حمرين والخالص
وهم زراع. وزروعهم على الأنهار. وهم سنيون. 23 - المشاهدة المشاهدة، وزان مغاربة، وهي عشيرة ضخمة كثيرة العدد تحرث أرضاً كبيرة ممتدة من قضاء الكاظمية إلى أطراف دجيل. وهم غير المشاهدة الذين يقطنون في النجف. فالأولون يختلفون في المسكن باختلاف أراضيهم. وزروعهم تزيد على ثلاثة آلاف فدان. أما أراضيهم فتقسم إلى ثلاثة أقسام 1 - أراضي الوقف وتسمى التاجي وقليل منهم يسميها التاجية وهي ممتدة من بلدة الكاظمية إلى أراضي الحصيوية (بالتصغير) مسافة أربع ساعات وزعيمهم فيها حمد السليمان وتأخذ الحكومة منهم عن كل بكرة عشر جنيهات!! 2 - أراضي أبو سريويل (مصغرة) وهي عائدة إلى أحد كبار بغداد الحاج عبد الرحمن الباجه جي ومسافتها ساعتان والزعيم هناك السيد حبيب الشلال وتأخذ الحكومة عن هذه الأرض العشر 3 - الأراضي السنية أي الأملاك المدورة، وهي ممتدة من أبو سريويل حتى قلعة الطارمية وهي مسافة أربع ساعات للراجل والزعيم هناك السيد محمد بن السيد احمد وتأخذ الحكومة عن كل بكرة خمس جنيهات!! ومجموع رجال المشاهدة يزيد على 10 آلاف ويزعمون انهم سادة قرشية. وقد أراد ناظم باشا الوالي السابق تسجيل نفوسهم وإلزامهم بإيفاء الخدمة العسكرية إلا انهم أبو ذلك ففروا إلى أنحاء الجزيرة ولم يعودوا إلى أوطانهم إلا بعد أن اخذوا موثقاً من الحكومة بأن لا تعود إلى ذلك!! 7 - خاتمة البحث هذا ما علمناه من أمر هذه الأمة العربية الكريمة الآباء القاطنة بين بغداد عاصمة الخلفاء، وسامراء منتزههم الوضاء، أمة قبض عليها الدهر
نظر تاريخي في لغة الاسبرانتو
بيده الخانقة، فطمس آثار جناتها ذوات الأشجار الباسقة، وثل قصورها الشاهقة، ودك صروحها السامقة، وعفى رسومها السامية، ودرس معالمها البادية، حتى أصبحت إلى ما تراه اليوم، فقيدة النسب بين القوم، يستعبدها الأغيار، ويقودها الجهل إلى هوة الفناء والدمار، أمة ذهبت أخلاقها الكريمة، باختلاطها بالأعاجم منذ الأزمان القديمة، ففقدت مميزاتها النبيلة، وصفاتها الجليلة، وكانت قد امتازت بها في سابق الأزمان عن سائر الأقوام، أي في عهد سابق سعدها، وتالد مجدها، وما ذلك، وربك، إلا من تقعد العرب عن أمر جامعتهم، وتهاونهم في إحكام عرى رابطتهم، أمر اصبح أكثره اليوم في الصدور، لا في السطور، وعليه إن لم تبذل الهمة، في لم شعث هذه الأمة، فلا يمضي زمن قليل، إلا وتصبح شماليل، مضطربة النسب والتاريخ بين الأجيال، داخلة في عداد الأمم الآخذة بالزوال، أعاذنا الله من رؤية تحقيق هذا المآل، ذلك ولنا عودة إلى هذا المقال، سنأتي به إن شاء ربك المتعال. إبراهيم حلمي نظر تاريخي في لغة الاسبرانتو 1 - توطئة يليق بي قبل أن اخط شيئاً عن اللغة الاسبرانتية التي أصبحت في عصرنا هذا، منتشرة انتشاراً عظيماً في أربعة أقطار العالم المتمدن، أن اذكر، ولو على سبيل الاختصار، ما كان يدور في خلد لغويي الأعصر القديمة والحديثة فأقول: إن استنباط لغة صناعية تقوم مقام لسان ثانٍ عام لجميع البشر قاطبةُ ليس من تصورات أو ابتكارات هذه السنين الأخيرة، بل يرتقي عهدها إلى أوائل القرن السابع عشر واليك البيان: قام فريق من العلماء في ذلك الحين وارتأوا تأليف لغة جديدة تلم شعث المتكلمين، وتكون بمثابة لسان واحد للأمم كلها على اختلاف درجاتهم، وتباين طبقاتهم، ومعارفهم، ولكن هذا الرأي لم يحل محلاً رفيعاً، لأن الأمة الغربية كانت يومئذٍ حديثة العهد بالمدنية والعمران
وعليه القي هذا الأمر في زاوية الإهمال والنسيان. بيد أن نخبة من علماء اللغة الأعلام لم يقعدهم ذلك عن التقدم في هذا المضمار، بل جدوا كل الجد وسعوا سعيا حثيثاً، حتى كادوا يظفرون بضالتهم المنشودة، ويفوزوا بأمنيتهم الخطيرة، التي وضعوها نصب أعينهم، إلا أنه اعترضهم في سبيلهم بعض العقبات التي أودت بمشروعهم الحيوي وهو جنين، ومع هذا كله، إذا أحصينا التآليف العديدة التي برزت إلى عالم المطبوعات من عصر المطران ولكنس في القرن السابع عشر حتى الدكتور زمنهوف في القرن العشرين وجدناها تنيف على خمسين لغة صناعية عرضت على أنظار علماء فطاحل فرفضوها بتاتاً لوجودهم فيها شوائب جمة تشوه رونق محياها الأدبي وقد انتقدها انتقاداً دقيقاً العالمان الفاضلان الدكتوران ل. ول. ليو في كتابهما النفيس الموسوم بتاريخ لسان العالم وقد اهتم منذ بضع سنوات نفر من أئمة اللغة في أيجاد لغة صناعية تفي باحتياجات الناس في عصرنا هذا الذي كثرت فيه المواصلات العمرانية، والمراسلات التجارية، والمكاتبات الأدبية، والمفاوضات السياسية، الخ، حتى أنه في معرض باريس الملتئم عام 1900م عني فريق من ممثلي اللجان والجمعيات العلمية المختلفة اللسان والجنس والمكان، وأرسلوا بمنزلة مبعوثين من قبلها ليتفاوضوا في مسألة استنباط لسانٍ عامٍ يكون معاوناً للغة كل المدن والامصار، ورابطاُ لألسنة الممالك والبلدان الشاسعة. وكان قبل ذلك الزمان، قد برز من مكمنه للعيان، كتاب الدكتور زمنهوف، ونال قصب السبق في حلبة هذا الميدان، على جميع الكتب المصنفة في هذا الشان، فالتف حوله جل الأدباء والكتاب على تفاوت مقامهم وقدروه حق قدره إذا وجدوا كتابه طبق المرام، بل غاية ما كانوا يتوقعونه منذ اعوام، فتعاهدوا إذ ذاك على نشر هذا اللسان الجديد ومعاضدته بكل قواهم. 2 - لغة الاسبرانتو أن مستنبط لغة الاسبرانتو هو لويز لازار زمنهوف
طبيب روسي مشهور ولد في بيلوستوخ من أعمال غرودنو في سنة 1859م وهو الآن حي يرزق وعمره نحو ثلاث وخمسين سنة والذي حمله على استنباط لغة جديدة صناعية، كما عثرت على ذلك في إحدى المجلات الإنكليزية، هو أنه رأى منذ صغره الانقسامات الجنسية، والمنازعات اللسانية، الموجودة في مسقط رأسه بين اللغات الأربع التي كان الأهالي يتكلمون بها وهي: الروسية، والبولونية، والألمانية، واليهودية. فهذه اللغات كانت تحارب الواحدة الأخرى لكي تلاشيها من تلك البقعة، وكل من أصحابها يود لو كان في وسعه التشبث بلسانه والتعلق بأذيال لغته فقط. على اختلاف الألسنة بهذه الصورة مما يولد النفور والنزاع بل ويبعث على العداوة والبغضاء بين المتكلمين على حد سواء. ولذا علق منذ ذاك الحين بذهن الدكتور الموما إليه أن ينشئ لغة جديدة لتزيل بعض الزوال تلك العراقيل والمشاكل التي تؤدي إلى خراب الممالك وانقراض الشعوب والقبائل. وكان يرى بفكره الثاقب ورأيه السديد الصائب أنه يأتي زمان ترتفع فيه اكثر العداوات الجنسية واللسانية كما كان الحال قبل تبلبل الألسنة عندما كان البشر يسكنون معاً في سلام وآمان، وراحة واطمئنان، وأن كنا نرى ذلك مستحيلا الآن، ويكاد يعد من قبيل الترهات والأوهام. من درس حال الممالك ومسألة اللغات فيها يرى لأول وهلة كيف أن كل أمة عزيزة الجانب نافذة الكلمة تريد أن توسع نطاق لغتها وتنشرها في أطراف المعمورة، فخذ الإنكليزية مثلاً أو الافرنسية أو الألمانية فكل منها تود لو كان في وسعها أن تنتشر وحدها في المسكونة بأسرها وتمسي ملكة مطلقة تخر لعظمتها جميع اللهجات على اختلافها. ولما كانت هذه الأمور مما يخالف روح الدكتور زمنهوف كل المخالفة كد فكره واسهر جفنه منذ صباه قضاء لهذه الحاجة العظيمة باختراعه لغة مستقلة عن سائر اللغات تمام الاستقلال لتكون بمنزلة دواءٍ شافٍ لهذا الجرح الغير المشوه لجسم المجتمع الإنساني حتى توفق أخيراً لاختراع لغة صناعية سماها الاسبرانتو أي الرجاء وهي علم وعمل للناس طراً وكان الأجدر به أن يدعوها لغة العالم.
وخليق بي أن اذكر شيئاً من أعمال وأفكار هذا الدكتور الجهبذ قبل توصله إلى نتيجة أتعابه الكثيرة. قلت فويق هذا أنه علق بذهن المخترع من أيام فتوته أن ينشئ لغة جديدة وبقي هذا الفكر ينمو ويزداد على ممر الأيام والسنين نمو جسمه وقامته. لما كان هذا المستنبط تلميذاً في مدرسة الفنون في ورسوفية فأول ما خطر له أن يحي معالم إحدى اللغات القديمة العلمية المائتة وكثيراً ما تردد في ذهنه وتصور أمام مخيلته أن يتخذ اللاتينية في مهمته ولكن بعد أن تروى ملياً في تلك اللغة المهجورة الاستعمال اعرض عنها، لأنه رأى أن لغة بني الأصفر لا تناسب روح العصر ولا تفي بحاجات الناس فلو كانت تقوم بمطالب العالم وضرائر الأعمال لما اعرض عنها رجال العلم ووضعوها في زاوية الإهمال؛ وعليه رجع الدكتور زمنهوف عن هذا الفكر كل الرجوع. ولما لوى عنان فكره عن اللاتينية كان لسان حاله يقول أأتخذ الصينية ذات الفعل والاسم والأداة إذ اللفظة الواحدة تصح أن تكون تارةً فعلاً وطوراً اسماً وأخرى نعتاً ولا يستطيع الواحد أن يميزها مهما كان راسخ القدم فيها إلا بإضافة ألفاظٍ أخرى ذات معانٍ مستقلة عنها تمام الاستقلال. أم اتخذ العبرانية العزيزة عند ذويها والرفيعة المنزلة في أعين أصحابها؛ مع أنها ناقصة المبنى والمعنى، خالية من محاسن الفصاحة والبلاغة مفتقرة إلى صيغة لا فعل التفضيل ونحوها، فأن العبرانيين إذا آثروها أمراً على آخر عبروا عن الأول بكلام موجب وعن الأخر بمنفي كما نرى ذلك جلياً في الأسفار المقدسة فقد ورد في سفر هوشع وغيره (أني أريد رحمة لا ذبيحة) والمراد: (الرحمة عندي خير من الذبيحة). ومثل ذلك شيء كثير ولا يعرب الكلام عندهم بالحروف النهائية كما في اللاتينية واليونانية ولا بالحركات الإعرابية كما في العربية ولهذا كثيراً من ينشأ عن ذلك أشكال والتباس وغموض وإبهام. وماذا عساني أن أقول عن كثير من الألفاظ التي لا تدل دلالة صريحة على المراد بها فهذه لفظة (عالم) ومعناها (الأبد) إلا أنها لا تدل دائما على مطلق الأبدية بل كثيراً ما ترد للدلالة على مدة طويلة غير معينة وهكذا قل عن غيرها من الألفاظ التي يطول الشرح في سردها وتعدادها.
أم اوجه أنظاري نحو اللغة العربية المعدودة من افصح اللغات وأوسعها في المترادفات؟ مع أنها والحق يقال تفتقر إلى توسيع نطاقها العلمي وتهذيب ألفاظها فضلاً عن وعورة مسلكها في اختلاف حركات مفرداتها وصعوبة التلفظ بحروفها الحلقية وكثرة قواعدها وشواردها في الإدغام والإعلال ونحوهما ووفرة أوزان جموعها حتى أن اغلب الناطقين بالضاد لا يحيطون بها علماً. دع عنك تنازع نحويها الكوفيين والبصريين في أمور ومسائل تافهة جداً لا فائدة فيها ولا عائدة. أم احيي رفات اللغة الآرامية أي لغة بابل القديمة الباقية آثارها مكتوبة نقشاً على بقايا الأطلال الدوارس في مدينتي بابل وآشور العريقتين في المدنية والحضارة في الأزمنة الغابرة فبعد أن انعم النظر واعمل الروية في هذه الخواطر التي مرت أمام مخيلته مر الأمور المتجسمة عزم على أن يستنبط لغة جديدة لا علاقة لها البتة بغيرها من اللغات القديمة أم الحديثة ومنذ ذلك الحين شرع باستنباط لغة صناعية بسيطة التركيب سهلة المأخذ خالصة من الوعورة والشواذ تمكن الطالب من أن يصرف زماناً يسيراً جداً في تحصيلها وإتقانها بل والأخذ بناصيتها. ثم اخذ بعد ذلك وهو في الكلية بتأليف كتاب في أصول هذه اللغة أي غراماطيق منتهزاً لذلك الفرص وأوقات الراحة ولم يكن قد جاوز عمره إذ ذاك التاسعة عشرة ولا تسأل عن شدة فرحه عند إنجازه عمله لأنه كان باكورة أتعابه الكثيرة وبعد ذلك أردفه بمعجم موجز. هذا ولكي لا يعجز القارئ الكريم عن سردنا جميع ما افتكر وعمل به وكيف ألف كتبه وجمعها وانتقى الكلمات والألفاظ وبدلها على ما رأى موافقاً لمصلحته. نترك هذه الأمور لمن يريد استقصاء البحث بنفسه وننقل المطالع الأريب إلى سماع ما هو أفيد واحضر. في سنة 1878 ظهرت بعض أعمال الدكتور من حيز الفكر إلى عالم الوجود وسمي لغته الجديدة أي اللغة العامة. ولم يكن قد زايل الكلية إذ ذاك وليس له أشياع ولكن بعد أن أوقف رفقاءه
على مشروعه واخبرهم بجلية الأمر، وعزمه الذي أحيا الليالي الطوال لأجله، عاهدوه على استعمال لغته الجديدة فيما بينهم، ونشرها في الخارج إذا رأوا لذلك سبيلاً. واستمروا مدة يسيرة يتخاطبون بها إلى أن انهوا دروسهم الطبية، ثم تفرقوا في طول البلاد وعرضها لطلب الرزق أو للآخذ بمهنتهم، وبعد ذلك رأى المؤلف أنه وحيد فريد لا ناصر له ولا معين كما كان في أول الأمر، ثم رأى بنفسه أن في لغته بعضاً من الشوائب وشيئاً من الخلل وهي لا تفي كل الوفاء بالغرض الذي كان يتوخاه، فعزم من جديد على تنقيحها، وقد أصبحت بعدئذٍ اللغة المعروفة الآن بالاسبرانتو. أن المخترع لم يواصل سيره في مشروعه بعد خروجه من الكلية لأسباب منها تراكم الأشغال على عاتقه، وقصر الوقت الذي في يده لأنه كان يصرف جل أوقاته في الدرس والمطالعة لإتقان المهنة التي ألا على نفسه أن يتعاطاها لتحصيل قوته، وأود معيشته هذا ومشروع مثل هذا المشروع محفوف بعراقيل ومشاكل هذا عددها ليس بالأمر السهل إنجازه. ولما كانت همم الرجال تقلع الجبال ولا تعرف معنى للكلل والنصب بل تنتصر دائما على تذليل العقبات التي تحول دون بلوغ الأمنية، كما حدث مثل ذلك لغيره من مشاهير الرجال والنساء الذين يعدون بالمئات لا بل بالألوف. توفق هو أيضاً في مشروعه هذا فانقشعت غيوم العوائق المتلبدة في سمائه، وحصل على وقت مكنه من أن يستأنف مشروعه المهجور، ويعيد النظر في تحقيق الكلمات وتدوينها والتلفظ بها ويضع لها معاني ثابتة، ثم رسم القواعد، وضبط أصول اللغة كما يجب لئلا ينتقد عمله ويعاب بشيء. فلما أتم ذلك عرض لغته هذه على بعض أصحاب الذوق السليم والنقد الدقيق فاستحسنها اغلبهم. ثم صرف بعد ذلك سنتين كاملتين في البحث والتنقيب عن ناشر لها بين الناس ليعم استعمالها، فلما عيل صبره ولم يعد في وسعه التربص عن بث لسانه الجديد اخذ مسألة الطبع والنشر على عاتقه وطبع كراسة على نفقته في عام 1887. يدعي الدكتور زمنهوف أن من يدرس أصول لغته الاسبرانتية درساً صادقا يحيط بها في ساعة من الزمان، بيد أن ذلك إذا كان ممكنا لبعضهم فهو ليس
كذلك للجميع. إلا أن الواحد قد يحيط بأغلب قواعدها في تلك المدة اليسيرة لأنه لا يوجد فيها أفعال شاذة، ولا تصاريف عديدة، ولا جمع غير قياسي. إلى غير ذلك ويمكنني أن أصرح على رؤوس الملا قائلا: أنه ليس أمراً مستحيلا أن يتقن المطالع هذه اللغة في شهر واحد إذا كان حاذقاً وله إلمام بإحدى اللغات الأوربية، بحيث يصبح عالما جميع قواعدها ويمكنه التكلم والكتابة بها، وكلمات هذه اللغة لا تتجاوز التسعمائة لفظة قد طوى تحتها جميع الأسماء والأفعال والحروف بصورة متقنة أي إتقان حتى أنها لا تثقل على كاهل المتعلم إذ يستطيع أن يصيغ منها عبارات واصطلاحات ولو كان من أجلاف أهل البادية. إن الأدوات التي توضع في صدر الكلمة وفي مؤخرها توفر أتعاباً جمة للطالب لأنها تساعده على إنشاء كلمات جديدة مختلفة كما يشاء وبقدر ما يشاء. مثاله لفظة (مال) التي توضع في صدر الكلام فهي تدل على معنى الخلاف أو الضد فإذا أتينا بكلمة أخرى ووضعناها وراءها انقلب معنى الثانية ظهراً لبطن. ثم خذ كلمة (بونا) التي تعني صالحاً أو جيداً فإذا قدمنا عليها وقلنا، (مال بونا) كان معناها رديئاً أو شريراً ومثلها (آلتا) طويل فإذا قلنا (مال آلتا) كان المراد منها قصيراً و (استيمي) اعتبر فإذا قلنا: (مال استيمي) كان معناها احتقر. وعلامة التأنيث في الاسبرانتو (ان) فإذا أردنا أن نقلب المذكر مؤنثاً أتينا بهذه الأداة ووضعناها قبل الحرف الأخير، وإذا بالمذكر اصبح مؤنثاً مثاله: (فراتو) أخ فراتينو أخت. فبهذه الوسائط والأساليب السهلة يستطيع الإنسان أن يحفظ مئات من الكلمات بوقت وجيز وترسخ في ذهنه اشد الرسوخ لأنها لا تكلفه مشقة تذكر. وقد أمست الآن هذه اللغة نافعة كل النفع بل تفوق باقي اللغات بنفعها، وذلك لعدة وجوه منها أنه إذا أتقنها الواحد مع لسان قومه وبلاده تكون له بمثابة عدة السن تكفيه مؤونة الترجمان والمصاريف الباهضة التي كان يتكبدها السياح والتجار وغيرهم سابقاً. فلا
تاريخ آداب اللغة العربية
عجب إذا رأينا يوماً هذه اللغة قد انتشرت كل الانتشار في أقاصي البلاد وأدانيها بعد أن رأينا فيها من السهولة وقصر الوقت في تعلمها مالا يرى لها شبيه فيما يعهد اليوم من اللغات الحية. وقد طبعت في ماينيف على اثنتي وعشرين لغة، وترجم إليها افخر الكتب وأنفسها كهاملت لشكسبير الشاعر الإنكليزي الطائر الشهرة والإلياذة لهومرس الشاعر اليوناني الذائع الصيت وغيرها واليوم ينشر بهذه اللغة كتب ومجلات وجرائد عديدة لا محل لذكرها في هذه العجالة وقد اكتفينا بالإشارة عن الإطالة خوفاً من أحداث الملل في نفس القارئ. وبهذا القدر كفاية. رزوق عيسى نقد الجزء الثاني من كتاب تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي أفندي زيدان (2 انتقدنا الجزء الأول من هذا الكتاب النفيس، ووعدنا القراء بنقد الجزء الثاني، وهو يحتوي على تاريخ آداب اللغة العربية في العصر العباسي من قيام الدولة العباسية سنة 132هـ إلى دخول السلاجقة بغداد سنة 447هـ ويدخل فيه تكون العلوم الإسلامية ونقل العلوم الدخيلة إلى نضج العلم في أواسط القرن الخامس للهجرة. وهذا الجزء بوجه العموم احسن ترتيباً من أخيه البكر واقل أغلاطاً. ولا بدع في ذلك لأن مآخذ المؤلف ومستمداته هنا مدونة قريبة التناول بخلاف مواضيع الجزء الأول. فإن المشارع التي يردها الكتاب بعيدة الشقة والغور ولهذا قل من كتب في ذلك الموضوع إلا وغلط أغلاطاً جمة. وقد فاق المؤلف سواه هنا لأنه بعيد النظر في التاريخ راسخ القدم فيه. ولهذا اصبح تأليفه سنداً يعتمد عليه شاء القوم أو أبوا. على أننا رأينا فيه بعض الأمور نعرضها عليه؛ لعله يرى فيها ما يجيبنا عنها، ويكفينا انتقاده في ما بعد. ونحن نقسم كلامنا هذا ثلاثة أقسام كما فعلنا في انتقادنا عليه الجزء الأول، ونزيد هنا نظرة عامة فيه فنقول:
لا نظن أن أحداً قسم تاريخ آداب اللغة في عصر العباسيين كما فعل المؤلف فأنه أجاد فيه فوق ما يتصوره القارئ، إذ فصل كل عصر بفاصل طبيعي كما نفصل الطبيعة بلاداً عن بلاد، بجبال عالية، أو بأنهر كبيرة، أو بأبحر بعيدة القرار. فكان تقسيمه هذا مما يتبعه كل عاقل منصف. وقد ساقه إلى ذلك ذكاؤه الغريب الذي خصه الله به فنحن نهنئه بهذه الهبة العظيمة ونتمنى له أن تتسع فيه كلما احسن التصرف بها. من مزايا هذا الجزء انه ذكر آخر كل فصل أو مادة المصدر الذي اخذ عنه وهو أمر عظيم الشأن قل من يلتفت إليه. - ومنها أنه ذكر كتب المؤلفين ومحل وجودها أو طبعها أو ندرتها أو ضياعها وهو من الأمور التي يجعل لهذا السفر قدراً كبيراً جليلاً. على أننا نرى: 1 - إهماله تاريخ سني الميلاد بجانب سني الهجرة الموافقة لها من الأمور الشائنة بهذا التصنيف الجليل لاحتياج اغلب الناس إلى معرفة هذا التاريخ. 2 - في المقدمة التي يصدر بها كل عصر أو كل مادة علمية لا يذكر أسماء المناهل التي وردها، وهذه المواد كثيرة في الكتاب فكان ينبغي له أن لا يهمل هذا الأمر المهم. فقد قال مثلاً في ص 335. . . فقد أحصوا أطباء بغداد وحدها في زمن المقتدر بالله في أول القرن الرابع للهجرة فبلغ عددهم 860 طبيباً امتحنوا لنيل الأذن في التطبيب سوى من استغنى عن الامتحان لشهرته وسوى من كان في خدمة الخليفة. فلا يمكن أن يكون مجموع ذلك كله اقل من ألف طبيب متعاصرين في مدينة واحدة وبلغ عدد أطباء النصارى فقط في خدمة المتوكل بأواسط القرن الثالث للجرة 56 طبيباً. وكان سيف الدولة إذا جلس على المائدة حضر معه 24 طبيباً. اهـ فهلا ذكر أسماء الكتب التي اخذ عنها هذه الأقوال؟ 3 - في بعض الأبحاث إعادة وتكرير بدون فائدة جزيلة كما كرر في نحو نصف الصفحة 43 ما قاله في آخر الصفحة 42 وكرره للمرة الثالثة في تاريخ
نقد الشعر ص 156 بخصوص نقد شعر الجاهلية. ومن باب التكرير ما ذكره في وسطي الصفحتين 68 و69. 4 - في ذكر بعض الأعلام الأعجمية ولا سيما أعلام بعض المدن اختلاف في الكتابة أو اختلاف عن لفظها الأصلي كتسميته منخن أو مونيخ مرة منشن (ص 36، 172، 213، 216، 248، 315، 322 الخ وطوراً مونيخ ص 218 والأصح أن يقال منخن أو مونيخ ويتخذ الكاتب إحدى الصورتين لكي لا يوهم انهما مدينتان مختلفتان، أو ينبه على اختلاف اللغتين، وعلى أن المراد بهما مدينة واحدة. وسمى المدينة الهندية دهلي باسم دلهي ص 324 والأصح الأول كما ذكرها ابن بطوطة وصاحب التاج وغيرهما. نعم أن الإفرنج يقولون دلهي لكن لا خطب في اتباع لغة العرب في هذا المقام. وذكر ص 156 مدينة جينا والأصح المشهور هو جنوة أو جنوى. إلى غيرها. 5 - كثيراً ما ينتقل من التخصص إلى الإطلاق ومن التبعيض إلى التعميم كقوله في ص 53: (وكثيراً ما كانت تعقد مجالس الشعراء لغرض أدبي كوصف منظر أو أداة كما فعل الهادي إذ استقدم الشعراء إليه واقترح عليهم أن يصفوا سيفاً أهداه إليه المهدي وهو سيف عمرو بن معدي كرب. . .) والحال: كان عقد مثل هذه المجالس لمثل هذه الغاية قليلاً فكان الأحرى به أن يقول مثلاً: وقد كانت تعقد مجالس الشعراء. . . . أو وربما عقدت مجالس الشعراء. . . . أو نحو هذا التعبير. وكذا قال في تلك ص:. . . وكثيراً ما كان الرشيد يعقد المجالس للبحث في معنى بيت. فلو قال: وكان الرشيد يعقد أحياناً المجالس للبحث، لكان كلامه اقرب إلى الصدق وواقعة الحال. - وغير مثل هذا التعبير في ص 54 وكأنه قد ألفه فلم يحل عنه. 6 - نسي ذكر سني بعض العلماء أو الشعراء أو الأدباء كمنصور النمري (ص 79) وأبان بن عبد الحميد (ص 82) ومطيع بن اياس (ص 86) ومحمد بن بشير الرياشي (ص 19) وربيعة الرقي (ص 93) وسهل بن هارون (ص 134) وغيرهم 7 - يحتاج هذا الكتاب إلى فهارس هجائية حتى يسهل التنقير عن بعض أعلام الرجال ولا شك أنه يفعل ذلك عند نهاية الكتاب.
8 - في ذكره سني وفيات العلماء لم ينص أبداً إلا ما كان على رأي واحد، بينما أن المورخين يذكرون لبعضهم وفيات مختلفة السنة غير متفقين فيها. مثال ذلك: أبو عمرو بن العلاء توفي سنة 154هـ مع أن كثيرين قالوا أنه توفي سنة 151 وبعضهم قالوا سنة 159 فلماذا لم يذكر هذا الاختلاف. ومثله أبو عبيدة معمر بن المثنى فقد قال عنه أنه توفي سنة 209 مع أن منهم من قال أنه توفي سنة 208 ومنهم من قال بل في سنة 210 وخالفهم آخرون فقالوا أنه طوى أيامه سنة 211 ومثله الأصمعي فقد جعل وفاته في سنة 214 مع أن بعضهم قالوا أنه توفي سنة 215 وبعضهم ذكروا سنة 216. وهكذا أبو زيد الأنصاري فقد اختلفت الروايات في سنة وفاته بين أن كانت 214 أو 215 أو 216 وعلى هذا المثال قس سائر الوفيات كسنة وفاة أبي عبيد القاسم بن سلام فأنه جعلها في سنة 223 والحال انهم اختلفوا فيها بين 223و224و230 وبهذا القدر كفاية. فكان ينبغي له أما أن يتحقق السنة التحقق الأقصى وأما أن يورد اختلاف السنين على اختلاف الآراء. وأما أن يذكر السنة ويقول أنها رواية الكاتب أو المؤرخ الفلاني. 9 - ضبط بعض الأعلام ضبطاً مخطوءاً فيه أو غير مشهور كضبطه مطيع بن اياس (ص 86) بفتح الهمزة والأصح بكسرها كما نبه عليها صاحب التاج وضبطه ص 187 المفضل بن سلمة بسكون اللام من سلمة والأصح بفتحها. وضبطه (ص 83) ابن مناذر بضم الميم مع أنه يجوز فيها فتحها كما قال صاحب التاج وهذا نص عبارته: ابن مناذر بالفتح ممنوع من الصرف، ويضم فيصرف. اهـ. وضبطه الرقاشي بضم الراء والأصح بفتحها كما ذكره صاحب التاج واللسان وغيرهما وحماد عجرد وضبط عجرد بفتح الراء والأصح بكسرها وزان زبرج ولو أردنا أن نأتي على جيمع مضبوطات أسمائه لطال بنا الكلام. في هذا المقام. فاجتزانا بما ذكرنا من باب التنبيه والتنويه لا غير. - وهذا كافٍ بخصوص النظرة العمومية فيه، بقي أن ننظر إلى الأغلاط التي وقعت فيه من طبيعية ونحوية أو لغوية وفكرية. والله الموفق لسبيل الحق والصواب. 2 - أغلاط الطبع حروف مطبعة الهلال حسناء، لكن يظهر من مطالعة الكتاب أن المنضدين لا ينقحون ما يصلح لهم. ودونك الدليل على ذلك:
ص 12 س 22 للاولى الألباب، صحيحه: لأولي الألباب، بدون ال التعريف ص29 س 16 ازدشير بالزاي المنقوطة والأصح اردشير براءِ مهملةٍ تبعاً للأصل الفارسي. ص 38 س 24 وضيار شمبر والزاتينج والروجون والأصح وخيار شنبر والراتينج والزرجون. ص 39 س 1 والجنزار والأصح: الزنجار بتقديم الزاء المنقوطة على النون والجيم. ص 41 س 13 والملايات والأصح والملاء وعلى ضعف الملاءات. ص 41 س 16 يشأؤون. صوابه يشاؤون بألف بعدها واو مهموزة مضمومة يليها واو ساكنة. ص 51 س 20 ولا يكادون يفترقون ويهجو بعضهم بعضاً. والأصح: إلا ويهجو. ص51 س 27 تقذفانها (3). ونسي المنضدان يذكر في الحاشية اسم المعتمد عليه. ص 55 س 3. في الهيأة الاجتماعية، صوابه الهيئة الاجتماعية. هذا فضلاً عن أن الهيئة الاجتماعية بمعنى المجتمع البشري من مصطلحات الترك لا من أوضاع العرب. ص 61 س 17 أنه هو وبشار وأبا العتاهية. صوابه: وأبو العتاهية. ص 63 س 11 وندمائه. صوابه وندماؤه لأنه مرفوع في العبارة. ص 63 س 22 فلامرئ القيس: صوابه وصل الهمزة الأولى من امرئ. ص 64 س 15 وإذا المطي بنا بلغنا محمداً. والأصح بلغن بدون ألفٍ. ص 65 س 14 صورة المشتري لدى بيت الليل والشمس أنت عند انتصاب والصواب: ببيت البد. ص67 س 25 ولا يك. صوابه. ولم يك ص 17 س 14 في همدان والأصح بذال معجمة في اسم البلدة ص 80 س 25 مخبوأة والأصح مخبوءة ص 81 س 6 احذى الغانيات والأصح إحدى
ص 85 س 15 وكان شديد التشعب والعصبية والأصح التشيع وفي أعلى الصفحة رقم 75 والأصح 85 الصفحة رقم 19 منتجعاً بشعره ولا متصد. صوابه: ولا متصديا ص 93 س 2 بالمشرفات النوادر (؟) بنون موحدة فوقية وقد وضع وراءها علامة الاستفهام. والأصح بالمشرفات البوارد بباء موحدة تحتية. يقال برد السيف أي نبا. ص 96 س 15 بالسياسة أو الشعر أو الخطابة به. . . الفطر. . والأصح بالسياسة. . . أو الخطابة. . . الفطرية ص 101 س 22 الرواي والأصح الراوي ص105 س19 المتقدم ذكر. صوابه المتقدم ذكره ص 107 س 4 والفرست. صحيحة: والفهرست ص 109 س 9 إلى الشعراء الإسلامين. صوابه: الإسلاميين ص 124 س 23 مشائخها والأصح مشايخها بالياء لأن اللفظة يائية الأصل ص 127 س 18 خرح صوابه خرج بالجيم المنقوطة ص 131 س 4 بادئ وقد نقط الياء بنقطتين تحتيتين ووضع عليها همزة. ومثل هذا الضبط كثير في الكتاب واصح هنا وضع الياء مهملة عليها همزة قطع. ص 133 س 27 مساويها. . . المساوي بباءين تحتيتين والأصح بهمزة في كليهما لأن الهمزة أصلية ص 134 س 24 لحساسة نفوسهم. والأصح لدقة حس نفوسهم. ص 140 س 7 في لاهون والأصح في لاهور براء مهملة في الآخر. ص 142 س 19 فتقفدني والأصح فتفقدني بتقديم الفاء الموحدة على القاف المثناة. ص 144 س 16 في الموطأ. وجعل الهمزة فوق الألف والأصح جعلها تحتها. ص 145 س 13 لم يتضج. صوابه: لم ينضج بنون بعد الياء
ص 145 س 18 دعهم، صوابه: دعتهم ص 149 س 4 السايب والأصح السائب ص 9 والموؤدات. صوابه. والموؤودات. بثلاث واوات. ص 156 س 21 وص 195 س 25 الأنذر يسير. والأصح الأنزر يسير. ومثلها كثير ص 158 س 5 إلى أصلة صحيحه إلى اصله ص 6 من المعاني لم يسبق إليها صحيحه من المعاني التي لم يسبق إليها ص 159 س 24 سايّر وقد وقعت شدة على صورة الياء بدلاً من الهمزة ومثلها كثير ص 161 س 27 وبايعوا لابن المعتز والأصح وبايعوا ابن المعتز ص 166 س 14 والتدبر بما اطلعوا عليه. صوابه وتدبر ما اطلعوا عليه أو والتدبر لما اطلعوا عليه ص 188 س 23 والمكائد والأصح والمكايد بالياء لأنها أصلية ومثلها كثير. ص 184 س 12 نعم وبؤس صوابه نعم وبئس ص 188 س 14 الغضى والأصح الغضا بالألف القائمة ص 190 س 9 أخباها صحيحة أخبارها ص 194 س 15 وتوفي في سر من راى ونقط ياء رأى بنقطتين والأصح إهمال الياء ص 20 التاويخية. صوابه التاريخية ص 198 س 17 ولو سئلوا عن معنى الإلحاد ما عرفوه. والأصح لما عرفوه ص 200 س 10 وقد طبع كتابه هذه والأصح هذا ص 207 س 3 لا نزال صوابه لا تزال ص 208 س 2 أبو حنفية والأصح أبو حنيفة ص 211 س 12 النسائي والمشهور الفصيح النساي بوضع الهمزة تحت الألف لا وراءها ص 219 س 1 الدائين والأفصح المشهور الدآءين بفصل الهمزة عن المدة والياء
لباس الحيوانات وتنكر أزيائها
ص 221 س 16 الاسكندية صحيحه الإسكندرية ص221 س21 المملكة لإسلامية صحيحه المملكة الإسلامية ص 223 س 8 الذي نحن شانه صحيحه الذي نحن في شانه ص 10 ووزارء تصحيحه ووزراء ص 18 من الجيلان صحيحه من جيلان ص 233 س 7 فضلاً الثالث. فضلاً عن الثالث ص 18 والمرضوع. والموضوع ص 238 س 23 والاذويسة. والاوذيسة بتقديم الواو على الذال المعجمة ص 240 س 27 وجاء بعده ابن ارفع راس شاعر المامون صحيحه راس شعراء المامون ص 242 س 27 وجعل كل قديم حديثاً في عصره، وكل شرف خارجية (كذا) في أوله. والأصح. . . وكل شريف خارجياً في أوله. والخارجي من يسود بنفسه من غير أن يكون له قديم. ص244 س 1 ومعائب والأصح ومعايب ص 247 س 23 التعالبي. . . تيمة الدهر والأصح الثعالبي. . . يتيمة الدهر ص 249 س 25 بالقصائد والأصح بالقصائد ص 255 س 5 من مشائخ الشعراء والأصح مشايخ ص 16 باصفان والأصح باصفهان ونقف عند هذا الحد من أغلاط الطبع لئلا يطول بنا الكلام إلى الملل والسآمة لباس الحيوانات وتنكر أزيائها أن من نظر إلى الطبيعة نظرة مدقق، ووقف بين يديها وقفة محقق، يأخذه الدهش، ويعتريه الدله، مما يتثبته من وجود الوفاق والوئام في أجزائها،
وارتباط بعضها ببعض ارتباطاً محكم العرى، مجدول القوى. انظر إلى هذه النباتات على أنواعها، ترها قد خلقت صالحة للبيئة التي تحيا وتموت فيها صلاحاً ليس وراءه شيء. وإذا أمعنت في النظر، فجاوزت فيه تخوم النبات، فبلغت مملكة الحيوانات، ترى هناك من الوئام والوفاق بين الحي وبين الوسط الذي ينشأ ويعيش ويقضي أيامه فيه، ما لم يمكنك إلا أن تقضي منه العجب العجاب. أن الطبيعة تحن على كائناتها ولا حنو الأمهات على أولادهن، فأنها قد هيأت لها جميع الوسائط، وذرعتها بكل الوسائل، لتعيش وتدافع عن كيانها مدافعة امهر القواد في ساحة الوغى، ولولا غريزة التنكر والدهاء، التي خصتها الطبيعة بالحيوانات، لما قدرت أن تهرب من الأخطار العديدة التي تتهددها في كل آونة، وتفلت من قبضة أعدائها القاعدين لها بالمرصاد. فبهذه الغريزة نتمكن من تغيير الوانها، وتبديل أزيائها تغييراً يجعلها تختلط بوسطها اختلاط الماء بالخمر، حتى لا تكاد تتميز عما يحيط بها، وقد تأخذ بعضها صورة نبات أو جماد احسن اخذٍ حتى تقلدها أبدع تقليد أو تتشبه بحيوانٍ فتظنه هو بعينه، ومع ذلك ليس هناك من رابطة قرابة. 1 - ألوان الحيوانات أن ألوان الحيوانات تتضارب بتضارب مناخ موطنها؛ واختلاف إقليم بيئاتها فهي توجد في الفلوات الواسعة الرملية، والسهول التي يكسوها الجليد، والإحراج الظليلة، والجبال، والمروج، والمستنقعات، والأنهر. فتتعدد ألوانها بتعدد مواطنها، وتتردى برداء يناسب محيطها. فالحيوانات التي مسكنها فلوات أفريقيا الواسعة الأطراف، الممتدة الأكتاف، تمتاز بوحدة لونها الآدم؛ ويخال الناظر إليها أن الشمس قد لوحتها، كما تصهر حرارتها رمل صحرائها التي تتوغل فيها هذه الحيوانات مثل الأسد والجمل والغزال. فلنقف هنا قليلاً ونسأل: هل يمكن أن يرجع هذا الأمر إلى العرض والاتفاق؟ لا لعمري، فأنه محتوم، بل لا مندوحة عنه، تتطلبه مصلحة تنازع البقاء. فلنفرض أسداً أخضر اللون، أو سماويه، أو مرقطاً كالحية، أم
لامع الجلد لمعان ريش الببغاء ففي أي بقعةٍ من القفر يختفي هذا الأسد، إن لم يكن له ملجأ إلا الصخر الاجرد، أو الرمل القاحل؟ أفلا تستوقف ألوانه الزاهية الصيادين الذين يمرون به؟ أو لا يضحى لهم غنيمةً باردة؟ هذا من جهة دفع الخطر عن ذاته وأما إذا طلب الرزق لنفسه، فمهاجمته لفريسته تكون صعبة جدا، لأنها تراه حينئذٍ فتهرب منه لكونه عدوها. فبوحدة اللون يتيسر للأسد أن يباغت الغزالة أو البقرة، ويهجم عليها على حين غرة منها، وبهذه الوسيلة نفسها تختفي كل منهما عن عيني عدوها وراء صخرة من الصخور، ويختلط لونهما اختلاطاً تاماً، فيمر على مقربةٍ منها ولا يشعر بها. لننتقل من هاجرة دائرة الانقلاب، إلى شتاء الأقطاب القارس، تر أن المنظر يخلف اختلافاً بيناً عما سبق، فلا تشاهد ثم، إلا سهولاً بعيدة الأكناف، مغطاة بالثلوج، قد تراكم عليها الجليد، واشتد فيها البرد، وساد عليها السكوت؛ لا بل تبقى أرضها وبحارها مدفونة مدة أشهر مسجاة بكفن ابيض. فحيوانات هذه الأرجاء تتزمل برداء يقيها شر الثلوج، ولون ذاك الرداء ابيض ناصع كالثلج فتذهب وتؤوب راخية البال لا تخشى طارقاً في تلك البيئة التي يشبها أدنى لونٍ، ويهتك سر وجود سكانها للعيان. لنتوغل الآن في الغابات، وندخل احراج أميركا، وأزوار الهند المشتبكة الأشجار. فماذا نرى؟ نرى جماعات من الشجر فيها الكبيرة والصغيرة، القديمة والحديثة، فيها النباتات المتشبثة بأخواتها تلتف حول الأغصان كأنها الأفعوان وكثيراً من الخنشار المتشجر. فجميع تلك البقاع هي عبارة عن قطعةٍ واحدة من النباتات الخضراء الناضرة، والأزهار البديعة، لكنها وعرة المسلك، لا يمكن أن يمر بها الإنسان إلا بكل عناء أو بشق النفس، لأنه لا يوجد فيها مخرف. فياله من منظرٍ بديع يخلب الألباب! ومما يزيده حسناً على حسنٍ، نفوذ أشعة الشمس بين الأوراق، فتبين تلك الأمكنة كأنها منورة بنورٍ صنعى، تقاطعها الاظلال والأشعة. فهناك تختفي حيوانات رائعة لها في ذلك التواري غاية، تعود عليها بالنفع، لحفظ كيانها وقيام وجودها.
هناك يكون شعر الحيوانات الموجودة فيها، ارقش أو منقش بألوانٍ مختلفة، كالنمر، والفهد، فكأن المحيط قد اثر عليها تأثيراً ظاهراً، وصبغها بألوانٍ مرقطة، تشبه جذوع الأشجار؛ والأوراق التي ترى تارة تخرتها الأنوار وطوراً تبقى في الظل. أن ما قلناه عن لون الحيوانات التي تعيش في الأراضي الرملية، وعلى الثلوج، وفي الغابات، يصدق أيضاً على لون الحيوانات التي تعيش في المروج فأنها تمتاز بخضرة لونها، مثل الضفادع، وبعض الحيات، والحيوانات الصغيرة بالعموم، من نوع الزحافات، والضفدعيات، التي تزحف أو تعوم أو تختفي في الكلا والبطائح. 2 - التلون الظاهر هل تريد برهاناً حسياً يؤيد صحة مذهبنا، ويدعم صدق مقالنا، أي أن لون الحيوان تعينه طبيعة البقعة التي يسكنها ثم إذا طرأ على الأرض طارىء، وتغير لونها. تسوقه حالاً غريزته إلى تغيير لونه؟ - خذ قرة (ضفدعة صغيرة) وضعها على ورقة خضراء يخضر لونها؛ ارفعها من هناك ودعها على جذع شجرة مرقط قاتم اللون، فلا تبطئ أن تبدل لونها، ويضحى لباسها ارمد، مائلاً إلى القتمة؛ ثم اجعلها على مقربة من شيء معدني، فتتلون باللون الذهبي. ولكن أين هذا التغير من تلون الحرباء الذي يضرب المثل بتقلبه؛ فأنه ينتقل من حالة إلى حالة أخرى خاضعاً لبيئته؛ فيظهر تارة دويبة دميمة الخلقة؛ وطوراً حسناء، ومرة يتلون بأي لون شاء من ألوان قوس قزح الجميلة؛ وأحياناً يستقر على أرض جرداء فتراه حينئذٍ ادكن اللون؛ وهو يخضر إذا وقف على الأعشاب والأوراق، وقصارى الكلام أن المتفرج عليه يظن أن الألوان تنعكس فيه، وذلك لشدة الائتلاف الموجود بينه وبين محيطه، وهذا التبدل يجري مجريين في المسألة: أولاً، يقي الحرباء من حملات أعدائه عليه، ثانياً؛ يواريه عن أعين الدويبات الصغيرة التي يصطادها قوتاً له. فالحرباء يقعد لفريسته بالمرصاد ساعات طوالاً صابراً متشبثاً بالاغصان، حتى يتمكن من اصطيادها، فيمد إليها لسانه الطويل الدبق ويسترطها هنيئاً مريئاً.
3 - تضاد الليل والنهار كما أن ألوان الحيوانات تختلف باختلاف الاقليم؛ فلاختلاف المناخ والنور والظلام اليد الطولى في منظر الحيوانات. كيف لا والتضاد الدائم الموجود بين النور والظلام ظاهر في كل الموجودات من حي وجامد. فللطبيعة لوحان: الواحد، لامع مبهج تظهر عليه سيماء السرور والابهة، وهو لحيوانات النهار المزدانة بألوان زاهية. واللوح الثاني، مصمت محزن يقبض القلب ويكرب النفس وهو لحيوانات الليل والغسق. أن ألون حيوانات النهار لامعة لمعان نور الشمس، كالفراش التي يتبعها الأولاد في المروج، وكطيور المناطق الحارة البديعة المزينة تزييناً عجيباً فتاناً، تبهج ألوانها الناظر، وتسر الخاطر؛ ويصدق أن يقال فيها أنها حلي الطبيعة. أما حيوانات الليل فهي متردية بلباسٍ حزين يوافق ظروفها، ويناسب أخلاقها، ورداؤها رداء الظلام والسكون لونه ارمد أو أطلس. تراها ساكنة حزينة كئيبة قاتمة اللون. ويكفينا أن نذكر الضبع التي جلدها اطلس، وشعرها خشن، ومنظرها خداع، كل ذلك دلائل باهرة على أخلاق المكر والغش الموجودة فيها. ومن حيوانات الغسق الخفاش ولونه اصحم. وما لنا وهذا الإسهاب الممل فأن طيور الليل اجمعها تظهر لنا مشؤومة الطالع، كالبوم، والخبل، والهام، ومثلها أبو الهول. أننا نكره هذه الحيوانات لما في لونها من لون الحداد ولكن ما الحيلة، وهي لها احسن واقٍ تمكنها من أن تطلب رزقها راخية البال لاختلاط لونها بلون السماء وتصطاد وترتزق بدون أن يداهمها خطر أو يهاجمها عدو؟ 4 - في أعماق البحار - بين السراب والماء أن هذا الوفاق المدهش بين الكائن ومحيطه يشاهد حتى في أعماق المياه، وإن قلنا أنه يبلغ اشده هناك لما أخطأنا المرمى، لأن شفوف الماء الأزرق، واختلاف تركيب قعور البحار والأنهار، التي تكون تارة رملية، وطوراً حجرية، والتغيرات الفجائية الحاصلة بين الظل والنور، وانعكاسات الأشعة
في المياه وتموجها فيها تؤثر في الحيوانات البحرية تأثيراً عظيما. ولهذا نراه في حركة دائمة يتبدل لونها ويتغير شكلها تغيراً فجائيا ومضطرباً كالوسط الذي تسبح فيه. مثال ذلك أن القريدس وذا المنشار لا يتميزان عن المياه الراكدة إلا بكل جهد، لأن لونهما شفاف كالزجاج الشديد النقاوة، وليس فيهما لون أو بقعة تخالف ما يجاورهما فيظهر وجودهما للعيان. أما السرطان البحري الذي يعيش في السواحل، فهو على خلاف ذلك، فأنه يتلون بألوان مختلفة يتوارى بها عن الأبصار فيختلط ببيئته ويفوز بالأمان. والبقع الموجودة على قشرته تكون سمراء أو غبراء أو حمراء بموجب لون حبوب الرمل المختلفة التي تحيط به. ومن الغريب أنه إذا وجد في غدير ماؤه ضحل أسرع وانحدر إلى قعره وأثار الرمل حواليه حتى يتغطى به فيتوارى حينئذٍ عن الأبصار بتاتا. وإذا انحدرت الأسماك المفلطحة، كسمك موسى والكنعد وغيرهما إلى قعر الماء، لا تبطئ أن تحرك زعانفها بكل لطافة، وتلقي عنها الرمل وتبقى هناك، كأنها مدفونة بجملتها، ولا يظهر منها إلا أرؤسها وأعينها. ويمكننا أن نقف على مثل هذا المشهد الغريب أن أنعمنا النظر في إحدى محافظ الأسماك التي تحبس فيها للفرجة وللاطلاع على أخلاقها وعوائدها. هذا وكل ما ذكرناه عن مهارة الأسماك ولباقتها في التواري عن الأبصار لا يعد شيئاً بازاء الغريزة التي فطرتها عليها الطبيعة، أي أنها إذا عامت على وجه الماء كان لونها أقتم أو أزرق أو اربد؛ وإذا بلغت القعر أصفر فجأةً. وهي تساق إلى هذا التلون وإلى مطابقتها للون الرمل الذي تستقر فيه بفعل غريزتها. وإذا تغيرت ألوانها صعب تمييزها عما يجاورها إلا على من لا تفوته حيلة أو تطور أياً كان. وما قلناه عن الوسائل التي تتذرع بها الحيوانات المائية تشبهاً بالجوار لتختفي عن أعين المراقبين، يصدق أيضاً في الأخطبوط فأنه إذا قام على صخرة دكناء أزرق لونه وقلص ذراعيه وأحنى ظهره فأشبه بخدعته هذه، صخرة قديمة الأيام قد أكل الدهر عليها وشرب. ولا يطيش سهمنا إن لقبناه بحرباء البحر إذ أنه يبدل لونه الأزرق الكمد بسمرةٍ شديدةٍ ويحاكي لون المياه الكدرة على حد ما يتلون الحرباء في البر. يوسف رزق الله غنيمة
أشباه السفن في العراق
أشباه السفن في العراق 1: (الاستيم بوت أو الاستيم بوط) لفظة حديثة الدخول، إنكليزية الأصل، معناها بالعربي (مركب بخاري) جئ به إلى بغداد قبل 8 سنين. وهو مركب صغير طول الكبير منه اليوم قراب 10 أمتار في عرض مترين؛ وصنعه من الحديد وقد يكون من الخشب. 2: (الجالبوت): بفتح اللام وضم الباء الموحدة التحتية: كلمة إنكليزية مركبة من - ومناها (زورق النزهة) ويراد به هنا بلم يربط في مؤخرة المركب البخاري يستخف لبعض الحاجات، ويسميه البعض (فلكة): ويسمى عند الأقدمين (قارباً) قال الثعالبي في فقه اللغة 26: (. . . القارب سفينة صغيرة تكون مع أصحاب السفن البحرية تستخف لحوائجها.): وسماه ابن سيده (زورقا). 3: (الجسارية): بتشديد السين والياء: وتجمع عندهم على (جساريات) ويسميها البعض (عسبية): وهي سفينة ملقوطة الطرفين كمؤخر السفينة. توضع تحت الجسر يبلغ علوها مترين، في طول 7 أمتار وعرض مترين؛ وتطلى بالقار. 4: (الدوبة): (بضم الدال وسكون الواو وفتح الباء الموحدة التحتية وفي الآخر هاء) تجمع عندهم على (دوب): (بضم الدال المهملة وفتح الواو وفي الآخر باء) والكلمة تركية الأصل وعربيتها الفصيحة (بارجة) قال اللغويون: (سفينة بارجة مكشوفة لا غطاء لها) وهي في بغداد سفينة مكشوفة لا آلة فيها محركة ولا مجاديف بل تربط بسفينة فيها آلة محركة وهي اليوم جنيبة للمراكب البخارية السائرة بين بغداد والبصرة. 5: (الطوف): بالضبط المشهور: يتألف من الخشب الطوال بغير قرب (أي أجربة) ويبلغ عرضه قراب 10 أمتار في طول 15 متراً وهو فصيح قال في المخصص: (. . . الطوف خشب يشد ويركب عليه في البحر، والجمع (أطواف) وصاحبه (طواف): صاحب العين: هي قرب تنفخ ويشد
بعضها ببعض) اهـ وسيره بين البصرة وبغداد ويحمل فيه من بغداد الجرار، والأحباب؛ وأنواع الاكواز؛ وغير ذلك. 6: (العبرة): راجع لغة العرب 473: 1 7: (الفاك - الفاق): يجمع عندهم على (فاكات - فاقات) وهو من نوع العبرة يتألف أكبره من 120 قربة أو جراباً ويوضع فوقها حطب الطرفاء، أو الغرب، أو الصفصاف، أو الشوك. وسيره بين الدور (بضم الدال المهملة والعامة تفتحها) وبغداد. ولا يكون سيره إلا في موسم الرقي والبطيخ لأنهما يحملان عليه إلى بغداد. واكثر ما يكون الفاق من عبرتين صغيرتين تضم الواحدة إلى الأخرى ومنه اسمها وهو تصحيف اللفاق. 8: (الفلكة): (بكسر الفاء): وتجمع عندهم على (فلك): (بكسر الفاء وفتح اللام) و (فلكات): (بكسر الفاء وسكون اللام): والكلمة عربية الأصل، من الفلك المضمومة الأول وبدون هاء. قال في المخصص 23: 10: (. . . الفلك واحد وجمع، مؤنث ومذكر، وجمعها سيبويه على أفلاك، وقال ابن جني الجمع فلوك، وتقول في الواحد هو الفلك؛ والجمع هي الفلك) وهذا الاسم مخصوص بمركبين، أو زورقين صغيرين، مصنوعين من اللوح؛ يبلغ كل منهما قراب 8 أمتار: وهما لا يصلحان إلا للعبور؛ أو التنزه على ضفتي دجلة حول بغداد. يركبهما الوالي، والقومندان (أي قائد الفيلق أو الآمر) وتسييرهما بالمجداف الذي يسمونه (بالكرك) وزان سبب ويجمع عندهم على (كركات) وزان نظرات والكلمة تركية الأصل من كورك ومعناها المقذاف ولهما سكان، ولا دقل لهما. 9: (القائق): كلمة تركية، ويصحفها بعضهم، فيقولون (قايغ) وهو البلم أيضاً عند الأغلب من أهل بغداد. وقد مر وصفه في الجزء الماضي ص 98 باسم البلم البغدادي. وإذا أريد عربيته الفصيحة فهي (ركوة) قال ابن سيدة: (. . . الركوة - زورق صغير) اهـ وهو مركب صغير، لا يصلح إلا للعبور، أو التنزه على ضفتي دجلة حول بغداد. وهو والفلكة واحد. إلا أنه يقصر عنها مقدار مترين وتسييره بالمجداف ويسمونه أيضاً (كركا).
وفي البلم (الشباك)، وهو لوح مشبك، يوضع تحت أقدام الركاب. وفيه أيضاً (الدراغات) وهي ثلاثة ألواح من الخشب كالعرائض مسمور طرفاها بجنبي البلم يجلس عليها: (المجداف) أو (البلام) أو (الكراك). وبين كل لوحة ولوحة منها قراب 80 سنتيمتراً. وفي البلم أيضاً (البسمار): (أي المسمار): وهو حديدة مشعبة شعبتين من أعلاها يدخل أسفلها وهو طرفها المحدد في ثقب يكون في حاشية البلم ويوضع بين الشعبتين منها الكرك وذلك لتمسكه كي لا يزول عن محله. ويسمى المسمار عند نواتي الفلكة (قرموزاً): (بفتح القاف وسكون الراء وضم الميم والواو بعدها زاء) وفي أطراف حلب (اسكرموزاً). وفي البلم (التنتة) والبعض يسميها الظلال وزان شداد وفصيحها الظلال وزان زوال وهي كالمظلة. أو خام منسوج من القطنٍ المتين. يغمى بها أعلاه ليكون راكبه في الظل. وتنتة كلمة إيطالية مبنىً ومعنىً ويقول أصحاب البلم لماسك سكان البلم (فوز) بصيغة الأمر (وتشديد الواو المكسورة). أي ارم البلم بعيداً عن الشاطئ كثيراً أو أبعده عن الجرف كي لا يجنح. 10: (الكشر - القشر): (بكسر الكاف الفارسية والشين) وزان إبل ويجمع عندهم على (كشور - قشور) هي قفة صغيرة تطلى بالقير السائل. وتسع ثلاثة رجال وتربط بجنب السفينة من مؤخرها لاستخفاف بعض الحاجات وهو خصيص بالسفينة. 11: (القفة): الكلمة عربية وتجمع عندهم على (قفف) وهي مستديرة الشكل تنسج من الحلفاء، والبردي، وأعواد الرمان. وتسمى تلك الأعواد (روطاً) وبعد نسيجها تطلى ظهراً وبطناً بالقار السائل المعروف (بالسيالى): ثم بعد مرور أيام عليه تطلى بالقار الجيد الثخين، المسمى عند أهل بغداد (دوسة). وأضلاعها وهي الأعواد المنحنية، تسمى (شطوباً) وما بينها يسمى (رقاماً) ودائرها أو حاشيتها تسمى (شفة): (بكسر الشين وتشديد الفاء المفتوحة بعدها هاء) وذلك قبل أن تطلى بالقير وبعد الطلاء تسمى (تلتلة): بكسر التاء واللام وسكون التاء الثانية وفتح اللام بعدها هاء). وفي باطنها مما يلي حشيتها (الصكلات - الصقلات) بفتح الصاد المهملة
وسكون الكاف الفارسية) وهي ثماني خشبات مثبتة فيها طول كل واحدة منها قراب 30 سنتمتراً في عرض 7 سنتيمترات وتشد بها حبال قصار كالعري للربط تسمى (خيات) جمع (خية) (بكسر الخاء وتشديد الياء المثناة التحتية). والخية عربية مخففة واصلها (آخية) قال الإسكافي في مبادئ اللغة 34: (. . . والآخية محبس الدابة) اهـ وسرتها: (والعامة تقولها بالصاد) ساحتها أو أرضها. وفي سرتها (الفصلات): (بفتح فسكون) وهي أعواد مضمومة بعضها إلى بعض، ممدودة على قطر سرة القفة. وبين كل عشرة سنتيمترات منها عرضاً فاصل قراب ثلاثة سنتيمترات وفيها أربعة فواصل. ويقاطعها بالعرض أعواد مثلها، إلا أنها اضخم واعرض منها؛ وهي ثمانية، وفيها سبعة فواصل وتسمى عندهم (معيبرات) ويتفاوت عرضها وضخمها، بتفاوت القفة. ويسمى صاحبها (قفجي) ويجمع عندهم على (قفجية) بتشديد الياء المثناة التحتية. وفصيحها القفاف كما يقولها بعضهم. والقفة على ثلاثة أقسام: الأول - (الحصان): بسكون الحاء المهملة وتخفيف الصاد المهملة، وفي الآخر نون) وهو أكبرها، ومقدار قطر ساحته من تسع أقدام ونصف قدم إلى ست عشرة قدماً. الثاني - (قفة وسطانية) أي وسطى ومقدار قطر ساحتها من ست أقدام إلى تسع أقدام. الثالث - (قفة صغيرة) وساحة قطرها من ست أقدام إلى ما دون. وتسيير جميعها بالغرافة وقد وصفها في الجزء الماضي - وعهد القفة يرتقي إلى الكلدانيين والآشوريين كما يشاهد ذلك على الآجر المكتشف في هذه الديار. والكلمة العربية مشتقة من القفة وهي شيء كهيئة القرعة تتخذ من الخوص ونحوه تجعل فيها المرأة قطنها. ولما كان قفة الركوب تشبه هذه القفة هيئة وعملاً سميت باسمها وأن كانتا تختلفان كبراً. 12: (الكلك): قد مر الكلام عنه في لغة العرب 472: 1 كاظم الدجيلي
الملاحة على الفراتين
الملاحة على الفراتين واتفاق المصرف الألماني مع شركة لنج كتب أحد مراسلي جريدة (صدى باريس الفرنسوية) رسالة من لندن، هذا تعريبها، (نقلاً عن عددها 10236 الصادر بتاريخ 12 آب من هذه السنة) قال: لندن في 11 آب 1912. بلغ لندن هذه الأيام خبر مهم وهو: إن المصرف الألماني (دج بنك) صاحب السكة الحديدية البغدادية، اتفق مع شركة لنج، صاحبة البواخر التي تسير على الفراتين على الأمور الآتية، وذلك أنه تألفت في 3 تموز، في بروسل عاصمة بلجكة: (شركة النقليات النهرية في الشرق)، وقد تقرر غرضها بموجب العهد الآتي: 1 - شراء أو بناء أو تحصيل مراكب بخارية وجنائب (أي دوبات)، لنقل معدات السكة الحديدية على شط العرب، ودجلة، والفرات، وسواعدها في ديار العرب العثمانية، وتحصيل أنواع البضائع لتنقل على تلك البواخر والجنائب. 2 - كراء أو استكراء بواخر وجنائب، لنقل المواد التي تحمل على ذينك النهرين، أو على شعبهما وسواعدهما. 3 - المراجعة مع الحكومة العثمانية لتأليف (شركة إنكليزية ألمانية عثمانية) تأخذ على نفسها ما لها وعليها، وكذلك تأخذ على نفسها معاهدات الشركة التي غايتها هذه الشروط. 4 - بيع ونقل، وكراء، وتبديل المشروعات، أو قسم منها. وكذلك الأملاك والعقارات مهما كانت، وما لها من الحقوق مهما كان زمانها، وبيع أو وهب استثمارها أو استعمالها. 5 - وبالجملة عمل كل ما يتعلق بالشؤون المذكورة. وللشركة أن تهتم ما عدا
ذلك بالأعمال والأشغال غير المذكورة هنا، إذا أذن لها اغلب المساهمين. فهذا ما يتعلق بغرض الشركة. فالمادة الثالثة والرابعة تشيران إلى صفة الشركة التي هي موقتة لا غير وسهولة حدود دائرة اشغالها، تمكنها من أن تتكيف بموجب ظروف الأحوال. أما راس مال الشركة فهي عبارة عن مليوني فرنك ونصف مليون (2. 500. 000)، تقسم إلى 5000 سهم. وكل سهم عبارة عن 500 فرنك وقد دفع منها عشرة في المائة. ولكل من شركة لنج والمصرف الألماني2. 497 سهماً. وممثلو المصرف الألماني هم الأدباء. هلسريخ مدير المصرف الألماني واتورياسا وكنرادبيشوف وممثلو الأسهم الإنكليزية هم الفضلاء هنري ف. د. لنج وب. بري والسير جارلس ارشيبلد نيكولصن وقد اتخذ كل منهم واحداً لنفسه. وعلى هذا يكون راس المال مقسوماً على السواء بين القبيلين الإنكليز والألمان. أما اصل هذه الشركة فهو هذا: يرتقي امتياز تسيير مراكب لنج إلى سنة 1834 وذلك أن الحكومة العثمانية أرادت أن تكافئ احسن المكافاة الربان الإنكليزي لنج، لما فعله من المآثر للدولة العثمانية. فأجازت له أن يسير على الفراتين مركبين بخاريين. فأسس الربان المذكور شركة لينتفع بهذا الامتياز. ثم زاد مع الزمان عدد البواخر بفضل ما أجاد به أصحاب هذه الشركة من الهدايا (البخاشيش)، على الطريقة المالوفة يومئذٍ في عهد عبد الحميد فانتقل حينئذٍ ذاك الامتياز إلى صورة مشروع يتعلق بالأمة الإنكليزية. وفي سنة 1909، كانت نهاية أيام الامتياز فالح أصحاب الشركة على الحكومة الإنكليزية أن تفرغ وسعها لتجديد هذا الامتياز وكان ذلك في اليوم الثاني من ثورة شبان الترك. فطلب مبعوثو بغداد حرية الملاحة على نهري دجلة والفرات وفروعهما وكان يسندهم في
هذه الدعوى أعداء وخصوم شركة لنج الذين نشئوا لها فجأةً، فقاوموا تجديد ذلك الامتياز مقاومة عنيفة بل مقاومة الأبطال الصناديد. فلما رأت وزارة حسين حلمي باشا ذلك السد المنيع القائم في وجهها، لم تستطع أن تلبي طلب الوزارة الخارجية الإنكليزية، ففكرت في طريقة تجمع بين الإدارتين النهريتين: إدارة لنج الإنكليزية وإدارة البواخر العثمانية. التي لها عدة مراكب تسير على الرافدين. فعرضت الوزارة هذا الفكر في 11 ك 1 سنة 1909 على مجلس الندوة، فلم يتح لها بعد ذلك أن تعتني بالأمر لأن حله أرجئ إلى الغد المقبل ولم يقبل ذلك الغد وعلى هذا الوجه حصلت شركة لنج على امتيازها الأول بدون أن يثلم منه شيء يذكر. هذا وكانت شركة سكة حديد بغداد قد تيسر لها في المعاهدة التي حصلت عليها سنة 1903، أن يكون لها حق، لأن تنقل على الفراتين، وشط العرب، المعدات اللازمة، لبناء واستثمار الخط ونقل عماله في مدة الاشتغال به. فاستصوبت شركة السكة أن تنفق بهذا الخصوص مع شركة لنج، لكن لما سمع الباب العالي بهذا الاتفاق، جاهر بأنه لا يوافق شروط الامتياز المشروطة على الشركتين: شركة الحديد وشركة لنج. ولهذا حتم عليها أن تتفق مع شركة بواخر الإدارة العثمانية النهرية، أو أن تستحصل لنفسها بواخر تتخذها لمصالحها. فاتفقت الشركتان المذكورتان على إدخال شركة المراكب العثمانية أيضاً في هذا الشان، وعلى هذه الصورة تأسست الشركة البلجيكية التي من واجباتها العناية بتحقيق هذه المساعي والسهر عليها. وحل هذه المعضلة على هذا الوجه مفيد للباب العالي، ولهذا يؤمل خروج هذا الفكر إلى عالم الحقيقة. أن خطورة هذه المعاملة تفوق بكثير موضوعها، لأنها عبارة عن أول تضافر، يكون إنكليزياً ألمانياً في آسية الوسطى. وهذا وحده كافٍ لأن يشار إليه بالبنان. فكون المصرف الألماني، الذي هو المحرك الأول لسكة حديد بغداد، يتدخل تدخلاً بيناً في هذه المسألة، يجعلها في مقام سام من الخطورة والشان. هذا فضلاً عن أن المتداخل فيها أيضاً، هو لنج، الرجل المعروفة
مصالحه في بلاد إيران، وديار العراق لاطلاعه الكافي على هذه الأقطار، فيزيد حضوره المسألة مكانةً ورفعة في مسائل آسية الوسطى. أن الفاضل لنج، كثيراً ما انضم إلى حزب المتطرفين المتذمرين من سياسة السير أدورد غراي. ومداخلاته مع النقابة المالية، التي يرأسها السير ارنست كاسل، معلومة لدى الخاص والعام. فيكون من البديهي تقرب هذا الائتلاف الذي حصل من سفرة السير ارنست كاسل إلى برلين، في الوقت الذي أقام الأديب هلدان في عاصمة ديار ألمانية. فهو الذي دبر، في سنة 1903 مع الأديب فون غوينر. فكر مساعدة الإنكليز في سكة حديد بغداد. ومنذ ذاك الحين كان له المقام الأول بمنزلة متوسط بين المالية الألمانية وبين المالية الإنكليزية. هذا وقد بلغ المحافل السياسية المطلعة احسن الاطلاع على الأخبار الجارية بين الدول أن مساعدة الإنكليز لسكة حديد بغداد تعاد فتجدد. وقد اخذ من يهمهم الأمر أن يسعوا كل السعي بين (المصرف الألماني وبين مصرف أمة الترك) الإنكليزي. والحال أن مؤسس هذا المصرف الأخير هو السير ارنست كاسل في سنة 1908 بعد أن رفض ما طلبة منه المصرف العثماني في الاشتراك معه. وذلك لأنه لم يرد أن يقيد نفسه أو أنه لم يرد أن يغض من نفسه بتشاركه مع المصرف العثماني المتعاهد مع سكة حديد بغداد. بما في إمكانه من مساعدته إياه بمال الإنكليز. وهذا ما يجعله في مقدمة هذا الاقتصاد المالي للبلادين، بل بيت قصيده، وقلادة جيده. فهذا الاتفاق الغريب هو هو الذي نوجه إليه الأنظار، ونلوي إليه عنان الأفكار، إذ قد يكون أساساً لمراوغة أو محاولة تصرف فيها اسهم سكة بغداد في إنكلترا، تلك الأسهم التي تتداعى في صناديق المصرف الألماني. ومن الواجب تصريفها لإكمال الأشغال في بر الأناضول (أي آسية الصغرى). فتدبر أن كنت من الأيقاظ. والسلام.
فوائد لغوية
فوائد لغوية البرميل والبتية 1. سألنا سائل: ما قولكم في كلمة برميل وهل هي عربية أم دخيلة وأن كانت أعجمية فهل جاء في معاجم لغتنا ما يقاربها معنى أو ما يصح أن يسد سدها؟ قلنا: كلمة برميل قلطية الأصل إلا أن العرب أخذوها عن الأسبانيين وهي فيها (بريل) بفتح الباء وتشديد الراء المكسورة كما في القلطية ثم حذفت الراء الأولى وعوض عنها بميم. والعرب تفعل ذلك في كثير من الألفاظ وتبدل من الميم نوناً. كما في أنجاص واصلها أجاص، وأنجار واصلها أجار، وبرنيطة وأصلها بريطة. ولا حاجة إلى إبدالها بكلمةٍ تسد مسدها. لأنها من المعربات القديمة. وكلما كان كذلك فالأحسن إبقاؤه على حاله. وقد ذكر الكلمة صاحب تاج العروس قال: البرميل بالكسر. وعاء من خشب يتخذ للخمر، جمعه براميل. اهـ. وقد وردت أيضاً في رحلة ابن بطوطة قال في 3: 235 من الطبعة الإفرنجية: (ويكون بأيدي الفتيان براميل الذهب والفضة مملوءة بماء الورد وماء الزهر) وقال في ص 385 ثم اخذ الحاجب وأصحابه براميل ماء الورد فصبوه على الناس.) وقد ذكرها غيره في كتبهم. وإذا كان البرميل كبيراً قيل له البتية بضم الباء والأشهر الأفصح بفتحها وبتشديد التاء المثناة الفوقية المكسورة وتشديد الياء التحتية المثناة وفي الآخر هاء. وتجمع على بتيات وبتاتي. وقد وردت في كتاب نزهة المشتاق في أخبار الآفاق للشريف الأدريسي (المتوفى سنة 575 م - 1180م) ووردت في كتاب ألف ليلة وليلة وفي كثير من الكتب والظاهر أن الكلمة دخيلة في العربية أيضاً لأن بني يعرب لم يعرفوا هذا الضرب من وعاء الخشب. وليس في أصول هذه الكلمة ما يحقق معناها العربي. فلم يبق إلا القول بأعجميتها. وهي بالآرامية (السريانية) (بتيتا) والألف تزداد عندهم في جميع الألفاظ تقريباً. وفسرها القس يعقوب اوجين منا في معجمه دليل الراغبين بقوله:
باب المشارفة والانتقاد
(بت، دن للخمر.) وعلى هذا يكون البت بمعنى البتية ويحتمل أن تكون اللفظة من الفارسية بدية أو بادية التي عربها العرب باطية وجمعوها على بواط. وبادية مشتقة من باده وهو الخمر بلسانهم فيكون معناها وعاء الخمر. والكلمة السريانية بتية وردت في تاريخ ابن العبري المتوفى في 30 تموز سنة 1286 م - 8 رجب 685 فالكلمة إذاً قديمة في كلتا اللغتين وقد عربت بصورتين في العربية بصورة باطية وبتية. على أني أراها من اصل لاتيني أي أو بمعناها ومنها صاغ الإفرنج كلمة بمعناها أيضاً وهي بالرومية وبالألمانية ومن ثم ترى أن هاتين اللفظتين قديمتان ولا يحق للمحدثين أن يقتلوهما ويميتوهما ولا سيما لأنهما شائعتان بين العوام والفصحاء. وأما أهل بغداد فأنهم يعرفون البرميل باسم (البيب) بباءين مثلثتين وكسر الأولى منهما واسكان الياء. وهي من التركية فيج أو فيجي أو فوجي بمعناها. وقد استعمل العرب أيضاً بمعنى البرميل لفظة الكندوج قالوا في كتب اللغة: الكندوج بالفتح ويضم شبه المخزن. وهي من الفارسية (كندو) بمعناها. ويريدون بها الجرة الكبيرة أو الحب تخزن فيها الحنطة وغيرها وفيها لغات وهي: كندو بفتح الكاف أو ضمها. وكندوج وكندوك وكندر وكندولة. هذا ما عن لنا. وهو فوق كل علم عليم. باب المشارفة والانتقاد 1 - الضرران الكبيران الضرران الأكبران هما المسكر والدخان. وقد كتب الدكتور سليمان الخوري عيسى من حمص رسالة فيهما فأجاد. وثمن النسخة غرش واحد. وهي في 48 صفحة. ويوخذ على صاحبها أنه طبع رسالته على كاغد سيئ ولم يصحح أغلاط الطبع التي وقعت فيه كما لم يعن في بعض المواطن بتنقيح العبارة وتخليصها من شوائب الركاكة واللحن. فالأمل أنها تصلح في طبعة ثانية. وهذا لا يمنع الناس من اقتنائها فأنها مفيدة لمن يتعاطى المسكر والدخان.
2 - كتاب اللؤلو المرتب، في أخبار البرامكة وآل مهلب إذا طبع أحد أبناء النجف أو كربلاء كتاباً زين صدره بألقاب المؤلف ويالها من ألقاب، كلها مفخمة معظمة مجسمة حتى تظن أنك تقع على اعظم كنز في الأرض. وإذا فتحت الكتاب وتصفحت ما جاء فيه ترجع عنه بما رجع به حنين. ومن جملة هذه الكتب هذا الذي قرأت عنوانه فويق هذه الكليمات. فقد نقش على صدره هذه الألفاظ. (تأليف العلامة الفهامة، السيد محمد رضا، نجل سيد العلماء الأعلام، السيد محمد علي الشاه عبد العظيمي نزيل النجف الأشرف.) اهـ والكتاب مطبوع في النجف بمطبعة العلوي. وقد وقع في 188 صفحة وقد جمع الكاتب فيه أخبار العلويين لاشتهارهم بالكرم وأخبار كرماء العرب من سوقة وأمراء وملوك. ثم أخبار المهالبة وهم الذين اشتهروا بجودهم في أيام الأمويين، ثم أخبار البرامكة الذي نبه ذكرهم في عهد العباسيين ثم ختم الكتاب ببعض أخبار البخلاء. - والكتاب سقيم الطبع، قد جمع فيه المؤلف الفصول كحاطب ليل ولم يذكر أسانيد نقله. ومع كل ذلك فلكونه ارصد الكتاب لهؤلاء المشاهير أصبح كتابه مما يحرص على اقتنائه. فعساه أن يجيد طبعه ويحبر عبارته ويصلح أغلاطه إذا أعاد نشره. 3 - الكتب الخطية العربية والأعجمية الموجودة في خزانة كتب شركة ترقية المباحث العلمية تأليف ج. ريبرا وم. آسن. وعنوانه بالأسبانية: - 1912. - 320 أن محبي الكتب العربية يظنون أن ديار مصر وحدها حفظت لنا كتب الأقدمين العربية في الديار المصرية اللسان والحال أن في ديار الأندلس مواطن العرب في سابق العهد تآليف شتى منها هذه التي ارصد لها الأديبان ج. ريبرا وآسن مجلداً وصفا فيه كتباً وجدت على الطريقة الآتية: بينما كان البناءون يشتغلون في سنة 1884 في بيت من بيوت مدينة مناقد من أعمال المنية على بعد 30 كيلومتراً من الجنوب الغربي من سرقسطة عثروا على بضع مئات من
الكتب الخطية كانت قد خزنت هناك منذ ثلاثة أو أربعة قرون بين جدار وحاجز من الآجر. واغلبها مكتوب بالحرف العربي. أما محتوياتها فصكوك وحجج ومؤلفات. والبعض الآخر كتب مترجمة إلى اللغة القسطيلية، لكنها مكتوبة بحروف عربية وهم يسمون هذا النوع من التأليف والكتابة اللغة الأعجمية والظاهر من تصفح ما هناك من الأوراق أن تلك المكتبة كانت لتجار من مسلمي الأندلس وقد أخفوها بعيد تقلص ظل العرب من بلاد اراغونية. ولعلهم فعلوا ذلك ظناً منهم أنهم يعودون إليها بعد قليل فيخرجونها من محلها. وهذه الكتب من بعد أن أخرجت أهمل شأنها وتركت ألعوبة بيد هذا وذاك ثم اقتناها أحد الأسبانيين اسمه بابلو جيل ثم اشترتها (شركة ترقية المباحث العلمية) وهي الموصوفة في هذا المجلد. وأول من عنى بوصفها طلبة الشيخين المستشرقين: ريبرا وآسن ثم أعادا النظر فيها وطبعاها. وعدد المخطوطات 63 ثم يأتي بعدها وصف أوراق جليلة قديمة كانت قد جلدت بها الكتب. وليس بين هذه الكتب شيء يستحق الذكر أو نادر الوجود لأن اغلبها دينية أو فقهية أو مواعظ أو حكايات أو لغوية وقد وضع المؤلفان 18 صورة خط منقولة عن الأصل وقد كتب الأصل في سنة 435هـ (1043م). وقد نشر الأديب آسن كراسة أخرى وصف فيها المخطوطات الموجودة في (جبل غرناطة المقدس) وهو في 30 صفحة بقطع الثمن طبع في غرناطة سنة 1912 وفيها كتب فلسفية وعلمية وفقهية وطبية وتنجيمية إلى آخر ما هناك. واسم الكتاب بالأسبانية: 1912. ومما يستحسن في هذين الكتابين أن الكاتبين جريا في تعريف الكتب المخطوطة على طريقة في غاية الحسن وهي انهما يذكران 1 - اسم الكتاب وعنوانه. 2 - صاحبه. 3 - مبداه. 4 - موضوعه. 5 - عصر كتابته. 6 - نهايته 7 - وصفه المادي من طول وعرض وكاغد وحبر وعدد الأسطر 8 - معارضته مع
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
سائر الكتب المؤلفة في هذا البحث. فعسى أن يحذو حذوهما كل من يتعرض لوصف خطوط دور الكتب والله الموفق. 4 - مختصر تاريخ الإسلام تأليف السيد صدر الدين الصدر. الجزء الأول من القسم الأول. يشتمل على سيرة النبي (ص) وتاريخ الدولة الأولى من دول الإسلام. طبع بمطبعة الآداب في بغداد. قيمة النسخة 4 غروش صاغ. وهو في 126 صفحة صغيرة. قال المؤلف في المقدمة: (وجعلته في ثلاثة أقسام ابتدائي، رشدي، إعدادي (كذا) بحسب ترتيب المدارس. وكل قسم ثلاثة أجزاء (الجزء الأول) سيرة النبي (ص) والدولة الأولى من دول الإسلام. (الثاني) في تاريخ الدولة الأموية العباسية. (الثالث) في تاريخ الدولة العثمانية والصفوية والقاجارية ومن عاصرهم (أي ومن عاصرها) من دول الإسلام. وسميته مختصر تاريخ الإسلام ومن الله التوفيق.) هذا الكتاب حسن التبويب، واضح التقسيم، سهل المطالعة إلا أن كثرة الأغلاط واللحن تشوه محاسنه حتى تكاد تطمسها. وفي الصفحات العشر الأولى بعض الآراء التي لا يوافقه عليها كتاب العصر ومؤرخوه. فكان الأجدر بالمؤلف أن يعتمدهم لانتهاء البحث إليهم. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - سفر طلبة المكتب الملكي العسكري إلى الأستانة سافر مساء يوم السبت 10 آب 54 تلميذاً من طلبة الإعدادي العسكري متوجهين إلى الأستانة إتماماً لدروسهم في المكتب الحربي فنتمنى لهم سفراً ميموناً! 2 - جسر القرارة تم تعمير جسر القرارة على يد ملتزمه لمدة خمسة أعوام. وفي يوم الاثني
ن 13 آب جرى رسم افتتاحه ومر عليه الناس بفرح لا يوصف. 3 - سفر جمال بك والي الولاية استعفى والينا عند انقلاب الوزارة فقبل استعفاؤه وفي عصر السبت 17 آب سافر على طريق حلب وقد شيعه الأصدقاء من جميع الطبقات. أوصله الله إلى موطنه سليماً معافىً وقد دامت أيام ولايته نحو سنةً. وهذا دليل على حسن إدارته ودرايته إذ قل من يسوس ولاية في هذا العصر وتطول مدته هذا الطول. 4 - قبائل الأعراب في العراق اقتضت العيشة في هذه السنة أن ينتقل اغلب الأعراب إلى ديار العراق فسعت الحكومة لتحصيل الرسوم الأميرية وعينت الولاية لهذه الغاية الآمر إسماعيل حقي بك البيكباشي (قائد الطابور) 5 - ابن الرشيد وابن مجلاد رفع الأمير ابن الرشيد رقيعة إلى والي ولاية بغداد متظلماً من جور ابن مجلاد ونهبه ما يزيد على 800 بعير. فلما حضر ابن مجلاد في دار الحكومة وعد الوالي بأنه يرضي ابن الرشيد بالتي هي احسن. فلما صار في عشيرته عين القائد الكبير (الديدب) في 200 هجان ليغير على عشائر ابن الرشيد من شمر وغيرها. ولا نعلم نتيجة هذه الغارة. 6 - اشتداد الحر في بغداد اشتد الحر في الأسبوعين الأولين من آب حتى بلغ معظمه الدرجة 46 في الظل. وقد مات عدة أطفال من اجل ذلك. 7 - حريق في البغيلة شبت النار في موافي علوان البناء (أي في كوره أو اتانينه) يوم الجمعة 16 آب فأطفئت بهمة رئيس بلديتها. فلم يحدث منها ضرر عظيم. 8 - إنشاء شعبة بريد في البغيلة أنشئت شعبة بريد فيها وأودعت إلى عهدة وكيل الإدارة النهرية فيها وأخذت المبعوثات بان تصل إليها رأساً بعد أن كانت تذهب إلى كوت الأمارة ومنها إلى البغيلة.
9 - دعوى الرياض كان صاحب الرياض سليمان أفندي الدخيل ادرج قصيدة في جريدته من نظم محمد أفندي الهاشمي ومن جملة أبياتها ما يأتي: كيف السرور في إيران قد عبثت ... أيدي الطغاة وقد خنيت بها الذمم (كذا) في أرض طوس وفي تبريز قد ثمدنا (كذا) ... ملك الأعادي عيون الغيد تنسجم بتونس أمة الإسلام قد ظلمت ... وفي الجزائر دين الله يهتضم وكم يقاسون في القفقاس من وجلٍ ... وكم اسيسوا بذل شابه ألم (كذا) (يا قيصر الروس ثل الله عرشك هل ... علمت منقلب الظلام إذ ظلموا) فأقامت الحكومة المحلية الدعوى على صاحب الصحيفة لدرجه مثل هذه الآبيات التي لا فائدة من ورائها سوى إزعاج النفوس. ثم حكمت عليه، وعلى ناظم القصيدة بأن يسجنا ثلاثة أشهر. 10 - ظهور المقتبسين ظهر المقتبسان اليومي والشهري. أما اليومي وهو الجريدة فيصدر في دمشق الشام كما كان يصدر في السابق. وأما الشهري وهو المجلة فيبرز بحلته الموشاة في مصر القاهرة فنرحب بهما ونتمنى لهما الحياة الطويلة. 11 - الكهربائية في قصر الشيخ خزعل في المحمرة أن الشيخ خزعل من الأمراء الذين يحبون القصور العامرة البديعة وقد ابتنى له عدة قصور في حاضرته المحمرة. ومن جملتها القصر الفاخر المعروف بقصر الفيلية وهو على بعد نحو 400 متر من المحمرة. وقد ادخل فيه الكهربائية في جميع حجره ومقاصيره فهو يتلألأ ليلاً منذ شهر آب تلألواً يأخذ بمجامع القلوب. فنتمنى لساكنه الراحة وهناء العيش! 12 - الأمير ابن السعود غزا عبد العزيز باشا السعود عشائر العجمان وعتبة بين الاحساء وقطر وأدبهم احسن تأديب ثم رجع إلى محل إمارته. 13 - وجوه أهل العمارة تبرع أهل لواء العمارة من توابع ولاية البصرة بمبلغ 1500 ليرة عثمانية منها 1200 ليرة ثمن مطيرة باسم (العمارة) و250 لجمعية الهلال الأحمر و50 ليرة للبطلين الأولين اللذين الحقا ضرراً بالأسطول الإيطالي في هجومه الأول على الدردنيل.
مفردات عوام العراق
14 - عجيمي بك السعدون أغار عجيمي بك السعدون على عشيرة الخرسان بالقرب من الرافضية ونهب مواشيها وبيوتها. 15 - الحصبة لا زالت الحصبة تفتك في أطفال النصارى في مدة هذه الصيفة وكان يموت منهم في الأسبوع أربعة من باب التقدير المعدل. وفي آخر هذا الشهر الماضي خفت وطأته. وكان اغلب المتوفين أناثاً. 16 - حريق في العمارة في 9 أيلول شبت النار في العمارة فأكلت صرائف عديدة (الصرائف الأكواخ تبنى من البواري أو السعف) للأعراب وأحرقت ثلاث بناتٍ. ويقال أنها أتلفت رجلاً أيضاً. 17 - الممكس (الكمرك) الجديد لا زالت شركة حديد بغداد في رأيها الأول من إنشاء ممكس كبير تبلغ نفقاته 140 ألف ليرة عثمانية يكون نصفها من الحكومة والنصف الأخر من الشركة المذكورة ويغلب الظن أن هذه الدار تبنى في الكرخ قرب السن. 18 - وفاة احمد شاكر أفندي الآلوسي نعى البرق نهار الخميس 19 أيلول وفاة العالم الفاضل احمد شاكر أفندي الآلوسي، عضو مجلس المعارف الكبير في الأستانة، وذلك عن نحو70 عاماً. فنحن نشاطر الأسى أسرة الآلوسي كلها ونخص بالذكر أبنه درويش أفندي وسائر اخوته. ألهمهم الله الصبر والسلوان! مفردات عوام العراق آدمي هذه الكلمة إذا أضيفت إلى ضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب جاءت بمعنى الخادم والأجير. فيقال: آدميك وآدميه وآدمي. بمعنى خادمه أو أجيره أو مستخدمي آدميانه وآدمية وآدملغية بمعنى مروءة وإنسانية كثيرة الورود على ألسنتهم.
آديو هي الكلمة الافرنسية ومعناها الحرفي (إلى الله) وتستعمل عند الإفرنج بمعنى (الوداع، أو كن معافى، أو حفظك الله). وآديو محصورة الاستعمال في الطبقة المتفرنجة من الشبان. آب وهواء لفظتان مركبتان من فارسية وعربية وهما بحكم الكلمة الواحدة ومعناها (ماء وهواء) ويراد بهما بالفارسية المناخ الطيب. ويطلقهما بعض العراقيين للدلالة على البلدة الحسنة المنظر الطيبة البقعة. آرا فارسية معناها المزين والمزخرف وتجمعها العامة على آرات وتريد بها نوعا من الكشكش أو الخرج أو المخرم تزين به ثيابهن من فساطين وغيرها من ملبوساتهن آذان الفار كناية عامية يشار بها إلى من يكون دقيق السمع كأن آذانه آذان الفار. فيقال: لفلان آذان الفار أي دقيق السمع. والظاهر أن استعمال العامة لهذه الكناية مأخوذ من مشاهدتهم ما للفأر من الحذر والتيقظ والاحتراز التام. لأن أدنى صوت يفزعه ويلجئه إلى دخول وكره. أما آذان الفار في اللغة الفصحى فهي ضرب من النبات إذا فرك فاح منه رائحة القثاء ويعرف عند علماء النبات باسم أو آزيل أفرنسية معناها الملجأ ويراد بها كتاب الصغار للبنين والبنات وقد تأسس في بغداد عام 1880. تقوم بإدارته الراهبات الدومينيكات وهو بمثابة - أي حديقة الأطفال التي أنشأها الفاضل فريدرك ويلهلم فروبيل في جرمانيا سنة 1826م آكلة افرنكية اليهود والنصارى يقولون ايكلي افرنكيي يريدون بذلك داء السرطان وهي لفظة تقوم مقام الدعاء بالشر على من يؤذي صاحبه أو يتعدى على غيره ويهضم حقوقه. رزوق عيسى
العدد 17
العدد 17 - بتاريخ: 01 - 11 - 1912 نبذة من عادات العراقيين المسلمين 1 - كلمة في عاداتهم العراقيون من أسرع الناس إلى التقليد، وأكثرهم انهماكاً بكل شيء جديد، وأشدهم استمساكاً بعاداتهم وآدابهم وأخلاقهم ولا أبالغ إذا قلت أن ليس من قوة موجودة فوق الأرض (غير الله) قادرة على تغييرها أو إبدالها بأحسن منها. سرح طائر نظرك في أرجاء العراق وانعم النظر في أحوال قطانه وعاداتهم وتفقد شؤونهم وحركاتهم وسكناتهم، وراقب احتفالاتهم ومجتمعاتهم، وتدبر مسامراتهم ومحادثاتهم، وانقدها نقد الصيرفي الماهر للدرهم والدينار تجدها لأول وهلة لا تختلف كثيراً عما كان عليه آبائهم في سالف القرون، بل لتجدن أطوارهم وعاداتهم التي هم عليها الآن تنطبق تمام الانطباق على وصف الباحثين والأَثريين والسياح لسكان هذه البلاد قبل مئات من السنين، وأنك لا ترى فرقاً كبيراً بينهم وبين أسلافهم سواء كان في العادات أو الآداب أو الأخلاق إذ أن هذه البلاد قد
استعمرتها أمم عديدة واحتلتها دول كبيرة فلم تؤثر فيهم كثرة اختلاطهم بالأمم والشعوب، لا بل لم تغير شيئاً من عاداتهم اللهم ألا بعض أمور طفيفة لا يعتد بها لعدم شمولها جميع قطان القطر العراقي وهو أمر يدلك على شدة تمسكهم بها ويثبت لك ذلك. بيد أنك بينما تراهم شديدي التمسك بتلك العادات ضارة كانت أم نافعة؟ مخالفة لآداب الديانات أم موافقة لها، تجدهم أسرع الناس تبدلاً وتقليداً للأمم في كل شيء غريب في أزيائهم وقيامهم وقعودهم وأكلهم وشربهم. ويظهر ذلك لكل من جاءَ بغداد قبل عشر سنوات ولاحظ ما كان عليه أهلوها من السذاجة والبداوة ثم غادرها وقدمها ثانيةً رآها اليوم قد لبست حلة من حلل التمدن، وعلى قطانها من الأزياء الغريبة والأطوار العجيبة ما لم يكن العراقيون يعرفونه سابقاً وكثيراً ما كانوا يستهجنونها ويقبحون من جرى عليها أو استحسنها ولا ريب أنك لو حولت الوجه نحو هذه البلدة قبل إعلان الدستور وتدبرت أزياء العراقيين لوجدت فيهم مميزات فارقة بين اليهودي والمسيحي والمسلم إذ كان لكل علامات أو خصائص تدل عليه. ولو نظرت نظرة في أسواقها الطويلة العريضة وشوارعها وأزقتها لما رأَيت نصرانياً لابساً البرنيطة ألا المستخدمين في الوكالات والمحلات التجارية الكبرى ممن جابوا بلاد أوربا ونشئُوا في أحضان أساتذة كلياتها وتغذوا بلبان علومها ومعارفها. ولما رأَيت يهودياً لابساً الملابس الإفرنجية على ما هو عليه الآن ألا ما قل وندر، ولما رأيت مسلماً لابساً الطربوش ومتزيياً بالزيّ التركيّ أو الإفرنجي ألا الموظفين في خدمة
الحكومة بل لرأيت أكثرهم ولا أقول كلهم على ما كان عليه آباؤهم متمسكين بالملابس العربية وهي لبس العباءَة والعمامة والعقال، فكنت إذا دخلت أسواق بغداد في هاتيك الأزمنة تصورت انك في القرون الوسطى وتجلت لك البداوة والسذاجة بأَجلى مظاهرها وأبهى مناظرها. فلما أعلن الدستور واحتكت الأمة العراقية بالنزالة الأوربية سرعان ما قلدوهم في ملبسهم ومأَكلهم ومشربهم حتى انك اليوم لتعجب كل العجب من هذا التقليد الغير المنتظر وظهر لك الفرق بين الزمانين، ولكن هل ظهر الفرق في عاداتهم وأخلاقهم كما ظهر في أزيائهم وملابسهم؟ كلا، ثم كلا، فأن هاتيك العادات قد استحكمت عراها بمرور الزمن وقوة الاستمرار فتوطدت أركانها، وازداد القوم تمسكاً بها مع وجود طبقة من النابتة الحديثة تحاربها بكل قواها وتنشر الفضيلة بين السكان وتبين لهم أضرار هذه العادات المستهجنة التي ربما قضت على البقية الباقية من أخلاقهم النبيلة، وصفاتهم الجليلة فتقذف بهم من حالق إلى مهاوي الهلاك والدمار. أنا لا أريد بمقالتي هذه أن أحارب عادات العراقيين وأندد بالمتمسكين بها إذ أن ذلك يحتاج إلى وقت غير هذا الوقت، وقت يعرف فيه الشعب حقيقة الحياة ووظائفه في هذا المعترك ويعي بل ويتدبر ما يقال له. ومن العبث أن يريد رجل عاجز مثلي القضاء على عادات أمة كبيرة، كأُمة العراق بمقالة أو مقالتين أو ثلاث وهي قد استحكمت فيهم منذ عدة قرون
وقويت شوكتها وغرست في قلوبهم واستفحل شأنها بينهم حتى عدا أكثرها في عداد العادات الدينية ولا أغالي إذا قلت انهم يهتمون بها اكثر من اهتمامهم بأَمر الدين ولا ريب أن ذلك عبء ثقيل لا أطيق حمله. بل ادع ذلك لعظماء الرجال الذين يعرفون كيف يهذبون أخلاق الشعوب ويجعلونها خالصة نقية من كل شائبةٍ خرافيةٍ من حيث لا تدري ولا تشعر بيد أن الذي أريد أن اسطره على صفحات هذه المجلة الغراء هو ما وقفت على نبذ من عادات العراقيين في أفراحهم وأحزانهم واحتفالاتهم العمومية والخصوصية وطربهم وانسهم وحدسهم وتخمينهم ليظهر لدى القارئ النبيه ما وصلت إليه حالة سكان العراق من التأَخر والانحطاط في تمسكهم بعادات خرافية ومعتقدات ما انزل الله بها من سلطان حتى انهم يضاهون بها برابرة أفريقيا وقطان منغوليا في خرافاتهم التي قتلت كل شعور وأماتت كل إحساس وأدراك. 2 - عادات اعتقادية 1 - (جنبر سوري) هذه الكلمة محرفة عن جهار شنبه سوري، ومعناها عيد نهار الأربعاء إذ أن الفرس يزعمون بوجود أربعاء واحد نحس
وسائر الأربعاوات أربعاوات سعد ولهذا يطربون يتنزهون فيه طرداً للنحس والشؤم. وهو اجتماع عام يستحضر فيه آلات الأنس والطرب ويختلط فيه الرجال والنساء، ويكون ذلك عصر آخر يوم الأربعاء من صفر في كل سنة فيخرج فيه الأهالي من رجال ونساء وبنات وبنين بالزينة الكاملة إلى موقع خارج البلدة محفوف بالأزهار والأوراد حيث يكون العشب قد زاد الأرض رونقاً ونضارة وكساها حلة خضراء من حلل الطبيعة البهجة، فلا تسمع في ذلك الوقت ألا نغمة عود وغناء مغنٍ وطرب مطرب وهكذا يبقون حتى غروب الشمس فيعودون إلى منازلهم فرحين جذلين مستبشرين وقد علمت أن السبب لهذا الاحتفال الذي جعله العراقيون عادة من عاداتهم المفروض إجراؤها هو اعتقادهم بأَن شهر صفر شهر نحوس وويلات تكثر فيه النوائب وتزداد فيه الكوارث والمصائب وكذلك اعتقادهم بأَن يوم الأربعاء من انحس الأيام وهو عادة من عادات العرب الأقدمين أخذوها عن الفرس أو المجوس فكأَنهم بهذا الأنس والطرب وهذا الاحتفال الذي يقيمونه كل عام ينزعون من أنفسهم رداء الشرور تفاؤلاً. وقد بلغت السخافة ببعض الناس انهم في يوم الأربعاء لا يذهبون إلى حمام ولا يحلقون رؤوسهم ولا يغسلون ملابسهم لنحسه ويستدلون على ذلك بأن اليوم الذي أخذت فيه الريح الصرصر قوم عاد هو يوم الأربعاء وهو اعتقاد اكثر المنجمين بيد أننا لو حسبنا أن كل يوم تحدث فيه نائبة أو كارثة
نحس لكانت كل الأيام منحوسة لأنه لا يخلو يوم من كارثة وقعت أو تقع فيه. 2 - (الصوم الخرساني) من العادات التي فشت بين العراقيين فشواً كبيراً الصوم الخراساني. وهو صوم من شروق الشمس حتى نصف النهار تصومه كل أنثى بلغت الحلم صوماً عن التكلم في هذه المدة وإذا احتاجت إلى التكلم تكلمت بإشارات تدل على مطلوبها ومرادها ويكون ذلك في أول يوم الأحد من شهر شعبان في كل سنة، وقد جاء ذكر هذا الصوم في سورة مريم على لسان السيدة مريم عليها السلام وهو (وقولي أني نذرت للرحمن صوماً فلن اكلم اليوم انسياً) ألا أن الدين الإسلامي لم يأمر المتدينين به بوجوب صيامه فهو إذا بدعة منكرة. 3 - (صوم زكريا) هو صوم خاص بنساء العراق المسلمات وذلك بأن تمسك المرأَة نفسها عن الأكل والشرب وكل ما يفسد الصوم من شروق الشمس إلى الغروب. وعند الغروب يجري احتفال شائق في كل بيت من بيوت المسلمين يجتمع فيه أهل البيت فيمدون الموائد وعليها صنوف الأطعمة والأشربة وكل ما تشتهيه النفس وتلذ لمرآه العين. ويضعون بجانب مائدة الطعام مائدة أخرى في وسطها صحن مملوء (حناء) محاط بإبريق وتُنك (جمع تُنكة وهي الكوز بلسان أهل العراق والكلمة فارسية الأصل بمعناها) على عدد ما في البيت من الأنفس فيخصصون بكل ذكر إبريقاً وبكل أنثى تُنكة ويحيطونها بشموع ويضعون في أفواه الابارقة والتنك باقات الزهور ويكللونها بورق الليمون والبرتقال والياسمين، وعندما تغرب
الشمس ويجيء وقت الإفطار تجتمع العشيرة على المائدة المشحونة بكل أنواع الطعام، وعندها يقرا أحد العارفين بأصول القراءة سورة من سور القرآن وتكون على الأغلب سورة مريم برمتها وبعد ذلك يفطرون أولاً على خبز من الشعير وماء البئر وباقات من الكراث والكرفس وبعدها يتناولون ما يشتهون وتجري العامة على هذه العادة في الأحد الأول من شهر شعبان من كل سنة. 4 - (صوم البنات) وهو صوم تصومه كل أنثى مسلمة بلغت سن الرشد وذلك في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب في كل سنة، وهذه العادة على ما كنت أظن خاصة ببنات الكرخ لأني لم أر لذلك أثراً في جانب الرصافة ألا أني قد سمعت من بعض الأصدقاء أنها شاملة لجميع صبيات بغداد. وهن يستعددن لهذا الأمر قبل شهر أو شهرين من شراء الألبسة الفاخرة وأدوات الزينة وفي 27 رجب من كل سنة تذهب بنات الكرخ بزينتهن إلى مسجد إمام بجانب الكرخ يعرف (بإمام حبيب العجمي) فيفتحن المسجد ويدخلن الضريح ويطفن حوله من جهاته الأربع وبأيديهن الشموع ويترنمن بهذه العبارة (جئنا نزوك يا حبيب العجمي
شمعة بطولك يا حبيب العجمي). وأما بنات الرصافة فيذهبن على ما بلغني من أحدهم إلى الشيخ الخلاني بالقرب من تربة الشيخ عبد القادر الحبيلي. وبعضهن يخرجن إلى خارج البلدة إلى مسجد الشيخ عمر السهروردي ولم احفظ ترنماتهن لكثرتها واختلاف بعضها عن بعض. 5 - (حادثة الكسوف) عندما تكسف الشمس أو يخسف القمر يصعد اكثر عامة المسلمين إلى سطوح دورهم فيطلقون الرصاص في الفضاء ويضربون على الطوس وعلى كل شيء له رنة عالية ودوي مخيف وينشدون في خلال ذلك الموقف هذه الكلمات: يا حوتة يا المنحوتة طلعي قمرنا العالي (وإن كان ما طلعتيه) نضربك بالجاقوجه وهم يعتقدون أن منشأ هذا الخسوف والكسوف التقام الحوت للشمس أو للقمر فهم بهذا الصراخ والصياح وهذا الدوي يريدون إرهابه لتخليصهما منه وذلك لاعتقادهم بأَن في السماء بحراً يسمى (بحر القدرة) وفيه مثل هذا الحوت الكبير الذي يبتلع الشمس والقمر برمتهما، يا للسخافة والحماقة! 6 - (إطلاق الرصاص في الفضاء) قد اعتاد العراقيون عادة من اقبح العادات وأظنها من عادات الجاهلية التي بقي العراقيون عاكفين عليها كما عكفوا على غيرها من العادات الذميمة المنافية لروح المدنية، والمشوهة لصفات الإنسانية، وهي أنهم يطلقون الرصاص في الهواء بعد غروب الشمس عند
رؤيتهم هلال صفر. وربما يكسرون الأكواز وكل شيء له دوي ويعللون ذلك بأن شهر صفر شهر مشؤوم تتوالى فيه الرزايا على العباد فيطلقون بنادقهم لإرهابه ولطرد الشرور. ولهم غير ذلك من السخافات كلها من هذا القبيل وكذلك يفعلون في آخر ليلة منه. 7 - (كربة عليها شمعة) ومن عادات العراقيين المتمسكين بها تمسكاً شديداً والتي توارثها الأبناء عن الآباء وهؤلاء عن الأجداد هو أن المريض إذا ثقل عليه مرضه وأراد أهله معرفة نتيجة المرض من ثقيلة أو خفيفة يأتون بكربة عليها شمعة مشعولة يسيرونها على دجلة فإذا توارت عن الأنظار ولم يصادفها شيء يعيقها عن سيرها أو يذهب بضيائها علم أن شفاء المريض محقق لا محالة! وتباشر أهله بذلك أما إذا صادفها عارض قبل تواريها عن الأبصار أو انطفأ ضياؤها علم أهل المريض إنه ميت لا محالة! وعندئذٍ يعلو الصراخ ويزداد العويل والنحيب وربما مات المريض لساعته من كثرة الصراخ ومن يأسه من الشفاء. وهذه التجربة لا تكون إلا في ليلة الجمعة. 8 - (القعود في الطرق) قد اعتادت نسوة العراق المسلمات القعود في الطرق ليلة الجمعة قرب الساعة الواحدة والنصف شرقية وذلك أن المرأة
إذا كان زوجها غائباً وانقطعت عنها أخباره وأرادت معرفة ما إذا كان مجيئه قريباً أو بعيداً أو ما هو عليه من صحة وسقم أو خير وشراً وإذا لم يكن زوجها غائباً ولها مريض وأرادت معرفة ما إذا كان شفاؤه مرجواً أم لا، وغير ذلك من معرفة المجهولات تقعد على مفرق ثلاث طرق وتقبض بيدها على ثلاثة أحجار فترمي واحداً منها على الطريق الذي عن يمينها والثاني على الذي عن يسارها والثالث على الجهة القبلية وتقول هذه الكلمات (يا خيرة الدرب علميني ما في القلب زينة تبينين شينة تبينين) وبعده تقعد صامتةً تراقب ما يقوله الآتون والذاهبون فإذا سمعت كلاماً منهم تعتقد فيه الخير استبشرت وفرحت وإذا كان شراً حزنت واكتأبت وكذلك شأن الجاهلين. 9 - (خيط الحمى) قد اعتاد العراقيون عادة تضحك الثكلى وتدل على سخافة في العقول وسذاجة في الأفكار وهي أن كل من تعتريه الحمى يأخذ أهلوه خيطاً من القطن ويذهبون به إلى باب أحد الجوامع في ليلة الجمعة قبل صلاة العشاء فيقبض أحدهم على طرف منه والآخر على الطرف الثاني ويمدونه على الباب ليكون بمنزلة مانع للداخل ويبقون كذلك إلى أن يخرج المصلون من الصلوة وعند ذلك يقطعه أو الخارجين من الجامع فيعتقد إذ ذاك أهل المريض أن الحمى قد انقطعت عن مريضهم وانتقلت إلى قاطع ذلك الخيط! إلى هذا الحد بلغت الخفة والسخافة بالعراقيين وكانوا
الماليسور
في ما سلف أساتذة العالم ومهذبي أخلاق الشعوب وهكذا يكون الجهل فإنه كقدح السم من شرب منه أودى به. إبراهيم حلمي الماليسور 1 - مدخل البحث كثر الكلام في هذه الأيام عن الماليسور أو الماليصور) وإذا أردت أن تعرف من أمرهم شيئاً لا تكاد تقع عليه في كتبنا العربية حتى ولا في كتب البلدان أو التاريخ ولهذا كتبنا هذه الأسطر ليقف على حقيقتهم من يهمه هذا الأمر. 2 - تعريفهم الماليصور من قبائل الارناؤوط أو الألبانيين معروفة بشراستها وشدة أخلاقها وتعلقها المفرط بالحرب والصيد والاستقلال والاستبداد وأخذ الثار من الأعداء. وبلادهم واقعة في أقصى تركية أوربة من بعض جهتها الغربية على البحر الادرياتيكي. 3 - عددهم وقبائلهم وألويتهم يبلغ عددهم اليوم 51. 000 لا غير. فيهم 15400 مسلم و220 رومياً أرثوذكسياً والباقي أي 35. 880 هم نصارى كاثوليك فيكون الثلثان منهم كاثوليكياً والثلث الآخر مسلمين. وهم يقسمون إلى عدة أفخاذ أو عشائر أشهرها الحطية والاكليمنتية والكسترانية وهناك غير هذه الأفخاذ وهي هذه بأسمائها وأقسام ألويتها وعدد نفوسها:
1 - بيرق أو لواء الحطية ويقسم إلى لواءين صغيرين. عدة بيوتهما 500 وعدد أفرادهما 4. 500 فيهم 50 مسلماً و. 550 كاثوليكياً. 2 - لواء غرودة ويقسم إلى لواءين صغيرين. عدد بيوتهما 400 وعدد أفرادهما 3. 400 نصفهم مسلمون والنصف الآخر كاثوليك. 3 - لواء الاكليمنتية وتحته أربعة ألوية صغيرة وهي عبارة عن 740 بيتاً و6. 050 شخصاً منهم 200 مسلم و5. 850 كاثوليكياً. 4 - لواء الغسترانية وهو لواء واحد تحته 450 بيتاً وعدد المستظلين به 3. 700 شخصٍ فيهم 570 مسلماً والبقية أي 1. 130 هم كاثوليك. 5 - لواء الاشكريلية وهو لواء واحد عبارة عن 550 أسرةً أو 5. 350 شخصاً فيهم 750 مسلماً و4. 600 كاثوليكيٍ. 6 - لواء الرج واللوغة وهو لواء واحد يظل 310 بيوت أو 2. 950 شخصاً فيهم 2. 130 مسلماً و820 كاثوليكياً. 7 - لواء الرنجة وهو عبارة عن فخذ واحد يسمي نفسه رفي بس ملاول (أي الجبال الخمسة) وهو لواء واحد يظلل 470 بيتاً أو 3. 125 شخصاً فيهم 2. 785 مسلماً و680 كاثوليكياً و660 أرثوذكسياً. 8 - لواء بستريبة وهو يتفرع إلى ثلاثة ألوية صغيرة يستظل بها 400 بيتٍ أو 3. 040 شخصاً. فيهم 2. 590 مسلماً و450 كاثوليكياً. 9 - لواء تمال وشيشلك ويتفرع إلى لواءين صغيرين هما عبارة عن 440 بيتاً أو 3. 680 شخصاً كلهم كاثوليك. 10 - قبيلة المردة أو المرديت ولها ست ألوية وعدد بيوتها 1. 030 وعدد
شروين
أفرادها 7500 وهم كلهم كاثوليك. 4 - نظرة عامة فيهم وفي تاريخهم هؤلاء الناس من أشجع الخلق وأبطشهم عرفوا في كل عصر بشجاعتهم وبسالتهم ومنهم خرج أبطال الدولة العثمانية. فهم يصبرون على الأتعاب والمشقات صبراً جميلا. ويرجعون في العنصر إلى الارناؤوط أو الألبانيين المشهورين في التاريخ. خضع هؤلاء الأقوام لملوك أبيرة ثم لمقدونية وللرومانيين ولقياصرة الروم. ومنذ القرن الحادي عشر شن الغارة على بلادهم نرمنديو نابلي والبنادقة والمجريون وأنشأوا في تلك البلاد ممالك صغيرة. ثم دخل الترك ديارهم سنة 1435 فأجلاهم عنها اسكندر بك الشهير سنة 1444 ثم ما أبطأوا أن عادوا إليها وقبضوا على عنانها. ومع كل ذلك لا يمكن أن يقال أن هؤلاء الأقوام خضعوا أتم الخضوع للأجانب. ولهذا فإن الدولة تنظر إليهم بتروٍ قبل أن تعاديها أو تهجم عليها. وأمرهم اليوم مشهور وفي الجرائد مذكور. والسلام شروين شروين: (بكسر الشين المعجمة وسكون الراء المهملة وكسر الواو وسكون الياء المثناة التحتية بعدها نون) نهر يخرج من ديالى ويمتد إلى الغرب منها. طوله من مخرجه الحالي إلى منتهاه نحو أربع ساعات ونصف، ومخرجه الآن من شرقي قرية المنصورية، على مسافة (400) خطوة منها، وقد كان
مخرجه القديم في الغرب الجنوبي من هذه القرية على مسافة (80) خطوة من بساتينها، فأهمله مستأجر النهر شارود أفندي (من آل مهدي السعد، وهم رؤساء قرية الهويدر إحدى قرى جلولاء) وأخرج له مخرجاً ثانياً من بين بساتين قرية المنصورية ثم تركه قبل 3 سنوات لقلة ما كان يجريه من الماء وأخرج له المخرج الحالي وهو غير منحوت في جبل ولا مبنية فوهته بشيء، وليس له باب بل يسد عند الحاجة بالأحطاب وصغار الحصى أما عرضه فهو متران ونصف، وعمقه ثلاثة أمتار، وعلى مسافة ساعة ونصف من مخرجه عبارة (أي بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة التحتية، يليها ألف بعدها راء مهملة وفي الآخر هاء) يعبر النهر عليها من فوق مجرى الخالص ويتعداه إلى الجانب الجنوبي منه، وهذه العبارة تبعد عن مخرج النهر مسافة ساعة ونصف إلى غربيه وعن مخرج الخالص مسافة ساعة واحدة وهو إلى شرقيها، وعن مركز ناحية دلي عباس مسافة ساعة وربع وهو إلى غربيها، والعبارة قنطرة يجري الماء على ظهرها، طولها 17 متراً وعرضها متران ونصف، وكانت قديماً مبنية بالطاباق والكلس فقط، فجدد بناءها قبل 3 سنوات سعادة عبد القادر باشا الخضيري وجعل للمجرى الذي على ظهر قنطرة العبارة أنبوباً من الحديد، مؤلفاً من عدة قطع متماسكة ركبها على البناء على طول قنطرة العبارة، وعلو المجرى متر واحد فقط. وليس على نهر شروين من مخرجه إلى عبارته شيء من المزارع سوى
ستة كرود (جمع كرد بفتح الكاف) يتولى زراعتها جماعة من الجبور، وهي واقعة بين مجرى نهر المنصوري وبين الخالص، فيجري شروين بينهما إلى أن ينتهي في جريه إلى العبارة، فيعبر الخالص ومن هناك يبتدئ بسقي المزارع إلى أن ينتهي إلى أراضي نهر الوشاع (وزان وشاح وهو أحد أنهر الخالص) وطوله من العبارة إلى منتهاه مسافة 3 ساعات وزراعته الآن نحو 200 فدان، وزراعته من خمس قبائل: (الأولى العزة) ولها هناك رئيسان معلى بن ساهي وأحمد بن علي الشلغيم. (الثانية الجبور) ورؤساؤها عطية بن عبد الله وحسين المحمد وحمادي الحسين وخلف العياش وآخر يقال إنه كردي الأصل اسمه حسين بن شهباز (وهو سكار نهر الخالص بفتح السين المهملة وتشديد الكاف وسكون الألف وفي الآخر رآء مهملة أي سداده) (الثالثة كروية) (بضم الأول وسكون الثاني) ورئيسها سلمان المحمد. (الرابعة قراغول) ورئيسها خضير الجسام. (الخامسة عويسات) ورئيسها محمد السلمان. وفي هذا النهر من (الركاك - الرقاق) جمع ركة - رقة (بفتح الراء المهملة وتشديد الكاف الفارسية بعدها هاء) وهي الأرض الواطئة التي تكون على جوانب الأودية الكبرى والمجاري الطبيعية إحدى عشرة رقة منها ثمانٍ تشبه الإحراج وثلاث لا تنبت إلا ما يزرع فيها. وعلى مسافة نصف ساعة من العبارة، وساعة من مركز ناحية دلي
عباس، قلعة على نهر شروين بناها منذ عدة سنين مستأجر النهر قديماً وهو فدعم الأطرش العزاوي (نسبةً عامية إلى العزة) وفيها من النخيل 20 رأساً. وفي هذا النهر من التلال والربى شيء كثير منها: (طريمش) حركة الطاء المهملة بين الفتح والكسر يليها راء مهملة محركة بحركة فيها إمالة بعدها ياء مثناة ساكنة ثم ميم مكسورة وفي الآخر شين معجمة)، وهو إلى شرقي القلعة على مسافة (200) خطوة منها، وعلوه أربعة أمتار ومحيطه 120 متراً. ومنها (المكلوز) بلام مكسورة كسراً غير بين وميم ساكنة بعدها كاف فارسية ولام ساكنة وواو مفتوحة وزآء معجمة. وعلوه ستة أمتار، ومحيطه 150 متراً، وهو واقع في منتهى أراضي شروين، وفيه كثير من الطاباق المكسر. ومنها (أبو عظام) (جمع عظم) وعلوه (15) متراً، ومحيطه 250 متراً وهو واقع على ديالى إلى جنوبي المكلوز ويبعد عنه مسافة نصف ساعة وفيه أيضاً كثير من كسر الآجر. ومنها (تل شهاب) إلى الغرب الجنوبي من مركز ناحية دلي عباس على مسافة نصف ساعة منه وهو في منتهى نهر سمير (وزان زبير وهو إحدى أنهر شروين) وعلوه (15) متراً ومحيطه 800 متر وعليه كسر طاباقٍ وشقف (كسر خزف). ومنها (أبو عجارب) وهو إلى الشرقي الشمالي من المكلوز
وهو واقع على مجرى شروين ما بين المكلوز وأبي عظام، وعلوه أربعة أمتار، ومحيطه 150 متراً وعليه كثير من الطاباق المكسر. ومنها (الخيوط) السبعة، وهي ممتدة من قلعة شروين إلى تل شهاب، علو الواحد منها أربعة أمتار ومحيطه يتراوح بين 100 و120 متراً وعليها قليل من الطاباق المكسر. ومنها (جندولة): (بفتح الحاء المهملة وسكون النون وضم الدال المهملة وسكون الواو وفتح اللام وفي الآخر هاء). وهو واقع على ديالى إلى الشرق الجنوبي من تل أبي عجارب علوه ستة أمتار ومحيطه 150 متراً، وعليه طاباق كثير مكسر وغير مكسر. ومنها (الغزيفي): (بكسر اللام كسراً غير بين وسكون الغين المعجمة وتحريك الزاي المعجمة بين الفتح والكسر وسكون الياء المثناة التحتية وكسر الفاء وتشديد الياء المثناة التحتية). وهو واقع بين جندولة وأبي عجارب، علوه أربعة امتار، ومحيطه 120 متراً وعليه طاباق كثير منه مكسر ومنه ما هو سالم الكسر. وقد رأيت في تلك البقعة تلالاً كثيرة غير هذه لم أتمكن من اخذ أسمائها بالتمام عليها كسر طاباق واكواز كثيرة ملونة الأديم. والسلام. شهرابان محي الدين فيض الله الكيلاني (لغة العرب) ذكر السيد إبراهيم فصيح الحيدري في كتابه عنوان المجد (وهو غير مطبوع) نهر شروين قال: وأما نهر شروين فقد أحياه
المرصاع أو الدوامة
جدي العلامة الشريف اسعد الحيدري، مفتي بغداد، بماله ورجاله في أيام الوزير العلامة داود باشا (الذي ولي بغداد من سنة 1232 - 1244هـ - 1817 - 1828م) بعد أن كان مندرساً مدة طويلة وصار مقاطعة جسيمة. وكان في تصرفنا إلى الطاعون (1241 هـ - 1813م) ثم غصبنا إِياه علي رضا باشا والي بغداد من سنة 1246 - 1252 هـ 1830 - 1836م) وهو موجود إلى الآن، ألا أنه بعد غصبهِ منا آل إلى الخراب، لأن منفعته ليست كالأول. اهـ المرصاع أو الدوامة تعريفه للصبيان لعبة يتخذونها من قطعة من الخشب مخروطة بشكل كمثري مفلطحة الطرف الواحد وحادة الطرف الآخر. والعراقيون يسمونها (المصراع) وهي تصحيف المرصاع بتقديم الراء على الصاد. قال اللغويون: المرصاع دوامة الصبيان وكل خشبة يدحى بها أي يدفع أو يبسط بها والكلمة اسم آلة مشتقة من رصع الشيء: إذا ضربه بيده: وأما الطرف المفلطح فيسميهِ صبية العراق: الجاك بجيم فارسية مثلثة والكلمة فارسية معناها: الفلحة والشق والفلطحة وهو بالفرنسوية وأما الطرف الأخر الحاد فيدخل فيه نوع من المسمار يسمونه النبل أو النبلة وبالفرنسوية 2 - أسماؤه ومعانيها واشتقاقها. للمرصاع أسماء متعددة بحسب البلاد ولغات القبائل. منها: الدوامة وزان رمانة. قال اللغويون في تعريفها: هي فلكة يرميها الصبي بخيط
فتدوم على الأرض أي تدور على نفسها والجمع دوام فاشتقاقها إذا واضح. وصغار صبية العراق يسمونه الفريرة بفاءٍ موحدة مضمومة بعدها راء مثقلة مفتوحة يليها ياء ساكنة بجنبها راء مهملة مفتوحة وفي الآخر هاء. وقد وردت في معجم بقطر بصورة القريرة بقاف مثناة عوضاً عن الفاء وهي خطأ. وعنه نقلها دوزي ففشا الغلط. والكلمة مشتقة من فرَّ الشيء إذا أداره على نفسه. فيكون معنى الفريرة والدوامة شيئاً واحداً. ألا أن الفريرة ويقال لها الفرارة أيضاً كشدادة هي غير الدوامة وسيأتي ذكرها. وبعض أهل ديار الشام ولبنان يسمون المرصاع البلبل. وأهل بغداد يريدون بالبلبل اللعبة المعروفة عند العرب بالقلة فالواحدة غير الأخرى. 3 - أنواعه يقسم أهل العراق المرصاع قسمين: ونان وناعور. فالونان وزان شدَّاد هو المرصاع العادي. وقد يكون نبله من خشب عوضاً من الحديد لكنه نادر الاستعمال. ويدار بأن يلف الصبي الخيط عليه مبتدئاً من طرف النبل وينهيه عند نحو منتصفه ثم يلقيه على الأرض بأن يجر الخيط منه بسرعة. وهذا الخيط يسمى بلسان عوام العراق الزيك بكاف فارسية في الآخر وزان الزيج والكلمة فارسية مبنى ومعنىً. وأما الناعور فهو الدوامة التي قد ثقب فيها ثقب فإذا دوّمت أي دارت على نفسها نعرت أي صاحت وصولت كصياح رجل يصوت من خيشومه. والفعل فصيح بهذا المعنى. والناعور في الزوراء على ثلاثة أنواع: ناعور له فلس. والفلس عندهم سداد أو صمام يسدّ به ثقب المرصاع من الطرف
الواحد من بعد أن يكون قد ثقب من الطرف الواحد إلى الطرف الآخر فإذا سقط هذا الفلس عند التدويم أو الدوران يقولون: طار الفلس. ويسمى بعضهم هذا النوع من الناعور (أبو حسّ) بمعنى (ذي الصوت). وإذا كان الفلس من طرف (الجاك) فيسمونه حينئذٍ (أبو حسين) أي (ذا صوتين) وهو النوع الثاني من الناعور. وإذا كان له فلس من الجانب الواحد وبازائهِ ثقب ثانٍ. وفلس آخر في الجاك فيسمونه حينئذٍ (أبو ثلث حسوس) أي (ذا ثلاثة الأصوات) وهو النوع الثالث منه. ويرمى الناعور كما يرمى المرصاع بدون فرق يذكر. ويكون الناعور أو المرصاع (يمنوياً أو يسروياً) فالأول هو الذي يتخذه الصبي الأيمن. والثاني هو الذي يلعب به الصبي الأيسر. وكان العرب الأقدمون يسمون الناعور (خُذْرَة) أو خذروفاً قال في التاج: الخذرة بالضم:. . . الخذروف وتصغيرها خُذَيْرَة. وقال في تعريف الخذروف: كعصفور: شيءٌ يدوره الصبيّ يخيط فيه يديه فيسمع له دويّ. قال امرؤ القيس يصف فرساً: درير كخذروف الوليد أمرَّه ... تتابع كفيهِ بخيط موصل وقال عمير بن الجعد بن القهد: وإذا أرى شخصاً أمامي خلتهُ ... رجلا فملتُ كميلة الخذروف وقال الليث: الخذروف، عويد أو قصبة مشقوقة يفرض في وسطه، ثم يشد بخيط فإذا أُمدَّ دارَ وَسَمعت له حفيفاً، يلعب به الصبيان، ويسمى
(الخرارة) وبه يوصف الفرس لخفة سرعته. قال: والخذروف السريع في جريه. . . وقال غيره: الخذروف: طين يعجن ويعمل شبيهاً بالاكر يلعب به الصبيان. اهـ قلنا: إذا جاء الخذروف بمعان شتى فمنها بمعنى الناعور وهو الرأي المشهور وبالفرنسوية ومنها: بمعنى الفرَّارة أو الفريرة وسيأتي ذكرها، وهي أو بمعنى التون أو الكجة أو كما يقولون اليوم: الكلة أي ومنها وردت بمعانٍ أخرى تخرجنا عن موضوع بحثنا وليس هنا موضع ذكرها. ومن مرادفات الخذروف: ليرمع. قال اللغويون: هو الخذروف يلعب به الصبيان. وهو مشتق من رمع الرجل: إذا سار سيراً سريعاً. وقد يأتي الخذروف وجميع مرادفاته بمعنى الدوامة من باب التوسع والأصح الجري على الوضع الأصلي تمييزاً لكل لفظ بمعناهُ عما يقاربهُ حفظاً له. ومن أنواعه ما يسميه صبية البصرة بالحنبوز أو الحنبوس ألو الحنبوش أو الحنبوص بزاء معجمة في الآخر أو سين أو شين مثلثة أو صاد. وهو نوع من الدوامة لا يدور ألا إذا ضرب ضرباً بسوطٍ أو نحوهِ. وهو الذي يسميه الإفرنج والكلمة الأصلية هو الحنبوش من حنبش الصبي: إذا لعب.
أما (الشاخة) عند العراقيين (وهي وزان قامة) فهي عويد مفلطح في جهة ومستدير في جهة أخرى أو مفلطح كله يخرقه من الوسط محور صغير يدور عليه وفي وسط العويد ثقب ويشد بخيط ويمده اثنان الواحد يقبض بيده على الخيط والآخر يُرسل الخيط فإذا دار سمع له حنين. والكلمة عندهم مشتقة من شاخ يشيخ: إذا فعل فعل الدراويس الشيوخ أي دار واخرج صوتاً غريباً في دورانه. وهذا هو الخذروف أو الخرَّارة على الحقيقة عند الأقدمين ويعرف اسمه بالفرنسوية بلفظة وأما الفرارة أو الفريرة فهو عويد صغير مستدير يجوز به محور صغير يديره الولد بإصبعه وهو الذي يسمى عند الإفرنج أو صبية الموصل نوع من الخذروف اسمه عندهم (الحاج لقلقي) وهو طويل الشكل في رأسه عود طويل وفي آخره عود قصير جداً ينتهي بنبل من حديدٍ. ويمد على الأرض بعد أن يلف الزيك على رأسه الطويل مبتدئاً من عند راس المرصاع وإذا لف كله يدخل رأسه في عويدٍ مسطح مثقوب فيمسك اللاعب العويد بيدهِ والخذروف باليد الأخرى ثم يحل الزيك حلاً سريعاً من ثقب هذا العويد فيدور المرصاع على نفسه. ويمكن أن يدار هذا النوع على أحد رأسيه على السواء بدون تخصيص رأسٍ دون آخر. ويكون (الحاج لقلقي) في الغالب ناعوراً صامتاً أي دوامة بسيطة. 4 - مصطلحات اللاعبين بالمرصاع إذا دار المرصاع ولم يصوت قيل له (سكيت أو اخرس)
وإذا دار دوراناً سريعاً حتى لا تكاد تميز حركته أو دورانه، قيل: غزل أو سكر وإذا لف الزيك على المرصاع، قيل تزيك المرصاع بتشديد الياء وإذا ضرب الصبي الجنبوص: وإذا ضرب الصبي بمرصاعه مرصاع ملاعبه قيل ضربه (رجل) بالجيم المثلثة الفارسية المكسورة والجل بالفرنسوية وإذا كان الجل خفيفاً قيل: جل زيك وإذا دار المرصاع على نفسه قيل دَّوم (بتشديد الواو) وإذا وقف عن التدويم قيل (مات) وإذا بدأ بالموت قيل (نزع) وإذا اخذ يُدوّم وحملهُ اللاعب على راحة يده قيل (شالهُ) وإذا شالهُ فوجده خفيفاً قيل لهُ (ريشة، أو دهنة) (ويلفظونها: ريشايي أو دهنايي). وإن وجده ثقيلاً قيل (دبلة) (بفتح الأول) وإذا دوَّم وسار على الأرض معاً منتقلاً من مرماهُ إلى ما يجاوره قيل له: (جاروشة) أو جاروشي أو دكدك (بكسر الدالين). وإذا القي على الأرض ولم يدر على النبل بل ولىَّ لا يلوي على شيء. قيل: (راح يشتكي) وإذا دوَّم. قيل: (فنّ وافترّ). وإذا وقف على الجهة المقابلة للنبل. قيل: (قعد أو وقف جاك) ويقولون: خذ لك شنة أو جنة (وزان كنة بجيم مثلثة فارسية) أي ارمهِ ليرى هل يقف جاكاً أم لا. وإذا لمس اللاعب بمرصاعه الدائر مرصاع ملاعبهِ الساكن الحركة المسمى بلغتهم (نائماً) قيل: (يبوز أو قَّوس (بتشديد الواو في الثاني) أو قاس)
الفصاحة وكتاب العراق
الظاهر أن الأقدمين من الرومان واليونان لم يعرفوا من المرصاع ألا (الحنبوز) واسمه عند اليونان أي مخروط وأي مخروط صغير أي دائرةٌ بسرعة أو خذروف وعن الرومان أي بقسة أو قطعة خشب من بقسٍ لأن الحنبوز يخرط عندهم من البقس أي المتحرك سريعاً وكان السحرة عند هؤلاء الأقوام يتخذون في سحرهم شيئاً مستديراً يشبه المغزل أو الدوامة أو الخذروف أو الدولاب يكون من نحاس يسمونه (رُنبس) وزان هدهد والظاهر أن العرب عرفوا هذا النوع من اللعب منذ الاعصر القديمة لوروده في شعرهم القديم ولورود مرادفات لهُ عندهم. وأما مخترعه فلا يعرف على التحقيق. - وقد أتينا على هذه المقالة لأن في هذا الشهر يكثر العراقيون من اللعب بالمرصاع. فعسى أن يكون هذا اللهو مشفوعاً بالعلم! والسلام. حنا ميخا الرَّسام الفصاحة وكتاب العراق كتب لي أن اطلع على العدد 297 من جريدة الزهور البغدادية، المنتشر عددها هذا في 23 رمضان سنة 1330 فرأَيت في صدره مقالةً لفتى عراقي، كتبها في موضوع (الفصاحة وكتاب العراق) وأنه لمبحث جم الفائدة طرق بابه جمع من أدبائنا، في بلاد مصر والشام وهاهو قد تطاولت إليه أعناق العراقيين فعسى أن تعيه آذان حملة الأقلام منهم، فيتورّعوا في
الكتابة، ويتقوا أن يسقطوا فيها، كما سقطوا من قبل. وقد رأيت أنا هذا العاجز أن أخوض عباب البحث، إجابة لكاتب المقالة، وفضلت أن تكون مقالته نفسها محط النظر، لما رأَيت من رغبته في تصحيح سقطات الكاتبين وقد كان يسرني أن يسبق إلى الكتابة في ذلك، كاتب من افصح كتاب العراق. لأن المقام مقام باحث طويل باعه، واسع اطلاعه. وأملي بعد هذا أن لا يستقلّ بهذا العمل، ألا من عرف من نفسه الكفاءَة، وأحرز فيها الاضطلاع، فأقول: إن تراكيب هذه المقالة لا تشبه تراكيب الفصحاء، ولم تكن تعرف من الطراز الأول عند أئمة الإنشاء، بل هي تراكيب جديدة الوضع، أحدثتها النقلة عن اللغات المغربية، ولم يكن الكثير منهم قد احكم معرفة العلوم العربية، وأخص علم اللغة منها، ولا أحرز ملكة الإنشاء الصحيح ولا كتب له أن يستظهر كثيراً من تأليف الكلم الفصيح وجمله وتراكيبه، ولا يزال رجالات من كتاب هذه الأيام المعدودين يسقطون في تلك الأغاليط، على كثرة ما َندَّد بها النقادون. فمن تلك التراكيب الموضوعة في هذه المقالة البعيدة فيما اعلم عن التأليف الفصيح، قوله: (خدمة يسطرها لهما التاريخ بمداد الفخر) وإذا أراد الفصيح هذا المعنى قال: خدمة تذكر فتشكر، أو خدمة مخلدة، أو تبقي أثراً خالداً وما أشبه ذلك. وقوله (فيتتبعون حركات صحافينا ويقفون لكتاباتهم بالمرصاد) والفصيح: فيتحرون كتابة الكتاب ويترصدون مظان خطائهم، أو ويستدلون على معايرهم، وما اشبه هذا. وقوله: (إلا أن يوقف أوقاته الثمينة في سبيل الترصد لهم) والفصيح أن نقول: ألا أن يستفرغ وسعه في تحري عثراتهم،
أو يستنفذ جهد استطاعته، أو أن يجتهد، أو ما يشبه ذلك من التأليف الفصيح وقوله (فتنقلب النعمة إلى نقمة، ومن أدبية إلى شخصية) يريد أن يقول. ومن الإخلاص إلى الغرض أو من حسن القصد إلى سوء النية. وقوله: (لو أريد إصلاحها تقوم عليه قيامة السذج والعامة فترشقه بالحجارة) ما ضره لو قال: لو أريد إصلاحها لعطفت عليه العامة لرجمه بالحجارة وقوله (واخذوا يقدسونه وهو في رمسه ويقيمون من الاحتفالات والتذكارات. .) والفصيح أن يقول عرفوا قدره، واحيوا ذكره، بعد موته. وقوله: (وإذا لم يتح الحظ لهم رجالاً يهدونهم إلى الرشاد فيبقون على حالتهم هذه) صوابه: وإذا لم يهيئ الله لهم رجالاً يهدونهم إلى الرشاد، تمادوا في ضلالهم، أو بقوا على حالهم، أو سدروا في غيهم، أو لجوا في غلوائهم أو ما أشبه ذلك، وقوله: (لما سقطوا هذا السقوط الذي حط من قدر الشعب العراقي) والفصيح أن يقال: لما خمل ذكرهم أو جاههم، أو لما دق خطرهم فحط من قدر الأمة العراقية. وقوله (لينال وظيفة يقيهِ راتبها ألم الجوع) الأفصح أن يقال: ليتوظف فيتبلغ أو فيسد رمقه بما يقطع له. وقوله: (أَخذ ظل العلم في التقلص والإقبال عليه قليل) صوابه: اخذ ظل العلم يتقلص والإقبال عليه يقل. وقوله: (وجعلت كتابنا في هذا الشقاء المحدق بهم) افصح منه وأخصر أشقت الكتاب وخصتهم بالبلاء. وقوله: (يقومون بواجباتهم) فصيحه أن يقال يقومون بما يجب أو بالواجب عليهم أو ينهضونه بتكليفهم أو ما يشبه ذلك. وقوله: (وبالأحرى لما أردت أن نقضي على هذه اللغة الشريفة) لا يقدم الفصيح على أن يقول: (وبالأحرى) وهي من بدع
عوام الكتاب في هذا العصر وقوله (ويحصل بواسطتها الطلاب على الوظائف). الفصيح أن يقال: يلتمسون بها الوظائف، أو يتوسلون أو يدلون، أو ما يشبه هذا. وقوله: (لولا ذلك لتفتحت على البلدان العراقية انهار العلم) صوابه: لطفحت، أو لفاضت، أو لانبعثت أو ما يشبه؛ وقوله (خطوا خطوات واسعة في ميادين الرقي) صوابه: حازوا قصب السبق في مضمار الاستعلاء، أو الرقي، أو استولوا على الأمد، أو جروا إلى ابعد الغايات أو مثل هذا. وقوله: (على أن ما أصاب ذلك الرجل الذي انتقد كتاب العراق من السب والشتم لا يزال حياً منح؟ الأحياء) وقوله: (وليس هنا مدارس وكليات للأمم الناهضة التي تودّ رقي الشعوب وتهذيب أخلاق الأمم؟!) أين الفصاحة من هذا التأليف، وأين جمال المعنى، ولطف الأسلوب وقوله: (وعلم العربية في تقلص) صوابه وظل العربية في تقلص. هذا وأما المفردات فقد سقط في كثير منها، كاستعماله (التدني) وهذا المصدر غير مدوّن ولا معروف والساقط فيه كثير من حملة الأقلام في الأقطار العربية، فانك تجدهم يقولون: (التأخر والتدني) وهي عبارة صاحب المقالة. وكقوله (المدارس الرسمية) والرسمية من مشتقات
الأتراك. فلماذا يقلدهم العرب فيها ولهم الشان في لغتهم. وهنا يلزم أن نقول أن تصرف الأتراك هذا وأمثاله في الألفاظ العربية صحيح عندهم، فلا يجب أن نأخذهم به، وهو مثل تصرف العرب في الألفاظ الغير العربية التي كانوا (ولا يزالون كذلك) يضطرون إلى استعمالها، فيقلبون، ويبدلون، ويزيدون، وينقصون، ويتصرفون فيها تصرف الملاّك فيما يملكون ومثل جمعه موضوعاً على (مواضيع) وهو غير فصيح أما السقطات النحوية فمنها قوله: (وربّ قائل أن يقول) فإقحام هذا الحرف هنا لا معنى له. ومنها قوله: (لغوية كانت أم نحوية) صوابه أو نحوية وقوله لم ينشرا تلك المقالتين (صوابه تينك المقالتين إلى غير ذلك. أما الأوهام المعنوية فمثل قوله: وهو يعني الأغلاط اللغوية (شوهت محاسن مقالاتهم وحطت من أفكارهم) اللغة آلة لا غاية وما هي من
العلوم النظرية التي يكون مدركها الفكر فمن يصبح ساقطة لغته، لا يلزم أن يكون ساقطاً فكره وهما على هذه البينونة والمسائل اللغوية لا دخل لها في العقل، وفي ضعف العقل، وقوله، ورقيه، وانحطاطه وهؤلاء إخواننا المتعلمون في غير بلادنا، لا يملك كثير منهم أن ينطق بلغته فوق أن يغلط فيها مع أنهم على جانب من العلم والمعرفة وقد ترقت أفكارهم كما يقولون ومثل قوله، وهو يريد الفصحاء من الكتاب واللغويين: (فيتتبعون حركات صحافينا ويقفون لهم بالمرصاد) وقد نعلم نحن أن تتبع حركات الناس ليس من شان الفصحاء ولا هو وظيفة علماء النقد بل وظيفة رجال الضبط والشرطة وموظفي السلطان) هذا وقد جاء في آخر مقالته وهو يستنهض علماء اللغة وحماتها القيمين عليها قوله: (ويجبرون الجاهلين منا بأسرار اللغة وغير الملمين بها على أن يتركوا طاولة التحرير) أنا لا اعرف بصيراً في لغة الفصحاء يركن إلى هذا التأليف الضعيف المغلوط فعسى أن ينصف الكاتب نفسه فيترك (طاولة) التحرير كما قال فأن في الآثار النافعة قولهم: رحم الله امرءاً عرف قدره ولم يتعد طوره. فإذا فعل ذلك دلنا على كرم أخلاق وسعة صدر وحبّ للحق ورضاً في النقد ثم له بعد ذلك أن يحرز ملكة الإنشاء
الصحيح فيتربع في دست الكتابة ونفاخر به إذا شاء كتاب العصر وأنا له لمن الشاكرين. النجف: ابن الأعرابي أسماء ما في السفينة 1: (الاشخاصة): شظية، تطير من السفينة. ويقولون (طارت أشخاصة): أي لوحة أو شظية. 2: (البندار): وزان غربال تحت الرقمة. وهو مخبأ يخبأ فيه الصفر والآنية والسلاح؛ وما أشبه. 3: (البيدار). بفتح الباء فتحاً غير بين، هو خشبة مسمورة على طول سوار جست الخير (أي المؤخر) مثقوبة ثقباً كبيراً من الوسط يدخل فيه حبل المجذب. 4: (التريك). بكسر التاء والراء المشددة المهملة وإسكان الياء. وفي الآخر كاف. وزان سكيت. لوحة السفينة التي تكون تحت (الدرميت) والتريك تكون للمهيلة والبلم وما أشبه. 5: (الجست). بفتح الجيم وكسر السين. ويجمع عندهم على (جسوت). ثلاث عوارض تفصل ربعات السفينة. يوضع طرفاها على جنبي السفينة من الأعلى. 6: (جسد السفينة). هو مجموع ألواح السفينة المسمورة بالعطوف. 7: (الجلنقة). بكسر الجيم واللام وإسكان النون والقاف بعدها هاء. خشبة مقوسة تجمع العطوف وتضبطها في مقدم السفينة ومؤخرها: وذلك
في المهيلة والبلم. 8: (الجمة). بفتح الجيم وتشديد الميم. وزان كنة. هي النقرة في السفينة تكون عند الدقل مما يلي المؤخر؛ وتقوم مقام البلوغة في الدور وذلك إذا رشحت السفينة ماءً فيجمعه الملاحون فيها ثم بعد فراغهم من الأشغال الضرورية ينزحونها. واكثر ما تكون الجمة في المهيلة والبلم. وهي عربية فصيحة. قال في المخصص. (. . . جمة المركب الموضع الذي يجتمع فيه الماء الراشح.) اهـ 9: (الدرميت). بضم الدال وإسكان الزاء وفتح الميم وإسكان الياء المثناة التحتية بعدها تاء طويلة. لوحة يبلغ عرضها 40 سنتيمتراً. ممدودة على طول جنبي المهيلة والبلم وما شاكلهما مما يلي داخل الحاشية وتكون في اسفل (الزبدرة). 10: (الدواية). وزان حكاية نقرة في (الفلس) يدخل فيها رأس الدقل الأسفل. 11: (ربعة الصدر، وربعة الوسط، وربعة الخير). والخير بكسر الخاء وهو المؤخر. والربعة فسحة تكون في المواضع المذكورة من السفينة وتكون فواصلها من أعلى (الجسوت). 12: (الرقمة): وزان نملة سطح السفينة مما يلي المؤخر والصدر. 13: (الرمامين). بكسر الراء والميم الثانية. أخشاب في صدر السفينة ومؤخرتها كالأوتاد. أصل وضعها كالرمانات تشد بها الحبال واحدتها رمانة.
14: (الزبدرة). بكسر الزاء المعجمة وفتح الباء وسكون الدال وفتح الراء بعدها هاء: حاشية المهيلة والبلم والطرادة والكعد والقروفي. 15: (الزغبة): وزان غرفة خشبة مسمورة بخشبة سوار الشيال من الوسط من فوق وهي بشكل المخدة ممالة (مسرحة) من طرفيها يبلغ طولها نحو 80 سنتيمتراً وارتفاعها من الوسط زهاء 40 سنتيمتراً. 16: (السيبات): بكسر فسكون. رمانتان تكونان عند العرشة في الجنب واللفظة مجموعة يراد بها المثنى وقد توجد السيبات وإن لم يكن في السفينة عرشة تسمى رمامين. 17: (سوار البطال): بتشديد الطاء. هو أحد الجسوت الذي يكون وراء سوار الشيال مما يلي المؤخر وقد اشتق اسمه من البطالة، لقلة الاحتياج إليه. 18: (سوار الشيال). هو العارضة التي يشد بها الدقل. وهو أحد الجسوت أيضاً. 19: (السيور). وزان قشور. أخشاب ممدودات على طول جنبي السفينة من باطنها وهي مخصوصات بالسفينة المطلية بالقير. 20: (الشيلمان). بفتح الشين المعجمة فتحاً ممالاً فيه أخشاب كالحنايا في جنبي السفينة اسفل الدرميت. توضع بين الفرمات وقد تقصر عن العطوف. والشيلمان يكون في المهيلة والبلم وما أشبه. 21: (الصنيديق). بالتصغير، خشبة ممالة (مسرحة). موصولة بالكلب فهي بين الكلب والقبيت.
22: (الطابق). خشبة ممدودة على طول المهيلة من الوسط وأول ما يسمر بها خشب الفرمات ثم العطوف. والطابق في السفينة لوح ساحتها المسمور بالعطوف وليس للبلم طابق. 23: (العبد). خشبة يربط بها الدقل من الأسفل، وهي في جنب السوار مما يلي صدر السفينة. 24: (العران). خشبة تمسك الدقل عند العبد ومحله بجنب الدقل مما يلي المؤخر. 25: (العرشة). وزان نملة وتجمع عندهم على (عرشات وعراش) واللفظة مشتقة من العريش قال في مجمع البحرين: (. . . العريش خيمة من خشب وثمام والجمع عرش) اهـ وهي تقوم مقام (القمارة) في المركب البخاري وقد تقدم وصفها عند وصف المهيلة والبلم. 26: (العطوف). وزان صفوف: الأخشاب الممدودة في ساحة المهيلة أو البلم من باطنها واحدها عطف. 27: (العقرب). خشبة ممدودة في صدر السفينة في باطن وسطها تقابل خشبة الميل. 28: (العنق) هو الطرف الأعلى من صدر كل سفينة ما خلا المهيلة والبلم. 29: (الغراب). مخبأٌ في السفينة، عند (الكامرة) من الأسفل شبيه بالصندوق يحفظ فيه الملاح عروضه. 30: (الفرمة). وزان غرفة: وتجمع عندهم على (فرمات) نوع من خشب العطوف تمتد إلى طرف الجنب الأعلى وأول ما تبنى السفينة
تبنى عليها. والفرمات خصيصات بالمهيلة والبلم وفي كل منهما خمس أو سبع فرمات ومحل الفرمة من المهيلة والبلم تحت الجست والسوار. 31: (الفلس). بالتحريك الممال فيه إلى الكسر. خشبة توضع تحت طرف الدقل من الأسفل. 32: (فنة الصدر، وفنة الخير) وزان كنة والخير هو المؤخر مرادف الزقمة. 33: (القبيت). بضم القاف وتشديد الباء المفتوحة فتحاً ممالاً فيه وفي الآخر تاء طويلة: هو الطرف الأعلى من المهيلة والبلم وما أشبههما. 34: (القوائم). أربع خشبات كالرمانات تكون في جنبي العرشة وكل من الرمانتين الأوليين تسمى (قائم العود). والعود بفتح العين فتحاً غير بينٍ. 35: (القون). بضم القاف وسكون الواو. أخشاب تكون في السفينة المطلية بالقير مثل الشيلمان في المهيلة والبلم. 36: (القيطان). وزان عيدان. حاشية الكنتة السفلى، أي مما يلي الماء أو خشبة ملصوقة بها مثل الخيط. 37: (الكافوت). وزان كابوس. والبعض يسميها المواليك خشبة ضخمة تكون في صدر السفينة، مما يلي الماء عند طرف الميل الأسفل، تحفظ السفينة من الخلل إذا صدمها شيء. والكافوت تكون في المهيلة والبلم والطرادة الكبيرة فقط. 38: (الكامرة) بإسكان الميم شيء كالمخدع يكون في صدر البلم ومؤخره. يفتح بابها من وجهها الأعلى، الذي تجاه السماء. يخبأُ فيها الطعام، والثياب
وما أشبه. والكلمة إيطالية الأصل. 39: (الكاورة). بإسكان الواو وفتح الراء أخشاب مقوسة مسمورة بطرفي سوار الدقل مما يلي جنب السفينة. 40: (الكاوية) مسمار يسمر الزغبة بالسوار يبلغ طوله 60 سنتيمتراً. 41: (الكاويات). واحدتها كاوية مسامير طول الواحد منها نحو 60 سنتيمتراً تسمر بها أخشاب الميل وجسد المهيلة وما أشبه من الأخشاب الضخمة في السفينة. 42: (الكلب) هو خشبة يبلغ طولها 80 سنتيمتراً وغلظها 15 سنتيمتراً. تعترض صدر السفينة الأعلى. ويمتد طرفاها خارجين عن جنبي السفينة قراب 20 سنتيمتراً وفائدته أن يشد به حبل الرباط وحبل الانجر وحبل الجوش. 43: (الكنتة) لوحة ممدودة على طول جنبي السفينة مما يلي الحاشية اسفل (الزبدرة) من الخارج أي تجاه الماء يبلغ عرضها زهاء 40 سنتيمتراً. 44: (الكوابش). بضم ففتح. واحدها (كابش) وهي الفراغ الموجود بين العطفين في باطن السفينة من وسطها. 45: (الكوثل) مؤخر السفينة؛ وهو عربي فصيح قال الإسكافي (الكوثل ذنبها) يعني السفينة والكوثل من السفينة هو على الأصح موطن قريب من مؤخرها تلقى فيه الأحمال والأثقال وهو معرب من اليونانية من
46: (المروخ). وزان مبرد خشبة تكون في كل من طرفي سوار الشيال (أي الدقل) على طول جنبيه يفصل بينهما الشيال لتسنده إحداهما إذا مال إلى جانب من السفينة. 47: (المسحة) خشبة الطابق في المهيلة والبلم وما اشبه، وقد ذكرت. 48: (المشايات). بتشديد الشين أربع خشبات تكون في الجمة - يبنى عليها خشب الجمة - اثنتان منها تكونان ممدودتين من سوار الشيال إلى سوار البطال من فوق والخشبتان الأخريان تكونان ممدودتين من تحت على خشب العطوف. 49: (الميل) بكسر الميم وسكون الياء وفي الآخر لام خشبة مربعة النحت باستطالة يبلغ عرضها قراب 20 سنتيمتراً وعلوها نحو 15 سنتيمتراً ممدودة من طرف صدر السفينة الأعلى إلى الطابق مما يلي الماء. وكذلك من طرف مؤخر السفينة. والميل في المهيلة والبلم والطرادة والكعد والقروفي فقط. 50: (الهديف) بكسر الهاء كسراً غير بين وفتح الدال فتحاً ممالاً فيه وإسكان الباء وفي الآخر فاء. بالتصغير شيء يكون عند طرف مؤخر السفينة الأعلى مثل الصنيديق في الصدر. ومنه قول شاعرهم (هتلوش الخزعلي) أي الخزاعي:
كتاب تاريخ آداب اللغة العربية
(امحمله لهديفها عانيتي) يريد بذلك أنها مشحونة إلى أقصى طرفيها. 51: (الهمص). بضم الهاء والميم وفي الآخر صاد: خشبة تجمع العطوف عند المؤخر والمقدم في القياريات كاظم الدجيلي نقد الجزء الثاني من كتاب تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي أفندي زيدان صاحب الهلال 2 - أغلاطه النحوية اللغوية وأصول العربية قد بينا فيما سبق (447: 1 - 448) أن إنشاء صاحب الهلال سلس سهل يتدفق تدفقاً من معينه لا تكلف فيه ولا تعقيد ألا أنه يرد فيه بعض الألفاظ التي هي اجدر بالعامة منها بالخاصة. ومما جاء في هذا الجزء قوله في ص 15، 18، 19، 29، 37، 78، 94 الخ ناهيك!. . . وقد نبهنا على هذا الغلط 451: 1. وقوله في نحو آخر تلك الصفحة وأحوالهم العائلية. ولو قال البيتية لأجاد وافصح. وقال في ص 22 ولكنهم جاءوا والعلوم قد تحلبت. . . لليونان. ولا معنى لتحلبت هنا. ولو قال استجمت لكانت أوفى بالمقصود. وقال في ص 30 وتخرج منها (أي من مدرسة قنسرين) جماعة كبيرة من السريان. والأصح أن يقال خرج منها أو تخرج فيها. وفي ص 37 وجعلوا لبعضهم رواتب وجواري والأوفق أن يقال: وجرايات. وإن كان لقوله الجواري وجه في اللغة ولاشتقاق. وفي ص 41 تخفف بالغلائل والملايات. (كذا) ولا معنى للتخفف
هنا. لأن التخفف عندهم لبس الخف لا غير. ولا جرم أنه يريد أن يقول هنا لبس الخفيف من الثياب أو الشف منها. وتخفف لم ترد عندهم بهذا المعنى. وقال في تلك الصفحة: (واستبدل المضارب وفرشها الرمال، بقاعات فرشها البسط والسجاد.) وقد اكثر الكتاب من استعمال القاعة بمعنى الردهة والبهو وهي من المولد لا من الفصيح. ولا بأس من استعمالها. ألا أن جماعة من المتفصحين أنكروها ونسبوها إلى العامة. فهم غير محقين وقد وردت في كلام الشريف محمد بن اسعد الحراني المعروف بالنحوي قال: كان في داره (أي في دار ابن خنزابة التي تقابل دار السكاكي قاعة لطيفة مرخمة فيها أنواع الحشرات والهوام). اهـ وفي ص 46: وكنت في حياتك لي عظات. والأصح: وكانت. - وفي ص 54 في تجواله الأرض والأصح في تجواله في الأرض. وإن كان يجوز الأول على تأويل. - وفي ص 55 تأثير الشعر في الهيئة الاجتماعية بمعنى المجتمع البشري أو الإنساني أو الألفة. كما انهم يستعملون الهيئة بمعنى اللجنة أو الجماعة أو الجمعية وكل ذلك من المولد الحديث والوضع ومن تصرف الأتراك في الألفاظ وتراكيبها كما أنهم يقولون (المختارية) بمعنى (الاستقلال الشخصي أو الإداري) وذلك أنهم يذهبون إلى أن الاختيار هو من أوصاف الإنسان الحرّ في عمله. فيكون المختار ذلك الرجل الذي يتصرف بأعماله الشخصية بمجرد اختياره. ومنه معنى الاستقلال الشخصي أو الإداري. ويقولون (التداركات العسكرية) مثلاً وهم يريدون بها التجهيزات العسكرية أو التعبئة وكل
ذلك من أوضاعهم وتصرفهم في لغتنا على غير هدى. - ولا نعلم كيف اخرجوا معنى لفظة الهيئة إلى المجتمع أو الجماعة أو اللجنة ألا أن يكون من باب التوسع الرحب بالألفاظ وذلك أن الناس إذا اجتمعوا فلابد لهم من هيئة يكونون عليها فالهيئة ملازمة للاجتماع كما لا يكون الاجتماع ألا ولهُ هيئة وعلى كلٍ فهو لم يسمع عن عربي فصيح قديم بل عن العرب المولدين فقط وقوم من الأتراك أو خالطوا الأتراك ونحن في غنىً عن تصرفهم في لغتنا ولا سيما عند وجود ألفاظ بمعناها سابقة لوضعهم هذا الركيك والضعيف الإشارة إلى اصله العائد إليه وفي تلك الصفحة: وكتبوهُ (أي الشعر) في صدور مجالسهم وعلى القباب والمستنظرات والأبواب ولم ترد المستنظرات بمعنى المنظرات أو المناظر. وفي ص 56: وآخرون انحازوا للشيعة العلوية والأصح انحازوا إلى الشيعة العلوية. وفي ص 61 وقد تقدم أنه هو وبشار وأبا العتاهية والأصح وأبو العتاهية وفي ص 94 وعدة عائلات والأفصح عدة بيوت أو أسر أو عشائر. وفي ص 166: أنه (أي الأدب) كان في العصر الماضي قاصراً على النقل وهذا من تعبير العوام. والأفصح مقصوراً على النقل وقد تكررت اللفظة في كتابه ومؤلفاته مراراً عديدة. - وفي ص 175: وله كتب أخرى هامة وهو يريد مهمة. وكثيراً ما يستعمل تلك اللفظة وهو يريد بها هذه. ولا وجه لها في العربية ألا من باب التخرج الحرج. وقد تكررت في كتابه هذا ومؤلفاته مراراً لا تحصى.
وفي ص 209: (وأصحابها ثقة) والأفصح ثقات. وإن كان لقوله وجه صحيح باعتبار تنزيل الجميع في المنزلة الواحدة من الثقة وفي ص 213 كان كثير التضلع في العلوم. والأصح من العلوم. وفي تلك الصفحة: وكلاهما موجودان. والأفصح موجود. وفي ص 221: غضب على بختيشوع الطبيب وقبض ماله ونفاه إلى البحرين. والأفصح أن يقال هنا وقبض على ماله. وفي ص 242: لم يقتصر التصدي للنقد على الأدباء أو الشعراء. والأصح لم يقتصر التصدي لنقد الأدباء أو الشعراء. وفي ص 245 عريق بالعروبة والأصح في العروبة وفي ص 246 في بادية سماوة. والأصح في بادية السماوة بال التعريف والتعريف لا ينقطع عنها ألا على لغة الترك فأنهم يقولون موصل، حلة، بصرة، في الموصل والحلة والبصرة. وفي ص 247: وحلوا شعرها إلى نثر والأصح حلوا شعرها نثراً. - وفي ص 249: هو أبو فراس الحرث بن أبي العلاء. . . فهو شاعر أمير. والأصح حذف (فهو). - وفي ص 253: وفي ألفاظه قعقعة وانين. والأفصح قعقعة وجعجعة أو قعقعة وطنين لأن الأنين لا يوافق القعقعة. وفي ص 266 عرَّب كلمة كلاسيك بالطريقة المدرسية والعرب يقولون: الطريقة الفصحى. وفي ص 275: وينظر في الأربعة والخمسة الأوراق والأصح في الأربع والخمس الأوراق لأنها جمع ورقة وورقة مؤنثة. - وفي ص 279 وأَأْباهم للضيم والأصح وآباهم للضيم - وفي ص 291: (يظهر أن العرب قلما اهتموا لهذا الفن والأصح اهتموا بهذا الفن لأنه يقال: اهتم له بأمره. لا اهتم به لأمره.
العدد 18
العدد 18 السويديون السويديون أسرة شريفة كريمة عريقة الفضل والنسب والعلم والأدب نبغ منها رجال مبرزون في فنون المعارف والآداب العربية في عصور مختلفة وقد صنفوا التصانيف المفيدة والتآليف العديدة فأفادوا من جاء بعدهم ببعضها إن لم يكن بجميعها كما استفادوا هم من الذين قبلهم. السويديون عباسيو النسب شافعيو المذهب بغداديو المنشأ والتربية والآداب والتحصيل أولاً وأخراً. نشأ أباء السويديين الأولون في بغداد على ما ذكروه في نسبهم وهم الخلفاء مثل محمد الأمين وهارون الرشيد ومحمد المهدي وعبد الله المنصور ثم لما انتقلت الخلافة إلى سامراء بانتقال المعتصم إليها وبنى المتوكل فيها قصوره في الجعفري أو الجعفرية فانتقل إليها قطن أباء السويديين منذ ذلك الحين الدور التي هي قرب الجعفريّ أو الجعفرية وما زالوا فيها حتى أواخر القرن العاشر من الهجرة وأول رجل منهم وصلنا خبره في بغداد هو
ناصر الدين الجد الثالث للشيخ عبد الله السويدي ولم تزل أسرة السويديين تقطن الكرخ الجانب الغربي من بغداد حتى يومنا هذا. أما الاسم الذي نبه به ذكر السويديين فهو عبد الله بن حسين بن مرعي بن الشيخ ناصر الدين وأن كان قد نبغ بعد عبد الله من هو اعلم منه بكثير مثل الشيخ علي ومثل الشيخ عبد الرحمن. - وسنأتي على ترجمتها في هذه العجالة إن شاء الله تعالى. - ولكن الفضل للمتقدم.
هذا وبعد تمهيد هذه المقدمة نأتي على ذكر تراجم عشرة رجال منهم أولهم الشيخ عبد الله وأخرهم الشيخ سليمان على حسب ترتيب الأباء والأبناء لا على حسب ترتيب حروف الهجاء. فنقول: 1 - الشيخ عبد الله السويدي 1: (نسبه): هو أبو البركات عبد الله بن حسين بن مرعي بن ناصر الدين بن الحسين بن علي بن احمد بن محمد المدلل بن الحسين بن علي بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي بكر بن الفضل بن احمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن احمد بن اسحق بن جعفر بن احمد بن الموفق طلحة بن جعفر بن محمد بن الرشيد بن محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي 2 - : (مولده ومنشأه وتربيته): ولد الشيخ عبد الله في الكرخ الجانب الغربي من بغداد وذلك سنة 1104هـ - 1692م وما بلغ من العمر ست سنوات إلا ودهمت والده المنية فكفله عمه لامه (خاله) الشيخ احمد بن سويد فنسب إليه منذ ذاك الحين ومنذ ذاك العهد اخذ بتهذيبه
فاقرأه القران وعلمه صنعة الكتابة وشيئاً من الفقه والنحو والصرف وبعده أجازه بما يجوز له. 3 - : (اشتغاله وتحصيله وأساتذته): وبعد أن درس في بغداد على الشيخ حسين بن نوح المعمر الحنفي البغدادي وعلى الشيخ سلطان بن ناصر الجبوري الشافعي الخابوري ارتحل في طلب العلم إلى الموصل فدرس فيها علي ياسين أفندي الحنفي وفتح الله أفندي الحنفي ثم كر راجعاً إلى بغداد وقد أتم المادة في العلوم العقلية والنقلية وعند وروده بغداد قرأَ فيها شيئاً كثيراً من الفقه والأصول على الشيخ محمد الرحبي مفتي الشافعية ببغداد ثم تصدر للتدريس والإفادة في داره وفي جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني وفي المدرسة المرجانية وفي يوم الأحد 21 من شهر شوال سنة 1156هـ - 1743م طلب لمعسكر نادر شاه في النجف للمناظرة مع علماء إيران والتحكيم في الخلاف الذي بينهم وقد كانوا من ثلاث بلاد مختلفة: من إيران وأفغانستان وما وراء النهر. وفي سنة 1175هـ - 1761م حج بيت الله الحرام متخذاً طريق الموصل فحلب
فدمشق وقد اخذ فيها عن عدة مشايخ ودرس في طريقه دروساً عامة وخاصة وقد اخذ عنه فيها خلق كثير منهم الشيخ محمد العقاد الشافعي ودرس أيضاً في المدينة المنوَّرة في الروضة المطهرة أطراف الكتب الستة وحضره الأَئمة والأفاضل. 4 - (مؤلفاته): وبعد رجوعه من الحج عكف على تأْليف المؤلفات النافعة فألف من الكتب كتاب الجمانات في الاستعارة وكتاب الأمثال السائرة وقد طبع في مصر 1324هـ وكتاب النفحة المسكية في الرحلة المكية جمع فيه من الأخبار والمحاورات وما أشبه من أنواع الأدب شيئاً كثيراً وذكر فيها قصة نادر شاه وما جرى من الأبحاث له مع علماء إيران وقد طبعت تلك المحاورة على حدة باسم الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية في مصر سنة 1324هـ ولها ترجمة تركية أوسع منها نطاقاً طبعت أيضاً في مصر سنة 1326هـ وله من الشروح والحواشي كتاب رشف الضرب شرح لامية العرب وكتاب أتحاف الحبيب حاشية على مغني اللبيب جعلها محاكمة بين شراح المغنى والدماميني والشمني وابن الملا والماتن وله كتاب انفع الوسائل شرح الدلائل (أي دلائل الخيرات) وديوان شعر. 5 - (نظمه ونثره): قل من العلماء من يبرع في العلم والشعر فيكون عالماً فاضلاً وشاعراً ماهراً معاً وشيخنا المترجم قد حاز قصب السبق في كليهما فقد بلغ في الأدب شأُواً بعيداً ونال فيه منزلةً ترفعه بين الأدباء وله نظم يزري بالمنظوم ونثر يهزأُ بالمنثور ومن نظمه قوله وقد ضمنها مقامته الأمثال السائرة:
تهيأ لأشجان بقلبك حلت ... وعقد وكاء العين للدمع حلت ستبكي إذا بِناَّ وتنشد كلما ... تذكرتنا في كل يوم وليلة (وما كنت ادري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت) وله من الشعر المزدوج وقد ضمنها مقامته أيضاً: إلى مَ تطلب الجد ... وتبغي الحظ والجد وتعني الكبر والجد ... بذكر الأب والجد تجنب جانب الزهو ... وخل عنك ذا السهو إلى مَ أنت في لهو ... ولا كسب ولا كد إلى كم أنت تعتل ... وكل الشر تفعل فعن ذا الفعل تُسأَل ... فما الجواب والرد تجنب قول من ذم ... وإن خص وإن عم ولا تصغ لمن نم ... ولو جاَءك بالحمد إذا حل بك الموت ... أَجبت داعي الفوت ولا حس ولا صوت ... وهذا آخر العهد هناك تخشى الأهوال ... وليس تجدي الآمال ولا أهل ولا مال ... ولا عرض ولا نقد وقال وقد أهداه أحد أصحابه في يوم واحد ثلاث هدايا وكان لصاحبه
الطباعة
المذكور غلام اسمه عطية فورى به: يا فاضلاً لا يجارى ... في البحث بين البريه وسيداً ذا أيادٍ ... بالشكر مني حريه غمرتني بالعطايا ... وكان حسبي عطيه ولهُ في الغزل والنسيب شعر يدخل الأذن بغير أذن لو كناه لعدم مناسبة موضوعه للمجلة وأما نثره فحسبه مقامته الأمثال السائرة ومن طالعها عرف علو كعبه في النثر. 6 - (افول شمسه): وفي ضحوة يوم السبت حادي عشر شهر شوال سنة 1174هـ - 1760م انتقل من الدار الفانية إلى الدار الباقية ودفن في جوار معروف الكرخي وقد عمر في الدنيا سبعين سنةً وأعقب من الأولاد أربعة وهم عبد الرحمن ومحمد سعيد وإبراهيم واحمد وكلهم برعوا في فنون العلم والأدب. كاظم الدجيلي الطباعة 1 - فوائد الطباعة للطباعة فوائد جليلة، ومنافع عديدة، إذ بها انتشرت العلوم الحديثة، وصار أفقر العباد في هذا القرن يقتني من الكتب والأسفار ما ليس في إمكان أغنى الأغنياء في القرن الثالث عشر والذي قبله أن يقتني عشر معشاره لقلة الكتب وندرة وجودها وغلاء أثمانها في هاتيك القرون الغابرة وكثرتها بواسطة الطباعة في هذا القرن فكم من كتاب جليل كثير النفع عظيم
الفائدة كان في ما سلف في زوايا النسيان قد انتشر اليوم بفضل الطباعة وتناولته الأيدي واستنارت الأمم بنبراسهِ، وكم من كتب موسوعات العلوم كانت في ما سبق باهضة الأثمان، لا يتمكن اقتناؤها إلا المثرون والملوك، فكان الفقير يتحسر على رؤيتها ويذوب شوقاً إليها فلا يمكنه شراؤها لقلة ما في يده، وكم من أرباب الذكاء والدهاء لو كان في أزمانهم من الوسائل التي تنشر أفكارهم وتبث آراءَهم بين الأمم والشعوب لخدموا المجتمع البشري خدمة ظهرت فوائدها، واقتطفت ثمراتها، وكم من علماء أعلام وأساتذة فخام، وباحثين وأطباء وبلغاء وفصحاء وملوك فاتحين، اندرست آثارهم، وغابت عنا أخبارهم بضياع دفاترهم ودواوين أخبارهم، لخلو الطباعة في هاتيك الأزمنة الغابرة لتنشرها بين الأقوام وبقي مجتمعنا اليوم محروماً من الوقوف على سيرهم وأديانهم ومدنيتهم إلا شيئاً طفيفاً استخرجه الباحثون من بين القبور في بلاد الفراعنة، وفي كهوف الجبال في فنيقية وفارس، ومن بين الخرائب في بابل ونينوى، فما هذه المدنية التي فضلت فيها قرننا الحاضر القرون الغابرة، وما هذه الكتب المفيدة والأسفار الكبيرة، التي حوت كل فكر سامٍ وعلم جليل، ورأي ثاقب إلا ثمرة من ثمرات المطابع وما سر هذه الحياة وعلة هذه المدنية التي أبهرت العقول، بل ما هذه النهضات الأدبية، والاجتماعية، والاخلاقية، والسياسية التي نراها كل يوم بين الشعوب إلا وهي نتيجة ذلك المخترع العظيم لذاك الاختراع الجليل. 2 - اختراع فن الطباعة المشهور أن أول من اخترع فن الطباعة، وأذاعه بين الأمم والشعوب
هو رجل اسمه غوتنبرغ وكان ذلك في أواسط القرن الخامس عشر حينما كانت الأفكار ناضجة في أوروبا أي أنه اخترعها سنة 1441م وأذاعها سنة 1454م بيد أن هذا المخترع العظيم لم يكن يكتفي بظواهر هذا الاختراع ويقنع بما ناله من شعبه من التبجيل والإكرام بل اخذ على نفسه طبع الكتب النفيسة والأسفار العتيقة لينشرها في العالم الأوربي. فكان أول كتاب طبعه التوراة الكريمة سنة 1456م وكتاب الزبور باللاتينية سنة 1457م. ولما ظهرت فوائد الطباعة للعيان أخذت الشعوب الناهضة باقتناء الكتب والآثار الدينية لرخص أثمانها وكانت إنكلترة هي السابقة إلى نشر الطباعة والكتب في بلادها. ففي السنة التي فيها طبع غوتنبرغ كتاب الزبور دخل فن الطباعة إنكلترة على يد أحد التجار وأول مطبعة أنشئت في إنكلترة كانت في وستمنستر سنة 1474م وقد كان فن الطباعة في بادئ أمره ناقصاً محتاجاً إلى إصلاح فارتقى رويداً رويداً عملاً بسنة النشوء والارتقاء حتى إذا جاء القرن الثامن عشر اخترع الأستاذ الوئيس سنفلدير الألماني الطبع على الحجر بصورة سهلة فتوسعت بذلك الطباعة وصارت تتناول الكتب الفلسفية والجرائد والمجلات وكتب موسوعات العلوم بعد أن كانت مقصورة على طبع الكتب الدينية والردود والمنشورات التي كانت قائمة بين لوثير مؤسس البروتستانية وأشياعه والبابا رئيس الديانة الكاثوليكية واتباعه، وهكذا انتشرت الطباعة بين الشعوب والأقوام السريعة الخطوات نحو المدنية.
فاستنارت الأمم بحضارتي الرومان واليونان ووقف العالم الغربي على سرائرهما ودخائلهما بعد أن كان لعب بكتبهما الزمان وغادرها مطروحة في زوايا الإهمال حتى اخذ كل فرد يقتنيها من غير تكلف وعناء. 3 - الطباعة في بابل وأشور وهنا لا بأس من أن نزيف أقوال البعض الذين أنكروا على غوتنبرغ اختراع فن الطبع وزعموا أنه يرتقي إلى عهد البابليين والآشوريين حينما كانوا يطبعون أدعيتهم للآلهة على ألواح صغيرة من الصلصال مستدلين على ذلك بما عثر عليه النقابون في خرائب بابل من ديار العراق وفي أشور قرب نينوى من تلك الألواح التي تؤيد مزاعمهم بيد أن ذلك مردود بأن مثل هذا لا يصدق عليه فن الطبع ولو صدق عليه لجاز لنا أن ننسب فن الطبع إلى الأمم التي كانت قبل أمة الآشوريين والبابليين كالأكديين والسومريين والعيلاميين الذين وجد الباحثون من آثارهم شيئاً كثيراً كالرقم المسمارية والآجر المكتوب عليها أخبارهم وسير ملوكهم وأحوالهم وحروبهم مع أننا لم ننسب ذلك إليهم ولم نسمع أحداً قال بذلك إذ أن فن الطبع غير الكتابة على الأحجار والألواح. أما وقد رأَيت بطلان هذا الرأي فلا بأس من أن نزيف أيضاً أقوال الناسبين اختراع فن الطباعة إلى رجل يدعى فست وذلك سنة 1441م أو إلى آخر يدعى كستر وأنه اخترعها سنة 1423م أي قبل فست بثماني عشرة سنة قلنا أن هذا الرأي مردود أيضاً لأنه أن كان هؤلاء الرجال في عصر واحدٍ فما الذي أقعدهم عن أن يكذبوا غوتنبرغ ويدعوا الاختراع لأنفسهم ولو فرضنا أن المخترعين لهذا الفن قد توفيا قبل
ادعاء غوتنبرغ ذلك له ولم يكن وقتئذ أحد عالماً بذلك فمن الذي أوصل إلينا خبر نسبة اختراع فن الطباعة إلى هذين الرجلين ولو سلمنا جدلاً أن المطلعين على الحقيقة أبوا أن يذيعوها إذ أنه مما يلطخ صفحة تاريخ غوتنبرغ بلطخة سوداء وهو مما كانوا يتحاشونه خوفاً على شرف الرجل فهل نسلم بأن أولئك الرواة الذين غضوا نظرهم عن منكر ليس كسائر المنكرات وجريمة باهظة لا يمكن الطعن بهم وبروايتهم أو لا تخلو أقوالهم من دسيسة وافتراء. كلا ثم كلا: إذاً أن مخترع فن الطباعة هو غوتنبرغ صاحب الراية البيضاء على العالم فلا يجب حينئذٍ أن نبخس حقه أو ننكر عليه سعيه بل يجب أن لا نذكر اسمه إلا ومقروناً بالتجلة والاحترام فجزاه الله عن العلم خيراً. 4 - الطباعة في البلاد العثمانية القسطنطينية اسبق البلاد العثمانية إلى صناعة الطبع النفيسة وكان سلاطين آل عثمان في بادئ الأمر لا ينظرون إلى الطباعة بعين الاهتمام والرضى لأنهم كانوا يخشون أن تتشوه محاسن الكتب الدينية أو يعتريها بعض التحريف بواسطة الطبع حتى أن السلطان بيازيد خان الثاني نشر منشوراً عالياً سنة 1485م حظر فيه على رعاياه اتخاذ المطبوعات ولما جلس السلطان الغازي سليم خان الأول على سرير الملك أيد منشور أبيه بأمر عال أصدره سنة 1515م على أن ذلك لم يكن يحول دون انتشار الطباعة في البلاد العثمانية إلا موقتاً
وأول من سعى بإنشاء مطبعة في الأستانة رجل يهودي عالم كان من أرباب الثروة والجاه متقرباً من رجال الإدارة في العاصمة يدعى اسحق جرسون وكان قصده من ذلك أن ينشر بين أهل ملته الكتب المطبوعة ويغنيهم عن المؤلفات التي لا يحصل عليها إلا بالمشقات لقلة وجودها وندرتها ويرتقي عهد هذه المطبعة إلى القرن الخامس عشر وكانت تطبع الكتب العربية بحروف عبرانية وهي على ما يرويه لنا التاريخ أول مطبعة شرقية أدت للآداب العبرية خدمة جليلة مدة ثلاثة قرون. أما الطباعة بالحروف العربية فقد دخلت الأستانة لأول مرة على يد محمد جلبي المعروف بيكرمي سكز وابنه سعيد أفندي في عهد السلطان الغازي سليم خان الثالث، وكانا من ذوي المدارك السامية، والهمم العالية وكان محمد أفندي سفيراً للدولة العلية في باريس فلفتت أنظاره المطابع الفرنسوية فأراد أن يتحف بها الأستانة فاخذ يستميل أراء كبار رجال العلم والأدب إلى هذا المشروع الكثير النفع وإخراجه إلى حيز الوجود وبدهائه واجتهاده اجتذب كبار رجال الدولة واستمال إليه الصدر الأعظم إبراهيم باشا صهر السلطان فأيد مشروعه ونصره في مهمته وأمده بأموال طائلة واصدر بحقه أمراً سامياً يجيز له طبع كل الكتب إلا الدينية كالتفسير والحديث والفقه بيد أنه أستحصل أخيراً فتوى أجازت له طبع الكتب الدينية أيضاً واليك صورة الاستفتاء بحروفها (وأظن أن هذا الاستفتاء هو بشأن جواز الطبع كما يفهم منه): (ما قولكم دام فضلكم في ما يقوله زيد ويدعيه عمرو من أنه يقدر على
نقش صور كلمات وحروف المؤلفات في العلوم الآلية: القواميس والمنطق والحكمة والفلك وجمعها في قالب وطبعها على الورق واستحصال نسخ كثيرة من هذه الكتب فهل يجوز له ذلك شرعاً أفتونا مأجورين) وقد أفتى له بجواز ذلك عبد الله أفندي شيخ الإسلام في ذلك الزمان واليك صورة الفتوى: (إن زيداً الذي برع في صناعة الطبع إذا نقش صحيحاً على الورق فأنه يحصل على نسخ كثيرة من غير عناء وتعب وهذا مما يستوجب رخص أثمان الكتب والمؤلفات ومن ثم تتداولها الأيدي وبذلك تعم الفائدة وتشمل كل طبقات الناس وعليه يجوز شرعاً الطبع على الوجه المذكور ويستحسن تأليف لجنة لتصحيح الكتب المراد نقشها والله اعلم). وقد اتفق أن سعيد أفندي فتش على رجل عالم بفن الطباعة ماهر بهذه الصناعة فسمع بشهرة (إبراهيم اغا متفرقة) وكان من حراس القصر السلطاني من أهل المجردان بالإسلام فحادثه على أن يساعده في هذه المهمة فاتفق معه فأخذا يبذلان جدهما في تأسيس مطبعة وجلب آلاتها وسكب قوالب حروفها وكان أول كتاب طبعاه ترجمة صحاح الجوهري سنة 1141هـ - 1728م وكتاب تحفة الكبار في أسفار البحار المسمى بتاريخ الحاج خليفة في تلك السنة عينها وتعددت بعد ذلك مطبوعاتها. ولما توفي (إبراهيم آغا متفرقة) أخذت المطبعة في الانحطاط والنزول إذ خلفه في أدارتها إبراهيم أفندي من القضاة السابقين إلى أن توفي هذا أيضاً فتعطلت مدة تزيد على 20 سنة ثم فتحت سنة 1198هـ - 1782م
وطبعت فيها أهم الكتب النفيسة وأكثرها لغوية وتاريخية وفنية ولما نجحت هذه المهمة ورأى المنورون فوائد الطبع وسهولة اقتناء الكتب بواسطتها انتشرت في سائر البلاد العثمانية وكثرت المطابع فيها ولم يأُت القرن التاسع عشر إلا وكثرت المطبوعات وتعددت ونمت نمواً باهراً ومن أشهر المطابع العربية في الأستانة في ذك القرن مطبعة الجوائب وكان لها اليد الطولى على النهضة العربية بمطبوعاتها النادرة. 5 - المطابع في سورية أما المطابع في البلاد العربية فدخلت أولاً (لبنان) على يد الراهب الماروني عبد الله ضاهر سنة 1141 وكان لها مطبوعات جمة ليس هنا محل ذكرها ودخلت الطباعة حلب في القرن الثامن عشر وأول مطبعة ظهرت فيها على ما نعلم المطبعة الحلبية المارونية سنة 1857م ومنشئها المطران يوسف مطر. وهي باقية حتى الآن وادخل الطباعة إلى بيروت الروم الأرثوذكس في أواسط القرن الثامن عشر وأول مطبعة أسست فيها مطبعة القديس جاورجيوس وأول مطبعة ظهرت في الشام المطبعة الحنفية وهي التي أحضرها من ديار الغرب المرحوم حنا الدوماني سنة 1272هـ 1855م وهي الآن متروكة لما انتابها من العراقيل ويليها في القدم مطبعة ولاية سورية أنشئت سنة 1282هـ - 1862م وفيها تطبع جريدة سورية الرسمية وأول من ادخل الطباعة إلى القدس الآباء الفرنسيسيون وأسسوا مطبعتهم فيها سنة 1846م بمساعدة الإمبراطور فرانسوا جوزيف النمسوي. هذا مختصر تاريخ الطباعة بالحروف العربية في ربوع سورية بقي علينا
أفكار الغربيين نحونا
أن نبحث عن تاريخ الطباعة في ديار العراق التي هي من صميم البلاد العربية وعلى ذلك نبتدئ أولاً بتاريخ الطباعة في بغداد لأنها قاعدة العراق وقلبه الحقيقي إبراهيم حلمي أفكار الغربيين نحونا لا ينكر أحد من الذين نور الله بصائرهم بنور الهدى أن للغربيين على الشرقيين يداً بيضاء لا تقوم بشكرها الألسن. كيف لا ونرى الشرقي المدرب متى حاول كتابة شيء عن الشرق وأبنائه بل عن قطره نفسه لا يقدر أن يفي الموضوع حقه بدون أن يراجع الكتب التي كتبها الإفرنج في موضوعه ويشرف عليه أتم الإشراف. والسبب الذي يجعل الشرقي مفتقراً إلى الغربي هو ما تعوده من المبالغة في أكثر الأشياء التي يكتب عنها حتى أن المبالغة فيها ربما جاءت أضعاف الأضعاف. أو هو خلوه من استقصاء الأخبار، وتمام ما يتعلق بها. وبما أن الغربيين قد جبلوا على نبذ المبالغة. وعلى تحري الحقائق مع البحث والتنقيب عنها بكل سعة وتفرغ. تراهم يتكبدون لها مشاق يقف دونها الهمام المقدام عاجزاً. بل تراهم غير هيابين ولا مبالين بصرف المصاريف الباهظة والمخاطرة بنفوسهم ونفائسهم. وهم مع كل ذلك لا يأُلون جهداً في السعي وراء ضالتهم المنشودة. هذا ومع حرصهم على تدوين الحقائق تراهم يخطئون في بعض ما يكتبون خطأُ
بيناً خصوصاً في كتاباتهم التي تختص بالمذاهب والأديان. وقد يعذرهم المنصف العارف بعوائد الشرقيين وأخلاقهم لأن ثمة سراً لا يقدر أن يطلع عليه غير الشرقي نفسه وسببه جهله الفاشي بين اظهر أصحابه فشوّاً فاحشاً سيما العراقيين منهم. فالعراقيون يخلطون الواجب بالمستحب، والحلال بالحرام، والأصل بالفرع، والفرع بالبدعة، والبدعة بالعادة، والعادة بالخرافة، ويعتبرون الجميع من أصل واحد. وينسبونها كلها إلى صدر الإسلام. وربما يعزونها إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) أو إلى صحابته الكرام (رض) بلا سند ولا دليل. وإذا اعترض عليهم معترض كفروه في الحال ونسبوه إلى الزندقة والإلحاد. والإسلام براء مما يزعمون. إذا سأل الغربي الذي لا يعرف من الشرقيين إلا صورهم وأسماءهم وأزياءهم سؤالاً يوجهه إلى العراقي ليستخبره عن عمل رآه يعمله أو يقوم بواجب: هل هذا من أصل الدين أو فروعه أو بدعة ابتدعها أحد المسلمين أو عادة تعودها العراقيون من القديم. فلا يجيبه إلا بعكس ما سأله وغير ما قصده ظناً منه أنه إذا أوهمه بالجواب وأضله بالكلام لا يحصل ذاك على نتيجة منه فيرجع حينئذٍ بخفي حنين. وذلك لاعتقاد بعض الجامدين حرمة كشف أستار الدين للرجل الذي ليس من المسلمين. أو تعصباً منه لفرقته حتى على الفرقة التي تناوئها من فرق المسلمين أنفسهم. أو حذراً من الانتقاد أو وقوعاً لسوء تفاهم بين السائل والمسؤول. فإذا سمع الغربي هذا الجواب، دونه في ديوان رحلته وجعله غاية سؤاله واخذ بعدئذٍ بتعليق حواشٍ وتفاسير عليه ظناً منه أنه لم يرو له إلا الصحيح.
لما تعوده من صدق اللهجة وحرية الضمير في أبناء قومه ولم يدر (شتان بين مشرق ومغرب) والذي حداني على كتابة هذه الأسطر هو ما كتبته مجلة الالستراسيون الباريسية من مقالة تحت عنوان (مكة الثانية) على رواية رجل غربي أقام في كربلاء مدة. ولما كان الكاتب والراوي قد اخطأا فيما كتبا في عدة مواضع من المقالة نفسها، أحببت نشرها لأعلق عليها بعض الحواشي إيضاحاً لما التبس عليهما أو إصلاحاً لخطأهما. لأن المقالة تمس الفرقة التي أنا منها ولأن أهل مكة أدرى بشعابها. وإليك المقالة برمتها معربة بقلم صاحب المجلة. قال الكاتب: لقد استفاض بين الناس أن دين محمد لا يميل بمومنيه إلى آراء الحرية ومع ذلك ترى مسلمين كثيرين، ومن أشدهم تمسكا بدينهم يخالطون الكفار ويصادقونهم، وربما اتصلت قلوبهم بقلوب خلطائهم اتصالاً لا شبهة فيه. ولقد أثبتت حوادث بلاد الدولة العثمانية الحديثة أن إيمان المسلمين أو معتقدهم ليس من العقبات الكؤودة التي تحول دون التقدم والرقي وقبول بعض الآراء الحديثة وكما أن للفضيلة درجات فللتعصب أيضاً طبقات ومهما يكن من هذا الأمر فأن وجد بعض المسلمين يوجهون حسن التفاتهم إلى النصارى، ولا يظهرون اشمئزازهم من اليهود فاعلم يقيناً أن أولئك المحمديين هم سنيون. فتقواهم السمحة، وحسن ملاطفتهم لمن كانوا على غير دينهم، والأنس بمن جاورهم وخادنهم، يقابله عند الشيعة التعصب الشديد الذي ليس ورآءَهُ تعصب.
ويرتقي أصل هذه الفرقة إلى الحسين الابن الثاني لعلي بن أبي طالب، صهر محمد، والى واقعة محزنة دموية وقعت سنة 61 من الهجرة 68 للميلاد في العراق العربي أي في ديار بابل القديمة. بعد وفاة علي بن أبي طالب ثارت مباحثات شديدة، واحتدمت نيرانها بين خليفة المسلمين، رئيس السلطة الزمنية وبين الأئمة العلويين الذين كانوا يقولون أنه يحق لهم تدبير كل أمر في ما يتعلق بالدينيات فلما انتقلت الإمامة إلى
الحسين، وأصبح راس العلويين، هجر المدينة طالباً الكوفة تخلصاً من قبضة الخليفة. وكانت الكوفة يومئذٍ حاضرة العراق والعربي وأمهُ، وفيها من محبي العلويين جماعة دعته إليها. وبينما كان يسير في طريقه إذ بحبل حزبه انتكث. وذلك أنه بعث مسلم بن عقيل ابن عمه بمنزلة رئيس للكوفيين وإذا بجمع غدروه وقتلوه. وفي 3 من الشهر المحرم وصل الإمام إلى كربلاء ولم يكن يعرف ما وقع من الخيانة والغدر بمسلم فخيم مع قافلته، على شز هناك وما كاد يستقر إلا وفاجأَه جيش زحف ليهجم عليه. فقاسى العلويون مدة أسبوع من العذابات ما لا يصفه واصف ولا سيما الجوع والعطش وفي اليوم العاشر من الشهر المذكور وهو يوم عاشوراء قتل من تلك الزمرة كل من لم يمت في تلك المدة وكان عدد المتوفين جملة 18 شخصاً من أهل البيت و72 ممن كانوا برفقته. وأما النساء فأخذن إلى دمشق الشام. وبعد وفاة هؤلاء المظلومين، نبت في تلك الصحراء أزهار روايات وأحاديث مختلفة سقتها دماء الشهداء وغدت مذبحة كربلاء (ومعنى كربلاء محل الحب) كذا مرادفة للمحرقة الصادقة في لغة جميع محبي هؤلاء الشهداء. وأصبح الحسين نوعاً من المسيح، وقد ذبح لفداء الناس في الزمن الذي أتى فيه لينقل إليهم كلام الحياة. ومن الأحاديث المروية عند الشيعة أن جبريل اخبر محمداً ومحمداً أنبأ فاطمة الزهراء أبنته بأن الأمر ينتهي بأحد أبنائها على هذا الوجه وبأن قبره يشتهر كل الشهرة في الدنيا كلها. وتبنى حوله مدينة تكون بعيدة السمعة. ولقد تم الأمر طبقاً للنبوة.
فإن أحد الصحابة واسمه جابر جاء بعد 40 يوماً من وقوع تلك المذبحة الهائلة ليكرم قبر الإمام الشهيد. لأن محمداً كان قد قال له: (أن الحسين يقتل ويدفن في كربلاء وبعد 40 يوماً تبدأ زيارة قبره.) فكانت زيارة جابر أول زيارة لهذه التربة. ومنذ ذاك الحين بدأ تاريخ تأسيس كربلاء
أما اليوم فأن هذه المدينة أصبحت مقدس الشيعة ومحجهم بل مكتهم الثانية وهم يحمونها من غير المسلمين اكثر مما يحمون مكة عنهم، ويدافعون عن حرمها كثر مما يدافعون عم حرم مكة وأن كان في مكة الكعبة وفي الكعبة الحجر الأسود. ولقد بقيت كربلاء بعيدة عن كل انتهاك. وأننا لنظن أن أحسن ما كتب في كربلاء من المقالات هو ما أدرج في جريدة الطان (الفرنسوية) في نحو أواخر سنة 1907 وأوائل سنة 1908 ولم يسبقها سابق قبل ذلك العهد في تلك اللغة. بل ولم يكتب عن الأرجاء المجاورة لها قبل ذلك الأوان أما مكاتبنا الفاضل المختفي عنا باسم (المنصور) المستعار، فأنه دخل حرم كربلاء وقد توصلنا بواسطته إلى نشر رسوم داخل الصحن وكل ما يتعلق به ورسوم سائر مساجد مدينة كربلاء مع صور الزوار والمواكب الحافلة التي رآها، كما فعل سابقاً فنشر في عدد 7 ت 2 من مجلتنا رسوم قلب مكة وما فيها. (المقالة مصورة في الأصل). كربلاء جالسة تحت ظل النخل الوارف، بل راكبة الحسينية نهر متفرع من الفرات، ذلك الفرات الذي كانت قد نصبت عليه بابل، عرشها لزائل وقبل أن تصل المدينة ترى عن بعد من فوق رؤوس النخل والغرب
والصفصاف وسائر الأشجار قبب صحنيها القاشانية الآجر المتلألئة في الشمس، ومآذنها المغشاة بغلالة من الذهب الإبريز وهذان الصحنان هما صحنا الإمام الحسين والإمام العباس أخ الحسين من أبيه وأحد أصحابه المنكوبين. وكل من هذين الصحنين قائم في الموطن الذي قتل فيه صاحب الإمام الشهيد وخص به. في كل سنة ينسل إلى هاتين التربتين من كل حدب وصوب زرافات زرافات من أبناء الشيعة قادمين إليها من ديار العجم والهند وكوه قاف (قفقاز) والبلاد القاصية من قلب اسية حيث يكثر الشيعيون. وكربلاء بدون الزوار مدينة فارغة، بل لولا الزوار لما بقيت هذه المدينة إلى يومنا هذا. وفي الأيام التي لا يفد إليها الزوار - والزيارة تدوم سحابة السنة تقريباً وتبطل شيئاً في أيام الباحوراء فقط - ترى كربلاء خامدة ليس فيها إلا 15000 نسمة في الأكثر. وقد أخذهم النعاس فوق سطوحهم المتظللة بالنخل.
وإذا أردت آن تعرف تقى الشيعة على مدى القرون، اذهب وانظر ذينك الصحنين وسائر مساجد كربلاء ترها مزدانة بأفخر ما يجود به الحب والدين. فإن حيطانها مثلاً مغشاة بالآجر المطلي بالقاشاني الملون بالألوان الزاهية العجيب الصنع حتى انك لتقول: أنه لا يمكن للإنسان أن يحلم ببناءٍ أفخر مما يرى هناك. ففي جوانب الأبواب سهوات محكمة البناء بديعة الشكل على هيئة النخاريب، مرصعة بقطع من المرائي تأخذ بمجامع القلوب. وترى الأبواب مقوسة أقواسا فائقة الحسن، تكاد تنطبق على نفسها انطباقاً، وكلها مخرمة، وتخاريمها من الطاباق الغريب القطع والنحت والحفر، هذا ولا يمكننا أن نغفل عن ذكر العمد الرشيقة القد المتخذة من الخشب الفاخر، وهي تدعم البناء الذي يطوف بالحرم أبدع طواف. وهل من مذخر احسن من هذا المذخر. وهل لا يكون إلا دون ما يجدر برفات الإمام الذي أصبح لجماعة الشيعة مخلصاً وفادياً؟ وفي أقصى الحرم مصطبة نفيسة تحتها رمم الإمام، والمصطبة بديعة النقش والحفر، عجيبة الصبغ والتلوين، ترى من وراء مشبك من الشبه
المصمت، يظللها غشاء أو ستار هو بساط فريد الصنع، بل تحفة من تحف العالم، حاكته طائفة من مهرة صناع الفرس، ولا يمكن أن يقدر له ثمن لبديع أحكامه، وغرابة إتقانه. فهذا القبر هو غاية ما يرمي إليه الزوار الإمامية. فإذا وصلوا كربلاء ودخلوا الحرم يدنون من هذا المشبك اللزز ويتمسكون به بعبادةٍ وتقى، ثم يبسطون أيديهم ويصلون صلاة حارة ثم يرجعون إلى من حيث اتوا والوجه باش منور من كثرة فرحهم. إن صحن الحسين وقبره يبقيان في كل زمن قريبي المنال خلافاً لكعبة مكة وزوار كربلاء يكثرون في الشهر المحرم وهو الشهر الذي قتل فيه الإمام وأصحابه ولذا تراهم يجتمعون في تلك المدينة ويتحلبون إليها من كل صوب فتاتي القوافل مئاتٍ مئاتٍ. وعليه يكون شهر المحرم شهر الصلوات والأدعية والتوبة. فإذا جئت أنت في ذلك الأوان ترى أفنية الصحون ولا سيما فناء صحن
الحسين غاصاً بالمؤمنين، لأن من أول فرائض الزوار في كربلاء كما في مكة أن يذهبوا إلى الحرم بعد الوضوء. وبعد أن يصلوا صلاةً أولى في فناء الصحن يكونون أهلاً لأن يدخلوه آمنين فيزدحمون فيه أزدحامهم على السعادة القصوى بهلاهل وأصوات الفرح العظيمة وعلى رؤوسهم العمائم البيضاء إشارة إلى بياض قلوبهم. أما الحجاج الذين حجوا مكة والسادة الذين ينتمون إلى أهل البيت فأنهم يعتمون بالأخضر. وفي اغلب الأحايين تكون نساؤهم معهم. وقد تحجبن اشد الحجاب من قمة الرأس إلى أخمص الرجل.
من معتقد المسلمين أن المؤمن الذي يتمكن من أن يدفن في جوار مزار مدفون فيه أحد الأئمة أو نسيب من أنسباء أهل البيت أو واحد من الصحابة، فأن دخوله الجنة مضمون ويكون على الرحب والسعة. ولهذا السبب ترى في مسجد أيوب في الأستانة امتداد تلك المقبرة التي تبتدئ من الوادي حتى تتوقل التلال حيث تنتهي فيها. وترى بين تلك القبور العديدة غابة غبياء من السرو الأسود. وهكذا جرى الأمر في كربلاء. فأنك ترى المؤمنين في أقصى بلاد آسية يوجهون أدعيتهم إلى الله لينعم عليهم أن يدفنوا بعد موتهم في جوار قبر الحسين لينالوا شيئاً من آلاء
إمامته التي يجود بها على المخلصين له. وبالجملة فأن كربلاء أصبحت اليوم مدفناً عاماً لجميع أبناء الشيعة المبثوثين في ديار الله كلها جمعاء. ولولا أن الحكومة العثمانية تتدارك الأمر لأصبحت اليوم هذه المدينة مباءة الأمراض الوافدة، ومنبعث جراثيم الأدواء الوبيلة، لأن الجعفرية ينقلون إلى هذه المدينة جميع الموتى ويجوسون بها الديار الملوثة بالأوبئة أو غير الملوثة. هذا فضلا عن أن بين هؤلاء الموتى من توفوا بأمراض معدية اشد العدوى. فتراكم تلك الجثث في أرض واحدة، وفي موطن واحد من شأنهِ أن يجعل تلك البقعة من الأرض منبت الوباء، أو منبعث الطاعون، أو منتشر الهيضة على الدوام. ولقد عقد من تهمهم الصحة العمومية لجاناً عديدة لصدّ هجمات جيوش تلك الأدواء السارية السريعة العدوى الشديدة الفتك وأخذت ما في مكنتها من الوسائل لتثبيط فشوّ العدوى فضربت رسماً هو 50 فرنكاً على كل جثة تدخل كربلاء. ولو أمكنها لمنعت الدفن بتاتاً، لكنها تحترم عقائد الشيعة الوثيقة العرى، أو تخاف أن تثور ثائرة الفتنة والتعصب فيقوم بوجهها ما لم يمر بخلدها
البتة. وهذا الرسم رسم الدفن. يثمر للحكومة المحلية مبالغ طائلة ويمنع الفقراء من أن يفكروا بأن يدفنوا موتاهم في هذه البقعة الميمونة. أما الأغنياء الذين ورثوا الميت، فأن الأموال الطائلة التي وقعت إليهم بعد وفاته تحث الوارث إلى أن يسرع في دفن جثة ذاك الذي جاد عليه بتلك المبالغ الجسيمة وحينئذٍ لا يستطيع أي مصرفٍ ينفقه في وجه هذا العمل المبرور الملزوم به. وهكذا تنقل جثث أولئك الموتى من أقصى ديار آسية إلى هذه الديار المجاورة لنهر الفرات المشهور في التاريخ. فالدفنات الحافلة الشائقة كثيرة الوقوع إذاً في كربلاء ولقد شهد صاحب هذه المقالة موكب دفن واحد من هنود الشيعة وأئمة علمائهم الفحول، وكان قد نقل إلى كربلاء بمبالغ باهظة من الأصفر الرنان. ولما دخل المدينة تابوت هذا الرجل الكبير قامت له كربلاء كلها وذهب لاستقبال جثته عشرة آلاف شخص وكان أهل البلدة قد ركزوا أعلاماً ورايات مختلفة إِعضاماً للمصيبة. وكان الجمع يقف بجثته على كل خطوة يخطوها ليتلو الأدعية أو يسمعها. وطافوا بها حول الأسوار ودام الطواف ثلاث ساعات قبل أن يبلغوا الصحن وهذا المتوفى الذي جاء من بعيد ليسند رأسه الإسناد الأخير في كربلاء فاز بأنعام سام وهو أنه دفن في صحن الإمام الحسين وبقي القراء يقرءون على قبره بالتناوب ليل نهار مدة شهر. وقياماً بتأُدية حقوق الحقيقة نقول: إن المؤمنين القليلي التوفيق في
سوق الشيوخ
هذه الدنيا وجدوا لهم طريقاً ينكبون به عن القانون الذي سن للموتى فلا يحتاجون إلى أن يؤدوا ما عليهم من رسوم المكس. وهذا الطريق لا يستحسنه علماء الصحة ولا يوافقون عليه. لكن لا يمكن للموظفين أن يشددوا فيه ويعسفوا خوفاً من أن يؤدي بهم هذا التشديد إلى ما لا تحمد عقباه فماذا فعل أهل العوز المتدينون الذين لا تمكنهم حالهم من تادية ما حتم على الدفن؟ - أنهم لجئوا إلى وسائل تخفي جثة الميت على الموظفين بجباية المكس. فتارة يقطعون الميت أرباً أرباً، وطوراً يطحنون عظامه حتى تغدو كالدقيق وأخرى يجعلون تلك الأخطاء تحت ثيابهم التي يتسترون بها من الداخل. وبالجملة يستعملون وسائل لا تخطر على بال بشر ليتوصلوا إلى أن يخلطوا رمم الميت بالرمال التي تسفيها أرياح كربلاء حتى يقال عنه أنه أحصي بين موتى تلك المدينة الحسينية. (البقية تأتي) سوق الشيوخ - 1 - موقع هذه المدينة وحدودها قضاء سوق الشيوخ من مدن العراق الحديثة واقع على ضفة الفرات اليمنى قريباً من الدرجة 30 عرضاً ونحو الدرجة 44 طولاً من باريس وهو في جنوبي لواء المنتفق. يحده شمالاً وشرقاً الفرات. وجنوباً وغرباً الصحراء الشامية وهو يبعد 40 كيلومتراً عن الناصرية وهو تحتها
و 140 كيلو متراً عن غربي البصرة على خط مستقيم و 130 كيلومتراً في جنوب غربي العمارة على خط مستقيم أيضاً. 2 - مؤسس سوق الشيوخ هو الشيخ ثوينى المحمد جدّ الأسرة السعدونية. وذلك انه لما كان حاكماً كبيراً في العراق، يمتد حكمه من الغرَّاف والبصرة إلى ما قارب الكويت من جهة. ومن الجزيرة إلى ما حواليها من الجهة الأخرى أصبح نفوذه عظيما على كثير من عشائر العراق ونجد وقبائلهما. وكان معه في غزواته وفتوحاته سوق متنقلة وهي عبارة عن خيام تجار وباعة ينزلون قريباً من الأعراب إذا ضربوا مضاربهم وخيامهم فتقوم سوقهم ويعرضون فيها ما يحتاج إليه من لباس وآنية وخرثي وأثاث وتبغ (أي تتن) ويعارضونها بغيرها من وبر وصوف وسمن (دهن) وبقل وخضرة وغيرها. ويوجد مثل هذه السوق إلى يومنا هذا مع القبائل الرحل. وعليه كان مع الشيخ ثويني وأعرابه سوق تقام أينما حلَّ والى حيثما رحل. ثم أن أعراب ثويني رغبوا في أن تقام سوق دائمة قريبة من الفرات في الصقع الذي ترى فيه اليوم سوق الشيوخ لطيب مائه وحسن هوائه وكثرة مرعاه فأذن بذلك فاشتق اسمه من الغاية التي وضع لها. وقبل أن يعرف بهذا الاسم سمي سوق النواشي وهو اسم عشيرة من عشائر العراق وكان الشيخ ثويني يعطي تجار الشيوخ مئات من نقود الفضة والذهب بمنزلة قرض يستفيدون من نفعها ويردونها إليه حينما يطلبها منهم أو يطلب عوضاً منها. وكان اغلب شيوخ القبائل يمتارون من تلك السوق فعرف
باسمهم جميعاً. ومات اسم سوق النواشي. 3 - تاريخ بنائه وحالة هوائه قويت سلطة ثويني واتسع ملكه من نحو سنة 1150هـ - 1737م إلى نحو سنة 1200هـ - 1785م واختلف في سنة تأسيس السوق. فمن قائل أنه كان سنة 1162هـ - 1749م وفي قول آخر كان سنة 1175هـ - 1761 - 1762م والأصح القول الأخير على ما نقله أحد العارفين الثقات من أهل تلك الأصقاع. لأن اعظم أيام الشيخ ثويني هي سنة 1165هـ إلى يوم قتله الذي وقع سنة 1212هـ - 1797م في مكان اسمه الشبكة وبعد وفاة الشيخ الكبير أصبح سوق الشيوخ مركزاً لمهمات شيوخ المنتفق ومخزناً لذخيرتهم ومئونتهم وملجأ حصيناً يلجئون إليه كلما احتاجوا إليه. فكم من حاجة قضيت فيه! وكم من دم
سفك على أرضه! وكم من أمير اغتيل على صعيده! وكم من هدية أو عطية جزيلة أكرمت في بيوته! إلى غير ذلك من الأمور التي لا تحصى ولا تعد! إلا أنه لما ضعفت قوة المنتفق وانتكثت مرائر أمرائهم وشيوخهم ووقع بين رؤسائهم اختلاف الكلمة اشتد نفوذ الدولة هناك فأدخلته في جملة ما أدخلته في أملاكها وقيد في سجلات أملاكها وأنشئ في ذلك الصقع نواحٍ وأقضية وألوية وجعلت السوق قضاءً سنة 1288هـ (1871م) ثم أخذ بالتقهقر والانحطاط حتى غدا في سنة 1315 (1897م) بمنزلة مديرية وأن كان فيه قائم مقام. وذلك باعتبار خطورته وانحطاط رقيه ورجوعه القهقرى عن سابق ما كان عليه من الشان والمنزلة. أما سبب هويه أو تسفله فهو انقطاع الأعراب عن الامتيار منه ووخامة أرضه وكثرة الأمراض والحميات التي تفتك بأهاليه لأن البطائح أو الأهوار تحيط به من كل جانب وتفسد هواءه. بينما كان في السابق بعيداً عن كل غمق ووبالة. وذلك لأن الشيخ ثويني كان قد افرغ جهده في منع وصول مياه طغيان دجلة إليه. بخلاف ما يحدث الآن فأن اغلب الأنهار قد طمت أو دفنت فانتشرت المياه في كل جهة بدون رادع يردعها أو حاجز يحول دونها وإذ لا تجد مجرى أو مصباً تنحدر إليه تبقى هناك مدى السنة فتخرب وتدمر وتتلف وتمرض وتقتل وتفتك بدون معارض أو محاسب ومن أسباب انحطاطها معاودة الطاعون إياها من حين إلى حين واشد طواعينها الذي فتك بها سنة 1832 فانه لم يبق ولم يذر. 4 - سكانه وتجارته كان سكان سوق الشيوخ من عرب ثويني وأهالي نجد لا غير وكانوا
كثيرين إلى قبل نحو خمس عشرة سنة وكان عددهم على الوجه الآتي: مسلمون شيعيون 2. 250 مسلمون سنيون 8. 770 صابئة 700 يهود 280 المجموع 12000 وكان عدد بيوتها في ذلك العهد 2000 بيت و1500 صريفة (بيت يشبه الكوخ) وكان فيها مسجدان للسنة ومسجد للشيعة وحمام واحد وخان و240 دكاناً و5 قهوات. وأما اليوم فلا يوجد فيه أكثر من 4 آلاف نسمة وهم مقسومون ثلاثة أقسام وهي: ثلاثون بالمائة منهم من أهالي نجد وهم وهابيون. والثلاثون الآخرون من البغداديين والأربعون الباقون من سائر أهل العراق ويطلق عليهم اسم (الحضر) واكثر التجارة بيد الحضر. وبياعاتهم هي كل ما تطلبه البادية من ألبسة وثياب وأحذية يليها في كثرة البيع توابل (وهي الإسقاط بلسان بعضهم والعطارية بلسان الآخرين) وبزور وحبوب وقطاني وما شابهها. ومن أهم تجارته الخيل فهي من أجود خيل البلاد لأن أصل اغلبها من نجد وما جاورها. 5 - زراعته وصناعته زراعة السوق الشلب (من أنواع الأرز أو التمن) والذرة (ويسمونها الاذرة) والدخن والحنطة والسمسم والشعير والهرطمان والماش. وواردات الزروع هي على الأقل ألف طغار (أو تغار والتغار يختلف وزنه باختلاف ديار العراق واختلاف الموزونات. واختلافه بين 1000 و1540 كيلو غراماً) والمياه هناك كثيرة كلها متدفقة من الفراتين. وهم يزرعون
أيضاً على شواطئ البطائح إلا أن زراعتهم قليلة بالنسبة إلى مياههم واتساع أراضيهم وكثرة فلاحيهم. ولعل أسباب تقهقر زراعتها كثيرة الفتن المستعرة نيرانها بين عشائر تلك الربوع. وأما صناعة السوق فليست مما يشار إليها بالبنان وكل ما فيها هو عبارة عن معرفة ما تمس إليه حاجة البدوي ومعروف ومبتذل في سائر الديار العراقية. إلاَّ أن أهاليها مشهورون بحياكة الأعبئة المخططة وهي معروفة في ديارنا باسم الاعبئة الشيخلية نسبة إلى سوق الشيوخ. ومن لا يحسن الحياكة يتعلم الحدادة وحدادتهم متوقفة على صنع المساحي وجميع آلات الزراعة البسيطة العمل. والصياغة من خصائص الصابئة (المعروفون بالصبة والواحد منهم صبي بضم الأول وكسر الثاني المشدد) وكذلك النجارة وجلّ نجارتهم متوقفة على عمل المشاحيف (جمع مشحوف راجع لغة العرب 102: 2) وأما اليهود فمعظم أشغالهم قائمة على البيع والشراء والإِقراض بالربى الفاحش. 6 - قسمته وحكومته ليس في هذا القضاء إلا ناحية واحدة هي ناحية بني السيد. وفيه قيم مقام لإدارة القضاء. ومدير لإدارة الناحية. يساعدهما مجلسا إدارة. 7 - العلم فيه لا شأْن يذكر للعلم هناك. وسكانه لا يعرفون الصحف ولا الصحافة إلا من ندر. وجملة من يطالع الكتب وبعض الجرائد النادرة لا يجاوزون عشرة أو خمسة عشر واغلب هؤلاء من أهالي نجد. وفيه أربعة كتاتيب يتردد إليها نحو 50 طالباً وفي أيام بدءِ الشتاء
الفرق بين الصالح وغير الصالح
60 أو 70 وفي أيام الحصاد 30 وهي مقسومة على هذا الوجه: 3 كتاتيب للمسلمين وفيها 3 معلمين و40 طالباً وكتاب واحد للصابئة. وفيها معلم واحد و10 طلاب. سليمان الدخيل صاحب الرياض إفادة عن كتاب الفرق بين الصالح وغير الصالح - كتب إلينا حضرة العلامة المستشرق الأسباني مغويل آسين بلاثيوس رسالةً ومن جملة ما ذكر فيها عبارة تتعلق بكتاب الفرق بين الصالح وغير الصالح قال حرسه الله ذكرتم هذا الكتاب في مجلتكم في عدد آب سنة 1911 في الصفحة 59 - 63 وأنه كتاب مستقل قائم برأسه. والذي أراه أنه القسم الثاني من كتاب الغزالي بنفسه المعروف باسم: (التبر المسبوك، في نصيحة الملوك) وقد طبع في مصر في مطبعة الآداب والمؤبد سنة 1317هـ وقارئ هذا السفر يطلع على أن كتاب التبر الذي أنشأه المؤلف المذكور باللغة الفارسية إنما ألفه للسلطان محمد بن ملك شاه وهو مقسوم قسمين: القسم الأول يحوي عشرة أصول وعشرة فروع في الإيمان والعدل. وعين لسقي شجرة الإيمان. والقسم الثاني يبتدئ في الصفحة 40 ويشتمل على سبعة أبواب. ومضامينها وأسماؤها مثل مضامين وأسماء كتاب الخط المذكور في مجلتكم. ودونك الآن صفحات رؤوس الفصول في الكتاب المطبوع الفصل 1 ص40. الفصل الثاني ص 83 الفصل الثالث ص 89 الفصل الرابع ص 93. الفصل الخامس ص 104 الفصل السادس ص 115 الفصل السابع ص 123. إذاً أظن أن السيد مرتضى في كتابه الإتحاف 19 لم يتكلم عن كتاب الفرق إلا لأنه كان قد توهم أن هذا الكتاب يختلف عن كتاب التبر وأنه مستقل عنه. والمثال الذي تذكره لغة العرب وقد استلته من المثال الذي تذكرة لغة العرب وقد استلته من الباب الثامي موجود برمته
حافظة الإمام ابن الحداد
وبعبارته في كتاب التبر في الصفحة 89. ومن سياق هذا المثال اخذ على ما أظن اسم الكتاب الخطي الذي نقش على صدره ومن هذا السياق أيضاً نشأ وهم السيد مرتضى والحاج خليفة صاحب كشف الظنون واليك عبارة التبر: وإنما ذكرنا هذا ليعلم من يقرأ كتابنا هذا الفرق بين الصالح وغير الصالح. وعليه أظن أن البعض قسموا إلى كتابين مختلفين لواحد عن الأخر ما هو مقسوم إلى بابين في كتاب واحدٍ. وعلى هذا الوجه فرقوا ما كان متصلاً. والله الهادي إلى الصواب.) (لغة العرب) إننا نشكر لحضرة المستعرب ما تفضل به علينا من الإفادة. وأننا الآن لنوافقه على ما يذهب إليه. إذ يظهر لنا أنه موافق للصواب. وهو فوق كل علم عليم. حافظة الإمام ابن الحداد وإحراق كتب المدرسة النظامية جاء في كتاب خط عندنا للشيخ عبد الوهاب بن احمد الشعراني المتوفى في سنة 973هـ (1565م) يذكر فيه المنن والنعم التي جاد بها الله عليه ما هذا نصه: (نقل في الطبقات أن الإمام ابن الحداد لما أحرقت كتب العلم التي في المدرسة النظامية ببغداد وندم على ذلك واقفها نظام الملك قالوا له: لا تخف فأن الإمام ابن الحداد يملي جميع ما أحرقت من حفظه. فأرسلوا ورآه فأملى جميع ما حرقت في مدة سنين ما بين تفسير وحديث وأصول وفقه ونحو وغير ذاك.) وفي هذا الكلام فائدتان الأولى: احتراق كتب المدرسة النظامية في أيام حياة واقفها والثانية: حافظة ابن الحداد الهائلة التي لم يسمع بمثلها في سائر الديار. المرء ودنياه - حياة المرء في دنياه ركب ... يجوب الأرض في طولٍ وعرض فتغوير له في أرض قومٍ ... وتعريس له في غير أرض وأيام الشهور هي المطايا ... تجد السير بعض اثر بعض
فوائد لغوية
وما عيش الفتى إلا غرور ... كظل زائلٍ أو بدو ومض فديتك هذه الدنيا تفكر ... تجدها ساخطاً من حيث يرضي كاظم الدجيلي فوائد لغوية في التأنيث جواب عن سؤال أحد النجفيين الوارد في 73: 2 المؤنث في العربية على نوعين: مؤنث حقيقي وهو ما كان بازائه مذكر من جنسه كالمرأة بازاء المرءِ. ومؤنث مجازي أو غير حقيقي وهو ما ليس بازاِئهِ مذكر كالخيمة والدواة. - ويقسم المونث قسماً آخر وهو: مونث لفظي وهو ما ظهرت فيه علامة من علامات التأنيث وهي التاء والألف المقصورة والألف الممدودة. ومونث معنوي وهو ما قدرت فيه تاء التأنيث مثل الشمس والأرض. فإذا علمت هذا، فالمونث أمر معنوي في الأول، ولفظي في الثاني. ولهذا قد ترد اللفظة الواحدة مؤنثاً ومذكراً حسبما يعتبر فيها أحد هذين الأمرين. فإن طلحة وارطى وخضراء، هي مذكرة، إذا سميت بها رجالاً. وهي مونثة إذا اعتبرتها من النباتات. - وقد تكون اللفظة الواحدة بمعنى واحدٍ وهي مع ذلك مذكرة ومونثة معاً حسبما تشاء. كأرنب وقدوم وفاس. وهذا ناشئ عن أحد هذه الأمور الثلاثة أي أما أن يكون العرب الأقدمون عرفوا في سابق العهد (الجنس المشترك أو المجرد أو الخنثى، وهو ما لا يعرف له مذكر أو مؤنث كالهيكل مثلاً والورقة والكتاب
كما تعتبر كذلك في بعض اللغات الآرية إلى يومنا هذا، فلما تركه العرب طلباً لتسهيل الأمر اعتبروا اللفظة الخنثى مؤنثاً ومذكراً معاً، أو تارة مؤنثة وطوراً مذكراً تلميحاً إلى الأصل المجهول جنسه. - وأما انهم تصوروا فيها تارةً التذكير وطوراً التأنيث حسبما تصوروا فيها الأصل أو الفرع، القوة أو الضعف، الإمداد أو الاستمداد. فإن الذين توهموا التذكير في القدوم تصوروا فيه ما فيه من قوة النجر والنحت. والذين توهموا فيها التأنيث تصوروا أنها لم تحصل على هذه القوة إلا لكون الإنسان أمدها بهذه القوة. وأما لأنهم قدَّروا للتذكير لفظاً مذكراً وللتأنيث لفظاً مونثاً. فإن الذين ذكروا القدوم توهموا فيه (الشيءَ القاطع أو الناحت أو الناجر). والذين أنثوها توهموا فيها (الآلة القاطعة أو الناحتة أو الناجرة). هذا وقد ذكرنا في صدر هذا الكلام العلامات الثلاث للمؤنث اللفظي. وأما أدلة المؤنث المعنويّ فهي: 1 - إن تكون اللفظة علماً لأنثى كهند ومريم: 2 - إن تكون مختصة بالإناث كأُم: 3 - إن تكون اسم بلدة أو قرية أو قبيلة أو أمة كبغداد وفدك وقريش والعرب: 4 - إن تكون من الأعضاء المزدوجة. وهذا الشرط ليس بأغلبيّ فأن الألفاظ: عين وأذن ويد مزدوجة. وهي مؤنثة والألفاظ: صدغ ومرفق وحاجب مذكرة مع أنها مزدوجة. فالسماع والنقل هما الحاكمان الفاصلان في هذا الأمر. هذه هي القواعد العامة. وهناك تفاصيل لا محل لها هنا، وهي تطلب في كتب القوم. إلاَّ أنه يحسن بالكاتب أن يعلم أن ما فيه تاء التأنيث ومدلوله مذكر كطلحة وحمزة يذكر ولا يؤنث ولا ينظر إلى اللفظ وشذ قوله: أبوك خليفة ولدتهُ أخرى.
باب المشارفة والانتقاد
فهذا من كلام المولدين. والمولدين الضعفاء. وكلام هؤلاء الأقوام لا يعد حجة ثبتاً يستشهد بهِ في مثل هذا الموطن. ثم أن التذكير والتأنيث لا يتحققان إلاَّ في الأسماء إذا قصد مدلولها فأن قصد لفظ الاسم جاز تذكيره باعتبار اللفظ، وتانيثة باعتبار الكلمة. وكذا الفعل والحرف وحرف الهجاء يجوز فيها الوجهان بالاعتبارين المذكورين وأما ما لا يتميز مذكره عن مؤنثه. فإن كان فيه التاء فهو مؤنث مطلقاً كالنملة والقملة للمذكر والمؤنث. وإن كان مجرداً من التاءِ فهو مذكر مطلقاً كالبرغوث للمذكر والمؤنث. قاله أبو حيان. ومما جاء في الهمع قوله: قد يذكر المؤنث وبالعكس حملا على المعنى، نحو قوله: ثلاث انفس، وثلاث ذودٍ. ذكر الأنفس بإلحاق التاء في عددها حملاً على (الأشخاص). وسمع جاءَته كتابي فاحتقرها. أنث الكتاب حملاً على الصحيفة أو الرسالة. - وبهذا القدر كفاية. باب المشارفة والانتقاد 1 - أنا الحق (بحث تاريخي انتقادي في هذه الكلمة الخاصة بمعتقد علم المتصوفة اعتماداً على الأسانيد الإسلامية) للويس ماسنيون باللغة الفرانسوية. الأديب لويس ماسنيون من مشاهير المستشرقين الفرنسويين. قدم بغداد سنة 1907 فرأينا فيه عالماً خبيراً بتاريخ العرب ومشاهيرهم ومؤلفاتهم حتى أنه لا يشق له غبار في هذا الميدان مع حداثة سنه. وقد بحث في مؤتمر المستشرقين المنعقد في آثينة في 11 نيسان 1912 بحثاً دقيقاً في هذه الكلمة: (أنا الحق) المنسوبة
إلى الحلاج. (راجع لغة العرب 25: 2) فأوغل في بحثها التاريخي إيغالاً عجيباً حتى فاق المتصوفة أنفسهم. وقد كتب كل ذلك باللغة الفرنسوية فجاء بحثه هذا فذاً في بابه. إلا أنه وقع له فيه بعض الأغلاط في ضبط الأعلام فنستأذنه في تصحيحها. ولما كان ضبطه لها بالحروف الفرنجية أصبح غلط الطبع بعيداً عنها. من ذلك: اسم ابن مسكويه ص 248 فأنه كتبه بالشين والمشهور بالسين. وإن كان أصل الاسم بالشين. وضبط اسم الغزالي ص 249 بالزاء الخفيفة كما يضبطه جميع علماء الإفرنج على اختلاف عناصرهم. والأصح الأفصح تشديد الزاء. قال ابن خلكان (29: 1) الغزالي: بفتح الغين المعجمة وتشديد الزاء المعجمة وبعد الألف لام. هذه النسبة إلى الغزال على عادة أهل خوارزم وجرجان، فأنهم ينسبون إلى القصار: القصاري، وإلى العطار العطاري. وقيل: إن الزاء مخففة نسبة إلى غزالة وهي قرية من قرى طوس (وهو خلاف المشهور). ولكن هكذا قاله السمعاني في كتاب الأنساب والله اعلم. وضبط الكيلاني ص240 بالكاف العربية والأصح بالكاف الفارسية المنقطعة بثلاث وهي تلفظ كالجيم المصرية ولهذا تكتب أيضاً نسبة إلى جيلان. الصقع المشهور. ومنهم من يخطئ هذا اللفظ ويقول أن الأفصح هو الجيلي أو الكيلي بالكاف الفارسية. وعلى كل حال فالكاف العربية خطأ هنا لأن العامة نفسها لا تخطئ في لفظها. فكيف لا يجب أن يصححه الخواص. وضبط في تلك الصفحة جلال الدين الرومي بدون ألف بين اللامين وهو خطأ لا حاجة إلى التنبيه عليه لاشتهاره. وضبط الألفاظ المختومة بالهاء بفتحة مشبعة أي أنه قال مثلاً والأصح أنها غير مشبعة كما يتحصل ذلك من كتب التجويد ومن الأخذ عن القراء المجيدين. على أنه قد خالف هذه القاعدة في بعض الأحيان فكتب وهذه هي الفصحى. وكان يحسن به أن يجري على وتيرة واحدة. على أن في قوله ابن مشكوية بضم الكاف وسكون الواو وفتح الياء غلط والأصح مسكويه بفتح الكاف والواو واسكان الياء وكسر الهاء
فلقد جاء في فوائد رحلة ابن رشيد ما نصه: مذهب النحاة في هذا ونظائره (كعمرويه ونفطويه وسيبويه وحربويه وخالويه) فتح الواو وما قبلها وسكون الياء ثم هاء والمحدثون ينحون به نحو الفارسية فيقولون هو بضم ما قبل الواو وسكونها وفتح الياء واسكان الهاء. فهي هاء على كل حال والتاء خطا. قال: وكان الحافظ أبو العلاء العطار يقول: أهل الحديث لا يحبون (ويه). وهكذا ذكره النووي في تهذيبه في ترجمة أبي عبد الله بن حربويه نقله السيوطي في التدريب (عن كتاب حياة البخاري ص11) والكتاب يصور الجيم العربية بحرف الفرنسوية وهو خطا بين فأن الجيم الفرنسوية يقابلها الزاء المنقوطة بثلاث وأما الجيم العربية فهي أو بعلامة خصوصية يصطلح عليها كما فعل صاحب مجلة الانثربوس التي تنشر في فينا. وهو يسقط الهمزة من جميع الألفاظ التي فيها همزة فيقول مثلاً: مؤمن الجزايري والأصح مؤمن الجزائري بهمز الواو في مؤمن وهمزة مكسورة بين الألف والراء في الجزائري. ويذكر (المتكلمين) بصورتها العربية المرفوعة (أي المتكلمون) والأوفق أن يقول أو أن يتصرف بإعراب اللفظة بحسب مواقعها من رفع ونصب وجر. ولو كان يبقيها على حالة النصب أو الجر لكان احسن من اتخاذها بحالة الرفع ورود الحالتين بخلاف الرفع فانه اقل وروداً. وذكر الحلاجي المنسوبة بصورة أي بالنسبة الفرنسوية والعربية معا. والأصح أن يتصرف بها على الوجه العربي أو على الوجه الفرنسوي لا بكليهما معاً لما ينشأ من الثقل باتخاذ هذا اللفظ المزدوج النسبة. وفي بعض الأحيان يضبط العبارة العربية ضبطاً أعرابياً بالحروف الإفرنجية كما في ص 252 في قوله التوحيد (كذا بسكون الدال والأصح التوحيد بضم الدال) إفرادك متوحدا (كذا والأصح متوحداً) وهو أن يشهدك الحق إياك (بفتح الهمزة والأصح إياك بكسر الهمزة) وفي بعض الأحيان يهمله كما في ص 253 وص 257 وهو يلحن غالباً في ضبط الشاهد عند إيراده إياه كما في ص 257. انكسر مغزل رابعة. وبقي قطن الحلاج. والأصح مغزل بكسر الميم وهو الأفصح أو ضمها وهو دونه فصاحة لا بالفتح كما ضبطها لأنه ضعيف وقد سمع. واللام من مغزل مرفوعة ساكنة كما ضبطها أو الأصح في بقي وزان رضي لا وزان
رمي ويجب رفع نون قطن لا إسكانها كما ضبطها ثم قال أن المراد برابعة ههنا: رابعة العداوية وكسر عين الكلمة الثانية واسكن دالها والأصح العدوية بفتح العين والدال وبدون ألف. وفي ص 252 ضبط اسم البيروني العلامة الشهير بكسر الباء وهو خطأ والأصح بفتح الباء كما ذكره السمعاني في كتاب الأنساب قال: البيروني. بفتح الباء الموحدة وسكون الياء أخر الحروف وضم الراء بعدها الواو وفي أخرها نون. هذه النسبة إلى خارج خوارزم. فإن بها من يكون من خارج البلد ولا يكون من نفسها يقال له (بيروني ست) ويقال بلغتهم (انبيزك ست) والمشهور بهذه النسبة أبو ريحان المنجم البيروني. اهـ. هذا ما بدا لنا في أثناء المطالعة ولعلنا نحن المخطئون وهو المصيب. وهو فوق كل علم عليم. 2 - الحق (جريدة لبنانية أسبوعية أنشئت 12 آذار سنة 1909 تصدر في بيت شباب صاحب امتيازها الخوري طوبيا عطا الله. قيمة الاشتراك فيها عن سنة في لبنان 10 فرنكات وفي سائر الجهات 15 فرنكا.) جريدة حسنة المبدأ ترمي إلى الوفاق والوئام بين العناصر والى حب الوطن والسعي في إعلاء مناره. وهي بعبارة فصيحة إلا أن كاغدها وطبعها يحتاجان إلى تحسين. 3 - الشعب (جريدة جامعة أنشئت لخدمة الشعب الشوفي. توزع مجاناً. منشئها ورئيس تحريرها رشيد نخلة. مديرها المسؤول ظاهر زيدان.) صحيفة لبنانية الفكر مدافعة عن حقوق سكان الشوف بعبارة حرة وصاحبها طلق اللسان إلا أنه يحتاج إلى تصحيح في بعض المواطن وتخليص التصحيف واللحن من مواطن أخرى.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
4 - دار السلام تقويمي تقويم حسن الطبع بديع الترتيب لا يدانيهِ ما يطبع من جنسه في ديار الشام أو مصر وهو في أربعة تواريخ وهي السنة الهجرية والسنة المالية الشمسية والسنة العبرانية والسنة الإفرنجية. وفيه أيضاً ذكر المواسم والأعياد عند المسلمين والنصارى واليهود مع ذكر ما يحدث في فصول السنة من برد وحر ووقوع مطر وزرع بعض الأشجار. ومما فيه أيضاً ذكر ساعات طلوع الشمس وساعات الظهر والعصر والعشاء والإمساك ودرجة البروج الشمسية. فأنت ترى من هذا البيان أن هذا التقويم مما يحرص على اقتنائه ويتفاخر بحفظهِ. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - واردات الممكس في بغداد كانت واردات الممكس (الكمرك) سنة 1326 مالية نحو 16 مليوناً ونصفاً من الغروش الصحيحة أي نحو أربعة ملايين فرنك و250، 31 فرنكاً. ولما زادت الحكومة الضرائب على الأموال الداخلة إلى بلدتنا وجعلتها 11 بالمائة بلغت الواردات سنة 1327 مالية نحو 26 مليوناً من الغروش الصحيحة أي نحو 6 ملايين ونصف من الفرنكات. وهذا يدلك على تجارة بغداد وما تكسبه الدولة من ممكسها. 2 - الاضطراب في إيران ما زال جو السياسة في إيران مضطرب ديارها لا تعرف الأمن والراحة ولهذا انقطعت سبل التجارة بينها وبين ربوع العراق وأصبحت في بغداد في كساد عظيم. ومن الوقائع التي أضرت البلاد والعباد ما حدث بين حاكم كرمنشاه فرمان فرما وبين أيار محمد خان. فأريقت الدماء في أسواق كرمنشاه بصورة تقشعر لها الأبدان. ولولا أن الله راف بعباده فنصر الحاكم على الزعيم
الزنيم محمد خان لا صبحت المدينة في قبضته. فعسى أن تهتم حكومتنا بتوطيد الأمن بين كرمنشاه وخانقين بخفر الطرق ونفضها من اللصوص والمقاليص لتراجع التجارة إلى مياهها. 3 - عشيرة الغزالات في 4 ت 2 وصل بغداد نخيلان بن جبر أحد شيوخ شمر يتظلم إلى الحكومة من هجوم الغزالات على أعرابه ونهبهم أموالهم وإلحاق الضرر بأربعمائة بيت من بيوتهم وسرقة خيل وابل وغنم منهم. والأمل أن تسترجع الحكومة المنهوبات. 4 - عشائر ربيعة بعد أن خرج سعدون باشا في حلب من دياره وظعنت معه من الغراف أسرته الكبيرة اتفق الشيخ شبلي بك ابن فهاد بك ابن منصور باشا أحد شيوخ المتفق من سكان الغراف وزراعه مع الشيخ محمد الياسين شيخ أعراب المياح أحد رؤساء ربيعة التابعين للأمير محمد الحبيب أكبر أمراء ربيعة على أن يحمي أراضيه عن تعدي العشائر الأخرى عليه ويعوض عن ذلك بشيء معلوم بينهما وهو نصف حاصل أراضي شبلي بك الموما إليه عن خمس سنوات ابتداء من سنة 1328 مالية، لكن الشيخ محمد الياسين لم يقم بما وعد، بل تجاوز طوره أو يكاد. فدخل الشبلي على محمد الحبيب ليحفظ له حقه. فاستدعى الشيخ محمد الياسين ليذكره بإيفاء وعده فأبى واخذ يجند الجنود ليقابل الأمير وإعرابه. إلا أنه لما أحس بضعفه بازاء ما رأى من عزم أمير أمراء ربيعة وكثرة ما لديه من العدد والعدد وتوطيد النفس على التنكيل به طلب منه الرحمة فعدل الأمير عن الهجوم بعد أن اشترط عليه عدة شروط يقوم بوفائها لقاء ما كان قد تعهد به للشبلي. فوعد محمد الياسين أن يدفع له خمسة آلاف ليرة نقداً وألف ليرة تدفع قسطين: النصف الأول في السنة المقبلة والنصف الآخر في العام الذي يليها. وعليه حقنت الدماء، ومنع حلول البلاء. 5 - عشيرة شمر اجتازت عشيرة شمر بغداد وما بين الرافدين بقيادة رئيسهم الأكبر حميدي بك ابن فرحان باشا متوجهين إلى قضاء الجزيرة فكوت الإمارة ومنها إلى لواء المنتفق لخصب مرعاه ورخص المعيشة فيه، ومعهم القعيط أيضاً رئيس الفرقة الثانية.
6 - الضفير تمادت هذه العشيرة في غيها وطغيانها وأبت دفع ما عليها للحكومة ولأمراء نجد، فجارتها بعض عشائر الغراف والسماوة حتى زينت لهم نفوسهم أن يقوموا مقام السعدون في الشامية. فلما رأى عجمي بك ما تطمح إليه أنظارهم طلب إلى الأمير ابن الرشيد أن يكسر من جبروتهم ففعل وخضد شوكتهم وأجبرهم على أداء ما عليهم للحكومة وأذعنوا له صاغرين. ثم أن الأمير ابن الرشيد اخطر حمد بن سويط زعيم الضفير أن يخضع لأوامر عجمي بك فقبل. وذهب شيوخ الضفير لمقابلة الأميرين: الأمير ابن الرشيد والأمير عجمي بك وقدموا لهما رسوم الخضوع والطاعة وعادت مياه الراحة إلى مجاريها. وقد هبطوا قرب أراضي الغبيشية (بفتح الغين وكسر الباء) حيث أمرهم عجمي بك أن ينزلوا مع الأعراب الذين تحت سطوته وهم هناك الآن في راحة واطمئنان. 7 - الرولة قدم ابن معجل من قبيلة الرولة وابن ماض من عشيرة آل عيسى ومعهما 500 هجان من بلاد الشام هابطين ديار العراق ليشنوا الغارة على عشائرها فغزوا عشيرة السبعة بجوار القبيسة (بالتصغير) ونهبوا منم آلفي بعير ولم يفقدوا من أصحابهم إلا أربعةً مع أسير واحد. وفي أثناء الغارة كان المسمى الديدب يرصد طريقهم. فلما أدركهم الظما وقدموا احد الموارد هجم عليهم الديدب وهو أحد الشيوخ ومعه جماعة من أصحابه واستردوا ما أخذوه من عشيرتهم ولم يتركون لهم إلا ما يكفيهم العودة إلى بلادهم من ماء وزادٍ لا غير. 8 - متبوعو عجمي بك السعدون زادت سطوة عجمي بك هذه الأيام حتى أصبحت التابعون له والخاضعون لآمره ألوف مؤلفة من الأقوام وله تحت رايته عدد عديد من المقاتلين مجموعين من عدة قبائل وهي مطير وعتبته وبني سد (بتشديد الدال وتصحيف أسد) وشمر ومن عشائر العراق: العساكرة والغزي (بكسر الأولين وتشديد الياء) والنواشي وحكام (كشداد) والبو حميدي والحسن (بكسر ففتح) وبني سالم والغريافية (بكسر الأول) والشواوشة وأهل السورة (وزان عورة) والبو حمدان وبني حطيط (بحاء مهملة في الأول وعلى وزان زبير) وآل إسماعيل
والعمائر والحول (وزان سبب) والبو شامة والفهود والشواليش والبو خليفة والبو جويبر (تصغير جابر) والزياد والمومنين وآل شميس (تصغير شمس) والنجيمات (بالتصغير) وغيرهم مما يطول ذكر أسمائهم. وتقريباً جميع عشائر المنتفق النازلة على الفرات. 9 - الشيخ قاسم ثاني أمير قطر تنازع أحد الجنود العثمانية مع أحد أبناء الشيوخ في قطر على شيء زهيد ولولا توسط هذا الشيخ ابن ثاني لالتحم القتال بين العرب والجنود العثمانية فنشكر له سعيه الحميد هذا. 10 - الأمير ابن السعود خرج ابن السعود من بلاده بجنود كثيرة قاصداً بلاد القصيم ونيته تجريد حملات منه. 11 - إعانة أهل عمان والبحرين ثارت الحمية الأعرابية في صدر الشيخ بطي بن سهيل أمير دبي (بالتصغير) وصدر الشيخ صقر بن غانم أمير الشارقة وفي صدور أهالي عمان قاطبة فتبرعوا بالأموال الطائلة لأعانة الدولة في حربها. وكذلك فعل أهل البحرين مع شيوخ تلك الجزيرة. 12 - وجيه بك مدير زراعة ولاية بغداد وجيه بك من الرجال المعدودين في الولاية ومن أهل السعي ومحبي الرقي الصادق ومنذ أن تعين مديراً لزراعة ولايتنا افرغ وسعه في جلب معاون (جمع معينة وهي المكينة أو الماكينة. وتجمع أيضاً على معينات) بخارية فبلغ عددها نحو المائتين اشتراها أصحاب الأملاك في الاقضية لسقي أراضيهم وبساتينهم. فنتمنى لصديقنا المدير إقامة طويلة في بغداد مقرونة بصحة وعافية. 13 - تبرع شيخ أعرابي تبرع الشيخ مزعل رئيس عشيرة القوام بحصان ادهم أصيل للجنة الإعانة الحربية في كربلاء. 14 - قدوم أميرين أعرابيين إلى بغداد قدم حاضرتنا الشيخ محمد الحبيب أمير أمراء ربيعة ومعه الشيخ محمد الشمران
من شيوخ ربيعة أيضاً. 15 - جمعيات عربية سياسية أنشئ في مسقط جمعية عربية سياسية رئيسها حمد بك نجل السيد فيصل سلطان مسقط وغايتها إسعاد الوطن. ويوجد مثل هذه الجمعية في البحرين والكويت أيضاً. 16 - أخبار خليج فارس جاء مياه مسقط والفاو أسطول إنكليزي عدد سفنه البحرية 17 وقد تضاربت الآراء في سبب قدومه. فمن قائل أنه لمساعدة سلطان مسقط. ومن قائل أنه لحفظ ثغور الخليج من إلحاق الضرر بها. إلى غير ذلك. ورعايا فرنسا تبيع الأسلحة علناً في مسقط وعمان لكن تقرر في هذه الأيام أن ما يرد هذين البلدين من الأسلحة يحفظ في خزائن خصوصية إلى أن تنتهي المذاكرة بين فرنسة وإنكلترة بشان بيعها. وقيل أن فرنسة عرضت على أمير الكويت فتح مخازن تجارية لهذا الغرض فأبى الشيخ (كلها عن الرياض ببعض تصرف) 17 - قدوم محمد زكي باشا والي ولاية بغداد في الساعة الثانية وربع من نهار الثلاثاء 12 ت 2 دخل محمد زكي باشا بغداد ونهار السبت 16 من الشهر المذكور في الساعة 9 قبل الظهر قرء الأمر العالي بتوليته (الفرمان) بحضور أمائل البلدة وأكابرها وقد تعين والياً على بغداد ومفتشاً للفيلق الرابع. فأهلا وسهلا به. 18 - حمية أبناء مكاتب ولايتنا للإعانة الحربية بلغت إعانة مكاتب اقضية ولاية بغداد وبعض مكاتب الحاضرة 10709 غروش صحيحة و15 بارة. وبلغت إعانة الضباط والأطباء 11988 قرشاً صحيحاً وقد أرسلت هذه المبالغ إلى جمعية الهلال الأحمر في الأستانة بواسطة المصرف العثماني. 19 - الأدعية للدولة العثمانية نهار الاثنين 11 ت 1 اجتمع الإسرائيليون في أكبر كنيس لهم وطلبوا إليه تعالى أن ينصر الدولة العثمانية على أعدائها. ونهار الخميس 14 من الشهر
المذكور احتشد المسيحيون في كنيسة الكلدان وفي مقدمتهم رؤساء الطوائف وتضرعوا إلى الله عز وجل أن يبارك مساعي الدولة في كل ما يعود إليها بالخير والصلاح ويحفظها من الملمات والبلايا. 20 - زراع القطن في المحمرة احضر الشيخ خزعل من مصر 16 زارعاً عارفاً بزراعة القطن والأمل أنه ينجح في مشروعه لأن أراضيه حسنة لهذا النبت وتمتد من فم الخليج الفارسي إلى قصره قصر الكمالية. 21 - العرب في بمبى (الهند) نمى إلى الدستور أن العرب في بميى (من ديار الهند) ما زالوا يوالون عقد مجالس لجمع الإعانة الحربية بهمة رئيسي اللجنة وهما الشيخ قاسم وعبد الرحمن آل إبراهيم وقد زاد هذان الكريمان ما تبرعا به بالأمس ضعفه حتى بلغ تبرعهما في المرتين 60. 000 روبية (والروبية نحو فرنكين) وقد بلغت الإعانة في الاجتماع الأول 151. 000 روبية وفي الاجتماع الثاني 272000 مع أن الحاضرين لم يكونوا كثيرين والأمل أن هذا المبلغ يتضاعف مراراً. 22 - وكيل والي البصرة ورد الأمر بتعيين قائد الفيلق في حاضرتنا حضرة علي رضا باشا الركابي وكيلاً لولاية البصرة وقد سافر إليها صباح 27 ت 2 كتب الله له السلامة. 23 - وفاة الشيخ عبد الله المازندراني توفي في النجف في الأسبوع الأخير ت2 الشيخ عبد الله المازندراني فرفع وكيل إيران في بغداد علم الحداد إعلاناً لهذا المصاب فنطلب له من الله الرحمة والرضوان ولأهله الصبر والسلوان. (المصباح) 24 - حريق في دار المعلمين ظهرت النار في 26 ت 2 في سقف إحدى غرف دار المعلمين. وكان منشأها من موقد الحمام فبادر الطلبة إلى إطفائها ثم ساعدهم على ذلك بعض موظفي البلدية والعسكر فأخمدت في الحال ولم تتجاوز المحل الذي ظهرت فيه.
العدد 19
العدد 19 - بتاريخ: 01 - 01 - 1913 قبور غريبة قديمة في البحرين سابقة لعهد التاريخ 1 - تمهيد الأثر الذي أريد أن أوجه إليه أنظار قراء لغة العرب هو المدافن القديمة العهد في البحرين فقد عزمت على أن أدون ما صرح ومحض من تاريخها خدمة للناطقين بالضاد لخفاء أمرها على الكثيرين منهم وطموس أخبارها حتى عن أغلب الرواد والمستشرقين معتمداً في ذلك على الثقات من السياح والمؤرخين. 2 - الطريق المؤدية إلى المدافن القديمة بعد أن يلقي السائح عصا ترحاله في البحرين يقصد المقابر المهجورة في وسط الجزيرة التي تبعد نحو سبعة أميال عن (منامة) إذا أراد الوقوف على سابق حضارة تلك الديار وأول ما يصادف في طريقه أرضاً جرداء رملية لا يوجد فيها من الآثار المهمة سوى قلعة عظيمة الشأن مربعة وفي خارج أسوارها مدفع لا بل مدفعان قديما العهد مهملا الاستعمال قد علاهما الصدأ والغبار وفي كل ركن من أركان المعقل برج هائل وهو عبارة عن صرح كان حاكم البلدة أي شيخها يصطاف فيه وداخل أسوارها الشاهقة لا يوجد
إلا غرفتان أو ثلاث صالحة للسكنى والإقامة. أما بقية الغرف فيأوي إليها أعوان الشيخ وخدمه الذين كانوا يدافعون دفاع الأبطال عن رفقائهم إذا مست الحاجة إلى ذلك. ثم لا يزال يسير وهو لا يلوي على شيء حتى يهبط موطناً ظل نخله ظليل فيه مجار وأقنية للسقي والماء يتدفق فيها كأنه الكوثر أو السلسبيل يجاورها آبار رائقة حولها أشجار أوراقها غضة وأطيارها شجية الغناء تنسيه الوعثاء وتفرج عن قلبه كل هم وعناء وتريحه بعض الراحة من مصاعب الطريق ووعورة مسالك (منامة) حتى أنه لا يتمالك من الطرب والسرور والانشراح والحبور فينشج قائلاً: وقانا لفحة الرمضاء وادٍ ... سقاه مضاعف الغيث العميم نزلنا دوحة فحنى علينا ... حنو المرضعات على الفطيم وارشفنا على ظمأٍ زلالاً ... ألذَّ من المدامة للنديم يصدُّ الشمس أنىَّ واجهتنا ... فيحجبها وياذَنُ للنسيم ثم أن الطريق يتعرج به ذات اليمين وذات الشمال ودليله جادة مغروسة أشجاراً تصعده تارة إلى أعالي التلال وإلى ركام جوامع تصفر فيها الأدهار وطوراً تهبط به إلى الحضيض ولا يزال كذلك في صعود وهبوط حتى يفضي به المسير إلى بقعة واسعة الأكناف فسيحة الأرجاء يشاهد فيها ردم (البلد القديم) وهي مدينة كانت في العصور السالفة عاصمة البحرين أما الآن فقد أصبحت بلقعاً ينعب فيها البوم والغربان ولا يقطن اخربتها المتبعثرة سوى بعض أجلاف السكان البائسين الذين يفترشون الغبراء
ويلتحفون الزرقاء. وأما منارتا جامعها المتهدم فحدث عنهما ولا حرج فإنهما لا تزالان قائمتين تناطحان عنان السماء عزاً وجبروتاً. إن أنفس مثال يدلك على فخامة هندسة البناء في الجزيرة هو معلم لتحية النوتية وقد بناه العرب في الزمان الغابر قبل أن مخرت عباب الخليج أساطيل ترستان داكنها والبوكرك القائدين الشهيرين والفاتحين العظيمين. ثم يلج السائح بعد تلك المناظر غابة غبياء فيتعرقل سيره فيمشي الهوينا مضطراً وذلك نحو ميل أو ميلين لكثرة ما هنالك من النخل المشتبك بعضه ببعض ثم ينتهي به الأمر إلى صحراء واسعة فيأخذ العجب منه كل مأخذ إذ يجد في وسط جزيرة صغيرة كالبحرين بادية كإحدى بوادي النوبة الجرداء مقفرة لا يرى فيها مهما توغل في داخلها سوى رمال محرقة وأراضٍ بائرة وعلى بعد منها (جبل الدخان) وعلوه أربعمائة قدم
وهو ذو مقام رفيع ومنزلة سامية عند أهل الجزيرة حتى أنهم يفضلونه على كثير من جبال سائر الأقطار. فإذا استمر المسافر سائراً نحو الغرب يلاقي غابة نخل تحجب في بداءة الأمر قرية (علي) عن أنظاره ولكن عندما يدنو كثيراً من تلك القرية ينفتح أمامه مشهد غريب لم ير اغرب منه قط في حياته وذلك المشهد هو: 3 - مدينة الموتى في البحرين مدفن مهجور واسع الأكناف واقع في وسط فلاة فيها مئات بل ألوف من القبور المتلاصقة البناء تشبه تلالاً واطئة أو جبالاً منخفضة غير متقنة البناء والهندسة. وهناك لا يرى السائح إنسياً ولا وحشياً حتى ولا نباتاً أو أثراً من آثار الأبنية المندرسة سوى تلك القبور العظيمة الشأن وهي تمتد أميالاً تدل على أن المدفونين فيها كانوا من جبابرة الزمان وأسرارهم غامضة عنا ولا يعرف عنهم إلا النزر القليل الذي لا يحفل به وبعض تلك القبور ترتفع زهاء خمسين قدماً وغيرها ثلاثين وأخرى عشرين وهلم جراً وبعضها لا يختلف عن البعض الآخر إلا اختلافاً طفيفاً جداً في حجمها وتكاد تكون واحدة وهي أعظم مقبرة في العالم على الإطلاق ولا يبعد أن تكون أقدمها عهداً وهي مع عظمتها لم يكتب عنها إلا بعض أفراد قلائل يعدون على الأصابع وهؤلاء الكتاب لم يكتبوا عنها مقالات ضافية الذيل بل عبارات مستطردة لا تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً وقد جاءت في بعض كتب وصف البلدان أو في تقرير أو تقريرين من بعض سجلات الجمعيات العلمية التي همها الوحيد بث الرواد للوقوف على مجاهل البلاد.
إن المرحوم ثيودور بنت مع سعة إطلاعه لم يكتب عنها إلا فصلا واحداً في كتاب له بل اللرد كرزن نفسه المشهود له بدقة البحث وبعد النظر وعلو الهمة والصبر على المتاعب والمشقات لم يدون عنها في كتابه شيئاً يستحق الذكر سوى قوله يوجد عدد وافر من القبور في البحرين. ويظهر لنا أما إنه لم يتح له الحظ زيارتها والوقوف عليها بذاتها ليميط الحجاب عن بعض غوامض أسرارها أو إنه لم يعرف حقيقة أمرها ورفعة شأنها في عالم الآثار النفيسة. إن السائح الباحث إذا وطأت أقدامه تلك الربوع يقف حائراً مبهوتاً سائلاً ذاته: من هم ترى أصحاب هذه المدافن؟ ومن أي شعب أو قبيلة أو لسان كانوا؟ وما هي درجتهم في عالم المدنية والعمران؟ وبأي دين كانوا يدينون؟ وما هي جل معتقداتهم؟ وما هي شعائر ورسوم معبوداتهم؟ وما هي صفة حكومتهم أجمهورية كانت أم ملكية أم استبدادية؟ وما القصد من تشييدهم قبوراً هذا عددها في برية لا أنيس فيها ولا جليس؟ إلى غير ذلك من المسائل العديدة التي يطول الشرح في سردها وتعدادها. وليس في وسع أحد الإجابة عنها جواباً مقنعاً يشفي الأوام لأنه قد سدل على زمن تاريخها وتأسيسها حجاب الغموض والإبهام لبعد عهدها وتوغلها في القدم. وقد ارتأى بعضهم منذ أعوام أن الخليج الفارسي هو مهد حضارة الجنس البشري وأصحابه هم أول من تغلغل في المدنية وسكانه هم أول من قطع الفيافي ومخر البحار واقتحم الأخطار واختبر فن الملاحة وأهوالها. فقد أنبأتنا سجلات ورقم المصريين القدماء عن أرض تسمى
البنط وبعض النصوص تصرح بأن البنط هي نفس الأراضي المجاورة للاحساء والبحرين ولكن تحتاج هذه المسألة إلى بحث دقيق ونظر عميق لأن الكتابات المصرية القديمة لم تعين تماماً موقع البنط ولا حددت تخومها بل أشارت إليها بعض إشارات طفيفة لم تزل في موضع الشك والارتياب. ومهما يكن من حقيقة موقع البنط فأن ديار البحرين أو ما جاورها تعد مهد الجنس البشري وربوع خليج العجم هي أقدم محل في المعمور سطعت منها أنوار المدنية والحضارة وقد جاء في بعض أساطير الأولين أن الشعوب القديمة التي سكنت في أقصى أطراف المسكونة هم حديثو العهد بالنسبة إلى سكان الجزيرة. وقد ذكرتهم أقدم التواريخ وعدتهم بين أقدم أمم الأرض قاطبة فأبناؤهم هم الذين مصروا أرض الكلدانيين وشقوا أسس بابل وحفروا خنادقها وبنوا أسوارها وأبراجها وقد اشتهروا بمواهبهم العقلية السامية وبفطرتهم المتوقدة وقد أثبت رولنسن الشهير بالأدلة القاطعة والحجج الدامغة أن الكلدانيين القدماء أخذوا جميع معارفهم عن أهل تلك الجزيرة واقتبسوا منهم جل علومهم ومعلوماتهم كعلم التنجيم والسحر والعرافة والكهانة ونحوها وشهد أيضاً أن عهد ذريتهم يرتقي إلى نسل آدم المذكور في سفر التكوين من التوراة أي منذ بدء العالم وقال غيره إن من هذه البقعة انتشرت عبادة الآلهة الكاذبة والمعبودات الباطلة كآله
البحر العظيم المرسوم على بعض أطلال الكلدانيين المندرسة المسمى هيا أو أواني وكانوا يعتقدون أنه رب الهاوية وسيد البحار وقد دعوا خليج فارس باسمه تيمناً وزعموا أنه مطلق القدرة وفي استطاعته أن يأخذ بيد من يستغيث ويستجير به في ضيقته وبليته وهو الذي علم سكان دجلة والفرات القدماء العلوم والفنون والصنائع والمعارف ولقنهم الآداب ورسم لهم الشرائع والأحكام لكي يعملوا بموجبها إلى غير ذلك. وقد قيل إن الشعب اليهودي اقتبس جل تقاليده من البابليين الذين أخذوها قبلاً من الأمم الساكنة على ضفاف الخليج الفارسي. يعتقد اليوم جمهور من المؤرخين أن السلالة الصينية لم تنشأ قط من المملكة الصينية المتوسطة بل نزلت من الشعوب والقبائل التي رحلت من ديار البحرين إلى ما بين النهرين ومنها إلى آسيا الوسطى ومن هناك سارت إلى ضفاف النهر الأصفر وذلك قبل أربعة آلاف سنة أو عشرين قرناً قبل المسيح عندما أخذ مؤرخوهم يدونون الحقائق التاريخية المتينة المكينة بدلاً من الخرافات الواهية الواهنة كما شهد بذلك كونفشيوس ذاته. من يطالع تواريخهم الخرافية ووقائعهم الخيالية المدونة عن العشرة القرون السابقة لزمان مهاجرتهم ير أن الصينيين الحاليين وجدوا بلادهم مأهولة بالسكان الأصليين وقد قيل إن بعضاً من ذريتهم لم يزل موجوداً حتى يومنا هذا في أقطار الصين البعيدة وبعد سفرهم الشاسع القوا عصا ترحالهم في مشرق البلاد ولا يبعد أنهم شنوا الغارة على سكان تلك الديار وقتلوهم عن بكرة أبيهم واستباحوا أموالهم وأنهم دحروهم إلى ما وراء الجبال
تخلصاً من غدرهم وفتكهم الذريع. فالرأي القائل إن الصينيين أتوا من بين النهرين رأي لا يقبل النزاع أو الجدال لثبوت صحته ووفرة الشواهد عليه وهاك بعضها قال أحد كتبة الإنكليز الكبار (أمس كنت في دار التحف الأبريطانية ورأيت هناك بعض رسوم رؤوس شياطين البابليين وحتى يومنا هذا يمكننا أن نرى في أغلب بلاد الصين صوراً طبق الأصل تشابهها كل المشابهة) ومن يتدبر التواريخ الصينية ير لأول وهلة كيف أن الصينيين الحاليين عندما توغلوا في البلاد كان السكان الأصليون الذين حاربوهم يدعونهم (نسل الشعر الأسود) وسكان بابل كانوا يلقبون أصحاب المعارف والعقول الرفيعة من أهل الخليج الفارسي الذين وطئوا ديارهم وحلوا ربوعهم (الجزائريين ذوي الرؤوس السوداء) لقد صرح العالم الفرنساوي تريان دلاكودري أن الكتابات المصورة الصينية القديمة تشابه تماماً خطوط ورسوم سكان بين النهرين القديمة وأن آلهتهم وشعائرهم الدينية تماثل آلهة الشوشنيين ورسوم تقاليدهم ومعارفهم وفنونهم الطبيعية القديمة كعلم الهيئة وعلم الفلك والطب وحفر الترع ومجاري المياه الصناعية الخ لا تفرق البتة عن معارف وفنون البابليين وإن شئت فقل هي بعينها. إذا استقرينا التواريخ وتصفحنا الكتب القديمة العهد النادرة الوجود
نرى جلياً أن أهل بابل قد استمدوا جل معارفهم إن لم نقل كلها من سكان الخليج العجمي المندرس الربوع المهجور الشواطئ التي نطأها الآن غير مكترثين بها وقد كانت في عصر من العصور الخوالي مصدر حضارة البشر ومنشأ مدنيتهم فلما أخذ الإنسان يتدرج في معارج العمران هجرها وشرع يطوف في طول البلاد وعرضها ومنذ ذاك الحين أخذ ظل عزها يتقلص رويداً رويدا حتى أصبحت ديارها كما نعاينها الآن بلاقع خالية من آثار التمدن. أما سبب تقدم أهلها وسموهم على غيرهم في ذلك الزمان فهو على ما أظن موقعهم الطبيعي التجاري الذي دفعهم إلى أن يخوضوا غمار المخاطر ويحلقوا في سماء المجد والعرفان والسؤدد ومن هذا القطر نزح أيضاً شعوب وقبائل عديدة راقية جداً منها الطورانيون المذكورون في كتاب العهد القديم باسم الكنعانيين فأنهم اجتازوا بلاد العرب ودخلوا سوريا وأسسوا فيها مدينتي صور وصيداء. وقد أخبرنا هيرودوتس المؤرخ اليوناني الشهير أنه زار صوراً وتفقد معالمها وجالس شيوخها وخاطب كهنتها في أمر بنائها فأجابوه أن هيكلهم قد بني قبل زيارته إياها بألفين وثلاثمائة سنة وبعد أن برح الطورانيون
أوطانهم اجتازوا بلاد العرب شيئاً فشيئاً كما فعل قبلهم أسلافهم الصينيون عندما رحلوا نحو مشرق الشمس ويظن رولنسن أن ذلك حدث منذ نحو خمسة آلاف سنة. فلنترك هذه المسائل لمن يريد استقصاءها بذاته ثم نعود فنقول: متى بنيت القبور في البحرين؟ وما هو زمن تأسيسها على التحقيق؟ ومن الراقدون فيها؟ إن هذه الأسئلة تظهر لنا كأحجية أما ثيودور بنت فقد أخبرنا أن المدفونين فيها هم من أصل فنيقي هجروا أوطانهم وقطعوا فيا في بلاد العرب وحلوا بهذه الربوع وبنوا على البر بلدة على خط البحرين في موضع بقرب مدينة القطيف الحديثة ربما كان عند رأس الخليج حيث ترى اليوم جزيرة البحرين وكانت مدينة عظيمة فيها سوق تجارية واسعة اسمها (الجرعاء) التي يظنها البعض نفس مدينة أوفير الشهيرة بكثرة ذهبها والغنية بمعادنها وقد جاء ذكرها في العهد القديم من الكتاب الكريم. فهل يا ترى اعتقد سكان الجرعاء أن البحرين بقعة مقدسة التربة حتى ينقلوا إليها جنائز موتاهم ويدفنوهم فيها كما يفعل اليوم الإمامية في نقل جنائزهم إلى كربلاء والمشهد (أي النجف) أو لأنها قريبة من البحر وهي مركز التجارة وتلك المدافن هي قبور أولئك السكان أو أقيمت تلك المقبرة الغريبة قبل أن يبرحوا الوطن ويتوغلوا في قلب بلاد العرب أو قبل أن يمصر أهل الجزيرة أرض الكلدانيين وينشئوا فيها مهجراً
ويقيموا مستعمرة فهذه المسائل لا يستطيع الإنسان أن يبت فيها رأيه لقدم عهدها وغموض أسرارها. إن المستر بنت فتح بعض القبور وعثر على بضعة آثار فانتقى منها شيئاً وبعث به إلى المتحفة الابريطانية وبعد أن أمعنت لجنة المعهد نظرها فيها ودققت فحصها قر رأيها على أنها من أصل فنيقي وعليه تدل هذه الآثار على أن القبور قديمة جداً. فإذا سلمنا بتلك الدلائل واعتبرناها صحيحة تكون القبور قد بنيت على الأقل منذ نحو خمسة آلاف سنة هذا إذا كان رولنسن قد ضبط حسابه في تاريخ الهجرة إلى البحر المتوسط. إن الخط المسماري قديم جداً عند سكان بابل وكان للفنيقيين ضرب من الكتابة تشبه الحروف ولما اكتشفت صناعة الكتابة وأخذ الناس يستعملونها في التدوين والتسجيل تركت الكتابة المسمارية على أن الباحث مهما نقب في تلك المدافن لا يعثر على شيء من قبيل الحفر أو النقش على صخورها وأحجارها مع أن الفنيقيين عندما القوا عصا ترحالهم في البحر المتوسط أخذوا يقلدون المصريين في وضع موتاهم في نواويس ولسوء الحظ لم يوجد ناووس واحد في تلك المدافن ليتخذ منه دليل على تاريخ سالف لزمان الجلاء وهناك أمر آخر يستحق التدبر والتروي وهو أن أحد الباحثين قال حين اكتشف البقعة وتدبر ما فيها أن جميع القبور التي فتحت بجنب (قرية علي) وهي قبور أعلى من سائر القبور التي وراءها بنحو عشرين قدماً هي على رأيه أحدث من غيرها ومما يؤيد ذلك أن هذه القبور قائمة على طرف المقبرة الفسيحة الأرجاء القديمة العهد ويظهر أنها آخر ما شيد وأقيم هناك.
كتب القائد دوراند ما نصه (إن الآكام العالية هي قريبة من قرية علي وهي أكبر من غيرها) إن ما فاه به هذا الكاتب واضح وضوح الشمس في رابعة النهار فنيرخوس الذي تولى قيادة أسطول اسكندر الكبير في سفرته الشهيرة إلى خليج العجم يصف كيف أنه زار مدينة فنيقية في البر وجزيرة تدعى تيرين ويظهر أنها هي التي تسمى اليوم دارين عند العرب وديرين عن الأرمية وهي فرضة بالبحرين وقد رأى هناك قبر ارثرا الذي كان سلطان الخليج ولا يبعد أن يكون اسم الخليج في السابق أي البحر الارثري مشتقاً منه ونيرخوس يصف المدافن بقوله (رابية مرتفعة كثيرة النخل) فهذا الوصف ينطبق أتم الانطباق على إحدى تلك الروابي العالية بقرب (قرية علي) بخلاف سائر الروابي فأنها لا تنطبق عليها وهي بعيدة عنها أميالاً عديدة بيد أنه لا يوجد الآن نخل وهو ولا شك مات لتقادم عهده. وهذه الرواية تؤيد أن الآكام الكبيرة بنيت في العهد الأخير والدليل على ذلك أن اسم الشخص المدفون في إحداها ذلك في زمن نيرخوس رفيق اسكندر المكدوني عندما شاهدها. ويظهر إنه لم يبحث أحد في هذا الأثر منذ ذلك الحين حتى قام الضابط دورند الذي رفع بعد ذلك إلى درجة أمير (دوق) وذلك أنه بينما كان يجول في أراضي تلك الجزيرة الموحشة خطر له فجأة أن يفتح أحد تلك المدافن وينقب فيه عله يعثر على شيء يستحق الذكر والعناء ومن الغريب أنه مضى عدة قرون من نيرخوس إلى
زيارة ذلك الضابط الإنكليزي ولم يبحث أحد بحثاً وافياً عن تلك الآثار الغريبة القديمة العهد. لقد أطلقت العنان لقلمي في موضوع أنا فيه قصير الباع مع أن موضوعاً كهذا زاخر العباب يحتاج إلى أن يلم به خبير بارع. هذا ورولنسن لم يكتب شيئاً مذكوراً عن تلك المدافن ومنزلتها في عالم الآثار القديمة. وكل ما يقوله الأديب عنها هو من باب الرجم وليس عليها كلها شيء من العظمة والأبهة التي ترى في خرائب مصر الهائلة المنقورة في الصخور وأطلال صور وصيداء الخ إلا أن في آثار البحرين مزية لا توجد في غيرها وهي بها تفوقها من عدة وجوه منها أنها تبني في ذهب من يراها ذكراً لا محيى وصوراً تنطبع في مخيلته حتى أنه تنقله إلى الأعصر الخوالي وتضع نصب عينيه حوادث الأيام القديمة جداً ولا أراني أبالغ إذا قلت إنها تذكره بالوقائع التي جرت منذ تأسيس العالم. وعلى كل حال فصحراء البحرين الموحشة الفسيحة الأطراف المملوءة من القبور تؤثر في النفس أكثر مما تؤثره خرائب كرنك وثيبة فهل الآكام التي نحن بصددها هي أقدم من جميع أطلال مصر وبابل ونينوى وفينيقية المندرسة؟ ذلك مما لا أستطيع أن أبت فيه رأياً
الشيخ عبد الرحمن السويدي
لما يحتاج إليه من أعمال الروية ودقة النظر والوقوف التام على كنه الحقيقة ولا أظن أن أديباً من الأدباء يستطيع الإجابة الصادقة عن ذلك بالنظر إلى ما لدينا الآن من قلة الوسائل التي تهدينا إلى الجواب. بيد أن الظواهر تحمل السائح على أن يعتقد أن سذاجة المدافن وخشونتها وعدم إتقان بنائها هي البقعة التي سكنتها القبائل والأمم ذوات الرؤوس السوداء التي وافت بابل من عبر البحر وشيدت معالمها وهذا ما يستدل عليه من آثارهم التي تركوها للأجيال المقبلة إذ هي أقدم ما صنعته يد بشر على وجه البسيطة بأسرها. إني لا أتعب القارئ الكريم بشرح دقيق أو وصف مسهب عن قياس المدافن ومساحتها أو عن ماهية ونظام باطنها أو عن الذخائر والآثار الموجودة فيها. فهذه الأمور وغيرها يوفيها حقها من البحث أربابها وأريد بهم الرواد الذين يطوفون البر والبحر للوقوف على مجاهل البلاد وفي يقيني أنهم يتفرغون للفحص والتنقيب عن تلك المقابر العظيمة ولو بعد حين وينشرون عنها أبحاثاً علمية تاريخية وافية بالمراد. وقد عزمت بعد الاتكال على الله أن أصف المدافن ولو على سبيل الاختصار لكي يلم بها المطالع الأديب في الوقت الحاضر فأقول: (لها تلو) رزوق عيسى الشيخ عبد الرحمن السويدي - هو أبو الخير الشيخ عبد الرحمن زين الدين ابن الشيخ عبد الله السويدي كان إمام عصره في مصره وقطره ولد في بغداد سنة 1134هـ - 1721 - 1722م وأخذ العلم عن والده وعن فصيح الهندي وعن ياسين
الهيتي قال العلامة يوسف بن محمد بن يوسف العبادي في كتابه الذي فرغ من تأليفه سنة 1199هـ المسمى بالجمانات السنية شرح المنظومة السليمانية - من نظم سليمان بك ابن عبد الله بك الشاوي الشاهري الحميري -: (هو أبو الخير عبد الرحمن بن عبد الله. . . السويدي ذو التحقيقات المفيدة والتآليف العديدة مع صغر نفسه وكبر شفقته على أبناء جنسه وله من المصنفات المعتبرة (كذا) كتابه في السير المسمى بالكتيبة. والحاشية على (شرح) الحضرمية لابن حجر (في فقه الشافعية) ونكته على الشبراملسي سماه إرواء المحتسي (من كؤوس الشبراملسي في فقه الإمام الشافعي أيضاً علقها على الحواشي المنسوبة إلى أبي الضياء نور الدين على الشبراملسي التي علقها على نهاية المحتاج.) وشرح الشيبانية. وشرح حانات والده في علم البيان. وشرح الرسلانية (وهي شرح كلمات رسلان في التصوف) وشرح قصيدة للشيخ الأكبر. وشرح مسألة الشعيرة. وحاشية في علم الهيئة. سماها (زينة الأملاك شرح تشريح الأفلاك) والأجوبة الهندية (في الحكمة الإلهية) في علم الحكمة. وحاشية على جزء العبادات من تحفة ابن حجر. ومقامات بديعة. وتاريخ سماه حديقة الزوراء وهو تاريخ
كبير في ثلاثة مجلدات ضخام) وله مكاتبات ومراسلات كثيرة فهو في هذا الزمان خاتمة المؤلفين المحققين لم نعثر على أفضل منه في ما رأينا) اهـ. وله شرح حاشية على شرح القطر للعصامي. وله كتاب كشف الحجب المسبلة شرح التحفة المرسلة. رداً على من ادعى الحلول. وقد طبع في مصر وفي ذيله شرح الصلوات المشيشية أو البشيشية. نسبة إلى عبد السلام بن بشيش أو مشيش وهي أيضاً له. وله شعر ونثر فمن شعره من قصيدة أرسل بها من الشام إلى صديق له في بغداد: لولاك يا بلد الزوراء لولاك ... ما احرق القلب مني شجو شجواك سقى أديم الثرى منك الحيا وحيت ... سحب الكرائم في التكريم محياك واخضر ربعك من دون الربيع ولا ... زالت زهورك في صيف ومشتاك أقول للواكف المنهل من مقلت ... ي أكفف لتنجو من مجراه جرعاك شتان ما بين بغداد وجلق مع ... إقعاد حظي فحظي مدمع الباكي هيهاتُ هيهات أن ينجاب لي أمل ... به أعلل آمالي للقياك آه وآه فلا أنهي التأوه ما ... دام التفوه في بعدي لمرماك وقد أعقب ولداً واحداً وهو الشيخ محمد وبنتاً واحدة. وكانت وفاته في العشرين من شهر ربيع الثاني سنة 1200 هـ - 1 شباط 1786م ودفن في جوار الشيخ معروف الكرخي. وقد رثاه الفضلاء والأدباء من أهل مصره مثل أخيه الشيخ أحمد. وسليمان بك الشاوي. والشيخ علي أفندي البغدادي، وغيرهم مما يطول ذكره. كاظم الدجيلي
العمرة عند العراقيين
العمرة عند العراقيين تمهيد إذا جاور قوم قوماً آخر يختلف عنه في لبسه وأكله وشربه ونومه وقعوده وقيامه وأمور معيشته ولسانه ونحو ذلك لا يبطأ أن يدخل شيئاً من أحوال جاره في شؤونه، وكلما اعتقد فيه السيادة عليه كثر اقتباسه منه. وهكذا الأمر في أهل العراق. فإنهم لما خالطوا الفرس والترك وسائر الأعاجم أخذوا منهم شيئاً كثيراً مما يتعلق بشؤون ألفتهم ومجتمعهم ولاسيما بما يتعلق بلباسهم. وهانحن نذكر هنا ما يتعلق بعمرة الرجل أي بما يلبسه على رأسه وهي لفظة عربية فصيحة يقابلها عند الإفرنج كلمة فنقول: 1 - العرقجين بفتح العين والراء المهملتين وإسكان القاف وكسر الجيم المثلثة الفارسية وإسكان المثناة التحتية وفي الآخر نون، لفظة تركية فارسية الأصل مركبة من كلمتين وهما: (عرق) بالمعنى المشهور العربي وهو رشح الجلد. و (جين) الفارسية بمعنى جامع أو لام. ومحصل معناهما: (جامع العرق أو لامه. وبعضهم يزيد على آخره هآء فيقول (عرقجينة) وهو قليل. والمشهور الأول. ويراد بها سكبة أي خرقة تقور للرأس تكون في أغلب الأحايين من نسيج القطن تلبس تحت الطربوش أو الفينة (اسم الطربوش عند العراقيين). وقد تلبس وحدها في المنزل أيام الحر الشديد، أو قد تلبس ويلف عليها العمامة أو توضع عليها الكوفية المعروفة عند العراقيين باسم الكفية: - ولكون هذه العمرة تتخذ لكي تمتص العرق عرفت أيضاً باسم العرقية بفتح الحرفين الأولين. قال صاحب التاج في مستدرك ع ر ق: (العرقية محركة: ما يلبس تحت العمامة والقلنسوة مولدة.) أهـ. وكان أهل العراق أول من اقتبسها عن الفرس لمجاورتهم إياهم
ولشدة حر صعقهم. ثم انتقل بها قوم إلى ديار الشام فتعلم الشاميون منهم اتخاذها ولهذا سموها (عراقية) نسبة إلى العراق. قال في محيط المحيط: العراقية من ملابس الرأس تلبس غالباً تحت الطربوش.) ثم زاد على ذلك قائلاً: والمشهور عند العامة العرقية) وضبطها بإسكان الراء. وقد جاءت العرقية في بعض نسخ كتاب ألف ليلة وليلة (راجع طبعة برسلو 260: 9 و329: 4) وقد وردت مرة بصورة عرقية وأخرى بصورة عراقية. على أن (العرقية) أقدم ذكراً في كتب المولدين من (العراقية) فقد جاءت العرقيات في كتاب اللطائف للثعالبي (ص 112 س 10) وقال عنها أنها تصنع في طبرستان. وكان أهل الشام يريدون سابقاً بالعرقية غير ما يريدون بها اليوم. فقد ذكر روجه في كتابه (الأرض المقدسة) ما تعريبه: تلبس المرأة على رأسها نوعاً من التاج يكون من فضة ويسمونه عرقية (بإسكان الراء) ويكون بهيئة مخروط. وقال في ص 204: (على رؤوس نساء أمراء البادية تاج من فضة مخروط الشكل يلففن عليه لفافة من الحرير الأسود مطرزة باللآلئ والحجارة الكريمة.) أهـ. فيؤخذ من هذا الوصف أن ما كان يسمى عرقية سابقاً هو المسمى عند اللبنانيين بالطرطور الذي حظر استعماله الكهنة بعد حادثة 1841 و1845. وقد جاءت العرقية بهذا المعنى في كتاب ألف ليلة وليلة قال: وعلى رأسها خوذة بالذهب مطلية، وعرقية فولاذ وزردية. وفي بعض النسخ وردت كلمة بيضة بدلاً من عرقية. فالعرقية بإسكان الراء لغة أهل الشام. وبفتحها لغة أهل مصر والمغرب وبعض أهل العراق. وأهل مصر يسمونها أيضاً (طاقية) وقد وردت في كتب المولدين وذكرها ابن بطوطة في رحلته والمقريزي في كتابه الخطط والآثار. ومن أسمائها المعرقة (وزان مدرسة) وكان يعرفها بهذا الاسم بدو ديار الشام قبل نحو قرن. أما اليوم فاللفظة بهذه الصورة مماتة عندهم. ومن أسمائها الحالية
(الحدرية) (بكسر الأول) ويعرفها بهذا اللفظ أهل بادية العراق وبعض سكان مدن العراق كأهالي الشطرة والحي والناصرية أو المركز وسوق الشيوخ والكلمة مشتقة من حدر الجلد العرق: إذا سأل به. فهي والعرقية من معنى واحد وإن اختلف المبنى. وأما لفظة العرقجين فيعرفها أهل مدن العراق الكبيرة كبغداد والبصرة والنجف وكربلاء وبعض أهالي البادية الذي يختلفون إلى المدن. وتختلف هيئة العرقجين باختلاف أهل المدن وأعمارهم. فمن العرقجينات ما هو طويل محرب كثير النقش والتطريز والتزويق. وهذا تتخذه غالباً الفرس والهنود الموجودون في العراق. - ومنه ما هو على هيئة نصف كرة. وهذا يلبسه العرب العراقيون وبعض الفرس الموجودين بين ظهرانينا. - ومنه ما هو على شكل مثلث تسميه النساء العراقيات (كاوورية) بكاف فارسية مثلثة يليها ألف بعدها واوان: الأولى مضمومة والثانية ساكنة يعقبهما راء مهملة ثم ياء مشددة ثم هاء نسبة إلى الكاوور وهو عند العراقيين المسلمين اسم النصارى والكفار والمجوس. وقد نسبت إليهم كأنهم هم الذين أول من استعملها على هذه الهيئة. والمسلمون يتخذون هذا النوع من السكبة لأطفالهم خاصة. 2 - الفينة والطربوش والفيس والفس والشاشية والغفارة العراقيون يسمون الطربوش (فينة) بفاء مكسورة وياء مثناة تحتية ساكنة ونون مفتوحة وهاء في الآخر. والطربوش هو الاسم الشائع في سائر البلاد العربية اللسان. والفينة تصحيف فينة بفاء مثلثة وهي اسم حاضرة بلاد النمسة لأن أهل هذه الديار كانوا يجلبونها في السابق من تلك العاصمة فأضيفت إليها ثم حذف المضاف على ما هو مستفاض في لغة العرب. أما الطربوش فهو تصحيف سربوش أي غطاء الرأس بالفارسية. قلبت فيها السين تاء على لغة شائعة عندهم (لغة العرب 1: 253 و2: 176) ثم فخمت التاء فصارت طاءً فقالوا طربوش كما في القتر والقطر وهرت الثوب وهرطه. والمتلئب والمطلئب وغيرها كثير. وأما الفيس فهو كلمة فاس بالأمثلة وفاس قاعدة مراكش. وكان يجلب منها أيضاً هذا النوع من العمرة، فأضيفت إليها. ثم حذف المضاف كما جرى الأمر
في فينة. وبعضهم يقول فس وزان تل. ولم يرد من هذه الألفاظ في كتب المولدين إلا كلمة طربوش. من ذلك في بعض نسخ كتاب ألف ليلة وليلة في قوله وكان عليه كما ذكرنا الطربوش والشاش. - ونظن أن لفظة الفينة قديمة أيضاً في العراق لأن الرحالة الإفرنسي أوليفية المتوفى سنة 1814 يقول في رحلته في كلامه عن نساء بغداد: وفي زينتهن المألوفة يكون على رؤوسهن فينة سوداء من القطيفة (المخمل) تتدلى إلى الوراء لها عثكولة (بسكولة أو شرابة) من الإبريسم أو من الكلبدون (خيوط الذهب) فإن كانت العثكولة من خيوط الذهب (الكلبدون) فظاهر الفينة يكون مغشى بالقصب (بشريط الذهب) وتثبت هذه الفينة على الرأس بلفافة من شال قشمير.) وأما لفظة فيس أو الأصح فس فمأخوذة من التركية لأن الترك يلفظون مدينة فاس التي كانت تصنع فيها هذه العمرة (فس أو فيس) وعوام بغداد يقولون إلى يومنا هذا (فيس رنكى) أي (لون الطربوش) إذا أرادوا أن يعرفوا لوناً من الألوان الحمراء يكون بلون الطربوش. وفي سابق العهد كان أهل مصر يسمون هذه العمرة (شاشية) كما يعرفها بهذا الاسم أهل المغرب إلى يومنا هذا. وهم يعرفون أيضاً من مراد فاتها الطربوش. - وأما عرب الأندلس فكانوا يسمونها غفارة بكسر الغين وهو أفصح ما جاء في هذا المعنى. قال في تاج العروس: (المغفر كمنبر والمغفرة بهاء أو الغفارة ككتابة: زرد من الدرع ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. ويقال: هو رفرف البيضة. . . قال ابن شميل: وربما كان المغفر مثل القلنسوة غير أنها أوسع يلقيها الرجل على رأسه فتبلغ الدرع ثم تلبس البيضة فوقها
نهر الرشادي في الديوانية
فذلك المغفر يرفل على العاتقين. وربما جعل المغفر من ديباج وخز أسفل البيضة. . . . وربما يعنوها وظهروها بديباج أو خز أو بزيون. هكذا ضبطها أبو عبيدة. وحشوها بما كان. وربما اتخذوا فوقها قوساً من نضة. وغير ذلك. انتهى. قلنا: فإطلاق اسم الغفارة على الطربوش فسيح إذاً من باب التوسع ومن باب إبقاء الاسم على مسماه وإن تغيرت مادته فاحفظه تصب إنشاء الله تعالى. النجف: محمد باقر الشيبي نهر الرشادي في الديوانية فتح هذا النهر في زمن المتصرف خيري بك (سنة 1319 هـ - 1901 م) وقد شق من (بحيرة ابن نجم) التابعة لقضاء الشامية. وهو يبعد عن مركز اللواء ثلاث ساعات ولشدة ضيقه لم يجر فيه إلا شيء قليل من الماء. ولما تعين محمد صالح أفندي نائب لواء الديوانية للنيابة في اللواء سنة 1326 وتقلد وكالة المتصرفية بلغه أمر النهر فأمر أن يشارف وبعد الإطلاع عليه وجده قابلاً للتوسيع وإرواء ما تحته من الأرضين فأنشأ لجنة لجمع إعانة تقوم بحفره فوسع وكري وجرى فيه الماء الكافي. ثم شوق الأهالي إلى جلب معينات (مكينات) لجر الماء فجلبوا منها نحو 20 منضحة (طرمبة) بخارية وركبوها على النهر. ولما قدم لواء الديوانية والي بغداد جمال بك (سنة 1912) أوقفه النائب الموما إليه على النهر ورغبه في تخصيص مال ينفق على توسيعه لتزيد زراعة ما يسقيه وتنمو وارداته فخصص له نحو ألف ليرة. وفي تلك الأثناء تعين متصرفاً للديوانية أحمد مدحت أفندي فلم يلتفت إلى الطريق
عاشوراء في النجف وكربلاء
المؤدية إلى تحقيق الأمنية ولذا ذهبت الأموال سدى على يده: وفي الآخر انقطع الماء. وكأنه لم يكتف بذلك فحاول أن يغير اسم النهر المسمى باسم جلالة السلطان ويسميه (نهر الخيري) باسم أبيه خيري بك لكونه فتح في زمانه. فإذا كان ما زعمه صحيحاً فلماذا لم يسع بتعميره وتتبع منشآت أبيه. ولما عزل وتعين في موطنه قيم المقام العسكري عبد الله صبري بك للوكالة ورأى هذا ما آل إليه أمر النهر وتلف الزرع وحاجة الأهالي إلى ماء الشرب وزع الأشغال للمحال على العشائر التابعة لمركز اللواء وسافر بنفسه إلى قضاء الشامية وأشغل الجميع بالحفر والكري وممن ساعده على ذلك مفتي اللواء إسماعيل أفندي آل الواعظ ومدير ناحية (شوفة مليحة) سليم ثابت أفندي الزهاوي. وبعد أيام قلائل تم العمل وجرى الماء في النهر بكفاية وقد وصل إلى الديوانية في أول ذي الحجة (10 ت 2 سنة 1912) بعد أن أشرف الأهلون على الهلاك من فقد الماء. وقد تليت الخطب والأدعية وأرسلت رسائل التشكر إلى الآستانة والولاية. والذي يجب اليوم أن نوجه إليه الأنظار هو سد منفذ (أم الهايتة) الواقعة في نهاية بحيرة ابن نجم وبذل العناية بتحكيمه حتى يدوم جري الماء بل يتضاعف وبذلك تعم الفائدة الجميع. الديوانية: فؤاد زاده عبد المجيد عاشوراء في النجف وكربلاء حبذا لو كان ينتهي تدين الشيعة المفرط إلى هذه الوسيلة تقليلاً لواردات الدولة العثمانية، لكنه يتعدى هذا الحد كما ستراه بعيد هذا حتى يصل إلى
ما يقارب الشطط. لأنه يتجدد في كربلاء في الشهر المحرم من كل سنة وفي الوطن الذي قتل فيه الحسين وأصحابه مشاهد تتفطر لها المرائر ويذوب لها الفؤاد حزناً وكآبة. والتحمس في الدين يبلغ أوجه في عاشوراء ومحاولة وصف ما يجري في تلك الأيام من العبث. هذا فضلاً عن أن الكاتب لا يستطيع أن يجري قلمه في هذا الميدان بدون أن يشعر بقشعريرة تدب في جسمه كله لهول ما يرى. وإذا تذكرت بجانب هذا المشهد ما سمعت أو رأيت من أعمال بعض الدراويش وتهاويلهم المدهشة لما تصورت شيئاً يذكر. الشهداء الذين يكونون موضوع هذه الحفلة الهائلة هم أصحاب
الحسين المقربون الميمونو الطالع. وقد آلوا على أنفسهم أن يضحوا أنفسهم ضحية للإمام ليحصلوا منه على نعمة أو بركة أو حسنة إذا حاماهم أو دافع عنهم وفي أغلب الأحايين يضطر بعض الحاضرين إلى أن يمسكوهم لكي لا يقوموا بمواعيدهم فينجزوها بالحرف الواحد وكثيرون منهم يموتون فدى للحسين لكثرة ما يقاسونه من الأعذبة المبرحة في مثل تلك الأهوال. وأول شيء يأتونه في مثل تلك الأيام أنهم يحلقون رؤوسهم من الوسط في عرض نحو 10 سنتيمترات وهذا الحلق يتجه من الجبهة إلى القفا. فيكون قحف الرأس أجرد ليس عليه ما يدفع أو يخفف غائلة الآلة الجارحة. ثم أنهم يلتحفون بثوب أبيض يميزهم عن سواهم من بين الجمع. إلا أنه لا يبقى مدة طويلة ببياضه الناصع إذ لا يعتم أن يتضرج بالدماء الحمراء القانئة. هذا فضلاً عن أن هذا الثوب هو الكفن الذي يسحبون به إذا ماتوا في أثناء هذه الحفلة الرائعة. ويجعلون بأيديهم سيفاً مشهوراً. وبهذا الزي وهذا السلاح يأخذونهم إلى الصحن
فترى الصحن على رحبه قد غص بمن فيه من تكاتف الجمع وازدحامه هناك. وفي مثل هذا المقام لا في غيره يحق أن يقال: (ضاق الفناء بمن فيه) وبعضهم يحاول أن يرى الواقعة المحزنة أحسن روية فيصعدون إلى الطارمات والمماشي والمشارف والسطوح وأطورة الدور ليشارفوا المشهد أتم المشارفة. وعدد الزوار المتجمعين في تلك المواطن بين ذكور وإناث لا يقل عن 20 أو 25 ألفاً. وهم في حالة التحمس والتهيج التي ليس وراءها حالة. وفي هذا الصحن يمثل كل ما وقع سابقاً في يوم عاشوراء. وبينما أنت تنظر إلى هذا الجمع المزدحم ترى في وسطه فرساناً عليهم ثياب بيضاء وتحتهم جياد بيضاء يزيدون الحفلة رونقاً وترتيباً وغايتهم مرافقة أولئك المستشهدين إلى حيثما يذهبون. فيطوف هؤلاء الناس جميعهم في أنحاء المدينة، ثم يتألبون في
مكان محصور ترى فيه نساء، لعلهن نساء بعض المستشهدين - وقد تحجبن أشد الحجاب ورافقنهم إلى ذلك الموطن وقد تجمع على جدرانه وأطورته طوائف من المتطلعين كأنهم عناقيد من الآدميين - وبعد هذا يبتدئ الاستشهاد. اصطف المستشهدون على هيئة نصف دائرة، وهم ينتظرون أدنى علامة أي سماع أول آية من الآيات التي ينطق بها الإمام ليضربوا أنفسهم الضربة الأولى. ثم يزداد هياجهم وتحمسهم بما يسمعون من الألحان الدينية ونغمات الأدعية وما يتلفظ به الجمع الحاضر من كلم الحث على الاستشهاد والتشويق إليه. هذا فضلاً عن أنه يحدث ساعتئذ نوع من الجلبة تخيل لهم أنهم سكارى وما هم بسكارى فيضربون إذ ذاك أنفسهم ضرباً أليماً. ثم يتحرك الطواف ثانية تحت رعاية أو مراقبة الفرسان ليجولوا حول المدينة ويروا أنفسهم لأغلب من هناك في البلدة حملاً لهم على رؤية ما فيه إصلاح النفس أو صلاحها. ها أن الدم يتصبب عبيطاً من جباههم ويتحدر قائناً على وجوههم، فيصبغ ثيابهم البيضاء الناصعة بالأحمر الأرجواني وقد أصبحت رؤوسهم عبارة عن جروح دامية عديدة. ومع ذلك ترى أيديهم المرتجفة المرتعدة تصك الرأس بالسيف صكاً عنيفاً بدون رحمة أو شفقة. ومن وقت إلى وقت ترى عضلات الساعد قد وهنت فلا تطاوع
الإرادة بل تعصيها فتقف عن الحركة ريثما تجم قواها فترجع إلى الصك أو القرع أو الطرق. ثم يقف الطواف في إحدى الطرق وعيون المؤمنين ترعى هؤلاء المستشهدين حتى إذا عادت إليهم قواهم، عادوا إلى إعمال تقاهم، وأخذ الناس بالأدعية والصلوات والتشهد واستأنف محبو الحسين بتعذيب أجسادهم بدون أن يشفق بهم أحد أو يحن قلبه عليهم، فينهي هذه الفاجعة التي يتصدع لها الجلمود، بل بالعكس تراهم جميعهم يحثونهم على طعن أنفسهم طعناً عنيفاً، بل أعنف فأعنف. وروية الدم العبيط يزيدهم إلحاحاً وتنشيطاً ولهذا يتبعونهم ويلازمونهم ملازمة الظل لصاحبه إلى أن يتم الاستشهاد وبينما يسير الجمع وراء الذين يجودون بأنفسهم تراهم لا يغادرون طريقاً إلا ويسيرون فيه ومثل هذه الفاجعة يقع خارجاً عن المدينة وفي أوانها. وبعد ذلك ترى أعراباً قد سلوا سيوفهم وشرعوا أسنتهم ونشروا ألوية بيضاء رمزاً إلى الصلح يرقصون ويهوسون ويصرخون ويعطعطون ويطلقون طلقات نارية في الهواء. فلما يسمع المستشهدون بذلك الضوضاء يزداد تحمسهم وتهيجهم زيادة لا يصفها يراع واصف فيقرعون رؤوسهم بالسيوف وهم يلهثون لشدة ما وصلوا إليه من إنهاك القوى. وقد يتفق بعض الأحيان أن يقع واحد منهم خائراً واهناً (كجلمود
صخر حطه السيل من عل). وللحال تمد إليه ألف يد لتنعشه. وقد يكون المغشي عليه قد سقط لضعف حركة في قلبه لا لوهن في عزمه، أو قد وقع لكثرة الجروح التي استنزفت دمه. وقد يتفق أن يموت المستشهد فتكون وفاته من أعظم الحسنات لنفسه ولأصحابه ولأهل بيته ولسكان المدينة كلها جمعاء، لأنه مات في حب الحسين. ولقد سبق فكرهم بوقوع مثل هذا الحادث قبل جريانه ولهذا ترى مع الجمع المزدحم أناساً من باعة الأكفان يتتبعون القوم أينما ذهبوا حتى إذا اقتضت الحاجة ذلك أظهروا من فورهم. وكل شهيد يسقط في مثل هذه الواقعة يسجى للحال بكفنه المضرج بالدماء ويضجع في تابوت وينقله للحال بعض من حضر بأوجه باشة هاشة وهم يظنون في أنفسهم أنهم من أسعد خلق الله لكونهم شهدوا بأنفسهم وقوع هذا الشهيد الكريم واقتربوا منه، وربما مسوه مساً لطيفاً تبركاً به.
وهانحن أولاء قد قربنا من نهاية الطواف المتهيج، وقد ازداد عدداً بما انضم إليه من كل بيت ودار وشارع وطريق، وقد ازدحموا ازدحاماً عظيماً حتى أن الواحد ليطأ الآخر أو يسحقه بدون أن يشعر بما أتى. وكل ذلك حباً لما يجري بمن جرحوا أنفسهم في هذه الفاجعة العظمى. ترى هذا البحر المتموج بالخلق يتجه نحو الصحن وقد غص فناؤه بمن فيه من الزوار والمتحمسين. ولقد ترى في هذا الصحن زهاء 50 ألفاً من النفوس وقد ازدحموا ازدحاماً بل قد رصوا رصاً. دع عنك ذكر من تسلق الجدران وتعلق بالحيطان ونظر من أعلى السطوح وتطلع من أعالي المشارف والأبنية فأنهم لا يحصون. هنا ترى المستشهدين قد صاروا إلى حالة تمكننا من أن نشبههم بآلات متحركة لا تعمل عن فكر وروية بل عن حركة عصبية اضطرارية أو عن نوبة صرعية وهم يظلون دائبين في عملهم هذا إلى آخر رمق من حياتهم بدون أن يشعروا بشيء أو يروا شيئاً، ويسمعوا شيئاً سوى القعقعة والجلبة التي تصدم آذانهم أو تغويهم فتنميهم عن هذه الدنيا. وهنا لا ترى ربع عدد أولئك الفرسان البيض الذين كنت رأيتهم قبل بضع ساعات. أما الآخرون فأنهم بقوا في الطريق مغشياً عليهم أو مائتين. وأما الحاضرون فإنهم قد صاروا إلى حالة تقشعر لها الأبدان وترتعد لها الفرائص. وبينما أنت تنظر إلى حواليك إذ براية خضراء تبدو لك في الفضاء
على رمح طويل يهزه هزاً عنيفاً فارس قوي البنية. وهذه العلامة هي إشارة إلى نهاية هذا الاستشهاد والمنظر الفاجع الرائع. وحينئذ يأخذ الجمع بالانقضاض، وما يمضي شيء من الزمن إلا وقد أصبح الصحن أفرغ من فؤاد أم موسى. على أن الحق يلزمنا بأن نقول: إنه يظل في فناء الصحن بعض الصعاليك الذين كانوا يقرعون صدورهم بأيديهم طول مدة الطواف وكان القرع موقعاً على سقطات السيف وهم يفعلون ذلك تأسفاً وتوجعاً على موت الحسين ولا ينقطعون عن إتمام ما شرعوا به عادين كفهم عنه أو وقوفهم في كآبتهم من رابع المستحيلات وهذه الحركة الاضطرارية لا تضرهم ضرراً يذكر. لم يعرف الشيعة سابقاً الحرية التي يتمتعون بها اليوم في كربلاء فأن التاريخ يشهد على أن العباسيين كانوا قد ضيقوا عليهم أشد التضييق حتى فزع أغلبهم إلى التقية، تخلصاً من البلية. ولولا تشديد العباسيين على العلويين لأصبحت كربلاء محجاً لهم لا مزاراً، بل محجاً يناوئ مكة مناوأة صادقة. ومع كل ما فعل بهم أعداؤهم لم يحد أبناء الحسين عن محبوبهم ولو قيد ذرة بل أظهر ثباتهم لخصومهم أنهم أرسى من الرصاص بل أرسى من الرواسي. ولقد شاهد الناس ملوكاً وسلاطين لم يكونوا على مذهب الشيعة ومع ذلك زاروا كربلاء كما فعل الشاه اسمعيل والسلطان سليمان (حليف
مشاهير بيوت وقبائل سوق الشيوخ
الملك الفرنسوي فرنسيس الأول) وعليه أصبح إيمان الإمامية قرين النصر المبين، وصنو الفتح المكين. كاظم الدجيلي مشاهير بيوت وقبائل سوق الشيوخ - 8 - مشاهير الرجال والبيوت أغلب بيوت سوق الشيوخ الشريفة أو الكبيرة هي من أبناء نجد. فإنهم يفتحون دورهم للضيوف ويكرمونهم ويحسنون إليهم. ولذا ترى كلمتهم مسموعة عند جميع العشائر ولهم جاه وصيت. ومن رؤوس البيوت الشريفة الشيخ محمد علي أبا الخيل (كذا يقال في حالة الرفع والنصب والجر على سبيل الكلمة الواحدة) وهو من أسرة كان بيدها سابقاً الحكم على بريدة إحدى عاصمتي القصيم. وسليمان أبا الخيل. وسليمان بن حسن المهنا أخو صالح بن حسن المهنا الذي دخل بريدة فقتله غدراً ابن السعود في الأيام الأخيرة. ومحمد العبد الله، وصالح العماري، وإبرهيم العماري وهذان من الرجال الكرام الأجلاء المحترمين وهما من أهل عنيزة. وإذ لم أجالس أحداً من الحضر لم أعرف واحداً منهم وإن كان فيهم من أهل الفضل وقدم المحتد ما لا ينكره أحد. 9 - نظرة عامة في البلدة وفي حالتها البلدية في غاية الانحطاط. وبيوت المدينة حقيرة أمام الناظر وذلك لأن البلدية لا تسعى في هدم ما يجب هدمه وترميم ما يحسن ترميمه وتقويم ما اعوج من طرقها وشوارعها. أما واردات البلدية فأنها لا تزيد على مائتي ليرة لكن لا يصف منها على تنظيف الأزقة وتوسيع الجواد وإنارة المحلات ما يجب صرفه في هذا الوجه. ويحيط بالبلد سور من الطين (أي سور من الطوف أو الطوفة) وجانب منه مبني باللبن والطاباق. وللبلدة أربعة أبواب تغلق كلها في الليل ما عدا باب النجديين فأنه يبقى مفتوحاً لأنه لا يتجاسر أحد على أن يطأ دارهم أو يخونهم. والبلدة خالية من الأمن في بعض الأحيان وقليلته في أوقات أخرى وهي أمينة
في برهة من السنة معلومة. وسبب ذلك وجود العشائر البادية في حواليها ولا سيما في إبان الفتن. كما وقع ذلك في أيام الاستبداد فأنه قل فيها نفوذ الحكومة واشتدت آنئذ المعضلات والمشكلات وتوالت فيها توالي المطر المدرار. والذي ساعد على استفحال الشر واستشرائه بين تلك الأقوام سوء تصرف بعض موظفي الحكومة وقلة درايتهم بسياسة تلك البلاد وعشائرها وأهاليها. الأمر الذي حط من ثلثي الثقة بالحكومة عند الرؤساء والأمراء والشيوخ وغيرهم كما ستظهر لك حقائقه وأسبابه في غير هذا الموطن. 10 - عشائر سوق الشيوخ عشائرها من جهة الغرب هي: 1. أهل أو عشائر الكوت وشيخهم قويد وجار الله الحواس [كشداد] وعدد من المسلحين منهم 1000 رجل 2. الشواليش وشيخهم عبد الله الوشاح (كشداد) وعدد حملة الأسلحة عندهم 300 عشائرها من جهة بر الشامية: 1 - النواشي ورئيسهم على المطلق وجنودهم 300 2 - حكام ورئيسهم ناصر الياسر وجنودهم 600 3 - البو حميدي ورئيسهم جاسم جولان وجنودهم 300 4 - بنو سالم ورئيسهم وهيب (مصغرة مشددة الياء) وجنودهم 500 5 - الغريافية ورئيسهم الحاج شهل العيسى وجنودهم 500 6 - الشواوشة والدبات [وزان ضمات] ورئيسهم فيصل الياسر وجنودهم 400 أهل السورة (كعورة) مزيعل البشارة وجنودهم 600 عشائرها من جهة الشرق:
1 - بنو أشرف وهم البوحمدان وبقية آل مشرف (وزان محمد) 500 2 - بنو سد (وزان تل وهي تصحيف أسد) ورئيسهم سالم بن خيون 400 3 - بنو حطيط (كزبير) الشيخ سبت (بالفتح) 300 4 - آل إسماعيل الحاج خشان (كشداد) 300 5 - العمائرة 6 - الحول (محركة) ينتمون جميعاً إلى بني خيقان 300 7 - الفهود 8 - البو شامة؟ 300 عشائرها الموجودة في غربي منازل بني سد: 1 - البو خليفة محمد الناصح وابن ركاب 700 2 - المؤمنون الميرزا عناية (بكسر الأول) 600 3 - بنو سعيد عيسى الرديني (مصغر ومنسوب) 600 4 - الجويبر ابن جويزع وابن قطان 1500 5 - آل زياد؟ 500 عشائر بني خيقان 2 - آل شميس؟ 450 2 - البو خليفة عبد الله الراضي 400 3 - الرحمة المغشغش 1500 4 - النجيمات زياد 300 5 - آلعبد الله زياد 300 6 - العليان (مصغرة ومشددة الياء) فيصل 1000 7 - العساكرة الحاج مري (بكسر الأول) والحاج دوخي (بضم فسكون) 2000 هذا مجمل العشائر المحيطة بالسوق وهنالك عشائر صغيرة اضربنا عن ذكرها حباً للاختصار كما أن ثم عشائر أخرى لا يعلم إلى أي قضاء راجعة اليوم وإن كانت في السابق عائدة إلى قضاء السوق. 11 - الأنهار الموجودة بجوار سوق الشيوخ يسمى الأعراب أنهارهم قراماً مفردها قرمة والكلمة مشتقة عندهم من قرم الساقية أو الجدول إذا كسره بالمسحاة ليجري منه الماء فالقرمة إذاً
الجدول أو النهر الذي يسهل فتحه أو سده عند الحاجة بخلاف النهر فأنه لسعته لا يسهل التصرف به على الوجه المذكور. وهناك أنهر كبيرة يحمل منها جداول صغيرة ونحن نذكر هنا ما وصل إليه علمنا. على أن هنالك نهاراً لا يزيد عرضها على ذراعين ونصف إلى 3 أذرع ولهذا نضرب صفحاً عن ذكرها. ودونك أسماء الأنهار التي بين المركز أو (الناصرية) وبين سوق الشيوخ. في الجهة القبلية أو في الشاطئ القبلي. العقر (كقفل) الحمار (كشداد) المجينينة (تصغير مجنونة) العثمانية، المصغر (كمحمد) السعيدية (مصغرة منسوبة) الخندق، قرمة جار الله، الحوسة (كعورة) الغافلية، المانعية، النغيمشي (مصغرة وبإسكان الياء والميم معاً وياء النسبة)، الفضلية. والأنهار التي هي في جهة الجزيرة أو في الجهة الشرقية هي: السديناوية (مصغرة منسوبة) المعيدية (مصغرة منسوبة) قرمة آل بو سوق بدعة (أي قرمة) الحسينات. أبا الرفوس (كذا يلفظنها في حالة الرفع والنصب والجر) الدقمانية، البو بزيم، الهدامية، العرجانية. غليوين (مصغر غليون) المجيحشية. السفحة (وهو نهر عظيم يأخذ أكثر من نصف ماء الفرات) والأنهار التي تبتدئ من السوق إلى أن يدفع الشط في برق الحمار أو الجزائر من الجهتين هي:
نحن والدهر
المحولة أو قرمة النواشي أم الطول، العتيبية الطليعة لآل أبو حميد، الاصيبح. الكرمانشية أم نخلة وهذه الأنهر من جهة الشامية. والأنهر التي تقابل تلك الأنهر من جهة الجزيرة هي: الرحمانية للنواشي الرميحية لحكام الزيادية للزياد الناطوري للحسن الحريقاوية للزياد قرمة بني سعيد للزياد نهر المومنين للمومنين أم شكاة؟ الدهلاوية؟ ومن بعد ذلك يتوزع الماء في البحيرات فيقل نفعه ويكثر ضرره. وإذا انتهى الأمر إلى مثل هذه الحالة فالأجدر بنا ختم الكلام. والسلام. سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض نحن والدهر - عجبت لمن من دهره يتظلم ... وأفعاله مما تظلم أظلم
العريسات وأم الغراف
بأسوائه للنفس يستجلب الأسى ... ويرمي بهن الدهر ظلماً وينقم ولو أنصف الإنسان ما راح مسنداً ... إلى الدهر جرماً وهو لا الدهر مجرم ولو مثلما قد قيل للدهر سطوة ... على المرء تقضي بالشقاء وتحكم لما عاش إنسان بأرغد عيشة ... على رغم دهر بالغنى يتنعم ولو لم يقاوِ الدهر جزءُ اختيارنا ... لما بعث الله رسولاً يعلم فما الدهر إلا مسرح وفعالنا ... تمثل فيه ما نرى وتجسم أرى المرء يشقيه قبيح فعاله ... ويسعده حسن الفعال ويكرم ولكن أبى الإنسان إلا تحاملاً ... على الدهر فيما قد جنى حين يندم وذلك طبع راسخ في وجوده ... مدى العمر لا يبلى ولا يتصرم إبراهيم منيب الباججي العريسات وأم الغراف - كتب إلينا من النجف حضرة الشيخ العلامة محمد رضا أفندي الشبيبي ما هذا نصه: وقفنا على طرف من أخبار العريسات أخذناه عن قطاع تلك الفلوات وطلاع تلك الثنيات فقد رووا لنا أن العريسات موضع على 8 ساعات من النجف غرباً. وإنه جسيم بناء تحت الأرض ينفذ إليه الداخل من نفق طويل مظلم ينتهي بأبنية متعددة مختلفة. وهناك مسالك كثيرة أشبه شيء بالجواد إلى غير ذلك مما يطول شرحه. وقد ذكروا أن من يريد الوقوف عليه وقوفاً تاماً تلزمه الإقامة فيه لا أقل من يومين، لا يرى فيها نور الشمس ولا يستغني سالك هذه الطريق المؤدية إليه عن إدلاء وخفراء يصحبونه
هذا قليل من كثير من أحوال هذا الأثر الكبير. اهـ وقد سألنا حضرة المستشرق الأديب لويس ماسنيون عن العريسات وعن رأيه فيها فقال: (إني لا أستطيع أن أبت رأياً بدون أن أشاهدها فلعلها تشبه (أم الغراف) التي كتبت عنها في رحلتي إلى العراق. فراجعها هناك لتقابل بين الموضعين.) فراجعنا ما رواه عن أم الغراف فإذا هو يقول: (لما وصلت أم الغراف رأيتني أمام أجراف قائمة فيها خروق متتالية على عرض الأجراف وكل ثقب يبعد عن أخيه قراب 10 أمتار على علو ونصف قامة الإنسان فوق سطح الحضيض. - ولما صعدت التلعة ودخلت في نقب من تلك الانقاب تحققت أن مدخلها مستطيل أو قائم الزوايا تفضي إلى دهاليز هي دهاليز للموتى أو دهاليز قبور. وكلها متشابهة كأنها أفرغت في قالب واحد. ودونك وصفها: 1: مدخلها فوهة قائمة الزوايا ارتفاعها متر و60 سنتيمتراً وهي مفتوحة على نصف طول قامة الإنسان فتحاً ينظر إلى الجرف القائم. 2: وقبيل الفوهة بئر من آبار الموتى في سطحه أمت يفاجئك مفاجأة تكسيره متر و50 سنتيمتراً ويبلغ قطره من متر و50 سنتيمتراً إلى مترين. 3: وبين يدي ذلك دهليزان أو ثلاثة دهاليز تتقاطع ارتفاع كل دهليز من متر و20 سنتيمتراً إلى متر و60 سنتيمتراً تقريباً. وهو يؤدي إلى آبار تشابه البئر الأولى وذلك على بعد نحو مترين آخرين من الدهليز. ولهذه الدهاليز حروف حادة.
وإن سألتني عن تاريخ هذه المدافن قلت: إني لم أر هناك عظاماً في البئرين اللتين نظرت فيها نظراً غير بعيد. ولم أجد هناك شقفاً أو خزفاً إلا قطعة واحدة، ولعلها نقلت إلى ذلك الموطن نقلها إليه بعض المتجولين أو الأفاقين. إن البدو قد نهبوا ما في تلك المقابر وقد فضوا عدة كل بئر باحثين عن كنوز ظنوا أنها فيها. إنه وإن لم يك هناك ما يرشدني إلى ضالتي فإني أميل إلى أن أجمع بين هذه المدافن وبين مدافن البحرين التي ينبش فيها الآن أثريون من الإنكليز (يكتب المؤلف كلامه هذا في 15 نيسان 1908) إن نظام الآبار والفوهات التي وصفناها فويق هذا تبين لي أنها تشبه كل الشبه نظام ما رآه في البحرين سنة 1907 حضرة الدكتور جون استروب من جامعة كوبنهاغ. أما معضلة تاريخها فأنها تبقى في نظري أعقد من ذنب الضب على أني لا أؤكد أن مدافن أم الغراف بقيت مقابر تدفن فيها الموتى إلى عهد فتوحات الإسلام لكني أرى أنه غير مناسب الآن أن يعين لهذه المدافن التاريخ الذي يؤرخ به بعضهم مدافن البحرين (الفنيقية؟ قبل أن يهاجروا إلى فنيقية إلى ما وراء الألف الثاني من الميلاد؟) اهـ كلام الباحث المستشرق. ونحن ننتظر من أبناء هذه الديار أن يبحثوا عن هذين الموطنين القديمين بل الواغلين في القدم بحثاً نعما لكي يساعدوا علماء الغرب على إماطة اللثام الذي يستر حقيقتها وتاريخ إنشائهما والله المعين على كل حال وفي كل حين.
الطباعة في دار السلام والنجف وكربلاء
الطباعة في دار السلام والنجف وكربلاء - لم تكن بغداد حتى أواسط القرن التاسع عشر تعرف المطابع أو فن الطبع بل كان العراقي إذا سمع بأن الكتاب الكبير الكثير الصفحات يطبع في يوم أو بعض يوم تأخذه الحيرة ويبقى مبهوتاً مدهوشاً لضعف مداركه وقلة بضاعته في العلم حتى أنه لا يصدق ذلك وربما أنكره وعده من رابع المستحيلات، وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل ربما استهزأ بأقوال الواصفين له فن الطباعة وعده من فنون السحر! بيد أن العراقيين لما رأوا ما جلبت الطباعة على أهل مصر الذين سبقوا البلاد العربية من الفوائد الجمة، وما درته عليهم من الذهب الوهاج، ورأوا كثرة الكتب وزهد أثمانها قامت بينهم نهضة علمية غلبت فيها التجارة فدفعتهم بسائق العلم إلى أن يجاروا على الأقل إخوانهم السوريين الذين كانوا أسبق البلاد العثمانية العربية إلى جلب المطابع بعد مصر. وعلى الأخص لما شاهدوا بأعينهم ما جنته الحكومة من الفوائد والثمرات من مطبعتها التي كان جلبها أبو الأحرار مدحت باشا سنة 1286هـ 1869م. إذ من عادات العراقيين التي قد استحكمت عراها بينهم (وكانت سبباً وحيداً في تأخرهم وعقبة كؤوداً في طريقهم وسيرهم نحو المدنية) أنهم لا يتشبثون بمشروع ولا يعقدون شركة ولا ينشئون محلاً أو غير ذلك إلا بعد أن يشاهدوا ثمراتها وفوائدها بأعينهم ولو أدى الأمر إلى قعودهم وتأخرهم عن مجاراة الأمم الراقية وبعد أن يستثمرها الأجانب ويتمكنوا من رقابهم والاستيلاء على منابع ثروتهم، ومصداقاً لقولنا هذه شركة لنج فأنها قبل أن تعطيها الحكومة امتياز تسيير بواخر في نهر الفرات كانت قد عرضتها على أغنياء بغداد وتجارها مع تساهل عظيم في الشروط بواسطة أحد الولاة فلم يقبلوا وأحجموا عن استثمار ينابيع ثروة بلادهم فلما رأوا ما جادت به على لنج من الريع الكثير والفوائد الجمة قاموا تلك القومة المشهورة وزعزعوا الآستانة باحتجاجاتهم على توحيد الإدارتين النهرية العثمانية والإنكليزية معارضين تسليمها إلى لنج ولكن بعد خراب البصرة! ولما نظروا الفوائد التي انتفعت بها بغداد من مطبعة الحكومة تهافتوا على جلب المطابع وما يلحق بها من أدوات لطبع الحروف وللطبع على الحجر
ومسابك ومقاطع وآلات تنحيس وصقل وتذهيب وتجليد وإلى الآن ليست مطابعهم على ما يرام أو ليست كافية لما تحتاج إليه البلاد العراقية المملوءة مكتباتها كتباً وأسفاراً ثمينة لم يرها إلا الأقلون من ذوي الثروة الطائلة وذلك لأن الرجل العراقي إذا أراد أن ينشئ مطبعة يتكبد النفقات والمشاق في سبيل جلبها ما لا يتكبده أخوه السوري وذلك لقرب البلاد السورية من أوروبا ووفرة الطرق والسكك الحديدية فيها وبعد البلاد العراقية عنها وخلوها من سكك حديدية وطرق مواصلات تربطها بالبلاد الراقية وتقربها منها. ولا ريب أن بلاد العراق في أقصى ديار الله. وهذا ما أخرهم عن غيرهم وجعل بينهم وبين غيرهم من الأمم الراقية مراحل كثيرة. وليس بعدهم عن البلاد الراقية هو الذي أخرهم في تكثير المطابع وتحسينها وإتقان صناعتها فقط بل أخرهم عن طلب العلم ومجاراة الشعوب الناهضة والسفر إلى البلاد التي نالت نصيباً وافراً من المدنية لتكاثر مناهل العلم فيها والاستفادة بنبراس كلياتها إذ أن للبعد والقرب من البلاد المتقدمة في عالم الحضارة دخلاً كبيراً في رقي الشعوب وانحطاطها. أسماء مطابعها ومطبوعاتها 1 - (مطبعة الولاية) - هي أول مطبعة أنشئت في بغداد بل في ديار العراق العربي جلبها من بلاد الإفرنج أبو الأحرار مدحت باشا فاتح متصرفية الاحساء وصاحب المآثر الجليلة والآثار الكثيرة في العراق سنة 1286هـ 1869م وسماها بالزوراء نسبة إلى بغداد وهي من أسمائها أو أنها سميت باسم الجريدة التي أنشأها سنة 1287هـ 1870م، وكانت مطبعة راقية فاخرة تدار بالبخار ويمكن أن يقال في وصفها أن أحسن مطبعة في مصر اليوم التي تطبع الجريدة بثمانية أوجه في آن واحد باللولب لا تكاد تضاهيها وكانت أعجوبة زمانها وفريدة أوانها وهي الآن مهجورة أتلفتها يد الكسل والإهمال، وبقيت نسياً منسياً. وكانت تطبع فيها جريدة لزوراء بثماني صفحات باللغتين التركية والعربية وكان محررو القسم العربي فيها من أشهر مشاهير الكتاب ممن كانت كتاباتهم تضاهي كتابات بديع الزمان وابن المقفع وأضرابهم كأحمد بك الشاوي والمرحوم طه أفندي الشواف، ثم جلب للولاية مطبعة ثانية فأصابها ما أصاب رفيقتها الأولى، ولما عين حازم بك والي بيروت
السابق والياً على بغداد سعى بإنشاء مطبعة تقوم مقام مطبعة الولاية الأولى الساقطة فجلب هذه المطبعة الموجودة الآن سنة 1323هـ 1905م وقد كانت هذه المطبعة الجديدة خاملة الذكر قليلة الفائدة في بادئ الأمر وأوشكت أن تندرس وتصبح في خبر كان لإهمال الولاة لها، لو لم يتح لها الله حضرة الفاضل محمد رشيد أفندي الصفار صاحب الزهور فضمنها من الحكومة بمائة وخمسين ليرة عثمانية سنوياً وبذل جهده في رقيها فجلب لها حروفاً متنوعة الأشكال من أشهر المعامل في الآستانة وسورية وجلب لها مسبكا فاخراً مع أمهات لسبك حروف جديدة، ويقال فيها على الجملة إنها اليوم من أشهر المطابع في العراق، وفيها ما عدا ذلك مطبعة حجرية تجيد الطبع. مطبوعاتها - 1 (سالنامه) لسنوات متعددة وهو كتاب تصدره الحكومة في كل سنة باللغة التركية تبحث في عن شؤون الولاية وإعمارها والتبدلات التي تقع فيها وأحوال عشائرها والأراضي القاطنة فيها وكل ما تحتويه الولاية من الآثار القديمة والمعابد العتيقة ولو أن الحكومة تصدره باللغة العربية لعمت فائدته وكثر انتفاع الناس به. (2) قوانين التجارة (3) قوانين الأراضي (4) نشوة الشمول في السفر إلى اسلامبول (5) نشوة المدام في العود إلى دار السلام (6) تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون في 321 صفحة (7) العلم الموروث في إثبات الحدوث (8) السيف البارق في عنق المارق (9) تنبيه الأصدقاء في بيان التقليد والاجتهاد (10) أحسن الأجوبة عن سؤال أحد علماء أوربة تأليف العلامة عبد الله وليم كويليام الإنكليزي (11) تحفة الكرام في خبر الأهرام للإمام السيوطي، وتطبع فيها الآن من الجرائد جريدة الزهور ومن المجلات سبل الرشاد وكانت تطبع فيها سابقاً جريدة التعاون وغيرها. (مطبعة دار السلام) - سميت بهذا الاسم نسبة إلى مرادف بغداد وقد أنشأ هذه المطبعة صاحب السعادة إبراهيم باشا مدير الأملاك المدورة، وذلك سنة 1310هـ 1892م وهي مطبعة كبيرة كثيرة الأدوات فيها حروف حسنة جميلة تضاهي أحسن المطابع السورية في إتقان طبعها. مطبوعاتها - (1) كتاب الفوائد الآلوسية على الرسائل الأندلسية
(2) كتاب بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب للعلامة الشهير محمود شكري أفندي الآلوسي وهو في ثلاثة أجزاء مجموع صفحاتها (1330) بقطع الثمن وهذا الكتاب حاز قصب السبق في المجمع العلم في أسوج (3) دار السلام تقويمي، وهو تقويم تصدره المطبعة باللغة التركية في كل سنة راجع لغة العرب 267: 1 و259: 2 وقد طبع فيها كتب فارسية كثيرة ضخمة ومناشير عديدة ومؤلفات عربية صغيرة الحجم وكبيرتها. (مطبعة كامل التبريزي) - هي مطبعة حجرية جلبها إلى ديار العراق من بلاد العجم أحد أكابر الفرس الميرزا عباس سنة 1278هـ 1861م وهي الآن متروكة لاستغناء الناس عنها بالمطابع البخارية مطبوعاتها - (1) كتاب أخبار الأول في آثار الدول (2) كتاب إشراق التواريخ ليعقوب بن عطا الله الرومي القرماني (3) كتاب سبائك الذهب في معرفة أنساب العرب لمحمد أمين السويدي (4) الظرائف واللطائف للشيخ أبي النصر أحمد بن عبد الرزاق المقدسي (5) المقامة الطيفية لجلال الدين السيوطي. (مطبعة الفيلق) - هي مطبعة حجرية فاخرة جلبها إلى العراق مدحت باشا الشهير سنة 1286هـ 1869م. مع مطبعة الولاية للقيام بما يحتاج إليه الفيلق من المنشورات والأوامر والكتب الفنية العسكرية. وأكثر مطبوعاتها لا يطلع عليها إلا كبار الضباط خوفاً من ن يقف عليها أحد فتفشي الأسرار العسكرية، (المطبعة الحميدية) أنشئت هذه المطبعة سنة 1330هـ 1892م ومؤسسها عبد الوهاب نائب الباب في بغداد سابقاً وهي الآن متروكة وأكثر آلاتها تحطمت لعدم العناية بها أما مطبوعاتها فخاملة قليلة لا تتجاوز الرسائل الصغيرة وكتب الأدعية وأحسن ما طبع فيها هو كتاب بحر الكلام لسيف الحق أبي النسفي. (مطبعة بنجور) - مطبعة إسرائيلية أنشأها الحاخام يهوذا بنجور سنة 1884م للقيام بطبع الكتب العبرية الخاصة بطائفته وأبناء ملته. وأكثر مطبوعاتها
العربية مناشير تجارية وبطاقات زيارة، ومكاتيب وإعلانات. ولما لم تعترف المعارف بوجودها في العراق إلا في أوائل الدستور بقي ذكرها خاملاً طول تلك المدة ثم جلب لها بعد هذا العهد آلة تدار بالرجل وما نحتاج إليه من أنواع الحروف العربية والفرنسوية والتركية وهي الآن قليلة الأشغال لقلة المنضدين في العراق إذ يعدون على الأصابع لحداثة هذه المهنة في بلادهم. (مطبعة الآداب) - هي مطبعة جلبتها شركة تألفت من كبار رجال الجعفرية في بغداد سنة 1327هـ 1909م وهي من أشهر المطابع العراقية ولا تقل اتقاناً عن مطابع سورية وربما ضارعتها في جودة العمل وكثرة الأشغال، وهي في ترق دائم لا ينقصها شيء مما نفتخر به المطابع الراقية، وذلك بهمة ملتزمها يوسف أفندي فرنسيس الموصلي المشهور بمعرفته بالطباعة. مطبوعاتها - (1) شواهد القطر وحاشيته للشيخ عبد الرحيم السويدي ص 315 بقطع الثمن الكبير طبع سنة 1329هـ (2) الهداية في شرح الكفاية للشيخ عبد الحسين آل أسد الله في مجلدين ضخمين (3) الهيئة والإسلام للعلامة هبة الدين الشهرستاني صاحب مجلة العلم سابقاً ص 314 سنة 1327 وهو في جزءين (4) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام وأئمة البيت الكرام (5) الجاذبية وتعليلها لفيلسوف العراق جميل صدقي أفندي الزهاوي وهو كتاب لم ينسج على منواله أحد حوى مبتكرات وأفكاراً لم تدر في خلد أحد من العلماء (6) الجزء الأول من تاريخ الإسلام للسيد صدر الدين الصدر ص 126 (7) مناظرة الحاتمي والمتنبي (8) كتاب حقوق الدول باللغة التركية وهو كتاب ضخم (9) كتاب الإرشاد لمن أنكر النبوة والمبدأ والمعاد لواعظ زاده مصطفى نور الدين أفندي مبعوث الديوانية (10) خلاصة المقال في شد الرحال له أيضاً (11) كتاب زهر الربى في حرمة الربا له أيضاً (12) المطالب المنيفة في الذب عن الإمام أبي حنيفة له أيضاً (13) رحلة الشتاء والصيف (14) شجرة الرياض في مدح النبي الفياض (15) رسالة في تحريم الجنائز للشهرستاني صاحب مجلة العلم (16) رسالة في العصا (17) المجازات النبوية للشريف الموسوي الرضى وهو كتاب عدد صفحاته 287. وطبع في المطبعة
أكثر صحف العراق منها مجلة لغة العرب هذه والعلم والحياة وتنوير الأفكار وجريدة الرياض والرصافة والمصباح وصدى بابل والنوادر والمضحكات وغيرها. (مطبعة الشابندر) - أنشأ هذه المطبعة أحد تجار بغداد محمود أفندي الشابندر سنة 1326هـ 1907م وهي مطبعة كاملة الأدوات فيها آلتان بخاريتان تطبع كل منها 3000 نسخة في الساعة، وآلة أخرى تدار بالرجل ومطبعة حجرية كبيرة وأدوات كثيرة، وحروف عربية وتركية وفارسية وفرنسوية جميلة، صرف عليها منشئها زهاء 2500 ليرة، وقام لها مديراً إسرائيلياً ينقده راتباً ليس بزهيد مقابل مشارفته مصالحها، وهي لو كانت بيد من يحسن إدارتها ويرعاها حق رعايتها لنالت شهرة بعيد وجارت أرقى مطابع سورية في جودة الطبع وكثرة الأشغال. مطبوعاتها - (1) الجزء الأول من كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد تأليف عثمان بن بشر ص 142 (2) الجزء الأول من كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد لساتسنا وهو كتاب يفيد من يهمه الوقوف على تاريخ بغداد بعد سقوطها بيد هلاكو وقد جمعه كاتبه من عدة كتب خطية ومطبوعة عربية وأعجمية (3) شرح قانون الجزاء مع ذيله باللغة التركية لعبد الله وهبي فندي أحد معلمي حقوق الجزاء في مكتب الحقوق في بغداد عدد صفحاته مع ذيله 735 جزأين (4) فصل القضاء في الفرق بين الضاد والظاء ص 168 سنة 1328هـ وقد حاز شهرة في ديار الإفرنج (5) كتاب التبصرة للمولعي بالخمرة (6) كتاب الشهاب في الحكم والآداب وكانت تطبع فيها جريدة القسطاس ولوجدان وكرمه ونرمه وغيرها من الجرائد البائدة. (مطبعة دنكور) - مطبعة إسرائيلية أنشئت سنة 1320هـ 1902م جلبها من ديار الإفرنج الحاخام عزرا دنكور وهي كاملة الأدوات أخذت في الأيام الأخيرة تسير نحو الرقي، وكانت أدواتها مقصورة على الوفاء بالمقصود أما الآن فهي في رقي مستمر، وتعني عناية خاصة بطبع المناشير التجارية وأغلب مطبوعاتها كتب ورسائل عبرية أكثرها تخص الصهيونيين والدعوة إلى نشر مبادئها، أما مطبوعاتها العربية فقليلة جداً كلها رسائل صغيرة لم نقف على أسمائها، وكانت تطبع بعض الجرائد منها جريدة التفكر لسان حال جمعية الاتحاد العثماني الإسرائيلية.
عادات العراقيين
10 - (مطبعة كربلاء) هي أول مطبعة حجرية جلبت إلى بلاد العراق صاحبها أحد أكابر الفرس في كربلا أنشئت في موقع قرب كربلا سنة 1273 هـ 1856 م في عهد ولاية لمشير محمد رشيد باشا حاكم العراق وكان من ذوي المدارك النيرة محباً للعلوم منشطاً لرجال الأدب، وأكثر مطبوعاتها مناشير تجارية وكتب أدعية ورسائل دينية حاوية لآداب زيارة عتبات أهل البيت (رضي الله عنهم) وليس بين مطبوعاتها كتاب يستحق الذكر غير كتاب مقامات الآلوسي في 134 صفحة طبع فيها سنة 1873 هـ وهي الآن متروكة لخلل ظهر في إدارتها. 11 - (مطبعة النجف) - تأسست هذه المطبعة سنة 1328 هـ 1909 م مؤسسها جلال الدين الحسيني صاحب جريدة الحبل المتين الفارسية المنتشرة في كلكتة (الهند) وأما الآن فهي تحت إدارة السيد محمود أفندي البزدي. وهي مطبعة بخارية جيدة، أما مطبوعاتها فقليلة لم نعرف منها سوى أنها طبعت كتاب اللؤلؤ المرتب في أخبار البرامكة وآل مهلب ص 188. وتطبع فيها جريدة (نجف) الفارسية. هذه هي المطابع الموجودة الآن في بغداد وألويتها، وهناك عدة مطابع أخذ امتيازها بعض الفضلاء لم نتعرض لها لأنها لم تفتح لها محلات ولم تبتدئ حتى الآن بالأشغال لعدم وجودها. وفقنا الله لسواء السبيل بمنه وكرمه، إبراهيم حلمي عادات العراقيين (نبذة من عادات العراقيين المسلمين) عنوان كلمة لكاتب عراقي افتتح بها صاحب هذه المجلة الجزء 5 من سنتها الثانية رأيته فاستوقفني لأني أعتقد أنه خير موضوع إصلاحي يطرقه قلم النقد الأدبي ويا حبذا لو انصرفت إليه زمرة من كتابنا حتى تتمميز العادة النافعة فتؤخذ، من الضارة فتنبذ وعلى الكاتب أن لا يتعدى خطته ويتناسى واجبات بحثه. عليه أن لا يحكم باستقرائه الناقص بنتيجة التام، فيخاطب البريء بلهجة المذنب، ويقدم الدواء لغير ذي
الداء، ولا يضع الهناء موضع النقب. العادة ومن لا يعلم أنها تكون لكل شعب وقطر بل لكل أسرة ودسكرة بل حتى أهل الكوخ الصغير قد يمتاز بعادة لا توجد عند غيره. أو يجوز أن نعاتب الشعب بعادة الأسرة، والقطر بعادة البلد كلا، إنه تحامل ولا عذر وقياس أن يلبس الإحسان ثوب العدوان. نسمع فيما نسمع أن الإنكليز يتطيرون من لقاء المرأة الحولاء ما لم تبادر بالكلام فحينئذ تزول الطيرة؛ وأنه إذا قص الإنسان شعر رأسه مدة نمو القمر نما وجثل؛ وإذا عزم إنسان على سفر وأكل نصف بصله وترك الباقي كان دليلاً على عدم توفيقه؛ وإذا انقلب الكرسي برجل عزب كان دليلاً على أنه لا يتزوج في تلك السنة وأن إكثار الضحك يعقبه البكاء لا محالة وأنهم يعتقدون بأنه متى احتضر شخص حضر في منزله روح يسمونه (رصد الميت) فيسمع له قرع على الباب أو الحائط أو صوت نحو صوت جر السلاسل فإذا سمع ذلك ثلاث مرات كان الموت بعدها لا محالة. أو يصح لنا أن نقول إن الإنكليز كافة يؤمنون بهذه الخرافات ويخنعون لهذه العادات وهم هم ذوو الرقى في معارفهم، في آدابهم، في جل شؤونهم. نعم ربما يكون في بعض طبقاتهم المنحطة من يتمسك بها. وعن المصريين أن بعضهم يتوهم شراً لو رأى جنازة في طريقه أو رأى شخصاً أحول في صباحه (سمعت عن الإنكليز مثلها) وأنهم لا يأكلون السمك يوم الأربعاء وبعض نسائهم يعتقدن في المرض المعروف (بمرض الأعصاب) أنه من مس الشيطان وأن فقيرة المصريين إذا أرادت أن تسمي ولدها باسم هيأت ثلاث شمعات وسمت كلا منها باسم وأنارتها ليلا وفي الصباح تسمي ولدها باسم الشمعة التي بقى نورها بعد نوري أختيها. وفقيرهم يمنع أولاده من ضرب القط ليلا لزعمه أن روحه مفصول من روح الملائكة. وشاهدي من ذكر أمثال هذه الأوهام لمن نعرف فيهم رفعة الفكر والسمو الأدبي إن الأمة مهما بلغت من الرقى فلا تزال تحفظ في أدمغة بعض أفرادها خرافات وخزعبلات فلا يجوز أن نوجه كلمة المؤاخذة إلى قوم بجهل منحطهم فإنه قول يجمع إلى البهتان. إفساد الغرض الصالح على حين أن القائل يروم إصلاح الفاسد. صدر كاتبنا بما قرأت من العنوان مقالته والظاهر أنه يريد بالعراقيين المنسوبين إلى العرق العربي والعجمي وإلا
لخصص وبعد أن تكلم عن عاداتهم ما شاء أخذ يعدد عاداتهم الاعتقادية فقال (جنبر سورى) وأنا لا أنكر على الكاتب ما ذكره هنا ولكني أقول لو استقرأ لما أخطأ فإن كثيراً من أهل البادية في العراق لا يعرف صفر ليعرف ويلاته ونحوسه وكثير من أهل مدنه من لم يسمع هذه العادة والكثير في من سمعها وشاهد إيمان قومه بها من لا يراها إلا خرافة ومما زاد الطين بلة ما استدركه المحشى بقوله ومن عاداتهم في ذلك اليوم أنهم إذا أقبل عليهم صباحه يذهبون قبل طلوع شمسه إلى الشط الخ اللهم إنك تعلم أنى في بلدة عراقية وليس إلى جنبها شط وكثير من مدن العراق وقراه ما هو كبلدي ونقول عن الثانية والثالثة ما قلناه عن الأولى وما سبر شؤون العراقيين وأحاط بها علماً ونظر إلى ما يلزم في الثالثة من المعدات والأسباب على ما ذكره الكاتب حكم أن هذه العادة لا تخرج عن أسوار مدن العراق إن لم نقل عن بعضهم. ويقول الكاتب في الرابعة أن بنات الكرخ يذهبن إلى (الإمام حبيب) وبنات الرصافة (على ما بلغه) إلى الشيخ الخلاني فهل ذلك الإمام وهذا الشيخ في كل مدن العراق؟ بل ألا يلزم ما عدا ذلك أن للقبائل الرحالة العراقية مقاماً سياراً لهذين الرجلين الإمام والشيخ لتقيم لهما مراسم هذه العادة في حلها وترحالها ويظن الكاتب أن السادسة من عادات الجاهلية وأنا أقطع أن البندقية حديثة الاختراع فكيف كانت الجاهلية تتخذ إطلاق الرصاص في الفضاء عادة وربما كانت نبالهم بدل رصاصنا ولهذا كان ظن الكاتب قائلاً وأما الخامسة فهي على الظاهر للعراقيين والمصريين وتعلل بحادث تاريخي هو أن فلكياً أخبر أميراً بحدوث خسوف في ليلة معينة فاتهمه الأمير بالزندقة وأوعده بالموت إن لم ينخسف تلك الليلة وفي الليلة نفسها نام الأمير وانخسف القمر فارتبك الأمر على الفلكي فاحتال لإيقاظه بأن أقنع جيشه بأن
فوائد لغوية
قمرهم يبتلعه حوت في السماء لا محالة وهم إن أرادوا أن يخلصوا قمرهم فليضربوا طبولهم وليضجوا حتى يخاف الحوت ويذهب فيبقى قمرهم سالماً. ولما فعلوا انتبه الأمير وقد سجل هذا الحادث بعض المؤرخين فهو كائن ولم يزل منذ كان العراقيون أساتذة العالم على ما يقول الكاتب وعلى هذه العدوة نذهب معه فيما ذكره من العادات أجل إن هذه العادات توجد عند البغداديين والكاتب قدر أن العراق هو بغداد وبغداد هي العراق فندد بالعراقيين بتلك الشدة في القول وارتكب إهانة قومه من غير مبيح ذلك خطأ عصمنا الله منه. النجف: عراقي. فوائد لغوية 1 - معنى ولك وورك (وزان سبب) أهالي بغداد يستعملون كثيراً كلمة (ولك) في مخاطباتهم إذا وجهوا كلامهم إلى من هم أدنى منهم. وأهل الموصل يبدلونها بكلمة (ورك أو وراك) وقد اختلف البعض في تأويلها فطلب منا أحد الأدباء رأينا في ذلك. فنقول: ولك (وزان سبب) والنصارى يكسرون الواو كسراً غير بين وبعض أهل البادية يقول (ويلك) هي كلمة فصيحة مشتقة من الويل كانت مستعملة في القديم عند مخاطبتهم من هو أدنى منهم منزلة ويتخذونها للزجر أو للتهديد في حالة الغضب وللمجاملة والملاطفة في حالة الأنس بالصغار وتقابلها عند الإفرنج أو وأهل الموصل يقولون عوضها (ورك أو وراك) بمد الفتح الثاني: وأهل الحدباء يرون في تأويلها أنها محرفة أو مخففة عن وراءك أي ما وراءك. وهذا التأويل فاسد. لأن استعمال الأقدمين لكلمة (ويلك) في مثل هذا المقام أشهر من أن تذكر. نعم إنهم استعملوا أيضاً وراءك لكن في مقام
السؤال يقولون مثلاً ما وراءك يا هذا؟ أي ما عندك من الأخبار مثلا. لكنهم لم يستعملوها في سياق الكلام بالمعنى الذي أشرنا إليه. فالراء هنا بدل من اللام كما في جلم وأملط واعلنكس والأصل فيها: جرم (أي قطع) وأمرط واعرنكس. وقد صرح اللغويون بأنها لثغة شائعة عندهم (راجع المزهر 270: 1) ومما يدعم هذا الرأي أن عوام الآرميين (أي السريان ونحوهم) يقولون: ولوخ (ولوك أي ويلك) بمعنى ويلك للزجر ولا يقولون وروخ (وروك أي وراءك) وعليه يكون لفظ البغاددة أصح من لفظ المواصلة. وقد تؤنث هتان اللفظتان وتجمعان فيقال فيهما: ولك وورك، ولكم ووركم. 2 أصل لفظة يول (محركة الأولين مشددة الآخر) يكثر أهل الموصل من كلمة (يول) إذا خاطبوا الرجل وقليل من أهل بغداد يستعملونها وقد سئلنا عن أصلها فنجيب: ذهب الناس في أصلها مذهبين. فريق يزعم أنها مخففة أو مختزلة من ياول (أي يا هذا ول أي اذهب) وجماعة تقول إنها مخففة من قولهم يا ويلك أو يا ويله وهم يريدون بذلك (يا هذا) ونظن أن كلا الفريقين واهم. وعندنا أن الرأي الأصح أنها مقطوعة أو مخففة من يا وهل بكسر الهاء. والوهل الرجل الضعيف والخائف والفزع ونسبة الضعف إلى الإنسان أمر مشهور وما قول العرب في مثل هذا المقام (يا هذا) إلا لأنهم ينسبون إليه الضعف وتخفيف المكسور العين أي إسكانه أمر مقرر عند النحاة أن في الأسماء وأن في الصفات أو النعوت ولنا رأي آخر وهو عندنا أصح من الآراء الثلاثة المذكورة وهو: إن (ياول) مخففة عريا ولد وأما وجه التخفيف فحدث أنهم أسكنوا اللام وهي لغة في المحركة ولما أسكنوها ضعف صوت الدال حتى أشبه التاء اللاحقة لبعض الألفاظ في الوقف. ثم استغنوا عنها بالحذف لكثرة الاستعمال فصارت كما ترى. ومما يشهد على ذلك أن هذه اللفظة أكثر ما تستعمل لنداء الأولاد أو بعض الرجال الذين هم أدنى منزلة من المنادى أو الأصدقاء الذين لا كلفة بينهم وبين من يكلمهم: ونعرض للقراء رأياً خامساً وهو: إن (ياول) مرخم عن ياولي بتشديد الياء الأخيرة
باب المشارفة والانتقاد
والولي هنا بمعنى المحب والصديق والعتيق (أي العبد المعتوق) ولهذا جاز استعمالها مع أصدقائك والذين أنعمت عليهم. هذا وإن كان للقارئ غير هذا الرأي فليعرضه على القراء ونحن نشكر له صنيعه سلفاً: حنا ميخا الرسام باب المشارفة والانتقاد 1 رواية جل الفرس نقلها من الفرنسوية (عن الألمانية) إلى العربية مع تصرف محمد دياب بك مفتش اللغة العربية بنظارة المعارف العمومية سابقاً، ثمن النسخة ثلاثة غروش صاغاً (صاغ)، حقوق إعادة الطبع محفوظة لمكتبة الشعب بشارع محمد علي بمصر. أولع الناس بمطالعة الروايات الخيالية. والغاية من وضع هذه الروايات تهذيب النفوس ودفعها إلى أعلى مراقي العمران وأبعد مطارح الآداب الصادقة. إلا أن بعضهم شغفوا ببعض ما يخالف هذه الغاية المحمودة فأخذوا يطالعون المصنفات التي تؤدي إلى مهاوي الفساد والعار والشنار فتباً لمن غط قلمه في مثل هذا الحبر الأسود في جميع معانيه المادية والأدبية والمجازية وأمامنا هذه الرواية البديعة وضعاً الحسنة سبكاً، الشريفة مغزى، الفصيحة لغة وتعريباً التي تبقى لكاتبها ذكراً حميداً، ولناقلها إلى لغتنا صيتاً بعيداً. كيف لا ومعربها هو حضرة الكاتب البليغ محمد دياب بك. فنحث جميع من لهجوا بمطالعة هذه التآليف العصرية أن يقرءوا هذه القصة التي قال فيها معربها: (فيها ذكرى واعتبار لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولا تظنوا أنها أسطورة موضوعة اخترعها الوهم والخيال بل هي حكاية عن واقع حصل في القرون الوسطى وصورة تشخص قصارى ما يبلغ إليه سوء الأخلاق في الإنسان.) وقد وقع للمعرب (وقد علمنا من مصدر ثقة أنها للمصحح فأنه أراد أن
يجلي العبارة فأعماها) بعض ألفاظ عامية كنا نود أن يبدلها من غيرها من الكلم الفصيحة السهلة المنال من ذلك الماجريات (ص 3) بمعنى الأحداث (والإمعان (حاشية ص 4) بمعنى التدبر وقد وقع له بعض عبارات توخى فيها التعبير الضعيف وترك التعبير الفصيح كقوله في ص 5: حتى إنه كان ليتألم إذا دعت الحاجة لبقائه في منزله. والأفصح: إلى بقائه. وكقوله ص 6 البرد القارص والأفصح القارس. وإن كان للقارص وجه للتأويل. وكقوله فيها: يعترف بخطئه. ورسم الهمزة على الياء والأصح بخطإه بوضع الهمزة تحت الألف. وكقوله هناك: وينصاع إلى ما يلقى إليه بمعنى ينقاد وانصاع لم يرد في كلام فصحائهم بهذا المعنى. وقال في تلك الصفحة وفاوضته الحديث. والذي يقال هو: فاوضه في الأمر لا فاوضه الحديث على أن هذا الغبار كله أو هذا الهباء لا يضر بجوهر العبارة التي تبقى كالسيف الصقيل في الغمد المتين 2 سيرة القديس يوحنا الدمشقي الأصلية تصنيف الراهب مخائيل السمعاني الأنطاكي نشرها لأول مرة الخوري قسطنطين الباشا الراهب المخلصي بمطبعة القديس بولس حريصا (لبنان) سنة 1912 بقطع الثمن. نشر مؤلفات السلف ولا سيما ما تدور أبحاثها على قطب الشرق ورجاله ومشاهيره من أنفع ما يفيد أبناء هذه الديار ويبعث في صدورهم الهمة والإقدام على تحري الأمور الجلائل. وممن يسعى كل السعي في تحقيق هذه الأمنية ناشر هذا الكتاب. فإنه ممن قد أوقف نفسه في سبيل هذا العمل العظيم. ومما نشكره عليه هو أنه يحافظ على إبقاء النص الأصلي بدون أن يعبث به أو يفسده بسوء قراءته إياه. ولهذا نجل الساعي في نشر آثار السلف الصالح ونحض القراء على اقتناء هذا الكنز الثمين الذي لا تزيد صفحاته على 29 صفحة. 3 نبذة مختصرة في الصحف العربية المصورة بقلم الفيكونت فيليب دي طرازي. في 13 صحيفة بقطع الثمن الصغير دقيقة الحرف طبعت بالمطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين في بيروت 1912. عني في هذه الأيام حضرة الفيكونت المذكور بتأليف كتاب شامل لتاريخ
الصحافة العربية منذ نشأته حتى الآن. وهو أمر جليل لا يقوم به إلا رجل جليل، ذو همة بعيدة ونية تسمو إلى تذليل كل المصاعب. بل رجل أمضى عزماً من السيف الذرب واثبت قصداً من الأوتاد والرواسي. ولا حاجة إلى إشارة ما في هذه الرسالة من الفائدة واللذة في الوقوف على محتوياتها وقد أفضى بحث هذا النقاب عن هذه النتيجة وهي: إن مجموع الصحف المصورة في تركية 31 منها 17 للمسلمين و14 للنصارى وفي القطر المصري 70 منها 21 للمسلمين و42 للنصارى و7 لجمعيات مختلفة وفي تونس 7 منها 4 للمسلمين و2 لليهود و1 لجمعية. وفي أوربا 15 منها 4 للنصارى و11 لليهود. وفي أميركا 6 كلها للنصارى. فمجموع المجموع 129 صحيفة مصورة منها 42 للمسلمين و66 للنصارى و13 لليهود و8 للجمعيات. - فنحنن نشكر للمؤلف هديته هذه النفيسة. ونطلب له من الله العون في إتمام ما بدأ به بمنه وكرمه. 4 لباب البراهين الجلية. عن حقيقة أمر الطائفة المارونية. منذ أوائل القرن الخامس إلى أوائل القرن الثالث عشر من القرون المسيحية. وهو درس تاريخي انتقادي في أصل الطائفة المارونية واسمها وديانتها وأحواله. للمطران يوسف دريان النائب البطريركي الماروني في القطر المصري. في 360 صفحة بقطع الثمن الكبير. الجدل والانتقاد على الطريقة الجديدة العصرية حديثا الدخول في لغتنا العربية وأغلب من طرق هذا البحث جاء وفي رأسه خطة. وخطته التشفي مما في صدره من الغيظ والحزازات ولهذا لا ترى عنده من الأسلحة إلا عبارات الهزء والتهكم والألفاظ الفظة أو البذيئة التي تدل كلها على خلو صدره من العلم والأدب والفضل. وفراغ رأسه من مواد البحث ومواضيعه. على أنك إذا أردت مثالاً ترى فيه غاية العلم والفضل والأدب والتوغل في الأبحاث التاريخية والدينية والمنطقية فعليك بهذا الكتاب الجليل فأن صاحبه قد امتطى غارب هذه الأبحاث وقبض على زمامها بنفس مطمئنة كأنه يجري في سهل لا أمت فيه ولا عقبة وهو كلما رأى أمراً صادقاً بيد خصمه أقر له به
وكلما وجده مخطئاً فيه أشار إلى وهمه من طرف خفي في غاية الأدب والمجاملة. وقد ختم المؤلف هذا البحث بخاتمة هي آية في الوضوح والجلاء وفي صدرها هذه الألفاظ: (لقد حصحص الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً. وقد ثبت على كل حال أن الطائفة المارونية منذ القرن الثاني عشر أو أواخره على الأكثر قد تربعوا في حضن كنيسة رومية ودخلوا حظيرها المقدس وانضموا إلى غنم رعيتها وأخذوا يسمعون صوت راعيها الأسمى. .) فأنت ترى خلو صدر هذا الكاتب الضليع من كل غاية أو غرض أو تحزب بخلاف بعض من ينتمون إلى طائفتنا هذه فأنك إن استنزلتهم إلى هذا الميدان نزعوا عنهم للحال كل ما يؤدي بهم إلى معرفة الحق والاهتداء إلى منبعث النور ومنبثق أشعة الصدق. واندفعوا إلى المقارعة بعين تقدح الشرر، وبصدر أضيق من خرت الإبرة. وهم قد ركبوا رأسهم لا تراهم يلوون إلى منعطف ولا يتقون المهاوي التي تحفرها أيديهم المتلطخة بأقذار القذيعة والإفك ولا يتحرجون من ركوب مطايا الضلال وأحرن دواب النفاق والتدليس. ولهذا فإننا نشكر كل الشكر صاحب هذا السفر الجليل على ما تحف أبناء العربية. ونتمنى لمصنفه هذا الرواج الصادق. إلا أننا كنا نود أن ينزه الكاتب سفره مما دسه مصححو المسودات أو المنضدون من الأغلاط مثل ذلك ما ورد في ص 1 في قوله: أما علماء الموارنة فهم حريصون أشد الحرص. . وحريص لا يجمع جمعاً سالماً بل بكير على حراص (وزان رمان) وحرصاء وحراص (وزان كتاب) وجاء في ص 2: مأخوذة عن تقاليد هذه الأمة من وجه التواتر بالرغم عما يعتورها من الخلل. فقوله بالرغم عما. . . من التعبير الإفرنجي وهو وإن كان له وجه في العربية إلا أن الفصحاء يتحاشونه ويقولون: على ما يعتورها أو مع ما يعتورها. أو نحو ذلك. وورد في ص 3: والعناية في تعريفها. . . والأفصح: والعناية بتعريفها. لأن فعل عني بالشيء وما يشتق منه يتعدى بالباء لا بفي. وإن كان يجوز ذلك من باب التضمين أو من باب التخريج والتوجيه. ومن هذا القبيل ما وقع في ص 4 فقد جاء هناك ما هذا
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
حرفه: بسبب الرزايا والبدع الذي بعض المصنفين ادعوا على الموارنة وأهل الشرق.) والأصح التي. ومثل هذه الأغلاط شيء كثار لا تخلو صفحة منه. فيا حبذا لو نزه منها هذا الكتاب الجليل الفذ بل يتيمة الدهر. ومما نتمنى لهذا الكتاب فهارس هجائية فيها على الأقل أهم المباحث التاريخية أو المتعلقة بالبلاد حتى يظفر بها المطالع إذا ما أراد أن يطلبها في هذه الخزانة عند احتياجه إليها. هذا ما عن لنا في أثناء تصفح هذا التأليف النفيس ونحن لا ننكر ما استفدنا من مطالعته. وهو جدير بأن تزين به كل مكتبة من أي نحلة كان صاحبها أو من أي صيغة أو ملة كان. وليس السمع كالعيان. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1. الإعانة الحربية في الصلاحية (من أعمال الموصل) والإعانة الأدبية فيها. يوم عالنت دول البلقان دولتنا بالحرب ووصل النبأ للصلاحية اجتمع الأهلون في الثكنة العسكرية وقرأ أحد ضباط القضاء بلاغ الخليفة الأعظم فأظهر الناس وقتئذ على اختلاف طبقاتهم تحمساً يدل على وطنية صادقة وودوا بذل أموالهم ومهجهم بل قرنوا القول بالفعل عندما دعاهم زكي بك الخطيب قيم مقام الصلاحية إلى أن يظهروا مكنونات صدورهم في مجتمعات عامة وخاصة فدلت إعانتهم على تأثرهم الداخلي إذ بلغ مجموع الإعانة 400 ليرة عثمانية في مركز القضاء والقرى الملحقة به. والأمل أن يزداد هذا المبلغ حتى يكون 700 ليرة. وقد أرسل إلى العاصمة خمسة آلاف قرش صاغ (صحيح) إلى جمعية الهلال الأحمر. وما بقي من الدراهم بعث به إلى رئاسة لجنة الإعانة الحربية في حضارة الولاية. ومما دل على تقدم روح الرقي في هذا الفضاء أن قيم مقامه توفق لجمع دراهم كافية لاقتناء أثاث للمدرستين الابتدائية والرشدية واستأجر داراً للمدرسة الأخيرة بإعانة أهالي القضاء وبنى بضعة جسور في طريق الصلاحية التي تمر عليه العجلات الجارية بين بغداد وكركوك أو بغداد والموصل. وهذه الجسور معقودة على سواعد ونواصر وسواقي نهر الصلاحية، وفي نية حضرة قيم المقام أن يبنى قناطر أخرى من أموال الأهلين الأسخياء النجباء الذين علموا ما عليهم من الفرائض بوجود حاكم بصير بخير
الأمة ورقيها. حقق الله الأماني وخول لهذه البلاد رجالاً مثل هذا الشهم الهمام! إنه كريم! (عن رسالة من مكاتبنا) 2. عجمي بك السعدون في نواحي الزبير شاع في البصرة أن عجمي بك السعدون عازم على كبسها فارتاع لهذا النبأ المشؤوم أهل البصرة كلهم أجمعون ولا سيما نصاراها ويهوديوها. وبعد أن تهيأ لمهاجمته سكان البصرة بأسلحتهم وعدتهم كذبت الأخبار والأراجيف ورجع كل إلى أشغاله. (عن كتاب خصوصي) 3. البوارج الحربية في مياه مسقط كتب أحدهم من مسقط إلى صاحب جريدة (الدستور) من جرائد البصرة قال: إن البوارج الحربية الإنكليزية في خليج فارس بلغت 50 بين كبيرة وصغيرة؛ وينتظر وصول أسطول فرنسوي إلى مسقط لحسم الخلاف الواقع بين حكومتها ورعايا فرنسا بشأن الأسلحة. 4. انحباس الأمطار ثم انهمارها انحبست الأمطار هذه السنة حتى أوائل شهر ك1 ثم أمطرتنا السماء مطراً غزيراً في الثاني والسادس والسابع والرابع والعشرين من الشهر المذكور فأروت الأرضين. لكن لا تسأل عن بغداد في أوقات الأمطار فأن الأوحال تحول دون كل ذي عزم ماضٍ ودون قضاء أشغاله وليس من يهتم بكسحها وتمهيد الطرق للمارين. 5. البرد نزل الحر في منتصف شهر ك1 إلى الدرجة 3 ثم نزل حتى انحط عن الصفر بدرجة واحدة وذلك في الخامس والعشرين منه. 6. الغلآء ما زالت أسعار الأطعمة مرتفعة لكثرة ما يصدر منها التجار إلى ديار الغرب. فلقد كانت تباع وزنة الحنطة في السنة الماضية بمائة غرش صاغ (صحيح) وهي تباع اليوم بمائة وخمسين. وقس على ذلك سائر الحبوب كالأرز والشعير والهرطمان والماش والقطاني بأنواعها وكذلك السمن والحطب وكل البياعات. ولا سيما في هذه الأيام أيام الشتاء فأن الفقراء يتضورون جوعاً من حالة الأسعار الحاضرة. 7. زوار كربلاء والنجف والكاظمية بلغ عدد زوار كربلاء والنجف والكاظمية في هذا الشهر مائة وعشرين ألفاً ولو وصلت بغداد بهذين البلدين بسكة حديد لكان الربح في مثل هذا الشهر أكثر من مليون مجيدي. ولاستفاد الزوار فائدة تذكر لأن نفقاتهم تقل فيذخرون ما وفروه لأنفسهم لشؤون البيت ولراحة أهله. حقق الله الآمال. (ملخصة عن الرياض) 8. ازدياد سكان بغداد بقدوم المهاجرين إليها سكان بغداد يزدادون سنة بعد سنة حتى أن المسير في الطرق ولا سيما في الأسواق
أصبح صعباً جداً لما هناك من ازدحام المارة وكثرة العجلات والدراجات والخيل وأنواع الدواب. ومما يزيد أهلها عدداً مهاجرة الناس إليها كل سنة في أيام الشتاء. فقد جاءنا هذه الأيام عدد عديد من مهاجري إيران وداغستان. عسى أن الحكومة تسعى بإنشاء أحياء جديدة خارجاً عن البلدة لكي لا يفسد ازدحام السكان هواءها ولكي يرخص كراء الدور فلقد أصبح فاحشاً جداً. 9. الغوص في خليج فارس يزداد عدد الغواصين في خليج فارس زيادة عظيمة سنة بعد سنة. ويظهر ذلك بالمقابلة التي ذكرتها الرياض ونظن أن فيها مبالغة عظيمة قالت: عدد السفن الغواصة في سنة 1326هـ (أو سنة 1907م) عدد السفن الغواصة في سنة 1330هـ (الموافقة لسنة 1912) 1. 0001. 500من الكويت3. 0005. 000من البحرين2. 0002. 500من قطر0. 3000. 700من لنجة وفارس0. 8001. 200من دبي0. 5000. 500من الشارقة0. 1500. 250من أم الاقيوين0. 4000. 500من (أبو ظبي) 0. 1000. 150من جزيرة دلما0. 0000. 100من بلد البوعينين0. 0000. 600من القطيف ودارين10001. 200من عدة جزائر وقرى مختلفة9. 25014500فمن هذين المجموعين ترى أن الزيادة بلغت في هذه السنة 5250 سفينة إلا أن معظم هذه السفن صغيرة ويختلف عدد راكبيها بين عشرة رجال وأربعين رجلاً. فلو فرضنا أن معدل الركاب 20 في كل سفينة فيكون عدد الغواص 290 ألف نسمة. منهم نحو 44 ألفاً من عناصر مختلفة وسائر ما بقي عرب أو أعراب. وقد أخذت البوادي بالغياصة في موسمها. وجاراهم أيضاً النجديون. حتى أن بعض الأمراء زاد الضرائب على أمثال هؤلاء خوفاً من كثرة المهاجرة وبقاء الشيوخ بدون أعوان أبطال وجنود شبان مغاوير.
العدد 20
العدد 20 - بتاريخ: 01 - 02 - 1913 طُعيرِيزات أَوْأَ طلاَل طَيزَنَاباَذ 1 - تمهيد في بقايا طيزناباذ وأخربتها الحالية. (لغة العرب) في نحو أواخر شهر تشرين الثاني أنفذت لغة العرب حضرة الشاب الأديب إبراهيم حلمي أفندي ليتفقد معالم العريسات ويكتب عنها ما يشاهده ويصفه وصفاً دقيقاً ولما وصل النجف وبحث عن رجل يرافقه إلى طيته لم يجد له دليلاً يرشده إليها مع أنه أقام في الغريين نحو أسبوع، ولما كان اليوم الأخير من مقامه هناك وكان يجالس قيم مقام النجف حضرة الشهم الأديب إبراهيم ناجي بك السويدي ويفاوضه في أمر العريسات ويكاشفه بما في صدره من الأسف والحزن على خفوق مسعاه نهض أحد الأعراب وقال: أني اعلم موقع البلدة التي تنشدها ولما طلب منه أن يرافقه أَبي وتصاعب في الذهاب معه وبعد الإلحاح العظيم والتماس حضرة قائم المقام المرة بعد المرة أَذعن الأعرابي ورافق كاتبنا المذكور، ولما وصل معه على بعد ميل من القادسية قال له: هذه هي العريسات. واراه أطلالا هناك ثم قال له: والأعراب تسميها طعيريزات، ولما انعم النظر حضرة الكاتب
في تلك الدوارس أو الشواخص وفي بعدها عن الكوفة والقادسية تحقق أنها طيزناباذ لا غير، فكتب لنا المقالة الآتية: 2 - موقع طيزناباد. طيزناباد مدينة شهيرة من اقدم مدن العرب الجاهلية في ديار عراق العرب وهي بين الكوفة والقادسية على حافة الطريق على جادة الحجاج بينها وبين القادسية ميل وكان يظن أن آثارها طمست ولم يبق لها اثر يذكر بعد أن جر الزمان عليها ذيله فعفى ما كان قد بقي من أطلالها وإذا الأمر على خلاف ما ظنوه 3 - وصف هذه الأطلال في يومنا هذا كان مسيرنا إلى طعيريزات عن طريق قضاء (أبو صخير) في شمال شرقي النجف فأشرفنا عليها بعد أن قطعنا قراب 9 كيلومترات، وأًهمّ الشواخص القائمة هناك هي تلول وروابٍ يتراوح ارتفاعها بين 15 و25 متراً وعلى جوانب تلك التلول آثار أبنية قديمة العهد، وتمتد التلول إلى نحو كيلومترين تبتدئ من موضع اسمه المصعاد وتتقدم إلى ما يقرب من الخورنق وبين هاتين التلول والهضاب أبنية قد شيدت في عصر الجاهلية الجهلاء وقد عقد بعضها عقداً محكماً قد غارت به الأرض حتى كادت تبتلعه عن آخره، ولا يظهر إلا اثر بناءِ السقف ومعداته الطاباق الصلب وقد شُدَّ
بعضه بعض بالجص القوي وطلي ظاهره بالبورق، قال رفيقي الأعرابي: هذا البناء كان سرداباً بعيد الغور وقد دخله والدي قبل 30 سنة ولما خرج منه كاد يُغشى عليه، وهو لم يخرج منه إلا لأنه أحس بسلب قواه، ولهذا لم يتمكن من رؤية شيء، وبين هاتيك النبوات آثار أسس أبنية بارزة للعيان قد هدمها الأعراب، واستلوا ح وقد ذكر لي دليلي الأعرابي نقلاً عن أجداده أن هذه الأنقاض جارتها واحداً بعد واحد ونقلوها إلى أراضيهم ليبنوا بها دوراً يتحصنون فيها يسمونها (قلاعاً)، ولم يبقَ من ارتفاع هذه الأبنية إلا نحو متر ونصف وأكثرها بهيئة دعائم مفتولة، ومحيط اكثر هذه الأساطين يتراوح بين المترين وثلاثة أمتار. كانت قبل نحو نصف قرن دوراً فسيحة الإفناء والجنبات، فنقضها أهل البادية انتفاعاً بآجرها وقد مسحنا هذه الأبنية الباقية فوجدنا طولها قراب 35 متراً وعرضها زهاء 28 متراً على شكل مستطيل. وفي شمالي هذه الدوارس بئر مهجورة بين يديها حوض من الرخام مستطيل ويبلغ طوله نحو مترين في عرض متر، والبئر مملؤَة تراباً، ولا يرى من عمقها سوى مترين ونصف وهي مطوية بالطاباق الحسن، وعلى بعد ما يقارب 50 متراً من غربي هذه البئر قبر قد ابتلعته الأرض ولا يرى منه إلا مقدار 20 سنتيمتراً، وهناك بناء معقود طوله متران ونصف وعرضه متران قوسي الشكل وليس عليه كتابة تدلنا على صاحبه وتشير إلى عهده. 4 - رأي النجفيين خاصتهم وعامتهم في هذه الأنقاض. قد اختلف أهل تلك الربوع في حقيقة هذه الأطلال وكل يذهب فيها
مذهباً، ونحن ندون هنا ما سمعناه حرصاً عليه وخوفاً من أن ينسى: قال دليلنا الأعرابي أن هذه الشواخص كانت قبل نصف قرن بناءً قائماً يناطح السحب بذهابه صعداً في الهواء، ولم يهدم بل ينسف إلا في هذه السنوات الأخيرة، وذلك أن الفتن اشتدت بين الأعراب وأخذت نارها تشب لأدنى سبب، فأراد بعضهم أن يقوى على أعدائه وخصومه فابتنى قلاعاً اتخذ حجارتها من هذه الأبنية الفخمة الضخمة، وكان على بعضها كتابات ورسوم، ونقوش، ورقم ترشد الباحثين عن دابر مجدها، وسابق عزّها، إلا أن الذي كان يجب عليهم أن يبقوها على حالها، ويعنوا بحفظها لم يعملوا شيئاً في هذا الأمر وذهبت تلك المصانع والمعاهد فريسة الجهل والإهمال. وسمعنا أحد الأدباء من سكان النجف يقول: إن عهد هذه الأبنية يرتقي إلى شرقون (شرجون) الأول الذي كانت تطوي أيامه في نحو سنة 3800 قبل الميلاد وهو لا يورد لقوله هذا دليلاً تاريخياً، وقال آخر أن الذي عمر هذه الديار هو أحد ملوك دولة حمُّوربيّ وهذا القول أيضاً لا يقوم على سند يعول عليه، وكلا القولين من باب الرجم والحدس، وذكرت جماعة أن باني هذه القصور هو أحد ملوك المناذرة، وقد اختلف في اسمه فمن قائل أنه النعمان الأعور السائح المتنصر الذي عاش قبل أبي قابوس بمائتي سنة، وهم في قولهم هذا يستندون على مواد البناء فأنهم يرون أن مواد بناء الخورنق والسدير تشبه مواد أبنية طعيريزات فإذا ثبت ذلك كان الباني الحقيقي هو النعمان الأعور لأن التاريخ يؤيد هذا الزعم بل هو أشهر من أن يذكر.
على أننا لا نستصوب رأياً واحداً من جميع هذه الآراء فهي كلها جديرة بأن تلقى بين النفايات لا غير، والرأي الحقيقي عندنا أنه من بناء الضيزن الذي قتله سابور ذو الأكتاف بين سنة 326 و328 للميلاد كما سنذكره في موطنه. 5 - وحدة الاسمين طعيريزات وطيزناباذ ومرادفاتهما لا تعرف اليوم طيزناباذ باسمها هذا القديم المشهور. أما الاسم الذي يدور على الألسنة فهو طعيريزات، وما هذه اللفظة إلا تصحيف طيزناباذ وذلك أن العوام استثقلوا اللفظة الدخيلة الوزن والتركيب وأبدلوها بكلمة تقرب منها صوتاً ويسهل عليهم حفظها ويفهمها جميعهم، وذلك أن طعيريزات جمع طعيريزة مصغر طعروزة والطعروزة عندهم أو التعروزة أو الترعوزة تصحيف الترعوزي وهو القثاء بلسان أهل العراق المعروف بالفرنسوية باسم
الشيخ محمد سعيد السويدي
وطعيريزات اسم مشهور عند أعراب البادية يعرفه صغيرهم وكبيرهم شابهم وشائبهم، وأما أهل النجف وإن شئت فقل أيضاً أصحاب القوافل التي تتردد بين الجعارة والنجف فأنهم يسمون هذه التلول المار وصفها باسم (أم فيس) أو (أم الطربوش) أي ذات الطربوش وذلك لأن في أعلى تلك الروابي تلاً في أعلاه تراب قائم بصورة دائرة مجصصة الخارج توهم الناظر إليها أنها طربوش أو فيس، وإن سأَلت بعض أبناء النجف عن طعيريزات وعن موقعها فلا يفهمون شيئاً من هذا السؤال لأنهم يجهلون هذا الاسم ويعرفون له اسماً آخر وكذلك القول عن الأعراب، فيجب أن يعاد على أسماع المخاطب المرادفات كلها ليعرف منها ما قد أَلِفه سمعه. هذا ما توفقنا للوقوف عليه وربك فوق كل ذي علم عليم وسوف نشفع هذه المقالة بمقالة أخرى في ضيزناباذ القديمة. إبراهيم حلمي 3 - أبو السعود الشيخ محمد سعيد السويدي - 1 - ولادته وأخذه العلم هو أبو السعود محمد سعيد بن عبد الله السويدي كان إماماً في الحديث
حسن السيرة طاهر السريرة سمحاً صفوحاً ولد في بغداد سنة 1141هـ - 1728م واخذ العلم عن والده وعن الشيخ عبد القادر المكي الحارثي وعن الشيخ علي الأنصاري وغيرهم وقد أجازه العلامة أبو الفيض الشيخ محمد المرتضى بن محمد الحسيني الواسطي الزبيدي نزيل مصر شارح القاموس والأحياء في سنة 1194مه - 1780م بإجازة له فيها رواية كتابه المقاعد العندية في المشاهد النقشبندية وكذلك أجاز فيها لأخيه الأكبر الشيخ عبد الرحمن وأولاده وأحفاده وأسباطه وللسيد أبي الفضل محمد خليل أفندي المرادي صاحب (كتاب سلك الدرر). . . وقال المجيز في الإجازة التي نحن بصددها في حق المترجم ما نصه: (. . . العلامة محمد سعيد أفندي. . اجتمعت به في دار هجرتي مصر وقد غمرنا بفوائده وأمتعنا بصنوف موائده من كل فن غريب. . . فانتفعنا به في كل ما تلقيناه منه أو عرض عليه بمحضرنا من كتب الآثار النبوية فقد سمعت منه في ما كان يقرره من فوائده أشياء وإن كان كل منا على نيته في ذلك فقد أخذته أنا عنه لأنه المتلقي ذلك عن شيوخه النيل ممن لم ندرك زمانهم. . . كل ذلك في شهور سنة 1194 ولما ورد مصر ثانياً وتشرفت بالاجتماع به جددت معه المذاكرة في أنواع الفنون. . . وفيه أجزت له سائر مؤلفاتي كشرح القاموس والأحياء وغيرهما من كبير وصغير وجليل وحقير فليثق به الواقف عليه من أهل العلم والأدب. . . وكتب ذلك عاجلاً ظهر يوم الاثنين ثالث محرم سنة 1204هـ - 1789م.) انتهى نقلا عن خط الزبيدي. 2 - (مؤلفاته وطرف من أشعاره) وله من المؤلفات أحكام التقليد وله
إجازات كثيرة وشعر رائق ونثر فائق فمن شعره قوله: يا ليلة الكرخ عودي لي بذي سلم ... لازال بَدْرُكِ مع ظلماك في سلم افدي سويعة بشر فيك إذ رجعت ... كرائم المال من خيل ومن نعم يا ليلة في أراضيك الشموس سمت ... إلى السما فمحت ما فيك من ظلم جعلت ذكراك ذكري كي اذكر ما ... بي من مذكر تأنيث الجوى السقم إن لم تعودي وأن العود احمد في ... باقي البقا فبقائي فيه كالعدم يا ليلة بحمى بغداد ذات حمى ... سقى أديمك هطال من الديم ومن شعره ما ذكره صاحب سلك الدرر وهي جواب أبيات أرتجلها في مدحه الشيخ عبد الله اليوسفي الحلبي في مجلس أحد أمجاد حلب اسمه عثمان وذلك سنة 1189هـ قال المترجم: أني سعيد حيث نلت سعادة ... في رؤيتي لمحاسن الشهباء اكرم بها وبأهلها فلقد حوت ... حسناً لناظرها جميل بهاء جلت عن التشبيه إلاَّ قولنا ... هي جنة الدنيا ونور الرائي فالله احمد حيث بدل سفرتي ... عن تدمر بمدينة حسناء فأنا السعيد وباغتنام اليوسفي ... قد صرت اسعد إذ بلغت منائي من درة في شعره من جوهر ... في نثره متلألئ اللألاء شكراً لمجلس سيدي عثمان مذ ... بجلوسه مستجلب الآلآءِ اكرم به وبربه وبصحبه ... درت عليه سحائب النعمآء وله محاورات شعرية غيرها أيضاً جرت بينه وبين اليوسفي المذكور ذكرها المرادي في الجزء الثالث ص 114 - 115 من كتابه سلك الدرر.
التشوه والتزين عند الحيوانات
وقد توفي في بغداد سنة 1223هـ - 1808م ودفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي وقد أعقب أربعة أولاد وهم الملا حسين والملا علي والملا عبد الله والملا اسعد. كاظم الدجيلي التشوه والتزين عند الحيوانات ليس الوفاق الغريب الموجود بين الحي وبين ما يجاوره على ما مر بنا سابقاً إلا قطرة من بحر تبدل الحيوان وتنكر زيه ليتوارى عن البصر ويرهب عدوه ويظفر بنجاته، بل هناك أمر آخر، وهو أنه يتزين ويتزخرف ويلبس لكل حالة لبوسها بموجب مقتضى الحال. خذ مثالاً لذلك المتعفرة وهي الدويبة المسماة بالفرنسية فأنها تتمرغ بالتراب والقمامة وتسدل على وجهها نقاباً درنا حتى يظن الناظر إليها أنها رتَيلاء هائلة، لأنها تماثلها بكل حركاتها وسكناتها وسيرها المضطرب. ويحذو هذا الحذو السرطان المعروف برتيلاء البحر. فإنه إذا أراد أن يختفي أثره على سمك اللما خصوصاً والأسماك النهمة عموماً يغرس أصول الفوقس على صدفته ولا تعتم أن تنمو تلك الأصول حتى تصبح رويداً رويداً كالجزة المنتفشة فيتسنى له حينئذٍ أن يختلط بالصخور المغطاة بمثل ذلك النبات. وبين الحيوانات التي تحوز قصبات السبق في حلبة التغير والتبدل
والتنكر السمك الفوقسي - والاربيان والقريدس الفوقسي - فأنهما يعيشان بين الكلا البحري المعروف بالفوقس وذلك أنهما يتحككان به فيلتصق منه شيء كثير بهما حتى يضحياهما والنبات شيئاً واحداً وإذا اخذ الإنسان بيده واحدة من هذه الأسماك يعسر عليه أن يعرف أين يبتدئ الفوقس وأين ينتهي الحيوان كيف لا وقد أصبح جسمه نحيفاً ضامراً وفيه زوائد طويلة تحاكي الأوراق. لا يحق لنا أن نكره هذه الحيوانات التي تحاول التنكر والتبدل دفاعاً عن نفسها؛ ولكن تسؤونا روية مثل هذا العمل في غيرها، إذ ترمي إلى غرض ممقوت عند تسترها، وهو أنها لا تفعل ذلك إلا لتهجم على طريدتها وتباغتها فتجرعها حينئذٍ كاس الردى حتى ثمالتها. ولهذا تتخذ المكر والخداع وسيلة للبلوغ إلى مآربها السيئة، فتتزمل برداء لا يستشف منه فساد غريزتها، فتنساب بين أعدائها كالجاسوس الخؤُوْن ولا تخشى طارقاً يداهمها إذا صارت بين خصومها. ومن هذا القبيل ذُبابة الورد وكان الأجدر أن تسمى (رعب الخلايا) فأنها تشبه بصورتها وشكلها الصقيع وهو نوع من الزنابير اسمه بالإفرنجية أو تشبه الزنبور أو السرمان فتدخل مساكن الزنابير وخلايا النحل خلسة ولو كان خفرها قائماً على الباب وقد حفظ مدخله ومخرجه فتبيض هناك راخية البال لا خوف عليها من انتهاك سرها لكن لا يبطئ أن يخرج من بيضها طوائف من الدعاميص كأنها عساكر جرارة شاكة السلاح فتلقي الموت حواليها.
2: الجبان يدعي الشجاعة أن حب الحياة يسوق غالباً بعض الخشاس أي الحيوانات غير المؤذية إلى تقليد هيئة وأخلاق الحيوانات الكثيرة الأذى والضرر. ومن درس أخلاقها، يعجب من تظاهرها بإمارات الشجاعة، مع أن غريزتها على جانب عظيم من الضعف والجبن. ويرى هذا المشهد يومياً في الطبيعة، من ذلك الدويبة المعروفة بالزباء الجاسية وبالإفرنجية فهي تبين لأول نظرة هائلة ويلتبس أمرها على الناظر بغيرها لنحافة خصرها ولون زببها المشرب شقرة ولسمرة حلقاتها فإذا قبضت عليها فأنها لا تؤذيك ومن أجناس هذه الحيوانات الفراشة النحلة المسماة بالإفرنجية أو فهي توجد عادة على أشجار الحور، في شهر حزيران. ومن يرها يحكم وحياً أنها زنبور كبير موذٍ، فأن جسمها مخطط بخطوط صفراء ذهبية، وأجنحتها نحاسية اللون، لكنها لا تضر ضرر النحل والصقيع. وكثيراً ما يخدع الإنسان بظواهر بعض الحيات فلا يميز السامة منها من غير السامة ويصعب عليه أن يفرق بين الحفث والأفعى ولو كان يعرف بعض الظواهر التي تمتاز بها لأنها على جانب عظيم من الدهاء. وقد عرف ذلك الأقدمون فقال السيد المسيح في التنزيل العزيز (كونوا حكماء كالحيات).
ومن الذين خدعوا بتلك الظواهر أحد المعلمين وكان يدرس في دار التحف بباريس أخلاق الزحافات فأنه قبض ذات يوم على حيةٍ صغيرة ظاناً أنها غير مؤذية ولكن ساء ظنه إذ وجدها أفعى سامة في منتهى الخبث وكادت ترديه لو لم تنكزه إلا نكزة خفيفة. أن الحيوانات غير المؤذية من هذا النوع متى شعرت بدنو الخطر تنتصب وتتظاهر بأنها تريد لسع عدوّها فيولي الأدبار. وقد عرف العرب ذلك وورد ذكره في كتبهم اللغوية في تعريف الحفاث وهي حية عظيمة تنفخ ولا تؤذي وقد جاء في كتاب فقه اللغة عن كل من العربد والعسود أنه حية تنفخ ولا تؤذي. وقد ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان تفصيل ما تفعله هذه الأنواع من الحيات فليراجع في محله. 3 - الدويبات تتشكل بأشكال الأوراد لندخلن الآن عالماً جديداً فيه للحشرة المنزلة الأولى من الشان والخطورة أِن الأحياء هنا لا تحاول هذه المرة أن تتشبه بالأحياء أو بالجماد كائناً ما كان تشبهاً قريباً أو بعيداً للذب عن نفسها كما رأَينا فويق هذا، بل تأُخذ صورة بعضها أخذاً محكماً بالغاً حد الإتقان ليس وراءه مزيد لمستزيد. أن الدويبات والنباتات متكافلة بعضها لبعض في الوقت. فالزهرة تفيد الذبابة برحاقها وبكونها تتخذها كناً لها والذبابة تفيد الزهرة بتلقيحها بما يخرج منها من الذرق وبما يعلق بأرجلها أو بأجنحتها من اللقاح. وإذا أراد الطائر أن يظفر بالدويبة فأنه لا يتجشم مشاق البحث والتفتيش عنها بل يذهب تواً إلى النباتات وهناك يسطو على طريدته فإذا أرادت أن تنجو منه تختفي
وتتنكر ولهذا نراها تبالغ في التشبه بالنبات الذي تسقط عليه فتماثل تارة لحاءً وطوراً ورقة ومرة غصناً وأخرى ثمرة. فالطائر لا يميز الفراشة المسماة بالمغسقة أو المتقوّبة العروس التي هي فراشة كبيرة تظهر في الغسق وتحط على الحور ساكنة لا تبدي حراكاً وليس فيها ما يكشفها للعيان إذ أن لونها أقتم أو اسمر وفيها بقع وخطوط وعقد تجعلها كقطعة منفصلة من القشرة أو كقشرة متقوبة وكذلك نقول عن الدويبة المسماة الجخدب الشائك التي إذا سقطت على غصن من الأغصان يحسبها الناظر إليها قطعة شوك ليس إلا. أن عدداً من الديدان مثل ديدان الصفصاف والسندر والخمان والزيزفون وشجرة الكينا تبقى ساعات طوالا متشبثة بالأشجار ببعض جسمها وترخي ما بقي منه منتشراً ممتداً جامداً أتم الجمود الأمر الذي لا يقوم به أشهر جبابرة زماننا ومما يساعدها على اختلاطها بالأغصان سمرة جسمها وانتشار العقد فيه.
وهناك نوع آخر من الدويبات الغريبة تسمى الحشرات الخيالية فأنها لا تبين إلا كجزءٍ مفصول من الشوك الذي تستقر عليه ولا يرى منها أجنحة ولا أرجل وغاية ما يظهر منها شيء كالقضيب فيه أشواك. إِنّ الدويبة المعروفة بالورقة اليابسة - تتحول تمام التحول إلى ورقة يابسة بحيث أنه لا يمكن تمييزها منها حتى إذا أدركها الجوع نقرض أجنحة بعضها كما تقرض الورقة الحقيقية وهي لا تعلم ما تعمل وموطن هذه الدويبة جزائر أو قيانيا. هذا وفي الهند وماليزيا نوع من الدويبات تسمى كليمة وهي بهيئة فراشة كبيرة جميلة المنظر تراها إذا صفت تتلون بلون نارنجي وأزرق وإذا أدركها الملل وحطت على الشوك تغيب عن الأبصار كأنها تتعاطى السحر أو تلبس قبع الإخفاء فتباغت الإنسان الدهشة من تلك الحالة ولا يدري أين يتجسس أخبار تلك الفراشة الزاهية ولا في أي موطن يقف لها على أثر؟ إذ أنها عند سقوطها على الشوك تأخذ صورة ورقة اعتراها الذبول وتتعلق بالأشواك ويظهر فيها ثقبان كالثقوب التي تعملها الحشرات في الأوراق. فسبحان من خلق الطبيعة هذا الخلق البديع إذ جعلها تتفنن في تمثيل ذاتها لتظهر ما فيها من حكمة الوضع فأنها تتخذ من مواد مختلفة صورتين
متماثلتين لا تتميز إحداها عن أختها قيد حبةٍ وما غرضها من ذلك إلا محافظة حشرة صغيرة. فيا هل ترى والحالة هذه يجوز لنا أن نلفظ كلمة عرض أو اتفاق عند مشاهدة هذه الغرائب؟ إلا تظهر العناية الإلهية فوق كل هذه العجائب تلك العناية التي ترعى مصلحة أحقر الكائنات وحفظ أصغر الموجودات؟ أليس هذه هي العناية الإلهية التي قال عنها السيد المسيح في إنجيله الكريم: انظروا إلى طيور السماء فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الاهراء وأبوكم السماوي يقوتها. . . واعتبروا زنابق الحقل كيف تنمو أنها لا تتعب ولا تغزل وأنا أقول لكم أن سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدةٍ منها (متى 26: 6 - 29) يوسف رزق الله غنيمة (لغة العرب) إننا أدرجنا هذه المقالة لا لأننا نسلم بهذه المزاعم الواهنة الواهية، بل لنبين أن مذهب التحول معروف في هذه الديار كما هو معروف في غيرها؛ وقد انتشر بما أبرزته مطابع ديار الشام ومصر من الجرائد والمجلات والرسائل والكتب وغيرها من المطبوعات. على أن هذا المذهب يتداعى اليوم في ديار الإفرنج لقلة صبره على نار التحقيق، إذ لم يرج عندهم ألا بقدر ما يروج الدرهم الزيف عند من لا يعرف كنهه وحقيقته، أو لم يحكه بالمحك ولم يعرضه على نار الامتحان. أن هذا الرأي أي أن الحيوانات والنباتات تقلد الطبيعة بظواهرها فتتذرع في كل موطن بما يكفيها شر أو أذية أعدائها هو من ألاعيب الخيال والوهم، لا من حقائق العلم المقررة. - نعم أن أصحاب مذهب التحول يقومون لهذه النظرية ويقعدون لها ويسمونها في اصطلاحهم (محاكاة الطبيعة لكن العلماء الإثبات أصحاب النقد الصادق والخبرة التامة أثبتوا كذب هذا التوهم والتصور. لأننا أن سلمنا مثلا أن أرانب الديار الباردة المغطاة بالثلوج تكتسي بجلود بيضاء الشعر لمشابهتها لون الثلج لكي لا يميزها الصائد من الثلج بخلاف لو كان لونها ارمد مثلاً، فهل يظن أول من تصور هذا الفكر أن الصياد وحده يقتل الارانب؛ أو ليس هناك عوامل أخرى تفني بعض الحيوانات والنباتات؛ وألا كيف انقرضت بعض هذه الكائنات ولم يكن هناك ما نتصور لها اليوم من الأعداء. دع عنك وجود مخلوقات في الأقطار التي يتزيا فيها بعض كائناتها بزي
الطبيعة وهي لا تجاريها بمحاكاتها إياها. وإن وجد عشرة كائناتٍ تتزيا بزي ما يجاورها فأن هناك مئات تخالفها لوناً وشكلا وصورة. وحسبك دليلا على ذلك أن تمد نظرك إلى صحراء أو إلى ضاحية لترى كذب هذا المقال. ثم أن ما قيل في هذا الرأي هو مجرد تحكم خيال القائل الأول وألا أفتتصور أن أعداء هذه المخلوقات تنظر إلى فريستها كما ننظر نحن اليها، وتتوهم فيها الوهم الذي نتوهمه فيها؟ - ننسب إلى الحيوان والنبات حاجات وشواعر لا بل مشاعر وحواس بشرية كأنها أناس مثلنا إلا أنها بصورة مختلفة عن صورتنا؛ فناشدتك الله يا هذا هل أن كلاب البلاد الباردة وثعالبها وذئابها تنظر إلى تلك الأرانب بالعين التي ينظرها بها هذا المفكر. فلو كان كذلك لجاعت وماتت وانقرضت فالظاهر إذاً أن هذا التنكر لا يردعها عم طلب معيشتها، ولا يصدها عن مطاردة طريدتها. - هذا فضلا عن أن الأحياء الدنيا وجراثيم الأمراض الطفيلية لا تتخيل كل هذه الأمور وتجري في أعنتها بدون أن تلتفت إلى صحة هذه التخيلات أو كذبها. وعلى هذه السنة التي ذكرناها عن الحيوان بنى هؤلاء المتخيلون سنتهم في النباتات أيضاً. فأنهم ذهبوا إلى أن وجود بعض الأشواك والسلاء في طائفة من الأشجار كالعضاه والرتم والاسل والعرفج والقتاد والقرصعنة هو لوقايتها من آكل الحيوانات إياها. يا سبحان الله! فإن كان الأمر كذلك فلماذا الأغصان العالية أغصان تلك الأشجار التي لا تنالها الدواب لا تنبت بدون سلاء. ولماذا لا ينبت سلاء لسائر أنواع النباتات التي تعتلفها الماشية أو ترعاها حتى لا تبيد ولا تنقرض. فمن ثم يتضح أن النبات ليس بإنسان ولا كالإنسان إذ لا يمكنه أن يتصرف بالأمور على ما يشاء. أن الباحثين من أهل الخبرة والتجربة قد اثبتوا أن الجو الذي يكثر فيه الماء يزيل السلاء والأشواك ويحيلها أوراقا والجو الذي تقل فيه الماشية أو لا رطوبة كافية في أرضه تنبت تلك الأشواك أو تحيل أوراق الأشجار سلاء. وعليه تكون اليبوسة سبباً لتكوين الأنسجة الليفية ومن هذه تنشأ الأشواك والسلاء ليس إلا. فنشوءها إذاً لمقاومة السائمة أمر عبث لا حقيقة له هذا وهل حقيقة تخاف السائمة تلك الأشواك. فأننا نرى الجمال تأكل العاقول وأنواع الأشواك وتستطيبها وتستمرئها، بل إذا وجد بجانبها أنبتة غير شائكة فأنها تفضل تلك على هذه. فما جواب أصحاب مذهب التحول على هذا الاعتراض. هذا فضلا عن أن أنواع الدود تنفذ إلى قلب الزهرة وتآكل الحبة أو البزرة فتتلف وحدها من حبوب الأشجار وبزورها مالا تتلفه الدابة عند آكلها الورق. فما عسى أن يكون ذلك السلاح الذي تعده تلك الشجرة لتقارع به تلك الدودة. فهل السلاء يمنعها عن العيث؟ يشبه أصحاب هذا المذهب رجلاً رأى ثياب أهل البلاد الحارة واسعة الأكمام والأردن والأذيال
وصف مدافن البحرين
منفرجة الأسافل ثم شاهد ثياب أهل البلاد المعتدلة متوسطة بين السعة والضيق وتثبت أن أهل البلاد الباردة لا يلبسون إلا الثياب الضيقة التي لا ينفذها الهواء. فقال في نفسه: إن الثوب رأى أن لابسه في البلاد الحارة يحتاج إلى الهواء، فأتسع، ثم رأى أن البرد يقرس الرجل إذا كان عليه ثياب فضفاضة فضاق وتجمع حتى لا يصيب صاحبه البرد. وعلى هذا تبين ذكاء الثوب إذ طابق حالته دائما لحالة البيئة التي وجد فيها. قلنا: ومن لا يرى سقم هذا الاستدلال؟ أفلو عكس المستدل هذا التعبير أما كان اقرب إلى الصواب. أفليس صاحب الثوب هو الذي رأى مناسبة قطعه على تلك الصور الثلاث المختلفة. تطبيقاً لها على مقتضيات اختلاف حالة الجو؟ فليتأمل العاقل ولينصف في قوله. وصف مدافن البحرين وصفاً مفصلاً كل مدفن يشتمل على غرفتين كبيرتين الواحدة فوق الأخرى مبنية من قطع صخر ضخمة ولا يبعد أنها قد قطعت (من جبل الدخان) الواقع في صحراء بعيدة ويوجد فيها أيضاً على جوانبها غرف ومعابر مسيعة بطين على غاية الإتقان ولا يوجد عقود أو دعائم ويظهر أن الغرف قد بنيت قبل أن تبنى سائر ما يحيط بها من البناء. وهذا البناء محكم مجصص وله طبقات مرصوفة من التراب وصغار الحجارة وكائن هذه المدافن قد أقيمت لمقاومة الدهر وصد آفاته فمحيط أساس أكبر التلال نحو خمسين ذراعاً وقد عثر القائد دورند على هيكل بشري في الغرف السفلى طوله نحو تسع أقدام صغير الجمجمة منخفض الجبين واسع حرف حجاج العين (المحجر) وعندما عرضت الجمجمة للنور والهواء تكسرت كسراً عديدة. إن رؤية بعض عظام الهياكل تدل على أن أصحابها دفنوا وهم جلوس ويظهر لنا انهم كانوا من وجوه الأمة وسراة القوم وكان دفنهم يجري على خلاف ما كانت تدفن العامة على حد ما هو جارٍ اليوم عندنا في دفن البطاركة والمطارنة والملافنة والأساقفة وسائر الرؤساء الروحانيين بيد أن ذلك يحتاج إلى بحث دقيق وفحص كثير وقد اكتشف حديثاً في المنعطفات
قطع من عظام بني آدم. أما في الغرف العليا (الفوقانية) فقد وجد عظام كبيرة عدت من عظام حصان وأيضاً قطع من معدن يشبه الصفر (النحاس الأصفر) والنحاس الأحمر وشقف وخزف خشنة غير مصقولة وقشور بيض النعام وبضع آنية مصنوعة من العاج وتماثيل وغير ذلك من الأدوات المختلفة الأشكال. وفي أراضي غرف بعض المدافن شيء كثير من عظام اليربوع (واليربوع ضرب من الحيوانات يشبه الجرذ ويكثر في صحارى الخليج) وفي تلك القبور مقادير وافرة من العظام الصفراء قد دفنت هناك منذ قرون عديدة وقد نقبت اغلب تلك الغرف تنقيباً دقيقاً طمعاً في العثور على آثار ذات شان جليل ولكن جل ما وجد فيها بقايا سجف وستائر قد تحولت إلى كوم من تراب لطول عهدها وهناك أيضاً قطع أخشاب قد نخرها السوس والديدان. إما البناء فهائل جداً وجرمه عظيم لكن لم يعثر فيه على الأدوات التي كانت تتخذ في الحفر والبناء بل ولم يعثر على رسوم أو نقوش أو كتابة بيد أن هناك شقوقا وأخاديد ونوعاً من الخنادق القليلة الغور قد حفرت حول أساس كل مدفن. أن أول من فتح تلك المدافن وباشر بالحفر والتنقيب فيها هو المنكب (اليوزباشي) الباسل دورند وذلك في سنة 1879 ولا تسأل عن الصعوبات والمشقات التي لاقاها في سبيل الوقوف على أثار تلك الديار وقد نال أخيراً بغيته التي كان يتوخاها إذ حصل على معارف وإفادات جمة وذلك بينما هو مجد في عمله وسائر على الخطة التي اختطها باغتته سفينة حربية إنكليزية فساعده ربانها الهمام كل المساعدة ولم يمده فقط بفريق من نوتيته ليساعدوه في التنقيب والتنقير بل عرض عليه أراء جليلة تذلل العقبات والمشاكل وتمهد له السبيل للحصول على ما كان يدور في خلده وقد أشار عليه أن يتخذ وسائل النسف داخل إحدى الغرف المفتوحة ليزيل عنها سطحها ويتسنى له الوقوف التام على محتوياتها ولكن النتيجة لم تأت بالمطلوب لأن سقف الغرفة المذكورة سقط في باطنها وكان في ذلك نهاية أعمال البطل دورند إذ على اثر ذلك دعاه أولو الربط والحل ليتقلد زمام وظيفة أخرى في محل آخر وفي سنة 1889 خلفه الفاضل بنت
ومعه عقيلته واخذ بالحفر والتنقيب وقد فتحا مدفنين متوسطي الحجم ومنذ ثماني أو تسع سنوات زار جماعة من علماء بلجكة البحرين وتفقدوا القبور وفتحوا أحدها ولم يتصل بي نتائج أبحاثهم. وممن عني بالحفر أيضاً عامل بريطانيا العظمى في البحرين المنكب (اليوز باشي) بريدكس وقد حفر بقرب (قرية علي) واشتغل فيها عدة أسابيع وفعل مثل ذلك في (منامة) وكان قد ضرب له في وسط المدافن خيمة يتردد إليها من وقت إلى آخر. وجمع طائفة كبيرة من الرفات وبعض قطع من العظام البشرية وغيرها من الآثار وقد بعث بها إلى دار التحف في لندن. كم من أمة طرقت ذلك الطريق الوعر والجادة الموعثة ووقف أبناؤها ونخبة من أفرادها حاسري الطرف مشتتي الأفكار لا يبدون حراكاً لما داهمهم من الاضطراب والقلق بخصوص أسرار تلك المدافن المبهمة فخطوات أقدامهم تردد أمام مخيلتنا القرون المنصرمة ودوي آثار أيديهم ترن في آذان الادهار الغابرة وأحدثهم عهداً بها الإنكليز وقد سبقهم إليها البرتغاليون فالعرب فالفرس فالهنود فالرومان فاليونان فالفنيقيون فالبابليون فالكلدانيون فأصحاب الرؤوس السود الذين هم أول من مد رواق التمدن والعمران البشري على وجه البسيطة وعليه يكون تاريخ بلاد اليونان حديثاً جداً بالنسبة إلى تاريخ مسقط راس العالم الإنساني ولهذا تحسب مملكة الرومان والصين واليابان والهند من ممالك أمس بجانبه هذا وكم من أمة وقبيلة وشعب ولسان ودولة زالت وانقرضت وأمست في خبر كان وأما تلك المدافن فشاخصة قائمة بعزها ومجدها كما كانت منذ أول بنائها إذا أنياب الدهر ومخالب طوارئ الزمان لم تقو على ملاشاتها وافنائها من على سطح الكرة الأرضية وهي واقفة على أركانها الضخمة تسخر بمرور الأيام وكرور الأعوام فسبحان من بيده البقاء والخلود والفناء والوجود. في كل مكان وفي كل زمان! رزوق عيسى
لعبة البس والهر
لعبة البس والهرّ أو البكرتين والقعود 1 - مدخل البحث اعرف للأعراب في ديار العراق ونجد ألعاباً كثيرة وها أنا ذا اشرح واحدةً من هذه الألعاب تناسب وقائع الحرب. لأن الذي يتدبرها يراها تتطلب حكمة ودهاءً فطنةً وذكاءً، بل دربة في المحاربات، وحنكة في المعاركات. 2 - شرح ألفاظ اللعبة البس عند أعراب نجد: القط الصغير. وفي دواوين اللغة: البس بالفتح الهرة الأهلية الواحدة بسة والعامة تكسر الباء فيها. وأما النجديون فيجعلون حركتها بين الفتح والكسر. والهر عند النجديين القط الكبير عمراً وجثةً. - والبكرتان عندهم تثنية البكرة بفتح والبكرة عندهم الناقة الفتية التي لم يضربها الفحل. وإذا ثنوا اللفظة حركوا الكاف الساكنة بحركة مشتركة بين الفتح والكسر والقعود: القلوص والبكر إلى أن يثني والفصل. وعند النجديين هو القلوص الذي لم يضرب أنثى قط. ولم تستعمل هذه الألفاظ إلا للدلالة على ما يجري عليه موضوع اللعبة. 3 - بسط بدء اللعب يجمع أولاً جمعان من اللاعبين متساويا العدد في كلا الطرفين ويقام لكل جمع أو قسم أو حزب رئيس يسمونه (الشيخ) ولا ينتخب الشيخ إلا بين اللاعبين الذين قد اشتهروا بمهارتهم ودهائهم وحسن معرفتهم واغلب ما يكون في الجمع الواحد خمسة أَشخاص وخامسهم الشيخ. وقد
يتجاوز عددهم فيكونون تسعة وتاسعهم الشيخ. ثم يعين كل من الشيخين حاكماً ووزيراً وشاهدين بعيدين عن كل غرض ومحاباةٍ. فإذا تم ذلك يمد الحاكم رداءً ثخيناً أو عباءً متينة كبيرة لا يشف ما وراءها تكون كالحجاب بين قوم وقوم طرفها الواحد بيد الحاكم والطرف الأخر بيد الوزير بحيث لو دنا الواحد من جانب لا يرى الآخر الموجود في الجانب الثاني من وراء الستار. إما الوزير وإن شئت فسمه بالرقيب فوظيفته الاعتراض على الحاكم وعلى أعمال تنفيذ أمورهِ. وكل ذلك بحضور الشاهدين العدلين اللذين لهما حق المراقبة. وعند الحاجة تكون الأرجحية بجانب الحزب الذي ينضمان إليه إذا وقع في القضية اختلاف أو تعارض أو تنازع. 4 - الاستعداد بعد أن يتم كل ما سبق شرحه يستعد الفريقان استعدادهما للحرب السجال فيأخذ كل فرد من أفراد الحزبين حبلاً لا يزيد طوله على ذراعٍ ونصف. وإن لم يكن له حبل يأُخذ عمامتهُ بعد أن يفتلها فتلا نعما لتقوم مقام الحبل أو يتخذ عقاله بدلاً من ذلك ليكون بيده بمنزلة السلاح يضرب به عدوه بدون أن يضر به. وبعد هذا الاستعداد ينضوي كل واحدٍ إلى فريقه الذي يرجع إليه. 5 - الافتراق والقدوم يفترق كل من اللاعبين من أي حزب كان فيختفي في مكان لا يراهُ الآخر أو يختفي بحيث إذا جاءه واحد من الفريق الآخر لا يستطيع أن يعرفه (ولهذا لا يكون هذا اللعب إلاَّ ليلاً) وبعد التفرق ولزوم كل حزب مكانه بكمال السكون والتؤدة يمد الحاكم العباءة عرضاً فيقبض هو
على الطرف الواحد والوزير على الطرف الأخر على ما أسلفنا تبيانه. ويقف الشاهدان بجانبي الحاكم عن يمينه وعن يساره. ثم ينادي الحاكم ببدءِ اللعب قائلاً: (ليات من هؤلاء وهؤلاء بكرة وقعود.) فيتقدم حالاً واحد من كل من الفريقين وهو يحبو حبواً بحيث لا يمكن أن تعرف هيئته ولا حركته ويختفي وراء العباءة موجهاً وجهه وأذنه وجميع حواسه إلى جهة الحاكم بالسكون التام والسكوت الكامل. 6 - الصفير والنفير وبعد أن يدنو كل واحدٍ من مناوئهِ من الفريق الثاني وراء الستار أو العباءِة لصقاً بلصق لا فارق بينهما سوى هذا الرداء الثخين المتين ينادي الحاكم مكلماً المختفي عن يمينه قائلاً له: (أصفر) فيصفر صفيراً خفيفاً. ثم يلتفت إلى الذي عن شماله ويقول له كما قال للأول: (أصفر) فيصفر أيضاً (وكلاهما على صفرة واحدة) ثم يبتدئ الحاكم بالسؤال فيسأَل أولا الذي عن اليمين ويقول له: (من جاء ومن وصفر) فيجيبه المسؤول: هذا فلان (ويكون جوابه بصوتٍ خافت لا يسمعه إلا الحاكم) ثم يسأَل الثاني الذي عن اليسار مثل ما سأَل الأول فيجاوبه أيضاً حسبما يعنّ له في خاطره. فإن أصابا في جوابيهما وعرف كل واحدٍ منهما الآخر أرجعهما إلى محليهما. ونادى مناداة ثانيةً اثنين آخرين قائلاً (ليات من هؤلاء وهؤلاء بسّ وهرّ). فيدفع كل شيخ واحداً آخر من تبعته وقد يعيد الأول إيهاماً أو تلبيساً على من يريد إيهامه أو حسبما تقتضيه سياسته وفكرته. وحينئذٍ يجري الحاكم أوامره كما أجراها على من سبقهما. فإن عرف الواحد صاحبه
للمرة الثانية أرجعهما بصوت يسمعه الفريقان قائلاً: (تعرفوا) أو (معارفة) أو نحوهما. وقد تستمر المعاملة بين الفريقين إلى ثلثي الليل أو إلى أن يتعبا فيحكم حينئذٍ الحكم مع الوزير والشاهدين بتغيير أصحاب الفريقين وتأُليف فريقين آخرين يقومان مقامهما. والتعارف تابع لنباهة الأولاد وتوقد خاطر الشيخ وذكاء جماعته. 7 - ما العمل عند جهل أفراد قوم أفراد القوم الآخر أن لم يتعارف ممثل الفريق الواحد بصاحبه ممثل الفريق الآخر سواء كان ذلك في المناداة الأولى أو الثانية أو الثالثة فيتبع الحاكم القانون المسنون بين الطرفين. مثال ذلك إن كان الذي جاء عن اليمين عرف الذي جاء عن الشمال والذي جاء عن الشمال لم يعرف الذي جاء عن اليمين فيأُمر الحكمُ البارح (وهو الذي جاء من جانب اليسار) الذي لم يعرف خصمه أن ينصرف إلى أصحاب اليمين ويبقى هناك أسيراً فيقيده واحد من فريق الخصم تقييداً محكماً. ثم يأمر الحاكم أهل الشمال ليتقدم منهم واحد آخر. ويجب أن تعلم أن في حين سوق الأسير إلى محل الأسر يكون الحاكم والوزير قد غطيا بالعباءة ذاك الذي عرف الأسير أو بعبارة أخرى ذاك الذي هو من أصحاب اليمين لكي لا يعرفه أحد ويبقى مجهولاً. فإذا جاء الآتي من أصحاب الشمال وضع رجله وهو واقف على من ستر بالعباءة من أصحاب اليمين. فيمسكه الذي تحت العباءة من رجله مسكاً جيداً. وقد يمسكه بيده أو بعمامته أو بحبله أو ردنه أو بطرف من ثيابه (حسب الشرط الذي عقد بين اللاعبين في بدء اللعب) فإذا تمكن منه يقوم الحاكم وينادي: (هل تمكنت منه أيها
القابض عليه) فيجيبه الماسك بإشارة خفية قد تواطؤا عليها يراد بها أنه قد مسكه مسكاً محكماً. وحينئذٍ يسأَل الحاكم ذلك الواقف: (من هو هذا الذي مسجى بالرداءِ؟) فيجيبه الواقف جواباً بموجب معرفته فأن عرفه أطلقه وعاد إلى أصحابه وأعيدت اللعبة من جديد ويبقى الأسير في الأسر إلى أن يفكه أصحابه بغلب مثل هذا. أو إلى أن لا يبقى إلاَّ الشيخ. وحينئذٍ يحكم على كل واحدٍ من الغالبين أن يضربه ضربات معلومة معدودة يكثر عددها بقدر ما تطول مدة الأسر. مثلاً: إن يضرب الأول 20 ضربة والثاني الذي يليه 40 وهلم جراً والضارب يضاعف عدد ضربات المضروب الذي سبقه. ثم يهجم سائر الناس من رفقائه على المقبوض ويوالون ضربه إلى أن يتخلص المضروب بقوته من يد القابض عليه (لكن لا يجوز له أن يتخلص من يدي ماسكه بالضرب أو بالعنف بل بنتل نفسه فقط) أو يصدر الشيخ عفواً عنه أما الحاكم فلا يجوز له أن يتدخل بصفة معتمدة (أي رسمية) في حله أو بالنظر إلى حالته ووجاهته إذ بذلك يخالف حقوق الغالبين أهل الفوز والنصر. لكن إذا رأَى المضروب قد أضره الضرب مثلاً أو تأَثر منه تأَثراً يذكر فيجوز حينئذٍ للحاكم أن يأُذن لأحد رفقائه أن ينتصر له ليخلصه من يدي القابض على رجله. وذلك لا يكون إلا من بعد أن يوخذ رأُي الوزير في ذلك أو بعد مناداة الشاهدين معاً بذلك. فإذا تم كل ذلك تعاد اللعبة والأسير باقٍ في أسره إلى أن يشمله عفو من الشيخ أيضاً لتتم شروط الصلح والسلم. والسلام. س. د
السبحة في الشرق
السبحة في الشرق السبحة قديمة في ديارنا. وأول من استعملها في الشرق الأدنى اليهود فأنه كانوا يسمونها (ماه بركوت) أي المائة بركة وذلك لأنهم كانوا يسبحون بها الله مائة تسبحة. ولما ظهرت النصرانية أخذها المسيحيون عنهم. ثم جاء الإسلام فاقتبسها الحنفاء من النصارى منذ العصر الأول من نشوء الدين المحمدي. وقد ذكرها الخليل في كتاب العين قال: السبحة: (خرزات يسبح بعددها) وأنت تعلم أن الخليل عاش 74 سنة وتوفي سنة 160 وقيل 170 وقيل أيضاً سنة 175 للهجرة (الموافقة لسنة 777 و786 و791 م) ولو كان المسلمون قد اتخذوها في عهده لأشار إليه لكن الظاهر من سكوته عن التنبيه أنها كانت معروفة قبله. وإلا فمن العادة الجارية عند اللغويين أن يشيروا إلى حديث الدخول من ألفاظ اللغة ولهذا نقول أنها كانت معروفة في القرن الأول من الإسلام. والى ذلك يشير صاحب تاج العروس إذ يقول: السبحة: بالضم، خرزات تنظمن في خيط للتسبيح تعدّ. وهي كلمة مولدة قاله الأزهري. قال الفارابي وتبعه الجوهري: السبحة التي يسبح بها. وقال شيخنا: أنها ليست من اللغة في شيء (كذا. قلنا: وفي هذا الكلام نظر) ولا تعرفها العرب (كذا) وإنما حدثت في الصدر الأول إعانة على الذكر وتذكيراً وتنشيطاً. اهـ
وأما الإفرنج فقد أخذوها من نصارى الشرق في الحرب الصليبية الأولى (أي في نحو سنة 491 هجرية - 1097م) نقلها إليهم بطرس الناسك الشهير الذي هو أول من نادى بالحرب الصليبية. ومما سهل دخولها ربوع الغرب أنهم أولجوا في الأديرة رهباناً مساعدين للرهبان القسوس واغلبهم يجهلون القراءة والكتابة فألزموهم باتخاذ السبحة وبعدّ الصلوات الربية عليها والصلاة الربية هي (أبانا الذي في السموات) وكانوا يسمونها يومئذٍ باتنوتر أي (أبانا) ثم غيروا اسمها ودعوها أي قبعية لأنهم كانوا يتخذونها على هيئة إكليل من الورد المنظوم ويضعونها على رؤوسهم. ومهما يكن من أمرها فأن الإفرنج كانوا قد اتخذوا السبحة من مكملات ملابسهم في ذلك الأوان. وكانوا يشدونها بمناطقهم. وقد أوجب بعضهم اتخاذها في كل آن ومكان وتعهدوا لذلك بعهد وسموا أنفسهم (المسبحين) وبالإفرنجية ثم قلَّ اتخاذها وتقلدها رويداً رويداً لا سيما عند من لم يتقيد بنذر رهبانية. والإنكليز يسمونها كالفرنسويين أي قبعية. والألمانيون يسمونها - أي إكليل ورد. والإيطاليون سموها أولاً أي قبعية لكنهم يسمونها الآن أي إكليل. ومن أسمائها بالعربية المسبح بكسر الأول. وهي لم ترد في دواوين اللغة لكنها وردت في عدة كتب والعوام تستعملها وتفتح الميم. وقد جاءَت في كتاب ألف ليلة وليلة من طبعة الإفرنج 16: 7، 5. وفي بعض حواشي الزنجاني. وفي تاريخ المقري من طبعة الإفرنج 5: 1 وفي مدة معاجم فرنسوية عربية. - ويسميها
الإيرانيون هزاردانه أي ألف حبة. ويسميها الترك (التسبيح) وهذه الكلمة مأخوذة من العربية من مصدر سبح. ومن العجب أن الترك يتصرفون بعض الأحيان في لغة العرب على خلاف ما يجري عليه العرب. فإن العرب سموا هذه الخرزات المنظومة سبحة وهي اسم مصدر لفعل سبح المثقل العين. ولم يسموها تسبيحاً وهو المصدر القياسي. أما الترك فأنهم لم يجاروا العرب في اتخاذ ألفاظهم بل كثيراً ما اخذوا منهم الشيء ذاته وسموه باسم عربي آخر كما هو الأمر في التسبيح. وهو غير معروف في لغة العرب وهو وإن كان مصدراً لكنهم لم يستعملوه لهذه الخرزات. وقد جاء في حاشية تاج العروس لمادة س ب ح: (السبحة مولدة، وإطلاق التسبيح عليها غلط. انظر ص 112 من الدرر المنتخبات المشورة.) كذا. قلنا: والأصح من الدرر المنتخبة المنثورة. على أننا لا نجسر أن نخطئ من يستعمل هذه اللفظة بهذا المعنى لأنه جاز لبعضهم أن يسموا الشيء بلفظ (اسم المصدر) لا نرى كيف لا يجوز لغيرهم أن يسموه بلفظ (المصدر) وقد نقل عن العرب ألفاظ كثيرة مسماة بالمصدر كقولهم: التنبيت والتلبيب والتمتين والتقسيط والتنبيه والتودية والتهنية والتزبرة. إلى غيرها وهم في كل ذلك لا يراعون معنى المصدر بل يذهبون في موضعها مذهب الأسماء الصرفة على أننا لا ننكر أن الجري على مصطلح العرب خير من العدول عنه إلى وضع لم تضعه والى الجري في طريق أو نهج لم تألفه. لأنك: إذا ما أتيت الأمر من غير نهجه. ضللت وإن تقصد إلى النهج تهتدي
أوائل في الأدب مرتبة على سني الوفيات
أوائل في الأدب مرتبة على سني الوفيات 1 - أبو الأسود الدؤلي (المتوفى سنة 599هـ - 717م) أول من نقط القرآن وأسس النحو. 2 - أبو اسحق الحضرمي (117هـ - 735م) أول من علل النحو على ما قيل. 3 - حماد الراوية (155 أو 158هـ - 771 أو 774م) أول من جمع السبع الطوال أي المعلقات 4 - الخليل بن احمد (160هـ - 776م) أول من دون اللغة وكتب في العروض وحصر الشعر العربي 5 - معاذ الهراء (187هـ - 802م) أول من وضع التصريف. 6 - خلف الأحمر معلم الأصمعي (187هـ - 802م) أول من احدث السماع في البصرة. 7 - أبو الخطاب الأخفش الأكبر (في نحو أواخر المائة الثانية للهجرة أو أوائل المائة التاسعة للميلاد) أول من فسر الشعر تحت كل بيت. 8 - أبو جعفر الرؤاسي (هو محمد بن الحسن بن أبي سارة كانت وفاته في نحو عهد وفاة الأخفش الأكبر) أول من ألف في النحو من الكوفيين. 9 - معمر بن المثنى اللغوي البصري (208هـ - 823م) أول من صنف في غريب الحديث.
صاحب البستان
10 - هارون القارئ النحوي (وهو هارون بن موسى بن شريك الدمشقي خاتمة الاخافشة توفي سنة 291 وقيل 292 هـ - 903 أو 904) أول من تتبع وجوه القراءَات وألفها. 11 - ابن المعتز (296هـ - 908م) أول من ادخل البديع في علوم الأدب النجف: ابن الأعرابي قواعد لغوية صاحب البستان أو السرعوفة سألنا سائل من البصرة ما الاسم العلمي لهذا الطويئر الذي يسميه بعض أعراب العراق باسم (أبي البستان) ويعرفه أهالي الشام بفرس النبي أو جمل اليهود. وما اسمه العربي الفصيح القديم وكيف وصفه الإفرنج؟ قلنا (أبو البستان) هو (صاحب البستان) في سابق العهد. وسمي كذلك لأنه يكثر في البساتين وفي الحقول من ديار العراق وهو يكثر أيضاً بعكس ذلك في المواطن القفرة اليابسة والأرضين الشائكة من ربوع سواحل بحر الروم. وقد وصفه احسن وصف أبو حاتم السجستاني في كتاب الحشرات قال: صاحب البستان جندب أخضر إنما هو قوائم وذنب وقرنان وليس له كبير جسد. اهـ وهو وصف صادق دقيق لهذا الجندب. واسمه بلغة العلماء وكذلك باليونانية وهو بالفرنسوية وهو يشبه الجرادة كل الشبه بل هو بين الجرادة واليعسوب. ولهذا كثيراً ما يهم الناس في تسميته حتى أن بعضهم يسميه جرادة وله في العربية اسم آخر وهو السرعوفة. وهذه يونانية الأصل من بهذا المعنى. إلا أن العرب عرفوا السرعوفة بالجرادة الطويلة. وسبب هذا
الوهم هو المشابهة الموجودة بين الدويبتين على أن الجراد لا يكون طويلاً متناسب التقطيع وقد وصف علماء الإفرنج هذه الدويبة قالوا هي حشرة من رتبة المستقيمة الأجنحة تعرف بجسدها الطويل (ولهذا قال العرب. هي الجرادة الطويلة. وإلا فالجراد الحقيقي لا يكون طويل الجسم كما قلنا) وبقائمتين مقدمتين طويلتين جداً والسراعيف أو أصحاب البساتين من الحشرات اللواحم وهي تقبض على فريستها بيديها المذكورتين المسننتين أو الشائكتين وتترصد الدويبات مدة ساعات طوال لتهجم عليها إذا دنت منها. وإذا تربصتها أقامت لها بهيئة يخالها الناظر إليها أنها تقيم الأذكار ومنها أحد اسميها عند اليونان الأقدمين وهو (منتس أي متكهنة) ويسميها الفرنسيون المتكهنة الدينية أو المتكهنة لولية أي القديسة المتكهنة المصلية أو المتضرعة إلى - وهي تجعل بيضها في كتلة لزجة مصمغة وتلصقها بالحجارة أو بالرمثة أو العنظوانة (أنبتة شائكة) وأما اسمها العامي الشامي (فرس النبي) فمأخوذ من هيئته عند ترصده غنائمه الحشرات فكأنها هيئة فرس في الحضر وأما (جمل اليهود) فمأخوذ من طول قوائمه فهو بين الحشرات كالبعير بين ذوات الأربع. على أن عوام مصر يسمون (جمل الهود أو جمل اليهود) الحرباء لا هذه الدويبة وقد ذكر ذلك فورسكال في كتابه أزهار ديار مصر والعرب ص وص 28 وقد ذكرها بهذا المعنى أيضاً ابن الدريهم في كتابه منافع الحيوان والمؤلف توفي في بغداد سنة 863هـ - 1361م وعدها بين أسماء الحرباء. وذكرها أيضاً بابن سمث في معجمه الكبير السرياني اللاتيني في ص 1368 في كلامه عن الحرذون فأورد هناك شيئا عن الورل ثم وصفه قائلا: واعلم أن هذا الوحش هو في أربع قوائم كالحردون أم كحمل اليهود (كذا بحرفه) ناقلا عبارة معجم إيليا برشينايا مطران نصيبين الذي كتب كتابه سنة 1008 للمسيح ومن الغريب بعد إيراد هذه النصوص أن يقول رجل مثل دوزي في كتابه الملحق بالمعاجم العربية ص 218 لا يقال جمل الهود بل جمل اليهود وقد خطأ فريتاغ لكونه قال ذلك فكأنه يجهل لفظة الهود بمعنى اليهود مع
باب المشارفة والانتقاد
أنها وردت في سورة البقرة ثلاث مرات ومرة في سورة الأعراف ومرتين في سورة هود. فسبحان من لا عيب فيه. باب المشارفة والانتقاد 1 - نقد فاضل للعدد السابع من لغة العرب لما كنتم قد فتحتم في مجلتكم باباً للمشارفة أو الانتقاد أستاذنكم بنقد بعض ما رأيته في العدد السابع من مجلتكم فأقول: ذكر حضرة الأديب إبراهيم حلمي أفندي في كلامه عن مطبعة كامل التبريزي أنها (الآن متروكة لاستغناء الناس عنها بالمطابع البخارية) وهذه العبارة توهم من يقرأها أن في بغداد عدة مطابع بخارية. والحال إنكم تعلمون أتم العلم أن ليس عندنا مطبعة بخارية سوى مطبعة الشابندر. وجاء في باب (تاريخ وقائع الشهر) ما لخصتموه عن الرياض في بحث الغلاء ما هذا إعادة نصه: (ما زالت أسعار الأطعمة مرتفعة لكثرة ما يصدر منها التجار إلى ديار الغرب فلقد كانت تباع وزنة الحنطة في السنة الماضية بمائة غرش صاغ صحيح وهي تباع اليوم بمائة وخمسين) فالظاهر من هذه العبارة أن محررها يجهل أتم الجهل الأحوال التجارية ومعاملاتها لأن التاجر إذا اصدر الحنطة إلى ديار الغرب بهذا السعر أي 150 غرشاً لمائة كيلو غرام فأنه لا ينسى ما يلحقها من نفقات الشحن والنقل التي لا تقل عن 50 غرشاً فيا هل ترى في ديار الغرب (ولا اعرف أيها منه) قحط عظيم والناس هلكى من الجوع ليشروا الحنطة بثمن يربح به التاجر ويوافق كيس المشتري أي بأكثر من 200 قرش صحيح؟ - والصحيح أن الحنطة كانت ترسل إلى أوربا إذ كان سعر الوزنة 70 غرشاً فما دون. ومذ أن ترقى سعرها أي من رمضان من السنة المنصرمة إلى هذا اليوم لم يرسل أحد حبة إلى تلك الديار. وفضلاً عن ذلك أن التجار مهتمون
بجلب الحنطة من الهند. ولولا رسوم الممكس (الكمرك) عليها وهي 11 في المائة لكثرت في بغداد. ولذلك قدمت دائرة البلدية تقريراً للولاية في 15 ك1 سنة 328 (28 ك1 سنة 1312) طالبة به أن ترفع الرسوم من الذخائر التي ترد من الهند. ومتى ترفع تروا الألوف بل مئات الألوف من الأكياس المملوءة حنطة وأرزاً إلى الولاية. وذلك بعد تكبدهم مصاريف الجلب التي لا تقل عن مصاريف الإرسال المذكورة آنفاً. ومما يدخل في باب المبالغة أمر الغوص في خليج فارس. ولقد أحسنتم في قولكم (ونظن أن فيها مبالغة عظيمة). ورأيت من تحامل الأديب ك، د. على العراق النافي اغلب ما اسند إلى العراقيين في مادة (الجنبرسوري) ما يخالف الحق إذ الحق مع العراق. ولا يعمل ما ذكره الكاتب سوى بعض الأجلاف الذين تمسكوا بالخرافات. فلا يجب أن تلام أمة بفعل حمقاها. - ورأيكم في الأمر أعلى. أعانكم الله وسدد أعمالكم. بغداد في 1 ك1 سنة 1913: ع. ن 2 - وقائع من أخبار كردستان للمطران ادي شير رئيس أساقفة سعود على الكلدان (مستل من المجلة الاسوية الفرنسوية لسنة 1910) في 25 صفحة بقطع الثمن. طبع في باريس بمطبعة الشعب سنة 1910 لا ينهض العلم عندنا بل ولا ينشر من قبره إلا بعد أن يتخصص رجال لأبحاث معدودة ويعدون لها العدة اللازمة للتفرغ لها تفرغاً صادقاً. حاصرين لها أوقاتهم وقواهم وإلا فطالما نرى بين ظهرانينا أُناساً ينتفون العلوم نتفاً فأننا نبقى في أخريات أهل البحث والنظر. ولهذا نسر كلما رأينا علماء من هذا القبيل. وهانحن نفتخر بان نعد بين أهل التحقيق المطران ادي شير الكلداني فأنه قد تفرغ للأبحاث التاريخية الشرقية ولغاتها المتعددة
فأصبح ممن يشار إليه بالبنان. وقد وضع عدة تآليف تشهد بما له من البراعة في هذه المواضيع من ذلك هذه الرسالة المذكورة في صدر هذه الأسطر وقد نقلها من الآرامية إلى الفرنسوية ونشرها في اعظم مجلة علمية من مجلات العالم فجاءت تسفر عن محيا كثير من الحقائق التاريخية التي يحرص عليها أهل البحث والتنقيب ويتتبع دقائقها أصحاب نقد الأخبار والتاريخ. ونحن نشكر لسيادته هديته ونتمنى له المثابرة على خطته هذه لما وراءها من الفوائد والعوائد والله لا يضيع اجر المحسنين. 3 - كتاب قلائد الذهب، في فصيح لغة العرب تأليف حضرة محمد أفندي دياب المفتش في نظارة المعارف المصرية سابقاً الجزء الأول (وهو يشتمل على ما يزيد عن 5000 كلمة لغوية ولها من الشواهد نحو 500 بيت شعر و500 آية قرآنية و150 حديثاً و 100 مثل سائر وغير ذلك من نوابغ الكلم وجوامع الحكم التي تعد بالألوف. - والكلمات المبدوءة أصولها بأحد الأحرف الخمسة الألف والباء والتاء والثاء والجيم يجدها الطالب في هذا الجزءِ. - حقوق الطبع محفوظة للمؤلف - طبع بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر). كتاب في متن اللغة حوى على صغر حجمه اغلب موارد الفصحاء وأشهر مشارع البلغاء. ومن محتويات هذا الديوان مقامة أدبية. وعت جميع مشتقات مادة جلل تهون على المطالع حفظ جميع فروع هذا الأصل. وكفى هذا التأليف تقريظاً أن يقال أنه من مؤلفات حضرة محمد أفندي دياب اللغوي
والكاتب البدوي الذي لا تخط أنامله إلا الفصيح ولا يسير من سبل اللغة إلاَّ في الفسيح. على أننا نرى في بعض المواد نقصاً. ولا نريد بقولنا نقصاً أنها غير مستوفية جميع فروع الأصل لأننا إن قلنا هذا نكون قد نسبنا النقص إلى جميع مواد الكتاب؛ بيد أننا نريد بالنقص هنا نقص بعض المعاني المتداولة غير المهجورة كما في بعث مثلاً فأنك لا ترى فيها ذكراً لانبعث الماء: بمعنى سال ولا للبعث بمعنى الجيش مع انهما مشهوران. ومع هذا فأن الكتاب إذا طبعت سائر أجزائه يكون أخف سفراً تتداوله أيدي الأحداث في متن اللغة العربية. أعانه الله على إتمامه. 4 - الجزء الثالث من قاموس القضاء العثماني لمؤلفه سليمان أفندي مصوبع المحامي. حقوق الطبع والترجمة محفوظة للمؤلف طبع في مطبعة العرفان في صيداء (سوريا): هذا الجزء الثالث من معجم القضاء الذي أشرنا إلى جزءه الأول في مجلتنا هذه (115: 2 - 116) ونحن كلما طلبنا فيه مادة للبحث عنها نراها جلية البسط فيه جامعة لأنواع الفروع. على أننا ناسف 1: على أن عناوين مواده مكتوبة بالعربية فقط فلو كان بجانبها مرادفتها بالتركية وبالإفرنجية لتضاعفت فائدته. 2: على أن المواد تطلب فيه بعد تجريد اللفظة من زوائدها. وهذا لا يكون ألاَّ في كتب اللغة. وإلاَّ فيحسن بمعاجم المصطلحات أن تدون الكلم بالنظر إلى زوائدها. 3: المواد المكتوبة في أعلى الصفحة غير مطردة الاستعمال فأنه كتب مثلاً في أول ص 244 بعد كلمة (الجد) لأن آخر كلمة يدور قطب البحث عنها هي (الجدة) وأما في ص 245 فقد كتب بجانب الكلمة (الجدة) مادة (جد)
أيضاً مع أن هناك بحثاً في (الجرائم) فكان يجب أن تعنون المادة بعنوان آخر كلمة يبحث عنها في الصفحة أي بمادة جرم كما هو مشهور. وأما المؤلف فقد خالف بين هذه المصطلحات. 4: لا يزال الكاتب يذكر في الكتاب ألفاظاً عامية أو تركية الدخول في العربية كلفظة جنحة مثلاً المذكورة في ص 245 فأنها دخلت العربية على يد الأتراك لجهلهم أصول العربية. والأصح أن يقال فيها (جناح) بضم الأول. وكقوله في ص 246 في خلال عشر سنوات. والأصح عشر سنوات وكقوله في تلك الصفحة: الاحتفاظ عليها والأصح بها. ومن مثل هذه الأغلاط الصرفية والنحوية واللغوية لا تخلو صفحة من الكتاب. عساها أن تصحح في طبعته الثانية. 5 - طبقات الأمم أو السلائل البشرية هذا كتاب علمي طبيعي اجتماعي يبحث في أصول السلائل البشرية وكيف نشأت وتفرعت إلى طبقات وانتشرت في الأرض. وما تقسم إليه كل طبقة من الأمم والقبائل وخصائص كل أمة البدنية والعقلية والأدبية ومنشاها ودار هجرتها ومقرها الآن وعاداتها وأخلاقها وآدابها وأديانها وسائر أحوالها. تأليف جرجي زيدان منشئ الهلال. مطبعة الهلال بالفجالة بمصر سنة 1912 لصاحب هذا الكتاب الجليل مزية لا تجدها في سائر المؤلفين إلا من باب الندرة. وهذه المزية هي أن جرجي بك ينظر إلى حاجة أبناء الأدب والى ما يتطلبه سواء القراء فيسد الخلل ويرأب الصدع بما تبرزه براعته من الأسفار النفيسة. ومما كان يتشوق إلى الوقوف عليه ويتشوق إلى معرفته الأمم والقبائل والأجيال المبثوثة على هذه البسيطة. فإذا سمع الأديب باسم قوم أو جيل أو عثر على اسمه في كتاب أو مجلة أو صحيفة وأراد أن يعرف موطنه أو إلى أي سلالة ينتمي لا يجد تصنيفاً يبل صداه. فوضع حضرة الكاتب المتفنن هذا السفر الجليل فجاء كالمرهم على الجرح. وقد اشتمل على كل ما ينشد عنه في مثل هذه الضالة. وما عليك إلا أن تنعم النظر في الأسطر الأولى لتقف على جوف ذلك الفرا.
على أننا نأخذ عليه بعض الأمور منها: 1 - إنه ذكر في محتويات هذا التصنيف (ما تقسم إليه كل طبقة من الأمم والقبائل.) ونظن أنه بالغ في قوله (القبائل) لأن هناك قبائل عديدة لم تسم بأسمائها فضلا عن ذكر أحوالها. أو لم تسمع هذه الأيام بذكر الماليسور والمردة والجيك ونحوهم فأنك لا ترى لهم أثراً في هذا الكتاب. وأما الأجيال المنقرضة فلا تقف لها أيضاً على ذكر مثل الجراجمة والجرامقة وياجوج وماجوج ونحوها التي إذا أردنا تعدادها نثير السأم في صدر القراء. 2 - إنه خلط الأمور التاريخية الراهنة بالأمور الخرافية المبنية على وهم أو تخيل بعض الباحثين كقوله في ص 10 ويقدرون المدة التي استغرقها العصر الجليدي بأكثر من مليون سنة وكقوله تحت الرسم الأول من كتابه ص 11 بقايا الإنسان محجرة منذ 20000سنة. وكقوله ص 13 (والعلم يقول بمرور القرون المتطاولة قبل أن بلغ الإنسان حالته المعروفة من التكون البدني والعقلي) فإطلاق العلم هنا على التخيل في غير موطنه. فلو قال: والعلماء الماديون يقولون كذا. . . لأصاب لأن بين العلم الحقيقي والعلم المادي بوناً شاسعاً وبمثل هذه الأقوال يعثر القارئ في جميع الصفحات الأولى من كتابه أي من 10 إلى 16 وفي بعض اوجه (تاريخ الإنسان قبل التاريخ). 3 - وضعه بعض الأجيال في غير موضعها كوضعه السوريين ص 234 بين أقسام الساميين الكبرى. مع انهم ليسوا من تلك الأقسام في شيء وإنما هم ساميون سكان ربوع الشام وإلا لوجب أن يذكر العراقيين وغيرهم من سكان البلاد المتسعة الأكناف التي كثر فيها اختلاط الأمم المتغلبة عليها وهم في الأصل ساميون. كما وقع مثل ذلك في ديار الشام. 4 - يجري في ذكر بعض الأعلام مجرى الإفرنج فيها مع أنه في غنى عنها لو جرى مجرى العرب فيها. كقوله القلت ص 242 وهم القلط ومنه الكلاب القلطية نسبةً إلى هذا الجيل ومنه في ص 231 في قوله: (عرب الجنوب: وهم الحميريون والصابئة والأحباش) والأصح السبايون نسبةً إلى سبا لكنه لما نقل عن الإفرنج ويراد بها عندهم الصابئة والسبايون معاً ظن أن المراد هنا الصابئة وهو غلط. وكقوله ص 232 الغير ناقلاً كلمة عن الإفرنج والصحيح (الجعز) كما يكتبها هؤلاء
الساميون بحروفهم. على أنه يجوز أن يقال فيهم (الجاز) على لغة جعل العين همزة جاء ذلك في الهلال نفسه (341: 10) كقوله في شرع: سرا في الامحرية وصرع في الأثيوبية. وهي خلاف اللغة المعروفة عند العرب بالعنعنة: 5 - يفعل مثل ذلك في الألفاظ اللغوية أي أنه ينقل اللفظة الإفرنجية أو بما تعنيها معنىً حرفياً ويترك اللفظة الفصيحة العربية كقوله في ص 233 الذقن حاد والأصح الخد أسيل. وكقوله في تلك الصفحة لون البرنز والأصح لون الشبه. والشبه بهذا المعنى مشهورة في العراق حتى عند أهل البادية. 6 - في الكتاب أغلاط طبع كثيرة حتى أنه يذكرنا مطبوعات بغداد كما في ص 234 في قوله: وأما الساميون فانهم ميالون إلى التجمع والبقاء على حال واحدة. ولا شك أنه أراد التجمد بدلاً من التجمع. والأصح أن يقال الجمود. وكقوله في صفحة 232 في المقدمات التمهيدية والأصح التمهيدية وقد عددنا من هذه الأغلاط اكثر من 120 غلطاً. 7 - في الكتاب أغلاط نحوية ولغوية كقوله في ص 180: اصله إنسان تقمص إلى طير والأصح تقمص طيراً أو طائراً. وكقوله ص 182 ولهم أنف مسلطح. ولو قال سلاطح أي عريض لكان عربياً. ولو قال: (وهم فطس) لأفصح وأفاد أكثر. وكرر كلمة قاصر بمعنى مقصور في مواطن كثيرة. وقد أشرنا إلى غلطه هذا مراراً ولا وجه له في العربية إلا بتكلف ومن باب وجهٍ ضيق أي من باب مجيء فاعل بمعنى مفعول وهذا لا يأتي إلا في الألفاظ التي سمعت عنهم ولا تتعدى. وفي ص 42 وكلتاهما مائتان والأفصح مائتة وكقوله مراراً الفرنساويون والأصح الفرنسويون وكقوله ص 45. إن يقتات أفرادها على الأعشاب. والأصح أن يقتات أفرادها على الأعشاب. وكقوله في تلك الصفحة والمغر وهو يريد المغاور. وتلك خطأ كبير. وكقوله في تلك الصفحة أيضاً نزلوا الشاطئ. وقد نقط الياء وهمزها معاً. والأصح همزها لا غير. 7 - الفهرس الهجائي الذي في ذيل الكتاب غير وافٍ بالمطلوب. فإن المؤلف ذكر في كتابه مثلاً السكسون والألمانيين أو الجرمانيين والنمسويين والجيك والمجر وغيرهم. فإذا أردت أن تنقر عنها في داخل الكتاب احتجت إلى مطالعة الفهرس وإذا طلبتها في الفهرس فلا تقع عليها.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
ومهما عددنا من مغامز هذا الكتاب فأن حسناته تزيد على سيئاته وتذهب به ذهاباً لا تبقي أثراً لها. إذ قلما يكتب المؤلف كتاباً إلا وتراه صاحب مبتكرات في الموضوع ولهذا فأننا نهنئه بفوزه هذا في عالم الأدب ونطلب لكتابه الرواج الذي يستحقه إذ من لا يحصل عليه فقد خسر كنزاً من كنوز الأدب وبهذه الإشارة ما يدلك على منزلة هذا السفر الرفيعة. كفى بها منزلة. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - العرائف هجمت العرائف على عشائر قحطان في أودية سبيع في جنوبي الرياض من ديار نجد وقد غنموا منها غنائم كثيرة. 2 - أعمال حمدي أفندي ابن محمود رامز في الكوفة هذا الرجل هو وكيل مديرية ناحية الكوفة ودونك ما فعله من الأعمال الجليلة 1 - أتم بناء دار الحكومة 2 - وضع سلك مسرة بين الكوفة والنجف 3 - بنى جسرها احسن بناء 4 - أقام مسنيات متينة مكينة على الفرات 5 - شيد مكتباً على الطراز الحديث 6 - عمر سوقاً وسقفها 7 - أنار الكوفة القديمة 8 - بنى مخفراً (قراغو لخانة) بقرب القداد (التراموى) 9 - نشر أجنحة طير الأمن والراحة في ربوع البلدة وجهاتها 10 - استمال قلوب الأعراب المنتشرين في أرجائها بحسن السياسة والخبرة والدراية فعسى أن يكون مديراً لهذه الناحية ولا يبدل بسواه! (نقلاً عن المصباح والعهدة عليه) 3 - التجارة بين ديار العراق وبين ديار فارس بارت التجارة هذه السنة بين ديارنا وبين ديار جيراننا الإيرانيين وأصبحت الخسائر كثيرة والأضرار لا تقدر بسبب ما اعترى تلك الأرجاء من الفتن والاضطرابات التي لا تزال جمراتها تتقد حتى يومنا هذا. وكأن تلك الفتن لم تكف فأخذت رؤساء بعض قبائل الأكراد وبوادي الفرس بجباية
محرمة لا يقبلها الشرع ولا يذعن لها بشر إلا كرهاً. وبعضهم لا يكتفون بذلك بل يسوقون دواب القوافل أمامهم ويتركون ما معها من الأموال والبضائع ويبقون لأنفسهم الدواب التي استاقوها فتكون الخسارة خسارتين خسارة التاجر وخسارة المكاري. وقد وقع لبعضهم في الشهر الماضي أن أحد رؤساء كوران وحاكم سربيل أخذا من أحد القوافل 40 حملاً ثميناً وأربعة رؤوس خيل و16 حماراً وسلبا جميع الألبسة التي كانت مع أصحاب القوافل. ومشير خان يأخذ 3 قرانات (فرنك و50 سنتيماً) على كل بعير يسير بين قصر شيرين وقلعة شوزى ماعدا ما ينهبه لنفسه من الأموال وحمو خان حاكم هرناوة يأخذ ما شاءت نفسه فإذا أضفت إلى ذلك ما يأخذه راس كتاب جرى (باش كاتب شاهبندر) الدولة العثمانية وهو قران (50 سنتيماً) على كل عشرة بعران وما يأخذه الشاهبندر وهو 10 قرانات (5فرنكات) على كل عريضة (عرض حال) ظهر لك ما يصرفه التجار من الأموال والبضائع للاتجار بين العراق وإيران فتأمل. (كلها عن الرياض بتصرف). 4 - إعانة مكتب حقوق بغداد للحرب البلقانية بلغ ما تبرع به طلبة هذا المكتب 2365 قرشاً صحيحاً زادهم الله سخاء. 5 - نفوس محلة كرادة نجيب باشا من محلات الاعظمية أخذت الولاية بعد نفوس من فيها. وقد بلغ عدد نفوس المحلة المذكورة 3000 نسمة بعد أن كانوا سابقاً 1500 وبلغ عدد البيوت 500 بعد أن كانت 170 وقد وفق المحصون لإدخال كثير من الأعراب في تلك المحلة. ولم يكونوا مقيدين سابقاً. 6 - المكاتب الأهلية في قرى خراسان تجول قيم مقام خراسان حضرة احمد فائق بك في قرى خراسان فرأى كثيرين من الأطفال بدون تعليم فشوق الناس إلى فتح مدارس ابتدائية أهلية ففعل كثيرون إجابة لترغيبه إياهم في الأدب وقد تم فتح هذه المكاتيب في قرى الهويدروبهرز وبلدروز (برازالروز) وأرسلت الحكومة إليها معلمين أثاب الله كل من سعى في هذا الخير ومثله.
7 - الأمطار في العراق وديار العرب كثرت الأمطار في شهر كانون الثاني بعد أن كانت اعز من بيض الانوق وقد عمت ديار العراق والعرب ولاسيما ما كان بين العارض والقصيم فحائل فالجوف فقلب الجزيرة وقد انتشرت الأعراب تفتلى الممطور في أراضيها. 8 - عبود اليوسف رسول ابن الرشيد وصل بغداد عبود اليوسف رسولاً من قبل الأمير ابن الرشيد لمقاصد حسنة ولخير عشائر العراق. 9 - الإعانة الحربية في البحرين بلغت مجموع الإعانة في هذه الجزيرة مائة ألف روبية (نحو مئتي ألف فرنك) ولعلها تزيد بعد قليل. 10 - أعراب شمالي جزيرة العرب طلبت عشائر الحويطات وبني عطية والشرارات إلى الأمير ابن الرشيد أن يضمها إلى أعرابه ففعل وعين لها تيماء منزلاً واستقدم رؤساءها ليربط تلك القبائل ربطاً محكماً بالجامعة العربية الشاملة أمراء جزيرة العرب ومشايخ قبائلها. 11 - ابن السعود برح هذا الأمير الرياض عاصمة أمارته وذهب إلى القصيم وطيته شمالي الجزيرة وقد بث رسله إلى قبائل نجد ليدعوهم إلى التآخي والتناصر والتكاتف وفي نيته أن يضرب خيامه في (الوديان) ويجعلها منبعث أعماله وقد ارتبط اشد الارتباط بالأمير ابن الرشيد رداً لهجمات الأعداء. 12 - نشف نهر الحسينية نشف نهر الحسينية في كربلاء وعاد الناس إلى حفر الآبار وشرب مياهها. ولا يجهل أحد ما يتولد من الأمراض من تجرع تلك المياه. عسى الحكومة تسعى في حفر النهر حفراً لا يحتاج بعده إلى كريه ثانية. 13 - الأمطار والبرد تتالت الأمطار في هذا الشهر حتى جعلتنا أن نتفاءل بسنة خير عميم ورخص عظيم حقق الله الأماني. وقد نزل الحر إلى الصفر في السادس عشر من هذا الشهر. 14 - الضيق في بغداد وتكاثر الفقراء إذا ذهب الإنسان من محلة إلى محلة أخرى ولا سيما في أحياء المسلمين واليهود يصادف من الفقراء والمكدين عدداً وافراً من رجال ونساء وبنات. وفقراء
النصارى يزدحمون على أبواب الكنائس وفيهم من يستحق الصدقة. ومن لا يستحقها. فلا جرم أن المتصدق على أصحاب البنية الصحيحة والقوة التامة يزيد الأمة بلاءً. والأجدر بهؤلاء الناس أن يجدوا ويشتغلوا ليعيشوا بعرق جبينهم. وإلا فالكدية من اشد أدواء الآلفة. 15 - نتائج الجهل الأعمى وقعت في الكاظمية نهار عاشوراء (20ك 1) وقيعة مؤلمة أحزنت قلب كل عاقل. وصورة هذه الحادثة أن ألوفاً من المسلمين يجتمعون في الكاظمية يوم عاشوراء تذكاراً لوقعة الطف. ومن جملة من كان من المتألبين هناك في ذلك النهار جماعات من جانب الكرخ وفي هذه الديار عادة سيئة وهي أنه إذا اكتظ الناس في ساحة تساءلوا فيما بينهم: أيهم من المحلة أو البلدة الفلانية وأيهم من المحلة أو البلدة الفلانية الأخرى. فإذا القي هذا السؤال ينشأ للحال نفور بين سكان محلة ومحلة أو مدينة ومدينة ثم لا يعتم أن يتجسم هذا النفور فيتحول إلى سب وشتم، إلى قدح وذم، إلى ضرب ولكم، إلى جرح وقتل. وهذا ما وقع في الكاظمية فأنه لما علم بعض جهال الكاظمية من هم الذين من محلة الكرخ تنابزوا فتشاتموا فتلاكموا فتجارحوا فتقاتلوا وانجلت الوقيعة عن قتل واحد من الكاظمية وجرح ثلاثة منهم. وعن جرح ثلاثة من أهل الكرخ. فقبض على المتهم بالقتل وجماعته وأودعوا السجن. عسى أن هذه الحادثة تكون الأخيرة في هذا الباب بهمة الحكومة وسهرها على رعاياها! 16 - عجمي بك السعدون والأعراب أن هذا الأمير نازل اليوم على (ماء الشقراء)، على بعد 14 ساعة من الزبير وقد وفدت إليه العشائر التي كانت قبلاً معادية له وهي: البدور والسعيد والفواز والزياد ومطير وطلبت منه العفو فعفا عنها. وقد نزلت اليوم بأهاليها وأموالها في أراضيه. وقد وفد إليه من شجعان القصيم ما يقرب من ألفى محارب فسلحهم وأعطاهم خيلاً. وقد أصبحت قوة هذا الشيخ في هذه الأيام في ازدياد ويحسب لها حساب. ولهذا عدل أبناء فالح باشا عن الخروج على عجمي ولا سيما لأنهم رأوا أن الأعراب الذين مر ذكرهم، وكانوا مصافين لهم غادروهم
وانضموا إلى عجمي بك ولم يبق معهم إلا بعض الضفير ولا بد انهم ينضمون إليه أيضاً. وقد أغارت سرية له على الضفير النازلة بقرب الخضر (وهو الأخضر) وهي ناحية بقرب الدراجي على طريق السماوة فغنمت منهم أبلاً وخيلا وغنماً وذخائر كثيرة. وفرت الضفير من وجه عداها ولجأت إلى داخل الناحية فساق الغزاة ما وجدوه من السائمة بعد فرار العشيرة وفر ابن سويط ناجياً بنفسه. (الرياض) 17 - عجمي بك والضفير قالت الدستور (من جرائد البصرة) ما خلاصته: كان لسطوة سعدون باشا في السنين الأخيرة دوي. ترامى الصدى وذلك حينما كانت عشيرة الضفير نصيرة له في السراء والضراء باذلة المهج في سبيل حبه حتى أنها اشتهرت بذلك وفاقت سائر أعرابه المخلصين له. وأشهر هذه الوقائع الوقيعة التي شهد لها سعدون باشا نفسه أي وقيعة سنة 1327 في أبان عداوته للشيخ مبارك الصباح. هذا ولما كانت الأمور لا تستقيم على حالة واحدة وقع بين الباشا وبين الضفير ما قلب ظهر المجن وأن كان السبب طفيفاً لا يحفل به أل أن أطماعه جسمت الصغائر وجعلتها من الكبائر فانقلبت العشيرة عدوة له بعد أن كانت صديقة له. وتطايرت شرر الفتن بين الخصمين حتى اضطرت ولاية البصرة إلى إبعاد سعدون عن ديار العراق حقناً للدمار وأرسلته مخفوراً إلى حلب وهناك مات سنة 1329 وما كاد يموت إلا وقام ابنه عجمي لينتقم من الضفير. إلا أنه رأى نفسه في الآخر عاجزاً عن مناواتها فغادر ربوعه متوجهاً إلى (حائل) مقر الأمارة الرشيدية فاستجار بالأمير ابن الرشيد وكان هذا الأمير ينتظر فرصة للضرب في العراق فزحف مع المستجير به بخيله ورجله لإصلاح ذات البين بين عجمي بك والضفير إعادةً للمياه إلى مجاريها. إلا أن الزمان كشاف الأسرار والسرائر اظهر عكس الأمر أي أن الأمير لم يأت إلا ليغزوها ويأخذها إرضاء للائذين به. وبعد أن جرت معركة كبيرة بين ابن الرشيد والضفير رجع الأمير إلى مقر إمارته ظافراً إما العشيرة فنهكت فتخلف عجمي ليحاول الكرة عليها ما دامت في وهنها فلم يفلح. وما زال يتطلب هذه الغاية اليوم. وفي هذا العهد الأخير لما توفر لديه المال (وهو الثروة التي وقعت له من عمه مزيد باشا أي
مفردات عوام العراق
250. 000 ليرة) اخذ يجمع العدد والعدد لمناجزة الضفير القتال والإيقاع بهم. هذا واغلب الضفير نازلون اليوم على (الصخرية) داخل لواء الناصرية وعلى بعد نحو 3 ساعات من المركز (أي الناصرية). وعليه تكون المسافة بين منزل عجمي بك (أي الشقراء) ومنزل الضفير قريبة ويسهل على القبيلين نشوب المعركة بينهما لامتلاء الصدور من نتاج النفور. ابعد الله تلك الشرور. إنه رحيم 18 - إعانة البصرة للحرب البلقانية بلغت الإعانة في البصرة وبعض البلاد العربية في بحر فارس 36 ألف ليرة ولعلها تزيد بعد قليل. مفردات عوام العراق آني وفلان كجا آني أي أنا بلهجة عوام المسلمين وكجا بضم ففتح كلمة فارسية معناها أين أو في أي محل ومعنى هذه العبارة العربية الفارسية. أنا أين وفلان أين وفصيحها مالي ولفلان؟ وبعبارة أخرى ليس فلان من أكفائي أو نظرائي أو أيضاً: بيني وبين فلان بون شاسع. أي آي أنني آي بمد الألف وسكون الياء. أنني بفتح الهمزة والنون الأولى وتشديد الثانية المكسورة. كلمات تكررها أمهات النصارى إذا أردن أن ينمن أطفالهن فيهززن مهدهم هزاً رخيا قائلات تلك الكلمات وأظن أن كلمة آي للهتاف وأنني بمعنى نم (أمر من نام) بلسان الأطفال ومحصل العبارة نم يا عزيزي. وقد يظن بعضهم أن العبارة من أصل تركي محرف أي آي أنا ايني ومعناها الحرفي يا والدة الأخ الصغير أو عن أيا ايا أنني أي أيتها الوالدة انظري واسمعي الأخ الصغير لأن أيا أداة نداء تستعمل بمعنى انظر واسمع أو انظري واسمعي كان أصل هذه العبارة استعملتها البنات لأنامة أو إسكات أخواتهم أو إخوانهم الصغار ثم تلقتها الأمهات من بناتهن وقد تستعمل هذه العبارة في غير الانامة لكن ذلك قليل وفي كل هذا التأويل من التعسف ما لا يخفى على عاقل والأصح عندنا هو الأول. آراروت أو أرروت بثلاث فتحات والبعض يقولون عرروط بفتحتين فضم كلمة
إنكليزية تعريب معناها الحرفي جذر السهم أو الجذر المسهم أو السهمي وهو نشاء يتخذ من جذور بعض الأنبتة التي تنمو في بلاد الهند الغربية يعمل كالعصيدة ويطعم المرضى والأطفال. أما أصل هذه التسمية وسببها فراجع إلى الكتب المطولة. آس من اللاتينية أو الفرنسوية أو من الإنكليزية وهذه كلها من أصل يوناني معناه واحد وتجمع عندنا على اوس بضم اوآسات. ويريدون بها ورقة من أوراق اللعب فيها نقطة واحدة أو النقطة الواحدة في الاسقنبيل لنوع من اللعب بالورق. آسقي تركيتها آصقي بالصاد نوع من الربط له عرى عند طرفيه يزرر به أعلى الساق (البنطلون) ويلقى على الأكتاف لكي يرفعه إلى فوق ويمنعه من أن يمس الأرض وأسمه بالفرنسية ويجوز أن نسميه بالعربية باسمين أما بالمحمل أو الحمالة وأما بالمعلاق والمعلوق فقد ورد في مختار الصحاح المحمل بوزن المرجل ج المحامل: علاقة السيف وهو السير الذي يتقلده المتقلد وكذا الحمالة بالكسر والجمع الحمائل بالفتح. اه وجاء في تعريف المعلاق والمعلوق هو ما علق به من لحم أو عنب ونحوه وكل شيء علق به شيء آخر فهو معلاقة. آجي أو اشجي الأولى بتشديد الجيم المثلثة الفارسية والثانية بشين بعدها جيم مثلثة وأهل الشام يقولون غشى بشين مشددة مكسورة كلمة تركية معناها الطباخ والطاهي أو العجاهن آجي أو اشجي باشي كلمة تركية معناها: راس الطباخين يطلقونها على من يريدون تعظيم معرفته للطباخة ولحسن طبخه الأطعمة. آفرين كلمة فارسية تركية والبعض يقول عفرم بفتح العين والفاء وكسر الراء وفي الآخر ميم كلمة تقال لاستحسان عمل الإنسان مثل قولك بالعربية أحسنت
بارك الله فيك! لا شلت يداك! لله درك! نعم العمل عملك! عافاك الله! بخ بخ! مرحى! ونحوها كثير. آفة يعقد العوام بناصيتها معنى غير المعنى المألوف فهم يريدون بها الرجل الداهية أو النابغة أو البطل. على حد ما استعمل العرب الأقدمون (الداهية) فأنها تعني ذا الدهى والدهاء وتعني أيضاً الأمر العظيم والمنكر من الأمور. ومنه دواهي الدهر وهي ما يصيب الناس من نوبه. والآفة أيضاً عند بعضهم ثعبان عظيم يحرس الكنوز المدفونة. وقد يتوسعون في معناها فيطلقونها على كل حية عظيمة ولا سيما الأفعى وحينئذ تكون الآفة تصحيف الأفعى على لغة الفرس الذين يستثقلون العين على لسانهم فيحذفونها وتجمع آفة على آفات. آل تركية معناها الأحمر. ويراد بها نوع من الحمام أحمر اللون يتخذ في البيوت للعب به ولتطييره والحمام الأحمر متفاوت الحمرة عندهم فتختلف أسماؤه باختلاف تفاوت حمرته فمنه الباكوبز وهو أفخره لوناً ومنظراً ويليه في الحسن السيرنك فالأسمر فالبدرنك فالاشكيري وهو دونها حسناً. إلى آخر ما هناك من الألوان وتفاوتها وإذا أردت التدقيق في وصف الآل فهو حمام أحمر اللون قرمزيه أو يكاد وله نصف وردة أو وردة ونصف وردة في جناحيه ويراد بالوردة عند طيورينيا أن يكون في جناح الطائر ريشة في طرفها سواد بقدر العقدة وسائر ريش ذنبه خالية منه. آلة لها معنى آخر عند عوامنا ما عدا معناها المألوف. إذ يريدون بها أيضاً معدات الشيء ولوازمه أي ما يقوم به الشيء أو يتقوم منه فإذا قلت مثلاً آلة الطبخ فالمراد منها اللحم والخضروات والسمن والتوابل (أي الابازير كالملح والفلفل والقرنفل والقرفة والهال والكركم ونحوها) وإذا قلت آلة البقال فالمراد منها السكر والقهوة والشاي والحمص إلى غيرها. آني وين وهذا وين أي أنا أين وهذا أين. مثل عامي يضرب في البون الشاسع بين شخصين
ليس بينهما نسبة أياً كانت ويقابله في العربية: (ما إمامة من هند) ومعنى إمامة ثلاثمائة من الإبل وهند هي هنيدة وهي المائة منها. وقيل إمامة وهند من النساء إحداهما مشهورة بالمحاسن والثانية مذكورة بالمقابح. آلطلغ تركية تحريف التيلق ومعناها الستي أي ذو ستة قروش وهو نوع من النقود القديمة كانت معروفة عندنا قبل نحو ثلاثين أو أربعين سنة وأما اليوم فليس لها وجود عندنا. وكانت قيمتها ستة قروش صحيحة. ثم نزلت فصارت بخمسة قرش. آلطنجي تركية من آلتنجي ومعناها السادس. وهم يستعملونها في بعض الأحيان تعظيماً لرتبة المعدود. آن (يقولون: لا آن ولا ودان) كما يقول الفصحاء ما بالدار ديار ولا نافخ نار. وآن اسم فاعل من أن. وودان بمعنى المؤذن من أذن بتشديد الذال. ومحصل الكلام ليس في المحل أحد لا من يئن ولا من يوذن أي لا عليل ولا صحيح المزاج. آنة كلمة هندية ويراد بها قطعة من النقود التي يتعامل بها في ديار الهند تساوي عشرين بارة. والعوام تقول: تحاسبت مع فلان إلى حد الآنة أي محاسبة مدققة بحيث لم يبق في ذمة أحد المتحاسبين شيء. والبعض يقولون عانة بالعين. آني بمعنى أنا. عامية إسلامية فقط. ومنه المثل النسائي: آني غنية، وتعجبني الهدية. أي لكل ذي مقام حق. آه كلمة توجع وتضجر. ويقولون: آه منك. إذا اعيا الواحد صاحبه واقلق راحته. ويقولون آه عليك أي تأسفاً عليك. ويقال أيضاً بمعنى الاستحسان إذا غير المتلفظ بها نغمة صوته. فيكون معناها حينئذ لله درك ما أحسنك؟ آهرة عربية تصحيف عاهرة: مبنى ومعنى.
آهم أو آهن من باب المفاعلة ومعناها ظن وتوهم وتصور يقولون: لتآهم أو لتآهن أنا أروح عنده أي لا تتوهم أني اذهب إليه. آهين فارسية الأصل ويراد بها الفولاذ المصبوب وتأتى في الأغلب بمعنى الحديد المصبوب المتخذ من الرمل الحديدي. أيري تركية معناها غير أو سوى أو آخر. وتطلق على من انفرد من الناس برأيه أو بأي شيء كان. فيقولون هو آيري عن الناس أي منفرد عنهم. رزوق عيسى ملحق بألفاظ عوام العراق ذكرنا في بعض الأجزاء الماضية ما جمعه حضرة الكاتب رزوق أفندي عيسى من ألفاظ العوام ما كان مبدوءاً بالمد وقبل أن نمعن في تدوين سائر الألفاظ المبدوءة بغير المد نذكر ما فاته من تلك الألفاظ: آي كلمة صراخ المتألم أو المريض أو المتضجر. آبينة والمشهور عاينة وهي المرآة لا سيما ما يكون منها قطعاً على أشكال هندسية تجعل على الحيطان أو في السقوف لتزيينها. وقد مر الكلام عنها مراراً في هذه المجلة. فلتراجع. آتشجي الآتشجي هو الوقاد في المراكب البخارية. والكلمة تركية من آتش أي نار. والغالب في لفظ هذه الكلمة هو عطشجي تقريباً للفظ الذي لا يفهمونه من لفظ مألوف على آذانهم يعرفونه وإن كان يختلف في المعنى. آجنتة والبعض يقولون أجنطة وهو الأكثر. وقد أخذوها من الإيطالية ومعناها وكيل شركة بحرية.
آجي بادم والرواية المشهورة (عجي بضم) وهي تصحيف الأولى التي معناها في التركية (لوزمر) كلمة يراد بها نوع من الحلويات التي يدخل فيها اللوز المر. وقد يدخل فيها اللوز الحلو أيضاً. آجيو كلمة إيطالية الأصل ادخلها الترك يراد بها فرق الدراهم أو الربح على صرفها. آرسلان بمعنى الأسد فارسية تركية يستعملها بعض العراقيين ويسمون بها بعض بنيهم الذين يتوسم فيهم الشجاعة. آرش تحريف الفرنسوية ومعناها تقدم وهي كلمة يتلفظ بها الضباط لأمر جندهم بالمسير. إلا أن الجميع يستعملونها الآن بصورة (عرش) ومعناها لنسر إلى الأمام أو كما يقولون أيضا: يا لله! آرمود والغالب في لفظها (عرموط) هو الكمثرى والكلمة تركية. آزار تركية يستعملها بعضهم بمعنى الظلم أو التعدي أو الخلل مهما كان. آزوت من الإفرنجية ويستعملها من له اطلاع على الطب أو الصيدلية أو الكيمياء وكذلك ما يتفرع منها. آسايش كلمة مشهورة تركية الأصل وقد اشتهرت في العصر الحميدي لكون أصحاب الصحف كانوا مضطرين إلى استعمالها ولو كان في البلاد اعظم الفتن ومعناها الأمن والراحة. وكانوا يجعلونها في صدر كل عدد من أعداد صحف الأخبار إشارة إلى أن الأمن والراحة والطمأنينة ضاربة إطنابها في البلاد وفي قلوب العباد. وكانت تستعمل عنواناً لعبارة مفرغة يكررونها في كل عدد.
العدد 21
العدد 21 - بتاريخ: 01 - 03 - 1913 صرعى الكتب والمكتبات في العراق لا يعرف على التحقيق الزمن الأول الذي دوّنت الكتب فيه واقتناها الناس على هذه الصورة أو ما يشبهها حسب اختلاف العصور غير أنا نعلم أنه قد قارن عهد وجود الكتب وجودُ أناسٍ فتنوا بها وسحرتهم فبالغوا في جمعها وفي الضنة بها وقد تأنقوا في نسخها ووراقتها وتجليدها وتنضيدها وتحليتها بما لا مزيد فوقه. وربما كان بعض جماعة الكتب من غير قراّئها ولا من المتدبرين لها ولكنه أولع بها فوجد مع جهله لذّة في اقتنائها وارتياحاً إلى الازديادِ منها وطيب نفسِ لا للاستفادة ولكن لمجرَّد انفتاحها وانطباقها وللهو بها كما كان يفعل أحد جماعة الكتب من الفرس في النجف على عهد غير بعيد وقد كانت اليد الطولى للفرس في بث روح المغالاة بالكتب بين أهل العراق وذلك على عهد هبوطهم هذه الديار وانتيابهم إياها لطلب العلم أو للجوار وفيهم أولاد العلماء والملوك وأهل الجاهِ والثروة فحملوا إلينا خزائن الكتب من بلادهم غير ما جمعوه بعد تمكنهم في
هذه البلاد وغير ما حملَ إليهم من بلاد الهند وغيرها. هذا غير ما كان لإِيران من الفضل في طبع الكتب التي لا تقع تحت حصر من علمية على تشعب فنون العلم ودينية على اختلاف فروع الدين وكلها تحمل إلى العراق أو إلى النجف حيث اطمأَن العلم والعلماء وشيدت المدارس وأنشئت بيوت الكتب الكبيرة فاقدم إذ ذاك عامةُ الناس على ابتياعها وكان قد نبغ أثناء ذلك قوم معروفون أُولِعوا بجمع الكتب وشغفوا بحبها وبينهم فريق من أبناء الملوك والعلماء وذوو الأسر. والبيوت الأصيلة. وآخرون من الدهماء خلقوا لتصرعهم الكتب فعكفوا على نشدانها وطلبها من مظانها فتيسرَ لهم جمع ما ليس باليسير منها ومن هؤلاء من أدرّكناهم في زماننا هذا كالشيخ (الملا باقر التستري) المتوفى في النجف سنة 1329 فأنه كان مفتوناً بجمع الكتب فتنةً قلَّ أن تعهد في غيره وكان إذا قدّم إلى (معرض الكتب) في النجف كتاب مخطوط بذل النفس والنفيس في سبيله على قلة ذات يِدِهِ وربما تملق لمن ينافسه في الكتاب تملقاً لا مزيد عليه حين (المناداة) على بيعه وقد يقبل المنافسَ ويتعلق به ليتركَ لهُ طلبتهُ. قال بعضهم نافسته يوماً في كتابٍ و (المنادي) ينادي عليه فسألني تركه فما كان منه إلاَّ أن امسكني بيده قائلاً وقد تغيرَ: أَما تخشى الله؟ وله نوادر جمة في باب اقتناء الكتب وقد جاور زماناً بمكة واتصل بالشريف هناك واقتنى قسماً من كتبه المخطوطة فيها. وله إلى إيران رِحلات كان أهمَّ ما يحمله عليها جمع الآثار ولقد حصل باجتهاده على أمهات الكتب النفيسة القديمة على اختلاف موضوعاتها وقد شاهدنا بينها كتب الدين والفلسفة
والفلك والرياضيات والشعر والتاريخ والعربية وكان إذا اقتنى كتاباً كتب عليه بخط بديع (للحقير محمد الباقر) وخط معروف يشار إليه عند الصحفيين وفي أسواق الكتب ومعارضها ولما عرضت كتبه للبيع سنة 1329 وكان فيها اكثر من ألف مجلد مخطوط نودي عليها عدة أسابيع وكنت ممن يحضر المناداة فشاهدت فيما شاهدت ما يدهش المتأَمل من آثارٍ نادرة في بابها ونفائس مخطوطات قليلة الوقوع حتى في أمهات بيوت الكتب الكبيرة في العالم وذلك مثل كتاب (مشارق الأنوار) للقاضي عياض الذي كان يظن أنه أصبح أثراً بعد عين وكتاب (العين) للخليل الفراهيدي وكتاب (الزينة) لأبي حاتم وكتاب (غريب أبي عبيدة) وكتاب (طبقات القراء) وشرح (تذكرة الطوسي) في الفلك للخفري وشرحها أيضاً للسيد الشريف وقد ملكتهما و (القول المأنوس) وهو وجيز حاشيةٍ على القاموس وغير ذلك من شواذّ الأسفار الكبيرة التي لم تمثل بعد للطبع كبعض مؤلفات الثعالبي المعروف ووقفت أيضاً بين كتبه على كتاب (وفَيات الأعيان) بخط مؤلفه قاضي القضاة ابن خلكان هذا عدا ما لا اقدر أن آتي عليه في هذه العجالة وبالجملة ذهبت كتبه بثمن بخس وبيعت بصفقة خاسرة ولو نودي على هذه الكتب في أسواق الغرب لذهبت بزنتها لجيناً على أن مبتاعها غير مغبون. وممن عرف في النجف من الغلاة في اقتناء الكتب العالم المحدَث الكبير الشيخ (ميرزا حسين النوري) الطهراني المتوفى قبل اثنتي عشرة سنة تقريباً فقد كان متعلقاً بجمع المخطوطات متفانياً في إحراز
نفائس الآثار وله نوادر غريبة في هذا السبيل تدل على شديد افتتانه وعظيم بلائه بها منها أنه وجد يوماً في سوق من أسواق كربلاء كتاباً كان ينشده عند امرأة فاستباعها واستامها عليه فأرضاها ويظهر انه كان ذاهلاً لعثوره نبهاً على ضالته فأنه لما أراد إيفاءها ثمن الكتاب لم يجد عنده شيئاً ولكنه بادرَ فخلع حلةَ ثمينة كانت على متنهِ وباعها في سوقٍ كاسدةٍ بثمنٍ تافهٍ يسير واخذ الكتاب من صاحبته بهذه اللجاجة الغريبة وبالجملة كانت خزانة كتبه من احفل خزائن الكتب الكبيرة ويحكى أنه كان في جملة مخطوطاتها ألف مجلد عليها خطوط مؤلفيها وهذا مما لم يتفق حتى في خزائن كتب الملوك في القرون الأخيرة فأنا نعرف أميراً من أمراء الهند لم يجمع غير سبعمائة مجلد عليها خطوط المؤلفين وقد كان رحمه الله مصلحاً سالكاً سبيل السلف الصالح وعالماً مؤلفاً حريصاً على نشر العلم ولذلك لم يوصد باب خزانته في وجوه الطلاب ولم يمتنع أن يعير كتبه من يستفيد بها من الناس كما يفعل كثير ممن كنز الكتب وقبض عليها قبضة الشحيح وخصوصاً العامة من جماعتها فانهم لم يذوقوا لذة العلم ولا حملوا بالمعرفة ليهون عليهم بذل أسفارهم في سبيلهما وعلى العكس من ذلك رجل صرعته الكتب وهو قد رضع افاويق العلم وخلصت نيته في نشره فأنا كثيراً ما سمعنا عن السلف الصلحاء انهم حبسوا كتبهم حبساً عاماً على من ينتفع بها من الناس ويؤثر عن بعضهم قوله: أن زكاة الكتاب عاريته ويوجد اليوم في النجف من العلماء المطبوعين على حب الكتب
وتفقد الآثار الجامعين لها جماعة منهم الشيخ الفاضل الرفيع القدر الغريب الصبر والثبات (الشيخ علي) من آل كاشف الغطاء وهو الرجل الذي لا يرى إلاَّ مجدّاً في النسخ والتأليف أو عاكفاً على المطالعة أو لهجاً بجمع الكتب وذكرها يقص عليك أحاديثها ويصف لك مظانَّ وجودها ويترجم لك أحوال صرعاها وجماعتها وقد كانت نفسه الكبيرة حملته على الرحلة فجاب بلاد الفرس وبلاد الترك وبلاد مصر وسوريا والحجاز ولم تكن رحلته هذه رحلة تسلية وتفكهة لا بل كانت أشبه برحلات منتجعي العلم والرواية من السلف الصالح فأنه كان إذا حط رحلهُ في بلد وجه همه إلى زيارة معاهده العلمية والوقوف على دور كتبه المهمة هكذا كان في مصر والشام والأستانة وقد ألقن في هذه العاصمة اللغة التركية فشافه كبار ساستها وعلمائها ولم يبق فيها بيتاً من بيوت الكتب إلا زاره واستفاد منهُ وكان إذا أعجبه كتاب لم يكبر عليه نسخه واكتتابه وإن كبر كما فعل يوم كان في الأستانة فانه أنتسخ فيها لنفسه بنفسه أسفاراً جمة منها كتاب (شرح أبي تمام على مهاجاة جرير والأخطل) وقد وجده منتسخاً بالخط المغربي القديم وهو خط معمي يجهل المشارقة تهجئته فعكف أياماً على تفهمه ومحاكاته بقلمه حتى أتقنه فلم يصعب عليه بعد ذلك أنتساخ الكتاب ونسخ أيضاً ديواني (مهيار) و (كشاجم) ولم يكونا يومئذ مطبوعين وبفضله طبع الأخير على نسخته التي أنتسخها لنفسه وهمته في الصبر على الكتابة مشهودة حتى أنه تناول كتاب (آمالي القاليّ) قبل طبعه وعكف على نسخه في عدة أسابيع وكان الوباء منتشراً حيث أقام فلم يعقه ذلك عن مقصده
ومما نسخه لنفسه كتاب (نسمة السحر في من تشيع وشعر) وهو كتاب نادر الوجود قل من سمع به ونسخ كتاب (رسائل ابن العميد) الكاتب المعروف وهو يقع في مجلدٍ ضخم ونسخ غير ما رأَيت بهمة غريبة وجد متواصل حتى أنه لو اقتصر على ما ورقّه بيده لحصل على خزانة كتب حافلة لكنه لم يقتصر على ذلك واخذ يتطلب الكتب النادرة ويبتاعها وساعده على نجاح قصده تجواله في البلاد فاشترى من الأستانة وغيرها من البلاد التي عرج عليها كتباً نفيسةً مخطوطة ومطبوعة فاجتمعت له خزانة كتب لا تزال من أمهات خزائن الكتب العربية وفيها المخطوطات الكثيرة في كثير من الفنون وبعض نسخها قل أن يعرف لها ثانٍ مثل ديوان الشاعر المشهور (الحسين بن الحجاج) العراقي صاحب الدعابة والمجون ومثل كتاب (الطراز) في اللغة للسيد علي خان الأديب المعروف صاحب سلافة العصر وأنوار الربيع وديوان (مهيار) الديلمي تاماً أو قريباً من التمام وديوان السيد الشريف المرتضى وعشرات من أسفار العلم والأدب الشاذة سلف ذكر بعضها ثم أنه لم يقف عند جمع الكتب والتقاط آثارها أو أنتساخها بقلمه فعكف على الكتابة في الأدب والتأليف فيه وقد نجز إلى الآن من مؤلفاته كتاب (فصل الخطاب في الكتابة والكاتب والكتاب) مخطوطاً في مجلدين ضخمين وهو كتاب جامع لم يسبق مؤلف إلى إفراغه بهذا القالب البديع وقد استعان على تأليفه بما وفق لجمعه ونسخه من الكتب وبما حدث على عهده أو ما قبله بقليل مما يدخل في موضوع كتابه وقد ملحه بشذرات من الكتب العلمية الحديثة فجاء كتاباً ممتعاً جامعاً لفنون المعاني حافلاً بضروب المقاصد وقد استمالني منه فصل معجب جاء
المؤلف فيه على وصف دور الكتب التي وقف عليها أو انتهى إليه وصفها سواء كانت في بلاد العراق بلاده أو في غيرها من البلاد التي جابها في رحلته وقد كان بودنا أن ننقل هذا الفصل عن هذا الكتاب لمكان مناسبته لموضوع المقالة لولا أنّ ضيق نطاق الوقت حال دون ذلك ونحن إذا عنت الفرص فاعلون. ومن مؤلفات هذا الشيخ الكبيرة التي وقف لها حياته كتاب (طبقات الشيعة) على اختلاف الصور وعلى تباين الأحوال فمن طبقات رواتهم ومحدثيهم وحملة أخبارهم إلى طبقات علمائهم وكتابهم وشعرائهم وطبقات ملوكهم ووزرائهم وأمرائهم وقد نجز إلى الآن قسم كبير منه يقع في عدة مجلدات وهو دائب السعي وراء إتمامه متصل الاجتهاد في سبيل إنجازه وإذا تم كان أكبر خدمة لهذه الطائفة الإسلامية العظيمة الشان التي قلما انصرف رجالها وخصوصاً المتأخرين منهم إلى وجوه التاريخ وتدوين آثار أسلافهم ومعاصريهم انصراف أهل السنة من إخوانهم المتقدمين والمتأخرين وبالجملة أن حياة هذا الرجل حياة جدٍ وعمل متصلين ونعمت الحياة. ومن صرعى الكتب في النجف اليوم الشيخ (محمد علي الخونساري) فأنه مبالغ في اقتناء الكتب وخصوصاً النادر منها وقد جمع عدداً غير يسير منها ومن مخطوطاته قسم كبير في الفلسفة القديمة ومنهم السيد (محمد) اليزدي فأن لديه خزانة كتب خطيرة حوت كثيراً من الأمهات مثل كتاب (غريب أبي عبيدة) مخطوطاً في القرن الخامس على ما أظن وكتاب (المجمل) في اللغة لابن فارس وغيرهما كثير. ومن عشاق الكتب في العراق وجماعيها السيد (حسن صدر الدين
طيزناباذ القديمة
العاملي) العالم المعروف في الكاظمية فقد انشأ له طلبه الحثيث لها خزانة كتب مهمة بينها قسم كبير من الآثار النادرة ككتاب (العين) وكتاب (الجمهرة) لابن دريد فيها وكتاب (طبقات القراء) ولا نعرف لمن هو فقد ألف جماعة من العلماء في هذا الباب وفيها غير ذلك من نفائس المخطوطات والرجل ممن اشتهر بالتأليف وقد نجز إلى الآن على يده كتاب (تأسيس الشيعة) وهو كتاب تاريخي أدبي جم الفائدة بعثت صاحبه الغيرة على الطائفة فألف كتاباً دَل به على سبقها الفرق الإسلامية في التأليف وانبعاثها قبلها إلى تأسيس العلوم والفنون ولا يزال كتابه هذا مخطوطاً ويسعى مؤلفه طبع كتاب (المجازات النبوية) للسيد الراضي في بغداد سنة 1329 وللسيد هذا غير ذلك الكتاب مؤلفات في الموضوعات الدينية والتاريخية ويوجد اليوم في هذه البلاد رجال آخرون من صرعى الكتب لم نذكرهم لضيق المجال النجف: محمد رضا الشبيبي طيزناباذ القديمة 1 - تمهيد البحث تقدم القول عن موقع أطلال طيزناباذ في الزمن الحالي وآراء الباحثين ممن اشتهروا بطول الباع وبعد النظر في المسائل الأثرية فيما كان لهذه المدينة القديمة العهد في القرن الماضي من الآثار الخطيرة المؤيدة لحدودها والناطقة بخطورة شأنها هذا بعد أن أشبعنا تلك الأقاويل حججاً دامغة. وبراهين قاطعة وهل هناك أدلة وإمارات اقطع من تلك الأدلة والإمارات، لأن بعدها
عن القادسية، وتوسطها حافة طريق الحجاج من البراهين التي لا تحتمل النقض، هذا فضلا عما رأيناه هناك من الدوارس والأطلال التي أثبتنا وصفها في رسالتنا السابقة، بقي علينا هنا أن نأتي على ما كان في القرون الخالية، والعصور الغابرة من العز والسؤدد وما بلغته من العمران والتقدم ذلك مع الالماع إلى ما قاله شعراء العرب فيها، وتدوين نبذٍ صغيرة من تاريخها المتفرق أيدي سبا في بطون الدفاتر معتمدين في ذلك على اصدق الكتب التاريخية واصح الروايات، وأوثق المصادر وعلى ذلك نقول: 2 - مؤسس طيزناباذ ونبذ من أخباره لا يختلف اثنان في مؤسس طيزناباذ هو الضيزن بن معاوية بن العبيد السليحي واسم سليح عمر بن طريف بن عمران بن الحاف بن قضاعة - نقلاً عن البلاذري ص 284 - وقيل غير ذلك وقد اختلف في نسبه وهو المعروف عند الجرامقة بالساطرون، وضيزناباذ منسوبة إليه، وهي مركبة من كلمتين الأولى (ضيزن) وهو اسم هذا الأمير والثانية (اباذ) وهي كلمة فارسية معناها (العمارة) أي (عمارة الضيزن) وكانت العرب تتلفظ بها بالضاد، إلا أنه لما غلبت الفارسية ضرتها العربية في هذه الأرجاء وكانت الفارسية خالية من الضاد تكلموا بها بالطاء فاشتهرت بها، وكان الضيزن ملكاً من ملوك العرب المعاصرين لسابور ذي الأكتاف ملك الفرس، وكان ذا هيبة ووقار وسطوة تخشى بأُسه اقيال العرب وملوكها، وكانوا يهادونه ويسالمونه خوفاً من بطشه، وهرباً من سيطرته، وكان قد ملك الجزيرة إلى الشام وأخضعها لسلطانه ومما يشهد على ذلك التاريخ، فأن سابور عدو العرب لما سمع
بما وصل إليه ملوكها من العز والسطوة آلى على نفسه أن يذله فسار إلى بلاد الجزيرة حتى وصل الحضر، وكان الضيزن كثير الجنود مهادناً للروم متحيزاً إليهم يغير رجاله على العراق والسواد، فكانت في نفس سابور عليه فلما نزل الحضر تحصن الضيزن في الحصن فأقام عليه سابور شهراً لا يجد إلى فتحه سبيلاً ولا يتأتى له في دخوله حيلة، فنظرت النضيرة بنت الضيزن يوماً وقد أشرفت على الحصن إلى سابور فهويته وأعجبها جماله وكان من اجمل الناس وأمدهم قامة، فأرسلت إليه إِن أنت ضمنت لي أن تتزوجني وتفضلني على نسائك دللتك على فتح هذا الحصن فضمن لها ذلك، فأرسلت إليه ايتِ الثرثار وهو نهر في أعلاه فانثر فيه تبناً ثم أتبعه فانظر أين يدخل فادخل الرجال منه، فأن ذلك المكان يفضي إلى الحصن ففعل ذلك سابور فلم يشعر أهل الحصن إلا وأصحاب سابور معهم في الحصن، وقد عمدت النضيرة فسقت أباها الخمر حتى أسكرته طمعاً في تزويج سابور إياها وأمر سابور بهدم الحصن بعد أن قتل الضيزن وكان ذلك بين سنة 336 و338 بعد الميلاد، وقد اكثر الشعراء من ذكر الضيزن وحصنه الحضر وخيانة ابنته النضيرة وزوال ملكه في الكتب التي نشير إليها بعيد هذا. 3 - تصحيف الكتاب لاسمها طيزناباذ بفتح الطاء المهملة وسكون الياء وراءها زاء معجمة مفتوحة يليها نون وبعدها ألف ثم باء يليها ألف ثم ذال معجمة كذا ضبطها ابن خرداذبه والطبري وابن الأثير وقد صحفها غيرهم تصحيفاً مشيناً، وضبطوها بكسر الطاء كما نبه عليه ياقوت، والأفصح الفتح تقريباً للاسم من اصله المفتوح الأول
على رواية جميع اللغويين؛ ولعل النساخ هم الذين صحفوها لأنها كلمة أعجمية وقد صح ما قيل فيهم - الناسخ ماسخ - فقد وردت في كتاب البلاذري صفحة 255 و274 وغيرها من الطبعة الإفرنجية بكسر الطاء والأصح بالفتح وجاءت في الأغاني 9 - 93 و2 - 133 باسم طيرناباذ؛ وجاءت مصحفة في بعض نسخ البلاذري بصورة طبرناباذ بالباء الموحدة في الأول، وجاءت في تاريخ ابن دحلان 1 - 73 (طبع مصر) باسم طرناباذ؛ وإذا أردنا أن نتتبع كل التصحيفات التي وردت في هذا الصدد يطول بنا الكلام ولهذا نجتزئ بما ذكرناه. 4 - ذكرها في مؤلفات العرب لم تكن طيزناباذ مدينة خاملة الذكر بل كانت مدينة شهيرة عريقة في القدم، والذي أذاع صيتها فطبق الخافقين طيب هوائها؛ وحسن مناخها؛ وجودة شرابها حتى أنه كان يوصف كالقطربلي؛ ولهذا كانت ملوك الفرس الأقدمين، وأمراء المسلمين من بعدهم يتخذونها دار نزهة أو مصيفاً يقضون فيها أيام الفراغ في اللهو واللعب والتمتع بالملذات، وكانت في الزمن الخالي ذات أشجار فنواء؛ ونخيل حسناء؛ ورياض غناء، وجنائن فيحاء، تخرقها الأنهار من كل البقاع تحمل إليها من الفرات؛ وقد ورد ذكرها في أشعار العرب ودواوينهم؛ فوصفوها وصفاً دقيقاً؛ وكانت آثارها قد عفت منذ عهد ياقوت الحموي إذ يقول في معجمه: وهي الآن خراب لم يبق بها إلا اثر قباب يسمونها (قباب أبي نواس) واليها أشار في قوله: قالوا تنسك بعد الحج قلت لهم ... أرجو الإله وأخشى طيزناباذا
أخشى قُضيب كرم أن ينازعني ... رأس الخطام إذا أسرعت اغذاذا فإن سلمت وما نفسي على تقة ... من السلامة لم اسلم ببغذاذا ما ابعد الرشد ممن قد تضمنه ... قطر بل فقري بِنا فكلواذا هذا وقد ورد ذكرها في عدة مؤلفات من أسفار العرب من ذلك في معجم ياقوت 79: 3 من طبع مصر أو 569: 3 من طبع الإفرنج؛ وفي مراصد الاطلاع انظر مادة (طيزناباذ) والبلاذري في صفحة 255 و274 و284 من الطبعة الإفرنجية؛ وتاريخ الطبري 2264: 1 و2855 و718: 2 من الطبع الإفرنجي؛ والأغاني 93: 9 و133: 2 من الطبعة المصرية والكامل لابن الأثير 357: 1 من طبع الإفرنج و178: 2 من طبع مصر؛ وابن خرداذبة في ص 11 وابن الفقيه ص 183 وكلاهما من طبع الإفرنج. 5 - تاريخ وقائعها وسقوطها لم تقع على تاريخ بناء هذه المدينة ولكن يمكننا أن نقول أن التواريخ أثبتت أن سابور ذا الأكتاف قتل الضيزن ما بين سنة 336 و328 بعد الميلاد، فإذا فرضنا أنها تأسست قبل هذه الحادثة بأقل من نصف قرن فتكون. قد بنيت قبل ستة عشر قرناً، وكانت طيزناباذ في ذلك العهد إحدى المدن الفخيمة الجليلة القدر وما زالت كذلك حتى الفتح الإسلامي؛ وكان الفرس قد عرفوا حسن موقعها الحربي والسياسي ولهذا اتخذها رستم قائد الفرس الكبير في حرب القادسية مباءة لعسكره؛ ولما اندحر الفرس في تلك الحرب؛ وتشتت شملهم وسقطت بأيدي المسلمين سنة 15هـ - 636م مع ما سقط من مدن الفرس وحواضرهم أخذت منذ ذلك الحين تسير نحو التأخر؛ وفي زمان خلافة عثمان
أبو الفتوح الشيخ إبراهيم السويدي
بن عفان اقطعت الأشعث بن قيس الكندي؛ وكان لمحمد بن الأشعث فيها قصر فخيم على عهد الدولة الأموية؛ وبقيت كذلك وهي تقارع الدهر والدهر يقارعها؛ تارة تغلبه؛ وأخرى يغلبها؛ حتى أدركت في أواخر عمرها أوائل الدولة العباسية؛ فتوالت عليها المصائب في أواسط الدولة العباسية وما زالت في نزاع واحتضار حتى فاضت نفسها وأصبحت أثراً بعد عين في القرن الرابع للهجرة؛ فبعثت يد الزمان برسومها ولم يبق منها اليوم إلا تلك الأطلال الدارسة؛ والآثار الطامسة التي أشرنا إليها في النبذة السابقة؛ ومع ذلك فإن تلك الأنقاض تنطق بما كان لها في العهد العهيد من الشان الخطير والعمران الذي ليس له نظير، وربك على كل شيء قدير. إبراهيم حلمي أبو الفتوح الشيخ إبراهيم السويدي - هو أبو الفتوح إبراهيم بن الشيخ عبد الله السويدي أخو الشيخ المتقدم ذكره ولد في بغداد سنة 1146هـ - 1733م واخذ العلم عن والده وعن الشيخ فصيح الهندي وغيره قال عثمان أفندي العمري في كتابه الروض النضر ما نصه: (. . هو ذو الأدب الجسيم والكمال الرائق الذي يهزأ بالنسيم. . . نارت به نجوم الفضائل وشموسها ودانت لمعاليه أرواحها ونفوسها. . . فمما أثبتت له الأيام قوله هذين البيتين وقد أرسلهما إلي على ظهر كتاب). ذا شريف بلثم أقدام من قد ... فاق الأقران بالتقى عثمانا فهو كالجلد بالتفرد نذل ... وشريف إن صاحب القرآنا
وسافر إلى بلاد الهند وجعلها دار أقامته إلى أن توفي فيها وله من الكتب كتاب البدائع في الأدب ورسائل في الحديث. 5 - أخوه أبو المحامد الشيخ احمد السويدي - هو أبو المحامد احمد بن عبد الله السويدي ولد في بغداد سنة 1153هـ - 1740م واخذ العلم عن والده والشيخ فصيح الهندي والشيخ عبد الله الهيتي والشيخ محمود الكردي وغيرهم. كان كثير الحياء سالكاً طريق السلف رادعاً لأهل البدع والرياء له من الكتب كتاب الصاعقة المحرقة في الرد على أهل الزندقة وشرح بانت سعاد وحاشية على شرح الأزهرية ورسالة لطيفة في علم التصوف وله شعر ونثر فمن شعره في وصف أيام الربيع. هذا الحمى برجاله ونسائه ... وربيعه وعبيره وسنائه قم فاجتلِ زهر السرور بروضه ... وأفض علينا الراح بين فضائه فالدهر يرفل في مروط زبرجد ... والغيم مد عليه فضل ردائه والطل يقطر في الرياض دموعه ... والروض يضحك في خلال بكائه ومنه قوله الليل والكواكب من قصيدة يمدح بها النبي (صلى الله عليه وسلم) لقد جد وجدي يا سعاد فاسعدي ... وطالت عهودي بالوصال فجددي فللله كم من ليلة نابغية ... بها بت ذا سهد بليلة انقد كأَن نجوم الأفق سمط وبعضه ... نضيد ومنه البعض غير منضد كان ضياء البدر عند مغيبه ... على الأرض سحق من قراضة عسجد كان الدجى مذجن واسود جنحه ... على ساحة الغبراء عثير أثمد
كان مبادي الصبح والليل حالك ... بشارة عيسى للأنام بأحمد وقد توفي في بغداد سنة 1210هـ - 1795م ودفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي. 6 - أبو المعالي الشيخ علي السويدي - هو أبو المعالي علي بن محمد سعيد بن عبد الله السويدي كان اعلم أهل زمانه بالحديث وسائر العلوم وكان يحفظ عشرين ألف حديث من كتب الصحاح الستة وكان خطيباً مصقعاً قال الشهاب الالوسي في (غرائب الاغتراب) (والمجموعة الوسطى) (. . . كان الشيخ المشار إليه. . . لأهل السنة برهاناً وللعلماء المحدثين سلطاناً ما رأَيت اكثر منه حفظاً ولا أعذب منه لفظاً ولا احسن منه وعظاً ولا افصح منه لساناً ولا أوضح منه بياناً. . . ولا أكبر منه بمعرفة الرجال علماً. . . ولقد مضت لي معه أيام كرعت فيها من حميا مجالسه أهنا مدام. . . وقد كان في مبدأ طلبي وأوان صلاحيتي لمجالسة أمثاله. . . قاطناً في دمشق الشام. . . وكانت تفد أخباره على مسامعي حتى لقيته. . . وقرأُت عليه نخبة شرح الفكر في مصطلح أهل الأثر. . . ونال مزيد القرب عند الوزير سليمان باشا الصغير حتى انه لم يصدر إلاَّ عن رأُيه ويرى إرشاد غيره عين غيه فلم يتغير عن أخلاقه الحسان وحسن معاملته للعوام والأقران. . . ثم انه لم يبق إلاَّ القليل حتى عزم على الرحيل وقصد الرجوع إلى الشام. . . فلم تمض مدة حتى قطفت يد الأجل نواره وأطفأت ريح المنية أنواره فتوفي ليلة الخميس 27 رجب سنة 1237هـ - 1821م. .
ثم غسل وكفن وبقي إلى الصباح فصلي عليه ودفن في سفح جبل قاسيون. . . اهـ قد رثاه جماعة من فضلاء زمانه منهم ابن عمه الشيخ محمد سعيد ابن الشيخ احمد وقد أرخ وفاته بقوله منها: مذ وسد اللحد نادانا مؤرخه ... أن المدارس تبكي عند فقد علي ومنهم الشيخ علي الأمين رثاه بقصيدة رنانة عدد أبياتها 41 بيتاً والشيخ علي المكي بقصيدة عدد أبياتها 29 بيتاً وغيرهم وقد اخذ العلم عن والده وعن عمه الشيخ عبد الرحمن وعليه تخرج وله من الكتب العقد الثمين في العقائد وقد طبع في مصر سنة 1325هـ وذخر المعاد في معارضة بانت سعاد تخميس قصيدة البوصيري مطلعها (يا غافلاً عزه وعد وتسويل) وشرح المناوي الصغير ورسالة في الحضاب ورسالة لطيفة في شرح قول بعض الآجلة (طه النبي تكونت من نوره ... كل البرية ثم لو ترك القطا) وله نظم رقيق ونثر بليغ فمن شعره وقوله في وصف أهل زمانه. يا نفس كم لا تعبئين بحال ... هلا اتعظت بفرقة الأمثال هذا الشباب تصرمت أيامه ... واتى المشيب يميل للترحال ذهب الزمان بأهله وتخلفت ... إخلاف سوء عادمو أفضال بئس الخلائف هم ولا ذكرى لهم ... أشباح أهواء ومحض خيال أخلاقهم نقض العهود ودأُبهم ... خلف الوعود وزخرف الأقوال لا يعرفون وداد من صافاهم ... ويرون ذلك شعبةً لضلال
بلد البوعينين
وأما نثره فقد قال فيه الشهاب الالوسي في (المجموعة الوسطى) ما نصه (. . . فهو مما تتمنى النجوم أن تنظم في سلكه ولكن لم يحفظ منه إلا القليل منها مقامة بليغة أنشأها في تحكيم العقل بينه وبين نفسه مقدار نصف كراسة. . .) وقد أعقب أربعة أولاد وهم الشيخ محمد أمين والملا صالح وإسماعيل ومحمود ولم نعثر على تاريخ ولادته رحمه الله رحمة الأبرار كاظم الدجيلي بلد البوعينين - جاء في الجزء السابع من مجلة لغة العرب (320: 2) ذكر بلد البوعينين من الديار التي فيها غواصون. فسألني غير واحد عن السبب الذي سميت بهذا الاسم والى من تنسب ومن هو هذا البوعينين ولماذا سمي بهذا الاسم. فكتبت هذه الأسطر لطب الأدباء المذكورين فأقول: سميت بلدة البوعينين بهذا الاسم لأن أول من احتل تلك الأرض رجل من العرب كان يعرف بالبوعينين. وكان ذا شدة وبأس وصولة ومراس كان يطوي بساط أيامه في نحو سنة 1200هـ - 1785م. وكان هذا الرجل على ما نقل من الأخبار أعمى. وقد قيل في سبب عماه أخبار مختلفة ترجع إلى ثلاثة وهي ذهب بعضهم إلى انهم سمي بذلك لكونه ولد اكمه أي ولد أعمى العينين. وقال آخرون كان له عينان أخريان فوق العينين الطبيعيتين لكنه ما كان يبصر بهما. والإشارة في قولهم البوعينين أي ذي عينين هي إلى هاتين الباصرتين الزائدتين. وهذا ليس ببعيد فقد ذكر التاريخ مثل هذه الصورة الشاذة. والرأي الثالث وهو الأصح الأقرب إلى الصواب وهو المشهور كل الشهرة على الألسنة هو أن الرجل المذكور ولد بصيراً لكن سملهما أي فقأهما بحديدة محماة أحد أمراء العرب نكاية وتنكيلاً به، أو تعذيباً وانتقاماً. وذلك بعد أن قتل أبويه وإخوانه
فاستحياه لهذه الغاية القاسية الظالمة. ثم دالت الأيام فتقهقرت تلك الأمارة العربية فأصبح تابعوها أشبه بملوك الطوائف. ولكل أمير ملك لا يتجاوز ما يجاوره من الأرضين. أما رؤساء العشائر والقبائل وما هم من قبيلهم فأنهم كانوا كالفوضى إلى أن ظهرت أمارة محمد بن الرشيد في السنين الأخيرة وحينئذ تغيرت البلاد. وإن كان حكم هذا الأمير لم يعم الجزيرة كلها كما سنذكره في غير هذا الموطن إن ساعدت الفرص. وبعد أن تقلص ظل سطوة تلك الأمارة أصبح البوعينين كبيراً في قومه نافذ الكلمة موفقاً في أعماله وسياسته أما عشيرته فكانت فخذاً من أفخاذ قبائل العجمان التي تقطن في قطر. وقد جرت في أيامه محاربات جمة شديدة توفق فيها وحاز النصر على العشائر الأخرى التي كانت تناوئه. ومنذ ذاك الحين أصبح بعيد الأمر والنهي نافذ الكلمة وكان له سفن يغزو بها في خليج فارس. ويتعرض دائماً للسفن التجارية فكان كأنه هو وأصحابه من القوم المعروفين بالقرصان أي غزاة البحر. وفضلاً عن ذلك كان لعشيرته من الصولة في البر ما لا مثيل لها في تلك الأنحاء. واتفق له ذات مرة أنه بينما كان يغزو في سفينته وهو في الخليج إذ أحاط به العدو إحاطة السوار بالمعصم ولم يتمكن من الفرار لخلو ريح موافقة تسير سفينته فلما رأى عدوه على قاب قوسين منه وأن لا مناص من الهلاك وأنه واقع في قبضة العدو لا محالة عمد إلى الذخيرة فأطلق عليها النار وكانت المؤونة في السفينة التي كان فيها فاندلع لسان اللهب إلى السفينة كلها واحرقها واحرق جميع السفن التي كانت وما عتمت أن أصبحت بعد هنيهة رماداً تذره الريح أو فحماً طاف على وجه الماء. ولم ينل عدوه منه مأرباً. كانت هذه النكبة من اشد النكبات على هذه العشيرة فأفقرتها فاضطرت إلى أن تقيم في قطر وتتعيش كما تتعيش سائر العشائر أي بالكد والكدح إلى أن نجمت أمارة (آل ثاني) في قطر فخضعت تلك العشيرة المرزوءة للشيخ قاسم بن ثاني أمير قطر الحالي. وكان عددها قليلاً لا يزيد على 400 رجل على الأكثر.
الضرب على النحاس في أبان الخسوف
ولما قتل الشيخ احمد بن ثاني سنة 1323هـ - 1905م في أثناء القنص وكان سبب قتله ظنه في الأسرة نفسها وكان الشيخ القتيل يستوفي هو بذاته زكاة العشيرة إذ كانت من جملة العشائر الخاضعة له لم تحد عن خضوعها للشيخ الذي وليه بل ثبتت منقادة له بينما كانت تستطيع أن تفلت من أيديه. إلا أنه وقع في سنة 1328 حادث أوجب الشيخ أن يؤدب العشيرة (هكذا روى الخبر) فكان من نتيجة ذلك أن أمر بزيادة الزكاة أو الرسوم المضروبة هناك. فضجرت العشيرة من تلك المعاملة وظعنت إلى (الجبيل) (بالتصغير) وهي جزيرة أو شبه جزيرة قريبة من قطر لا تبعد كثيراً عن البحرين وهي على بعد بضع ساعات من كلا البلدين. وقد آلو على أنفسهم أن يعتمدوا عليها وينشئوا بين ظهرانيهم أمارة يقلدون أمرها أميراً يدبرهم ويكون سيدهم ويجعلون بيديه الحل والربط ففعلوا. ثم اخذوا يعنون بشؤون المعيشة بحيث أنهم يستغنون عمن ليس من قومهم فجمعوا أموالهم وسفنهم والتف بعضهم على بعض وتكاتفوا كل التكاتف فكان مجموع سفنهم في عام أول مائة. ولا يخفى أن في السنة الماضية قد عالج الغياصة من لم يزاولها إلى ذلك العهد. فانهال عليها العرب من كل حدب وصوب أي من الاحساء ونجد والعارض والقصيم. فضلا عن الزبير والبصرة فإن غاصتها زادوا عدداً عن السنين السابقة حتى أن من ينعم النظر في عدد الغواص وعدد سفنهم لا يصدق بما يقال. على أن الحقيقة هي كما تسمع بها هذا ما اعرفه عن بلدة البوعينين وعن منشئها وأخبارها وعن مبدأ أمر القبيلة وعسى أني لم أخطئ في ما ذكرته والله اعلم. سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض الضرب على النحاس في أبان الخسوف الضرب على الطاسات عادة قديمة في العراق ولا سيما في ديار فارس. وقد
أنكر بعض كتاب مجلة لغة العرب نسبة هذه العادة إلى حادث تاريخي فجئت بهذه الأسطر أؤيد ما كتبته سابقاً في هذا المعنى (311: 2) نقلاً عن الكتبة الأقدمين وهو ما أشرت إليه بوجه الأجمال هناك فأقول: ذكر المولى محمد المحبي صاحب خلاصة الأثر، في أعيان القرن الحادي عشر، في الجزء الثالث من تصنيفه في ترجمة ابن الصغير عمر بن محمد ما انشد إليه البديعي قوله:. . . دقوا بطاساتهم لما رأوه بدا ... توهما أن بدر التم قد كفا قال: وهو معنى حسن تصرف فيه واصله ما اشتهر في بلاد العجم أن القمر إذا خسف يضربون على الطاسات وباقي النحاس حتى يرتفع الصوت زاعمين بذلك أنه يكون سبباً لجلاء الخسوف وظهور الضوء هكذا قاله بعض الأدباء والذي يعول عليه في اصله أن هلاكو لما قبض على النصير الطوسي وأمر بقتله لأخباره ببعض المغيبات قال له النصير: في الليلة الفلانية، في الوقت الفلاني، يخسف القمر. فقال هلاكو: احبسوه إن صدق أطلقناه واحسنا إليه وإن كذب قتلناه فحبس إلى الليلة المذكورة. فخسف القمر خسوفا بالغاً. وأتفق أن هلاكو غلب عليه السكر تلك الليلة فنام ولم يجسر أحد على إيقاظه. فقيل للنصير ذلك. فقال: إن لم ير القمر بعينيه أصبح مقتولاً لا محالة وفكر ساعة ثم قال للمغول: دقوا على الطاسات وإلا يذهب قمركم إلى القيامة فشرع كل واحد يدق على طاسه فعظمت الغوغاء فانتبه هلاكو بهذه الحيلة ورأى القمر قد خسف فصدقه وبقي ذلك إلى يومنا هذا. المراد من إيراده وهناك ذكر شاهد آخر يؤيد هذا الخبر لا محل لإيراده هنا. وفي روضة الصفا التاريخ الفارسي في ذكر فتح هلاكو بغداد ما يقرب من هذه الحكاية. قلنا: وأنت تعلم أن نصير الدين الطوسي توفي في مراغة سنة 675هـ - 1276م وتوفي هولاكو سنة 664هـ - 1265م فتكون العادة إذاً قديمة. وفي ديوان أبي بكر العمري ذكر خبر يؤيد وجود مثل هذه العادة في دمشق الشام وقد ارتجل أحدهم أبياتاً منها هذا البيت:
الكوفية
عادة البدر يتجلى ليلة الخس ... ف بدق النحاس دفاً عنيفا وفي كتابات الثعالبي ص 28 من طبع مطبعة السعادة إشارة إلى تلك أيضاً. ومثل ذلك في كتاب حاضر المصريين أو سر تأخرهم في حاشية ص 218 ولو استقرينا كلما جاء في هذا المعنى لقام بين يدينا كتاب قائم برأسه. وكفى بما ذكرناه شهيداً على ما أردناه. النجف: عرقي الكوفيّة أو الكفية وأنواعها واستعمالها مر الكلام عن أن العرقجين (العرقية) يوضع تحت الفينة (الطربوش) أو تحت الكفية (الكوفية) وقد ذكرنا كلا من العرقية والطربوش بقي علينا الكلام عن الكوفية فنقول: أهل العراق لا يعرفون الكوفية إلا بالكفية بدون واوٍ بضم الكاف وتشديد الفاء المكسورة والياء المشددة المفتوحة وهاء في الآخر. وهي لفظة منسوبة إلى الكفة لا إلى الكوفة. والكفة عندهم كل ما استطال ويقولون أيضاً كف الثوب كفاً: إذا تركه بلا هدب. وكلا هذين المعنيين فصيح معروف. ومعلوم أن أهل البادية يلفظون الكاف جيماً مثلثة فارسية فيقولون فيها الجفية. واللفظة الفصيحة المشهورة هي الكوفية بواوٍ. قال صاحب التاج: الكوفية: (ما يلبس على الرأس سميت لاستدارتها) ولم يزد على هذا القدر. وقد ذهب آخرون إلى أن الكوفية مشتقة من الكوفة. ونسبت إليها لأن سكان هذه المدينة كانوا يلبسونها منذ الأزمان القديمة فنسبت إلى بلدتهم. ولعل الأصح أنها رومية الأصل (أي لاتينية مولدة أو -) لأن الاروام هم أول من ادخلها ديار الشام ومنها انتشرت في سائر ربوع العرب. وهي بلسانهم: أو وقد اشتقوها من كوفة أو كفة أي القدح أو الصحفة أو القصعة وكل منها لا يكون إلا مستديراً وقد وردت هذه الكلمة بهذا المعنى على قلم فرننانس الأسقف المتوفى سنة 600 للمسيح أي المتوفى باثنتين وعشرين سنة قبل ظهور الإسلام.
وصاحب التاج لم يصفها لشهرتها بين العرب. ودونك وصفها: كفة مربعة أو تكاد، تطوي على نفسها فيخالف بين زواياها معطوفة إحداها على الأخرى كما يفعل في الوشاح وتلبس فوق الرأس بأن تلقى عليه فيجعل طرفها السائب على الظهر ويقع طرفاها الآخران على الصفحتين اليمنى واليسرى يفعلون ذلك ليتقوا الشمس أو طوارئ الجو وتثبت بواسطة رباط متين كالحبل يعرف عندهم بالعقال. وقد تكون الكوفية من خام أو حرير أو قز أو من نحوها وهي إذا طويت على نفسها يحصل من شكلها مثلث. وإذا كانت من الخام الأبيض سماها أهل بادية العراق (بالحلالية) وبالقزية (أو الجزية محرف القزية) إن كانت من ابريسم والنجديون يعرفون الكوفية باسم (المحرمة) إذا كانت غير بيضاء وإلا فهي (الغترة) (بكسر الأول) وحضريو بغداد ولا سيما نصاراها يريدون بالكوفية المشوش أي المنديل الذي يتمسح به أو يمخط فيه. وذلك لأن الأعراب يمتشون بأحد طرفيها. ولأن أهل المدن استعملوا تلك الكوفية نفسها للمش لا لستر الرأس إذ يستعملون بدلها العمامة. فبقي اسم الشيء عليه وإن تحول استعماله لأمر آخر لأن التسمية هنا واقعة على المادة لا على سواها. كما أن أهل الشام يريدون بالمحرمة ما يريده البغداديون بالكوفية للسبب المذكور. وأما أهل تونس وما يجاورها فيريدون بالكوفية ضرباً من الكلوتة أو العرقية تكون مطرزة: وتجمع الكوفية على كوافي (بتشديد الياء) والعراقيون يقولون كفافي ويقال فيهما كوفيات وكفيات أيضاً وكلاهما مقبول مأنوس. وقد ذكرت لفظة كوفية في كتاب ألف ليلة وليلة في عدة مواطن. وكانت النساء يومئذ يلبسنها. من ذلك قول المؤلف: خلعت بعض ثيابها وقعدت في قميص رفيع وكوفية حرير. وقوله: كوفيه بألف دينار. وقوله: على رأسها كوفية دق المطرقة مكللة بالفصوص المثمنة. وقوله: فوق رأسها كوفية مطرزة بالذهب مرصعة بالجواهر.
وممن ذكر الكوفية النويري في تاريخ مصر وكان السلاطين المماليك يتخذونها وقد وردت في جميع كتب السواح الإفرنج الذين جابوا ديار العرب والعراق وبعض ربوع الشام منذ ثلاثة قرون فما دون لكنها لم ترد بهذا اللفظ في كتب العرب الأقدمين. والظاهر انهم كانوا يستغنون عن هذا الاسم بآخر كالعمامة والعمار والعميرة والعصابة ونحوها لأن الكوفية من لوازم العميرة. وأما الحلالية فأنها مضافة إلى الحلال. كان لونها الأبيض ومادتها المتخذة منها وهي القطن تحل لأن تكون عمرة لجميع الناس بخلاف ما لو كانت من حرير أو لونها أخضر أو أزرق فأنها لا تحل إلا لبعض طبقات الناس. وأما الغترة بكسر وسكون فان اصلها الغثراء على ما نظن. والغثراء ما كثر زئبره من الأكسية والقطائف ونحوها. ولما كانت الكوفية تتخذ عندهم من الأنسجة الكثيرة الزئبر سميت باسمها. وقد تختلف ألوان الكوافي باختلاف لون الثوب الأصلي. ولهذا لا ينظر إلى اللون وهي تكون في الغالب حمراء أو زرقاء أو رمداء أو أن تكون رقعة الثوب بيضاء وما عليها من النقوش زرقاء أو حمراء. ويكون في أطرافها أهداب طوية يعقدها البعض عقداً مختلفة الشكل أو يحبكونها حبكاً على أوضاع غريبة والأكابر يتخذون الكوفيات من الابريسم أو الحرير الذي يدخله القصب أو الكلبدون تدلى أطرافها من جانبي الرأس لتلقى على الفم أيام البرد القارس أو العواصف
الكثيرة الغبار التي تكثر في العراق لتمنع البرد أو دخول الغبار الفم. . ولهذا سماها العراقيون الكفية من الكف وهو المنع أو من الكفة بضم كما قلنا في أول هذا المقال. ومن الغريب أن لفظة الكوفية تكاد تكون في جميع اللغات بلفظ واحد وبمعنى مقارب للمعنى العربي فقد ذكرنا اسمها عند الروم. وأما الإيطاليون فيعرفونها باسم وهو بالأسبانية وبالفرنسوية وبالبرتوغالية قال دوزي المستشرق الشهير: أظن أن الشرقيين اخذوا هذه الكلمة من الإيطاليين لأنه كان لهم في القرون المتوسطة تجارة كبيرة في موانئ مصر والشام وكانوا ينقلون الصليبين من ديارهم إلى ربوع الشرق والظاهر أن الكلمة التركية (اسقوفية) مأخوذة من الأصل الإفرنجي المذكور لأن الرحالة كوتوفيك يقول في كلامه عن البنات اليهوديات في الشرق ما معناه: (ويضعن على رؤوسهن اسقوفية من فضة أو من نحاس مذهب بمنزلة حلية وتتخذها أيضاً الكبيرات سناً منهن بعد أن يكن قد عقصن شعورهن بمهارة ولباقة.) والبائن أن قدماء العرب كانوا يتخذون العمامة فوق الكوفية ولا سيما أهل المدن منهم. وكانوا يسمونها باسم واحد وهو العمامة كما ألمعنا إليه فويق هذا. وقد أشار إلى بعض ذلك الأديب الإنكليزي والمستشرق الكبير (لين في تعليقاته على كتاب ألف ليلة وليلة، قال: يلبس أهل المدن الكوفية وفوقها العمامة، وأظن انه مصيب في قوله هذا. لأن الرجل المذكور من العلماء الذين يشار إليهم بالبنان ومن المتبحرين في اللغة العربية وآدابها ومعرفة الناطقين بها وأحوالهم وأمور معاشهم. فإذا عرفنا ذلك هان علينا فهم كثير من عوائدهم التي لا تتضح إلا بعد الوقوف على هذا النوع من العمرة. وكثيراً ما كانوا يتلثمون بفضلة الكوفية لكي لا يظهروا أنفسهم لأعدائهم فيخفون وجههم كله أو بعضه حسبما يعن لهم أو يشاءون. ولهم أوضاع واصطلاحات في ذلك منها: (الاعتجار) قال صاحب تهذيب الألفاظ: كانت الفرسان في الجاهلية عند اجتماع الناس بعكاظ في وقت الحج يعتجرون (أي يلفون عمامتهم دون
أدوات السفينة
التلحي) لئلا يعرف من قد أصاب من الدماء. فأتى (طريف بن تميم العنبري) سوق عكاظ فرأى قوماً ينظرون بوجهه وكان من مقدمي الفرسان فحسر اللثام وقال أبياتاً منها هذه: أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم فتعرفوني أنني أنا ذلكم ... شاكٍ سلاحي في الحوادث معلم تحتي الأغر وفوق جلدي نثرة ... زغف ترد السيف وهو مثلم حولي أسيد والهجيم ومازن ... وإذا حللت فحول بيتي خضم ولكل بكري لدي عداوة ... وأبو ربيعة شانئ ومحلم ومن ذلك: (اللثام) قال اللغويون هو رد الرجل عمامته على انفه ومنه (التلفم) قال أبو زيد: تلفمت تلفماً إذا أخذت عمامة فجعلتها على فيك شبه النقاب ولم تبلغ بها أرنبة الأنف ولا مارته. قال: وبنو تميم تقول في هذا المعنى تلثمت تلثماً. قال: فإذا انتهى إلى الأنف فغشيه أو بعضه فهو (النقاب) ومنه (التلحي) قالوا تلحى الرجل: طوق العمامة تحت الحنك. ومنه الحديث: نهى عن الاقتعاط وأمر بالتلحي. (والاقتعاط) أن يتعمم الرجل ولا يدير تحت الحنك. ومنه أيضاً (الزوقلة) قال ابن سيدة: زوقل عمامته إذا أرخى طرفيها من ناحيتي رأسه. وقال ابن دريد: فإذا لاثها على رأسه ولم يسدلها على ظهره ولم يرددها تحت حنكه فهي (القفدآء). وأوضاعهم في هذا المعنى كثيرة اجتزأنا بما ذكرنا من باب التمثيل لا غير وبهذا القدر كفاية للقنوع. أدوات السفينة 1 - (الاتيمة) مصحفة عن تصغير اتمة وزان أكمة. هي حلقة بين الفنة والكلب مربوط بها حبل قصير بهيئة حلقة أخرى.
2 - (الانجر أو الانقر والهوجل): ويجمع عندهم على اناجر، واناقر؛ حديدة طويلة في طرفها الأعلى عروة أو حلقة. تتفرع من طرفها الأسفل خمسة فروع ثم يعقف كل فرع منها إلى الأعلى كالقوس. قال الخليل في كتاب العين في باب الجيم والراء والنون: (الانجر مرساة السفينة اسم عراقي حتى يقال للثقيل اثقل من انجر. وهو أن يأخذ خشبات فيخالف بين رؤوسها ويشد أواسطها في موضع واحد ثم يفرغ بينها الرصاص المذاب فتصير كأنها صخرة ورؤوس الخشب ناتئة يشد بها الحبال ترسل في الماء فإذا رست السفينة فأقامت. وذكر نحوه ابن سيدة في المخصص وقال الثعالبي في فقه اللغة ص 193: (. . . الهوجل الحجر الذي يثقل به الزورق والمركب وهو الانجر) والكلمة دخيلة من اليونانية والانجر فارسية. 3 - (أبكار أو بكرات): جمع بكرة وهي عشر بكرات أربع منها في العمارين وتضاف إليها واثنتان تسميان (قوفيات) ومحلهما في حبل المجذب من الأسفل واثنتان يقال لهما (أوائل) ومحلهما في أعلى الدقل والتاسعة تكون في حبل الدامن وتسمى (بكرة جراي) بفتح الجيم وتشديد الراء وذلك إذا خالف الهواء السفينة في السير والعاشرة (بكرة لرويسي). 4 - (البنيجة): نصف الشراع الأسفل من العمود (أي الكبير) تفصله سفيفة فيها حبال قصار طول الشبر تلف طرف الشراع الأعلى عند عدم الحاجة إليه فإن احتيج إليه بسط وتسمى تلك الحبال القصار (دروراً) واحدها (در) بضم الدال وتشديد الراء. 5 - (البيابي) جمع البيب بالباء الفارسية والياء ثم الباء الفارسية أيضاً وهو البرميل ومحلها في باطن العرشة يوضع فيها الطحين والتمن وما أشبه. 6 - (البيوار) وهو واحد (العمارين) ومحله في صدر السفينة وإذا كان في جنبها سمي (عمرانيا) وهو مشتق من بار الشيء يبور بمعنى زاد
عن الحاجة. 7 - (التركيت) وهو أصغر الشرع. ومقداره 80 ذراعاً. 8 - (التسلومة) هي إحدى الحلقتين تكون الواحدة منهما في الميل من المؤخر والأخرى في قائم السكان يشد بهما حبل ليمسك السكان كي لا يزول عن محله. 9 - (التورية): وزان حورية: تجمع عندهم على (تواري وتوريات) وهي سفيفة تشد بطرف (الشاروفة): يضعها الملاح في كتفه عند جره إياها. 10 - (الجوش): بضم فسكون: حبل يشد بطرف (الفرمل) الأسفل ويربط في صدر السفينة طوله نحو مترٍ 11 - (حزام الشيال): هو حبل يشد به الدقل بالعبد. 12 - (الخذعة): وزان برمة: هي الريعة يطلق عليها هذا الاسم أهل السفن التي تسير في دجلة وقد فاتنا أن نذكرها في محلها. 13 - (الخطرة): وزان نملة خشبة يقاس بها عمق الماء وهي المسبار وصاحبها (خطرجي) بمعنى خطار بتشديد الطاء. 14 - (خمارى): هو حبل يرفع به طرف الشراع الأسفل عند نشر الشراع لكي يرى صدر السفينة الناخذاة فيوجهها لوجهها. 15 - (الدامن): وزان حاتم: هو طرف الشراع الأسفل يشد به حبل يسمى أيضاً (دامناً) ويكون محل ماسكه في مؤخر السفينة يطيله ماسكه ويقصره بحسب شدة الريح ورخائها. 16 - (الدراب) وزان شداد: لوحة يبلغ عرضها نحو 30 سنتيمتراً
توضع على طول السفينة من الجانبين إذا شحنت ويخشى عليها طفح الماء والغرق عند اضطراب الأمواج. والدراب يوضع للمهيلة والبلم وما شاكلهما ولا يوضع للسفينة. 17 - (الدركة): وزانة نملة: وتجمع عندهم على (دركات) أو (ادراك) هي حبال كالعرى في جنبي السفينة وهي مأخوذة من دركة الوتر قال الخليل في كتاب العين في باب الكاف والدال مع الراء: (. . . والدركة حلقة الوتر تقع في الفرضة وهي أيضاً حلقة يوصل بها وتر القوس العربية.) وهي في السفينة ما يوصل به حبل العمراني. 18 - : (الدقل) (أو الشيال): وزان شداد اسمان لمسمى واحد وهو الخشبة القائمة في وسط السفينة والدقل كلمة ارمية الأصل استعملها العرب منذ عهد الجاهلية فهي عربية فصيحة وفصيحها بفتح الدال المهملة قال ابن سيدة: (الدقل خشبة طويلة تشد في وسط السفينة يمد عليها الشراع وقد اختلف في جمعه فمنهم من جمعه على (ادقال): قال أبو الحسن: ادقال جمع دوقل وإنما يكون ادقال جمع دقل على توهم طرح الملحق وطرح الملحق لا يسوغ لأنه بازاء الأصل وأحر بهذا الجمع بان يكون الدقل لغة في الدوقل فأماتوه وأحيوا جمعه.) اهـ وقال في القاموس: (الدقل سهم السفينة كالدوقل). اهـ 19 - (الدقة) خشبة ملساء عرضها نحو 40 سنتيمتراً وطولها قراب 50 سنتيمتراً تكون تحت الخرز فهي تفصل بين الخرز وخشبة الدقل تتخذ لكي لا يصعب على الملاحين رفع الفرمل. 20 - (الدوسة): لوحة يمشى عليها من الجرف إلى السفينة وبالعكس. 21 - (التروسي): حبل يشد بطرف الفرمل الدقيق وهو الأعلى ويكون في طرفه الأعلى بكرة تسمى بكرة الرويس يطول بها الحبل ويقصر وذلك عند
نشر الشراع فقط. 22 - (السداويات) كلمة مجموعة تدل على المثنى يراد بها لوحتان تكونان في طرفي الدراب مما يلي صدر السفينة وهما مفصولتان ولا توضعان إلا إذا اضطربت أمواج المياه من هبوب الريح الشديدة وكانت السفينة مشحونة. 23 - (السريدان) الموقد الذي توقد فيه نار الطعام وما أشبه يكون من خشب أو طين سهل النقل من محل إلى محل. ويسميه أهل بغداد (منقلة) وهذه مشتقة من النقل والسريدان ذو أربعة أركان يبلغ طوله متراً في عرض نصف مترٍ. 24 - (السكان): عربية قال في المخصص: 10: 24: (قال أبو عبيد الخيزرانة السكان واشتقاق السكان من أنها تسكن به عن الحركة والاضطراب.) ولفضة السكان مشهورة عندنا وهي وزان رمان هل الشام يسمونه الدفة. 25 - (الشاروفة): تجمع عندهم على (شاروفات وشواريف) وهي حبل طويل تجر به السفينة ويسميه البعض (قنباً) بتشديد النون وغالب ما يستعمل القنب في السفن الكبار والشاروفة في السفن الصغار. 26 - (شايخ الدراب) أخشاب كالأوتاد مسمورة بالدراب تثبت الدراب في الزبدرة. 27 - (الشبيحيات) بصيغة الجمع حبلان كالعمارين يكونان في صدر السفينة القيارية مع العمارين وليس في ما سواها شبيحيات. 28 - الشرت: بفتح فكسر: حبل دقيق يشد طرفه بالقلادة وفائدته وصل القلادة بالدقل وجرها إذا لصقت بالدقل فلم تزل وذلك عند إنزال الشراع. 29 - (الشفيرة): حاشية الشراع السفلى.
30 - إشبينة: هي رباط السفينة والجسر وقد يسمى (رباطاً) وهو حبل ضخم جداً ومثله (الشمندورة) وهو حبل الباخرة في بغداد. وكان العرب القدماء يسمون الحبال التي يربطون بها سفنهم (امراساً) وقلوساً و (مراراً) جمع (مرِ) بتشديد الراء وقالوا أمر السفينة أو الشيء بمعنى ربطهما بهذا الحبل الغليظ المتين قال ذلك احمد زكي باشا في مجلة المقتبس 423: 7 31 - (الصبوب) واحدها صب وهي المجاديف جمع مجداف ويقولون بصيغة الأمر صب أي أجدف. 32 - (الصكية) هي طرف الدقل من الأسفل. 33 - (الصمية) حبل يلف على الخشبة الموصولة بالفرمل ويقولون أصم الخشبة أي شدها. 34 - (الصنفير) خشبة في أصل الدقل من طرفه الأعلى كالقطب للرحاة تكون بين القلوب أو عود يدخل في القلوب ليمسكها. 35 - (الطاط) راية صغيرة في رأس الدقل لأعلى توضع لمعرفة هبوب الريح والتي في دقل الباخرة تسمى بنديرة (بضم الباء الموحدة) ويكون إعلاؤها إشارة إلى أن المركب عازم على السفر والكلمة إيطالية الأصل وقد أخذها الإيطاليون عند بند المعربة عن الفارسية راجع المقتطف مجد 39: 41. 36 - (الطخماخ) بضم فسكون مدقة من الخشب يدق بها الوتد الذي يشد به رباط السفينة والكلمة تركية من (دقماق): بمعناه.
37 - (الطوق) حبل يكون فوق القلوب من الأعلى. 38 - (العدة) وزن شدة، قال عدة السفينة آلاتها كالشراع والحبال وما أشبه وهي عربية فصيحة. 39 - (العمراني) تجمع على عمارين وزان قوانين هي حبال السفينة يشد أحد طرفيها برأس الدقل الأعلى والطرف الأخر بالدركة وفائدة العمراني في السفينة قوة مقابلة للشراع إذا نشر وذلك إذا ملأته الريح لكي لا يقلب السفينة ويكون أيضاً قوة مقابلة للملاحين إذا جروا السفينة فيشد بالجانب الأخر من السفينة ليمسك الدقل عن الميلان لأنه إذا مال غرقت السفينة. 40 - (العود) هو الشراع الكبير وقدره 150 ذراعاً وهو فصيح مشتق مجازاً من العود بالفتح وهو الجمل الذي جاوز في السن البازل. واسمه عند الأقدمين ألقب قال الخليل في باب القاف والنون مع الباء من كتاب العين (. . . والقنب شرع ضخم من عظم شرع السفينة) وكلمة شراع مستعملة اليوم عند أهل السفن ويجمعونه على شرع بضم الشين والراء. 41 - العينات هي ثقوب في وسط العطوف من الجنب مما يلي ساحة السفينة يجري منها الماء حتى يجتمع في الجمة 42 - الفرخ الشراع الصغير إلا أنه أكبر من التركيب بقليل قدره 100 ذراع وهو عربي مأخوذ من فرخ الحيوان قال في مجمع البحرين: وقد يستعمل الفرخ في كل صغير من الحيوانات والنبات. 43 - الفرمل خشبة تكون على عرض الدقل وعلى طول السفينة يشد بها الشراع وينشر عليها أيضاً واسمه عند القدماء المشحور والممسوك أيضاً قال الخليل في كتاب العين في باب الجيم والشين والثنائي: (. . . والمشحور الممسوك وهي خشبة فيها شراع السفينة.)
44 - الفيسة خشبة الدقل العليا تفصل بينها وبين الدقل القلوب وهي من القلوب وما فوق يبلغ طولها 80 سنتيمتراً. 45 - الفيلم آنية يحمل فيها ماء الجمة عند النزح. 46 - (القائم) خشبة السكان التي يدخل فيها طرف (الكانة). 47 - (القلادة) حبل ينظم به خرز من الخشب يربط بها الفرمل وتدور على الدقل لكي ترفع الفرمل بسهولة إلى الأعلى عند نشر الشراع. 48 - (القلوب) كلمة مجموعة تدل على المثنى ويراد بها بكرتان في أصل الدقل من أعلاه دون الفيسة ويعرف (بقلوب الشيال) وهما خصيصتان بالحبل الذي تجربه السفينة والهنزة. 49 - (القوفيتان) بكرتان كبيرتان في المجذب واحدة في أعلى الدقل والأخرى مما يلي اسفل البيدار. 50 - (الكابة) خشبة يمسك طرفها الربان ليحرك بها السكان يبلغ طولها مترين في المهيلة والبلم وقراب خمسة أمتار في السفينة. 51 - (الكبرت) هو ما تحت طارمة العرشة. 52 - (الكبورة) خرق يجفف بها الماء الراشح في السفينة. 53 - (الكلخة) وتسمى أيضاً (زغبة السكان) خشبة خفيفة طولها نحو ذراع وعرضها زهاء 20 سنتيمتراً تسمر بطرف خشبة القائم من الأعلى وهي التي تدخل فيها خشبة الكانة.
54 - (الكوثلاني) هو حبل يربط به مؤخر السفينة عند اضطراب الأمواج وهو منسوب إلى كوثل السفينة أي مؤخرها. 55 - (اللائح) هو الدامن. 56 - (اللعبة) هي لوحة خفيفة تسمر بالقلوب من الخارج كي يسهل على الملاحين رفع الفرمل إذا أريد رفعه. 57 - (لغد السكان) هو لوحة عريضة تتلي الماء تدار بها السفينة وتسمى أيضاً (مشطاً) 58 - (لغود الدقل) كلمة مجموعة يراد بها خشبتا الدقل يوضع بينهما القلوب. 59 - (اللواث) هو حديدة كرأس الحربة مجوفة يدخل فيها طرفي المردى الأسفل لتثبت المردى في محله من الأرض عند الدفع 60 - (المجذب) وزان مبرد حبل يرفع به الفرمل إذا شد به الشراع وهو مشتق من الجذب ومن أسمائه في العربية الفصحى ما ذكره صاحب المخصص قال نقلاً عن ابن السكيت: (. . . الكر حبل الشراع وجمعه كرور صاحب العين الجمل والقلس والخيسفوج حبل الشراع وقيل نفسه) 61 - (المردى) عندهم بفتح الميم ويسميه البعض (مردا) بالألف القائمة في الأخر: والأول محرف عن فصيح وفصيحة (بضم الميم) قال الخليل في كتاب العين في باب الدال والراء مع الميم: (. . . والمراد دفعك السفينة بالمردى أي خشبة يدفع بها الملاح والفعل مرديمرد.) وقال الإسكافي في مبادئ اللغة 19: (القيقلان خشبة يدفع بها ورأسها في الأرض وانشد. . .)
إلا أننا نستغرب صورة هذا اللفظ. إذ لم نجد له أثراً في كتب اللغة ونظن أن صحيحه القلقلان بقافين ولامين من القلقلة وهي الدفع. 62 - (المساطر) هي أربع خشبات مسمورة بلغد السكان مما يلي الماء كل اثنتين في جانب منه. 63 - (المشايات) بصورة الجمع السالم خشبتان تشدان بطرفي الفرمل يبلغ طول كل واحدة منهما قراب مترٍ ونصف مترٍ. 64 - (المليطة) خام يمد مع الشراع العود مما يلي الدامن إلى الرويسي (أي من أعلاه إلى أسفله) وتكبر المليطة وتصغر بكبر الشراع وصغره وأكبرها عرض أربع اذرع ويسمونها (أربع فرائد) وأصغرها ذراع (أي فريدة) بكسر الفاء ولا توضع المليطة إلا إذا تسابق أهل السفن فيما بينهم ويلزم نشرها إذا كان الهواء رخواً والبحر رهواً وحينما لا تسرع السفينة في سيرها بالشراع العود أو أراد الناخذاة سبق ناخذاة تقدمه أو يخاف من ناخذاة وراءه يريد سبقه ولا يقدر على نشر المليطة مع العود إلا الناخذاة الماهر بالفن لأنها مفصولة عن الفرمل. 65 - (النباش) خشبة توصل بطرف الفرمل مما يلي الصدر لتطويله وتقصيره يبلغ طولها متراً ونصف مترٍ تقريباً. 66 - (النثية والذكر) حدائد عديدة في خشبة القائم تربط السكان بالسفينة كي لا يزول عن محله والواحدة داخلة بالأخرى. والنثية تصحيف الأنثى عندهم ولا يقولن غير ذلك. 67 - (الهنزة) وزان نملة حبل يشد به الفرمل والقلادة ويوصل (بالفوقية). 68 - (الهواليش) جمع واحدها (هالوش) وهي الأوتاد جمع وتد. ويسمي أهل العراق الوتد (وداً) وهو فصيح في لغة تميم ذكره الخليل في العين يسمونه أيضاً (ثباتاً) بكسر الثاء كسراً غير بين ويجمعونه على (ثباتات).
أسرار الحياة وهتك أسرارها
69 - (الوسطاني) وزان عدناني: الشراع الأوسط مقداره زهاء 120 ذراعاً. 70 - (الوصلة) المليطة البلورة كلها تطلق على حبل الانجر. كاظم الدجيلي أسرار الحياة وهتك أسرارها نال أحد الأطباء في الأيام الأخيرة جائزة فتطالت الأعناق إلى حائزها، وأراد الناس أن يعرفوا من هو هذا الذي توفق لإحراز هذه القصبة، قصبة حلبة السباق في عالم العلم والشهرة؛ فلما عرفوا اسمه الكسيس كريل أرادوا أن يعرفوا الأمر الذي توجهت إليه الالحاظ، فكتب صاحب التوقيع هذه المقالة فعربناها للقراء قال: هذا الرجل هو جراح فرنسوي المولد، تلميذ مدرسة ليون الطبية، وكان قد ناوأه بعض الحساد، فهاجر إلى أميركة ديار الحرية، واخذ بمتابعة أشغاله العظيمة، وهي التي فتحت له باب سمعة لا يغلق البتة. وقد نال في دار العلماء الطائرة الصيت في نيويرك المعروفة باسم (روكفلر) منزلة رفيعة في التحقيق وسعة الاطلاع. وما برح كريل دياره إلا وأسف على فراقه جم من الأفاضل المشاهير الذين يقدرون العلم وحملته حق قدره إذ أيقنوا انه يرحل إلى بلاد ينقل إليها خبرته وتوغله في المباحث الطبية الدقيقة. على أن أسفهم تضاعف حينما طالعوا في الصحف والمجلات السيارة ما رفعه إلى مجمع تقدم الطب في باريس؛ وخلاصته أنه توفق لأن يحيي في سائل صناعي حيوان وهي عبارة عن قلبه ورئتيه وأنبوب معدته وكليتيه وكان قد استلها جملة واحدة من داخله برفق عجيب. وحالما استلها غطها كتلة واحدة في ابزن أو طست مملؤ محلولاً خاصاً. وقد حافظ على حرارتها بالدرجة المعهودة في جسم الحيوان نفسه، وأبقى التنفس على حالته الأولى بمسبار أثبته في قصبة الرئة، وقد ابرز طرف المعي خارجاً من الابزن إقامة لمخرج صناعي له يعمل عمله المألوف.
ولما تم هذا العمل كان يستطيع كل أحد أن يرى مشهداً في أقصى الغرابة وهو انه يعاين جميع الأعضاء تتم وظائفها كأنها لم تخرج من موطنها، يشاهد القلب يديم نبضه بدون خلل في الحركة، والرئتين تتنفسان على مألوف عادتهما، والمعدة والأمعاء تهضم الأطعمة احسن هضم، والكبد والكليتين تفرز مفرزاتها بينما يبقى الدم في أوعيته برباطات ويجول في مجالاته بدون انقطاع، متنقلاًَ من عضو إلى عضو، متخذاً من الرئتين الاكسيجين الضروري لحياة الخلايا ولما يعود إلى مقره الأول يغزر الحامض الكربوني المنبعث من الاحتراق في الأخطاء. ومن غريب أمر هذه الأعضاء أنها تقوم بوظائفها على أتم وجه كأنها في الجسم نفسه ولم تخرج منه، لأنك ترى الماء والأطعمة التي تدخل المعدة تهضم احسن الهضم، لا بل يجري الهضم مجراه المألوف إلى آخر عمل من أعماله وقد تم ذلك في خبرة اختبرها كانت فيها المعدة مملوءة طعاماً حينما سلت من موطنها. هذا وانك لا ترى هذه الظواهر في بضع دقائق فقط، بل تراها دائبة عدة ساعات طوال. وفي الاختبارات التي نجحت أتم النجاح دام الذماء ثلاثة عشرة ساعة. فتحقق مما تقدم بسطه انك ترى جميع مظاهر الحياة النباتية بينة ومحفوظة في تلك الأخطاء وإن نزعت من موطنها. ويمكن للباحث أن يتبع مدة ساعات أسرار الحياة التي تتدفق في مجاري تلك الأعضاء الموضوعة في بوقالة تلك الأسرار التي كانت قد بقيت غامضة إلى عهد هذا الطبيب النطاسي والبارع الفذ. هذا وليس في علم وظائف الأعضاء من الاختبارات ما يضاهي هذه التجارب الغريبة التي تدهش كل إنسان، ولا سيما لأنها وضعت أسرار الحياة الغامضة على طرف الثمام.
وإن قلنا أن مختبرات كريل تنتهي عند هذا الحد فنكون قد ظلمناه وبخسنا حقه وغضضنا من فضله. فثم أمور حديثة اطلعنا عليها وهي ليست إلا صفحة من صفحات أعماله التي يستقريها منذ بضع سنوات. وهو بحث يتصل كل الاتصال بأبحاثه السابقة عن الغرز الحيواني وعلى هذا المبدأ تثبت وحدة أشغال وأفكار النطاسي كريل وتتصل بعضها ببعض اتصال حلق السلاسل، وبدونها لا يقوم عمل خطير علمي يستحق الذكر وهانحن نذكر هنا ما كان قد فعله سابقاً من الاختبارات، منها أنه نزع من بعض الكلاب كلى وأرجلاً وغرزها في كلاب أخرى فثبتت فيها كأنها لم تؤت بها من خارج ولم تجعل فيها بل خلقت خلقاً مع سائر أعضائها حال تكونها، وكل ذلك من الغرابة بمكان عزيز. ففي مطاوي هذه الأشغال توفق نطاسينا لحفظ أخطاء الغرز في مرباها ريثما يحتاج إليها لإثباتها في مواطنها من الحيوان. وإن اتفق له أنه لم يغرز العضو حالاً في الموطن الذي يريد إثباته فيه تبقى تلك الأشلاء الحية محفوظة في مرباها ريثما يحتاج إليها، وقد لا يفتقر إليها إلا بعد شهر أو اكثر. واعلم أن اختبارات كريل لحفظ الحياة خارجاً عن مجموع الأعضاء تقسم إلى طائفتين: وقد عانى في الطائفة الأولى أحياء أخطاء كاملة في سوائل صناعية. والى هذه الطائفة ترجع تجاربه التي رفع رفيعتها إلى مجمع ترقي العلوم الطبية الفرنسية. فلا فائدة إلى العود إلى هذا الموضوع بعد أن بسطنا الكلام فيه بسطاً كافياً شافياً إلا أننا نقول: لا يسوغ لنا أن ننسى في هذا الصدد الأشغال التي تمت قبله على أيدي مختبرين سبقوه إليها. فلقد عنى منذ زمن مديد بذماء بعض الأعضاء المنفصلة
وقد قيض لأحدهم أن يحفظ قلب ضفدع حياً مدة 33 يوماً بعد أن غطه في سائل صناعي. وقد شوهد قلب أرنب ينبض مدة نهار بانتظام عجيب لا خلل فيه. بل وأنعش أحدهم قلب جثة هامدة بشرية بعد أن مضى على وفاة صاحبها عشرون ساعة. وبحث آخر على هذا الوجه في حفظ الأمعاء وأحشاء أخرى أما فضل كريل فأنه متوقف على حفظ حياة هذه الأشلاء (مجموعة معاً وخارجاً عن مقرها مع إبقاء تعلق الواحد بالآخر يربطها دوران الدم جارياً فيها ومنها وإليها.) ويجب أن يوضع هنا بجانب هذه الظواهر ذماء الأعضاء الكاملة طائفة اختباراته الثانية التي حاول فيها كريل أن يثبت حياة الخلايا الحيوانية خارجاً عن مجموع الأعضاء ومنفصلة عنها وهي مع ذلك تنشأ وتنمو بعد أن يكون قد استلها من أعضاء شتى. وعنايته بها هنا لا تقوم على مربى صناعي بل على قطرة جبلة دموية وضعها على زجاجة وجعل عليها جزيئاً في منتهى الصغر من جزيئات النسيج الذي يراد استنباته. فإذا دقق الباحث نظره في هذه المستنبتات بواسطة المجهر يرى أول مظهر فيها نمو الخلايا المبذورة. ثم أن هذه الخلايا تتكاثر بسرعة عجيبة مدهشة منبعثة مئات بل ألوفاً من القطعة الأولى. ثم تتخطى متشععة متوجهة حول محيط القطرة المستنبتة وتهجم عليها هجوماً وحشياً.
فوائد لغوية
وعند تكاثرها على هذا الوجه تحفظ مزية خلايا الأعضاء التي خرجت منها وذلك في مدة طويلة بكفاية. فإن قطعة قلب جنين دجاجة نزع في 17 كانون الثاني سنة 1912 بعد أن غسل ونقل مراراً بقي نابضاً بعد أن مضى عليه ثلاثة أشهر وفي 28 نيسان كان قياسه 29 نبضة في الدقيقة. لكن إن كانت الخلايا عند تكاثرها تحفظ مزيتها الخاصة بها فأنها بعكس ذلك لا تحفظ أدنى ميلٍ إلى تحقيق النظام الخلوي وبنية الأعضاء التي تتفرع منها. فإن خلايا الكلى مثلاً تحفظ في مقدار معلوم مزية خلايا الكلى لكنها لا تحاول أن تبتني لنفسها قطعة من قطع الكلى بل تحول إلى كيان منفرد وتفقد من بينها المناسبات التي كانت فيها عند وجودها مع سائر الأعضاء المجموعة. أن هذه الاختبارات اختبارات غرز الأنسجة الحيوية وإن كانت لا تظهر بصورة مدهشة كما رأيناها في الاختبارات السابقة إلا أنها لا تنقض عنها شأناً وبالاً. ومستقبلها من احسن ما يتمناه العلم لأنها تمده بأساليب جديدة بعيدة المرمى والغرض وتعينه على أن يفتح باباً جديداً لمعرفة وظائف الأعضاء ينقش على صدره: (باب وظائف الخلايا) اجل أننا اضطررنا إلى الآن إلى أن نبحث عن مجموعة الأعضاء التي تبدو فيها مظاهر حياة الخلايا والى أن ننشد ضالتها في مجموع الأعضاء كلها التي تتصل بها ولهذا كان يقع في نتائجها خطأ لا مناص منه لأنه من المحال أن ينزع ما هو خاص بالخلية نفسها من عمل سائر مجموع الأخطاء. وأما بعد الآن وبعد تحقيقات كريل فنستطيع أن نتتبع حياة الخلية المنفردة معتمدين على الأساليب التي قرر أسسها نابغة هذا العصر الجديد بل ونطلع على وظائفها الخاصة بها دون غيرها. وهذا ما يحمل العلماء على أن يعقدوا بناصية هذه الأصول المكينة شأناً جليلاً ومستقبلاً باهراً، والله الموفق. . الدكتور جاك آميو فوائد لغوية السليقة والسليقية والهداية والوهم بمعنى سألنا أحد الأدباء من الإصلاحية (من أعمال الموصل) ما احسن لفظة
عربية ترادف أو تقابل كلمة لأني أرى بعضهم وضع لها كلمة السوق الطبيعي أو الانسياق كما جاء في المقتبس 426: 7 ولا أرى ذلك موافقاً لوضع الألفاظ العربية فإن لم نقبلها فأي حرف يتخذ عوضاً منها. نقول: إن لفظة سوق الطبيعة أو السوق الطبيعي أو الانسياق هو من أوضاع الترك كما يرى ذلك في المعاجم الفرنسوية التركية. والظاهر أنهم لم يصيبوا في وضعهم هذا لجهلهم أسرار اللغة العربية وأسرار ألفاظها. وأول اعتراضنا على (السوق الطبيعي) أنه مركب من لفظين للدلالة على معنى واحد. وثانيا أنه يؤدي المعنى المطلوب أتم التأدية وأما الانسياق فغير وافٍ بالمقصود لأننا نحتاج أيضاً إلى أن نردفه بكلمة ثانية فنقول الانسياق الطبيعي. هذا فضلاً على أن وزن الانفعال لم يسمع في هذا الفعل. واحسن لفظة تقوم مقام الفرنسية هي السليقية وقد وردت مراراً عديدة في مقدمة ابن خلدون النقاد البصير والكاتب الضليع الخبير. ومما يؤيد ما ذهب إليه كلام عرب صدر الإسلام بل كلام عرب الجاهلية. قال في تاج العروس فلان يتكلم بالسليقية: منسوب إلى السليقة. قال سيبويه وهو نادر. أي عن طبعه لا عن تعلم. ويقال أيضاً: فلان يقرأ بالسليقية أي بطبعة الذي نشأ عليه. وقال الليث: السليقي من الكلام ما لا يتعاهد إعرابه وهو فصيح بليغ في السمع، عثور في النحو. وقال غيره: السليقي من الكلام: ما تكلم به البدوي بطبعه ولغته وإن كان غيره من الكلام آثر واحسن. وقال الأزهري: قولهم هو يقرأ بالسليقية أي أن القراءة سنة مأثورة لا يجوز تعديها فإذا قرأ البدوي بطبعه ولغته ولم يتبع سنة قراء الأمصار، قيل: هو يقرأ بالسليقية، أي بطبيعته ليس بتعليم. وفي حديث أبي الأسود الدؤلي: أنه وضع النحو حين اضطرب كلام العرب فغلبت السليقية أي اللغة التي يسترسل فيها المتكلم بها على (سليقته) من غير تعهد إعراب ولا تجنب لحن. قال: ولست بنحوي يلوك لسانه. ولكن سليقي أقول فاعرب. (كلامه). فالظاهر من هذا القول الطويل أن السليقي خاص بالكلام واللغة. وأما السليقة فخاصة بغيرهما. ولو أردنا أن نطلب من أبناء الغرب أن يشرحوا لنا كلمة
لما تكلموا بأحسن ما نطق به هؤلاء العرب. وقال في لسان العرب: السليقة الطبيعة والسجية. وفلان يقرأ السليقة أي بطبيعته لا يتعلم وقيل: يقرأ بالسليقية وهي منسوبة أي بالفصاحة من قولهم سلقوكم. وقيل بالسليقية أيضاً وبالعكس إذا كانت بمعنى ما طبع عليه الإنسان من النشوء على لغته بدون تعلم. وقد يتوسع في معناها فتأتي بمعنى ما ينشأ عليه المخلوق من الطبائع والأخلاق بدون تعلم كما يوخذ ذلك من تفسيرهم لكلمة السليقة بمعنى الطبيعة والسجية. فيتحصل مما تقدم بسطه أن السليقة في الإنسان هي ما يبدر منه من الأعمال الدالة على تصرف في العقل وتصدر منه قبل أن يفكر بها. وهي في الحيوان: شعور داخلي لا تعلق له بالتفكر يهدي الحيوان إلى إتقان ما يأتيه من الأعمال. وهذا ما يراد بكلمة الفرنسوية. وقد استعمل الجاحظ في هذا المعنى كلمة هداية في كتاب الحيوان. وقال صاحب الكليات: الهداية. . . أيضاً: الإلهام نحو (أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى) أي ألهمهم المعاش. قلت وأمر المعاش يحوي عدة أمور منها الاحتيال على الرزق واتخاذ الوسائل اللازمة للحصول على الطعام والشراب والسكنى إلى غيرها. وقال أيضاً بعد ذلك. إن هداية الله مع تنوعها على أنواع لا تكاد تنحصر في أجناس مترتبة منها: انفسية، كإضافة القوى الطبيعية والحيوانية والقوى المدركة والمشاعر الظاهرة والباطنة ومنها: آفاقية، فأما تكوينية معربة عن الحق بلسان الحال وهي نصب الأدلة المودعة في كل فرد فرد من أفراد العلم. وأما تنزيلية مفصحة عن تفاصيل الأحكام النظرية والعملية بلسان المقال بإرسال الرسل وإنزال الكتب. ومنها الهداية الخاصة وهي كشف الأسرار على قلب المهدي بالوحي والإلهام. ومما جاء في كلامهم بهذا المعنى: الواهمة والوهم قالوا: الواهمة قوة الوهم والوهم على ما جاء في كليات أبي البقاء. هو عبارة عما يقع في الحيوان من جنس المعرفة من غير سبب موضوع للعلم. وهذا أصرح تعريف ورد في كلام
العرب مطابق كل المطابقة لما نطق به علماء هذا الزمان ولهذا فإتخاذ هذا اللفظ من احسن ما جاء في هذا المعنى. وقال الجرجاني: الوهم قوة جسمانية للإنسان محلها آخر التجويف الأوسط من الدماغ من شأنها إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات كشجاعة زيد وسخاوته. وهذه القوة هي التي تحكم بها الشاة أن الذئب مهروب عنه وأن الولد معطوف عليه. اهـ المقصود من إيراده وهذا كلام واضح في تأييد ما أردنا تبيانه فليحفظ. ولك وسألنا أخر من بغداد هل لا يوجد توجيه أخر لكلمة ولك. قلنا: بلى وهو أنها مخففة عن (أولى لك) قال في تاج العروس: (قولهم: أولى لك، تهدد ووعيد. وانشد الجوهري: فأولى ثم أولى ثم أولى ... وهل للدر يحلب من مرد قال الأصمعي: أي قاربه ما يهلكه، أي نزل به. وانشد: فعادى بين هاديتين منها ... وأولى بن يزيد على الثلاث. ومن قوله تعالى فأولى. معناه التوعد والتهدد أي الشر اقرب إليك. وقال ثعلب دنوت من الهلكة. وكذلك قوله تعالى: فأولى لهم. أي وليهم المكروه. وهو اسم لدنوت أو قاربت. قال ثعلب: ولم يقل أحد في (أولى لك) احسن مما قال الأصمعي. وقال غيرهما: (أولى) يقولها الرجل الأخر يحسره على ما فاته ويقول له: يا محروم أي شيء فاتك. وفي مقامات الحريري: أولى لك يا ملعون. أنسيت يوم جيرون. وقيل هي كلمة تلهف يقولها الرجل إذا افلت من عظيمة. وفي حديث أنس: قام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبوك حذافة وسكت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم قال: أولى لكم والذي نفسي بيده أي قرب منكم ما تكرهون وقول الشاعر: فلو كان أولى يطعم القوم صدتهم ... ولكن أولى يترك القوم جوعا. أولى في البيت حكاية وذلك أنه كان لا يحسن الرمي واحب أن يتبدح عند أصحابه فقال: أولى. وضرب بيده على الأخرى. فقال: أولي. فحكي ذلك. اهـ وقال في الكليات ص 149 معنى قوله تعالى: فأولى لهم. فويل لهم.
دعاء عليهم بأن يليهم المكروه أو يؤول إليه أمرهم فأنه (افعل) من الولي أو (فعلى) من آل. وقال الاصبهاني في المفردات في غريب القرآن: قيل: أولى لك فأولى من هذا معناه العقاب أولى لك بك. وقيل هذا فعل المتعدي بمعنى القرب وقيل معناه أنزجر. وقال في محيط المحيط:. . . وهو مقلوب من الويل. ونحن لا نصوب قوله. وقال صاحب لسان العرب. . . وحكى ابن جني: (أولاة الآن، فأنث أولى. قال: وهذا يدل على انه اسم لا فعل.) وقد استوفينا البحث في هذه الكلمة لكثرة استعمالها على السنة العراقيين حضرييهم وبدوييهم إشارة إلى قدم عباراتهم وصحتها. والله ولي التوفيق. فانوس سألنا أديب بغدادي: هل فانوس عربية الأصل وهل هي قديمة في كلام الناطقين بالضاد. قلنا: للفانوس معنيان النمام والمصباح فإن كان بمعنى النمام فاللفظة عربية فصيحة قديمة. وهي وإن كانت ثلاثية التركيب إلا أنها ترجع إلى أصل ثنائي كما قرره اللغوييون المعاصرون من أعراب وأغراب. أي أن مادة ف ن س مأخوذة من مادة ن س بزيادة الفاء في الأول ومنه النسيسة أي النميمة. فالفانوس النمام فاعول بمعنى فاعل للمبالغة وهو كثير في العربية. وأما إذا كان بمعنى المصباح فليس بعربي الأصل وإن قال به صاحب القاموس إذ هذا نص عبارته: الفانوس: النمام. . . وكأن فانوس الشمع منه. وقد خالفه صاحب محيط المحيط إذ قال: الفانوس النمام. وكان فانوس المصباح مأخوذ منه لأنه لو كان مأخوذاً من معنى النمام فأحر بلفظة النمام نفسها أن تأتي بهذا المعنى وكذلك كل ما جاء من مرادفاتها. وليس الأمر كذلك. فأن الفانوس المصباح مولدة دخيلة وهي من اليونانية من فانوس زنة ومعنى وهي مشتقة عندهم من فعل أي أنار فيكون معنى الكلمة المنير أو آلة الإنارة أو كما قال العرب المنوار وهي الكلمة الفصيحة المقابلة لفانوس الدخيلة.
باب المكاتبة والمطارحة
والفعل اليوناني يفيد المعنيين: الإنارة والنميمة. فلعل كلا المعنيين مأخوذ من اليونان لأن صاحب لسان العرب لم يذكر من معاني مادة فنس إلا قوله: الفنس: الفقر المدقع. قال الأزهري الأصل فيه الفلس: اسم من الإفلاس فأبدلت اللام نوناً كما ترى. قلنا: وأما نحن فأننا نظن أن الفنس يرجع إلى لفظ ثنائي وهو فس الممات بالعربية الموجودة في الارمية ومعناه فص أي عرق العظم وجرده من لحمه أو انتزع ما عليه: والدليل على أن اللفظ ممات في العربية انهم ذكروا الفسيس وقالوا عنه: الضعيف العقل أو البدن، ونزيد: الضعيف مالاً أيضاً. لأن كل ذلك من المجاز مأخوذ من الفس بمعنى الانتزاع أو التعرق. وإذا انتزع من الإنسان ما فيه أصبح فقيراً علماً وجسماً وحالاً ومالاً. وفوق كل ذي علم عليم. باب المكاتبة والمطارحة هل أصاب الأب لويس شيخو؟ كتب إلينا أحد الأدباء ما هذا نصه: وقع بيدي العدد الثاني من المشرق فرأيت فيه هذه العبارة في باب المطبوعات (157: 15): ولعلمنا أن حضرته (أي صاحب كتاب التعبد ليسوع طفل براغ) يحب الانتقادات اللغوية نذكر له بعض أغلاط وقعت في كتابه كقوله مثلاً ص 9 س 1 (كذا والأصح س 11) (الكلمة المتجسدة والصواب هنا المتجسد) أي ابن الله ليوافق قوله بالمذكر انتقل من أحشاء مريم وقوله (ص 10 س 7) لولا إياك والصواب لولاك وقوله (ص 11 س 13) يسرع غلطة طبعية يريد يسوع وقوله (ص 12 س 2) والدموع التي فاضها والصواب أفاضها وقوله (فيها س 3) يسمعه للناس والصواب يسمعه الناس إذ اسمع يتعدى إلى مفعولين وقوله (فيها س 8) أن تنزلي لكي تلينيه والصواب تنزل لكي تلينه عائد إلى (الصراخ) هذا بعض ما لحظناه في الصفحات الأولى. كلام المنتقد وهو ل. ش. فسألنا الكاتب المذكور: هل أصاب صاحب المشرق في كلامه هذا؟ قلنا: أما تذكير نعت الكلمة فجائز لأن مدلوله مذكر. لكن ذلك لا
يمنع تأنيثه جرياً على اللفظ إذ هذا غير محظور ولهذا لا يحق له أن يقول: (والصواب) بل (ويجوز) ولا سيما إذا دللت على تذكيره شيئاً تذكره في العبارة التالية فقد قال الفراء في كلمة سلطان: السلطان عند العرب: الحجة يذكر ويؤنث فمن ذكره ذهب به إلى معنى الرجل ومن أنثه ذهب به إلى معنى الحجة (راجع أيضاً التاج في سلط) وقال الجوهري في مادة خ ل ف: الخليفة قد يؤنث قال صاحب التاج معقباً: قال شيخنا في الإسناد ونحوه مراعاةً للفظه كما حكاه الفراء وانشد: أبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال قلت (أي صاحب التاج) (ولدته أخرى) قاله لتأنيث اسم الخليفة والوجه أن يكون (ولده آخر) فترى مما تقدم بسطه أنه لا يجوز تأنيث ما يسند إلى المذكر ذهاباً إلى اللفظ ولهذا اخطأ صاحب المشرق بقوله. والصواب وأما تصحيحه لولا إياك: بلولاك. فمن تعابيره الركيكة الخاصة بإنشائه ونحن لا نوافقه عليها: لأننا كنا كتبنا (لولا اياتك) جمع آية فغلط الطابع وكتب (ولولا إياك) وإلا لو أردنا المعنى الذي يشير إليه صاحب المشرق لقلناه لولا أنت، وليس لولاك كما ادعى قال ابن كيسان المكنى بعد لولا له وجهان: إن شئت جئت بمكنى المرفوع فقلت لا لولا هو، ولولا هم ولولا هي ولولا أنت. ولو شئت وصلت المكنى بها فكان كمكنى الخفض والبصريون يقولون هو خفض والفراء يقول وإن كان في لفظ الخفض فهو في موضع الرفع قال وهو أقيس القولين تقول. لولاك ما قلت ولولاي ولولاها ولولاهم. والأجود لولا أنت كما قال عز وجل: لولا انتم لكنا مؤمنين، فانظر بعد ذلك أين بقي كلام المنتقد وقوله: والصواب. . . وأما قوله: يسرع غلطة طبعية يريد يسوع. قلنا: إن في الكتاب عدة أغلاط طبع لكن هذه (أي يسرع) ليس منها كأنه قد كتب على حضرة المنتقد أن لا يصيب في كلمة واحدة مما ينطق به وعبارتنا هي هذه نعيدها هنا ليطلع عليها القارئ: فبهذه الصورة يسرع لإنسان الإله منذ دخوله العالم في أن يتألم ويعمل أعمال التوبة. فلو أبدلنا يسرع (من الإسراع) بيسوع لما استقام هناك معنى. فلينصفنا حضرة المنتقد وليقر بغلطه.
وأما قوله: (والدموع التي فاضها والصواب أفاضها) قلنا: إنما أردنا والدموع التي فاض بها عينه فحذفنا الجار ووصلنا. والوصل بعد حذف الجار باب معروف عند النحاة. قال ابن عقيل: إن الفعل اللازم يصل إلى مفعوله بحرف جر نحو مررت بزيد. وقد يحذف حرف الجر فيصل إلى مفعوله بنفسه نحو مررت زيداً (قلنا) وعلى هذا النحو جرينا في قولنا والدموع التي فاضها فلا غبار عليه بشهادة النحاة كلهم أجمعين. وكذلك لم يصب في تصحيحه يسمعه للناس نعم أن (اسمع) يتعدى إلى مفعولين لكن قد تقحم اللام أو تزاد بين الفعل المتعدي ومفعوله فتسمى حينئذ (اللام المعترضة) كما نص عليها النحاة واللغويون ومثلوا له قولهم: ضربت لزيد قال الشاعر: وملكت ما بين العراق ويثرب ... ملكاً أجار لمسلم ومعاهد وقد آن أن يصيب المنتقد في كلمة، وهي كلمته الأخيرة لكنه قال: (والصواب أن يقال أن تنزل لكي تلينه عائد إلى الصراخ) قلنا: لا يحق له أن يقول: والصواب بل (والأفصح) لأنهم أجازوا أن يؤنثوا الاسم المذكر إذا رادفه اسم مؤنث وبالعكس. وقد المع إلى هذا القول جميع النحاة ولما كان الصراخ هنا بمعنى الصيحة جاز أن يؤنث الفعل العائد إليه فيتحصل مما تقدم بسطه أن يتأنى المنتقد في كلامه وأن ينطق بما ينطق عن روية لا عن هوى فأن الهوى يعمي ويصم: وإذا توعر بعض ما تسعى له ... فاركب من الأمر الذي هو اسهل طعيريزات شيء وعريسات شيء آخر وقفت على الجزء الثامن من (لغة العرب) فرأيت فيها نبذة من تحرير الفاضل إبراهيم حلمي أفندي في (طعيريزات) فراقني جداً. لولا أنه زعم تبعاً للأعرابي المصاحب له أن (عربسات) هي (طعيريزات) والحق أنها ليست إياها. فأن عريسات موقعها خلف الرحبة إلى الغرب بمقدار ثلاث ساعات كما اخبرني مدير مال السماوة الحالي علي أفندي البغدادي، قال: خرجت وأنا مدير مال النجف قبل سنوات مفتشاً في زكاة الأغنام إلى الرحبة وما والاها فرأيت عريسات بمكان بين الرحبة والقادسية والشقيق، وأدخلت خادماً لي في سربها فدخل قليلاً ثم عاد ولم يخبرني بشيء لما عرض له من الظلمة والوجل: قال: وفي الأخيضر
باب المشارفة والانتقاد
سرب مثل سربها دخلته ووصفه لي وصفاً مجملاً. هذا ما أردت أن أثبته خدمة للحقيقة والسلام. محمد ابن الشيخ طاهر السماوي باب المشارفة والانتقاد 1 - نقائض جرير والفرزدق في 3 مجلدات ضخمة بقطع الربع - كلما قرب كلام العرب وشعرهم من عهد الجاهلية حرصنا عليه وعلى جمعه لأنه يكشف لنا عن اللغة العربية المحضة وعن عوائد أصحابها وأخلاقهم التي تغيرت بتغير الزمان. - ولقد انتبه المستشرقون إلى هذه الحقيقة فاخذوا يبحثون عن كتب شعراء الجاهلية والمخضرمين وصدر الإسلام وكلما ظفروا بها عنوا اشد العناية بجمع نسخها المتفرقة ومقابلتها ونشرها بأمانة لا أمانة بعدها. وهذا الفرزدق مشهور بمتانة شعره وجزالته وفخامته وشدة آسره وهو من صدر الإسلام الأول. وقد اولع حضرة المستعرب الكبير الظي آشلي بفان من مستشرقي الإنكليز البعيدي الغور في معرفة آداب العرب وأشعارهم فجمع نقائض جرير والفرزدق في مجلدين كبيرين ضخمين. يبلغ عدد صفحاتهما 2000 صفحة ما عدا الصفحات الإفرنجية والتذييلات التي تبلغ في المجلدين 40 صفحة وقد ذكر الواقف على نشره في الصفحات الأولى مقالاً باللغة الإنكليزية بين فيه ما لكل نسخة من النسخ الثلاث من المزايا وهي نسخة اكسفرد ولندن واستراسبورغ. وبحث عن كل واحدةٍ منها بحثاُ نعما ودقق فيها النظر حتى بلغ من التحقيق. وقد بدأ بطبع الجزء الأول سنة 1908 وانتهى من طبع الجزء الأخير وهو الثالث سنة 1912. ولما اخذ يطبع الجزء الثالث ويبوب له الفهارس المختلفة العميمة الفائدة وقف على نسختنا الخطية الموجودة في دير المبعث في بغداد فتكلم عنها كلاماً يشف عن سعة علم ونقد بصر دقيق وانتفع منها. واهتم بها اشد الاهتمام. وهذا الجزء الثالث يحوي أربعة فهارس ومعجماً وخاتمة وتذييلات.
ففي الفهرس الأول ترى ذكر القصائد مرتبة بحسب رويها وبحرها. وفي الفهرس الثاني ذكر ما ورد من المعارضات والعبارات الشبيهة لما جاء في شعر الفرزدق. وفي الفهرس الثالث أسماء المشاهير الذين ذكروا في الديوان من رجاله وقبائله وغيرها. وفي الفهرس الرابع سرد أسماء المدن والمواقع والديار التي وردت في تضاعيف الديوان. وكل هذه الفهارس على حروف المعجم مما يسهل على الباحث الوقوع على كل ضالة ينشدها في هذا السفر الشبيه بالبحر الخضم. وبعد أن بوب الفهارس وجعل محتويات الكتاب على طرف الثمام نسق المعجم فحشاه بجميع الألفاظ العويصة التي وردت في مطاوي الكلام مع ذكر عدد الصفحة والسطر الذي توجد فيه فانظر إلى هذه العناية العظيمة التي بذلها هذا الرجل الكبير في تيسير كل ما يطلب في كتابه. ثم بعد ذلك ذكر أمراً لم يسبقه إليه سابق وهو سرد الكلم والعبارات الفارسية التي وردت في هذا السفر البليغ وختم هذا الجزء الثالث العجيب الترتيب والترصيف بتذييلات وإضافات وتصحيحات زادت محاسنه على ما فيه من المحاسن التي لا يمكننا إلا أن نشير إليها إشارة إذ ليس الخبر كالخبر وقد بلغت صفحات هذا الجزء الثالث 644 وقيمة الجزء الأول والثاني 67 فرنكاً و50 سنتيماً وقيمة الجزء الثالث 42 فرنكاً و50 سنتيماً. وقد طبع بمطبعة بريل في ليدن من ديار هولندة وكاغده من أجود الكاغد وأثمنه. ويسوؤنا أن نقول أن فيه عيباً وهذا العيب هو حروفه فأنها غير جميلة بل قديمة الطراز قبيحة الرسم شوهاء المنظر؛ ولهذا تأسفنا اشد الأسف لوجود هذه الشائبة فيه: ولا سيما لأن كتابة بعض حروفه مخالفة لأصول الكتابة العربية فأن الكلمة جحاجح مثلاً وما شابهها من الكلم التي فيها الجيم والحاء والخاء يزيد فيها سناً فيكتبها بخلاف الأصول المتعارفة وهذا عيب فاضح. وما عدا ذلك فأن الكتاب درة من الدرر الغوالي:
ولعلك تجد السعر فاحشاً. ولكن لو رأيت ما فيه من المحاسن لقلت أنه ليس شيئاً يذكر ولعل هناك سبباً آخر يمنع بعضهم من شراء هذا الكنز وهو كثرة ما فيه من الأبيات التي تخجل أناس هذا العصر. وتمجها آدابهم لكن العتب على الناظم لا على الطابع. ولا شك أنه أراد ناشره أن يطبع منه نسخة تكون لأبناء المدارس يحذف منه هذه المنديات ويطهر الكتاب من هذه الأوساخ الشائنة حرصاً على حفظ الآداب. 2 - كتاب آداب العرب تأليف إبراهيم بك العرب قررت نظارة المعارف العمومية طبع هذا الكتاب على نفقتها وتدريسه في المدارس الابتدائية بنين وبنات. وفي مدارس المعلمات السنية ومدارس معلمي الكتاتيب. - حقوق الطبع محفوظة للنظارة -. المطبعة الأميرية بمصر 1911. ما تراه هنا ليس اسم كتاب بل اسم درة ترصع بها تيجان الملوك. ويتنافس في اقتنائها كل من يود اكتناز الخزائن النفيسة التي لا يتطرق إليها الفناء أو الفساد. - وهذه الدرة هي عبارة عن أمثال حكمية منظومة نظماً رائعاً رائقاً يلج الأذن بلا أذن ويصل القلب بدون أدنى تكلف. أقوالها آية في البلاغة والحكمة فهي كتاب كل إنسان يريد أن يجمع إلى بلاغة الإنشاء وسلاسته حكمة سليمانية وعقلاً صائباً لقمانياً. ومع كل هذا التقريظ الذي هو دون ما يستحقه هذا السفر الجليل فأنه لا يخلو من بعض أغلاط طبع أو لغة أو تعبير من ذلك ما جاء في ص 89 قوله: الأرنب وطير الشرشور ولو قال الأرنب والشرشور لكان احسن لأنك لا تقول مثلاً: (العقاب وحيوان الحمار). بل والحمار أو والحيوان الحمار أو والحمار الحيوان. وكذلك يقال والشرشور أو الطير الشرشور أو الشرشور الطير. وقال في حاشية تلك الصفحة (طائر يسمى الرقش والأصح البرقش وقال: في تلك الصفحة يجتمعان في الدجى والفجر، ذلك في العش وذا في الجحر) والحال أن (ذلك) ترجع إلى الأرنب. و (ذا) ترجع إلى الشرشور كما هو مقرر في كتب القوم. من رجوع أسماء الإشارة إلى مدلولاتها
البعيد للبعيد والقريب للقريب. فإذا سلمنا ذلك فكيف يكون العش للأرنب والجحر للشرشور وإنما الأمر بالعكس. وقال أيضاً فيها: حتى رآه بسراي الملك ... في قفص ليس له من مسلك ولو قال (ببلاط الملك) لكان احسن. لأن السراي كلمة تركية حديثة الدخول في العربية. وأما البلاط فأنها رومية قديمة في لغة قريش. على أن كل ذلك هو بمنزلة غبار دقيق يغشى ضياء هذه الدرة البديعة المتلألئة ولا جرم أن المؤلف إذا أعاد طبع هذا الكتاب (ويكون ذلك عن قريب) ينزهه عن كل عيب ولو كان لا يبين لكثيرين. والكتاب بديع الطبع مضبوط بالشكل الكامل مطبوع على كاغد فاخر. كل ذلك حسنات قلما تجتمع في كتاب واحد. 3 - أمثال الشرق والغرب جمعة يوسف توما البستاني. حقوق الطبع محفوظة. طبع بمطبعة اليوسفية بمصر سنة 1912 كثير تصدوا لجمع بعض الكتب الأدبية واغلبهم كانوا كحاطبي ليل لأنهم جمعوا بين البعرة والدرة وأما حضرة يوسف أفندي البستاني فأنه جمع بذوق سليم أمثال الشرق والغرب فأصبح كتابه ديواناً يجد فيه المطالع حكمة سكان الخافقين ويمكنه أن يقابل فيه بين أمثال وأمثال. وقد بوب مواضعه أبواباً تسهل على الطالب الرجوع إلى ضالته بدون أدنى عناء. - وكنا نود أن تكون عبارته صحيحة لا شائبة فيها إلا أنه ورد مثلا في ص 93: لقد كنت مغبوطاً فأصبحت مرحوماً ولئن كنت مرتفعاً فقد أصبحت متضعاً. ولو قال: وأني وإن كنت مرتفعاً. . . لكان اصح وافصح وكثيراً ما استعمل لئن في غير موقعها. والظاهر انه لم يرد أن يقوم أود الكلام حرصا على اصله المنقول عنه. وقال ص 94 ولما فرغت الفلاسفة من الكلام قامت زوجة اسكندر (روكسندرة) ابنة الملك داريوس ملك العجم. والأصح أن تورد أسماء الشرقيين بموجب ما ينطقون بها لا بموجب ما يرويه الإفرنج ولفظة روكسندرة لا توافق رواية الشرقيين ولا رواية الغربيين. أما الشرقيين فيسمونها (روشنك) وأما الإفرنج فيعرفونها باسم (روكسان وأما داريوس فالأصح أن يقال فيه (دارا) كما هو مشهور لأن داريوس هي من رواية الإفرنج.
وما هذه الأمور إلا طفيفة والكتاب جدير بالاقتناء لاحتوائه على مفاخر حكم الشرق والغرب. 4 - كتاب المسلك الحميد، من مريم العذراء إلى يسوع المجيد تأليف الخوري عبد الأحد جرجي البغدادي تلميذ مدرسة الآباء الدومنيكيين طبع في مطبعة الاتحاد في بيروت سنة 1912 في 626 صفحة وقيمته 6 غروش وربع صاغ. كتاب تتدفق مياهه من معين الأباء أئمة القداسة والعبادة، سهل العبارة، حسن التأليف والتبويب، لا يطالعه القارئ إلا وينشأ في قلبه شواعر حب لمريم العذراء ولابنها يسوع. وقد اعتمد المؤلف في كل ما كتبه على عقيدة القديسين والكتبة الراسخي القدم في الإيمان والآداب والتقى. ولهذا نحض السالكين إلى الحق أن يستعينوا بنور هذا المصباح الزاهر إذ يجدون فيه كل ما تتوق إليه نفوسهم ويحفظهم في سبيل الصلاح والورع. 5 - رسالة التكملة في عمدة مواعظ نهج البلاغة. تأليف سيد الفقهاء والمجتهدين، حجة الإسلام والمسلمين، السيد محمد علي الشاه عبد العظيمي، مد ظله العلي، في 33 صفحة بطبع الثمن طبعت في مطبعة الحبل المتين في النجف سنة 1330 ويليها: 6 - رسالة مسلك الذهاب، إلى رب الأرباب (في 24 صفحة) للمؤلف المذكور أيضاً 7 - مختصر الوقعة (أي وقعة كربلاء) طبع في مطبعة الحبل المتين في النجف سنة 1330 في 32 صفحة 8 - أرجوزة في علم المنطق لجناب العالم الفاضل الكامل المحقق الشيخ موسى ابن المرحوم المغفور له. الفاضل النحرير التقي النقي الشيخ حسن الفلاحيين قدس سرهما. وقد صادف طبعه في غرة شهر الربيع الثاني سنة 1320. طبعت في مطبعة الحبل المتين في النجف الأشرف في 36 صفحة.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
9 - مختصر الكلام في وفيات النبي والزهراء والايمة عليهم السلام انتخبناه من كتاب الإيفاد لسيد العلماء الأعلام، حجة الإسلام، السيد محمد علي الشاه عبد العظيمي، دام ظله العالي. طبعت في مطبعة (حبل المتين) في النجف سنة 1330 في 48 صفحة 10 - كتاب كشف الغواية، عن الكتاب المسمى بالهداية (تأليف فريد العصر، وحيد الدهر، علامة زمانه، وفريد أوانه، العالم النبيل، والسيد الجليل، السيد أسد الله المجتهد، الخارقاني.) وفي آخر الكتاب الذي ينتهي في آخر الصفحة 94 يقول المؤلف: (تمت المقدمة وإنشاء الله (كذا) يليها الجزء الأول النجف الاشرف. طبعت في مطبعة حبل المتين. (كذا) سنة 1329 تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - أثمان الأطعمة في بغداد في هذه السنة وأثمانها قبل 15 سنة إذا أردت أن تقف على أمر الغلاء في حاضرتنا قابل أسعار الأطعمة في هذا اليوم مع أثمانها قبل 15 سنة والنتيجة الآتية: قبل 15 سنة كانت حقة الخبز (وهي عبارة عن أربعة كيلو غرامات) بغرشين ونصف من الغروش الصحيحة أما اليوم فبستة غروش كان ثمن حقة لحم الغنم قبل 15 سنة 5 غروش صحيحة وأما اليوم فثمنها 24 كان ثمن حقة لحم البقر قبل 15 سنة 3 غروش صحيحة وأما اليوم فثمنها 18 كان ثمن حقة السمن (الدهن) قبل 15 سنة 16 غرشاً وأما اليوم فثمنها 40 كان ثمن حقة الية الغنم (اللية) قبل 15 سنة 12 غرشاً وأما اليوم فثمنها 36 كان ثمن حقة لسان واحد من ألسنة البقر قبل 15 سنة 1 غرش وأما اليوم فثمنها 5 كان ثمن حقة المعلاق قبل 15 سنة 20 بارة وأما اليوم فثمنها 3 غروش كان ثمن حقة سمك البز قبل 15 سنة 4 غروش وأما اليوم فثمنها 18 غرشاً
كان ثمن حقة السمك مهما كان 2 غرشين وأما اليوم فثمنها 10 غروش كان ثمن حقة بالغاء الغنم الكاملة (طخم باجة) وهي عبارة عن راس ويدين ورجلين وكرش وأنفحة (شردانة) قرشاً ونصفاً واليوم 6 غروش. كانت تباع 12 بيضة بغرش واحد صحيح وأما اليوم فتباع بثلاثة غروش كانت تباع حقة الشعير بغرش واحد. واليوم بثلاثة غروش كان ثمن حقة الأرز بثلاثة قبل 15 سنة بثلاثة غروش أما اليوم فتباع بستة ونصف كان ثمن حقة الفاكهة (الميوة) بقرش واحد أما اليوم فتباع 3 كان ثمن حقة الخضراوات بقرش 1 أما اليوم فتباع 3 وقس على ما مر سائر ما يباع في الأسواق. وليس من يفكر بتعديل هذه الأثمان الفاحشة التي يتشكى منها كل الناس. 2 - الدعاء لنصرة جيوش الدولة في الساعة الواحدة بعد ظهر نهار الاثنين 3 شباط اجتمع في ثكنة العسكر جميع من دعي من أمراء الجند ورؤساء الدواوين الملكية وجم غفير من الاهلين للدعاء لنصرة جيوش الدولة. فلما كانت الساعة الثانية قرأ الوازع (أمير الالاي) شكري بك عن لسان والي الولاية حضرة محمد زكي باشا خطاباً باللغة التركية ثم عقبه اثنان من طلبة العلم وتلوا خطابين عربيين ثم تقدم نقيب الأشراف وتلا دعاءً بليغاً حوى التضرع للبارئ سبحانه بنصرة الجيش العثماني على أعدائه ورددت الموسيقى ثلاثاً (ليعش سلطاننا كثيراً) وبعد ذلك مرت الجيوش بنظام تام ثم انتثر عقد الأنام. 3 - الأشقياء في قرفة وأبي غريب في جوار قرفة وأبي غريب (في حدود ولاية بغداد من جهة الموصل) أشقياء أصلهم من أكراد الزنكنة (المعروفين عند العرب في سابق العهد ببني ساسان) (والدلو والطلبانية وقد شردوا من وجه الحكومة العثمانية التي تتاثرهم لجرائم اقترفوها أو لافتراءات خافوا سوء عاقبتها فأقاموا بين العشائر الإيرانية القريبة من التخوم العثمانية واتخذوا لأنفسهم الشقاوة صنعة ومورد رزق فكلما وجدوا فرصة دخلوا الحدود العثمانية من قضاءي خانقين
وخراسان فقره تبه فأبي غريب حيث يصادفون القوافل القادمة من بغداد أو الذاهبة إليها فيقتلون بعض رجالها ويسلبون أموالها ويرجعون بغنائمهم إلى من حيث أتوا بدون أن تجد فرسان لدرك الوقت اللازم لتعقبهم وتنكل بهم. - ويبلغ عدد هؤلاء الأشقياء ثلاثين أو أربعين فارساً متمرناً على الرماية والفروسية ولهذا يحتاج القبض عليهم إلى قوة من جند الدرك أو النظامية تعادلهم أو تزيدهم عدداً وعدداً كما انه ينبغي أن تخصص هذه القوة بتأثرهم الأشرار بدون أن تشغل بعمل آخر غير أن مدير ناحية قراتبة واسمه عبد العزيز آغا وهو من عشيرة الزنكنة في هذا القضاء اخذ من رجاله هذه المرة الأخيرة بضعة عشر رجلا وأضاف إليهم ما لديه من فرسان الدرك وتأثر هؤلاء الأشقياء الأشرار بنفسه فاسترد منهم أموال قافلة بتماهها وقتل فرسين لهم ولكنهم نجوا منه لتفوقهم عدداً وعادوا إلى من حيث آتو. ولقد سبق لهؤلاء الأشقياء الأشرار التعرض للقوافل بين السليمانية والصلاحية في سنكاو قبل بضعة أشهر فقتلوا ضابطاً برتبة يوزباشي. وحبذا لو تعمل معاً ولايتا الموصل وبغداد لتتفقا على استئصال شافتهم ولا تدع أمرهم للقدر والقضاء فأن شرهم قد استفحل وصبر الأمة قد نفذ. حقق الله الأماني! لمكاتب فاضل 4 - تصرم حبال الأحزاب في البصرة اتفق أشراف البصرة وزعماؤها وأعيانها على أن يتركوا الأحزاب السياسية على اختلاف أنواعها وأن لا ينتموا إلى حزب أو جماعة وتعاهدوا على أن يكونوا يداً واحدة عاملة في حفظ الوطن وسلامته 5 - زيادة مياه الفراتين زادت مياه دجلة والفرات في هذا الشهر اثر الأمطار الغزيرة التي وقعت في شهر كانون الثاني. وقد زاد الفرات زيادة كافية ليجري منه الماء إلى الحسينية إلا أن هذا الماء غير وافٍ بالمقصود
6 - راتب ابن السعود أبلغت الحكومة العثمانية مشاهرة الأمير عبد العزيز ابن السعود إلى 150 ليرة عثمانية 7 - قتل ناظم باشا والي بغداد السابق ناظم باشا يعد من ولاة بغداد الكبار وقد أقرت الحكومة بفضله فقلدته أمراً ذا خطر في المملكة وهو منصب نظارة الحربية وقيادة الجيش العامة. وقد أنبانا البرق انه قتل في الأستانة في 24 من الشهر الماضي وقتل معه اثنان من حاشيته. ودفنوا جميعهم بأبهة عظيمة. 8 - مجتمعات المسلمين لخير الدولة اجتمع المسلمون نهار الجمعة 7 شباط في جامع الشيخ معروف الكرخي وكان عدد العلماء المدعوين 33 وطلبوا إلى الله قهر أعداء الدولة. واحتشدوا أيضاً في الثكنة نهار الاثنين في 10 شباط وفي 19 منه أيضاً لهذه الغاية عينها. 9 - دعاء الإسرائيليين لنصر الدولة اجتمع الإسرائيليون صباح 11 شباط في اعظم كنيس لهم ليطلبوا إلى الله نصر الدولة العثمانية فشهد الحفلة أكابر الإسرائيليين وسراتهم وفقراؤهم من رجال ونساء من شبان وشابات من أطفال وشيوخ وممن حضر الأدعية والي الولاية ووكيل آمر الموقع ورؤساء الدواوين العسكرية والملكية وبعد الصلاة انتثر عقد المجتمعين بكل هدوء وسلام. 10 - الدعاء في بيعة الكلدان في نهار الجمعة 14 شباط اجتمع الكلدان في كنيستهم الكبيرة وتضرعوا إلى الله أن يوفق الدولة في مساعيها وأن يدفع عنها كل الضرر حقق الله الآمال. 11 - تخلية سبيل مشايخ عشيرة آل فتلة ظهر اليوم للعيان بأدلة ناصعة أن مشايخ آل فتلة أبرياء مما اتهموا به وحالما اتضح الأمر لأصحاب الحل والربط أطلقوا من سجنهم في 13 شباط بإرادة سنية ونحن نهنئهم بهذا الفوز المبين ونطلب لهم إلى الله أن يحفظهم من كل ضرر ومن كيد الكائدين والمفسدين.
ألفاظ عوام العراق
12 - سفر المسيو بولس ب. يوينوي في 15 شباط غادر مدينتنا الزارع العالم الأديب المسيو بولس ب يوينوي وهو شاب فاضل عارف بالزراعة حق المعرفة وقد أتى ديار العراق وما والاها ليبحث عن النخل وغرسه والعناية به. وقد أتى باسم جمعية تهتم بغرس النخل في بستان معروف باسم بساتين الهند الغربية في التادنا (من ديار كاليفرنية) وقد اخذ من بغداد 1300 تالة اغلبها من الزهدي (الازاذ) وهو يأخذ مثل هذا المقدار من البصرة. ويشتري أيضاً مقادير عظيمة من ديار مصر والجزائر مراكش وتونس. وقد غرس الأميركيون قبل 25 سنة شيئاً من نخل العراق فجاء على احسن ما يرجى ويؤمل. حتى أن حجم الجذوع زاد هناك عن حجمه هنا بكثير. وقد ألف الرجل المذكور مقالات في هذا الموضوع ونشرها في المجلات الأميركية. ولابد أننا نتعرض لذكرها. وقد علق في مذكرته أشياء كثيرة عن غرس هذا الصنف من الأشجار وله نية أن يدون كل تلك الفوائد في سفر ضخم. ويجمع أيضاً كل ما كتبه العرب في السابق. وقد أقام عندنا مقدار سبعة أسابيع مع أخيه. وكان أخوه قد سبقه بأسبوعين إلى البصرة. أوصلهما الله إلى ديارهما بسلام! 13 - زيادة دجلة وضعف الأسداد أخذت دجلة بالزيادة بعد تساقط الأمطار في هذا الشهر وفي الشهر المنصرم. والناس يخافون الطغيان لأن الاسداد غير محكمة الصنع. أعاذنا الله من الغرق. ألفاظ عوام العراق آشكاره بمعنى واضح وبين وجلي تركية الأصل وهي كثيرة الاستعمال بمعناها الأصلي واغلبهم يقولون: اشكراه بتقديم وتأخير في الحروف. آغا أو آقا كلمة مشهورة واغلبهم يتلفظون بها بالهمز لا بالمد. آغر آغر تركيتان يستعملهما بعضهم بمعناهما أي رويداً رويداً اقتارمة أو آقطارمة أو اخطرمة هو النقل والكلمة من أصل تركي. أستعملها أصحاب المراكب. ويريدون بها نقل البضائع من مركب إلى مركب
العدد 22
العدد 22 - بتاريخ: 01 - 04 - 1913 الكتابة في العراق 1 - تمهيد اثبت اليوم علماء البحث والتنقيب أن الكلدانيين سكان وادي الرافدين دجلة والفرات هم اسبق الأقوام إلى وضع الكتابة على طريقة الأهجئة أو المقاطع. ثم ما عتم أن انتشر أسلوبهم بين اظهر الآشوريين لسهولته فاستطار بين الأجيال المنبثة في شمالي أرمينية وشرقيها. ثم بين الأمم المتوطنة ديار ماذية وشوشن وفارس. ولم يزل في انتشار، وامتداد وعيار، حتى عصور النصرانية الأول.
هذا مجمل ما يقال في هذا الباب الواسع المجال، أو في هذا الموضوع الخطير البال. ولهذا يتمثل لك خيال وادي السلام بصورة شيخ جليل هو أبو الكتابة والكتب والكتبة، بيده قلم تتساقط منه رشاش مدادهِ على الطاباق والرق والورق والجدران ما خلد ذكر أمهات مدن العراق ابد الدهر. ومن هذه الحواضر (أور) (التي تعرف اليوم باسم المقير وهي مهجر إبراهيم الخليل) وأريدو (أي أبو شهرين ومعناها ذو البلدتين) واوروك (الوركاء) ونبور (نفر) وأما (جوخي) ومارو (أم العقارب) ونيسي (دريهم أو دليهم) ولجش أي تلو (المقصورة) عن تل اللوح وسبارة أو سفارة (البو حبة) ولارسا (سنكرة) وبورسبا (برس نمرود أو البرس) وكوثي ربَّا (حبل أو تل إبراهيم) ودور كوريجالزو (عقرقوف) والكوفة وبغداد والأنبار والحيرة وسامرا وغيرها مما يطول تعدادهُ. ولجميع هذه المدن بل ولكل واحدة منها حصة وافرة من آداب لغة العرب القديمة والمخضرمة والحديثة والعصرية. ولهذا لا نغالي إن قلنا: العراق منبعث أنوار العلم ومصدر معارف البشر وملتقى الأقوام المتنورة وملتقط أنباء المؤرخين والأخباريين والأثريين والباحثين والمستقرين أصحاب التحقيق والتدقيق. تشهد على ذلك أوراقهم ومهارقهم ودفاترهم وأسفارهم ومؤلفاتهم صغيرها وكبيرها حتى أنها اكتظت منها. ظل العراق حافلاً بالعرب الأولين حتى جاء الإسلام فكان العراقيون احفظ الأقوام باللغة الفصحى من غيرهم بها، وهي تلك اللغة لغة البطحاء وأم القرى، لغة قريش
القبيلة الشريفة الكريمة السمحة ذات الجود والقرى. العراق وأن لم يكن صاحب هذه اللغة ومنشئها إلاًَّ انه أبو آدابها؛ فهو الذي أفرغها في قالب لغة علمية وفسح لها موطناً بين سائر اللغات أخواتها وضرائرها، فكان هو أول مدرسة لها، بل مدرسة النبوغ، وأصبح يضم بين أحنائه وترائبه طوائف فنون الكتابة والكتاب وبين هؤلاء تجد النابغة الفذ، والمترجم النقاد، والخطيب المفوهّ، والكاتب المجيد، ذلك الكاتب الذي يجمع إلى كتابة الرسائل تصنيف الأسفار الضخمة وإنشاء صحف القضاء، ودواوين الجند، واوارجة الخراج، وجرائد المساحين، ودفاتر الشرطة. الكتابة هي مبدأُ تلك الحياة العقلية، وجرثومتها العلمية. ولهذا يحسن بنا أن نحصر الكلام في دائرتها لكي لا يتسع الخرق علينا نقول: 2 - تطورات الخط أو أدوار الكتابة للكتابة العربية تطورات شتى تنقلت فيها من حالٍ إلى حالٍ، وتلك الأطوار لا تشمل حياتها المادية فقط، بل حياتها الأدبية والعقلية وأشهرها ثلاثة مواقف وهي: موقف في الحيرة قبل ظهور الإسلام بردح من الزمن، وموقف في الكوفة، وموقف في بغداد والثلاثة كلها جمعاء عراقية صميمة كما ترى. 3 - الموقف الأول وهو طور الخط الحيري أو الانباري أو الجزم أما شهادة المؤرخين على الموقف الأول فقد نطق بها كثيرون من مؤرخي العرب الأقدمين، إلاَّ أننا نجتزئ بذكر شهادة أقدمهم وهو البلاذري فقد قال في كتابه فتوح البلدان (ص 471 من طبعة الإفرنج) ما هذا نقله (حدثني عباس بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن
جده وعن الشرقي بن القطامي قال: اجتمع ثلاثة نفر من طيىء ببقة وهم: مرامر بن مرة واسلم بن سدرة وعامر بن جدرة فوضعوا
الخط وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية، فتعلمه منهم قوم من أهل الانبار، ثم تعلمه أهل الحيرة من أهل الانبار. وكان بشر بن عبد الملك أخو اكيدر بن عبد الملك بن عبد الجنّ الكندي ثم السكوني صاحب دومة الجندل يأتي الحيرة فيقيم بها الحين، وكان نصرانياً، فتعلم بشر الخط العربي من أهل الحيرة، ثم أتى مكة في بعض شانه فرآه سفيان بن أمية بن عبد شمس، وأبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب يكتب فسأَلاه أن يعلمهما الخط فعلمهما الهجاء. ثم أراهما الخط فكتبا ثم أن بشراً وسفيان وأبا قيس أتوا الطائف في تجارة فصحبهم غيلان بن سلمة الثقفي فتعلم الخط منهم وفارقهم بشر ومضى إلى ديار مضر فتعلم الخط منهُ عمرو بن زرارة بن عدس فسمي عمرو الكاتب ثم أتى بشر الشام فتعلم الخط منه ناس هناك وتعلم الخط من الثلاثة الطائيين أيضاً رجل من طابخة كلب فعلمه رجلاً من أهل وادي القرى، فأتى الوادي يتردد فأقام بها وعلم الخط قوماً من أهلها.) اهـ ومما تقدم بسطه ترى انه من الصواب سمي هذا الخط بالخط الحيري أو الانباري إشارة إلى معدن نقله أو وضعه أو تعلمه. ويسمى أيضاً: (الجزم) إلاَّ أن العرب قالوا في سبب تسميته به قولاً جمعوا فيه الصحة إلى الضعف وقد لخصه صاحب القاموس بهذه الكلم: (الجزم هذا الخط المؤلف من حروف المعجم لأنهُ جزم أي قطع عن خط
(حمير) فقوله جزم أي قطع عن خط آخر صحيح إِلاَّ أنه لم يصب في تعيين اسم هذا الخط بخط حمير. فالأصح الموافق للاكتشافات العصرية ولأقوال العرب أنفسهم هو أن يقال لأنه جزم عن خط السريان أي الاسطرنجيلي. وأما الخط المسند أو خط حمير فهو خط آخر لا مشابهة ولا مناسبة له مع الجزم. والمسند عبارة عن حروف تكتب منفصلة بعضها عن بعض. وإنما نسب إلى حمير لما كان لملوكهم من النفوذ العظيم في العرب أو لأنه كان خاصاً بحمير فقط ومنهم اقتبسه سائر الناس في ديار الحبش وغيرها من البلاد المجاورة لليمن. ولم تكن قريش تعرف المسند بل كانت تكتب بالجزم قبيل الإسلام ولذلك قال رجل كندي من أهل دومة الجندل يمن على قريش: لا تجحدوا نعماء بشر عليكم ... فقد كان ميمون النقيبة أزهرا أتاكم بخط الجزم حتى حفظتم ... من المال ما قد كان شتى مبعثرا فأجريتم الأقلام عوداً وبداة ... وضاهيتم كتاب كسرى وقيصرا وأغنيتم عن مسند الحيّ حميراً ... وما كتبت في الصحف أقلام حميرا وما زال ذلك الخط يعرف بالجزم قبل الإسلام حتى اختط المسلمون (كوفة الجند) فأصبحت قاعدة تلك البلاد. فاستعمله أهلها فنزع منه لقبه الأول واشتهر بالكوفي. وهذا هو دوره الثاني. إلاَّ أنه اشتهر في ذلك العصر خط آخر هو أصل الخط النسخي المعروف في عصرنا هذا وهو الخط الذي كان يظن أنه من وضع ابن مقلة على أن مكتشفات المستشرقين والعرب العصريين فندت هذا القول القائل وقد
ظهر للعيان أن للخط النسخي مشابهة عظيمة للخط النبطيّ الذي كان معروفاً عند تجار النبط في جوار سلع والبتراء ونواحيهما. وهذا الاكتشاف يحدو بنا إلى أن نقول أنه كان قبل ظهور الإسلام خطان عند العرب: خط له مشابهة كلية للآرامي الاسطرنجيلي وهو المعروف بالجزم وكان يكتب به العرب المجاورون لديار العراق. وخط كان له مناسبة بينة لخط الأنباط وهو الخط النسخي. وكان يكتب به العرب المجاورون لديار الشام وكان يعرف بالخط الجليل (عن القلقشندي) وقد أشار إلى وجود هذا القلم الأخير ابن النديم في كتابه إذ يقول: أول من وضع الخط العربي. . . قوم من العرب العاربة نزلوا في عدنان بن ادّ. . . فلما استعربوا وضعوا الكتاب العربي. . .) وأما وجود مثال من الخط العربي النسخي قبل الهجرة فظاهر مما يحرز في دار الكتب الخديوية وقد كتب على البردي أو على الخشب أو على نحوهما مما لا يبقي ريباً في هذه الحقيقة التي أصبحت في قيد الحقائق المكينة التي لا تتزعزع. ونسبته إلى ابن مقلة خطأ اللهم ألاّ أن يقال لأنه حسنه وصوره على أبدع صورة فيجوز ذلك من باب التوسع في وضع معاني الألفاظ لا من باب الحقائق التاريخية المقررة. 4 - الموقف الثاني وهو طور الخط الكوفي كانت الغاية من وضع الخط تقييد ما يراد إثباته على تراخي أستار الأزمان أو اطلاع آخر على فكر الكاتب أن كان بعيداً عنه أو قريباً منه أن زماناً وأن مكاناً فكان رسم الحروف أو نقشها أو حفرها ليس من الشان في شيء. وكان كاتب النعمان بن المنذر وغيره من زعماء العرب لا يعرفون
إلاَّ خط رسائل الملوك ورقعهم المنفذة إلى العمال. ولم تكن كتابتهم كتابة تدوين العلوم لأنها كانت يومئذٍ تابعة لحالة أدب العرب وكان اغلب العرب عهدئذٍ لا يعنون بشؤون العمران والتمدن إلا عرب اليمن فانهم كانوا أرقى حالاً وحضارةً من سواهم. فلماذا دان العرب بالإسلام وانتشر في البلاد هو والقائمون به واحتاج المسلمون إلى مجاراة الأمم الراقية المعاصرة لهم رفضوا تلك السذاجة والبداوة وطرقوا بابي التدوين والتأليف ولا سيما من احتل منهم ديار الشام والعراق ومما اضطروا إلى وضعة كتب القضاءِ ودواوين الخراج لوجود الذميين في بلادهم وتقييد ما يؤخذ منهم لكي لا يعودوا إلى أخذه ثانية حفظاً لذمتهم من مال الظلم والخداع. لبثت الكتابة بعيدة عن الترجمة في بادئ الأمر لأن العرب لم يكونوا قد احتكوا بعد بأمم العالم احتكاكاً تاماً. بل كانوا في بدءِ الاختلاط لا يعرفون الحضارة ولا ضخامتها الزاهرة فصح لنا أن نسمي الخط الكوفي (بخط الفتوح والانتشار) لا خط الفن والعلم لأن حظه من ذلك الاسم أوفى وأوفر. ألم تزل اغلب الآثار العربية الإسلامية في شرق البلاد وغربها بالخط الكوفي كما أن اغلب المخطوطات القديمة هي بالخط النسخي الذي حسنه ابن مقلة فصار خط العلم والأدب، خط الإنشاء والتحرير، خط التنميق والتحبير. وهذا هو طور الكتابة الثالث. الموقف الثالث وهو طور الخط النسخي قد تقدم القول على أن النسخي كان معروفاً قبل الإسلام لكنه لم يكن
شائعاً إلا في شمالي جزيرة العرب من جهة ديار الشام. فلما اخذ العرب بالتبسط في العمران ورأوا صعوبة الخط الكوفي، ولا سيما عدم انقياده لسرعة الكتابة إجابة لسرعة الخاطر، عدل الناس عنه إلى الخط النسخي وكان ذلك في أواخر خلافة بني أمية وأوائل خلافة بني عباس على ما نقله القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى في كتابة الإنشاء) المطبوع منه الجزءُ الأول في مصر القاهرة. ثم قال: (أن كثيراً من كتاب زماننا يزعمون أن الوزير أبا علي بن مقلة (المتوفى سنة 328هـ - 939م) هو أول من ابتدع ذلك وهو غلط. فأنا نجد من الكتب بخط الأولين فيما قبل المئتين ما ليس على صورة الكوفي بل يتغير عنه نحو هذه الأوضاع المستقرة قال أبو جعفر النحاس في صناعة الكتاب: يقال أن جودة الخط انتهت إلى رجلين من أهل الشام يقال لهما: الضحاك واسحق بن حماد وكانا يخطان (الجليل) (قلنا هو هذا الخط النسخي في أول عهده نقلا عن الأنباط). قال صاحب إعانة المنشئ: وكان الضحاك في خلافة السفاح أول خلفاء بني العباس وإسحاق بن حماد في خلافة المنصور والمهدي. . . وانتهت رئاسة الخط بمصر إلى طبطب المحرر جودةً وأحكاماً. . . وكان أهل مدينة السلام يحسدون أهل مصر على (طبطب) و (ابن عبد كان) يعني كاتب الإنشاء لابن طولون. ويقولون: بمصر كاتب ومحرر ليس لأمير المؤمنين بمدينة السلام مثلهما. قلت (أي القلقشندي) ثم انتهت جودة الخط وتحريره على راس الثلاثمائة إلى الوزير أبي علي محمد بن مقلة وأخيه أبي عبد الله. قال صاحب
الشيخ محمد سعيد السويدي
إعانة المنشئ: وولدا طريقة اخترعاها؛ وكتب في زمانهما جماعة فلم يقاربوهما وتفرد أبو عبد الله (بالنسخ)؛ والوزير أبو علي (بالدرج). وكان الكمال في ذلك للوزير وهو الذي هندس الحروف وأجاد تحريرها وعنه انتشر الخط في مشارق الأرض ومغاربها. . . ثم اخذ عن ابن مقلة محمد ابن السمسماني ومحمد بن أسد وعنهما اخذ الأستاذ أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب المتوفى سنة 413هـ - 1022م وهو الذي اكمل قواعد الخط وتممها واخترع غالب الأقلام التي أسسها ابن مقلة. . . وممن اخذ عنه محمد بن عبد الملك وأخذت الشيخة المحدثة الكاتبة زينب الملقبة بشهدة ابنة الابري. وعنها اخذ أمين الدين ياقوت. اهـ ثم نبغ بعده أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي المتوفى سنة 622هـ (1225م) ووليه أبو الدر ياقوت المستعصمي المتوفى سنة 698هـ (1299م) ومنذ ذاك الحين اشتهرت الأقلام المختلفة ونبغ بكتابتها ورسمها جماعة منهم عبد الصيرفي ويحيى الصوفي والشيخ احمد السهروردي وغيرهم يطول ذكرهم على غير طائل. الشيخ محمد سعيد السويدي - الشيخ محمد سعيد بن احمد بن عبد الله السويدي ولد في سنة 1180هـ - 1766م. وكان أحد مرشدي الطريقة النقشبندية. وقد برع في العلوم سيما في التصوف منها واخذ الطريقة فيه عن الشيخ خالد. والعلم عن والده وعمه الشيخ عبد الرحمن وغيرهما ودرس مدة مديدة في مدرسة
جامع داود باشا في جانب الكرخ قرب مقام الخضر. وله مؤلفات منها: كتاب إيصال الطالب للمطلوب في التصوف. منه قوله عن لسان القوم في مدح النبي (ص). علامات إخلاص الثناء لها رفع ... لجزم انخفاض السؤل أو نصب المنع (؟) علانية ينجاب في مظهر الخفا ... سناها إذا في المصطفى خصها السمع عنان العلى عهدا لولا شافع الملا ... مزيح البلى محيي البلا لو بلا النفع وكانت وفاته في سنة 1246 هـ - 2 آذار: 1831م ودفن في جوار الشيخ معروف الكرخي ولم يعقب سوى ولدين وهما الشيخ نعمان واحمد. 8 - الشيخ محمد امين السويدي - هو أبو الفوز محمد أمين بن علي بن محمد سعيد بن عبد الله السويدي.
ولد في أواخر سنة 1200هـ - 1786م واخذ العلم عن والده وعن الشيخ علي الموصلي وعن فحول زمانه واشتغل بالتأليف في حياة والده وهو ابن خمس وعشرين سنة فألف التآليف المفيدة وهو اكثر السويديين تصنيفاً. منها: كتاب الجواهر واليواقيت في معرفة القبلة والمواقيت. وكتاب التوضيح والتبيين شرح كتاب والده العقد الثمين في العقائد. وكتاب الكوكب الزاهر في الفرق بين علمي الباطن والظاهر. وكتاب الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد رداً على الأثني عشرية. وكتاب معين الصعلوك شرح السير والسلوك في التصوف. وكتاب سبائك الذهب في انساب العرب وقد طبع على الحجر في بغداد سنة 1280 وكتاب المواهب الإلهية شرح قصيدة البوصيرية مع تخميسها لوالده. وكتاب قلائد الفرائد شرح المقاصد للإمام النووي. وكتاب السهم الصائب في الرد على من طعن في حضرة الشيخ خالد وكتاب فتح المنان في مواعظ شهر رمضان وكتاب مختصر التحفة الأثني عشرية للحافظ غلام مليح الدهلوي. وكتاب شرح تاريخ ابن كمال باشا. وشرحان على مقاصد الإمام النووي أحدهما مطنب والآخر موجز. وشرحان على متن التعرف في الأصلين والتصوف واحد مطول والآخر مختصر سمي المطول منهما وقلائد الدرر في شرح رسالة ابن حجر. وكتاب التحفة المرضية مختصر الترجمة العبقرية. وله رسائل في كثير من الفنون منها: رسالة في إجازة الوقف مدة طويلة. ورسالة على عبارة الدر في الأوقات المنهية للصلوة فيها. ورسالة على عبارة من تفسير الإمام البغوي في بحث
الحمد. ورسالة في شرح تاريخ معمي. ورسالة في الانتقاد على ما في الأحياء من الأحاديث. ورسالة في الواجب. ورسالة تشتمل على ثلاثة أجوبة في النحو والكلام والفلسفة. ورسالة عن سوال بعض الصوفية في بحث الاقتداء. ورسالة في حل لغز بهاء الدين. ورسالة في حل لغز في الموم. ورسالة في حل عبارة القاموس في بحث ورد الإبل. ورسالة في حل لغز في الماشة. وله أرجوزة في هجو الفلاسفة وردهم. وله مقامات بليغة وشرح الغاز عالية. ورسالة في المولد النبوي. ورسائل أخرى في كثير من المسائل الفقهية غاب عنا أسماؤها وله شعر منه قصيدة في مدح النبي (ص) مطلعها: سما في امتداح المصطفى الفكر والحدس ... وراق رقيق الشعر واتقد الحس وكانت وفاته في سنة 1244هـ - 1828م وقد قرأت في بعض المجاميع أنه توفي سنة 1246هـ - 1830م في قرية بريدة إحدى قري نجد ودفن فيها وذلك عند رجوعه من الحج ولم يعقب ابناً. 9 - الشيخ عبد الرحيم السويدي - هو عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله السويدي. ولد في بغداد سنة 1175هـ - 1761م واخذ العلم عن أبيه وعن عمه الشيخ علي. وعن الشيخ محمد الكردي وعن غيرهم من فطاحل زمانه. وكان سلفي العقيدة له اليد الطولى في سائر العلوم سيما في الحديث منها. وله مؤلفات منها: كتاب أقوم المسالك في شرح كتاب عمدة السالك في فقه الإمام الشافعي. وحاشية وشواهد على شرح قطر الندى في النحو وقد طبعت مع
الأصل في بغداد سنة 1329هـ ورسالة في علم الكلام وله شعر منه قوله من قصيدة في الإمام علي بن أبي طالب (ع). حثثنا عتاق الخيل تستبق الطرفا ... فاكرم به سيراً واكرم به طرفا فلما توسطنا الطريق أنار من ... منار علي نيرٌ قط لا يخفى فصرنا نقد البيد طياً لنشرها ... خطاً ما خطت بل خط في اجرها لفا (الخ) وكانت وفاته في بغداد سنة 1327هـ - 1821م ودفن داخل جامع الشيخ معروف الكرخي. 10 - الشيخ سليمان السويدي - هو سليمان بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله السويدي. اخذ العلم عن الشيخ احمد السويدي والشيخ رسول بن احمد الشهير بالشوكي والشيخ عبد الرحمن الكردي وغيرهم. وله مؤلفات منها: كتاب الفوائد السنية شرح مختلطات الشمسية ورسائل لم تحضرنا أسماؤها. توفي في بغداد سنة 1230هـ - 1814م ودفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي ولم نعثر على تاريخ ولادته. هذا ما حصلنا على جمعه من مآثر السويديين وأحوالهم وقد جمعنا جميع ما نشرناه من عدة مجاميع متفرقة وكتب وعلى ما علمنا أننا لم نترك من مؤلفاتهم سفراً إلا ذكرناه ولم نبق من رجال السويديين أحداً من الذين ألفوا إلاّ دوناه سوى رجلٍ واحدٍ منهم لم يعرف بالتأليف إلا أنه عرف بالفضل والنبل والتقوى وهو الشيخ نعمان بن محمد سعيد بن احمد بن عبد الله السويدي وهو والد حضرة العالم الفاضل الجهبذ السري الشيخ يوسف أفندي السويدي
كتب القراءة
أحد أعضاء مجلس ولاية بغداد الحالي. ومن أحفاد الشيخ نعمان: الأدباء الفضلاء إبراهيم ناجي أفندي قائم مقام النجف الحالي وعارف حكمت أفندي قائم مقام الكوت الحالي وعلي ثابت أفندي كاتب معية (أي حاشية) الولاية وسليمان توفيق أفندي طالب في مكتب الحقوق في باريس وكلهم أولاد الشيخ يوسف أفندي السويدي. حفظهم الله جميعاً ووفقهم لما فيه نفع الأمة والوطن. وكان الشيخ نعمان المتقدم الذكر اسمر اللون طويل القامة من السالكين في الطريقة النقشبندية. وكانت ولادته سنة 1215هـ - 1800م وقد توفي صبيحة يوم الثلاثاء قبل طلوع الشمس لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة 1279هـ - 10 كانون الثاني 1863م ودفن في مسجد الشيخ معروف الكرخي قريباً من الحرم عن يمين الداخل إليه. عطر الله ثراه واكرم مثواه. كاظم الدجيلي كتب القراءة وطريقة التدريس عند الشيعة في العراق 1 - مدخل البحث العلوم التي يدرسها الشيعة في العراق اغلبها دينية، وغير الديني منها قليل قارئوه. وربما قرأ أحدهم علماً من الرياضي كالحساب ليفهم به مسألة فقهية حق معرفتها. 2 - كثرة كتب الدين عندهم وسببها يقدرون الكتب الدينية اكثر من غيرها، كما أن للعالم الديني مؤثراً قوياً في تكييف اجتماعهم، فهو مقدس الإرادة اكثر من كل وازع. وقد اكثروا
من تصنيف هذه الأسفار لفرط عنايتهم بأمور معادهم ولشدة مقاومتهم لمن ناوأهم في القرون الخالية. وأنت تعلم أن المقاومة تستثير القوى الكامنة. ولذا يشتد الضعيف عندما يحاول غيره أن يقهره ويذله. 3 - مدن دور العلم ولا بد لهم (ولا يزال ذلك إلى الآن) مدينة يسمونها (دار العلم) يهاجرون إليها من أطرافهم الشاسعة لدرس هذه العلوم. فاصفهان وحلب والحلة وقم (كن دور علم)، والنجف هي الآن من دور العلم لهم. فهم يتهافتون إليها من البلد النازح ولعلنا نكتب شيئاً عنها في دفعةٍ أخرى. 4 - كتب التدريس وكتب القراءة ومن كتبهم هذه ما يدرسونه، ومنها ما يرجعون إليه. وكتب القراءة ما برحت في تغير وتبديل. وبالأخص كتب الفقه والأصول. فأن المجتهد إذا أصبح ذا نفوذ وعمت كلمته درس كتابه وأشاعه على نسبة ما له من المنزلة. فأن استحسنه أهل عصره بقي وإن مات مصنفه. وإلا مات بموته. أما الشرائع وشرح اللغة لنجم الدين المحقق ولزين الدين الشهيد الثاني من كتب الفقه فأنها قاومت كل جديد وقتلت من نازعها فعمرت وغمرت. 5 - أسلوب التدريس التدريس يكون أما في الكتاب بأن يشرح الأستاذ للتلميذ عبارته ويوضح غامض معناه فيسمونه (القراءة السطحية). وأما أن يتواطأ الأستاذ والتلامذة على كتاب مخصوص وينظرون مسئلة معينة منه ثم يأتي مجلس الدرس الأستاذ والتلامذة فيجتمع هؤلاء حول ذاك فيلقى عليهم نفس المسئلة يعرض عليهم رأيه فيها ولا ينفضون إلا وقد تبين لهم الأمر فيسمونه (الحضور الخارجي) والطالب ما لم يفرغ من كثير من (السطوح) لا يستفيد من هذه الدروس. واليوم لا يدرسون هذا التدريس إلا الفقه والأصول. 6 - العلوم التي يدرسونها أما العلوم التي يدرسونها في هذا العصر فأول ما يقرءونه النحو والصرف والكتب التي يقرأها عرب الشيعة في ذين العلمين غير ما يقرأها فرسهم.
أما كتب العرب فأول ما يقرأ الطالب: كتاب الاجرومية، وهو متن صغير في النحو لابن آجروم المتوفى سنة 723هـ (1323م) والتصنيف حسن جداً. لكن الأطفال قد مسخته وشوهت ديباجته بما أضافوا إليه وما نقصوا منه لما انتهت نوبته إليهم. وبالجملة ليس لابن آجروم في كتابنا الحاضر إلا ترتيبه إذ لا تكاد تجد نسختين منه متفقتين في ما تحتويان من المسائل. ومن بعده (شرح قطر الندى) لابن هشام وهو كتاب جامع لكثير من أبواب النحو. والشيعة تقرأه منذ أزمان طوالٍ. فقد قرأه الشيخ يوسف البحراني على علي بن عبد الصمد سنة 1137هـ (1724م) كما في لؤلؤة البحرين والروضة لابن شفيع. ومن بعده (شرح الخلاصة) لابن الناظم وهو كتاب طويل يخسر فيه الطالب شطراً من عمره على غير جدوى. وقد قرأه ومتنه الشيعة من قديم. ففي إجازات البحار وفي منبع الإفادات تاج الدين عبد العلى قرأ علي محمد بن مكي الشهيد الأول كتاب الخلاصة لابن مالك سنة 770هـ (1368م) وهو يرويه عن مصنفه. وكذا الشيخ يوسف البحراني قرأ الشرح لابن الناظم سنة 1138 هـ (1725م) على أستاذ قرأه على آخر إلى المصنف. وفي السلسلة عدة من الشيعة كما في اللؤلؤة. والكتاب إذا قرأه عالم عصره يعلم أنه كتاب يدرس فيه. ومع هذا الشرح يقرءون شرح النظام في الصرف وقد يقرءون قبله كتاباً صغيرة في التصريف والصرف إلا أن الطالب لا يحتاج إلى قراءتها إن أتقن ما تقدم لما فيه من القواعد التصريفية والصرفية التي تكون كمدخل لهذين التاليفين. أما إذا أنهى الخلاصة فقد قرأ شيئاً كثيراً من الصرف فأن في آخرها باباً له. والواجب أن لا يقدم النحو عليهما. إلا أن عادتهم على خلافه. ومن بعد هذا يأخذون كتاب المغني لابن هشام ويقرءون من الباب الأول وشيئاً من الثاني واكثر الرابع واكثر ما في هذه الأبواب ليس من النحو في شيء. فالباب
الأول معجم صغير في اللغة ذو خطة مخصوصة وأما الثاني والثالث فكل ما فيهما جدال ونزاع ونقض وإبرام وعلل باردة يتعلم الطالب منها الجدل العملي اكثر من النحو. وقد قرأه الشيعة من قبل كما جاء في عدة من إجازات علمائهم. ومنهم الشهيد الأول قرأه وهو يرويه عن مصنفه. وكانوا قبله يقرءون (النكت) في النحو وقد قرء على ابن زهرة سنة 583هـ (1187م) (واللمع) لابن جني وقد قرء على علي محمد بن مكي سنة 770هـ (1368م) (والكتاب) لسيبويه وقد قرء على محمد بن إبراهيم وهو يرويه عن مصنفه. وأما الفرس منهم فيقرءون (جامع المقدمات) وهو مجموعة كتب فيه (عوامل) الملا محسن (والنموذج) للزمخشري (والصمدية) وغيرها من كتب التصريف والصرف والنحو. ثم شرح السيوطي لخلاصة ابن مالك. ثم شرح الجامي. فلا يفرغ هذا العربي والفارسي إلا وقد دفنا شبابهما في أعماق مغالطات واعتراضات قليلة الجدوى. وبعد هذا كله لا ترى هذين العلمين الآليين في دماغيهما إلا كالسيف في يد الخطيب. ومن عجيب أمر علم النحو أن لكل من المصري والتركي والهندي طريقة خاصة غير طريقة الأخر. ثم يشرع الطالب في علم المنطق ولا يقرأ من كتبه عندهم إلا حاشية الملا عبد الله وشرح الشمسية لقطب الدين. وإذا أراد التوسع قرأ شيئاً من شرح المطالع. وهذان الشرحان من الكتب التي كانوا يقرءونها سابقاً فقد قرأهما عبد الصمد والد البهائي على الشهيد الثاني سنة 959هـ (1551م) وكثير من علمائهم. وكانوا يقرءون (الجوهر النضيد) للعلامة ابن المطهر. - وهذا العلم قد حرمه جماعة من المسلمين حتى شاع بينهم: (من تمنطق فقد تزندق) ويقرءون مع هذا العلم بعض الرسائل الفقهية كالتبصرة للعلامة، والرسالة التي يضعها عالم الوقت لمقلديه ويسمونها (رسالة عملية) وبعد هذا يقرءون علم المعاني والبيان. ولا يقرءون من كتبه إلا المطول للتفتازاني واكثر الطلبة لا يقرأ
علم البديع منه وكان سلفهم يقرأ في هذا العلم (الفوائد الضيائية) وشرحها للمرتضى. وشرح المفتاح للسيد الشريف. والمطول. وهذا الأخير قرأه بن أبي جمهور الاحسائي سنة 900هـ (1494م) والشيخ يوسف البحراني كما في إجازتيهما وغيرها من علمائهم. ولي كلمة أقولها في هذا الكتاب وهي: إن عبارته أشكل من معناه، وفيه من النحو وفلسفته والمنطق وأدلته وغيرهما من العلوم اكثر مما فيه من علمي المعاني والبيان. ومعه يقرأ كتاب الشرائع في الفقه للمحقق وهو الكتاب المشهور عند الشيعة ذو الحواشي والشروح الكثيرة. ثم يشرع في أصول الفقه وأول كتاب يقرءونه منه (كتاب المعالم) للشيخ حسن وقد يقرأ قبله (المبادئ والمعارج) وكتاب المعالم فصيح العبارة سهل المأخذ يقرأ منذ أن صنف إلى اليوم. ثم الكتاب الأول من (القوانين) للميرزا القمي ويقرءون معه (شرح اللمعة) في الفقه. وهذا في المنزلة عندهم كالشرائع. ثم كتاب الرسائل في الأدلة العقلية للشيخ مرتضى الأنصاري. وهو العمدة في كتب الأصول. ويقرءون معه من كتب الفقه أما (الرياض) وأما (كتاب المكاسب) لهذا الشيخ. والرسائل والمكاسب كتابا نظر واجتهاد لا يتقنهما الطالب إلا بعد الكد والاشتغال الكثير. أما اليوم فقد شاع بينهم (كتاب الكفاية) للشيخ الأعظم الملا كاظم الخراساني. والكفاية كتاب رغب مشتغلوهم فيه لاختصاره وكثر مسائله وجودة مطالبه وصحتها. وهو جزءان: جزء في مباحث الألفاظ وآخر في الأدلة العقلية وقد قرأه عدة من المشتغلين وتركوا كتاب القوانين وقد طبع طبعة خامسة في إيران وبغداد. وفي ظني أنه بعد سنين يكون عليه المدار في علم الأصول. إلا أن عبارته مغلقة إلى الغاية ولو حرر هذا الكتاب وأفرغت مسائله في عبارات سهلة لما قرء غيره من كتب الأصول. 7 - حضور الدروس إن كان الطالب من ذوي الاجتهاد والتحصيل حضر الدروس الخارجية
عش وحيدا
فقهية كانت أو أصولية من حين قراءته للمعة والقوانين وألا حضرها بعد أن يفرغ من درس كتاب القراءة. ويبقى إلى أن يحصل على ملكة استنباط الفروع من الأصول وعند ذلك يكون مجتهداً. 8 - كلمتي الأخيرة هذه هي الآن طريقة التدريس وكتب القراءة عند الشيعة في العراق وقد يقرءون كتاب شرح التجريد للقوشنجي. أو شرحه من علم الكلام للعلامة. ولما لم تتوقف مرتبة الاجتهاد على درس هذا العلم لم يكن من العلوم التي يجب قراءتها على الطالب. والشيعة كانت تقرأ قبلاً كتب أخبار أئمتهم الأربعة: الكافي، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب. حتى أني لم اقرأ إجازة من إجازات علمائهم السالفين إلا ورأيت المجاز قرأ على المجيز هذه الكتب أو أجازه روايتها عنه إلا ما ندر والنادر كالعدم. أما اليوم فلا يقرأ منها شيء. وكذا قل عن كتب التفسير فقد كانوا يقرءون سابقاً (مجمع البيان). أما هذه الأيام فلا يقرءونها. وكذا علم التجويد فقد رأيت عدة من علمائهم كانوا يقرءون (الشاطبية) وغيرها من كتبه أما اليوم فقليل قارئوه. النجف: عراقي عش وحيداً تجرد ما استطعت وعش وحيدا ... إذا ما رمت أن تحيى سعيدا أرى الإنسان في دنياه يشقى ... إذا هو لم يعش فيها فريدا فأن سدت الورى وافاك هم ... لأنك قط لا ترضى العبيدا وإن تك بينهم عبداً ذليلاً ... تجد مولاك جباراً عنيدا فإرضاء الخلائق ليس سهلاً ... ولو أفنيت دونهم الوجودا لأن الخلق مختلفون طبعاً ... وطبعاً أن ترى فيهم جحودا محال أن ترى في الدهر خلاً ... وفياً عن ودادك لن يحيدا فكم من صاحب لي بعد عهد ال ... مودة والاخا نكث العهودا وصفو العيش تلقاه إذا ما ... تركت الأهل والخل الودودا وجبت الكائنات وأنت حر ... إلى حينٍ به تلقى اللحودا وليس بضائر إن قيل هذا ... غدا متوحشاً عنا شرودا إبراهيم منيب الباجه جي
المرأة المسلمة والتربية
المرأة المسلمة والتربية لا ريب في أن المرأة أدرى من الرجل في التفكير في المستقبل؛ وليس المراد بها المرأة العديمة التربية والعلم، التي يكون منها دثور البيت لا تعميره ومنبع التعاسة والشقاء في الأولاد لا سعادتهم، بل نريد بها المرأة الأديبة صاحبة التربية الحسنة ذات الأخلاق الفاضلة فهذه هي التي يجدر بها الالتفات، هذه هي التي تستحق أن تحل في قلب الرجل، وأما إذا كانت عديمة الآداب والمعرفة منحملة عن مكانة الشرف والإنسانية فليست هي متعة وظيفتها النسائية ولهذا إذا رأينا عدم اعتناء الرجل بالمرأة الجاهلة وعدم استشارته إياها فذلك لما كسبت يداها. وعليه كل امرأة أرادت أن تحفظ وظيفتها النسائية يجب عليها درس العلوم والآداب (قال نبي الإسلام) العلم فريضة على (كل مسلم ومسلمة) ويجب انتباه الأبوين إلى ذلك لأن الشيء الذي يحط قدر ابنتهما عن حالق ليس إلا الجهل. أن التهذيب والتربية الصحيحة من الأمور الضرورية للأم لأن عليها قوام البيت وتربية نشئها الصغار قابلون لأن يتخلقوا بأخلاق كثيرة وأدنى سجية يعتادها ترسخ في أطباعه فإذا كان يحفظ خصالاً رديئة وتربية فاسدة وقد نشأ وبلغ (درجة الرجولة)، فلا يمكن أن تجتث تلك من أصولها وتزول عنه فإذا ترك والحالة هذه ونشأ على تلك الأخلاق الفاسدة والطباع المنحطة يفسد بفساده الكون فنتج أن تعليم المرأة أمر ضروري اكثر من تعليم الرجل. المرأة العاقلة هي الحارس الأمين على الأولاد ومن الواجب اعتبارها كثيراً (لأن على ركبتيها تربية العالم) وعليها مدار الكون فالأب هو عضو القوة والعمل ونائب الأسرة (العائلة) ورئيسها فعلى الأب أن يقيدها في الأمور الخارجية ويجتهد على حفظها وعزها وأما المرأة فوظيفتها: المثابرة على الأمور الداخلية وغرس الآداب والسلام في قلوب من يحيط بها ويحوم حولها.
إن الرجل بقطع النظر عن المرأة غير كامل، كما أن المرأة ناقصة بدون الرجل ولا يكمل كل واحد منهما إلا إذا اجتمعا ويتقلد كل منهما وظيفته المنوطة به بدون اختلاس وظيفة الأخر. أن البارئ قد أعطى كلا منهما خصائص ومميزات وبنى لكل جسماً يوافق استعمال وظيفته: أعطى الرجل القوة والحماسة والجسارة والأقدام والثبات والوقار والأشغال الطبيعية الشاقة وأعطى المرأة اللطف وحركة الأفكار والإحساس الدقيق السريع والشعور الحي والحياء وقواها على الأعمال البيتية. فسعادة الرجل والمرأة أن يشغل كل منهما حيزه بدون اختلاس في الوظائف وتبادل في الأعمال وإذا تبادلا الأعمال والأشغال يحصل الاضطراب ويضمحل البناء ويخرب البيت وهذه كلها من النتائج اللازمة لتلك المقدمة وهاأنا امثل لك ذلك: أن الرجل لو أعطي الحياء والمرأة أعطيت الجسارة فماذا يحدث في بيتهما؟ قلنا لاشك انه يتلاشى. فآداب النساء هي عيوب للرجال نوعاً ما. فعلى المرأة أن تحفظ هذه المواهب وتمشي على سننها فالمرأة الأديبة الكاملة ليست هي الصامتة التي لا تبدي كلاماً قط؛ إنما المرأة الأديبة من كان حديثها بغاية العذوبة والرقة والظرف ومع ذلك لا يمكننا أن نقف على (الحقيقة) بالاختبار الشخصي أو الشفاهي إذا ليس الاختبار وحده علامة راهنة لمعرفة الآداب فيها بل أن أكبر علامة راهنة تكشف لنا الحقيقة فيها هي خصال أسرتها (عائلتها) وخصوصاً الوالدة فأن أخلاق الأباء تتصل بالبنين - وأما الآداب فأنها أيمر وراثي إذ تنتقل من الأباء إلى البنين. أن الذين لهم عيال وليس لهم روابط قوية تربطهم بالآداب المحكمة هم اقرب إلى الرذائل منهم إلى الفضائل فلذلك يجب أن نتفكر بمستقبل هذه العائلة وأول فكر يخطر بهذا الخصوص هو الخطوة الأولى في الحياة وفي السير إلى المجد والشرف والارتقاء فالرجل الذي يفتكر في عائلته رجل شريف والعائلة التي تهتم بفردها عائلة شريفة ومن سلب هذه الحالة فأن الشرف بوادٍ وهو بواد. نحن لا نبحث عن معنى العائلة اللغوي بتاتاً فهي جماعة صغيرة تتألف من والد ووالدة من بنين وبنات فلا جل أن يكون لها شرف ينبغي أن تكون الرابطة قوية
ينبغي أن نتذكر دائماً فنبث فيها التربية الصحيحة (ينبغي لكتابنا وعلمائنا ومدرسينا) أن يأتوا بالأساليب المهذبة للعائلات لتصلح في المستقبل تربية النشء الجديد وعلى الأخص البنات (والقرآن المجيد) يتكفل ببيان هذا المعنى فأنه (يوصي بالوالدين إحساناً وبالبنين تربية حسنة). أن اعظم شيء فيما أظن يقوي روابط العائلات هو التذكر أنه لا يليق بالحي إلا أن يكون عضواً نافعاً غير مهمل فمتى اعتقد المرء هكذا بنفسه تذكر أنه يجب عليه أن يصلح ما لديه من ولدٍ وزوجة ليجعلهم نافعين صالحين فأنا إذا أكثرنا النصح والتأليف والكتابة بهذا الصدد يكون مستقبلنا احسن من ماضينا لأن ماضينا غير محمود، ماضي الجهل، ماضي لعب الأطفال بالأزقة والطرق، ماضي جهل البنات بتدبير المنزل، ماضي جهل الوالدين بحفظ صحة الأبناء. أما المستقبل فيكون خيراً بفضل تقوية هذه الروابط واحب أن اذكر أن هذه الروابط لما كثرت في (أمة الإنكليز) كانت من الرقي والحياة بمكان لم يتسن لشعب أو أمة أن ينال مثله فالأمة الإنكليزية هي على ما تعلمون في سير حثيث إلى الأمام فانظروا كيف يجب أن تتعلم البنات، كيف يجب أن يتهذبن، ولكن يجب أن يحدد تعليم البنات، لأن الكلمة مطلقة المعنى فينبغي أن لا ترسل إرسالاً بل تحدد تحديداً. بناتنا يجب أن يتعلمن تدبير المنزل، يجب أن يتعلمن القواعد العربية والتاريخ، يجب أن يكن ضليعات في اللغات الأجنبية، فأنها تساعد على التربية الصحيحة والأخلاق الفاضلة وتعين على التبصر في الحقيقة. أن التعلم رابطة طبيعية إذا أهملناها أهملنا أنفسنا وإذا أتممناها نكون قد أخذنا لها قوة تدفع بها كيد من يريد كيدنا؛ فلو فككت هذه الرابطة وجعلتها في بعد عنك أصبحت كالعدم بالنسبة إليها وأنت وكل أحد يعلم مقدار ضعف الإنسان واحتياجه إلى التعليم والتهذيب فمن تذكر ضعفه ونقصه علم قيمة التهذيب والتعليم. لا ينبغي أن نلقي سمعاً للذين يقولون (أن بقاء الأولاد وعلى الأخص البنات على هذه الحالة هي خير وأبقى) لا ينبغي أن نلفت إليه بل ينبغي أن نلقي سمعاً إلى من يقول أن بقاء البنات على ما هن عليه الآن، عثرة في سبيل تقدمهن وارتقائهن، عثرة في
سبيل مصالحهن وتثقيف عقولهن، عثرة في سبيل كل ما يرفعهن إلى مكانة الارتقاء. كيف هؤلاء يقولون أن هذا التعليم مانع من الترقي؛ ويا ليتهم يأتوننا بمثال يصح أن يقال أنه مانع من الارتقاء. لماذا ينقم البسطاء السذج على البنات المتهذبات تهذيبهن؟ لماذا يسوؤهم ذلك؟ ولأي شيء ينكرون عليهن التعليم واكثر ما حوته الأماكن والأقطار من البنات عالمات ومتعلمات وليس بيننا إلا بعض الأقطار الفاسدة، العديمة التربية، الساقطة الأخلاق، المنحطة الطباع، التي نبذت التعليم ظهرياً وحرمته على البنات بتاتاً. أن هذه الأحلام والوساوس ناشئة من الضعف الأخلاقي، ناشئة عن ضعف في التربية، من نقص في العلم؛ لا بل من قلة شعور وإحساس ولا أغلو إذا قلت أنها ناشئة عن عدم تدين كيف وقد سبق ما تكلفه (القرآن المجيد) والسير النبوية. لا يعرف هؤلاء المتشدقون من تاريخ الإسلام شيئاً؛ هؤلاء نسوا أن للإسلام تاريخاً وعلوماً يضمن هذه المعاني ويكفل هذه الروح لو درسوا حقيقتها حادوا عن تلك الجادة المستقيمة. نحن لا نقول أن العلم وحده هو العلاج لهذا الداء لأنا نأتي بكلام غير صريح ولا يؤيده العقل؛ أذن فلنعمل على التربية مع العلم وأن ما نراه من سقوط العائلات وضعف الروابط منشأه فقد العمل مع العلم ليس إلا، منشأه عدم الاهتداء إلى الطريق الواضحة، طريق الخير والصلاح، طريق السعادة والنجاح. إذا عرفت أن سقوط البنت وعدم الالتفات إلى ما يصلحها ويرفعها إلى مكانة الشرف ويجلسها على كرسي السعادة هو سقوط عائلتها فلا شك انك تعرف أن الآداب والعيوب وراثية تنتقل بالوراثة. فالابنة الأصيلة تكون دائماً ذات حسب وشرف نفس فهي محمودة الفعال بحيث إذا كانت تريد أن تفعل منكراً ترى يداً غير منظورة تمنعها عن فعله. وكذلك تنظر إلى أمثالها فترى أنهن لم يفعلن ما كانت مزمعة أن تفعله فتقتدي بهن والاقتداء بفعل المعروف يساعد على ترك المنكر وكذلك خوفها من أن أحداً من أهلها يقف على حقيقة أمرها فيسوئها ذلك وقد يكون فعلها المنكر ضرراً محضاً يقع على رأسها. فكل هذه أسباب تمنع الابنة الأصيلة عن فعل القبيح وتساعدها على حفظ
شرفها فتتحمل من الرجل السيئ الطباع والخلق ما يصدر منه ولا تبدي في ذلك كلاماً لم يجاورها. ونريد بالابنة الأصيلة من تربت ونشأت في حجر عائلة لم يسمع عنها قط أمر قبيح ولسنا نريد بها الشريفة الغنية لأنا نشاهد أحيانا أن بعض العائلات وإن كان منسوبا إليهم الشرف قد يفعلون أفعالاً غير لائقة بشرفهم كما نرى من الأغنياء من لا يربون تربية حسنة. أذن لا يدخل الشرف والغنى في التربية، بل الشرف والغنى في الأدب إذ بدون الآداب ينحط الشرف ويتلاشى الغنى والحاصل أن خصال العائلة هي الأمر العظيم وأن أهم عضو رئيسي في العائلة الذي يقتضي له الاعتبار والالتفات هو الأم لأنها تنقل عيوبها إلى الأولاد بسهولة اكثر من الرجل لشدة اتصالها بهم وممازجتها إياهم سيما وهم في دور الطفولية التي يكون فيها المخ طرياً فترسم فيه العيوب بسرعة والأم توصل عيوبها إلى ابنتها اكثر من الولد لأن اكثر حياتهما معاً فكما أن الأم تورث ابنتها الحياة تورثها أيضاً الخصال. ومن المتحقق أن الوداعة والتعقل وجميع الخصال الحميدة تبرز من عائلات مخصوصة كما أن قلة الأدب والشقاوة والرذالة والنذالة وجميع الخصال القبيحة تصدر من عائلات مخصوصة أيضاً ولا سيما من عائلة الأم لأن العرب تقول (ولد الحلال يشبه العم والخال) وفي المثل العامي (ثلثين الولد من خاله) أنا كثيراً ما نشاهد أن الرجل إذا احب الاقتران بزوجة فأن أول ما ينظر إليه هو الجمال الذي هو حسن صورة أعضاء الجسم وتقاطيعه سيما الوجه بحيث يكون كل منها في غاية الظرف بالنسبة إلى الذوق البشري في الهيئة البشرية وهذا الجمال يميل إليه الإنسان ميلاً طبيعياً لأن من خواصه حب الجمال. والحاصل أن للجمال شاناً خطيراً مودعاً في قلب الإنسان. أما العاري منه فلا يحوم حوله طائر الغرام. فيا أيها السامع تأمل واحكم واقرأ واعجب ومثل نفسك كأنها في رياض تفتحت ازهارها، وتنوعت ثمارها، وأينعت أغصانها وأشجارها، وغرد قمريها وهزارها فاختالت لديك حسناء ممشوقة القوام، مدنرة المحيا، بسامة الثغر، دعجاء العينين، قوسية الحاجبين، دجوجية الشعر أو هي
كالتي قال فيها واصفها: لها مقلة كحلا وخد مورد ... كان أباها الظبي أو أمها مها. فما يداهمك عندما ترى أول وهلة صاحبة تلك الصفات؟ أما يستفزك الشوق؟ فتقف على قدميك بقوة غريبة مدهشة وترى قوة كهربائية تجذبك نحو تلك المحاسن المسبوكة في تلك الذات اللطيفة وتنتظر منها أمراً كي تفدي نفسك دونها؟ الست بعد هذا الميل الغريب تتقدم وتساجلها بالكلام فتعرض عليها كل ما يهمها. فإذا كان جوابها: (تنح عني واتركني وشأني) وماذا يعنيك من أمري؟ فماذا يكون أثره عليك؟ ماذا يا ترى تكون احساساتك الأولى؟ أظن انك تفقد نصفها وأما النصف الأخر فيبقيك جالساً على قدميك أمامها نصف ساعة وأنت تتأمل في وجهها وتراه عبوسا يضطرب من اقل كلمة وتظهر عليه هيئة الغضب في كل لحظة، تراها مفتخرة بنفسها متعجرفة خفيفة العقل متلاعبة جاهلة. . . وإذا أوردت لها نوادر مضحكة وحكايات عقلية ترى وجهها (على حالته الأولى وفي سمته الأول) لا يتغير عما هو عليه فكأنه قطعة دم جامدة لا تتحرك أو صخرة صماء. وإذا ابتدأت أن تخبرك، ترى في أخبارها فتوراً أو برودة بل عدم تعقل لا بل قلة أدب. فماذا يكون من احساساتك عندما تشاهد ذلك؟ وما تظن بهذا الجمال الباهر العقول؟ وأظنك تفضل خروجها من رياضك على مكنها وأنت تنظر إليها فتشاهد بعد زمان عكس ما شعرت به أولا ومع ذلك فجمالها باق فما الذي غير حالك وجرح عواطفك؟ أظن الذي جرحك كونها خالية من الفضائل عارية من التربية. صور نفسك مرة ثانية بهذه الرياض وتلك الأزاهير وهاتيك المياه والبساتين وقد وافتك فتاة أخرى إلا أنها بمنظر معتاد وتقدمت إليك بوجه هش بش خاضعة رأسها خافضة عينيها خجلا وحياء وكلمتك بصوت خافت وحديث مملوء من الرقة والعذوبة نظيفة الجسد والثياب لطيفة الحركات فصيحة المنطق موزونة الكلام أن سألتها أجابتك جواباً يشف عن المعاني الرقيقة فماذا تكون احساساتك عند ذلك؟ لا اشك أن تلك الشواعر المضطربة والعواطف
الاشتيار
المجروحة في المرة الأولى عند نظرك الفتاة الأولى تتحول وتتنقل إلى هذه الثانية وتسامرها وتساجلها بالكلام المليح وتحول نظرك عن تلك الأولى. فنتج عن ذلك أن الجمال الحقيقي هو خلاف الجمال المعروف والجمال الحقيقي هو اعتبار الهيئة الباطنة لا جمال الصورة فالوجه البشوش اللطيف فيه كل الجمال وهو الذي يحبه المحبون فالبشاشة واللطف يدلان غالباً على قلبٍ سليم خالٍ من الغش والسوء. أما الوجه العبوس المضطرب فيدل على قلبٍ مملوء من الحقد والاعوجاج لا يخامره سوى الأفكار المحزنة، فمهما كانت تقاطيع الوجه فليس لها اعتبار إذا كانت خالية من الوداعة والبشاشة. أن ذوات الجمال الصوري جاهلات متعجرفات قد عودهن الأباء منذ نعومة أظفارهن التربية الفاسدة والأخلاق الذميمة وحب الذات حتى أن اغلبهن يخفن على جمالهن فلا يلتفتن إلى علم ولا فضل ولا أدب ولا شغل فيبقين جاهلات أميات مغفلات. وقصارى الأمر نهتف بلسان الدين وننطق بلهجة صادقة ونقول أن من الواجب انتباه الأبوين إلى تربية أولادهما تربية حسنة وأن يحترزا من وقوع أبناءهما في حبالة الجهل المظلم وأن يعوداهم طهارة الوجدان وصدق اللسان والأفعال الحميدة فأنها هي الجمال الحقيقي وأن لا يقفا عقبات في سبيل ما يصلحهم كما نشاهد مثل ذلك في أباء هذا العهد. وعسى أن لا يدوم هذا المانع حباً للدين والوطن والخير العام! النجف: محمد باقر الشبيبي الاشتيار أو جمع العسل في ديار الكرد 1 - توطئة بلاد كثرت خيراتها، اشتهرت بخصبها، ووفرت حاصلاتها، وامتازت عن غيرها، بكثير من جلائل الأمور الزراعية، حتى باتت البلاد الراقية تحسدها على ما منحها الله من جودة التربة، وحسن المناخ، وغزارة المياه، وما أودعته فيها الطبيعة من الأسرار، ولكن أين الرجال العاملون الذين وهبهم الله شعوراً
ورحمة بالأقوام ليستفيدوا منها، ويشاطروا البلاد الراقية في زراعتها، وتأخذهم الغيرة على منافسة الأمم المتمدنة في جليل الأمور وحقيرها، حتى يأمن مجتمعهم نوائب الدهر وصولاته، لا بل ليرفعوا منزلة وطنهم فوق السماكين، أجل! أن هذه البلاد التي توفر فيها كل شيء لفي حاجة شديدة إلى رجال غير يعملون لمصلحة اوطانهم، ويحسنون استعمال ما فيها من القوى المادية والأدبية، فيسعون إلى تقويم مرافق البلاد الاقتصادية، بيد أن ذلك لا يكون إلا بالالتفات إلى الزراعة التي هي مصدر الحضارة ومادة الشعب إذ من ينابيعها تدفقت الثروة على الأمم من قبلنا وتتدفق عليهم من بعدنا، ولهذا عنوا بها عناية كبيرة ولو جاراهم أهل بلادنا لما مضى ردح من الزمن إلا وأصبحت ديارنا في مقدم الأوطان رقياً وحضارة والذي نوجه إليه أنظار القراء ورجالنا هو العسل في بلاد الكرد وكيفية اشتياره أو جمعه هناك فأنه والحق يقال من أهم الأمور الزراعية وأخطرها، فلو أن من بيدهم الحل والعقد أرسلوا إلى تلك الربوع رجالاً درسوا في معاهد أوربا الزراعية الكبرى صناعة جنى الشهد ثم جاءوا إلى أصقاع الكرد فعلموهم كيفية اشتياره على الأصول الحديثة، والقواعد الفنية المتبعة عند الأمم الناهضة لحصلت الأمة في وقت قصير على فوائد جمة، ولكانت تلك المواطن في حالة هي أرقى منها اليوم من الوجهة الاقتصادية، ولا بأس إذا لمحنا بمقالنا هذا إلى ما يفعله الأكراد عند جنيهم العسل على الطريقة المتبعة عندهم منذ القديم، ليقيس أهل الفن والخبرة على ما يجري من هذا القبيل بين الأقوام الراقية، والأقوام الباقية على فطرتها في الصناعة. 2 - أقسام العسل وقيمه ينقسم العسل إلى قسمين من حيث جودته ولذته: (الشهدة) وهو الذي استخرج منه الشمع، أو الذي لا اثر له فيه، و (الخام، أو عسل بكورة) وهو الذي لم يستخرج منه الشمع، واحسن عسل في ديار الكرد (عسل تيارية) - وهي بلدة تبعد عن الموصل أربعة أيام - ويأتي بعده في الجودة واللذة واللطافة (عسل رواندوز) وبعد هذا (عسل الجزيرة) - جزيرة ابن عمرو - وأثمانه
تختلف في بغداد بكثرة الوارد منه إليها وقلته، وجودة الموسم ورداءته، فعسل التيارية إذا قلت كمية الوارد منه ربما تجاوز ثمن الكيلو غرام 6 غروش صحيحة، وإذا كان الوافد منه كثيراً ربما تنزلت قيمته إلى 5 غروش فما دون وعسل رواندوز على قلة الوارد منه يساوي ثمن الكيلو غرام منه 4 غروش وعند كثرته يهبط سعره إلى 3 وعسل الجزيرة إذا كان موسمه جيداً والمحاصيل وافرة تهبط قيمة الكيلو إلى 22 وقد بيع منه في أسواق بغداد في ربيع سنة 1908 ب 3، وأما إذا كان الموسم رديئاً فتتصاعد أثمانه إلى 3. وقد أمدنا أحد تجار العسل في بغداد بما جاء الحاضرة من العسل على طريق الموصل قال: كثرة العسل وقلته تابعتان بالطبع جودة الموسم ورداءته واليك معدل الوارد منه في خمس سنوات على وجه التقدير بالكيلو غرام: سنة 1908سنة 1909سنة 1910سنة 1911سنة 191225. 00030. 00018. 00028. 00024. 000 عسل تيارية15. 70014. 20016. 80012. 88010. 750 راوندوز6. 0007. 90010. 1009. 4505. 460 الجزيرة46. 70052. 10044. 90050. 330 40. 210فأنت ترى أن منفوقات سنة 1909 اكثر بكثير من منفوقات سائر السنين وارداً السنوات هي سنة 1912، إذ أن منفوقاتها لا تكاد تذكر بجانب منفوقات السنين السابقة، ومنشأ ذلك - على ما قيل - ظهور دويبة كثيرة الشبه بالذبابة أكلت النحل فأبادت أكثره في بعض القرى، وعسل التيارية مشهور بشدة بياضه ولطاقته فهو احسن ما يكون في ربوع الكرد، ولا يستخرج منه شمع كثير، وأما عسل راوندوز فلا يؤكل إذ لا يستخرج منه الشمع ومثله عسل الجزيرة فهما إذا يكونان مائعين بعكس العسل التياري الذي هو عبارة عن قطعة واحدة صلبة.
3 - كيفية جمع العسل أو الاستشيار للأكراد مهارة عجيبة بجمع العسل واستشياره متبعة عندهم منذ العهد العهيد إلا أنها ويا للأسف بدون قواعد فنية. وخبرة علمية ولسوء تدبيرهم يعرضون نحلهم للهلاك ولو أنهم زادوا على عنايتهم بدويبات النحل وشغفهم بترتيبها اتخاذ الوسائل العلمية لذلك لتضاعفت حاصلاته وكثرت خيارته والنحل هناك قسمان: أهلي وجبلي. فالأهلي هو الذي يصطاده الاهلون من مغاور العسل في كهوف الجبال والأودية فيولد عندهم ويستدرون عسله ويستفيدون منه كما يستفيد الزارع من حدائقه وحقوله والفلاح من ماشيته وأنعامه. ولهذا السبب ترى في تلك المواطن أسراً كثيرة لا شغل لها إلا تربية النحل وخدمته وهم من عسله يرتزقون بل قل يعيشون عيشة مرضية وكثيراً ما نرى هناك أناساً أضحوا أغنياء من ذوي الأملاك والمزارع والقرى من وراء ذلك وكيفية تربيتهم النحل وجنيهم عسله يكون على الوجه الآتي: أن كل من يملك 1000 نحلة فاكثر يضعها في خلية (سلة) يشبه راقود أي (حب) يكون قطرها الأسفل غالباً قراب 45 سنتيمتراً ويتراوح قطرها الأعلى بين 15 و20 سنتيمتراً ويكون طولها متراً، وهي في اكثر الأوقات معمولة من عيدان (الطرفاء) يطلى ظاهرها بالطين الأحمر ويجعلون لكل خلية ثقبين: الواحد وهو الكبير في قاعدتها أو أسفلها والأخر وهو الصغير في قمتها أو أعلاها ومن هذا تدخل النحلة إلى داخل القفير فتعسل فيه؛ ويكون عسلها على قطر الخلية الأسفل فيجيء بشكل نصف دائرة، ويتراوح ثخنه بين 35 و40 سنتيمتراً وعندما يعلم صاحب الدويبات أن الكوارة ملئت عسلاً يأتي فيفتح الباب من قاعدتها ويأخذه وهو على تلك الحالة ويدع شيئاً قليلاً تأكل منه الدويبات ويطلق على مجموع الدويبات في العسالة اسم (شلح) وهو الثول بالعربية الفصحى وللدويبات في كل سلة رئيسية أو ملكة وكان العرب يظنون أنها ذكر واسمه عندهم اليعسوب والخشرم إلا أن البعض منهم ظنوا أنها أنثى كما صرح به ابن سيده في كتابه المخصص. والنحل - تتبع الملكة إلى حيث حلت وارتحلت، وأما أوقات تعسيلها فيبتدئ من آذار - (مارس) إلى حزيران - (يونيو)، أي
طول أيام الربيع. 4 - النحل الجبلي أو البري النحل الجبلي هو خلاف الأهلي ومأواه الجبال والوهاد وكيفية الوصول إلى مكمنه ومحل تعسيله يكون على الصورة الآتية: لما كان هذا النحل يأوي إلى أشجار الجوز والتين الكبار يخرق في جذوعها ثقوباً صغيرة يدخل منها فيجوفها ويعسل فيها فكان هم الأكراد ترصدها على عيون الماء فإذا أتت النحلة لترد الماء راقبوا حركاتها وامتطوا ظهور خيولهم السريعة الجري ولحقوا بها مسرعين وهي طائرة حتى تدخل الشجرة التي تأوي إليها فيأتي الأكراد ويحفرون حفرة أمام الشجرة التي فيها مباءة النحل ويوقدون فيها ناراً حامية، ويدون مثقب الشجرة بخلية وحينما يعلو الدخان ويتصاعد وينفذ قسم منه داخل الشجرة تهيج النحل وتموج فتروم التخلص من الدخان الذي يكاد يخنقها فلا تجد طريقاً غير الثقب فتخرج منه منذهلة فتقع في الخلية فيصيدها الأكراد، وإذا علموا أن جوف الشجرة خلا من النحل شقوا ساقها واستخرجوا العسل من باطنها. وفي بعض الأحيان يأوي النحل إلى مغاور في الجبال فيأتي الأكراد إليها ويخاطر أحدهم بنفسه فيغطي بدنه كله بجلد من جلود المعز ولا يبقي من جسمه إلا عيناه فينزل إلى تلك المغارة ورفقاؤه يدلون له دلواً فيملأه لهم عسلاً شهداً فيجرونه ويضعونه في ظروف ويكرر هذا الفعل مراراً إلى أن ينفذ ما في داخلها وإذا أراد الخروج شد حبل الدلو في وسطه وجره أصحابه إلى خارج. وهناك علامات غير هذه وهي انهم يستدلون على وجود العسل والنحلة في الأشجار بالدب والدب مغرم بالعسل وهو يعرف الشجرة المملوءة عسلاً من الفارغة منه، فيأتي إليها ويمتص من ثقبها العسل فإذا رآه الأكراد قريباً من إحدى الأشجار علموا أنها مملوءة عسلاً فيطردون الدب ويتخذون لاصطياد النحل واستخراج العسل تلك الحيلة التي وصفناها آنفاً. 5 - حقائق عن النحل حكى لنا الذين أخذنا عنهم ما كتبناه حقائق نورد بعضاً منها إيقافاً للقارئ عليها قال: إن مرعي دويبة النحل أثمار التين وسائر الفاكهة والأزهار
بجميع أنواعها. ولذة العسل تابعة لمناخ الإقليم وجودة أثمار أشجاره، وكلما كان الإقليم جيد الهواء، عذب الماء، كثير الأشجار والأزهار، ازداد العسل حلاوة ولذة ورونقا، وأي قسم من أثمار كل إقليم يغلب على غيره بأثماره تجد طعمه ورائحته فيه، ولذلك تشم في عسل شهرزور وكركوك رائحة البرتقال لأن النحلة ترعى هناك فقاحه، وهكذا قل عن كل قطر فأن القطر الذي يغلب فيه ورد البنفسج مثلا على بقية الأزهار يشم من عسله رائحة تشبه رائحة البنفسج وقس على ذلك بقية المواطن، قال: وخلايا العسل توضع في غرفة مسدودة الأبواب والمنافذ فيها ثقوب صغار تروح منها النحلة وتغدو، ويكون أمام الغرفة أشجار، وفي بعض الأحايين تغضب على أصحابها وتطير وتجعل الشجر الذي أمام غرفتها وكراً لها فتقف على غصن منها مجتمعة فيأتي صاحبها متخفياً ويقطع ذلك الغصن بمنشاره ويأخذ الغصن ويدخله بسرعة في مشوارة كان أعدها لمثل ذلك الوقت فيحبس النحل فيها، وربما عمل غير ذلك، وهو أن يأتي بعميرة طلى ظاهرها وباطنها بالدبس ثم يلقيها على الأرض فيتهافت عليها النحل لأنه يميل إلى الحلوى فيدخلها من باب مفتوح وللحال يسده صاحبها. وقيل إذا غضبت النحل ولم تر أمام غرفتها شجرة تأوي إليها حلقت في الجو فلا تنزل في وكرها ومأواها إلا بعد أن يدق لها صاحبها بالطاسات أو بشيء يسمع له دوي في الفضاء، ومما يذكره عن النحلة إنها إذا لسعت الإنسان تورم جلده وربما هيجت فيه القيء لأن لسعها كلسع العقرب، وإذا اجتمعت النحلة على عصفور قتلته. والزنبور المعروف في العراق يقتل النحلة ويأكلها. 6 - عسل هوزومير هوزومير قرية تبعد عن شرقي زاخو يومين وهناك نهر يسمى (الهيزل) يدفع ماءه في الخابور بالقرب من زاخو والخابور يصب ماءه في دجلة بالقرب من قرية (بيش خابور) وهذا النهر يمر بين جبلين شامخين وفي الجانب الأيمن منه في أعلى قمة الجبل مغارة عزيزة المنال لا يمكن الوصول إليها وهي مملوءة عسلاً شهداً فيتخذ الأكراد هذه الوسيلة الآتية لاستخراج العسل منها وهي انهم يمدون
الماء في النجف
جسراً على الماء فيصلون إلى اسفل المغارة وهناك يمدون آنية وقدرواً كثيرة وبعد أن يفعلوا ذلك يعودون إلى الجبل الأيسر المقابل للمغارة فيرمون من موطنهم حجارة تسقط على ما هناك من الخلايا الظاهرة المملوءة عسلاً وتدهور ما فيها من الشهد في الآنية المعدة لقبوله آنية وضعت عند أسفل فوهة المغارة فإذا تم ذلك أتى الأكراد واخذوا ما وقع فيها ويقولون أن عسل تلك المغارة من ألذ ما يكون في ربوع الكرد، ومما هو جدير بالذكر أن أولئك الناس يستخرجون العسل من تلك المغارة من مدة 200 سنة على تلك الصورة وهو لا ينفذ وربك عليم فوق كل ذي علم. إبراهيم حلمي الماء في النجف النجف لم تسم بهذا الاسم ألا لعلوها عما يجاورها من الأرضين. لأن النجف في اللغة الأرض المستديرة المشرفة على ما حولها وتعلو هذه المدينة عما حواليها لا يصل إليها ماء البتة لأنها غير راكبة على نهر ولا على مجرى ماء عذب وأرضها كلسية البنية في بعض الإنحاء ورملية التركيب في الجهات الأخرى. وهي تبعد عن الشريعة (وهي فرضة من فرض الفرات الواقعة في جانبها الشرقي) ستة كيلومترات ويرتفع سطحها عن مصب النهر المذكور 34 متراً. ومن هذا الوصف المجمل يتضح لك أن النجفيين قاسوا من أعذبة العطش أمرها وذلك منذ العهد الأول من سكنى الناس إياها أي منذ بدء الإسلام إلى يومنا هذا. وقد كانت مياه الفرات تتدفق في سابق الزمن في موضع قريب من هذه المدينة فتتجمع فيه فنشأ هناك بحيرة عرفت باسم (بحر النجف) ولكون الأرض رملية كانت تلك المياه تمتزج بها فيجيء الماء ملحاً وقد سد منفذه
في عهد السلطان عبد الحميد لتزرع تلك الأراضي بعد انحسار الماء عنها فنشف اغلب ذلك البحر وزرع جانب منه فانتفع به بعض الناس. وفي الجانب الغربي من البلدة المذكورة سفوح وشعاب عليها آثار تدل الباحث على أن هناك كانت المياه تتلاطم. وهذا ما يؤيده تاريخ علم طبقات الأرض الذي يصرح بأن البحر كان ينقطع عند تلك الصخور القديمة. وقد نبه على ذلك علماء الإفرنج في كتبهم التي تبحث عن هذه الديار وقد سبقهم إلى ذكر هذه الحقيقة العرب. قال ياقوت في مراصد الاطلاع في مادة الحيرة: (أنها على ثلاثة أميال من الكوفة على النجف. زعموا أن بحر فارس كان يتصل بها). وليس في النجف نفسه ما يرشد الباحث إلى أن الناس سكنوه قبل الإسلام والظاهر أن اغلب من توطنه جاء إليه بعد الحنيفية بقليل لوجود قبر على بن أبي طالب فيه ومجاورة محبيه له. ولما كان الماء من أول واجبات الحياة بل وقوامها الأعظم. وتلك الأرض خالية منه سعى كثيرون في نقل الماء إليها بوسائل مختلفة منهم بالقرب ومنهم بالآنية ومنهم بحفر الأنهر وشق القنى. وممن ذكر التاريخ اسمهم بالشكر والمديح بنو بويه فانهم طلبوا الماء في أعماق الصخور فثقبوها حتى بلغوا أحشاءها وحفروا فيها آباراً واسعة بعيدة الغور حتى وصلوا فيها إلى 60 متراً ولكن لما رأوا أن الماء لم ينبط وأنه وراء تلك الصخور بمئاتٍ من الأذرع وبقيت تلك الجباب الفارغة من أبين الأدلة على ما لبني بويه من بعيد الهمة وفي نحو سنة 662هـ - 1263م حفر علاء الدين عطاء الملك الجويني عامل بغداد من قبل هولاكو نهراً شقه من الفرات إلى النجف وما أبطأ أن ردمته الرياح الساقيات. ولما اخذ الصفويون يشيدون بعض المباني والمعاهد والدور المكينة في النجف وانشئوا الصحن والحضرة على الطراز الحالي تضاعف سكان البلدة لكثرة ما جاءها من العملة والصناع ولتحسن سكناها فقدم إليها زرافات من الأمامية لمجاورة تلك البقعة فاضطر الشاه إسماعيل إلى حفر فقر سنة 914هـ - 1508م
سموها (قناة) لكي تمد السكان بالماء الكافي للشرب وهي نفس القناة التي كان حفرها علاء الدين عطاء الملك الجويني وسماها (نهر الشاه) إلا أنه لم يجيء عذبا سائغاً لأن ماء الفرات كان يختلط بماء الآثار فيأخذ منه شيئاً من الملوحة ويصبح أجاجاً فيضر ولا ينفع. وقد قال أحد سواح الفرنسيس في صدد ماء النجف وحفر قناةٍ له ما هذا تعريبه: إن أرض (مشهد علي) في غاية النشف واليبوسة حتى انه لا يمكن للإنسان أن يتصورها. ولا يرى هناك الرائي إلا مشاهد هائلة وأكواماً من الرمال تلهبها الشمس لهيباً في أيام القيظ. وكان يضطر سكان هذا الموطن سابقاً إلى أن يذهبوا إلى الفرات ليأخذوا منه الماء. لكن منذ مدة 15 سنة (أي في سنة 1793م - 1208هـ) ابتنى أخ ملك المغول قناةً كلفته مبالغ باهظة ومع كل ذلك لم يتمكن البناة من أن يجعلوها على ما كان في خاطرهم لكثرة ما ينتاب المدينة من زوابع الرمال التي تثيرها الرياح إثارة شديدة وتذريها بعد ذلك حتى إنها كانت تردمها ردماً لولا أن الموكلين بحفظها يعنون بتنظيفها كل سنةٍ. ولهذا بقيت مسألة جر ماء النجف من الفرات من اعقد المسائل بل اعقد من ذنب الضب فلما رأى ذلك صاحب المكرمة علامة عصره أبو الطائفة الجواهرية الشيخ محمد حسن، انتدب المثرين وأهل اليسار من الفرس ليشقوا نهراً يروي الظمأى ويسقي الأرضين ويلطف حرارة الهواء ويفرش الأرض بساطاً من الخضرة فأمطر عليه أهل المال الأصفر الرنان تلبيةً لطلبه وشرع يشق النهر وكان العملة مئاتٍ بل ألوفاً وكان هو يقوم بينهم وينشطهم في أتعابهم بأنواع الوسائل وهم يفرغون كل جهدهم في تحقيق أمانيه باتخاذ
ضروب الآلات والأدوات لتفتيت الحجارة وقلع الصخور من مواطنها واستعملوا لهذه الغاية البارود الناسف وبذلوا كل ما في ذراعهم من القوة وما في قلبهم من الشغف بالأئمة ليخرجوا الأمنية من عالم الخيال إلى عالم المثال حتى بلغوا في سعيهم ما لم يبلغه من سبقهم. ثم جاءوا بحراقة ركبها الشيخ وكان الجمهور المثالب على ضفتي النهر يصفقون لكونهم ظفروا بما لم يظفر به أجدادهم من علو الهمة وبعد الغاية وكانت مياه الفرات تتدفق وتتدافع وتتصافق كأنها تشترك بهذا الفرح وتهنئ الفائزين بفوزهم المبين ومازالت الحراقة تسير والماء يحملها حتى وصلت باب النجف فإذا الأرض أعلى من مشق النهر فوقفت لوقوف الماء. وتولى الفرحين من الحزن والكآبة ما لا يصفه قلم واصف وبقيت فوهة ذلك النهر مفغورة فغر فم الأخرس يحاول النطق ولا يستطيع وأخذت السافيات تدفن فيه الآمال بل القلوب ولم يبق من ذاك المشروع الكبير إلا الأثر وهو يسمى اليوم (كري الشيخ) (وتلفظ غالباً بالجيم المثلثلة المكسورة وكسر الراء والياء) ذهب قوم وجاء قوم آخرون وودوا من جديد تحقيق جر الماء إلى النجف فجاء السيد (أسد الله) وهو من كبار بيوتات أصفهان ونحت في باطن الأرض سوهقة (أي كاريزاً) وركب عليها طاحونتين. وارصد لهذه المبرة ما يكفل بقاءهما من المبالغ لإصلاح ما يقع في مشروعه من الخلل على توالي الأيام. ولكن ما لبث أن دخل في خبر كان كما دخل غيره فيه. وفي أيام السلطان الخليع عبد الحميد خان خط نهر ضيق في الجهة الشمالية من البلدة وسمي (بالحيدرية) ولم يفد اكثر ما أفاد غيره. لأن كثبان الرمال كانت تنهال على مشقه عند هبوب الرياح فكانت تردمه ويصبح كأنه سنام البعير. فلا يمكن للماء أن يتعداه فلما انتبه أولياء الأمر لهذا الحادث الذي لا محيد عنه غرسوا أشجاراً على مجاريه لتقف في وجه الرمال وتصدها عن مهاجمتها له وتكون بمنزلة الأسداد ولبث الموكلون بهذا الشان يتعهدون أشجار الصفصاف بالسقي حتى كلوا وملوا فذبلت ويبست وعاد كل شيء إلى حالته الأولى وأصبحت تلك السوهقة في حمارة القيظ مقر الدويبات والحشرات ومستنقعاً تغزر فيه الأقذار والأدران. وأصبح ماؤها ضاراً لا نافعاً بل أصبحت كبدن المسلول أو
المحموم تارةً يعرق فيسيل رشحه فيغدو ذاك الماء مع ما يرسب فيه عصيدة وحلة لا اسم لها ولا وصف. وطوراً يضطرم ذاك البدن فيجف قطره فيصبح صلصالا لا تعرف حقيقته. فمما تقدم بسطه يتبين للقارئ أن لا علاج لهذا الداء العضال سوى أمر واحد وهو أن يتفقد الأرض أحد المهندسين البارعين ويخطط فيها نهراً يختلف غور حفره باختلاف ارتفاع الأرض وانحدارها ويقيم على فغرته آلة بخارية تغترف الماء. من الفرات وتدفعه دفعاً عنيفاً إلى مندفقه. ويقوم بالنفقات أحد الرجال الأغنياء أو إحدى الشركات ينشئها أبناء النجف وحينئذٍ تتحقق الأمنية فيسقى النجفيون ماء سلسبيلا ومحقق هذه الأمنية يجلب لنفسه كل محمدة فيجمع فيها شرف البويهي والجويني والصفوي والمغولي والجواهري والأصفهاني والعثماني فيفوز بقصب السبق وحده دون غيره وبخدم الوطن خدمة لم يسبقها سابق ولا يوجد اليوم في النجف رجل كبير محب خير الأمة مثل السيد العظيم الاقتدار جواد الكليددار فأنه اخذ على نفسه أن يؤسس شركة تجلب قساطل (أي أنابيب) من حديد ويحصل ما في الصدور من دواعي السرور على ما أشرنا إليه قبيل هذه السطور وقد منحتها بلدية مركز الولاية الرخصة بجلب الآلات والأنابيب وسائر الأدوات وتتعهد الشركة بدفع ربع الربع إلى البلدية فتكون الخطة على الوجه الأتي تقريباً: تجلب ثلاث معاون بخارية (مكائن) قوة كل واحدة منها 60 حصاناً. اثنتان منها تشتغلان والثالثة تبقى واقفة تشغل عند الحاجة إليها عند تضرر إحدى الدائبتين. وقيمة كل معينة من هذه المعاون 700 ليرة عثمانية. ويحتاج إليها من الأنابيب 10. 000 متر يكون قطر الأنبوب 12 قيراطاً (أي أنجاً) أو 30 سنتيمتراً ونصفا وقيمة كل متر من هذه القساطل ليرة عثمانية. وعليه تبلغ النفقات من أول غرش يصرف إلى آخره نحو 15. 000 ليرة أو 345. 000 فرنك. وإن بالغت في النفقات فلا تقل إنها تتجاوز نصف مليون فرنك وهو مبلغ لا يذكر
فوائد شتى
بالنسبة إلى النتائج التي يأتيها من أحياء الموات والموتى. وإذا أبت الشركة أن تتمم ما تعهدت بالقيام به فأن السيد جواد الكليددار ذو ثروة طائلة يستطيع أن يصرف وحده المبلغ المذكور بدون أن يصيب يسره أدنى خلل. حقق الله الأماني. وابعد عن أولي العزم أنواع التراخي والتواني! فوائد شتى أول إنجيل عربي طبع في حلب الشهباء إدعاماً لما ذهبنا إلينا من قدم وجود المطبعة في حلب الشهباء نقول: إننا رأينا عند يعقوب أفندي نعوم سركيس إنجيلاً مطبوعاً في حلب وقد جاء في آخر مقدمته: (اثناسيوس برحمة الله تعالى البطريرك الانطاكي وساير المشرق سابقاً) والكتاب خال من أرقام الصفحات وهذا الكلام يقع في الصفحة 6 منه وقد ناب عن الأرقام كتابة أول كلمة الوجه التالي في أخر الصفحة خارجا عن الإطار. وقد ورد في آخره: (طبع حديثاً بمحروسة حلب المحمية سنة 1706 مسيحية) فوائد لغوية معنى المراجل في قولهم: سوى أو عمل مراجل طلع أو بين أو روى (أي أرى) مراجل. وقع حديث بين أديبين مسلم ونصراني. فقال المسلم لصاحبه: هل فكرت في معنى قول وطنيينا: فلان سوى أو عمل مراجل، طلع أو بين أو روى (أي أرى أو اظهر) مراجل؟ التي يرادفها عند الفصحاء: (تظاهر بالعظمة أو بما يكسبه فخراً أو عزاً أو كبرياء أو تفتح في الكلام أو تطاول به فتحة أو أراه ما يفتخر به؟ - قال: لا - قال: إن هذه العبارة ترتقي إلى عهد الانكشارية فانهم كانوا إذا أرادوا مقاتلة العدو اتخذوا المراجل وهي القدور (أو الدسوت) الكبيرة وأخرجوها معهم لكي لا يحتاجوا في الطريق إلى طلب الطعام من أهل البادية أو من غيرهم
ولإشباع من ينضوي إليهم وأرهاباً للعدو. فكانت تلك المراجل دلالة على سعة حالهم ورفاهية عيشهم. هذا ولم يكونوا يفعلون ذلك الفعل في ولاية بغداد فقط بل في جميع المواطن التي كانوا يحتلونها أو يوجدون فيها قال البستاني في دائرة المعارف في مادة انكشارية (539: 4): (فكنت تسمع في ساحة (آت ميدان) أصول طبول الانكشارية العظيمة وترى (المراجل) مصفوفة بالترتيب أمام القشلة لأجل جمع المتفرقين من الانكشارية من بيوتهم ودكاكينهم). فلما شاع ذلك عن الانكشارية أصبح إخراج المراجل إلى الخارج بمعنى اطلاع العساكر وما تأكل فأن كان ما يخرج كثيراً اقتضى إخراج مراجل كثيرة ودل ذلك على قوة عظيمة. وإن كانت المراجل قليلة دلت على عساكر قليلة وقوة ضعيفة. ثم انتقلت العبارة إلى المعنى المتعارف أي بمعنى اظهر ما تتفتح به وما تتطاول به فتحة. واكثروا من ضم كلم إليها مختلفة المباني مؤتلفة المعاني فقالوا: صاحب مراجل وأبو مراجل وطلع (أي أطلع) مراجلك ورويني (أي ارني مراجلك) إلى غيرها. فلما أتم الأديب كلامه أذعن صاحبه لهذا التأويل ثم قال هذا لذاك: لقد أحسنت في الإفادة فهل تعلم أنت ما أصل معنى. (ضربة راشدي أو محمودي) بمعنى صفعه أو لطمه لطمة قال: لا. قال النصراني هذا الذي أراه: 2 - معنى ضربه راشدي أو محمودي الراشدي هو عند أهل العراق لحن أو مقام عالي النغمة واكثر ما يعرف في بغداد. ودونه علواً (المحمودي). فإذا قيل: (ضربه راشدي) فكأنه قيل: لطمه لطمةً يسمع صوتها كما يسمع الراشدي أو المحمودي أي من بعيد أي لطمة قوية وقد يبدلون كلمة (ضرب) بألفاظ أخرى مرجعها كلها إلى هذا المعنى كقولهم: شرفه أو جرخه براشدي أو داره براشدي (أي أدار صفحة وجهه بصفعته لقوتها) إلى آخر ما هناك. فلما وقف الأديب المسلم على ذلك قال: لقد توافينا في التأويل. وما علينا إلا أن نعرض ألفاظنا على أصحاب الحكم والتعليل، ليبدوا رأيهم ويظهروا ما فيها من دبير وقبيل.) قلنا: فأن كان لأحد القراء غير هذا الرأي فليبده والله الموفق لسواء السبيل. ي. ن. س
باب المكاتبة والمطارحة
3 - الجزمة بمعنى الخف والموق سألنا سائل: هل الجزمة كلمة عربية الأصل وإن لم تكن فبأي لسان هي وما الذي يقابلها في العربية؟ قلنا: الجزمة بجيم مثلثة فارسية وعربها المولدون المتأخرون بالجيم العربية هي لفظة تركية الأصل يقابلها بالعربية (الخف) وبالفارسية (موزة) التي عربها الأقدمون بصورة (الموق) قال ذلك صاحب (بهار عجم) وصاحب (برهان قاطع) وذكر ذلك بشواهد عديدة فلوس صاحب المعجم الفارسي اللاتيني الكبير. والظاهر من وصف العرب للموق أن الموق غير الخف. فالموق هو الجزمة حقيقةً. والخف ما يلبس تحته. قال في تاج العروس: (الموق: خف غليظ يلبس فوق الخف. فارسي معرب. قال الصاغاني: وهو تعريب موكه. هكذا قال. والمشهور (موزه). . . وقال ابن سيده: الموق: ضرب من الخفاف. اهـ وقال في الخف: (الخف واحد الخفاف التي تلبس في الرجل. ويجمع أيضاً على أخفاف. . . . وفي الصحاح والعباب: اغلظ من النعل. وفي الأساس: أطول من النعل. وهو مجاز). اهـ. وأهل بغداد يسمون الخف: يميناً أو يمنيةّ نسبةً إلى اليمن لأنه كان يؤتى بأحاسنها من تلك الديار. أو لأن اغلب المشتغلين بها كانوا من اليمن. ويجمعونها على يمنيات. واشتغال اليمانيين بالصنائع من قديم الزمان لأعراق حضارتهم. قال الأصمعي: افتخر إبراهيم بن مخرمة يوماً بين يدي السفاح باليمن. وكان خالد بن صفوان حاضراً. فلما أطال عليه قال خالد بن صفوان: وبعد فما منكم إلا دابغ جلد، أو ناسج برد، أو سائس قرد، أو راكب عرد، دل عليكم هدهد، وغرفتكم جرد، وملكتكم أم ولد. فسكت وكأنما ألجمه. باب المكاتبة والمطارحة ارسطاطاليس بن نيقوماخوش الجهراشي سأل مستفيد من بغداد مجلة المشرق: من هو (ارسطاطاليس بن نيقوماخوش الجهراشي)، الذي ورد ذكره في طبقات الأمم لصاعد الأندلسي الذي توليتم طبعه في المشرق (669: 14) فأجاب ل. ش. هذا الجواب: (المشرق 80: 16)
(قد أثبتنا في ذيل المشرق هناك أن اسم الجهراشي قد التبس علينا وذكرنا أنه من المحتمل أن المؤلف أراد (الاسطاغيري) نسبةً إلى اسطاغيرا وطن أرسطو. فقام صاحب لغة العرب (189: 1) ليفند هذا الرأي. وتأول له تأويلات غريبة كقوله: إن الجهراشي تعريب أي الشيخ أو نسبةً إلى أحد آلهة اليونان أو نسبة إلى مدينة غرسته مدينة يونانية. وكل ذلك لا أصل له ولا فصل. والصواب أن (جهراش) مدينة في حوران واسمها جرش أو جهراش فنسب إليها صاحب طبقات الأمم نيقوماخوش أبا ارسطاطاليس وذلك غلط بل خلط منه لأنه وجد عالم من جرش اسمه نيقوماخوش الجرشي أو الجهراشي كان رياضياً وفيلسوفاً في القرن الأول بعد المسيح فظن صاحب طبقات الأمم أنه والد ارسطو. وبذلك سقطت تأويلات صاحب لغة العرب.) ثم أن هذا (المستفيد البغدادي) نقل لنا هذا الكلام وقال: وانتم ما رأيكم في هذا القول؟ قلنا: أول ما نلاحظه على المستفيد أن كلام حضرة ل ش في تأويله الأول (المشرق 669: 14) يختلف عن قوله هنا فأنه قال هناك: (لعله يريد الاسطاغيري) ولم يصرح أنه التبس عليه بخلاف ما يقول هنا. فلو لم يكن من كلامنا فائدة إلا هذه لكفت ثانياً: إن تأويلنا لا تخرج عن الغرابة وإن صح كلام حضرة ل ش لأننا أن وصفنا ارسطوطاليس بالشيخ وشيخ العلم فهذا من ارجح الأمور وأظهرها للعيان. وكذلك لو كان آخر سمي بهذا الاسم. فوصفنا إياه بالإمامة في العلم أمر طبيعي. وكذلك إذ ألهنا علمه فقلنا ارسطو الجهراشي فذلك على حد ما قالوا: (أفلاطون الإلهي) ومثله لو نسبناه إلى موطن ولادته جهراشته (لا غرسته كما عربها) ثالثاً: وأما القول بأن الجهراشي هنا هي نسبة إلى جهراش وجهراش هي جرش فهناك عدة أسباب تمنعنا عن قبول هذا الرأي الغريب بل الغريب كل الغرابة منها: إن صاعداً الأندلسي يعدد في كتابه اعظم فلاسفة اليونان إذ يقول: (اعظم هؤلاء الفلاسفة عند اليونان قدراً خمسة فأولهم زماناً. بندقليس (أي انبدقليس) ثم فيثاغورس ثم سقراط ثم أفلاطون ثم ارسطاطاليس بن نيقوماخوش)
فهل يمكن أن يعد هذا الجرشي بين هؤلاء الخمسة أو أن يبدل واحداً شهيراً مثل ارسطو بأخر خامل الذكر لم يعرف من أمره شيء سوى جرشي الأصل. وأن ذلك لغريب فيا للأسف! (ما إمامة من هند) ثانياً: إن الأندلسي يقول صريحاً: ارسطاطاليس بن نيقوماخوس هو الجهراشي (لا ارسطوطاليس الجرشي. فهذا ليس بابن نيقوماخوش ولا هو من فلاسفة اليونان الخمسة المشاهير فأين هذا من ذاك فيا للأسف (أريها السها، وتريني القمر) ثالثاً: من إقرار حضرة ل ش بلدة جرش من حوران. فهي إذاً ليست من بلاد اليونان (وإن كانت من سجمها) فهل يعقل أن كاتباً مثل صاعد الأندلسي يخلط هذا الخلط ويتوهم في ارسطاطاليس بن نيقوماخوش أنه من حوران. وهو أشهر من أن يذكر بأنه من اليونان. أو ينسب أباه إلى مدينة في حوران، ويهذي هذا الهذيان، الذي لا ينطق به أصغر الصبيان. إن هذا من الغرابة في مكان. وهل تخلط الدرة بالذرة. فيا للأسف! (أراد أن يعرب فأعجم) رابعاً: لم يأت اسم المدينة (جرش) بصورة جهراش في لغة من اللغات ولا من صرح بذلك عند العرب. هذا فضلاً عن أن بين (جرش) (وجهراش) بوناً بيناً. وإذا كان تصحيح الأمور مبنياً على التقول والتحكم لم يبق شيءٌ عسراً. وتمهدت جميع العقبات. وإلا فيجب على المؤول أن يقول لنا أين ورد لفظ جهراش بمعنى جرش. وأي عربي قديم نطق بذلك. يا للأسف! (سكت الفا، ونطق خلفا). خامساً: لو سلمنا أن جهراش وجرش شيء واحد فأن سائر الاعتراضات تبقى اعقد من ذنب الضب. اللهم إلا أن يخطئ الجميع، وينسب إلى نفسه الرأي البديع. وحينئذ يا للأسف! وهل (يعقد في مثل الصؤاب، وفي عينيه مثل الجرة) سادساً: لو سلمنا أنه مصيب في قوله فأي غرابة ترى يا هذا أن وصفنا أحد الارسطو طاليسيين (بشيخ في العلم. أو بالمتأله في العلم) ولا سيما إذا كان من الفلاسفة فأنت ترى أن لا غرابة في ما ذهبنا إليه. وأنت مخير في اتباع ما يبدو ولك أو يحلو لأن الأطيار تقع على أشكالها. قلنا: (وبذلك سقطت تأويلات صاحب المشرق).
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد 1 - مكتب وقع بيدنا العدد الأول من رسالة موقوتة تطبع في بغداد في مطبعة دنكور اسمها (مكتب). لصاحبها ومديرها المحامي يونس أفندي وهبي. والغالب على عبارتها التركية وفيها نحو ثلاثة عواميد عربية. والباقي (أي 13 عموداً) باللغة العثمانية يخالطها شيء من الفرنسوية وهي تصدر نهار كل جمعة وتباع نسختها بعشرين بارة. وقد ذكر صاحبها أنها (علمية فنية تاريخية فلسفية). وهذه الرسالة لا تنفع إلا أبناء المكاتب التركية. إذ المقالات العربية فيها قليلة مع أننا في بلاد عربية وأغلاط الطبع فيها كثيرة حتى أن مطالعتها تصبح لهم بمنزلة كتاب جفر لا رسالة تعلم وتفهم. ونحن نذكر لك شاهداً لتحكم أنت بنفسك عنها قال في ص 12 وهو يذكر مثلاً فرنسوياً بهذه الصورة: وقال في ما يقابلها بالعربية: يغوص البحر من طلب الآلي ... ومن رام العلى سهر الليالي ففي السطر الفرنسي ثلاثة أغلاط وهي: وفي السطر العربي غلط واحد وهو اللآلى. وقس على هذا ما بقي ونحن نأمل من صاحبها أن يدقق في تصحيح المسودات لكي لا تبدو الرسالة الأسبوعية مشوهة بهذه الصورة الشنيعة. وأن يختار لها كاتباً عربياً يكتب فيها ليكثر قراء هذه الرسالة في سائر المكاتب البغدادية بل العراقية. 2 - منتخب الأعمال رسالة في 20 صفحة لمحمد علي الحسيني وهي مختارات في الصلوة والصيام مطبوعة في النجف بمطبعة الحبل المتين. 3 - (الجزء الأول من) موعظة السالكين للسيد محمد علي الشاه عبد العظيمي مطبوع في المطبعة المذكورة سنة 1329 في 138 صفحة وهو كتاب ديني كالأول.
4 - غرفة المعجزات في جزءين كتاب ديني لمحمد علي الحسيني مطبوع في النجف في المطبعة المذكورة. 5 - هذه وجيزة في فضايل (كذا) الضيافة وما يتبعها وفي آداب الآكل والشرب وما يناسبه. وفي الأخر: منظومة في آداب الآكل والشرب. رسالة في 52 صفحة تأليف السيد محمد علي الشاه عبد العظيمي طبعت في مطبعة الحبل المتين في النجف سنة 1330. 6 - الغرى أو در النجف الغرى مجلة نجفية فارسية العبارة ظهر منها عددان بهذا الاسم ثم برزت باسم (در النجف) لصاحبها اغا محمد محلاتي. وقد صدر منها أعداد السنة الأولى. وهي تطبع بمطبعة علوى. 7 - الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية لمؤلفه محمد حسين آل كاشف الغطا النجفي. طبع على نفقة الشركة العراقية. - طبعة ثانية - في مطبعة العرفان في صيدا سنة 1330. كتاب يدل عنوانه على فحواه وهو من قلم رجل ينتمي إلى بيت علم رفيع العماد، مشهور في النجف بين الحاضر والباد، وقد قال المؤلف في آخر كلامه تحت عنوان (ذكرى وبيان) ص ز: (لا ابتغي من الكتاب والأفاضل الثناء عليه، والإطراء فيه، وتصفيف الأقوال الضخيمة (كذا وهو يريد الضخمة ولعله فعل ذلك للمزاوجة) والمقالات الضافية الفخيمة. في تقريضه وتوصيفه. (كذا. ولم يرد وصف مشدداً في كلامهم ولعله فعل ذلك للتسجيع) بل بغيتي منهم ورغبتي إليهم. إن ينظروا إليه نظراً مجرداً. ويضعوه في محكمة التمحيص والتدقيق عارياً. فيذكرون (أي فيذكروا) (فضلاً منهم) ما له وما عليه. وما يستحقه على الواقع والحقيقة بنفسه (؟) من مدح أو ذم. ويعرفوني محاسنه ومساوئه (أي مساوئه) فالإنسان مهما كان أعمى عن عيوبه. واصم بنفسه (؟) عن سيئاته. وأني لا محالة اعتد ذلك منهم على فضلاً. . . .) فإجابةً لصلبه ولما امتاز به صاحب هذا الكتاب من رسوخ القدم في العلم وثباته في التحقيق وإن انتقده الناقد نذكر هنا بعض ما في سفره من المحاسن والمساوئ فنقول:
أما مساوئ الكتاب فأولها أنه أطال مقدمة الكتاب لبسط رأيه في سبب تأليفه والدواعي إلى وضعه. وأهل هذا العصر يخالفون أهل العصور المتوسطة فأن أبناء زماننا يحرصون على أوقاتهم ويحبون أن يقعوا على ما يتطلبونه بدون أن يضيعوا أوقاتهم في نشده بين تضاعيف السطور الكثيرة. وهذا ما كان يفعله كتاب العرب في أول عهدهم بالكتابة والعود إليه احمد. ولهذا لو أوجز في الكلام لكان احسن. 2: لا يجدر بالمؤلف أن يمدح كتابه أو عبارته أو نفسه وإنما يدع ذلك إلى القراء والمطالعين وأصحاب الرأي والحكم. فقد قال مثلا ص 18: وما صدني ذلك عن امتلاك شيء من ملكة الإنشاء. ولا عاقني عن الانتظام في سلك من يقتدر على البيان والإفصاح عما شاء. وقال واصفاً كتابه ص 25:. . . ببراهين بينة متقنة، مكسوة (؟) بالعبارات الرشيقة، والفقر الأنيقة، التي تقرب البعيد، وتسهل الشديد. جامعة بين الرصانة والرقة. والوضوح والقوة، وفصاحة الكلام. والأفصاح عن المرام، متوخياً جهدي تجنب ما يوجب التعقيد من الإصلاحات الفلسفية، والمجادلات الكلامية. بمألوف من البيان مأنوسه، وواضح من القول يعيد معقول الفكر كمحسوسه. كل ذلك تسهيلاً لمطالبها. وطلباً لانتفاع العالم والعامي بها. حسب جهدي وطاقتي، وما في مزجات (كذا أي مزجاة) بضاعتي. . .) وقال في ص ز من الأخر: (فأني على أمل وثيق أن يجد مطالع هذا الكاتب ما يرتاح الفكر إلى النظر فيه. وتنبسط النفس إلى المطالعة مطاويه لسهولة عباراته وسلاسة مجاريه. .) ومثل هذه الأقوال كثير في تضاعيف هذا الكتاب. 3: أنه ينحى على أهل الغرب باللائمة ويعامل صالحهم وفاسدهم معاملة واحدة بدون تمييز ولا نظن أن هذا من الحق في شيء. كقوله مثلاً في ص 16 و17: ولو سألتني ما سبب ضعف الدين في المسلمين لقلت زخارف الدنيا ونفوذ الروح الغربية التي دخلت فيهم. . . فليس كل ما يأتينا من روح الغربيين مذموماً؛ فلهم من المحاسن ما لا ينكره أحد مهما كان من المتهورين ولهذا يحسن بالكاتب أن يقيد عند الحاجة ولا يطلق. ولا سيما لأنه سبق فقال في ص 4: نفذت
الروح الغربية في جسد الشرق وجسم العالم الإسلامي فانتزعت منه كل عاطفة شريفة وإحساس روحي، وشرف معنوي ومجد باذخ، واستقلال ذاتي. . . . لا جرم إننا إذا طالبناه بالبراهين المؤيدة لهذا الكلام فأنه لا يأتينا إلا بمثل ما أتى به في مطاوي الكتاب. وهي ليست من الأدلة الدامغة. هذا ولو اكتفى بالإشارة إلى ما يريد مرةً واحدة لكفى؛ لكن التكرار ينشئ الضجر في صدر القارئ. 4: قد يأتي بعض الأحيان باعتراض محكم المعنى والمبنى ويجيب عنه بجواب لا يقابله قوة ومتانة كقوله ص 17: (ولو قلت: ما الذي أوجب سكوتهم (أي سكوت مصلحي الإسلام والآمرين منهم بالمعروف) وإغضاءهم (كذا) عن تمزيق دينهم بترقيع دنياهم. فلا هذا ولا ذاك. قلت: حسبك (في فمي ماء وهل ينطق من في فيه ماء). قلنا ولو لم ينبه الخاطر إلى هذا الأمر لكان اجدر به ولا سيما لأنه يعرض بمن لا يجدر بهم هذا التعريض. أو لعل ما يتوهم فيهم الظن لا يصدق فيهم بل في غيرهم. 5: علم المؤلف أن بين المسيحيين زعانفة (والزعانفة غير مخصوصين بدين دون آخر بل هم في جميع الأديان) غالت وتطرفت في الطعن على شرف الإسلام (ص 22) ولكن لا نرى موجباً لأن يتعرض للرد عليهم ص 23 فالرعاع من الناس يعرض عنهم ولا يلتفت إليهم إذ هم بمنزلة الغثاء في مسيل الماء ولا سيما لأنهم لم يخصوا المسلمين بالثلب بل أطلقوا ألسنتهم على النصارى إطلاقاً لا يعرف له قيد ولا حكم. وعليه لا نرى من الحق أن يسموا نصارى وهم ينكرون ذلك على أنفسهم. نعم انهم نصارى منشأ واصلاً لكنهم ليسوا بهم عقيدة وعملاً. فالرد عليهم من العبث. 6: ربما استعمل ألفاظاً حديثة الوضع لكن في غير مواطنها كَقوله ص 24: (انظر بالمجهر الكبير إلى زوبعة في الكوز وعاصفة في الوجود تريد أن تأتي على كافة الأديان. . .) فالمجهر مهما عظم لا يتخذ لينظر به إلى زوبعة أو عاصفة إلا بتكلفٍ. 7: الكتاب مشحون بأغلاط صرفية ونحوية ولغوية إذ لا تخلو صفحة منها. ففي أول صفحة منه وهي ص 2 ترى: الآنات بمعنى الآناء أي الساعات وهي غير
مألوفة وغير معروفة. وفيها (لا تتصرف أفكار أغياره إلا إليه) وتصرف بمعنى صرف أو الصرف لم ينقل عنهم. وكذلك تجول بمعنى جال وضبط توطد بشد الطاء وضمها. ومقتضى المعنى هنا كسر الطاء المشددة. وقال: تلبد الأمل. وضبطها بضم التاء وفتح اللام. فلينظر ما يراد بهذا الفعل هنا. وفيها: ولا ربوة غدر ألا افترءتها. وهذا المعنى غريب ونحن في غنى عنه. إلى آخر ما جاء هناك. وهو في هذه الصفحات الأولى يتوخى السجعات فيضطر إلى ركوب ما لا تحمد عقباه. ونحن في غنى عن مثل هذا التقييد ولا سيما في كتب غايتها الإفهام لا الإيهام والعبارة المألوفة لا المعقدة. 8: إن الألفاظ الأعجمية من علمية وجنسية جاءت مصحفة تصحيفاً شنيعاً لا يهتدي إليها إلا بعد الروية ولا غرو أنه نقلها عن بعض من لا يحسن اللغة الإفرنجية. كما في الارنج والجوري أو الشامبنزيه وهو يريد الاوران اوتان - والغورلا والشمبنزي (ص و) وذكر العلامة نيوتن باسم ينوتن ولعلها من غلط الطبع ولني جاءت لينيه وكلاهما في ص ز وسط الكتاب. 9: كثيراً ما يستعمل المؤلف ألفاظاً تدل على الدعاء بالشر وهي اليوم ليست من آداب هذا العصر كقوله في ص 40:. . . فما لبثوا أن تمادى فيهم الغرور وطغى بهم طوفان الجهل حتى قال قائلهم سل الله أسلة لسانه كما سل عقله بيد شيطانه (أنا قد قتلنا إلهنا واسترحنا). . ومثل هذا التعبير كثير في هذا الكتاب. على أن هذه الأمور لا تنزع من الكتاب مزيته فأننا إذا اعتبرناه من جهة تفنيده للمذاهب الجديدة الواهية كمذهب الماديين والدهريين وأصحاب مذهب تنازع البقاء والنشوء والارتقاء والدروينية والتعطيل والإلحاد ونحوها. فأنه بمنزلة الصاعقة لهم. طالع مثلاً الفصل الأول من هذا السفر الجليل فانك تراه يتكلم عن إثبات الصانع جل صنعه ببراهين بينة قريبة المثال. هذا فضلاً عما هناك من الحقائق الأخرى كاليقين بوجود النفس مقارن لليقين بوجود الإله. (ص 65) وكالنفس هي التي تدرك قبل كل شيء والمادة التي تدرك أبداً. (ص 66) وككلامه في بذاءة الملحدين وصلابة أوجههم (ص 67) إلى غيرها
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
من الأبحاث الجليلة والتي لا تعد. وإنما عددنا بعض معايب هذا السفر الخطير عملا بقول المفكر الكبير: كفى المرء نبلا أن تعد معايبه تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - مرض الغنم وقع داء في الغنم منذ أوائل شهر شباط ولا سيما في الغنم الموجودة في جوار قضاء خراسان. وقد سافر إلى المحل المذكور فاروقي أفندي مفتش بياطرة الولاية ليطلع على هذا المرض وقد تحقق بعد الفحص انه حاصل من قلة الأمطار. وقد مات بهذا المرض اكثر من عشرين بالمائة وليس له علاج آخر سوى كثرة العشب والكلا. وقد وقع مثل هذا الداء في غنم قضاء (بدرة) (بادورايا) (عن الزهور) 2 - مرض خيل الجند وقع مرض شديد في خيل الجند الخيالة في أوائل الشهر المنصرم فاتلف منها 32 جواداً. وبعد أن عالجها بياطرة الجند انقطع عنها الداء. وقد أمر أصحاب الفن قتل جميع الكلاب التي كانت بجوارها وكان يظن بها أنها من نواقل العدوى (عنها). 3 - منع إخراج الحبوب والتمر قدم مجلس بلدية بغداد عريضة بتاريخ 18 كانون الثاني من هذه السنة إلى مجلس الولاية طالبة جعل التمر من عداد ما يمنع إخراجه من بغداد حفظاً لحياة الفقير فالمع المجلس الأخير بهذه الرغبة إلى نظارة الداخلية فلبت طلب المجلسين بل ورفعت المكس عما يجلب إلى الولاية من الحبوب إلى الحاصلات الجديدة. 4 - رجفة في بغداد أرجفت الأرض فشعرنا بهزتها نهار السبت 1 آذار في نحو الساعة التاسعة مساءً ودامت الزلزلة 3 ثوانٍ والظاهر أن كثيرين لم يشعروا بها لأنهم كانوا قد ناموا
العدد 24
العدد 24 - بتاريخ: 01 - 06 - 1913 عريسات 1 - تمهيد اختلفت الرواة في عريسات وموقعها ووصفها اختلافاً تاماً وقد وصفها بعضهم أنها مدينة تحت الأرض والبعض الأخر أنها معابد للأقدمين وقال آخرون أنهم رأوا في بعض مغاورها إيواناً فيه محراب إسلامي ومنبر، إلى غير ذلك. ولما لم نقف على الحقيقة لم نر بداً من هذا الأثر النفيس بأنفسنا فرحلنا من بغداد إلى النجف في يوم الأربعاء 11 من ربيع الثاني سنة 1331هـ - 19 آذار سنة 1913م. ثم وردنا لنجف بعد مدة 18 يوماً وقد زرنا في خلال تلك المدة المحمودية، والدير وتل أبو حبة (سبارة) والمدائن، والإسكندرية
والمسيب، وسدة الهندية، وكربلاء، وشفاثا، وقصر الاخيضر وقبر احمد
ابن هاشم، والقبور القديمة التي بقربه، وقصر الخراب وعين التمر وقصر البردويل
وقصر شمعون في شفاثا وطربريق، والحلة، وكوبرش (قصر بختنصر في بابل) وبرس، والكفل، والنجف. 2 - الطريق المؤدية من النجف إلى عريسات في يوم الاثنين 30 شهر ربيع الثاني رحلنا صباحاً من النجف قاصدين عريسات وكان دليلنا الخريت رجلاً من أهل محلة العمارة إحدى محلات النجف اسمه هجول بن احمد سران وقد قضى هذا الرجل مقدار 40 سنة في عريسات لطب ذرق الخفاش وبيعه لأهل الحدائق والبساتين ولم تزل هذه مهنته حتى اليوم ولذا تراه من اعرف الناس بمتايهها الباطنة لكثرة أنتيابه إليها والى دهاليزها العديدة.
خرجنا من باب المشهد الكبير (أي من باب النجف) الذي هو تجاه الشمال الشرقي ثم سرنا مع السور متجهين إلى الغرب ثم انحرفنا إلى الجنوب الغربي وبعد مسافة ربع ساعة عارضنا في طريقنا تل ممتد يسمونه جبلاً وهذا التل هو الذي فيه عريسات ثم اخترقناه وملنا معه إلى الشمال الغربي وبعد مسافة 45 دقيقة رأينا عن يمين الطريق على حافته آثار أنقاض تسمى (قصر الفتحة) وهو في جنوبي فرجة من تل عريسات لأن التل هناك ينحني شيئا قليلا وذك الانحناء يسمونه (فتحة) وبعد مسافة ساعة يلوح لك عن يسار الطريق على بعد ساعة منه (قصر الرهيمة) وبعد مسافة 7 دقائق مررنا بأثر أنقاض عن يسار الطريق يسمى (قصر الدكاكين) وهو ربوة يبلغ ارتفاعها عن الأرض نحو 3 أمتار ومحيطها زهاء 200 مترٍ وبعد 7 دقائق ملنا عن الطريق إلى اليمين مسافة 30 متراً ثم مررنا بوادٍ بين تلين عظيمين علو كل منهما نحو 10 أمتار وفيهما (الدكاكين) التي نسب القصر إليهما والدكاكين عبارة عن مساطب متوالية تتفرع إلى دهاليز وأظنها مقابر قديمة وإنما سميت بهذا الاسم لأن العرب رأوا وضعها كبعض الدكاكين التي عندهم اليوم فظنوها
كذلك فأطلقوا عليها هذا الاسم وقد رأينا في ركن جانب منها كتابة حميرية مكتوبة بالحبر الأسود وعدد الدكاكين نحو الأربعين وهي متقاربة تبعد الواحدة عن الأخرى زهاء 3 أمتار وعرض الواحدة قراب مترٍ أو مترٍ ونصف متر وطولها يتفاوت بين الأربعة الأمتار والعشرة وهي منحوتة نحتا في الحجارة في أعلى جانبي الوادي وبعضها في الجانب الأخر من الجبل الذي هو تجاه الشمال وينفذ بعضها إلى الجهة الأخرى ويمر يميناً ويساراً. وبعد مسافة 20 دقيقة وقفنا على (أم الغرف) وهي أشبه شيء بالدكاكين إلا أنها أكبر واعمق وعددها 11 ثلاث منها في أعلى الجبل الذي وجهه تجاه الشمال وثمان في صفحة الجبل التي هي تجاه الجنوب و4 فقط من هذه أل 11 يوصل إليها بطريق أما الباقي منها فلا سبيل إلى وصولها ويبلغ عرض كل واحدة من الأربع التي صعدنا إليها نحو مترين في غور سبع أمتار في سمك 3 أمتار وهي مقابلة للجنوب ويتفرع منها ثلاث طرق مثلها أيضاً ورائحتها كريهة جداً لكثرة ذرق الخفاش الذي فيها وهناك كثير من كسر الصخور الصغار التي يسميها الأعراب (رضماً) (بالتحريك وهو فصيح ولكن يراد بفصيحه الصخور العظيمة) وفي اغلب جدرانها سواد أشبه بالسناج (أي بسواد دخان السراج) وليس فيها أثر كتابة قطعا وهي منجورة نجراً (أي منحوتة نحتا) في الحجارة (والنجر من اصطلاح الأعراب) وفيها زوايا منحوتة أيضا وعند سفح الجبل الذي فيه أم الغرف على بعد 15 متراً ماء تحت الأرض يبض من عين هناك لا ترى ولم يقف الأعراب عليها إلى الآن وقد شربنا منها فكان عذباً إلا أن فيه طعم عفونة لقلة الاستقاء منه وعدم تجدد الهواء هناك. ثم جاوزناه فسرنا متجهين إلى الشمال الغربي وبعد مسافة 1 ساعة وردنا عين ماء تسمى (عين السطيح) يبلغ محيطها نحو 12 متراً وماؤها حلو وهي واقعة جنوبي الجبل أو التل على بعد 200 مترٍ منه وفي جنوبيها على بعد 20 متراً عين أخرى مثلها. ثم ملنا إلى ركن بارزٍ من التل وقطعنا التل من هناك متجهين إلى الغرب وبعد مسافة 10 دقائق رقينا أرض السطيح
وهي أرض ذات صخور وافهار تعلو الأرض قراب مترين ومحيطها مسافة نصف ساعة ثم بعدها كان على طريقنا التل السالف الذكر وسرنا معه متجهين إلى الشمال الغربي وعندما انحدرنا من أرض السطيح رأينا على بعد 60 متراً إلى الشمال الغربي منها تلاً يبلغ علوه 7 أمتار ومحيطه 160 متراً يسمى (تل السطيح) وفي شماليه على بعد 60 متراً تل أصغر منه بقليل يسمى أيضاً (تل السطيح) وفي كليهما صخور وافهار. وفوق أرض السطيح إلى الشمال الغربي على مسافة نصف ساعة محل في خشم الجبل يسمى (الرهيميات) - ويسمي الأعراب انف الجبل خشماً تصحيف الخيشوم الفصيح وهو بمعناه - وفي جنوبي الصطيح على بعد 40 دقيقة (قصر الرهبان) 3 - : الوصول إلى عريسات ثم سرنا من أرض السطيح وبعد مسافة ساعة وربع وقفنا على عريسات
عند العصر وهي في الجبل الذي لازم طريقنا من سور النجف حتى وردناها. وعند وصولنا إليها دخلنا مغارة من مغاورها وهي التي تسمى (أبو سبعين) ولما دخلناها وعلمنا أن الوقت لا يساعدنا على الاطلاع عليها في وقت وجيز لأن الشمس كانت قد قاربت الغروب عزمنا على المسير إلى قصر الرهبان (اعني القلعة الحديثة) للمبيت فيه والرجوع في اليوم الثاني إليها. فنزلنا ذلك اليوم ضيوفا على رئيس القلعة (حمود العكاشي) وهو من أهل النجف وعند الصباح من يوم الثلاثاء عدنا إليها. وقبل وصولنا إليها مقدار نصف ساعة عارض طريقنا (وادي النعمان) الذي كان يحميه النعمان بن المنذر وهو الذي يمر أمام قصر الاخيضر أيضا مما يلي الشمال ثم عبرناه وسرنا حتى وردنا عريسات ودخلنا تلك المغارة التي دخلناها عصر أمس ودليلنا هجول السالف الذكر فكانت مدة دخولنا وخروجنا في مغارة (أبو سبعين) ساعتين وعشر دقائق وقد أنهكنا النصب قبل استقصاء طرقها ثم استرحنا هنيهة ودخلنا مغارات أخرى في شرقيها وغربيها ولما علمنا أن التجول في عريسات على الطريقة العلمية - التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا تحصيها وتصفها - يستغرق على الأقل مدة شهر وليس لدينا من المؤونة والمعدات ما يلزم ركبنا وخيلنا ورجعنا وقد أجلنا التجول فيها إلى وقت آخر واليك وصف عريسات كما شاهدناه وسمعناه. 4 - وصف عريسات نفسها عريسات عبارة عن دهاليز غائرة كالمغاور عديدة تتجاوز المائة عدداً وهي واقعة في أعلى الجبل أو التل وأبوابها مقابلة للقبلة ويتفاوت علو أبوابها تفاوتاً بيناً فأعلى ما يكون منها نحو مترٍ ونصف مترٍ وأدناها قراب 80 سنتيمتراً وكذلك يتفاوت بعد أبواب بعضها عن بعض نحو المتر والمترين والثلاثة الأمتار والمغاور صفان أو طبقتان عليا وسفلى وبين الطبقة والطبقة نحو 4 أمتار واكثر أبواب الصف الأعلى لا طرق إليها ولا يمكن وصولها إلا بسلم. واكثر تلك المغاور
تتفرع إلى طريقين وثلاث وأربع وخمس طرق ما عدا (أبو سبعين) السالف الذكر ومسافة الطرق المذكورة نحو مترين و4 و7 10 أمتار لا غير. والتل الذي فيه عريسات يبلغ نحو 12 متراً وهو دليل الخارج من النجف إلى عريسات لأنه يمتد مع الطريق إلى عريسات كما ذكره. وجميع مغاور عريسات منحوتة في حجر ذلك التل أو الجبل نحتا وليس ثم أثر بناء بالطاباق أو اللبن أو الجص أو غير ذلك البتة. 5 - وصف ما شاهدناه داخل عريسات إذا دخلت مغارة من مغاور عريسات وتقدمت فيها إلى الأمام مقدار 10 أمتار يعتريك في الحال دوار (دوخة في الرأس) وضيق في النفس وذلك مما تشمه من الرائحة الكريهة رائحة بول الخفاش وذرقه الذي تمر عليه المئات من السنين ولا يمر عليه الهواء. والدخول في مغاور عريسات بدون ضياء بعيد التحقيق أو محال لأنك إذا جاوزت باب المغارة وتقدمت إلى الأمام مقدار عشرة أمتار صرت في ظلمة لا يبصر فيها العقاب. وإذا انطفأ سراجك وأنت داخل عريسات، فلا بد لك من الوقوف في مكانك حتى تسرجه (تعلقه) لأنك لا تدري أين تضع قدمك أفي البحر أم في النار. دخلنا عريسات وفي يد كل منا شمعة مسرجة (وقد اخبرنا جماعة من أهل النجف أن السراج ينطفئ فيها لانحباس الهواء هناك فوجدناه خلاف ذلك). ولنكتف الآن بوصف ما في داخل مغارة (أبو سبعين) عن باقي المغاور لأنا قد قلنا فيما سبق أن اكثر تجوالنا فيها. وهي واقعة على حد المغاور المقابلة للقبلة في طرف الشمال الغربي منها. سرنا في دهاليز أو ديماس يبلغ سمكه دون القامة بقليل ووجهنا إلى الشمال الشرقي وبعد مسافة 20 متراً ملنا إلى طريق عن يسار طوله مقدار 25 متراً وبعدما سلكناه رجعنا القهقرى لأن لا منفذ فيه ثم سرنا ووجهنا أيضا إلى الشمال الشرقي وقد اخذ ارتفاع الدهاليز أو الدياميس يقل ويضيق وتتفرع الطرق فكنا كلما مشينا خمسة أمتار أو 10 أمتار وجدنا طريقين إحداهما عن اليمين والأخرى عن اليسار وفي وسط الطريق التي تتفرع إلى أربع طرق أو ثلاث طرق نقرة
شبيهة بالبئر منحوتة نحتا بسيطا تتصل حافاتها بجوانب الطرق الأربع فلا بد للسالك وقتئذٍ من أن يتعداها طفراً. على أن بعضها لا يمكن تعديها طفراً لعرض فمها. وأن عزم السالك على عبورها فلا حيلة له سوى التثبت عند وضع رجله على حافتها لأنها ملساء وليس فيها موضع يضع الإنسان فيه قدمه. - وقد سقط أحد أصحابنا في إحداها ولولا حضورنا لتعسر عليه الخروج آنئذٍ - أما عمق تلك الحفر فيختلف إذ يبلغ عمق بعضها قامة وبعضها دون القامة بنصف ذراع وبعضها أعلى من القامة واعمق ما فيها يبلغ بين 2 و3 أمتار لا غير وقد القينا في الحفر العميقة منها حجارة لنعلم ما في قعرها فسمعناها وقعت على كسر أحجار (رضم) ولم نجد فيها ماء البتة بخلاف ما روي لنا أن في بعضها ماء فتحققنا أن الخبر ليس كالخبر. ثم مررنا في تلك الطرق المتفرعة ذات اليمين وذات الشمال وكلما سلكنا طريقاً منها وجدنا فيها طرقاً أخرى تتفرع منها فنسلكها ونترك تلك الطريق الأولى وإذا صدنا حائط ينتهي إليه طريقنا رجعنا القهقري وسلكنا الطريق الأولى التي ذكرناها آنفا. أما عرض الطرق وسعتها وكيفية وضعها فبعضها لا يمكن السلوك فيها إلا حبواً كما يحبو الطفل لقرب سمائها من أرضها وبعضها لا يسلك فيها الماشي إلا كالراكع في الصلاة أو كالمنحني انحناء بحيث تقف البيضة على ظهره وبعضها يرتفع بعلو القامة أو ما يقرب من القامة ولم نجد فيها أعلى من القامة إلا قليلاً - وبعضها لا يمكنك أن تمشي فيها والطريق أمامك ولكن تمشي مجانباً (صفحاً) ويكون وجهك أمام الجدار. أما تحتها فهو بسيط جداً يظنه الرائي لأول وهلة نحتاً طبيعياً لخلوه من دقة الصناعة والهندسة وفي كثير من أرضها وجدرانها وسقوفها سلوع (شقوق أو فطور) طبيعية تدخل فيها يد الإنسان وأرضها وجدرانها وسقوفها غير مستوية وكلها مضلعة (مركنة أي ذات أركان بارزة) إلا بعض السقوف (وهي قليلة) فأنها مقوسة ولم نشاهد فيها أثر كتابة أو نقوش وأن كان ثم شيء منها فلا يمكن الاهتداء إليه لأن جميع الجدران والسقوف مغشاة ببول الخفاش وتعسر أزالته أو كشطه بدون آلة واعتناء في مدة مديدة ولم نسمع فيها أيضا سوى وطوطة الخفاش وقد شاهدنا في أثناء الطريق عظام حيوانات غير مفترسة. وبعد مسافة
نصف ساعة نزلنا في نقرة واقعة في وسط فسحة بين مفرق أربع طرق يبلغ محيطها نحو 6 أمتار وعرض فم النقرة على قدر جسم الإنسان الذي هو ليس بالسمين ولا بالضعيف وعمقها 3 أمتار تقريباً ومن هناك سلكنا في طريق تتفرع منه طرق متعددة كما وصفنا وقد نزلنا في حفرة عند منتهى إحدى تلك الطرق يبلغ عمقها ثلاثة أمتار ومحيطها 6 أمتار فوجدنا فيها كثيراً من كسر الحجارة (رضماً) وبين تلك الرضام عظم زند إنسان لا غير عليه وسخ كثير. وما زلنا نخرج من دهليز ونسلك في آخر حتى مللنا. - وفي أثناء مرورنا شاهدنا ضياء الشمس فسألنا الدليل من أين هذا الضياء فقال هذا من مغارة بابها من الجهة الأخرى من التل أو الجبل (أي تجاه الشمال) - ثم سرنا ووجهنا إلى القبلة وإلى الجنوب الغربي حتى مررنا بحفرة لها باب كأبواب مغاور عريسات في الجدار الذي عن اليسار من الدهليز وأطلنا من الباب عليها لننظر ما فيها فلم نتحقق شيئاً لأنها واسعة وعميقة ومظلمة جداً وليس هناك طريق للنزول فيها بدون سلم ويبلغ طولها نحو 4 أمتار في سمك ذلك في عرض مترين وفيها كثير من كسر الأحجار الصغيرة والكبيرة ثم جاوزناها وسرنا متوجهين إلى الجنوب أيضا وبعد مسافة بين 20 و30 متراً أفضينا إلى باب مغارة على البر تجاه الجنوب وهي غير المغارة التي دخلنا منها أولاً وهي واقعة شرقيها نحو 15 متراً وفي تلك المسافة أبواب أربع مغاور فسألنا الدليل هل أبواب هذه المغاور تؤدي إلى الدهاليز التي سلكناها فقال نعمٍ تؤدي إليها فكانت إذاً أبواب المغاور التي تؤدي إلى دهاليز (أبو سبعين) سبعةً: ستة منها مقابلة للجنوب وواحدة في الجانب الآخر من الجبل أو التل مقابل للشمال وهو الذي أشرنا إليه آنفا. أما مسافة تلك الدهاليز فهي من 3 أمتار إلى 10 أمتار إلى 15 إلى 25 متراً وليس فيها طرق سوية غير 6 طرق والباقي تميل يميناً وشمالاً. وقد سألنا الدليل كيف حالة عريسات في الصيف والشتاء فقال في أيام الحر كصبارة الشتاء وفي أيام البرد كحمارة القيظ وسألناه أيضاً هل وجدت فيها شيئاً فقال
وجدت في بعض حفائرها جوزاً فلما كسرته وجدته فارغاً. ووجدت أيضاً في وسط حفرة من تلك الحفر جسم إنسان ميت قائم على قدميه. ولما مسسته بيدي انقلبت عظامه رماداً فكان إذاً هامداً. ولم أجد فيها (يعني في عريسات) من الحيوانات والأحناش سوى هر البر (بزون البر) والعقارب. ثم بعد ما استرحنا هنيهة دخلنا بعض المغاور الواقعة في شرقي وغربي مغارة (أبو سبعين) كما أسلفنا ذكرها وبين تلك المغاور التي سلكناها مغارة واقعة في غربي كهف (أبو سبعين) على بعد 15 متراً منها تقريباً. مشينا بعدما جاوزنا بابها في دهليز طوله مسافة 10 أمتار في عرض دون الذراع ووقفنا على حفرة واسعة الفوهة عميقة لا يمكن مجاوزتها قفزاً وأمامها طريق واسع يبلغ عرضه نحو 24 متراً في طول سبعة أمتار في علو مترين ونصف متر وسقفه مبسوط (مركن) النحت ولم ندر ما فيه لأنا لم نتمكن من الوصول إليه كما ذكرنا من أمر الحفرة الوقعة بينه وبين الدهليز الذي نحن فيه ولم يكن لدينا شيء نضعه عليها كالجسر ونمر عليه فلم يكن لنا بد من الرجوع فرجعنا كما جئنا صفر الأيادي من الإطلاع على ما فيه. هذا ما شاهدناه داخل عريسات والذي خفى عنا أكثر مما ظهر لنا والله اعلم. 6 - . موقع عريسات الجغرافي وأبعادها عما يجاورها عريسات واقعة في الشمال الغربي من النجف أو مشهد علي بن أبي طالب (عم) على بعد 6 ساعات للراكب و7 للراجل وفي غربي أم الغرف على بعد 2 أو 3 ساعات وفي الشمال الغربي من السطيح على بعد ساعة وربع الساعة وفي غربي الرهيميات على بعد ثلاثة أرباع الساعة وفي الشمال الغربي من قصر الرهبان على بعد ساعة وربع الساعة وتقابل الحياضية من الشمال على بعد ساعتين تقريباً وفي جنوبي خان الحماد (الواقع في منتصف الطريق المؤدية من كربلاء إلى النجف) مقابلة له على بعد بين الثلاث الساعات والأربع الساعات فهذه حدود عريسات المتداولة الأسماء عند أهل تلك الأطراف وقد جرينا جريهم في مصطلحاتنا وعباراتنا. 7 - . ما كانت عربسات يستدل من كيفية وضع عريسات وهيئتها أنها كانت مدافن (قبور) قوم تقادم عصرهم وطوت حديثهم الدهور والذي يساعد على هذا القول هو ما رأيناه
بعض آراء في معنى بغداد
من مغاورها المسدودة الأبواب بالحجر الكبير - الذي لا يزحزحه أربعة رجال حتى اليوم وهي علامة القبور القديمة وهذه المغاور أو الكهوف المسدودة الأبواب واقعة تجاه الجنوب الشرقي وهي أربع مغاور فقط ولا يمكن الوصول إليها إلا بسلم لأن ليس ثمة طريق تؤدي إليها وهي في أعلى الجبل وتعلو عن الأرض بين 7 أمتار و10 أمتار والحجر الذي سدت به أبواب تلك المغاور منحوت على قدر الباب كأنه صب في قالب ومنه يظهر أن وضعه قديم. وقد سمعنا كثيرين من معمري الأعراب يقولون أن عريسات كانت في القديم محبساً للنعمان بن المنذر والبعض منهم قال كانت عريسات محبساً لبختنصر. وقد حدثني العالم الفاضل الثقة الشيخ محمد صالح الجزائري النجفي أنه سمع كثيراً من معمري الأعراب يقولون بهذا القول أيضاً والله اعلم بالحقائق. ولعل علماء العاديات يكشفون لنا عن غامض سرها وخفي أمرها وربك علام الغيوب. (كاظم الدجيلي) بعض آراء في معنى بغداد 1 - الفاتحة ذكرت لغة العرب 392: 1 أسماء بغداد وما يرادفها واللغات التي وردت فيها وهانحن نورد بعض الآراء في تفسير هذه اللفظة فنقول: 2 - آراء المصريين في معناها. 1 - ذهب حضرة الدكتور وليم هارصون إلى أن بغداد محرفة عن (بعل جاد) ومعناها معسكر البعل وقد شرح هذا الرأي في بحث مسهبٍ وأبان أنها كانت معسكراً للجيش البابلي ومحط ذخائره ومعداته الحربية أما نحن فلا نوافقه على رأيه هذا لأن بعل جاد كانت مدينة مشهورة واقعة في شمالي فلسطين اللهم إلا أن تكون مدينتان قد تسمتا باسم واحد كما وقع ذلك في بعض المدن بيد أن ذلك يفتقر إلى إثبات. 2 - قال الأستاذ الفرد ولصن بغداد تحريف (بعل داد) أي مدينة إله الشمس وتأييداً لما ذهب إليه قال: كان أهل المشرق
في الأزمنة الغابرة يعبدون الأجرام السموية فعبد الشنعاريون أي البابليون والكلدانيون القدماء والفنيقيون والكنعانيون الشمس والقمر فكان البعل عندهم الإله الشمس وعشتروت الآلهة القمر وعليه لا يبعد من أن تكون مدينة بغداد بنية أولاً لعبادة البعل ثم أرصدت له وسميت باسمه. 3 - وقال العلامة ج. لسترانج يظهر أن أسم بغداد مركب من لفظتين قديمتين فارسيتين وهما بغ أي الله وداد أي أسس فيكون مؤدى معناها (مدينة مؤسسها الله). 4 - وكتب عمانوئيل أناويس قائلاً (إن الإفرنج نقلوا إلى لغتهم أسم بلطشاسر مصحفاً بصورة بغدا سار. والظاهر أنهم أخذوا هذه الأسماء من اليونان وهؤلاء من الأرمن والأرمن من الفرس فهي إذاً فارسية الأصل والظاهر أن الفرس كانوا يقلبون اللام غيناً فيما نقلوه قديماً عن السريان (وقد نقلوا عن السريان كلمات كثيرة فأخذها منهم الأرمن وجروا مجراهم) فأسم صنم الفرس القديم بغ مصحف عن (بل) الإله الكلداني - وعليه يكون أسم مدينة بغداد لفظاً كلدانياً في الأصل وهو (بلداد) ومعناه بل حبيبي. وربما كان هذا أصلح الآراء في أسم بغداد. 5 - ارتأى أحد سياح الإنكليز المدعو بولص هملتون الذي جاب أغلب ديار العراق. إن بغداد هي تصحيف (بلداد) أي بطش بل فداد لفظة آرامية قديمة معناها فتك وقد ذهب إلى أنه جرى في هذه البقعة ملحمة عظيمة يشيب لهولها الأطفال فيها أنتصر نبوخدنصر على أعدائه فشتت شملهم وألقى الرعب في قلوبهم حتى هلكوا عن أخرهم فتذكاراً للفتح المبين والنصرة الباهرة بنيت المدينة ودعيت باسم الصنم (بل) إكراماً له وتيمناً به. ودونك ما جاء في تاريخ الخلفاء العباسيين تأليف العلامة لسترانج ادعاماً لرأي الكاتب. إن السر هنري رولنصن الشهير
زار بغداد وتفقد معالمها عام 1848م وأتفق أن في قيظ تلك السنة نضبت مياه أغلب الجداول والآبار ونقصت مياه دجلة نقصاناً فاحشاً حتى أن كثيراً من الأبنية التي كانت قد غمرتها المياه وحجبت عنها أشعة الشمس الساطعة قروناً عديدة ظهرت بجبروتها وعظمتها تسخر بتيارات دجلة وأمواج عبابه. وبينما كان المذكور ذات يوم يجول في شاطئ الجانب الغربي من بغداد (أي الكرخ) عثر على متراس فسيح مبني بالآجر البابلي وكانت كل لبنة منه مختومة باسم نبوخدنصر وألقابه وفتوحاته. 6 - صرح أحد مؤرخي الإنكليز الكبار الذي يركن إلى قوله: إن مدينة بغداد قديمة جداً ولا يعرف معنى أسمها على التحقيق وربما يرتقي عهد بنائها إلى حموربي المعاصر لإبراهيم الخليل وهو المذكور في سفر التكوين من التوراة باسم أمرافل كما أثبت ذلك أحد العلماء الفرنسويين بأدلة لامعة لا محل لإيرادها هنا. 3 - قدم بغداد ظهر مما تقدم إيضاحه أن بغداد كانت مدينة شهيرة قبل عصر الخلفاء بأزمنة لا يعرف قدمها على التحقيق وعلى كل حال ليس معنى اسمها كما أوله كثيرون من كتبتنا القدماء حسبما عن لهم وأوحت إليهم مخيلتهم وربما شك البعض في حقيقة قولي ولا يصدق أن مدينة بغداد الحديثة بنيت على أنقاض القديمة فلدي براهين تاريخية مكينة لا تقبل الرد بل تؤكد كل التأييد ما ذهب إليه فهاكها على سبيل الاطلاع. أولاً ورد في بعض الرقم الآشورية والجداول الجغرافية أسم يشابه كل المشابهة أسم بغداد على عهد حكومة الملك أشور بن هبل -
المعروف أيضاً عند الأثريين وعلماء التاريخ باسم سردنيال ثانيا أنبأتنا التواريخ التي بأيدينا أنه في العصر الأخير من دولة الساسانيين كانت بغداد الواقعة على الجانب الغربي من دجلة بقعة مخصبة جداً وزاهية زاهرة بأنواع الورود وأصناف الرياحين ثالثاً كان يقام في بغداد من قديم الزمان سوق كسوق عكاظ في غرة كل شهر للبيع والشراء وقد ذاع صيته في أربعة أقطار المسكونة حتى أنه في أوائل فتوحات العرب أوفد خالد بن الوليد (الملقب بسيف الله قائد الجيش في عصر الخليفة أبي بكر الصديق) شرذمة من جيشه يقودها أحد الأمراء الأبطال ليدخل بغداد ويغزو سوقها الغني بجواهره الثمينة وقد توقفت تلك الحملة في غزوتها لأن الغزاة باغتوا المدينة. وأغاروا على سوقها فحملوا شيئاً كثيراً من الذهب والفضة وكروا راجعين بتلك الغنيمة الباردة إلى الأنبار حيث كان القائد العام معسكراً بجيشه الجرار وهذه الحادثة وقعت سنة 13 هـ الموافقة 634 م رابعاً جاء في صفحة 454 من تاريخ (قيام وسقوط الخلافة العربية) للعلامة السر وليم مور ما معناه: (طاف المنصور بلاد تلك الأرجاء حتى تخوم الموصل ليختار له بقعة تلائم الغرض الذي كان يتوخاه فعثر أخيراً على موضع في الجانب الأيمن (الشرقي) من دجلة يبعد نحو خمسة عشر ميلاً عن المدائن وكان بالقرب منه دير يقطنه فريق من الرهبان مع رئيسهم فلما سئلوا عن ذلك المحل أطنبوا في مدحه)
خامساً ورد في الصفحة 9 من تاريخ بغداد في زمن الخلفاء العباسيين تأليف الفاضل لسترانج ما نصه (إن المنصور ساح سياحات عديدة في نية أن يعثر على بقعة حسنة ليتخذها عاصمة جديدة لمملكته فأخذ يجول في ضفاف دجلة من جرجرايا إلى الموصل حتى بدا له محل واقع بقرب بارما الكائنة وراء تخوم الموصل حيث يخرق دجلة جبل حمرين ولكن لم يطب ذلك الموضع للخليفة لأنه كان قاحلاً جداً وعليه قفل راجعاً إلى أنحاء بغداد فرأى هناك قرية للفرس على ضفاف دجلة فيها بضعة أديرة يقطنها جماعة من الرهبان واغلبهم من النساطرة فاستخبر منهم عن حال القطر فعرفوه أنه يفوق سائر أقطار العراق باعتدال مناخه وجودة هوائه وعذوبة مائه وحسن مناظره الطبيعية التي تشرح الخاطر وتبهج الناظر فضلاً عن طيب لياليه الباردة حتى في أشد حرارة القيظ وخلوه من مستنقعات تكون مباءة للبعوض ومنبتاً لجراثيم الوباء) فحملته هذه الأقوال على أن يلقي عصا ترحاله في ذلك الإقليم السليم ويصمم على بناء مدينة جديدة تكون عاصمة لبين النهرين وذلك في عام 145هـ - 762م. فمن هنا يظهر بأجلى بيان أن بغداد مدينة قديمة وقد بنيت الحديثة بجنب تلك أن لم تكن على أنقاضها فلينصفنا المطالع الكريم، إذا لم يرق في عينه شاهدنا هذا القويم، وفوق ذي كل علمٍ عليم. 4 - الزوراء لم تسم بغداد على ما أظن بالزورآء لأن الأبواب الداخلة كانت مزورة عن الأبواب الخارجة ولا لانحراف محرابها عن القبلة ولا على ما قال ياقوت في المشترك لأن الزورآء أسم لدجلة ببغداد وسميت بذلك لميلها وانحرافها بل السبب الأصلي عندي هو لأن يوم تأسيسها كان موافقاً لطالع القوس كما أنبأتنا به بعض التواريخ. وللزوراء جملة معان في العربية منها القوس والقدح الخ. بل ربما سميت بذلك لأنها بنيت مدورة كالقدح وكان قصر الخليفة في وسطها كإناء من فضة على
كتاب مقاييس اللغة
شاطئ دجلة كما نشاهد حتى يومنا هذا استدارة أطلال سور المدينة وخندقها. وهاك ما جاء في الصحيفة 433 من تاريخ أخبار الدول وآثار الأول: (ليس في الدنيا مدينة مدورة غيرها (أي الزوراء). بيد أن حمد الله المؤرخ الفارسي أحد كتاب القرن الثامن للهجرة الموافق للرابع عشر من التاريخ المسيحي ذهب إلى أنها لفظة آرية لا يعرف معناها لخفائه عن إفهام أهل تلك الأيام. 5 - مدينة السلام أما سبب تسمية بغداد بمدينة السلام فليس لأن دجلة كان يقال لها وادي السلام فاستحسن المنصور أن يسميها دار السلام فقط بل أيضاً لأن مؤسسها الكبير أراد أن يزيل عنه بهذا الاسم الجديد وصمة الأراجيف التي صوبها إليه أعداؤه الذين كانوا يدعون إنها سميت الزوراء تهكماً واستهزاء كأنهم يريدون أن يلمحوا إلى ما بها من الزور أو التزوير. 6 - الخاتمة أزف كلمتي هذه إلى القارئ الأديب قائلاً أن بغداد سميت بأسماء عديدة مختلفة لغايات شتى وليس بلا داعٍ ولا من باب الاتفاق. هذا ورجائي الوطيد ممن له وقوف تام على تاريخ بغداد أن ينتقد مقالي هذا أن رآني قد حدت عن محجة الصواب وزغت عن منهج الحقيقة بشرط أن يكون بأدلة ساطعة وبراهين لامعة حتى لا تفوتني الغاية التي أنشدها. والله الموفق. رزوق عيسى كتاب مقاييس اللغة - 1 - مؤلفه هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني من أئمة اللغة في القرن
الرابع للهجرة صاحب المجمل في اللغة والمصنفات الكثيرة أستاذ بديع الزمان وشيخ الصاحب بن عباد كان واسع الاطلاع بعيد النظر جاء في اليتيمة: إنه من أعيان العلم بهمذان ومن أفراد الدهر يجمع إتقان العلماء وظرف الكتاب والشعراء اهـ توفي عام (395هـ - 1004م) في الري ودفن فيها ولم أقف على تاريخ مولده 3 - الكتاب مقاييس اللغة كتاب لم ينسج على نوله ولا ألف على شكله فيما أطلعت عليه من كتب اللغة - عيناً أو خبراً - جاء فيه ابن فارس بالمبدع وبرهن به على إمامته في اللغة ودقة بحثه ولطافة ذوقه في القياس والاستنتاج. أما نهجه في هذا المؤلف فهو أنه يذكر للمادة معنى يسميها أصلاً أن اجتمعت فروعها بأصل واحد وإلا فأكثر حسب اجتهاده تكون كل فروعها راجعة إليه يذكر الفروع. وهذا الكتاب مع ما ستعرفه من حسنه لم يشتهر بين أرباب اللغة ولا عرفه الكثير منهم حتى ولا ممن اعتنى منهم بمعرفة كتب اللغة خصوصا؛ كما أن الكثير ممن ترجم
ابن فارس لم يذكره في مؤلفاته وهذا دليل على قلة نسخه وقد رتبه ترتيب حروف الهجاء الشرقي لا المغربي ولا الطبيعي أي الابتداء بأقصى حروف الحلق إلى مثله من الشفة على الأوائل فهو يذكر الحرف وما يثنيه مضاعفاً كان أو غير مضاعف أولاً ثم ما يثلثه وأما ما هو على أربعة أو خمسة فمذهبه فيه أنه منحوت من الثنائي أو الثلاثي ولذا خصه بباب على حدة بعد فراغه من التراكيب الثنائية والثلاثية ذكر فيه كيفية نحته. مثال ذلك في باب الهمزة الهمزة مع ب إلى ي ثم الهمزة مع ب وما يثلثهما إلى ي ومع ث كذلك إلى أن تتم الحروف وهاأنا ذاكر خطبته وآخره وشيئا من فصوله لتكتمل المعرفة به قال (بعد البسملة) الحمد لله وبه نستعين وصلى الله على محمد وآله أجمعين أقول وبالله التوفيق: للغة العرب مقاييس صحيحة وأصول تتفرع منها فروع وقد ألف الناس في جوامع الكلم ما ألفوا ولم يعربوا في شيء من ذلك عن مقاييس ولا أصل من تلك الأصول والذي أومأنا إليه باب العلم جليل وله خطر عظيم وقد صدرنا كل أصل بالأصل الذي يتفرع منه حتى تكون الجملة الموجزة شاملة للتفصيل ويكون المجيب عما يسأل عنه مجيباً عن الباب المبسوط بأوجز لفظ وأقربه وبناء الأمر في سائر ما ذكرناه على كتب مشتهرة عالية (أقول) وهي كتاب العين وكتابا أبي عبيدة وهما غريب الحديث وغريب المصنف وكتاب المنطق وكتاب الجمهرة وقد ذكر أسانيد روايته لها ومن رجال بعضها أبوه فارس وجده زكريا وقد أضربت عنها لعدم الفائدة في ذكرها قال وهذه الكتب الخمسة معتمدنا فيما استنبطناه من مقاييس اللغة وما بعد هذه فمحمول عليها وراجع إليها فأول ذلك باب الهمزة وقال في آخره
وقد ذكرنا ما شرطنا في صدر الكتاب أن نذكره وهو شطر من اللغة العربية صالح فأما الإحاطة بجميع كلام العرب فمما لا يقدر عليه إلا الله أو نبي من أنبيائه يوحي الله عز وجل ذلك إليه أقول وذكر هذا المعنى بعينه في كتابه الصاحي قال في باب العين: وما بعدها في المضاعف والمطابق أل ع وأل ف أصلان صحيحان أحدهما الكف عن القبيح والآخر دال على قلقه في الشيء فالأول العفة: الكف عما لا ينبغي ورجل عف وعفيف وقد عف يعف عفة وعفافة وعفافا والأصل الثاني. العفة بقية اللبن في الضرع وهي أيضا العفافة قال الأعشى: لا تجافى عنه النهار ولا تع ... جوه إلا عفافة أو فواق ويقال تعاف ناقتك أي أحلبها بعد الحلبة الأولى ودع فصيلها يتعففها كأنه يرتضع تلك البقية وعففت فلاناً سقيته العفافة فأما قولهم جاء على عفاف ذلك أي أبانه فهو من الإبدال والأصل أفانه وقد مر وقال أيضا في ذا الباب أل ع س ب كلمات ثلاث كل واحدة منفردة بمعناها لا يكاد يتفرع منها فالأولى طروق الفرس وغيره والثانية عسيب الذنب والثالثة نوع من الأشياء التي تطير فالأول العسب قالوا هو طروق الفرس ثم حمل على ذلك حتى سمي الكرى الذي يؤخذ على الضراب عسبا وفي الحديث أنه ع نهى عن عسب الفحل فالعسب الكري الذي يؤخذ على العسب سمي باسمه للمجاورة قال زهير: (ولولا عسبه لرددتموه) ومنه قول كثير: يغادرون عسب الوالقي وناصح ... تخص به أم الطريق عيالها يصف خيلا وأنها أزلقت أجنتها تعباً والآخر عسيب الذنب وهو العظيم الذي فيه منبت الشعر وشبه عسيب النخلة وهي الجريدة المستقيمة به تشابهها في طريقة الامتداد والاستقامة يقال عسيب واعسبة وعسب قال: بين الأشيا تسا ... مى حوله العسب وعسيب الريشة مشبه بعسيب النخلة والكلمة الثالثة اليعسوب يعسوب النحل يعنون ملكها وقال أبو ذويب: تنمى بها اليعسوب حتى أمرها ... إلى مألف رحب المباءة عاسل والجمع يعاسيب قال: زرقا أسنتها حمرا مثقفة ... أطرافهن مقبل لليعاسيب
وزعموا أن اليعسوب ضرب من الحجل أيضا وضرب من الجراد ومما ليس من هذا الباب. عسيب أسم جبل يقول فيه امرؤ القيس: أجارتنا أن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب وقال في حرف الباء: باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أولها ب اعلم أن للرباعي والخماسي مذهبا في القياس يستنبطه النظر الدقيق وذلك أن اكثر ما تراه منحوت ومعنى المنحوت أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة واحدة تكون آخذة منهما جميعا بحظ والأصل فيما ذكره الخليل من قولهم: حيعل الرجل إذا قال: (حي على) ومن الشيء الذي كأنه متفق عليه قولهم عبشمي قال: (وتضحك مني شيخة عبشمية) فعلى هذا الأصل بنينا ما ذكرنا من مقاييس الرباعي فنقول: إن ذلك على ضربين أحدهما المنحوت الذي ذكرنا والآخر الموضوع وضعا لا مجال له في طريق القياس وسنبين ذلك بعون الله فما جاء منحوتاً من كلام العرب في الرباعي وأوله ب (بلعوم) مجرى الطعام في الحلق وقد تحذف الواو فيقال (بلعم) وغير مشكل أنه مأخوذ من بلع إلا أنه زيد عليه ما زيد لجنس من المبالغة ثم قال بعد ذكر ألفاظ كثيرة ومن ذلك: البرقش وهو طائر وهو منحوت من كلمتين من برقشت الشيء إذا نقشته ومن البرش وهو اختلاف اللونين ثم قال الباب الثالث من الرباعي الذي وضع وضعا البهصلة المرأة القصيرة اهـ هذا ما أردت نقله منه وبه الكفاءة لم أراد معرفته وقد علمت أن الكتاب كتاب اجتهاد واستنباط فربما يخطأ ابن فارس في اجتهاده وربما أصاب كل الإصابة ولو أردت أن أذكر خطأه لوجب علي أن أعمل كتاباً في ذلك. 3 - نسختنا التي بين أيدينا طولها 36 سنتمتراً وعرضها 19 وطول المكتوب منها 25 وعرضه
في معترك الحياة
14 في كل صفحة 21 سطراً وعدد أوراقه 497 وقد خرقتها الأرضة ولكن لم تؤثر في نفس الكتابة كثيراً والظاهر أن في خبرها شيئاً لا تستطيع الأرضة أكله هي كثيرة الغلط لا ينتفع بها إلا من مارس هذا الفن وأخذ بأطرافه. وكاتبها لم يذكر تاريخ الفراغ من نسخها إلا أن المتدبر العارف بتاريخ الخط العربي يحكم بأنها كتبت بعد الألف وهي بخط واحد والظاهر أنها كتبت في الهند وبقيت ثمة زماناً لما عليها من الخواتيم الواسعة الكبيرة التي يمتاز بها الهنود ولأسماء مالكيها الهندية ويظهر لي أنها كتبت على نسخة مخطوطة بالخط الكوفي لأن جنس أغلاطها يدل على ذك وذلك أن ناسخها على ما أظن لا يحسن قراءة الخط الكوفي فتشتبه عليه الحروف ومن يحسن قراءة الخط الكوفي يستطيع أن يستخرج أكثر أغلاطها إذا علم ما قلناه. النجف: عراقي في معترك الحياة إن الزمان قلوب ... يحار فيه الليب آناً يطيب وآناً ... تراه ليس يطيب والناس فيه ضروب ... والخلق منهم عجيب هذا تردى الأماني ... وذا أردته الكروب وذا غنى مهنا ... وذا فقير كئيب وذا صحيح معافى ... وذا عليل يلوب وذا ضعيف يقيم ... وذا قوي يجوب وذاك يسعى فيحظى ... وذا تراه يخيب
عمل الطاباق في العراق
وذاك يرمي فيحظى ... وذا تراه يصيب وذاك موصول شملٍ ... وذا معنى غريب وذا يعمر دهراً ... وذاك طفلاً يغيب وذا لئيم بخيل ... وذا كريم وهوب وذا يعيش قنوعاً ... وذا حريص كسوب وذا حليم صبور ... وذا جزوع غضوب وذا وفي صدوق ... وذاك جاف كذوب وذا قبيح بغيض ... وذا مليح حبيب وذا جبان يروع ... وذا شجاع يريب وذاك طلق المحيا ... وذا عبوس قطوب وذا ذليل غبي ... وذا نبيل أريب وذاك غر جهول ... وذا عليم أديب وذا الكن عي ... وذا قؤول خطيب هذى الحياة وفيها ... أمر الإله عجيب فأختر لنفسك منها ... ما الذكر فيه يطيب إبراهيم منيب الباجه جي عمل الطاباق في العراق 1 - مدخل البحث سافرت في شهر كانون 2 سنة 1911 متوجهاً نحو العراق لمهمة صناعية واتخذت طريق البر مسلكاً لي. وتمكنت في أثناء إقامتي في الأقطار التي هبطتها من أن أبحث عن حاصلات هذه الديار من صناعية وزراعية فشاهدت فيها من الشؤون التجارية ما لا ينكره أحد وأن مجاري الحياة تتدفق في بغداد. وفي المدة التي قضيتها في عدة مواطن من العراق وهي مدة ستة أشهر جمعت في المواضع التي يعتمد عليها من الإفادات المدققة بخصوص مقدار ونوع المواد التي تنفق كل سنة ما لا يشك في صحته وكذلك فعلت بما يتعلق بقيمتها وكلفتها
بنقلها أو تحميلها وأجرة العمل والشغل وعدد العملة ووسعهم وطاقتهم في كل ما يعالجونه ويزاولونه. ويحسن بنا هنا أن نطلق طائر البصر ونتركه يحوم حول بنية أرض هذه الديار ليوقفنا بسرعة القابس العجلان على جوهر مواد البناء تلك المواد التي تستخرج من الأرض لتقوم بحاجتنا المنشودة. وأعلم قبل كل شيء أن الحجارة الكلسية لا ترى إلا في شمالي هذه الربوع أي في الأرجاء التي ينشأ فيها الفراتان أو الرافدان وتكون مقالع الحجارة الكلسية في سقي الفرات في هيت ومقالعها في سقي دجلة في سامراء. ولما كان هذان المقلعان بعيدين عن أمهات المدن التي توجد فيه التجارة والبياعات غدا نقل هذه المواد من أشد الأمور كلفة ومصرفاً. وأنت تعلم أن الإنسان إذا أراد أن يبني بناية يتخذ لها من المواد أقربها إليه وأصلبها وأرخصها لديه ولهذا ترى أغلب أبنية هيت وسامراء من حجارة الجص وهذه الحجارة لا ترى في بغداد ولا في ما أحاط بها فعوضوا عنها باللبن أو بالطاباق أو الطابوق وهو الذي يسميه أهل مصر الطوب وأهل الشام الآجر وغيرهم القرميد. ولقد أوغلت في البحث عن هذا الضرب من نتاج الصناعة الذي كان ولم يزل مستعملاً في هذه الديار إذ البابليون والكلدانيون أنفسهم لم يتخذوا في عماراتهم إلا الطاباق كما تشهد عليه من آثارهم ما صبر على صروف الزمان وطوارئ الحدثان. 2 - نظرة عامة في تربة العراق المتخذة للطاباق. تربة العراق صلصالية جصية متخلخلة هشة سهلة الكراب لنسبة ما يدخل في تركيبها من الكلس وهذه النسبة هي من 12 إلى 15 بالمائة وهذه الحواري الصلصالية سهلة العجن والتمثيل والتصوير لكنها إذا شويت انقلبت قوية صلبة بعض الصلابة إلا أنها قليلة المقاومة لما يعاندها من الأحداث والطوارئ. والطاباق المتخذ هنا هو ذو حبة رخوة سهلة النحت. وقد يكتفي به لعدم وجود ما يقوم مقامه أو يسد مسده أو ريثما يأتي من يعجنه عجناً مطابقاً لأصول الفن بعد أن يكون قد أدخل على كتلته ما يزيدها تماسكاً وتضاماً وصلابة وشدة. ونحن نعلم علما عاما أن أحسن التراب لصنع الطاباق هو الصلصال الخالي
من المواد التي تفرق حبيبات جواهره ولو تفريقا زهيداً أو تمنع ضم بعضها إلى بعض ضماً محكماً. وأحسن فخار هذه الديار هو ما كان في شمالي بغداد على مقربة من السندية على عدوة دجلة اليمنى وما يداني مشارعه فان هذا الفخار من أنقى ما يوجد من نوعه هنا وهو سهل العجن وصلب وآجره رنان عند القرع دقيق الحبيبة متلززها متماسكها أشد التماسك. وإذا حاولت وجود مثله في سقي وادي السلام لا ترى ما يضاهيه ولا يقاربه أو يدانيه. على أنك تجد والحق يقال طبقات من الفخار في مواضع مختلفة لكنه دون ذاك صنعة ونقاء دع عنك م يكلفك من المصاريف الباهظة. 3 - مقادير الطاباق يغلب على هيئة طاباق العراق التربيع فانه في بغداد يساوي 30 سنتيمتراً في الطول و30 في العرض و6 في الثخن وفي الكاظمية 25 - 25 - 6 وفي النجف 19 - 19 - 6 وهذه المقادير عينها كانت مستعملة سابقا عند البابليين والكلدانيين ويرى كثير منها إلى يومنا هذا في الاخربة التي صبرت على فتكات الدهر. وكان للصورة المربعة شأن في أبنية الأقدمين لأنهم كانوا يبنون الحيطان أثخن مما يبنيها أبناء هذا الزمان الذين يرمون دائما بسهم التوفير إلى غرض الرخاء في العيش. وأغلب الناس يبنون جدرانهم بنصف الطاباقة فيحتاجون إلى قطعها أو نشرها بمنشار وهذا يكلفهم أجرة قطاع يستغنون عنه. وقد لاحظ البناءون أن الطاباق المستطيل أصبر على نوائب الزمان من المربع. ولهذا ترى أغلب الناس قد اتخذوا اليوم في جميع الديار التي يستعمل أصحابها الآجر المقياس الآتي 25 - 12 - 6 ولا يبعدون عنه إلا قليلاً. وهذا القدر في الحجم يشوي الأجرة شيئاً محكماً ومنتظماً ويبعد عنه كل خللٍ من هذا القبيل وأعلم أن بناية 1. 000 طاباقة تساوي مترين مربعين و360 سنتيمتراً مربعاً أو 424 طاباقة لمتر واحد مكعب. 4 - صنع معجون الآجر إن الآجر في بغداد هو بحالته الأولى التي كان عليه في بدء هذه الصناعة
ومنذ ذاك العهد إلى هذا العصر الأنور لم تتقدم خطوة واحدة. بخلاف المصريين فأنهم سبقوا العراقيين غايات بعيدة ولهذا فأني أستحسن طريقة سكان وادي النيل على طريقة قطان وادي السلام. ودونك الآن الأمرين الأهمين في هذه الصناعة: 1: نختار التربة اللازمة للآجر وإذا نقصها شيء من المواد الضرورية يضاف إليها الناقص كالرمل أو المادة العلكة الدسمة الموجودة في السماد حسبما تكون التربة دسمة أو ضعيفة متخلخلة. 2: يعجن هذا الخليط إلى أن يتقوم منه معجون متماسكاً متلازاً يكون مطواعاً لليد العاجنة. 3: يدخل هذا المعجون في قوالب لا قعر لها بل لها تختات (أي لوحات) يداس عليها المعجون دوساً باليد. 4: بعد أن يستخرج الآجر من القالب (وهو المسمى باللبن في هذه الحالة) يشمس على تختاته مدة 24 ساعة ثم يرفع ويوضع بعضه على بعض على شكل مشبك أي بجعل فسح متقاربة منتظمة ببن آجرة وآجرة بحيث يجري الهواء بينهما. ويعرف عند المصريين هذا لآجر المضغوط عليه باليد باسم (طوب الألواح) ويبقى على هذه الصورة من 10 إلى 12 يوماً قبل أن يوضع في النار. 5: إذا أراد المصريون طبخ هذا الآجر تتخذ له عدة طرق وفي ضروب من الاتاتين أصفها في فصل تالٍ. وعليه تتوقف محاسن الآجر على محاسن الأمور التي ذكرناها. وأما في بغداد فأنها مهملة لا شأن لها عند أصحاب هذه الصناعة ومن تلك المعايب ما يأتي: 1: إنهم يستعملون التربة التي يقعون عليها بدون أن يمتحنوها قبل الشروع باتخاذها. 2: إن المعاجين لا تعجن بكفاية ولهذا ترى الكتلة غير متماسكة بعضها ببعض وحباتها غير متلززة مع أن هذا العمل الأخير هو مما يحرص عليه أصحاب الفن ويعلقون به محاسن الآجر وصبره على طوارئ الجو. 3: من المألوف عند صناع الآجر في سقي الفراتين أنهم يضعون اللبن على أرض غير سوية فيجيء الآجر بهيئة الأرض التي كان عليها أي أنه يأتي معوجا.
4: يبقى هذا اللبن على تلك الحالة المعيبة إلى أن يبس وإلى أن يوضع في الأتون. 5: يوضع اللبن في أتاتين مبنية متقطعة الحرارة ويوقد فيها نار خشب وهذه الأتاتين مبنية من أربعة جدران قائمة كلها من اللبن؛ والحيطان ثخينة ومغشاة بتراب إلى سمك غير مرتفع كثيراً والغاية من وضع التراب منع الحرارة من الضياع والإشعاع ويكون طول الأتون في أغلب الأحايين من 8 إلى 10 أمتار في عرض 5 أو 7 وسمكه 6 وفي أسفل الأتون عدة عقود منتسقة تقوم كلها على قوائم سوية قليلة الارتفاع وهذه العقود مخرقةً على هيئة الشباك لتدع حرارة النيران تنفذ منها وتلك النيران دائمة الاضطرام. وتمد هذه الأتاتين بالوقود طول مدة الطبخ ومادة الوقود هي الخشب والحطب والشوك ويدوم الطبخ من 8 إلى 10 أيام حسب سعة الأتون. فأنت ترى من طريقة هذا الطبخ أن ليس لجميع أنحاء الميفي درجة واحدة من الحرارة ولهذا لا تجد جميع الطاباق مشويا على صورة واحدة وإن كانت خارجة من ميفي واحد. وهذا ما يتحققه كل إنسان من لون الآجر إذ يتفاوت بين الأصفر والأحمر وما لم يطبخ حسنا يعرف من لونه الأحمر ومن صوته الأصم إذا قرع ومن تحات أجزائه إذا فرك باليد. وفي طبخ الطاباق بالخشب والحطب من النفقات ما لا يتصوره من لا يكون من أهل البلد لأن هذا الضرب من الوقود غالٍ جداً في هذه الديار. - هذا وأعلم أن الطبخ على هذا الوجه وكبر حجم الطاباق يسببان سقطاً كثيراً حتى أنه يعد 25 في المائة في الأقل. وهذا من أسباب بيعه بثمن فاحش. ومن ذلك فأن هذه المعايب كلها تقل أو تتلاشى إذا كان الخبير ينتقي التربة الصالحة للطاباق ويعجنها عجناً حسناً ويحرقها إحراقاً منتظماً. 5 - طبخ الآجر أشهر طرق طبخ الآجر المعروفة في ديار مصر هي المعروفة (بالطبخ السريع) وهي تتوقف على تكويم الآجر كوماً كوماً على منبسط من الأرض وعلى جمع الكوم سافات سافات وبين طبقة وطبقةٍ طبقة من الفحم الدقيق. وطبخ الآجر كوماً في الهواء المطلق يسبب نفقة في الوقود أعظم من
النفقة التي تصرف على الطبخ بالأناتين الصناعية. ويبلغ قدر الفحم الحجري نحو 50 كيلواً لألف آجرة من الحجم العادي. وهذا النوع من الإحراق لا يوافق إلا في البلاد التي يكثر فيها الفحم الحجري أو يكون فيها رخيصاً ومع ذلك يكون نتاجه غير منتظم الطبخ ويسبب من السقط 25 في المائة إلا أنه لا يوجب نفقة بناء الأتون فتكون مصاريفه في كيس الطابخ وهذا لا يكون إلا في الأبنية الفرعية البعيدة التي يكلف فيها بناء الأناتين تكليفاً باهظاً. إن في أتون الطبخ السريع (نفعاً) لا يرى في سائر الموافي المتصلة الحرارة أو المتقطعتها وهو أنه يوصل الإحراق إلى درجة بعيدة في الحرارة أي إلى درجة إسالة الآجر حتى يكون كالزجاج. فإذا كان كذلك يلتصق بعضه ببعض التصاقا شديداً ويصبح كتلاً مكينة حتى يغدو بمنزلة كتلٍ تتخذ اتخاذ الجلاميد أو الصخور. وقد ينتفع منها انتفاعاً آخر وهو أنها إذا دقت تقوم مقام الحصى الناعم في اللياط. وهذا ما ظهر نفعه واستعماله في (سد الهندية) الذي يبنى اليوم على الفرات. وفي هذه الحالة الأخيرة يجب إحراق 350 كيلواً من الفحم الحجري لطبخ ألف طاباقة من القدر المألوف. أما الأتون الذي أشيد بذكره فهو أتون متصل الحرارة من جنس (أتون هوفمان) الذي ينتفع بالحرارة المتولدة بشروطٍ لا خسارة فيها. هذا الأتون يتركب من دهليزين مستقيمين متوازيين يجتمعان عند طرفيهما بدهاليز مستديرة وهو يختلف عن أتون هوفمان بهذه المزية وهو أن هذا الدهليز المتصل هو غير معقودٍ ووجهه مفتوح من جهة السماء. ولهذا الأتون كما لذاك الموقد أضلاع في الجانب وحجرة لدخان الوسط تكون بين الدهليزين ومدخنة. ويدخل الوقود من الخارج رأساً ويوضع في ثقوب قائمة مخروقة في كومة الآجر المعدة للطبخ صنعت لهذه الغاية. وفي هذا الأتون كما في أتون هوفمان
تغطى هذه الثقوب بحب (براقود أو كما يقول المصريون بزير) من الآهين (أي من حديد الصب يوضع ويرفع على إرادة العامل. والنار نتمشى رويداً رويداً على طول الدهاليز فتمر بالآجر وتتصرف فيه تصرف الطبخ متنقلة فيه من حالة إلى حالة حتى يبلغ أقصاه. ولما لم يكن في الموقد عقد فملؤه وتفريغه يكون رأساً على أسهل ما يطلب في هذا السبيل ولكون هذا الأمر يجري من وجه الدهليز الأعلى المكشوف يبقى هذا الترتيب ممتازاً على سواه لأنه يبين بنوع حسن سير الإحراق والطبخ. ومن منافع هذا الموقد أنه ما عدا كونه يشوي الطاباق شياً منتظماً وعلى وتيرة واحدة هو قليل المصرف والنفقات في أول بنائه لما في نظامه من البساطة وتوخي الغاية المطلوبة. ويبلغ طول هذا الدهليز 60 متراً وعرض قطعة مترين وسمكه مترين أيضاً وإذا تم بناء هذا الأتون على هذه الصورة فأنه يعطي في اليوم 10. 000 آجرة. وتختلف كمية الوقود اختلافا عظيماً باختلاف أنواع تربة الطاباق. فاتون هوفمان ينفق من 25 إلى 150 كيلواً من الفحم الحجري لألف آجرة حجمها 25 - 12 - 6 وأما أتوننا الذي هو صنف أتون هوفمان فلا يأكل من الفحم أكثر منه. وهذا النوع قد أنشئ حديثاً فأتخذ في ديار مصر منذ بضع سنوات وقد جاء بنتاج عجيب. وبناء هذا الموقد مع جميع ملحقاته يكلف نحو 600 ليرة عثمانية. ويباع طن الفحم الحجري (الوارد من نيوكاستل) في بغداد بثلاث ليرات وينفق لألف آجرة 45 قرشاً ذهبياً صحيحاً. وأما في مصر فثمن الطن 145 قرشاً ذهبياً صحيحاً. وينفق على ملئ الأتون وتفريغه لألف آجرة 12 قرشاً ذهبياً صحيحاً وهو يسع كل مرة 10. 000 طاباقة ويمد ناره بالوقود ثلاثة عمال يدفع لكل منهم في اليوم 7 غروش صحيحة أي ينفق غرشان صحيحان على كل ألف آجرة. وسوف نأتي في جزء آخر بما يتم هذا البحث ويفيد القراء والله الموفق. أ. ب.
العرائف
العرائف 1 - توطئة جاءت لفظة العرائف بمعانٍ شتى في لغة أهل نجد الحاليين. فنحن نذكر هنا أهمها ثم نذكر في الآخر المعنى الذي عقدنا له هذا البحث فنقول: العرائف جمع عرافة بكسر الأول ويراد بها أولاً: ما يعرف به الشيء أي يعلم به بعد ضياعه أو فقده فيشمل الضالة والذاهبة والضائعة والمسروقة والمبطوحة والعبد الآبق والبعير الشارد وغيرها. وإذا عرف الرجل ماله الضائع فوجده عند رجل آخر أو عند قوم غير قومه أطلق على ذلك المال اسم (العرافة) باسم المصدر فيقول صاحبه والمطالب به (عرافتي كذا (أي مالي المفقود الذي وجد الآن هو) عند فلان. ومنهم من لا يطلق على الأشياء المفقودة اسم العرافة إلا بعد المطالبة بها أو حين الشروع بالمطالبة. ومنهم من يطلقها عليها حين العرف بها (أي حين العلم بها). فإذا قيل مثلاً: الشيء الفلاني عرافة فهم السامعون أن
الشيء الفلاني الضائع قد صار إلى غير صاحبه أو قد وجد عنده وهو لغيره. وسواء كان حافظ المفقود رجلاً واحداً أو قوماً. لأن المشروط في العرافة أن يكون الشيء منتقلاً إلى آخر بغير طريق مشروعة عندهم لأن المشروعات عندهم هي البيع والشراء والمبادلة والكسب وغارة الضحى وما شاكل ذلك في الغزوات من أخذ وسلب وغيرها. والعرافة عندنا هي غير العارفة؛ لأنك رأيت ما تريد بالأولى فأما العارفة فهو عندنا وعند أهل البادية جميعاً بمنزلة القاضي عند المتحضرة. وسمي بالعارفة على وزن فاعل مع تاء في الآخر وهي تاء المبالغة كالراوية لا تاء التأنيث لأنه يعرف المتحاكمين إليه بالحق ويحكم به أو لأنهم يعرفهم بحق كل واحدٍ منهم حينما ارتضوه حكماً لهم. وكان الأقدمون من العرب يسمونه الحاكم. وهو مشتق من الحكم لا من الحكمة كما يتوهمه قوم من الكتاب ومنهم أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة والأقرع بن حابس وعامر بن الظرب وهاشم بن عبد مناف وعبد المطلب بن هاشم وغيرهم. وإذا علمت ما هي العرافة فاعلم الآن أنه يجوز عليها القرع. أما القرع عندنا فهو عبارة عن التنبيه والإخطار أو بعبارة أخرى هو أن ينبه صاحب الضائعة لمن عنده حينما عرفها أنها له فيقول: إن عرافتي الفلانية هي عند فلان بن فلان أو عند العرب الفلانيين أو في المحل الفلاني وهي (مقروعة أو مقروع عليها أو مقروعة عليه). وله وجه فصيح في اللغة من قرع السهم القرطاس إذا أصابه؛ لأن الإنسان إذا أصاب شيئاً مطلق الحرية بسهم من سهامه أخذه له فكيف لا يأخذه وهو له في الأصل. ولهذا لا يجوز للرجل أن يبيع العرافة أو المقروعة
كما لا يجوز لأحد أن يشتريها إلى أن تنتهي المحاكمة. فإن باعها خسر ثمنها أو ما يقابلها ودفعه إلى صاحبها الأول. ويجوز لصاحبها بعد القرع أي بعد التنبيه أن يأخذها أن وجدها عند آخر وهو الذي وجدت عنده أخيراً. أما هذا صاحبها الأخير فله حق استرجاع ثمنها من صاحبها الغير الشرعي وهو الذي وصلت منه إليه (وعلى تعبيرهم: الذي درجت منه إليه). وأما إذا انتهت المحاكمة بعد القرع فأن أثبت المدعي إنها له أخذها منه ودفع صاحبها إلى أن يتتبع الذي وجدت عنده أن كانت درجت إليه من أحد. فإن لم يثبت أنها له سقط القرع وجاز لذاك التصرف فيها. ولهذا البحث فروع كثيرة يطول ذكرها وليس هذا محلها. ولكن هناك شيئاً وهو هل يجوز القرع على من وجدت عنده العرافة (الضائعة أو نحوها) إذا كان من أعراب أو من قبيلة معادية لقبيلة القارع أم لا؟ - قلنا: إن بعضهم لا يجوز القرع في مثل هذا المقام وسببه أن القرع لا يتمشى حكمه على العدو؛ لكن إذا تم الصلح بين القبيلتين وكان قد أشترط رد العرائف أرجعت في أبان الصلح. هذا إذا لم تكن قد انتقلت (وبتعبيرهم إذا لم تكن قد درجت) من عند من
علمت أنها عنده ببيع أو شراء أو مبادلة أو ضياع قبل الصلح. أما إذا كانت قد درجت إلى آخر في حين عداوتهم فالقرع يسقط عن ذلك الرجل. فإذا صار الصلح فما لم يكن قد وقع عليه شرط رد العرائف لا يعاد. والعكس بالعكس، أي إذا درجت إلى آخر وهم في حين المحاربة لا يشملها شرط إرجاع العرائف في أبان الصلح كما تقدم بيانه ويجوز القرع بعد الصلح أن لم يعلم بالعرافة إلا بعد الصلح فقط. وقد جوز البعض الآخر القرع في حين العداوة وذلك أن كانت العرافة قد درجت إلى من وجدت عنده قبل حدوث العداوة (أي في زمن الصلح) ثم نشأت بعد ذلك فنشبت المحاربة جاز لصاحبها أن يقرعها ويشهد على ذلك شهوداً. فإذا تم الصلح طالب بها أن أراد وخاصم مناوئه عليها إذ تجرى عليها الشروط المتقدم ذكرها بتمامها بدون أن يثلم منها حرف واحد. أما المحاكمة فتجرى عند القاضي أن كان المتخاصمون في المدن، أو عند الأمير إن كان حولهم أمير، أو عند العارفة أن كان هناك عارفة. وإن أصدر أحد هؤلاء المحكمين أمراً فلا يجوز لأحد تغييره أو الجري بخلاف ما قضى. بقي علينا هنا أن نذكر أمر المغصوبة وهل تعد عرافة وهي يقدر صاحبها أن يسترجعها أم لا؟ قلنا: إن بعضهم ينفي ذلك لأن حكم المغصوبة داخل في حكم الغنيمة ولهذا تسمى باسم المغصوبة حين المطالبة بها أو حين المحاكمة. وبعضهم يعد الاغتصاب كاللصوصية داخلاً في الطرق الغير المشروعة عندهم ولهذا يطلق عليها اسم (عرافة) والقائلون بهذا القول أقرب إلى الحق منه إلى خلافه. وهذا ما يظهر لك صدقه من سرد حادثة العرائف الذين نعقد لهم هذا الباب. وقد ضربنا صفحاً عن أشياء كثيرة يطول ذكرها كمنفعة العرافة في عهد من عرفت عنده كما لو كانت مثلاً جواداً أو هجيناً فغزا به وغنم فهل يرجع الغنم إلى صاحبه الأصلي أم إلى من غزا به؟ أم هل يكون لصاحبه الأصيل الربع أم لا؟ وما حقوق العارفة وكيف تجرى على من حفظها وعلى أي وجه
تجرى المحاكمة وكيف تكون الإيمان والشهود والاستشهاد وغيرها من الاصطلاحات المعروفة عندهم من سابق العهد وهي كلها غير مدونة في الكتب والمؤلفات أن قديمة وأن حديثة وإنما تناقلوها خلفاً عن سلفٍ منذ العهد العهيد. أما العرائف الذين قد أرصدنا لهم هذه الأسطر فهم رجال يعرفون لهذا الاسم من أمراء نجد ويعرف واحدهم باسم (عرافة). وإنما سموا بهذا الاسم للحروب التي حدثت بين أمراء نجد في القرن الأخير. وقد استطار هذا الاسم في جزيرة العرب كلها حتى إنك إذا حللت قوماً أو نزلت داراً أو دخلت عمرة (ندوة) وسمعت لفظة العرائف فأعلم أنه لا يراد بها إلا هؤلاء الأمراء الآتي ذكرهم. فإذا حفظت كل ذلك نقول: 2 - العرائف بمعنى جماعة من أمراء نجد لما تضعضعت أركان دولة آل سعود في نجد وأفضت بعد وفاة الإمام فيصل سنة 1282. (1865م) إلى أولاده الثلاثة: عبد الله وسعود (وقد توفيا) وعبد الرحمن الفيصل (وهو حي يرزق إلى اليوم) حدث بينهم شقاق أنتج حروباً كثيرة متتالية أضرت الجميع. وفي أثناء تلك المعارك كان الأمير محمد ابن الرشيد يغتنم الفرص كلما سنحت له ليوسع أملاكه فساعده الحظ والجد على أن تعنو له نجد كلها وذلك بين سنة 1297 وسنة 1308. (بين سنة 1879 وسنة 1890م) وكان قبل هذا العهد قد وقع بين سعود الفيصل وقائع جمة توفي في أثنائها سعود فقام أحفاده محمد وعبد العزيز وسعدون وخرجوا على عمهم عبد الله الفيصل وأذاقوه الأمرين فأستنجد بالأمير محمد ابن الرشيد فسار بجيش لهام وزحف به عليهم وأخرجهم من الرياض وبعد أن مات البعض ألقى القبض على الباقين وعلى أولادهم وسجنهم في (حائل) مقر إمارته إلى أن توفي سنة 1315 فخلفه الأمير ابن أخيه وهو عبد العزيز به متعب الرشيد. وفي أيامه وقعت تلك الفتن فأطلق سراح الباقين مع أولادهم. ومن ذلك العهد لقبوا بالعرائف لأن قضيتهم والفصل فيها يشبهان قضية وفصل العرافة التي مر بنا ذكرها. ولما أطلق سراحهم أستقبلهم عبد العزيز باشا السعود بالسرور والأكارم ورحب بهم كل الترحيب فلم يقيموا عنده سوى عامين ثم قاموا بما قاموا به فهاجوا
باب المكاتبة والمذاكرة
وماجوا في ديار نجد وعشائرها وأثاروا حروبا وفتناً أضرت كثيراً من سكان نجد. وبما أنهم لم يثبتوا بين يدي الأمير عبد العزيز السعود لجأوا أخيراً إلى أمير مكة ونفثوا في صدره أنهم يضمون ديار نجد كله إليه (كذا) أن هو مالأهم على ما ينوونه. ولكن هذا لا يقع! ولعلنا نبحث في عدد آخر عن أسباب ذلك وما نجم أو ينجم عنه وعن الحالة الحاضرة وبالله التوفيق. صاحب الرياض ومجلة الحياة سليمان الدخيل باب المكاتبة والمذاكرة رحلة الأب لويس شيخو من بيروت إلى الهند بعث إلينا أحد الأصدقاء بالعدد الثاني من مجلة المشرق لسنتها 16 وقال لنا: أرجوكم أن تطالعوا بتدبر ما كتبه حضرة الأب لويس شيخو عن دار السلام وتوقفونا على منزلة كلامه من الحقيقة في رحلته إلى حاضرتكم وعلى مطابقته للصحة. قلنا: في ما كتبه الأب شيخو الغث والسمين، القض والقضيض، على أن الأوهام، تغلب على ما فيه من حقائق الكلام. وفي رحلته من أولها إلى آخرها من تقديم وتأخير في الحوادث ما يقضي منه الأديب العجب العجيب إذ يذكر فيها أموراً لم تجر إلا في هذه الأيام، وهو قد سردها كأنها جرت قبل بضعة أعوام. وربما ذكر أشياء لا مناسبة بينها وبين رحلته مثلاً ذكره آثار القادسية المبنية على دجيل فأنه يقول (إن الكلك تحدر به سريعاً من سر من رأى إلى بغداد) فكيف أمكنه أن يرى هذه المدينة القديمة الراكبة على نهر دجيل. ومدينة أوبي وبلد وحربي وغيرها. فلا جرم أنه رأى كل هذه المواقع في الكتب التي تبحث عن هذه الديار فأغتنم فرصة سفره في هذه الأرجاء ليكتب عنها ما كتب؛ ومما يشهد على أنه لم يزر تلك المدن العتيقة قوله في ص 66: (وبين سرى من رأى وبغداد نحو 140 كيلومتراً على دجلة قطعناها في اليوم الثالث من سفرنا إلى الموصل.) ومن أوهامه في رحلته هذه إلى بغداد قوله في ص 143: ويزورون مقامه (أي يزور المسلمون السنيون مقام الإمام الأعظم). كل يوم سبت. والمشهور أنهم يزورونه نهار الجمعة. - وذكر في ص 143 صاحب مجلة العلم باسم الشيخ
هبة الله الشهرستاني والأصح السيد هبة الدين الشهرستاني. - وقال في تلك ص: فبقينا نحو الساعة ننتظر مرورهم (أي مرور الشيعة) ريثما يزاح الجسر. وجسر بغداد لا يزاح بل يقطع. - وقال في تلك ذاكراً عمارات الفرس (أي ملابيس رؤوسهم) (وعلى رؤوسهم القلانس والالباد). ففهمنا أن القلانس تلبس فوق الرؤوس لكن لم نفهم كيف الألباد تلبس كالقلانس. وقال في ص144: نمشي تارة في ظل النخيل المائسة سعوفها في الفضاء وتارة على مقربة من قصور المثرين من البغاددة والمزارات المصفحة بالصيني والكاشاني. قلنا: نحن لا نعرف في بغداد مزارات مصفحة بالصيني ولا بالقاشاني وإنما يوجد بعض المآذن مبنية الخارج بالقاشاني لا غير فأين هذا من ذاك. وهل يجهل أن الصيني أو الفغفوري أي لا وجود له في بغداد وأنه يكلف أثماناً باهظة لبناء جزء زهيد من الجدار فما قولك في عدة مزارات؟ ووصف في ص 144 صنع القفة على خلاف ما هو متعارف عندنا فليقابل كل أديب ما كتبه حضرته في هذا الصدد بما كتبناه في هذا المعنى وليحكم بين الأمرين ليرى من المصيب في وصفه. - ثم أنه شبه القفة (بدنية القضاة) والحال أنك تعلم أن الدنية قلنسوة تشبه الدن وهو الراقود أو الحب الذي له عسعس لا يقعد إلا أن يحفر له أو بعبارة أخرى: هي قلنسوة لها طرف دقيق ذاهب في الهواء بخلاف شكل القفة التي هي مبطوحة الأسفل فالقفة كالكلمة لا كالدنية. - وقال: وكان نائبه (أي نائب رئيس الكرمليين الأب بيار المنتمي إلى أم الله.) والصحيح أنه لم يكن نائبه وقتئذ ولا بعده - وفي الصفحة المقابلة للصفحة 144 نشر صورة كتب عنها أنها: (كنيسة الآباء الكرمليين ومدرستهم في بغداد) والحال: ليست هي صورة كنيستنا ولا صورة مدرستنا فكيف يمكن بعد هذا أن يعتمد على ما يكتبه الأب ولا سيما عما هو وراء هذه الأزمان ووراء ما شاهده بعينيه. والمعلوم أن الصورة التي ينقلها الرحالة في سياحته يأخذها بنفسه وتكون بمنزلة حجة بيده عما رآه بذاته. والحال أننا نراه هنا قد نقل صورة
من الصور التي طبعتها مجلة انتشار الأيمان في ليون سهواً ونسبتها إلى بلدتنا وهي صورة كنيسة ومدرسة لرهباننا في بلدة من ديار الشام لا في دار السلام. فليحكم القارئ بعد ذلك بمنزل التحقيق حضرة الأب الأكرم. - وقال في ص 146: ويبلغ عدد النصارى غير الكاثوليك نحو 3000 أكثرهم أرمن غريغوريون والحقيقة أنهم لم يكونوا يومئذ أكثر من سبعمائة. وقدر عدد النصارى في سنة زيارته بغداد بين 10. 000 إلى 12. 000 ألف والحال كانوا يومئذ بين سبعة آلاف وثمانية آلاف ولا تزد على هذا العدد واحداً أن أردت المبالغة. - وقدر سكان بغداد 160. 000 من السكان والمعلوم إنهم كانوا يومئذٍ 200. 000. - ونسب إلى راهبات التقدمة: مأوى للغرباء ومستوصفاً ومستشفى وغير ذلك وكلها ليست لهن. - وذكر أن معنى أسم بغداد هو (هبة الله) والحال أن العلماء غير متفقين على هذا التأويل. كما رأيت في هذا العدد، فكان يحسن به أن يضع تأويله موضع الشك. - وذكر في ص 147 كلام ابن المعتز في ذم بغداد فقال: حيطانها تروز (كذا)، وتشرينها تموز.) قلنا ما معنى تروز؟ فهو كثيراً ما ينقل نصوص الكتاب مع ما فيها من الخطأ ولا يهمه تصحيحه أو التنبيه على غلطها. فتروز لا معنى لها. وإنما هي دروز جمع درز وهو من درز الخياط الثوب درزاً: إذا خاطه خياطة متلزرة في الغاية.) كان ابن المعتز يقول أن حيطان بغداد غير مبنية ولا تستحق اسم البناء وإنما هي مخيطة خياطة لضعفها - وقال في ص 147 ثم توفر عدد سكان بغداد (في عهد العباسيين) حتى ضاقت ضفة دجلة الشمالية (كذا) عن إيوانها فجعل الناس يبنون على ضفتها اليمنى مدينة عرفت بالكرخ (كذا) وكان يجدر بحضرته قبل التصدي للكتابة أن يطالع ما كتبه المؤرخون عن بغداد لكي لا يخطأ هذا الخطأ الجسيم. لأن أول ما بنى من بغداد كان في الكرخ أي في ضفة دجلة اليمنى ثم لما كثر الخلق بنيت الرصافة وهو الجانب الأيسر من المدينة. - وذكر في تلك الصفحة بقايا ما شيده العباسيون فقال: أما الآثار الباقية من تلك القرون فقليلة منها بقايا القلعة القديمة (كذا) وفيها المطبق أي السجن الذي كان تحت الأرض كانوا يجعلون فيه أصحاب الجنايات الكبرى فيثملون بهم (كذا بتقديم الثاء على الميم) أو يقتلونهم جوعاً). اهـ قلنا: لم يذهب أحد إلى أن ما يشير إليه من بقايا القلعة القديمة وأن فيها كان المطبق
فهذا كله حديث خرافة وإنما المظنون بهذا الطلل أنه من بقايا أحد قصور العباسيين على دجلة لا غير. - وذكر من أبنية عصر العباسيين (جامع الخاصكي) هو أمر مضحك إذ هو حديث البناء ولعل الاسم هو الذي ساقه إلى هذا الوهم والأصح أن معمره هو محمد باشا الخاصكي والي ايالة بغداد سابقاً وكان قد تولى أمرها من سنة 1067 إلى سنة 1069هـ وكان قبل ذلك بيعة للمرسلين الكبوشيين. - وذكر بين أبنية العباسيين بعض الخانات كخانة عرتمة) (كذا) قلنا: ليس في بلدتنا خان واحد من عهد العباسيين. أما (خان اورتمة) لا عرتمة فهو من عهد مرجان الشهير لا غير - وذكر بين الأبنية العباسية (مشاهد ومدافن أشهرها مدفن السيدة زبيدة) قلنا: (مدفن الست زبيدة) (لا السيدة زبيدة) حديث البناء وليس من عهد العباسيين كما توهمه حضرته. وبعد أن ذكر الأبنية تصدى في ص 148 بعض من استولى على بغداد فقال: (إلى أن استولى عليها أمراء الترك المعروفون بكراكويولي) (كذا) وقد بحثنا في ما بين أيدينا من الأسفار لنرى من هم هؤلاء الذي يشير إليهم ففهمنا في الآخر أنه يريد الأمراء المعروفين باسم (قره قوبونلي) فأين هذا من ذاك؟ - ثم تقدم إلى ذكر الآثار الباقية من عهد فتح المغول لبغداد فقال: (والآثار الباقية من بعد فتح المغول لبغداد ليست من المحاسن على شيء (كذا) (أي في شيء) إلا بعضها كمسجد الإمام موسى الكاظم السابق ذكره ومسجد السيد سلطان علي ومسجد الشيخ عمر) قلنا: كل ما ذكره ليس من عهد المغول في شيء وإنما هو من أعصر مختلفة بل حديث البناء - وذكر مدارس بغداد ثم قال: (ومدرسة الطوائف الكاثوليكية للكلدان والسريان والأرمن المعروفة بمدرسة الترقي الكاثوليكي.) (كذا) وليس في بغداد مدرسة بهذا الاسم؛ إنما كان مكتب باسم الاتفاق الكاثوليكي لكنه لم يكن في عهده إذ انحلت عراه قبل مجيئه بسنواتٍ. ثم تطرق إلى ذكر أبنية بغداد ووصفها فقال في ص 149: ومنازلهم ذات طبقة واحدة سفلى يبنوها بالطين والكلس إلا دور الوجوه والأعيان فأنها أشبه ببيوت أهل الشام). قلنا: إننا لا نعلم بوجود بيوت في بغداد مبنية بالطين والكلس. ولا جرم أن حضرته رأى في أسبوع واحد ما لم نره نحن طول حياتنا
فوائد لغوية
فأكرم به من سائح رائد وفاحص مدقق!!! ثم سرد أسماء بعض الأعلام من مدن ورجال فقال في أسماء المدن: نيفار والأصح نفر؛ وأبي هبة أو لبيار والأصح أبو حبة أو سبارة؛ وبرز والأصح برس والخمر والأصح والخضر؛ ولرسام والأصح ولارسا؛ ومغير والأصح (والمقير) بتشديد الياء. إلى آخر ما هناك من أغلاط الأسماء. - وذكر بين أعلام الرجال: نجيب أفندي شيحا وقال عنه أنه (نسيب حبيب أفندي شيحا) والحال أنه ابنه. وهو لم يكن في بغداد لما كان حضرته فيها. بل كان قد غاب عنها قبل بضع سنين ولم يأتها بعد ذلك فكيف ذكره بأنه (حظي بمعرفته) كما قال. فهذا من أغرب الغرائب، بل من خوارق العجائب. هذا مجمل ما رأيناه من الأوهام في رحلة الأب لويس شيخو اليسوعي إلى بغداد فقط. فما القول في الرحلة كلها؟ بل وما القول في ما يكتب عن تواريخ الأجيال المنقرضة والقرون الخالية؟ وما عسى أن تكون منزلة ما يكتبه مثلا عن قبائل العرب وما يتعلق بأديانهم؟ فلا جرم أن الأغلاط تكال حينئذ كيلا ولا تقال قولا. وبهذا القدر كفاية لمن يريد أن يقف على مكانة مؤلفات حضرة الأب ونحن لم نتعرض لما في عبارته من الأغلاط الجمة التي تزيد كلامه غموضاً وخفاءً لأن ذلك يجرنا إلى تطويل أذيال المقال، إلى ما لا يسعنا فيه المجال. فاكتفينا بالإشارة إذ (إن اللبيب من الإشارة يفهم) فوائد لغوية زقنبوت! سألنا أحدهم: ما معنى زقنبوت ومن أي لغة هي؟ قلنا: هذه اللفظة كثيرة الشيوع على ألسنة العوام وضبطها بفتح الزاي وسكون القاف وفتح النون وضم الباء بعدها واو ساكنة ثم ياء مبسوطة ويقولونها للآكل إذا دعوا عليه. وإذا عطفوا عليها مرادفا قالوا: زقوم. أما
معنى زقوم فمشهور وقد ذكره اللغويون في كتبهم فلتراجع للفظة في مظانها. وأما زقنبوت فلم يذكرها. وقد ذهب الأدباء في معانيها مذاهب شتى فمنهم من قال إنها مصحفة عن (ذق نبوت) والنبوت بلسان الشاميين هو الدبوس (أو الطبوس) بلسان أهل بغداد فيكون محصلها: (ذق أو كل خشبة) وقد اشتقوا منها فعلاً فقالوا: زقنبه (فتزقنب) أي أطعمه طعاماً سيئ المغبة فأكله فتضرر منه. لكني سمعت بعض الأعراب من أهل البادية يقول: الزقنبوت دويبة إذا وقعت في العشب الذي تأكله نفختها أو سممتها وربما قتلتها وسمعت كردياً يقول الزقنبوت تسمى عندنا الزقنبورت (بياء مثلثة فارسية وواو ساكنة ثم راء ساكنة) هي دوبية كالخنفسة الصغيرة تكون في العشب فإذا أكلته الدواب سممتها. وجاء في كتاب الهدية الحميدية، في اللغة الكردية، تأليف الشيخ يوسف ضياء الدين باشا الخالدي المطبوع في الآستانة سنة 1310 ص 129: زقنبورت. يقال (زقنبورت خوار) أي أكل لا هنيئاً ولا مريئا. قلنا: واسم هذه الدويبة بالفرنجية الفصيحة وباللغة العامية وهي من رتبة الغمدية الأجنحة الخماسية المفاصل من فصيلة المسننة القرون وهي رأس قبيلة (الزقانب) وهذه الهوام لا تستطيع القفز لأن قوائمها قصيرة ولها عيون ملوزة. وهذا الجنس يشمل نحو 150 نوعاً وهي كثيرة الوجود في ولاية بغداد والبصرة والموصل لاسيما في البصرة فإنها أكثر وألوانها حارة زاهية متموجة وقد سميت بهذا الاسم الإفرنجي (ومعناه نافخة البقر من اليونانية لأنهم توهموا فيها ما قاله بلينوس عنها (في 4: 30) إنها تنفخ بطون البقر عند ابتلاعها إياها في مراعيها. لكنهم عرفوا اليوم أن التي يشير إليها بلينوس المذكور هي من جنس المحرقة على الأرجح. - ومن هذا كله يظهر أن معنى زقنبوت: عسى أن يكون أكلك هذا سبباً لموتك! ولهذا تسمعهم يقولون أيضا: (سم وزقنبوت) أو (وجع وسم وزقنبوت) أو (زقنبوت وموت) وكان فصحاء العرب يقولون في هذا المعنى: أغصك الله وأشجاك! وكل ذلك لا يليق أن يتلفظ به الأدباء. . وكفى ردعاً للعاقل أن يقال أن هذه العبارات من كلام القليلي الأدب!
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد 1 - شمس المعارف صحيفة عربية علمية أدبية تاريخية فكاهية أسبوعية مؤقتة (كذا) أي مؤقتاً ظهر عددها الأول في 25 نيسان من هذه السنة بأربع قوائم لصاحبها ومحررها ومديرها إبراهيم صالح شكر واشتراكها في السنة عن 50 نسخة 20 غرشاً صحيحاً وثمن النسخة 10 بارات وهي تطبع في مطبعة الشابندر. 2 - تاريخ كلدو وآثور تأليف أدى شير رئيس أساقفة سعرد الكلداني الأثوري الجزء الأول طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة 1912 في 185 صفحة بقطع الثمن المتوسط. من العجب أن الأجانب يعنون بتاريخ بلادنا ولغتنا وأدبائنا وشؤوننا على اختلاف أنواعها ولا يقوم واحد بين ظهرانينا فيجاري هؤلاء الأغراب في تتبع خطواتهم والجري على آثارهم. هذه بلاد السواد من أقدم ديار الله تاريخاً وأفيدها عبرة للعاقل المتبصر فقد بقيت بدون سفر عربي يسفر عن ماضي تاريخها ومنقرضات أجيالها حتى قام السيد أدي شير فوضع هذا الكتاب الجليل وهو يحوي تاريخ ديار كلدة وأشور منذ أول عهدها إلى عصر ظهور ملوك الطوائف التي ظهرت بعد وفاة الإسكندر بقليل وقد أضاف إليه المؤلف حرسه الله في آخر هذا التصنيف مصور هذه الديار فجاءت الفائدة جليلة وافية بالمقصود. على إننا نأخذ على سيادته بعض أمور منها: 1 - إنه سمى كتابه (تاريخ كلدو وآثور). وكلدو غربية هنا. وإن قال لنا أنه كتب أغلب أسماء الأعلام. (وفي الأصل العلم وهو خطأ) على صورتها الأصلية (ص زين أي 7) فكان يجب أن يقول آثور بل أشور لأن آثور من تعريب العرب فلذا كان الأحسن أن يجمع بين المعربين ويقول مثلاً (تاريخ كلدة وآثور) جريا على المعرب لأن كلدو هو كلدة بالعربية وهو اسم شيخ عربي مؤسس دولة الكلدان. ثم إذا كان آثور هو الاسم القديم الحقيقي (وهي ليس كذلك) فلماذا قال في تضاعيف
مباحثه اسوربنيبال واسوردان واسورتيراي ونحوها فكان يحسن به أن يجري على وجه واحد تبعاً لمبدأه وإلا فالتمسك بالأشهر آنس وأبين. 2 - قال في (ص دالث) أن سكان الجزيرة وآثور والعراق على اختلاف مذاهبهم (من يهود ونصارى ومسلمين ويزيدية وغيرهم) هم كلدان آثوريين جنساً ووطناً وقد دعوتهم كلداناً آثوريين لأن هذين الشعبين هما في الأصل شعب واحد نظراً إلى الديانة والعوائد والشرائع والآداب والصنائع) اهـ بحرفه. فنقول لسيادته: ليس من شأن الديانة والعوائد والشرائع والآداب والصنائع توحيد الشعوب وإنما وحدة الشعوب راجعة إلى وحدة العنصر وإلى الجد الأكبر؛ والحال قد قام في العراق قبل الكلدان وبعدهم أقوام أجداد مختلفة وعناصر شتى من عيلاميين وماذبين وعرب ورومان ويونان وبرث وغيرهم فكيف يجوز له أن يقول هذا القول الذي لا يذهب إليه اليوم عالم من علماء البحث الإثبات فهل في حفظه من ذكر هذا الرأي؟ وإن كان يوجد من يذهب إليه فقوله قائم على قائمة نخرة وإلا فليس اليوم على الأرض كلداني أو آشوري واحد صادق النسب ينتمي إلى أولئك الكلدان الأقدمين الحقيقيين فكيف القول بوجود قوم يعرفون بهذا الاسم. لا جرم أن التاريخ يزيف هذا القول بدون أن تعارضه حجة ثبت. 3 - وقال في تلك الصفحة: وترى الكلدان أنفسهم ولا سيما الذين يسكنون المدن كالبصرة وبغداد وكركوك الموصل وديار بكر وغيرها عوضا عن أن يجتهدوا بدرس (كذا أي في درس) لغة أجدادهم الشريفة وأحكام آدابها فهم يحتقرونها ويستهزئون بالقرويين والجبليين الذين لا يزالون إلى اليوم يتكلمون بها) اهـ. - قلنا: الغاية من اللغة التفاهم والتفاهم لا يكون مع الأموات بل مع الأحياء ولغة أحياء البلدان التي سماها هي العربية فمن الطبيعي أن يتعلموا ويتكلموا العربية لا الارمية. ثم أن أمر المعيشة يقدم على أمر التوغل في الأدب تبعا لكلام الأقدمين: (عليك بالتعيش قبل التفلسف وبلسانهم: فلو فرضنا أن العراقيين تعلموا الأرمية وأتقنوها فهل يستطيعون أن يتعيشوا بها؟ فلا يجب عليهم تعلم لغة يرتزقون بها قبل أن يوغلوا في إتقان لغة مماتة؟ نعم أن بعض القرويين والجبليين يتكلمون
بها لأنهم جميعهم ينطقون بها فهي عندهم لغة حية لا مماتة وإلا فلو لم تكن لغة وطنهم لعافوها كما تعاف الأموات ولو كانوا أعزاء. 4 - في الكتاب من الآراء الغريبة أن له وأن لغيره ما لا يقبلها العقل فقد ذكرنا شيئا من مذاهبه الخاصة به. ونحن نذكر هنا الآن ما ينقله من آراء الإفرنج العجيبة فأنه قال مثلاً ص11 قال المسيو أوبير: (إنه يوجد في شمالي بغداد موقع (كذا أي ربض أو بليدة) يسمى موسى الكاظم (أي الكاظمية) يسكنه أناس هم من بقايا الكلدان (كذا. والجميع يعلمون أن اغلب سكان الكاظمية هم من أهل إيران وليسوا أبداً من عنصر الكلدان) لهم صنائع فائقة كالنقش والتطريز والصياغة وخصوصا الحفر على الحجر) اهـ. فانظر حرسك الله هل هذه من الأقوال التي يقبلها عقل آدمي. فهل كونها منسوبة إلى إفرنجي تجوز علينا نحن الذين نعرف من هم سكان الكاظمية. فالكتاب مشحون من مثل هذه الآراء وما ضاهاها نقلاً وأن تصنيفاً. 5 - سمعته يقول أنه يروي الأعلام على صورتها الأصلية ثم أن استقريتها رأيتها بخلاف ذلك فأنه يقول مثلا كويسنجاق وإنما هي كوي سنجق. ويقول قوينجوق وإنما هي كوي أنجك أو أنجيك ومعناها قرية الأنجك أو الانجبيك والانجك قوم من التركمان احتلوا موضع نينوى القديمة في أواخر هذه الأزمان فسميت باسمهم. ويكرر عشرات وعشرات نهر (الأدهم) من الأنهر التي تصب في دجلة وإذا سألت عن هذا النهر لا ترى له ذكراً لا على الألسن ولا على مصورات البلاد ورسومها وإنما هو عظيم (وزان زبير) ولكن لما كان الإفرنج لا يستطيعون أن يصوروا هذا الاسم بحروف لغتهم إذ يكتبونه أدهم ظن أن الأدهم هو الاسم الحقيقي وليس الأمر كذلك (راجع لغة العرب 130: 2) وهو يقول جبل قرجه طاغ. والأصح قره جه طاغ لأنها هكذا تكتب في أصلها التركي. والأعلام المشوهة كثيرة لا تحصى. 6 - أما عبارة الكتاب فهي سهلة لا وعورة فيها لكنها كثيرة الأغلاط العربية من صرفية ونحوية ولغوية. فإنك لا تطالع صفحة منه إلا وتعثر بعدة أغلاط فقد قال في الصفحة الأولى: سبحان من خلق الإنسان (وغرز) فيه حبا لأبويه وذويه. ولو قال هنا (غرس) لكان أنسب للمقام. - وفيها: وهذا لا يمنعها
(أي سبرطة وآثينة) من أن تكونا (ملة) واحدة والأصح (أمة) لا ملة فإن الواحدة غير الأخرى في العربية وإن كان الأتراك لا يرون فرقا بينهما. إذ شوهوا محاسن العربية تشويهاً شنيعاً وفيها: نرى اليعاقبة والسريان. . . يلقبون أنفسهم بالسريان الغربيين (كأنه) إنما من سوريا قد أتوا.) والأصح: (كأنهم) وفيها: عوضاً عن أن يجتهدوا (بدرس) لغة أجدادهم. والأصح يجتهدوا (في درس) إلى آخر ما هناك. إلا إننا مهما عددنا أغلاط هذا السفر الجليل فأنه يبقى معين علم يرده كل أديب ولا سيما من كان من أهل العراق. فسبحان من تنزه عن كل عيب ونقص. 3 - كتاب الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية الجزء الثاني لمؤلفه محمد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي طبع في مطبعة العرفان في صيداء سنة 1330 (بقطع الثمن) هذا الجزء الثاني من الكتاب الذي أسلفنا الكلام عنه (في 468: 2) وقد صدر بصورة المؤلف يليها أبيات عنوانها (شعري وشعوري، وعواطفي، ولطايفي) فقد فهمنا الألفاظ الثلاثة الأولى وموطنها هناك لكن بقي على المؤلف أن يفهمنا معنى (لطايفي) في ذلك العنوان وموقعها هناك وسبب كتابة ما جاء على وزن مفاعل أو فواعل أو ما ضارع ذينك الوزنين بالياء لا بالهمزة مخالفاً في كتابته هذه جميع الأصول المقررة عند النحاة. ثم أننا لا نستحسن نظم الأشعار في حين لا حاجة إليها لا سيما في الأبحاث التي قد عني بنشرها فإذا زدت عليها ركاكتها وقلق ألفاظها كان من اللائق أن تحذف من الكتاب بتاتاً إذ ليس فيها من الشعر والشعور شيء سوى الاسم لا غير. فقد قال مثلاً في البيت الثاني: رأيتكم شتى الحزازات بينكم ... وما بينكم غير التضارب بالوهم فإضافة (شتى) إلى الحزازات في منتهى الركاكة لأن شتى لا تعرف (بال) ولا تضاف إلى ما بعدها. وقوله (التضارب بالوهم) من باب المجاز ضعيف غير مانوس. وفي البيت الخامس ما هذا حرفه: فأهديتكم بالود نصحي قائلا ... عليكم سلامي دايباً (كذا) ولكم سلمي وعندي أن (بالود نصحي) ضعيف وأن كان يجوز من باب زيادة الباء كما هو مشهور. وكتب (قائلا) بالهمزة مع أنه صور (دايباً) بالياء والأصح أن تصور بهمزة
على الياء وذكر في تلك الصفحة (تلايم) (كذا) بمنزلة مصدر لتلاءم. والأصح أن يقال (تلاؤم) وفي ذلك الوجه غير هذه الأغلاط وذكرها يجرنا إلى ما لا طائل تحته ولا سيما لأننا لا نرى فيه سوى نظم فارغ بل أفرغ من فؤاد أم موسى ولا أثر للشعر فيه هذا عدا الأغلاط الكثيرة التي تنفر بوجهك في كل صفحة من صفحات هذا التصنيف فتثير السأم في صدرك، وتنفرك من إتمام المطالعة. وأما من جهة الموضوع فأن حضرة صديقنا ووطنينا أرصد هذا الجزء (للنبوة) في مطاوي البحث خرج عنها إلى مواضيع شتى ذكر فيها نتفاً من جميع العلوم العقلية والنقلية، الأصلية والفرعية، الطبيعية والغيبية، المعروفة والمجهولة، الغريبة والمألوفة، المسموعة والمنبوذة، حتى أن المطالع لا يأتي على صفحات منه إلا ويتصور أمامه فلك نوح عليه الصلوة والسلام الذي كان فيه زوج من أصناف جميع الحيوانات من طاهرة ومن نجسة. فما هكذا تؤلف الكتب. نعم أن أجدادنا العرب الأقدمين كانوا يجرون في هذه الطريق لقربهم من عهد نوح. وأما اليوم فأن القرآء يريدون أن يسيروا سريعاً راكبين أجنحة البخار أو وميض البرق أن تصنف الأسفار مفرغة في قالب متقن فلا تخرج عنه وأن مست الحاجة إلى العدول عنه يجعله الكاتب على منحاة من قارعة البحث ويعلقه حاشية وأنت ترى هنا أن الجري في الفروع المستطردة أكثر من الجري في الأصول التي وضع كتابه لها. ولهذا كان يحسن بالكاتب أن يذكر في المقدمة الغاية التي دفعته إلى وضع هذا الجزء الثاني ويختط فيها لنفسه الخطة التي يسير عليها بعد ذلك في تضاعيف الكتاب حتى لا يختلط عليه الحابل بالنابل وإلا فأن الأبحاث ضائعة في هذه الفيافي الواسعة الأكناف. ثم إن الدعوة إلى شيء لا تكون بتقبيح ما قد أغرم به الإنسان؛ بل تكون بذكر حسنات المرغب فيه ومزاياه الحسنى على ما سواه والحال أن الكاتب يعيب على البروتستان قحتهم وخشونة عبارتهم وهو يفوقهم في ذلك حتى كاد ينسينا كتابهم. أفهكذا تكون أوصاف الدعاة ولا سيما من يصنف في (الدعوة الإسلامية)؟ فنحن نتوقع أن يكون الجزء الثالث أوقع في النفس وأعلق بالقلب وافصح عبارة والطف إشارة وأوفى بالمراد وآنس للعباد بمنه تعالى وكرمه!
4 - قانون الولايات الموقت باللغتين التركية والعربية طبع في مطبعة الولاية بغداد سنة 1331 وبدله 60 بارة. 5 - سكك الحديد في تركية آسية (باللغة الفرنسوية) وهو بحث فني اقتصادي تأليف مصطفى إبراهيم بك دي كورتن طبع في باريس سنة 1910 بقطع الثمن. صديقنا مصطفى إبراهيم بك كاتب مقالة (أثار دخول الشرقيين أميركة قبل اكتشافها) هو من كتاب الشرق الكبار ومن عظماء المهندسين وقد أتقن الفرنسوية غاية الإتقان حتى أنه قضى سنين جمة يكاتب أعظم مجلات فرنسة وجرائدها وهو اليوم يشتغل بمنزلة مهندس في سكة بغداد ويقيم في سامراء وقد صنف كتيباً في سكك حديد ديار العثمانيين فأجاد وأفاد فنحث عارفي اللغة الفرنسوية أن يطالعوها ليقفوا على ما تدره هذه الطرق من الذهب الوهاج على الدولة وأهل الوطن. 6 - الحسبة (البوليس) في مراكش (باللغة الفرنسوية) وهي رسالة في تاريخ هذه المسألة والمبادئ التي اتخذتها محاضرة الجزيرة ووافق عليها جلالة السلطان وفي البحث عن التنظيم المؤسس على هذه المبادئ تأليف مصطفى بك إبراهيم المذكور. طبع في طنجة سنة 1906. وهو كتاب صغير الحجم جزيل النفع في الموضوع الذي ذكرناه وفي آخره معجم صغير باللغة الفرنسوية والإسبانية والعربية حاوٍ أهم الألفاظ العسكرية وهو معجم نفيس لأنه يحوي المصطلحات العلمية الفنية التي يغلط فيها أغلب كتاب العصر وهي مذكورة باللغة العربية المراكشية التي تحتاج إلى معرفتها كما تحتاج إلى معرفة سائر لغات ولغيات ديار العرب. والمؤلف ممن يعتمد عليه لمعرفة اللغات الثلاث المذكورة معرفة تامة. فنحث اللغويين والمحققين على اقتنائه. 7 - يوسف حزايا (من كتبة السريان في القرن الثامن للمسيح) باللغة الفرنسوية تأليف السيد أدي شيرر رئيس أساقفة سعرد على الكلدان. طبع في باريس سنة 1909. سيادة المطران أدي شير من أبناء الشرق المبرزين في لغت الشرق وتواريخه فضلاً عن معرفته بلغات الغرب وهو يعرف نحو 15 لغة ويؤلف في كثير منها وقد صنف بالعربية والكلدانية والفرنسوية والتركية والكردية واللاتينية وغيرها. وهذه النبذة التي نتكلم عنها هنا قد كتبها بالفرنسوية وتحوي ترجمة يوسف حزايا من
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
مصنفي النساطرة الذي قال عنه يشوع النبي أنه ألف 1900 رسالة. ومن راجع هذه الرسالة علم توغل السيد أدي شير العلامة في الأبحاث التاريخية الشرقية ووقوفه على أمور جمة لا يقف عليها عدة علماء معا. فنتمنى له أبعد النجاح مقروناً بالفلاح. 8 - غراسة النخل في كليفرنية (في أميركة) (باللغة الإنكليزية) من قلم بولس ب. بوينوي في التادنا (كليفرنية) نبذة بالإنكليزية مع تصاوير شتى الإفرنج في سعي حثيث لا يعرف الملل والكلل في كل ما يرقى بلادهم علماً وأدباً ومادة. فهذا النخل الذي هو من أشجار الشرق خاصة بدأ ينمو في بلاد كليفرنية من ديار أميركة حتى أنه في قليل من الزمن فاق نخيل هذه البلاد مع أن تاله أخذ منها. إلا أن الإفرنج شرعوا يغرسونه بموجب أصول الفن ولهذا تراه قد أقبل عندهم إقبالاً ليس وراءه إقبال. وممن نبغ في تحسين غرسه ومداراته صديقنا الأديب بولس ب. بوينوي فأن نبذته التي ألفها في هذا الموضوع تدل على ما للعناية بالانبتة والأشجار من حسن التأثير على الأتاء. فنحث أبناء الشق أن يعنوا بأشجارهم عناية علمية فنية وإلا فأنهم يكونون في ذنابى الأقوام في جميع الأمور بدون شاذ. أبعد الله هذه الأحلام! تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - مطر شديد الوقع في بدرة في اليوم 6 من نيسان أمطرت السماء مطراً مدراراً شديد الوقع في مركز قضاء بدرة (بادورايا) فخرب مقر الإمارة (الحكومة) وسقطت دار علي المبذرقة فمات منهم وسلم من بقى. وأما موظفو الإمارة فإنهم تفرقوا أيدي سبا. (عن رسالة خاصة). 2 - طغيان الماء في لواء كربلاء كتب إلى الزهور أن الماء طغى فأحاط بأطراف اللواء فأقام الأهلون سدة محكمة لحفظ البيوت من الغرق ويقدر الضرر الناتج من طغيان الماء بأكثر من 15 ألف ليرة (كذا) والعهدة على الكاتب. ابن الرشيد وابن سويط بعد وقوع الواقعة بين عجمي السعدون زعيم المنتفق وبين عشيرة الضفير زحف
الأمير ابن الرشيد على المعتدين فجاءه حمود ابن سويط رئيس عشيرة الضفير ومثل بين يديه واضعاً أموره تحت حكمه فقام ابن الرشيد ووعظه عظة كلها حكمة وأدب وأوجب عليه أن يرجع إلى طاعة زعيم المنتفق على ما كان عليه سابقاً فوقع ابن سويط على عجمي بك وقبل ركبتيه وتعهد له بأنه لا يخرج عن طاعته بل يسير معه كما سار قبلاً مع آبائه الأولين خادماً مطيعاً وعبداً مملوكاً (كذا) فقبله وشكر الأمير على إصلاحه ذات البين بين الطرفين فأصبح الضفير والمنتفق وابن الرشيد وابن السعود في ساحة واحدة إخوان صفاء واخدان وفاء. أدام الله الصلح بين الجميع! (ملخصة عن الرياض) وفي رواية للزهور أن قيم مقام السماوة سلتان بك سار لعقد عرى الصلح بين عجمي بك السعدون وبين الضفير مع القبائل التي ترجع إلى القبيلين فنجح في مسعاه وربط الشروط بأوراق ومحاضر ووافى بها إلى دار الإمارة. وقد أمنت الطرق ووردت السماوة حدرة (أي راكب) قوامها ألف وخمسمائة بعير لآل الرشيد للامتياز وهذا ما يدلك على رجوع الأمور إلى مجاريها. 4 - استعفاء والي ولاية بغداد قبلت نظارة الداخلية استعفاء محمد زكي باشا وفي صباح الثلاثاء 13 أيار أشيع الخبر وتعين وكيلاً للولاية عمر لطفي أفندي معاون الوالي إلى قدوم الوالي الأصيل وقد سافر حضرته في 22 أيار عن طريق حلب. 5 - انتحار إنكليزي في بغداد أطلق المستر ماكنا (المعلم الأول في الباخرة مجيدية من شركة لنج) رصاصتين من مسدسه على نفسه فوقع يختبط بدمه نحو عصر نهار الاثنين 12 أيار ويقال أن السبب هو إنزاله عن رتبته إلى رتبة أدنى. 6 - فتنة في ثغور إيران خولت الحكومة الإيرانية شركة إنكليزية امتياز مد خط حديدي من موضع قريب من (المحمرة) إلى (خرمة آباذ) في قلب لورستان. فأرسلت الشركة إلى موضع العمل طائفة من المهندسين للشروع بالاشتغال فداهمهم الأهالي وهجموا على الإنكليز فوقع قتال شديد بين القبيلين. وللحال اتقدت نيران الفتن في بندر عباس من ثغور خليج فارس إلا أن الدولة الإنكليزية أرسلت باخرة حربية إلى تلك المدينة وأنزلت فريقاً من نوتيتها في دار الجرى (القنصل) حفظا لرعاياها. فخمدت الفتنة بعد قليل. (عن المصباح) 7 - الأمير ابن السعود قدم الحاضرة في أواخر نيسان أحد أتباع الأمير عبد العزيز باشا السعود، وأفادت الرسائل التي أتى بها من ديار نجد أن الباشا المشار إليه غزا عشائر متقومة من العرجانية والدواسر والمريسة حتى وصل لواء الإحساء بل أوغل في الأراضي العثمانية ولما شاهد أولو الأمر ذلك دهشوا من هذه الحادثة وكاد يحدث ما لا تحمد عقباه لولا أن تداركها الأمير بحكمته فأنفذ وفداً يتقدمه أحد أفاضل أسرته الكريمة وهو أحمد بك السعود إلى متصرف الإحساء
نديم بك لمقابلته فأكد له حسن نيات الأمير وشدة غيرته على الجامعة الثمانية وارتباطه بعرش الخلافة فما كان من المتصرف إلا وأجابهم بالمثل ورحب بهم وأحسن وفادتهم وخلع على حاشية الأمير خلعاً فاخرة فخرجوا من عنده شاكرين إحسانه وهكذا انتهت الحادثة بسلام وبعد ذلك نزل الأمير بجيشه على (الخويرة) وهو موضع يبعد عن الإحساء 3 ساعات ثم عرج على طريق (جودة) وهي ماء يبعد عن الإحساء يوماً ثم جاء بعد ذلك (الطوقية) وهي عين ماء تبعد عن (الإحساء) 3 أيام؛ ثم نزل مباءة جيشه أو معسكره المقيم قرب (غدير الحاج) في (العريم) الذي يبعد عن (لرياض) خمسة أيام وهو هناك باق إلى اليوم. وفي نحو 20 أيار شاع الخبر في بغداد أن ابن السعود أحتل الإحساء وطرد منها موظفيها الأتراك. 8 - الأمير ابن الرشيد جاء في الأخبار الخاصة أن الأمير ابن الرشيد هجم بخيله ورجله على عشيرة الشرارات المخيمة في (الطويل) وهو يبعد عن (الجوف أو دومة الجندل) خمس ساعات وسلبها إبلها وخيلها وأدبها في المستقبل تأديباً لعلها يردعها عن العبث في الأرض وقد انضوت إلى رايته بعض العشائر، ونبه أتباعه على أن يسهروا على محافظة السكة الحديدية من أن تضرها القبائل المتمردة، وهو الآن نازل مع عشائر شمر ما بين العراق ونجد مترصداً بعض الأعراب من قطاع الطرق وشذاذ العشائر. 9 - عشيرة عنزة هبطت قبائل عنزة ومن تابعها يقودها أميرها فهد بك الهذال أودية (الثميليات) لكثرة أعشابها وخصبها وهي قريبة من قضاء الدليم (في ولاية بغداد). 10 - قبيلة الدهامشة اتخذت قبيلة الدهامشة التي يرأسها أميرها جزاع من مجلاداودية (الشامية) منتجعاً لها ومرعىً لماشيتها وهي بالقرب من شفاثا من ولاية بغداد. 11 - عشيرة شمر نزحت عشيرة شمر عن ديار العراق قبل انهمار الأمطار وتطلبت أرضاً خصبةً فظلت سائرة في الغلاة حتى نزلت ما بين ديار بكر والموصل وهي الآن هناك. 12 - إعانة أهل العمارة أرسل متصرف العمارة مبلغ خمسمائة ليرة إعانة للحرب البلقائية وقد جمعه من أهاليها وموظفيها. 13 - وفاة يوسف باشا والي بغداد السابق توفي يوسف باشا الجركسي في الآستانة في شهر ربيع الثاني من هذه السنة. 14 - تبرع حاكم لورستان تبرع حضرة أمير الجنك والي يشت كوه غلام رضا خان حاكم لورستان (الذي جاء بغداد في هذه الأيام الأخيرة) بمبلغ أربعة آلاف مجيدي إعانة للدولة العلية ثم سافر بعد ذلك إلى مقر إمارته عن طريق كوت الإمارة.
15 - صيدلية جديدة للبلدية في الأعظمية نهار الأحد 27 نيسان جرى رسم افتتاح صيدلية في الأعظمية وكان ذلك بحضور جمع من العلماء والأشراف والوجهاء. 16 - الإنكليز في خليج فارس لا زال الإنكليز يسعون في خليج فارس لتحسين مشاريعهم وتوسيعها ومن جملة ما وفقوا له في مدى هذه السنة وضع ست أمرِ (جمع أمرة وهي من الأعلام التي يهتدي بها في البحر) حول مغاصات اللؤلؤ (والمغاص يسمى اليوم هناك باسم هندي وهو هيرة والجمع هيرات ومعنى الهيرة اللولؤة) وقد هموا بتمهيد السبل لإنشاء قلس برقي بحري يربط جزيرة البحرين بابي شهر (من ثغور فارس)؛ بسائر مستعمرات الإنكليز في الخليج. وقد حاول القنصل إحصاء السفن البحرية التي يبحث أصحابها عن اللولؤ وصمم على وسمها بالأرقام لاستيفاء الرسوم عنها فطلب شيخ البحرين أن يبدأ الجري المذكور بأن يفعل هذا الفعل بسفن الكويت أولاً. وإذا تم ذلك لا يتلكأ عن القيام بما يطلب منه. وفي أوائل نيسان من هذه السنة نقل الإنكليز إلى ثغور الخليج 500 عامل من رعاياهم فأنزلوا طائفة منهم في جزيرة طنب (وزان سبب) والطائفة الأخرى في جزيرة هنجام (بفتح الهاء وسكون النون وفتح الجيم بعدها ألف ثم ميم) وكلتاهما واقعة بالقرب من مضيق هرمز. والغرض من الإتيان بهم إلى هناك وضع المناور على كل جزيرة ومضيق في الخليج لينيروا ظلماته المادية والأدبية والمعنوية. 17 - أسماء الولاة الذين عينوا لولاية البصرة منذ إعلان الدستور إلى هذا اليوم أصالة ووكالة نقلا من الدستور (جريدة بصرية) عبد الرحمان حسن بك (أصيل)، ممتاز بك متصرف الإحساء (وكيل) محرم بك (أ) عارف بك (أ) راقم أفندي (و)، آمر العسكرية (و) سليمان نظيف بك (أ)، سعاد بك (و) شوكت أفندي الدفتردار (و)، وهبي أفندي القاضي (و)، عارف بك المكتوبجي (و)، جلال بك (أ) حسني بك الدفتردار (و)، حسن رضا باشا (أ)، محمد طاهر أفندي (و) علي رضا باشا الركابي (و)، محمد علاء الدين بك الدروبي الحمصي (أصيل) وهو واليها الحالي. الذي قدم إليها في 4 أيار فليتدبر من أراد الإمعان في الأمور.
ونحن نود الآن أن يوافينا أحد الأدباء بأسماء ولاة بغداد الأصل والوكلاء ليبين لكل ذي عينين ما وراء آه الستور من الأمور 18 - القنصل الإنكليزي في نجد ذكرت الدستور ما ملخصه: وصل القنصل الإنكليزي بلدة (المجمعة) قاعدة (سدير) ولما أراد دخولها مانعه الأهلون. ولكنه بادر (على ما يقال) إلى إرسال هدايا إلى أميرها عبد الله العسكر ومن جملتها نظارة وساعة وبعد ذلك خرج إليه الأمير بنفسه وصحب القنصل وادخله البلدة بين لعنات الأهالي المتحشدة على طريقه. فطاف القنصل في شوارعها ثم علا (المرقب) وهو تل شامخ مطل عليها واخذ صورتها الشمسية ثم ذهب وزار الأمير عبد العزيز السعود في موضع اسمه (الخفس) وطلب منه ابتياع (عمان) بالثمن الذي يريده. بيد أن الأمير لم يحفل بكلامه. 19 - أعراب الطواطحة والضفير فوجئت عشيرة الطواطحة ليلاً (في نواحي الكويت) ونهب منها 47 بعيراً ويظن أن الخارب (سارق الإبل) هو ابن ضويحي أحد زعماء الضفير. 20 - هجوم الأعراب في ساحل بلبول أفرغت سفينة شراعية لأهالي البحرين أكياس أرز في ساحل بلبول فهجمت عليها عشائر البادية فنهبتها. (عن الدستور)
21 - العشائر وعجمي بك السعدون نمى إلى المصباح: إن الأزيرق والحكام والبدور والعبودة والضفير من عشائر المنتفق تجمهرت على عجمي بك السعدون قرب الزبير فأحاطت به إحاطة الهالة بالقمر ونادت: (يا لثارات المشايخ) وما قالت ذلك إلا وهجمت هجمة واحدة عليه وعلى من أنضم إليه ففر عجمي بك مدبراً ناجياً بنفسه على ظهر جواده. وغنمت العشائر ما كان معه. - قلنا: فتكون هذه الوقيعة قبل الصلح الذي عقد معه ومع الضفير على ما يظهر لنا. 22 - عجمي السعدون قرب البصرة نمى إلى الجريدة المذكورة أن عجمي نازل قريباً من البصرة مهدداً إياها بالهجوم لكنه لم يفعل ولن يفعل شيئاً. إذ كلامه من قبيل البرق الخلب. والظاهر أن الذي سول له ذلك أحد شياطين الإصلاح من سكان بغداد. 23 - حريق في بغداد جاءنا الصيف وجف الهواء فتيسر للنار أن تمد لسانها إلى كل ما تصل إليه وقد شبت نهار الأحد في 18 أيار في ثلاث دور من محلة فرج الله. وكان ظهورها من دار عبود النقاش اليهودي. ولكن بهمة الجند وغيرهم أخمدت أنفاسها. وقد قدرت الخسارة بما يقرب من مائتي ليرة ولعل في ذلك مبالغة. 24 - أدب صلاح الدين الكركوكي المدير المسؤول لجريدة الزهور جاء إدارة مجلتنا حضرة الفاضل الزول! والشاب المهذب! صلاح الدين أفندي الكركوكي (أو الكركوكلي كما يسمى نفسه) وطلب إلينا أن نطلعه على مدرستنا. فسألنا مديرها فقال: راجعوا رئيس المبعث فراجعناه فقال: ليستأذن حضرته القنصل الفرنسي بذلك. ثم أعطيناه قوانين المدرسة ونظامها وخطتها. فكتب حضرته في أول عدد صدر من الزهور بعد زيارته إيانا أي في العدد 386 هذا الأمر كما وقع ثم قال: (نه دبه جكمزي بيله ميورز. يالكز فرانسزارك بوقبا لقلرينه بيان تأسف أيدرز.) أي: (ماذا نقول؟ - لا ندري إلا أننا نتأسف على ما أظهره الفرنسويون من هذه الفظاظة (أو سوء الأدب) - قلنا: لو كان كل إنسان
وكل مدير مسؤول لجريدة أو لو كان جميع أعيان بغداد ووجهاؤها الذين هم أعلى منه طبقة ومنزلة يأتوننا ليشارفوا ما في المدرسة لأصبحت هذه المدرسة من محلات النزهة أو من قبيل مربط الحيوانات الغريبة. وإنما الرئيس أراد أن يفهم هذا الأديب أن طلبه في غير محله ولا يحق له ذلك فقال له بصورة مهذبة: (استأذنوا القنصل بذلك). فمن أصبح سيئ الأدب أو فظاً أو خشناً؟ فليحكم القارئ. - ثم أن نسبته سوء الأدب إلى جميع الفرنسويين لأن أحدهم أراد أن يعلمه أصول الأدب بصورة مستحسنة ولطيفة في غير محلها أيضاً بل هذا يدل على أنه لا يعرف من أين تؤكل الكتف. فليفهم أن كل من ذوي العرف!!!
العدد 25
العدد 25 - بتاريخ: 01 - 07 - 1913 سنتنا الثالثة نبتدئ سنتنا الثالثة بحمد الله على ما جاد به علينا في مطاويها، شاكرين قراءنا الكرام على تصفُّح مجلتنا هذه، ومقرين بفضل علماء العرب والغرب علينا لتنشيطهم إيانا، وحثهم على مواصلة مسعانا، ونخص منهم بالذكر أصحاب الكفاءة في الحكم والنقد، وأرباب الحل والعقد، مما يحدو بنا إلى متابعة الخطة التي عاهدنا نفسنا على القيام بها. ومما يدل على أن مجلتنا راقت كثيرين من الأدباء من متعربين ومستعربين ومستشرقين أن طائفة من مقالات السنة الماضية نقلت إلى الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والألمانية. ومنها ما تناولته صحفنا ومجلاتنا الشرقية من شامية ومصرية وعراقية. وقد رأينا عدداً من المؤلفات التي صنفت بعد ظهور (لغة العرب) تذكر طفلتنا هذه مع الثناء على خطتها وحسن منتجعها، نخص منها بالذكر تآليف المستشرقين لأنهم تحققوا أن كتاب هذه المجلة من الاختصاصيين الذين يكتبون عن خُبْر لا عن خَبر. وإننا لنشكر هنا أعظم الشكر جميع من بادلونا بمجلاتهم وصحفهم، واهدونا
صفحة من تاريخ خليج فارس
كتبهم ومصنفاتهم، واتحفونا بمقالاتهم ورسائلهم، من خاصة وعامة، مما يدل على كرم سجاياهم، وطيب أعراقهم وعنصرهم، ويكشف عن حبهم لمؤازرة الأدباء سراً وجهراً. ونوجه أطيب ثنائنا وأعطره إلى أولئك الذين تبرعوا علينا بنضارهم، مساعدينا في نفقاتنا ومخففين ما أخذنا على نفسنا من العبء الثقيل الباهظ. نعم إننا وان كنا لا نستطيع أن ننشر أسماءهم الآن خوفاً من أن نمس أرق شواعرهم، إلا انه لا بدَّ من ذلك يوماً ريثما تنكشف الأسرار، وتنتهك السرائر، فيعطي كل ذي حق حقه، وكل ذي فضل فضله. وقد رأى القراء من تزاحم أقلام كتاب هذا القطر وغيره أن كثيراً من الأبحاث والمطالب تأخرت عن إتمامها، أو لم تبرز إلى عالم الوجود، مع أننا كبرنا حجم المجلة وزدنا صحائفها مؤملين تحقيق بنات الصدور، لكن لما كان مبدأنا أن نفضل مقالات أرباب الأقلام على نفثات قلمنا، - إظهاراً لما في أبناء العراق من روح التعاون، وصدق التناصر، والاخلاص في حب التسابق والتنافس في ميدان العلم والأدب، - بقينا في مقرنا الأول كأننا لم نجرِ شوطاً، على أننا أبرزنا ما كان في نيتنا من محض الخدمة وكفى بذلك شاهداً على رغبتنا في التقدم والتبسط وحق لنا أن نقول: ولي في غنى نفسي مراد ومذهب ... إذا انصرفت عني وجوه المذاهبِ صفحة من تاريخ خليج فارس. كثر الكلام، في هذه الأيام، عن خليج فارس وعن رسوخ قدم الإنكليز فيه وفي ثغور أقاصيه وادانيه، فوضعنا هذا المقال، مجاراة لمقتضى الحال:
موقع خليج فارس من أحسن المواقع إن للتجارة وإن للمحاربة وان لتنازع الأمم للبقاء. وكل أمة أفلحت في تسيير سفنها في مياهه، أفلحت أيضاً في رقيها وعمرانها وحضارتها. ولهذا اصبح هذا البحر منذ اقدم الأزمان مطمح أبصار الأقوام والأجيال والفريسة التي تتخاصم عليها أقواهن لتزدردها وتقر بها عيناً وتسعد بها نفساً. وهذا الأمر الذي لم يخف على أمة خلت، لم يخف أيضاً على دولة إنكلترة التي تتربص الفرص لمد جناح سطوتها على بلاد الله. لاسيما إذا قدرت أن تصل إلى منيتها أو ضالتها نبهاً، أو بدون أن تريق قطرة من دم من دماء أبنائها الشرفاء، بل الذين هم أشرف خلق الله على زعمها. اجل. إن ملكة الإنكليز اليشباع (اليزبت) لما أذنت سنة 1599 (لشركة الهند) أن تنشئ محلات تجارية في ديار الهند طمح للحال بصر تلك الدولة إلى خليج فارس، مع إن قدمها لم تكد تستقر في الهند تمام القرار، ولم تكن بعد بمبي في قبضتها. لكن كيف الوصول إليه والبرتوغاليون كانوا قد نشروا أجنحة سطوتهم على ذلك الخليج منذ أواخر القرن السادس عشر، وكانوا قد ظهروا فيه بعد أن طاب لهم المقام في أقطار الهند وجعلوا ساحل بحر فارس كما جعلوا ريف بحر الهند ميداناً ينزله فرسان مفتتحيهم، فيأخذون من البلاد والثغور والموانئ ما يروقهم، ويضربون صفحاً عما لا يحظى في عيونهم الطامحة؟ أما علو شان هذا الخليج وخطورته في أبصار البرتغاليين والإنكليز فظاهر من تسارع شخوص بصرهم إليه، بعد ثبوت قدمهم في بعض ديار أقطار الهند، لعلمهم يومئذ أن لا قرار لدولة غربية في بلاد الهند إن لم تقبض بيدها مفتاحها الذي هو خليج فارس، وما على سواحله من الثغور المتراصة المتناسقة المتفاوتة الارتفاع ارتفاع درج السلم البعيد المراقى. هذا فضلاً عن أن تجارة الهند لا تنفق ولا تروج إن لم يحافظ على تأمين الطريق التي ترسل فيها أي طريق البحر الفارسي وتنفضها من الغزاة الذين يعيثون فيها كل العبث. هذا وفي العهد الذي اكتشف رأس الرجاء الصالح كانت تساق بياعات الهند إلى ديار الغرب على البحر وعلى بحر العجم. وهو الطريق التي كانت معروفة منذ أعرق الأزمان في القدم. إذ كانت ترد من تلك الربوع النائية على السفن الكبار فتتشطط سواحل ديار الفرس. ثم ترسو في ما نسميه اليوم (شط
العرب)،. - وأول الذين عرفوا هذه الطريق الطبيعية التي لحبها البارئ هم أول من عرفهم التاريخ باسم (الأمم الكبار) أي أولئك الذين انشئوا نينوى وبابل ثم سلوقية وطيسفون ولما دثرت هاتان الحاضرتان جاءك العرب القروم فعرفوا ديار الهند ومجازها وابتنوا البصرة وبغداد. فقامت لهم يومئذ دولة ضخمة فخمة تضارع أعظم دول التاريخ وأضخمها بل تصارعها صراع الأبطال، لصغار الرجال. ففي عهد زهو دولة العرب، كما في إبان القرون الخالية، كنت ترى ثياب الحرير والإستبرق، الفلفل والقرنفل، الدارصيني والجوز بوا، الهال والزعفران، الصدف والعاج، الدر والمرجان، الميعة والصمغ، المصطكى واللبان، المر ودهن البان، البخور والعطور، وغيرها من حاصلات الهند ومما جاورها من الديار والجزر، من قريبة ونائية، من ثغور بلاد السيلى إلى جزيرة العرب وتبعث كلها بغلاتها لتستجلب بدلها الزجاج والرصاص، الحديد والنحاس، الاسرب والقصدير التي كان يؤتى بها من ديار الغرب. وكانت تنتقل هذه السلع والبياعات من بغداد إلى قلب المشرق الأدنى: إلى دمشق والإسكندرية إلى موانئ الشام والديار المصرية، التي كان فيها يومئذ محلات تجارية زاهرة زاهية، عائدة إلى البيزيين والفلورنسيين، إلى البنادقة والجنوبين. لا بل بعد أن عرف طريق أفريقية البحري، واكتشاف معبر أو منفذ يؤدي إلى ربوع الهند ماراً برأس الرجاء الصالح، بقى الطريق الأول طريق خليج فارس على علو كعبه طول القرن السادس عشر وبعض القرن السابع عشر، ولما ذهب شيء من شأنه عند معرفة التجار الطريق الثاني، دام المسلك الأول نهجا عظيما، نهج تجارة الهند وديار الروم، بل لم يزل أب كل نهج تنهجه جميع الدول التي تمد يدها من الديار الآسيوية إلى الديار الأوربية وبالعكس. وداوم التجار الإيطاليون ولا سيما البنادقة منهم والقطلونيون على إنفاذ أموالهم ومبيعاتهم على القوافل التي تجتاز بوادي الشام وصحارى بين النهرين يجلبون من ديار الهند والسند والصين وزابج (جاوة) جميع ما يحتاج إليه الغربيون من أثمار وغلات الأرجاء الحارة فيصعدونها على متن شط العرب الذي كان يعرف يومئذ عند أجدادنا (بدجلة العوراء) ومنه على ظهر الفراتين ومنهما إلى ربوع مملكة العرب التي صارت بعد ذلك من ديار سلطنة آل عثمان.
أما سبب بقاء طريق خليج فارس لنقل بياعات الشرق إلى أهل الغرب مع وجود غيره فهو لأن هذا النهج كثير السهولة يسير الركوب جم المنافع، وليس فيه من الأهوال ما في أخيه الثاني الحديث السن. هذا فضلا عن أن السفن البحرية لا تحتاج في المهيع الأول إلى أن تقتحم العباب وغمراته كما في اللحب الثاني، بل يكفيها أن تتشطط السواحل الواحد بعد الآخر من الهند إلى دجلة العوراء، فتصيب الغرض، بدون أن تصاب بعرض. وهذا لا يتضح لك صدقه إلا إذا نظرت رعاك الله إلى هذا الخليج وأنعمت النظر في تقوير الطبيعة إياه وكيف أبرزته عل مثال غريب عجيب. فإن الجواري المنشآت إذا غادرت أرياف الهند صعدت شواطئ ديار البلوص (بلوجستان) ودخلت بحر عمان ثم قاربت شطوط العجم إلى موضع تكاد فيه بلاد إيران تصافح بلاد العرب وهو الموضع الذي يعرف عندهم باسم (الرأس المسنن أو المسنم) في مضيق هرمز. وكأن العرب لم يحبوا أن يمدوا أيديهم إلى الإيرانيين لما بين عنصريهم من العداوات القديمة ترى بلاد العرب توغل في الماء كأنها تنفر نفور الشادن من وجه العدو فيأكل البحر شيئاً من أرضها مع أن بلاد فارس تحاول دائماً التقرب منها متحببة لها وكأنها تقول لها: تعالي إلي ولا تهربي مني فإننا إن تعاونا نصبح حرزاً حريزاً في وجه العدو. أما جزيرة العرب فلا تجاوبها كأنها تعلم أنها إذا مدت إليها يد المعونة سحقتها بقبضتها قبضة الحديد. وكأن الطبيعة حكمت في الآخر بين البلادين فجمعتهما بعد أن أخذت منهما العهود وشهدت عليهما الشهود أن لا تعتدي الواحدة على الأخرى وآنئذ تصافحتا وتعاقدتا على الولاء والصفاء. فاتصلت بلاد إيران ببلاد العربان وعليه يكون
خليج فارس من الرأس المسنن إلى مدالث العورآء أو شط العرب. فهذان الساعدان ساعدا بحر الهند أي بحر عمان وبحر فارس يوغلان في الأرض على غور 500، 2 كيلومتر ويمكنان البواخر من أن تصل فوهة شط العرب. وإذا وصلت هناك جاءت بواخر أو سفن أخرى دون الأولى غوصاً في الماء، ونقلت أحمالها على دجلة. ويحمل دجلة السفن النهرية إلى أبعد موطن من بين النهرين إلا أنها لا تصعد الآن إلى ما وراء بغداد، لأن وادي السلام يحتاج إلى أن يكسح عقيقه من الرمال ليكون قابلاً لحمل السفن إلى حيث ما يرام، أما الفرات فإنه من بعد أن يصاحب أخاه دجلة ويتفق معه ويتحد به بحيث أن الرائي يظنهما واحداً ينخزل عنه وينشعب ويولى مدبراً هائماً على وجهه في رمال الجزيرة وصحراء الشامية حتى يخال الناظر إليه أنه يريد الهرب إلى ديار الشام كأنه يقول في نفسه: بما أن العراقيين لم يقدروا قدري ولم يعرفوا منزلتي ولا فوائد مياهي ولم ينتفعوا بها فإني فار إلى حيث أريد، إلى صديق لي في ديار الشام اسمه (العاصي) لنشق كلانا عصا الطاعة على أبناء هذه الديار الذين لا يعنون بالزراعة ولا بالفلاحة ولا بالغراسة ولا ولا ولا. . . وكان ناصحاً نصحه في نهاية الأمر إلى الرعوى فارعوى إذ قال له: يا أخي لا تترك الوطن، إن الوطن عزيز فارجع إليه. وما كاد يسمع هذا الكلام إلا ورجع عن غيه إذ تراه يعود إلى نحو أخيه البكر دجلة من قلعة نجم مقابل منبج إلى أن يرجع إلى منابعه في ديار الأرمن. ترى مما تقدم بسطه وشرحه إن افتراق النهرين الواحد عن الآخر هو لخير هذه البلاد ليمدها بالماء والنماء وهذا ما تثبته الأقدمون من أعرق الأزمان قدماً ولهذا كان للحواضر القديمة: نينوى وبابل والمدائن (أي طيسفون وسلوقية) ولا سيما كركميش شهرة طائرة في التاريخ. وقد نوه بمجد هذه الأخيرة وعزها وغضارة حضارتها الأخبار القديمة المدونة على صفحات الآجر وصحف المهارق
إذ تروي لنا إن الفراعنة كثيراً ما قارعوا ملوك الآشوريين في كركميش لأنهم رأوا حسن موقع تلك المدينة وهي راكبة على مرفق الفرات أو منعطفه وقد شارفت من موطنها وما فيه من الدساكر والرساتيق والقرى والفلاليج والمزارع. وفي الأزمان التي هي أدنى ألينا أي في عهد الرومان كانت إنطاكية الراكبة على العاصي في الموطن الذي يدنو ريف بحر الروم من منعرج الفرات قد نالت من البعد الزهو والثروة والأبهة ما حق لها أن تسمى (بملكة الشرق). وما عساني أن أقول عن تلك الحاضرة الزاهرة، بل درة البر الفاخرة، لا بل يتيمة الدهر النادرة، تدمر القاهرة، فلقد كانت أنشئت عن طريق القوافل، بل في بهرة المراحل، فكانت تنتابها أو تغشاها كلما أرادت ثغور الشام. أو بالعكس كلما أرادت التوجه إلى وادي السلام. فهي أيضاً نالت من شامخ العز، وباذخ المجد، ما جعلها شامة في جبين الدهر. ولما دالت الدول، وقلب الزمان ظهر المجن لتلك الحواضر، والمدن الزواهر، أبقت لنا من ذكرها أنقاضاً مبعثرةً على أديم الأرض، يشهد على مكانتها من العمران والحضارة، في القرون المنطوية، بل على مكانة لم تبلغها المدن الجديدة التي أنشئت بعدها كالبصرة الفيحاء، وبغداد الحسناء، وديار بكر القورآء، ودمشق الفيحاء، وحلب الشهباء، وغيرها - نعم إنها ورثت من أمهاتهن المنقرضات روح التجارة والمبايعة والمعارضة، لكن هيهات أن يصلن ما وصلت إليه تلك الأمهات الجليلات. فشتان ما هن، وشتان ما بين الدر والحصى، والسيف والعصا. ومما تقدم بسطه يتضح أن أصحاب الهند لا يطمحون إلى مد أجنحة نفوذهم وسطوتهم على خليج فارس إلا ليجاروا الأمم السابقة التي أوغلت في الحضارة، ونالت قصب السبق في التجارة. وهذه الأسباب نفسها هي التي حدت بالبرتغاليين إلى إحراز مفتاح الهند حينما دخلوا هذه الديار الأخيرة ولهذا كنت ترى سفنهم تمخر عباب الهند، وتشق مياه بحر عمان، ثم تغوص في أغوار بحر فارس، لتذهب إلى البصرة. ولما كانت تقضى لبانتها كانت تغادر البصرة. فتذهب إلى مسقط، إلى قاليقوط (كلكتة) إلى رامني أولامري (سومطرة)، إلى جزيرة الوقواق (مدغسكر)، إلى جزائر القمر، إلى زنجيار، إلى سفالة. وهكذا كانت سفنهم تختلف إلى بلاد وبلاد وتجمع بين ديار آسية وأفريقية وكان كل همهم معاداة غزاة العرب البحريين لأنهم كانوا يغيرون على تلك الثغور ويفعلون بأصحابهم كما يفعلون بأعراب
البوادي. ولهذا كنت ترى بين العرب والبرتوغاليين حرباً عواناً بل طاحنة، طحنت في الأخير أبناء يعرب فأوردتهم حياض المنايا. ودامت تلك الحرب طول القرن السادس عشر بدون أن يمكنوهم من الراحة هنيئةً. وما زالوا كذلك حتى ركز قائدهم الكبير البوكرك علم دولته البرتوغالية في مسقط وصحار وذلك في سنة 1515 وهي سنة دخول النصارى جزيرة العرب بعد أن طردوا عنها سنة 634م على يد عمر بن الخطاب. قال البلاذري (ص 68) وهو يروي حديثاً معنعناً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه لا يبقين دينان في أرض العرب، فلما استخلف عمر بن الخطاب (رضه) أجلى أهل نجران (وكان أغلبهم نصارى وفيهم أيضاً يهود) إلى النجرانية (بناحية الكوفة) وأشترى عقاراتهم وأموالهم. وقال أيضاً: (ص 68) أنزلت (هذه الآية) في كفار قريش والعرب: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله). وأنزلت في أهل الكتاب: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق إلى قوله: صاغرون. فكان أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران فيما علمنا. وكانوا نصارى. ثم أعطاها أهل أيلة وأذرح وأهل أذرعات الجزية في غزوة تبوك. أهـ كلام البلاذري بحرفه - فترى من هذا أن أول من خالف هذه القاعدة أو خرمها هو البوكرك بعد أن مضى 881 سنة على جزيرة العرب وهي تأبى أن تأوي نصرانياً. ولما تيسر للبرتوغاليين دخول تلك الديار هان عليهم أخذ غيرها أيضاً فضبطوا هرمز. ثم احتلوا البحرين وحصنوا القطيف بعد أن ملكوه ومدوا أيديهم إلى جميع الثغور التي كانت تخدم أمانيهم أن على ساحل إيران وإن على ريف جزيرة العرب وحصونها أشد التحصين. وكل من كان يحاول أن يقاومهم كانوا يذيقونه الأمرين أو يوردونه حياض المنية وكان الجميع يخافونهم كما يخاف الخشاش والبغاث جوارح الطير وعتاقها. وكانت هرمز أحصن تلك القلاع وأبقاها بوجه العدو ولذا جعلوها أيضاً خزانة أسلحتهم ومستودع تجارتهم وهي كما تعلم مدينة ثابتة في قلب جزيرة تعرف باسمها وهي كالشجا في حلق بحر عمان لا يستطيع أن يسيغها ولا أن ينبذها وهي أيضاً كالشجا في حلق كل داخل بحر عمان أتياً من خليج فارس أو كل مقتحم بحر فارس قادماً من خليج عمان
الراديوم
فهي إذن جزيرة بحرية حربية تجارية منيعة لا يتيسر للعدو أن يدنو منها ولا أن يناوئ سكانها. هذا فضلاً عن أنها متمنطقة بنطاق من الصخور الشبيثية وهي صخور كأداء منيعة تطوف بها المياه من كل جانب وتضحك من السحب ضحك مستهزئ لأنها تناطحها بروقها وبدقة ما رفع عليها من الأبراج والقلاع. أما فناء المدينة فكان حريزاً منذ يوم ولد. دع عنك ما أقام فيها البرتغاليون من الأسوار المخندقة والمتاريس المبرجة والبواشير والفصلان التي جعلتها من أحصن المواقع في تلك الأرجاء حتى أنهم كانوا فيها في مأمن ولهذا جمعوا فيها كنوزهم وأموالهم وكانت كثيرة لا تحصى. فهذا كله يريك هرمز موقعاً بديعاً لتوسطه بين ديار العرب وإيران والروم والهند وكنت ترى فيها السفن مئات مئات بين واردة وصادرة بين جائية وغادية وكلها تحمل هدايا الشرق للغرب أو تنقل ألطاف الغرب للشرق. هناك كنت ترى الصينيين والهنود. الإيطاليين والبورتوغاليين. الإيرانيين والعرب. قد امتزجوا امتزاج الراح بالماء القراح. ولهذا كنت ترى البورتوغاليين قد شمخوا بأنفهم إلى السماء وتسمعهم يقولون: لو كان العالم حلقة ذهب لكانت هرمز درتها الفريدة! الراديوم 1 - تعريفه الراديوم هو العنصر الغريب الذي أحدث انقلاباً في الطبيعيات أعظم من كل ما تقدمه فإنه يتولد من عنصر آخر هو الأورانيوم ويولد عنصر الرصاص ويشع من نفسه حرارة وثلاثة أنواع من الأشعة ويبعث غازاً يكسب كل ما أتصل به خاصة الإنارة.
2 - مكتشفة الراديوم والراديوم اكتشفته مادام كوري مع زوجها وهو عزيز جداً يقدر ثمن الليبرة منه بمائة مليون ريال وفي الليبرة منه قوة تساوي 1. 500. 00 طن من الفحم الحجري والخالص منه ذرة عند مادام كوري وأما الموجود منه عند غيرها فأملاح مركبة منه ومن الكلور والبروم. 3 - أشعة الراديوم وأغرب ما في الراديوم أشعته وهي ثلاثة أنواع سماها العلماء بأسماء الأحرف الثلاثة الأولى اليونانية ألفا وبتا وغما. أما أشعة ألفا فهي دقائق كهربائية إيجابية تتطاير منه بسرعة 15. 000 ميل في الثانية وحجم كل دقيقة ضعفا حجم الجوهر الفرد من الهيدروجين. وأما أشعة بتا فإلكترونات (كهيربات) من الكهربائية السلبية وحجم الواحدة منها جزء من جوهر الهيدروجين أو جزء من 500 جزء من دقائق ألفا وسرعتها 175 ألف ميل في الثانية. ومن غريب فعلها أنها تفرغ الجسم المملوء من الكهربائية. وأما أشعة غما فهي أشعة رنتجن وتنشأ عن اصطدام أشعة بتا بشيء يعترضها فإذا صادفت أشعة بتا مانعاً ولدت في الأثير تموجات تنفذ الأجسام كما ينفذ النور الزجاج. 4 - أصل المادة وذكر حياة الراديوم ويرى بعض العلماء أن الإلكترونات أصل المواد كلها وإذا تحركت كان من حركتها مجرى كهربائي. والتلغراف اللاسلكي يقوم بحركتها التي تولد في الأثير تموجات ويرى جماعة من العلماء أن العناصر كلها تراكيب مختلفة من الإلكترونات فإذا كثرت الإلكترونات في بناء الجوهر كان العنصر ثقيلاً مثل البلاتين والذهب وإذا قلت كان خفيفاً كالصوديوم والليثيوم وإذا دارت في وجهة واحدة حول قضيب من الحديد صيرته مغنطيساً جذاباً ويرى بعضهم أن النور والحرارة يتولدان من تحريك هذه الإلكترونات للأثير في دورانها حول الجوهر فان هذه الإلكترونات تدور حول الجوهر على أبعاد مختلفة وسرعة مختلفة. وقد قدروا أن حياة الراديوم لا تطول أكثر من 2. 500 سنة وحياة الأورانيوم الذي هو أسرع المواد انحلالاً بعد الراديوم 7. 500 سنة. 5 - الراديوم في الشمس والأرض قال الأستاذ سنيدر أنه اكتشف الراديوم في غلاف الشمس فنسب نور
الشمس وحرارتها إليه وقال إن جميع الثوابت تنير بالراديوم ومن رأيه أن النجوم المتغيرة تظهر من انبعاث الراديوم منها في أدوار مختلفة واستنتج أن الشمس نجم من النجوم المتغيرة ودور تغيرها 11 سنة وأن ظهور الكلف عليها من نتائج فعل الراديوم. ومن رأي الأستاذ رذرفرد إن حرارة الأرض أيضاً من الراديوم فإن الحرارة المتولدة من تركيب العناصر كيماوياً أقل من حرارة الشمس والأرض ولكن الراديوم وغيره من المواد المشعة تولد من الحرارة أكثر مما تولده المواد بتركبها مليون مرة. وقد ثبت لبعضهم أن الراديوم يفعل بالسائل الجلاتيني فيولد (الراديوب) وهذا الجسم تام وهو أرقى من البلورات وأحط من الميكروبات ولعله مبدأ الحياة. 6 - من أين تأتي حرارة الراديوم والظن أن الحرارة المتولدة من الراديوم حادثة من انحلال جواهره وتولد مواد أخرى منها. وقد وجدت المواد المشعة التي من قبيل الراديوم منتشرة في كل مكان من قشرة الأرض وكرة الهواء ولكن مقاديرها قليلة جداً حتى أن كل قطرة من المطر وكل حبة من البرد وكل رقعة من الثلج تصل إلى سطح الأرض ومعها شيء من المشعات وكل ورقة من أوراق النبات مغطاة بقشرة رقيقة جداً من هذه المادة وإذا كان الهواء محصوراً لا يتحرك كما في المغاور والكهوف فالمواد المشعة كثيرة فيه وقد وصلت هذه المواد المشعة من الراديوم في المياه الخارجة من أعماق الأرض وفي مياه البحيرات وفي الزيت الخارج من الآبار والتراب نفسه فيه كثير منها ولا سيما إذا كان طفالاً. ويقول المستر ستروت أن الراديوم موجود في كل الصخور النارية ولا سيما في الغرانيت (المحبب) وقد وجدوا إن الراديوم إذا أدنى منه بعض المواد مثل سلكات الزنك وكبريتيته أضاءت تلك المواد أيضاً وإذا نظر إليها بالميكرسكوب حينئذ ظهرت فيه نقط صغيرة منيرة تتألق كالكواكب أو كالنيازك المتساقطة من السماء أو كالشرر المتطاير من الحديد المحمي إذا طرقته بمطرقة ووجدوا إن حرارة الراديوم أكثر من المحيط درجة أو درجتين بميزان سنتكراد (بالميزان المئوي). وإذا كانت الأرض تشع الكترونات الراديوم فهي تشع بواسطتها الحرارة أيضاً وقد قدروا الحرارة التي تشع من الأرض كلها بحرارة تتولد من مائتين وسبعين
مليون طن من الراديوم وإذا وزع هذا المقدار من الراديوم على الأرض كلها بلغ جزءاً من مائة مليون مليون جزء من الأرض. وعليه ففي الأرض من المواد المشعة ما تقوم حرارته مقام الحرارة التي تفقدها بالإشعاع المتواصل. 7 - الكهربائية والراديوم اكتشف الدكتور سينا الجنيفي أنه إذا كهرب سلك بالكهربائية السلبية وأحمى فعل بغيره من المواد فعل الراديوم وكذلك إذا وقعت أشعة رنتجن على الجسم صار يشع مثل الراديوم وبقيت فيه هذه الخاصة بضعة أيام. وقيل أن الأستاذ ولتر الألماني بين أن نور الراديوم ناتج من وقوع أشعة بكرل على دقائق النيتروجين التي في الهواء حول الراديوم ورجح ذلك السر وليم هجنس منذ سنة 1903 ولكن لم يكن لديه حينئذٍ ما يثبت ذلك. 8 - البركانات والراديوم وأدعى الماجور دتون الأميركي أن البركان يقذف بالحمم من عمق ميلين أو ثلاثة لا أكثر وذلك بسبب حرارة الراديوم فإنها تصهر الصخور بالتدريج وتبخر ما فيها من الماء فيشقق الأرض. والثابت أن الأرض فيها كثير من الراديوم وإن الراديوم يتولد من الأورانيوم ويولد الهاليوم والرصاص وقالوا أن في الشمس كثيراً من الهاليوم فهو دليل على وجود كثير من الراديوم وهو كاف لتعليل حرارتها ونورها. 9 - كيف اكتشف الراديوم وأما الراديوم فقد اكتشف في درس الإشعاع أو الفصفورية التي تظهر في بعض الأجسام كما يحدث في أنبوب زجاجي مفرغ من الهواء إذا جرى فيه مجرى كهربائي. وقد درس كروكس ولنارد ورنتجن هذا النور فوجدوا أنه مؤلف من ثلاثة أنوار الواحد أشعة غير ظاهرة تضرب جوانب الأنبوب فينيرها ويصدر منه نور أخضر لامع وتقع على بعض الأجسام فتجعلها تشرق بنور فصفوري وتفعل بألواح التصوير وتفرغ الكهربائية من آلة مكهربة وتخترق الأجسام غير الشفافة كالخشب والورق الأسود والصفائح الرقيقة المعدنية وهذه هي أشعة رنتجن وتسمى أشعة أكس أيضاً وكتاب العرب المحدثون يسمونها الأشعة المجهولة. والنوع الثاني من الأشعة التي تكون في الأنابيب المفرغة هي الأشعة الكهربائية السلبية والنوع الثالث أشعة لنارد.
وهناك مواد أخرى تشع نوراً فصفورياً كما في كبريتيت الكلسيوم ومثله بعض الجواهر والمركبات ولكنها لا تنير إلا إذا تعرضت أولاً لنور الشمس. ثم وجد أن الأورانيوم ذاتي الإشعاع ووجد الأستاذ كوري وزوجته أن الإشعاع سببه عنصر آخر وكان ممزوجاً بكلوريد الباريوم وقوة هذا الكلوريد على الإشعاع أشد من قوة الأورانيوم2. 000 ضعف وتدرجا في تنقية ما وجداه إلى أن وصلا إلى ملح من أملاح ضالتهما فألفيا أن قوته على الإشعاع أشد من قوة الأورانيوم مليوناً وثمانمائة ألف وعرفا من خواص الملح الذي استخرجاه وهو كلوريد الراديوم أن العنصر الأصلي معدني ثقله الجوهري 225 وله أشعة خاصة تظهر في الحل الطيفي وهو مشع باتصال دائم وأشعته تخترق الأجسام غير الشفافة وتولد نوراً فصفورياً وتؤثر في الألواح الفوتوغرافية. ثم وجد أن خاصة الإشعاع موجودة في عناصر أخرى بعضها نادر الوجود كالاكتيوم والبولونيوم وبعضها كثير كالثوريوم والأورانيوم وأشعة الراديوم تؤثر في الجلد وتقرحه وإذا دخل شيء قليل جداً منه في غرفة فيها آلة كهربائية تفرغت كهربائيتها حالاً وفعل الراديوم من هذا القبيل شديد جداً حتى لو كان مقداره جزءاً من خمس مائة ألف جزء مما يظهر بالحل الطيفي لكفى لتفريغ الكهربائية ومقدار قليل منه في الأرض يكفي ليرد إليها كل ما تخسره من الحرارة بالإشعاع وقد أتضح أن الأرض لا تبرد من نفسها بل تسخن من نفسها قبل وذلك بما فيها من عنصر الراديوم ونحوه. 10 - ماذا ينبعث من الراديوم غير الأشعة واكتشف رذرفرد في كندا أنه ينبعث من الراديوم دواماً مادة غازية غير أشعته الفعالة أو أشعة بكرل وهذه المادة مشعة أيضاً مثل أشعة بكرل ويرسب منها شيء على الأجسام التي تدنى من الراديوم فتصير أيضاً مشعة وتبقى فيها قوة الإشعاع بعد أبعادها عن الراديوم مدة ويمكن جمعه وهو ثقيل لا يتغير بالحرارة ولا بالفواعل الكيماوية وله طيف خاص به وهو عنصر جديد مثل الأورغون ثم إنه ينحل من نفسه ويخسر نصف قوة الإشعاع كل أربعة أيام وفي هذه المدة يكون الراديوم الذي تولد الغاز منه قد ولد مقداراً آخر من الغاز مساوياً له فيما خسره من قوة الإشعاع. وثبت من تجارب رمسى وصدى ومادام كوري أنه يتولد من هذا الغاز عنصر الهاليوم الذي اكتشفه كلير في الشمس منذ
25 سنة ثم وجده رمسى في بعض الحجارة المعدنية التي تشع نوراً وحرارة وثبت تولد الهاليوم من الراديوم بواسطة السيكترسكوب (منظار الطيف). 11 - أي العناصر تشع مثل أشعة الراديوم وقد تحقق أن أشعة الراديوم موجودة دائماً في الهواء الجوي وهي كثيرة في هواء الكهوف وفي المياه التي تخرج من باطن الأرض وإن كثيراً من المواد تشع أشعة الراديوم منها: القصدير والزجاج والفضة والنوتيا والرصاص والنحاس والبلاتين والألومينيوم ولا يعلم هل ذلك ناتج عن وجود دقائق لطيفة جداً منتشرة من عنصر قوي الإشعاع أو أنه خاصة من خواص كل العناصر. 12 - انحراف أشعة الراديوم وأبان بكرل في أول مباحثه أن بعض أشعة الراديوم ينحرف إذا مر بين قطبي مغنطيس كهربائي قوي ونتج من ذلك أن قسمت أشعة الراديوم إلى ثلاثة: الأول المنحرف قليلاً وقوته على نفوذ الأجسام ضعيفة، والثاني ينحرف بسهولة وانحرافه إلى جهة تخالف انحراف الأول، والثالث لا ينحرف أبداً مهما قوى المغنطيس وقوته على نفوذ الأجسام شديدة جداً فينفذ لوحاً من الحديد ثخنه قدم ويؤثر في ألواح التصوير وسمى الأول الفا والثاني بتا والثالث غما، كما تقدم. 13 - ما هي أشعة الراديوم ثم ثبت أن أشعة الفامجارٍ دقائقها صغيرة جداً مثل المجارى التي تتولد من لهب الغاز والمعادن المحماة إلى درجة الحمرة وحرارة الراديوم ناتجة من مصادمة هذه الدقائق للأجسام التي تقع عليها وأشعة بتا مجارٍ من الدقائق مشابهة للمجارى السلبية وإليها ينسب ما في أشعة الراديوم من النور والتأثير في الألواح الفوتوغرافية وأشعة غما مثل أشعة رنتجن والمرجح أنها ليست دقائق بل هي حركات أو أمواج في الأثير تحدث من سير دقائق بتا وتأثيرها مثل تأثير أشعة بتا إلا أنها أشد نفوذاً كما تقدم. 14 - المادة حسب ظني أكثر ما تقدم ملخص مما أتى عن الراديوم في عدة مقالات في المقتطف الأغر وأما أنا فأظن أن جميع المواد تشع دقائق غير أن ما يشعه بعضها صغير جداً لا يحس به فهو أصغر من أشعة بتا وأسرع منها حركة وما يشعه بعضها مثل أشعة بتا والنور ليس إلا نوعاً من الدقائق تتولد من تكسر أشعة هي أكبر منها
إذا أصابت مانعاً فهي ليست إلا شظايا بعض الدقائق التي ترسلها المادة المتصادمة وقد صدق القائلون أن المادة كلها كهربائية إلا أن الكهربائية متنوعة حسب صغر دقائقها وسرعتها. وأما كون نور الشمس وحرارتها من الراديوم فيضعف القول به كون أشعة بتا تفرغ الكهربائية ونور الشمس لا يفرغها وكون أشعة بتا إذا صادفت ما يوقف سيرها تولد منها أشعة غما وهي أشعة رنتجن التي تنفذ الأجسام غير الشفافة ونور الشمس ليس كذلك. وأما كون نور الراديوم موجوداً في الهواء فهو ما أرجحه فإني إذا أغمضت عيني أو فتحتها في الظلام الدامس وأمضت في النظر شاهدت ظلاماً تلمع من خلاله نقاط مضيئة لمعاناً خفيفاً جداً فهي تضيء وتنطفي وتضيء مكانها نقاط أخر فظني هو أن هذه الأشعة هي أشعة غما المتولدة من أشعة بتا ولذلك تنفذ الجفن كأن الجفن شفاف تماماً لها وإن كان ضئيلة جداً. 15 - الجاذبية العامة وما الجاذبية العامة إلا أثر فعل الإلكترونات ضمن الجواهر الفردة فإن هذه تجيء وتذهب ضمن الجوهر الفرد من المادة بسرعة فائقة وهي بحيث يخرج قسم منها دائماً إلى جهة المحيط وهذا القسم الذي يخرج من الجوهر الفرد أقل كثيراً من القسم الذي يبقى فيه مصادماً جدرانه الداخلية وهو عندما يخرج لا يصدم بالطبع جدار الجوهر الداخلي في الجهة التي يخرج منها وأما بقية الإلكترونات فهي تبقى مصادمة لكل طرف من جدرانه فتتساوى المصادمات منها على داخله إلا في جهتين إحداهما جهة المحيط من مجتمع المادة فهي هناك معدومة لخروجها منها والأخر المادة وهي هناك شديدة فينتج من ذلك أن الجوهر الفرد يتحرك إلى جهة المركز ولا يتحرك إلى جهة المحيط. وإذا سأل سائل لماذا لا تخرج الإلكترونات من جهة المركز؟ أجيب أن الإلكترونات يسهل عليها الخروج في الجهة التي لا يقاومها مقاوم وإذ أنها كثيرة الخروج إلى المحيط من جهة المركز فإلكترونات الجوهر الفرد تجد في جهة المركز مقاومات لا تجدها في جهة المحيط ولذلك كانت الجاذبية أشد كلما كانت المادة أكثر لأن كثرة المادة سبب لخروج الكترونات الجوهر الفرد من جهة المحيط بكثرة.
ولنا في الطبيعة أمثلة على ما تقدم فإنك إذا ركبت وعاء خفيفاً قد امتلأ من الماء على عجلات خفيفة وجعلت ماء الوعاء يجري من ثقب في طرفه السفلى تحركت العجلات إلى خلاف جهة انصباب الماء. وكذلك إذا ثورت مدفعاً فإن عجلاته تتحرك إلى خلاف جهة القنبلة ومثلهما الصعادات النارية فإنها تصعد في السماء إلى خلاف جهة الغاز الخارج بقوة من فوهاتها التحتانية وذلك لأن الماء في المثال الأول والغاز في المثالين الأخيرين يجريان فلا يصدمان الجسم في جهة جريانهما وهما يدفعانه في الجهة المقابلة فيتحرك الجسم بهذا الدفع. 16 - تولد العناصر وعندي أن العناصر إنما تتولد في باطن الأرض وفي باطن كل جرم تحت ضغط شديد من الدفع الذي نسميه بالجاذبية العامة فإن هذا الضغط كهربائية وهي عندما تغور في المادة ويتكرر غورها على توالي السنين تملأ جواهرها إلكترونات على تفاوت في مقدار هذه الإلكترونات متناسب مع شدة الضغط ودوامه وهذا هو السبب لكون الأجسام في باطن الأرض أثقل منها فوقها فإذا خرجت هذه العناصر بقيت محافظة على ثقلها غير أنها تشع ألكتروناتها على توالي السنين وتخف ولكن لا تظهر هذه الخفة إلا بعد ألوف من السنين وفي بعضها إلا بعد مئات الألوف من السنين. وإذا خف عنصر من العناصر تحول إلى عنصر آخر والراديوم من العناصر السريعة الانحلال بالنسبة إلى كثير من غيرها من العناصر المنحلة ببطيء. 17 - عاقبة الأرض لقد مر أن بعض العلماء يعتقد أن حرارة الأرض في ازدياد وذلك يؤيد ما نذهب إليه من أن الأرض وبقية السيارات آخذة في النمو فهي سوف تكون شموساً تضيء بذاتها وتشع من نفسها حرارة كما أن الشمس تفعل كذلك وقد أخذت السيارات الكبيرة تحمى أكثر من الصغيرة لأنها قد نمت أكثر منها فهي أقرب إلى الحالة التي تكون فيها شموساً ويرجع ذلك وجود العلماء سطح المشتري سائلاً لشدة حرارته مع أنه أكبر عمراً من الأرض بل ومن عطارد بمئات الملايين من السنين فلو كان منفصلاً عن الشمس لبرد سطحه. والسيارات كلما زدن نمواً زدن ابتعاداً عن الشمس كما أن شمسنا ابتعدت
عن شمس الشموس لوفرة مادتها بكثرة نموها وسبب ابتعادها عند كبرها هو تأثير دفعها الخاص للشمس ودفع الشمس الخاص لها بكهربائيتها كما أن القمر يبتعد الآن عن الأرض بكهربائيتها وقد كان القمر في أوائل أيامه أقرب إلى الأرض فكان فعل الأرض به كثيراً من توليد البراكين وإثارتها. 18 - كيف تنمو السيارات والسيارات تنمو بما يضاف إليها من الغبار الكوني الساقط عليها ومن الحجارة النيزكية والشهب والرجم ومن تولد المادة في مراكزها بسبب تلاقي القوى الكهربائية ومن زيادة إلكترونات جواهرها بسبب الضغط الشديد الآتي من الأثير عليها. 19 - حرارة الشمس وإذا بلغت هذه السيارات مبلغ الشمس من العظم أخذت تشع من ذاتها حرارة ونوراً كما تفعل الشمس فإن الغبار الكوني الذي يسقط الآن على الأرض من مسافة تسع مائة ألف ميل وهي حد جاذبية الأرض يسقط حينئذ من ضعفي بعد نبتون فيكسب سرعة هائلة وهذه السرعة تتحول عند المصادمة إلى حرارة والشمس قد كانت في بداءة أمرها جرماً مظلماً فلما نمت على هذه الدرجة التي هي عليها الآن أخذت المادة تسقط عليها من مسافة نبتون فأبعد وأخذ مقدار الساقط عليها يزداد زيادة فاحشة فتحولت هذه السرعة في الساقطات وهذه الكثرة إلى حرارة وافرة ونور ساطع. وهناك وجه آخر لحرارة الشمس ونورها هو أن الأثير الذي يجري إلى الشمس بسبب حركة مادتها أكثر مما يجري إلى السيارات لكثرة مادة الشمس وقلة مادة السيارات بالنسبة إليها والأثير هو الكهربائية فهو يغور في مادة الشمس لأن المادة لا تتحرك إلا إذا صرفت مقداراً من الأثير فالأثير دائم الجريان إلى المادة طلباً للموازنة ولذلك كانت الأجسام تقع على الأجرام فإن الأثير الذي يجري إليها يجرف في طريقه إليها كل ما يصادفه من المادة وهذا الأثير يتلاقى في مركز الشمس ويملأ جواهر مادية إلكترونات ويرتد بعض ما لا يمكث هناك في صورة الحركة المحورية وبعضه وهو الأكثر يرج إلى المحيط ماراً بالطبقة الغازية اللطيفة وحيث أن هذه الطبقة غير موصل جيد للكهربائية فالأثير يتحول إلى حرارة ونور.
زكاة النصح
وهذا لا ينافي كون قسم من الأثير المرتد عن المركز يتحول في رجوعه إلى المحيط إلى حرارة قبل وصوله إلى الطبقة الغازية فإن المادة تقاوم ارتداد القوة فيتحول بعضها إلى حرارة فيها وكل ذلك منوط بشدة القوة وأذان الأثير قوة وهو لا يجري إلى المادة بكثرة إلا إذا كان مقدارها عظيماً جداً كما في الشمس كان الأثير الجاري إلى مادة السيارات أقل من أن يولد فيها نوراً ذاتياً وحرارة مثل حرارة الشمس غير أن السيارات آخذة بالنمو كما تقدم فالأثير سوف يجري إليها أكثر فأكثر حتى يصل إلى درجة يولد فيها حرارة كافية ونوراً ذاتياً كما يفعل في الشمس. وما الراديوم في الشمس والأرض وبقية الأجرام إلا مادة قد جرى إليها الأثير وهي في باطن الجرم حتى ملأها إلكترونات فإذا خرجت من باطن الجرم بواسطة بركان ثائر أخذت الإلكترونات تتطاير منها لقلة الضغط عليها أو أن بعض المواد قد اكتسب ذلك في باطن الجرم فلما خرج إلى وجهه طارت بعض إلكتروناته وتحولت إلى راديوم والراديوم أخذ يتحول إلى رصاص والرصاص نفسه متحول إلى عنصر آخر لم يعرف ما هو بعد. ولا حاجة بنا أن نعتقد أن حرارة الشمس والأرض من الراديوم بل ما حرارة الراديوم وكذلك كل المواد المشعة إلا الأثير قد مكث فيها عند ما كانت في باطن الأرض فلما صارت على وجهها أخذت تشع منه. جميل صدقي الزهاوي زكاة النصح لاح المشيب ولم تزهد ولم تتب ... إلى م هذا التصابي بابنة العنب أنستك نشوتها كأس الحمام وكم ... من شاربٍ مات بين الأنس والطرب قد كفن الشيب منك الوجنتين متى ... تتوب من معصيات اللهو واللعب أراك تعتب أن نابتك نائبة ... على الزمان وتشكوه من الوصب ولست تذكر ما قد كنت مقترفاً ... من المآتم في ماضٍ من الحقب ما نابك الدهر يا هذا بلا سببٍ ... لكل نائبةٍ لا بد من سبب من يتق الله في كل الأمور يكن ... محصناً آمناً من طارق النوب ومن يكن بمعاصي الله منهمكاً ... فليرتقب منه يوماً بطشة الغضب
عصام الدين العمري
فأختر لنفسك إحدى الحالتين ولا ... تعاتب الدهر إذ تختار ذا نصب والنفس إياك لا تخضع لها أبداً ... فتابع النفس لم يسلم من العطب فإنها شرك الشيطان بنصبه ... وللشياطين فينا أعظم الأرب إني نصحتك فاختر ما تشاء وذا ... مني إليك زكاة النصح في رجب إبراهيم منيب الباجه جي عصام الدين العمري - هو عثمان بن علي مراد بن عثمان العمري الموصلي مولداً الملقب بعصام الدين شاعر مفلق وناظم ثائر مبدع كان له في الأدب نوادر ومجالس ومطارحات ومناظرات ومحاضرات. ولد في سنة 1134هـ - 1721م وقرأ على الشيخ درويش الكردي والعلامة جرجيس الأربيلي وسافر إلى (صوران) وهي قرية في اليمن وقرأ على الشيخ صالح فضل الحيدري وغيره. وعند عودته منها استخدمه الوزير حسين باشا ورحل معه إلى (القصر) و (وان) وولاه بعض البلاد الصغيرة وبقى مكرماً عنده إلى أن عاد إلى مسقط رأسه قبل سنة 1170هـ - 1756م فأستخدمه الوزير محمد أمين باشا وبقى في تلك الوظيفة مقداراً من السنين ثم رحل إلى الأستانة فولى قلم المحاسبة في بغداد ودفتر أراضيها وبقى في تلك الوظيفة أربع سنوات إلى أن ولى الوزارة علي باشا في سنة 1175هـ - 1761م فلم يستقم له الأمر بعدئذ لما حصل بينه وبين الوزير المذكور من المشاغبات فرحل صحبة الوزير السابق محمد أمين باشا إلى الأستانة وبعد مدة كر راجعاً على طريق حلب وعند وروده إياها مدحه الشعراء وبجله الفضلاء ثم بقى في بلدته الحدباء ولم يخرج منها بعد إلى أن توفاه الله إليه وذلك في سنة 1193هـ - 1779م وله من التصانيف كتاب (الروض النضر في تراجم أدباء العصر). وهذا الكتاب جليل القدر مفيد جداً لولا فيه عيب فاضح وهو خلوه من فائدتين عظيمتين وهما تاريخ سني ولادة المترجم ووفاته لأنهما من أهـ م ما يحتاج إليه في وضع التراجم. هذا فضلاً عن أن أغلب أوصاف المترجمين فيه عامة المعنى مبتذلة ربما تقع على عدة فضلاء بدون فرق كبير. وفي هذا الكتاب تراجم كثيرين من الشعراء الذين يحق لهم أن يعدوا من المشاهير في عصرهم. وفيه شعر فائق رائق ونثر عجيب غريب وقد احتوى
على ترجمة 123 فاضلاً من أدباء عصره ويقع في 748 صفحة من القطع الكبير ولم ينح مؤلفه فيه نحو المصنفين من أهل التراجم بل نحا فيه نحو الكتاب من شراح البديعيات؛ لأنه يذكر مثلاً للمترجم أبياتاً ورد فيها بيت قد سبقه إلى معناه شاعر قبله وعند ختام الأبيات يأتي المؤلف بالبيت الذي أخذ منه المترجم المعنى ويأتي أيضاً ببقية الأبيات التي منها البيت المذكور إن كان له أبيات أخرى. ثم أن كان هذا الشاعر الثاني قد أخذ بيته من شاعر قبله فانه يورد المأخذ وهلم جرا حتى يقف على الأصل وقد يعدد في ذلك الموضوع عشرين شاعراً وقد أخذ المعنى بعضهم من البعض الآخر وهذا أكبر دليل على سعة إطلاع المؤلف ووقوفه التام على أشعار الجاهليين والمخضرمين والمولدين والمحدثين والمتأخرين. فكتابه إذاً مجموعة أدب توقفك على سرقات الشعراء المتقدمين منهم والمتأخرين. لا كتاب تراجم وأحوال رجال كما ستقف عليه بعد أسطر من قول المؤلف نفسه. وهو خط لم يطبع حتى اليوم ولم يتصد أحد لطبعه لخلوه من تاريخ سني الولادة والوفاة كما مر بك ومنه نسخة في المدرسة المرجانية في بغداد ونسخة ثانية كتبت عليها وهي في دبر الآباء الكرمليين في بغداد وعندنا منها نسخة ثالثة فيها الربع الأول فقط. قال المؤلف في ديباجة كتابه المذكور: (. . . أنى منذ رتعت، وعلمت نفسي وبرعت. . . إلى أن صرت في مدائن الأدب هادياً مهدياً. . . وأنظم فيه عقدا جماناً، وأستخرج من قعر بحاره لؤلؤاً ومرجاناً. . . ومضت على ذلك الأيام وانقطع عني ذلك الشوق اللهام، لعوائق حدثت وحوادث عاقت. . . اعتزلت عنها حيناً من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا. . . وقد كنت ادخرت لمثل هذا اليوم من نفائس المكنون والمدخر. . . من مسودات مناظرات ورسائل، ومحاورات ومفاخرات ووسائل، شاملة لتلك الفوائد نفيسة بتلك الخرائد. . . ولما غلب عليهم الوهم وظن بي. . . أنى قد رفضت الأدب، وتنحيت عن سنة فصحاء العرب، أحببت أن انسج تلك الأوراق، وأضم أصول تلك الأعراق. وأرتبها ترتيباً يحسن بها الجمع. مضيفاً إليها ترجمة المعاصرين، الذين هم لعناقيد كروم الأدب عاصرين. . . وقد حذوت فيها حذو الريحانة وصاحب القلائد. . . وسميتها (الروض النضر، في ترجمة أدباء العصر.) وقد خدمت بها الساحة العليا، والدوحة العظمى. . . المشير الأكرم والدستور الأعظم. . . أحد رجال هذا
الكتاب الصدر الأعظم محمد راغب.) ثم قال: (ومن البيوت العامرة في بلدتنا الحدباء بيتا العمرية. . . أما الجد المشهور، ذو الفضل المأثور، الحاج قاسم ونجله علي، ففضلهم (كذا) معروف وجدهم (كذا) علي، وعمر وأبو بكر، ويحيى وفتح الله وأحمد ففضلهم لا ينكر،. . . وأما الجد القريب مراد. . . فهو البحر الزاخر. . . إمام فن العربية وترجمان لسانها. . . أحيا أموات العلوم، وعمر ربيع المنثور والمنظوم،. . . فتحقيقاته كثيرة حقيقة. . . وتعاليقه رائقة وتصانيفه فائقة. . . ومما أخبرني الوالد عن أبيه هذا الكريم قال كان في علوم العربية فريد الزمن. . . أمة في الحديث وعلامة في التفسير. . . وتعليقاته على المشارق نعم الأثر. . .) أهـ وقد أثبت له من نظمه قصيدة عدد أبياتها 21 بيتاً مطلعها: بح بالغرام فما عليك ملام ... إن التستر في الغرام حرام ثم قال: (نجله الوالد علي. . . نشأ الشرف والإفتاء. . . شرح الفقه الأكبر في مذهب الإمام الأعظم. . . وله من جملة الآثار شرح الآثار. . . هذا وكان حفه الله بغفراته ميالاً لأدب وأربابه. . . فتفسير القاضي أنيسه، والكشاف جليسه. وسعدي في لسانه، والبخارى من حملة بيانه. ثم بعد ذلك يتفكه بنوادر الأدب، ودواوين دهاة العرب، وبعض أشعار البلغاء، وطبقات الأدباء، كالتحفة والإطباق، والمفاكهة والأطواق. وتنتثر الرجال كأقمار ليال ويبقى وحده، وليس غيري عنده، وأنا إذ ذاك في العشرة الأولى وهو في العشرة الثامنة. . .) انتهى قول المؤلف. وقد أثبت له من نظمه قصيدة يمدح بها شيخ الإسلام فيض الله عدد أبياتها 30 بيتاً مطلعها: خذ تورد بارتشاف الاكؤس ... فرنت لواحظه بطرفٍ انعس وقال في كتابه المذكور في ترجمة عمه عبد الباقي: (وفي سنة 1164هـ - 1750م اتفق لي سفرة إلى بلاد الروم وامتدت الغربة إلى أربع سنين وأيام،. . . وخلال الأنس والانتظام، صادفت ما أزعجني، وإلى حب الوطن هيجني، فأنشأت قصيدة. . .) أهـ أما القصيدة فهي طويلة ومطلعها ما فاح نشر صبا تلك المعالم لي ... إلا واذريت دمع العين في وجل
رحلة إلى شفاثا
ومنها: فاصبر على المركى تلقى حلاوته ... فإن نيل العلى قسم من الأزل وكن إذاً هدفاً في كل حادثة ... (فربما صحت الأجسام بالعلل) وأشدد لها عزم صبر غير مضطرب ... واسلك لنيل مناها أصعب السبل وأنهض لنيل العلى وأركب لها خطراً ... ولا تكن قانعا في مصة الوشل وكن أبينا نبيها غير مكترث ... بحادث الدهر واسمع صحة المثل إذا اعترك عناء الضيم في بلد ... فانهض إلى غيره في الأرض وانتقل وكن عن الخلق مهما اسطعت مجتنبا ... فإن قربهم ضرب من الشلل الخ ومن شعره المثبت في كتابه المذكور آنفاً، قوله مشطراً: (ورب حمامة بالدوح باتت) ... بهمٍ زائدٍ ومزيد حزن على بعد الديار وفقد ألفٍ ... (تعيد النوح فناً بعد فن) (أقاسمها الهموم إذا اجتمعنا) ... فتأخذ أكثر الأشواق عني فأشكوها وتشكو لي زمانا ... (فمنها النوح والعبرات مني) وقال يصف الروض وهي من كتابه المذكور أيضاً: نسمة الروض ضوعتها الأزاهر ... وذكت أطيب العبير المجامر خففت راية الغصون فدقت ... زمر الريح في فؤاد البشائر وعلمتها بلابل الأنس لما ... شق جيب الشقيق صوت المزامر ما ترى الروض قد تكلل حسنا ... قم وقلنا من نار حر الهواجر وتنبه لرقة العيش واغنم ... فرصة الوقت فالزمان مسافر بين روضٍ ونرجسٍ وقاحٍ ... وبدور وأنجم ودياجر وله مجموعة شعر قد جمعت الغث والسمين من شعره وله مراسلات نثرية وشعرية قد عقد لها فصلاً في آخر كتابه الروض النضر وغير ذلك مما يطول شرحه وبهذا القدر كفاية. كاظم الدجيلي رحلة إلى شفاثا وقصر الأخيضر وأحمد ابن هاشم - 1 - تمهيد لما نشرنا في المجلد الثاني من لغة العرب صفحة 45 رأى شيخنا وأستاذنا
العلامة السيد محمود شكري أفند ي الآلوسي في قصر الأخيضر وأنه محرف الاكيدر وأقوال وأراء العلماء الذين زاروه أحببنا الوقوف على هذا القصر بنفسنا لنشاهد ما فيه من البناء ولما توقفنا لزيارته في رحلتنا إلى عربسات وجدنا مجالاً لأن نقول كليمات نزيد البحث فائدة وها نحن أولاً نثبت جميع ما شاهدناه وسمعناه من أقوال وأراء الشيوخ والمعمرين في تلك الأطراف فنقول: 2 - من كربلاء إلى شفاثا ركبنا من كربلاء في صباح يوم الجمعة 19 من شهر ربيع الثاني 1331هـ الموافق 28 آذار سنة 1913م - وخرجنا من أحد أبواب كربلاء المعروف عندهم بباب الحر وسرنا متوجهين إلى الشمال الغربي قاصدين شفاثا وبعد مسير 3 ساعات مررنا بهور (أبي
دبس) وكان عن يميننا على بعد 150 متراً وهو عبارة عن بحرة في منخفض من الأرض يبلغ انخفاضه 5 أمتار تقريباً ويصب فيها (نهر الحسينية) بقية مياهه ويبلغ محيطها نحو نصف ساعة وماؤها ملح وفي شماليها تقع (الرزازة) على بعد ساعة منها ثم سرنا في منهبط من الأرض ذي رمال كثيرة ليس فيه أثر طريق ولولا الدليل لما قدرنا على السلوك فيه - وكم سالك تاه ثمة ولم يوقف على أثرة حتى اليوم - وبعد مسافة ساعتين رأينا عن يسار الطريق على بعد 20 دقيقة تلولاً وأودية في وعر من الأرض وهو موضع يسمى عندهم (رأس دخنة) وهو منتصف الطريق بين شفاثا وكربلاء. وفي جنوبي رأس دخنة على بعد نصف ساعة يمر (وادي الأبيض) (وبالتصغير وتشديد الياء) وهو الذي سماه الأعراب النازلون قرب عربسات (وادي النعمان) ثم سرنا وبعد مسافة ساعة ونصف نزلنا للاستراحة والغداء عند قبر في أركانه الأربعة سعفات مركوزة يعرف عندهم باسم (قبر ابن حمور) وهو من أهل شفاثا ومن اجوادهم المعروفين بالجود والكرم وقد قتل قبل 25 سنة ودفن هناك فقبره اليوم علم يعرف وهو منزل ركب كربلاء إلى شفاثا ويقابل قبر ابن حمور (رأس الملح) والملح هناك في بحرة كبيرة واسعة يبلغ محيطها للماشي على ما ينقل يومين. وملح أهل كربلاء وبغداد وما في غربي بغداد منها وملحها جيد ناصع اللون ذره اني. ثم سرنا وبعد مسافة ربع ساعة قربنا عن يميننا من طريق شاطئ الملح المذكور وكان على بعد نحو 100 متر منا. وبعد مسافة ساعة رأينا عن يسار الطريق على بعد ربع ساعة إلى الغرب نخلات في البرية حولها عين تسمى
(العوينة) ثم على بعد ساعة دخلنا نخل شفاثا وما زلنا سائرين مقدار ساعة بين تلك النخيل الباسقة والأشجار العظيمة ذات الثمار اليانعة والمروج الخضراء النضرة والمياه النميرة الغزيرة التي خريرها يطرب السامعين حتى وردنا شفاثا (التي يسميها العوام شثاثة) بل قل: وردنا قصراً من قصور شفاثا اسمه (قصر العين أو العين الكبيرة) وعندها سوق أهل شفاثا ونزلنا ضيوفاً على الحاج شريف وهو أحد أجواد أهل شفاثا لأن أهل شفاثا يأنفون من بيع الخبز والتمر وما أشبه مما يؤكل وليس للغريب عندهم مأوى سوى المضيف (أي محل الضيافة) وإلا هلك جوعاً وكل أهل شفاثا شيعة وليس بين ظهرانيهم سني سوى المدير والقاضي وما أشبههما من أرباب الحكومة ومن كرم طباعهم أنهم يقبلون النصراني واليهودي ضيفاً على أنهم يعتقدون نجاستهما ولا تسل عما يقاسمونه من المشقة حينما يحل ضيفاً فيهم غير المسلم؛ بين أنهم لا يعرفونه أنهم يتنجسون منه وذلك منهم في منتهى الأدب والظرف. وفي شفاثا عيون كثيرة منها ماؤها جارٍ ومقدارها 30 عيناً ومنها ماؤها راكد وتبلغ 100 عين أما أسماء العيون الجواري التي هي في داخل شفاثا نفسها فهي: الأولى (العين الكبيرة) وهي أكبر عيون شفاثا ويبلغ محيطها زهاء 50 متراً ولا يدرك غورها والثانية (العين الحمراء) وحولها عين صغيرة تسمى (عين مريزة) والثالثة (عين السيب) والرابعة عين (أم التين) والخامسة (العين الجديدة) وجميع مياه هذه العيون الجواري يذهب ضياعاً بدون أن يستفاد منه واحد بالمائة. وماء شفاثا معدني كبريتي لا يروي الغليل إلا قليلاً إذ يعطش شاربه بعد
5 دقائق وإذا أكثر من شربه في الصيف أنهك قواه وقويت فيه جراثيم الحمى المطبقة فظهرت فيه بعد قليل ولا ينحسم داؤها منه إلا بعد مدة طويلة. أما العيون التي حول شفاثا فهذه أسماء بعضها (عين الصحيفة) عين (أم الغر) عين (البركة) عين (أم الغويل) عين (أبو صخر) بالتحريك. وفي نفس شفاثا 15 قصراً (والقصر عندهم المحلة التي يرأسها رجل من أهلها راجع لغة العرب 2: 541) وهذه أسماؤها وأسماء رؤسائها الحاليين: قصر العين (أي العين الكبيرة) ورئيسه الشيخ محسن العباس، قصر البوهوي ورئيسه الملا حسين، قصر ثامر ورئيسه حمزة الرميد، قصر أم رميلة ورئيسه السيد حسن، قصر الجنون ورئيسه خضر العبلي، قصر البو حسان (بتشديد السين وهو أحسن القصور) ورئيسه عباس الملا، قصر البو حسان أيضاً ورئيسه عبد العلي العزيزة، قصر اسالي ورئيسه الحاج فرحان، قصر الدرواشة ورئيسه حسين العبد، قصر البو جربوع ورئيسه صديان، قصر البو طريمش ورئيسه متعب الشامخ، قصر الخرائب ورئيسه عباس السليمان، قصر السمينة ورئيسه مشعل الفاضل، قصر الحساويين ورئيسه الحاج فيصل، قصر المالح ورئيسه عبد الله العاشور، قصر البوحردان (وزان عدنان) ورئيسه كلوب.
أما بناء دور شفاثا فجلها إن لم نقل كلها باللبن والطين لا غير ومسقفة بجذوع النخل ومغماة السطوح (أي مفروش على سطوحها الطين) وفي شفاثا سوق واحد صغيرة يباع فيها الحنطة والشعير والتمن (أي الأرز) والتمر والثياب (أي الأقمشة) على اختلاف أنواعها. وقد أخبرني مدير شفاثا الحالي الحاج سليم أفندي رواية عن المعمرين من أعراب تلك الجهة أن شفاثا لم تكن قبل مائة سنة تقريباً سوى بربة فيها بعض النخيلات لا ساكن فيها غير أن البدو الرحل كانوا ينزلونها أحياناً وكانت مساكن أهل شفاثا إذ ذاك في عين التمر. ولما نضب ماء عين التمر وجرى ماء شفاثا الكبيرة رحل أهل شفاثا عن عين التمر ونزلوا حول عين شفاثا الكبيرة وبنوا دورهم الحالية وأخذوا يغرسون النخيل منذ ذلك الحين وكانت العين في أول أمرها صغيرة ثم توسعت مع الزمان حتى بلغت مبلغها اليوم. أما اليوم ففيها من النخل المثمر (الحمال) مقدار 500 ألف نخلة (رأس) ويبلغ مسافة نخلها نحو خمس ساعات والنخلة مغروسة بجنب أختها لصقاً وفي الطرف الشمالي من شفاثا بين النخيل (قصر شمعون) وهو قصر قديم البناء قد تهدم أكثره راجع وصفه في المجلد 2: 540 من لغة العرب. ولا يزال قوت أهل شفاثا التمر والدبس لأنهم لا يتعاطون مهنة غير مهنة غرس النخل حتى أنهم قبل عامين أخذوا يزرعون الحنطة، والشعير، وألقت (الجت) والخيار والبانجان، والباميا أو البانيا، والطماطة أو الباندوري. وما يجري مجراها من أنواع الخضر. وكذلك أخذوا يغرسون في بساتينهم شجر التين، والخوخ، والمشمش، والتوت (لنكي) والبرتقال، والليمون (النومي) وأهل كربلاء من العجم يسمونه الليمو بكسر اللام) والعنب والرمان وما أشبه. وأهل شفاثا يكثرون من شرب الشاي الترياق (أي الأفيون) وترى في وجوههم صفرة تمازجها سمرة وأكثرهم قضيفو الأبدان ولهم عادات وأخلاق أخرى لا يسع المقام شرحها. 3 - من شفاثا إلى الأخيضر وفي صباح يوم السبت الساعة 2و20 دقيقة عربية ركبنا من شفاثا قاصدين الأخيضر وكان
وجهنا إلى الجنوب وقد ركب معنا مقدار 10 فرسان من أهل شفاثا وخمسة من الجند العثماني لأن الطريق مخوفة جداً لكثرة ما يوجد فيها من غزاة البادية وأكثر أولئك الغزاة من عشائر عنزة لا غير وقد يتفق أن يكمنوا لزوار الأخيضر في الأخيضر نفسه فيمسكوهم بأيديهم ويأخذوا جميع ما عندهم وما عليهم ويتركوهم عراة مجردين مكبين لليدين وللفم. ثم مشينا بين النخيل والأشجار والأرياف مسافة عشرين دقيقة وخرجنا إلى البر المقفر القاحل الذي ليس فيه سوى الروابي والتلول والأودية وفي فصل الأمطار يفرش الربيع أزهاره وأوراده على هذه الطريق فتغدو بساطاً موشىً وشته أصابع الطبيعة البديعة - أما نحن فلم نشاهد فيها سوى الزهر المعروف بشقائق النعمان ويسميه أهل العراق (شجيرة النعمان) والبدو الرحل وأهل الشرقية (ديدحان) ومنه قول شاعرهم الملا ياسين من أبيات يصف فيها معشوقته: (يا ديدحانه أبراس وديان). وبعد مسافة 20 دقيقة مررنا بعين تسمى (عين الصفيحة) وعندها قصر ينسب إليها وهي واقفة في غربي قصر شفاثا. وبعد مسافة 20 دقيقة رأينا عن يسار الطريق على بعد 300 متر منا تلاً كبيراً مستطيلاً يبلغ طوله زهاء 100 متر وعرضه قراب 40 متراً وارتفاعه نحو 6 أمتار يسمى (آبجة أي آبقة) وبعد مسافة ساعة مررنا (بالقصير) (تصغير قصر) وهو عبارة عن بناء مستطيل قد تهدم جانب منه والباقي منه يبلغ طوله نحو 15 متراً في عرض 3 أمتار في ارتفاع 6 أمتار وبناؤه بالحجارة التي بنى بها قصر شمعون والبرد ويل والخراب والأخيضر. وهو على مرتفع من الأرض وفي أسفله وادٍ ينسب إليه وحوله
كثير من التلول والأودية. ثم جاوزناه وبعد مسافة ساعة وردنا الأخيضر وقبل ورودنا القصر على بعد 10 دقائق تقريباً رأينا رعاة يردون ركايا واقلبة هناك وعندما شاهدونا أطلقوا علينا رصاصة ظانين أننا أعداء فأشار إليهم أحد أصحابنا عباءته وتلك إشارة الصديق فعلموا أننا لا نريد الإساءة إليهم فانصرفوا عن القصر وتوجهوا ذاهبين إلى الشرق ثم وردنا القصر قبيل الزوال ببضع دقائق. 4 - وصف قصر الأخيضر نفسه وما حوله دخلنا قصر الأخيضر فوجدناه ثلاثة قصور الواحد بجنب الآخر ولكل قصر منها بهو كبير ويحيط بتلك القصور الثلاثة سور عظيم مربع الأركان في كل جانب منه باب يعلو القامة بقليل و11 برجاً يبلغ محيط قطر كل برج منها زهاء 6 أمتار و60 سنتيمتراً وفي كل ركن من أركانه الأربعة برج كبير أيضاً يبلغ محيط قطره قراب 13 متراً وطول كل جانب مقدار 160 متراً وارتفاعه نحو 15 متراً أما بناؤه فبسيط جداً ليس فيه من فن التزويق ما يروق الأنظار وبناؤه بالحجارة الجبلية التي هي أشبه شيء بحجارة الجص إلا أنها صلبة جداً لم تؤثر فيها عوامل الدهر وقد وضع الرازة بين تلك الحجارة وفي بعض المواطن الطين. وهو ذو ثلاث طبقات بين الطبقة والطبقة نحو 3 أمتار ونصف متر. أما الطبقة الثالثة فقد تهدم أكثرها وكذلك قسم من الطبقة الثانية ولم يبق منها قسم ذو ثلاث طبقات سوى الجهة الشرقية من القصر وهي التي أخبرتنا أن القصر كان ذو ثلاث طبقات. أما السور فقد تهدم منه أعلى الجانب الغربي والجنوبي والشمالي وأكثره من الجانب الشمالي وأبوابه الثلاثة مردومة إلا الرابع وهو الباب الشمالي الذي منه إلى القصر فهو مفتوح وأمام القصر الشمالي على بعد 50 متراً منه بناء معقود مستطيل كالازج فيه
حجرات يبلغ طوله نحو 20 متراً وبقربه إلى الشرق أثر ساقية تأتي من الغرب قد فرش عقيقها بالحجر وعقد جانباها به أيضاً. وفي شرقي القصر أيضاً على بعد 100 مترٍ تقريباً بناء تهدم أكثره يزعم الأعراب القاطنون هناك على رواية أجدادهم السالفين أنه كان في القديم حمام القصر وفي شمالي القصر على بعد 500 متر تقريباً واد يسميه الأعراب من أهل تلك الجهات (شعيب الأبيض) والبعض منهم يسميه (وادي الأبيض) وهو الوادي الذي يمر بجنوبي (عريسات) (ورأس دخنة) (وزان ظلمة) كما أسلفنا ويبلغ عرضه قراب 20 متراً وفيه تجتمع مياه الأمطار عند انهمارها وقد نقل لنا أعراب تلك الجهات أن هذا الوادي يكون في أيام الربيع مجمعاً لصنوف الأوراد والأزهار فكأنه مفروش بفراش من الزهر ويروى إنه يمتد إلى الشام أو دونها بقليل. وفي وسطه وجانبيه حفائر قريبة القعر نزوعة غروفة يسميها أعراب تلك الجهات (قلبان) وأحدها قليب (ولكنهم إذا أفردوا لفظوا القاف جيماً وإذا جمعوا لفظوه كافاً فارسية) وماء تلك الحفر نمير عذب. وقرب شعيب الأبيض إلى الشمال الغربي منه وادٍ إذا حفرت في وسطه عمق ذراع أو أقل من ذلك أمهت ماء سلسبيلا. وفي شرقي قصر الأخيضر على بعد ساعة تقريباً عين تسمى (العين الخضرة) وفي شرقيها على بعد 4 ساعات تقريباً منارة في البرية كالبرج أو كالميل ملساء ليس فيها طريق إلى الصعود إلى أعلاها يسميها الأعراب (موجدة) يبلغ طولها نحو 8 أمتار وقد أخبرني فهد بك أحد شيوخ عنزة أنها واقعة في غربي العطشان على بعد 7 ساعات منه والأخيضر واقع في غربي كربلاء
على بعد 5 ساعات ونصف. 5 - وصف داخل قصر الأخيضر إذا دخلت من الباب الذي هو تجاه الشمال تفضي بعد مسافة 20 متراً تقريباً إلى إيوان معقود بالطاباق المشوي عقداً مقوساً وبناؤه أشبه ببناء الإيوان الموجود في (قصر الخليفة أو دار الخليفة) في سامرا بل قل كأنه هو. وهو عامر لم يتهدم منه شيء يبلغ ارتفاعه عن الأرض نحو 10 أمتار في عرض 8 أمتار من الأسفل ونظن أن بناء هذا الإيوان بعد قصر الأخيضر بقرن أو قرنين أو أكثر من ذلك لأن ليس فيه ما يشابهه قطعاً. وفي الطبقة السفلى من القصر كثير من الأزاج المعقودة عقداً مقوساً يبلغ طول كل منها زهاء 20 متراً في عرض 4 أمتار في ارتفاع 6 أمتار وفيه كثير من السراديب والدياميس والبيوت والغرف والعلالي والصفف والأسراب وكلها معقودة عقداً وقد دخلنا في سرداب قريب من باب القصر واقع في جهة اليمين عند الدخول ولما مشينا فيه مقدار 20 متراً سمعنا دوياً أشبه شيء بدوي المياه العظيمة التي تنصب من شاهق وقد سألنا الأعراب عن ذلك فقالوا نسمع مثله في أسفل سور القصر من البر أيضاً وقد حفرنا مرات عديدة فلم نجد شيئاً من ذلك والله أعلم. وكل جدران القصر سواء جدران الغرف أو غيرها مطلية بالجص وفي ساحة البهو الذي هو عند الجانب الغربي من السور بئر فيها ماء وحولها بعض تالات مغروسة وهي ليست قديمة وقد حفرها رجل من عنزة اسمه علي لأنه أراد عمارة هذا القصر وقد سكن فيه مدة فيه فلم ينجح في مسعاه ثم تركه. ولم نشاهد في القصر أثر كتابة أو علامة تدلنا على بانيه الأول أو عمن سكنه في القديم غير أن لنا رأياً فيه نبديه: ليس قصر الأخيضر هو قصر الأكيدر الكندي والذي قاله ياقوت في معجمه في مادة: دومة الجندل لا ينطبق على الأخيضر. بل ينطبق كل الانطباق على قصر الخراب الواقع في شرقي عين التمر (المعروفة عند أهل شفاثا اليوم برأس العين) على بعد نصف ساعة منه وطرز بناء هذا القصر كطرز بناء الأخيضر غير أنه خراب فكأن الباني واحد بل ربما يكبر قصر الأخيضر بقليل وإليك ما قاله ياقوت في معجمه: (أن النبي (صلى الله عليه وسلم) صالح أكيدر
على دومة وأمنه وقرر عليه وعلى أهله الجزية وكان نصرانياً. فأسلم أخوه حريث فأقره النبي (صلى الله عليه وسلم) على ما في يده ونقض أكيدر الصلح بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) فأجلاه عمر (رضه) من دومة مع من أجلى من مخالفي دين الإسلام إلى الحيرة فنزل في موضع منها قرب عين التمر وبنى به منازل وسماها (دومة) وقيل (دوماء) باسم حصته بوادي القرى فهو قائم يعرف إلا أنه خراب) أهـ. والذي يؤيد رأينا أن قصر الخراب هو قصر الأكيدر نفسه قول ياقوت (قائم يعرف إلا أنه خراب) وهذا الاسم باق عليه إلى اليوم لا يعرف بغيره وقول ياقوت أيضاً (وبنى به منازل) وحول قصر الخراب كثير من الأنقاض والتلول ذات الآثار القديمة بخلاف قصر الأخيضر فليس حوله من ذلك شيء البتة وأقوى من ذلك قوله (قرب عين التمر) وقد علمت كما سلف أن بين قصر الخراب وعين التمر مسافة نصف ساعة وبين عين التمر وقصر الأخيضر مسافة تزيد على 6 ساعات ونصف فهل يشك أحد بعد هذا في أن ياقوت يريد بقوله هذا قصر الخراب لا قصر الأخيضر فإذا عرفنا أن قصر الأكيدر هو قصر الخراب بعينه، فلا بد لنا أن نعرف قصر الأخيضر لمن كان في القديم ومن بناه وهذا أمر يحتاج إلى أدلة قوية لعلنا نأتي بها في وقت آخر. وبعد الزوال بساعتين ونصف ساعة ركبنا من قصر الأخيضر ورجعنا إلى شفاثا فوردناها قبل غروب الشمس بنصف ساعة تقريباً. 6 - من شفاثا إلى أحمد ابن هاشم وفي صباح الأحد خرجنا من شفاثا قاصدين أحمد ابن هاشم ووجهنا إلى الغرب وبعد مسافة 25 دقيقة مررنا بعين عن يمين الطريق تسمى (أم الغر) وقد مر ذكرها وبعد مسافة 5 دقائق عن يسار الطريق عين تسمى (عين البركة) (وقد سلف ذكرها) وبعد مسافة عشر دقائق عن يسار الطريق على بعد 30 متراً منه عين تسمى (أم الغويل) وبعد مسافة 20 دقيقة عن يسار الطريق أيضاً على بعد نصف ساعة منه تلول متقطعة مستطيلة من الحجر والتراب تسمى (البوب) وهي على طريق الرحالية وفي شماليها على بعد ساعة منها الملح. وبعد مسافة 25 دقيقة مررنا بتل واقع عن يمين الطريق على بعد 100
نظرة في الاحساء
متر منه يسمى (المحيريجة) وفي شمالها على بعد300 متر منه تقريباً (البوب) وهي غير البوب الأولى ولكنها مثلها وبعد مسافة 10 دقائق عن يمين الطريق على بعد 20 متراً منه عين تسمى (عين أبو صخر) بالتحريك وبعد مسافة نصف ساعة عارضتنا تلول تسمى (العقيد) ومن هناك إلى (قصر البردويل) نحو 25 دقيقة وذلك عن يمين الطريق وبعد مسافة تقرب من الساعة عبرنا نهر عين التمر القديم وهو نهر يكاد يساوي الأرض وحوله عين ماء صغيرة وبعد مسافة 10 دقائق وردنا أحمد ابن هاشم فكانت المسافة بين شفاثا وأحمد قرب 3 ساعات. وفي غربي أحمد ابن هاشم على بعد ساعة عين تسمى (عين السداح) وعندها قصر ينسب إليها ودونها مما يلي أحمد ابن هاشم تلول كثيرة تسمى (كسرونية) وفي جنوبي أحمد ابن هاشم تل كبير يسميه الأعراب (كهفاً) وفيه بيوت حديثة العمارة شبيهة بالصفف بناها أهل شفاثا يأوون إليها في أيام زيارة أحمد ابن هاشم. هذا ما شاهدناه في طريق أحمد ابن هاشم من الآثار وهناك دوارس أخرى قد سبق وصفها مع وصف قبر أحمد ابن هاشم فلا حاجة بنا إلى إعادتها. نظرة في الاحساء - الحساء جمع حسى بالفتح ويكسر؛ سهل من الأرض يستنقع فيه الماء أو غلظ فوقه رمل يجمع ماء المطر وكلما نزحت دلواً جمت أخرى. فتحفر العرب الرمل وتستخرج الماء. والحساء في البوادي كثيرة. منها هذه الاحساء القريبة
من البحرين وقد مصرت وهي على مرحلتين من القطيف إلى الجنوب الغربي. وكان أول من عمرها وحصنها وجعلها قصبة بلاد هجر أبو طاهر القرمطي الشهير في التاريخ. لأن تلك الأنحاء كانت بيده وهي الآن قصبة البلاد المذكورة وربما أطلق عليها كلها اسم الاحساء. وإذا أطلقت طائر بصرك على تلك الأرجاء التي تجاورها ترى فيها مواقع ومواضع كثيرة الأنقاض والأطلال والرسوم المندرسة تدلنا على أنها كانت في سابق الزمن مقاماً لطائفة من المجوس عبدة النار وذلك قبل ألفي سنة من التاريخ الحالي هذا فضلاً عن أن التاريخ يؤيد هذه الحقيقة تأييداً لا ريب فيه. ولما ظهرت النصرانية كان أهل تلك الديار أول من دان بها. وكذلك قل عن ظهور الإسلام. قال في سالنامة البصرة سنة 1308هـ: وهي أول من أسلم أهلها من قطعات جزيرة العرب. وقال - صلى الله عليه وسلم - (هم وفد عبد القيس) (مرحباً بالوفد لا خزيا ولا نادمين) وهي أيضاً أول قطعة أقيمت فيها صلاة الجمعة بعد المدينة المنورة على ما ذكر أهل السير والتواريخ (ص 174). أهـ ثم أنها لم تزل بعد فتوح الإسلام بأيدي عمال عمان والبحرين إلى القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) فظهر القرامطة فاستولوا عليها ثم أخذت منهم بعد حين فتداولتها أيدي عمال الولايات المذكورة. ثم استولى عليها بنو زملك زماناً غير يسير. ثم تلقفتها أيدي العربان والمشايخ تارة يستقلون بها وطوراً يلحقونها بأملاكهم حتى ظهور الدولة العثمانية. وفي سنة 926هـ (1520م) في عهد السلطان سليم خان الأول حينما كان سنان باشا والياً على اليمن كانت الاحساء وما جاورها من الديار تحت إدارة الدولة العثمانية وكانت داخلة في الولاية اليمانية. وفي سنة 964هـ (1557م) استقلت إدارتها تحت ولاية محمد باشا. ثم لما ظهرت الوهابية وكانت الدولة يومئذ في شغل شاغل عنها لكثرة ما كانت تأتيه من المحاربات والوقائع مع أعدائها أحتل الوهابيون تلك الأصقاع وامتلكوها عنوة. ولما بلغ الدولة العلية خبر احتلالها أرسلت عساكر من بغداد ومن المنتفق ليزحفوا على الوهابيين الموجودين في الرياض وكذلك أيضاً استنفرت المصريين فاندفعوا عليهم كالسيل الجارف إلا أن بعد المسافة وقلة المياه وصعوبة ثقل المؤونة والذخيرة
اللازمة لهذا الجيش اللهام أوجبت ترك تلك الديار بعد وقائع عديدة ومهاوشات جمة. واجتزأت الدولة بوضع قيم مقام يرأس تلك الأرجاء وله اليد العليا على زعماء قبائلها. وفي سنة 1287هـ (1870م) ثار النجديون ثورة عظيمة فوقع الشقاق بين آل سعود فراجعوا مجلس ولاية بغداد وكان حاكمها يومئذ مدحت باشا ثم أمر فانشأ لجنة متفومة من أماثل بغداد والبصرة فسار هذا الجمع العظيم حتى وصل القطيف ففتحها الجند بدون ممانعة. ثم فتحوا الاحساء بعد حصار قليل المدة وعقبها فتح سائر المواضع والأمكنة وأخذ العلم العثماني يخفق بسرور على الخطة كلها جمعاء. وأطلق عليها اسم لواء نجد تغليباً أو تفاؤلاً بفتحها كلها إذ نجد هي من أوسع بلاد العرب ولا تكون الاحساء بالنسبة إليها إلا شيئاً زهيداً. وممن كان له الفضل العظيم في هذه الفتوحات مشايخ الكويت وأهاليها إذ ساعدوا المنتمين إلى الدولة أعظم المساعدة. فإن مبارك الصباح الشيخ الحالي قاد بنفسه جيشاً عرمرماً من أهـ إلى الكويت وعشائرها وزحف على الاحساء من طريق البر. وأما الشيخ عبد الله الصباح المتوفى اليوم فإنه رافق القائد العثماني بحراً. وعلى هذا الوجه جاءهم النصر المبين. على أن الأعراب لم يدعوا أبناء الدولة العثمانية في راحة وطمأنينة فإنهم هاجموهم مراراً عديدة وأذاقوهم الأمرين وحاصروهم وضيقوا عليهم من كل جانب ونهبوا أموالهم وقتلوا جماً غفيراً من العساكر في الطريق الواقع بين الميناء والمدينة. وفي سنة 1293هـ. (1876م) ثار هذا اللواء ثورة أخرى فأنفذ رديف باشا والي بغداد يومئذ ناصر باشا السعدون شيخ المنتفق الأكبر سابقاً ليقوم أود هؤلاء الأعراب فركب البحر ناصر باشا ومعه الشيخ بزيع العرير ابن حاكم الاحساء سابقاً زاحفين بجيش جرار على الثائرين بينما كان مزيد السعدون ابن ناصر باشا المذكور يسير نحوهم وهو يقود 10 آلاف فارس من المنتفق ومعهم ألف بعير يحمل المؤونة والذخيرة. فتلاقى الجمعان عند أبواب الاحساء
هفهوف، فهاجم المنتفق الأعداء الثائرين وأنقذوا الحامية العثمانية التي كان الأهلون قد اسروها. وبعد أن أطفئوا جذوة النار المتقدة أتم الإطفاء رجعوا إلى الناصرية بعد أن قاموا هناك الشيخ بزيع العرير متصرفاً للواء نجد. - وما كادت بضعة أشهر تمضي إلا ونشبت نار الفتنة من جديد لأن أعراب الاحساء وما جاورها أرادوا أن ينتقموا مما لحقهم من الانكسار إذ خضد شوكتهم جند الحكومة وأعراب المنتفق فزحف ناصر باشا من جديد ومعه ابنه مزيد فتم لهما مرة ثانية الاستيلاء على الاحساء ونكلوا بالأهالي أشد التنكيل فكان ذلك مدعاة لسكوتهم مدة سنين طويلة. ولما فل غرار الشيخ بزيع العريعر عين مزيد السعدون ابن ناصر باشا متصرفاً للواء بدلاً من السابق ذكره. وفي سنة 1302هـ. (1884م) كان مزيد في ذلك اللواء لما فصلت البصرة عن ولاية بغداد وعقد بها لواء نجد فأصبحت ولاية البصرة مستقلة عن أمها بغداد وعين والياً لها ناصر باشا. وكان قد رقى في عودته الأولى من زحفة الاحساء سنة 1868م رتبة ميرميران لأنه اظهر في تلك الأثناء من الإباء وعظم النفس ما لا مثيل له إلا في سابق العهد إذ إن الباب العالي أهـ داه عشرة آلاف ليرة (أي 230. 000 فرنك) مكافأة له على أتعابه وعلى النفقات التي بذلها في تلك الزحفة فأبت نفسه الكريمة الكبيرة أخذ المبلغ وأبقاه للدولة. ولو كان أخذه لكان حطه عن شاهق إذ لم يكن إلا جزءاً زهيداً مما أنفقه في هذا السبيل من النفقات الباهظة الفاحشة. وبقيت الأمور تجري في أعنتها حتى كانت سنة 1320هـ. (1902م) فأضطرب حبل الأمن فعينت الدولة السيد طالب بك نقيب إشراف البصرة متصرفاً للواء المذكور فما كاد يلقى فيه عصاه إلا وفك الحصار عن الاحساء وأدب العشائر وأمن الطرق. فانقادت له رؤساء الأعراب طائعة إياه بعد أن شاهدت ماله من شدة العزم والحزم وقوة إلباس والمراس. وبعد أن استعفى وتوجه إلى
باب المكاتبة والمذاكرة
الأستانة استحسنت الدولة أن نزيد القوة العسكرية في تلك الديار فأنفذت إليها أربعة طوابير زيادة لما كان فيها. ولكن سليمان نظيف بك والي البصرة استصوب استدعاء معظم هذه القوة وأبقى طائفة قليلة منهم لا تكفي لحفظ الراحة في البلاد. فأثار هذا الأمر طمعاً في صدر عبد العزيز السعود وأخذ يترقب الفرص حتى تيسرت له في هذه الأيام فهجم بخيله ورجله في نحو منتصف أيار على مدينة الاحساء واستولى عليها بعد مقاومة قليلة قتل فيها نحو 25 جندياً وبعد ذلك أرسل محاربين إلى القطيف أيضاً فاستولى عليها وأصبحت من دياره. - قالت الدستور التي نقلنا عنها هذه العبارة الأخيرة بتصرف قليل: نشرنا (هذه الأخبار) آسفين على أن العلم العثماني قد طوى من الخليج الفارسي ولم يبق للدولة العثمانية مقدار شبر من الأرض على ضفافه. فلا حول ولا قوة إلا بالله). وجاء في عددها 57 ما مؤداه: أن العساكر العثمانية الموجودة في الاحساء والقطيف تبلغ أربعمائة نفر، منهم 90 في القطيف والباقي في مدينة الاحساء وضواحيها. وقد اجتمعت هذه القوة الآن في مركب (جانسكات) الراسي في ميناء البحرين منتظرة المدد من البصرة وأصبحت حالة الجنود سيئة للغاية لقلة الماء واشتداد الحر وضيق الباخرة التي تحملهم. وقال: إن عبد العزيز السعود طلب من قائم مقام قطر الشيخ قاسم ابن ثاني طرد العساكر العثمانية التي عنده فلم يوافق على ذلك. وقد قدم البصرة أغلب موظفي الحكومة الملكيين في الاحساء والقطيف! وقد ذكرت الرياض في عددها 161 إن الذين احتلوا القطيف اعتدوا كثيراً على أهـ اليها. فأمر الأمير فيها (عبد الله بن جلوى) الذي كان أميراً في القصيم سابقاً فساد الأمن بعد ذلك. باب المكاتبة والمذاكرة 1 - معنى اسم بغداد كتب إلينا من سامرآء حضرة العلامة هرتسفلد قال: طالعت مطالعة عجلان ما جاء في لغة العرب عن معنى بغداد وأصلها 2: 549 فلم أر حاجة إلى ذكر آراء بعض علماء الإنكليز ومن شايعهم في أصل معنى بغداد. فإن المسألة قد انتهت
إلى هذه الصورة وهي: إذا ثبت إن اسم المدينة يوجد على صفائح الآجر المسمارية الخط (بصورة بغدادو أو بغداتو) كما قاله العلامة فريدريك دليتش فسدت سائر التآويل الفارسية والأعجمية المخالفة لرأي العلماء. وإلا ففي اللغة الفارسية علم رجل وهو (بغداد) وليس له إلا تأويل واحد ممكن وهو (هبة أو عطية الله). لأن (بغ) بالفارسية القديمة تخفيف (باغا) وهو الإله. ولا سيما الإله (مثرا) (وداذ) مشتقة من (دادن) أي هبة أو عطية فيكون مآلها: (هبة أو عطية الله) ويقابلها عند الأقدمين (مثريداد) وعند أهل الغرب (ثيودورس) ومن ثم يقول: هل ينتقل العلم الشخصي إلى اسم المدينة؟ - قلنا: نعم. لأنه يوجد أسماء أخرى من هذا القبيل كقولهم: شروان (وهو اسم رجل ومعناه ذو ست أرواح) ونهروان (أي ذو تسع أرواح) الخ ولهذا لا أشك في قراءة العلامة النقاب دليتش. ولا جرم أن (بغداذ) المكتوبة على الآجر البابلي لم تكن اسم مدينة في ذلك العهد القديم بل اسم رجل. ومن اسم الرجل انتقل إلى اسم المدينة. هذا ما عن لي في أثناء المطالعة والحكم للقارئ. 2 - مرقعة المتصوفة كتب إلينا أحد الأدباء ما نصه: أدرجت لغة العرب (185184: 1) ثلاثة أبيات من الشعر قالها أحد الشعراء بخصوص مرقعة الصوفية. وقد وجدت اليوم رواية أخرى قديمة ورد فيها لفظ (المسيح) مبدلا بلفظ (المجوس) وقد ذكرت في (منتخبات وصاف) (راجع برنامج المكتبة الخديوية المجلد 4: 332 تحت عنوان: (الأدب العدد 113 والمخطوط خالٍ من أرقام الصفحات وهي واردة في نحو الثلث الأول منه) وهذا نص عبارته: (البيتان لأبي محمد طاهر بن الحسين بن يحيى المخزومي البصري: ليس التصوف أن يلاقيك الفتى ... وعليه من لبس المجوس مرقع بطرائق سود وبيض لفقت ... وكأنه فيه غراب أبقع قال مكاتبنا حفظه الله: وهذا النص مهم مما يحرص عليه لأنه يثبت لنا اسم الناظم بنسبه. فليحفظ لما فيه من الفائدة. 3 - غبرة النخيل (نوع من أمراض نخل العراق) وكتب إلينا من بسكرة (من بلاد المغرب في أفريقية) حضرة صديقنا الفاضل بولس ب. بوينوى ما نصه: إن السعفة التي قطعناها لما كنا معاً في بستان
أسئلة وأجوبة
من بساتين الكاظمية وكان عليها المرض المعروف بالغبرة (وزان حركة) قد فحصتها فحصاً مدققاً فوجدتها مصابة بالآفة المذكورة لكنها هي غير الآفة المعروفة في ديار الشام بندوة العسل فندوة العسل شيء والغبرة شيء. تلك تسمى بالفرنسية وأما هذه فأسمها عند العلماء وهي نوع من الشبيهة بالفطريات فيحسن بكم أن تصححوا ما كتبتموه في لغة العرب 17: 2 وما يليها. أما طريقة أهلاك هذه الجراثيم الضارة فهي رش المواطن المصابة بها بماء الزنجارة (واسم الزنجارة عند الكيماويين كبريتات النحاس). 4 - آثار قديمة في تكريت وأخبرنا القس توما ماروثا حكيم بعد سفره من بغداد ومروره بتكريت إن سكان تلك المدينة يجدون كل يوم نقوداً قديمة من عباسية ورومانية وبرثية ويونانية وفارسية وساسانية. وهم يبيعونها بقيمة بخسة. وأغلبها من النحاس ثم قال: ووجدت رقيم قبر باللغة الآرامية من القرن الثالث عشر للمسيح وهذه هي عبارته: (يونيا كب بآب اعكح ألها نحسه له. أبو ناصر مشمشنا) ومعناها: (توفى بموجب التاريخ) اليوناني 22 آب سنة 1528 (1217م) غفر الله لأبي ناصر الشماس.) وفي تكريت آثار كثيرة نصرانية تدل على ما كان لهذا الدين من القدم الراسخة فيها. أما اليوم فليس فيها سوى المسلمين! 5 - المطبعة الحميدية في بغداد هذه المطبعة من مطابع بغداد الحجرية ولم نكن نعلم بوجودها حتى ظفرنا في هذه الأيام بكتاب صغير مطبوع فيها اسمه: (بحر الكلام) للإمام سيف الحق أبي المعين النسفي. . . وقد طبع في المطبعة المذكورة برخصة المعارف سنة 1304 والكتاب في 70 صفحة. . . وفي آخره: (وكان ذلك بقلم الفقير أحمد الكردي البغدادي.) أهـ أسئلة وأجوبة أصل كلمة حنفص
سألنا غير واحد من أدباء الحاضرة: هل كلمة عنفص عربية الأصل؟ وإن لم تكن فمن أي لغة هي؟ وما هي معانيها المتعددة؟ قلنا: جاء في تاج العروس: العنفص بالكسر. . . والنون زائدة وفيه خلاف. . . المرأة البذيئة. عن الأصمعي، أو القليلة الحياء عن أبى عمرو، وخص بعضهم به الفتاة وأنشد الجوهري للأعشى: ليست بسوداء ولا عنفص ... لسارق الطرف إلى ذاعر وقال الليث: هي القليلة الجسم؛ وقال ابن دريد: هي الكثيرة الحركة في المجيء والذهاب. ويقال هي الذاعرة الخبيثة وأنشد شعر: لعمرك ما ليلى بورهاء عنفص ... ولا عشه خلخالها يتقعقع وقال ابن عباد هي القصيرة: وقال ابن السكيت: هي المختالة المعجبة. قال ابن فارس: هو من عفصت الشيء: إذا لويته. كأنها عوجاء الخلق وتميل إلى ذوي الذعارة. وقيل العنفص: جرو الثعلب الأنثى والعنفص أيضاً: السيئ الخلق من الرجال، والعنفصة المرأة الكثيرة الكلام. وهي أيضاً المنتنة الريح. كل ذلك عن ابن عباد. أهـ كلام اللغوي. فيتضح من ذلك أن العنفص هي الأنثى الخبيثة، الذاعرة، القليلة الحياء والجسم، (امرأة كانت أو ابنة) الكثيرة الحركة في المجيء والذهاب، المنتنة الريح المتعوجة الخلق. وهذا كله على ظننا مأخوذ من اليونانية (وهي باللاتينية وهي عندهم اسم امرأة شهيرة بخبثها وفسادها ولكثرة شرها وعبثها كانت تظهر بمظاهر مختلفة أو تتغول (كما يقول العرب) على حد تغول الغول. والفرنسيون يقولون وهي الفصحى وهي دونها فصاحةً. وقد قال الأقدمون في وصفها: إنها شبح أو طيف أنثى كانت تنفذها هبكات أو عكاظ (وهبكات معبودة هي القمر حينما يحجبه السحاب أو الضباب) إلى الناس ولا سيما إلى المسافرين منهم لتخيفهم في طريقهم أو تفتك بهم أو تمتص دماءهم. والعنفص توافق كل الموافقة لغول العرب ولعل العرب أخذوا حكايات الغول والخرافات التي تتعلق بها عن اليونان الذين أخذوها عن قدماء الشرقيين كالكلدان والآشوريين والبابليين والمصريين إذ اقتبسوا منهم أشياء كثيرة ترجع إليهم في الأصل. ويوافق هذا الوصف أيضاً بعض الموافقة لما يسميه الإفرنج فامبير وهو الذي سميناه
بالعربية النزافة أو المصاصة وهو في اعتقاد جهلائهم وعوامهم: ميت يخرج من القبر ليلاً ليمتص دماء الأحياء. وكان أهل الغرب يمثلون العنفص بصورة أنثى رجلها الواحدة من نحاس والرجل الثانية من روث الحمار (والروث سرجين ذي الحافر). وأحسن وسيلة كانوا يتخذونها لطردها كان الشتم والسب والإهانة. وقد توسع الغربيون في معنى العنفص حتى أطلقوها على كل أنثى خبيثة. من قبيل ما يسمونه ساحرة والساحرة عندهم كالعنفص عندنا. ومن معاني العنفص عندهم ما اشتهر في القرن السابع عشر والثامن عشر بمعنى التخيل المحالي أو الجنوني. ومن معانيها عند علماء المواليد: دويبة من المستقيمات الأجنحة كثيرة الشبه للسرعوف (راجع لغة العرب 349: 2) وقد صحف العرب هذه الكلمة بهذا المعنى بصورة: عنقص وعنقوص بجعل الفاء قافاً. وهم كثيراً ما يفعلون ذلك في الألفاظ الدخيلة فضلاً عن العربية النجار؛ فقد قالوا مثلاً: الفاطوس وهي في الأصل القاطوس أو القيطس القوقس للنبات المعروف بالفوقس باليونانية (راجع لغة العرب 329: 2) وقالوا القوقيس وإنما هو الفونقس وقالوا الفاقيطوس وإنما هي الفافيطوس هذا في الدخيل وأما في العربي الصميم فقد قالوا: الزحاليق والزحاليف جمع الزحلوقة أو الزحلوفة؛ المفرشة والمقرشة؛ نفز الظبي ونقز؛ صلفع الرجل وصلقع؛ المحفد والمحقد؛ رفح ورقح؛ النفض والنقض؛ النفاض والنقاض؛ الفصم والقصم؛ الوفي والوقي؛ وغيرها كثير. ومما يحدونا إلى تعريب هذه اللفظة وتحريفها ما ذكره صاحب التاج قال: العنقص والعنقوص (بالقاف) بالضم: دويبة عن ابن دريد؛ وقد ذكره المصنف بالباء الموحدة بدل النون (أي يقال أيضاً عبقص كما في الإفرنجية وهو من باب تعاقب الباء والنون) وأباه الأزهري. ورواه بالنون كما نرى. أهـ كلامه قلنا نحن ولا يحق للأزهري إنكاره بعد إيراد اللغويين له وبعد وجوده في الأصل المأخوذ منه. وزدنا على ما تقدم: أن هذه الحشرة كثيرة الوجود في البلاد الحارة من ديار العالم القديم. ولا سيما في ديار العرب والعراق وجنوبي بلاد فارس وبالأخص في جوار المستنقعات والغدران. ومن معاني العنفص أيضاً عند علماء الإفرنج ضرب من الفطر ذي البيض
فوائد لغوية
من فصيلة متلفات الحشرات تتطفل على الحشرات منها: عنفص الذبان وهو يعيش على الذبان فيقتلها قتلاً ذريعاً في أيام الخريف. والعنفصية عند علماء النبات جنس من الحشائش المفترشة إلا نبتة من فصيلة السحلبيات من قبيلة الجنبية الأغصان وهي تتكون ببلاد النفال أو من ديار الهند. فوائد لغوية جمع مدير وعمل وفعل وعضو وما ضارع هذه الألفاظ الثلاثة الأخيرة أدخل الترك ألفاظاً عربية كثيرة في لغتهم وفي بعض الأحيان أحسنوا التصرف فيها. وفي بعض الآخر أساءوا كل الإساءة. ومن جملة ما أفسدوه علينا قولهم في جمع مدير: مدراء. ومفعل كمفسد لا يكسر على فعلاء إذا كان اسماً بل على مفاعل وأما إذا كان صفة أو نعتاً فيجمع جمعاً سالماً فيقال: مديرون في حالة الرفع ومديرين في حالة النصب والجر. ومما يوسف له أن كثيراً من الصحف والمجلات العربية من شامية ومصرية وعراقية تقول: مدراء وهو غلط فاحش ترتعد له فرائص من في السماء وعلى الأرض من أبناء العرب ولا سيما لأن الميم زائدة غير أصلية. ومما يغلطون فيه جمع عمل وفعل وعضو فيقولون اعمالات وافعالات واعضاوات ويجعلون مفرد هذه الكلمة الأخيرة (أعضاء) وهذا كله من الشنائع التي لا توصف وإن بالغت في نعتها بالسوء والأصح في جمع عمل أعمال وفي فعل أفعال وقد يجمع جمعاً ثانياً فيقال أفاعيل وأما عضو فلا يجمع إلا على أعضاء. فأحفظ ذلك تصب إن شاء الله. باب المشارفة والانتقاد 1 - (شحر بابل وسجع البلابل) (أو) (ديوان السيد جعفر كمال الدين الحسيني الحلي)
ورد هذا السفر الحلة الفيحاء مطبوعاً، فكان له رنة سرور وابتهاج لدى مؤدبيها. وطالت به الألسن بل تطاولت على حضرة ناشره بالشكر والثناء لما أسداه من التفضل على الأدب وأهله. وبالأخص الحليين منهم فقد خلد لهم ذكراً جميلاً وإطراء حسناً إذ قد خلد ذكر نابغة من نوابغهم. بيد أني قد سمعت بعض من لهم النصيب الوافر من الأدب ينتقد بعض ما جادت به قريحة الشاعر. ونبذاً مما انطوت عليه (كلمة الناشر) بل ربما نالت يد الانتقاد بعض التراجم وغيرها مما كتبه الناشر في غضون ذلك الديوان. وأني خدمة للأدب وجلاء للحقيقة أحببت أن أكون كالترجمان لهؤلاء الأدباء الأفاضل معرباً عما همت به ألسنتهم. ومظهراً ما أجنته ضمائرهم راجياً من أبناء أسرة شاعرنا الفاضل أن لا يجعلوا ذلك عن سوء قصد. كما أني أرجو ذلك من حضرة الناشر وبعض أولى التراجم الكرام. فإنه لا مغضبة في الحق. ولا نجاة إلا بالصدق. قال الشاعر (ص) 429 من قصيدة يرثي بها العلامة السيد ميرزا حسين الشيرازي وهو يخاطبه في بيان حالة الناس بعده: فهم بأضيق من قبر دفنت به ... كأنهم وهم أحياء قد دفنوا فقد وصف شاعرنا قبر مرثيه بالضيق ولم يلتفت إلى أن ذلك غير جائز في شريعة الأدباء دون أن يكون المرثي مثل هذا الرئيس الروحاني فكيف. . .؟ وقوله في تخميسه لقصيدة المولى المفضل السيد سعيد حبوبي (ص) 389 و390 فآية السحر فيها عينه اكتحلت ... وآية النحل في طرس العذار حلت
وعينه هي صاد حولها اكتملت ... ذي نون حاجبه لو حاؤه اتصلت في ميم مبسمه لم تعد حاميما أني لا أفهم للشطر الثالث من هذا البيت معنىً وأما الأصل فهو (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء. . .) وقوله من قصيدة يرثى بها الشيخ الإيراني (ص) 56 راعي الشريعة فالشريعة بعده ... كالشاة خائفة من الأذياب لا يخفى قبح تشبيه الشريعة بالشاة ولعل القافية أو مراعاة كلمة (راعي) جرت شاعرنا إلى ذلك. هذا فضلاً عن أن الأذياب جمع ذئب لم يسمع عن فصيح. هذا ما رأيت أن انتقده من شعر الشاعر وهناك انتقادات أخرى غير جوهرية لا حاجة إلى الإسهاب بذكرها. وأما الناشر أعزه الله فقد جعل موضوع (كلمته) حياة الشاعر المادية والأدبية مع شذرة يرجو أن يتضح بها للقراء ما حير رابع سبابتيه وإبهامه. (! كذا) ولكنا مع الأسف قد رأينا ناشرنا ترك موضوعه كما هي عادته في التراجم أو قل في غيرها أيضاً. وراح يتجول به بين القادسية وجبال حلوان وأخرى بين الموصل والبصرة وطوراً في هضبة إيران وتركني كالحيران في (كلمته) لا أدري ما أقول عنها: أأقول أنها تبحث في جغرافية الديار العراقية. أو عن مسائل شتى تاريخية. وهي مقالة إصلاحية. أو أنها معجم من معاجم الأدباء. أو رسالة في علم الرجال؟ فليت ناشرنا نزه (كلمته) عن هذا الخيط والشطط الذي يدعو إلى الملل فإن لحضرته موضوعاً يجب أن يتحراه فلا يعدو عنه حتى ولا قيد أنملة. أما ما ذكره عن حياة شاعرنا المادية. فلا أريد أن أقول أنه رحمه الله كان من المثرين. نعم كان كذلك قبل جفاف النهر المنشعب من الفرات إلى الحلة. أما بعد جفافه فقد كان من الأواسط كما عليه أكثر سكان البيئة التي نشأ فيها. فما لزه به الناشر من الفقر المدقع الذي يخيل للقارئ أنه كان لا يملك قوت يومه ما هو إلا حدس غير مصيب وقد نشأ في فكره حين رأى ما يشتمل عليه شعره من الدعابة مع بعض أصحابه ومن مدح الملوك والوجهاء والأمراء شأن طلاب الفخر والصيت من الأدباء في الدرر البائد. ورأى مثل قوله: وعندي أنكم خزان رزقي ... إذا ما الرزق أعوزني طلابا فأندفع حضرته يقول (ولما أحس من نفسه قوة الملكة وحسن الاستعداد
وأنه يستطيع أن يستدر من شق قلمه لماظة عيشه. ودرة قوته. ومؤونة أهله صارت هذه كبعض الدواعي له المثيرة لما في كامن قريحته فأصبح) الخ ولم يلتفت إلى أن أديب ذلك العصر إذا أنشأ شيئاً لا ينظر إلا إلى جهة واحدة هي التي بعثته على الإنشاء. فهو إذا مدح لا ينظر إلا إلى كيف يؤله ممدوحه. فيطربه بما شاء وشاءت له مخيلته مما ليس فيه من الصفات العالية. والألقاب الفخيمة. فتراه قد يطري من ليس فيه إلا صفة العلم بالشجاعة والكرم. ويلقب الشجاع الفارغ من العلم بالعلامة. ويصف من ليس له معه إلا المودة بخازن رزقه. كل ذلك لمقدمة عنده من المسلمات (أعذب الشعر أكذبه) على أن حضرة الناشر نفسه يعلم ذلك. فقد انتقد بيت سيدي (الرضا) في القصيدة المشتركة بينه وبين شاعرنا التي أنشئت في مدح الفاضل (الهادي) آل كاشف الغطاء حيث قال: ما ركعت في كفه بيض الضبا ... إلا وهام قرنه خوفاً سجد ولو نظرنا إلى شعراء ذلك الدور لوجدنا جل أشعارهم. بل كلها كذلك فلا أدري ما يقول حضرة الناشر في سيدنا الشريف الرضي الشهير بالإباء والشمم إذا رأى قوله في مدح (فخر الدين) أبي غالب بن خلف: يا أبا غالب دعوتك للخط ... ب ومن يظم يستدر القطارا لم أجاوزك بالدعاء فلبي ... ت جهاراً وقد دعوت سرارا لم تقل لا ولم تشد على خا ... ف الندى بين راحتيك صرارا قد هززناك للندى فوجدنا ... ورقاً ناضراً وعودا نضارا ورأينا النوال عينا بلا مط ... ل إذا ما النوال كان ضمارا ولو أردت أن أثبت ما يشبه هذا من شعر الشريف وغيره ممن أشتهر بالإباء والثروة من الأدباء لملأت الصحف. افيقول ناشرنا في الشريف الرضي (أنه يحتلب مسكة رمقه، ودرة عيشه، من ضرع قلمه، وشق قصبته، وإخلاف محبرته) أو يقول إنه (يستظل سماء القناعة ويلتحف إيراد الفقر والفاقة) وأما قوله بعد أن طال بالفضلة دون العمدة (فمن كسف البال. وضجر الخاطر كان بعد أن تمكن من الشعر صار ربما ينتحل نفس شعره فيقول القصيدة في إنسان
ثم يحولها إلى أخر إما تبرما وسأما أو لغير ذلك) نعم قد أثبت الناشر من ذلك قصيدة واحدة مدعياً أنها كانت في مدح الفاضل (محمد الحسين) آل كاشف الغطاء ثم حولت إلى مدح بعض السادات. أما نحن ففي حاضرتنا نسختان من الديوان إحداهما أكثرها بخط الشاعر ولم نجد فيهما شيئاً مما ذكر. بيد أنه كان على الناشر أن يترك الإشارة إلى انتحال هذه القصيدة إلى حين إثباتها. فيقول: إن هذه القصيدة كان من أمرها هكذا. . . . لا إنه يذكر عبارة في مقدمة الديوان كأنها باب من أبوابه وفصل من فصوله يظهر منها أن انتحال قد وقع من الشاعر في أربع قصائد أو خمس لا أقل. وأما قوله: (فأقترن بإحدى كرايم قوقومه) أظن أنه يريد بالقوم بني الإنسان وإلا فلا جامعة بين شاعرنا وقرينته غير ذلك. أو إن كلاً منهما من قرية واحدة (قرية السادة). وهذا مما يدلك أيها القارئ على ما ادعاه حضرة الناشر مكرراً من شدة اتصاله ومعرفته بالشاعر. ولو كتب كرائم بدل (كايم) لما خالف الأصول العربية. ثم قال في بعض ما كتبه عن حياة شاعرنا الأدبية ما نصه ص 15: (ثم لم تنزل شمايله تتمثل نصب عيني. وحلاوة حديثه كمرارة فقده يترددان بين لهاتي وحناجري وكانت مرت على منعشات (ما أدري أهـ ي أيام أو أحلام) كان فيها عطر الله مرقده لضيق داري. وشقيق
جواري، وسمير ليلى، وعشير نهاري، بل نسيب نفسي. وقريب روحي. . . لست أدري وأبيك ما دهى ناشرنا حتى صار يلقى الكلام على عواهنه وحتى أصبح كأنه لم يعلم أن حملة أقلام الانتقاد واقفون له بالمرصاد فيا حضرة الناشر لو كان حقاً ما وصفت نفسك به من حبك للشاعر ومن انه سمير ليلك. وعشير نهارك. وإنك تريد تخليد حياته. لما جعلت كتاب شعره غرضا لسهام نقدك. ومرمى لي ولأمثالي من بعدك؟ بل لأسقطت منه ما يزري بحياة نسيب نفسك الدنيوية وأزالت ما يشين حياته التخليدية. كما هي العادة في تهذيب الدواوين والأسفار قبل نشرها. ولخلدت لمن لم تزل شمائله تتمثل نصب عينيك حياة طيبة (ولكن لا حياة. . .) على أني لا أدري كيف وجهت سهام نقدك إلى الشاعر وأنت القائل أن نسخة ديوانه التي بيدك هي بخط بعض العوام. أما نحن فهاتان نسختان بين أيدينا الآن لم نجد فيهما شيئاً مما انتقدت. وكتب (شمايله) والصحيح شمائله. وهذا ما رأيت أن انتقده مما كتبه الناشر عن حياة الشاعر. وهناك غير هذه المغامر فاجتزاءنا بالقل عن الجل مناسبة لضيق المقام. أما ما كتبه من التراجم التي أطال فيها الإطراء. وأفرط بالمدح والثناء الذي لا يوافق روح هذا العصر. فقد كان الفوز الأعظم فيها. والحظ الأوفر منها لمن كانت جدته أو جده من آل كاشف الغطاء أو كان أبوه أو جده حضر تدريس أحد المنتمين إلى كاشف الغطاء! فما بالك أيها القاري بآل كاشف الغطاء أنفسهم؟ فالبشرى للأسرة القزوينية: وهنيئاً للأسرة الجواهرية! وإنني لا أريد الإطالة ولو أردت لانتقدت أكثر تلك التراجم. لكنني اقتصر على ما يجب انتقاده منها فأقول: ترجم الناشر حضرة الفاضل الشيخ (محمد الحسين) آل كاشف الغطاء فقال. . . أحد أفراد الأسرة الجعفرية التي انتقلت من نواحي الحلة إلى النجف الأشرف وإن من انتقل من جناجة التي هي إحدى نواحي الحلة هو العلامة الشيخ جعفر نفسه وقيل معه أخوه فنسبة الانتقال إلى أسرة جعفرية ليس من الحقيقة في شيء إذ ليس هناك أسرة وقد كفانا حضرة الناشر انتقاد ما وقع في هذه الترجمة من الشطط والإطالة بما ليس من مقصوده بقوله: (شط القلم عن القصد. . .) ولكن ما عتم حضرته بعد أن خلنا أنه قد استقام
وأعاد الكلام إلى مجاريه أن سقط في ما هو أدهى فقد وصف حضرة الفاضل صاحب الترجمة بقوله (فكرع من علوم الشريعة ولا سيما الفقه والأصول ومباديهما ما حسب وأحس أنه ارتوى واستغنى) فنسب إلى هذا الرجل ما هو أجل من أن يدعيه. وأصلح من أن يرضى أن ينسب إليه. إذ هو يعلم من نفسه أنه لم يبلغ ذلك بل هو أقل مما هو اقل مما هنالك نعم تلك مرتبة كانت لبعض آبائه سيبلغها إن شاء الله تعالى. وقد رأينا في ترجمة المولى الشيخ علي آل كاشف الغطاء الذي هو كبير الأسرة الجعفرية اليوم ما نصه: (وفي كل ذلك لم تكن مهنته وعنايته إلا بالتحصيل والعلم وفصل الخصومات)! إن الناظر إلى قوله (وفصل الخصومات) يخال إن للشيخ المذكور رتبة الاجتهاد. فلو عقب الناشر كلمته هذه بما يزيل الاشتباه لكان أولى! على أن القارئ لو نظر إلى ترجمة هذا الفاضل. لرأى أن الناشر قد خبط خبط عشواء. وخرج عن غرضه خروجاً فاحشاً. إذ قال حضرته في جملة ما ترجم به المولى الشيخ أحمد آل كاشف الغطاء، ما نصه: (فهو اليوم في النجف لطالبي التحقيق والمهاجرين للاستفادة والتحصيل. المدرس الوحيد. بل العلامة المعلم لهم والمفيد)!!! أنني لا أريد أن أبخس هذا الفاضل حقه فأقول مقالة كثير من النجفيين فيه كقولهم (خادم السيد كاظم اليزدي (أو كاتبه) أو (مقسمه) أو (جاهل لا يفهم) أو غير ذلك من العبارات. لا. لا. لا. إن الرجل لأجل وأرفع من ذلك. وأما ملازمته للسيد كاظم المذكور فالأغراض أخر. ولكني لا أغالي فيه كمغالاة حضرة الناشر فإن الرجل ليس بالمدرس بالمعنى الذي قصده الناشر فضلا عن أن يكون وحيداً. نعم يحضر تدريسه ثلاثة أو أربعة لأغراض تبرم منها الناشر في ترجمة الفاضلين (الشربياني والمغمغاني) على أن كل نجفي بل كل عراقي يعلم أن ليس في النجف اليوم رجل يتصف بأنه مدرس وحيد. أجل قد كان ذلك قبل اليوم لحضرة العلامة الشيخ ملا كاظم الخراساني. وأما المولى الشيخ (أحمد) فليس
كذلك وإنما هو محتاج إلى المدرس كما نراه حفظه الله ما زال وما يزال يحضر في درس حضرة الفاضل السيد (كاظم) اليزدي. وإني لأعلم أن الشيخ أحمد لا يرضى أن يصفه أحد! (العلامة) و (المفيد) إذ هاتان الصفتان ليستا له وهو لما وصفه به حضرة الناشر من التقوى لا يرضى أن يوصف بما ليس فيه. ثم قال الناشر بعد أن وصف المترجم بما ليس إلا للأنبياء (كل ذلك وأكثر ما يخوله الإطلاع بأعباء المرجعية العظمى والرياسة الدينية الكبرى) فإني أسأل الله له ذلك. ولكن بين الرجل وتلك الحالة مراحل. فليس كما يقوله الناشر. ثم قال ما تلخيصه: إن الشيخ أحمد المذكور قد حضر للتحصيل على ثلاثة: الأول (الشيخ رضا الهمذاني والثاني (السيد كاظم اليزدي) وأما الثالث فقد قال عنه ما نصه: (ثم حضر على أشهر المحققين في الأصول وأوسع المدرسين حوزة في ذلك العصر) ولم يذكر أسمه!! ولماذا؟ وقال حضرة الناشر في ترجمة فخر الأعلام (الشيخ عبد الحسين) حفيد صاحب الجواهر (هو أحد أفاضل السلالة الجواهرية) ولم يطر تلك السلالة بشيء حتى ولا كسلالة (آل الحلو أو آل مرزة فضلا عما تستحقه من طويل الثناء. كما أنه لم يذكر لأبيها العلامة صاحب الجواهر على كثرة مآثره وآثاره سوى كتابه الشهير (جواهر الكلام) وقد ذكر لغيره مساعي ليست أحرى منها بالذكر. كل ذلك وقد رأينا من حضرة الناشر الإفراط والتفريط في جانبي الإيجاب والسلب. فبين من ترجمه ولم يوفه بعض حقه العلامة (الشيخ ميرزا حسين الميرزا خليل)؛ ولم يذكر أسرته مع أنها أسرة شريفة عريقة في المجد حرية بالذكر!. وبين من ترجمه بما لا يستحق إلا القليل من ترجمتهم كثير من آل كاشف الغطاء!!. وبين من لم يترجمهم أصلاً أخوه الشاعر الذين ذكروا في الديوان؛ مع أنهم ذوو شرف وعلم ولبعضهم مصنفات عديدة. وكالفاضل (الشيخ عبد العزيز الجواهري) صاحب القصائد الاجتماعية. والمقالات الفلسفية. التي نشرت في (العرفان) و (المقتطف) فهو حقيق بأن يترجم. هذا وبين يدي الآن نسخة من الديوان بخط جامعه لم أر في عناوين القصائد
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
المثبتة فيها ألفاظاً ضخاماً مملوءة بإثناء على الممدوحين كما رأيته في الديوان المطبوع. ولا سيما عناوين القصائد التي يمدح بها آل كاشف الغطاء. فإن فيها كثيراً من مثل لفظة (العلامة) و (ملاذ الأعلام وغيرهما)! ولعل ذلك من تصرفات الناشر؟ أو من العوام الذين كانت النسخة بخطهم! ورأيت في المطبوع أيضاً تصرفات كثيرة غير هذه. بحيث لا يصدق بعدها على حضرة الفاضل (السيد هاشم) أخي الشاعر أن يقال عنه أنه جامع الديوان!!!؟ اللهم أني أسألك قولاً صدقا! (ع. . .) 2 - مدرسة التهذيب مجلة مدرسية بيتية تهذيبية علمية أدبية تصدر موقتاً مرة في الشهر في الشويفات (لبنان) ومحل إدارتها في مدرسة الشويفات الإنكليزية وتظهر في 16 صفحة. منشئها وصاحب امتيازها القس طانيوس سعد ومحررها: عمسيح ن. وزيريان. 3 - التقرير السنوي الثالث لجمعية تهذيب الفتاة السورية في بيروت والشويفات وهو يتضمن خلاصة أعمالها لسنتها الثالثة من 1 كانون2 إلى أواخر كانون الأول سنة 1912 أشتق العرب الأقدمون لفظة الأمة (من الأم) لأنهم علموا أن الأمة لا تتقدم إلا بتقديم الأم فإذا عني ابن الوطن بتهذيب أخته أو ابنة وطنه لا تبطئ هذه أن تكون أماً ويصبح الجميع في رقي حقيقي دائم. وقد أخذت بعض السوريات بإنشاء لجنة أو جمعية تقوم بهذه الغاية والأمل أنها تنجح في مسعاها. يشهد على ذلك التقرير الذي بين يدينا. فعسى أن يقوم في سائر المدن العربية مثل هذه الشركات تفاؤلاً بمستقبل حسن راقٍ. والله الموفق! تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - الجراد في جوار نصيبين كتب إلينا أحد الأدباء إن الجراد قد انتشر في نصيبين وحواليها منذ أواسط نيسان حتى أنه لم يبق شيئاً ولم يذر. ولكثرته زاحم ينابيع المياه ومجاريها حتى أنه أفسدها وجعلها غير صالحة للشرب. ولا جرم أن الأضرار التي يبقيها بعده تكون جسيمة. وقد هاجر الأعراب من تلك الربوع طلباً لديار أخرى أمرع وأخصب ولو عنوا بقتله حينما كان دبي لما استشرى شره اليوم أضرهم هذا الضرر العظيم.
2 - عشائر الشامية علمت المصباح أن عشائر آل زيات امتنعت عن أداء الرسوم للجباة فحصلت بين الجند وبين الأعراب مهارشات. 3 - الإنكليز وسفن الغوص علمت الدستور البصرية أن قنصل الإنكليز في الكويت طلب من أميرها أن يضع علامة على جميع بنادق رعاياه الذين في سفن الغوص لأن في نية الحكومة الإنكليزية البحث عن كل بندقية خالية من أمارة الأمير. وبناءً عليه وسمت جميع البنادق الموجودة في سفن أهـ إلي الكويت بعلامة الأمير. 4 - واردات الكويت وصادراته بلغت واردات الكويت في العام الماضي 6. 500. 000 وصادراته 1. 500. 000 (تنقل هذه العبارة عن الدستور الجريدة البصرية التي نسيت أمراً مهماً وهو: هل هذه الأرقام هي أرقام غروش أو فرنكات أو ليرات. - ثم كان يحسن بها أن تذكر ما الذي كان يقابلها في العام الذي قبله ليعارض بين مبالغ العامين). 5 - هبوط أسعار الحبوب في بغداد منذ أن قدمت حبوب حصاد هذه السنة هبطت أسعارها في بغداد (منذ أول حزيران) إلى ما يقارب من النصف أعاد الله الرخص بمنه وكرمه. 6 - ارتفاع أسعار السمن في نحو أواخر أيار وأوائل حزيران يكثر السمن في بغداد فيمتار الناس منه ما يكفي سنتهم كلها. أما في هذه السنة فقد أخذ المحتكرون (أو البندارية كما كان يقول أجدادنا) يجمعونه ليذخروه فيرفعوا ثمنه. وقد أصبح المن بمائتين وثمانين قرشاً. والأمل أن البلدية تضرب أيدي هؤلاء الجناة، جناة المدن ليرجع كل شيء إلى نصابه الأول. 7 - النقطة (الحمى التيفوئيدية) في بغداد. تفشت هذه الحمى المشؤومة في محلة النصارى أشد التفشي. وقد توفي بها بعض الناس إلا أنها تكاد تفتك بجميع البيوت بدون خطر كبير. والأطباء ينسبون استشراءها إلى الماء الذي يشربونه فإن المعينة التي تجره تستقيه من (شريعة المصبغة) والحال أن بعض الجهلة يغسلون في دجلة فوق مأخذ الماء جلود الأحذية والصوف الذي يرسل إلى البلاد والمصارين والكروش وأنواع الثياب القذرة وهذا كله ينحدر انحداراً سوياً إلى الموطن المذكور فتجره المنزحة فيشربه الأهلون وهناك الطامة الكبرى. 8 - ابن الرشيد قالت الرياض أن هذا الأمير هو اليوم في (حائل) مقر إقامته بعد أن غزا (عشيرة حرب) التي كان قد التجأ إليها العرائف أعداء ابن السعود. فهجم عليهم وسلبهم ما عندهم من قوة ومال وخيل. وأخذ السوادين (وهما في لسانهم البيوت والغنم) لإخلالهم بالراحة
والأمن في تلك الديار. 9 - انهزام بعض سجناء أهل كربلاء كسر الحبس في أوائل أيار بعض السجناء ثم ولوا فارين فتعقبهم السجانون ورموهم بالرصاص فقتلوا منهم اثنين وجرح ثالث وفر الآخرون وهم ثلاثة ولا يزال البحث عنهم حثيثاً (الزهور). 10 - قتل محمود شوكت باشا قتل أحد الرعاع بطل الحرية محمود شوكت باشا البغدادي ناظر الحربية فتوفي في الأستانة في 11 حزيران، سلى الله أقاربه عن فقده! 11 - الجراد في بغداد انتشر الجراد في حاضرتنا في نحو العقد الأول من هذا الشهر (حزيران) ولم يظهر عيثه إلا من بعد ثلاثة أسابيع فإنه أكل شيئاً كثيراً من الخضراوات والبقول والأثمار لا بل هجم أيضاً على التال (أي صغار النخل) وأوراق الأشجار والناس يخافون غلاءً جديداً. وهو قد جاءنا من جهات نصيبين قذفته إلينا الرياح الزعازع التي حدثت في أواخر أيار وأوائل حزيران. 12 - مصير الكويت وبعض ديار خليج فارس استقلت الكويت استقلالاً إدارياً ولم يبق للدولة العلية فيها إلا السيادة الرسمية. أما المعاهدات المعقودة بين الكويت ودولة الإنكليز فإنها تبقى محكمة العرى. وقد تنازلت دولتنا أيضاً عن جميع حقوقها بما يتعلق بجزيرة قطر والبحرين ومسقط وعمان وسائر ديار الشيوخ الموالين لإنكلترة. وأخذت هذه على نفسها إنارة الخليج ومراقبة ما يجري فيه وخفارته وامتلكت سكة الحديد التي سوف تمد بين البصرة والكويت. 13 - عجمي السعدون كتب من البصرة إلى المصباح: إن عشيرة الإمارة النازلة في جوار عجمي بك السعدون قد هجمت على حيه وأحرقته وقتلت كثيراً من اتباعه وأوردتهم حياض المنون ولما كان عجمي قبل ذلك بأيام نازلاً الشعيبة على مسافة ساعة ونصف من البصرة حدثت حادثة بين بعض أفراد عشيرته أي بين أولاد عمر المنصور قتل فيها الكبير أخاه الصغير بعد مشاجرة وقعت بينهما. وثبت أيضاً ثباتاً محققاً أن عجمي بك المذكور هجم على قصر هاشم بك آل النقيب وهو القصر الواقع في الشعيبة فأخذ جميع ما فيه من أثاث وفرش وأقام فيه 25 رجلاً من أتباعه. (عن الدستور) 14 - وفاة السيد محمد باقر الطباطبائي توفى هذا السيد في كربلاء. وهو المشهور بالحجة الطباطبائي في 15 حزيران الهم اللهم أهله الصبر الجميل. 15 - أبو صخير والشامية لواء الديوانية من الألوية المهمة في ولاية بغداد لأنه لواء زرع وضرع لحسن موقعه وتجمع العشائر فيه وقد كان مركز القضاء بلدة (الشامية)
قبل مدة ولكن طلب بعض الموظفين نقله إلى (أبو صخير) فنقل إليه فأصبح مركزاً بعد أن كان ناحية وغدت الشامية ناحية بعد أن كانت مركز قضاء. والظاهر أن نتيجة هذا العمل جاءت على خلاف ما كان يظن لأن جباية الأموال الأميرية أصبحت فيها شاقة بعد أن كانت سهلة. (المصباح) 16 - واردات الاحساء والقطيف وعدد سكانهما تبلغ واردات الاحساء والقطيف الأميرية نحو 60 ألف ليرة. أما عدد سكانهما فلا يعرفون على التحقيق ويظن أنهم لا يقلون عن 50 ألف نسمة. (الدستور) 17 - عشيرة فالح الصيهود أطلق النار بعض من ينتمي إلى هذه العشيرة على الباخرة العثمانية (بغداد) في جوار العمارة فلم يضروها. (الدستور) 18 - قتل فظيع في البصرة أطلق بعض الأشقياء رصاصاً على فريد بك آمر موقع البصرة وبديع نوري بك الجابري متصرف الناصرية فمات الأول حالاً وأما الثاني فتوفى بعد بضع ساعات ولم يعرف الجناة وكانت وفاتهما نهار الجمعة 20 حزيران. 19 - قدوم جلال بك والي ولاية بغداد قدم والينا الجديد في الساعة الثانية ونصف بعد ظهر نهار الأحد 22 حزيران فأهلاً به وسهلاً! 20 - رجوع الأمن في أنحاء خانقين كتب إلى الزهور ما ملخصه: كان قد وقع بين عشائر إيران وبين عشائر الأعراب من ربيعة وبني ويس (أي أويس) والعساكرة الساكنين في جوار خانقين نهب أغنام ومواش وغيرها بعد مهارشة ومناوشة سببت الاختلال في تلك الأنحاء. وفي هذه الأيام ذهب قيم مقام القضاء ونائبه وبعض الأمثل إلى حاكم القصر شيرخان وبعد المذاكرة قر الرأي على إعادة المنهوبات إلى أصحابها فأعادت عشائر إيران ما يرجع إلى الأعراب وأعاد الأعراب ما يرجع إلى عشائر إيران ولما تم ذلك توثقت عرى المودة بين القبيلين وتعهد كل من ينتمي إليهما بالمحافظة على الأمن والراحة وعلى هذا الوجه عاد الأمن ورجعت المياه إلى مجاريها.
العدد 26
العدد 26 - بتاريخ: 01 - 08 - 1913 البصرة وأنهارها 1 - تمهيد - إن نهر البصرة الجسيم المسمى (شط العرب) الشهير الممتد من قضاء (القرنة) إلى مصبه في البحر عند ثغر قضاء (الفاو) طوله مائة
وثمانية عشر ميلاً بحرياً وعرض المحل الواسع منه ثلاثمائة مترٍ. وأما عمقه فمتفاوت فعند وقوع الجزر التام يكون غور العميق منه تسعة أمتار، وغير العميق منه ستة أمتار. وهذا النهر يتكون من النهرين اللذين ماؤهما من أعذب مياه الدنيا وهما (دجلة) و (الفرات) الغنيان عن التعريف فإنهما يختلطان في قصبة القرنة الواقعة على بعد 6 ساعات تقريباً من شمالي قصبة البصرة بسير السفن البخارية وبعد اختلاطهما يتألف منهما (شط العرب) الجسيم فيمر بوسط لواء البصرة ثم يتحد بنهر (كارون) الذي هو أحد الأنهر الدافعة في شط العرب فيتابع سيره حتى يصل قصبة الفاو الواقعة على بعد 6 ساعات من جنوبي البصرة ومن ثم يصب في البحر الملح أي (خليج فارس) وكان يجب أن يكون ماء شط العرب عذباً فراتاً لتجمعه من ثلاثة أنهر عذبة
ولكن الحال يا للأسف بعكس ذلك إذ أن ماءه أقل عذوبة من مياه تلك الأنهر الثلاثة بكثير. وسبب ذلك هو أن نهري دجلة والفرات قبل أن يصل ماؤهما قصبة القرنة تنشأ منهما أهوار ومستنقعات فيجري الماء فيها كثيباً حزيناً وقد تغير طعمه وأصفر لونه إلى أن يصل قصبة القرنة فيتكون منه شط العرب المذكور. ومن أجل نعم الله تعالى على البصريين هي وجود (المد والجزر) في شط العرب فإن ماء (المد) يزورها كل أربع وعشرين ساعة مرتين فيسقي النخيل والأراضي (بدون استعمال آلات السقي أو نصب الكرود) وبعد أن تأخذ تلك البقاع قسطها من الري بفضل تلك النعمة الجليلة يرجع الماء إلى من حيث أتى ثم يعود بعد اثنتي عشرة ساعة وأربع وعشرين دقيقة (فسبحان من تحيرت في صنعه العقول). 2 - الأنهار المتفرعة من شط العرب - إن ولاية البصرة الفيحاء مشهورة بكثرة أنهارها المتفرعة من شط العرب المار الذكر بحيث أنه لم يتوفق أحد لحصر تلك الأنهار حتى الآن إلا أنه في العام الماضي سعى أحد أشراف البصرة الأفاضل فأحصاها على وجه الصحة والضبط فبلغت على ضفتي شط العرب ستمائة وأربعة وثلاثين نهراً بعضها حديث والبعض الآخر قديم جداً وقد ورد ذكرها في كتابي (معجم البلدان) لياقوت الحموي و (فتوح البلدان) للبلاذري وفي غيرهما من كتب التاريخ (كما سنشير إليها) وكل نهر من هذه الأنهار يتشعب منه عدة جداول صغار تسمى
في اصطلاح البصريين (شاخة) وحصر هذه الجداول الصغار عسر جداً فدونك الآن أسماء الأنهر الكبار المتفرعة من شط العرب كما أحصاها الفاضل المومأ إليه. 3 - أنهار الجهة الغربية من شط العرب - تبلغ عدد أنهار الجهة الغربية من شط العرب المبتدئة من قضاء القرنة إلى منتهى قضاء الفأو 470 وهي: نهر علي. الشيخ. العتيق. الجديد. الدير، الإمام، الشافي، شهيب، (بتشديد الياء تصغير شهاب)، أبو بردى، شنانة، الصويلح (تصغير الصالح)، ناصر، شاهين، حسين، سعيد، المجلس، الوحيدية (تصغير واحدية)، الغميض، تاجر، الشرش، وحيد، (بتشديد الياء تصغير وحيد) أم التفاح، أبو علية، الجراحي، صفاي، سميدة (تصغير سمادة) أبو حليب، الكراي، أبو زهدي، الزردات، السيل، السحاب، الخضيرة، (تصغير خضرة) عباس، لروف، الطويلات الكبير، الطويلات الصغير، أبو صخية، أم سدرة، أبو شحم، أبو لحم، أبو أمانات أبو مكسر، معبر، أبو الجبابي، الدوة، الشيبازية، التاملي، الحوسة، الجلبية،
الراضية، سيد علي، عواد، القاطع، المشان، ابن عمر، سمرة، الصويل الصغير، الصويل الكبير، اللويثي (تصغير ليثي)، لزوين، (تصغير زين)، الجراحي (الثاني)، الهارثة، أم مسجد، خضاب معاوية، السادة، مطيميم (تصغير مطمام)، المعيدي، الصليبية، العرفج، السحاب، راشد، المفتي، الميري، الناحية، الخرنينة، حمرانان، العطارية، العنبري، قرمة ماجد، قرمة علي، أبو الصبور،
كوت الإفرنجي، الرميلي، (تصغير رملي) الجبيلة، الخريو طلية المطابيق، المفتية، لرباط، الخندق، العشار، القزازة،
المقدسية، مناوي باشا، الششترية، ابن كامل، الخورة، الشيرازية، المحرقة، البراذعية، الجلبية، أم الزهدي، الشحامية، الشطانية، السراجي، القس، فريق الصخر، كوت
الضاحي، الشعشاعي، خريبط، باب الهوى، اللقطة، مركب، عبد اليان، فجة مصلح، مهيجران، الضمائن، الباغشة، يوسفان الأول، يوسفان الثاني، البز، حمدان، المحيلة، (تصغير محلة)، كوت الصلحي، كوت الفداغ، اليهودي، الضفر، الحبابة، البداع، السبيليات، الحلبي، المعدان، أبي مغيرة، خوز. إسماعيل. عائشة. بعيبيص. الغبية. البان. الكتكي. أبو عيد. البريم. الجبالية. الوقف. أبي الخصيب. ابن خميس. لزريقية، أبو بقي. الوقف. باب زائد. أبو
الفلوس. دهقان. العامية. الفياضي. بلجان. بليجين (تصغير بلجان). اللقطة. الكوت. ابن ناهي. دبة. قاووس. طيب. قليصية. الوقف. ابن عبد. شمرتة. النوفلي. كوت الزين أم مسجد. الوقف. الربائل الكبير. الربائل الصغير. الباشية. رشتة. المسرح. الهلالية. البلد. المعاف، البارقة، أبو رشيد، أرض مصر، غانم. الحمد. العميرية الحوض. السبيتة (تصغير سبتة) النخيلة (تصغير نخلة). الخميس. سهل كوت الحرامية، عطيوي (تصغير عطاء). زبيران. المكري. سالم، ثابت، الخورة. الحد. جبارة. بنت المنلا. السلطانية. شنينة. طه. السية. الشليشية.
الجالي. الحائك. الحدة. الخزوم. العنبرية. الريضة. فريق النصار. أم العنب. مطر. المجالدة. الخرص. أبو التفاح. شبيب. العمارين. أبو شهاب الوقف. الفارسي. الحنية. عبد الزائد. بريمان. الزياد. الشبيكي. (مصغرة). فضيضة (تصغير فضة). الخربة. الدريسية. (مصغرة) الصلبوخية. الدويب (مصغرة تصحيف ذؤيب) الوقف. الهيتمي. تركي. بنت سعيد. الحدة. الصلخي. حوز كارون. بنت حمود. البدران. كوت بندرة. الطويل. العواد. الصباح. الضفري. النغيمشية. المرابحي. المقامسية. الزلوخية. ابن زيد. مبارك. عربيد. كوت عباس. الزائر. سيرة. الكشيشية. كوت حلاوي. الشلخ. النافع. بندر. الوقف. الآغوات. البيد. النوفلية. السيدية. سالمين. شراع. المقطوفية. السبيعية. مطرود. طالبية. باب الهواء. كوت خليفة. جوهر (الأول). الهرفية. ابن عبد. الحاجية. دسمالية. السحالية. عيسى. جوهر (الثاني). العطافية. النوفان. الزوار. حمود. عبد الله. الخشنام. نعمة. أبو شورى. ابن حاكم. سهران. حاجية. رحمة. مسلم. عاقول. الخرج. القطعة. الحويزاوي. . الخان. سلمان. حمد. جاسم. حسين. سوزلي. يونس. أبو بردى. جعيدة. الكوت. الشيوخ. معتوق. أبو الشكر. عوض. العجم.
نتر. أبو عقاب. الدورة. عبد الله. دفار. عبد الكريم. عبد ربه. البحرانة. الروم. الدور. الكوت. سعد. نوروز. المسرح. فيروز أبو هاني. عيسى. صالح. دبيس الكباوي. حسن الطوال. أم الغرب. غنام. علقم. رويض (تصغير رائض). ميلاد. الكوت. اللشيش. حمود. خميس (مصغر خميس) طه. يوسف. إسماعيل. صالحز درباس. طعين (تصغير طعين). علقم (الثاني). عبد الدائم. سبتي. خنفر. خشني. بارود. اليتيم. سويلم (تصغير سالم) الكوت. القلعة. خلفان. سبتي (الثاني). سوادي. الكندي. يسين. طهماز. ميمنية. عبد الملك. أبو معلاق. الخوارج. زيادي. كوت خضراوي. صبيح. مذخور. جوهري. ابن غضبان. منان. العبيد (جمع العبد) أبو مسجد. غلوم. أبوحلقة. جبر. سنيسل. جوعان. الشلخة. سبهان. ندة. الحد. العشاري. البصيري (تصغير البصري). عواجة. سلمان. كلبي. الديلمي، المير. . زعير (تصغير زعر). عبد النبي. علي. زلزم. الجوز. باقر. خصيف. أبو عقاب. الجنوبي. كبرة. حبش. خضر. الدورفي. الشنانية. محمود. جلال. الزهيري. حويدر. عيد منور. حوت. بربك (تصغير براك) أحمد. موسى. البواري. شناوة. عبد الخضر. حبش (الثاني). الدواسر. شجر. الحوز. شافي. غلام. معرك. عبد الحسين. الدائم. العشماوي. صبح. معروف. سعيد. شينوى. الشيوخ. شنان. طاهر. شبر. خصيف.
بيت علم في العراق
يعقوب. خلف. شمل. حاج راشد. غضبان صفر. ابو حلفة جحيش (تصغير جحش). إبراهيم. بكاي. كريم. دوشمان. عبد اليان صفر (الثاني). غضيب (تصغير غضب). جبران. إسحاق. التناكيس. دراوشة أبو الزيط. البدوي. سلمان. عبد النبي (الأول). عبد النبي (الثاني). صبيح (تصغير صبح). الغزل. ومن هنا يبتدئ البحر وهو (خليج فارس). (له تلو) بيت علم في العراق 1 - تمهيد البحث أنجبت تربة بغداد الطاهرة أسراً فاضلة رفيعة العماد عريقة في المجد والشرف، ونبغ من هاتيك الأسر رجال كانوا أئمة العلم والفضل وكان لهم من علو الكعب وطول الباع في العلم والأدب ما أذاع شهرة هذا القطر في الآفاق. ولا غرو فإن بلاداً كانت في ما سلف مهبط العلم ومنبع الحضارة، ومنشأ العمران، ومقر العرفان، لجدير بها أن تفتخر بأمثال تلك البيوتات الكريمة التي أحيت بفضل سعيها ما كان اندرس من آثار مدنية السلف الصالح، فأعادت إلى البلاد رونقها وبهاءها، وبنت حياة جديدة دفعت الشعب إلى الإقتداء بالأمم الحية ومسابقته إياها في معترك الحياة، وأنا لا أريد هنا أن أبحث عن تراجم مشاهير العراق في القرون الخالية لأن ذلك متوفر لدينا في كتب التواريخ والتصاريف المفردة للتراجم ودواوين الأدب بل الذي أحب أن أذكره هو الإلمام من طرف خفي إلى تراجم مشاهير العراق في القرن التاسع عشر ممن قد غابت عنا أخبارهم بضياع دواوينهم وطمست معالمهم باندثار آثارهم، إلا وأن هذا البحث خير بحث يتعرض له
الأدباء والكتاب. ويا حبذا لو اقتفى كتابنا أثر كتبة الغرب الذين يسعون سعياً حثيثاً وراء إحياء معالم أسلافهم، وتدوين مآثرهم، وتخليد ذكرهم، في بطون التواريخ وصفحات الدفاتر إذ التفتيش عن تراجم رجالنا الأقدمين والمحدثين وجمع متفرقها وضم شتاتها ونشرها بين القوم مما يثير الغيرة الوطنية في الصدور ويحرك الجامدين ويجري ماء الحياة في عروقهم للجري على منوال أسلافهم وإن شئت فقل أن ذلك مما يدفع ناشئتنا الحديثة وشبابنا إلى الإقتداء بأجدادهم وتقليدهم في سيرهم، في اجتماعاتهم، في خطبهم، في آدابهم، في مناظراتهم، لا بل بأعظم شيء نفاخر به الأمم أي بوفرة عظمائنا وكثرة أدبائنا ونحن إن تابعنا هذه الأبحاث ونشرناها على صفحات الجرائد والمجلات نكن خلدنا لقطرنا وأمتنا ذكراً جليلاً، وعزاً خطيراً، ومجداً فخيما، وفخراً عظيماً، لا تمحوه الدهور ولا العصور. 2 - أسرة الألوسي ومن البيوتات ذات الشرف الباذخ، والمجد الشامخ، والمقام الرفيع، والدرجة العليا في العلم والفضل، أسرة الآلوسي التي تنسب إلى آلوس وهي جزيرة في وسط نهر الفرات على خمس مراحل من بغداد فر إليها أجداده من وجه هلاكو التتري عندما دهم بغداد وفتك بأهلها ومنذ نحو ثلاثمائة سنة رجع أبناؤه إلى الزوراء ولبثوا فيها حتى الآن. وقد نبغ من هذا البيت رجال فضلاء، أدباء، بلغاء فصحاء. ألقى إليهم الأدب مقاليده، فخدموا الآداب العربية ونشروا أثارها وجمعوا متفرقها، وأحيوا أمواتها، وهم والحق يقال أنهم رؤساء النهضة العربية في عراق العرب بعد أن بقى زمناً طويلاً يحن إلى سامق مجده نادباً أبطاله، راثياً مدارسه ومعاهده؛ وممن أشتهر من هذه الأسرة الرفيعة العماد السيد محمود شهاب الدين الآلوسي وأخواه عبد الرحمن وعبد الحميد، وكانوا من أبناء القرن التاسع عشر، رضعوا كلهم افاويق الأدب وذهبوا في فنونه كل مذهب فوقفوا على أسراره ودخائله وميزوا غثه من سمينه وصحيحه من عليله. وهانحن نبدأ بترجمتهم تخليداً لذكرهم، واعترافاً بفضلهم. 3 - السيد محمود شهاب الدين الآلوسي 1: نسبه وولادته وأوائل نشأته - هو أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود
- ويعرف بالشهاب الآلوسي - ابن العلامة السيد صلاح الدين ابن السيد عبد الله رئيس المدرسين في بغداد ومدرس المدرسة الأعظمية وينهي نسبه إلى الإمام الحسين بن علي رضه، ولد في بغداد في 14 شعبان سنة 1217هـ 1802م وكان منذ أن نشأ وترعرع كلف بالعلوم والآداب. وأخذ العلم عن أعاظم مشايخ العراق في ذلك العهد منهم: الشيخ خالد الكردي النقشبندي وغيره وكانت نفسه كبيرة تتوق إلى الأعالي فبذل ما لديه من القوى المادية والأدبية في سبيل الوصول إلى تحقيق مبادئه السامية، حتى أن مواظبته على المطالعة وانكبابه على الاشتغال بحل العويصات من الفقه والتفسير انسياه لذة العيش، وكان قد وجه همته منذ حداثة سنه إلى التأليف والتحبير وقد ساعده منشأه على إنماء أفكاره وتوجيهها احسن متجه. والخلاصة أنه كان ذكياً متقد الخاطر قوي الحافظة، وصادق اللهجة، وقد أوتي من فرط الذكاء ما جعله إماماً في التفسير والإفتاء. . هذا فضلاً عن أنه كان كاتباً بليغاً، وشاعراً مفلقاً، وخطيباً مصقعاً. 2: رتبه ومناصبه - كان علامتنا بعيداً عن أمور الدولة، معتزلاً أشغالها، تاركاً الدنيا وملذاتها، وبقى على ذلك زمناً طويلاً إلى أن قلدته ولاة الأمر سنة 1248هـ 1832م منصب إفتاء السادة الحنفية، ومنذ ذلك الحين ألجأته الحالة إلى التقرب من رجال الدولة العظام الاختلاط بكبار ساستها ووزرائها فسافر سنة 1262هـ 1845م مع عبدي باشا إلى الموصل ومنها إلى الأستانة وعرج في طريقه على ماردين فارزن الروم فسيواس، وكلما مر ببلدة تهافت عليه أعيانها وعلماؤها وأشرافها لرؤيته والاقتباس من أنواره والاغتراف من بحاره، وبقي في دار الخلافة سبع سنوات لاقى في خلالها من الاحتفال به والالتفات إليه والرعاية شيئاً عظيماً أظهره له السلطان عبد المجيد خان إننا لا يمكننا أن نصفه، ثم عاد إلى وطنه معززاً ممدحاً بكل لسان مشمولاً بألطاف الخليفة الأعظم. وقد منحه الوسام المرصع العالي الشان سنة 1269هـ 1852م. 3: اشتغاله بالتأليف وذكر تصانيفه - ولما رجع إلى وطنه انكب على التأليف والتحبير والاشتغال في تدريس العلوم وقضاء الحاجات لا يضيع ساعة من وقته ولا يضن بشيء على غيره مما أنعم الله به عليه من العلم والجاه والمال، وكان مجلسه خاصاً بالأدباء والفقهاء. أما مصنفاته فكثيرة وكلها جليلة المواضيع جمة الفوائد،
ومن أعظمها شأناً وأكثرها اشتهاراً كتاب روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني المطبوع في مطبعة بولاق سنة 1301 في تسعة مجلدات كبيرة جمع فيها خلاصة ما حوته سائر التفاسير بعد أن حل مشكلاتها وأزال الستار عن معضلاتها بيراع دل على غزارة أدبه ورسوخ علمه وطول باعه. ومنها كتابه نشوة الشمول. في السفر إلى اسلامبول، وهو كتاب طبع في بغداد سنة 1291هـ 1884م في 54 صفحة اشتملت على كل ما شاهده من الآثار والعجائب والغرائب في سفره إلى الأستانة وشفعه بكتاب نفيس دعاه نشوة المدام، في العود إلى دار السلام، ضمنه ما وقف عليه أثناء رجوعه من القسطنطينية وطبع في بغداد أيضاً وله أيضاً كتاب الأجوبة العراقية المطبوع في دار الخلافة وكتاب الطراز المذهب في شرح القصيدة الممدوح بها الباز الأشهب وقد طبع في مصر. ومن مؤلفاته النادرة كتاب غرائب الاغتراب في الذهاب والإقامة والإياب ويدعى أيضاً بنزهة الألباب ضمنه تراجم الرجال وخلاصة ما دار بينه وبين السيد أحمد عارف حكمت بك شيخ الإسلام أثناء إقامته في عاصمة الملك من الأبحاث الفلسفية والمناظرات الأدبية طبع في بغداد سنة 1327 ومن مصنفاته كتاب: الأجوبة العراقية، عن الأسئلة اللاهورية، طبف في بغداد، والفيض الوارد على روض مرثية مولانا الشيخ خالد، وطبع بالمحروسة بالمطبعة الكستلية سنة 1278، وشرح القصيدة العينية في مدائح علي كرم الله وجهه وطبع أيضاً في مصر، وله في المنطق تأليف جليلة القدر خطيرة الأبحاث ومما نعرفه منها شرح السلم في المنطق، وكتاب وكشف الطرة عن الغرة وهو شرح درة الغواص للحريري طبع في دمشق الشام سنة 1301 في 477 صفحة وحاشية على شرح ابن عصام في الاستعارة ألفها في شبابه وحاشية علي مير أبي الفتح في علم آداب البحث وشرح البرهان في إطاعة السلطان وسفرة الزاد لسفرة الجهاد ومن نفائس أثاره رسالة في الإنسان وله في النحو حاشية على قطر الندى لأبن هشام ألفه وهو لم يبلغ بعد الحلم طبع في القدس الشريف وله كتاب يدعى بالمقامات طبع في كربلاء سنة 1873م وعدد صفحاته 134 ومن آثاره النافعة كتاب البيان في مسائل إيران ورسالة في الإمامة رداً على الشيعة، وكتب ورسائل ومجاميع فتاوي وحواشٍ وتعليقات يضيق نطاق البحث عن سردها وتبيانها.
4: شعره وأدبه - مر بك القول عما كان عليه المترجم من المقام السامي في التفسير والفقه؛ وهنا نقول أنه كان أديباً كاتباً لا يشق له غبار وشاعراً فصيحاً لا يسبقه أحد في مضمار، وقد نهج في شعره منهج فحول الشعراء في عصر الجاهلية الجهلاء، وفي صدر الإسلام بوصفهم وبلاغتهم وإبداعهم في ترصيف المعاني وانتقاء الألفاظ الرقيقة والأساليب الدقيقة، ومن شذرات شعره قوله يذكر العراق ويحن إليه: أهيم بآثار العراق وذكره ... وتغدو عيوني من مسرتها عبرى والثم أخفافاً وطئن ترابه ... وأكحل أجفاناً بتربته العطرى وأسهر أرعى في الدياجي كواكباً ... تمر إذا سارت على ساكن الزورا وأنشق ريح الشرق عند هبوبها ... أداوي بها يا مي مهجتي الحرى وقال يصف بغداد وفراقه إياها: أرض إذا مرت بها ريح الصبا ... حملت من الأرجاء مسكاً أذفرا لا تسمعن حديث أرض بعدها ... يروي فكل الصيد في جوف الفرا فارقتها لا عن رضى وهجرتها ... لا عن قلى ورحلت لا متخيرا لكنها ضاقت علي برحبها ... لما رأيت بها الزمان تكدرا ومن لطائف شعره وصفه لشاعر سهل الألفاظ بعيد المعاني قوله: تتحير الشعراء إن سمعوا به ... في حسن صنعته وفي تأليفه فكأنه في قربه من فهمهم ... ونكولهم في العجز عن ترصيفه شجر بدا للعين حسن نباته ... ونأى عن الأيدي جنى مقطوفه وقال مفتتحاً به كتاب مقاماته ومستغفراً: أنا مذنب أنا مجرم أنا خاطئ ... هو غافر هو راحم هو عافي قابلتهن ثلاثة بثلاثةٍ ... فستغلبهن أوصافه أوصافي وله من القصائد الرقيقة الألفاظ البليغة المعاني شيء كثير. ومما يذكر عنه ويعد له من جملة المواهب أنه كان لا يقصر تأليفه في اليوم والليلة عن أقل من ورقتين كبيرتين، وهذا ما يدلك على ما ناله من سهولة الكتابة وسرعة القلم. 5: أقول شمسه - وقد توفى في 5 ذي القعدة سنة 1270هـ 1854م بلغ عمره 53 عاماً قضاها بالتقوى والبر بالفقراء والإحسان إلى البؤساء ودفن
نقد الجزء الثاني من كتاب تاريخ آداب اللغة العربية
قرب والده المتوفى بالطاعون سنة 1248هـ عن يمين الذاهب إلى الشيخ معروف الكرخي قريباً من باب مسجده وقبره الآن مشهور يزار، وقد خلف خمسة بنين نبغوا في العلوم والآداب وتسنموا الوظائف السامية وهم عبد الله وعبد الباقي ونعمان وحامد وشاكر، وقد رثاه رجال الأدب بقصائد رنانة جمعت ما قيل فيه من المديح والثناء والتنويه بفضله أثناء حياته في كتاب سمى (حديقة الورود في مدح أبي الثناء شهاب الدين محمود) وهو يطبع اليوم. ومن الله التوفيق. إبراهيم حلمي نقد الجزء الثاني من كتاب تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي أفندي زيدان صاحب مجلة الهلال 3 - أوهامه في ما قال وفكر وذهب إليه (تلو) - لله در صاحب الهلال فإن كتابه لم يكد يصدر إلا واهتمت به أشهر الصحف والمجلات وقام له كتاب العرب والإفرنج وتصدوا للخوض في نقده وإظهار ما فيه من المحاسن والمعايب. وكفى بهذه العناية دليلاً على منزلته بين المؤلفات واحتياج الأدباء إليه وإلى محتوياته. ونحن نقول أن هذا السفر يبقى في مقدمة الكتب التي صنفت أو تصنف في هذا الموضوع. كما أننا على يقين من أن هذا الكتاب يروج أعظم الرواج كمعظم ما صنفه حضرة كاتبنا الضليع ويعاد طبعه مراراً. فإذا عقد النية صاحبه على تجديد نشره نود أن يزول منه بعض الشوائب ليحل المحل الأول بين ما يؤلف في هذا المعنى وينال استحسان الجميع. على أن الإتيان بها كلها هنا مما يضيق له نطاق المجلة غير أننا نذكر منها القضيض لا القض متتبعين الصفحات لا المواضيع ليسهل على الباحث اقتصاصها والوقوع عليها في موطنها بتسلسل وتحدر بدون أدنى عنف أو مشقة. ذكر في ص 10 من كتابه أن (أكثر العلوم نشأ من القرآن أو توحد خدمة له) ثم لما جاء بذكر تلك العلوم لم يبين ما ذهب إليه في صدر مقاله لا بل أيد الخلاف
إذ نسب بعضها إلى الأقدمين وإن العرب سعوا في ترجمتها. - وقد قال في تلك الصفحة (لا يكاد يخلو علم من تأثير القرآن عليه رأساً أو ضمنا) ونسي أن العرب إذا بحثوا بحثاً في موضوع لم يأنفوا من الإشارة إلى سائر المواضيع فما من أحد تعرض لشرح المعلقات مثلاً إلا ورأيت فيها سائر العلوم (رأساً أو ضمناً) فلماذا لم يقل مثل قوله السابق عن هذه المعلقات. فأنت ترى أن ما قاله في البدء لا يوافق ما أشار إليه في ما تلا من تأييد آرائه. وقال في ص 11 (أنه (أي النحو) نضج (عند العرب) في قرن وبعض القرن. واليونان لم يتم علم النحو عندهم إلا بعد إنشاء دولتهم بعدة قرون. ولم يضع الرومان نحو اللغة اللاتينية إلا بعد قيام دولتهم بستة قرون) لكن ذهل حضرته عن أن اليونان والرومان اهتموا بوضع المبادئ والأسس والعرب جاءوا بعدهم فوجدوا كل شيء مهيأ فأخذوه عمن تقدمهم ليس إلا. نعم. إن بعضهم ينكر ذلك لكن أدلة المعاصرين من أهل البحث والمستشرقين من أبناء الغرب أماطوا اللثام عن محيا الحقيقة فأصبحت اليوم سافرة لا تحتاج إلى إثبات. وقال في صفحة 13: (لم يصلنا من أساليب الإنشاء الجاهلي غير سجع الكهان وأقوال شق وسطيح الكاهنين الجاهليين مشهورة وكلها باردة ركيكة يمجها الذوق). قلنا: إن الذين نقلوا أقوال شق وسطيح وسائر الكهان جاءوا بعدهم بعدة سنين بل بعدة مئين من السنين فلما نقلوا لنا شق وسطيح لم ينقلوها لنا بنصها بل بما يكاد يكون بمعناها. لا بل لعلهم وضعوها على لسانهم بدون أن يكون لها ظل من الحقيقة وقد فعلوا ذلك تحقيراً لكلامهم في عهدهم ذك. وإلا فإن ما وصل إلينا من أشعارهم المتينة وارتجالهم إياها يدل على ما كان لهم من قوة العارضة وأداء البلاغة بجميع حقوقها. طالع مثلاً أمثالهم وما يعزى إلى خطباء العرب ووفودهم وراجع العقد الفريد في ما ينسبه إلى قدماء الناطقين بالضاد تر العجب. وفي ص 14 ذكر ما: (دخل اللغة في الألفاظ الإسلامية واكتسبت كثيراً من المعاني الإسلامية لم تكن فيها من قبل كالصلاة والزكاة والمؤمن والكافر والمسلم وغير ذلك). قلنا إن شيوع تلك الألفاظ بالمعاني التي يشير إليها كان عرب النصارى قد سبقوا عرب الإسلام إلى وضعها بل كان عرب اليهود أيضاً
قد عرفوها واستعملوها. وقد أشرنا إلى ذلك في غير هذا الموطن قبل سنتين فكيف يقول حضرته هذا القول وهو يعلم ما يقابل هذا الكلم من المصطلحات الآرامية أخت اللغة العربية وتكاد تكون هي هي حرفاً بحرف. إن صدور مثل هذا الرأي من صدره لعجيب! وفي ص 17 وما يليها ذكر ما للعصر العباسي من المزايا وأورد منها شيئاً ونسي شيئاً أكثر وكتب الإفرنج الموضوعة في هذا المعنى تتعرض أكثر لما تعرض له. فلتراجع في مظانها. ومن غريب ما ذكره في هذا السياق حرية الدين ونسي أن كثيراً من الخلفاء ضيقوا على العلويين تضييقاً يقف دونه كل تضييق ديني. وهذا كتاب (مقاتل الطالبيين) لصاحب الأغاني دليل على ما نقول. ثم هل نسي ما فعل بعضهم بالنصارى واليهود فليرجع إلى كتب المؤرخين والإخباريين ير العجب. والمؤلف كثيراً ما أهمل أمر الأمامية في تضاعيف هذا السفر مما يسفر على أنه غير متوفر العدة في ما يتعلق بشؤون هذه الفرقة التي لها أعز مقام في العلوم العربية وحضارة العرب وتمدنهم. ومن جهله أمور الشيعة قوله عن الفقه والفقهاء ص 138: ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة وتولدت منهم مذاهب الإسلام الأربعة). . . فكان يحسن به أن يقول هنا: أما الاجتهاد عند الشيعة فإن بابه لم يوصد بل بقي مفتوحاً إلى يومنا هذا. وأغلب كبار مجتهدي الجعفرية هم في النجف. ومما زاد الطين بلة قوله في ص 144: (ومن الفقهاء في هذا العصر فقهاء الشيعة لم ينبغ منهم من يستحق الذكر. . .) قلنا: ولو راجع حضرته بعض كتب هذه الفرقة كروضات الجنان، وكتاب نهج المقال، في أحوال الرجال، لميرزا محمد الاسترابادي المكي المطبوع في طهران، وكتاب الفهرست، للشيخ منتجب الدين المطبوع في آخر بحار الأنوار، وكتاب أمل الآمل في علماء جبل عامل المطبوع في ذيل منهج المقال، وكتاب منتهى المقال، في أحوال الرجال، للشيخ أبي علي المطبوع في طهران. - لرأى أنه غير مصيب في كلامه هذا ولتحقق أن بين الأمامية من فقهاء المتوغلين في هذا العلم ما قلما نشاهد مثلهم في سائر الفرق الإسلامية ففيهم أبان بن تغلب وأبان بن عثمان وجابر الجعفي وهشام بن سالم وهشام بن الحكم وزرارة بن أعين وأخواه عمران وبكير، هذا فضلاً عمن يضاف إلى هذا البيت بيت العلم والفضل والآدب، ومحمد بن مسلم وأبو
الليث المرادي ويزيد بن معاوية العجلي وغيرهم. وكان يحسن به أن يذكر في ص 155 التقية إذ قال: وفيه (أي في عصر العباسي الثاني) قيدت الأفكار فطارد المتوكل للمعتزلة والشيعة فضعفت الحرية. وعمد الناس إلى التستر بأفكارهم خوفاً على حياتهم خلافاً لما كانوا عليه في أواخر العصر الماضي) أهـ. قلنا وهذا ما يسميه الشيعة بالتقية وهنا كان يليق به أن يذكر بحثاً وجيزاً فيها ويظهر ضررها بالدين لأنها ليست إلا رياء فيه، الأمر الذي لا نراه في أهل السنة. وقد نسي في كلامه عن علماء الكلام في العصر الثاني العباسي (ص 29) ذكر جماعة من كبار متكلمي الشيعة منهم: أبان بن تغلب وأبان بن عثمان ومحمد بن سنان وهشام بن الحكم وهشام بن سالم وأبو جعفر محمد الأحول المشهور بلقب مومن الطاق والمفضل بن عمر الجعفي ومحمد بن أبي عمير الازدي. وكذلك لم يذكر من مؤلفات محدثي الشيعة ص 211 كتاب الكافي لمحمد بن محمد الكليني الذي له أيضاً الروضة. ونسي أيضاً كتاب من لا يحضره الفقيه لمحمد بن علي بن بابويه والتهذيب والاستبصار لمحمد بن حسن الطوسي وكتاب بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار وهي أربعة كتب مشهورة وغيرها. ومما يذكره بعز وافتخار، وعده من ثمار تمدن تلك الإعصار، إعصار العباسيين الكبار، (تكاثر الجواري مما لم يسمع به قبله حتى كان فيهم (كذا والأصح منهم) في بعض المنازل عشرات وفي البعض الآخر مئات إلى آخر ما هناك (ص 20) - قلنا: إن هذا مما لا يتباهى به في حضارة أمة ولا دخل له في (تاريخ آداب اللغة العربية) وإنما هذا مما يسكت عنه خوف الفضيحة والعار. خوف الإهانة والشنار. وفي ص 21 وما يليها إلى ص 32 تقدم إلى ذكر (امتياز العرب على سواهم من الفاتحين) وإلى ذكر (آداب اللغة اليونانية والفارسية والسريانية والهندية) وكل ذلك لا حاجة إليه بل كان يكتفي بإشارة خفية إليه لا غير. وفي ص 37 نسب إلى العصر العباسي ألفاظاً كثيرة كان معروفة قبل العباسيين لا بل قل الإسلام كالكي والحجامة والتوليد والفسخ والهتك والوثى والرض والخلع إلى آخر ما سرد من الألفاظ. فحقيقة لا أدري كيف يلقي كلامه بعض الأحيان على عواهنه حتى أنه يدفع القارئ إلى أن يظن بأنه لا يفعل ما يفعل إلا
لتوسيع حجم كتابه؛ مع أن الحقيقة هو أنه يهرب من ذلك هربه من الأفعى. ومما ذكره في ص 39 قوله: (فترى مما تقدم أن أهل تلك النهضة (العباسية) لم يكونوا يستكفون من اقتباس الألفاظ الأعجمية ولم يتعبوا أنفسهم في وضع ألفاظ عربية لتأدية المعاني التي نقلوها عن الأعاجم، بل كانوا كثيراً ما يستخدمون للمعنى الواحد لفظين من لغتين أعجميتين. فالسرسام مثلاً أسم فارسي لورم حجاب الدماغ استعمله العرب للدلالة على هذا المرض ولما ترجموا الطب من لغة اليونان استخدموا اسمه اليوناني وهو (قرانيطس) ولو استكفوا من استخدام الألفاظ الأعجمية لاستغنوا عن اللفظيين جميعاً). أهـ كلامه - قلنا إن المترجمين أو المعربين لم يكونوا جميعهم من طبقة واحدة فإن الضلع منهم كانوا يعربون الألفاظ معنىً لا مبنىً. فيقولون مثلاً علم الحساب ولا يقولون (الأرثماطبقي). وعلم الفلك أو النجوم لا (الأسطرونومية) وعلم المنطق لا (اللوجيقي) وعلم الإيقاع أو الغناء لا (الموسيقي) بخلاف الظلع فإنهم عربوا الألفاظ تعريباً لفظياً وذلك إنهم لبسوا الأعجمي لباساً عربياً وقالوا له إنك عربي فأذهب بسلام على الطائر الميمون. ثم إن الذين استعملوا الألفاظ الأعجمية الفارسية هم غير الذين اتخذوا الألفاظ اليونانية فليسوا هم إذاً بعينهم كما يفهم من قرائن كلام حضرة الكاتب؛ والذين كانوا يدخلون ألفاظ لغة أعجمية كانوا يجهلون أن غيرهم أدخلوا غيرها بمعناها من لغة أخرى أو كانوا يجهلون أن لها مقابلاً في العربية. وفي ذلك العهد كما في هذا العصر كان الضالع والضليع، وابن اللبون الخريع، والبازل القريع، ومنهم من يعلم الألفاظ الاصطلاحية ومنهم من يجهلها وكان أمر النقل من لغة إلى لغة في ذلك العهد اصعب مراساً من هذا اليوم لقلة شيوع الكتب واستلزام نسخها أو نقلها وغلاء ثمنها وعدم وجود المطابع والمعاجم على الوجوه الميسرة المقربة المعروفة اليوم لدينا. وعليه يكون في قول حضرة كاتبنا الفاضل مغالطة ومجازفة. هذا فضلاً عن إن السرسام غير الفرانيطس (بالفاء) عند المحققين. نعم إن بعض جهلة النقلة قالوا ذلك وبذلك؛ لكن بين أن يكونوا محقين وأن يكونوا محقوقين فرق كفرق ما بين الثرى والثرياء. فإن السرسام لفظ مركب من (سر) أي رأس (وسام) أي ورم أو مرض. وأما قرانيطس بالقاف فهو خطا والأصح إنها فرانيطس بالفاء أجل. إنها وردت في كثير من مؤلفات الطب بالقاف ظناً أنها من قرانيون
ومعناها قحف الرأس مع أداة (ايطس) في الآخر للدلالة على الالتهاب لكن هذه اللفظة بهذه الصورة لا وجود لها في لسان اليونان. وإنما هي فرانيطس بالفاء وفي الأول وهي من اليونانية أي التهاب الحجاب. فأنت ترى أن السرسام غير الفرانيطس عند المحققين وعليه سقط توجيه حضرة الكاتب التحرير في هذا الموضوع ولو كان أتى لنا بعده شواهد مدعاه لكان يتفوم من كلامه ضابط يتمشى عليه لكن الشاهد الذي أتى به انقلب عليه خصماً. على أننا لا ننكر أن ما ذهب إليه قد وقع حقيقة إلا أن وقوعه يعد من النوادر والنادر كالعدم لا يقوم عليه يعمل به المجتهدون. وفي تلك الصفحة ندرج إلى ذكر التراكيب الأعجمية التي تسربت إلى العربية في عصر العباسيين. وذكر أهم تلك التراكيب لكنه لم يذكر بينات تثبت مدعاه. فكان يحسن به أن يدعم آراءه بالأدلة الناصعة ليؤخذ بكلامه؛ لا سيما إن ما ذهب إليه هو من المبتكر أو يكاد يكون. ولهذا كان إسناد الرأي الجديد بحجج قاهرة أو مثبتة واجبة التفصيل، في هذا القبيل، وعلى كل فنحن لا نظن أن (الإكثار من استعمال الفعل المجهول) هو من مميزات تلك النهضة بل إنه حدث بعد ذلك بكثير ولا سيما عند المعربين النصارى. أما المسلمون فإنهم كانوا يأنفون من هذا السبك إذ كانوا في مندوحة عنه. ومما يذكر في تلك ص (أي 39) في باب التراكيب الأعجمية في اللغة العربية قوله. (إدخال الألف والنون قبل ياء المتكلم (كذا) في بعض الصفات كقولهم روحاني ونفساني وباقلاني ونحو ذلك مما هو مألوف في اللغات الآرية لا يستحسن في اللسان العربي). . - قلنا: إن الألف والنون اللذين يشير إليهما لا تدخلان قبل (ياء المتكلم) بل قبل (ياء النسب) وقد أخذ العرب هذا النوع من النسبة من الأرميين لا من الآريين وإن كانت هذه النسبة موجودة بهذه الصورة عند الآريين الذين يشير إليهم وهذا أشهر من أن يذكر. وقال في تلك الصفحة (أي 39) ومن التعبيرات التي اقتبسها العرب من اللغة اليونانية ما لم يكن لهم مندوحة عنها ولا بأس منها: 1 تركيب الألفاظ مع (لا) النافية وإدخال ال التعريف عليها كقولهم: اللانهاية واللاادرية واللاضرورة أهـ. - قلنا: إن هذا الاستعمال كان معروفاً قبل عصر
العباسيين فقد جاء في كلام عامر بن الضرب العدواني من خطباء الجاهلية: أنى أرى أموراً شتى وحتى. قيل له: وما حتى؟ قال: حتى يرجع الميت حياً، ويعود اللاشيء (أي العدم) شيئاً. أهـ. فأنت ترى أنه كان في غنىٍ من أن يقول اللاشيء بقوله العدم. لكنه قال ما قال لتوجيه الفكر إلى معنى دقيق جديد لا يوجد في لفظة العدم. وقال في ص 40: (ومن الكتب التي يمكن الرجوع إليها في هذا الموضوع موضوع الألفاظ العلمية غير كتاب تاريخ اللغة العربية المتقدم ذكره: (كتاب التعريفات) للجرجاني المتوفى سنة 816هـ، ويشتمل على المصطلحات الفقهية والنحوية وغيرها مرتبة على حروف المعجم وهو مطبوع في باريس سنة 1845 وفي مصر أهـ. - قلنا: لا ندري لماذا خص بالذكر المصطلحات الفقهية والنحوية دون غيرها مع أن مصطلحاتهما قليلة بالنسبة إلى أوضاع سائر الفنون. ثم قال إنه طبع في باريس والحال إنه طبع في لبسيك بسعى غستاف فلوجل: وأما الطبعة المصرية فقد برزت سنة 1283 نقلاً عن الطبعة الإفرنجية كما أن شركة الصحافة العثمانية في دار السعادة طبعتها على النسخة المصرية وهي كثيرة الأغلاط كالأصل الذي نقلت عنه إذ لم تحرر. ومن غريب أقواله ما ذكره في سبب الشكوك في الدين والزندقة (ص 51) قال: الفلسفة لم تدخل في ديار قوم أهل دين إلا شوشت اعتقادهم وتركتهم حيارى مذبذبين ريثما يرسخون في العلم فيستقر رأيهم على شيء يدينون به (كذا). أهـ. قلنا: ليست الفلسفة إلا نوراً طبيعياً لا يضر العقل المتدين السليم بل يزيده جلاء مهما تغلغل في الحكمة وإنما يؤذي من كان في عقله آفة أو في دينه مغمز أو مطعن ونحن نعلم أن كثيراً من المتدينين تفرغوا أو يتفرغون لدرس الفلسفة فنهضوا أو ينهضون عنها وقد تمكن معتقدهم في صدرهم وازدادوا نوراً على نور. وإلا فمن ينسب إلى الفلسفة تسبب الضعف في الدين والزندقة كمن ينسب إلى الشمس موت الأحياء. نعم إن الشمس قد تميت لكن الغالب على أفعالها الحياة والأحياء وكذلك فعل الفلسفة. ولهذا فنسبة الزندقة إليها ظلم بين فاضح. وقد قال قدماء الأجانب: قلة العلم تبعدنا عن الله وكثرته تقربنا منه. وحضرة الكاتب كثيراً ما يلمح إلى عدم اتفاق الدين والعلم كأن الواحد عدو الآخر وكأن مصدر الاثنين مصدران متعاديان لا يجتمعان معاً. ونحن ننزهه عن هذا المقال، على أنه لا يسلم هو بصحة مبدأ هذا وكأنه رأى نقصه عند تدوينه إياه
فأستدركه بقوله: (على أن الشكوك في الدين شاعت في الأدباء والشعراء قبل نقل الفلسفة إلى العربية فلعلها تطرقت إلى أذهانهم من معاشرة الأمم المختلفة في بغداد والكوفة والبصرة ممن دخل منهم في الإسلام.) أهـ. قلنا: إن تخصيصه الأدباء والشعراء بقلة التدين ظلم بحت أو محض تحكم. فإن فساد الدين في طبقة من الناس دون الطبقة الأخرى فضعفاء الدين موجودون في كل قطر وعصر، وفي كل شق وعمر، وفي كل أمة وملة، وفي كل طبقة من طبقاتها وقد وجد بين العرب قبل الإسلام وفي عهده وفي صدره وفي عقبه بقليل أو كثير أناس ممن يشير الكاتب إليهم كما يشهد عليه التاريخ. وممن ثم لا نستصوب رأي كاتبنا في هذا الصدد كما إننا لا نوافقه على رأيه. والكاتب البارع المبتدع كثيراً ما يعمم بعض الأمور لورود خبر خاص جاء في معنى من المعاني التي يريد تأييدها. وهذه كتبه كلها مشحونة بمثل هذا الإطلاق المخل بالحقائق وقد جاء مثل ذلك في ص 53 قال: (وكثيراً ما كانت تعقد مجالس الشعراء لغرض أدبي كوصف منظر أو أداةٍ كما فعل الهادي إذا استقدم الشعراء إليه وأقترح عليهم أن يصفوا سيفاً أهداه إليه المهدي وهو سيف عمرو بن معدي كرب فوضع السيف بين يديه وقال للشعراء: صفوه فنال الجائزة ابن يامين المصري.) - قلنا: ولو قال (وربما كانت تعقد مجالس. . . الخ) لكان أثبت قدماً في موقف الحقيقة وإلا لو كان صادقاً لأتى لنا بشواهد جمة تأييداً لمقاله. فإذ لا يسرد إلا شاهداً واحداً فالأوجه أن يقول مثلاً عبارة تشعر بضيق موقفه وحرجه أو تدل على أن الأمر لم يكن على وجه العموم. - وفي تلك الصفحة قال أيضاً: وكثيراً ما كان الرشيد يعقد المجالس للبحث في معنى بيت. وهو لم يذكر هناك إلا شاهداً واحداً إدعاماً لرأيه. ومثل ذلك قال في الصفحة التالية (54) وهذا نص كلامه: (وكثيراً ما كان رجال الدولة يعولون على الشعراء في تبليغ بعض ما يخافون غضب الخليفة منه كما فعلوا بتبليغ الرشيد خبر نقفور ملك الروم) وهنا أيضاً لم يذكر كاتبنا إلا خبراً واحداً لبناية حقيقة تاريخية عامة الموضوع. ولو أردنا أن نتبع مثل هذه الأقوال. لاتسع بنا المجال. إلى ما يخرجنا عن ميدان البحث. والظاهر من تتبع صفحات كتاب مؤلفنا المبتدع أنه لم يعن بتتبع أحوال الشيعة وليس بيده كتبهم الكبار إذ قلما يستشهد بمصنفاتهم بل كثيراً ما يظهر
جهله أخبارهم. أنظر مثلاً ص 57 تر أنه عد من شعراء الشيعة السيد الحميري ودعبل وديك الجن فقط وأخرج من بينهم صريع الغواني مسلم بن الوليد ومنصور النمري والعكوك وأبا دلف وأبا تمام والبحتري وأبا نواس. مع أنهم من المتظاهرين أو القائلين بالتشيع. وقد يهفو أحياناً في جزمه في بعض الأمور لا سيما في وجود الكتب وضياعها فقد قال مثلاً في ص 123: (ولم يصل إلينا من كتاب العين إلا ما نقل في كتب اللغة كالمزهر للسيوطي وكتاب النحو لسيبويه) ولو زاد عن ذلك ثلاث نسخ في العراق ولعل يوجد أكثر من ثلاث وقد ورد مثل كلامه هذا بخصوص المؤلفات النادرة في عدة مواطن ونحن نكتفي هنا بالإشارة فقط. ولهذا يحسن به أن يكسر قليلاً من لهجته في هذا الصدد. ولا سيما وقد عاد في الصفحة 124 إلى كتاب العين فقال: وللأسف أنه ضاع وقد كان موجوداً إلى القرن الرابع عشر للميلاد ولا يبعد أن يعثر الباحثون على نسخة منه في بعض المكاتب الخصوصية). ومن أوهامه أنه نسب إلى ابن المقفع معرفة اليونانية (ص 129) وهذا رأي فائل ذكره بعض مترجميه على طريق التكهن لأنهم رأوه اختصر بعض كتب مترجمة من اليونانية لكن لم يذكر أحد هذا الخبر على طريق التأكيد والحكم المبتوت فكيف جاز له بعد ذلك أن يقول: وكان يعرف اللغة اليونانية (جيداً)؟ وفي بعض الأحيان يقابل حضرته بين ما أتجه تمدن اليونان والرومان بما ولدته حضارة العرب ثم أنه يحكم بأن نتاج أهل الغرب لم يكمل إلا بعد سنين طوال وأما نتاج العرب فإنه كمل بعد حين قليل. مثال ذلك مقاله في ص 144 (فترى مما تقدم أن المسلمين دونوا فقههم واقروه واستنبطوا الأحكام والشرائع قبل انقضاء القرن الثاني من تأسيس دولتهم ولم يتفق ذلك لدولة من الدول قبلهم. فإن الشريعة الرومانية لم يستقر أمرها وتضبط إلا في زمن يوستنيان وذلك بعد تأسيس الدولة الرومانية بأكثر من عشرة قرون.) أهـ كلامه. قلنا في مثل هذه المقابلات والمعارضات: إن العرب أخذوا أغلب علومهم عن كتب الرومان واليونان وغيرهم فحصدوا ما زرع غيرهم. وأما من سبقهم فإنهم حصدوا ما زرعوا بأنفسهم. ومع هذا كله فشتان بين نتاج ونتاج وبين حضارة وحضارة
رجال السفينة العراقية
فإن المستشرقين الراسخي القدم في تواريخ أهل الشرق والغرب يرجعون اليوم كثيراً عما ذهب إليه من سبقهم إلى هذه الآراء التي أرتاها إخوانهم قبل أن يطلعوا تمام الإطلاع على مآخذ العرب ومصادر علومهم. رجال السفينة العراقية 1: (الأولى) هو كبير الملاحين. ويكون في مقدمتهم عند جرهم السفينة. وهو مشتق من الأول (أي المقدم). وتختلف أجرة (الأولى) في السفينة باختلاف المواقع ففي بغداد يأخذ (الأولى) على السفرة من بغداد إلى البصرة عشرة مجيديات ويكفل كل الملاحين وإذا هرب أحدهم في الطريق يتعهد بإرجاعه إلى محله أو يأتي غيره وإلا يغرم عشرة المجيديات عوض ذلك. وفي الفرات يأخذ (الأولى) مجيدين إلا أنه لا يكفل أحداً أبداً؛ وكذلك (أولى) السفينة التي تسير بين الكوت والبصرة. وقد تختلف هذه المعاملات في بعض الأحيان أو الأمكنة والاختلاف طفيف. 2: (الآشجى أو العقب يراد بهما الطباخ الذي يطبخ طعام أهل السفينة وأجره الآشجي أو العقب الذي في بغداد أربعة مجيديات والذي بين الكوت والبصرة مجيديان وذلك على كل سفرة يسفرها من المحل الذي تقلع منه سفينته إلى البصرة ذهاباً فقط. لأن أهل الكوت وأهل سقي العراق يتحاسبون في المحل الذي تنقل فيه أحمال سفينتهم ولا يتركون الحساب إلى الرجوع بخلاف أهل بغداد فإنهم لا يتحاسبون إلا عند رجوع النوتية إلى المحل الذي أقلعوا منه ويسمى أهل السفن نقل حمل السفينة (نفاضاً) فيقولون (نفضت) السفينة (ونفضتها) أنا و (انفض) أنت السفينة بصيغة الأمر. 3: (البواب) هو الملاح والبوابون خمسة وهم بواب أول وثانٍ وثالث ورابع وخامس. وهذا عدد الملاحين في السفينة الكبيرة وقد ينقص ويزداد بحسب كبر السفينة وصغرها.
4: (الجوقة) هو اسم جميع رجال السفينة من صغير إلى كبير ما عدا الناخذاة والكلمة فارسية الأصل من جوخ بمعناها. 5: (الصاعود): هو الذي يصعد دقل السفينة لتحويل بعض حبال السفينة من محلها إلى محل آخر ومن أعلى الدقل إلى أدناه أو لغير ذلك مما يخص هذا العمل. وأجرة الصاعود من أهل بغداد مجيدي واحد في السفرة والذي من أهل الكوت نصف مجيدي. 6: (الصانع): هو الذي يجر القفة وأجرته عن كل سفرة تدوم نحو أربعة أيام زهاء عشرة فرنكات. والكلمة مشتقة من الصنع أي العمل. 7: (الطراح): هو مسير (العبرة) و (الكلك) ويجمعونها على طراريح. وهو ذو رتبتين عليا وسفلى وصحب الرتبة العليا يسمى عندهم (رأساً) وصاحب الرتبة السفلى يسمونه (دوناً) بمعنى أدنى وأجرته تقل أو تكثر بحسب رواج سوق النقل وكسادها فقد تقل أجرة (الرأس) من الموصل إلى بغداد حتى تكون نحو 35 فرنكاً وقد تكثر فتبلغ 70 فرنكاً بل وترتفع في بعض الأحيان فتبلغ 100 فرنك أو أكثر. وأجرة (الدون) من الموصل إلى بغداد أيام البطالة 30 فرنكاً وأيام الشغل 60 فرنكاً وأجرة (الرأس) من تكريت إلى بغداد أيام الكساد 13 فرنكاً وأيام الرواج 40 فرنكاً وأجرة الدون في الوقت الذي تقل فيه النقليات 9 فرنكات وفي أيام المواسم 25 فرنكاً وقس على ذلك. 8: (العقب أو الآشجي): هو الطباخ وقد مر ذكره في صدر المقالة. 9: (الملاح): هو العامل في السفينة ويجمع عندهم على ملاليح (وزان مصابيح). ويسمى أيضاً سفاناً بفتح السين وتشديد الفاء والجمع (السفانة) وكل ذلك فصيح أما البواب الذي مر ذكره فيستعمل عند عدهم ويأخذ ملاحو السفينة جميعهم نصف أجرة حمل السفينة وذلك بعد إخراج المصرف الذي صرف عليهم من طعام وغير ذلك ويقتسمونه بينهم ويخرجون
للقفة التي تسير بجنب السفينة سهماً من عندهم يأخذه الناخذاة: هذا ما يفعله أهل بغداد. أما أهل الكوت فلا يخرجون سهماً باسم القفة أو (الخشبة) ويتحاسبون حيثما يلقى حمل السفينة بخلاف أهل بغداد فإنهم لا يتحاسبون إلا بعد رجوعهم إلى المحل الذي أقلعت منه سفينتهم أما أهل الفرات فهم كأهل الكوت إلا إنهم يخرجون قبل كل حساب من جملة الربح (وهو في لسانهم الوسط) عشرة مجيديات إلى الناخذاة ويسمون ذلك (ذبة) ويخرجون أيضاً من نصفهم سهماً كسهم أحدهم ويعطونه إلى مالك السفينة لكي يشتري به ما ينقص من أدوات السفينة ويسمون ذلك أيضاً (ذبة). والملاح عربي أصيل ومن أسمائه أيضاً عند الأقدمين نوتي، صارٍ، غادف، داري، عركي: قال في المخصص: (. . . النواتي الملاحون وأحدهم نوتي (والكلمة يونانية) الغادف الملاح يمانية. . . والصاري الملاح وجمعه صرآء والداري الملاح الذي يلي الشراع منسوب إلى موضع يقال له دارين.) أهـ وقال الإسكافي: (. . . العركي الملاح.) أهـ. قلت: والعركي يونانية. 10: (الملاك): هو مالك السفينة ويأخذ من ربح السفينة النصف وأجرة الناخذاة عليه. 11: (المليطي): ويسميه البعض (المليطة) بالهاء هو معاون الناخذاة ولا يعطي أجرة إلى أن يتعلم صناعته: والكلمة مشتقة من المتملطة وهي محل الإشتيام أو الإستيام أي رئيس الملاحين أو رئيس ركاب السفن. راجع المجلد السابع من مجلة المقتبس ص 111 - 118. 12: (النوخذة): ويجمع عندهم على (نواخذ) و (نواخذية) هو (ربان) السفينة وقد استعمل القدماء كلمة (النوخذة) بصورة الناخذاة والكلمة فارسية ويأخذ الناخذاة من عشرة مجيديات إلى ما فوق. أشهر مشاهير النواخذة من اشهر مشاهير النواخذة الحاليين في دجلة رجلان: الأول اسمه (هويدي الصالح الحياوي) نسبة عامية إلى الحي (أي واسط) وهو حي يرزق إلى الآن
وعمره قراب 40 سنة. والثاني (هويدي الكيتاوي) نسبة عامية إلى (الكوت الإمارة). وهو أيضاً في الحياة والأول أمهر وأشهر وله حكايات في سير السفن تحير الأفكار حتى تخال أنك تسمع حكايات خيالية ملفقة وهي ليست بها. وفي الفرات رجل اسمه (غافل الدغاري) نسبة إلى الدغارة ومن مهرة غافل المذكور أنه كان يرسل سفينته في مصب (عين) سدة الهندية الشهيرة بحملها فتعبرها بدون ضرر وغيره لا يقدر على ذلك أبداً وهو إلى الآن في الحياة وقد بلغ من العمر نحواً من 45 سنة. وأحذق أهل السفن في العراق كله في سيرها أهل (لملوم) أي (الأبيض). ومن أشهر عمال السفن في الفرات الحاج محمد بن قروف من أهل الكويت
إقامة أتون طاباق عمومي
وهو اليوم ساكن الكوفة وقد مر ذكره في لغة العرب 2: 101 باسم (قروفي). وفي دجلة حسين أبو عير وهذا الرجل قد جن في آخر عمره ومع جنته لم يفتر عن صناعة السفن ويجيد صنعها وقد مات قبل 15 سنة. والمشهور اليوم في دجلة (تونة (2) البغدادي). ومن أشهر (عوارف) السفن (والعوارف جمع عارفة والعارفة عند إعراب العراق هو الذي يتحاكم إليه في الخصومات. وعوارف السفن هم الذين يفصلون الخصومات التي تتعلق بأمور النوتية) هو (غافل الدغاري) في سقي الفرات وقد مر ذكره والحاج (محيسن الغيداوي) من أهل طويريق. (وحسين آل حنظل) من أهل النجف. وفي دجلة (داود الجنابي) من أهل بغداد (والسيد طاهر بن الحاج عبد الله) من أهل بغداد أيضاً. و (هويدي) و (شمندو) وكلاهما من أهل الكوت. وبهذا القدر كفاية والسلام. كاظم الدجيلي إقامة أتون طاباق عمومي لا يقام أتون للطاباق في وادي الفراتين إلا على نحو ما يقام في وادي النيل أي يحتاج إلى طائفة أو عدة طوائف من الملبنين (الذين يعملون اللبن) بموجب خطورة العمل. وطائفة الملبنين هي عبارة عن ثمانية عملة يعملون منها في اليوم ألفين. ودونك الآن كيف تتوزع أنواع الأشغال: ثلاثة عمال اسمهم (مشاؤون) يستخرجون التراب ويخلطونه الخلط اللازم ويعجنونه في نقر عجناً بالأرجل والمألوف في هؤلاء العملة أن ينتقوا من بين كثيرين ويدربون على هذا الشغل ويأخذون على أنفسهم أن ينتقوا هذا العمل المتعب والمهم ومياومتهم 7 غروش صحيحة. وعاملان أسمهما (نقالان) ينقلان الطين المعجون على مائدة الملبن ومياومة كل منهما 4 غروش صحيحة. و (ملبن) يكون رأس الطائفة وهو الذي يعني بإفراغ الطين في القالب وأول شيء يعمله يذر على لوحته وقالبه شيئاً من الرمل اليابس الدقيق ليمنعه من الالتصاق باللوح ثم يجعل فيها المعجون اللزج فيحزقه حزقاً بيده ويلقى عنه ما فضل
عند حزقه ويساوي سطح القالب بمكشط من الخشب. ولا حاجة إلى القول إن القوالب تكون من خشب صلب وقد تكون من الحديد. ومياومة الملين 12 قرشاً صحيحاً. وتحت يدي الملين فتيان يسميان (حمالين) يحملان القالب المحشو مع لوحه فيفرغانه على اللوحة المذكورة بعد أن يكون قد وضعها على متسع من الأرض نظيف وسوي ويابس. ثم يعود الحمال بالقالب فيغسله في ماء موضوع في سطل ويعيده إلى الملبن أستاذه ومياومة كل من الحمالين 4 غروش في النهار. وقد ينزل عدد الطائفة من 8 إلى خمسة فيكون حينئذ حاصل كل يوم 800 طاباقة وهذا لا يوافق النفقات إذا كانت الأشغال تتطلب طاباقاً كثيراً. فترى مما تقد شرحه إن مجموع مصرف كل يوم لكل طائفة تعمل ألفي لبنة هو 49 قرشاً صحيحاً لألف لبنة. ملاحظات عامة (أيام الشغل) الأيام التي يشتغل بها الطاباق ليست على السواء فالتي يوافق فيها الشغل هو 200 يوم في السنة أي من 15 نيسان إلى آخر تشرين الأول وأما بقية الأيام وهي 165 يوماً فإنها كثيرة البرد والرطوبة ولا يوافق الشغل فيها لصعوبة نشوفة اللبن. (ماء الشغل) إذا تدبرت الأبنية التي تشاد في بغداد تلاحظ أنها قد علاها غشاء أبيض بعد أيام قليلة من بنائها لا سيما سافات البناء السفلى وهو ما يسمونه بالشورة. هذه الشورة تتولد من خروج ملح الكلس الذي كان في معجون اللبن قبل إحراقه ولذلك سببان: الأول هو وجود هذا الملح في الأرض. ثانياً: زيادة هذا الملح المذكور عند عجنه بالرجل في نقرة الدوس وذلك أنه يجلب له ماء هو ماء الآبار وهذا الماء في بغداد كثير الملوحة فيزيد على ملح الأرض الأول ملح الآبار فيزداد قدره. فإذا أردت أن تجتنب هذا الخلل ابن مفخرتك قريباً من الشط وخذ ماءك منه لأن الماء الداخل في حجم اللبن هو نحو نصف قدر التراب الذي يتخذ منه اللبن.
سورة الخيل
(الشغل بالآلات) في كل ما تقدم سرده وشرحه لم أتعرض لذكر الوسائط الآلية عمداً سواء كانت هذه الآلات للدوس أو للعجن أو للتلبين. والسبب هو أن الشغل باليد أقل نفقة من الشغل بواسطة الآلات لأن أجرة العملة هنا غير باهظة بخلاف المعينات فإنها تكلف مصارف جمة ورجالاً خصوصيين فتزيد كلفة إقامة المفخرة. وقد يستعان بهذه الآلات لعمل بعض الآجر الذي يزين به ظواهر الأبنية أو ما يراد التأنق ببنائه. (سقط الآجر) قد سبق القول عن سقط الطاباق فهذا السقط يكون: 1: من الآجر الذي يحرق إحراقاً تاما 2: من الأجر الذي بولغ في إحراقه فأصبح كالزجاج 3: من الآجر الذي تكسر عند إدخاله الأتون وعند إخراجه منه. وكل هذا السقط لا يلقى بل ينتفع به. فالآجر الأول يتم إحراقه والثاني يتخذ في إقامة الأسس وإدخاله في أجراء اللياط. والثالث يتخذ كردة أو حمرة فإذا علمت كل ذلك هان عليك ما يجب اتخاذه من أنواع الموافي وعلمت أن أحسنها هو الذي نشيد بذكره أي أتون هوفمان مع بعض إصلاح يفيد هذه البلاد وهو لا بد منه. وبذلك أكون قد نفعت أصحاب هذه البلاد. وهذه هي الغاية التي توخيتها من وضع هذه المقالة. والله الموفق لسبيل الرشاد. أ. ب. سورة الخيل نزلت ببغداد في جمادي الأولى سنة 1300 موعظة لمشتري خيل الشرط من الأعراب الباب الأول في تفصيل الأصل إذا عشيرته يشبون من أصله يكفي وذاك يعلم بالتحقيق وعلامات
الأصالة مكتوبة على الوجود بقلم الخالق أيضاً خصوصاً في الجلد والشليل والشعر والوجه والمشية والعيون، والله. الباب الثاني في تفصيل الشكل في الجملة (1) طويل مثل السفينة أو الحية، (2) قريب من الأرض، (3) ملموم مثل المصارع لا مبسوط مثل العنكبوت أو اللقلق، (4) عيون كبار وجازع، (5) طبعه ساكن وصبور، (6) في تحت بطنه عرض واسع. الباب الرابع في تفصيل الوسط 1 - بطنه قريب من الأرض، 2 - الحارك منخفض، 3 - الدفتان طويلان وأعوجان 4 - الحزام نازل كثيراً مثل حزام كلب الصيد وقوي 5 - الظهر ما طويل بل مناسب ومرتفع مثل التل، 6 - المسمط قوي كثيراً ومرتفع مثل الجبل وجنباه واسع، 7 - الأضلاع مدورات مثل القوس أو القدح لا عدلاً مثل الجدار، 8 - الشاكلان قريبان من الحجبتين
الباب الخامس في تفصيل القطات 1 - القطاتان وسيعتان ومبسوطتان مثل أبواب المدينة وبينهما تحت الدبر محل مثل الشارع والدبر داخل مدفون في رأسه، 2 - المجمع مرتفع كثيراً بنسبة الحارك 3 - الحجبتان منتشران وواسعان وعليهما أعصاب قوية كبار ما مدورة بل مبسوطة مثل اللوحتين المقطوعتين من الحجر أو الحديد 4 - من المجمع إلى الشليل طويل وأن نازل ما يخالف بشرط الوسط والفتح الباب السادس في تفصيل اليد 1 - الذراعان طويلان وأعصابهما كبار كثيراً 2 - الركبتان كبيرتان وبعض من إعظامهما جازية مثل القرون. 3 - الأساس عدل وقصير وكبير والجريدان كبيران بلا لحم مثل السيوف وسابطان أبداً من العيون والنكس، 4 - الرسغان كبيران. الباب السابع في تفصيل الرجل 1 - الفخذان طويلان وعدلان يعني ما فيهما انحناء مثل الهلال وأعصابهما محكمة خارجاً وداخلاً مثل أفخاذ الديك، 2 - العرقوبان كبيران ومن ورائهما إلى قدامهما واسع كثيراً ومفتوح وإعظامهما معلومة مثل الآجر في الجدار 3 - الأساسان قصيران ومائلان إلى اليدين يعني أعوجان من تحت العرقوب
مشارفة سد الهندية
الباب الثامن في تفصيل المشية 1 - في الركض يستر الأرض مثل العندليب ولا يرفع اليدين أو يعوج الركبتين 2 - في المشية رجلاه تقعان أمام يديه وخارجاً عنهما أيضاً 3 - وذلك يتعلق بوسط قطاتيه وفخذيه. (تمت وبالخير عمت) بدوي عراقي مشارفة سد الهندية (لغة العرب) كثر الكلام في هذه الأيام، عن سد الهندية. فمنهم من استحسنه وتفاءل به خيراً للبلاد والعباد، ومنهم من رأى فيه ضرراً لنا ولديارنا، وفريق ذهب إلى أن النضار العثماني وأموال الدولة تدفن فيه دفناً. وجماعة قالت أنها تبذرها بذراً يثمر عن قريب المثل مائة ضعف أو ألف ضعف. إلى غير هذه من الأقوال والآراء. فأرادت إدارة مجلتنا أن تعرف الحق من الباطل. فأنفذت رجلاً بصيراً بالأمور عارفاً الحقائق محباً للوطن، ليشارف ذلك السد ويرفع إلينا رفيعة. وبعد أن عاد من مهمته كتب إلينا ما خالجه من الشواعر بهذا الخصوص ونحن ندرج هنا للقراء ما أنشأه وإليك ما قال: سمعت منذ حداثة سني وما زلت اسمع إلى الآن أقوالاً مختلفة بشأن هذا السد وعن تصميم الدولة على بنائه وعلى تحقيق أمنيتها. وكانت هذه الأقوال كثيراً ما تتصادم بعضها ببعض. ويناقض الواحد ما يثبته الآخر، لا بل رأيت كثيرين ينتقدون السد وأشغاله الخالية والحالية انتقاداً يشف عن حزازات دفينة أو عن غايات وأهواء متباينة حسب الدافع الذي يدفعهم إلى القول. ومن الغريب أن كل ما سمعته من زين وشين (وبعض الأحيان كنت اسمع أشياء تصدر من مصدر جليل أو يعتمد عليه) لم يثبت في نفسي رأياً دون رأي بل أثار في صدري شوق التحقيق ولاعج الاستقرار. فقلت في نفسي: لا يحسن بي أن أتمسك بقول هذا دون ذاك بل يجدر بي أن أذهب بنفسي إلى محل الأشغال وأنظر ما فعله في السابق المهندس البارع الفرنسوي شندرفر وأقابله بما رسمه المهندس الشهير الإنكليزي السير وليم ولكوكس وحينئذ أستطيع أن أبين حكمي وأرى رأيي بعد أن أكون قد نظرت ما في الرسمين من الحسنات والسيئات. أما اليوم وقد أتممت ما كان قد دار في خلدي تبين لي الحق وصرح فجمعت في ذاكرتي ما سمعته في السابق وضممته إلى ما رأيته
واختبرته بنفسي، فتقوم من كل ذلك حقيقة أظنها قائمة على ركن مكين. وقبل أن أتعرض لوصف السد ابدأ بأن أقول لكم إن إعادة الماء إلى نهر الحلة أمر مبتوت لا رجوع إليه ولا يحتاج الإنسان إلى أن يكون من العلماء أصحاب الفن لكي يوقف صاحبه على ما لم يره بنفسه. فمجرد النظر إلى تلك الأشغال الهائلة التي تجريها الحكومة بل تختسها في الهندية تكفي لكي تريح عن فكركم كل شك في هذا الصدد. ودونكم الآن الإفادات التي اقتبستها في المواطن التي تقوم فيها الأعمال، وقد قرنت بها الملاحظات والتأثرات التي وقعت في نفسي أو شعرت بها في مطاوي مشارفتي إياها: في الموطن الذي تتم الأشغال اليوم يتفرع الفرات إلى فرعين: الفرع الأول وهو الفرع الأيسر اسمه (شط الحلة أو نهر الحلة) والفرع الثاني وهو الفرع الأيمن اسمه: (شط الهندية أو نهر الهندية). وكانت شعبة الحلة في الأزمان الخالية أعظم من الشعبة الثانية أختها. أما اليوم فالأمر بالعكس إذ كل ماء الفرات يتدفق في شط الهندية. وقد ذهب الباحثون في هذا الانقلاب مذاهب شتى معللين له أسباباً مختلفة. ولما كانت معرفتي لا تجاري معرفة أولئك المدققين من أهل الفن لقلة بضاعتي في هذه المادة اجتزئ بأن أذكر الأمور على أوجهها بدون أن أتوغل في البحث عن عللها وأسبابها ولهذا الضرب صفحا عنها. بدأ تحول الفرات عن مجراه قبل نحو 40 سنة. فلما رأى أولو الأمر هذا الانحراف في الجري قاموا له وقعدوا، وشرعوا في سنة 1885 بإقامة سد غواص وكان المهندس له الفاضل شندرفر المذكور وبناه بالطاباق وجعله في عرض النهر ليقلل جريانه في شط الهندية ويكثر انحداره إلى شط الحلة لا سيما في إبان الصيهود (نقصان الماء) الذي يكون في أيام الخريف. ولو سعى أولو الأمر بالمحافظة على حالته التي رسمت له محافظة تامة لكانت تحققت الأمنية. إلا أنه لأسباب عديدة أهمل أمره. ولما تعاقب الزمان عليه أخذ بالانهدام والانهيار حتى لم يعد وافياً بالمقصود ولم تبق فيه فائدة. وأصبح ترميمه كثير النفقات وصعب التحقيق فاضطر أصحاب الحل والربط إلى إهماله بتاتاً وإلى إبداله بسد آخر أقوى وأمكن وأوفى فائدة بالمرام حسماً للأمر بدون أن يحتاجوا إلى أن يعودوا إليه كل حين مع
تحقيق الأمنية أن يجري الماء جرياً غزيراً في شط الحلة على طول مدة السنة وهذا هو فكر السير وليم ويلكوكس وهو الفكر الذي يخرج اليوم إلى عالم الوجود منذ سنة 1909. أن أشغال السد تقدمت تقدماً عظيماً إذ إنها تنتهي في أواخر الخريف واليوم يجد المهندسون والعملة في إتمامها ولا يمكنني أن أخفي عليكم ما أقوله وهو: إني تعجبت غاية التعجب من فخامة هذا البناء المكين وضخامته وجلالته. وفي ظني إن هذا السد هو أعظم وأجل من جميع الأسداد الموجودة في بلاد دولتنا العلية. ولقد عجبت من حسن محل الشغل الذي يستغرق أرضاً مساحتها 1. 500. 000 متر مربع ودهشت مما رأيت من عمالنا العراقيين المشتغلين هناك. فحقيقة هم أهل لأن أهنئهم بما رأيت منهم من شدة النشاط والنباهة والذكاء إذ كل ذلك يرى في كل ما يأنونه ويفعلونه مع أنهم لم يتخرجوا في مدارس أصحاب الفن ولا في مكاتب عليا بل ولا دنيا. فكيف بهم لو دخلوها وأتقنوا الفنون الراجعة إلى هذه الأعمال. وتحققت اليوم كما تثبت الأمر سابقاً إن لأبناء العراق من الذكاء الفطري والانتفاع من كل نور عصري ما قلما يرى في أهالي سائر البلاد إذ يتلقون بسهولة كل ما يشاهدونه بدون أدنى كلفة أو تعب. وسواء كانوا مرارين أو طيانين أو بنائين أو مشتغلين بالآلات فكلهم قد اكتسبوا في زمن قليل من حسن التصرف بأعمالهم وأشغالهم ما يقضي منهم بالعجب العجاب. ونحن ننسب تقدم هذه الطبقة من العملة إلى دراية مهندسي محل السير جون جاكصن وحسن آدابهم ورفقتهم بأبناء الوطن. كيف لا وقد أخذوا على أنفسهم بناء هذا السد وحسن معاملة أبناء هذه الديار لتكون الفائدة فائدتين: تعمير البلاد، ومجاملة العباد. هذه الأمور ترى كلها روية حسية بل تكاد تمس بالأيدي ولهذا لا يمكن أن ينكر هذه الحقيقة البينة إلا من أعماه البصر وأغواه شيطان الفساد والحسد إذ المشاهد لا يستطيع إلا أن يقر صاغراً أمام هذه الإدارة العامرة التي أخذت على نفسها إبراز تلك الأمنية إلى حيز الوجود. ولقد شبهت محل الشغل بخلية عظيمة من خلايا النحل (أي بكورة زنابير العسل) إذ عددت فيها أكثر من ألفي عامل من كل صف وصنف بينهم من يحفر في الأرض، وآخرون يقطعون اللبن، وفريق يبني الجدران، ويقيمها على أسسها، وجماعة تسير الآلات المختلفة، وكثيرون يمشون
أو يدفعون عجلات السكك الخفيفة التي أنشئت لنقل التراب والمواد وأنواع المعدات. ورأيت في جميع المواطن ترتيباً عجيباً ونظاماً غريباً ولم أشاهد أبداً رجلاً قد انقطع عن شغله أو قد لها بغير وظيفته كما إني لم أبصر من أساء العمل أو أساء التصرف في ما بين يديه بل بالعكس رأيت كل شيء سائراً في مجراه الذي رسم له قبل الشروع به وباذلاً كل ما في وسعه ليحقق ما أطلع عليه فيتمه أو يحكم عمله على احسن ما يمكن أو أفضل ما يرام لكي يمنع كل تبذير في الوقت أو في المال أو في المعدات. فلما اعتبرت كل ذلك قلت في نفسي: وكيف وجد أناس ينتقدون مثل هذه الأعمال. فقاتل الله أصحاب الأغراض ما أشد ضررهم على الوطن! يتكلمون بأشياء وعن أشياء لم يروها ولم يفقهوها! فليأتوا مثلي إلى هنا وليشاهدوها بعيونهم وليحكموا بعد ذلك بما توحي إليه أنفسهم. على أني أقول أنهم إذا شارفوها لا يتمالكون عن أن يعدلوا عن رأيهم الأول المعوج ويلقوا عنهم الآراء التي تلقوها عن بعض أصحاب المفاسد والغايات ويتمسكوا بما هو أقرب إلى الحق وأبين للعقل السليم. لا بل أقول بكل جراءة: إن كان في بناء السد بعض المغامز والشوائب (وهي ليست فيه) فيجب علينا مع ذلك أن نشكر الذين أنتجوا لنا هذه النتيجة وهي أن محل الشغل أصبح مدرسة تخرج فيها عملة عديدون من جميع الأصناف مهروا في صناعتهم كل المهارة وكانت البلاد في السابق خالية منهم، عارية من أمثالهم، ولا جرم أنهم يصبحون للعراقيين أمثلة حية لمحبة الشغل والجري على خطة معلومة وتحقيقها على الوجه الأتم المرضي مع إتقان العمل والصناعة التي تلقوها. إن السد الحالي يبنى على أرض قارة تبعد نحو 700 متر فوق السد القديم وشكله شكل جسر قائم على عقود مألوفة وطوله نحو 250 متراً وعرضه بين الطوارين (أي بين التيغتين) 4 أمتار وعدد الأبواب التي فيه 36 وعرض كل منها 5 أمتار وهذه الأبواب تكون من المعدن وتنزل إنزالاً كما ينزل السيف في القراب وأقربتها من الآهين (الحديد المصبوب) وتنزل فيها بواسطة آلات خصوصية تقام على الأطورة (التيغ) من جهة صدر النهر تسمى مرافع (جمع مرفعة) ويكون ارتفاع منبسط الماء الذي يمر خلال هذا السد 6 أمتار في وقت
الفيضان ويدفع 2600 متر مكعب في الثانية. وعرض كل عمود من عواميد هذا السد متر ونصف وطوله عند قاعدته 13 متراً. والسد كله مبني بالطاباق وبالملاط (الشيمنتو) ولقد صنع له أكثر من 12 مليوناً من الآجر واتخذت الأسس من اللياط والملاط (خراسان ولم يستعملوا فيه من الحجارة إلا حجارة هيت وذلك لتقوية بعض المنحدرات وبنى على الجانب الأيسر من السد درقتان متتاليتان عرض كل منهما 8 أمتار وطولها 50 متراً لتتمكن السفن من العبور من جانب السد إلى الجانب الآخر منه. وقد أقيمت تانك الدرقتان لأنهم ضموا على بعد 50 متراً من أسفل السد الموصوف فويق هذا سداً آخر مصمتا غواصا عرضه متران ونصف وانحداره متر ونصف في أيام الصيهود (أي نقصان الماء) والغاية منه إبداله من سد شندرفر الذي لا بد له من الاضمحلال. وفي أيام الفيضان تفتح جميع أبواب السد فيجري الماء على هواء. ولا يبدأ بسد الأبواب إلا عند بداءة وحينئذٍ تفتح قليلاً بحيث يمسك الماء المنحدر إلى علو مرتفع ارتفاعاً كافياً ليدخل في شط الحلة. وقد قيل لي أن سطح الماء في ذلك الوقت يكون أدنى من المألوفة في أيام الفيضان بمتر ونصف. ويكون ثخن طبقة الماء الداخلة شط الحلة مترين ونصفاً وحينئذ لا يحتاج الزارع لسقي أراضيه في أيام الصيهود إلا إلى كرد أو إلى منضحة ترفع الماء إلى علو متر ونصف أو مترين لا غير. وفي وقت الفيضان يسقى أراضيه بدون آلة رافعة. وعلى بعد 400 متر من أعلى هذا السد وعلى الضفة اليسرى من النهر ينفصل شط الهندية واليوم يتمم ما خذ مائة المعروف بالكيالة وهو بهيئة جسر معقود وفيه 6 فتحات عرض كل فتحة 3 أمتار. ويكون على يسار هذه الكيالة درقة تمكن السفن من عبور النهر إلى القناة وبالعكس. وتسد فتحات هذا الكيالة بأبواب من المعدن على نحو أبواب السد. وسمعت المهندسين يقولون إن هذه الكيالة تدفع مكعباً قدره (150) متراً مكعباً في أيام الفيضان و50 متراً مكعباً في أيام الصيهود وهذا يجعل الزارع أن يزرع في الشتاء أكثر من 150. 000 هكتار (جريب) من الأرض أي
12. 000 فدان من فدادين الطابو. وتحت كيالة الماء حفر المهندسون على بعد 4 كيلو مترات شعبة جديدة تكون مبدأ نهر الحلة وطول واديه أو عقيقه 30 متراً وعمق الخفر يزيد على 3 أمتار وقد قيل لي بخصوص ما بقي من القناة إن الحكومة تنتظر نضوب الماء من القناة لتبتدئ بكريها (أي بحفرها وتطهيرها) وهذا الكرى يشمل مكعباً كبيراً يوجب أشغال أكثر من 3. 000 عامل ويؤمل أنه ينتهي في هذا الخريف القادم مع سائر أشغال البناية. إني لا أشك في أن الحكومة تسترجع في أول سنة من إطلاق الماء في السد مالاً طائلاً. وإن قلت لك إن وارداتها من شط الحلة أو قناة الحلة تكون خمس مرات أكثر مما يردها اليوم فلست مبالغاً أبداً بل أكون دوين الحقيقة. وعليه يرجع صقع الحلة على ما كان عليه سابقاً وتعود إليه ثروته الماضية. فطوبى وقرة عين للملاكين الذين في الحلة، ولينتفعوا بالماء وليباركوا ربهم عليه وليتذكروا إن القحط الذي وقع فيهم منذ ربع قرن زال والحمد لله وليتعلموا إن إهمال الصغائر، تؤدي إلى الكبائر، وإن نتيجة الإهمال، خسارة الأموال. واليوم قد تحولت إليهم أبصار، جميع سكان هذه الديار، وجميع أهالي العراق يودون أن يحصلوا على ماء غزير في مواطنهم كالماء الذي يجيئهم عن قريب. فلندع إلى الله أن ييسر للذين قاموا بأعباء هذه الأشغال أن يحققوا جميع ما نووه من معاهد السقي والري لهذه البلاد. ولنبذل كل ما في وسعنا لتمهيد العقاب التي تقوم بوجههم لنعد من الأقوام الراقية الحية. ودعوني الآن في الختام أن أقول تيقظ أرباب الحكم وانتباههم لم ينقطع هنيهة من الزمان إذ لا زالوا يبذلون المال عن يد سخية حتى في أبان الحرب وحتى في معظم الصعوبات التي نشأت في هذه الأيام. وقد فعلت ذلك لترى بعين السرور نتيجة الأشغال. وفرح سكان هذه الديار وإنبعاثهم من الحالة التي وصلوا إليها بعد ذاك العز البعيد المنال. ولهذا يحق لنا أن نسطر لتاريخ هذه الدولة صفحة مكتوبة بماء الأنظار، لا بماء النضار، وإن يحصل العراق على تتميم ما في الصدور من الأماني ليصدق قول أهل الأمثال والمعاني: لهمم الرجال، تعنوا المياه والجبال! مندوب مجلة لغة العرب
باب المكاتبة والمذاكرة
باب المكاتبة والمذاكرة (لغة العرب) حينما كتب الشاب الأديب إبراهيم حلمي أفندي مقالة في قبائل أهل البادية المنتشرة بين سامرآء وبغداد سألنا عبد الرزاق بك الشاوي في دجيل إذا كان ما كتبه كاتبنا البغدادي صحيحاً فأجابنا بما يلي وقد نسينا رسالته بين الأوراق فوقعت بيدنا الآن وهي هذه: بنو تميم بنو تميم القانطون في شرقي ناحية (بلد) يربون في الحقيقة على ألف رجل جعل لهم حضرة الكاتب رئيساً واحداً. والحال إنهم على ثلاثة فرق: فرقة كبيرة وهي فرقة (البو حشمة) وعدد رجالها خمسمائة ورئيسها حسين الثامر وهم من أهل السنة. والفرقة الثانية (البو حسان) ورئيسهم مطلق بن عباس السبتي. وعدد أبطالها مائتان. والفرقة الثالثة (العتاتبة) وعدد صناديدها ثلاثمائة. ورئيسها حاتم بن هذال الشوكة. وهاتان الفرقتان شيعيتان. وأما النازلون بحذائهم في الجانب الشرقي من دجلة فهم من بني تميم أيضاً لكن يقال لهم الشريفات وعدد رجالهم مائتان. ورئيسهم ابن مراح. والفرق الثلاث الأولى تزرع على الكرود في أراضي (الخضيرة) في شرقي قرية (بلد) وأما الفرقة الرابعة (فرقة الشريفات) فتزرع أيضاً زرع الكرود لكن في أراضي (الدوجمة). المجمع تقدير الكاتب إن رجال هذه القبيلة 1200 هو صحيح لكنهم على عدة فرق. الفرقة الأولى (الطعيمة) ورئيسهم علي الحمد الظاهر. والفرقة الثانية (الطرفآء) ورئيسهم سلتان المحمد. والفرقة الثالثة (العطيش) ورئيسهم وائل الثلجي والفرقة الرابعة (الغضيب) ورئيسهم مشووع الفلاح. والفرقة الخامسة (العذية) ورئيسهم محمد المهدي. والفقرة: السادسة (الرواشد) وليس لهم رئيس لكنهم يخضعون لمحمد المهدي. والفرقة السابعة (الجسات) ورئيسهم ابن حسين القرنوص. والفرقة الثامنة (الرفيعات) ورئيسهم خميس السنبل. والفرقة التاسعة (العويسات) وليس لهم رئيس لكنهم قريبون من فرقة الجسات وتحت
أسئلة وأجوبة
نظارتهم. - وهؤلاء جميعهم ينزلون ما بين دجلة ونهر دجيل. ويزرع بعضهم سقياً على الكرود والبعض الآخر يعنون بتربية المواشي كما ذكر حضرة الكاتب وعدد الجميع كما ذكر آنفاً. وهو فوق كل ذي عليم. دجيل: عبد الرزاق الشاوي الشاهري أسئلة وأجوبة اللامركزية والمركزية أو الإنتباذ والأحتياش سألنا أحد الأدباء: هل في اللغة العربية لفظتان ترادفان المركزية واللامركزية اللتين تفيدان الكلمتين الفرنسويتين و - قلنا: أن أريد بمرادفين عربيين قديمين للأعجميتين الحديثتين فليس في العربية شيء من ذلك. لأن أجدادنا لم يضعوا أسماء لأشياء لم توجد. وأما إن أريدت لفظتان تؤخذان من اللغة العربية وتفيدان فائدة اللفظتين الغربيتين فالعربية غنية بهما وبأمثالهما ويقابل: المركزية لفظة (التحاوش والحتياش) قال في التاج. احتوشوا على فلان: جعلوه وسطهم كتحاوشوه بينهم وكذلك احتوشوا فلاناً؛ وعليه من جعل الأستانة مركزاً للعقد والحل فقد احتوشها أو احتوش عليها أو تحاوشها. - وأما اللامركزية فيقابلها في لغتنا الفصحى: (الانتباذ) قال أصحاب الدواوين اللغوية: انتبذ فلان: اعتزل وتنحى ناحية. يقال انتبذ مكاناً: أتخذه بمعزل يكون بعيداً عن القوم. ومن هذا المعنى تنتبذ مدينة من المدن مثلاً أي تتخذ بمعزل تكون بعيدة عن قوم المدينة الكبرى وهو ما يراد باللامركزية. ومع وضوح هذين اللفظيين وصحة استعمالهما وقيامهما مقام الكلمتين الحديثتين لا نرى حاجة إلى استعمالهما لأسباب: منها 1 - إن اللفظتين المركزية واللامركزية قد انتشرتا بين القوم وفشا استعمالهما كل الفشو 2 - إن هاتين اللفظتين وإن كانتا معربتين عن الإفرنجيتين تعريباً معنوياً إلا أنهما لا تخالفان مناحي العرب وإن أنكرهما قوم. 3 - إن في لفظة الاحتياش بعض الغرابة والخشونة لا تجدهما في لفظة
فوائد لغوية
المركزية التي هي آنس منها. 4 - إننا لما ذكرنا لهما بدلين أردنا أن نبين إن للعربية سعة لقبول المعاني الجديدة بألفاظ تؤخذ من المباني السابقة الوضع بحيث أنه يجوز أن يقال إن العربية حية على الدوام لما فيها من عوامل التجدد فهي كالماء العد الجاري الذي لا يزال يتدفق من ينابيعه وهو هو لا يفسد ولا ينضب. فسبحان من أبدعها على هذه الصورة العجيبة وأبقاها شابة غضة بضة على ممر الأيام. فوائد لغوية 1 - استلم الشيء بمعنى تسلمه غير فصيح خذ أي جريدة شئت، وتصفح أي مجلة بدت لك، وطالعها بترو، ترها تقول: (استلمت الشيء، حينما تريد أن تقول: تسلمته أي تناولته (هذا إذا جرت فيها عبارة أدمجت فيها هذه اللفظة؛ وإلا فلا يعقل أن جميع الصحف تذكر في جميع أعدادها هذه الكلمة لمجرد النطق بها). وقد بحثنا عن هذه الكلمة في ما وصلت إليه أيدينا من أسفار الكتاب واللغويين فلم نعثر عليها. والذي وجدناه هو هذا: (قال الجوهري: استلم الحجر لمسه أما بالقبلة أو باليد. لا يهمز، لأنه مأخوذ من السلام وهو الحجر كما تقول: استنوق الجمل: وقال سيبويه: استلم من السلام لا يدل على معنى الاتخاذ. وقال الليث: استلام الحجر: تناوله باليد وبالقبلة ومسحه بالكف. قال الازهري: وهذا صحيح كاستلامه من باب الاستفعال. نقله الفراء وابن السكيت وهو المراد من قول الجوهري. وبعضهم يهمزه. ونقل ابن الانباري في كتابه الزاهر الوجهين. ونقله الشهاب في شرح الشفاء. ثم قال: ولم يقف الدماميني على هذا فذكره في حاشية البخاري على طريق البحث. قلت: قول الجوهري مأخوذ من السلام أي بالكسر والمراد منها الحجارة وقول سيبويه من السلام أي بالفتح والمراد منه التحية، ويكون معناه أللمس باليد تحرياً لقبول السلام منه تبركاً به). (عن التاج) وفي هذا كله لا ترى معنى تسلم الشيء. نعم إننا لا ننكر إن الاستلام بمعنى التسلم وجهاً في العربية يجيز لنا هذا التعبير سواء من باب ورود افتعل بمعنى تفعل أو بالعكس وسواء من معنى التسلم الذي
لا يخلو من استلام اليد للشيء. على أن هذا كله من باب التوجيه والتخريج الذي لا يخلو من تكلف وتمحل. والكلام هنا ليس من هذا القبيل لأنك إذا سرت في طريق التأويل لم يبق هناك غلط لا في اللحن بل ولا في لغة العوام إذ يجوز لك حينئذ أن تقول: جاء زيداً (بالنصب) وجاء زيد (بالجر) إذ رفع زيد في الأول على الفاعلية، ونصب في الثاني على تقدير محذوف وهو قولك: جاء رجل يعرف بزيد. - واللغة العربية من هذا الوجه لا تضاهيها لغة إذ توجه كل غلط على وجه معقول ومنقول. وإنما كلامنا هنا على اللغة الفصحى وعلى ما سمع منهم ونقل عنهم مما وصل لينا من ألفاظهم المودعة في أشعارهم والواردة في مؤلفات بلغائهم. فإذا اعتمدنا عليها واتخذناها علماً أو مناراً نهتدي بها في ظلمات كلامنا نقول: لم يرد استلم الشيء بمعنى تسلمه أي تناوله. وإلا فإن وجده أحد الأدباء في كلام فصيح قديم فليتذكره لنا ونحن له من أعظم الشاكرين. 2 - قائم مقام لا تجمع على قائمقامون أو قائمقاميون أو قائمقامات أو نحوها. من جملة ما أفسدته علينا اللغة التركية تصرفها في كلام العرب على غير وضعه وفي غير وجهه من ذلك جمع كلمة قائم مقام فإن من الكتاب من شابهوا الترك في إفساد اللغة فقالوا: قائمقامون أو قائمقاميون أو قائمقامات أو نحو ذلك وليس لهذا كله وجه صحيح في لغتنا الشريفة وإنما يقال قائمو مقامات أو قوام مقامات أو قيمو مقامات لأن اللفظة مركبة من مضاف ومضاف إليه أي من قائم أو قيم ومن مقام. ومن قواعد جمع المركب المضاف جمع الصدر والعجز معاً أي المضاف والمضاف إليه كما نص عليه النحاة. اللهم إلا أن يكون المضاف إليه مصدراً أو علماً لا يجمع فحينئذ يبقى على إفراده ويجوز جمع المضاف إليه المصدر إذا كان من المصادر التي لا يعتبر فيها معنى المصدرية بل مطلق الاسمية فيقال مثلاً في جمع دار العلم (دور العلم أو دور العلوم) معاً، وكلا الاستعمالين مستعمل فصيح فتبصر. 3 - النزل بمعنى الفندق (أو اللوكندة أو الأوتيل خطأ عظيم ومن باب وضع الألفاظ في غير محلها. أكثر الكتاب من استعمال النزل بمعنى الفندق وهذا خطأ. والذي في دواوين أهل اللغة: ما هيئ للضيف أن ينزل عليه ويريدون بذلك ما يعد له من
باب المشارفة والانتقاد
طعام وشراب وصلة. وعليه قول أبي سعد الضبي: وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا ومنه أيضاً في سورة آل عمران: فيه نزلاً من عند الله. ونظن إن سبب سقوطهم في هذا الغلط سوء فهم نص اللغويين. وأما إذا أريد بمرادف لكلمة أوتيل أو لوكندة فللعرب كلمة فندق وهي مشهورة وكلمة (ثوي) بفتح الثاء المثلثة وكسر الواو وتشديد الياء. وقالوا في معناه: هو البيت المهيأ للضيف. 4 - تأنيث لفظة الباب قبيح رأيت كثيرين يؤنثون هذه اللفظة مع أن تذكيرها أشهر من كفر إبليس؛ ولعل عذرهم في تأنيث هذه اللفظة هو أن لها مرادفاً مؤنثاً وهو السدفة فيحمل تأنيث اللفظة على مرادفها. فهذا جائز، وقد قلنا أن باب التأويل والتخريج واسع وحينئذ لا غلط في العربية وبهذا القدر كفاية. باب المشارفة والانتقاد 1 - كتاب الطواسين لأبي المغيث بن منصور الحلاج البيضاوي المتوفى في بغداد سنة 309هـ - 922م وقد نشر نصه العربي للمرة الأولى لويس ماسنيون نقلاً عن مخطوطي استانبول ولندن وشفعه بنص البقلي الفارسي العبارة مع حاشيته المشروحة باللغة الفارسية أيضاً وقد حلى كل ذلك بمقدمة انتقادية وملاحظات وتعليقات وحواشٍ وطبعه سنة 1913. ابن منصور الحلاج من أشهر المتصوفة في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع للهجرة. وقد أوغل في التصوف حتى بلغ به الأمر أن أتخذ مصطلحات اغلبها خاصة به ظنها جماعة من المسلمين أن الناطق بها هو من القوم الكافرين وكأنهم لم يجتزئوا بما فكروا بشأنه سراً فأباحوا دمه هدراً وجهراً وفي نهار الأربعاء 18 ذي القعدة أفتى القضاة بقتله وفي 22 من الشهر المذكور أثبت الخليفة تلك الفتوى فتم قتله وحرقه في 24 منه بازاء باب الطاق في بغداد. وبعد أن قضي عليه أخذ كثيرون يتدبرون أمره وهل كان الحكم عليه ظلماً أم عدلاً وهل كان من أهل الهداية أو من أهل الضلال وهل مات وهو من الهالكين أم من الناجين
فالمسلمون إلى اليوم لم يتفقوا على القطع في هذا الشأن فمنهم من هم له ومنهم من هم عليه أما حضرة صديقنا المستشرق لويس ماسنيون الذي بحث بحثاً نعما في أقوال أعدائه وأصدقائه فقد رأى أنه لم يكن لا من الضالين ولا من المضلين؛ بل إنه كان من القوم الصادقين ومات على دين مبين. وهو لم يقل ذلك اعتباطاً بل تجشم للبحث عن هذه المسألة سفراً شاقاً إلى بغداد وسافر إلى ديار مختلفة فوجد فيها الكتب التي تبحث عن هذا الصوفي الغريب الأخلاق وبذل في سبيل تحقيق الأمر المال والصحة وطالع جميع ما كتبه المؤرخون والإخباريون والكتاب على اختلاف مذاهبهم وآرائهم وطبقاتهم وعصورهم فجاءنا بهذا الكتاب الذي قطعت فيه جهيزة قول كل خطيب بل هو فصل الخطاب في هذا الباب. وقد أفرغ فيه من كنانة السعي والجد والجهد ما لا نراه في أبناء ديارنا هذه فنحن نهنئه بهذا الفوز المبين وسبق جميع من تقدمه في هذا الميدان بل ميدان الميادين. على أننا لا ننكر على الساعي الهمام ما ورد في طبع سفره من الأغلاط التي لا يخلو منها كتاب، إذ العصمة لرب الأرباب، فمن هذه الأغلاط ما هي من الطبع، ومنها ما هي من النسختين الأصليتين، ومنها ما هي من ابن منصور نفسه، منها ما هي من سوء النقل إلى الفرنسية المتولدة من سوء فهم العبارة العربية. فمن أغلاط الطبع ضبطه أعذبك بإسكان العين والأصح بفتحها. - وضبط بلى (في تلك ص) بتنقيط الياء والأصح بإهمالها. ومثل هذا كثير وقد يعكس الأمر - وضبط شئت بفتح الشين والتاء والأصح بكسر الشين وفتح التاء. - وجعل الهمزة على ألف أتى (في تلك ال ص سطر 4) بعد الكلمة، فقال: والأصح كسرها. ومثل هذا الضبط المخطوء كثير. - وضبط القدرة بفتح التاء مع أن قبلها كلمة (علوم) والأصح كسرها. ومثل هذا أيضاً كثير -. وشدد طاء فقد ظناً منه أنها مثل قط والأصح إسكانها. - وكتب مائة (ص بالياء والأصح بالهمزة كما كتبناها. - وضبط (ص تعتريه المرفوع المضارع المضاف إلى ضمير الغائب المفرد بضم الهاء وهو خطأ والأصح بكسره. - ونحن نقول هنا كلمة وهي أن ما صححه من الأغلاط في آخر الكتاب هو دون ما بقى من تصحيحها.
ومن أغلاط النسختين قوله في (ص المعرفة الأصلية التي هي أصل المقامات ومكان المشاهدات (فهي). . . والأصح (هي) وقوله ص 10 وأشرقت شمسه من تحية تهامة والأصح من ناحية تهامة وفي تلك الصفحة وأندل فحدد. والأصح دل (بصيغة المجهول) فحدد. وفي ص 12 قبل الحواديث والكواين والأصح قبل الحوادث والكوائن وفي تلك الصفحة جنسه أبوي، رفيقه رفوى، والأصح رفيقه رفوى. وهناك غير هذه الأغلاط وهي كثيرة تبلغ العشرات فاكتفينا بما ذكرناه. ومن غلط كلام ابن منصور نفسه: نعته النيران بالشهيقة (ص 21) وفيها تكلف ظاهر. - وقوله ص 30 والذي وصل إلى دائرة الحقيقة نساني والأصح نسيني وفي ص 34 ثم دنى (كذا) كأنه دنى (كذا) من معنى ثم حاجر كعاجز (بكسر الجيم) لا كعاجز (بضم الجيم) ولا جرم أنك تقرأ أو تسمع كلاماً باللغة الهندية ومثله قوله ص 36 من زائد العورة. ومثله في ص 40 وص 42 ونحو هذه كثير. وقد جاءت أغلب أبيات الحلاج ركيكة قلقة الألفاظ سيئة الوزن تبدو عليها آثار التكلف كما في ص 133 و134 و135 و138 وفي غيرها. ومن أغلاط ضبط الساعي في نشر الكتاب قوله في ص رقعه بخط الحلاج. وضبط رقعة بفتح الراء إذ ضبطها بالحروف لا بالشكل أي هكذا والأصح بضم الراء أي ويكتب الشين عند نقلها بالحرف الإفرنجي بسين وهاء أي ولو جمع الحرفين بخط واحد من تحتهما لكان آمن للبس وإلا لو ضبط كلمة (أسهر) و (واشر) لكتب كلتيهما وهو نقص فاضح. ولو يضبط الشين بسين عليها علامة كالثمانية العربية أي 8 أو كالنقطة لكان أنفى للوهم. - وهو كلما أراد أن يضبط كلمة في آخرها همزة غفل عن تصويرها تصويراً تاماً بالحرف الفرنجي فهو يكتب مثلاً عطاء كما يكتب عطا أي (ص 3) وهو قصور بين لا سيما وفي إمكانه أن يدقق في الضبط. - ولا أدري لأي سبب يضبط اسم الحلاج بكسر الحاء وتخفيف اللام كل مرة يذكر هذا الاسم نقلاً عن نص فارسي راجع ص 3 مع أن العجم ينطقون به كما ينطق العرب أي بفتح الحاء وتثقيل اللام. - وضبط الغزالي بتخفيف الزاي والأفصح
بتشديدها كما ألمعنا إليه في لغة العرب غير مرة وضبط ابن شمعون (ص 15) بالحرف الفرنسوي هكذا والأصح بالشين وضبط سورة النمل بفتح الميم في (ص 25) والأصح بإسكان الميم. وضبط قوله لعظم نعمته ص 9 بفتح العين وسكون الظاء والأصح بكسر العين وفتح الظاء. وضبط قوله (ولا مقول ولا مفعول (ص 12) بتشديد واو مقول وفتحها كمكرم والأصح بفتح الميم وضم القاف وسكون الواو. وضبط (أثمرت) ص 13 على باب احمرت أي بتشديد الراء وهو غلط قبيح والأصح وأثمرت من باب أكرمت. وضبط بحره ص 13 بكسر الحاء. والأصح بإسكان الحاء. ولو أردنا أن نأتي على جميع أغلاط الطبع لاندفعنا إلى المقال، بما يضيق عنه المجال. النقل قوله في نعت الحلاج (العالم الرباني) وفسر هذين اللفظيين بما معناه (العالم الذي ومن أغلاط سوء علمه الرب) مع إن معناه واضح أي العالم العارف بالرب والرباني باللاتينية هو - وترجم قوله: غمض العين عن الاين بقوله: أي غمض العين خارجاً عن الاين وهو خطأ والذي ساقه إلى هذا الوهم الأداة (عن) والأصح أن يقول في نقلها أو - ونقل إلى الفرنسية هذا الكلام: لا يسلم لأحد معناها إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ومعناها: لا ييسر معناها إلا للنبي عليه الصلاة والسلام وقد فسر هذه الألفاظ الأخيرة بالمعنى الغير المألوف عند المسلمين والأصح أن يقول بلغته الفرنسية هكذا: ونقل ص 18 كلام ابن منصور (إن الله. . . لا تصوره خطرة ولا تعتريه فترة إلى الفرنسوية بقوله: وهذا يدل على أنه لم يفهم العبارة والأصح أن ينقلها إلى لغته بقوله:. . . لأن هنا الفترة هي اسم المرة من الفتور ولا تفيد هنا
معنى فترة الأنبياء البتة. ومما أساء نقله إلى الفرنسوية عدة عبارات منها ص 18 (فأي سبيل للشيطان إليهم، وأي يد للعدو عليهم) وفي ص 23 (ليتجلى عليهم فيها) وفي ص 24 هذان البيتان: جحودي لك تقديس ... وعقلي فيك منهوس فما آدم ألاك ... وما في الكون إبليس ومما لم يحسن نقله إلى الفرنسوية كلمة الموحد بكسر الحاء والموحد بفتح الحاء وفسر التجريد ص 5 بقوله والأصح ولو أتينا بجميع ما في هذا الكتاب من الأغلاط لملانا عدة صفحات من هذه المجلة فاجتزأنا بذكر بعضها لتكون بمنزلة أمثلة يقاس عليها ما بقي ونحن نأسف كل الأسف لوقوعها فيه لما بذل المستشرق الأديب من السعي في طبعه وإبرازه في حلة تزيده حسناً. ومن مزيدات الأسف فينا حرفه العربي فإنه مشوه قديم الشكل لا يحق أن يطبع به سطر من الأسطر بل يجدر بأن يلقى في نار جهنم مع ما يذوب فيها ولا يبرز إلى عالم الوجود. إذ أنه أقبح موجود اللهم أمين. 2 - دليل لبنان وسوريا لمنشئه بولس مسعد، الجزء الأول. ثمنه 3 فرنكات في خارج القطر المصري. طبع في مصر سنة 1912 - 1913 في 433 صفحة بقطع الثمن. هذا الجزء الأول من هذا الكتاب يحوي جغرافية البلاد السورية وما يدخل في هذا الباب من المباحث المتعلقة. بجوها ومناطق أقاليمها وطبيعة أرضها ومعادنها وجبالها وسهولها وأنهرها وبحورها وبحيراتها وما يتناول منها مملكتي الحيوان والنبات ويتعلق بتجارة هذه البلاد وصنائعها وفنونها وسائر شؤونها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وفي سكانها وأديانها وطوائفها ولغتها القديمة والحديثة ومنشأ مدنها ونهضتها العلمية وأسباب رقيها وتأخرها وطرق إصلاحها وغير ذلك. إنك ترى من عناوين المضامين ما لهذا الكتاب من الأبحاث الشائقة التي تفيد كل باحث مهما كان موضوع أشغاله: ولهذا لا يستغني عنه كل أديب يحب الوقوف على ما في سورية ولبنان. والظاهر إن الكتاب اطلع على كثير من المؤلفات التي صنفت في هذا المعنى لكننا نراه قد نقل بعض النصوص بدون أدنى تدبر ولا سيما في المباحث الاصطلاحية كقوله في ص 136: وهكذا الدردار (غرغاج) والأصح قره اغاج والكلمة تركية. وقال في ص 137
وفي جنوب فلسطين. . شجر يعرف بزبزفوس وسببنا كريستي (كذا) وقارئ هذه الكلمات يظن إن هذه الألفاظ معروفة على هذه الصورة في جنوبي فلسطين. والأمر ليس كذلك. والاسم المعروف هناك هو النبق والأعراب يسمونه السدر. وكلاهما فصيح وأما زيزفوس سببنا (لا وسببنا) كريستي فهو اسمه العلمي وقال في تلك الصفحة والعرعر (سندروس). قلنا: وكان يجب أولاً أن يقال: (السندروس). لأن المفسر يكون بحالة المفسر منه. وثانياً: إن العرعر غير السندروس. وقد جاء العرعر عند العرب بمعان شتى لا سيما بمعنى ولكن لم يجئ بمعنى السندروس الذي هو إلا عند بعضهم. - وقال في تلك الصفحة أيضاً (شجر الصمغ الذي يستخرجون من قشرته الصمغ العربي) والأصح أن الصمغ يستخرج من الشجرة كلها لا من قشرتها. - وقد تطالع الصفحة بعد الصفحة وأنت تتعثر في كل منها بعدة عواثير من هذا القبيل. والفصول التي تعرض فيها ذكر الأديان كثيرة الأغلاط راجع مثلاً الصفحة 327 تره يقول: الحرمية (كذا) فرع من الطائفة الباطلة الباطنية ينتسب إلى بابك الحرمي (كذا) الذي ظهر في خلافة (كذا) عبد الله بن المأمون بن رشيد (كذا) العباسي واستولى على بلاد همران (كذا) وعلى الجبال ثم اتهرمت (كذا) جماعته إلى بلاد الروم ويسمى اتباعه ملحدون (كذا) وهم ينزلون شمالي سوريا وعددهم هناك قليل يكاد أن لا يذكر (كذا) أهـ. وتصحيح العبارة هو: الخرمية (بالخاء المضمومة والراء المشددة المفتوحة نسبة إلى بابك الخرمي ومعنى خرم بالفارسية فرح. لأن أصحابه يحللون كل ما فيه لذة من المحرمات فيسمون دينهم دين الفرح) فرع من طائفة الباطنية (على رأي بعضهم. والأصح أنهم ليسوا منهم) ينتسب إلى بابك الخرمي الذي ظهر في سنة 201 في أيام المأمون بن هرون الرشيد العباسي واستولى على بلاد همذان وبلاد الجبال ثم انهزمت جماعته إلى بلاد الأرمن وما يجاورها وكانت تسمى يومئذ بلاد الروم. ويسمي بعضهم اتباعه ملحدين لاشتهارهم بالإلحاد. وليس لهم اليوم بقية. وأما ما يقال أن منهم جماعة قد احتلت شمالي سورية فهو وهم محض لا حقيقة له.
وقال في تلك الصفحة متكلماً عن الوهابيين: زعيمهم محمد عبد الوهاب التميمي الذي ظهر سنة 1746 في داريا من بلاد نجد (كذا) أهـ وسماها كرنيليوس فإن ديك في كتابه المرآة الوضيئة ص 221 (ضرعية) وكلاهما غلط. والأصح الدرعية بلام التعريف (راجع مجلة الزهور المصرية 2: 292) وأما أغلاط الطبع والنحو واللغة فكثيرة لا تخلو صفحة منها كقوله في ص 329 هيبة الله والأصح بهاء الله. وكقوله فيها: حتى أضطر للفرار والأصح إلى الفرار. وكقوله فيها: ويقيم (أي عباس أفندي بهاء الله) في عكاء حيثما صرف والده آخر أيامه. اهـ. قلنا: يقيم اليوم عباس أفندي في مصر (راجع طوالع الملوك ص 399) وقال في عدة صفحات: سميوا (منها في ص 330) والصحيح سموا. وكلامه عن الصابئين غير صحيح من أوله إلى آخره. وليس للزيدية والصابئة وجود في سورية البتة وإن قال ذلك بعض ضعفاء الكتاب. وبالجملة فللكاتب حسنات وسيئات لكن حسناته تطمس سيئاته وبذلك كفاية فعسى أن يكون أخوه الثاني أصح منه في جميع الوجود. 3 - كتاب معالم الكتابة، ومغانم الإصابة إنشاء عبد الرحيم بن علي بن شيت القرشي عنى بنشره وتعليق حواشيه الخوري قسطنطين الباشا المخلصي طبع في بيروت في المطبعة الأدبية 1913 في 192 بقطع الثمن الصغير وقيمته 12 غرشاً صحيحاً. هذا الكتاب من أنفس كتب اللغة التي لا يستغني عنها أحد وهو وإن كان صغير الحجم إلا إنه عميم النفع يدرب الكاتب الناشئ في طرق أساليب فصح التراكيب ويعين المجيد على إتقان التعابير واختيار أحاسن الكلم وقد وضعه مؤلفه في مقدمة وثمانية أبواب وهي: مقدمة الكتاب للمؤلف. وفيها ذكر سبب تأليف هذا التصنيف. الباب الأول في ما يجب تقديمه ويتعين على الكاتب لزومه وفيه مطلب في آداب كتاب الملوك وأركان الدولة. - الباب الثاني في طبقات التراجم وأوائل الكتب وما يكون به التخاطب بين المتكالبين على مقدارهما. - الباب الثالث في ذكر وضع الخط وحروفه وبري القلم وإمساكه مما لا يستغني الكاتب عنه. - الباب الرابع في البلاغة وما يتصل بها. - الباب الخامس في ألفاظ يقوم بعضها مقام بعض. - الباب السادس في الأمثال التي يدمجها الكاتب في كلامه ويستشهد بها. - الباب الثامن في ما لا بد للكاتب من النظر فيه والتحرز منه وكثيراً ما يسقط فيه الكاتب. وهنا توصد الأبواب.
وأنت ترى من سرد هذه الأبواب أن لا ذكر للباب السابع والمؤلف لم ينبه على إهمال هذا الباب في المقدمة بل ذكر في حاشية ص 130 في آخر الباب السادس: (هذا آخر ما في هذا الباب. وأما الباب السابع فليس منه في الأصل سوى صفحتين ولذلك عدلنا عنه.) ولم يزد على هذا القدر. وقد ذهب الناشر إلى أن صاحب الكتاب كان شيعي وأنه طوى أيامه في القرن السادس من الهجرة في زمان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي وأخيه الملك العادل. كل ذلك من باب الاستنتاج والاستقراء. فإن كان لأحد نسخة من هذا الكتاب أو له إطلاع على ترجمة المؤلف أو وقوف على ذكره في أحد الكتب في غير كتاب صح الأعشى فنحن نشكره على كل ما يأتي به من هذا القبيل. والكتاب حسن الطبع. لكنه ليس مضبوطاً بالشكل الكامل؛ إلا أن الواقف على إبرازه إلى عالم النشور بذل ما في وسعه لضبط بعض المواطن التي تحتاج إلى إزالة الأشكال. بيد أنه يسوءنا أن نرى فيه أغلاط طبع كثيرة. وكان يجب أن يحترز منها في مثل هذا الكتاب الجليل النفع لوقوعه في أيدي كثيرين من المتعلمين والمعلمين. فقد جاء مثلاً في ص 146 ما حرفه: البان الياسمين. ولا نعلم كيف يكون ذلك. فلا جرم أن هناك كلماً ساقطة. وقال: الرنف الهرامج. والأصح البهرامج بباء قبل الهاء. وقال: الحلبان الياسمين. والقوف شجرة مريم. وهذا كله من الكلام الفاسد وفي غير وضعه وقد نشأ من سوء كتابة النسخة والأصح والجلسان (وزان جلنار) الياسمين والفوف شقر مريم وقال. (السنط): أم غيلان والحقيقة هي كأم غيلان لكنه ليس بها. وقال. الشوحط والنبع ما تتخذ منه القسى فإذا كان في أسفله فهو شوحط (كذا. فأنت ترى أن هنا عبارة ساقطة) والأصح النبع شجر تتخذ منه القسى وهو ينبت في قلة الجبل والنابت منه في السفح يسمى الشريان وفي الحضيض الشوحط وقال: البطم حبة الخضراء. والأصح الحبة الخضراء. وقال: الصرد (كذا) ألاراك. والأصح الضرو الاراك. وقال: والكفة بالضم كل مستطيل وكفة الصائد من ذلك. ثم ورد في الحاشية تأويلاً للكفة (حالته) والأصح حبالته أي حبالة الصائد. وجاء في ص 147 الصغابين: القثاية. والأصح الضغابيس القثاء. وفيها الفرفخ بقلة الرجلة. والأصح الفرفح بحاء مهملة في الأخير. وفيها: النيمة.
الطرخون وهذا غير صحيح. لأن لا مشابهة بين النيمة والطرخون: ولا جرم أنه سقط من بين هاتين الكلمتين كلمتان أخريان. وقال فيها: الطرم البلسن والحال أن الواحد غير الآخر فينتج أن هناك تشويهاً آخر أن نقصاً في العبارة وفيها السرار: الهندي والأصح الحبحب: الهندي وفيها النعنع والنعناع ليس بشيء. ولعل الأصح النعنع (وزان قنفذ): النعناع والنعنع (وزان سبسب) ليس بشيء (أي ليس في شيء من العربي الفصيح) وفيها: العثم (بالثاء المثلثة) الزيتون وهو المردقوش. والأصح العتم: (بالثاء المثناة) الزيتون والعنقز هو المردقوش. وفيها ضبط الجلوز بضم اللام المشددة والأصح بفتحها. وفيها: الدبا: القرع والأصح الدباء (بالمد) القرع. وفيها: والدرق الحندقوقي والأصح والذرق (بذال معجمة) الحندقوق لا الحندقوقي لأن هذا نبت آخر ليس بالذرق وفيها: والجرجار نبت طيب الريح يرى أنه السوسن والأصح يروي وإن كان يجوز أن يقال هنا يرى. وفيها: الجاد الشاهسفرم والأصح الجادي: الزعفران. هذا ما رأيناه من أغلاط الطبع في صفحتين. فما القول إذا تصفحنا عدة صفحات من هذا الكتاب فيا للأسف على وقوعها في مثل هذا المصحف وخلوه مع ذلك من فهرس الأغلاط وتصحيحها: نعم إن الناشر قال في خاتمته: بذلنا جهدنا حتى لا يكون غلط في طبع الكتاب ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه. إلا أن هذه الألفاظ لا تخفى على اللبيب إذا دقق النظر فيها.) لكن الأمثلة التي سردناها تخفى على كثيرين حتى على الالباء ولهذا نتوقع أن تكون الطبعة الثانية أصح وأوفى بالمراد والله الموفق للسداد. 4 - ديوان إبراهيم منيب الباجه جي الجزء الأول. طبع بمطبعة الآداب في بغداد سنة 1331 في 135 صفحة إبراهيم منيب أفندي الباجه جي من شبان شعراء بغداد يستحق كل إكرام لأنه لم يتلق اللغة العربي وآدابها عم معلم وإنما درسها بنفسه وأخذ ينظم الأشعار على ما توحيه قريحته وتفيض به سليقته. وهو في غضاضة الاهاب، وعنفوان الشباب، وقد وقف القراء على بعض منظوماته التي نضدت في لغة العرب. واليوم أهدانا حضرته الجزء الأول من ديوانه فوجدناه شاعراً عصرياً وقد نحا في جميع قصائده مناحي أبناء هذا القرن وخلع عنه أطمار الأقدمين التي لا يليق بأحد من أبناء زماننا أن يلبسها معانيه لعتقها وبلاها وتهرؤها. ولهذا نهنئه بنظمه ونتمنى له معارج
الرقي؛ إذ وقد وضع أقدامه على أوائلها كيف لا وهو القائل في وصف ليلة في دجلة: رعى الله ساعات تقضت من العمر ... بدجلة والأرجاء تزهر بالبدر وزورقنا إذ ذك طيراً تخاله ... يمد جناحيه من الشوق كالنسر ودجلة تجري في مذاب مفضص ... يمازحه ضوء المقاصير بالتبر يلاعبه نفح النسيم فتنجلي ... مويجاته عن نسج درع من الدر ويطرب سمعي من بعيد خريره ... إذا أنحط من عال إلى اسفل يجري تعوم به من كل فج زوارق ... فمنهن ما يرسو ومنهن ما يسري إلى غير هذه الأبيات مما يدل على إن الشاعرية مطبوعة فيه. - على أننا كنا نود أن نرى طبعه قليل أغلاط الطبع ليكون احسن قالب لأحسن شواعر القلب. إلا أن الواقع يخالف ما في الأمنية وهي كثيرة تعد بالعشرات ولكثرتها وشهرتها لا نتعرض لذكرها. لكن نذكر بعض أغلاط فرطت من الشاعر على غير انتباه منه لكثرة ارتجاله الأبيات بدون أن يراجعها كقوله في ص 90 ما حرفه: تحكي بلين القد غصن النقا ... ونفحة الورد براياها فالنقا هو القطعة من الرمل تنقاد محدودبة. وما كان كذلك لا ينبت شيئاً لعدم وقوف الماء في رمله ولا حديدابه. فكيف جاز له أن ينبت فيه شيئاً. وأما الرايا بمعنى الريا فلم ترد في كلامهم. وكقوله في ص 91: أنت المليكة في الملاحة بينهم ... وهمو لديك بمنزل المملوك فالمملوك راجعة إلى (هم) وهم صغير للغياب فكيف جاز له أن يقول المملوك بالمفرد. نعم إن هناك الروي وبعض التوجيه لكن هذا كله لا يرفع نظم الشاعر ولا شعره ولا يجيده يعده من الكلام الفصيح. ومن هذا القبيل ما جاء في ص 102 قال: فيا له عقد سعيد سرت ... به المحبون وكل الآل فقد أنث فعل الفاعل وهو المحبون وليس هناك وجه يجيز له هذا الاستعمال القبيح المنحط الذي لم يأت بمثله إلا العوام. - وانشد في ص 104 يا ناعياً أرخ (على قبره ... لقد توفى مصطفى الباجه جي) قلنا: حق توفى هنا أن تكون بصيغة ما لم يسم فاعله. فإذا فعلنا ذلك ثار بوجهنا جواز شعري من أقبح الجوازات وهو إسكان آخر المتحرك في وسط الشعر وهو مكروه أشد الكراهية وإن ورد منه في شعر الأقدمين. وورد في تلك الصفحة
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
أنت المليك على الحسان ومن عدا ... ك من الملاح وحقهن عبيد فقوله: (من الملاح وحقهن عبيد) فساد ظاهر. إذ الملاح جمع مليح أو مليحة (وحقهن) لجمع المؤنث الغائب وليس هناك اسم مؤنث مجموع حتى يرجع إليه ضمير و (حقهن) و (عبيد). جمع مذكر. فأنت ترى ما في هذا العجز من التشويش مالا يخفى. - فالأمل إن هذه الأغلاط وما كان من بابها تصحح في الطبعة الثانية ولا يرى منها شيء في الجزء الثاني. - على أننا نقول أن هذه الهنات وقعت في القسم الأخير من الديوان وهو القسم الذي نظمه الشاعر في أول عهده بالشعر وأراد أن يبقيه على علاته ليرى القارئ تقدمه في النظم وإن الشاعر وإن كان مطبوعاً في ما يفيض به لسانه لكنه لا يسلم من العثرات النحوية. وإنما تزول من أمامه كلما رسخت قدمه في الفن كما يقع مثل ذلك في أول سير الإنسان إذا أراد لأن يعتمد على نفسه. والله المسدد إلى سواء السبيل. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - أنباء عمان كتب إلى الدستور ما ملخصه: (اتفق الشيخ عبد الله بن حميد السالمين أكبر علماء الأباضية مع جماعة من المشايخ وأقاموا لهم إماماً اسمه سالم بن راشد الخروصي وتبعهم جم غفير من أهالي البلاد وساروا إلى مدينة (نزوة) عاصمة عمان سابقاً. واستولوا عليها بعد حصار قصير المدة لأن عسكر السيد فيصل تمرد وعصى وخان مولاه. أما حاكم المدينة سيف بن حمد فقد انتحر بعد أن رفع رفيعة مطولة إلى إمارة مسقط التي قامت للأمر وقعدت وبادر سلطانها فيصل إلى إرسال ولده نادر إلى (سمائل) وولديه حمد وحمود إلى (مصنعة) من بلاد الساحل. ثم تأكد أن جل اتباعه من الخونة وليس فيهم من يرد العدو إذا أراد الهجوم على (نزوة) وسير بارجته (نور البحر) إلى بلدة (خصب) ميناء رؤوس الجبال ليجلب له منها عدداً كافياً من عشائر الشحوح الباقين على ولائه.) أهـ. ثم كتب إليه بعد أسبوع ما محصله: (ازداد نفوذ الزعيم الاباضي وذلك بعد (نزوة) قلعة (زكي) ثم استولى على بلد. (العرابي) غلا أن حصنها لم يسقط ولم يزل محاصراً. أما سمو السلطان فإنه أخذ يعبئ الجيوش للتنكيل بالبغاة ولا تزال بارجته (نور البحر) تنقل العساكر من صور وغيرها ووجهتها بلدة (سمائل) التي يريد الإمام أن يستردها ويحصنها ليتمكن من صد الخوارج إذ أنها ممر القوم إلى مسقط. والذي تعنو له (سمائم) تعنو له الحاضرة أي مسقط وما دانها. والله يؤتي ملكه من يشاء.
2 - دار البريد والبرق الجديدة في بغداد في 16 ك الأول من سنة 1911 كان وضع الحجر الأول لدار البريد الجديدة (لغة العرب 1: 179) وفي صباح نهار الأحد 29 حزيران من هذه السنة 1913. افتتحت هذه الدار وقد تم بناؤها على الطرز الحديث المعروف في المدن الكبرى وكان يوماً مشهوداً وحضر الحفلة والي الولاية وسائر كبار الموظفين من ملكيين وعسكريين ونحن نتمنى أن تضبط شؤون هذا البريد حتى يناسب حسن منظر البناء حسن إدارة الأشغال! 3 - كوت العصيمي نمى إلى أصحاب العقد والحل أن في كوت العصيمي أسلحة ممنوعة فلما حاول الموظفون تحقيق الأمر بأنفسهم هجم عليهم اتباع العصيمي وقابلوا الجند بالرصاص فأمطر هؤلاء على المعتدين مطراً حميماً فهرب أولئك فارين. وبعد كبس الدار لم يجدوا فيها شيئاً. فلعلهم حملوها حين الفرار (ملخصة عن الدستور) 4 - ابن السعود والأجانب أخطر عبد العزيز السعود جميع الغرباء المقيمين في الاحساء والقطيف لمعاطاة التجارة أن يزايلوهما في أقرب وقت. وقرر بأن يؤخذ 8 في المائة بمنزلة مكس عن كل ما يرد إلى الاحساء والقطيف. (عنها بتصرف قليل) 5 - عجمي السعدون وقع نزاع بين عجمي السعدون والسيد طالب بك النقيب في البصرة ثم زال في الآخر حتى إن عجمي أبرق ما معناه: إني لما زحفت على البصرة كنت أظن أن السيد طالب بك كان يعمل على خلاف الحق فلما تبين لي صدق نيته رجعت إلى مقري (أي إلى الغبيشية) (عن الرياض) 6 - الحويطات نفر ابن جازي أحد شيوخ الحويطات ومعه أبو تائه وجماعة من الترابيين والعزازمة والتياهة لمقاتلة عنزة فالتقى الجيشان على ماء البصة وتقاتلا قتالاً شديداً أسفر عن نصر ابن جازي ومن حالفه. وهكذا يقصى الأعراب أيامهم بين فر وكر ولا هم لهم سوى الغزوات والمعارك! فإلى متى هذه العيشة المقلقة؟ (عنها) 7 - الرولة حمل ممدوح الشعلان لرولة على عشيرة السويد (التابعة لأبن الرشيد والمقيمة في غوطة دمشق) ومعه من 600 مسلح فدارت الدائرة عليه فقتل من قتل من قومه (عنها) 8 - الدهامشة اشترت عشيرة الدهامشة جميع الأطعمة الموجودة في كربلاء فارتفعت أسعارها. فعسى إن الحكومة تهتم لرتق هذا الفتق. (عنها) 9 - اشتداد الحر اشتد الحر في أواسط تموز فبلغ الدرجة 45 في الظل وفي 22 منه ابتدأت الباحوراء فكان مع الحر هبوب رياح هالت علينا رملاً دقيقاً غزيراً حتى حرجت منه الصدور وحجبت السماء الغيوم مدة ثلاثة أيام ظننا أنفسنا في أيام الشتاء والسحب في أيام الصيف عندنا أعز من الكبريت الأحمر.
العدد 27
العدد 27 - بتاريخ: 01 - 09 - 1913 كدرُلعومَر في أقاصيص العرب 1 - من هو كدرلعومر كدر لعومر كان ملك بلاد عليم في عهد إبراهيم الخليل. وهو من مشاهير الفاتحين إذ امتدت فتوحاته إلى البحر الميت (أو بحر الزفت) وهو الذي أسر لوطاً. وكان قد احتل جانباً من ديار فلسطين. فأسرع إبراهيم إلى نجدة حفيده وكسر كدرلعومر وأنجى لوطاً. هذا ملخص ما نعرفه معرفة صادقة عن هذا الملك الغشوم وقد جاء ذكره في سفر التكوين (14: 1 - 24) وهو الذي قهر أيضاً الرفائيين والزوزيين والايميين والحوريين وهؤلاء كانوا في جبلهم سعير إلى سهل فاران الذي عند البرية وكل ذلك من بلاد العرب. ثم ضرب العمالقة والأموريين إلى غيرهم. وكل ذلك يدل على أنه أبقى ذكراً عظيماً في حافظة العرب. بل ذكراً لا يمحى. على إنك إذا استقريت كتب العرب وأخبارهم وتواريخم من أولها إلى آخرها لا تقع على هذا الاسم أبداً. وأنت خبير أن العرب إذا سمعت اسماً أعجمياً تصرفت فيه كل التصرف ولا سيما إذا كان طويل الحروف. وهذا الذي وقع في هذا الاسم. وهانحن نثبت هنا اللغات التي وردت فيه لتعرف الأقاصيص التي وردت بصدده: 2 - اللغات الواردة في كدرلعومر وتحقيقها. هذا الاسم ورد في نسخ التوراة العبرية بصورة (كدرلعمر) بدون تغيير آخر. وورد في بعض النسخ العربية (كدرلعمر) أيضاً كما في العبرية (وكدرلاعومر) كما في النسخة اليسوعية البيروتية. و (كدرلغومر) (بالغين المعجمة) كما في
النسخة العربية الرومية المطبوعة بأمر المجمع المقدس سنة 1671. وكدرلعومر كما في النسخة البروتستانية البيروتية والنسخة الدومنيكية الموصلية. وخدرلاهومور كما في اللغتين اللاتينية والفرنسوية وفي ما ضاهاهما من لغات الإفرنج وكما وردت في نسخ التوراة الموجودة في لغاتهم (وخدلوغومر أو قدلوجومر) كما في اليونانية وفي ما نقل عنها. وأما العرب غير النصارى فإنهم صحفوا اللفظة بصور مختلفة منها: (كرد عمرو) بتقديم الراء الأولى على الدال وبتأخير الواو عن الراء الأخيرة. ثم توهموا أن كرداً هو اسم الابن وعمراً اسم الأب فهو مضاف ومضاف إليه. ولعل الوهم ثبت فيهم لرؤيتهم فيه اللام التي توهموها لام الإضافة تلك الموجودة في أصل الاسم أي (كرد لعمرو). ثم ذهبوا إلى أن كرد عمرو أو على وهمهم كرد بن عمرو هو عليم أو عيلام أكرادا أيضاً نسبوا هؤلاء الأقوام إليه. ونحن لا نقول هذا القول بدون سند. فإن ابن خلدون يورد في تاريخه (2: 7) ما هذا نصه: (وفي التوراة ذكر ملك الأهواز واسمه كرد لا عمرو من بني غليم): وقال في صدر الصفحة المذكورة: (وبني غليم أهل خوزستان) وأنت تعلم أن في الأهواز أو في خوزستان أكرادا كثيرين يعرفون باللر أو اللور ولهذا نسبوهم إليه. وقال في التاج في مادة كرد: (الكرد بالضم جبل معروف. . . واختلف في نسبهم فقيل: جدهم كرد بن عمرو مزيقياء. وهو لقب لعمرو لأنه كان كل يوم يلبس حلة، فإذا كان آخر النهار مزقها لئلا تلبس بعده. . . قال بعض الشعراء: لعمرك ما الأكراد أبناء فارس ... ولكنه كرد بن عمرو بن عامر. هكذا زعم الناسبون. . . وقال ابن دريد في الجهمرة: الكرد أبو هذا الجيل الذين يسمون بالأكراد. فزعم أبو اليقظان أن كرد بن عمرو بن عامر بن صعصعة وقال الكلب: هو كرد بن عمرو مزيقياً. وقعوا في ناحية الشمال لما كان سيل العرم وتفرق أهل اليمن أيدي سبا. . .) إلى آخر ما جاء هناك. فأنظر حرسك الله كيف صحف العرب هذه الكلمة وكيف جعلوا المسمى بها أباً للأكراد وكيف ابتدعوا له نسباً عربياً. ولقبوه بلقب مزيقياً. وما مزيقياء إلا لفظة مرادفة لكرد العربية ومعناها قطع. ثم اخترعوا لسبب هذا الاسم حكاية فقالوا لأنه
كان يقطع أو يمزق الثياب لئلا يلبسها أحد بعده. وكل ذلك من الحكايات الملفقة اختلقها بعض القصاصين تأييداً لسبب وضع هذا الاسم وهذا الاشتقاق لا غير. قلنا: والذي يجب أن يؤخذ من هذه الأقاصيص كلها أن كرد عمرو كان في نواحي خوزستان أو ديار الأكراد اللورية ثم وقع في ناحية الشمال من جزيرة العرب فنسبت إليه تلك الأقاصيص لمرور الزمان عليها إذ كان المذكور في عهد إبراهيم الخليل. ثم أن العرب صحفوا هذا الاسم عينه (كدرلعومر) بصورة قدار الأحمر أو قدار الأحيمر أو قدار بن سالف أو قدار عاد أو قدار ثمود أو أحمر عاد أو أحيمر عاد أو أحمر ثمود أو احيمر ثمود إلى غير ذلك من اختلاف الروايات واللغات. وسبب هذا التصحيف أنهم نقلوا هذا الاسم عن اليونانية أو عن الرومية كما نقلوا كرد عمرو عن العبرية. ثم ظنوا أنهما شخصان مختلفان كما فعلوا في النبي الياس فإنهم نقلوا هذا الاسم بصورتين: الواحدة بصورة إيليا عن العبرية والثانية عن اليونانية بصورة الياس ثم ذكروا للواحد غير ما ذكروه للآخر فتقوم من وصفهم شخصان ومثل هذا الأمر كان يقع للعرب في الألفاظ الجنسية أيضاً أي أنهم كانوا يعربون اللفظة الواحدة بصورتين مختلفتين ويعقدون بناصية كل منهما ما لا يعقدونه بناصية الأخرى صاحبتها. على أنه، والحق يقال، لم يقع ذلك عند العرب فقط بل عند سائر الأقوام الأقدمين وهو أمر لا ينكر. وقد قالوا عن قدار الأحمر ما انقله عن ثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي. قال: (أحمر ثمود هو قدار بن سالف عاقر ناقة الله. يضرب به المثل في الشؤم والشقوة. وقد غلط زهير في قوله: فتنتج لكم غلمان شوم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم وكأنه سمع بعاد وثمود فنسب الأحمر إلى عاد على ما توهم وهو من ثمود. وكان قدار أحمر أزرق، وهو الذي ذكره الله تعالى فقال: إذ انبعث أشقاها. وعن عمار بن ياسر قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في غزوة ذات العشيرة فلما قفلنا نزلنا منزلاً فخرجت أنا وعلي بن أبي طالب ننظر إلى قوم يعتملون، فنعسنا، فسفت علينا التراب فما نبهنا إلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال لعلي (رضه): يا أبا تراب، لما عليه من التراب، أتعلم من أشقى الناس؟ فقال: خبرني يا رسول الله. فقال: أشقى الناس أحمر ثمود الذي عقر ناقة الله؛ وأشقاها الذي يخضب هذه، ووضع
يده على لحيته، من هذا، ووضع يده على قرنه، فكان علي (رضه) كثيراً ما يقول عند الضجر لأصحابه: ما يمنع أشقاها أن يخضب هذه من هذا). أهـ. قلنا: إننا لا نرى في كلام زهير خطأ أو غلطاً على خلاف ما ظنه الثعالبي لأن الشاعر استعمل هنا كلمة (عاد) بمعنى (العادي) أي القديم كما جاء في كتب اللغة. فقوله كأحمر عاد أي كأحمر القديم الذكر في التاريخ؛ وهذا لا يمنع كونه من ثمود القبيلة البائدة: أي أن الميداني يقول في شرح هذا المثل: أشهر من أحمر عاد. هو قدار بن سالف عاقر الناقة؛ ويقال له أيضاً قدار بن قديرة وهي أمه وهو الذي عقر ناقة صالح عم فأهلك الله بفعله ثمود. أهـ. وعليه لا غلط في كلام زهير ولا حاجة إلى تأويل كلامه. وأما إسناد عقر الناقة إلى (قدار الأحمر) فهو إشارة إلى فتكه بالعرب الذين في جبل سعير مثوى بعض بني ثمود. وأما بقية أسمائه فظاهرة من كتب اللغويين والمؤرخين. قال صاحب لسان العرب: قدار بن سالف الذي يقال له (أحمر ثمود) عاقر ناقة صالح عم. - قال في تاج العروس: قدار بن سالف الذي يقال له (احيمر ثمود) عاقر الناقة ناقة صالح عم. - وقال الثعلبي في كتابه قصص الأنبياء ص 43 وقد زاد الكلام تفصيلاً: (قدار بن سالف من أهل قدح، واسم أمه قديرة، كان رجلاً أشقر (أي أحمر) أزرق قصيراً ويزعمون انه كان. . . لرجل يقال له صفوان ولم يكن لسالف). . . إلى آخر ما ورده من الأخبار الغريبة الضعيفة السند. وذكر قدار صاحب كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور (وهو محمد بن أحمد بن أياس الحنفي ص 73 من الطبعة المصرية وما يليها) بصورة (قيدار) قال: (فكمن قيدار للناقة في مكان من الجبل فلما أقبلت الناقة وهي ترعى وقربت من قيدار ضربها بسيف فقتلها): أهـ. ولو تتبعنا جميع كتاب العرب ومؤرخيهم لرأينا كل واحد منهم يصحف الاسم أو يحرفه قليلاً أو كثيراً حتى يبعد كل البعد عن أصله المذكور في سفر التكوين. وقد جاء أن الرقم المسمارية المكتشفة في ديارنا هذه العراقية ذكر اسم ملك قرأه العلماء (قدرمابلا) (بضم الباء المثلثة) وهم يظنون إنه (كدرلعومر) ولا سيما لأنهم رأوا من جملة أوصافه هذا اللقب وهو (فاتح الغرب). فلا جرم أن (كدروقدر) في الروايتين هما واحد في الأصل. إلا أن
الطريق من الاحساء إلى الرياض إلى مكة
الاختلاف واقع في عجز هذا الاسم المركب. ومثل هذا الاختلاف يقع في كثير من الأعلام من قديمة وحديثة أي أن المتكلمين يكتفون أما بالصدر عن العجز وأما إنهم يختزلون الاسم فقالوا مثلاً رزوق أو رزوقي في رزق الله. وحمو في حمدويه أو حمود. وعبو في عبد الأحد أو عبد الواحد وهذا في الأعلام الحديثة. وبخت نصر في نبو كدنزر أو بنو كدراسر، وشلمان في شلمانزر ومرد خميل في مرودخ بل أدن إلى ما هناك في الأعلام القديمة العادية. ويحتمل أيضاً أن يكون معنى (مابلا) في اللغة الحامية أو الاشكوزية (الأحمر) بالعربية بيد أنهم لم يقفوا تمام الوقوف على معناها ولهذا قال العرب تارة قدار وطوراً قيدار وأخرى قدار الأحمر أو نحوها. وقد قال العلامة رولنصن في طبعته لتاريخ هيرودرتس الشهير: إنه من المرجح أن كدرلعومر كان شيخاً من غزاة الكلدانيين العيلميين (والكلدانيون من محتد عربي بحت على ما أثبته الباحثون العصريون) الذين انشئوا دولتهم في النصف الأول من القرن العشرين قبل الميلاد على ما يؤخذ من أنباء بيروس المؤرخ. فإذا وقفت على هذا كله علمت ما لهذا التحقيق من معرفة زمان بعض أخبار العرب. ومن الغريب أن العرب كانوا يذهبون إلى أن قدار الأحمر كان في عهد إبراهيم الخليل لأنهم يذكرونه في عهده. فهذا الثعلبي يذكر قصة نوح ثم قصة هود ثم قصة صالح التي فيها ذكر قدار بن سالف ثم قصة إبراهيم. وفعل مثل ذلك مؤرخو العرب عند كلامهم عند كل من قدار وإبراهيم. ولهذا لا عبرة اليوم لما يقوله الغربيون والإفرنج هازئين بالعرب أن حكاية قدار الأحمر لا حقيقة لها إذ لا وجود لقدار في التاريخ؛ فالتاريخ قد أثبت الآن وجوده وكذلك لا يلتفت إليهم لما يقولون عن كرد عمرو أنه من الأشخاص الوهميين الذين لم يخلقوا إلا في مخيلة الناطقين بالضاد. فتحقيقنا هذا المذكور بوجه الاختصار كاف لرد هذه الأقاويل وهو فوق كل ذي علم عليم. الطريق من الاحساء إلى الرياض إلى مكة - إن المسافرين إلى نجد كثيرون في ديار العراق لكنك لا ترى واحداً منهم دون مراحل
سفره. هذا فضلاً عن إن المراحل تختلف سنة عن سنة أو على الأقل كل بضع سنين لما في تلك الربوع من قبائل البادية التي تقطع الطرق أو لنضوب مياه الآبار التي يردها السفر. فوقعنا عند حضرة صديقنا محمد رشيد أفندي ابن السيد السعدي على رحلة والده من الاحساء إلى الرياض إلى مكة وهي الرحلة التي طوى مراحلها سنة 1288هـ (1872م) مع رجب أفندي البيكباشي، فطلبنا إليه أن يؤذن لنا بنشرها فإذن، وهاهي ذه ننشرها بحروفها بدون أن ننقح عبارتها حرصاً على سلامتها، ونشكر صديقنا على ذلك. (لغة العرب). بسم الله الرحمان الرحيم إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد هو أنه: لما كان طريق الرياض والدرعية أسهل طرق السواحل والبحرين مع الاحساء والقطيف ولنجة وبندر أبي شهر وغالب بلاد إيران الواقعة بتلك الأطراف والكويت والبصرة إلى الحرمين المحترمين. لكن في هذه المدة يتعنى الحجاج فوق طاقتهم في الطرق البعيدة بسبب تعسير المسرى من هذه الطرق المذكورة فلما أراد الله الخير لعباده القاصدين أشرف بلاده هيأ لهم أسباب التيسير في مسلك هذا الطريق، وجعل لهم التوفيق، خير الرفيق، وذلك بما من به من النصر الأبدي، والتأييد السرمدي، لحضرة مولانا الوزير الأفخم، والمشير المفخم، صاحب الدولة، وحامي الملة، أفندينا السيد أحمد مدحت باشا، جعل التوفيق له غطاء وفراشاً، بأن فتح على يديه القطعة النجدية، ومن عليه باستجلاب أدعية كافة الملة المحمدية، لدوام السلطة السنية. وكنت حينئذ متقلداً إفتاء تلك الفرقة المنصورة، الكاسرة شوكة أولي البغي من العشائر المخذولة المقهورة، بمعية قوماً ندانها المشيد بآرائه السديدة أساس أركان صاحب السعادة، والحائز لكل سجية مستجادة، محمد نافذ باشا الفريق، سلك الله به إلى الخير سواء الطريق، فوقع استحسان المشار إليه، اسبغ الله نعمه علينا وعليه، أن أسير حجاج ذلك الطريق إلى الحرمين المحترمين، وأكون واسطة لجلب أدعيتهم الوافية لدوام دولة خليفة رسول الثقلين، بعد أن أمر بنشر العلم السلطاني، واللواء الخاقاني، وضرب خيمته سعود الباغي، الخارج الطاغي، المأخوذة منه قهراً، والمخرج منها جبراً، بواسطة العساكر السلطانية، والجنود الخاقانية، وجعل الدليل والأمير لهذه السائرة، الموفقة لخير الدنيا والآخرة، تحت نظارتي فامتثلت ما أمره الفريق، وعزمت متوكلاً على من شرف البيت العتيق، وأحببت أن أذكر رحلة المسرى،
وأحمد من بعبده أسرى، وأبدي غاية التشكر والدعاء لحضرة أفندينا المشار إليه أعني والي ولاية يغداد، والكاشف الغمة عن هؤلاء العباد، إذ هو السبب الأقوى، والواسطة العظمى، إلى هذا المسير، المقرون بالتيسير. فأقول وبالله الاستعانة، ومنه العون والإعانة، مدة المسرى تاريخ سنة 1288. الساعةذو القعدة 1. 5. تحركنا من الاحساء إلى (قلعة صاهود) بعزيمة صاحب الرفعة رجب أفندي البيكباشي وكان نهار الثلاثاء وهي قلعة مشيدة البناء وفيها مقدار من العساكر المنصورة. يوم الأربعاء منها إلى (عين نجم) وهي لعين الحارة من القدرة الإلهية وأقمنا بها يوم الخميس ويوم الجمعة تحت الخيمة المذكورة ليتكامل الحاج وقافلة الرياض وظهرت العساكر المنصورة بأمرائها الفخام بمعية حضرة الفريق الأفخم وأكابر وجوه البلدة وقرأت دعاء حافلاً في دوام السلطنة السنية وتأييد وزرائها وأمرائها ووكلائها وكافة عساكرها المنصورة وللحجاج والغزاة والمسافرين. 8. 9: يوم السبت تحركنا من عين نجم بمقدار مائة من الحجاج وقافلة نجد ونزلنا (غار الشيوخ) خالياً عن المرعى والماء. 8. 10: يوم الأحد منها إلى (شعاب الفروك) مرعىً لا سقياً خالية من البدوان 6. 11: يوم الاثنين منها إلى (نكيرات الحاج) رعياً لا سقيا وفيها من البدوان من عشائر. المرة والعجمان. 10 12: يوم اللاثاء منها إلى (بدالى) رعياً لا سقياً وكذلك منزولة (أي فيها عربان) 6. 13: يوم الأربعاء منها إلى (أبي جفان) كثيرة الآبار والمرعى خالية من البدوان 7. 14: يوم الخميس منها إلى (أبي الناس) على سيل عظيم وغدير جسيم وأمطرنا فيها ثلاث ساعات ليلاً. 3. 15: يوم الجمعة منه إليه نزلنا بطرف الوادي لكثرة انحدار السيول عليه. 7. 16: يوم السبت منه إلى (السلي) على سيل عظيم. جعل الله كل نبت حي. 5. 17: يوم الأحد منه إلى (الرياض) ونزلنا (حوطة عبد الله الفيصل) فركزنا
البيرغ السلطاني ونصبنا الخيمة المذكور واجتمع الأهالي لدينا لأجل السلام إلا الشيخ النجدي عبد اللطيف الوهابي وعزمنا محمد الفيصل على وليمة معظمة فأبدلنا النصائح الدينية، والمواعظ المحمدية، وحرضناه على إظهار الطاعة والانقياد لحضرة الدولة العلية، وامتثال أوامر الحضرة المشيرية وكان حينئذ عبد الله الفيصل بالخارج عن الرياض بمسافة ثماني ساعات فسيرت له ساعياً وحررت له كتاباً فيه من النصائح والترغيب في حسن الخدمات المرضية، لجانب السلطنة السنية، والانقياد للحضرة الفريقية، فأجابني بالسمع والطاعة. وأما (الرياض) فبلدة فيها نحو ألف بيت وفيها بساتين كثيرة وتخمين (الرياض) (والدرعية) (ومنفوحة) وباقي قرى (العارض) لو اجتمعت وأرادتها تقرب من واردات (الاحساء والقطيف) وأهاليها أكثرهم في غاية الغلاء والمحنة والعياذ بالله وأكثر قوتهم اليرابيع والجراد وما أشبههما. 0. 18: وأقمنا بالرياض يوم الاثنين بضيافة المذكور محمد الفيصل. 3. 9: يوم الثلاثاء منها إلى (الدرعية) بلدة عظيمة آثارها وهي خربة كثيرة المياه. 9. 20. يوم الأربعاء منها إلى (الحسينية) قرية (بوادي حنيفة) قليلة البساتين، كثيرة المياه. 8. 21: يوم الخميس أيضاً بوادي حنيفة ومررنا على بساتين وقرى كثيرة. 10 22: يوم الجمعة منها إلى قريب (ثرمدة) ببر أقفر موجود المرعى عديم الماء اسمه (العريج) 7. 23: يوم السبت نزلنا (ثرمدة) قرية كثيرة المياه والبساتين والأهالي. 10. 24: يوم الأحد منها إلى (مروتة) كثيرة والآبار والمرعى خالية غير منزولة. 7. 25: يوم الاثنين منها إلى (مكيسة) خالية عن الماء والمرعى وصادفتنا فيها غارة العتيبة يقدمهم عبد العزيز الجامع وأراعوا الحاج فتوسطت بينهم أن سلمهم الحاج مائة وأربعة وأربعين ريالاً
وأعطيتهم بعض المختلفات وكفانا الله تعالى شرهم. وتعهدت للحاج أنه بحول الله تعالى وبأنفاس الحضرة المشيرية استرجع لهم المبلغ في مكة المشرفة فكان الأمر كذلك حيث صادفنا حسين بن جامع شيخ عتيبة في منى، وحصل منه بلوغ المعنى، وكان معه اختيارية العشيرة المذكورة فحذرتهم وأنذرتهم من سطوة وكلاء الدولة العلية فسلموا المبلغ المذكور إلى الحجاج المرقومين بعد الدخالة العظمى وقدموا لي نكالاً عوض المختلعات سيفاً مصنوعاً من الفضة ثم بعد ذلك علم حضرة سيدنا ومولانا الشريف، الحائز لكل بحر منيف، صاحب الدولة عبد الله باشا، وفقه الله تعالى لما يشاء، فحبس حسين المذكور وعزره على فعلهم بحجاج بيت الله الحرام، وأن من دخله كان آمناً ومن قصده لا يضام، فتشكرنا لحضرته السنية، وأثنينا على غيرته المحمدية، وهذه جملة اعترضت هنا وسنعود إلى ما نحن فيه. 9. 26: يوم الثلاثاء رحلنا من (مكيسة) إلى (قرية الداودي) فيها بساتين ومياه. 8. 27: يوم الأربعاء منها إلى (قرية الشعرة) آخر قرى نجد وفيها بساتين ومياه. 8. 28: يوم الخميس منها إلى (ظليع الخوار) كثير المرعى خالي من المياه والمنزل. 9. 29: يوم الجمعة منها إلى (خشم النير) فيه آبار كثيرة ومرعى. 10. 30: يوم السبت منها إلى (عيسلان) كثيرة المرعى بلا ماء وفيه رأينا هلال ذي الحجة الحرام. الساعة ذو الحجة 10. 1: يوم الأحد منها إلى (الحميمة) خالية من الماء والمرعى والعربان. 10. 2: يوم الاثنين منها إلى (البرة) فيها مرعى وآبار ماء وعليها من عربان عتيبة وحمانا الله منهم. 9. 3: يوم الثلاثاء منها إلى (سكوة) على سيل عظيم، ومرعى جسيم. 10. 4: يوم الأربعاء منها إلى (الكموم) مرعى فقط. 9. 5: يوم الخميس منها إلى (ركبة) رعياً فقط. 11. 6: يوم الجمعة أيضاً إلى ركبة رعياً وسقياً.
الساعة ذو الحجة 6. 7: يوم السبت منها إلى (وادي العقيق) وأحرمنا فيه إلى الحج مكررين التلبية والتهليل والتكبير والتحميد. 4. . . في اليوم المذكور منها إلى (عرفات) نهاراً وليلاً حتى وصلنا ليلة الساعة 9 من الليل فأقمنا بعرفة يوم الأحد ويوم الاثنين وكان وقوفنا يوم الاثنين والحمد لله تعالى ونفرنا منها إلى (مزدلفة) وجمعنا بها الحصيات 10: ويوم الثلاثاء رجعنا إلى (منى) ودخلنا (مكة المشرفة) قطفنا طواف الإفاضة ورجعنا إلى (منى) وأقمنا بها يوم الأربعاء، ويوم الخميس دخلنا مكة المكرمة ويوم الجمعة نحن بضيافة حضرة سيد الشرفاء المنسوب إلى سلالة المصطفى مولانا الأفخم، وعمادنا الأقوم، صاحب الدولة الشريفة عبد الله باشا أدام الله وجوده، وأعلى سعوده، وأقمنا بمكة شرفها الله تعالى خمسة عشر يوماً كل ليلة منها نحظى بمنادمة حضرته السنية ونتجاذب أبحاث العلم والآداب مشاهدين منها الالتفات، ومزيد التوجهات، وعند الموادعة أحسن علينا بكرك وفراجة فاخرين وأمر لي بحصان من جياد الخيل فاستعفيت عنه، عفى الله عني وعنه، وأخذت الكرك والفراجة متبركاً بهما وآخر يوم الإقامة وهو يوم الجمعة كنت بضيافة صاحب السعادة والي جدة الأفخم قاسم باشا، يسر الله له من الخير ما يشاء. 6. 28: يوم السبت تحركنا من مكة المشرفة مودعين البيت الحرام قاصدين زيارة نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام فنزلنا (وادي فاطمة) مع الحاج الشامي وكانت ليلة كثيرة السراق فسرقوا خرجي بما كان محتوياً عليه من ملبوساتي وخرجي. - 8. 29: يوم الأحد (خليص) سقياً ورعياً. المحرم 6. 1: يوم الاثنين منها إلى بئر (التفلة) سقياً ورعياً. 7. 2: يوم الثلاثاء منها إلى (كظيمة) ولحق الحاج (دآء أبو الركب) فمات منهم نحو عشرين نفرأً ومنهم عبد لي حبشي الجنس وحمدت الله على السلام
الساعة المحرم 6. 3: يوم الأربعاء منها إلى قرب (رابغ) رعياً فقط وأعترى الحاج علة القوليرا (الهيضة) ومات سبعة أنفار. 6. 4: يوم الخميس منها إلى (رابغ) بلدة معمورة من أسا كل البحر ومات عشرة نفر وعبد لي آخر حبشي. 4. 5: يوم الجمعة منه إلى (الوادي) سقياً من ماء السيل وانقطعت العلة بحمده تعالى. 9. 6: يوم السبت أيضاً في الوادي على ماء السيل. 5. 7: يوم الأحد أيضاً في الوادي على ماء السيل. 5. 8: يوم الاثنين منه إلى (الريان) فيه بساتين ومياه. 12 9: يوم الثلاثاء نزلنا (الغدير). 6. 10: يوم الأربعاء نزلنا قرب (المدينة المنورة) سقياً ورعياً من السيول. 6. 11: يوم الخميس دخلنا المدينة المنورة وشاهدنا أنوارها الساطعة المنيرة. فبلغ المسير من مكة المشرفة إلى المدينة المنورة بمشي الأثقال 97 ساعة وأقمنا بها عشرة أيام مواظبين لزيارة مرقد سيد الأنام، ومصباح الظلام، ورافعين أكف الدعاء لجانب السلطنة السنية، وللحضرة المشيرية، ولجميع إخواننا المسلمين. 6. 22: يوم الاثنين تحركنا من المدينة المنورة متوجهين على طريق القصيم؛ نزلنا مقابل (جبل أحد) بقرب سيدنا الحمزة على سيل عظيم. 10. 23: يوم الثلاثاء منه إلى (وادي الحرة) سقيا من ماء السيل. 9. 24: يوم الأربعاء نزلنا (الحناكية) قرية من قرى المدينة فيها قلعة مشتملة على أربعين نفراً من العساكر الهايتة ومن كثرة أمطار هذه السنة هدم أكثرها. 7. 25: يوم الخميس منها إلى (الارطاوي) على سيل. 7. 26: يوم الجمعة منها إلى (العرجة) على سيول عظيمة. 8. 27: يوم السبت منها إلى (الأصيغر) على سيل عظيم وأمطرنا فيه إلى مطلع الفجر. 8. 28: يوم الأحد منها إلى (سمر الهميلية) على سيل عظيم وأمطرنا فيه ليلاً.
8. 29: يوم الاثنين إلى (وادي الرشا) على سيل كثير وأمطرنا فيه ليلاً الساعة صفر 9. 1.: يوم الثلاثاء منه إلى (وادي الرمى) على سيل كثير وأمطرنا فيه ليلاً. 6. 2.: يوم الأربعاء منه إلى (عقلة ابان) على سيل كثير وأمطرنا ليلاً. 8. 3.: يوم الخميس نزلنا خارج (البنهانية) قرية من قرى (القصيم) كثيرة البساتين والعيون وأمطرنا ليلاً. 6. 4.: يوم الجمعة منها إلى خارج (الرس) بلدة معتبرة كثيرة البساتين والعيون. 8. 5.: يوم السبت منها إلى بلدة (عنيزة) من أكبر بلاد (القصيم) أهلها أخبار. كثيرة البساتين والعيون وأقمنا بها ثمانية أيام وسيرت حاج الاحساء إلى حضرة الفريق مع حمدان بن ناصر. 1. 14: يوم الاثنين نزلنا (وادي عنيزة) متوجهين إلى (لكويت) سقياً ورعياً وأقمنا فيه يومين. 6. 16: يوم الأربعاء منه إلى (روضة مهنا الصالح) قرية من قرى (بريدة) فيها بساتين ومياه. 6. 17: يوم الخميس منها إلى (نفودالزلفي) من بلاد (القصيم) لو اجتمعت توازن بلاد الاحساء والقطيف. - 5. 18: يوم الجمعة منه إلى (الفزوك) رعياً لا سقياً. - 6. 19: يوم السبت منه إلى (ابرق الجراب) رعياً لا سقياً. - 6. 20: يوم الأحد منه إلى (مقطاع جراب) سقياً ورعياً على آبار كريهة اللون والطعم والريح. 10. 21: يوم الاثنين في (ابرق جراب) رعياً. 12 22: يوم الثلاثاء منه إلى (الدحول) سقياً من مياه الأمطار مجتمعة في غار جبل. 3. 23: يوم الأربعاء منه إلى (ابرق الدحول) رعياً فقط. - 12 24: يوم الخميس منه إلى (الصمان) لا ماء ولا مرعى. 6. 25: يوم الجمعة منه إلى (المصافة) على آبار وأقمنا بها يوم السبت. 10 27: يوم الأحد منها إلى (القرعاء) الخالية عن الماء والمرعى. 12 28: يوم الاثنين في (ابرق القرعاء).
الساعة صفر 10 29: يوم الثلاثاء نزلنا قرب (الكويت) مرعى لا ماء. 10 30: يوم الأربعاء نزلنا (الكويت) بلدة معمورة خالية من البساتين والنبات، قليلة المياه، على جانب البحر، وأقمنا بها يوم الخميس وصلينا بها الجمعة. الساعة ربيع الأول 5. 2.: يوم الجمعة بعد الصلاة تحركنا منها صحبة صاحب الرفعة مبارك الصباح إلى (الجهرة) مننزه لأهل الكويت فيها قصور ونخيل قليلة. 4. 3. ليلة السبت ويومه مسرى إلى (اسفوان) متنزه لأهل البصرة نزلنا بقصر ذي الفضيلة نقيب أفندي فيها مياه كثيرة وبستان الأفندي المومأ إليه. 7. 4.: يوم الأحد منه إلى البصرة بضيافة حضرة نقيب أفندي. 598 تكون ساعات المسير يوم الاثنين مساءً من البصرة ركبنا (مركب لندن) وتحركنا ليلة الثلاثاء بصحبة صاحب العزة نقيب زاده السيد محمد سعيد أفندي لزيارة حضرة أفندينا الوالي حرسه الله تعالى ونحن وجناب مبارك الصباح بضيافة حضرة السيد الموما إليه في الوابور المذكور. ساعة - 64. من الاحساء إلى الرياض 183 من الرياض إلى مكة المشرفة 97. من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة - 100 من المدينة المنورة إلى عنيزة - 444 اليكون - 117 ومن عنيزة إلى الكويت 36. من الكويت إلى البصرة 101 من البصرة إلى بغداد - 699 تكون الساعات (تمت والحمد لله على التوفيق)
أسماء الأرياح عند أهل السفن العراقية
فهذا ما كان من أمر ذهابي وإيابي وأنا اسأل الله تعالى الذي لا يخيب سائله، ولا يحرم قاصده نائله، أن يديم دولة أيام مولانا السلطان الأعظم، والخاقان الأفخم، سلطان السلاطين، وحامى ذرى الملة والدين، ويؤيد دولته، ويخلد ملكه، وأن يوفق حضرة أفندينا الذي ما شق أحد من أمثاله لسعيه غبار، ولا بلغ مدى جريه أثر له من الآثار، وهذا حديث يا كل الأحاديث في كل شجر نار، وأن يجعله دائماً مسهلاً لأمور هذه الملة المحمدية، والفرقة الناجية الإسلامية، مولاي وملاذي صاحب الدولة السيد أحمد مدحت باشا؛ كان الله له. وحماه من كل ولهٍ. في 17 ربيع الأول سنة 1288 وأنا الفقير إلى الله عز شأنه سعدي زاده السيد داود أسماء الأرياح عند أهل السفن العراقية 1: (الازقامة) ريح مخالفة للريح التي تجري بها السفينة، فإذا تسلطت عليها أرجعتها القهقري، وألقتها على الشاطئ أو تحاول بها ذلك. وأكثر ما تكون الازقاقة في الدورة من الشط. والكلمة أرمية الأصل من (زقاقا) أي هياج وإثارة والمضاف محذوف أي ربح التموج. وأسمها في القديم (علاوة الريح) والتي بعكسها (سفالة الريح) وأما الازقافة فهي الزقافة على الصحيح. 2: (الاسقية): هي التي تهب من مطلع الشمس. ولعلها منسوبة إلى السقي - المشددة الياء - نسبة محرفة. والسقى: السحابة العظيمة القطر الشديدة الوقع ولما كان هذا السحاب ينشأ في العراق من مطلع الشمس إليه الريح المذكورة. 3: (الحسيني): هي التي تهب من مغيب الشمس ونسبتها إلى مشهد الحسين بن علي عم وهي كربلاء ويستعمل هذه اللفظة أهل السفن السائرة بين المسيب والكوفة.
4: (الحصيوي): ريح تهب من محل يسمى (الحصوة) مصغرة فنسبت إليه والحصوة دون النجف من بغداد بساعتين وتكون مقابلة للكفل أيضاً وبينها وبين الكفل نحو نصف ساعة يفصل بينهما نهر الهندية والحصيوي اسم يعرفه الأهالي المنتشرون بين المسيب والكوفة. 5: (الحويزي) هي التي تهب من الشمال الشرقي والكلمة منسوبة إلى بلدة في العراق العجمي لأنها تهب من جهتها وهي (الصبا) في العربية. 6: (الروج) هو مطلق الموج والروجة: الموجة. وكان البغداديون يسمونها في عهد العباسيين (الروك) قال في تاج العروس: الروك الموج بغدادية وليست عربية كما أشار له الصاغاني.) أهـ. 7: (الشرقي): هي التي تهب عندنا من الجنوب الشرقي فنسبت إلى الشرق من باب تسمية الكل بالجزء وهي المعروفة قديماً باسم (الازيب). 8: (الشمال): هي التي تهب من الشمال الغربي. وهي عربية فصيحة. 9: (القبلي): هي التي تهب من القبلة ونسبتها إليها وفي العربية (الدبور). 10: (القمانة): هو الموج الشديد وإنما ذكرناه هنا مع الروج. لاختصاصهما بالرياح. 11: (النوف): هي التي تهب من جهات مختلفة في وقت واحد ويقابلها في العربية الفصحى (المتذابة) قال الإسكافي في مبادئ اللغة ص 14: (. . . والمتذابة (يعني الريح) التي تحيئ من هنا وثمة.) أهـ.
البصرة وأنهارها
وقد وردت لفظة النوف في قصيدة (هتلوش) الخزعلي (أي الخزاعي) من شعرائهم الحاليين وهو قوله: (امحمله وحمالها كله صخر ... النوف ضاربها وهي ببطن البحر) هذا ماجمعناه مما يتعلق بالسفن وما يلحق بها عند أهل العراق خاتمين كلامنا هذا بقولنا: كتبنا أشياء وفاتتنا أشياء أخرى لعلنا نستدركها في مقالة أخرى في فرصة أخرى نفترصها والله الموفق. كاظم الدجيلي البصرة وأنهارها (تلو) 4 - أنهر الجهة الشرقية من شط العرب يبلغ عدد انهر الجهة الشرقية من شط العرب المبتدئة من قضاء القرنة إلى نهاية الحدود العثمانية عند إيالة (المحمرة) الإيرانية 164 وهي: نهر راس القرنة، بني منصور، النهيرات، الشافي. مزيرعة (تصغير مزرعة) مرعى. صعب. السواعية. الحد. الكوازي. الدبرة. الشيخ. باش اعيان. السلك. السليك 0تصغير السلك). السبل. أبو مرادب. أبو الحصن. راشد. سلمان. الرعيدات. العباسي. الجعفري. السويب. هويدي (تصغير هادي)، الصبيح. الشيب. لقمان. بربهة. لويط (تصغير لوط). النجر. ياقوت. المجانين الكبير. المجانين الصغير. قير. الكواسر. الروط، السبول الكبير السبول الصغير. المطلاع، السويب الصغير. أبو بصيري (تصغير بصرى)، أبو شويع، (تصغير شايع). أبو دفلة. كوت الخان. الجبلي. النشوة. شهاب. الديرة، أبو غرب. المصطفاغيات. سالم. الزريفي. قتيبان، الهورة، باب قليع. العبيدية. حوطة رباط. حوطة عباس. أبو الكلاب. حوطة زامل. تل كارة. الخمس. الريان. الجبارات. الصينخ. كباسي الصغير، كباسي الكبير. الكاولية. الجديد. الهنجية (تصغير الهندية)، الثامرية. الفيروزية. أم السباع. الرملة. زعبر. أبوزوري. الجحيوي. فضيلة. المكرية،
الغبي. ابو الهدل. السيد. المجموعة. أم مسجد. الحوز. الخضر. الكوت. البلد. خويسة (تصغير خيسة). بربادة. البيكية. حسن. كوت السادة. الجرندي. المعاف. زغير. الحوبزاوي. قردلان. معدل. القشلة. التنومة، السلطان. أبو التنانير. كوت الباشا. كوت الجوع. ميتان كوت السيد. سيحة. أبن ناصر. شملة. المعاف. أبو وشيعة. المكري. كوت أبن نعمة. الخربة. سودان. أصفر. المجمل. أبو عامر. كوت زعير. الذهب. أبو بردى. ريح مالك. عويان. الخافور. الاحيمر (تصغير الأحمر). الصبخة. مير علي. كوت الشيخ. الحبابة. الجريف (تصغير جرف). كوت سوادي. النجارية. بكار. دحيمي الكبير. دحيمي الصغير. كوت السني. كوت السيد (الثاني). فجة العرب. الطالبية. البور. جاسم. الدعيجي، بعيبيص. الشرقي. الجوهرية. كوت الخراب. السيد. المكري. الفحول. الوهبي. أم الصبور. حسكان. كوت عبد الله. شعيب. باب الهواء. عميرة. تينة. مصطفى ميمن. أبن برغوث. الخرنوبية. ومن هنا تبتدئ حدود إيران. هذا وليعذرنا القراء من تكرار اسم بعض الأنهر لأن من عادة البصريين أن ينسبوا أسم النهر إلى من حفره ولذا يوجد كثير من الأنهر مسماة باسم واحد كما أني أرجو من القراء الأفاضل أن ينهوني عما نسيته أو غلطت فيه ولهم مزيد الشكر. باش أعيان زاده أمين عالي البصري ملحق بأنهار البصرة أجاد حضرة الكاتب التحرير في وصف أنهار البصرة ولا نظن أن أحداً سبقه إلى ذكرها كلها كما فعل وإتماما للفائدة ننقل هنا ما كتبه صاحب عنوان المجد السيد إبراهيم فصيح الحيدري. وهو كتاب خطي لم يطبع إلى ألان وعندنا منه نسخة ودونك ما كتب عن الأنهر التي في الجهة الشرقية قال: وأما الأنهر التي في جهة شرق شط العرب فهي ثلاثة وسبعون نهراً عظاماً كباراً وهي: 1 - نهر كتيبان وهو من المحال الجسيمة فيه عدة أنهر وفيه بساتين عظيمة كثيرة جداً 2 - نهر أبي كلاب وهو من الأنهر التي يتفرع منها جداول كثيرة حولها بساتين جليلة عديدة 3 - نهر الشلة وهو من الأنهار
الكبار التي يتفرع منها جعافر كثيرة حولها بساتين غناء ونهران كبيران (لجزيرة الصقر التي تسمى أيضاً جزيرة العين) ويتشعب النهران المذكوران إلى أثني عشر نهراً حولها جنان كثيرة - 4ً نهر الخراب وهو نهران كبيران يتفرع منهما أنهار حولهما بساتين عديدة - والنهر الدائر على المقاطعات الجسيمة أعني: 5ً الكباسي الكبير و6ً الكباسي الصغير و7ً الحوطة و8ً الريان. - وكل من هذه المحال يشتمل على أنهار كثيرة وبساتين عظيمة عديدة - و9ً نهر حسن وهو عبارة عن نهرين كبيرين يتفرع منهما أنهار حولها بساتين كثيرة و10ً نهر كوت السادة وهو ثلاثة أنهار كبار حولها بساتين كثيرة و11ً كردلان كبيرين حولهما بساتين كثار و12 تنومة وهي عبارة عن نهرين كبيرين حولهما بساتين جليلة ظليلة و13ً كوت الجوع وهو عبارة عن أربعة أنهر جسام يكتنفها بساتين عظام و14ً نهر كوت الباشا وهو من أحسن الكبار حوله بساتين كثيرة و15ً كوت ابن نعمة وهو ثلاثة أنهار كبار يحف بها بساتين كثيرة و16ً كوت زهير وهو عبارة عن أربعة أنهر كبار تطوف بها جنان غناء و17ً كوت الكوام و18ً الموحية خمسة أنهار كبار حولها بساتين جليلة الشان و19ً كوت غضبان و20ً كوت الشيخ و21ً الحبابة تسعة أنهر كبار. حولها بساتين كثيرة جليلة و22 نهر جاسم وهو عشرة أنهار كبار و23 نهر الدعيجي وهو من الكبار التي يتفرع منها أنهار حوله بساتين وافرة العدد والمقدار و24ً نهر البور وهو من الكبار حوله رياض وغيطان و25ً جزيرة البوارين اثنا عشر نهراً كباراً حولها بساتين وخمائل حسناء هذا والعمارة في جهة الجنوب أكثر من غيرها.
وأما الأنهر التي في جهة الشمال فمنها: 1ً نهر الخندق وهو من الكبار التي يتشعب منها جداول حولها بساتين كثيرة ريا و2ً نهر الرباط الصغير وهو من الكبار حوله بساتين كثار و3ً نهر الرباط الكبير وهو من الكبار تحف به الجنان والخمائل و4ً نهر الجلبية الصغيرة وهو من الكبار، تحيط به النخيل والأشجار، إحاطة السوار بالمعصم و6ً كوت الفرنكي وهو ستة انهر كبار، حولها بساتين كثار، وهو من المحال الجسيمة المساحة والمقدار و7ً نهر قرمة علي وهو من الكبار تحف به بساتين كثيرة و8ً نهر قرمة ماجد وهو من الكبار حوله بساتين ذات أشجار فنواء و9ً نهر العنبري وهو من الكبار تكتنفه الأشجار الباسقة الكثار و10 الهارئة وهي من المحال الجسيمة، ذات الأنهار الغزيرة الماء، الكثيرة الأشجار الفنواء. وهي من توابع أراضي المنتفق. إلا أنه لما كان فيها لبعض أهل البصرة أملاك ذكرناها هنا. ويتصل بها الملك الذي تحت يد متصرف المنتفق وهو ملك عظيم جسيم يشتمل على بساتين لا تحصى ومزارع ومحال لا تستقصي. . . وأما الأنهر والجداول المتفرعة من تلك الأنهر المذكورة فتبلغ أكثر من عشرة آلاف. والعشائر الساكنة في تلك المواطن بين البساتين وفي حواليها لا يحصى عددها. جزائر شط العرب وأما الجزائر التي في شط العرب المشتملة على البساتين ومزارع الرز فمنها: 1ً المحمودية وفيه أشجار أدواح ومزارع. و2ً أم الخصاصيف وفيها مزارع للرز وبساتين واسعة. و3ً أم الجبابي وفيها بساتين ومزارع الرز و4ً أم الرصاص
الكلكسة
وفيها مزارع رز وغيره. و5ً لزيادية وهي كبيرة جداً وفيها بساتين عديدة ومزارع رز واسعة و6ً الفداغية وفيها رياض فيحاء ومزارع رز قليلة. و7ً جزيرة العين وفيها بساتين كبيرة ومزارع رز كثيرة. و8ً الصالحية وفيها بساتين كثيرة ومزارع رز جليلة. و9ً العقيراوية أو العجيراوية وفيها رياض فيحاء ومزارع رز قوراء. و10ً الطويلة وفيها مزارع رز وحنطة. و11ً القليصاوية وفيها مزارع حنطة وبعض الصيفيات. و12ً جزيرة المحلة وهي عظيمة وفيها بساتين عظيمة ومزارع رز. - وجميع هذه الجزائر واقعة في شط البصرة. ولما أفلس جابر المراد شيخ آل محيسن من عشيرة كعب حاول التصرف في جزيرة المحلة تصرفاً جائراً وهي الجزيرة التي هي من أملاك الدولة العلية لأنها واقعة في البصرة وفي قربها وهي مقاطعة جسيمة تغل في السنة غلة تبلغ قريباً من ألف كيس وغفل عنها المتصرفون في البصرة. إلى هنا كلام صاحب عنوان المجد، في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد. ومن زادنا في هذا البحث مادة، زدناه شكراً والله الموفق. (لغة العرب) الكلكسة - 1 - تمهيد في علم الحيوان عند العرب من الألفاظ الغربية ما يصعب الاهتداء إلى تحقيقها لسوء تعريفها أو نقص تحديدها أو لجهل الكاتب نفسه حقيقتها. فيضطر العصري إلى أن يقول: (وهذا من خرافات العرب). وكأنه إذا قال هذه الكليمات أراح فكره وعقله وأعفى نفسه من التحقيق والتدقيق. ومن هذا القبيل اسم الحيوان الذي صدرنا به هذه المقالة. فما هي الكلكسة على ما جاءت في كتب العرب وما حقيقتها؛ وبأي لسان هي هذه اللفظة المعربة؛ ومن أي أصل مشتقة. هذه أربعة أسئلة نجيب عن كل منها على حدة فنقول: 2 - ما هي الكلكسة نقلاً عن كتب العرب. جاء في كتاب الحيوان للدميري ما هذا حرفه: (قال قوم: إنه ابن عرس. وقال
قوم: إنه حيوان آخر غير ابن عرس؛ وزبله إذا سحق وديف بالخل وطلى به مواضع النملة الظاهرة نفع نفعاً بيناً. وفي كتاب دمقراطيس: أن الكلكسة تبيض من فيها.) وروى في نسخة قديمة عندنا هكذا: (وفي كتاب دوبقراطيس (كذا): أن الكلكسة طائر (كذا): تبيض من فيها. وهذه الكلمة لم يذكرها صاحب التاج ولا اللسان ولا القاموس ولا الاوقيانوس ولا البابوس ولا ولا ولا. . . لكن ذكرها صاحب محيط المحيط نقلاً عن الدميري ولم يعزها إليه. ونقلها عن محيط المحيط صاحب أقرب الموارد. وقد ذكرها أيضاً فريتاغ وقزميرسكي وغيرهما. 3 - من أي لسان معربة هذه اللفظة. عندنا أن هذه اللفظة ليست من أصل عربي محض بل أرمى إذ هي بالسريانية. ككزشتا) وبالكلدية القديمة الترجومية (كركوشتا) وقد شرحها أصحاب المعاجم الآرامية شروحاً مختلفة. قال أحدهم وهو من الأقدمين: (وجدت في كتاب الحيوان المنسوب إلى ارسطو طاليس أنها ابن عرس. وإن الأنثى منها تحبل من فمها وتلد من أذنها. وتجمع الفضة والذهب والخرز وتخلطه وتلعب به. فإذا أخذ منها عاقبت من أخذه منها بقرض ثيابه وفراشه. وأنا استغفر الله من هذا القول.) (أورد هذا الكلام باين سمث في معجمه السرياني اللاتيني الكبير نقلاً عن معجم بر علي). وزاد آخر: ويقال له بالفارسية (راسو) (بواو في الآخر) ويقال له: الكنشخت بالشين المعجمة. وفي رواية ثانية إنه الكشخت، وفي رواية ثالثة الكحش ويسمى أيضاً ابن مقرض وصحف بعضهم كلمة كنشخت بالخنفسة وبعضهم بالورشان (كما ذكر ذلك باين سمث). فأنظر حرسك الله أين يفضي الجهل ولا سيما جهل ألفاظ اللغة وبالأخص ما يتعلق منها بعلم الحيوان. 4 - ما هي الكلكسة على التحقيق وما هي مرادفاتها. ما الكلكسة على التحقيق إلا ابن عرس لا غير. وما ذكر بعضهم تلك الأقوال القائلة إلا جهلاً لعلم الحيوان. وكان بين بعض الأقدمين جماعة يحبون غاية الحب
عجائب الأخبار فإذا سمعوها من واحد أثبتوها على علاتها بدون أن ينعموا النظر في مواقع صحتها وفسادها. . . وابن عرس وابن مقرض والكلكسة أسماء مختلفة لمسمى واحد. وحكاية جمعه للفضة والذهب والخرز مختلفة من أولها إلى آخرها مسندين ذلك إلى اشتقاق أسمه لظنهم أن (العرس) لا يكون إلا بعد جمع الأصفر الرنان والأبيض الفتان. وحكاية قرضه للثياب مبنية على أسمه (ابن مقرض). وقصة بيض أنثاه مؤسسة على مناسبة في الاشتقاق بين الكيكة (وهي البيضة) والكلكسة لا غير. ومن أسمائه العربية الكثيرة: السنعبة (وأظنها خاصة بالأنثى) لأن الذكر من هذا الحيوان هو السرعوب. وكلاهما مشتق من السعب مصدر سعب الممات بمعنى الجري لأنه يقال: انسعب الماماي جرى. وسمى هذا الحيوان بهذا الاسم لخفة حركته. ثم زيدت النون بعد الحرف الأول وأبدلت بالراء في الثاني للدلالة على تكرار الحركة وشدتها وأصل السعب: السعي وهو المشي والعدو. وكل ذلك معروف في هذا الحيوان. وعندي أن السرحوب (بالحاء) من أسمائه وهي تصحيف السرعوب على لغة شائعة في القديم يسموها الفحفحة كانت فاشية في هذيل يجعلون فيها الحاء عيناً (راجع المزهر للسيوطي 1: 109) فقد قالوا بعثره وبحثره، لعس ولحس، عوج به الطريق وحوج. المصعنفر والمسعنفر إلى مئات مثلها. - نعم إن اللغويين قالوا في تفسير السرحوب: ابن آوى. لكن هذا يشبه قولهم: الكلكسة: ابن عرس أو فارة التمر. وقيل: ابن آوى. وقيل: السنورة والقطة (راجع دليل الراغبين، في لغة الآراميين. تأليف القس يعقوب أوجين منا الكلداني. طبع في الموصل في دير الآباء الدومنيكيين سنة 1900 الصفحة 335) وسبب اختلاف الآراء ناشئ من جهل حقيقة الحيوان على حد ما يفعل الرامي إذا كان غير ماهر في الرماية فإنه كلما أخطأ الغرض أعاد رميه إلى أن يصيبه. ومثل هذا القول المتضارب قالوا في النمس فقد شرحوه بمعناه الحقيقي المعروف به. ثم قالوا: وقيل هذا الظربان وقيل: ابن آوى. إلى آخر ما هناك من الأقوال المختلفة. - ومن مرادفات ابن عرس (لزلم) (وزان سبب وصرد). وهي وإن لم ترد بمعنى الكلكسة عند جميعهم فإنها وردت بهذا المعنى عند قوم آخرين. لأن العلامة اللغوي الإنكليزي العارف بالسريانية أتم المعرفة
وهو باين سمث في شرحه للكلمة السريانية (ككوشتا) ص 1830 قال: معناها: ابن عرس، ويقال له نرعم (كذا). ولا غرو أن هذه اللفظة مصفحة عن (زلم) كما جاءت صحيحة بهذا الوجه في كتاب معجم بر بهلول. لكن الزلم في دواوين اللغة هو الوبر وهو حيوان غير ابن عرس. - قلنا: هذا صحيح لكن قد ترد اللفظة الواحدة بمعانٍ مختلفة بموجب اختلاف البلاد والقبائل، وهذا من ذاك. وإلا لما جاز لهؤلاء العلماء الإثبات اللغويين المشهورين أن يذكروا ما لا علم لهم به. إذ جماعة فصحاء السريان يذكرون لككوشتا معنى ابن عرس والزلم. - هذا فضلاً عن الزلم معدول عن الزالم وهو المسرع والزلمان من أوصاف ابن عرس. 5 - في أي لسان وردت أولاً لفظة الكلكسة ومن أي حرف أواصل مشتقة. من نظر إلى هذه اللفظة العربية وبحث عما يقاربها من الألفاظ في أصل مادة ك ل ك س لا يقع على ما يبل صداه. فالكلمة إذا معربة عن (كركوشتا) الكلدانية القديمة. ومنها بالسريانية (ككوشتا) وإبدال الراء لاماً والشين سيناً أمر مشهور لا يحتاج إلى إثبات وهو كثير الورود في لغتنا العربية. وهي مشتقة في الأصل من مادة ك ر ك التي تقرأ أيضاً ك ر خ بالكلدانية. والمادة تدل على الدور والإدارة والبحث والتفتيش وهي مادة تكاد تكون بهذا المعنى في جميع اللغات ومنه: الكرخ: اسم لكل مدينة كانت تبنى مدورة مسورة. ومن ذلك (كرخ بغداد) لأنه أول ما بنى كان على هيئة مدورة مسورة. ومن هذا الأصل أيضاً الجرخ بالفارسية وهو الدولاب. وأنظر الألفاظ اللاتينية واليونانية وما يتفرع منها في اللغات الإفرنجية على اختلاف أنواعها، تر العجب العجاب. إذ كلها تفيد الدور والإدارة والاستدارة والبحث والتفتيش. وكل ذلك من صفات الكلكسة أو ابن عرس.
تطواف في جوار بغداد والمدائن
وهذا ما يؤيدنا في هذا الرأي وفي أن الأصل هو الكركسة أو الكركشة. ومن ير الخلاف يظهر أدلته. والسلام. تطواف في جوار بغداد والمدائن زايلت بغداد في الساعة التاسعة عربية من نهار الخميس الواقع في 17 آب سنة 1911م قاصداً المدائن لا صرم بعض أيام عطلة المدارس وأقضي وطراً لي هناك وأتذكر أجدادي الكلدان وأعمالهم وما آل إليه أمرهم وأبكيهم على تلك الأطلال التي كاد يدرسها فيضان دجلة في أغلب الأعوام، إذ تسيل مياهه من ثلم ضفتيه على تلك الأراضي، فتطفح حتى ينتهي ماؤها إلى تلك الأطلال والروابي. فيهدمها وينقض آجرها ويحل لبنها فتطمس تلك الآثار شيئاً فشيئاً على مر السنين وفيضانها. فسرت في رفقة مرافقين من الشمر خبيرين بتلك الأراضي، نتجاذب أطراف الأحاديث والروايات عن تيك الأطلال والروابي التي تجتاز بها. لا يخفى أن ضفتي دجلة ذواتا منعطفات ومنحنيات من بغداد إلى الكوت لا بل إلى مقربة من العمارة، فتراها كقسي يدخل محدب قوس إحدى
الضفتين في مقعر قوس الضفة الأخرى وماء دجلة ينساب بين تلك المحاني انسياب الأفعى. فكل قوس من تلك القسي يسميها عرب تلك النواحي (بالزاوية) وكل زاوية من تلك الزوايا تسكنها عشيرة من أعراب الزبيد على الضفة الغربية من دجلة وعشيرة من عرب شمر طوقة (طوكه) على الضفة الشرقية منه وكل زاوية مختصة بعشيرة من القبيلتين وهي كالملك لها تؤدي للحكومة الخمس من غلات تلك الأراضي الأريضة. وأوتار تلك القسي أو الزوايا المتصلة بعضها ببعض هي الصراط المستقيم والأقرب مسافة للسائرين من زاوية إلى أخرى ومن مكان إلى آخر. وفي نهاية كل وتر من تلك الأوتار تعترضك ضفة النهر فتسير عليها موصلة طرف الوتر السابق بطرف وتر الزاوية التالية وهكذا إلى النهاية وذاك المعترض يسميه العرب (طالعة) فهناك ترد الخيل الظمأى ويرتوي المارون وتملأ الأسقية ماءً قراحاً ومسافة كل وتر من تلك الأوتار ثلاثة أميال أقل أو أكثر أي مسير ساعة أو ما ينقص عنها أو يزيد وبين كل وتر ووتر طالعة ومسافة كل وتر منها تسميها العرب سوقة (سوكة) وكل زاوية من تلك الزوايا اسم مختص بها. فأول طالعة بلغناها بعد مسيرنا من بغداد طالعة القرارة (الكرارة) وتبتدئ قوس زاويتها من كرد الباشا محيطة (بالسيد إدريس) وبساتين (القادرية أو الجادرية) الغناء التي منها خوخ الجادرية الفاخر المشهور بالطعم والرائحة واللون ينادي عليه البقالون في أسواق بغداد (خوخ الجادرية
يا خوخ) (أي شاري الخوخ): إلى أن تنتهي إحاطتها في طالعة القرارة واسم تلك الزاوية (الجادرية) ثم سرنا من هناك في وتر زاوية (الدودية) الكثيرة البساتين والنخيل وفي منتصف الطريق عن مسيرتنا اعترضنا تل يقال له (تل بليقة) وقد غرقت في هذه السنة أغلب الزروع الشتوية الواقعة على جوانبه وهي عبارة عن مجتمع أنقاض أبنية شامخة وآجره أحمر ينقل منه الفلاحون إلى ضفة دجلة لبناء أركان ركاياهم وفيه كسر خزف خوابئ وآنية الخ. وعن رواية: أن محل هذا التل كان مدينة عامرة زمن استيلاء الفرس على هذه الديار ومن هناك سرنا حتى انتهينا إلى نهر يقال له (ديالى) بعيد المغرب فعبرناه على جسره المبني على معبدات (سفن مقيرة) وديالى هذا هو من سواعد دجلة. فوجدنا هناك قهوة يجاورها بيبتات كأنك بها فندق للمسافرين فتعشينا وبتنا ثم هببنا من نومنا بعد طلوع القمر في الساعة السادسة فسرينا قاطعين وتر زاوية (الثويتة) ومن هنا يرى حديد البصر محدب إيوان كسرى ومسافة هذا الوتر يساوي مسافة وترى زاويتين وفي منتصف الطريق عن ميمنتنا رويبية يقال لها (أبو الحيايا أي أبو الحيات) ثم واصلنا السرى حتى بلغنا (طالعة قصيبة) ويقال لذلك المكان (المعيرض) لأن هناك تعترضنا مفارق الطرق المؤدية إلى العزيزية (والجزيرة أو الصيرة) والمدائن الخ فتروينا وملأنا تنكنا (التنك في لغة العراقيين جمع تنكة وهي كوز من فخار له عروتان وليس له بلبل) ثم سرينا قاطعين وتر الزاوية (باوي) أو (السمراء أو السمرة) وهذه الزاوية متوسطة المدائن إلى أن انتهينا إلى مسجد الإمام سلمان الفارسي الذي كان يسمى قبلاً روزية وهو بمقربة من
إيوان كسرى فألقينا فيه العصا في الساعة التاسعة من تلك ليلتنا ثم أوينا إلى قهوة هناك واضطجعنا على الأسرة غافين حتى بزغت الشمس فاستيقظنا وسرنا متجهين إلى زاوية (السطيح). إن مسجد الإمام سلمان واقع في الشمال الشرقي من إيوان كسرى ويبعد عنه مسافة ربع ميل وسور كسرى يبعد عن إيوانه مسافة ميل واحد والسور المذكور هو الحد الفاصل بين الزاوية (باوي) الواقع فيها إيوان كسرى وزاوية السطيح. وأعلم أن هذا السور لم يبق منه شاخص سوى زاوية قائمة متجهة إلى الشمال تماماً وضلعين يحيطان بها أحدهما يتجه إلى الجنوب الغربي وقد خرقه وبتره ماء دجلة وجعل طلل المبتور منه شاخصاً إلى يومنا هذا في جانبه الغربي والضلع الآخر متجه إلى الجنوب الشرقي لكنه لا يكاد ينتهي طرفه إلى دجلة من الجهة الأخرى من زاوية السطيح بل باق رسمه إلى شاطئ دجلة وارتفاع هذا السور الآن عن الحضيض نحو من سبع اذرع وأعلاه منثلم متآكل قد أذابت لبنه الأمطار والثلوج وهو مبني من لبن (ملوح) أي مجبول بجل الحنطة وسنبلها (الجل قصب الزرع إذا حصد وقطع) وإلى الآن ترى سنابل الحنطة في مكسر اللبنة. وعلى رواية أن هذا السور سور حديقة أو جنينة (باغجة) (شاه زنان) ابنة كسرى العادل (انوشروان). وهذه (شاه زنان) بعد ما استولى الحسين بن علي بن أبي طالب مع الصحابة على أبيها وعلى بلاده قيدت أسيرة فتزوجها الحسين بن علي المشار إليه. قلت هذه رواية العوام على علاتها. ويلي زاوية السطح (زاوية الصافي) والحد بينهما أو قناة أواردب (الذرعية) حفره ذريعي بن خدر المنصوري وعشيرته وهم من شمر طوقه (طوكة) وقد وجدوا في ضحضاح شاطئ دجلة عند فم هذا النهر الجاري وقت الفيضان إلى أرض (السعدة) عند حفره لقطاً كخاتم ذهب ساقط فصه وأجراس ذهب
إلى غير ذلك. ووجدوا جثث أشخاص موضوعة في ما هو كالدن أو الراقود من خزف وعلى بعض تلك الجثث حلى من ذهب وغيره والذي وجد بعض ذلك ورأى بعضه رواه لي وهو من ثقافتهم. ويلي زاوية الصافي (زاوية الخناسة) ويلي الخناسة (اللج) وهكذا إلى الآخر. وأغلب هذه الزوايا وأراضيها المقابلتها أريض مخصب يزرع فيه الحنطة والشعير والهرطمان والحمص والسمسم والذرة البيضاء والصفراء والعدس والماش واللوبيا وتعرف عند أعراب تلك الجهات بالعوين الخ وهذه المزروعات يسقيها ماء المطر وفيضان دجلة وتسقى بعضها الدوالي. وجميع الزوايا الواقعة على الجانب الشرقي من دجلة من (باوي) إلى ما وراء (كوت الإمارة) تسكنها شمر طوقة وتزرعها. وبيوت هؤلاء العشائر في الشتاء خيم منسوجة من شعر المعز وهي مظالهم وكل مظلة منها مؤلفة من ثلاث أو أربع أو خمس شقاق (شكاك) حسب التمكن وعرض كل شقة ذراع وثلث أو نصف الذراع قل: متر. وطولها نحو من نيف وعشرين إلى ثلاثين ذراعاً فيضمون حاشية الشقة الواحدة إلى حاشية الأخرى ويخيطها الرجال وخيمهم في الصيف من شقاق شوب العوين أو اللوبياء ومعنى الشوب أنهم يأخذون قضبان العوين وسوقها بعد اصفرار ورقها وينقعونها في الماء مدة سبعة أو ثمانية أيام ثم يرفعونها منه ويخبطونها بالعصي والهراوي ويدقونها بالأخشاب والحجارة دقاً بليغاً إلى أن تصير كالقطن وهذا المدقوق يسمى عندهم بالشوب ثم تشرع النساء يغزلنه وينسجنه شقاقاً ثم يخيطها الرجال خيمة فيرفعونها بالأعمدة سقفاً للبيت. روى بعض شيوخ شمر طوقه الثقات الإثبات وأنا جالس بحضرتهم قال: قبل خمسة أو ستة أظهر أي أجيال كنا في الجانب الغربي من دجلة مع شمر الجرباء البدو تجمعنا جامعة واحدة وسابلتنا لا تقطع من الموصل والشرقاط إلى سوق الشيوخ والقرنة ولأمور عرضت لأجدادنا تظاهروا أي تدابروا فعبر أجدادنا من عبر دجلة الغربي إلى عبره الشرقي فتخلف في العبر الغربي كلبة من كلابنا وكان اسمها طوقة فأخذت امرأة منا تشليها قائلة طوقة! طوقه! طوقه! طوقه! طوقه! فسمى البدو شمر الجرباء أجدادنا بشمر طوقه إهانةً واستخفافاً بهم وسار هذا الاسم علينا إلى يومنا هذا فأصبحنا قبيلتين أو فصيلتين ولنا عشائر
نصرانية غسان
عديدة يجمعها الجدول الآتي: قبيلة أو فصيلة شمر طوقه (طوكة) وعشائرها. المناصير (وهذه العشيرة تنقسم إلى عشيرتي العياف والعمران)، الكفيفان. المردان. الشويفي. الهذيل. البنوة. الداورة أو الدعيرات. المجابلة (أي المقابلة) (ومنهم الشيخ بطيخ المشهور)، حميان (تصغير حميان)، الذلابحة. الكراغول (أي القراغول). العتبة، (الضم). الدعجة، (بالفتح)، الثوابت، الصدعان، الطليحة، (مصغرة)، النفتفشة، الشهيلات (مصغرة)، الهيرار، السكوك، العوال، الجعفر، الزكيطاط أو الزقيطاط (مصغرة)، الادلفية. (جميع هذه العشائر من المناصير إلى الزكيطاط تسكن الجانب الشرقي من دجلة وتزرعه). بنو ويس، الحريث (مصغرة)، المجمع (كمعظم) خسرج (أو خزرج) (هذه العشائر الأربع هم في جبهة جبل كرد ومن جبال مندلي وكرمنشاه) العزير (مصغرة). الزكاريط (أو الزقاريط). الاكرع (أو الأقرع). السعيد (ككريم) الزوبع، (هذه العشائر الخمس تنزل في ديرة أبي غريب والمحمودية والرضوانية في الجانب الشرقي من الفرات). المسعود (تنزل في الحسينية والمسيب والناصرية على الجانب الشرقي من الفرات) وجميع هذه العشائر تؤدي البيتية أي ضريبة السكنى وهي عبارة عن ثلاثة مجيديات على كل بيت وتؤدي خمس الزرع والكودة أي خراج الأغنام. هذا ما استطعت جمعه والإطلاع عليه في هذه الرحيلة والله الهادي إلى صراط مستقيم. بغداد في 28 آب سنة 1911م الشماس فرنسيس جبران (لغة العرب) تأخرت هذه المقالة إلى هذا اليوم لتكاثر المواد كما عندنا مقالات أخرى لم تنشر لهذا السبب عينه. فنطلب إلى الكتاب الأفاضل أن يعاملونا بالحلم والإناءة. نصرانية غسان - يظن بعضهم أن قبيلة غسان كانت نصرانية ولم تكن تعرف ديناً سواه. والحال أن الأمر لم يكن كما يقولونه. نعم إن أغلب تلك القبيلة كانت على دين المسيح لكنها لم تكن كلها عليه. ولنا على هذه الحقيقة التاريخية أدلة واضحة بينة نذكر بعضاً منها: أثبت دي خوي من أشهر الباحثين عن تواريخ العرب وتمحيصها في كتابه
2. 1900 6 - 7:: ما هذا ملخص كلامه: (كان بين القبيلتين العربيين (بين اللخميين والغسانيين) سبب من أعظم أسباب العداوة والنزاع وهو اختلاف الدين؛ فإن اللخميين عرب الحيرة كانوا وثنيين وأما تابعوا الغسانيين فكان بينهم عدد عديد من المتنصرين. فترى من هذا إنهم لميكونوا جميعهم نصارى بخلاف ما ذهب إليه دوشين - (1896) 113 - 1896 1905 336 وقد أبان العلامة دي خوي إنه في أبان فتح المسلمين ديار الشام كان بين قضاعة الذين كانوا يحاربون مع الروم ما يجاوز نصفهم ممن كانوا على الوثنية. ولذا صمم جيش المسلمين أن يناهزهم القتال في حين تهيؤهم للاحتفال بعيد لهم سماه المؤرخ ثيوفانس عيد النحر هذا ويؤخذ من كلام سقراط المؤرخ أن النصرانية ابتدأت أن تنتشر بين بني غسان في القرن الرابع للميلاد - 36. وراجع أيضاً المؤرخ روفينس - 6 والذي أثار في صدورهم تعشق هذا الدين قربات النساك وكراماتهم. وهذا ما يؤخذ من أقوال مؤرخي الغرب والشرق الأقدمين، ومن ترجمة القديس سابا التي كتبها كيرلس البيساني. وكان
الفكر سياح
الغسانيون والحيريون على جانب عظيم من التعصب والتمسك بعقائدهم وقد نقل المؤرخ بروكوبيوس أن العرب اللخميين كانوا يقعدون عن الحرب والغزو مدة من الزمن ولم يكونوا يناهزون أحداً القتال في الشهرين اللذين يتلوان انقلاب الصيف لأن هذه المدة كانت مخصصة للقرابين ولأعمالهم الدينية. فإذا انقضت استدركوا ما فاتهم بشن الغارات ومتابعة الغزوات. راجع كتابه 16 18. ومن الأصنام التي كانت تعبدها غسان مناة. قال ياقوت في معجم البلدان: مناة: اسم صنم في جهة البحر مما يلي قديداً بالمشلل على سبعة أميال من المدينة وكانت الازد وغسان يهللون ويحجون إليه. . . وكان الحارث بن شمر الغساني أهدى لها سيفين أحدهما يسمى مخذفاً والآخر رسوباً وهما سيفا الحارث اللذان ذكرهما عقلمة بن عبدة في شعره. . .) وقال اليعقوبي في تاريخه 1: 297 كانت تلبية غسان عند وقوفها عند صنمها: (لبيك رب غسان راجلها والفرسان.) وهذا سطيح الكاهن المشهور فإنه كان غسانياً إلا إنه لم يكن نصرانياً وإن كان خال نصراني من أهل الحيرة. هذا بعض ما عندنا من أدلة المؤرخين من أهل الشرق والغرب الأقدمين مع ذكر الأسانيد التي أخذناها عنهم وكلها تدل على أن غسان لم تكن كلها نصرانية كما إن النصرانية لم تعمها وإن غلبت على أفرادها. فإن كان لأحد ما يهدم هذه الحجج التاريخية بمعول برهانه فليأتنا به لنتابعه في رأيه. والسلام. الفكر سياح إنما الفكر سائح لا يجاري ... يقطع الليل كله والنهارا لم يمانعه بالسياحة شيء ... هو إن شاء سار أو شاء طارا من يجاري سراه وهو يجو ... ب البر طراً بلحظة والبحارا قوة حازها فأصبح فيها ... كيفما اختار سائحاً دوارا سائحاً ما له مقر ومأوى ... كل آن تراه ينزل دارا فزماناً ينحو القفار ويروي ... لك عن كائناتها الاخبارا وزماناً يهوى إلى طبقات الأر ... ض مستكشفاً لك الاثارا وزماناً إلى المجرة يرقى ... يكشف النجم ثم والاقمارا
فوائد لغوية
وزماناً يغوص كالحوت في البح ... ر فيبدي عن قعره الأسرارا وزماناً يختال بين رياضٍ ... يقطف الزهر يجتني الأثمارا وزماناً يطوف حول قبورٍ ... دراسات فيندب الاخبارا وزماناً يبيت بين حبيب ... ين فيملي عليهما الاشعارا وزماناً يأتي الطلول فينعى ... سالف الدهر والدمى والديارا وزماناً يعلو المنابر للوع ... ظ فيهدي بوعظه الفجارا وزماناً يقوم بين كؤوس ... وغوان فيخدع الابرارا وزماناً تراه يتبع نعشاً ... باكياً ينثر الدموع الغزارا وزماناً يسير خلف عروس ... باسم الثغر قد سلا الاكدارا وزماناً يعلو قصور أولى اليس ... ر فيختال بينها استكبارا وزماناً يأتي بيوت أولي العد ... م فيأبى دخولها استحقارا وزماناً يجول بين حروب ... لا يهاب الأهوال والاخطارا وزماناً تراه يعقد صلحاً ... بعد ما كان ثم اضرم نارا وزماناً تراه يدخل حانات المعاص ... ي فيحمل الاوزارا وزماناً يحتل هالة ذكر ... يذكر الله ربه استغفارا وزماناً يحل مسرح تمثيل ... فيبدي ما يدهش الابصارا وزماناً يجوب سوق عكاظ ... ينثر النظم ينظم الاشعارا هكذا يركب الخيال ويسري ... موقفاً وداراً فدارا تارة يصحب الدوارج بالسي ... ر وآنا يصاحب الاطيارا كم أرانا الفكر المنور أعجا ... زاً به ظل عقلنا محتارا وسيرقى مع الزمان إلى أن ... يتجلى بقدرة لا تجارى إبراهيم منيب الباجه جي فوائد لغوية 1 - غيور لا تجمع على غيورين ولا نشيط على نشيطين ولا يجمع جمعاً سالماً ما شابههما يظن بعض الكتاب إن كل ما يجئ على وزن فعيل أو فعول يجمع جمعاً
أسئلة وأجوبة
(صحيحاً) قياساً مطرداً ولهذا يقولون في جمع غيور ونشيط: غيورين ونشيطين وليس الأمر كذلك. فإن النحاة قد نصوا على أن جميع ما يستوي فيه المذكر والمؤنث وهو أغلب ما يكون في باب فعيل وفعول لا يجمع جمعاً صحيحاً بل يكسر. اللهم إلا ما نقل عنهم مجموعاً جمعاً صحيحاً. ولهذا لا يقال في جمع غيور إلا غير بضمتين ولا في جمع نشيط الأنشاط (بالكسر) ونشاطي (بالتحريك في الأولين والقصر في الآخر). 2 - لا يقال: المشاركة مع فلان خطرة. قد أكثر كتاب هذا العصر من قولهم مثلاً: المشاركة مع فلان خطرة وهم كثيراً ما يضمون إلى (وزن فاعل) في جميع صيغه وإشتقاقاته الأداة (مع) والحال معنى هذه الأداة موجودة في الصيغة نفسها لأنها تدل على المشاركة فلا يجوز إذا أن يقال: المشاركة مع فلان خطرة وإنما يقال (مشاركة فلان خطرة) وإنما تدخل (مع) في وزن تفاعل فيقال: التحارب معه مهلك) مثلاً. 3 - لا تقل: الكتاب تحت الطبع ويقول بعضهم: (الكتاب تحت الطبع) وهذا التعبير إفرنجي لا وجه مجازي عربي له إلا بتكلف وإنما العرب تقول في مثل هذا التعبير: (الكتاب يطبع) لا غير. أحفظ كل ذلك تصب إن شاء الله. أسئلة وأجوبة 1 - أصل كلمة قزلقرط كتب إلينا أحد أصدقائنا في بغداد: قال بحثتم عن أصل معنى زقنبوت ولم تبحثوا إلى الآن عن أصل كلمة قزلقرط فنرجوكم أن تفعلوا. قلنا: يلفظ البغداديون هذه الكلمة بضم القاف وتشديد الزاي المضمومة وسكون اللام وضم القاف الثانية وسكون الراء وطاء في الآخر والبعض يقولون قزرقرط وقزرقط بإبدال اللام راء في الأول وبحذف الراء في الثاني. وآخرون يقولون: قزل قوردا وقزل قورت وكلها بمعنى واحد وأصل واحد وهو التركي (قزل قورد أو قزل قورت) ومعنى (قزل) أحمر (وقورد أو قورت) دود والمراد دود
أحمر واسمه الثاني بالتركية (أت قورتي) وهو يتولد في الجلد أو اللحم على زعمهم ويكون سبب موت المصاب به ومحصل المعنى (عسى الدود يقع في جلدك ويميتك) ويحتمل أن تكون اللفظة من الكردية (قزلقرت) وهي دويبة كالدودة تتخذ لها بيتاً من هشيم الكلا تلصق ذنبها به وتمشي به وربما تأكلها الدواب فتموت منها. راجع كتاب الهدية الحميدية، في اللغة الكردية، تأليف يوسف ضياء الدين باشا الخالدي مادة قزلقرت. - وقد قيل أنها مركبة من (قوص) التركية ومعناها (منفوخ) (وقورت) أي دود ومحصلها واحد. وهذه اللفظة تستعمل للدعاء على الإنسان وهي كثيرة الورود مع غيرها فيقولون (وجع وموت وقزرلقرط). ونحن نرجع أنها بمعنى الدود الذي يتولد في جسم الإنسان. ولعل العبارة قديمة في هذه الديار. فقد جاء في أنشودة يهوديت (16: 21) يسلط على لحومهم النار والدود لكي يحترقوا ويتألموا إلى الأبد. ومن ذلك عبارة البغادجة (موت وقزلقرط) كأن هذا الدود يقع فيهم بعد موتهم لتعذيبهم وإن كان الميت لا يتألم عذاباً في جسمه لعدم شعوره حينئذ؛ إلا إن هذا التعبير يصور ما يتمنى للميت من الأعذبة تمثيلاً به. والله اعلم. 2 - المعلمة بمعنى الكتاب الحاوي لأنواع العلوم والفنون. وسألنا بصري: ما أحسن لفظة عربية تؤدي معنى اللفظة الإفرنجية السكلوبيذيا قلنا: أن: عن المعلم بطرس البستاني عرب هذه اللفظة بقوله: (دائرة المعارف) وهو تعريب اللفظة اليونانية الأصل المذكورة آنفاً لكنها أصبحت بمنزلة العلم لكتابه المشهور الذي برز منه أحد عشر جزءاً. هذا فضلاً عن أن هذه التسمية هي عبارة عن لفظتين. وهذا ما يجب أن يعدل عنه إلى غيره يكون في لفظ واحد إن أمكن. ولهذا لما قرظ جمال الدين الأفغاني كتاب دائرة المعارف أطلق عليه اسم (الكوثر) كما يرى ذلك في مجلة الجنان التي كانت تصدر قي ذلك العهد أي في الأجزاء التي ظهرت في سنة 1876 و1877. على أن الكوثر في اللغة هو: (الكثير من كل شيء ونهر في الجنة تتفجر منه جميع أنهارها.) فاستعار لهذا الكتاب هذا الاسم لجامع التفجر وهو تفجر العلوم من هذا الكتاب أو هذا النهر بيد أن الكتاب لو يوافقوه على هذا الاصطلاح لما رأوا فيه من التكلف فنبوا عن
استعماله واتخاذه ولم يقبلوه. فجاء المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي وعرض على الكتاب استعمال كلمات (كتاب موسوعات العلوم) قال في الطبيب لسنة 1884 - 1885 في الصفحة 330: كتاب موسوعات العلوم هو العنوان الذي أطلقه الملا أحمد بن مصطفى على هذا الجنس من التأليف في كتابه (مفتاح السعادة، ومصباح السيادة) والمراد بموسوعات العلوم مشتملاتها وما وسع كل منها. ويقال في جمعه (كتب موسوعات العلوم). فأقبل بعض الكتاب على اتخاذ هذا الاسم إلا أنهم اختصروه مكتفين بقولهم: (الموسوعات أو الموسوعة) استغناء بالجزء عن الكل أو من باب التلميح إلى الاسم الصريح. فقال الشيخ على من شوه هذا الاستعمال فكتب في البيان أسطراً يرد بها على صاحب اكتفاء القنوع بما هو مطبوع بما هذا نصه: (وكقوله في صفحة 357 في الكلام على مفتاح العلوم للسكاكي: (وهو موسوعة في علوم اللغة والبلاغة) ولا معنى للموسوعة في هذا الموضع ولكن استعمالها من سوء التناول وذلك على حد ما جاء له في صفحة 176 من هذا الكتاب حيث قال: (ومذ أعتني العرب بالفلسفة ساروا سير المصنفات (كذا) الحاوية الجامعة التي سماها بعض أهل عصرنا بالموسوعات) أهـ. ولم يسبق لأحد من أهل عصرنا ولا من غيرهم تسمية هذه المصنفات بالموسوعات ولكن هذه اللفظة أول ما ورد ذكرها في هذا العصر في مجلة الطبيب أيام تسليم عهدتنا إلينا وقد اتفق لنا ذكر كتاب من هذا الجنس فسميناه (موسوعات العلوم) ثم ذكرنا في الهامش ما نصه (النص المذكور) ثم قال: وإلى ذلك الإشارة بقوله: سماها بعض أهل عصرنا) مما كان يجب أن يصرح فيه بذكر المنقول عنه إذ لم يسبقنا أحد في هذا العصر إلى ذكر هذا اللفظ. على أن هذه التسمية ليست من وضعنا كما عرفت وكما صرحنا به هناك ولا هي على الوجه الذي ذكره ولكنه تصرف في هذه اللفظة بما رأيت حتى خرجت عن وضعها لفظاً ومعنى وانعكس وجه الاستعمال فيها فصارت اسماً للظرف بعد أن كانت اسماً للمظروف.) أه (البيان ص 184) ولكن هذا القيام على الكاتب المذكور وعلى من جاراه لم يؤثر شيئاً إذ بقي كثيرون يتخذون اللفظة الواحدة أي (موسوعة أو موسوعات) عوضاً من الألفاظ
الثلاث من باب تسمية الظرف باسم المظروف كما ورد في كتبهم أيضاً أو من باب أن اللفظة الواحدة تفيد ما يجئ معها من الألفاظ كالقاطرة التي تجر وراءها سائر مقطورات القطار. ولهذا رأينا أن أحسن كلمة تستعمل في هذا الوجه أن تتم فيه ثلاثة شروط: 1ً أن يكون مؤداها لفظة واحدة بسيطة لا مركبة حتى إذا أحتاج الإنسان إلى أن ينسب إليها بعض الألفاظ يسهل عليه العمل - 2ً أن تفيد هذا المعنى المطلوب بمجرد النظر إليها أو سماعها بدون أدنى تكلف أو بذل مشقة أو عناء لتفهمها - 3ً أن ينحى فيها مناحي العرب وأن تكون سهلة المأخذ والتلقي لا وعورة فيها ولا خشونة ولا ينبو منها السمع. والحال أننا لا نرى هذه الشروط مستجمعة إلا في كلمة (معلمة) وزان مدرسة والمفعلة اسم للمكان الذي يكثر فيه الشيء. والمكان هو بمنزلة الظرف. والدليل إنهم وضعوا ظروفاً كثيرة وهي تدل على المكان أو الأداة أو الإناء. كقولهم محبرة فإنها إناء يجعل فيها الحبر أي الظرف الذي يوضع فيه. ومثلها المشربة أو المصنعة والمخبزة والممدرة والمقبرة والمخبرة والمدنبة فضلاً عما فيها من معنى الوعاء أو الظرف أو ما شابه معانيهما. وقد فصل ذلك التاج في مادة حبر. كما إنهم وضعوا أسماء آلات على أوزان أسماء الأمكنة كالمصحف بضم الميم وسكون الصاد وفتح الحاء. ومثله المطرف والمغزل والمخدع والمجسد إلى غيرها. - وعليه تكون (المعلمة) بمعنى الكتاب الذي توجد فيه العلوم مدونة أو الديوان الذي تكثر فيه أنواع العلوم. وهذا هو المطلوب من قولهم السكلوبيذيا
باب المكاتبة والمذاكرة
باب المكاتبة والمذاكرة (سحر بابل وسجع البلابل) (أو) (ديوان السيد جعفر كما الدين الحسيني الحلي) طالعت بهذا العنوان مقالة انتقادية منشورة على صفحات الجزء الأول من السنة الثالثة من هذه (المجلة) فرأيتها تعرب عن أفكاري في انتقاد هذا الكاتب (سحر بابل وسجع البلابل) غير أن حضرة كاتبها ترك بعض انتقادات جوهرية لا أعلم كيف أخطأها سهم فكره الصائب وتعلق بغيرها دونها شأناً. مع انه كان على حضرته أن يجعلها واسطة قلادة مقالته. ولهذا أنشرها هنا تتميماً لما كتبه حضرة الفاضل (المنتقد) وخدمة للحقيقة التي هي بنت البحث فأقول: وجدت قول (لناشر) في (كلمته) ص 3 (وفي أخريات القرن الخامس انشأ الأمير العربي سيف الدولة منصور بن صدقة بن دبيس الأسدي في أرض تسمى بالجامعين غربي الكرخ على ضفاف غربي الفرات بل من جانبيه تلك البلدة القوراء، الحرية بما اشتهرت به من اسم الحلة الفيحاء) يخالف قوله في ص 4 (وكانت الحلة من أول القرن الخامس إلى أربع قرون هي دار الهجرة لطلب العلم عند الشيعة الأمامية) فإن ما أفاده حضرة (الناشر) يوضح أن (الحلة الفيحاء) كانت مدينة ممصرة قبل أن ينشأها سيف الدولة. إذ أنها دار الهجرة لطلب العلم في أول القرن الخامس على زعمه وأما إنشاء سيف الدولة لها ففي أخريات ذلك القرن على رأيه فليتأمل. ورأيت في مقدمة جامع الديوان قوله في ص 19 (ورتبته على مقدمة وأبواب وخاتمة) أما المقدمة والأبواب فهي مثبتة في الديوان. وأما الخاتمة فأظنها قد غلبت عليها يد التصرف فأسقطتها من المطبوع. أما في مجموع (جامع الديوان) فهي موجودة فيه وهي عبارة عن شذرة من نثر (الشاعر) ولعل حضرة الناشر لم يستحسنها فأسقطها فكان عليه أن يشير إلى ذلك أو يسقط قوله (وخاتمة) فإن حضرة الناشر كما نراه من تصرفه الولاية
باب المشارفة والانتقاد
المطلقة على الشعر والشاعر وجامع الديوان!! ورأيت في ترجمة (محمد الحسين) آل كاشف الغطاء في ص 100 ما نصه (هو محمد الحسين بن علي بن الرضا بن موسى بن جعفر كاشف الغطاء الذي تقدمت الإشارة إليه أحد أفراد الأسرة الجعفرية التي انتقلت من نواحي الحلة) مع إن الرجل لم ينتقل بنفسه كما يظهر مما كتبه الناشر بل كما قال المنتقد فإن الذي انتقل هو الشيخ جعفر نفسه جد جد الرجل ورأيت للناشر تصرفاً غريباً في بيت شعر من قصيدته البائية وهو قوله في ص 29: هو الجمود وإذا أردت مخالفها ... فأركن إليها وإلا أضرب بها العقبا فجعل الثعبا (مكان العقبا) وللناشر كثير مثل هذا التصرف الذي من بعد أن يثبته غلطاً إلى الشاعر نفسه. فجل من لا عيب فيه. نجفي باب المشارفة والانتقاد 1 - كتاب الفصول المهمة في تأليف الأمة لمؤلفه عبد الحسين بن شرف الدين الموسوي العاملي طبع في مطبعة العرفان. صيدا سنة 1330م وثمنه 11 غرشاً و30 بارة صحيحة. كثيراً ما يكون العنوان خلافاً لما في باطن التأليف أما هنا فقد صدق وصدق مؤلف هذه الفصول النفيسة فإن الكاتب حرسه الله قد افرغ كنانة وسعه ليصلح ما فسد ويرتق ما فتق. وقد راعى في كل ما قاله جميع آداب المناظرة مع إيراد البراهين المحكمة بنفس مطمئنة اطمئنان رجل يمشي في الجدد كيف لا (ومن سلك الجدد آمن من العثار) ونحن لا نتذكر أننا قرأنا كتاباً في مثل هذا الموضوع إلا واستهدف صاحبه لأنواع الملام لما يتسرب إلى كلامه من السب والذم والشتم واللعن والقدح والطعن. أما هذا الكتاب فقد نزه نفسه عن كل هذه المعايب ولهذا ننظر إلى المصنف وتصنيفه بعين الإكرام والإجلال ونحث المسلمين على أنواع الفرق على مطالعته. وإننا لنأمل أن تكون الطبعة الثانية منزهة عن بعض الألفاظ الغامضة عند الاستغناء كما هو ديدن بعض الكتاب الذين يهجرون الفصيح ويتشبثون بالمهجور من الكلام. فقد قال في ص 3 (هوادينا) بدلاً من (أعناقنا) وهذه
أدور على الألسنة وأقرب إلى الإفهام. وكل كاتب يكتب ليفهم أفكاره لا لكي يسترها بستار. ومثل هذه الألفاظ كثير كقوله في ص 4 سهو بنا بمعنى سهولنا أو ما يقاربه. وكقوله تتفرق في بيد العمران. والبيد لا توافق العمران. إنما توافق التوحش والخراب ونحوهما فاللفظة إذا على خلاف ما يروم الكاتب. وفي ص 149 من كلا الطائفتين والأصح من كلتا الطائفتين وأما أغلاط الطبع فكثيرة كقوله فص 4: ويستوثق نظام العدل والأصح ويستوثق. وفي ص 5 بخطابة نملئ والأصح تملأ وفي ص 13 المرجفين على حمية الجاهلية والأصح في أو بحمية الجاهلية. وفي تلك الصفحة والصلوة الخمس والصلوات الخمس. وفيها: لم توءمنوا بوضع الهمزة وراء الواو والأصح لم تؤمنوا (بوضع الهمزة على الواو) وفيها: الإسلام (وقد وضع الهمزة على الألف) والأصح وضعها تحتها. إلى غيرها مما لا يحصى. والأمل أنها تنقح في الطبعة الثانية التي نرغب أن تكون عن قريب. والله الميسر. 2 - صناعة البناء الإسلامية في القرن الثالث عشر في العراق للفاضل فيولة في 18 صفحة طبع في باريس الفاضل فيوله الفرنسوي من المغرمين أشد الغرام بصناعة البناء الإسلامية وقد طاف أكثر الديار الإسلامية إرواء لغليله فتحقق أموراً لم يسبق إليها. وقد كتب مقالات وكتباً في هذا الصدد فقدرها العلماء العارفون حق قدرها. وقد تفرغ المذكور لمعرفة هذا الفن في العراق خاصة لأنه عين مهندساً لولاية بغداد فهان له أن يحقق أموراً كثيرة لم تتيسر لغيره لبعد منالها عنهم. وهو اليوم قد زايل بغداد عن طريق فارس وقبل أن برحنا أهدانا رسالة عنوانها ما ذكرناه في صدر هذه السطور وهي تحوي بحثاً جليلاً عن المدرسة المستنصرية في بغداد التي لا يزال شاخصاً منها بعض الآثار الجليلة التي صورها المهندس المذكور وأخذ أقيستها وأورد الكتابات التي نقشت على حيطانها ونقلها إلى لغته الفرنسوية. وصور معها بعض الآثار الراقية إلى عصر العباسيين التي لم يعرفها رصفاؤه لعدم وقوفهم عليها. فجاءت رسالته أو مقالته هذه وافية بالمقصود. وقد وقع فيها بعض أغلاط طبع ظاهرة لكن ذي عينين كما في ص 5 تحريصاً على والأصح تحريضاً على. . . وفي ص 7 أجر من أحسن عملاً وطلباً للفوز. والأصح طلباً للفوز وفيها أمنوا
والأصح آمنزا وفي ص 17 خان خنية والأصح خان خرنينة. وما عدا ذلك فالرسالة مما يتنافس فيها المتنافسون. 3 - مصور بغداد أهدانا حضرة الفاضل محمد رشيد بك البغدادي وكيل رئيس أركان الحرب رسم بغداد الحالية والعباسية. طولها متر و24 سنتيمتراً في عرض 91 سنتيمتراً. وكان قد رسمها قبل 5 سنين فأتم طبعها الآن على الحجر في مطبعة الفيلق في بغداد حبا لإظهار ما هي عليه اليوم دار السلام من العمران. وقد خطط لكل قسم من الأقسام الآتية خطاً خصوصياً ليتبين للمطالع ما يريد الحصول عليه من: نخيل وبساتين وغابات وآجام ومزارع وأبنية ومخافر ومزارات المسلمين وبيع النصارى وكنائس اليهود والأراضي الرملية والمقامات والجوامع والخنادق والاسداد والطرق والجسور والقداد والأراضي الوحلية في أيام الشتاء والأراضي التي يصيبها فيض دجلة في أبان طغيانه هذا عدا ذكر المحلات والأسواق ومعاهد الإمارة ومنازل مشاهير القوم إلى غير ذلك. ونحن نفتخر بابن وطننا العزيز ونتوقع أنه يحسن طبعها إذا أعاده لأنه يخدم البلاد خدمة صادقة أطال الله عمره فخراً للوطن! 4 - بعض مقدمات مبتسرة في حفريات سامراء للدكتور ارنست هرتسفلد سافر الدكتور ارنست هرتسفلد من سامرآء في نحو أوائل تموز من هذه السنة بعد أن أتم جميع أشغاله بخصوص نبش آثارها. وقد أخذ جميع الرسوم اللازمة حتى إذا عاث الزمان فيها ولم يبق منها شيئاً تكون تلك المصورات حجة على من ينكرها. وقد ألف في أطلال هذه الحاضرة كتاباً في عدة مجلدات دقق النظر فيها وحقق جميع ما يقوله عنها وقد انشأ الآن تأليفاً صغيراً هو بمنزلة مقدمة لكتابه الكبير وهذا المجلد يحوي 46 صفحة و 15 لوحة حسنة الرسم بل بديعته والطبع في منتهى الجودة والقرطاس من أفخر ما يكون وقد طالعنا عدة فصول منه فوجدناها آية في التحقيق والتدقيق ونتوقع أن يكون التصنيف الكبير على هذا النسق من اختيار المعدات له ليكون أحسن مادة لأحسن جوهر. 5 - تاريخ مدينة زحلة تأليف عيسى إسكندر المعلوف
وهو يبحث في أحوال زحلة الجغرافية قديمها وحديثها ووقائعها وأسرها وعمرانها مع حواشٍ وتعاليق مفيدة طبع بمطبعة زحلة الفتاة في (لبنان) سنة 1911م. صديقنا المحبوب عيسى أفندي اسكندر المعلوف من كبار كتاب العصر وشعرائه المعروفين برقة حواشي النظم وحسن سبك العبارة مع تحقيق وتدقيق في كل ما يكتب وينشئ وأحسن دليل على ما نقول كتابه هذا في تاريخ مدينة زحلة فقد حوى فوعى من أخبار تلك المدينة ما لا يرى إلا في عدة مجلدات مختلفة المؤلفين واللغات والكتاب في 289 صفحة بقطع الثمن. وفي الآخر ثلاثة فهارس: الأول منها في أهم المواضيع الواردة في المتن والشرح والثاني في أسماء الأعلام الشخصية والثالث في الأعلام المكانية فنتمنى الرواج لهذا الكتاب لما تضمن من الفوائد والعوائد. 6 - آداب المراسلة للخوري بطرس البستاني كتاب التلميذ. - طبع في المطبعة العلمية ليوسف صادر في بيروت سنة 1913 في 174 صفحة بقطع الثمن الصغير. أحسن عصر امتاز بالإنشاء البديع هو العصر العباسي وما أخذ ظل دولتهم يتقلص إلا وأخذت دولة القلم تدول حتى بلغت في العصور الثلاثة الأخيرة أدنى دركات التعبير والسبك. ومنذ أن ظهرت الصحافة في ديارنا بانتشار المطابع نشأ بين ظهرانينا كتاب من جميع الطبقات وبعضهم يفوق بعضاً وما تبلج صبح هذا القرن حتى أصبح الكتاب النوابغ كثيرين ولا سيما في فن الترسل والإنشاء. ومن الكتب التي يشار إليها بحسن السبك العبارة وسلاسة الجري هذا المصنف الحسن في بابه لمنشئه الخوري بطرس البستاني ونحن على يقين أنه يروج كل الرواج لأنه منسوج على منوال عصري جمع إلى جودة تصوير الأفكار، بديع الابتكار. ونحن نأمل من المؤلف أن يصحح الطبعة الثانية مما وقع في هذه الطبعة الأولى من باب السهو كقوله في ص 5: يذكر. . . بعض صفاته المعهودة فيه بحيث لا تتجاوز الثلاثة والأصوب الثلاث. وفي ص 6 بدون تشوش وبلبلة والأفصح تشويش. وفي ص 7 يرقمه في ذيل الرسالة للجهة اليسرى والأحسن في الجهة اليسرى منها. وفي تلك الصفحة: المكان هو الموضع الذي تصدر منه الكتابة ولا بد من أن يكون مفهوماً بيناً: ولو قال واضحاً بيناً لكان أبين للمراد. - وقد وقع مثل هذه الأغلاط في كل صفحة تقريباً مع أن
مثل هذه الهفوات في مثل هذه المؤلفات تعد بالعشرات في الصفحة الواحدة وهي هنا قليلة بل نادرة وهذا ما جعلنا أن نقول: إنه من خير ما ألف في هذا الموضوع. 7 - التذكار المئوي لميلاد فريدريك اوزانام مؤسس شركة القديس منصوردي بول من سنة 1813 - 1913 لأحد الآباء اللعازريين. نشرت في مجلة الجسمانية بإدارة الآباء المذكورين. فريدريك اوزانام من رجال الخير المشهورين. وكانت اللغة العربية مفتقرة إلى ترجمة هذا الرجل الهمام فأنشأها أحد الآباء اللعازريين فنال بهذا السعي الممدوح شكر الناطقين بالضاد. آجره الله على عمله هذا وأثابه. 8 - الحسين ابن المنصور الحلاج بقلم ا. غولدزيهر - كان أغلب هم المستشرقين في بادئ أمرهم الإطلاع على أخبار العرب وتواريخهم والوقوف على أخبار بلادهم وديارهم إلى غير هذه المعارف التي كانوا يجنون منها فائدة لتوسيع مطلعاتهم على ما كان للشرق من المجد السابق. وكان الوقوف على أديان هذه الديار ونحلهم ومذاهبهم في المنزلة الثانية. أما اليوم فإن عنايتهم بالأمور الدينية الشرقية لا تقل عن عنايتهم بتاريخهم وبلادهم وممن يعد في أول طبقة العارفين بأحوال المسلمين وديانتهم وفرقهم وشيعهم هو بلا مراء العلامة الفذ غولدزيهر فإنك لا تقرأ منه عبارة تبحث عن فرع من فروع الإسلام إلا وتقر له إنه العلم الفرد فيه. وما يشهد على صحة قولنا هذا انتقاده لكتاب الطواسين الذي أبرزه إلى عالم المطبوعات المستشرق الفاضل لويس ماسنيون وقد تكلم عنه على مثال لم يسبق إليه. ونحن نتمنى أن يقوم في الشرق مثل ذاك المنتقد (بالكسر) وهذا المنتقد (بالفتح) إذ الأول يصرف سعيه وراء البحث البعيد الغور غائصاً على لآلئ الحقائق. والثاني يرحب بمقال صاحبه بصدر واسع مما يدل على سمو همته البعيدة الشان فحق أن يقال في كل منهما: هو الفاضل الحق الذي شهدت له ... بذاك مقامات العلى والمقاعد 9 - أعمال جمعية النهضة العلمية المؤسسة في الكلية الباسيلية في زحلة وهي عبارة عن كراسة فيها ذكر الجمعيات العلمية وتاريخ إنشاء جمعية النهضة العلمية والخطب التي ألقيت في كل سنة منها وأسماء الذين ألقوها ونظاماتها ونحو ذلك وهي في 32 صفحة بقطع الثمن فنحن نتمنى لهذه الجمعية رقياً حثيثاً وأن ينحى منحاها في المدارس الوطنية تعزيزاً للعلوم وتشويقاً إياها للطلبة وبسطاً لأسباب الحضارة والعمران.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
10 - طريقة الأخت بونفوى في مداواة الأمراض بالحشائش كثر اليوم في ديار الإفرنج حزب الذين يعيدون معالجة الأمراض بأبسط الطرق وأهونها. من ذلك المداواة بالعقاقير لا بنتاج المعادن ومن أحسن الكتب المفيدة في هذا الباب كتاب الراهبة بونفوى وأسمه بالفرنسوية لأنها لا تستعمل في جميع معالجاتها للأمراض نباتاً فيه سم بل الحشائش والعقاقير التي تذكرها فقط وهي كثيرة الوجود ومشهورة بين العوام. وقد قسمت كتابها قسمين أودعت القسم الأول وصف العقاقير التي تستعمل في كتابها مع رسمها وأودعت القسم الثاني الأمراض ووصفها ومعالجتها مع ذكر ما يحتاج إليه من مقدار ذلك العقار. والأمراض كلها مذكورة على حروف المعجم وقد ألحقت بالقسمين المذكورين قسماً ثالثاً ذكرت فيه نصوص الشهادات التي كتبها الأطباء في حقها وحق أدويتها وكذلك شهادات المرضى الذين شفوا باتخاذ عقاقيرها. والكتاب بسيط العبارة وهو يباع بفرنك في مطبعة في باريس. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - الزوراء كان مدحت باشا انشأ جريدة لبغداد يعتمد على أخبارها سماها (الزوراء) وكانت تنشر باللغتين التركية والعربية، وبقيت كذلك حتى أيام إعلان الدستور فأخذت حينئذ تبرز بالتركية فقط. - فساء ذلك جمهور أهالي هذه البلاد العربية السكان واللسان. أما الآن فقد عادت إلى لغتيها السابقتين وذلك من عددها 2418 الصادر في 7 شعبان 1331 الموافق لنهار السبت 12 تموز 1913. 2 - الأزبرق وآل حسن في طعان بلغ (الدستور) البصرية أن وقع طعان بل طحان بين عشيرة الأزيرق (الازيرج) وعشيرة آل مدلل إلا أن النتيجة لم تعرف معرفة بينة. 3 - عجمي السعدون والضفير تم الصلح بين عجمي السعدون والضفير وزال ما كان بينهما من النزاع وأسباب الخلاف والنفور. (عن الدستور)
4 - الأمن في الاحساء والقطيف لم يبق في الاحساء والقطيف ما يشوش الأفكار وعادت القوافل تروح وتغدو بكل راحة واطمئنان. (عنها) 5 - الإمام سالم بن راشد الخروصي الاباضي في سمائم استولى هذا الإمام على سمائم (سمائل) بعد محاربة عظيمة قتل فيها كثير من الرجال وأخذ يهدد مسقط فاضطر السيد فيصل إلى طلب المساعدة من حكومة إنكلترة دفاعاً عن عاصمة ملكه وما جاورها من الثغور فلبت طلبه وأنزلت الجنود الإنكليزية إلى البر واستعد الأسطول الإنكليزي الراسي في الثغر للحرب وسوف نرى النتيجة عن قريب. 6 - عزل والي البصرة في نحو الأسبوع الثالث من شهر تموز عزل علاء الدين بك الدروبي والي ولاية البصرة عن منصبه وأنيطت الأشغال بالآمر عزت بك. 7 - أشقياء الأعراب في جوار بغداد في نحو الأسبوع الثالث من شهر تموز غادر بعض الأدباء ولايتنا راكبين العجلات للذهاب إلى الأستانة. فلما وصلوا المحل المعروف (بقبر حمود) الذي يبعد عن المدينة ثلاث ساعات هجم عليهم أعراب من عشيرتي زوبع والبو عامر وأطلقوا الرصاص على المسافرين ولما قربوا منهم أخذوا ما كان عليهم من ثياب وغيرها تبلغ 50 ليرة وكانوا قد فعلوا مثل ذلك قبل أسبوعين في جوار (بغدادي) وحينما علم حضرة الوالي بالواقعتين أرسل على رئيس العشيرتين وأمرهما بالقبض على الأشقياء والأمل أن الأمن يستتب في عهد والينا سلمه الله! 8 - ابن السعود أرسل الأمير عبد العزيز السعود أخاه محمداً إلى عاصمة إمارته الرياض وأمره أن يرجع إليه بغزواته وجنوده بعد قضاء المهمة التي عهدها إليه. 9 - عشائر الجعارة قامت عشائر الجعارة على حسن آغا الذي أقرته الحكومة في تلك الأراضي طالبة إجلاءه عنها زاعمة أن أصحاب الحل والربط عهدت في زراعتها إلى الحاج مخيف. والأمل إن أرباب الحكم لا يجيبون طلب أولئك الأعراب لئلا يتسع الخرق على الراقع ويجري سائر أهل البادية مجرى أولئك العصاة فتقع الفوضى أعاذنا الله من شرها.
10 - واردات قطيف عهد الأمير ابن السعود في واردات القطيف فقط دون الصادرات إلى عبد الله القصيبي بمبلغ قدره 10. 000 ليرة. وقد صادر أملاك منصور باشا لدينٍ عليه قدره 10. 000 ليرة. 11 - جنود من الغواصين اجتمع لدى الأمير ابن السعود 5. 000 جندي وكلهم من أهل الغوص الذين تأخروا عنه في هذه السنة. وقد أعطاهم أسلحة وركاباً وكل ما يحتاجون إليه ورتب لكل منهم ليرة في كل شهر. 12 - الشارقة وأميرها وأمراء ما يدانيها ممن أتفق مع ابن السعود أهل الشارقة وشيخهم صقر بن غانم، وشيخ أم الاقيوين وهو راشد بن معلي. وشيخ رأس الخيمة وهو سلطان. أما صاحب البريم فلا يزال على عهده أي أنه محافظ على ولاء ابن السعود منذ نحو مائة سنة تقريباً. 13 - عتبة وصلت عشيرة عتبة إلى الاحساء وقيل أنها موالية الآن لأبن السعود (عن الرياض) 14 - حريق في بغداد في 28 تموز شبت النار في الساعة 5 بعد الظهر في بيت (ناوي) المرقوم بالعدد 36 في الشورجة في محلة التوراة وهي من محلات اليهود ثم اندلعت لهابتها إلى دارين مجاورتين له فأحرقت بعضاً منها ولم يحضر الجند لإطفائها إلا بعد ساعة بتمامها فتمكن من خنق أنفاسها بعد حصر لهيبها بهدم ما حواليها. ومن الغريب إن جرائد بغداد لم تلمح إلى هذا الحريق مع أنها تذكر بعض السفاسف التي لا شان لها! 15 - وسام أحسنت الدولة العلية إلى حضرة الفاضل الحاج الميرزا محمد رحيم البلبلي البادكوبي بوسام من الرتبة الثانية مكافأة له على خدمته للوطن والمعارف بتأسيس مكتبين في النجف وسامرآء وحث الآهلين على تلقي العلوم والآداب فنهنئ الصديق بهذه المنحة ونتمنى له الرقي والنجاح في أعماله. 16 - مصير ثروة البصرة، إلى أخوات رزنة على مسافة 40 دقيقة من مقر ولاية البصرة في الجهة الشمالية منها محلة تسمى (الصبخاية) يقطنها خليط من عشائر الغراف يبلغ عددهم نحو الألفين من ذكور وإناث وكلهم أصحاب جد ونشاط وعمل دائم لأنه حالما يسفر الصباح عن
وجهه الصبيح ينتشرون في المدينة للتحميل والبناء والخدمة في البيوت وبعضهم للبيع والشراء إلى أن يأتي المساء فيعودون إلى محلتهم وفيها نحو 700 بيت أكثرها صرائف. أما معدل كسبهم اليومي فيقدر بربية واحدة لكل واحد (أي نحو فرنكين) فيكون ربح الجميع في اليوم الواحد 2. 000 ربية على الأقل. وهذا المبلغ لا يصرف بل يدخر لأن أولئك الحراص لا يصرفون منه فلساً واحداً إذ يعيشون من فضلات البيوت ومن الطعام التافه كالسمك اليابس الزهيد الثمن وغيره. وإذ عادت نساؤهم إلى منازلهن تراهن حاملات على رؤوسهن حطباً للوقود التقطنه في طريقهن من هنا وهناك. وعلى هذا الوجه يكون دخلهم السنوي 720 ألف ربية أو 50 ألف ليرة عثمانية. ولهم طرق أخرى للكسب والجمع. وذلك إذا أثرى أحدهم ذهب إلى الغراف مسقط رأسه وعاش عيشه تناسب حاله. ومن الغريب أن سكان (الصبخاية) التي أصبحت من أكبر محلات البصرة وفيها كثير من البيوت المبنية بالطين ليسوا مكلفين بشيء من التكاليف الأميرية مطلقاً. نعم إن أشغال البصرة وتجارتها وسائر أعمالها متوقفة عليهم. ولو أنهم انقطعوا عن الأعمال يوماً واحداً لتوقف رحاها لكن على كل حال يجب أن تكون المصلحة مبادلة المنافع بين الطرفين ليكون التوازن على وجه سوي وهو الموفق. (عن الدستور بتصرف قليل العدد 63) 17 - الأراضي الأميرية في بغداد والبصرة اجتمع الأشراف في النادي الوطني العلمي في بغداد وعقدوا النية على مقاومة بيع الأرضين الأميرية بالمعالنات والتجمهر وبعد أن حصل المطالبون على رخصة عقد مجلس لهذه الغاية المع الوالي إلى الأستانة بما جرى فورد الجواب صريحاً بعدم بيعها وبإنشاء لائحة لتقسيمها على الآهلين. فلم يبق عذر بعد هذا للوطنيين أن بقوا جامدين في عزائمهم. وقد فاز البصريون بما فاز إخوانهم البغداديون والأمل أن أبناء العراق يهبون من رقدتهم ويشترون ما يتيسر لهم لكي لا يحتجوا بعد هذا على الدولة وعلى أبناء الغرب من ذوي الصولة. 18 - عجمي السعدون يقيم اليوم عجمي السعدون في الغبيشية التي تبعد عن البصرة نحو12 ساعة وقد أخذ في هذه الأيام يجمع حوله عشائر الأعراب ويجزل عليهم المال.
والظنون أن سبب ذلك هو خوفه من أولاد فالح باشا السعدون الذين يتحينون الفرص ليثأروا عمهم مزيد باشا الذي نهب عجمي جميع ما عنده من مال وسلاح وأثاث بينما كان نازلاً في بيته وبجواره فبرهن بعمله ذاك على أنه من أدنياء اللصوص وقطاع الطرق. (الدستور) 19 - انكلترة في مسقط لما رأت انكلترة ما للإمام الاباضي من توالي النصرات في أغلب الوقائع أخذت تعزز حاميتها في مسقط ونواحيها وزادتها 500 جندي وقد نقلتهم إليها من (كراجي) في الهند. وأنتشر أسطولها على طول الساحل وهو يراقب حركات العدو. ويظن إن هذه الثورة تقضي على استقلال مسقط التي تدخل عن قريب تحت أجنحة الحماية الإنكليزية. إلا أن السلطان رفض كل نجدة حتى الآن وفي 11 شعبان المنصرم (16 تموز) توجه سموه بقوة الجند إلى السيب ومعه نجله الأمير تيمور وفي نية الابن أن يتسلم القيادة العامة ويرجع والده إلى مقر إمارته. أما السيد نادر فلا يزال محصوراً ولم تصله نجدة إلى الآن. وقد حاول جرى الإنكليز إنزال ثلة من الجند إلى (السيب) فرفض السلطان الإجازة وبقيت الحالة على ما هي عليه من الحرج والعسر ولا بد للإنكليز من مساعدة السلطان لأن فتنة العدو قد استشرت وعمت الثورة سائر عمان ما عدا (صور) والقبائل التي لم تتظاهر بعدوان السلطان لم تجهر بموالاته ولهذا يظن أنها على الحياد. ويخاف من هجوم العدو على مسقط العاصمة إلا أن خبر ممالاة انكلترة للسلطان ينشئ في النفس ثقة واطمئناناً. (عنها) 20 - عشيرة العجمان هجمت طائفة من عشيرة العجمان على موضع اسمه (الرتقاء) بجوار الكويت ونهبت 300 بعير من العشائر الراجعة إلى الشيخ مبارك الصباح. 21 - سالم الخيون يقلب ظهر المجن كتب أحد الأدباء المتجولين في العراق مقالة إلى المصباح فأخذنا منها ما يأتي: قبل نحو عشر سنين كان (حسون الخيون) والد الشيخ سالم الخيون الحالي رئيساً لعشيرة (بني أسد) التي تقطن في الجبائش أو (الكبائش) وكان ديدنه قطع الطرق وسلب الأموال وقتل الناس مما دفع أصحاب الأمر إلى تأديبه فأخذت تطارده أشد المطاردة حتى ضيقت عليه الخناق فاضطر إلى أن يفر إلى
الجزيرة ليأمن العقاب فمات هناك غريباً. ولما كان غضب أولي الأمر عظيماً على آل خيون لما ركبوه من الموبقات شمل غضبهم سالماً الخيون أيضاً وهو صديق عجمي السعدون. إلا إنهم لم يعاقبوه على ما جنته يدا والده إذ لا تزر وازرة وزر أخرى فألقوا حبله على غاربه فأقام هو في البصرة حباً في الراحة. فظل هناك ردحاً من الزمن يتضور جوعاً حتى اضطرته المعيشة إلى الخدمة في مشارب القهوة سعياً وراء قوته. وفي سنة 1324هـ حل في دار النقابة البصرية طالباً إلى رب البيت أن يفرغ كنانة جهده في إعادته إلى عشيرته فأجيب طلبه وقد افرغ النقيب كل ما في وسعه وبذل النفقات اللازمة في مثل هذه الظروف حتى نجح وعينه أولو الأمر (يوزباشي الشبانة) (أي قائد العسس) بشرط أن يترك طريقة أبيه وسيرته ثم عينوه رئيساً لعشيرته بدلاً من أبيه. وإذ قد نال ما تمنى قلب اليوم ظهر المجن لآل النقيب فكان الأمر على هذا الوجه: لما تحرك بعض الاتحاديين البصريين في هذه الآونة وهموا بمطاردة المصلحين ودعوا إلى مساعدتهم عجمي السعدون قامت عشائر العراق من أقصاه إلى أقصاه فتوارد الرؤساء والشيوخ إلى البصرة زرافات ووحدانا لمعاضدة رجال النهضة الإصلاحية. وكان بين أولئك الرؤساء سالم الخيون مدعياً أنه أتى للأمر الذي جاءت من أجله رؤساء العشائر. غير أن كثيراً من الناس لم يصدقوا مدعاة لعلمهم أنه لا يقبل له بمقاومة عجمي لما له من المنفعة عنده لا سيما لأنه شاركه في الهجوم على أموال مزيد باشا السعدون. فكان نصيبه من تلك الأموال 5 آلاف ليرة مؤملاً مبلغاً آخر. ولم يدر في خلد أحد من البصريين أن يقلب سالم ظهر المجن لآل النقيب المحسنين إليه كل الإحسان. ولما اتضح الأمر ولم يبق شك في انقلابه هذا جاهر بعداوته وبغضه للمصلحين وأصبحت اليوم أمور البصرة قلقة ولهذا يسعى أولوا الحل والعقد إلى إرجاعها إلى مجاريها. والأمل أنها تعود عن قريب! 22 - آتي هذا اسم غريب لجريدة تركية بصرية تصدر الآن مرة في الأسبوع لصاحب امتيازها ورأس محرريها كركوكلي مكتوبي زاده عمر فوزي أفندي وقد وصل إلينا منها العدد 17 من سنتها الثالثة ونحن نود أن تكون عربية تركية لا تركية كلها وأن يغلب قسمها العربي على قسمها التركي. لوجودنا في بلاد عربية محضة فعسى أن يتحقق الأمل!
23 - الدستور اتصل بالمصباح أن قد وردت برقية من نظارة الداخلية تفيد تعطيل جريدة الدستور البصرية وأخذ صاحبها للمحاكمة. فنأسف لهذا النبأ وعساه أن لا يصدق لما في الجريدة من الأخبار المفيدة والخدمة الصادقة للوطن وأصحابه! 24 - وفاة الشيخ قاسم بن ثاني وشيء من ترجمته توفى الشيخ قاسم بن ثاني أمير قطر وينتظر أن يقوم مقامه من يكون له خير خلف ويقتفي أثره أحسن اقتفاءٍ! ولد الشيخ قاسم سنة 1216 على ما نقله سليمان أفندي الدخيل فيكون قد عاش 115 سنة بدون أن تظهر عليه علامات الشيخوخة لأنه كان في غاية النشاط والقوة وكان إذا ركب جواداً لا يجاريه فارس. وكان حنبلي المذهب متصلباً فيه يصرف جميع واردات أوقافه على الجوامع والخطباء والأئمة والمدرسين. وقد أقام عدة مدارس لا هم لمعلميها النجديين سوى علوم الدين فهم يدرسون في مكاتب قطر التوحيد والفقه والتفسير والفرائض والأصول والحديث وما أشبهها. والشيخ نفسه كان يلقى مثل هذه الموضوعات على القوم ويخطب فيهم خطباً دينية وعقب كل صلاة جمعة يحث المجتمعين على طلب علوم الدين وتوخي القربات وإتيان الحسنات. ومما يروي عنه أن أهل قطر اجتمعوا يوماً للصلاة في أوان الغوص ولم يكن عددهم سوى تسعة وثلاثين فدعا أحد مماليكه (وله ما يقرب من 50 مملوكاً) واعتقه في الحال فتم عدد الجماعة ثم قام وخطب وأقام الصلاة. وقد اعتق أكثر من 50 مملوكاً بين ذكر وأنثى. وللشيخ قاسم أوقاف كثيرة في البلاد العربية منها أربعة أوقاف كبيرة في نجد وأربعة مثلها في المذنب ومثلها في الاحساء والقصيم والبحرين وقطر وغيرها ويصرفها كلها في سبيل البر وكان رجل قطر الكبير إذ كان أميرها وخطيبها يوم الجمعة وقاضيها ومفتيها وحاكمها. وكان جواداً كريم الخصال مهتماً بكل من يجاوره بدون أن يغض طرفه عن أهل بيته. وكان قد تزوج بأكثر من تسعين امرأة وبعدد عديد من الإماء. وقد ولد له ما يزيد على 60 مولوداً بين ذكر وأنثى والموجود اليوم من أولاده: خليفة وثاني وعبد الرحمن وعبد الله وجوعان
وسبعة اسمهم محمد وثمانية اسمهم علي و9 فهد و10 عبد العزيز و11 ناصر و4 آخرون ليس لهم مماليك خاصة بهم وهم كلهم في خدمة والدهم وللأبناء الكبار أولاد كثيرون. وجماعة عديدة من مماليكه توالدوا في فطر فكثروا وانشئوا موضعاً لهم عرف باسم (بلدة السودان) ومن أخوة الشيخ قاسم الشيخ أحمد وكان قد قتل سنة 1323 وكان عمره نحواً من 60 سنة. وكان له من سفن الغوص نحو 25 وكان يشتري من الغواصين اللآلئ ويبيعها إلى التجار فيربح شيئاً كثيراً. ويقال إن مقتنياته تناهز المليون ليرة. هذا جملة ما يقال في هذا الشيخ رواية عن صديقنا سليمان الدخيل. والعهدة عليه. 25 - الحر في بغداد بعد أن سكن الحر نحو أواخر تموز وأوائل آب فأشتد في نحو منتصف هذا الشهر الأخير فتذكرنا قول العوام البغداديون: (آب اللهاب يشلع البسمار من الباب) وغامت السماء من اليوم 14 إلى اليوم 26 حتى خلنا أنفسنا في أيام الشتاء واحتجبت الشمس عنا في بعض الأيام كل الاحتجاب. وأعظم حرارة وصلنا إليها كانت 46 درجة من المقياس المئوي في 17 و23 آب وذلك في الظل وعليه يكون حر بغداد قد فتر عما كان عليه سابقاً لأنه كان يبلغ الدرجة 48 وبعض السنوات الدرجة 50. ولما كان أوان اشتداد الحر قد مضى. فالمظنون أن حمارة القيظ قد ولت. 26 - جرح أحمد بك البكباشي أطلق عبد المجيد كنة على أحمد بك البكباشي معاون مفتش المبذرقة ثلاث رصاصات فأصابت اثنتان منها فخذه فجرحتاه جرحاً غير خطر وذلك ليلة السبت 16 آب في محلة دكان شناوة في نحو الساعة 11 ليلاً. وقد نسب بعضهم هذه الواقعة إلى غايات سياسية وليس الأمر كذلك بل إنما المسألة مسألة غصب أملاك لا غير. قالت النوادر: (إن الجناية لا دخل لها بالسياسة وإنما هي تتعلق بمسألة أراضٍ وقع الاختلاف عليها بين أسرة المظنون وبين محمود الوادي). 27 - النهب في شمال بغداد سافرت إحدى القوافل الذاهبة إلى ناحية الموصل في أواسط آب فخرج عليها بالفرحانيات قرب تكريت جماعة من الأعراب قطاع الطرق فنهبوا عشرة
ألفاظ عوام العراق
أحمال بدوابها وكانت أموالاً لتجار بغداد وبعد مرور أيام وجدت الدواب في نواحي الفلوجة مما يدل على إن أولئك البدو كانوا من الدليم إن لم يكونوا من زوبع فالأمل إن أولي الأمر يهتمون بتحصيل البضائع المنهوبة وتأمين طرق القوافل بوضع رجال الضبط في المخافر لتستتب الراحة في الولاية وأرجائها. 28 - تبرع الشيخ حمادي تبرع الشيخ حمادي رئيس عشيرة الأكرع من سكان الديوانية بألف ليرة عثمانية لتعمير دار العدلية. 29 - سرقة قافلة في نهية نهية من المراحل الواقعة على الفرات للسائر إلى حلب. وقد نهبت هناك قافلة كانت قد غادرت بغداد في أواسط آب واغلب أحمالها بضائع نفيسة تنقل إلى حلب والشام فخرج أعراب على أهل القفل وأخذوا منهم نحو 40 حملاً قيمتها نحو 2800 ليرة عثمانية فالظاهر من السرق أو النهب الذي جرى في هذين الشهرين الأخيرين إن أعراب البادية تريد قطع الطرق. ولعل هناك من يدفعها إلى هذه الأعمال. وإلا فإنهم كانوا قد خلدوا إلى الراحة منذ مدة طويلة فعسى أن أرباب الأمر تقلم أظافرهم وتخضد شوكتهم! ألفاظ عوام العراق آخ بويه لرنده عبارة تركية محرفة عن (آه بويار آل لننده) أو (الده) ومعناها: آه هذا هو الحبيب الحاضر أو (المهيأ) والعبارة بمنزلة أنشودة يتغنى بها نصارى بغداد خاصة دون غيرهم في زف العروس إلى خطيبها بعد دعاء الإكليل في البيعة أو في بيت أهل العروس فإذا صاروا في الطريق أو في الشوارع تغنوا بالأغنية إلى بيت الخطيب وأنشدوا غيرها معها وقد بطلت هذه العادة عند اغلب أغنياء المسيحيين وأدباهم إلا أنها لا زالت جارية شائعة في الطبقات الوسطى أو السفلى منهم. آذار يطلع السنبل من الأحجار يبتدئ الربيع في العراق (في شهر آذار) فإذا كانت أيامه الأولى أخذ السنبل بالانعقاد فنسب ظهوره إلى أيامه ولما كانت حرارته كافية لإنباته قالوا: يطلع السنبل من الحجار. أمير ضرب من المشروبات المسكرة المرة أحمر اللون يتعاطاه الأوربيون خاصة والكلمة فرنسوية الأصل معناها المر من ولا سيما أمير بيكون
(آتارات) ج اتار جمع أتر ويريدون بها الآثار. (أباطات) ج آباط وهو عندهم الإبط ومن الاصطلاحات العامية فلان أشتم جوا آباطه أي شم رائحة ما تحت إبطه ويريدون بذلك إنه أخذ يفقه أمور العالم ويميز غثها من سمينها ويقولون فلان دخل جوا إبط فلان أي خدعه وأغواه عن سواء السبيل. (ابانوز) يونانية وهي تحريف ابنوس العربية المعربة وبعضهم يلفظها ابانوص وصوابها أن تكتب ابنوس وهو خشب أسود صلب مشهور. (ابه أو عبه) تقولها الأم لرضيعها بمعنى غزير ولعلها مشتقة من العب أو الأب بشد الباء أو من العباب أو الأباب وهو معظم السيل. وتلفظ ابه أو عبه بتشديد الباء المفتوحة. (اببا) لفظة تلقنها الأم لرضيعها تعويداً له النطق بادئ بدء ومعناها الأب لشديد احتياج الأطفال إلى والدهم بعد أمهم وهي أول بنت شفة ينطقها الصغار على الأغلب وقد ذهب بعضهم إلى أنها من ابب أي صاح. والكلمة اببا تلفظ بتشديد الباءين وفتحهما. (أبة) كلمة عربية الأصل محرفة عن أبهة ومعناها العظمة والكبر فإذ قيل فلان يحسب نفسه من الأبة أو يدعي من الأبة كان المطلوب أنه من الأغنياء أو العظماء. وتلفظ على وزن قبه. (ابدالك) عربية عامية منحوتة من (أنا بدل لك) والبعض يقولون افد لك وهي تصحيف (أنا فدى لك) يستعملها يهود العراق في مخاطباتهم خاصة ويريدون بها مجرد التوسل والتضرع والالتماس والطلب. (أبدى) يستعملونها بمعنى أولى فإذا قالوا مثلاً نحن أبدى منكم في هذه الديار يريدون بذلك أولى وأحق من اشتقاق فصيح من بدا يبدو أي ظهر وهي هنا للتفضيل. (ابراتيك) عن الافرنسية وعربيتها الإدمان والممارسة والتمرن وبعضهم يقولون ابراكتيس وهي عن الإنكليزية بالمعنى المتقدم ويستعملها بالخصوص بعض طلبة مدارس الأجانب. (إبراهيمي) نغمة مشهورة في العراق يعرفها كافة المغنين والموقعين على آلات الطرب. والإبراهيمي أيضاً ضرب من التمر معروف في ديار العراق ويسمى بعضهم أيضاً الجزر بهذا الاسم. (ابرش) ما كانت به نكت بيضاء وغير بيضاء أما العراقيون فيريدون بالابرش الأبيض الوجه من الناس الأصفر الشعر صفرة ناقعة والأنثى برشاء. (ابرص) معناها في اللغة الفصحى مجذوم وهي لفظة تطلق على من كان شديد البهق ذا شعر أصفر مائل إلى البياض وفصيحها أصهب والصهبة حمرة تضرب إلى البياض ويوجد أيضاً في بغداد ضرب من الحمام يعرف بهذا الاسم ويجمع على برص وهو خالص البياض أي بياضه يقق ومسرول (أي مغشى القدام بالارياش) ولبعضها قنبرة أو كشة. (إبرة وخيط) اصطلاح عامي يقولون فلان صار إبرة وخيط أي هزل هزالاً شديداً ولم يبق منه سوى الجلد والعظم وهو مثل قول العرب القدماء رجل جراقه وما
عليه جراقة لحم أي شيء منه والعوام تقول أيضاً من الإبرة إلى الخيط إذا جهز الإنسان بكل لوازمه وحوائجه. (ابروش) لفظة إنكليزية وهي التي عربها بعض اللغويين بصورة فرشاة أو فرشة وعربها آخرون بصورة شعرية والأحسن هلبية من لهب وهو شعر الخنزير الذي يتخذ منه هذه الاضمامة. (ابريد) عن الفرنسية وهي عروة الأبزيم أو عروة الزر أو مشبك معقوف مصنوع من النحاس الأصفر وأصل معنى هذه الكلمة اللجام أو العنان فاستعيرت مجازاً لعروة المشبك إذ كما يكبح الفرس باللجام تشبك العروة بالإبزيم وتمنع انفتاحه وهي نصرانية الاستعمال. (الابريسم) الحرير والبعض يقولون فلان ابريسم ابيض يريدون بذلك الرجل الدمث الأخلاق اللين العريكة اللطيف المعشر لأن الابريسم الأبيض عندهم يصلح لكل لون. (ابريسمي) ضرب من الثوب الدقيق الخيط الفاخر المس تتخذه السيدات لصنع أثوابهن واسمه يدل على مادته واللفظة فارسية. (إبريق وابريك وابريج) ج بركان وبرقان وبلسان اليهود والنصارى ابغيق تحريف إبريق ج أباريق وهو إناء من خزف أو معدن له عروة وفم وبلبلة معرب آب ريز بالفارسية ومعناه صاب الماء وقد جاءت هذه اللفظة متشابهة في بعض اللغات كالتركية والكردية والسريانية ومن أمثال عوام العراق: فلان يودي لقن (أو لكن) ويجيب إبريق. أي ينقل لقناً ويجئ بإبريق ويريدون بذلك أنه ينقل كلام الناس من واحد إلى آخر أو يتدخل في ما لا يعنيه متعرضاً لكل شيء أو ينقل الحديث من واحد إلى آخر لمجرد النميمة. (أبريل أو افريل) إفرنجية الأصل يستعملها بعضهم بدلاً من نيسان وإبريل فول عن الإنكليزية - محصورة الاستعمال في بعض المتفرنجين واللفظة العربية التي تقوم مقامها في العراق كذبة نيسان أو كما يقول بعضهم (عيد الكذب) (ابريم) ضرب من التمر حسن للغاية أصفر اللون وبعضه أحمر مائل إلى الصفرة مدور الشكل صادق الحلاوة وهو من أجود تمر العراق راجع لغة العرب 1: 443 ولعل اللفظة تصحيف بريم العربية فعيل بمعنى مفعول وقد سمى بذلك لاستدارة شكله. (ابزار أو ابزاغ) خيوط تعقد وتوضع على القصب وتربط بحبلي الدواسة عند الحاكة فعندما يبدأ النساج بالنسج تأخذ بالهبوط والصعود وهي إما تحريف آبز العربة المنشأ أي وثاب وإما تحريف البزاء وهو خروج الصدر ودخول الظهر وهذا ما ينطبق على عمل الابزاغ أشد الانطباق وقد يحتمل أنها مصحفة. (آبسوار) الفارسية ومعناها السابح الذي تقذفه الأمواج فيكون تارة فوق المياه وطوراً في ما بين لججها. (ابزيمات) ج إبزيم والصواب أن تجمع على ابازيم وهو لسان في رأس المنطقة أو
الحزام ينشب في الطرف الآخر. (ابساط) صوابها بساط بحذف الهمزة ومن اصطلاحاتهم فلان مات على ابساط الفقر وفصيحها ماله سعنة ولا معنة أو لا يملك شروى نقير. (ابساع) عربية عامية أصلها بهذه السرعة ويقولون فيها أيضاً إسا أو هسا أو إسع أو هسع أي هذه الساعة وللسا أو لسع أي للساعة. (ابشارة) صوابها بشارة بحذف الألف وبعضهم يقول بشراوية ويؤيد بها حلوان البشارة أو البشرى. (ابشر) يقولها الصانع أو التلميذ لأستاذه إذا طلب منه أن يتقن عملاً أو يسرع في إنجازه ويقصد بها سمعاً وطاعة. (ابقع) هو الرجل العي العاجز أو الأخرق الأحمق ومن أقوالهم فلان كأنه غراب أبقع أي يشبه الهبقع. (ابكم) من لا يستطيع أن يعبر عن أفكاره والعاجز الأبله الذي يأتي الأمور بغباوة وجهل فظيع فصيحه عبام أو طباقاء. (ابلية سوداء) صوابها بحذف الألف اصطلاح عامي يقال للبارع الأريب الذي يحل المعضلات بحذق وذكاء عجيب أو للمحتال المكار الذي يضر الناس بطرق مختلفة وأساليب عديدة من حيث لا يشعرون ويرادفها بالعربية داهية دهياء أو رجل باقعة. (إبليس) يستعملها العوام أيضاً بمعنى من يفحم صاحبه أو يعيبه حجة ومن كان حاذقاً فطناً. فصيحها عض وهو من كان ذا كيس ولب ونكر. (ابن الآخرة) تطلق عند بعضهم على الطفل الجميل الصورة الذكي الفؤاد السريع الجواب. (ابن الأصيل) تطلق على من كان والده طيب العنصر ومن أمثالهم خذ الأصيلة ونم على الحصيرة أي تزوج بفتاة ذات حسب ونسب ولو كانت فقيرة جداً. ويقولون أيضاً الأصيل إن خضعته ملكته والبدا أصل يستمرد معناه إن الكريم المحتد إذا أرشدته ملكته بخلاف السيئ الأصل فإنك إذا بادرته بنصيحة أنكرها عليك. (ابن الاوادم) أي ابن البشر وليس ولد العجماوات تقال لمن كان شريف الأرومة حميد الخصال أديباً حكيماً ويقولون أيضاً لمن يقصدون توبيخه بكلام لين يا ابن الأوادم لماذا فعلت الأمر الفلاني. (ابن الاحزيني) أي ابن الحزينة يستعملها اليهود لمن خالفهم في الرأي ويريدون بها الخبيث أو اللئيم أو النذل. (ابن الانكريزي) أي ابن الإنكليزي يراد بهذه العبارة من كان كثير البدع ناكراً للجميل أو المعروف كافراً بالنعم ولا يتلفظ بها اليوم سوى بعض الشيوخ فإذا سخط أحدهم على ولده وصمه بهذه اللفظة كأنه شتمه أعظم الشتم. (ابن البانياني) يستعملونها بمعنى ابن الكافر أو ابن الزنديق والمنافق والبانيان
مريم
لفظة هندية الأصل من (بانيا) المصفحة عن السنسكريتية (فاني) ومعناها تاجر والبانيان طائفة من الهنود جل مهنتهم التجارة ولهم دين خاص بهم. رزوقي عيسى مريم (حادثة معربة من الفرنسوية عن الرسائل البائية تابع لما في السنة1: ص 288) كل ذلك جدد المشهد الذي رأت فيه مريم وفاة أمها بعد أن شهدت تململها على فراش المرض والموت. فحدت بها هذه الأفكار إلى الذهاب إلى قبرها وهناك أطلقت العنان لأحزانها وما زالت تبكي وتنتحب وهي وحدها في مقبرة الناصرة التي لا تبعد كثيراً عن المدينة. لكن يا للعجب! من هذا الرجل الذي يتقدم منها رويداً رويداً وهو يقود جواداً أصيلاً؟ رجل يتلفت ذات اليمين وذات الشمال كأنه خائف أو منهزم من بلية ذات بال. رجل يناهز عمره خمسة وعشرين عاماً طويل النجاد ثيابه ثياب العنزيين وفي منطقته سكين منعطف الرأس لامع الفرند تحيط به غدارتان مرصعتان بالحجارة الكريمة وموشيتان بالذهب والفضة. رجل أسيل الخد هزيل البدن أسمر اللون أبي النفس حسن الطلعة غلا إلا إن ظواهره تنم عن هوى وجوى؟ يا الله! من هذا الرجل! وهاهو ذا قد دخل المقبرة. لما سمعت مريم وقع الحوافر ورأت الرجل صاحت صيحة كاد يغمى عليها. - وحاولت الفرار لكن أين المفر. أما هو فأطلق من يده عنان جواده وانقض على الابنة انقضاض العقاب على فريستها الحمامة وكم فمها واحتقبها على فرسه ثم أخذ ينهب الأرض نهباً كأنه البرق الخاطف. يقطع الجبال ويعبر الوهاد ويتغلب على العقبات ويركب الحزون والسهول ولا يبالي ببلية مهما عظمت أو صعبت حتى جاز مسافة قدرها خمس عشرة ساعة لمن يسير على أقدامه سيراً حثيثاً. فنزل على ساحل بحر الجليل في وسط اخربة ينعب بها البوم هي اخربة كفر ناحوم. تلك المدينة التي لم تنب إليه تعالى ولم يرد سكانها أن يؤمنوا بمعجزات المسيح وهي التي تحاسب في يوم الدين محاسبة دونها حساب سدوم. ولى النهار وانقشعت السحب وصحت السماء وظهر وجه البدر المنير الصبيح
الحسن وهو يتراءى في مرآه البحيرة ولسان الحال يقول فأفصح مقال: أما ترى الليل قد ولت عساكره ... مهزومة وجيوش الصبح في الطلب والبدر في الأفق الغربي تحسبه ... قد مد جسراً على الشطين من ذهب أما مريم فكانت في حالة الجمود يبكي لها القلب وإن قد من جلمود. وبعد أن أفاقت من غشيانها ورأت نفسها منقطعة عن جدتها وأبيها وكنيستها وأترابها وأقاربها كادت تجن مع جنون الليل. فقالت بعين عبرى وكبد حرى. وقد بلغ بها القنوط كل مبلغ: من أنت يا هذا؟ وما تريد ولماذا أبعدتني عن قبر أمي وحشاشة فؤادي فقال لها الغريب بصوت خافت: (لا تبكي يا عزيزتي، كفكفي دموعك يا نور عيني. لا تخافي مني. أني أنا ليث الوغى أذب عنك كل من يحاول أذيتك بأدنى شيء. أني أنا الذي تخر بين يدي الأبطال الصناديد إذا ما رأوني في حومة الوغى. اطمئني بالاً يا سيدتي وملكتي ومالكة قلبي. إني أدافع عنك بل وأدفع عنك الأسود ولو كانوا مئات وألوفاً. إني أسترك برمحي وجنتي اللذين اتقى بهما العدو الأزرق واصرعه بهما. وإنك لترين مجندلاً صريعاً يختبط بدمه كل من يجسر على أن يمس شعرة من شعر رأسك؟ وهل في الكون من يتجرأ على أن يسبيك أو يأسرك أو يهينك إهانة مهما كانت زهيدة؟ ومن ذا الذي يفكر بأن يمد يده إليك؟ إن رمحي يكرع الدماء وأعدائي تتمرغ بالتراب وتبقى معفرة فيه إلى ما يشاء الله. إنك حصن حصين لا ترامين لأني أنا وأنا لا غيري أنا مظهر ابن الشيخ الجليل ربيعة من قبيلة عباد أنا السيد القمقام والأسد الضرغام أنا بجانبك لأدفع عنك كل غائلة وأبلغك كل طائلة. إني مغرم بك غراماً عذرياً لا يشوبه أدنى دنس. إنك مولاة قلبي. من أنت. وأعرفك منذ مدة مديدة. واسمك أحلى من الشهد والعسل. اسمك أرق الأسماء وأعذب من ماء السماء. وأفعل في القلب من البدر في الليلة الظلماء. اسمك مريم. ولقلبي المجروح مرهم وبين الناس مكرم. . (لها تلو)
العدد 28
العدد 28 الجرامقة 1 - مقدمة البحث من الأجيال البائدة التي لا بقية لها اليوم الجرامقة. وقد اختلف العلماء في أصلهم ونسبهم كما ذهبوا مذاهب في لغتهم وتمدنهم. ولكي لا يقع ارتباك في تعريفهم نذكر أولاً رأي العرب فيهم ثم نذكر رأي الإفرنج ونختم البحث بما يعن لنا فنقول: 2 - رأي العرب في الجرامقة قال القلقشندي في كتاب نهاية الأرب، في معرفة انساب العرب: (الجرامقة هم أهل الموصل في الزمن القديم، من ولد جرموق بن آشور بن سام، فيما قاله ابن سعيد. وقيل: الجرامقة من ولد كاثر (أو جاثر) بن ارم بن سام فيما قاله غيره.) أه. وقال السيد المرتضى في تاج العروس: الجرامقة قوم من العجم صاروا بالموصل كما في الصحاح. وزاد غيره. في أوائل الإسلام. وقال الليث: جرامقة الشام انباطها، الواحد منهم جرمقاني، وهذا كالاسم الخاص. ومنه قول الأصمعي في الكميت: هو جرمقاني. ويقال أيضاً في الواحد منهم الجرمقي. وهكذا نسب أبو العباس أحمد بن اسحق الكاتب الشاعر) أه. وقال المسعودي في كتاب التنبيه والإشراف ص 78: وكانوا (أي الكلدانيون) شعوباً وقبائل منهم: النونويون (أي النينويون) والآثوريون والأرمان والاردوان والجرامقة ونبط العراق وأهل السواد) أه.
وقال ابن الفقيه في مختصر كتاب البلدان ص 35: قال الكلبي: علوج مصر: القبط؛ وعلوج الشام: جراجمة؛ وعلوج الجزيرة: جرامقة؛ وعلوج السواد: نبط؛ وعلوج السند: سبابجة؛ وعلوج عمان: المزون؛ وعلوج اليمن: سامران (وفي رواية: الأبناء وهو الأشهر). أه وذكر الطبري في تاريخه الكبير (1: 827) ملك الحضر وعده من الرامقة قال: وكان بحيال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر وكان بها رجل من الجرامقة يقال له الساطرون. . . والعرب تسميه (الضيزن) وقيل: الضيزن من أهل باجرمي وزعم هشام بن الكلبي: إنه من العرب من قضاعة وإنه الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الإجرام بن عمرو بن النخع بن سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. . . إلى آخر ما ذكره عنه. وقال مثل هذا القول تقريباً ابن الأثير في 1: 278 من الطبعة الإفرنجية والذين سماهم الطبري وابن الأثير وابن خلدون بالجرامقة سماهم الأصفهاني في الأغاني 2: 37 بني جرم أو بني الأجرام. وقال ابن خلدون (2: 68) لما هلك فالغ قام بأمره بعده ابنه ملكان فغلبه سوريان على الجزيرة. وملكها هؤلاء الجرامقة إخوانه في النسب بنو جرموق بن اشوذ (أي آشور) بن سام وكانت مواطنهم بالجزيرة وكان ابن أخت سوريان منهم الموصل بن جرموق فولاه سوريان على الجزيرة وأخرج بني عامر منها ولحق ملكان منها بالجبال فأقام هناك. ويقال أن الخضر (ولعل صحيح الرواية: ملك الحضر) من عقبه. واستبد الموصل على خاله سوريان بن نبيط ملك بابل وامتازت مملكة الجرامقة من مملكة النبط. . . ويقال أن يونس بن متي. . . من الجرامقة من سبط بنيامين بن إسرائيل من ابنه.) وقال المذكور في ص 69: ويقال: إن الجرامقة وهم أهل نينوى غلبوا على بابل ملك سنجاريف (سنحاريب) منهم. . . . ولما هلك بختنصر ملك من بعده فيما ذكروا ابنه نشبت نصر ثم من بعده بنيصر وغزاه ارتاق مرزبان كسرى من ملوك الكينية (الكيانية) فقتله وملك بابل وأعمالها وصار النبط والجرامقة رعية للفرس وانقرضت دولة النمارذة ببابل. هكذا ذكر ابن سعيد ونقله عن داهر مؤرخ دولة الفرس.).
وقال ابن الأثير (5: 56 من الطبعة الإفرنجية و5: 28 من الطبعة المصرية) وما أهل الشام؟ - هل هم إلا تسعة أسياف؟ سبعة منهم إلى وسيفان علي. وما مسلمة (بن عبد الملك) إلا جرادة صفراء أتاكم برابره وجرامقته وجراجمته وأنباط وأبناء فلاحين وأوباش وأخلاط. . . .) وفي تاريخ حمزة الأصفهاني (ص 39): (من بالشام وفلسطين من الجرامقة والجراجمة) وذكر لغة الجرامقة ياقوت الحموي في 1: 26 قال: قال محمد ابن أحمد أبو الريحان البيروني: الإقليم. . . هو الرستاق بلغة الجرامقة سكان الشام والجزيرة. . على ما ذكر حمزة بن الحسن الأصفهاني وهو صاحب لغة ومعني بها.). . . وممن تعرض لذكر الجرامقة المسعودي في مروج الذهب (7: 119) قال: انتهى (المعتصم) إلى الموضع المعروف بالقاطول فاستطاب الموضع وكان هناك قرية يسكنها خلق من الجرامقة وناس من النبيط على النهر المعروف بالقاطول آخذاً من دجلة فبنى هناك قصورا. . . وقال أيضاً في (8: 91): (وكان غناء النبط والجرامقة بالغيروارات وإيقاعها يشبه إيقاع الطنابير.) أه وقال ابن العبري (ص 131) الجرامقة هم قوم بالموصل أصلهم من الفرس. وقال صاحب الأغاني (16: 76) بنوا الأحرار. . . هم الفرس الذين قدموا مع سيف بن ذي يزن. وهم إلى الآن يسمون بني الأحرار بصنعاء ويسمون باليمن: الأبناء؛ وبالكوفة: الأحامرة، وبالبصرة: الأساورة، وبالجزيرة: الخضارمة؛ وبالشام الجراجمة) اه. وقد روى صاحب تاج العروس هذه النبذة بفرق ظاهر قال في مادة خضرم: الخضارمة: قوم من العجم خرجوا في بدء الإسلام فسكنوا الشام. وفي الصحاح: فتفرقوا في بلاد العرب. فمن أقام منهم بالبصرة فهم الأساورة (وفي الأصل المطبوع: الأساودة بالدال وهو خطأ واضح)؛ ومن أقام منهم بالكوفة فهم الأحامرة؛ ومن أقام منهم بالشام فهم الخضارمة (كذا والأصح الجراجمة)؛ ومن أقام منهم بالجزيرة فهم الجراجمة (كذا والأصح الجرامقة) ومن أقام منهم باليمن فهم الأبناء. ومن أقام منهم بالموصل فهم الجرامقة. أهـ وذكر صاحب لسان العرب الجرامقة قال: جرامقة الشام: انباطها
واحدهم جرمقاني. ومنه قول الأصمعي في الكميت: هو جرمقاني. التهذيب: الجرامقة: جيل من الناس. الجوهري: الجرامقة قوم بالوصل أصلهم من العجم.) أهـ. هذا جل ما جاء عند العرب عن الجرامقة وأنت ترى أن بعضهم لم يميز بين الجرامقة والجراجمة، ولا سيما اللغويين منهم ولهذا لاحظ علماء الإفرنج أن العرب لم يميزوا بين قوم وقوم. والأصح: إنهم لم يقولوا كلهم هذا القول بل بعضهم كما ظهر من ذكر أقاويلهم. 3 - رأي الإفرنج في الجرامقة كان رأي الإفرنج في أول عهدهم بالأبحاث الشرقية أن الجرامقة كانوا من الفرس؛ مستندين في ذلك على قول العرب أنفسهم وعلى ابن العبري وعلى الاسم نفسه لأن فيه الجيم والقاف وقد قالت العرب لا تجتمع الجيم والقاف في كلمة عربية. - وممن كان على هذا الرأي جميع علماء الشرقيات إلى عهدنا هذا حتى قام العلامة نلدكي فخالف من سبقه وقال أنهم من أصل رمي أو نبطي. وما قال ذلك إلا وتأثره جميع المستشرقين لمكانة هذا الرجل الكبير من العلم ووقوفه على أخبار الشرق وتواريخه وقوفاً عجيباً. على أننا وإن كنا لا نخالفه في إنهم كانوا ارميين إلا إننا نثبت إنهم كانوا من العرب لا من النبط السريانيين والكلدانيين كما ارتأى. ودونك أدلتنا: 4 - أدلتنا على أن الجرامقة كانوا عرباً أول دليل نؤيد به رأينا أن الجرامقة كانوا عرباً نأخذه من معارضة عبارة الطبري بعبارة الأصفهاني صاحب الأغاني وكلاهما من المتقدمين. والدليل الثاني نأخذه من نسب أحد مشاهير الجرامقة الذي أورده هذان الإمامان في العبارة المذكورة وهي: (إن الحضر كان قصراً بحيال تكريت بين دجلة والفرات وإن أخا الحضر الذي ذكره عدي بن زيد هو الضيزن بن معاوية بن العبيد بن الأجرام بن عمرو بن النخع بن سليح من بني يزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وأمه جبهلة (ويروي جيهلة) امرأة من بني يزيد بن حلوان أخي سليح بن حلوان. وكان لا يعرف إلا بأمه هذه. وكان ملك تلك الناحية وسائر أرض الجزيرة. وكان معه من بني الأجرام (وهم الذين سماهم
الطبري في 1: 827 وابن خلدون 2: 68 بالجرامقة) وسائر قبائل قضاعة ما لا يحصى وكان ملكه قد بلغ الشام فأغار الضيزن فأصاب أختاً لسابور ذي الأكتاف وفتح مدينة نهرشير (ويروى بهرشير والأصح بهرسير) وفتك فيهم فقال في ذلك عمرو بن السليح بن حدي بن ألدها بن غنم بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة: لقيناهم بجمع من علافٍ ... وبالخيل الصلادمة الذكور فلاقت فارس منا نكالاً ... وقتلنا هرابذ بهرسير دلفنا للأعاجم من بعيد ... بجمع م الجزيرة كالسعير قالوا: ثم إن سابور ذا الأكتاف جمع لهم وسار إليهم فأقام على الحضر أربع سنين لا يستغل منهم شيئاً ثم إن النصيرة (ويروى النضيرة) بنت الضيزن (اتفقت مع سابور فدلته على عورة المدينة) ففتحها سابور عنوة فقتل الضيزن يومئذٍ وأباد بني العبيد وأفنى قضاعة الذين كانوا مع الضيزن فلم يبق منهم باقٍ يعرف إلى اليوم وأصيبت قبائل حلوان وانقرضوا ودرجوا فقال في ذلك عمرو بن آله وكان مع الضيزن (الأبيات). . . قالوا: وكان الضيزن صاحب الحضر يلقب الساطرون وقال غيرهم: بل الساطرون صاحب الحضر كان رجلاً من أهل باجرمي والله اعلم) فأنت ترى من هذا الكلام الذي بسطناه بجملته إن الأجرام أو بني جرم أو الجرميين هم الجرامقة بعينهم لأن بعضهم سماهم باسمهم العربي والبعض الآخر سماهم باسمهم المنقول إلى الصورة الأعجمية الفارسية. - وأما مسألة الساطرون وهل هو الضيزن أم لا؟ وهل هو عربي أم لا؟ فهاتان مسألتان أخريان لا نتعرض لهما الآن. ودليلنا الثالث على أن الجرامقة هم بنو جرم هو: وحدة الاسم وإن اختلفت صورتاه. فجرم تلفظ (جرما) على اللغة الآرامية وهي لغة عوام ذلك العصر وجرما تلفظ (جرمق) بلغة الفرس وكانت يومئذٍ لغة سادة البلاد كما هو الحالة في العراقيين اليوم فإن لغتهم هي العربية ولغة الدولة الحاكمة عليهم هي التركية. قال المسعودي في كتابه الأشراف ص 91: جاء زرادشت بالكتاب المعروف بالابستا وإذا عرب أثبتت فيه قاف فقيل: الابستاق) اه وعلى هذا اوجه عربت كلمة جرمق هذه.
وحجتنا الرابعة ما ذكره صاحب الأغاني (في 11: 162) إن العباد (وهم أقوام شتى من نصارى العرب نزلوا الحيرة وكان أغلبهم من قضاعة) هزمهم سابور فصار معظمهم ومن فيه نهوض إلى الحضر من الجزيرة يقودهم الضيزن بن معاوية التنوخي فمضى حتى نزل الحضر وهو بناء بناه الساطرون الجرمقاني فأقاموا به. أهـ ومن مؤرخي العرب الذين ذهبوا إلى العربية الجرامقة ابن خلدون. قال (في 2: 171): كان بحيال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر وبها ملك من الجرامقة يقال له الساطرون من ملوك الطوائف وهو الذي يقول فيه الشاعر: وأرى الموت قد تدلى من الحض ... ر على رب أهله الساطرون ولقد كان آمناً للدواهي ... ذا ثرآء وجوهر مكنون وقال المسعودي: هو الساطرون بن استطرون من ملوك السريانيين قال الطبري وتسميه العرب الضيزن. وقال هشام بن محمد الكلبي: هو من قضاعة وهو الضيزن بن معاوية بن العميد بن الأجدم (كذا في الأصل المطبوع وهو خطأ والأصح الأجرام) بن عمرو بن النخع بن سليم (كذا والأصح بن سليح). . من قضاعة. وكان بأرض الجزيرة وكان معه من قبائل قضاعة ما لا يحصى. . وكان ملكه قد بلغ الشام.) أهـ. وذكر ابن سعيد (راجع ابن خلدون 2: 249) إنه كان لبني العبيد بن الأبرص بن عمرو بن عمر بن اشجع بن سليح (وبنو سليح بطن من قضاعة من القحطانية) ملك يتوارثونه بالحضر آثاره باقية في برية سنجار وكان آخرهم الضيزن بن معاوية بن العبيد المعروف عند الجرامقة بالساطرون وقصته مع سابور ذي الجنود من الأكاسرة معروفة أهـ. وممن صرح بعربية الجرامقة ابن صاعد الأندلسي في كتابه طبقات الأمم قال في ص 45 عند ذكره أخبار العرب ونقلهم إياها: (ومن وقع بجبلي طيء فعنه أتت أخبار آل اذينة والجرامقة) فهذا نص صريح على ما نذهب إليه. ولا سيما إذا علمت أن من مساكن بني جرم بعض ديار طيء. قال ياقوت في مادة القرينين: موضع في ديار طيء يختص ببني جرم. وقال في مادة الموقف: قرية ذات نخل وزرع لجرم في اجأ أحد جبلي طيء. وقال في فردة: فردة جبل في ديار
طيء يقال له فردة الشموس. وقيل: ماء لجرم في ديار طيء. وقال ياقوت في مادة جزيرة اقور: (لما تفرقت قضاعة في البلاد سار عمرو بن مالك التزيدي في تزيد وعشم ابني حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وبنو عوف بن ربان وجرم بن ربان إلى أطراف الجزيرة وخالطوا قراها وكثروا بها وغلبوا على طائفة منها فكانت بينهم وبين من هناك وقعة هزموا الأعاجم فيها. (قلت: ارتأى بعض العلماء أن معنى الفرثيين: الأعاجم وأخلاط الناس فلعل المراد بالأعاجم هنا الفرثيون) فأصابوا فيهم فقال شاعرهم جدي بن الدلهات بن عشم العشمي. صففنا للأعاجم من معد ... صفوفاً بالجزيرة كالسعير لقيناهم بجمع من علاف ... ترادى بالصلادمة الذكور فلاقت فارس منهم نكالاً ... وقاتلنا هرابذ شهرزور ولم يزالوا بناحية الجزيرة حتى غزا سابور ذو الأكتاف الحضر وكانت مدينة تويد فأفتتحها واستباح ما فيها وقتل جماعة من قبائل قضاعة وبقيت منهم بقية قليلة فلحقوا بالشام وساروا مع تنوخ). أهـ. ولو أردنا أن نأتي بجميع الأسانيد التي أوردها مؤرخو العرب لضاق بنا المجال وقد اجزنا بما ذكرنا خوف الإطالة على غير جدوى. وأحسن برهان نأتي به إثباتاً لما نقول هو شهادات أهل الغرب أنفسهم من رومان ويونان على إن أهل الحضر كانوا عرباً. فقد نقلوا في كتبهم على طرايانس قيصر أنه اخضع أمماً شتى لرومة حتى أن الرومانيين كانوا يسمعون كل يوم باسم جيل جديد يذعن لصولجانهم لم يسمعوا به سابقاً وقد أفضى الأمر إلى أن مجلس الشيوخ قرر أن يحبى طرايانس من مجالي الظفر والنصر بقدر ما يريد وعلى ما يريد. وقد كانت تهيأت رومة وإيطالية كلها لتستقبلاه بكل ما يليق به من الأبهة والعظمة والجلالة إلا إنه لم ير ذلك. والسبب هو أنه ذهب ليحاصر (الحضر) وهي (مدينة عربية) فلم يفلح واخفق سعيه وظن أنه سم فنهض مريضاً من تلك المحاصرة شاخصاً إلى بلاده لكنه لما وصل إلى سلندي (سليننتة في قليقية توفى فيها سنة 117
وقد ذكر المؤرخون مثل هذا الفشل للإنبراطور سويرس وقالوا أيضاً إنه اخفق في محاربته للعرب الذين كانوا في الحضر. بيد أننا لا ننكر أن كثيرين من المؤرخين يذكرون أسم الفرث أو الفرس بدلاً من أن يقولوا (الحضر أو عرب الحضر) حينما يذكرون هذه الوقائع وقائع الرومان مع أهل الحضر. ولا بد لذلك من سبب وها نحن نشرحه: يوم حارب الرومان عرب الحضر كانت هذه المدينة تحت سطوة الفرث الذين يسميهم العرب: الفرس (بفتح الفاء أي لا الفرس بضم الفاء أي ومنهم من يحمل الواحدة على الأخرى ويخلط اللفظين) أو كانت بلدتهم داخلة في أراضٍ يحكم عليها الفرث. وإذ كانت تلك المدينة على تلك الحالة جاز للمؤرخ أن يسميها بلدة عربية لأن اغلب سكانها عرب وبلدة فرثية أو فرسية لكونها كانت في أرض البرثيين أو كانت تحت حكمهم ومن هذا نشأ الاختلاف في التعبير على أن اغلب المؤرخين الأقدمين كانوا يروون الحوادث والوقائع ذاكرين أن العاهلين الرومانيين حاربا عرب الحضر لا غير. 5 - اعتراضات المخالفين لرأينا. قد يعترض علينا هذا الاعتراض وهو: إن أهل الحضر لم يكونوا عرباً لأن لغتهم كانت فرثية وسريانية أو جرمقانية ومن لم تكن لغته عربية لم يكن عربياً. قلنا: سبق الكلام على أن الجرميين كانوا في قلب بلاد الفرثيين أو البرثيين. وكان أهل الحضر يتكلمون ثلاث لغات: الفرثية لغة سادات البلاد، والسريانية لغة عوام البلاد وأهاليها، والعربية لغة القوم أنفسهم. وعلى هذا لا يكون تناقض ولا يقوم علينا اعتراض ذو شان. وكانت حالة الجرميين يومئذ كحالة التلكيفيين في يومنا هذا. فإن منهم من يعرف التركية وهم الذين يريدون الدخول في وظائف أهل الحل والعقد، والعربية وهم الذين يعيشون بين أهالي البلاد لكونهم عرباً، والآرامية وهي لغة أقوامهم أو بني عنصرهم. 6 - اللغة الجرمقانية هي فرع من اللغة الارمية ليس في كتبنا التاريخية والمعاجم اللغوية ما يهدينا إلى معرفة حقيقة اللغة المسماة بالجرمقانية، فإن المستشرقين لم يبتوا حكماً في هذه المسألة إلى يومنا هذا وذلك لأن ابن الفقيه يقول في كتابه: مختصر كتاب البلدان ص 77: (الروم
ملكانية يقرءون الإنجيل بالجرمقانية) ثم يقول في ص 136 من كتابه المذكور (الروم كلهم نصارى ملكانية ويقرءون الإنجيل بالجرمقانية فلا جرم أنه يتكلم عن روم ديار الإفرنج والحال إنه لم يقرءوا الإنجيل بالجرمقانية بل باليونانية أو بالرومية فكيف تؤول عبارة ابن الفقيه هذا المعروف أيضاً بأبي بكر أحمد الهمذاني. - قلنا: جرمقانية روم الإفرنج مبنية على وهم الملكانية أو الملكائية فيهم لا غير. ولما كان ملكائية ديار الشام يقرءون الجرمقانية في ذلك العهد ويفهمونها ظن الكاتب أن كل ملكائي يقرأ الجرمقانية ويفهمها. ولما كان اغلب روم الإفرنج ملكائيين حمل شيئاً على شيء وهذا هو سبب الوهم لا غير. وإلا فإن الجرمقانية بمعنى فرع من فروع الأرمية أشهر من أن يذكر. قال العلامة في السريانية الإنكليزي بابن سميث في معجمه السرياني اللاتيني الكبير ما معناه (1: 585) جرمقي وجرمقيا هو الجرمي أو الجرمقي أي من كان أهله من (بيت جرمي) وهذا اسم صقع. وبالعربية الجرمقاني والجمع الجرامقة وذكر ابن بهلول: اللسان الجرمقي. . قال سوبرس في كتاب له في النحو في كلامه عن اللغتين الأثورية والجرمقية: إن مزيتهما أنهما تبدلان الباء والفاء واواً. اه بحذف ذكر الأسانيد التي ينقل عنها. ومن هنا ترى أن الجرمقانية هي كالأثورية أي فرع من اللغة الأرمية لا غير وبدون ريب. 7 - ديانة الجرامقة كانت ديانة الجرميين أو الجرامقة الوثنية وعبادة الأجرام السماوية طالما كانوا في ديارهم العربية. ومن أوثانهم المشهورة عندهم يومئذ الأقيصر وذو الخلصة وغيرهما. ولم نعثر في مؤلفات القوم على من تنصر منهم وهم في ربوعهم بل إنهم تنصروا لما انتقلوا إلى الجزيرة إلى الصقع الذي عرف من بعد نزولهم فيه باسم (باجرمي أو بيت جرمي أو ديار بني جرم أو بلاد الجرامقة) وقد دانوا بالنصرانية منذ أول عهد انتقالهم إليها وتمسكوا بها كل التمسك. وإن لم يكونوا كلهم عليها في وقت واحد وفي جميع الديار التي احتلوها، وكان صقع باجرمي واقعاً في شرقي دجلة بين دجلة والزاب الأصغر وجبال حمرين ونهر ديالى. والدليل على إنهم انتحلوا المسيحية منذ القرون الأولى جملة من أشتهر منهم بالإمامة والقداسة والشهادة في عهد سابور الملك (سنة 330) ومن الأسقفيات التي تذكر في برنامج ايليا الدمشقي: شهرقرد (المعروفة اليوم باسم شرقاط أو شرقاد)، ودقوقا،
والبوازيج، وداراباد، وخانيجار. وقد شهد الصوباوي أن القديس شمعون (المتوفى سنة 330) هو الذي انشأ مطرنة الجرميين. وكان لها المقام الرابع بين المطرانات النسطورية كما يتضح ذلك من الطقس الحبري الخاص بهم. وكان يلقب أحيانا مطران تلك الديار بلقب مطران الكرخ وشهرقرد وباسلوخ أو بيت سلوخ أو كرخ سلوخ وهي كركوك الحالية وفيها كان كرسي هذا المطران. - ولما ظهرت النسطورية صبأ اغلب أولئك الأقوام إلى المذهب الحديث ولما عرفوا غلطهم رجعوا إلى دين آبائهم القديم أي إلى الكثلكة. قال بطرك الموارنة السيد بولس بطرس مسعد في كتابه الدر المنظوم المطبوع سنة 1863 ص 91 ما حرفه: (كان رجوع سعدون (أي سهدونا) الأسقف وشعب الجرميين أو الجرمقيين (الجرامقة) في بلاد العراق في زمان بطريركهم يشو عيهب الغدلي (أي ايشو عيهب أو ايشوعياب أو يشو عياب الجذالي) نحو سنة 630) أهـ. قلنا: وآخر مطران عرفنا اسمه من مطارنة الجرميين هو الأسقف سمعان الذي جلس على كرسيه في شهر شباط سنة 1318 وكان نسطورياً. وقليلون منهم انتحلوا اليعقوبية ومن مطارنتهم قسطنطين الذي رافق يوحنا السابع سنة 969 إلى القسطنطينية. وقال ماري بن سليمان في فصل الفطاركة ص 70: (وكاتب يوماً أسقف كشكر الآباء بالحضور وحضروا فاختاروا مروى الاركيذياقن وأهل الحيرة حنا نيشوع والجرامقة. وخالفهم يعقوب بن يزدين الكشكري واختار جيورجيس الراهب من عمر باحالا أهـ وهذا يدل على أن الجرامقة كانوا نساطرة في أيام حنا نيشوع الثاني. فترى مما تقدم ذكره أن اغلب الجرمين أو بني جرم أو الجرامقة كانوا نصارى في ديار الجزيرة لكنهم لم يكونوا جميعهم مسيحيين، إذ كان بينهم مجوسيون ولا سيما في الحضر نفسها. يشهد على ذلك هيكل الشمس الذي كان موجوداً في تلك العاصمة في عهد العاهلين الرومانيين طرايانس وسويرس. - ولما ظهر الإسلام في بلاد العرب دان به كثيرون منهم ممن كانوا في تلك الربوع. قال ابن خلدون في تاريخه (2: 247) في بني جرم ومواطنهم: بنو جرم بن ربان
بن حلوان بن عمران: بطن كبير (من قضاعة) وفيهم كثير من الصحابة. ومواطنهم ما بين غزة وجبال الشراة من الشام وجبال الشراة من جبال الكرك. 8 - ديارهم الأصلية ديار بني جرم الأصلية هي نفس ديار قضاعة لأنهم جذم منهم. على أنه قد جاء في كتاب صفة جزيرة العرب للهمداني (ص 163) ما هذا حرفه: ديار جرم من بين العرب متفرقة منها باليمامة، ومنها بالبصرة، ومنها بالعقيق ومنها بحضرموت. وكان لها دار بصعدة في وادي يشور ولها دار ما بين صنعاء ومأرب، ولها بدينة واحور مسلم وخاصة لبني دينار وبني سبيلة) أهـ وقد ذكرنا قبيل هذا كلام ابن خلدون في هذا الصدد ولاحظنا في الحاشية إنه مخطئ في كلامه ذاك وأن ما يشير إليهم وإنهم موجودون في أنحاء غزة هم جرم طيء لا جرم قضاعة. وقال صاحب الأغاني عن جرم قضاعة إن منازلهم كانت بالفلج (راجع 7: 118) وفي نواحي الشام مع محالفيهم كلب وعذرة (7: 118).
الشيخ عثمان بن سند البصري
ثم نزلوا السماوة. قال (في 11: 162): أغارت حمير على بقية قضاعة فخيروهم بين أن يقيموا على خراج يدفعونه إليهم أو يخرجوا عنهم فخرجوا وهم كلب وجرم والعلاف. وهم بنو ربان بن تغلب بن حلوان. وهو أول من عمل الرحال العلافية. وعلاف لقب ربان فلحقوا بالشام فأغارت عليهم بنو كنانة بن خزيمة بعد ذلك بدهر فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وانهزموا فلحقوا بالسماوة فهي منازلهم إلى اليوم.) أهـ. 9 - أوصافهم حينما كانوا في ديارهم القبائل كالرجال لها من يمدحها ولها من يقدح بها. قال زيد الخيل يمدح بني جرم عند الخليفة عمر: (جرم فوارس الغدرة، وطلاعو نجوة، ولا تحل لهم حبوة، ولا تراع لهم ندوة، ولا تدرك لهم نبوة؛ عمود البلاد، وحية كل واد، وأهل الاسل الحداد، والخيل الجياد، والطارف والتلاد. (عن الأغاني 16: 50) - وقال من يذمهم وهو حميد بن ثور الهلالي يكلم رجلين أرسلهما في قضاء أمر: وقولا إذا جاوزتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيين نهداً وخثعما نزيعان من جرم بن ربان إنهم ... أبوا أن يميروا في الهزاهز محجما قال ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء ص 231 من طبعة لبسيك: أمرهما أن ينتسبا إلى جرم لأن العرب تأمنها لذلها ولا تخاف منها غارة.) اهـ. 10 - الخلاصة هذا بعض ما وصلت إليه يدنا من التحقيق وهناك تفاصيل غير هذه وإنما اجتزأنا بما ذكرنا حباً للاختصار. ونحن نقضي العجب من أن دائرة المعارف للبستاني ومعلمة الإسلام لمستشرقي الإفرنج أرباب الفنون المتخصصين لها لا تذكر أن شيئاً عن الجرامقة ولا عن جرم أو بني جرم أو الجرميين أو الأجرام مع إنك رأيت خطورة هذا البحث ومنزلته من التاريخ مما وقفت عليه في مطاوي هذه السطور. فعسى أن يعوض عن هذا النقص بما يفيد القوم في الملحقين اللذين يدرج فيهما ما فات أولئك المؤلفين. هذا ما في وطابنا ومن زادنا تحقيقاً زدنا الشيخ عثمان بن سند البصري - 1 - مقدمة تمهيدية شكراً.
من أجمل القرون الأخيرة التي مرت على العراق وأبهاها وأحسنها وأرقاها القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة. إذ قد شيد فيهما مدارس للعلم وأندية للآداب ومساجد للعباد وزوايا (تكايا) للزهاد. ونبغ فيهما من العلماء والشعراء والفضلاء والصلحاء الكثير كآل الحيدري وآل السويدي وآل الرحبي وآل الألوسي وآل الشاوي وآل العمري وآل القزويني وآل الطالقاني وآل الطباطبائي وآل الازري وآل الشيخ جعفر الكبير وآل بحر العلوم وآل الخنساري وآل الطريحي وآل البحراني وآل الجزائري وآل عصفور وآل قفطون وآل النحوي وآل السيد سلمان الحلي وآل الشهرستاني وآل يسين وآل الكواز وآل الطبقجلي وآل المدرس ومن البيوتات كمحمد فيضي الزهاوي والسيد حيدر الحلي والشيخ حمادي نوح والشيخ جابر الكاظمي والسيد حسين العشاري والسيد جعفر الحلي والشيخ محمد الأعسم والشيخ صالح التميمي والملا عمر رمضان الهيتي وعلاء الدين الموصلي والشيخ محمد بن النائب والشيخ عيسى البندنيجي والشيخ خالد النقشبندي وغير هؤلاء الأماثل من الأعلام المشاهير ممن يضيق نطاق المجلة عن ذكر أسمائهم ومن جملة من نبغ منهم وأشتهر كل الشهرة الشيخ عثمان بن سند البصري المترجم قي هذه العجالة 2 - نسبه ومولده وشيوخه وأحواله الشيخ عثمان ابن سند البصري نجدي الأصل من عنزة بصري الموطن ولد في نجد في سنة 1180هـ - 1766م ثم سكن البصرة ولما ترعرع وشب قرأ القرآن وتعلم الكتابة ودرس قواعد الإعراب ثم أخذ العلم عن الشيخ محمد بن فيروز النجدي. من كبار العلماء النجديين، وعن اليتوشي وقرأ على الشيخ زين العابدين المعروف بجمل الليل المدني - عند وروده البصرة في فبغداد في سنة 1222هـ - 1807م - أوائل الكتب الستة وأجازه الشيخ المذكور وسلك في الطريقة على شيخ خالد النقشبندي ثم صار مدرساً في المدرسة الرحمانية في البصرة وبقى فيها مدة عمره وكان مالكي المذهب متعصباً جداً ونقل بعض العلماء إنه صار في آخر أيامه سلفي العقيدة وهذا غير صحيح لأنه تكلم على الوهابية في كتابه (نيل السعود) وذم طريقتهم بل شنع عليهم وهذا الكتاب صنف في السنة الأخيرة من عمره. وقال فيه (أعني المترجم) صاحب حديقة الأفراح لإزالة الأتراح: (هو طرفه الراغب وبغية المستفيد الطالب) أهـ وكان له في اللغة
باع طويل وقوة عارضة حتى قيل إنه كان يحفظ كتاب القاموس للفيروز بادي من أوله إلى آخره. 3 - مؤلفاته ألف المترجم كتباً كثيرة غزيرة المادة وقد أفاد في بعضها فائدة كلية منها شرح النخبة في أصول الحديث ومنها اهنأ الموارد من سلسال مدائح الشيخ خالد (يعني الشيخ خالد النقشبندي) ومنها كتاب منظم الجوهر في مدائح حمير ومنها رسائل في الأدب سماها فكاهة السامر وقرة الناظر وكتاب نسمات السحر وروضة الفكر ومن كتبه التي اشتهرت كتاب مطالع السعود في تاريخ داود وهو كتاب يبحث في سير الوزير داود باشا وترجمة حياته وشيوخه ومجيز به ويحكي بعض الوقائع التي وقعت في السنين الأولى من عمر الوزير المذكور والتي وقعت في أيام حكومته أيضاً بين أعراب المتفق وزبيد والخزاعل (خزاعة) ونجد والأعجام وكعب والأكراد وشمر وعنزة والعبيد وعقيل والدفافعة وغير هؤلاء الأعراب ويحكي أيضاً عن محاصرات البصرة وبغداد مبتدئاً فيه من سنة 1188 إلى سنة 1242هـ أي 1774 - 1826م وهي آخر أيام المؤلف وننقل هنا للقارئ نبذة وجيزة من الكتاب لا تخلو من فائدة وليطلع على فحوى الكتاب قال في المقدمة: (. . . وقد كنت وعدت حضرته العلية (يعني داود باشا) تأليف كتاب يتضمن ذكر أوصافه السنية. . . وذلك. . . في الرابعة والثلاثين بعد المائتين وألف. . . فاجتمع عندي من ذلك ورقات ونكات هي من حسنات الزمان. . . لكنها لما لم ينظم ببيان التأليف سمطها وطال عليها الزمن ذهب منها كل حسن ولكم عاتبني الأديب الأريب. . . عبد القادر بن عبد الله الحيدري قاضي البصرة في تأخير تبييض ذلك الموعود المرة بعد المرة وأخبرني إن الحاج محمد أسعد المشهور بابن النائب طامح منه عيون الهمم والمطالب إلى إخراجه من أدهم السواد. . . إلى أن ورد كتاب من بعض من تشرف بحلول أنظار سامي الجناب (يعني داود). . . وذلك في السابع والعشرين من رمضان. . . وما تضمنه الكتاب بعد السلام والعتاب إلى أن قال: (لا يخفى على شريف علمكم أنه تعلقت إرادة الحضرة العلية. . . بوصولكم إلى دار السلام لتفوزوا بما يغبطكم به الخاص والعام.) ولما علمت تعلق تلك الإرادة بوصولي
إلى دار السلام. . . اغتربت غارب الارتحال. . . ووافق دخولي دار السلام أثنى عشر ذي الحجة الحرام في عام أرخته (داود يمتثل أمره) سنة 1241هـ. . . ولما انصرفت من سراياه. . . ووصلت إلى البيت الذي بوأني إياه أرسل في الحال ما لاق من الكسوة واتبعها بعد أيام من الدراهم بحبوة. . . فشكرته نظماً ونثراً وخلدت له بهذا الأنموذج ذكراً لما علمت يوم دخولي بغداد إنه العلة لإرسال الكتاب من المواد فدونك أيها الوزير كتاباً لشمائلك عديم النظير. . . وابتداء تأليفة اليوم الحادي والعشرين عام أحد وأربعة بعد المائتين والألف (هجرية) إذ لم يكن فيه كلمة مما في تلك الأوراق بل ولا حرف لما ذكرت من اضمحلال أكثرها. . . مرتباً على سنين وأعوام أولها عام ولادة ذلك الهمام (يعني داود) مبيناً فيه في كل سنة ما وقع من الأحوال مما أحاط به علم مؤلفه من ثقات الرجال. . . مترجماً للوزراء من سليمان إلى سعيد ذاكراً لهم ما يليق ذكره في هذا الديوان ولمصاحب له أيده الله وخادم ولأناس من علماء مصره الأكارم ممن اطلعت على مواليدهم ونفائس أحوالهم ومن مات منهم ذاكراً ما سبق أزمنة وفياتهم. .) أهـ وفي هذا الكتاب فوائد تاريخية جمة لأنه يمثل للقارئ حالة العراقيين من بدو وحضر في أيام حكومة عمر باشا من سنة 1188هـ - 1774م ثم حكومة مصطفى باشا 1189هـ - 1775م فحكومة عبدي باشا في السنة المذكورة فحكومة عبد الله باشا 1190هـ - 1776م فحكومة حسن باشا سنة 1192هـ - 1778م فحكومة سليمان باشا الكبير 1193هـ - 1779م فحكومة علي باشا كتخدا 1217هـ - 1802م فكومة سليمان باشا القتيل 1221هـ - 1806م فحكومة عبد الله باشا الكردي 1225هـ - 1810م فحكومة سعيد باشا ابن سليمان باشا الكبير 1228هـ - 1813م فحكومة الوزير داود باشا 1232هـ - 1816م. ثم ذكر ما حدث في أيامه من الحوادث على ترتيب السنين إلى سنة 1242هـ - 1826م ويعلم مما تقدم أن معظم الكتاب في أخبار غيره (أعني داود) وهو كذلك لأن سيرة الوزير سليمان باشا الكبير والمحاربات التي وقعت في أيامه استوعبت من صفحات الكتاب أكثر مما استوعبته سيرة الوزير داود باشا من الصفحات. وقد ذكر المؤلف كثيراً من تراجم رؤساء القبائل والفرسان المشهورين وعلماء البصرة وبغداد والأطراف المجاورة لهما ثم ختمه بذكر من قرأ عليهم الوزير وأخذ
عنهم واستجازهم وجالسهم وقد ترجمهم على حسب معرفته بهم وإطلاعه على أخبارهم وأحوالهم. والكتاب في أكثر من 600 صفحة بالقطع الكبير وهو لم يتم لأن حكومة الوزير داود امتدت إلى أواخر سنة 1246هـ - 1830م والمؤلف توفى قبل ذلك بأربع سنين ونحو نصف هذا الكتاب شعر هو في مدح ورثاء وشكر وذم الذين جاء ذكرهم في الكتاب المذكور وأكثره في الوزير داود ونثر الكتاب كله مسجع على عادة كتاب القرون الوسطى وهي من أقبح العادات وهو خط لم يطبع إلى الآن ومنه في بغداد نسختان واحدة في المكتبة المرجانية وأظنها مكتوبة في أيام المؤلف وبخطه والأخرى في مكتبة الأباء الكرمليين وقد نقلت على الأولى بقلم إبراهيم أفندي بن عبد الغني الدروبي وكلتاهما بخط جلي صحيح وقد اختصره بعضهم فطبعه على الحجر وخطه أمين بن حسن الحلواني المدني وطبع هذا المختصر في بمبي في المطبعة الحسينية سنة 1304 في 63 صفحة بقطع الربع. ومن كتب الشيخ عثمان كتاب (سبائك العسجد في أخبار أحمد نجل رزق الأسعد) وهو في ترجمة حياة الشيخ أحمد المذكور من يوم مولده إلى مماته كما قاله مؤلفه بعد مقدمة نثرية وشعرية في المترجم قال في صفحة 13: (. . . وحين قضى لسان حاله من نعت بعض أحواله صمم العزم على ما قصد. . . من إنشاء ترجمته وذكر أحواله من مولده لموتته. . .). اهـ. وقد ترجم فيه أيضاً أحوال الرجال الذين جالسوا المترجم وصحبوه وخدموه وكاتبوه وعرفهم وعرفوه من أعيان البصرة ومشايخ الزبارة والبحرين والكويت وبعض أعيان نجد والبلاد العراقية وذكر فيه أيضاً القرى والبلاد التي قطنها المترجم وتاريخها فهو ككتاب مطالع السعود السالف الذكر إلا أنه خال من ذكر الحوادث والوقائع لا غير. والكتاب نصفه نثر ونصفه نظم ونثره سجع على نهج يورث القارئ الملل والسأم لأول نظرة ينظرها فيه وقد ذيله بذكر تراجم أولاد الشيخ أحمد المترجم فبلغ عدد المترجمين فيه 42 فاضلاً وهو مطبوع في مطبعة البيان ببمبي سنة 1315هـ في 117 صفحة بقطع الربع.
ومن مؤلفاته نظم قواعد الإعراب ونظم الأزهرية ونظم مغنى اللبيب ومنظومة في العقائد سماها: (هادي السعيد) ضمنها جوهرة التوحيد وزاد عليها، ونظم النخبة في أصول الحديث وله منظومات في علم الحساب ومنظومة في فقه السادة المالكية وله الصارم القرضاب في نحر من سب الأصحاب نظماً في نحو ألفي بيت وهو رد علي دعبل الخزاعي الموفى سنة 246هـ - 860 م. 4 - شعره وأفول شمسه كان الشيخ عثمان من المكثرين في النظم والمطيلين فيه فقد تبلغ القصيدة من نظمه مائتي بيت وفي بعض أشعاره ركة وفي بعضها رقة وجزالة وهذه قليلة ومنها وقد ضمنها كتابه (نيل السعود) قوله في ذم الدهر: شكوت فما أشكاني الدهر إنني ... لفي حيرة من ريبه وصروفه كأني قرن للزمان محارب ... إذا رمت سلماً سل حمر سيوفه سقى كل ذي جهل بكأس حياته ... وذا العلم ارواه بكأس حتوفه فلا تك بدراً كاملا في ضيائه ... إذا تم بدر حان وقت كسوفه وله أيضاً في ذم الدهر وقد ضمنها كتابه المذكور: كلما قلت إن دهري يصفو ... ورياح المنى بصفوى تهفو كدر الدهر بالخطوب اللواتي ... لم يذق لي من قدحها الغمض طرف فكأني من اعتلالي فعل ... يعمل النصب فيه والجزم حرف رقعتي أن يقال هذا أديب ... جاع بطناً وفيه ظرف ولطف وله أرجوزة جمع فيها أقسام الحديث قال بعد البسملة والحمدلة والصلاة: هذا وما إلى نبينا انتهى ... من سنن في الاصطلاح قستها لمتواترٍ وللمشهور ... صحيحها والحسن المأثور وصالح مضعف ضعيف ... مسندٍ المرفوع والموقوف مؤتمنٍ معاقٍ مدلس ... ومدرج عالٍ ونازل قس مسلسلٍ غريبٍ العزيز مع ... معانٍ فردٍ وما شذ أتبع متقلبٍ مديح مصحف ... وناسخٍ منسوخٍ المختلف دونكما على اختصار مجمله ... لكنها بديعة مكمله وله من أبيات كتب بها إلى الوزير داود باشا وهي من باب الجناس:
الشيخ السكير
صلوا صبكم إن الهوى قاتل له ... ومنوا عليه بالوصال لكم منا واسقوه من صهباء تقريبكم له ... مثلثة تحكي مذاقتها منا ومنوا بتكليم له حالة الرضا ... ليرجع بالمن الذي لم يشب منا إلى غير ذلك من أشعاره الكثيرة. وقد توفى كما هو مذكور في ظهر كتابه سبائك العسجد في بغداد سنة 1242هـ - 1826م ودفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي قرب مرقد زبيدة زوج الرشيد وقد قرأت في بعض المجاميع أنه توفى في سنة 1240هـ وقال مختصر كتابه مطالع السعود توفى سنة 1250هـ وهما خلاف والأول أصح كما تقدم من تاريخ تصنيف كتابه مطالع السعود ولو كان على زعم الأخير لأتم سيرة الوزير داود وأتى بذكر بقية أيامه ولما ترك تصنيفه هذا ناقصاً والله اعلم. كاظم الدجيلي الشيخ السكير قطعت من عمرك جل الطريق ... بمعصيات الله هلا تفيق تثنيك عن نهج النهى خمرة ... كما انثنى عطف القوام الرشيق خدر أعصابك خمر الهوى ... فرحت منه في سبات عميق ولهان عن غيك لا تنثني ... سكران لا تسمع نصح الصديق هوت بك النفس ولم تعصها ... إلى مكان من هواها سحيق نبذت ما قد يرتضيه الحجي ... واخترت من جهلك مالا يليق رفيقك الجهل وكأس الطلا ... فبئس ما اخترت وبئس الرفيق إلى م والعمر انقضى جله ... وأنت لا تصحو ولا تستفيق يكفيك تجديد المعاصي هوىً ... يا أيها الشيخ بحمرٍ عتيق حسبك شيباً قد بدا منذراً ... أن واسع العمر غدا في مضيق يا ويح شيخ قد قضى عمره ... وهو في بحر المعاصي غريق يلقى الذي يرشده عابساً ... وذا الغوايات بوجه طليق تباً له من بغنٍ مدمن ... زاغ ضلالاً عن سواء الطريق إبراهيم منيب الباجه جي
لواء السليمانية 1 - مدخل البحث لما كنت مغرماً بالبحث عن آثار بلادي وأحوالها، وما بلغته في سابق الأزمان، من الرقي والتقدم والعمران، مما جعل الأجانب يتحملون المشقات، ويبذلون الألوف من الليرات، فيأتون من بلاد نائية، وربوع قاسية، لرؤية ما أبقاه لنا أسلافنا من الآثار، والوقوف على ما كانت وصلت إليه تلك الربوع والديار، من التقدم المادي والأدبي، رأيت أن أسطر هنا مجمل ما علمته عن لواء السليمانية، الذي كان سابقاً مهبط الأمم الكبيرة، ومقر الأقوام التي شادت صروح العلم، وأعلت شأن الآداب، وما فيه اليوم من الآثار، والأبنية الفخمة، التي لم يبق منها سوى أطلال دارسة، وآثار مندثرة، تنطق بعظمة بانيها، ومدنية قدماء ساكنيها، بل أريد أن أبحث عما فيه من المعادن والمناجم الطبيعية، التي لو بذلت الهمة في استخراجها من بطون الأرض، لعادت على هذه الأمة التي تشكو الفقر المدقع، في بلاد هي أغنى بلاد الله، بمال وفير، وخير كثير، ورفاه وسعادة. وليعلم القابضون على زمام الملك إن هذه البلاد لا ينقصها شيء سوى الأقدام والثبات والتساهل مع أغنياء البلاد على استثمار مناجم بلادهم، وتخفيف وطأة الرسوم التي تضربها على المنقبين والضامنين للمناجم المعدنية. خذ مثالاً على ذلك (حمام العليل أو حمام علي) بجوار الموصل ذلك الحمام الذي اتفق الأطباء المهرة، من أجانب، ووطنيين، وسياح وآثريين، على أنه لا نظير له في العالم، وهو يفوق كثيراً حمامات (مارينباد) في النمسا التي تقصدها، من كل فج وصقع الملوك، والقياصرة، والنظار، والأعيان والأغنياء من كل أمة وملة، للاستحمام به وقضاء عطلة الصيف فيه، فلو أن الحكومة اتخذت الوسائل المطلوبة، للاعتناء به، وتنظيمه على النحو ما هو جار في أوروبا لدر على الخزينة الذهب الوهاج، ولحصل الشعب على فوائد كثيرة، منها هذه المياه التي هي أحسن ما جاء من نوعها، يستشفى بها أرباب الأمراض، والعاهات الجلدية، وكم من أمثال هذه الحمامات في سليمانية وأطرافها وفي غيرها، مهجورة، متروكة، وهي تستغيث من بوارها فلا تغاث.
2 - حدودها وتقسيماتها الإدارية السليمانية واقعة في كردستان العثمانية، وهي إحدى الألوية التابعة لولاية (الموصل) الشهيرة، مقحمة بين بلاد إيران شرقاً، وسنجق شهر زور غرباً وتبعد عن كركوك 73 ميلاً إلى شرقيها، وتقسم إدارياً إلى خمسة أقضية وإحدى عشرة ناحية 353 قرية على الوجه الآتي: الأقضية النواحي القرى 1 - السليمانية (مركز القضاء): سراشيز شرق، سراشيز غرب، قره طاغ، بلغ وادا 104 قرى 2 - بازيان: سنكاس - كلك سيوكا 54 قرية 3 - كل انبار: قزلجا - سروجيك 95 قرية 4 - شهر بازار: موات 40 قرية 5 - مرغا أو (معمورة الميد): يشتر - سور طاش 60 قرية المجموع 353 قرية وسيأتي البحث عن كل من هذه الأقضية مفصلاً كما ستراه. 3 - عدد سكانها وأخلاقهم يبلغ عدد سكان لواء السليمانية 51. 600 نسمة موزعة في الأقضية الخمسة وفي 353 قرية، فسكان السليمانية بما فيها من النواحي والقرى 26. 000 وقضاء بازيان بما فيه من النواحي والقرى 5. 400 نسمة وكل انبار 7000 نسمة. وشهر بازار 6. 600 ومرغا 6. 600 فالمجموع 51. 600 وأما من جهة العناصر والأديان والملل فالعدد 51. 600 مقسوم تقريباً على هذا الوجه: 48. 600 مسلمون 900 نصارى و2. 100 يهود. وأما أخلاق سكانها فحسنة وهم معروفون باللطف وطيب المعاشرة، يلتذ الإنسان بمحادثتهم، ومسامرتهم، وأكثرهم خليط من الأكراد المختلفة النسب والمشرب. والعرب هناك قليلون وهؤلاء أتوا للتجارة والأمتيار. 4 - قضاء السليمانية وأحواله يشتمل مركز هذا القضاء على 4 نواح و104 قرى، وقصبة (سليمانية) وهي مركز المتصرف، وله مجلس إدارة على طريقة سائر الولايات، وفي القصبة مفتٍ، وقاضٍ، وجاب، وحاسب، ومدير برق، وآخر للديون العمومية ولحصر التبغ، وموظفون للضرائب، على اختلاف درجاتهم، وطبيب محجر (كرنتينة). وفيه محكمتا استئناف وكلتاهما في السليمانية، الأولى مدنية، والثانية
جنائية، ويساعد رئيسيهما نائب مدعي العموم، ومستنطق، وتدبر أمور المدينة دائرة البلدية، ويتألف أعضاؤها من السكان بالانتخاب، على نوع ما تفعله سائر الولايات والألوية. وحامية سليمانية، تتألف من الطابور الأول والثاني من الالاي 46، والجندرمة (والمبذرقة) الموجودة هناك هي عبارة عن بلوكين بلوك (فرقة) راجلة وبلوك راكبة وهما عبارة عن 16 ضابطاً و50 خيالاً و80 راجلاً، وعدد سكان هذه المدينة 26 ألف نسمة منهم 24. 825 مسلماً كردياً و175 نصرانياً كلدانياً و1. 000 يهودي. 5 - خطورة تجارتها وعمرانها سليمانية ذات مركز تجاري خطير، وليس في كردستان العثمانية بلدة تماثلها بكثرة الحاصلات وسعة التجارة، وخطورة المركز، لأنه مقام وحيد لتردد القوافل التجارية إليها، تلك القوافل الواردة من العراق والذاهبة إلى طهران وكردستان، ولا أغالي إذا قلت إنها بمنزلة مخزن التجارة بين تركيا وإيران. ومن صادراتها الغنية الكثيرة، وتنقل إليها من إيران، عدا ما فيها من تجارة التبغ الواسعة وغناها منها. وهي تحتوي على 5 آلاف دار تقريباً وعلى ما يزيد عن 500 حانوت و7 حمامات، وجملة مدابغ، وعلى أكثر من 20 مدرسة ابتدائية، وفيها مدرستان إعداديتان إحداهما ملكية، والأخرى عسكرية، أنشأتهما الحكومة في هذا العهد الأخير، حرصاً على تمدين أهلها الذين لا يزال أكثرهم حتى الآن في دور الجهل، وليس لنصارها ويهودييها مدرسة. أما المباني العمومية ففيها 40 جامعاً وكنيسة كلدانية صغيرة، وكنيس صغير لليهود، وفيها دار كبير للحكومة رصينة مبنية بالصخر أو الحجر الصلد على نوع ما عليه البلاد الشديدة البرد، وهناك ثكنة يقيم فيها جند الحكومة وضباطها. 6 - لغاتها وصنائعها ومناخها ووصفها اللغة المستعملة فيها هي الكردية، وهي وإن كانت لغة أهلها، فإنهم يتقنون أيضاً العربية، وأكثرهم متضلعون منها، حتى ظهر منهم علماء أعلام وكتاب، وشعراء، ولغويون، وفقهاء وقد تدرج منهم إلى المناصب الرفيعة جماعة في خدمة الدولة، والبعض أحرزوا ملكة الإنشاء، والبلاغة، والفصاحة،
والتكلم بعدة لغات أجنبية كالفرنسوية والفارسية، والتركية. وهذه اللغة الأخيرة يتكلم بها موظفو الحكومة، وسائر أصحاب الدواوين، إلا إن اللغة العربية أكثر اللغات هناك شيوعاً وانتشاراً بعد اللغة التركية. أما صنائعها فخاملة لا تكاد تذكر، إلا أن بعضها نجحت بعض النجاح في سليمانية لا سيما نساجة الأصواف والدباغة، والصياغة، وصناعة البنادق المرغوبة في هذا السنجق، وفي شهر زور وكركوك. وأما مناخها فموافق للصحة، والهواء في موسم الشتاء بارد جداً، وفي الصيف معتدل لطيف، ويكثر في فصل الشتاء تساقط الثلوج حتى إنك ترى أكثر جبالها في ذلك الوقت قد لبست حلة بيضاء. وهي مشهورة بعذوبة مائها واعتدال مناخها، وخصب تربتها، وكل بيوت المدينة مبنية بالطين كبيوت اغلب القرى، وموقعها حسن طيب، والمياه تجري فيها دافقة، ولهذا يرى بجانب كل بيت حديقة صغيرة، فيها أشجار مثمرة، وحوض في الوسط، يتجدد ماؤه في كل ليلة، والماء الذي يغزر في سليمانية يأتي بطريقة فنية صناعية غريبة بديعة خاصة بذلك القطر، وبديار أربيل وكركوك، وهذه الطريقة متوقفة على أن يحفر عدد من الآبار، يتصل بعضها ببعض من قعرها، فيصب الواحد في الأخر، ويجتمع هناك كمية وافرة، تساوي كمية نهير وهو ما يسمونه عندهم بالكاريز. 8 - حاصلاتها وخيراتها جميع أهل تلك الديار مولعون بالزراعة والفلاحة ورعاية المواشي وبساتينهم وكرومهم تدل على همتهم ونشاطهم وإقدامهم؛ إلا أن الزراعة عندهم لا تزال على الطريقة القديمة. التي لاحظ لها من العلم في شيء. وآلاتهم التي يستعملونها لحراثة أرضهم من أخس الأدوات إذ هي أيضاً لا تزال على العادة القديمة. ولو كان لديهم آلات وأدوات زراعية حديثة. ولهم علم وخبرة بالأصول المتبعة في البلاد المتمدنة لأصبحت من أغنى أراضي الدولة العثمانية. ومع هذا كله فإن كثرة غلاتها مما يباهي بل ويفتخر بها. ومن حاصلاتها السهلية المشهورة الحنطة والشعير والأرز وزراعة التبغ عندهم متقدمة جداً وصادراتها منه وفيرة تقدر بعشرين ألف ليرة. يرسل نصفها إلى بغداد عن طريق كركوك واربيل. وحاصلاتها الجبلية هي العنب والليمون والرمان والتين والفستق.
ويقدر العارفون ما يخرج منها من هذا النوع الأخير بألفي ليرة كمية وافرة. هذا عدا ما يصرف منه في البلدة نفسها. ومن محصولاتها الجوز وقد اشتهر هذا الجنس بلطافة قشوره حتى أن الطفل ليكاد يكسر الجوزة بيده من دون أن يحتاج إلى الحجر يستعين به على كسرها. وأهم صادراتها الشهد الذي لا نظير له في الدنيا. وهم يعملون للنحل خلايا (كواثر) وفي موسم الشتاء يشتغل الناس بجمعه على طريقة فنية. وأصول غريبة معروفة عندهم. 8 - جبالها ومنظرها أرض السليمانية جبلية. والجبال محيطة بجميع جهاتها. وهي عبارة عن سلاسل متصلات بعضها ببعض ولا يزيد ارتفاعها على ألف متر. ويعلوها الثلوج على الدوام. وفي أيام الشتاء عند اشتداد حرارة الصيف يسيل ماء الثلج من على الجبال فيهدم الدور ويتلف المزروعات. ويحصل من جراء ذلك أضرار في النفوس والقرى والبساتين لعدم اتخاذ الحكومة الوسائل الناجعة لوقاية أهل البلاد من هذه المصائب التي تتوالى عليهم كل حين التي منها ما جرى سنة 1327هـ عند انحدار المياه من شواهق الجبال. فإنها دمرت أكثر من ثمانين داراً وأخرجت عدة بساتين وقرى. وبقيت عدة أسر من أرباب الغنى تتضور جوعاً وتطلب الصدقات دع عنك الأضرار في النفوس. وصقع السليمانية مشهور بحسن منظره الطبيعي. ومواقعه الجبلية التي تأخذ بمجامع القلوب فهو يمتد بين سلسلتين من الجبال. وإذا أتيت سليمانية وأنت قادم من كركوك تتجلى لك في وسط أشجار خضراء ومروج غناء. كأنها بيضة في روضة. 9 - عقائد السكان وآدابهم سكان سليمانية المسلمون كلهم شديدو التمسك بالطريقة النقشبندية (وهي طريقة الشيخ خالد النقشبندي). وبالقادرية (نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلي) وهم أخذوا هذه الطريقة عن الشيخ أحمد كاكا. ولهاتين الطريقتين عندهم قوانين ونظامات وآداب لا يتعدونها. وزعماء يتوارثون الرئاسة فيها على أصول متبعة عندهم فيديرون شؤون تكاياهم وزواياهم على حد ما تدار مثل هذه الزوايا لتلك الطرائق في مصر وأواسط بلاد أفريقية. أما آدابهم فهي لا تختلف كثيراً عن آداب سائر الكرد، وفيهم شيء من
التعصب المذموم، وكثيراً ما كانوا يضطهدون وطنييهم من سائر الملل، ولذلك ترى النصارى هناك قليلين، ولهؤلاء قسيس واحد يرجع إلى مطران يقيم في (سنا) من بلاد إيران على بعد 7 أيام من سليمانية، وليس فيه ما يجعله من رؤساء الأديان المعدودين، المدافعين عن رعاياهم. هذا فضلاً عن إن الفرمان الذي بيده هو من الشاه لا من السلطان ولهذا لا يجل إجلالاً عظيماً عند موظفي الدولة. 10 - تاريخها ووصفها المجمل كانت أرض سليمانية في سابق العهد من مملكة آشور، وأما اليوم فلا شان لها يذكر، بالنظر إلى ما توالت عليها من الرزايا، والبلايا، فذهب منها ذلك العز والسؤدد، وانطمست تلك المعالم، واندثرت هاتيك الأمم، وصارت كاهس الدابر، وسليمانية نفسها ليست بقديمة ولهذا لا ترى في المدينة مباني قديمة تدل على قدمها ويقال إن منشئها سليمان باشا البابان قد بناها سنة 1788م. وهي واقعة على مقربة من خرائب (شاربازير) أو (شهر بازير) القديمة، وقد كانت في بادئ الأمر صغيرة حقيرة، فلم تزل في نشوء وتقدم، ونمو، حتى بلغت درجة عنيت بها الحكومة، وجعلتها متصرفية. 1 - قضاء بازيان في هذا القضاء ناحيتان وعدد سكانه 5. 400 نسمة، وفيه قيم مقام، يعينه مجلس إداري وقاضٍ، وجاب، ومحاسب، وفي قصبة القضاء محكمة استئناف وضابط جندرمة (مبذرقة). وقصبة قضاء بازريان هي جمجمال وهي واقعة على حدوده من جهة كركوك، وهي قريبة من دربند، ودربند هذا جبل صغير منقوب لم تنقبه يد إنسان، ويجتازه أصحاب القوافل، وفي هذه القرية دار حكومة عامرة، وثكنة، وجامع ومحل للبرق. والهماوند يقيمون في قضاء بازيان الواقعة بين شهر زور، وسليمانية في سهل خصب لكن غير مزروع، والهماوند عشيرة من الأكراد شأنها السلب والنهب، وطالما شقت عصا الطاعة على الحكومة، فسيرت هذه عليهم الجنود فيدحرونها وتدحرهم، وهم أولو بأس شديد، وشجاعة خارقة للعادة.
12 - قضاء كل انبار كانت كل انبار في أول الأمر قصراً بناه سلطان ال عثمان سليمان الكبير حينما أتى لفتح بغداد، ليكون قصراً للباشوات الأتراك، وفي بدء القرن السابع عشر أخربه الشاه عباس عند فتحه تلك الأنحاء وانتصاره على جيوش الدولة، إلا إنه بعد 20 سنة أي في سنة 1630م كان الصدر الأعظم للسلطان مراد الثاني معسكراً في شهرزور مع جماعة من جلسائه فقال لو لم يكن هذا القصر في هذا الموضع مفيداً للدولة من الوجهة العسكرية لما بناه السلطان سليمان ولو لم يكن مضراً بالأعداء لما أخربه الشاه عباس ولهذا يجب إعادة بنائه؛ وبعد أن قال هذا بناه في سبعة أسابيع، وبعد ذلك أقيمت وبنيت حوله البيوت فتألقت بمدة قصيرة بلدة عامرة حصينة. وفي هذا القضاء ناحيتان و95 قرية، ويبلغ عدد سكانه كلهم 7. 000 نسمة تقريباً، وقصبة هذا القضاء (هليجا) ويقيم فيها الباشا وهو رئيس قبيلة كردية كبيرة اسمها (الجاف) ويبلغ سكان هذه البليدة 3000 نسمة، ثلثهم يهود والثلثان الآخران مسلمون، وحاصلات هذا القضاء مهمة وهو غني بخيراته والتجارة فيه واسعة، ويعتني اغلب سكانه بتربية الماشية والمتاجرة بأصوافها، ولهم دراية عظيمة بزرع التبغ. 13 - قضاء شهر بازار في هذا القضاء ناحية واحدة و40 قرية، وسكانه 6600 نسمة، وقصبته المهمة هي (شيوكل) (بكسر الشين وضم الياء ضماً خفيفاً بعدها واو يليها كاف مضمومة وفي الأخر لام) وهي جليلة بحاصلاتها كالتبغ والارز والعنب والكثيراء، وعدد سكانها 1. 500 نسمة كلهم مسلمون ولهم جامع واحد، وهذا القضاء خامل الذكر، والذي يعرف من أهاليه إنهم يعنون بزراعة الكرم والأرز والتبغ والأشجار المثمرة. 14 - قضاء مرغا أو مركا مرغا كلمة أرامية معناها (المرج) ومنها اسمها بالعربية سابقاً (مرج الموصل) لقربها من الحدباء وقد اشتهر فيها رجال علماء قبل الإسلام وبعده، وقد
جاء في ياقوت ما نصه: مرج الموصل ويعرف بمرج أبي عبيدة عن جانبها الشرقي موضع بين الجبال في منخفض من الأرض شبيه بالغور، فيه مروج وقرى، ولاية حسنة واسعة على جبال وقلاع. . . ينسب إليها أبو القاسم نصر بن أحمد بن محمد الخليل المرجى سكن بعض آبائه الموصل وولد أبو القاسم بها يروى عن ابي يعلي الموصلي وغيره، روى عنه جماعة أخرهم أحمد بن عبد الباقي بن طوق اه. ومن نصارها عبد يشوع الأسقف. وفي هذا القضاء ناحيتان و60 قرية وسكانه يقدرون بما يزيد عن 6600 نسمة كلهم مسلمون. واغلب سكانه يعتنون بتربية النحل واستخراج العسل وهم ماهرون بهذه الصناعة النفيسة، واغلب حاصلاته جبلية من أحسن ما يكون من جنسها، وفيه أراض كثيرة خصبة موافقة لزرع أنواع الأشجار المثمرة، واغلب سكانه من قبيلة الهماوند، وهم الذين كانوا السبب لتأخير هذا القضاء وانحطاطه، ولذلك ترى إلى الآن البعض منهم يقلقون راحة الزراعين ويسلبونهم حاصلاتهم. 15 - الآثار في ديار سليمانية قلنا في المقدمة إن في السليمانية آثاراً كثيرة تدل على عظمتها السالفة، وعزها الباذخ. وهنا نذكر طرفا من هاتيك الآثار مما وصل إليه تنقيبنا وبحثنا فنقول: على مقربة من سليمانية اخربة (شاربازير أو شهر بازير) القديمة المعروفة عند مؤرخي الإفرنج باسم (سيازوروس - وكانت عاصمة بلاد الكرد في العهد العهيد، وكانت قد سميت (على ما يرويه لنا التاريخ القديم) أولاً باسم (شهر فيروز) باسم بانيها قباذ بن فيروز من الدولة الساسانية، وفي أقصى المضيق الذي تحرسه (شهر باريز) كانت مغارة مفتوحة باسم معناه: مغارة الحارة الزرقاء: وبين يدي هذه المغارة على صخرة قائمة كانت قلعة حصينة، مبنية بالصخر ذات سبعة أبراج فيها آلات الحصار القديمة تعرف باسم (سليم علي قلعة سي) وهي اليوم أنقاض لم يبق منها إلا بقايا دوارس تدل على وجودها. وكان يرى قريباً من المدينة طاق خرب يقال إن جثة الإسكندر الكبير دفنت فيه قبل أن تنقل إلى الإسكندرية، والآن لا يبلغ إليها أحد. وكان قد ذهب إلى سليمانية منذ مدة عدة من السياح الأوربيين لمشاهدة هاتيك الأنقاض وتلك الخرائب، وللتفتيش على بعض كتابات ورقم علهم
تصرف العرب في الألفاظ الأعجمية
يعثرون على شيء يخدمون به التاريخ، ويكشفون الستار عن تاريخ هذه البلاد الغامض الذي لم يعرف الباحثون منه إلا نزراً يسيراً لا يفي بالمقصود ولا يشفي غليلاً، فعثروا هناك على آثار قديمة وصخور عليها إشارات وكتابات غريبة يرجع تاريخها إلى عهد الآشوريين، سكان تلك البلاد الأقدمين، وبعض تصاوير ورسوم تفيد التاريخ فائدة كبرى، وقد بعثوا بكثير منها إلى دور التحف في أمهات العواصم الأوربية. فعسى إن اللجان العلمية في أوربا تستنطق تلك الآثار. وتحل تلك الرموز والإشارات. فتحدثنا عن تاريخ تلك البلاد بالنبأ الصحيح. إبراهيم حلمي تصرف العرب في الألفاظ الأعجمية 1 - تمهيد خالط العرب العجم منذ أقدم العصور وإن أنكر هذه الحقيقة بعض ضعفاء الكتاب. لأن التاريخ يشهد على ذلك شهادةً لا ريب فيها ولأن اللغة العربية تؤيدها. بيد أن هذا الاختلاط زاد زيادة عظيمة منذ انتشار الإسلام في العالم فكثر الدخيل في لسانهم وفشت اللغة الفاسدة بين المتكلمين فشواً خيف منه سوء العقبى ولكن لما سهلت المطابع نشر المطبوعات والمؤلفات والجرائد أخذ اللفظ الفصيح يصارع القبيح حتى أصبحنا اليوم في مأمن من قتل هذا ذاك. وقد جرى العرب في نقل الألفاظ الأعجمية على طريقة تكاد تكون قياسية في اغلب الأحيان ولهذا وضع اللغويون قواعد يجري عليها المعربون فكان في ذلك نفع عظيم لكي لا يعبث بعضهم في الألفاظ الدخيلة ويفسدها إفساداً لا يهتدي إليها. ومع ذلك فقد جاءت ألفاظ كثيرة يصعب اليوم معرفة أصلها لكثرة ما أصابها من التشويه والتصحيف والتحريف وقد يبلغ تصحيف اللفظة الواحدة إلى عشر صور مختلفة أو عشر لغات وقد يتجاوز هذا العدد حتى لا يعرف على التحقيق وفي جميع كل تلك الحالات لا ترى أثراً للجري على الخطة التي وضعوها إذ يخالفون فيها ضوابط الأقدمين وأقوال المستشرقين الذين يظنون هم أيضاً أن العرب وضعت طرقاً مطروقة لم يخرجوا عنها وقد جمعنا من الألفاظ المشوهة شيئاً كثيراً خالفوا فيها النهج المألوف. من ذلك الكلمة الآتية:
2 - طرخشقون 1 - طرخشقون تعريب اليونانية ويراد به نوع من الهندباء البري يعرفه أعراب العراق باسم (هندبة البر أو اليعضيد) وبالإنكليزية وبلسان العلماء يخرج من ساقه عصارة كالحليب يقال إنها طاردة للحمى ومنقية للدم ومن ذلك اسمه طرخشقون المشتقة من اليونانية أي حرك. وهذا النبات أشهر من أن يذكر. وهذه اللفظة على هذه الصورة هي بفتح الطاء والراء وسكون الخاء المعجمة وفتح الشين المثلثة وضم القاف وسكون الواو وفي الأخر نون وهي الأصلية وأم سائر اللغات وقد وردت في كتاب مفردات ابن البيطار المطبوعة والخطية وقد صحفها العرب بصور كثيرة غريبة منها: 2 - طرخشقوق بإبدال النون الأخيرة قافاً وإبقاء الضبط على حاله. وقد وردت في مفردات ابن البيطار المطبوعة وفي كثير من المؤلفات الطبية. 3 - طرخشقوق بفتح فسكون على الترتيب إلى آخر الكلمة. وقد وردت بهذا الضبط في لسان العرب في مادة عضد. 4 - طرخجقوق وردت في لسان العرب أيضاً مضبوطة كالضبط السابق لكن بإبدال الشين جيماً وقد وردت هاتان اللفظتان في تاج العروس أيضاً وفي التهذيب وفي كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري في كلامهم عن اليعضيد. 5 - طلخشقوق مضبوطة ضبط طرخشقوق 2ً لكن بإبدال الراء لاماً وقد وردت في كتاب مفاتيح العلوم للخوارزمي ص 176 وكذلك في معجم دوزي. 6 - طلشقوق مضبوطة بفتح الطاء وسكون اللام وفتح الشين المعجمة وضم القاف وسكون الواو وفي الأخر قاف. وقد وردت في عدة نسخ خطية من كتاب مفاتيح العلوم المذكور وفي حاشية الصفحة المذكورة من النسخة المطبوعة في ليدن. 7 - طرشقوق مضبوطة كالسابق بإبدال اللام راء. وقد جاءت في كتاب مفردات ابن البيطار المطبوعة في مصر بالمطبعة العامرة 3: 102 قال: طرخشقوق وطرشقوق وهو الهندبا البري وكذلك في منهاج الدكان المطبوع في مصر ص 132 8 - بلخشكوك. وردت هكذا مصفحة في ابن البيطار من الطبعة المصرية 4: 200
9 - تلخشكوك. هي الرواية الصحيحة في طلخشقوق إلا أن الأولى مرفقة الحروف والثانية مفخمتها. 10 - بلحسلوك. وهي تصحيف قبيح للكلمة السابقة وقد وردت في مفردات ابن البيطار المطبوع في باريس في نحو آخر العدد 2263. 11 - طرخشقوقي. وردت في تذكرة داود الأنطاكي طبع الشيخ محمد علي المليجي في مصر 1: 274 في مادة هندبا. 12 - طرحشقوق. وردت في الكتاب المذكور 1: 189 وفي نسخة قديمة عندنا من كتاب مفردات وتذكرة داود وفي شرح الألفاظ العربي الموجودة في كتاب منافع الأغذية ودفع مضارها ص 6 وفي ضمن الكتاب نفسه في عدة مواطن. 13 - طرحشقوق. في تذكرة داود الخطية القديمة الموجودة عندنا في مادة هندبا في ظهر الورقة 277. 14 - طلحشقوق. وردت في قانون ابن سينا المطبوع في رومة وفي مصر في الفصل التاسع في الكتاب الثاني في مادة الأدوية المفردة. 15 - طرخشقون. بفتح وسكون على التتابع إلى آخر الكلمة. هكذا ضبطها فرنسيس جونصن في معجمه الكبير الفارسي العربي الإنكليزي المطبوع في لندن سنة 1852 ص 815 وقال إنها فارسية الأصل. 16 - طرشقون. وردت في عدة نسخ خطية من منهاج الدكان وكتاب منافع الأغذية وتذكرة داود وغيرها. 17 - تلخ جكوك. هي مثل تلخشكوك. ذكرها صاحب هفت قلزم. 18 - تلخ جكوك. بجيم مثلثة فارسية في الأول وكاف مثلثة فارسية في الآخر ذكرها فرهك الشعوري. 19 - تلخ جكوك. هي مثل السابقة إلا أن الكاف الأخيرة كاف عربية لا فارسية مثلثة. ذكرها صاحب شمس اللغات. 20 - تلخ جوك. بجيم عربية وواو وكاف عربية. ذكرها صاحب برهان قاطع. 21 - طرخشم. وردت في بعض نسخ تذكرة داود الخطية القديمة وذكرها أيضاً دوزي وبابن سميث.
رؤية أدبية
22 - طليخم. وردت في معجم بربهلول السرياني العربي وفي الملحق بالمعاجم العربية دوزي وكلاهما نقلها عن العرب. 23 - طركسينا. وردت في نسختين خطيتين من كتاب مفردات ابن البيطار وهي ولا شك مأخوذة من السريانية بلفظها ولعل السريانية ومعناها مأكول أي كل (ما يؤكل) وقد ذكرها بابن سميث. ثم خصت بهذه البقلة. 24 - طركسيما. كالسابقة وقد ذكرها بابن سميث وأصلها سرياني يوناني. 25 - طرسيما. بحذف الكاف. وقد جاءت في معجم بابن سميث وأصلها كأصل السابقة. 26 - طرقسيما. وردت في بعض النسخ وذكرها بابن سميث وغيره من اللغويين العارفين بالسريانية والعربية في انطوبيا. 27 - طرخسقوس. وردت في بعض نسخ المعاجم الفارسية العربية الموجودة عندنا. 28 - طرسقوس. كذلك وفي إبدال أحمد بن خالد المعروف بابن الجزار. 29 - طرحشقون. كذلك وفي كتاب إبدال الزهراوي. 30 - طلحشوش. وردت في ص 135 من كتاب الكنز العربي السرياني اللاتيني تأليف الأب توما النوفاري من رهبانية الأصغرين المطبوع في رومية سنة 1636. وإذا أضفت إلى هذه اللغات المختلفة الغريبة من مصحفة ومحرفة ومشوهة لغات الضبط لتضاعف القدر لأن اغلب هذه الأسماء وردت غير مضبوطة في الكتب الطبية أو النباتية. - وقد جاءت ألفاظ كثيرة وقع فيها مثل هذا التصحيف الشنيع لكن لغاتها لم تبلغ هذا المبلغ. وإنما أوردنا ما أوردناه ليكون بمنزلة المثال يقاس عليه ما كان من هذا الباب ولا يقولن امرؤ أن العرب جرت (دائماً) على طريقة واحدة في تعريب الألفاظ الدخيلة إذ قد وقع لهم ما يخالف قواعدهم التي وضعوها. وليس العرب وحدهم يفعلون هذا الفعل بل الأعاجم أيضاً وهو أشهر من أن يذكر. رؤية أدبية أرقت ذات ليلة أرقاً شديداً كاد يضر بجسمي فتناولت أحد كتب الآداب
وشرعت أسرح طائر الطرف في أطرافه وصفحاته فاقتطف ما طاب لي من ثماره اللذيذة وفوائده الجليلة واكرع شيئاً لا يقدر من ينابيعه العذبة التي ترتاح إليها نفس كل فاضل أديب مشجون. . . وبقيت على تلك الحالة إلى أن حكم عليّ سلطان النوم فغمضت عيني فرأيت في الكرى كأني في فضاء واسع ليس له انتهاء وأنا أسير فيه سيراً حثيثاً واقطع ما فيه من الفيافي والقفار من وعرة وسهلة لا يأوي إليها إلا الوحوش. ثم وجدتني كأنني تحت جبل شاهق فرقيته حتى علوت ظهره فوجدت هناك غاراً فكمنت فيه منتظراً ما يفعل بي الدهر الخؤون. . . فبينما أنا أترقب تلك الساعة الهائلة إذ بصرت نقعاً عظيماً ثار من جوف الفلاة وما لبث أن اقشع فرأيت حيدراً وخيتعوراً وخنوصاً نتواثب حتى صارت عند أسفل الوتد وأنا أتتبعها بعيني لأرى نتيجة تواثبها. ولما أنهكها التعب واللغب أخذ الخنوص يتهكم من هذين الحيوانين كما يتهكم الجاهل من الرجل العاقل وهو يتهجم عليهما تارة من اليمين وطوراً من الشمال وهما يتذللان له خوفاً من جوره واعتسافه كما يتذلل المظلوم بين أيدي الظالمين. . . فلم تمض بضع دقائق إلا وساعدت التقادير ذلك الغشوم المارق أي الخنوص فوثب وثبة على الأسد وأذاقه كأس المنون بأن بقر بطنه بنابه الحاد. فلما رأى الخيتعور ما حل برفيقه المحبوب وما صار إليه وتحقق إنه قد صرع على الأرض يختبط بدمه أطرق هنيهة ثم رفع رأسه ونادى صارخاً بملء فيه: واحزناه واأسفاه عليك أيها الشجاع الباسل! واويلاه كيف خانك هذا اللعين ألفظ الطباع! وما قال هذه الكلمات إلا وتساقطت الدموع منحدرة من مآقيه كأنها الغيث من الجون. . . ولما رأى أن الأمر قد مضى وأن لا رجوع لرفيقه إلى الحياة دنا رويداً رويداً من القاتل الطاغي الباغي ثم وقف بازائه وشرع يخاطبه بكلام تقشعر له الجلود ويلين الجلمود. وهذا بعض ما حفظته: أيها المغرور بنفسك المعجب بقوتك وفعلك، إنك لقد فتكت فتكاً ذريعاً بسيدنا المبجل وفجعتنا بتلك الفاجعة المدلهمة. فوالله إنك لم تفعل فعلتك هذه الشنعاء إلا لتقبض على زمام الأمور وتستولي على مقام ذلك الغضنفر، ولكن يأبى الله أن يجعلك بدلاً منه لأنك من عنصر الأدنياء الأوغاد الغدارين. . .
ألم تر أن الدهر يكتب ما تملي
فلما سمع الخنوص هذا الكلام وما ضاهاه وكله قارص أو جارح أخذ الحنق منه مأخذه وحاول أن يبطش به كما بطش بصاحبه القتيل ظلماً وزوراً فلم يفلح ساعتئذ وقال له: ويلك! إني لم آت ما أتيت إلا لأنال منصباً جليلاً. واستعبد قوماً ذليلاً. واذرهم من شدة سطوتي في سكرتهم يعمهون. . . أقول: فلما رأيت ذلك الموقف الهائل وما عمل الخبيث الكنود بالأسد الجليل اضطرمت النار في قلبي أي اضطرام. فوثبت حنقاً مغادراً الغار. لا اعي شيئاً من شدة ما تولاني من الغضب المستطار. قاصداً الدنو من الخنوص المستبد لأخذ منه ثار الضرغام. وبينما أنا أسير إليه إذا بصوت أيقظني من نومتي تلك والدموع تنحدر من عيني تحدر القطر من السحب من هول ما رأيت ومن شدة ما تأثرت منه ولما نظرت إلى ما حوالي وجدت الغزالة قد ارتفعت سافرة الوجه عالية الجبين فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون. . . . ثم لما ثابت إلي نفسي وأنعمت النظر في حالتنا الاجتماعية التي نحن عليها فهمت إن ما رأيته في الخيال، هو تصوير ما يجري في عالم المثال. وتحقت إن ما وقعنا فيه من البلاء المبين. هو نتيجة ما سعينا إليه في ماضي السنين. ولكن (سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. .). محمد فائق الكيلاني ألم تر أن الدهر يكتب ما تملي يقولون لي (باريز) أرض مظلة ... فقلت بعدتم فهي سابغة الظل وكم قيل أرض فرقت جمع شملنا ... فقلت لهم هيهات بل مجمع الشمل أحن لها مثل (الحمامة) شاقها ... إلى الايك أفراخ تحن إلى الوصل فبي ما بها من لاعج الشوق والأسى ... وما حملت من لوعةٍ للجوى حملي فها هي تشجيني فاصفق في يدي ... وها أنا أصيبها فتفحص بالرجل لئن شاقها تذكار رملة عالج ... فما شاقني ذكر الاجيرع والرمل وما هاجني ذكر الأحبة عرسوا ... بذي الاثل يالا ابعد الله ذا الاثل أجل هاجني ذكر الترحل للتي ... يروق بها قولي ويسمو بها فعلي وما زلت في ذكرى لها كل ساعة ... أسير جوى بين الترحل والحل يذكرني يا (ورق) سجعك في الضحى ... على الايك من (باريز) مقصدي الأصلي
فأصبو إليها كلما مر ذكرها ... ببالي وكم يصبو لرؤيتها مثلي بلاد عليً شفت مخايل عزها ... وولت كما ذل الفرند على النصل ولعت بها طفلاً لأني وجدتها ... تغذى بألبان العلى فكرة الطفل كتمت الهوى جهدي فحرره الاسي ... بماء المآقي ذا يخط وذا يملي لعل الصبا يهدي إليها رسالة ... فقد تعبت ما بيننا السن الرسل وما شغفي بالآنسات وحسنها ... ولا بفتور اللحظ والأعين النجل ولا بالخدود الزاهرات ورودها ... ولا بالقدود المآئلات من الدل ولا بنحور زينتها قلائد ... ولا بابتسام الثغر والألسن الرتل ولكنني أصبو لذكرى أحبةٍ ... فلاسفة الأيام بالعقد والحل لئن قطنت أهلي العراق فإن لي ... (بباريز) أصحاباً أعز من الأهل وإن حرمت (باريز) قتل أخ الهوى ... فإن بلادي حللت في الهوى قتلي وإن قل في أرض العراق مساعدي ... أشد يدي منها بأذرعها الفتل فشتان ما بين العراق وبينها ... وبين أخ جهلٍ بري وأخ فضل خليلي لوما إن تشاءا أو اعذلا ... فلي إذن صما عن اللوم والعذل فكم صدني عن نيل ما رمت معشر ... يكلفني أن أقتل العمر بالجهل فبين صديق ليس يعرف غايتي ... وبين شقيق قد ألح عليّ مطلي إذا حكموا مالوا عليّ بحكمهم ... وإن عدلوا جاروا على سنة العدل لقد كنت قبل اليوم أحسب أخوتي ... كثيرين فيها غير ذي عدد قل فصرت وحيداً لا أرى قط واحداً ... يشاطرني وجدي ويسلك في سبلي فيا راكبي (ظهر القطار) بعدتم ... مدى وقربتم للمنى زمناً قبلي ففزتم بما نلتم على شقة النوى ... وخلفتم قلبي مراجله تغلى وكم من رجال راقهم ما شربتم ... على البعد في (باريز) علاً على نهل (يحثون للمغنى الذي أنتم به) ... ويصيبهم ذكر الأحبة والوصل
فوائد لغوية
وما الدهر أهل أن يرجى ابن عزه ... حياة امرئ أو موته لا على ذل يروم أصحابي البقاء لديهم ... ودون الذي راموا أبيح لهم قتلي وما أنا وحدي قد كلفت بحبها ... فكم واجد وجدي وكم عاشق مثلي فيا لائمي في حبها لي أسوة ... بقوم تناءوا عن مواطنهم قبلي يكلفني قومي اتصالا وما دروا ... بأن حياتي في التفرق والفصل فلست بباكٍ إن ترحلت عنهم ... وإن كان فيهم لحمتي وبهم أصلي وليس ثوائي سائغاً ببلادهم ... فليس مطيتي عندهم لا ولا رحلي وما طوق عليائي يجيد بلادهم ... ولا سكني فيهم ولا عندهم ابلي أقومي لأنتم في سبيلي عثرة ... فيا قدمي عن سبلهم رغبة زلي ويا كاتباً عني لصحبي مقالةً ... (ألم تر أن الدهر يكتب ما تملي) النجف: محمد باقر الشبيبي فوائد لغوية 1 - أم الرأس وأم العين أكثر بعض الكتاب في هذه الأيام من القول: رآه أو شاهده بأم رأسه ورآه أو شاهده بأم عينه وكل ذلك من قبيح الاستعمال ومن وضع الشيء في غر موضعه. لأن (أم الرأس) عند الفصحاء هي الدماغ أو الجلدة الرقيقة التي عليها. فيقال: ضربه على أم رأسه أو وقع على أم رأسه؛ لكن لا يقال: رآه أو شاهده بأم رأسه لأن الروية لا تنسب إلا إلى العين. ونسبتها إلى الدماغ لا يخلو من تكلف بعيد. وأما قولهم رآه بأم عينه أو شاهده بأم عينه فمن قبيح التصرف في الألفاظ. وإذا تمحلنا لها وجهاً قلنا: إن ألام في اللغة هي كل شيء انضمت إليه أشياء فتكون (أم العين) بمعنى المقلة أي شحمة العين التي تجمع البياض والسواد والتي يقال لها عندهم أيضاً (مخ العين). لكن أم العين لم تأت في كتبهم بمعنى المقلة أو الهانة أو الهناتة التي هي شحمة العين لأن جميع
أسئلة وأجوبة
الألفاظ التي وردت مبتدئة بأم ذكرها صاحب كتاب المرصع وليس فيها هذه اللفظة. وذكر كثيراً منها صاحب المزهر وليس فيها أيضاً هذه الكلمة. 2 - لا يقال: يجب على الأقل أن تفعله أو لا تفعله استعمال (على الأقل) من التعبير الإفرنجي. وقد وردت في كلام أعاظم الكتاب وأشهر الشعراء. وكل ذلك حديث الاستعمال غريب النشأة دخيل في اللغة الفصحى؛ فهم يقولون مثلاً (يجب على الأقل أن تفعله أو لا تفعله) أما بلغاء العرب فقد قالوا في معنى هذا التركيب: (لا أقل من أن نفعل كذا). قال الجاحظ في الرسالة العاشرة في بيان مذاهب الشيعة (ص 176): (كما إن زلته (أي زلة العالم) ليست كزلة غيره فلا أقل من أن نعده. . .) وقال فويق ذلك: (ولكن لا أقل من أن نجعله في طبقتهم. . .) 3 - حصل أوصال التصميم على عقد الروابط. هذا التعبير من جملة ما أدخله الترك في العربية وذلك لسبب إنه لا يوجد في لسانهم وزن أفعل فيضطرون إلى أن يعبروا عنه بفعل (ايتمك) ويضيفونه إلى مصدر الفعل الثاني فيقولون مثلاً: (تمام ايتمك) أي أتم. وكذلك يفعلون في ما يؤخذ منه معنى الحصول والصيرورة ولهذا لما أخذ أبناء العرب يتلقون التركية في مدارس أصحاب الأمر نزعت نفوسهم إلى النزعة التركية حتى أدخلوها في العربية ومن ذلك قولهم: حصل أو صار التصميم على عقد روابط مثلا. وهم يريدون (صمم) من باب التفعيل بصيغة الماضي من المجهول. احفظ ذلك تصب إن شاء الله. 4 - أصل كلمة جلنجبين وسألنا أحد الأدباء من أبو كبير في القطر المصري: ما معنى جلنجبين وهل هي معربة. - قلنا: جلنجبين كلمة معربة من الفارسية من جل (وبالفارسية كل بكاف فارسية) أي ورد وأنجبين (وبالفارسية انكبين) أي عمل. ومحصل معناه شراب مركب من ماء الورد والعسل أو معجون يتخذ من الورد والعسل. أسئلة وأجوبة 1 - معنى وسألنا أ. ن. من هذه الحاضرة: ما معنى هاتين الكلمتين الفرنسويتين
واللتين يقابلهما بالإنكليزية وبلسان العلم وفقد بحثنا عنها في جميع معاجم هذه اللغات فلم نقع على غير تأويلها بالهندباء والهندب لكليتهما أفلا يوجد فرق بينهما أو ما يقابلهما في لغتنا الفصحى؟ قلنا: إن لغتنا مفتقرة إلى تحرير ألفاظها العلمية والإشارة إلى ما يقابلها في اللغة العربية وفي اللغات الإفرنجية حتى يهتدي الكاتب إلى استعمالها في مواطنها بدون خلط أو خبط. وكان المقتطف قد أودع مثل هذا العمل الخطير إلى عهدة الدكتور الألمعي أمين أفندي المعلوف فوضع معجم الحيوان وأحسن انتقاء ألفاظه إلا إنه لم يضمنه كل الألفاظ بل اكتفى بالمشهور منها. وقد وقف الآن عن نشر ما عنده من أسماء النبات والحشرات والجماد فبقي هذا العمل الحميد العظيم غير كامل. ولهذا يقلد اللغة أعظم خدمة من يضافره في هذا الأثر الجليل أو ينشر ما بقي عليه نشره أو تحقيقه. ولقد تتبعنا تحقيق هاتين اللفظتين بعد إلقاء السؤال علينا فوجدنا هذه النتيجة. الهندب أو الهندبا أو الهندبآء على صنفين: بستانية وبرية، فالبرية يقال لها أيضاً بقريس وقيخوريون وكلتاهما من اليونانية وأما لفظة الهندباء فهي أيضاً من اليونانية من وقد جاءت في اللاتينية على لغات شتى منها ووهذه ضعيفة وقالوا في جمعها ولم ينتبه أحد من اللغويين من أقدمين ومحدثين إلى أنها دخيلة في العربية وكذلك لم يشر إلى أعجميتها المستشرقون مع أنها واضحة العجمة وليس لها نسب بين في لغتنا. وقال ابن البيطار في مادة الهندباء. . . البستاني صنفان أحدهما طويل الورق. . . ومن هذا الصنف بري شبيه به في صورته وزهرته إلا أنه أقوى مرارة وأشد كراهةً ويسمى عندنا الأميرون) - (قلت: وهذا معرب من بتقدير أي الهندباء المرة.) ثم قال: والصنف الثاني من البستاني عريض الورق أبيض الزهر تفه الطعم عديم المرارة وخاصة في أول الربيع ويسمى
بالرومية انطوبيا وتعرف بالهندبا الشامي والهاشمي وبريه قريب منه في شكل ورقه وقلة مرارته بعيد منه في شكل زهره وكثرة زغبه وهو السرالية بالعجمية وزعم أنه الطرخشقوق ومن البري صنفان آخران وهو اليعضيد ويسمى باليونانية خندريلي. . . وقال الطبري: الهندبا البري هو الطرخشقوق ويسمى بالفارسية تلخي. . . ابن ماسوية: التلخشكوك
وقو للمعدة. . . قلنا: والذي سماها ابن البيطار: الهندبا الشامي أو الهاشمي سماهل أيضاً داود الانطاكي في التذكرة (البلخي). والأصح التلخي كما أشرنا أغيها. ومن أسماء الهندباء (اللعاعة) وهي ما يكون منها في غاية النعموة وهي بالفرنسوية (والبقلة المباركة) وقيل إن هذه هي الرجلة أي الفرفحين والأصح أنها تعني الهندباء عند قوم من العرب (والبقلة الحمقاء) عند قوم آخرين. وقد ذكر بقطر أن الهندباء البرية تسمى عند بعض عوام العرب (الجلجلان) مع أن هذا الاسم عند الفصحاء لا يعني هذا النبات بل السمسم أو غيره. وقد سبق بقطر إلى هذا القول أصحاب المعاجم السريانية العربية ومنهم صاحب دليل الراغبين في لغة الارميين ص 221 قال في تفسير (حدبا ددبرا): هندباء بربة، جلجلان. وذكر من أسمائها باين سميث في معجمه السرياني اللاتيني الكبير في مادة حدب. الحندبة، الهندبة الجوبة أو البربة ويقال لها الهندباء وطرخشقوق وطرشقوق. وذكر من أسماء الهندباء في مادة انطوبيا قال الانطوبيا هي الهندباء. ويقال إنه هندبا شامي وقشنبج (أي قشنيزة) وهندبا عراض وقال مسيح: الانطوبية وذكر من أسمائها في السريانية: طرقسيما أو طركسيما وطرسيما المنقولة عن اليونانية على ما يظن ومن أسماء الهندباء البرية الواردة في كتب العرب السريس قال صاحب منهاج الدكان في ص 132 من النسخة المطبوعة بالمطبعة الشرفية بمصر سنة 1305: طرشقوق وطرخشقوق هو الهندباء البري ويقال له (سريس بري.) قلنا: وسريس هو باليونانية هذا الذي وقفنا عليه في كتب أهل الفن واغلبها لا توجد في المعاجم العربية الأعجمية أو الأعجمية العربية بل ولا في ما يسمونها المعاجم العلمية أو الاصطلاحية أو النباتية التي تورد الأسماء بالعربية والأعجمية أو بالأعجمية والعربية. وهذا المثال كافٍ ليطلعك على أن دواوينا في نهاية النقص وعلى أننا في حاجة ماسة إلى معاجم كاملة وافية بالمقصود تكفينا مؤونة البحث في الكتب العديدة
باب المشارفة والانتقاد
التي لا يشير الحصول عليها لكل أحد بخلاف ما لو كانت كلها محصورة في تصنيف واحد وعسى أن يقوم أحد محبي اللغة العربية ممن يغار على شرفها فيضع لنا كتاباً بهذا المعنى أو يأمر بتأليفه فيخلد لنفسه الذكر الحسن وللغة العربية الخدمة الصادقة. 2 - شبارق ميفارق وسئلنا: ما معنى هذا المثل الشامي: شبارق ميفارق الذي يضرب للمقيم في المكان فلا يفارقه. قلنا: الذي في كتب اللغة: الشبارق وزان عنادل و. . .: القطع. . . وشجر عال له ورق أحرش مثل ورق التوت وعود صلب جداً يكل الحديد ويقلد الخيل وغيره كالبقر والغنم وكل ما خيف عليه بعوده عوذة للعين قال أبو حنيفة: وربما أهدى للرجل القطعة منه فأثاب عليه البكر. وإذا قدر عليه اتخذت منه الارعوة وهي نير البقر لصلابته. . . وهو معرب، عن التاج. قلنا: وهذا كله لا ينطبق على ما يراد من المثل إلا بتكلف ظاهر. - والأصح عندنا أن يقال إن الشبارق كلمة فارسية بمعنى الخفاش تعريب شب بارة التي يقال فيها أيضاً شب بره وشب يرك وشب برست وشب بور وشب بوزه. وأنت تعلم إن الخفاش إذا لز بمكان لا يبرحه لضعف بصره وعجزه عن وجود موطن ثان يناسبه إذا طلبه في النهار. ومعنى ميفارق (ما يفارق). فيكون المآل: فلان كالخفاش إذا حل موطناً لبد به ولم يفارقه. باب المشارفة والانتقاد 1 - الحصون المنيعة، في رد ما أورده صاحب المنار في حق الشيعة. تصنيف محسن الأمين. طبع بمطبعة الإصلاح بالشام سنة 1327 هجرية في 120 صفحة بقطع 16 2 - الحصون المنيعة والمنار لمنشئ العرفان أحمد عارف الزين. طبع في مطبعة العرفان في صيدا للمذكور ولصاحب العرفان ولأبن شرف الدين الموسوي في 45 صفحة بالقطع المذكور. هذان الكتابان صغيران في موضوع واحد وهو الرد على صاحب المنار في مقاله عن الشيعة. وفي الكتاب الأول من الفوائد والبراهين والأدلة المتينة ما يدل على سمو فكر الكاتب وإطلاعه أتم الإطلاع على حقائق التاريخ والحديث والأصول والفقه بحيث بحكم القارئ إن المؤلف لا يرمي إلا إلى الحقيقة وإنه قابض على أزمتها
بنفس مطمئنة. والتصنيف الثاني صنو الأول في معانيه وترصيف مبانيه وسعة إطلاع أصحاب الرد حتى أن الواقف على ما كتب صاحب المنار وما حرره هؤلاء الأدباء بحكم أن الحق في تلك المباحث مع الشيعة أصحاب الحصون المنيعة وكفى. 3 - كشف الأستار، عما لحقوق الدول من الأسرار الجزء الأول بقلم صبحي أباظة. حقوق الطبع محفوظة له. طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة 1331 هجرية بقطع الثمن في 125. هذا عنوان كبير، لسفر صغير، صغير في مبادئه، صغير في تعبير أفكاره، صغير في فناء البحث الذي فتح له أبواباً كبيرة. صمم الكاتب أن يبحث في حقوق الدول. ونعم القصد! لكن ما كاد يبدأ بموضوعٍ إلا وزاغ عن سواء السبيل فخاض عباب مباحث لا مناسبة لها ولما تحداه. وهو إذا ركب متن موضوع ذهب فيه مذاهب غريبة قال مثلا في أول صفحة من الفاتحة: (قمت من ساعتي مشمراً عن ساعد الجد لإظهار ما كان كامناً من التمويهات والترهات والأضاليل في مكنونات تلك الحقوق الغامضة. . . التي اتخذتها الدول سلاحاً معنوياً تموه به على أعين الواهمين من أقوام المشرق الأقصى والأدنى. . .) قلنا: من يقف على هذه الكلمات يظن أن أقوام المشرق الأقصى والأدنى كانوا إلى هذا اليوم في غفلة عن معرفة ما لهم من الحقوق. أما الآن وقد أخذ حضرة صبحي أفندي اباضة بكشف تلك الأستار فلا خوف علينا من تغلب أولئك الأقوام الفاتحين. والحال إننا نعلم حق العلم إن في الشرق أقواماً عرفوا منذ عصر غايات الفاتحين لكنهم لضعفهم بقوا لا طاقة لهم على كبح جماح من ناوأهم. ولو فرضنا أن مشارقتنا كانوا جهلة لحقوقهم إلى اليوم فوقوفهم الآن عليها بواسطة هذا الكتاب لا يقويهم على أعدائهم، فيكون مثلنا مثل طبيب حاذق شخص الداء ووصف الدواء لعليله لكن لم يجد ذاك الدواء الشافي في الموطن الذي هو فيه فلم يفده علمه شيئا. ولهذا كان الأجدر بالمؤلف أن يسير سير كتاب الأجانب في مثل هذه المؤلفات الإفرنجية ولا يخرج عن الغاية التي أرصدها له وأن لا يتعرض لما لا يمس موضوعه. ومن غريب مدعياته أنه يقول في ص 3: وهمت لمجرد هذه الغاية باقتطاف أطيب الأبحاث من نخب مؤلفات العالم العثماني الكبير شاهباز وغيره من علماء الحقوق كمنتسكيو وبرافيه فودبري وفولتر وهوقو غرشيوس وسيلدم وهولس وموللوا
وهنسيوس وويكفور الذي طنت ورنت شهرتهم في أفاق أوربا والعلم الجديد.) هذا الكلام يدفعك إلى أن تقول إن المؤلف يحسن اللغات الفرنسوية والألمانية والإنكليزية واللاتينية وغيرها. أم الحق فهو إنه على ما يظهر من كلامه لا يعرف منها إلا الفرنسوية ومعرفته لها معرفة نتفه لاغبر (النتفة من ينتف من العلم شيئاً ولا يستقصيه). وسبب ذهابنا إلى هذا القول هو إنه إذا نقل شيئاً عن الإفرنج مسخه أقبح مسخ وإذا عرب الكلمة الواحدة حولها إلى غير وجهها في اغلب الأحايين. فمن الأول قوله ص 33: إنه ثابت لا يحتاج لبيان سيما إذا استقصى المستقصي التاريخي أثر التتبعات التاريخية ظهرت له أنواع المظالم المنطوية وراء سحب القرون الغابرة والطارئة على المسلمين الأندلسيين والأرثوذكسيين والبروتستانت والإسرائيليين المهرقة دماؤهم بالملايين (كذا) على مذابح (الإنكليز اسيون) أي ديوان التفتيش في إسبانيا (كذا وهو يريد الإنكليزسيون الذي حول مياه البحر الأبيض إلى بركة دماء كما غاصت كنيسة سان بارتهلمي (كذا. وقد صورنا الحروف بصورتها الأصلية) في باريس (كذا) بأنهار انهمرت من دماء البروتستانت (الهوقنو) في ليلة حالكة الظلام لم يسبق لها ذكر في ظلمات الأساطير) - قلنا: هذه أقوال من يريد أن يعلمنا أسس حقوق الدول ويكشف عن أسرارها الأستار ويرشدنا إلى سواء سبيل التاريخ ولا جرم أن أصغر طلبة المدارس يقول: إن في هذه الكلمات أغلاطاً تتجاوز الحد المعقول في مثل عددها. وهو فوق ذلك يقول في الحاشية: (ومن شاء الاستزادة من حيث هذه الفظائع فليراجع كتب التاريخ نذكر منها معجم لاروس الفرنساوي الجزء الأول صفحة 902) قلنا: إنه من الجهة الواحدة يقول: فليراجع كتب التاريخ ومن الجهة الثانية يقول: نذكر منها معجم لاروس (فهل يتصوران المعاجم تنزل منزلة كتب التواريخ ومتى كان ذلك؟ كيف لا ومعجم لاروس الذي يشير إليه من أكثر الكتب غلطا في ما يتعلق بالمسائل التاريخية. وأما أغلاطه في التعريب الحرفي فقد ذكر في تلك الصفحة هذه الكلمات ونقلها هكذا: الممالك المسيحية وما يتتبعها والممالك الغير المسيحية والحال: إن المراد بلفظة البلاد ومعنى خارج عن) فيكون معناها: بلاد
النصرانية وبلاد غير النصرانية أو والبلاد التي هي في خارج النصرانية وهي بازاء قول كتاب العرب: دار الإسلام ودار الحرب. - وأما عبارة الكتاب فهي أقرب إلى التركية منها إلى العربية. فعسى إن المؤلف يتنكب في الأجزاء الآتية قوس الحقيقة ولا ينزع إلا بسهمها. 4 - كتاب الشيعة وفنون الإسلام لمؤلفه السيد حسن الصدر من أكابر علماء العراق. طبع على نفقة شرف الدين ورضا وظاهر وزين. حقوق الطبع محفوظة لهم. مطبعة العرفان صيدا سنة 331هـ في 150 صفحة بقطع الثمن. منذ أن أعتزل الصحافة رصيفنا أحمد عارف أفندي الزين أخذ يعني بنشر الكتب النافعة لا سيما كتب التاريخ والأدب والشعر ويحق لهذا الفاضل الأديب أن يبرز تلك اللآلئ من أصدافها لأن مطبعته من أجمل مطابع الشام بديعة الحرف حسنة الكاغد نظيفة الطبع. ومن جملة الكتب التي أصدرتها مطبعته العامرة هو هذا الكتاب الموسوم بكتاب الشيعة وفنون الإسلام. وهو من المؤلفات التي يحرص عليها الأدباء وتزين بها خزائن الكتب. وكنا نود أن نرى تأليفنا في هذا العصر بهيئة غير الهيئة التي كانت تظهر بها قبل خمسين سنة أي أن تكون خالية من الإطراء. الفاحش بحق مؤلفيها ذاك الإطراء الذي يخرج الممدوح عن طوق البشرية فقد قال مترجم المؤلف قبل الفاتحة في ص 3:) ثم أكب على العلم مجتهداً في التحصيل والاشتغال حتى كان من أمره اليوم أنه أمسى فاقد الند وعديم المثال.) فلا جرم أن كاتب هذه الحروف لا يصدق ما يكتب كما لا يصدقها الممدوح نفسه. وكيف يجوز لنا أن نجرع مثل هذه الكأس ونحن نعلم أن في ديار مصر وسورية من ألفوا أكثر من تأليف السيد الكبير حسن الصدر ولم يقل عنهم مثل ذلك القول. وفي ديار الإفرنج من المستشرقين من يعرف لغات عديدة ولهم تآليف جمة وسعة إطلاع واسعة ومع هذا كله لم يذكروا بما ذكر به حضرة صديقنا السيد حسن الصدر الذي ألف خمسين مصنفاً في عدة فروع من العلوم التي كلها ترجع إلى أمور الدين لا غير. ومما لاحظناه أن المؤلف لم يذكر دائماً سني المواليد والوفيات وفي مثل هذه الكتب العناية بهذه السنين من أشد ما يحتاج إلى معرفتها. ولاحظنا أن المؤلف أعتبر الشيعة حينما كانوا فرقة سياسية كما لو كانوا
فرقة دينية. ونحن لا نرى ذلك من باب الإنصاف. اللهم إلا أن يقال أن المقصود من نسبة المؤلفين إلى الشيعة نسبة اسمية لا غير فهذا أمر آخر لكن يجدر بالمؤلف أن يشير إليه في صدر سفره. ومما رأيناه فيه أنه كان يحسن أن يذكر في مقدم بحثه عن العلوم عند الشيعة ملاحظة عمومية عن حالة العلم عندهم وتقدمه عصراً فعصراً حتى ينتهي إلى حالته إلى حيث وقف به ثم يشرع بذكر أصناف المعارف ومن أشتهر بها. وقد أهمل أيضاً من نبغ من الشيعة بعد القرن الثامن. اللهم إلا أن تكون نيته أن يفرد لهم جزءاً آخر لكنه نسي أن ينبه عليه. ومما نأسف له أن الناشرين للكتاب تركوا طبع فهرس العام الهجائي الحاوي لأسماء الكتب وأسماء المؤلفين فلو كانوا نشروه لاقتناه كثير من الناس ليستشيروه عند الحاجة. وأما الآن فلا يمكن ذلك فعسى أن يطبع في هذه الأيام ولا ينتظر نفوذ طبعته الأولى. فإنه وإن أستغرق وضعه أكثر من ست ملازم أي أكثر من ثلث الكتاب، إلا أنه يروج إنفاقه ترويجاً عجيباً. على أن ملاحظتنا هذه كلها لا تنزع من هذا الكتاب مزيته الكبيرة وهي الوقوف على بعد غور الشيعيين في العلوم على اختلاف أنواعها مما يرفع لهم مناراً نيراً في عالم الإسلام ويخلد ذكرهم في عالم الإعلام. 5 - العراقيات الجزء الأول وهو مختار من شعر عشرة مشاهير شعراء العراق. طبع بنفقة جامعيه رضا وظاهر وزين. جميع حقوق الطبع محفوظة لهم. مطبعة العرفان صيدا. سنة 1331هـ. في 209 صفحة بقطع الثمن. لقد أحسن الأفاضل رضا وظاهر وزين في نشر هذا الكتاب الدال على تقدم العراقيين في نظم الشعر وعلى إنهم ليسوا دون غيرهم في التضلع من العربية وإتقان تعبير فكرهم نظماً ونثراً. والذين أخذ من شعرهم في هذا الجزء هم الشعراء النوابغ: السيد محمد حبوبي والسيد إبراهيم الطباطبائي، والسيد حيدر الحلي، والشيخ جواد شبيب، والشيخ ملا كاظم الازري، والشيخ عباس ابن ملا علي والسيد جعفر والشيخ عبد الباقي الفاروقي، والشيخ عبد المحسن الكاظمي، والأخرس البغدادي. وقد قدم الناشرون على قصائد هؤلاء الشعراء مقدمة حسنة (في ماهية الشعر وفي منزلة الشعر عند العرب، وفي أدوار الشعر) ومع كل هذه الفوائد
ليسمح لنا الأدباء أن نبدي بعض ما عن لنا في مطاوي تصفحنا هذا الكتاب البديع الطبع. الحسن التبويب ونرجوهم أن يحملوه محمل كلام صادر من صديق لا من غريب: 1 - إن القصائد التي اختاروها من نوابغنا الشعراء لا تكاد تخرج عن هذه الأبواب وهي: المدح والرثاء والغزل والتشبيب ولا تزد على هذا القدر إلا شيئاً نزراً خارجاً عنها. وأنت تعلم أن المحاسن إذا أعيدت أنشأت في الصدر سأماً لا يطاق. فكان يحسن بمتولي طبع هذا الجزء أن ينوعوا الأبواب وأن لا يجعلوها كلها على وتيرة واحدة. ولا سيما معاني تلك القصائد (وإن كانت لنوابغ) ترجع كلها أو جلها إلى مودىً واحد أو يكاد لأنها جميعها مفرغة في قالب قديم ليس فيه من المحاسن العصرية شيء يذكر كأنه قضي على عراقنا وأهاليه أن لا يخرجوا من حالتهم الأولى القديمة المفرغة بقالب الجمود والهمود الأبدي. 2 - في تلك القصائد أبيات كثيرة تمنع أبناء الأدب والفضيلة أن يتناولوا الكتاب بأيديهم لأن ما فيه من العشقيات المفرطة والمخالفة لروح العصر تؤدي بهم إلى ما لا تحمد عقباه. 3 - إن المعتنين بنشر هذه المختارات لم يشبعوا الكلام عن تعريف نوابغنا. نعم قد علقوا على بعض الحواشي شيئاً زهيداً لكن دون ما يستحقونه فمثل هؤلاء الإجلاء جديرون بترجمة مفصلة ليقدروا حق قدرهم ولو أهملوا بعض هذا الأمر لمن هم في قيد الحياة لفهمنا لكن ما العذر لمن هم اليوم في دار البقاء. 4 - الكتاب غرة من الغرر بل درة الدرر وكان يحسن بأن يخلص من شوائب الطبع أو من شوائب اللغة الضعيفة من ذلك مثلا ما جاء في ص 5 في قوله: (فأنظر تر نهجاً. . . ترى القوم). . . والأصح تر القوم. وقوله في ص 6: وتقلبت على هذه عصور تقارب الثمانية قرون. والأصح أن يقال الثمانية القرون أو ثمانية القرون. وأما الثمانية قرون أي بتعريب المضاف فقط فقد حكى جوازه ابن عصفور إلا أنه أشار إلى أنه قبيح لإضافة المعرفة إلى النكرة. كما نص عليه في شرح الطرة عن الغرة ص 98 وكقوله ص 8: ولم تتحلى بها أسماع أبناء الشام. والأصح تتحل وفيها: اللئالئ والأصح اللآلئ. وفيها: وقد تشظى عنه الصدف ولو قال: وقد تفلق عنها الصدف لكان أوفى بالمقام وقال في ص 9 والحياة
الهنية والأفصح الهنيئة وإن كان يجوز الأول. وفي ص 11 مؤنة والأصح مؤونة إلى غيرها. 5 - في بعض سطور هذا الديوان آراء لا نوافقه عليها. فقد جاء في ص 4 (يوم كانت العربية المضرية لا تزال غضة بضة لم تدنسها العجمة ولم يشنها اللحن) فنحن هنا نوافق قول من يقول: إن العجمة دخلت العربية منذ عهد عهيد وكذلك اللحن على ما نعهده اليوم وبالمعنى المشهور. وقد أعاد هذا الفكر في ص 6 قال: بقي الشعر عزيز الجانب موفور الحظ عند العرب حتى دخلت العجمة ألسنتهم فأبعدتها عن اللغة الفصحى، واتخذت لها من شعرها شكلاً جديداً دعوه زجلاً. وهو شعر للعامة. . .) قلنا: إن الزجل قديم الوجود في العربية وإنما لم يدونوه في صدر الإسلام لأنه كان خرجا عن مألوف سائر الأوزان المضبوطة المقبولة ولا سيما لأنه ما كان يراعي في وزنه قواعد الإعراب. لكن لما كثر استعماله بين العوام وشاع أكثر مما كان عليه في السابق أخذ يعمل عليه كثيرون. هذا ما بدا لنا في مثاني المطالعة ولعلنا لا نرضي الجميع في ما نقول والله الهادي. 6 - تاريخ صيدا يحوي تاريخها وسائر شؤونها منذ عمرانها إلى وقتنا الحاضر. لمؤلفه أحمد عارف الزين صاحب العرفان. - جميع حقوق الطبع محفوظة له مطبعة العرفان صيدا سنة 1331 في 176 صفحة بقطع الثمن. الشيخ أحمد عارف أفندي الزين من نوابغ صيدا ومن العلماء العاملين الذين لا يعرفون الملل ولا الراحة فإننا لا نزال نراه يدأب في العمل واصلاً الليل بالنهار ناشراً من الآثار، ما يخلد له الذكر الحسن على توالي الإعصار. ومن جملة ما أتحفنا إياه كتابه في تاريخ صيدا. فإنه جمع كل ما وصلت إليه يداه في هذا المعنى ناقلاً شيئاً جماً من أسفار متعددة ومجلات كثيرة فجاء كتابه هذا من التواريخ المشبعة الوافية في صيدا. والكاتب من الرجال الراسخي القدم في العلم وهو لا يخاف نقد ناقد بخلاف كثيرين من بلادنا هذه فإنهم يقولون شيئاً ويودون شيئاً آخر وقد لحظنا ذلك مما نقدناه من الكتب والمقالات فإن بعض الأنذال الضعفاء العقول السخفاء الأحلام أقاموا القيامة علينا وهددونا بتعطيل مجلتنا إن واظبنا على طريقة انتقادنا وكما أننا أفهمناهم إننا لا نحيد عن خطتنا فآلوا هم أيضاً أن لا يحيدوا عن قصدهم السيئ فليهنئوا عيشاً.
مهدنا هذه التوطئة لما رأيناه من ثبات رصيفنا الفاضل وحسن نيته في هذا المعنى مما يجعلنا أن نتفاءل فيه كل خير ومستقبلاً ميموناً. تاريخ صيدا من الكتب التي تقتني لما بذل صاحبه من العناية بإفراغه في قالب بديع وخطة حسنة لكننا رأينا فيه بعض أشياء نود أن لا تكون في طبعته الثانية من ذلك: 1 - تكرير المعنى والمبنى على غير طائل ومثل هذا كثير في الصفحات الأولى من الكتاب. وفي بعض المواطن يقول شيئاً ثم بعد قليل ينفيه أو يعكسه فقد قال مثلا في ص 19: (وقد اختلف المتقدمون والمتأخرون في أصل الفينيقيين وزمان دخولهم فينيقية. والأرجح إنهم قبائل كثيرة حامية وسامية وقد هاجروا إليها في أزمنة مختلفة) اه. وما انتهى من هذه الكلمات حتى قال: إنه لا يعلم بالتحقيق أصل هذا الشعب غير أنه من نحو أربعة آلاف سنة أخذت سواحل بحر الروم تعمر بسكان جاءوا إليها من بلاد الشرق ولكن من أين جاءوا وكم كان عددهم ومن هم السكان الذين كانوا قبلهم؟ لا نعرف من ذلك شيئاً.) ثم قال في ص 20: وأصل الفينيقيين سامي وقد أتوا من الخليج العجمي وأسوا مملكتهم على شواطئ البحر المتوسط في كعب لبنان وذلك من القرن الرابع والعشرين قبل المسيح) اه. ففي هذه الأسطر من تشاجر الأقوال وتضاربها ما لا يجمل أن تفرغ بهذه العبارة في مثل هذا الكتاب بل يجمع بينها ويستخلص منها الأقرب إلى الرأي الأعم بين العلماء وهو الرأي الأخير ويهمل ما كان يذهب إليه العلماء قبل نحو 50 سنة وهو الذي نقله عن قطف الزهور لأن المؤلف هذا الكتاب لم يكن من المدققين. ومثل هذا التكرير في القول في ص 21 و22 ففي ص 21 ذكر إن دين الفينيقيين كان عبادة الأوثان وكان اسم آلهتهم العظيمة (بعل) وآلهتهم المشهورة (عشتروت) ثم رجع فقال في ص 22: ودينهم وثني وكان إلههم العظيمة (بعل) وإلهتهم المشهورة عشتروت. فهذا كلام نافل لا معنى لوجوده بعد أن ذكر ما ذكر وقال في صدر ص 22 إن الفينيقيين كانوا يذبحون أولادهم ضحايا للربة مولوش (كذا والأصح للرب مولك أو مولوك) ثم قال في آخرها: (وقد بلغوا في عبادته (أي مولك) منتهى الوحشية فذبحوا له بنيهم وبناتهم) فلا جرم إن في هذا التكرار
ما يثير في صدر القارئ السأم والملل. هذا فضلاً عن إن في العبارة الأخيرة كلاماً يخالف ما يراد منه. فكان يحسن أن يقول مثلاً: وقد بلغوا في عبادته منتهى الوحشية فذبحوا له من بنيهم وبناتهم ذبائح) وإلا فلو كانوا يذبحون له بنيهم وبناتهم فمن أين كانوا يتوالدون. وقال في ص 23: أشهر صنائع الفينيقيين البرنز (كذا ولو قال الشبه أو الفلز لأصفح) والأرجوان والزجاج وعمل الحلي والتماثيل والتمائم. . .) ثم يقول بعد قليل: (ولم يكن للفينيقيين فن مختص بهم لكنهم كانوا يتاجرون في المصوغات المصرية والآشورية واليونانية) فهذا الكلام ينفي ما تقدمه. ومثل هذه الإعادات غير ما ذكرناه فاجتزأنا بما أوردنا. 2 - كان يحسن بالمؤلف عند نقله الألفاظ السامية الأصل عن كتب الإفرنج أن يعيدها إلى نصابها السامي وأن لا يتابع الأعاجم في عجمتهم. وأول كل هذه الألفاظ كلمة فينيقية وما ينسب إليها فالأصح فيها فنيقية بدون ياء بعد الفاء. وكقوله في ص 13: الآشوريين والآمدين والأصح والماذيين نسبة إلى ماذية بذال معجمة ومنها الماذية في العربية وهي المنسوبة إلى بلاد ماذية. وأما الآمدية فلم ترد في كتب قوم من الأقوام من أعراب وأغراب بهذا المعنى. وكقوله في ص 21: ولجبيل بعل تموز وباليت. والأصح: وبعليت أو بليت بحذف العين على لغة قديمة مشهور. وقال في ص 20: أشهر مستعمراتها قرطاجنة وكاديكس. والمشهور وقادس. وفي ص 22 ويرسم بعل مولوش في قرطاجنة تمثالاً عظيماً والأصح الأفصح ومولك أو مولوك بكاف لا بشين في الآخر. ومثل هذه الأغلاط غير ما ذكرناه. 3 - قد وقع فيه أغلاط طبع كثيرة لم تصحح في آخره مثل قوله في ص 11 والأحول أي الأحوال. وفي ص 13: اللذان قلبا العالم. والأصح أن يقال في ذلك الموطن: اللذين (بالجر). وفي ص 14 في زمن الفينيقين النشيطين. والأصح الفينيقيين النشطاء وفي ص 15 الذي يدعوه اليونانيون سوريين يدعونه البرابر آشوريين) والأصح يدعوه البرابرة آشوريين وفي تلك الصفحة مساحتها 15900 كيلو متراً مربعاً والأصح كيلو متر مربع. وفي تلك الصفحة: عدد سكانها مليون وستماية وستين ألفاً. والأصح مليون وستمائة (بالهمزة لا بالياء كما وردت كثيراً) وستون
(بالرفع) ألفاً. وفي ص 14 إلى سنة الستين والأصح إلى السنة الستين. ومثلها في السطر التالي وقوله في ص 16: بأنهم أوزاع شتى الدول التي تعاقبت عليها. والأصح أوزاع شتى من الدول. . . أو: اوزاع شتى اوزاع الدول التي تعاقبت عليها. وكقوله ص 18: فقد كانت قبل افتتاح يشوع بن نون فلسطين تمتد. ولو قال: فقد كانت تمتد فلسطين قبل أن يفتتحها يشوع بن نون لكان أقرب إلى الفصيح. وفي تلك الصفحة: المملكة الفينيقية التي اشتهرت بهذا المقدار قديماً قد انحصرت. . . . وهذا من التعبير الأعجمي والأفصح: المملكة الفينيقية التي اشتهرت تلك الشهرة قديماً قد انحصرت. أو التي اشتهرت أي شهرة أو نحو ذلك. وفي ص 24 واخترعوا ألف باء فلعبوا دوراً مهماً في تاريخ الشرق. وهذا أيضاً من التعبير الدخيل والعرب تقول في مثل هذا المقام: واخترعوا حروف الهجاء فكان لهم مقام رفيع في تاريخ الشرق. ولو أردنا أن نستقصي مثل هذا الكلام لخرجنا عن طي هذه المجلة. 4 - قد وقع أغلاط فاضحة في طبع الألفاظ الإفرنجية فكان يجب أن يدقق في تصحيحها لأنها كثيرة. 5 - في الكتاب بعض الآراء لا نوافقه عليها وقد نقلها عن كتاب المشارقة والمغاربة لا محل لذكرها هنا. وهذا كله لا ينقص من شان الكتاب شيئاً ولا سيما لأنه أحسن تنسيق الأخبار العصرية عن صيدا. فجل من لا عيب فيه وعلا. 7 - تاريخ الصحافة العربية يحتوي على أخبار كل جريدة ومجلة عربية ظهرت في العالم شرقاً وغرباً مع رسوم أصحابها والمحررين فيها وتراجم مشاهيرهم - بقلم الفيكونت فيليب دي طرازي - جميع الحقوق محفوظة - بيروت المطبعة الأدبية سنة 1913 - الجزء الأول والثاني. المؤلفات كالأجرام النيرة، فمنها ما تظهر فجأة وتزول وشيكاً، ومنه ما نقتبس أنوارها من غيرها ويظن الرائي أنها لها. ومنها ما تنير مدة ثم تنطفئ ومنها ما تنير بنفسها سنين مديدة وتبقى نيرة ما شاء الله. وهكذا الأمر في المؤلفات. فإن منها ما لا تكاد تخرج من المطبعة إلا وتزول فتكون كالهباء المنثور، ومنها ما يكون لها شهرة مؤقتة فإذا ذهب أو إنها أصبحت في خبر كان، ومنها ما يكون مؤلفها قد أقتبسها من سائر الكتب وانتحلها لنفسه فتحيا بعض الحياة لا غير ومنها ما تكون حياتها من ذاتها فتبقى خالدة ما كر الجديدان ويؤخذ منها ما يكون مادة
لحياة كثير من جنسها فتكون أماً لها. ومن هذا الصنف الأخير كتاب (تاريخ الصحافة العربية) فإن صاحبه أفرغ كل ما في وسعه ليكون سفره جامعاً لأبحاث هذا التاريخ وما تشتت منه في مئاتٍ من المصاحف والصحف فجاء آية في التحقيق والتدوين. ومن حسناته العجيبة أن مؤلفه أثابه الله رصعه بأقوال الصحافيين ترصيعاً عجيباً مما يدل على إطلاع واسع على الجرائد والمجلات واستقصائها استقصاء بعيد الغور. فلا جرم أن هذا المصنف يكون مورداً ضرورياً لكل من يريد أن يكتب بعده في هذا الموضوع ويبقى كالشمس النيرة بنفسها تقتبس منها سائر الأقمار أنوارها وأما هي فلا ينقصها شيء. ولو لم يكن لحضرة هذا الكاتب الضليع إلا هذا الأثر الجليل المنيف لكفاه خلوداً في عالم الكتابة والتأليف. أما الجزء الأول فيحوي أبحاثاً رائقة لا غنى للأديب الصحافي عنها. إذ فيه ذكر تراجم مشاهير الصحافيين في الحقبة الأولى وعددهم 22 كاتباً فيهم سبعة من المسلمين وأربعة عشر من النصارى وأحمد فارس الشدياق النصراني الأصل والنشأة الذي أسلم حينما كان عمره 44 سنة أي في منتصف حياته. ويحوي الجزء الثاني أخبار صحافة البلاد العثمانية وتراجم مشاهيرها وذكر من أعلامها في بيروت 25 كاتباً ثلاثة منهم مسلمون والبقية نصارى ثم تطرق إلى ذكر أخبار الصحافة خارجاً عن بيروت. وذكر من مشاهيرها 9 محررين منهم ثلاثة مسلمون والبقية نصارى ثم ختم الجزء بأخبار الصحف العربية في أوربا وعدد من نوابغهم ثمانية نصفهم نصارى ونصفهم مسلمون وأتم الكل بذكر جميع الصحف والمجلات التي ظهرت في الحقبتين الأولى والثانية في ديار آل عثمان وديار الإفرنج. - فأنت ترى من هذا النظر المجمل إن الكتاب من أنفس ما ألف في هذا الموضوع وهو حسن الطبع والكاغد فيه صور كثيرين من نوابغ الصحافة وحري بأن يقتنيه كل أديب ليطالع فيه أو يجعله من محسنات مكتبته. والكتاب متقن التأليف والتنسيق والتبويب صحيح التركيب صادق اللهجة لا يتحزب لأحد ولا يقوم على كاتب أو يهجم عليه مهما كان فكره أو مذهبه شأن المؤرخ المتجرد من كل غرض وقد ذكر المؤلف في أول صفحة من مقدمة سفره هذا القول: البلاد التي لا صحافة فيها لا صحة فيها. وهو من كلام هذا العاجز في المسرة. وذكر في 2: 161 ما حرفه: وما طال غياب البستاني كثيراً
عن بغداد بل عاد إليها وتزوج كلدانية غنية هي ابنة المثري انطون البغدادي. قلنا: الذي نعلمه عن انطون البغدادي أن لا ولد له ذكر ولا أنثى: أما مريم امرأة سليمان البستاني فهي ابنة اسحق سربوس الأرمني الكاثوليكي. فهي إذا أرمنية وإنما الكلدانية هي أمها وكانت أخت انطون بك ابن يوسف الشماس عبد المسيح وليست ابنته. فليحفظ. ومن حسنات هذا التاريخ إنه مذيل بفهارس هجائية تتضمن أسماء الكتاب والصحافيين وصحفهم ومجلاتهم لكن المؤلف لم يجر على خطة واحدة في ذكر تلك الأسماء ففي جزء يوردهم بموجب اسمهم الشخصي وفي جزء آخر بموجب جمامهم أي اسم عشيرتهم أو أسرتهم أو شهرتهم. وفي بعض الأحيان باسم لا مناسبة بينه وبين ما يجب أن يطلب في الفهرس. فقد ذكر مثلا قاسم الكستي وقدور باحوم وقيصر المعلوف وقيصر كرم في الجزء الأول في حرف القاف. وذكر الشيخ قاسم الكستي وقيصر المعلوف في الجزء الثاني في حرف الاسم الذي أشتهر به أي أنه ذكر الأول في حرف الكاف والثاني في حرف الميم. ومثل هذا الخلل كثير. وذكر اسمنا في الجزء الأول في حرف الهمزة. وفي الجزء الثاني في حرف الكاف أي الكرملي. وكان الأولى أن يذكر في الجزأين في حرف الهمزة. ومن حسناته أيضاً أنه أصلح أموراً كثيرة تاريخية كان أدخلها التاريخ بعض الصحافيين على غير عمد؛ من ذلك: ما جاء في الفصل الثالث من الجزء الأول الذي ذكر فيه مؤرخي الصحافة العربية فدل بحثه على غور بعيد في تتبع الحقائق والوقوف على أدق الدقائق ولذلك يستحق كل مديح وثناء. وقد وقع في الكتاب بعض أغلاط طبع كقوله في ص 9 من الجزء الأول (بعد البحث) والأصح البحث. وفيها: ويبتروا لسان المتطفلين والأصح (السنة) وإن كان لكلامه وجه صحيح. وفيه: لأن الواجبات الأولية في الصحافي أو السياسي هو أن يكونا حاصلين، والأصح: هي. وفي ص 21 و25: أدار (بالدال المهملة) والأصح آذار (بالذال المعجمة) كما نبه عليه صاحب التاج وفي ص 29 (ألفتنا نظرة إلى هذا السهو) والأصح لفتنا نظره من الفعل لا من الأفعال. والأفصح وجهنا نظره. وفيه: فيما ذكره عن الدورين والأصح في ما ذكره بفصل الكلمتين. وفيها: وهي ثالثة الجرائد في قدمة العهد والأصح في قدم أو قدامة العهد وفي 2: 14 رسوم جميع مدراء البشير
والأصح مديري البشير على أن هذه الهنات لا تستحق الذكر بجانب هذا السفر الجليل الحسنات التي تجعله بين الكتب الممتعة الخالدة وأباً لكل ما يصنف بعده في هذا المعنى وكفاه ذلك ثناءٍ وتقريظاً. 8 - المنهل مجلة أدبية تاريخية اجتماعية مصورة عند الاقتضاء. تصدر مرة في الشهر بالقدس الشريف لمنشئها محمد موسى المغربي - الجزء الأول. رمضان سنة 1331 قيمة الاشتراك في البلاد العثمانية ريال مجيدي ونصف وفي البلاد الخارجية عشرة فرنكات. في هذا العدد الأول من المباحث بعد الفاتحة: مناهل الأدب، مصارع العظماء (مصورة)، الجديد وفتاة العصر (قصيدة للشيخ علي أفندي الريماوي) عرس ابنة غليوم (مصورة) الحب (بلسان الحداد والقصار والخباز والطبيب) الحب الخالص، حكم للوزراء فتاة عربية (للأديب ع) متفرقات وهي 40 صفحة. والأمل أنها تكون منهلاً للأدباء، ومشرعا للفضلاء. 9 - النادي الكاثوليكي ما هو - ضرورته وفوائده - تآليفه وخطته بقلم الأب بولس سيور المرسل البولسي - مطبعة القديس بولس في حريصا 1913. 10 قوانين النادي الكاثوليكي المؤسس في دمشق لشبيبة الروم الكاثوليك على اسم القديس يوحنا الدمشقي. طبع بالمطبعة المذكورة 1913. في الجماعات من القوة ما لا ترى في العناصر المفردة التي تتركب منها وهذا يقال في الأمور المادية والأدبية. ونفعها ظاهر لكل ذي عينين. والكراسان المذكوران يدلان أحسن دلالة على إثبات هذه الحقيقة فهما جديران بالمطالعة لما فيهما من الفوائد التي يقف عليها القارئ في أثناء المطالعة. وثمن الواحد غرشان ونصف. 11 - فردريك أوزنام نصير الدين ورسول المحبة (1813 - 1853) بقلم الخوري نقولا دهان رئيس المدرسة البطريركية بدمشق، طبع بالمطبعة المذكورة 1913. كان هذا الرجل مجهول الترجمة في الشرق ولم تعرف حياته إلا في هذه السنة بعد أن مضى على ولادته قرن بتمامه. ومن التراجم الحسنة المكتوبة في هذا المعنى هي هذه التي ذكرنا منشئها فإن صاحبها قد اعتمد في كتابتها على أصدق الأسانيد وأوثق الأخبار وأحسن الأنباء وأفرغها في أجود قالب عربي.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
12 - البيان السنوي للكلية العثمانية الإسلامية لعامها التاسع عشر سنة 1331هـ الموافق 1903غ هذا البيان من أصدق الأدلة على تقدم هذه الكلية العثمانية الإسلامية وهو مزين بعدة تصاوير تمثل بعض أبنية هذه الكلية وطلبتها مع ذكر ما يتعلق بخطة المدرسة ودروسها وشروط قبول طلبتها إلى غير هذه من الفوائد الجزيلة. والمنافع الجليلة مما يشوق المسلمين إلى إدخال أبنائهم فيها. 13 - فوائد عن الجيش المصري (بالفرنسوية). لمصطفى بك إبراهيم دي كورتن. طبع في باريس في مطبعة فرزنية 1913 صديقنا مؤلف هذا الكتاب من أدرى الناس بشؤون الشرق لا سيما بشؤون ديار شمالي أفريقية. وكان يظن بعض الأدباء إن معرفته محصورة في بلاد تونس والجزائر لا غير. وهذا الكتاب الذي أمامنا يشهد على إن الكاتب واسع الإطلاع واقف على ديار مصر وجيشها وتاريخ أعماله. وقد أيد أقواله كلها بجداول مفيدة لا يستغني عنها كتاب مصر ولا سيما أرباب الصحافة الذين يهمهم الوقوف على حقائق الأنباء ودقائقها. وقد قسم كتابه قسمين: الأول في تاريخ الجيش المصري والثاني في الجيش المصري الحالي فنحث كل أديب يهمه الإشراف على أحوال مصر أن يطالع هذا التصنيف المفيد لأنه يجد فيه ضالته المنشودة. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - سقوط مسقط مسقط هي الثغر العربي البحري حاضرة بلاد عمان على حرف بحرها في عرض 23 درجة و37 دقيقة من الشمال وفي طول 56 درجة و15 دقيقة من الشرق فيها نحو 35 ألف من السكان وميناؤها حسن وكان قد حصنها سابقاً البرتغاليون. وتجارتها مع بمبي وخليج فارس نافقه، والميناء الصغير الذي يجاورها واسمه (مطرح) يعد من مرافقها وكان قد فتحها البوكرك في سنة 1507 فأمتلكها البرتغاليون إلى سنة 1648 ثم خرجت من أيديهم وتقلبت عليها الأحوال حتى أصبحت هدفاً للنفوذ الإنكليزي إلى هذه الأيام الأخيرة فجاءتنا الأخبار إن الإنكليز احتلوها وغدت من أملاكم. ولا بد من أن نعرض على
القراء مجمل الأنباء منذ أقرب عهد إلينا أي منذ عهد السيد سعيد بن سلطان لتقوم في الفكر صورة الحقيقة منذ نشأتها إلى هذا العهد. وقد استندنا في اغلب هذه الرواية على حضرة سليمان أفندي الدخيل صاحب الرياض فنقول: كان لمسقط في عهد السيد سعيد بن سلطان شأن يذكر أصبحت فيه حاضرة إمارة كبيرة على سيف الخليج الفارسي تمتد على الثغور البحرية المجاورة لها حتى جزيرة البحرين التي لم تغلب عليها مع أنه حارب أهلها أشد المحاربة ومن الثغور التي كانت تضاف إلى الإمارة المذكورة لنجة وبندر عباس وما يجاورهما من البلاد الإيرانية الواقعة على خليج فارس. لا بل امتدت أجنحة إمارته إلى ساحل شرقي أفريقية مثل بلاد (لامو) و (منباسة) و (الانفزيجة) و (بندر السلام) و (هنزوان) (الجزيرة الخضراء) وزنجبار وغيرها. وكان قد أقام حاضرتين وهما (مسقط) للبلاد الواقعة في بحري عمان وفارس (وزنجار) للأقطار الأفريقية. وعقد معاهدة مع والي البصرة ومثلها مع دولة الهند ليحافظ على استقلاله وأمور دياره حتى أن فرنسة أقرت له بلقب سلطان العرب أو إمبراطورهم وقد نالت رعيته من الرفاهية ورغد العيش ما لم تنله تلك الأقطار في سابق الأعصار، وكان له أسطول ذو حول وطول يمخر أبحر الهند وفارس وعمان. . . بقيت تلك الدولة في نمو وزهو إلى أن توفى السعيد فانقسمت دولته بين أبنائه قسمين: شطر عربي وشطر أفريقي، فكان الشطر الأفريقي نصيب السيد ماجد ومن بعده السيد برغش ووقع الشطر العربي حصة للسيد ثويني الذي قتله ابنه السيد سالم ليستولي على سلطنته، وما بدأ هذا الرجل بالقبض على زمام الأمر إلا واستعرت نيران الفتن واندلعت السنة اللهيب إلى تلك الديار ولم تخمد إلا بتغلب السيد تركي عليها وهو ابن السيد سعيد أخي السيد ثويني وبقيت الأمور تجري في مجراها إلى عهد السيد فيصل بن تركي السلطان العربي الحالي، فتقاسم الإنكليز والألمانيون تلك البلاد في معاهدات سنة 1890 وأفضت ثغور فارس والبحرين والكويت إلى حماية الإنكليز. وهكذا أخذت البلاد تخرج من أيدي أصحابها. ولما اخترع الإفرنج البواخر وسيروها على متان البحار وشحنوها آلات جهنمية وبقي العرب على حالتهم الأولى من اتخاذ السفن الشراعية أو ذوات المقاذيف ضعفت قواهم في المحاربة وتأخروا عن سائر الأمم التي كانت تزداد قواها بازدياد عدد بواخرها وبوارجها ومدرعاتها فاضطر أمير مسقط أن يسايس الإفرنج والإنكليز خوفاً من أن تفلت بلاده من يديه قهراً وقسراً بدون أن يتمكن من معارضة المتغلبين الطامحة أبصارهم إلى دياره. فاضطر إلى منع النخاسة (بيع الرقيق) ثم إلى منع بيع الأسلحة ثم إلى غير هذه المطالب مما أوغر صدور العرب عليه ودفعهم إلى الخروج عليه. وأول من نفث في صدور الناس روح العصيان هو الشيخ عبد الله السلمي من (الشرقية) فإنه
دعاهم إلى أن يبايعوه وقد كان بلده (ضبية) ومسكنه في لبد (لقابل) الذي أميرها الشيخ عيسى بن صالح وأول من بايعه هو هذا الشيخ وكانت المبايعة سراً والغاية من هذا الخروج إقامة السيد فيصل (إماماً شرعياً) على الاباضية في مسقط يكون نافذ القول والأحكام لا سلطاناً ولهذا كتبا إليه كتاباً ليطلعاه على ما جال في فكرهما فأبى السيد فيصل قائلاً إنه (سلطان وإمام معاً) وإنه حر القول والفعل في مملكته يعمل ما يشاء ويقول ما يشاء. فلما بلغ ذلك الخبر إلى الشيخين امتعضا وأنضم إليهما جمع شايعوهما في أفكارهما ثم طلبوا جميعهم إلى السيد فيصل أن يقطع دابر المومسات من مسقط وعمان وأن يمنع شرب المسكرات والدخان وتجول المبشرين في تلك البلاد إلى غير هذه المطالب فأبى كل الإباء قائلاً: إن الإنسان خلق حراً ولا يحق لي أن أقيده بقيود. فلما رأوا أنه رفض كل ما طلبوه منه اجتمع الشيخ عبد الله السلمي والشيخ عيسى بن صالح والشيخ عبد الله بن سعيد وعقدوا مجلساً خفياً في (سمائم) من بني الريحة وقرروا أن يبعثوا الشيخ عبد الله بن حميد إلى جميع ديار عمان ليدعوا أهلها إلى النهوض مع الشيوخ المذكورين وإلى محاربة السيد فيصل لكونه أبى تلبية مطالبهم. فجرى الأمر على ما قرروه وكنوا الصلح في قبائل عمان المختلفة وربطوا بعضها ليكونوا يداً واحدة على السيد السلطان ثم سار الشيخ عبد الله بن حميد إلى (تنوف) بليدة قريبة من (نزوة) وواجه شيخها حمير الأمامي الذي أمر للحال فجمع علماء الاباضية وذاكرهم في الأمر فقر رأيهم على تعيين إمام ومبايعته فأقاموا عليهم الشيخ سالم بن راشد الخروسي ودخلوا (نزوة) سراً ودعوا سكانها إلى المبايعة فبايعوا الإمام وكان في مقدمتهم بنو يام والكنود. فلما بلغ الخبر أمير نزوة وهو السيد سيف بن حمد من أبناء بني سعيد هجم عليهم بعسكره كبحاً لجماحهم. لكنهم أبلوا بلاء حسن وقتلوا من بني سعيد خاصة أكثر من 25 رجلاً وجرحوا الوالي ثم بعد ذلك أخذت نزوة أو قل سلمت نفسها بدون ممانعة ليضعف أهلها وقوة محاربيهم وللحال أخرجت العساكر من القلعة الحصينة وأحتلها أتباع الإمام.
أما الوالي فإنه لما رأى الحال على تلك الصورة لجأ إلى أحد المساجد فطلبوا إليه أن يطاوع الإمام وإلا يعامل معاملة الأسير فاستمهلهم ساعة قبل الجواب فلما أمهلوه انتحر. قبض الإمام على زمام الأمر في نزوة ولما قرت فيها قدمه أرسل يقول لسكان بيت سليط إما الطاعة وإما الحرب. فسالموه وأطاعوه. ثم سار وقد قسم جنده إلى طائفتين وجه الطائفة الأولى إلى (بركة الموز) والطائفة الأخرى إلى الرستاق وما كادت تصل تلك الجنود إلى تلك الديار إلا وانقاد سكانها للهاجمين بدون معارضة. ثم زحفوا على بلاد الحزم فبايع أهلة الإمام ثم زحفوا إلى ولاية الغوابي فلم يقاومهم فيها أحد. وفي تلك الأثناء كانت الطائفة الثانية من الجند قد زحفت من (بركة الموز) إلى (ولاية تركي) وقالوا لواليها: إن أنت وافقتنا على أنرنا أقمناك إماماً. فسلمهم القلعة بدون محاربة وللحال لفوا رأسه بعمامة وقالوا له: (كن مستعداً لأن تكون خليفة (!!!) بعد إمامنا هذا (!). لما سمع السيد فيصل هذه الأمور جيش جيشاً فيه 5 آلاف جندي وأمر عليه ابنه السيد ناذر فلما وصل إلى قرب موقع الإمام الجديد في (سمائم) قلب له جيشه ظهر المجن فانحاز إلى جيش الخصم ولم يبق معه إلا فرقة من البلوص وأولاد بني سعيد وكلهم لا يتجاوز عددهم التسعين. فلما رأي هذه الخيانة لجأ إلى حصن سمائم فدخلة ولبث فيه محصوراً منتفعاً بالمدافع التي كانت هناك دفعاً لهجمات عدوه الشديدة. أما قبائل ذلك الموطن فإنها لم تنفعه فتيلاً لأنها كلها خانته وانحازت إلى الإمام الجديد الذي اشتد ساعده لما رأى من الفوز المبين ومع ما توفق له من انضمام القوم إليه لم يستفد من محاصرة السيد ناذر عظيم فائدة لأنه كان يدحرهم شر دحر بما كان يمطره عليهم من قذائف مدافعه. ولهذا رأى الإمام من الأوفق له أن يتركه وشأنه ويحاصر البلد محاصرة ضيقة بحيث يبقى السيد ناذر وهو في حصنه في بؤرة البلد.
ثم إن الشيوخ تفرقوا بجنودهم فسار الشيخ حمير بجنوده إلى (سمائم السفلى) وسار الشيخ عيسى إلى بلد (سرور) فبايعه أهلها. وسار الإمام ومعه الشيخ عبد الله إلى سمائم العليا محاصرين السيد ناذراً. ثم إنهم لما لم يروا نتيجة أتعاب محاصرتهم حفروا سرباً أو نفقاً تحت الأرض على بعد ربع ساعة (كذا ولعل في هذه الرواية غلواً عظيماً ولا سيما لأن الأرض هناك ذات حجارة صلبة سوداء تكاد تكون كالحرة) ينتهي إلى القلعة ونسفوا بالبارود شيئاً يسيراً من الحصن ولم يصب أحد بضرر لا من المحاصرين ولا من المحاصرين لكن لما أعادوا الكرة وأخذوا ينسفون الحصن للمرة الثانية رجع مفعول البارود على جند الإمام وأهلك من قومه نفوساً كثيرة. أما الشيخ عيسى فإنه أوغل في البلاد وبايعه أهلها وما زال يمعن فيها حتى وصل إلى بلد (فنكا) فأرسل السيد فيصل عليه جيشاً جراراً وعند وصوله إلى بلد (الخوث) رجع على أعقابه وذهب إلى بلاد (السيب) بدون أن يرى العدو بل علم أن العدو قد احتل (الخوث) قبل أن يصل إليه وبايعه أهله فحقق سعي جيش السيد فيصل - وأما جيش الإمام الذي كان قد احتل (الرستاق) فإنه تجاوزه وأمعن في البلاد حتى دخل (العوابي) وفيها أبناء السيد فيصل وهما حمود وحمد ومعهما السيد (هلال) والي (بركة) فلما رأوا صولة العدو فروا هاربين من القتل فأخذها الإمام وأخرج منها العسكر الموجود فيها وامتلك الأسلحة المذخرة هناك وباعها للعشائر. استمرت هذه المحاربة نحو أربعين يوماً. . وفي الآخر رأى السيد فيصل أن لا طاقة له على مقابلة العدو فأستنجد بالإنكليز فأمدوه بست بوارج هائلة وبخمسمائة جندي. واعديه أن يساعدوه في كل ما يطلب وأن لا يبعدوا في البر أكثر من مسافة ساعة. وقد احتلت الجنود الإنكليزية بعض القلاع واخذوا يقاومون العدو أشد المقاومة وأصبحوا أصحاب الأمر والنهي في عمان. ولما قرت قدم الإنكليز في مسقط وفي سائر ديار عمان وأصبحوا فيها أصحاب الأمر والنهي نشروا فيها أجنحة الأمن والراحة والسكون. حتى أن أحد تلك الأرجاء كتب إلى جريدة الدستور البصرية (أن السكينة قد عادت إلى ربوعها بعد أن أتخذ الإنكليز جميع وسائل الحرب لصد العدو عن مهاجمتها لا بل شرعوا المذاكرة في أمور الصلح بينهم وبين الإمام الأباضي) فتبارك مالك الملك الذي يؤتى الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء.
العدد 29
العدد 29 جزيرة العرب 1 - نظر مجمل فيها إن معرفة أحوال جزيرة العرب والإحاطة بما فيها من القبائل والعشائر والمواقع والمواضع إلى غيرها من أشد الأمور غموضاً على الباحثين من العلماء وأصعب من ذلك الوقوف على ما في كبد جزيرة العرب مما أشرنا إليه فلقد بقي إلى الآن مطوياً عن المتطالين إلى الإطلاع عليه ولا يعلم بما فيه من النفوس والقبائل إلا الله وحده. ومع كثرة دواوين التواريخ العربية فإنا لم نعثر إلى الآن على من بحث فيها بحثاً شافياً وافياً؛ وجل ما رأيناه من المؤلفات تتناول أطراف الجزيرة مما يداني الأبحر الواقعة عليها. أما وسطها فإنه بقي كعنقاء مغرب يسمع باسمها ولا يرى جسمها؛ وقد أدعى كثيرون إنهم جاسوا الديار لكن تفاصيل أبحاثهم دلت على ما يخالف أقوالهم أو إنهم لم يروا إلا الشيء النزر الذي لا يعتد به. ومن أحسن الكتب التي أنشئت في جزيرة العرب هو كتاب (صفة جزيرة العرب) للهمداني لكن اغلب أبحاثه تشمل القسم الشمالي والجنوبي من الجزيرة وما فيهما من الموارد والمياه والمراعي. وكل ذلك على ما كان في سابق الزمان في عهد المؤلف وقد حالت الأحوال وتغيرت الأجيال وانتقلت القبائل من مواضعها إلى مواضع أخرى حتى أن الباحثين اليوم لا يكادون يقعون على ما يطالعونه في ذلك التصنيف الجليل ولا يجد فيه الرحالة ذريعة يتذرع به للوصول إلى غايته. اللهم إلا أن يضيع شطراً من عمره في التجول في تلك البلاد والتنقل مع قبائلها كما فعل أفراد من الإفرنج المتفرغين لهذه الأبحاث فتبدوا مع أهل بادية الشام ومع ذلك رأينا
أنباهم دون ما كان يتوقع من مثلهم مع أن أحدهم أضاع أكثر من 13 سنة فجاءت جل إفاداته ما يكون بمنزلة ملحق للأمور السياسية مما يدل على إن معظم همه كان تدوين ما يخص تلك الوقائع دون غيرها من الشؤون الاجتماعية والتاريخية. ومما نوجه إليه الأنظار رسوم جزيرة العرب فإننا لم نعثر على ما يفي بالمقصود فإن اغلب ما أحسن رسمه منها هو سواحلها دون أواسطها. وكثير مما ذكر جاء مصحفا أو محرفاً قلت معه تلك الفائدة على أننا لا ننكر فائدتهم بوجه الأعمال إذ ترشد الباحث الخبير من أبناء الشرق إلى ما يجب تتبعه من هذا القبيل. وقد عنى جماعة من علماء الإنكليز والألمان والفرنسويين بوضع رسوم لا ننكر فائدتها. وقد سمعنا إن في نظارة ألمانية مخططات كبيرة فيها ذكر مواقع وقرى وبلدان لم تذكر في غيرها فعسى أن يصح الخبر. وكذلك يقال عن مثلها للإنكليز بيد إن هذا كله لم يظهر إلى عالم الوجود إلى يومنا هذا ولا بد أن تنشر يوماً إن صحت الأخبار. أما تاريخ العرب فهو على هذا المثال من الغموض والإشكال. ولا سيما تاريخهم في العهد القديم السابق لعهد الإسلام، ذلك التاريخ الذي يصل الأمم الباقية بالأمم البائدة فكل ما جاءنا لا يذعر له الفكر ولا يصدقه العقل. وقد سعى الكتاب في هذه السنين الأخيرة في نشر بعض الكتب اعتماداً على ما اكتشف من الآثار والرقم إلا أن هذه الأسفار لا تزال ناقصة. وإننا لنأمل إن علماءنا العصريين يعيدون الكرة فيجددون عزائمهم الخائرة، ويمعنون في البحث ليقعوا على ما يزيل الشبهات، ويقطع أصول الريب ببينات لامعات. أما اللغة العربية فقد كادت تفسد بالتمام في هذه العصور الأخيرة لكثرة ما أصاب أبنائها من النوائب لولا أن القرآن الذي هو أساس الدين ولغته لغة الدين حفظها من الدمار والبوار. ثم قيض الله لها باحثين أصحاب نظر وفكر بينوا محاسنها وصححوا ما أفسد من ألفاظها وميزوا ما فيها من حسن وسيئ فنبذوا منها القبيح وضنوا منها بالصحيح فأخذت تعود إلى نضارة عزها وغضارة مجدها. وأصبحت اليوم واسطة الوحدة العربية. والرابطة القومية بين بلاد وبلاد. ولا بد أن يأتي يوم نعرف فيه ما لفضل هذه اللغة وشدة ارتباطها بالأم التي ولدت منها، وإن هذه الابنة هي أحسن سائر البنات أخواتها في حفظ عوائد وأخلاق تلك الأمم المنقرضة البائدة.
2 - حدود جزيرة العرب وأقسامها أما حدود جزيرة العرب فمن بين جميع سائر البلاد لم تتغير على تطاول الاعصار وتغير الأحوال والأجيال لأنها طبيعية فقد كانت في السابق كما هي اليوم بدون فرق عظيم. فيحدها من الشمال بادية الشام ومن الجنوب بحر الهند (أو إن شئت فقل بحر العرب وخليج عدن) ومن الشرق خليج فارس وبحر عمان ومن الغرب البحر الأحمر أو بحر قلزم. وكان يعرف هذه الحدود العرب الأولون لكن باختلاف في إيراد الأسماء. وتقسم جزيرة أو بلاد العرب إلى قسمين قديمين وهما: ديار بني عدنان أو بني إسماعيل وديار بني قحطان وبعبارة أخرى ديار عرب الشمال وديار عرب الجنوب. وهذا التقسيم لا يعرف اليوم. أما المعروف فهو: الحجاز واليمن وحضرموت وعمان ونجد والاحساء وهذا الأخير لا يعرف إلا منذ نحو نصف قرن. 3 - ديار نجد ولما كنت نجدي المولد والمنشأ أحببت أن أقدم تعريف دياري على غيرها ولا سيما لأنها سرة جزيرة العرب ولأنها من أغمض أقسامها إذ قلما جاس خلال دورها الإفرنج وكتبوا عنها الكتابة الصادقة، الصحيحة الأخبار والأنباء. وهي تقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول العروض أو العرض أو الرياض أو الدرعية وهي إمارة ابن السعود. والثاني: القصيم وهو عبارة عن إمارتين: إمارة آل سليم وإمارة آل مهنا. والثالث: الجبل أو جبل شعر أو جبل طي وهو إمارة ابن الرشيد وعاصمته حائل سمى كذلك لأن هذا البلد حال دون ديار الشام ودومة الجندل أو بين القصيم والرياض. وقد ذكرنا ذلك في هذه المجلة 1: 17 - 18 فراجعها. أما اليوم فنتعرض لذكر أسماء أمراء كل إمارة مع أنسابهم باختصار بموجب التاريخ الصحيح ثم إذا سنحت لنا الفرصة للحق بكل إمارة ذكر قبائلها وعشائرها ووصلها بالقبائل القديمة المشهورة مع ذكر أسباب التنقل والتغير والانتجاع التي وقعت في العهد السابق. وفي الأخر نذكر الطرق والمياه والمواطن والجبال المشهورة فيها وإن ساعدتنا الأحوال مساعدة عظيمة خصوصية وضعنا لتلك الديار رسوماً كبيرة تحوي في كبد هذه الجزيرة من البلاد والقرى والموارد والمنتجعات، والله المعين.
4 - أمراء نجد لما كان الأمير سعود الأول هو الذي رفع ذكر هذه الإمارة إلى مناط العيوق كان من المناسب أن نجعله في مبتدأ النسب ونذكر أجداده على ما وقفنا عليه ثم نعود إلى ذكر الأمراء وتاريخهم واحداً بعد واحدٍ فنقول: الأمير سعود هو ابن الأمير محمد ابن الأمير مقرن ابن الأمير مرخان (وقد كان أميراً مستقلاً) ابن الأمير إبراهيم الذي كان في عهد العباسيين أميراً قائماً بنفسه صاحب الأمر والنهي في جزيرة العرب وهو ابن الأمير موسى الذي كان مستبداً بنجد وبما والاها في آخر أيام الدولة العباسية وهو ابن الأمير ربيعة وقد كانت تخضع له الاحساء والقطيف وقطر. وهو ابن الأمير مانع الذي وضع أساس (الدرعية) وبناها. وجدد بناء الاحساء والقطيف وقطر وعمان وأول من بنى فيها القلاع المنيعة والحصون المكينة والأسوار الشامخة وكان مستقلاً بالإمارة في سنة 850هـ (1446) ومن ذريته (المنانعة) الموجودون اليوم في نجد. وهم أسرة كبيرة شريفة متفرقة في كثير من الديار العربية وغيرها. وهو ابن المسيب بن المقداد بن بدران بن مالك بن سالم بن مالك بن حسان بن ربيعة بن مر بن منقذ بن الحارث بن سعد بن همام بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن دعمي بن جديلة بن معد بن عدنان. فنسب الأمير سعود يتصل بعدنان. وفي غير كتب خطية يتصل نسبه بإبراهيم (عم) لكننا نعتمد على الأول لوضوحه وجلائه. وقد تولى الإمارة بعد والده الأمير محمد بن مقرن وكان مسكنه في الدرعية وإليه ينسب بيت السعود. وكانت وفاته في سنة 1137هـ (1724م) وخلف أربعة بنين وهم ثنيان ومحمد ومشاري وفرحان. والذي تربع على عرش الإمارة بعده هو ابنه:
الأمير محمد ابن سعود وسار هذا الأمير سيرة حسنة في الناس إذ رفع المظالم وأبطل المكوس والضرائب وعاضده على ذلك أخوه ثنيان الأكبر فقويت شوكته وامتدت سطوته وناهض الاستبداد أشد المناهضة وحاول الاستيلاء على جميع جزيرة العرب في حياة أخيه ثنيان إلا أن الأخير مات في سنة 1160هـ (1747م) فلم ينل محمد ما كان ينويه ثم مات هو أيضاً في سنة 1170هـ (1756م) فقام بالإمارة بعد ابنه: الإمام عبد العزيز بن محمد الذي هو أيضاً سار سيرة حميدة في القوم ولم يبتعد عن سنن والده وحاول تحقيق أمنية أبيه من إخضاع جزيرة العرب كلها لإمارته فدانت له نجد كلها وكل ما في أطرافها المترامية الأكناف فاتسع نطاق ملكه وكان مغواراً لا يمل من المحاربة والمقارعة وكان يباشر الملاحم بنفسه حتى كبر. وقد كانت وفاته قتلاً إذ أغتاله رجل رافضي من أهل العمادية (من ديار الجزيرة) جاءه لهذه النية السيئة وكان ذلك في نهار الجمعة في صلاة العصر في جامع الدرعية سنة 1218هـ (1803م) فتولى زمام الأمر بعده ابنه: الإمام سعود بن عبد الله تولى هذا الأمير ديار نجد وجند جنوداً تزيد على 400 ألف رجل بين فارس وراجل واخضع سائر ديار جزيرة العرب وحاول مناهضة الملوك الحاكمين على أطراف الجزيرة واستخلاصها من أيديهم. وقد توفق لشيء كثير من ذلك ومن عجيب أمره إنه لم تهزم له راية قط. وقد كان عالماً ذكياً حسن الخط مجيد القراءة الصحيحة. وقد كان من الهيبة والأبهة والجلال ما يبهر عيون الناظرين وكان فصيح الكلام إذا تكلم أنصت له جميع السامعين. ثم توفى في سنة 1229هـ (1814م) وتولى بعده ابنه: الإمام عبد الله بن سعود فسار سيرة والده في القوم إلا إن أخوته ما كانوا يوافقونه كل الموافقة وكان لا يستطيع مخالفتهم فنازعه أخوه سعود بن فيصل بن سعود فكان كل منهما يأمر وينهى في الشؤون على خلاف ما يقطع به أخوه وللحال تفرقت كلمتهم ونفر منهم فئام من العرب واتسع الخرق في قوتهم فانتهزت الحكومة المصرية هذه
الفرصة فرصة الخلاف بين الأخوين فانحاز إلى المصريين كثير من عرب نجد والحجاز والعراق والشام واليمن فخذل آل سعود. وتوفى عبد الله في القسطنطينية سنة 1233هـ (1818م) وكان شهماً عفيفاً كريماً سخياً لكنه لم يكن صائب الفكر والرأي كما كان والده. ولهذا السبب أضاع شيئاً كثيراً من مملكته واختلت سياسته لرعيته. وبعد وفاته تولى الإمارة أخوه: الإمام مشاري بن سعود الذي حاول أن يسترد ما فقده أخوه لكن حالت دون أمانيه موانع جمة لا بل اضطربت قبائل نجد في عهده فشغبت عليه ولم يتمكن من إخضاعها له. وما زالت شاقة العصا عاصية عليه حتى توفى في سنة 1235هـ (1829م) وخلفه بعده في الإمارة ابن عمه: الأمير تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود فاخضع نجداً بسيفه البتار وفكره الصائب وسار سيرة محمودة في الرعية وكان يمارس الطب عارفاً الأدوية، عالج كثيراً من المرضى فشفوا على يده ولم يزل مقيماً في دار إمارته (الرياض) حتى قتله فيها ابن عمه مشاري بن عبد الرحمن سنة 1249هـ (1833م) فتربع على عرش إمارته قاتله المذكور: الأمير مشاري بن عبد الرحمن بن مشاري بن حسن بن مشاري بن سعود إلا إنه لم يلبث في الإمارة إلا مدة أربعين يوماً ثم أحاطت به جنود أهل نجد ومعهم فيصل بن تركي فأدركوه في قصر الإمارة في الرياض وقتلوه. ثم هجرت (الدرعية) واتخذت (الرياض) مقراً للإمارة فأصبحت هي العاصمة منذ ذاك الحين إلى يومنا هذا وبعد أن قتل الأمير مشاري تولى الإمارة بعده: الأمير فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود فسار سيرة طيبة في المسلمين إلا أن الأقدار لم تساعده على أن يبقى راخي البال لأن الاضطرابات كثرت في نجد وخرج عليه ابن عمه خالد بن سعود في عسكر جاء به من مصر فقبضوا على فيصل في إحدى قلاع الخرج وذلك بعد حروب ووقائع كثيرة لم يفشل فيها فيصل بل ثبت فيها ثبت الأسد القسور حتى غلبه القضاء والقدر بأن خانه جنده فأخذ أسيراً إلى مصر سنة 1255هـ (1839م) وقبض بعده
على زمام الإمارة ابن عمه: الأمير خالد بن سعود وقد ساعدته الحكومة المصرية على نيل هذه الرتبة بما بذلت له من المال والرجال إلا إنه لم يسلك سنة آبائه في السياسة بل سار على نهج المصريين فأنكر عليه أهل نجد أعماله وسلوكه ونفرت منه القلوب ولم يبق شيئاً مذكوراً في نظرهم وكانت أمه جارية حبشية ذكية فطنة جداً. وما زال مكباً على لهوه حتى أجمع أهل نجد على خلعه فخلعوه سنة 1257 (1841م) وتولى بعده ابن عمه: الأمير عبد الله بن ثنيان بن إبراهيم بن ثنيان بن سعود فاخضع نجداً بسيفه وفكره وأسس سياسته للبلاد على سنة آبائه الكرام فأحبوه ومالت إليه القلوب وكان شجاعاً لا يهاب اقتحام الأخطار وحومات الحروب فهابته الملوك وعزم على مناوأتهم فعالجه القدر وتوفى مسموماً أو قتيلاً وذلك سنة 1259هـ (1843م) وتولى بعده ابن عمه: فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود وهو الذي أخذ أسيراً إلى مصر فإنه توصل إلى الهرب من سجنه وعند هبوطه نجداً صادف مجيئه وفاة عبد الله بن ثنيان المتقدم ذكره فتولى الإمارة بعده ودانت له أعراب نجد واستقام له الأمر فيها مدة حياته التي عاشها بعد خروجه من مصر وكانت وفاته في سنة 1282هـ 1865) ومن بعده تولى الإمارة ابنه الأمير عبد الله باتفاق جميع عشائر ديار نجد وحمولة آل سعود. وسار في أول الأمر سيرة حسنة ثم تغيرت سياسته بعد ذلك مع أخوته وبني عمه فانقلبت به الأحوال ظهراً لبطن وأجمع خصومه على خلعه وتقدم لرئاسة الخلع أخوته سعود وعبد الرحمن وثنيان وأبنا عمه فهد بن صنيتان (مصغرة) وعبد الله بن ثنيان (مصغرة) وآل مشاري وآل مقرن فخلعوه سنة 1281هـ (1864م) بعد حروب ووقائع شتى. ثم انتقلت الإمارة من بعده إلى أخيه: الأمير سعود بن فيصل واخضع له شرقي نجد وباديتها وحاضرتها فانحاز أخوه المخلوع عبد الله إلى عشائر قحطان وحارب أخاه محاربة طويلة اضطر في نهايتها إلى أن يهرب من أمام وجهه فاتفق آل سعود مع الأمير سعود على محاربة عبد الله إن عاد إلى فكره على شرط
أن يشتركوا مع سعود في إمارة نجد فرضى بذلك فتجزأت البلاد وأصبح كل صقع منها لأمير فكان أمير الخرج ثنيان بن عبد الله بن ثنيان وأمير الاحساء وما فيها من الجيوش وأمير الاحساء والقطيف وقطر وبلاد البحرين وما والاها من أطراف عمان وملحقاته: الأمير عبد الله بن عبد الله بن ثنيان وأمير العارض وجيشه ونواحيه وما والاه من بادية وحاضرة الأمير سعود بن جلوي بن تركي. وأمير الفرع وجيشه وما يتعلق به وما يضاف إليه من آل شامر والقرينية (بالتصغير والنسبة): الأمير فهد بن صنيتان من آل ثنيان وأمير الرياض وملحقاتها: الأمير عبد الرحمن بن فيصل بن سعود الموجود اليوم وأمراء نجد جماعة منهم: أمير جيوش نجد (القصيم وما يضم إليها من الملحقات) الأمير محمد بن سعود والأمير عبد الله بن سعود والأمير سعد بن سعود والأمير عبد الرحمن بن سعود والأمير عبد العزيز بن سعود آل فيصل والأمير ناصر بن فيصل بن ناصر والأمير إبراهيم بن عبد الله الثنيان من آل سعود. وما زالوا على هذه الحال إلى أن توفى الأمير سعود بن فيصل سنة 1291هـ (1874م) فبقيت نجد بين آل سعود ولم يمكن منهم أن يستقل بها وحده دون غيره لتفرق كلمتهم وعدم اتفاقهم على واحد يقرونه على الإمارة. إلى هنا نختم هذا الفصل من تاريخ أمراء نجد وسيتلوه فصل آخر في ظهور دولة السعود الجديدة. والله الموفق. سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض ومجلة الحياة
لغة العرب
لغة العرب الجائرون بحكمهم أهلوك ... ظلموك إذ خمدوا وما رحموك كنت المليكة في اللغات وإنما ... كان الملوك على الأنام ذويك أبكيك مما يعتريك وإنني ... أبكي زمانهم كما أبكيك وسعت رصانتك الكتاب فما لهم ... جهلوا (الكتاب) وما لهم جهلوك كرهوك إذ نبذوك خلف ظهورهم ... يا ليت شعري مم هم كرهوك وكسوك ثوب تغير فتصوحت ... بك زهرة التسكين والتحريك لا تجزعي مما لقيت فإنما ... أيام (عبد الله) قد تكفيك أنسيت أيام (الرشيد) أم انثنى ... منك الفؤاد إلى الأمين أخيك لا عهد (إبراهيم) فيك بقية ... منه ولا عهد (الرشيد) أبيك عذلي أوجهه إلى العرب الالي ... تركوك (والترك) الالي تركوك جهلوك (يا أم اللغات) جميعهم ... ولقد شناك بنوهم وبنوك لو كان جرحك منهم لأسوته ... لكن بنوك كجرحهم جرحوك تركوك (يا لغة النبي) وآثروا ... في المسلمين سياسة التتريك ظنوك قاصرة البيان ورجموا ... في قومك العرب الظنون وفيك ما بالهم خضعوا لشانك فاجتنبوا ... من بعض عسجد لفظك المسبوك ظلموك فيما يحكمون وإنما ... ظلموا. . . . . . إذ ظلموك أم البلاغة والفصاحة ما لهم ... أنسوا البلاغة بعد ما نسوك ولي زمان فيه غصنك ناضر ... إذا أنت ذات شرافة وسموك كنت العقود بلبة الدنيا فقد ... صارت عقوداً غير ذات سلوك لما تعطلت من حليك جيدها ... بكت المعارف بالدم المسفوك حسدتك آفاق السماء فآنت ... بنحوسها فغدت بها تشقيك ما أحمر خد الشمس إلا إنها ... غضبت عليك بسترها المهتوك حسبت مكانك في الجمال مكانها ... من حيث ظنت أنها تعلوك بدر السماء عليك يلطم خده ... فلذاك لاح كدرهم محكوك
الكرد الحاليون
تنعاك أبراج السماء ونجمها ... ومن الملائك معشر ناعيك ونعتك مصر والشام وبعدها ... أمسى العراق بدمعه يرثيك بالله يا لغة (النبي) تجملي ... فلعل حادثة الرقي تليك أهلوك قد نهضوا ليستلموا العلا ... لله ما نهضت به أهلوك نقضت لك الأيام عهداً موثقاً ... فلعلهم بعهودهم موفوك لم يغن عنك البدر عند طلوعه ... كلا ولا الشمس التي تحكيك كنت الشريفة والزمان ما عف ... وملوك أهل الأرض غير ملوك أنت العلاج لنا من الجهل الذي ... أودى بنا وبديننا المنهوك ما من أعادينا تصاب بلادنا ... لكن تصاب بجهلنا والنوك يا يومنا الحلكوك طال أنيننا ... فيه فكيف بلينا الحلكوك حتى م يا شعب العراق أرك في ... لين الذليل وذلة المملوك في أمس تسحب ثوب رق للعلا ... واليوم تسحب بذلة الصعلوك أمياه (دجلة) في العراق لعلما ... يجري على إمهاله واديك أجريت يا وادي الفرات بمهلة ... أم كيف أنت بمائك المتروك أعيون أودية العراق تريثي ... إن العراق بجدبه يشكوك يشكوك من ظماءٍ وأنت مفيضة ... ذهباً عليه من منابع فيك محمد الهاشمي الكرد الحاليون (لغة العرب) لاحظ الأدباء إن كتاب هذه المجلة هم ممن تفرغوا للأبحاث تفرغاً عرفوا واشتهروا ونبغوا فيه. وهذه المقالة التي نزفها للقراء دبجتها براعة الكاتب المجيد شكري أفندي الفضلي الذي عاش بين ظهراني الأكراد نحو 20 سنة وقد وقف على هذا الجيل أتم الوقوف حتى اطلع على عجرهم وبجرهم داخلهم وخارجهم خلوتهم وجلوتهم وقد تجول في تلك الديار كل التجول حتى إنه لم يفته أمر ولهذا لا تقرأ هنا إلا الصحيح الذي لا يشوبه ريب فنوجه نظر القارئ إلى مطالعة هذا البحث بتدبر. 1 - المرأة لا يقوم بناء مكين، إلا إذا كان هناك أساس متين، وحيث لا أساس رصين،
يكون الخراب السريع الأكيد اليقين، وما يقال في البيت المادي يقال في البيت الاجتماعي، الذي تضم حيطانه سكانه، وأساس البيت الاجتماعي هو المرأة؛ فحيثما ترى المرأة كاملة عدة النفس وهي الفضائل الصادقة، والعلوم المرقية، والآداب الطاهرة، وخدمة المنزل بدون وناء وفتور، تحكم إن هناك العمران الحقيقي والحضارة المنشودة. وقد ترى المرأة مزودة بعدة النفس إلا أنه لا يرى هناك ما أشرنا إليه من أمر هذه الحقيقة؛ والسبب هو حالة المربي الموجودة هي فيه، كما أنك لو أقمت داراً عامرة أو قصراً مشيداً في وسط فلاة لا ماء فيها، ولا نبات يوشيها، فإن ذلك المعهد قد يستقيم أعواماً مديدة، إلا أنه يبقى خالياً من كل ساكن لوجوده في موطن لا يعيش فيه حي ولا يأنس فيه أنيس. وهذا الذي نقوله يؤيده الواقع في المرأة الكردية الحالية التي تختلف بيئتها عن بيئة سائر الناس ولا سيما عن نساء العرب. فالمرأة الكردية لا تحتجب كالعربية أو كالإعرابية قطعاً، بل تطوي بساط أيامها في مقامها الطبيعي حرة العمل والتصرف هادئة الضمير والوجدان تذب عن حقوقها على حد ما يذب عنها الرجل الكردي بدون فرق. وهي ترافق زوجها مدى العمر إذا راعى حقوق الزوجية. وتفارقه أو تهجره إذا أصر على هضم تلك الحقوق أو انتهاكها ولهذا زوجها يوافقها قلباً وقالباً ولا يتعدى عليها إلا في النادر. تراها تشاطر الرجل (سواء كان أخاً أو أباً أو زوجاً أو قريباً) في أمر المعاش وتخفف عنه أعباء المتاعب والمصاعب بكمال النشاط والهمة وتبعث في نفسه دواعي الشجاعة وتسليه في حالتي السراء والضراء، الرجاء واليأس. - تعنى بتربية الأولاد من بنين وبنات أشد العناية ولا تفرق تربية البنين من تربية البنات، إلا أنها تراعي حقوق المكان والزمان وتعودهم الأشغال الشاقة منذ نعومة أظفارهم وتناسب بين شغل وشغل مناسبة لشق وشق - تقوم بإدارة البيت وتستقبل الأقرباء والأحباء والضيوف بذيل طاهر، وطرف قاصر، وجفن ساهر، وقلب سليم، وعقل قوي، كل ذلك حضر زوجها أو غاب، حياً كان أو ميتاً - تصغي للرجل والرجل يصغي إليها في تجاذب أطراف ما يجب عمله أو إهماله حفظاً لحياة الأسرة أو تسهيلاً لقضاء حاجياتها لأنها تشاهد وترى كل ما يجري في بيتها وتعرف جميع أحوال الذي تعيش فيه فتطابق حالتها عليه ولا تفرق عن الرجل في
الانتباه إلى ما يجب عمله وتركه. اللهم إلا في الأمور التي لم يكن لها فيها ناقة ولا جمل، أو جرت بعيدة عنها على غير مرأى ومسمع منها - المرأة الكردية الشريفة الكبيرة العريقة النسب تقوم مقام الرجل في المعاملات: في اكرآء الدور والبساتين والخضر والحوانيت والخانات وتفجير العيون وتعمير الأرضين وأغلال الضيع بل تشارك الرجال في وظائف الحكومة المودعة لزوجها أو لأحد أقربائها وأنسابها وإن كان هذا الأمر نادراً. رأيت امرأة أحد قوام المقامات في كردستان واسمها (خانم) تدير شؤون القضاء فيراجعها المتوظفون في كل الأمور المتعلقة بالإمارة. وشاهدت امرأة أحد القضاة واسمها (آمة) (أي أمينة) تجمع الحرس وتجول بهم في الأزقة من الصباح إلى المساء أو بالعكس لحفظ البلدة من سطوة اللصوص وهجمات الأشقياء. والمرأة الرحالة الكردية تمتطي الجواد كالرجل إذا أرادت السفر وتتسلح بالأسلحة المألوفة وتستعملها إذا اقتضت الحال، لركوب الأهوال - صادفت امرأة من عشيرة الشوان اسمها (كوخا نركس) قتل الهماوند أخاها فتزيت بزي الرجال وتسلحت وتنكبت بندقية وشكت في منطقتها مسدساً وامتطت جوادها وما زالت على متن فرسها حتى أخذت به وثأرت أخاها - والمرأة القروية تقطع المسافات البعيدة وتأتي المدن للبيع والشراء وهي تسعى سعياً حثيثاً على رجليها سواء كانت وحدها أم لا وقد تجلببت بالعزم والحزم وتحجبت بالمناعة والعفاف: رأيت في سفري إلى بعض ديار كردستان امرأة راجلة كانت تتبع قافلتها بجد وسعي وكانت حبلى. وفي أثناء السير تأخرت عنا زمناً. ثم لما نزلنا على ماء لنتناول الغذاء إذا بالمرأة قد أدركتنا وبين ذراعيها وليد تباغمه، ولما ظعنا نهضت معنا وهي تجد في السير كالسابق فعلمنا أنها تأخرت لوضع الحمل. ولم يعقها عائق لا الحبل ولا الطلق ولا النفاس فقلت نعمت المرأة ولتكن النساء على هذا المثال من الجد والعناء، جاهلات الحمول والوناء. على أن المرأة المدنية لا تضاهي الكردية القروية في جميع الأمور لتغير أسباب المعيشة والبيئة والمربى. 2 - الرجل الكردي يمتاز الرجل الكردي بكونه يعود نفسه الأشغال الشاقة منذ صغر سنه ويرو جسمه رياضة دونها كل رياضة لأنه يكافح الموانع الطبيعية بقلب قد من
جلمود وبصدر أرحب من الفضاء وذلك بعد خروجه من مدرسة حضن أمه الحرة بقليل من الزمن - تراه إذا ضرب في الفيافي طواها طي البساط، وإذا رقي في الجبال طاولها همة وإباء واصلاً الجد بالنشاط. وإذا جاع في تلك المطاوي اكتفى بكسرة خبز وشربة ماء، وإذا احتاج إلى النوم افترش الأرض والتحف السماء - تراه يجد في السير راكباً أهوال الحياة بشوشاً فرحاً جلداً يستقبله الأمل ويشيعه الحزم والعمل، تراه لا يصعر خداً ولا يقطب جبيناً إذا قامت بوجهه العقبات أو حلت به النوائب والملمات. وإذا نظرت إليه وهو في السهول أو الحزون أو الجبال وأمعنت فيه النظر نظر شاعر مصور للأفكار، يخيل لك إنه سلطان، وإن السهول الواسعة هي له بمنزلة الديوان؛ وما حواليه من مظاهر الطبيعة بمقام الأعوان. يخيل لك إن الجبال المرتفعة تطاطئ له الرؤوس، وتقوم بين يديه قيام رجل واحد مرؤوس، لا نفاذ أمره والجري على خاطره، يصعد إلى قمم الأطواد بحذاء يتخذه من الشعر أو الخيوط وهو الرشك ويتجول به إلى حيثما يشاء وهو يقطع الصخر ويقطع الشجر لبناء بيته منهما. ويصطاد الحيوانات ويلتقط المواد النباتية ليتخذ منهما طعامه أو يتجر بهما معاً ويدأب في غرس الكروم والأشجار المثمرة ويزرع الحبوب المتنوعة في الحزون والسفوح مكتفياً بماء المطر والثلوج وينحدر إلى السهول فيفجر فيها الينابيع المعروفة عندهم (بالكهريز) ويخترق الأنهار ويحرث الأراضي ويرعى الماشية ويربي الحيوانات الداجنة ويستبدل الثمار والغلال بغيرها من نتاج الصناعة الإفرنجية ويبيع المواد الأولى ليشتري بها المواد المعمولة ويمشي المسافات الطويلة أو البعيدة على الثلوج المتراكمة في بلاده وليس في رجله إلا حذاء عريض اسمه (جاروخ) ويكافح البرد بقباء قصير يتخذه من الصوف اسمه (فرنجي) وهو الذي يسميه بعض العرب (كبنة) (وزان غرفة). - كان رجل كردي يلقب (بابردو
يهبط من السليمانية إلى بغداد في مدة لا تزيد أبداً على ثلاثين ساعة مع أن المسافة بين هاتين المدينتين هي عبارة عن تسع منازل للقوافل الاعتيادية. فإذا فرضنا إن هناك قطاراً يقطعها في عشر ساعات اتضح لك إن ذاك الرجل كان يسير سيراً يعادل ثلث سير القطار المتئد. هذا في المشي وأما في الانحدار من الجبال والتلول المرتفعة فكان ينزل منها راكباً فرسه مغيراً. ولا جرم أن الرجل العاقل إذا رأى انحدار تلك الاطواد وركوب الفرس عليها يذهب إلى جنون الراكب. والأمر مع ذلك أشهر من أن يذكر. ورأيت رجلاً اسمه (ججه) (وزان سبب) نزل من جبل (هروته) (وزان الوكة) الذي لا يقدر أحدنا أن ينزل منه راكباً لنشوزه كان ينحدر منه ججه راكباً جواده. والكردي يحسن الرماية ببندقيته أحسن الرماية سواء كان واقفاً أو ماشياً أو راكباً ولا يخطئ الهدف إلا قليلاً. رأيت بعض الهورمانيين يرمون الجوز بالقنابل الجوزة بعد الجوزة والقنبلة بعد القنبلة وذلك على قدر مدى المرمى وبواريدهم من الطرز القديم لا تصلح شيئاً إذا وقعت في أيدي الرماة البارعين والكردي إذا حارب يثبت في حومة الوغى ويصبر على تجرع كأس الردى كأنه يتحسى الحساء. وقد يهجم وأمامه من الأعداء ما يساوي عدده أضعافاً وكثيراً ما ينجو سالماً غانماً بدون أن ينال بأدنى آذى. كان رجل اسمه (جوامير الهماوندية يقابل فئة وفيرة من الجنود المنظمة أو من مغاوير الرجال وليس معه من إخوانه إلا بقدر الأنامل وقد طبقت شهرة هذا الرجل العراق كله وكان الجميع يخافونه حتى صار العوام يضربون به المثل فيقولون (خوش ما صرت جوامير) أي ألعلك أصبحت كجوامير بشدة البأس والمراس. هذه صفات الرجل الكردي الجبلي والقروي والبدوي وأفعاله. أما المدني فشأنه شأن العراقي في التجارة والعلم والصناعة وربما فاقه ذكاءٍ إذا عني بتربيته وهو لا يشبه القروي أو الجبلي أو الرحال بحال من الأحوال إلا شيئاً قليلاً.
3 - الأسرة الكردية إذا تزوج الرجل امرأة نشأ البيت أو قامت الأسرة والأسرة الكردية تنشأ طبقاً للسنن الطبيعية، بملء الحرية، ولهذا تراها في اغلب الأحايين تشبه الأسرة العربية البدوية، منزهة عما يكدر صفاء العيش، أو يعكر كأس الراحة. قل ذلك عن البيت الشريف أو الوضيع عن الغني أو الفقير. والسبب الرئيس لحصول هذا الأمن العظيم ناشئ من رضاه من امرأته، ورضاه من امرأته متولد من كونه انتخب هو بنفسه شريكة حياته بعد أن عرفها من مخالطته إياها بنفس عفيفة أبية، ولذا تراها تشاركه في مر الحياة وحلوها، في خيرها وضيرها تراها باقية غير محتجبة عن الرجال، كما كانت على تلك الحال قبل الزواج. كل ذلك لأن الوسط لم يلوث بفساد الأخلاق، وكثيراً ما يرى أو يكلم الزوج المستقبل زوجته المستقبلة وقدر منزلتها ولا خطبة بينهما ولا عقد ملاك. ولا تظن أن هذا يصعب على الرجل حتى في المدن لأن وسائل الملاقاة كثيرة متوفرة منها الأعراس ومواسم الأفراح والمتنزهات والزيارات إلى غيرها. أما الأعراس فإن الأبكار والثيبات يأتينها من كل فج سحيق، وواد عميق، وإذ اجتمعن تمسك الواحدة منهم يد الأخرى على شكل نصف دائرة ويأخذن بالرقص فينشأ من شبه تلك الدائرة روضة من أزهار الحسن والجمال، مائسات بغنج ودلال، على إيقاع الطبل والزمارة (وهي زورنا بلغتهم وهي السرناي أو السريانة المعربة) ويسمون هذا الرقص (شاهي أو شائي). وفي تلك الأثناء تغنى الأغاني المؤثرة والشبان من حواليهن يشجعونهن بما ينثرون عليهن من النقود والملبس وهم لا ينثرون هذا النثار إلا على رأس من استحسنوها أو فاقت صواحبها أو أترابها بالرقص العفيف والطرف النظيف وفي بعض الأحيان قد يشترك الشبان مع الشابات فيطلق حينئذ على هذا الزفن المشترك اسم (رش بلك) وإذا تعب الرجل فقد يسقط بين امرأتين أو أكثر أو بالعكس وليس من يفكر بأدنى شر وليخسأ كل من يضمر السوء في نفسه وأما التنزهات فهي خاصة بفصل الربيع وكثيراً ما تعقد مجالس الأنس
والنزهة حول المقابر أو المزارات المشهورة النازحة عن البلد أو القرية فيتقاطر هناك الألوف والألوف من إناث وذكور على اختلاف أعمارهم وطبقات مهنهم وأشغالهم ويبدأ الغناء والرقص فيبتسم الفضاء لهذا المشهد ومن ينظر إليه يبصر كتلة عظيمة حية تتموج بأنواع الألوان والحلي والثياب على بساط أخضر بديع الحسن وشته محاسن أيدي الطبيعة فانبتت فيه الأزهار المتارجة والرياحين العطرة والحشائش الربعية والأنبتة النضرة تحي النفوس وتزيد فيها السرور وتميت الحسود وتزيد فيه الحزن وأما الزيارات فإنها شائعة عندهم يلاقي فيها الرجال المرأة فيتسالمان ويتخاطبان ويتفاوضان ويتواعدان بكمال الحرية ولا يستثنى من هذه الأحوال المألوفة إلا بعض مقلدي المجاورين، مع إنك لو أنعمت النظر في ما يجري في الأعراس والمتنزهات والزيارات من الأمور والشؤون لا ترى حركة واحدة ولو طفيفة مخلة بالآداب أو بأوامر الدين لا في الرجل ولا في المرأة وهذا أبين برهان وأدل دليل على سلامة طبع الأكراد وعفتهم ونقاء قلوبهم وطهارة دخيلتهم وحفظهم للآداب العمومية. والأخلاق الرضية. والخلاصة من هذا كله إنه لا مانع للكردي من أن يختار المرأة المناسبة له بعد هذه المجتمعات والملاقيات والمواجهات اللهم إلا أن يكون نقص في عقله أو شواعره أو مشاعره وعليه إذا أراد الكردي أن يتزوج ينتخب له في الغالب زوجة فيخطبها وتزف إليه بعد العقد والعرس الذي يمتد يوماً أو يومين أو ثلاثة وإذا زفت ذهب معها الأقرباء والأنساب والأصدقاء يحف بها النساء ووراءهن الرجال فيخرج الخطيب لملاقاتها إلى مسافة غير قليلة وعند دخولها الباب يضربها على رأسها بقصبة مصبوغة بأنواع الأصباغ، أو يلقي عليها ديكاً حياً فيتخاطفه أصحاب الموكب فيأخذ كل واحد منهم عضواً أو شيئاً منه إظهاراً للهيبة. وبعد أن يتم القران ويكمل النكاح ويمر زمان على الزوجين وتحمل المرأة ينتظر الولد بصبر جميل فإن ولدت ذكراً يفرح به أهل البيت أشد الفرح ويحرسون الأم أشد الحراسة مدة سبعة أيام ويلعبون حولها ويغنون من الصباح إلى المساء ويسمون هذه الأيام (شواره) وزان سحابة) وقد يفعلون مثل هذا الفعل للأنثى أيضاً إذا كانت عزيزة على الوالدين أو إنها البكر أو أنها لم تولد إلا بعد كثير من البنين
أما سبب هذه الحراسة فهو، ما عدا شدة فرحهم بالمولود وسلامة الأم من خطر الولادة، ذهابهم إلى أن الوالدة إذا لم تحرس أشد الحراسة عند الوضع وبعده ولم يكن في يدها آلة جارحة يتسلط عليها عفريت يسمونه (آل). ويقولون عن التي تموت في تلك الأثناء ما معناه: أخذها الأل؛ وإذا أشرفت على الموت يطلقون البنادق لتخويف العفريت المذكور. أما الحقيقة فإنها تموت من شدة الطلق أو ألم المخاض أو من نتائجه. - أما الولد فيتسلط عليه أنثى من إناث الجن أو العفاريت يسمونها (شوه) ويقولون عنها إنه لا يعيش لها ولد فإذا سمعت بولادة واحدٍ أسرعت لتأخذه وإذا أخذته ضمته على صدرها ضماَ شديداً لكثرة فرحها وشغفها به وإذا فعلت قتلته. ولهذا تسمع الكل يقولون إذا مات الوليد في تلك الأيام ما معناه: (أخذته الشوه). ومن مزاعمهم وخرافاتهم وأكاذيبهم في هذا الموضوع ما يرويه الخلف عن السلف وهو: إن رجلاً صادف يوماً في طريقه مخلوقاً غريباً وفي يده كبد إنسان يطلب منه ماء ليغسل به الكبد فلما رآه الرجل المسافر علم إنه الآل. وإن الكبد هي كبد امرأة نفساء فلما تحققه انتهز غفلة منه وشك صدره بمخيط وللحال تكاثف جسمه ولم يبق شفافاً لطيفاً. ومن ثم لم يستطع أن يتوارى عن الأبصار. فلما رأى الآل نفسه في تلك الحال استكان للرجل وتذلل له واستحلفه أن يستل المخيط من صدره وعاهده أن يحقق جميع أمانيه ورغائبه. فقال له الرجل: إني افعل. نريد إن أعدت تلك الكبد إلى صدر الوالدة التي انتزعتها منها. فقال له الآل: أعاهدك عهداً صادقاً إني ألبي طلبك ثم ذهبا معاً وأعاد الآل الكبد إلى المرأة التي استل منها الكبد وكانت قد أشرفت على الهلاك فتعافت للحال فلما تم ذلك نزع الرجل المخيط من صدر صاحبه وللحال لطف جسمه وذهب فرحاً مسروراً. فحكاية حراسة الأم مبنية على هذه الخرافة المفتعلة.
خلد أثرا
أما بخصوص الشوه فإن الأكراد يروون أيضاً إن رجلاً صادف في طريقه مخلوقة غريبة قالت له: أبعد عني هذا السرطان (قرزال) الميت أصلحك الله فلما سمع هذه الكلمات علم للحال إنها الشوه لأنها نخاف السرطان أشد الخوف. ولهذا إذا أراد الأهلون أن يحرسوا أولادهم ويحفظوهم من الشوه يعلقون في رقبتهم مجففاً فتخاف أن تدنوا منه. هذا مجمل ما يقال عن الوليد وهو في أيامه الأولى وما بعدها. فإذا ترعرع تراه يميل إلى الحرية الطبيعية ميلاً عجيباً بدون أن يردعه أبواه. وقد يتجرأ فيغضب عليهما ويشتمهما ويضربهما وهما لا يخالفانه في شيء زاعمين إنه إذا فعل ذلك يكون شجاعاً جريئاً بخلاف إذا ضرباه فإنه ينشأ فسلاً. نعم هذه أمور مخالفة لأصول التربية الصحيحة المألوفة عند جميع الأمم لكنها إذا كانت سيئة في بعضها فهي لا تخلو من فائدة. ولذلك ترى الكردي إذا ما بلغ أشده قوي القلب شجاعاً باسلاً مغواراً قد يهجم على من هو أقوى منه ولا يهابه وقد يهجم على عدة رجال معاً فيكون هو الغالب القاهر. أما إذا أصبح رجلاً كاملاً (إذا كان ذكراً) أو أصبحت امرأة كاملة (إذا كانت أنثى) فالكلام يكون على ما أسلفنا بيانه وبهذا القدر كفاية. شكري الفضلي خلد أثراً لا المال يفيد ولا النسب ... إن مت ولا تجدي الرتب فسوارءك لا يحي أبداً ... غلا حسناتك والأدب كم ذي مال كم ذي نسبٍ ... أنسته إذا مات الحقب خلد أثراً يذكرك به ... أخلاقك بعدك والعقب والعمر فلا تجهله يمر ... م كما مرت عنك السحب فأغنمه لما يجديك ولا ... تغفل إن ينبهه اللعب واستغن بصحبة كتبك عن ... دنياك فصحبتها تعب دنيا ما والاها أحد ... إلا وتولاه العطب ما أشقاك إن هي ألهت ... ك بزخرفها عما يجب وسعيد الناس تكون إذا ... ألهتك عن الدنيا الكتب إبراهيم منيب الباجه جي
أفعال تتعلق بأهل السفن
أفعال تتعلق بأهل السفن كنا قد ختمنا ما كتبناه في السفينة وما يتعلق بها (بأسماء الأرياح) وأشرنا في الأخر إننا ننشر فيما بعدما نعثر عليه مما يتعلق بالسفينة، وقد حصلنا اليوم على أشياء تتعلق بأهل السفن لأنقل فائدة عما تقدمها في بابها رويناها عن الثقات العارفين من أصحابها وها نحن ننشرها إتماماً للفائدة وإكمالاً للموضوع فنقول: يقول أهل السفن عند جرهم السفينة ورفعهم الشراع (آموليسا) ومعناها امولاي سهل: والبعض يقول (مويليسليه) ويجيب أصحابه (موليه) وهم يترنمون بها على طريقة الهوسة وهي أيضاً بالمعنى السالف و (ابسط الشراع) بصيغة الأمر (أنشره): (وأخرز) بصيغة الأمر (كأنجز) أي أرم الحبل من وراء النخلة أو الشجرة أو الجدار أو ما شابه وذلك إذا عارض حبل السفينة عارض يمنعها من السير والملاحون يجرونها فينادي الناخذاة الملاح اخرز: (وأصلب الشراع) أو الفرمل أي قوم الفرمل مع الدقل: (وأقتل الشراع بسطة) وبسطة وزان (نملة) أي شده مما يلي الجوش مقدار متر ونصف متر وذلك إذا عصفت الريح؛ وأقعد (شفيره) أي أجلس في ظل الشفيرة وذلك في أيام الصيف فقط لأن الريح تهب ثمة بليلة: و (أنفض السفينة) بصيغة الأمر وينفضها أي كبثها ويكبثها في العربية الفصحى أي حول حملها إلى الأرض أو إلى سفينة أخرى: و (أوال بيس) يقولها الجسارة وهو (جمع جسار كشداد) عند ربطهم الجسر إذا قطعوه لعبور مركب أو سفينة أو غير ذلك ومعنى أوال بيس أهل البأس ورأى آخرين يا ولنا حسب لأن (بس) عند العراقيين بمعنى حسب إشارة إلى إن الجسر ربط فلا تهتم بأمره بعد هذا و (التبريكة) ويلفظون الكاف جيماً فارسية) في الكرفي وهو أن يمسك الدامن بجنب السفينة مما يلي الصدر ولا يدعه يزول عن محله: و (الجب أو الجم) هو رفع الشراع والرء يسي في رأس الدقل ويكون سير السفينة والشراع ممدوداً عرضاً وذلك إذا لم يكن عند صاحب السفينة سوى الشراع العود: و (جلس الشراع) بتشديد اللام المكسورة وصيغة الأمر أي أنزله إلى وسط الدقل: و (حط الجوش اتيمة) أي جعله بين الفنة والكلب:، (وخم الجمة) أي أنظر هل فيها
ماء فيجيب الملاح (شاهين) أي ليس فيها ماء (وخيور الشراع وخايره هو) واحد والمصدر المخابرة وهو أن يصير أوله آخره وآخره أولا وحينئذ يخشى لبخ الشراع أو لبقه وقد يقع ذلك إذا لم يكن الملاحون ذوي معرفة (بتخويره أي بإدارته على مؤخره ووقوع اللبخ نادر: و (دق العمراني) بصيغة الأمر أي شده بالدركة و (دق السفينة أو الكعد) هو أي جفف بطنها من الماء و (راحت السفينة تدهور) أي سارت مع الماء حسب جريانه وفي العربية سخرت: (ورأس قنة) وقنة وزان كنة وهو سير السفينة السهل وذلك أن يكون الجوش في الصدر والدامن في المؤخر. و (رد الشراع) بضم الراء وتشديد الدال وصيغة الأمر أي شده على الفرمل و (رد الشراع) بفتح الراء هو شده و (الرد) أيضاً بالفتح عند أهل دجلة بمعنى الفرسخ ويجمع عندهم على ردوده ومسافته بين الساعة ونصف: و (سفينة مقطوعة) أي مقطوعة من أحد شطريها أو مقطوعة من الوسط نصفين: و (سكن) بتشديد الكاف المكسورة أي حرك السكان ومن (يسكن) (للاستفهام) أي من يحركه: و (السوري) (كجوري) هو رفع الفرمل والشراع مبروم عليه برماً قوياً: و (شاهت السفينة تركت قصدها ولم يضبطها الملاحون ويكون ذلك من تراخي صاحب السكان وعند الأقدمين جمحت: و (شايخ الحبل) بصيغة الأمر أي أقتله وصل طرفيه برما لا عقداً: و (شلهت والبعض يقول شهلت السفينة على الإبدال) أي جنحت باللغة الفصحى قال في المخصص: (جنحت السفينة أي إذا انتهت إلى الماء القليل فلزقت بالأرض فلم تمض. . .) اه: و (طارت أشخاصة) أي لوحة و (طر السفينة) هو حركها عن المرسى وبدأ بالسير في دجلة (دفع) هو بالتحريك. و (طيح) بتشديد الياء المكسورة وصيغة الأمر أي أدن من الساحل و (طبح) هودنا بسفينته وأجنحها (وطيح الشراع) أنزله: (وغرقة جعفة) وجعفة وزان (كسرة) أي غرقت السفينة غرقةً على جنبها: و (قاست السفينة) ويلفظون القاف جيماً مصرية (كشلهت): (وقتل العيب) هو و (أقتله) أنت أي قلفته هو وقلفته بصيغة الأمر: و (قدم) بصيغة الأمر ويلفظون القاف جيماً مصرية أي أدن من الساحل والمقدم الميناء وهو عربي ومثله (قلط) بتشديد اللام المكسورة وصيغة الأمر ويلفظون القاف كافاً فارسية
و (الكرفي) بضم فسكون هو نشر الشراع في حالة يكون فيها الدامن في صدر السفينة ومقابلاً للريح والجوش (كقفل) في مؤخرها وفيه خطر على السفينة ولا يكون الكرفي إلا في الزوايا (الدورات) الصغار: و (كندر الدامن) أي أعقده بالرمانة أنشوطة (عقدة ونصفاً): و (كود الشراع) بتشديد الواو المكسورة وصيغة الأمر اطوه على الفرمل ومثله كوثل بالأمر أيضاً: و (لابت السفينة) أي سارت سيراً غير مستقيم تارة يميناً وطوراً يساراً وإذا لابت يعلمون إن السفينة قد عيبت ويقولون (طارت أشخاصة): و (لبخ الشراع ولبق) واحد وهو بمعنى لصق بالدقل ورده الريح معكوساً ومتى صار كذلك وكان الهواء شديداً تنقلب السفينة بأسرع من لمح البصر: و (لبق السفينة والكعد) أي جفف بطنها من الماء: و (لوف المهلبة) بضم اللام وإسكان الواو والفاء كما يقولون ذبها إلى الجرف أي أدنها منه: و (ناشت السفينة): شلبهت وقاست ويقول (الخطر جي) أي صاحب الخطوة وهي الخشبة التي يقاس بها عمق الماء (نمش ماي) معناها نمشي الماء غزير و (نوف الشراع) بتشديد الواو المفتوحة وصيغة الماضي خفق تارة تحركه الريح وطوراً تسكنه فيكون غير قارٍ في مكان وإذا كان قاراً قيل (صامتاً) بكسر الميم: و (هالت السفينة) طافت على وجه الماء ولعل منه أشتق اسم المهيلة: و (هامت السفينة) أسرعت في سيرها على وجهها كالبهائم وذلك إذا جاءت الريح من مؤخرها وتوسطت الشراع فيكون سيرها حينئذٍ في غاية السرعة و (وك) السفينة عند أهل دجلة بصيغة الأمر وزان (ول) ويلفظون الكاف جيماً فارسية كقدم وطبح: و (اليدك) بالتحريك والكاف الفارسية عند أهل الفرات الفرسخ ويجمع عندهم على يدكات وهي تركية الأصل وقد تقدمت مسافته. ويقولون بانتقال الجوش بالتدريج عند نشرع الشراع أول وضعه عند الكلب وإذا انتقل قليلاً فإلى رمانة الصدر وإذا انتقل قليلاً فإلى البيشار (وزان شيطان) وهو إحدى الدركات وإذا انتقل قليلاً فإلى رأس قنة وهي دركة أيضاً وإذا انتقل قليلاً فإلى العمراني. 2 - حكايات عن بعض أهل السفن وبراعتهم في تسييرها نذكر هنا من باب الفكاهة شيئاً من دهائهم: إذا تسابقت سفينتان وسبقت الواحدة الأخرى ثم لحقت السابقة سفينة ثالثة وأراد ناخذاتها أن يعيقها عن تلك يقول للملاح (لا تروح أي تثاقل في مشيك فإذا لم يصغ الملاح
إلى قوله يشد الفيلم بالدركة وهم يقولون (يربط) ويطرحه في الماء أو يربط تورية ويضعها في الماء أيضاً فإذا فطن لذلك الملاح يناديه (فيلمك توريتك) أي أخرجهما من الماء وإذا لم تجز حيلته هذه عليهم يضع قصبة بين السكان والميل مما يلي الماء. ومن دهائهم إن السفينة المسبوقة إذا أراد صاحبها سبق مجاريها في السبق وقد سارت السابقة بعيدة عن الجرف ويسمون مثل ذلك (عاليا أو صاعداً) يأتيه المسبوق من الأسفل ويصد عنه الهواء ويسبقه ولكن ليس بهذا السبق عند أهل السفن فخر وقد يأبى بعضهم ذلك فيسبق سابقه في العالي أيضاً ويحرز فخر السبق وهذه السفينة هي الممدوحة في السير ونقيض الصاعد والعالي عندهم هو (الأسفل) والأسفل قرب الجرف وهذا السير غير ممدوح. ومن براعتهم إذا كانت السفينة منشورة الشراع ولها أخرى تسابقها في السير ثم طارت في تلك الأثناء فتيلة (أي شيء من مادة القلفاط) من السفينة السابقة مما يلي الماء وخاف الناخذاة سبقها يربط نفسه بحبل ويرمي بها في الماء ويقلفته وهو غاطس في الماء والسفينة جارية كالعادة لا تفتر عن سيرها. وإذا طارت منها اشخاصة وقد خشي الغرق وكان شراع السفينة الوسطاني أو الصغير منشوراً يطويه في الحال وينشر الشراع العود ويقذف السفينة على الجرف فيسلم من الغرق ويجعل عذره لدى سابقه فعل الهواء أو الشراع الذي قذف بسفينته على الجرف. ومن هممهم إذا اختلف الهواء وصار (كرفيا) (برخصون الجوش) أي يحلونه ويجلس عليه الملاح وهم يقولون (يبرك) بضم فسكون ويقول الناخذاة (شيلوا الجوش من العمراني إلى الشرت سريعاً، طيرو بيوار، احجس بالجوش، فك لدامن، خاير) ومعناه (ارفعوا وأقلعوا وقوموا الفرمل مع الدقل) وعند ذلك يستريحون ويأمن من الخطر جميع (الجوقة). 3 - ما فاتنا من أسماء السفن سفينة (بشرة) بفتح فسكون واسعة الصدر و (بيص) بكسر فسكون ملمومة أو مجموعة الصدر. وهذه تطلب ماءً كثيراً ويسمى صدرها الملموم (قلداً)
أسرة بدروس آغا كركجي باشي
بكسر القاف التي يلفظونها كافاً فارسية وإسكان اللام و (حيحة) بفتح فسكون سفينة كبيرة وهي البغلة و (الدقنية) في البصرة سفينة كبيرة ذات شراع تسير في البحر و (الركبة) ابلام صغار يركب فيها الذين ديدنهم نهب ما في السفن وسلب أهلها وهي من نوع المشحوف: و (الشوعي) (كجوري) دون الدقنية حجماً وهي أيضاً من سفن البحر ذوات الشرع و (البوم) وزان (روم) دون الشوعي حجماً. و (الشويعي) عند أهل الفرات مهيلة صغيرة مطلية بالقير و (ألعابدية) سفينة أكبر من (الكلابية) ومن (الزعيمة) ومن (نجمة) يبلغ حملها طغارا: و (العسبية) سفينة صدرها ومؤخرها واحد وهي تنسج نسجاً ونسيجها من أعواد الرمان والحلفاء وهي مخصوصة بحمل البورق والقير السائل من أطراف هيت لا غير. (والكشتري) عند أهل الفرات هي السفينة التي يحمل فيها الحطب والتين وتكون مطلية بالقير ويستعملها أهل دجلة (راجع لغة العرب: 2: 95 و99) هذا ما استدركناه على مقالة السفن ومن عثر على شيء فاتنا ذكره فليرسل به إلينا لننشره ونكون له من الشاكرين. الدجيلي أسرة بدروس آغا كركجي باشي (لغة العرب) حضرة الأب نرسيس صائغيان من المولعين أشد الولع بتاريخ أسر
نصارى بغداد وقد تفرغ لهذا السعي منذ مدة طويلة فجمع شيئاً كثيراً في هذا الموضوع مطالعاً لهذه الغاية سجلات العماد الموجودة في الكنائس ورحل الإفرنج وكتب المؤرخين القديمة والحديثة. ولهذا نرجو كل من عنده أوراق أو أشجار نسب أو كتب أو حجج قديمة تذكر بيتاً نصرانياً أن يطلعه عليها وله من الأب الفاضل الشكر الدائم وهذه المقالة هي أحد فصول الكتاب الذي ينشئه في هذا الموضوع. إن أسرة بدروس آغا كركجي باشي الأرمني الكاثوليكي المذهب والهمداني المنبت من الأسر البغدادية التي لم يبق لها باقٍ بل ولا ذكر وصارت نسياً منسياً. مع إن بينها وبين بعض الأسر التي لم تزل في الوجود آصرة من جهة النساء كما سترى. وكانت من البيوت الوجيهة والغنية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. لأن أول ذكر لبدروس آغا عثرت عليه كان في سجل الأباء الكرمليين في بغداد بتاريخ سنة 1751 حيث ورد ما يلي (وفي هذا العهد تبرع لكنيستنا الخواجه بدروس الأرمني الكاثوليكي فرآء الوالي بستمائة زولته رائج بغداد ومعها قنديلان الكبير منهما للهيكل الكبير والصغير للهيكل الصغير الذي في الجانب كما يريان أنهما صنعا بأمره. وفي رسالة أرمنية مؤرخة في 5 شباط سنة 1766 يثنى عليه الأب إبراهيم بيريميان المرسل الأرمني في بغداد ويلتمس من رئيسه أن يرسل إليه برسالة شكر. والحق يقال أن بدروس آغا أهل للمديح والامتنان لأنه كان رجلاً صالحاً وسنداً مكيناً وعضداً قوياً للكاثوليك في تلك الأيام الحرجة لكونه كان فرآء وزراء الزوراء وكبارها نخص منهم بالذكر سليمان باشا الرومي المعروف بأبي الليل (الذي ولى بغداد سنة 1750) وسليمان باشا الكبير التفليسي (الذي ولى بغداد سنة 1779) وقد نال لديه حظوة ومكانة تمكن بها من إنقاذ السيد ميخائيل جروة بطريرك السريان من أيدي خصومه اليعاقبة وذلك سنة 1783 وإليك
ما كتبه السيد أفرام نقاشة رئيس أساقفة حلب حالاً على السريان في كتابه المسمى عناية الرحمن في هداية السريان (صحيفة 304، 305). (أما ما كان من السيد ميخائيل فإن شعب الموصل أجمع على إيجاد وسائل لنجاته وأكثروا الكتب إلى بدروس آغا كركجي باشا الوالي يستنجدونه ويستنهضون همته حتى كتب إلى البطريرك نفسه يقول: قد رفعنا مسألتكم إلى أعتاب أفندينا سليمان باشا الوالي فسمح بنزولكم إلى بغداد لمواجهته فإنه مستعد للسعي في إستحصال براءة بتأييد رئاستكم وتنكيس خصمكم فعجلوا إليها سفركم ووعدنا أفندينا أيضاً أن يكتب إلى مفتي الموصل موعزاً إليه أن يرسلكم إلى بغداد سالمين. . . . . وفي اليوم السادس لوصوله جمع إليه أحد أهل الثقة من كل الطوائف مع القنصل الفرنساوي وبدروس آغا كركجي باشي واستبيان قشيشو وقسطنطين ليستشيرهم الخ. .) وبدروس آغا كان يسكن في جهة البلد المعروفة بالميدان مع أسرته الكثيرة العدد كما يتضح من سجل إحصاء نفوس الكاثوليك الذين كانوا في بغداد سنة 1753 وهذا الإحصاء كمل بهمة الأباء الكرمليين وإليك نصه ما خلا المضاف إليه المحصور بين قوسين والحواشي فإنها لي: بيت كركجي باشي بدروس كركجي باشي الوالي امرأته صوفي (خاتون) ديمتري عبد الأحد أولاده سارة (قزما اعتمد في 7 آب سنة 1757) ويبين إنه توفى صغيراً) مريم أخت صوفي
زوجها استوراكي يوناني ابنتها كترينة (ابنها يعقوب ولد في 7 تشرين 2 سنة 1755) حنة أخت أخرى لصوفي زوجها يوردان ديمتري المدعو بوزو تسبينا سارة أولادهما (سيدي التي ولدت في 11 تموز سنة 1753 (توماس الذي ولد في 8 كانون 2 سنة 1758 سيدي أم الأخوات الثلاث (توفيت في 27 نيسان سنة 1760) جاريتان: مريم أماسيا خدامهم: أصلان كوركيس عبدو كورو وكان لبدروس آغا خادم أخر من ديار بكر اسمه ياني بن أيوب من طائفة الملكيين إلا إنه كان يسكن مع أسرته وأخيه عبد الأحد في دارٍ أخرى
وبعد وفاة امرأته صوفي خاتون تأهل ثانية بدروس آغا بسيدي السريانية أرملة يعقوب ابن شماس حنا الامدي (المتوفى في 7 آب سنة 1782) وذلك في 8 كانون 2 سنة 1784 وأما تاريخ وفاته فنجهله ولنأت الآن على ذكر ولديه ديمتري وعبد الأحد 2 - ديمتري وذريته لا نعرف ما كانت مهنة ديمتري إلا إنه كان غنياً وأقترن بسيدي ابنة كرومي بن عبد العزيز الكلداني البغدادي في 23 نيسان سنة 1759 وكان مبارك عقد الزواج السيد عمانوئيل بايه المار ذكره. ورزق منها: منوش (مريم) التي ولدت في 13 أيار سنة 1762 وتوفيت في 16 تموز سنة 1844 وهي امرأة حنابل انطون الكلداني عم اوساني إلا أن هذا الفرع من عشيرة اوساني المعروفة اليوم عندنا بهذا الاسم قد انقرض. سنا (أو صنا) التي تعمدت في 19 حزيران سنة 1768 وتوفيت في 10 تشرين 2 سنة 1854 وهي امرأة يوسف مضبوط الامدي الكلداني وأسرته لم تزل إلى يومنا الحاضر في بغداد: أما ديمتري فلا نعرف زمان مماته. 3 - عبد الأحد وذريته إن عبد الأحد كان يعرف بعبد الأحد آغا ونجهل إن كان خلف أباه في مهنته ومن الظاهر إن عبد الأحد كركجي باشي المذكور في كتاب عناية الرحمان في هداية السريان (صحيفة 361) غير هذا الذي نحن بصدده بل كان كلدانياً من ديار بكر توفى في بغداد في تشرين 2 سنة 1810 ونعرف من أولاده ثلاث بنات تزوجن في بغداد وسأذكرهن في محلهن. وتأهل عبد الأحد آغا في يوم واحد مع أخيه ديمتري بصوفيا ابنة يوسف عبدي الارمني الكاثوليكي البغدادي المولودة في 4 كانون 2 سنة 1742 وأمها قدسي ابنة غريب التي توفيت في 29 نيسان سنة 1746. وتوفى عبد الأحد آغا مخلفاً الأولاد الآتي ذكرهم: شموني التي ولدت في 22 آذار سنة 1760 وهي امرأة يعقوب
كتاب الولاة وكتاب القضاة للكندي المصري
بن بوغوص سيواصي الأرمني الكاثوليكي وهو جد لولو امرأة فتح الله نعمان المتوفاة في البصرة قبل سنتين من تاريخ هذه الأسطر وبموتها انقرضت هذه الأسرة. انطون الذي تعمد في 24 تشرين 1 سنة 1762 ونجهل ما جرى له. تربزيا وهي امرأة يعقوب بن انطون عم ثانٍ لأوساني المار ذكره وأسرته أيضاً قد انقرضت. سيدي التي اعتمدت في 19 آذار سنة 1769 وهي امرأة قدسي الموصلي السرياني وقد انقرضت أسرته من بغداد. كترينة التي اعتمدت في 12 تشرين 1 سنة 1769 وقد تزوجها سمعان بن إبراهيم السرياني (ويبين إن أصله من الموصل) في 30 تشرين 2 سنة 1789 وتوفى سمعان في 15 تشرين 2 سنة 1792 ولم يبق له أثر عندنا. ويبين إن يوسف الموصلي السرياني تزوجها أيضاً في 11 تشرين 2 سنة 1797 بعد وفاة زوجها الأول. حنا الذي تعمد في 15 آب سنة 1775 ونجهل أيضاً مصيره. كلارة أوصنا التي ولدت في 12 أيار سنة 1787 وتوفيت في 10 تشرين 2 سنة وقد تزوجها نعمان دنحا الموصلي الكلداني في 29 كانون 2 سنة 1801 ولم يزل في الوجود أناس من أسرته في بغداد والبصرة وبوشهر. كرجية التي توفيت في 22 شباط سنة 1848. ويذكر له ابنة أخرى اسمها أغنيس لا نعرف عنها شيئاً. كتاب الولاة وكتاب القضاة للكندي المصري - فاقنا الإفرنج في كل شيء حتى في طبع كتبنا العربية فإنهم يعنون بها عناية لا توصف من المحافظة على النص الأصلي ومعارضته بالنسخ القديمة معارضة دقيقة نرفع الطبعة إلى أوج الكمال والتحقيق وتبقى بمنزلة الإمام التي لا يستغني عنها. ومن الكتب التي أصبحت آية في الحسن والضبط والسداد هذا السفر الجليل الذي صدرنا باسمه هذه الأسطر وقد تولى نشره وتصحيحه وتهذيبه الفاضل رفن كست الإنكليزي على نفقة شركة
تذكار ا. ج. و. جب حسن الطبع والكاغد والتجليد والضبط وقد ضم إليه رسمين الأول يمثل لك البلاد التي كانت قد صارت إلى الدولة العباسية في المائة العاشرة من التاريخ المسيحي مع ذكر أسماء البلاد التي كانت تعرف بها عهدئذ. والثاني يبين لك ديار مصر السفلى لا سيما الفسطاط وما جاورها في القرن العاشر من التاريخ المذكور. ثم قدم على هذا التصنيف أكثر من 70 صفحة باللغة الإنكليزية ذكر فيها منزلة هذا الكتاب ومجمل الأحداث التي وقعت في ديار مصر من المائة السابعة إلى المائة الحادية عشرة، ثم خصائص حياة الكندي وسرد أسماء مؤلفاته وشفعها بفوائد نزيد الواقف عليها معرفة بمحتوياتها وعددها 13 ثم انتقل إلى أسانيد كتابية للمولاة وللقضاة ثم ذكر أسماء رواة الأحاديث التي جاءت فيهما مع نبذ في تراجمهم، ثم منزلة مصادر الكندي التي اعتمد عليها، والأشعار التي استشهد بها، ثم تكلم عن الملحق الذي ضمه إلى الكتابين المذكورين لتنم فائدتهما، وفي الختام تكلم عن النسخة الخطية الأم التي نقل عنها وعن طبعها وشفع هذه الفوائد بمعجم صغير ضمنه جميع الألفاظ التي لا توجد في دواوين اللغة العربية وقد جاء بها الكندي (المتوفى 15 ت1 سنة 961م) نقلاً عمن سبقه وكان يظن أن اغلب تلك الألفاظ عامية حديثة الوضع غير قديمة العهد. فأراد الأديب رفن كست أن يبين أنها ترتقي إلى صدر الإسلام إذ نقلها الكندي عمن سبقه أو عاصره. ولهذا المعجم الصغير فوائد جمة لا يعرف قدرها إلا من زاول مفردات اللغة بنفسه. وقد ذكر في جانب كل لفظة عني بتفسيرها وشرحها عدد الصفحة التي وردت فيها. ومما استحسناه غاية الاستحسان في طبع هذا التاريخ الجليل إن الناشر حفظه الله توفق لتصحيح أغلاط الناسخ توفيقاً عجيباً حتى أن القارئ يظن أن متولي هذا التنقيح من علماء العرب الخلص المتوغلين في التاريخ واللغة معاً بعد توغل إذ لا تخلو صفحة من صفحاته من دليل يؤيد كلامنا هذا. والحق يقال: إننا نهنئ شركة جب الخيرية بكونها عهدت هذا الإصلاح إلى عالم متبحر مثل رفن كست ولا نظن إنها كانت تستطيع أن تختار أحسن منه. ولما كان الكمال لله وحده فالمرء مهما أفرغ وسعه لا بد أن يرى في عمله نقص دلالةً على بشريته وعلامتنا الناشر لم يشذ عن هذه القاعدة. فقد وقع في طبع هذه النسخة بعض هفوات ونحن نستأذنه في إبداء ملاحظاتنا، منها:
1 - وقع أغلاط طبع لم يستدركها في فهرس إصلاح الأغلاط منها: في صفحة 11 سطر 1 ولابة والصحيح ولاية. وكتابة (ابن) إذا وقعت بين علمين بين علم الولد وأبيه تحذف الألف كما صرح به النحاة إلا أنه ورد تارة بالألف وطوراً بدون الألف إذا كان في رأس السطر فمن الأول ما ورد مثلاً في ص 11 س 12، 13، 14 ومن الثاني ص 29 س 9 و20: 13 و21: 17 إلى غيرها والأصح أن تحذف الألف لأن النحاة لم ينصوا على أن تعاد الألف أو يخير بين كتابتها وتركها إذا كانت اللفظة وقعت في رأس السطر. - وفي ص 12 س3 فيقال أن وفتح الهمزة والأصح كسرها. - وضبط ابن وهب بفتح الهاء ص 15 س 11 والأفصح بإسكانها وإن كان يجوز فتحها لأن عينه من حروف الحلق. - وفي ص 17 س 8 ضبط مت بكسر الميم والمشهور ضمها وإن يجوز كسرها. وفي ص 18 س 5 حديج بالياء الموحدة والأصح حديج بالياء المثناة - وضبط السرب الواردة بعد إلا من بفتح السين والأفصح كسرها (راجع ص 21: 9 و14) وكثيراً ما جاءت الياء مهملة من التنقيط في حين يجب تنقيطها كما في أبي ارطاة ص 18: 2 وشيعتي 21: 10 وعلي 23: 5 و8 إلى غيرها. وفي ص 22: 6 بدل قيس والأصح قيساً وفي ص 24: 7 إن كان في دخوله مصر خيراً والأصح خير بالرفع - وفي ص 25: 5 اكر وضبطها بفتح الكاف والأصح بضمها وفيهما: وأضرب بفتح الراء والأصح بكسرها. وفيها س 17 وفي عدة مواطن (فلهفي) وضبطها بفتح الفاء والألف الجالسة والأصح فلهفا بالألف القائمة أو فلهفي بياء المتكلم المنقوطة في الأخر - وفي ص 27 س 12 الرياسة والأفصح الرئاسة بالهمزة. وفي 36: 13 الحهني والأصح الجهني بالجيم المنقوطة - وفي 38: 17 أمر مسلمة بإبتناء منار المساجد كلها. والأصح مناور لأن منارة لا تجمع على منار وإذا أردنا أن نتتبع جميع أغلاط الطبع فيطول الكلام. 2 - اخطأ في تصحيح بعض الأغلاط من ذلك ضبطه لأسم داود بواوين بهمزة على الأولى هكذا (داؤود) في جميع مواطن الكتاب حتى في الفهرس. وهو في ذلك يخالف اللغة المشهورة لأن الأفصح على ما نقله صاحب التاج في مادة طوس هو بواو واحدة وهذه عبارته: (قال الصاغاني): والاختيار أن يكتب الطاوس علماً بواو واحدة كداود). ثم صرح في مادة دود. إنه لا يهمز) - وفي ص 25 س 4 هذا البيت:
أبعد الاشتر النخعي نرجو ... مكاثرة ويقطع بطن واد ضبط يقطع بالمثناة التحتية وفتحها ثم قال في الحاشية: في الأصل: نقطع): قلنا ونحن هنا نخير رواية الأصل أو أن تضبط يقطع بضم الياء لا بفتحها بصيغة ما لم يسم فاعله. وقال عند ذكره هذا البيت (ص 26 س 5): ولو مارسوه مارسوا ليث غابةٍ ... له كالتي لا ترقد الليل فإنك لعل صوابه كلأة (في موضع كالتي). قلنا: ولا معنى لكلاة هنا ورواية البيت لا غبار عليها. ومعنى التي: الأم التي أو المرأة التي واكتفى بذكر الموصول للاشتهار. ومنه مثل العراقيين والموصليين: أم المقتول تنام وأم المهدد لا تنام. - وقال في ص 32 س 13: ولكن أبايعكم على أنكم توفوني وذابتي.) قال في الحاشية قوله ذابتي فيه شبهة لعدم ظهور معناه: لعل الصواب ذأمتي.) أهـ. قلنا: وردت الذامة والذابة بمعنى واحد في كتب اللغة فلا محل لتفضيل لفظة على لفظة لكننا نظن أن الأصح: (وذمتي) - وقال في ص 35: 11 ورقي على المنبر وذكر في الحاشية: (في الأصل: رقا والظاهر أنه سهو من الناسخ.) قلنا: ونحن لا نظن لأن كلام المؤلف إشارة دقيقة، ورقا هنا مأخوذة من رقا الطائر يرقو: إذا ارتفع في طيرانه كأنه يشير إلى سرعة تسنم عتبة للمنبر كالطائر. وعلى كل حال فقوله: ورقى على المنبر بتعدية الفعل بعلي مما يحتفظ به لأن اللغويين ذكروا رقى فيه وإليه وإنما عداه بعلي لتضمينه معنى الإشراف والإطلال والإنافة لا معنى الصعود بخلاف ما يظهر من القرينة. - وقال في ص 37: 2 وكان عقبة قارئاً فقيهاً مفرضاً شاعراً. وضبط مفرضاً بضم الميم وإسكان الفاء وكسر الراء. ونحن نرى أن الأصح وقرضاً بالقاف ومن باب التفعيل. قال صاحب تاج العروس في مستدرك قرض: التقريض صناعة القريض وهو معرفة جيده من رديئه بالروية والفكر قولاً ونظراً. اهـ. ولم يجئ المفرض بمعنى الفراض أو الفريض أي العارف بعلم الفرائض فإذا كان هنا بهذا المعنى الأخير فكان يحسن به أن يدونه في (فتح المغلق) - وجاء في 36: 6: يا أمير المؤمنين حوت بحر ووغل بر وليتني الصلاة وزويت عني الخراج ونقط الوغل والأصح بالعين المهملة لأن لا مناسبة بين الوغل والبر على ما شرحه في فتح المغلق بخلاف الوعل بالمهملة كأن ابن عوف المعافري يقول جعلتني حوت بحر ووعل بر معاً وهذان لا يكونان فإما أن أكون حوت بحر وإما أن
أكون وعل بر وفي كل من هتين العبارتين تلميح إلى المثلين هو يماقس حوتاً وهو أزهى من وعل. - وقال في ص 323: 15 فضرب عثمان بمحضرته الأرض. فقال في فتح المغلق المحضرة مصدر حضر قلنا: ونحن لا نرى رأيه والأصح: بمحضرته أي بخاء معجمة ثم صاد مهملة. وهي ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوها وما يأخذه الملك بيده يشير به إذا خاطب والخطيب إذا خطب على ما أوضحه اللغويون وهو المعنى المراد في هذا المقام - وورد في 179: 10: لكن فات فوق اقب نهدٍ. كرجع الطرف لا تخشى اصطلاعا. فقال في الحاشية عن (تخشى): لعله: بخشى. ونحن نوافقه على هذا التصويب. لكنه قال في فتح المغلق: يحتمل أن يكون معنى اصطلع هنا بمعنى مر وإن كان المعنى يبقى بهذا التوجيه غير واضح. قلن: الذي نراه إن اللفظة محرفة ومصحفة عن الاطظلاع فكتبها الكاتب الاضطلاع من باب الإبدال وهو جائز ثم صحفت وحينئذ يستقيم المعنى والاطظلاع هو الضلع قال التاج في مستدرك ظلع: دبر مطيته واظلعها اعرجها) ومطاوع افعل هو افتعل كأحرقه فأحترق وأشعله فأشتعل إلى أخر هذا الباب. ومما يجري في وادي هذا المعنى ما ورد في ص 463: 12 فأتى كتاب المتوكل بحبسه واستقصاء ماله) قال في الحاشية: لمنبادر إنه تصحيف استصفاء إلا إنه ورد استقصاء في غير موضع الأصل بهذا المعنى، وقال في فتح المغلق ومعناه: استصفاء المال. قلنا: ونحن نظن أن الواجب هنا الاستقضاء بضاد معجمة بدلاً من الصاد المهملة: واستقصى المال أخذه وقبضه مثل اقتضاء. راجع اقتضى في مستدرك قضى في التاج. وكثيراً ما يتعاور افتعل واستفعل. ونظن أن الاستقضاء منه. - وفي ص 319: 8 (إن عبد الرحمن بن حجيرة كان يشرب الشوبية) فقال: في الأصل: السوبية بالمهملة وفي التلخيص: الشوبيا.) قلنا: السوبية أو السوبياء بالسين المهملة نوع من المبردات معروف في بغداد بهذا الاسم إلى يومنا هذا ويسمى أيضاً مستحلب اللوز وبالإفرنجية ولا محل إلى الرجوع إلى معجم دوزي القائل إن الشوبة هو شهد العسل فكل من السوبية والشوبية من واد والكلمة تركية الأصل ووجودها في كلام
الكندي مما يحرص على تقييده وتدوينه - ومن هذا القبيل ما جاء في ص 252: 16 وهو قول المؤلف في نقل أبيات اسمعيل بن أبي هاشم ومنها هذا البيت: وكأن وجوههم إذا أبصرتها ... من فضة مصيوغة أو عاج وأورد (مصبوغة) بباء موحدة أي مصبوغة. وقال عنها في فتح المغلق: (تنظر إلى رواية الخطط (فضة بيضاء) والأصح مصيوغة كما قيل في مبيعة ومخيطة مبيوعة ومخيوطة ومعنى مصيوغة هنا مخلوقة خلقة حسنة كأنها من فضة أو من عاج. - ومن هذا القبيل ما جاء في ص 180: 16 قول المؤلف: (فتقاتلوا فاستأمن من أبو السرور في جمع كبير إلى ابن طاهر ثم تخامروا) فقال في مفتاح المغلق: إن المعنى هنا مرتاب فيه والظاهر إن المراد به (تصالحوا). قلنا: إن أبا تمتم لما نظم أبيات هذه الوقعة قال في آخرها: توخوا أمان الاريحي ابن طاهر ... فمن فارسٍ يأتيه طوعاً وراجل فيكون معنى تخامروا ذلوا وخعضوا وهو ما جاء به صاحب اللسان والتاج وغيرهما. - وجاء في ص 416: 1 وكان عمرو بن خالد يلزمه ويترسل إليه وكان أيضاً يكتب له. فقال في مفتاح المغلق: معنى ترسل تأنى في القراءة. قلنا: ولا يمكن ذلك هنا والمانع هو قوله (إليه) والأصل إن الترسل في هذا الموطن بمعنى المكاتبة ومنه صناعة الترسل وهي كتابة الرسائل ومعنى العبارة إنه كان يكاتبه وفي بعض الأحيان حينما يكون بجانبه (يكتب له) أيضاً أي الغير عن لسان صاحبه. - ومما يطوي على هذا الغر ما جاء في ص 400: 4 في إيراد هذا البيت ليحي الخولاني: قد كشف الخف من ضلالته ... في عصبةٍ من مسالم الحرس فقال في فتح المغلق: (الظاهر إن المسالم جمع مسلماني وهو الحديث الإسلام.) قلنا: إننا نرى إن المسالم هنا مصحفة عن المسالح ومسالح الحرس جمع مسلحة وهم القوم ذوو السلاح فيستقيم المعنى وإلا لا يتصور إن شاعراً عربياً قحاً يدخل في شعره لفظة مثل مسلماني المخالفة للأصول العربية بالمعنى الذي يعقده الشارح بناصيتها. - ومما يدخل في هذا الباب شرحه لهذه العبارة: (حتى ترابي عليه دين كثيرة) في ص 337: 6 فقال: لعل معناه اجتمع عليه دين بالفائدة أي الربا قلنا: ومعنى ترابي: تكاثر فكما قالوا تكاثر من الكثر قالوا ترابي
من الربو وهو الزيادة والنمو بدون معنى الربا أي الفائدة لأن المسلمين لا سيما الأقدمين منهم يحرمون كل التحريم الدين بالرباء. - ومن هذا القبيل ما جاء في ص 263: 3 في شرحه هذا الكلام: (واخرج معه ابن الخليج في ثلاثة مراكب وحمامة) فقال في الحاشية: لعله حمالة، لأن الحمالة نوع من السفن. قلنا: والأصح (وعامة) وهو الطوف الذي يركب في الماء ويسميه أهل العراق الكلك. - ومما يساق هذا المساق تأويله للفظة وردت في هذا البيت: (ص 142: 13، 14) أما الأمير فحناج وصاحبه ... على الخراج سوادي من الاكر وضبط الاكر بضم ففتح فقال: هو جمع اكرة والأكرة على ما شرحها صاحب القاموس ونقلها (لين) هي الحفرة يجتمع فيها الماء فيغرق منها صافياً.) قلنا: ولا معنى لهذا التأويل هنا والأصح إن الاكر في هذا الموطن بالتحريك لا بضم ففتح جمع أكار الذي يجمع على أكرة كأنه جمع آكر على قول اللغويين والأصوب عندي أن يقال الاكرة جمع آكر ويقال فيه أيضاً اكر بدون هاء لا سيما في الشعر مثل تابع وتبع وتبعة وبالأخص إن وزن فاعل كثيراً ما يجمع على فعل بالتحريك بدون هاء كخادم وخدم، وطالب وطلب وطلبة، وغائب وغيب، وسالف وسلاف، وراصد ورصد، ورائح ورئح، وفارط وفرط، وحرس وحرس، وعاس وعسس، وقافل من سفره وقفل، وخائل وخول، وخابل وخبل، وهو الشيطان، وبعير هامل وهمل، وهو الضال المهمل، فكل هؤلاء جمع. وقال سيبويه إنها أسماء لجمع ولعله الصحيح. - ومما يوافق هذا البحث قوله في ص 226: 4 فقرئ على أهلها بأن أبا أحمد نكث بيعة المعتمد وأسره وحرش عليه في دار أحمد بن الخصيب) فقال في شرح المعضل: الظاهر إن معنى حرش عليه عامله معاملة سيئة. قلنا نحن: والأصح إنها جاءت هنا بمعناها المألوف أي هيج. وإنما عدى الفعل بعلي لتضمينه معنى التهيج قال في تاج العروس. التحريش إغراؤك الإنسان والأسد ليقع بقرنه. . . وفي الحديث إنه نهى عن التحريش بين البهائم هو الإغراء وتهييج بعضها على بعض كما يفعل بين الجمال والكباش والديوك وغيرها. 3 - لم يصب في بعض الأبيات الشعرية حينما أراد إعادتها إلى نصابها وإن كان قد أصاب في اغلبها. قال مثلاً في ص 401: 6 تصحيحاً لهذا البيت: ليت البلا بين التي تجري ... تقوم بمسمعاتك
لم يتهيأ لنا تصحيح هذا البيت فتركناه على ما في الأصل ولعله: ليت الثلاثين التي تجزي ... تقوم بمسمعاتك أي الثلاثين الشهود المذكورين أدناه. قلنا. والأصح: ليت البلا بين التي ... تجري تقوم بمسمعاتك بتقدير ليت البلا بين (الريح) التي تجري. . . وقال في ص 400: 5 في إيراد هذا البيت. يقدمه خالد ويتبعه، لوط فران الكبين في مرس كذا في الأصل. قلنا واللفظة ظاهرة وهي قران مصدر قرن أو قارون ومعنى البيت يقدمه خالد ويتبعه لوط وهما بمنزلة كلبين شدا بمرسٍ واحدٍ. - وجاء في ص 57: 12 و13 فإن نزعا مصراً فبالجد فارق ... أحل وخلا فسطها وقراهما. فقال في الحاشية. لم يظهر لنا وجه لتصحيح هذا المصراع فتركناه كما هو في الأصل. قلنا: ونظن إن صحيحه هو هذا: . . .، أجل وخلا فسطاطهما وقراهما و (فسطاطهما) راجع إلى مصر وقراهما راجع إلى عبد العزيز والي الأصبغ ابنه المذكورين في البيت. وورد في ص 217: 1، 2: يعالج مرضاكم ويرمي حريمكم، جيش. . . القلب أدهم أعزل فقال في الحاشية: (لعله: بجيش. وهذا المصراع ظاهر النقصان). قلنا: ونعلن أن تمامه هو: بجيش جرئ القلب أدهم أعزل. ومن أقواله الحاشية التي علقها على هذا البيت (ص 150: 7، 8) أضحت قضاعة قد علتها كابة ... وبنو الحرس سوافر الأظلام فقال: (قوله الحرس لا يفي بالوزن. فمن ذلك يعرف عدم صحته وأقرب ما وجدنا في قضاعة إليه جريش فلعله الصواب). قلنا: أما قوله الحرس لا يفي بالوزن فغير صحيح لأنك إن جعلت الحرس كالسجل بتشديد اللام استقام الوزن. لكن لا وجود للحرس بمعنى بطن من قضاعة ولهذا صدق في قوله: (وبنو الجريش) لأنهم من قضاعة ولأن المؤلف يذكرهم في ص 161 من كتابه. وجاء في ص 161: 1، 2:
كلا الفيلقين. . . . . ... مقاماً على ما كان فيه يماصع فقال في الحاشية: (في الأصل: كلا الفيلقين له بطو). قلنا: ونظن أن الأصل هو: (كلا الفيلقين له بطئ إذا ابتغى). الخ ويكتب البعض كلمة بطئ إذا كانت مرفوعة (بطؤ) كما يكتبون الكفء (كفؤ) فأحفظه. وقال في ص 399: 11 هذا البيت: إلا لعن الرحمن من كان راضياً ... بهم رغماً ما دامت الشمس تغرب (كذا في الأصل.) قلنا: وإذا كسرت الغين استقام المعنى. والرغم بالكسر وإن لم يرد إلا إنه لما كان بمعنى الغضب هنا وزن وزنه وقد عقد النحاة واللغويون باباً لهذا الموضوع سموه (الحمل على النظير) قال السيوطي في كتابه الأشياء والنظائر في اللغة: قال ابن الأثير في النهاية: الحداث جماعة يتحدثون وهو جمع على غير قياسٍ (حملاً على نظيره) وهو سامر وسمار فإن السمار: المحدثون.) - فإذا سلمنا بهذا يكون حينئذ معنى البيت: لعن الله المرائين الذين يظهرون الرضى ويبطنون الغضب لعنةً تدوم ما دامت الشمس تغرب. 4 - الحق بآخر الكتاب معجماً صغيراً يحوي شرح الألفاظ الغامضة التي وردت في تضاعيف الكتاب. قلنا وهو أمر حسن نود أن يجري عليه كل من ينشر كتاباً للأقدمين؛ والإفرنج قد سبقوا العرب في هذا الميدان إغناء للغة بالألفاظ المولدة أو بالألفاظ التي لم يظفر بها اللغويون حينما دونوا الكلم الغريبة أو فاتتهم بدون أن ينتبهوا لها إلا أن الناشر قد فاته بعض الأمور: منها عدم تنبيهه على بعض الألفاظ التي تحتاج إلى التنبيه ومنها إنه نسي من الألفاظ أكثر مما قيده منها. ومنها إنه نبه على أشياء كان في مندوحة عنها لشهرتها أو لدخولها تحت ضابط عام أو لأن اللغويين طرقوا بابها. - فمن الأول قوله في كشف الغامض: عن كلمة مواخير الواردة في هذه العبارة (297: 13): (وأمر برفع الكلف والمؤن وتعطيل المواخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). الظاهر إن المواخير هنا هي ما تأخر دفعه من الضرائب (كذا) قلنا: هذا غير صحيح. إنما المواخير هنا جمع ماخور والماخور هو (على ما ذكره اللغويون) مجلس الفساق وبيت الريبة. وإلا لما
قال: وتعطيل المواخير لأن التعطيل لا يوافق المواخير لو كانت بمعنى ما تأخر دفعه من الضرائب. - ثم لو فرضنا إنها وردت هنا بالمعنى الذي يشير إليه (وهو ما لا نسلم به البتة) كان يجدر به أن يذكر واحدها. وواحدها يكون حينئذ (موخر) بالهمز على الأصل أو بالواو من باب تسهيل الهمز على لغة قريش وإنما جمعوها على مفاعيل كما قالوا في جمع مقدم (المشش الدال) مقاديم وفي منكر مناكير. - وربما نبه على أمر لا يحتاج إلى توجيه الفكر إليه كقوله في الجلاب: هو على ما قاله دوزي نقلاً عن محيط المحيط: ماء الزبيب المنقوع) ثم زاد عليه قوله: والظاهر إنه من الأشربة التي يسم بها. ومن هذه الزيادة قال عن السوبية. قلنا: ولا حاجة إلى هذا التنبيه لأن الواحد إذا أراد سم آخر لا يضع السم إلا في شراب قد ألف جرعه وإلا انتبه له الشارب. كما أن الذين يسمون الناس اليوم لا يتخذون لنيل مآربهم الممقوت إلا قهوة البن أو المسكر أو المشروب المحلى أو نحوها. وأما ما نسي إلحاقه بمعجمه فهو كثير من ذلك: النظارة ص 7 بالتشديد بمعنى المكان المشرف الذي ينظر منه كالمنظرة، والرطب السرة بمعنى الحديث الوضع أو الولادة كما في قوله ص 19 لو طلبت منا جدياً رطب السرة. - وفي ص 22: فلم يزالوا به حتى كتب إليه، بمعنى فما انقطعوا عن الإلحاح عليه - وفي ص 25 وعيني ما تهم إلى رقادي بمعنى تهم برقادي وإنما عداها بعلي لتضمينها معنى العزم - وفي ص 27 فبعث بأبي عمرو بمعنى بعث أبا عمرو. قال الشيخ إبراهيم اليازجي رحمه الله في الضياء 1: 484: وقول البعض: بعث برسول إلى فلان خطأ وكذلك بعث إليه هدية لأن ما ينبعث بنفسه كالرسول تقول بعثته وما ينبعث بغيره كالهدية والكتاب تقول: بعثت به فتعدى الفعل إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بالباء.) اه. قلت أنا: وكذلك القول في أرسل كما نبه عليه الحريري. لكن كل ذلك من تمحلات اللغويين وإلا فإن ابن جني قد صرح بجواز ما منعه الغير في شرح ديوان المتنبي وعليه قول النابغة الجعدي من شعراء الجاهلية: فإن يكن ابن عفان أمينا ... فلم يبعث بك البر الأمينا وفي ص 32: 2 فصلى خارجه بالناس، أي تقدمهم فيها فصار إمامهم. واللغويون لم يذكروه. - وفي ص 39: 5 وولاه البحر بمعنى أقامه رئيساً على الأسطول أو السفن البحرية وفي ص 43: 3 وقطع بعثاً في البر بمعنى بعث بجيش. - وفيها: 10
فنزل عليها عاصف بمعنى هب عليها ريح شديدة والنزول بمعنى الهبوب والعاصف بمعنى الريح الشديدة من المستدركات - وفي ص 46: 10 لتشغب الجند وتشغب من الشغب لم يذكره اللغويون وإن كان مقيساً. - وفي ص 47: 4 وأوقع إلى كل رئيس منهم إنه خاصتك بمعنى أثبت لكل رئيس إثباتاً يكون بمنزلة خاطر يخطر في نفسه - وفي ص 50: 7 ووقف على غروسه ومساقيه. - فورود غروس بمعنى اغراس أو غراس من المستدركات على أصحاب المعاجم - وفي تلك الصفحة نخل مواقير بالقناء. ومواقير جمع موقر وموقرة وميقار لم يذكره اللغويون مع إنه قياسي بل ذكروا مواقر. وكذلك القناء جمع قنو لم يذكره اللغويون بل ذكروا اقناء وقنيان وقنوان مثلثتين. لكن الناشر ضبط القناء بفتح القاف وهو خطأ والأصح بكسرها لأن فعلا لا يجمع على فعال بالفتح بل على فعال بالكسر. - وفي ص 51: 4 وعرف على موالي تجيب بمعنى جعل عريفاً عليهم من المستدركات - وفي ص 423: 13 مناسي الجدود بمعنى منسيو الجدود وفي ص 424: 1 كبراطيل اليهود جمع براطل بتخفيف اللام وتشديدها. - وفيها: 2 كالمقاعيد بمعنى كالمقاعد وكلتا الكلمتين من ضرائر الشعر وفيها 3 عدالات الشهود في جمع عدالة. - وفيها 1 تحت أميال اليهود جمع ميل وهي قلنسوة طويلة كالبرطل مأخوذة من معنى شكل الميل للمنار الذي يبنى للمسافر لهدايته وفي ص 323: 8 وأنا غلام جفر اعقل. والجفر هنا الصغير من الغلمان مأخوذ من معنى الجفر لولد الشاء الذي فصل عن أمه. وفي ص 365: 10 فلم يشك ابن شجرة إلا أن. . . أي تأكد. - وفي ص 391: 8 وأخذ ابن مسروق جمعاً من جلسائه فضربهم وطاف بهم. ومعنى طاف بهم هنا شهرهم بتشديد الهاء وجرسهم بتشديد الراء وهو إن يجعل في عنق المشهر جرس ويركب على دابة مقلوباً أي وجهه من جهة ذنبها. وكانوا يفعلون ذلك بعد أن يضربوهم. وكانت هذه العادة معروفة في بغداد قبل نحو 60 سنة والفعل (جرسه) معروف إلى اليوم أي شهره أو نوه بذكره تنويهاً قبيحاً. وكانوا يقولون أيضاً (داروا به) وهو بمعنى طافوا به فليحفظ - وفي ص 437: 8 إن قمطر عيسى بن المنكدر كان يرفع في حانوت أي كان يحفظ إلى أن يحتاج إليه. وهذا الفعل بهذا المعنى معروف في بغداد إلى يومنا هذا. - وفي ص 607: 8 فأمر بإحراق المرأة في بارية. ووضع بعد بارية علامة الاستفهام كأنه يقول: وما مراده ببارية هنا؟ - قلنا:
معناها الحصير المتخذ من القصب. ويقال فيها أيضاً بارياء وباري بتشديد الياء في الثاني والكلمة بهذا المعنى معروفة إلى يومنا هذا في العراق. - وفيها: 20 فزاد في أبنيتها وترخيهما (كذا) والأصح وترخيمها من رخم الدار بتشديد العين أي فرشها بالرخام. وقد وردت في كلام المولدين بهذا المعنى وإن لم يذكرها اللغويون. قال الشريف محمد بن أسعد الحراني المعروف بالنحوي. (كان (في دار ابن خنزابة) التي تقابل دار السكاكي قاعة لطيفة مرخمة) أهـ. وقول صاحب محيط المحيط والدار المرخمة عندهم (أي عند العامة) المبلطة بالرخام في غير محله. - وفي ص 614: 12 وساط دعائم دين الإله. والأصح وشاط بالشين المثلثة ومعناها أحرق وشاط بمعنى أشاط من المستدركات. إلى غير هذا ولو أردنا استقصاءها لخرجنا عن نطاق هذه المجلة. أما إنه نبه على أشياء في شرح الغامض كان في منتدح عنها لشهرتها أو لدخولها تحت ضابط عام أو لأن اللغويين طرقوا بابها فمنها البحر بمعنى النيل وقد نبه على إطلاق هذا اللفظ اللغويون - ومنها مجيء (إلى) بمعنى (على) لا سيما إذا تضمن معنى فعل يجيء بعده أحد الحروف المبدلة منه كما في توجه إلي وتوجه عليّ. وورد إليه وورد عليه إلى غيرها مما ظنه من المستدركات. وذكر الفرانق بمعنى الذي يدل صاحب البريد على الطريق وهذا قد نبه عليه اللغويون وليس من المستدركات - وذكر القفيز الفالج بمعنى ضرب من المكاييل والأصح أن الفالج كلمة أرمية معناها نصف ويراد به نصف الكر الكبير. - وذكر القمطر وقال: وهذه الكلمة ذكرت مؤنثة. قلنا: وقد نبه اللغويون عل أنها تؤنث وتذكر وعندي إن تأنيثها أجود لأنها عندي معربة من ولهذا يقول العرب فها أيضاً قمطرة تبعاً للأصل. - وذكر الكم بمعنى الحجرة. قلنا: ويراد بها بالخصوص الحجرة الطويلة ككم الثوب. والكلمة قديمة بهذا المعنى ومنه وصفهم للسدلي بقولهم: كالحاري بكمين. (لغة العرب 2: 516، 517) هذا ما أردنا تبيانه لعلمنا إن الناشر من جله العلماء وإنه يحب الوقوف على تحسين هذه الطبعة. على إننا نقول ما ذكرناه هو دون ما يمكن أن يذكر. وإنما اكتفينا بالإشارة لعلمنا أن تتبع بقية ما جاء من هذا القبيل لا بعسر على مثل حضرته وهو العالم الجليل، وفقنا الله وإياه لسواء السبيل.
سياحة في النوم
سياحة في النوم بينما كنت مضطجعاً على فراشي أردد في فكري محاسن صنع الله تبارك وتعالى، الذي أتقن كل شيء فبرأه بمقتضى حكمته الربانية، إذ أخذتني سنة الكرى فرأيت في منامي كأنني أتجول في بستان أشجاره القنواء، وأزهاره غراء، وأطياره بديعة الغناء، وأنهاره متدفقة الماء، فأخذت أسير الهوينا لأتمتع بمشاهد تلك الطبيعة البديعة، وكنت ألتفت يمنة ويسرة لكي لا يفوتني قل ولا جل. ثم ما أبطأت أن وقع طائر بصري على قصر شامخ رفيع العماد مزين بأنواع القناديل والمصابيح وكل ضياء ساطع حتى ظننت أنه سابح في بحر من نور، والمياه المتألقة تنساب في جوانبه، كما تنساب الأفاعي في الفلوات الناعمة الرمال، السريعة الانهيال، قدار في خلدي أن أتأثر هذا الماء الزلال، لأرى مقره ومصبه أو مندفقه، وبقيت أتتبع منعطفاته، حتى أدى بي المسير إلى غدير كبير، ماؤه عذب نمير، واقع في وسط بقعة القصر المشيد، وفي جنباتها مجلس نضيد، وبين يديه أسرة متخذة من العاج، المرصع بالجور الوهاج، فلما شاهدت ذلك، دفعني حب الاطلاع على الغرائب، والاستكشاف عن الخفايا أن أستريح هنيئةً مما لحقني من العناء، وكابدته من البرحاء، وكانت عيناي شاخصتين شطر القصر، مفكراً ألف فكر. فبينما أنا على تلك الحال، إذ فتح الرتاج، وخرج منه شاب مقنع بقناع مواج، وعلى رأسه تاج، ولا بس حلة من الديباج، يناهز عمره الحادية والعشرين، كأنه منحدر من عليين، ويحيط به مئات من الحور العين، وفئات من أجمل البنين، وهم يمشون كلهم مشياً وئيداً. ويكرمونه إكراماً حميداً. وما زالوا على تلك الحال، حتى بلغوا محلاً مرتفع المنال، فرقي السلم، ووقف ليتكلم، وأمر أحد حجابه أن يميط النقاب عن وجهه الوضاء، وطلعته الحسناء، فلما فعل الحاجب ما أمره به، ظهرت عليه جميع محاسن ربه، وبدا وجهه الوسيم، يتلألأ بنور أهل النعيم، ولاح جبينه الوضاح، أبهى من ضياء الصباح، تقول حواجبه دم عاشقي مباح، وهو ذو عيون كأنها عيون الجآذر الملاح، ووجنات تزري بالجلنار، تتوهج توهج النار. وخال كأنه قيراط عنبر، أو مسك أذفر، وقد كقضيب ألبان أو كاملود الخيزران.
وبعد أن تكلم كلاماً يؤنس الغزلان، ويوقظ الوسنان، أخذ يلتفت ذات اليمين وذات اليسار، منزهاً الطرف بين الأشجار والأزهار، مستأنساً مع أعوانه وهو في أحسن مقام، وأطيب أقوام، فوقع بصره عليّ فوجدني جالساً لا أتمكن من القيام، لما اعتراني من شدة الغرام، وكثرة الهيام، فأشار إليّ بالنزول، وأن لا أبقى في محلي كالسجين أو كالمغلول، ثم رأيته مقبلاً أليّ، مراقباً ما أحوالي. فقلت في نفسي: إنك لقد وقعت في بلاء عظيم، لدخولك في موطنٍ خاص بهذا الأمير الكريم. وبينما كان الهلع قد أخذ من كل مأخذ، تقدم أليّ وحياني أحسن تحية، ورحب بي كل الترحيب، فرددت عليه السلام، مجيباً إياه بعبارات الإجلال والإكرام، ثم قال لي: لا تخف يا بني، وارك لا تعرفني، فقلت: لا يا سيدي: فقال أنا الذي طبق أسمي الخافقين، وسمع به سكان ديار القطبين، أنا الذي اسمه (العفاف، أنا الذي أقع من القلب في الشغاف. أنا مزكي النفوس، أنا زينة كل عروس، أنا سر السعادة، أنا مرقي الصلحاء إلى أوج الإمامة والعبادة. فلما سمعت هذه الكلمات، وما حوت من المعاني الطيبات، سكن روعي، واطمأن قلبي، وانقشعت من سماء أفكاري، سحب الخوف والفزع، وتذكرت هذه الأبيات: لك منزل في القلب ليس يحله ... إلا هواك وعن سواك أجله يا من إذا جليت محاسن وجهه ... علم العذول بأن ظلماً عذله الوجه بدر دجى عذارك ليله ... والقد غصن ثرىً وشعرك ظله هذه جفونك أعربت عن سحرها ... وعذار خدك كاد ينطق نمله عار لمثلي أن يرى متسلياً ... وجمال وجهك ليس يوجد مثله هل في الورى حسن أهيم بحبه ... هيهات أضحى الحسن عندك كله وما كدت أفرغ من إنشاد هذه الأبيات، إلا وفزعت في نومي واستيقظت وقد انطبعت صورة (العفاف) في مخيلتي فقلت في نفسي: لأدعون الناس إلى حب هذا الخلق البديع، ذي الحسن السنيع، لما يورث النفس من المناقب السامية، والفضائل العالية. إن ربك لرقيب، وهو المجزي المثيب. فاجعلنا اللهم ممن يخافك ويترقب منك، ولا تجعلنا أن نصرف وجهنا عنك. اللهم آمين (20 - 8040)
فوائد لغوية
فوائد لغوية سبب إفراد معدوم ما فوق العشرة في الجمع. من أغرب خصائص اللغة العربية أن الناطقين بالضاد إذا عدوا المعدود إلى العشرة جمعوه وإذا تجاوزوها أفردوه. فيقولون مثلاً ثلاثة رجال إلى عشرة رجال. ثم يقولون أحد عشر رجلاً وعشرون رجلاً ومائة رجل وألف امرأة. ولم يعترض النحاة لذكر سبب هذه الغريبة. وعندي إن سببها هو أن العرب كانوا في جاهليتهم قوماً أميين أجلافاً لا يعرفون من العدد والمعدود معرفة تامة مثبتة إلا بقدر ما عندهم من الأصابع في أيديهم، ولهذا سموه جمع القلة أما إذا تجاوزوه فإنهم يرتكبون في عده ويضطربون ويرتكبون الخطأ. لهذا أفردوا المعدود بعد ما فوق العشرة وسموه جمع الكثرة كأنهم يشيرون إلى أن ما يعدونه بعدها يحتمل زيادة واحد أو نقصان واحد. فقولهم مائة رجل معناه مائة (من رجال بزيادة) رجل (أو بنقصان) رجل. لكن كان يجب عليهم أن يقولوا على هذا الوجه ثلاث مئات إلى تسع مئات كما قالوا ثلاثة آلاف إلى عشرة آلاف ومع ذلك فإنهم خالفوا هنا القياس أيضاً وقالوا: ثلاثمائة إلى تسعمائة. والسبب هن أنهم اعتبروا الثلاثمائة والتسعمائة بمنزلة كلمة واحدة مركبة ولهذا يكتبونها متصلة الصدر بالعجز بخلاف ثلاثة آلاف مثلاً فإنهما تعتبران كلمتين منفصلة إحداهما عن أختها. ولعل هناك غير السبب الذي أشرنا إليه. إذ أننا وجدنا في أعراب العراق كثيرين من الناس الذين لا يعرفون أن يحسبوا أكثر من عشرة فإذا احتاجوا إلى عد مائة سألوا واحداً يحسن العد. ولقد رأيت أناساً إذا ضاقت بهم الحيلة يجمعون المعدود عشرات عشرات على حدة ثم يحسبون العشرات ليعدوا المائة أو يحسبون المئات ليعدوا الآلف. قلنا فإذا كان أعراب هذا العهد في هذه الدركة من الجهل فما قولك في أعراب ذلك العهد العهيد الذي ما كانوا يخالطون فيه المتحضرين مخالطة عظيمة على ما هي اليوم. - هذا وإذا جمعوا العشرات كوماً وجعلوا كلاً منها على حدة سموا كل طائفة منها (جمع) فلم تعد تسمى المائة
أسئلة وأجوبة
من الرجال مائة (رجال) مثلاً بل (جمع رجل) عشر مرات. وهكذا بقى لفظ المفرد على إفراده. على أننا نخير التأويل الأول. وهو فوق كل ذي علم عليم. أسئلة وأجوبة الشكيمة ومعانيها اللغوية سألنا أحد أدباء مصر قال: جاء في القاموس: الشكيمة: الأنفة والانتصار من الظلم والعهد والشم) فما هو المعنى الأصلي الرابط لهذه المعاني؟ قلنا: الذي جاء في التاج: (الشكيمة: كسفينة، الأنفة والانتصار من الظلم وأيضاً العهد وأيضاً الشم. هكذا في النسخ والأولى الشمم وفي بعض النسخ: والفهد والسم وهو غلط، وبكل ما ذكر فسر قولهم ذو شكيمة). اهـ. أما نحن فنقول: في لفظة الشكيمة معنيان معنى عربي فصيح ومعنى دخيل. أما المعنى العربي الصرف فهو مأخوذ من شكيمة اللجام وهي حديدة معترضة في فم الفرس وفيها الفأس كما هو نص الجوهري. وفاس اللجام هي الحديدة القائمة في الشكيمة إذا كان إذ عارضة وجد. . . ومنها قولهم: فلان شديد الشكيمة أي شديد النفس انف أبي. . . قال في التاج وأصله من شكيمة اللجام.) أهـ وأما المعنى الثاني وهو الدخيل فهو الشكيمة بمعنى الفهد لا العهد ومعنى السمور لا السم أو الشم أو الشمم. والكلمة فارسية الأصل من شكم (بكسر وفتح) ومعناه جلد الفهد والسمور يسلخ من قبل البطن. والفهد هنا بمعنى الوشق أي - بالفرنسوية. وقد صحف العرب هذه الكلمة تصحيفاً آخر وهو الشكم ككنف وقالوا عنه هو الأسد. والعرب كثيراً ما يذكرون أسم سبع
باب المشارقة والانتقاد
من السبع ويريدون به سباعاً مختلفة. وأنت ترى إن الاسم الأصلي هو واحد إلا إنه صحف تصحيفاً مختلفاً وأول تأويل شتى وإنما اختلفوا في تأويله لأنهم لما رأوا من معانيه الأصلية الفهد والسمور ولم يروا بينهما وبين الأنفة والانتصار لحمة نسب في معنى الأصل توهموا لها معاني مختلفة تناسب كتابة الألفاظ والمعاني في العربية الأصلية ورأوا أن أقرب لفظ يفيد تلك المعاني هي العهد والشمم. والأصح أن يرجع إلى المعنى الأصلي الدخيل أي أن يقال من معاني الشكيمة: والفهد والسمور لا العهد والشمم. وبهذا القدر كفاية. باب المشارقة والانتقاد 1 - العربية (الجريدة) صحيفة علمية تاريخية أدبية إخبارية تصدر في اللاذقية يوم السبت من كل أسبوع لصاحبها ومحررها ومديرها المسؤول محمد أفندي سعيد حسن سعيد. بدل اشتراكهما في اللاذقية والولايات العثمانية مجيديان وفي سائر الجهات 3 مجيديات أو 13 فرنكاً. وقد وصلنا منها العدد الثامن الصادر في 13 أيلول سنة 1913 فوجدنا في صدره مقالة حسنة مفتتحة بهذا البيت من أبيات المتنبي: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بد وللجريدة عدة مراسلين في جهات مختلفة فنتمنى له الرواج والحياة الطويلة! 2 - صدى الدستور (جريدة هي خلف من الدستور) حكم على الدستور الجريدة البصرية الحرة فماتت. وما كادت أنفاسها تخمد إلا وانبعث من رمادها خلف هو صدى الدستور فتذكرنا حكاية الفقنس. وقد بقي صاحب امتيازها ومدبرها المسؤول العربي السمح البحث عبد الوهاب أفندي الطباطبائي؛ أما محرر قسمها التركي فهو مكتوبي زاده عمر فوزي أفندي. وقد صدر العدد الأول منها وهو التاسع والستون من الدستور في 25 شوال سنة 1331 الموافق 25 أيلول سنة 1913. وهي جريدة سياسية أدبية اقتصادية إصلاحية وصدى الدستور كالدستور من أجل الصحف العراقية لأنها توقفك على حوادث العراق وخليج فارس وقوفاً تاماً لا تكاد تتوفق له في غيرها أحياها الله وأبقاها!
3 - النهضة (الجريدة) هذا اسم مما يتفاءل به وعسى أن يصح تحقيقه أو عسى أن يسعى أصحاب هذه الجريدة للحصول على الضالة التي ينشدونها (والنهضة جريدة سياسية عمرانية اجتماعية موقوتة تصدر مرة في الأسبوع) في بغداد لصاحبها ومدبرها مزاحم أفندي الأمين الباجه جي ورئيس تحريرها إبراهيم حلمي أفندي. وقد برز منها العدد الأول نهار الجمعة 1 ذي القعدة 1331 الموافق 3 أيلول 1913 وصاحب هذه الصحيفة من الشبان أصحاب الهمة العالية والكتاب من الكتاب الذين تفتخر بهم بغداد وتتوقع منه السعي الحثيث إلى ترقية الوطن. وكلاهما لا يخاف الانتقاد. ولهذا نوصي المحرر أن يتحرى صدق اللهجة في الكلام فقد قال عن العرب في المقالة الأم: (العرب وهم المعروفون بشدة البأس يؤلفون القسم الأعظم من قطان المملكة فعددهم (إذا) عدت نجد وحضرموت وشرقي جزيرة العرب عثمانية لا يقل عن 20 مليونا) أهـ. فنقول: ولماذا لم يعد أيضاً عرب الجزيرة كلها وديار مصر وطرابلس وفزان وتونس والجزائر ومراكش فلا جرم أنه نسيهم وعسى أن يذكرهم في الأعداد الآتية. ثم أين رأى أن عرب المملكة العثمانية فقط يبلغون 20 مليونا ولو فرضنا أننا عددنا معهم عرب ديار نجد وحضرموت وشرقي جزيرة العرب. أفليس بيده كتب وصف البلدان من عربية وتركية وإفرنجية! فما أسهل عليه مراجعتها والاعتماد عليها! - وقال في الصفحة الثالثة عند كلامه عن الشيخ مبدر الفرعون: (أصاب في الأزمنة الأخيرة عشائر الشامية ظلم وحيف، فقد صارت الضرائب تستهلك كل المحصولات حتى لم يبق بأيدي المزارعين ما يسد الرمق.) قلنا: إننا لا ننكر أن الضرائب بهظت الأعراب لكن بين أن تكون بهظتهم وبين أنها لم تبق في أيديهم ما يسد الرمق بون بين وكلام مخالف للحقيقة فعسى أن لا يكتب في هذه الصحيفة مثل هذه الأقوال الزائفة. - ثم نتمنى أن تصحح المسودة قبل أن يؤمر بطبعها فقد وجدنا في العمود الثاني من الصفحة الثالثة 22 غلطاً من أغلاط الطبع. وهل من الأنصاف أن لا يكون هم القارئ في أثناء المطالعة إلا أن يذب عن فكره ذباب الطبع. ومع كل هذه الشوائب التي لا بد منها في بعض الأعداد لا سيما الأولى منها فإننا نتمنى لهذه الصحيفة الترقي والنجاح وتحقيق الأماني! 4 - عالم الإسلام (مجلة ألمانية)
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
10. أنشئ في برلين، حاضرة ديار الألمانيين، جمعية غايتها الإطلاع على أحوال البلدان الإسلامية، والبحث عن أحوال المسلمين والعمرانية، والذي دفع العلماء الألمانيين إلى إنشاء هذه الجمعية ما رأوه في الأمم الشرقية من النشاط والهمة والسعي الحثيث للرقي والعمران. ولما كانت الجمعية لا تكفي للوقوف على ما ننشده، أنشأت مجلة هي لسان حالها سمتها (عالم الإسلام) وهي تصدر أجزاء بأوقات غير ضرورية. وقد ورد إلينا جزءان منها وفيها مقالات ضافية الذيول لعلماء يشهد لهم بالإمامة والكفاءة والجهبذة. ولهذه المجلة باب واسع يذكر فيه جميع المطبوعات الحديثة المتعلقة بالعالم الإسلامي في جميع اللغات من شرقية وغربية. وللجمعية مكتبة تجمع كل ما يتعلق بما يجري في البلدان الإسلامية في الزمان الحاضر من المطبوعات العصرية ولا سيما ما يكون منها من قبيل الجرائد والمجلات. والجمعية تذكر كل ورقة تصلها وتشير إلى خطورتها وموضوعها في مجلتها المذكورة. فنحث أبناء العراق من كتاب ومؤلفين وأصحاب مجلات وجرائد أن يبعثوا إلى إدارة هذه المجلة مما يخطه قلمهم حفظاً لآثارهم وصونها في تلك الديار. 5 - مبادئ الديانة تأليف الأب يعقوب بلميس الإسباني وتعريب الخوري بطرس مراد طبع بالمطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة 1912. من الكتب أسفار كبيرة ضخمة إذا عصر ما فيها لا يخرج منها ما يبل صدى المتشوق إلى العلم. ومنها كتيبات لا ظاهر لها تضم صفحاتها القليلة فوائد جمة لا تكاد تطالع سطراً من سطورها إلا وتقضى العجب من موشى عبارتها. ومن هذه التصانيف الأخيرة الكتيب الذي ذكرنا عنوانه. فإنه يفيد كل صاحب دين مهما كان دينه. ولا يأتي على آخره إلا وقد فتح الله له أبواباً لم تكن تخطر على باله حينما أخذ الكتاب بيديه. ولهذا نحث الجميع على اقتنائه. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره (هذه الأخبار تأخر إدراجها في العدد السابق لكثرة المواد التي جاءت فيه)
1 - ابن الرشيد والدولة العثمانية من أخبار الزهور إن سعود باشا الرشيد ألمع إلى الصدارة العظمى ما هذا نصه: علمنا إن بعض الناس يقومون الآن في بعض الولايات طالبين من الدولة العلية مطالب مجحفة بحقوق الدولة ومنافية للدين الإسلامي الحنيف. الأمر الذي ساءنا جداً. وعليه ليكن معلوماً لدى دولتكم ولدى العالم الإسلامي أجمع إننا لا نقبل هذه الشؤون المضرة بالدين الإسلامي والدولة وإننا مستعدون مع كافة جنودنا وقبائلنا للقيام بما تأمرنا به الدولة العلية ولا تحيد عن أوامر خليفتنا المعظم. 2 - السيد طفار في السماوة ومن أخبارها: إن الشقي السيد طفار أخذ يعيث في السماوة بعد خروجه من السجن بقليل وأخذ يستميل العشائر والأهالي ويمنيهم بالأطماع الكاذبة في نهب السماوة حتى بلغ السيل الزبى فأنفذ أولو الأمر العساكر يقودها قائم المقام ثابت بك ولما طلب رشيد بك متصرف الديوانية إحضاره امتنع وتحصن في بستانه فأرسل عليه الباخرة (الفرات) وجماعة من المشاة والخيالة ولما وصل الكل إلى الموقع انضم إلى السيد عشائر آل عيسى وزياد وكان عددهم أضعاف الجند مراراً عديدة ووقع بين القومين موقعه أبلي فيها الجند بلاءً حسناً حير العقول الأعداء أنفسهم لكنهم لم يقبضوا على الشقي لأنه فر عند آل زياد فرجع الجند إلى من حيث أتوا. 3 - المكتب الإعدادي الليلي في ديار بكر أمرت نظارة المعارف مدير معارف بغداد بأن ينتخب خمسة من طلبة المكتب الإعدادي البغدادي لمكتب ديار بكر لأنه قر الرأي على قبول 100 طالب في المكتب المذكور يكون منهم من أبناء بغداد. 4 - المتوظفون واللغة العربية أبلغ والي الولاية رؤساء الدواوين إنه إذا أريد تعيين موظف إلى المستقبل فيجب أن تمتحن معرفته للغة العربية حتى إذا تحقق تضلعه منها عين وإلا فلا. 5 - تعمير جامع الدليم سعى قيم مقام الدليم شوكت أفندي فأستأذن والي الولاية لجمع إعانة من الموظفين وأبناء العشائر والأهلين لبناء جامع الدليم المنهدم فأذن له وجدد بناءه وبناء الأوقاف المحبوسة عليه بدون أن تنفق عليه الدولة شيئاً. 6 - إدارة البرق في بغداد كان حضرة الفاضل مزاحم أفندي الباجه جي ألمع إلى معتمد الشبيبة العربية في الأستانة يجيب على رسالة برق وافته منه يقول له فيها ما ملخصه أن الإصلاح يحتاج إلى تنفيذ ما سن له من القوانين وعزل موظفي الدرك والعدلية والمعارف. ولم يكن يتناول موظف البرق هذه الأنباء بعد قبض الأجرة إلا وفشت بين الناس مع إنه لا يعلم بإنقاذها إلا صاحبها وبعد مضي بضعة أيام بدون جواب وتبادل المفاوضات علم أن تلك الأنباء لم تسلم إلى صاحبها بل أبقيت بين أوراق مدير البرق في الأستانة مما يدل على أن لا حرية للإنسان في هذه الديار لإبداء بعض ما يكنه صدره من الخواطر والأفكار! (عن النوادر العدد 130)
7 - رمضان في بغداد رئى في بغداد في رمضان هذه السنة ما لم يكن يرى سابقاً في دار العباسيين وذلك أن أناساً كثيرين كانوا لا يبالون بالإفطار في الأسواق والشوارع لا بل كانت اغلب مشارب القهوة مفتوحة الأبواب لأمثال هؤلاء بدون أدنى معارض. فهل تدوم هذه الأحوال على هذا المنوال؟ 8 - النهب في الولاية في نحو العشر الثالث من شهر آب بينما كانت إحدى القوافل صاعدة نحو الموصل هجم عليها بعض قطاع الطرق في موضع اسمه الناظريات يبعد عن خان المشاهدة بضع ساعات قتل فيه رجل وجرح آخر ونهبت الأموال كلها وليس هنا من يعقب هذه الأمور المخلة بالراحة العامة وفي نحو أوائل أيلول أغار الضفير على قافلة قادمة من حلب فنهبوها في جوار عانة وتقدر المنهوبات بعشرة آلاف ليرة. وفي نحو منتصف أيلول هجم ثلاثة من الأشقياء من عشيرة بني تميم علي حمدي بك الباجه جي الذي كان معه أحد المهندسين وأخذوا منهما كل ما كان عليهما من ذلك: 14 ليرة عثمانية وساعة ذهب وخاتم ثمين وجرى كل ذلك في مكان لا يبعد كثيراً عن قضاء الكاظمية. وبعد أسبوع سلبت العجلات التي كانت تحمل بياعات التجار فوق قضاء عانة بساعتين وأخذوا خيلها. وفي 13 تشرين 1 خرج بعض الأشقياء على 13 عجلة كان فيها زوار وعدد من المبذرقة عند (تلغرف) بقرب الكاظمية فوقع بين المبذرقة واللصوص قتال شديد أسفر عن قتل جندي وفرار الأشقياء وعود العجلات إلى الكاظمية. 9 - العرب واللغة التركية أنشأ بعض البغداديين لجنة غايتها تخليص اللغة العربية من الألفاظ الأعجمية لتقريب لغتهم من اللغة الفصحى ووضعوا على من يخالف هذه القاعدة عشر بارات على كل كلمة دخيلة يستعملها في كلامه إعانة لمدرسة زهرة الكرخ التي نوى تأسيسها. فما كان من بعض المفسدين إلا أن شيعوا أن القصد من هذه اللجنة محاربة اللغة التركية ومنع انتشارها فبثوا العيون والرصد بغية الوقوف على نيات أولئك الغير على اللغة الفصحى فرجعوا عن آمالهم بما رجع به حنين. أصلح الله شأنهم. (ملخصة عن المصباح) 10 - هدايا السيد طالب في هذه الأيام مرجفون كثيرون في بغداد إلقاء الفساد بين قوم وقوم ومن جملة ما نفروا منه القلوب وأشاعوه من أخبار هدايا السيد طالب من آل النقيب في البصرة وقد قالوا إن السيد المذكور أرسل مع الملازم الوطني محمود أفندي 800 ليرة عثمانية وعشر ساعات من ذهب ليهديها إلى بعض رجال بغداد استمالة لقلوبهم إلى السيد البصري. وكان من جملة الذين أنعم عليهم بساعة من هذه الساعات عبد الرحمن باشا الحيدري ولما سئل هذا السيد الفاضل عن حقيقة الأمر قال: إذ هذا يعد إهانة لمقامي وإن الساعة لا يقبلها أحد خدمي إذا كان وراءها مثل هذه الغاية الذميمة فكيف بي وأنا من بيت علم عريق في الشرف والسؤدد. ولهذا أطلب إلى أولي الأمر أن يطلعوني على اسم المخبر لأقيم عليه الدعوى واعلمه نتيجة إشاعة مثل هذه الأراجيف فلم يسمع بعد ذلك للخبر المذكور ما يقلق الخواطر.
11 - ترصد أولي الأمر لمحمي العرب وشى بعض الجواسيس الأراذل إلى أولي الأمر بأن مزاحم أفندي الباجه جي أساء التكلم عن الحكومة في مجلس آل الخوجه الكرام وكان الحاضرون من أفاضل رجال الجيش وبعض الصحافيين فلما تتبع أصحاب الحل والعقد حقيقة الخبر وجدوه ماء سراب لا غير (منها) 12 - برنامج جمعية الإصلاح البصرية في البصرة جمعية إصلاح رأسها السيد طالب بك الرافعي من آل النقيب. وقد نشر الدستور في عدده 685 الخطة التي يجري عليها للبلوغ إلى المقصد التي تتوخاه هذه اللجنة وقد بلغت موادها 28 ومادتها الأولى (أن يكون وطننا العزيز منسكاً عثمانياً خاصاً تحت راية الهلال). ويقال في موطن آخر إن هذه الجمعية هي فرع لجمعية أخرى أكبر منها كما لها فروع في ديار مختلفة وكلها ترمي إلى الإصلاح. ولا نعلم إذا كانت تثبت ثباتاً راسخاً في مطالبها أو ترجع عن قصدها بعد أيام قليلة. 13 - ابن السعود والدولة العثمانية كتب الفاضل إبراهيم العبد العزيز الدامغ مقالة في الدستور ذكر فيها ما جرى له من الحديث مع الأمير عبد العزيز السعود نقتطف منها ما يأتي. قال الأمير: (إن الدولة العلية حفظها الله غصبت آبائي هذا اللواء بدون أمر مشروع بحجة دعوة عبد الله السعود شقيق والدي ومن بعد أن أخذته لم تحسن إليهم صنعاً. وكان والدي يومئذ ولي العهد بعد والده على إمارة نجد التي يدخل فيها هذا اللواء وما يتبعه وعمان وسواحله ولما أشتد الخصام بين سعود وعبد الله آل السعود على الإمارة أرسل الأخير مندوباً إلى بغداد لمفاوضة واليها في مسألته مع أشقائه وبقي ينتظر من الدولة إسعافه ونجدته لإخماد نار الفتنة المتأججة؛ غير أن الدولة وجدت أن قد آن زمن الاحتلال فوضعت يدها من ذلك الوقت على الاحساء وأبعدت أمراءها عنها مع أنه لم تبدر منهم بادرة تستوجب ما أتته. وليت الدولة احتلت ما يداني الاحساء من البلاد كعمان وغيرها التي تركتها هملاً ومكنت الدول الأجنبية من أن تقذف فيها نار الفتن لتحصل على ما تنويه. ومنذ ذاك الوقت أخذ سكان هذا اللواء بالسقوط والهوى لتغلب قطاع الطرق عليه لكثرتهم هناك وكان الأهلون يرفعون ظلامتهم إلى مقام الولاية ويذكرون له عجز أصحاب الأمر في ذلك الموطن فما كان يسمع صدى لأصواتهم المتكررة فراجعوني مراراً فأضربت عنهم صفحاً إذعاناً لدولتي وإن كان يسوءني نظري إياهم في تلك الحالة لأن مجتمع الإنسان كالجسد إذا أصيب عضو منها بآفة انتقل الألم إلى الجسد كله. ثم جاءتني محاضر (مضابط) فيها تواقيع كثير من
العلماء والوجوه القائلين أن لم تسعفنا نضطر إلى ما لا تحمد عقباه. وفي تلك المطاوي سمعت أن الدولة تنازلت عن حقوقها في خليج فارس وسواحله فاستندت حينئذ على ما لي من الحقوق الشرعية في هذا القطر بمنزلة أساس فبادرت إلى تلبية طلب الأهالي ليكونوا حرز حريز من فتك أرباب الفساد فيهم وإبعاد الأجانب عن ديارهم. فهذه هي الأمور التي ساقتني إلى ما أتيت فقدمت الأهم على المهم وسرحت موظفي الإمارة محافظاً على حياتهم بدون أن ينالهم أذى وعليه إذا أنعم النظر رجال الدولة المخلصون في هذه المسائل وفكروا في مآلها أحسن التفكير وأعطوا لكل ذي حق حقه ولاحظوا الأمن الضارب إطنابه في البلاد وتثبتوا ما انتشر من مرافق العمران بين العباد حبذوا عملي هذا ولا سيما إذا علموا أني قطعت دابر الأشقياء والمفسدين وحقنت دماء الأهلين وبسطت أروقة الراحة بين العالمين) هذا جل ما جاء في خطاب الأمير أخذنا منه زبدته. وعسى أن أرباب الحكم يرون في نيته الصلاح وإن لا يحملوها على غير محملها. والله يؤتى ملكه من يشاء. 14 - الإنكليز في خليج فارس سعى الإنكليز في القبض على أربعة رجال في ميناء لنجة ظن فيهم أنهم هم الذين قتلوا سيف بن رومي أحد تجار الكويت الأماثل فسلموهم إلى إمارة الكويت ليذوقوا هناك ما جنته أيديهم. ثم أعدموا بالرصاص بحضور جم غفير. 15 - الشيخ قاسم أمير قطر وقفنا في الدستور على بعض أخبار تصحح ما كتبناه نقلاً عن الرياض بخصوص هذا الشيخ فنقتطف منها ما يلي: توفى الشيخ عن 95 سنة ولم يكن أميراً لقطر في السابق كما لم يرث الملك والمجد كابراً عن كابر بل ورثه كلالة. وكان والده مثرياً أشتهر بحسن الأخلاق والمزايا وكان يحسن إلى جميع من كان حواليه حتى ملك قلوب كبيرهم وصغيرهم. ولما تلاشت قوة أمراء قطر وقلت عزائمهم وضعفت كلمتهم بسبب ما أثارته منازعات الأسرة واستئثار كل فرد منها بالإمارة وقع الانقسام والتحزب والتجزؤ فنهض الشيخ قاسم وتولى زمام البلد بجد ونشاط وغايته حفظه من استحكام الفوضى فيه فلما نجح في مسعاه ألزموه بالقبض على الزمام، وأن يكون هو الأمير على الدوام، وعاهدوه على الخضوع التام، فرضي بما انتدب له وقام به أحسن قيام، فأحبه الأهالي جميعاً وأطاعوه طاعة خالصة.
ولما ثبتت قدمه على عرش الإمارة رأى أن بقاءه وحده مستقلاً لا يحميه من معارضة الأغراب فطلب إلى مقام الخلافة الإسلامية إرسال حامية عثمانية لبلاده فأجيب طلبه. لكن سارت الأمور في وجه أدت إلى امتشاق الحسام فقتل 200 من الجند. إلا أن السلطان المخلوع كان يقدر الأمير حق قدره فعفا عنه لعلمه أن مركز بلاد قطر مركز سياسي خطير وإذا أراد الاحتفاظ به فمن الواجب أن يترضى أميره الكبير. أما قطر فهو عبارة عن عدة قرى متجاورة متسلسلة قائمة على سيف الخليج وواقعة بين جزائر البحرين وعمان. وأشهر بلاده (الدوحة) وهي مقر الأمير ولها ميناء حسن وقلعة حصينة فيها طابور من الجند العثماني إلى هذا اليوم. ولها عدة مغاصات لآلئ خاصة بها لا تبعد كثيراً عن الساحل. وقد يقدر ما يحصل منه في السنة بمبلغ قدره 15 مليون ربية. ويمكن لمن يتولاها من الأمراء أن يوسع نفوذها في أي وقت شاء. لأنها واقعة في شبه سلسلة مستديرة كالحلقة ويتعذر على غزاة البر الوصول إليها وكم مرة راموا الهجوم عليها فلم يفلحوا. وقد طلب في هذه الأيام حضرة الأمير عبد العزيز السعود احتلال قطر وأخذها من الفقيد وإجلاء الحامية العثمانية واستبدالها بحامية عربية فأبى. فعسى أن ولي عهده الأمير الشيخ عبد الله يقتفي أثر والده فيكون خير خلف لخير سلف. 16 - جنود ابن السعود قسم الأمير ابن السعود جنوده أربعة أقسام بمنزلة أربعة فيالق وهي: جند عمان وجند الاحساء وجند القصيم وجند الرياض وجعل لكل قسم من هذه الأقسام عشائر أعراب ترجع إليه وأمير بيده الحكم ثم وزع عليهم ما يحتاجون إليه من الأسلحة والذخائر. 17 - اتحاد أمراء العرب نمى إلى الرياض إن الأمير ابن السعود اتفق اتفاقاً جديداً مع أمراء العرب وهم: صقر بن غانم (الشارقة)، وراشد بن معلي أمير (الأقيوين) وأمراء (رئيس الخيمة) و (دبي) و (البريم). وهذا الاتفاق يؤيد ما كان قد عقد سابقاً والغاية منه المحافظة على بلادهم وبقاؤها في أيديهم. 18 - عباس العلي الكوتي في سجن بغداد عباس العلي هو من كوت الإمارة وقد سجن في بغداد لما نسب إليه وهو
من أسرة عربية كبيرة من عشائر الكوت. وفي أيام مدحت باشا طلب هذا الحاكم الهمام إلى هذه العشيرة أن تقر في الكوت فقرت وألقيت بيوت الشعر فسهل تمدين الأعراب الذين في ذلك الموطن. وما زال الكوت في نمو وتقدم وهؤلاء الأعراب يخدمون الدولة بمالهم ونفوسهم إلى يومنا هذا. وأصبح الكوت مقر قيم مقام كبير حوله عشائر ومقاطعات كثيرة ويجيء منه واردات جمة ومنافع وفيرة. وقد مضى على أعمار الكوت 45 سنة والفخر فيه يعود إلى آل عباس العلي. فالأمل أن أصحاب الأمر يصفحون عنه نظراً إلى أعماله السابقة ولأن ما ينسب إليه شيء لا شان له. 19 - تبرع شارود أفندي شارود أفندي من رؤساء ناحية الهويدر وأعيانها. والهويدر قرية ضخمة تابعة لقضاء بعقوبا، وقد تبرع الرجل المذكور بقطعة أرض مبني فيها مكتب جديد وجاد بتسع ساعات فاخرة وسبعة أوانٍ توزع مكافأة للطلبة النابغين. كثر الله أمثاله في هذا الوطن. 20 - الغرقى في دجلة في أيام الصيف يكثر البغداديون من السباحة في النهر وقد يغرق فيه من لا يحسن السباحة. وقد اتصل بالمصباح إن عدد غرقى هذه السنة منذ أول الصيف إلى يومنا هذا ما ينيف على 20 طفلاً وشاباً. عسى أن أهل الأمر يعنون بما يمنع تكرر هذه الفواجع. 21 - تدريس العربية في بغداد أبلغ والي الولاية جميع الألوية والاقضية التابعة لولاية بغداد بأن يكون التدريس عموماً في دار المعلمين ومكتبي الحقوق والإعدادي باللغة العربية ما عدا بعض دروس فتكون بالتركية. وعسى أن لا يكون هذا الأمر حبراً على ورق! 22 - الصيهود في دجلة قلت مياه دجلة حتى بلغ أدنى دركة تصل إليه وهذا ما يسمونه بالصيهود ولهذا لا تجري البواخر جريها السابق بل تضاعف المدة بين ذهاب وإياب ولو كان يكرى النهر ويطهر من رماله لما وقع هذا الضرر بالتجارة والبلاد والعباد. 23 - تكاثر الموظفين في الدواوين ورد في نحو منتصف أيلول 25 موظفاً لديوان الرسوم قادمين من الأستانة، ليستخدموا في عدة دواوين من مركز الولاية. ويؤكد البعض إن 45 موظفاً جديداً يأتون أيضاً ليستخدموا للبريد والبرق و50 من رجال
الدرك و15 من الشرط. فالأمل أن لا يتحقق في بلادنا هذا المثل العامي (من كثرة الملاليح غرقت السفينة). 24 - البغداديون والشرطة من عادة المسلمين البغداديون في كل عرس وختان أن يقيموا حفلة عظيمة يطوفون بالمحتفل به في شوارع المدينة ومعهم آلات الطرب ومع آخرين الأسلحة النارية والجارحة ويسمون هذه الحفلة (الزفة) وإذا كانوا في أثنائها يصيحون صياحاً كالغناء وينطقون بألفاظ حماسية يقولها الواحد ويكررها الآخرون جواباً لها يسمونها حينئذ (الهوسة). فاتفق في أن 11 من أيلول جرى مثل هذه الهوسة فكان بعض الأغرار يطلقون النار من آلاتهم ويشهرون السيوف ويحركونها في الهواء ولما وصل المهوسون قريباً من دور محلتهم اعترضهم أفراد من الشرطة وحاولوا نزع الأسلحة من أيديهم فأبوا فوقعت مناوشة بين الطرفين أسفرت نتيجتها عن قتل واحد من الأهالي وجرح كثيرين منهم. وجرح أحد الشرطة جرحاً خفيفاً. فلما سمع أولو الأمر بالحادثة أسرع بعضهم إلى محل الواقعة وقبضوا على نحو ثلاثين من الرجال. فالأمل من أرباب الحل والعقد يردعون الجهال عن ارتكاب مثل هذه الأحوال التي هي من أعمال الجاهلية البائدة. 25 - الحيف في المكتب الإعدادي البغدادي أصر بعض أساتذة هذا المكتب على إحباط سعي مائة طالب عربي في الامتحان فأثار هذا التجني الحزازات في الصدور والأمل أن همة الوالي تصلح هذا الخلل قبل أن يتمكن في النفوس فيندفع المظلوم إلى عمل ما لا ندحة عنه إذا مسه الضير والحيف. 26 - آفة الزنبور كثر الزنبور في هذه السنة في بغداد حتى أنه لم تبق دار إلا وفيها كور أو عدة اكوار. وقد شعر بلسعة هذه الدويبة كل من لم يعرفها في السابق الزمن وأبسط دواءٍ تداوي به الملسوع إذا لم يكن عنده الحامض الفنيك أو روح النشادر هو أن يدلك الموضع بطينٍ مدة خمس دقائق فأن هذا الدلك يمنع الورم. 27 - جمعية الأخوان أنشئ في الارطوية (راجع لغة العرب 2: 483 وما يليها) جمعية لقب أعضاؤها أنفسهم (الأخوان) ومن تصريحاتها على ما نقلته صدى الدستور
(العدد 2) (إن من لا يلتحق بزمرتها يعد من المشركين (وإن كان من المسلمين) وإن الذي يقصد البيت الحرام ويعرج على محلها الارطوية يغنيه ذلك عن زيارة قبر النبي (عم)) 28 - قتل أحفاد عبيد الرشيد اختطف ابن رخيص (مصغرة) الشمري أربعة أطفال من أحفاد عبيد الرشيد وقصد بهم المدينة لكي يدبروا هناك أموراً ضد الأمير الحالي وحينما أحس بهم وكيل الإمارة زامل السبهان ركب في أثرهم طالباً إياهم فأدركهم قبل أن يصلوا المدينة وقتلهم جميعاً. (عنها) 29 - عجمي السعدون في السوجية قام عجمي بك السعدون بزملته من الغبيشة ونزل في السوجية متخذها مباءةً له. فتألبت عشائر لواء المنتفق وصممت على مناوأته ولا بد من أن يتطاير عن قريب شرار هذه الفتنة. 30 - النهب في أنحاء البصرة في نحو أواخر شهر أيلول هجم الشقي عطب الشريفي على الأعراب المعروفين بالمعدان في (أم البطوط) ونهب منهم طائفة من الجواميس (الجمس) وقبل أن يهرب بالغنيمة بادره الأعراب بإطلاق البنادق فتركها وفر هارباً بعد أن قتل أربعاً من تلك الماشية. وبعد ذلك هجم على السدة ونهب تسعة حيوانات (دبش) من أهالي حمدان (عنها) 31 - غلة التمر في البصرة يزيد النوع المعروف (بالسائر) عن العام الماضي بنحو 30 في المائة ولكن الحلاوي ينقص بقدر هذا المبلغ أو أكثر. وبيع الحلاوي بقيمة 460 شامياً والخضراوي 310 والسائر 200 والزهدي 18 ليرة وكل 15 شامياً ونصف عبارة عن ليرة عثمانية. 32 - ميناء البصرة دخل ميناءها في سنة 1911 - 1912 ما هذا إحصاؤه: 250 سفينة تجارية محمولها 319. 234 طناً كان يقابلها في العام الماضي 180 سفينة شحنها 216. 035 طناً وكانت السفن الإنكليزية العلم 182 محمولها 274. 444 طناً بإزاء 165 سفينة شحنها 229. 978 طناً. 33 - بين عشائر عنزة وبين بني حسين وقعت معركة بين هذه العشائر بجوار النجف قتل فيها بعض الرجال. 34 - الجبيل بلاد تبعد عن قطر بضع ساعات طلب أهاليها إلى الأمير ابن السعود أن يؤمر فيهم أميراً من قبله فأجاب طلبهم.
35 - وفاة السيد فيصل سلطان مسقط تتالت الرزايا على السيد فيصل وعلى بلاده حتى أثرت على صحته فمرض عدة أيام وفي أوائل ت1 انتقل إلى دار البقاء وخلفه نجله السيد تيمور وقد انضوى إلى الماسونية قبل نحو سنتين. 36 - المجلس العمومي في بغداد وأعضاؤه جرى انتخاب هذا المجلس في 8 أيلول فكانوا الآتين: السيد عبد الرحمن أفندي نقيب إشراف بغداد، الشيخ محمد سعيد أفندي مدرس الأعظمية، عبد الرحمن باشا الحيدري رئيس البلدية، عبد الله سالم أفندي الحيدري، عاكف أفندي الألوسي، عبد الجبار باشا الخياط المحامي، وعزرا أفندي مناحيم صالح وهؤلاء كلهم عن مركز الولاية. وأما الأعضاء الذين انتخبوا لينوبوا عن قضاء الشامية فهم: الشيخ مبدر الفرعون وفؤاد أفندي ورؤوف أفندي آل أمين. - وأعضاء قضاء الكاظمية: الشيخ حميد أفندي وعبد الحسين جلبي، - وقضاء الجزيرة عبد الرحمن أفندي آل جميل. - وقضاء بدرة (بادورايا القديمة) محمد طاهر أفندي آل صالح. - وقضاء خانقين عبد المجيد بك آل الحاج أحمد. - وقضاء سامراء السيد علاء الدين أفندي ابن عبد المجيد الآلوسي الساكن في تكريت. - وقضاء مندلي عبد الله أفندي آل معروف. - وقضاء عانة الشيخ إبراهيم أفندي الراوي. - وقضاء كربلاء الشيخ هادي آل وهاب والسيد سعيد أفندي رئيس الخدمة. - وقضاء النجف السيد علي أفندي آل بحر العلوم والسيد علي أفندي آل الكليدار. - وقضاء الهندية الحاج عبد المهدي أفندي مبعوث كربلاء سابقاً والشيخ فخري أفندي. - وقضاء الدليم - السيد أحمد أفندي آل النقيب ويوسف أفندي آل السويدي - وغير هؤلاء عن غير هذه الأقضية. قال المصباح في خصوص هذا الانتخاب: (جرى انتخابهم على عكس آمال جمعية الاتحاد والترقي التي حاولت انتخاب غيرهم وسعت السعي الحثيث لأن تجعل الموافقين لمشربها أو آرائها أعضاء في المجلس العمومي دون غيرهم فلم تفلح وهو دليل واضح على ما في حاضرتنا من نمو الحرية الشخصية في الأفكار). وفي 14 ت1 افتتح المجلس العمومي المذاكرة واتخذ لهذه الغاية البهو المخصوص بإدارة الولاية وكان ذلك بعد الظهر بساعتين وفي الساعة الخامسة انتثر عقد المجتمعين. أصلح الله على أيديهم شؤون الوطن! 37 - بين عشيرتي الحسينات وقاطع في أوائل آب جرت واقعة بين عشيرتي الحسينات وقاطع بن بطي على مقربة من لواء الناصرية خسر فيها الفريقان نحو مائة قتيل وأصيب رجلان وامرأة بالرصاص العائر وكانوا في داخل المدينة فماتوا. ولعل يتلو هذه الموقعة موقعة أخرى أما منشأ العداوة فهو على ما جاء في صدى الدستور من نتائج سياسة فريد بك المتوفى حينما كان متصرفاً في ديار المنتفق فإنه دفع عشيرة الحسينات عن مزارعها وديارها التي كانت تبعد عن لواء الناصرية أكثر من نصف ساعة وانزل في مكانها قاطع بن بطي لأن الحسينات لم تذعن للمتصرف تمام الإذعان في أمور انتخاب
المبعوثين السابقة كما أذعنت له عشيرة قاطع ولما انفصل فريد بك من متصرفية اللواء أخذت الحسينات تدعي بإعادة أراضيها إليها وإجلاء قاطع عنها ولما لم ترد الحكومة أن تسمع شيئاً بهذا الخصوص نشبت العداوة بين العشيرتين ووقع ما وقع. وفي الوقت عينه وقعت واقعة أخرى بين عشائر (حسن القبيح) وعشائر (كويد المحينة) إلا أنه لا يعلم تفاصيل قتلاها. فلما رأى عجمي السعدون حالة تلك العشائر أراد أن يصلح بينها فأرسل يطلب حضور رؤساء العشيرتين فلما جاءوا قبض على كويد (مصغر كائد) وحبسه ولم يطلق سراحه إلا بعد أن افرغ له قلعة (البوصلابيخ) فسكنها عجمي بك - ويقال إن كويد المحينة لما أطلق سراحه ذهب إلى قبائل خيقان والعساكرة أعداء عجمي ليشاركها في مناوأة عدوهم جميعاً. 38 - مخلوق غريب ولدت إحدى نساء الكرخ (في بغداد) في محلة (علاوي الحلة) ابنة بدون أنف وأذنين، وفمها في حلقمومها وعيناها في وسط وجهها ولما علم بعضهم ذلك ذهبوا لرؤيتها وبينهم جماعة من الأجانب وبعد ثلاثة أيام ماتت. 39 - رواتب رؤساء بعض عشائر العراق وذهاب بريد حلب كل يوم سعت الحكومة سعياً مشكواً لتنظيم أمور البريد. وكان هذا البريد يجري مرة في الأسبوع بين بغداد وحلب؛ أما الآن فإنه يسير كل يوم كما في ديار الإفرنج. وقد أتخذ أولو الأمر أحسن وسيلة لذلك وهي إنهم وطنوا النفس على دفع مشاهرات وافية إلى العشائر المبثوثة في العراق لتضمن الراحة والأمن للبريد وناقليه وحفظ الطريق من اللصوص قطاع الطرق فتدفع إلى حميدي رئيس عشيرة شمر 45 ليرة (نحو 1080 فرنكاً) وإلى أخيه مجول 20 ليرة (وكانت الحكومة السابقة أعطت أباه فرحان باشا مقاطعة الفرحانية) وكل ذلك لحفظ طريق الموصل وتدفع إلى علي سليمان البكر رئيس عشيرة الدليم 15 ليرة. ولا جرم أنه بعد هذا يردع جماح ابن عمه مطلق الذي قطع طريق ما بين بغداد وعانة قبل أيام وجماح (أبو زعيان) الذي هو ابن أخ حردان لحفظ طريق حلب والشام وخصصت لهزاع بن محيميد الفيحال رئيس عشيرة المعامرة 5 ليرات لحفظ طريق المسيب. وقد اشترطت الحكومة على هؤلاء الشيوخ أن ينفضوا الطرق من اللصوص أو القطاع وإذا سرق أحد المسافرين فعلى الشيخ تسليم الأثيم إلى الحكومة أو تسليم ما سلب منه. 40 - فهد بك آل عبد المحسن في الرزازة كانت الحكومة السابقة أهدت عبد المحسن رئيس عنزة مقاطعة الرزازة من ملحقات لواء كربلاء التي تبلغ وارداتها نحو 6 آلاف ليرة وقد أخذ اليوم ابنه فهد بك يسكن العشائر فيها ليجعلها قضاء تستفيد من وارداته الحكومة وقد جعل اليوم فيها النعم والغنم ريثما يتسنى له تحقيق الأمنية وعلى الله الاتكال.
العدد 30
العدد 30 - بتاريخ: 01 - 30 - 1913 سياسة لا حماسة الشعر مفتقر مني لمبتكر ... ولست للشعر في حال مفتقر دعوت غر القوافي وهي شاردة ... فأقبلت وهي تمشي معتذر وسلمتني عن طوع مقادتها ... فرحت فيهن أجري جري مقتدر إذا أقمت أقامت وهي من خدمي ... وأينما سرت سارت تقتفي أثري صرفت فيهن أقلامي ورحت بها ... أعرف الناس سحر السمع والبصر ملكن من رقة رق النفوس هوىً ... من حيث أطربن حتى قاسي الحجر سقيتهن المعاني فارتوين بها ... وكن فيها مكان الماء في الثمر كم تشرئب لها الأسماع مصغية ... إذا تنوشدن بين البدو والحضر طابقت لفظي بالمعنى فطابقه ... خلواً من الحشو مملوءاً من العبر أني لأنتزع المعنى الصحيح على ... عرى فأكسوه لفظاً قد من درر سل المنازل عني إذا نزلت بها ... ما بين بغداد والشهباء في سفري ما جئت منزلة إلا بنيت بها ... بيتاً من الشعر لا بيتاً من الشعر (وأجود الشعر ما يكسوه قائله ... بوشي ذا العصر لا الخالي من العصر) (لا يحسن الشعر إلا وهو مبتكر ... وأي حسن لشعر غير مبتكر) ومن يكن قال شعراً عن مفاخرة ... فلست والله في شعر بمفتخر وإنما هي أنفاس مصعدة ... ترمي بها حسراتي طائر الشرر وهن إن شئت مني أدمع غزر ... أبكي بهن على أيامنا الغرر
المدائن أو طاق كسرى أو سلمان باك
أبكي على أمة دار الزمان لها ... قبلاً ودار عليها بعد بالمغير كم خلد الدهر من أيامهم خبرا ... زان الطروس وليس الخبر كالخبر ولست أذكر الماضين مفتخرا ... لكن أقيم بهم ذكرى لمذكر وكيف يفتخر الباقون في عمه ... بداس من هدى الماضين مندثر لهفي على العرب أمست من جمودهم ... حتى الجمادات تشكو وهي في ضجر أين الجحاجح ممن ينتمون إلى ... ذؤابة الشرف الوضاح من مضر قوم هم الشمس كانوا والورى قمر ... ولا كرامة لولا الشمس للقمر راحوا وقد أعقبوا من بعدهم عقبا ... ناموا عن الأمر تفويضاً إلى القدر أقول والرق يسري في مراقدهم ... (يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر) يا أيها العرب هبوا من رقادكم ... فقد بدا الصبح وأنجابت دجى الخطر كيف النجاح وأنتم لا اتفاق لكم ... والعود ليس له صوت بلا وتر مالي أراكم أقل الناس مقدرة ... يا أكثر الناس عداً غير منحصر الرصافي المدائن أو طاق كسرى أو سلمان باك نشرنا في الجزء الثالث من لغة العرب مقالة للأستاذ الشماس فرنسيس جبران عنوانها (تطواف في جوار بغداد والمدائن) أبدع في أسلوبها منشئها كل الإبداع وأجاد في وصف زوايا دجلة (دوراتها) ومنعطفاتها كل الإجادة ولكنه قد غلط في تسمية بعض الأعلام ونسبة بعض العشائر إلى غير قبائلها وفاته أيضاً الكثير من التلول والآثار المبثوثة في تلك الأرجاء وإتماماً للبحث والفائدة نأتي بنبذة ننبه فيها على أغلاط الكاتب ونصف فيها ما فاته من تلك الرسوم الدوارس فنقول: لأهل بغداد عادة جارية يعملون بها في كل عام وهي إنهم يذهبون إلى زيارة سلمان الفارسي وموسم تلك الزيارة يكون دائماً في أول فصل الربيع وتمتد مدته
إلى نحو شهرين يتعاقب فيها الزائرون من أهل بغداد وغيرهم وأكثرهم من أهل (باب الشيخ) ويعرفون (بالشيخلية نسبة تركية إلى محلة الشيخ عبد القادر الكيلاني إحدى محلات بغداد) والسنة التي لا يذهب فيها الشيخلية إلى المزار المذكور لا يقوم لموسمها كالسنة التي قبلها. أما كيفية تهيؤهم للسفر وظعنهم إلى المزار فإنهم يأخذون خيام القطن ذوات السرادقات المزركشة بالحرير - ويسمونها (جوادر) والكلمة تركية الأصل - ويضربونها بجوار الإمام على نهر هناك يسمى (بدعة أحمد أفندي) وقد حفر قبل سنين وتجري جداوله وسواقيه من بين تلك المضارب ويجتمعون في طرفي النهار وهم في عدة السلاح الكاملة ويكون اجتماعهم هذا كحلقة واحدة لا يعرف طرفاها ويسمون ذلك الاجتماع (الآي والبعض هلاي وهي مأخوذة من الآي التركية) ويضربون نوعاً من الطبول صغيراً يسمونه (دماماً) وزان شداد ويجمعونه على (دمامات) ويقعون على الضرب بهوسة يسمون طريقتها (عقيلية) نسبة إلى عقيل من نجد وأما عقيل فيسمونها (هجيني) نسبة إلى الهجين من الإبل - وينزل رجلان من الجمع في ساحة تلك الحلقة يلعبان بالسلاح والناس من حولهما يطلقون أثناء اللعب الرصاص ولا يزالون كذلك مقدار ساعتين على الأقل وفي الأخر ينتثر عقد الجمع بسلام ثم يذهبون في عصر كل يوم بهذه الصورة إلى (إيوان كسرى) وهم يسمونه (طاق كسرى) وهو فصيح وهناك أيضاً يطلقون الرصاص على جدران الطاق وعقده ويبقون ثمة إلى آخر النهار ثم يرجعون زرافات ووحدانا. وإذا جن الليل تراهم يجتمعون جماعات جماعات ويضربون في آلات اللهو والطرب (كالعود) و (القانون) و (الكمان) و (الدنبك) و (الدف) وغير ذلك ويغنون أنواع الأغاني ويرقصون شيباً وشباناً، أشرافاً وأراذل، وضعفاء ورفعاء، ولا يرون في ذلك بأساً ولا تحاشياً وكذلك قل عن النساء فيما بينهن ويعدون جميع هذه الأعمال الفاسدة حلالاً، فيها لله وللإمام رضىً لأنهم يزعمون أن الإمام سلمان كان في حياته من أهل
اللهو والطرب وإنما يعملون هذه الأعمال تأسياً به فهي لا شك تجلب مرضاته عنهم. وكنت أذهب في بعض السنين مع الذاهبين لأجل التفرج والتسلي وفي الحقيقة إن الذي يحضر هذا الموسم يجد مدة حضوره انشراحاً، إلا إن هذا الانشراح متولد مما يشاهده هناك لا غير إذ يرى السماء الصافية الأديم ويشرب الماء الزلال ويسرح طرفه في المروج الخضرة النضرة ويستنشق النسيم العليل البليل المنعش للأرواح هبوبه ويتروى من اللبن المخيض ويتغدى الزبد اللذيذ ويبيت خالي البال من الهواجس والأفكار يطرب سمعه إذا مر هزيع من الليل أنين النواعير وحنين الكرود وخرير المياه وحفيف الأشجار وتغريد الأطيار. وكنت أدون جميع ما أشاهده من الآثار والتلول والرسوم وما أسمعه من حكايات الأعراب النازلين في تلك الأطراف عنها في مذكرتي وآخر عهدي في تلك الرحلات كان في 12 ربيع الثاني سنة 1331هـ - 20 آذار 1913م وإليك وصف ما شاهدته وسمعته: 2 - سلمان الفارسي أو سلمان باك (سلمان باك) واقع في الجنوب الشرقي من بغداد على بعد ست ساعات للراكب وهو عبارة عن بهو كبير مربع الأركان يبلغ طول كل جانب منه نحو 40 متراً مبني بالجص والطاباق وقد جدد ذلك البناء في سنة 1322هـ - 1904م وبابه تجاه القبلة وفي وجوه جدرانه الثلاثة ما خلا الشمالي منها حجر واواوين معدة للزائرين وعند الجانب الشمالي قبة معقودة قديمة البناء يظهر من طرز بنائها أنها من أبنية القرن السادس أو السابع للهجرة يبلغ ارتفاعها بين 14و 18 متراً وفي باطنها نقوش بديعة بأشكال ثلاثية دقيقة وهي في أصل البناء يشابهها ما يسميه اليوم بناءو العراق (مقرنص) وقد غشيت تلك النقوش بصبغ لونه كلون الزعفران ورسم منه أشجار وأزهار والرائي لا يقدر أن يعرف أن تلك الرسوم هي أصباغ إلا بعد تأمل طويل وإلا يقطع أنها صنعت كما تصنع الفسيفساء. وهذه القبة معقودة على حجرة طولها نحو 9 أمتار في عرض مثل ذلك قد غشيت جدرانها الأربعة بالقلشاني الأزرق والأبيض إلى علو 4 أمتار وقد فرشت
أرضها بالرخام الناصع الملون وفي وسطها مشبك من النحاس الأصفر طوله نحو 3 أمتار وعرضه زهاء 2 متر وارتفاعه قراب 1 متر وتحت المشبك دكة عليها ستار من الحرير الأخضر المقصب ومما يلي الرأس عمامة خضراء كبيرة ملفوفة على ثلاثة أعواد وقد نصبت على شكل ثلاثي لتلف عليه تلك العمامة وفي أعلى باب الحجرة أو الحرم مكتوب بالقاشاني الأبيض والأزرق المشجر الحديث المشهور (سلمان منا أهل البيت) وأبيات من الشعر نظمت في تاريخ بناء الرواق والصحن وهي مكتوبة على القرطاس ومعلقة على لوحة من الخشب وتاريخ ذلك في سنة 1322هـ وأمام الباب من الجنوب رواق طوله نحو 12 متراً وقد صرف على هذا التعمير محمود أفندي المتولي أحد أشراف بغداد وهو القيم أو الكليدار هناك والمتولي أيضاً لسائر أوقاف الإمام نفقات باهظة وقد نال هذه التولية بالإرث عن أبيه وأبوه عن جده حتى يرتقي هذا التسلسل إلى أحد عشر صلباً. أما الأراضي التي هي وقف لسلمان فهي: أرض باوي، وأرض السمرة، وأرض صافي وأرض عريفية وهذه كلها في الجانب الشرقي وأرض دزدي، وأرض المناري وهاتان في الجانب الغربي وتغل جميعها في العام من 600 إلى 700 ليرة عثمانية كذا أخبرنا رئيس كتاب الوقف الأسبق في بغداد عبد الجبار أفندي. وكانت أرض سلمان قبل عشرين سنة قاعاً صفصفاً لا يسكنها أحد من أهل المدر سوى أعراب من أهل الوبر ينزلون بالقرب منها وهم بطة (وزان كنة) والدليم والمناصير وغيرهم وكان يبلغ عدد بيوت الجميع قاب 500 بيت أم اليوم فتجد حول قبة سلمان دوراً وسوقاً فيها ما يحتاج المسافر إليه وخانات وقهوات وقد بدأت العمارة والسكنى فيها منذ خمس سنين. وينزل اليوم في أرض سلمان وأطرافها من الأعراب العشائر التي يجمعها الجدول الآتي: عدد البيوتاسم أرضهمالعشيرةالرئيس 100 المناري في الجانب الغربي ويبلغ طولها الجبور ومنازلهم في الطرف صالح التجرات من حبل السور إلى الغرب ساعتين ونصفاً الشرقي منها 120 - الطرف الغربي الجبور موسى الحروبي 30 السمرة في الجانب الشرقي البطة مطلق الصالح وعيدان الهومي
100 السيافية في الجانب الغربي (العبد الله وأخوه ناعسة من الخزرج مرهج السلمان وخلف المرير 12 السطيح في الجانب الغربي الدليم إبراهيم السليمان 5 الصافي في الجانب الشرقي الدليم دخيل المروح 10 الصافي في الجانب الشرقي المناصير فرج العنفوص 40الخناسة في الجانب الشرقي البو رقيبة حمد الصالح ؟ بدعة الهلالية في الجانب الشرقي المناصير عبد العاتي 10 الدرعية في الجانب الغربي الدليم عبد العودة 150 غريبية وهي على حد المناري الغربي الجبور زيدان الخلف وطولها ساعة ونصف بين 220 و300 الزمبرانية أو الزنبرانية طولها خمس ساعات ونصفصالح العلي وهي في الجانب الغربي الجبور وجميع هؤلاء الأعراب أهل ماشية وكرود وليس لهم مهنة سوى الزراعة. 3 - إيوان كسرى وفي الجنوب الشرقي من قبة سلمان على بعد 10 دقائق منها إيوان كسرى وهو أثر جليل من الآثار التي يتنافس فيها في العراق أما علو شأنه وسامق مجده فيخبرك منظره عن مخبره ولم تبق لنا الأيام منه إلا طاقه المعقود عقداً حكمته يد الإنسان الذي علمه الله ما لم يعلم وقومته فكرته التي غلبت كل مخلوق. مرت القرون تلو القرون وذهب الملوك أثر الملوك وانقرضت الأمم بعد الأمم وهو باق على حالته الأولى يصارع الأيام فتصرعه ويصرعها وسيبقى - والبقاء لله وحده - ونذهب نحن والذين يأتون بعدنا إلى ما شاء الله يبقى وما بقاؤه إلا عبرة للمعتبرين (فاعتبروا يا أولي الأبصار). 4 - وصف الإيوان القديم والحديث قال الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه تاريخ بغداد طبعة باريس في الصفحة 88 (المدائن لكثرة ما بنى بها الملوك والأكاسرة واثروا فيها من الآثار. . . وتسمى المدينة الشرقية العتيقة وفيها القصر الأبيض القديم. . . وتتصل به المدينة التي كانت الملوك تنزلها وفيها الإيوان باسبانير. . .) اه
وقال في وصفه ابن الأثير في الكامل: (. . . وهو (يعني الإيوان) مبنى بالآجر وهو على مرتفع من الأرض طوله 150 ذراعاً في عرض مثلها وأمامه ميدان طوله 80 ذراعاً في 25 وقيل سعة الإيوان من ركنه 90 ذراعاً. . . وكان فيه من التماثيل والصور شيء كثير من جملتها صورة كسرى انوشروان وقيصر ملك إنطاكية وهو يحاصرها ويحارب أهلها فلما فتحت المدائن سنة 16 هجرية على يد سعد بن عبادة ترك ما فيه من التماثيل واتخذه مصلى وصلى فيه صلوة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينها وقيل إن المسلمين أحرقوه بعد ذلك بقليل) انتهى كلامه وقد سبقه إلى هذا الوصف نظماً بسنين كثيرة البحتري فلتراجع الأبيات في ديوانه ج 1: 108 طبع الجوائب. أما اليوم فلم يبق إلا ما يأتي: (الإيوان) ويبلغ طوله أو غوره نحو 42 متراً في عرض 25 متراً في ارتفاع 30 متراً وعرض الباقي من العقد من علاه وثخنه 8 طاباقات أو متران و40 سنتيمتراً وهو مقوس ويبلغ مقدار قوسه 14 متراً وعرض حائط الإيوان الذي عليه طرف العقد زهاء 5 أمتار وعرض الباب الذي يكون مقابلاً لك إذا وقفت في وجه الإيوان ووجهك إلى الجنوب الغربي متران و20 سنتيمتراً وارتفاعه خمسة أمتار وهو معقود مقوس (ويزعم العامة أن هذا الباب هو الباب الذي كان تدخل منه وتخرج العجوز التي كانت دراها في أيام كسرى بجنب الإيوان وليس لها طريق سواه) وفي طرفي الجدار الذي فيه الباب المذكور من أعلاه روزنتان نافذتان إلى الوجه الآخر من الجدار يبلغ ارتفاع كل منهما مترين في عرض متر وارتفاع الجدار المذكور بين 15 و20 متراً. وفي حائط الإيوان الشرقي مما يلي وجهه باب طوله 7 أمتار في عرض متر و87 س وقد شق عقده إلى أعلى الإيوان ويروي الأعراب عن أسلافهم إن هذا الشق هو الذي حدث يوم ولادة النبي (ص) وفي شرقي الباب المذكور جدار قائم قد سقط أعلاه وطرفه الشرقي ولم يبق منه إلا ما طوله نحو 31 متراً في عرض 7 أمتار في ارتفاع زهاء 30 متراً وفي وجهه الذي هو تجاه الشمال الشرقي آثار نقوش ومشاك وطيقان وأعمال هندسية في البناء بديعة ولعلها آثار ما وصفه البحتري وابن الأثير وفي أعلاه تجاه الجنوب الغربي أثر عقد يدلك على أنه كان هناك إيوان صغير غير هذا الكبير وقد هدم ومن الأرض إلى أثر العقد قراب 8 أمتار وفي وسط الجدار المذكور باب معقود طوله 7 أمتار في عرض 4 و20 س
في ارتفاع متر و80 س وبناء الإيوان وجدرانه بالجص والطاباق وهو مربع يبلغ تربيع الآجرة منه قراب 30 س وثخنها زهاء 10 س وفي الجنوب الشرقي من الطاق بقرب الجدار تل ركام يسمى (شاه زنان) يبلغ ارتفاعه زهاء 7 أمتار ومحيطه 60 متراً وفي الجنوب الشرقي منه على بعد عشر دقائق تل آخر يسمى (تل الذهب) يبلغ ارتفاعه نحو 15 متراً ومحيطه قراب 200 متر وفي شرقي الإيوان على بعد 20 دقيقة السور الذي ذكره الشماس فرنسيس في الجزء الثالث ص 139 أما ضلعه الذي يذهب إلى الجنوب الغربي فبعد مسافة عشر دقائق يمحي أثره ثم بعد نصف ساعة يبدأ طرفه دون قبر حذيفة اليماني نحو 300 متر ثم يمر بارتفاع وانخفاض مسافة عشر دقائق ثم ينقطع مثله ثم يظهر ويبقى إلى مسافة 20 دقيقة ثم يأخذ في هبوط وصعود ووصل وقطع قليلاً قليلاً حتى يرد شط دجلة أسفل (قصيبة) وعلو أعلى موضع منه خمسة أمتار واخفض محل منه 3 أمتار ولعل هذا الأثر هو أثر السور الذي ذكره الخطيب في مقدمة تاريخه في الصفحة 89 قال (وكان الإسكندر. . . ينزلها (يعني المدائن). . . وبنى فيها مدينة عظيمة وجعل عليها سوراً أثره باق إلى وقتنا هذا موجود الأثر وهي المدينة التي تسمى (الروضة) في جانب دجلة الشرقي.) أهـ ولكل من هذه القطع المذكورة اسم يطلقه عليها أعراب تلك الجهات فأول قطعة منه في الشمال الغربي من الطاق على بعد 200 متر تسمى (تل جميعة) تصغير جمعة وهو اليوم مدافن موتى النازلين في تلك الأرض ثم فوقه بقليل (الطويبة) ويبلغ علوها 7 أمتار ومحيطها 60 متراً وطرف السور الذي في أسفلها يسمى (رأس العين) وقطع السور الواقعة في الجانب الغربي من دجلة وهي التي أشار إليها الشماس فرنسيس في مقالته السالفة تسمى (حبل السور) وهذه القطع تذهب إلى الجنوب وهي ثلاث قطع الأولى واردة دجلة بل قل أكلتها هي وطول الجميع نحو 100 متر والفاصل بين القطعة الأولى والثانية 4 أمتار وبين الثانية والثالثة زهاء 100 متر وارتفاعهما زهاء 4 أمتار وعرضها من الأسفل 4 أمتار ومن الأعلى متر ونصف متر و (حبل السور) عند حد أرض (المناري) الشرقي وفي الجنوب الغربي منه على بعد ساعة تل يبلغ علوه 15 متراً ومحيطه قراب 120
متراً يسمى (تل عمر) ثم فوقه إلى الجنوب مسافة 40 دقيقة تلان متقابلان يسميان (الخياميات) يبلغ علو كل منهما خمسة أمتار ومحيطه زهاء 60 متراً وفيهما أثر أنقاض وقحوف ويقابل تل عمر من الشرق على بعد ساعة تل يسمى (بنت القاضي) يبلغ علوه 14 متراً ومحيطه 100 متر وبقربه على بعد 100 متر بقايا سور يسمى (السور الصغير) وفي جنوبي حبل السور على بعد نصف ساعة نهر قديم يكاد يساوي عقيقة الأرض يسمى (نهر اليوسفية) وهو يابس لا ماء فيه ومبدأ اسفل فوهة (نهر الرضوانية) الجارية إلى يومنا هذا يذهب إلى الشرق ويقاطعه الشط فوق سلمان من الجنوب الشرقي بقليل ثم يذهب حتى يمر بقرب كوت الإمارة والبصرة إلى أن يرد (الحويزة) وفوقه إلى الجنوب على مسافة 5 دقائق (نهر تل الذهب) وهو يابس وفي جنوبيه على مسافة نصف ساعة (تل الذهب) المذكور وهو غير تل الذهب السالف الذكر وهو عبارة عن تل يبلغ علوه نحو 7 أمتار وطوله 35 متراً وعرضه 10 أمتار ويمر في أسفله مما يلي الجنوب على بعد 20 متراً (نهر المحمودية) وفيه ماء وفي شرقي تل الذهب على مسافة نصف ساعة ثلاثة تلول تسمى (السمر) (وزان) (قفل) وفي جنوبي تل الذهب على مسافة ساعة ثلاثة تلول من التراب الواحد بجنب الآخر تسمى حويصلات وفي شرقيها على مسافة 50 متراً تل فيه حجارة وقحوف يسمى (حطيحط) يبلغ علوه
نحو 5 أمتار ومحيطه 80 متراً وإذا رحلت من المنارى تريد الإسكندرية فليكن وجهك إلى الجنوب وطريقك على تل عمر وتل الذهب وحويصلات والمسافة من المنارى إلى الإسكندرية 6 ساعات للراكب. وفي الجنب الشرقي على بعد نصف ساعة من حبل السور تل يسمى (أبو حليفية) يبلغ ارتفاعه نحو 10 أمتار ومحيطه قراب 100 متر وغربي حبل السور على بعد 40 دقيقة تل يسمى (تل منثر) وهو تل مستطيل يبلغ علوه قراب 7 أمتار وطوله 100 متر وعرضه زهاء 20 متراً وفوقه إلى الغرب على بعد 300 متر تقريباً تل يسمى تل (قريقص) وهو تل مستطيل يبلغ طوله 50 متراً وعلوه 4 أمتار وعرضه 10 أمتار وفي الجنوب الشرقي من حبل السور على مسافة 20 دقيقة من حافة دجلة اليمنى تل كتل قريقص يسمى (اشان هومي أو البارودة) وهو ينسب إلى رجل كان ينزله في القديم ويستخرج منه الشورة وكان اسمه هومي والبارودة هي الشورة فنسب إليه وهو أبو عيدان رئيس عشيرة البطة النازلة أرض السمرة وقد سلف ذكره وأما البارودة أو الشورة فإنها تستخرج من أرضه ومنها يعمل البارود وأرضه من أوقاف سلمان وفي شماليه على مسافة 50 متراً تقريباً قلعة مبنية بالحجارة والطين قد تهدم أكثرها وكانت قبل سنين مخفراً للجند العثماني يقيم فيه ليخفر تل البارودة كي لا يستخرج منه الأعراب الشورة وفوق البارودة أو اشان هومي إلى الجنوب الشرقي على مسافة 25 متراً تل يسمى (أبو خشيم) تصغير خشم وفوقه إلى الجنوب الشرقي على بعد خمس دقائق تل يسمى (أبو الهيت) وزان (جيل) سمى على ما ينقله الأعراب باسم إمام مدفون هناك يقال له (علي أبو الهيت) وفي الجنوب الشرقي من تل أبي هيت مسافة ربع ساعة أرض (السيافية) وبازاء فوهة ديالى في الجانب الغربي من دجلة على بعد 30 متراً عن الشط تل يسمى (أبو عصافير) وهو كاشان هومي أو أكبر منه بقليل ينزله أعراب من الجبور والبو عيثة وفي الشمال
الغربي من سلمان في الجانب الشرقي من دجلة على بعد ربع ساعة وعلى قارعة الطريق تل يبلغ ارتفاعه 5 أمتار ومحيطه بين 30 و40 متراً يسمى (أبو زنبيل) هذا أسماء اغلب الآثار والتلول المبثوثة في أرض سلمان شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وأسماء العشائر النازلين فيها. 5 - قبر حذيفة اليمان وعبد الله الأنصاري وفي الجنوب الشرقي من إيوان كسرى على مسافة 10 دقائق على ضفة الشط اليسرى قبر حذيفة وعبد الله الأنصاري وهما عبارة عن بهو
طوله 15 متراً وعرضه 10 أمتار مبني بالطين والحجارة وعند حد جانبه الشمالي صفة عرضها 3 أمتار ثم وراءها رواق معقود عليه ثلاثة عقود بالجص والطاباق وفيه قبتان معقودتان أيضاً في اليمين والشمال التي عن اليمين فتحتها قبر حذيفة وعليه شباك من الخشب وأما التي على اليسار فتحتها قبر عبد الله الأنصاري وباب الرواق والبهو تجاه القبلة. 6 - أوهام الكاتب وأغلاطه أما أوهام الكاتب وأغلاطه التي أشرنا إليها في صدر المقالة فهي قال ص 136 (من الشمر) والأصح من شمر وقال ص 137 (بالزاوية) ويسميها الأعراب اليوم (زوية) بكسر الزاء والواو وتشديد الياء وقد فاته أسمها الآخر عندهم وهو (دورة) بفتح الدال فتحاً غير بين وقال (القرارة) والعراقيون يلفظونها قرارة وقال ص 138 (تل بليقة) والأصح بليغة بالغين وقال (التويثة) تصغير توثة وهي شجرة التوت وقال (نهر الذرعية) والأصح الدرعية بالدال المهملة وقال ص 140 (وجميع الزوايا. . . من باوي إلى ما وراء كوت الإمارة تسكنها شمر طوقة) والأصح قبل الكوت بخمس ساعات ثم قال: (وخيمهم في الصيف شقاق شوب العوين واللوبياء) والأصح الفقراء منهم أما الأغنياء فخيمهم من الصوف وقال ص 141 عند عده أفخاذ شمر (الداورة) والأصح الداور كما ذكره إبراهيم فصيح الحيدري في كتابه عنوان المجد وهو خط لم يطبع وقد عدهم على حدة ونخوتهم حسيني ثم قال: (الذلابحة) والأصح الدلابحة ونخوتهم صليتي: ثم قال: (العتبة بالضم) والأصح بالكسر وهم من ربيعة ثم قال: (الهرار) والأصح الهريرار ونخوتهم الغرير ثم قال (العواذل) والأصح العوادل بالدال المهملة ثم قال: (الزقيطاط) والأصح الزقيطات وهم من زبيد وقد فات الكاتب (الدفافعة) ثم (المهيات) ثم (النجادات) وهذه الأفخاذ الثلاثة تنزل في الجانب الشرقي من ديالى ومنازل الدفافعة من مصب نهر ديالى إلى الشمال ثم فوقهم النجادات ثم المهيات وقال السيد مهدي القزويني في رسالته في عشائر العراق وهي خط لم تطبع:
(الزهيرية بطن من شمر طوقة). ثم أدخل الكاتب في قبيلة شمر القبائل التي ليس لها نسبة ولا قرابة معها وعدها منها وهي (بنو ويس) وهؤلاء من الأوس قال الحيدري في كتابه المذكور في باب عشائر العراق (بنو ويس وهم الأوس ولا يعلم إنهم الأوس من طابخة. . . أو من حارثة. . . أو من مناة) ثم قال الكاتب (المجمع) وهؤلاء كما ذكرهم الحيدري عن القلقشندي: (بنو مجمع بن مالك بن سعد بن عوف بن جعفر) ثم قال (خزرج) وخزرج العراق أشهر من أن يعرفوا إنهم من الخزرج الذين هم أخوة للأوس وهم النازلون اليوم في أرض دجيل وقريته والذين أشار إليهم الكاتب منهم أيضاً وطالما تتوافد القبيلتان وأمير أهل الجبل تقي عباس وأمير أهل دجيل قيس الحسين العلي السلطان ثم عد من شمر طوقه (الغرير. . . الزقاريط. . . الأقرع. . . السعيد. . . الزوبع (والأصح زوبع) السعود) أما الغرير فقد قال عنهم الحيدري السالف الذكر ما نصه: (الغرير من حمير ومن قبائلهم آل شهوان وآل بكر.) اه وأما الزقاريط فهم من عبدة من ولد رجل اسمه (زقروط) بفتح الزاء وأخوته العفاريت والجعفر وغيرهم وقد ذكرهم القزويني في رسالته قال: (الزقاريط قبيلة من العرب في العراق تنسب إلى شمر ذي الجناح من لهيعة الحميري أبي قبيلة شمر اه والأول أصح وأما الأقرع فقد قال عنهم القزويني المذكور: (الأقرع قبيلة في العراق ذات
أيها العربي
بطون ينتسبون إلى عبدة من شمر وإن انتسبوا إلى الأقرع بن حابس أو أخيه مزيد فهم من بني تميم ويقال لهم ولعفك الأقرعان ولهما بطون كثيرة) وأما السعيد فنجهلهم ولعلهم من السعود وأما زوبع فهم من شمر ذي الجناح كما ذكرهم القزويني وأما السعود فهم ينسبون إلى خالد بن الوليد وقد ذكرهم القزويني أيضاً. ونخوتهم صليتي ومع شمر طوقه عشيرة تسمى كرادة ونخوتهم أخوة فرية أي فرجة لأنهم يلفظون الجيم ياءً. وأعلم إن كل قبيلة من القبائل التي ذكرناها عدة بطون وأفخاذ لا محل لذكرها هنا هذا ما عن لنا ذكره والله أعلم بالصواب. كاظم الدجيلي أيها العربي - أرى لأبيك تاريخاً مجيداً ... تردد فيه ألسنة الرواة علاً مجداً أباً فضلاً وعلما حجىً وبسالةً شرفاً وحكماً خصالاً كلها لأبيك تنمى به جمعت فكان بها فريداً ... تزين بالخصال الحاليات له دانت ملوك الأرض قسرا مسخرة له براً وبحرا أبى للذل أن يسطيع صبرا وأن يدعي إلى ملك مسودا ... فيخضع كالرعية للرعاة أيا ابن الأكرمين كم التواني وكم تغضي على حسك الهوان ألست اليوم في أرقى زمان ترى أبناه يقضى قعودا ... سواك وأنت في نوم سبات بحقك راح حكم الجور يقضى به جنفاً فتنظره وتغضي أما بك شيمة للمجد ترضى
فتحيى يا ابن قحطان جدودا ... تعيد حياتهم بعد الممات حقوقك قد دعت هل من غياث فقد عبثت بها أيدي البغاث فهل بك يصدق الدور الوراثي فننظر عزنا غضاً جديداً ... نبضن عروقه بدم الحياة أجب صوت الرقى إذا دعاكا وساور في المزايا من سواكا ولا تعبأ بذي غرض نهاكا وعش حراً أخا شرفٍ سعيداً ... لسانك فائز بين اللغات فهلا ثقفتك يد الليالي وأيقظك الزمان إلى المعالي ألم تر صبية لك في ضلال دعوك لكي تكون لهم رشيداً ... فرفقا بالبنين وبالبنات أما بلغتك آيات السديم ومعجزة اكتشاف (الراديوم) فتنهض للصحيح من العلوم وتجهد طالباً علماً مفيدا ... له تفدي العلوم السابقات علوم ليس تجدي طالبيها يضيع سدىً ثمين الوقت فيها فهل بدت الحقيقة من ذويها وهل هي صيرت عدما وجوداً ... يرى فيحس بين المرئيات فلا هي نورت بالرشد فكراً ولا كشفت لهذا الكون سراً ولا قطع البخار بهن بحراً
أمراء السعود في جزيرة العرب
ولا ناجي البعيد بها بعيداً ... يخاطبه من الست الجهات فنل علماً تحلق في الفضاء به وتقيس أجرام السماء وتكشف فيه سر الكهرباء وتبدي للملا رأياً سديدا ... تدل به على أصل الحياة النجف (نزيل الأهواز) سعيد كمال الدين أمراء السعود في جزيرة العرب 1 - تفرق أهل نجد لما انشقت عصا آل سعود وتفرقت كلمتهم تفرق أيضاً أهل نجد واتبعت العشائر من أحبته من أمراء ذلك البيت وجاورت البلد الذي نزل الأمير لتكون له عوناً عند الملمات، فكان لعبد الله الفيصل قبيلة سبيع (مصغرة) والسهول (مجموعة، والبعض يقول الشهول بالشين المعجمة إلا أنها غلط) وبعض من عشائر عتيبة (مصغرة) - وانضوى بنو أيام إلى عبد الرحمن الفيصل والي أولاد أخيه سعود - ولحقت عشائر الدواسر والفرع وأهل الجنوب أمراء آل ثنيان. 2 - تقلص إمارة السعود من نجد ما وقع هذا التجزؤ والاختلاف إلا ونشبت نار الفتنة وامتدت لهباتها فاستعرت بين عبد الله الفيصل وبين سعود وعبد الرحمن. وحدث بين القبيلتين وقائع وحروب كثيرة كانت عاقبتها ضعف الطرفين. وفي الآخر استعان عبد الله السعود بالأمير محمد بن الرشيد أمير حائل وعشيرة طيء؛ فاغتنم الأمير هذه الفرصة للتدخل بينهما والتغلب على كليهما ففاز بما أمل. ثم إنه اتفق معهما على أن يكونا في بلاد إمارتيهما وله عليهما اليد العليا وشرط عليهما شروطاً أخرى رضيا بها. فكان أولاد سعود في الخرج، وعبد الرحمن في الرياض. أما عبد الله فإنه زهد بالملك واستقر في حائل. وكان للأمير ابن الرشيد في كل بلد معتمد بمنزلة أمير وهذا آخر انحطاطهم في ملكهم. 3 - خروج السعود من نجد في بحر سنة 1295هـ (1878م) وقع بين ابن الرشيد وبين أمراء القصيم فتور فاتفق آل السعود مع عبد الرحمن ووعدوه المساعدة إن فعل بما يطلبونه منه. فقام عبد
الرحمن لينكب المعتمدين هناك فأحس الأمير ابن الرشيد بالأمر فأسرع إلى مصالحة أمراء القصيم. ثم بعد أن تم له هذا الأمر غزا الرياض والخرج واجتاحهما. وقتل بعض أولاد السعود والبعض الآخر أخذوا أسرى وأبقوا في حائل في تجلة واحترام. وهم الذين يعرفون باسم العرائف (راجع لغة العرب 2: 567 - 572) - وأما عبد الرحمن فإنه فر من بين يدي الأمير ونزل الاحساء ثم بغداد ومنها رحل إلى الأستانة ثم زايلها فرجع إلى ديار العرب فاحتل الكويت. وقد عينت له الدولة العلية راتباً قدره 40 ليرة عثمانية في الشهر وكانت لا تعطى له إلا في بعض الأيام. هذا هو آخر أيام السعود في نجد وقد كان ذلك في سنة 1296 و 1297هـ (أي 1879م) 4 - عودة السعود إلى نجد على يد عبد العزيز باشا السعود في سنة 1313هـ (1895م) استفحل أمر الأمير محمد بن الرشيد أمير حائل وتسلط على نجد كلها فخضعت له حاضرتها وباديتها. وتم له فيها كل ما يريد. فأخذ حينئذ يفكر في إنشاء ميناء بحري لنجد فرأى أن البلاد كلها بيد الدولة العثمانية وليس له بلدة قريبة منه إلا الكويت فهم بذلك. وكتب إلى الشيخ قاسم بن ثاني يفاتحه بالأمر ويستشيره في غزوة الكويت (كذا) ولما كان الشيخ قاسم وجد من آل الصباح ما لا يناسب شأنه كتجهيزات جهزت عليه في أثناء محاربته العساكر العثمانية المقيمة في قطر أشار على الأمير ابن الرشيد أن يزحف على الكويت. إلا أن الأميرين اتفقا على أن يؤخرا هذه الزحفة إلى حين انسلاخ الشتاء. وفي تلك الأثناء مرض الأمير محمد وانتقل إلى دار القرار في آخر سنة 1314هـ (1896م) فخلفه الأمير عبد العزيز بن متعب الرشيد وما كادت قدماه تستقران على عرش الإمارة إلا وفكر بتحقيق ما كان قد نواه سلفه من أمر الزحفة. وبينما كان يتأهب لذلك قتل الشيخ مباركك بن الصباح أخويه محمداً وجراحاً وهم بغزوة نجد فثارت الحرب بين ابن الرشيد وبين ابن الصباح ولم تخمد نارها إلا بعد مدة مديدة كان الفوز فيها للأمير ابن السعود. فأغتنم عبد العزيز هذه الفرص ودخل الرياض سنة 1319هـ (1901م) وأمده ابن الصباح بالمال والسلاح لاتفاقه معه. وفي سنة 1325 - 1326 (1907) تصالح عبد العزيز السعود مع الرشيد. ولا يزالان متسالمين متحابين إلى يومنا هذا وقد عقد كل منهما مع صاحبه عهوداً وثيقة محكمة العرى. وقد عرف كل منهما حدود دياره وربوعه وأراضيه وعشائره - وبعد أن صفا الجو لأبن
السعود أخذ بتوسيع نطاق ملكه وما زال على هذه النية إلى أن احتل الاحساء والقطيف ودارين في هذه السنة سنة 1331هـ - وهو اليوم مقيم في نجد ويلقب (بالإمام) وهو أمير عادل كريم شجاع سياسي ذو رأي متين وفكر مصيب وعلى جانب رفيع من العزم والحزم والدهاء ولهذا تراه ذا حظ وافر وتوفيق مجيد وطالع سعيد. ويؤمل العقلاء أن تكون النهضة العربية المنتظرة في أيامه الميمونة. هذا آخر بحثنا عن أمراء السعود على غاية من الإيجاز واختصار وقد ضربنا صفحاً عن ذكر الأمير ابن الرشيد والأمير ابن الصباح اللذين جاء ذكرهما في هذا المقال إذ في نيتنا العود إلى البحث عن إمارة كل منهما في فصل آتٍ. والله الموفق. 5 - حدود إمارة السعود السياسية في عزها لم يكن لديار السعود حدود سياسية واسعة قبل أن تظهر هذه الدولة وإنما كانت إمارتهم في بادئ أمرها من وراء أمير الاحساء. فكان الأمر يصدر إليها من هنالك وأول ما اعتبرت إمارة كان بعد ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب رأس الوهابية فناصره آل سعود ووافق هذه النهضة إقبال ميمون وأخذت تتوسع منذ ذاك الحين. أما أول أمرها فكانت عبارة عن بلدة (العيينة) التي هي مقر آل سعود. وبلغت حدودها في عهد غضارتها وأوجها إلى تخوم عسير من جهة اليمن وإلى حوران من ناحية الشمال وإلى قطر وقطيف وعمان من جانب خليج فارس وقد أخضعت هذه الإمارة مسقط والاحساء. وقد بلغ بآل سعود أن كسو الكعبة سبع سنوات متتاليات وحكموا في الحجاز بضعة أعوام. 6 - حدودها الحالية أما حدودها اليوم فهي من جهة الغرب ديار قبيلة حرب النازلة بين المدينة والرياض ومن جهة الشمال (قصيبة) الواقعة بعد القصيم وما حولها من الأراضي وهي الحدود الفاصلة بين حائل والقصيم. ومن جهة الشرق الحفر (بفتح الأول) وما حواليه. ومن جهة الشرق الاحساء ويتبعها بلاد عمان وقطر والقطيف وما في تلك الديار ومن جهة الجنوب شمالي حضرموت. 7 - القبائل التابعة لها اليوم يتبع اليوم هذه الإمارة من القبائل عشائر جمة وإنما نعد منها تلك التي
تغزو مستظلة بظل راية الإمام الكبير عبد العزيز باشا السعود ونشير إلى مقطن كل قبيلة بجانبها مع إعداد حملة الأسلحة والفرسان فيؤخذ من هذا إن هذه القبائل تقسم قسمين: قسم تابع لها بنوع خاص ويشمل القبائل التي تلازم أوامر الأمير ونواهيه ولا تنفك عنه البتة. وقسم تابع لها بنوع عام ويشمل القبائل الخاضعة لأمر الأمير ونواهيه لكنها تقطن حيثما أرادت بدون أن تقيد نفسها بقيد خاص فتشترك معه في الحروب والغزوات دون الإقامة في ظله فالقسم الأول من قبل العصبية والقسم الثاني من قبل الخضوع والطاعة. ودونك الآن قسم القبائل الخاصة بالإمارة وهي: عدد حملة السلاح عدد نفوسها اسم القبيلة 8. 0000 من 19. 000 إلى 20 قحطان 7. 000 من 18. 000 إلى 20 السهول 6. 000 من 40. 000 إلى 45 الدواسر 10. 000 من 22. 000 إلى 25 السبيع 41. 000 99. 000 إلى 110 المجموع هذا إحصاء من باب التقريب إذ لا تعداد أنفس عند عرب تلك الأرجاء وقد يرى القارئ إن فيه مبالغة، لكن ليعلم إن هذه القبائل هي من العمائر الأمهات وفيها أقسام عديدة إذ تشمل عدة بطون وأفخاذ وفصائل. فلو سمينا كل قسم من الأقسام باسمه وذكرنا لكل منه ما له من العدد والعدد لطال بنا الكلام إلى ما يحرج الصدور ويضيق الأنفاس. ولوجدنا هذا الإحصاء مطابقاً للواقع. ولا بد من أن نذكر هنا قولا ذكره لنا أحدهم قائلاً إنهم لا يقلون عما يأتي ذكره: 05. 000 10. 000 قحطان 05. 000 11. 000 السهول 12. 000 35. 000 الدواسر 08. 000 20. 000 السبيع 30. 000 76. 000 المجموع أما منازل قحطان فواقعة في شمالي الرياض وديار السهول في شرقيها وربوع الدواسر بين الأفلاج ونجلان من جهة عسير ومخيم السبيع تجاه الطائف إلى الشمال.
وأما قبائل القسم الثاني فيكون على نسبة قوة الحاكم وممن لا يزال في طاعة هذه الإمارة فهم (ما عدا من تقدم ذكرهم): 17. 000 50. 000 عتيبة (بالتصغير) ومقامهم في شمالي ديار السبيع 2. 00008. 000 المناصير وهم في جنوبي منازل السهول 4. 50017. 000 بنو هاجر في قبلي ربوع المناصير 2. 50010. 000 المره (بالضم وزان درة) في جنوبي مخيم بني هاجر 4. 00015. 000 العجمان (وزان فرسان) في جنوبي مقطن المرة 30. 000 100. 000 المجموع ويلحقهم بنو مطير (وزان زبير) وهنالك عشائر أخرى صغيرة صرفنا النظر عنها لقلة شهرتها أو لخمول ذكرها وقد تأخذ الحيرة القارئ عند وقوفه على هذا العدد العديد من نفوس العشائر وربما تصور لنا إنها تنمو نمو الكلا في البر لكننا نذكر عنها لمعة مجملة عن أصلها وبعض ما يتعلق بها فنقول: قحطان هي قبيلة قحطانية الأصل لم تتغير عما كانت عليه في سابق العهد وسامق المجد فقد بقيت على شرفها وجلالة قدرها ومحتدها وهي تقسم أقساماً كثيرة منها: السمر (بضم الأول) والعاصم والخنافرة والورقة (ويسميها البعض الروقة) وآل سعيد والحماملة والمجمل (بتحريك الميم الأولى حركة مشتركة والباقي وزان مأكل) وعبيد (وزان زبير) إلا أنها تلفظ بسكون الأول كما هو مشهور عندهم في لفظ كل مصغر) السهول ترجع هذه القبيلة في نسبها إلى سهل أو بني سهل وهم بطن من بني بحر من لخم من القحطانية وتتجزأ إلى بطون وأفخاذ كثيرة. الدواسر تتجاوز أعداد بطونهم العشرين لكنهم يرجعون جميعهم على ما يقال إلى عمارة من العرب اليمانين. والأصح إنهم بنو وائل لأن نخوتهم في يوم الحرب هي (أولاد وائل). السبيع قيل إنهم بطن من بني عامر بن صعصعة من القحطانية ولعلهم هم. عتيبة بطن من عتيب بن أسلم بن تديل بن جشم بن جذام من القحطانية وهم اليوم
الشيب والشباب
ينسبون في بني شيبان. فيقولون: عتيبة بن عوف بن شيبان. ونخوتهم في عهدنا هذا: (أولاد شيبان). المرة ويقال لهم أيضاً: آل مرة. ويظن أنهم من بني مرة وهم بطن من الأوس من الأزد من قحطان. وذكر إنهم من بني مرة بطن من بكر بن وائل من عدنان. وقيل من بني مرة بطن من ذبيان من العدنانية. وعندنا أن القول الأخير هو أبعد الأقوال عن الحقيقة. العجمان هم بطن من قحطان ويقسمون أقساماً شتى. والإمارة فيهم في هذا العهد لآل حثلين (كأنها مثنى حثل المكسورة الأول) وهم القسم الأكبر عن بطونهم. هذا ما يقال في هذا الموضوع والله ولي التوفيق والتيسير. سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض ومجلة الحياة الشيب والشباب إن المشيب وليته وولاني ... فغدوت طوع تصرف الحدثان لاحت تباشير الصباح بلمتي ... فكأنهن أسنة المران يا نازلاً أزري بنا بنزوله ... هل للشيبة من زمان ثانٍ طلعت بفودى أنجم أرمي بها ... يوم التصابي مقلتي وجناني نزل المشيب فزادني بياضه ... ضعفاً وشد بنسعتيه لساني طر البياض على السواد فذكرت ... بيض الشعور بياضة الأكفان لعبت بك الأحوال وهي مجدة ... لعب الرياح بقائم الأغصان قضى الشباب وما قضيت لبانة ... لك من عهود فلانة وفلان مني تحيات عليه فإنه ... نكث العهود وجد في الهجران لم أنس من أيامه صفواً ولم ... يك لي بما فعل المشيب يدان لا تبك أيام الشباب فإنها ... قد غادرتك مدمج الجثمان زمنا ألم به خيال مائل ... كيف العلالة بالخيال الفاني لا كان يومك من سواد عارض ... في العارضين يزول بعد زمان
مستقبل قضاء الحلة
طرقتك طارقة المشيب فأنبأت ... إن المشيب نهاية الإنسان الشيب نار والشباب دخانها ... ولرب نار أغشيت بدخان نار سيخمد بعد حين وقدها ... ولسوف يبدل جمرها بدمان مارست أيام الحياة وإنني ... صعب عليّ الأيام رد عناني حتى لحت غصني بمدية صرفها ... ولوت يداها معصمي وبناني فتشنجت مني الخدود وأوهنت ... عزمي الخطوب وخانني إمكاني ركضت بميدان الحياة خيولنا ... إن المنية منتهى الميدان فلكم أنفت من الهوان وذوقه ... ولكم أبيت ولاءه وأباني ولقد نظرت إلى الشباب وأهله ... نظر الغريب مدارج الإظعان وذكرته بصفائه وبهائه ... ذكر المعبد شاسع الأوطان فرأيت إني حين أكبر ذكره ... تزداد في نصاعة الألوان أأرى دلاتي في الحياة كأنها ... مصرومة الأوذام والأشطان من بعد ما علم الرجال بأنني ... أسد الأسود وفارس الفرسان كم منهل ناضلت عنه ومعرك ... جادلت فيه بناصع البرهان بمثقف صلب الكعوب معزز ... بمهند ماضي الغرار يماني فبنيت لي بالسيف بيتا أشرفت ... شرفاته والسيف نعم الباني بالجد تمتنع النفوس فإن هوت ... يوم السباق فقد هوت لهوان لا غادرت أيدي النوائب أمة ... صبرت على الإذلال والإذعان أيهان من عدنان فرع طاهر ... ومن الذوائب من بني قحطان للعرب آناف تدق كأنها ... زبر الحديد بمطرق الأقيان إن المعارف في بلادهم غدت ... منقوضة الأساس والبنيان وإذا رأوا للجاهلية دعوة ... يتسابقون تسابق الأقران مثل الجهالة في ذوائب يعرب ... يسري به الشرقان والغربان محمد الهاشمي مستقبل قضاء الحلة كنت قد أدرجت مقالة في العدد 435 من الزهور البغدادية بينت فيها
النهضة التي ظهرت في أبناء العراق بخصوص ما يتعلق بأمر الإصلاحات المستحسن إدخالها في ولايتنا. وها إني اليوم أوافي هذه المجلة بمقال لأوجه أنظار القوم إلى قضاء الحلة الجليل ومستقبله الزاهر فأقول: إني لا أريد أن أسير في بحثي مبتعداً عن الغرض الذي أرمي إليه بل أذهب إليه تواً وأتعرض للوسائل التي هي في طاقتنا لنصل إلى أحسن نهج بحسن مستقبلنا. - إن للحلة اليوم من وسائل الثروة والغنى ما لا ينكر إذ فيها شعبة من الفرات التي تجري ماء النضار ما لا مثيل له في سائر الديار، إلا أن نموه وتبسطه في غاية البطيء والتثاقل. فهل يحسن بنا أن نراه باقياً على هذه الحالة حالة الطفولة؟ ألا يجب أن يسير سيراً حثيثاً في صراط الارتقاء والتوسع والتبسط؟ إني أدع الحكم لأهل الرأي والتفكير. إن بناء سد الهندية ليس إلا بمنزلة الأضلاع للجسم فكما أن هذه الأضلاع لا تكفي لقوة الجسم بل يجب أن تكسى لحماً وعضلاً كذلك يقال عن هذا البناء الجليل الذي لا ينتفع منه ما لم يقرن بما يتمم الغاية التي بنيت له. ولعل قائلاً يقول إن هذا المشروع هو فوق طاقتنا. قلنا: الأمر بخلاف ما يظن أو بخلاف ما يذهب إليه. والدليل ما نعدد لك من الأشغال التي يمكننا أن نقوم بها لتحسين مستقبلنا. وأول كل شيء سقي الأرضين الواسعة الممتدة في تلك الأرجاء الرحبة. فلقد أصبح الري اليوم من أيسر الأمور لتحدر المياه بسرعة وعليه إذا أراد الناس الوصول إلى ما يرومون عليهم أن يبنوا ثلاث كيالات أي ثلاث قناطر في عرض نهر الحلة ويقام مآخذ الماء لجميع ما يتفرع منها من الخروص. وقد عنى ديوان أشغال الري بدرس فكرة من سن قانون ينظم به تقسيم الماء على الأرضين ونحن نؤمل أن يكون إخراجه إلى حيز الوجود والعمل بموجبه بأقرب ما يمكن. أما الأموال اللازمة لهذه الأعمال فإنها ليست باهظة بل في مكنة جميع
الذين ينتفعون بمرافق السقي. لا سيما إذا علمنا إن أهالي الحلة يحصلون على نعم ونتائج لم يحلموا بها سابقاً وتتوفر لهم المعيشة وتجعلهم أصحاب ثروة طائلة في قليل من الزمن لأنهم إن بنوا الكيالات المذكورة لا يحتاجون بعد ذلك إلى آلات رافعة للماء إذ هذا السائل الحيوي يأتيهم عفواً متحدراً إليهم من تلك الكيالات ويتدفق إلى حيثما يريد الساقي أو الزارع. والحصول على هذه الأموال يكون على هذا الوجه: تزاد الأعشار اثنين في المائة فما يمضي غير قليل من الزمن إلا وقد اجتمع المبلغ ونالوا ما أملوا. إن فعلوا هذا الفعل أظهر تسرعهم في هذه المسألة مسألة حياة الجماعة وإحياء الموات من الأرضين إنهم من أنشط الناس ومن أرغبهم في ترقية وطنهم وإنهم ممن يسعون في فتح باب جديد لبلادهم باب الرقي والفلاح باب الحضارة الهنيئة والنجاح المبين. أما المشروع الثاني الذي يبشرنا بمستقبل زاهر هو العزم على تسيير مراكب سريعة الجري على نهر الهندية بين السد والديوانية لجمع ريع الحصاد الذي يجتمع على ضفتيه ذلك الريع الذي إذا بقى في محله بدون نقل لم يفد أهل تلك الأرجاء وإذا نقل إلى حيث يصرف ويباع وينفق يغنى أصحابه ويوسع أسباب معيشتهم. هذا فضلاً عن إن تلك البواخر تجمع القرى بعضها إلى بعض تلك القرى التي تتتالى منسوقة على طول النهر والتي لا تزال في حال النشوء مع أنها تنزع إلى النمو والتبسط والتقدم. وإن قيل لنا إن هذه المراكب لا تفيد فائدة تذكر إذا ما مد خط السكة الحديدية قلنا: إن الخط لا يمر بالحلة كما هو مشهور ولهذا تكون المراكب من أوجب ضروريات حياة الجماعة والأهالي في ذلك القطر وإلا تبقى حاصلاته بدون فائدة عمومية. - أما وسائل النقل على ظهور الدواب فهي في منتهى البطيء والثقل وغير وافية بالمقصود دع عنك ما تكلفك من النفقات الباهظة. أي أن هناك وسيلة أخرى وهي مد فرع للسكة الحديدية البغدادية وهذا الفرع هو المعروف عند أهل الفن (بالفرع الزراعي) لاختصاصه بنقل حاصلات الزراعة. وهذا مما لا بد منه يوماً لإتمام خط بغداد بوجه يفي بالمرام ويقوم بحاجيات أهل ديارنا هذه الميمونة وربط المركزين الكبيرين (بغداد والحلة) برباط واحد يدفعهما إلى التقدم والترقي الدائم. أما النفقات اللازمة لمد هذه السكة فهي ليست بعظيمة لأنه لا يحتاج إلى بناية
بديعة تبتلع الأموال بدون فائدة بل تكون معتدلة مناسبة لحالتنا. ولنا دليل على نجاح هذا الفرع من السكة ما فازه خطا النجف والكاظمية من التوفيق والتيسير والربح الكبير. ولو كنا ممن يريد الترقي الحثيث لبلادنا لأكثرنا من هذه السكك الحديدية في طول البلاد وعرضها وأصبحت عامرة راقية في معارج الحضارة. وكل ما أشرت إليه من الأشغال ليست لنا ولا هي حديثة الفكرة إذا لكل يعلمونها لكنهم لا يعلمون بها خوفاً على تشتت أموالهم على ما يتخيلونه إذا ما سعوا إلى توسيع أشغال النقل والانتقال. ولهذا نوجه أقوالنا هذه إلى عموم الناس لا إلى الخاصة منهم أهل الاحتكار والإحتجان الذين يجمعون الأموال لمجرد التمتع برؤيتها لا غير. وصلت إلى هنا من كلامي وأنا أسوقه إلى أبناء وطني العراقيين أما الآن فألفت عنان كلامي إلى الحليين خاصة أولئك الذين هم جرثومة مستقبل الوطن الزاهر وأول شيء أقوله لهم: جودوا على الوطن بما في طاقتكم يجد عليكم بنعمه ومرافقه وأرزاقه. ولا تكتفوا بالماء الذي جاءكم وكنتم تتشوقون إليه بل سيروا دائماً إلى الأمام سير مائكم المتدفق وأفرغوا كل ما في وسعكم ليجود عليكم صقعكم بكل ما تنتجه أرضه إلى أقصى غاية: واستشيروا لهذا الغرض أرباب الفن المتنورين ليطلعوكم على ما يجب اتخاذه من الوسائل اللازمة لترقية الزراعة على أرقى طريقة وصلت إليها في البلاد العامرة أو المتحضرة. ولا تغفلوا عن الصناعة: اتخذوا غلاتكم لبلادكم فإن في ذلك غناكم وثروتكم ونمو أموالكم. ومن أجل الأمور الضرورية لدياركم هي آلات إخراج الحب من القطن وتربي دود الحرير والطحن ودباغة الجلود وغيرها. والخلاصة عليكم بكل وسيلة تبرز آيات نشاطكم ومساعيكم العامة النفع. وحينما تصبحون في يسر العيش ودعته بما يفيضه عليكم ماء الفرات من الخيرات باشروا بما يعلي كعب الوطن أبعد العلاء وهو أمر ترقية المعارف إذ بقدر ما تزرعون تحصدون وبقدر ما تسعون تتوفقون وكلما قدمتم أمر الآداب على سائر أمور هذه الدنيا تفتقت عليكم منابع الخير وأفلحتم كل الفلاح. ها إن بابل القديمة قد اتكأت رأسها على أبواب مدينتكم فأهدئوها بأيدي نشاطكم لا بل أيقظوها من سباتها الطويل العادي بأناشيد حضارتكم وعمرانكم لترى الضوء الجديد الذي يحيط بها وغنوا قائلين:
الحياة خيال
العلم يرفع بيتاً لا عماد له ... والجهل يهدم بيت العز والحسب توفيق بشارة الحياة خيال بلبل هاجه الغرام فغنى ... فوق أغصان بانةٍ تثنى قابل الصبح هائماً وهو يشدو ... بنشيد يشجي فؤاد المعنى قرب جورية أماطت لثاماً ... عن محيا زها جمالاً وحسنا هام وجداً بحبها وحرى ... بهواها إن هام وجداً وجنا منحتها يد الطبيعة حسناً ... وجمالاً لغيرها ما تسنى لوعة الحب لم تدع فيه صبراً ... كل آن تراه يبدل غصنا كلما هم أن يطير إليها ... ثبط الوهم عزمه وتأنى حسبه الله كم وكم منعته ... واهمات عما هوى وتمنى يتغنى آناً ويسكت آناً ... مشرئباً لغير طيرٍ تغنى نغماتٍ تثيرها نغمات ... من طيور تجيد ثمة لحنا هاجها الوجد والغرام فغنت ... بقوافٍ رقت أداءً ومعنى ما جرت نسمة هنالك إلا ... وتشاكينها ولوعاً وهمنا يا لغنىً وقفت فيه صباحاً ... كان للعاشقين أحسن مغنى بينما كنت في مراتع أنسى ... ثم أرعى أثمار عيشي المهنا فاجأتني بارودة بدويٍ ... أسكنت كل طائر قد تغنى أرسلتها يد القضاء لتقضى ... عمر ذا البلبل الشجي المعنى لا تسل كيف فارق العمر قسراً ... بعد ما حرك الجناح وأنا وأنا ناظر إليه بعينٍ ... ذرفت دمعها فرادى ومثنى ولمثلي يشجو لكل شجيٍ ... ولمثلي يبكي على كل مضنى فتفكرت في الحياة إذا هي ... كخيال يلوح وهنا فيفنى إبراهيم منيب الباجه جي
الأكراد الحاليون
الأكراد الحاليون 4 - ملابسهم وأزياؤهم (ثياب المرأة وحلاها) - تلبس المرأة الكردية قميصاً أو شعاراً يسمونه بلسانهم (كراس وتزرر فوقه الصدرة من تحت ثدييها وهي بلسانهم (سخمة والبعض يقولون زخمة) وفوقها تلبس القباء وهو بلسانهم (كوا وتضع على كتفيها قطعة من القماش تسمى (جاروكة تعقدها عند صدرها وتضع على رأسها طربوشاً صغيراً أسود اسمه عندهم (فيس وترسل بعضهن منه عذبة أو قطعة طويلة من القماش يسمونه (قوجكه تنحدر إلى نحو ركبتيها من الوراء وتتبرقع بكسفة من الكتان اسمها (سربوش وربما لم تكن من الكتان بل من نسيج رقيق. وقد تتمنطق بعضهن بنطاق ويشددنه شداً محكماً ويسمونه (كمر وبعضهن يسمونه (كمبر ويكون مفضضاً أو مذهباً وإن كان من القماش فأسمه (يشتين وهو نادر عندهن. وتسدل الكردية من شعر جبينها خصلتين تنوسان على صدغيها اسم كل منهما (زلف أكريجه وهذه الكلمة الأخيرة من التركية. والمرأة الكردية الشمالية تطيل هاتين الخصلتين بخلاف الجنوبية فإنها تقصرهما. وترسل باقي شعرها مضفوراً على ظهرها. وتشد على جبينها سلسلة تمتد من اليسرة إلى اليمنة وقد نظمت فيها النقود الذهبية والفضية وتعرف عندهم باسم (برجاوكه وتفعل مثل ذلك عند مؤخر رأسها وتسمى (بشته سر - وتزين الطربوش بالنقود أيضاً ويسمى (كلاوي آلتون وتكحل عينيها وتجعل في أنفها حلية تسمى (قرافل أو خزمة وتحنئ يديها ورجليها. والمدنيات يعرفن الأسفيداج والحمرة بخلاف القرويات والبدويات منهن فإن اللواتي يستعملنهما قليلات. هذا هو زي الكرديات على الغالب ألم يكن قد خالطهن غيرهن أجنبيات فإن خالطنهن فإنهن قد يستعرن أزياءهن وحينئذٍ لا ضابط يضبط الملبوس وأنواعه. (ثياب الرجل) أما الرجل الكردي فيلبس ثوباً أو قميصاً أو شعاراً وقد لا يلبس ويجعل فوقه قباء قصيراً اسمه عندهم (جوغه وهو ينحدر
إلى عجزه. ويتسرول بسراويل تعرف عندهم باسم (رنك وكلاهما رقيق يحاك من الصوف العادي أو من شعر المعز ولا سيما من الشعر المعروف عندهم باسم وهو المرعزي عند العرب، ويلبس فوق القباء ردآء باسم (بستك وهو لباس يشبه العبآء إلا أنه قصير مزند (أي مزمك بلسان أهل الشام وقصيف أو ضيق بلسان العراقيين) يتجاوز طوله المنطقة بقليل. وثخنه نصف إصبع يعمل من الشعر أو من المرعزي. ويتخذ فوقه الكبنة وتسمى عندهم (فرنجي وهي ذات ردنين يكونان قصيرين أو طويلين وتتخذ الكبنة من الصوف. وإن كان الكوا قصيراً يسمونه (كورتك أي القصير ويشد وسطه بقطعة قماش لا يقل طولها عن أربع أذرع يسمونه بشتين يغرز فيه الكردي خنجره وأسلحته. ويلبس في رأسه قلنسوة يسمونها (تبله وهي بشكل نصف كرة صلبة مجوفة تعمل من الصوف ثخنها نصف إصبع وقد يكون أعلاها مسطحاً فتشبه حينئذٍ القدر وهو خاص بالأكراد الجنوبيين. أما الشماليون فيلبسون عرقية مخروطة الشكل وتكون من القماش. ويشدون على كليهما قطعة من الحرير الثخين تسمى مشكي وإلا فإن كانت من الحرير الرقيق الأسود فتعرف باسم آخر. ويلبس في رجليه حذاءين يسمى الواحد منهما (كلاش وهو يحاك من الصوف ويكون في داخله خرق تكون بمنزلة النعل. ويتقن صنعه قبيلتا الدوم والخرات وهما عشيرتان تتجولان في ديار كردستان. والخلاصة يشبه زي الكردي الحالي زي الحثيين الأقدمين الذين يظن إنهم أجداد الأرمن. وهذا الزي معروف في ربوع الكرد من حدود ديار بكر إلى تخوم تستر إلا أنه يتغير قليلاً بتغير مواقع البلاد أو المجاورة الأعراب والأعجام. 5 - مذاهب الأكراد اغلب الأكراد مسلمون وفيهم نصارى ويهود. واغلب المسلمين سنيون
وما بقي منهم فعلى مذهب الشيعة. أما الداسنيون الذين يعدون من الأكراد فهم مجوس هجروا حاضرتهم القديمة (يزد) واحتلوا أرض فأقاموا فيها ولهذا يقال لهم أيضاً (يزديون) فصحفت العامة اللفظة فقالوا (يزيديون) وهو غلط أو لعلهم سمو كذلك لمشابهة ديانتهم ديانة اليزديين أي المجوس وقد وقع تغيير عظيم في ديانتهم الزرادشتية كميلهم إلى روح الشر وهو (آهرمن) المعروف عندهم بملك الطاووس أكثر من ميلهم إلى روح الخير (يزدان) لخوفهم من الأول وأمنهم من الآخر. - وهم يعظمون الشمس ويصلون ثلاث ركعات عند طلوعها وعندهم الختان والمعمودية معاً. ولا شك إنهم أخذوها عن اليهود والنصارى وعندهم كتب مقدسة منها كتاب جلوة. وكان يوجد في أواسط كردستان طائفة وحشية يسمى القائل بها (كاكه يي نسبة دخيلة إلى (كاكه) مؤسس ذاك المذهب الغريب. وقد هجاهم الشاعر الشهير الشيخ رضا الطالباني الكردي. وهم يجلون أعظم الإجلال رجلين آخرين وهما باوايادكار و (سي بركه - وامرأة يقولون لها (دايه ريزبار
وبقرة صفراء (كازدر - وغصناً رطباً (توني سبز - ويحتم عليهم أن يجتمعوا رجالاً ونساءً في ليلة معلومة من السنة في محل مخصوص يطفئون فيها السرج والأضواء وتسمى عند أهالي تلك الأنحاء (ليلة الكفشة) ومن الناس من ينسب هذه الليلة إلى اليزيدية ومنهم إلى الشبك ولعلها كذبة مختلفة. وكانت تعرف هذه الليلة في عصر العباسيين أو في العصور المتوسطة (بليلة الماشوش وقد تركوا هذه العادة القبيحة منذ أن فهموا معنى الإسلام وفرائضه فهماً معقولاً. والظاهر إن هذا المذهب منتحل من مذهب (مزدك) الذي ظهر في عهد انوشروان وقتل أيضاً في ذلك العهد. وقد سرى داء ذاك المذهب إلى (بابك) الذي ظهر في زمن المعتصم من خلفاء بني العباس وقتل أيضاً في عهده. ثم أخذه (فضل الله الحروفي) الباطني الذي ظهر ونفى إلى آسية الصغرى في زمن (شاه رخ ميرزا ابن تيمور لنك) وتبعه بعض البكتاشية. وكانت هذه العادة جارية عند الروس القدماء وهي تجري الآن في شمالي آسية عند أقوام الإسكيمو. وفي كردستان أيضاً فرقة تعرف (بالعلي اللاهية) وهم قسم من السنجاويين المتوطنين قرب (قصر شيرين) وهم يعتقدون بأن الله حل في علي بن أبي طالب (رضه) رابع الخلفاء الراشدين ويستحلون لحم الخنزير. 6 - مزاراتهم والتداوي فيها يذهب الأكراد بمريضهم وبكل من يصاب بداء من الأدواء إلى المزارات المشهورة في بلادهم. فيتضرعون إلى الله فيها ويطلبون الشفاء لمرضاهم وينذرون النور كالقرابين وإطعام الجياع والفقراء والمحتاجين وإذا تعافوا أنجزوا مواعيدهم وينسبون إلى بعض المزارات خواص دون غيرها. فيذهب من يبتلي بداء السعال إلى مزار (بيري كوكه - ومعناه شيخ السعال. فيتبرك المصاب بتراب الشيخ بأن يأخذ شيئاً منه ويدلك به رقبته. - ويذهب من يصاب بالرثية (داء المفاصل أو الروماتزم) إلى (كاني با - أي منبع الهواء، فيتبرك بماء العين الجارية هناك. - والمرأة العقيمة والمقلات (وهي التي لا يعيش لها ولد)
تنطلق إلى مزار (بيره مكرون - وهو على جبل من أعلى جبال كردستان الوسطى (شهرزور) وعرف باسمه أي (كيوبير مكرون - وهو كثير الكروم والأشجار المثمرة يسمع في أنحائه خرير المياه العذبة الباردة، ويرى الجليد على قمته على مدار السنة. - ويروي إنه كان (ليبره مكرون) أخت اسمها (خان خالان - بتفخيم اللامين) فزارته ذات يوم في حياته فأعجبها مكانه فقال له: إن شئت أبقي هنا وأنا أذهب إلى مكانك فاتفقا على ذلك؛ ولما نهض بيره مكرون من مكانه ومشى تبعته الأشجار والمياه مقتفية أثره فلما رأت ذلك أخته قالت له: أبق في مكانك لأن الله قد خصه بشخصك دون غيرك. ومما يحكى عن بيره مكرون أيضاً أن أحد أعدائه أحاط به ذات يوم فضيق عليه الحصار فلما رأى ما صار إليه تزيا بزى طائر وفر من ثقب في الجبل المذكور والثقب يرى إلى هذا اليوم والناس يزورونه. وعلى الجبل تمثال ثعلب من حجر في فمه ملعقة من الحجر أيضاً والكرد يذهبون إلى وجود هذا الحيوان هناك إلى أنه سرق في حياة الشيخ ملعقة من السمن (أو الدهن) الخاص بمطبخه، وما كاد يتم هذه السرقة إلا وتحول الحيوان حجراً. - وليس في الجبل طائر ولا ذباب ولا بعوض ولا دابة مؤذية وينسب كل ذلك إلى كرامة المزار وجلالة قد صاحبه. - ومما هناك من الغرائب رحى يتفاءلون بإدارتها. فإن دارت بقوة قليلة تفاءلوا بحركتها خيراً. وإلا تشاءموا بها. - والأكراد كثيروا الاعتقاد بمثل هذه المزاعم والخرافات فإنك ترى في مزاراتهم حصى صغاراً تكون عند رأس المزار فإذا جاءوه أخذوا طائفة منها وقسموها ثلاثة أقسام، ثم شرعوا يعدونها مثنى فإن انتهى كل من الأقسام الثلاثة بوتر (بفرد) فالفأل خير وإلا فبالعكس. وقد يستعملون واسطة أخرى وهي إنهم يلصقون حصاة صغيرة بحجر المزار فإن لصقت به أو جذبها كان ذلك علامة خير وحصول المطلوب ونيل المراد. وإلا فلا. - ووجدت مزاراً يسمى (باوا خلخل - أي الأب المدحرج (بكسر الراء) فإذا أراد الزائر أن يعرف أمانيه أضطجع بجانبه وشبك أصابعه وراء رأسه وأغمض عينيه وتململ قليلاً فإن تدحرج نال مناه وإن بقى في محله أيقن الخلاف وقس على هذه الخرافات ما بقي منها. 7 - اعتقادهم بالجن يعتقد الأكراد بوجود الجن اعتقاداً عظيما، ولعلهم أخذوه عن قدماء البابليي
ن ولهم في هذا الموضوع حكايات وروايات طوال تضيق دونها هذه المجلة. ونحن نورد هنا حكاية من حكاياتهم إثباتاً لما يزعمونه فنقول مما يروونه إنه كان لرجل هر قد ألف بيته فسمع ذات ليلة طارقاً يطرق الباب وينادي بصوت جهوري (مام هومر (أي يا عمي هومر) وما سمع السنور هتين الكلمتين إلا وانتفش انتفاشاً عجيباً وذهب إلى الباب وخرج من منفذ كان فيه وولى. فلما رأى الرجل هرب هره قال في نفسه: لا بد لي أن أتعقب هذا الهر لأنظر إلى ما يصير فتأثره من بعيد وإذا بالهر قد انقلب شابا نشيطا وأخرج زمارة من منطقته وهو يسعى وراء الذي ناداه حتى أدرك المنادي وسارا معا إلى أن صارا خارج البلدة وصاحب الهر يتعقبهما. فلما انتهيا إلى مقرهما رأى صاحب السنور نيراناً موقدة وحولها جماعات من الناس ينتظرون قدوم رجل فلما رأوه مقبلا صاحوا جميعهم قائلين: يا مام هومر لم تأخرت إلى الآن فقد مل أهل العرس من كثرة الانتظار فقال لهم: تأخرت إلى أن نام صاحبي. ثم طفق يزمر لهم بالزمارة والحاضرون يرقصون حوله. فلما شاهد صاحب السنور هذا المشهد الغريب رجع إلى بيته ونام إلى الصباح. فلما أستيقظ من نومه وجد الهر يدور في البيت. فقال له صاحبه. يا مام هومر ما يضرك لو زمرت لنا بزمارتك وأطربتنا هنيهة كما أطربت وتطرب غيرنا فلما سمع الهر هذا الكلام ولى هاربا ولم يعد يدخل البيت. 8 - اعتقادهم بالتمائم ومن غرائب أو أبدهم اعتقادهم بالتمائم ولعلهم أخذوها أيضاً عن الأشوريين والبابليين لشيوعها بين أجيال تلك العصور وقد يتقلدون التميمة المكتوبة ليدفعوا عنهم مرضاً كالحمى ووجع الرأس والقولنج ونحوها أو لدفع غائلة من الغوائل. وقد يتقلدونها لمجرد الزينة. - وممن أشتهر بصنع التمائم وكتابتها رجل منهم اسمه (كاكه أحمد) الشيخ المتوفى قبل نحو 25 سنة. وكان يكتب التميمة ويشترط على متقلدها شروطاً فإذا قام بها لا يتأثر من الآلات الجارحة على زعمهم. وكان يكتب نوعاً آخر منها إذا وفى حاملها الشروط التي تشترط عليه لا تؤثر فيه القنابل ولا المدمرات النارية. ويعتقدون إنهم قد جربوا هاتين التميمتين في أثناء حروبهم ومعاركاتهم فلم ينلهم ضرر فرسخت فيهم هذه المعتقدات رسوخ الرواسي. ويقول بعضهم: إننا جربنا هذه التمائم إذ علقناها على شاةٍ ثم ضربناها بالأسلحة
حكم
الجارحة والنارية فلم يصبها ضرر. وكثيراً ما نرى المحاربين يرجعون من حومة الوغى وأعبابهم ملأى رصاصاً. ذا مجمل ما يقال في هذا الباب وهناك غير هذه الأوابد والخرافات يطول ذكرها هنا فاجتزأنا بالمشهور منها على وسع الطاقة إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. والسلام شكري الفضلي حكم 1 - من جعل قائده الهوى، هوى. 2 - من تقلب مع الأحوال، سقط من مصف الرجال 3 - من لم يكن له صديق، كان دائماً في ضيق.
الهيلاج ومعانيها
4 - من جعل سلاحه الكذب، مر في ذوقه كل شرب. 5 - من كان له كل يوم صديق، بعد عنه كل رفيق. 6 - سلاح العاقل قوة برهانه، وسلاح الجاهل بذاءة لسانه. 7 - سلاح (بالكسر) الحبارى سلاحها (بالضم)، وسلاح السفيه كل ما ينهى عنه النهى. 8 - إذا جلست بين قوم. فلا تتكلم بما يعود عليك باللوم. 9 - قم بحرمة الصنيعة، تكن في مكانة رفيعة. 10 - لا تنكر فضل من أحسن إليك، لكي لا ينقلب فضله ويلا عليك. 11 - المكابرة، من إمارات الجهالة والمهاترة، من علامات الضلالة. 12 - لا يقر أو رياح كما لا يقر من ليس فيه صلاح. الهيلاج ومعانيها (لغة العرب) أقترح علينا هذا الموضوع حضرة صديقنا الفاضل لويز ماسنيون المستشرق الفرنسوي الباريزي. الهيلاج لفظة لا وجود لها في المعاجم العربية التي في أيدينا لا في القديمة ولا في الحديثة مع أنها ترتقي إلى القرن الثاني للهجرة لورودها في كتب نوبخت وما شاء الله المنجمين. وممن ذكرها في القرن الثالث ابن الرومي في شعره قال في وصفه الربيع: ذو سماء كادكن الخز غي ... مت وأرض كأخضر الديباج فتجلى عن كل ما يتمنى ... موضع الكد خداه والهيلاج
قال في شفاء الغليل: (كدخداه وهيلاج هما كوكبا المولود، فالأول لرزقه والثاني لعمره، فإن الولد في صعوده كان زائداً فيه وإن كان في هبوطه كان بعكسه وهذا مما ذكره الحكماء والمنجمون وأرباب المواليد وعربوه قديماً. أهـ. وقال صاحب كتاب جامع التعريب، بالطريق القريب (وهو كتاب خط قديم) (الهيلاج اسم فارسي معرب. ومعنى هيلاج: دع التعس. قاله أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي في كتابه المدخل في علم المنجم). (المتوفى سنة 376هـ 986م) وورد في (برهان قاطع) ما معناه: هيلاج وزان قيقاع هو بحر الحياة في اللغة اليونانية. وفي اصطلاح المنجمين هو اسم دليل جسم المولود، ويقال له عند منجمي الفرس (كدبانو) كما أن دليل روح المولود يسمى عندهم (كدخدا)، ويستدل على البعض إلى أن هذه اللفظة هندية الأصل) وفي غياث اللغات ما معربه: هيلاج بياء معروفة وجيم معروفة هو حساب يعرف به المنجمون دليل العمر، ويطلق مجازاً على زابرجة المولود على ما هو مصرح في كتاب (المؤيد وشروحه). أهـ. وورد في كتاب مفاتيح العلوم: الهيلاج أحد الهيالج الخمسة وهي: الشمس والقمر والطالع وسهم السعادة وجزء الاجتماع أو الاستقبال وهي أدلة العمر وذلك أنها تسير إلى السعود النحوس ومعنى التسيير أن ينظر كم بين الهيلاج وكم بين السعد أو النحس فيؤخذ لكل درجة سنة فيقال: تصيبه السعادة أو النكبة إلى كذا وكذا سنة. - الكد خذاه هو الكوكب المبتز على الهيلاج وهو الذي يدل على كمية العمر بسنين موضوعة لكل كوكب: كبرى ووسطى وصغرى. وقيل: هيلاج بالفارسية امرأة الرجل، وكدخذاه هو الزوج ومعناه رب البيت لأن كذه هو البيت وخذاه هو الرب ويسمى هذان الدليلان بذلك لأن بامتزاجهما وازدواجهما
يستدل على كمية العمر.) أهـ. وقال فرهنك الشعوري في الهيلاج نحو ما قاله صاحب (برهان قاطع) لكنه زاد على معناه المذكور معنى المخاض والطلق. ويقال في الهيلاج: الهيلج ومنه الجمع الوارد في كتاب مفاتيح العلوم عند قوله: الهيلاج وأحد الهيالج فلعل الصحيح الهيلج وأحد الهيالج. أو أن يقال الهيلاج أحد الهياليج أو الهيالجة كما هو مقرر في كتب النحاة. وعلى كل حال فالفرس يقولون في الهيلاج: الهيلج والهيلة بهذا المعنى. وقد ذهب فلرس في معجمه الكبير الفارسي اللاتيني إلى أن أصل الهيلاج يوناني الأصل على ما ظهر له والأصل هو (آلوخس) ونحن نستبعد ذلك أولا لما بين اللفظين من البون. ثانياً لأن معنى اللفظة اليونانية: المرأة التي لم تلد والعاقر والبتول. ومعناها أيضا المرأة وزوج الرجل. فهذا المعنى الأخير وإن كان يتفق مع ما ذكره صاحب مفاتيح العلوم عند قوله: هيلاج بالفارسية امرأة الرجل. إلا أنه ليس بالمعنى الأصلي. هذا رأينا ولعلنا مخطئون. أما رأينا الخاص فهو إن الهيلاج يونانية الأصل كما ذهب إليه فلرس لكن الأصل هو (هلياد وقد ورد هذه اللفظة مصحفة بصورة هيلاد في إحدى نسخ مفاتيح العلوم (راجع هذا الكتاب طبعة فإن فلوتن في ليدن ص 231 حاشية ويراد بالهيالد أما بنات هليوس وأما أبناء هليوس. فإن أريد الأول فهم أخوات فائيتون أي الشمس وهن: المضيئة (أي لمبيتية واللامعة (أي والقمر (أي وأن أريد الثاني فهم: المثلث المسننات (أي والسعيدة (أي والفجر الطالع وعلى كل حال إذا أضفنا إلى الثلاث أو الثلاثة أبويهن أو أبويهم. كان عندنا خمسة وهو ما يريد به المنجمون. أما إذا اعترض معترض وقال إن بين هلياج وهلياد فرقاً في اللفظ. قلنا: نعم لكن إبدال الجيم دالاً وبالعكس أمر معروف في اللغة العربية فقد قالوا: الجشيشة والدشيشة، الادل والأجل (بالكسر) ارتعدوا رتعج. وفي المعربات. الجوسق والدوشق، الماجشونية المادشونية، الفود
بحر النجف
والفوج. والألفاظ كثيرة في مثل هذا الإبدال فكتفيا بما ذكرنا. إننا وإن كنا نذهب إلى أن أصل الهيلاج هو يوناني إلا أن العرب اخذوا اللفظة عن الفرس. ولهذا إن قال قائل إن الهيلاج فارسية لا يخطئ. وعليه قول العلامة كرلونلينو في كتابه (علم الفلك) تاريخه عند العرب في القرون الوسطى) ص 146 وهذا نص عبارته: (إن اصطلاحات فارسية مثل الهيلاج والكذخداه والجانجتان كثيرة الوجود في نفس كتب ما شاء الله) - وإن قال قائل إن اللفظة يونانية لا يخطئ أيضاً لأنه يذهب إلى الأصل الحقيقي لا إلى الأصل اسقولة عنه اللفظة أما القول إنها هندية كما أريناه بعضهم فهو عندنا بعيد. أما مجيء الهيلاج بمعنى عين الحياة فهو ناشئ من مناسبة في كتابة الكلمتين الياس وهلياس أو هلياد في اليونانية. وكما أن العرب يعتقدون إن الياس شرب من عين الحياة فبقى حياً، ذهبوا إلى أن الهيلاج هو عين الحياة. هذا الذي عن لنا في هذه اللفظة وأصلها ومعانيها. وإن كان لاديب غير هذا الرأي فإن المجلة تنشره مع الشكر العظيم. بحر النجف تؤلف اليوم الكتب وتخطط رسوم العراق والجميع يذكرون (بحر النجف) (والمشهور سابقا بهذا الاسم وهو الذي يسميه بعض الكتاب المعربين) (بحيرة النجف)) كأنه موجود إلى اليوم. وهذا دليل على أن اغلب المصنفين ينقلون الكتب نقلا ولا يحققون الأمور بأنفسهم أو على يد أناس أكفاء. والصحيح أن لا وجود اليوم لبحر النجف فإن مياهه قد نشفت منذ سنة 1305هـ 1887م) وأصبحت قاعة مزارع ولها أسماء خصوصية كالمشخاب وأم البط والأحيمرات أما (المشخاب) فسمى كذلك لأن أرضه كانت أعلى مما يجاوره من قاع بحر النجف فكان يشخب ماءه أي يسيله ويدفعه إلى قاع البحر المذكور فنشف باكراً بالنسبة إلى ما حواليه. وسميت الأرض الأخرى أم البط لبقاء البط فيها مدة طويلة وأما لفظة (الأحيمرات) فهي جمع الأحيمر والأحيمرات ثلاثة، قيل له ذلك لاحمرار ترابها. وهناك غير هذه الأسماء وقد ذكرنا أشهرها. وكان ذوق ماء بحر النجف يختلف باختلاف ما ينصب فيه من المياه. فإذا تحدرت
باب المكاتبة والمذاكرة
إليه المياه العذبة آنية من الفرات طاب، وإن تبخرت تلك المياه في الصيف ملح وعلى كل حال لم يكن بعيد الغور ولم يكن له من الصفات البحور سوى أتساع الأرض المغمورة بالماء لا غير ووجود البحر هناك قديم ولم يعرفه قدماء العرب إلا باسم البحر لا باسم البحيرة. قال اسحق بن إبراهيم الموصلي في قصيدة يمدح بها الواثق هذا البيت: قد حف بر وبحر فهو بينهما ... فالبر في طرف والبحر في طرف هذا ما أردنا إثباته في هذا الصدد رداً على من قال الخلاف ممن ألف في هذه الأيام، أو رسم رسوم هذه الديار في هذه الأعوام، والسلام باب المكاتبة والمذاكرة نظر في (إصلاح غلط) كتب أحد أدباء النجف في إحدى صحف هذه الحاضرة مقالة وسمها (إصلاح غلط) ظنه وقع في قصيدة (ألم نر) قال: (وذا يملي) في هذا البيت: كتمت الهوى جهدي فحرره الأسى ... بماء الماقي ذا يخط وذا يملي غلط ويجب أن يصلح هكذا: (وذي تملي) والحال إننا أطلعنا صاحب القصيدة عنده صعوده في بغداد أن القصيدة التي خطها بيده تروي البيت على ما طبع في المجلة وهو الوجه الصحيح الذي لا ضعف معنى فيه بخلاف ما توهمه المعترض إذ المعنى يوجب هذا القول: وقول المعترض (وذي تملي). (تملي) مخل بقواعد النحو لأن ضمير تملي يرجع إلى الماقي وهو مضاف إليه وهذا لا يجوز إلا بتأويل أو توجيه بخلاف ما أثبته الشاعر النبيه. ثم إن (ذا يخط). راجع إلى الماء وهو سائل من جنس المداد الذي يناسبه قولنا الخط. أما الاسي فيوافقه الإملاء لكونه من الشواعر والشواعر هي التي تدفع الإحساس في الشاعر ولهذا اخطأ المعترض الحفرة والأصح بقاء البيت على رواية الشاعر الأصلية. أما تصحيحه (لعل الصبا) لكوننا لم نحصره بملالين فلان الأصيل هو كذلك. هذا فضلا عن أن هذه العلامة من الاصطلاح الحديث لا دخل لها في
أسئلة وأجوبة
(إصلاح الغلط) حتى ينبه عليه في جريدة لا يهمها إصلاح مثل هذه الأغلاط التافهة بل همها الشؤون الخطيرة. وأما تصحيحه (ودلت كما دل الفرند) فهذا ناشئ أيضاً من سوء خط الشاعر والقارئ لا يقرأه غير ما قرأه المنضد. فالعتب هنا أيضاً على الشاعر لا على القارئ. مع أن المعترض لو تدبر البيت الذي خطأه لوجد في الخطأ معنى دقيقاً لا يجده في ما صححه بل يدل على ذكاء المنضد. وأما تصحيحه هذا البيب: يروم أصحابي البقاء لديهم ... ودون الذي راموا أبيح لهم قتلي فليس فيه غلط حتى يصحح فإن الواو هنا مشددة ومعنى روم المثقل: هم بشيء بعد شيء: وهو المطلوب هنا. والشاعر لم يصغر (أصحابي) إلا لإقامة الوزن دون أن يفكر أنه يخل بالمعنى إذ لا موجب لتصغير أصحابه لأن الاسم يصغر أما للتحبب وأما للتعظيم وأما للتحقير وكل هذا لا موجب له هنا. فإن كان الشاعر يحب أصدقاءه محبة صادقة وجب عليه أن يحقق أمانيهم ولا يخالفها فلا حاجة بعدئذٍ إلى قول ما قال. وإن كان يعظمهم فما أحرى أن ينصت لنصيحتهم ولا يقول ما قال. وإن كان يحقرهم خالف أصول الآداب والصداقة وأصبح في غنى من أن يهينهم إهانة علنية. ولهذا يجب كل الوجوب أن يقول (بروم) بتشديد الواو فيستقيم الوزن والمعنى معاً. وأما تصحيح مطيتي بمطي فليس فيه كبير أمر وإنما من قال مطيتي خفف الياء من باب الضرورة لا غير. ولهذا يحق لي في الختام أن أقول: (ليس هذا بعشك فأدرجي) وعلى المنتقد السلام. أسئلة وأجوبة 1 - الإشباع قبل الروسي من كربلاء. هل ورد الإشباع قبل الروسي؟ نعم. ومنه قول ابن هرمة من شعراء الجاهلية: فأنت من الغوائل حين ترمي ... ومن ذم الرجال بمنتزاح
والأصل (بمنتزح) إلا أنه أشبع فتحة الزاي فتولدت الألف. ومثل هذا كثير في الأشعار، إلا أنه يدل على ضيق ذرع ناظمها. 2 - الحضيرة بمعنى اسكلة الخشب وسبب وجود الحضائر على شواطئ دجلة من بغداد. كثيراً ما نرى اسكلات الخشب على شواطئ دجلة لا في داخل المدينة فهل من سبب لذلك؟ ثم كيف كان الأقدمون من البغداديين يفعلون وما كان اسم الأسكلة عند العراقيين في عهد العباسيين؟ الاسكلات تكون على الشواطئ لأمرين على ما نرى: - 1ً لسهولة نقل الحطب من الشط (دجلة) إليها توفيراً لنفقات النقل - 2ً لقرب الماء فيها إذا نشبت فيها النار إذ يسهل حينئذٍ إطفاؤها وكثيراً ما تكون خزائن الحطب والخشب معرضة للحرائق في حمارة الغيظ. وكانت تسمى في عهد العباسيين (الحضائر) جمع حضيرة وكانت تتخذ أيضاً بجانب دجلة. قال ياقوت في معجم البلدان في مادة الحضيرية: (على شاطئ دجلة مواضع يباع فيها الحطب يقال لكل موضع منها (حضيرة) ويجمعونها على (الحضائر)). أهـ. 3 - معنى الحكومة ليست بحديثة الوضع من بغداد. قرأت قبل بضعة أشهر في إحدى الجرائد الشامية إن لفظة الحكومة بمعنى أصحاب الأمر والنهي أو بمعنى الدولة هي حديثة الوضع ادخلها الأتراك اللغة العربية فهل هذا صحيح. كلا. الكلمة بهذا المعنى قديمة وإن لم يصرح بها اللغويون لأن مدوني المعاجم لم يقيدوا جميع الشوارد والأوابد والنوادر والشواذ. وممن استعملها من الأقدمين أبو عمر الكندي المصري في كتاب الولاة (من كتاب القرن الرابع للهجرة) قال في ص 31: (ثم خرج عمرو للحكومة واستخلف على مصر ابنه عبد الله بن عمرو) ولو فرضنا أنها من مدخلات الترك فإنها لا تخلو من صحة، إذ الحكومة مصدر حكم. وحذف المضاف وإبقاء المضاف إليه من أبواب توسيع اللغة المشروعة وهو أشهر من أن يذكر ومنه الحديث: (وإن مجلس بني عوف ينظرون إليه، أي أهل المجلس كما صرح به غير واحد من الشارحين. وفي الأساس: رأيتهم مجلساً أي جالسين. وقد عقد ابن الأثير في كتابه المثل السائر باباً رحباً لهذا الوضع فراجعه تستفد.
3 - فجر الانبعاث كيف تكونت فكرة المحفى العراقي العصري ما كادت بلاد السواد تتخلص من حكم الغريب وتؤسس الحكم الوطني فيها بعد الحرب العظمى وتقيم عرشا جديدا وسدت عليه جلالة الملك فيصل حتى فكرت وزارة المعارف في وجوب تعزيز لسان الأمة والدولة وترقيته فتحفزت في شهر تشرين الأول سنة 1921م (1340هـ) لإنشاء المحفى باسم (لجنة الترجمة والتعريب) وأقامت الأستاذ معروف الرصافي نائبا لرئيسها الذي لم تعينه وقد صرحت الوزارة للصحف يومئذ بأن مهمة اللجنة تعريب الكلمات الإفرنجية ووضع أسماء للمسميات الأجنبية التي لا أسم لها في اللغة العربية) فكتبت على أثر هذا التشبث مقالا نشرته جريدة (لسان العرب) البغدادية في صدر عددها الصادر يوم 7 تشرين الثاني 1921 بعنوان (لجنة التعريب عندنا والمجامع اللغوية عند غيرنا) ذكرت فيها وزارة المعارف بواجبها وإن الحاجة إلى تأسيس مجمع لغوي على مثال المجمع العلمي العربي في دمشق يوكل إليه النظر في أمور المعارف والتأليف وإنماء دار الآثار والعناية بخزائن الكتب وإصلاح اللغة ووضع الألفاظ للمسميات الحديثة وتنقيح الكتب وإحياء المهم مما خلفه الأسلاف منها والتنشيط على التأليف والتعريب. ولكن لا نعلم لماذا لم تعقد تلك اللجنة إلاَّ الاجتماع التمهيدي ثم دفن المشروع وهو جنين. وحاول (المعهد العلمي) (وهو النادي الأدبي المؤسس في العراق سنة 1921) أن يؤسس المجمع اللغوي فدعا جماعة من رجال العلم والأدب فعقدوا اجتماعا في بنايته في 23 كانون الثاني سنة 1925 فعرض عليهم ثابت عبد النور - مقترح مشروع المعهد العلمي وتعليم الأميين وسوق عكاظ المقام في بغداد سنة 1922 - الفكرة فقرروا بإجماع الآراء ما يأتي بحروفه: (نحن المجتمعين في بناية المعهد العلمي في 23 كانون الثاني 1925 الموقعين أدناه (كذا) بعد المداولة (كذا) في موضوع تأسيس مجمع لغوي يقوم بتعريب
الكلمات وإيجاد الاصطلاحات العلمية وترجمة الكتب التي يحتاجها (كذا) العالم العربي أن تأسيس (كذا) مرجع علمي لتحقيق هذه الأمنية من الضروريات الحيوية للغة العربية ونهضة البلاد فقررنا بإجماع الآراء تأليف لجنة من السادة جميل الزهاوي ومعروف الرصافي وتوفيق السويدي وعبد اللطيف ثنيان وثابت عبد النور لتهيئة الوسائل والمنهاج ومراجعة الحكومة العراقية بهذا الخصوص. وهذه أسماء الذين ذيلوا القرار بأسمائهم مرتبة على حروف الهجاء: السيد أحمد الداود. أحمد منير القاضي. أمين المعلوف. توفيق السويدي. ثابت عبد النور. جميل الزهاوي. رفائيل بطي. ساطع الحصري. طه الراوي. عبد الحسين الازري. عبد الحليم الحافاتي. عبد اللطيف ثنيان. عبد المجيد الشاوي. يوسف غنيمة. وبعد مدة يسيرة عقد اجتماع ثان في المعهد العلمي حضره نفر من الأفاضل مع المذكورين واشتركوا في البحث فعرض على المحفل المنهاج الذي وضعته اللجنة المنتخبة في الاجتماع الأول لمشروع تأسيس المجمع العلمي اللغوي وقرئت طائفة من الأجوبة التي وردت على اللجنة من وزارات العراق كافة تحبذ المشروع وتعد بمعاونته جهد الطاقة من غير أن تعين نوع تلك المعاونة. ولا بأس من أن نورد هنا النقاط الأساسية من ذلك المنهاج: يسمى المجمع (المجمع العلمي اللغوي) ويشترط للانخراط في سلكه أن يكون العضو من أهل العلم والأدب وممن لهم اختصاص بفرع من العلوم العصرية ولا بد من أن يكون منهم من يتقن إحدى اللغات الأجنبية وهو يتألف من أعضاء عاملين وأعضاء فخريين والأعضاء العاملون 9 ثلاثة منهم أعضاء دائمون ينقطعون للعمل فيه وهم المسؤولون عن الإدارة ويتقاضون رواتب والباقون أعضاء خبراء يتقاضون اعطيات عن كل اجتماع يحضرونه. أما طريقة انتخاب الأعضاء العاملين فتنتخبهم لأول مرة لجنة معينة مؤلفة من (14) شخصا نصفهم من ممثلي الوزارات ونصفهم من منتخبي اللجنة المؤسسة وكلما خلت عضوية ينتخب الأعضاء الدائمون بالاشتراك مع ممثلي
الوزارات من يشغل الكرسي الشاغر. ولا يجوز أن يجمع العضو العامل المداوم بين العضوية ووظيفة الحكومة. أما عمله فقد حدد بإحضار الوسائل المجددة لشباب اللغة العربية كوضع مصطلحات للعلوم والآداب وهو يهيئ خطبا ومحاضرات علمية أدبية اجتماعية تلقى على الجمهور ولرفع مستوى البلاد العلمي وينشر مجلة شهرية يسجل فيها أعماله ومباحثه. أما نفقاته فقد قدر جمعها من أنصار العلم والأدب والحكومة وإذا اشتركت الحكومة في نفقاته فيكون لها حق الإشراف عليه، ما دامت تمد إليه يد المساعدة. ثم انتخبت لجنة جديدة تقوم بتهيئة الوسائل التأسيسية ومراجعة الحكومة في هذا الباب. ولما بلغ مسامع صاحب الجلالة الملك خبر الفكرة حبذها ونشط المعهد لتشبثه بها، ثم أخذت اللجنة تراجع الحكومة لتستمد منها المساعدة المالية من جهة ولتعيين ممثلي الوزارات لحضور اجتماعات انتخاب الأعضاء بعد إيجاد المال الذي منه يعيش المجمع وأخيرا بلغ معتمد المعهد واللجنة المهيئة وسائل التأسيس أن فخامة رئيس الوزراء عبد المحسن بك السعدون تفاوض مع وزارة المعارف وقررت إضافة مشروع المجمع العلمي اللغوي إلى أعمال لجنة عالية تؤلفها الوزارة المشار إليها لتنظر في ما يرقي المعارف ويرفع مستوى التعليم وطلب إلى المعتمد المذكور مراجعة وزارة المعارف في هذا الأمر. وعند هذا الحد وقفت جهود المعهد العلمي في تأسيس المحفى. رفائيل بطي أصل كلمة بيرام الأتراك يسمون العيد (بيرام) وهم لا يعرفون أصل الكلمة؛ فهي يونانية من ومعناها التهيؤ والاستعداد والثبات ويريد به النصارى الليلة التي تتقدم العيد؛ وهم يحيونها في الصوم والصلاة والعبادة. ولما كان العيد يبتدئ عند الشرقيين في المساء الذي يسبقه ليدوم 24 ساعة توسعوا في التسمية فالمسلمون الأتراك يقولون (بيرام) والنصارى العرب يقولون (بيرامون) كما في اليونانية. ومن غريب الأمر أن الترك يظنون أن الكلمة تورانية أو ايرانية؛ ولو طالبناهم بدليل يسبق اتصالهم باليونانيين؛ لعجزوا. فلله درهم.
الحالة العلمية والحركة الفكرية في النجف
الحالة العلمية والحركة الفكرية في النجف وجدنا مقالا للشيخ الشرقي في الجزء الممتاز من جريدة النجف ثم وجدنا له تكملة في مكان آخر بقلم الشيخ نفسه فأحببنا أن نجمع بين الأمرين، فالكلام كله إذن للشيخ الشرقي وليس لنا فيه كلمة واحدة. ل. ع. توطئة قبل سبعة أهلة نشرت في العدد الممتاز لجريدة النجف، مقالا تحت عنوان (الحركة الفكرية في النجف) صادف استحسانا في نفوس العلماء هنا وهناك وقد رغب إليَّ بعض العلماء في تكميل ذلك المقال من بعض جهاته ونشره مع التكملة وها اناذا ممتثل ومجيب. لا تمتاز النجف بأسلوب فكري خاص، وإنما أسلوبها هو الأسلوب الفكري القديم الماثل بتمامه في هذه الزاوية وليس فيها هيكل خاص بالحركة الفكرية وكلما هناك خميرة من حبوب كثيرة أنبتتها مزارع مختلفة فالحركة الفكرية هنا نتيجة لا علة واهم تلك الحبوب المكان والزمان. 1 - المكان على طف الحماد بين سواد الفرات وصحصاح الجزيرة مما يلي ظهر الكوفة أبراج سور وضعته الهندسية وضعة أسد رابض يطوق مدينة راكبة على متن الوادي متمتعة بأنف البرية وجمال الهضاب يناوحها الهبوب الناشف وحواليها الربوات البيض ومساحب السيل تطل من جهتي الشمال والشرق على مخيم واسع فيه القباب والبيوت والمساطب والغرف وحفائر منبوشة ودكاك وأكوام مبثوثة تلك جبانة النجف أو وادي السلام الذي ترفرف في سمائه أجيال من أرواح البشر وأجيال، وتطل من جهتي الغرب والجنوب على واد أفيح ربما دلت آثاره الجيولوجية على بحر أو بحيرة في التاريخ البعيد. سماء صافية وجو نقي وشمس تتوهج على شمسين شمس السماء وشمس
الذهب تلك القبة الابريزية الموقرة التي ترى في الرواق العلوي. فالنجف هي خورنق اليوم وقريب منها خورنق الأمس. النجف المعري الذي تكتنفه أودية منورة الاقاح كان متنزها للساسانيين وللمناذرة وللعباسيين وكان حوله النصارى نصارى الحيرة بيع وأديرة في الزمن الغابر مبثوثة في بلاد العيون التي حول النجف وتسمى اليوم (بلاد القصور) بل حتى في النجف نفسها يذكر وجود دير وفي ذلك أكبر دلالة على جمال الموقع فاعتدال الجو وصفائه ورملة الأرض ونقائها وبهاء الشمس، إذ له الأثر البالغ في تكوين الروح النجفي ونشأته النفسية، وفي إلهامه وآرائه وخواطره. 2 - الزمان للشيعة مدن علمية تعاقبت في الظهور حسب الأحوال الاجتماعية والسياسية التي تنقلت بهذه الطائفة من مركز إلى مركز، فكانت (قم) ثم (الحلة السيفية) ثم (شيراز) ثم (اصفهان) ثم (كربلاء) ثم (النجف) كما أنه ربما كانت (جبع) وغيرها من بلاد جبل عامل من المراكز العلمية لهذه الطائفة. كل هذه المدن أخذت سلطتها الزمنية والدينية وصارت محطة علمية توزع تلاميذها على سائر أقطار الشيعة ويهاجر إليها رواد العلم وطلاب الأدب من أقصى البلاد وفي كل مدينة من هذه المدن آثار علمية كثيرة ف (قم) إلى اليوم تعرف عندهم بدار المؤمنين وفيها إلى الآن زوايا ومدارس وخوانق قديمة وحديثة. وفي (شيراز) إلى الآن محلة كبيرة تعرف بمحلة العلماء والحكمة والعرفان الشيرازي معروف عند هذه الطائفة. وفي اصفهان وبلاد عامل المدارس التاريخية والمحلات العلمية. وكل تاريخ الحلة تاريخ أدب وعلم. وأكثر الكتب الحية والتآليف الممتعة التي في أيدينا وفي دور كتبنا هي: للقمي أو للحلي أو للشيرازي أو للعاملي أو للأصفهاني أو للحائري أو للنجفي الغروي.
وقد انتقل النتاج الفكري من كل هذه المدن إلى النجف. وفي النجف آثار علمية من القرن السادس للهجرة ولكنها في ذلك العهد كانت كزاوية لا كمدينة علم، وفي القرن التاسع والعاشر كانت فيها طائفة علمية كبيرة تتردد بين (النجف) وبين (الرماحية) وهي اليوم بلد دارس من مدن الفرات الأوسط بين النجف والسماوة وفي القرن الحادي عشر كان العلم يتردد بين النجف وبين كربلاء ومن القرن الثاني عشر ابتدأت المركزية العلمية في النجف وأصبحت هذه المدينة جامعة علمية ضمنها كليات عديدة لكنها بصورة غير منظمة فهي مبثوثة ومبعثرة، فيها: كلية للآداب وكلية للغة وكلية للرياضيات والفلسفة وعلم الكلام وعلم الأخلاق وعلم الحديث وعلم الفقه، ولكن الصبغة العامة فيها والرونق الجلي فيها هما للعلوم الدينية، والنجف زاوية دينية قبل كل شيء فهي في العراق كالأزهر في مصر إلاَّ أن الأزهر أثرت فيه الحضارة المصرية والحركة الفكرية فحورته وهذبته ورتبته. والنجف لم يجد من نفسية قطره ما يؤثر فيه فهو ما زال مؤثرا غير متأثر والروح العلمي الذي نشأ في الأزهر روح عربي، أما في النجف فالروح العلمي روح فارسي لأن الشيعة في تاريخها وشعائرها وسيرتها العلمية والأدبية فارسية اكثر منها عربية، وقد هاجر إليها وما زال يهاجر إليها طوائف وجماعات من سائر البلاد الفارسية هاجروا إليها بالأدب والمادة، هاجروا إليها بجسومهم وعقولهم هاجروا إليها بأذواقهم واميالهم فأثروا في مختلف الطبقات وأوجدوا حركة فكرية فارسية ولكنها متقمصة ثوبا عربيا رثا. وقد نفعت النجف هذه الهجرة الفارسية وأضرتها معا، أما وجهة الضرر فقد كانت الحركة الأدبية والسير العلمي قبل الهجرة اصح مما هما عليه اليوم وأمتع فقد كانت كتب الدراسة وطريقة التدريس وأقلام التأليف وأسلوب التحرير والتقرير كلها عربية صحيحة وكان للأدب العربي العالي رونق ومكانة، ولكن بعد الهجرة فسدت اللغة وسقم التحرير والتقرير وضعف التأليف والأسلوب العربي فأصبحت السيرة العلمية سيرة فارسية صرفة ليس فيها غير طائفة متفككة من الألفاظ العربية تلوكها الألسن الفارسية بهجنة ولكنة، على أن فيها من
الدقائق والروابط والأساليب الفارسية ما يخرجها عن اللغة العامية فضلا عن الفصحى. وقد أهملت كثير من الأعضاء العلمية حتى غمضت وصارت أعضاء أثرية. فاللغة والحديث والتفسير والتاريخ والأدب والفلسفة انسد باب الاشتغال فيها في النجف فضلا عن باب الاجتهاد والفقه العربي مسخ أسلوبه وانقلب انقلابا كبيرا. أما النفع فمن جهات عديدة فلقد أنعشت النجف تلك المهاجرة بأمور كثيرة مادية واجتماعية وأوجدت لها مكانة تاريخية، لقد لطف الذوق الفارسي وأثرت تلك العقول في نفسية البلاد فالنهضة الحديثة في النجف بما فيها من جهاد أو عناد سياسي وتجدد أدبي وتحرك إصلاحي كلها من نافخ فارسي وإذا كان للاحتكاك أثر أدبي فإن الاختلاط الفارسي بالنجف والنجفيين أوجد أشياء كثيرة منها هذه الحركة الفكرية الجديدة التي تتمخض في النجف منذ 19 عاما أي منذ تاريخ الانقلاب السياسي الإيراني والعثماني. والأدب النجفي - وخصوصا الشعر - فيه خميرة من الأدب الفارسي ولكن كانت الجالية الفارسية والمهاجرة بالأمس انفع للحركة الفكرية في النجف اليوم لأمرين: أولا - لأن التجدد في بلاد فارس والحركات السياسية والاجتماعية في إيران جذبت المفكرين والمتنورين من الجالية الإيرانية التي فضلت الإقامة في بلادها والعمل لها على المهاجرة وأصبح لا يهبط النجف من الطبقة الراقية أحد وكل من يغشى النجف فهو من الدهماء وطبقة السواد من أبناء الاكرة والتناء القرويين. ثانيا - أن النجف اضطربت في مبادئها ونزعاتها السياسية وسايرتها السياسة البغدادية زمن القلاقل والزعازع، فلما أرادت سياسة بغداد أن ترسخ وتستقر وتشتغل في بنيان حكومة دائمة اختلفت مع النجف في بعض تعاريج السياسة وملتوياتها فقضت بغداد باعتزال النجف عن السياسة فاعتزلت النجف وقبعت في زاويتها. فالنجف في عزلتها اليوم فقدت عضوا كبيرا من أعضاء الحركة الفكرية.
3 - المدرسة النجفية إن مبدأ المدرسة العربية الإسلامية وبذرتها الأولى هي تلك الحلقة المقدسة التي كانت تجتمع في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فتتطارح بالحديث والسنة والإدارة والتاريخ والأدب، ثم توسعت تلك الحلقات والاجتماعات فكانت في مسجد الكوفة ومسجد البصرة وصارت المساجد مركزا للحركة الفكرية فالمساجد في غير أوقات العبادة مدارس. وهذه الطريقة القديمة محفوظة في النجف اليوم، فالجامع الهندي ومشهد علي (ع) المعروف عندنا بالصحن - وغيرهما في أوقات العبادة تجد الطلاب هناك حلقا حلقا مبثوثين وبعض الأساتذة على المنابر وكلهم يتطارحون في المباحث العلمية والأدبية. ومشهد علي (ع) - الصحن - أول إنشائه كان بصفة مدرسة حول الرواق العلوي كما ذكره الرحالة ابن بطوطة في سنة 726 هـ وذلك على عهد عمارته الأولى العمارة البويهية وهكذا هو في عمارته الحالية وهي العمارة الصفوية التي خططت في غرة القرن الحادي عشر فإنه بشكل مدرسة تدور عليها خلوات وأيونات في الطبقة السفلى ومثلها في الطبقة العليا وأمامها بهو (قاعة) للتدريس والاجتماع وهكذا كانت الخلوات مشحونة بالطلاب الغرباء ورواد العلم وما زالت بعض الخلوات أو الحجر تعرف بأسماء العلماء الذين كانوا يقطنونها مثل حجرة الاردبيلي في الطبقة العليا فوق الباب المعروف بباب القبلة. وقد كانت خزانة كبيرة للمدرسة العلوية أي (للصحن) قيل أنها كانت تشتمل على 400 ألف كتاب وأخيرا تبدلت الحال وصارت الخلوات التي في الطبقة السفلى مقابر للأموات التي تريد التقرب من مرقد الإمام (ع) وبقيت الخلوات التي في الطبقة العليا فارغة موحشة وما هي إلاَّ عشا للخفاش ولطيور الحمام المعروف بحمام الحضرة. بادت تلك الخزانة ولم يبق منها غير مئات من نسخ القرآن المجيد وكتب الأدعية وشيء من الكتب المبعثرة مكدسة في بيت صغير في الصحن من جهة القبلة، وقد ذكر ابن بطوطة أن مشهد علي (ع) محفوف بالمدارس والزوايا والخوانق ومن القرن الثاني عشر كثر تشييد البنايات والأروقة حول المشهد
المقدس لسكنى الغرباء من طلاب العلم وربما كان فيها بغض التخصيص فيقولون هذه مدرسة الهنود، وهذه مدرسة الترك، وهذه مدرسة القزوينيين، وهلم جرا؛ وما هذه بمدارس لأنه ليس فيها مناهج ولا أساتذة ولا صفوف، وقد تعرف باسم أستاذ كبير مثل مدرسة الملا كاظم ومدرسة السيد كاظم وقصدهم من هذه النسبة أنه شيدها وما هي إلاَّ منازل للسكنى فقط. والمدارس الحقيقية هي الجوامع والمشهد الصحن. وفي النجف 53 مدرسة بين قديمة وحديثة، أعتقها المدرسة المعروفة بمدرسة الصحن ويظهر أنها اقدم مدرسة في النجف وهي بناية قديمة بجنب الصحن من الجهة الشمالية وبابها مشروع من أحد أيونات الصحن وطرز هندسة عمارتها مغاير للعمارة الصفوية الماثلة في الصحن والرواق ويظهر أن عمارة المدرسة اقدم واقدم وهي اليوم فارغة ومتداعية ويعرف النجفيون بعض مدارس قديمة جدا درست ونهضت بمكانها دور للسكنى مثل دار في محلة المشراق تعرف بدار الملا شاكر ومثل عمارة في محلة العمارة تعرف بدار الاغاخانية وكثير غيرها. وقد كانت المدرسة العربية الأولى بمثابة عنوان للأدب الناضج والنور الشائع في نفوس الأمة بأسرها لا يخص طائفة دون أختها فمثل بيت الحكمة في بغداد كان بيت الأمة بأسرها وهكذا كانت المدرسة النظامية والمستنصرية وسائر مدارس بغداد والأندلس في دورها الأول ثم افترقت الأمة فتأسست مدرستان مدرسة للاشاعرة ومدرسة للمعتزلة من جهة ومن جهة أخرى مدرسة للظاهرية ومدرسة للباطنية كالتصوف بطرقه كلها وبحلقاته ومناحيه وزاد الافتراق فتأسست مدرسة للسنة في بغداد ومصر ودمشق ومدرسة للشيعة في قم وفي الحلة وشيراز واصفهان وبلاد عامل ثم زاد الافتراق فوق ذلك كله فتأسست مدارس لفرق السنة ومدارس لفرق الشيعة فكان في القرن الثاني عشر للهجرة مدرستان للشيعة في كربلا تتزاحمان، مدرسة الأخبارية ومدرسة الأصولية وكان الرجحان لمدرسة الأخبارية حتى بعث الله ذلك المجدد الكبير والمصلح الشهير العلامة المعروف بالآغا البهبهاني. نبغ ذلك العبقري في بهبهان إحدى مدن الخليج الفارسي وبعد أن برز فيها
هاجر إلى كربلاء فنفخ من روحه الطاهر في مدرسة الأصولية فزاحمت المدرسة الأخبارية بل أحرجتها فأخرجتها من كربلاء والنجف وعلى يد ذلك العلامة تأسست المدرسة الأصولية الكبرى أو دار المعلمين في النجف وصارت تلك المدينة مدرسة عالية لتلك الطائفة فالنجف اليوم هي مدرسة الاغا البهبهاني وكل من نبغ فيها أو ينبغ من العلماء فهم تلاميذ الاغا البهبهاني. 4 - طريقة التدريس في مدارسها وطريقة التدريس في النجف قديمة تتردد بين الطريقتين اليونانيتين القديمتين وهي طريقة التحليل بأن يتناول الأستاذ الموضوع ويجزئه إلى أقسام ثم يتناول كل قسم ويحلله إلى أجزاء وهكذا يقسم ويحلل ويجزئ حتى يصل إلى أدق تلك الأقسام وحينئذ يتناولها ويبحث في الأسباب والعلاقات والمعاني والألفاظ. وطريقة التفسير والشرح هي أن يضع الباحث أولا نص القضية فيدرسها ويأخذ بتفسيرها من جميع الوجوه الممكنة وفي الأخير يختار الوجه الذي يستنسبه والتفسير الذي يختاره. ويغلب على الأسلوب العلمي في التحرير والتقرير أسلوب محاورات سقراط المعروفة وهي الطريقة المعروفة بطريقة السؤال والجواب أو طريقة: (فإن قلت كذا قلت كذا) وهي عبارة عن محاورات يفرضها الأستاذ بينه وبين طرف مفروض، يبدأ الأستاذ بطرح بعض الأسئلة ثم يذكر الجواب الذي يتوقعه من ذلك الطرف المفروض ثم يتدرج إليه بالأسئلة حتى يصل به إلى الاستجواب عن الحقيقة التي يحذقها ذلك الأستاذ. والدراسة في النجف على نوعين (سطوح) و (خارج) أما طريقة السطوح فهي أن يتكلم الأستاذ والتلميذ على سطح كتاب مفتوح بينهما ويتعاطيان جملة منه خاصة. وأما دراسة (الخارج) فهي أن يذكر الأستاذ عنوان المسئلة التي يريد أن يبحث فيها ويقرر عن ظهر قلبه عدة آراء وأقوال حولها ثم يختار ما يرتئيه والتلاميذ يلتفون حول منبره كالمستمعين لخطابه أو لمحاضرته وهم مثل الأستاذ يستظهرون تلك المسئلة وما فيها من آراء وأقوال وينتظرون ما يرتئيه الأستاذ فيقرونه عليه أو يناقشونه فيه.
وكتب الدراسة قديمة مثل كتاب (قطر الندى) لأبن هشام وشرح منظومة ابن مالك ومغني اللبيب لأبن هشام في النحو. ومثل كتاب النظام والمكودي للصرف. ومثل حاشية الملا عبد الله الشارحة لمتن التفتازاني في المنطق. ومثل شرح المطول أو المختصر لسعد الدين في المعاني والبيان. ومثل كفاية العلامة الخراساني، ورسائل الشيخ الأكبر الأنصاري في الأصول. ومثل شرح اللمعة للشهيد العاملي طاب ثراه، والمكاسب للشيخ الأنصاري قدس سره في الفقه. ومثل رجال أبي علي في الرجال. ومثل كتاب الوسائل وكتاب البحار في الحديث والأخبار. ومثل قاموس الفيروزابادي وصحاح الجوهري في اللغة. وخلاصة الحساب للشيخ البهائي العاملي في الحساب. ومثل أشكال اقليدس في الهندسة. وكتاب المجسطي في الهيئة. 5 - مسك الختام أتراني قد المستك طرفا من الحركة الفكرية في النجف بما حللته لك من تأثيرات المكان والزمان والحالة الاجتماعية؟ وإذا عرفت أن النجف زاوية دينية تعرف أن الجمود فيها أكثر من الحركة لأن الدين بتقاليده وشعائره قديم مصمت لا يقبل التجدد وكان اللائق بالنجف أن تحدث فيه النهضة الأدبية قبل النهضة السياسية ولكنها نهضت سياسيا ولم تنهض أدبيا لأن النهضة الأدبية توجد حركة فكرية ونموا في الأخلاق والعقول وتلطف وتجدد كثيرا من المبادئ التي يود بعضهم أن تبقى على غبارها ولا تتزعزع بركة القديم فيها. وقد لطف القرن العشرون شيئا كثيرا وانتقلت عدواه إلى النفوس طائفة من المتجددة فتمردت أرواحهم على التقاليد وتعاطوا وجوه الإصلاح فهدموا شيئا
من البنيان القديم ووضعوا في البناء الجديد أحجارا ولكنهم ممتحنون بحالة اجتماعية ثقيلة إذ الشعب مزور ومنحاز عنهم فلا يجدون نوعا من التنشيط ولا طرفا من الإقبال على بضاعتهم فهم يتغذون بأدمغتهم وينتعشون بأرواحهم وتكاد تكون حياتهم في عزلة وانقطاع والأديب النجفي يعيش في ذلك وحده؛ يضيق البلد بالشاعر النجفي الذي طالما أطربك بعوده فينقبض في زاوية ينقطع إلى منعطفات الوادي بين الدكادك وحول التلال؛ الشاعر النجفي اليوم مثل المفكرين القدماء في بلاد العرب القاحلة يتلقى الوحي في العزلة أكثر مما يتلقاه في الاجتماع؛ يختلف الشاعر النجفي إلى مغارة في الوادي أو جبل أو ربوة أكثر مما يختلف إلى محفل أو ندوة؛ الشاعر النجفي مدفوع ومضطر إلى التشرد وبوده أن يغطس في المجموع ويتوسط الناس لتتحول إليه الوجوه؛ لأن الشاعر الحقيقي اليوم هو الشاعر الاجتماعي وليس في النجف إلاَّ أشباح للجديد وتلك الأشباح خائرة مرتعشة في مشيتها لا تتمكن من أن تنهض أو تنتعش. اليوم في النجف أربع مدارس للجديد ابتدائية ومدرسة ثانوية، وفيها اليوم مطبعتان سقيمتان وفيها سوق للكتب تجلبها من مطابع إيران والهند ولا تكاد تجلب لها شيئا من المطابع العربية. علي الشرقي سقاية كنج عثمان كان في قرب دار الإمارة المعروفة بالسراي سقاية على اسم كنج عثمان؛ وفي سنة 1915م أمر الأتراك بهدمها لتوسيع الطريق لتصلح أن تكون جادة؛ وابقوا منها قبره وحوطوه بدار ولما أحتل الإنكليز بغداد وطأوا ذلك الطريق فأزالوا القبر المذكور وسووه مع القارعة وذلك في شهر أيلول من سنة 1917م أما من كان كنج عثمان فراجعه في لغة العرب 3: 408 - 414 رزوق عيسى
لا همز في كلامهم
لا همز في كلامهم لهجة العوام في الأسماء الممدودة إن قصر الممدود جائز في العربية الفصحى، وواجب في كلام العامة. فإن الهمزة معدومة في كلامهم، لا توجد إلاَّ في أوائل الكلمات؛ فتسمعهم يقولون في رأس راس وفي جمعه روس؛ وكذلك الفأس يقولون فيها فاس وفوس؛ ويقولون في مأمور مامور؛ وفي مأخوذ ماخوذ: وفي مؤمن مومن. والأسماء الممدودة لا ينطقون بها إلاَّ مقصورة. ثم أنهم بعد قصرها، أي بعد حذف همزتها، يسقطون منها حرف المد أيضا لفظا، مكتفين عنه بما قبله من الفتحة الدالة عليه. ولهجتهم في مثل هذه الأسماء الممدودة بعد قصرها على الوجه المذكور هي أن يجعلوا أولها مكسورا؛ فيقولوا في سماء سما (الألف تكتب ولا تلفظ) وفي رجاء رجا، وفي شفاء شفا، وفي جفاء جفا، وفي شقاء شكا، وفي مساء مسا، وفي شراء شرا، وفي غراء غرا. كل ذلك بالقصر والكسر إلاَّ في هواء وعطاء فيفتحونهما ويقولون فيهما هوا وعطا. وهذا أي الكسر خاص بالأسماء الثلاثية أما غير الثلاثية فيقصرونها فقط ولا يكسرونها فيقولون في حلفاء حلفا (الألف تكتب ولا تلفظ) وفي طرفاء طرفا، وفي علباء علبا. وكذلك يفعلون في ألف التأنيث الممدودة، أي يكتفون فيها بالقصر دون الكسر، فيقولون في حمراء حمرا (الألف تكتب ولا تلفظ) وفي شقراء شقرا، وفي بيضاء بيضا، وفي سوداء سودا، وفي جرباء جربا، وفي عرجاء عرجا إلى غير ذلك من الصفات التي على فعلاء. وإذا كانت الهمزة في وسط الكلمة وكانت مكسورة قلبوها ياء. كما يفعلون ذلك في اسم الفاعل من الأجوف فيقولون في قائل كايل، وفي بائع بايع، وفي خائف خايف. وكذلك يفعلون في همزة الجموع التي هي على فعائل كعجايب وغرايب وصنايع وغير ذلك.
الحركات في اللغة العامية ست حركات: ثلاث منها مشتركة بينها وبين اللغة الفصحى وهي الضمة، والفتحة، والكسرة؛ وثلاث خاصة بها وهي الفتحة المقبوضة؛ والفتحة المبسوطة، والكسرة الضئيلة أما الحركات المشتركة فمعلومة، ولها علامات ترسم فوق الحرف أو تحته فالتي ترسم فوق الحرف هي الضمة وهذه علامتها (ُ) والفتحة وهذه علامتها (َ) والتي ترسم تحت الحرف هي الكسرة وهذه علامتها (ِ) وأما الحركات الخاصة باللغة العامية فهي هذه: (الفتحة المقبوضة): وهي فتحة تليها واو ساكنة ويكون صوتها مائلا نحو الضم قليلا، ولذا سميناها مقبوضة، فصوتها كصوت بالفرنسية كما في جوز وثوب. وقد جعلنا لهذه الحركة علامة توضع فوق الحرف هكذا: (َ) وهي علامة الفتحة بعينها إلاَّ أن طرفها الأيسر معطوف إلى فوق لتدل عطفته على ميل الفتحة إلى الضم. (الفتحة المبسوطة) وهي فتحة تليها ياء ساكنة ويكون صوتها مائلا إلى الكسرة قليلا، ولذا سميناها مبسوطة، فصوتها كصوت بالفرنسية، كما في جيب وذيل وقد جعلنا لهذه الحركة علامة توضع فوق الحرف هكذا (َ) وهي علامة الفتحة المعلومة إلاَّ أنها معطوفة الطرف الأيسر إلى تحت لتدل عطفته على الميل بها نحو الكسر قليلا. (الكسرة الضئيلة) قد ذكرناها فيما تقدم فأنظرها هناك وهي كسرة غير محسوسة بحيث يظن الحرف معها ساكنا كحركة الغين من غراب في قولهم (غراب يكول لغراب وجهك اسود) وقد جعلنا للكسرة الضئيلة علامة توضع تحت الحرف هكذا (ِْ) وهي علامة مركبة من علامتي الكسرة والسكون فإن علامة الكسرة هي هذه (ِ) وعلامة السكون هذه (ْ) فجمعنا بين العلامتين وجعلناهما علامة على الكسرة الضئيلة إشارة إلى أن هذه الكسرة قريبة من السكون. وأما حركات الإعراب وهي الرفع، والنصب، والخفض، فلا توجد في كلام العامة البتة، لأن اللغة العامية لا إعراب فيها.
التنوين لا يوجد التنوين في كلام العامة، لأنه من خواص الأسماء المعربة والإعراب ساقط في كلامهم؛ فلزم أن يكون التنوين ساقطا أيضا إلا أنه قد يوجد في كلامهم نادرا. وذلك أنهم ربما كسروا آخر الاسم النكرة ونونوه كما في قولهم (جوزٍ (بتنوين الكسر) معدود بجراب (بتنوين الكسر) مشدود) وكقول بعضهم إذا سلم: (سلامٍ (بتنوين الكسر) عليكم) وكقولهم وهو من أمثالهم: (كحيلةٍ (بتنوين الكسر) جسبت وردت) فالتنوين إنما يوجد في كلامهم نادرا مقترنا بالكسرة فقط ولا يدخل وقوعه تحت ضابط بل هو من قبيل السماعي؛ لأن الغالب المطرد في كلامهم هو أن تكون أواخر الكلم ساكنة خالية من حركات الإعراب. إسقاطهم الألف من اللفظ كل كلمة انتهت بالألف اسقطوا ألفها من اللفظ، اكتفاء عنها بالفتحة التي قبلها سواء كانت تلك الكلمة اسما كالعصا أو فعلا كمشى أو حرفا كعلى فيقولون مثلا مشى على رجله. وضربني بالعصا. فالأسماء المقصورة كلها يجرون فيها على هذا الوجه مثل: موسى وعيسى وحبلى ومصطفى وغير ذلك. وكذلك يفعلون في الأسماء الممدودة فإنهم يحذفون الهمزة منها كما تقدم بيانه ويسقطون ألفها أيضا من اللفظ مثل سما ورجا وهوا. ويسقطون الألف أيضا من ضمير المؤنث الغائبة فيقولون مثلا (شفتها تلبس بنتها ثيابها) ومن حرف النداء أيضا في الأغلب. فيقولون يا محمد يا جاسم يا حسن، إلا مع لفظ الجلالة فلا يسقطونها بل يقولون يا الله. وكذلك في الأفعال يسقطون الألف من أواخرها اكتفاء عنها بالفتحة التي قبلها إلا إذا اتصل بها ضمير المفعول، فأنهم عندئذ يثبتونها في اللفظ فيقولون مثلا (رماني الزمان) (وعلاك ربك على عدوك) و (هالحجاية منو حجاها) وأما الألف في (جا) الفعل الماضي فيثبتونها لأنها ليست في آخر الفعل بل في وسطه، لأن لام الفعل هو الهمزة التي يسقطونها في كلامهم كما ذكرنا في الفصول المتقدمة. ومنهم من يسقطها أيضا فيقول (ج) فيبقى الفعل حرفا واحدا كما ترى. ومنهم من يقدمها على الجيم فيقول (إج) فتصير همزة. غير أن الغالب في كلامهم هو (جا). معروف الرصافي
الدول
الدول 1 - تعريفه العامي (الدول: حيوان هلامي لا يهتدي في سيره لجهة وإنما تقذفه الأمواج على وجه البحر؛ وهو بقدر الكف فأصغر مدور له خيوط طوال نحو ذراع فأطول كأنه حرير متشبك؛ فإذا لامس هذا الحيوان جسم بني آدم أحرقه حرقا مبرحا وربما اعاب الموضع الذي لامسه. فلو رفع هذا الحيوان بنحو عصاة عن الماء أصابته حرارة الشمس مقدار خمس دقائق لذاب وتحلل ماء ولم يبق له أثر وهو من عجائب المخلوقات؛ فإذا وجد في البحر لبس أهل الغوص ثيابا ضيقة ملامسة للجسد اتقاء لشره) اه بحرفه وغلطه عن كتاب التحفة النبهانية في إمارات الجزيرة العربية لمحمد بن خليفة النبهان 26: 1 وقال عبد العزيز الرشيد في تاريخ الكويت 59: 1 (الدول: ابيض لا يعرف رأسه من ذنبه كأنه قطعة شحم غير أنه أصفى منه وهو لين جدا؛ إلاَّ أنه يحرق بلسعه) أهـ بحروفه. 2 - أصل الكلمة ومرادفاتها الدول ومفردها الدولة؛ بفتح الأول شيء كالمزادة ضيق الفم؛ والحوصلة أو القانصة وسمي هذا الخلق المائي بهذا الاسم من باب المشابهة لأن الكتلة الهلامية التي تتفرع منها تلك الجراميز أو الخيوط تشبه تلك المزادة أو تلك الحوصلة فالاسم إذا عربي فصيح إلاَّ أنه لم يرد في معاجم السلف لأن تلك الدواوين لا تسع مفردات اللغة جميعها فلا جرم أنها من فصيح الكلام. وأهل سورية يسمون هذا المخلوق (الأخطبوط) والكلمة يونانية الأصل معناها ذو الثماني الأرجل. لأن له ثمانية جراميز. وذكر النجاري في معجمه الفرنسي العربي اسما لم يذكره سواه. فقد قال في مادة حمار بحري ولا جرم أنه من وضعه الخاص به. لأن الناطقين بالضاد لا يعرفونه بهذا المعنى.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - انقلاب المكتب الإعدادي مكتباً سلطانياً ابرق من الأستانة إلى ولاية بغداد تحويل المكتب الإعدادي إلى مكتب سلطاني 2 - ريع ممكس البصرة يبلغ دخل الممكس (الكمرك) السنوية في البصرة من 350 ألفاً إلى 400 ألف ليرة عثمانية 3 - جرائدنا البغدادية مضى على إعلان الدستور نحو 5 سنوات وجرائدنا لا تزال في طور التكون فهي في تقاطع وتقاذع وتطاعن وتطاحن ولا نعلم متى تنتهي هذه الأمور الصبيانية التي لا تفيد القارئ ولا تسمن ولا تغني من جوع. 4 - قبائل الأعراب في مسقط كثر ذكر مسقط وأعرابها في هذه الأيام وانقسامها إلى موالية للسيد تيمور سلطان مسقط ومواليه للإمام الاباضي. فالقسم الأول يعرف بالغافري والثاني بالهناوي. - أما قبائل مسقط الشهيرة فهي: بنوا أبو علي وبنوا أبو الحسن والمشارقة وبنو خالد (في جهة الاحساء) والأجنبية (وزان أنصبة) وبنو بطاش (كشداد) وبنو غسان (كالاسم المشهور) ومساكرة وبنو ريحة (وزان قيمة) والشروق (كالسهول) والعوامر والمزار (وزان ملاك) والثوبي (كالنسبة إلى الثوب) وبنو حراس (كشداد) والعوفي (كالثوبي) والعبري (بكسر الأول) والكندي (بالكسر) وبنو وهيبة (بالتصغير) وعيال سعد (وزان رعد) وبنو كلبان (بالفتح) والحواسن وبنو ربيعة وطئ وبنو سرحان والمناذرة وبنو قحطان وعيال أبو سعيد وبنو كتب (وزان عرب) ويعاربة وبنو حاتم (بفتح التاء) والهدابيون وجابري (بإسكان الباء) وعنابي (كشدادي) ولعل هناك غيرها لم نقف على أسمائها. سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض 5 - الجدري في بغداد فتك الجدري هذه السنة في بغداد فتكا ذريعاً حتى أصيب به نحو العشرين من كل مائة العدد 31 - بتاريخ: 01 - 01 - 1914 كتب تواريخ بغداد 1 - توطئة بغداد كانت ولم تزل مدينة عظيمة طبقت شهرتها الخافقين، أسسها الخليفة جعفر المنصور؛ ثم وسعها بعده هارون الرشيد والمأمون وزيناها بقصور شماء، وحدائق غناء، مما يأخذ بمجامع القلوب؛ ولم يكتفيا بذلك بل أوصلاها بجدهما الحميد، وسعيهما الحثيث، إلى أسمى درجة من الحضارة والعمران. فلا عجب بعد ذلك إذا رأينا فريقاً كبيراً من الأدباء والكتاب قاموا فوضعوا لها دواوين عديدة منها مطولة ومنها مختصرة. ولكن يا للأسف ضاع معظم تلك الأسفار الجليلة وأصبح لا أثر لها ولا عين ومنها ما زينت به مكاتب أوربا ومتاحفها مع أن أبناء الزوراء هم أحق من غيرهم بكنز السلف النفيس؛ بيد أن النزر اليسير لم يزل محفوظاً في بعض دور أغنياء مدينتنا الاماجد، وأعيانها الأماثل، وهم يحرصون كل الحرص على ما بقى في مكاتبهم، ويحافظون عليه محافظتهم على إنسان عينهم؛ وقد أفضى ببعضهم إلى الشح بها إذ ضنوا على أدباء حاضرتهم بنسخها بل برؤيتها لئلا يطرأ عليها ما طرأ على غيرها من تواريخ مدينة السلام. ولو تبصروا قليلا وأنعموا النظر في ما يفعلون لما تمسكوا بعملهم هذا غير المحمود بل لبادروا إلى الضياع وغوائل الزمان وإلا فما الفائدة من وجودها في زوايا الإهمال وتعرضها للفقد كما فقدت أخواتها من قبلها بعد ذهاب أصحابها وانتقالها من يد إلى يد.
هذا وقد بحثنا بحثاً بقدر ما وسعته الطاقة عن أسماء تلك المؤلفات من قديمها وحديثها وهاك ما وصل غلينا خبره ورأيناه مبسوطاً في بعض المواطن ناشر به على صفحات مجلة (لغة العرب) إذ لعل هذا الأمر يدفع أحد سراة القوم وفضلائهم إلى أن يشمر عن ساعد الجد وسنشر بعضها على نفقته فيخدم بذلك وطنه خدمة تذكر فتشكر فنكون قد نلنا على يده الضالة التي ننشدها منذ أمدٍ بعيد والله الميسر. 2 - تواريخ بغداد القديمة (1) - تاريخ بغداد: تأليف أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور البغدادي: هو أقدم تاريخ لدار السلام على ما يظن فريق من المؤرخين عثر على الجزء السادس منه الدكتور كلير الألماني بين مخطوطات لندن وقد وقعت نسخة منه في يد أحد الأدباء فألفها سفراً نفيساً جديراً بالمطالعة يشتمل على تاريخ المأمون خاصةً من شخوصه إلى بغداد سنة 204هـ - 819م إلى حين وفاته. ويصف فيه كافة الأدباء والندماء والشعراء الذين كانوا يحضرون مجلسه وما كان يدور بينهم من المحاضرات الأدبية والمناظرات العلمية اللغوية فضلاً عن المساجلة والمناشدة وقد علق عليه ناشره الفاضل بعض الملاحظات الدقيقة مع ترجمة ألمانية وطبعه على الحجر في ليبسك 1908م - 1326هـ (2) - تاريخ بغداد: تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي المعروف بالخطيب المتوفى سنة 463هـ - 1070م يحتوي على تراجم علماء الزوراء وأدبائها ومن ورد إليها من الرجال العظماء وقد ضم إليه فرائد وخرائط يضيق النطاق عن حصرها وتعدادها. ومنه الآن نسخة خطية في كل من المتحفة البريطانية في لندن والمكتبة الأهلية في باريس وخزانة كتب السيد عبد الرحمن أفندي النقيب في بغداد وفي مكتبة جامع ايا صوفيا في القسطنطينية ومن هذا التاريخ الفريد أجزاء متفرقة في كل من مكتبة برلين وكوبرلي والجزائر والمكتبة الخديوية في مصر وفي بعض دور أعيان بغداد وعلمائها. وكانت منه نسخة بخط المؤلف في خزانة كتب الكلية المستنصرية بأربعة عشر مجلداً فقدت وأصبحت أثراً بعد عين. (وقد نشر المستشرق سلمون مقدمة هذا التاريخ بباريس سنة 1904م - 1322هـ كتاباً على حدة في ثلاثمائة صفحة تحتوي على أصل بغداد وأسمها وتاريخ بنائها وأقسامها ودورها وقصورها ومدائنها
كما كانت في أيامه وغير ذلك من الفوائد. وذيلها الناشر بحواش وفهارس فجاءت كالكتاب المستقل بوصف عمارة بغداد وخططها والكتاب على إجماله مروي بالأسانيد على طريقة أهل الحديث). (3) - تاريخ بغداد تأليف أبي اليمن مسعود بن محمد البخاري المتوفى سنة 461هـ - 1068م وهو ملخص تاريخ الخطيب وقد زاد عليه صاحبه شيئاً كثيراً من الأخبار والوقائع المهمة التي عرفها بنفسه أو وجدها في سائر الكتب. (4) - ذيل تاريخ الخطيب: تصنيف الإمام أبي سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني صاحب كتاب الأنساب المتوفى سنة 562 - 1166م ذيل به صاحبه تاريخ الخطيب ونسج على منواله وهو في خمسة عشر مجلداً. (5) - السيل على الذيل: لعماد الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن حامد الكاتب الوزير والعالم الكبير المتوفى سنة 597هـ - 1200م صنف المؤلف تاريخه هذا وجعله ذيلاً على ذيل ابن السمعاني وقد ضمنه الوقائع والحوادث التي أغفل ذكرها الموما إليه وهو في ثلاثة مجلدات. (6) - ذيل ابن الدبيثي: تصنيف أبي عبد الله محمد بن سعيد المعروف بابن الدبيثي الواسطي المتوفى سنة 637هـ - 1239م وقد ذكر فيه مؤلفه أخباراً لم يذكرها السمعاني ولا غيره ممن سبقه. (7) - صلة الذيل: لأبن القطيعي المتوفى في نحو سنة 640هـ - 1242م وقد وضعه ليكون بمثابة ذيل على ذيل ابن الدبيثي. (8) - ذيل تاريخ بغداد: تأليف الحافظ محب الدين محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي المتوفى سنة 643هـ - 1245م (جعله ذيلا عظيما على تاريخ الخطيب نفسه جمع فيه فأوعى حتى قال بعض من رآه إنه يتم في ثلاثين مجلداً ورأى منه المجلد السادس عشر في حرف العين وقد ذكر تراجم الرجال كالطبقات) ويوجد الآن جزء منه في مكتبة جامع مرجان في بغداد. (9) - تلخيص ذيل ابن الدبيثي: لشمس الدين محمد بن أحمد الحافظ الذهبي المتوفى سنة 748هـ - 1347م وهو عبارة عن ملخص ذيل ابن الدبيثي واختصاره ولم يضف
إليه شيئاً على ما قيل وذكر. (10) - ذيل تاريخ ابن النجار: تصنيف تقي الدين محمد بن رافع المتوفى سنة 774هـ - 1372م وهو كتاب محكم جداً بل في غاية الإتقان جعله ذيلاً لتاريخ ابن النجار واستدرك فيه ما فاته وأضاف إليه ما أهمله. (11) - ذيل تاريخ تقي الدين: تأليف أبي بكر المارستاني المتوفى في نحو سنة 785هـ - 1383م ضمنه من الفوائد والأخبار شيئاً كثيراً. (12) - ذيل تاريخ المارستاني: لتاج الدين علي بن أنجب ابن الساعي البغدادي المتوفى سنة 674هـ - 1275م وقد ضمنه مؤلفه من الفوائد الغزيرة والعادات الغريبة ما يعز وجود اغلبها في غيره من تواريخ ودواوين الزوراء. (13) - تاريخ بغداد: تأليف أبي سهل يزدرجد بن مهماندار الكسروي وهو كتاب نفيس جداً وصف فيه صاحبه بغداد وصفاً دقيقاً في عصره فذكر خبر بناء مدينة السلام وطاقاتها ومبلغ مساحتها وأحصى أنهارها وجسورها وحماماتها وقصورها وسككها ودروبها وأرباضها ومعابدها ومقابرها ومساجدها المخصصة لصلاة الجمعة والعيدين ومحلاتها الخ وقد نشر هذا السفر الجليل الفوائد أحد المستشرقين الأفاضل وعلق عليه حواشي بالافرنسية وتصحيحات بالعربية؛ طبع في مدينة شالون على نهر سون بمطبعة (برطرند). (14) - (كتاب البيان) تأليف أحمد بن محمد بن خالد البرقي الكاتب الكبير والمؤرخ الشهير وهو مؤلف حافل بمحاسن الزوراء التي أخنى عليها الدهر بكلكله مع ذكر أثارها لدوارس وأطلالها الطوامس. (15) - (روضة الأريب) لأحد علماء بغداد الأعلام وفلاسفتها العظام وهو في سبعة وعشرين مجلداً حوى من نفائس الآثار وطرف الأخبار ما يبهر البصائر والأبصار (16) - تاريخ بغداد: تصنيف أبي الحسن محمد هلال الصابئ وهو تصنيف سديد جم الفوائد واغلب هذه المصنفات أصبحت أعز من بيض الأنوق. وأندر من الأبلق العقوق. إلى آخر ما هنالك من تواريخ بغداد التي تعد بالعشرات (17) - وصف الجزيرة وبغداد تأليف ابن سرابيون وهو كتاب يبحث عن بين النهرين
وصف فيه المؤلف تلك الديار ومواقعها وعرضها وطولها وأنهارها ومصابها وما يحمل منها وقد نقل بعض هذا المصنف إلى الإنكليزية المستشرق الكبير غي لسترانج وعلق عليه شروحاً حسنة وأضاف إليه تعاليق بديعة أنظر نشرة الجمعية الآسوية الملكية لسنة 1895م - 1313هـ طبع في لندن في نفس تلك السنة. (18) - نزهة القلوب: تصنيف حمد الله المؤرخ الفارسي أحد كتاب القرن الثامن للهجرة الموافق للخامس عشر من التاريخ المسيحي وهو كتاب جزيل الفائدة بحث فيه مؤلفه عن جغرافية بغداد وغيرها من البلاد أما الفصل المعقود لجغرافية دار السلام فقد استله المستشرق شارل شفر المتوفى في 3 آذار سنة 1897م - وطبعه على حدة في باريس سنة 1897م - 1315هـ والباقي من الكتاب المذكور طبع على الحجر في بمبي سنة 1311هـ - 1893م ويوجد منه الآن نسخة خطية نفيسة في كل من المتحفة البريطانية والمكتبة الأهلية في باريس. 3 - تواريخ بغداد الحديثة (1) - (عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد) تأليف السيد إبراهيم فصيح بن صبغة الله الحيدري البغدادي المتوفى في سنة 1299هـ - 1881م وهو تاريخ جزيل الفوائد سامي المباحث يشتمل على أخبار ووقائع شتى يوجد منه نسخة خطية في خزانة كتب دير مبعث الأباء الكرمليين المرسلين ومنه نسخة أخرى في بعض مكاتب دار السلام وقد صنفه صاحبه الفاضل في البصرة وأنجزه في شهر رمضان سنة 1286هـ - 1869م. (2) - (حديقة الزوراء) تأليف أبي الخير الشيخ عبد الرحمن زين الدين ابن الشيخ عبد الله السويدي البغدادي المتوفى في سنة 1200هـ - 1876م وهو تاريخ كبير في ثلاثة مجلدات ضخام يبحث فيها مؤلفها عن وقائع العصور الأخيرة التي انقطعت عنا أنباؤها وعفت أخبارها ويبحث أيضاً عن تراجم الخلفاء والوزراء والأمراء والمشاهير وهو كتاب جامع لشتات الأخبار والوقائع جليل القدر نفيس الأثر كان منه نسخة بخط المؤلف في دار يوسف أفندي السويدي الشهير ففقدت ولم يوقف لها على خبر ولا يوجد منه اليوم سوى نسخة واحدة في مكتبة السيد عبد الرحمن أفندي نقيب بغداد الحالي ويا ليت يبرزه حضرته
هذا الكنز الثمين إلى عالم المطبوعات ليقف على مشتملاته الأدباء ويرتشف من زلال نميره الصافي المؤرخون والفضلاء. (3) - (مطالع السعود بطيب أخبار داود) لمؤلفه الشيخ عثمان بن سند البصري الوائلي المتوفى سنة 1250هـ - 1834م وهو تاريخ كبير في نحو 40 كراساً كبيراً حوى بعض أخبار القرن الثاني عشر وبعضاً من الثالث عشر ولولا هذا السفر المفيد لذهب شيء كثير من حوادث تلك الأيام نخص منها بالذكر أخبار الوزير الكبير سليمان باشا والمشير الشهير داود باشا. وقد اختصره في سنة 1290هـ - 1873م أمين بن حسن الخلواني المدني فذكر منه الوقائع التاريخية فقط وأهمل الأشعار والمدائح وطبعه على الحجر في مدينة بمبي في المطبعة الحسينية في غرة شوال سنة 1304هـ - 1886م. (4) - (تنزه العباد في مدينة بغداد) تاريخ بغداد وجغرافيتها تأليف المعلم نابليون بن ميخائيل الماريني وهو كتاب نفيس مع صغر حجمه ويقسم إلى قسمين قسم طبيعي وقسم أدبي فالقسم الأول يتضمن أحوال بغداد في العصور الغابرة وأما القسم الثاني فيشتمل على تجارة بغداد ومعاملها ومصنوعاتها ومدارسها وجوامعها وكنائسها ومكاتبها ومقابرها ومزارعها الخ طبع بالمطبعة اللبنانية في بيروت سنة 1888م - 1306هـ. (5) - (حضارة الإسلام في دار السلام) تصنيف جميل نخله مدور المتوفى في سنة 1907م - 1325هـ: وهو كتاب جزيل الفائدة غزير المادة حسن السبك بليغ العبارة بديع الأسلوب سديد الحجة حوى من الفرائد والخرائد ما يزري باللآلئ الحسان فإنه يوقف المطالع الأديب على أمور ومسائل ذات شأن عظيم في عصر الرشيد الذهبي ولا أراني مبالغاً إذا قلت إنه أنفس مؤلف صنف في بابه وهاك ما جاء عنه في (تاريخ الصحافة العربية 1: 115 (حضارة الإسلام في دار السلام) الذي يغنى ذكر أسمه عن وصفه. وقد قدر هذا الكتاب قدره وأنزله منزلة رفيعة كما يستحق كل من أحمد جودت باشا وزير
المعارف العثمانية وأحمد مختار الغازي المعتمد السلطاني في مصر سابقاً وغيرهما من مشاهير الرجال. وقد كافأه عليه حينئذٍ السلطان عبد الحميد بجائزة مالية تنشيطاً له على خدمة العلم) وجدير بهذه التحفة السنية أن يزين بها صدور المكاتب والنوادي العلمية وقد طبع في مصر ثانية بمطبعة المؤيد على ورق صقيل بحرف بديع الشكل سنة 1323هـ - 1905م. (6) - (كتاب الهدية المصرية للخطة العراقية) تأليف عبد الرحمن إبراهيم المصري الشهير بالهندي الدندي (صاحب جريدة عفريت الحمارة بمصر) وهي نبذة لخص فيها صاحبها بعض تاريخ بغداد القديم وما تحتاج إليه الآن من الإصلاح وذكر أيضاً في مطاوي بحثه أموراً شتى ويظهر أن المومأ إليه ألف نبذته هذه ليجمع من ريعها بعض دريهمات يستعين بها على السفر إلى مسقط رأسه إذ يقول في صدر الكتاب: مساعدة الغريب أجل شيء ... وأحسن ما تكون لدى الأنام بها الذكرى تخلد في البرايا ... وذا فرض على القوم الكرام ثم قال: حقوق الطبع للمصري ... بعين العدل ملحوظة لصاحبها مدى الدهر ... حقوق الطبع محفوظة طبع بمطبعة الولاية في بغداد سنة 1327هـ - 1909م. (7) - (كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد) تأليف ساتسنا يشتمل على كثير من الأخبار والوقائع حتى حدثت في الزوراء في القرون الوسطى وقد جمعه صاحبه من عدة كتب خطية ومطبوعة عربية وأعجمية وإليك نص المقدمة (لما كان الكثير من أدباء بغداد يتشوقون إلى أخبار ماضيها منذ سقوطها على يد هولاكو إلى يومنا هذا أحببت أن أجمع من الكتب القديمة والحديثة ما يحقق أمنية هؤلاء الفضلاء) وقد طبع بمطبعة الشابندر في بغداد سنة 1329 هـ - 1911م. (8) - (أخبار بغداد وما جاورها من القرى والبلاد) تأليف السيد محمود شكري بن عبد الله الحسيني الآلوسي البغدادي: تاريخ نفيس جداً في أربعة مجلدات نشرت مقدمته في الجزء الأول من مجلة (سبل الرشاد) صفحة 11 وقد ذكر صاحبه ما طرأ على القطر العراقي منذ استيلاء المسلمين عليه إلى الآن وبيان الأسباب التي حملت
المنصور على بناء دار السلام وقد بحث فيه بحثاً نعما عما أشتهر في الأفاق من مدن العراق وما كان لها من القصور الشامخة والأبنية الفخمة وقد ذكر أيضاً تراجم أدباء الزوراء وأكابر رجالها وأعيانها وزهادها ومدارسها ومعابدها إلى غير ذلك من الأبحاث الطلية وقد قرظه نخبة من كتاب العصر حين وقوفهم على محتوياته الجليلة نخص منهم بالذكر تلميذه الشيخ معروف أفندي الرصافي القائل: آثار محمود شكري دام يشكرها ... بين الورى حاضر الأقوام والبادي قد أصبحت وهي بعض من مناقبه ... عد الكواكب لا تحصى بتعداد أسفار علم بدت كالصبح مسفرة ... عما له من مدى علم وإرشاد قد أسفر اليوم سفراً في صحائفه ... للناس أسفر عن أحوال بغداد وشته أقلامه وشي البرود لنا ... فراق في حسن إيجاز وإيجاد جم المباحث في ذكر الحوادث عن ... لحن المثالث يحكى نغمة الشادي أبحاثه تحف في طيها طرف ... إيرادها شرف للناس في النادي أبدى من الفضل علماً في مؤلفه ... ما عنه يعجز إنشائي وإنشادي أطروفة يرتضيها كل ذي أدب ... ونجعة يبتغيها كل مرتاد وهذا الكتاب الفريد لم يزل خطاً وعسى أن صاحبه العلامة المفضال يبرزه من مكمنه وينشره لتعم فوائده الجزيلة وينتفع به الخاص والعام. (9) - (كشف اللثام عن آثار دار السلام) لصاحب هذه المقالة بحث فيه مؤلفه بحثاً وافياً عن آثار بغداد وما فيها من المساجد والجوامع والكنائس والمدارس والكتاتيب والأندية العلمية والفنادق ودور الصنائع والمكاتب التجارية والحمامات والقهوات والمنتزهات وخزائن الكتب والمجلات وأسماء الشوارع والأسواق وعدد السفن والبواخر والقصور الفخمة والأبنية الشامخة والجنائن والأطلال الشاخصة. وهو كتاب خط. (10) - تاريخ بغداد الحديث: لصاحب المقالة أيضاً: يبحث عن عادات البغداديين ومعتقداتهم وحقيقة تربيتهم لأولادهم وأمور زواجهم وأفراحهم ومآتمهم ومواسم أعيادهم الأهلية وملابسهم وملاهيهم ولعبهم وغيرها والذي حدا المؤلف إلى وضع هذا الكتاب هو اعتقاده إن مدينة الزوراء ستتغير تغيراً عظيما في مدة لا تقل عن ثلاثين سنة إذا طالت لدخول مرافق الحضارة العصرية إليها واختلاط السكان بالأقوام والشعوب الغربية التي تختلف عوائدها عن عوائدنا فتأكل بعضها بعضا ولا يبقى منها شيء يذكر
فرأى من اللازم اللازب تدوين المسائل المهمة في بطون التواريخ لتكون دليلا صادقا يركن إليه الباحث والمؤرخ عن شؤوننا وحالتنا الاجتماعية في تباشير القرن العشرين. (11) - (سجع الورقاء في مشاهير الزوراء) لمنشئ المقالة: كتاب جم الفوائد يبحث عن تراجم العلماء والأدباء والشعراء والأمراء والأغنياء والشيوخ والأعيان والرؤساء الروحانيين من جميع الملل والنحل وغير ذلك من الأخبار والحوادث مما يلذ الوقوف عليها وجملة القول سيكون هذا المؤلف سراجاً يهتدي بنوره الوطنيون الكرام ودليلا لغرباء الديار واللسان. وسننشر اغلب فصول مؤلفاتنا هذه على صفحات (لغة العرب) تباعاً ومن الله نطلب الهداية، في البداءة والنهاية. (12) - (منتجع المرثاد في تاريخ بغداد) تأليف الكونت جبرائيل حنوش أصفر وقد لخصه فدعاه (مختصر المستفاد من تاريخ بغداد) تصنيف نافع غاية النفع بحث فيه مؤلفه بحثاً نعماً عن تراجم مشاهير الزوراء وأدبائها الكبار وقد ضمنه شيئاً كثيراً من تواريخها ووقائعها وأخبارها القديمة وهو لم يزل مخطوطاً. منه نسخة في دير مبعث الكرمليين في بغداد ويا ليت حضرة مؤلفه الكريم يبرزه إلى عالم المطبوعات. (13) - (مساجد بغداد) للسيد شكري أفندي الآلوسي تصنيف مفيد يبحث عن معابد الزوراء وجوامعها ومساجدها وقد وصفها وصفاً دقيقاً والكتاب لم يزل خطا في مكتبة مؤلفه العامرة. (14) - (زينة البلاد في تاريخ بغداد) بالفارسية تأليف ميرزا محمد ملك يشتمل على ماضي تاريخ بغداد وما كانت عليه من الحضارة والمدنية وهو مصنف بالفارسية وقد طبع في بمبي في 32 صحيفة بقطع الثمن. (15) - (كتاب جامع الأنوار في مناقب الأخيار) تأليف صفاء الدين عيسى القادري النقشبندي البندنيجي يتضمن تراجم علماء بغداد ومشاهير رجالها وفقهائها وأدبائها وزهادها وشيئاً كثيراً من أخبارها وقد فرغ مؤلفه من تصنيفه في الساعة الحادية عشرة من نهار يوم الأربعاء في 23 صفر سنة 1326هـ - 1908م وهو لم يزل خطا وقد رأينا نسخة منه في مكتبة دير مبعث الكرمليين المرسلين في بغداد. (16) - (مدارس بغداد) تأليف الفاضل لويس ماسنيون بالافرنسية وقد بحث فيه مؤلفه عن بعض مدارس دار السلام وكلياتها
القديمة الشهيرة كالنظامية والتاجية والمستنصرية والبهائية والبشرية والتثقيفية والمجاهدية والعصمية والقادرية والمرجانية والسليمانية والمرادية والعلية والعمرية ومدرسة أحمد أمين السويدي الخ وقد طبع في مصر القاهرة بدون تاريخ السنة. (17) - (تاريخ ولاية بغداد) تصنيف حبيب أفندي شيحا بالافرنسية يحتوي تاريخ الزوراء الحديثة وعدد سكانها ومدارسها وكنائسها وجوامعها ومجامعها ومقابرها وشيوخ البادية وقبائلها وخرافات أهلها وعاداتهم إلى غير ذلك من الأبحاث الطلية وقد طبع في القاهرة سنة 1908م - 1326هـ. (18) - (تاريخ الجزية) تأليف المؤرخ حمد الله بالفارسية وهو يبحث عن الجزية التي كانت تجمع في عصر الخلفاء العباسيين من ولاية بغداد وما جاورها من القرى والبلاد ويتضمن أيضاً فصولاً عن الممالك والحكومات منه نسخة خطية نفيسة في كل من المتحفة الابريطانية والمكتبة الأهلية في باريس. (19) - رفيعة (تقرير) القائد جونس فيلكس بالإنكليزية وهي عبارة ن كتاب تاريخ بغداد مع رسم لها كبير ومصورات عديدة لما جاورها من البقاع والضياع وقد طبعت في بمبي سنة 1857م - 1274هـ. (20) - (نبذة من تاريخ بغداد) بقلم السر هنري رولنصن بالإنكليزية وقد أثبتت في دائرة المعارف البريطانية في طبعتها التاسعة. (21) - (الكنز الثمين في أخبار الذميين في عهد الخلفاء المسلمين) تأليف الملفان (الدكتور) عيسى بن يحيى (يوحنا) بن يونس (يونان) بن إبراهيم البابلي النصراني المتوفى سنة 220هـ - 835م وهو تاريخ نفيس بل فريد في بابه حوى ما محض من الأخبار والوقائع في عصور الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والسلاطين العثمانيين قدم واضع هذا السفر بغداد وعمره لا يتجاوز الخامسة عشرة في سنة 145هـ - 762م عندما أخذ جعفر المنصور ببناء الزوراء وقد بحث فيه مؤلفه الفاضل بنوع خاص عن علماء وفلاسفة وشعراء وأدباء وأعيان ومشاهير النصارى الذين نبغوا في زمن هرون الرشيد والمأمون في بغداد وقد وصفهم وصفاً دقيقاً وذكر عدد بيعهم ورؤساء مللهم ونحلهم وشعائرهم الدينية وعادات عوامهم وما انتابهم من العسر واليسر والحرية والعبودية والاضطهاد والرفاهية وقد أوصى بنيه وحفدته بأن يستمروا على تصنيف الكتاب
على هذا النسق إلى ما شاء الله فكان كل منهم يدون فيه أهم الحوادث وأصدق الوقائع والأخبار الطارئة في عصره وقطره وقد استمر الخلف يقتفي أثر السلف إلى أيام المستعصم بالله فتوقف الأبناء برهة ثم استأنفوا التدوين إلى سنة 1831م - 1247هـ عندما داهم الزوراء وباء شديد الوطأة فحصد الألوف من النفوس وإذ ذاك تشتت شمل هذه الأسرة فمنهم من مات ومنهم من هام على وجهه. وكانت مهنة مؤلفي هذا التاريخ - الجامع لشتات أخبار بضعة أحقاب - الكتابة في دواوين الخلفاء العباسيين والبرامكة وغيرهم من رؤساء وأعيان دار السلام والذي جعلهم أن يستمروا في وظائفهم على طول هذا الزمن هو نزاهتهم وأمانتهم وتضلعهم من اللغة العربية والتفنن في أساليب الإنشاء. وقد ثابروا على تأليف هذا التاريخ أكثر من ألف سنة. وكان عند المرحوم والدي نسخة منه بخط مؤلفيه في مجلدين ضخمين تربو عدد صفحاتهما على الألفين بقطع كبير وحرف دقيق فاستعارها منه المرحوم القس ميخائيل أيلو السرياني ليطالعها فلما وقف على مشتملات الكتاب وجده مؤلفاً نفيساً نادراً فطلب إلى والدي أن ينسخه وكان حسن الخط فلم يضن عليه به وبعد بقاء الكتاب في حوزته نحو سنين أدعى بأن أحد المستشرقين الفرنسويين استعاره منه ليقف على محتوياته فسافر به إلى مسقط رأسه (باريس) ولم يعده إليه وقد ذهل عن أخذه في حينه ففقد هذا السفر الجليل ولم يوقف له على أثر منذ ذلك اليوم. وعسى المستشرقون ذوو الهمم الشماء أن يبحثوا في متاحف أوربا ومكاتبها الخاصة والعامة عن هذا الأثر العظيم والمؤلف اليتيم الذي يحق له كل الحق أن يدعى (الكنز الثمين) فإنه يشتمل على كثير من المسائل والأمور المهمة التي يعز وجودها بلا امتراء في غيره من الأسفار سيما ما أهمل ذكره مؤرخو العرب وغيرهم من كتاب المسلمين. (22) - (تاريخ بغداد في عهد الخلفاء العباسيين) تأليف العلامة غي لسترانج وهو نفس تأليف بل أسمى تصنيف وقفنا عليه في الإنكليزية حتى الآن وهو يتضمن تاريخ الزوراء منذ يوم تأسيسها حتى سقوطها على يد هولاكو
على الأرض وفي السماء
طاغية العباد والبلاد وفصلا من تاريخها الحديث مع ثمانية رسوم ملونة لدار السلام وقد جمع بين دفتيه فرائد يتيمة يعز وجود كثير منها في غيره من الأسفار والدواوين لأن مؤلفه الفاضل قد أخذ أنباءه من كتب شتى عربية وفارسية وأوربية تربو على الستين وبينها مخطوطات نادرة. طبع هذا السفر الجليل في جامعة اكسفورد بمطبعة كلارندون سنة 1900م - 1318هـ. (23) - (الإسلام في عصر خلفاء دار السلام) كتاب نفيس جداً يتضمن حضارة الإسلام في دار السلام وشيئاً كثيراً من المسائل والأمور الجديرة بالمطالعة وضعه في الإنكليزية مؤلفه الأديب الفاضل ر. د. اسبورن وقد طبع في لندن سنة 1878م - 1295هـ. (24) - (بغداد) في دائرة المعارف للبستاني. وقد استغرقت هذه المادة عدة صفحات حتى أنها لو طبعت على حدة لأصبحت كتاباً قائماً برأسه. هذا جل ما وقفت عليه الآن من تواريخ بغداد القديمة والحديثة وقد فاتني شيء كثير منها بالألمانية والفرنسوية والإنكليزية لا بل وبالعربية نفسها ومن له اطلاع على ما أغفلت ذكره فالرجاء أن يتكرم بإفادتي عنه وإني أشكره سلفاً. رزوق عيسى (لغة العرب) لما كانت هذه الأسماء غير وافية كما أشار إليه الكاتب فلا بد إننا نعود إلى هذا الموضوع في فرصةٍ أخرى حذراً من إثارة السأم في الصدور إن أكثرنا الآن من الكلام في جزءٍ واحد. على الأرض وفي السماء سار القطار وفي مفاصله ... ماء وفي أحشائه لهب فكأنما شامت نواظرنا ... برقاً به تتصادم السحب يبكي ويزأر عند جريته ... فكأنه ولهان مكتئب يجري وتجري الريح دائبة ... يعتاقها عن سبقه التعب يطوي الفلاة فليس يدركه ... في طيه ولا نصب لا مهل يعيبه ولا عجل ... فسوآء الإبطاء والخبب فكأنما (روبرت) عاهده ... أن لا يفوت لركبه أرب
وكأنما البيدآء حين مضى ... نهب من الأرضين ينتهب يتنفس الصعدآء لا حزن ... يغشاه في بعدٍ ولا طرب وتراه للعمال مؤتمراً ... يسعى فلا يرمي به غضب ترتجف الأرض منه خاشعة ... في قلبها من وطئه ريب يلج الجبال بطونها نحتت ... طورا وطورا فوقها يلب يعلو على شم الجبال فلا ... يعدو إذا ولا يثب ويجد في بيدأء خالية ... عجفاء لا يلوي بها الرهب وكل إذا قل البخار به ... أو قل فيه الفحم واللهب عرف المنازل بعد ما جهلت ... أوصافه الأغوار والحدب متعصب ما أن يمس سوى ... سكك تمد له وتنشعب سار القطار بكل منزلة ... لا الركب يبلغها ولا الركب كلا ولا الخيل الجياد ولا ... وصلت إليها الأنيق التعب فكأنما مصر به عدن ... وكأنما فرغانة حلب هذا البخار وذوي مآثره ... ذكرت فأين السمر والقضب طورا يسير بأهله سرعا ... حيث البعيد به لهم كثب وتراه آونة يطير بهم ... يعلو السكاك به فيحتجب يخترق اللوح والفضاء بهم ... فيجوبه وتجوبه الشهب فكأنما العقبان خافقة ... تحت السماء لهن منقلب الطير تحسد وهي طائرة ... يهوي بها إن جدت التعب والناس حسدها وقد صعدوا ... فوقا وقد رفعت لهم رتب بكرت بأجنحة فما ذهبت ... ببكورها فوق الذي ذهبوا فلئن هم سبقوا فما بلغت ... سبقا ولا ضربت كما ضربوا الناس يرقون والبخار لهم ... سبب يمد لهم به سبب وكأنما (يعقوب) يركبه ... و (ليوسف) من فعله عجب إن البخار محلق بهم ... في الجو والمنطاد مرتكب يغدون من بلد إلى بلد ... فعل الذي يستحثه الدأب محمد الهاشمي
أقسام إمارة السعود
أقسام إمارة السعود تقسم إمارة ابن السعود أقساماً مختلفة على غير الوجه المعهود في ديار آل عثمان. وإنما نسميها بالأسماء المصطلح عليها اليوم في هذه الربوع طلباً للإيجاز وتقريباً للعبارة من الإفهام. ففيها من الايالات شيء كثير والأيالة مثل الناحية أو بعبارة أخرى مثل القائمية (القائم مقامية) أو المتصرفية ومن هذه الايالات ما هو بقدر المتصرفية ومنها ما هو بسعة الولاية ومنها ما هو دونها مما لا يقاس عليه وأشهر هذه الولايات هي. 1 - العارض أو الرياض أو العروض العارض عاصمة الإمارة. وقد سبقنا فقلنا إن العارض والرياض أو العروض أسماء لمسمى واحد في الإجمال لكنها تقع على بعض مواطن منها دون غيرها إذا أردت التدقيق في المعنى. (فالعارض) على الحقيقة هو وادي حنيفة المشهور في التاريخ وهو عبارة عن وادٍ واسع تقوم على حافاته جبال متوسطة الارتفاع تعرف عندهم باسم (العارض أو العروض) لاعتراضها في السماء قال الحفصي: العارض جبال مسيرة ثلاثة أيام. قال: وأوله (خزير) وهو أنف الجبل. وقال أو زياد: العارض باليمامة. أما ما يلي المغرب منه فعقاب وثنايا غليظة، وما يلي المشرق وظاهره فيه أودية تذهب نحو مطلع الشمس كلها العارض هو الجبل. قال: ولا نعلم جبلاً يسمى عارضاً غيره. - أما الرياض فهي روضات منسقة آخذة بعضها برقاب بعض على شكل مستطيل يوازي الوادي المذكور وكانت الإمارة تسمى سابقاً بالعارض وكان كرسي الإمارة في موضع يقال له (الدرعية) فلما كانت حرب إبراهيم باشا انتقلت إلى الرياض المذكورة. وكانت الدرعية في سابق العهد في رخاء من العيش حسنة الأبنية عالية الجدران كثيرة الزرع والضرع ولما كانت كرسي الإمارة كانت تتوافد إليها الأعراب من اليمن والحجاز وتهامة وحضرموت والاحساء والبحرين وقطر وكان لها مواسم في أيام مخصوصة بحيث إن الداخل كان إذا دخلها في عهد الأعياد والمجتمعات بل حتى في سائر الأيام يرى جموعاً كثيرة مؤلفة من أنواع قبائل العرب وعشائرها. وحسبك دليلاً على ما نقول إن بعض المنازل والدور بيعت وشريت بأثمان تتراوح
بين الخمسمائة ليرة وبين الألف والخمسمائة ليرة. وبلغت أجرة بعض الدكاكين في الشهر الواحد نحو ست ليرات وكفى بذلك برهاناً على تردد الأقدام إليها لطيب المعيشة فيها يومذٍ. (لغة العرب: كذا ولعل في ذلك مبالغة فاحشة). ومن بلدان العارض (بلدة حريملة) تصغير حرملة ويلفظونها والبعض يكتبها خطاً (حريملا)، ويليها بلد (سدوس) (وزان عروس) وحوله آثار قديمة وأبنية عالية ضخمة فخمة عليها كتابات قديمة لا تعرف بأي قلم مكتوبة لأن الإفرنج لك يصأوا تلك الديار، وعلى كثير من جدر تلك المواطن كتابات منحوتة في الحجر ومثل هذه الرقم العادية في كثير من الكهوف والمغور المجاورة لسدوس. ومن غريب الأمر إن ياقوت لم يذكر شيئاً عن هذه المدينة مع أنها عريقة في القدم. فالظاهر إن الذين كانوا ينتابون تلك الربوع غير كثيرين. لكنه ذكرها في مادة حزوى وهو أسمها الحقيقي لأن (سدوس) هي اسم القبيلة التي أوت إليها مدة طويلة فسميت بهم. قال ياقوت: (حزوى. . . . موضع بنجد في ديار تميم. وقال الأزهري: جبل من جبال الدهناء مررت به. وقال محمد بن إدريس ابن أبي حفصة: حزوى باليمامة وهي نخل بحذاء (قرية بني سدوس) وقال في موضع آخر: حزوى من رمال الدهناء.) اهـ ومن بلدان العارض: (ضرمة) ويلفظونها (اضرما) ثم (العمادية) و (أبو كباش) و (الجبيلة) (مصغرة) و (النير) (بكسر فسكون) و (عرقة) (بكسر فسكون) و (منفوحة) و (الخرج) (بفتح فسكون) وهو واقع في جنوبي العارض. وقد كان سابقا مسكن قبائل عائذ وآل فضل. أما اليوم فلم يبق من عائذ شيء هناك لتفرقهم في البلاد. وأما آل فضل فإنه يوجد منهم بقية وأكثرهم متحضرون. 2 - الرياض لما انتقل كرسي الإمارة من الدرعية إلى الرياض للأسباب التي ذكرناها وذلك بعد حرب إبراهيم باشا ووقعة الدرعية افرغ أمراء السعود كل وسعهم لتحصين الرياض أشد التحصين. أو لا يحق للرياض أن تكون روضات وجنات في وجنات ديار العرب وأرضها عبارة عن بساتين متناسقة. فإذا زدت على ذلك أن الطبيعة قد جعلتها من أحصن المواقع. بأن أطافت بها الروابي قلت إنها جمعت بين محاسن حلب الشهباء وبدائع دمشق الفيحاء، لأنك تجد فيها
كما في تينك المدينتين أسواراً قائمة، وأبراجاً ماثلة؛ تذكرك بالعصور الوسطى أما العروض أو جبال اليمامة فإنها شمخت بأنوفها إلى فوق بل رفعت رؤوسها نحو السماء كأنها السنابل وقد حدقت بالأفق من جهة الجنوب. وهناك جبال أخرى تواري عن أنظارك رمال الدهناء. والرياض هي اليوم من أحصن بلاد نجد لأن حيطانها ثخينة وأبراجها حصينة ذاهبة في السماء وقصر أمرائها من امتن القصور كأنه قلعة بديعة والناظر إليه من خارج يظنه سجنا لا قصراً. وفي الرياض مسجد جامع كبير يسع 4 آلاف مصل. وفي الرياض من جياد الخيل ما لا ترى لها أمثالا في سائر ربوع العرب. 3 - الخرج الخرج (بفتح وسكون) من البلاد التي تتعلق به قرى كثيرة منها (لسليبية) (مصغرة منسوبة) والبعض يقول السلبية (بكسر وسكون ونسبة) والبعض الأخر السبيلية (مصغرة منسوبة) واللغة الفصحى والشهري هي الأولى. ومن تلك القرى: الدلم (وزان سبب) وحوله واد عظيم وقرى صغيرة. و (اليمامة) وهي أشهر من أن تذكر. ومنها زرقاء اليمامة. و (رميثة) (مصغرة) ونعاج (وزان سحاب) والسيح (بفتح وسكون) وما عدا هذه القرى مدن وبلاد أخرى لا تحضرني أسماؤها. 4 - الحوطة الحوطة ويقال لها أيضاً (حوطة بني تميم) وهي مساكن هؤلاء الأعراب في عهدنا هذا ولا يدخلها أو يأوي إليها إلا من ينتسب إلى هؤلاء الأقوام وهي بلاد كبيرة ولها نخيل وبساتين جمة. وأهلها في غاية البسالة والشجاعة والعدد والعدد والصبر والجلد والتصلب في الدين الحنيفي. ولم ينقل عن أحد أنهم خضعوا لكلمة حاكم رأوا فيه ما يخالف الشرع المحمدي. وتمرها من أحسن تمور نجد وكذلك فواكهها. وعليها حصون متينة، وقلاع مكينة، وبناؤها متقن غاية الإتقان. 5 - الحريق بلد واسع كثير القرى والضيع وفيه بساتين ونخل كثير. وفي الزمن السابق كانت الحوطة قصبتها. وفي ذلك العهد الذي نشير إليه كانت الحوطة تنافس الرياض وتجاريها في ميدان الحضارة والعمران إلا أن نطاق أرضها الخصبة ضيق لوقوعها بين صحراوين كبيرتين إحداهما الدهناء الواقعة في جنوبيها ولهذا لم تستطع أن تزاحم
أختها في كثرة السكان ومحاسن العمران. 6 - نعام هو على مثل الحريق من ازدحام القرى الصغيرة حواليها وتشابك البساتين في أراضيها وكثرة النخيل الذي يكثر في ضواحيها وبواديها. وفي أصحابها تصلب في الدين، وتعلق بأهداب الحق اليقين. 7 - الافلاج هي أول بلد من بلدان الدواسر. والدواسر قبيلة ضخمة ترجع في نسبها إلى وائل - ولها قرى عديدة منها: ليلى (بفتح اللامين وإسكان الياء الثانية) وهي مكان مشهور قديم. أما ماء قديم للعرب - والبدع (بكسر الأول) من مياههم القديمة في سابق العهد إلى هذا اليوم. - والأحيمر والبعض يسميه الأحمر وهو موقف أشبه شيء بالتل وحوله مياه عذبة. - والهدار (وزان شداد) وهو واد عليه بلد عامر. وهذه كلها بلاد آهلة بالسكان وفيها كثير من المياه العذبة القريبة الماء. وفيها بساتين جليلة ونخيل عديدة وأشجار متنوعة ومزارع واسعة. 8 - الدواسر ويقال بلاد الدواسر أو قرى الدواسر والمشهور وادي الدواسر. وقد عرفت من هم الدواسر. والمراد بوادي الدواسر هنا قرى متتالية تبلغ العشرين كلها واقعة على هذا الوادي العجيب الخصيب العظيم الرحيب واغلب سكانها من عشيرة الدواسر المشهورة العديدة وهي أضخم عمارة في ديار نجد وأهم مساكنهم فيها. وأول وادي الدواسر السليل (تصغير سليل) وقراه كثيرة منها اللدام والحنابج وغيرهما. - ووادي الدواسر هذا هو آخر بلاد من جهة الجنوب. والمعمور من نجد من جوف آل عمر إلى وادي الدواسر مسيرة خمسة عشر يوماً من جهة الشمال إلى الجنوب. وأما من جهة الشرق إلى الغرب فالمعمور منه مسافة ستة أيام. هذا هو المعمور المأهول وأما مساكن أهل البادية من العشائر والقبائل والعمائر فيبلغ طولاً مقدار شهر وعرضا نحو ذلك. فتدبر. 9 - أودية نجد وعقابها ورمالها أودية نجد كثيرة والكبار منها غير قليلة منها: وادي حنيفة، ووادي الدواسر، ووادي القصيم المعروف أيضاً باسم وادي الرمة، ووادي سدير وغيرها. - وفي نجد عقاب صعاب شداد كقيرة لا تحصى - والدهناء هي الرمال الحاجزة دون نجد من الجنوب، وهي أشهر من أن تذكر.
10 - البلاد الشرقية الراجعة إلى هذه الإمارة إن استقراء النواحي الشرقية مثل الاحساء وقطر وغيرهما يطول ولهذا نحيل القراء على كتابنا الذي صنفناه حديثا وأسمه تحفة الالباء في تاريخ الاحساء) وهو كتاب يبحث عن تاريخ الاحساء والبحرين والقطيف وقطر في 92 صفحة بقطع الثمن الصغير. 11 - البلاد الشمالية أما البلاد الشمالية فهي بلاد القصيم وهي عبارة عن إمارتين جليلتين يأتي البحث عن كل واحد منهما في محلها مع ذكر أمرائها على ما فعلنا في هذا الفصل. 12 - البلاد الجنوبية البلاد الجنوبية من هذه الإمارة هي البلاد المعروفة ببلاد عسير من قبائل حمير وغيرها. وسيأتي عنها الكلام في فصل خاص بها. 13 - إدارة هذه الإمارة تختلف إدارة هذه الإمارة عما نعرفه من إدارة الولايات الحديثة فهي لا تشبه إدارة ولايات العراق. مثلاً وليس هي على الحالة البدوية في أحوالها بل هي إدارة شرعية أي أن كل ما يجري فيها يتم على وجه موافق للشرع الشريف وأوامره ونواهيه ثم تختلف هذه الإدارة الشرعية باختلاف الناس الذين تناسبهم فأجراؤها على البدو أي الأعراب والقبائل الرحالة يكون على غير السنن المألوف بين الحضر الذين يسكنون المدن والقرى. ولهذا يحسن بنا أن نقسم هذا البحث إلى موضوعين: الموضوع الأول يكون في الإدارة الحضرية والثاني في الإدارة البدوية وهانحن نذكر شيئاً نزراً عن كل منهما ليتصورهما القارئ بصورتهما أو ببعض صورتها فنقول: 14 - إدارة الأقوام المتحضرة لما كانت الأحكام الشرعية سهلة الجري على قطان البلاد لانحصارهم فيها ترى أن جميع المعاملات جارية في وجهها بدون مانع. ففي كل بلد ترى قاضياً عارفاً بالأمور الشرعية وأميراً يمثل السلطة العادلة في البلاد. أما القاضي فيستعان به للفصل في القضايا على اختلاف أنواعها. وأما الحاكم أو الأمير أو العادل فيستعان به لإنفاذ حكم القاضي في أي قضية كانت؛ فلو فرضنا إن قضية وقعت فأول ما يذهب بها إلى الحاكم. وهذا يدفعها رأساً إلى القاضي ويعين لها رجالاً لكي ينفذوا ما يقضي به هذا الرجل. فإذا برز الحكم ذهب الرجال المذكورين في الحال وحققوا ما بته من الأمر. هذا ما يجري في الأمور المختصة بأنواع
المعاملات من جزائية أو حقوقية أو شرعية. أما المسائل التي تتعلق بالسياسة فليس للقاضي فيها دخل بل هي راجعة إلى الحاكم أو العامل فقط. ولهذا الحاكم شبه مجلس إدارة يشاور أعضاؤه في بعض الأمور وله الخيار بعد ذلك في أتباع ما يشيرون به عليه أو لا. ومما يتعلق أمره بالقاضي كل ما من شأنه إصلاح حال الناس فيدخل في هذا الباب مسائل الديون والقسمة والإرث والمعاملات التجارية وشؤون الفلاحة والمبايعات على اختلاف أنواعها وما أشبه هذه من قيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وملاحظات الواجبات الدينية وغيرها. وليس للحاكم أو لمن يقوم مقامه خرق شيء يأمر به القاضي أو يجزم به مما تقدم ذكره ولا يحق له أن يعارضه في شيء ما. وأما الأمور الراجعة إلى الحاكم أو العامل فهي الأمور السياسية كحفظ البلاد وصيانة حقوق الإمارة سياسةً وإدارة فهو من الجهة الأولى منفذ للأحكام الشرعية ومن الجهة الأخرى محافظ على حقوق الحاكمية ويتعلق به جباية الأموال وتجنيد الجنود ونشر جناح الأمن وإصلاح ذات البين بين قبيلة وقبيلة ومحافظة القوافل ونحو ذلك. - أما أعضاء المجلس فهم عبارة عن كبار البلد وأعيانها يستعين بهم وبأقوالهم عند جباية الأموال وجمع الزكاة والعشر وتوزيع الضرائب واتخاذ الأسلحة إلى غيرها وذلك إذا مست الحاجة إلى هذه الأمور. 15 - إدارة أقوام البادية لما كانت أحوال أهل البادية لا تشبه أحوال المتحضرين في أمور كثيرة ينتج أن شرائعهم تختلف عن شرائع أهل المدن. ولهذا تراهم يرجعون في شؤونهم إلى مصطلحات وسنن وعوائد ترتقي فيهم إلى قرون عديدة واغلة في القدم. ومن جملتها (العارفة). والعارفة هو بمنزلة القاضي في المدن. فإذا احتاجوا إلى حسم مسألة ترافعوا إليه وحكموه فيها. - وأحكام العارفة غير منوطة بقانون ولا مربوطة برباط شرعي معروف بل هي عبارة عن طائفة من الأمور قد تواطئوا على تقريرها على وجهٍ يرضى المتخاصمين على ما أنتجه الزمان ومقتضيات الأحوال.
وما عدا العارفة يوجد قاضٍ شرعي دائم المقام بينهم من شانه إنه إذا أراد المتخاصمان رفع الدعوى إليه وارتضياه ذهبا إليه؛ إلا أن الأحكام إذا فصلت فصلاً باتاً على يد أحد هذين الاثنين (أي على يد العارفة أو على يد القاضي) لم يجز أو لم يحق بعد ذلك لأحد المتخاصمين أن يستأنف الدعوى عند الآخر الذي لم يذهب إليه. اللهم إلا إذ ظهر ظهور الشمس في رائعة النهار أن الحاكم أو العارفة قضى بما قضى لغرض أو ميل كان في نفسه فحكم بما يرجع إلى خير الخصمين فحينئذٍ يسوغ لأحد المتنازعين استئناف الحكم عند من لم يستفضه في أول الأمر. وإذا أبى أحدهما إلا الاستئناف فإن كان أنتظر في دعواهما راجعاً إلى العارفة فيسوغ له ذلك ولكن بشرط أن ترى تلك الدعوى عند عارفة أو قاضي قبيلة أخرى غير القبيلة التي تخاصما عند عارفتها أو قاضيها. وهذا كله لا يقع إلا نادراً لأن الشروط المفروضة على المتخاصمين ثقيلة الوطأة عليهما كأداء خسر لحاكم أو لعارف تلك القبيلة الثانية وتجشم نفقات يؤديها المغلوب للغالب وغير ذلك مما يثبط عزم الخصمين عن الترافع إلى عارفة أو قاضي قبيلة أخرى. أما ما يتعلق بالأمور الدينية وقسمة التركة فمرجعها إلى القاضي بدون ريب. ومما يجب أن يعلم هو أن للحاكم أو للقاضي من هو أعلى منه بمنزلة أو مقاماً وهو شيخ القبيلة وفوق الشيخ الأمير أو الإمام بموجب خطورة الأحكام. ولا بد أن يكون العارفة من بيت قديم معروف بهذا الشان كما أن الشيخ لا يكون شيخاً إلا من بيت عرف بقدم الإمارة أو الشيخة. وهناك أمر آخر وهو أن القبيلة البدوية إذا جاورت مدينة من المدن جرى عليها أحكام المدن. فإذا ظعنت سقطت عنها الأحكام. وهناك تفاصيل أخرى يطول شرحها تتعلق بالعارفة ربما عدنا إليها في فرصة أخرى. 16 - العاصمة والأحكام الجارية فيها. وقبل أن نمسح القلم من مداد هذا البحث يحسن بنا أن نختم هذا الفصل بما يتعلق بشؤون الإمارة بعد نشوئها وبما يناط بها. - فاعلم قبل كل شيء إن للولاية الواحدة عدة نواحٍ والنواحي مربوطة بالأقضية والاقضية بالمتصرفيات
وهذه بالولاية. فيكون لكل عالٍ حق إشراف على من دونه. ولكل من كان في منزلةٍ دنيا إتباع من هو أعلى منه. أما في هذه الإمارة فكل جزء من أجزائها كبيراً كان أو صغيراً (أي أن كل مثل الناحية أو مثل المتصرفية) فمربوط بقاعدة الإمارة رأساً وليس لأحد على أحد أمر أو نهي. بل ترى جميعهم مربوطين برباط واحد يساويهم في القدر والمنزلة ويعلقهم بالإمارة على سبيل التكافل والتضامن فيراجع رئيس كل قرية أو مدينة عاصمة الإمارة بدون أن يراجع أحداً بمنزلة وسيلة أو ذريعة لإصلاح أموره وشؤونه عند الأمير الكبير. هذا من جهة المصالح المعروفة بالمدنية أو الملكية. وأما ما يتعلق بالأمور السياسية فهذا شيء آخر ولا يحتاج إلى إدارة خاصة. لأنها وإن تنوعت فهي لا تبعد عن أمر واحد هو الغزو لا غير. فمتى أراد الحاكم أن يغزو استنفر قومه وإذا استنفرهم نفر معه الكبير والصغير، اللهم إلا ذاك الكبير العاجز، أو ذاك الصغير الضعيف، أو من كان ذا أشغال مهمة إذا تركها تضرر ضرراً عظيماً وكذلك يترك من يعنى بالفلاحة أو الزراعة. وإذا كان في البيت الواحد أخوان يذهب أحدهما ويبقى الثاني وكذلك قل عن أبني العم أو أبني الخال فإن أحدهما ينفر للقتال والآخر يبقى عوناً لأهل البيت. والأمير في أبان الحرب لا يقوم بشيء من المؤن والذخائر الحربية لأن كل من يخرج للغزاة مكلف بأعباء نفسه من اتخاذ الأسلحة اللازمة والمتاع وكل ما يضمن له القتال مدة من الزمن. فإذا طالت المدة فالحاكم يجدد له الخيل والركاب والأسلحة إذا تلف منها شيء. وهو يمدهم بالأطعمة وبكل ما يحتاجون إليه من نفقات اليوم أو مما لا بد منه. واعتماداً على هذا المبدأ تراهم يستعدون للقتال أو الغزو في هنيهة من الزمن كاملي العدة شاكي السلاح مهيأي الكراع أما عشائر البادية فهي على هذا المثال من امتثال أوامر الأمير فإنه يكتب إلى شيوخها كتاباً ويعين لها موضعاً تجتمع فيه في يوم يضربه لهم فإذا حانت الساعة وجدها في انتظاره في الموطن المعين. هذا ما يجري في هذه الإمارة من الاستعداد للحرب والغزو وهو ما كان يجري في سابق العصور الخالية فلم تغيره الأيام ولا كرور الأعوام لأنهم وجدوا
هذه الطريقة من احسن الطرائق في تلك الأصقاع وأوفقها لحالة القوام الموجودين فيها كيفما اعتبرت تلك الحالة وعلى أي وجه كان. 17 - الديانة والاعتقاد ديانة أهل هذه الإمارة الإسلام الصرف ولا يعرف هناك من يدين بغير هذا الدين الحنيف. فمعتقدهم إذا من احسن المعتقدات إذ هو الاعتقاد الصحيح القويم الذي لم يدخله باطل ولم يمازجه هوى أو بدعة. - وقد أكثر بعض خصومهم من التقول عليهم وشنعوا المذهب الوهابي أو الوهابية وذموا محمد بن عبد الوهاب أسوأ ذم حتى أن الجاهل يظن إن الوهابية اعتقاد حديث العهد هو غير الاعتقاد الذي عليه أهل السنة والجماعة أو هي مذهب خارج عن أحد المذاهب الأربعة المشهورة. والحال إن هذه كلها ظنون وأوهام رماهم بها خصومهم ليعدلوا بالناس عنهم في حين كانت العدوة السعودية عظيمة وبعبارة أخرى كان الأعداء يفعلون ذلك في العهد البائد عهد الاستبداد والطغيان حينما كان أولئك الرجال الخصوم يخشون من وجود مزاحم لهم يشاطرهم الألقاب الإسلامية؛ وليس غايتهم أبداً الطعن بمذهب الوهابية. هذا ما يشم من الأقاويل والأكاذيب التي لفقها بعض المؤلفين الذين استعبدتهم الغايات واستغوتهم الأطماع واستمالتهم الأهواء فمالت بهم إلى مهب كل هواء ومدب كل هوى. وإلا فالوهابية أو مذهب أهالي نجد هو مذهب قديم إذ ليس هو إلا مذهب الإمام أحمد بن حنبل (رضه) فهو هو المذهب الذي عليه أهل نجد كلهم قاطبة مع بعض المسائل التي أوردها لهم الشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. فهم إذا موحدون حنبليو المذهب، تابعون للسنة والجماعة وهم لا يميلون أبداً إلى البدع والخرافات، ولذلك تراهم لا يسلمون بعبادة القبور ولا الإكثار من زيارتها للتبرك بها ولا يطلبون منها قضاء الحاجات لا لدفع ضر ولا لجلب خير، ولا يقيمون عليها الأبنية ولا ولا ولا من مثل هذه الأمور التي صدت كثيرين من المسلمين عن إتباع الحق المبين، ونكبت بهم عن الصراط المستقيم فأضعفت إرادتهم للخير وقوت فيهم الاتكال على الأوهام والتخيلات التي تدفعهم إلى أن يظنوا إنها تنفع وتضر بينما أن النافع هو الله والسامح بالضرر هو تعالى أيضاً وأن ما ينفقه أولئك الناس في سبيل تشييد الأبنية على القبور وما ضارعها هي الضرر وخسارة في المال والروح والاعتقاد. فالوهابيون يعملون بما هو مسنون ومستحب بلا مبالغة ولا خروج عن الحد
الأدب خير نسب
والمطلب. يوحدون الله وإليه يلجئون في النوائب والنوازل، ومنه يرجون كل خير ويطلبون كل صلاح، وبه يستعيذون ويستجيرون وإياه يسبحون ويقدسون، وهم لا يشركون أحداً مع الله في العبادة والتوحيد والاستعاذة والاستعانة. - هذا وكتبهم مشحونة بمثل هذه الأقوال الصحيحة ولا سيما مؤلفات الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله، فإنها كلها مؤيدة بالأدلة القرآنية، والأحاديث النبوية الصحيحة فمن شاء مزيد تفصيل وإطلاع على هذا المذهب وأصوله وتعاليمه فعليه بكتاب التوحيد، وكشف الشبهات، والكبائر، والأصول، من تأليف الشيخ المذكور؛ فقد جمع فيها ما يغنى عن الإطالة في هذا البحث في هذه المجلة الضيقة النطاق. 18 - العادات والأخلاق أما عادات أهالي هذه البلاد فقد يستغني المطالع عن الوقوف على تفاصيلها إذا علم أن عرب تلك الأنحاء هم العرب الأقدمون الصرف البحث المحض الذين لم يشب نسبهم شائبة، ولم يخالطهم أجنبي الدم أو الدار، ولذا تراهم باقين على عروقهم الطيبة، ومنابتهم القويمة فأخلاقهم أخلاق العرب الأولين من شجاعة وبسالة، من أقدام واقتحام، من جود وكرم، من وفاء وإباء، من صدق وشرف. إلى غيرها من الأوصاف والمناقب الموجودة فيهم التي إن لم تزد فيهم مع الزمان فإنها لم تنقص أبداً، فبلادهم هي البلاد التي تغنى بها الشعراء وأقوامها أولئك الأقوام الذين نبغوا بين مشاهير الرجال الكرام. وكفاهم شرفاً أن الله أمتدحهم بأنهم (أولو قوة وألو باس شديد). وبهذا القدر لهذا البحث كفاية للقنوع، وفي الختام، السلام سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض الأدب خير نسب كن سيداً بالأدب ... ما بين أهل الحسب فخير أم هو لل ... مرء وهو خير أب وهو لنيل المجد وال ... علياء لأقوى سبب وهو لدى الفخر سرا ... ج ضاء فوق الشهب رتبته سامية ... تعلو جميع الرتب
أربع أسر بلا أثر
والشعر لازمه فهو ... تاج لرأس الأدب وذو الغنى في الناس ذو الآ ... داب لا ذو الذهب فالمال تفنى كنزه ... في الدهر أيدي النوب وكنز آدابك لا ... يفنيه مر الحقب تحفظه الأيام ما ... تعاقبت في الكتب فكن له منتسباً ... فهو لخير النسب إبراهيم منيب الباجه جي أربع أسر بلا أثر (لغة العرب) ننشر فصلاً آخر من كتاب الابيل الفاضل نرسيس صائغيان عن أسر بغداد النصرانية. وبهذه المناسبة نطلب إلى الشرقيين والمستشرقين من له وقوف على بيوت بغداد (القديمة النصرانية) أن يدلنا عليها وعلى أسمائها سواء ورد ذكرها في نصوص الكتب التاريخية أو في حواشيها أو في بواطن جلود بعض المؤلفات التي كانت في حوزة البغداديين مما انتقل بالشراء الشرعي إلى ديار الإفرنج أو مصر أو الشام. والكاتب يشكر من الآن كل من يتكرم عليه بأي إفادة كانت في هذا الباب). من البيوت البائدة التي لا بقية لها اليوم في بغداد وصارت في خبر كان أربع أسر متنوعة الطائفة غريبة المنبت والمنشأ وهي منوطة بعضها ببعض ولا نياط حلقات السلسلة، وإليها تنتسب أسر عديدة لم تزل موجودة عندنا. ولكن من عجب الأمر أن ذكر الأسرتين الأوليين منها قد كاد يمحي كل الإمحاء بعكس الأسرتين الأخيرتين فإن ذكرهما لم يزل حيا بين ظهرينا غير أن لا بد من تمهيد وجيز قبل أن نأتي على أسماء هذه الأسر وعليه نقول: الحلبيون في بغداد قبل أن يصل فردينان دي لسيس الفرنسي 1805 - 1894) البحر المتوسط ببحر القلزم بفتحة ترعة سويس كانت حلب من أعظم
وأشهر مدن الشرق تجارة وثروة حتى كان يقال لها (تدمر الحديثة) ولو أنها كانت قد فقدت قبل هذا التاريخ بسنين عديدة شيئاً من عظمتها التجارية وأرباحها الطائلة وذلك بعد أن أجتاز البحار الشهير فاسكودي غلما البرتوغالي رأس الرجاء الصالح سنة 1498 واختط طريقاً جديدة إلى الهند. ومع هذا كله ظلت الشهباء حتى نحو فتح الترعة زاهية زاهرة واسعة التجارة كثيرة المواصلات والعلائق مع بلاد وأقطار شتى وخاصة مع العراق لخطورة مركز تجاريه موقعه فضلاً عن أن بريد شركات الهند الأوربية كان يأتي تواً من حلب إلى بغداد ومنها كان يتوجه إلى البصرة ومن البصرة إلى سورات في الهند. وقد زادت هذه العلائق توثقاً بين حلب والعراق وتحسنت كثيراً بعد سنة 1702 أي بعد أن أخت الزوراء تدخل في طور جديد عند تأسيس باشوية بغداد الواسعة الأرجاء تسليم زمام أمورها إلى أيدي ولاة همام ساد الأم في أيامهم داخلا وخارجا وعمت الراحة واتسع نطاق التجارة وعليه أخذ كثيرون من نصارى حلب يتواردون إلى بغداد والبصرة للتجارة والارتزاق وللهرب من الاضطهادات ومن الزلازل التي كانت تحل بالشهباء من وقت إلى آخر وتبقي الرعب في قلوب سكانها. ومن هؤلاء النصارى من كان يعود إلى وطنه بعد مكثه مدة في بغداد ومنهم من كان يستوطنها ويتأهل فيها. ولم يبق اليوم في بغداد والبصرة من هذه الأسر المستوطنة التي لا ريب في أصلها الحلبي سوى عشر أسر وسيأتي ذكر كل منها في محلها. وأما الأسر التي قد انقرضت من عندنا فكثيرة توصلت إلى معرفة البعض منها وفي مقدمتها الأسرة الآتي ذكرها: وهي أسرة يوسف الحلبي المدعو تنتجي من طائفة الملكيين ولعله من العشيرة المعروفة بهذا الاسم إلى يومنا هذا في حلب وكان اسم امرأته دونيا والأرجح أنها أرمنية كاثوليكية من همذان أو من ديار بكر وأما أولاده فكانوا: مريم التي تزوجها إبراهيم بن عبد الله الطويل السرياني سنة 1734 أو سنة 1735 وتوفيت في 28 كانون 2 سنة 1748 ومرتا التي توفيت في 22 أيار سنة 1750 وهيلاني التي تعمدت في 4 حزيران سنة 1734 وعبد الله الذي تعمد في 7 حزيران سنة 1735 وأما
باقي الحلبيين الذين نعرف أسمائهم فهم: بشارة السرياني الذي خطبت له قدسي الموصلية الكلدانية في الأحد الأول من صوم سنة 1735 ومرتا الإمرأة الأولى ليوسف بن عبد العزيز الكلداني وقد توفيت في 29 تموز سنة 1748 وتريزيا ابنة الشماس ميخائيل التي تزوجها يوسف المذكور في 25 تشرين 1 سنة 1750 وسارة أرملة مراد التي توفيت في 28 حزيران سنة 1751 وافيديس (بشاره) الذي ورد ذكره في 13 شباط سنة 1762 وسوسان امرأة إسحاق الامدي التي ورد ذكرها في 21 تشرين 2 سنة 1767 وأيضاً: جرجس التاجر الذي توفى في 16 كانون 2 سنة 1756 والمقدسي بطرس ابن الخوري ميخائيل الذي توفى في 20 أيار سنة 1757 ويوسف بركات الذي توفى في 20 أيلول سنة 1758 وفي 20 شباط سنة 1756 كان قد توفى خادمه الحلبي عيسى بن يعقوب وموسى بن باتيستا الذي توفى في 20 كانون 2 سنة 1762 وفي 20 نيسان سنة 1812 يذكر عيسى السرياني وامرأته حنة ابنة كسبر الامدية التي توفيت بالزحار (الدوسنطاريا) في 14 تشرين 2 سنة 1815 في محل يقال له كفري أو الصلاحية من ولاية بغداد حيث دفن فيه وكان ذلك عند عودته من الأستانة إلى بغداد وعمره نحو 22 سنة وحنا بن عيسى السرياني الذي توفى في 5 أيلول سنة 1817 وعمره نحو 20 سنة وأيضاً: نعمة الله التابع لطقس اللاتين الذي تزوج بتريزيا الكلدانية أرملة ليوني البندقي في 24 حزيران سنة 1805 وفتح الله ابن الخوري شدياق الذي أقترن بماريا تريزيا ابنة انطون تنيوتي الطبيب الايتالي في 11 شباط سنة 1833 ولويز واسطيفان شدياق اللذان كانا في بغداد يتعاطيان التجارة وهناك أسر أخرى حلبية الأصل قد انقرضت أو على وشك الانقراض سأذكرها في فرصة أخرى. 1 - أسرة حنا الحلبي وهو حنا بن عيسى الطوراني واسم أمه تريزيا من طائفة السريان ومن الظاهر إنه كان تاجراً وقد قدم بغداد في أواخر الربع الأول من القرن الثامن عشر. ولما أراد أن يقترن بصوفيا ابنة جبران البغدادي أبيح له بالتأهل من مانع القرابة الموجودة بينهما في الدرجة الثالثة وذلك في 22 نيسان سنة 1730 لأنا نجهل تاريخ زواجهما وهذه القرابة بين الحلبي والبغدادية من الأمور المحيرة التي تدفعنا إلى أن نرى فيها آراء ونتساءل: هل عن أجداد حنا كانوا قبلاً في بغداد أو هل إن أصل بيت
جبران الكلداني من حلب أو. . . أو. . . والله اعلم الذي من على حنا وامرأته صوفيا بالأولاد الآتي ذكرهم تريزيا التي توفيت في 17 كانون سنة 1815 انطون الذي توفى في 27 آب سن 1765 بريجيتا التي توفيت في 8 تشرين 2 سنة 1780 وسيأتي ذكرها مرة أخرى مرغريتا التي اعتمدت في 9 حزيران سنة 1743 يوسف الذي أعتمد في 28 آب سنة 1745 انسطاسيا التي اعتمدت في 28 أيلول سنة 1747 وهي امرأة بطرس بن عبد الأحد بشارة السرياني وقد انقرضت أسرته من عندنا عيسى مريماللذان اعتمدا في 1 تموز سنة 1751 سيدي التي ولدت في 23 حزيران سنة 1753 وهي امرأة عيسى بن شماس كوركيس غنيمة الكلداني البغدادي غير أن هذا الفرع من بيت غنيمة قد انقرض. جبرائيل الذي ولد في 7 كانون سنة 1757 وكان لحنا أخ اسمه عبد الله وأختان وهما مجدلية (مدولة) وهييلاني التي كان قد تزوجها كوركيس بن عبد العزيز الكلداني البغدادي وهو أرومة عشيرة كبيرة عندنا كبيت يسائي وبيت تيسي وغيرهما. ومجدلية كانت تسكن مع أختها المذكورة وكان في بيت حنا جارية اسمها مرتا. وتوفى حنا في 15 آب سنة 1770 وأما امرأته صوفيا فتوفاها الله في 7 آب سنة 1796 2 - أسره ميخائيل راجي وهذا أيضاً حلبي أخر وهو ميخائيل بن جبرائيل راجي الماروني وكانت مهنته الطب ولعله كان يزاول التجارة أيضاً كعادة بعض أطباء ذلك الوقت وقد قدم بغداد
في أوائل النصف الثاني من القرن الثامن عشر واقترن ببريجيتا ابنة حنا الحلبي السابق ذكرها في 4 أيار سنة 1761 واحد الشهود بزواجه كان آكوب جان مقصود الحلبي ونراه أيضاً أشبينا (أو قريبا) في عمادات جميع أولاده ويذكر لأخر مرة في 26 آذار سنة 1780. ويبين إنه أتى بغداد في وقت واحد مع ميخائيل وربما كان يسكن معه أو كان شريكه في التجارة: ولم آت بهذه التفاصيل إلا لأن اسم الجد الأكبر لآل سركيس الكرام الأرمن الكاثوليك المنتشرين اليوم في بغداد والبصرة وباريس كان أيضاً آكوب جان مقصود من حلب ولو أن المؤكد عندنا أن حفيديه هما اللذان قدما بغداد وكان قدومهما إليها في أوائل القرن التاسع عشر ومنهما تسلسل بيت سركيس ولهذا ليس في وسعنا أن نجزم بوحدة الأكوبين ولو أنهما شخص واحد على الأرجح وحينئذٍ يجب أن نفرض أن آكوب جان رفيق ميخائيل راجي عاد إلى وطنه حلب وتأهل هناك والله اعلم. وأما ميخائيل فتوفى في بغداد سنة 1819 وأعقب الأولاد الآتي ذكرهم: جرجس الذي ولد في 11 أيلول سنة 1762 يوسف الذي اعتمد في 12 كانون 2 سنة 1764 هيلاني التي اعتمدت في 11 أيلول سنة 1766 كترينة وسيأتي ذكرها مرة أخرى حنا الذي اعتمد في 23 كانون 2 سنة 1775 كلارة انسطاسيا التي اعتمدت في 20 كانون 2 سنة 1777 وهي المعروفة والمشهورة في بغداد باسم (جدة قبرة) ولا يعرف أحد أسمها الحقيقي بل كما لا يعرف البغداديون ابنة من كانت وقد تزوجها أولاً رجل كلداني أسمه يوسف وبعد وفاته تأهل بها يوسف عبد الله نمنومي وهو أخو جرجي السرياني البغدادي في 5 آذار سنة 1815 وتوفيت بشيخوخة صالحة في 31 تموز سنة 1871.
السائح الغربي في العراق العربي
السائح الغربي في العراق العربي 1 - توطئة كنا قد كتبنا في لغة العرب 2: 231 نبذة يسيرة عن أفكار الغربيين في العراق وعاداتهم واليوم نكتب هذه العجالة عن حالة السائح الغربي في العراق وأفكار العراقيين نحوه وعن السبب الذي يعرقل مساعيه ويضع أمامه العقبات الكؤودة فيتركه ينقم من العراقيين ويرميهم بالتوحش والهمجية وغير ذلك مما هم براء منه فنقول: 2 - بسط الموضوع علم الناس من القديم أن لكل قوم من الأقوام أخلاقاً وعادات تخالف الأقوام المجاورين لهم بل قل تخالف أهل كل قطر وبلدة وقرية وحارة وإذا سمع فرد من الأفراد شيئاً عن عادات غير قومه أو شاهد أخلاقهم استغربها واستهجنها بل رمى أولئك القوم بالتوحش وسخافة الرأي وكذلك قل عنهم في قومه. والكل يزعم أن أخلاقه احسن الأخلاق وعاداته احسن العادات وآدابه احسن الآداب. من ذلك أن البدو وأهل القرى ينكرون على أهل المدن المراحيض ويعدون وضعها من أقبح ما يكون وإذا جادلتهم فيها يقولون لك إنا نستنشق الهواء الغربي الهاب من صدر الفضاء
وفي معاطفه وما فيها خير من أن تضر بصحتنا الروائح الكريهة المارة علينا دائماً وغير ذلك مما يطول شرحه. يقصد السائح الغربي الشرق عموماً والعراق خصوصاً لأجل التجول فيه والوقوف على آثاره الخالدة ومشاهدة ما شيد فيه الأقدمون من الأبنية السامية والقصور الفخمة فيؤلف في ذلك كتاباً مزيناً بالرسوم والصور المنقولة بآلة التصوير الشمسي ومحتوياً على جميع ما شاهده وسمعه من غريب الحكايات واصفاً الآثار الدوارس والصلول الشواخص ومسحها وذكر أسمائها القديمة والحديثة وما كانت في سالف الزمن وترجمة ما يجده مكتوباً في صخورها. وذكر المياه القريبة منها والبعيدة عنها. ووصف الطرق الهادية إليها والعلامات البعيدة عنها والقريبة منها وذكر الأعراب النازلين حولها والنازحين عنها وأنسابهم ورؤسائهم وآدابهم ومعاشرتهم ومهنهم وما يجري مجراها. وما قصده من هذا كله إلا خدمة أبناء قومه الذين كانوا سبباً لرقيه ويكون أيضاً قد أغنى بكتابه المذكور عن السياحة الفقير الذي ليس لديه مال يقوم بنفقاتها وكسب شهرة تخوله المنزلة العليا بين أقرانه. وخلد له أثراً يذكره الناس فيه ما دام باقياً. 3 - ظن العراقي لما كانت السياحة على الطريقة العلمية محتاجة إلى بحث وتنقيب وسؤال وجواب واستفهام وتدقيق. يسأل السائح الغربي الأعرابي من العراقيين عن ذلك التل مثلا ما أسمه عندهم. أو هذه البيوت من أي عشيرة أهلها ومن يرأسها. أو ما اسم هذه الأرض أو غير ذلك مما يتعلق بالسياحة فيسكت المسؤول ولا يجيبه بشيء أو يقول له أني جاهل جميع ما ذكرت أو يجيبه بخلاف الواقع. ثم يذهب ذلك الأعرابي إلى أصحابه ويقول لهم إن ذلك الإفرنجي أو الإنكريزي ينشد عن ذاك التل شسمه (أي ما أسمه) مدري شيريد منه (أي ما أدري ما الذي يريد منه) فيجيبه الآخر (أنت شمدريك هذا كي جدوده شوف لو بيه خزينة لو شو شكو بيه) معناه أنت لا تعرف شيئاً. فهذا ملك جدوده أفتكر فأما فيه كنز وأما فيه شيء آخر. ثم يقول
الأعرابي: (وزاد ينشد عن هذه العرب مدري شيريد منها) معناه. وهو يسأل أيضاً عن هذه البيوت لا أدري أي شيء يريد منها. فيجيبه الآخر: (هذا يريد يعرف شكثرها حتى يجيب ربعه ويأخذها) معناه هذا يريد أن يعرف عددها فيأتي بأصحابه وينهبها. ثم يقول الأعرابي: زاد ينشد على اسم هذي القاع (ويلفظون القاف كافاً فارسية) فيجيبه الأول: ما قلت لك هذي قاعهم وجاي متعني عليها مناك (أي جاء قاصداً إياها من هناك أي من بلاده). ثم يأخذ الجميع بسبب ذلك السائح الغربي وإضمار السوء له وقد يحققون ما اضمروا إن لم يكن لهم من يردعهم وقد شاهدت مثل هذه الأفكار في جماعة من المنورين منهم. 4 - ذكر بعض عوائد الأعراب عرف العموم أعراب العراق وما هم عليه من السخاء وعزة النف والآباء وحمى الجار والذمار والنجدة والشجاعة. وما كنت أعرف السبب الذي يحمل الغربي على أن ينقم من العراقي ويرميه بالتوحش والهمجية حتى سافرت مع عدة رجال من فضلائهم وحينئذ أميط عني الحجاب المرسل على تلك الحقيقة الغامضة. ووقفت على السر الذي خفي على كثير من أدباء الغرب والشرق. من عادات أعراب العراق إنهم يضيفون كل من ينزل بجوارهم وإنهم يقبلون كل ضيف مهما كان مذهبه ونحلته. ويعدون أكبر عار عليهم إذا دعوا أحداً إلى طعامهم ولم يجبهم إليه وكم مرة نشبت الحرب فيما بينهم من أجل فنجان قهوة يعطى لأحد
جلساء النادي (وهم يسمون النادي المضيف أو الديوان أو الربعة) فلم يشربه فيقتله
صاحب الديوان أو يبارزه لكونه أخل بشرفه لأنه لم يشرب فنجانه. فتضرم نار الحرب بين القبيلتين أو القبائل ولا تنطفئ إلا بعد قتل النفوس الكثيرة من الطرفين لأنهم يعدون الذي لا يشرب فنجانه مغموراً في عرضه. ومن عاداتهم إنهم يحتقرون الحضر أهل المدن ويصفونهم بالجبن والبخل فيقولون إذا أرادوا أن يعبروا عن أحدهم بالذم: (هذا شنهو حضري غلاك بابه اجال الطمامة أبو يمه بوليني) معناه من هذا؟ هذا حضري يغلق باب داره دائماً حذراً من أن ياتيه ضيف وخوفاً من السرق وهو يأكل دائما الطماطة (البندوري أو الطماطم) والجبنة إذا أراد أن يبول في الليل ينادي أمه لتذهب معه طرداً لما يمكن أن يسبب له الخوف. وكذلك قل عن أهل المدن فيما بينهم فإن الذي لا ينتسب إلى قبيلة من قبائل الأعراب هو محتقر عندهم أيضاً بخلاف المنتسب إلى قبيلة فإنهم يجلونه ويصغون إلى كلامه. ومن عادات أعراب العرق أن الرئيس أو الشيخ منهم يعد نفسه في محلة أكبر من سلاطين الدنيا بأسرهم وكثيراً ما يعقدون بينهم مجالس يتهكمون فيها على قوانين الحكومات لزعمهم أن الحكم للسيف لا غير وقد ضربوا لذلك مثلا قالوا: (الحق بالسيف والعاجز يريد شهود). ومن عاداتهم أن الأدنى لا يجلس في محل الأعلى ولا يعلوه وإذا وقع مثل ذلك يعد الأعلى هذا العمل احتقاراً له وازدراء به. ومن عاداتهم الاستياء ممن يتضجر من مجالستهم ولا يصغي إلى كلامهم ولا يظهر له الارتياح عند سماعه إياه ولا يسر بملاقاة أحدهم ولا يبش في وجهه وهذه العادة في الشرق كله لا في العراق فقط. ومن عاداتهم الجلوس على الأرض وإذا وجد من يجلس على الكرسي يذم عند قومه ويحتقر ويرمي بالكبر والجبروت. ومن عاداتهم الجلوس على السفرة جميعاً والأكل من إناء واحد ولا يمد أحدهم يده إلى الطعام بل ولا يقدم عليه بدون إذن ودعاء. وإلا حجم ولو مات جوعاً. ثم لا يمد المدعو إلى الإناء قبل أن يمدها الرئيس أو الداعي إياه. ولما كان مخالفة هذه العادات عند الأعراب أكبر أثم من مخالفة خلق الناس ورازقهم لأن المحافظة عليها من أوجب الواجبات وأفرض الفرائض كانت مخالفتها عند الغربيين من باب مقابلة الضد بالضد. لأن الغربي المدني
يحتقر القروي. ولا يقبل ضيفاً لم تسبق معرفته غياه وإذا ضاف من يعرفه فتكون ضيافته بمنزلة دعاء إلى غذاء لا غير. ويحب الغربي الجلوس في غرفة مخصوصة به. ولا يقبل زائراً بدون استئذانه وقد يرده إذا لم يرد مواجهته. وإذا ضجر من جليسه أو أحتاج إلى أمر أعتذر منه في الحال. ولا يعمل عملاً مهما كان كبيراً أو صغيراً بدون أجرة ولا يشرك أحداً في طعامه عند الأكل ولا يجلس إلا على الكرسي وعلى هذا قس ما سواها. وكل ذلك مما يخالف أخلاق العرب وعوائدهم كما يتضح ذلك لمن يعرف مصطلحات القومين. 5 - سوء التفاهم يأتي صاحب هذه العادات الغربية إلى العراق وهو لم يعرف من أخلاق أهله وآدابهم شيئاً فيعاملهم بعاداته وأخلاقه. فينزل مثلا حول (فريق) من العرب ويضرب خيمته بقرب بيتٍ من بيوتها ومنذ ذاك الحين يعده صاحب البيت ضيفه وهم يقولون (قصير) وفقاً لعادة الأعراب وعند الظهر أو المغرب يدعوه صاحب البيت إلى طعامه (لأن نقل الزاد منهم إليه قبيح) فيأتي المدعو الرواح زاعماً إنه لا يحب تكليف جاره وخسارته لما يعده في قومه. وجاره يعد هذا العمل احتقاراً له وإخلالا بشرفه فيرجع إلى بيته وهو مستشيط غيظاً وحنقاً ولكنه لا يترك نزيله أو قصيره يشعر بذلك بل يزوره في خيمته ويحدثه ويسامره لكي لا يقول عن هؤلاء الأعراب أنهم جفاة متوحشون ولا يزورون الضيف ولا يحبونه وتلك عادة الأعراب منذ خلقوا) منه قول شاعرهم في الفخر: (فراشي فرش الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنع) (أحدثه أن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع) ويقال العكس إذا زار ذلك الأعرابي الإفرنجي النازل بقربه فإنه إذا دخل عليه يفرش له بساطاً على الأرض ويجلسه عليه ويجلس هو على الكرسي هذا إذا قبل زيارته ولم يطرده لأن في الغربيين من يطرد زائره من الأعراب حابساً
نفسه أنه في غرفته التي في لندن أو باريس أو برلين. فيستهجن الأعرابي هذا العمل ويلعن الساعة التي جمعته وهذا الفظ الغليظ الطبع المتكبر لأنه يعد جلوسه على الأرض وجلوس صاحب المحل على الكرسي حطاً من قدره وخفضاً لشأنه ولم يدر أن ذلك الغربي المسكين لم يطق القعود على الأرض لما تعوده من الصغر. والذي يزيد الطين بلة أن الغربي بعد هنيهة يقول مثلا (لذلك الأعرابي: قم من هنا أني أريد أن أنام. فيقوم الأعرابي وهو يكاد يتميز من الغيظ فيتولد من هذه الأعمال ومما شابهها التنافر والتخاصم. وقد افترق الاثنان وكل يرمي صاحبه بسوء الخلق والتوحش. هذا إذا كان الأعرابي من العقلاء الذين يراعون خدمة الغريب. وإلا قتل خصمه الغربي أو نهب جميع ما عنده وتركه مجرداً كيوم ولدته أمه في قفر من الأرض يستوحش فيه الغول والسيد العملس. فيرجع الغربي إلى وطنه وهو يذم العراقيين ويسبهم ويلطخ بهم كل رذيلة، ويجردهم من كل فضيلة، ويصفهم بأقبح الصفات وأشنعها ويختم ذلك بأن يوجه لومه إلى العراقي ويطعن به أشد الطعن ذلك العراقي الذي رافقه في سفره لكونه جاري قومه على عاداتهم وآدابهم ولو انصف لمدح ذلك الرفيق وأطراه إذ لولا مداراته لأفكار القوم لما تمكن أن يخطو خطوة ولأصابه من المحن أضعاف ما جرى عليه ولأعترف هو بذنبه وبما جنته عليه يداه لأن سبب ذلك كله هو مخالفته لعادات القوم لا غير. 6 - محاسن أعراب العراق لا نكران أن العراقيين يجلون الغريب ويحترمونه كل الاحترام ويودون أن يسدوا إليه كل مكرمة ولا يعتذرون أبداً ممن يندبهم إلى كشف ملمة أو قضاء حاجة أو سد عوز. وهل يذم رجل تسأله أين الطريق الفلاني وهو يرك متحيراً غريبا فيشفق عليك وللحين يترك شغله ويذهب معك حتى يدلك عليه ويرجع عنك بلا أجرة ولا مكافأة؟ وهل يسب فتىً تنزل حوله فيحسن قراك ويقوم بضيافتك - ولو بقيت مدى الدهر - بلا من ولا أذىً ولا جزاء ويقدم طعام عشرة رجال لرجل واحد وإذا فضل من ذلك الطعام شيء فلا ترجع فضالته إلى البيت الذي جاء منه بل يأكلها من حضر الديوان؟ (لأنهم يعدون رجوعها أكبر عار عليهم).
وهل يرمي بالتوحش شخص يرك وحيداً فيأتي إليك ويحدثك بملح الأحاديث حذراً من أن تقول: ما أوحش هؤلاء القوم لا أنيس فيهم ولا جليس! وهل يقذف بالغدر امرؤ تقول له: أنا بذمامك (وهم يقولون بوجهك وأهل الشرقية بعلفك) فيضطر إلى أن يرسل معك أفراداً من رجاله (ويسمون واحدهم مسير والجمع تسيار ومسايير) ولا يتركك هؤلاء النفر حتى ينزلوك أرضا تكون فيها أميناً على نفسك ومالك؛ وحينئذٍ يرجعون عنك بسلام ولا يأخذون منك درهماً ولا ديناراً ولو أخذوا لأنبهم أميرهم وللحقهم عار قومهم إلى الأبد.؟ وهل يحتقر إنسان تزوره في بيته فيتواضع لك ويتصاغر بين يديك ويجلسك على أعلى المراتب ويقوم بخدمتك ولو كان أكبر منك بكثير لكي يكون مصداقا لقول الشاعرهم: (لعمرو أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس) وإذا أصابك سوء وأنت في بيته فلا بد من أن ينتقم ممن أساء إليك أو يقتل دونك ومنه قول الشاعر البدوي العصري النجدي (ويقال أن صاحب هذين البيتين الريمان من شعراء نجد الفرسان) وهما الفخر والحماسة: ذبحت سبعة كلهم فرسان ... بين الظهر والعصر ما صليت كله لأجل خاطر الضيفان ... خليت باجي سورهم بالبيت معناه ذبحت سبعة فرسان لكونهم أهانوا ضيوفي الذين تركت فضلة طعامهم في بيتي لا يأكلها أحد حتى أخذ بثأرهم وكان وقت ذبحهم بعد الزوال أي قبل أن أصلي العصر. وأعظم من ذلك الحكاية التالية التي تزري بفخر السموأل وهي: غزا ذات يوم كبير العمور (وهم يسمونه قليط والعمور فخذ من أفخاذ شمر ينزل مع الضفير وهم قوم ابن سويط) وكان معه طائفة من قومه فصار عليهم
عقيداً وبعد أن خرجوا من بيوتهم لحق بهم ابن صنيتان السويط يريد الغزو معهم أيضاً ولما غنموا أختار ابن صنيتان ناقة من الإبل التي غنموها قبل القسمة لكونه ابن الشيخ العرب فأبى أن يعطيها إياه العقيد لأن من عادة الأعراب إذا غزا قوم منهم وأقاموا عليهم عقيداً فللعقيد الأمر والنهي والعزل ومعنى العزل أنه يأخذ من الماشية التي كسبت قبل القسمة ما كان ظهرها أبيض دون سواه ولو كان في الجيش من هو أكبر منه ولوجود هذه العادة عندهم منع العقيد (العمرى) (أي العموري) وأسمه نائف طلبة ابن صنيتان عنه فأسرها الشاب في نفسه ولم يبدها لأحد حتى وردوا مخيم العرب وذهب كل إلى بيته وبعد بضعة أيام زار العقيد المذكور ابن صنيتان في بيته (وهم يقولون سبر عليه) ولما أقبل قام له كل جالس إجلالاً لشأنه وأدنوه حتى جلس على الشداد وما كاد يستقر في مكانه حتى أخذ الشاب السالف الذكر بندقية وضربه برصاصة من خلفه فأصابت مقتلاً بين كتفيه فمات للحال ولما شاهد العمور ما جرى لزعيمهم قوضوا خيامهم وعزموا على الرحيل وقالوا: إننا لا نريد جوار شيخ يقتل كبيرنا في بيته. ولما سمع القول ابن صنيتان حكم على أخويه وقومه: أن لم تأتوني بالصبي قبل المغرب لكي اقتله انتحرت فذهبوا يفتشون عليه فوجدوه في بيت من بيوت الأعراب فأتوا به إلى أبيه فمسكه أبوه وذبحه بيده كما تذبح الشاة وقال: إن ولداً يهين مجاوري (وهم يقولون أقصر أي) في بيتي لحق أن يذبح هذا الذبح ثم أهدى رأسه إلى العمور ولما شاهدوا الرأس رجعوا إلى منازلهم السابقة. وقد وقعت هذه الحادثة في حدود 1320هـ - 1902م على ما أخبرنا الحاج جار الله الدخيل العقيلي النجدي. ونظير هذه الحكاية حكاية وقعت للمهدي شيخ حرب مع رجل من عنزة وذلك في أوائل القرن الثالث عشر من الهجرة ومثلها لأبن مجلاد وأسمه
باب المكاتبة والمذاكرة
(برجس) وهو من شيوخ عنزة الفرسان مع التمياط من شيوخ شمر وأسمه مجحم وذلك قبل 25 سنة ونحوها أيضاً لأبن شعلان وأسمه محمد مع رجل من الفضلة من شمر وذلك قبل 4 سنين. فبالله أيها العادل المنصف أمن الحق أن يقال لصاحب هذه الأعمال رذلا لئيما وأن يقال لصاحب الأعمال التي تضادها فاضلا كريما؟ فلينصف السائح الغربي نفسه وليجار العراقيين في عاداتهم وأخلاقهم وإذا رأى بعد ذلك طريقاً للذم والانتقاد فله أن يسلكه وإلا كان ذمه إياهم ظلماً وعدواناً. كاظم الدجيلي باب المكاتبة والمذاكرة 1 - أيهما الصحيح صاحب لغة العرب المحترم إذا وقف القارئ على الأسطر التي جاءت في ص 228 من هذه السنة من مجلتكم الغراء لا بد أن يستوقفه النظر على ما جاء فيها من تناقض الأقوال، بل يقف متحيراً لا يدري أي القولين أصح وهما: قال الكاتب: (الأمير إبراهيم الذي كان في عهد العباسيين أميراً مستقلاً. . .) ثم قال عن والده موسى: (. . . الذي كان مستبداً بنجد وما والاها في أخر أيام العباسيين) ثم قال عن جده مانع: (الذي وضع أساس الدرعية وبناها وكان مستقلاً بالإمارة في سنة 850هـ - 1446م) وقد علم الناس أن كلما تقدمت الأباء والجدود يتقدم التاريخ عهداً ولا يعكس كما يظهر لأدنى تأمل. وهنا ترى الجد الثالث لإبراهيم وهو مانع كان في أواسط القرن التاسع للهجرة وتجد إبراهيم المذكور وهو حفيد ابن مانع عاش في عهد العباسيين ومعلوم لدى العموم أن انقراض الدولة العباسية كان في سنة 1258م. فنظن أن الكاتب يكتب بدون تروٍ كافٍ وإلا كيف يكون التوفيق بين القولين؟ فليفدنا. سائل
فوائد لغوية
فوائد لغوية 1 - الأميال والميول شاع على ألسنة أقلام الصحافيين في هذه الأيام جمع الميل (المفتوح الأول) على ميول وهذا خطاء. لأن الميول والأميال جمع الميل المكسور الأول. وأما الميل بالفتح فلم ترد مجموعة إلا على أميال. والحال أن معنى الواحد غير معنى الأخر. فليحفظ. 2 - هذا الشيء يخالف ذاك على خط مستقيم ومما أولع به كتابنا قولهم: هذا الشيء يخالف ذلك (على خط مستقيم). وهذا الاصطلاح الأخير اصطلاح سقيم مسلوخ سلخاً من لغات الفرنجة لا يعرفه العربي الصميم فإن هذا يقول بهذا المعنى: هذا الشيء يخالف ذك مخالفة بينة، أو يخالف ذاك مخالفة أي مخالفة، أو يخالف ذاك كل المخالفة، أو مخالفة لا تنكر، أو بينة لكل ذي عينين، أو نحو هذه مما هو أشهر من قفا نبك. 3 - جمع كيف على كيوف وقال بعضهم: إن الله مقدس عن الأشكال و (الكيوف). وتكسير الكيف هذا التكسير من أقبح ما ورد. والفصحاء. لا ينطقون به ولا يعن لهم وإن أرادوا التعبير عن مثل هذا الفكر يقولون: إن الله مقدس عن الشكل (والأحسن الصورة) والكيف. وإن شئت جاريت المولدين فقلت الكيفية وجمعتها على الكيفيات. أما الكيوف فثقيلة أثقل من أحد، وقبيحة أقبح من خنزير. 4 - انطلت عليه الحيلة انطلت عليه الحيلة بمعنى جازت عليه من العبارات التي أولع بها كتابنا العصريون. وقد نقلوها عن كتاب ألف ليلة وليلة وقد وردت فيه في عدة مواطن، منها قوله: لا ينطلي عليكم كلامه وما هذا إلا لص. وقوله: انطلت عليه الحيلة، (وفي نسخة انطلق وهو خطأ بين) وقوله: ولكن مرادي أن تخبرني بالصحيح لأن حيل الكذب غير نافعة ولا تنطلي في كل الأوقات. اهـ. على أن هذا الفعل وإن كان غير قديم الورود في كلام فصحائهم إلا أن له وجهاً مجازياً وذلك أنك إذا طليت شيئاً بسائل أو بمعدن مذاب توهم الناظر إليه أنه الأصل أو الجوهر بعينه. ولهذا قد يعذر العصري من هذا الاستعمال.
5 - هذه المصيبة أعطته درساً مفيداً في سياسة المملكة ومن التعابير المسلوخة من الإفرنجية سلخاً قبيحاً قولهم مثل هذه العبارة المذكورة التي يدخلون فيها (أعطاه درسا). فإن العرب لا تفهم هذا الكلام وإنما يقال في هذا المعنى: إفادته هذه المصيبة، أو: أدبته، أو أن يقال: أعتبر فلان بهذا المصيبة أو أتعظ به، أو نحوها مما يرى مدوناً في كتب اللغة وهي أكثر من أن تحصى. 6 - النوائي نسبة إلى النواة وينسب بعضهم إلى النواة فيقول: النوائي، مع أنهم إذا نسبوا إلى الحياة قالوا: الحيوي. ومن مقابلة هذين الحرفين يعرف الكاتب غلطه ولا سيما إذا وقف على قواعد النسبة إذ يقال في عصا عصوي وليس عصائي كما هو مثبت في كتبهم. وعليه يجب أن يقال النووي لا النوائي إذ هذا غلط بين. 7 - مذهب الخبرية أو مذهب الوضعيين أو الكونتية كثر الكتاب في هذه السنين الأخيرة ممن له خبرة باللغات الإفرنجية وأخذوا ينقلون من الأجانب علومهم وفنونهم وأفكارهم ومقالاتهم فالمصيبون في الترجمة قليلون والمسيئون كثيرون إلا أن سوء النقل ينفضح عند نل الألفاظ الاصطلاحية وقد شاع في القرن الأخير مذهب فلسفي جديد عند الإفرنج سموه صاحبه أوغست كونت خلاصته أن موضوع العلوم هو المحسوس والمحسوس هو الأحداث والشرائع أو النواميس. (فالأحداث) هي الظواهر التي تبديها لنا الحواس. (والنواميس) هي الروابط الموجودة بين أحداث وأحداث أخرى سبقتها أو تتلوها أو تكون معها. وبعبارة أخرى هو مذهب فلسفي يرمي إلى الانتفاع بالأمور المادية أو ربما تطلبه الحواس فتتأثره أو هو مذهب من يرفض كل ما لم تتحققه الحواس أو الخبرة، ولما كان واضعه هو الفرنسوي الذي ذكرناه، سماه بعضهم مذهب كونت أو الكونتية وهذا صحيح من باب نسبة الشيء إلى صاحبه، لكن كثيرين من كتابنا حاروا في وضع لفظة تقابل (البوزيتيفسم) حتى أن بعضهم سماه باسمه الإفرنجي هذا والأصح أن يسمى بالعربية (التحسس) مصدر تحسس الشيء إذا تعرفه وتطلبه بالحاسة لا (الخبرية ولا الوضعية) فإنهما من التعريب اللفظي الذي لا يفيد فائدة في لغتنا بخلاف لغتهم. - والمتحسس (بصيغة اسم المفعول هو المعروف عندهم
أسئلة وأجوبة
لا (الخبري ولا الوضعي) وقد رأينا بعضهم من سم وهذا يوافقه بالإفرنجية لا ما يدور عليه الكار (بالفلسفة المثبتة أو الفلسفة المقررة) وهاتان لفظتان تعليان شان هذه تستحق؛ ولهذا فهي من باب وضع الشيء في غير محله. أحفظ إن شاء الله. أسئلة وأجوبة 1 - صحة كلمة المنتزه سألنا أحد أدباء بيروت قال: رأيت أحد كبار لغويي العصر ينكر صحة وفصاحة المنتزه إذ قال: هذا من أغلاط كتاب هذا الأوان والصواب المتنزه بتقديم التاء على النون. فهل هذا اللغوي محق؟ قلنا: إن إنكار اللغوي لهذه اللفظة مبني على خلو المعاجم منها ومن فعلها أنتزه، على إننا قلنا ولا نزال نقول: إن الدواوين العربية لا تحوي جميع المفردات فإن كثيراً منها وارد في كتب الأقدمين وأشعارهم وفي مؤلفات المولدين وهي لم تدون إلى الآن، فعدم وجودها في المعاجم اللغوية لا ينفي ورودها على ألسنة الأقدمين. ومن هذه الألفاظ المتنزه. فقد جاءت في شعر المولدين. قال أسامة بن مرشدة: ما بعد جلق للمرتاد منزلة ... ولا لسكانها في الأرض سكان فكلها لمجال الطرف منتزه ... وكلهم لصروف الدهر أقران وهم وإن بعدوا عني بنسبتهم ... إذا بلوتهم بالود إخوان راجع معجم الأدباء لياقوت الحموي 2: 192) ومحال أن يقال: إن الكلمة وردت مصحفة؛ لأن البيت ينكسر إذا قلنا: متنزه. وأما ورودها في النثر فكثير. قال في تاج العروس في مادة سغد: وهو أحد منتزهات الدنيا على ما حكاه المؤرخون. وكذلك ذكرها في مادة صغد؛ وهكذا ذكرها أيضاً صاحب الحواشي. وفي كتاب الأغاني 21: 4 المتنزهات. وفي نسخ ثلاث: المنتزهات. وقال ابن خلكان في ترجمة أبي دلف العجلي 1: 425: الابلة. . . . إحدى المنتزهات
الربع فيكون واحدها هنا المنتزهة وهي غريبة وممن نص على المنتزه صاحب القاموس في ترجمة زملك. والمرتضى في التاج في عدة مواد غير التي ذكرناها منه: صمدح وطلح وجير وزهد وحبش وسيط ويشتنق وجنق ورطل وبشتن وبري وغيرها. وفي مروج الذهب للمسعودي طبعة باريس في 1: 84، 90، 130، 178، 266 ثم في 2: 156، 321، 329 وغيرها. وجاءت في رسائل بديع الزمان الهمذاني ص 210 وفي الأغاني 1: 277. وفي قلائد العقيان في أخر القسم الأول في قوله: فأفضنا في الحديث حتى أفضى بنا إلى ذكر منتزهنا. وأما ابن الأثير فلم يقتصر على استعمال المنتزه والمنتزهات في تاريخه بل استعمل أيضاً اسم الفاعل من هذا الوزن قال: في هذه السنة (سنة 417هـ) توفى حماد. . . وكان خرج من قلعته منتزهاً فمرض ومات. اهـ ولو أردنا أن نثبت النصوص التي جاءت بخصوص صحة المنتزه لملأنا ثلاث صفحات من هذه الوضعية وقد اكتفينا بما ذكرناه. 2 - معنى المستحاثة أخذ علينا أحد أدباء الحاضرة في إننا تطرقنا في نقدنا كتاب (دفع الهجنة) للشيخ الرصافي. ومن جملة ما ذكر لنا قال: إنكم أنكرتم على معروف أفندي تأويل بعض الألفاظ بغير معانيها التي قررها العلماء، والحال أن المعنى الذي أثبته الرصافي هو الشائع وهذا هو كلامه بحرفه: (مستحاثه يجمعونها على مستحاثات ويطلقونها على العاديات القديمة التي تستخرج من الأرض عند حفرها. وهي إن لم تكن في العربية تفيد هذا المعنى بتمامه فمعناها العربي القريب من هذا المعنى جداً. وقد أثبتناها هنا لا لكونهم حرفوا معناها العربي في الاستعمال؛ بل لكونها مما يلزم أن يستعملها العرب أيضاً في علم الآثار. فإن المستحاث في العربية هو المستخرج من الأرض إذ يقال: إستحاث الشيء: أي استخرجه. ويقال إستحاث الأرض أي أثارها وطلب ما فيها؛ فيلزم أن لا يغفلها العرب في الاستعمال. والأولى في ما يسمونه (بعلم الآثار) في العصر الحاضر أن يسموه: (علم المستحاثات أو علم الإستحاثة) أي علم إثارة الأرض وطلب ما فيها. (والآثار) لا تدل على هذا المعنى إذ هي جمع أثر وهو ما بقي من رسم الشيء) اهـ. فإذا كان هذا هو نصه فما اعتراضكم عليه؟ قلنا: إن الذي أثبته الشيخ عن معنى المستحاثة بموجب أصول اللغة العربية
صحيح لا غبار عليه وأما تعريف المستحاثة على ما اصطلح له علماء الأتراك نقلاً للفظة الإفرنجية إلى اللغة العربية ففي غير محله. فالمستحاثة عند الأتراك هو ما يستخرج من بطن الأرض من بقايا الأجسام العضوية مما يوجد مدفوناً دفنا طبيعيا في أعماقها المختلفة سواء كانت تلك البقايا هي الأجسام نفسها أو كانت بقايا رسومها الأولى المتحجرة المطبوعة فيها كالحيوانات والأنبتة التي وجدوها فيها. وهذه اللفظة يقابلها في الإفرنجية تراها موجودة في المعاجم الفرنسوية التركية أو العثمانية الفرنسوية. وأما العاديات أو العتائق (جميع عتيقة أي أنتيكة أو عنتيكة) فهو كل ما يوجد من بقايا الأقدمين وصنعهم سواء وجد مدفوناً في الأرض أو لم يكن. وهذا ما يسمى بالفرنسية: وقد سمى كتاب سورية ومصر المستحاثات بالأحافير (راجع لغة العرب 1: 395) وهو استعمال غير صحيح وقد بينا غلطه في وقته. وسماها البعض (الآثار) وهذا استعمال واسع المعنى. فإذا خصص فلا بأس من استعماله. ومن الغريب أن معروف أفندي يستعملها ثم يحكم بغلطها. فقد قال مثلا (مما يلزم أن يستعملها العرب أيضاً في علم الآثار). - وأما العاديات فهي من الألفاظ الحسنة المعنى لتأدية لفظة العتيقة (أي العنتيكة) إذ العادي في اللغة: الشيء القديم كأنه منسوب إلى قوم عاد الهالكين. ومما يرادف المستحاثة: المحاثة من الباب الرابع. فهذا الذي أشرنا إليه عند انتقادنا كتاب الصديق العزيز وليس فيه ما يزعج الخاطر أو يكدر صفاءه. 3 - ذو القرنين وسألنا 1. ع. ق من أبي كبير في ديار مصر: نرجو التحقيق عن ذي القرنين. هل هو الصعب الحميري العربي ما رجحه الأستاذ الآلوسي في كتابه بلوغ الأرب أو هو الإسكندر المكدوني كما رجحه غيره؟. قلنا: (ذو القرنين) لقب لقب به أقدمون ومحدثون، فمن الأقدمين إسكندر الرومي المعروف بالإسكندر الكبير أو الإسكندر المكدوني والصعب بن الحرث الرائش ومرزبي أو مرزبان بن مروية وهرمس وعبد الله بن الضحاك بن معد بن عدنان والمنذر بن ماء السماء. ومن المحدثين (أي بعد الإسلام) علي بن أبي طالب كما ذكره صاحب القاموس. وليراجع أيضاً تاج العروس في مادة قرن. وعليه من قال إنه الإسكندر الكبير لم يخطئ ومن قال الصعب أو غيره لم يخطئ.
وفي هذه المسألة مجادلات طويلة لا محل لذكرها هنا. 4 - كتاب الأنواء لأبي حنيفة الدينوري وسألنا الأديب المذكور عن محل وجود هذا الكتاب وعن وصفه وصفاً شافياً. قلنا: من هذا الكتاب على ما حققناه نسخة خط محروزة في خزانة كتب اكسفرد من بلاد الإنكليز. وهذا الكتاب من أتم ما كتبه العرب في هذا الموضوع ومنه أستمد ابن سيده في كتابه المخصص 9: 10 إلى 18 ووصفه عبد الرحمن الصوفي في كتاب الكواكب والصور قال: ووجدنا في الأنواء كتباً كثيرة أتمها وأكملها في فنه كتاب أبي حنيفة الدينوري فإنه يدل على معرفة تامة بالأخبار الواردة فإنه يحكي عن ابن الأعرابي وابن كناسة وغيرهما أشياء كثيرة من أمر الكواكب تدل على قلة معرفتهم بها وإن أبا حنيفة أيضاً لو عرف الكواكب لم يسند الخطأ عليهم.) ثم يورد عبد الرحمن الصوفي شيئاً مما يدل على أن أبا حنيفة لم يكن ماهراً بالأرصاد. (راجع علم الفلك. تاريخه عند العرب في القرون الوسطى للسنيور كرلونلينو ص 130، 131). 5 - أرجوزة ابن سينا الطبية ومنه: هل نشرت مطبوعة هذه الأرجوزة وهل يمكن نشرها في مجلة لغة العرب؟ قلنا: نشرت هذه الأرجوزة مراراً. وقد سمط أبياتها المطران جرمانوس فرحات أسقف موارنة حلب سنة 1713 فتجدونها في ديوانه المطبوع في بيروت سنة 1894 في الصفحة 274 فلا حاجة إلى نشرها هنا. 6 - لآء الممدودة بمعنى لا ومنه: ما معنى (لاءه) الواردة في قصيدة الفرزدق الميمية التي مدح بها زين العابدين في البيت: ما قال لا قط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاءه نعم فهل هي (أي لاءه) بفتح الهمزة أو بضمها؟ قلنا (لاءه) هنا بمعنى لا خلاف نعم. وإنما مدها على لغة لهم لا سيما عند وصلها بالضمير أو عند الوقف عليها. على أن لغة المد معروفة ولو لم تضف إلى ضمير أو يوقف عليها. قال الليث: تقول هذه لاء مكتوبة فتمدها لتتم الكلمة اسماً. ولاءه في البيت المذكور ممدودة مفتوحة. 7 - فصاحة كلمة (أهمية) وسألنا أحد أدباء الشام قال: هل صحيح أن كلمة (أهمية) غير فصيحة بمعنى
باب المشارفة والانتقاد
الخطورة والبال. قلنا: قرأنا ذلك في إحدى المجلات لكنا لا نرى رأي صاحبها. ولعل سبب إنكاره إياها عدم وجودها في كتب اللغة. وهذا ليس بدليل فإن القياس لا يأباه. فكما إنهم قالوا الأفضلية والأولية والأولوية ونحوها جاز قول (الأهمية) أيضاً. فإن الأفضلية وردت في كتب النحاة الأقدمين ووردت الأولية والأولوية في شعر الفرزدق فقد قال في القصيدة التي مدح بها زين العابدين: أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له نعم من يعرف الله يعرف أولوية ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم ومع ذلك أن من يستعمل الخطورة والبال في مكان (الأهمية) ينحو مناحي العرب الأقدمين الفصحاء لا المولدين الفضلاء. باب المشارفة والانتقاد 1 - سبل الرشاد (مجلة) لصاحبها ومديرها محمد رشيد أفندي الصفار سبل الرشاد مجلة تظهر في بغداد؛ برز منها منذ سنة مجلد واحد. والآن عادت إلى الظهور. قال صاحبها في مقدمة هذه السنة: (وردت إلينا كتب متعددة من سائر الجهات يطلبون الاشتراك بها فعلمت أن الناس لهم ميل كبير إلى الاستفادة من أبحاثها فعزمت على توالي (كذا) إصدار مجلداتها. وبدل اشتراكها عن عشرة أعداد في الممالك العثمانية 30 غرشاً ولأهل العلم والطلبة والمعلمين 20 غرشاً بلا فرق بين المسلمين وغيرهم. وفي البلاد الأجنبية 8 فرنكات. وهي مجلة دينية علمية اجتماعية فلسفية على ما طبع في نحرها. 2 - نشوء فكرة الله (كراسة (في 37 صفحة) تحتوي على خلاصة كتاب لجرانت الين الكاتب الإنجليزي المشهور عن نشوء الاعتقاد بالله وترقي الإنسان من الوثنية إلى التوحيد الحاضر مع بيان أصول المسيحية ونشوئها. لسلامة موسى مؤلف مقدمة السبرمان. الثمن عشرة مليمات طبع بمطبعة الأخبار) في مصر القاهرة، يرتئي مؤلف الكتاب الذي لخصه سلامة أفندي موسى أن الإنسان
بدأ يعبد الأوثان ثم تدرج رويداًُ رويداً في تنزيه معتقده حتى انتهى إلى التوحيد. وهو رأي يناقض التوراة مناقضة بينة. لأننا نعلم منها أن الله خلق الإنسان الأول منزهاً عن جميع الأوهام المادية والأدبية والعقلية لا بل وبما يتعلق بما وراء الطبيعة ثم لما سقط آدم في مهواة الخطيئة دبت إليه عقارب الفساد فغشيت أفكاره سحب الضلال فعبد الأجرام السماوية والأوثان كما نراه مثبتا في التوراة عن بني إسرائيل أنفسهم بعد أن اصطفاهم الله وميزهم عن سائر الأمم والشعوب. فالتوحيد سبق الوثنية كما أن الحقيقة سبقت الضلال والصواب سبق الخطأ والصلاح سبق الشر والصحة سبقت المرض. وكفى دليلاً على فساد آراء مؤلف الكتاب إنه بنى أقواله على تخيلات توهمها بدون دليل عقلي أو نقلي. فقد قال مثلا في ص 16 (نريد أن نبين الآن أن إله العبرانيين (يهود) الذي تغلب علة كل الآلهة المعاصرة له وتفرد بالألوهية دونها لم يكن في الحقيقة إلا حجراً من هذه الأحجار (كذا) أي أسطوانة ترمز إلى الذكورة كان يراد بها الدلالة على جنس الشخص المتوفى ثم عم تقديسها عند اليهود). ثم قال وهذا الحجر (هو الحجر الذي خرج اليهود من مصر به) وقد أدمج بين هاتين العبارتين من الآراء الضعيفة المبنية على مجرد الوهم ما لا يقبله الطفل. وعلى كل فإن سلمنا جدلا أن اليهود لم يعرفوا التوحيد إلا بعد خروجهم من مصر فما القول في توحيد آدم ونوح وأولاده وإبراهيم وإسحاق وسائر من طووا بساط أيامهم قبل دخول بني إسرائيل مصر. وإذا كان ينقل عن التوراة بعض الأمور فلماذا لا يؤولها على ما هي بل يؤولها على ما توحيه إليه مخيلته فيأخذ منها ما يوافقه وينبذ منها ما لا يوافقه. - ومهما يكن من آراء الكاتب الأول فإننا لا نرى موجباً لنشرها بين ظهراني أقوام الشرف لعدم فائدتها. فما الذي يقصده المعرب من نشر هذه الأقوال؟ فكان يحسن به أن يذكر ذلك في مقدمة تصنيفه لتعرف الغاية من وضعه وبهذا القدر كفاية للبيب. 3 - فهارس كتاب الأخبار الطوال (لأبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري) (جمعها واعتنى بترتيبها وطبعها وتعليق مقدمتها أغناطيوس كراتشقوفسكي المعلم بالمدرسة الكلية الإمبراطورية في بطرسبورج. طبع بمطبعة بريل في مدينة ليدن المحروسة سنة 1912م) لا يمكن للإنسان أن يحكم على عقل صاحبه ما لم يفاتحه ويجاذبه أطراف
الكلام ليطلع على خفيات أفكاره فيعرفها ثم يحكم عليها فيكون لسانه ميزان عقله. والكتاب لا يعلم ما فيه ما لم تطلع على مواضيعه ولا تعرف المواضيع ما لم تبوب وتفهرس فيكون الفهرس دليل القارئ على محتويات ذاك الكتاب. والإفرنج من أعظم الناس عناية بتبويب الفهارس وتنسيقها. وكان الفاضل جرجاس أعد نشر كتاب الأخبار الطوال للدينوري. وهو من أجل الكتب التاريخية وفي تلك الأثناء مات المستعرب فنشره البارون روزن تخليداً لذكر صاحبه. إلا إنه لم يتوفق لطبع فهارسه فبقي الكتاب طلسماً من الطلاسم لا يعرف ما فيه. ومن بعد أن مضى على طبعه 25 سنة وهو على تلك الحالة قام العلامة اغناطيوس كرانشقوفسكي فوفى في الموضوع حقه وزاد على الفهارس مقدمة باللغة الفرنسية ذكر فيه حكاية طبع الكتاب ثم وصفه وصفاً دقيقا بديعا. ثم انتقل إلى ترجمة أبي حنيفة الدينوري وذكر تأليفه العلمية والأدبية والتاريخية فجاء هذا التأليف حاويا أمرين: الفهارس وترجمة المؤلف ترجمة طويلة فريدة في بابها. فنحن نشكر للناشر هديته هذه الثمينة ونطلب إليه أن يثابر على إحياء مآثر السلف حفظه الله وأبقاه. 4 - تصحيحات ومختارات بالروسية والعربية للمستشرق المذكور وهي تصحيحات ومختارات في نهاية الإصابة نشرها المستشرق الروسي المذكور يصلح فيها ما نشره بعضهم من مؤلفات المتنبي وأبي العلاء المعري والحلاج (الحسين بن منصور) وابن طيفور والصولي ونحوهم. وهي كلها تحقيقات تدل على ذكاء هذا الأديب الفاضل وإمعانه في اللغة العربية وآدابها وتواريخها وهي مطبوعة في بطرسبرج طبعاً متقناً بين سنة 1909 و1913. فعسى أن علماءنا يجرون على آثار هؤلاء المحققين في ما ينشرونه من إحياء تآليف السلف. 5 - دار السلام تقويمي طبع في مطبعة دار السلام لسنة 1332هـ - 1914م ما زال الأستاذ (الاسطا) (علي) صاحب مطبعة دار السلام يحسن تقويمه السنوي الذي ينشره في مطبعته حتى بلغ هذه السنة من الإتقان ما لا نراه في التقاويم التي تنشر في ديار الشام ومصر وغيرها فتقويم هذه السنة يحوي ذكر أيام السنة
الهجرية والمالية والعبرانية والإفرنجية باللغات العربية والتركية والإفرنجية وذكر ما يقع من المواسم والأعياد عند من يتخذ تلك السنين تاريخاً. هذا فضلاً عن ذكر ساعات طلوع الشمس والظهر والإمساك. فحري بكل إنسان أن يقتنيه لفائدته العامة وبخس ثمنه. 6 - المحروسة جريدة يومية سياسية أدبية تجارية تصدر في مصر مضى على صدور هذه الجريدة 38 سنة وهي لا تزال في تقدم ورقي وكانت تزف إلى القراء بأربع صفحات أما اليوم فإنها تبرز إليهم بثماني صفحات كبيرة فنتمنى لها الانتشار والنجاح الدائم. 7 - مجلة الأميركيين مربي الحيوانات في أميركا شركات وجماعات همها تربية الحيوانات وتحسين نسلها والعناية بالنباتات فإذا وقفوا على وسيلة يبلغون بها وطرهم عمموا فائدتها بنشرها في مثل هذه المجلة وغيرها أما هذه الوضعية فتصدر مرة في كل فصل من السنة وهي حسنة الطبع متقنة التصوير فاخرة الكاغد تطبع في واشنطون وناشرها صديقنا الفاضل الهمام بولس ب. بوبنوى وبدل اشتراكها شلينان. 8 - دراشا ديهي عنى بنشره مارق لدز بارسقي بعد أن عارضه بنسخ باريس واكسفرد ولندرة وطبعه في جياسن سنة 1905. - المجلد الأول يحوي نص الكتاب الأصلي باللغة الصابئية في 291 صفحة. لم يدع الإفرنج لغة من اللغات إلا وتعلموها فإذا أتقنوها عنوا أشد العناية بنشر أحسن كتبها الدينية واللغوية والتاريخية والأدبية. - كانت اللغة الصابئية أو المندائية مجهولة في ديار الإفرنج حتى قام بعض المرسلين الكرمليين في العراق في مبادئ القرن السابع عشر وهدوا إلى الحق جماعات من هؤلاء الصابئة ونصروهم وأخذوا شيئاً كثيراً من كتبهم وتعلموا لغتهم فأرسلوا إلى ديار الإفرنج بما حصلوا عليه من مؤلفاتهم وكانت مئات فغرقت في البحر مع السفينة التي كانت تحملها ثم لما سافر أحدهم على طريق البر أخذ معه بضعة كتب بقيت معه وأهداها إلى أدباء الفرنسويين الذي أهداها إلى خزانة كتب باريس بعد أن دفع إليه مفتاح هذه اللغة وأصول قراءتها. غير أنه لم يلتفت إليها أحد من العلماء لأنهم ما كانوا يوجهون يومئذ
باب التقريظ
همهم إلى إتقان اللغات السامية. فلما كان القرن التاسع عشر حولوا أنظارهم إلى هذه الكتب وإلى معرفة ما فيها. وممن برز في معرفة أسرار اللغة المندائية العلامة الألماني الشهير نولدكي واللغوي يونيون قنصل فرنسة سابقاً في بغداد والمحقق في اللغات السامية مارق لدزنارسقي وقد نشر هذا الكتاب وهو من أسفار الصابئة الدينية. وقد خطه بيده خطاً بديعاً وطبعه على الحجر طبعاً متقناً وذكر في الحاشية جميع روايات نسخ باريس واكسفرد ولندرة فجاء فريداً في بابه بل درة لا بل علقاً نفيساً لا يعرف له ثمن وقد صمم الناشر ترجمته إلى الألمانية وطبعها في مجلد ثان ليستعين بها من لا يحسن اللغة الصابئية ويقف على آراء أولئك الأقوام الغريبي المذهب والاعتقاد. وموعد صدور هذه الترجمة في هذه السنة وفقه الله وانجح مسعاه. 9 - ما كانت عليه بابل في السابق على ما أكتشفه النقابون الألمانيون إلى هذا اليوم تأليف روبرت كولدواي - 1913. هذا من أجل الكتب التي صنفت في تاريخ بابل لأن صاحبه الدكتور روبرت كلدواي لا يذكر شيئاً من أخبار هذه المدينة العظمى الشهيرة القديمة ما لم يسنده إلى العاديات التي وجدها في تلك الحاضرة ونقلت إلى المتحفة العثمانية أو إلى ديار الإفرنج. والكاتب من العلماء الذين يشار إليهم بالبنان وله تأليف عديدة. وقد لاقيناه في باتل حيث يواصل النبش فرأيناه من الراسخين في العلم. وفي كتابه 255 رسما متقنا كل الإتقان وفيه مصور المدينة القديمة وما بقي من آثارها الآن. وفيه رسوم ملونة محكمة الصنع والطبع. والكتاب على كاغد فاخر صقيل في 328 صفحة في قطع الثمن الكبير. فنشير على من يحسن اللغة الألمانية أن يطالع هذا السفر الجليل لما فيه من منن الحقائق التاريخية المقررة والفوائد الجمة التي لا يستغني عنها. باب التقريظ 10 - كتاب إرشاد الناشئين
للأستاذ نعمان فندي الأعظمي طبع في بغداد بمطبعة الآداب في سنة 1332 في 65 صفحة بقطع الثمن الصغير. هو مجموع الدروس الدينية والعلمية والأدبية التي ألقاها الأستاذ المذكور على تلامذة المدرسة الرشدية في بغداد. وفي الصفحة 27 يقول المؤلف ما هذا حرفه بصورته: (إن الأورباويين مهما نسجوا من التمويهات وادعوا أنهم كشفوا لبعض أشياء نذكرها فهي مجرد دعوى ليس لها ظل من الحقيقة. - نلوي كشحا عن إثبات كشفيات العرب وإنهم موجودون للعلوم العقلية والفنون العصرية وعلم (الميخانيك) أي جر الأثقال واختراع المناطيد وإنهم بذلك تلامذة أسلافنا العرب في الأندلس والعراق وغيرها ولنكشف النقاب عن حقائق أشياء نسبوها لأنفسهم مع أن القرآن صرح ببعضها وأشار بالبعض الآخر) فمثل هذا الكتاب المنقح إلى أنفسهم ما ليس لهم لجدير بان يقتنيه كل عربي بل كل غربي ليقف على الحقائق ويعرف ما فيها من الدقائق كما نتمنى لكل كاتب أن ينسج على هذا المنوال ليكون على رقي من المجد والكمال!!! 11 - رسالة الأمثال البغدادية التي تجري بين العامة للقاضي أبي الحسن علي بن الفضل المويدي الطالقاني جمعها في سنة 421هـ (1030م) طبعت بمطبعة رعمسيس بالفجالة بمصر (سنة 1913) في 37 صفحة بقطع الثمن. قال ناشر هذا الكتاب في صدره ما هذا نصه: (كتبت هذه النسخة المحفوظة في مكتبة أيا صوفيا تحت العدد 399 ن هـ برسم الخزانة الشريفة السلطانية السلطان ابن السلطان محمد خان بن مراد خان. وأول من نبهني إليها العلامة السيد الحاج علي علاء الدين بن نعمان الآلوسي البغدادي - لويز ماسينيون - إذا كان الإنسان يتراءى في المرآة ليشاهد صورته المادية فأحسن مرآة ترى فيه أفكاره وقواه العقلية هي الأمثال وما يحفظ منها فإن الرجل لا يعي منها إلا ما يتخذه قاعدة لسيرته وسلوكه. فإذا جمعت منها ما يقول أهل بلدة واحدة أو بلاد أقوام تجمعهم لغة واحدة تتمثل بين يديك سرائرهم كأنك تنظر إليها بمنظار روحاني. - وكان القاضي ابن الفضل المؤيدي قد جمع من أمثال بغداد طائفة غير قليلة فعنى صديقنا المستشرق الفرنسي لويز ماسينيون بطبعها وتعميم فائدتها وقد بلغ مجموعها 613 مثلاً ما عدا ما حذفه منها من الأمثال البذيئة القذرة. وقد رتبها المؤلف على حروف الهجاء وختمها الناشر بخمسة فهارس جعل محتوياتها على طرف الثمام ذكر في الفهرس الأول: الأعلام
والكنى والصنائع وفي الثاني أسماء الشعراء الذين ورد ذكرهم في تضاعيف الكتاب وفي الثالث: أسماء الأماكن والأمم وفي الرابع غريب اللغة وفي الخامس التعليقات. وختم الكل بتصحيح الأغلاط. وقد طالعنا الكتاب من أوله إلى آخره فلم نر فيه من الأمثال التي صبرت على الأيام سوى نحو عشرين لا أكثر ولعل هذه العشرين لم تصلنا نقلاً عن السلف بل أخذت أخذاً من بعض الكتب. وهذا يدل على إن سكان بغداد الحاليين ليسوا من نسل سكان بغداد الأقدمين الذين كانوا في عصر المؤلف أي عصر العباسيين وهذه الحقيقة يثبتها التاريخ من اجتياح الغزاة لها ومن الوقوف على أجداد سكانها الحاليين إذ ليس فيهم من يرتقي أصله إلى الأجداد الأقدمين إلا بضعة بيوت لا تتجاوز العشرة إن بالغنا في العدد وإلا فسائر البغداديين من بلدان أخرى مجاورة لبغداد أو بعيدة عنها. وهذا القول يشمل المسلمين والنصارى واليهود. وعلى كل فاقتناء هذا الكتاب من الأمور الواجبة على كل بغدادي يحب الوقوف على أقوال من هم من وطنه والكتاب يباع في بغداد في إدارة هذه المجلة بفرنكين وفي باريس بهذه القيمة أيضاً عند كتبي 13. 12 - فتى العرب (جريدة) حكمت محكمة بداءة بيروت على مدير جريدة (المفيد) المسؤول محمد منيب أفندي الناطور لكونه نشر رسالة عنوانها (كتاب السباب والشتم) بعث بها أحد جبناء الأستانة ليهين بها أصحاب تلك الجريدة فادعت المحكمة المذكورة أنها (حقرت العرب (كذا) ولهذا غرمت المدير بعشرين ليرة وقضت عليه بالسجن مدة شهر فاصدر صاحباها السابقان وهما عبد الغني أفندي العريسي وفؤاد أفندي حنتس صحيفة أخرى بدلا منها سمياها (فتى العرب). وأحر بها أن تسمى بهذا الاسم الشريف لأنها نشأت وعمرها خمس سنوات. وفكرها فكر فتى كامل الصفات والمزايا. أما خطتها فخطة المفيد مع زيادة بابين وهما: في (السياسة الدولية الحاضرة) وباب آخر في (ما يجري من الحوادث الداخلية) في الديار العثمانية والأجنبية. فأنت ترى من هذا البيان أن هذه الجريدة من الصحف التي يحرص على مطالعتها الأديب وإنها أهل لأن يشترك فيها أبناء يعرب لما يجدون في صفحاتها من المقالات الرائقة التي تحبب عنصرهم وتذب عن حياضه وحقوقه وامتيازاته. فأهلاً بها وسهلاً! وعسى أن لا يرى نجم سعدها مكسوفاً ولا أفولاً!
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - وكيل والي الولاية عين صاحب السعادة محمد فاضل باشا مفتش الفيلق وكيلاً لمقام الولاية إلى قدوم والي الولاية الجديد جاويد باشا. 2 - ابن السعود هبط الأمير ابن السعود بجيوشه بلاد القصيم ويذهب منه إلى أنحاء الاحساء. والكويت في الشهر القادم. 3 - مطير نزحت قبيلة مطير من بلاد الكويت إلى أنحاء نجد حيث تجتمع بابن السعود. 4 - السلطان تيمور وفد على تيمور سلطان مسقط بعض القبائل التي كانت تخالفه سابقاً وزاره أيضاً بعض رؤساء بلاد عمان وهو دليل على تحسن الأحوال في تلك الأرجاء. وقد أرسل السلطان أخاه (باذراً) إلى (صحار) لينشر لواء العدل بين الرعية ويضرب على يد الظالم فافلح أعظم الفلاح ولا سيما في أنحاء (الباطنة). 5 - ناد في الزبير افتتح بعض أهالي بلدة الزبير نادياً اتحادياً رئيسه الأول عبد الحسن باشا الزهير. 6 - أمير الزبير الجديد تنازل أمير الزبير محمد بك المشري عن الإمارة في الزبير لعبد المحسن باشا الزهير المتقدم ذكره. 7 - شعبة للبرق والبريد في الكرخ في أوائل كانون الأول فتح في الكرخ شعبة للبريد والبرق تسهيلاً للأشغال في ضفة دجلة اليمنى الكثيرة السكان. 8 - الأمطار في العراق كانت الأمطار غزيرة في هذا الشهر في العراق ولهذا ظعن الأعراب يرتادون الكلأ وكل قبيلة تضرب في جهة من ديار العراق الواسعة. (الرياض) 9 - عزت بك التركي في العمارة وصل لواء العمارة الشاب الذكي عزت بك التركي نجل شيخ مشايخ بني لام
عريبي باشا. وعزت بك هو ابنه من زوجه التركية التي تزوجها في الأستانة عند ذهابه إليها منذ نحو 16 سنة. وعند قدوم الشاب إلى والده احتفى به أبوه واستقبله هو والعشائر استقبالاً باهراً وولاه رئاسة إحدى فرق العشائر فأصبح رئيساً جليلاً في قومه. وعزت بك مزين بأعلى المحاسن كالشجاعة والإقدام وحب الوطن وحسن الأخلاق. فعسى الله أن يجمع به كلمة الأعراب في تلك الأنحاء ويعينه على نشر المعارف بين ظهرانيهم. وفقه الله لكل خير! (الزهور) 10 - أملاك ظريفي (أو زريفي) في بلدروز للفاضل زريفي الصراف الشهير في الأستانة أملاك عظيمة في برازالروز (المعروفة اليوم باسم بلدروز) يبلغ قدرها 2. 40 فدان (أو 60. 000 هكتار) يزرع منها في السنة 900 فدان وريعها 10 آلاف ليرة ينفق منها 6 آلاف لشؤونها ويبقى منها 4 آلاف ليرة عثمانية يقبضها المثري الشهير. والنهر الذي يسقى هذا العقار الجسيم يمتد من ديالى إلى البزائز وطوله 75 كيلومتراً ومسير سقيه 13 ساعة ويتفرع منه خرص وشاخات وسواق يبلغ عددها 240 بين كبير وصغير. وقد اشترى الآن الصهيونيون هذه الأرضين بمبلغ 150 ألف ليرة. وكان قد اشتراها صاحبها سنة 1880 بمبلغ قدره 25 ألف ليرة عثمانية، فانظر وتأمل. وبجانبها عقار آخر يبلغ قدره القدر المذكور عليه دعوى بين الفاضل زريفي وبين الحكومة. وسوف يوضح حقيقة مالكها الزمان أبو الحوادث ووالدا الغرائب. 11 - لواء المنتفق طلبت حكومة المنتفق من عشيرة (العساكرة) 600 ليرة وهي بقايا ما عليها من الأموال الأميرية فأبت العشيرة دفعها فأرسل أولو الأمر بإحدى البواخر الحربية لإجبارها على تأدية المبلغ فلما وصلت إلى مقر العشيرة أمطرت على إحدى دورها الحصينة وابلاً من الرصاص فأذعنت وأدت ما عليها. وقد مات من الرصاص امرأتان وأربعة حيوانات. 12 - عجمي والغزي والحسينات طلب عجمي السعدون من ابن حبيب رئيس عشيرة (الغزي) إتاوة عن الأراضي التي زرعها فرفض طلبه وحينئذ أخذ عجمي يتقرب من عشيرة (الحسينات) ليتخذها عوناً له على تلك القبيلة فاخفق في مسعاه. وكان مع عجمي نجديون بمنزلة جند فغادروه
وذهبوا إلى (الخميسية) وسلموا أسلحتهم إلى معتمده هناك. ويقال إن سبب ذلك هو أن عجمي لم يدفع مشاهراتهم. 13 - مشتري أملاك علي الخابور ابتاع الحاج محمد العبد الله البسام من الحكومة طائفة عظيمة من الأراضي الزراعية الواقعة على ممر سكة حديد بغداد بجوار (الخابور) بمبلغ قدره 40 ألف ليرة عثمانية ويقال أنه اتفق في شراءها مع جماعة من أغنياء الألمان. 14 - استقلال مسقط ابلغ قنصلا إنكلترة وفرنسة سمو السيد تيمور بلاغاً رسميا أن دولتيهما متفقتان على حفظ استقلال بلاده واعترافهما بسلطنته فكان لذلك الخبر فرح عظيم في نفوس سكان مسقط وعمان. 15 - أمير أسطول انكلترة في الكويت في 12 ت 2 زار الكويت أمير أسطول انكلترة في خليج فارس وبعد أن زار الأمير أستأذنه بالتجوال في أنحاء الكويت فأذن له فذهب بإحدى بوارجه إلى (الصبيحية) من قرى الكويت على نحو 4 ساعات منها ومنها ذهب الأمير ومن معه على ظهور الجياد فأمعنوا في البرية فوجدوا فيها مواضع فيها قير وزيت حجري وكبريت. ثم رجعوا إلى مواطنهم ولا بد إنهم يرجعون يوماً إلى تلك الأرجاء ليستثمروا ما فيها. 16 - نهب وقتل في أبي الخصيب هجم لصوص في 25 ت 2 على سفينة شراعية لرعايا دولة إنكلترة كانت راسية بالقرب من ممكس أبي الخصيب وقتلوا ربانها وجرحوا أحد توتيتها وأخذوا ما وجدوه فيها من النقود وفروا إلى كوت العضيمي وانضموا إلى اتباعه هناك. فأرسلت عليهم الحكومة طائفة من الجند للقبض عليهم فأبوا الانقياد بل قابلوا العساكر بإطلاق الرصاص وبعد أن ضيق هؤلاء عليهم الخناق فروا إلى البرية ريثما يعود العسكر إلى موطنه فيعود هؤلاء العصاة إلى منكراتهم المألوفة منذ سنين. 17 - صدى الدستور كنا قد قلنا (في 3: 336) إن أولي الأمر منعت جرائد البصرة من الصدور؛ على أن (صدى الدستور) لا يزال يدوي إذ وصلنا منها ثلاثة أعداد بعد المنع المشار إليه. 18 - سد الهندية تم بناء هذا السد المحكم العظيم وجرى الماء من مفاتحه نهار الجمعة 12 ك 1 بحضور
جم غفير من المدعوين والأهالي. وأقيمت أفراح عامة وبلغ الماء الحلة وسر الناس أعظم السرور وبلغت نفقاته 300 ألف ليرة وليس 450 ألف كما وهمه البعض. 19 - احتجاب النهضة بعد أن ظهر من النهضة (البغدادية) 11 عدداً ورد أمر من الأستانة بأقفالها فتوارت عن الأنظار إلى أن يأتيها يوم النشور وعساه أن يكون قريباً. 20 - عبد الله جنباز علمت الزهور أن هذا الرجل الموصلي نشر بياناً دعا فيه أهل البادية إلى القيام على الحكومة وقد بعث بنسخ منه إلى ديار بكر والسليمانية وكركوك وأقضية ولاية الموصل. وقد قبض والي ولاية ديار بكر على عدة نسخ منه وعليها طابع بريد الموصل فأرسل به إلى والي الموصل فكبست دار المخل بالأمن العام وأرسل مخفوراً إلى الأستانة ليحاكم أمام ديوان الإدارة العرفية. 21 - أعراب الشامية كانت قد أنشئت في حاضرتنا لجنة لتحقيق رسم الذرعة وإنصاف الأعراب في الجباية. وأول ما عنيت به هذه الجماعة مسح الأراضي المنوي ذرعها. ولما قدرت الضريبة على هذا المسح ثبت أن الحكومة تخسر 50 ألف ليرة بالنسبة إلى الجباية السنة الماضية. فأراد رئيس الجباة حمل جباية هذا العام على العام الماضي فهاجت الأعراب وثارت في صدورهم ثوائر الغضب وقاموا قومة واحدة على هذه الفادحة وعلى من نواها فلما رأى أصحاب الأمر والنهي في الديوانية تفاقم الخطب طلبوا إلى السماوة مدد جيشها فذهب إليها طابور من الجند ومعهم مدفع. وحاول رئيس الجباة أخذ الأموال الأميرية بالقوة. فلما رأى الأعراب هذا الأمر تألبوا من كل حدب وصوب ونفروا كلهم للذب عن أنفسهم إلا أن عقلاء قبائل الشامية وشيوخها نصحوا القوم ثم ذهبوا إلى ديوان البرق وطلبوا إلى الأستانة مراجعة الصدر الأعظم فوعدهم خيراً والآن ينتظر تحقيق المواعيد وحقن دماء الخلق وإنصاف المظلومين. 22 - الجدري ولى هذا الداء وتصرمت حبال وفادته ولم يبق منه إلا شيء لا يستحق الذكر. 32 - اعتصاب دباغي الاعظمية اعتصب دباغو الاعظمية منذ أوائل المحرم وطلبوا أجرهم بنسبة
ربع ما كانوا يعطون وتركوا العمل إلى أن اضطر أصحاب المعامل إلى تحقيق رغبتهم فعادوا إلى أشغالهم. وكان زعيمهم في هذه المرة أحد خريجي المدرسة الابتدائية سابقاً. 24 - عجمي بك السعدون غزا عجمي بك السعدون عشيرة الضفير على الماء المعروف بالشقراء وأخذهم بأجمعهم وذلك لأنهم كاتبوا بعض الأمراء ليطلبوا منهم مساعدتهم على عجمي المذكور. 25 - الحكم على صاحبي المصباح والنهضة حكمت محكمة بداءة الجزاء على صاحب المصباح البغدادية وهو عبد الحسين أفندي الازري بالحبس شهراً وبخمس ليرات لنقله ما أشيع عن والي بغداد القادم. وحكمت على مزاحم الأمين أفندي صاحب النهضة بالحبس شهراً ونصفاً وخمس ليرات والمنتظر العفو عن الأديبين. 26 - وفاة إسماعيل حقي بك البابان نعى لنا البرق وفاة هذا الشهم الفاضل والكاتب الأديب الضليع في أثناء التدريس في المكتب الملكي ودفن في جامع بايزيد. وكان مبعوث بغداد في السابق فنحن نعزي أقاربه جميعاً ونستمد لهم من الله الصبر والسلوان. 27 - مكتب الاتحاد والترقي للإناث فتح في حاضرتنا هذا المكتب للإناث المسلمات في 25 ك 2 ونتمنى أن تكون الطالبات كثيرات والتدريس على الأصول الحديثة المتعارفة اليوم. 28 - قدوم لجنة لتحديد الحجر الصحي قدم نهار الجمعة 14 ك 2 لجنة تحديد الحجر الصحي بين العثمانيين والإيرانيين وهي مؤلفة من خمسة فضلاء ثلاثة عثمانيون واثنان ألمانيان وعن قريب يسافرون إلى خانقين للقيام بما عهد إليهم. 29 - الشيخ غضبان عفت الحكومة عن هذا الشيخ وعما أتى من المساوئ والفتن قبل بضع سنوات فعاد إلى قصره في لواء العمارة.
العدد 32
العدد 32 - بتاريخ: 01 - 02 - 1914 طاق كسرى بناء شاده ملك كبير ... دعائمه العدالة لا الصخور يذكرني العدالة كيف كانت ... بها تجري على الحق الأمور تسامى مشمخراً بارتفاع ... لديه كل ذي طول قصير كأني بالسماء عليه شيدت ... كطاق حوله الأفاق سور تفرد في الفلاة ولا أنيس ولا خل لديه ولا سمير تعالجه الزعازع وهو راسٍ ... كطودٍ لا يزول ولا يمور فكم عصرٍ نقضي بعد عصرٍ ... وما أبلت معالمه العصور وما قد كان شيد فوق عدلٍ ... فلا تبلى معاليه الدهور إيوان العدالة ين (كسرى) ... وهاتيك (المدائن) والقصور أنت وددت أن تبقى وحيداً ... حواليك الدوارس والقبور أم الدهر الخؤون بذلك أفتى ... وإن الدهر خوان يجور يجاوبني لسان الحال منه ... ولا صوت هناك ولا صفير يد الأيام لم تعبث بمثلي ... وإن أضحت دوائرها تدور ولكن قد رأيت العدل ولى ... وحل مكانه الظلم الكبير فملت إلى التزهد بانفرادي ... ومثلي يفعل الرجل البصير إبراهيم منيب الباجه جي
برس نمرود
وأربعة أثمان من المكاييل المعروفة تنحت من الخشب. وأما الذراع فالمستعمل منها عندهم (الذراع الطبيعية) وهي التي تمتد من رؤوس الأصابع إلى المفرق أي نحو 45 سنتيمتراً. والحاكم نفسه يعين مقدار امتدادها أو طولها على التحقيق. واعلم أنه لا يجوز لأحد أن يعمل الأوزان والمكاييل والمقاييس ما لم يطلع عليها الحاكم ويسمها بخاتمه وقد نقش عليه اسمه أو شعاره دلالة على أنه يجوز العمل بها - وهنالك أشياء تباع جزافاً أو قطراً (أي كوثر كما يقول أهل بغداد) مثل التين والحطب والفحم واللحم والملح وما شابهها فتباع بالتخمين والظن والنظر حسب المراضاة. وبهذا القدر كفاية. سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض برس نمرود (تابع لما في 1: 333) لما أخذ وجه الشمس يبدو على الأفق حثنا الشوق إلى أن نسرع في الذهاب إلى زيارة برس نمرود قبل أن تؤذينا شمس الربيع بحرارتها، لأن لا ربيع في ربوع العراق. فما كانت الساعة السابعة صباحاً إلا ونحن على ظهور الجياد العراب المتعودة السير في تلك الأرضيين الجليلة القدر والشان في التاريخ وكأن العناية الإلهية رأت أن لا طاقة لنا باحتمال حر النهار أنشأت سحباً في الجو لتظلنا طول سفرنا مع أن وجه سماء العراق سافر في اغلب أيام الربيع. وما كدنا نخرج من الحلة إلا وهبت ريح غربية غريبة بدأت رخاء ثم ما زالت تشتد شيئاً فشيئاً حتى غدت ريحاً صرصراً حدقت بنا من كل جانب، وأخذت تذر علينا تراباً دقيقاً متلززاً متلبداً. وما كانت الساعة العاشرة إلا وغدت الريح أشد ما تكون. وقامت في وجهنا غشاوة من الغبار الدقيق حتى أنه لم يمكنا أن نرى ما بين يدينا على بعد 20 مترا. ومع هذا كله لم يدر في خلد أحدا منا أن يرجع القهقرى ويعدل عن الإمعان في السير. فما زلنا نصل الوخد بالذميل حتى ضقنا ذرعاً. وكل ذلك لنشاهد ذك البناء القديم الذي يجلب الناس من شاسع الأقطار القاصية. وظللنا سائرين الواحد بجنب الآخر بدون أن نعلم
الطريق التي نسير فيها. وزد على ذلك أننا كنا نلاقي في سبيلنا أنهراً كثيرة وجداول جمة تسقى الأرضيين المزروعة فكانت جيادنا تغوص في وحلها فتتأذى منه، إلا أن ثقتنا بادلتنا كانت عظيمة ولهذا ما كنا نخاف أمراً. لكن لما انقضت الساعات الثلاث وهي المسافة التي بين الحلة وبرس نمرود قلنا لأدلتنا: أين أنتم يا ربع، وأين برس، ها قد مضت الساعات الثلاث ونحن لم نر شيئاً منه؟ قالوا: (لا تخافوا يا قوم بل اتكلوا على الله ميسر الأمور ولولا اشتداد هبوب الرياح الذاريات لرأيتموه.) ومهما كانوا يقولون فإننا ما زلنا نخبط في سيرنا خبط عشواء، في ليلة ليلاء. ولا نصل إلى الغاية المطلوبة. ثم قيض الله لنا أن صادفنا رعاة غنم فسألناهم عن الطريق فهدونا إليها. ومن فورنا عدلنا عن الأولى إلى الثانية. ورأينا أنفسنا للحال بازاء الأنقاض المنشودة، فدنونا منها فإذا هي ضخمة فخمة جليلة. وصف تل برس هو تل شاخص قد اختلف العلماء في سمكه فإن استرابون الذي هو من قدماء مؤرخي اليونان (المتوفى في عهد طيباربوس قيصر في منتصف القرن الأول للمسيح) يقول إن ارتفاع هذا الهيكل الفخم ذي الطباق السبع استادة واحدة (والاستادة هي عبارة عن 185 متراً) وعرضه استادة أيضاً. وذكر فلندرن أن قياس قاعدة برس هو 154 في 194 متراً. أما ارتفاع هذه الأطلال في هذا العهد فأرقام الزائرين لها لا تتفق بعضها مع بعض فإن لنورمان وريش يقولان أن ارتفاعها يبلغ 71 متراً، وفلندرن وكوست يجعلان سمكها 70 متراً ونصفاً. أما أوبر فلا يرى ذهابها في الهواء إلا نحو 46 متراً. وهناك سميط عظيم (السميط آجر قائم بعضه فوق بعض وهو الذي يسميه بعضهم شقة حائط فيه خروق نافذة من الوجه الواحد الآخر على أبعاد متفاوتة قطر كل خرق منها يختلف بين 12،. من المتر ولم يستطع أحد أن يهتدي إلى سبب وجودها. أما صفاح هذا التل الضخم وجوانبه العريضة فقد خددتها الأمطار الغزار، التي تنتاب هذه الديار، في فصلي الشتاء والربيع. والسميط القائم هناك ماثل يستهزئ بالرياح العاصفة، والرعود القاصفة. ويشهد على أن علم الأقدمين
بصناعة البناء والهندسة كان قد بلغ شأواً بعيداً من الإجادة والإتقان. حتى إن الإنسان ليسأل نفسه قائلاً: إذا اجتمع المعاصرون لإقامة بناء من طين وآجر، هل يستطيعون أن يأتوا بمثله متانة وصلابة ولو على هيئة تل ركام كهذا التل الذي يصارع الصوان لو أمكنته الحياة من النهوض والمصارعة؟ كانت مدينة برس تعرف في القديم باسم برسيا أو بضم الباء أو فتحها وإسكان الراء وكسر السين المهملة وفتح الياء المثلثة التحتية الفارسية المشددة وفي الآخر ألف مقصورة. وقد فتحها المسلمون سنة 15هـ (636م) وأشتهر يوم فتحها بيون برس. قال البلاذري (ص 259 من كتابه فتوح البلدان): بعث سعد خالد بن عرفطة على خيل الطلب فجعلوا يقتلون من لحقوا حتى انتهوا إلى برس، ونزل خالد على رجل يقال له بسطام فأكرمه وبره، وسمى نهر هناك بنهر بسطام، وأجتاز خالد بالصراة فلحق جاينوس فحمل عليه كثير بن شهاب الحارثي فطعنه، ويقال: قتله، وقال ابن الكلبي: قتله زهرة بن حوية السعدي وذلك اثبت، وهرب الفرس إلى المدائن ولحقوا بيزدجرد وكتب سعد إلى عمر بالفتح وبمصاب من أصيب. اهـ وقال ياقوت: برس، بالضم، موضع بأرض بابل به آثار لبخت نصر وتل مفرط العلو يسمى (صرح البرس). اهـ. والباقي من المدينة في هذا اليوم أخربه عظيمة مقسومة إلى قسمين هما تلان متجاوران متلاصقان قاعدتهما مستطيلة قائمة الزوايا يعرف الأول منهما وهو الذي على قمته السميط (تل البرس) والثاني باسم (إبراهيم الخليل). فأما (تل البرس) هكذا بال التعريف خلافاً لما هو معهود في لفظه) فكان فيه قديماً (برج برس) أحد مباني بلاد كلدية الشهيرة، وهو البناء الذي ظن فيه أنه (برج بابل أو صرح بابل) المذكور في التوراة. وقد أبقى لنا بخت نصر الملك تاريخ هذا البرج مكتوباً بحرف مسماري مع وصف الأشغال العظيمة التي قام بها ليعيد لهذا الهيكل الضخم مجده السابق وعزه السامق. قال: (أنا بخت نصر ملك بابل، ولدني مردوخ الإله العظيم وأمرني بتشييد معابده. إن الهرم هو أعظم هيكل في السماء وعلى الأرض، وهو مقام مردوخ رب
الإلهة. وأنا جددت مقدسه مكان قرار جلاله بالذهب الإبريز، وجددت برجه ذا الطباق الذي هو مقر الخلد وشيدته بالذهب والفضة ومعادن أخرى، وبالأجر المرصع بالميناء وخشب السرو والأرز، وأتممت زينته والبنية الأولى التي هي هيكل قواعد الأرض القائم بها تذكار بابل قد أتممتها، وأقمت أعلاها بالطاباق والشبه. وأما البنية الثانية التي هي هيكل سبعة أنوار المسكونة القائم بها تذكار برسيا فكان قد شرع في بنائها أول الملوك ولم يتمها إلى أعلاها وبيني وبينه اثنان وأربعون زمناً؛ ثم أهملت دهراً مديداً واعيا الملوك الذين سبقوني مقصدهم من تشييدها، فأجترفتها السيول والعواصف وزعزع زلزال الأرض اللبن وحطم الآجر المطبوخ واتلف لبن الطباق فكان روابي ركاماً فشدد مرودخ الإله الكبير عزمي لإعادة بنائها فأعدتها من غير تغيير في موقعها ولا تعطيل في أسسها. (وفي شهر الختام في النهار السعيد حوطت الطباق من اللبن والطاباق المشوي بأروقة، وجددت السلم المستديرة ونقشت أسمي المجيد على إفريز الاروقة، وقد أسست البناء وجددته على وفق ما رسمه من تقدمني حتى كاد كأنه قد بنى في سالف الأزمنة) أهـ (توفي بخت نصر في نحو سنة 561 ق م) فيكون عمر هذا البناء الماثل منه السميط نحو خمسمائة وألفي سنة. وهذا البرج من أهول ما بناه البابليون واجله خطراً وأعظمه شانا، وكان بمنزلة هيكل سباعي للآلهة السبعة التي يلقبونها بسبعة أنوار المسكونة وكانت له سبع طباق كل طبقة منها خصصت بواحد من تلك الإلهة. فأول طبقة منه وهي السفلى كانت لزحل ولونها أسود. والثانية للزهرة ولونها أبيض. والثالثة للمشتري ولونها بردقاني والرابعة لعطارد ولونها أزرق. والخامسة للمريخ ولنوها قرمزي. والسادسة للقمر ولونها فضي. والسابعة للشمس ولونها ذهبي. وقد ذكرنا أن من الناس من استدل على أن بلبلة الألسنة كانت في هذه المدينة وهم يقولون أن البرج المشار إليه هو البرج المذكور في الفصل الحادي عشر من سفر التكوين وعلى ذلك تحول الحادثة المذكورة هناك من مدينة بابل إلى برسبا. وقد كثرت أقوالهم في هذا البرج وواضعه وعلة بنائه على أنحاء شتى. فذكر يوسيفوس أن واضعه نمرود بناه بعد الطوفان ليلوذ الناس به إذا حدث طوفان آخر. وذهب غريفل إلى أن أول من بناه ملك من أقدم ملوك تلك البلاد أراد أن يكون ذكراً مخلداً للبلبلة أي بلبلة اللغات وذكر أن ارتفاعه اثنتان وأربعون
ذراعاً (أو مقياساً آخر لا يعلم ما هو) وذهب غيره إلى أنه هيكل بعل الذي ذكره هيرودوتس وقال عنه أنه ذو ثمانية أبراج أو طباق بعضها فوق بعض وقد تقدم ذكره. وقال قوم أنه كان بناء عظيما ذاهبا في العنان استلزم لأقامته عدداً غفيراً من العملة وكان المشتغلون فيه في أول الأمر جميعهم بابليين يتكلمون بلسان واحد فألجأتهم الحال لتعجيل العمل إلى أن يستعينوا بعملة آخرين من غيرهم فحشدوا لذلك بنائين ونحاتين من أمم مختلفة يتكلمون بألسنة شتى. فلما كانوا في بعض الأيام هبت عواصف شديدة فنسفت رأس البرج فخيل لهم أن الآلهة فعلت ذلك وبلبلت ألسنتهم فكفوا عن بنائه وشاع هذا الاعتقاد بين الكلدانيين من ذلك الوقت. قلنا: وما هذا القول إلا تشوبه كلام الكتاب الكريم وتحويله عن مجرى معناه المألوف. ويظهر أن برسبا في أوائل الأجيال النصرانية كانت معمورة بالأبنية والهياكل وقد ذكرها استرابون على حالها الأخيرة فقال: (أن برسبا المعروفة الآن باسم بورس أو برس هي من المدن المشهورة بنسج الكتان وفي جملة أبنيتها هيكلان فاخران أحدهما لابولون والآخر لأرطاميس أخته. وقال ويكثر في نواحيها الخفاش وهو أكبر من الخفاش المعروف عندنا وهم يأكلونه وبعضهم يذخره مقدداً ومملوحاً إلى حين الحاجة إليه. انتهى. وكان فيها سابقاً أي في عهد الكلدانيين مدرسة عامرة يدرس فيها علم الكلام وسائر العلوم العالية حتى أنه لم يكن في الشرق كله إلا في وركاء أو أرك. - وقد فتحها عدة ملوك من جملتهم شلمناصر الثالث في نحو سنة 852 قبل المسيح. ثم استحوذ عليها آشور بنيبل (المتوفى سنة 625 ق م) وقد جاء عنه في التاريخ أنه انتصر على شمش سمكين في السهل وأحاط ببقايا جيشه إحاطة السوار بالمعصم في بابل وسبار وبرس وكوثى. وبينما هو يحاصر هذه الثغور المنيعة، إذ أقبل عليه تمريتمو يناجزه فقال آشور بنيبل على ما ورد في الرقم: (ابتهلت إلى آشور واشتر فتقبلا أدعيتي واستمعا كلام شفتي. خرج عليه عبده اندبيجش فكسره في حومة الوغى). فاضطر المخذول إلى أن يفر هارباً إلى نينوى وأصبح في يدي ملك آشور العوبة لا غير. (نعم أنه قبل رجلي الملكيتين وعفر وجهه أمام موطئ قدمي. . . فأنا آشور بنبيبل السمح أقلته من خيانته وأنزلته هو وذريته وبيت أبيه في قصري) ولما رأى شمش شمكين أن حليفه النافذ الكلمة غادره وبقى بدون عضد بعد هذه النائبة الفجائية إنهاض
عظمه ووهنت قواه إلا أنه وأعدوه إلى ما لا غاية من ورائه بل حتى بلغ الذمار وحدث من هذا الحصار مجاعة أكره فيها المحاصرون على أن يأكلوا لحوم أبنائهم وبناتهم ضنا بالحياة. وقد حاول العرب أن يشقوا لهم طريقاً في صفوف الأعداء إلا أن سعيهم ذهب أدراج الرياح فسلم أمراؤهم أنفسهم بشرط أن يستحوا فاستبقوا. . . .) وقد جدد بناء هذه المدينة بخت نصر الكبير الذي شيد فيها أيضاً (بنو) هيكلاً جليلاً وأحاط الحاضرة كلها بنطاقين من الأسوار صداً لغارات العدو. بقيت برس وسائر المدن المجاورة لها بيد خلفاء بخت نصر حتى جاء قاهر ممالك البغي والظلم كورش الكبير فدوخ مملكتي بابل وآشور من جملة ما ذلل لصولجانه وذلك سنة 538 ق م ومنذ ذاك الحين انتقلت تلك الديار إلى الفرس وبقيت بأيديهم مدة طويلة. ولما ظهرت راية الإسلام في العالم أخفقت أيضاً على هذه الأنحاء كما نوهنا بذلك في مستهل هذا المقال وأخرب ما بقي من تلك المباني الجليلة واليوم لا يشاهد منها إلا ركام من الأنقاض والغالب فيها آجر أحمر أو قطع من الآجر قد غشت معظم الحيطان التي تتقوم منها أسس هذا البرج ذو الطباق. وعلى قمة هذا الركام يقوم سميط ثخين كل الثخن علوه قراب عشرة أمتار ومبني بالطاباق وقد ضم بعضها إلى بعض بل شدها شداً محكماً ملاط صبر علة نوائب الدهر وكوارثه لا القير كما قد يمكن أن يتصوره بعضهم. وعند أسفل هذا الحائط صخور متكومة إذا فحصها الباحث عن قرب يراها قطعاً ندرت من الحائط وقد فعلت فيها بعض العوامل النارية فعلاً هائلاً لا يمكن إنكاره. من ذلك: أن الآجر ملوي لياً بل مبروم برماً بدون أن يرى فيه البتة أثر كسر بل يبين انه مصهور صهراً. وقد علا غالب وجهه ضرب من الطلاء لا يعرف كنهه ولهذا اختلف العلماء فيه فمن قائل أنه من حريق وقع هناك. ومن ذاهب إلى أن صاعقة انقض عقابها على تلك الأكوام فصهرتها ذاك الصهر العجيب وليس هذا ببعيد في ديار العراق فإن انقضاض الصواعق على شواهق الأبنية معروف إذ لا تخلو سنة من السنين إلا ويقع حادث أو حادثان من هذا الجنس. فليحفظ. ومما استوقف طائر بصرنا هناك مياه الفرات فإن تغير مجراه على الدوام وتنقله من موطن إلى موطن مما يحير له الفكر. فاليوم قد طفحت مياهه على الأرضيين المجاورة لقرب غوره وإندفان عقيقه بما يجره من الطين والغريل، وأصبح الذهاب من برس
إلى كربلاء من رابع المستحيلات وتبتدئ المستنقعات على بعد مائتي متر من الأخربة وأما في زمان بعثة جسني فإن شواطئ نهر الهندية - (وهو شعبة من الفرات) الذي لم يكن أطول من خمسة أميال - كانت على بعد سبعة أميال عن برس نمرود. أما غوره هناك فليس ببعيد لأن أحد الرجال كان يخوض فيه خوضاً الماء دون نطاقه. ونختم كلامنا عن برس بإيراد ما قرأنا وسمعنا من غرائب الخواطر وهي: أن برس نمرود الذي قد قذف به النوى في قلب الصحراء كان في سابق العهد من الأبنية الداخلة في نطاق بابل. وذهب آخرون إلى أنه كان بين برس وقصر بخت نصر سرب عظيم يجمع الأول إلى الثاني مع أن المسافة بينهما نحو من 20 كيلو متر. ورأى فيه آخرون أنه هيكل (نبو) الذي تكلم عنه اشعيآء في سفره الجليل وكانت بابل تفتخر به ومهما يكن من هذه الأقوال فإن برس كانت داخلة في نطاق سور بابل الخارجي كما كانت كوثى ربى. وهذا ما تشهد عليه الرقم التي وجدها الباحثون وقرأها علماء الغرب. من ذلك ما جاء في الرقيم الذي أتت به شركة الهند وهذا معرب نصه: (بنيت في بابل إكراماً للمعبودة الكبرى (وأسمها عندهم زرفنيت) الوالدة التي ولدتني (هيكل معبودة قمة الجبال) وهو قلب بابل. وترى أخربة هذا الهيكل إلى اليوم في الموطن المعروف باسم القليعة (مصغر قلعة) بقرب الحلة. وقد وجد الناقبون هناك كتابة تحوي تخصيص الهيكل للآلهة المذكورة مع اسم بانيه وهو نبو خذ نصر. (ولقد شيدت في بابل بالقير والآجر تبعاً لأصول البناء إكراماً للآلة نبو الرب المطلق واهب صولجان العدل ليسوس طوائف الناس. (هيكل واهب الصولجان) هيكلاً له. (وبنيت في بابل للآلة سين (القمر) وهو الذي يلهمني الحكم والقضاء في الأمور هيكل (الضياء الأعظم) داراً له. (وأقمت في بابل بالقير والطاباق إكراما للآلة الشمس (وهو مذكر عندهم) الذي يوحي إلى قلب شاعرة العدل (هيكل قاضي العالم) هيكلاً له. - وكان هذا البناء في المحل الذي يعرف اليوم بمشهد الشمس وهو في ظهر الحلة.
(وبنيت في بابل على هيئة كوس أم إمام بالقير والآجر إكراماً للآلة رمان (وزان حلال) الذي يفيض الخصب في بلادي (هيكل مانح الاضطرابات الجوية) هيكلاً له. (وابتنيت في بابل بالقير والآجر باء يكاد يكون مصمتاً إكراماً للمعبودة الكبرى (وأسمها عندهم نانا) التي تشرح صدري وتشد أزري (هيكل الأعماق وهيكل الجبال العالية) هيكلين لها. (وبنيت عند دخولك سور بابل بهيئة كوس إكراماً لربة دار السماء الملكة الشفيعة على هيكل (كيكفان) هيكلاً لها. ورفعت في برسيا هيكلاً للآلة (أدار) محطم أسلحة أعدائي. (وبنيت في برسبا إكراماً للمعبودة الكبرى (نانا) التي تتقبل أنشودتي (الهيكل الأكبر وهيكل الحياة وهيكل النفس الحية) أعاجيب ثلاثاً لهاز. - (وهذه الهياكل الثلاثة التي تشير إلى المزية القمرية مزية المعبودة نانا وإلى أوجه الكوكب في هلاله وبدره ومحاقه كانت تحت هدف واحد اسم أنقاضه اليوم (تل إبراهيم الخليل) قريباً من برس نمرود. (وشيدت في برسيا بناءً ركاماً هيكل الإله رمان الذي يفجر في بلادي صاعقة النبوة. فهذه الأبنية والهياكل كانت كلها متجاورة في بقعة بابل، وقد أتينا بذكرها ليعلم القارئ ما كانت عليه تلك الأرض في سابق العهد وإلى ما صارت إليه في هذا الزمن. فسبحان الذي يغير ولا يتغير الأب يوسف لويس الكرملي
أيها الأمل
أيها الأمل رأى ناظم هذه الموشحة البديعة فقيراً في أحد أزقة بغداد وقد أنهكه المرض فأشرف على الهلاك وهو يئن وفي خلال أنينه كانت تبدو منه كلمات تفتت الأكباد وتلين الجماد وهو لا يزال يرددها. ومحصلها: (لولا الأمل الذي عشت به لمت قبل خمسين سنة). وبعد أن سمع الشاعر تلك الكلم أخذ ينقب عن أمر الفقير فقيل إنه من البيوتات القديمة وكان لقومه حظ عظيم من الغنى ثم انقلب بهم الدهر حتى أدبر عنهم بتاتاً وانتهى بهم إلى أسوا حال. فقال: (لغة العرب) ضحكت فأشرقت يوم الجزع ... فيالك من ضاحك مبتسم هو العيش ليل وأنت القمر ألا لا ولكن بك المستقر فأنت الصفاء وأنت الكدر وأنت المصادي إذا ما فجع ... زمان يجور بخطب ملم لوجهك تعنو صروف الحياة فمن رائحات ومن غاديات ولسن وإن جرت بالعاتيات ولا بللواتي يزن الخدع ... فيذهبن عنك ذهاب الأصم بنورك يبتهج العالمون وبالجد ينتعش الميتون فما لا يكون وما قد يكون إليك انتهى وإليك انقطع ... فأنت الحكيم وأنت الحكم كأنك روح لهذا الوجود فمنك النحوس ومنك السعود وفيك النزول وفيك الصعود وأنت الشهود وأنت الجمع ... وأنت الوجود وأنت العدم فلولاك ما نهض العالم ولا قام من بينهم قائم ولا كان ظلم ولا ظالم
ولا كان صنع ولا مصطنع ... ولا كان عزم ولا كان هم ولا بلغوا غاية الاكتشاف ولا أكثروا بانقضاء الطواف كأنهم فيه طير صواف تروح إلى حيث لا مرتفع ... ولا النسيم الرياح نسم ولا استخدموا بالبخار الحديد ولا قربوا كل مرمى بعيد ولا دخل الناس طورا جديد فما في أخلاقهم من طبع ... ولا في نفوسهم من قزم ولولاك لم يسع في الأرض ساع ولا بلغ الناس طور النزاع فهذا مريع وهذا مراع وقد جعلتهم في البدع ... وخالفت ما بينهم في الشيم ولولاك مات عديم الثراء ومات السخي ومات السخاء ومات العلاء ومات الإباء ومات المسود والمتضع ... ومات الفخار كموت الهمم بك انتظمت ماربات الورى فمن تجره أنت منهم جرى قليل ألانى مستحث السري يضيع بعزمته أو يضع ... إلى حيث يبلغ بعض النعم خفيت فما تمتري في وضوح ولم يدر كنهك يوما سطيح ولا كان شق يقول الصحيح ولكنه خبر منقطع ... يعدونه من ضعيف الكلم إليك العوالم تلقى المراس لأنك في كل أمر أساس
طوب أبو خزامة
فلم يدركوك بوضع القياس ولم يلج الباب من قد قرع ... ولم يعلم الأمر من قد علم كأنك معني بمعنى الحياة وفيك غموض خفي الصفات أيعجز معناك أهل الحصاة وقد بلغوا مبلغا مرتفع ... من العلم والأدب المحترم على بابك القوم قد هوموا فضل الجهول ومن يعلم فلو يعلمون وهم نوم بفحوى معانيك ولم يرتدع ... من القوم من لم يكن بك الناس تبلغ أوج العلى ويدرك من نزلوا من علا فيجمع تلو إلى من تلا ويدنوا الأذل إلى ذي الرفع ... فيبلغ شأواً منيع القمم لا أنت العناء وأنت الدعة وأنت المضيق وأنت السعه وأنت العلو وأنت الضعة وأنت الأمان وأنت الفزع ... وأنت عزيمة من يعتزم غمضت كما تغمض الكهرباء فما كان يبرح عنا الخفاء ولم يبد فيما تسر بداء لنا أو لمن سار سيراً سرع ... فزلت به في الطريق القدم محمد الهاشمي طوب أبو خزامة 1 - تمهيد لما استولى الشاه عباس الصفوي على بغداد في نحو سنة 1033هـ -
1623م وذلك بعد حصاره إياها مدة ثلاثة أشهر وكان استيلاؤه عليها بخيانة ابن بكير رئيس الشرطة وبعد أن دخل الشاه المدينة وملكها أمر بقتل الخائن (ابن بكير أغا) فقتل ثم بقى الحكم للشاه ومن يوليه أمرها من رعيته إلى سنة 1048هـ. وذلك أن السلطان مراد خان العثماني قصدها بجيش جرار كامل العدد والعدد فحاصرها (في 8 رجب سنة 1048هـ 15 ت 2 سنة 1638م وكان يشتغل بنفسه في أعمال الحصار الشاقة تنشيطاً للجند. وسلط على أسوارها المدافع الضخمة التي نقلها إليها ولما فتحت المدافع فيها فتحة كافية للهجوم أصدر السلطان أوامره بذلك فهجمت الجيوش كالليوث الكواسر (كذا) في صبيحة 18 شعبان سنة 1048هـ - ك1 1638م ولم يثنها قتل الصدر الأعظم (طيار محمد باشا). . . بل استمر الحرب 48 ساعة متوالية ختمت بانتصار الجنود العثمانية) ولما دخل الجند العثماني بغداد وملك زمامها السلطان مراد خان ولى عليها من قبله والياً هو كجك حسن باشا (أو حسن باشا الصغير) وبعد أن تم ذلك رجع السلطان مراد إلى من حيث جاء وقد ترك المدافع التي أتى بها من الأستانة والتي غنمها من الشاه عباس لينتفع بها عند الحاجة إليها ولتصد عن بغداد هجمات العدو وإلى اليوم تراها مطروحة في قلعة (الطوب خانة) وقد أخبرنا أحد ضباط المدفعية أن الحكومة تريد نقلها إلى الأستانة لتوضع في محل التحف والآثار القديمة. 2 - وصف (طوب أبو خزامة) ومن تلك المدافع المار ذكرها مدفع (يسمى أبو خزامة) وهو اليوم في محلة الميدان في الجانب الشرقي من بغداد أمام باب (الطوب خانة) الشرقي (أي باب قلعة المدافع) على دكة تعلو الأرض نحو نصف ذراع يبلغ عرضها نحو 4 أمتار في طول 8 أمتار وفي كل ركن من أركانها الأربعة مدفع صغير مركوز في الأرض من فوهته ومربوط بأطراف هذه المدافع العليا سلسلة حديد بغلظ الزند توصل الواحد بالآخر فهي شبه سور (لطوب أبو خزامة) والمدافع شبه أبراج ومشدودة بتلك السلسلة كثير من الخرق وفي رأس مدفع من المدفعين اللذين مما يلي الشرق فانوس وضعته الحكومة ليسرج في ليلة الجمعة.
وهذا الطوب (أعني طوب أبو خزانة) مصنوع من الصفر أي النحاس الأصفر (البرنج) والحديد وهو مضطجع على مرقد في وسط الدكة السالفة الذكر. والمرقد عبارة عن جذوع نخل لم تبلها الأيام لأنك تراها على حالتها الأولى في أول وضعها. وللمرقد المذكور دولابان من الحديد قد نزل نصفهما في الأرض لمرور الزمن عليهما ولما عليهما من ثقل الحديد وعند فوهة (طوب أبو خزامة) أربع قنابل ثلاث منها في الأسفل والرابعة قائمة عليها محيط كل منها 29 س ويبلغ طول (طوب أبو خزامة) 4 أمتار و44 س ومحيطه من مؤخره مترين و4 س ومحيطه مما يلي فوهته متراً و44 س وقطر فوهته 48 س ومكتوب على ظهره مما يلي فوهته بالحرف المركب البارز ما نصه: (مما عمل برسم السلطان مراد خان بن (كذا) السلطان أحمد خان) ووراء الكتابة المذكورة أربع سمكات صغار وأربعة أنجم ووراءها في الوسط عروتان مقوستان محيط ل منهما نحو 50 س فيهما خرق مشدودة - ترمز إلى ما يطلبه الزائرون من الأماني وكذلك قل عن الخرق المشدودة في السلسلة المتقدم ذكرها - وفي جنبه الأيسر (أعني طوب أبو خزامة) مما يلي العروة انخفاض محيطه 28 س وغوره نحو 3 س ووراء العروتين السالفتي الذكر أربع سمكات كالتي تقدم ذكرها وكذلك خمسة نجوم وهلالان صغيران ووراء الأسماك والنجوم والأهلة على ظهر الطوب الذي نحن بصدده مما يلي مؤخره مكتوب بالحروف المركبة البارزة ما نصه: (عمل على كتخداي جنود بردركاه عالي سنة 1047) معناه عمل على الذي هو رئيس الجنود في الباب العالي (أي باب السلطان وقد ساعدنا على قراءة الكتابة المذكورة وتعريها شكري أفندي الفضل وفي مؤخرة شبه ذنب ينتهي بكتلة مخروطة الشكل وفي فوهته مما يلي داخله صدع (أي شق طبيعي) غير سوي. 3 - ما يرويه العامة في شأن أخذ بغداد و (طوب أبو خزامة) يحكي الشيوخ من العامة أنه لما أخذ الشاه عباس بغداد واستقر بها منع كل فرد من الذهاب إلى الأستانة وبث الرص والعيون في جميع الطرق المؤدية إليها ثم أنه جعل حضرة الشيخ عبد القادر وحضرة المعظم (أي النعمان بن ثابت أحد أئمة المذاهب الأربعة) وحضرة الشيخ معروف الكرخي والشيخ عمر السهروردي مرابط لخيله وبغاله ولما رأى أهل بغداد ذلك استشاطوا غضباً فخاطر رجل من بيت السويدي
بنفسه وصمم على الرواح إلى القسطنطينية وإذا أحس به أحد فإنه يفدي نفسه لهذا السبيل فتزيا بزي درويش إيراني وذهب إلى إسلامبول ولما وردها تخارس لأن أهلها أيضاً منعوا دخول كل من يأتي من نواحي العراق كي لا يسمع السلطان بخبر سقوط بغداد فيسوق إليها الجنود ثم أن السويدي لما دخلها (أعني الأستانة) بقي متخفياً مدة أيام إلى أن توصل إلى خطيب جامع السلطان فظل عنده بصفة طالب علم وخادم له. وفي ذات يوم مرض الخطيب وكان يوم جمعة فلما حان أوان الخطبة والخطيب مريض لم يطق القيام فضلاً عن المسير فتحير في أمره ولما رأى السويدي منه ذلك اغتنم الفرصة وقال له: أنا أنوب عنك خطيباً هذا اليوم فسر بذلك الخطيب لما علمه من علم السويدي وفضله ثم ذهب إلى الجامع ولما رقى المنبر نادى بأعلى صوته: أيها المؤمنون المسلمون إن الدين قد ذهب وإن بغداد قد ضبطها الشاه عباس وربط خيله وبغاله في حضرات أئمتها وفعل من المنكرات مالا يوصف ولا يخطر على بال إنسان. فلما سمع الحاضرون كلامه ضجوا بالتكبير وأخذوا بالصراخ والعويل فأخذه السلطان إلى داره وأستقصه القصة من أولها إلى آخرها. ثم بعد ذلك نادى منادي السلطان في الأستانة أن لا يصحبه من عسكره إلا الكهول والذين يغرز المشط في لحاهم فأخذ الشبان والكهول لا غير وبعد أن تجمع العسكر، سار به قاصداً بغداد. ولما صار قرب سامراء، أراد أن يجعل عليهم قائداً محنكاً، ويذهب هو إلى بغداد متجسساً فأخذ يسأل كل من يرى فيه اللياقة للقيادة: أين بغداد؟ فيجيبه القائد: على بعد يوم منا مثلا، فيأمر بقطع رأسه ثم يسأل الآخر فيجيبه على بعد يومين فيأمر بقطع رأسه أيضاً وهلم جرا حتى قطع رؤوس جماعة من القواد وقد تحير الباقون في جوابه ثم باتوا تلك الليلة وكان عند أحدهم ابن في الثامنة عشرة من عمره ولشدة حبه إياه لم يطق فراقه فوضعه في صندوق يستطيع أن يتنفس فيه وأخذه معه وكان إذا جن الليل يخرجه من الصندوق ويجلس هو وإياه يتسامران وفي تلك الليلة رأى الفتى وجه أبيه متغيراً فقال له: ما بالك يا أبتي؟ فقال إني. سأقتل غداً. فقال: ولم؟ فقال إن السلطان ألقى على القواد سؤالاً وهو: كم المسافة بين سامراء وبغداد
وكل من أجاب من القواد بقليل أو كثير أمر بقتله وغداً دوري ولم أدري ما الجواب لأني اعلم أن السلطان قاتلي لا محالة إن زدت أو نقصت فقال الغلام: أهذا يهمك يا أبتي؟ فقال له الوالد: وكيف لا يهمني يا بني سؤال فيه القتل فقال له إذا دعاك السلطان غداً وسألك عن المسافة فخذ اللواء بيدك وأركض بفرسك وقل بغداد تحت حافر هذا الجواد ولا بأس عليك. ولما كان النهار دعا السلطان القائد المذكور وسأله عن المسافة بين بغداد وسامراء ففعل القائد كما قال له ابنه فاستحسن ذلك السلطان وقال: الآن وجدت ضالتي ثم دعا ذلك القائد وقال له صدقني من علمك هذا ولك الأمان فقال أن لي ابناً أحبه حباً شديداً ولفرط غرامي به لم أطق فراقه فوضعته في صندوق وإذا جن الليل أخرجنه وسامرته (لأنك منعت ذلك وقلت من أتى بصبي قطعت رأسيهما) وفي هذه الليلة رآني ولدي في ضيق فسألني عن حالتي فقصصت له القصة فدبر لي هذا الأمر فقال له السلطان أين ابنك؟ فقال هاهو في الصندوق فقال ايتني به فأتاه به فلما رآه إستسماه فقال له الحدث اسمي كنج عثمان (أي عثمان الحدث) فقال له السلطان ألم تسمع أني أمرت بقتل كل من لا يغرز المشط في لحيته فكيف جئت إلا تخاف القتل؟ فقال يا حضرة السلطان أنا لست كما ترى بل أنا شيخ من الشيوخ فقال له السلطان إن كنت صادقاً فخذ هذا المشط واغرزه في لحيتك ولشدة خوفه من السلطان تناول المشط وأثبته في لحم خده فقال له السلطان أين لحيتك فأنا لا نراها في وجهك فقال لحيتي في داخلي (بطني) فقال له السلطان: كيف عرفت ذلك فقال له إني سمعت أنك تقتل كل من أخبرك عن المسافة سواء كانت بعيدة أو قريبة فعلمت أنك لا تريد أن تعرف المسافة ولكنك تريد أن تمتحن همم الرجال وأفكارهم. فقلت لوالدي هذا القول لأن الجواد إذا سار لا يبعد عنه شقة فكأن بغداد تحت حافره فقال له أنت طلبتي فولاه السلطان القيادة وأعطاه اللواء الكبير ثم أن السلطان مراداً ترك الجيش في سامراء وسار قاصداً بغداد راجلاً ولكنه تزيا بزي درويش إيراني لكي لا يعرف أو لا يظن فيه ظن سوء ثم إنه ما زال سائراً على رجله حتى ورد أرض عجوز هناك وضافها فاحتفلت به العجوز وقامت بضيافته (كما هي عادة الأعراب في خدمة الضيوف) ولما سار السلطان من عندها أراد أن يكرمها مكافأة لضيافتها إياه فقال لها ما الذي تريدين من الأراضي والعقار فإني صديق السلطان
فقالت: إذا كنت صديق السلطان كما تقول فإن لي دواب لا يتركها الرعاة تسرح في هذه الأرض فأطلب إليك أن تكلم السلطان بذلك. فقال: من أين إلى أين تريدين فقالت: (من حسحوس لدوب السوس) فقال لك ذلك ثم أنه أخرج من جيبه ورقة وكتب ما طلبت ووقع عليها ثم ناولها الورقة وقال لها أنا ذاهب إلى بغداد وسيأتي السلطان مع الجند بعدي فإذا جاء السلطان ودخل بغداد فأتى بورقتك هذه إليه وأعطيها إياه فسيجري ما تريدين. ثم سار السلطان وما زال سائراً حتى دخل بغداد ولما دخلها ذهب رأساً إلى السراي وأخذ ينشد الأشعار الفارسية بأطرب الألحان (كما هي عادة الدراويش من الفرس) ولما سمع صوته الشاه دعاه إليه وقربه منه ثم أنه قال للشاه هل لك أن نلعب أنا وإياك في الشطرنج؟ فقال: نعم. ثم إن الشاه دعا بالشطرنج فأتى به وأخذا يلعبان وبعد ساعات غلب السلطان مراد مناوئه الشاه عباساً ثم إنه ضرب (شاه) الشاه بفرزانه وقال (الشاه مات) وقام مسرعاً وخرج من السراي وفي حينه دخل بيت العجوز وأعطاها مقداراً من الدراهم وقال لها ابتاعي لي نعجة وأتي بها الساعة فذهبت تلك العجوز واشترت له شاة وأتت بها إليه فذبحها السلطان مراد ووضع دمها في طست ثم إنه جلس على حجر رحىً في بئر ووضع طست الدم على رأسه ولما انتبه الشاه لقول السلطان مراد وهو: (الشاه مات) تيقن أن هذا الدرويش ليس هو في الحقيقة درويشاً ولا بد من أن يكون السلطان مراد خان أو أحد وزرائه ثم أنه دعا المنجم وقال له: أريد منك أن تعرف بحساب الرمل والتنجيم من هو هذا الدرويش أين ذهب ثم أن المنجم أخذ بالحساب وبعد
ساعة من الزمان قال للشاه: إن هذا الدرويش هو السلطان مراد وهو الآن جالس على جبل بين بحر من الدم وبحر من الماء؛ فتحير الشاه والحاضرون من قوله ثم إن الشاه أمره أن يعيد الحساب مرة أخرى لعله واهم به فأعاده مرة ثانيةً وثالثة ورابعة حتى المرة العاشرة والحساب ينتج تلك النتيجة. ثم إن الشاه طرده وصرف هواجسه في أمر السلطان العثماني وبعد يوم خرج السلطان مراد متخفياً من بيت العجوز في بغداد ليلاً وذهب إلى جنده ولما التقى بالعسكر قص عليهم قصته. ثم إنهم ساروا حتى وردوا بغداد فحاصروها وبقوا في حصارها مدة مديدة حتى تعسر عليهم فتحها وكاد السلطان مراد يخفق في مسعاه وينتقض ما أبرمه من الأمر فحرج صدره لذلك وصدور جميع من في المعسكر وفي ليلة من الليالي طاف الشيخ عبد القادر الكيلاني دفين بغداد على كنج عثمان (القائد العام) وقال لهم: مالي أراكم في ضيق واضطراب؟. فقال له كنج عثمان: قد أعيانا فتح بغداد وقد نفدت قوانا وذخيرتنا فقال له الشيخ عبد القادر: إذا كان الغد اذهب إلى السلطان مراد وقل له أن أعمل مدفعاً كبيراً. ولما بزغت الشمس، ذهب القائد المذكور إلى السلطان وأخبره بالخبر. فقال له السلطان: من أين لنا أن نأتي بالحديد ونعمل مدفعاً وليس عندنا منه شيء؟ وفي الليلة الثانية أيضاً طاف الشيخ عبد القادر على كنج عثمان وقال له: ألم أقل لك اعملوا مدفعاً من الحديد؟ لم لم تعملوا ذلك؟ فقال له: يا مولاي ليس عندنا شيء من الحديد. فقال: خذوا انعل خيولكم ومرابطها الحديدية وصبوها. وعند الصباح اخبر كنج عثمان السلطان بذلك، فأمر السلطان بجمع النعال والمرابط ولما جمعت وأذيبت تحيروا في كيفية صبها ولم يهتدوا إلى قالب يفرغونها فيه. وفي الليلة الثالثة طاف أيضاً الشيخ عبد القادر على كنج عثمان المذكور وقال له: لم لم تصبوا ما ذاب من الحديد فقال له: يا حضرة الشيخ إننا لا نعرف كيفية صبه فقال له الشيخ: خذوا خشبة وابنوا عليها غلافاً من الطين شبه كوارة الطعام ثم صبوا ما ذاب من الحديد فيها وبعد أن يجمد ما افرغ في الكوارة اكسروها واستلوا منها الخشبة تكن حينئذٍ مدفعاً تاماً لا ينقصه شيء. وفي الصباح ذهب كنج عثمان المذكور إلى السلطان وقص عليه ما رآه في المنام فبادر السلطان إلى العمل حتى أتمه ولما لم يكن عندهم من البارود والقنابل شيء أخفقوا في مسعاهم وباتوا في هم واضطراب وفي تلك
الليلة وهي الرابعة طاف أيضاً الشيخ عبد القادر على كنج عثمان وقال له: لا يهمكم نفاد البارود والرصاص فاجعلوا بدل البارود التراب وبدل القنابل قطع الصخور وارموا بها العداء فإنها ستقع عليهم أشد وقعٍ من البارود والرصاص وإذا تعسر عليكم الفتح ولم تقدروا أن تثغروا ثغراً في سورها فسأقف لكم غداً على قمة قبتي بصورة بازِ أشهب فإذا رأيتموني صوبوا المدفع إلي واقذفوني بما فيه ثم ارموا رمية أخرى على السور تلثم منه ثلمة واسعة فادخلوا المدينة عنوة ولما أسفر الصبح عن وجهه أسرع كنج عثمان إلى السلطان واخبره بالخبر وحينما طرق سمعه ذلك باشر بالعمل كما أمر الشيخ عبد القادر وفي الضحى رأوا على رأس القبة (بازاً) أشهب فوجهوا إليه المدفع ورموه بقذائفهم وكانت من التراب والصخور ثم أنهم وجهوا المدفع إلى السور ورموه رمية أخرى وما خرجت تلك الصخور مع التراب من فم المدفع إلا وإنهدم من قواد السلطان مراد يفتك في الأعداء بسيفين بعد أن قطعوا رأسه وما زال يقاتل على هذه الحالة حتى نظرت إليه امرأة من على طوار الدار فقالت يا للعجب رجل يقاتل بسيفين ورأسه مقطوع! ولما نادت بهذا النداء سقط من على ظهر الجواد إلى الأرض وخر صريعاً فدفن في موضع مصرعه وهو في المحلة المعروفة اليوم بمحلة (أبو سيفين) إحدى محلات بغداد وأكثر سكانها اليهود. أما كنج عثمان فإنهم يقولون عنه أنه لما دخل بغداد وكان حاملاً لواء
الجند العثماني وقد قطعت يداه بقي العلم يمشي أمامه بلا حامل يحمله ولا ماسكٍ يمسكه حتى رآه أحد الناس فدهش به وعند ذلك هوت الراية إلى الأرض وقتل كنج عثمان ودفن في الموضع الذي سقط فيه وهو اليوم بقرب باب سراي الحكومة (أي دار الإمارة) مما يلي الشمال الغربي على بعد 9 أمتار منه وله حجرة عليها قبة وفي وسطها ضريح عليه مشبك من الخشب طوله متر و80 س في عرض 90 س في ارتفاع متر و10 س وعليه ستار أخضر اللون وقد ركز في أركان المشبك الأربعة أربعة أعلام خضر وفي رأسي علمين منها رمانة من النحاس الأصفر وفي رأسي العلمين الآخرين شبة كف من نحاس أيضاً. وفي أعلى الشباك المشرف على الطريق الكائن في جنب باب الإسطبل المعروف (بطولة الضابطية) أي إسطبل رجال المبذرقة مكتوب على خارجه بالقاشاني الأبيض يتخلله الأزرق ما نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم. إلا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. رئيس الشهداء. كنج عثمان. قد عمر هذا المكان صاحب الخيرات حسن باشا سنة 1133هـ (1721م). ويزوره الناس من أهل السنة والجماعة وينذرون له النذور وتشعل الشموع على قبره في ليلة كل جمعة. 4 - معتقد العامة في طوب أبو خزامه وكيفية زيارتهم إياه. يعتقد العامة في طوب أبو خزامه ما يعتقدونه بالأنبياء والأولياء ويزعمون أنه ولي من أولياء الله تعالى فلذا تراهم يزورونه ويتبركون به ويطلبون منه تحقيق أمانيهم وتجد دائماً خرقاً معقودة بسلسلة الحديد والعروتين السالفتي الذكر وهذه الخرق ترمز إلى الأماني (أو المراد) ومن اعتقاداتهم فيه أنه لا يخيب قاصداً قط وفيهم كثيرون وينذرون له النذور ويسرجون حوله الشموع في ليلة كل جمعة وأكثر زواره وقصاده النساء وأكثرهن من أهل السنة والجماعة. ولا تقصده منهن إلا المرأة العقيمة فتمر أحشاءها عليه كي يعطيها ولداً. أو المقلات التي لا يعيش لها ولد فتأتي إليه بالمولود وهو ابن سبعة أيام وتدخله في فوهته وتخرجه تفعل ذلك ثلاث مرات. ثم تتوسل إليه أن يطيل الله عمر ولدها وتنذر له النذور وتفي بنذرها أن أعطاها مرادها. ومنهن (أعني من النساء) من في عينيها رمد فتأتيه قاصدة إياه للاستشفاء ببركته فتدخل رأسها في فوهته وتخرجه ثلاث مرات ثم تغسل شيئاً أو من السلاسل التي حوله بقليل من الماء وتداوي بها عينيها ثم تنذر له نذراً وإن زال الرمد منها وإذا تم ذلك وفت بنذرها
المال حاكم
في الحال ويعتقد مثل هذه الاعتقادات بعض الأغرار من الرجال لا سيما الأكراد منهم. 5 - خرافاتهم في طوب أبو خزامه يزعم ضعفاء العقول في الانخفاض الموجود على ظهر المدفع إن هذا المدفع توقف عن السير يوم الحرب فغضب عليه السلطان مراد وضربه بجمع (أي بكف مجموعة أصابعها إلى راحتها) فحصل من تأثير ضربة السلطان هذا الغور. ويعتقدون في الصدع الذي في داخل فوهته أن هذا المحل هو مكان أنفه الذي كان فيه خزامة ولما استعصى على السير نتله السلطان مراد من خزامته فخرم أنفه وهذا أثر الخرم باق إلى اليوم. ويذهبون في وجود تسع السمكات الموجودة على ظهره إلى أن السلطان لما خرم أنفه غضب المدفع ورمى بنفسه في دجلة فخاض عليه السلطان مراد وأخرجه واسترضاه ولما خرج بانت على ظهره هذه السمكات ملصوقات إشارة إلى إنه ألقى نفسه حقيقة في دجلة لما سكن من غضبه ورضى على مراد خان أخذ السلطان ينثر له الدخن في ممره على الأرض ليسهل مروره عليها وهو ينساب الهوينا وفي أثناء الحرب نفذ ما عند الجند من البارود والرصاص والقنابل فأخذ الطوب يلهم التراب والحجارة من الأرض ويقذف بها الأعداء فتقع عليهم أشد من وقع القنابل الحقيقية والبارود الحقيقي عليهم وما زال هذا دأبه حتى فتح الله عليه. هذا خلاصة ما تعتقده العوام في (طوب أبو خزامة) وما يحكمونه من الأسباب التي سهلت للسلطان مراد خان فتح بغداد. وفي العراق كثير من مدافن الأئمة والمزارات التي هي أشباه (طوب أبو خزامة) لا بد أن نأتي على ذكرها في فرصة أخرى ولله في خلقه شؤون. كاظم الدجيلي المال حاكم وجدت ذات ليلة في مجلس كان فيه جماعة من الأحباب، يسحر كلامهم الألباب، فأخذنا نتجاذب أطراف أحاديث الأسبوع، حتى أدى بنا الموضوع إلى ما أحدثته يد الدهر من المصائب والأهوال التي يشيب لها الأطفال. ثم أنتثر عقد الجمع فانطلق كل واحد إلى بيته ورجعت أنا أيضاً إلى منزلي منزعج النفس مكدر ماء الخاطر فاضطجعت على فراشي وأفكاري في اضطراب عظيم ولا اضطراب
البحر المتلاطم بالأمواج. فبينما أنا خائض عباب ذلك البحر والوساوس تتقاذفني وتلعب بي كل ملعب أقبل عليّ قاضي الوسن فحكم عليّ بالنوم ولم أعد أشعر بعدئذ بشيء من الهم والغم. وبينما أنا في تلك الحالة رأيتني كأنني أحوم حول بلد لم أر مثله في عالم اليقظة ثم دخلته فرأيته على غابة من الرقي والتمدن. فأخذت أطوف في أزقته وأسرح طائر النظر في معاهده وأبنيته وما حوته من النفائس والمآثر والحلل والأمتعة والخيل المسومة والأنعام الحسنة حتى سدر بصري وطاش سهم فكري وذلك لأني رأيت بجانبي قصراً شامخاً رفيع البناء مزيناً بأنواع الرياش الفاخرة تنيره الكهربائية الساطعة الضياء. وهناك رايات وأعلام مختلفة الأشكال تخفق على مرتفعات القصر. وكانت جدرانه من الداخل مفروشة بمنسوجات الحرير وأعمدته مغشاة بالبز الوهاج. يطوف حوله حرس من الجند موكلين بحفظه فأتيت أحدهم وخاطبته برفق وقلت له: لمن يا أخي هذه الدار المشيدة؟ قال إنها لسيد هذا البلد الأكبر. وإن أنت اختفيت في موضع لا يراك منه أحد تشهد حضور هذا السلطان العظيم. ففعلت بما أشار به عليّ وكمنت في غار كان هنالك يبعد عن القصر نحو قيد غلوة. وبينما أنا أترقب تلك الساعة العظيمة إذ سمعت أنغاماً عجيبة تلتذ بها الأسماع وتألفها القلوب النافرة. فاقبل جند لا يحصى عددهم وعلى أكتافهم البنادق وفوق رؤوسهم تخف الأعلام. ولما قربوا من القصر انقسموا شطرين كل شطر على جانب وقد اجروا ذلك بانتظام عجيب وأسلوب غريب. ولما دنا الملك صدحت آلات الطرب كأنها تسلم عليه وأجرى الجند مراسيم الاحترام لسيدهم الهمام حينما رأوه يخرج من القصر فإذا هو رجل جليل واسع الصدر صبيح الوجه ذو هيبة ووقار على رأسه إكليل مرصع بأنواع الجواهر ومن حوله عدة رجال كل منهم كالضرغام وقد شهروا بأيديهم البواتر وهم يمشون أمامه وخلفه يسرة ويمنة فلما رأى تلك الصفوف المعبأة رفع يده فسلم عليهم وهو يمر أمامهم ويشجعهم بألفاظ تتقد حماسة. ولما رأيته يمعن في السير خرجت من مكمني وما زلت أتتبعه عن بعد حتى رأيته أتى ضاحية المدينة فأتى له بكرسي فاخر وضعوه على أشرف مكان هناك وشرع يتكلم بكلام جهوري ترتعد له فرائص الأرض ومن جملة ما سمعته وحفظته قوله: أنا الحاكم الأكبر، أنا الذي تطاطئ لسطوتي رؤوس
العوالم، أنا الذي أقيم الدنيا وأقعدها. أنا زينة النفوس الدنيوية التي جعلت هذه الحياة أقصى مناها ورغائبها، أنا الذي قيل عني: من كان يملك درهمين تعلمت ... شفتاه أنواع العلوم فقالا لولا دراهمه التي يزهو بها ... لوجدته في الناس أسوأ حالا إن الغني إذا تكلم بالخطأ ... قالوا صدقت وما نطقت محالا أما الفقير إذا تكلم كلمة ... قالوا كذبت وأنكروا ما قالا إن الدراهم في المواطن كلها ... تكسوا الرجال مهابة وجمالا فهي العلوم لمن أراد فصاحة ... وهي السلاح لمن أراد قتالا فلما أتم كلامه هرولت إليه ودنوت منه ومثلت بين يديه فقلت له: وما الذي يبعث في البلاد الرقي والعمران ويزيد فيها النماء والثروة قال هذه الأمور وهي: 1 - توفير النفقات وتدبير أمر المعيشة. 2 - السعي وراء شق الأنهار وتحسين أمور الزراعة وتوسيع أبواب التجارة. 3 - بث العلوم بين أكبر الناس وأصاغرهم لأنها أساس الصناعة التي هي مجلبة المال. 4 - مساعدة الأهالي المعوزين بالمال وبجميع الذرائع التي تمهد لهم سبل السعادة. 5 - نشر ألوية الآداب الصحيحة والفضائل القويمة وقطع دابر أهل الفساد. فلما رآني متطالاً إلى سماع أقواله الدرية قال: ومن أي قطر أنت؟. - قلت له: سيدي إني من ديار العراق من بلدة دار السلام، دار الحضارة والعمران في سالف الأيام. - فلما سمع هذه الكلمات أطرق ساعة ثم قال: نعم كانت الزوراء أم العلوم والمدنية، أم الحضارة والعمران، مقر الخلفاء العباسيين، مصدر أنوار العلماء العاملين. نفقت فيها التجارة، وتقدمت فيها الزراعة، واشتهرت فيها أرقى الصناعة، وانبثقت منها أنوار العلوم والفنون، بيد أن دخول (هولاكو) فيها تداعى ذلك البناء، فضلاً عن أنه هدم دور صنائعها وقوض معاهدها ودرس مدارسها وردم أنهرها فأخذت منه ذاك الحين بالهوى العجيب يوماً فيوماً. فلما نظرت ما حل بتلك الحاضرة من الرزايا والبلايا وخيانة الدهر لها لما ظعنت عنها فنزلت ديار الإفرنج واتخذتها إليّ مقراً لأني أيقنت حق اليقين أنها لا تعود إلى ما كانت؛ طالما يكون بيت المال فارغا. وما دام فيها. . . .!
الذرعة
ولما وصل إلى هذه الألفاظ الأخيرة التفت إلى حاشيته وبدأ يخاطبهم بصوت خافت وأنا أنظر إليه حائراً بائراً. ثم نهض من مكانه فقام له الجند بالسلام كما فعلوا حينما قدم ورجع إلى البلد بتعظيم وتبجيل وأردت الدخول معه لكن حال بيني وبينه جماعات الناس وبينما كنت أحاول الانسلال بينهم شعرت كأن واحداً دفعني فصحوت من نشوة الكرى وقد انطبعت في مخيلتي الرؤيا التي رأيتها في عالم الخيال فوجدته مطابقاً لعالم المثال فاغرورقت عيناي بالدموع وقلت: رحماك يا رب رحماك! أسألك بأن تلطف بعبادك وتقيم لهم رجالاً ذوي حزم وعزم ينظرون في الأمور على ما هي ويتبصرون في العواقب لكي يعود إلينا طائر العمران، فيخفق بجناحيه على جميع هؤلاء السكان، فأنت الرحيم وأنت الرحمان. 20 - 8040 الذرعة 1 - تمهيد بمناسبة ما حصل في العام الماضي من توالي شكايات الزراع وفي هذه السنة من تشكي الحكومة من الذرعة - واغلب الناس في الولاية فضلاً عن الموجودين خارجاً عنها، بل حتى موظفي (مأموري) الذرعة أنفسهم يجهلون أصولها (ومعاملاتها)، ولا لوم عليهم ولا تثريب لأنها خاصة بالعراق، بل ببعض أنحائه فقط، وذلك على قاعدة أن أحكام حكومتنا العثمانية جارية في الأغلب (على التعامل) (كما يقولون، أي على العادة الجارية في ذلك المحل منذ القدم) فلا تشبه معاملة معاملة حتى في الجنس الواحد - أحببت أن أبين حقيقتها ليعلمها الجميع ويطلعوا على خفاياها إطلاعاً كافياً بحسب الأماكن وقصدت نشر ذلك في مجلة (لغة العرب) لما هي عليه من كثرة الانتشار ولأن عموم الطبقات الراقية في كل البلاد يعيرونها الالتفات الجدير بها، ولأن مثل هذه الأمور لا فائدة من نشرها في صحف تقرأها العوام، فلهذا رأيت إبقاءها مخلدة في هذا التاريخ؛ والله المستعان. 2 - تعريفها وذكر واضعها وسبب وضعها الذرعة (وزان سبعة) نوع من الضريبة تضرب على الأراضي أرزاً وأول من أقام أصولها مخلص بك دفتر دار ولاية بغداد (أي أمين خزينتها) في نحو سنة 1277 مالية أي سنة 1861 ميلادية. وكانت الحكومة قبل ذلك تضمن الأراضي
(وهم يقولون بهذا المعنى: تعطى الأراضي بالالتزام) والضامن (أي الملتزم) يقتسم المزارع مع الزراع وتأخذ ريعها (أي عوائدها)؛ فرأى المومأ إليه أن الزراع يسرقون القسم الكبير من محصولات التمن (أي ريع الأرز) وعند المقاسمة لا يبقى للضامن (أو الملتزم) إلا الشيء الطفيف أو يظلمهم فيأخذ منهم أكثر من حقه، وهو محق في ما يظنه. والسبب في سرقة الزراع هو جور العمال وطمع الضامنين معاً. أما طمع الضامنين فلأنهم كان يريدون الحصول على أضعاف ما سلموه إلى الحكومة. فضلً عما كانوا يؤدونه يومئذ للموظفين من كبير إلى صغير. وأما جور العمال فلأنه لم يكن للحكومة العثمانية مكافأة للمحسن ولا مجازاة للسارق الخائن كما كان دأبها. فكم سمعنا بمن أخذ منهم للمحاكمة ويكاد يتصور السامع أن المأخوذ يشنق عن قريب لأن جرمه عظيم، فلا تمر بضعة أيام حتى يسمع ببراءته رفقاً به وببيته. اللهم إلا كان الموظف (المأمور) صغيراً وسرقته حقيرة فحينئذ يعاقب، على حد قول الشاعر التركي: مليونله جالان مسند عزنله سرافراز ... برقاج غروشك مرتكبي جاي كركدر معناه: أن سارق الملائين قائم على منصة العزة اللائقة بجلاله، والمختلس، لبضعة غروش مستحق للسجن. 3 - كيفية الذرعة يخرج بضعة موظفين (مأمورين) يرأسهم ناظر وتحت أيديهم ذارعون ومحافظون (واغلبهم لا يميز بين الزرع الذي يراه إن كان أرزا أو حنطة أو شعيراً) فيذرعون الأرض المزروعة بحبل طوله 50 ذراعاً بذراع اليد الذي هو عبارة عن نصف متر فيكون طول الحبل نحو 25 متراً. والأرض التي طولها حبلان في مثلهما عرضاً (أي 50 متراً) يسمونها (مشارة) ولكون زرع الأرز يحتاج إلى كثرة المياه، يضطر الزراع لزرعه على حافات الجداول؛ ولكثرة الفلاحين تضيق عليهم الحافات فلذا يجعلون لكل فلاح على النهر فسحة يتراوح قدرها بين 8 أذرع و20 ذراعاً بذراع اليد أي ما بين 4و10 أمتار. فهذا عرض الزرع. وأما طوله وهو ما يسمونه
بلغتهم (النزال) فيمتد إلى 100 أو 200 حبل والحبل كما ذكرناه نحو 25 متراً فتتصل مزارع البعض بمزارع البعض الآخر تقريباً لأن كل طائفة من الفلاحين مربوطة بشيخ وهو الذي يسمونه (سركال). فإذا أتى الذراعون أخذوا أولاً بذرع (النزال) أي طول الزرع فلا يعارضهم أحد. لكن الطامة الكبرى في العرض إذ هناك تقوم قيامة الزراع مع الذراعين لأنهم إذا أرخوا الحبل أو شدوه أو بلوه بالماء حدث فرق كبير، إذ على الذراع الواحد يبني حساب طول المزرعة التي هي 10 آلاف ذراع أو أكثر أو أقل. فإن كان العرض 8 أذرع وحصل النزاع على الواحد فهو الثمن بالنسبة إلى الزرع كله كما لا يخفى والفائز من أرضي الذراع فأغضى له عن ذراع أو نصفه! والويل لمن لم يرضه بل لمن أغضبه والعياذ بالله! على أن أمره أهون مما يليه من الأعمال لأن هذا العمل هو (أول عقبة) في هذا الصدد. (العقبة الثانية) التخمين وهو الخرص، فالخراص وهو المعروف عندهم (بالعمدة) ينظر الزرع بنظره الثاقب فيقول: إن هذه الأرض التي ذرعت فكانت 10 مشاور مثلاً: 3 منها وصف زرعها أعلى (أي فاخر) و2 أوسط و2 أدنى. و1 عديم (أي كالعدم بمعنى ليس فيه حاصل) و2 عائد والقول قوله؛ فإن رضي عن الفلاح قلل الأعلى وزاد في العديم أو العائد والعكس بالعكس. والرضا لم يكن إلا عن طمع في نفس الخراص بعد أن يكون قد تواطأ مع الفلاح على مغنم يجره منه كما هو مألوف العادة يومئذ. وهنا يحسن بنا أن نعرف القارئ بأمر الحساب: فالأعلى على حساب القاعدة يترك منه (أي يطرح منه) السدس في الهندية، والسبع في الشامية. والأوسط يلقى منه الخمس فلا يدخل في الحساب في الهندية. والربع في الشامية. وذلك لأن أراضي الشامية أقوى إنباتاً وأكثر ريعاً من أراضي الهندية، والعائد هو أن يخمن الخراص ما يعود
إلى الحكومة من حاصلات الزروع من دون (تجبير) والتجبير عندهم هو هذا الحساب أو التنزيل الذي ذكرناه. فنقول مثلاً: إن هذه الأرض ذرعت فكانت عبارة عن 400 مشارة فيها: 140 أعلى و100 أوسط و100 أدنى فالجملة 340 وفيها 30 عديماً لا حاصل فيه و30 عائداً. فيكون صافي الزرع عن 140 مشارة الموصوف زرعها (بالأعلى) 120 بعد ترك السبع. وصافي 100 الأوسط 80 بعد ترك الخمس وصافي 100 الأدنى 75 بعد ترك الربع فجملة الصافي عن 400 مشارة هو 275 مشارة لا غير. وحاصل شلب المشارة الواحدة هو 800 حقة من حقق الأستانة فيكون حاصل جميع تلك المشاور 220. 000 حقة. منها: النصف للفلاح اسماً أي 110. 000 والنصف الآخر أي 110. 000 يعطى خمسه للسركال أي 23. 000 والباقي أي 88. 000 هو حصة الحكومة. ويلحق بها العائد وهو عن الأرض الرديئة الزرع أي يؤخذ عن كل شارة نحو 60 إلى 100 حقة حصة (الأميري) الميري. هذه صفة المقاسمة التي جرى عليها (التعامل) ذكرناها استطراداً للوقوف على حقائق الأمور وإلا لم يحن وقت ذكرها لأننا لم نزل في العقبة الثانية. (العقبة الثالثة) هي عقبة الكتاب والموظفين (المأمورين) فإن العمدة يقول للكاتب أكتب: الأعلى 140 (فيقيدها 200) والأوسط 100 (فيدونها 140) والأدنى 100 (فيحررها 20) والعديم. . . والعائد. . . فيقول لسان حال الكاتب: (وأذني عن الفحشاء صماء. وكثيراً ما جرى مثل هذه المعاملة معاملة الكاتب لتقييد حاصلات الزراع فكانوا يأخذون أوراقاً من العمدة تشهد بحاصل زرعهم فإذا أتوا لمقابلته بما في دفتر الكاتب يرون الخلاف فتكثر الجلبة ويعلو الصياح وتشتد المخاصمة حتى أنها ربما تنتهي إلى امتشاق الحسام كما جرى الأمر غير مرة. اللهم إلا أن يكون قد وقع التراضي مع الموظف أيضاً فالويل حينئذ للخزينة. (العقبة الرابعة) أمر تخمين الأسعار. إن الأسعار يقدرها القضاء فيزيدها اللواء وربما زادتها الولاية. فيجري بهذا الخصوص مخاصمات كثيرة حتى يبلغ فيها السيل
الزبى. أما سعر الحقة على الغالب فهو 20 فيكون حاصل ال 400 مشارة التي ذكرناها فويق هذا أي حصة الأميري منها 440 ليرة على الفلاح أن يؤديها كيفما كانت الحال. وزد على ما تقدم فعل الحكومة فإنها تأخذ من الفلاح دراهم على الحساب قبل إدراك زرعه فتطلب مثلاً من هذا الرجل الذي سيكون حاصل زرعه ما حصته الأميرية 440 من 200 إلى 300 ليرة (على الحساب) وتضطره إلى الدفع بالجنود والإرهاق فيضطر إلى بيع الحاصل قبل إدراكه ويبيع للتجار التيغار الذي هو عبارة عن 1600 حقة بثلاث ليرات أي أنه يبيع الحقة بسبع بارات ونصف إلى ثمان. وهذا البيع يعرف عندهم باسم (على الأخضر) فيأخذ منهم الدراهم ويدفعها إلى الحكومة. وعلى هذا الحساب تكون أثمان جميع حاصلاته 412 ليرة. وعند الحساب المار ذكره يكون عليه من الرسم الأميري 440 ليرة (هذا إن كان السعر كما ذكرنا وهو ما يكون في السنين الرخية الأسعار. وأما في سنة غلاء الأسعار فالمثل يكون مثلين. وهذا كله يجري في أنحاء الهندية والشامية وأما في العمارة وما جاورها فرسم الحكومة مقطوع وهو ليرة عثمانية عن كل مشارة سواء زاد السعر أو نقص. ولذلك قلنا أن معاملة الحكومة تجري (على التعامل) إذ في كل موطن نوع معاملة وبعد هذا يريد منه الشيخ حصته فيضطر إلى البيع على السنة القادمة فيدفع
إلى الشيخ طلبه. وفي القابل (العام الذي هو بعد العام الحاضر) لا يفي زرعه لأداء ما عليه من الدين ولما يحتاج إليه من الطعام واللباس فيضطر إلى مماطلة الحكومة. فتبقى البقايا في الدفاتر فترى حاصل الشامية مثلاً 80 ألف ليرة. فيدخل منها الصندوق من 20 إلى 30 ألفاً فقط والباقي يدون في الدفاتر باسم (بقايا) وهلم جراً. فيسبب هذا الارتباك الحروب وهلاك الأنفس. هذا ما كانت عليه الحالة في العهد البائد الاستبداد والتحكم ولا يظن القارئ إن في الأمر مبالغة أو إغراقاً، كلا وألف كلا، بل فيه تهوين وتقليل. أما الآن فلكوني اعتزلت المداخلات لا اعلم كيف تجري المعاملة في هذا الخصوص!!! لكن مادة الذرعة والحصة والتجبير باقية على حالها بدون أدنى خرق لأنها معاملة رسمية. وفي العام الماضي تولى نظارة الذرعة دفتر دار الولاية (أمين خزينتها) توفيق بك وأوصل الرسوم الأميرية إلى 120 ألف ليرة فصاحت العشائر وناحت (لأنها كانت تتراوح في السنوات الماضية بين 30 و50 ألفاً) ولكن بدون جدوى. وبقي منها قسم دون في دفتر البقايا حسب العادات القديمة. - وفي هذه السنة خرج الموظفون بنظارة متصرف الديوانية رشيد بك فكانت الظواهر تدل على أن الحصة الأميرية ستكون ما بين 40 إلى 30 ألف ليرة؛ فقامت قيامة الحكومة وعزل المتصرف وجرت المفاوضات بين الولاية والأستانة فكانت نهاية الأمر ورود الجواب من نظارة المالية أن يؤخذ من الزراع الحاصل المعدل تخميساً أي بحسب حاصل خمس سنوات يؤخذ منها خمسها. فالزراع يقولون: نعم لكن بشرط عدم إدخال السنة الماضية في السنوات الخمس لأنا مظلومون فيها ظلماً فاحشاً ظاهراً لكل ذي عينين فلعل الحكومة تصغي إليهم. وهي اعلم بأمرها معهم. قلنا: والسبب الذي الجأ ذوي الأمر إلى حساب خمس حاصل الأعوام الخمسة السابقة هو أن أرض زرع الأرز بعد حصاده يغمرها أصحابها بالمياه خدمة للزرع المستقبل فلا يمكن إعادة ذرعها وإن يكن قد سبق للحكومة ذرع الأرض بعد حصادها وتخمين العمدة لحسن الزرع وسوئه وإن كان مغموراً بالماء فهو من باب المكاشفة
أربع أسر بلا أثر
لكن الحكومة الدستورية لم تشأ مجاراة الحكومة السابقة في هذا العمل أيضاً! أما السراكيل أو المشايخ فهم يأخذون خمس حصة الحكومة كما ذكرنا ويأخذون من حصة الفلاح نصفها أو أقل قليلاً من النصف ومن هذا كله تعلم دركة حالة الفلاح العراقي. أنعشه الله وأقاله! أحمد رفيق أربع أسر بلا أثر (تتمة) 3 - أسرة مركار آغا إن مركار آغا أو أغا مركار بن افيد خلداريان الأرمني غير الكاثوليكي والمولود في جلفا (قرب اصفهان) كان وكيلاً في بغداد لشركة الهند الإنكليزية التي ينبغي أن نعرف أمرها للقراء ليحطوا علماً بمقام هذا الرجل وعليه نقول: في سنة 1599 أسس بعض التجار الإنكليز في لندن شركة ذات امتياز غايتها التجارة في بلاد الهند ولم يكن رأس مالها أول بدء سوى 64. 000 ليرة. لكن لم يمض على تأسيسها قليل من الزمن إلا وأخذت تكبر وتتسع وتنجح نجاحاً لا مزيد عليه وخاصة عندما انضم إليها ثلاث شركات أخرى إنكليزية فإنها أصبحت إذ ذاك كدولة صغيرة في تلك الأقطار تنفذ الوفود والسفراء إلى ملوك وأمراء الشرق وتضرب معهم العهود التجارية والسياسية ويمخر أسطولها عباب بحر الهند وخليج العجم وتفتح عساكرها المدربة على الطريقة الأوربية البلاد الواسعة وتشيد الحصون المنيعة وتعززها بما لديها من القوة استتب لها إخضاع القسم الأكبر من الهند لسلطانها وكسر شوكة مزاحميها من بورتوغاليين وهولنديين فرنسيين وهكذا أصبحت أو كادت تصبح انكلترة الحاكمة الوحيدة في هندستان المأهولة بمئات ملايين من النفوس
لأن الشركة - التي كانت قد فقدت شيئا من استقلالها من سنة 1773 - ألغيت في 1 تشرين الثاني سنة 1858 وانضمت أملاكها إلى مملكة بريطانيا العظمى وذلك أثر قمع ثورة أثارها العسكر الهندي المدعو سيباهي (وهي كلمة فارسية معناها العسكر). فهذه الشركة كان لها في البصرة تجارة واسعة وقنصل حائز على امتيازات جمة منها حرسه الخاص به فإنه كان مؤلفاً من 50 سيباهياً وعند أبواب قصره مدافع مصفوفة وكان يطيعه خيالة يمشون أمامه وبأيديهم الدبابيس المفضضة وغير ذلك من الامتيازات التي لم يحصل على بعضها سفراء انكلترة أنفسهم لدى الباب العالي. هذا في البصرة وأما في بغداد فكان للشركة عامل أو وكيل للقيام ببعض شؤونها ولتبليغها الأخبار التجارية والسياسية وما أشبه ذلك بواسطة قنصل البصرة المنوطة به وكالة بغداد وعرض الوكلاء الذين كانوا غالباً من مسيحيي الشرق وظلت هذه الحالة حتى سنة 1798 التي أرسلت فيها الشركة المستر جونس وكان أول قنصل إنكليزي في بغداد فعينت الحكومة العثمانية داراً لسكناه وسمحت أن يكون له شرذمة من السيباهية.
فمركار أغا الذي نحن بصدده كان أحد هؤلاء الوكلاء وكان يتعاطى التجارة أيضاً وقد ذكره الرحالة ستيني الإيطالي في كتاب رحلته من الأستانة إلى البصرة سنة 1781 باسم خوجا مركار ولما كان وقتئذ في البصرة كان ينوب عنه في بغداد رجل أرمني أيضاً اسمه مانوك وهو إنسان خشن وفظ وطماع ومحب للمال كثيراً واغلب المسافرين الإنكليز كانوا يتشكون من طمع وكلاء الشركة في بغداد (أنظر رحلة سستيني بالفرنسية صحيفة 160 و166) ولدى مكاتيب قديمة أرمنية يذم فيها مركار اغا ذم حسود وهو الذي ساعد اليعاقبة غير مرة على إنجاز مقاصدهم ضد السريان الكاثوليك ولو أنه كان يتفق تارةً مع الكاثوليك وطوراً يلازم الحياد تسوقه يد أعلى منه. وكان أحد المساعدين له في أعماله هذه العدائية الكسان اغابن مرادخان أحد تجار الزوراء من الأرمن الغير الكاثوليك (أنظر عناية الرحمان في هداية السريان صحيفة 290 و302 و328 و361). وقد تأهل مركار اغا بكترينة ابنة ميخائيل راجي الطبيب الماروني المار ذكرها بشرط أن يتبع الأولاد الذكور أباهم في معتقده وتتبع الإناث أمهن الكاثوليكية وكان كذلك وأما أولاده فهم: اوصنا التي توفيت في شهر ك 2 سنة 1842 وهي امرأة كوركيس بن قسطنطين الكلداني أي والد فريدة امرأة الياس عيسى الأولى وأختها شموني امرأة حنا كركجي الأرمني الكاثوليكي. انشتى (حنة) التي توفيت في 25 نيسان سنة 1858 وسيأتي الكلام عنها مرة ثانية. افيد أو اغا أفيد الذي توفي في 8 ت 1 سنة 1857 وكان قد سافر مرة إلى العجم وقضى معظم عمره بالبطالة وكان يقول لمن يحرضه على أن يدين بالكثلكة: حاشا لأبن اغا مركار أن يصير كاثوليكياً ولو تكون جهنم نصيبه لأني أريد أن أذهب إلى حيث ذهب والداي وسيذهب اغا ميناس واغا خاجيك (وهما من وجوه الأرمن الغير الكاثوليك) وكان وفاة مركار اغا في المدة التي بين سنة 1794 وسنة 1797. وأما زوجته كترينة المعروفة في بغداد بكتة خاتون أو جدة كتة فتوفيت في 11 أيلول سنة 1862 وشيع القنصل الإنكليزي جنازتها ووضعت الراية الإنكليزية على تابوتها وفي قيد حياتها كانت قنصلية الإنكليز في بغداد تؤدي لها شهرياً 100
قران (وكان سعر القران يومئذ 5 غروش صحيحة) ويقال أنها كانت من النساء المعدودات يزورها الرفيع والوضيع وذات صوت رخيم تعدد في مآتم الأهل والأصدقاء وتجلو عرائسهم كعادة نصارى بغداد في ذلك الوقت وهذه العادة التي تسمى الجلوة لم تزل جارية عند الإسلام واليهود وأما عند النصارى فقد أهملت من نحو 30 سنة. 4 - أسرة أرتين يا مرجي أو يارمجيان
باب المكاتبة والمذاكرة
في الربع الأخير من القرن الثامن عشر قدم بغداد عدة أشخاص من أرمن الاستانة للتجارة والإرتزاق فواحد منهم كان ارتين يامرجي الأرمني الكاثوليكي وكان قد أرسله أحد أقاربه التجار في استانبول ليتعاطى البيع والشراء في بغداد ويربح كغيره من مواطنيه الذين سبقوه غليها إلا أن الحظ لم يسعده أن يحصل على ثروة تذكر وقد اقترن بأنشتى مركار اغا المار ذكرها وتوفي في يوم نجهله وإليك أسماء بناته الأربع: ديروهي (سيدة) التي توفيت في 6 شباط سنة 1837. تريزيا التي توفيت في 1 تموز سنة 1845 وكانت من النساء ألعابدات الناسكات. اغنيس التي توفيت في 11 آب سنة 1871 وهي امرأة الياس عيسى الثانية، شمة (شموني) التي توفيت في 30 آيار سنة 1883 وهي امرأة انطون اسطنبولي الأرمني الكاثوليكي أعني به والد اليزة خاتون (مدام روبين) فسبحان الحي البافقي الذي لا يفنى زلا يزول. الأبيل نرسيس صائغيان باب المكاتبة والمذاكرة 1 - بنية بن جرينس أو قرينيص أو قرينس أو بنية بن مزبان كنا قد كتبنا في حاشية 3: 293 أسطراً في شأن بنية بن جرينس أو قربنيص أو قرينس الجرباء وقلنا أنه من شمر طوقة وكان اعتقادنا كذلك وفي الشهر الماضي ذهبنا إلى زيارة حضرة السيد محمود أفندي النقيب في بغداد فصادفنا في ناديه الشيخ مجول بن فرحان الجرباء أحد الشيوخ شمر الغربيين، والحاج عباس العلي كبير أهل الكوت ولما استقر بنا الجلوس أخذنا نتجاذب أطراف الأحاديث كما هي عادة الزائر والمزور وبعد هنيهة قال حضرة السيد محمود أفندي إنكم ذكرتم أن بنية من شمر طوقة والصحيح أنه من شمر الغربيين ثم التفت إلى الشيخ مجول المتقدم ذكره وقال أليس ما أقوله صحيحاً؟ فقال الشيخ مجول بلى وهو من المحمد ابن أخي فارس
الجرباء والدجدي صفوق. وليس اسم أبي بنية جرينس بل اسمه قرينيص فقلنا إذا كان الأمر كذلك فما المناسبة لدفنه في النجف وتشييد هذا البناء على قبره وهو مخالف لمعتقد شمر الغربيين سيما وهم من أهل السنة والجماعة فقال إن قتل بنية كان في أرض الخزاعل وهم الذين دفنوه في النجف فقلنا إذا فرضنا جدلاً أنهم دفنوه في الغرى فمن الذي انفق على هذا البناء الفخم والقبة المغشاة بالقاشاني المبالغ الطائلة فلم يأت بدليل مقنع ثم قلنا أما دليلنا نحن على أنه من شمر طوقة فلأن شمر طوقة هم على مذهب الشيعة وهم يدفنون موتاهم في النجف وكربلاء فلا شك أنه كان منهم وهم الذين شيدوا على قبره هذا البناء. ثم انتبه الحاج عباس العلي السالف الذكر لقولي (دفنه في النجف وتشييد البناء على قبره) وقال لي صف لي قبره فوصفته له فقال: (هذا الذي تعنيه هو قبر بنية رئيس عشيرة بني لام وليس قبر بنية الذي جرى الكلام عليه وقد توفى رئيس عشيرة بنى لام المذكور في حدود سنة 1313هـ 1895م والمشيد على قبره هذا البناء هو ابنه غضبان الرئيس الحالي لعشيرة بني لام) اهـ. وقد راجعنا بعض المجاميع فوجدنا الأمر كما ذكره القوم. ثم بعد أسبوع صادفنا الشيخ مجول السالف الذكر وقال لنا: (إن قبر بنية الجرباء اليوم واقع في الجنوب الشرقي من (أم البعرور أو لحميدية) من أرض الشامية على بعد 4 أو 5 ساعات) فنحن نشكر حضرات الجميع على إفادتهم إيانا وتنبيههم على أغلاطنا سيما نشكر لحضرة السيد محمود أفندي النقيب لأنه هو السبب في ذلك ويا حبذا
لو حصل لنا من يدلنا على خطأنا ويرشدنا إلى الصواب إذ الإنسان موضع الخطاء والنسيان والكمال لله وحده. كاظم الدجيلي 2 - الهيلاج ومعناها كتبت لغة العرب مقالةً في أصل هذا المعنى ولما كان ختام الكلام حمل القارئ على إبداء رأيه إن كان له رأي يخالف رأي صاحب المقالة جئت بهذه الأسطر لأعرض للمطالع ما عن لي، فأقول: (كدخداه وهيلاج) لفظتان فارسيتان لا يقوم معنى الواحدة منهما بدون الأخرى لأنهما قد ارتبطتا معنى ارتباط الروح بالجسد وعندي أن (كد خداه) محرفة عن (زاد خداه) ومعناها الحرفي (مولود الله) لأن (زاد) بالفارسية (مولود) و (خداه) (الله) فيكون مؤداهما (المولود من الله) وذلك لأن مصدر الروح هو سبحانه عز وجل. أما (هيلاج) فهي عندي مصحفة عن (هل) و (لاش) ومعناهما (دع الجثة الهامدة) أي الموت وبعبارة أخرى (دم سعيداً) أو (عش دهراً طويلاً) أو عن (هج) مقوم و (لش) جثة أي (مقوم الجثة ومصلحها) وصفوة القول أن المرام بهاتين اللفظتين الروح والهيولي (أي المادة) لأن في اصطلاح المنجمين (كدخداه) اسم دليل روح المولود و (هيلاج) اسم دليل جسم المولود وقد استعيرنا مجازاً لأسمى نجمين يراد بهما نجما المولود. وإثباتاً لما نحن بصدده نورد نص صاحب كتاب شفاء الغليل: (كدخداه وهيلاج) هما كوكبا المولود، فلأول لرزقه والثاني لعمره، فإن ولد في صعوده كان زائداً فيه وإن كان في هبوطه كان بعكسه. وهذا مما ذكره الحكماء والمنجمون وأرباب المواليد وعربوه قديماً) اهـ. ومما يؤيد ظني أن (هيلاج) لفظة فارسية اتجار أن الفرس القدماء كانوا يتعاطون علم التنجيم وقد نبغ فيهم منجمون عديدون برعوا في هذا العلم ووضعوا ألفاظا عديدة من جملتها (هيلاج) بمعناها الآنف الذكر. هذا ما عن للخاطر الكليل. ولعلى قد أخطأت أكثر مما أصبت. غير أن أملي في كبار حملة الأقلام هو العذر المشفوع بالسلام. رزوق عيسى (لغة العرب) لا يكفي للباحث أن يقول أن الكلمة الفلانية هي من الأصل الفلاني ما لم
يأت بشاهدٍ أو سندٍ يثبت مدعاه. وإلا فإن المخيلة تختلق أموراً كثيرة لتؤيد ما تتوهمه. ألم يقل العرب الأولون إن إبليس من البلس والخندريس من خدر العروس والاطربون من الطرب ونحو هذه كالإسطرلاب والنوتي والتاريخ والاركون والاردمون والمنجنيق وغيرها تعد بالعشرات. فلقد تخيلوا لها أصولاً غريبة من عربية وأعجمية. واليوم لا يقبل بهذه الآراء. - (أعني أراء أئمة لغويي العرب في سابق العهد) - طلبة الكتاتيب فضلاً عن طلبة العلم الأفاضل ولهذا نستبعد رأي حضرة الكاتب الأديب بل ولا نعرضه بين الآراء ما لم يأتنا بنقول أو نصوص أو شواهد أبين وأدل على ما ننشده. 3 تصحيحات لما في العدد السادس من السنة 3 تلقينا هذا الرسالة من أحد مشاهير أدباء بغداد فأدرجناها بحروفها. ونحن نشكر الكاتب عليها ونلتمس إلى كل فاضلٍ أن ينبهنا على أغلاطنا إذ فتحنا هذا الباب لهذه الغاية حضرة الفاضل الأديب المحترم، غيرة على مجلتكم الزاهرة من وقوع ما هو مغاير للحقيقة ومحاشاة لسمعتها جئت بهذه الأسطر راجياً درجها إن وافق نظركم ذلك وإلا فإهمالها وعدمه سواء قرأت في العدد السادس من السنة الثالثة في الصحيفة 313 بحثاً عن معنى العب وقد أجدتم في التنقيب عنه غير أنكم ذكرتم أنه عند العراقيين جيب العب وهو الجيب الذي يلي الصدر في الثوب أو في الصدرة والحال أن العب المتعارف عند العراقيين ليس بذاك بل هو ما يكون فوق الحزام أعني غير الجيب لأن الجيب هو الذي يشبه الكيس المخيط بالثوب والعب هو (ما إذا كان فيه شيء وانحل الحزام يسقط في الأرض) وسواء كان الحزام على الثوب أو على ما يسمونه بالزبون الذي يسميه الشاميون (القنباز) والعرب (القباء) أو على العباءة أو الجبة أو غير ذلك فكل فرجة بين الثياب فوق الحزام تسمى عباً وتعريفه: (ما لا يحفظ شيئاً بدون ربط (الحزام) عليه والحزام هو الزنار عند العرب الأقدمين. وفيه في الصحيفة 317 أن بحيرة النجف نشفت منذ سنة 1305 (1887م) والحال في تلك السنة غرق فيها مئات من السفن في يوم شديد الرياح كما ذكرته لكم في مسألة البرد (وزان سبب) ونشافه. كان بعد نحو 3 أو 4 سنوات فيلزم تصحيح ذلك خدمة التاريخ. وفيه في الصحيفة 321 تأويلكم معنى شظ بأن اصلها شط قلنا والأصح أن أصل ذلك من شذ شذوذاً والغالب في سبب هذا التحريف أن كاتباً سمعها من أحد الأعاظم
من أولئك الذين يلفظونها (شز) بالزاء وإذ أن بعضهم يلفظون الذال والظاء زاء ظن أن المراد الظاء ولم يتبادر إلى ذهنه أنها الذال. هذا ما سنح للبال. وفي ص 368 فسر الكاتب كلمة (الشلفة) بالرمح. وهي ليست به فالشلفة حديدة عريضة محددة تكون في موضع السنان وهي من الارمية (شلفا) بمعناها ويراد بها أيضاً الحرية والنصل والسكين والمدية وكل شفرة بلا مقبض. بل والشفرة نفسها. أو من (شلفتا) وهي الشفرة التي لها حدان. وأدل دليل على أن الشلفة غير الرمح أنهم يقولون (رمح أبو شلفة) أي ذو شلفة. وعندهم أن من يطعن بالشلفة لا بد أن يموت. ومثله تأثيراً ما يسمونه (أبو شراشيب) وهو ما يناط برأسه سلاسل صغار من الحديد. أما ما يوضع في أسفل الرمح فهو الزج وهم يسمونه اليوم (العكوز). وورد في ص 372 س 12 لعمر وأبيك والصحيح لعمر أبيك بدون واوٍ وهو ولا شك من المرتب (المنضد). فسبحان من لا عيب فيه. عبد اللطيف ثنيان 4 - أنهر البصرة سيدي الفاضل صاحب (لغة العرب) سلام واحترام. أما بعد فقد جمعني وبعض الأصحاب بالأمس مجلس أدب فأخذنا نتجاذب أطراف الكلام حتى أفضى بنا الحديث إلى ذكر مجلتكم وخدماتها الجليلة للقطر العراقي خاصة فانبرى أحد الحضور قائلاً لقد قرأت ما ورد في صفحة 220 من (عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد) للسيد إبراهيم فصيح بن صبغة الله الحيدري المدرج في الحاشية من (لغة العرب) 3: 59 وهو (أما الأنهر والجداول المتفرعة من تلك الأنهر المذكورة فتبلغ أكثر من عشرة آلاف نهر والعشائر الساكنة في هذه المحال بين البساتين لا يحصى عددها. أهـ.) وقد صرح أن في ذلك العدد مبالغة جسيمة. هذا ولما كنت قد وقفت في بعض الدواوين على عدد أنهر وجداول البصرة في أبان عزها أقول: لا يوجد مسحة من المبالغة في قول السيد إبراهيم المذكور لأن أنحاء البصرة من عهد العباسيين وما بعده مملوءة من جداول وسواقٍ تعد بالمئات لا بل بالألوف واغلب مؤرخي دقائق الحقائق شكوا في صحة
عددها حتى أن (الاصطخري) عندما طرق مسامعه أنه كان يوجد مائة وعشرون ألف نهر في عهد بلال بن أبي بردة سنة 118هـ - 736م أرتاب في صحة هذا العدد وعده من قبيل الأوهام حتى اضطر أخيراً أن يذهب بنفسه إلى البصرة ليتحقق ما سمعه وذلك في القرن الرابع للهجرة وهاك ما كتبه بعد الفحص والتدقيق: (قد كنت أنكر ما ذكر من هذه الأنهار في أيام بلال حتى رأيت كثيراً من تلك البقاع فربما رأيت في مقدار رمية سهم عدداً من الأنهار صغاراً تجري في كلها زوارق صغار ولكل نهر اسم ينسب إلى صاحبه الذي احتفره أو إلى الناحية التي يصب فيها فجوزت أن يكون ذلك في طول هذه المسافة وعرضها) (لاصطخري 80). وقال نفس هذا القول ابن حوقل في عرض كلامه عن البصرة ودونك إياه (ولها (أي البصرة) نخيل متصلة من عبدسي إلى عبادان نيفاً وخمسين فرسخاً متصلة لا يكون الإنسان منها بمكان إلا وهو في نهر ونخيل أو يكون بحيث يراها) (ابن حوقل 159). فمن وصف ما تقدم يظهر بأجلى وضوح أن أنهر البصرة كانت أضعاف ما ذكره السيد إبراهيم بن صبغة الله الحيدري البغدادي وفي هذا القدر كفاية لما أردنا بيانه والسلام. رزوق عيسى 5 - رجوع إلى الحق قد اطلعت في مجلتكم على سؤال دبجه يراع أحد الفضلاء في (باب المكاتبة والمذاكرة) ص 374 من مجلد هذه السنة وذلك فيما ظهر للسائل الفاضل من تاريخ إمارة إبراهيم وولده موسى وجده مانع وما فيه من الارتباك ونحن قد ذكرنا ما ذكرناه هناك اعتماداً على (مثير الوجد) وقد أهملنا مراجعة ذلك لكن لما أطلعنا على سؤال السائل فهمنا مما لدينا من الأبحاث إن إمارة مانع كانت في سنة 580هـ وإمارة ربيعة كانت في سنة 627 وإمارة موسى كانت في سنة 645 هجرية فيكون هذا أقرب إلى الصواب مما تقدم وأوفق للمقام هذا ما حققناه. ونحن نشكر السائل الفاضل على انتقاده هذا الذي جعلنا نعتقد أن في مقالتنا هذه حظى في نظره كما أننا سنتابع السير في مثل هذه المواضيع إن شاء الله وإنا نرجو من جميع الأدباء والفضلاء أن يدققوا النظر فيما نكتبه ويذكرونا فيما نهمله وننساه لأن في مثل هذا يكون للإنسان باعثاً للتحري والنشاط. صاحب الرياض سليمان الدخيل
أسئلة وأجوبة
أسئلة وأجوبة 1 - أصل الأميرال ومرادفاتها في العربية سألنا أحد أدباء طرابلس الغرب: هل حقيقة أن لفظة الأميرال الإفرنجية هي عربية الأصل؟ وهل استعملها العرب سابقاً. وإن لم يستعملوها فما كانوا يقولون في معناها؟ ذهب كثير من المستشرقين وجماعة من الباحثين عن أصول المفردات من أبناء العرب المحدثين (متبعين في هذا الرأي الإفرنج المتعربين) إلى أن الأميرال لفظة عربية الأصل من (أمير الماء أو أمير البحر). أما نحن فنوافقهم في بعض الشيء لا في كله ونرى أن الكلمة من العربية (أمير) لا مقطوعة من اللفظتين والسبب هو أن الإفرنج أخذوا عن العرب ما نطقوا به لا غير. والحال أن العرب الأقدمين لم يقولوا البتة: أمير الماء بل أمير البحر، أما أمير الماء فإنهم لم يعرفوها وأما أمير البحر فقد استعملها أبو المحاسن ابن تغري بردى صاحب كتاب النجوم الزاهرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة وقد طبعه جوينبول ومتثيس وقد توفى مؤلفه سنة 874هـ (1469م) ووردت اللفظة فيه في عدة مواطن منها في 2: 116 وقد أكثر المحدثون من ذكرها. - أما وجودها عند الإفرنج بصورة أميرال فإنه كان عن طريق اللغة اللاتينية المولدة وهذه من العربية أي من الأمير. وكان هذا الاسم يختلف عند العرب الأقدمين باختلاف البلاد ففي ديار المغرب وأفريقية كان يعرف باسم (الملند) وهي من اللغة الإسبانية من (وهي بكسر الميم وفتح اللام المفخمة بعدها نون ساكنة يليها دال مهملة) قال ابن خلدون في مقدمته (ص 218 من طبعة بيروت الأولى) في كلامه عن قيادة الأساطيل: هي من مراتب الدولة وخططها في ملك المغرب وأفريقية ومرؤوسة لصاحب السيف وتحت حكمه في كثير من الأحوال. ويسمى صاحبها في عرفهم (الملند) بتفخيم اللام منقولة من لغة الإفرنجة فإنه أسمها في اصطلاح لغتهم)، اهـ على أن لفظة الملند مصفحة
عن الإسبانية المبرنت) وهي من (الأمير) العربية لا غير. لكنها تزيت بزي الإفرنج فلم يعرف ابن خلدون أنها بدوية. وقد صحفها بعضهم بصورة (الملبد) قال أبو حمو في كتابه واسطة السلوك في سياسة الملوك ص 133: بعد أن فسد ملبد الطاغية النصراني وأخذ ما كان له في البحر من الطرائد والشواني.) وقد يسر عليه هذا التصحيف لقربه من أصل عربي وهو (لبد) وخلو (لند) منها. وفي ديار مصر كان يعرف باسم (أمير البحر) على ما أشرنا إليه. وأما في ديار العرب وبحر فارس وداخل العراق فكانوا يسمونه الاستيام أو الإشتيام) إلا أنها وردت في معان أخرى وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع ولعنا نثبته في عدد مقبل من مجلتنا. ولهذا تكون لفظة أمير البحر أو أمير الأسطول أو (الأمير) وحدها عند وجود القرينة أو دليل في العبارة من أحسن الألفاظ لتأدية الإفرنجية (أميرال). 2 - معنى لفظة البصرة وسألنا من واشنطون صديقنا ب. ب. ب. قال: أود أن أعرف معنى كلمة (البصرة) فإني أراك تضبطها بالإفرنجية هكذا كما يضبطها العرب الفصحاء في كتبهم لأنهم يقولون: إن معناها الأرض الغليظة التي فيها حجارة تقلع وتقطع حوافر الدواب أو البصرة حجارة رخوة فيها بياض والحال إني لم أجد في رحلتي إليها حجارة بيضاء أو سوداء في البصرة أو في قربها. وقد سمعت بعض علمائها الحاليين يقولون: إن الأقدمين اخطئوا في تسميتها بالبصرة بالفتح وإنما هي بالضم. إذ ليس معناها الحجارة البيضاء بل (الأرض الغمقة أو الكثيرة المياه الراكدة) كما هو الأمر في عهدنا هذا وفي سابق العهد. فما قولكم؟ لم نجد في كتب اللغة العربية والارمية والفارسية لفظة البصرة بالضم بالمعنى الذي أشرتم إليه. والذي عندنا أن البصرة بالفتح (وهو الضبط الصحيح الفصيح) هي الطين العلك أو الأرض الطيبة الحمراء. (معجم ياقوت 1: 636) وهي التي ترى بعد انحسار الماء في ديار العراق وعليه يكون معنى البصرة: الأرض العلكة الطيبة الحمراء كالغريل التي انحسر عنها ماء شط العرب. وهذا موافق للحال أحسن موافقة. على غني سمعت أحد الأدباء يقول لي: أن صحيح الرواية في البصرة هي البسرة (بضم الباء فسكون السين) كما نقلها الإنكليز إلى لغتهم بقولهم. مشتقة من البسر بالضم: وهو الماء الطري الحديث العهد بالمطر والتمر قبل أرطابه.
فوائد لغوية
وكلا الأمرين معروف في البصرة فإن ماءها كثير جم يجدده المد والجزر على الدوام فهو طري حديث العهد. وهي أيضاً معروفة بكثرة التمر وحسنه ولا سيما رطبها. - قلنا: كل هذا ممكن لكن الرواية هي بالصاد لا بالسين كما رواها جميع المؤرخين واللغويين والأدباء ولم نسمع من ذكرها بالسين. فليختر القارئ بعد هذا ما يشاء. فوائد لغوية 1 - دور الاستبداد أكثر الكتاب في هذه السنين الخمس الأخيرة من قولهم: (دور الاستبداد) وقد وقعت هذه الكلمة في منشآت أفصح الصحف والمجلات. ولا وجه لها في العربية إلا بتكلف عظيم. وهم يريدون بذلك: (عهد الاستبداد) ولم ترد الدور المعنى إلا في التركية الحديثة وهي من الألفاظ التي أفسدت معناها اللغة العثمانية أما (العهد) بهذا المعنى فمشهور ويقابله بالفرنسوية: 2 - أشان بحقه ومشين به. وورود افعل بمعنى فعل من الألفاظ التي لهج بها كتاب العصر قولهم: هذا مشين به وقد أشان بحقه. ولم يرد هذا الباب في كلامهم. إلا أن له وجها وهو أن صاحب المزهر قال (في 2: 206) كان الكسائي يقول: قلما سمعت في شيء (فعلت) غلا وقد سمعت فيه (افعلت). وقال أيضاً (في 2: 167) قال في الجمهرة في باب ما اتفق عليه أبو زيد وأبو عبيدة وكان الأصمعي يشدد فيه ولا يجيز أكثره مما تكلمت به العرب من (فعلت وأفعلت) وطعن في الأبيات التي قالها العرب وأستشهد على ذلك: بأن لي الأمر وأبان، ونار لي الأمر وأنار. . . إلى أن قال: وسرى وأسرى. ولم يتكلم فيه الأصمعي لأنه في القرآن. وقد قرأ: فأسر بأهلك واسر بأهلك. قال: وكذلك لم يتكلم في عصفت واعصفت لأن في القرآن: ريح عاصف. . . .) فيظهر من هذا الكلام وما ذكره غير واحد من اللغويين أن أصحاب دواوين متون اللغة لم يدونوا جميع الأفعال الواردة بالوجهين فعل وافعل ولهذا لا نجسر أن نقطع كل القطع بخطأ من ينطق باشان. اللهم إلا أن يجد المخطئ نصاً صريحاً يمنع هذا الباب لهذا الفعل فحينئذ نعنو له ونسلم له بالحق.
باب التقريظ
ومثل هذا القول نقول لمن استعمل اصانه بمعنى صانه وأساقه بمعنى ساقه واباعه بمعنى باعه واجاء بمعنى جاء. وأدعمه بمعنى دعمه وأهاجه بمنى هاجه إلى غيرها مما يعد بالعشرات بل بالمئات وقد أكثر منها كتاب العصر. 3 - الأكلاف بمعنى الكلف جمع كلفة ومن الألفاظ التي سالت على أقلامهم قولهم: وكانت الاكلاف كذا. والحال أن الذي أثبته أصحاب المعاجم اللغوية هو أن الكلفة المضمومة الأول تجمع على كلف ولم يسمع بغيرها من فصيح. وأنت تعلم أن الجموع المكسرة وإن كانت قياسية إلا أنه يستعمل منها ما نقل عنهم لا غير. وإلا فإن لفعلة المثلثة الأول الساكنة الثاني قد جاءت على أفعال من باب اعتبار الهاء زائدة أو ذاهبة قال صاحب تاج العروس في مادة ز ب ر: الزبرة بمعنى الكاهل تجمع على الازبار. وأنشدوا قول الحجاج: بها وقد شدوا لها الأزبارا وأنكره بعضهم وقالوا: لا يعرف جمع فعلة على أفعال وإنما هو جمع الجمع كأنه جمع زبرة على زبر وجمع زبراً على أزبار ويكون جمع زبرة على إرادة حذف الهاء. اهـ - قلنا: وعلى هذا يحمل جمع كلفة على كلف على اكلاف بيد أننا قلنا ونقول ولا نزال نقول: يحسن بالكاتب الفصيح أن يتوخى المسموع المشهور ولا يلتفت إلى ما فيه تكلف أو تأويل أو تخريج لأن هذا الباب أوسع من أن يتصوره متصور. باب التقريظ 1 - كتاب البيان. في تاريخ آل عثمان تأليف السيد محمد خلوصي الناصري. طبع في مطبعة الرياض ببغداد سنة 1331 في 80 صفحة من قطع الثمن الصغير. حينما انتشر خبر تدريس التاريخ باللغة العربية ألف للحال جماعة من فضلاء بغداد ومصنفيها كتباً وجيزة العبارة تصلح لأن توضع في أيدي الطلبة ومن جملة هذه التصانيف الكتاب الذي نحن في صدده فإن مؤلفه رتبه ترتيباً يوافق كل الموافقة خطة المدارس الابتدائية حتى أن اللجنة الموكلة بانتخاب الكتب اللازمة للتدريس استحسنت إدخاله في المدارس. والكتاب حسن
باب المشارفة والانتقاد
العبارة، جلي التبويب. سهل الأخذ فقد جعل المؤلف حرسه الله عدداً رتبه بموجب جلوس السلاطين على عرش السلطنة وجعل تحت كل اسم سنة ولادته وجلوسه ومدة سلطنته ووفاته وعمره بحيث أن الناظر إلى الكتاب يرى للحال كل هذه السنين بنظرة واحدةٍ ومن هذا البيان يظهر لك حسن أسلوب هذا التصنيف. باب المشارفة والانتقاد 2 - رسائل البلغاء عنى بجمعها محمد كرد علي صاحب مجلة المقتبس طبع بمطبعة دار الكتب العربية الكبرى على نفقة أصحابها سنة 1331 - 1913 في مصر في 320 صفحة من قطع الثمن. هذا المجلد يحتوي على ما عرف لعبد الله بن المقفع من الأدب الصغير والأدب الكبير وغيرهما. وما لعبد الحميد بن يحيى الكاتب من الرسائل والنتف والحكم وعلى الرسالة العذراء في موازين البلاغة وأدوات الكتابة لأبي اليسر إبراهيم بن محمد بن المدير، ورسالة أبي حسن علي بن منصور الحلب المعروف بابن القارح إلى أبي العلاء المعري، وملقى السبيل للعمري، ورسائل الانتقاد لأبن شرف القيرواني، وكتب العرب لأبن قتيبة، ورسالة رشيد الدين الوطواط فيما جرى بينه وبين الزمخشري، ومنتخب من عهد اردشير في السياسة، وكتاب الأدب والمروءة لصالح بن جناح الربعي. فأنت ترى من هذه الأسماء ما يحوي هذا المجلد من عيون الرسائل البليغة ومنزلة أصحابها إذا اغلبهم بل قل كلهم من مشاهير الكتاب. وأدل دليل على نفق هذه المصنفات الفريدة نفاذ طبعتها الأولى. وقد ظهرت اليوم في أحسن مظهر من حسن بع وجودة قرطاس وتعليق حواش وعناية عظيمة بتصحيح المسودات. على أننا نلاحظ امرأً وهو أن كتابة (ازدشير) بزاء معجمة بعد الهمز هو من مصحفات الكتاب والأصح (اردشير) براء مهملة. لأن الأسماء تروي على ما تحكي لا على ما تصحف. وإنما صحفها بعض نساخ العرب لأن ليس في لغتهم مادة (أرد) بل (أزد). قال في تاج العروس: اردشير. قال الحافظ ابن حجر
هكذا رأيته في كتاب الذهبي بخطه (أي براء مهملة) ولم أره في الإكمال ولا في ذيله. وسمعت من يذكره بالزاي (المعجمة). فاعدل عن المهجور إلى المشهور تصب في جميع الأمور. 3 - العرفان مجلة شهرية سنتها عشرة أشهر تبحث في العلم والأدب والأخلاق والاجتماع وتعتني عناية خاصة بشؤون الشيعة. لمنشئها ومديرها أحمد عارف الزين - قيمة الاشتراك ريال مجيدي في صيدا محل طبعها و5 فرنكات في سائر البلاد العثمانية و6 فرنكات في مصر والبلاد الأجنبية تدفع سلفاً. كانت هذه المجلة تصدر في السابق حتى برز منها أربعة مجلدات ثم خانها بعض المشتركين ولم يؤدوا ما عليهم فقعد عن إصدارها حولاً وهاهي الآن تعود إلى الظهور على تشجيع فئة من الأدباء والفضلاء. وهذه الوضعية مما يحتاج إليها كل من يهمه الوقوف على فضلاء الشيعة وآدابهم ومؤلفاتهم وكل ما يتعلق بهم. وهي في 40 صحيفة حسنة الطبع والحرف والكاغد ونحن نطلب لها عمراً مديداً وحياة جديدة. 4 - التمر في العالم القديم والجديد تأليف بول ب. بوبنوي 1913. وفيه فصل في قيمة غذاء التمر للفاضل تشارلس ل. بنت دكتور في الطب. مؤلف هذا الكتاب لم يقدم على وضعه إلا من بعد أن تجول مدة سنوات في الديار التي ينبت فيها النخل. ولكثرة غرامه بهذا الشجر تعلم العربية فأتقنها وقد جاء بغداد مع صاحب له في السنة الماضية فرأيناه يتتبع بهمة لا تعرف الملل كل ما يتعلق بأمر النخل. وقد طوى كتابه على غرين وكسر الأول على 15 غراً أو فصلاً وكسر الثاني على غر واحد وزينه بخاتمة وإليك تفصيل ذلك: القسم الأول: المقدمة - 1ً. النخل - 2ً. ديار النخل - 3ً زراعة التمر التجاري - 4ً إنماؤه بالتال - 5ً. إنماؤه بالنواة - 6ً زراعته - 7ً التلقيح - 8ً الفحال - 9ً الصرام - 10ً. التكميخ (أي الإنضاج الصناعي) - 11ً الموت والأوبئة - 12ً تنظيم التمور - 13ً. فوائد زراعة النخل - 14ً استعمالات العرب للتمر - 15ً قيمة غذاء النخل. القسم الثاني. أصناف التمر (مرتب على حروف الهجاء الإنكليزية)
خاتمة. - تنظيمات صحية - نمو الموز من نوى التمر (على رأي بعض قدماء العرب) - طلسم الحلوى - فهرس. ذكرنا كل ذلك ليرى المطالع ما حوى هذا الكتاب من الفوائد الجليلة إذ جمع صاحبه فيه كل ما أمكنه تدوينه في ما يتعلق ببحث النخل أو ثمرها التمر. وقد جاء الكتاب في 316 صفحة بقطع الثمن وفيه صور عديدة أتقن عملها كل الإتقان فغدا فريداً في بابه لا يستغني عنه من يهمه الوقوف على هذا الشجر لا سيما وإنه سبب ثروة العراق. ولا يحسن بنا أن نقعد عن التغلغل في تحسين شؤونه وإلا فإن الأميركيين يسبقوننا عن قريب فنتأخر عنهم بمراحل. فلقد نقلوا من تال بغداد والبصرة ومصر وتونس والجزائر وغيرها من ديار النخل فزكا وراع كل الريع لأنهم يتخذون كل الوسائل لتحسينه ولطرد كل آفة عنه - بخلاف ما يجري في بلادنا فإن طريقة غرسه اليوم لم تتغير عما كانت عليه قبل نحو 4 آلاف سنة في عهد البابليين والكلدانيين. على أننا رأينا في هذا الكتاب شائبة وهي أن الكاتب لم يجر على خطة واحدة لتصوير الألفاظ العربية. وكنا نغض الطرف عن ذلك لو كان كتب بالحرف العربي كل كلمة اصطلاحية عربية وردت في مثاني البحث وبالأخص أسماء أصناف التمر فإننا لم نكدر نهتدي إلى تصحيحها إلا بشق النفس ومع ذلك لم نتوفق إلا لمعرفة بعضها فما قول من لم يسمع بتلك الأسماء. وإننا لنتوقع إن هذا الكتاب يرغب في إحرازه ومطالعته ويعاد طبعه ثانية فيصحح المؤلف ما فاته في هذه الطبعة. ومما نلاحظه أيضاً أنه كتب في ص 249 القسب بهذه الصورة - ونقله إلى الإنكليز بمعنى الكسب وهذا كله ناتج من سوء تصوير الحروف العربية بالإفرنجية فالقسب غير الكسب إذ القسب مشتق من قسب (المضموم) ومعناه: صلب وأشتد وسبب تسميته واضح لصلابة تمره. ثم إنه نقل عن البكري عند تكلمه عن بسكرة أن القسب هو الصيحاني فإذا صح هذا الكلام فهمنا أن الصيحاني هو المسمى اليوم عند العراقيين بالبدرايي أو البادرايي (وهو التمر المنسوب إلى بادرايا المعروفة اليوم باسم بدرة) لأن ياقوت يقول في معجمه: ومنها (أي من بادرايا
يكون التمر القسب اليابس الغاية في الجودة واليبس (راجع لغة العرب 1: 442 و443) ويقول في بسكرة: (فيها نخل وشجر وقسب جيد) فنحن لا نرى في هذا النص أن الصيحاني أو القسب أو البادرايي تمر واحد. فالصيحاني على ما ذكر اللغويون هو ضرب من تمر المدينة أسود صلب المضغة. والقسب اسم عام يقع على كل تمر (صلب يابس) مهما كان جنسه والبادرايي هو تمر أصفر صلب رقيق اللحم من جنس (دقلة النور) المعروفة في تونس. وأما الصيحاني فهو عندنا الاشرسي الأسود أي الصرفان (راجع لغة العرب 1: 444) وأما سبب تسمية الصيحاني بهذا الاسم فقد ذكر له اللغويون عدة أسباب، منها: إنه نسب إلى صيحان وهو كبش كان يربط في نخل التمر المذكور، أو اسم الكبش الصياح وهو من تغييرات النسب إلى غيرها. وأما حضرة مصنفنا فقد ذكر لسبب تسميته ما نقله عن لسان العوام أي أنه سمى كذلك لأنه صاح: (هذا هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، هذا هو أمير الأنبياء. . .) الخ وذلك عند مرور نبي المسلمين بنخلة في المدينة وكان معه علي بن أبي طالب. - أما سبب تسميته الصحيح عندنا فهو أنه منسوب إلى الصيحان والصيحان مصدر صاحت النخلة أي ارتفعت لارتفاع نخل هذا التمر. وقد ذهب في نقل بعض الألفاظ مذاهب لا نظنه أصاب فيها. فقد نقل إلى الإنكليزية كلمة الأشرسي أي النامي في طول) أو الطويل. وليس الأمر كذلك. فإنه سمى كذلك نسبة إلى الشرس (محركة) وهو الصلب لصلابة تمره. أو لكونه ينبت في المكان الشرس أي الصلب وعلى كل فإنه لا يعني الطول. ومثل هذا التأويل كثير في الكتاب. ومع ما فيه من هذه الشوائب الزهيدة فإن الكتاب يبقى جليلاً في بابه. ويخلد لمصنفه ذكراً لا يمحى. 5 - رحلة إلى سورية للأستاذ الدكتور مرتين هرتمن 1913. في 132 صفحة بقطع الثمن الكبير وقيمته 3 ماركات لله در الإفرنج لا يقدمون على أمر إلا ويتقونه كل الإتقان ويحكمونه كل الأحكام. هذا المستشرق الكبير الأستاذ العلامة (الدكتور) مرتين هرتمن من مشاهير العارفين بلغة العرب والواقفين على أسرارها فقد هجر بلاده
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
في شهر آذار من السنة المنصرمة ورحل إلى ديار الشام رحلة جعلها أدبية علمية تاريخية جغرافية فدون ما رآه في كتابه وهو هذا فجاء من أحسن ما كتبه الرحالون بالمعنى الذي أراده وقد هبط أشهر بلاد الشام ووصفها وصفاً دقيقاً وهي حيفا ودمشق وبيروت وحماة وطرابلس واللاذقية وحمص وحلب ثم عاد إلى وطنه وقد تعارف في طريقه بكثير من الأدباء والفضلاء والعلماء ونحن نتمنى أن يقدم يوماً إلى الزوراء ليكتب رحلة ثانية مثل رحلته هذه وليس ذلك أمراً صعباً على ذوي الهمم ولا سيما مثل حضرته. قرب الله تلك المدة ومتعنا برؤياه! تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - مصير المستنصرية وقهوة الشط كانت المستنصرية مدرسة كبيرة من أشهر مدارس الإسلام في دار السلام بل في بلاد خلق الله في عصر العباسيين ثم انقلب بها الزمان فحالت عصراً بعد عصرٍ حتى كاد يعفو أثرها إذ قد بني في موقعها ديوان المكس الآن وقهوة تعرف بقهوة الشط وهي قرب قهوة المصبغة. وقد جاء في النوادر في عددها 152 ما نلخصه للقراء: كان أولو الأمر قد منعوا منذ نحو ثلاث سنوات فمثيل بعض الوقائع فيها ضرر على الصحة والآداب والمال وهو المعروف عندهم بالتياترو (لأن العوام تصرفت في هذه الكلمة الفرنسوية فأخرجتها عن معناها المألوف حتى جعلتها بهذا المعنى) وسبب هذا المنع وقوع هذه القهوة قريباً من جامع الخفافين وجامع عملة الأسرة (السريرجية) إذ القاعدة المرعية في الأبنية هي إن قربت الملاعب من الجوامع بقدر مائة متر منعت. والحال أن الجامعين المذكورين لا يبعدان عن القهوة المذكورة أكثر من 40 متراً ولهذا امتنع أصحاب القهوة مدة من الزمان من إتمام ما كانوا قد بدءوا به لكنهم عادوا إلى سابق عملهم حينما رأوا أرباب الأمر تغاضوا عنهم. ولا سيما لأن الحكومة عينت رجالاً من (دائرة البلدية) لتحقيق الذرع. فقدم المندوبون ورقة كشف يذكر فيها مقدار الأذرع فإذا هي تزيد على المائة فلما أطلع عليها أرباب الأمر أذنوا لأصحاب القهوة بالعود إلى ما كانوا عليه. ولعلك تقول: كيف يمكن التوفيق بين قولك إن الجامعين لا يبعدان
عن القهوة أكثر من 40 متراً وبين قول الكشافين إن الأذرع تزيد على المائة؟ - قلنا: إن الكشافين ذرعوا المسافة من الطبقة العليا بل من المكان الذي تجلس فيه الراقصة إلى جدران الجوامع مع الدرج!!! ومن ذلك بأن الفرق. فتأمل. ومما ينطوي علي مثل هذا الغر: القهوة المسماة (بقهوة عزاوي) الواقعة في سوق الميدان فإنها لا تبعد عشرة أمتار عن جامع الميدان الشهير ومنذ سنة تحيى فيها ليلة راقصة ولم يوجد من احتج على هذا العمل. 2 - مئذنة الكفل أو منارة الكفل قالت النوادر: ومما هو أعظم من الأمرين الأمرين المذكورين ما يأتي ذكره وهو: ادعى قبل نحو 30 سنة (الحاج ذرب) رئيس ناحية الكفل (والكفل مزار مشهور فيه قبر النبي حزقيال بقرب الحلة) إن جامع الكفل هو للمسلمين وإن الموسويين قد تملكوه بدون حق. والدليل على ذلك وجود منبر هناك ومحفل ومحراب ومئذنة فلما سألت حكومة بغداد الموسويين (وكان السؤال في ذلك العهد) عن حقيقة الأمر أنكر الموسويون ما نسب إليهم وأنكروا وجود مئذنة وما يتعلق بها في ذلك الموطن. فندبت الحكومة رجلاً يكشف عن كنه الأمر وعن وجود المئذنة فكان جواب الكشاف بعد الذهاب إلى الموطن المذكور أن لا منارة هناك. فكتب الحاج ذرب إلى الأستانة ليطلع أولي الأمر على حقيقة المسألة وطلب منهم أن يبعثوا رجلاً ليثبت ما وقع عليه النزاع فبادروا إلى تلبية طلبته وأرسلوا كشافاً لهذه الغاية من الأستانة نفسها فلما وصل الرجل المذكور إلى بغداد بقي فيها بضعة أيام ثم رجع إلى من حيث أتى وقال: لا يوجد مئذنة في ناحية الكفل. - والحال أنها إلى الآن موجودة والإفرنج وغيرهم من أهل التحقيق صوروها من جهاتها الأربع بحيث لا يمكن أن ينكرها (العناديون) أنفسهم فكيف يمكن الجمع بين الوجود والعدم؟ إن هذه من الخوارق التي لا تجري إلا في بلادنا. 3 - السيد طالب بك النقيب نشرت جرائد مصر والشام إن الحكومة عرضت على السيد طالب النقيب منصباً في مجلس الأعيان فرفض وأبى الذهاب إلى الأستانة كما أنه استعفى من النيابة في مجلس المبعوثين. 4 - السكينة في العراق تذهب البرقيات تترى من العراق العربي (هذا كلام جريدة فتى العرب
ولم تذكر من أي بلدة تصدر هذه البرقيات) إلى الباب العالي احتجاجاً على تعيين جاويد باشا وحسني باشا في بلاد العراق. ثم قالت: فحار رجال الحل والعقد في الأستانة لهذا الأمر والصحف انقسمت فيه إلى قسمين قسم يشجع الحكومة على إخضاعهم بالسيف والسنان وقسم يوصيها بأخذهم باللين والإحسان). قلنا: السكينة سائدة في العراق وليس فيه ما يقلق الخواطر ويثير عليه غضب الحكومة فالظاهر أن أهل الفتنة أناس قليلون لا يتعد بهم، بل ولا يلتفت إليهم. 5 - جاويد باشا والي بغداد الجديد ومن بصحبته قدم بغداد جاويد باشا ومعه بهاء الدين بك رئيس أركان الحرب و18 ضابطاً منهم 11 عربياً والباقون من الترك. - وقد صممت الحكومة على أن تسير مع القبائل بالتي هي أحسن وأعطت جاويد باشا هدايا وألطافاً ليهديها إلى شيوخها. ومع والي بغداد الجديد وقائد عسكرها فؤاد أفندي الدفتري مبعوث بغداد سابقاً وقد عين مفتشاً للأوقاف في ديار العراق بمشاهرة 70 ليرة، ومعه أيضاً حكمت بك قيم مقام مركز بغداد وهو أخو شوكت باشا الشهير ومع المذكورين أيضاً خليل هجري بك مدير تحريرات الولاية وعبدي بك قائد الدرك في بغداد. وللوالي الجديد سيارة (أوتوموبيل) قيمتها 600 ليرة ومعه ألفا حقة من بزر القطن لأحياء زراعة هذا النبت في العراق. وكان قدوم الجميع في 18 ك 2. 6 - تبرع عبد الحسين أفندي الدده تبرع هذا الرجل الفاضل بعشر ليرات عثمانية على مكتب الاتحاد والترقي للإناث المفتوح جديداً في بغداد، أكثر الله من أمثاله إحياء للفضل والكرم. 7 - رجوع النقود القديمة إلى التعامل بها وزعت الخزينة مشاهرات الموظفين ورواتبهم ودفعتها إليهم من النقود القديمة من ذوات خمسة الغروش والغرشين ونصف والعشرين بارة والعشر بارات فأخذها الموظفون بكل ارتياح لكن باعة الخبز واللحم ومن ضاهاهم امتنعوا من قبولها أولاً ثم عادوا فقبلوها عند تنبيه أولي الأمر على ذلك. 8 - مخفر الجميلية تعهد فخر الدين أفندي من آل جميل ببناء مخفر في سوق تجاه (سبيل الماء) وأرسل 4 آلاف طاباقة لهذه الغاية ويسمى بالجميلية نسبة إلى أسرتهم. 9 - عجمي السعدون والضفير بعد أن تم الصلح بين عجمي بك وبين شيخ مشايخ الضفير حمود السويط
وتعاهدا على أن لا يؤذي الواحد الأخر وأخذ شيخ الضفير ميثاقاً من عجمي يؤكد له الأمن والراحة إذا بعجمي استنفر عشائره ونزل بها بالقرب من ماء (الشقراء) ثم هجم على عشائر الضفير على حين غره منهم بينما هم في مأمنٍ منه فنهب طائفة من بيوتهم وشيئاً من إبلهم. ويقال إن من جملة القتلى ستة من رؤسائهم وينتظر أن يقوم هؤلاء على الفتك بهم فتتأجج نيران القتال. 10 - يوسف المنصور السعدون خرجت قافلة من الضفير من الخميسية بعد أن أمنها عجمي السعدون وقبل أن تصل إلى غرض سفرها هجم عليها يوسف المنصور السعدون فاستلق منها 25 بعيراً. فاغضب عمل يوسف هذا عجمي ابن عمه وأثار في صدره حزازاتٍ وقد غادر الخميسية طائفة من الأهالي فاستوطنوا قضاء سوق الشيوخ لما لحقهم من بوار التجارة بسبب استحكام عرى العداوة بين عجمي والضفير. 11 - السيد محيي الدين أفندي النقيب البغدادي تعين هذا السيد الفاضل (وهو ابن صاحب السماحة السيد عبد الرحمن أفندي نقيب أشراف بغداد حالاً) عضواً في مجلس الأعيان فنهنئه بهذا المقام الجديد. 12 - للطيارات العثمانية طبعت أوراق بدلها خمس ليرات وليرة وما بينهما لتوزع على النساء العثمانيات البغداديات إعانةً للطيارات فوزع منها ما بدلها 53 ليرة. والأمل أن المبلغ يضاعف مرات لاشتهار أخلاق عراقياتنا. 13 - نفي (علي موسى خان) من مسقط نفى هذا الرجل وهو من أصحاب المبرات في مسقط بأمر حاكمها وقد أرسل مخفوراً مع سبعة عشر جندياً من عساكر الهند يقودهم ضابط لإيصاله إلى البصرة. ويقال أن سبب نفيه خوف انكلترة من سطوته ونفوذه لأنه من مخالفي سياستها هناك. أما الرجل فقد سافر من وطنه قاصداً المدينة. 14 - عبد الكريم مدير ممكس مسقط قبضت حكومة مسقط على عبد الكريم أفندي مدير ممكس مسقط وزوجته في السجن وسيرسل منه إلى الهند مخفوراً. والسبب لم يعرف إلى اليوم. 15 - شيوخ عشائر الشامية قدم بغداد في أوائل شهر ك 2 شيوخ عشائر الشامية وهور الدخن للمفاوضة في مسألة الذرعة التي قر رأي الحكومة على إلغائها وأخذ الجباية بطريق التخميس
طالبين أن تسمح لهم الحكومة بطرح خرص غلات السنة الماضية من قياس التخميس كما سمحت لرؤساء عشائر المشخاب بذلك مساواةً قوماً بقومٍ. والأمل أن أرباب الأمر يحققون أمانيهم. 16 - مهرجاه (راجه) هندي قدم في الأسبوع الأول من الشهر المذكور أحد مهرجاهية الهند وهو حاكم (سليم بول) إلى بغداد لزيارة الكاظمية وسامراء والنجف وكربلاء وهذا الفاضل كان في مقدمة الرجال الذين أعانوا الدولة العثمانية في حربي طرابلس والبلقان وهم من رؤساء مشاهير الهند. وقد دفع من الإعانات المالية ستة آلاف ليرة من ماله الخاص به. وقد رحب به الناس أينما ذهب وحيثما حل. 17 - لا شتاء إلى الآن في بغداد وزيادة دجلة أبرد أشهر شتاء بغداد هما كانون الأول وكانون الثاني والحال إلى الآن لم نر البرد نزل إلى أدنى من 4 درجات (فوق الصفر). فالظاهر أن لا شتاء في سنتنا هذه. أما الأمطار فغزيرة حتى أن دجلة فاضت فيضاناً خارق العادة في 26 ك 2 وكان الفيض فجأة فأغرق بعض (جساريات) وساق قسم منه جنائب (دوب) بعض المراكب بل ساق أمامه مركباً تجارياً بعد أن قطع سلسلته القوية. 18 - عودة الجدري كان الجدري أخذ بالزوال في شهر كانون الأول إلا أنه أخذ يعود إلى فتكه في شهر كانون الثاني أبعده الله وأزال جراثيمه إزالة لا عود فيها! 19 - رطوبة هذا الشتاء كثرت الرطوبة في هذه السنة بسبب هبوب الرياح المعروفة هنا بالشرقية (وهي على الحقيقة الجنوبية الشرقية) فكثرت الأمراض التي تتولد منها كالرثية أو داء المفاصل (المعروف عند العراقيين بالصليل) والنقرس وعرق النسا والتهاب الكلى والحمى الباردة إلى غيرها. لكن عاقبة المرض في اغلب الأحيان النقه. 20 - جمال بك والي بغداد سابقاً رقى جمال بك إلى رتبة (أمير لواء) ووسدت له وكالة نظارة اليافعة والأمل أنه يرتقي رتباً أعلى لأنه أهل لها وذو إطلاع واسع وخبرة معروفة. 21 - رحالتان فرنسويان جاء بغداد في أواخر الشهر الماضي القائد الفرنسوي (دولو) والفاضل (غلوا) وهو من أعضاء الجمعية الجغرافية في باريس وقد تفقدا آثار العباسيين
ثم ذهبا إلى بابل وكويرش وتلك الأرجاء ليشاهدا ما أبقى الدهر في هذه الديار من بقايا الأقدمين. ثم سافرا إلى وطنهما بعد أسبوعين على طريق البحر. 22 - البرد (وهو الحلوب أو الحالوب عند العراقيين) في اليوم السابع من كانون الثاني سنة 914 الموافق لليوم العاشر من صفر سنة 1332 كان عندي في محلي جناب الأب انستاس ماري الكرملي فوقع مع المطر برد صغار كالعدس ثم عقبه برد أكبر منه كالحمص تقريباً فذكرت له إني كنت في سنة 1305 هجرية الموافقة لسنة 1888 في ناحية المسيب قرب بغداد فنزل مطر غزير بريح شديدة ترفع في الهواء الأبواب المقلوعة الموضوعة على الجسر ثم تلقيها على بعد وعقب ذلك سقوط برد كبار للغاية منها بحجم الليمون ومنها أكبر منه وأصغر منه فاستغرب الأمر فذكرت له بعد ذلك إني لما عدت إلى بغداد في ذلك التاريخ من السنة بنحو عشرة أيام وقع في بغداد مثل ذلك البرد عينه فكسر اغلب الألواح المخرمة التي اعتاد أهالي بغداد أن يزينوا بها الاطناف ويسمونها (بيجة) (من اللغة الفارسية والسبب إن اغلب أسماء أدوات وأعمال البنائين والنجارين مأخوذة عن الإيرانيين مما لم تزل آثاره إلى اليوم) وقتل عدداً لا يحصى من الطيور البرية التي تقف عادة على قباب الجوامع وذكرت له أيضاً أن في ذلك الهواء غرق عدد غير قليل من السفن الحاملة للزوار في بحيرة النجف وقدروا وقتئذ الغرقى بنحو ألفين إلى ثلاثة آلاف نفس حتى أخذ الأعراب هناك إخراج الجثث بالآلة التي يستخرجون بها السمك ويسمونها (قالة) ولكن يا للأسف ليس رحمة بهم أو لمواراتهم ودفع التعفن لدفع الأمراض بل لسلب ما يكون في جيوبهم من المال وإعادتهم إلى الماء وحيث أن هذا الأمر مما يجب ذكره تخليداً للتاريخ حررت هذه الأسطر لطبعها في مجلة لغة العرب راجياً ممن لديه تاريخ الواقعة باليوم أن يعلن الأمر حفظاً وخدمة للتاريخ الذي هو من أهم الأمور. عبد اللطيف ثنيان 23 - لجنة تحديد الحجر الصحي كنا قد نقلنا قدوم رجال هذه اللجنة اعتماداً على إحدى الجرائد المحلية ثم تحققنا أسماءهم بأنفسنا فإذا هم: 1 - الدكتور (جناب شهاب الدين بك) المفتش العام في اللجنة الصحية المذكورة وهو عثماني؛ 2 - الدكتور (والتر) طبيب سفارة روسية في الأستانة وهو روسي؛ 3 - الدكتور كليمو طبيب سفارة انكلترة في فروق. وهو إنكليزي، 4 - الدكتور (شمبرغ)
الترجمان الثاني لسفارة ألمانية في القسطنطينية وهو ألماني، 5 - الدكتور (سموئيل خان) أرمني غير كاثوليكي، طبيب سفارة إيران بالأستانة وهو إيراني مندوب اللجنة وقد سافروا إلى محل وظيفتهم في 22 ك 2. 24 - مفتش فيلق بغداد عين مفتشاً لفيلق بغداد وهو الفيلق الرابع عشر والي ولايتنا جاويد باشا. 25 - وقعة في سوق الشيوخ تخاصم في أوائل شهر ك 2 النجديون المقيمون في سوق الشيوخ مع قطان المدينة فوافق رجال الحكومة والبغداديون النجديين فتضاربوا فأسفرت المعركة عن 15 قتيلاً و20 جريحاً من الجمعين. وما أبطأ أن جاء النجديين مدد من الخميسية فهدأت النفوس الجائشة وأخلد الجميع إلى الراحة. 26 - النوري ابن شعلان أغار النوري ابن شعلان رئيس قبائل (الرولة) على الفدعان والسبعة في (عكاشات) وهي أودية قرب (القعرة) وبعد مناوشات عديدة فاز النوري ببعض الغنائم. 27 - ابن السعود وتقرب الدول منه وذهابه إلى الاحساء أرسلت دولة فرنسة معتمدا إلى الأمير عبد العزيز باشا السعود فزاره في مقر إمارته الرياض وتباحث معه في أمور سياسية عديدة ومن جملتها ما يتعلق بتجارة الأسلحة وبيعها في العقير أو في القطيف ثم قال المعتمد: ودولتي تتكفل لك: 1 - بمسانهة مائة ألف ليرة أو برسوم تبلغ 50 ألف ليرة عثمانية 2 - إن ما يشتريه الأمير من الأسلحة يكون بثمن أدنى مما يباع لغيره 3 - أن تجلب له كل ما يريده من مستحدث الأسلحة بأثمان بخسة. فلما سمعت بذلك دولة انكلترة عرضت للأمير ما يأتي: 1 - مسانهة 50 ألف ليرة 2 - دفع ما يحتاج إليه هو وجنوده من الأسلحة. أما الأمير فلم يجب الآن بشيء ريثما يستشير مجلسه ولعله يميل إلى الدولة الثانية لما له معها من العلاقات السياسية وقد نول في هذه الأيام أنحاء الاحساء ونزلت أعرابه بجوار الكويت. 27 - ابن الرشيد خرج من بلاده متجهاً نحو ديار العراق لتأديب (أي لغزو) بعض القبائل المبثوثة في بواديها. 28 - أمير الزبير عاد محمد بك المشري أمير الزبير إلى كرسي إمارته بعد أن تنازل عنه لعبد المحسن باشا القرطاس. 29 - اللؤلؤ في البحرين كسدت سوق اللؤلؤ في ديار الإفرنج هذه السنة فتضرر من هذا الكساد اللألون في البحرين فأعلنت بعض محلاتهم الكبيرة إفلاسها. 30 - طالب بك النقيب وإعاناته للأسطول تبرع السيد طالب بك بسبعمائة ليرة إعانة لأسطول الدولة فدفع منها 500 عن نفسه و200 عن نجليه اللذين ذهبا إلى كلية الأستانة الفرنسوية وهما نجم الدين بك وتوفيق بك وجمع ألفي ليرة من البصريين خدمة للدولة وإعانة لأسطولها.
العدد 33
العدد 33 - بتاريخ: 01 - 03 - 1914 خرافات عوام البغداديين إن للعراقيين المسلمين عادات ليست من دينهم في شيء سنها لهم الهوى والشياطين من الإنس، الذين يؤثرون مصالحهم، ولو كتم وراء ما سنوه مخالفة لدينهم ومشاقة لله ولنبيه وقد كثرت البدع والخرافات واستفحل خطبها في المسلمين عموماَ والعراقيين خصوصاً وانتشرت بينهم انتشاراً سريعاً وأخذت البدع تكثر بعد وفاة صاحب الرسالة في القرون التي بعده حتى أن بني أمية أحدثوا أموراً ليس لها أصل في الإسلام والسيرة ولكن لا يخلو قرن إلا ويظهر فيه من يحارب البدع وينتصر للحدود الشرعية وكان الصحابة ينكرون على من يجيء بشيء لم يفعله صاحب الرسالة أو لم يأمر به ويزجرونه ويحقرونه وبلغ من تعصبهم في ذلك أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حج مرة وجاء لاستلام الحجر الأسود فقبله وقال أنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولو لم أر رسول الله قبلك لما قبلتك وقال صاحب الرسالة يحذر أصحابه من البدع فكان يقول لهم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم في أنبيائهم) وكان يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد عليهم) وكان يقول: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد) مخافة من ظهور ما ليس من الدين ولقد أصبح العراقيون على خطر مهول من ذلك فقد نسبوا الضر والنفع للأحجار والجلاميد واستنجدوا بقبور علماء الدين وسألوهم أموراً لم يتمكن منها الأنبياء فضلاً عن العلماء (حالة حياتهم) ودعوهم وتضرعوا عند قبورهم وسألوهم دفع مرضهم وإيفاء ديونهم وإسداء الرزق إليهم.
ولما يرى غير المسلم ما عليه هؤلاء السخفاء يحسب أنه من الدين فينسب إليه السخافة والنقص فتشمئز نفسه من الدين الإسلامي وكأني بالإفرنجي الذي يطوف ببلادنا يرى ذلك الرأي فيغضب على الدين ويحنق عليه ويرميه بكل سوء على أنه لو أعاد النظر ورجع إلى عقلاء المسلمين وعلمائهم لوجدهم على بعد عن ذلك إذ يتميزون غيظاً على فاعليه. فحاشا الدين الإسلامي أن يرضى بما يفعل الجاهلون المفسدون أهل المخرقة والغش والبهرجة في الأفعال والأقوال وحاشاه أن يبيح لهم من ذلك شيئاً. وهانحن نبحث الآن عن بعض العادات التي يتمسك بها العراقيون وهي أشبه بما كان يفعله عبدة الأصنام في أيام الجاهلية فنقول: أصبح العراقيون يعتقدون أن النفع أو الضر يجوز أن ينسب إلى الجمادات كالشجر والصخر والتراب وغيرها فيقولون إن جلاميد الجنيد تبرئ من المرض الطارئ على بعض الأخطاء ويقولون أن بئر الجنيد هي السبب الوحيد لإنتاج العاقر إلى غير ذلك من الخرافات والسفسطات التي أخذوها عن بعض فرق المسلمين. وهاك بيان ما يكثرون الترداد إليها من الجمادات المعروفة بينهم الموصوفة بالقدرة والتأثير عندهم. 1 - جلاميد الجنيد في مسجد الجنيد الذي يبعد عن نفس بغداد نصف أو ثلث ساعة ثلاث جلاميد موضوعة حيال قبر الجنيد الصوفي الزاهد المشهور وللعامة في تلك الجلاميد اعتقادات باطلة وكذا النساء المسلمات وبعض اليهوديات فإن لهن اعتناء عجيباً بتلك الصخور وذلك إن عاداتهن زيارة الجنيد كل يوم أربعاء فمن كانت منهن تشكو مرضاً في عضو من أعضائها تضع الصخور على محل الوجع أما مجتمعة وأما صخرة فصخرة على التوالي ويزعمن أن الوجع يزول ببركة هذه الصخور. وإن كان الوجع بحيث لا تتمكن من وضع الصخور عليه تمسح عليها بكفها وتمسح بها على المحل المؤلم كما لو كان رمد في عينيها أو صداع في رأسها. وإن كان الوجع داخلياً حملنها على كتفيها ودارت بها حول قبر الجنيد وإذا لم تستطع حملها حملتها مع امرأة أخرى فتضعها مباشرة على محل الوجع وإن كان في رضيعها داء حملتها هي نيابة عن الرضيع. ولا فضل لهذه الصخور إلا لكونها في محل مدفون فيه الجنيد.
2 - بئر الجنيد وراء مسجد الجنيد من جهة الشرق بئر يزعم النساء أن الجنيد كان يتوضأ ويغتسل منها فمن كانت منهن عقيماً تعمد إلى تلك البئر فتدلي فيها ثلاث دلاء وتسفحها على جسدها فبذلك يكون نتاجها (على زعمهن) وكذا من كانت منهن مثاثاً (أي تعودت ولادة الأنثى) فإنها تقول إذا سبحت بها: ألد ذكراً. ولا يصح ذلك إلا يوم الأربعاء ويشترين الماء من تلك البئر بقيمة فاحشة ولهن به اعتناء عجيب. 3 - بيوت بهلول لبهلول المجنون الشهير قبر على مقربة من الجنيد وبمناسبة زيارتهن للجنيد يزرن قبر بهلول وله مسجد صغير أنشئ حديثاً وبعضهن تبني خلف مسجده بيتاً صغيراً من آجر والبيوت هناك تختلف فبعضها يعلو إلى ذراع وبعضها إلى نصف ذراع وبعضها يجعل من ثلاث قطع من الآجر تبنى ذلك من لها حاجة تسرها في نفسها وتنادي بهلولاً بهذه الكلمات (يا بلهول لا أخرب بيتي إلا تكضي لي حاجتي) معناها: تقضي حاجتي، لأن من عاداتهم إبدال القاف بالكاف الفارسية. وينذرن له نذوراً مختلفة فمنهن من تنذر له شمعاً توقده فوق قبره أو في مكان من مسجده ومنهن من تنذر له طعاماً تطعم به صواحبها في مسجد بهلول إلى غير ذلك من النذور. ومن كانت عاقراً تبني لها بيتاً هناك وبعض البنات تبني به بيتاً رجاء أن يكون لها خطيب جميل. فإذا قضي أمر إحداهن هدمت بيتها ووفت بنذورها ولن تهدمه أبداً إذا لم تقض حاجتها ولكنه يبقى على حاله. ومنهن من تعلق في البيت مهداً صغيراً تتفاءل أنها ستتزوج ويولد لها ولد وتضعه في المهد ومنهن من تضرب على وسطه كلة تتفاءل أنها تتزوج وتضرب لها كلة. والبيوت تقام بلا طين ولا جص ولكنها أحجار يوضع بعضها فوق بعض فمنها ما هو مستطيل ومنها ما هو مستدير ومنها ما هو مربع وبعضها نصف مستدير تبنى على حائط من المسجد أو على قرب منه. والتي تصيب مرادها تطلي باب المزار بالحناء بعد أن تفي بما نذرت.
4 - طلاء أبواب المزارات بالحناء من عادات المستفيضات عند نسائنا إنهن إذا زرن أحد الأئمة المدفونين في العراق وطلبن منه حاجة فقضاها (على زعمهن) يقضين نذورهن ثم يعمدن إلى باب من طلبن منه فيطلينها بالحناء إشارة إلى أنه له تأثير عظيم وله يد في كل ما يطلب منه وإنه قضى لهن مرادهن ولذلك ترى أكثر أبواب المزارات والأئمة مطلية بالحناء أو عليها صورة كف مفتوحة الأصابع إشارة إلى إعطائه وسخائه وبعضهن تعمل غير ذلك. 5 - نصب الراية الراية عندهن قطعة من خام تخاط في رأس قصبة طويلة وقصيرة وتنقسم عندهن قسمين سوداء وبيضاء فالسوداء ينصبنها إذا طلبت إحداهن من أحد الأئمة أمراً فلم تقع على مرادها والبيضاء بعكسها فمتى قضى لها مطلباً تنصب الراية البيضاء إشارة إلى إنه قضى مرادها الذي طلبته والراية تنصب بأعلى شرفات البيت وإذا قضى لإحداهن مطلب عملت راية بيضاء وصعدت على سطحها تنادي بأعلى صوتها، والراية في يدها، (عرب واهليه خطار والفيه راية البيضا لفلان الإمام مبنية بيض الله وجهه) وتكرر هذه الجملة سبع مرات أو خمس مرات بحسب التصادف وتهلهل بعد كل صوت ثم تركزها على شرفة في بيتها ولا تأخذها حتى تقذفها الريح أو يهوي بها المطر أو تقع لسبب أخر. 6 - القفل والمفتاح في مسجد الشيخ عبد القادر الكيلاني العالم الزاهد الشهير رجل يدعى إنه شريف هاشمي وللنساء به اعتقاد غريب وذلك أن البنات إذا فات وقت نكاحهن أو تريث ولم يخطبهن أحد ذهبن إلى ذلك السيد وشكين له حالهن فيقول لهن ايتنني بقفل ومفتاح فإذا أتين بهما أقعدهن في باب الشيخ عبد القادر وأمرهن أن يرسلن طرف أثوابهن فإذا أرسلنه وضع عليه القفل وأغلقه ثلاث مرات ثم يأمرهن بالقيام فيقمن ويخطون على القفل ثلاث خطى ثم يقرأ عليهن ما شاء أن يقرأ ثم إنهن يعطينه شيئاً من الزبيب والحمص وهو حلوانه ولا يكون ذلك إلا يوم الجمعة قبل الظهر ويزعمن إن نكاحهن يقع بعد ذلك وقوعاً محققاً ويقرب زمانه ببركة ذلك السيد فإذا وقع ما أردن رجعن إليه وفتح القفل وأعطينه جزاءه وأكثر ما يستعمل ذلك عند نساء اليهود وبعض رجالهم وقد يستعمله بعض سخفاء المسلمين.
7 - قصبة الصداع إذا شكا أحدهم الصداع عمد إلى قصبة غليظة وقسمها طولاً إلى قسمين ثم شدها بخيط من شعر ووضعها بين المقابر ويقال أن في بطن القصبة أسطراً لم أطلع على مضمونها ويزعمون أنها تنفي الصداع. 8 - إيقاف السعف إذا حم أحدهم أو صدع أخذوا قطعة من سعف النخيل وأوقدوها وإذا اتقدت تعطي امرأة ثيباً وتسير بها قليلاً حتى تخمد نار السعفة فتنتهي من سيرها ويزعمون أن الحمى والصداع يسكنان بذلك. 9 - شد الخرق مما تعودته النساء إنهن إذا كان لإحداهن أمر يهمها عقدت خرقة وخيطاً بشباك أحد الأئمة فإذا بلغت أربها حلته ووفت نذرها وعقد الخرق قديم في عهد الجاهلية ومن أشهر ما كان يعقد به الخرق ذات انواط فراجعها في محلها. 10 - تمثال الأيل بين الكاظمية وبغداد بستان فيه تمثال أيل منحوت من الرخام أبيض الشكل له قرنان ذوا شعب وأغصان ولكنهما كسرا بتعاقب النساء عليه يبلغ علوه ذراعاً وثلث ذراع وله ذنب ملتصق بفخذيه وهو قائم على أربع واقف وقوف الأيل الذي أوجس نبأة ففزع منها وهو صنع عجيب يشابه في شكله بعض الآثار التي وجدت في بابل ولا يزال باقياً هناك والمرأة العاقر إذا أعيا أمرها تعمد إليه وتركب على ظهره وتبقى عليه بضع دقائق ثم تنول عنه وتذهب إلى شانها وتزعم أنه سبب لحبلها والمرأة التي لا يحبها زوجها حباً شديداً تركب عليه فتكون من أحب الأحباب إليه (على زعمهن). 11 - العقد تنقسم إلى أقسام فمنها عقدة الخطيب، ومنها خيط ينزع من طراز يوضع على قبور بعض الأئمة فيعقد في الرقاب وفي الأرسغ ويخيطه بعضهم بثوبه وبعضهم (بعقاله) وله شأن عظيم عند الأعراب. والنساء يتبركن به ويزعمن أنه يذهب الحمى والصداع وبقية الأمراض. قرأ أحدهم سورة الفلق حتى إذا بلغ إلى قوله: (ومن شر النفاثات في العقد) قال له بدوي لا يحسن القراءة وهمت إنما هي النفاثين. قال: هكذا الآية. قال: إني رأيت الخطباء ينفثون في العقد وليس بينهم امرأة ثة. مسلم بغدادي
الزواج عند يهود بغداد
الزواج عند يهود بغداد 1 - تمهيد تختلف مناهج وأساليب الزواج عند يهود بغداد اختلافاً يذكر عن وطنييهم المسلمين والمسيحيين حتى أن اغلب أبناء الزوراء يجهلون اليوم جل عاداتهم إن لم نقل كلها ولهذا أحببنا أن نطلع قراء مجلة (لغة العرب) الكرام بهذه النبذة على عادات زواجهم فنقول: 2 - انتقاء الزوجة ومسألة الصدق إذا وطن الشاب نفسه على الاقتران يطلع والديه على ما يدور في خلده (هذا إذا كان له والدان وإلا فيكاشف بما في صدره أقرباءه أو أحد معارفه) فيستدعي الأبوان أحد دلالي الفتيات (وما أكثرهم عند اليهود!) ويعرضان عليه مسألة ولدهما فيأخذ الدلال ويصف لهما حالاً بعض الفتيات اللواتي يعرف أسماءهن ويذكر منيني (دوطة) كل منهن واسم أبويها ولقب أسرتها ويثني على مناقبها ومحاسنها فإذا صادفت إحداهن حظوة وراقتهما يخبران عنها أبنهما ويأخذانه معهما إلى دار والديها حتى يراها بعينه. وكان يحظر على الفتى في السنين السالفة أن يرى الفتاة قبل عقد النكاح أما الآن فقد خرقت تلك العادة السيئة المغبة ولم يبق حكمها جارياً إلا عند طائفة من المتعلقين بأهداب العوائد القديمة. فإذا رآها الشاب وأعجبه حسنها وآدابها يخبر والديه بأنها قد وقعت في نفسه فيأخذان بمساومة الدلال في أمر الصداق (الدوطة) فيعرض عليهما الرجل قدراً من الدنانير فإذا وجداها زهيدة بالنسبة إلى مقام أبنهما يقولان له بكل تصريح إن ثمن ولدنا لأكثر مما دفعت له فيذهب الدلال إلى أهل الفتاة ويقنع والديها أن يزيدا نقود المهر لأن الفتى من زهرة الشبان النجباء ومن نخبة الفتيان الأدباء النبلاء وأهل لكل المحامد والفضائل وهو جدير بأن يدفع له مبلغ يجذبه إلى الابنة. هذا فضلاً عن أنه وجيه بين أقرانه عظيم عند معارفه وأخدانه ويأخذ بالثناء على همته ومروءته وما له من المنزلة الرفيعة عند التجار والأغنياء إلى أن يغوي الدلال سامعيه في اغلب الأحيان بنا يبذل من شقشقة لسانه حتى يبلغ مناه وينال
اسماً رفيعاً ومالاً طائلاً من الحلوان الذي يتقاضاه ولا يهمه البتة شيء آخر وبعد أن يتم الوفاق بين أهل الفتى والفتاة تعلن الخطبة على رؤوس الأشهاد وتختلف البائنة (الدوطة) بحسب تفاوت الدرجات فلا يكون مهر ابنة الغني كمهر ابنة التاجر أو الصانع بل تختلف اختلافاً عظيماً فالفقراء منهم يدفعون غالباً من عشر ليرات إلى ثلاثين ليرة وأما المتوسطون فمن خمسين ليرة إلى ثلاثمائة وأما التجار والأغنياء فمن خمسمائة إلى ألف أو ألفين وأكبر صداق دفع في حاضرتنا هو سبعة آلاف ليرة عثمانية أي 1. 680. 000 فرنك دفعته السيدة (ن) كريمة المثري الشهير منشي مثلون إلى الخواجا اخضوري بن شماش. والشيء الذي لا بد من ذكره هو أن الفقراء الذين لا يملكون شروى نقير يكرهون نساءهم على أن يجلسن في باحة الكنيس وأروقة المجامع وقوارع الطرق وفارق الشوارع ليستعطين من المارين وليجمعن بائنة لبناتهن ولا تسأل عن صورة جمعها فإنها تجمع بطرق تشمئز منها النفوس الأبية فتقعد الأم وعيناها شاخصتان إلى المارة وهي تستعطفهم وتوجه أنظارهم إلى ذلها ومسكنتها وفقرها المدقع وبعض الوالدات يذهبن إلى رئيس الحاخامين ليكتب لهن رسالة وصاة يحملنها إلى سراة القوم ووجوه الأمة ليمدوا إليهن يد المساعدة. فبهذه الصورة وبغيرها تجمع الدراهم المطلوبة وتقدم إلى الشاب كلقمة سائغة وطعام مريء هنيء. فإذا اعترض أحد عقلاء الأمة على هذا العمل المخالف للشهامة وعزة النفس يجاب حالاً أنه لا يجوز شرعاً في الدين اليهودي أن تطلق الفتاة من دار والديها صفر اليدين ويستشهدون إدعاماً لرأيهم بما ورد في سفر التثنية 15: 12 من أن العبد إذا خدم سيده ست سنوات ففي السنة السابعة يعتق ويطلق سراحه مزوداً بالمال فكيف لا تزود الفتيات اللاتي قد خدمن والديهن منذ صغرهن. ولقد فات المعترض أن ذلك يعمل إذا كان الإنسان ذا سعة ولا واجب عليه إذا ضاقت حاله بحيث يضطر إلى أن ينتهك مبدأ التعاون والتعاضد الحقيقي. ويخيل إلينا إن منشأ هذا الإكراه هو الاعتقاد الجازم بصحة الزواج الباكر فالفتاة إذا تجاوزت الثامنة عشرة أو العشرين باتت منبوذة كإحدى الثيبات لا يمد أحد إليها يداً. أما الآن فقد تغيرت الحال قليلاً بواسطة المدارس والمكاتب فأصبح الشاب المتهذب لا يرضى شريكة لحياته إلا التي تكون كاملة السن حائزة صفات الأمومة ملمة بأغلب
فروع المعارف العصرية كتدبير المنزل والخياطة والقراءة والكتابة ونحوها. 3 - تزوير الخطبة عند نفر من رعاع يهود بغداد عادة ذميمة جداً ألا وهي إذا رأى أحدهم غادة حسناء بديعة الجمال فريدة الخلال والخصال وهام بها لكنه لا يصل إليها لأنها أرفع جاهاً وأسمى نسباً أو حسباً فلا يستطيع أن يقدم على خطبتها جهراً لئلا يلحقه من الذل والهوان وقوارص الكلام ما لا تطيق على حمله الأطواد الراسيات يعمد إلى اختلاق الحيل فيغويها بنفثات لسانه. فإذا أفلتت من كيد فخه ونجت سالمة من شركه، احتال عليها بوسيلة أخرى. والوسائل في شرع اليهود عديدة ناجعة تساعد الأوباش على نيل بغيتهم وقضاء وطرهم. فمنها: إنه إذا أهداها أحدهم خاتماً أو نفحها بصرة من الدنانير أو بقطعة من النقود الدارجة بشرط أن تكون من الذهب أو الفضة بمرأى ومسمع من الناس وقال لها: يا فلانة لك أقول خذي هذه الهدية مني عربوناً على عقد خطبتي لك (وغالباً يتلفظ بتلك الكلمات بصوت منخفض جداً بحيث يتمتم ولا يسمع كلامه بجلاء) فالفتاة المسكينة تذهل طبعاً من تلك المباغتة فتأخذ بأن تتفرس بوجه الصبي وبيدها تقدمته لأنها لا تعرف من أمره شيئاً ولا لأي شيء قدم لها تلك الهدية فإذا خطت ثلاث خطوات وهي حاملة خاتمه أو نقوده تعد خطيبته له شرعية ولا يقدر أن ينازعه فيها منازع؛ أما إذا ألقت من يدها في الحال هديته فلا يعتد بفعله بل ولا يحفل بما أتاه؛ بيد أن اغلب الفتيات المسكينات يعتريهن شيء من الذهول فلا يفطن لما في أيديهن ولا يدرين بماذا يجبن فيهربن من أمام ذلك الحيوان الضاري لا يلوين على شيء كالظبي النافر من وجه الأسد فيعد فرارهن هذا حجة ساطعة عليهن ودليلاً راهناً على رضاهن وكم جرت هذه العادة الذميمة - التي لم ينزل بها الله من سلطان - من الويلات والمنازعات فعلى شبان العصر ورجال النهضة الحالية أن يجعلوا حداً لتلك الموبقات المعدودة من فظائع الهمجية. ومما يزيد الطين بلة إن بعض المتشردين والمشعوذين يستأجرون طائفة من أرباب المفاسد لهذه الغاية السافلة فإذا تم لهم ما قصدوه يذهبون بهم إلى الربانيين فيستنطق هؤلاء أولئك الواحد بعد الأخر فإذا وجدوا أن الشهود يؤيدون دعوى الشاب يصرحون على رؤوس الملأ إن الفتاة باتت خطيبتة شرعية للمدعي ومما
هو أنكى من ذلك إن كثيرين من أغبياء اليهود يذعنون لحكم الحاخامين ذلك الحكم الذي لا يجحف بحقوق الفتاة فقط بل بحقوق الوالدين وبمن يلوذ بهم أيضاً إذ كيف يجوز في شرع العقل إن فتاة سامية المناقب حميدة السجايا كريمة المحتد ترغم فتقترن بفتى لئيم خبيثٍ فاجر دنئ الأصل من سفلة الناس وطغامهم لكون سنة الشيوخ تحتم ذلك. وقد حدثت واقعة من قبيل ما أوردناه فويق هذا منذ نحو سنة وهو أن أحد الرعاع البدالين (البقالين) في سوق حنون سولت له نفسه أن يقوم بهذا الفعل الفظيع فلما طرق خبر تلك الجراءة مسامع أبوي الفتاة قاما وقعدا لتلك الوقاحة بل الفظاظة الغير معهودة في عصر الحرية والعدالة وأهانا الربانيين كافة لتأييدهم دعوى سخيفة كل السخافة وحجة باطلة يمجها الذوق السليم ولا يأتيها إلا فريق من الطغام اللئام. فلما رأى رؤساء الدين وتحققوا أن لا طاقة لهم على مقاومة والدي الفتاة وأخوتها وأنسبائها وإرغامهم على ما رسموه، فتق لهم عقلهم إذ ذاك أن يتواطئوا سراً مع أحد الشهود على أن ينكر بتاتاً ما فعل ويقول أن المدعي قد رشاني لا شهد زوراً فأتيت ما أتيت من شدة فقري وهاءنذا أعترف أمام الحضور بعظم جريمتي طالبا الصفح والغفران عن زلتي. لقد فعل الربانيون ما فعلوا خوفاً من هياج الجمهور لئلا يخالفوا سنة الشيوخ ويتعدوا على تقاليد الأباء حسب زعم السذج منهم وادعاء البلداء فناشدتك الله يا صاح هل سمعت في عمرك عن عادة أجحف بحقوق ذوات الحجال من هذه. فيا ليت يقوم اليوم عقلاء اليهود وأدباؤهم ويلغون هذه العادة القبيحة المار ذكرها لكي لا يسري داؤها العياء إلى ما بينهم ويصبحوا مضغة في أفواه ناشئة العصر الذين قد وقفوا نفوسهم وأقلامهم لقلع زوان الظلم والاستبداد ويكونوا في الوقت ذاته قد خدموا طائفتهم خدمة جليلة لا يقدرها حق قدرها إلا ذووها. 4 - عقد الخطبة عقد الخطبة ويعرف عند اليهود باسم (التقديس) (واللفظة غير عربية بهذا المعنى) معروف عندهم. ويقولون فلان قدس فلانة وفلان مقدس وفلانة مقدسة إلى آخر ما هنالك من هذه الألفاظ. بمعنى خطب ومخطوبة وخطيب. وتتم الخطبة على هذا الوجه: يحضر العروسان مع الوالدين والأقرباء والأصحاب والمدعوين إلى ردهة
فسيحة الأطراف فيقوم الحاخام ويأخذ بيده قدحاً من الشراب الفاخر ويباركه ثم يناوله الخطيب فيشرب نصفه ثم يقدمه إلى الخطيبة فتكرع ثمالته ثم ترده إلى خطيبها فيأخذه ويكسره أمام الحضور دلالة على أن الوفاق قد تم بينهما ولم يعد في طاقة أحدهما رفض صاحبه أو رفض عقد الخطبة بلا مسوغ شرعي فإذا ألقى القدح تتلقف الحضور كسره وكل من يحصل على كسرة منه يعد نفسه سعيداً لأنه يعتقد أنها بمنزلة آنية مقدسة ويتيمن بها فإذا تم ذلك تقدم أطباق الحلوى إلى الجمهور وبعد أن يأكلوا منها ينتثر عقد المحفل ويذهب كل منهم إلى داره داعياً للخطيبين بالسعد والفلاح. وفي اليوم التالي يرسل الخطيب إلى خطيبته عقداً ثميناً أو حجراً كريماً أو غيرهما من الهدايا النفيسة والحلويات مع دلال الفتيات وعلى الدلال أن يتقاضى نقوداً من الخطيب باسم جعل الحمال تختلف قيمتها باختلاف الدرجة والمقام. 5 - رسوم الزواج عندما يتم جهاز العروسة ويدنوا أوان الاقتران تدفع البائنة إلى العروس بعد أن انفق منها جزءاً في مشتري حلي وثياب للعروسة وأثاث للبيت فإذا كان صاحبنا غنيا ضمها إلى دراهمه وإذا كان تاجراً أضافها إلى رأس ماله وإذا كان مفلساً أصبح ذا رأس مال يتاجر به. بيد أنه يؤخذ من الصداق مبلغ معلوم يخصص لدار السكنى ويسمى بلسانهم (مشكنتي) ولا يجوز للزوج أن يتصرف فيه اللهم إلا إذا مست الحاجة إلى ذلك. وقبل أن تكون ليلة الزفاف يرسل العروس بدراهم إلى العروسة من جيبه الخاص لتنفقها على نفسها وصويحباتها في الحمام. وفي تلك الليلة تخضب النساء بنان العروسة وأنامل أكثر المدعوات والنسيبات بخضاب يعرف بالحناء وقبل بضع سنوات كانت تحنأ كلتا اليدين ولم تزل تلك العادة جارية عند الكثيرين من سكان الزوراء حتى يومنا هذا. وفي ليلة الحناء يقرع أهل العروسة الدنبركة
من المساء حتى الصباح ويوقدون شمعتين بالتناوب تركزان في وسط لقن مملوء قمحاً وتوقد الشمعة الأولى إلى نحو نصف الليل ثم تليها الأخرى حتى الفجر. فتطرب النساء والصبيان ويسكر الرجال حتى يعربد بعضهم وفي وسط أفراحهم تأتي الحوانئ (المحنئات) وهن حاملات أطباق الحناء فيحنئن أطراف أصابع العروسة بقموع فترفع أصابعها إلى فوق إلى أن يجف الخضاب ثم تنقض عليها الفتيات ويخطفن القموع من أصابعها لأنهن يعددن ذلك تبركاً وسعادة واغلب الخاطفات يكن من الصبايا العذارى وفي اليوم التالي وهو يوم عقد الزواج يذهب العروس ومعه المدعوون والأقرباء والرفقاء إلى بيت العروسة فيجلس في صدر الردهة وعن يمينه (الشبين) وفي لسانهم يدعى (اشبنيم) والعروسة في حجرة أخرى خاصة بالنساء ومما يحتم على والدي العروسة ليلتئذٍ أن يحضرا آلات الطرب كالموسيقى والجالغي والدف والدنبك ونحوها لتطرب الحضور بألحانها الشجية. وبعد أن يمضي بضع ساعات يقوم الحاخام ويعقد عهد الزواج ثم تدار أقداح الشراب وأطباق المرطبات والحلوى على الحضور فيأخذ العروس المدعوين إلى داره وتأخذ النساء معهن العروسة ويرافقها إلى قرينها ثم يرفض المجلس وهم يدعون للعروسين بالرفاه والبنين. من العادات التي لا توجد عند غير يهود بغداد: هي أنه عند زفاف العروسة إلى عروسها أي في الليلة التي يبنى الزوج على زوجته (ليلة الدخلة) تختلي معهما عجوز لتكون شاهدة عياناً على ثوب عفاف العروسة أو بعبارة أصرح لتكون خير شاهد على بكارة الفتاة ولهذه العجوز مشاهرة تتقاضاها من المجمع أو الكنيس في غرة كل شهر قياماً بمهنتها هذه وهناك بضع عجائز قد أقمن لهذه الغاية وإذا اعترض أحد على هذه العادة الذميمة الغير اللائقة بروح العصر يفحمونه بما ورد في هذا المعنى في سفر التثنية 22: 13 إذ يقولون إن مثل هذا الاحتياط يحفظ الشابين من كل ما لا تحمد عقباه. ومن خرافاتهم في مثل هذه الليلة إنهم لا يسمحون ببقاء الماء في حجلة العروسة
والعادة عند الأغنياء والمتوسطين منهم هي عندما يبنى الزوج على زوجه أن تصدح الموسيقى بألحانها المطربة هذا وتقف والدة العروسة وبعض النسيبات عند باب مقصورة العروسين أو بالقرب منه وهن يهلهلن هلاهل تمزق جلباب الفضاء من شدتها وبعد أن يدنوا الزوج من زوجه لا يجوز له بعد ذلك أن يتقدم منها إلا بعد مضي سبعة أيام وأحيانا خمسة عشر يوماً لأنهم يعتقدون إن ذلك لا يخلو من فوائد طبية وفي أثناء هذه المدة لا تترك العروسة وحدها في خدرها لكي لا تكون فتنةً لرجلها قبل المدة المضروبة للملاقاة الثانية. ومن عاداتهم القديمة أن العروسة تجلس في الوسط ومن عن يمينها وشمالها تقعد امرأتان وعلى رأس كل منهما أزار ولكن هذه العادة قد بطلت عند المتنورين منهم لأن القدماء وكثيرين من العوام يعتقدون إن المرأتين تطردان الأرواح الخبيثة عن العروسة. وفي اليوم السابع يدعو الحم صهره وابنته معاً إلى داره ويعد لهما وليمة وهم يدعونها في اصطلاحهم (فتح الوجه) ذلك لأن العروس لا يذهب إلى بيت حميه حياء وتأدباً ما لم يدعه دعوة خصوصية وإذ لم يأدب له مأدبة. فلا أقل من أن ينفحه بصره من الدنانير تكون بمثابة الدعوة. ومن العادات الراسخة في الأذهان والمعدودة من قبيل وحي الأديان أن الشاب لا يجوز له شرعاً أن يتزوج أرملة أو مطلقة وإذا اقترن بها لداعٍ من الدواعي وأصبحت حليلته يحتم عليه أن يتزوج بعد حين بفتاة عذراء لم يعرفها رجل قط. ويجوز للرجل في شرع اليهود أن يتخذ ابنة أخته زوجةً له وأما عند المسلمين والنصارى فلا يجوز البتة لأنهم يعتقدون أن ابنة الأخت هذه هي بمقام أخته أما اليهود فيذهبون إلى أن ابنة الأخت تعد غريبة النسب لكون والدها غريباً ويوردون لخصمهم ما جاء في سفر اللاويين 18: 6 من أنه لم يرد نهي عن اتخاذ ابنة الأخت زوجة للخال غير أنه وإن لم يرد شيء من قبيل ذلك إلا أنه مما تنفر منه الطباع العفيفة والعقول السليمة لقرب صلة الرحم بينهما وكثيرون من الإسرائيليين لا يقدمون على ذلك تشاؤماً من الموت الباكر وتطيراً من انقضاض غراب البين واختطاف أحد الزوجين
الرماحية
وهو في شرخ الشباب وغضاضة الإهاب فلأجل ذلك لا يقدم عليه في حاضرتنا إلا نادراً وقد اقترن بعضهم ببنات أخواتهم بيد أن اغلبهم ماتوا وتركوا نساءهم أرامل حتى مماتهن لأنه لم يجسر أحد الرجال على أن يقترن بإحداهن لئلا يصيبه ما أصاب الزوج الأول. والشيء الذي لا بد من ذكره في هذه العجالة وتوجيه الأنظار إليه هو أن بعض الفتيات الإسرائيليات يصبأن إلى الدين الإسلامي في كل عام تقريباً أما لفقرهن المدقع وأما لداعي العشق والغرام وقد صبأت إحداهن إلى النصرانية منذ نحو عامين في البصرة واقترنت بأحد النصارى الأرمن وهي حية ترزق وقد ولدت ابناً وابنة وهذا مما لا يقع إلا نادراً. 6 - الطلاق عند اليهود الطلاق جائز في الدين اليهودي لأمرين مهمين فقط وهما: 1 - إذا خانت المرأة بعلها ودنست مضجعه بشهادة الجم الغفير. 2 - إذا كانت عاقراً وأراد بعلها أن يقيم له نسلاً فيمكنه أن يطلقها أو يهجرها فإن أبت الزوجة أن تفارق قرينها فراقاً باتاً يجوز لها أن تمكث معه ولكن حذراً من وقوع الخصام والنزاع بين الضرتين تقيم كل من الزوجتين في بيت خاص بها. هذا ولا يجوز لليهودي الأضرار أي التزوج بأكثر من امرأة واحدة اللهم إلا لأسباب صحية أو غيرها من الأسباب التي تتعلق بها سعادة الزوجين وهناؤهما. رزوق عيسى الرّماحية في ربوع خزاعة بالشامية على مقربة من النجف أنقاض بلدة قائمة على جدول كان ينحط إليها من الفرات، تلك هي بلدة (الرماحية) لم يذكرها ياقوت لأنها مستحدثة بعد زمانه قليلاً ولا تكلم عليها الباحثون المتأخرون فيما اعلم ويقول
بعض المنتسبين إليها طائفة من حاشية السلطان سليم الأول (من سنة 918 (1512م) - سنة 926 (1519م) نزلوا هذا المكان فاستطابوه واختاروا الإقامة فيه، وقال لي بعضهم أن هؤلاء من متصوفة الأتراك احتلوها في بدء أمرها وبهم عمرت أوليهم تنسب بعض البقاع إلى الآن؛ وكان العراقيون يسمونهم روماً - على عادتهم في تسمية الأتراك - ثم أضيفت الناحية إليهم وقيل (روم ناحية) ثم ادمجوا الكلمتين فقالوا (الرماحية). هذا كل ما عند أهلها عنها إجمالاً غير أني لا أعتمد ولا أراه ثبتاً لأن ما انتهى إلينا من أخبار الرماحية يرتقي إلى أبعد من التاريخ الذي عينوه، فإن المولى علي بن محمد المشعشع ملكها في نحو سنة 860 (1456م) في جملة حواضر العراق التي وقعت بيده وبنى قربها حصناً للحامية ذكر ذلك بعض مؤرخي الدولة الايلخانية في العراق وحكاه التستري صاحب (مجالس المؤمنين) الفارسي في كتابه بل يظهر مما أورده النوري في كتابه (دار السلام) أن بعض العشارين كان يقيم في الرماحية على عهد السيد عبد الكريم بن طاووس المتوفى سنة 693 (1294م). فالظاهر أنها أنشئت في أخريات القرن السابع للهجرة ولم يقم دليل قوي على أن عمارها الأولين كانوا أتراكا أو روماً أضيفت الناحية إليهم وربما كانوا رماحة أي يعملون الرماح ويتخذونها لأن موقع البلدة في سرة العراق وصميم القبائل العربية وكل حي لقاح ممتنع على السلطان من خزاعة وغيرها وكانوا يصطنعون أسلحتهم بأيديهم قبل اختراع الناريات وقد أخرجت الرماحية جماعة من العلماء والمجتهدين غير من كان يختار الإقامة فيها من فقهاء النجف وطلابها؛ لا سيما عهد آل طريح الرماحيين حتى قصدها الناس وتطلعوا إلى زيارتها؛ وأقدم من نعرف من زوارها غير الفاتحين السيد نعمة الله الجزائري المتوفى سنة 1200هـ (1700م) عاج بها سنة 1189
(1775م) وقصدها من النجف قال في ترجمته نفسه: (ولما فرغنا من الزيارة (في النجف) شرعنا في زيارة الأفاضل والمجتهدين ومباحثتهم ثم أتينا إلى الرماحية وكنت ضيفاً عند رجل من المجتهدين أياماً). ومر علينا السيد عبد اللطيف الرحالة الجزائري سنة 1195 (1781م) فقال في رحلته الفارسية (تحفة العالم): (واكترينا جمال جمالة (السماوة) على أن نذهب إلى النجف بطريق الرماحية). وكانت الرماحية معاج من يصعد في الفرات من البصرة ففي سنة 1213 (1798م) مر بها عامل البصرة من قبل سليمان باشا القتيل والي العراق وكان ابن سند البصري في صحبته. وأقدم من غزاها المولى (علي) ملك الحويزة كما مر بك وفي سنة 1222 (1807م) حصرها الوهابيون بعد امتناع النجف عليهم فصابرتهم وافرجوا عنها إلى الحلة. ثم إن الماحية منذ عهد غير بعيد طم نهرها وتحول مجراه واستحدثت قربها بعض الحواضر فهجرها أهلها وتفرقوا في مدن العراق الفراتية وهم يعرفون بالنسبة إلى بلدهم إلى الآن وما زالوا حلفاء أهل النجف وإليه ينسب الشيخ فخر الدين الطريحي العالم المحدث اللغوي المتوفى سنة 1085 (1674م) وبها أقام في أواخر أمره وكان يجتهد في تسديد الرماحيين وتبصيرهم وقد عثروا أخيراً على آثار له في جامع خرب كان يصلى فيه فغالى الناس بها هناك ومن العلماء الذين أخرجتهم الرماحية السيد (أحمد زوين) (سنة 1230) (1815م) جد آل
زوين الأسرة العلوية المعروفة في النجف. هذا ما أردنا تدوينه حرصاً على الحقائق التاريخية وفوق كل ذي علم عليم. النجف: محمد رضا الشببي (لغة العرب) وقد جاء ذكر الرماحية في حوادث سنة 936هـ (1530م) حينما ولى الشاه طهماسب (صالح سلتان) الرماحية - وفي وقائع سنة 959 (1552) حينما أقيم محمد باشا والي بغداد (سرداراً) وعهد إليه أن ينوب مناب عثمان باشا المتوفى ليأخذ الوسائل اللازمة لقهر حصن شهرزور ومن فيه فتوجه إلى هذه القلعة وأقام في موطنه في بغداد قيم مقام سهيل بك والي الرماحية - وفي أحداث أواسط جمادي الأولى سنة 1076 (الثلث الثاني من شهر ت 2 سنة 1665) حينما حاول الوزير إبراهيم باشا التنكيل بحسين باشا المتحصن في القرنة لكنه لم يتبصر في العواقب وذلك أنه توقع أن حسين باشا يطلب منه الصفح والغفران عما فعل إلا أنه لما وصل جيشه إلى الرماحية ولم ير ما كان يؤمل كتب إليه رسالة يحمله بها على الرعوى فلم يعمل خصمه بما أشار عليه حتى دارت عليه الدوائر ونكب نكبة شديدة - وفي أخبار سنة 1078 في 7 جمادي الآخرة (25 ت 2 سنة 1667م) حينما سافر لوزير قره مصطفى باشا والي بغداد زاحفاً على حسين باشا والي البصرة الذي كان قد طغا وبغى وعصى على السلطان فذهب الوزير إلى زيارة النجف بينما كان عسكره يتجه نحو الرماحية ليجتمع به هناك - وفي أنباء سنة 1105هـ (1694م) حينما رأى الحاج أحمد باشا استفحال أمر المنتفق الذين كانوا قد كسروا مراراً عديدة العسكر الذي زحف عليهم في عهد شيخهم مانع واستحوذوا على العرجاء والسماوة والرماحية ونواحي الجزائر. واخذ ذكر الرماحية بالخمول منذ طغيان الفرات الذي وقع في سنة 1112
الطيارون في الشرق
(غرقة سنة 1700) وهذا تفصيلها: على بعد أربع ساعات من شرقي الرماحية نهر اسمه (ذياب) يشق الأرضين التي تمتد بين الرافدين ويدفع ماءه في دجلة، إلا أنه يصب الآن في الفرات وفي تلك السنة لم تقو الاسداد التي كانت على مصب النهر احتمال الطغيان إذ كانت على تلك الحالة منذ نحو 30 سنة فلما فاض الفرات فيضاناً غير مألوف في سائر السنين طفحت مياهه على جميع البلاد المجاورة له. ثم رجع الفرات إلى مجراه عائداً إلى السماوة. فكانت هذه الداهية الدهياء سبباً لأتلاف الزراعة والتجارة وقطع طرق المواصلات فلما رأى الأهالي ما صاروا إليه من الحالة الضنكة ولم يستطيعوا أن يدفعوا ما تراكم عليهم من الضرائب تركوا ديارهم وقراهم ولجئوا إلى الجزر التي نشأت في تلك الأهوار. فلما رأى أحد الرجال واسمه سلمان بن عباس فرار الأهلين أخذ مزارع الرماحية وكبشة وحسكة وناحية بني مالك لا بل مد يده إلى صحن النجف ومنذ ذاك الحين خمل ذكر الرماحية ولم يعد يذكرها الناس مدينة كما كانت سابقاً. وتغلب نهر ذياب على نهر الرماحية فاخمل ذكره بالمرة حتى ضربت العرب به المثل فقالت: (طلع فلان طلعة نهر ذياب) يضربونه لمن يقوى على غيره فجأة بعد أن كان ضعيفاً. وسمى نهر ذياب بذلك إضافة إلى رجل كرى النهر المذكور لسقي أراضيه فنسب إليه. الطيارون في الشرق لا تطر (فدرين) في الشرق افتخارا ... كم فتىً في الغرب من قبلك طارا (شول رينار) على منطاده ... (لافرنس) البدء قد طار اشتهارا و (بباريس) (البرازيلي) قد ... طار في الجو وحول (البرج) دارا إن تطر فدرين في الشرق فلا ... تحتقره بتعاليك احتقارا وأغضض الطرف إذا ألفيته ... غارقاً في النوم ليلاً ونهارا فبنوه أبداً في رقدة ... وعليهم نفض الذل غبارا
أنت طير في الفضا منطلق ... وهم في قفص الجهل أسارى عاهدوا الدهر بأن لا يقظةً ... لا حراكا لا نهوضا لا وقارا فلقد ضلوا طريقاً بعد ما ... أوضحوا للغرب بالعلم منارا لم لا تبكي عليهم غيرة ... وهم كانوا على الحق غيارى (بارنيه) أفصح ولا تهزأ بهم ... فهم من خمرة الجهل سكارى عقد الجبين عليهم خنصراً ... وكساهم من ثياب الذل عارا وغدا الفقر عليهم جائراً ... بعدما كانوا أعز الناس جارا أنت (بونيه) على (المرن) إذا ... طرت بالرفق فقد طرت فخارا أنت سلطان على عرش الهوا ... جالس إن رمت منه السير سارا أم ملاك يتهادى في الفضا ... بجناح ساير الريح اقتدارا وله رجلان من تحتهما ... مثل (دولابين) بالقوة دارا أيها الطائر فخراً في العلا ... تنهب الجو غدواً وابتكارا طالما سيرتها منطادة ... في السما لم تتخذ في الأرض دارا كلما تعلو بها تعلو بهاً ... والطويلات لها عدن قصارا خال من أبصرها في جوها ... إن (هالي) (ذنبا) منها استعارا هي كالزورق لكن من رأى ... زورقاً من قبلها في الجو طارا وهي كالوهم على الفكر إذا ... مر في الحال عن العين توارى كلما اشتد بها فرط الظما ... وسقاها (الغاز) تشتد أوارا فإذا ما أججت زفرتها ... نفثت من صدرها في الجو نارا وإذا ما غضبت يوم وغىً ... قذفت غيظاً على الخصم شرارا وإذا ما طلبت ثاراً لها ... أدركت عند مناط النجم ثارا فيها يعرف ما عند العدى ... وبها يستكشف الناس الضرارا
ارتفع أسعار الأرضين في بغداد
كلما زارت بحى خلتها ... غادة تسحب بالمشى الأزارا إن أهل الغرب بالعلم لقد ... ركبوا الريح وقد عافوا المهارا تخذوا العلم بجهد آلة ... صنعوا منها أساطيلا كبارا كل أسطول كطود شامخ ... من رأى الأطواد يقطن البحارا ملكوا الأقطار بالعلم وقد ... سيروا فيها من العلم القطارا جعلوا (الأسلاك) وحياً بينهم ... وأحالوا الفحم بالعلم نضارا سخر العلم لهم ريح الصبا ... فلذا قد ركبوا منه البخارا يا بني الشرق فانتبهوا ... من رقاد فوقكم ألقى التبارا (واطلبوا العلم ولو في الصين) كي ... تدفعوا فيه عن الشرق البوارا فاقتدوا بالغرب كيما تدركوا ... ما مضى واجنوا من العلم ثمارا ودعوا ذكر عظام نخرت ... واذكروا العلم كباراً وصغارا إنما فخر الأولى قد درسوا ... ليس يجدي الحي نفعا وافتخارا (فسليمان) الذي كان مضى ... ببساط الوحي والقدرة طارا إن دور الأنبياء تم بهمٍ ... وزمان الفخر قد شط مزارا فاصنعوا واخترعوا اليوم على ... ودعوا ما كان في الماضي وصارا وأنعشوا ما مات من أجدادكم ... بندى العلم ولا تبقوا حيارى فمن العلم هرت أجسامكم ... فالبسوا من حلة العلم شعارا فهو للعالم أم أب ... فانحتوا منه أصولاً ونجارا عبد الرحمن البناء ارتفع أسعار الأرضين في بغداد قرأت في العدد السابع من سنتكم الثالثة في الصحيفة 389 خبر بيع الأراضي الراجعة إلى الأجنبي زريفي أو ظريفي الصراف في الأستانة بمبلغ 150 ألف ليرة وعند ذكر ذلك ذكرتم تم أنه قد كان اشتراها سنة 1880 بمبلغ قدره 250 ألف
ليرة وقلتم بعدها (فانظر وتأمل) كأنكم رأيتم الفرق كبيراً والمدة التي هي 34 سنة وجيزة بالنسبة إلى هذا الارتفاع العظيم ولذا خطر لي أن أحرر لمجلتكم الزاهرة هذه الأسطر أعلاماً بما وصلت إليه أثمان الأملاك والأراضي في حاضرتنا وما جاورها في هذه الأيام الأخيرة أعني منذ خمس عشرة سنة فقط بل قل من بعد إعلان الدستور فأقول: 1 - منذ نحو 12 عاماً على الأكثر بيعت قطعة بستان قرب باب الشرقي وهي ما يعرفه المسنون من أهالي تلك المحلة باسم (حمام الراعي) لأنه كان فيها سنة 1265هـ (1849م) حمام ولعل من الذين دخلوه للاغتسال هم أحياء إلى اليوم وقد حولت بستاناً وملكها السيد محمد أفندي البرزنجي. فأراد بيعها فلم يرغب فيها أحد حتى أخذها منه ابن أخته الحاج عبد الجبار جلبي خضيري زاده بنحو 400 ليرة وذلك من قبيل ترويج المصلحة لخاله لا رغبة في الأرض ومنذ نحو سنة أو أكثر بقليل باع المومأ إليه بوكالة أخيه حضرة عبد القادر باشا نحو نصفها بنحو 6 آلاف ليرة والنصف الثاني لم يزل في عهدته. فما القول في هذا الفرق؟ 2 - قرب مخفر محلة السنك أرض كانت بستاناً تسمى (السماكية) عرضها من جهة نحو ثماني أذرع ومن الجهة الثانية نحو من 60 ذراعاً عرضت للبيع فوصلت إلى نحو 300 ليرة فاستكثرها كل سامع وذلك منذ نحو 15 سنة لا أكثر ثم أشترى قطعة منها كيروب ستيان المحامي البغدادي وهي اليوم (فندق (أوتيل) بابل) ثم أخذ قطعة منها حسن أفندي الباجه جي المحامي وهو نحو الربع منها بل أقل بنحو 800 ليرة فيكون مجموعها 3200 ليرة فما القول في هذا الفرق؟ 3 - بيعت قطعة بستان قرب جامع السيد سلطان علي وهي المعروفة بباغجة (جنينة) خليل أفندي بمبلغ 800 ليرة فاشتراها جبرائيل أصفر قبل نحو خمس سنوات وهي اليوم في الدعوى لأن ورثة البائعة يدعون بوقفها وقد قسمت إلى عدة مواقع وفتح منها جادة بلغني أن قد دفع في بعض قطعها ثمن المتر المربع ثلاث ليرات وقيل أربع وكلها ما لا ينقص عن عشرة آلاف متر مربع فما القول في هذا الفرق؟ 4 - باع آل الشيخلي رحمهم الله قبل نحو 20 سنة محلاً قرب بستانهم في الكرادة الشرقية طوله نحو 20 متراً وعرضه نحو 12 ليعقوب باشا عيسائي بقيمة 90 ليرة وليسوا محتاجين إلى أضعاف أضعافها إذ هم من الأغنياء وكل من سمع استحمق المشتري
والآن بلغني أن ثمنها نحو 1000 ليرة أو أكثر فما القول في هذا الفرق. 5 - عرضت بصورة الاجارتين أرض للوقف الراجع إلى الحاج علي كافل حسين منذ نحو خمس سنوات وهو مصدر بستانه على دجلة في الكرادة الشرقية فوصل إلى 400 ليرة وصدر الأعلام الشرعي بانقطاع الزيادة فيها وإن قد انقطعت رغبة الراغبين ثم فسخ الأعلام والآن وصلت إلى 600 ليرة فما القول في هذا الفرق؟ 6 - كانت أرض جادة باب الشرقي وهي الآن ملك حضرة السيد داود أفندي النقيب داراً معمورة اسمها (دار السرور) ولا أظن أن أحداً لا يعرف هذه الأرض لأنها كانت مرمى الرماد والتراب إلى غير ذلك فاشتراها المومأ إليه بأقل من عشرة ليرات على ما سمعت واليوم يخمن متر أرضها غير المعمورة بأربع ليرات أو خمس ومساحتها لا تقل عن 800 متر مربع فما القول في هذا الفرق؟ هذا كله فيما لم ينله قرب السكة الحديدية ولا غيره فأما ما هو بجوارها فحدث عنه ولا حرج؟ 7 - فقد اشترى حافظ أفندي الريزه لي وأخوه رضا بنحو 250 ليرة قبل مدة لا تزيد على عشرة سنوات أرضاً اتخذاها مزرعة وبستاناً قرب مقابر الشيخ معروف الكرخي وقبل سنتين باعا نصفها بنحو 3500 ليرة وهي تبعد عن المحطة نحو ألفي متر فكيف بها لو كانت قريبة منها فما قولكم في هذا الفرق؟ 8 - هناك أرض صغيرة فيها ثلاث نخلات يابسة كانت ملكاً لحمودي الوادي الخانجي وعليه دين للبلدية نحو 300 ليرة فحجزت ووضعت في المزايدة فبلغت إلى 30 أو 40 ليرة وذلك قبل نحو ثماني سنوات ثم تركت. وقد بيعت في العام الماضي بمبلغ 800 ليرة أو نحوه ولم تزل خالية يباباً فما قولكم في هذا الفرق؟ هذا ما سنح للخاطر في سويعة من الزمن ولو أراد أحد الاستفسار لرأى أن الواحد صار عشرين بل خمسين وربما بلغ مائة وأكثر مما لا يعد ولا يحصى على أن الأعمار لم يقع والترقي لم يحدث والمدنية لم تنتشر والأمن لم يحط والحال لم يتغير فما القول أن توافد الغربيون زرافات ووحدانا على السكة فهذا أمر نوجه إليه أنظار القراء الكرام. ع. . . ن
النخل في العراق
النخل في العراق 1 - توطئة البحث غايتي من كتابة هذه المقالة أن أبين للقراء صورة غرس النخل وإنمائه والاعتناء به وتلقيحه وجني تمره وما ينتفع به وما يتعلق بتجارته فأقول: 2 - تعرف النخل على ما تصفه العامة والخاصة إن شجرة التمر تعرف عند العرب بالنخلة وهي نوع من الشجر له جذع قائم طويل قد يبلغ بعض الأحيان 12 متراً وتبقى عليه كرانيف السعف فيكون شكله شكل درج ملوي وفي أسفل سعفه الأخضر ليف يشبه شعر الإنسان يبقى قلبه من شدة البرد أو فرط الحرارة. أما الخاصة أو العلماء فقد عرفوا النخل بقولهم شجر من فصيلة الأنبتة الوحيدة الفلقة ذات آح وهي تشمل أشجار مختلفة القد جذعها بسيد أجرد إلا أنه ذو كرانيف تنشأ من بعد قطع السعف وفي أعلاه طائفة من السعف الأخضر طويل جداً ومخوص يلزم بالجذع أشد اللزم وهو في بعضها على شكل أصابع تنفرج الريش أو تتجزأ إلى آخر الجريدة (وهي السعفة إذا جردت من خوصها) فإذا تجزأت أوراق السعفة تسمى الخوص وقد يختلف شكل الخوص بين عريض وضيق وطويل وقصير ومحدد إلى غير ذلك. 3 - أرض النخل أطيب أرض للنخلة هي 1 - الأرض ذات الطينة الحلوة الحمراء الرخوة 2 - دونها الحمراء الممزوجة بالرمل 3 - دونها السوداء 4 - دونها الرملية البنية 5 - دونها الأرض التي فيها شيء من الملح الأبيض المعروف بالبوطاس وهي التي يسميها العرب الأرض السبخة البيضاء إذ يوجد سبخة سوداء 6 - سبخة سوداء لا تنفع للنخلة شيئاً بل تقتلها قتلاً وعلامة هذه الأرض أن تكون رطبة دائماً كأنها مبلولة ماء وقد تنمو أيضاً النخلة في هذه الأرض إذا عني بها أشد العناية من تسميد وسقي وحرث لكنها لا تنمو كافياً في الأرض الصلصالية وهي الأرض التي طينها أحمر صلب جداً لا يلينه الماء إلا أن ماء يرويها رياً وتضر بها الشمس بحيث تكون بعيدة عن الفيء.
4 - زرع النخلة وغرسها النخلة قد تنبت من النواة لكن نخلها لا يجئ إلا بعد مدة طويلة تكاد تكون ضعفي أو ثلاثة أضعاف مدة النخلة الناشئة من التال وإذا جاءت النخلة النابتة من النواة فلا تكون مثل أمها الأصلية بل تمتاز عنها فيسمى نتاجها (دقلة) وقد تشيص (أي يفسد تمرها) والنخلة النابتة من النواة تسمى الجمع (بالفتح) وإلا فالمألوف في غرس النخل أن يؤخذ صغارها وهي المسماة بالتال لا الفسيل لأن الفسيل أصغر من التال اللهم إلا إذا كان صاحب البستان فقير الحال وليس له تال في بستانه ولا يريد أن يصرف مالاً لشراء التال فيقلع الفسيل ويكتفي به عن التال أنا التال فيقلعه أحد العارفين ويتخذ لذلك الآلة المسماة عند قدماء العرب الفصحاء: (المجثات أو المجثة) ويسمونها اليوم في العراق الهيب وهي العتلة والمخل عند المولدين من أبناء الناطقين بالضاد. ولا حاجة إلى أن تقلع التالة بعروقها لأنها إذا طرحت على حدة مدة شهر لا خوف على موتها بشرط أن تبل لكي لا تيبس عروقها وأكثرها ما يكون قلعها وغرسها في أيام الربيع والخريف وإذا شتلت في سنتها الأولى ووافق قدوم البرد عليها تلف لفاً محكماً بالحلفاء أو البردى أو الليف أو سعف النخل أو السوس أو نحو هذه الأنبتة لكي لا تؤثر عليها طوارئ الجو المفرطة. وإذا كان غرسها في أيام الربيع ووافق قدوم الصيف عليها الطخت بالطين حتى يصبح لها كالثوب. والبعض الآخرون يلفونها بل قل يقمطونها بالأنبتة المذكورة كما يفعلون بها عند قدوم البرد عليها. أما الفسيل فإنه يقلع ليباع لكي يأكل قلبه الأولاد الصغار وهذا القلب يسمى الجمار وأكثر الأولاد أكلاً للجمار هم اليهود ثم المسلمون ثم النصارى وقد يأكله كبار الناس وهو وإن يكن لذيذاً للذوق إلا أنه سيئ الهضم والمغبة. وإذا عنى الزراع كل العناية بغرس هذا التال ومداراته ومراعاته يثمر بعد سنتين أو ثلاث في البصرة ونواحيها وبعد ثلاث أو أربع في نواحي العمارة وأربع أو خمس وما فوق في بغداد وما جاورها ولا حاجة إلى القول أنه يجب أن يكون معرضاً للشمس وإلا فقد
يبقى عشرات من السنين بدون حمل إذا كان قد غرس تحت الأشجار الفنواء. وقبل أن نتكلم عن كيفية غرس النخل نوصي الفلاح بأن يختار من صنف النخلة التي يريد غرسها التالة الحسنة من جانب نخلة أصيلة كثيرة الحمل (الطرح) حسنة التمرة لأن النخل كبني آدم قريب النزوع إلى أصله. وإن لم يوجد في بستانك أو ولايتك تال حسب مرغوبك فاطلبه من البلاد المشهورة بتمورها لأن النخل الغريب متى انتقل من محله وحسنت تربيته يتمر جيداً. وإذا بخلت بالدراهم لشراء التال الجيد من بلدك أو من غيره فتلك التالة غير الأصيلة التي تغرسها إذا نمت يوماً تثمر لك ثمرة بخلك وهي الندامة لأنك تندم على أنك غرست بدون جدوى فلا يجوز لك بعدئذ أن تقول ما قاله أحدهم في سابق العهد: (غرسوا فأكلنا نغرس فيأكلون). وأما غرسها فيكون بعد أن تحفر لها في الأرض حفرة يختلف عمقها باختلاف كبر التالة وصغرها وأما قطر الحفرة فيكون بنسبة كبر التالة والأحسن أن يكون بقطر متر ثم خذ التالة وتشتلها شتلاً مستقيماً بكل دقة لكي لا تنمو عوجاء وأحذر عند دفنها من أن تضع التراب على قلبها لئلا تتأذى أو تموت وبعد الشتال (الغرس) تسقيها ماء بدون أن تغرق قلبها وإلا فإن غرق قلبها ماتت. وأن يساعدك الوقت فاسقها بين يوم ويوم. ولما تغرس التالة اقطع منها السعف الموجود فيها من نصفه ولا تدع سالمة إلا سعفات القلب الصغار لئلا تأخذ السعفات الكبار قوتها فتضعف. أما إذا قطعت فتذهب كل قواها إلى السعف الجديد وإلى العروق المحتاجة إليها وداوم على سقيها مدة شهرين وما فوق إلى أن تتأصل عروقها وتصبح قوية جداً. وإذا يبس فيها سعف فاقطعه بلطافة لئلا تهزها وتحركها فتتأذى النخلة من عملك هذا بل إذا أردت قطع السعف اليابس فاستعمل مقص التزبير المعروفة بالفرنسوية باسم مفضلاً إياه على استعمال سكين التكريب وهو السكين الذي يعرفه أهل القرى بالكلاب (ويلفظونها على مألوف عادتهم بالجيم الفارسية المثلثة) وأحذر من أن تبقى حول التالة حفرة لئلا يسرى منها إلى منها ما يقتلها من برد شديد أو حر لا يطاق من عوارض الجو الفجائية.
ولهذا يجب عليك أن تتعهدها في غالب الأحيان وتحيطها بالتراب فإذا فعلت ذلك أمنت عليها من هبوب الريح الشديدة والعواصف القوية لما تكبر ثم تضع في الجوة التي تشتل فيها التالة قدراً وافياً من السماد (وتسميه الأعراب أيضاً الدمن أو السرقين) وأفخر سماد البغداديين يكون من خثى البقر أو بعر الجمال أو بعرور الغنم وكل سرقين يتخذ من الدواب ويجب أن تبعد التالة عن التالة مقدار خمسة أمتار وإذا بعدتها عشرة أو خمسة عشر فقد ضمنت لها حياة أطول وريعاً سريعاً وثمرة حسنة ولهذا تقول النخلة بلسان زراع العراق (أبعد أختي عني، وخذ حملها مني) وهو مثل مشهور يدلك على أنك كلما أبعدت النخلة عن أختها زكت وراعت وقد دلت التجارب على أن النخل المتقارب لا يحمل إلا شيئاً زهيداً لأن كثرة الحمل (الطرح) ينشأ من عدد العروق إذ أن المتقدمين من علماء الفلاحة يقولون إن كل عرق يزيد في النخلة يقوم برطل من الرطب وأما كثرة العروق فتنشأ: أولاً من رخاوة الأرض ولا جرم إن سريان العروق في الأرض الرخوة هو أهون وأسهل عليها من سريانه في الأرض الصلبة. ثانياً ينشأ من إرواء النخلة ماء كافيا واعلم أنه من غرس في الدنيا يتحمل كثرة الماء وتوالي السقي كل يوم مثل النخل سواء كان الماء عذبا أو ملحا بخلاف باقي الأشجار فإن بعضها يضره كثرة الماء وتوالي السقي عليه كل يوم وملوحته ولهذا ترى في البصرة وما يليها كثرة النخيل وما ذاك إلا من كثرة السقي بواسطة المد والجزر مع أن الفلاح قليل العناية به ولا يتعهد سماده ومداراته إلا قليلاً وسوف يرى عن قريب فلاح العراق إن الفلاح الأميركي يسبقه في عمله لمداراته النخل كل المداراة فيجني من حسن عنايته به كل نفع ويفرح كل الفرح بخلاف فلاحنا العراقي فإنه يرى نفسه إنه لم يترق عما كان عليه أسلافه فيندم على تهاونه وإهماله الاعتناء اللازم بنخله. وإذا نشأت التالة وصارت (نشوة) يعمد الفلاح إلى تركيبها أي إلى قطع سعفها أو جريدها اليابس إذ لابد منه. والتكريب بلسان العراقيين هو التشذيب عند الفصحاء وهو أن تقطع من النخلة ما كثر من سعفها وتلبد من ليفها بأن
تنزع طبقة واحدة من الليف ويقطع صفا واحداً من السعف الذي كان يغشيه فيبقى منه على النخلة (الشذب) وهو ما بقى من الكرب بعد قطعه من الجذع. وأما كثرة حفه والإفراط في قطع سعفه الأخضر فإنه يؤذيه كما يؤذي الإنسان إن قطع منه عضو أو كما يؤذي الإنسان إذا بولغ في حلق رأسه وأخذ شيء من فروته فهل يمكن أن لا يتأذى وهذا ما يقوله فلاحونا بهذا الخصوص وللنخلة شبه بابن آدم وطباعه وخواصه من حيث استقامة قدها وطولها وامتياز ذكرها عن إناثها واختصاصها باللقاح. وإن لم تكرب النخلة لا يكون لها جذع بل تكون كغابة من سعف أو كرأس إنسان قد نفش شعره بحيث يصبح منظره مخيفاً لكل من يراه وكذلك القول عما حولها من الفسيل والتال لأن هذه تضعف أمها جداً جداً. فيجب على الفلاح أن لا يربي تحت النخلة صغاراً من أولادها بل كلما خرجت تالاً قلعه لأنه كلما اتلف من أولادها أذخر قوة لأمها ولهذا ترى اغلب النخل في العراق ضعيفاً قليل الحمل لأنك إذا دخلت البساتين ترى حول كل نخلة نشوة من عشر تالات وما فوقها وحول بعضها أحيانا ما يقارب الثلاثين من تال وفسيل وهذا أكبر خطاء والخطاء الذي هو أكبر من الأول هو أن العراقيين اتخذوا عادة قبيحة وهي قطع السعف الأخضر من النخل لبيعه أو لنسج الحصران الخ. وسنذكر منافع سعفه في فصل خصوصي. فإن الفائدة التي تنتج من ثمن السعف المقطوع لا تساوي ضعف النخلة وهزالها ومن الناس من يقطع من سعف قلبها وهذا أمر مضر أشد الضرر لأنه أول واسطة لأهلاك النخلة إذ تحت هذا السعف الجمار الذي في رأس النخلة فإن أصيب هذا بآفة أو بضربة فاس قوية الخ. هلكت النخلة لأن الجمار لها بمنزلة الدماغ لرأس الإنسان فيجب عليك أيها الفلاح أن لا تقطع شيئاً من جريدها إلا ما مال بنفسه وبدا بالجفاف وسبب تكاثر التال حول الأم ناشئ من قلة العناية بالزراعة في هذه البلاد والتال يباع وينقل إلى الديار الغريبة وتباع الواحدة منه بنصف فرنك أو أكثر وإذا كانت ذات تمر نادر الوجود فلا يبيعها صاحبها بل يغرسها ويعتني بها. وأما أرباب البساتين الواسعة الكبيرة فإذا طلب أحد أصدقائهم منهم تالاً تكرموا عليه بقدر ما يريده بدون عوض. 5 - احسن واسطة لتحسين أراضي السبخة للغرس والزرع احسن طريقة لتحسين أراضي السبخة هي أن تكربها كرباً نعما وذلك إن تمر عليها السكة أو الفدان مرتين أو ثلاثاً في إبان فيضان المياه في الربيع ويوضع فيها من السرقين أو من أي نوع كان من السماد بقدر ما يمكن ثم أطلق عليها الماء الكدر المعروف عند
بقايا بني تغلب
العراقيين (بماء الدهلة) وهو الغريل أو الغرين إلى أن يعلوها نحو نصف متر واتركها على حالتها إلى أن يصفو فيحول الماء الصافي إلى أرض أخرى بشق جدول صغير يدفعه فيها. فإذا نشفت الدهلة يطلق الماء عليها ثانية ويتصرف فيها كما تصرف فيها في المرة الأولى فإذا يبست كربت كراباً حسناً مرتين. ويعاد هذا العمل مدة الربيع كلها إن أمكن إلى أن يأتي الصيف فتشمس لتحميها الشمس بحرارتها المحرقة وتقتل كل ما تولد فيها من الدود المضر بسبب السماد الكثير الذي ألقى فيها. وإذا فعلت ذلك مدة سنتين أو ثلاث تزول السبخة وتصبح أرضاً جيدة تربي النخل بنوع يدهش العقول ويحير الألباب وإذا أردت أن تزرع في الأرض السبخة التي أصلحتها بعملك هذا نخلاً فازرع فيها شعيراً بعد السنة الأولى التي أغرقتها بالدهلة وأبذر فيها بذراً كثيراً ولا تفشل أن لم ينبت فيها كثيراً في السنة الأولى لأنه ينبت أكثر بل أضعافاً في السنة الثانية وما يليها. وإذا داومت على عملك هذا إلى السنة الثالثة والرابعة والخامسة فيمكنك بعد ذلك أن تزرع فيها ما تشاء وهذا أبين دليل على إمكان تحسين الأرض السبخة وليس كالتجربة بينة قاطعة. أختبر، تعجب. والله الموفق. حنا انطون جرجس بقايا بني تغلب 1 - مدخل ليس الغاية من هذه النبذة تحبير مقالة في بني تغلب وتاريخهم منذ نشوئهم إلى يومنا هذا. فهذا مع ما يكون فيه من الطول وعر المسلك بل الوصول إليه بمناط العيوق بيد أننا نريد بهذه اللمعة أن ونوقف القراء على ما صارت إليه هذه القبيلة العظمى بعد الإسلام والإشارة إلى أنها لم تنقرض إلى عهدنا هذا. 2 - من المراد بالتغالبة هنا بنو تغلب (وهي بكسر اللام إلا أن النجديين الحاليين يلفظونها بضم اللام وزان تنضب) اسم يقع على قبيلتين: إحداهما بطن من قضاعة من القحطانية وهم بنو تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة والمظنون بل المرجح أنها
انقرضت مع سائر ما انقرض من بطون قضاعة، والأخرى حي كبير من وائل من ربيعة من العدنانية، والنسبة إليهم تغلبي بفتح اللام وسكون الغين المعجمة وكانوا في الأغلب نصارى وهم الذين أرصدنا لهم هذا المقال. 3 - خمول ذكرهم في التاريخ وضياع اسمهم قال القلقشندي في صبح الأعشى وفي نهاية الأرب ما محصله: من التغالبة أقوام باذرح وبصرى ومنهم نفر بالقريتين وقال في موضع آخر من كتابيه: ومنهم ملوك حلب قديماً وهم بنو حمدان. قلنا: تفرقت بعد ذلك هذه العميرة وانضم كثير منها إلى أعراب مختلفين فلم يجد النسابون لها حياً يسمى باسمها ولهذا لم يذكروها في كتبهم المؤلفة بعد مصنفات الأقدمين. ولعل المتأخرين اشتغلوا بذكر القبائل الكبيرة التي كانت في عهدهم عن هذه القبيلة الشهيرة لأسباب عديدة لا يسعنا ذكرها هنا منها: لكونهم انزووا في أحد مواطن ديار العرب فلم يروا ولم يذكروا، أو لإندساسهم في إحدى القبائل الكبيرة فغلب اسمها اسمهم فكانوا كالقطر في البحر. ولهذا نبحث عنهم في جزيرة العرب لعلنا نجدهم في إحدى ديارها. 4 - البحث عنهم في ديار العرب الصميمة من اصطلاحات الناطقين بالضاد في بلاد جزيرة العرب إنهم يقسمون اليوم سكانها إلى قسمين عظيمين وهما: عرب الشمال وعرب الجنوب. ويعرف الشماليون باسم (عناز) والجنوبيون باسم (لماز)
أما عناز فمنهم الحاليون وهم يرجعون إلى أوائل ربيعة؛ والرولة وهم قبيلتان فخمتان يتفرع منهما بطون وأفخاذ وعشائر كثيرة وتقطن عنزة في الغالب ديار العراق وأكثرهم أعراب رحالة ذات ابل وخيل وماشية وشاء كثيرة. وترى لرولة بين الجوف (جوف بني عمرو) والشام. وهم يرتادون الجولان أياماً وينتجعون أراضيه فصلاً من السنة ويمتارون من الشام كما تمتار عنزة من العراق ويدخل في (عناز) قبائل أخرى عديدة مسكنها في الأغلب الديار الشمالية من جزيرة العرب ومنهم شمر وفدعان وغيرهم مما يطول ذكرهم. وأما (الماز) فهم قبائل كثيرة وهذا الاسم يطلق على كل من كان في جنوبي الجزيرة العربية بدون تحديد فيسمى العرب الشماليون: الضفير ومطير والعجمان وبني خالد وغيرهم (قوم لماز). وفي المثل السائر عندهم (ما أكثر من عناز إلا لماز) أي لا يزيد عنازاً في العدد إلا لمازاً. ولهم في هذه التسمية أقاويل منها: إن عنازاً ولمازاً كانا أخوين نشأ من أب واحد إلا أن الطمع داخل قلبيهما فاختصما ثم افترقا وكل منهما اتجه إلى ناحية من ديار العرب فولد الأولاد الذين نشأت منهم العمائر والأحياء الموجودة في القطرين الشمالي والجنوبي فانتسبت كل قبيلة إلى أحد جديهما الأكبر أي أما إلى عناز وأما إلى لماز وهذه من حكاياتهم الحالية. فإذا علمت ذلك عرفت أن القبائل في هذه الجزيرة المباركة أصبحت كالكتل الكبيرة وكل كتلة تتفرع منها بطون كثيرة يشملها اسم القبيلة الكبيرة مع المحافظة على ما هنالك من البطون المجاورة لها ولهذا لا يقدر النسابون أن يصلوا إلى تحقيق بطون تلك القبائل إلا بعد خوض عبابها ومعاشرة أهليها وإحفاء السؤال عنها بكل دقة. والقبائل التي حفظت من الانقراض هي العمائر أو الأحياء الكبيرة وبوجودها إلى يومنا حفظت أنسابها من التشويش والارتباك ولكن إذا أردنا أن نفتش عن بقية القبيلة بفروعها الصغرى عسر علينا العمل وشق إلا أن نستقري دقائق الأمور بجلائلها فحينئذ تتجلى لنا الحقيقة بصورتها البديعة الحسناء.
5 - طريقة وصولي إلى معرفة هذه القبيلة التغلبية في سنة 1319هـ (1901م) كنت في بلاد عمان فوجدت في نادي أحد الشيوخ رجلاً نسابة من كبار رجال جنوبي نجد يقال له (فهد المحمد الفضلي) فسألته عن أشياء كثيرة تتعلق ببعض القبائل فأجابني عنها أحسن إجابة واستفدت منه فوائد جمة دونتها في مذكرتي ولم أزل أحفظها وأدعو له بالتوفيق لما اقتبست منه. ومن جملة هذه الفوائد ما ذكره لي عن قبيلة (الدواسر) قال: (إنهم من بني تغلب بن وائل وسبب تسميتهم بالدواسر هو لأن أحد رؤسائهم واسمهم (دواس) حينما نزل بإعرابه (وادي حنيفة) غرسوا فيه نخيلاً سموه السر و (السرية) وهما معروفان إلى يومنا هذا بالاسمين المذكورين والسر بطن الوادي فلما أقاموا فيه طويلاً عرفوا بذلك الوادي ونسبوا غليه فقالوا: (دواس سر) كقولك أعراب الشيخ دواس النازل في سر أو كغارس سر وسرية أو عرب دواس سر وقد قدموا إليه من اليمن وبتداول الأيام قالوا دواسر ثم قال: وأحقهم بالتغلبية (آل فضول) (بضمتين) ولا يوجدون اليوم إلا في الوادي المذكور. وليس كل من نازلهم هناك هم منهم لأن فيهم من أعراب بكر وزائد وغيرهم.) والظاهر إنهم من تغلب طبقاً لما قال هذا النسابة وذلك من وجهين: 1 - اتفاق أكثر النسابين العصريين على هذا الرأي لا سيما أولئك الذين ترددوا إلى تلك البلاد إذ هم لسان واحد في أن التغالبة هم في جنوبي جزيرة العرب ولم يذاكروهم بين عرب الشمال وإن كانوا في سابق العهد ينزلون الديار الشمالية. 2 - كثيراً ما ينقل في أدبيات وأشعار هؤلاء الأقوام مما يدل على إنهم تغالبة فقد قال أحد شعرائهم العصريين إنا بني تغلب من نسل وائل ... من قديم شبوب الحرب منا إن خذينا السلائل بالدبائل ... نعجب إلى غطاريفه تثنى
ومعناه: نحن بني تغلب من نسل وائل ومن صفاتنا القديمة إشعال نار الحرب ونحن إن أخذنا (خذينا) البنادق (السلائل) بالهجمات أو الحملات (الدبائل) نعجب الذي (إلى) جدائله (وهي الغطاريف) تتثنى (تثنى) لطولها ومحصل البيتين: إننا نحن بني تغلب من نسل وائل ولقد اشتهرنا من سابق العهد بأننا مساعير حرب فإن نحن أخذنا البنادق في الهجمات أعجبنا ذوات الحسن والشعر الطويل الذي ليس في طوله تغضن أو تجعد. قلت: أذكر أنني سمعت (بآل فضول) لما كنت في نجد وهم ينسبون إلى قبيلة كبيرة ولكن لم أبحث يومئذ عن أصلهم. ولا بد لهم بقية باقية في جنوبي نجد. ثم إني سألت بعد ذلك أحد الشيوخ الكبار وهو الشيخ (مجول الجرباء رئيس عشائر شمر) عن تغلب وهل لها بقية موجودة في الديار الشمالية، فلم يذكر لي من ذلك شيئاً بل تعذر عليه تعيين البطن معتذراً عن ذلك لتغيير الأسماء عليه ولم ينف بالمرة وجود بقية منهم فلما ذكرت له (الفضول) طابت نفسه وأرتاح لهذا الاسم كثيراً وكأنه كان نائماً فاستيقظ ثم قال: إنه قريب من الصواب، ثم فكر هنيئة وقال: بل هو الصواب عينه. وعد لي منهم (سالم الجرباء) جد مطلق وبنيه الجرباء رؤساء شمر أي الجد الأول المؤسس لإمارة شمر في جبل طي. وكان ذلك في حين نبوغ أول رجالها المشهورين بهذا الاسم - وذكر بعد ذلك أشياء تدل على صدق قوله. ثم قال: إن الفضول اندمجوا في القبائل وتشتتوا في البلاد وأورد أدلة عديدة على تأييد كلامه هذا.
ويخطر ببالي إني سمعت أن لبني تغلب بقية في بلاد عمان. ولكن لا يسعني تعيين ذلك أما إن الدواسر هم من بني تغلب فأكثرهم يقولون به بل وإلى الآن نخوتهم في الحرب حينما يتداعون: (يا أولاد وائل) - وعرب الجزيرة تشهد لهم بالأصالة التي يدعون بها. وينقسم الدواسر في عهدنا هذا قسمين: حضر وبدو. وذلك بالنسبة إلى بلادهم فالحضر هم سكان الوادي ولما حوله من قرى ومدن تجاوره أو تبعد عنه. - والبدو هم سكان بيوت الشعر ولهم سابلة (أي أناس يترددون إلى المدن ليمتاروا لهم وينزلون حيثما يرتادون الكلا لكنهم لا يبعدون عن أراضيهم وديارهم بعداً شاسعاً. وهم كلهم كثيرو العدد والعُدد، شديدو البأس وهم أشجع قوم يقطن تلك الديار ويجودون بأنفسهم لأدنى أمر صغير أو كبير - وهم أعزاء لقاح لم يدينوا لحاكم أبداً ديناً صادقاً وإنما كان خضوعهم للحكام بمنزلة خضوع أناس لا يخرجون عليهم ولا يقاومونه أو يعتدون عليهم. وإذا انصفوا أعطوهم مالهم عليهم من الواجبات كالزكاة وما أشبهها. ومن جملة ما يحكى عن شجاعتهم إن واحداً منهم صادف رجلاً من أعراب العجمان فعدا أحدهما على الآخر فلما أخذا الواحد بالآخر وتناول كل منهما خنجره ليضرب صاحبه قال العجمي للدوسري: (هدني وأهداك) (أي اتركني وأتركك) فقال الدوسري: (لا بل قدني وأقدك وكن أمنا ما جابتنا) أي: لا بل قدني (أي أضربني وشقني بخنجرك) وأضربك بخنجري ولنمت في سبيلنا كان (وكن) أمهاتنا لم تلدننا (ما جابتنا) ثم ضرب أحدهما الآخر فخرا صريعين مضرجين بدمائهما وهي من رواياتهم المشهورة بينهم بل أشهر من قفا نبك عندنا. 6 - قبائل الدواسر المنسوبة إلى التغالبة من الدواسر (آل زائد) وهم ينقسمون إلى ثلاث قبائل وهي: البدارين وأولاد
سالم والصهبة. والبدارين ينقسمون إلى بطون وهي: آل عامر ومسكنهم الغاط السويد بنو على ومسكنهم جلاجل بنو سعيد أو ابن سعيد ومسكنهم ثادق آل أبو فلاح ومسكنهم عمان ويقسمون أولاد سالم إلى: الوداعين والرجبان والمخاريم أما الوداعين فمنهم: آل ضويان وآل دليم والخماسين والولاحين، وآل عويمر أو آل عمر وآل معنى، والجماعين والضغمة، وآل خليف، والرواشدة، ومن الرجبان: الشوائق، والحرارشة، والبراز، والطوال وآل حميد، والذلوق. ومن المخاريم: الصييلات أو الخييلات، وهو الأشهر والأصح، والضبان وآل منيع. ومن الصهبة: المساعرة، وآل بريك، والشرافاء أو الشرفة - وينقسم آل بريك إلى هذه الأفخاذ وهي: البو زمام،
الكلمات الكردية في العربية الموصلية
والقربان، والحراجين، والحفزان، والدغمة، والعجالين والبو رأس، وأما المساعرة والشرافاء فلم تذكر اليوم أفخاذهم. هذا ما أردت إثباته تدويناً للحقائق وحرصاً على أنساب العرب وفوق كل ذي علم عليم. سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض (لغة العرب) وإتماماً لهذا البحث الجليل الذي أتحفنا به حضرة صديقنا العزيز سليمان أفندي الدخيل نذكر هنا ما جاء في الكتب عن الدواسر. قال في التعريف. بالمصطلح الشريف، ص 78: (من عرب اليمن: الدواسر وزبيد. كان لي رجال منهم بسبب خيل تسمى للسلطان عندهم. وكنا نكتب إليهم على قدر ما يظهر لنا بالاستخبار عن مكانة الرجل منهم. اهـ ونقل هذا الكلام القلقشندي في كتابه نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، ولم يزد عليه حرفاً واحداً وأما المعاجم اللغوية والمعالم العربية والأعجمية فلم يذكروهم وقد ذكرهم أيضاً السيد إبراهيم فصيح الحيدري في كتابه عنوان المجد، في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد، قال. ومن أعظم عشائر نجد (الدواسر) وهم خلق كثير حاضرة وبادية في غاية القوة والشجاعة والكثرة والعنف وقبائلهم التي في البادية كثيرة منها: المساعرة، وآل بريك، وآل أبو سباع أو المخاريم والرجبان، والخييلات، والشرافاء، والغيثيات، وآل أبي حازم؛ وآل عمار، وشيخهم أبو قويد. قال في نهاية الأرب: وهم بطن من العرب باليمن ولم ينسبهم إلى أحد اهـ. الكلمات الكردية في العربية الموصلية (لغة العرب) في بغداد اثنان من الأدباء النصارى يعنون بتدوين لغة العوام في العراق وهما رزوق أفندي عيسى وداود أفندي فتو. أما رزوق أفندي فقد أكمل معجمه وهو كله مسود وأما داود أفندي فإنه أنهاه أيضاً لكنه لم يبوبه تمام التبويب. وكنا قد بدأنا بطبع معجم رزوق أفندي في مجلتنا إلا أن تراكم المواد والمواضيع تحول دون تحقيق الأمنية في بعض الأحيان. أما داود أفندي فتو فقد استل من معجمه الذي سماه (بغية المشتاق، إلى لغة العراق) مقالة يذكر فيها ما في لغة الموصل العربية، من الألفاظ الكردية لإنتياب الأكراد تلك المدينة العظمى وهاهي:
لما كانت الموصل قريبة من ديار الأكراد وكان ترددهم إليها لا ينقطع في بحر السنة دخل شيء من لغة المواصلة وهاءنذا أورد بعض تلك الألفاظ على ما تحضرني بدون أن أتبع في سردها ترتيباً. فمنها: 1 - كزيغ وتلفظ وهو الجابي أو معاون مختار القرية وأصلها (كزير) (وزان صغير) لكن لما كان الموصليون يلفظون الراء غيناً قالوا كزيغ بإسكان الأول. 2 - شكفته كهف في أسفل الجبل من شكفت بمعناها. 3 - أرى نعم أو بلي. وتستعمل في البيع والشراء في السوق فقط. 4 - كلي الوهدة بين جبلين. 5 - جراغ القنديل وأحيانا بمعنى التلميذ لأن الخريج اقتبس علمه من ضياء معلمه. 6 - هرا اذهب أو ابعد (بصيغة الأمر). 7 - ورا تعال أو اقبل (بالأمر) وأهل بغداد والموصل يقولون إذا عزموا على إتيان أمر ولا يعرفون نتيجته: أنا أسوي هذا لوهرا لو وراء أي أما أن أكون ناجحاً فيه أو خاسراً أو معناه أني لأفعلنه مهما كانت نتيجته إن حسنة وإن سيئة. 8 - نرم تستعمل للدلالة على الشيء الغض أو الرطب اللين كالخبز مثلاً ولهذا يقول الخباز: نان نرم أي خبز غض. 9 - ترك ضرب من خشب الوقود يكون كالجزل. 10 - جاكون المحجن والعصا وأصله جوكان فقلبت: 11 - برو: اذهب (بصيغة الأمر). 12 - جاروخ شيء يابس في الرجل (راجع لغة العرب 3: 237). 13 - كرم الحار يستعملها الخباز إذ يقول: نان كرم بمعنى خبز حار. 14 - نان خبز. 15 - هم نان وهم درمان من عباراتهم المشهورة ومعناها الحرفي خبز ودواء معاً وهو على حد قولك: هذا نافع كل النفع بمنزلة طعام ودواء. 16 - كجي القصيع والقصير القامة. وتستعمل غالباً صفة لضرب
من البغل صغير الجثة بطئ النمو أو يبقى قصيراً بدون أن يعظم. 17 - كرو تستعمل للنداء كقولك: يا هذا ويا صاح أو ويلك! 18 - روبال النهر أو الساقية تكون في الجبال أو بين الجبال وهي منحوتة من (رو) أي نهر و (بال) أي عال. 19 - جاكا بمعنى كلمة تقال للاستحسان كقولك حسن أو طيب! 20 - نزانم لا أدري. 21 - نزانم راحتي جانم معناه: كلمة لست أدري، مدعاة لراحتي، أو كقولك السكوت من ذهب. 22 - كيخوه هكذا يلفظها أهل الموصل وينطقون بهاء أما أهل كركوك فيقولون (كوخه) ومثلهم يقول أعراب الخالص. وأصلها كتخد أو كدخدا. وأهل بغداد يقولون (كهيه) وآخرون يقولون (جخوه) ومعناها رئيس القرية أو القهرمان أو القيم على المال. 23 - بير الرئيس أو المقدم. 24 - هركل أحمل (أمر من حمل). 25 - كلاش نوع من الجرموق أو الحذاء (راجع لغة العرب 3: 308) ولعلها من قالوش أو غالوش التركيتين وهما من أصل رومي أو يوناني وهو بالفرنسوية 26 - كلاو أو كلاه أو قبع أو نوع من القبع. 27 - دشت السهل والصحراء. 28 - تشيي نوع من المغزل وهي بالكردية تشي تسوي من الخشب وتكون غليظة الرأس دقيقة الأسفل وفي أعلاها مسمار ملوي يغزل بها الصوف ونحوه. 29 - سر الرأس. ولا سيما قطعة من الصفيح توضع على متقد النارجيلة لتحفظ نارها من السقوط أو من الريح الزائدة. 30 - سر سريمن وسرجاوه عبارة يقابلها عند العوام من العرب: على العين والرأس أو عند الفصحاء سمعناً وطاعة. 31 - دوست الصديق. 32 - فعلت بهردو بمعنى لعن الله الاثنين. 33 - حقيمن بدا، حقيتو سهله عبارة
التجارة في بغداد
تقال للشخص المماطل الذي يريد أن يدفع الغير طلبه وأما طلب الغير منه فيستهين به. 34 - على خدا أي على الله أو الاتكال عليه تعالى. 35 - كشتار أو كشتال قطيع الغنم المعد للذبح. 36 - ما يأخذه صاحب الأرض ممن يرعى دوابه فيها أو رسم تتقاضاه الحكومة عن رعي الغنم. 37 - جال الحفرة الكبيرة تحفظ فيها الحبوب. 38 - جربارة جمبارة من جالبارة تصحيف جاربارة من الفارسية جها رباره وهي الصفاقة. 39 - دراكا بنا أي هات العصا، من دارك تصغير دار وهو العود والعصا. 40 - جوال أصلها جال في لسانهم وهو الجوالق بالعربية والجوالق من أصل فارسي وهو كواله. هذا ما أردت تعليقه في هذه النبذة الوجيزة إظهاراً ما للأكراد من التأثير على البلاد العربية التي يترددون إليها. وهناك غير هذه الألفاظ وقد اكتفينا بهذا الوشل عملاً بكلام الشاعر القنوع القائل: فاقنع ففي القناعة راحة. واليأس عما فات فهو المطلب داود فتو التجارة في بغداد 1 - مدخل البحث ما من شيء يدل على صحة البدن مثل صحة الدم وتجوله في أنحاء الجسم بدون أن يقف بوجهه مانع يحول دون سيره. وإذا أردت أن تعرف ما يقابل حياة البلاد وصحة بدنها العمراني فحول نظرك إلى تجارتها؛ فإن رأيتها نافقة وليس هناك ما يمنع ترقيها أو تقدمها من حيف أو قلة أمن أو تعدٍ من أي نوع كان، حكمت على أن تجارتها راقية وإن أهلها راتعون في بحبوحة الأمن والراحة. وإثباتاً لهذه الحقيقة جئنا بهذه المقالة لنبين للقراء ما وصلت إليه بغداد من التجارة في آخر سنة 1912 ثم نشفعها بمقالة أخرى لنثبت حالتها في آخر سنة 1913 وعلى الله الاتكال.
كانت تجارة هذه الحاضرة في مدى سنة 1912 متقلبة على فراش كان تارة وثيراً وطراً جافياً. بسبب ما وقع في ديار فارس من الاضطراب والفتن السياسية. وأنت خبير بأن بغداد تدفع مياه بياعاتها في بحر تلك الأرجاء فكان من تلك الارتباكات السياسية ما تردد صداه في بلدتنا هذه فأثر عليها أشد التأثير. ومع ذلك نقول بوجه الأجمال: وكانت تجارة بغداد في مدى سنة 1912 حسنة النتاج من جهة الإصدار وقليلته من جهة الجلب. 2 - أسعار الحوائل (الكمبيو) جرت الأسعار في السنة المذكورة على هذا الوجه: صرفت الليرة الإنكليزية محولة بعد الاطلاع عليها في لندن بسعر غروش صحيحة 107 إلى 111 بعد 4 أشهر 105 إلى 108 1000 روبية صرفت حوالة بعد الاطلاع عليها في بمبي من 72 إلى 74 ليرة عثمانية. 3 - أسعار الناولون (الجعل) أسعار النول أو الناولون (الجعل) على البحر كانت أعلى من سنة 1911 أما الجعل على الشط (النهر) كان أدنى. وكانت الأسعار تتراوح على هذه الصورة والمعاملة بالشلينات. الجعل على الشط من بغداد إلى البصرة من 5 شلينات إلى 23 عن الطن الواحد 16 شلينا إلى 33 شحنا إلى المحل المطلوب الجعل على البحر من البصرة إلى لندن شحناً عاماً من 27 شلينا إلى 30 عن الطن الواحد لشحن الحبوب من 6، 24 إلى 6، 27) إلى مرسيلية شحنا عاما من 32 إلى 35) لشحن الحبوب من 6، 29 إلى 6، 32) إلى سويس لكل شحن كان من 6، 27 إلى 30) ويجب أن نلاحظ هنا أن أصحاب شحن الأموال إلى بلاد الإفرنج يفضلون
إيداع بضائعهم إلى الشركات التي تكبثها في بمبي (أي تعمل أخطر منها كما يقول أهالي بغداد دأى تحول شحنها من مركب إلى مركب في بمبي والأقطرمة كلمة تركية). والسبب هو لأنهم يعملون بوجه أكيد أنها تصل إلى محلها في يوم معلوم إلى الميناء المطلوب وإن كان الجعل أعظم من الجعل الذي ينفق على سائر بواخر الشركات الأخرى التي تذهب تواً إلى الميناء التي تقف فيه. وللشركة التي تكبث الأموال في بمبي سفرة واحدة مطردة في كل أسبوع من البصرة إلى بمبي بدون تخلف البتة. لنقلها بريد الهند الذي يذهب إلى لندن أيضاً. اعلم هذا حتى تقف على حقائق التجارة في انحائنا هذهز 4 - الجلب سكر القوالب إن سكر بلجكة المصبوب بهيئة قوالب صغيرة هرمية الشكل غلب سائر أنواع السكر المفرغ على صورته التي تأتينا من سائر بلاد الإفرنج ولا سيما ما يأتينا من فرنسة والسبب هو رخاء أسعاره. إلا إن في هذه السنة قل جلبه بنحو نصف القدر الذي جلب منه في السنة السابقة للفتن التي وقعت في بلاد فارس. وبيع السكر في غرة السنة بقيمة 36 فرنكا وفي أواخر السنة بقيمة 45 فرنكا. السكر البلوري جلب من هذا السكر شيء كثير في أوائل سنة 1911 من بلاد الإفرنج المختلفة لكنه لم يبع كله لاضطرابات فارس ولهذا لم يجلب منه في بقية أيام السنة. النحاس لما كان سعر السلعة غالية جداً في أوربة وكان الطلب قليلاً لم يجلب منه شيء كثار. الشاي جلب منه شيء نزر من أجل الفتن الفارسية ولم يبع منه إلا 2 من المائة لأهالي حاضرتنا أما الباقي فقد بقي مخزوناً في ديوان المكس والتجار لبثوا ينتظرون أمن الطريق ليبعثوا بأموالهم إلى بلاد العجم. الثقاب (أو الشخاطة بلغة العراق) إن جلب الثقاب يزداد كل الازدياد بنوع مدهش واغلبها يأتينا من بلاد اسوج. الزيت الحجري (الكاز) زاد صرف الزيت الحجري في هذه السنة فقد جلب منه 120. 000 صندوق
كانت ثلاثة أعشارها من ديار روسية والباقي من أميركة. أما الزيت الحجري الروسي وهو الأحسن فقد بيع الصندوق منه بقيمة 58 قرشاً صحيحاً، وفي كل صندوق تنكتان (التنكة أما الأميركي فقد بيع الصندوق منه بسعر 46 قرشاً صحيحاً - ومنذ يضع سنين شاع على ألسن الناس ذكر الزيت العجمي الذي ينبع في عبادان لكنه لم يظهر في أسواقنا إلا في أواخر هذه السنة وهو غير حسن ولهذا لم ينفق منه عندنا إلا قليلاً. 5 - الإصدار الصوف العربي كان اتاء الصوف العربي حسناً هذه السنة من جهة القدر والصنف وكان في أول الموسم يباع المن منه بقيمة 16 شلينا وفي آخره كان يباع بقيمة 20 شليناً والمن هو عبارة عن 34 ليرة إنكليزية والليرة الإنكليزية عبارة عن 453 غراماً و54 سنتغراماً (فيكون المن 15 كيلغراماً ونحو 650 غراما) والظاهر أن ارتفاع سعره فجأة نشأ من رغبة الإفرنج فيه فبيع كل ما كان مخزوناً ولم يبق منه شيء. الصوف العواسي والكرادي كانت أسواق أوربة وأميركة كثيرة هذه الأصواف ولهذا لم يبع منهما في أول الموسم إلا بقيمة 13 وتسع وفي آخر الموسم بيع المن منه بقيمة 24 للصنف الذي لم يغسل. الكثيراء كان موسم الكثيرآء متوسطاً من جهة القدر والصنف وكانت قيمة القنطار الإنكليزي (وهو الهندرويت - وهو عبارة عن 50 كيلو غراما و8 أعشار الكيلغرام) بين 6 و10 ليرات. العفص كان اتاء العفص متوسط القدر هذه السنة وأما صنفه فكان سيئاً ويأتينا العفص عن طريق الموصل بأكياس وفي كل كيس من العفص الأبيض أكثر مما فيه من الأخضر وكانت قيمته تختلف بين 11 ليرة عثمانية ونصف بزيادة ونقصان في كل قنطار والقنطار عبارة عن 640 ليرة إنكليزية (والليرة الإنكليزية هي 453 غراما و54 سنتغراما). التمر كان اتاء التمر متوسطا لكن غلاء العيشة في بغداد رفع أسعاره لا سيما لأنه طعام
أسئلة وأجوبة
المتوسطي الحال ولهذا لم يرسل منه إلا نزراً إلى أوربة وديار الشام. الأفيون إصدار الأفيون كان متوسطا وكانت أسعاره أعلى من سابق وكان ثمن الصندوق الذي يزن 140 ليرة إنكليزية من 90 إلى 130 ليرة عثمانية وكان اغلب هذه السلعة إلى هنكنع وسنكابور. الحبوب كان اتاء الحبوب أدنى من المتوسط وارتفعت أسعاره ارتفاعاً محسوساً بحيث إن المعيشة أصبحت صعبة لغلائها ومع ذلك فقد شحن من الحنطة والشعير إلى ديار الإفرنج قدر لا يسكت عنه وما بقي منهما في المدينة بأثمان باهظة. هذا مجمل ما يقال عن البضائع المجلوبة والصادرة ودونك الآن بيان هذه البياعات بالتفصيل. (له تلو) البر كسبرخان أسئلة وأجوبة 1 - أصل لفظة التمن بمعنى الأرز سألنا كثيرون من العلماء والأدباء من عراقيين وشاميين ومصريين: من أين أتت لفظة التمن العراقية الواردة بمعنى الأرز الحب المشهور وهل هي قديمة في العراق. وما أصلها؟ قلنا: التمن (وتلفظ بضم التاء المثناة وتشديد الميم المفتوحة) كلمة عراقية قديمة بمعنى الأرز أو الرز. ولعلها من السريانية (تمز) بمعناها، قلبت الزاي نوناً وكثيراً ما تعاقب العرب بين هذين الحرفين أينما وقع إن في الأول أو في الوسط أو في الآخر فقد قالوا: مثلاً: نكأ فلان حقه وزكأه أي قضاه إياه وازدكأ منه حقه وانتكأه أي أخذ رفضه. ويقال: هو زكأة نكأة كهمزة فيهما أي يقضي ما عليه من الحق ولا يمطل رب الدين. ويقولون: اللجن واللجز وهو اللزج والضيأز والضيأنك الذي يتقحم في الأمور. ومثل هذا كثير في لغتنا العربية ولعله لغة من لغاتهم القديمة. وعهد هذه اللفظة قديم لأن ابن بهلول يذكرها في معجمه الآرامي العربي
وكان من بلاد شمالي العراق (من أوانا من طيرهان وهو من أهل منتصف القرن العاشر المسيحي أو من أهل منتصف القرن الرابع للهجرة مما يدل على أنها قديمة). أما إنها السريانية الأصل فلا نظن لأننا لم نجد في هذه اللغة مادة تثبت هذه اللفظة بمعنى من المعاني عندهم إلا أنه عندهم في السريانية الحديثة فعل (تمز) ومعناه: نظف وطهر (بتشديد عين الفعل في المثالين) ولم نجد غير ذلك. ولهذا نظن إن اللفظة عربية الأصل قديمة الوجود من (التمن) وهو نوع من الرز أو الأرز به رائحة خاصة تذكرك رائحة العطر الإفرنجي المعروف عند العلماء (بالتمن) وهو ضرب من الغارانيون كما أن (العنبر بوه) نوع آخر تذكرك رائحته رائحة العنبر ثم كثر رز التمن في العراق حتى سموا كل رز بالتمن من باب إطلاق المقيد. أما إن التمن ضرب من الغارانيون فقد ذكره ابن البيطار قال في هذه المادة: غارانيون (في الأصل المطبوع في مصر غارايتون وهو غلط فاحش لأنه تعريب ديسقوريدوس في الخامسة معناه عندهم (الغرنوقي) والنوع الأول منه يعرف بثغر الإسكندرية بالتمن وبالتمين أيضاً بالتصغير وسمعته من عرب برقة وهو بظاهر الإسكندرية من غربيها بالحمامات وغيرها. اهـ. أو لعل التمن هو الرز الذي يكون لون قشره أحمر ثم توسعوا فيه فأطلقوه على
كل رز والرز الذي قشره أحمر كثير في العراق وحمرته تشبه حمرة النبات المسمى بالفارسية تمنك (بكسر ففتح فسكون وكاف فارسية في الآخر) وتمك (بكسر الأولين وكاف فارسية) وتميك (وزان صغير وبكاف عربية) وتميك (بكسر الأولين) وهو نبت أحمر حامض المذاق - أو لعله من (تمن) الفارسية وهو الضباب لأن الرز يحب الجو الكثير الضباب أو الكثير الرطوبة. ويقال أيضاً في تمن: تزم وتثرم (وزان قلب) وتثرم (وزان بئر) ونزم ونثرم إلى آخر ما هناك. وقد سمعت كثيرين أن التمن عربية الأصل مشتقة من اليمن وهو البركة لما في حبته الواحدة من التعدد بعد النبت كما اشتقوا تيمن الموضع المشهور من اليمن أيضاً فعلى القارئ أن يتبع ما شاء من هذه الآراء. 2 - من شاتان إلى ماتان وسألنا ي ن س من حاضرتنا: إن البغداديين إذا أرادوا التعبير عن قولهم: فلان ينتقل من كلام إلى كلام بدون رابط يربط تسلسل حكايته يقولون: ينتقل من شاتان إلى ماتان أو باتان على حد ما يقول الإفرنج بهذا المعنى - قلنا: أصل هذه العبارة: من شاتان إلى ماجان أو إلى ما حان كما يقولها بعضهم فصحفها العوام فقالوا من شاتان إلى ماتان أو باتان. وشاتان هي قلعة بديار بكر شهيرة في التاريخ كما ذكرها ياقوت الحموي. وماخان (إذا رويتها بالخاء) هي قرية من قرى مرو. وماجان (الجيم) نهر كان يشق مدينة مرو فيكون محصل معنى العبارة فلان ينتقل من كلامه عن ديار العراق إلى ديار العجم من دون رابط يربط كلامه. 3 - زلق الشادي ببيت المكادي وسألنا المذكور: وما معنى هذا المثل العامي: زلق الشادي ببيت المكادي. قلنا: معنى الشادي عند العراقيين القرد والكلمة فارسية مبنىً ومعنى لأن الشوادي (القرود) تأتيهم من بلاد الفرس والمكادي (وزان مفاعل) جمع المكدي (بدال مشددة) وهو المتسول المستعطي بلسان العراقيين فيكون المعنى نزل القرد في بيت الفقراء سهواً منه وذلك لأن القرد لا ينزل إلا في الدور التي ينتفع مما يجد فيها من الطعام وهذا لا يجده في بيت المكدين. فمعنى المثل إذا قد يزل العالم أو قد يهفو الإنسان مهما كان عارفاً وحكيماً.
4 - أصل الجلبة بمعنى الضوضاء وسألنا من الموصل: هل الجلبة عربية الأصل بمعنى الضوضاء؟ الجلبة (ويقول بمعناها عوام بغداد: قلبالغ وقلبالق وأصلها من التركية قلابة لق تصحيف العربية (غلبة) مع الأداة التركية (لك) في الآخر أو (جبة) العربية و (لك) (التركية) من أصل فارسي وهو جلب (بالجيم الفارسية المثلثة) بمعناها. 5 - معاني ألفاظ إنكليزية وسألنا سلامه أفندي موسى من مصر القاهرة: كيف تترجمون الكلمات الإنكليزية الآتية أو - وما هي أسماء (عروق ورق الشجر) قلنا: يقابل - في العربية: القوقس والفوقس (راجع لغة العرب في حاشية ص 329 من السنة 3) وقد ورد في المعاجم الإنكليزية والعربية أو الفرنسية العربية صوف البحر، وقش البحر، وخث الماء، ونبات الماء، والعرب لم تعرف ولا تعرف هذه الألفاظ مرادفات للقوقس اليونانية الأصل. - ويقابل في العربية: بسعيرا (وهي ارمية الأصل) وبطارس (يونانيته) ورقعاء (وجاءت مصفحة رقعا ورقعة ورقعاء وكلها خطأ. وهي عربية) وسرخس وهي أشهر الألفاظ وفارسية الأصل. وشرد (لبنانية قديمة. وزان عنق) وبليخنون (وفي رواية فليخنون وتلك أصح وفي المفردات المطبوعة لأبن البيطار فلحون وهو تصحيف قبيح والكلمة فارسية) وكيلدارو وجيلدارو وهما فارسيتا الأصل. وهذه الألفاظ وردت كلها في مفردات ابن البيطار. فلتراجع وورد في بعض المعاجم الفرنسوية تفسيراً لكلمة العربية اللفظة (خنشار) التي قال عنها في محيط المحيط نبات. ونقلها في دائرة المعارف إلى لكن لم أجدها في دواوين اللغة العربية الفصيحة ولا في سائر الكتب المتقنة التأليف فلتحرر - وأما عروق ورق الشجر، فلم نعثر على اسم لها إنما يوجد (عير) الورقة وهو الخط الذي في وسطها أو العرق الأوسط الذي فيها. وإذا أريد الدلالة على البقية قيل لها (اشاجع) الورقة جمع (أشجع) وهي عروق ظاهر الكف. فيتوسع في معناها من باب المجاز وهو واضح لا يحتاج إلى تأييد. 6 - الجمبارات أو الجربارات أو الجاقات ومرادفاتها وسألنا أديب من البلدة: هل كانت الجمبارات أو الجربارات معروفة في عصر العباسيين وما كان أسمها عندهم؟ - وما يقال لها عند الإفرنج؟ ورأيا أناساً من
نصارانا يسميها جربارات وجاقات والمسلمين جمبارات وجربارات وطناكير (بالكاف الفارسية) فمن أي اللغات هذه الألفاظ وما معناها على التحقيق وما اسم هذه الآلة آلة الطرب عند السوريين والمصريين؟ قلنا: لجربارات أو الجمبارات أو البربارات أو الشربارات هي تصحيف وقصر الفارسية جاربارات المخففة عن جهاربارات ومعناها: (القطع الأربع) لأن (جهار) تفيد الأربعة (وباره) القطعة. وهي آلة طرب مركبة من أربع قطع مجوفة تتخذ من الخشب أو العاج أو المعدن يجعل اللاهي اثنتين منها في إصبعي يده اليمنى والاثنتين الأخريين في إصبعي يده اليسرى ثم يضرب الواحدة بالأخرى ضرباً وهو يقصد الإيقاع جلباً للطرب. ويسميها بعض النصارى البغداديين الجاقات أخذا من الجاق ويريدون به كل فلقة من فلقتي نواة اللوزة أو المشمشة لأن تلك القطع الأربع على شكل هذه (الجاقات) والجاق من جاك الفارسية أيضاً (راجع لغة العرب 2: 186). - أما اسمها في عصر العباسيين فكان (الصفاقات) قال في الأغاني 5: 124) أخذت بيدي صفافتين وأقبلت اخطر واضرب الصفاقتين وأغني أهـ. وفي (5: 75) قوله: فلما اخذوا في الأهزاج دخلت وفي يدي صفاقتان وأنا أتغنى.) والكلمة لا توجد في دواوين اللغة واسمها بالفرنسوية أو وبالإنكليزية وباللاتينية أو وباليونانية وبالأرمية (صصلا). وقد سماها بعضهم الصنوج مفردها الصنج وهذا غير الصفاقة والصنج هو بالفرنسوية وسماها آخرون: (الساجات) مفردها الساج وهي الخشب المنحوت والخشب مطلقاً وسماها بعضهم (جلبارة) كما ذكرها أصحاب بعض المعاجم الإفرنجية العربية وهذه تصحيف جهاربارة كما هو واضح. وسماها أهل سورية (فقيشات) مصغرة جمع فقيشة والفقيشة عندهم شق في ذيل الثوب على طول شبر ليتسع انفراجه وهو (الجاك) عند أهل العراق لما في الصفاقتين من الشق الغائر والأصح أنها تصحيف الشقيفات الآتية الذكر وسماها آخرون صغانة كما جاءت هذه الألفاظ الأخيرة كلها في معجم بادجر الإنكليزي العربي والصغانة هي نوع من آلات الطرب كالقيثارة وليست بالصفاقة. وسماها ابن البيطار المسافق أو المصافق مفردها المسفقة والمصفقة من السفق أو الصفق وهو اللطم. - ومما جاء في هذا المعنى عند الفصحاء من أسمائها
(الصحنان) مثنى الصحن قال في تاج العروس: الصحنان: طسيتان صغيران يضرب أحدهما على الآخر. قال الراجز: سامرني أصوات صنج ملهيه ... وصوت صحنى قينة مغنيه اهـ. وسماها أهل الشام شقيفات قال في محيط المحيط: الشقيفات مصغرة مجموعة عندهم صنوج من النحاس لها عرى يدخل الراقص واحدة منها في إبهامه ثم يصك الواحدة بأختها وهو يرقص فيخرج لها صوت موزون على طريقة مخصوصة.) أهـ وهي من الشقفة أي الكسرة والقطعة من الخزف ثم توسع فيها فأطلقوها على كل كسرة أو قطعة - وذكرها أحد كتاب مجلة الزهور (4: 358) باسم الصاجات وهي تصحيف الساجات بالسين المذكورة فويق هذا. قال: كان بعضهن يرقص بهيئة قبيحة وفي أيديهن الدفوف والصاجات. فأنت ترى من هذا البحث أن الألفاظ بهذا المعنى كثيرة فلو كان الكتاب عرفوا اللفظتين الفصيحتين لم كثروا من اتخاذ غيرها بدون فائدة ولما ادخل العوام مفردات لا طائل فيها ولهذا نعيد القول: إننا نحتاج إلى ثلاثة معاجم معجم عامي يذكر فيه الفصيح بجانبه ليعرف. ومعجم عربي واسع يذكر فيه جميع الألفاظ العامية والمولدة إفرنجي يذكر فيه ما يقابل اللفظة الإفرنجية من الألفاظ العربية المترادفة الواردة في مؤلفات الفصحاء والمولدين وعوام البلاد العربية وعسى أن يتصدى لها جماعة من الرجال العظام فيخلد ذكرهم التاريخ على توالي الأعوام! 7 - الرواصير ومعناها ولغاتها وأصلها وسألنا صديقنا الشيخ محمد السماوي: ما معنى الرواصير وأصلها ولغاتها الفصيحة؟ قلنا: الرواصير لا توجد في دواوين اللغة التي بأيدينا ولا في معجم دوزى الذي جمع ألفاظا عامية وأعجمية وغربية كثيرة لكنها وردت في كتب الطب في كلامهم عن الكواميخ فذكروا بينها الرواصير وصحفها البعض على مناحٍ مختلفة بين قبيحة ومليحة. فأما المليحة فهي الرواصيل وذلك لأنهم وجدوا مادة ر ص ل أخف من مادة ر ص ر فأبدلوها. وقد وردت هذه اللغة في كتاب منافع الأغذية ودفع مضارها لأبي بكر الرازي. في ص 31 من نسخة المطبعة الخيرية قال: الفصل الحادي عشر في الكواميخ والرواصير. الغريبة التي وردت في الكتاب المذكور قال في ص 4 الرواصير: البقول التي تطبخ في المياه
فوائد لغوية
الحامضة مثل ماء الحصرم والرمان ونحوها.) اهـ. وقد نقل هذا الكلام من تذكرة داود ومفردات ابن البيطار والمنهج المنير، في أسماء العقاقير وغيرها كما نبه عليه في مستهل شرح الغامض، فالرواصير عند الأقدمين هو ما نسميه اليوم (ترشي أو طرشي) وهذه من تصحيف العوام للأولى وكلتا الكلمتين (رواصير وترشي) فارسيتا الأصل. فالرواصير جمع ريصار وهو الريجار تعريب الفارسية ريجار ذكر ذلك الخوارزمي في كتابه مفاتيح العلوم في ص 168 من الطبعة الإفرنجية والترشي لغة مشهورة معروفة وأما التصحيفات القبيحة أو المخطوءة أو المرغوب عنها فهي الرواضير (بالضاد المعجمة) كما وردت في بعض نسخ مفاتيح العلوم وكذلك الرواضين وجاء في مفردها ريضار وريضان وريحان وريحال إلى غيرها. على إن (ريجار) بالفارسية لا تعني الترشي بل تعني المربى المتخذ من الأثمر المطبوخة ثم نقلوها إلى كل ما يطبخ بالحليب أو باللبن المخيض ثم توسع فيها العرب فأطلقوها على الترشي وهي بالإنكليزية وبالفرنسوية أما البغداديون في عصرنا هذا فيسمون (ريجار) والأشهر (رجل) (وزان سبب) ما كان يريد بها الفرس سابقا بزيادة معنى الحموضة لطبخ تلك الأثمار بالسكر وثمر آخر حامض كالبرتقال أو النارنج أو الليمون الحامض أي ونحن أخذنا اللفظة من الترك لأنهم يقولون رجل وهم نقلوها من الفرس على ما أومأنا إليه. فوائد لغوية 1 - الشهية بمعنى المشتهى أو الشهوة عامية من الألفاظ التي أولع بها كتابنا العصريون قولهم شهية الطعام. والكلمة عامية وفصيحتها المشتهى والشهوة والشاهية كما جاءت مصرحة في كتب اللغة. على أنه جاء في تاج العروس في مادة شهو: (الشاهية): الشهوة وهي مصدر كالعاقبة) فظن بعض العوام إن فاعلة وفعيلة مما يتعاقب فيهما الإبدال كما هو الحقيقة في بعض الأحيان لكن نسوا إن فاعلة وفعيلة لا تتعقبان في المصادر إلا في ما نقل عنهم. 2 - عصارى اليوم بمعنى عصره خطأ ومما أكثر من ذكره الصحافيون استعمال العصارى بمعنى العصر وهو من
الغرائب. ولا اعلم كيف استدرجوا إلى هذه الغلط الفاضح اللهم إلا أن يكونوا قد أبدلوها من (الأصيل) وذلك أنهم أبدلوا الألف المهموزة عيناً على لغة قيس وتميم وأسد وكلاب وقضاعة، فقالوا: العصيل) وأبدلوا اللام راء على لغة بعضهم فقالوا: العصير ولما كان العصير والعصارة بمعنى واحد قالوا فيها لعصارة ثم عاملوا الهاء في الآخر معاملة الألف كما في العرضنة والعرضني والرعامة والرعامي والقصيرة (مصغرة) والقصيري وقد فعلوا ذلك لأن الهاء والألف هما علما تأنيث جاز لهم أن يقولوا عصارى بمعنى الأصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب أو العشى لأنهم عرفوا العصر بالعشى إلى احمرار الشمس. وفي كل ذلك من التكلف ما لا يحتاج إلى الإشارة إليه. وهذا وإن كان له تأويل على هذا الوجه وهو جائز على لغة قبائل العرب إلا أنه لا يؤخذ إلا بالمسموع إلى الصحيح أو الفصيح لاستشراء داء الإبدال في عموم الكلم. 3 - استعمال (إذا) في محل (هل) وبالعكس في غير محليهما من الألفاظ التي جاءتنا عن طريق لغة الإفرنج قول كتابنا المحدثين: اسأل فلاناً إذا يجئ أم لا، وأنت تعلم أن (إذا) ظرف يتضمن معنى الشرط فإن أدخلتها في عبارتك وجب أن تدخل بعدها جواب الشرط، والحال إن الشرط متحد بالجواب لأن الجواب يتوقف عليه أما ظاهراً وأما مقداراً فكيف يتحصل الجواب على الشرط في هذا التركيب المذكور ولهذا يجب أن تضع أداة الاستفهام في موضع (إذا) وتقول أسأل فلانا هل يجئ أم لا فيصح التركيب والمعنى معا. 4 - لفظ نطقاً فصيحا بمعنى ألقى خطابا بليغا تعبير قبيح ومن قبيح تعابيرهم قولهم: (لفظ نطقاً فصيحا) وفيها ثلاثة أغلاط: الأول: (لفظ) بمعنى (ألقى) وهو لم يأت إلا في اللغات الإفرنجية ولا يجوز في العربية إلا من باب التأويل البعيد كما إن النطق لم يأت في العربية بمعنى الخطاب أو الخطبة وإنما أتانا هذا الكلام من الترك الذين لا يفقهون العربية تمام الفقه وإنما يتصرفون فيها وفي ألفاظها وقواعدها تصرفاً يخطئون فيه مرة ومرة يصيبون ومن جملة ما اخطئوا في استعماله هذه الكلمة التي ادخلوها بمعنى الخطاب. وأما لفظة الفصيح فهي وإن كانت عربية محضة إلا إنهم لم يستعملوها هنا في موطنها وإنما الواجب في هذا الموطن إبدالها بالبليغ لأن الكلام قد يكون فصيحاً ولا يكون بليغاً وهو لا يكون بليغاً إن لم يك في الغالب
فصيحاً. لأن البليغ ما (بلغ إلى القلب) فأثر فيه على ما يتوقع من تنسيق مبانيه ومعانيه (والفصيح ما أفصح عما في الذهن) فقد بدون أن يشرط فيه أن يكون بليغاً وعلى كل حال أن هذا التركيب السقيم هو تعريب حرفي للعبارة الإفرنجية والأولى أن يقال في العربية: ألقى خطابا بليغا. 5 - المواطن بمعنى الوطني غير معروف ومما كثر ذكره على ألسنة الأقلام والأنام قولهم: فلان مواطني وأولئك مواطنوه وهم يريدون فلان وطني وأولئك وطنيوه. ولم يرد واطنه وزان شاركه. ومن الغريب أننا نرى كثيرين من الراسخي القدم في اللغة يستعملون هذه اللفظة بينما هم في مندوحة عنها الوجود لفظة مرادفة لها وردت في كلام الأقدمين والمحدثين من البلغاء فليحفظ. 6 - النجمة بمعنى النجم للكوكب ضعيف ومن الألفاظ الفاشية بين فصحاء هذا العصر قولهم النجمة وهم يريدون النجم بمعنى الكوكب ويعتبرون النجم جمعاً مفردها النجمة من باب تمر وتمرة. وليس الأمر كذلك إنما النجم مفرد وجمعها النجوم: ولذا لم يصب صاحب الجمانة في الفصل الذي عقده في الكلام عن شبه الجمع: النجم يطلق على جماعة الأجرام الفلكية فإذا أريد الواحد منها ألحقت بها التاء فيقال نجمة. اهـ. قلنا: وتصحيح العبارة هو: النجم يطلق على جماعة الأنبتة التي هي دون الشجر وهو ما نجم على ساق فإذا أريد الواحد منها ألحقت بها التاء فيقال نجمة.) - والظاهر أن هذا الوهم قديم لأنهم سموا: (نجمة الصبح) فرساً نجيباً وهو علم له. (راجع التاج في نجم) وقال في لسان العرب: (وقال أهل اللغة: النجم بمعنى النجوم والنجوم تجمع الكواكب كلها.) قلت فإذا كان الأمر كذلك لم يكن هناك غلط إذ يكون واحدها نجمة. وقد وردت كثيراً في أشعارهم المولدة. 7 - الوضاء لم ترد مؤنثة بل هي مذكرة ومؤنثها الوضاءة ومن أغلاط الخواص الشائعة قولهم: قصيدة أو قصائد وضاء وهو خطأ. لأن وضاء مضمومة الأول لا مفتوحته وهي للمذكر لا للمؤنث والهمزة أصلية لا زائدة للتأنيث) ولهذا يجب أن يقال قصيدة أو قصائد وضاءة. إذا أريد استعمال هذه اللفظة وبيت أو شعر وضاء وزان رمان من الوضوء لا أوضأ إذ لا وجود لهذه اللفظة الأخيرة في العربية.
باب المراجعة والمكاتبة
باب المراجعة والمكاتبة 1 - كتاب الألفاظ الكتابية وكتاب ألفاظ الأشباه والنظائر وكتاب الألفاظ كتبنا في المقتبس مقالة أثبتنا فيها إن الكتاب المسمى بالألفاظ الكتابية أو كتاب ألفاظ الأشباه والنظائر يسمى على الحقيقة (كتاب الألفاظ) لا غير. وصاحبه هو عبد الرحمن بن عيسى بن حماد الهمداني (بالدال المهملة لا بالمعجمة) نسبة إلى همدان وهي قبيلة باليمن من حمير شهيرة برجالها العظام وليس الهمذاني نسبة إلى همذان وهي بلدة في ديار فارس. وكنا قد قلنا أيضاً إن النسخة التي نشرت في الأستانة باسم كتاب ألفاظ الأشباه والنظائر كان قد سعى في تعميم فوائدها بالطبع السيد نعمان الآلوسي. وقد اتضح لنا الآن ما يخالف هذا القول فأسرعنا إلى تصحيحه والحقيقة هي أن الطابع وهو أبو ضياء استعار النسخة الآلوسية من السيد المذكور لكي يطبعها على نفقته وهي نسخة قديمة الخط محفوظة إلى الآن في خزانة كتب جامع مرجان التي أوقفها السيد علي الجامع المذكور تعميماً لفوائد العلم على ما هو مشهور عن الأسرة الآلوسية وكان السيد المومأ إليه في ذلك الحين موجوداً في الأستانة فصحح الملزمة الأولى فقط من الكتاب ثم عاد إلى وطنه لأمور أوجبت رجوعه إلى مسقط رأسه. وبعد أن تم طبعها أرسلت إليه نسخة منها فلما رآها وجد الطابع نسب تصحيحها إليه ترويجاً لمقصده وهو بيعها بأقرب مدة فأسف لذلك. ثم بقي متردداً في نسخته بعد أن وقف على نسخة بيروت التي طبعت في وقت واحد أو تكاد، فلم يعلم أي النسختين أصح هذا ما تحققناه بعد كتابة ما أدرجناه قبل نحو سنتين فلنتبع الحقيقة وليعمل بها. 2 - أبو خزامة هو المدفع الذي ارصدنا له مقالة طويلة حبرها مدير هذه المجلة المسؤول الشيخ كاظم أفندي الدجيلي. وفي اليوم الذي وردتنا مقالته جاءتنا مقالة ثانية في المعنى نفسه من صديقنا الشيخ سليمان أفندي الدخيل فقدمنا الأولى لما فيها من التفاصيل وأجلنا الثانية معتمدين على نشرها في هذا الجز لتكون بمنزلة تتمة للأولى إلا أن كثرة المواد حالت دون تحقيق الأمنية في هذا العدد أيضاً ولعلنا نثبتها في الجزء القادم. وقد سمعنا من أحد الثقات إن حضرة أستاذنا الشهير والعلامة الكبير السيد محمود شكري أفندي الآلوسي صاحب التآليف الجليلة كان قد وضع في
باب المشارفة والانتقاد
عهد مشيرية هدايت باشا رسالة سماها: (القول الأنفع، في الردع عن زيارة المدفع) وقد كان قدمها إليه ليمنع العوام مما هو عليه من الاعتقاد الفاسد في هذا المدفع المغاير لما جاءت به شريعة الإسلام، وبحث فيه عن تاريخه والمفاسد التي تنجم عن هذه المعاملة. والرسالة تقع في نحو عشر صحائف وترجمت إلى اللغة العثمانية وقد فقدها السيد الأستاذ منذ سنين فلا يعلم أين صارت. ولعلها توجد يوماً فتبشر بالطبع فيعم نفعها الكبير والصغير والله الميسر. باب المشارفة والانتقاد 1 - فتاة لبنان مجلة أدبية علمية روائية تصدر مرة في الشهر لمنشئها سليمة أبي راشد تصدر في بيروت بدل اشتراكها في الولايات ريالان. منذ عشرين سنة أخذت ذوات الحجال بالتدخل في الصحافة فانشأن نحو 25 مجلة تشهد على أن كواتبها ممن يروق في أصابعهن اليراع كما تروق فيها أعمال الإبرة وأشغال المنزل. ولهذا نرحب بهذه الرصيفة الجديدة متمنين لها العمر الطويل والثبات في جادة الفضل والأدب وأن تكون الكاتبة (سليمة) في ذوقها (رشيدة) لبنت جنسها إلى كل ما به خير هذا الشق وترقيته. 2 - رسائل ومقالات باللغة الروسية هي رسائل كلها غرر للعلامة المستشرق كراتشقوفسكي وقد أظهر فيها من دلائل الإمعان في طلب الحقائق العلمية والمواضيع العربية ما يشهد له أنه من الحائزين قصبات السبق في هذا الميدان الذي يظلع فيه الجواد وإن كان من العتاق المناسيب فنحن نتمنى له النجاح في كل ما ينمق ويوشى. 3 - كتاب لطائف السمر، في سكان الزهرة والقمر، أو الغاية، في البداءة والنهاية. وضعه الكاتب الضليع ميخائيل بن انطون الصقال. طبع بمطبعة النجاح بأول درب سعادة بمصر سنة 1907 وقيمته ريال مصري. أهدانا هذه الهدية صديقنا عبد اللطيف أفندي ثنيان من قبل كاتبها وهي: 1 - رواية من احسن الروايات وضعها مؤلفها ليبين للقارئ بعبارة عربية حسنة
السبك إن النفس خالدة وإن لا بد من عمل الصلاح لمن يريد السعادة الخالدة وإلا فإن في الآخرة (مدينة للتكفير) يعذب فيها من أتى النكرات. على أننا نأخذ على المؤلف أشياء: منها: أنه أدمج فيها فصولاً لغوية في غاية الإفادة لكنها في غير موضعها إذ من شروط الروايات أن تخلو من مثل هذه الفصول التي موطنها كتب اللغة. 2 - ذهب في تقرير بعض الحقائق على مذهب خاص به غير متبع فيها مذهبا من المذاهب الدينية المعروفة فالقارئ إذا وقف عليها أو أراد أن يستفيد منها لا يرى نفسه على دين من الأديان وهو عيب فاضح. 3 - استعمل في مطاوي كلامه ألفاظا غامضة في حين لا حاجة إليها. وإنما الكاتب يأتي بمثل تلك الكلم إذا اضطرته الضرورة وإلا فأي ضرورة إلى سرد تلك الألفاظ الغريبة التي هي أشبه شيء باللغة الهندية ثم يضطر إلى شرحها في الحاشية بألفاظ أفصح وأبلغ من مفردات المتن. إن هذا العيب شائع في بعض كتابنا وهو من العيوب التي يجب علينا أن نتخلص منها في أقرب وقت. اللهم إلا إذا ألجأتنا الضرورة إليه! أما في الروايات التي يقرأها الجاهل والعالم فيجب أن تكون سهلة العبارة. 4 - إن الكاتب وإن كان ضليعاً في تقويم الكلام إلا أنه فاته أود أو أمت في بعض المواطن كقوله مثلاً في ص 153 (فشبه الحيوان. . . بعد قوله: المائرات. . . والماصعات. . . والمتخلجات. . . الخ. فكان يجب أن يقول فأشباه الحيوانات حتى يجوز له أن يفسرها بقوله: وهي التي مرتبتها أدنى من الحيوان وقال في حاشية ص 156: ورزق الله حسون وجبرائيل الدلال الحلبيبن والأصح الحلبيان إلى غير إلا أن خلو الكتاب منها يزيده حسناً وإتقاناً. وإلا فالكتاب لا يخلو من ابتكار، في الإنشاء والأفكار، وعسى أنم يوفق لتصحيحه على أساليب الروايات العصرية بمنه وكرمه. 4 - مقدمة السبرمان تأليف سلامه موسى، طبع في مطبعة الهلال بالفجالة بمصر في 29 صفحة صغيرة هذه رسالة غريبة الوضع، والعبارة، واللغة، والآراء، وحسبك إن تطلع على إن كاتبها يقول في آخرها: (فهذه الفلسفة الجديدة تحسن الإنسانية الآتية يمنع كل ما فينا من العناصر الرديئة من الوصول إلى نسلنا. وأهم هذه العوامل هو تحريرنا
الاقتصادي بشكل يساوي بين فرصة العمل (؟) بين الأفراد؟ وهذه هي السوسيالية (كذا) وتحريرنا الأدبي بشكل ينقرض فيه الدنيء الذي يعيش الآن بسلطة الواجبات الأدبية ويبقى العالي الذي يرى في نفسه قانوناً لسلوكه.) أهـ. قلنا: الإنسان في آدابه وفي مجتمعه كأعضائه المنتظمة فيه. فيها العالي والسافل، الرأس والرجل، العقل والحس. فإن توفق حضرته لأن يلاشى من أعضائه الرجل وما والاها ويبقى فيه الدماغ وما أودعه من القوى العاقلة يستطيع أيضاً أن يرى يوماً أن فلسفته تؤدي به إلى أن تبقى من الإنسان (العالي الذي يرى في نفسه قانوناً لسلوكه وينقرض الضعيف أو المريض). فمن لا يرى ضعف هذه الآراء التي هي أضغاث أحلام ليس إلا ونحن نرى أن السكوت عن مثل هذه الأقوال أصون لشرف الكاتب من التصريح بها وهذا الكاتب من أسوا ما كتب في اللغة العربية وأضرها للآداب والأديان وكفى. 5 - الاشتراكية لسلامة موسى. طبع بالمطبعة المصرية الأهلية بشارع كلوت بك في 23 صفحة صغيرة هذا الكتيب لا يبعد في أفكاره عن أخويه: (مقدمة السبرمان) و (نشوء فكرة الله) فإن صاحبه أنشأه لينور الرأي العام عن ماهية (حقيقة) الاشتراكية وذكر مآثرهم في التشريع وما وصلت إليه حالة العمال من الرفاهية بمساعديهم) (هذه عبارة الكاتب) وإذا وقف عليه القارئ يقول في نفسه وا أسفاه على الوقت الذي أضاعه صاحب هذه الصفحات! ولو استعمله في تصنيف كتيب آخر نافع للألفة لخدمها احسن خدمة هذا فضلاً عن أن هذه الكتب لا تفيد الشرق والشرقيين فائدة تذكر والتي تفيده: الفضل والأدب وحسن الأخلاق والدين والتآليف المفيدة لا غير. 6 - مجلة الكمال بإدارة كمال عباس بدل الاشتراك فيها في بيروت والبلاد العثمانية مجيديان وفي مصر والبلاد الأجنبية نصف ليرة افرنسية تطبع في بيروت في المطبعة العثمانية بسوق التجار. وهي مجلة شهرية سنتها عشرة أشهر تظهر في 48 صفحة يدور اغلب مباحثها على مواضيع أدبية ولولا شكلها واسمها لظنها القارئ أنها جريدة لا مجلة. وقد عقد فيها باب عنوانه (كنانة النحوي) يتعرض فيه صاحبه لما يرى من الأغلاط اللغوية والنحوية في الجرائد والمجلات. ولو أرصد هذا الناحي لتصحيح ما يرد في مجلة (كمال) لما ورد فيها (نقص) شائن كل الشين. ولا سيما لأن عنوانها يوجب هذه
باب التقريظ
يوجب هذه المزية. وقد خبط هذا النحوي في تخطئة بعض الكتاب خبطاً يدل على أنه هو المخطئ وأنه غير واقف على أسرار اللغة وأما أنه ورد في (الكمال) نقص فهو أكثر من أن يحصى منه ما يتعلق بالرسم ومنه ما يتعلق بالنحو ومنه ما يتعلق باللغة. أما ما يتعلق بالرسم فنذكر منها ما جاء في ص 38 في قوله: (نظم اللآل فيها ورد للعامية والفصيحة من الأمثال) والأفصح أن يقال (في ما) بكلمتين. وتكتب كذلك إذا كانت (ما) اسم موصول كما هي بهذا المعنى في العبارة المذكورة. وترسم كلمة واحدة مع (في) إذا كانت حرفاً. وقال: ورد للعامية والأفصح ورد في العامية ومن غلط الرسم: قوله في تلك الصفحة (ابتدأ بالبحث) والأصح (ابتدئ) برسم الهمزة على الياء لأنها للمتكلم لا للمفرد الغائب وأما أغلاطه النحوية فكقوله في تلك الصفحة (والقهاوي) وهذا من جمع العوام لهذه اللفظة. والأصح (القهوات) لأن فعله عند (النحاة) لا تجمع على فعائل إلا في ألفاظ معدودة قليلة ليست هذه منها. ومن ثبت هذا الوادي قوله في تلك الصفحة: وعلى كل فلا أستطيع أن أسجل على نفسي والأفصح بل الأصح: حذف الفاء هنا إذ لا معنى لها وإن وردت في كلام كثيرين من كتاب هذا العهد وأما أغلاطه اللغوية في تلك الصفحة عينها فكقوله: (لأنه يخاف على إمضائه) ولم يرد (الإمضاء) عند الفصحاء بالمعنى الذي يريده وإنما قالوا (التوقيع) وقال أيضاً (في تلك الصفحة دائماً) ولذا أصبت في حل من أمر الأمثال أثبتها أن وفى. وأمحوها إن أخلف. والأصح أن يقول: (ولذا أجاز لي أن أثبت هذه الأمثال إن وفى. وأن أهمل بابها أو أوصده أن اخلف). وإذا تدبر عبارته هنيهة بأن وجه الغلط حالاً. هذا: وقولنا: (والأصح) يدل على أن كلامه وجها أن أراد أن يتلمسه لها. إذ لا يوجد غلط في العربية إلا وله باب يخرج منه على سنن أصولها القديمة لكن العبرة في مثل هذا المقام أن ينحو الكاتب منحى البلغاء وهذا الذي نلمح إليه في قولنا: (والأفصح) وفوق كل ذي علم عليم. باب التقريظ 7 - ديوان البناء طبع في مطبعة الرياض في بغداد سنة 1331 في 210 صفحات بقطع الثمن. ناظم درر هذا الديوان هو صديقنا الأديب عبد الرحمن أفندي البناء وقد أجاد كل الإجادة في قصائده وأكثرها في مواضيع عصرية. ومما يعلي كعب شاعرنا إنه
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
ينظم القصائد عن سليقة عربية محضة لا عن تعلم أو تلق فإنه لم يدرس اللغة والنحو على معلم قط بل يتدفق منه الكلام الموزون تدفقا عفواً بدون تكلف وهو أمر عجيب في عصر فسدت فيه اللغة. وكيف لا نعجب! والإنسان إذا ما أتقن الآداب العربية وعلومها ثم كتب فيها نبذة أو نظم أبياتاً غلبته سليقته العامية على تعلمه الأصول والضوابط إذ الطبع اغلب من التطبع. ومما يدل على قوة شاعريته أنه نظم قصائده في مواضيع عصرية كما فعل بعض نوابغ عراقنا في هذا اليوم كالرصافي والزهاوي والشبيبي والحبوبي ومن نحا نحوهم بخلاف بعض شعرائنا الظلع فإنهم لا يزالون يمشون وراء جميع الناظمين ليجمعوا من خلفهم نفاية القصائد في المدح والذم والرثاء والتهاني والغزل وبكاء الأطلال وغيرها مما أكل عليها الدهر وشرب. ويا ليتهم يحسنون نظم تلك الأبيات لكنهم يعمدون إلى بعض قصائد من تقدمهم فينتحلون معانيها ومبانيها ويمسخونها مسخاً أو يغيرون عليها إغارة عمياء أو يصالتونها مصالتة تشمئز منها الطباع وينفر منها كل ذي ذوق سليم ثم يفاخرون الناس بها ويدعون أنها لهم وهم أبرياء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب! على أنه وقع بعض أغلاط طبع شوهت محاسن هذا الديوان كما جاء في حاشية ص 16 قال: الحلكوك: بفتح اللام الشديد السواد. والأصح أن يقال بضم اللام كما هو الغالب في هذا الوزن إلا أنه يوجد الحلكوك بفتح الحاء واللام فإذا فتحت الحرفين انكسر البيت ومهما يكن من هذه الأغلاط الطفيفة فإن هذا الديوان يبقى للشاعر ذكراً مخلداً. 8 - الحكمة مجلة دينية أدبية تاريخية أخبارية تصدر مرتين في الشهر موقتاً في دير الكرسي الرسولي الأنطاكي المشهور بدير الزعفران، - مديرها المسؤول حنا القس ومحررها ميخائيل حكمت جقي وقيمة الاشتراك في ماردين ريال مجيدي وفي الممالك العثمانية ريال مجيدي وربع وفي الممالك الأجنبية ثمانية فرنكات طبعت بالمطبعة السريانية في دير الزعفران (ماردين) في 16 صفحة. اغلب مباحث هذه المجلة دينية أخبارية وعسى أن تحقق ما في صدرها من عناوين المباحث لتفيد البلاد والعباد. لا لكي تفشي العيث والفساد! تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - مبعوثو البصرة الذين حازوا ثقة البصريين من المبعوثين هم: 1 - السيد طالب بك النقيب،
السيد أحمد نعيم بك، عبد الله صائب أفندي، سليمان فيضي أفندي؛ الحاج عيسى أفندي عبد الرزاق أفندي النعمة، وقد استعفى السيد طالب بك من النيابة. 2 - ابن الرشيد وعنزة اشتد الخلاف بين الأمير ابن رشيد وقبيلة عنزة ويخشى أن يقع بين المتعاديين ما لا تحمد عقباه. وقد أنضم إلى عنزة ابن مجلاد بعد أن كان موالياً لأبن رشيد. 3 - البدور وعجمي السعدون نزلت عشائر البدور أعداء عجمي في رحاب (نبعة) قريبا من عشائر الزياد ولما علم بذلك عجمي نزل (الشقراء) ثم توجه نحو (أبي غار) وليس في نيته اللحاق بابن رشيد لما وقع في جيشه من المصائب والخسائر في هجومه الأخير على عشيرة (الغليظ) من عشائر شمر ثم وقع بينه وبين البدور محاربات كان النصر فيها حليف البدور فاستعان عجمي بالأمير سالم. 4 - جمعية الأخوان في الارطوية بلغ عددهم فيها زهاء 300 عضوٍ وقد أقام عليهم الأمير عبد العزيز السعود أميراً من آل عبد الكريم من السعود وقاضيا من أهالي الرياض. 5 - القشعم وعجمي السعدون انفصلت عشيرة القشعم من موالاة عجمي وانضمت إلى عشائر أمير الكويت وقد جاراها في عملها ابن ماجد ومن تبعه من عشيرة مطير. 6 - أعداء عجمي السعدون كثر أعداء عجمي السعدون فمنهم الضفير والبدور والزياد والغليظ وغيرها. وقد هجم (حمدان الضويحي) أحد رؤساء الضفير على عشائر السعيد والفواز الذين هم من أقوى أركان عجمي فأخذهم جميعاً ثم أعاد الكرة على لفيف من عشيرة مطير المحالفة لعجمي فأستاق منها أربعة قطعان من الإبل. 7 - سلطان مسقط والثوار انتكث حبل الصلح بين سلطان مسقط وبين الثوار لأن السلطان طلب إليهم إخلاء وادي سمائم بأجمعه فأبوا فثارت نار الخلاف بينهم وبينه ولعل يداً غريبة تضرم النار هناك. 8 - إعانة الأسطول في البصرة بلغت هذه الإعانة 5. 000 ليرة عثمانية بسعي السيد طالب بك النقيب.
العدد 23
العدد 23 الباب الوسطاني مرت عليك تصاريف وأهوال ... حتى خلوت فأنت اليوم أطلال كم لي بجنبك أعوال ومنتحب ... لو كان ينفع في الآثار اعوال ذكرتني عهد من شادوك فانهمرت ... مني دموع على الخدين تنئال إن لم تجب سائلاً عن معشر درجوا ... فأنت كلك أخبار وأقوال ظنوك تنقذهم مما يريبهم ... حتى جرت فيهم بالنحس أحوال بنوك راجين أن تبقى جدودهم ... وهم لهم في مراقي العز إطلال خالوا الليالي والأيام تسعفهم ... يوم الملمات لا ظنوا ولا خالوا عليك آيات إجلال تبين لنا ... من المباني وفي التفصيل إجمال وفي أعاليك ما تكفي دلائله ... على المعالي ولا قيل ولا قال مضى الملوك وقد أبقوك شاهدهم ... أن المكانة مالت حيثما مالوا نالوا من الدهر ما شاءوا فما انتبهوا ... حتى هووا فكأن القوم ما نالوا كأنني بك والخيل الجياد لها ... من حول ركنيك أهزاج وأرمال
وللرشيد لواء يستظل به ... تساق من خلفه جند وأبطال وللسلاح صليل فوق هامهم ... وللغبار وراء القوم أذيال كأنني بك والمأمون منقلب ... إليك والخيل ارعال فأرعال والناس تنظر والأبصار شاخصة ... والجند تعرض والأثقال والمال لي في فنائك شغل أن اعوج به ... من الأسى ولقلبي فيك أشغال أطوف فيك وأستبكيك من جزع ... وللمدامع إرسال فإرسال قد أخلقتك الليالي في تقلبها ... وغيرت منك أبكار وآصال أأنت تخلب الباباً لنا ونهىً ... أم ذاك منا على الإجلال إجلال يا أرسماً رصنت آثارها فهوت ... كما رمى بالجبال الشم زلزال ما كنت اعلم في ما كنت اعهده ... أن المعاقل كالكثبان تنهال الباب باق وبعض الباب دارسة ... منه الطلول ومن حوليه اهجال أبت نواحيك بخلاً أن تكلمنا ... ونحن في دارس الأطلال سؤال يبقى البناء ولا يبقى البناة كما ... يبقى من الشعب بعد الشعب أعمال وللمعاقل آجال مقدرة ... أيامهن كما للناس آجال نابتك نائبة هدت ذراك وقد ... غالت بنيك من الأعجام أغوال جار العلوج على من شيدوك وقد ... مالت بهم لضياع العهد إذ حال أرضاك إن جاءك الأعجام فاندثرت ... منك الأعالي وخابت منك آمال أني لأشكر ما أوليت من نعم ... لما أتوا ولهم في السير إجفال إذ كنت تحفظ دار الملك دونهم ... أن يستقل بدار الملك أنذال ما سامك العجم خسفا غيروك به ... وفي رتاجك دون العجم أقفال قد مارسوك فأعيتهم ممارسة ... أن يفتحوك وأن يفتك أشكال حفظت عهد رجال أسسوك فما ... للعهد نكث ولا للحفظ إغفال ثم اطمأنوا إلى من يمكرون بهم ... كما اطمأنت إلى الآساد أوعال فاسترسلوا في أمور الملك فأنهدمت ... عروشهم فتولى الأمر أرذال
نبذة من تاريخ بغداد والبصرة والمنتفق
ما كان أغنى عن (ابن العلقمي) ولا ... عن قومه أنه في الملك يحتال جنى على نفسه (ابن العلقمي) ردى ... فراح يصحبه عار وإذلال ذاق الخسار فلا مال ولا وطن ... ولا حياة ولا عز ولا آل أن ينكث (الأعجمي) العهد من سفه ... فكم له في ذويه العجم أمثال محمد الهاشمي نبذة من تاريخ بغداد والبصرة والمنتفق في أوائل القرن التاسع عشر من الميلاد. اذكر قراء لغة العرب الغراء ما كنت قد دونته في جزها الحادي عشر من سنتها الثانية وهو قسم من ترجمة سعدون باشا وكنت قد علقت هناك حاشية بشأن حمود آل ناصر آل سعدون معربة عن كتاب التاريخ العثماني لأحمد راسم ومستندة على ثقات الرواة وقد جاء فيها أيضاً بوجه الاستطراد لمحة من تاريخ بغداد تعريبا عن الكتاب المذكور ولم اقف في غيره على تفاصيل وافية تشفي غليل مطالع التاريخ عن تلك الأزمنة؛ وربما لم تدون الوقائع بالإيضاح الكافي أو دونت ثم عبثت بها يد الدهر وها أنني قد عثرت على نبذة تاريخية بين أوراق حواها صندوق وجدته في دار الشاب الأديب الحسيب، الحلبي الاصل، والبغدادي المولد؛ واللاتيني الطقس لطف الله أفندي ابن نصر الله بن فتح الله بن نعمة الله بن المقدسي يوسف بن ديمتري الخوري عبود وهذا الصندوق طوله نحو متر واحد وعرضه نحو نصف متر وكذلك ارتفاعه وهو مملو رسائل كان قد بعث بها أجداد أسرته الكريمة بعضهم إلى بعض من حلب وبغداد والبصرة وأزمير وكلكثة وغيرها لقصد التجارة ودوام الوداد بين الأقارب وفيه الأوراق التجارية الواردة إليهم من سورية والعراق والهند وإيران وتواريخ أوراق هذا الصندوق تتعلق بأواخر القرن الثامن عشر للميلاد وأوائل القرن التاسع عشر وفيها شيء نزر من صكوك شرعية صادرة من قضاة حلب يرتقي تاريخها إلى أواسط القرن السابع عشر. وهذه الأوراق وإن كان اغلبها تجاريا فأنها لا تخلو من الفوائد التاريخية في غير بابها هذا أيضاً. إذ قد ذكر أصحابها في سياق كلامهم حوادث ووقائع بلدة سكنوها الأقارب وأصدقاء وتجار قطنوا في غيرها. وقد خصص أهلها شيئاً من هذه الأوراق للدين والتاريخ والأدب وغيره. وما هذه الدفينة إلا جزءاً ضعيفاً من أوراق التهمتها نار شبت في 7 رمضان 1326 (2ت1 سنة 1908) في خان الموما إليه لطف الله أفندي عبود فأحرقت جميع ما فيه ولم تكن هذه الأوراق المحترقة مهملة بل كان قد خصص لها فيه حجرة مبنية بالطاباق معقودة به كما نسق بناء الخان المذكور وليس في بنائها من المواد القابلة الاشتعال سوى أخشاب الباب والطاقات بحيث نفذت النار منها فأمست طعمة لها ونصيباً. وهذه الأوراق المحترقة كان ينوف قدرها على نحو عشرين صندوقاً كصندوقنا المحكى عنه وقد حوت أعمالاً تجارية متسلسلة التواريخ حتى صدر القرن العشرين عائدة كلها إلى الأسرة المذكورة وفيها من الكتب المخطوطة وغيرها ما يندر وجوده وكان قد اهتم بحفظه الخلف عن السلف ومن هذه الأوراق ما هو مختص بأحدهم فتح الله عبود الذي عرفه كثير من معاصرينا وكان يعتني بالأوراق المنتقلة إليه اشد
الاعتناء. منذ حداثة سنه وقد زادها ما اقتناه بذاته فكان يدون الوقائع في تقاويمه اليومية كما كان يفعل سلفه. هذا فضلاً عما حوته مفاوضاته التجارية والأهلية من الشؤون الجمة وكنت ترى عنده الجرائد نفسها عن السنين المتعددة الطويلة مجموعة مجلدة ومنها (الزورآء) منذ ابتداء انتشارها. ولحسن الحظ كان قد بقى من هذه الأوراق في دار السكنى الصندوق الذي ساقني إلى هذا المقال. ورب معترض يرمي إلى قلمي الزوغ عن الصدد إنما أوردت شيئاً عما يتعلق ببعض أحوال هذه الأسرة طلباً لتوثيق القارئ الكريم بها لما سيأتي من ذكر حوادث وأخبار ذات بالٍ في التاريخ فأني لاحظت بونا عظيما بين ما ذكرته (سالنامات) ولاية البصرة من أسماء (متسلميها) وسني نصبهم وبين ما أفادتنا به النبذة التي اكتب هذه الأسطر توطئة لها وقد أقرت سالنامة ولاية البصرة سنة 1309هـ بافتقارها إلى الأخبار وطلبت إلى الذين يعرفون مثل هذه الأمور أن يفيدوها بما عندهم. فزادني طلبها هذا نشاطا ولبيته إذ قد سنحت الفرصة بذلك وأما صاحب النبذة هو الحلبي أصلا، والرومي الملكي طقساً، الشماس ميخائيل بن المقدسي يوسف
بن ديمتري الخوري عبود المتوفى في 18 آب سنة 1814 في كلكتة ونبذته هذه موجودة بخط يده ويظهر جلياً من نسق تحريرها ومن تقويم له وجد بين الأوراق انه كتبها في البصرة حيناً بعد حين على توالي حلول الوقائع والله أعلم فأنه علام الغيوب. يعقوب نعمة الله سركيس (لغة العرب) كاتب هذه المقالة هو يعقوب أفندي بن نعمة الله (نعوم) بن آكوب جان بن سركيس بن آكوب جان بن مقصود. وهو ابن عمة لطف الله عبود الذي وجدت عنده هذه الأوراق التاريخية النفيسة.
الذي حاصل لنا فهو بالحقيقة ولا أنكره ونحن من القديم إلى الآن خدام لسلفاكم ولكم وأما من طرف البيكاوات الموجودين عندي فما يمكن تسليمهم لأن مثل هؤلاء أناس أجواد جاءوا لعندي فيقتضي على أن الفيهم واسعد بك ابن أبوه الذي نحن خدامه ونذكر حسن فعائله معنا فعاد غير ممكن أن نسلمه ولا غيره كلمن يجي إلى حينا. فاشتد غضب الكهية من هذا الجواب وبدا في ديوانه يتكلم على حمود بالذميمة ويقول ما أحد يقص رأسه غيري وصار يحرك غضب الوزير على البيك وحمود حتى أرضاه بمرامه وأمر بجمع عساكر وكان طلوعه من بغداد في شهر شوال سنة 1227هـ (1812م) على الحلة وصار مسيره بالشامية والعساكر تنتقل إليه من لاوند
وكرادوترك من كركوك وارويل وعروبية العراق وعكيل وبراطلية وتفنجلية حتى صار جملة العسكر الحربي ينيف على ثلاثين ألف عليقة. للخيل والبغال عدا الجمال ومعه من الأطواب عدد 10 وقنبر عدد 3
وزنبرك عدد. المراد أن ركبة هذا الوزير ملوكية ما اتفق مثلها في أيام سلفاه حين ركوبهم على العربان وطلب من البصرة ثمانية مراكب يتوجه بهم قبطان باشا إلى سوق الشيوخ وحالاً توجهت بذخائرها وبدا الوزير يقطع مراحل في المسير والناس تستعلم الأسباب التي قصدته على التقدم لمحاربة حمود والبيك ولكن أخيراً ظهر السبب وهو أن حسب العادة القديمة يقتضي في شهر شوال يأتي إلى الوزير فرمان التقرير من الدولة العلية وبهذه السنة وخروه عنه وصارت التاتارية تشتغل وتطلبوا عليه مبالغ لسبب أن اسعد بك كتب على الوزارة وله رجال تساعده في المحروسة ودارك الشتاء على العسكر وهو بالبرية ولا زال يقطع مراحل إلى أن دخل شهر محرم سنة 1228 (ك2 سنة 1813) حتى تقدم إلى قرب عشيرة المنتفق وركب الجسر وعبر إلى الجزيرة وفي أوائل شهر محرم وصل تاتار غاسي الوزير عبد الله باشا ومعه قبي جوقداري واشتهر عنهم أنهم جايبين المنصب من الدولة إلى عبد الله باشا وصار فرح في بغداد واتانا الخبر إلى البصرة صحبة ساعي الإنكليز وكان وصوله في 5 صفر سنة 1228 وأمنت وفرحت الناس بذلك (أملا بأنه قريباً تنتهي الأمور ويسلك الطريق الذي تعطل حيث جملة ماجوات قريب
عدد 50 غالبهم شاحنين أموال وقهوة وسقوطات ومبتدأ تحميلهم من شهر شعبان وغالب قهوة الموسم تحملت بهم حتى يمشوا كار حسب المعتاد وظهرت هذه الأمور وتوخروا وأموال الناس عدا تعطيلها عليهم بعضها عدم من الأمطار والنشل لأنه مال مهيت بين أيدي السكمانية وبعد أن كانوا في الشط أدخلوهم إلى العشار وإحدى الماجوات طبعت وأموال الناس تجركت المراد ترى التاجر في ضيقة خلق لا توصف والأموال نزلت أقيامها من جري عدم سلوك الطريق والكساد في بغداد ولا بد من بعض الاختلال والقرش ما يحصل حتى يرسلوا للبصرة ولذلك صار ضيقة على الناس والوعود الباطلة في عطاء الحق اكثر من بغداد وحلب). وفي يوم الثاني من شهر صفر سنة 1228 نهار الأربعاء تقدم الوزير بعساكره الوافرة وتقدم حمود بجنوده ومعه اسعد بك مع عسكر قليل عثمانلي محتوي عنده وصارت الواقعة للحرب ولم يعلم الوزير أن العسكر والاغاوات والكاركلية جميعهم خائنين عليه ويريدوا اسعد بك والمكاتبات متصلة لهم منه بأنه هو الوزير والمنصب جاي باسمه فحالما بدا الجنك وضربت الاطواب أول مرة تبدد عسكر المنتفق وكاد يعدم فلولا اللاوند خرجوا من العسكر
ونكسوا بيارقهم وتبعهم الكرد مع باشاواتهم واغاواتهم ثم الكاركلية والعثمانلي اتباع الباشا بنفسه وأما العروبية جميعهم بدوا ينهبوا نقل الاورضي مع الجباخانة جميعها على الأجمال ساقوها وولوا ناكسين والعسكر جميعه صار في طرف اسعد بك وما بقي عند الباشا سوى العكيل والبرطلية والتفنكجية ونشأت أيديهم عندما شافوا الخيانة فرجع الباشا والكهية إلى الصيوان واتاهم بعض الشيوخ ومنهم راشد أخو حمودو. . . . قبل حمود وأتوا بهم إليه ودخلوهم لعنده مسوقين كالغنم وفي حال دخولهم اخبروه بما أنه كفيف ونفوه بتعذيرهم على فعلهم معه وأمر برفعهم إلى سوق الشيوخ وحالاً أخذوهم ومعهم قبجيلار كهيسي وناصر الشبلي شيخ العكيل وحبسوهم في سوق الشيوخ بأمر حمود شيخ المنتفق واسعد بك جلس في صيوانه وبدت المنتفق وعريان العشيرة ينهبوا اورضي الوزير حتى الخزنة تقاسموا الذهب بالشقابين الذي حسبوه من عدد أحماله قريب ستة لكوك ذهب سكة عدا سكة الفضة من قرش وريال وعدى طواقم الفضة التي توجد عند هكذا وزير المراد جميع ما وجد بالاورضي من كلي وجزئي حصل بيد عرب المنتفق وما اكتفوا بهذا بل بعد توزيعهم ذلك جميعه في بيوتهم بدوا يسلبوا العسكر ويأخذوا سلاحهم وهدومهم والذي ما يسلم بالحال يقتلوه والذي التجأ في صيوان البيك خلص من التشليح ولكن حصانه وسيسنته راحوا من يده وجميع القطرات وتقاسموا العربان وجميع ذلك العسكر منه براطلية وتفنلكجية ولاوند بقيوا عرايا وكذلك بعض الأكراد والارولية والكركوكلية وآغنهم إبراهيم آغا الذي كان متسلم البصرة سابق تشلح وبقي عريان
ودخل إلى عند البيك حالا أمر له بكسوة ولبسه زخرجي باشي وبعض من أغاوات وابن باشوات الكرد اخذوا أوادمهم وانهزموا راجعين وبعضهم بقيوا عند البيك وأما العرب اغتنوا من هذه الهيبة غناء لا يوصف وترى العربي لابس الكرك وزبون القطني وهو حفيان وكل يوم يأتوا بالخيل والبغال يبيعوها بالسوق وفي الجنك ما قتل أناس كثير سوى نجم ابن شيخ تويني أبن عم حمود الذي خان وراح عند الباشا وليس شيخ وبعض من جنوده ومن طرف حمود ابنه الكبير المسما برغش المشهور في صورته ومنظره العجيب وفروسيته ففي وقت الحرب تقدم إليه واحد من أبناء باشاوات الكرد وكلاهما مدرعين وطعنه برمح على الدرع الداوودي وهو قاطع ومزق الدرع وثنا عليه بالخشت وهو طارحه للأرض وتحاوطته جنوده وجابوا إلى عند أبيه ولازالت العرب يتنهب العسكر ولا أحد يقدر يكلمهم وأما اسعد بك حالاً لبس داود أفندي (الذي كان آخذ أخته بنت سليمان باشا وكان محبوب منه وهو صاحب تدبير ومعقول وكان عند عبد الله باشا دفتردار) كهية وكتب امربيور إلى والي البصرة باسم المتسلم حالاً وهو رستم اغا وأرسله بصحبة سلاح داره محمود آغا وأما أحوال البصرة بقيت بنوع ما مرتاحة إلى يوم السبت مساء 5 صفر سنة 28 وتواردت الأخبار
بان اوردي الوزير انكسر واختلت البلدة وثاني يوم نهار الأحد وضعوا قلقات في القهاوي والأسواق وجميع الدكاكين تفرغت من الأموال وصار الخوف بقلوب الناس ويوم الثلثا وصلت المراكب مال البصرة (الذي كان طلبهم الوزير وسافر بهم قبطان باشا إلى قرب سوق الشيوخ ولكنه بعد وصوله أتاه تحريض من اسعد بك وما عاد ظهر منه أذية إلى العربان ولا عاد تقدم إلى السوق بل بقي متوخرا) ورموا المراسي بمكانهم قبل توجههم ويوم الثلثا صباحا وصل أيضاً السلاح دار ومعه البيرولدي وصار له الاي بدخوله إلى السراي والمتسلم استقبل الأمر من الدرج ودخلوا للديوان وتلى على سماع المتسلم بحضور قبطان باشا والأعيان والمشايخ يذكر فيه بأنه حضر له من الدولة منصب وزارة بغداد والعزل إلى عبد الله باشا وبأن يوم الأربعاء في 2 صفر الساعة 1 وقفوا للمحاربة والعسكر حالاً خان واتا إليه وقد استولى الأمر والخطاب إلى رستم اغا استلم بما أنه من اتباع وخدام أبوه الصادقين بقيمه متسلم البصرة تقريراً ويحرضه مع بقية الأعيان على الحفظ والصيانة إلى البلد وشاع اسم أفندينا اسعد باشا وأمنت الناس وقد أمر المتسلم والأعيان والمشايخ جميعاً أن يتوجهوا إلى مواجهته وأن المتسلم يجيب له 90 ألف (غرش) من ثلاثة تجر بأسامهيم بموجب أمر منه وهم الحاج يوسف الزهير 40 ألف وسليمان بن الفداع 30 ألف وخالد بن رزق 20 ألف وحينما المستلم عرض عليهم الأمر اجتمعوا تجار الكبار وفصلوا مع المتسلم التسعين بستين ألف غرش عين وفرضوها على كافة التجار منها على اليهود 20 ألف وعلى الخواجة
منارة سوق الغزل
جبرا أصفر 20 ألف والبقية على التجار الإسلام جميعاً وطلعت المباشرية من طرف السلاح دار والمتسلم في تحصيل القرش الذي لا يوجد بهذه الأيام حتى أن بعض اليهود تدينوا في المائة ستة بالشهر ووفروا على ذواتهم الضرب والبهدلة من المباشرية لأنهم ضربوا بعضاً وهجموا على بيوت البعض من الرعية حتى اتصلوا إلى سحب الخناجر في البيوت مع السب والتشتيم حتى أنهم من يوم الأربعاء إلى يوم الجمعة مساءً ما بقي شيء من الطلب بل جميعه حصل بالسراي والمتسلم أعطى فيه أوراق إلى كل بقدر تسليمه على أنه دين على الكمرك. له تلو منارة سوق الغزل - أمئذنة الرشيد شمخت قدرا ... وطاولت الجبال الشم فخرا أمئذنة النهى عمرت عمرا ... ولم يبرح بناؤك مشمخرا عليك من البشاشة نور بشرٍ ... إذا ما الكون اصبح مكفهرا تغيرت البلاد ومن عليها ... وأتت مقيمة دهراً فدهرا كأنك آية ثبتت بصحفٍ ... فحير كنهها الأفكار طرا
لهارون الرشيد عليك اثر ... فلا محت الزوابع منك أثرا ولا الادهار أبلت منك رسماً ... ولا حكت يد الحدثان سطرا ولا الإخطار حزت منك صدراً ... ولا ضاقت بك الأفلاك صدرا أساسك في بطون الأرض راسٍ ... وجسمك في الفضاء غدا معرى فوضعك لا تبعثره الليالي ... وإن لاقيت برداً ثم حرا فكم قد لاطمتك يد العوادي ... وكم عثرت بك الهوجاء عثرا وخفاق النسيم له حفيف ... لديك إذا النسيم عليك مرا على التقوى بناؤك شيد حتى ... يخلد بعده بانيك ذكرا ومن جعل التقى أساً لما قد ... بناه فذاك من قد حاز شكرا وقوفك ينقل الأخبار عنا ... إلى من لم يحط بالعرب خبرا كأنك تنقلين بما لدينا ... إلى أسلافنا خيراً وشرا كأنك تبتغين لنا نجاحاً ... كأنك تنظرين الحكم شزرا كأنك قد كشفت لنا اختراعاً ... فحرت به وقد أمعنت فكرا فيا ذكرى بني العباس أمسى ... سميرك في المعالي طاق كسرى فماذا قد دهاك وكنت قدماً ... عروساً بالهدى تختال فخرا وكنت إلى التجلي طور قدسٍ ... فصرت إلى حمام الجو وكرا وكنت إلى الأذان منار وحي ... عن الآذان قد زحزحت وقرا وكنت الظلّ للعلما فأمسى ... يباع الغزل تحتك ثم يشرى يصورك الخيال لنا عجوزاً ... تخدد خدها بالدمع قهرا أتى من أهلها خبر مسيء ... فقلبها الأسى بطناً وظهرا
نبوة أديب
وقد وقفت بوسط الدار تبكي ... على دار غدت بالبين قفرا رأت أن الاعارب في خمودٍ ... يسومهمو العدى خسفاً وقسرا ولم يبق الزمان لها نصوحا ... تشد به لردع الضيم أزرا فأسبلت الذوائب ثم صاحت ... أنا الخنساء ابكي اليوم صخرا لأهلي كان صدر الحكم لكن ... ذوو الأعجاز حازوا منه صدرا فيا زمن العدالة والمعالي ... عليك تحية الأعراب تترى عبد الرحمن البناء نُبوةُ أديب السيد علي خان ابن السيد احمد نظام الدين المدني الشيرازي المتوفى في سنة 1120 أديب بكل ما يريده متقدمو أهل الأدب من الكلمة، وتواليفه تشهد له بذاك ومنها أنوار الربيع، والسلافة، وشرح الصمدية، وجميعها مطبوع. وطراز اللغة، والدرجات الرفيعة، في طبقات الشيعة؛ وسلوة الغريب في رحلته إلى الهند وهذه الثلاثة مخطوطة. وكانت له خزانة كتب نفيسة تعرف بعض أثارها إلى اليوم وربما كان (عالم كتب) أيام كانت الكتب نادرة الوجود لا تعرف إلا مخطوطة فكان درسها ومقابلتها ومعرفة (أنسابها) وموضوعاتها وما كتب في شانها وعلق عليها فناً ذا شان أتقنه فريق من العلماء وأطلقوا عليه (علم الكتب) كما أنه بعينه اليوم فرع من (علم الآثار) وقد يقع خطاء للناس في شؤون الكتب وخاصة في نسبها لأن المؤلفين من الطبقات الأولى قلما سموا أنفسهم في تأليفهم فيكون الحكم القاطع في ردها إلى اصلها منوطاً بالحذاق من أهل هذا الشأن وقد عثرت على خطا عجيب للسيد علي خان صاحب السلافة المتقدم أحببت أن آتي عليه تذكيراً لنا بمزية هذا العلم وإن لم أكن من أهله. واضح أن السلافة كتاب قصره مؤلفه على أدباء القرن الحادي عشر وممن أثبتت ترجمته فيها من أدباء هذا القرن (السيد حسين بن كمال الدين الابزر الحلي) وقال عنه في الوجه 546 ما نصه: (هو في الأدب عمدة أربابه، ومنار لاحبه، ولجة عبابه، وقفت على رسالة في
البديع سماها (درر الكلام، ويواقيت النظام) واثبت فيها من نثره في باب الملامعة قوله في من آلف الرسالة باسمه، مكي الحرم، برمكي الكرم، هاشمي الفصاحة، حاتمي السماحة، يوسفي الخلق، محمدي الخلق، خلد الله ملكه، وأجرى في بحار الاقتدار فلكه) اهـ. فههنا خطاء خطير لم اهتد إلى سببه تماماً وهو أن هذا الكتاب الذي ذكره في البديع ونسبه لأبن الابزر وأورد نبذة من إنشائه فيه ليس له ولا هو مؤلفه وإنما صاحبه متقدم من أدباء القرن السابع فأين هو من القرن الحادي عشر؟ أما الحجة التي ندعم بها مدعانا وهو اشتباه صاحب السلافة في نسبة هذا الكتاب إلى غير مؤلفه فهي تتوقف على أن يكون الكتاب الذي نعني هو بعينه ما عناه السيد علي خان لأنه يجوز أن يطلق اسم واحد على مسميات متعددة وهذا كثير في أسماء الكتب والأعلام الشخصية وغيرها غير أن صاحب السلافة نفسه كفانا هذا الأمر فأنه أورد من الكتاب نبذة في باب الملايمة نموذجاً من نثر المؤلف الذي زعمه، وهذه الجملة بنصها وفصها مثبتة في باب الملايمة من نسخة الكتاب التي عثرنا عليها. إذاً فالكتاب المعني واحد لا اثنان إذا ثبت ذلك فليعلم أن زمن وضع هذا الكتاب اقدم مما ظن صاحب السلافة بكثير وإذا فرضنا أن ابن الابزر من معاصريه كما هو الواقع فيكون كتابه هذا قد آلف له قبل ولادته بثلاثة قرون ونصف قرن (سنة 684) وتكون نسختنا المخطوطة منه سنة 959 خطت قبل أن يولد مؤلفها بنحو قرن أيضاً. ولا ادري كيف اختلط الأمر على السيد علي خان وهو من مشاهير المؤلفين في الأدب القديم وخاصة في البديع موضوع هذا الكتاب وكذلك لا يعلم تحقيقاً من الذي دلس الكتاب الذي يلزمنا تعريفه والكلام عليه. الدرر مختصر في البديع ذو 84 قائمة متوسطة منه نسخة عندنا مخطوطة خطاً مقبولا جاء في آخرها ما نصه: انتهى مسطور النسخة المباركة على يد الفقير إلى الله أكبرهم جرما، وأصغرهم جرما، العبد ناصر بن عبد علي بن ناصر الحلاوي عفى عنهما وذلك يوم الأحد 3 ربيع الأول موافق 27 شباط الرومي تقريبا (كذا) من شهور سنة تسع وخمسين وتسعمائة هجرية في بلد الحلة السيفية حماها الله من كل بلية من أرض الكوفة بابل، وعلى هذه النسخة تعاليق كثيرة مخطوطة خط الاصل؛ جلها استدراك
ومؤاخذة ويظهر أن معلقها عالي المحل في نقد الشعر، قوي البضاعة في البديع؛ وهو متأخر عن المؤلف ولم نقف على اسمه ولكن يلوح لنا انه دمشقي الموطن أما المؤلف فهو من المائة السابعة ممن سمع الشيخين العالمين السكاكي صاحب مفتاح العلوم المتوفى سنة 606 والمطرزي صاحب شرح المقامات المتوفى سنة 610 وهو فارسي الأصل عربي الطبع أما أنه فارسي فلكثرة إيراده الشواهد من الفارسية ولإثباته بعض أنواع البديع التي لم يعرفها العرب ولم يصطلح عليها إلا أدباء الفرس على أنه قد اتخذ لها أسماء عربية مثل (الترجيع والمردف) وغيرهما وبأنه فارسي المحتد صرح صاحب التعليق وأما انه عربي الطبع فلسلامة إنشائه ومتانة بنائه ولم نتحقق اسمه أيضاً إلا انه قد جاء في ختام النسخة التي نقلت عنها نسختنا ما هذا حرفه: (واتفق الفراغ من نسخه بعون الله تع يوم السبت تاسع عشرين جمادى الآخر سنة أربع وثمانين كتبه العبد الفقير الراجي رحمة وغفرانه علي بن المهدي المرياني البغدادي واعتذر بهذه القطعة عن قلة الهدية. عند سليمان على قدره ... هدية النملة مقبوله لا يقصر المملوك عن نملة ... عبدك فالرحمة مأموله فأنا يخامرني الريب في أن يكون هذا مؤلف الكتاب لأمرين: 1: بعد ما بين عصره وعصر السكاكي والمطرزي وهما أستاذا المؤلف اللذان شافهاه 2: انه لو كان هو لصرح بذلك وقال (كتبه مؤلفه) وعلى كل حال فأن صاحب الكتاب خدم بتأليفه خزانة (السلطان الملك الناصر داود بن عيسى) وكثيرا ما يورد شواهد مما جاء في مدح الملوك والأمراء تملقاً ومكابرة وربما تممها بشاهد من صناعته يمتدح به هذا الملك كما فعل في باب الملايمة فأن له تلك الجملة المنثورة التي أوردها صاحب السلافة في ترجمة (ابن الابزر) يزعم أنها مثل من كلامه ولقد ذكر المؤلف أنه قد دون في هذا الفن مجلدات إلا أن كتابه تميز منها بأربع مناقب: 1: ضبط ما بددوه 2: حذف ما رددوه 3: تفصيل ما أجملوه 4: إلحاق كثير من المحاسن قد أهمله ثم أتى فيه على 180 نوعا من أنواع البديع والبيان 160 منها تعد في محسنات الكلام و20 نوعا من مساوئه وعيوبه آخرها عيوب القافية والسلام النجف: محمد رضا الشبيبي
أنا والدنيا
أنا والدنيا سحرتني بلحظها السحار ... حينما أسفرت كشمس النهار فخلعت العذار بين يديها ... وتتيمت هاتكاً أستاري ساهر الليل هائماً في هواها ... باسطاً دون لومي أعذاري لم أجد للسلو عنها سبيلاً ... هي بمناي في الهوى ويساري كلما رمت تركها جذبتني ... صبوتي نحوها بغير اختيار فاعذراني لصبوتي في هواها ... إن حكم الصبا على المرء جاري يا زمان الصبا عليك سلام ... فلقد شط عن هواها مزاري أن دنياً أريتها لي حسناء ... رأتها قبيحة أنظاري خدعتني بأنها ليس تجفو ... فجفتني إذ لاح شيب عذاري أنا ما كنت قبل ذلك ادري ... ودها عن ثوب الحقيقة عاري عشرة ثم عشرة ثم أخرى ... ألفتني ولم أنل أوطاري لا تسلني من بعد عنها فأني ... عن هواها بمعزل ونفار أتلومون نفرتي عن هواها ... بعد علمي بحالها واختباري أن دنياي قد وجدت مناها ... وهواها عداوة الأحرار أي حرٍ يا ليت شعري فيها ... قد نجا من صواعق الاكدار فلعمري لو استطاعت لضنت ... لقبور الأحرار بالأحجار لا تلمها فطبعها غير ميال ... إلى غير نكبة الأخبار إبراهيم منيب الباجه جي إمارة الرشيد 1 - مدخل البحث بحثنا في مقالتنا الأولى عن نجد وما يراد به. وذكرنا هناك ما لزم ذكره من حدوده وأقسامه. وقلنا أن هنالك ثلاث إمارات تقتسم تلك الديار منذ زمان وهي:
وسيأتي تفصيل ذلك في موطنه ومنذ أن تسنم بيت الرشيد عرش هذه الإمارة لم يستطع غيره أن يتربع فيه لا سيما أن عشيرة هذا البيت قديمة الوجود في ذلك الجبل ولم يقع طارئ تاريخي يبعدها عنه وإن اتفق أن خضعت هذه القبيلة لغير أهل هذا البيت فأن خضوعها لها كان بالاسم لا بالموقع. 9 - إمارات العرب وإمارة الرشيد تختلف الإمارات العربية في هيئتها وحياتها بعض الاختلاف فمنها ما لا مطمح لها إلى الغزو والفتوحات وتكتفي بالمحافظة على حالتها. وهذا ما تراه في إمارات العراق غالباً، ولعل سببه أنها في مقام ضيق لا محل لها لتوسيعه. أو أنها محاطة بقبائل أو عمائر كبيرة لا يمكنها أن تتغلب عليهم لتمد أجنحة سطوتها عليها وعلى ما وراءها أو لتطلب لنفسها الإمارة الكبرى عليها. أو هنالك مراقبة البعض للبعض تحول دون تحقيق أمنيتها لتتسع وتكبر. هذا فضلاً عن أن في تلك الديار سبباً آخر وهو أن الإمارة لا تمتد إن لم تكن ذات عشيرة كبيرة تسخر غيرها لنفسها بالقوة أو بالدعوة الدينية أو بالمال الذي هو الواسطة العظيمة للترغيب والترهيب. على أن لإمارات العراق أسباباً أخرى تحول دون التوسع والتبسط وهي مراقبة من هي أعلى منها تدأب في أن تجزئ قواها لتبددها وتكون هي المالكة الكبرى وصاحبة السيطرة العظمى. وقد تحمي الدولة القبيلة الضعيفة فتقويها على مناوئتها فتبطش بها اشد البطش فتنهك قواها وتعركها عرك الأديم حتى أنها تشارف التلف والاضمحلال. ومن الإمارات ما تجعل همها الفلاحة والزارعة ورعاية المواشي فتقصر عنايتها على هذه الأمور فلا يطمح بصرها إلى غيرها فلا يشرئب عنقها إلى السطوة الخيالية ولهذا تبقى ساكنة وإذا أجبرت على الحرب دخلت حومتها مضطرة إليها. ومنها ما جاورت المياه والأنهر وابتنت بعض القصور وأخلدت إلى الراحة وأسباب الترف والنعيم فيصعب عليها بعد ذلك النهوض إلى ما فيه شظف العيش وسفك الدماء فتقنع بما رزقت ولا تنظر إلى ما في أيدي الغير. فينتج من هذا كله أن الإمارة البدوية التي تطمح إلى مد جناح سطوتها أو توسيع ملكها تحتاج إلى أن تتجرد من جميع ما أشرنا إليه من الموانع وتجد في أن تكسب حياتها بأفعالها. ولهذا يكون أول أمرها شن الغارات ثم الغزوات ثم تعبئة الجند (أي التجهيزات)
وتدريبهم على أصول الحرب المتعارفة في عصرنا. فإذا تم لها ذلك أصبحت دولة مهيبة محترمة الجانب مسموعة الكلمة فتمد يدها إلى ما يجاورها فتكون لها كالأثمار الجنية وإذا أرادت البقاء في حالتها الرهيبة سعت إلى ثلاثة أمور وهي: 1: إيجاد المال وجمعه لتكثير جندها 2: تكثير جندها للدفاع والقراع 3: العلم لتنال به تحسين الأمرين المذكورين. عليه نرى أن إمارة ابن الرشيد متهيئة لأن تكون كبيرة لما توفره لها من الأسباب المذكورة. وها أنها قد خرجت من سن الطفولية (وهو عهد شن الغارات) وأصبحت في سن الرشد (وهو عهد الغزوات) الذي تطلب فيه ما ليس في قبضتها الآن. وإذا وفقت للحصول على رجال أهل حزم ونظر في السياسة تتوفق ولا ريب لبلوغ القسم الثالث من تبسطها الذي بعده الاستقرار والتسمي بالدولة الكبير. - وإذ قد بينا منزلة هذه الإمارة بالنسبة إلى سائر ما جاورها من الإمارات نخطو إلى ما يعرفنا إياها تم المعرفة. 10 - موقع إمارة الرشيد وحدودها موقع إمارة الرشيد في قلب جزيرة العرب ويحدها من الشمال بادية الشام ومن الجنوب بلاد القصيم العليا ومن الشرق الكويت والعراق ومن الغرب بادية الحجاز أو المدينة فهذه هي حدودها المتعارفة عند وصاف البلاد وهي حدودها الطبيعية في حين ضعفها. وأما حدودها المتعارفة عند الأعراب فأنها تبتدئ شمالاً من النجف عند (الحجرة) أي من (عين الحزل) فما فوق (الشقيق) أو (صامت) من جهة اليسار ثم تسير في (الربع الخالي) حتى تجيء جبل (قاف) فتنزل كأنك تريد (حائل) إلى (قراقر) ثم تمر ببلاد (كليب وغنم) و (النباج) الماء المعروف، فقارات (الجو) ثم تتصل بنفد وتنزل إلى (بني عطية)
حالة التجارة في بغداد في سنة 1913
ومن هنا تأخذ في حدها الغربي مبتدئاً من (تبوك) وتسير حتى تجد جبال (حزوي) أو جبل (تهامة)، فالأخضر جبل معروف، فالحجر فالهدية وجبل (أولاد علي) وهم قسم من العرب ثم تأتي بني حرب قبيلة معروفة قرب المدينة قريباً من مسكة والغميس بعد ضرية وحصنها المعروف فتنزل إلى جهة الجنوب فما فوق ضرية مبتدئاً من جزوى إلى جبل صبيح (كزبير) جاعلاً النباج والرس عن عينيك وسميراء الجبل المعروف عن شمالك. وهنا تقف على الحد الجنوبي حيث (قصيباء) وهي بلدة ذات نخيل كثير وعيون جارية ونفوس عديدة من حاضرة وبادية. والبلدة قديمة. ثم تصعد إلى أن تنتهي فتقطع الدهناء. من (الخل) المعروف فتمر (بقبة أو قبا) وهو ماء معروف وتسلك في وادي الرمة إلى أن تصل الحفر المعروف فتدخل بلاد الضفير فتجعلها عن يمينك هي و (السماوة) وأنت تسير إلى الشمال حتى تنتهي إلى النجف، وتعود إلى من حيث خرجت. فهذه الحدود وما ينحصر أو يقع تحت دائرتها عائد إلى هذه الإمارة ولهذا تعنى بتأديب قبائلها وغزوها وتأخذ منها الزكاة والرسوم وتضرب عليها الضرائب والمصطلح عليها منذ القدم إلى عصرنا هذا ولكن إذا امتدت أجنحة الإمارة وقع ظلها إلى ما وراء ذلك وقد تقدمت الإشارة إليه قبل هذه الأسطر فارجع إليه أن أحببت. (لها تلو) سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض حالة التجارة في بغداد في سنة 1913 1913 1 - مدخل البحث عرفت تجارة بغداد في سنة 1913 بكساد لا مثيل له في سابق العهد وما ذلك إلا من تراجع صدى حرب البلقان في هذه الديار فكان منها ما كان ولاسيما الأطعمة
ومن بينها الخبز فقد تضاعفت أثمانه المثل مثلين عما يباع قبل نحو ثلاث سنوات. الجلب ظهر من الجلب في سنة 1913 أن التجارة ارتقت قليلا لكن البيع والشراء وأنواع المعاملات كانت في غاية السوء فلقد شاهدنا عسراً ماليا غربياً سبب انكسار (إفلاس) عدة تجار ولا سيما بين اليهود. 2 - سعر التحويل كان سعر التحويل على هذا الوجه: 109 ليرات عثمانية تحويلاً على لندن بعد الاطلاع إلى 111 عن 100 ليرة إنكليزية. التحويل على بمبي من نول سنة 1912 وكذلك نول النهر فأنه كان أدنى من السنة الماضية بكثير. وكان النول يتردد هكذا: بين البصرة ولندن من 25 شيلنا إلى 30 عن كل طن بين البصرة ومرسيلية بعد الاطلاع عن 72 ليرة إلى 74 لكل ألف ربية. 3 - سعر النول (الجعل) نول البحر كان أدنى من 30 شيلنا إلى 35 عن كل طن بين بغداد والبصرة من 3 إلى 17 شيلنا عن كل طن أو 800 حقة 4 - القطنيات لما ارتفعت أثمان النقل من بغداد إلى ديار العجم هبطت أسعار القطنيات بالنسبة إلى ما كانت عليه في السابق. وهذا ما سبب خسائر كثيرة واضطر التجار إلى تقليل مبعوثاتهم إلى تلك الأقطار. 5 - السكر اصبح السكر بلجكة أهم سكر يجلب إلى ديارنا العراقية ويتلوه في النجاح سكر النمسة وكان سكر القوالب دون مقدار ما جلب منه في السنة المنصرمة وكان بيعه أيضاً اقل مما بيع في سائر الأعوام. 6 - السكر البلوري يأتينا من بمبي
7 - الثقاب (الشخاط) الثقاب تأتينا من اسوج وقد أخذت تجارتها تزداد ويباع الصندوق الكبير عندنا من ثلاث ليرات إنكليزية و3 شلينات وأربع بنسات إلى 3 ليرات و7 شيلنات. 8 - الشاي جميع ما يردنا من الشاي أو الشاهي هو من الهند وتختلف أثمانه على الوجه الآتي: من 2 ليرتين إنكليزيتين و3 شلينات قيمة الحقة التي هي عبارة عن ليرتين إنكليزيتين. الإصدار 1 - الحبوب كان حاصل الحبوب في السنة الماضية سيئاً لقلة أمطارها إذ جاءت في آخر الموسم. 2 - أفيون كان ثمن الأفيون فاحشاً واصدر منه نحو 150 صندوقاً إلى لندن و280 صندوقا إلى هنكن و 40 إلى سنغابور. - وأثمانه في بغداد تتراوح بين 110 ليرات عثمانية إلى 150 ليرة لكل صندوق وزنه 140 ليرة 3 - صوف أعرابي كان موسم الصوف في هذه السنة المنقضية دون موسم السنة التي قبلها بالمقدار والجودة. وقد اختلف ثمنه بين 15 إلى 20 شليناً عن المر الواحد الذي وزنه 34 ليرة إنكليزية و375 جزءاً من الليرة وفي أول الموسم كان الثمن عاليا لكثرة ما طلب منه في مرسيلية ولندن. ثم هبط لقلته وسوء صنفه. 4 - صوف مواسي وكرادي كان قدر هذين الصوفين وصفتهما على جانبهما وكان ثمن المن يتراوح بين 14 شلينا و6 بنسات وبين 16 شلينا للمن الواحد الذي وزنه 34 ليرة و385 جزءاً من الليرة. 5 - الكثيراء كان موسم الصموغ دون صموغ السنة التي سبقتها ولم يصدر منها إلا شيئاً قليلا. وكان ثمنها يتردد بين ليرة إنكليزية و5 شلينات وبين 3 ليرات و10 شلينات عن المن الواحد الذي وزنه ليرة إنكليزية و375 بموجب الصنف وحسنه. وقد رغب الناس كثيراً في الصنف الفاخر لكن لم يلتفتوا إلى الصنف السافل. 6 - العفص كان حاصل هذه البياعة قليلا جدا وكانت أسعاره تتراوح بين 10 ليرات إنكليزية وبين عشر ليرات و16 شلينا بموجب صنفه
اللسان
7 - الفرش طلب الناس كثيراً فرش العجم ونفقت تجارته نفاقاً عظيماً والأثمان كانت حسنة - واغلبه جديداً كان أو عتيقاً - اصدر إلى الأستانة وبيروت والسويس وأميركة وكانت أثمانه أعلى من أثمان السنة التي قبلها 15 في المائة. 8 - الجلود والادم كان هذا الحاصل قليلا هذه السنة. وقد جاء منه قليل من العجم فأرسل إلى ديار الإفرنج. وإثمان جلد المعز غير المدبوغ كانت هنا من شلين واحد و6 بنسات إلى شلينين عن الحقة الواحدة حقة الأستانة. وأما إثمان الأديم الحسن الدباغ فكان من 3 شلينات بني واحد إلى 3 شلينات و3 بنسات وإثمان أديم الخروف المدبوغ دباغاً حسنا شلين واحد وبني عن الجلد الواحد. هذه نظرة عامة في حالة التجارة في سنة 1913 وسوف أوافي القراء بالبيان السنوي في عدد قادم والله الموفق. البر كسبرخان اللسان يا أيها الشهم الكريم نجاره ... والماجد الراقي إلى أوج العلى لك في البيان بديع معنى زهره ... يجنى وأنجمه الزواهر تجتلى الفت شمل الفضل وهو مبدد ... حتى غدا عقداً عليك مفصلا
ولقد وصفت وأنت ابلغ واصفٍ ... أحد الحسامين المشيرف مجملا ينضو به يوم الخصام عميده ... سيفاً يصيب إذا أستسل المقتلا مر إذا أحفظته حلو إذا ... لاطفته شهداً يريك وحنظلا تجنى لاهليه عذوبة لفظه ... ضرباً وقد يجنى لهم ضرب الطلى تخشى الجوارح من غرار كلامه ... كلماً تعذر جرحه أن يدملا ويبين كنه المرء فيه وأنه ... نعم الدليل على الفتى إن أشكلا وعليه من صدق اللسان طلاوة ... تكسوه حسناً كاملا وتجملا والصدق رونق حده وصقاله ... والسيف بهجة حسنه أن يصقلا لسن إذا استنطقته ألفيته ... حسن البيان مفوها مترسلا ويمده سيل الفصاحة والحجى ... فيفيض في روض الفضيلة جدولا ما أن رأيت على امرئٍ من حليةٍ ... أزهى وأبهى من بيان قد حلا فإذا سعدت به فعلق مضنةٍ ... رخصت به دور العقود وقد غلا وإذا الفصاحة أقبلت لك فارتقبٍ ... فوزاً فقد لاقيت جداً مقبلا ما ضر من أضحى به متحلياً ... إن عاد من حلى الثراء معطلا يشقى ويسعد بالضلال وبالهدى ... فتراه يبدع هادياً ومضللا يصف العقول وينشر العلم الذي ... تطوى الصدور مخافة أن يجهلا نصف الفتى لكنه بيانه ... كل الفتى وبه يعود مفضلا وإذا وراء القلب كان محله ... متروياً فهو المهذب مقولا وإذا أمام القلب جاء مشمرا ... أودى العثار به وخر مجلا وبهاؤه في صمته وسكوته ... ما لم يكن عي الكلام مغفلا مفتاح أسرار القلوب يضمها ... طوراً ويفتح تارة ما اقفلا هو بضعة لكنه بمضائه ... يفرى الحسام المشرفي الفيصلا ينتاش من أيدي الحوادث ربه ... ويكون حصناً في الخطوب ومعقلا وإذا استزلته الشقاوة عاثراً ... حم البلاء وكان خطبا معضلا إن يستقم يسلم وإن لم يستقم ... يندم وكان به البلاء موكلا كم حومة أورى واثقب نارها ... فذكت على الأبطال ناراً تصطلى ولكم أسير عاد فيه مطلقا ... وطليق سرب عاد فيه مكبلا
الرطب والارطاب
فقد العكوك باللسان لسانه ... وحوى أبو دلف الثناء إلا فضلا وابن المقفع قطعت أوصاله ... بشبا لسان سل منه منصلا ما أوقعت بالبشر إلا كلمة ... غبنٍ بها الجحاف جازى الاخطلا كربلاء: أبو المحاسن محمد حسن الرطب والارطاب 1 - الارطاب وإذا بدأ التمر بالارطاب وهم يقولون: نكت التمر أو نكد (من باب التفعيل) يأخذ الصاعود بالقط ما نكت منه ليبيعه في السوق. أما كيفية صعوده النخلة لجني تمرها فأنه يرقاها بالتبليا كما قلنا ويأخذ معه علاقة يشدها بحبل ويربطها بالمقبض ويصعد بالحبل إلى راس النخلة وهناك يلقط (أي ينتخب التمرة بعد التمرة) ما كان منكتاً. فإذا امتلأت العلاقة أنزلها بواسطة الحبل وتلقاها أحد الواقفين عند اسفل النخلة وأفرغها في طبق كبير ثم أعادها إلى اللاقط ويكرر ذلك حتى ينتهي العمل. فإذا اجتمع عنده مقدار كاف من الرطب نقله إلى السوق في محل خاص يسمونه العلوة أو العلوى ويشترون القبونة (أي الطبق) الذي فيه التمر فيأخذه إلى دكانه ويبيعه وقد يشتريه أحد الباعة المتجولين في الطرق فيبيعه شيئاً فشيئاً في الأزقة والشوارع منادياً على الزهدي: (عال يا فضيخ عال) وإذا كان حاملاً خستاويا وبربناً يقول: (بربن وخستاوي) وهكذا ينادي على كل صنف من التمر باسمه مع صفة
تعلي شانه. وإذا اشتد الحر ونضجت التمور كلها دفعة واحدة لم يسع الفلاح أو اللاقوط انتقاء الرطب أو لقطه كما قلنا فيعمد حينئذ إلى صرم العذوق كلها ليكبس ما عليها أو يبيعه للتجار وسنذكر ذلك في فصل خصوصي. وإذا كثر الرطب ورخص ثمنه وهذا يكون في أبان إقباله يعمد الناس إلى استخراج عصيره المعروف باسم الدبس أو السيلان وسنذكر كيفية استخراجه في فصل خصوصي. أما ثمن الرطب فيختلف باختلاف أصنافه وأوان بيعه فيباع كيلو تمر الزهدي عند اول ظهوره من 5 غروش صحيحة إلى 3. 4 وعند رخصه وكثرته كان يباع الكيلو قبل نحو 7 أو 8 سنوات ب 15 بارة إلى 20 بارة وأما في هذه السنة فكان يباع الكيلو بقرش صحيح أو 30 بارة. أما ثمن كيلو الخستاوي فيباع عند أول ظهوره من 8 غروش صحيحة إلى ما دونها. وعند رخصه وكثره كان يباع الكيلو قبل نحو 7 و8 سنوات ب30 بارة أما الآن فيباع بقرش صحيح أو بقرش وربع وربما بقرش ونصف وهكذا قل عن كل صنف من الأصناف المعروفة لا سيما في هذه السنوات الثلاث الأخيرة فأن أسعار الأطعمة ارتفعت ارتفاعا باهظا. وأنواع بيعه تختلف باختلاف البلاد بدون ضابط. وإذ قد بلغنا البحث إلى الرطب يليق بنا أن نذكر ضروبه في العراق ليقف القارئ عليها وعلى أسمائها. 2 - ضروب الرطب أو التمر الموجود اليوم في العراق 1 إبراهيمي 2 اجرسي أو اشرسي 3 اخلاص أو خلاص 4 أزرق 5 أزرقاني 6 أشقر 7 إصبع العروس أو أصابع العروس 8 أصابع زينب 9 أصفر خوش 10 أم التبن 11 أم الرحيم 12 أم الصواني 13 أم الكبار 14 اسطا عمران وهو السائر 15 بادامي 16 بدرايي 17 بربن 18 برحي 19 بصراوي 20 برني 21 بريم 22 برين 23 بقلة 24 بنفشة 25 بهراب 26 بيز الواوي 27 تبرزل أو طبرزذ 28 جبجاب لفظ عامي لكبكاب
صادق وفتحي
29 جباني أو كباني 30 جعفري 31 جلبي 32 جمال الدين 33 جوزي 34 حساوي 35 حسن أفندي 36 حلحل دقنه 37 حلواني 38 حمراوي 39 حمرة نجدة 40 حلاوي وحلاوي أبو خشيم 41 حويزي أو حويزاوي 42 خدري 43 خستاوي 44 خصاوي البغل 45 خصب 46 خضراوي 47 خنيزي 48 خوشه كوته 49 دبيني 50 دقل أبو الدهن أو دقل أبو الودج 51 دقل بارة 52 دق العماد 53 دلة الخلف 54 دقلة 55 دقل عود 56 دقل هش 57 دبري وهو طيب الاسم 58 ربيثة 59 زهدي 60 سائر وهو اسطا عمران 61 سبع ذراع 62 سكر نبات 63 سكري 64 سلطاني 65 سماني 66 سويدان 67 شتوي 68 شكر 69 شلبي 70 شميعي 71 صعادة أو سعادة 72 طباشي 73 طيب الاسم وهو الديري 74 ظفير السلى 75 عجوة 76 عبدلي 77 عريان 78 علي موسى 79 عمامة القاضي 80 عنجاصية 81 عويدي 82 عوبنة أيوب 83 فرسي 84 فنك تاكلني 85 قنطار 86 كرسي وهو الزهدي 87 للوى (خلالة أصفر) 88 للوى البحر (خلالة أحمر) 89 مائع 90 مخ العصفور 91 مدني أو حلوة الجبال 92 مصيدفي 93 مكتوم 94 مكاوي 95 ميرحاج 96 نباتي 97 نرسي 98 هدل وأما وصف كل ضرب من ضروب هذا التمر فنعقد له فصلاً آخر بعد ذلك، ونضبط كل صادق وفتحي كرة الأرض أرسلت نسرين ... لاستلام الجوزاء بالشفتين فتجلى بديع نور محيا ... ها فخرا من دهشةٍ صعقين إبراهيم منيب الباجه جي مكتبات النجف كان في مدينة النجف من العراق ولا يزال إلى الآن خزائن كتب حوت
نفائسها ونوادرها وغرائب المصنفات وأمهاتها الممتعة التي يندر وجود مثلها في خزائن كتب العالم. وذلك لأن النجف دار هجرة لطلاب العلم من الشيعة منذ عدة قرون. وزد على ذلك ما لمجاوري مرقد الإمام علي عم في النجف من الأجر والثواب ما ليس لغيره من قطان الأمكنة والبقاع لما يروونه في أخبارهم المنقولة عن الأئمة الأثنى عشر عم. ولهذا الغرض عينه اخذ بعض الملوك والوزراء والأمراء من الإيرانيين والهنود والبحرانيين وغيرهم يهاجرون إلى النجف قصد الثواب وبعد أن يبقوا فيه مدة من الزمن يرجعون إلى بلادهم وقد يهجر بعضهم وطنه بتاتاً أو يترك بعض أولاده أو أحد أسرته مكانه أو يرسله نيابة عنه فيأتي أولئك المهاجرون من شرق البلاد وغربها زرافات ووحدانا بالكتب التي في بلادهم. أو الكتب التي ورثوها عن آبائهم قصد الانتفاع بها في الدرس والمطالعة. وإذا مات أحدهم أوقف كتبه لطلاب العلم ليعم نفعها. والتي لا يوقفها صاحبها لهذه الغاية تباع بعد موته في صحن النجف بأبخس الأثمان (إذ كان باعة الكتب قبل نحو عشر سنين في حجر الصحن) فتتفرق تلك الكتب عند العلماء وغيرهم، لكنها لا تخرج عن بلدة النجف أبداً. بيد أن أصحابها لا يقدرون منها سوى كتب الكلام والفقه والأصول والحديث والرجال (اعني رواة الحديث منهم) ولا يرون مزية لغيرها من كتب التاريخ واللغة والأدب والشعر والبلدان والهيئة والهندسة والطب وتراجم الرجال. ولهذا السبب أهملها القوم ولم يلتفتوا إليها بل قل لا يصلحون حالها إذا أصابها سوء من تمزيق وحرق وما أشبه ولا يحفظونها من التراب والرطوبة والأرضة وما شاكل ذلك ولهذا تلف معظم الكتب التي صنفت في تلك العلوم (اعني القسم الثاني منها) ولم يتنبه لها عشاق الكتب والمتاجرون بها من النجفيين وغيرهم إلا منذ أربع سنوات على الأكثر فاخذوا حينئذ يغالون بكل مخطوط نالته أيديهم وظفر به أحدهم إذ تراهم قد قبضوا عليه بيدٍ من حديد وضنوا به على كل أحد حتى على أبناء معارفهم ولا ضن الشحيح بديناره وما ذلك إلا لما تصوره لهم المخيلة أن لهذا الكتاب شأنا عظيماً عند الإفرنج وسيباع بالمئات من الليرات بل الألوف بل الملايين ورسخ هذا الفكر في أذهانهم ولا رسوخ الطود الأشم في الأرض ولشدة تيقنهم ذلك تسمع هناك المنادي يصرخ إذا نادى على كتاب مخطوط مهما كان موضوعه وعهد تاريخ وأراد أن يجلب رغبة المشتري إليه فيقول: (بابا عنتيكا لندن
وباريسا) معناه يا أبتي (يعني به المشتري) هذا الكتاب من الاعلاق النفيسة التي لا يمكن تقدير ثمنه ويجدر بأن يكون في لندن وباريس. فيتهافت عليه الجاهلون أثمان الكتب ومقاديرها ولا تهافت الجياع على القصاع وقد شاهدت ذلك منهم مرات عديدة. وكم رجل منهم اشترى الكتب بالقيم الباهظة وكان يعلن نفسه انه الغالب وبعد أيام خاب ظنه وتحقق خسارته الجمة ولكن يا للأسف لم يتعظ به الآخرون لا بل لم يتعظ هو نفسه! ولم تدر هذه الفكرة في خلد أحد منهم إلا منذ ثلاث سنوات إذ سافر من بغداد بعض المتاجرين بالكتب إلى ديار الإفرنج وبعض عشاقها وابتاعوا شيئاً منها بقيم فوق قيمتها بقليل فتابعهم متابعة عمياء ذوو الأطماع من النجفيين فكان عاقبة أمرهم خسراً. وبهذه المناسبة نذكر مكتبات النجف قديمها وحديثها وما فيها من الكتب وما اتلف منها وما بقي متفرقاً بأيدي الناس أو محفوظاً في الخزائن. ذلك ليكون مصداقاً لما قدمناه من إهمال الكتب وتمزيقها وتشتيت شمل أوراقها. ولنبدأ أولاً بخزانة كتب أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عم إذ هي اقدم مكتبات النجف ويجب أن تقدم على ما سواها لأنها خزانة كتب الإمام عم. 2 - خزانة كتب الإمام علي حدثنا جماعة من الفضلاء انه كان في خزانة كتب الإمام علي عم نحو 40 ألف كتاب وبالغ بعضهم فقال زهاء 400 ألف كتاب وقد جمعت هذه الخزانة نفائس الكتب وأمهاتها التي عز وجود مثلها في الدنيا كيف لا وهي مما يجب أن يهدى لحضرة الإمام عم ولكن قد تلف جل هذه الكتب بل قل كلها إذ لم يبق منها إلا عدد يسير لطلاب العلم والمطالعين من الناس على اختلاف طبقاتهم بدون شاذ. ولما كان ذلك بهذه الصورة صار الداخل إليها إذا خرج اخبأ تحت عباءته الكتب التي يريد سرقتها ويخرج بها بدون أن يفتشه أحد ولكثرة السراق ظهر النقص فيها ظهوراً لا يمكن إخفاؤه على ذي عينين إذ لم يبق منها إلا ما يناهز المائة وحينئذ أغلقت أبواب
الخزانة ومنع الطلاب والمطالعون. وكنا نشتاق إلى رؤية البقية الباقية من تلك الخزانة التي ضاع اكثر كتبها وفي زيارتنا النجف الأخيرة وكانت في 12 ربيع الأول سنة 1332هـ - 8 شباط سنة 1914م كنا نجالس في آخر النهار في إحدى حجر الصحن الشريف رجل العراق حزما وثراء وحسبا ونسبا الطائر الشهرة والصيت السيد محمد جواد أفندي الرفيعي قيم (كليدار) الروضة الحيدرية الحالي على مشرفها السلام وفي يوم من الأيام طلبنا إليه أن يطلعنا على خزانة كتب الأمير عم فأجاب طلبنا وأمر نائبه السيد داود أفندي بفتحها ففتحها وهي حجرة من حجر الصحن مما يلي شرقي القبلة وبقربه. وكان المساعد لنا في تقديم الكتب والمصاحف النائب الموما إليه ولم نكتف منها بزيارة واحدة بل بقينا نتردد إليها نحو أربعة أيام نصرف فيها من الوقت اكثر من ساعة واليك وصف ما فيها من الكتب النادرة والمصاحف النفيسة ولنبدأ أولا بالمصاحف لشرفها على سائر الكتب فنقول: 3 - وصف مصاحف خزانة كتب الإمام علي عم. في خزانة كتب الإمام عم اكثر من 400 مصحف من احسن ما كتبه الكاتبون وأجود ما جلده المجلدون وذهبه المذهبون وزخرفه المزخرفون منها مصحف كتب في أواخر القرن العاشر مختلف الأسطر فهو يبتدئ من رأس الصفحة بالقلم النسخي وبعد ثلاثة اسطر بالقلم العريض يليه سطر أزرق وهو اعرض من السابق وهكذا إلى أن يختم القرآن وقد أوقفه رجل من إيران اسمه (ابا آقاي) يلقب بفروغ الدولة سنة 1251. طول صفحته 44 س في عرض 30 س وطول ما كتب فيه في عرض 22 س ومنها مصحف أصغر منه حجماً واقدم تاريخاً مكتوب على النسق المذكور. ومنها مصحف كالأول حجما وأجود منه خطا أوقفه الشاه عباس الموسوي الحسيني سنة 1228 في أول شهر ذي الحجة وتاريخ كتابته سنة 999هـ ومنها قطعة من أول سورة مريم إلى آخر الصافات مكتوبة بالقلم العريض يتخلل السطور ذهب وتحت كل كلمة تفسير فارسي طول الورقة منها 38 س في عرض 25 س وطول الكتابة منها 31 س في عرض 16 س وفي كل صفحة 7 اسطر وجلدها مطلي بالذهب جاء في آخرها: (كتبه ابن عبد
الله ياقوت المستعصي حامداً الله تعالى مصلياً. . . وقد أنجزت كتابة الربع الثالث من كلام الله العزيز مع ترجمته عشية يوم الأحد السابع عشر من ذي الحجة حجة ثلث وثنين وستمائة الهجرية) وقد أوقفه رجل من إيران اسمه (كلب علي) في شهر ربيع المولود (كذا) من شهور سنة 1128 بتولية قيم (الكليدار) الملا عبد الله ومنها مصحف خطه أشبه بخط ياقوت وهو في الغاية من النفاسة والزخرف طول ورقته 47 س في عرض 30 س وطول الكتابة 30 س في عرض 17 س وضخمه 8 س ومكتوب على كل ورقة منه بالذهب كلمة (وقف) وفي أوله 3 أوراق مزخرفة بالميناء الدقيق الصناعة وآخره وجلده مطليان بالذهب وعليه آثار القدم وقد أوقفه رجل اسمه (صفي قل بيكا) في محرم سنة 1137هـ ومنها مصحف كأخيه السالف ضخامة وانفس خطاً وتزويقاً طوله 37 س في عرض 30 س وطول الكتابة 25 س في عرض 14 س وشكل كتابته مثل المصحف الأول غير أنها بالحبر الأسود وفي كل صفحة 12 سطراً وعلى اغلب حواشيه الميناء الملون المشجر الدقيق الصناعة وعرض الحاشية 7 س وقد أوقفه الشاه سلطان حسين الصفوي الموسوي الحسيني بهادر خان في جمادى الأول سنة 1112 هـ وفي أوله 4 أوراق مزخرفة بالميناء وفي آخره 5 أوراق مكتوب فيها بالحبر الأبيض دعاء القرآن ثم بعده 32 بيتاً من الشعر الفارسي في التفاؤل بكلام الله تعالى وجلده مغشي بالذهب وكاغده عسلي اللون. ومنها مصحف بخط الميرزا احمد النيربزي الخطاط الشهير وخطه أشبه بخط ياقوت وحجمه مثله مرة ونصفاً وهو في الغاية من الطلاء والزخرف والوشي بالميناء الملون. ومنها مصحف بالخط الكوفي بقطع الربع جاء في آخره: (كتبه أبو عبد الله محمد بن الحسيني المجاهدي يوم الخميس أول جمادى الآخر سنة إحدى وثلثماية) ومنها مصحف بالخط الكوفي أيضاً وهو بالقطع الكامل اقدم من أخيه خطا وفي أوله اختلاف الروايات المنقولة عن المحدثين والقراء. ومنها مصحف بقطع الكف مكتوب على خشب رقيق وقد سقط من آخره بضع أوراق ويؤخذ من طراز كتابته أنه كتب بعد الألف من الهجرة. وفي الساعة الرابعة من ليلة الثلاثاء 26 ربيع الثاني فتح لنا حضرة السيد محمد
حسن نجل السيد جواد الكليدار (القيم) باب شباك الضريح المقدس ودخلنا لزيارة المصحف المنسوب إلى الإمام علي عم والمصحف المنسوب إلى ابنه الحسن عم فتشرفنا بزيارتهما واليك وصفهما: 1 - مصحف الإمام علي عم - وهو مكتوب على الجلود المصقولة، لونها عسلي فاتح ووضعه كالسفينة (أي يفتح مما يلي عرضه لا مما يلي طوله) وهو بالخط الكوفي الأول وقد سقط من أوله وآخره أوراق والباقي منه يبتدئ بسورة المعارج وينتهي بسورة انشقت وعدد أوراقه 127 طول كل منها 29 س في عرض 19 س وطول الكتابة 24 س في عرض 16 س وفي كل صفحة 11 سطراً وفي بعض الصفحات 6 اسطر وهو مكتوب بالقلم العريض والعناوين بالذهب والفواصل بالحبر الأحمر والأخضر (ولعلها محدثة) وجلد مطلي بالذهب مكتوب عليه بعض أحاديث النبي الحكيمة وليس هناك علامة تدل على انه بخط الإمام علي عم ولضيق الوقت واحتياجنا إلى شحذ الفكر في معرفة الخط الكوفي ولتزاحم الناس على تقبيل المصحف المذكور لم يسعنا أن ننظر ترتيب سوره التي هي على غير ترتيب سور المصحف الموجود اليوم بأيدي الناس وهو المنسوب إلى عثمان. وقد أشار إلى ذلك ابن النديم في فهرسته (وهو ساقط من النسخة المطبوعة) واليك ما ذكر اليعقوبي في الجزء الثاني من تاريخه ص 152 - 154 طبع لبسيك قال: (وروي بعضهم أن علي بن أبي طالب كان جمعه (يعني القرآن) لما قبض رسول الله صم واتى به يحمله على جمل فقال هذا القرآن قد جمعته وكان قد جزأه سبعة أجزاء فالجزء الأول البقرة وسورة يوسف والعنكبوت والروم ولقمان وحمّ السجدة والذاريات وهل أتى على إنسان وآلم تنزل السجدة والنازعات وإذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت وسبح اسم ربك الأعلى ولم يكن فذلك جزء البقرة. . . الجزء الثاني آل عمران وهود والحج والحجر والأحزاب والدخان والرحمان والحاقة وسأل سائل وعبس والشمس وضحاها وأنا أنزلناه وإذ زلزلت وويل لكل همزة وألم تر ولأيلاف قريش فذلك جزء آل عمران. . . الجزء الثالث النساء والنحل والمؤمنون ويس وحمعسق والواقعة وتبارك الملك ويا أيها المدثر وأرأيت وثبت وقل هو الله أحد والعصر والقارعة والسماء ذات البروج والتين والزيتون وطس النمل فذلك جزء النساء. . . الجزء الرابع المائدة ويونس ومريم وطسم والشعراء والزخرف
والحجرات وق والقرآن المجيد واقتربت الساعة والممتحنة والسماء والطارق ولا اقسم بهذا البلد وألم نشرح لك والعاديات وانا أعطيناك الكوثر وقل يا أيها الكافرون فذلك جزء المائدة. . . الجزء الخامس الأنعام وسبحان واقتربت والفرقان وموسى وفرعون وحم المؤمن والمجادلة والحشر والجمعة والمنافقون والقلم وانا أرسلنا نوحاً وقل أوحي إلى والمرسلات والضحى وألهاكم فذلك جزء الأنعام. . . الجزء السادس الأعراف وإبراهيم والكهف والنور وص والزمر والشريعة والذين كفروا والحديد والمزمل ولا اقسم بيوم القيامة وعم يتساءلون والغاشية والفجر والليل إذا يغشى وإذا جاء نصر الله فذلك جزء الأعراف. . . والجزء السابع الأنفال وبراءة وطه والملائكة والصافات والأحقاف والفتح والطور والنجم والصف والتغابن والطلاق والمطففين والمعوذتين فذلك جزء الأنفال. 2 - مصحف الحسن - وهو أيضاً بالخط الكوفي ومكتوب على الجلود المصقولة وخطه أجود من خط مصحف أبيه وانظم تسطيراً وكذلك عناوين السور مكتوبة بالذهب ووضعه كوضع مصحف أبيه (أي يفتح مما يلي عرضه) وقد سقط من أوله وآخره أوراق والباقي وينتهي بسورة الكوثر وعدد أوراقه 124 طول كل ورقة منها 22 س في عرض 16 س وطول الكتابة 17 س في عرض 11 س وفي كل صفحة 14 سطراً والكتابة في العرض لا في الطول كما يكتب اليوم وكذلك قل عن كتابة مصحف الإمام علي عم ويتخلل الآيات فواصل بالأحمر والأخضر وليس هناك علامة تدل على انه بخط الحسن بن علي عم سوى ما يتناقله الخلف عن السلف. ولكل مصحف منهما غلاف منسوج من الابريسم وخيوط الفضة وهما في علبة (صندوق) صغير منزل فيها العاج من صناعة الفرس الدقيقة البديعة ومحلها عند باب الشباك مما يلي يسار الداخل إلى الضريح بين الصندوق (أي مصطبة قبر الإمام) والشباك وقد علمت من ترتيب سور مصحف الإمام كما مر وترتيب سور المصحفين من الأول والأخر وعدد أوراقهما وسطورهما أن هناك ما يحمل الظنون إلى صحة نسبة هذين المصحفين إلى الإمامين عليهما السلام. ولنا عودة إلى ذكرهما متى ما تحققنا صحة النسبة أو عدمها وذلك بعدما نلاحظ
باب المكاتبة والمذاكرة
مراعاة ترتيب السور في المصحفين وأشكال الخطوط المنسوبة إلى الإمام علي عم. وفوق الضريح مصحف بخط الشاه اسمعيل الصفوي وهو بغلاف من الحرير وخيوط الفضة ولما أخذنا بالاطلاع عليه بلغت الساعة السادسة من الليل فتركنا وصف مصحف الشاه اسمعيل وخرجنا وذلك لكثرة الناس وشدة تزاحمهم علينا وهم فريقان فريق تركم على تقبيل المصحفين وفريق تهافت على اخذ التراب من أرض الضريح قصد التبرك به فلما تم ذلك اغلق شباك الضريح وخرج الجميع. كاظم الدجيلي باب المكاتبة والمذاكرة 1 - قصبة الصداع قرأت في العدد التاسع من مجلتكم الزاهرة في ص453 كلمة حررها كاتبها في بحث خرافات عوام البغداديين ومن جملتها (قصبة الصداع) وقال انه لم يطلع على ما يحرر فيها فإظهاراً لما هو الواقع أردت تحرير الأمر كما هو نقلاً عمن يستعمله ويعتقد انه يشفي الشقيقة وهو الوجع الذي يستولي على شق واحد من الرأس فأقول: تؤخذ قصبة يكون طولها على طول المصاب بالشقيقة من فرقه إلى قدمه وتشق نصفين ويحرر في باطن الشق على بعد نحو نصف شبر من كل من رأسيها اسم ملك من الملائكة المقربين فيحرر على نصف منها بطرف (جبرائيل) وبالطرف الثاني (عزرائيل) وعلى النصف الأخر بطرف (ميكائيل) وبالطرف الثاني (اسرافيل) ويوضع رأس المصاب بين الشقين المذكورين مستقبلاً القبلة ويقرأ الشيخ سورة الفاتحة ثلاث مرات وكذلك سورة الإخلاص ثلاثاً وسورة الفلق ثلاثا وسورة الناس ثلاثاً ويسأل المصاب عن عدد السنين التي يطلبها لكي لا يعاوده المرض فيها وعلى المريض الجواب بعدد وتر أي فرد مثل ثلاث أو إحدى وعشرين أو خمس وخمسين أو ما أشبه ذلك وبعد اخذ الشيخ للجواب يقرأ من سورة الطارق إلى قوله تعالى: (القادر) ثلاثا ويكرر لفظ (القادر) ثلاثا ومن سورة الرحمن إلى قوله تعالى (يلتقيان) ثم تطبق القصبة وتعاد كما كانت وتربط بخيط من الشعر يلف عليها ويحكم أطباقها
كل الأحكام فيقابل داخل القصبة اسم جبرائيل لا اسم ميكائيل واسم اسرافيل لا اسم عزرائيل وتدفن القصبة في البرية أو توضع في محل لا تتحرك فيه هذا هو سر القصبة ولا ينفع العمل إلا إذا أجيز العامل وقد أجازه شيخ وذلك بأن يقول له الشيخ أجزتك بهذا العمل وحينئذ يكون شيخاً وله أن يجيز غيره وهلم جراً وسنأتي في ما بعد على غيرها من الأعمال التي يعتبرها البعض خرافات مع انه قد تحقق نفعها الجم الغفير من الناس!! ع. ن 2 - مستقبل أسعار الأرضيين في بغداد سيدي الفاضل لقد قرأت ما كتبه الأديب ع. ن في لغة العرب 467: 3 عن ارتفاع أسعار الارضين في بغداد وقد ذكر في مطاوي بحثه البساتين التي بيعت بمبالغ جسيمة وختم قوله بما يلي: (على أن الأعمار لم يقع والترقي لم يحدث والمدنية لم تنتشر والأمن لم يحط والحال لم يتغير فما القول أن توافد الغربيون زرافات ووحداناً على السكة؟ فهذا أمر نوجه إليه أنظار القراء الكرام). فيظهر من كلامه هذا أن سعر الأراضي والأملاك سيزداد زيادة فاحشة ولما كنت اعتقد خلاف ذلك ولدي براهين مكينة تؤيد مقالي أقول: أن جميع الديار التي تيممها الغربيون واخذوا ينشئون فيها السكك الحديدية والقداد (الترامواي) ونحوهما قد ارتفعت أسعار أراضيها ارتفاعاً لم يعهد مثله من قبل؛ أما بعد أن تمت تلك المشاريع العظيمة هبطت هبوطاً كلياً ولزيادة البيان أقول: إذا فرضنا أن قداد (ترامواي) بغداد الذي سيخرق المدينة ماراً من باب المعظم إلى باب الشرقي فالقرارة قد تم وأصبحت المواصلات سهلة فما ظنكم هل تبقى أسعار الأراضي مرتفعة كما هي الآن؟ فأجيب كلا، لأن بواسطة (الترامواي) تقرب المسافة ويمسي التنقل من جهة إلى أخرى هيناً لا يكلف الإنسان مشقة تذكر فحينئذٍ يستطيع كل من سكان الزوراء أن يقطن ضاحية المدينة بأميال عديدة حيث الهواء النقي والماء الصافي والمناظر الطبيعية الزاهية تنعش القوى. فإذا انصرفت إبكار الأهالي عن ابتياع الارضين في بغداد وقلت رغبتهم فيها تقف حينئذٍ أسعارها إن لم نقل تهبط. وشاهدنا ما حدث من قبل ما أوردناه في ديار الهند ومصر وأمير كابل وفي أوربا نفسها وقد عرفنا هذه المسألة الخطرة على بعض الأوربيين الخيرين فلم يخالف
رأيهم رأينا بل أيدوه بشواهد عديدة في مدن مختلفة لا محل لذكرها هنا. هذا والذي لا بد من ذكره في هذه العجالة هو أن ارتفاع أسعار الارضين لم يشمل كل بغداد بل قد انفرد خاصة في الجهة الجنوبية الشرقية منها أما في باب المعظم وباب الشيخ ومحلة الميدان وبني سعيد والفضل وقنبر علي وأبو سيفين وغيرها من المحلات البعيدة فلم يرتفع سعرها إلا شيئاً طفيفاً يكاد لا يعتد به ولا يحفل. هذا وإذا دققنا النظر نرى أن أسعار الأراضي لم تتغير بل باقية كما كانت قبل إعلان الدستور بيد أن النقود كثرت واصبح ثمنها بخسا كما نشاهد ذلك في جميع معاملاتنا حتى في قوتنا وألبستنا وأدواتنا المنزلية وغيرها هذا ما عن للخاطر تدوينه ظهاراً للحقيقة. رزوق عيسى 3 - رد اعتراض قرأت في العدد 10 في الصحيفة 543 جواب كاتب عن أرض جبرائيل أصفر وأني اشكره من صميم القلب على تصحيحه الثمن والمساحة وليته ترك الأمر إلى هذا الحد ولكنه أضاف إليها إنكار الدعوى وذلك إنكار للبديهيات إذ الدعوى قائمة في المحكمة الشرعية ومن شاء فليراجعها وهي أن البائعة ادعت الوقف والله اعلم بالنتيجة. وصواب الأمر: إن أم المدعية أوقفت هذه الأرض وحكم بها حاكم الشرع ثم جاءت ابنتها وأنكرت الوقف وتسليمه فحكم القاضي أبو بكر حلمي أفندي بالملكية حكماً مخالفاً للشريعة. والعجب من تصديق المشيخة للأعلام وبعد تصديقه باعتها لأصفر والآن (لترقي السعر) ادعت الوقف منكرة نكولها السابق الذي هو تحت ختمها وطالبة سماع شهود التواتر إلى غير ذلك وسوف نرى النتيجة. فلو لم ينكر الكاتب هذا الأمر البديهي لعددت انتقاده انتقاداً أدبيا صرفا وربما تتبعت الحقائق التي أشار إليها لكن من ذلك ظهر غرضه من الجواب فاكتفيت بهذا الأسطر راجيا درجها على صفحات لغة العرب ع. ن 4 - الذرعة قرأت ما كتبه الأديب الذي لا اعرف شخصه في بحث الذرعة ولما لم يكن بد من التمحيص إظهاراً للحقائق جئتكم بعد أذن كاتبها بهذه الأسطر فعفواً ومعذرة. ذكر الكاتب في الصحيفة 420 أن الخراص المسمى بالعمدة ينظر الزرع ويقدر حسنه وقوله الفصل. نعم! ولكن فاته أنه ينظر الأرض لا الزرع من حيث أن الذرعة لا تكون والزرع موجود بل بعد حصاده. والسبب أن الزرع إن كان
في محله فقبل أن يستحصد لا يمكن معرفته؛ وربما لحقته عاهة أو آفة وأبان الحصاد ضيق لا يسع لزارع العمل. فجرت العادة بأجراء الذرعة بعد حصاده والمخمن أو الخراص ينظر اثر الزرع ويستدل به على المؤثر وهو الإفراط في الذكاء والمعرفة والمقدرة. فما بال الكاتب غمط حقه وذهل عن هذا الأمر العظيم! ورد على ذلك أنه يرى الأرض التي ذكرناها ويستدل من ريح ترابها أن الشلب الذي كان مزروعا فيها هو حويزاوي أو نعيمة أو عنبر فيقتضي الدقة لهذه النكتة الغريبة ومن الأسعار المذكورة في اسفل البحث يظهر حسن حاله أو ورداته. ثم انه قسم الزروع إلى أعلى، وأوسط، وأدنى، وعديم. وذكر صورة الحساب والتجبير وكأنه ليس لديه علم حقيقي بالمعاملات الجارية أصلحه الله. ولذا أقول أن الأراضي يقسمها الخراص (العمدة) على عشرة أنواع: الأول، الأعلى، وهو الذي يترك منه سدسه. الثاني، الأوسط ويترك منه خمسه، الثالث الأدنى، ويترك منه ربعه، الرابع، أدنى الأدنى ويترك منه نصفه، الخامس، سدس عائد، ويحسب كل ست مشارات بمشارة واحدة. السادس شبع عائد، ويحسب كل سبع مشارات بواحدة السابع، ثمن عائد ويحسب كل ثماني مشارات بواحدة. الثامن، تسع عائد، يحسب كل 9 مشارات بواحدة. التاسع، عشر عائد يحسب كل عشر مشارات بواحدة العاشر، العديم، الذي لا يحسب وليس فيه محصول قط. ثم أنه ذهل في التقسيم عن أمور أيضاً وإن كان قارب الواقع لكن الإيضاح لازم في هذا الباب لأنه قال في صدر مقالته أنه يريد إيضاح الأمر ليفهمه القاصي والداني. فأقول أن محصول المشارة هو 800 حقة آستانة من الشلب والقسمة تكون أولاً في الأراضي الأميرية فالشامية فالهندية وتأخذ الحكومة حق الأرض. والحصة الأميرية 320 حقة. وحصة التجهيزات العسكرية التي هي بالمائة ستة من الرسوم 19 حقة وخمس. وعن الضم الجديد الذي هو بالمائة واحد وربع أربع حقق. وعن المعارف الذي هو أيضاً بالمائة واحد وربع أربع حقق. فصار المجموع ثلاثمائة وسبعاً وأربعين حقة وخمساً ويأخذ السركال 160 أي خمس اصل الحاصلات والباقي من ذلك 292 حقة وأربعة أخماس هي للفلاح. وأما في أراضى الجعارة فالقسمة لمحصول المشارة الذي هو 800 حقة
تكون على هذا المنوال الآتي: تأخذ الحكومة أولاً خمس الحاصل أي 160 حقة وهو الحصة الأميرية وبعده حصة الطابو بالمائة ثلاثين أي 240 حقة وتعطى خمسها للسركال فيبقى لها 192 حقة ثم التجهيزات العسكرية بالمائة ستة عن الحصة الأميرية فقط أي تسع حقق وستة أعشار. وعن المعارف حقتين. وعن الضم الجديد حقتين فمجموع ما تأخذه الحكومة 365 حقة وستة أعشار ويأخذ السركال الخمس أي 160 حقة فالباقي 274 حقة وأربعة أعشار هي للفلاح. على أن ما نقول أن للفلاح كذا، هو بالاسم والحق أن السركال وهو الشيخ يأخذ ما يشاء ويترك ما تسمح به نفسه للفلاح وهذه حقيقة لا مراء فيها. وأما ما ذكره من جهة المأمورين ومعاملاتهم والأسعار وحالاتها وما كان يؤخذ على الحساب والبيع سلفا (أي على الأخضر) فهو الواقع بتمامه إنما مسألة (على الحساب) ارتفعت ولله الحمد بعد إعلان الدستور وأما الباقي فأوافقه عليه تماما. وأما أسعار هذه السنة فكانت حقة الشلب من العنبر 50 بارة والنعيمة 34 بارة والحويزاوي 27 بارة ومن شاء الحساب فليتعب قلمه. هذا ما اقتضى تحريره الآن بهذا الخصوص خدمة للحقيقة يحيى 5 - نظر في وقائع الشهر وتصحيح بعض أغلاط حضرة الفاضل بينما كنت أطالع الجزء الثامن من مجلتكم الزاهرة في وقائع الشهر إذ وقع نظري على الفقرة المعنونة (جاويد باشا والي بغداد ومن بصحبته) أما قولكم أن الحكومة أعطت لجاويد باشا هدايا وألطافا ليهديها إلى شيوخها فهو كلام لا معنى له إذ ليس له ظل من الحقيقة (ولو كان لبان) وذكرتم أن معه (فؤاد أفندي الدفتري مبعوث بغداد سابقا وقد عين مفتشا للأوقاف في ديار العراق بمشاهرة 70 ليرة) فتعجبت من هذه الفقرة إذ هي غلط في غلط في غلط واجل (يعلم الله) مجلتكم عن أن تأخذ هذه الحوادث التي تلوث التاريخ وتشوهه فضلا عن أنها لا تخدمه فأقول: إن الواصل مع حضرة الوالي هو جناب فؤاد أفندي مدير الأملاك الأميرية سابقاً في بغداد وليس هو بالدفتري لأن الدفتري فؤاد أفندي هو اليوم رئيس محكمة بداءة ولاية الشام وهو إي الدفتري كان مبعوثا ولكن عن كربلا لا عن بغداد وأما من ذكرتم وصوله فهو كان مبعوثا عن بغداد. ثانيا أن المفتش الموما إليه ليس بمشاهرة 70 ليرة. نعم أن المشاهرة هي 8500 غرش صاغ لكنها له ولمعاونه مصطفى شفيق أفندي
والذي يخصه منها هو 5000 فقط والباقي 3500 لمعاونه ومتى كانت المشاهرات بحساب الليرات؟ فيلزم تصحيح الأمر خدمة للتاريخ وإيضاحا للحال وانصح لكم بأن لا تأخذوا الحوادث عن جرائدنا المحلية على عواهنها بل بعد التروي والتدقيق لأني خاطبتكم شفاهاً بلزوم (تقصير الذنب) ولو وصل إلى أن يقال فيه ليس له ذنب ولذا جئتكم بهذه الأحرف ولكم الخيار بنشرها وعدمه وجاء في آخر الصفحة 431 لفظ الأعاظم وتصحيحه الأعاجم وفي الصفحة 432 بحث الرمح أبو الشلفة وأبو الشراشيب وقد فاتكم ذكر أن العرب متى أسرت حامل رمح من هذين النوعين قتلته فوراً لأنهم يقولون أنه متعمد للقتل لا للجرح فيجب قتله وحمله يكاد يكون ممنوعاً عندهم كمنع رصاص (دم دم) عند الدول المتمدنة. وذكرتم في الصفحة 422 لفظ التغار وأوضحتموه نعم الإيضاح ولكن كما يقال من شدة الظهور الخفاء ولذا ذكرتم انه 1000 - 1540 كيلو غرام والحال أن المذكور في مقالة الكاتب المراد به 1600 حقة آستانة وكل حقة 400 درهم تقابل 512 غراماً والتغار المتعارف في بغداد هو 1000 حقة ولا يوزن به سوى الحطب لا غير وأما باقي الحبوب والذخائر والمأكولات والجص وما شابه ذلك فهي باعتباره 1560 حقة آستانة وذلك عبارة عن ألفى كيلو غرام بالضبط. وأما في بعض ملحقات الولاية مثل كربلا والهندية والحلة والشامية فهم يتوسعون فيه إلى 1600 حقة آستانة أي 2051 كيلو غراما وهو توسع ليس إلا. وبعض القرى عندهم التغار 1200 حقة آستانة مثل خراسان والخالص وما جاورها وعدم اتساق المعاملة هو دأبنا في اغلب الأعمال كالأوزان وأسعار النقود والمقاييس (الأذرع) إلى غير ذلك فلو كان شيء يجري على نسق واحد لطالبنا بأن تكون الموازين على نسقٍ واحد. ولكن يقال في لطائف العرب أن قد اعترض على الجمل في اعوجاج عنقه فأجاب: أي عضو وجد في جسدي غير معوج حتى اعترضتم على عنقي فلو كان سوياً لوجب الاعتراض. وفي الصفحة 417 في بحث ما يبعث في البلاد الرقي والعمران خفي عليكم أمر كنت رأيته في ذلك المنام وهو ما لا يزال صداه في أذني وهو قوله (سادسا) وهو أهم الخمسة التي ذكرتها وذلك نشر لوائي الأمن والعدل بين الرعية وقمع الظالم ونصرة المظلوم فيقتضي التصحيح. وذكرتم في الصفحة 447 بحثا حرره لكم (عبد اللطيف ثنيان) وهو أن
فوائد لغوية
في سنة 1305 هجرية 1888م حدثت ريح أغرقت عدداً وافراً من الناس في بحيرة النجف وقد ذكرتم في صفحة 317 أن بحيرة النجف جفت في سنة 1305 فأيهما الصحيح نرجوكم تمحيص ذلك خدمة للتاريخ يحيى (لغة العرب) الصحيح ما ذهب إليه حضرة الفاضل عبد اللطيف أفندي ثنيان. فوائد لغوية 1 - (عجن) الموصلية و (كنه) و (هم) البغداديتان بمعنى (أيضاً) كثيراً ما يستعمل المواصلة لفظة عجن (وزان سبب بمعنى (أيضاً) المنصوبة على المفعولية المطلقة) وعندي أن الأولى تصحيف الثانية بإبدال حرفين وهما: الهمزة بالعين والضاد بالجيم وقد ورد في العربية ألفاظ كثيرة فيها أبدا الآن أو ثلاثة من ذلك: رغنك ولغنك في لعلك، والخدب والكذب، والسلطان والشلشان، والغطرب والعظرب، وهناك غيرها. وأما إبدال الهمزة بالعين فهي لغة معروفة عندهم يسمونها العنعنة وإبدال الضاد جيما لغة أخرى عندهم ومنها قولهم: وجح الطريق ووضح. واوضفه واوجفه، أي حمله على إسراع في المشي، وهضم عليهم وهجهم، وامرأة رضراضة ورجراجة، أي كثيرة اللحم وعليه قالوا: في (أيضا) (عجن) حاذفين منها الياء للتخفيف ولهذا تسمع سكان الموصل يقولون عجن جاء مع غيرهم أي جاء أيضاً مع غيرهم إلى غير هذا. وأما أهل بغداد فيقولون في مثل هذا المعنى (كنه) بكاف فارسية مثلثة في الأول (وزان سبب وهي تركية المبنى والمعنى لكن الأتراك خففوا كافها فجعلوها ياء فيقولون ينه بخلاف البغاددة فأنهم ابقوا اللفظة على اصلها ولفظها. ولعل الحق أن يقال أن كنه تصحيف ينه والأصل تركي. حنا ميخا الرسام (لغة العرب) ويقول البغداديون أيضاً في معناها (هم) بفتح الهاء وسكون الميم. وقد استعملها قدماء العرب وربما قالوا أيضا: (همي) بفتح الهاء وكسر الميم المشددة وسكون الياء الخفيفة، أو (همين) بلفظ مثنى الهم المنصوبة. وهي فارسية الأصل من (هم) المذكورة في أول هذه اللغات. قال الأخفش لتلامذته: (جنبوني أن تقولوا (بس) وأن تقولوا (هم) وان تقولوا ليس لفلان (بخت) وقال الموفق البغدادي: قول العامة (هم) فعلت مكان: (أيضا) و (بس): مكان (حسب) وكذا (بخت) مكان (حظ)، كله مولد ليس من كلام العرب. (راجع شرح الطرة عن الغرة والمزهر 148: 1) قلت: وكل هذه الألفاظ إلى الآن معروفة بهذا المعنى إلى يومنا في ديار العراق فلتدون.
أسئلة وأجوبة
2 - ربط جواب أن الشرطية باللام خطأ. يكثر في تعبير كثيرين من الكتاب قولهم: (وإن سألنا كثيرين من العلماء عن هذه الحالة (لقالوا) لنا أنها من المعضلات التي لا تحل.) أي أنهم يربطون جواب (أن) الشرطية باللام. وهذا من أوهامهم. والأصح وضع (لو) عوضا من (أن) ليستقيم التعبير أو حذف اللام من الجواب. نعم. - أننا لا نجهل أنه ورد في كلام الفصحاء مثل قولهم: (وإلا لكان كذا) لكن ليست هذه البضاعة من تلك السوق. أسئلة وأجوبة 1 - البرطلي أو البراتلي جرى البحث مع الفاضل صاحب مجلة العرب وسألني عن اصل معنى هذه الكلمة فأقول: تلفظ البرطلي بفتح الباء والراء. واسكان الطاء وكسر اللام يليها ياء مشددة واصلها من التركية براتلي بفتح الباء والراء. بعدها ألف يليها تاء ساكنة ثم ياء مكسورة بعدها ياء. ولدى التحقيق عن اصلها ومصدرها ثبت لدى ما محصله: إن العساكر التي كانت قبل العساكر النظامية الموجودة إلى الآن في الحكومة العثمانية هي (اليكي جرية) (الانكشارية) آي العسكر الجديد. ومن البديهي أن هذا الاسم يدل على أنه كان قبلهم عسكر آخر وتحققنا انهم المعروفون وقتئذ (باللوند) وكان لهم محل في بغداد معروف باسمهم إلى الآن يسمى (خان اللوند) وكان هذا العسكر عبارة عن مجموع أفراد من أقوام وأجناس وعناصر مختلفة وكان مقدمهم يختار منهم ذوي الجسارة والهمة والإقدام والنجدة ومن يتوسم فيهم الذب والمدافعة عن حقوق الدولة ويبعث بأسمائهم إلى المرجع الأعلى في الأستانة لتسجل هناك في السجلات المخصوصة بأسماء أبطال العسكر فكانت ترد لكل منهم (براءة) تبقى بيده سنداً يثبت انه من العساكر الداخلة في السجل العمومي في الأستانة وكانت العادة في ذلك الوقت أن من يكون اسمه
مسجلاً في دفاتر الأستانة لا يمكن عقابه ولا سجنه بل ولا عتابه إلا بأمر من المرجع العمومي (كما كانت الحال قبل بضع سنوات في أن المأمور (الموظف) المنصوب بالإرادة السنية لا يمكن أخذه تحت المحاكمة إلا بإرادة سنية مهما فعل) ومعلوم أن الفرق ظاهر بين هذا الزمن الأخير وبين الزمن الأول وبينهما نحو مائة سنة تقريباً لأن الوسائط كانت يومئذ منقطعة تقريباً بين الأستانة وبغداد حتى أن الترك يضربون المثل ببعد بغداد عنهم إذ من أمثالهم (عاشقه بغداد يقيندر) أي بغداد للعاشق قريبة وقولهم (ياكلش احساب بغداددن دونر) أي الحساب المغلوط يعود من بغداد فما كان يضرب المثل ببعده من البلاد ويعلم العسكر الحامل للبراءة أن مجازاته أو تكديره موقوف على ورود الأمر من ذلك المحل السحيق الشاسع كيف لا يفعل ما تسول له نفسه الأمارة بالسوء ويأتي أنواع الموبقات وقد قيل (من أمن العقوبة أساء الأدب) والغالب في العسكر وقتئذ قلة الحياء من الناس لأنهم يرون أن لهم الفضل عليهم بمحافظتهم من العدو حتى انهم كانوا يغصبون النساء والأولاد رغماً عن أهلهم خصوصاً أن رأوا عروسا مزفوفة إلى زوجها أو امرأة خارجة من الحمام أو غير ذلك حتى جرت العادة لدى البغداديين عند جلب العروس من بيت أبيها إلى بيت زوجها أن يذهب معها جم غفير مدججاً بالسلاح الكامل من أقارب الزوج وأصحابه وممن يدعوه أهل العرس دعوة لهذا الغرض من ذوي البأس والنجدة والغيرة فإذا تم عددهم يذهبون بسلاحهم فتخرج العروس بين عدة أتراب لها من بيت أبيها محاطة بهؤلاء الرجال الأشداء وهم يلهجون ببعض الألفاظ الدالة على قوتهم وحزمهم وثباتهم بما يسميه العوام (هوسة) حتى يصلوا بها إلى بيت زوجها وربما أراد أحد العساكر اليكىجرية أو من قبلهم من اللوند اغتصاب تلك العروس فتقع بينهم الوقائع من القتل والقتال وتكون النهاية أما بفوز الأهالي واستخلاص العروس من الظالمين وأما بغلبة العسكر عليهم وأخذهم العروس منهم للفجور بها والسبب انهم كانوا عديمي الدين ولا نقول قليليه وكذلك قل عن الحياء إذ ما كانوا يخافون من الحاكم لأنهم يعلمون أنه لا يستطيع أن ينالهم بسوء إلا بأمر من المرجع الأعلى في الأستانة فإذا كان هذا حالهم فهل لا ينطبق عليهم قول الشاعر: إذا لم تصن عرضاً ولم تخشى خالقا ... وتستح مخلوقا فما شئت فافعل وقوله عليه السلام: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) لأن النفوس مجبولة على الشر
خصوصا لمن صحب أهل الشر والطبع كما قيل مكتسب من كل مصحوب وكثيراً ما نسمع من الأسلاف أن العسكر اغتصبوا بنت فلان أو زوجة فلان أو ابن فلان وبعد عدة أيام يعاد المغصوبون إلى أهلهم بخزيهم فلا يلبث أهل المهانين أن يقتلوا أولئك المطلوبين تخلصاً من العار والاسم القبيح فالشكر كل الشكر لمن جعل الوازع وشدد النكير وغير العوائد السالفة. هذا ما كنا نسمعه من الأسلاف وأما عادة ذهاب الرجال لأخذ العروس فلم تزل حتى يومنا هذا لكنهم غالبا بلا سلاح إنما هي عادة مستحكمة ونظن أن الكثير من الذاهبين لهذا الغرض لا يعلمون هم أنفسهم السبب لذهابهم إلا أنه عادة موروثة عن السلف. هذه عادة العسكر الحامل للبراءة ثم أطلقت لفظة (براتلي) (بالنسبة التركية لأنهم يقولون بغدادلي وشاملي وحلبلي) على كل من يعمل عملا لا يحسب لعواقبه حساباً ثم صحفت وحرفت فقيل براطلي وبرطلي إلى غيرها. وبهذا القدر كفاية. وهنا أتذكر لطيفة وهي: كان في بيت رجل هر يؤذيه اشد الأذية ويسرق شيئاً من مأكله ويقضي حاجته على فراشه فضربه ضرباً مبرحاً وأخذه إلى مكان بعيد وأضله الطريق وما مضى ردح من الزمن إلا ورأى الرجل ذلك الهر في بيته وفي عنقه ورقة. فسأله عنها فقال: هذه براءة من السلطان وقد خولني امتيازاً وهو الإقامة في هذه الدار بدون معارض. فأجابه صاحبه: إذاً وجبت عليّ الهجرة من هذه الدار لأنك لما كنت بدون براءة كنت تفعل تلك الأفاعيل فكيف بك الآن وأنت (براتلي) لذا استودعك الله. أجابه الهر: إن أنت تركت هذه الدار اضطر إلى أن أرافقك لأنه لا يبقى فيها ما آكله. فحيثما تذهب اذهب قال له الرجل: هل في براءتك أن تلحقني إلى حيث امضي؟ وأنت قلت: أنها براءة تخولك امتياز الإقامة في الدار المذكورة. فقال: كلا، بل في البراءة السكنى معك في دارك. قال الرجل: حسناً تقول. فلنناد الكاتب العمومي ليقرأ ما في البراءة. قال الهر: ومن هو؟ قال الرجل: كلب جارنا فلان المعروف بضخامة جسمه وشراسة أخلاقه. قال الهر: إن وصل الأمر إلى المحاكمة فأنا دمث الأخلاق أسافر وحدي دون تحكيم الكاتب العمومي فكان ذلك آخر العهد بالهر. ع. ن 2 - ذنبه طويل سألنا أحد الأدباء ما معنى هتين الكلمتين الواردتين في 544: 3 من لغة
باب التقريظ
العرب والى أي شيء تشيران. فكتب إلينا كاتبها ع. ن يقول ما نصه: أن أحد المشايخ كان مبتلىً بالمبالغة في كل ما يتحدث به وما ينقله وكان له أحد الاخصاء المحبين فنبهه يوماً على ذلك وأفاده بأن مثل تلك المبالغات مما يزرى بقدره فأجابه الشيخ: لما كان لساني قد اعتاد مثل هذا الغلو لم يعد يمكنني عند الكلام تمييز المبالغ فيه من غيره فعليك أن تنبهني كلما اقتضت الحاجة. فقال نعم. والعلامة بيننا أن أتنحنح عندما تبدر منك بادرة وتم الأمر على ذلك. وبينما كان الشيخ يحدث جماعته يوماً إذ قال: خرجت مرة للصيد ومعي فلان. (يشير إلى المنبه المذكور) فرأيت ثعلباً غريباً حتى أن الخيل جفلت عند رؤيته إياه لغرابته وكان له ذنب طويل أخمنه بمائتي ذراع فتنحنح الرجل. فقال: لا أظنه ينقص عن مائة وخمسين ذراعاً. فعاد إلى الإشارة. فنادى صاحبه وقال: يا فلان: ألم يكن مائة ذراع. فعاد إلى الإشارة. فنزل إلى الثمانين فالستين فالأربعين فالعشرين وكان صاحبه يتنحنح كل مرة يذكر الشيخ عدداً. فلما ضاق ذرعه صاح حنقا: أكان ابتر بلا ذنب؟ إذ لم يكن دون العشرين وهو يحسب أن العشرين هي دون الحقيقة فكيف يقنع بأن فيها المبالغة. ع. ن. باب التقريظ 1 - تحليل صرفي تأليف عبد اللطيف هو كتاب تركي المتن فرنسوي القواعد وضعه مؤلفه لإرشاد الطلبة إلى معرفة تحليل أصول اللغة الفرنسوية وقد اعتمد صاحبه على كتب أئمة تلك اللغة فجاء كتاباً متقن الطبع حسن الأسلوب شائق السبك وقع في 116 صفحة من قطع الثمن الصغير وقيمته زهيدة وهي 5 غروش صحيحة فنحث أبناء اللغة التركية على اتخاذ هذا المصنف بمنزلة دستور لدروسهم. 2 - رسالة في فضل العرب للإمام الحافظ الشهير المتوفى سنة 806 هي رسالة في 16 صفحة تنطق بشرف العرب وحبهم وشر بغضهم إلى غير هذه المعاني مما يحتاج إلى معرفته كل غريب عنهم. 3 - رقيعة عن رحلة بحث فيها صاحبها موريس برنو عما رآه في الأستانة ومصر وبلاد الدولة العثمانية (من كانون 2 إلى آب من سنة 1912) طبع في باريس في مطبعة فرمن ديدو وشركائه في 338 صفحة من قطع الثمن الكبير
باب المشارفة والانتقاد
توخى طابع هذه الرحلة ذكر ما رآه في البلاد الشرقية من نفوذ الفرنسويين فيها بما شيدوه من المعاهد وأتوه من الأعمال ونشروه من لغتهم، كل ذلك لتعرف (لجنة الدفاع عن حقوق الفرنسيين في الشرق) ما يمكنها من الذب عن حياض الذين يبذلون كل ما في وسعهم لتهذيب الشبيبة وبث نور التمدن والعرفان في ديار الشرق الأدنى والظاهر أن كاتب هذا السفر الضخم لم يتثبت الأمور بنفسه خلاف ما يظنه القارئ عند وقوفه على مقدمة المؤلف. نقول هذا لما قرأناه عما كتبه عن مدارس بغداد فأنه لم يكد يصيب في كلامه واحد عن مدرسة واحدة فهكذا ترفع الرفائع لمثل هذا الأمر الخطير فعسى أن تدون الحقائق على وجهها بدون أن يدفع الكاتب دافع العوامل النفسانية التي تشوه وجه الصدق وتنكره كل التنكير 4 - الهدية المستحسنة، للذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه لمؤلفها شاكر بن محمود البغدادي. مطبعة الآداب في بغداد هي رسالة في 20 صفحة موضوعها الحث على التمسك بأهداب الدين ونبذ البدع والخرافات وهي جديرة بان يطالعها المسلمون إذ لا تخلو من فوائد وتذكير والذكرى تنفع المؤمنين. 5 - كتاب التبصرة لمتولعي الخمرة لإبراهيم منيب أفندي الباججي طبعت بمطبعة الشابندر رسالة حسنة في تكريه الخمرة ومن علم صاحبها الفاضل ومنزلته من الأدب عرف ما فيها من البراهين السديدة والأقوال المفيدة في تقبيح أم المنكرات، وتشنيع أم الخبائث والموبقات. باب المشارفة والانتقاد 6 - الرياحين (مجلة) بل وضيعة ظهر العدد الأول من هذه المجلة بل الوضيعة في غرة جمادي الأول 1332 أي 27 آذار 1914 وهي أدبية تهذيبية أخلاقية فكاهية تصدر في الشهر مرة موقتا في بغداد محررها ومديرها المسؤول إبراهيم صالح شكر وصاحب المجلة
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
إبراهيم منيب الباجه جي بدل الاشتراك لسنة في بغداد وفي بقية البلاد العثمانية مجيدي واحد وفي البلاد الأجنبية مجيديان. ومن عرف منزلة هذين الأديبين الشهيرين علم ما تحوي هذه الصفحات الست عشرة من الموضوعات الأدبية والأبيات الرقيقة والمباحث الشائقة. كيف لا وكلا الأديبين مسميان باسم إبراهيم وهذا وحده يكفيك لأن تعلم أن كل كلمة تطالعها تكون لصدرك الحران برداً وسلاماً. على أننا لا نخدع صديقينا الفاضلين أن مقالات هذه الوضيعة تحتاج إلى تصحيح عبارتها إذ فيها من اللحن ما لا يقبله ابن العرب أن يكون مسطراً في مثل هذه النشرة التي تطبع في بغداد دار العلم والتحقيق في سابق العهد. ففي الصفحة الأولى حيث لا يوجد إلا العناوين 5 أغلاط وفي الصفحة الأخيرة 17 غلطاً ما عاد ما فيها من الأوهام اللغوية فقد قال مثلاً: (فلم ير الشاب بداً من الذهاب) وهو يريد: فلم ير الشاب بداً من الامتناع عن (الذهاب) وما كتبه مخالف لما أراده. فيجب أن يكون سقطت كلمة في الطبع وهي (عدم) ومثل هذا كثير. على أننا نعلم أن ظهور هذه الوضيعة كان في غياب صاحبها إبراهيم منيب أفندي إذا كان في الحلة ولهذا كثر فيها الغلط ونحن موقنون أن الأعداد التالية تكون اصح وأصوب متمنين لها النجاح ولا سيما الثبات لأن اغلب ما ظهر من صحفنا اصبح في خبر كان 7 - الميزان العادل، بين الحق والباطل رسالة مكتبية في الفرق بين عقائد المسلمين والكتابيين لمؤلفها العلامة السيد رضا خلف حجة الإسلام السيد محمد الهندي ألفها إجابة لبعض العلماء الأعلام طبعت في مطبعة الولاية سنة 1331هـ في 49 صفحة بالقطع الصغير. يظهر لمن يطالع هذه الصفحات بتدبر أن المؤلف لم يطلع على ما كتبه أدباء الكتابيين بخصوص الاعتراضات التي يثير غبارها. فكان يحسن به أن يقف عليها لكي لا يقال عنه: (عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء.) ثم أن مثل هذه الكتب التي تعلم طلبة العلم بغضة وطنييهم وتوغر صدورهم عليهم منذ نعومة أظفارهم وتفرق العناصر وتبددها كل مبدد من اضر الأمور للوطن وأبنائه ولهذا لا نستحسن نشر مثل هذه المؤلفات بين ظهرانينا. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - مبعوثو الديوانية هم فواد أفندي آل الجيبه جي، خالد بك شقيق محمود شوكت باشا، مصطفى
سامي بك، علي حيدر بك نجل مدحت باشا، وجميعهم من مرشحي جمعية الاتحاد والترقي. 2 - مبعوثو العمارة ثم شكري أفندي راس كتاب مجلس إدارة ولاية بغداد سابقاً، وعبد الكريم بك السعدوني، وعبد المجيد بك الشاوي. 3 - مبعوثو بغداد جميل صدقي أفندي الزهاوي، مراد بك ابن سليمان بك، فواد أفندي الدفتري، شوكت باشا ابن الحاج رفعت بك، توفيق بك مدير مكتب الجندرمة. ساسون أفندي مستشار نظارة التجارة والزارعة. وسافروا نهار الاثنين 10 جمادى الأول. 4 - زلزال في نواحي سنجار وقع زلزال في نواحي سنجار ليلة 23 شباط غربي عند الساعة 8 ودام ثانيتين وقد اتجهت حركته من الشمال الشرقي إلى الجنوب. 5 - عجمي بك السعدون وعشائر البدور نمى إلى الزهور أن عجمي بك السعدون حينما كان مقيماً في الموضع المسمى (لركي) الذي يبعد عن ناحية الزبير 10 ساعات تحالف مع بني مالك على الاتفاق والوئام حتى الموت. أما خصماؤه البدور والزياد والضفير فأن روساءهم طلبوا الصلح بتوسط حمود بك الصويط رئيس عشائر الضفير. فأجاب عجمي انه يلبي طلبه بشرط مواجهة شرشاب رئيس عشائر البدور، وعزارة رئيس عشائر الزياد، وعلي بن ضويحي أحد رؤساء عشائر الضفير وجميعهم وافقوا على ما طلبه عجمي ما خلا ابن ضويحي فأنه طلب عهوداً ومواثيق خشية أن يقتله الأمير لأنه من اشد أعدائه. أما عشائر مطير الذين فارقوا عجمي بعد المعركة الأولى فأنهم عادوا إليه على بكرة أبيهم وطلب إليهم أن يحضروا أهلهم وأموالهم ففعلوا ونزلوا مع الأمير عجمي. 6 - معركة بين عشيرتين في العمارة في 23 آذار تعاركت عشائر الشيخ جوى مع عشائر الشيخ قنديل وكلاهما نازل بجوار قضاء (علي الغربي) ودامت المعركة 4 ساعات وانجلت عن قتل 12 رجلا وجرح خمسة من العشيرتين. وفي الغد اجتمعت القبائل على مداومة القتال فمنعهم قيم مقام القضاء وسبب المعركة زراعة الأراضي إذ كل عشيرة تستأثر بزراعة أرض دون أن تدع غيرها أن تضمنها من الحكومة.
7 - سرقة من جنيبة راسية في مرفا البصرة البصرة مشهورة بلصوصها وسراقها دون غيرها من مدن العراق لسهولة فرار السارقين إلى ديار العرب أو ديار العجم ولا تمضي سنة إلا ويجري فيها من النهب والسلب والسرقة ما يذهل القارئ. فقد سرق من إحدى الجنائب الراسية في مرفاها خمسة صناديق مملوءة منسوجات حرير قيمتها 700 ليرة عثمانية. ولما سئل القيم عنها قال: أنها كانت على حافة الجنيبة مما يلي نهر دجلة فجاءت في الساعة 7 من الليل عصابة لصوص حملت الصناديق وذهبت بها. ولما أردنا أن نمانعهم تهددتنا بالقتل. والجنيبة راجعة إلى الإدارة النهرية العثمانية والسرقة كانت في شهر آذار. وفي ليلة 24 آذار اتفق أحد الجنود حافظ خزينة العسكري مع جندي آخر صديق له وكلاهما من قضاء النجف فكسرا باب الخزينة والصندوق وسرقا كل ما وجدا فيها من النقود وتقدر بثلثمائة ليرة عثمانية وفرا بأسلحتهما إلى محل غير معلوم. 8 - معركة في شطرة المنتفق في اليوم 26 من آذار قدم متصرف لواء الناصرية مصطفى نادر بك ومعه عبد الله بك ابن فالح باشا ومعهما عشائر المنتفق فهجموا في ذلك اليوم وفي الساعة 5 على عشائر الخائن (خيون) وأطلقوا عليهما المدافع والبنادق فقتل منهم خلق كثير وأحرقت قلاعهم وفر الناجون إلى جهات مختلفة وتم هذا الفتك وهذا النصر في 5 ساعات. وفي ذلك اليوم هجم العسكر على القلعة التي كان فيها (خيون) الخائن وحاصروها 5 دقائق ثم فتحوها واحرقوا ما حولها من البيوت وفر خيون فلجأ إلى عشائر خفاجة. ولما عاد المتصرف إلى مركز قضائه أطلق من السجن جميع الأعراب المنتسبين إلى عشائر العبودة. 9 - صحن سامراء جاء في الزهور ما حرفه: (انتهى إلينا أن المرقد الشريف المدفونين فيه آل البيت الطاهرين في قضاء سامرا لم يهتم الخدام بتنويره ليلا كما ينبغي ويراد. ونمى إلينا أيضاً انهم يعملون ما يخل بالآداب ولا يناسب شرف وحرمة آل البيت مثل فتح باب المرقد الشريف في دائم الأوقات من غير باعث وسبب. 10 - إمارة مسقط هدأت نار الفتن في هذه الإمارة بوفاة مسعارها الشيخ عبد الله السالمي.
11 - إحصاء المنكرات في سنتين في بغداد دفعت إدارة الشحنة (البوليس) في بغداد إحصاء الموبقات التي اجترحت في مدة سنتين وهما سنة 1328 و1329 فكانت بهذا العدد: في سنة 1328: 22 حادث قتل، 215 سرقة عادية، 32 سرقة مهمة، 572 حادث ضرب وجرح، 229 منكرة مختلفة. المجموع 1070. في سنة 1329: 26 حادث قتل، 133 سرقة عادية، 19 سرقة مهمة، 437 حادث ضرب وجرح، 132 منكرة مختلفة. المجموع 749. ومن هذا الإحصاء يرى القارئ أن بغداد تسير في صراط الحق والفضيلة! بخلاف ما يتصوره البعض!!! 12 - إعانة البصريين لبيتي الطيارين بلغت إعانة البصريين لبيتي الفقيدين الشهيرين فتحي وصادق 500 ليرة عثمانية دفع خمسها السيد طالب بك النقيب. 13 - لجنة إحصاء في الكاظمية أنشئ في الكاظمية لجنة لتسجيل ما في خزانة الكاظمين من التحف والألطاف. ولم يعلم إلى الآن سبب ذلك. 14 - اللآلئ في البحرين يقدر ريع مدينة البحرين من تجارة اللآلئ 15 مليون ربية (أو 30 مليون فرنك) سنويا ويقال أنها ستخسر هذه السنة ثلثي ريعها لبخس أسعارها في الهند. 15 - منابع الزيت الحجري في العراق ورد ذكر هذه المنابع في جرائد سورية ومصر وديار الإفرنج بصور مختلفة فأحببنا ذكرها بإمائها الصحيحة لتصلح عند الحاجة. أشهر ينابيع زيت الحجر في العراق عشرة أعظمها ينابيع (القيارة) بجوار الموصل على شاطئ دجلة الأيمن. وتمتد من جوار (نمرود) شمالاً إلى ما وراء (قلعة شرقاط أو شهر قرد أو شهر جرد) جنوبا. وتمر سكة حديد بغداد بطرفها الغربي على مؤازاة دجلة. ومنابع (ابجاك) وهي إلى الشمال الشرقي من شرقاط، والجنوب الشرقي من الموصل. ومنابع (كركوك) وهي إلى الجنوب الشرقي من ابجاك. والى الجنوب الشرقي من كركوك والجنوب الغربي من سليمانية منابع (جمجمال) ويليها إلى الجنوب الغربي بقليل ينابيع (طوزخورماتي) ثم يليها منابع (كفري). وبجوار تخوم إيران قرب الحدود
الفاصلة بين ولايتي بغداد والموصل منابع (قصر شيرين) والى جنوب خانقين وقزلرباط (أي خسرا آباذ أو خسر اباد) (مندلي) (وهي البندنجين) ومن المنابع الشهيرة تلك المنابع الموجودة على عدوة الفرات اليسرى غربي بغداد وعلى مسافة قريبة من عيون القير في (هيت). 16 - عيون القير ومما صحفه الصحافيون أسماء عيون القير في العراق وهذه هي: عيون (هيت) وعيون (كفري) وعيون (آلتون كوبري) بجوار ينابيع كركوك وعيون (نمرود) بجوار منابع ابجاك. 17 - ابن الرشيد عصت عشيرة الرؤلة على الحكومة فزحف عليها الأمير ابن الرشيد واخذ منها جميع ما نهبته من الأهالي والمسافرين في أنحاء الشام، وقطع دابر متلصصتهم وكان الأمير ضرب خيامه في (الحزول) ثم عاد إلى مقامه. 18 - سكان بغداد منذ 46 سنة قالت الرياض: نرى في أحد أعداد السنة الأولى من جريدة الزوراء التي أصدرها مدحت باشا في بغداد أن عدد النفوس فيها ذكوراً 63. 273 منها 52. 689 مسلمون و10. 583 من الملل المختلفة غير الأجانب وفي تقويم ناظم باشا منذ سنتين عدد الذكور 67. 363 منهم 20. 736 من الملل المختلفة غير الأجانب وعليه تكون الزيادة في نفوس المسلمين في مدة 46 سنة 14. 974 وزيادة نفوس الملل المختلفة 10. 115 نفساً أي المثل مثلان تقريبا. ونظن أن سبب قلة نفوس المسلمين عن غيرهم هو: 1: الجندية، 2: عدم الاعتناء بالصحة والنظافة، 3: قلة الزواج. 19 - تحديد التخوم العثمانية الإيرانية أتم المكلفون بتحديد التخوم العثمانية الإيرانية النظر في ما ندبوا إليه فقر رأيهم أن تبقى التخوم على حالتها الأولى في أنحاء البصرة والمحمرة وجعل نهر الخيبن الحد الفاصل بين الارضين العثمانية الإيرانية. 20 - طول نهر العشار قيس طول نهر العشار في البصرة فبلغ 6. 000 متر 21 - أراضي للشركة الألمانية ابتاع أحد تجار البصرة قطعة أرض بجوار المحطة الألمانية التي في كوت الإفرنجي بمبلغ 11 ألف ليرة ويقال أن تلك الأرض ابتيعت لحساب شركة سكة حديد بغداد الألمانية. 22 - بين زامل السبهان وابن عمه وقع خلاف بين وكيل إمارة ابن الرشيد وهو زامل السبهان وبين ابن عمه سعود السبهان. فتنحى الأول عن مقامه وحل الثاني محله.
العدد 34
العدد 34 منافع بيع البواخر 1 - باب البحث نشأت هذه المسألة منذ أن شرعت الحكومة الحاضرة ببيع البواخر العثمانية التي تمخر مياه دجلة بين البصرة وبغداد وهي التي قام بتأسيسها المرحوم رشيد باشت والي بغداد السابق الشهير با (لكوز لكلي) نحو سنة 1273هـ (1856م) ثم زاد عليها المرحوم مدحت باشا ثم أخذت بالانحطاط إلى درجة أن بلغ بمدير البواخر المرحوم سري أفندي أن يبيع بعض الأدوات والأنقاض لإيفاء رواتب الموظفين (راجع لغة العرب 3: 561 في الحاشية) ثم بتبدل بعض المأمورين أخذت بالانتعاش حتى تولاها (آمر) قومندان بحرية البصرة الميرلوا (أمير اللواء) أمين باشا حوالي سنة 1309هـ (1891م) فتحسنت حالها وبلغت شاواً مهماً ووفر من وارداتها ما قدمه إلى الأستانة لشراء باخرتين تضافان إلى الموجودات وقتئذ فأخذت الأستانة المبلغ ولم تشتر بواخر حتى ضج العموم ولكن بلا جدوى؛ فاشترت الأملاك الخاصة بالسلطان السابق حضرة عبد الحميد خان هذه البواخر الأربع وهي الموصل والفرات والرصافة والبغدادي مع إدارتي البصرة وبغداد وحوض البصرة وما يتبع ذلك من آلات وأدوات في معمل البصرة بمبلغ هو (كما يخطر لي أقل من سبعة آلاف ليرة) وذلك حسب تخمين المخمنين من الملكية والعسكرية. فلما صارت للأملاك السنية توفرت وارداتها وأصبحت كما كانت في زمن أمين باشا فزادت عليها باخرتين وهما (حميدية وبرهانية) ثم أخريين (وهما البصرة وبغداد) فصارت ثمانياً حتى كانت أيام الانقلاب فعادت مع بقية أملاك المخلوع إلى
المالية فأخذت الحكومة منها باخرتين وثلاثاً اتخذتها لنقل الأشياء العسكرية ولتأديب العشائر في أطراف المنتفق وبقيت خمس سائرة وقد حصل من ذلك ريع صافٍ سنة 1325 وسنة 1326 مالية نحو عشرة آلاف ليرة سنوياً وفي سنة 1227 تولى شؤونها جناب سيروب أفندي إسكندر فبلغ ريعها نحو 20 ألف ليرة وفي سنة 1328 تولاها جناب سويان بك المدير الحالي فبلغ الريع 23 ألف ليرة وأما في سنة 1329 فقد حصل تأخير في سيرها وتعطل بعضها فاقتضى صرف مبالغ لأعمارها ولذا كان الريع الصافي نحو 18 ألف ليرة. وهذه هي البواخر التي عليها مدار البحث وتذمر الصحف. 2 - تظاهرات الأهالي ضد بيعها نزعت الحكومة الحاضرة قبل نحو ثلاث سنوات إلى بيع هذه البواخر: 1 - لأنها رأت ريعها قليلاً بالنسبة إلى رأس المال الذي يمكن الحصول عليه من بيعها: 2 - لأن الحكومة لا يمكنها القيام بالأعمال التجارية لعدم اعتمادها على عمالها أو لعدم وجود عمال أمناء يقومون بالأعمال كما يجب دون إزعاج الرعايا أو الضرر في المال (ولنا كلمة في هذا الباب نؤجلها إلى مقالة أخرى): 3 - لاسترضاء حكومتنا حكومة بريطانيا العظمى توصلاً إلى اتخاذ ذلك ذريعة للحصول على معاونتها (وإن ذلك من الآمال البعيدة) فقررت بيعها فلما بلغ الأمر مسامع الأهالي قامت القيامة وجرت المظاهرات العمومية في بغداد والبصرة والموصل وأرسلت برقيات الاحتجاج إلى المراجع العالية قائلين: إنهم مستعدون لشراء هذه البواخر بالثمن الذي تعطيه للحكومة الأجنبية أو الشركة حتى أن البعض كان يقول متحمساً: أما ندفع الثمن إعانة ونترك البواخر لحكومتنا المحبوبة ظناً منه أن القول يثمر أو يسمن أو يغني من جوع؛ غير عالم أن المبلغ باهظ. والحق معهم لأن التلفظ بالمليون أمر سهل ومن لم ير في عمره الألف ماذا عليه لو قال مليون؟ فتأخرت الحكومة عن البحث في ذلك ووردت البرقيات بترك الخوض في هذا البحث ظناً من الحكومة إن هذه الشرارة يتبعها الدخان فالنار وهذا الاحتجاج يتبعه التهديد، فشهر السلاح. فقال المتجمهرون: لله الحمد سكتوا فسكتنا غير مراجعين لضمائرهم الحرة الحية في إنهم غير مقتدرين على عقد شركة لذلك حسب قواعدهم المقررة المتعدد: التي لا تقبل سهواً أو غلطاً لأنهم لولا اعتقادهم بأن الشركات مضرة بالمال لعقدوها ولكنهم أن اقتنعوا بمنافعها يتنافسون على الرئاسة فيها وإداراتها حباً بالتصدر والشقشقة الفارغة. خذ لذلك بضعة أمثلة
جرت في العراق دليلاً على قولنا هذا: 3 - شركة عربات (عجلات) بين حلب وبغداد عقدت شركة لتسيير عربات (عجلات) بين حلب وبغداد تقطع المسافة بثمانية أيام والشركة مؤلفة من اثنين من أعيان الوطن وهما حضرة محمود أفندي شابندر زاده وعبد الجبار أفندي خياط زاده وصرفا مبالغ على شراء عربات (عجلات) ودواب وبناء مواقع في الطريق وكان معهما مدير البريد الحالي جناب سعيد أفندي وتعهد الأخير بأعمال الشركة وذهب بنفسه إلى حلب مراراً وتكبد المشاق ولم تمض برهة لا تزيد على الشهرين حتى فسخت الشركة وأنحل عقد المجتمع ولا بد من أنهم تكبدوا أضراراً جسيمة ولا اعلم السبب لذلك وعندي أنه اسم الشركة لا غير. ر4 - شركة تسيير السيارات بين كربلاء وبغداد تألفت شركة سنة 1327 هجرية في زمن ولاية حضرة نجم الدين بك علي بغداد وكانت بتشويقه وكان عمادها حضرة محمود أفندي شابندر زاده لتسيير سيارات (أوتوموبيلات) بين بغداد وكربلاء إلى النجف وهي نافعة بدون شك وتهافت الناس عليها ووزعت أسهمها بأقرب مدة ووضع أصحاب الأسهم الدراهم في البنك (المصرف) العثماني حتى تخيل الوالي المشار إليه أن الأمر قد تم (وكنت معارضاً له أشد المعارضة لأني اعلم بأخلاق أبناء وطني) حتى اجتمع أرباب الأسهم اجتماعهم الأخير لانتخاب رئيس للشركة فحاز الأكثرية عبد الرزاق جلبي الحاج سعودي الصفار ومال البعض إلى جناب محمود أفندي الشابندر وحصل النزاع حتى قارب الأمر المهاترة فأنحل عقد الاجتماع وأسترد كل فرد ما سلم للبنك (المصرف) العثماني وطوى اسم الشركة. 5 - شركة تسهيل النقليات تألفت شركة لتسيير بواخر صغيرة بين بغداد وضواحيها ووزعت الأسهم وجمعت الدراهم وكان كل من المؤسسين بأتم النشاط ولم تمض أيام حتى أخذ كل منهم يرمي صاحبه بالرخاوة وبقيت معلقة وقد قام بعض أصحاب الأسهم لإقامة الدعوى على من تسلم منهم الدراهم في إنهم خداعون خدعوه وأخذوا ماله دون عمل وستظهر الأيام الغاية. 6 - شركة بواخر في البصرة لم يكن داء عدم الائتلاف خاصا ببغداد بل بأختها البصرة أيضاً فقد تألفت فيها شركة سنة 1306 هجرية رأس مالها عشرون ألف ليرة لتشتري باخرة بحرية كانت
معروضة للبيع اسمها (اداوة) واجتمع المبلغ واتفق أرباب الأسهم على توديع الرئاسة للمرحوم الحاج أحمد جلبي النعمة فطلب المومأ إليه أمراً غريباً وهو أن تكون الرئاسة في أولاده بعده إلى ما شاء الله ولما لم يوافقه أحد على هذا الشرط ترك الأمر فانفرط عقد الشركة أيضاً. ولو أردنا استقصاء الشركات التي قامت وماتت دون جدوى لضاق بنا المجال على أن الأمر لم يبق عند العراقيين بل شملت هذه المزية السامية إخواننا السوريين أيضاً. 7 - شركة معمل الزجاج في الشام تألفت في دمشق الشام شركة قامت بأعباء إستحصال امتياز معمل للزجاج وصرفت المبالغ للحصول على هذه الأمنية التي حسدتها عليها البلاد العثمانية فبنت له بناء مهماً جسيماً عند الباب الشرقي وباشرت بالعمل فاحتاجت إلى رأس مال لإدارة المعمل فتوقف أصحاب الأسهم عن الدفع وبقى معطلاً وإذا دام الأمر فستضمحل الأدوات وتتلف الأسهم وتدخل في خبر كان ولا حول ولا قوة إلا بالله. 8 - مزية العرب فكأن عدم الاتفاق سجية عربية خاصة بهذا العنصر الشريف والسبب شدة الذكاء لأن كلا منهم يرى في نفسه الكفاءة لإدارة كل عمل يوسد إليه. ويخطر لي هنا اعتراض أحد الأكاسرة على وفود العرب وتقريعه إياهم بأن ليس لهم ملك يجمع كلمتهم ويضم شملهم ويقوي شكيمتهم فأجابه أحدهم ذلك لأن كلا منا يرى نفسه أحق بالملك شرفاً وأصلاً وكرماً. (ومن الغريب أن البعض يرون هذا الجواب من جوامع الكلم وأنه فخر للعرب) 9 - عود إلى بيع البواخر ذكرنا في صدر هذه الأسطر احتجاج الأهالي على بيعها وإنهم أحق بها من غيرهم وإنهم أولو عزم على تأليف شركة لذلك وهم يتناسون ما وقع لهم من الأمور التي ذكرناها فلما سكتت الحكومة ظاهراً عن الأمر جاء الأمر وفق مراد الأهالي فسكتوا عنه وكأن لم يكن ثمة بحث فلا طالب للشركة ولا سائل عنها لأنهم يعلمون حق العلم إنهم لا يجتمعون على خير قط وظنوا إن إهمال الأمر قد تم ولم يعلموا أن تلك الشرارة التي تولى إيقادها الأجانب لمنافعهم لا يمكن أن تخمد ألبته وإنهم ينتهزون لها الفرص الملائمة لإشعال نارها إشعالاً لا تطفئه مياه دجلة والفرات. فلما حان الأمر المناسب قررت الحكومة إفراغ هذه البواخر لشركة يكون نصفها للإنكليز
ونصفها الثاني مناصفة بين العثمانيين والألمان وقد قضى الأمر وسد باب البحث فلما بلغ الأهالي طرف خبر هذا الأمر أرادوا أيضاً القيام على الساعين به غير عالمين أن (ما كل مرة تسلم الجرة) وظنوا أن الحكومة تنسى المثل (من جرب المجرب حلت به الندامة) ولذا لم تعرهم إذناً صاغية حتى ولم تنشر صورة المقاولة ليعلم كل من الأهالي ما ستؤول عليه حالته مع الشركة المذكورة بل تركت الأمر مكتوماً لعلمها الحقيقي إن ليس على ولي القاصر أن يخبره بكافة ما يجريه له من الأمور وما يخدم به أمواله حسبما يقتضيه الحال والزمان، وهي المحقة بلا ريب. 10 - سبب عقد الشركة كل منا يعلم حال حكومتنا الحاضرة واضطرارها إلى المال وليس هنا من يجهل ما يلاقيه رجالها من التذلل والمسكنة والتمليق لاسترضاء البيوتات المالية في أوربا وما يلاقونه من عسف الأجانب ومنعهم عنهم الأموال التي هم في أشد الحاجة إليها لإيفاء بعض الديون وللمباشرة بالإصلاح الذي هم مضطرون إلى إجرائه وبدونه لن تعيش الدولة. هذا فضلاً عن أن استخراج كنوز الأراضي العثمانية التي لا تعد تفتقر إلى المال من كل الجهات سواء لتعدين المعادن أو لترقي الزراعة أو لاستعمال الآلات الحديثة لها. والمضطر لا جناح عليه مهما عمل شرعاً وعرفا دفعا للضرورة ومن منا لا يفدي عند اضطراره ما عز وهان للحصول على مراده ومن منا لا يصرف المبالغ للحصول على مال يسد به عوزه الضروري؟ أو يقوم به أود تجارته أو صناعته وخصوصاً بعد تأكده النفع من ذلك المشروع وإنه في زمن قريب يأمل أن يحصل من الفوائد ما يسد به المبلغ الذي سمح به وزيادة؟ أنصفونا أيها القراء. 11 - البيع وعلى ما تقدم رأت الحكومة الحاضرة أن القرض الكبير لا يتم لها إلا باسترضاء الحكومة البريطانية على أن استرضاءها ليس هو للقرض وحده بل لطلب معاونتها أيضاً في ما لها من المصالح السياسية. كمسائل الجزر، وتحديد التخوم، ومسألة المضايق، والديون العمومية إلى غير ذلك. فقد رأت، ورأيها الصواب، إن المفاداة بأمر البواخر وامتياز النهرين أهون بكثير مما تؤمله. فمن ذا يلومها في ذلك؟ بعد أن يكون قد علم الكل أنها لم تبع ذلك بيعاً بل أحالته على شركةٍ لها فيها الريع لتبقى لها قسماً من السيطرة. 12 - نتائج الشركة اقتصادياً
يقول بعض من يرى الأمور على ظواهرها أن هذه الشركة ستكون الضربة القاضية على تجارة البلاد العراقية وتعليلهم هو: أولاً. لأن الشركة أصبحت في إدارة الإنكليز (لأن لهم أكثر الأسهم) وشركة لنج إنكليزية فسيقع بين الشركتين اتفاق وتكون أجرة النقل حسبما يريدون ولو ضاعفوها أضعافا تتأخر التجارة. قلنا: لو دققوا في الأمر لعلموا إن الرقابة تكون بين الأخوة الأشقاء وبين الوالد وولده ولا مساس لأمر الجنسية في التجارة على أن الحكومة لا بد وأن تكون قررت الأجور فلا يمكن تعديها والشركة بل الشركتان تعلمان أن من الأموال ما لا يمكن إرساله على بواخرها ما لم تكن الأجرة رخيصة كالحبوب مثلاً والأشياء التافهة الثمن فأن زادت الأجرة لا يرسل أحد من تلك الأموال شيئاً فكما أن أصحاب الأموال يفوتهم ربح أموالهم يفوتهم هم أيضاً ربح أجورهم فهم مضطرون إلى تنزيل الأجور عند قلة الحمول كما تفعل الآن شركة لنج والإدارة النهرية فنراهما تتفقان أحيانا عند تراكم الأموال. وتصل أجرة نقل الطن من بغداد إلى البصرة إلى نحو 25 إلى 32 شليناً ولكن عند قلة البضائع ينزلونها إلى سبعة شلينات بل أقل كما هو في موسمنا هذا. على أن بواخر اغا جعفر نقلت الطن بأقل من ثلاثة شلينات ونصف من بغداد إلى البصرة وذلك عشر الأجرة في أيام كثرة الأموال في أيلول وتشرين الأول وهو موسم التمر. فهل يمكن أن يقال أن أيام الزيادة هي اتفاق من الشركتين ضد التجارة؟ 13 - اضطرار الشركة إلى تكثير البواخر على أن البواخر العثمانية التي تشتغل الآن في نهر دجلة هي خمس كما ذكرنا وثلاث لشركة لنج ونراها غير كافية لنقل الأموال الواردة من أوربا والهند إلى بغداد. ولذا نرى الأموال متراكمة اغلب الأوقات في البصرة حتى يضيق عنها نطاق الأماكن المعدة لحفظها ويبقى بعضها مدة ستة أشهر أو أكثر حتى يقل الوارد منها من ديار الأجانب فتأخذ بنقلها وذلك مضر بالتجارة دون شك لأن التاجر الذي يتأخر ماله بالبصرة ستة أشهر ماذا يكون ربحه وخصوصاً إن وصله مال الصيف في الشتاء وبالعكس فيضطر إلى خزنه عنده ستة أشهر أخرى إن كان متمكناً وإلا يبقى عند (المصرف) البنك العثماني في الربى فما كسبه إذاً؟ والحكومة السابقة لم ترد زيادة بواخرها ولم تسمح لشركة
لنج بتشغيل بواخر أخرى غير الثلاث ولا ترخص أحداً بتشغيل بواخر (وأما مراكب أغا جعفر فإن ولاية البصرة سمحت له موقتاً على أن يكون لبلديتها ربع صافي ريعها برخصة الامتياز) وفضلاً عن ضرر التجارة تضررت شركات الضمان التلف اغلب الأموال المعرضة للأمطار لوجودها تحتها فالشركة التي ترى النفع لا بد وان تزيد بواخرها للأموال الداخلة إلى بغداد وأما الصادرات فلا تعد بالنسبة إلى الواردات إذ هي المهمة جداً. فهل يظن أحد أن شركة تجارية ترى النفع ظاهراً وأن الوابور (الباخرة) الذي تشتريه تستخرج ثمنه في مدة سنة واحدة على الأكثر ولا تعمل عدة بواخر؟ وقد تشبث مدير الإدارة الحالي جناب سويان بك بعقد مقاولة مع شركة لنج على أن تسير باخرة رابعة يكون نصف ريعها للإدارة النهرية العثمانية فقبلت ذلك بكل ارتياح لكن الحكومة لم تقبل فترك البحث. 14 - أجور نقل الأموال الداخلة أما أجرة نقل الأموال القادمة من البصرة إلى بغداد فهي 25 شليناً عن كل طن وهي الأجرة الاعتيادية لما يرد رأساً من أوربا والهند إلى بغداد. وأما ما يشحن من البصرة فلا بد من زيادة وربما بلغ 35 إلى 40 شليناً لأنه يتفق اضطرار التجار إلى جلب أموالهم فيدفعون ما تطلبه الشركات رغماً عنهم. على أن ذلك لا يوافق الشركات لأنهم يضطرون إلى تأخير المقاول عليه رأساً وذلك مضر بسمعتهم. وربما فعلوه طمعاً بالربح. فأجرة الأموال غالباً من البصرة إلى لندن 30 شليناً والمسافة لا تقل عن أربعين يوماً وهنا ربما وصلت إلى 40 والمسافة ثلاثة أيام إلى أربعةٍ. فما تزيد الشركة بواخرها أو ما يتهاجم عليها المساهمون الذين يعرفون قدر الشركات وفوائدها وإن زيدت - ولا بد من الزيادة - أفما تنتفع منها الولاية بل العراق كله انتفاعاً اقتصاديا؟ 15 - نقل الركاب على البواخر عدا ما ذكرناه من نقل الأموال بين البصرة وبغداد وما بينهما من المراكز العديدة وهناك أمر أهم من ذلك وهو أمر نقل الركاب الذي يزداد ريعه في بعض الأوقات حتى يفوق أجور الأموال المنقولة. والمسافرون يلاقون الأمرين أيام قلة المياه إذ تتأخر البواخر الموجودة وأخص منها العثمانية ولا سيما الكبيرة منها (بغداد) (والبصرة) فتقطع المسافة التي بين الولايتين في نحو عشرة
أيام وربما كان أكثر لأنها تطلب مياهاً غزيرة. ولهذا أن بنيت بواخر جديدة فلا بد من أنها تكون موافقة للحال على ما هو أي أن تكون صغيرة الحجم وتطلب ماء قليلاً وتكون قوية وتجر جناب فلا تتأخر ويرتاح الركاب من ذلك. ولا شك في أن الطريق إن سهلت يزداد التردد إلى الولايتين وإلى ما بينهما من المواقع وذلك من أقوى أسباب العمران. 16 - منافع الإدارة ذكرنا إن ريع الإدارة في السنين الثلاث الأخيرة كان يتراوح بين 18 و23 ألف ليرة. وكان قبلها نحو عشرة آلاف. على أن هذا الريع لا يكاد يذكر بازاء الدخل المؤمل لو كانت البواخر حسنة وسريعة لأن السريعة يكون مصرفها من جهة الإحراق أقل بلا ريب والريع أكثر؛ إذ تكثر النقليات ويزداد المسافرون. والبواخر العثمانية مع حداثة أعمالها نزلت إلى دركة سيئة نسبة إلى شركة لنج والسبب هو أولاً لأن الذي اشتراها وهو الموفد لذلك من الأستانة لم يكن يعلم درجة نزول المياه في دجلة أيام الصيف ولذا أخذت تتأخر خلافاً لبواخر شركة لنج. ثانياً. لأن عملة البواخر العثمانية لا يخافون جزاء ولا يأملون مكافأة بخلاف غيرهم. أما الجزاء فإن الآمر ليس له كلام نافذ ولا يمكنه إخراج أحد من عمله ما لم يراجع المحاسبة فالدفتر دار فنظارة المالية. وأنت تدري إن الموظف (المأمور) الذي يعلم أن ليس لأمره قدرة على إخراجه من عمله إن قصر في خدمته كيف لا يتكاسل في عمله بخلاف المستخدمين في الشركات فإن إبقاءهم منوط بحسن خدمتهم فإن أحسنوا الخدمة داموا وإلا أخرجوا من وظائفهم بأدنى تقرير يدفعه عنهم الربان أو المدير أو غيرهما. ولذا تراهم محافظين على خدماتهم ومن ذا الذي لا يميز بين نظافة وخدمة بواخر شركة لنج والبواخر العثمانية فبتحويل البواخر إلى الشركة المذكورة لا بد من أن تتحسن أحوالها ويدقق في أعمالها فلا يأمر وكيل الربان الباخرة بالوقوف في أثناء الطريق ليأخذ من العرب خروفاً أو نصف حقة من السمن ولو تأخرت الباخرة ساعة أو ساعتين وأحرقت ما تحرقه من الفحم مجاناً. ولذا يزداد الريع لعدم التبذير. وعليه أقول أني متأكد بأن ربع ما يرجع إلى الحكومة سيقابل عموم وارداتها الحاضرة بلا شك ولا شبهة
بيت النمنومي أو بيت جرجية
نسبة إلى زيادة الحمول والركاب. كما ذكرناه آنفاً. 17 - الوجهة السياسية يقول المعترضون إن المشاغب والقلاقل لم تزل تظهر في أطراف المنتفق والعمارة وتحتاج الحكومة إلى سوق العساكر وإرسال ما يحتاج إليها فكيف تحمل البواخر الأجنبية الأدوات؟ وماذا يكون مصرفها؟ قلنا: أفيظن هؤلاء في أنفسهم أنهم أعقل ممن بيده زمام أمور الدولة؟ أفلا يخطر على باب أولئك الدهاة الصناديد والساسة المحنكين هذه الملاحظة البسيطة؟ على أني أقول: بينما نرى الآن تحت أمرها أربع بواخر ستكون بعد ذلك عشر بل أكثر. وبالطبع يستطيع مالك العشر من نقل ما يريده بأسرع من مالك الأربع. وأما الأجرة أفلا يعلم المعترضون إن العساكر والذخائر إن نقلت مجاناً على البواخر العثمانية يؤخر نقلها الأموال التي يؤخذ عنها أجرة ولولا هي لدخلت الأجرة الصندوق. فالأجرة هي مدفوعة على كل حال إما عيناً وأما بتحويل ضرر أو خسارة تقابلها. فما الفرق حينئذ؟ - قلنا الفرق هو تكثير البواخر وسرعة النقل. فإن كان ذلك عيباً - فلا نحير جواباً! ع. ن بيت النمنومي أو بيت جرجية لا بد أن القراء يتذكرون ما كتبته سابقاً بشأن الحلبيين في بغداد إذ قلت: ولم يبق اليوم في بغداد والبصرة من هذه الأسر المستوطنة التي لا ريب في أصلها الحلبي سوى عشر أسر (راجع لغة العرب 3: 361) فبيت النمنومي المعروف عندنا اليوم ببيت جرجي أو جرجية هو من هذه الأسر العشر الحلبية الأصل بل وأقدمها الآن الجد الأعلى لهذا البيت جاء بغداد قبل أوائل الربع الأخير من القرن الثامن عشر وكان اسمه عبد الله ابن القس فرج الله السرياني. ومن الظاهر أنه كان يتعاطى البيع والشراء في الزوراء ونواحيها ولهذا كثيراً ما كان يتردد إلى قرية كبيرة في لواء الديوانية مشهورة في تاريخ باشوية بغداد قائمة على ضفة الفرات فوق السماوة على مسافة 15 فرسخاً منها اسمها لملوم
وهي كانت يومئذ مركز العرب الخزاعل المعروفين بتحمسهم الديني وبسالتهم في القتال وبزراعة الحبوب والقطاني وبالخصوص الرز منها المشهور حتى اليوم بتمن الدغارة. وقد شهد القنصل الفرنسي جاك روسو بخصوص أراضي الخزاعل وجودة أرزها وكثرته حتى أنه كان يكاد يكفي لكافة سكان باشوية بغداد الواسعة الأطراف (طالع كتابه المسمى المطبوع في باريس سنة 1809 ص (59، 60، 61) إذ يدعو القرية المذكورة نمنوم بخلاف نيبهر السائح الدانمركي الذي جال في العراق سنة 1766 فإنه سماها لملوم وهو اسمها الحقيقي (أنظر كتاب رحلته بالفرنسية المجلد الثاني صحيفة 201) وعليه ليست نمنوم إلا من تصحيف العامة لأسم لملوم كما قد صحفوا كلمة الليمون بصورة نومي الدارجة في كل العراق. فعبد الله الذي نحن بصدده - لتردده الكثير إلى قرية لملوم أو نمنوم لغاية البيع فيها وربما للقيام بزراعة بعض الأراضي التي حولها كعادة قوم من نصارى بغداد في ذلك الوقت - لقب بلملومي (ويروي لملومني) أو نمنومي وقد ورد اسمه بهاتين الصورتين أيضاً غير أن الصورة الثانية أي النمنومي درجت وراجت في بغداد وغلبت عليه وعلى أولاده ولم اهتد إلى حل مشكل هذا اللقب إلا بعد الاستقصاء الطويل لأن قليلاً من نصارى بغداد من يعرف أشياء عن أجداده وأحوالهم السالفة. وتأهل عبد الله نمنومي في 22 نيسان سنة 1776 بسيدي ابنة بوغوص (بولس) سيواسلي الأرمني الكاثوليكي الوارد ذكر أسرته في بغداد لأول مرة سنة 1753 وكان اسم أمها هيلي (هيلاني) وسيدي هذه عمة فرنسيس والد لولو امرأة فتح الله نعمان. وتوفى عبد الله في 12 كانون 1 سنة 1798 وأعقب الأولاد التالية أسماؤهم: يوسف وجرجس الذي اعتمد في 21 شباط سنة 1781 وبولس حنا الذي ولد في 10 تشرين 1 سنة 1791 ولا نعرف شيئاً عنه وهيلاني التي تزوجها التاجر الاسطنبولي المدعو مارتينو (مارتينوس) سيمونيان الأرمني الكاثوليكي واسم أمه اسكوهي ورزق في 2 كانون 1 سنة 1798 ابنة سماها سيسيليا وتوفيت في شرخ شبابها في 20 كانون 2 سنة 1820 وأما هو فكان قد قضى
نحبه في 9 تموز سنة 1816 بعد أن نالته النوائب وخسر كل ماله في التجارة وذاق مرارة شدة العوز والاحتياج مع إنه كان في وسع والدته التي في الأستانة أن تنشله من هذه المعسرة بما لديها من المال ولكنها أبت أن تصغي إلى توسلات وتحسرات ابنها المنكود الحظ. 2 - يوسف نمنومي وأولاده أن يوسف بن عبد الله نمنومي كان من صغار التجار وحسن الخط في العربية وقد اقترن في 17 تشرين 2 سنة 1799 بمروشي (مريم) المعتمدة في 20 أيار سنة 1779) ابنة اندريا جوخجي بن عبد الله الأرمني الكاثوليكي واسم أمها شمعوني (المولودة في 5 تشرين 2 سنة 1751) ابنة بانوس (اسطيفانوس) الأرمني الكاثوليكي أيضاً من جلفا التي توفيت في 2 تشرين 2 سنة 1823 وأما ابنتها مروشي فتوفاها الله في 20 كانون الثاني سنة 1814 وذلك بعد مرض طويل احتملته بصبر وشجاعة وقد تركت ابنتين وهما: كترينة التي ولدت في 18 آب سنة 1805 وهي امرأة بحوش (عبد الأحد) بن توماس قسطنطين الكلداني وتريزيا سيسليا لوسيا جرترودة التي ولدت في 1 آذار سنة 1812 وتوفيت في 8 كانون 2 سنة 1824 فتزوج يوسف ثانية في 8 آذار سنة 1815 بكلارة (المعروفة بجدة قبرة) ابنة ميخائيل راجي الطبيب الحلبي الماروني وهي أرملة رجل كلداني اسمه يوسف (أنظر العرب 3: 88) ومات يوسف نمنومي في 21 أيار سنة 1825 عن ابنين من الزواج الثاني وهما: توما ريشا الذي ولد في 21 كانون 1 سنة 1815 ولا نعرف ما جرى له توما فيجين الذي ولد في 17 شباط سنة 1818 والأرجح إنه نزل إلى الهند ونجهل مصيره هنالك. 3 - جرجس نمنومي ونسله وكان هذا رجلاً صالحاً يتعاطى البيع والشراء بالمأكولات البخسة الثمن وقد تزوج أولاً بانيسة (أغنيس) ابنة عسكر الكلداني (لعله من الموصل) وكان لأنيسة أختان وهما سيدي وصوفيا التي تزوجها الياس بن عبد الرحيم الكلداني وأخ اسمه عيسى المعروف بعيسى بلانجي وهو زوج كترينة بنت عيسى الخياط والد
عبد الجبار أفندي) غير أن أسرة عسكر قد اندثرت من عندنا والأرجح أن أول ذكر اسمها في بغداد كان في 17 أيلول 1767 وهو اليوم الذي توفيت فيه مريم امرأة عسكر المعتمدة في 27 حزيران سنة 1745 وهي ابنة كوركيس الموصلي الكلداني واسم أمها حسينة بنت داود الموصلي ويبين أن عسكراً تزوج مرة ثانية بامرأة نجهل اسمها وهي والدة أنيسة قرينة جرجي نمنومي الذي رزق عدة بنات لم يعش منهن سوى اثنتين وهما: كترينة (كتة) التي ولدت في 23 كانون 1 سنة 1822 وتوفيت في 11 آذار سنة 1899 وكان زوجها الأول رجلاً يونانياً اسمه انطون كربك أو كريكو
وزوجها الثاني كارلوس رينكوس من اسوج الذي كان نجاراً في مركب كمت الإنكليزي ويقال إن والده كان والياً في إحدى مدن أسوج ولم يزل كارلوس في بغداد. مريم (مري) التي اعتمدت في 24 آب سنة 1828 وتوفيت في 25 نيسان سنة 1894 وكان زوجها إيطالياً اسمه جاكومي أي يعقوب وكان طباخاً في مركب كمت المذكور. وأما أنيسة أم هاتين الابنتين فتوفيت في الطاعون المشهور بالكبير سنة 1831 فتأهل جرجي ثانية بكترينة (كنو) المولودة في شهر كانون 2 سنة 1812 وهي ابنة عمانوئيل مسيح الكلداني واسم أمها سيدي ابنة ارزوقي فرج أي خالة اوانيس مغاك المعروف بحنا باش وكان لكترينة أخت اسمها انجلة وهي امرأة بدروس الدلال الأرمني الكاثوليكي. وأعقب جرجي من الزواج الثاني بنتا وثلاثة بنين الذين سمو باسم أبيهم المصحف بصورة جرجي أو جرجية وهذا هو لقبهم الشائع والمعروف اليوم في بغداد والبصرة. وأما أولاده فهم: الياس 1 - تريزية (توزة) التي تزوجها رجل ألماني اسمه جون نلسن الذي كان نوتياً في مركب كمت وبعده صار ثنياناً لربانه ولم يزل من نسله 5 إناث في الوجود وتوفيت توزة في 24 تشرين 2 سنة 1904 2 - يوسف 3 - رزوق الذي أعتمد في 31 كانون 1 سنة 1844 4 - الياس ويوسف ورزق الله أولاد جرجي لما كان هؤلاء من المعاصرين لنا ويعرفهم الجميع رأيت أن أورد ذكرهم بوجيز الكلام ولكن يجدر بي أن أقول بالإجمال إنهم قاموا بتربية أولادهم
احسن قيام وهم اليوم من أفضل البيوت المسيحية في العراق ورعا وتديناً وقد نالوا أيضاً بكدهم وجهدهم شيئا من الثروة والمنزلة ونبغ منهم كاهنان فاضلان هما من نخبة الأكليرس السرياني وسيأتي ترجمة كل منهما. 5 - إلياس جرحي إن الياس اقترن في أوائل سنة 1859 بكترينة صابات (المولودة في شهر آب سنة 1835) ابنة اوغسطين بن الياس جبران الكلداني واسم أمها مرثا بنت رحماني الموصلي الكلداني. وأولاده الذين عاشوا هم: مينا ويوسف (الذي تزوج في شهر أيلول سنة 1896 بتاكوهي ابنة يوسف بن عبد الله جموعة الموصلي السرياني ورزق أولاداً) ونعوم واليزة وجونيت (وهذه تزوجها يوسف بن ميخائل بن يوسف ماريني أعني به شقيق صاحب هذه المجلة وهي ابنة خالته وفرج وهو الآن راهب في دير جبل الكرمل. 6 - ترجمة حياة حضرة الخوري عبد الأحد بن الياس جرجي اعتمد المومأ إليه باسم نعوم (نعمة الله) في 15 تموز سنة 1870 وسافر في 14 أيلول سنة 1883 إلى الموصل ودخل المدرسة الأكلريكية القائم بإدارتها الأباء الدومنيكيون ورقاه إلى درجة الكهنوت سيادة المطران بهنام بنى إذ كان نائباً رسولياً وذلك في كنيسة الطاهرة الكاتدرائية في 14 أيار سنة 1893 ودعى عبد الأحد ولما عاد إلى وطنه بغداد أخذ يدير بجدارة مدرسة الأبرشية وعلم فيها اللغة الفرنسية مدة عشر سنوات حتة سنة 1903 وقد سافر فيها راعي الابرشية سيادة المطران اغناطيوس نوري تلبية لدعوة غبطة البطريرك افرام رحماني فأقامه حينئذٍ سيادة المطران المذكور نائباً عنه في ابرشيته التي ساسها مدة ثماني سنوات وفي 23 تشرين الأول سنة 1910 رقاه غبطة السيد افرام رحماني إلى رتبة الخوري الأسقفي وذلك في أثناء زيارته زيارة راعٍ لأبرشية بغداد وفي شهر أيار سنة 1911 سافر من بغداد وطاف سورية وبعض بلاد أوربا ترويحاً للنفس. وبعد ذلك أتخذه السيد افرام رحماني كاتماً لأسراره وأقامه
خوريا لسريان بيروت ثم عاد إلى بغداد في 14 تموز سنة 1913. ومن أعماله انه شيد مذبحين جميلين داخل كنيسة بغداد وهما المذبح الكبير ومذبح قلب يسوع واعتنى بتأسيس ونشر عبادة هذا القلب الأقدس في مدينة بغداد وترجم وصنف عدة كتب روحية. وإليك أسماء الكتب التي ترجمها من الفرنسية: 1 - المنتخبات الكنبيسية، في الحياة القدسية، وهي خمسة مجلدات طبعت في مطبعة الأباء الدومنيكيين في الموصل سنة 1898 إلى سنة 1903. 2 - كتاب الحرب الروحية 1900. 3 - سيرة امرأة فاضلة فرنسية وهي السيدة ايونس دكوت نشرت تباعاً في النشرة المسماة (إكليل الورود) التي كانت تطبع في الموصل سنة 1909. أسماء الكتب التي صنفها 1 - كتاب التعبد لقلب يسوع الأقدس طبع في الوصل سنة 1902 ثم أعيد طبعه مصححاً سنة 1909. 2 - اثنتان وثلاثون مقالة روحيو نشرت في النشرة المار ذكرها. 3 - كتاب المسلك الحميد، من مريم العذراء إلى يسوع المجيد، طبع في بيروت سنة 1912 في مطبعة الاتحاد. أسماء الكتب المصنفة والمعدة للطبع 1 - كتاب الإرشادات الروحية في عبادة قلب يسوع الأقدس. 2 - كتاب علم الإخلاص. 3 - تاريخ ابرشية بغداد السريانية. 7 - يوسف بن جرجي اقترن يوسف في 11 نيسان سنة 1861 بلولو (المعتمدة في 1 تشرين 1 سنة 1849) ابنة داود بن ججو فطر الكلداني الموصلي واسم أمها سارة ابنة إبراهيم الأعرج السرياني الموصلي وسارة هذه تكون عمة المرحوم الياس ججو. وتوفى يوسف في 2 تموز سنة 1884 وأولاده هم: مدولة المتوفاة قبل بضع سنين (وكانت امرأة جبوري بن فتوحي الحلو) ومريم (امرأة يوسف بن فتوحي الحلو المتوفى) ويعقوب وريجينا (امرأة بجوجو ابنة يوسف نلسن) وجورج المتوفى في البصرة سنة 1908.
الحيدرية
8 - ترجمة حضرة الخوري يوسف بن يوسف جرجي اعتمد المذكور باسم يعقوب في 4 تشرين 1 سنة 1868 وسافر إلى الموصل مع ابن عمه نعوم (الخوري عبد الأحد) للغاية عينها ورسم كاهنا معه باسم يوسف في يوم واحد وبعد رجوعه إلى بغداد سافر ثانية إلى الموصل في شهر حزيران سنة 1897 وذلك تلبية لدعوة غبطة البطريرك بهنان بني ولما عاد إلى الزوراء عينه سيادة المطران اغناطيوس نوري لخدمة جماعة البصرة السريانية فسافر إليها في شهر كانون الثاني سنة 1898 وسعى هناك بتشييد ثلاثة معابد للسريان والواحد في البصرة والثاني في العشار على نفقة الخواجا يوسف مارين والثالث في العمارة اللاحقة بالبصرة واهتم أيضاً بفتح مدرسة للطائفة السريانية وهو الآن ساعٍ وراء ترقيتها وتحسين أمور جماعته بهمة ونشاط. وكان قد رقاه في مدينة البصرة إلى رتبة الخوري الأسقفي السيد اغناطيوس نوري وذلك عند عودته من الهند في شهر أيار سنة 1900 وقد ترجم من الفرنسية إلى العربية كتاب ظهور سلطانة لورد وطبعه في الموصل وسافر إلى أوربا سنة 1913 وجلب معه من هناك جملة أشياء لزينة المعابد التي أقامها في ولاية البصرة. 9 - رزق الله جرجي تزوج هذا الفاضل في سنة 1874 بمدولة ابنة بشوري (بشارة) بن قرنسيس بطرس نيسى الكلداني واسم أمها لوسي ابنة بتراك (بطرس) بن يغيا (ايليا) الأرمني الكاثوليكي ورزق له أولاداً وهم: جميلة وهي امرأة رزق الله بن داود (المدعو بيو بن عمانوئيل بن إسحاق السرياني) وفضل الله المتزوج برزوة ابنة جاني لورنس في 26 نيسان من هذه السنة) وميري (امرأة نعوم بن موسى توما الكلداني) ويوسف ومنيرة (وهذه هي امرأة سليم بن الياس بن موسى الطويل الكلداني) وجوجو (جوزفينة المخطوبة لجرجس بن سلومي ابن الشماس جرجس الحلوة السرياني). فنعم الجد ونعم الذرية! الحيدرية 1 - لمعة عامة في أهل هذا البيت في الزوراء بيت شريف المحتد، عريق النسب، كثير العلماء، شهير بالفضلاء
والأدباء، اسمه (بيت الحيدرية) وأول من نبه منهم الجد الأعلى الشريف (أحمد الإعرابي) وكان من بادية الحجاز فتحضر في المدينة فأصبح من أكابرها المعدودين وممن يشار إليه بالبنان. ويتصل نسبه بموسى الكاظم. وقد هاجر بعض من سلالته إلى العراق، والبعض الآخر إلى بلاد ما وراء النهر فالذين احتلوا العراق جاءوه أيضاً من بلاد وراء النهر، وكان أول نزولهم في البصرة الفيحاء، فأقاموا فيها معززين، وما ابطئوا أن غدوا من ساداتها العظام، ورؤسائها الفخام، يأخذون جزية اليهود والنصارى والصابئة، الذين كانوا يومئذ في البصرة. ثم أبدلت الجزية بدراهم معينة في عهد السيد عبد الغفور الحيدري مفتي الشافعية في بغداد. وكان يتقاضاها من خزينة البصرة وكان لهؤلاء السادة عدة قرى في جوار بغداد مثل شهربان وهبهب وشروين وغيرها. ونحو ثلاثين قرية في نواحي شهرزور وذلك من عهد السلطان سليمان خان (الذي ملك من سنة 1520 - 1566م) إلى أيام السلطان عبد المجيد (1839 - 1861م) وأما اليوم فإن السادة الحيدرية وإن كانوا أغنياء ولهم أراضٍ كثيرة واسعة؛ بيد أنهم لا يضارعون أجدادهم بوفرة حطام الدنيا. وكان إفتاء الحنفية والشافعية في دار السلام منحصراً في السلالة الحيدرية قبل وقوع طاعون بغداد الجارف (الذي اجتاح المدينة سنة 1247هـ) 1831م) ثم انحصر بهم إفتاء الشافعية فقط. وجميع إجازات علماء العراق تنتهي إلى الحيدرية وتنتهي إليهم؛ بل وبعض إجازات بلاد الروم (بر الأناضول أو آسية الصغرى) تنتمي إلى أحمد بن حيدر صاحب المحاكمات الشهير. وأما الذين ظعنوا إلى ديار ما وراء النهر. فإنهم أصبحوا هناك أيضاً من أمرائها العظام. وفضلائها الكرام بل نشأت منهم الدولة الصفوية، في الديار الفارسية. واتصال هذه الدولة بالحيدرية يرتقي إلى الشيخ صدر الدين ابن القطب الشيخ صفي الدين أبي الفتح إسحاق. وكان الصفوية على مذهب أجدادهم مذهب السنة والجماعة، ثم تشيعوا، وأول من عدل منهم عن سنة آبائه وزاغ عنها إسماعيل شاه الصفوي وذلك إن واحداً من أصحاب هذا المذهب نفث في صدره أنه إذا تشيع هو وعسكره يقهر عدوه السني السلطان سليم خان ويورده حياض الخاسرين الخاسئين، ففعل، إلا أن الواقع لم يحقق ما كان في النفس من الأمنية. قال السيد إبراهيم فصيح بن صبغة الله الحيدري، وهو الذي أخذنا عنه معظم
أنبائنا وإفاداتنا: (إن الشيخ صفي الدين رأى في المنام أن قد خرج من يده اليمنى نور امتد إلى عنان السماء ومن يده اليسرى كلب. فلما أفاق قص رؤياه على أحد المعبرين فأول النور بأنه سيكون له ولد يتناسل منه العلماء إلى انقراض الدنيا وأما الكلب فإنه سيولد له ولد يتناسل منه أناس رفضة خوارج عن جادة الكتاب والسنة والجماعة وقد وقع ذلك. لأن الحيدرية من لدن صفي الدين إلى يومنا هذا، ولله الحمد، لم تنقطع العلماء منهم. بل ورثوا العلم عن أب وجد ولا فخر. وأسال الله تعالى أن يمد ذلك إلى قيام الساعة كما أول ذلك. والملوك الصفوية ارتدوا على أعقابهم وترفضوا وتركوا مذاهب آبائهم أهل السنة والجماعة. فنعم الجدود؛ ولكن بئس ما خلفوا!) (انتهى كلامه بحرفه وكنا نود أن لا يعبر المؤلف مثل هذا التعبير لخروجه عن جادة الآداب العصرية). هذا كله من جهة النسب إلى الأب الأعلى. أما من جهة الأم فإن السلطان حسن الايلخاني المعروف بسلطان حسن الطويل أو الشيخ حسن الكبير الذي ملك بغداد وأمد (ديار بكر) وخراسان ونواحيها كان فارغاً من هذه الدوحة العريقة في الشرف وقد توفى الأمير المذكور سنة 757هـ 1456م) 2 - اسعد صدر الدين إذا وعيت ما قرأت ثبت لديك أن هذا البيت بل الأولى هذه الدوحة كثيرة الفروع والأفنان وشيجة العروق منشعبة الأغصان، والإحاطة بمن نبغ من رجالها من الصعب العسر الحصول عليه. إلا إننا نذكر بعض من اشتهر ذكره في العراق وامتد صيته إلى أبعد الأفاق، فمنهم اسعد صدر الدين مفتي الحنفية ببغداد وهو ابن العلامة عبد الله الحيدري البغدادي وكان من الرجال الدهاة. وكبار الرواة. ذا هيبة ووقار، وجاه كبار، نال من القبول والكلمة النافذة بين العباد، ما جعله بين أول مستشاري ولاة بغداد. ودرس العلوم العقلية والنقلية أربعين سنة متوالية وعاش حتى ناهز عمره الثمانين من الأعوام، وأخذ عنه العلم عدة علماء أعلام. منهم: العلامة الكبير، والوزير الخطير، والي بغداد الشهير، داود باشا فإنه لازمه قبل الوزارة سبع عشرة سنة وقر عليه المعقول والمنقول حتى فاق أقرانه ومما يؤسف له أننا لم نستطع أن نتوق للعثور على تاريخ ولادته ولا على سنة وفاته. 3 - تآليفه أما تآليفه فمها: 1 - حاشية على تحفة المحتاج للشيخ العلامة ابن حجر الهيتمي
المكي. حاكم فيها بين المحشين على التحفة. جمع فيها وحقق وأوعى 2 - حاشية على المحقق عبد الحكيم الهندي على الخيالي 3 - حواشيه على حاشية العلامة اللقاني المصري على شرح الغزي للتفتازاني في علم الاشتقاق 4 - حواشيه على حاشية القرباغي في المنطق 5 - حواشيه على حاشية العلامة الطحطاوي على الدر المختار 6 - شرحه على اللغز البهائي المشتمل على علوم شتى وغيرها من التعاليق والحواشي والشروح المفيدة المختلفة. ولكن لم نقف على شعر له منظوم ولا على كتب تاريخية ولا على مصنفات رياضية، ولا على وصف بلدان أو قبائل أو نحو هذه الأبحاث الرائقة من عقلية وأدبية ولغوية. 4 - صبغة الله الحيدري وولداه ولد صبغة الله بن إبراهيم الحيدري في قرية (ماوران) ورحل إلى بغداد في صباه فاستوطنها. وهو شيخ مشايخ علماء بغداد في عصره وقد أخذ عنه العلم معاصريه في الموصل وبغداد وما بينهما. وكانت وفاته في بغداد في طاعون سنة 1187هـ (1773م). وممن نبغ من أولاده الملا عيسى، فإنه كان فاضلاً أديباً تلقى العلوم عن أبيه صبغة الله فبرع فيها ولما جاء بغداد أمين العمري قرأ عليه أيضاً واستفاد منه شيئاً كثيراً. وتوفى قبل أبيه. - ونبغ أيضاً ابنه الآخر حيدر مفتي بغداد وعالمها. أخذ العلم عن أبيه ففاق أقرانه وذويه. أقام بالإفتاء مدة طويلة في حياة والده إلى أن توفى بطاعون بغداد سنة 1187هـ (1773م). وممن أخذ عنه علمي المعقول والمنقول: أمين العمري ومن قبله شيخه السيد موسى الحدادي الموصلي، والعلامة الملا جرجس الاربلي، والملا حمد الجميلي، وخير الله العمري، وغيرهم. 5 - تأليفه له تآليف عديدة منها: 1 - حاشيته على البيضاوي 2 - حواشيه على حواشي المدقق عصام الدين على شرح الكافية للجامي 3 - حواشيه على الحاشية المسماة بالمحاكمات على العقائد الدوانية لجده العلامة أحمد بن حيدر 4 - حواشيه على الكتب الحكمية الصعبة المأخذ إلى غيرها.
وقفة تجاه السن
وقفة تجاه السن أنا أبكي إذا رأيت الرسوما ... باكياتٍ ترثى علاها القديما لهف نفسي على ربوع كرامٍ ... تنظر العين ركنها مهدوما فأنا دائماً كدجلة أجري ... دونها دمع عيني المسجوما ومن الحق أن أنوح عليها ... فرسوم الكرام تبكي الكريما أيها اللائم المعنف نوحي ... أنت أنكرت حقها المعلوما فلهذي الرسوم شأن عظيم ... وبكائي لشأنها تعظيما لا تقل أنها غدت بالياتٍ ... أن فيها للمجد ذكراً مقيما أيها (السن) إن مجدك باقٍ ... وإن العظم منك راح رميما ليس تفني الأيام رسماً لقومٍ ... لم يزل ذكر مجدهم مرسوما كنت قصراً لآل (برمك) يا س ... ن يضاهي منك العلاء النجوما كنت للبائسين مأوىً وملجأً ... كنت للمعدمين ملكاً عظيما كنت للخائفين حصناً حصيناً ... كنت للائذين ركناً قويما كنت للفضل والمكارم ربعاً ... كنت للجود كعبة وحطيما هدك الدهر لا لذنبٍ ولكن ... خلق الدهر للكرام خصيما إبراهيم منيب الباجه جي
الأسطول الطيار
الأسطول الطيار خذ أماناً من حادثات الزمان ... وتيقظ لطارق الحدثان وتأهب إلى الحوادث ما أسطع ... ت ولا تغترر بصفو الزمان وإذا ما دعاك للسلم يوماً ... لا تكن من حروبه في أمان أو ترى قد صفا به لك عيشٍ ... فاخش إن الزمان ذو ألوان ما رأينا مثل الليالي نذيراً ... غير أنا في غفلة وتوان فإذا ما أصبت منها برزء ... فاخش أن لا تصاب منها بثان سر لما شئت لا مناص من الحت ... ف ولو كنت في ذرى كيوان إن من ينظر العواقب يمسي ... في أمان من الأذى وضمان لا تظن الزمان يصفو لحر ... خلق الدهر فتنة الإنسان نحن إذ نطلب المعونة منه ... ثم يرجو منه حصول الأمان نبتغي البرء من سموم لأفاعي ... ونروم الأمان من ثعبان لم ينلنا من سلمه غير أشيا ... ء تراءت لملة الوسنان إن من حاول العلى بالأماني ... قابلته الأيام بالحرمان ورجاء الأمان من حادث الده ... ر كراجي الندى من النيران وإذا سلطت صروف الليالي ... قطعت سيف عنتر ببنان أو تنسى بجانب الغرب ملكاً ... كيف ضحى مزعزع الأركان قوضت ركنه الليالي وقد ... دارت عليه دوائر الدوران كان كهفاً عالي الذرى مشمخراً ... مطمئناً بالأمن والأيمان نسفته حوادث الدهر نسفا ... مثل نسف الرياح للكثبان شمله عاد نثرةً بعد ما قد ... كان يعنو لنظمه الفرقدان أقفرت من تلك العراص ربوع ... وتخلت مواطن ومغان حلها البوس وهي بالأمس كانت ... جنة ذوات روضة أفنان عاد فيها روض السرور هشيما ... باكرته عواصف الأشجان كان ديباجه الأقاليم يزهو ... فيه روض للحسن والإحسان أصبح اليوم معقلاً للأعادي ... ومقاماً للظلم والطغيان
فترى كل ضيغم بين أيديه ... م يقاسي طعم الردى والهوان يشتهي منهم الأمان وقد حيل ... أسى بين العير والنزوان قد أبانوا عداوة أضمروها ... من قديم الأيام والأزمان هتكوا حرمة الهدى وأضاعوا ... فيه عهد المهيمن الديار غصص تصدع الجبال خطوبا ... كاد يهوي لها ذرى ثهلان أوشكت تطبق السماء على الأر ... ض فلولا لطافة الرحمن غير أني أرى بغمد المساعي ... قد تجلى للنصر سيف يمان فببأس الأسطول لا شك أن نر ... قي ونحظى بشاردات الأماني هو حصن عالي العماد زعيم ... في أمان البلاد والأوطان لم يزل حارساً بعينيه يرعى الم ... لك طراً بطرفه اليقظان ساحباً في علوه ذيل فخر ... فوق هام الجوزاء والسرطان يخجل البرق سرعةً وسناءً ... مشرق الومض دائم الخفقان زاحم النجم رفعة وعلواً ... فاق نسر السماء بالطيران سابق الريح فهي أمست لديه ... تشتكي السبق خلفه في الرهان يصبح الشرق عند مسراة غربا ... فتساوى بسيره الخافقان وإذا الدهر قد تأبط شراً ... رده ناكساً إلى الأذقان حامل للهياج آساد غيل ... شاكيات السلاح للعدوان إن دعتها العداة للحرب يوماً ... جاوبتهم بالسن النيران إن بدا منه للمنية رعد ... يمطر الحتف من سماء دخان وغدا يمطر القنابل من سح ... ب المنايا كالعارض الهتان قام في منبر المنية يتلو ... قائلاً كل من عليها فان ويقيني أني أرى اليوم قومي ... ساوموه بالمال والأبدان إن دعاهم داع إلى الرشد لبوا ... بفؤاد المتيم الولهان يا لقومي هذا سبيل المعالي ... لاح كالشمس واضح البرهان فاطلبوه ودافعوا لضد عنكم ... قبل ما أن نحل دار الهوان وأسمعوا القول وانظروا غاية الأ ... مر فقد طال حادث الشنآن وخذوا أهبة القتال وسنوا ... صارم العزم من فرند الجنان
نبذة من تاريخ بغداد والبصرة والمنتفق
إنما المرء بالعزائم يرقى ... هل حسام يدمي بغير بنان واتقوا الله واسمعوا وأطيعوا ... ما استطعتم بالسر والإعلان وخذوا حذركم فقد بلغ السي ... ل الروابي وعم كل المغاني أولم تنظروا العدو بكم حا ... ط وأنتم برقدة الوسنان فاعدوا إليهم ما استطعتم ... من سيوف بيض وسمر لدان ضاق منا الخناق واتسع الخر ... ق ودارت دوائر الحدثان واجمعوا أمركم إليه وكونوا ... باتحاد القلوب كالبنيان لا تردوا زند العزائم صلداً ... خالياً من أشعة النيران وانبذوا الحرص والجهالة عنكم ... إنما بالجهل والعصيان كتب الله للأنام فروضاً ... ومن الفرض طاعة السلطان مثل بن ناصر الحلي نبذة من تاريخ بغداد والبصرة والمنتفق تابع لما قبله وفي هذه الأيام اهتموا الأعيان والمشايخ في صف بقج هدايا إلى أسعد باشا
ليصحبوها معهم ويواجهوه حتى أنهم اشروا مبالغ من مال صورتي وكجرتي وأكثره تمام زر ونيم زر نقج لائقه لوزير ابن وزير وكان توجههم نهار الأحد 12 صفر (1228هـ) (1813م) وكان الحاج يوسف الزهير شد هدية مفتخرة من قماش وتفاريق وتمام زر وشوش جوزه ومسابح لولو وأرسلها مع ابنه حاج عيسى قبل توجه ليتسلم والأعيان وما بقي بالبلد سوى ديوان أفنديسي سابقا وضع قايم مقام وهو حمور رستم غا وعنده كم واحد من أوادم الباب وبما أن الشيخ العكيل ناصر الشبلي ممسوك ومحبوس وفي البصرة نسيبه شيخ مبارك شيخ العكيل حالاً. شرد إلى الزبير ولبسوا عوضه مخرج بن دهام الذي أخوه عند شيخ حمود ولهذه الأسباب وفراغ البلد من الحكام لا زالت الناس يتحسبون من الشر والفساد والأسواق ليس مستأمنة وفي يوم 14 صفر سنة 1228
وصل خبر من عند حمود من الواردين بأنه يوم الخميس 10 ص مات برغش ابن حمود من عظم الصوابات التي اصابته (0) وحالاً مضى راشد أخو حمود إلى سوق الشيوخ وقتل عبد الله باشا وكهيته طاهر اغا وقيوجيلا كهيسي وفنوهم وأما ناصر الشبلي أشترى دمه بخمسين ألف غرش عين وجابوه من السوق إلى عند حمود وبقي مقيد وحين وصل الخبر إلى أسعد باشا طلب روس المقتولين فقيل إنه نبشوهم من قبورهم وقطعوا روسهم وأتو بهم لكي يرسلهم إلى بغداد لأنه حين وصل خبر انكسار الأوضي صار ببغداد فترا واغات الينيجرية حاصر بالقلعة وأختبطت البلد وأما عرب المنتفق لازالوا يتجاسروا على اختلاس خيل وحوايج العسكر الضعيف لأن. . . . لباس القاووق حصل في بهدله واحتقار لا يوصف من العرب إلى أن ضاقت بهم واشتكوا إلى اسعد باشا وحالاً رحل من قرب حمود وبعد عنه كنحو ثلاثة ساعات وتنبه بالأوضى أن ينطروا دوابهم بالليل من الحرامية ومضى الشيخ حمود لمواجهة سعادته وسؤال خاطره فأمر له أن يعطي من البصرة 30 ألف عين نقدي ودفتر تفاصيل وشال وشكر وقهوة يبلغ مقدار 20 ألف وأتى بها بير ولدى إلى المتسلم في أعطاها وكان وصول ذلك يوم الثلاثاء 15 ص وكان المتسلم (قد) توجه (و) وصل الأمر بيد القايم مقام وجمع التجار وأعطوه جواب عن النقدي
ما يخصنا بل يبقى إلى وقت حضور المتسلم وأما التفاصيل والشال وغيره نتوازعه وكل يقدم من عنده ما يحصل إلى ن يصير حاضر إلى وقت مجيء المتسلم على أن يسلموه إلى السيد على ابن سيد حسين وكيل حمود. وفي 16 ص نهار الأربعاء ويوم الخميس دخل إلى البصرة جملة عربان من المنتفق وغيرهم واختلت البلد لأن البعض منهم مضوا إلى السوق وبلصوا لدكنجيه بشيء يساوي 5 رومي أعطوا 3 رومي ولذلك خافوا الناس وسكرت الأسواق ويوم الجمعة ما عاد يوجد أحد بالدروب وانتصبت القلقات في القهاوي والأسواق ففي يوم السبت 19 ص وصل جوقدار راجعاً من عند المتسلم قبل وصوله إلى الأرضي ذو وصل له كرك ثاني للمتسلميه من قبل أسعد باشا وحيث هو متوجه لمواجهته سار بطريقه وأرسل أحد جوقداريته بالمجدة للبصرة وصار شنك بالصراي واستقرت البلد نوعا بوصول المجدة (0) ويوم 24 ص وصل الحاج
عيسى زهير إلى البصرة راجعاً من مواجهة اسعد باشا وقد قبل الهدية منه وانعم عليه وأمر بفرس جيدة مرختة أن تعطى له لأجل والده الحاج يوسف مع بير ولدي بخصوص الكمرك أن يعطي 3 في ال 100 حسبما كان يعطى في أيام عبد الله باشا ومعه تواردت الأخبار عن عزل المتسلم وقبطان باشا وغالب الدائرة وفي يوم الأحد 27 ص وصلوا الأعيان والمشايخ ويوم الاثنين 28 ص دخل المتسلم سليمان بك فخري زاده الذي هو موصلي الأصل وكان دخوله بالالاى وقرأ فرمان متسلميته من اسعد باشا وجخل معه رستم اغا متسلم البصرة سابقا لكي يحاسبه وحضر معه كمركجي نعمان اغا وقبطان باشا عمر اغا سهر إبراهيم اغا واستقرت البلد وامنت الناس وحال المتسلم طالع دلال على الحنطة لا أحد يأخذها إلى برات البلد ولمن أهل البحر تنبيه صارم لأنها كانت المن في 7 والرز الجات في 8 والبصري في 5 وإذا ما خرج من ذلك شيء إلى خارج البصرة يتناسب أثمانه من غير تنبيه. ثم في أوايل شهر ربيع الأول رحل اسعد باشا وسار معه شيخ المنتفك حمود ومعه مقدار ألفين خيال برفق الباشا يوصل معه إلى بغداد ويمروا على العربان والعشاير الذين على طريقهم (وأما ما كان من الأمر الوارد من اسعد باشا بثلاثين ألف غرش كما تقدم القول وكان رستم غا توجه من البصرة فقد ترك وما سلموه إلى وكيل حمود ولكن لزم للوزير خاير واشتراها من آل سوق الشيوش بمبلغ 30. 000 رومي
ثلاثين ألف عين وكان هناك بالودي حاج عيسى الزهير فأمر الوزير في بيورلدى إلى الحاج يوسف بمبلغ 20 ألف وإلى ابن رزق بألف 6 وشيخ سالم ألف 4 بأنهم يدفعوا ذلك وبعده يحولهم على الكمرك في البصرة والحاج عيسى تكفل إلى أصحاب الطلب بالمبلغ وفي أوائل شهر ربيع الأول أنطلب ذلك المبلغ وأما هم أي التجار المذكورين فرضوا منه على التجار الباقين من الإسلام وخصصوا إلى اليهود مبلغ ألف 5 وللخواجة جبرا 700 رومي وقبضوها إلى أهل سوق الشيوخ قيمة الذخائر وبعده أيضاً انطلب من الباب دراهم واخذوا من التجار) وسار الوزير في طريقه ومعه الشيخ حمود ووصل إلى بغداد وكان دخوله إلى بغداد نهار الربعه 15 (ربيع الأول) سنة 1228هـ (1813م) بالفرح والسرور من آل البلد جميعاً وقبل دخوله طلع لملاقاته السيد عليوي ينيجر اغاسي ولبسه وأمنه وبعد دخوله أيضاً لبسه ولبس درويش اغا القائمقام على وظيفته لأن داود أفندي ما قبل أن يلبس كهيه وابن الشاوي جاسم بك لبس باب عرب وتمكن بالشغل وأما من جهة حمود فأقام برات البلد بعد دخول الوزير بأيام 5 ودخل بإكرام من قبل الوزير ونزل في حوش سليمان باشا وصار له تعيين من الباب ومعه أولاده عدد 2 فيصل وطلال وإخوانه منصور وعبد الله وبراك ابن أخيه وبعض
الاتباع من أوادمه وبقية عسكره وزعوه على بيوت الاغاوات وأقام في وهو بالصداقة والمودة مع اسعد باشا وقيل إن الباشا يروح يزوره في بعض الأيام وما يخرج من البيت بما إنه كفيف واستقرت البلد ولكن صار بها غلا الحنطه صارت الوزنة في 14 والرز في. . . وهلم جرا بقية وفي أواخر شهر ربيع الثاني سنة 1228 (1813م) حضر إلى البصرة عليوي مقيداً مساق بأمر الباشا وضعوه بالسراي محبوساً وقيل أنه عليه بقتلة ولكنهم مهلوه بالبصرة إذ أن مستر ريج باليوز الإنكليز صد وبينهم صداقة كلية ويوملوا بخلاصه وإذ قد حضر أمر بالعفو عنه ولكنه محبوس وفي 11 جا (أي جمادي الأولى) سنة 1228 (1813م) حضر عبد الرزاق اغا باشا جاوش الإنكليز من بغداد ومعه بيورلدى من الباشا في إطلاق سيد عليوي من الحبس وإنه يجلس في بيت الإنكليز ويتعين له في الشهر ماية عين لمصروفه وحالاً مضى عبد الرزاق اغا وأخرجه من السراي وأتى به إلى الفكترى واعطوه أوضتين وقد قبله مستر كوهين بكل كرامة لائقة وبعده في 18 جا توجه مركب مناريس وأرسلوه صحبته إلى بوشهر وأما ما كان من طرف سليمان بك متسلم البصرة فإنه كما تقدم القول يوم وصوله نبه على الحنطة لا تخرج من البلد وقد استقام التنبيه كم يوم قليلة وراحت إليه الناس وتكلموا معه وقبل الرشوة وصاروا يشحنوا بتاتيل إلى البحر وصارت الحنطة قليلة وثمنها من 7 إلى 8 والتمن كذلك غلا
ما تسنهاب المتسلم لأنه افيونجي وكل ساعة عقله في رأي نظير الجهال العديمين المعرفة وعدا ذلك صدر منه شفاعات كلية والدائرة غالبهم صاروا يشربوا عرق وشراب وسكر وهو دائماً مكيف من الأفيون ويحكم حكومات بغير استقامة وصارت الناس تنفر منه والتجار كذلك غالبهم تخاربوا معه ومنهم الحاج يوسف الزهير وطلع للزبير وبقي هناك ومستر كوهين باليوز الإنكليز كذلك احتصر منه وقيل إنه كتب في حقه وقبله موسيو رايمند باليوز فرنسا كان متزاعل معه واقتضى له التوجه لبغداد لسبب وفاة موسيو اندريا كورنسه وتوجه من البصرة وهو زعلان من المتسلم ولا عاد بوجد في البصرة أحد راضي منه وفي غرة جا وصل لبغداد ناتارية بمجدة الطواخ إلى اسعد باشا وصار شنك وفرح وافي الخبر إلى البصرة في 11 ج (جمادي الأولى) وصار شنك وبعد ذلك في نصف جا نهار السبت طلع الشيخ حمود من بغداد بعز وإكرام
جزيل من الباشا وقد نال من الباشا والدائرة أموال غزيرة لا تحصى ولا تعد عدا حوايل التي صارت له على البصرة من إيرادها المراد أن حمود بهذه المادة حصل على لكوك (ليس آلاف) لا يتصدق بها. ولما كان الباشا في السوق عندهم أوهب إلى أخوة حمود غالب كويات البصرة مثل حمدان ومهيكران والسراجه وغيرهم بأن يكون إيرادهم لهم وأما حمود حين راي كل ذاك الإكرام والإيراد عدا خزنه عبد الله باشا بما أنه عاقل مدبر راي أن ما وهب إلى أخوته أولد له اسم كبير وثنياً ليس له بل لأخوته الذي يرغب أن لا يتقووا ويصير لهم إيراد وافر فأخذ من أخوته الأوامر وردها على اسعد باشا بقوله أنا لا أرغب يصير لك خصاره أنت عليك مصاريف وعساكر وهذا شيء لا يناسب أخذه منك وثانيا حين وهبته ما كنت ولي الأمر والآن أنا أرجعه عليك فقبل كلامه واخذ أوامره التي كان أعطاها ويعلم الله كم من العطايا نال عوضها وأدخلها لخزنته وحرم أخوته منها. وفي 20 جا وصل إلى سوق الشيوخ وهو بنفس وزير وصاحب الأمر والتدبير وثبل طلوعه عزل لمن أراد ونصب لمن أراد وبما أن سليمان بك متسلم البصرة من صدقانه ما أراد عزله وبقي في البصرة إلى أن في تاريخ غرة ج (جمادي الثانية) سنة 1228هـ (1813م) من زيادة ظلمه صار من الحنطة في 9 عين مع أنه وقت موسمها والرز الجات في 10 والبصري في 7 وهلم جراً بقية الأشياء وأما من جهة حمود فإنه من جملة الإكرام الذي حازه من الوزير حصل على بلد حمدان التي هي ما لكانه إلى اسعد بيك من أيام أبيه ولها إيراد بالسنه 20 ألف عين فهذهقدمها إلى حمود صباحية دخوله على بنت
آل جشعم التي تزوجها في بغداد وبقية البلاد التي على شط العرب منها كان ضابطها هو وإخوانه من سابق والباقي منها حصلت بيده المراد جميع النخيل الذي على شط العرب ويصير منه إيراد للباشا حصل بيد حمود وبيد أخوته وإن شآؤا يسلموا ميريه لأنهم مصرفين بالأمر ويحكموا ولا يحكم عليهم والصغير من عرب المنتفك بالبصرة يتكلم بنفس عالي لا يرد ولا أحد يقدر يجاوبه والمتسلم سليمان بك مقيماً بالبصرة بقوة حمود والبلد آلت للخراب من كثرة الظلم وعدم الإلتفاتة إلى معاش الفقرا والجور من طرفه ومن طرف الدائرة على كافة أرباب البضائع لأن كافة لوازمهم بلا قيمة ويلتزم كل منهم أن يبيع بزايد حتى يطالع الفرق وحيث لا يوجد من يمانعه اتصلوا على بيع وقية الباذنجان والقرع والبامية المايه التفاح وهلم جرا بقية الأشياء كافة شي لا يوصف ولا يتصدق حصوله بالبصرة والجور على التجار في طلب القرض لأن المبالغ الذي كانوا يطلبوها قطعوا منها جانب وافر من كمرك اموال بنكاله والمتسلم مديون مسبوق والهدايا منه متصله للباب وإلى حمود ويكلف التجار إلى قرض والحاج يوسف طلع للزبير من شهر ربيع الثاني وبقي في الزبير والشيخ سالم توجه للكويت وبقية التجار تعادين أيضاً معه وبقي في الميدان الخواجا جبرا أصفر كل كم يوم يطلبوا منه قرضه وبالجهد حتى يخلص منهم مع أن له عندهم قلم دراهم ولولا نظر مستر كوهين باليوز الإنكليز عليه كانوا أخذوا منه كثير. ومن بعد وصول الشيخ حمود لمكانه توجهت له الهدية من سليمان بك المتسلم
وتوجهوا الأعيان جميعاً لمواجهته حتى بيبي خدوج بنت شيخ قاسم بنفسها ورجلها شيخ قاسم ومن بعد توجههم بكم يوم جاء للبصرة عثمان البريريسي (كذا) الذي كان قبطان ماجوة لا بس شيخ على العكيل وقد انعزل ابن دهام ووقف عثمان عوضه فكان إلى العرب علوفة 7 أشهر بيرق عدد 25 في 25 زلمة تبلغ علوفة 7 أشهر 21 ألف عين والسبب ضيقة الحاصلة عند الباب كانوا يوعدوهم من جمعة إلى جمعة فقاموا بيوم 20 ج (جمادي الأخرى) وطلبوا حقهم وأرادوا يعلموا فرد فذلكة وكان يومئذ الشيخ عبد المحسن ابن رزق مجاورهم تكلم مع كبراءهم وراح للمتسلم توسطه بينهم على أنه بعد 3 أيام يسلمهم فمضى خمسة ولم يكن منه شي فتجمعوا بأسلحتهم نهار الخميس 25 ج وتوجهوا إلى السراي مانعوهم وتوجه شيخهم لعند المتسلم أوعده فأتى ليقنعهم ما أمكن هجموا على السراي وضربوا المتسلم أول بالصخر وبعضهم هجم عليه ليقتله فتحاوطوه الحاضرين وفر بنفسه إلى الحرم فضربوا بعض الاتباع واخذوا من اوضهم بعض الشي وضربوا كم تفك بالسراي وفتحوا الحبس اطلعوا من فيه من ربعهم الحرامية فحالاً لحق إلى السراي الشيخ عبد المحسن رزق ورجعهم واخذ كلام من المتسلم أن يتدارك لهم بعلا يفهم وحالاً المتسلم كتب إلى الشيخ حمود وقوع الأمر وتجاسر العسكر عليه فأرسل له أحد أولاده يقيم في البصرة حتى لا يصير خلاف من أحد لأن الهيبة والخوف صار إلى حكام العرب وأما. . . ما عاد أحد يخاف منه وبهذه الأيام توجهت عربان من المنتفق على قبيلة بني كعب أي بني عامر وداسوا أراضيهم ونهبوا قيعانهم وحرقوا بيوتهم قصدهم ضبط القيعان وحصل تعدي زائد على بني كعب وراحت الشكوجية إلى حمود وبعض من المشايخ حتى إنهم ارتدوا عنهم
بنوعٍ ما ولهذه الخربطات انربط درب الحويزة ودسبول وششتر وبهبهان وما عاد طريق للقواغل التي دائماً يأتي وتجيب أرزاق ومغل إلى البصرة ونأخذ عوض ذلك مال وسقوطات حتى أن الذهب المسمى (اليلديز) كان 5 ل 6 عين نزل إلى سعر 6 من سبب ارتباط الطريق لأن بهذه الأيام يأتي من حويزة مغل من حنطة وشلب بمبالغ وافرة وجميع قيمة ذلك يأخذوه ذهب يلدز إلى الشاه زاده الذي بالحويزة والحنطة من قلتها تساوي رومي 7 إلى 7. فنرجع إلى ما تقدم من توجه الأعيان فإنهم قاموا مدةً إلى أن صار لهم رخصة من حمود بالمواجهة ومنهم البيبي بنت الشيخ درويش صار بينها وبينه كلام وقامت من عنده مغبرة الخاطر وحضرت للبصرة مع زوجها في 12 رجب سنة 1228 (1813) وبقية الأعيان بقيوا هناك إلى بعد كم يوم حضروا للبصرة وقيل إن حمود مراده يأتي إلى نهر عمر. وأما ما كان في بغداد يوم الاثنين في 29 ج سنة 1228 (1813م) دخل القابجي من المحروسة ومعه الطواخ إلى سعادة أفندينا ولي النعم اسعد باشا وصار بدخوله الأي محتفل وحصل الفرح والسرور والقايم بمقام الكهية أرسل مكتوب للمتسلم مع ساعي بالبشارة في وصول الطواخ لأن سعادته معتمد على عزل سليمان بك وكانوا المتقدمين إلى طلب المتسلمية أربعة أولهم إبراهيم اغا الذي كان حكم مرتين بالبصرة وجار على الناس وثانيهم رستم غا الذي كان قبل سليمان بك وثالثهم بكر آغا ورابعهم مصطفى آغا ابن صاري محمد آغا وسبب عاقة إعطاء المتسلمية لأحدهم حتى تصل الهدية التي موعد بها سليمان بك وأما هو كان مؤخرها لنه محتسب إلى العزل وفي 25 ب (رجب)
نهار الجمعة وصل للبصرة بيرقدار اسعد باشا ومعه صورة فرمان الدولة العلية وجخل في هلاي وتلي الفرمان باسم محمد سعيد باشا والي بغداد وبصرة وشهر زور وبعده بيورلدى من سعادته بتقرير المتسلمية لسليمان بك وبعده قروا فرمان من الدولة بخصوص انتصار محمد علي باشا والي مصر على الوهابي وبعده بيورلدى بهذا الخصوص وإنه يصير دعا للسلطان محمود خان وصار شنك في الصراي. ومن البلدة والمراكب رموا أطواب وسليمان (بك) أمر على الشنك سبعة أيام الصبح والعصر فيوم الخامس من الشنك نهار الثلثا ضج الخبر في البلد بأن سليمان بك معزول ونصب غيره متسلم ومقبل للبصرة وحالما بلغ إليه الخبر أرسل أخرج الهدية من الماجوة (لأن كان حملها ليرسلها مع الخزندار وخفاها ووزع غير أشياء من عنده. وثاني يوم نهار الأربعاء في غرة شعبان توجه كعادته إلى الكمرك وفيما هو جالس وصل باش جوقدار متسلم الجديد الذي هو مصطفى اغا ابن صاري محمد اغا ودخل عليه للكمرك ورفعه إلى الصراي وقيل إنه صاح فيه وأقامه بنفس عالي ووضعه في الخزنة وعليه بيرقين براطلية ينطروه وحبس الخزندار ومحرم بك والجبه خانجي في قناق التفنكجي باشي بالحديد وأظهر بيورلدى إلى سليمان أفندي الدفتر دار بأن يكون قايم مقام إلى حضور مصطفى آغا وفرحت الناس في ارتفاع سليمان بك الذي حرق قلوب الفقراء وحالاً ثاني يوم الحنطة أنوجدت بالسيف (وتهاود) ثمنها إلى حد رومي 5 وبعد كم يوم صار الأخبار تتوارد من الناس بأن مصطفى اغا ظالم وجرى. وحاله ابلغ من سليمان بك وأزداد التواتر عنه ثم ظهر خبر بأنه عزل وأعطوا المتسلمية
إلى رستم اغا وانقطعت الأخبار عن بغداد مدة إلى يوم 18 شعبان وصل ماجوة من بغداد وأخبرت بهمة حضور مصطفى اغا ويوم 21 شعبان نهار الثلاثاء وصل إلى المناوي وثاني يوم الأربعاء صباحاً 22 شعبان دخل للبلد والأعيان والالاي ما لحق عليه لأنه أسرع بالركوب وجاء ودخل الصراي من باب الشرقي الذي عند باب المطبخ على العشار ليس من باب الكبير حسب العادة وطلع للديوان واجتمعت الأعيان وقرى البيورلدى وصار الشنك وثاني يوم حالاً ابتدأ في تحصيل الطلب الذي عند سليمان بك لأن باقي عليه قلم وافر للباب عدا دين التجار على الكمرك ومنهم (لهم) عليه خاصةً وجميع الوهم الذي كان ملتحق بالناس من جهته ما ظهر له أثر ولا تفاضل في شيء يضر البلد كلياً. وأما ما حدث بهذه اليام على أهل البلد عموماً أن العادة بالبصرة في أيام قص العتق (العذق) الذي هو في شهر أيلول وتشرين يصير أمراض حميات وأما بهذه السنة أبتدت الحميات من شهر تموز وتزايدت في شهر آب ومع الحميات حدث نزول نقطة الذي يسموه ضمله كثيرين أنام في حال الحمى ينزل عليهم النزول وسريعاً يموتون حتى أن أناس من المسلمين ومن جملتهم السيد شعبان أحد أعيان البلد مساء كان طيب ما فيه مرض وفي الليل نزل عليه النزول وحالاً مات ومن المسيحيين توفى الخواجه يوسف أصفر وكان مبدأ مرضه في 24 تموز شرقي (1813م) حمى وكان قبلاً بكم يوم يخرج دم. فمن عظم الحمى انقطع عنه الدم يوم الخميس في 31 تموز (1813م) كنا عنده ونتكلم معه رأينا تغيرت أحواله وصار جسمه ملطع مثل لون المعلاق وتشخصت عيونه ولا عاد ينظر ولا يسمع حالاً احضروا الحكيم أعطاه روح يشمه فما كان منه فائدة واستكت سنونه وسلم الروح وكان وقت
العصر تغمده الله برحمته وعندنا بالكنيسة كان واحد ورتبيت اسمه بدروس ورتبيت كاتسياني (كذا) من بلد اقسقه كان مرسل من قبل المجمع المقدس إلى كابول وكابول في قرب كشمير لأن بها جملة مسيحيين بغير راعٍ فأرسل هذا الأب الذي هو من أبناء المدرسة بوظيفة قاصد رسولي لتلك الأقطار وأقام هناك نحو ثمانية سنين من حين طلوعه من البصرة إلى حين رجوعه وعمد بتلك الأطراف من كبار وصغار ونساء ورجال. . . عدد 1800 وينيف ودخل للبصرة متوخم من البحر لأنه استقام ستة أشهر من بنكالة للبصرة بمركب عرب وزاد فيه المرض وهو نزيل عند البادرية وتوفى في يوم 20 تموز غربي (183م) (أي في) 8 تموز شرقي بوفاة صالحة وكان معه ولد نجيب فريد في كل معنى أصحبه معه كل ذلك المدة ومرض في المركب ودفنه عل حافة الشط قبل وصوله للبصرة وهذا الذي زاد مرضه وأحزن قلبه لأنه ابن شقيقته. وكان عندنا خادم اسمه كيورك أرمني من اسبهان وكثير ولد خدوم عاقل فقد توخم من رائحة المرحوم الورتبيت ومرض ثمانية أيام ويوم الثامن نهار السبت في 26 تموز شرقي أصبح بنشاط وفيما هو كذلك نزل عليه نقطة وغاب عن الوعي وحيث لا يوجد حكيم يفتهم ولا هذا شيء يعرفوه أن يلزم في ذلك الوقت فصادة فما التحق بشيء وفي ظرف ساعة خرج الدم من خشمه وخرجت روحه من جسمه وبقي دمه يجري إلى ثاني يوم لوقت دفنه لأنه ولد دموي وذو قوة ونشاط وفي شهر آب ازدادت الحميات حتى ما بقي بيت خالٍ من مريض أو اثنين ومات من الإسلام كثيرين من جرى النزول وكثيرين من جرى قلة الحكماء أو حكمة الحكيم العجمي الذي يداوي بالبرودات وهذا شيء ضد هواء البصرة الذي يوافق
فيه الحرورات لأن هواها رطب واتصل ذلك إلى شهر أيلول. وفي 15 منه حساب شرقي انتقلت إلى سعادة الأبدية ابنة الخواجا جبرايل أصفر اسمها تروز وكان لها من العمر أربعة سنين بمرض حمى متصلة من غير انقطاع. وكان حضر للبصرة بيت من بغداد. الرجل اسمه بطرس خنبش خياط وعنده امرأته وثلاث بنات وابنين صغار وله ابن مستسلم حضر معهم فاولاً مرض الرجل خنبش المذكور ومات ولده الصغير الذي يرضع ومات ولد لأبنته كان يرضع وبعده في 19 أيلول شرقي توفت الإمرأة بقي منهم ابنته الكبيرة وابنة صغيرة وابن صغير بسن سبعة سنين فالتزم البادري أن يفرقهم على الجماعة كل واحدة في بيت لأنهم حاصلين في حال الفقر الكلي واغلق البيت. فالذي رأيناه من الغم والحصر وحالة الناس وخاصة المسيحيين الذين هم قليلين جداً شيء يوعب القلب غماً وحزناً ولا عاد حكاية ولا خبرية مفرحة بل مكدرة ومع هذه الأحوال كساد لا يوصف على كافة السلع والقرش قليل والأموال كثيرة وكل شيء يؤخذ (كذا) من البصرة بعدكم يوم ينزل ثمنه). ونرجع لما كنا بصدده من طرف الحكم فقد حكم مصطفى اغا في البصرة بغير أن يتعدى على أحد ولا قيل عنه ظلم أحداً وفي بغداد الحكم مختل بسبب عدم وجود راس لأن الوزير اسعد باشا حدث السن وأخوته لهم كلام وقاسم بيك أخذ ميدان (0) كبير وداود أفندي الذي هو مدبر وصاحب رأى سديد ما قبل أن يصير كهية بسبب كثرة الروس ووجود قاسم بيك وتخربط الطرقات بسببه لأن له عداوة عظيمة من عرب آل جربة وشيخهم فارس ولسبب عداوتهم قطعوا طرقات الجزيرة واتصلوا إلى طريق الموصل وسلبوا كراوين وناتارية وحصل ضرر عظيم للتجار ثم منهم في الشامية وقطعوا الدرب وكروان حلب التزم أن يجي على الخابور بسببهم فبهذه الأيام الوزير أرسل إلى عبد الله اغا الذي كان سابقاً حكم في البصرة جملة سنين بأيام حكم سليمان باشا وهو الشهير فالرأي السديد والتدبير الرشيد ذو العقل الفريد ودعاه لكي يحضر لبغداد لأنه مقيماً في بندر بوشهر من مدة ثمانية سنين ومتجنب حكومة العثماني على ما جرى به بأيام علي باشا (وسابقاً سليمان باشا الصغير وبعده
عبد الله باشا دعوه للإمارة وما رضي يجي) فأولاً إكراماً إلى اسعد باشا الذي هو ابن أبوه الشهير سليمان باشا وثانياً صداقته مع حكام العجم والشاه تغيرت نوعاً فعزم على الخروج من بوشهر وحضر غفلةً يوم الخميس في 17 ذي الحجة وبات في المناوي عند قبطان باشا وثاني يوم صباحاً قبل الشمس جاء للبصرة ودخل السراي وبقي إلى قبل صلوة الظهر وكانت الماجورة حاضرة حالاً ركب وتوجه إلى سوق الشيوخ (حيث إن أفندينا ولي النعم اسعد باشا خرج في أوايل شهر ذي الحجة من بغداد وتوجه على الخزاعل لأنهم كانوا عاصيبن وغير قابلين الشيخ الذي لبسه عليهم وكتب إلى الشيخ حمود أن يركب من مكانه مع عساكره ويتقدم على الخزاعل والمذكور حسب طباعه وعوايده إذا قال باكر يركب انجق بعد شهر يتحرك فاستقام الوزير قريب الحلة مدة شهرين يقطع مراحل وحمود رحل مرحلتين ووافى الخبر للوزير بأن عبد الله حضر وحصل (كذا) عند حمود وإن حمود استقبل عبد الله اغا بالإكرام وريضه حتى يسافروا إلى مواجهة الوزير جملة على أنه باكر وبعد باكر يرحل مضت مدة مع أوايل شهر صفر الوزير لحظ بأن حمود ما هو راغب المواجهة وفي مدة قريب ثلاثة أشهر رحل مرحلتين أردف إليه التحارير بأنه ما عاد يلزم حضورك ارجع إلى مكانك وأرسل عبد الله اغا يحضر إلينا وحالاً احضر شيوخ الخزاعل ولبس لهم شيخ من أرادوه وعاد راجعاً إلى بغداد فهذا ما كان من الوزير. وأما ما كان من عبد الله اغا فإنه فارق الشيخ وجاء راجعاً إلى سوق الشيوخ أقام كم يوم يستنظر حرمه المقبل من بندر بوشهر وكان الحرم متعوق في الحضور للبصرة وكان توجه الحرم من البصرة في 26 صفر والمشار إليه بهذا التاريخ ركب من سوق الشيوخ وتوجه إلى بغداد لمواجهة الوزير الذي كان قريباً سيدخل إلى بغداد. وترجع إلى ما يخص مصطفى أغا متسلم البصرة فقد أقام بالحكومة من غير ظلم ولا تعدي على أحد وجميع الكلام الذي قيل عنه ما ظهر منه شيء.
وكان عند بيت الشيخ درويش باش أعيان البصرة والموجود الآن الشيخ قاسم (زوج بيبي خدوج بنت شيخ درويش وهي صاحبة الأمر والنهي) وأحد نزيل عندهم اسمه ملا أحمد بن ملا عبود بغدادي محسوب عليهم من أيام أباه فقد حصل منه تعدي على واحد وذاك الإنسان محسوب على التفنكجي باشي واتصلت الحكاية للمتسلم فأرسل في طلبه من بيت الشيخ ما سلموه ارسل ثاني مرة كذلك ما سلموه فقام بنفسه تبديل ومعه التفنكجي باشي وكافة اوادمه وراح إلى بيت الشيخ هاجماً ليأخذ الولد وذاك لما شاف الأمر دخل للحرم. وأوادم بيت الشيخ وقفوا لمقاومة المتسلم وصارت ملاطشة بينهم وطلع الشيخ قاسم وتقاول مع المتسلم وتشاتموا والمتسلم هجم على شيخ قاسم وقامت أهل المشراق جميعهم فالشيخ أمر على المتسلم ورفعه في مكان بالديوانية واشتغلت الفتنة وتكاثرت الناس على أوادم المتسلم وصار الضرب بينهم وانجرح جملة من الناس من الطرفين وواحد كردي كان جاي قريباً من بغداد قد كان تفنكجي باشي عند باشة الكرد تصوب برصاص وبعده مات ومحمد اغا بن كنعان تفنكجي باشي البصرة طرمخوه من الضرب بالعصى وبعض من الجوقدارية تجرحوا. وكان إلى مصطفى اغا أخوين لواحد حسين اغا وهو خزينه داره أمر بسحب أطواب ومضى بهم على بيت الشيخ وأخيراً لحقوا الأعيان وتواسطوا المادة وكفوا الناس وسهلوا الطريق للمتسلم حتى جاء للسراي وكان ذلك يوم الأربعاء في 26 كانون الثاني غربي (1814م) في 4 صفر (1229هـ) وحالاً ركب ساعي من طرف بيت الشيخ وأرسلوه للوزير والمتسلم عمل عرض وختم فيه الأعيان وغيرهم وقصد تبرير نفسه وكان لما وصل للوزير من الطرفين وهو قرب الحلة قبل أن يدخل إلى بغداد تخلق على المتسلم
ولا رضي بما فعل لأن بنت الشيخ مقامها كبير وخاطرها عزيز عنده أولاً لأسمها الشهير بالشيخ درويش والدولة الواسعة والأملاك المتسعة في البصرة ولكونها تصير بنت عمته لأن سليمان باشا كان خالها فإكراما لخاطرها حالاُ أمر بعزل مصطفى اغا وركب جوقدار من طرفه اسمه عبد الله اغا حضر للبصرة يوم الجمعة في 6 ربيع الأول سنة 1229 (1814م) ومعه مكاتيب إلى صالح أفندي خزنة كاتبي الذي هو الناظر على الكمرك في البصرة حالاً وأخبره سرا وسلمه الموامر ومعه مكتوب للمتسلم ما فيه شيء من هذا الخصوص ليطمئن ومضى من هناك إلى عند بنت الشيخ دخل عندها وسلمها مكتوب من الوزير وبشرها بأن الأمر طبق مرامها وحالاً أمرت له بثلاثة جوار بخشيش. وأما ما كان من المتسلم فإنه تخوس من مجي الجوقدار ولا عنده أثر خبر فدعا صالح أفندي مستخبراً عن مكاتيب التي أتت إليه فطيب خاطره وأمنه وأنكر عليه المر وقال له نروح إلى المناوي لنعد قبطان باشا ونشوف غيش عنده (لأنه يخاف أن يخبره فيعصي أو يشرد وتصير فتنة) فمضوا إلى المناوي وكان قبطان باشا اسمه عبدي اغا الذي كان اغات الاحتساب سابقاً وصالح أفندي أغتنم فرصة وأخبر قبطان باشا ودبروا الأمر بأن يرجعوا جملة بالماجوة وإن الباشا معزوم عند صالح أفندي. فلما وصلوا إلى عند السراي طلعوا كالعادة من قناق التفنكجي باشي وعند الباب قالوا للمتسلم عليك أمر من أفندينا أنت مرفوع وأمروا بمسكه فمسكهوه اوادم الباشا وأما هو أجاب فرمان افندمزندر وما خالف أبدا حالاً أدخلوه في اوضة في قناق التفنكجي باشي ووضعوا في رجليه الحديد وصبوا فيه الرصاص وعلى الباب عشرين تفنكجي ينطروا وطلع صالح أفندي جلس بالديوان وأحضر جميع الأعيان وقرا عليهم بيورلدى ولي النعم في عزل مصطفى اغا ووكالة صالح أفندي وجملة أناس بل أقول اغلب التاي تأسفوا على رفع مصطفى اغا لأنه كما تقدم القول ما صار منه أذية إلى أحد ويخافوا لئلا يتعوضوا بواحد ردي ظالم. وأما ما كان من طرف الوزير فإنه دخل إلى بغداد يوم الأحد 23 من شهر صفر
(1229هـ) (1814م) وذاك اليوم ما لبس إبراهيم اغا متسلم على البصرة (وهذا إبراهيم اغا كان حكم في البصرة على فرمان سليمان باشا الصغير وظلم وأبدع مظالم أخيراً عزلوه وحكم ثاني مرة في البصرة في أيام عبد الله باشا وجار على الناس وأخيراً الفقير والتاجر ما عاد فيه احتمال وتقدمت عروضات بحقه ثم تعادى مع بنت الشيخ وتوجهت إلى بغداد في سنة 1227 (1812م) وطلبت عزله والباشا عزله ونصب مكانه رستم اغا وكما تقدم في هذا التاريخ وقت الذي انتصر اسعد باشا وكان عند المنتفك لبس سليمان بك المقدم ذكره وبعده صار مصطفى اغا فيكون في مضية ثلاثة سنين خمسة متسلمين حكموا بالبصرة) والمذكور حالا لبس الكرك أرسل باش جوقداره إلى البصرة يخبر بحكومته وحرر إلى صالح أفندي أن يكون نائبا عنه إلى حين مجيئه فوقع الغم على الفقراء بالبصرة حيث أن في أيام مصطفى اغا صار بنوع ما رخص فالحنطة البحرية الطبية نزلت إلى سعر 4 وغيرها وقس على ذلك سائر الأشياء تهاودت عن أيام سليمان بك. وأما ما كان من طرف عبد الله اغا فإنه وصل إلى بغداد يوم الأربعاء 3 ربيع الأول 1229هـ و 1814م) ونزل في قناقه والناس إلا اقلهم فرحوا بقدومه وحصل عندهم السرور على أنه حالا يلبس كهية ويعطي نظام البلد ويدبر الأمور ورابع يوم نهار السبت مضى لمواجهة الوزير وما لبس وما أحد عرف السبب وبعد كم يوم أواسط شهر ربيع الأول الوزير اسعد باشا رسم على داود أفندي الذي هو سهره زوج أخته بنت سليمان باشا بأن ما يخرج من بيته مع أن هذا الرجل احسن ما يوجد بدائرته من الكاركلية وكان بوظيفة دفتر دار أفندي ومحبوب منه. وكان بهذه الأيام صار طلب من الوزير إلى الشيخ حمود شيخ المنتفق وحرك الركاب من شهر ربيع الأول وفي شهر جمادي الأول حتى وصل بغداد وواجه الوزير بكل كرامة والقول إنه أعطاه المقاطعات عن هذه السنة أيضاً أي عن سنة 1229 (هـ) وبهذه السنة توجه من قبل الدولة العثمانية وزير يسمى بابا باشا رجل مدبر عاقل عالم بالأمور فريد عصره في ملك آل عثمان من
باب المذاكرة والمكاتبة
إسلامبول مخصوص بموجب خط شريف لنظام وترتيب كافة بلاد العثمانلي ومشى بقوة من العساكر وهو مصرف ومفوض في العزل والنصب ولذلك جميع الدراباكية الذين في طريق إسلامبول منهم من قتلهم ومنهم عزلهم ومنهم من ثبتهم وربح تلك الأقطار من الحكام الجائرين على الرعاية حتى انتهى إلى أورقة وأعطى نظامها بقتل جملة من سخطها - كذا) المتضربنين (كذا) وفي أوائل شهر ج (جمادي الأخرى) سنة 1229 جانا خبر للبصرة أنه وصل قريب الموصل والقول عنه أنه قاصد عرب المنتفق الذي وصلت أخبارهم إلى الدولة في عظم دولتهم وبهتهم مال هبد الله باشا ومن هنا ينتج بأن اسعد باشا استدعى حمود لأملا ما والله اعلم. تمت: نشرها يعقوب نعمة الله سركيس باب المذاكرة والمكاتبة 1 - ملاحظات سيدي الأستاذ الفاضل: طالعت الجزء الحادي عشر من مجلتكم الزاهرة فوقعت العين على بعض كلمات أحب إيضاحها خدمة للمجلة وقرائها الأفاضل فأقول: جاء في ص 561 أن السور المحيط ببغداد بقي إلى عهد سري باشا سنة 1305هـ فأمر حينئذٍ أن يهدم السور وأن يدفع أجره بدلا من مشاهرات الموظفين وجميع طالبي الأموال من خزينة الولاية فما مضت سنة إلا وهدم السور عن آخر طاباقة فيه الخ. والحال أن السور منذ أن نشأ، أعني منذ نحو سنة 1290هـ تهدم بعضه وبقي البعض وهو الأقل. وسبب هدمه أن المرحوم مدحت باشا والي بغداد أمر في سنة 1287 بهدم ذلك من الجهة الغربية قاصداً تحسين هواء الولاية مع العزم على إجراء الماء في خندقه وغرس بعض الأشجار على جوانبه فتهافت الفقراء على قلعه والانتفاع بأجره وبقيت الجهة الشرقية متأخرة حتى وصلت إليها الأيدي وليس للمرحوم سري باشا يد فيه قط كما ترون إذ بين هدمه ومجيء المشار إليه نحو من 17 سنة ثم ما معنى أنه أعطى منه مشاهرات
المأمورين وجميع طالبي الأموال مع أن ثمن الآجر لا يقوم باجرة الهدم والنقل. وذكرتم أن على الباب الوسطاني كتابة فليس ثمة شيء منها إنما ذلك على الباب الجنوبي المعروف بالطلسم (لأن على بابه الخارجي رسم ثعابين وأسدين هي سبب طلسمة هذا الباب على رواية العوام) والمتخذ الآن موضعا لخزن البارود والكتابة واضحة وكان الأمر بتشييده أحمد الناصر لدين الله العباسي في سنة عشرة وستمائة. وجاء في ص 588 سعر صندوق الثقاب الكبير كذا. . . وكان اللازم ذكر مقداره وإنه 720 (دوزينة) والدوزينة 12 علبة. وورد أيضاً فيها في بحث الصموغ أن سعر الكثيراء كذا. . . عن المن الواحد الذي وزنه ليرة و375 والظاهر أنه سقط العدد 35 لأن المن هو 12 حقة استانة ونصف عن 35 ليرة إنكليزية و71 جزءاً من مائة منها. وذكرتم فيها أيضاً سعر العفص ولم تذكروا وزنه وهو يباع بالقنطار الذي هو عبارة عن 223 حقة استانة أي 637 ليرة و15 جزءاً من مائة منها. وذكرتم في ص 591 أن الصاعود يأخذ معه علاقة فيلقط التمر ويضعه فيها والحال أن ما يصحبه الصاعود معه هو (الملقط) وهو مدور كالسفرة؛ وسط قطره نحو 70 سانتيمتراً يلف على دائرته عود يخاط بالدائرة لئلا تجتمع أطرافه بعضها إلى بعض لأن الرطب إن وضع في العلاقة يتلف ولذا اتخذوا له هذه الهنة. وذكر الكاتب الأديب ع. ن في الصفحة 608 أن محاكمة المأمور المنصوب بإدارة سنية لا تكون إلا بمثلها في الدور الماضي فأقول: قد ورد في هذا الشهر قانون مخصوص لمحاكمات المأمورين كافة سواء كانوا منصوبين بإدارة سنية أو لا وخلاصته أن المأمور إن عمل عملاً يوجب التبعة (المسؤولية) سواء كان من وظيفته (مأموريته) كاختلاس وسوء استعمال أو في أثناء وظيفته كأن خاصم أحداً كان يراجعه في وظيفته فإن أكبر مأمور في الولاية وهو الوالي يأخذ الأمر بالتحقيق ويحرر رأيه في هل ما تحقق لديه يوجب تبعة (مسؤولية) المأمور أو لا ثم يبدي رأيه لمجلس الإدارة بشرط أن ينعقد بغير حضور الوالي والمجلس يدقق في ما أرتاه الوالي فأما أن يوافقه على وقوع المسؤولية فيحول الأوراق للعدلية لمحاكمته وأما يرد رأي الوالي فتترك الأوراق مهملة. وقد ذكرت ذلك إظهاراً لما فيه من الفائدة.
وذكرتم في الصفحة 613 أسماء المبعوثين والحقتم ذلك بأنهم سافروا نهار الاثنين 10 جمادي الأولى فالذي سافر منهم بذلك التاريخ جميل صدقي أفندي وتوفيق بك فقط وأما مراد بك فهو متأخر إلى اليوم لأشغال له خصوصية وفؤاد أفندي كان في الشام منفصلاً عن رئاسة محكمة الجزاء الثانية الملغاة ومنها توجه إلى الأستانة وشوكت باشا سافر نهار السبت 7 جمادي الآخرة وساسون أفندي هو في الأستانة مستشار نظارة التجارة والزراعة. وفي الصفحة 616 نقلتم عن الرياض بحث تعداد النفوس في الولاية وإن الإحصاء في زمن مدحت باشا كان للمسلمين 52689 ولغيرهم 10583 وأن المجموع 63273 فلو كان في الحساب سهو بواحد فلا بأس وقال في إحصاء زمن ناظم باشا كان 67263 منهم 20736 غير المسلمين فالباقي من الحساب للمسلمين 46627 فيكون عدد المسلمين نقص في 46 سنة 6062 والمحرر عندكم أن عددهم زاد 14974 فما هذا الفرق وكيف انقلب النقص زيادة الكاتب لما علم أن فيهم زيادة استقلها لنسبته زيادة غير المسلمين وأخذ بتعليلها فماذا عساه ن يقول بعد أن يعلم سهوه وأنهم نقصوا لا زادوا والأصح أن التعداد لدى حكومتنا لا معول عليه قط ولا يلتفت إلى زيادته ولا إلى نقصه لأنه تخميني لا حقيقي. يحيى 2 - الشص والفالة سيدي الفاضل صاحب مجلة لغة العرب بعد التحية والإكرام قرأت المقالة التي كتبتموها عن صيد السمك في العراق في 3: 519 فألفيتها مقالة جمعت فوعت وقد عن لي في أثناء مطالعتها ملاحظتان فأحببت عرضها عليكم لكي تتدبروا صحتها: 1 - ذكرتهم أن لفظة (شص) هي من الفارسية (شست) وقلتهم لم يصرح بعجمتها أحد من اللغويين مع وضوحها فاسمحوا لي أن أذكركم أنه قد سبقكم إلى هذا القول بعض اللغويين ومنهم السيد أدي شير رئيس أساقفة سعرد الكلداني إذ قال في كتابه (الألفاظ الفارسية المعربة) ما نصه (الشص حديدة عقفاء يصاد بها السمك تعريب شست اهـ.) 2 - ذكرتم الفالة وقلتم عنها لا يدري أصلها ولا مأخذها. قلت لعل هذه اللفظة
فوائد لغوية
محرفة عن (كال) الفارسية وهي آلة معوجة كالصنارة تهدم بها الحصون وقد وجدتها مثبتة في محيط المحيط في مادة ك ي ل وفي كتاب الألفاظ الفارسية المعربة الآنف الذكر. هذا ما قصدت عرضه في ساحة علمكم الواسع والسلام. رزوق عيسى (لغة العرب) يحتمل أن تكون الفال أو الفالة لغة في الكال. والكلمة فارسية معناها المعقف أو المنحني أو المنعطف كالصنارة. وإبدال الكاف فاء معروف في العربية فقد قالوا: في صدره على حسيفة وحسيكة أي غل وعداوة. والحسافل والحساكل (الصغار) (راجع المزهر 1: 225) ويقال أنها لغة تميم فإنهم يقولون النكة في النفة وهي الإبل التي ذهبت أصواتها من الضعف. وفي كتب اللغة: السلف: السلك وهو الحجل. والأنثى سلفة وسلكة والجمع سلفان وسلكان. فوائد لغوية (غير وسوى) بمعنى (إلا) عاميان مبتذلان نقرأ في بعض الجرائد والمجلات مثل قولهم: ما أخاف (غير) من الحاكم. ولا أتكلم (سوى) مع أصدقائي. وهذا من التصرف القبيح بالألفاظ لأنهم ينزلون غير وسوى منزلة (إلا) وهذا لم يسمع إلا في كلام العوام. لأنهم يعتبرونهما حرفين والمنقول عن العرب أنهما اسمان يأتيان مضافين غالباً ولا يمكن أن يفصلا عن المضافين إليهما المستثنيين بهما بحرف جر. ولهذا لا يقر التركيب في كلامهم بخلاف إذا وضعت الألفاظ في مواطنها. وعليه أما أن نقول: ما أخاف إلا من الحاكم ولا أتكلم إلا مع أصدقائي. وأما لأن نقول: ما أخاف من غير الحاكم ولا أتكلم مع سوى أصدقائي. والأول أشهر. فتدبر أسئلة وأجوبة سبب إفراد الفعل مع وجود فاعله المجموع سألنا غير واحد من المستشرقين: لماذا يبقى الفعل في العربية مفرداً إذا تلاه فاعله المجموع بخلاف سائر اللغات؟ قلنا: إذا قدم الفعل على الفاعل عد في العربية كالكلمة الواحدة صدرها الفعل وعجزها الاسم. ولهذا افردوا الفعل وجمعوا الاسم. لأن الكلمة الواحدة لا تجمع مرتين. أما إذا أخروا الفعل عن الاسم فإن كلاً منهما يصبح في العربية قائما بنفسه
باب المشارفة والانتقاد
بائناً عن صاحبه ولم يبق هناك فعل وفاعل بل مبتدأ وخبر ولما كان من حق الخبر متابعة المبتدأ تابعه في الجمع كما أنه يتابعه في جميع الأحوال أن في التأنيث وإن في التذكير فهذا هو سر إفراد الفعل مع وجود فاعله المجموع. باب المشارفة والانتقاد 1 - المباحث (مجلة علمية أدبية فكاهية لمنشئيها جرجي وصموئيل ينى. السنة السادسة. قيمة الاشتراك عن سنة 15 فرنكاً في طرابلس وفي سائر الأماكن يضاف فرنكان على أجرة البريد) وهي شهرية تصدر في طرابلس الشام في 104 صفحات بحجم المجلات الكبيرة ما من أحد يطالع هذه المجلة إلا ويشهد لصاحبيها الفاضلين العالمين بحسن النظر في اختيار المواضيع التي تلذ للمطالع. أما عبارتها فإنها مفرغة في قالب يروق الفكر والسمع وهو مما يندر في صحفنا ومجلاتنا. ولهذا نطلب لصاحبيها المتفننين النجاح والفلاح والعمر الطويل خدمة لأبناء هذه اللغة الشريفة. 2 - صحيفة الوراثة مجلة شهرية أصدرت لتربية الأنبتة والحيوانات وتحسين تولدها. هذه المجلة تعلي كعب أصحابها من جميع الوجوه فإن اللجنة القائمة بها تعني عناء خاصاً بتحسين نتاج النبات والحيوان وقد بلغ أصحابها في سعيهم هذا شأواً بعيداً وادهشوا الناس بنتائج ما أتوا. وهم ينشرون هذه المجلة لتعميم فوائد ما يحصلون عليه ونفعاً للألفة ومجلتهم هذه تنشر في واشنطون من ديار أميركة وهي بديعة الطبع والتصوير والكاغد وآية في المحاسن. وفي مثلها ليتنافس المتنافسون. 3 - الوضيعة الشهرية للجنة البستنة هذه وضيعة أميركية أيضاً غايتها العناية بأمور البساتين وتحسين ما يزرع فيها وإصلاح ما يقع فيها وفي أنبتتها مما يحتاج إلى ترقية وهي كأختها السابقة في حسن اختيار الأبحاث النافعة لأبناء الزراعة والحراثة كثيرة التصاوير المتقنة والتحقيقات المثبتة ينشرها صديقنا بول بوينوي في بلدة سكرامنتو من أعمال كالبيفرنية. فعسى الذين يسعون في ديارنا بترقية الزراعة أن يشتركوا في مثل هذه المجلات والوضائع
ليطلعوا على تقدم الزراعة في الأقطار النائية لكي لا نكون في أخريات أبناء هذا الزمان. 4 - الجزء الثاني من كتاب المطالعات والمراجعات والنقود والردود لمؤلفه محمد الحسين كاشف الغطاء النجفي. طبع في مطبعة العرفان بصيدا سنة 1331 هذا الكتاب عبارة عن قسمين: قسم مدح وقسم قدح، فالمدح يرجع إلى المؤلف نفسه وإلى من يريد أن يذر الرماد في عينيه. والقدح يعود إلى من ناوأه إذ هو سلاح العاجز. ومن مجلة من سبهم وشتمهم أصحاب المقتطف والهلال وهذه المجلة فنحن لا نجيبه لكي يكون هو الغالب في هذا الميدان وكفى ذلك شرفاً له، فليهنأ عيشاً وليطيب خاطراً!!! 5 - قرار اللجنة المارونية الرئيسية لتنسيق حفلات يوبيل غبطة السيد الجليل مارالياس بطرس الحويك بطريك إنطاكية وسائر المشرق. 6 - كتاب الإتقان في صرف لغة السريان للمطران يوسف دريان مطران طرسوس شرفاً والنائب البطريكي الماروني وظيفة. طبع بالمطبعة العلمية ليوسف صادر في بيروت سنة 1913. وصلنا هذا الكتاب منذ خمسة أشهر واعددنا له نقداً يبين محاسنه وبعض مساوئه إلا أن تكاثر الهدايا وازدحام المجلة بمقالات الأدباء والمؤازرين حالت إلى الآن دون درجه. وكما أن هذا الجزء هو العدد الأخير من السنة لم نرد تأخير مشارفتنا له. فنقول بالجملة إن إعادة طبعه يدل على ما نال هذا السفر من الحظوى عند دارسي اللغة السريانية وهذا احسن وأشرف تقريظ له لكن ورد فيه جملة قواعد توافق ما صرح به علماء اللغة السريانية في كتبهم. فإن (رحيا) مثلا تجمع جمعين (رحوتا ورحيا) ولم يذكر الثانية (راجع ص 95) وفي تلك الصفحة في الحاشية كلام عن (ليلوتا وكريا) وهو مخالف لما جاء في كتاب اللمعة للمطران يوسف داود 1: 365 وقال في ص 109 (صديوتا: العطش) ولم نجدها في سفر من الأسفار بهذا المعنى ولعل سيادته تذكر مشابهتها في العربية وهي الصدى أي العطش فاختلط عليه الحابل بالنابل. والمشهور في معناها الخراب والدمار. ومثل هذه الأوهام كثير وهناك أغلاط طبع في العربية والسريانية فلخلو مطابعنا منها لا نتعرض لها وأما الأغلاط العربية فكقوله: (يجلبه التقاء ثلاث سواكن أي الحرفان الساكن في المفرد والحرف الذي قبل واو الصيغة). والأصوب أن يقال: ثلاثة سواكن أي الحرفين الساكنين. . وفي ص 2 في آخر سطر: النظرية والعلمية. والأصح: والعلمية على أننا نقول إن هذه الشامات لا نشوه محاسن هذا الكتاب بل ربما حسنته على مذهب من برى الشام محسنات في الوجوه لا مشوهات لها.
7 - كتاب وصايا ملوك العرب في الجاهلية تأليف الإمام الشهير الكاتب الأديب اللغوي يحيى بن الوشاء طبع بمطبعة الشابندر في بغداد سنة 1332 الجزء الأول في 40 صفحة كتاب وصايا الملوك من أجل الكتب إذ قد حوى منها ما يزري باجمان، وبقلائد العقيان، وقد ذكر في هذا الجزء الأول وصايا هود وقحطان ويعرب ويشجب وعبد شمس وسبا إلى سيف ذي يزن. وقد نسبها واضعها إلى ملوك العرب الأقدمين. ولا حاجة إلى القول أنها من وضعه لأن الناطقين بالضاد لم يكونوا قد وصلوا بعد إلى التكلم بالعربية الفصحى على الوجه الذي صارت إليه في القرن السابع للميلاد. على أن تلك الوصايا تبقى آية في البلاغة وحسن النصح ولهذا يجدر بكل أديب أن يطالعها ويجمعها كتاباً يرجع غليه عند النائبات. وأما ترجمة المؤلف فسنذكرها في موضع آخر. 8 - كتاب في الوهابية رسالة تبحث عن مذهب الوهابية نشرتها جريدة الرياض ببغداد لصاحبها سليمان الدخيل طبعت بمطبعة الشابندر في بغداد سنة 1332 في 16 صفحة جل مدارها عن محمد بن عبد الوهاب واعتقاد أهل نجد في الأولياء وزيارة القبور وأقوالهم في الخرافات. وهي بمنزلة تتمة لمن يريد الوقوف على معتقد أهل نجد الحاليين فنوصي أهل الأدب باقتنائه. 9 - فهارس الشواهد الشعرية الواردة في كتاب أمالي القالي. المستشرقون لا يستطيعون أن يروا كتاب تاريخ أو أدب أو لغة بدون فهارس ولهذا إن رأوا كتاباً جليلاً خالياً من هذا المفتاح عمدوا إلى وضعه كما فعلوا لكتاب الأغاني. وهاهم الآن قد انشئوا فهارس لكتاب أمالي القالي المطبوع في بولاق في سنة 1324 وهي تحوي أسماء الشعراء المذكورين في التصنيف المذكور وقوافي الأبيات الواردة فيه وهي من وضع ف. كرنكوف وأ. أ. بفان. وكفى بذلك تعريفاً لهذه الفهارس وللحاجة إليها. وهي مطبوعة في ليدن في مطبعة بريل 10 - نهاية الأرب، في معرفة أنساب العرب لأبي العباس الشيخ شهاب الدين أحمد القلقشندي طبعه سليمان الدخيل صاحب جريدة الرياض ببغداد سنة 1332 صديقنا سليمان أفندي الدخيل لا يطبع من الكتب إلا ما يرى أنها تفي بغرض من الأغراض وتحسن على أبناء العربية بما يسهل لهم طريق السعي وراء ضالتهم وهاهو ذا قد طبع الآن هذا الكتاب النفيس على نسخة خزانتنا تعميماً لفوائده. واحسن طريقة لمعرفة محتوياته ذكر فهرس فصوله وهي:
المقدمة في ذكر أمور يحتاج إليها في علم الأنساب ومعرفة القبائل وفيه خمسة فصول. الفصل 1: في علم الأنساب وفائدته ومسيس الحاجة إليه. الفصل 2: في بيان من يقع عليه اسم العرب وذكر أنواعهم وما ينخرط في سلك ذلك الفصل 3: في معرفة طبقات الأنساب وما يلحق بذلك. الفصل 4: في ذكر مساكن العرب القديمة التي منها درجوا إلى سائر الأقطار. الفصل 5: في ذكر أمور يحتاج إليها الناظر في علم الأنساب المقصد في معرفة تفاصيل أنساب قبائل العرب وفيه فصلان. الفصل الأول في ذكر عمود النسب النبوي وما يتفرع عنه من الأنساب. الفصل 2 في ذكر تفاصيل القبائل مرتبة مقفاة على حروف المعجم وما يتهيأ ذكره من مساكنهم الآن. الخاتمة: في ذكر أمور تتعلق بأحوال العرب وفيه 5 فصول: الفصل 1: في معرفة ديانات العرب قبل الإسلام. الفصل 2: في ذكر أمور من المفاخرات الواقعة بين قبائلهم وما ينجر إلى ذلك. الفصل 3: في ذكر الحروب الواقعة بين العرب في الجاهلية ومبادئ الإسلام. الفصل 4: في ذكر نيران العرب في الجاهلية. الفصل 5: في ذكر أسواق العرب المعروفة قبل الإسلام. وكفلا بهذا الفهرس تعريفاً للكتاب واحتياج الناس إليه. وهو مطبوع في مطبعة الرياض 11 - مجلة المنتدى الأدبي هي السنة الثانية من (لسان العرب) وبدل هذا الاسم بذاك إصداراً للشيء باسم مصدره. أما خطة المجلة فقد بقيت على اصلها. وكذلك عبارتها وكنا نود أن تكون منقحة خالية من أغلاط النحو واللغة قليلة أغلاط الطبع لكن الحالة تشهد بخلاف ذلك فنتمنى لرصيفتنا الرقي والنجاح خدمة للوطن واللغة. 12 - ديوان الطباطبائي (وهو ديوان السيد إبراهيم الطباطبائي شاعر العراق الشهير المتوفى سنة 1319هـ. أذن بنشره وتمثيله للطبع ولداه الفاضلان السيد حسن والسيد محمد. طبع على نفقة شركة عراقية وحقوق الطبع محفوظة لها ومسجلة باسمها رسمياً طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة 1332هـ. وقيمته بشلكات.) هذا الديوان مصدر بترجمة السيد الناظم مع تعريف أسرته وهي من قلم
الأديب علي أفندي الشرقي واغلب القصائد في الغزل والنسيب والرثاء والمديح من الأبواب المطروقة والموارد المشروعة وفيها شيء من أبيات الحماسة (ص 151 و241) ومن قصائد المكاتبة والمراسلة وفي بعض أغراض له وليس فيها من المواضيع العصرية سوى قصيدة دالية في قداد الكاظمية ص 71 وأخرى يائية في وصف سد للفرات (ص 275) وفي الأخر بيتان قال عنهما الطابع: نسى المرتب في حرف القاف قوله في السماور. . . . الخ والذي نعلمه أنهما للشيخ محمد نصار اللملومي الشهير بالنعى كما أخبرنا بذلك صديقنا الشاعر الكبير الشيخ محمد السماوي وكان قد رواهما له السيد الطباطبائي نفسه ناسياً إياهما إلى الشيخ محمد نصار المذكور - والكتاب حسن الطبع والكاغد والتبويب إلا أننا نستأذن زميلنا أحمد عارف أفندي الزين شارح غامض الأبيات والواقف على طبعه بالتنبيه على أنه فاته بعض أغلاط في الطبع وفي الشرح. أما أغلاط الطبع فقليلة كقوله في ص 144 عصينا الله في ضم والصواب في صنم. وكقوله في تلك الصفحة رشاً قد عقد الوصل. وقد ضبط القاف بالشد والصواب بدون تشديد إلى غير ذلك. وأما أغلاط الشرح فهي أكثر كقوله في هذا البيت: هيكل نهد القصيري شيظم ... سابح ينفح بالخيل احتضارا فقال في الحاشية: الهيكل: الضخم من كل الحيوان (والأصح الضخم من كل شيء.) وقال القصيري: تصغير القصر (ونحن لم نجد في كتاب أن القصر تصغر على قصيري وإنما القصيري هنا أسفل الأضلاع أو آخر ضلع في الجنب وأصل العنق. فيحتمل أن يكون أحد هذه المعاني لكن لا يحتمل في هذا البيت المعنى الذي أشار إليه إلا بتكلف) عظيم - وقال في شرح هذا البيت: فعسى يعود على المحب بعطفه ... عود على مر الليالي عاسي فقال في الحاشية: قال أبو عبيد: العاسي: شمراخ النخل (قلنا: ولا محل لمعنى الشمراخ هنا وإن كان من معاني العاسي هذا الذي يشير إليه وإنما يوتى في الشرح بالمعنى الذي يوافق القرينة في المتن ثم قال: وعس (وشدد السين) النبات غلط وصلب ولعل عس من أغلاط الطبع التي لم تصحح والصواب
عسا أو عسى النبات بالمعنى الذي أشار إليه. وفي ص 150 في شرح هذا العجز: (ضحضاح ماء لا يواري الدعمصا) قال: الدعموص: دودة لها رأسان تنظر في الماء إذا قل. وهذا التعريف غريب لا يرضي به أبناء عصرنا إذ لا يوافق أنباء العلم الصحيح. وليس في اللغة كلمة الدعمص كما في شرح هذا البيت: يا بنفسي بالرياض الحو ذا ... غيد يستن والروض مريع استن الرجل استاك (نعم هذا صحيح لكن لا يرتد هذا المعنى في هذا المقام) وبه الهوى حيث أراد أي ذهب به كل مذهب. (نعم وهذا أيضاً صحيح لكن ليس هذا محله. وإنما معنى استن هنا: عدا إقبالاً وأدباراً من نشاط وزعل لا غير). - وقال في ص 80 في تفسير العيرانة ما نصه: العيرانة من الإبل التي تشبه بالعير لسرعتها ونشاطها. (قلنا: ولو قال (في) سرعتها ونشاطها لكان أصح وأصوب - وهذا أيضاً ليس بقوي والأحسن أن يقال: سميت لكثرة تطوافها وحركتها اشتقاقاًُ من العير المصدر لا من العير الحمار كما قاله بعض ضعفاء اللغويين) راجع التاج - وفي الديوان أبيات كثيرة تحتاج إلى أن يفسر غامضها ولعل كثرة أشغال رصيفنا حالت دون أمنيته. ثم إننا نرى الناشر قد حذف أسماء من نظمت له القصيدة فلو ذكرها لزادت حسناً ولبقيت المنظومة تاريخاً للرجال أو للحادثة أو للموضوع الذي رمى الشاعر فقد جاء مثلاً في ص 18 هذا العنوان: (وقال أيضاً رحمه الله تعالى متغزلاً) فلو قال (وقال أيضاً رحمه الله في ولد اسمه متعب) لكان أوفق للمقصود. ثم لا نرى سبب تغيير متعب (بعاتب) في قوله في تلك القصيدة: ولقد شكوت عليك عندك (عاتبا) ... لو كان للعشاق عندك معتب وقال في ص 16: (مقرظا أشعار بعض زملائه) ولو سماه باسمه وهو الشيخ جواد أفندي شبيب الشاعر الشهير لكان أوفى بالمرام. ومثل هذا كثير. ومما فات الناشر ذكره في المقدمة حذف اسم صاحب الجوهر (وهو الشيخ محمد حسن المتوفى سنة 1266). ومما لم ينتبه إليه الناشر تعديد الأسر الطباطبائية في العراق أمناً للبس إذ بينها أسرة بحر العلوم التي منها صاحب هذا الديوان. وآل السيد (مير علي) صاحب كتاب الرياض وهذا البيت مقيم في كربلاء. وآل الطباطبائي في البصرة وهؤلاء من السنة ومن أجدادهم السيد
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
عبد الجليل الطباطبائي صاحب الديوان المطبوع في الهند. ومن الطباطبائيين: السيد كاظم اليزدي نزيل النجف وهو من أكبر علماء الشيعة الحاليين ويتصل أجداد هذا السيد بأجداد آل بحر العلوم بعد عدة أصلاب. وأما سائر من يسمى بالطباطبائيين فليس بينهم قرابة رحم ولا صلة نسب. فهم طباطبائيون في اللفظ لا غير ومن هفوات الناشر قوله ص 4: (وكان ذو) والصحيح ذا. وقال في ص 6: (ومنهم الشيخ محمد السماوي. . . والشيخ عبد الحسين الخياط. . . وسوى هؤلاء) وقد عطفهم على تلامذته الأولين الذي فصلهم عن الآخرين جملة معترضة لا تقل عن 17 سطراً! أما أغلاط الشاعر فمنها جمعه في ص 11 فقاعة على فقاقع والصحيح فقاقيع وإن أراد إقامة الوزن فليقل فواقع جمع فاقعة هرباً من الضرورة الشعرية الشنيعة التي لا محل لها في عصرنا هذا. وإن جوزها ضعفاء الشعراء الذين يعدون بالمئات. وجاء في ص 10 ضنائي وفي ص 12 بمنائي وكلاهما (من الضرائر الشعرية القبيحة) ومن مثل هذه الجوازات المذمومة قول صاحب الديوان في ص 31 (شاب وأشيب يستهل بوجهه) ولم يرد في كلامهم شاب بتخفيف الباء. وورد في ص 32 (الآن أضيع رجا الطالب) وفيها جوازان: تلبين همزة الآن الممدودة وحذف همزة الرجاء. ومن الجوازات المنبوذة تحريك الساكن في مثل رطب (ص 37) أي ندى. ومن الأغلاط الواردة في الديوان ما جاء في ص 20: (اكفف يا بفيك الأثلب) والصحيح اكفف بفيك الاثلب ولعل الزيادة من المنضد. ومما يخرج عن الوزن ما ورد في ص 35: (إذا انبعثت تستشيط غضابا.) - وقال في ص 35: (غريبا أرى غريب الديار) وهذا الشطر لمهيار من قصيدته الفائية في رثاء الحسين. وهذا كله لا يزري بحسن الديوان فإنه مما يخلد اسم ناظمه ويبقى له الشهرة الطيبة بين شعراء العراق. تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - قتل في إمارة ابن الرشيد نقلت صدى الدستور البصرية والزهور البغدادية خبراً محصله أن ابن الرشيد
أمر بقتل خاله زامل السبهان وهو الذي سعى السعي الصادق في توطيد أسس الإمارة في حين كانت قد أوشكت أن تنتقض؛ وهو الذي كان يدافع حق الدفاع عن الإمارة كل مرة حاول بعض الأعداء مسها بضر، وهو الذي أصلح ذات البين بين الأمير ابن السعود والأمير ابن الرشيد فطأطأت قبائل شمر رؤوسها لأميرها وهو الذي كفل تربية الأمير الجالس على عرش الإمارة منذ أن كان في المهد إلى أن أجلسه على أريكة الملك بعد أن زحزح عنها أولاد وأحفاد عبيد الرشيد الذين ورثوا الملك بعد قتلهم أخوته. - وسبب قتله على ما يقال هو إباؤه موافقة أوامر الأمير لأن زاملاً لا يحب مقاطعة الأمير ابن السعود. وكان يقولك لا حاجة لنا أن نتدخل في مسألة البصرة وسياسة الدولة ولهذا اتفق الأمير سعود الصالح السبهان (وهو ابن عم زامل من فخذ السلامة) على قتله (وهو من فخذ العلي وكلاهما أي القاتل والمقتول من آل سبهان) وقتل أربعة معه وهم: سبهان عم زامل، واثنان آخران من أبناء عم زامل. وأرسل الأمير ابن الرشيد سرية إلى بلدة حائل لقتل إبراهيم السبهان المقيم فيها وأودع إدارة الأمور التي كانت بيد زامل إلى القاتل سعود المذكور. وفي مناسبة هذا القتل السياسي عددت صدى الدستور قتلى الرشيد وأبناء عمهم آل سبهان في السنوات العشر الأخير فقالت: سالم ومهنا الرشيد اللذان قتلا في حرب الطرفية الشهيرة التي وقعت بين الأمير عبد العزيز الرشيد وبين أمير الكويت وماجد وعبيد الرشيد وفهد السبهان الذين قتلوا في حرب القصيم في محاربتهم الأمير عبد العزيز السعود وعبد العزيز الرشيد الذي قتل في محاربته الأمير عبد العزيز السعود. أما الذين قتلوا في الفتن التي ثارت بينهم من أجل الإمارة فهم: متعب ومشعل وطلال ومحمد وكلهم من آل الرشيد قتلهم أبناء عمهم سعود وسلطان وفيصل. وعبد الله وسلمان وحمداً وكلهم من بيت الرشيد. والذين بقوا من بيت الرشيد خمسة وهم: الأمير الحالي وعمره 17 سنة وولداه الصغيران وهؤلاء هم من بيت عبد الله الرشيد. واثنان من عبيد الرشيد الدخلاء عند الأمير عبد العزيز السعود وهما: فيصل وضاري آل الرشيد. 2 - الأمير الشيخ سالم الصباح نزل بعشائره على سفوان ولعل هناك غاية خفية.
3 - الأمير ابن الرشيد نزل على لقيط وخرج لمقابلته سالم الخيون مع جملة من رجاله. والظاهر أنه ينهض من هناك إلى (الطوال) التي يقيم فيها عشائر شمر ومنها يتوجه إلى حائل مقر إقامته. 4 - الجراد بين الزبير وسفوان كثر الدبى بين الزبير وسفوان وقد رعى شيئاً جماً من نبات ذلك الصقع فاقلق خواطر البادية. 5 - الإنكليز في البصرة وضعت إنكلترة في البصرة سفينة كبيرة فيها دقل عالٍ وفي قمنه قنديل ينار ليلاً لإضاءة مدخل البصرة الخطر على البواخر القادمة من أسفل الخليج الفارسي. 6 - حالة مسقط لا زالت نيران الفتن مضطرمة في إمارة مسقط والذين يسعرونها الثوار الذين - وإن مات زعيمهم - لم تمت منهم نياتهم السيئة إذ احتلوا بلد (نخل) وهم في عصيان ظاهر. أما سلطان مسقط وأخوه نادر فإنهما ذهبا إلى (بركة) يستعدان فيها للحرب؛ لكن ظهر من طلائع جيشهما من الضعف عند محاولة الهجوم على (نخل) ما أيد للعدو ما يعتقده في جندهما فتقدم إلى (بركة) فتسور دار الوالي سليمان في خارج البلد فاتخذها لنفسه مقراً ثم أخذ يحارب حصون (بركة) من أعالي تلك الدار فقابلته الحصون بالمثل زمناً أظهر فيه السيد نادر من الشجاعة والبسالة والحماسة ما اعجب الناظرين. ودامت الحرب يومين. - وكان في ميناء بركة بارجة إنكليزية تنتظر إشارة من السلطان لتمطر على الأعداء وابل الويل ونصب عليهم المصائب فلما آن الوقت أطلقت البارجة مدافعها على المتحصنين في الدار المذكورة فنسفتها نسفاً وبددت شمل العدو فولى الأدبار بعد أن قتل منه عدد عظيم. وكانت تساعدها في الفتك باخرة السلطان (نور البحر) وبعد ذلك انقطع خبر الأعداء لتستجم قواهم الخائرة. 7 - محاصرة قريات حاصرت عشيرة بني بطاش بلدة (قريات) وعاثت في أطرافها فساداً وقد تضرر منها سكان البلدة ولا سيما البلوص منهم وقد ابلوا بلاء حسناً في مقاتلة العشيرة.
ولما طال الحصار عليها وعيل صبر سكانها تركوها للعشيرة المحاصرة بعد أن حملوا منها ما خف حمله وغلا سعره. وفي اليوم الثاني دخلها العدو ظافراً. ولما وقف السلطان على هذا الخبر وكان في (بركة) زحف على العدو في باخرته تصحبه البارجة الإنكليزية ولما قرب منها أطلقت البارجة قنابلها على (قريات) فحولها قاعاً صفصفاً وانهزم العدو بعد أن مات منه عدد جم. متجهاً نحو (بركة) ليهجم عليها من جهة لا تصله قنابل البارجة. ولهذا ترى الحرب هناك سجالاً ولم تنطفئ جذوتها إلى الآن. 8 - الأمير ابن السعود وصل هذا الأمير إلى قرب الكويت ونزل على قرية (الصبيحية) بجيشه وهذه القرية تبعد عن الزبير 3 أيام وعن الكويت 6 ساعات. ويقال أن مجيئه إلى تلك القرية لأمور سياسية جليلة. 9 - سرية الأمير ابن الرشيد وصلت سرية الأمير ابن الرشيد إلى (حائل) بعد أن بلغ خبر سبب قدومها إليها أي للفتك بأسرة السبهان الموجودة هناك. وكانت هذه السرية لا تعرف بأن من يراد قتلهم قد وقفوا على الغاية التي قدمت لها. فلما أرادت الدخول في البلدة خرج عليها إبراهيم بن سبهان مع جماعة من رجاله وقابلها بإطلاق البنادق عليها فأدبرت فارة. وأما ابن سبهان فإنه لا يزال مقيما في حائل ولعله يستولي على كل ما يعود إلى الأمير ابن الرشيد. 10 - عشيرة الذرعان هجمت هذه العشيرة وهي فخذ من الضفير على عشيرة من عشائر شمر فنهبتها. 11 - القشعم ووطبان الدويش لحق القشعم أحد زعماء مطير بجيش الأمير سالم الصباح وسيتبعه عن قريب الزعيم الأكبر لتلك العشيرة وهو (وطبان الدويش) 12 - الشبلان نزلت عشيرة الشبلان على كويبدة وهي موضع على مسافة ساعتين من الزبير 13 - مبعوثو المنتفق حاز معظم الآراء معروف أفندي الرصافي وعبد المحسن بك آل السعدون وقريش أفندي. فنهنئهم بهذا الفوز.
إصلاح بعض الأغلاط واستدراكها
إصلاح بعض الأغلاط واستدراكها صفحة 10 سطر 15 أنها ورثت صوابها أنهن ورثن. - ص 27 س 7 ووهو: وهو. - ص 29 س 3 الصحيفة: الصفيحة. - ص 29 س 10 العبلى: الصبلى - فيها س 17 كاوب: كلوب - فيها س 18 - 19 وفتح الفاء المهملة وفتح الحاء المهملة. - ص 31 س 14 واقفة: واقعة. - ص 32 س 27 من الأعراب: من الأصحاب. - ص 33 س 29 العطيش: العطيشي. - ص 34 س 19 مدة فيه فلم: مدة فلم. - ص 31 س 23 (باسم النعى): باسم (النعي). - ص 39 س 11 لما فصلت البصرة عن ولاية بغداد: إن ولاية البصرة انفصلت للمرة الأولى عن ولاية بغداد في سنة 1292هـ (1875م) فعين لها والياً الوزير ناصر باشا كما روته (سالنامة البصرة) الصادرة في سنة 1320هـ ولم يكن ابنه مزيد باشا في سنة 1320. متصرفاً للأحساء؛ بل كان يومئذ في أنحاء الشامية وذلك بعد الواقعة المشهورة ب (واقعة الرئيس). - ص 42: السطر الأخير: حنبص: حنفص ص 47 س 13 يتجول به: يتجول تارةٍ. - ص 52 س 20 من ترجمتهم: من ترجمته. ص 57 ص 60 س 11 صفاى: صغاى ص 61 الحاشية 2 صحيحها: نهر سمرة الذي ذكره ياقوت هو غير النهر الذي ذكرناه نحن (هذا التصحيح من الكاتب الأديب) إذ أن في الأول قبر العزيز عم وهو واقع على نهر دجلة شمالي القرنة. وأما النهر الذي ذكرناه نحن فهو واقع على نهر شط العرب في جنوبي القرنة وداخل في ناحية الهارثة في شمالي مدينة البصرة. ص 61 س 4 الخرنينة: الخزينة - فيه الحاشية 2: الصواب: إن هذا النهر داخل أرض كان صاحبها سابقاً رجلاً من أهل خربوط فنسب النهر إلى الأرض ونسبت الأرض إلى مالكها الخربوطي لأن البصريين إذا أرادوا أن ينسبوا أرضاً أو شيئاً مؤنثاً إلى شخص أضافوا إليه الهاء إشارة إلى شهرة الشخص. مثلاً إذا أرادوا أن ينسبوا أرضاً إلى شخص بغدادي سموها: (البغدادية) أو إلى شخص موصلي قالوا (الموصلية) إلى ما ضاهاهما. وليس مرادهم تأنيث المالك كما توهمتم ونقول مثل هذا القول عن أنهر المقدسية والششترية والشيرازية المذكورة في ص 63 (كانت المقالة) ص 63 حاشية 2: قلناه نهر الخورة ليس تابعاً لنهر المناوي البتة. وهو أوسع من نهر المناوي طولاً وعرضاً. وأما نهر المويلح (تصغير المالح).
العدد 35
العدد 35 - بتاريخ: 01 - 07 - 1926 سنتنا الرابعة 1: مجلتنا في السابق كنا قد أصدرنا مجلتنا في سنة 1911 فبرز منها ثلاثة مجلدات عن ثلاثة أعوام ولما جاءت الحرب العظمى بأهوالها، كنا قد أصدرنا من سنتها الرابعة جزأين فقط. حينئذ نفينا ظلماً إلى قيصرية كباودكية (المعروفة عند الأتراك بقيصري) فانقطعنا عن إخراجها للقوم إلى أن كان الصلح. فأصدرنا (دار السلام) مدة تزيد على ثلاث سنوات، ثم سافرنا إلى أوربة لمشتري آلات طباعة فتم الأمر في منتصف سنة 1921. ثم عاندتنا الأحداث بأنواعها. إلى أن ذللناها في هذه الأيام، وعلماء البلاد العربية اللسان يلحون علينا بإصدارها لما قامت به من خدمة للعراق وتعريف أبنائه ودياره وتسويق تاريخه في سابق العهد وحديثه، حتى كادت النفس تمل من كثرة ما سمعت. 2: إلحاح المستشرقين علينا دع عنك أكابر المستشرقين من جميع الأمم فأنهم يعيدون علينا الالتماس لإصدارها حتى لم يبق في النفس منزع. وها نحن أولاء نزفها إلى محبي العراق والمتشوقين إلى الوقوف على أحواله.
3: خطتنا أما خطتنا فتبقى كما كانت في السابق أي أنها تتحرى ما يتعلق بالعراق وما جاوره من البلاد على اختلاف المباحث التي تمسها وتتجنب كل ما يشتت الآراء ويلقي الفتن بين أبناء العراق أو بين محبي العرب. 4: المقالات وكل مقالة يبعث بها إلينا خارجة عن نهج المجلة لا تدرج ولا تعاد إلى أصحابها وكل ما يوافق خطتنا تصلح أغلاطه أو يحذف ما فيه من غريب الآراء المخالفة لمنهاجنا ثم يدرج. 5: النقد ولا بد من النقد الأدبي أو العلمي أو التاريخي ولا ندعي أننا نصيب في كل ما نكتب أو ننتقد، إذ لابد من الخطأ. أما الكمال فلله وحده على أننا لا نتعرض للرد على أحد أن أصبنا أم لم نصب إذ في ذلك خسارة وقت وكتابة وإنشاء حقد وضغينة على غير طائل ولا نتيجة حسنة. فالسكوت احسن جواب لمن لا يقنع بالحق. 6: العنوان الأولان القديمان من السنة الرابعة وكان بودنا أن نجعل هذا الجزء الجزء الثالث من السنة الرابعة. لكننا نعلم أن ما كان منهما عند الأدباء العراقيين اتلف. وكذلك ما كان منهما عندنا لأن الحكومة العثمانية أبادت مع مجلدات المجلة كل ما كان في خزائننا من كتب خطية ومطبوعة ولم تبق منها شيئا ولم تذر، حتى اضطررنا إلى أن نشتري أو نجلب كتباً جديدة لنعيد الخزانة إلى سابق كنزها. 7: العدد الأول الجديد من السنة الرابعة ولهذا جعلنا هذا الجزء الجزء الأول مع نية أن نعيد درج المقالات التي نشرت في الجزءين السابقين شيئا بعد شيء لغايات منها 1: الحرص على ما نشر منها. - 2: إصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه فيهما. 3: إتمام السنة مستقلة وتامة عند الجميع لأن إعادة طبع ما مضى يكلفنا مبلغا عظيما نحب أن نرصده لهذه السنة. 8: الاشتراك في المجلة وثمن الجزء الواحد منها قد جعلنا الاشتراك في المجلة عن اثني عشر جزءاً اثنتي عشرة ربية على حساب
قرطاجنة
الربية سبعة غروش مصرية ونصف غرش. وذلك في بغداد وأما في خارج بغداد فخمس عشرة ربية. والجزء منها بربية ونصف. 9: مبادلات المجلة نبادل مجلتنا أصحاب سائر المجلات، بل الجرائد العربية اليومية التي تظهر في البلاد الضادية اللسان ولا نقبل مبادلة الجرائد الإفرنجية. 10: لهذه المجلة إدارتان: الواحدة للتحرير والثانية للإدارة فكل ما يتعلق بدرج المقالات وإهداء الكتب وتوجيه الجرائد والمجلات يكون باسم (محرر مجلة لغة العرب) وكل ما يتعلق باشتراك أو شراء أجزاء أو مجلدات منها يعنون باسم (مدير مجلة لغة العرب) وكلتا الإدارتين في كنيسة اللاتين في بغداد. ولا ترسل المجلة إلا لمن يطلبها ويبعث ببدل الاشتراك مع طلبه ومن يخالف هذا الأمر لا يلتفت إلى رغائبه. قرطاجنة قرطاجة. قرية جونا أو دونا قرية حدشة. قرث حدشث أستأذنكم وأستأذن أخي وصديقي وتلميذي المحبوب أمين بك كسباني في نقل ساحة هذا البحث من سورية إلى العراق ومن بيروت إلى بغداد ومن الكلية إلى الحرية فأقول: 1: بعض التمهيد تأسست قرطاجنة سنة 869 قبل المسيح في حين لم تكن رومية بعد في حيز
الوجود وفي حين أيضا لم يكن بعد لغة لاتينية معروفة ولا أقول في موريتانية أو نوميدية أو البلاد التونسية فقط بل في إيطاليا نفسها. واسمها مؤلف من لفظين أولهما (قرية) بمعنى مدينة وهو لفظ سامي بحت فهل يعقل أن يكون الثاني من اصل لاتيني أو يوناني؟ كلا لا يعقل وفقا لما اعتقد ولما اعلم من طبع العمران الغالب. 2: بماذا كانوا يسمون المدن كانوا يسمون المدن باسم الأمير الذي أمر ببنيانها أو باسم رئيس الجالية التي قطنتها أو باسم القبيلة نفسها أو باسم إله من آلهتها سواء ظهر ذلك الإله للأمر بالبناء في حلم أو في يقظة تخيل ووهم أو لم يظهر. ومن أسماء الفينيقيين وأسماء آلهتهم أيضاً جونو أو جونه ويونو أو يونه وادونو أو ادونه ودون أو دونه وتون أو تونه. والجيم والدال والتاء والثاء والسين وحروف العلة تتبدل بعضها من بعض كما يقول بذلك علماء الفيلولوجيا وأهل البحث والثقة في مخارج الحروف وتبدلاتها. 3: جونه أخت (بعن عليون) أو ديدو لا اعلم كيف وصلتني رواية (جونه أو دونه محرفة عن جونه أو مستقلة عنها.
هكذا كنت وجدتها في ذاكرتي ولذلك فحالما يتبين لي ما يترجح معه عدم صحة الرواية فليس ثم ما يحملني على التمسك بها وبكل طيبة نفس اطرح عني عبء المحافظة على ما بدر مني من الرأي فيها ولكني لا أزال (معربطا) اشد عربطة أن جون وجونه ودون ودونه) وسائر الأسماء التي ذكرناها أعلاه هي سامية الأصل وكان يسمى بها المدن والآلهة والناس. ولا أزال أيضا اعتقد أن (قرية حدشة) لم تكن اسما للمدينة التي بنتها المستعمرة الصورية سنة 869 قبل المسيح بل هي اسم لقرطاجة (أي المدينة الجديدة) التي بناها هؤلاء في أسبانيا أو لقرطاجة الأفريقية (المدينة الجديدة) التي جدد بناءها يوليوس قيصر كما أظن على موقع المدينة القديمة وعلى غاية القرب منه. والأرجح أن قطعة النقد التي يقول تلميذي العزيز أن أمامه صورة منها وأنه مكتوب على جانبها الواحد بالحرف الفينيقي (قرث حدشة) وعلى الأخر (تحنة) هي من ضرب قرطاجة الأسبانية أو من ضرب (قرث حدشة) الأفريقية التي جدد بناؤها موخرا كما ذكرنا. على أني ارجح أنها من ضرب قرطاجة الأفريقية بدليل ما هو مكتوب على جانبها الأخر اعني لفظة (تحنة) كما سأذكره فيما يأتي: عزيزي أمين. أنت تعلم أن المبادئ الفيلولوجية وعلم مخارج الحروف وانقلاباتها لا تجوز لنا أن نحول (قرث حدشة) إلى قرطاجنة ولا أن نرد (قرطاجنة) إلى (قرث حدشة) ((إلا بصعوبة كلية لا نعدل إليها إلا مضطرين) ولكنها تجوز
في قرطاجنة أن تحول إلى كرشيدون أو كرخيدون) وقرشيدون وكرخيدون هما الاسمان المتعارفان في اللاتينية واليونانية عند أكابر فصحاء وعلماء هاتين الأمتين. ومن الصعب الصعب أن يعدل عما اختاره بلغاء أمة وعلماؤها واشتهر عنهم بضع مئات من السنين وفي عشرات بل في مئات من المؤلفات إلى ما أفسدته العامة باستعمالها. خطر لي بعد أن فكرت طويلا فيما ذكرته من المكتوب على الوجه الآخر من قطعة النقود تعليل لا بأس فيه ولعله يحل مشكل قطعة النقود التي أشرت إليها وهو الآتي: أن الاسم الأصلي هو (قرية جونه أو دونه) وقد ورد في مؤلفات اليونان والرومان بلفظ كرخيدون وكرشيدون وليس شيء من الصعوبة في تحول الصيغة السامية إلى الصورتين اليونانية واللاتينية ولا في ردهما إلى الأصل المحولتين عنه. وقرية هنا بمعنى مدينة والتركيب تركيب إضافي كما نقول مدينة مكة أو مدينة صنعاء. هذه المدينة خربها الرومان سنة 146 قبل المسيح ويقول العلامة بولي في تاريخه العام أن النار استمرت فيها لظى سبعة عشر يوما بلياليها فلم تبق عن شيء في المدينة إلا التهمته. ثم جدد بناؤها حيث مدينة تونس الآن. وارجح أن هذه المدينة الجديدة هي التي كتب على القطعة من نقودها (قرث حدشة) على أحد جانبيها و (تحنة) على الجانب الأخر. والفيلولوجي لا يصعب عليه أن يرى (تحنث).
نظرة في إصلاح الفاسد من لغة الجرائد
نظرة في إصلاح الفاسد من لغة الجرائد بحث لغوي انتقادي الشيخ إبراهيم بن ناصيف اليازجي باحث منقب ولغوي ضليع. خدم اللغة العربية بقدر ما أوتي من العلم خدمة لا تنكر. بل تذكر له فيشكر. على ممر الدهر.
ولولا خلتين - هما الغرور والتسرع - تغلبت عليه تغلب القوي على الضعيف لكان يعد في الرعيل الأول بين علماء اللغة المحققين. كان اليازجي من الغرور بنفسه بحيث لا يرى أحد من الغابرين والحاضرين أعلم منه باللغة. ومن التترع إلى النقد بحيث ينكر الشيء وهو ظاهر ظهور الشمس في رائعة النهار. كما يظهر ذلك لمن ينظر في رسالته (لغة الجرائد) نظر ناقد بصير ورسالته هذه عبارة عن مقالات كان ينشرها في مجلة الضياء ينتقد فيها كلمات وتعابير الكتاب غير جارية على أصول اللغة ومناحي العرب في أساليبهم. وربما ادمج فيها كلمات سبقه إلى انتقادها أمثال الحريري والخفاجي وغيرهما من أئمة اللغة من غير إشارة إلى ذلك. ثم جمعت بشكل رسالة جاءت في 124 صفحة بقطع الربع. وقد اتفق أن اطلع عليها أخيرا الأستاذ محمد سليم الجندي من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، فرأى فيها من الأوهام ما لا يصح السكوت عنه. فكتب مقالة أخذ على اليازجي فيها نحو أربعين غلطة. منها كلمات غير جارية على السنن الصحيح. وأخرى عدها من الغلط وهي من الفصيح: ونشر مقالته في إحدى
صحف الشام، فكبر ذلك على الأديب قسطاكي الحمصي، أحد عشاق الشيخ اليازجي، فانبرى للرد عليه. ولكن بأسلوب هو إلى المهاترة، أقرب منه إلى آداب البحث والمناظرة، فكان في دفاعه عن شيخه (كالغريق يتشبث بالغرفط طلبا للنجاة) كما وصفه الجندي. فلم يسع الجندي إذ ذاك إلا أن يناقشه فكتب سلسلة مقالات نشرت في إحدى جرائد دمشق. ثم عاد فجمعها في كتاب بلغ نحو (153) صفحة وسماه (إصلاح الفاسد من لغة الجرائد). ليس الجندي هو أول من تعرض لأوهام اليازجي بل سبقه إلى ذلك من الفضلاء فيما سمعت. وأعرف منهم صديقنا الأديب الفحل الأستاذ الشيخ عبد الرحمن سلام البيروتي، فقد رد عليه برسالة سماها (دفع الأوهام) وطبعت سنة 1317 هـ في المطبعة الأدبية ببيروت. وقد التزم فيها الدفاع عمن غلطهم اليازجي من الشعراء الجاهليين، والبلغاء الإسلاميين: كالحرث بن حلزة اليشكري، وعنترة العبسي، وعدي بن زيد العبادي من الفريق الأول. وكالبديع، والحريري،
ولسان الدين الخطيب وأمثالهم من الفريق الثاني. وجملة ما أخذه على اليازجي نحو أربعين كلمة أيضاً لم يتعرض لها الجندي إلا في كلمات منها مثل تأنيث اليشكري كلمة (ضوضاء) في قوله: أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء واستعمال لسان الدين الخطيب فعل (أنف) متعديا في قوله: قالوا لخدمته دعاك محمد ... فأنفتها وزهدت في التنويه وتذكير عبد الصمد الصفار كلمة (الشقائق) في قوله: وشقائق شق القلوب كأنه ... خد مليح ضم صدغا اسودا وقولهم (تعرف على فلان) إذ أحدث به معرفة. على أن كلاً من هذين الفاضلين لم يستقص جميع أوهام اليازجي. بل اغفلا أشياء كثيرة أذكر منها على سبيل المثال: إنكاره استعمال (النوادي) مع كونه القياس في جمع (النادي). وهذه دعوى لا تسلم له ولا لمن هو اكثر منه إحاطة بكلام العرب. كيف وقد استعمل هذا الجمع قديما ولم ينكر وروده أحد سواه: قال معاذ بن صرم الخزاعي فارس خزاعة: ولست برعديد إذا راع معضل ... ولا في نوادي القوم بالضيق المسك وقال مجد الدين الفيروزابادي في مقدمة القاموس المحيط:
(محمد غير من حضر النوادي) وأقره عليه الشراح، ولم يأخذه عليه أحد من النقاد الفصاح. ودعواه آن استعمل (التحرير) بمعنى الإنشاء علمي. وقد فاته أن الحر من كل شيء خياره وان التحرير في الكتاب أن يراعي فيه خيار الكلام والمعاني. وأن المتقدمين كانوا يستعملون التحرير في تجويد الخط ثم توسعوا فيه فأطلقوه على الإنشاء. قال الأستاذ المتبحر العبقري، الشيخ عبد القادر المغربي، في نقد (تذكرة الكاتب) التي تابع صاحبها اليازجي في كثير من المسائل: وهذا (يعني التحرير) عينه وقع في كلمة (الكتابة) فإن اصل معناها الخط باليد، والكاتب هو الذي يخط الكلام لا الذي ينشؤه ويهيؤه في نفسه، (كذا وردت الهمزتان مكتوبتين على الواو. ل. ع) ثم توسعوا في الكتابة فأطلقوها على الإنشاء وأطلقوا الكاتب على المنشئ. راجع مجلة المجمع العلمي العربي م 4 ص 261. - وقوله أن العدو اللدود بمعنى الشديد العداوة هو خلاف المعروف في استعمال العرب لأن اللدود عندهم بمعنى الذي يغلب في الخصومة. ولا أدري أيخلو عدو من خصومة حتى يأتينا
اليازجي بهذه الفلسفة المبتكرة؟ - وقوله إن (القهاوي) في جمع القهوة متابعة للعامة. وهو هنا يرشدنا إلى تصحيح الجمع قبل تصحيح مفرده وقد فاته أن القهوة للمكان عامية وأن الصواب أن يقال (المقهى). ونحو هذا مما أغفله ذانك الفاضلان كثير جدا في كلام اليازجي ولعلنا نفرد له مقالة إذا وفق الله. ونقد الأستاذ الجندي نقد عالم بصير. وناقد خبير. لا ترى فيه إلا السلوك على المحجة. وقرع الحجة بالحجة. اللهم إلا في الندرى مما هو ناشئ عن تشدد فيه. لرأي يرتئيه. تجاوز فيما احسب. حد التعصب. وما كان ينبغي له أن (يحجر علينا من اللغة واسعا. ويحرمنا من شهي أثمارها يانعا) مما لو رجع إلى نفسه وكلفها ما يكلفنا من الجمود على (ورد ولم يرد) وعدم التسامح في التوليد والاشتقاق، والتوسع في الاستعمال والاطلاق، لما وسعه إلاَّ أن يتهم اللغة بالعقم أو يخرج على نظامها غير حاسب لأحد حسابا، وهذا ما عيذه منه. ولقد هالني تشدده في منع (مشاهير) في جمع (مشهور)
بدعوى أنه لم يرد في كلام العرب. ولا ادري مما يضر اللغة لو قسناه - وباب القياس في لغتنا أوسع ولا شك من سم الخياط! - على الجموع التي يدعي شذوذها؟ نحن لا نريد أن نقتسر الأستاذ على النزول عن رأيه لأن ذلك لا يعنينا وليس بنافعه أيضاً إذ من المحال، أن يهجر هذا الاستعمال، وينزل عند رأي هذا المفضال، ولكننا نورد نكتة يتبين منها مبلغ تعصبه لما يذهب إليه وأن كان غير سديد. كنت يوما في مجلس شيخنا علامة العراق الأكبر الإمام الالوسي رحمه الله فورده كتاب من صديقنا الأستاذ اللغوي. الأب أنستاس الكرملي، يذكر فيه أنه رد على أحد أدباء دمشق (يعني الأستاذ الجندي) مبينا فساد قول من يذهب إلى أن جمع مفعول لا يكسر على مفاعيل سوى في ألفاظ معدودة: ويطلب إليه أن يذكر (أي الاثنين مصيب في كلامه). فأملى الإمام - على عادته - علي كلاما جاء غاية الغايات في التحقيق. ثم قدر الله سبحانه أن نفقد الإمام ويكتب الأب الكرملي تأبينا يستدل فيه بهذه الفتوى على إمامته في العلوم اللسانية، وأن يسمعها الفاضل الجندي ويطلبها مني فأبعث بها إليه. ولكن ماذا كان من أمره؟
كان من أمره إن أبى إلا الوقوف عند رأي نفسه. والتلذذ بنغمة جرسه! ونحن نورد فتوى شيخنا على طولها لتكون حجة بيد المجيرين، على المانعين، استغفر الله! بل على المانع. إذ ليس هناك غير الأديب الجندي. قال رحمه الله: (. . . نظرت فيما كتبته على لفظ (المشاهير) راداً به على من أنكر هذه اللفظة من أدباء دمشق حيث حكم أنه لا يقال مشاهير. . . فرأيتك قد وفيت له الكيل صاعا بصاع وألجمته بلجام الإسكات والإفحام غير إن خصمك لا يذعن للحق إما لجهل وإما لتجاهل. فان لفظ مشاهير أشهر من نار على علم: واستعمال البلغاء لها قديما وحديثا لا يحيط به نطاق الحصر ولا سيما وجموع لغة العرب لا تدخل تحت قاعدة من القواعد وما ذكروه في هذا الباب إنما هو تقريب لا تحقيق: فقولهم (كل ما جرى على الفعل من اسمي الفاعل والمفعول وأوله ميم فبابه التصحيح) فأعلم أن هذه القاعدة منقوضة بمئات من الكلمات. منها ملعون ومشؤوم وميمون ومسلوخ ومكسور وميسور ومفطر ومنكر ومطفل ومرضع ومجنون ومملوك ومجذوب وموقوت وموعود ومصروع ومخدوم ومضمون ومقدور ومعذول ومخنث ومسند ومسانيد ومرسل ومراسيل ومجموع ومجاميع ومكتوب ومكاتيب إلى غير
ذلك مما لا يقوم به الاحصاء؛ فهل يجوز الحكم على جميع ذلك بالشذوذ وهي تجمع على مفاعيل ويستعمل هذا الجمع فصحاء الأمة العربية صيانة لما ذكره بعض الأعاجم من القاعدة التي ما انزل الله بها من سلطان؟ على أنه لو سلمنا إن هذه اللفظة من الشواذ عن قاعدتهم فلا يجوز الحكم بإنكارها وقد وردت في الحديث النبوي لفظة (المشابيب) فقول خصمكم أنه ورد الحديث برواية أخرى وأن الدليل إذا طرقه الاحتمال: بطل به الاستدلال؛ مما يدل على مبلغ علمه في هذا المقام. فقد ذكر الأئمة أن غلبة الظن في هذا الباب تكفي. فكيف وقد وردت روايات متعددة في غالب ما اشتهروا به من الشعر العربي ولم يقل أحد من أئمة العربية أنه لا يصح التمسك، بمثل ذلك: لأن الدليل إذا طرقه الاحتمال: بطل به الاستدلال. وكل من ذكر هذه القاعدة استثنى ألفاظا كثيرة منها. فانظر إلى البغية للسيوطي وما استثناه وهو كتاب ألفه على الكافية والشافية والألفية والشذور. فأنه تعقب كثيرا من قواعدها وما أهمله أصحابها. وهكذا شراح التسهيل استثنوا كثيرا من الكلمات من هذه القاعدة: أفيقال إن كل ذلك شاذ مع أن
الشاذ ينحصر في كلمة أو كلمتين أو اكثر. ثم أن الشاذ أقسام قسم منه موافق للاستعمال لا يعاب مستعمله فلو سلم أن لفظة المشاهير شاذة فلتكن من هذا القسم. ثم أن منهم من يقول إن لفظة المشاهير هي جمع شهير: وشهير لا يجمع جمع السلامة لما في كتب الصرف: أن فعيلا بمعنى مفعول لا يجمع جمع الصحيح فلا يقال جريمون ولا جريمات ليتميز عن فعيل بمعنى فاعل: وقالوا إن لم يكن متضمنا للآفات والمكاره التي يصاب بها الحي كالقتل وغيره لا يجمع على فعلى كجريح وجرحى وقتيل وقتلى: فالشهير ليس متضمنا للمكاره فحينئذ لا محذور إذا قلنا إنها تجمع على مشاهير. وكذلك فأي منكر يلحق المستعمل لذلك بهذا المعنى. وكذا إذا قلنا إن المشاهير جمع لكلمة مشتهر وهذا الجمع لهذا المفرد مما صرحوا به مع حذف بعض الزوائد: فكيف ينكر استعمال لفظة المشاهير إذا ادعى إنها جمع مشتهر؟ فهل وقف أحد على أنهم جمعوا المشتهر جمع سلامته فقالوا (مشتهرون)؟ ما سمعنا ذلك من أحد قط. فتبين مما ذكرناه أن قد حكم على من أنكر استعمل هذه اللفظة قدح صحيح: وأن المخالف لكم فيه الحاكم بإنكار هذه الكلمة ليس وجه وجيه. انتهى كلام الأستاذ الإمام وهو من التحقيق وبعد الغور بحيث
لا يسع الجندي أن ينكره؛ وإذا بقي مصراً على رأيه وقال (أن العرب لم تستعمل المشاهير فلا يجوز لنا استعمالها مطلقا) فإنا نطالب بإثبات استعمال العرب بكلمة (الواقع) في قوله ص 59 (ما لم يصدقه به الواقع) ونحوها في كلامه مما لو طالبناه بإثباته عن العرب لضاق ذرعه: فلم يبق له بعد هذا إلاَّ أن يهجر مذهبه ويقول باطراد القياس الذي هو أحد الأدلة الجليلة على فضل لغتنا وقبولها للنمو ووسعها كل شيء من أسباب الحضارة. وقد مررت بكتاب الأستاذ الجندي على غلطات وتعابير فرأيت أن أذاكره بها تلبية لدعواه الجفلى في أول الكتاب وآخره لتدارك ما فيه من الخلل والخطأ عسى أن يجد فيما أزجيه بين يديه بغيته. قال في ص 38 (وإِلاَّ لما اعترض) وفي ص 58 (والالجاز). وإدخال اللام في جواب أن الشرطية المقرونة بلا النافية ممنوع عند الجمهور على ما اذكر منذ زمان طلبي للنحو؛ فماذا يقول الأستاذ؟ وقال في ص 23 (فأتى في أضعاف سطوره من القول البذيء بما يندي الجبين ويضحك الحزين) وأنا اعلم يقينا أن القول البذيء يندي جبين صاحب الحياء. ولكن هل يضحك الحزين؟ أنا هنا مستفيد!
وقال في ص 66 (وصفوة القول أننا قلنا) وكسر همزة إن: الذي اعلمه أن التي تقع بعد لفظ القول غير محكية كما في عبارته هذه لا تكسر بل تفتح. وقال في ص 136 (لم نقل أن اليازجي) وفتح الهمزة وحقها الكسر لأنها هنا محكية بخلاف الأولى وفي ص 72 (والجواب إن) والصواب فتح الهمزة. ولعل هذا من أغلاط الطبع؛ لا من وهام الطبع. وقال في ص 76 (سواء كان مع الدراهم أو غيرها) والصواب وضع (أم) موضع (أو) وقد وقع هذا الغلط لخصمه أيضاً فلم ينتبه إليه فيأخذه عليه كما أخذ عليه استعمال (تفقيه) وقال إنه سيضيفها فيما بعد إلى الكلمات التي استعملها وهي مخالفة لقواعد العلم أو غير مذكورة في كتبه. ولعله لم يشأ أن يشير هنا إلى كل غلط يقع فيه خصمه ولو شاء لأنكر عليه أيضاً قوله ص 82 (ومما شرحناه يتضح للناقد المنصف أن تفيقه وحذلقة بعض الكتاب. . .) حيث عطف على المضاف كلمة حذلقة قبل أن يأتي بالمضاف إليه. وهذا شائع في مقالات الكتاب فلينتبه إليه. وكتب في ص 2 (الصلوة) هكذا بالواو. وهي كذلك عند الأقدمين ولكنني رأيته غير جار على مذهبهم حيث كتب (الحرث)
في عدة مواضع هكذا (الحارث) وهم يحذفون منه الألف ما لم يتجرد منه الألف واللام. وفي ص 2 س 14 (للخواجة) الصواب حذف النقطتين من الهاء وفي ص 17 (احمد بن فارس) وص 110 (نعمان ابن المنذر) وص 140 (زياد ابن عدي) والصواب حذف همزة (ابن) من كل ذلك. وقد حذفها حيث يجب إثباتها كما جاء في ص 141 (وانشد بن دريد). وفي ص 12 و127 و133 و134 (وجائني) وفي ص 24 (البذائة) وفي 25 (يسترون ورائها) وفي 58 (الملائة) وفي 81 و152 (مؤنة) وفي 94 (وسئلت) وفي 95 (ما ورائها) وفي 115 (وجائت) وفي 118 (قرائتها - بقرائه) وفي 132 (الجزئين) وفي 138 (جائه) وفي 151 (بذائته) وفي 152 (بادئ بدئ) وفي 153 (لنرجوا) - والصواب: (وجاءني) (البذاءة) (وراءها) (الملاءة) (مؤونة) (وسألت) (وما وراءها) (وجاءت) (قراءتها - بقراءة) (الجزءين) (جاءه) (بذاءته) و (بادئ بدء) (لنرجو). وفي ص 24 (أن يطغي) والصواب حذف التحتانيتين. وفي 28 (جاحظ) الصواب (الجاحظ) وفي 78 وهو من كلام قسطاكي (فيقال لك قوم من جلدتنا أي ملتصقين بعشيرتنا) والصواب
أخوان الأدب
(ملتصقون) وفي ص 136 وهو من كلام قسطاكي أيضاً (فلينظر أولي الألباب) والصواب (أولو الألباب) وفي ص 127 و131 (الاشموني) كذا بفتح الهمزة وإنما هي مضمومة بغداد في 10 حزيران سنة 1926: محمد بهجة الأثري أخوان الأدب شكري الفضلي (1882م 1926م) أصيب عالم الأدب العراقي في أول الشهر الماضي بفقد أديب فاضل وكاتب مجيد، قضي شبابه باحثا دارسا، وكاتبا في الصحف ومؤلفا. نريد به شكري الفضلي الذي انتقل إلى دار البقاء في غرة حزيران 1926 فعزت وفاته على عارفي فضله. ورأينا من واجبنا أن نخلد له ذكرا على صفحات (لغة العرب) وقد كان رحمه الله من مكاتبيها وأنصارها الغيارى. الثقافات الثلاث: وجدت في العراق بعد منتصف القرن الماضي ثلاث ثقافات للنشء: ثقافة شرقية عربية بعيدة عن أساليب التعليم الغربي، ولا اثر للغات الأجنبية فيها إنما هي علوم الدين والعلوم العربية
يتعلمها الناشئون في المساجد أو الكتاتيب أو المدارس الأهلية. وثقافة رسمية عليها صبغة الأساليب الغربية وللغة التركية فيها المقام الأول لأنها لغة الدولة، ترافقها مبادئ اللغة الفارسية التي يفرض الإلمام بها على من يشدو شيئا من الأدب التركي، ويحوي منهاجها شيئا من مبادئ العلوم الحديثة مع علوم الدين ودروسا عربية ضئيلة واضال منها اللغات الأجنبية. تلك هي المدارس الأميرية العثمانية. وثقافة أجنبية قائمة في مدارس البعثات الدينية الغربية بين فرنسية وإنكليزية وأميركية وألمانية، للغات الأجنبية فيها الحظ الأوفر من العناية. وبلغة الضاد اهتمام ليس باليسير مع مسحة خفيفة من لغة الحكومة: أما مبادئ العلوم الحديثة فتدرس فيها بهمة وباللغات الأوربية وفي الكتب المؤلفة المطبوعة في الغرب. كما أن نمط التربية نمط المدارس الحديثة في البلاد الغربية مع مراعاة مقتضيات الزمان والمكان. ولا سيما القائمون بأمر البعثات يجهدون في محاسنة الآهلين على اختلاف طبقاتهم توسلا لجذبهم واستمالتهم. هذه هي الثقافات الثلاث التي كانت سائدة في العراق في العهد الأخير، وعلى غرارها ينطبع الناشئون فيكتسب كل منهم ما يقدم إليه منها في مسجده أو كتابه أو مدرسته. وإذا درسنا شخصية
كثيرين من المستنيرين في هذا البلد نرى اثر إحدى هذه الثقافات فيه وقد يجمع بعضهم بين طريقتين فيكتسب الاثنتين في تكوين عقليته ونفسه. وقد جمع المرحوم شكري الفضلي بين ثقافتين أهلية ورسمية، فتسنى له الوقوف على علوم الدين والعلوم العربية وبرع في اللغة التركية - لغة الحكم في ذلك العهد - فكانت له كوة اطل منها على الحضارة الغربية، في الكتب التركية المترجمة غالبا والمؤلفة نادرا في هذا الباب، كما أن رسه الكردي دفعه إلى العناية بتعلم الكردية إلى حد الإتقان بل قد أعلمني في حياته أنه نظم الشعر بهذه اللغة. موجز ترجمته: ينتمي شكري الفضلي إلى أسرة كردية إلاَّ أنه قبل أن تنتعش القضية الكردية ويظهر لها شخصية في هذه الأيام كان قد استعرب حتى أنني لما سألته أن يسطر لي بوجيز الكلام ترجمة حياته الأولى كتب أنه عربي بغدادي ومنها علمت أنه ولد في بغداد سنة 1298 رومية (1882م) وتعلم في الكتاتيب والمدارس الأميرية. ولا اعلم بالتفصيل تربيته الأولى إلاَّ أنني عرفت منه أنه بعد أن حصل ما حصل في التعليم النظامي في المدارس الأهلية
والحكومية تفرغ فترة من شبابه للتوسع في العلوم والفنون التي تلقى مبادئها في دراسة الحداثة ولا سيما الآداب الغربية والعلوم الحديثة وقد استعان في دراسة الأولى بجماعة من جلة المدرسين من الشيوخ المعروفين في عهده، وأعانه فهمه اللسان العثماني على التثقف بالعلوم الحديثة في الكتب التركية المؤلفة والمترجمة، ولم يزل يكد ويسهر الليالي في الدرس والتعليم حتى احسن اللغات الثلاث التركية والفارسية والكردية، وأمعن النظر في آداب هذه اللغات فضلا عن دراسته لغة القرآن وآدابها. اخذ يزاول الكتابة والنظم بالعربية والتركية فكتب مقالات سياسية واجتماعية يومية ونظم القصائد ناشرا آثاره في جريدتي (التعاون والزهور) البغداديتين. ولما لم يكن للأدب سوق في هذه الديار، يصعب على الكاتب أو الأديب أن ينقطع للأدب والكتابة إذ لا يدر أن عليه إخلاف الرزق ولا يكسبانه معيشته، فيضطر الأديب المتطلب المعيشة إلى أن يتعاطى عملا آخر أو صناعة أو يستخدم في وظائف الحكومة ليستعين براتبه منها على حاجياته المعاشية. وهكذا تقدم المترجم عنه إلى دواوين الحكومة للتوظف فيها. كما أنه امتهن التعليم في المدارس بضع سنين. وقد علم في مدرسة القديس
يوسف العالية في بغداد من سنة 1908 إلى سنة 1911، ولم تكن أشغاله اليومية لتحول بينه وبين القلم والكتاب فثابر على المطالعة والكتابة في الجرائد والمجلات، باللغتين العربية والتركية ونظم القصائد في اللغات الأربع التي يحسنها وقد نشر في (لغة العرب) جملة مقالات نفيسة عن الأكراد وبلادهم وأحوالهم حتى كانت الحرب العالمية فأضطهد مع من اضطهد من المفكرين والأحرار. وقد توظف بعد احتلال الإنكليز بغداد سنة 1917 رئيسا لكتاب محكمة الصلح فنظم أوراق المحاكمات باللغة العربية، ثم انتدب للتحرير في ثلاث جرائد أصدرتها السلطة العسكرية في بغداد (العرب) العربية و (إيران وظفر عراق) الفارسيتان و (تي كه يشتن راستي) الكردية. كما حرر بعد أن أوقفت هذه الجرائد في جديدة (الشرق) التي أصدرها في مدينة المنصور السيد حسين أفنان سنة 1921 مدة قصيرة وكاتب جريدة (العراق) بمقالات سياسية نحو عام. وعين عضوا في لجنة ترجمة القوانين العثمانية التي الفت في نظارة العدلية على عهد ناظرها السر بونهام كارتر في حكومة الاحتلال. وبعد أن تقلص ظل الحكم
دجلة
العسكري وتألفت الحكومة النقيبية الموقتة سنة 1921 أسندت إليه وظيفة رئيس كتاب في ديوان مجلس الوزراء وظل في هذه الوظيفة إلى أن قامت عليه نوادبه. وكان قد انتدب قبل بضعة أشهر ليكون عضوا في لجنة الترجمة الكردية التي تشرف عليها وزارة المعارف لترجمة القوانين والكتابات الرسمية ووضع الكتب الدراسية باللغة الكردية. وأصيب أخيرا بضعف شديد وزعم الطبيب الذي عالجه أنه كان مبتلى بداء السل فثقلت وطأته عليه فجأة وأودى بحياته وا أسفاه عليه! (لها تلو) رفائيل بطي دجلة كأنما دجلة والبدر قد ... أرسل نورا فوقها كاللجين قضيب بلور صفا ماؤه ... أو صارم نزه عن كل رين أو خد عذراء إذا أسفرت ... عن شنب أخجلت النيرين محمد بهجة الأثري
المعاهدة العراقية الإنكليزية التركية
المعاهدة العراقية الإنكليزية التركية المنعقدة في أنقرة في 5 حزيران سنة 1126 - كتاب فخامة رئيس الوزراء إلى معالي رئيس مجلس النواب الموقر في 12 حزيران سنة 1926 صاحب المعالي حضرة رئيس مجلس النواب: بعد التحية: اقدم إلى معاليكم في طيه المعاهدة العراقة الإنكليزية التركية المنعقدة في أنقرة في 5 حزيران سنة 1926 راجيا رفعها إلى مجلس النواب الموقر. لا يخفى أن مجلس عصبة الأمم كان قد اصدر قراره المعلوم ببقاء ولاية الموصل للعراق وجعل خط بروكسل الحد الفاصل بين العراق وتركية وأن الحكومة التركية لم تعترف بهذا القرار وعدته مجحف بحقوقها ولما كان العراق راغبا شديد الرغبة في مصافاة جيرانه وتأمين الصلات الودية ومناسبات حسن الجوار معهم بدأت المفاوضات مع تركية للتفاهم معها على حسم مسألة الحدود حسما نهائيا وحملها على الاعتراف بقرار مجلس عصبة الأمم وأخيرا تم الاتفاق على عقد هذه المعاهدة التي هي عبارة عن تثبيت الحالة الراهنة بتمامها سوى نقطتين اثنتين وهما: الأولى. ترك طريق اشوثا - الامون داخل الأراضي التركية. والثانية. إعطاء تركية عشرة في المائة من حصة الحكومة من شركة النفط التركية
لمدة 2 سنة. أما النقطة الأولى فليست بذات أهمية لأن الأراضي التي ستضم إلى تركية من جراء إعطائها هذا الطريق هي عبارة عن بضعة أميال مربعة فقط وأما النقطة الثانية فلم تر الحكومة بدا من الموافقة عليها بغية تأمين السلم مع تركية وتأسيس العلاقات الودية معها. والحكومة تعتقد أن عقد هذه المعاهدة صفقة رابحة وإبرامها في مصلحة البلاد ومنفعتها لأن العراق قد حصل فيها على فوائد جزيلة منها اعتراف تركية بالعراق كدولة مستقلة وتأمين استقرار الأحوال في المنطقة الشمالية وذلك بتأليف لجنة الحدود الدائمة المنصوص عليها في المادة 11. لقد ابرم المجلس الوطني التركي المعاهدة بصورة مستعجلة في اليوم السابع من هذا الشهر وفي اليوم الثامن منه بحث عنها وزير الخارجية البريطانية في مجلس عصبة الأمم وطلب موافقته على التعديل الطفيف الذي طرأ على خط بروكسل فوافق المجلس على ذلك. أن مصلحة البلاد تتطلب التعجيل في إبرامها لا سيما وأن المجلس الوطني التركي قد فعل ذلك قبلا وعليه ترجو الحكومة أن يتذاكر فيها المجلس العالي بصورة مستعجلة. اقبلوا فائق الاحترام رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون نص المعاهدة صاحب الجلالة ملك العراق: وصاحب الجلالة ملك المملكة المتحدة بريطانيا العظمى وارلندة والممتلكات البريطانية في ما وراء البحار وانبراطور الهند من جهة وصاحب الفخامة رئيس الجمهورية التركية من جهة أخرى لما كانوا قد اخذوا بعين الاعتبار ما يختص بتعيين الحدود ما بين تركية والعراق من مواد المعاهدة الممضاة في لوزان في 24 تموز 1923 ولما كانوا قد اعترفوا بالعراق دولة مستقلة وبالصلات الخصوصية الناشئة
من المعاهدات ما بين العراق وبريطانية العظمى المعقودة في 10 تشرين الأول 1922 وفي 13 كانون الثاني 1926 ولما كانوا راغبين في اجتناب كل حادث في منطقة الحدود يخشى منه تعكير صفو الوفاق وحسن التفاهم ما بينهم: قرروا عقد معاهدة لأجل هذا الغرض وعينوا مفوضين عنهم: صاحب الجلالة ملك العراق: الزعيم نوري السعيد سي. أم. جي. دي. اس. او. وكيل وزير الدفاع الوطني في العراق. صاحب الجلالة ملك المملكة المتحدة بريطانية العظمى وارلاندة والممتلكات البريطانية في ما وراء البحار وانبراطور الهند: الريت هونورابل السر رونلد تشارلس لندسي كه. سي. ام. جي. - سي. بي. سي. في. او - سفير صاحب الجلالة ملك بريطانية العظمى فوق العادة ومفوضه لدى الجمهورية التركية. وصاحب الفخامة رئيس الجمهورية التركية: صاحب العطوفة الدكتور توفيق رشدي بك وزير الأمور الخارجية في الجمهورية التركية ونائب أزمير. وهؤلاء بعد أن اطلع كل منهم على أوراق اعتماد الآخرين ووجدها طبق الأصول الصحيحة المرعية اتفقوا على المواد الآتية: الفصل الأول - الحدود ما بين تركية والعراق المادة الأولى - أن خط الحدود ما بين تركية والعراق قد تعين نهائيا حسب التخطيط الذي اقره مجلس جمعية الأمم في جلسته في 29 تشرين الأول 1924 والمبين فيما يلي: وصف خط بروكسل ملحق بهذا ومع ذلك فالخط المشار إليه فيما تقدم قد عدل جنوبي الامون واشوثا بحيث
يجعل ذلك القسم من الطريق المخترق الأرض العراقية بين هذين المكانين داخلا ضمن الحدود التركية. المادة الثانية - أن خط الحدود المبين في المادة المذكورة مع مراعاة الفقرة الأخيرة من المادة الأولى هو الحد ما بين تركية والعراق، وحسبما مرسوم على الخريطة الملحقة بهذه المعاهدة بمقياس 250000م وإذا وقع اختلاف بين النص والخريطة يعول على النص. المادة الثالثة - أن الحدود المبينة في المادة الأولى يعهد برسمها على الأرض إلى لجنة التخطيط. وهذه اللجنة تؤلف من ممثلين اثنين تعينهما الحكومة التركية ومن ممثلين آخرين تعينها الحكومتان البريطانية والعراقية بالاشتراك معا ومن رئيس يعينه رئيس الاتحاد السويسري إذا تفضل بقبول ذلك من الرعايا السويسريين. تجتمع هذه اللجنة في اقرب ما يمكن من الزمان على أن يكون ذلك مهما كانت الأحوال في خلال الأشهر الستة التي تلي وضع هذه المعاهدة موضع التنفيذ. تتخذ قرارات هذه اللجنة بأكثرية الآراء ويتحتم امتثالها على جميع المتعاقدين السامين وتبذل لجنة التخطيط جهدها في كل الأحوال في اتباع التعاريف الواردة في هذه المعاهدة بكل دقة. تقسم نفقات اللجنة بالسوية ما بين تركية والعراق. تتعهد الدول ذوات المصلحة بتقديم المساعدة للجنة التخطيط أما مباشرة أو بواسطة السلطات المحلية في كلما يختص بإقامتهم وما يحتاجون إليه من الأيدي العاملة والمواد (من أعلام وأنصاب) اللازمة للقيام بمهمتها. ويتعهدون علاوة على ذلك بالمحافظة على علامات المساحة والأعلام أو أنصاب الحدود التي تقيمها اللجنة: تنصب الأعلام على أبعاد تمكن رؤية الواحد من الآخر وترقم وتثبت مواقعها وأرقامها في خريطة رسمية. يحرر محضر التخطيط النهائي والخرائط والوثائق الملحقة عن ثلاث نسخ أصلية ترسل اثنتان منها إلى الدول المتاخمة والثالثة إلى حكومة الجمهورية الافرنسية
لأجل تسليم نسخ صحيحة منها إلى الدول الموقعة في معاهدة لوزان: المادة الرابعة - أن جنسية سكان الأراضي المتروكة للعراق بموجب أحكام المادة الأولى تعين بمواد 30 - 36 من معاهدة لوزان ويوافق المتعاقدون السامون على استمرار حق الخيار الوارد في المواد 31 - 32 - 34 من المعاهدة المذكورة مدة اثني عشر شهرا ابتداء من دخول هذه المعاهدة في حيز التنفيذ ومع ذلك تحتفظ تركية بحرية العمل في الاعتراف بخيار من يختار الجنسية التركية من الأهالي المشار إليهم أعلاه؛ المادة الخامسة - يقبل كل من المتعاقدين السامين بخط الحدود المعين في المادة الأولى خط نهائيا للحدود مصونا من كل تعرض ويتعهد باجتناب كل محاولة لتبديله. الفصل الثاني - حسن الجوار المادة السادسة - يتعهد المتعاقدون السامون تعهدا متبادلا بان يقلوا بكلما في استطاعتهم من الوسائل استعدادات شخص مسلح أو أشخاص مسلحين يقصد بها ارتكاب أعمال النهب والشقاوة (قطع الطرق) في المنطقة المجاورة للحدود وبأن يمنعوهم من اجتياز الحدود. المادة السابعة - عندما يبلغ السلطات ذوات الاختصاص المعينة في المادة الحادية عشرة أن هناك استعدادات يقوم بها شخص مسلح أو أشخاص مسلحون بقصد ارتكاب أعمال النهب والشقاوة في المنطقة المجاورة للحدود يجب أن تنذر تلك السلطات بعضها بعضا بدون تأخير. المادة الثامنة - تتبادل السلطات ذوات الاختصاص المذكورة في المادة 11 جميع ما يحدث من أعمال النهب والشقاوة في أراضيها بأسرع ما يمكن وعلى السلطات المبلغة أن تسعى بكل ما لديها من الوسائل في منع مرتكبي تلك الأعمال من اجتياز الحدود. المادة التاسعة - إذا تمكن شخص مسلح أو أشخاص مسلحون وقد ارتكبوا جناية أو جنحة في منطقة الحدود المجاورة من الالتجاء إلى منطقة الحدود الأخرى فعلى سلطات هذه المنطقة الأخيرة توقيف هؤلاء الأشخاص لوضعهم
وفقا للقانون هم وغنائمهم وأسلحتهم تحت تصرف سلطات الفريق الأخر الذين هم من رعاياه. المادة العاشرة - أن منطقة الحدود التي ينفذ فيها هذا الفصل من المعاهدة هي كل الحدود الفاصلة ما بين تركية والعراق؛ كذلك منطقة تمتد من جانبي الحدود إلى مسافة 75 كيلو مترا داخلا. المادة الحادية عشرة - أن السلطات ذوات الاختصاص المكلفة بتطبيق هذا الفصل من المعاهدة هي: لتنظيم التعاون العام ومسؤولية القيام بالتدابير الواجب اتخاذها: من الجانب التركي - آمر الحدود العسكري من الجانب العراقي - متصرفا الموصل وأربيل ولتبادل المعلومات المحلية والتبليغات المستعجلة: من الجانب التركي - السلطات المعينة بموافقة الولاة من الجانب العراقي - قائمقامو زاخو والعمادية والزيبار وراوندوز وللحكومتين التركية والعراقية لأسباب إدارية تعديل قائمة سلطاتهم ذات الاختصاص على أن يعين ذلك أما بواسطة لجنة الحدود الدائمة المنصوص عليها في المادة 13 أو بالطريقة الدبلوماسية. المادة الثانية عشرة - على السلطات التركية والسلطات العراقية أن تمتنع من كل مخابرة ذات صبغة رسمية أو سياسية مع رؤساء العشائر أو شيوخها أو غيرهم من أفرادها من رعايا الدولة الأخرى الموجودين فعلا في أراضيها وعليها أن لا تجيز في منطقة الحدود تشكيلات للدعاية ولا اجتماعات موجهة ضد أي الدولتين. المادة الثالثة عشرة - تسهيلا لتنفيذ أحكام هذا الفصل من هذه المعاهدة بوجه عام؛ حفظا لصلات حسن الجوار على الحدود؛ تؤلف لجنة حدود دائمة من عدد متساو من موظفين يعينون من وقت إلى آخر لهذه الغاية من قبل الحكومتين التركية والعراقية وتجتمع هذه اللجنة على الأقل في كل ستة أشهر مرة واحدة أو اكثر إذا اقتضت الحاجة. ومن واجب هذه اللجنة التي تجتمع مناوبة في
تركية والعراق أن تبذل جهدها في تسوية كل المسائل المتعلقة بتنفيذ أحكام هذا الفصل من المعاهدة تسوية ودية وكل مسائل الحدود الأخرى التي لا يمكن التوصل إلى الاتفاق على حلها بين موظفي مناطق الحدود المختصين بها. تجتمع اللجنة للمرة الأولى في زاخو خلال شهرين بعد دخول هذه المعاهدة في حيز التنفيذ. الفصل الثالث - أحكام عامة المادة الرابعة عشرة - بقصد توسيع نطاق المصالح المشتركة بين البلادين تدفع الحكومة العراقية إلى الحكومة التركية لمدة 25 سنة ابتداء من دخول هذه المعاهدة في حيز التنفيذ. عشرة من المئة من كل عائداتها: (أ) شركة النفط التركية عملا بالمادة العاشرة من امتيازها المؤرخ ب 14 آذار 1925 (ب) الشركات أو الأشخاص الذين قد يستغلون النفط عملا بأحكام المادة السادسة من الامتياز المتقدم ذكره (ج) الشركات الفرعية التي تؤلف عملا بأحكام المادة 33 من الامتياز المتقدم ذكره المادة الخامسة عشرة - توافق حكومة تركية وحكومة العراق على الدخول في المفاوضات بأسرع ما يمكن لعقد معاهدة تسليم المجرمين وفقا للعادات المألوفة بين الدول المتحابة. المادة السادسة عشرة - تتعهد حكومة العراق بعدم إزعاج أو إيذاء الأشخاص المقيمين في أراضيها بسبب ما أبدوه من الآراء وسلكوه من المسالك السياسية في مصلحة تركية حتى التوقيع في هذه المعاهدة وبمنحهم عفوا تاما شاملا وتلغى جميع الأحكام الصادرة من هذا القبيل وتوقف جميع التعقيبات الجارية. المادة السابعة عشرة - تدخل هذه المعاهدة في حيز التنفيذ عند تبادل وثائق الإبرام. يبقى الفصل الثاني من هذه المعاهدة معمولا به لمدة عشر سنوات ابتداء من وضع هذه المعاهدة موضع التنفيذ. لكل من المتعاقدين الحق بعد مرور سنتين على وضع هذه المعاهدة موضع التنفيذ في فسخ هذا الفصل في كل ما يختص به منه ولا يصبح الفسخ نافذا إلا بعد مرور سنة على الإعلام بذلك. المادة الثامنة عشرة - يجب إبرام هذه المعاهدة من قبل كل من المتعاقدين السامين وتبادل وثائق الإبرام في أنقرة بأسرع ما يمكن. ترسل نسخ من هذه المعاهدة إلى كل من الدول الموقعة في معاهدة لوزان وشهادة على ذلك وقع المفوضون المذكورون أعلاه في هذه المعاهدة واثبتوا أختامهم فيها. وكتب في أنقرة في 5 حزيران 1926 من ثلاث نسخ توقيع توقيع توقيع (ت رشدي) (آر. سي. لندسي) (نوري السعيد) (لها تلو)
حروف الكسع في الألفاظ العربية والمعربات
حروف الكسع في الألفاظ العربية والمعربات المراد بحروف الكسع، ما يزاد منها في آخر الكلام للدلالة على معنى جديد يزيد اللفظة الأولى، قال الأزهري: العندليب: رباعي اصله العندل ثم مد بياء، وكسعت بلام مكررة، ثم قلبت ياء. ويقال أيضاً لهذه الحروف حروف الإلحاق ومنه قول النحاة يلحق بآخر الفعل المضارع نون مشددة مفتوحة أو نون ساكنة
يقال لها نون التوكيد. وتسمى أيضاً الحروف المذيلة، لأنها تزاد في أواخر الكلم وهي بالإنكليزية واللغة العربية من اللغات القديمة التي كسعت بعض الألفاظ الثلاثية فصيرتها رباعية. لأحداث معنى لم يكن في الأصل الثلاثي. ومن الكواسع المطردة في لغتنا تاء التأنيث اللاحقة في أواخر الأسماء والصفات المذكورة فيقولون في عم وخال وأخ: عمة وخالة وأخت (وكتبت الهاء تاء مبسوطة لأن الخاء ساكنة والكلمة ثلاثية، وألا ما جاز ذلك). هذا في الأسماء وقالوا في الصفات حسنة وحلوة وعربية في تأنيث حسن وحلو وعربي. وأما في الأفعال فأنهم بسطوا التاء للإشارة إلى الفعلية فقالوا: نجحت وسمعت وانقادت لتأنيث نجح وسمع وانقاد. وجعلوا هذه التاء في الأول للإشارة إلى المضارعية فقالوا: تنجح وتسمع وتنقاد في مؤنث ينجح ويسمع وينقاد. وأصل هذه التاء أو الهاء مقطوع من تاء (أنثى) التي هي في اصل الوضع تاء مثناة لا تاء مثلثة. وتثليثها حديث وقد وقع بعد التثنية بكثير. يشهد وجودها بالمثناة في سائر اللغات السامية. فإنها منقطعة بثنتين في بعض اللغات وتلفظ بثنتين. ومنها منقطة بثنتين أيضاً لكنها تلفظ بثلاث. ومنها تنقط بثلاث وتلفظ بثلاث. لكن وجود
المؤنثات العربية منقطة بثنتين في أواخرها تدلنا على أن اصل تلك التاء كانت منقطة بثنتين. ومن الكواسع المطردة في العربية: ألف التثنية في الرفع وياء التثنية في النصب والجر فيقولون في تثنية رجل وامرأة وحسن وحسنة: رجلان وامرأتان وحسنان وحسنتان. وهذه الألف مقطوعة من لفظة (اثنان) التي يقال فيها في حالتي النصب والجر اثنين وعليه انهم لما استثقلوا قولهم رجل اثنان وامرأة اثنتان قالوا: رجلان وامرأتان. فأفادوا في كلمة ما كانوا يريدون أن يدلوا عليه بكلمتين. ومن الأدوات المذيلة واو الجماعة في جمع المذكر السالم المرفوع وتقلب ياء في النصب والجر. فيقولون الكاتبون والكاتبين والأصل فيهما الواو. وهي مقطوعة من (كوم) فقولهم الكاتبون اصله (كاتب كوم) أي جماعة من الكتاب، فاكتفوا بالواو من الكوم للإشارة إلى ما يريدون. وأما الياء فهي مبدلة من الواو للدلالة على حالة النصب ويحتمل أن يكون اصل القوم أو الجوم (الكوم) فميزوا لفظة عن لفظة تمييز العاقل وهو قوم أو جوم من غير العاقل وهو كوم. وأما تاء جمع السالم من المؤنث كما في مومنات جمع مومنة
فان التاء فيها مقطوعة من كلمة (فئة) فقولهم مومنات معناه فئة من المومنة. وهكذا استغنوا بحرف من الكلمة للدلالة على معنى الكلمة كلها. وأما الألف الزائدة قبل تاء الجمع فإما أن تكون مقلوبة عن همزة فئة. وأما أنها زيدت تمييزا لها من المؤنثة المفردة أي من قولهم مؤمنة. ومن هذا القبيل ياء النسب إلى الأعلام من رجال ومدن. وما وقع في اللغات العربية والسامية وقع مثله في اللغات التي ليست من أخواتها. ونكتفي بهذا القدر من الشواهد لان ما بقي منها هو على هذا المنحى وكذلك القول في لغات الأجانب. ولما كان عصر انحطاط العربية في القرون المتوسطة اتخذ العرب ألفاظا جمة من لغة الفرس وجروا فيها جري الأجانب في لغتهم، فقالوا: أستاذ دار وديوان خانه وطرازدان وتركستان وبيرقدار، لأستاذ الدار والمضيف وغلاف الميزان وديار الترك وحامل البيرق، فلم يذيلوا الألفاظ كما فعل السلف الفصيح اللسان. بل جاروا في أسلوبهم الفرس قصورا منهم وعجزا. أما اليوم وقد اختلطنا بالأجانب الإفرنج وأخذنا في نقل علومهم العصرية إلى لغتنا. نرانا في حاجة إلى العودة إلى مناحي السلف في ضربنا الألفاظ على مضاربهم ووشيبا على طرازهم.
فمن ذلك ألفاظ كثيرة طبيعية وطبية وكيموية تنتهي أواخرها بأدوات هي كواسع لها، فتكون كواسع في لغتنا أيضاً من ذلك قولهم كبريتاة وخلاة وليموناة وهي في لغة على أن الجميع يكتبونها كبريتت وخلات (أو آسيتت وهذه في منتهى القبح) وليمونات (ومنهم من يقول سترات وهي من المضحكات المبكيات). أما أنه يجب علينا اتخاذ هذا المصطلح فواضح مما قدمناه من أعمال السلف قبل الإسلام بمئات من السنين في وضع المذيلات وهناك سبب آخر وهو: ليس لنا مبنى نعبر به عن الفكر الحديث وأن وجدنا منه ما يقاربه فأنه لا يقوم مقامه ولا يفيد مفاده، فمن الواجب التمسك به لعدم استغنائنا عنه. والسبب الثالث هو أن هذا المصطلح دخل في لغة العلم مهما كان أهلها فلقد دخل في اللغات الحامية والآرية (أو اليافثية) فلم يبق علينا إلا إدخالها في لغتنا السامية (وقد دخلت في العبرية الحديثة). وكتابة تلك التاء بصورة هاء في الآخر من الواجب للدلالة على أفرادها، فإن العرب جعلوا الألف والتاء المبسوطة (هكذا ات) للألفاظ المجموعة، ولذلك لا تراها في لفظة مفردة، مصدرا كانت أو اسما أو نعتا. وحروفها تزيد على الأربعة. إلا رأيتها
مكتوبة على الوجه الذي نوجهك إليه فقد قالوا: ملاشاة ومباهاة ومساعاة في المصادر، وموماة وسعلاة وسلحفاة في الأسماء وعقاب عقنباة وعبنقاة وبعنقاة في الصفات. ولا ترى كلمة واحدة في بحر اللغة كلها وفيها المفردة منتهية بألف وتاء؛ بل بألف وهاء، ليس إلا. وإنما فعلوا ذلك ليسهل الجمع عليهم ويتميز عن المفرد فقالوا في جمع تلك الكلم: ملاشيات ومباهيات ومساعيات وموميات (في الجمع السالم وموام في الجمع المكسر وهو المشهور) وسعليات (وفي المكسر سعال وهو المشهور) وسلحفيات (وسلاحف في المكسر وهو المشهور) وعقبان عقنبيات وعبنقيات وبعنقيات. أما الذين قالوا في جمع الألفاظ المذكورة في لسانهم كبريتاتات وخلاتات أو آسيتاتات وليموناتات فقد نطقوا بالهندية أو الكردية أو بالصينية أو بلغة لا نعرف نعتها. هذا فضلاً عن أن العربي الصميم إذا سمع الكبريتات والخلات والسترات تصور أنه يسمع ألفاظا مجموعة، مفرداتها كبريتة وخلة وسترة وهناك البلاء وصريف الأسنان. فالكبريتة القطعة من الكبريت على ما هو معهود في لغتنا من أن الهاء (أو التاء) اللاحقة بعض الأسماء المحتملة التجزئة تفيد الكسرة أو القطعة أو الطائفة منها. أما الخلة فللطائفة من
الخل، وابن المخاض، وابنة المخاض، والثقبة الصغيرة. أو عام والرملة الفردة، والخمر والحامضة منها أو المتغيرة بلا حموضة والمراة الخفيفة ومكانة الإنسان الخالية بعد موته والحاجة والفقر والخصاصة والخصلة إلى غيرها من المعاني: فانظر بعد هذا إلى ما يستهدف له الكاتب إذا أصر على كتابة تلك الألفاظ بتاء مبسوطة. والفضيحة تظهر في سترات لمن لا يقول ليموناة. فأنه يجمع سترة والسترة في كلامنا الفصيح: ما يستر به. وقد غلبت على ما ينصه المصلي قدامه من سوط أو عكازة أو غير ذلك سواء ستر جسمه بتمامه أم لا. وسترة السطح: ما يبنى حوله. والسترة في لغتنا العامية العصرية: ما يستر به الرجل أعلاه إلى عورته. فأي المعنى يريد من يقول السترات أفليس خير له أن يقول ليموناة لأن سترات مشتقة من (سترون) الإفرنجية وسترون معناه الليمون فتكون ستراة ليموناة لا غير؟ ومن هذا القبيل الألفاظ الإفرنجية العلمية المنتهية بياء ونون فيقولون بنين (لا كافئين أو قهوئين كما نطق بها بعض جهلة المعربين) وجبنين (وبعضهم قال كاسئين أو كازئين ولو قالوا كاسين أو كازين لكانا دون الأولين شناعة وقباحة) وحيوين
(وبعضهم يقول فيتامين) فان حرفي هذا الكسع (أي الياء والنون) يدلان على خلاصة تستخلص من المادة التي تكسع بها. فالبنين أو القهوين شبه قلوي ينزع أو يجرد من البن (الذي يسميه البعض قهوة وهو سائغ جائز) وهو مقو للقلب ومنبه له ويتخذ في الطب كثيرا. - والجبنين مادة تقوم اغلب ما في اللبن من الأحين أو جوهر الاح والحيوين جوهر لم يحل تحلية كيمية لكنه يدخل في الأعضاء على يد الأطعمة فيسهل تمثيلها في البدن. ومثل هذه الكلم المنتهية بهذا التذييل كثيرة ولا يمكن الاهتداء إلى معناها ما لم تعد اللفظة إلى الأصل الراجعة إليه ويفرد في آخرها هذا الكسع المركب من حرفين الناطق بالضاد إذا عرف موطن هذا الكسع والغاية منه، ورآه في آخر كلمة عربية انجلى له معناه بخلاف ما إذا سمع كافئين وكاسئين أو فيتامين. وهناك ألفاظ تنتهي بواو وزاي (والبعض ينطق بها بواو وعين والأول احسن لما نبينه) للدلالة على سكر يكون في المادة التي تكسع به مثل غلوكوز وسكروز ولكتوز فيقال في تعريبها دبسوز وصقروز ولبنوز. لأن غلوكوز مركبة من غلوكوس باليونانية ومعناه الحلو أو الدبس فإذا كسعت الكلمة. كسعت أصولها أي غلوك فإذا علمت أن غلوك هو الدبس قلت دبسوز ولا
يجوز أن تكسعها بالسين لان السين من علامات الأعراب عندهم فحينئذ يظن القارئ أن دبسوس هي كلمة يونانية اصلية لم تذيل بشيء يغير جوهر معناها. اما سكروز فيجب أن يقال صقروز لأن العرب عرفت ضربا من السكر منذ العهد القديم وهو سكر التمر المعروف بالصقر. فسكروز وهو صقروز ويراد به سكر الابلوج (قصب السكر) المشابه له في أجزائه. كما أن الدبسوز سكر العنب والنشويات وأما اللبنوز فهو سكر اللبن. وهنا يظهر الخطأ في قولك لكتوس إذا استعملت الكلمة الإفرنجية وكسعتها بالسين لا بالزاي، أي إذا قلت لكتوس لا لكتوز فانك توهم أن الكلمة أصلية لا كسع فيها. ولهذا وجب التمييز بين كسع وكسع فضلا عن أن العود إلى الكلمة العربية وكسعها بالواو والزاي اصبح من اللازم اللازب عليك. ومن هذا القبيل ما يكسع بحرفي (يت) فيقال في من: منيت فلا تقل مانيت لأن الكلمة الإفرنجية سامية الأصل من (من) والمراد بالمنيت سكر يكون في المن وفي بعض الفطر والكرفس إلى غيرها. - ويقال حلويت في ما يسمى بالإفرنجية دلسيت وهي مادة سكرية تكون في ذنيب الثعلب (هو اسم نبات يعرف عند الإفرنج باسم وعند العراقيين باسم ذنيب
الواوي (أي ابن آوى) وذنيب الثعلب. لأن سنبله يشبه ذنب أحد هذين الحيوانين) - ويقال غبيريت وهو من المواد السكرية ويكون في الغبيراء. - والعضليت (اينوزيت) وهو سكر يكون في العضلات أي في لحمها ولحم الرئة والكلية والكبد والطحال والمعثكلة (البنكرياس) والدماغ. - ومثلها الصنوبريت (البينيت والبلوطيت (اي كرسيت وسي الحلويت (أي اليسودولسيت وذلك أن الكلمة (يس) اليونانية مقلوبة السي العربية ومعناها المساوي والمثل والمشابه والمماثل في كلتا اللغتين ويجوز لك أن تقول: سيحلويت أو سحلويت من باب النحت وهو هنا بين وحسن، لأن معناه (مشابه الحلويت) أو (مساوي الحلويت) فركب من المضاف والمضاف إليه وهذا ما يرى مثاله في قول الأقدمين عبشمس في عبد شمس، ومرقسي في المنسوب إلى امرئ القيس والشفعنتي في المنسوب إلى الشافعي مع أبي حنيفة. على أننا لا نوافق بعضهم في قولهم الحامض الكبريتيك والحامض الكبريتوس وذلك لأن الكواسع في الكبريتيك والكبريتوس موصوفية النزعة لا وصفيتها. ولهذا نخير عليها: الحامض الكبريتي في الأول والحويمض (مصغرة) الكبريتي في
أوضاع عصرية
الثاني وهاتان الصيغتان أدل على المطلوب من الإفرنجيتين. ففي قولنا الحويمض إشارة إلى أن الحامض فيه قليل بخلاف الثاني أي الحامض فأنه غير مصغر فتدل صيغته على كثرته. أما المنتهيات ب (ور) مثل كبريتور (سلفور) وفحمور (كربور) وسيانور فيبقى على حاله لخلو لغتنا من نظير يؤدي معناه. أوضاع عصرية في عهد الحضارة العباسية دفع الناطقون بالضاد حضارتهم إلى أعلى مستوى كان يعرف في ذلك العهد؛ ولما عربوا كتب الأجانب وضعوا ألفاظا لم تكن معروفة قبل زمنهم؛ وقد ألجأتهم الضرورة إلى وضعها ليعبروا عن حاجاتهم. نعم أننا لا ننكر انهم قد ادخلوا ألفاظا جمة من السنة الأغراب ريثما يتسنى لهم وضع ما يقابلها في لغتهم أو يقبض الله لهم لغويين يرأبون الصدع. وأن أنكرت علي هذه الحقيقة أتيت إليك بكلام أحد شهود ذيالك العصر مثبتا لنا هذه الحقيقة: قال في طبقات الأطباء (47: 2) (ابن جلجل هو أبو داود سليمان بن حسان يعرف بابن جلجل كان طبيعيا فاضلا خبيرا بالمعالجات جيد التصرف في صناعة الطب وكان في أيام هشام المؤيد بالله وخدمه بالطب وله بصيرة واعتناء بقوى الأدوية المفردة وقد فسر أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس العين زربي وافصح عن مكنونها وأوضح
مستغلق مضمونها وهو يقول في أول كتابه هذا: أن كتاب ديسقوريدس ترجم بمدينة السلام في الدولة العباسية في أيام جعفر المتوكل وكان المترجم له اصطفن بن بسيل الترجمان من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي وتصفح ذلك حنين بن إسحاق المترجم فصحح الترجمة وأجازها فلما علم اصطفن من تلك الأسماء اليونانية في وقته له اسما في اللسان العربي فسره بالعربية وما لم يعلم له في اللسان العربي اسما تركه في الكتاب على اسمه اليوناني (اتكالا منه على أن يبعث الله بعده من يعرف ذلك ويفسره باللسان العربي إذ التسمية لا تكون إلا بالتواطؤ من أهل كل بلد على أعيان الأدوية بما رأوا وأن يسموا ذلك أما باشتقاق وأما بغير ذلك بتواطئهم على التسمية) فاتكل اصطفن على شخوص يأتون بعده ممن يعرف أعيان الأدوية التي لم يعرف هو لها اسما في وقته ويسميها على قدر ما سمع في ذلك الوقت. فيخرج إلى المعرفة). ثم قال ابن أبي اصيبعة في كتابه المذكور طبقات الأطباء (48: 2) قال ابن جلجل: وفي صدر دولته (أي دولة المستنصر الحكم) مات نقولا الراهب الذي بعثه الملك ارمانيوس ملك القسطنطينية في سنة 337هـ فصحح ببحث هؤلاء النفر الباحثين عن أسماء عقاقير كتاب ديسقوريدس تصحيح الوقوف على
أشخاصها بمدينة قرطبة خاصة، بناحية الأندلس ما أزال الشك فيها عن القلوب وأوجه المعرفة بها بالوقوف على اشخاصها، وتصحيح النطق بأسمائها بلا تصحيف إلاَّ القليل منها. الذي لا بال به ولا خطر له؛ وذلك يكون في مثل عشرة أدوية). فهذا كلام يدل على أن العرب توصلوا في الأخر إلى وضع ألفاظ عربية صرفة لما كان معروفا عند الإغريقيين. فلينتبه له. ونحن نقتص اثر هؤلاء الأعلام ونقول: ما من كلمة أعجمية إلا ويمكن أن يوضع لها في العربية ما يؤدي معناها احسن تأدية، بل ربما كانت الكلمة العدنانية أو في بالمقصود من الأعجمية التي لم تبلغ مؤدى المطلوب إلا تواطؤا وصقل الألسنة لها والاجتماع على قبول ذلك اللفظ لما يعقده بناصية أولئك الواضعون له. من الألفاظ التي نحتاج إلى أن نعرف مقابلها عندنا كلمة الإنكليزية أو الفرنسية. والمراد به مجموع عظام الإنسان على تركيبها الطبيعي فان السوريين قالوا في هذا المعنى: (هيكل عظام) والكلمة الإفرنجية يونانية الوضع معناها الضامر، الضعيف، اليابس، أو المنهضم الخاصرتين ثم توسعوا فيها فأطلقوها على مجموع عظام الإنسان بوضعها الطبيعي. والحال إننا إذا حذفنا من اليونانية علامة الإعراب أي يبقى عندنا أي سقل ويقل لفظة عربية معناها معنى اليونانية ومبناها مبنى اليونانية. فلا ندري أنقل اليونان عن العرب لفظتهم أم عرب الناطقون بالضاد كلمتهم عن الإغريقيين والذي أرجحه أنا هو الأول. قال في تاج العروس: السقل ككتف: الرجل أنهضهم السقلين أي الخاصرتين، وهو من الخيل القليل لحم المتنين خاصة. اه. فهذا كلام واضح أن الواديين من عين واحدة. وفيها لغة أخرى الصقل بالصاد. قال في التاج أيضا: الصقل القليل اللحم من الخيل طال صقله أو قصر وقلما طالت صقلة فرس إلاّ قصر جنباه. وذلك عيب ويقال: فرس صقل بين الصقل: إذا كان طويل الصقلين وقال أبو عبيدة: فرس صقل: إذا طالت صقلته وقصر جنباه وأنشد: (ليس بأسفي ولا أقنى ولا صقل)
ورواه غيره ولا سغل. والأنثى صقلة والجمع صقال. اه وعلى هذا لنا لغة ثالثة وهي سغل. قال في التاج أيضا: السغل ككتف الصغير الجثة الدقيق القوائم الضعيف. عن الليث. . . أو السغل المضطرب الأعضاء. أو السيئ الخلق والغذاء من الصبيان كالوغل. يقال صبي سغل بين السغل، أو السغل المتخدد المهزول من الخيل. وسغل الفرس سغلا تخدد لحمه وهزل. قال سلامة ابن جندل يصف فرسا: ليس باسغي ولا اقني ولا سغل ... يسقي دواء ففي السكن مربوب وقد سغل كفرح في الكل قال الصاغاني: وهي المعاني الثلاثة والسغل بالسكون الذي صدر به في هذه المعاني عن بعضهم. ومما يستدرك عليه. الاسغال الأغذية الرديئة كالاسغان ذكره الأزهري في تركيب سغن وهو يقول ابن الأعرابي. أهـ وقال في مادة وغ ل: الوغل من الرجال: الضعيف النذل الساقط المقصر في الأشياء جمعه أوغال. . . والوغل السيئ الغذاء كالوغل ككتف وهذه عن سيبويه. وذكر في مادة سفن: الآسفان أهمله الجوهري. وهو هكذا بالفاء في النسخ والصواب الآسفان بالغين المعجمة. قال ابن العربي (كذا ولعله ابن الأعرابي اللغوي الشهير) هي الأغذية الرديئة ويقال باللام أيضاً كما في التهذيب. أهـ ومما جاء في هذا المعنى والمبنى ما ذكره السيد مرتضى في مادة سقن قال: الاسقان: الخواصر الضامرة. أورده الأزهري في التهذيب خاصة عنه. فهذه المواد كلها مع مشتقاتها راجعة إلى معنى واحد اصلي هو: الضعيف الضامر من الناس وغيرهم ثم توسعوا فيه وأطلقوه على مجموع العظام. فما علينا إلا أن نسلك في الطريق التي سلكوا فيها ونكتفي بالكلمة الواحدة عن عدة كلمات لا تقوم مقامها.
ومن جملة الأدلة التي تقنعنا باتخاذ الصقل ككتف بمعنى اللفظة الإفرنجية أن أبناء الغرب يقولون أن كلمتهم تفيد معنى الشخص المهزول كل الهزل الضامر الخواصر وهي كذلك في العربية فإذا قالوا فمعناه هذا صقل ولهذا لا نحتاج إلى أن ننطق بغير هذا التعبير المؤدي للمعنى كل التأدية. ويريد الإفرنج بكلمتهم المذكورة معنى الفكرة المجملة لما يريدون أن ينشئوه من الموضوع فيقولون أي مجمل فكرة المأساة. وأنت تتمكن من أن تقول في لغتك: صقل المأساة من باب المجاز كان للمأساة صقالا وصقالها مجموع فكرها غير حال بحلي الكلام على أنواعها وقد يطلق عندهم الصقل على مجموع خشب السفينة أو نحوها إذ يعتبرون عيدانها بمنزلة الخواصر للحيوان فإذا قالوا: هذا صقل السفينة فإنهم يفهمون مجموع خشبانها. وكذا يصح هذا التعبير في العربية من باب المجاز. فانظر إلى لغتنا هذه وغناها وكيف إنها تقوم بما تنتدب إليه بحيث إنها تناوئ أرقى لغة على وجه البسيطة بل تتحداها! ومن ألفاظ وعند الإنكليز وهو نسيج خشن مهلهل يتخذ من قنب وقد يكون من غيره يستعمل لنوع من البسط ونسيج آخر يتخذ لأشرعة السفن. وأصحاب المعاجم الإفرنجية العربية قالوا: خيش وجنفاص وعندي أن الكلمة الإفرنجية (إنكليزية كانت أو افرنسية أو إيطالية وهي في هذه من أصل عربي وهو خنيف وهو أردا الكتان، لكن كتبة العرب العصريين جهلوا اللفظة العربية الأصلية فعربوا الإفرنجية بصورة جنفاص. وهكذا يتفق لنا أن نأخذ كلمتنا العربية عن أهل الغرب وهي عربية في نظر الإفرنج أنفسهم ككلمة الكحل فان الكلمة عربية فنقلها الإفرنج إلى صورة أو فقال فيها بعض ضعفاء الكتاب الكؤول والكحول والكول إلى غير هذه الروايات مع إنها عربية محضة ومعناها في الأصل الشيء الدقيق القوام، مهما كان ذلك الشيء سائلا أو جامدا.
جميل صدقي الزهاوي والآنسة مي
جميل صدقي الزهاوي والآنسة مي في نظر مجلة العالم الإسلامي الفرنسية من مشاهير صحف الفرنسيين نشرة اسمها (مجلة العالم الإسلامي) وقد صدر الجزء ال 72 منها عن الثلاثة الأشهر الأخيرة من سنة 1925 فوجدنا في ص 209 منها ما هذا تعريبه: ديوان الزهاوي يعرف قراء مجلة العالم الإسلامي الابتكار الشاذ الفلسفي الذي عرف به الشاعر البغدادي، ذلك الشاعر الذي أقام له المصريون حفلات شائقة ناظرين إليه نظرهم إلى رجل مشهور من مشاهير هذه الساعة (راجع مجلة العالم الإسلامي في جزئها ال 13 ص 305، 465، 566 إلى 570 وغيرها) في هذا الديوان فهرسان: أحدهما لعناوين القصائد والثاني للقوافي ويقسم هذا الديوان إلى 15 قسما. . . . يستطيب المطالع قسم هواجس النفس وقسم المرأة ففيهما ما اشتهر به الزهاوي من الآراء الفلسفية وما يتعلق بالعمران والاجتماع. وإذا انتقلت منهما إلى باب (المشاهدات) وجدت فيه من الأناقة والظرف ما يعز وجود مثلهما في غير كتابه. وإذا وقفت على خاتمة أبوابه بلغت الرباعيات: وصاحبها يحاول إعادتها بين العرب بصورة دوبيت والفرس يعرفونها بالرباعية. وقالت المجلة المذكورة عن (مجمل مما أرى) وهو للزهاوي أيضا. هذه المجموعة هي عصارة نظريات غريبة جديدة بعبارة محكمة الأسر تتعلق بالجذب والدفع وما إليهما. وبعلم النفس والمجتمع والأنثوية أي (البحث عن تحسين حالة المرأة) والسلم. وفي الصفحة التالية ذكرت المجلة تأليفا لمي (لمريم زيادة) اسمه الصحائف
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
فقالت عن هذا الكتاب ما هذا تعريبه: (مي هو اسم الآنسة ماري زيادة وهي - والحق يقال - إحدى الكواتب الممتازة بأحسن المواهب من العربيات الساعيات للحركة الجديدة. وقد رأى أحد النقادين الإيطاليين أن يحتفل حديثا (بعبقريتها) وهذا الأمر لا يميز تمييزا حسنا حالة مي من جهة مبتكراتها لأن مي (وصافة) مبدعة يقظة موقظة كالكاتبة الإنكليزية الروائية (ويدا) فهي إذا (ويدا) العرب، تتلقف بسرعة ما تراه في الناس من التفاوت في العقول وأميال ذوي الإفهام في هذا العهد فتخرجه على احسن طراز من الدقة. - ولهذا لا تطلب منها مقدرة الزهاوي في بناء الأفكار، ولا مذهب الارتياب البالغ اوجه في سلامة موسى. فالأمالي أو الأوصاف الواحد والعشرين المدرجة فيها الصحائف تبحث عن مواضيع عصرية متدفقة سلاسة ودقة وشعورا لطيفا أنيقا. اه تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره في شهر حزيران 1926: قانون غرف التجارة صدرت الإرادة الملكية بقانون غرف التجارة العراقية. وقد نشر نص القانون في جريدة (الوقائع العراقية) الرسمية. نهر الفرات لم يزل نهر الفرات في هبوط وارتفاع وقد جرف الماء الخرم (ناحية الغماس وناحية السوارية وأماكن أخرى. وفاة شكري الفضلي توفي في 1 منه الكاتب الأديب شكري أفندي الفضلي (وقد نشرنا بعض ترجمته في هذا الجزء)
وفاة الشيخ جعفر آل راضي توفي في النجف حجة الإسلام الشيخ جعفر آل الشيخ راضي ليلة الجمعة منتصف ذي القعدة سنة 1344 عن عمر يناهز 73 سنة. أحوال اليزيديين الأمن ضارب إطنابه في سنجار وقد نمت الزراعة فيه نموا كبيرا بخلاف أقصية الشيخان ودهوك وزاخو وناحية القوش فقد اتلف الجراد المزروعات حتى اضطر كثير من اليزيديين إلى الفرار إلى الجبل طلبا للرزق وانتجاعا للمرعى. وقد روى إسماعيل بك اليزيدي أحد رؤسائهم الدينيين: أن اليزيديين في العراق ثلاثون ألفا لهم في جبل سنجار (60) قرية و (45) قرية في الشيخان ودهوك وزاخو، ونصف اليزيديين يسكنون جبل سنجار ومعظمهم من الأميين والأهالي يتكلمون الكردية وليس بينهم من يتقن العربية كتابة وقراءة وتكلما في الوقت الحاضر في العراق. ورئيس اليزيديين في جهات الشيخان ودهوك وزاخو هو سعيد بك ويقال أن وارداته السنوية تربو على (60) ألف ربية. وعدد اليزيديين التابعين لحكومة إروان الأرمنية في جهات اروان وكمري (الكسندروبول) (5) آلاف بيت أي (25) ألف نسمة على وجه التقريب. وقد فتحت لهم الحكومة هناك 11 مكتبا ابتدائيا. الطاعون في بغداد في بغداد بعض إصابات بالطاعون في كل يوم في هذا الشهر منها ما يشفى ومنها من يموت بها. بين الضفير وعنزة روت (الأوقات العراقية) في البصرة أنه نظرا إلى وقوع الشقاق والخلاف بين قبيلتي عنزة والضفير ينتظر وقوع معارك دموية وغارات متبادلة بين الطرفين
وتفيد الأخبار الواردة في هذا الحين أنه شوهد نحو 400 هجان من عنزة شمالي أبي غار يتحينون الفرص للإغارة على الضفير. موظفوا الإدارة في العراق صدرت الإرادة الملكية بتعيين محمد ياسين أفندي قائم مقام لقضاء عانه وعبد الرحمن بك لقضاء خانقين وخليل عزمي أفندي لقضاء دلتاوة المعاهدة العراقية التركية الإنكليزية وقع في منتصف ليلة 6 حزيران 1926 على المعاهدة العراقية التركية البريطانية في أنقرة ووثقها (وأبرمها) المجلس الوطني التركي الكبير في أنقرة في اليوم 7 منه. وصدقها مجلس الأمة العراقي في اليوم 14 منه. (المنشورة في هذا الجزء) أمراض نخل هذه السنة أصاب نخلنا هذه السنة عدة أمراض وأول داء حمل عليها كان في أول عهد تفتق طلعها، فانه ما كاد يضحك عن نضيده إلاَّ وأمطر السماء مدرارا، فذهب عن الفحال لقاحه، فلم يؤثر فعله في طلع الأنثى، فشيص كثير منه. وهذا هو الداء الأول. أما الداء الثاني فهو أنه لما كان إتاؤه صغيرا أي حينما كان سداء (خلالا ناعما) انتفض أكثره لرطوبة الهواء المفرطة يومئذ. وهذا الداء يعرف عند قدمائنا بالقشام. وبينما كان سداء أيضاً تسلطت عليه آفة ثالثة وهي الحميراء (مصغرة) وهو الداء المعروف عند السلف بالمغر (وزان سبب) وهو مرض يحمره ويوبسه فيتناثر على الأرض متساقطا. وكان قد سبق هذه العاهات آفة منعت النخل من الحمل هذه السنة لأسباب مجهولة الآن ولعل بين هذه الأسباب أن حمله كان كثيرا في السنة الماضية. وهذه الآفة عرفت عند السلف باسم الطق (وزان سبب).
إنكليزيان في اسر الشيخ محمود الكردي الشيخ محمود الكردي شق عصا الطاعة على الحكومة في ما وراء السليمانية وقد نقلت جريدة (الأوقات البغدادية) البغداد تايمس في قسمها العربي أنه بينما كان سرب من الطيارات البريطانية الحربية قائما مؤدبا الشيخ محمود الكردي وهو حفيد كاكا احمد طرأ خلل على محرك طيارة من تلك الطيارات فاضطرت إلى النزول إلى الأرض وسرعان ما اقبل عليها رجال الشيخ محمود فاسروا الضابط دني (السائق) والضابط هيرست (الراكب) انفضاض الدورة الأولى لمجلس الأمة انفض مجلس الأمة العراقي لدورته الأولى في 14 حزيران 1926 وكان قد مدد مرتين. غرفة الآثار البابلية احتفل جلالة الملك فيصل المعظم بافتتاح غرفة الآثار البابلية لدار الآثار العراقية المنتقلة إلى بنايتها الجديدة في مطبعة الحكومة في الدنكجية في بغداد في اليوم 14 من حزيران 1926 ومديرة الآثار الشرقية هي المس كرتروديل الكتوم الشرقية لدار الاعتماد البريطاني في بغداد. وقد نقلت إلى هذه الدار بعد أن كانت في أبنية دار الحكومة (السراي) كما نقلت إدارتها من وزارة الأشغال والمواصلات إلى وزارة المعارف. وزير الداخلية الجديد قام فخامة عبد المحسن بك السعدون رئيس وزراء حكومة العراق ووزير خارجيتها بوزارة الداخلية بالوكالة بعد أن ترك هذه الوزارة معالي حكمت بك سليمان (شقيق محمود شوكت باشا وزير الحربية في السلطنة العثمانية الذي اغتيل سنة 1913) على اثر انتخابه رئيسا لمجلس النواب العراقي. وقد أسندت وزارة الداخلية إلى معالي عبد العزيز بك القصاب متصرف لواء الموصل في 20 حزيران 1926
تمثال ملك آشوري في المتحفة التركية في آذنة ما برحت المتحفة التركية في مدينة (آذنة) تتسع وتزداد قيمتها بما يضاف إليها من الآثار المهمة. وآخر ما دخل فيها تمثال مهم للملك الآشوري (اسرحدون) الذي عثر عليه الترك على ضفاف الفرات عند جرابلس. وقد دخل هذه المتحفة كذلك عجلة (عربية) صيد آشورية وتماثيل متعددة من آثار الحثيين. قضاء رانية حولت ناحية رانية التابعة للواء ارل إلى قضاء وعين مديرها عبد الكريم أفندي قائم مقامها بالوكالة وفاة الشيخ محمد حسن أبو المحاسن توفي في (جناجة) من قضاء طويريج في 24 حزيران 1926 العالم الأديب الشيخ محمد حسن أبو المحاسن الذي كان وزيرا لمعارف العراق مدة ودفن جثمانه في الصحن في النجف. أمراض النخيل في العراق أصيب نخيل العراق بمرض اسقط حمله وهو خلال. وريع النخل قدرت ضرائبه عن هذه السنة باثنين وعشرين لكا. لكن هيهات أن يحصل منها على الثلث. لان أهل الخبرة قدروا إن معدل التمر لا يزيد على 35 أو 40 في المائة من الاتاء المألوف في سني الحمل الحسنة. وضرر نخل الديار الواقعة على دجلة والفرات هو اعظم مما هو في نخيل البصرة فمعدل ما في البصرة لا يتجاوز الأربعين أو الخمسة والأربعين من المائة أما في الفراتين فلا يربو على الثلاثين أو اكثر. المجالس الاستشارية في الحجاز قررت الحكومة الحجازية تأليف مجلس استشاري في كل من مكة والمدينة
وجدة وينبع والطائف ينتخب أعضاؤها مباشرة وتنظر في المسائل المحلية المهمة. السيل في الحجاز هطلت أمطار في مكة بشدة فكان منها سيل عظيم كما عمت السيول جهات المدينة ورابغ، وقيل أن الحالة كذلك في نجد. السيارات في الحجاز أحضرت شركة السيارات 25 سيارة كبيرة تسع كل منها 14 راكبا وجاء معها سواقها والمهندسين وشرع السير بها بين جدة ومكة بانتظام. فتنة الجوف في اليمن تنازع رجال قبيلة (ذوو محمد) في الجوف فتقاتلوا فسير سيادة الأمير قوة من 500 جندي بقيادة وزيره السيد عبد الله وسلحها بمدفعين فلما وصلت إلى منزل القبيلة كفت عن الخصام والنزاع واستقبلت الوزير بالترحاب فدعا رؤساء القبيلة وبحث عن أسباب النزاع بينهم وأعاد المياه إلى مجاريها وعاد إلى صنعاء ومعه رؤساء القبيلة لمحاكمتهم. مؤتمر مكة للخلافة ومستقبل البلاد الحجازية احتفل في 8 حزيران 1926 بافتتاح ابن سعود سلطان نجد مؤتمر مكة فنظر في مسألة الخلافة ومستقبل البلاد الحجازية ملكة الحجاز قدمت عاصمة العراق بغداد مساء الجمعة في 11 حزيران صاحبة الجلالة ملكة الحجاز وزوج الملك علي ملك الحجاز سابقا المقيم الآن في بغداد وقد استقبلت استقبالا جديرا بمقامها. بين الإمام يحيى والإمام ابن سعود كان الأخوان قد فتكوا بألفي حاج يماني ولهذا أوغر صدر الإمام يحيى حميد الدين وتوقع الناس أن تنشب الحرب بين الطرفين ولا سيما أن مذهبهم يختلف عن مذهب خصومهم.
العدد 36
العدد 36 - بتاريخ: 01 - 08 - 1926 أأوضاع خالدة؟ الناطقون بالضاد من أرباب العلم والقلم هم اليوم على ثلاثة أقسام: قسم يريد اتخاذ الألفاظ الأعجمية الجديدة وأساليب سبكها وإدخالها في لغتنا. وأصحاب هذا الرأي هم المهاجرون من العرب النازلون في أميركة وأوربة وترى منهم بين المصريين جماعة غير قليلة. وعذرهم أن الحياة هي في التغير والتبدل وان هذه الزيادة غنى وثروة للغة. وقسم لا يريد شيئا من ثروة الأعاجم ولو كان زهيدا. وهم حملة الأقلام في سورية وفلسطين والعراق وبعض مصر. وحجتهم أن الغنى لا يتوقف على ما يعيق حركة جسم اللغة، بل ما يعينها ويمثل دمها وأعضائها فتكون لها قوة جديدة وعونا لها وثروة. وإلا فما كان مخالفا لأوضاع العرب ولغتهم فإنه لا يتحد بها بل يشينها ويمرضها، لا بل ربما أودى بحياتها، فجسم الإنسان إذا تجاوز سمنة القدر اللازم له عد مريضا لا صحيحا. وقسم يقول بان خير الأمور أوساطها. فعلينا أن نأخذ من لغة الأجانب ما لا يمكن أن نحققه في لغتنا ولا نجد فيها ما يؤدي معناه؛ أو أن ما يقابله في
اللغة الضادية هو اليوم مجهول. فيتخذ المعرب من كلام الأغراب ريثما نعرف ما يعوض عنه في لغتنا وأرباب هذا الرأي منتشرون في جميع الديار العربية اللسان. فأصحاب الرأي الأول يقلون إذ يرون أن الغنى على غير وجه مشروع سرقة والثروة غير مرغوب فيها أن أضرت صاحبها. أما رأي القسم الثالث فأنه رأي حسن وهو رأي أغلب المعتدلين في الوصول إلى تحقيق الأماني. أما رأي القسم الثاني فهو في نظرنا من أحسن المذاهب. أن وفق له رجال واقفون على لغة من اللغات الإفرنجية ومطلعون على أسرار اللغة المبينة العدنانية. ومن أصحاب هذا الرأي في بغداد العربي الصميم الأديب أبو قيس عز الدين علم الدين التنوخي وكاتب هذه السطور صديقه المعجب به. أنتدب أبو قيس لنقل كتاب الطبيعيات لمؤلفه الفرنسي فرنان ماير إلى العربية فأفرغه في قالب يكاد يرضي جميع أبناء يعرب: إلا إنه غالي في وضع الألفاظ حتى أضطر إلى مخالفة أصول القواعد المعهودة التي أقرها جميع النحاة من أصحاب سيبويه ومن معارضيه. ولهذا نستأذن صديقنا في إبداء رأينا في هذا الصدد: وأول كل شيء نأخذه عليه انه عرب كلمة بقوله (فيزياء) حملا لها على كيمياء. لكن كيمياء هي كذلك في اليونانية بخلاف فيزياء. فكان يحسن أن يقال فيها فوسيقي وزن موسيقي. لأن الكلمة اليونانية فوس (بعد تجريد علامة الإعراب منها وهي س) ومعناها الطبيعة مكسوعة بأداة النسبة أو الصفة وهي عندهم (قي) إذن كان يجب أن يقال فيها (فوسيقي) كما قال السلف موسيقي وارثماطيقي وافودقطيقي وطوبيقي وسوسفطيقي وريطوريقي وبيوطيقي (راجع مفاتيح العلوم للخوارزمي ص141 وما يليها من طبعة بويل في ليدن). هذا إذا أردنا التعريب على أساليب السلف. بيد إننا ندعي أن كلمة (فوس) اليونانية أو الإغريقية هي كلمة عربية الأصل. أخذها اليونانيون عن العرب حينما كان يجمعهم صعبد واحد مختلطين بعضهم ببعض. (وفوس) بالعربية (توس)
معنى ومبنى. فقلب الإغريقيون التاء فاء كما قلبوها في ألفاظ غيرها. وقد يحتمل أن بعض العرب كان يتلفظ بها بالفاء وهو غير بعيد، لأن اللغويين لم يذكروا لنا اختلاف جميع القبائل ولغاتهم للفظة الواحدة بل ذكروا منها بعضا ليذكروا بها القوم ويملوا ما كان من هذا الغرار على ذلك المنحى. أما ورود التاء والفاء متبادلة على لغة بعض القبائل فظاهر من هذه الألفاظ: المحتد المحفد. سحت وسحق بمعنى قشر. تش سقاءه وفشه. النكات والنكاف وهناك غيرها وهي كثيرة. وعليه لو قال صديقنا (التوسيات) بدلا من (الفيزياء) لما لامه أحد، بل لوافقه عليها كثيرون والعالم للتوسيات: توسي لكنه خالف الصراط السوي في الوضع الأول والثاني فلا أرى من يتبعه في وضعه هذا غير أفراد قلائل. على إننا وأن كنا نرى أن التوسيات من المعرب الحسن أو من الوضع العربي الصميم. إلا أننا لا نستحسنه لأن السلف سبقونا إلى وضع لفظ لهذا العلم وسموه علم الطبيعة وهي الشائعة في كتب علمائنا الأقدمين. قال في كشف الظنون علم الطبيعة علم يبحث فيه عن أحوال الأجسام الطبيعية وموضوعة الجسم. أهـ ويقال فيه علم الطبيعي (أي علم الجسم الطبيعي) وعلم الطبائع والعالم به طبيعي أو طبائعي. قال في صبح الأعشى (248: 13) نقلا عن كتاب التعريف بالمصطلح الشريف: (الدروز. . . ينكرون المعاد من حيث هو، ويقولون نحو قول الطبائعية: إن الطبائع هي المولدة والموت بفناء الحرارة الغريزية كانطفاء السراج بفناء الزيت إلا من اعتبط) أهـ. وقد ذكر دوزي المستشرق في معجم (الملحق بالمعاجم العربية في 23) أن الطبيعي وعلم الطبائع وردتا عند العرب بمعنى (أي التوسيات أو الفيزياء كما يقول صديقنا) والعالم بعلم الطبيعي: طبيعي وطبائعي: وقد اثبت ذلك بشواهد نقلها عن كتب العرب؛ غير الشواهد التي أتينا بها. وقد يعترض علينا الصديق التنوخي قائلا (ص ج): إنا أن ترجمنا فيزيك بالطبيعة لم تتخصص الترجمة: أو قلنا الحكمة الطبيعية عبرنا عن كلمة بكلمتين وصعبت النسبة. وإذا نسبنا إلى الموصوف وقلنا طرشلي الحكمي ظنه القارئ حكيما فيلسوفا: أو إلى الصفة وقلنا الطبيعي ظنه باحثا عن المواليد
الثلاثة كأرسطو وبلينيوس القديم وبوفون. أهـ قلنا: اتضح مما قدمناه قبيل هذا أن الفيزيك هي علم الطبيعة أو علم الطبيعي وعلم الطبائع وأن العالم به هو الطبيعي أو الطبائعي فهو من المترجم إلى العربية كلمة بكلمة منذ القدم. فإذا وصفنا طرشلي قلنا عنه: الطبائعي ولا حاجة إلى ذكر الحكمة فإن الحكمة الطبيعية غير معروفة عند العرب بل عند الأتراك. وقولك الطبائعي يميزه عن (المواليدي) وهو العالم بعلم المواليد وعلم المواليد هو وأما الناتور والست بغير هذا المعنى فهو الدهري (بضم الدال) عند العرب. نتيجة هذا البحث إننا لا نرى حاجة إلى إدخال كلمة جديدة في لغتنا تغلق علينا باب المعرفة أو توصد في وجهنا إدراك كتب السلف في حين أننا في منوحة عنها وغنى: فضلا عن أن المعرب لا يقابله عند الإفرنج شيء فهو من المعرب الموهوم والخطأ. وسمى أديبنا الفاضل كتابه (مبادئ الفيزياء) فنحن لا نوافقه على كلمة مبادئ هنا جريا على ما في معاجم لغة الأجانب فمعنى أو هو مجموع معارف أولية تسير بك إلى مطلوبك من علم أو فن أو صناعة (راجع معجم لاروس) من غير أن تطلعك على كامله الذي تسعى إليه. وسمت العرب هذا الطرف من العلم غير الكامل: (ذروا) قال ابن مكرم في مادة ذرو: (وفي حديث سليمان بن صرد قال لعلي كرم الله وجهه: بأني عن أمير المؤمنين ذرو من قول تشذرلي فيه بالوعيد فسرت إليه جوادا.) ذرو من قول أي طرف منه ولم يتكامل. قال ابن الأثير: الذرو من الحديث ما ارتفع إليك وترامى من حواشيه وأطرافه من قولهم ذرا فلان أي ارتفع وقصد. . . والذرو لغة في الذرء. انتهى ونحن إن قلنا: نفضل (ذرو من الطبيعيات أو من الطبائع) على قوله: (مبادئ الفيزياء) لا نريد أن نخطئ كلام العربي الغيور. بل نفضله عليه من باب إتقان نقل المعنى الموجود في الافرنسية إلى العربية فالذرو والذرء من واد واحد كما أن هو من هذا الوادي عينه.
هذا واعتراضنا على صاحبنا الودود غير متوقف على هاتين الكلمتين. بل على طريقته التي جرى عليها في وضع ألفاظ كثيرة ننكرها عليه وعلى كل من يتخذها لأنها مخالفة لأوضاع العرب البتة وهي هذه محرار (ثرمومتر) محلاب (لكتومتر) محماض (آسيديمتر مدفأة (بوال ثم قال في شرحها: (آلة الدفء وهي من أوضاع الشيخ عبد القادر المغربي.) أما نحن فنقول: لا يمكن أن تكون اللفظة مدفأة وزان مكنسة. بل مدفئة كمطفئة أي بضم الميم فسكون الدال فكسر الفاء يليها همزة مفتوحة وفي الأخر هاء من فعل أدفأ. لأن اسم الآلة لا يصاغ من اللازم كما سنذكره. مرضخة (كاس نوازيت - مرطاب (هغرومتر مروآح (آنيمومتر مرواز (بارومتر مزجة (سير مسعار (كالوريمتر مضرام (بيرومتر مضغاط (مانومتر معبرة (اكلوز مضغطة (ماشين دي كومبرسيون مغوصة (اسكافاندر مقدرة (مترونوم مقواة (دينامومتر مكثاف (دانسيمتر مكحال (الكوومتر ممطار (بلوفيومتر مملاح (بيزسيل - ملطاس (مارتوبيلون - منزحة (بومب دي مهبط (افال الميزاب (المحز العميق فأغلب هذه الألفاظ مشتقة من الفعل اللازم وهو مما لم يرد في لفظ واحد من كلام العرب على كثرة أسماء الآلات. ولهذا لا يجوز أن يقال البتة: محرار ومحماض ومرطاب ومرواح ومضرام ومقواة ومكثاف وممطار ومملاح فكلها تقاوم المزية العربية اشد المقاومة وتأباها. وأن كان لا بد من وضع لفظ عربي لكل هذه الأدوات فيجب أن يشتق لها من المزيد وأن يكون المعنى: آلة يتحقق بها الأمر الفلاني مثلا آلة يتحقق بها درجة الحر. ولمثل هذا المعنى يتخذ له استفعل لأنه يأتي بمعنى وجد الشيء أو تحققه أو أصابه. قال ابن قتيبة في أدب الكاتب: (وتأتي استفعلت بمعنى وجدته كذلك تقول: استحدثه أي
أصبته (بمعنى وجدته) جيدا وأستكرمته واستعظمته وأستسمنته واستخففته واستثقلته: إذا أصبته كذلك. أهـ فإذا علمنا ذلك سهل علينا وضع ألفاظ كثيرة نصوغها صيغة اسم الفاعل فنتخذها أسماء للآلة لأنهم اعتبروا أسماء الأدوات من قبيل الفاعل، فلما قالوا مكنسة تصوروا فيها أنها هي الكانسة وكذلك القول في المبرد والمرقم والمزبر ونحوها. وعليه إذا أردنا أن نسمي آلة بأنها تصيب الحر أي تجده أو تتحقق من وجوده قلنا: مستحِر بكسر الحاء للثرمومتر. ومستحمض للاسيديمتر. ومسترطب للهغرومتر. ومستروح للانيمومتر ومستضرم للبيرومتر ومستقواة للدينامومتر ومستكثف للدنسيمتر ومستكحل للالكوومتر ومستمطر للبلوفيومتر ومستملح لمقياس الملح. وإذا أردت جمعها فلك الخيار بين وجهين فإما أن تقول مستحرات ومستحمضات إلى آخرها جريا على القياس في جمع المؤنث السالم للأسماء غير المعقولة. وأما أن تكسرها على محار (بتشديد الراء) ومحاميض ومراطيب ومراويح ومضاريم إلى آخرها. على غرار ما قال السلف في جمع مكسر مقعس مقاعيس (التاج واللسان في قعس) وفي مستنكر مناكير (عن سيبويه وراجع اللسان والتاج في نكر) وفي جمع منقطع مقاطيع (التاج في صفد) إلى غيرها وهي كثيرة عندهم. ومما يستحب التنبيه عليه هنا هو أن لبعض الألفاظ التي اتخذها صديقنا المحبوب معنى سابقا غير المعنى الذي أشار إليه فالمرضخة عند السلف: حجر يرضخ به النوى كالمرضاخ - والمرواح: نوع من العنب كثير الماء كبير النوى - والمسعار كالمسعر هو ما تسعر به النار أي تضرم به - والمكحال: الملمول يكتحل به كالمكحل والملطاس: معول غليظ تكسر به الحجارة وحجر يدق به النوى - والمنزحة الدلو وشبهها مما تنزح به البئر. إلى غير ما ذكرناه. أفلا يخشى أن تختلط المعاني الحديثة بالمعاني القديمة. إذا ما التجأ العربي إلى التنقير عنها في دواوين اللغة؟ لكن قد ينقدنا الأخ هذا النقد عينه للكلم التي وضعناها - فجوابنا إن لمصطلحاتنا في الكتب معاني معقودة بنواصي المعقولات. لا باعنة مالا يعقل أي
بالآلات. والبون بين الاثنين بين لكل ذي عينين. أما مصطلحات الأخ الحبيب فإنها تختلط بالآلات القديمة كما ترى. وفي بعض الحروف التي وضعها المعرب طائفة لا توافق المؤدي المطلوب وهي تلك الأسماء المشتقة من فعل متعد. فالمحلاب مثلا يصح أن تسمى به الآلة التي يحلب بها لا الآلة التي تكشف لنا ما في اللبن الحليب من صفاته التي يتميز بها. والمسعار الآلة التي يضرم بها النار لا الآلة التي يقاس بها قدار الحرارة التي تخرج من الجسم بأي تأثير كان. وهكذا نقول عن المضغاط والمضغطة إلى أمثالها. ونستحسن المرواز للبارومتر. فإنه اشتقاق صحيح وكذلك المكثفة لإناء التكثيف والمغوصة للآلة التي يتخذها الغائص في بلوغه إلى قعر البحر ليرى ما فيه ونخير المبدغة على المرضخة. لأن هذه لكسر النوى بخلاف المبدغة فإنها مشتقة من بدغ الجوز واللوز أي كسره وهذا ما يريده الإفرنج من قولهم - ونستحسن الملطاس بالمعنى الجديد الذي يريده ومن هذا القبيل أيضاً المنزحة بمعناها الحديث. والمزجة تصح على الموضع الذي يكثر فيه الزجاج لا للمكن بتشديد النون وهو بيت من الزجاج تكن فيه النباتات من الأذى أما المضغاط فلا يؤدي المعنى المطلوب من المانومتر. لأن المانومتر آلة تتخذ ليعرف بها مبلغ توتر البخار والغاز أي آلة تدل على أن البخار أو الغاز بلغ أقصاه من الامتلاء وفي لساننا المبين لفظة بديعة تؤيد هذا المعنى وهو حظرب يقال حظرب الوتر والحبل: أجاد فتله وشد توتيره وضرع محظرب: ضيق الإخلاف فاسم هذه الآلة يكون المحظرية وهي من أبدع الكلم التي تصور لنا أن هذه الآلة تدلنا على أن البخار والغاز ملأ الموضع فحظر به. وأما المعبرة أو حوض المرور فكلاهما لا يؤيد معنى الفرنسية لأن معنى هذه الكلمة عندهم خشب يوضع في مجرى الماء يسد ويفتح على هوى صاحبه ليتمكن من إجرائه وإمساكه. وهذا ما سماه العرب بالصناعة وزان جبارة فلا حاجة إلى إدخال كلمة في لغتنا نحن في غنى عنها. قال في القاموس: الصناعة
مشدودة وكسحاب (كذا والصواب وكسحابة): خشب يتخذ في الماء ليحبس به الماء ويمسكه حينا. أهـ والعراقيون يقولون في معنى مهبط النهر المنحدر وهو احسن لأنه عربي فصيح ويقولون: فلان انحدر في سباحته إذا اندفع مع مجرى الماء وأما الميزاب فمعروف عند العرب أنه يقابل عند الإفرنج أي المرزاب أو المرزيب عند العراقيين. وأما المحز العميق فيوافق في العربية المسلك والمزلق والمزلج والمزل والطريقة وياما أكثرها ولنبق المئزاب لمؤداه الحقيقي. فيتحصل مما تقدم بسطه حتى الان، ومما أوضحناه من الاطراد على القياس أن ما لم يجيء على هذا المنحى لا يرضى به فصيح ولا يتخذه في كلامه. ويجدر بنا هنا أن نتذكر قول ابن جني في كتابه الخصائص (132: 1) ضعف الشيء في القياس. وقلته في الاستعمال. مرذول مطرح. أهـ وقال في 362: 1 ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب. ألا ترى انك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره أهـ. وقال في ص367: ألا ترى أنه ليس كل ما يجوز في القياس يخرج به سماع فإذا حذا إنسان على مثلهم وآم مذهبهم لم يجب عليه أن يورد في ذلك سماعا ولا أن يرويه رواية. أهـ فهذه الأقوال كلها جديرة بأن تكتب بماء الذهب. وهي كلها تعمد ما ذكرناه من الجري على أساليب اللغة المبينة وتضعف عمل من خالفه كما يتضح لأدنى تأمل. هذا ونحن لم نتعرض هنا لكل لفظة وضعها العربي الصميم. بل وضعنا لك منه ومن غيره من أغراض كلامهم ما يستدل به ويستغنى ببعضه من كله بإذنه تعالى وطوله. والآن نتقدم إلى ذكر بعض التعابير الإفرنجية النزعة التي اتخذها الكاتب البارع والتي لا نوافقه عليها ونفضل عليها تعابيرنا العربية الصحى والفصحى. قال حرسه الله في ص195: تنفتح الحنفيات انفتاحا تلقائيا (ثم شرح في الحاشية
هذا التعبير لتأكده من عجمته فقال: أي من تلقاء نفسه. وأظن أن الفصحاء يقولون في مثل هذا الموطن تنفتح الحنفيات عفواً. وقال في تلك الصفحة بسطة البخار ثم شرحها في الحاشية بقوله أي انبساط البخار بعد انضغاطه. وأظن أن السلف يقول في مثل هذا المعنى: انفشاش البخار. وحينئذ لا حاجة إلى الشرح إذ العراقيون يعرفون هذا المعنى ويتلفظون به وهو من فصيح كلام البلغاء. وقال في ص197 فيدير بدورانه محورا فلزيا أفقيا يسمى (شجرة) الآلة. وافضل عليها هذا التعبير: فيدير بدورانه محور فلز معترضا يسمى (سرنا) بفتح السين وسكون الراء يليها نون. أما قولنا محور فلز لا محورا فلزيا، فهو لأن الفصحاء اجتنبوا بقدر ما أمكنهم استعمال الألفاظ المنسوبة كلما تيسر لهم. نعم قول الصديق محورا فلزيا لا غبار عليه. لكنه اثقل من قولك محور فلز. وذوق كل كاتب دليله في مثل تفضيل سبك عبارة على سبك عبارة أخرى. وأما قولهم أفقيا بمعنى قائم في عرض الشيء. فإن المعربين وقروا أسماعنا بها. وهو من المعرب الحرفي عن الأجناب. أما كتبة العرب الفصحاء فقد قالوا ويقولون محور فلز معترضا. وأما الشجرة فليست معروفة في لغتنا بالمعنى الذي يشير إليه والمعروف في كتب أهل الفن هو السرن. قال فينلون في كتاب الحيل الروحانية ص60 اتخذ سرنا فيه دوارة ذات أسنان يدير هذه البكرة. ويكون طرف السرن خارجا من الطشت عليه حلقة. . .) وذكر السرن مراراً عديدة وفسر بشجرة الآلة بالإفرنجية كما قال صديقنا، لكن الشجرة غير معروفة عند الأقدمين بالمعنى المذكور بل عند الأغراب لا غير. وفي تلك الصفحة: النقطتان المبتتان وأظن أنه لو قال النقطتان الساكنتان لفهمهما العربي. وفي ص199 وعمل هذه الآلة لا ترفقه بسطة البخار. وأظن أن المراد من قوله هذه هو: ولا ينفش البخار مع عمل هذه الآلة. وذكر روح لقمان في ص201 بمعنى الأثير وهو غير معروف عند العرب بل عند الترك. بخلاف الأثير فقد عرفوه قال القزويني: انظر إلى حكمة
البارئ كيف جعل كرة الأثير دون فلك القمر كيما ما يحترق بحرارتها الأدخنة الغليظة الصاعدة وتلطف البخارات العفنة ليكون الجو أبدا شفافا. أهـ وقال في تلك الصفحة: إذا التبخر مصحوب بامتصاص الحرارة؛ وأظنه يريد أن يقول: إذا مع التبخر امتصاص الحرارة. وقال في آخر ص302 وما يليها (ونرى حينئذ فقاقيع صغيرة تنفصل من جدران الدورق) وقد اكثر المعربون العصريون من ذكر جدران الإناء والحوض والطريق وغيرها والعرب الفصحاء لم ينطقوا بمثل هذا الكلام بل قالوا أعضاد جمع عضد. قال ابن مكرم في تفسير الجرموز: حوض متخذ في قاع أو روضة مرتفع لأعضاد فيسيل منه الماء ثم يفرغ بعد ذلك. وقال الفيروزابادي في تفسير المجنب: شبح كالمشط بلا أسنان يرفع به التراب على الأعضاء والفلجان ومثله في لسان العرب وتاج العروس. أما الجدر وجمعه الجدران فخاض بالحائط باعتبار الارتفاع ومثله الجدار والجمع جدر. والحال ليس في الآنية والحوض والدورق وقحف الرأس والأعضاء كلها ما يصح تسميته بالجدران بل بالاعضاد كما رأيت من كلام مشاهير اللغويين. ومن تساهله في التعريب قوله في ص208: وتكثيف هذا البخار يعطينا ماء نقيا. قلنا: واحسن منه: يخلف لنا ماء نقيا. أو ينعقد ماء نقيا - ثم قال: ويجنى الماء المقطر في دورق. وهو معرب التعبير وأظن احسن منه قولنا ويتلقى الماء المقطر في. . . . وفي ص260 تشغل المياه على سطح الكرة مساحة. . . وأظن الفصحاء يقولون للمياه على سطح الكرة مساحة. . . وفيها يتغشى ظاهرها بضبابة وأظن انه لو يقول ظاهرها صبابة. لكان اقرب إلى الفصحى. ونحن لا نريد أن نتتبع المؤلف في جميع ما تساهل فيه من التعبير لكننا نقول أنه تسامح فيه كثيرا. ولعله فعل ذلك لشيوع مثل هذه الصيغ في كلام تلامذته. ومع ذلك كله إننا لا نحمل تلك التجوزات على الغلط، بل نقول إن السبك العربي أوزن في النفس من سبك الأعاجم (لأن واضع اللغة على ما قال ابن جني: لما أراد صوغها وترتيب أحوالها هجم بفكره على جميعها. ورأى بعين
تصوره وجوه جملها وتفاصيلها، وعلم أنه لا بد من رفض ما شنع تآلفه منها فنفا عن نفسه ولم يمرره بشيء من لفظه وعلم أيضاً أن ما طال وأمل بكثرة حروفه لا يمكن فيه من التصرف ما أمكن في اعدل الأصول وأخفها.) أهـ وقد وقع في الكتاب أغلاط طبع لم تنقح في الأخر من ذلك في صفحة أوعلى أن يجدوا فيها تطبيق الحادثات الطبيعية التي درسوها، فيعدلون بذلك عن الاعتقاد. . . والصواب فيعدلوا. وقد جاءت الهمزة الواقعة في الأخر والمكسور ما قبلها مكتوبة على الياء المنقوطة مثل طوارئ (في ص أ) والقارئ (في ص ج) ومثلهما كثير في الكتاب والصواب إهمال الياء. وفي ص د: التصرف بلغتنا بدلا من في لغتنا. وفي ص1 فإنا نحتاج لحني القضيب لبذل قوة اليدين واثني القضيب الثاني لاستعمال المطرقة والصواب: إلى بذل - إلى استعمال. وفي ص2. تؤثر عليه عوضا عن تؤثر فيه. وفي ص3 فحينما تكون قوتا القبيلين متماثلتين تحصل بينهما الموازنة، ولعلها: تقع بينهما الموازنة. وفي ص4 ميال لاسترداد شكله الأول. ولعلها إلى استرداد شكله الأول. وفي ص5 كل ما هو قابل للزيادة. لعلها كل ما يقبل الزيادة وفي ص5: فإذا جاءت قوة ثانية أحدثت وحدها الامتداد عينه في النابض، فنقول. . . ولعلها نقول فزاد عليها المنضد فاء. وأحسن منها: قلنا. وفي تلك الصفحة ولكنه إذا أحدثت القوة ق وحدها الامتداد عينه. . . فنقول. . . والمنضد قلب العبارة ولعلها: ولكنه إذا مددت القوة ذلك الامتداد عينه. . . قلنا. وفي ص 6 تسقط إلى الأرض. ولعلها على الأرض. وفي تلك الصفحة والصواب وفي ص7 سقطت نحو الأرض، ولعلها على الأرض وفي تلك الصفحة إلاَّ إذا كان له اتجاه الشاقول، ولعلها إلاَّ إذا اتجه اتجاه الشاقول. وفي تلك الصفحة السطح الأفقي ولعله السطح المعترض. وكل مرة جاءت كلمة عمود جاء الجار بعدها (على) ولعلها بدل من اللام ففي ص7 كل سطح يقع عموديا على الشاقول وفي ص8 هو خط عمودي على، وفيها أن سطح الماء عمودي على اتجاه الخيط، ولا جرم أن الأصل هو عمودي ل. . . لأن العمود مشتق من عمد، وعمد يتعدى بنفسه وحيث لا يمكن الوصل يعدى بالحرف أي
باللام. وفي ص9 يبلغ 40000 كيلومترا، عوضا عن كيلو متر بالجر. وفي ص10 وكذلك إذا علقت اللوحة من أية نقطة أخرى، بدلا من القول بأية نقطة أخرى. وهكذا يعثر القارئ في كل صفحة من صفحات الكتاب بغلط طبع لمصحح عن تقويمه في موطنه وفي جدول التصحيحات فأملنا في طبعته الثانية خلوها منها. على أننا لا ننكر على صديقنا الكاتب المجيد تلك المحاسن التي جلا كتابه بها على قراء العربية. فكما أنه جاء ببعض ألفاظ مخالفة لمحكم كلام العرب. جاء أيضاً بألفاظ عربية صرفة لم يستعملها قبله أحد. أو هجم على عبارات وفق لها كل التوفيق وبز بها على أقرانه ووصفائه. فمن الألفاظ التي استصوبناها سعرة بمعنى وكتيم ومرونز ومسقطة ومضغطة ومغوصة وموقتة (غير مهموزة الواو وقد وردت خطأ بالهمزة في الكتاب) ونقالة إلى غيرها. ومن حسن تعريبه لكلام الأعاجم قوله في ص3 عن الموازنة: لنلاحظ ما يجري في لعبة (جر الحبل) هنالك حبل يتجاذبه قبيلان قوامهما عشرون طالبا كل قبيل عشرة فحينما تكون قوتا القبيلين متماثلتين تحصل بينهما الموازنة ويبقى الحبل في محله ولكنه حينما تزيد قوة أحدهما على الأخر تختل تلك الموازنة فينجر القبيل الضعيف المغلوب إلى القبيل القوي الغالب. أهـ وقال في ص27 عن المسقطة: إذا هب الهواء على رجل بيده مظلة فمالت قليلا بيده حتى عارضت المهب بجوفها شعر حاملها بشيء يقاوم المظلة وقد تفلت من يده جارية مجرى الهواء ولا يقوى على ضبطها إلاَّ إذا ضم خيمتها والطائر إذا أراد السقوط كسر جناحيه وضمهما لتضعف مقاومة الهواء فيسرع سقوطه وأما إذا نشرهما اتسع سطح المقاومة لأن الهواء وأن سكن يقاوم منشور الجناحين بالنظر إلى سقوطه كما يقاوم المظلة وهو في هبوبه ومن أجل ذلك يبطيء سقوطه كالمسقطة (براشوت) التي تقي الطائر شر السقوط فإنها تنشر
المعاهدة العراقية الإنكليزية التركية
بسقوطه كالخيمة فيقاومها الهواء مقاومة تهبط بها إلى الأرض رويدا كما لو امسك المرء يد مظلة كبيرة قوية وهبط بها من مرتفع فإنها تقيه شر سقوطه بفضل مقاومة الهواء لسطحها الوسيع.) أهـ والكتاب كله على هذا الطراز من السبك المحكم والعبارة السلسة السائغة ولهذا نوصي به جميع أبناء المدارس: لأن سائر المؤلفات في هذا الموضوع ساقطة العبارة، شائكة الكلم لا تكاد تقف على سطر منها إلاَّ وتطوي الكتاب الذي بيدك أو ترميه في إحدى زوايا خزانتك. أما هذا فهو درة نفيسة تغالي بها عند الحاجة وبهذا القدر مجزأة. المعاهدة العراقية الإنكليزية التركية المنعقدة في أنقرة في 5 حزيران 1926 - (2) (3) نصوص المواد 30 إلى 36 من معاهدة لوزان المواد 30 و31 و32 و33 و34 و35 و36 من معاهدة لوزان: التابعية المادة 30 - إن تبعية الترك الساكنين في البلاد التي انفصلت عن تركية يكونون بمقتضى أحكام هذه المعاهدة من تبعة الدولة التي انتقلت إليها تلك البلاد وفق الشروط الموضوعة لذلك في القوانين المحلية.
المادة 31 - كل من تجاوز الثامنة عشرة من العمر من الذين فقدوا التابعية التركية واكتسبوا تابعية جديدة بمقتضى المادة الثلاثين فإنه يكون له الخيار في اختيار التابعية التركية لمدة سنتين اعتبارا من وضع هذه المعاهدة في موضع العمل. المادة 32 - أن الأشخاص المتجاوزين الثامنة عشرة في العمر من الذين هم ساكنون في قسم من البلاد المنفصلة عن تركيا وفقا لهذه المعاهدة والذين هم يغايرون في الجنسية أكثرية الأهالي الكائنين في البلاد المذكورة لهم أن يختاروا تابعية دولة من الدول التي تكون أكثرية أهاليها من جنسيتهم بشرط موافقة الدولة المذكورة على ذلك ويكون هذا الخيار لهم مدة سنتين اعتبارا من وضع هذه المعاهدة موضع العمل. المادة 33 - إن الأشخاص الذين استعملوا ما لهم من حق الخيار المنصوص عليه في المادتين الواحدة والثلاثين والثانية والثلاثين يتحتم عليهم بعد ذلك في مدة اثني عشر شهرا أن ينقلوا محل إقامتهم إلى بلاد الدولة التي اختاروا تابعيتها. غير أن هؤلاء يكونون أحرارا في محافظة ما يملكون من أموالهم غير المنقولة الكائنة في بلاد الدولة التي كانوا مقيمين فيها قبل استعمالهم حق الخيار المذكور.
أن لهؤلاء الأشخاص أن ينقلوا معهم جميع مالهم من الأموال المنقولة ولا يؤخذ منهم عند نقلها شيء من الرسوم لا عند إخراجها ولا عند إدخالها. المادة 34 - إن من كان قد تجاوز الثامنة عشرة من عمره من تبعة الترك وهو في الأصل من أهل بلد من البلاد التي انفصلت عن تركية وكان عند وضع هذه المعاهدة موضع الإجراء مقيما في إحدى الممالك الأجنبية يكون مخيرا في اكتساب التابعية المرعية في البلاد التي هو في الأصل من أهلها ولكنه في هذا الخيار يكون مقيدا بالقيد الاحترازي الذي يتكون مما يقع من الائتلافات التي تنعقد بين حكومات البلاد المنفصلة عن تركيا وبين حكومات البلاد التي يقيم فيها ولا يشترط في خياره هذا إلا أن تكون جنسيته موافقة لجنسية الأكثرية من أهالي البلاد التي يختارها وإلاَّ أن توافق على ذلك حكومة تلك البلاد أيضاً أن حق هذا الخيار يجب استعماله في خلال سنتين اعتبارا من تاريخ وضع هذه المعاهدة موضع العمل. المادة 35 - إن الدول المتعاقدة تتعهد بأنها لا تمنع بوجه من الوجوه استعمال حق الخيار الذي يمنح أصحابه إحراز أية تابعية أخرى ممكنة لهم والذي جاء بيانه في هذه المعاهدة أو في
معاهدات الصلح المنعقدة مع ألمانيا وأوستريا والبلغار والمجر أو في المعاهدات المنعقدة بين الدول التعاقدة المذكورة من غير تركية أو بين إحداها وروسية. المادة 36 - أن النساء ذوات الأزواج تابعات لأزواجهن والأولاد الذين هم دون الثامنة عشرة تابعون لآبائهم في جميع الأمور المتعلقة بتطبيق الأحكام الكائنة في هذا الفصل. وصف خط بروكسل من ملتقى دجلة والخابور متبعا وسط مجرى الخابور إلى ملتقاه مع الهيزل ثم يسير مع وسط مجرى الهيزل إلى نقطة واقعة على بعد ثلاثة كيلومترات فوق ملتقى ذلك النهر بالجدول الجانبي الذي يمر من (سيرنز) ومن هناك يسير على خط مستقيم نحو الشرق إلى القمة الشمالية لحوض الجدول الجانبي الذي يمر من (سيرنز) ثم يتبع قمة هذا الحوض الشمالية إلى جبل (بيلاكيش) ومن هناك يسير على خط مستقيم إلى منبع رافد (بيجو) في (رابوزاق) ومن هناك يتبع هذا الرافد إلى ملتقاه في جنوب (رابوزاق) مع نهر آت من نقطة 6834 في شرق جنوب شرقي (رابوزاق). ثم يتبع خطا مستقيما إلى التل الواقع إلى شمال شمال شرقي نقطة 6834 ثم من وسط مجرى نهر صغير آت من الجهة الشرقية لهذا التل إلى ملتقاه بالخابور ومن هناك يسير مع الخابور نازلا
مسافة نحو كيلو متر ونصف إلى ملتقاه بنهر قادم من منطقة (آروش) و (جراموس) وعلى طول هذا النهر (تاركا إلى الشمال النهر القادم من قاشورا) إلى ملتقى الرافدين الكبيرين الآتيين الأول من (جراموس) والثاني من (آروش) ومن هذا الملتقى يسير على طول قعر الوادي المقابل من جهة الشرق لنقطة 6571 على خط تقسيم المياه الواقع بين الرافدين المذكورين. ثم يتبع خط تقسيم المياه الآنف الذكر إلى نقطة 9063 شرقي نقطة 6571 ومن هناك يسير على قمة حوض الرافدين الذي يمر من (جراموس) إلى نقطة ملتقاه بالقمة التي على الجانب الجنوبي من نهر (ليزان) ومن هذه القمة الأخيرة يسير على القمة الواقعة إلى شمال حوض رافد نهر الزاب الآتي من (اورا) ثم إلى نقطة في غربي شمال غربي (دوسكية) وعلى بعد كيلومترين ونصف من ذلك المكان ثم على خط مستقيم من تلك النقطة إلى منبع رافد الزاب في شمال شرقي (دوسكية) وبالقرب منها ومن هناك يتبع مجرى هذا الرافد إلى نهر الزاب. ثم يسير مع الزاب إلى اسفل إلى نقطة على بعد كيلومتر واحد في جنوب (بيشوكة) وعلى خط مستقيم نحو الشرق إلى شمال قمة واقعة جنوب حوض النهر الذي يمر من جنوب (بيهي) وشمال (شال) ومن هناك على طول القمة
الجنوبية لوادي رافد الزاب الذي يمر من (به ريجان) إلى اقرب نقطة من منبع (أفه ماره ك) في غرب جنوب غربي (شيلوك) ثم يتجه إلى هذا المنبع على خط مستقيم ومنه على طول الفرع الغربي ل (أفه ماره ك) ابتداء من هذا المنبع إلى ملتقاه بنهر صغير آت من التل الواقع بين (قازه ريك) و (نرويك) ثم على طول هذا النهر الصغير إلى منبعه. ويتبع خطا مستقيما من هذا المنبع إلى رافد الفرع الشرقي ل (أفه ماره ك) الذي يصب في شمال (نرويك) ثم على طول هذا الرافد إلى مصبه ومن هنا على خط مستقيم إلى خط تقسيم مياه (أفه ماره ك) و (ردبريشين) الذي يصب في ذلك النهر في شمال (شيخ مومار) تماما ثم على خط مستقيم إلى منبع ذلك النهر. (أن الرافد المتقدم ذكره هو ردبريشين الذي يسير نازلا إلى مصب النهر في جنوب ده قليلا) ثم على طول هذا النهر إلى منبعه. وعلى خط مستقيم من منبع ذلك النهر إلى خط تقسيم مياه (ردبريشين) ورافد (شمسدينان صو) الذي يمر من شرق (حركي) تماما ومن هناك على خط مستقيم إلى اقرب جدول جانبي من هذا الرافد وعلى طول الجدول الجانبي ثم على طول الرافد المذكورين إلى (شمسدينان صو) ومن ملتقى هذين الجدولين يسير على خط مستقيم إلى القمة الجنوبية لحوض (شمسدينان صو) ويسير على طول هذه القمة إلى نقطة ملتقاها بخط تقسيم المياه الواقع بين حوضي نهر (حاجي بك) ورافده الذي يمر من شرقي (أوبا) تماما وبعد أن يتبع خط تقسيم المياه المذكور يسير رأسا إلى نهر (حاجي بك) ثم يسير مع نهر (حاجي بك) معاكسا الجريان إلى الحدود الإيرانية.
إخوان الأدب
إخوان الأدب شكري الفضلي (2) شخصيته الأدبية ومبادئه: إن نشأة الفضلي الأدبية وشغفه بالقراءة والكتابة سهلا له الاطلاع على كثير من الكتب والرسائل التي ألفها المفكرون الأحرار من الترك والعرب وضمنوها صرخات أليمة من الظلم والاستبداد. كما أن اشتغاله بالصحافة وصله بالحركة الفكرية في الآستانة والقاهرة وبيروت. فتأثر بهذه البيئة واكتسب نزعة حرة حميدة جعلته من المنظورين إليهم بعيون مرتابة من صنائع السلطان عبد الحميد وأعوان الظلم، حتى اتهم قبل ما يزيد على
العشرين سنة بأنه يذيع المبادئ الحرة وينقد أعمال السلطات الملكية والعسكرية فسجنه الفريق رفيق باشا في كركوك ولدى محاكمته في ديوان خاص مدة شهرين برئت ساحته. وسجن بعد سقوط السلطان عبد الحميد الثاني واعتلاء محمد رشاد الخامس عرش السلطنة العثمانية يوما واحدا في دائرة الشرطة بتهمة تمهيده سبيل الفرار لأحد الأحرار من معارضي حزب الاتحاد والترقي. وأطلق سراحه بجهد عظيم. ثم اتهمه في عهد الدستور جمال بك والي بغداد المشهور بعسفه وطغيانه بجريمة سياسية مع لفيف من الرجال المعروفين في مدينة السلام المخالفين لحزبه الاتحادي وطلب إرسالهم جميعاً إلى فروق لمحاكمتهم في (الديوان العرفي) فتوسط في الأمر المرحوم محمد فاضل باشا الداغستاني ففك عقاله والمتهمين معه. والباعث على أن تحوم حول فقيدنا شكري هذه التهم. سعيه في إنشاء فرع لحزب (الحرية والائتلاف) في بغداد وهو الحزب المعارض لحزب (الاتحاد والترقي) وتشنيعه بمآتي الاتحاديين وقد سيق مرات إلى المحاكم وحوكم لما يظهر في مقالاته المنشورة في الصحف العراقية من نقد السياسة الاتحادية الخرقاء حتى شاع في خلال الحرب العظمى أنه قد شنق مع من شنق من أحرار
العراقيين في باب (المعظم) وذكر ذلك فائز بك الغصين في كتابه (المظالم في سورية والعراق والحجاز) المطبوع سنة 1918 صحيفة (86). أما بعد الحرب العالمية فلم تبد منه أية نقمة على السلطة بل بعكس ذلك له مقالات عديدة يشعر منها أنه كان من محبذي الوضع السياسي الراهن في البلاد. وإذا نظرنا إلى شخصيته الأدبية وأسلوبه نجده بطبيعة نشأته وثقافته أميل إلى المذهب القديم منه إلى الجديد فقد كانت عنايته باللفظ دون العناية بالمعنى. وطالما قرأت له سطورا عديدة فيها فكرة واحدة يمكن إبرازها في جملة واحدة لا غير. إلا انه كان ممن يحبذون النقد وما اجتمعت به مرة إلا وتطرق إلى النقد الأدبي وذكر كستاف فلوبر و (تين) وغيرهما من أعلام النقاد الفرنسيين وقد عرفهم في ما ترجم لهم أو عنهم إلى اللغة التركية. وقد عالج الأديب الفضلي النظم بالعربية والتركية والفارسية والكردية. وأقول عن نظمه العربي فقط أني لم المس فيه شاعرية إنما هي جمل موزونة ومقفاة قد يحسن حبكها في الأحايين. مع
أن له في النثر كتابة فصيحة تحوي مادة. ومادة غزيرة في بعض مقالاته وأبحاثه. ومبدأه الاجتماعي أشبه بمبدأه الأدبي. وسط بين المحافظين والمتجددين فهو يمتدح السفور ويفضله على الحجاب ولكنه لو تزوج لما رضي أن تسفر زوجته. وبتأثير ثقافته في كتب العرب العتيقة تلبس الدعوى بان العرب هم أصل المدنية البشرية وان آدابهم لا تعلوها آداب وانه ليس هناك علم ولا فن إلا لم يغادر فيه الأسلاف لمن أتى بعدهم من متردم. إلى غيرها مما أدرك النقدة الراسخون من العرب أنفسهم في هذا الزمان أنها من الدعاوي الباطلة التي تعد سبة في نظر أهل التحقيق العلمي. وكان شكري الفضلي يتبرم من الغرب وسطوته المادية ويتحرق أن لا يكون للشرق قوة تتمكن من أن تصد هجمات الغرب عليه إلا أنه لم يكن يعتقد بان العواطف والتهور يغنيان الشرقيين أو العرب عن تطلب القوة من أبوابها والسلوك إلى المجد في طرقه كما أن لأحلام (الجامعة الإسلامية) و (العصبة الشرقية) و (الوحدة العربية) حيزا كبيرا في دماغه ولهذا رأينا خيالاتها
مرسومة في كثير من مقالاته اليومية في الجرائد. أما أخلاق المترجم عنه فقد عرفت فيه هدوءا ولطف معشر رضيا وجلدا وضبط نفس، وكم تمنيت لو تجافى عن الأبعاد بين فكره ولسانه أحيانا، فكثيرا ما زرته في أيام اشتداد النضال القلمي بين رجال القديم وأنصار الجديد فلم يكن يبدي أي تأثر من المطاعن الموجهة إلى صديقه. ولما كنت ألح عليه في إبداء الرأي كان يتنهد ويقول: لا يمكنني أن أصرح بالحقيقة التي أراها وإلاَّ انقلبت صداقتي للجماعة إلى خصومة. وكان ربعة يميل إلى الطول، حنطي اللون عظيم الهامة، عرف بإطالة التفكير وقلة الكلام كما عرف بشدة تمسكه بمعتقداته وآرائه مع اعتداد بالنفس. وقد ولع رحمه الله بالدخان - وغير الدخان - مما يتمحل متعاطوهما عذر طرد الهم ولكنهما أضرا بصحته ونهكا قوى جسمه فعجلا في منيته في 1 حزيران 1926 فحرمت أمته خدماته المفيدة. آثاره لقد اشتغل فقيد الأدب العراقي شكري الفضلي بكتابة المقالات كثيرا ونظم القصائد نادرا ولم يتفرغ لتأليف كتاب برأسه إلاَّ
تاريخه الذي صرف له قسما كبيرا من جهده وأدركه الحمام قبل أن ينشر على الناس شيئا منه. لهذا اعد له (تاريخ العراق قديما وحديثا) مع (ذيل في جغرافية العراق التاريخية) أثرا خطيرا واطلب إلى ذريته أن يبحثوا عما خطه من هذا الكتاب لطبعه وأن لم يكمله لأنه قد اعتمد على جملة مؤلفات غالية في اللغات الفارسية والتركية والعربية ونقب في بعض المخطوطات وجعل جل همه أن يكتب تاريخ فترة غامضة من تاريخ هذه البلاد من سقوط بغداد بيد التتر إلى أواخر العهد العثماني وكانت غاية أمنيته أن ينجز هذا الأثر الثمين. وله مؤلف علمي باسم (مكتبة الفضلي) ينكسر على بضعة أقسام في (طبقات الأرض) و (الحكمة الطبيعية) و (الكيمياء) و (الفلك) و (علم النفس) و (الهندسة) وقد استمد اكثر نظرياته فيه من الكتب التركية الحديثة المترجمة عن الآثار الأجنبية مع بعض الشيء عن كتب العرب القديمة. ويمكن أن يتكون من منظومة ديوان شعري نسميه (ديوان الفضلي). وإذا جمعنا مقالاته المتفرقة في السياسة والاجتماع في مجموعة تألف منها مجلدان كبيران وكان يحدثني يوما عن هذه المجموعة
وهو يتردد في تسميتها فاقترحت عليه أن يسميها (نظرات سياسية واجتماعية) فأجابني: (ليكن لها العنوان الذي تراه. وقد أقام له (منتدى التهذيب) في بغداد عصر يوم 25 حزيران 1926 حفلة تأبين خطب فيها بعض الأدباء وألقى فيها كاتب هذه السطور ترجمة الفقيد هذه وختمها بقوله: هذا هو الأديب الفضلي الذي اجتمعنا اليوم لنحيي ذكراه وأني لأقدر خدمة منتدى التهذيب للأدب في أحياء هذه الحفلة فهي مفخرة للمنتدى وإشادة بذكر الفقيد الذي لم يذق في حياته لذة يصدق عليها وصفها بالطيبة وذلك جزاء لجهوده، فلا أقل من أن يعرف له أبناء أمته فضله وعسى أن أجد فيكم من تأخذه الحمية على الأدب والأدباء فيتبرع بطبع كتاب يضم ما قيل فيه مع نخبة صالحة من آثاره. في ذمة التاريخ أيها الصديق الراحل! رفائيل بطي
معنى اسم بغداد
معنى اسم بغداد سألنا أحد الأدباء أن نفيده عن معنى اسم بغداد فنقول: قد بحثنا عن هذا الموضوع في مجلتنا هذه لغة العرب من ذلك في 387: 1 - 392 وفي 549: 2 و574 وفي سنتها الثالثة أيضاً في 40 - 41 وفي هذه السطور الأخيرة رأي الدكتور هرتسفلد الشهير. وقد طلبنا إلى صديقنا الأديب يوسف غنيمة أن يوقفنا على ما وصل تحقيقه في هذا الموضوع فكتب إلينا ما هذا نصه: جاء في المعلمة البريطانية عن قدم بغداد ما انقله إلى العربية وان كان بعضه قد ورد في مقالات لغة العرب في سنواتها الثلاث التي مضت. قالت المعلمة: (بين حدود المدينة نفسها وعلى عدوة دجلة الغربية بقايا متراس لاحظها السر هنري رولنصون لأول مرة سنة 1840 عند هبوط المياه وكانت مشيدة بالأجر وملاطها من القار وفيها كتابة من عهد نبوكدراصر ملك بابل. كانت بغداد مدينة بابلية يرتقي تاريخها إلى ألفي سنة قبل الميلاد على ما يحتمل. وجاء اسمها في القوائم المكتشفة في خزانة آشور بنيبل وورد أيضاً ذكرها في صخرة ميشو التي وجدت على دجلة قرب موضع المدينة الحالية ويرجع تاريخها إلى عهد تفلت فلاشر الأول (1100ق م). لهذا وضح متراس نبوكدراصر المذكور أمرا وهو أن مدينة (بغدادو) القديمة كان موضعها في موقع بغداد الغربية أو بغداد العتيقة. أن مآخذ التلموذ اليهودي تبين أن المدينة كانت باقية في بدء التاريخ الميلادي وبعده أما إذا اعتمدنا على كلام مؤرخي العرب فالظاهر منه أنه لم يبق في ذلك الموضع إلاَّ دير قديم حينما أسس الخليفة المنصور المدينة الغربية. على أن الإنسان قد يشك في صحة هذه الرواية الحرفية إذ أن من الواضح أن اسم الموضع كان
لا يزال ثابتا فورثته المدينة الجديدة. (انتهى كلام المعلمة البريطانية في مادة بغداد). وجاء في كتاب بدج المعنون بالنيل والفرات 1 - 187) ما هذا معناه بالعربية: (أن اسم بغداد البسيط نال مدة أحد عشر قرنا ونصف قرن مجدا وسطوة وبهاء ورونقا في الشرق والغرب وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنه كان في موضعها أو في ما يلحق بجوارها سوق تجارية غنية خطيرة دامت بضعة ألوف من السنين وأمر بناء البابليين لبكداد - أو ربما كان بناتها من الشمريين، وأمر بناء اليونان لسلوقية، والبرثيين لطيسفون، والساسانيين للمدائن، وكلها في نطاق بضعة أميال قليلة من مدينة بغداد العربية العظيمة، مما يثبت حاجة الآهلين من شمريين أو ساميين أو يونان أو فرس إلى وجود مدينة عظيمة مع سوق أم في موضع بغداد أو بقربه. في نحو سنة 1780م حصل أحد الأطباء الأوربيين المقيم في بغداد على حجر بابلي لحسود عثر عليه أحدهم قرب أطلال طيسفون وكان في القسم الأعلى من هذا الحجر نقش صور آلهة. وفي القسم الأسفل منه كتابة تبحث عن دسكرة كانت بقرب مدينة بكداد - وكانت مدينة بكدادا المشار إليها هنا في موضع بغداد الحالية أو بالقرب منها. وإذ كانت هذه الكتابة قد نقشت في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. فالمدينة إذا كانت موجودة قبل ولادة النبي الحنيف بألف وثمانمائة سنة، ووجد اسم بكدادو - في قائمة عثر عليها في نينوى وقد كتبت في القرن السابع قبل الميلاد. ومن المحتمل كل الاحتمال إنها نسخة من قائمة سبقتها بزمن بعيد. وفي صيهود سنة 1848 أي في زمن كانت مياه دجلة قد هبطت هبوطا عظيما وجد رولنصون بعض آجرات كتب عليها اسم نبوكدنصر الثاني مع ألقابه (605 - 558 ق م) في متراس وجد على الضفة الغربية. وقد استنتج البعض من هذا أن نبوكدنصر الثاني بنى أو رمم متراس مدينة عظيمة وجدت في الموضع الذي بنى العرب عليه قسم مدينتهم
القديم في النصف الثاني من القرن الثامن أو أن لم يك ذلك الموضع بعينه فلا جرم انه كان في جواره، أو أن المتراس جدد بعد عهد نبوكدنصر بكثير وقد أتى بالأجر إلى بغداد من خرائب مدينة سلوقية التي عمرت هي أيضاً بآجر جيء به من مدينة نبوكدنصر أي بابل على ما هو مشهور ومتعارف عند الجميع ومدينة سلوقية واقفة على هذه الضفة عينها على بعد بضعة أميال من منحدر النهر. كان أصل اسم بغداد ومعناه موضوع جدل ومناقشة عظيمة وقد اعتقد البعض انه تصحيف عربي للكلمة المسمارية بك دادا - أو بكدادو - ولكن هذا غير محتمل لأن اسم بغداد وأن كان يجانسه بعض المجانسة إلا أنه منحوت من كلمتين فارسيتين من (بغ) ومعناها (اله) وداد ومعناها (وضع أو أعطى) ومحصل معناهما موضع أسسه الإله أو المدينة التي أعطاها الإله وهذا كان الاسم الخاص بالمدينة التي هي على دجلة والتي فازت بالغنى والعظمة مدة قرون عديدة والتي سبقتها إلى ذلك الاختصاص مدينة باب الإله (باب ايلو) أو بابل العظيمة. ويظن تافرنيه أن اسم بغداد يعني (البستان المهدى) انتهى كلام بدج الإنكليزي. مجمل القول من كل ما نقلته: أن محلا أو سوقا أو مدينة وجدت قبل الإسلام بهذا الاسم في موضع يكاد يكون موضع بغداد نفسه، أو في جواره وقد المع إلى ذلك كتبة العرب وقد نقلت كلامهم عنهم في كتابي تجارة العراق ص45 واليكه: (وكانت بغداد قبل أن مصرها المنصور قرية تقوم فيها سوق عظيمة في كل شهر مرة فيأتيها تجار فارس والأهواز وسائر البلاد.) أن معنى بغداد على ما جاء في تأليف بدج يوافق بعض الموافقة ما جاء في لغة العرب عن هرتسفيلد (41: 3) من فارسية أصلها. أما ما جاء في كتاب الظريفي تاريخ بغداد ص3 عن معنى اسم بغداد فغريب في بابه والأغرب في ذلك انه يقطع في الأمر ويخطئ من قال بفارسية الاسم ولا يحق له ذلك وأن كان قد أخذ ما قاله عن بعض المؤلفين لأن العلماء الأعلام كدلج وهرتسفيلد وبدج يقولون بفارسيته فكيف يحق له هذا القطع والأمر موضوع على بساط الجدل والمناقشة.
ولي رأي خاص في معنى اسم بغداد ولقد عن لي في تضاعيف بحثي منذ زمن ولم انشره حتى اليوم فأذكره بكل تحفظ وتوق. الذي عندي أن اسم بغداد أرمى مبنى ومعنى وهو مؤلف من كلمتين من (ب) المقتضبة من كلمة (بيت) عندهم وكثيرا ما تقع في أوائل أسماء المدن مثل بعقوبا وباقوفا وبطنايا وباعشيقا وباعلرا وباجرمي وغيرها. واللفظة الثانية (كدادا) بمعنى غنم وضان (راجع ص91 من معجم دليل الراغبين في لغة الآراميين العمود الثاني الكلمة الثانية المعنى الثاني) فيكون مفاد بكداد مدينة أو دار أو بيت الغنم أو الضأن وإذا كانت هناك سوق فمن المحتمل أنهم كانوا يبيعون فيها الغنم والضأن في أول الأمر. ومن المشهور أن الارميين كانوا فلاحين في هذه الديار ويربون المواشي وبقوا كذلك قرونا عديدة بعد استيلاء العرب المسلمين على العراق. وأني افضل هذا الرأي على التأويل الفارسي ولا سيما قد ورد اسم بغداد في الآثار القديمة البابلية قبل احتلال الفرس لهذه الربوع. فأرجو أن تبدوا رأيكم في هذا التأويل لأنه إذا وافق العلماء عليه يكون أول من قال به عراقي بغدادي. يوسف غنيمة (ل. ع) إننا وإن كنا نقدر علم أهل البحث من الغربيين كل التقدير إلا أننا لا نسلم لهم في أصل كلمة بغداد على ما يرتؤون. وقبل كل شيء على المحقق أن يقضي عنه بعيدا قول من يذهب إلى أن الكلمة فارسية الأصل إذ كيف تكون كذلك والفرس لم يدخلوا العراق إلا في عهد كورش (في المائة الرابعة قبل الميلاد) وبغداد معروفة بهذا الاسم قبل الفرس بمئات من السنين. لا جرم أن البلاد السامية السكان لا تسمى إلا باسم سامي أي باسم من الآشورية أو البابلية أو الارمية أو العربية. والحال أننا نعلم أن الارميين (وهم من أصل سامي كالعرب) قديمو الوجود في ديار العراق. فإذا كان الأمر على هذا الوجه فلابد من أن تكون اللفظة ارمية الوضع. ولهذا نخير رأي صديقنا البحاثة يوسف غنيمة على كل رأي سواه. أما ما ذكره علي ظريف في كتابه تاريخ بغداد فلا حقيقة له فقوله اسمها (بل دودو) ومعناه مدينة الإله في لغة السريانيين الكلدان لا تؤيده مفردات لغة هؤلاء القوم. ولو كان يلم بشيء من هذه اللغة لما قال هذا القول الذي لا حقيقة له سوى التوهم.
اللغة العامية
اللغة العامية لم يضع الأقدمون مؤلفا في اللغة العامية العربية، بل أشاروا إلى وجودها من طرف خفي. في تضاعيف كلامهم عن لغات العرب وقبائلهم، وحسنا فعلوا أنهم لم يدونوا شيئا عظيما في هذا الموضوع ولو كانوا فعلوا لما استطاعوا أن ينشروا لغة قريش ويجعلوها لغة واحدة لجميع القبائل وفي جميع الديار العربية. وما فعله العرب قبيل الإسلام فعله الإفرنج على اختلاف قومياتهم في صدر حضارتهم. هؤلاء الفرنسيون والاسبانيون والإيطاليون والإنكليز والألمان إلى غيرهم. كان لهم لغيات ولهجات: إلا أنه نبغ فيهم رجل كتب كتابا جليلا بلهجته الخاصة به فاتبعه قومه. ثم حظروا اتخاذ لهجة أخرى فتوحدت اللغات وفي الوقت عينه توحدت القومية والأفكار والخواطر ونشطت العلوم والفنون والصنائع وكثرت المصنفات على تنوع مواضيعها. ولما تمكنت تلك اللغة القومية من أعضاء الأمة، أجاز أولو الأمر بعد ذلك رجوع كل قبيل أو كل جيل من أجيال الأمة العظمى إلى لهجتها، وهكذا نرى اليوم في فرنسة من يكتب بلغة بروفنسة وبريطانية الصغرى، وكذا نرى في أسبانية من يعيد درس الباسكية وتقويتها. وهكذا قل عما يجري في إيطالية وألمانية وانكلترة. إذ كل جيل من أجيال تلك الأمم الكبرى يحاول إعادة درس لغة قومه أو لغة قبيلته أو لهجة صقعه. وعليه اصبح اليوم من اللازم درس كل قوم لهجة وطنه، إذ لا خطر اليوم على اللغة الفصحى بعد أن تمكنت في جميع البلاد، واصبح درسها من أول
دفع المراق في كلام أهل العراق
الواجبات، لأن اللغة إذا فقدت، فقدت القومية، وتناثر أوصالها، وتبددت أشلاؤها. وللشاعر العصري معروف الرصافي كتاب في هذا الموضوع كسره على ثلاثة غرور: ضمن الغر الأول: أصول اللغة العراقية وقواعدها وأحكامها: وجعل الثاني مجموع مشاهير أقوالهم من مثل سائر وقول عائر، وبيت عامر. وأبقى مفردات الألفاظ مضمون الغر الثالث، ومن كل ذلك قد اكتفى باللباب، وترك التوسع في كل من هذه المضامين الثلاثة لمن يريد الإمعان فيها والاستزادة منها. ودونك الآن مقدمة هذا التأليف: (ل. ع) دفع المراق في كلام أهل العراق بسم الله الرحمن الرحيم إن لله في خلقه عاملين دائبين يخضع لحكمهما كل حادث في جميع أحواله وأطواره، ونشوءه واندثاره. وهذان العاملان هما الزمان والمكان، فلا شيء إلا وهو ربيب في حجريهما. ورضيع من ثدييهما، يشب بما غذياه، ويشيب بما رمياه، ومن ذلك لغات البشر: فإنها من اكثر الأشياء خضوعا لحكم هذين العاملين في الرقي والانحطاط، وما اختلاف لغات الأمم إلا نتيجة من نتائج هذين المؤثرين. ولقد تعاورت اللغة العربية أزمنة وأمكنة أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم من اللهجة المعلومة التي تلوكها أفواه العامة لوكا مختلفا باختلاف الأصقاع، كلهجة أهل العراق، وسورية، والحجاز، ومصر، والمغرب وغير ذلك من البلاد المأهولة بالمتكلمين بالعربية. على أن تأثير الزمان والمكان لم ينحصر من اللغة العربية في تغيير لهجتها فقط، بل قد عم مفرداتها أيضا. فأن من مفرداتها ما قد اندثر ولم يبق له في
كلام العامة من اثر، ومنها ما قد تغير لفظه أو معناه أو كلاهما تغيرا مختلفا باختلاف الأماكن والأزمان؛ كما قد تكونت فيها من المفردات ما لم يكن من قبل موجودا في متنها؛ ولما كانت هذه المفردات متكونة بحكم الزمان والمكان كانت مختلفة أيضاً باختلافهما. ففي كلام العراقي منها ما ليس في كلام السوري، وفي كلام السوري ما ليس في كلام المصري؛ وهكذا. غير أننا نجد لهذين المؤثرين في اللغة العربية أثرا واحدا قد عم جميع المتكلمين بها في جميع الأنحاء وهو سقوط الأعراب منها. فهذا الأثر وحده هو الذي نجده عاما في كلام العراقي والسوري والحجازي والمصري وغيرهم. وأن قال قائل: هل يعد هذا التغيير الحاصل في اللغة العربية انحطاطا، أو يعد اصطفاء وارتقاء؟ قلنا: إن الجواب على هذا السؤال لا يكون إلا بعد طول نظر وأعمال فكر وليس من غرضنا في هذا الكتاب أن نخوض في مثل هذه المسألة العويصة سوى أننا نقول: لا يجوز الحكم بأن كل ما حصل في اللغة من التغير هو انحطاط وتقهقر إلى الوراء. كما لا يجوز الحكم بأن جميع ذلك هو اصطفاء وارتقاء لأننا أن قلنا بالأول كذبنا قانون بقاء الأنسب؛ وأن قلنا بالثاني كذبتنا البداهة ومن ذا الذي يستطيع أن يدعي بان سقوط الأعراب من اللغة العربية مخالف لقانون بقاء الأنسب، وأنه ضروري لا بد منه للمتكلم بالعربية، مع أننا نرى العامة تتفاهم تمام التفاهم بكلامها الخالي من حركات الأعراب فالأولى إذا هو أن نترك الإفراط والتفريط فنقول بأن هذا التغير الحادث في اللغة منه ما يعد انحطاطا ومنه ما يعد ارتقاء. ومما لا مرية فيه أن للغة العامية اليوم مزية لا تنكر. وذلك أنها على علاتها نراها جارية مع الزمان في مفرداتها فهي تنمو كل يوم بالأخذ من غيرها بخلاف العربية الفصحى فان جمودنا فيها واقتصارنا منها على ما نراه في معاجم اللغة قد رماها بالتوقف عن النمو حتى أصبحت متأخرة عن لغات الأمم الحاضرة على رغم ما اختصت به من المزايا التي خلت منها تلك اللغات. ومهما كان فليس هذا البحث من موضوعنا هنا فلنضرب عنه صفحا، وإنما
غرضنا في هذا الكتاب هو أن نضبط لغة العامة بما يلزم من الضوابط الصرفية والنحوية لأسباب: الأول أن يكون ذلك كمقدمة لمن أراد أن يبحث بحثا تاريخيا عن اللغة العربية وما طرأ عليها من الطوارئ التي أثرت فيها وتصنيف ما حدث فيها من التغييرات المختلفة باختلاف الأزمنة والأمكنة، والمقايسة بين حاضرها وغابرها ليعلم هل تلك التغيرات هي انحطاط في اللغة أو هي ارتقاء فيها. الثاني: تسهيل التفاهم بين أهل البلاد المختلفة فيسهل على السوري مثلا فهم كلام العراقي، وعلى العراقي فهم كلام السوري والحجازي، لكني لم أتكلم هنا إلا عن لغة أهل العراق فقط. وعسى أن يكتب بعض السوريين ما يسهل به على العراقي فهم كلام السوري، على أن لغة أهل العراق لا تخالف لغة أهل نجد والحجاز إلا قليلا ومخالفتها للغة السوريين اظهر من مخالفتها للغة الحجازيين وقد اجتمعت مرة في حلب الشهباء برجال من أعيانها في مجلس حاشد فكان أحدهم إذا وجه إليَّ الكلام غير لهجته وكلمني بما يقرب من العربية الفصحى؛ فأفهم كلامه ولكنه عندما يكلم غيري من الحلبيين بلهجتهم الخاصة لم اكن افهم منه تمام الفهم: فكنت استعيد منه بعض الكلام لأفهمه. وذهبت مرة في حلب أيضاً إلى السوق ولما أردت العود إلى محلي تشابهت عليَّ الطرق؛ فسألت بعض المارين: من أين الطريق إلى محل كذا فقال لي (سوي) فلم افهم ما أراد وكرهت أن أقول له: أني لم افهم معنى (سوي). الثالث: تنبيه الأفكار إلى أدبيات العوام: فإن الأدبيات الخاصة بالعوام موجودة عند جميع الأمم، وتختص أدبيات العامة بأنها هي الواسطة الوحيدة لمعرفة ما للسواد الأعظم من الأفكار والعادات؛ فإذا أردت أن تعرف ما هي عواطف السواد الأعظم من كل أمة؛ وما هي عاداتهم التي جروا عليها وأفكارهم التي يفتكرون فيها وأميالهم التي يميلون إليها فأنظر في كلام طغامها وأدبيات عوامها. على أن في أدبيات العامة ما لا يستخف به من الكلام ففي قول قائلهم:
لو سقيت الشوك عنبر ... قط ما يحمل ورد من المعنى مالا يقصر عن أمثال المتنبي وحكمياته؛ حتى أن ألفاظه أيضاً تعد من أول طبقة بالنسبة إلى اللغة العامية. وعندي أن أقول النائحة: ياهلله هالشهر ماقشر لياليه ... محمد بأوله وعمشا بتاليه لا يقصر في باب الرثاء عن قول أبي تمام: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر الخ ولما كان هذا الكتاب خاصا بلغة العامة من أهل العراق؛ وسمته باسم من كلام العامة فسميته (دفع المراق؛ في كلام أهل العراق). والمراق كلمة عامية تقع في كلامهم بمعنى الافتكار في الشيء لأجل الخوف منه أو لأجل معرفته وحب الاطلاع عليه. وهي بالمعنى المذكور دخيلة في كلامهم؛ ولها أصل في العربية وهي جمع مرق (بتشديد القاف). يقال: مراق البطن (بتشديد القاف)؛ لما رق ولأن منه. ومنها اخذ الأطباء لفظ المراقية (بتشديد القاف) التي هي عندهم تطلق على نوع من الماليخوليا التي معناها الخلط الأسود منسوبة إلى مراق البطن؛ إلا أنهم يخففون ياءها فيقولون: مراقية (بتشديد القاف) ويطلقونها على طرف من الجنون كالهوس. وقد اخذ الأتراك هذه الكلمة فحزفوا معناها ومنهم أخذتها العامة فاستعملوها بالمعنى المذكور آنفا وإنما تعمدت استعمال هذه الكلمة في اسم الكتاب ليكون الاسم مطابقا لمسماه، ونسأله تعالى أن يجعله نافعا. آمين في 12 جمادي الآخرة سنة 1337 الموافق ل 4 شباط 1919 معروف الرصافي
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد 1 - تاريخ الكويت الجزء الأول من القسم الأول لمؤلفه عبد العزيز الرشيد طبع في المطبعة العصرية في بغداد سنة 1926 أول من كتب عن الكويت فصولا مشبعة، هو صاحب هذه المجلة وكان قد نشرها في إحدى مجلات بيروت سنة 1904 ثم نشرنا شيئا آخر في هذه المجلة في سنة 1913 ثم جاء أحد المنتسبين إلى العلم وسطا على كل ما أذعناه فأبرزه في المقطم والمقتطف سنة 1916 و1917 وانتحله ومسخه وشوهه بأغلاط فظيعة كشف شيئا منها الشيخ كاظم الدجيلي في المقتطف سنة 1917 في المجلد 50 ص 481 - 488: وكأن الكاتب لم يرعو بهذه العظة. فنشر مقالة في اليقين مجلته ونقحها على ما أشار إليه الشيخ الدجيلي. وعلى هذه الصورة عرفت الكويت وكان قد نشر محمد وجدي في دائرته ما كتبه المنتحل ولم يسنده إلينا كما هو عادة الأدباء المنتحلين. واليوم جاءنا أحد أبناء الكويت وألف مصنفا في 230 صفحة سماه تاريخا وقد أودعه إفادات شتى هي اقرب إلى الأدب منها إلى التاريخ لأن غالب ما فيه الموضوع الأول دون الثاني. ولهذا نستأذن الكاتب في إبداء رأينا في كتابه: 1 - أول شيء كان يليق بالمؤلف أن يذكر موقع الكويت من هذه الكرة الأرضية فلقد تكلم عن هذه الإمارة ولم يقل لنا أين هي واقعة من الطول والعرض، وهذا أمر جوهري لكتاب مثل مصنفه. 2 - كان يحسن به أن يذكر ما يقابل السنين الهجرية من السنين الميلادية
لكي لا يحتاج المطالع إلى البحث عن السنين التي اتخذها العالم كله مبدأ تاريخ للأحداث العالمية. 3 - كان يجدر به أن ينقل كلام الإفرنج في ما قالوا عن الكويت فلقد كتبوا عن تلك الديار في جرائدهم ومجلاتهم وكتبهم اكثر مما كتبه أبناء عدنان أنفسهم. نعم أن صاحبنا لا يعرف لغات الأجانب لكن لو طلب إلى إخوانه من عارفي اللغتين مثل هذه الخدمة لما ضنوا بها عليه. 4 - في كتب التاريخ لا يدرج شيء من الشعر ولا سيما قصائد التهاني والمعايدات والأنس والمتنزهات ونحوها: فهذه كلها خارجة عن الموضوع وإنما يفرد لها فصل في أدب الكويت لا في تاريخه. 5 - ضبط أعلام المدن فإنها كلها مجهولة، ولم تضبط بالشكل ولا بالكلام. وكتاب التاريخ إذا خلا من مثل هذا الأمر قلت فائدته. 6 - أغلاط الطبع كثيرة لا تخلو صفحة منها ففي الصفحة الأولى منها قوله: الماه ية صوابها المادية. من الرسميات صوابها من المنشورات الرسمية. بمكافأة مالية كبرى صوابها كبيرة. وخمسميا صوابها وخمسمائة. وبية صوابها ربية. وذكرت لفظة (اسم) مضبوطة بهمزة القطع وهي بهمزة الوصل وفي تلك الصفحة: ولم وقد شئت. وصوابها: ولا سيما قد شئت. وفيها: فجزاك لله وصوابها فجزاك الله. فهذه تسعة أغلاط في الصفحة الأولى التي يعنى بها كل العناية فما قولك في الصفحات التالية. 7 - الكتاب غير متقن الطبع وكنا نود أن يكون أول تاريخ يتكلم عن تلك الخطة أن يكون حسن الطبع والترتيب. على أن في هذا المصنف أبحاثا طلية منها كلامه عن جزر الكويت وقراها ولا سيما عن خطورة غوص اللؤلؤ فيها. وكذلك كل ما يتعلق بأخلاق الكويتيين وألعابهم وأعيادهم وأطعمتهم فكل ذلك مفيد وعسى أن تكون الطبعة الثانية احسن من هذه.
2 - الطريقة الاستقرائية في دروس قواعد العربية الجزء الثالث لصاحبها: رفائيل بابو اسحق طبع في المطبعة العصرية بغداد سنة 1925 هو احسن مختصر وجدناه للقواعد العربية فيكاد الكتاب يكون كله حسنات: حسن الكاغد، مضبوط الألفاظ بالشكل الكامل لكي لا يزيغ الخريج عن جادة النطق الصحيح بالألفاظ منذ أول عهده بالتعلم، واضح التبويب، يتبع كل فصل تمرين يتدرب عليه المتعلم؛ إلا أن هذه المطبعة لا تتقن ما يعهد إليها فمن اسطر منحدرة إلى اسفل سافلين، إلى اسطر تذهب صعدا إلى أعلى عليين. وهناك حروف مكسورة غير بينة أو حروف غير منقوطة. وفي أثناء مطالعتنا بعض صفحات الكتاب وجدنا المؤلف يقول: (يكون المعرب بالحذف في موضعين: في الأفعال الخمسة وفي الأفعال المعتلة الأخر) ولو قال: علامات الحذف في الأفعال تكون في الأفعال الخمسة وفي الأفعال المعتلة الأخر. لكان أوضح. 3 - المختصر في التاريخ مقرر السنة الثانية الابتدائية طبقا لمنهج إدارة المعارف العامة بفلسطين تأليف حسين روحي المفتش في إدارة معارف فلسطين الجزء الأول: في سير عظماء الرجال الطبعة الثانية في القدس سنة 1922 مختصر مفيد في نحو 95 صفحة، وهو حسن بوجه عام، لكن في الحواشي تكثر الأوهام. فقد قال المؤلف ما نصه: (اور معناها نار أو نور، من مدن كلدية، واختلف المحققون في موقعها وأشهر الآراء: (1) أنها مدينة (أورفا) على أمد 20 ميلا شمالي حاران. (2) (ورقا). (3) (المغاور) أو (أم قير) على ضفة (الفرات) الغربية قرب ملتقاه بدجلة وهي الأصح على الأرجح. أهـ
قلنا: القول إن اور هي ارفا أو ركآء هو من أقوال الأقدمين. أما اليوم فقد اجمع علماء الآثار على اختلاف الألسنة والقوميات أنها المقير (وزان مقدم أي بتشديد الياء المفتوحة)؛ وكتب المؤلف أورفا بواو بين الهمزة والراء. وهو من كتابة الترك لهذه البلدة والصواب ارفا - والعرب لم يقولوا حاران بل حران بتشديد الرآء - وأما ورقاء فلا وجود لها في العراق والصواب الوركاء بالكاف وزان البيضاء. وليس في العراق اسم المغاور، وإنما هي المقير لا أم قير. وقال وهي الأصح والصواب الصحي وزان الكبرى. هذا ما وجدناه في الحاشية الأولى من الصفحة الأولى التي هي في هذا الكتاب الصفحة السابعة. ثم قلبنا هذا المختصر فوجدنا لمثل الوجه الأول مثلا عديدة فعسى أن يعنى كل العناية بالمختصرات التي تقع في أيدي الأحداث لكي لا ترسخ في أذهانهم الأغلاط والأوهام فيتعذر بعد ذلك محوها من أذهانهم! 4 - تاريخ حيفا تأليف جميل البحري صاحب المكتبة الوطنية ومجلة الزهرة في حيفا هو كتاب في تاريخ هذه المدينة الحديثة عدد صفحاته 52 وهو حسن التبويب إذا تصفحه القارئ وقف حالا على محتوياته: إلا انه يحتاج إلى إصلاح عباراته في بعض صفحاته، فقوله في المقدمة: (ولما كان لا يوجد لها تاريخ) هو كلام طويل يصاغ صيغة أخرى أخصر منها. كقولنا: (لما لم يكن لها تاريخ) وأملنا أن المؤلف يصلح هفواته في طبعته الثانية. 5 - مختصر تاريخ بغداد القديم والحديث أو بغداد في (4000) سنة (كذا) لمؤلفه علي ظريف الأعظمي طبع في مطبعة الفرات. بغداد ما وقع نظرنا على هذا الكتاب إلا واستبشرنا به لاعتقادنا إننا في حاجة إلى مثل هذا المصنف؛ ثم قلنا في نفسنا: لا جرم أن صفحات هذا التاريخ
تكون مستندا بيد الإفرنج ليطلعوا على حاضرتنا منذ أوغل عهدها في القدم إلى هذا العهد الفيصلي. لكن ما كان شديد عجبنا لما وقفنا على هذه الحقيقة وهي: أن تاريخ بغداد قبل العصر العباسي وقع في صفحتين: وفي هاتين الصفحتين لا تجد إلا أصل كلمة بغداد في منسلخ الأجيال! وأما بعد هذين الوجهين فإنك تقف على أحداث بغداد منذ تأسيسها على يد الخليفة العباسي إلى يومنا هذا. ووقائع الحاضرة مسرودة فيه سردا بدون رابط يربطها فالكتاب عبارة عن جدول وقائع لا غير؛ وحيثما جاءت تفاصيل طويلة؛ تراها خالية من روح النقد. ولا يسع هذه المجلة ذكر ما هناك من غرائب تلك الأقوال: إلا إننا نجتزئ بذكر شاهد على ما نقول ليكون القارئ على بينة مما يطالع ولا يركن إلى كل ما يذكره المؤلف. فقد قال مثلا في ص14: (وامتدت القصور والمعاهد العلمية على ضفتي دجلة وكثرت القصور (كذا بعد أن قال عنها أنها امتدت) الفخمة والمنتزهات (كذا) والحدائق والمصانع: وانقسمت بغداد يوم ذاك إلى أربع وعشرين محلة (كذا) لكل محلة شارع ومسجد وحمام، وكان فيها أربعة آلاف معمل للزجاج وأربعمائة طاحونة مركبة على الماء، وثلاثون ألف معمل للكوز (كذا) وخمسة جسور اثنان عند باب الشماسية. . . .) ثم قال في ص15: (فقد كان أهلها نحو المليونين نسمة. . . .) (أي في عهد الرشيد) قلنا: لم يكن في سابق العهد مدن كبار فيها مليونان. ولو فرضنا أنها وجدت فلا يمكننا أن نتصور انه كان فيها (24000) محلة وكان لكل محلة شارع ومسجد وحمام إذ يصيب كل محلة 84 نسمة. والعاقل لا يصدق ذلك. نعم: إن الأقدمين كانوا لا يتورعون من ذكر الأرقام فعند بعضهم كما عند بعض المعاصرين الخمسة والخمسون والخمسمائة وخمسة الآلاف وخمسة الملايين شيء واحد إذ المهم عندهم هو الخمسة لا ما وراءها من الأصفار. وكان لكل سبعين نسمة معمل كيزان. وهذا أيضاً من الخرافات والأقوال الخالية من كل نقد. إننا لا ننكر أن بعض المؤرخين ذكروا تلك الأرقام الهائلة
أما الآن فإننا في عصر التمحيص والتمخيض لا نرضى بهذه الرطازات التي يأباها كل ذي عقل سليم. أما أغلاط الطبع فقد لا تخلو الصفحة الواحدة عن اقل من ستة أو سبعة فقد جاء في ص9: (وبعد أن تم بناؤها مد إليها قناتين أحدهما. . . والأخر. . . فكانا يدخلان المدينة وينفدان في القصور والشوارع والأسواق والارباض (المروج والساحات المنظمة) ويجريان صيفا وشتاء. أهـ ففي هذه العبارة وحدها سبعة أغلاط من الأغلاط التي سميناها خطأ الطبع والصواب: وبعد أن. . إحداهما. . والأخرة (أو الأخرى) فكانتا تدخلان وتنفذان في القصور. . . أما الآن الارباض هي على ما فسرها: المروج والساحات المنظمة: فلا نراه مصيبا. نعم للربض معان كثيرة مختلفة لكن إذا نطقوا بها في كلامهم عن المدن فمعناها ما حول المدينة (اللسان في ربض) وقيل هو الفضاء حول المدينة من بيوت ومساكن وحريم المسجد إلى غيرها من المعاني؛ بيد إننا لم نجدها بالمعنى الذي ذكره المؤلف. فإننا نخشى أن يعلمنا لغة أو معاني تمنعنا عن فهم كلام السلف. فعسى أن تكون الطبعة الثانية خيرا من هذه الأولى. على إننا لا ننكر أن في الكتاب محاسن ومن الجملة ما دونه في الأعوام الأخيرة فان أغلب تلك الوقائع غير مدونة في كتاب معروف. ولهذا فإنه احسن في ذكرها وفي تنسيقها: وأن كنا نود أن يكون ذلك النظام على وجه يأخذ الحوادث بعضها برقاب بعض حتى لا يتبدد نظامها فتذهب ضياعا على ما فعل. والله الميسر. تنبيه للمؤلفين الذين اهدونا كتبهم. منذ أن احتجبت مجلتنا إلى هذا العهد: وصلنا اكثر من خمسمائة كتاب أو رسالة أو مقالة؛ والجميع يريدون أن ننقدها بخلاف أهل العراق؛ فانهم يريدون أن نقرظ ما صنفوه. وسوف نأتي على ذكر كل من هذه الهدايا ونعطي لكل ذي حق حقه. فنطلب إليهم التريث؛ إذ لا بد من مطالعتها قبل التكلم عنها وكل آت قريب.
باب الانتقاد
باب الانتقاد 6 - كتاب إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب المعروف بمعجم الأدباء أو طبقات الأدباء لياقوت الرومي وقد اعتنى بنسخه وتصحيحه د. س. مرجليوث الجزء الأول. الطبعة الثانية مطبعة هندية بالموسكي بمصر سنة 1923 ما من أحد يجهل منزلة ياقوت الرومي من اللغة العربية، فلقد خدمها بعدة تآليف جليلة وأعظمها نفعا معجم البلدان ومعجم الأدباء. ولقد عني الإفرنج بطبع الأول منذ سنة 1866 في ستة أجزاء صخمة، ثم طبعه أحد المصريين فشوه محاسنه وأزال رونقه. لأنه اتخذه سلعة تجارة. لا أداة علم ونفع وخدمة للعرب. واليوم أمامنا الجزء الأول من معجم الأدباء لياقوت المذكور وقد أعيد طبعه ثانية بعد نفاد طبعته الأولى وقد عني بتصحيحه صديقنا الكريم د. س. مرجليوث الذي يعرفه جميع العراقيين. وقد استحسنا هذه الطبعة لما بذل لها من العناية. إلا أننا نستأذن الخل الوفي في إبداء رأينا في بعض الألفاظ التي نظنها من خطأ الطبع ونحن نذكر بعضها: ص6 س9 ودلنا عنايتهم ولعلها ودلتنا عنايتهم ص22 س18 قال كنت عند ابن هبيرة الأكبر، قال فجرى. ولعل الصواب حذف قال التي قبل فجرى ص28 س8 ولا ابد نفعا. ولعل الصواب ولا ابدي نفعا.
ص31 س14 تغلي علينا الأسعار أني وما، ولعل الصواب إهمال نقطتي أنى ص35 س10 يجعله كتابا واحدا وهي ما اختلفوا فيه، ولعل الصواب وهو ص48 س7 فكان ذلك سبب غنائي، والمعنى يتطلب غناي بلا همز ص50 س14 ونسجه إبليس، ولعل الصواب ونخسه إبليس ص89 س13 كان يتخبر لابن الفرات، ولعلها يتحيز. ص92 س6 وقيل إن الناس سلموا عليه بالقبا، وفي الحاشية؛ عوضا عن القضاء. قلنا: لا غبار على المتن لأن أهل القضاء كانوا يلبسون القباء ص96 س15 واختص بالدهخداه أبي سعيد وفي ص106 س14 أبي سعد ص110 س1 قتلت المراد واحمدت المراد، ولعل الصواب في الثاني: المزاد بالزاي ص116 س7 مالك في الحرى تقود الجملا، ولعل الصواب ما لك في الخزي ص117 س5 إذا الأهل أهل والبلاد بلاد، ولعل الصواب إذ الأهل ص127 س4 كتاب الرد على لفذة، والمشهور لغدة بالمهملة. راجع القاموس والتاج في مادة ل غ د بالمهملة ص129 س6 وعلى عزيمة إلا اكتب إلا ما اشتيته. لعلها اشتهيه ص133 س9 جلست في منزلي غضبانا مسكرا. لعلها غضبان مفكرا أو غضبا مفكرا. ص148 س14 فلا انساب بينكم يومئذ. والذي احفظه أن الآية هي: فلا انساب بينهم يومئذ. ص150 س17 ثم قال يا أبا بكر، والمطلوب هناك يا أبا زيد ص151 س5 ثم قال: بقي شيء لم أصلحه، وأظن إعادة همزة الاستفهام هنا احسن أي أبقي ص151 س7 س فقد جاء نوبة غيركم، ولعل الاصوب جاءت نوبة ص158 س19 ونحبت قلوبهم ولعل الصواب ونخبت قلوبهم
ص168 س13 في الزلزلة كانت بحماة، ولعل الصواب في الزلزلة التي كانت بحماة ص171 س11 سيرت ذكرا، ولعل الصواب ذكرك ص172 س17 يلعب بالشطرنج والزند، ولعل الصواب والنرد ص173 س19 ثم أعاد على اللفظة بعينه، ولعل الصواب ثم أعاد علي (بضمير المتكلم). ص174 س6 لغيري زكوة من جمال وأن تكن، ولعل الصواب لغيري زكاة. . . فأن ص176 س11 وعما اجبتيه فقالت، ولعل الصواب حذف الياء من اجبتيه ص176 س14 فيا دارها بالحزن، ولعل الصواب بالخيف ص196 س15 وبوجوده وجوده. وبقوة في الحيوان حساسة ما استولى على الانتفاع بالنبات ولعل حذف (ما) احسن هنا وأوفى للمعنى. ص198 س5 مما عاياه ولعلها مما عاناه ص203 س4 وطلبته حجة على الضعفاء، ولعل الصواب وطلبه حجة ص204 س15 وأنه يحسبها ساكتة في بعض السوام، ولعل الصواب ساكنة ص209 س16 غثا وثمينا، ولعل الصواب وسمينا بالسين ص215 س12 وطاب إيراده، والمشهور وطاب ابراده وكذلك في ص216 س9 ص217 س2 ومجلس ليس لعمر به، ولعل الصواب لغمر به بالغين المعجمة ص232 س3 بخير على أن النوى مطمئنة، بليلي وأن العين باد معينها، ولعل الصواب حذف النقطتين من الياء الثانية من بليلي ص236 س2 ولم ادر من ألقى عليه رداءه، ولعل الصواب علي (للمتكلم) ص244 س17 اعز له، ولعل الصواب أغر ص244 س19 وكان السبب في الإخراج عما اخذ منه، ولعل الصواب الإفراج ص251 س9 فمال (عليه) أصحابنا، وفي الحاشية لعله (عنه). ونحن لا نرى رأي حضرته
ص263 س10 أما والله لو آمنت ودك، ولعل الصواب حذف المد وجعل الفعل من الباب الأول ص265 س18 ولما نات، ولعل الأحسن فلما نأت ص276 س2 دساترهم، لعلها دساتيرهم جمع دستور ص276 س14 برطازة وهي مضبوطة بضم الرآء والمشهور بفتحها ص285 س11 ينحلانها نحلا فيخرجانها حرفا حرفا، ولعل الصواب ينخلانها نخلا بالخاء المعجمة من فوق ص289 س2 للشمس ما سترت عنا معاجرها، ولعل المعنى يطلب أن يكون هنا للشم بدلا من الشمس. ص289 س11 إذا ما رعاها نصت الجيد نحوه، ولعل الصواب نضت بالضاد المشددة ص291 س18 فلا يبعدنك الله مينا بفقره، ولعل الصواب ميتا بقفره ص302 س1 وتفرقت بعادتهما. لعلها بعادتها. وفيها س7 فهو ولهم وبهذا يستوجب كل لغة أن يسمى ابنه، ولعل الصواب: فهو وليهم (بالياء المشددة) وبهذا يستوجب في كل لغة ص311 س3 كفى بالهوى بلوى وبالحب محنة؛ وبالهم تعذيبا وبالعزل مغرما ولعل الصواب؛ وبالعذل مغرما (أي بالذال المعجمة ص311 س19 يروي النحاة أبيات ابن دريد في هجو نفطويه النحوي هكذا: لو أوحي النحو إلى نفطويه ... ما كان هذا النحو يعزى إليه وشاعر يدعى بنصف اسمه ... مستأهل للصفع في اخدعيه احرقه الله بنصف اسمه ... وجعل الباقي صراخا عليه أهـ ص312 س11 أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي أمر آخر منهم وطر. ولعل الصواب: وليس لي في أمر آخر منهم وطر. ص314 س1 مان علي الحقيقة ولعل الصواب مات على الحقيقة ص314 س15 معاذ الله أن نلقي غضابا؛ سوى ذاك المطاع على المطيع. ولا معنى لذاك هنا. ولعل الصواب سوى دل المطاع
ص317 س1 وهذا كلام على طلاوة. لعله عليه طلاوة ص318 س19 له معرفة حسنة بالنحو واللغة والأدب وحظ من الشعر جيد من مثله؛ وفي الحاشية: ولعله ندر مثله. ونحن نرى أن لا غبار على المتن فهو أوضح من الشمس في رائعة النهار ص322 س8 وقد نثر على المنتصر؛ وفي الحاشية: لعله المحضر ونحن لا نرى رأيه لأن المنتصر هنا هو ابن المتوكل الخليفة العباسي. وقد كان ذلك النثار على المنتصر لا على المحضر ص338 س12 أشلاء مني منهوكة وعظاما مبرية، ولعل الصواب وعظاما جمع عظم ص341 س6 وأن اظهروا برد الودود وطله؛ ولعل الأصلح هنا بر الوداد وظله ص342 س2 واظهر بعضهم التعالل (بفك الإدغام)؛ والصواب: التعال (بالإدغام) ص343 س3 هنا كتاب حسن. ولعل الموطن يطلب أن يكون هذا كتاب ص344 س19 اعطتيني ولعل الصواب أعطيتني ص348 س4 سرت له البرقع من وجهها لعل الصواب: سلت باللام ص349 س1 عليها الليالي لعل الصواب: عليه الليالي ص364 س7 وممن حال بلدان العراق. والصواب جال بجيم ص365 س14 فاستدعا والأحسن فاستدعى ص368 س2 فقال ابن حمدون: الطلاق لي لازم أن كان قال هذا؛ ولعل الصواب: الطلاق له لازم ص371 س16 بمن ابلغ الغيات، ولعل الصواب الغايات ص376 س11 حسن التصنف لعلها التصنيف ص387 س2 فقلت لا تعجبني مني ومن زمن؛ انخى عليَّ بتضييق وتقتير. ولعلها أنحى
ص388 س17 ومسمه لم يخنها الصواب؛ وزامرة أيما زامرة. ولعلها ومسمعة أي مغنية ص389 س10 وقائل قال لي من أنت قلت له؛ مقال ذي حكمة وأنت له الحكم ولعل الصواب: أنت له الحكم بدون عطف ليستقيم الوزن ص390 س10 فيلقي من يعاشر منه جهدا. ولعل الصواب حذف النقطتين من ياء يلقى الأخيرة ص395 س12 فقال: أفت لبنات وردان ما يأكلون فقد رحمتهم من الجوع. ولعل الصواب ما تأكل فقد رحمتها ص398 س7 فقدم الطعام فما كان في فضل أشمه. هو صحيح. والحاشية: لعله اشتهاء في غير محلها ص399 س8 لكيما اربح عليك الكثير ولعل الصواب الكسر لأن الكلام على ما يكسر في كل دينار من الدراهم ص401 س13 فلما رأى أبو جعفر ولعل الصواب فلما رآني أبو جعفر ليستقيم المعنى ص408 س11 خصب قبل موته لسنة خضابا ولعل الصواب خضب (بالضاد المعجمة) قبل موته بسنة (بالباء) خضابا ص413 س1 قرآ ولعل الصواب قرأا لأنه للمثنى ص419 س1 فقلنا له: ما بطأ بك. ولعل الصواب ما أبطأ بك ص419 س4 صبيحة الوجه، وضيعة المنظر، حسانة الخلق، ولعل الصواب وضيئة المنظر ص421 س5 هم في الحشا أن اعرفوا أو أشأموا، أو ايمنوا أو انجدوا أو اتهموا. ولعل الصواب أو اعرقوا بالقاف أي اتوا العراق ص423 س2 ثم ذكرت ما كان بينه وبين والدي رحمه الله من المحبة المشتبكة اشتباك الرحم الجارية في عروقها، ولعل الصواب في عروقهما لأن الكلام عن عروق رجلين ص444 عريب المغينة صوابها المغنية
هذا ما بدا لنا في مطالعة هذه الطبعة مطالعة عجلان. ويزينها فهرسان الأول للأعلام الواردة في الجزء الأول والثاني لأسماء الكتب الواردة فيه، وهذا ما يعلي كعب هذا السفر الجليل. ويا ليت يجاريه طابعو الكتب القديمة وناشروها فإن ما يطبع منها في الديار المصرية بعناية حكومتها أو علمائها كصبح الأعشى خال من الفهارس والملاحظات وفتح المغلق من الألفاظ الواردة فيه، ولاسيما جاء في صبح الأعشى ألفاظ غير موجودة في معاجمنا وهي جديرة بالحفظ وقد ورد ذكرها في تضاعيف مجلدات ذاك السفر الجليل، الذي شحنه ناشره أغلاطا تخجل الجهلة فضلا عن الأدباء. ولهذا نقدر كل التقدير ما ينشره المستشرقون لأن ما يعنون به من كتب السلف أوفى بالمراد مما ينشره أبناء اللغة العربية وحملة ألويتها فللأستاذ مرجليوث أعظم الشكر على ما قلدنا من قلائد الفضل والإحسان وعسى أن تصلح الطبعة الثانية مما ظنناه خطأ وهو الموفق. 7 - كتاب يفعول تأليف الحسن بن محمد بن الحسن الصغاني عني بنشره وتصحيحه والتعليق عليه خادم العلم حسن حسني عبد الوهاب - بمطبعة الآداب بتونس للسيد حسن حسني عبد الوهاب، مدرس التاريخ الإسلامي بالخلدونية وبالمدرسة العليا للآداب والفقه العربية بتونس فضل على اللغة العربية لأنه يعنى ببث علم الأقدمين الصحيح بين ظهرانينا، ومن جملة ما اهتم بنشره هذا الكتاب الصغير فأن صاحبه الصاغاني اللغوي الشهير جمع ما ورد في العربية على يفعول من الألفاظ فكانت 42 فشرحها ثم علق عليها صديقنا حسن حسني تعاليق جليلة فزادت الفائدة ولم يكشف بذلك بل أضاف إليها أربع عشرة كلمة أتى بها من وقوفه على اللغة وأسرارها وفرائدها فبلغت 56 ومع ذلك فقد فات الصاغاني وعبد الوهاب مفردات وردت في أسماء بلادهم ورجالهم ولغتهم منها:
1 - ياروق؛ اسم رجل من أمراء التركمان وإليه تنسب المحلة الياروقية في حلب 2 - اليارور، وهو اسم موضع في بلاد العرب ذكره ابن الأثير في كامله 3 - ياغوز، اسم موضع في بلاد إيران جاء ذكره في التاريخ. 4 - الياقوت؛ وهو حجر كريم مشهور ومن العجب أن يغفل عنه الصاغاني وصديقنا. 5 - يامون؛ اسم موضع ذكره الهمداني في صفة جزيرة العرب 6 - اليخضود؛ كل ما قطع من عود رطب أو تكسر من شجر. 7 - اليرقود، الذي يرقد كثير. 8 - اليعموم؛ الطويل من النبت. ويعموم اسم موضع في ديار العرب ذكره الهمداني. 9 - يعمون اسم موضع في اليمن. 10 - اليهكوك الأحمق وفيه بقية. فبلغ المجموع ستا وستين لفظة وردت على هذا الوزن. ومما يؤخذ على الناشر انه ذكر اليبرون وقال هو الكهرباء في اصطلاح الحجازيين. ولعله دخيل من اليونانية (راجع كتاب المصابيح السنية في طب البرية لشهاب الدين القليوبي - خط) قلنا: إن كان خطأ يصعب علينا مطالعته على أن أصل اللفظة يوناني وهو (انبرون) فحذفت الهمزة ولم تنقط الكلمة فقرئت يبرون. واليونانيون أخذوها عن العربية عنبر ثم زادوا في أخرها علامة الإعراب ولم يكن عندهم العين فصارت انبرون. فانظر كيف تعود إلينا ألفاظنا مشوهة. وقال عن اليخمور (ص35): نوع من الذباب يعرض للخيل بلعسه (كذا أي بلسعه) عن كك اللغتين العربية والفرنسية تأليف كزيمرسكي طبع مصر 1875 ج4 ص980) ولا ادري مصدره. قلنا: إن كتاب قزميرسكي هو ترجمة كتاب فريتغ المكتوب في اللاتينية واغلب ما جاء من غريب الألفاظ في فريتغ منقول عن غوليوس وهذا عن
كتاب مرآة اللغة وهو معجم عربي تركي حوى ثلاثين ألف كلمة والذي ذكر فيه أن اليخمور ذباب الخيل ولم يزد على هذا القدر. وقال في تلك الصفحة: يعبور اسم موضع لم يرد في المعاجم الجغرافية وذكره الجاحظ في قول مومان: قد كنت صعدت عن يعبور مغتربا ... حتى لقيت بها حلف الندى حكما (راجع كتاب الحيوان ج7 ص53) أهـ قلنا: الذي في حفظنا أن هذا البيت يروي: (قد كنت صعدت عن بغشور مغترما. . . لا يعبور. وكتاب الجاحظ المطبوع في مصر مشوه أشنع تشويه ولا يعتمد على تلك النسخة فقد لا تخلو صفحة من تصحيف أو تصحيفين وإذا سلمت صفحة من هذا العيب وجدت في التالية لها ما فاتك في الأولى. وقال في ص36: يمرور نبات من نوع القنطوريون. . . عن كزيمرسكي ج4 ص994 ولم يذكر مستنده ولم نقف عليه في غيره. أهـ. وقد وجدناه في فريتغ الذي نقل عنه كتابه. وفريتغ وجدها في فورسكال في كتابه عن الزهر. وفي تلك الصفحة ذكر الينتون ووصفه وذكر أيضاً النيتون ثم قال: ولعل هذا النبات (أي الينتون) هو الوارد في المعاجم اللغوية باسم النيتون ولا يخفى ما في اللفظين من المشابهة القوية أهـ. قلنا: وليس الأمر كذلك فان الينتون هو المسمى ثافسيا كما قال بخلاف النيتون فأنه خبيث الرائحة ويعرف عند النباتيين باسم: وقد ورد في هذا الكتاب من خطأ الطبع شيء كثير من ذلك ما يأتي: ص3 س9 يقرأ عيله صوابه عليه ص4 س5 كتبا كثرة صوابه كثيرة ص6 س14 الحديت صوابه الحديث ص11 س2 العيسوب صوابه اليعسوب ص11 س6 ليكون اوضاحا صوابه وضاحا ص12 س4 أبو وجزة السعيدي صوابه السعدي وفي ص13 س11 قال الدينوري: اليبروح أصل الفو وهو اللفاح البري أهـ قلنا: وفي الكلمات تصحيف والصواب: اليبروح أصل الموريون وهو اللفاح البري. وأما الفو فهو المعروف بالفالريانة ولا صلة له بالسابق. وهناك غير هذه الأغلاط والأوهام إلا أننا اجتزأنا بما ذكرنا.
أسئلة وأجوبة
أسئلة وأجوبة مذهب السلف لا مذهب سلفه سألنا أحد البيروتيين ما هو المذهب السلفي الذي كتب عنه المسيو لويس ماسنيون المستشرق الفرنسي في بعض مصنفاته: إن معظم أهل الشام منتمون إليه. أفليس هو مذهب صدر الدين أبي طاهر احمد بن محمد سلفه الاصفهاني المتوفى في الإسكندرية في 5 ربيع الأخر سنة 576 وأصله من اصفهان؟ ج - ليس لهذا الرجل مذهب خاص به ينسب إليه. ومراد العلامة لويس ماسنيون بمذهب السلف أو المذهب السلفي مذهب أصحاب الحديث أو أصحاب الأثر الذي سماه المتأخرون مذهب السلفيين أو الأثريين. وهو مذهب كثير من أهل الشام ونجد وبعض أهل العراق النجديي الأصل. فقد قال عن هذا المذهب أبو حاتم الرازي في كتابه (الزينة) ما هذا حرفه: (أصحاب الحديث: سموا بذلك لأنهم أنكروا الرأي والقياس. وقالوا: علينا أن نتبع ما روي لنا عن رسول الله (ص) وعن الصحابة والتابعين، وما جاء عنهم من الحديث في الفقه والحلال والحرام، ولا يجوز لنا أن نقيس بآرائنا فقيل لهم أصحاب الحديث وأصحاب الأثر. وهم مجتمعون على أن الإيمان قول وعمل؛ والقرآن غير مخلوق. وكفروا من قال بخلق القرآن. أهـ كلام الرازي. وأما كلمتا: السلفيين والأثريين فهما قياسا على النسب إلى مذهب السلف أو أصحاب الأثر فمن هذا يرى أن قول المسيو لويس ماسنيون هو الصواب عينه ومن تجرأ فخطأه ركب متن الضلال. أيقال المجمع العلمي بمعنى الاكادمية وسألنا ج. م. من الحلة: أيقال المجمع العلمي بمعنى الأكادمية؟
قلنا: يجوز من باب التوسع في المعنى ولا يجوز من باب التحقيق؛ لأن النعت يصف الاسم (أو أن شئت فقل يصبغ الاسم صبغة) بخلاف الإضافة فإن المضاف إليه يتخصص بالمضاف. فإن قلت مثلا: كتاب الملك فإنك تريد كتابا خاصا بالملك لا يشركه فيه أحد: أما إذا قلت (كتاب ملكي) فقد وصفته بشيء يتعلق بالملك. مثلا أن يكون من نسخة أو من تعليق له عليه، أو من تصحيفه الجليل أو بوصف من الأوصاف لا تكون إلاَّ في الملوك. فإذا علمت هذا عرفت أن قولهم مجمع علمي لا يؤدي معنى الاكادمية فهذه هي (مجمع علماء) لا غير وأن شئت لفظة واحدة فقل: (المشيخة) وهي جمع شيخ لأنه لا يكون في ذلك المجمع إلاَّ شيوخ العلم وأساتذته ومشاهيره وهذا المراد من قولهم: الاكادمية. ولهذا قالوا مشيخة الإسلام لأنها عبارة عن جماعة امتازوا بعلمهم وفقههم والتضلع من الشرائع الإسلامية. فهي إذا حقيقة جماعة من شيوخ الدين الإسلامي. حرف العطف في الأخر وسألنا أ. هـ. من البصرة: هل ورد في شعر العرب معطوفات متوالية بلا حرف عطف. ثم وضع عطف واحد قبل المعطوف الأخير كما يقول الإفرنج مثلا: ومعنى العبارة: يوسف، يحيى، بولس وبطرس قدموا. أو: قدم يوسف، يحيى، بولس وبطرس: لأننا رأينا كثيرين من المتفرنجين يصيغون عباراتهم على مثال الإفرنج. لم يخترع أبناء الغرب هذا النمط من التعبير فإن أبناء العرب سبقوهم إليه حتى في شعرهم. قال الراجز (راجع كتاب البيان للجاحظ 62: 1) إذا غدت سعد على شبيبها ... على فتاها، وعلى خطيبها من مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبت من كثرتها وطيبها فأنت تراه قال. على شبيبها؛ على فتاها، وعلى خطيبها، جاعلا أداة العطف في الأخر على حد ما يفعله الإفرنج في عهدنا هذا.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - الوفد المالي العراقي إلى لندن سافر يوم 28 حزيران 1926 صبيح بك نشأت وزير المالية في حكومة العراق والمستر فرنن مستشار وزارة المالية قاصدين لندن للبحث عن شؤون مالية مع حكومتها التي منها تسوية الاتفاقية المالية المعقودة بين الدولتين وإيجاد نقود عراقية وفتح مصرف زراعي عراقي. 2 - رحلة جلالة ملك العراق سافر صاحب الجلالة ملك العراق فيصل الأول يوم 30 حزيران قاصدا حمامات فيشي للاستشفاء فيها ثم يقصد لندن للاستراحة ورافق جلالته رستم بك حيدر رئيس الديوان الملكي وكتوم جلالة الملك الخاص. وصل في 3 تموز الركاب الملكي إلى عمان عاصمة شرقي الأردن (الشرق العربي) وقد أبحر من (بورت سعيد) يوم 5 تموز فبلغ فيشي في 11 منه. 3 - رافد العراق أي نائب الملك فيه أقيم صاحب الجلالة الملك علي صاحب الحجاز السابق وضيف
العراق اليوم رافدا أي نائبا عن جلالة الملك فيصل الأول صاحب العراق في أثناء تغيبه في أوربة مستشفيا، وقد أدى الرافد يمين الإخلاص في البلاط الملكي بحضور الوزراء ورئيسي الأعيان والنواب لعطلة مجلس الأمة في هذه المدة. 4 - المعاهدة العراقية التركية البريطانية صدق جلالة الملك جورج الخامس ملك بريطانية وانبراطور الهند المعاهدة العراقية التركية البريطانية. 5 - بين عنزة والضفير كتبت الأوقات العراقية (البصرية) انه قبيل عيد الأضحى أغارت قوة كبيرة من عنزة على الضفير القاطنين في الرميلة التي تبعد عن البصرة مسافة 40 ميلا وجرت بين القبيلين معركة دموية قتل في خلالها كثير من الرجال وهلك معهم كثير من الخيل والجمال. وقد اتضح أخيرا أن الحرب كانت سجالا بين الفريقين. وبلغنا أن الكبتن كلوب ضابط الاستخبارات (عون في الفثا) في لواء المنتفق المعروف الآن عند عشائر العراق ونجد كلها أخذ يسعى الآن لدى ولاة الأمور لإعادة النظر في الآمر المذكور ولضرورة منع الغارات والغزوات في الأراضي العراقية وبين عشائرها.
6 - إسالة الماء إلى الزبير عني عبد اللطيف باشا المنديل بجر الماء من شط العرب إلى بلدة الزبير. 7 - العفو العام عن المجرمين السياسيين في العراق صدرت إرادة ملكية بتاريخ 29 حزيران 1926 بالعفو العام عن المجرمين السياسيين وذلك حسب الاتفاق الوارد في المعاهدة الثلاثية الأخيرة. 8 - فخامة السر عبد المحسن بك السعدون أنعم صاحب الجلالة جورج الخامس ملك بريطانية وانبراطور الهند بوسام عال مع لقب (سر) على فخامة عبد المحسن بك السعدون رئيس وزراء حكومة العراق ووزير خارجيتها. 9 - وفاة عبد الوهاب النائب توفي يوم 8 تموز عبد الوهاب النائب من كبار علماء الدين المعروفين في العراق ودفن مساء ذلك اليوم بموكب حافل. 10 - وفاة المس كرترودلثيان بل توفيت في بغداد يوم 12 تموز العالمة المستشرقة والسياسية الشهيرة المس كرترودلثيان بل الكتوم الشرقية لدار الاعتماد البريطاني في بغداد ومديرة دار الآثار العراقية الفخرية. ودفنت بحفلة رائقة مساء ذلك اليوم في المقبرة البريطانية في الباب الشرقي.
11 - وفد الجزيرة تألف في مصر وفد مختلط من سوريين ومصريين وقرر السفر إلى صنعاء اليمن لمقابلة الإمام يحيى حميد الدين سلطان اليمن للاتفاق بينه وبين السلطان ابن السعود صاحب نجد والمستولي على الحجاز الآن. ومن أعضائه نبيه بك العظمة والأستاذ أحمد زكي باشا كتوم مجلس النظار سابقا. 12 - المهاجرون الاثوريون في العراق نشرت جريدة (البغداد تايمس) في قسمها الإنكليزي يوم 13 تموز ملخص التقرير الذي تلقاه في لندن الكتوم العام للجنة الاثوريين المهاجرين في العراق التي يرأسها رئيس أساقفة كنتربري من ممثلها في العراق ومما جاء فيه: تحسنت صحة المهاجرين وسد رمقهم ويستطيع السواد الأعظم منهم الآن اكتساب رزقهم بعرق جبينهم. وقد نال أحد عشر ألف مهاجر من النساطرة في العراق أراضي يأوون إليها فيكونون فيها عمالا ومزارعين في قرى يستملكونها لبضعة أعوام. ويقوم قسم منهم بالخدمات المنزلية. ومجموع ما لجأ منهم إلى الحدود العراقية في العام الماضي ثمانية آلاف نسمة وقد تسجل آلفان منهم للخدمة في جيش المرتزقة (الليفي) آخذين معهم أسرهم في المعسكرات والثكنات المخصصة بجنود المرتزقة
واحترف عدد منهم الصنائع من حياكة ونحوها. ويسكن الآن من الآثوريين الكلدان ثلاثة آلاف في مخيمات المهاجرين الواقعة في زاخو وبرسيفي. وفي مدينة الموصل نفسها ألف منهم. ويقيم في العمادية نحو 6 آلاف وقسم كبير في قضاء (دشت حرير). 13 - لجنة الحدود الدائمة في العراق أنشئت لجنة تسمى لجنة الحدود الدائمة طبقا لنصوص المعاهدة الثلاثية، وقد عينت حكومة العراق العقيد (الكولونل) مصطفى بك كامل مندوبا عنها في اللجنة وعينت الحكومة البريطانية الكولونل (العقيد) نولدر مندوبا عنها فيها. 14 - سفير الحجاز ونجد في باريس عين نقولا بك سرسق الموجود في باريس سفيرا لمملكة الحجاز وسلطنة نجد لدى الحكومة الفرنسية وعين الدكتور أميل عرب كتوما لهذه السفارة. 15 - الطيار بوكهام وصل بغداد الطيار الإنكليزي الشهير المستر بوكهام الذي يقوم برحلة جوية في 4 تموز، وقد أصيب رفيقه الميكانيكي المستر ايليوت برصاصة في أثناء طيرانهما فوق (هور الحمار). ثم نقل إلى المستشفى في البصرة وتوفي فيها، وقد سافر هذا الطيار من
البصرة فوصل اباشهر في 13 تموز وقال في برقية؛ (أني أطير على الخليج الفارسي متوجها إلى بندر عباس التي هي أحر منطقة في العالم وفي هذا السفر أكبر خبرة للمحركات المجهزة بآلة مبردة للهواء). 16 - عدد الحجاج في هذا العام ذكرت جريدة (الأردن) أن عدد الحجاج الذين وصلوا الحجاز عن طريق جدة بلغ 676، 55 حتى مساء 6 تموز 1926 ويقدرون حجاج هذا العام بمائة وثلاثين ألفا. 17 - حادثة دموية بين أسرتين موصليتين جرت يوم 15 تموز في الموصل حادثة نزاع بين أسرتي توحلة وقاسم الحميدي قتل فيها رجلان وجرح آخر مع امرأة. 18 - نائب القنصل الإيراني العام قدم بغداد الميرزا حسن دلباك النائب الأول لقنصل إيران العام (الجنرال) في بغداد وتسلم مهام وظيفته. 19 - خسائر الجراد علم من مصدر رسمي أن خسائر الزراع في كارثة الجراد في مناطق الرمادي والكاظمية واليوسفية بلغت نحو خمسمائة ألف ربية أما انتشاره فكان كثيرا في الموصل وكركوك وكفري وغيرها.
20 - الحر في بغداد بلغت درجة الحرارة بين منتهى حزيران ومبتدأ تموز 102 فارنهيت أو 39 مئوية. 21 - مدرسة البنات المركزية في بغداد ودار المعلمات أقامت في بغداد إدارة المدرسة المركزية ودار المعلمات للحكومة حفلتها السنوية يوم 3 تموز وقد نبغ من دار المعلمات 17 معلمة. 22 - قائد الطيران البريطاني في العراق عين ردف مشير الطيران (الاير فيس مارشال) السر جون هيكنس القائد العام للقوة الجوية في العراق عضوا في مجلس التموين والمباحث في وزارة الطيران البريطانية في لندن، وعين خلفا له في العراق ردف مشير الطيران السرادوارد ايلنكدون. 23 - لإعانة المصابين بالغرق بلغت إعانة العراقيين وغيرهم للمنكوبين بالغرق 039، 26 ربية و15 آنة وذلك إلى 25 تموز والليرة الإنكليزية تساوي يومئذ 13 ربية و42 جزءا من المائة. 24 - التجارة بين العراق وإيران بلغ عدد السيارات التي سافرت من العراق إلى إيران في شهر حزيران 122 وجاء إلى العراق 117 والسيارات القادمة إلى العراق 147 والذاهبة إليها 138.
25 - متمر مكة وأعماله افتتح مؤتمر مكة بخطاب عظمة السلطان ابن السعود الذي فرض على أعضائه اجتناب المناقشة في الشؤون السياسية الدولية وتناقش أعضاؤه في ما يجب اتخاذه للحالة الصحية في الحجاز، وبحثوا في السكة الحديدية الحجازية. وقرروا مطالبة الحكومة الحجازية باسترداد معان والعقبة إلى الحجاز وكانتا قد ألحقتا بشرقي الأردن. وانتخبوا الأمير شكيب ارسلان الكاتب الشهير كتوما عاما للمؤتمر، وقرروا انتخاب 6 أعضاء من الفنيين في الأقطار الإسلامية ليكونوا أعضاء في اللجنة التنفيذية وانفض المؤتمر يوم 5 تموز. 26 - هدية الحكومة البريطانية إلى الجيش العراقي تسلمت وزارة الدفاع العراقية يوم 14 تموز خمسة مدافع من العيار الثقيل المعروف بالهاون (أوبوس) وخمسة مدافع من مدافع الصحراء و20 مدفعا جبليا وهي هدية من الحكومة البريطانية إلى الجيش العراقي. 27 - ماء دجلة في حزيران كانت النهايتان القصويان العظمى والصغرى من ارتفاع الماء في دجلة في غضون الشهر 32. 88 و 31. 37 يقابل ذلك في مثل هذا
الشهر من السنة الماضية 49، 30 و46، 29 مترا. وكان معدل جريان الماء في اليوم 000، 62 قدم مكعبة في الثانية أي بنقصان 600 قدم مكعبة في الثانية عن مثلها في السنة المنصرمة. 28 - ماء الفرات كانت حالة الماء في الفرات هادئة في أثناء الشهر. والنهايتان القصويان العظمى والصغرى بالنظر إلى المقياس المقام في الرمادي 18، 49 و20، 48 مترا في اليومين الأول والأخير من الشهر حيث كانت النهايتان في هذا الشهر من السنة الفائتة تنقصان 64، 0 و10، 1 متر. 29 - ماء ديالى كانت النهايتان القصويان العظمى والصغرى من ارتفاع الماء في النهر في أول الشهر وآخره 90، 65 و68، 65 مترا أي بزيادة أربعين سنتيمترا عن مثلها في مثل هذا الشهر من السنة المنقضية. وكان معدل جريان الماء في النهر في اليوم الأخير من الشهر 3. 72 قدما مكعبة في الثانية يقابلها 1337 قدما مكعبة في مثل هذا الشهر من السنة الفائتة. 30 - ماء اليوسفية كان الماء يجري في اليوسفية بمعدل 500 قدم مكعبة في الثانية
منذ 6 حزيران 1926. أما ماء الصقلاوية فكان جاريا فيها طول الشهر. وكانت المزروعات تأخذ حصتها من ماء الترعة، ثم انقطع الأخذ منه لهجوم الجراد على تلك المزروعات الصيفية وأهلاكها لها في منطقة المجر. 31 - ترع ديالى في النصف الأول من حزيران كان يؤخذ الماء من نهري ديالى والخالص بقدر عظيم. ولما تناقص الماء في الأسبوعين الأخيرين من الشهر، انقص توزيع المياه فاتخذت التدابير الوقتية لأخذ المقدار الكافي من الماء وأقيمت سداد من أغصان الأشجار والعيدان في النهر وكانت الترع كلها تأخذ المقدار الكافي لها من الماء ما عدا الهارونية فان ماءها كان قليلا. أما الترع الواقعة في منطقة العمارة فكانت على احسن حال ولم ينقطع العمل فيها في مطاوي الشهر كله لتوفر الماء في دجلة. 32 - الحالة الصحية في البصرة بلغ عدد الوصفات التي وصفها أطباء البصرة في شهري أيار وحزيران 500، 10 كان ثلثاها للمصابين بالبردآء (الملاريا). وبلغ مقدار الكينة التي استعملت إلى 20 تموز ما وزنه ألف لبرة. دع عنك علب (الايزينوفيلس) التي بلغ مجموعها ألفين (عن الأوقات العراقية)
33 - حالة اليمن اليوم قال مكاتب (الأهرام) - الصحيفة المصرية الشهيرة - في عدن: عدت من رحلة إلى صنعاء وقضيت في عاصمة اليمن نحو أسبوعين وقفت في خلالهما على التطور الجديد في ذلك القطر بعد ما انجلى الترك عنه ولم تعد إدارته مقيدة بشيء من طراز الإدارة التركية بل زالت جميع الروابط التي كانت تربطه بالترك وسياستهم فأخذ يتجه اتجاها جديدا ويتحول رويدا رويدا إلى اكتساب كيان خاص مستقل. ولما كان عظمة الإمام يحيى حميد الدين هو الحاكم المستقل المطلق في اليمن فان الحركة الجديدة البادية في تطور الحالة في اليمن هي من صنعه. وقد ظلت المفاوضات دائرة بين الإمام يحيى والسر كلبرت كلايتون طول مدة وجود هذا في اليمن حول عقد المعاهدة بينه وبين الإنكليز، فأتفقا على نقط لكن الاختلاف الشديد كان على النواحي التسع التي يطالب الإمام بإعادتها إلى اليمن وهي الآن بحماية الإنكليز وهو يطلب أن يعترف الإنكليز بسيادته على عدن. فلم يسلم السر كلبرت كلايتون بهذه المطالب وعاد إلى
لندن يحمل إلى حكومته القواعد التي تم الاتفاق عليها ومطالب الإمام يحيى في المسائل المختلف فيها. والإمام يهتم بتعزيز جيشه وتدريبه على فنون الحرب الحديثة فالمعروف عن اليمني انه جندي وفي صنعاء الآن مدرسة حربية لتعليم الفنون العسكرية المختلفة وتدريب الجنود المجندون في الجيش النظامي تدريبا عصريا، وقد أسس في هذه الآونة في صنعاء معمل لصنع الخراطيش وإصلاح كثير من أنواع الأسلحة وابتاع الإمام بعض الطيارات من إيطالية، وقد أوصى بسفن مسلحة لخفر السواحل. واليوم يرتقي اليمن رقيا علميا مشهودا ففيه الآن مدارس عديدة ويزداد عددها عاما فعاما ومن جملة المدارس كلية داخلية لتعليم العلوم الدينية والآداب العربية ومدرسة ثانوية ويقبل أهالي اليمن إقبالا عظيما على التعليم وازدادت صحف مصر وكتبها رواجا بينهم. واليمن قطر زراعي يعيش أهله من الزراعة ويساعدهم على ذلك استتباب الأمن في البلاد وعدم وجود ضرائب تزيد على العشر الشرعي. أما التجارة فقد تحسنت تحسنا كبيرا في اليمن بعد ضم الحديدة إليه واتصاله بالعالم الخارجي من مينائه الطبيعي.
34 - الطاعون في بغداد وقع 52 حادث طاعون في بغداد في شهر حزيران؛ وكان عدد الإصابات في أيار 136؛ وفي نيسان 59؛ وفي آذار 32؛ وفي شباط 44؛ وفي كانون الثاني 16؛ وفي كانون الأول من سنة 1925 كان عددها 5، فيكون المجموع 344 حادثا. ولقح في حزيران 22. 377 شخصا: وفي أيار 44. 122: وفي نيسان 15. 757؛ وفي آذار 22. 368؛ وفي شباط 29. 580 وفي كانون الثاني 5. 785؛ وفي كانون الأول من السنة الماضية 1. 225 فيكون المجموع 141. 214 ملقحا وهو أعظم عدد بلغه الملقحون بالطاعون منذ 7 سنوات ونصف: إذ بلغ مجموع عددهم في تلك الأعوام المذكورة 442. 545؛ ولهذا يؤمل المعتنون بصحة الأهالي أن هذا الوباء ينقطع بتاتا بعد قليل من الزمن. 35 - نقود قديمة عباسية عثر أحدهم على مجموعة من النقود الفضية في البلدة القديمة المجاورة لناحية تكريت. والظاهر أن تلك النقود من مسكوكات (المعتصم) العباسي فأرسل بها إلى متصرف العاصمة.
العدد 37
العدد 37 - بتاريخ: 01 - 09 - 1926 بعد القطيعة أتى طيف ليلى وهو منسدل الشعر ... يواصلني بعد القطيعة والهجر لقاء له عيني بكت من سرورها ... وخف فؤادي منه يرقص في صدري دنا وهو يعطو رأسه في دنوه ... كليلى ويرنو مثلها باسم الثغر حكاها فلو لم تختبره بلمسها ... يدي قلت ليلى نفسها قد أتت تسري فعانقته من شدة الوجد باكياً ... وقبلته عشرا واكثر من عشر وكنت أبث الطيف عتبي تارة ... واعذره أخرى فيبسم للعذر وقلت على غير انتظار أتيتني ... فهل لك من نهي وهل لك من أمر فقال مجيبا جئت من عدوة الرضى ... أسليك عما حاق بالشعر من شر ولم أر بين الناقدين كثلة ... يخالون أن النقد يكبر بالهجر وأن قوام الشعر لفظ منظم ... وأن كان ذلك اللفظ خلوا من الفكر لقد كذبوا فالشعر ليس بشاعر ... إذا لم يكن معناه وحيا من الحجر
وهل يتساوى شاعران مكانة ... وذا شاعر الماضي وذا شاعر العصر أبى لا يريد الشعر من أحد حبى ... ولا أنه يطرى ولا أنه يطري وما كل شعر تنشر الصحف زيفه ... يهيج دفين الشجو في النفس أو يغري وما الشعر إلاَّ بالشعور الذي به ... ومعنى له في طي ألفاظه بكر فذلك يستهوي الآلي يسمعونه ... بما فيه من حسن وما فيه من سحر وهل كان ما يأتي من الكذب ناقد ... غرورا سوى وزر واعظم من وزر يريدون أن يقضوا على الشعر غيلة ... وأن يدفنوه بعد ذلك في قبر ولما رأيت الشعر قد عبثت به ... يد الجهل من ناس بكيت على الشعر فقلت له لا يرهب الشعر نقدهم ... فلا تعبأن بالقدح منهم وبالهذر وما الأمر لو تدري قريض ونقده ... ولكن قلى الغربان للبلبل الحر رأى الروض غضا قد تفتح زهره ... فصفق من شوق يغرد للزهر فخفت له الغربان من كل جانب ... تريد به الإيقاع من حسد مر يطير ربيط الجأش من فرع دوحة ... إلى فرع أخرى وهي من خلفه تجري ولما مضى جنح من الليل آخر ... قطعنا حديث الشعر والنقد والنثر وبتنا على وجد ضجيعين وحدنا ... فوجه إلى وجه ونحر إلى نحر وددت لو أن الطيف ظل بجانبي ... مقيما وأن الليل كان بلا فجر علي لليلي منة وكرامة ... وأن أرسلت لي طيفها وهي لا تدري وبارح طرفي الطيف في الصبح راجعا ... فلم يبق منه اليوم عندي سوى الذكر كأن الجديدين اللذين تتابعا ... جوادان سباقان في حلبة الدهر كأن الفضاء الرحب بحر وما به ... من النجم مبثوثا فقاقيع في البحر وما أنا غر يحسب الجو روضة ... على طولها تجري المجرة كالنهر وأن النجوم الزهر يلمعن حولها ... ركاما أكاليل ضفرن من الزهر جميل الزهاوي
عقوبات جاهلية العرب
عقوبات جاهلية العرب وحدود المعاصي التي يرتكبها بعضهم ليس بين علماء المسلمين في البلاد العربية اللسان. من كان مطلعا على أحوال جاهلية العرب كالأستاذ الكبير السيد محمود شكري الالوسي. وكنا طلبنا إليه في سنة 1914 أن يضع لنا مقالة في عقوبات جاهلية العرب، فكتب لمجلتنا المقالة التي تراها هنا. وهي من أحسن ما كتب في هذا الموضوع. ولما كانت مجلتنا قد اختفت مدة 12 سنة لم يكن من الممكن إدراجها في مجلة أخرى، ولا سيما لأن المؤلف آبى أن يراها في غير (لغة العرب) ولهذا نزين بها جيدها. ونفتخر بها كل الافتخار. (لغة العرب) قد حصر بعض العلماء ما قيل بوجوب الحد به في سبعة عشر شيئا: قسم متفق عليه. وقسم مختلف فيه. فمن المتفق عليه الردة والحرابة ما لم يتب قبل القدرة، والزنى، والقذف به، وشرب الخمر سواء اسكر أم لا، والسرقة. ومن المختلف فيه جحد العارية، وشرب ما يسكر كثيره من غير الخمر، والقذف يعني بالزنى، والتعريض بالقذف، واللواط ولو بمن يحل نكاحها وإتيان البهيمة، والسحاق، وتمكين المرأة القرد وغيره من الدواب من وطئها، والسحر وترك الصلاة تكاسلا، والفطر في رمضان، وهذا كله خارج عما تشرع فيه المقاتلة كما لو ترك قوم الزكاة، ونصبوا لذلك الحرب. واصل الحد ما يحجز بين الشيئين فيمنع اختلاطهما، وحد الدار ما يميزها وحد الشيء وصفه المحيط به المميز له عن غيره، وسميت عقوبة الزاني ونحوه حدا لكونها تمنعه المعاودة ولكونها مقدرة من الشارع. وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي كقوله تعالى: تلك حدود الله فلا تقربوها. وعلى فعل فيه شيء مقدر: ومنه ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. وكأنها لما فصلت بين الحلال
والحرام سميت حدودا فمنها ما زجر عن فعله، ومنها ما زجر من الزيادة عليه والنقصان منه. والمقصود هنا بيان ما كان من العقوبات عند العرب أيام الجاهلية والمقصود من العرب عرب الحجاز ونجد وإضرابهم لا عرب جميع أنحاء الجزيرة فقد كان عرب اليمن منهم يهود ومنهم نصارى ومنهم غير ذلك وكذلك عرب الشام والعراق كانوا على نحل شتى. وعرب الحجاز ونجد وإضرابهم كانت لديهم أحكام كثيرة لم ينسخها الإسلام. كما ذكر ذلك الدهلوي في كتابه حجة الله البالغة ولأبن هشام الكلبي كتاب في ذلك سماه كتاب ما كانت الجاهلية تفعله ووافق حكم الإسلام. وهو كتاب لم اظفر به. ومن العقوبات التي كانت عندهم قطع يد السارق فقد كان ذلك معلوما عند العرب قبل الإسلام ونزل القرآن بقطع السارق فأستمر الحال فيه. وقد نقل العسقلاني في شرح البخاري أن أبن الكلبي عقد بابا لمن قطع في الجاهلية بسبب السرقة في كتاب المثالب وذكر قصة الذين سرقوا غزال الكعبة فقطعوا في عهد عبد المطلب جد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وذكر من قطع في السرقة عوف بن عبد بن عمرو بن مخزوم. ومقيس بن قيس بن عدي بن سعد أبن سهم وغيرهما وأن عوفا السابق لذلك. ومخزوم هذا أبن يقظة (بفتح التحتانية والقاف بعدها ظاء مشالة) بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. ومخزوم أخو كلاب بن مرة الذي نسب إليه بنو عبد مناف. أقول ذكر في شفاء الغرام أن عبد المطلب علق الغزالين في الكعبة فكان أول من علق المعاليق بالكعبة ثم أن الغزالين سرقا وابتيعا من قوم تجار قدموا مكة بخمر وغيرها فاشتروا بثمنها خمرا. وقد ذكر أن أبا لهب مع جماعته نفذت خمرهم في بعض الأيام وأقبلت قافلة من الشام معهم خمر فسرقوا الغزال واشتروا بها خمرا. وطلبها قريش وكان أشدهم طلبا لها عبد الله بن جدعان. فعلموا بهم فقطعوا بعضهم وهرب بعضهم وكان فيمن هرب أبو لهب هرب إلى أخواله من خزاعة فمنعوا عنه قريشا. ومن ثم كان يقال لأبي لهب سارق غزال الكعبة. أهـ
وفي كتاب تاريخ مكة للأزرقي بعد أن ذكر حفر عبد المطلب بئر زمزم وما وجده مدفونا فيها من السيوف والغزالين وغير ذلك قال ضرب عبد المطلب الأسياف على باب الكعبة وضرب فوقه أحد الغزالين من الذهب فكان ذلك أول ذهب حليته الكعبة وجعل الغزال الآخر في بطن الكعبة في الجب الذي كان فيها يجعل فيه ما يهدى إلى الكعبة. وكان هبل صنم قريش في بطن الكعبة على الجب فلم يزل الغزال في الكعبة حتى أخذه النفر الذين كان من أمرهم ما كان. قال وهو مكتوب أخذه وقصته في غير هذا الموضع. أهـ ومنه يعلم أن المسروق غزال واحد لا كما ذكر في شفاء الغرام وتفصيل هذه القصة في التاريخ وكتب السير. ومن عقوباتهم وحدودهم قتل الزاني - والزنى كان عندهم من اعظم المنكرات وافظع المعاصي وأشنعها فلذلك جعلوا عقوبته إزهاق الروح والقتل الذي هو اعظم الحدود ومن شواهد ذلك ما كان من النعمان بن المنذر من قتل المتجردة والمنخل العبدي لما اطلع على ما كان من أمرهما وأراد قتل النابغة الذبياني لما تعرض في قصيدته الدالية المشهورة لوصف حرمه ثم اعتذر منه بعدة قصائد قعفا عنه، وقصة صخر الشاعر الشهير لما توسم في زوجته الميل إلى غيره وكان مريضا وهي مشهورة، وذوات الرايات لم يكن من العرب بل كن إماء وكان مذهبهم في الإماء غير مذهبهم في الحرائر. ولما أخذ الشارع البيعة عليهن شرط عليهن أن لا يزنين فقالت هند بنت أبي سفيان متعجبة وهل تزني الحرة؟ وكان النكاح في الجاهلية على عشرة أنحاء. ولأبن الكلبي كتاب في مناكح أزواج العرب ولو كان الزنى عندهم مباحا لم يكن عقد النكاح عندهم مشروعا والشعر المشتمل على حد الزنى بالقتل كثير لو تتبعناه واستقريناه لم يسعه المقام. ومن عقوباتهم القصاص - وهو من أحكام الجاهلية التي وافقت حكم الإسلام على تفصيل لم يكن في الجاهلية كالقتل العمد وشبه العمد والخطأ وشبه الخطأ ولكل حكم مذكور في كتب الفقه والحديث والتفسير. ومن شواهد
القصاص عندهم قولهم المشهور الذي هو ابلغ كلام عندهم وأوجزه وهو القتل أنفى للقتل، غير أن القصاص عندهم لم يكن كما ورد في الشريعة النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص بل ربما قتلوا بالواحد جمعا ومن شواهد ذلك قصة كليب المشهورة والهامة عندهم طائر يتولد من روح المقتول يكون على قبره ولم يزل يصيح اسقوني اسقوني حتى يؤخذ بثاره. ومن عقوباتهم إعطاء دية القتيل - وهي مائة من الإبل وكانوا يأنفون من أخذها ويعيرون من يرضى بها وفي ذلك شعر كثير منه قول مرة بن عدآء الفقعسي: رأيت موالي الآلي يخذلونني ... على حدثان الدهر إذ يتقلب فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... إذا الخصم انبرى مائل الراس انكب وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... وفي الأرض مبثوث شجاع وعقرب فلا تأخذوا عقلا من القوم أنني ... أرى العار يبقى والمعاقل تذهب المعاقل من عقلت المقتول إذا أعطيت ديته وحكى الأصمعي صار دمه معقلة على قومه أي صاروا يدونه وكان أخذ الدية عندهم من اشد العار كما سبق. قال قائلهم: إذا صب ما في الوطب فأعلم بأنه ... دم الشيخ فأشرب من دم الشيخ أودعا يقول أن الذي تشربونه من لبن الإبل التي أخذتموها في دية شيخكم إنما هو دمه تشربونه. وقال آخر لرجل أخذ الدية تمرا: فظل يضون التمر والتمر منقع ... بورد كلون الأرجوان سبائبه كأنك لم تسبق من الدهر ليلة ... إذا أنت أدركت الذي كنت تطلبه يقول من أدرك ما طلبه من الثار فكأنه لم يصب ولم يوتر وهذا بعث على طلب الدم ومثله غير أنه بعث على طلب المال: كان الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك في بؤس إذا ما تمولا وقال آخر في التنفير عن أخذ الدية: فلو أن حيا يقبل المال فدية ... لسقنا لهم سيلا من المال مفعما
ولكن أبى قوم أصيب أخوهم ... رضا العار فاختاروا على اللبن الدما معنى البيت الأول لو كانت معاملتنا مع حي يرى قبول المال فداء لأرضيناه بالمال الكثير. ومعنى البيت الثاني امتنع قوم أصبنا صاحبهم من الرضا بالدنية وآثروا طلب الدم على قبول الدية. وجعل اللبن كناية عن الإبل التي تؤدي عقلا لأنه منها؛ أي أبوا أن يرضوا العار خطة لأنفسهم. وقالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب: أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي ولا تأخذوا منهم أفالا وأبكرا ... واترك في بيت بصعدة مظلم ودع عنك عمرا أن عمرا مسالم ... وهل بطن عمرو غير بشر لمطعم فان انتم لم تثأروا واتديتم ... فمشوا بآذان النعام المصلم ولا تردوا إلاَّ فضول نسائكم ... إذا ارتملت أعقابهن من الدم قولها أرسل عبد الله الخ - إنما تكلمت به على أنه أخبار عما فعله عبد الله وهو أخو عمرو وغرضها تحضيضهم على إدراك الثأر ويقال عقلت فلانا إذا أعطيت ديته وجعل هذا المعقول الدم لأن المراد مفهوم كأنه قال لا تأخذوا بدل دمي عقلا. وقولها ودع عنك عمرا - أي خالف عمرا أن هو مال إلى الصلح ورغب في أخذ الدية. وقولها ولا تأخذوا الخ. الافال جمع أفيل وهو الذي أتت عليه سبعة أشهر أو ثمانية من أولاد الإبل. فإن قيل لم ذكرت الافال والابكر وما يؤدى في الديات لا يكون منهما قلت أرادت تحقير الديات كما يقول الرجل إذا أراد تحقير أمر خلعة فاز بها إنسان: إنما أعطي خرقا وفلوسا. وأن كانت الثياب المعطاة كسوة فاخرة والمال المحقر جائزة سنية. وقولها وهل بطن عمرو غير بشر لمطعم - تزهيد في الدية كما ورد في الخبر: هل بطن أبن آدم إلاَّ شبر في شبر لما أريد تزهيده في الدنيا. وقولها واترك في بيت بصعدة مظلم - صعدة مخلاف من مخاليف اليمن
ويسميها غيرهم المزالف وهم أهل الحجاز؛ ويسميها أهل نجد المذارع شبهوها بمذارع الأديم وهي كرعانه وواحدة المذارع مذرعة وواحدة المزالف مزلفة وإنما جعل قبره مظلما لأنهم كانوا يزعمون أن المقتول إذا ثأروا به أضاء قبره فان أهدر دمه أو قبلت ديته يبقى قبره مظلما. وقولها واتديتم - معناه قبلتم الدية يقال وديته فاتدى كما يقال وهبته فاتهب أي قبل الهبة. وفي الحديث اسممت أن لا أتهب إلاَّ من قرشي أو أنصاري: ومثله قضيت الدين فاقتضاه أي قبله وتوفره. وقولها فمشوا بآذان الخ. أي امشوا وضعف الفعل للتكثير ومن روى فمشوا بضم الميم فمعناه امسحوا ويقال للمنديل المشوش والمعنى أن لم تقتلوا قاتلي وقبلتم ديتي فامشوا أذلاء بآذان مجدعة كآذان النعام. ووصف النعام بالمصلم تصغيرا لها وأن كانت خلقة. يقول كأنكم مما تعيرون ليست لكم آذان تسمعون بها فامشوا بغير آذان أي صمنا عما يتكلم الناس به من عيبكم. واختلف في النعام فقيل أنها كلها صلم وقيل أنها صم لا تسمع شيئا وليس لها آذان. وإنما تعرف ما تحتاج إليه بالشم. وقولها ولا تردوا إلاَّ فضول نسائكم الخ. قال أبو رياش تقول إذا قبلتم الدية فلا تأنفوا بعدها من شيء كما تأنف العرب واغشوا نساءكم وهن حيض فقد كان من عادتهم إذا وردوا المياه أن يتقدم الرجال ثم العضاريط والرعاء ثم النساء إذا صدرت كل فرقة عنه فكن يغسلن أنفسهن وثيابهن ويتطهرن آمنات مما يزعجهن فمن تأخر عن الماء حتى تصدر النساء فهو الغاية في الذل: وجعل النساء مرتملات بدم الحيض تفظيعا للشأن وأرتمل إذا تلطخ بالدم والفضول ههنا بقايا الحيض وسمي الغشيان وردا مجاز؛ وقال أبو محمد الإعرابي معناه لا تردوا المواسم بعد أخذ الدية إلاَّ وأعراضكم دنسة من العار كأنكم نساء حيض، وهذا كما قال جرير لا تذكروا حال الملوك فأنكم بعد الزبير كحائض لم تغسل. وقال جميل العذري من أبيات: يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا ... ولو ظفروا بي ساعة قتلوني
وكيف ولا توفى دماؤهم دمي ... ولا مالهم ذو ندهة فيدوني الندهة كثرة المال. وقال قوم الندهة العشرون من الإبل والمائة من الضأن والألف من الصامت ويقال وداه يديه وديا ودية. وقوله ولا توفى دماؤهم دمي - أي دماؤهم كلهم لا تفي بدمي يقال أوفى به ووفى وأوفاه يوفيه إيفاء إذا قضى دينه على الوفاء. وقال زيادة الحارثي من أبيات: يقول رجال ما أصيب لهم أب ... ولا من أخ اقبل على المال تعقل يقول يشيرون علي بأخذ الدية ولم يصبهم ما أصابني ولعلهم لو أصيبوا بما أصبت به لم تقنعهم الدية؛ ومحوه المثل السائر ويل للشجي من الخلي أي لا يساعده على شجاه ويلومه. وقال الحكم بن زهرة: قوم إذا ما جنى جانيهم آمنوا ... من لؤم احسابهم أن يقبلوا قودا يقول هم قوم إذا جر واحد منهم جريرة آمن جميعهم لدقة أصولهم ولؤم احسابهم أن يؤاخذ كلهم بها. فكيف الواحد منهم كأنهم لا يعدون بوآء بقتيل والقود أن يقتل القاتل بالقتيل فيقال اقدته به. وإذا أتى الرجل صاحبه بمكروهة فانتقم منه بمثلها قيل استقادها منه. وفي كتاب أعلام الموقعين لأبن القيم أن الجناية على النفوس والأخطاء تدخل من الغيظ والحنق والعداوة على المجني عليه وأوليائه مالا تدخله جناية المال ويدخل عليهم من الغضاضة والعار واحتمال الضيم والحمية والتحرق لأخذ الثار مالا يجبره المال أبدا حتى أن أولادهم وأعقابهم ليعيرون بذلك، ولأولياء القتيل من القصد في القصاص وإذاقة الجاني وأوليائه ما أذاقه للمجني عليه وأوليائه ما ليس لمن حرق ثوبه أو عقرت فرسه؛ والمجني عليه موتور هو وأولياؤه فان لم يوتر الجاني وأولياؤه ويجرعون من الألم والغيظ ما يجرعه الأول لم يكن عدلا. قال وقد كانت العرب في جاهليتها تعيب على من يأخذ الدية ويرضى بها من درك ثاره وشفاء غيظه كقول قائلهم يهجو من أخذ الدية من الإبل: وأن الذي أصبحتم تحلبونه ... دم غير أن اللون ليس بأشقرا وقال جرير يعير من أخذ الدية فأشترى بها نخلا: أن ابلغ بني حجر بن وهب ... بأن التمر حلو في الشتاء ومثل قول جرير قول الفرزدق: أكلت دما أن لم ادعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر يريد بالدم الدية. وقال آخر: خليلان مختلف شكلنا ... أريد العلاء ويبغي السمن أريد دماء بني مالك ... وراي المعلى بياض اللبن وهذا وأن كانت الشريعة قد أطلته وجاءت بما هو خير منه واصلح في المعاش والمعاد من تخيير الأولياء بين إدراك الثار ونيل التشفي وبين أخذ الدية فأن القصد به أن العرب لم تكن تعير من أخذ بدل ماله ولم تعده ضعفا ولا عجزا البتة بخلاف من أخذ بدل دم وليه فما سوى الله بين الأمرين في طبع ولا عقل ولا شرع. أهـ
الآنسة جرترود لثيان بل
الآنسة جرترود لثيان بل بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع (لبيد بن ربيعة) يجدر بي أن اصدر ترجمة فقيدة العلم والسياسة بهذا البيت للبيد بن أبي ربيعة لأن صديقتنا الراحلة كانت مولعة به وقد حلت به جيد كتابها الإنكليزي المعنون (من مراد إلى مراد). اجل لقد ماتت الآنسة بل ويليت. ولكن أعمالها نجوم طوالع في سماء
العلم وآثار همتها جبال راسية تكافح عوادي الدهر ومصانعها في السياسة تحدث بها الأجيال المقبلة وهذا كله خالد لا يبلى يرويه الخلف عن السلف. عرفتها عالمة ورحالة وسياسية. عرفت نفسيتها في مظاهر روح الإنسان المختلفة. أخذت ترجمتها عنها ونشرتها في مجلة المقتطف (نوفمبر 1922) فصداقتنا الوثيقة العرى ووقوفي على ما انطوت عليه تلك النابغة من الهبات. يؤهلاني لكتابة ترجمتها وتحليل نفسيتها. ولدت الآنسة جرترود لثيان بل في 14 تموز سنة 1868 من أسرة عريقة في الحسب، كثيرة النشب، موطنها شمالي بلاد الإنكليز في تخوم اسكتلندة وقد كان جدها الأعلى أول من سعى في تأسيس المعامل الكبرى لتعدين الفحم والحديد. إذ ارتقت الصناعة ارتقاءها العظيم في الثلث الأول من القرن الماضي، ولا يزال والدها السر هيو بل حيا يرزق، وقد زار العراق سنة 1920 وهو شيخ قد اشتعل رأسه شيبا. إن البيئة التي ولدت فيها جرترود بل بيئة سعادة ورفاهية؛ بيئة غنى وشرف باذخ. كانت تغنيها عن مكابدة الأتعاب والمشاق، وتجشم المخاطر والأهوال، ولكن نفسها العظيمة التواقة إلى
السمو والمعالي رفعتها عن مواطن الراحة التي تخلد إليها الغواني والسيدات الموسرات وأنزلتها حلبة الجهاد العلمي والاجتماعي والسياسي ساخرة بالطارف والتليد، مغرمة بالرفعة العقلية، متلذذة بطيب أثمار المساعي الذاتية. توفرت الأسباب للراحلة الكريمة لترفعها إلى مصاف العظماء والعظيمات. ولكن قامت بوجهها عراقيل وعقبات كافية لتثبيط همم الرجال فضلا عن همم الآنسات: أما هي فقد عرفت كيف تستفيد من الأولى، وكيف تذلل الثانية. فخرجت من المعترك حاملة لواء النصر على قمم الدهور وخلدت لها اسما عظيما في التاريخ. جاهدت الجهاد الحسن في كل أدوار حياتها منذ كانت تلميذة في مدرسة (كوينس كوليج) ثم طالبة علم في كلية (ليدي مرغريت) في اوكسفورد حيث بزت رفقاءها ورفيقاتها ونالت الشهادة العليا وبقيت كذلك حتى دعاها داعي الحمام على ما يأتي. مدارك سامية، علو همة، إرادة فولاذية، هي أركان ثلاثة قامت عليها شهرتها. نعم إن مداركها لسامية بكل معنى الكلمة؛ تشهد بذلك مؤلفاتها الكثيرة. وكتاباتها وخطاباتها وأحاديثها الطيبة المملوءة حكمة وفائدة؛ كلها دلائل واضحة على فكرة وقادة
ودماغ جوال، وحافظة حافلة بما حسن وطاب، وذاكرة سريعة، ومحاكمة صحيحة. سريعة الكتابة تسير بقلمها سير الفارس بجواده وقلما تعصيها كلمة، أو تتمرد عليها عبارة، أو تخونها ذاكرتها في أيراد اسم شخص أو محل. كأن دماغها ينبوع فياض يتدفق منه الماء عفوا. إن هذه المزايا والهبات أهلتها لتعلم لغات عديدة وعلوم شتى فإنها كانت تعرف ما عدا لغتها الإنكليزية، الفرنسية والألمانية والعربية والفارسية. وقد امتازت بالتاريخ، وعلم الآثار، والأنساب. أما همتها: (فحدث عن البحر ولا حرج) بنت دلال وترف. غادة دواوين لندن، خريجة اوكسفورد، نحيفة البنية؛ تمتطي الأهوال، تقطع الفيافي والبراري مع نفر قليل على ظهور الخيل والإبل، تجول البحار، وترتقي الجبال، وتركب متن الهواء غير هيابة ولا وجلة؛ تخوض غمارات الحرب، وتقطع أشواطا كبيرة في السياسة. أليس هذه الأعمال من مشاهد الهمة البعيدة؟ همة لا تعرف الكلل ولا يعتورها الملل. تصل الليل بالنهار في الكتابة والعمل والمقابلة، وتنتقل من موضوع إلى آخر وهي على نشاط من عزمها لا تتبرم ولا تمل. وهي على كثرة أعمالها كانت
شديدة الشغف بالمحافظة على الوقت؛ وعلى نظام المواعيد لا تتقدم دقيقة ولا تتأخر. إرادتها - ما اعظم الإرادة التي كانت تتغلغل بين ثنايا ذلك الجسم النحيف والقد الأهيف؛ أن أرادت أمرا اندفعت إليه وأن اعتقدت بصلاحه أنجزته؛ فلا تنكل عن خطة ولا تثبطها عقلة. لاقت الأمرين من بعض المعارضين لفكرتها من رجالات البريطانيين في السياسة التي وجب على بريطانية العظمى اتباعها في العراق؛ إلاَّ أنها قاومتهم مقاومة الأبطال بمعاونة الرجال الذين كانوا على فكرتها فكان النجاح في جانب حزبها فقام في العراق دولة عربية عزيزة الجانب يرأسها ملك عربي من البيت الهاشمي الرفيع المجد. وقصارى القول أن أعمالها اليومية كانت على هذا الغرار من قوة الإرادة ومضاء العزيمة. ولا غرو أن التي تتخذ رائدها الإرادة وشعارها الهمة القعساء. تكون صريحة في أقوالها صراحة يستصعبها بعضهم ويشجبها الآخرون، ولا سيما أولئك الذين لم يتعودوا الجرأة الأدبية ولم يأنسوا مظاهر التربية الاستقلالية التي تكاد تكون ميزة أبناء التيمز وبناته. مع تلك المنزلة العالية. والإرادة الفولاذية، والصراحة الاستقلالية؛ لم تكن متصلبة في آرائها، مكابرة في أفكارها مغالية
في مناحيها، بل كانت ترجع عن رأي يفند ببرهان وتعدل عن فكر يظهر لها خطأه وتميل عن مناح تجد اصلح منها. كل هذا مما يشف عن عظمة في نفسها ونبوغ في دماغها. أما عاطفتها - فقلبها أشبه شيء بالكنارة ذات الأوتار يحفظ نظامها عقلها السليم؛ فتسكت أنغام تلك الأوتار أن عالجت صعاب الأمور أو تعاطت أعمالا مع الساسة وأعاظم الرجال؛ وتسمعك أنغاما شجية وإيقاعا محزنا أن كان موضوعها مؤاساة لبشرية المتألمة، أو الأخذ بساعد بعض البؤساء ومسح دموع المنكوبين والمبتلين. وخلاصة القول تذرعت بإرادة الرجال، ولم تفقد عاطفة الإناث. الرحالة والمؤلفة نشأت المس بل شديدة الشغف بالرحلات والتأليف: نضرب هنا صفحا عن أسفارها العديدة في الأقطار الأوربية ونخص بحثنا برحلاتها في الشرق ذلك الشرق الذي أحبته حبا جما حتى قضت نحبها فيه وضم جثمانها. رحلت إلى الشرق لأول مرة سنة 1899 مع زوج خالها المستر سفرنك لسلس سفير بريطانية العظمى في طهران آنئذ؛ وولعت هناك بدراسة اللغة الفارسية حتى اقتبست جانبا منها وترجمت قسما
من قصائد حافظ الشاعر الفارسي الشهير إلى الإنكليزية. وفي السنة التالية 1900 زارت سورية وطافت في جبل الدروز وأطراف البادية؛ وكان غرضها من هذا السفر تعلم لغة الضاد فظفرت بغيتها؛ إلا أن حبها للعرب ولسانهم دفعها مرة ثانية سنة 1903 إلى زيارة سورية وثابرت هناك على الدرس والمطالعة فاتسع لها المجال للوقوف على أسرار العربية وضبط شواردها؛ ومنذ ذلك الحين أخذت ترحل كل سنتين رحلة إلى بلاد الشرق، وكانت تدوم كل رحلة ستة أشهر. فسافرت سنة 1905 إلى الأناضول وفي سنة 1907 نقبت في أطلال قرب قونية. وأول مرة نزلت العراق كانت سنة 1909، وفي سنة 1911 سافرت مع أخيها إلى الهند واليابان ثم جاءت وحدها إلى العراق وفي سنة 1913 سافرت من الشام إلى حائل ونزلت ضيفا على أبن الرشيد؛ وفي ربيع سنة 1914 أي قبل الحرب العامة جاءت إلى بغداد ومنها ذهبت إلى الأستانة. فواجهت فيها غير واحد من وزراء المملكة العثمانية كجمال باشا وغيره. ولما نشبت الحرب العامة انتظمت في جمعية الصليب الأحمر وقضت سنة في لندن؛ ثم سافرت إلى فرنسة. وفي شتاء 1915 هبطت مصر وانضوت إلى إدارة السياسة. وبقيت هناك حتى
أواخر شباط 1916 فانتقلت إلى البصرة؛ وفي سنة 1917 انتقلت إلى بغداد بصحبة السربرسي كوكس. إن حبها للعلوم ورحلاتها العديدة وتقلبها في المناصب السياسية بعثت فيها رغبة التأليف والكتابة فزاولتها ونجحت فيها نجاحا اكسبها شهرة بعيدة بين علماء الشرق والغرب؛ وقد ساعدتها معرفتها اللغات على الإجادة فيما كتبته؛ وقد خلفت من الكتب ما يأتي: (1) الغامر والعامر (2) من مراد إلى مراد هذا الكتاب وصفت رحلتها من حلب إلى بغداد إلى قونية سنة 1909 وصدرتها بمقدمة إلى اللورد كرومر؛ مع مصور للبلدان؛ فيه خطوط تدل على الطرق التي قطعتها. (3) ألف بيعة وبيعة كتبت هذا الكتاب باشتراك المستر رمزي (4) الأخيضر وهو بحث مطول عن تاريخ قصر ترى أطلاله في العراق (5) تركية آسية كتبته في إبان الحرب في البصرة (6) بيان عن الإدارة الملكية في العراق إن آثارها المذكورة تظهر نفسية الكاتبة فإنها تدقق النظر في رواية الأخبار وتنقلها بأمانة وإخلاص إلاَّ إذا التاث عليها الأمر
في بعض المواضيع شأن كل الرحالين الإفرنج؛ يصدق هذا الكلام على بعض مرويات في كتابها من (مراد إلى مراد) أما من حيث مجموعها فأنها آثار خالدة ولا سيما كتابتها عن قصر الاخيضر وعن آثار سامرآء وأطلالها؛ وكل ما كتبته بعد الحرب العامة. وتمتاز كتابتها بدقة الوصف فان قلمها هناك بمثابة ريشة المصور أو النقاش تمثل لك الأشياء والوقائع تمثيلا رائقا كأنك أمام صورة أو أمام المشاهد أو الحوادث عينها. ولا تتعمد في تأليفاتها الخيال إلاَّ ما ندر. بل أنها تغوص على الحقيقة وبعد أن تظفر بها تخرجها وتعرضها على قرائها كما يعرض الغواص الدرة اليتيمة إذا عثر عليها. السياسة مهما بلغت من الشأو البعيد في الرحلات والتأليف فإنها لم تنل شهرة طبقت الخافقين عند الخاصة والعامة، إلاَّ بعد أن انخرطت في سلك السياسة. ولم تكد تأتي مصر سنة 1915 على ما مر بنا حتى أخذت شهرتها تسبقها إلى البلاد الشرقية؛ ثم زادت شهرة عند نزولها البصرة سنة 1916 واشتغالها بإدارة الحاكم الملكي؛ وعظمت منزلتها في بغداد بعد أن احتلتها جيوش البريطانيين؛ وبقيت تلك المنزلة في قمة المجد حتى يوم موتها. وقد كان لها
الكلمة الراجحة والرأي النافذ في جميع تطورات السياسة في العراق وكانت في دار الاعتماد (الكتوم الشرقية)؛ ثم تولت مديرية المتحفة العراقية فخرا. وتولت أيضاً مديرية خزانة السلام؛ وقامت بتشييد مستشفى للسيدات الموسرات جمعت قسما من نفقاته من العراقيين. أما الخطة التي انتهجتها في سياستها في العراق فهي أنها سعت السعي المتواصل للتوفيق بين السيادة القومية العراقية واستقلال البلاد وبين مصالح بريطانية العظمى في هذا القطر. فهي بريطانية مخلصة لبلادها وصديق حميم للعرب والعراقيين. وكانت عليمة بتطورات القضية العربية منذ يوم نشأتها؛ إذ كانت تراقب سيرها قبل الحرب عن كثب وتجتمع بزعمائها عند مرورها بسورية وتحادثهم بقضيتهم التي كان يدور محورها يومئذ على الحكومة اللامركزية. وقد قالت لي يوما: (إن لم يدر في خلدها آنئذ أن الأتراك ينكرون على العرب طلبهم حتى يتسع الخرق على الراقع وتخرج البلاد من حكمهم). ولقد اعترضتها عراقيل كثيرة في نهجها السياسي من غلاة ساسة البريطانيين الذين اختلفوا في الرأي عنها في أوضاع إدارة العراق وسياسته إلا أنها انتصرت عليهم. ولما تقرر مصير العراق
بتبوؤ جلالة الملك فيصل الأول عرشه وعقدت المعاهدة العراقية البريطانية في عهد الوزارة النقيبية واصدر جلالة الملك فيصل ذلك البلاغ التاريخي في 13 أوكتوبر 1922 فاستبشرت به كل الاستبشار وأعربت عن سرورها في إحدى رسائلها الخالدة: فقالت ما تعريبه: (إن هذا اليوم خير! أليس كذلك؟ فأني اذهب إلى أن بلاغ جلالته هو من أبدع ما ينادي به ملك شعبه وأعظمه تأثيرا فيهما) وكانت شديدة الإعجاب بجلالة الملك فيصل إذ ترى فيه البطل المغوار الذي أعده الدهر وزينه بأصالة الرأي ليتولى عرش العراق وكانت ترى في شبان العراقيين عنصرا عليه قوام هذه المملكة الحديثة وهم رواد مستقبلها الباهر. إن منزلتها العلمية والسياسية ووظيفتها في ديوان الحاكم الملكي العام؛ ثم في ديوان المعتمد السامي ونفوذها الأدبي والسياسي اكسبها شهرة بعيدة وأصدقاء كثيرين من جميع الطبقات. ولذا تسمع الأعراب والبدو يدعونها (كوكسة) ظنا منهم أن كوكس اسم وظيفة وكوكسة مؤنثها و (الحاكمة) أما لقب (الخاتون) فكاد يحل محل اسمها؛ وكان يقصدها العراقيون من كل الطبقات لقضاء حاجات لهم أو الأخذ برأيها في صعاب الأمور وحل المشكلات.
وقد بذلت أقصى الجهد في تأسيس المتحفة العراقية وتنظيمها وكانت حتى آخر يوم من حياتها قد صرفت معظم وقتها في ترتيب العاديات والآثار القديمة في دارها الجديدة. وفي أبان همتها داهمتها المنية غيلة فأصبحت يوم الاثنين 12 تموز 1926 جثة هامدة؛ ونعتها مديرية المطبوعات بإذاعة رسمية جاء فيها: (إن هذه المديرية تذيع هذا النبأ المحزن بمنتهى الأسف نظرا لما للمس المرحومة من الأعمال الباهرة والمساعدات الثمينة في سبيل خدمة العراق؛ ولقد فقد هذا القطر بموتها يدا كبيرة عاملة وصديقة له) وبمثل ذلك نعتها كتومية (سكرتيرية) رئاسة الوزراء وكان موكب دفنها فخما اشترك فيه ممثلو الملوك والأمراء والوزراء ونواب الأمة وأعيانها؛ حتى ردد بعضهم ببيت المتنبي القائل: مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال ولا عجب أن جاء في كتاب المعتمد السامي إلى رئيس وزراء الحكومة العراقية ما يأتي: (أني متأكد أن المس بل لو تمكنت من رؤية ما كان البارحة من مظاهر الحزن والحنو عليها لشعرت بذاتها أنها كوفئت مكافأة تامة على ما قامت به طيلة السنوات العشر التي قضتها في العراق في الجهاد والتجرد للعمل ونكران
اللكنة العامية
اللكنة العامية إذا تحول لسان المتكلم من حرف إلى حرف آخر، وكان ذلك لعارض خلقي فيه سمي (لثغ) وقيل به (لثغة) كالذي يتحول لسانه من السين إلى الثاء. ومن الراء إلى الغين أو غير ذلك؛ وإذا لم يكن ذلك فيه لعارض خلقي بل كان لكونه أعجميا أو لكونه كثر اختلاطه بالعجم سمي (الكن) وقيل به (لكنة). وتنسب لكنة الالكن إلى القوم الذين هو منهم، أو إلى القوم الذين حصلت الذات. . . وأن نسعى ما أمكن إلى الغاية التي كانت دائما نصب عينيها إلا وهي أيجاد أمة قوية منورة مفلحة في العراق.) وكان جواب رئيس الوزراء على هذا الكتاب اصدق صورة لما يعتقده فيها العراقيون الخلص الذين اطلعوا على سرائر سياستها في العراق وما كانت تبتغيه له من الرقي والنجاح وما بذلته من الجهود لاستتباب وضعه السياسي. وأكبر شاهد على منزلتها ما جاء في كتاب التعزية الذي بعث به جلالة ملك بريطانية وملكتها إلى والدة الفقيدة إذ جاء فيه: (أن الأمة البريطانية ستلبس الحداد وتحزن على فقدها سيدة قامت بفضل قواها العقلية ومواهب إدراكها وقوة أخلاقها العالية وشجاعتها الأدبية بخدمات مهمة نافعة لبلادها نفعا يأمل أن يبقى أثره خالدا في بلادها والبلاد التي اشتغلت فيها بمنتهى الإخلاص والتضحية) أهـ ي. غنيمة
فيه اللكنة بمخالطتهم، فيقال هو يرتضخ لكنة فارسية. أو يرتضخ لكنة رومية أو غير ذلك، والعامة في العراق اليوم يرتضخون لكنة فارسية، لكثرة اختلاطهم بالفرس؛ بسبب القرب والمجاورة. ولكنتهم تقع في حرفي: القاف والكاف، أما القاف فيتحول فيه لسانهم إلى ثلاثة حروف: الكاف الفارسية والكاف والجيم وأما الكاف فيتحول فيه لسانهم إلى الجيم الفارسية فقط. ولنذكر لك من المظان التي تتحول فيها ألسنتهم من القاف إلى الحروف الثلاثة المذكورة (استطراد) قد اصطلحت هنا أن اكتب القاف المتحولة إلى الكاف الفارسية ق هكذا (كك) والمتحولة إلى الكاف هكذا (ك) والمتحولة إلى الجيم هكذا (ج) بأن أضع فوق الحرف المتحولة إليه قافا صغيرة، لتدل على أن أصل الحرف هو القاف؛ وكذلك افعل في الكاف التي يتحول فيها لسانهم إلى الجيم الفارسية فأكتبها هكذا (ج) بأن أضع فوقها شكل همزة لتدل على أن اصلها هو الكاف
اعلم أن تحولهم من القاف إلى الحروف المذكورة غير مطرد ولا مقيس في كلامهم؛ وليس لنا من قاعدة نرجع إليها في تحول القاف إلى أحد الحروف المذكورة بل العمدة في ذلك على السماع منهم، فإننا نسمعهم ينطقون بالقاف كافا فارسية في نحو قام، ويقوم، وقائم، وفي قعد، ويقعد، وقعود، وقاعد، وفي قدر، ويقدر؛ دون المصدر واسم الفاعل، فلا يقولون فيهما كدرة بل قدرة؛ ولا يقولون كادر بل قادر، وفي قلب، ويقلب، وقلب، وقالب (بالكسر) وأما القالب بفتح اللام فلا يقولون فيه كالب بل يقولونه بالقاف الصريحة ويقولون في جمعه قوالب ولم يقولوا كوالب. وفي قشر ويقشر وتقشر ومقشر وفي قصع القملة، يقصعها قصعا، فهو قاصع والقملة مقصوعة؛ وفي قرب يقرب، قربا، وقرابة، فهو قريب؛ وفي قلى (المشددة) اللحم يقليه تقلية فهو مقلي واللحم مقلى، وفي قمر، يقمر، قمرا، فهو قامر، وفي قطع، يقطع، قطعا؛ فهو قاطع؛ وذاك مقطوع؛ وكذلك انقطع، ينقطع؛ فهو منقطع، وفي قمطت الأم الصبي، تقمطه؛ فهو مقمط في القماط. وفي قمط الديك الدجاجة، يقمطها، قمطا؛ فهو قامط وهي مقموطة، وفي قضى، يقضي، فهو قاضي؛ وانقضى، ينقضي، فهو منقضي، وفي قبض، يقبض، قبض؛ فهو قابض وذلك مقبوض. وفي قضب (مقلوب قبض وهو مستعمل في كلامهم) يقضب، قضبا، وقضبة؛ فهو قاضب وذاك مقبوض. وفي قبل، يقبل؛ فهو قابل، ومقبول؛ وكذلك اقبل، يقبل؛ فهو مقبل، وفي قبن (بالتشديد) الشيء بالقبان يقبنه؛ فهو مقبن (بالكسر) وذاك مقبن (بالشد المفتوح). وفي قحم؛ يقحم؛ فهو قاحم. وفي قرض، يقرض، قرضا؛ فهو قارض وذاك مقروض، وقال، يقول، قولا؛ فهو قائل. وقصد، يقصد، قصدا فهو قاصد وذاك مقصود. وفي قرطف الشعر (أي أخذ منه بالمقص) يقرطفه فهو مقرطف
(بالكسر) والشعر مقرطف (بالفتح). إلى غير ذلك من الأفعال، والأسماء التي تتحول فيها ألسنتهم من القاف إلى الكاف الفارسية وهناك أفعال وأسماء لا حولون قافها كافا فارسية نحو قشبه يقشبه قشبا (أي أصابه بالمكروه من القول) وقل الشيء يقل فهو قليل إلا انهم إذا صغروا كلمة قليل حولوا قافها إلى الكاف الفارسية فقالوا كليل وأما مصدر هذا
الفعل اعني القلة فيحولون قافها جيما كما سيأتي، وقنع يقنع قناعة فهو قانع، وقنعه (بالتشديد) يقنعه تقنيعا فهو مقنع وقهره يقهره قهرا فهو قاهر وذاك مقهور. وقرقر بطنه يقرقر قرقرة. فهذه الأفعال مما نسمعهم يبقون فيها القاف على حالها ولا يبدلونها كافا فارسية. ومن الأسماء التي ينطقون فيها بالقاف من غير تبديل؛ القندرة والقنديل والقبقاب والقلم والقديم والقرآن والقرش (وربما حولوا قاف هذا إلى الجيم) والقش والقسيس والقسم (بمعنى اليمين) والقند (بمعنى السكر) والقانون (لآلة الطرب) والقولنج والقطايف والقلم والقزاز. وأما تحويلهم القاف إلى الكاف العربية فذلك في فعلين واسم واحد ولم أجد لها رابعا. أما الفعلان فهما قتل وقفخ بمعنى صفع. فيقولون: في قتل: كتل وفي يقتل؛ يكتل. وفي قاتل: كاتل. وفي مقتول: مكتول. وكذلك في قفخ: كفخ يكفخ فهو كافخ وذاك مكفوخ. وأما الاسم فهو الوقت. فيقولون: الوكت وفي جمعه أوكات وأما تحويلهم القاف إلى الجيم فذلك في مادة فيقولون جسم وفي يقسم؛ يجسم. القسمة؛ الجسمة. وفي قاسم وقسام، جاسم وجسام. وفي المقسوم: مجسوم. ومنه قول شاعرهم في شعرهم المسمى عندهم بالزهيري: (يا جارة الدهر ما أنصف تعالي ... نخلط همومنا ونجسم سوية) وكذلك في قدم (المشددة) يقولون؛ جدم. وفي يقوم؛ يجوم. وفي تقديم: تجديم. وفي مقدم؛ مجدم. وكذلك في قنى المال يقنيه؛ جناه يجنيه. وفي القنبة؛ الجنبة. هذا من الأفعال، وأما من الأسماء فيقولون في المقباس
المجباس وربما قالوا مكباس أيضا. وفي قدح جدح. وفي قدر وقدور جدر وجدور. وفي قدام جدام. وفي قدم جدم وهذه خاصة بأهل البادية. وفي قرية جرية. وفي قريب جريب. وربما قالوا كريب أيضا. وفي القارح جارح. وفي القسب (بمعنى التمر اليابس) الجسب وفي قاسم جاسم. وفي صديق صديج وربما قالوا صديك أيضاً وفي قليل جليل بكسر الجيم ومنه قولهم: (لا جليل) يريدون لا قليل. وفي قلة جلة ومنه قولهم (من جلة التتن وقول شاعرهم: (من جلة الخيل شدو ... على الجلاب سروج) وفي قنب جنب، وفي قناع جناع. وفي مقنعة مجنعة. وفي عاقل عاجل. ومنه قول شاعرتهم: (واش زهفج يا عاجلة ... شيطان لو سحر كوي) وأما حرف الكاف فتتحول فيه ألسنتهم إلى الجيم الفارسية المثلثة كقولهم في كان جان دون المضارع فلا يقولون يجون بل يكون. وفي كب الماء جب وفي يكب يجب وفي كاب جاب وفي مكبوب مجبوب وفي كتفه يكتفه تكتيفا فهو مكتف وذاك مكتف. وفي كثر يكثر تكثيرا (دون الثلاثي المجرد منه) وفي كذب يكذب كذبا فهو كاذب وكذاب وكذلك كذب يكذب تكذيبا فهو مكذب. وفي كرع في الماء يكرع تكريعا (دون الثلاثي المجرد منه) وفي كسب يكسب فهو كاسب وكذلك كسب (المشدد) فهو مكسب وفي كشف (المشدد) يكشف فهو مكشف. وفي انكلب فهو منكلب (يستعملون هذا الفعل بمعنى كلب) ومنه قولهم: (ما عضني جلب إلاَّ انجلب) وفي كل يكل فهو كال. وفي
كال يكيل كيلا فهو كايل. ففي هذا كله يتحول لسانهم من الكاف إلى الجيم الفارسية المثلثة النقط وتحويلهم الكاف إلى الجيم المذكورة اكثر وقوعا في الأسماء ولا حاجة إلى التطويل بذكر جملة من تلك الأسماء هنا بل نذكر لك جملة مما لا تجري فيه لكنتهم ولا يحولون كافه إلى الجيم الفارسية ومن الأسماء: فمن ذلك كتاب وكتب وكذلك الكبة لضرب من الطعام يعملونه. والكبابة للغزل الملفوف والكبر (وزان صرد) لهذا الشجر المعروف. والكرب والكربة لأصول سعف النخل. والكروش جمع كرش. والكحل والمكحلة. والكراث لهذه البقلة المعروفة. والكرد والأكراد والكردي. والكرسي والكراسي. والبكار لأنبوب التارجيلة والكروة والكر والكرة لهذا الجحش الصغير. والكارة للحزمة من الحطب وغيره التي تحمل على الظهر أو على الرأس. والكشمش لضرب من الزبيب. والكافر والكفار. والكلة لهذا الستر الرقيق، والكلام وأن قالوا في الكلمة جلمة بالجيم الفارسية. والكنز والكنوز، والمكنسة، والكون، بمعنى الحرب والفتنة. والكيف بمعنى المسرة وإذا استعملوا اسم استفهام قالوا جيف (بالجيم الفارسية). واعلم أن جميع ما ذكرناه في هذا الباب من الأفعال والأسماء إنما أوردناها على طريق المثال وما أكثرنا من ذكرها وتعدادها إلاَّ لمزيد الإيضاح لأن لكنة العامة في حرفي القاف والكاف لا تقع تحت ضابط يضبطها وإنما العمدة في معرفة مواقعها على السماع. معروف الرصافي
تاريخ الطباعة العراقية
تاريخ الطباعة العراقية مطابع العراق وثمراتها (من سنة 1856 إلى سنة 1926) 1 - تمهيد اختراع الطباعة من العجائب في الحضارة الخالية أن يتسع نطاق العلم، وتنتشر المعارف في القرون الواغلة في القدم يوم لم يكن لدى البشر قرطاس يسطرون عليه خواطرهم، ولا ملكت إيمانهم رقوقا يدونون على صفحاتها معارفهم. إن تخطينا القرون الأولى إلى القرون الوسطى، حينما اشرق للحضارة شمس منيرة، ولا سيما في هذه الربوع المباركة، حيث ارتفع
منار التمدن العربي؛ وجدنا تلك الحضارة العباسية على ضخامتها وبما فيها من معاهد العلم الزاهرة ودور الفنون والصناعات وخزائن الكتب والأسفار، تستعين بأقلام الخطاطين في رقم التآليف والدواوين. ومع أن صناعة الخط قد ارتقت ارتقاء عظيما. فلم يكن في طاقة الخطاطين أن يسدوا حاجة الدارسين من الكتب والرسائل؛ لذلك كانت العلوم والآداب مقصورة على طبقات من رجال الدين والحكام ومن بأيديهم زمام الرئاسة وما يتبع الرئاسة من الثراء. ولكن أبت همة المرء - وهو يتوقل مراقي الحضارة - أن تظل معرفته محصورة في نطاق ضيق ومقصورة على جماعة من أبنائه دون جماعة، ويحتكرها قوم دون آخرين: ففتقت الحاجة قريحة عبقري نادر. توصل بثاقب فكره إلى اختراع آلة الطبع وأعانه رفيق فاستنبط صنع الحروف. وهكذا ولدت الطباعة بالحروف في أواسط العقد الثالث من القرن الخامس عشر. طيب الله ثرى يوحنا غوتنبرغ الألماني (المولود سنة 1400م) الذي اخترع آلة الطبع عام 1436م ورضي الرحمن عن بطرس فوشر مخترع الحروف من الخشب فالرصاص؛ وفي سنة 1450 انشأ غوتنبرغ أول مطبعة في المعمورة، وأول كتاب طبع فيها التوراة باللغة اللاتينية.
هذا تاريخ الطباعة بالحروف، أما المطابع الحجرية فقد ابتدعها في صدر القرن الثامن عشر رجل بفاري اسمه لويس سنفلدر الذي أجازته الحكومة عام 1799م بالاستئثار باختراعه في الطبع والكسب. 2 - الطباعة في الشرق عمت الطباعة في الشرق بالحروف أنحاء أوربة. ولم يفت الشرق نصيب من فيض هذا الاختراع، فما اشتهر الطبع بالحروف المنتقلة حتى اصطنع منها قوالب للغات الشرقية. فسعى قداسة البابا يوليوس الثاني لإنشاء مطبعة في عاصمة الكثلكة طبع فيها أول كتاب كان للصلوات سنة 1514 وفي جنوة بإيطالية طبع الزبور سنة 1516م بالعربية والعبرانية والكلدانية واليونانية، وما عتمت أن انتشرت المطابع للغات الشرقية في أطراف العالم الغربي في البندقية وسويسرة وفرنسة وألمانية. وبعد حين انتقلت الطباعة إلى المشرق. فأسس عالم إسرائيلي سنة 1490م مطبعة في القسطنطينية للغة العبرية أولا، وفيها طبعت التوراة باللغة العربية سنة 1551 معربة بقلم سعيد الفيومي. ومن فروق دخلت الطباعة إلى البلاد العربية وكان للشام فضل السبق في الأخذ بهذه الأداة النافعة فأنشأ الرهبان اللبنانيون في أوائل القرن السابع عشر مطبعة في دير قزحيا بلبنان وأول كتاب عربي
طبعته هو الزبور وذلك في عام 1585 وكانت حروفها سريانية ومنطوقها عربيا وهو ما يعرف عندهم بالكرشوني ثم استعملت الحروف العربية. وفي حلب ظهرت المطبوعات بالحرف العربي بادئ ذي بدء؛ مما اصطنعه أحد أساقفة الروم الملكيين في أوائل القرن الثامن عشر. ودخلت الطباعة القدس في فلسطين على يد الأباء الفرنسيسيين بإنشائهم سنة 1846م (مطبعة الأرض المقدسة). أما مصر فأول مطبعة قامت أركانها فيها سنة 1798م كانت على يد نابوليون بونابرت في حملته الشهيرة على أرض الفراعنة. 3 - الطباعة في العراق ولم يحرم العراق الاستفادة من اختراع الطبع الثمين وأن جاءت استفادته متأخرة. إلا أن ما يلفت الأنظار هو أن الطباعة دخلت العراق على يد الأجانب أيضا؛ نظير معظم البلاد الشرقية مما يؤصل في الأذهان إننا مدينون للغربيين في حياتنا الجديدة. فأول مطبعة فتحت في العراق كان بفضل مبعث الأباء المنتمين إلى القديس عبد الأحد المعروفين (بالدومنكيين) في الموصل سنة 1856م: وفي هذه السنة عينها جلب إلى كربلاء أحد أكابر الفرس مطبعة حجرية لا يذكر الناس من نتاجها إلاَّ سفرا بقي بكرا وحيدا.
وهانحن أولاء نثبت ما عنينا بتدوينه من تاريخ موجز للطباعة العراقية نأتي فيه على ملخص تاريخ المطابع المؤسسة في ديار العراق ونذكر ما وصل إلى علمنا من ثمرات تلك المطابع من الكتب والرسائل على اختلافها؛ ولا ندعي العصمة في ما نكتب؛ إلا أن غايتنا الخالصة هي إظهار صفحة من حضارة العراق الحديثة تشفع لنا في الأوهام التي تبدو منا سهوا: ويسرنا أن يحظى عملنا بالقبول من لدن الأدباء المحققين؛ فينتقدوا لنا مقالاتنا هذه ويرشدونا إلى مواضع الخطأ فيها ويكملوا النواقص التي يفوتنا ذكرها فنشكر لهم فضلهم بعد أن يكونوا قد أدوا لأمانة العلم حقها المحتوم. 4 - مطابع الموصل 1 - (مطبعة الأباء الدومنكيين) إلى الأباء المحترمين المنتمين إلى رهبانية القديس عبد الأحد (سن دومنك) يعزى الفضل الأعظم في إدخال الطباعة إلى العراق فقد حل هؤلاء الأجناد - أجناد العلم والدين - الموصل الحدباء عام 1856م وكانت المطبعة أول مشروع وجهوا إليه أنظارهم؛ فباشروا الطبع على الحجر أولا فطبعوا بضعة كراريس ولم يفلحوا فشمروا عن ساعد الجد وأسسوا سنة 1859 مطبعة كبيرة بجميع لوازمها مرصدين لها المبالغ الطائلة. وفي سنة 1860 طلب السيد هنري امانتون القاصد الرسولي
لما بين النهرين في أثناء وجوده في باريس إلى جمعية مدارس الشرق أن ترصد لمشروع المطبعة الموصلية الأولى مبلغا وافرا فاستجابت طلبه ونفحته ب 6000 فرنك أنفقها في جلب مطبعة وحروف عربية وسريانية وفرنسية من دار الطباعة العامة في عاصمة فرنسة وجلب لها حروفا كلدانية من مطبعة المرسلين الانكليكيين في اورمية من أعمال فارس. ونقلت كل الآلات والأدوات والحروف إلى الموصل. وتولى الأب كيرلس دوفال إدارة المطبعة الجديدة يعاونه الراهب يوسف الديار بكري المنتمي إلى الرهبانية الفرنسيسية. وقد تعلم فن الطباعة في القدس فأتى به إلى الموصل واشرف على تأسيس المطبعة وقام بتعليم أحداث الموصل وشبانها فن تنضيد الحروف. والمطبعة الموصلية هذه جهزها الأباء الدومنكيون بفرع هو مسبك الحروف لم يوجد له نظير في العراق إلى هذا اليوم (1926) وقد اشتغل الراهب الفرنسيسي المذكور بتعليم صناعة سبك الحروف أيضاً وطبعها بدقة وجلاء. (لها تلو) رفائيل بطي
فوائد لغوية
فوائد لغوية الأوضاع العصرية كنا في مجلس حافل، وكان اغلب الحاضرين من المنتسبين إلى الأدب وطائفة من هؤلاء الأدباء يشدون شيئا من اللغات الإفرنجية؛ وجرى الحديث على الألفاظ الكثيرة الموجودة في هذه الألسنة التي لا يطمع أبناء عدنان في وضع ما يقابلها في لغتهم المبينة. وكنت ساكتا حتى سئلت. فقلت: أنه من الممكن رأب هذا الصدع، لأن لغتنا من أوسع اللغات، وفيها باب الاشتقاق الذي لا وجود مثيل له في أي لغة من لغات الأرض. نعم، هم عندهم النحت، لكنه لا يضارع الاشتقاق الذي يوقعك على معنى اللفظ، وأن أنت لم تسمع به، أو لم يبينه لك أحد قبل ظفرك به. فاعترضني واحد - وكان من أبناء العرب - فقال: وهل في لغتك (كأنها ليست لغته أيضا) لفظة تقابل الفرنسية الإنكليزية. قلت: نعم. وهو كتاب دبير أو دبير وحده لا حاجة إلى ذكر الكتاب. قال: أني فتشت عن معنى الإفرنجية في جميع المعاجم ولم أر من صرح بوجودها في أي لغة شرقية. إن أصحاب المعاجم قد يصيبون وقد يخطئون. وقد يقعون على اللفظ العربي، كما قد لا يقعون عليه. وذلك كل على حسب مقدرته من امتلاك ناصيتي اللغتين. ثم قال آخر: أما أنا فلا افهم العربية، فكيف ما يقابلها عند الإفرنج؟ قلت: كلمة بوستوم معناها: كل من يولد بعد وفاة أبيه، ثم يتوسعون فيه فيطلقونه على كل ما ينشر من المطبوعات بعد وفاة صاحبها وبهذا المعنى جاء في اللغة: دبر الحديث عن فلان (وزان نصر ينصر) دبورا: حدثه عنه بعد موته ولما كان الكتاب حديث الرجل لنفسه أو لغيره كان الدبير ما ينشر بعد وفاة الرجل ويجوز لك أن تسميه أيضاً بمصدره أي يجوز لك أن تقول كتاب دبر ودبر وزان صبر. وأما الولد فيسمى (وليد يتيم).
قال اغلبهم: سلمنا لك بهذا الوضع. فما تقول الآن في ما يقابل كلمة الإفرنجية. فقام واحد من الحاضرين وقال: يحسن بمن يذكر كلمة إفرنجية أن يشرحها ليسهل علينا فهمها. أو ليسهل علينا إيجاد ما يرادفها عندنا إذ ربما كان بيننا من يعرفها؛ فلا حاجة إلى أن نوجه الكلام عبثا إلى غيرنا. قال المعترض: كلمة الفرنسية يقابلها في أو وتعني ما لم يطبع من الكتب أو لم يشهر ولم ينشر منها. يقال: أي قصيدة لم تنشر أو لم تعرف بعد (راجعوا معجم لاروس في المادة المذكورة تجدوا هذه الإفادة وبهذا الشاهد). قلت: فإذا كان الأمر كذلك يسر علينا وجود لفظة عربية فصيحة. لأن صحف العرب يومئذ كانت دواوين أشعارهم: وصحفيوها كانوا الشعراء والحال انهم قالوا في هذا المعنى غميس. ومنها قولهم قصيدة غميس أي لم تعرف بعد. فالكتاب الغميس إذن هو ذلك الذي لم يظهر بعد للناس؛ أو لم يعرف بعد. فهل بينكم من ينكر مطابقة هذه العربية لتلك الأعجمية. قال جميعهم: نوفقك كلنا على هذا الوضع فإنه واف بالمقصود ويؤدي المعنى أحسن تأدية. ثم قام واحد منهم وقال: إنك نصراني وتحب الثالوث؛ أفلا تثلث لنا الجواب فنسألك سؤالا ثالثا؟ قلت: قل ما بدا لك. قال: عند الإنكليز والفرنسيين كلمة يسمون بها القوة التي يكتسبها المرء من مداومته على الشيء أو من كثرة مزاولته إياه فيفعل أموره عفوا لا عن فكرة أو درس وهذه الكلمة هي فهل عرف العرب لها مرادفا؟ قلت: وكيف لا؟ وهذه الكلمة هي الضراوة. قال في كتاب البيان للجاحظ (107: 1 من طبعة محب الدين الخطيب): ومن حصل كلامه وميزه؛ وحاسب نفسه وخاف الإثم والذم؛ أشفق من الضراوة وسوء العادة وخاف ثمرة العجب وهجنة القبح وما في حب السمعة من الفتنة وما في الرياء من مجانبة الإخلاص) أهـ فما أشرت إليه من معنى (روتين) الفرنجية هي (الضراوة) بعينها كما سمعتها عن الجاحظ. قال الجميع: كفى اليوم بهذا القدر والله محب المحسنين. فتناثر عقد النادي.
أسئلة وأجوبة
أسئلة وأجوبة صادق وصدق عليه سألنا أحد أدباء البلدة أيجوز أن يقال: صادق فلان على المعاهدة؟ وأن كان لا يقال فما هو الأفصح؟ قلنا: لم يرد صادق فلان على المعاهدة في كلام فصيح بمعنى اقرها وأثبتها ووافق عليها؛ بل صادقها فقد جاء في الإتقان للسيوطي (122: 1) إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله؛ فتفسرها لنا؛ وتأتينا بمصادقة من كلام العرب. أهـ وبعضهم حاول إبدال صادقها بصدق عليها طلبا للأفصح من الكلام. وهذا أيضا لم يرد. والمنقول عنهم: صدقها بحذف الجار في هذا الفعل الثاني كما في الأول. قال في نهج البلاغة (طبع بيروت 92: 2): (ومن أعطى الاستغفار لم يحرم المغفرة ومن أعطى الشكر لم يحرم الزيادة؛ وتصديق ذلك كتاب الله. قال الله في الدعاء: أدعوني استجب لكم) أهـ. ولم يقل والتصديق على ذلك كتاب الله. وفي معجم البلدان لياقوت الحموي (من طبع الإفرنج 22: 1) وحكي عن بعض اليونان أن الأرض كانت في الابتداء تكفأ لصغرها وعلى طول الزمان تكاثفت وثبتت. وهذا القول يصدقه القرآن؛ لو أنه زاد فيها أنها ثبتت بالجبال. أهـ ومن ثم لم يصح كلام الكاتب المجيد أسعد خليل داغر في كتابه تذكرة الكاتب في ص35 في قوله: (ويقولون: صادقت الوزارة على تعيين فلان) و (صدق الملك على الحكم) واصلح بعضهم هذا الخطأ بخطأ آخر وهو (صدقه) (أي من باب التفعيل) وكلها غلط. أهـ
فنحن نقول له: يا طبيب داو نفسك لأن صدقه (من باب التفعيل) صحيح لا غبار عليه على ما أثبتناه من النصوص وكذلك صادقه والذي لم تنطق به العرب هو صادق عليه وصدق عليه أي عقد الفعل بالجار وإلزامه به. على أنه قد يجوز هذا أيضاً من باب التضمين فمعنى صادقه وافقه عليه؛ ولكون هذا يتصل إلى مفعوله بأداة الجر لجاز عندهم وصل صادقه بالحرف المذكور. وكذلك القول في صدقه فانه يتضمن المعنى المشار إليه. على أن الأفصح يبقى صادقه وصدقه (من باب التفعيل). وأما قول اليازجي وداغر ومن لف لفهما أن الصواب هو: أجاز المعاهدة أو أمضاها أو اقرها أو وافق عليها فكلها من المرادفات؛ لكن هيهات أنها تؤدي مؤداها. ولكل من هذه الأفعال معنى يقابله في اللغات الإفرنجية وهي كلها من المرادفات لكنها ليست بالمطلوبة هنا. رمز وسألنا المذكور: كثيرا ما اقرأ في مجلات مصر وسورية وفلسطين ومؤلفات أهاليها: هو رمز كذا. أفهذا صحيح؟ قلنا: الصحيح شيء والفصيح شيء آخر أما أنه صحيح فله وجه في العربية إذ ليس من غلط في لغتنا على ما ندعي. وأما أنه فصيح فليس بصحيح. فان فعل رمز يعدى إلى مفعوله بالى قالوا: رمز إليه. ولهذا لا يجوز أن يقال هذا رمز الشيء الفلاني بل: رمز إلى الشيء الفلاني. وعليه ترى جميع الفصحاء ينطقون بمثل هذا الكلام أما ضعفاء الكتاب فيخالفونه لما هناك من باب التأويل والتضمين الواسع المدخل. والمعول عليه هو رمز إلى وهو الفصيح. كرس وسألنا أيضاً عن فعل كرس (مضعف العين) وعن معناه. قال قرأت في المقتطف (645: 68): وقد كرس (والفعل بصيغة ما لم يسم فاعله وبكسر الراء المشددة. والكلام عن تمثال لتيتي شيري) لاوزيرس اله ابيدوس. فما معنى كرس وهل جاءت في كلام الفصحاء؟ قلنا: كلمة كرس هنا معناها خصص وارصد (بالمجهول) وهي كلمة نصرانية لا معنى لاستعمالها في العربية لأن لغتنا مستغنية عنها وهي قديمة الدخول في لساننا نقلها عرب الأندلس المسيحيون في المائة الثالثة عشرة للميلاد أو في المائة السابعة للهجرة عن اليونانية على رأي دوزي المستشرق الهولندي. وعندنا أنها من اليونانية بمعناها. وأما الأولى فمعناها زيت التقديس يمسح به ما يراد ارصاده بالله أو بالقدسيات. على أن فصحاء العرب كرهوا اتخاذ هذه الكلمة لما في معناها من الحقارة ففي لسان العرب؛ التكريس ضم الشيء بعضه إلى بعض ويجوز أن يكون من كرس المنة (بكسر الكاف) حيث تقف الدواب. . . وابوال الإبل والغنم وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار. أهـ ولهذا نرانا في مندوحة عن استعمالها معتاضين عنها بألفاظ عربية صرفة. مثل: خصص وارصد وسبل (بتضعيف الباء) وقدس (بالتضعيف) إلى أمثالها وهي كثيرة. على إننا قد بحثنا عن وجودها في مؤلفات العرب غير النصارى فلم نجد لها أثرا. فنبذها إذا خير من الاحتفاظ بها على غير طائل.
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد 8 - الربيعيات رفائيل بطي الربيعيات (؟!) والصواب ربعيات اسم طيب على الاذان، لا تكاد تسمع به أنت إلاَّ وتتصور بين يديك أزهار الربيع بأنواعها وألوانها واختلاف روائحها على انك قد تجد في أكمة تلك الازاهير الربعية خنافس دقيقة أو هوام متنوعة أو زنابير لاسعة. وعلى هذا المثال وجدنا ربعيات رفائيل، ففيها كل ما أشرنا إليه من محاسن ومساوئ. أما محاسن تلك الازاهير، فهي تلك العبارات الأنيقة، المحكمة الوضع،
البديعة الرصف، المختارة الألفاظ، الرشيقة المعاني، وفي اغلبها من الرقة والسلاسة ما لا تجدها في أكبر كتبة هذا العصر. ولا بدع في ذلك فان الكاتب وهب حظا وافرا من الصنعة الساحرة. ومن ينكرها عليه فقد أنكر على الشمس ضياءها في رائعة النهار. على أن في تلك الازاهير خنافس سوداء. تدأب في سلبها روائحها وأطايبها وأول هذه الخنافس أنه يكتب شيئا ويريد شيئا آخر. قال في أول كلمة نقشتها أنامله في صدر كتيبه (الواقع في 100 صفحة من قطع 16): (يا أماه، هذه كلمات تعبر عن خوالج نفس آثارها الحس والشعور. فكان حسها داعي لذاتها، وشعورها علة المها. لهذا اهديها إليك. فحاولنا أن نفهم ما قال. فذهب عناؤنا في الأول عبثا. ثم فكرنا بعد ذلك مليا، فاتضح لنا أنه يريد بالخوالج؛ الخواطر والهواجس أو المختلجات؛ أما الخوالج فجمع خالجة وهذه من خلجه أي جذبه وسلبه ونزعه وحركه. ثم أن العرب تخص وقوع المختلجات بالصدر لا بالنفس - وقوله أثارها الحس لا معنى له: ولعله يريد الإحساس مصدر أحس بالشيء أي ظنه ووجده وأبصره وعلمه. وإما الحس فهو الحركة وأن يمر بك قريبا فتسمعه ولا تراه، والصوت، ووجع يأخذ النفساء بعد الولادة. وبرد يحرق الكلأ، وقد حسه: احرقه فهل أراد شيئا من هذا أو هذا كله؟. - وقوله: كان حسها (أي حس الخوالج) داعي لذتها. كلام مغلق يحتاج إلى أن يطلب القارئ مفتاحه إلى من تولى إغلاقه، ولعل مراده: فكان الإحساس بها داعيا إلى التلذذ بها، وحينئذ تبدو لك في سماء المعنى سحابة ماطرة. وقوله: (وشعورها) لا ينطق بها عربي. بل يقول: والشعور بها. وأما قوله وشعورها علة المها. فهو قد لا يكون كذلك إذ قد يشعر المرء بشيء فيتألم منه. وقد يشعر به فيستلذ به. هذه الخنافس وجدناها في أول برعومة انفتحت لنا. فما قوله بخنافس سائر البراعيم. وأما الصفحة الثانية التي وسمها (بصريح القول) فإننا نرى أنه لم يعنونها كما يجب. فلو جلاها بقوله: (بمغلق القول) لكان أوفق للموضوع. فلقد
أعملنا الفكرة في تفهم تلك الأسطر الستة فلم نوفق له، فعسى أن يهتدي غيرنا إلى ما يريده الكاتب. والخلاصة فهمنا من هاتين الصفحتين أن الناطق بتلك المفردات الفريدة لا يريد أن يجمع من تنسيقها معنى حقائق وصورا بينة، بل يريد فيها دندنة وطنطنة وطقطقة وشقشقة وبقبقة. ولهذا لا نريد أن نتبعه في جميع ما جاء به على هذا الحذو المبارك! تعال الآن ننظر ما فيه من صغار الزنابير اللاسعة. فالظاهر أن الرجل عصبي في غاية العصبية، فهو يمجد بعض المتهوسين ويلقب بعض الرجال الهادمين لأركان الراحة والسلام بألقاب ضخمة لا تصلح لهم إلاَّ من قبيل الهزء والسخرية. فقد قال مثلا في ص10: (سمعت نداء المصلحين والمبشرين من عهد (بوذا) (وكنفوشيوس) إلى يوم (كارل ماركس) و (تولستوي)، فعلمت أن هذه التعاليم، مع كل ما حوته من الحكمة (؟) والسداد (؟) ليست بكافية لتغيير سبيل الحياة الذي سار عليه البشر) لا اعلم ما يريد بالمصلحين والمبشرين؛ كما لا اعلم كيف جعل بوذا وكنفوشيوس وكارل ماركس وتولستوي من طبقة واحدة؟ وهل في تعاليم هؤلاء الأربعة حكمة وسداد؟ فإن كانتا فيها، فلم بقي الآخذون بها على غير سبيل الحياة الذي سار عليه البشر؟ - وفي الفصل الذي عنوانه (النابغة) (ص66 إلى ص71) ما لا ينطوي فحواه على غر الريحاني معبوده بل عليه نفسه. وكله كلام لو قاله غيره لوصمه بالمعتوه والمجنون. لكن الظاهر من كلام رفائيل أنه يجوز له أن يمدح نفسه بل يؤلهها، ولا يجيز لغيره أن يتنفس هواء الجو الذي يستنشقه وذلك لأنه قال (في ص71) (وسوف يعرفني رفاقي (لعلها رفقائي) متى رفعوا الغشاوة عن أعينهم (لعلها عن عيونهم. وذلك لأن على عيون جميع لدات الكاتب غشاوة إلاَّ هو فإنه يبصر. أفيجوز له أن يمدح نفسه على هذا الطراز البديع؟) فيعلمون أنني وإياهم في الجوهر (أي جوهر؟) متفقون وأن اختلفنا في الأعراض (أي أعراض تريد؟ افصح لنا لنؤاخيك ونتخذك أستاذنا وأمامنا.) لسعات رفائيل مسمومة! لا نريد أن نستزيد منها، فلابد من أنها تحدث ورما. فلننتقل إلى الهوام التي في تلك الزهرات الربقية.
ونريد بالهوام الأغلاط الصرفية والنحوية واللغوية. وأول هذه الكلمات، أول لفظة في هذا الكتيب، فقد عنونه بالربيعيات، وليس للكلمة وجود في العربية ولعله يريد (الربعيات) بكسر الراء نسبة إلى الربيع. والفصحاء لم ينطقوا بغير الربعي والجمع ربعيات - وقال في ص5: فإذا رأى فيها بعض القراء. . . والصواب فان رأى: في ص9 س8 من ثور تلك الإعصار الهائلة والصواب ذلك الإعصار الهائل لأن الإعصار (بكسر الهمزة) مفرد. والجمع أعاصير وليس بجمع البتة كما توهمه. ص4 فيثور على الوجوه والمقدمين الانويين. لا اعلم ما يريد بالانويين، فلعله يريد بهم ما سماهم الآخرون بالأنانيين ويريدون بهم المستأثرين. فعسى أن يصح حدسي. ص16 عيناها الزرقاوان يشعان نورا وينفذان بسحرهما. . . لعله يريد تشعان نورا وتنفذان بسحرهما. في تلك الصفحة: ثغرها الوردي. . . وهذه أول مرة نرى الثغر يوصف بالوردي: والمعروف عند العرب أن الثغر هو الأسنان أو مقدمها أو ما دامت في منابتها وتوصف بالبياض الناصع. وفي ص19: (تغسل أمواج الأمل قدميك العاجيتين في نهر الحياة. كلما عبثنا برمال الشاطئ. باحثة عن (خاتم البخت) مستفهمة من أكوامها واحافيرها نبأ مستقبلك) - قلنا: إلى من يعود تأنيث باحثة ومستفهمة وأي معنى هناك ولعله يريد: باحثين (نحن الذين نعبث برمال الشاطئ) عن خاتم البخت مستفهمين. . . في ص22: في تلك المغارة؛ التي لا يسمع فيها: إلاَّ حفيف الأغصان الجرداء. . . لا يا حبيبي رفائيل ليس في المغاور أغصان خضراء ولا جرداء فكيف يسمع فيها حفيفها. في ص23 مولود عجيب يدعى (يسوع) في حضانة والدة. . . لا افهم الحضانة هنا. فماذا تريد بها؟
وفيها: وتراكضت الأمهات لتهنئ الوالدة الجديدة بميلادها الغريب. . . يا له من تعبير يخالف ما في التفكير. الأمهات يهنئن الوالدة بولادتها الولد العجيب لا بميلادها أي وقت ولادتها. والولادة هنا عجيبة لا غريبة. فكيف يجمع بين أشياء مخالفة للحقيقة؟ وفي ص25 - القياصرة العاتين. أيجمع عات على عاتين أم يكسر على عتاة وعتي؟ وفيها - قليلون هم الذين فهموا سر الحياة لهذا الطفل العظيم؛ تعبير ركيك واحسن منه: سر الحياة حياة هذا الطفل العظيم. وفي ص26: عيشة الحكماء والمشرعين. . . والصواب والشارعين أو المشترعين. وفي ص27: ولم يخاطب جيله الحاضر؛ واحسن منه: المعاصر وفيها: الأجيال القابلة بمعنى المقبلة وهي غريبة جدا ولا نريد أن نتتبع الكاتب في جميع هناته؛ وقد اكتفينا بما ذكرنا. ونود أن لا يتعرض للمباحث التي هي خارجة عن نطاق علمه من دينية وفلسفية وما يماثلها. وذلك اضمن لراحته واسلم له من العثار. 9 - محاضرات في تاريخ مدن العراق (في 136 صفحة بقطع 12) ألقاها يوسف رزق الله غنيمة في مدرسة دار المعلمين العليا ببغداد سنة 1922 - 1924، طبع بنفقة المكتبة العصرية في بغداد لصاحبها محمود حلمي عدد الرجال الذين يقبلون أن ننتقد كتبهم لا يكاد يكون له وجود؛ فإنهم قليلون في بلادنا هذه الشرقية. ولا سيما في العراق؛ أما في سورية والديار المصرية فقد فهم الناس أن لا بد للنقد لإصلاح ما في مؤلفاتنا من الأوهام والأغلاط وسوء المذهب في المباحث العلمية: إذ يغلب فيها الجهل العلم. أما صاحب هذا الكتاب فعجيب في جميع ما يكتب ويتكلم ويرتئي. إذ
قلما نرى من يصارعه في هذه الأمور الثلاثة؛ لأنه أن كتب ابتدع وأن تكلم أفحم وأن ارتأى رأيا بز فيه من تقدمه - نقول هذا لأن صاحبه كتب إلينا حين أهدانا تصنيفه: (اطلب إليكم أن تنتقدوه ولا تقرضوه أو تشارفوه فقط لأن في النقد فائدة للقراء ولي ولكل من يروم الوقوف على الحقيقة) فإجابة لطلبه نقول: أن الكتاب على ما هو درة من الدرر، لأننا لم نر إلى الآن من تعرض للمباحث التي طرقها الكاتب المحقق، فإنه جعل موضوع ما كتب الكلام عن مدن العراق المندثرة. وإنما لم تذكر هذه الكلمة لإنما أراد وضع تأليفه على قسمين: قسم يخصه بالمدن المندثرة، وقسم بالمدن الحاضرة، ولكن أشغاله منعته دون تحقيق أمنيته كلها، فخص هذا القسم بالمدن المندثرة؛ والباحث الأجنبي إذا أراد الوقوف على ما كان في ديار العراق من المدن العتيقة وجد في لغته الإنكليزية أو الفرنسية أو الإيطالية أو الألمانية أو الأسبانية مؤلفات كثيرة تفي بالمطلوب؛ أما العرب سكان هذه الديار المباركة فإنهم لا يعثرون على شيء من هذا القبيل فيضطر إلى أن يسأل هذا وذاك للوقوف على ما كانت دياره في سابق العهد. ولذا سد هذا الكتاب ثغرة؛ بل فجوة واسعة في تاريخنا. جميع ما تطالعه في هذه الصفحات منقول عن عدة لغات وعن أصحاب القدم الراسخة في مايصنفون، ولذا يحق للقارئ أن يعتمد كل الاعتماد على ما تخطه يراعة صاحب (الغنائم). على إننا لا ننكر أن هناك بعض الأوهام تحتاج إلى تصحيح في الطبعة الثانية وتقسم هذه الأوهام إلى ثلاثة: أوهام الطبع، وأوهام أعلام؛ وأوهام نحو أو لغة. فمن أوهام الطبع التي تصلح في باب التصويب ما هذا بعضه: ص س ك 4 13 6 إلا آمال صوابها الآمال 5 11 10 ولم يكونا هذان النهران؛ ولم يكن هذان 6 3 5 أخذ طمآ دجلة والفرات والعظيم؛ وعظيم بدون ال وهو الذي كان
يعرف في عهد العباسيين باسم نهر باعيناثا 8 3 4 نبذ النوات؛ نبذ النواة 10 15 10 تقولون بأني نسيت؛ تقولون أني نسيت ولا نريد أن نزيد على هذا القدر، لأنه كثير. وأما أوهام الأعلام فان حضرته جرى على تسمية بعض الأعلام القديمة بمد حروف العلة وهي في الأصل مقصورة، ولا جرم أنه جرى مجرى بعض العصريين الذين يأخذون تلك الأعلام عن أبناء الغرب، ولا يحققون بأنفسهم الأصل الذي أخذ عنه. فقد قال مثلا في ص5: نار ماراتو والصواب نر مراتو واحسن منها: نر مرات. بضم التاء المبسوطة، لأنها كذلك في اللغة الآشورية وليست بحرف فكأنك تقول النهر المسمى مرات، وهو الفرات - وقال في ص9 هيرودوت وأخيل وارستوفان وارسطاطاليس، والصواب أن هذه الأسماء هي يونانية ولما كانت كذلك فيحسن بنا أن نبقي عليها ثوبها اليوناني حتى ينتبه القارئ إلى تلك المزية، ولهذا قال الأقدمون من السلف؛ هيرودوتس وأخيلس وارستوفانس وارسططاليس ونقول أسكندر المكدوني لا المقدوني كما قال في تلك الصفحة - وقال في ص12 رولنصون ورولونصون ونحن نخير عليهما اللفظ الإنكليزي الحقيقي وهو رولنصن - وكتب سبار وشماش (ص18) ونحن نخير الكتابة الأصلية السامية سبر (بتشديد الباء المثلثة الفارسية) أو سفر (لأن الباء المثلثة تنقل إلى فاء) وشمش - وكتب ص19 نبور ونرجال وشربورلا ولاكاش واوروك واشتار. ونحن نفضل عليها الرواية السامية: نبر (أو نفر) ونرجل وشربولا ولجش وارك واشتر. إلى ما ضاهى هذه الأعلام. وأما أوهام النحو واللغة فكقوله في صفحة العنوان: في مدرسة دار المعلمين فبدار غنى عن ذكر المدرسة - وفي ص2 لما دعتني وزارة المعارف الجليلة لألقي والصواب إلى أن القي - وكقوله: عظم سروري إذ كان السامعون طائفة؛ والمعنى يتطلب أن يكون؛ وعظم سروري حينما رأيت السامعين - وذكر في ص3: مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع للسيوطي، ونحن لا نعلم
مؤلفا للسيوطي بهذا الوسم. أما مراصد الاطلاع المشهور فهو لتقي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق (راجع مخطوطات خزانة الكتب الأهلية في باريس ص392) ويروى: عبد المؤمن صفي الدين أبن عبد الحق والرواية الصحيحة هي الواردة في كتاب الرد الوافر في ترجمة صفي الدين أبي الفضائل عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله بن علي بن سعود البغدادي الحنبلي المولود في جمادي الآخرة سنة 658هـ 1260م) إذ يقول المؤلف: وله كتاب مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع وهو مختصر معجم البلدان. توفي صفي الدين في صفر سنة 738 هـ (1338م). - وقد طبع هذا الكتاب في ليدن طبعا متقنا في سنة 1850م ثم طبع مرتين في بلاد إيران، وهو أحسن طبعة تتخذ لطرد الشياطين فإن الأغلاط الواردة فيها تعد بالمئات وكلها من قبيل (الضبغطري) تفزع بها الأرواح النجسة وتقصيهم إلى حيث لا يسمعون تلك الكلم المشوهة. أما مراصد الاطلاع للسيوطي فإنه لم يتمه ولم يطبع. ومن أغلاط المخالفة للأصول العربية قوله في ص5: يجدر بنا - قبل أن نبحث عن مدن العراق القديمة واحدة فواحدة - ننظر نظرا عاما. والصواب أن ننظر - وقال في ص6 هضاب الرمال. وفي آخر الصفحة تلولا من الرمال والصواب أن العرب لا تقول في مثل هذا المعنى إلاَّ حبال الرمال (بالحاء المهملة) في كلا التعبيرين - وفي ص7 وفلوات رملية جدباء، ولو اكتفى بالكلمة الأولى لكان احسن. لأن الفلوات لا تكون إلاَّ كما وصفها - وفي ص13 بينها صفائح الآجر المشوي، والطين المجفف في الشمس. ولو قال: بينها صفائح الآجر واللبن؛ لاستغنى عن بقية الألفاظ لأن الآجر لا يكون إلا مشويا واللبن لا يكون إلا مجففا في الشمس - وقال الاسطوانات. والعراقيون يسمون هذا الشكل من العاديات بالشمامات وهو اسم على مسمى. أحسن من قول الإفرنج: الاسطوانات، لأنها تشبه الشمام كل الشبه. وهناك غير هذه الهنات وهي كلها تحسن منظر الكتاب لأنها كالشامة في وجه الحسناء كما يصفها بعضهم. إذ لا يخلو كتاب من مثلها بل اكثر منها.
10 - كتاب مرشد الطلاب إلى قواعد لغة الأعراب لرزوق عيسى - الجزء الأول في الصرف طبع في المطبعة السريانية الكاثوليكية في بغداد سنة 1922، في 112 صفحة بقطع الثمن الصغير كتب الصرف والنحو اكثر من أن تحصى. ابتلانا بها الأقدمون ولا يزال المحدثون يزيدوننا بلاء بتصانيفهم الجديدة. هذا ما يقال بوجه عام عن هذا الصنف من العلم؛ ولو اجتهد الناس بدرس العلوم المفيدة من طبيعيات ومواليد وكيمويات ورياضيات إلى نظائرها لأفادونا اكثر واستفادوا هم أيضا على حد ما يفعل أبناء الغرب. على أن كتاب مرشد الطلاب مفيد من عدة وجوه: أولا لأنه سهل العبارة واضحها قد لا يحتاج المتعلم إلى تلقي معناها عن معلم - ثانيا لأنه حسن التبويب؛ تتسق فصوله اتساقا يأخذ بعضها برقاب بعض - ثالثا لأن في تمارينه وشواهده أقوالا حكيمة ونصائح مفيدة. فالطالب يرضع ألبان الأخلاق الطيبة مع مبادئ القواعد العربية - رابعا: لأن في آخر كل درس خلاصة تحوي لباب ما تعلمه التلميذ في سطور عديدة. هذا من جهة الحسنات التي قلما تشاهد في كتاب صغير من مثله. ولما كان كل تصنيف لا يخلو من عيب ولو كان طفيفا. ففي هذا المرشد شيء من هذا القبيل. فقد يجيء ببعض عبارات غير كافية لتأدية المعنى المطلوب. - قال مثلا في ص4؛ الكلمة لفظ يدل على معنى مفرد؛ ولو قال على معنى قائم بنفسه لكان أوفى بالمقصود - وفي ص9 وحيث لا حركة فهناك السكون؛ والصواب وحيث لا حركة فسكون وقد تكررت هذه الغلطة في ص14 وفي بعض النصائح ما لا تحمد عاقبته كقوله في ص13: اهجر النوم ولو قال: اهجر كثرة النوم لكان هو المطلوب - وفي ص25 (إذا اجتمعت بمن هو ارفع منك فكن أديبا) فكأنه يقول: وإذا اجتمعت بمن هو أدنى منك فلا تكن أديبا. وهو قبيح كما ترى؛ ولعله يريد أن يقول فكن خافض الحواس مثلا؛ بدلا من (أديبا) - وقال في ص28 جر العربية (بياء مثناة قبل الهاء).
ولعله يريد العربة أي العجلة. (والعربة تركية أي أربة وأما العجلة فعربية) ثم ماذا يريد بقوله: جر العربة؛ أفهذه من النصائح التي يحسن بالمرء أن يتبعها. - وفي ص29: (رأيت رجلا طلع الصباح في رأسه وخيم الظلام في قلبه) ولعله يريد طلع الضياء في رأسه. - وفي ص31 من شاب عذاره لم تقبل أعذاره. وهو كلام أحدهم وفساده ظاهر؛ لأن الأعذار تقبل ولا سيما إذا كان المعتذر رجلا كبير السن - وفي ص41: اكرم من علمك ولو حرفا واحدا فهذا معناه اكرم ولو حرفا واحدا من علمك، وكان الأحسن أن يقال لا من البس؛ اكرم من علمك ولو علمك حرفا واحدا - وفي ص52: اعتزل ذكر الغواني والغزل ... وقل الفصل وجانب من هزل ولو قال: وقل (الحق) لكان أبين لما في النفس - وقال في ص82 أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر ... أنا جامع أنا ضائع أنا عاري ولو قال: أنا جائع لكانت الكلمة المطلوبة في هذا البيت؛ وأما جامع فلا معنى لها هنا. وقد وقع في الكتاب أغلاط طبع كما وقعت في سائر الكتب وكان يجب أن يعتني كل الاعتناء بكتب الطلبة ليبعد عنها كل غلط مطبعة من ذلك: صس 6 7 البنات تخيطن والصواب يخيطن 15 4 وهو حامل كيس ملح والصواب وعليه كيس ملح 15 7 وتذكرة وصوابه تذكرة 20 13 الق خبزك على الماء فنجده بعد أيام والصواب فتجده. وهذه العبارة لا معنى لها. 22 8 باالعمل - بالعمل 26 8 إلى 12 ذكر أبواب الفعل الثلاثي ولم يحرك عين الفعل في الماضي ولا في المضارع وهو عيب لا يغتفر في هذا المقام. وكان عليه أن يذكرها بالترتيب اللازم وبالتعبير الصريح. كما كان يجب أن يقدم باب ضرب على بقية الأبواب الخمسة بعد باب نصر ثم يذكر باب فتح. فباب فضل إلى آخر ما هناك من النظام المعقول الذي أثبته العلماء. 27 15 أفعال على وزن حس؛ تبع، نعم. ولو ذكر فعلا ثالثا لجاز له أن يقول (أفعال) أما وقد ذكر فعلين فقط فكان الأجدر به أن يقول؛ فعلان. 29 6 لا نسأل المرء عما في ضمائره. والصواب في دخائله 21 1 العصا لمن عصا، والصواب لمن عصى 32 11 انعم به، خطأ ظاهر؛ والصواب؛ نعم كبئس 35 10 فالضمير البارز هو الذي يظهر في اللفظ كأنا والتاء في نحو فهمت وشعرت. وهو كلام واضح الغلط والصواب: كنا والتاء في نحو فهمنا وشعرت. وهناك غير هذه الهفوات. ولله وحده الكمال.
باب التقريظ
باب التقريظ تنبيه نضع في كل باب ما يطلبه المهدي إلينا كتابه، فالذي يحب أن ننتقد كتابه ننتقده بكل أنصاف ولا نراعي فيه إلاَّ ما تطلبه الحقيقة وقولنا هذا لا يدل على أننا نصيب ما نقول، إذ ربما كان خطأنا اكثر من صوابنا في نظر الغير إلا أننا نكتب ما نخاله الصواب. والذي يود أن نشارف كتابه أي ننظر ما فيه من المساوئ والمحاسن فإننا نفعل بما يشيره علينا المهدي، إذا كتب على كتابه (للمشارفة والانتقاد) وأما الذين يرغبون في أن نقرظ لهم مؤلفاتهم فنضعها في باب التقريظ من غير أن نتعرض لنقدها البتة. فهذا الباب هو على الحقيقة باب إعلان ليس إلاَّ. وكل من لا يكتب شيئا على هديته، فهذا معناه أننا مخيرون في وضعه في الباب الذي نراه لائقا بالمصنف. على أننا نقول أن الكتاب الواحد قد يختلف في نظرنا باختلاف الأبواب التي ندخله فيها. فربما قرظنا كتابا وهو في نظرنا ساقط، فالسيد عبد الرزاق الحسني صاحب جريدة الفضيلة، أراد أن نقرظ كتابه. 11 - رحلة في العراق أو خاطرات الحسني الطبعة الثانية وهي بقطع الثمن في 156 صفحة طبع في المطبعة العصرية في بغداد سنة 1925 يرى الواقف على هذا الكتاب كل ما طاب ولذ (من تاريخ العراق بصورة مختصرة) فإن صاحبه تتبع أحوال العشائر المألوفة. مع ضروب معاشهم وأنواع أخلاقهم وفيه فصل عن الآثار العتيقة التي ترى في الصحارى والقفار كما تطالع فيه ما يتعلق بأحوال العراق السياسية والاقتصادية والزراعية والعلمية، فجاء الكتاب كما قال صاحبه: (جامعا مهام المسائل الاقتصادية) فنتمنى له كل التوفيق.
باب المكاتبة والمذاكرة
باب المكاتبة والمذاكرة نحن والمجلة الشهرية في مصر كان حضرة محرر (المجلة الشهرية) التي تصدر في مصر طلب إلينا رأينا في مجلته فكتبنا إليه رسالة خاصة نشرها في الجزء السادس من السنة الثانية في ص563 إلى ص566. ثم علق عليها ما رآه مناسبا، وطلب إلينا ثانية أن نجاوبه فنقول: قال حضرته: (اعتمد في قولي أن (تدخل في) مماته على أنها لم ترد في
كلام فصيح. أما كون دخل (المشددة العين) حية على السنة العراقيين فأنت اعلم به. ولا دخل له في موضوعنا. ولا كلام العراقيين بالحجة التي يسكت عليها) أهـ قلنا: إنكار الزميل حياة الكلمة ومماتها لا يغير شيئا منها. وهل يتصوران الفصيح يستعمل جميع الألفاظ الفصيحة الموجودة في اللسان الواحد، فإننا لا نوافقه - وأما أنها لم ترد في كلام فصيح؛ فهذا مما ننكره عليه. فهل يتصور حضرته أنه واقف على كلام جميع فصحاء العرب، أو هل يظن أن كلام جميع الفصحاء دون تدوينا، فإننا لا نرى رأيه - ثم من قال له أنه لم يرد في كلام فصيح، فصاحب لسان العرب يعد من فصحاء اللغويين، وعلى كل حال نعده نحن ويعده هو. افصح من حضرته. وقد قال في مادة د خ ل: فلان دخيل في بني فلان؛ إذا كان من غيرهم فتدخل فيهم - وقال في آخر تلك الصفحة (أي ص257) (الدخل والدخلل والدخلل؛ طائر متدخل أصغر من العصفور. . .) وهو نص كلام أبن سيدة على ما ذكره صاحب التاج. وقال السيد مرتضى: في العياب: (وأظن صاحبه من الفصحاء اللهم إلاَّ أن لا يوافق على هذا الرأي حضرة النجيب) تدخل الشيء؛ دخل قليلا قليلا، ومن ادخل كافتعل قوله تعالى: أو مدخلا اصله متدخل. أهـ وفي القاموس: دخل دخولا ومدخلا؛ وتدخل وأندخل وادخل كأفتعل نقيض خرج أهـ. فان كان كلام هؤلاء اللغويين لا يرضيه فعليه السلام ورحمة الله وبركاته. طالبين إليه أن يضع لنا معجما يذكر فيه حي المفردات من مماتها لنكون على بصيرة مما ننطق به أو نكتبه. ثم أن تدخل مطاوع دخل، ودخل موجودة في جميع الكتب والمعاجم فضلا عن وجودها في لغة العراقيين ولا سيما البغداديين منهم. ولغتهم وأن لم تكن بالحجة في حد نفسها. إلا أنها إذا وافقها كلام الفصحاء أصبحت حجة منيعة؛ وأن كان حضرته يحتقرها، فاحتقاره لها لا يغير من أمرها شيئا. وهو بعلمه هذا يخالف ما كان يفعله الأقدمون من إجلالهم للبغداديين والاعتداد بأقوالهم وآرائهم. فقد قال أبن جني في كتاب الخصائص (205: 1): (سمعت الشجري: أبا عبد الله غير دفعة يفتح الحرف الحلقي في نحو: (يعدو وهو محموم) ولم اسمعها من غيره من عقيل؛ فقد كان يرد علينا منهم من
يونس به ولا يبعد عن الآخذ بلغته. وما أظن الشجري إلا استهواه كثرة ما جاء عنهم من تحريك حرف الحلق بالفتح إذا انفتح ما قبله في الاسم على مذهب البغداديين. . .) ثم ذكر بيت شعر لكثير وآخر لأبي النجم. ثم قال: وهذا ما قد قاسه الكوفيون وأن كنا نحن لا نراه قياسا. وقال في ص452 من ذلك الجزء: وتابع أبو بكر البغداديين في أن الحاء الثانية في حثحث بدل من ثاء. وأن اصله حثثت. وكذلك قال في نحو ثرة وثرثارة. أن الأصل فيها ثرارة فأبدل الراء الثانية ثاء فقال ثرثارة، وكذلك طرد هذا الطرد.) إلى آخر ما ذكره هناك. وكثير ما ترى اللغويين والنحاة من السلف يستشهدون بكلام البغداديين، فمنهم من يقره ومنهم من ينفيه متبعين في أقوالهم كلام من تقدمهم من فصحاء أهل اللسان، ولهذا لا نستحسن كلام النجيب واستخفافه بكلام العراقيين مع ما لهم من رسوخ القدم في اللغة المبينة. نتقدم الآن إلى قوله: (عادة لم تجمع من عوائد في كلام فصيح يحتج به) قلنا: جاء في كتاب العين (وصاحبه من أهل المائة الثامنة للهجرة): العادة الدربة في الشيء، وهو أن يتمادى في الأمر حتى يصير له سجية، والجمع عاد وعادات وعوائد، أهـ وفي المصباح: العادة. معروفة. والجمع عاد وعادات وعوائد؛ سميت بذلك لأن صاحبها يعاودها أي يرجع إليها من بعد أخرى.) وفي تاج العروس: ومن مجموع العادة عوائد؛ ذكره في المصباح وغيره. وهو نظير حوائج في جمع حاجة؛ نقله شيخنا، قلت الذي صرح به الزمخشري وغيره أن العوائد جمع عائدة لا عادة. أهـ وهذا مبني على أن فعلة المثلثة الفاء لا تجمع على فعائل أو فواعل. إلا أننا نرى ذلك من الأوهام التي يجب التغضي منها وعنها ودونك ما كتبناه يوما في هذا المعنى: ورود جمع فعلة على فعائل أو فواعل صرح الصرفيون والنحويون واللغويون أن فعلة المثلثة الأول الساكنة العين صفة كانت أو موصوفا لا تجمع على فعائل ولا على فواعل، بل على فعال أو فعلات أو فعول أو غير ذلك.
على أننا إذا نظرنا إلى هذا الوزن نراه في اغلب الأحيان محولا عن فاعلة أو فعيلة. ولما كانت الأولى تجمع على فواعل والثانية تجمع على فعائل وجدت ألفاظ مجموعة على أحد هذين الوزنين. ونحن نبين ذلك وأن كنا نخالف أصحاب تلك القواعد أو الضوابط الموهومة. من ذلك ما جاء من هذا الوزن وهو من المضعف فانه يكسر على فعائل اطرادا قال الأزهري في التهذيب في مادة ك ن ن: (كل فعلة أو فعلة أو فعلة (أي بالفتح والكسر والضم) من باب التضعيف فأنها تجمع على فعائل؛ لأن الفعلة (المثلثة الأول الساكنة الوسط) إذا كانت نعتا صارت بين الفاعلة والتفعيل المؤنث من هذا النعت إلى ذلك الأصل. وانشد: يقلن كنا مرة شبائبا قصر (شابة) فجعلها (شبة) ثم جمعها على الشبائب. أهـ ومثل شبة وشبائب؛ حقة وحقائق؛ غرة وغرائر؛ ضرة وضرائر؛ حرة وحرائر؛ كنة وكنائن؛ شجرة مرة ومرائر؛ شدة وشدائد؛ همة وهمائم (بمعنى الشيخ الفاني والعجوز الفانية)؛ شقة وشقائق؛ لصة ولصائص. وبخصوص هذه الكلمة قال في المخصص (78: 3) هذا نادر لأن فعلة لا تكسر على فعائل أهـ ولقد رأيت من الأمثال التي أوردناها لك، وكلها منقولة عن لسان العرب وتاج العروس والمصباح والتهذيب والصحاح أن جمع فعلة على فعائل في المضاعف ليس نادرا كما توهموه بل كثيرا لأن العدد جاوز العشرة. وما كان بهذا القدر لا يعد نادرا. فاحفظ في صدرك خطأ أبن سيده فهو لا يخرج عن تقليد الأقدمين من غير أعمال الفكرة والروية في كلامهم. والآن نورد لك جمع فعلة على فعائل أو فواعل من غير المضاعف من ذلك قولهم ليلة طلقة وليال طوالق. قال أبن دريد: ربما سميت الليلة القمراء (طلقة) وقيل: ليلة طلقة وطالقة أي ساكنة مضيئة. وليال طوالق؛ طيبة لا حر فيها ولا برد. قال كثير: يرشح نبتا ناضرا ويزينه ... ندى وليال بعد ذاك طوالق قال أبو حنيفة: إن واحدة الطوالق طلقة. إلا أن السيد مرتضى رد عليه قائلا
قد غلط لأن فعلة لا تكسر على فواعل؛ إلاَّ أن يشذ شيء أهـ. قلنا: لا شاذ في هذا الكلام بل هو من الجاري على قاعدة جمع فعلة على فواعل إذا كانت فعلة محولة عن فاعلة: أما إذا كانت محولة عن فعيلة فتجمع على فعائل كما رأيت. هذا فضلا عن أن أبن حنيفة الدينوري اثبت قدما في اللغة من صاحب تاج العروس واقدم منه عهد. واجمعوا إليه على الأيام وليلة على ليال (واصلها ليائل) وأهلا (بتقدير أهله) على أهال (واصلها أهائل) ورضا (بتقدير أرضه) على أراض (واصلها أرائض). والوة (مثلثة لأول بمعنى اليمين) على الأيام (واصلها آلائي عن اللسان) وكيكة (أي بيضة) على كياك (واصلها كيائك) وحافة على حوائف (التاج). وحاجة على حوائج وعادة على عوائد (عن المصباح والتاج) ورخصة على رخائص وكلاة (مضمومة الأول) على كوالي (واصلها كلائي) ورجبة (مضمومة الأول) على رواجب ودوحة على دوائح. فهذه أربع عشرة لفظة مخافة لقولهم فعلة تجمع على فعائل أو فواعل وورودها على خلاف ما ادعوه دليل واضح فساد ما وضعوه من الأحكام والضوابط. وأن كنا لا ندعي أننا أتينا على جميع ما وجد في لسانهم أو في معاجمهم؛ إنما ذكرنا ما عثرنا عليه في بعض المطالعات وكلها ألفاظ قديمة سبقت عهد الإسلام وليست بمولدة أبدا كما ادعى بعضهم. أما أن بعضهم أولها بأنها جمع فاعلة لا فعلة فهو لا يقدح بصحة ما نقول: إذ أن الأولين أنكروا جمعها على فواعل؛ فهي على كل حال مخالفة لأحكامهم. ونحن قد قلنا أن فعلة قد تجمع على فعائل أو فواعل بموجب التقدير الذي يقدر لها في الأصل؛ على ما تقدمت الإشارة إليه في صدر هذا الكلام. فهل يرجع صاحب المجلة الشهرية عن كلامه الأول، أو كما يقول هل (يسحب) كلامه. فالأمر أمره رجع عنه أم لم يرجع، فأن الحقيقة لا تزيد بفعله، ولا تنقص، بل تبقى على ما هي: أما سؤال الرصيف: فهل يجمع الأستاذ ساحة وراحة وغادة وبارة وناقة وغابة على سوائح وروائح وعوائد نوائر ونوائب وغوائب!!؟
قلنا: لا، لأن الجمع المكسر من السماعي لا من القياسي، وإذا عدم السماع لجأ المتكلم إلى القياس. فكيف يسألنا هذا السؤال وهو عالم بذلك وقد قرره العلماء في كتبهم؟ وقال: (قد أكون أصبت في قولي أن (تمدن) أشهر من تمدين ولكن لا لأنها (وردت في مقدمة أبن خلدون مرارا) كما قال الأستاذ إذا لماذا لم يقل لنا سبب هذه الشهرة. إلا يعلم حفظه الله أن الناس يتلقون الألفاظ عن شيوخهم وإذا نقل واحد من المولدين لفظة. فلانه سمعها عن شيوخه. إذن كيف تشتهر اللفظة وتمدين لم ترد في كتاب رجل من الأقدمين أو المولدين. اللهم إلاَّ في القاموس وتاج العروس بمعنى تنعم لا بمعنى تمدن. أما تمدن فقد ذكرها المقري في نفح الطيب فضلا عن أبن خلدون، إذن وجود تمدن في كلام المولدين خير من عدم وجود تمدين بهذا المعنى في أي كاتب كان. أفليس هذا من الأمور المعقولة؟ وقال عنا: (قلتم أن كون القبرية من أنواع الأفعى مصحفة عن الكوبرا غير صحيح وأن الصحيح الفترية وأنها غلطة قديمة. وهذا ما لا علم لي به) قلنا: فإن كان لا علم لك به، فلماذا نطقت به؟ وأما قوله: (انتقدتم لي قولي: أن جواريهم لها أذناب وهن تلتف بشعورهن وتغني. . . الخ والصواب: لهن أذناب وهن يلتففن بشعورهن ويغنين. . الخ فدفاعه عن غلطه هذا الصريح بقوله: والكلام عن مخلوقات وهميات نصفهن إنسيات (كذا، ولعل هناك غلط طبع والصواب نصفهن انسي أو أنصافهن إنسيات) والنصف جنيات (كذا) وقد رأيت أن الذوق يقضي بان تعطي هذه المخلوقات ضمير العاقلات طورا وغير العاقلات تارة للدلالة على أصلهن.) هو جواب ملجم (بالبناء للمجهول من الجم) لا جواب مفحم (بالبناء للفاعل من أفحم). وأما إصراره على إنكار ورود الحوصلة لغير الحيوان فليس مما يغير شيئا من معاني الألفاظ المدونة في الكتب ولا يمنع الغير من اتخاذها في ما ينطقون به فما هي منزلة حضرته من مقام أولئك الذين اثبتوا المفردات بكل حرص وسعي؟ أفليس الأجدر به أن يتصاغر ويقر بغلطه أو بوهمه أو بسهوه إذا ما رآه
الغير بينا لكل ذي عينين. أن الاعتراف بالخطأ مما ينقصنا نحن الشرقيين ويعز علينا اتباع الغربيين فيه. ولو تأهل العاقل في مناحي الحقيقة لتأكد أن عدم ادعائه للحق لا يبطل الحق. بل يزيده إثباتا ويهوي بمن يخالفه إلى أدنى الدركات. وأما إنكاره ورود المسؤولية والأهمية والأفضلية والفاعلية والمفعولية والأقلية والأكثرية - وبعبارة أخرى: النسبة إلى اسم الفاعل واسم المفعول وافعل التفضيل - ليست من العربية في شيء ولذلك لا تجدها في المعاجم إلاَّ عرضا ولا تجدها في كلام العرب. . . إلى آخر ما قال: فنحن نجله عن النطق بمثل هذا القطع البات والحكم بأنه ليس من كلام العرب، فجوابنا عليه أن يطالع ما كتبناه في مجلة المجمع العلمي العربي في سنتها الرابعة في ص176 إلى ص178 فإن كان حضرته يستطيع أن يجاوب عنها فليفعل، ونحن نرجع عن كلامنا ولا نقول مثله (نسحب كلامنا) ونحن لا بد من نشر تلك المقالة في لغتنا هذه في جزء قادم ليطلع عليها من ليس له تلك المجلة. وفي جوابه إلينا أوهام غير ما ذكرناه، نعود إلى ردها في جزء آخر كما أننا سوف نجيبه على قوله لنا: (أيتيني بشاهد واحد من كلام فصيح على جمع اسم المفعول المستعمل استعمال الاسم مثل هذا الجمع وأنا (اسحب) كلامي) قلنا له راجع ما جاء في هذا البحث في الجزء الأول من مجلتنا هذه في جزءها الأول من هذه السنة ريثما نأتيك ببراهين أخرى تزيدك يقينا وثباتا. أما قوله: (أما ما ورد في كلامهم مثل مضامين وملاقيح فهما جمعا مضمونة وملقوحة قلنا: قد أصبت في ملقوحة أنها تجمع على ملاقيح وكان يجب أن تجمع على رأي الصرفيين جمعا سالما أي ملقوحات لا ملاقيح فتكسيرها على مفاعيل مخالف لقاعدتهم التي وضعوها. أما مضامين فهي جمع مضمون. قال في التاج في مادة ض م ن: وأما المضامين فان أبا عبيد قال: هي ما في أصلاب الفحول جمع مضمون. وانشد غيره: إن المضامين التي في الصلب ... ماء الفحول في الظهور الحدب. أهـ ونكتفي اليوم بهذا القدر وما بقي من جوابنا إليه نرجئه إلى سجزء قادم.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - بين عنزة والضفير اسم الضفير مشتق من معنى التضافر وليس من الظفر بمعنى الغلبة. واسم القبائل المتخذة أسماؤها من معنى التجمهر والتساعد والتضافر كثيرة في عربة (أو جزيرة العرب). ومن هذا القبيل الضفير. أما أصل ديارهم فنجد، قال ثابت أفندي في كتيبه المطبوع في الأستانة وأمين بن حسن حلواني مختصر تاريخ الشيخ عثمان بن سند البصري ما هذا بعضه: (آل الضفير قبيلة جليلة من قبائل نجد غادرت ديارها متوجهة إلى العراق، لكي لا تدفع ضريبة إلى الوهابيين ولا تضافرهم في غزواتهم فرحب بنو المنتفق بهم قائلين لأرباب الحل والعقد من موظفي الحكومة العثمانية أن وجود الضفير في ديار العراق مما يقوي عضد آل عثمان ويدفع عن أملاكها الوهابيين ومن لف لفهم. أما الحقيقة فكانت الاعتداد بعددهم والاعتزاز بقوتهم حتى إذا ناوأوا الترك وجدوا في هؤلاء الأعراب عونا ونجدة. وكان بنو المنتفق يفتخرون بهم ويثنون عليهم عند الحكومة وغايتهم الحقيقية تقوية العرب على الترك، ولهذا رأى هؤلاء من أولئك الأعراب الجدد ما فت في عضدهم مرارا لا تحصى. وكان دخولهم في العراق في سنة 1224 هـ (1809م). ومن أول ما أتوه انهم احتلوا جوار أرفا (الرها) ولما تمكنت أقدامهم فيها اخذوا يشنون الغارات على من جاورهم متفقين مع اليزيدية على هذه الغاية. فلما سمع باشا بغداد سليمان القنيل بمساوئ الضفير واليزيدية حمل على هؤلاء العصاة بجيش عرمرم ولم ينل الغاية من زحفته إليهم فان اليزيدية امتنعوا في إحدى ثنايا سنجار، وأما الضفير فقاوموه اشد المقاومة ولم يستطيع أن يؤذيهم وكان يومئذ مع الضفير فخذ من عنزة كبيرها الدريعي (بالتصغير والنسبة)
لكن الوئام لم يطل بين عنزة والضفير، فكثيرا ما أنفتقت الفتن بين القبيلتين على ما هو مثبت في كتب الأخبار، والآن عاد الخلاف بينهما والحكومة العراقية تحاول إيقاف رحى البلايا حقنا للدماء. ويستخلص مما ذكرته جريدة (الأوقات العراقية) التي تصدر في البصرة أن مجرى الحوادث الأخيرة اثبت أن جماعة من غزاة الضفير توجهوا إلى الجنوب أي إلى (كويبدآء) الواقعة بجوار (سفدان) في منتصف الطريق بين البصرة والكويت. ويرجع الخلاف المستحكم بين القبيلتين إلى عهد بعيد في كثير من الحوادث الغريبة يروى أن عشيرة الضفير لما قامت بغزو قبيلة عنزة منذ اقل من شهر لم تقتصر على حركة غزوها مستعيدة ما سرق منها من إبل وأباعر بل أخذت شخصين من رجال عنزة بمثابة (رهينتين) وكان أحدهما نجل شقيق الشيخ فهد بك الهذال ويقال أن الضفير قتلوا الرهينتين شر قتلة، وهو أمر قلما يقع بين القبائل العريقة في عروبتها. ولذا لم تبق المسألة مسألة غزو أو نهب بل أضحت مشكلة (ثار) وقل مسألة (دم). ثم قالت الجريدة المذكورة ما نذكره بحرفه المغلوط؛ (إن قبيلة الضفير المشتبكة اليوم بنزاع مع عنزة هي من القبائل المهمة التي تقطن الأراضي الممتدة من جنوب شط العرب فالفرات بالقرب من الزبير إلى السماوة ومن هناك تمتد إلى الحفر في الباطن. وكانت رحى الحرب دائرة دائما بينها وبين شمر ومطير (جيرانها من جهة الشرق) وقد اعتاد رجال الضفير أن يهاجموا رجال شمر في كل سنة عند نزوح هؤلاء إلى أراضي المرعى في فصول الربيع. أما رئيس مشايخ الضفير فهو الشيخ حمود الصويط المشهور وكانت العلاقات بينه وبين أبن الرشيد ودية للغاية ولكنه مع ذلك أبى أن ينظم إليه وأبى أن يقدم بمساعدة عجمي السعدون الذي ألقى بنفسه في أحضان الأتراك منذ أيام الحرب الكونية.
والظاهر أن رجال الضفير أعلنوا حربا أبديا على عنزة وقد اشتهر عنهم انهم كانوا يبتدرون عنزة العداء في جميع حروبهم معهم. ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أن الشيخ حمود كان ذا قوة وبأس عندما أبى الانضمام عام 1915 إلى عجمي باشا السعدون فكلفه حياده هذا انفصال بضعة فرق من عشيرته لا يعتد بها وتنقسم قبيلة الضفير إلى فرقتين رئيسيتين هما البتون والصامد وأكبرهما الأولى. وجميع رجالها عرب رحل لا يتعاطون التجارة. وعلاوة على ما عندهم من الإبل الكثيرة فانهم يملكون عددا عظيما من الأغنام وفي ديارهم عدد كاف من الآبار. وهم مسلحون بالبنادق الجيدة الحديثة الطراز. ويسابل رجال الضفير الكويت عادة. وعدد مضاربهم أربعة آلاف مضرب. ويقال أن عائلة الصويط (والصواب في كتابتها السويط تصغير سوط ل. ع) تنتمي إلى إشراف الحجاز. أما قبيلة عنزة فتعد من وجهة قواها المادية اعظم قبيلة بين القبائل البدوية العربية. والبلاد التي تقطنها وتسمى باسمها فواسعة جدا وتمتد من حلب إلى دير الزور فالخابور. أما سبب تسمية هذه القبيلة (بعنزة) فحسب ما يقال أنه نسبة إلى عنز أبن أسد الذي ينتمي إلى ربيعة، بطن من بطون نزار. ويدعى أن الجد الأول لهذه القبيلة كان وائل ربيعة الذي ينتمي إلى الفرع الأصغر من أسد. ويقولون أن عنزا هو مؤسس عشيرته. ولا يبرح من البال أن قبيلة عنزة لا تجتمع تحت لوآء زعيم واحد لأنها منقسمة إلى بطون وأفخاذ ومن تقاليدها مراعاة الواحد جانب الآخر. ومع ذلك فيحدث في بعض الأحيان أن يشتبك شيوخ هاتيك الأفخاذ بعراك فيما بينهم على أن ألد أعداء عنزة هم قبيلة شمر الشهيرة. وهذا تاريخ القبائل العربية مملوء بوصف وقائعها الحربية وضغائنها وثاراتها المتأصلة بينهما. ويحق لعنزة أن تتباهى بما تملك من جياد الخيول وأصائلها وكثرة ابلها وقد أبت هذه القبيلة أن تتسرب إليها روح المدنية فبقت على حالتها الطبيعية الغريزية التي كانت عليها منذ ما بزغ فجر التاريخ ولم تتشبث هذه القبيلة لامتلاك الأراضي الواسعة فاكتفت ببضعة بساتين نخيل قليلة وبنت لها منازل صغيرة بالقرب من دمشق الشام وامتلكت مزارع قليلة واقعة على نهر الخابور
وكانت هذه القبيلة قبل ذلك التاريخ شوكة في جنب الإدارة التركية، ولا يوجد إحصاء دقيق لعدد نفوس هذه القبيلة ولكن الثقات يقدرون مضاربها بعشرين ألف مضرب. ومن أهم شيوخ هذه القبيلة فهد بك الهذال رئيس عشيرة العمارات الذي أساء الترك معاملته وسجنوه. وقد انتخب سنة 1924 مندوبا عن قبيلته في المجلس التأسيسي. وهناك قول بان أبن السعود ينتمي إلى قبيلة عنزة. انتهى كلام الأوقات العراقية 2 - المعاهدة العراقية التركية البريطانية تبودلت نسخ المعاهدة العراقية التركية البريطانية في أنقرة في 18 تموز 1926. 3 - في البحرين حصل الميجر هولمز على امتياز لاستخراج النفط في البحرين. وقد حصل على امتياز بحفر آبار متفجرة (ارتوازية) فحفر عشر آبار منها هناك. 4 - جمعية الدفاع عن الحجاز نشرت جمعية الدفاع عن الحجاز نداء إلى المسلمين حملا على الوهابيين وحكمهم الحجاز الآن. 5 - البعثة العلمية العراقية أوفدت وزارة المعارف في العراق هذه السنة عشرين طالبا للتخصص في العلوم والفنون في جامعة بيروت الأميركية وجامعات لندن وكولونبية في أميركة. 6 - الآثار العراقية في ألمانية وردت برقية من برلين تفيد أن الحكومة الألمانية تلقت نبأ رسميا من لشبونة تنبئ بأن حكومة البرتغال مستعدة لتعيد في الحال الآثار الاثورية التي حجزتها وكانت في باخرة ألمانية في أثناء الحرب العظمى. 7 - جلالة ملكة العراق قصدت صاحبة الجلالة ملكة العراق مدينة الموصل للاصطياف فيها.
8 - الولادات والوفيات في بغداد بلغ عدد الولادات في بغداد في شهر حزيران 1926 (238)، منهم (129) ذكرا بينما كانت الولادات (427) في شهر أيار الذي قبله وكان عدد مواليد حزيران من السنة الماضية (439). وبلغ عدد الوفيات (693) منهم 349 ذكرا بينما كانت الوفيات 680 في شهر أيار الذي قبله وكان عدد وفيات حزيران من السنة الماضية 606 9 - مؤامرة لاغتيال أبن السعود وافت الأخبار باكتشاف مؤامرة لاغتيال السلطان عبد العزيز آل سعود صاحب نجد والمستولي على الحجاز الآن وقد دبرت من اقرب المقربين إليه. 10 - أحداث قضاء وتأسيس ناحية صدرت إرادة ملكية بتاريخ 7 آب 1926 بأحداث قضاء في الفلوجة وتأسيس ناحية في القرمة (التي يكتبها الكتاب خطأ: الكرمة) 11 - جلالة ملك العراق وردت الأنباء بمغادرة جلالة الملك فيصل الأول ملك العراق فيشي من أعمال فرنسة قاصدا لندن. 12 - جرح رئيس الوزراء في صرح الإمارة (السراي) بينما كان صاحب الفخامة السر عبد المحسن بك السعدون رئيس الوزراء صاعدا درج ديوان مجلس الوزراء في الساعة 10 زوالية من يوم الثلاثاء (10 آب 1926) فاجأه شخص يدعى عبد الله حلمي فجرحه بموسى حلاقة في صدغه فركله فخامة الرئيس فوقع المعتدي على الأرض إلا أنه نهض قائما وجرح الرئيس ثانية في مقدم عضده اليمنى. أما المعتدي فهو من دير الزور وقد كان موظفا في الممكس (الكمرك) ثم نحي (رفت) منه. 13 - حالة العراق ودخوله عصبة الأمم صدر في 11 آب التقرير الذي قدمته الحكومة البريطانية إلى عصبة الأمم عن إدارة العراق وقد جاء فيه ما يلي: قد مر 18 شهرا على تجربة الحكومة الدستورية التي نص على تأسيسها القانون الأساسي. وقد برهن مجلس الأمة الأول على اقتداره في معالجة المسائل
المعروضة عليه بكل حكمة وإدراك ولن يمر زمن طويل على العراق حتى يصبح في حالة يبرهن بها لعصبة الأمم على أهليته ليكون عضوا فيها. وذكر التقرير أن صادرات العراق ووارداته أخذت تتزايد باطراد والصادرات هي اكثر، على أن قيمة الواردات لا تزال تزيد على قيمة الصادرات فقد بلغت هذه الزيادة 492 لكا من الربيات سنة 1925. 14 - أوصلت الحكومة الماء إلى النجف في 7 آب 1926 فابتهج الناس بذلك أيما ابتهاج. 15 - الاعتداء على المعتمد البريطاني في البحرين ثار جندي بلوجي من جنود شيخ البحرين فجرح جنديين هنديين وأصاب الميجر ديلي المعتمد السياسي في البحرين بجروح طفيفة. 16 - في متصرفية الموصل في نهاية حزيران شرعت الحكومة إنشاء صرح إمارة (سراي) في زاخو، وأوشك بناء دائرة البرق والبريد أن ينتهي في أربل (وتكتب خطأ أربيل) تتخذ المعدات لبناء غرفة للعيادة، وحمام، ومحلات للممرضات في المستشفى الملكي في مدينة الموصل. كملت الإصطبلات الجديدة لخيالة الشرطة في كركوك. وثرت الطريق الجديدة بين زاخو والشيخان مسافة 5 أميال واتخذت مجار على جانبي طريق الموصل وزاخو وبغداد مع تحسينات عامة. شرع بناء جسر جديد على جدول قرة تبه. 17 - في لوآء السليمانية في نهاية حزيران بدئ بتسليم المعدات لإنشاء صرح (سراي) في قره داغ وقارب اتخاذ معقل كلازاروة النهاية. بوشر إنشاء اصطبلات جديدة للشرطة في لوآء السليمانية وحلبجة. تداوم الحكومة على إصلاح طريق جمجمال إلى السليمانية.
18 - في متصرفية بغداد في نهاية حزيران تم ما بدئ به من مخفر الرطبة. ورمم ما كان محتاجا إلى الإصلاح في ما يأتي أساميه من المحلات: في العاصمة: المحكمة الشرعية - المستشفى الملكي - دار الآثار العراقية - دائرة البرق الأم (المركزية) - دوائر الأشغال العمومية والبرق والبريد في الصرح (السراي)، وشرعت الأعمال الآتية للجيش العراقي: غرفة الحرس في ثكنة الباب الشمالي - ترميمات للاصطبلات والدوائر العسكرية ومظلات السيارات في القاعة - أعمال شتى في مضرب الوشاش - مد جسر جديد من فولاذ على جدول الخالص - تتقدم أعمال حفظ الطرق العامة وإصلاحاتها في ألوية بغداد وديالى والدليم. 19 - في متصرفية البصرة في نهاية حزيران كمل مغسل مستشفى مود التذكاري في البصرة، وشرع تركيب أنابيب المياه فيه. أنجزت إصلاحات مختلفة في عدة طرق ومبان في اللوآء تم تسقيف 12 غرفة في الصرح الجديد في الكبائش (الجبايش) والعمل سائر سيرا حسنا. والأعمال تجري بنشاط لتسوية طريق الشطرة. 20 - لوآء الحلة والديوانية في نهاية حزيران كملت أسس الغرف لإنشاء صرح عفك. تمت أسس مستشفى الحلة. تم تخطيط الطريق بين الرميثة والإمام حمزة. شرع إصلاح الجسور المصابة بالأضرار وترميم الجسور الأخرى التي ترى في طريق الديوانية إلى الشامية ومن الشامية إلى أبي صخير. 21 - تلقيح الجدري في بغداد لقح الجدري في جميع المناطق والمراكز الصحية وبلغ مجموع الملقحين
680 وجرى فحص 504 منهم فتبين أن 374 تلقيحا منها نجح و130 لم تنجح. 22 - تقارير المستشفيات دخل مستشفى أمراض العدوى في غضون الشهر 63 مريضا. وتوفي فيه 19 سبعة منهم بالطاعون و8 بالسل. ودخل مستشفى مير الياس 113 مريضا وتوفي فيه 4 فقط وعولج من هؤلاء 211 مجانا. ودخل مستشفى ريمة خضوري لأمراض العين 19 مريضا بينهم 15 مصابا بالحبب (وزان سبب وهو التراخومة) وعولج فيه من المرضى الخارجين 601 بينهم 302 عولجوا مجانا. وعولج في مستوصف مبعث الكرمليين 208 مرضى، بينهم 153 بالأجرة 23 - صحة الميناء فحصت 12 باخرة خارجة من بغداد كان فيها 1335 مسافرا فوجد بينهم إصابة واحدة بالحصبة لا غير. وفحصت 9 بواخر قادمة إلى الزوراء كان فيها 1623 مسافرا فلم يكن بينهم مريض. 24 - التطهيرات طهرت 197 غرفة و1711 قطعة أشياء مختلفة و74 عجلة قداد (ترام) 25 - الجنائز نقلت 52 جنازة إلى النجف. 26 - صيد الجرذان وضع في العاصمة 30100 طعم لإبادة الجرذان فنجح منها 11973 وكان عدد المنازل التي وضع فيها المصايد 3999 ونصبت 8210 مصايد واصطيد 98 جرذا وورد من الخارج 42 وفحص 140 جرذا وأرسل ب 35 للفحص وتبين إصابة تسعة منها بالطاعون. 27 - فحص الإجازات فحصت 691 إجازة منها 241 ووجد منها 430 صحيحة و20 مزورة فغرم أصحابها.
العدد 38
العدد 38 - بتاريخ: 01 - 10 - 1926 القارعة أهب بالشيب واذكر الشبابا ... فهذا لا يطيب وذاك طابا وما كان الشباب هناك إلاَّ ... كنجم قد تألق ثم غابا إذا قلبي تذكره بصدري ... تنزى خافقا فيه ولابا مضى صحبي وأخرني زماني ... كأن له على شخصي حسابا أرى الأيام مذ ولى شبابي ... علي تمر حانقة غضابا وأني للشبيبة في أدكاري ... كأني ناظر منها شهابا كتبت الوكة أدعو المنايا ... وأني اليوم انتظر الجوابا وكنت هبطت مصر قبل حين ... فلم اه دأ وفضلت الإيابا ذكرت مواطني وذكرت أهلي ... وليلى والصبابة والشبابا وقلت لقد نأت بغداد عني ... فليت الدهر يمنحني اقترابا ولو أني رجعت إلى بلادي ... لقبلت المنازل والترابا شربت من النوى لشقاء نفسي ... شرابا ثم لم اسغ الشرابا
ومن يشرب على ظمأ حميما ... فليس بناقع منه اللهابا فراق لا أعاتب فيه ليلى ... فليلى ليس تحتمل العتابا وقلت سأحمل الأعباء وحدي ... ولا أشكو شقائي والعذابا ولكني شكوت هموم نفسي ... ليلى حين أكبرت المصابا وكانت لا تزال هناك ليلى ... فتاة مثلما كانت كعابا وأنت مصدقي لو أن ليلى ... أماطت عن محياها النقابا وأني كلما ليلى أرادت ... بعادا زدت من ليلى اقترابا لقد سألتا فآلمها جوابي ... وأن لكل سائلة جوابا أطالب بالحقوق وكل حر ... قمين أن يطيل بها الطلابا وهل تخشى يد كتبت بصدق ... دفاعا عن كرامتها تبابا ويممت المواطن نائيات ... حثحث من مسارعتي الركابا ولم يك مركبي إلاَّ قطارا ... جرى للأرض ينتهب القبابا رأيت النار وهي لها ازيز ... بمرجله تشق به اليبابا سرى والليل معتكر بهيم ... يجر وراءه غرفا رحابا وأسرع لامسا صدر الفيافي ... يجوب السهل منها والهضابا يمر على البقاع وهن عفر ... وليس يثير في المر الترابا يشق بصدره البيداء شقا ... كما صدعت بك الفلك العبابا على خطين مدا من حديد ... متين لا ترى لهما انقضابا وكم من شقة بعدت طواها ... وكم من بقعة قصواء جابا فأوصلني القطار إلى دمشق ... بيوم واحد للنفس طابا وسرنا نبتغي بغداد منها ... على سيارة مرقت ذهابا فجئناها كذلك بعد يوم ... سوي لم نلاق به الصعابا فكنت كطائر ألفى بعش ... بناه حية فمضى وثابا
بهاجرة لديها كان يجري، ... لعاب الشمس أن لها لعابا فودت أنها قبل انفلات ... له لو أمسكت منه الذنابي واخلق بالحياة وكل شيء ... إليها عائد أن لا يشابا ولما عدت بعد نوى شطون ... إلى بلدي وجدت الشهد صابا رأيت معاهد الآداب فيه ... كما تقلى معطلة خرابا ذهبت إلى الرياض فساءني أن ... أرى عوض الهزار بها الغرابا وأني في منابتها اعتياضا ... عن التغريد استمع النعابا رأيت السعد يخفي منه وجها ... رأيت النحس يبدي منه نابا وألفيت الذناب يذم رأسا ... وذاك الرأس يمتدح الذنابا وأعجب مشهد لاقيت فيه ... خراف بعدي انقلبت ذئابا وكنت مؤملا في غير هذا ... من الأحوال أن القي انقلابا وكم لي في المواطن من عدو ... رمى سهما إليَّ فما أصابا أقول لهم خذوا في السهل سيرا ... وخلوا لي الوعورة والهضابا فما لكم لدى الادلاج حول ... على أن تسلكوا الطرق الصعابا أتوني يطلبون الشعر مني ... فلما لم أنل ذهبوا غضابا وراحوا ينشرون الكذب عني ... ومن سفه يكيلون السبابا ولم يأبه بما قالوه إلاَّ ... غبي أو سفيه قد تغابى رأى الأعداء شيخا أقعدته ... سنوه أن يحاسبهم حسابا رأوه عن الركوب اليوم يعيا ... وقد ركب المسومة العرابا فقالوا أنه شيخ كسيح ... فلا نخشى له ظفرا وتابا فشنوا منهم الغارات تترى ... علي فلم ألن لهم جنابا
يريدون الوقيعة بي عداء ... وأن يقضوا على أدبي اغتصابا ولكن لا يزال الشيخ هذا ... يقاوي بالنهي الصم الصلابا لقد هابتك يا قلمي الأعادي ... وأنت فثق جدير أن تهابا وما نظر العدى إلاَّ بعين ... أبت أن تبصر الحق الصوابا كذاك الحقد يسدل بين ناس ... وبين الحق مؤتلفا حجابا وحرب قد أثاروها عوانا ... على حزب التجدد إذ أهابا فخاضوها وما اتخذوا سلاحا ... لهم إلاَّ الشتيمة والسبابا وإلاَّ القول يعوزه دليل ... وإلاَّ الزور منهم والكذابا رموا بسهامهم أدبي وشعري ... إلى أن افرغوا منها الجعابا أشادوا بالقريض وهم أناس ... له جهلوا وكان الجهل عابا وابدوا في الجديد لهم ظنونا ... ولكن اخطئوا منه الصوابا لقد ظنوا سراب القاع ماء ... وظنوا الماء بعدئذ سرابا ولم احفل بهم حتى تمادوا ... على سفه يسيئون الخطابا فعندئذ رفعت الكف مني ... أذود بها عن الأدب الذبابا واربأ أن اجرد من يراعي ... حساما ثم اجعله عقابا وفي كفي اليراعة ذات حد ... تبذ به القواضب والحرابا ولي شعر كحد السيف ماض ... أغالب فيه من يبغي الغلابا رفعت مقامه بالجد مني ... وكان الجد في الإنسان دابا فقمت به وكنت له زعيما ... أعيد إليه في شيبي الشبابا إلى أن ذاع في الأقطار صيتي ... فكان لحاسدي أدبي مصابا وليس قريضهم في الذوق إلاَّ ... عجوز غيروا منها الثيابا وليس يغيظني أحد كغر ... يرى في نفسه أدبا لبابا تحفز يبتغي نقدا لشعري ... ومنه الحقد قد ملأ الاهابا
إذا ركض اليراع يريد نقدي ... رأيت هنالك العجب العجابا رأيت جهالة ورأيت سخفا ... ورأيا لم يكن يوما صوابا تبجح وهو لم يبلغ نصابا ... فكيف يكون لو بلغ النصابا طفا في عيلمي بعد انتفاخ ... له فحسبته فيه حبابا وبعد هنيهة مرت عليه ... تضاءل في الغطمطم ثم ذابا عراه يوم لاقاني ارتجاف ... فكان كرخمة لاقت عقابا تجرع يا حسود الماء صردا ... فأنت اليوم تلتهب التهابا ولم تسكت أخيرا عن رشاد ... ولكن قد أصابك ما أصابا تقول لذا وذاك أنا بنقدي ... وأن أخطأت في كلمي الصواب أحاول شهرة في الأرض لاسمي ... وأرجو بعد ذلك لي ثوابا ولا تدري بأن الجهل داء ... فلا يؤتي الفتى إلاَّ عذابا وأن أهلك فلا تفرح لهلكي ... سيملأ فاك أنصاري ترابا ورب منافق في الوجه أطري ... فلما غاب اقرفني وعابا وليس صديقك المطري وجاها ... ولكن من يصون لك الغيابا وقد أقصيته عني فوافى ... يعفر خده وبكى وتابا ولكن الذئاب الطلس مهما ... أرتك وداعة تبقى ذئابا قرضت الشعر بالشعر افتتانا ... ولم اطلب به المنن الرغابا ولو شاهدت في مصر اصطدامي ... بمن قد جاء يصدمني غلابا جرى وجريت في بحر خضم ... وكان البحر يضطرب اضطرابا لراعك منه يومئذ عباب ... أتى متدفقا يلقي عبابا وفي بيروت قبلا إذ أقاموا ... لي الحفلات تنصب انصبابا جلا من أهله الإعزاز همي ... فلذ العيش لي فيه وطابا جميل صدقي الزهاوي
حقائق عن تاريخ العراق
حقائق عن تاريخ العراق يوشي بعض الكتبة، برود مقالات نفيسة عن تاريخ أرض شنعار. أو بلاد آثور؛ ويترجم فريق نبذا جليلة عن الغربيين. في مثل هذه الأبحاث إلى اللغة العربية؛ ثم تضيع مزايا تلك المقالات أو ينقص شيء من روعة تلك النبذ لقلة تدقيق النظر في الحوادث. أو لما يأتيه الكتبة والمترجمون من التصحيف في أسماء الأمكنة والبقاع والأشخاص، فيتيه القارئ في مفاوز تلك الخطيئات ولا يعرف المقصود من ذلك البحث. ومما قرأته من هذا القبيل؛ مقال ظهر في مجلة المقتطف الغراء في جزء يوليو 1926؛ بعنوان: (في جنوب بلاد العرب مهد العمران) ص41 - 46 جاء في مطلع تلك المقالة: (اشترك المتحف البريطاني ومتحف جامعة فيلادلفيا في إرسال بعثة أثرية إلى العراق برآسة المستر ولي فحصرت هذه البعثة أعمالها أولا في تل الأبيض، اور الكلدانيين، الواقعة على ضفة الفرات الجنوبية تبعد نحو 100 ميل عن البصرة.) أهـ فإذا بحث الإنسان عن تل الأبيض (؟) في اور، أو جوار
اور، لا يعثر عليه ولا يقف على اثر له؛ وان أفنى العمر في سبيل السؤال عنه من الأعراب النازلين في تلك الديار. وبعد أن يرجع خائبا يتضح له أن في نقل الاسم خطأ لا يعرفه إلاَّ من له اطلاع واسع على تاريخ العراق وعلى أسماء تلوله. فالتل الذي أراده صاحب المقال هو (تل العبيد) (وزان زبير) لا (تل الأبيض) وحدث هذا الخطأ من نقل الحروف اللاتينية؛ إلى العربية. وتل العبيد هذا ليس أور الكلدانيين. كما يفهم من مقال المقتطف، بل هو تل صغير منفرد على خط ترعة قديمة على بعد نحو أربعة أميال من غربي المقير. بميلة إلى الشمال الغربي؛ والمقير هي (اور الكلدانيين). أن البعثة لم تحصر عملها أولا في (تل العبيد) كما جاء في المقتطف؛ بل أنها حفرت أولا في المقير، اور الكلدانيين؛ وذلك في سنة 1922 ولم تحفر في تل العبيد إلاَّ في السنة التالية 1923. وقد نشر المستر ولي في المجلة المسماة في جزءها الصادر في أكتوبر 1923 نتائج نبش البعثة في اور؛ وفي الجزء الصادر في أكتوبر 1924 خلاصة أعمالها في (تل العبيد).
وأول من كشف تل العبيد الدكتور هول سنة 1919 إذ كان ينبش لحساب أمناء المتحفة البريطانية؛ ونشر نتائج أعماله في المجلات الآتية: سنة 1919 ص22 المجلد التاسع الجزء الثالث سنة 1922 وفي في المجلد الثامن الجزء الثالث والرابع سنة 1922. أما قوله: (الواقعة على ضفة الفرات الجنوبية) فلا معنى فيه؛ إذ يجري الفرات من الشمال إلى الجنوب فتكون إحدى ضفتيه شرقية والأخرى غربية وليس هناك ضفة شمالية وضفة جنوبية. وأني أحدس أن كاتب المقال قال في الإنكليزية: أو ما يضارع هذه العبارة ومفادها في القسم الجنوبي من الفرات أو كما يقول العرب: في سقي الفرات الجنوبي. فأن سقي الفرات الشمالي ومثله دجلة في أرض شنعار يطلق عليه (أكد) (وزان شمر) وفيه من المدن القديمة (أجادوا) و (كيش) (وهي الاحيمر). و (بورسيبا) (اي برس نمرود). و (سبر) و (بابل) و (كوثي) (أي تل إبراهيم). ويطلق على سقيهما الجنوبي بلاد شمر (وزان
زفر) وفيه من المدن أدب (أي بسمايا) وأما (بضم الأولى وتشديد الثاني المفتوح) (وهي أطلال جوخي) واريدو (وهي أطلال أبو شهرين) وكيسورة (وهي أطلال أبو حطب) و (اور الكلدانيين) وتعرف إطلالها (بالمقير). وجاء في مقالة المقتطف ما يأتي (نعثرت (أي البعثة) في شتاء سنة 1925 على اقدم آثار العمران في العراق؛ ومنها كتابة معاصرة لملك كان يحسب خرافيا وقطعة من النقش النفيس لم ينتظر العثور عليها هناك. أما الكتابة فتدور على الملك (أني بادا) بن (مس أني بادا) وهي اقدم وثيقة تاريخية مؤرخة الخ. . . قلنا إن المستر ولي عثر على هذه النفائس الأثرية التاريخية في أواخر سنة 1923 وأكبر دليل على ذلك ما جاء في كتابنا محاضرات في مدن العراق، تلك المحاضرات التي ألقيناها على طلبة دار المعلمين العليا، في السنة المدرسية 1923 - 1924 والمطبوعة في بغداد سنة 1924؛ حيث ورد في ص115 ما إليك بعضه؛ وقد حفرت في تل اسمه (العبيد) في شمالي (اور) يشتمل على دكان هيكل الآهة الحياة والخصب وظفر الحفارون بثلاثة رقم ومائدتين وجعلان من ذهب؛ يستدل منها إلى إنها من عمل (أي أني بادا) بن (مس أني بادا) أول ملك من سلالة اور
عاش 4600 ق م. إلاَّ أن البروفسر لنكدن يقول انه عاش 4200 ق م ولم يكن يعرف اسم ابنه حتى الآن ونظرا إلى هذا التاريخ أن (أي أني بادا) كان قبل سلالة مصر الأولى. . . إلى آخر ما هناك من وصف الآثار التي وجدت في تل العبيد) قد اثبت المقتطف كلمة (سمر) بالسين المهملة ونحن لا نوافقه على ذلك والأصح شمر بالشين المعجمة وكذلك شمريون وآثار شمرية. ولا يقال سمريون وآثار سمرية. لأن الأصل هو بالشين المعجمة ولا داعي لنا إلى إبدال الأعلام بل يجب أن تروى بحروفها أن أمكن. ومما قرأناه من الأبحاث النفيسة عن بلاد آثور. مقال ممتع نشره العلامة، صاحب الغبطة السيد اغناطيوس أفرام الثاني بطريرك السريان الانطاكي في مجلته (الآثار الشرقية). بعنوان (مملكة آثور) إلا أننا وجدنا فيها من التصحيفات مثل ما وجدناه في المقالة التي وردت في المقتطف ونحن نشير إليها طلبا للحقيقة التي هي ضالة النفوس الكبيرة. جاء في ص82 من المجلة: (عولوا أن يشيدوا صرحا من اللبن في بابل (تك 11: 4 و9) في محل يسمى (الحله) كذا وصحيحه الحلة بهاء منقوطة.
أن برج بابل ليس في المحل المسمى اليوم الحلة، فلو قال غبطته: (بالقرب من الحلة) لأصاب بعض المرمى، ولا سيما بعد أن درس علماء الاثار، مسئلة البرج درسا علميا، فهل يريد غبطته ببرج بابل، برج بورسيبا (أي برس نمرود) وهو برج الإله نبو، أم برج أتيمن انكي - وكان في هيكل (بل) المسمى اساكيلا في مدينة بابل. وقد جمع بين هذين الإلهين اشعيا النبي (1: 46) إذ قال، قدجثا (بل) انحنى (نبو) وقد اجمع العلماء الأثريون اليوم على أن برج بابل هو الأخير؛ ويعلم القراء أن البعد بين برس نمرود واخربة بابل نحو ثمانية أميال وكلاهما ليس في الحلة بل بجوارها. وقال في ص84 وتسقي أراضى آثور؛ ما عدا نهري الدجلة والفرات؛ عدة انهار أخصها نهر البليخ والخابور ويسمى القرنيب والادهم. . . قلنا الأفصح أن يثبت اسم (دجلة) بدون ال التعريف على ما جاء في كتب العرب الأقدمين والمحدثين؛ والصحيح في القرنيب أن يقول الكرنيب؛ أما نهر الأدهم فهو وهم واضح إذ ليس هناك نهر بهذا الاسم يسقي أراضى آثور؛ وصحيحه نهر العظيم (بضم العين وفتح الظاء كزبير) وقد حدث هذا
الوهم من نقل الحروف اللاتينية أو إلى العربية. وكان يعرف هذا النهر عند الأقدمين بنهر رادانو وعند السريان الشرقيين، وهم الكلدان الحاليون رادان وكان على ضفته اليسرى مدينة باسمه. وقال المستوفي
انه القسم الأسفل من نهر دقوا الذي ينحدر من جبال كردستان. وفي هذا الموقف أود أن المع إلى ما جاء في مجلة لغة العرب في هذه السنة في جزءها الثالث ص162 - 163 عند نقد كتابي: (محاضرات في مدن العراق) إذ قال كاتب النقد؛ وعظيم بدون ال؛ وهو الذي كان يعرف في عهد العباسيين باسم نهر باعيناثا) فأجيب على هذا القول: إن العظيم وارد بال التعريف كما ينطق به أعراب تلك الديار ويؤيد ذلك صديقي عبد المجيد الشاوي الذي أسرته من رؤساء عشيرة العبيد النازلة في تلك الأصقاع. ثم أن نهر باعيناثا ليس بالعظيم: وأظن أن حضرة المنتقد ذهب إلى هذا الاستنتاج من فقرة وردت في معجم البلدان؛ وفي مراصد الاطلاع في مادة دجلة إذ جاء هناك؛ ثم ينصب إليها (أي إلى دجلة) نهر عظيم يعرف بنهر باعيناثا. فظن أن (عظيم) اسم علم لنهر مع أنه وصف كما يفهم من العبارة التي قبلها القائلة: (فينصب إليها نهر عظيم يعرف بيرني يخرج من دون أرمينية. ثم أن نهر باعيناثا واقع في الشمال وليس في موقع نهر العظيم، الذي يصب في دجلة، قرب مدينة سامراء كما يستفاد من مادة باعيناثا في معجم البلدان، إذ قال: (قرية كبيرة كالمدينة فوق جزيرة ابن عمر لها نهر كبير يصب في دجلة.) أهـ
وقد سماه ابن سرابيون باسنفا كما قال لسترنج لنعد الآن إلى مجلة الآثار الشرقية، فلقد جاء في ص86؛ يسمى خورصباد (دور شروقين) فلا نعرف من أين أتت القاف في شروقين ولا سيما قد قال غبطته في حاشية ص128 أن معنى دور شروقين دار سرجون. فالصحيح أن تكتب دور شروكين أو شروجين لان اسم الملك يكتب سرجون أو شركون. ويكتب الغربيون اسم هذه المدينة - وقد قال ماسبرو أن لفظة شروكين هي القراءة الصحيحة لاسم سرجون. وجاء في ص88 و89 اسم انطون رسام ونسب إليه كشف الأبواب النحاسية المعروفة بأبواب بلوات. وكلنا نعرف أن اسمه هرمزد رسام والرجل معروف بحفرياته الأثرية ومؤلفاته فلا يحتمل وقوع غلط في اسمه. وقال ص91 وقد اتخذ الاثوريون (أشور) الاها وص 132 يستنجد حزقيا على الاثوريين. وقد كتب العرب الآثوريين بالمد والآشوريين بالهمزة. هذا ما أردت أن انبه عليه والسلام. ي. غنيمة
تاريخ الطباعة العراقية
تاريخ الطباعة العراقية مطابع العراق وثمراتها (من سنة 1856 إلى سنة 1926) 2 - تابع مطابع الموصل وأسس الآباء الدومنكيون فرعا في مطبعتهم الموصلية جعلوها معملا لتجليد الكتب وتذهيبها على الطراز الإفرنجي الحديث وقد كان الموصليون قبل وجودها يجلدون كتبهم على الطريقة العتيقة. وأول كتاب طبع فيها (رياضة درب الصليب) سنة 1860. ومن الذين تولوا فيها الخدمة الكبرى بالتأليف والترجمة والطبع والتصحيح مدة طويلة المثلث الرحمة السيد اقليميس يوسف داود السرياني الموصلي مطران دمشق اشتغل فيها نحو عشرين عاما ولو بقي في الموصل يتعهدها بعلمه
واجتهاده لأدت خدمات عظيمة أكبر مما أدته ولضارعت ثمرات المطبعة الكاثوليكية في بيروت التي يديرها الأباء اليسوعيون.
واشتغل فيها مدة طويلة المرحوم المعلم نعوم فتح الله سحار وأعقبه المعلم سليم حسون الأستاذ في مدرسة الأباء الدومنكيين في ذلك العهد (ومدير جريدة العالم العربي ورئيس تحريرها في بغداد اليوم). ولما أعلنت الحرب الكبرى في صيف سنة 1914 كان قد شرع في فتح جادة في الموصل واحتيج إلى هدم بناء المدرسة للأباء الدومنكيين والمطبعة الملاصقة لها في إنشاء هذه الجادة فهدمت بنايتها وصودرت أدواتها وأجهزتها بتهمة أنها تابعة لإدارة أجانب من الفرنسيين ونقلت بعض أدواتها وحروفها إلى مطبعة الحكومة في الموصل حيث استعملت في طبع الجريدة الرسمية (الموصل) وظلت مستعملة إلى هذا اليوم مع تغير الزمان والحكام وزوال الحكم العثماني وحلول الحكم الوطني. وكان والي الموصل العثماني في زمن إعلان الحرب الكبرى سليمان نظيف بك الكاتب التركي الشهير. ومع أن المبعث الدومنكي قد عاد إلى بعض نظامه في الموصل وأعيد تأسيس مدرسة الأباء وتشييد بنايتها بالمبالغ التي أعطتها حكومة الاحتلال الإنكليزية كتعويضات إلى المبعث تعويضا عما أخذ من بناية المدرسة وعمارة المطبعة للجادة فالمطبعة ما زالت مبعثرة وقد استردوا الموجود من أدواتها وآلاتها غير ما نهب وشتت. ولما يعد تنظيمها وفتحها للشغل فخسرت بخرابها البلاد أداة نافعة في النهضة والعمران. مطبوعاتها: أولا - (الكتب المقدسة والدينية والتقوية وسير القديسين ونحوها) 1 - (الكتاب المقدس) في أربعة أجزاء تعريب السيد اقليمس يوسف
داود السرياني مطران دمشق بقطع الربع (سنة 1871 - 1877 صفحاته 2507) 2 - (الكتاب المقدس) طبعة أخرى في مجلدات (1874 - 1877 ص3806) 3 - (العهد الجديد) طبعة متقنة مع تصاوير (ص744) 4 - (مزامير داود) (1892 ص313) 5 - (الأناجيل المقدسة الأربعة) بقطع صغير (1892 ص518) 6 - (قصص الرسل) (1893 ص166) 7 - رسائل مار بولس الرسول) (1899 ص567) 8 - (الدرة النفيسة في بيان حقيقة الكنيسة) للبطريرك اغناطيوس بهنام الثاني السرياني (1867 ص322)
9 - (رسالة المقدمة والنتيجة في حقيقة عقد الخطبة والزيجة) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1874 ص76) 10 - (مختصر صغير في التعليم المسيحي) طبع طبعات متعددة بقطع صغير ص48) 11 - (مختصر التعليم المسيحي) (طبع 6 مرات ص191) 12 - (خلاصة التعليم المسيحي) - التعليم المنسوب إلى السيد امانتون - عربه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1863 ص23 و254) 13 - (التراجم السنية للأعياد المارانية) لايليا الثالث البطريرك النسطوري المعروف بابي الحليم الحديثي عني بطبعه وشرحه المطران ميخائيل نعمو الكلداني (بقطع الثمن 1873 ص313) وقد طبع بعد ذلك طبعة جديدة. 14 - (الخطب الباهرة والمواعظ الزاجرة) للأب بولس سنيري اليسوعي تعريب قديم للمطران السيد اقلميس يوسف داود السرياني (1870 ص907 وطبع ثانية 1881 ص913) 15 - (المواعظ السديدة الأدبية في تثقيف المسيحي في طريقته الدينية)
للأب سنيري اليسوعي (جزءان 1893 ص475 و456) 16 - (نبذة من القوانين منقولة من المجامع المقدسة) لفائدة الاكليروس السرياني الموصلي (1872 ص49 وطبع مجددا ص32) 17 - (كلندار السنة الأبرشية الموصل السريانية) تأليف البطريرك اغناطيوس بهنام الثاني السرياني (1877 ص254) 18 - (كلندار حسب طقس الكنيسة السريانية الانطاكية (1887 ص144) 19 - (سيرة القديسين) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1873 و1890 جزءان ص1650). 20 - (سيرة أشهر شهداء المشرق) (1900 ص452) 21 - (سيرة مار فرنسيس لاسيسي السرافي عربه عن الإيطالية أحد الأباء الكبوشيين (1864 ص400) 22 - (سيرة مار عبد الأحد منشئ رهبانية الواعظين) للأب لافي الدومنكي (1866 ص282) 23 - (الزهرات المقدسة المقطوفة من جنة مار عبد الأحد) (1867 ص452) 24 - (سيرة القديسة تريزة) (1867 ص620) 25 - (سيرة مار افرام) جمعها أحد الأباء السريان الكاثوليك (1883 ص118) 26 - (اسطاخيوس القائد الروماني) (1900 ص234) 27 - (تحفة الزهور الذكية للنفوس العابدة المسيحية (عن طبعة رومية 1861 ص522) 28 - (زوادة النفس التقية في طريق الحياة المسيحية) (طبع رابعة 1887 ص362) 29 - (الحرب الروحية) تعريب الأب بطرس فروماج اليسوعي (1868 ص1408) 30 - (تأملات يومية للقديس الفولس ليكوري) ترجمة جديدة للمطران
السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1860 ص240) 31 - (الواسطة العظيمة للخلاص) للقديس ليكوري (عدا الطبعة الرومانية 1870 ص352) 32 - (المنتخبات الكنبيسية في السيرة القدسية) تعريب الخوري عبد الأحد جرجي (1898 - 1900 في 3 أجزاء ص1160 وطبع المجلدان ال 4 و5 في 1902 - 1903 ص 269 و339) 33 - (مجموع تساعيات لأفضل أعياد السنة) لأحد الآباء الكبوشيين (1869 ص380) 34 - (الكينارة الصهيونية لتسبيح العزة الالاهية) جمعه ونقحه المطران يوسف داود (1864 ص425 ثم 1891 ص372) 35 - (شرح مختصر في الرهبنة الثالثة الدومنكية) (ص16) 36 - (ملخص أخبار الرهبنة الثالثة) (1900 ص260) 37 - (رياضة درب الصليب) (1811 ص48) 38 - (مختصر رياضة درب الصليب) (ص32) 39 - تروض في آلام يسوع المسيح لكل جمعة من الصوم الكبير (1863 - ص19) 40 - (زيارة القربان الأقدس وزيارة مريم العذراء) للقديس ليغوري تعريب جديد للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1869 - 1876 ص320) 41 - (شهر قلب يسوع الأقدس) (طبعة ثانية 1883 ص462) 42 - (فرض مريم العذراء الصغير بحسب الطقس الدومنكي (1864 ص168 ثم 1889 ص207) 43 - (فرض السيدة الصغير بحسب الطقس الروماني (ص165) 44 - (المتعبد لمريم) للأب بولس سنيري اليسوعي عربه الأب بطرس فروماج ونقحه المطران يوسف داود (1870 ص261 ثم 1896) 45 - (الشهر المريمي) (1892 ص251)
46 - (النزهة في الورود) يمثل ظهور السيدة في لورد عربه عن الفرنسية القس يوسف جرجس السرياني (1893 ص260) وهو اليوم مطران حارستا 47 - (مصحف الوردية المقدسة) (1867 ص352) 48 - (شرح مختصر في أخوية الوردية) (طبعة ثانية 1883 ص48) 49 - (عبادة الوردية المؤبدة) (1880 ص84) 50 - (طريقة سهلة للتأمل في أسرار الوردية المقدسة) (طبعة ثانية 1885 ص64) 51 - (دستور الوردية المقدسة) (1900 ص61) 52 - (ثوب سيدتنا ذات الكرمل) (1881 ص 30 ثم كرر طبعه) 53 - (ثلاثة ينابيع نعم للأنفس المسيحية) (1880 ص96) 54 - (إكليل البتول الطاهرة مريم) للمطران السيد أدي شير ابرهينا الكلداني (1904 ص57)
55 - (كتاب المتعبدين لقلب يسوع الأقدس) (1906 ص396) 56 - (كلندار الأعياد والتذكارات والصيامات حسب الطقس الكلداني) (ص16) 57 - (مجموع صلوات اعتيادية) (ص175) 58 - (فرض الموتى حسب الطقس اللاتيني) (ص52) 59 - (تأملات لكل أيام الشهر) للأب موزاريلي اليسوعي (ص250) 60 - (مجموع تسعيات) ترجمة لأحد الأباء الكبوشيين من ماردين (ص377) 61 - (أخوية اسم الله واسم يسوع) (ص22) 62 - (أخوية الوردية المقدسة) (ص48) 63 - (طريقة جيدة للتأمل في أسرار الوردية المقدسة (ص 40) 64 - (أخوية زنار مار توما الاكويني) (ص16) 65 - (خمسة مزامير القديس بوناونتورا إكراما لمريم العذراء) (ص16) 66 - (ملخص أخبار الرهبنة الثالثة التوبئية) (ص260) 67 - (الدليل الأمين للمشتركين بأخوية سيدتنا لقلب يسوع الأقدس
(ص80) 68 - (قوانين أخوية الحبل بلا دنس) (ص 160) 69 - (قرارات ورسائل وأناجيل حسب الطقس الكلداني (3 أجزاء ص116 و108 و120) 70 - (ثلاث وأربعون ترنيمة تقوية مأخوذة من الكينارة الصهيونية) (ص74) 71 - (سيرة بعض الطوباويين والأتقياء الدومنكيين (ص123) 72 - (استشهاد مار ترسيسيوس) (ص119) رفائيل بطي استدراك طلب كاتب المقالة في تمهيده لبحثه أن ينتقد الأدباء المحققون مقالاته ويرشدوه إلى مواضع الخطأ فيها ويكملوا النواقص التي يفوته ذكرها، وها قد بعث رزوق عيسى بعد اطلاعه على القسم الأول من المقالة المنشورة في الجزء الماضي بهذا الاستدراك: سيدي صاحب مجلة لغة العرب المحترم طالعت ما كتبه الأديب رفائيل أفندي بطي في الجزء الثالث من مجلة لغة العرب بعنوان (تاريخ الطباعة العراقية) والذي لفت نظري قول الكاتب: (وفي هذه السنة عينها (1856) جلب إلى كربلاء أحد أكابر الفرس مطبعة حجرية لا يذكر الناس من نتاجها إلاَّ سفرا بقي بكرا وحيدا) وقد فاته ذكر أول مطبعة حجرية تأسست في الكاظمية وطبع فيها (دوحة الوزراء في تاريخ وقائع الزورآء) تأليف الشيخ رسول أفندي الكركوكي وقد تولى طبع هذا الكتاب مرزا محمد باقر التفليسي بخطه عام 1237هـ 1821م فمن هنا يظهر أن أول مطبعة حجرية نصبت في الكاظمية كانت قبل اكثر من مئة سنة. رزوق عيسى
مشاهير العراق
مشاهير العراق في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر كان القرن الثالث عشر ثم هذا القرن الذي نحن فيه من احفل القرون التي مرت على العراق بعد سقوط الدولة العباسية بنوابغ الأدباء، وأكابر العلماء، وأمثال النبلاء؛ وقد مضى ردح من الزمن ولم أر من عني بتأليف كتاب يتكفل بشرح سيرهم ويوفيهم حقهم على اختلاف صنوفهم ومشاربهم - فحملني الكلف باجتلاء عرائس المأثور من المنظوم والمنثور. وسير العظماء والمشاهير على تأليف كتاب جامع مانع يضم بين دفتيه تراجم من نبغ في هذين القرنين في العراق من مشاهير العلماء، ومجيدي الشعراء، وأخبار الأعيان والأمراء، وعظماء التجار والأغنياء، ومبرزي القراء والمغنين الظرفاء. . . الخ وظللت زمنا أتسقط أخبارهم من مختلف المصادر، واسأل عنهم من لقيت من الشيوخ الثقات حتى توفر لدي منها (رقائق تحسد رقتها أنفاس النسيم، وقلائد تروع حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم). وقد احب حضرة الأستاذ الكرملي أن انشر في كل جزء من (لغة العرب) نموذجا من ذلك يكون تحفة لقرائها، ومرجعا للباحثين عن تاريخ العراق. وهاأنا ذا محقق بغيته: نموذج من تراجم الظرفاء الملا طعمة بن عبد الوهاب 1 - كان في بغداد من نوادر الإعصار يذكرك إذا سمعت أخباره أبا نواس في نوادره وغرائبه. وهو ربيب الشيخ محمد سعيد الطبقجلي مفتي بغداد وجده صبيا يبكي عند
باب جامع الحيدرية ضالا فسأله عن اسمه فقال: (طعمة) وعن أبيه فقال: (عبد الوهاب) فأخذه إلى داره وعني بتربيته وتهذيبه ووكل به من علمه القرآن الكريم فحفظه حفظا متقنا، وتعلم الخط فجوده، ودرس اللغة العربية وشدا الأدب، وأتقن صناعة التجليد، وحذق ضروب الغناء والضرب على الكمنجة حتى اصبح في فنونه أعجوبة الدهر. وكان مفرط الذكاء مجيدا في تقليد الحركات والحكايات والأصوات منقطع النظير في السباحة؛ يتصرف فيها تصرفا عجيبا ويأتي فيها ضروبا لا يكاد يقدر عليها إنسان فكان تارة يعوم على سطح الماء منتصبا حتى لكأنه جالس على كرسي أو فراش وثير ويضع على فخذه نارجيلة يدخن بها ذاهبا آئبا يمينا وشمالا. وتارة يقطع دجلة منكسا رأسه لا يبين منه سوى عجزه خارجا إلى غير ذلك مما يفتن الألباب من عجائب الألعاب. ومن نوادره قصة مشهورة يذكرها الشيوخ فيما يذكرون في مجالسهم من النوادر والغرائب، وذلك أنه قبل أن يبقل عذاره ويطر شاربه صنع من الصوف لحية وشاربا ووضعهما في موضعهما من وجهه ولبس عمامة هندية كأنها العش، وهيأ له من حمل أمامه الفانوس (المصباح) وقت العشاء في الصيف فأستأذن على مربيه المفتي وكان مجلسه غاصا بأصحابه الفضلاء والأعيان قائلا: أنه من حكماء الهند وأطبائها فأذن له فلما دخل نهض المفتي واستقبله وجذبه إلى الصدر ورحب به وقد خفي عليه أمره فأخذ طعمة يتكلم بلهجة هندي تعلم العربية واظهر أن له اليد الطولى في الطب والحكمة، وكان في المفتي وفي كثير من جلسائه أمراض لا تخفى عليه لكثرة خدمته لهم ووقوفه على خافيهم وباديهم، فصار كل واحد منهم يتقدم إليه فيجس نبضه ويفحصه فحص الطبيب الحاذق فيخبره بما فيه ويصف له ما يناسبه من العقاقير حتى بهرهم وأخذتهم الدهشة من حذقه ومعرفته. فلما أستأذن للوداع شيعه المفتي وجماعته معجبين به راغبين إليه في الاجتماع به كثيرا حتى إذا بلغ السلم انحدر مسرعا كالبرق فضحك الخدام ضحكا عاليا سمعه المفتي وأصحابه في السطح فسألوا عن السبب فأخبروهم بالأمر فاستغرقوا في الضحك واعجبوا بنكتته.
وقد بدل اسمه أخيرا باسم (ناجح) فقال فيه الأديب محمد فهمي العمري على سبيل الممازحة: هنئت يا (ناجح) في هذا اللقب ... اسما سما جميع أسماء العرب يا لك من اسم إذا سمعته ... يهزني من حسن لفظه الطرب لازلت يا (ناجح) تسمو في الورى ... باسمك هذا رتبا فوق رتب تفاؤلا بالخير في نجاحكم ... به دعاك الناس يا أبا العجب لم تر عيني كاتبا بين الورى ... كناجح أن خط يوما أو كتب وأن تغنى اسكت ابن معبد ... وأخجل الحبر أبن هاني أن خطب أجارك الله من اسم قد غدا ... في قبحه كأنه داء الجرب لا بارك الله بطعمة بلى ... بارك عز شأنه في ذا اللقب وجن طعمة في آخر عمره وتوفي سنة 1315هـ في بيت آل جابر أفندي في الحلة، وقد بلغني أن لديهم مجموعة من شعره ولم يصلني منه إلاَّ شيء قليل أوردته هنا؛ قال وقد سرقوا حذاءه وتركوا له عوضا عنه حذاء طويلا يفضل عن قدمه: قطع الله يمينا ... سرقت مني حذائي عوضتني بحذاء ... نصفه يمشي ورائي ويروى (عوضتني فلك جسر. . . الخ). وقال يهجو بيتا من بيوتات بغداد: بسوء الفعل يا أبناء دلّة ... تركتم كل قلب فيه علة فما فيكم فتى يرعى ذماما ... ولا حر يرى حق الاخلة ترديتم ثياب اللؤم طبعا ... وصرتم في البرايا شر ملة فما شهد الزمان لكم بفضل ... ولا ذكرت لكم في الخير خصلة إذا طرق الضيوف لكم فناء ... طلبتم من نساء الحي بوله لتطفوا نار موقدكم سريعا ... مخافة أن يحوم الضيف حوله
متى ترحم قلوبكم فقيرا ... متى تسمح كفكم ببصلة متى جدتم على عاف بشيء ... يساوي قدره في الناس نملة فمن يرجو شرابا من سراب ... كمن يرجو ندى من آل دلّة فقبح حيكم من حي قوم ... متى ما حرك النباح ذيله لكم في السؤ أخبار تجلت ... كعين الشمس لم تحتج أدله جراحات السنان لكم طباع ... لها لسع أباد الجسم كله فصور شخصهم قبرا بأرض ... بها الأموات أضحت مضمحلة ولا تأسف على قوم لئام ... تبين لؤمهم عند الاجله ولا تغتظ من الاردا ودعه ... ودع في. . . . ستين جزله وقال يمدح السيد عارف حكمة ابن العلامة السيد عبد الله الالوسي يوم كان (مدير المال) في السماوة، وقد وجدته بخط شيخنا العالم الجليل السيد علي علاء الدين الالوسي عليه رحمة الله: زان السماوة عارف بوجوده ... فحكت به روضا زها بورده أو ما ترى أرجاءها بأريجه ... طابت وأزهر روضها بوجوده بوفوده أنحاؤها قد أشرقت ... قد أشرقت أنحاؤها بوفوده شهم سما الأقران فضلا ياله ... فضل يحار العقل في تقليده ما خاب من وافاه يطلب نيله ... كم معدم أحياه وابل جوده ورث المكارم كابرا عن كابر ... والفضل عن آبائه وجدوده لما مضى أسلافه خلق الندى ... فسعى وايم الله في تجديده وكذا الوفا لما وهت أركانه ... أضحى شديد العزم في تشييده اكرم به من أريحي دأبه ... بذل الندى لعدوه وودوده لازال في فلك السعادة كوكب ... يبدي السنا لقريبه وبعيده محمد بهجة الأثري
دفع المراق في كلام أهل العراق
دفع المراق في كلام أهل العراق لهجتهم في الأسماء الثلاثية: كل ما كان من الأسماء الثلاثية ساكن الوسط، ولم يكن مضافا إلى ضمير المفرد متكلما كان أو مخاطبا أو غائبا، جعلوا وسطه متحركا في كلامهم، غير أن هذه الحركة تختلف باختلاف حركة الحرف الأول من الأسماء فأن كان الحرف الأول مضموما جعلوا الحرف الثاني مضموما أيضا، كقولهم في قفل قفل، وفي شغل شغل، وفي خبز خبز، وفي حكم حكم وفي جرم جرم، وفي شكر شكر وفي كفر كفر، وفي مهر مهر. هذا هو الغالب في كلامهم. وأما قولهم في حسن بكسرتين وكذلك في جبن جبن وفي دهن دهن فشاذ أو هو على توهمهم أن أصله فعل بكسر فسكون. وأن كان الحرف الأول من الاسم مكسورا، جعلوا ثانيه مكسورا أيضا، كقولهم في حمل حمل، وفي حبر حبر، وفي حلم حلم، وفي فكر فكر، وفي ذكر ذكر، وفي كذب جذب، وفي شبر شبر، وفي تبن تبن. وإن كان الحرف الأول من الاسم مفتوحا، جروا في حركة ثانية على ثلاثة وجوه: الاول أن يجعلوه مفتوحا أيضاً كقولهم في بحر بحر، وفي دهر دهر، وفي مهر مهر الثاني أن يجعلوه مضموما؛ كقولهم: في تمر تمر، وفي خمر خمر، وفي جمر جمر، وفي قلب كلب، وفي قبر كبر، وفي حرف حرف، وفي صبر صبر، الثالث أن يجعلوه مكسورا كقولهم في نجم نجم،
وفي كلب جلب، وفي أرض أرض، وفي كرد جرد، وفي فرد فرد، وفي برد برد، وفي شمع شمع، وفي دمع دمع. ويتحصل من هذا: أن الاسم الثلاثي الساكن الوسط، إن كان مضموم الأول ضموا ثانيه، وإن كان مكسور الأول كسروا ثانيه، وكانت هذه الحركة من قبيل حركة الاتباع؛ وإن كان مفتوح الأول جروا في حركة ثانيه على ثلاثة وجوه؛ الضم والفتح والكسر؛ وإن هذا أعنى تحريكهم الحرف الثاني إذا كان الاسم غير مضاف إلى ضمير المفرد، سواء كان متكلما أو غائبا أو مخاطبا. وأما إذا كان مضافا إلى أحد هذه الضمائر فإنهم يبقون ثانيه ساكنا ولا يحركونه بخلاف ما إذا كان مضافا إلى ضمير الجمع من المتكلم والمخاطب والغائب فانهم حينئذ يحركونه أيضاً على الوجه الذي ذكرناه. وأما إذا كان الاسم الثلاثي متحرك الوسط وكان مفتوح الاول والثاني فانهم يجرون فيه على ثلاثة اوجه: الأول أن يبقوه على حاله بلا تحريف ولا تغيير كالخبر والطرب والكرب والذهب والحطب والعجب والشعر وغير ذلك؛ الثاني: أن يحرفوه بجعل فتحته الأولى ضمة كقولهم في القمر كمر، وفي الكبر كبر (لهذا الشجر المعروف). وفي الطبر طبر، وفي صفر صفر، وفي ثفر ثفر وفي هذا الأخير تحريفان: إبدالهم الثاء المثلثة تاء مثناة وجعلهم فتحته الأولى ضمة، الثالث أن يحرفوه بجعل فتحته الأولى كسرة كقولهم في الجمل جمل، وفي الخشب خشب، وفي الكفن جفن، وفي الشجر شجر، وفي القدح جدح لهجتهم في فعيل وفعيلة كل ما كان على فعيل وفعيلة من الأسماء والصفات جرت ألسنتهم في الأعم
الأغلب بكسر أوله كقولهم طويل وطويلة وجريم وجريمة وشعير وشعيرة وسمين وسمينة وكصيف وكصيفة وربيع وربيعة وجريب وجريبة. وكقولهم عبد المجيد؛ وعبد الرحيم؛ والشيخ سعيد؛ وهذا المال صار نهيبة؛ وبيت أم كصيبة؛ وعندها من الغزل وشيعة؛ وجاب الماي من الشريعة؛ وفلان نسيب فلان (أي صهره)؛ وعساهم بالكطيعة؛ ونام على السرير؛ وفلان ركب البعير؛ وفلان يخاف من الصفير؛ وهذا جبير وهي جبيرة؛ وصغير وصغيرة؛ ونخلت الطحين؛ إلى غير ذلك. وهذا هو الشائع في كلامهم. وهناك من الكلمات التي هي على وزن فعيل مالا تجري ألسنتهم بكسر أوله بل بالفتح كعريض وغريق وحبيب وغير ذلك. والعمدة في هذا الباب على السماع. لهجتهم في فعال كل ما كان من الأسماء والصفات على فعال بالضم؛ أو على فعال بالفتح؛ أو على فعال بالكسر؛ جرت ألسنتهم في الحرف الاول منه بكسرة غير محسوسة بحيث يظن السامع أن أول الكلمة ساكن غير متحرك. وقد سمينا هذه الحركة ب (الحركة الضئيلة) ولولا أن الابتداء بالساكن متعذر في اللهجة العربية لحكمت على أول هذه الكلمات بالسكون؛ إلا أنه في الحقيقة غير ساكن بالمرة كما يظهر للمتأمل عندما يسمع كلامهم؛ فإنه يلوح له عند نطقهم بمثل هذه الكلمات جزء ضئيل من حركة الكسر يصح أن يعد عشر الكسرة وذلك
في مثل؛ غراب وكتاب وعذار وحساب وغبار وتراب وجراب وعليه قولهم وهو من أمثالهم: (غراب يكول الغراب وجهك اسود). وهذا إذا لم تقع هذه الأسماء في أثناء الكلام ولم تدخل عليها الألف واللام؛ أما إذا دخلت عليها الألف واللام فان الحرف الأول منها يكون حينئذ ساكنا سكونا ظاهرا بنقل الكسرة منه إلى ما قبله اعني اللام من أداة التعريف كقولهم وهو من أمثالهم أيضا: (ضرط وزانها وضاع الحساب) بكسر لام التعريف وسكون الحاء من حساب؛ وكذلك إذا وقعت الكلمات المذكورة في أثناء الكلام فإنها حينئذ يظهر سكون أوائلها بنقل الكسرة الضئيلة منها إلى ما قبلها كقولهم للفرسين يجريان في السباق وقد تقدم أحدهما شيئا قليلاً؛ (جن إذن وعذار) بكسر واو العطف وسكون العين من عذار. وكقولهم وهو من أمثالهم أيضا: (جوز معدود بجراب مشدود). وهذه الكسرة الضئيلة تقع في أوائل الجموع التي هي على فعال أو فعول كرجال وجبال ونعاج وحمول وخيول وهموم وغير ذلك. وإذا وقعت هذه الجموع في أثناء الكلام ظهر السكون في أولها بنقل الكسرة منه إلى ما قبله وعليه قول شاعرهم صاحب العتابة: (أبات الليل وهمومي علي) بكسر واو العطف وسكون الهاء من همومي، وكقول الآخر في عتابته أيضا؛ (خدودك شمس وعيوني حربها)؛ أما الخاء من خدود فمكسورة كسرة ضئيلة تشبه السكون لأن كلمة خدود واقعة في ابتداء الكلام لا في أثنائه؛ وأما العين من عيوني فساكنة سكونا ظاهرا؛ لكونها واقعة في أثناء الكلام فنقلت كسرتها الضئيلة إلى الواو التي قبلها. وكذلك إذا دخلت الألف واللام على هذه الجموع ظهر السكون في أولها بنقل الكسرة منه إلى اللام. كقولهم وهو من اغانيهم؛ (خليتني يا شوك كركي بالجبال) بكسر لام التعريف وسكون الجيم من جبال. معروف الرصافي
استفتاء
استفتاء ما رأي صاحب لغة العرب في الألفاظ العربية التالية وفي ما يقابلها في الفرنسية: 1 - السلى (وزان فتى) 2 - الفاقياء (وزان قاصعاء) 3 - السابيآء. 4 - الحولاء (كنفساء وعنبآء) 5 - الصاءة أو الصاة (كالساحة أو السحاة) 6 - السخد (كقفل) 7 - المشيمة (ككريمة) عثرت في أثناء مطالعتي في بعض المجلات والكتب الطبية العربية الحديثة على الفقرات التالية حول النفاس: (ربما كانت الحامل مصابة بارتكاز المشيمة (؟) المعيب. . . فقبل إتمام مدة الحبل (؟). . . وفي آخر دورته الثالثة (؟). . . فتح الفقاء. . . وسال المائع الامنيوسي (؟). . . وبعد وفاتها والكشف على الميت (؟) شوهد في الوريد الفخذي آثار صمامة (؟). . . وما دون ذلك. . .) فان اعترف الرأي العام من باب البديهيات أن اللغة العربية المدونة في المعاجم ليست واحدة بل هي مجموع لغات باد معظمها وربما لم يبق من المتكلمين بها اليوم إلاَّ النزر القليل؛ فرأيي الشخصي هو أن لابد للرأي العام نفسه أن يقرر تقريرا خاليا من كل تردد وتلكؤ فيخصص بكل معنى لفظا واحدا؛ ولا يتخذ الألفاظ المترادفة في المصطلحات العلمية إلاَّ من بعد أن تتوفر لديه الكلم اللازمة لكل معنى ولو كان دقيقا. تلك قاعدة مطلقة لابد من الجري عليها في كل لغة لحسن التفاهم؛ مهما تعاقبت العصور واختلفت الأمم وتفرعت القبائل. أن جهل هذه الفروق في عهدنا هذا؛ أو قل؛ إهمال الوقوف على هذه
الفروق في اغلب كتب اللغة وعدم اهتمام بعض الكتبة بها؛ كان من أهم الدواعي إلى وضع الألفاظ العربية الفنية؛ ولاسيما الطبية منها. وهذا ما حدا بالأطباء إلى أن يستعملوا مثلا السخد (وزان قفل). والمشيمة، والسلى، والحولاء بمعنى واحد. أو يكاد. وعندهم الفاقئاه والسابياه شيء واحد. والصاءة والحولاء بمعنى واحد. ولو أعملنا الفكرة في كل من هذه الكلم ودققنا النظر في الأحوال التي وردت أو في تلك الأحوال التي شوهد فيها الجنين والرحم وملحقاته عند الولادة؛ ونقبنا عن أولئك الذين دونوا هذه الحالات الخلقية (الفسيولوجية) من حيث مقدرتهم وسلطتهم في العلم واللغة حين وقوفهم عليها أو تحريهم إياها واتصالها بهم. ودرس كيفية ذلك الاتصال؛ لرأينا بدون شك انهم كانوا على غير ما نقلت عنهم المعاجم؛ أو قل؛ لما رأينا في تلك الدواوين الغوامض والألغاز والشبهات على ما نشاهدها اليوم. ذلك أمر دفع أطباء هذا العهد إلى التردد في قبول ما نقله الأقدمون، وبذل الجهد لسد الثلمة التي كانوا في غنى عنها لوضع مصطلحاتهم لو كان في تلك المصنفات أحكام الوضع، وإتقان النقل، وإيضاح المبهمات. إذن عملهم اليوم هو نتيجة انحراف المدونين عن صراط التلقي والتصحيح والتقليد والاجتهاد. لا جرم. أن كلا من كتبة العصر لم يضع لفظا إلاَّ واستند إلى أحد كتب اللغة أو إلى أحد الأطباء الأقدمين أو الباحثين في العلوم الطبية؛ توصلا إلى سد تلك الفجوة؛ فجوة الحاجة. - وعليه أني لا أتصدى للغويين في موقفي هذا إلا بالتي هي احسن لأني أراني ممن لم يؤتوا السلطة للإقدام على هذا العمل ولكن ذلك لا يمنعني من القول أنى لا أجد في معاجمهم ما احتاج إليه من الثقة والضمان لأعول عليه في ما يعود إلى الفروع الفنية؛ ولا سيما إلى ما يعود إلى الفروع الطبية منها؛ لأنني لم اعهد فيهم ذوي إلمام باللغة والفن معا للركون إلى آرائهم وأحكامهم. هذا من جهة؛ وأما من الجهة الأخرى فإني كثيرا ما وجدت وشاهدت
تناقضا غريبا في تفسيرهم لبعض المصطلحات والاوضاع؛ وهم كلهم لم يزالوا في نظر القوم من الثقات وذوي الكلمة المسموعة في اللغة. يقول أحد أقطاب اللغة مثلا؛ أن الصاة أو الصاءة هي الماء يكون في المشيمة وقال آخر عن السخد هو ماء يخرج مع الولد أي أن الصاءة والسخد بمعنى واحد لكن الاول يقول عن المشيمة أنها غشاء ولد الإنسان؛ والثاني يعتبر السابياء مشيمة مع شيء من التردد؛ ولذا يزيد على قوله الأول؛ ولعلها جليدة رقيقة على انف الطفل أن لم تكشف عند الولادة مات. أما اللغويون المحدثون فلم يزيدوا كلام الأقدمين جلاء ولذا كان كلام هؤلاء وأولئك على وجه واحد من الإبهام والاعجام. ثم أرى المحدثين لم يتفقوا على وضع الألفاظ اتفاقا مجمعا عليه. أرى بعضهم يسمي ال بال (إبعاد أو الجر عن المركز) وقرأت لآخر إنها (الإدارة) ثم جاءنا الكرملي وقال: هي (الانتباذ) ولعله اصاب؛ لكن أي ن هو الاتفاق. أما رأيي الخاص فهو أني لا أرى مانعا من أن اسميها: (الطحر) (بطاء مفتوحة يليها حاء وفي الأخر راء) لا بل ارجح هذا المصطلح على سواه لما بينه وبين مدلول الكلمة الفرنجية من العلاقات الشديدة معنى ومبنى وسيأتي عنها في مقال غير هذا. إذن ما هذا التبلبل؛ بل ما هذا التذبذب؛ لا بل قل؛ كل هذا جهل للشيء المقصود جهلا لا ينكر؛ أو لا اقل من انه اختلاف وتشاق في وضع الألفاظ لما يعرفونه حق المعرفة أو يدعون معرفته على هذه الصورة فكيف بهم لو أرادوا وضع ألفاظ لما لا يعرفون جد المعرفة حقيقته الأصلية من الأشياء التي ليست في بلادهم ولم يروها؟ أما الأطباء الأقدمون ومنهم الشيخ الرئيس ابن سينا الزعيم الأكبر لأبناء اسكولاب والإمام الرازي والجراح الشهير ابن القف النصراني والزهراوي وبختيشوع ويبريل إلى غيرهم. فمع إعجابي بهم؛ فإنهم تفردوا كما تفرد أطباؤنا اليوم بوضع المصطلحات الطبية؛ أو قل باتخاذها من غير أن يتواطؤوا على وضعها ويوحدوها. ولم يبرهن أحدهم على رجحان أوضاعه على أوضاع
صاحبه؛ فقال أحدهم مثلا: أسقطت المرأة؛ وقال الثاني: أجهضت؛ فجاء الثالث فقال: لا بل طرحت؛ ثم زاد الرابع مرادفا آخر وقال: دحقت. وهم كلهم أبناء عصر واحد أو يكادون من حيث الطب العربي. فأين وجه التعليل يا قوم؟ وإلى أين المفر يا أبناء عدنان وقحطان؟ افنلهو بجمع الألفاظ ونحن نتعلم الطب؟ أم نقضي الأعمار في تعلم مفردات اللغة؟ ثم هل نعترف بمعنى واحد لهذه الألفاظ التي افرغوا سيلها علينا؛ أم نقول أنها حروف وردت في لغة قوم دون قوم؛ أو في لغة قبيلة دون أخرى ولكل قوم وقبيل ألفاظ خاصة بها. أو نتخذها ألفاظا مختلفة لها معان خاصة بها ولكن غابت دقائق معانيها وفروق تراكيبها عن أصحاب المعاجم. ثم لما جهلوا ما فيها من دقائق تلك الفروق أفرغوها في قالب معنى واحد فقالوا ما قالوا؟ - تلك أسئلة قد يعسر الجواب عنها جوابا شافيا. وأن كان بعضهم تمحلوا لها حلا سلوا به أنفسهم. وهناك من الشطط الذي لا يغتفر، وهو ما ورد بعكس الحالة المذكورة أي تعبيرهم بكلمة واحدة عن أشياء مختلفة لا علاقة لها بعضها ببعض، حينما تعد اللغة العربية من أغنى اللغات السامية. مثال ذلك أن الكعب عند معظمهم العظم الناشز فوق القدم؛ وهو عند آخر: العظمان الناشزان من جانبيها. وهناك ثالث يخالف الأولين ويقول: كل مفصل للعظام هو كعب. . . إلى غر ما جاء في دواوينهم. ولا تظن أن للكعب هذه المزية من وروده بجميع المعاني أو بمعان عديدة بل هناك غيره. دونك الكعبرة مثلا فإنها تعني الكوع. وتعني الورك الضخم، وتعني اصل الرأس (انظر كيف انتقلنا من الورك إلى الرأس مع أن الواحد واقع في شمالي الجسم والأخر في جنوبيه) فما اعظم هذه الفروق وما ابعد الواحد عن الآخر في معناه ومبناه وسكناه! ومما زاد اللغة العربية عجمة مخلوطة بغرابة ظاهرة تصرف الأتراك فيها فكانت نهضتهم العلمية والقومية بلية علينا فوق بلايانا فلقد شيدوا على دعائم آدابنا ولغتنا، معاجمهم ومؤلفاتهم ومدوناتهم، واستنبطوا من لساننا مفردات علمية وضعوها على غير وجوهها غير ملتفتين إلى قاعدة معقولة إذ (تركوها)
أي صبغوها بصبغ تركي متبعين أهواءهم ومقاصدهم، ومتأثرين الإفرنج لا العرب في ما فعلوه في هذا المعنى. فجاءت كلمهم مستهجنة لا تمت إلى لغة بنسب فهي أن قلت: إنها عربية أو افرنسية أو إنكليزية أو لاتينية أو يونانية فأنت غير واهم، ففيها شيء من هذه اللغات كلها. فجاز لك أن تسميها بما تشاء. وأنت تعلم أن أبناء الغرب نحتوا ألفاظهم من اللاتينية أو اليونانية فهم يجرون على صراط سوي في نظرهم. والترك يدعون هذا المدعى عينه في نظرهم. إذن هم والإفرنج في رقي في مصطلحاتهم لأنها وإن كانت غريبة عن لسانهم ومشوهة الوضع. إلاَّ انهم ادمجوها بلغتهم كل الإدماج وادخلوها في آدابهم وفنونهم؛ وأصبحت اليوم تركية، كما أصبحت مصطلحات الفرنسيين فرنسية وأوضاع الإيطاليين إيطالية إلى غيرهم. ولهذا ترى كتب هؤلاء الأقوام مشحونة مفردات جديدة لم تكن في لسانهم قبل تبحرهم في العمران. ولكن هل إمعان الترك في حضارتهم وتصرفهم في لغات العرب وضوابطهم وآدابهم يزكي عمل المحدثين من كتاب العرب في أخذهم تلك المصطلحات عنهم وإدخالهم في كلامهم وهي على ما هي عليه من التشويه الشنيع والتضليل الفظيع بحجة شيوعها وتداولها بين الناس؟ - ذلك عذر اقبح من ذنب ولا اقبله لنفوسهم. آتي الآن إلى الموضوع الذي ارصدت له هذا المقال: 1 - السلى من الألفاظ التي اختلف الكتبة في وضعها تعبيرهم بلفظ واحد عن اغشية البيضة المسماة عند الافرنسيين أن هذه الأغشية هي عبارة عن ثلاث طبقات وهي: داخلية ومتوسطة وخارجية وهي متصلة بعضها ببعض بأنسجة ليفية وحشوية فالخارجية منها لاصقة بعضد الرحم الداخلي (أي بجدارها كما يقول بعضهم) حتى ساعة الولادة، فحينئذ تنفصل عنها وتغادرها بعد خروج الوليد منها ومعها مجموع الأغشية وسيأتي ذكرها عند البحث عن الطبقة الداخلية بعيد هذا.
والراجح عندي أن يطلق اسم (السلى) على هذه الأغشية الثلاثة. كل مرة أريد بها غشاء من أغشيتها من غير أن يفرق بين دور ودور من أدوار الحبل الثلاثة أعني الإبط والضبن والحضن. ولاسيما طالما تكون تلك الأغشية في الرحم. يؤيد هذه التسمية ما ورد عنها في بعض كتب اللغة إن السلى إذا انقطع في البطن هلكت الأم وهلك الولد. والمبادئ الطبية الحديثة تؤيد هذه الفكرة (النظرية) إذ قد ثبت أن السلى حينما ينخزع قبل أوانه أو في أوانه ويسيل المائع الامنيوسي منه، تأخذ العضلة الرحمية في التقلص والانقباض فيستحيل على الجنين البقاء في داخل الرحم لأنه يكون بعد ذلك أشبه شيء بجسم غريب في الموضع المذكور؛ فلابد للرحم حينئذ من أن تنبذه عاجلا أو آجلا. وفي مادة (سلى) اللغوية صلة معنوية بفعل (سلا) ومنه قولهم سلا الجذع أي نزع سلاءه وهو شوكه. وأنت تعلم أن وظيفة السلى للجنين ليست سوى المحافظة عليه من الخطر الذي يأتيه من خارج بما أعطي من الوسائط الآتية: (مرونة الأنسجة) أو الحيوية (إفراز المائع الامنيوسي) فكأني به ينزع سلاء العضلة الرحمية (بالانقباض والتقلص) أو يدفع الشدائد والصدمات الخارجية من رضوض وغيرها. تلك التي يحتمل وقوعها على البطن فتلقي الجنين منها. وهناك رابطة معنوية أخرى لا يستهان بها تربط المعنى العلمي بالمعنى اللغوي: أن السلى في اللغة مصدر سلي عنه أي طابت نفسه به. فمن ينكر كم تطيب غريزة الجنين حينما يكون في داخل سلاه مصونا من كل أذى في الداخل وفي الخارج. وكذلك قل عن الأم فلابد من أنها تسلو حينما تشعر بأن جنينها في مأمن حصين من كل أذى مرض أو تعرض وما ذاك المأمن سوى هذا السكن. 2 - الفاقئآء أما الكلمة الثانية فهي الفاقئآء: فقد جاء عنها في أحد المعاجم اللغوية أنها السابياء التي تنفقئ عن رأس الجنين عند الولادة. وقد قيل عنها أيضاً أنها جليدة رقيقة على أنفه أن لم تكشف عنه مات.
قلنا: أننا في حاجة كبيرة إلى مثل هذا اللفظ الثمين؛ لكن ليس بالمعنى المزدوج الذي ورد في المعجم، إذ في ذلك من الإبهام ما يخرجنا عن تتبع الحقائق بوجوهها العلمية. أننا الآن في الطب في مندوحة عن المرادفات بل حاجتنا إلى معنى مستقل بنفسه غير موجود في لفظ آخر؛ والحال انك تعلم أن السلى في الدور الأخير من الحبل ينبسط انبساطا صريحا عند مستوى عنق الرحم متأثرا من عامل الضغط الشديد الآتي من قبل رأس الجنين أو ينبسط عند قسمها القائم على العنق فيظهر قسم السلى بوضعه هذا بشكل جراب مستطيل في العنق ويتخلل أحيانا المهبل إذ هو النذير بحلول موعد الوضع؛ فينفقئ من شدة الضغط الحاصل في الداخل؛ وأحيانا يضطر الطبيب إلى بزله أو قل إلى فقئه حينما لا يتغلب الضغط من الداخل على صلابة السلى. ولهذا أرى من الأرجح أن تطلق لفظة (فاقئاه) على القسم الأسفل من السلى وذلك القسم الذي لا يرى إلا في الأيام أو الساعات الأخيرة من دور الحبل أو أن شئت فقل في قسم السلى المعد للفقء الخلقي (بكسر الخاء أي الفسيولوجي) أو الجراحي. يقابله في اصطلاح أطباء الفرنسيين ما معناه جراب المياه: 3 - السابيآء جئنا الآن إلى ما يسميه الإفرنج امنيوس وهو إحدى طبقات السلى وهي طبقته الثالثة من الداخل التي فيها الجنين. وعندي أنها لو تسمى في لساننا بالسابيآء لوفت بالمطلوب. ذهب بعضهم إلى أن السابيآء هي المشيمة التي تخرج مع الولد، فلا محل لهذه الفكرة (النظرية)؛ لأن هذا التعريف مبهم إبهام المشيمة الذي تقدم تفسيره؛ إذ لا السابيآء ولا المشيمة ولا أي عضو آخر من الأعضاء الوقتية من أعضاء الرحم يبقى فيها بعد الوضع؛ بل يغادرها جميعها حين مغادرة الجنين للرحم أو بعد مغادرته لها حالا. وقال آخرون: (السابيآء جليدة رقيقة تكون على أنف الجنين فإن لم تكشف عند الولادة مات) لعل أصحاب هذا القول قد أصابوا ظاهر الحقيقة حينما كانوا
يرمون إلى كبدها. أما نحن فلا نوافقهم عليه لأننا قلنا عن السلى لأنه مجموع الأغشية الثلاثة، أغشية البيضة؛ فحينما ينخزع السلى لسبب ما طبيعيا كان أم عرضيا؛ يتم ذلك بهيئة شق أو شقوق متعددة ولكن من غير أن تنفصل أجزاؤه بعضها عن بعض. وهذا ما يقع غالبا؛ كما أنه قد ينخرع وتنفصل جذمة (قطعة) من الجذل لا غير، فيخرج الوليد وعلى وجهه تلك الجذمة التي ينبغي رفعها حالا عن وجهه لئلا تكون له مانعا تمنع عنه الهواء الذي يحتاج إليه للتنفس حالما يسر أو قبل أن يسر. ولما كانت الجليدات الرقيقة التي ترى أحيانا على وجه الوليد وهي في موضوعنا هذا جذمة السلى غير معروفة المصدر إذ قد تكون جذمة من المشيمة أو جذمة من الطبقة الوسطى أو جذمة من الطبقة الداخلية أو جذمة من الطبقات الثلاث معا أي الجذمة السلوية فقط؛ نرى أنه من الأرجح أن لا تطلق كلمة (سابياء) إلاَّ على الغشاء الداخلي بأسره لا على جذمة من الجذم. وحينئذ تقابل كلمة الفرنسية. أما إذا ثبت أن الجذمة كانت قطعة من قطع أحد الأغشية الثلاثة فقط فتنعت حينئذ (بالجذمة السابياوية) أو (المشيمية) أو (الوسطى) إلى أن يتاح لنا وضع لفظ خاص بهذا الغشاء الأخير أو بكل غشاء من هذه الأغشية الثلاثة. ومما يحملنا على اتخاذ هذه الكلمة للمعنى الذي نريده هو اصل المادة اللغوية نفسها. فالسابياء مشتقة من مادة (سبى يسبي سباء) وهلا يكون الجنين في أثناء حياته في الرحم إلاَّ كالسبي في السابياء لأنها اقرب الطبقات الثلاث السلوية إليه ولا يقيه في سبيه إلاَّ هي وذلك بواسطة المائع السابياوي أو الامنيوسي الذي تفرزه ذلك السائل الذي سماه بعضهم السخد مع أن السخد هو غير هذا السائل كما سترى. على أن بعض المحدثين قلد جماعة من الأتراك في التسمية فنعتوه بالمائع (الرهلي) أو (الرهل) (بالتحريك) مع أن هذا مردود وان كان في الحرف ما يدل على الاسترخاء وعدم الصلابة لأن الجسم المائع لا يعني الرخو أو عديم الصلابة والفرق بين المائع والرخو ظاهر لكل ذي عينين. ومنهم من قال إن الرهل هنا موافق لهذا السائل لأن الرهل في اللغة السحاب
الرقيق الذي يشبه الندى. قلنا: ولعل هؤلاء كانوا اقرب إلى الصواب من غيرهم إليها لولا أن كلمة (الحولاء) موجودة في لساننا وهي عندنا اصلح من غيرها للدلالة على ما نريد به، لأسباب لغوية وخلقية وتشريحية وموضعية، ودونك موجزها: 4 - الحولاء 1 - قال اللغويون: حال حولا: تم. وبغير هذا المائع لا يتيسر للجنين أن يتم نموه وتطوره في الرحم بدرجة صحيحة) 2 - وقالوا: حال المشي حولا: تغير من الاستواء إلى العوج. وفي هذا المائع (أي الحولاء) يتغير سير الجنين من حالة الاستواء التي كان عليها في الأشهر الخمسة الأولى إلى حالة العوج وهي وضع الجنين في الرحم في الأشهر الأربعة الأخيرة. 3 - وقالوا: حال حولا إلى مكان آخر: انقلب. وبغير هذا المائع لا يتيسر للجنين أن ينقلب في داخل الرحم، ولاسيما في الشهر الأخير، إذ يستقر الرأس عند عنق الرحم بعد أن كان قبيل ذلك العهد بجوار قعر الرحم أو في أحد جانبيه. 4 - وقالوا: تحول: تحرك. قلنا ولا تتاح الحركة للجنين بدون المائع والجنين لا يجس أو يشعر به بدونه. 5 - وقالوا: حال حولا: حجز حجزا ومنه الحول وهو الحاجز. قلنا: وهذا السائل هو الحاجز أو الوسيط المنيع بين الجنين والسلى لتخفيف الصدمة من الخارج، أو لحجزها عنه كل الحجز مهما كان مصدرها. 6 - وقالوا: الحائل: المتغير اللون. قلنا: ولون هذا المائع يتغير بتغير المواد الممزوجة به من بول وغيره. تلك المواد التي يبرزها الجنين وهو في بطن أمه. هذا ما نراه وإذا صح إطلاق هذا اللفظ على المائع الامنيوسي فلابد من التأمل في مصير كلمة:
5 - الصآة أو الصاءة فالصآة أو الصاءة على ما ورد في كتب اللغة هي الماء الذي في المشيمة والمرجح أن المراد بالصاءة مقدار المائع الامنيوسي الموجود في الفاقئآء وحدها وعلى هذا الوجه نكون قد عينا بصورة واضحة ووافية معنى السلى وما فيه من مائع وهو السابياء وعرفنا ما هي الفاقئاء وما تحويه من الصاءة وهو قسم من السابياء لا غير. 6 - السخد وعلى سبيل القياس ترجم الأتراك - وفي مقدمتهم الدكتور يوسف رامي اللبناني أستاذ فن التشريح في الآستانة وواضع اغلب مصطلحات الطب عندهم - كلمة (بالمشيمة) وذهب مذهبه اغلب الأطباء المحدثين من طلاب الجامعة التركية أو من المغرمين بآثار الأستاذ المشار إليه؛ غير أنني لا أوافقهم على هذا اللفظ عند البحث عنها في لغة الضاد. الذي أراه أن المشيمة (وهي عندي اسم وقد تحتمل أن تكون مؤنث مشيم المشتقة مادتها من اصل كلمة شامة فيكون معنى المشيمة التي عليها شامات) أحرى بان تقابل كلمة الإفرنجية، أي الطبقة الثالثة الخارجية التي يتركب منها السلى. والدليل على ذلك إننا لو تأملنا تأمل مشرح في وجه هذه الطبقة الخارجي لرأينا عليها حليمات دقيقة ناتئة، وربما كانت ذات زغب، ولما لم يكن في وسع السلف الأقدمين أن يميزوه آنئذ برؤية العين بين الشامات وبين النتوءات نعتوها بالمشيمة. وهذا ليس بالأمر الغريب، فان بعض العرب المولدين بل العرب الأقدمين أيضاً لم يزالوا يستعملون حتى هذا العهد كلمة (شامة) في مكان (الخال) - ويا ليتهم أطلقوا كلمة (خالية) على المشيمة، أي على هذه الطبقة الثالثة الخارجية، لكانوا اقرب إلى الصواب، لان (الخالة) هي شامة ناتئة على سطح الجلد؛ وأما الشامة فلا تتعدى مستواه السطحي.
7 - المشيمة بقي علينا قول الغويين أن المشيمة هي (غشاء ولد الإنسان يخرج معه عند الولادة) فهو قول لا يخلو من بعض الحقيقة، فانهم اكتفوا بالتعبير عن مجموع الأغشية (بالمشيمة) وهي إحدى طبقات أغشية البيضة لا غير. وذلك لأنها الطبقة السطحية التي تقع تحت البصر دون غيرها عند خروجها مع الطفل وقد يحتمل أن العرب لم يكونوا واقفين في ذلك العهد على أقسام أغشية البيضة كلها، كما عرفنا إياها اليوم علماء التشريح. وعليه يجدر بنا أن نضع للبلاسنتة اسما غير المشيمة ولعل اسم (السخد) هو الموافق لها كل الموافقة، أنني لا اجهل أن بعض رصفائي سموا (سخدا) السائل الذي في أغشية البيضة استنادا إلى ما ورد في بعض المعاجم القائلة: (السخد ماء أصفر غليظ يخرج مع الولد). بيد أننا نقول: لا يخرج الماء كله مع الولد على ما هو مقرر عند أصحاب الفن. إنما يخرج بعض منه قبله وهو (الفاقئاء) وقد مر بك ذكره، وبعض منه يخرج معه والبعض الآخر بعده وهو الصاءة، وقد يبطيء الولد أحيانا ساعات عديدة في داخل الرحم بعد خزع الأغشية وخروج الماء بكليته ونفاده. وقال آخرون: بل السخد هنة كالكبد والطحال مجتمعة تكون في السلى، وربما لعب بها الصبيان. قلنا: هذا القول هو اقرب إلى الصحة من غيره إليها، لان السخد أي البلاسنتة تشبه في خارجها كتلة ثخينة رخوة وتكاد تكون مستديرة وهي معلقة من وسطها بحبل أجوف (وهو الحبل السري) ويجوز بل يصح، بعد أن يسر الوليد وتلقى مع الحبل، أن تكون ألعوبة لصبيان ذلك العهد المبارك! وجاء في كتب متن اللغة قولهم: المسخد (وزان مقدم) وهو المسفر والثقيل والمورم. والحال أن من ينظر إلى هذا العضو بعد أن ينفصل من الرحم ويفقد جانبا عظيما من الدم المتشبع منه، يره أشبه شيء بقطعة رخوة مورمة وثقيلة ومصفرة إذن لا يستغرب إطلاق كلمة (سخد) عليها حتى قبل فقدها
جواب الاستفتاء
ذلك الدم المعد لارواء الطفل وتغذيته حين قيامها بمهمتها المعلومة في بطن الرحم. ويرى بعضهم أن كلمة (السخد) لا تخلو من بعض العلاقة (بالسختة) التي معناها الشديد والصلب، بل لعل السخد تصحيف السخت. والحق يقال أن السخد هو اصلب أنسجة أعضاء الرحم الوقتية التي تتطور في أثناء الحبل وتزول بزواله. فالآن ما رأي صاحب لغة العرب في هذه الألفاظ وله الشكر منا سلفا. المخلص الدكتور حنا الخياط جواب الاستفتاء 1 - السلى: لم نجد في الدواوين اللغوية العربية كلمة تقابل غشاء البيضة أي تقابل ما يسميه الإفرنج أما السلى فليس به على ما تتبعناه. والذي ذكرناه في معجمنا العربي الإفرنجي والفرنجي العربي الخطيين أن السلى هو ما يسميه الفرنسيون أو - وبالإنكليزية وباللاتينية وباليونانية أو وهو اسم لما يبقى في الرحم من مشيمة وسخد وسابياء وغشاء ساقط بعد خروج الولد، ثم يطرح بعده - والمادة مشتقة من اصل ممات في لغة الضاد وحي في اللغة الأخت الارمية، من سلى يسلي أي نبذ ونفى، فيكون معناه: الرذالة والنفاية وهو ما يوافق المعنى المطلوب. أما ما ذهب إليه الدكتور الصديق من الاشتقاق فخياليا اكثر منه حقيقيا أو لغويا. على أنه قد يصح أن يطلق السلى على ما يسمى بغشاء البيضة لأن صاحب لسان العرب يقول في مادة ح ول: الحولاء. . . وقيل: جلدة تأتي بعد الولد في السلى الاول أهـ. فهذا كلام يشير إلى أن هناك غير سلى واحد. فإذا
كان ثان وثالث اتضح أن الكلام عن طبقات السلى، وحينئذ لا يكون هذا إلاَّ غشاء البيضة على ما قاله الطبيب البحاثة. 2 - الفاقياء (ولا تقل الفاقئاء كما في بعض كتب اللغة الحديثة، لأن الفاقئاء هي الأصل والفاقياء هي ما صارت إليه بعد القلب)، ويقال لها الفقء يوافق لما سماه الإفرنج والإنكليز واللاتين قالوا: هي قطعة من غشاء الجنين يدفعها الوليد أمامه وتكون على وجهه حين خروجه، وذلك إذا كانت شديدة القواء. ومن مرادفاتها عند العرب القضاة (وهي كجمع قاض إلا أنها مفردة من مادة قضى) والمسكة والماسكة والفقأة. قال ابن الأعرابي: الفقأة جلدة رقيقة تكون على الأنف، فإن لم تكشفها مات الولد أهـ. وأما ما يوافق جراب الماء عند العرب فهو في رأينا الحولاء كما سترى. 3 - السابياء. هي التي وصلنا إليها نحن أيضاً في تحقيقنا عن هذه اللفظة قبل عدة سنوات، واتبعناه في معجمينا المذكورين. أما ما في كتب اللغة الفرنسية العربية وبالعكس؛ أو ما في الكتب الإنكليزية وبالعكس؛ أو ما في كتب الطب المترجمة إلى العربية فهو غلط ظاهر. - والكلمة مشتقة من اصل حي في الارمية ممات في العربية، معناه الوسخة والقذرة والودكة والدسمة (وكلها بكسر العين). أما ما ذهب إليه الصديق الطبيب النطاسي من الاشتقاق فلا نوافقه عليه البتة، فهو من الخياليات الشعرية، لا من الحقائق المثبتة. 4 - الحولاء: ذهب الخدن البحاثة إلى أن الحولاء هو السائل الامنيوسي ونحن لا نرى رأيه؛ لأن اللغويين ذكروا بصريح العبارة إنها جلدة (أي جراب) فيها ماء بل قال في اللسان: (الحولاء غلاف أخضر (أي غض أو رخو: لا أخضر اللون كما يتوهمه بعضهم) كأنه دلو عظيمة مملوءة ماء وتنفقئ حين تقع إلى الأرض، ثم يخرج السلى فيه القرنتان ثم يخرج بعد ذلك بيوم أو يومين الصاة. . . ونزلوا في مثل حولاء الناقة. وفي
مثل: حولاء السلى. يريدون بذلك الخصب والماء، لأن الحولاء ملأى ماء ريا) أهـ فهذا كلام كثر ما يوافقه (جراب المياه) المعروف عند الإفرنج هذا فضلا عن أن الحولاء تقارب الارمية (حولا) ومعناها الكهف والغار، وما الجراب إلاَّ كهفا وغارا إذا ما وجد في داخل ظرف كبير كالبطن مثلا. أما الاشتقاق الذي ذكره البحاثة فنعتبره خياليا وشعريا لا نصيب له من الحقيقة إلاَّ المشابهة في الحروف. وأما ما يوافق السائل الامنيوسي فهو النخط (كقفل) قال في اللسان: يقال للسخد وهو الماء الذي في المشيمة النخط فإذا أصفر فهو الصفق والصفر (وكلاهما كسبب) والصفار. أهـ 5 - الصاءة أو الصآة: هي حقيقة ما يقابلها عند أطباء الفرنسيين ما معناه: 6 - أكثر ورود السخد في كتب العرب بمعنى الماء الذي يكون على رأس الولد. هذا هو معناه المشهور كلما ذكروه. على أن بعضهم أورد له معنى لم يذكر لأي لفظة وهو قولهم: السخد هنة كالكبد أو الطحال مجتمعة تكون في السلى وربما لعب بها الصبيان (اللسان بحرفه) فهذا الكلام لا يوافق إلاَّ لما يسميه الإفرنج وقد سماها الإفرنج بهذا الاسم ومعناه (الحلوى) لان للبلاسنتة هيئة مستديرة كهيئة الحلوى التي يصنعونها في بلادهم وهي إسفنجية القوام. وليس للعرب لفظة أخرى لها هذا المعنى أو مثله. وأما أن الاكثرين قالوا إنها المشيمة، فالغلط ظاهر لا يحتاج إلى أن يشار إليه؛ إذ لم يذكر لها العرب معنى كالذي ذكروا للسخد. ولهذا يحسن بنا أن نخصص لفظة السخد للبلاسنتة كما احسن انتقاءها الدكتور البحاثة. ونبقي غيرها لغيرها. ومن العجب أن المعربين الأقدمين الفصحاء عربوا كلمة بالمشيمة أو المشيمية ومعناها (شبه المشيمة) تكون في العين وهي الطبقة الموجودة بين الصلبة والشبكة. والحال أن اللفظة الإفرنجية مركبة من اليونانية التي من الواجب علينا أن نسميها (مشيمة) ومعناها الأصلي الغشاء. ومن
ومعناها شبه أو مماثل. إذن كيف قالوا في الكلمة الواحدة مشيمة وذلك للعين، وكيف خالفوها مرة ثانية فسموا البلاسنتة مشيمة وهي غير الأولى؟ فالخطأ واضح صريح. والجري على اصطلاح الأقدمين هو الصحيح ومخالفة المحدثين لهم مذموم على كل حال. أما اشتقاق المشيمة فهو من شام الشيء في الشيء أي ادخله وخبأه فيه ومنه الشيام للكناش. وقد ذكرنا مثل هذا للحولاء وأنها سميت كذلك لأنها تدل على الكهف والغار فهي إذن من هذا القبيل. وعليه يكون معنى الألفاظ المطلوبة هكذا: 1 - السلى - 2 - الفاقياء 3 - السابياء 4 - الحولاء 5 - الصاءة أو الصاة 6 - السخد (كقفل) 7 - المشيمة 8 - النخط (كقفل) 9 - غشاء البيضة
فوائد لغوية
فوائد لغوية عره وحزه! عند الإنكليز كلمتان يتلفظون بهما في أفراحهم وعرض جنودهم، حربيين كانوا أو بحريين، وإذا سألتهم عنهما لا يعرفون من حقيقتهما شيئا. ودونك تاريخهما: العرب كانت إذا اجتمعت في معاركهم والتفت الساق بالساق تسمع فيهم من يقول: عره، حزه! (ويلفظون عره بضم العين وتشديد الراء المفتوحة وضم الهاء الأخيرة إلا أنهم يسكنونها غالبا في الوقف كان يأمر الواحد أخاه بالعر وهو إصابة العدو بالضرر) ثم يقول للحال: حزه (وتضبط ضبط الأولى، ومعناها بقطع الرأس لأن حزه قطعه) ومحصل الكلمتين؛ عر عدوك (أي أصبه بشر، لا بل اقطع رأسه وهو الأهون لنا. هذا ما كان يجري في معاركهم الدامية، بل ما يجري في عهدنا هذا في
بعض أنحاء العراق، وكنا قد حضرنا بعضها. ثم انتقلت هذه الألفاظ من العرب إلى الترك. ولما كان السلطان يحضر عرض جنوده ولاسيما المماليك منهم (أي الينكشرية) كانوا يصرخون في آخر العرض: عره. حزه! كأنهم يتصورون انهم يؤمرون بعد قليل بذبح العدو فيشجع وأحدهم صاحبه على أي قاع الضرر بالعدو أو على قطع رأسه. ولما كان الترك مجاورين للروس تعلم هؤلاء منهم هذا الصراخ في الحرب ثم تلقاه عن الروس مجاوروهم الألمان سنة 1813 وعنهم الفرنسيون فالإنكليز؛ واليوم اكثر الناس استعمالا للكلمتين؛ عره! حزه! أبناء بريطانية الكبرى. ومن الغريب أن الملوك ورجال السياسة يهتفون بأحد هذين اللفظين أو بكليهما عند شرب النخب وهم يريدون بذلك أن (يحيى) الذي يهتفون له، غير عالمين أنهم يدعون عليه بالضرر والقتل. وقت استعمال هذين اللفظين يتلفظ بهما أو بأحدهما بكل ما أوتي الجندي من الشدة في الصوت عند الهجوم على العدو بألواح السلاح أي بالسلاح غير الناري. ويصرخ به أيضاً البحريون في بعض الحفلات عند زيارة رئيس الدولة لهم فيكون ذلك الهتاف بمنزلة شهادة على حبهم له. أو عند زيارة رئيس أسطول غريب صديق لدولتهم. واليوم تستعمل هذه اللفظة أو هاتان اللفظتان في جميع الأفراح والأعراس بل عند اجتماع الأصدقاء للشرب. فتكون من قبيل الدعاء بالشر عند العرب والمراد به الدعاء بالخير ومثله قول العامة؛ يخرب بيتك! وهم يطلبون من الله أن يعمر بيته! أما أن مثل هذا التعبير وارد في كلام الأقدمين فهو أشهر من أن يذكر فقد قال ابن الأعرابي؛ إذا قيل: قتله الله! لا يكون إلاَّ شتما، وإذا قيل: قاتله الله يكون تعجبا، ومثله ما لا عد له لكثرته، كقولهم: تربت يداه! وثكلته أمه! وهوت أمه! كل ذلك يستعمل على طريق التعجب واستعظام القول فيه) أهـ ولهذا قال بعض الشعراء: اسب إذا أجدت القول ظلما ... كذاك يقال للرجل المجيد قلنا: فقولهم: عره! وحزه! هو من هذا الباب. ومن أراد التوسع في هذا الموضوع فعليه بمراجعة مادة ت وب في التاج ففيه مجزأة.
أسئلة وأجوبة
أسئلة وأجوبة الضراوة سألنا أحد الأدباء من بغداد قال: ذكرت لغة العرب في جزءها الأخير (154: 4) أن الضراوة هي العادة المكتسبة من المداومة على الشيء أو من كثرة مزاولته إياه ونحن لا نوافقها عليه إذ هي ليست بمعنى الفرنسية بل هي بمعنى (العدوة ولزوم الشر) على حد ما جاء في (كتاب كليلة ودمنة المطبوع طبعة جديدة مدرسية مبنية على قدم نسخة مخطوطة مؤرخة وقد أبرزتها بحلتها البديعة مطبعة الأباء اليسوعيين في بيروت في الباب الثالث وهو باب البوم والغربان إذ جاء في ص174 منه: (واشد من ذلك كله في نفسي ضراوتهن ثم علمهن بمكانكن وجرأتهن عليكم مثل الذي ذقتم منهن. . .) فقد جاء في آخر الكتاب أي في معجم الألفاظ في ص303 ما نصه: (ضراه: أغراه وهيجه. - الضراوة العداوة ولزوم الشر.) أهـ وهذا كله يفسد رأي ما ذهب إليه صاحب لغة العرب. فكيف الجمع بين هذين القولين؟ قلنا: شارح اللفظة واهم ووهمه بين لكل ذي عينين، إذ ليس في كتب اللغة ما يؤيد رأيه، بل ولا في كتب الأدب كلها جمعاء. قال في لسان العرب في مادة ضري؛ ضري به ضرا وضراوة؛ نهج به. وقد ضريت بهذا الأمر
ضراوة. . . وقد ضراه (بالتفعيل) بذلك الأمر. . . وأصله من الضراوة وهي الدربة والعادة. . . يقال ضري الشي بالشيء: إذا اعتاده فلا يكاد يصبر عنه. أهـ ولم نجد لها في أي كتاب كان معنى العداوة أو الشر أو لزومه وفي الحديث: أن للإسلام ضراوة أي عادة ولهجا به لا يصبر عنه، على ما جاء في النهاية لابن الأثير ونقله عنه صاحب اللسان والتاج وغيرهما. فالضراوة الواردة في كليلة ودمنة معناها: الدربة والعادة كما فسرناها في أول كلامنا. ومن له نص يخالف هذه النصوص فليأتنا به ونحن أول من يذعن للحق إذا ما ظهر. المتقن وسألنا آخر قال: للإفرنج لفظة يريدون بها جماعة الأساتذة التي تعلم في المدرسة الجامعة دروسا تعود إلى موضوع واحد عام ويسمونها فاكلتة فيقولون: فاكلتة الطب وفاكلتة الحقوق وفاكلتة الآداب وفاكلتة العلوم. أو إن شئت فقل: ما يسمى فرع الجامعة الذي يعنى بتدريس شعبة خاصة من شعبها. فلقد رأينا كل بلد عربي اللسان يدخل هذا الفرع من التدريس يسميها باسم جديد فما رأيكم فيها؟ قلنا: سمت الجامعة الأميركية هذه الشعبة بالفرع فقالت: فرع الطب وفرع الفلسفة واللاهوت إلى غيرها. وسمت الكلية اليسوعية هذه الشعبة بالمكتب فقالت: مكتب الطب ومكتب الحقوق ومكتب التجارة. أما أهل دمشق فسموها بالمعهد. فقالوا: معهد الطب ومعهد الحقوق. والبغداديون سموها بالكلية فقالوا: كلية الحقوق وكلية الزراعة وكلية الطب. وسماها الأمير شكيب ارسلان بالدار فقال دار الآداب إلى غيرها. وفي كل هذا من الخبط والخلط ما يوقع سوء الفهم للألفاظ. فالكلية لفظة حديثة يقابلها بالفرنسية والجامعة يقابلها كجامعة مصر والجامعة الأميركية وجامعة كنبرج وجامعة اكسفرد. والمكتب والكتاب: موضع تعليم الكتاب وبالإفرنجية فلا يصحان لكلمة والمدرسة العالية هي بالإنكليزية وبالفرنسية
والمعهد وضع لما يسميه الفرنسيون وإن كان يأتي بمعان أخرى. فلم يبق لنا إلاَّ أن نضع اسما جديدا لكلمة فاكلتة واحسن ما يؤدي هذا المعنى (متقن) كمصحف (أي بضم الميم وإسكان التاء وفتح القاف وفي الآخر نون) ويجمع على متاقن كمصاحف ومخادع جمع مصحف ومخدع. ومتقن اسم مكان من أتقن الشيء إذا احكمه. والمتعلم لا يدخل تلك المدارس إلاَّ ليحكم درس العلم الذي يتفرغ له. وجماعة معلمي المتقن هم (التقنون) جمع تقن (بكسر الاول أو بفتح فكسر) وكل منهم تقن. قال في اللسان: رجل تقن وتقن: متقن للأشياء حاذق. ورجل تقن (بكسر الأول) هو الحاضر المنطق والجواب. أهـ. ومعلمو المتاقن هم كذلك. الكهربا والكهربية لا الكهرباء والكهربائية جاء في جريدة الفضيلة في صحيفتها 55 في الصفحة 2 ما هذا نصه: ما قول. . . الأب أنستاس ماري الكرملي في كلمة الكهرباء، هل هي مذكرة أم مؤنثة. وهل يجوز أن يقال (الكهربائية) للدلالة على القوة الكهربائية الخفية التي نستعملها في دفع الترام وسائر المحركات. وإذا كانت هذه الكلمة مذكرة فما هو الفرق بينها وبين كلمة الكهرباء المستعملة للدلالة على الحجر الأصفر الثمين وهل كلمة الكهرباء عربية الأصل؟ الكهرباء والصواب كهربا (بدون مد) ولا عبرة بعلامة التأنيث هنا؛ (فهي كزكريآء وعاديآء وارميآء وكلها أسماء رجال). وكذلك خليفة وراوية (لمن يروي الشعر) وعلامة فهي كلم مذكرة أيضا. لأنها وضعت للذكور. وأما الكهربائية والصواب الكهربية فهي غير الكهرباء، فالكهربية: خاصية تكون في بعض الأجسام تجذب إليها في بعض الأحوال الأجسام الخفيفة التي تقرب منها وينقدح من الاحتكاك بها شرارة وإذا قويت أحدثت هزة عصب في الحيوانات. فقولك الكهربية معناها الخاصية الكهربائية فاستغنوا عن الموصوف بالصفة ثم اعتبروها اسما على ما هو معروف في مثل هذه المعاني كالوطنية والقومية والشعوبية بمعنى محبة الوطن وروح القوم ومحبة الشعوب (مع كراهية للعرب) على ما هو مشهور في معاني هذه الألفاظ. والكلمة كهربية مشتقة من الكهربا وهو صمغ متحجر (لا حجر) صلب
متكسر شبيه بالشفاف أو يكاد يكون شفافا يختلف لونه بين الأصفر الفاقع والأحمر الياقوتي. والمشهور في العراق الأصفر الفاقع. وفي هذا الصمغ المتحجر خاصية جذب الأجسام اللطيفة ولهذا سميت تلك الخاصية الكهربية نسبة إليه كما أن الكلمة الإفرنجية (الكتريسيتية) مشتقة من (إلكترون) ومعناها الكهربا، فالاشتقاق واحد في اللغتين. والكهربا يكتب بدون مد ويقال في النسبة إليه كهربية بحذف الألف على ما هو معروف ومقرر في كتب النحاة لان ما آخره بألف مقصورة ينسب إليه بحذف الألف فيقال في النسبة إلى مصطفى (بالقصر) مصطفي بتشديد الياء. أما أن. أن الكهربا مقصور لا ممدود فظاهر من كلام صاحب التاج. قال في مستدرك مادة كهكب: (ومما يستدرك عليه: الكهرب، ويقال الكهربا مقصورا لهذا الأصفر المعروف. ذكره ابن الكتبي والحكيم داود. وله منافع وخواص وهي فارسية واصلها (كاه ربا) أي جاذب التبن. قال شيخنا: وتركه المصنف تقصيرا، مع ذكره لما ليس من كلام العرب) أهـ أما كيف سرى هذا الغلط (أي كهربائية لا كهربية إلى لغتنا). فهو لأن الذين ترجموا كتب الأجانب إلى لغتنا في مستهل القرن التاسع عشر كانوا أغرابا أو أعرابا لم يحكموا درس القواعد العربية. ولهذا يحسن بنا أن نعود إلى الفصيح ونقول كهربية لا كهربائية. فإن الأولى أخف وارشق واصح قياسا. وعليه لا يجوز ان يستعمل الكاتب الكهربية في موضع الكهرب أو الكهربا والذين استعملوها هم من أحداث كتبة العراق الذين لا يميزون بين الحمل والجمل وكيف يكون الكهربا أو الكهرب (وهو الصمغ المتحجر) كهربية وهي خاصية تكون في ذلك الصمغ؛ والخاصية غير الجوهر كما لا يخفى. وفي الكهرب والكهربا أو الكهربان لغات منها: ما ذكرها صاحب التاج في مستدرك مادة كهم، قال: ومما يستدرك عليه، الكهرم كجعفر. والكهرمان هو الكهرب والكهربان لهذا الأصفر المعروف. أهـ ومنها ما ذكرها غيره؛ من ذلك: الكهروا (أي بفتح الكاف وإسكان الهاء وضم الراء وفتح الواو يليها ألف مقصورة) وقد ذكرها صاحب معجم أوصاف بلدان العرب العلامة دي خوي الهولندي الشهير نقلا عن السلف.
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد 12 - الإصابة مجلة أدبية علمية انتقادية تصدر في كل أسبوع مرة، يرأس تحريرها صاحبها جميل صدقي الزهاوي، بدل الاشتراك خمس ربيات وللخارج ثماني ربيات صدر جزءها الاول في 8 صفحات بحجم هذه المجلة يوم الجمعة في 10 أيلول 1926. وقد قال صديقنا في سبب إصدارها: (إنا قد ألفينا العربية في العراق لا تستغني في حالها الحاضر عمن يقوم أودها بالتنبيه على ما يقع من الخطأ في كثير من القصيد والمقالات مما ينشر في صحفه. ولا ينحصر هذا الخطأ في اللفظ بل يتجاوزه إلى المعنى الذي هو كل المراد من اللفظ). على أننا نتمنى ان تخلو تلك الصفحات من أغلاط الطبع ونتمنى لها العمر الطويل الهنيء ليستفيد منها القريب والبعيد وينتصر الأدب الحديث على الطراز القديم البالي. وهو لا يكون إلاَّ مكبوة! 13 - الخليقة ونظامها بقلم أمين الغريب صاحب مجلة الحارس البيروتية في 119 صفحة قلم الغريب سلس منقاد، لا يطالع القارئ ما يخطه إلاَّ ويرجع عنه حافل الوطاب. وقد وقفنا على ها المصنف فوجدناه من احسن ما لذ وطاب؛ على أننا نأخذ عليه تساهله في مجاراة العوام في بعض الألفاظ كقوله الفرنسوي (ص6) وأشهرها (فيها)؛ وتل بالحري (فيها) واكتشف السيارات الأربع (ص7) والصحيح؛ الفرنسي، وشهرها (بلا ألف)، بل قل، وكشف السيارات الأربعة، لأن مفردها السيار بلا هاء بمعنى الجرم السماوي. - وأوهامه في المصطلحات العلمية اكثر؛ فالرخمة ليست بالشوحة. والشوحة هي الحدأة (ص
81) واللقلق هو اسمه المعروف اليوم في العراق وكان يسمى سابقا أبا حديج وأصله أبو حويج؛ لأنهم يتصورون أنه يذهب للحج. وأبو صوي غير اللقلق (ص82) على خلاف ما ذكره. والشبوط من السمك هو غير الطنز والمورينة ليست بالمشبح الذي هو المورو والجري هو السلور وليس بالحنكليس الذي هو الجريث وعند العراقيين المرمريج أو المارماهيج أي السمك الحية، إلى غير ذلك من المصطلحات. والكهربا مقصور لا ممدود والنسبة إليه الكهربية لا الكهربائية على ما هو شائع على الأقلام. وعسى أن تصلح في الطبعة الثانية. 14 - في سبيل الشرف مأساة أدبية تاريخية ذات خمسة فصول في 76 صفحة بقلم جميل البحري طبعت بمطبعة الزهرة في حيفا لصديقنا الشاب الهمام جميل البحري فضل على تحسين الروايات، روايات التمثيل فلقد نشر منها: سجين القصر، وقاتل أخيه، وأبو مسلم الخراساني، والخائن، وزهيرة، ووفاء العرب، وهذه روايته السابعة (في سبيل الشرف) كأخواتها حسنة المبنى والمعنى. ترمي إلى أسمى الأخلاق. ويمكن ان يمثلها أبناء المدارس على اختلاف مذاهبهم وأجناسهم، فأنها تعلمهم تعود المكارم والابتعاد عن الدنايا؛ ولهذا نوصي بها كل من يريد ان يهذب أخلاق الناشئة. 15 - تاريخ الكويت الجزء الثاني من القسم الأول لمؤلفه عبد العزيز الرشيد (في 263 صفحة) بهذا الجزء الثاني تم تاريخ الكويت. وفي هذا المجلد تراجم كثيرين من حكامه ما لا يرى مدونا في كتاب. وفيه أيضاً تفصيل عدة أحداث ووقائع. وقد ألفينا هذا الجزء أحسن من صنوه الأول. وللمؤلف فضل عظيم على أبناء يعرب لأننا لم نجد من دون شيئا في القرون الأخيرة عن تلك الديار، فهي وإن كانت قريبة منا إلا أننا لا نعرف ما يجري فيها. لأن ليس فيها من يفيدنا عنها أدنى فائدة. ولو كان أهل كل كورة منها يفعل ما فعل الشيخ عبد العزيز الرشيد لأفادونا وأفادوا أنفسهم.
على أننا نؤمل من حضرة مؤلف تاريخ الكويت أن يتابع مباحثه في سائر ما يجاوره من جزيرة العرب ليكون له الفخر العظيم بأنه فتح طريقا للمؤرخين الآتين ومهد للشبان عقبة كانت كؤود إلى هذا العهد. بيد إننا نلح على حضرة الصديق الكاتب أن يختار لنفسه مطبعة حسنة حتى لا يمسخ الكتاب ذاك المسخ الشنيع. إذ لا تخلو صفحة من صفحاته من عدة أغلاط لا تقل عن عشرة في اقل تقدير. وهذا ما يضيع الفائدة من مطالعته ويحرم قراءه عوائد جمة. 16 - المدرسة والكشاف العراقي (مجلتان بغداديتان في جزء واحد) مجلة نافعة لأبناء المدارس وهي بالحقيقة مجلتان مدمجتان معا وهما مقسومتان قسمين: الاول للمدرسة والثاني للكشاف العراقي - مدير شؤونها محمود نديم وقد وصلنا الجزء الثاني من السنة الأولى من المدرسة ومن السنة الثانية من الكشاف العراقي وهي حسنة التنسيق والتبويب؛ إلا أن الظاهر من كتابها ليسوا من أرباب الفن؛ مع أن المعهود في مثل هذه المجلات أن ينشئ مقالاتها الاحفياء؛ فإن مقالة العناكب والعقارب لا تخلو من غريب الرأي. فقد قال صاحبها: (أعلم أن العناكب ليست حشرات. . . وهي تقوم بعمل مهم في عالم الحشرات). فيظهر من هذا الكلام بعض التناقض. فلو قال مثلا: في عالم الدويبات لكان أحسن. أو لقال في عالم الهوام كما يسميها أجدادنا وكما سترى من كلام الدميري لكان اصدق. وقال: والناس على الغالب لا يحبون جدا العناكب وما اكثر الأشخاص الكبار والصغار الذين يسمونها (المخلوقات المخوفة) فالظاهر من هذا الكلام أن صاحبه عربه عن الإفرنج لأن هذا من تعبيرهم. ويقابله عندنا: والناس على الغالب لا يأنسون بالعناكب وما اكثر الذين يسمونها (المخلوقات المخوفة) وقال: (ولكنها لا تلحق (أي العناكب) أدنى ضرر بالإنسان) ولو قال: ولكنها لا تقتل الإنسان لكان اصح؛ أما لا تضر به أبدا فغير صحيح. فأبو صوفة
يلسع كالعقرب. قال الدميري: (أبو صوفة نوع من الرتيلاء يكون غالبا في الأرياف ويضرب لونه إلى الحمرة وله زغب، ومنه اسمه عند أهل مصر؛ وله في رأسه أربع ابر ينهش بها ونهشته تقرب من لسع العقرب وهو لا ينسج بل يحفر بيته في الأرض ويخرج بالليل كسائر الهوام) أهـ. والرتيلاء أيضاً مخطرة النهش وأن لم تقتل. وفي المجلة أغلاط كثيرة لا نعرف إلى من ننسبها: أللمطبعة أم للكاتب. فتحنا الصورة الأولى في ص31 فوجدنا المحامات. وفي ص32 كتخريج الضباط وفي ص33 وبين 27 طالب. وفي 34 ثلاثة دور. وفيها استلمت الحكومة وفيها قسما ثالثا ذو صف. وفيها سيتخرج وسيتخرجون. و: فمنهجه أوطأ وفي ص35 ومكتبة. وفيها في بداية تكونها. وتكرر قوله المرشحين إلى التحصيل في ص36 مرتين. وفي ص37 ليكونوا مدراء. وفي ص38 سبعة أغلاط وفي ص39 ثلاثة أغلاط وفي ص40 ومغطات. وفي ص41 وفي أقدام العنكبوت. . . وفيها على هندامهما. . . وفيها وتستعمل هذه المخالب كذلك. . . وفيها رفيعة الرأس ومدببته. . . وفيها وتستعمل العنكبوت مشعراها. وفيها ثم تتحول إلى شرنقة. . . إلى غير هذه الأوهام والصفحة لا تخلو منها. والأحسن في ما عددناه من التساهل ان يقال: المحاماة. وكإخراج أو تهذيب الضباط. وبين 27 طالبا. وثلاث دور. وتسلمت الحكومة. وقسما ثالثا ذا صف. سيخرج وسيخرجون. فمنهجه أوطأ. وخزانة كتب. وفي بداءة. والمرشحين للتحصيل. ليكونوا مديرين. ومغطاة. وفي أرجل العنكبوت. وعلى هندامها. وتستعمل هذه المخالب أيضا. أي دقيقة الرأس وحادته. أما مدببة فكلمة شامية عامية لا يفهمها العراقيون وليست في المعاجم الفصيحة. وتستعمل مشعريها. وأما قول الكاتب (فبدلا من أن تكون أولا (اسروعا) أو (سرفة) (دودة) ثم تتحول إلى شرنقة. . . فغير راجع إلى جميع الحشرات بل إلى دود الابريسم فقط أو دود القز. ولعله بكلامه هذا يشير إلى ذلك الدود؟ على أن مزية المجلة تبقى مما يتباهى به لأنها كثيرة الصور، والطلبة
يحبون مشاهدة الصور في كتبهم وجرائدهم ومجلاتهم. ولهذا نتمنى لهذه المجلة المزدوجة نجاحا مزدوجا، سرعة الانتشار بين الطلبة والإقبال على الاشتراك بها من كل حدب وصوب. 17 - مرقاة المترجم للصفوف العالية في اللغتين الفرنسية والعربية تأليف الأب يوسف علوان اللعازري، الجزء الاول بقطع 16 كتاب التلميذ وثمنه أربعة غروش ذهب هذا من الكتب التي يحسن إدخالها في المدارس التي تعلم فيها اللغتان العربية والفرنسية لأن المؤلفات في هذا الصنف قلما تكون وافية بالمقصود فأما أن يكون صاحبها يحسن التعليم ويجهل أصول التأليف وأما أن يكون بالعكس. فالذين يحسنون النظر والعمل قليلون والأب يوسف علوان هو من هذه الطبقة. على إننا كنا نود أن يتقن العبارة العربية كما أتقن العبارة الفرنسية فقد جاء في ص12 من يتكل على الله لا يخيب. والأفصح لا يخب بحذف الياء. وفيها كشر على أنيابك كل الناس تستهابك. والمشهور هو كشر عن أنيابك كل الناس تهابك. وفي ص17 ليس ألذ للنفس من الصديق الوخي. والمعروف المؤاخي أما الوخي فلا معنى لها هنا. وفي ص23 وها أنا واصف لكم. وهو وهم يركب متنه كل كاتب: وارجح منه وها أنا ذا واصف لكم. وفي ص27 كتاب نعي في موت والده. والمشهور كتاب نعي والد؛ لأن النعي لا يكون إلاَّ في الموت. وفي ص32 (والله اسأل في الختام شفاءك بوقت قريب ودوامك مديدا) وكلمة دوام عامية بمعنى طول العمر لا يعرفها الفصحاء لأن الإنسان لا يدوم على الأرض. وفيها المرجو التكرم بالجواب صحبة ناقله. وهو من تعبير العوام المرذول وأحسن منه مع ناقله. على أن هذه الهفوات لا تحرم الناس منفعة الكتاب لأن الغاية منه تعلم الفرنسية لا إتقان العربية؛ إذ يظن الكاتب أن المتعلمين قد احكموا قواعدها قبل تعلم لغة الأجانب. فأصاب.
18 - حول سرير الإمبراطور ألفه الدكتور كابانيس. نقله بتصرف الدكتور نقولا فياض عنيت بنشره إدارة الهلال وحقوق الطبع محفوظة لها 1926 بقطع 12 هذا من احسن هدايا الهلال في هذه السنة لأن الكتاب يبحث عن أكبر ذهنية أنتجه آخر سني القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وهو نابوليون بونابرت. إلا أن هذا التصنيف يدرس الرجل الفذ من جهة حالة مرضه التي أثرت فيه وأنشأت في خلقه بعض المعايب وراثة عن أبويه. وقد وجدنا فيه ولعا بعبارات لهج بها العصريون ولم يكن الأقدمون يستعملونها أو كانوا يتخذونها في الندرة. فقد جاء في الصفحة الأولى منه وهي الثامنة من المطبوع؛ أن هذا البحث خلو من الفائدة العلمية. أن يغفل تاريخه الصحي. تتجاوز فائدته الطبية. الوراثة المرضية. هذا المزاج الذي يسمونه الارتريتيكي. إلى حد أنه وهو على سرير الموت كان شغله الشاغل. وهذا التعبير وأن كان جائزا إلا أنه دون ما يأتي في نظر الفصحاء. فالبلغاء يقولون خلو من فائدة العلم. تاريخ صحته. من فائدة الطب. من وراثة المرض. المزاج الحرض (بفتح وكسر والاسم الحرض وزان سبب). إلى حد أنه كان شغله الشاغل وهو على سرير الموت. ومثل هذا التعبير والركة كثير في هذا الكتاب. 19 - المعارف صحيفة أسبوعية علمية أدبية تصدر في الكاظمية بقرب بغداد صدر العدد الاول من هذه الجريدة في 3 أيلول من هذه السنة لصاحبها سلمان الصفواني ووصلنا منها العدد الثالث فوجدنا فيه مقالة في حديث الأسبوع. وأخرى عنوانها (الزهاوي في الميزان) ونبذا في مواضيع مختلفة. فنتمنى لها طول العمر والرواج بين الناس. عذر من القراء لدينا مقالات عديدة كنا نود أن ندرجها في هذا العدد إلا أن تراكم المواد حال دون تحقيق أمنيتنا وكذلك أهدانا بعض المؤلفين كتبهم. فموعدنا في الجزء القادم.
باب المكاتبة والمذاكرة
باب المكاتبة والمذاكرة اسم بغداد طالعت ما جاء في لغة العرب (80: 4) عن معنى (بغداد) لاسم مدينة السلام فأني لا اشك في أن الكلمة مأخوذة من الفارسية وأنها مركبة من لفظين (بغ) بمعنى اله و (داذ) بالذال المعجمة كما كان يكتب قديما بمعنى معطى (اسم مفعول من أعطى) ومن المشهور أن في اللغات الآرية الشرقية ولاسيما في الصقلبية بغ وبك أو بالكاف الفارسية اسم اله؛ ولم أر أن الغين تبدل من الكاف العربية في شيء من الألفاظ العربية. ف. كرنكو (لغة العرب) أن كانت بغداد من اصل فارسي فلا نرى وجه وجودها قبل احتلال الفرس لهذه الديار إذ ترى في الرقم الآشورية منذ العهد القديم على ما أثبته الكاتب في موطنه. أما أن الغين لا تبدل من الكاف العربية فنحن لا نوافق عليه حضرة صديقنا العزيز ففي لغتنا نجد بمعنى واحد اغبن من تربك واكبن: كربلت الحنطة وغربلتها التكوير والتغوير؛ كفر وغفر (بمعنى غطى)؛ دكن يومنا ودغن ودجن؛ غنطة وكنظة (أي شق عليه)؛ لاعه ولاكه؛ إلى غيرها وهي كثيرة. الألفاظ الداخلة في اللغة العربية أما الألفاظ الداخلة في اللغة العربية؛ فقد وجدت في تهذيب كتاب المناظر لابن الهيثم أنه ترجم بالذهن السعيد الألفاظ الخاصة بالعلم من اليونانية وفي كثير منها أثبت المعنى أصوب مما جاء في اليوناني؛ فأنه قال مثلا الجليدية لما يسميه الإفرنج والعنكبوتية لشبكة العصيات التي في داخل العين والتي فيها القوة الباصرة. وكذلك القول في اكثر من مائة كلمة ولو كان لي في الوقت متسع لأطلت الكلام في هذا الشأن. ف. كرنكو (لغة العرب) نشكر العلامة صديقنا على هذه الافادة؛ وياليت أطال البحث واكثر من الشواهد في هذا الموضوع.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - سدة الحفار تم إنشاء سدة الحفار في لواء الناصرية إنشاء حسنا. 2 - المدارس الجديدة في العراق أنشئت في مفتتح سنة الدراسة الجديدة المبتدئة في 15 أيلول 1926 ثلاث مدارس جديدة في لواء اربل: في باتاس وفي مخمور وفي بروست. وأسست مدرسة أولية في تل أعفر. وأنشئت مدرسة بنات أولية في قضاء دهوك في أول سنة الدراسة. 3 - ولي عهد السلطان ابن السعود زار مصر الأمير سعود ولي عهد السلطان عبد العزيز ابن السعود سلطان نجد وملك الحجاز. وقد تبرع تبرعات كبيرة ولهجت الصحف بمدحه. 4 - مفاوضات بين فرنسة وابن السعود وصل مندوب فرنسي إلى الحجاز لمواصلة مفاوضة السلطان ابن السعود الملك في الحجاز. 5 - باخرة بريطانية ترفع فوقها العلم العراقي رفعت البارجة الحربية البريطانية (لورنس) لأول مرة العلم العراقي يوم عيد جلوس جلالة الملك فيصل الاول في 23 آب 1926 وقد اشتركت في الأفراح بإطلاقها 21 طلقة من مدفعها. 6 - سفينة حربية بريطانية تزور العقبة زارت السفينة الحربية البريطانية (كورنفلاور) ميناء العقبة وهي زيارة بدأ بها ويكهام قائد السفينة المذكورة منذ عدة سنوات. 7 - عودة الوفد المالي عاد من لندن إلى بغداد معالي صبيح بك نشأت وزير المالية أوفد إليها مع مستشار وزارة المالية المستر فرنن في وفد مالي لمهمات اقتصادية ومالية مهمة.
8 - جلالة ملكة العراق عادت جلالة ملكة العراق من رحلتها إلى الموصل وحمام علي (العليل) وبعض الجهات هناك وقد أثنت على طقس الموصل وموقعها. 9 - إنهاء خلاف بين عشيرتين وقعت مشادة بين عشيرتي (عشيرة) و (قمر) أدت إلى تعدد الغارات بينهما فجمعت الحكومة بين زعيمي القبيلتين فهد بك الهذال وعقيل بك الياور وألزمتهما بالإقلاع عن الخصومة والغزوات. 10 - هدية ابن السعود إلى مصطفى كمال أهدى السلطان عبد العزيز ابن السعود إلى مصطفى كمال باشا رئيس الجمهورية التركية سيفا مرصعا يرجع تاريخه إلى عهد بعيد. 11 - المدرسة الحربية الملكية في عاصمة العراق مدرسة حربية اسمها (المدرسة الحربية الملكية) يتخرج فيها ضباط للجيش العراقي أساتذتها عراقيون وبريطانيون نابغون في الفنون العسكرية. قبل في هذه المدرسة هذه السنة 50 طالبا عشرة منهم من أبناء شيوخ العشائر العراقية. 12 - طابع تذكار مؤتمر مكة طبعت وكالة المالية في حكومة الحجاز قدرا معينا من طوابع البريد باسم (تذكار مؤتمر العالم الإسلامي) في مكة وقد نفد اكثر هذه الطوابع المطبوع عليها الختم المذكور. 13 - حريق في البصرة شبت النار ليلا من موقد إحدى القهوات في محلة الخندق فالتهمت النيران القهوة ثم اندلعت ألسنتها إلى الحوانيت المجاورة لها فأحرقت ثلاثة منها وفي الآخر تمكن رجال الإطفاء من إخماد أنفاسها. 14 - أسعار التمور عقد أصحاب الغيطان والتجار مجلسا في دار هلس أخوان فقرروا فيه أسعار التمر كما يأتي: كارة الحلاوي الكبيرة بسبعمائة وعشرين ربية (والكارة الكبيرة أربعون منا) أما بقية أنواع التمور فلم يبت في أسعارها. وقد شاع أن أصحاب
البساتين طلبوا أن يكون سعر الخضراوي خمسمائة ربية والسائر أربعمائة ربية عن الكارة الواحدة الكبيرة. 15 - العنزة والضفير هدأت الحالة بين العشيرتين عنزة والضفير بسعي الحكومة، وقد خرجت الضفير من ضواحي الزبير إلى صفوان وكابدة وكويبداء وشاع أن حمود السويط (مصغر السوط وهو ما يضرب به من جلد مضفور أو نحوه. ويخطئ من يكتب هذا الاسم بصورة الصويط وحمود السويط أحد زعماء الضفير) عقد النية على المجيء إلى بغداد لشؤون له مع الحكومة. 16 - مهارشة على تخوم العراق وقعت مهارشة بين الشرطة العراقية وبين ذعار الخسرج المنتمين إلى دولة إيران وكانوا قد طرأوا على أراضينا الجزرية لغزو بعض إعرابها وإيقاع الضرر بها فدرت بهم الشرطة ففاجأتهم ودحرتهم فرجعوا القهقري وقد أصيب شرطيان بجروح طفيفة. 17 - لجنة التخوم العتيدة كان قد قرر في المعاهدة العراقية البريطانية التركية أن تكون في البلاد لجنة تخوم عتيدة تعقد مرة في كل ستة أشهر ويكون أعضاؤها من الدولتين المتجاورتين العراقية والتركية في موطن معين للنظر في ما حدث أو
يحدث من تعديات الناس والرجال بعضهم على بعض في جانبي خط التخوم. وقد عقدت اللجنة نيتها على الاجتماع لأول مرة في زاخو لهذه المدة الأولى ويحتشد الأعضاء في هذا الشهر. والأعضاء هم متصرف الموصل ومفتش الإدارة عن العراق؛ ووكيل قائد التخوم ووالي الهكارية عن تركية. وبعد انفضاض عقد الاجتماع يقرر الأعضاء محل اجتماعهم المقبل بعد الستة الأشهر التي تنقضي. 18 - مركز لاسلكي في الرطبة فتحت حكومتنا في 11 أيلول مركز برق لاسلكي وديوان بريد في الرطبة (الواقعة على بعد 300 ميل من غربي بغداد) تسهيلا لمصالح المسافرين بين سورية والعراق.
العدد 39
العدد 39 الدرع الداودية القصيدة التي نظمها داود باشا حينما تخلى عنه أعوانه ومريدوه ونبذوه نبذ النواة فاستاء من سلوكهم هذا الذي لم يكن يتوقعه منهم بعد أن احسن إليهم ورفعهم إلى أعلى المناصب. أما أن للأحباب أن ينصفوا معنا ... فزاغوا وما زغنا وحالوا وما حلنا نعم هجروا واستبدلوا الوصل بالجفا ... وخانوا عهودا ماضيات وما خنا رعينا حقوقا لا علينا نعم لنا ... عليهم حقوق سالفات ولا منا وفينا ولم نغدر فكان جزاؤنا ... جزا أم عمرو فافهم اللفظ والمعنى وأنا لقوم نحفظ الود غيرة ... ونرعى ذماما أن حضرنا وأن غبنا وأن جيشوا جيشا من الصد والجفا ... بنينا من الصبر الجميل لهم حصنا هم زعموا أن كل برق يخيفنا ... فخابوا بما قالوا وقلنا وما خبنا إذا ضيعوا حقي فهم يعرفونني ... إذا هبت النكباء كنت لهم ركنا وأني أبي أن ألم بريبة ... واستعطف الحب اللئيم أو الأدنى
وما كان عيبي عندهم غير أنني ... إذا بيعت الأرواح لا ادعي الغبنا وأن قام سوق الحرب أني أشدهم ... لأعدائهم بأسا وأكثرهم طعنا وأثبتهم جأشا وأطولهم يدا ... وأوفاهم عهدا وأكبرهم سنا واحكمهم عقدا وامنعهم حمى ... واصدقهم قولا وأوسعهم مغنى أجامل أقواما ولاء لا مهابة ... فيزعم قوم أننا منهم خفنا واسكت إيفاء لود علمته ... وعندي مقال يحطم الظهر والبطنا ولو وقفوا يوم الرهان مواقفي ... لأهديتهم روحي ومالي وما يقنى فيا أسفي ضيعت عصر شبيبتي ... بكل خفيف القدر لا يعرف الوزنا فإن وصلوا حبلي وصلت حبالهم ... وأن قرعوا سني جدعت لهم أذنا إذا هم في إسعادنا لملمة ... ألمت بنا قد أسعفونا فلا عشنا وظنوا بان الآل يشفي من الصدى ... فخاضوا به للورد جهلا وما خضنا وقد بدلوا الغالي الذي تعرفونه ... بصفقة غبن لا نقيس بها غبنا ولو علموا ما يعقب الغبن في غد ... وقيل لهم تبت يداكم وما أغنى صحائف عندي غيرة قد طويتها ... ولو نشرت يوما لقصوا لها ذقنا أجول بطرفي في العراق فلا أرى ... من الناس إلاَّ مظهر البغض والشحنا فخيرهم للأجنبي وقبحهم ... على بعضهم بعض يعدونه حسنا وشبانهم شابوا المودة بالجفا ... وشبنا وما للصفو في كدر شبنا حضرنا متى غابوا بموقف حربهم ... وأن حضروا في موقف للخنا غبنا سمرنا مع السمر العوالي لياليا ... وهم سمروا في ذكر سعدى وفي لبنى جفوا فوصلنا حبلهم بعد قطعه ... فدع منهم يبدو الجفاء ولا منا إلا نخوة منهم فيصغون للذي ... أيادي سبا قد لاعبت ذلك المغنى إلا حازم للرشد شد حزامه ... لداهية ينسى بها الطائر الوكنا إلا مرشد منهم عن الغي قومه ... فيوقفهم منه على السنن الاسنى إلا دافع عن قومه بغي ظالم ... إذا فقدوا في الحرب من ينطح القرنا وكان إذا أبدى التشاجر نابه ... يفرون مثل الجمر عنه وما كنا ومن كل ناموس وبأس تخلصوا ... كما نحن من غل وغش تخلصنا
لقد حملوا ما يثقل الظهر من خنى ... كأنهم من ماله حملوا سفنا متى تعتذر أيامنا من ذنوبها ... وهيهات من عذر لمومسة لخنا فكم طحنت قوما بجؤجوء صدرها ... وما أصلحت يوما دقيقا ولا طحنا وعصبة لؤم قد تناجوا لحربنا ... فيا ويحهم ماذا يلاقونه منا تراموا وحاشا المجد أن يتقدموا ... علينا وهاموا بالأماني وما همنا وطاشوا ببرق خلب لا أبا لهم ... وسلوا علينا المرهفات وما خفنا فقل لي بماذا يفخرون على الورى ... إذا عدت الأباء أو ذكر الأبنا فهبهم على المجد الأثيل تسنموا ... ألا يعلمون المجد بالقول لا يبنى إلا غيرة تدعو الصريخ إذا دعا ... ليوم عبوس شره يوقظ الوسنى طوينا عن الزوراء لا در درها ... بساطا متى ينشر نعد به طعنا وأني وأن كنت أبنها ورضيعها ... فقد أنكرتني لا سقاها الحيا مزنا إلى الله أشكو من زمان تخاذلت ... خيار الورى فيه وساؤوا بنا ظنا وباع بفلس كل خل خليله ... وصار الكريم الحر يسترفد القنا إلا مبلغ عني سراة بني الوغى ... وإقبال عرب كيف صبرهم عنا أهم بأمر الحزم في حومة الوغى ... ومن ناهز السبعين أنى له أنى إذا كفي اليسرى أشارت لناقص ... قطعت لها زندا وألحقتها اليمنى وأنا إذا صاح الصريخ لحادث ... اجبنا ولبينا لمن فيه أنبأنا على الكرخ في الزوراء مني تحية ... وألف سلام ما بها ساجع غنى صحبتهم طفلا على السخط والرضى ... وشبت فلا سيفي أفاد ولا أغنى رواها رزوق عيسى عن الكونت فيليب دي طرازي النفوس الخاملة تعود ذم الدهر قوم خطاهم ... قصار عن الحسنى طوال إلى النكر ولو انصفوا ما ذم منهم امرؤ ... وذموا نفوسا قد قعدن عن الخير محمد بهجة الأثري
المحامل العربية
المحامل العربية 1 - توتير لله درك، أيتها اللغة العربية! كلما شاخت اللغات، وهرمت، وولت، تألق نور شبابك، وغض اهابك، وتجلى وئامك لرقي معارف أبناء العصر! وكلما قدمت تلك الألسنة، وعتقت، وبليت، زدت جدة، ورخوصة، وبضوضة! كنا نظن انك تقصرين في تأدية النطق ببعض الألفاظ التي لم يتصور إنك تجدين لها مقابلا في كنزك اللغوي، لأن تلك الأمور أو تلك المعاني أو تلك الأوضاع لم تكن تخطر على بال المنتمين إليك، وإذا بك تؤدين تلك المصطلحات احسن تأدية، وتوفينها حقها من الضبط والأحكام والإتقان، حتى لنظن أن لمصطلحك خير من مصطلحهم. عند الإفرنج كلمة (انكنابل ويراد بها كتاب برز إلى عالم الوجود في أول عهد الناس بالطباعة. والكلمة الإفرنجية مشتقة من اللاتينية ومعناها المهد، كأن الكتاب وجد في زمن كانت الطباعة في مهدها. وكنا نظن أننا لا نلقي لها ما يقابلها في لغتنا الضادية. والحال أننا وجدنا في المخصص لأبن سيده، قوله في باب الكتاب وآلاته (4: 13)؛ المحمل (أي وزان مجلس): الكتاب الأول. وهو وصف يوافق لما نريده كل الموافقة. فالكتب المطبوعة يوم كانت صناعتها في مهدها، هي الكتب الأولى، بالنسبة إلى ما جاء من بعدها، ولهذا صح أن نقابل بها ما يسميها الإفرنج (انكنابل)، ولا سيما لأن في أصل مادة ح م ل ما يساعد على اتخاذ هذا اللفظ؛ فكأن النسخ الجديدة المطبوعة بعد هذه النسخ القديمة الآمات تعتمد عليها في وقوفها أو في انتظامها اعتماد الجديد الضعيف على القديم القويم الراسخ القدم، إذ من معاني المحمل المعتمد. والمحمل أيضا موضع تحميل الحوائج وهو
كذلك. إذ عليه تقر وتقوم جميع المطبوعات كما يقوم أعلى البناء على الأساس الذي هو موضع قوام البناء. ومن معاني المحمل أيضا: الهودج (وهو في هذا المعنى يأتي على وزن منبر ومجلس) وهو يوافق أيضا للمعنى الذي ننشده هنا. ولا سيما لأنه يكاد يلائم الحرف الإفرنجي في الوضع، فكما أن الإفرنج سموا مسماهم باسم متخذ من المهد، كذلك يجوز لنا أن نسميه بما سموه هم، أي بلفظ يكاد يعني المهد لأن الطفل يحمل فيه. والهودج يتخذ له أو لكل ضعيف مثله لا يقوى على السير البعيد الشاق. وعليه سمي الكتاب الأول بالمحمل (أي بالهودج) لأنه كان يومئذ كأنه يوضع في هودج لحداثة وجوده أو لطفولته أو لضعفه. وكل ذلك من باب المجاز الواسع المدخل. فأنت ترى أن هذه الكلمة كيفما قلبتها، انقلبت بين يديك على احسن وجه لما تريده، كأنها تقول لك في كل وجهة وجهتها: أنا المعنية بقولك: انكنابل. 2 - المحامل الإفرنجية يعتبر (محملا) عند الإفرنج، كل كتاب طبع قبل سنة 1500م والمحامل عندهم على قسمين؛ محامل خشب، أو نقر، ومحامل حروف. فمحامل النقر، أو محامل الخشب، ما طبع منها في ذلك العهد، وكانت حروفها منقورة أو محفورة على ألواح من خشب. ومحامل الحروف هي ما صفت حروف كلمها، متخذة من مواد متحركة كانت من خشب في أول الأمر، ثم من مواد معدن كالرصاص وغيره بعد ذلك. فمن محامل الخشب ما عرفوه باسم: (توراة الفقراء) و (الدوناتس) (وهو كتاب في نحو اللغة اللاتينية) لمؤلفه اليوس دوناتس من نحاة المائة الرابعة للميلاد، وكان تصنيفه معروفا في جميع المدارس كالاجرومية في الديار العربية اللسان. (ومرآة الخلاص) وهو باللاتينية أيضا، وهذه التآليف سابقة لسنة 1440. ومحامل الحروف كثيرة، إلا أننا نجتزئ بذكر أقدمها وهي توراة
مازارين وقد طبعت بين سنة 1450 و1455، وتوراة شيشرن وهي من سنة 1461 على اقل ما يقال عنها، واغلب الباحثين يظنون أنها لغوتنبرغ نفسه - ومرصوصة (أو براءة بابوية) الغفران لنقولا الخامس (سنة 1454) وزبور سنة 1457 وزينة الفروض الإلهية لدوران (سنة 1459). واغلب هذه المحامل النادرة لا توجد اليوم إلاَّ في خزائن الكتب العامة منذ عهد بعيد. المحامل العربية المحامل العربية هي التي طبعت في سنة 1514 في رومة إلى سنة 1551 في فروق وما جاء بعد هذه السنة لا يعد محملا. وأن كان مما يحتفظ به (راجع لغة العرب 149: 4) وقد رأينا عند صديقنا البغدادي الدكتور ناجي بك الأصيل كتابا مطبوعا في اللغتين العربية واللاتينية غير معروف عند الوراقين أو صرعى الكتب القديمة ودونك وصفه: في الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب وهي الصفحة الأولى على طريقة الإفرنج مكتوب في رأس الوجه وهي كلمة لاتينية معناها (في هيدلبرغ) أي طبع في هيدلبرغ وهي مدينة في دوقية بادن (ألمانية) وفي اسفل الوجه هذه الكلمات - ومعناها طبعة يعقوب مليوس سنة 1583 وبين هذين السطرين اللذين في رأس الصفحة وأسفلها نقش ختم كبير يمسكه اثنان من الملائكة وفيه صورة قد رسم فيها يد قابضة على إكليل متخذ من أنواع الأزهار مضفورة على ظهر حية وقد كتب حول هذا كله هذه الكلمات باللاتينية: 65. ومعناها: (يعقوب مليوس. تكلل ألسنة بكرمك. المزمور 65) فالظاهر من هذا الكلام أن الطابع نشر الكتاب المذكور في أوائل سنة 1583 ويطلب إلى الله أن يباركه فيها ويجعلها ميمونة عليه. وقد وجد في المزمور الخامس والستين (وهو على الحقيقة الرابع والستون) آية توافق هذا الدعاء وهي الآية الثانية عشرة منه ونصها: بارك إكليل ألسنة بكرمك. وفي ظهر هذه الورقة حروف
الهجاء باللغات العبرية واللاتينية والعربية، ويظهر أن الطابع كان يجهل كل الجهل صور الحروف العربية لأنه ابتدأ برسم حروف الهجاء العربية مبتدئا بالياء وخاتما إياها بالألف. مع أنه وضع بازائها الحروف العبرية واللاتينية بوضعها المألوف كما في العربية. فالبائن أن الطابع قلب عمود الحروف العربية فجاء ما كان في الأول آخرا وما كان في الآخر أولا. أي أن الذنب أصبح رأسا والرأس ذنبا بخلاف حروف اللغتين العبرية واللاتينية فأن الترتيب فيهما على احسن ما يرام. وبعد هذه الحروف ذكر في الصفحة التالية هذه الكلمات العربية مع ترجمتها اللاتينية وهي: أربعة رحال (بمعنى أربعة رجال)، ثلثة عسر رجلا (أي ثلاثة عشر رجلا) ثلثة ماءية رجل (أي ثلثمائة رجل) وفي الصفحات التالية ذكر الأرقام بموجب ترتيبها أي أول ثان (وكتبها ثاني) ثالث. . . ثم بموجب العد أي أحد اثنان ثلاثة. . . وهكذا سار في طريقه من ذكر حروف العطف والجر والظرف إلى ذكر ألفاظ مختلفة. أما إذا فتحت الكتب من أوله على الطريقة العربية فانك ترى في مستهله: (بسم الأب والابن والروح القدس اله واحد) (رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية.) ثم ذكر ترجمة هذه الألفاظ إلى اللاتينية. وبعد ذلك قال في تلك الصفحة باللاتينية ما معناه: وفيها أيضا (أي في الرسالة المطبوعة: ستة فصول الديانة المسيحية وهي الفصول الأولى باللغة العربية. وقد أضيف إليها في الآخر خلاصة النحو العربي لمؤلفها رثغرس سبي. وفي تلك الصفحة الأولى آية من كتاب دانيال النبي من الإصحاح السابع بالحرف العبراني ثم آية من القديس بولس إلى أهل فيلبي مأخوذة من الإصحاح الثاني مدرجة بحرفها اليوناني. وفي الصفحة التي تلي هذه الورقة الأولى مقدمة طويلة عريضة يوجهها المؤلف إلى صاحب السمو والشهرة البدء (أي البرنس) لويس (أو لودوفيكس) دوق بفارية يذكر له فيها سبب تأليف هذا الكتيب وهو أن اللغة العربية هي من اللغات القديمة ويجب تعلمها لأنها توصلنا إلى إتقان اللغة العبرية التي هي أول
اللغات وأقدمهن. وأن أصحاب اللغات الشرقية بقوا مجاورين بعضهم لبعض بعد الطوفان، ولهذا تتشابه لغاتهم، بخلاف أصحاب سائر اللغات فانهم تفرقوا في أنحاء المعمورة منذ أول عهد البشر بالمهاجرة والظعن، فاختلفت لغاتهم، وتباينت لهجاتهم إلى يومنا هذا. ثم يقول: يحسن بنا أن نتقن لغات الشرق لنشر الديانة المسيحية بين أولئك الذين يجهلونها، أو لا يعرفون محاسنها، وعلى هذا الوجه نستفيد ونفيد. فموضوع المقدمة إذن ديني لغوي تاريخي. والمقدمة طويلة في 14 صفحة ثم يليها صفحة ونصف وفيها كلام عنونه (إلى القارئ) وبعد ذلك آيات بالعبرية والعربية مكتوبة في وجهين وبعد ذلك يبتدئ كتابه بقوله: (رسالة إلى أهل غلاطية. وهي من العدد الرابعة (كذا) ثم ينتقل إلى ذكر تلك الرسالة على صفحتين: صفحة عربية وصفحة لاتينية. وهو ينقل باللاتينية المكتوبة على الصفحة اليسرى من القابض على الكتاب ما جاء في النص العربي سطرا بسطر. وخط النص العربي قبيح المنظر كتبه أحد الإفرنج بقلم سيئ البري، أو بريشة إفرنجية القط. والكلمات كلها منقورة في الخشب وليست مركبة من حروف متقطعة، وهذا ما يتبين لك إذا ما أنعمت النظر في تركيب الكلم واتصال حروفها بعضها ببعض. وعدد أوراق الكتاب كله 42 أي ما يساوي 84 صفحة وطول الصفحة 19 سنتيمترا في عرض 15 سنتيمترا. وهو مغلف غلاف اربد (رمادي اللون) أحمر الأطراف. اشتراه صاحبه في ألمانية لغرابته وندرته. ومن العجيب أن العلامة كرستيانس فريدريكس دي شنوزر الألماني صاحب كتاب خزانة الكتب العربية الذي ذكر فيه أنواع الكتب العربية المطبوعة في العالم منذ أول عهد الطباعة لم يذكر هذا المصنف في باب كتب النحو ولا في باب النصرانيات ولا في أي باب كان. وهذا مما يحملنا على الظن أن هذا الكتيب لم يطبع منه نسخ كثيرة أو لم يذع في أوربة مما يجعله ذا ثمن عند الأدباء الوراقين، وكذلك لم يذكر هذا الكتاب كل من بحث عن تاريخ المطبوعات العربية في أول عهدها كجرجي زيدان وغيره. ولهذا أشبعنا الكلام في وصفه.
علم العقود
علم العقود 1 - تعريفه وموضوعه وفائدته هو حساب يتم عمله على عقود أصابع اليدين. للإشارة إلى العدد المنوي ذكره بين اثنين في المذاكرة. وموضوعه: عقود الأصابع. وفائدته: ضبط الأعداد من أول مرتبة الآحاد إلى عشرة الآلاف، مع الزيادة والنقصان بدون آلة خارجية، وفهم بعض الأحاديث التي فيها إشارة إلى هذا العلم. وهذا العلم كثير النفع للتجار وغيرهم، ولا سيما عند استعجام كل من المتبايعين، وعند فقد آلات الكتابة والحساب. ويقال لحساب العقود (حساب الجمل) أيضا لأجماله من بين المحاسبات أو لكونه من أجملها وأحسنها لعدم وقوع الالتباس فيها على من يحذقها، ومن أسمائه: حساب اليد. 2 - تاريخ انتشار هذا العلم كان هذا العلم حساب العرب في أيام جاهليتهم، فانهم اجتنبوا ما يحتاج إلى آلة، ورأوا أن ما قلت آلته، وانفرد الإنسان فيه بآلة من جسمه، كان اسهل وانسب لغرضهم. 3 - الكتب المؤلفة في هذا العلم اذكر للقراء الكرام أسماء بعض المؤلفات التي عثرنا عليها أو سمعنا بها وهي: 1 - رسالة للشيخ حسين الكيلاني 2 - رسالة للسيد محمود الرشتي 3 - رسالة لشرف الدين اليزدي 4 - رسالة للميرزا محمد علي الجهاردهي الكيلاني 5 - رسالة للشيخ يوسف بن محمد الكيلاني. وهذا التأليف الأخير أوجز من بقية المؤلفات وانفع.
ونظم في هذا العلم أراجيز كثيرة منها: 1 - أرجوزة لابن حرب 2 - أرجوزة لشمس الدين محمد بن احمد الموصلي 3 - أرجوزة لأبي الحسن علي المعروف بابن المغربي، وقد شرحها عبد القادر بن علي بن شعبان العوفي. وهناك كتب ذكر فيها هذا العلم استطرادا: كشرح الجلي للشيخ احمد أفندي البربير. ومجمع البحرين لفخر الدين الطريحي، ومجمع البيان لأبي علي الطبرسي، ولسان الخواص للمولى محمد القزويني، وأربعين المجلسي، وأربعين الشيخ إبراهيم الخوئي، وكفاية الحساب لنجم الملك الميرزا عبد الغفار، وبلوغ الأرب في أحوال العرب، وشرح القاموس بالتركي، وغياث اللغات وفرهنك، وللأب انستاس ماري الكرملي صاحب هذه المجلة مقالة طويلة أدرجت في مجلة المشرق 119: 3 إلى 123 و169 إلى 171 وشرح أرجوزة شمس الدين محمد بن احمد الموصلي الحنبلي في المجلة المذكورة 171: 3 إلى 174 4 - بيان هذا العلم لا يخفى أن القدماء وضعوا (38) صورة للأصابع الخمس اليمنى والخمس اليسرى من اليد لضبط الأعداد من الواحد إلى العشرة الآلاف. وضابطه إجمالا انهم جعلوا صورة منها للأصابع الخمس اليمنى لضبط العدد من الواحد إلى 99 و19 ص ورة أخرى للأصابع الخمس اليسرى لضبط العدد من 100 إلى 10000 لأنهم جعلوا الخنصر والبنصر والوسطى من اليد اليمنى، لعقود الآحاد، أي للواحد إلى التسعة، وجعلوا عقد السبابة والإبهام منه لعقود العشرات، أي للعشرة إلى التسعين، وجعلوا الخنصر والبنصر والوسطى من اليد الشمال، لعقود المائة أي للمائة إلى 900 وعقد السبابة والإبهام منه لعقود الآلاف. أي للألف إلى 9000 فصور عقود الواحد إلى التسعة وصور عقود المائة إلى 900 سيان وكذا صور عقود العشرات والألوف، فالتفرقة والاعتبار يكونان باليمين واليسار
لأشكال متحدة الصور؛ مثلا: ضم الوسطى مع الخنصر والبنصر وطوق العقدة السفلى، بحيث تمتد الأنملة حتى تصل إلى الرسغ، (وهو هنا مفصل ما بين الساعد والكف) دال على التسعة في اليمين وعلى 900 في اليسار وكذا وضع رأس ظفر السبابة، على مفصل العقدة الثانية من الإبهام في اليمين، دال على التسعين، وفي اليسار على 9000. فلا فرق بين صورة اليمنى واليسرى بالكيفيات والهيئات فالتمييز في هذا الأمر يكون باليسار واليمين لا غير. ومن المعلوم أن الأصابع التي للآحاد تضيق عنها لأنها ثلاث والآحاد تسعة فلا يمكن ذلك إلاَّ بتبديل وتغيير وكذا أصابع العشرات والمئات والألوف، فطريق كيفية عقود الأنامل تفصيلا هو انهم عينوا من أوضاع أصابع اليمنى، لعقد الواحد فقط وضع رأس الخنصر فقط على الكف بحيث يكون رأسه قريبا؛ وللاثنين وضع البنصر أيضا معقودة معه كذلك؛ وللثلاثة وضع الوسطى معهما أيضا كذلك، كما هو المتعارف بين الناس عند عد هذه الأعداد، بحيث يوضع رؤوس الأنامل قريبة من أصولها من دون أن يوصل إلى الكف؛ وللأربعة رفع الخنصر مع وضع الباقية بحال المثناة؛ وللخمسة رفع الخنصر والبنصر مع وضع الوسطى؛ وللستة وضع رأس البنصر فقط على وسط الكف منبسطا مائلا إلى جهة الرسغ؛ وللسبعة وضع الخنصر فقط عليه كذلك مع رفع البنصر؛ وللثمانية ضم البنصر إليه في هذا الوضع؛ وللتسعة ضم الوسطى إليهما كذلك. فالمشروط في هذه الثلاثة الأخيرة. أي من السبعة إلى التسعة بسط الأصابع إلى الكف كما أشير إليه مائلة أناملها إلى جهة الرسغ، وهذا الشرط هو لعدم الالتباس بالثلاثة الأول أي من الواحد إلى الثلاثة؛ فهذا تمام الكلام في تعريف الآحاد. وأما للعشرة فيوضع رأس ظفر السبابة على العقدة الفوقانية من الإبهام لتصير الإصبعان معا كحلقة مدورة. وللعشرين يوضع ظهر ظفر الإبهام تحت طرف العقدة التحتانية من السبابة على وجه ترى أنملة الإبهام مأخوذة بين أصلي السبابة والوسطى: بحيث يتصل شيء من ظفر الإبهام بذلك الجانب؛ ويظهر بعض أنملتها العليا بين أصلي المسبحة (وهي الإصبع التي تلي الإبهام) والوسطى: متصلة بالوسطى؛ أو غير متصلة لأن الوسطى؛ لا دخل لها في عقود العشرات؛ وإنما أوضاعها إلحاد؛ كما عرفت.
وللثلاثين يوضع رأس أنملة السبابة على طرف ظفر الإبهام الذي يليها؛ مع انتصاب الإبهام على وجه يشبه وضعها وضع القوس والوتر؛ وقيل حينئذ يجوز أن يعرض للإبهام انحناء أيضا. وللأربعين يوضع باطن أنملة الإبهام على ظهر العقدة التحتانية من السبابة؛ على وجه لا يبقى بينهما فرجة أصلا. وللخمسين يوضع الإبهام على الكف محاذيا للسبابة مع انتصابها. وللستين يوضع باطن العقدة التحتانية من السبابة على ظهر الإبهام مع انحنائه كما يفعله الرماة عند الرمي. وللسبعين توضع أنملة السبابة أو عقدتها على أصل ظفر الإبهام مع انتصابه بحيث يبقى تمام ظفره مكشوفا. وللثمانين يوضع طرف أنملة السبابة على ظهر العقدة الفوقانية من الإبهام مع انتصابه. وللتسعين يوضع رأس ظفر السبابة على العقدة التحتانية من الإبهام كما كان يوضع على مفصلها الأعلى في عقد العشرة. فهذا آخر الكلام في بيان العشرات الموضوعة في عقود السبابة والإبهام من اليد اليمنى، فيعد بها مع انضمام عقود الخنصر والبنصر والوسطى من الواحد إلى تسعة وتسعين. وأما المائة فقد تقدم أن عقد المائة في اليد اليسرى كعقد الآحاد في اليد اليمنى وذلك في ثلاث أصابع أي أن كل وضع دال من اليمنى على عقد من الآحاد يدل في اليسرى على المائة؛ والحاصل أن كل عقد يدل في اليمنى على العشرات يدل في اليسرى على الألوف. فبهذه الأوضاع الستة والثلاثين تعرف عقود الواحد إلى تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين وللعشرة الآلاف يوضع طرف أنملة الإبهام على طرف السبابة بحيث يصير ظفراهما متحاذيين متساويين؛ والظاهر عدم اختصاص اليمنى أو اليسرى بذلك في أصل الوضع. هذا ما أردت ذكره عن علم العقود والله الموفق. محمد مهدي العلوي
2 - نموذج من تراجم القراء الحافظ عثمان الموصلي يمر الناظر في كتب التاريخ وسير النوابغ على غرائب وعجائب من الأنباء والحكايات والنوادر؛ يقف العقل دونها مبهوتا. ويتردد في قبولها ورفضها متحيرا، بل يكاد يجزم بوضعها ويعتقد بطلانها اعتقادا لا مجال للامتراء فيه لو لم تتواتر وينقلها الإثبات؛ ثم تؤيدها آثارهم ونتائج قرائحهم؛ ويشاهد أناسا من نوعهم جمع الله العالم كله فيهم. كأنهم خلقوا ليكونوا تذكرة لمن مضى وحجة على من جحد الآيات. ومن شاهد الحافظ عثمان الموصلي آمن قلبه بتلك الأنباء إيمان شعر أمية ابن أبي الصلت بالله رب العالمين. وأذعن لكل ما يرويه المؤرخون من الأنباء الغريبة في سير العالمين. ولد الحافظ عثمان في الموصل سنة 1271هـ في حجر أبيه الحاج عبد الله بن الحاج فتحي بن عليوي المنسوب إلى بيت الطحان. وفقد بصره صغيرا. وتوفي أبوه وهو في نحو السابعة من عمره، فبقي يتيما؛ فرآه السري الفاضل محمود أفندي العمري؛ وتفرس أن يكون أهلا للتربية والتثقيف؛ فأخذه إلى بيته وخصص له من يحفظه القرآن الكريم فحفظه حفظا متقنا وحفظ السيرة النبوية وطرفا من الأحاديث الصحيحة وجانبا كبيرا من الشعر. ثم رتب له من يدربه على اللحن والإيقاع ويعلمه الموسيقى حيث أنه رزق صوتا معبديا ينعش الأرواح، من كبوات الاتراح، وجرسا غريضيا يخرس الأطيار في أعالي الأشجار - فلم يزل يعاني الصنعة حتى جاءت منه آية نسخت آية إبراهيم بن ميمون الموصلي؛ فحلق طائر صيته في سماء العراق، وأصبح حديث المحافل والنوادي في الأصقاع والآفاق. فلما توفي مربيه العمري قصد بغداد: وقبل كانت له بغداد عاشقة ... تقضي بذكراه أوقاتا وأزمانا على السماع به باتت متيمة ... (والأذن تعشق قبل العين أحيانا)
وكان إذ ذاك فيها ابنه الشاعر الأديب احمد عزت باشا العمري فحل ضيفا في بيته فألتف حوله الأكابر وحفت به عيون الأعيان؛ وأصبح في مغاني الزوراء فاكهة الأدباء؛ ونقل الظرفاء؛ وشمامة النبلاء: تتهاداه الأكف من مجلس إلى مجلس ومن ناد إلى ناد والناس يخفون إليه سراعا من كل حدب لسماع قراءته (المولد النبوي) يحيون الليلة بعد الليلة مفضلين التلذذ بأنغامه على لذة المنام. ولا ريب أن البغداديين من ارق الناس طباعا واشدها اهتزازا للأصوات الرقيقة والألحان الشجية كما هو مشهور في التاريخ ومشاهد اليوم؛ فلا بدع إذا ما تعشقوا صوت الشيخ عثمان ولازموا مجلسه ملازمة الظل لصاحبه. وبعد أن قضى زمنا في بغداد عزم على السياحة في العالم الإسلامي فشد الرحال إلى الحجاز لأداء فريضة الحج المقدسة. وذكر لي بعض الفضلاء أنه رأى في رحلة لكاتب تركي أنه كان في مكة يخطب في المحافل ويدعو الحجاج إلى الانقياد للعثمانيين وشد أزر الخلافة؛ فسألته عن اسم الرحلة وصاحبها لا تحقق جلية الأمر فلم يكد يتذكر. فإذا صح هذا فذهابه إلى الحجاز كان سياسيا بإيعاز من الحكومة. ثم قفل إلى الموصل؛ وقرأ القراءات السبع على الشيخ محمد ابن الحاج حسن ثم قصد القسطنطينية وسلك لأمر من الأمور في الطريقة القادرية والمولوية. وحصل على مقام كبير. ثم سافر إلى سورية ومنها إلى مصر للاجتماع بمغنيها الطائر الصيت عبده الحمولي فلازمه واستفاد من طريقته الحديثة التي وفق فيها بين المزاجين المزاج العربي والمزاج التركي؛ وقد رأيته كثير الإعجاب به حتى إذا ذكره زفر وبكى عليه. وقد اخذ في مصر القراءات العشر عن كبار القراء وأساتذة التجويد كما اعجب به المصريون وتتلمذ عليه كثيرون في الموسيقى التركي؛ كما جاء في كتاب الموسيقي الشرقي لمحمد كامل الخلعي وغيره. واصدر فيها مجلة لم تمتد حياتها حيث أوفده السلطان عبد الحميد إلى طرابلس الغرب لعجم عود الإمام السنوسي وسبر أغوار مقاصده السياسية فأحس السنوسي بالغرض من مجيء
الشيخ عثمان فاكرم مثواه واحسن إليه ثم جهزه فعاد أدراجه إلى الأستانة ثم إلى بغداد فاتفق أن دعا على رؤوس الأشهاد في جمع كثيف لسلطان العجم فنفاه تقي الدين باشا والي بغداد إلى سيواس. وبعد منفاه ذهب إلى الأستانة فعين أستاذا للموسيقي في إحدى مدارسها. وتزوج فيها، وبقي فيها زمنا طويلا في نعيم مقيم وإجلال وتعظيم إلى قبيل الحرب الكبرى فبعثه الحنين إلى سكنى العراق فجاء دار السلام ونزل ضيفا في (بيت خيوكه) أمام دارنا القديمة في الرصافة فهرعت إليه الناس وتجاذبته أيدي الكبراء وأمسى عند كل ذي عين، جلدة ما بين الأنف والعين. وعاد الناس إلى سيرتهم الأولى معه من إحياء الليالي بقراءة (المولد النبوي) ونصب في أخرته شيخا للقراء؛ وقرأت عليه قبل نصبه سورة لقمان على السبع، وفجعت مدينة السلام بوفاته في اليوم الخامس عشر من جمادي الآخرة سنة 1341هـ وكان يوما شديد المطر كثير الرعد والبرق فلم يسمع كثير من الناس بموته إلاَّ بعد دفنه رحمه الله. كان عثمان آية الزمان كان هذا الرجل آية الزمان في سعة أدبه وعلمه وفرط ذكائه وفطنته ورقة شعوره وإحساسه. وبراعته في فن الموسيقي وتفننه في قراءة القرآن المجيد. كان إذا قرأ القرآن تخيلت (اببا) يترنم بصوته الرخيم. يقرأ القراءات العشر بتفريع وتنقل يدهش السامعين فكان بعض الناس يتوهمون أنه غلط أو حرف فيردون عليه فيصرخ: (اسكت! ليس بشغلك!). ومما كان يزيد حسن صوته الرخيم الذي يملأ النفوس ويستفز الشعور تجويده للقراءة وأداؤه المعاني حقها كأن يهول حيث يجب التهويل؛ ويتلطف حيث يجب التلطف ونحو ذلك مما لا يعقله إلاَّ العالمون بمعاني التنزيل ومواقع الكلام. أما (المولد النبوي) فبعد أن كان القراء أو قل (المغنون) خاملين في الصنعة لا يعرفون سوى الاسترسال في نغمة واحدة من البداءة إلى النهاية حتى تكاد تزهق من سماعهم الأرواح. وبعد أن بار سوق الغناء في دار السلام ولم
تبق له اقل قيمة واعتبار عند الناس - أصبح بما وصل إليه الشيخ من الابتداع والاختراع الذي لم يعرفه العراقيون من قبل، من ضروريات الحياة في نظر الناس. فما كانوا يسمعون به يقرأ في بيت إلاَّ وانسلوا إليه من كل حدب وضاق المكان بالشيب والشبان فكان (كما قال سيد الشعراء احمد شوقي المصري في مغن): يخرج المالكين من حشمة المل ... ك وينسي الوقور ذكر وقاره رب ليل أغار فيه القماري ... وآثار الحسان من أقماره بصبا يذكر الرياض صباه ... وحجاز ارق من أسحاره وغناء يدار لحنا فلحنا ... كحديث النديم أو كعقاره وأنين لو أنه من مشوق ... عرف السامعون موضع ناره يتمنى أخو الهوى منه آها ... حين يلحى تكون من أعذاره زفرات كأنها بث قيس ... في معاني الهوى وفي أخباره لا يجاريه في تفننه العو ... د ولا يشتكي إذا لم يجاره يسمع الليل منه في الفجر يالي ... ل! ليصغي مستمهلا في فراره ذكاؤه وفطنته وما ذكاؤه وفطنته فحدث عن البحر ولا حرج. وكأني بمن لم يزل يتردد في تصديق ما اذكره من غرائبه ونوادره؛ كان مع شيخوخته إذا سمع صوت إنسان عرف أوصافه من حسن ودمامة وطول وقصر وعرف كم سنه. وإذا لمس يد رجل فارقه مدة من الزمن عرفه في الحال. واغرب من هذا وذاك أنه كان يعرف الرجل من قرع نعليه. وكان يجيد الضرب أيما إجادة على العود والعزف بآلات الطرب بأنواعها واللعب بالدمة (أي بالدامة) والشطرنج وسائر الألعاب العجيبة. ومر يوما في طريق من طرق بغداد فسمع من أحد البيوت صوت عود غير منتظم فعرف حالا أن وترا من أوتاره لم يحكم شده فوقف وطرق الباب وقال: يا ضارب العود احكم الوتر الفلاني وسماه باسمه! فقال الرجل: أنا أردت ذلك بارك الله فيك! ونوادره أوسع من أن يحيط بها نطاق الحصر.
وأما حافظته فقد كان أمره فيها عجبا. حفظ ما شاء الله أن يحفظ من الشعر والقصص والنوادر، واستظهر في بغداد صحيح الإمام البخاري برمته. وذكر لي شيخنا علامة العراق الإمام السيد محمود شكري الالوسي رحمه الله أنه حاول أن يأخذ عنه العربية. قال: فاشترطت عليه حفظ كل ما القيه عليه وادرسه إياه عن ظهر غيب؛ فتبسم وقال: شرط عظيم! قال الأستاذ: فكان لا يمر على الدرس مرة واحدة إلاَّ ويحفظه بلفظه من غير أن ينقص منه أو يزيد عليه. . . ولقد رأيته يرتجل في المجالس الشعر ولا سيما (التواريخ) ارتجالا فيأتي سهلا لا كلفة فيه ولا يكاد يخطئ في التاريخ. أخلاقه كان رحمه الله طيب الحديث لسنا فصيحا لا يمله الجليس حلو العشرة وربما كانت تعتريه الحدة في بعض الأحايين فيتكلم بما يضحك الثكلى، ويذهب بثقل الحبلى، ولكن الغالب على طباعه سلامة الصدر وطيب السريرة وكثرة الوفاء والسخاء وعزة النفس والأباء إلى غير ذلك من الصفات الحميدة التي حرمها اكثر العمي. وكان صادقا في لهجته غيورا على مصالح أمته. ومواقفه الوطنية في الثورة العراقية أشهر من أن تذكر فقد كان الناس بحجة قراءة (المولد النبوي) يحيون الليالي في المظاهرة على الحكومة المحتلة ويتناشدون الأشعار الحماسية ويلقون الخطب الوطنية كأنها الشرر. فيأتون بالشيخ عثمان رئيس القراء فيفرع المنبر ويأخذ في ارتجال الشعر والخطب المحرضة حتى يترك الناس على اشد من الجمر ويدعهم يتلهفون للطعن والضرب في ساحة الوغى! لباسه وخلقه كان يلبس سروالا وجبة وبرأسه طربوشا أصفر طويلا كالذي تلبسه المولوية في فروق والشام ثم استبدل منه قبل وفاته بثلاث سنوات (الكشبدة) وهي عمامة فيها وشي. وكان قوي البنية كبير الجسم ممتلئة ربع القامة اسمر اللون أشقر الشعر جهير الصوت بطيء السير يقوده أحد تلاميذه غالبا وكثير من الناس. وإذا
ترك وحده سرقوا كيسه أو سبحته أو عصاه أو حذاءه، فتثور ثائرته ويخرج به الأمر إلى سب نفسه والعربدة على الله. . .! ثم يثوب إليه رشده فيستغفر ويتوب! تآليفه خدم رحمه الله العلم والأدب خدمة جليلة بنشر بعض آثار كبار العلماء والأدباء فنشر ديوان عبد الباقي العمري الشاعر الشهير، وكتاب الطراز المذهب. وكتاب الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية: وكلاهما من تآليف شيخ مشايخنا الإمام المفسر الخطير أبي الثناء شهاب الدين محمود الالوسي. ونشر كتاب التوجع الأكبر بحادثة الأزهر. وخواتم الحكم في التصوف ولم اطلع عليهما. وله شعر كثير من جملته تخميس بائية عبد الباقي العمري في رثاء الحسين رضي الله عنه، وتخميس لامية البوصيري المفتوحة وتخميس قصيدة الشيخ مصطفى البكري، وتشطير قصيدة لابن المقري الشهير يزعمون إنها تقرأ على عشرة ملايين من الأوجه!! وقد ذكرها الخزرجي في طبقاته وشرحها في مجلد لطيف. وقد جمع كل ذلك بمجموعة في 50 صفحة دعاها (الأبكار الحسان في مدح سيد الأكوان) وطبعت خمس مرات. وانشأ في مصر مجلة باسم (المعارف). قالت فيها مجلة (البيان) للشيخ إبراهيم اليازجي: المعارف - ورد علينا العدد الأول من مجلة معنونة بهذا الاسم لصاحبها ومحررها الفاضل منلا عثمان أفندي الموصلي وهي علمية سياسية تاريخية أدبية أخبارية، وفيما نعهده في حضرة محررها المشار إليه من غزارة الأدب والبراعة في صناعة الإنشاء ما يضمن لها التقدم بين الصحف العربية. محمد بهجة الأثري
الألفاظ الارمية
الألفاظ الارمية في اللغة العراقية العربية اللغة الارمية من اللغات السامية، كالعربية، والعبرية، والفينيقية، والحبشية، وهن بنات أم واحدة مفقودة؛ وتطلق اللغة الارمية على السريانية. والكلدانية، والفلسطينية، والمندائية، وما تفرع منها من اللغات كالتي يتكلمها اليوم الاثوريون، والكلدان المسيحيون في إيران وكردستان وفي قرى الموصل والنازحون منها إلى بغداد والبصرة ويهود زاخو وقصر شيرين وكرند، وعدد من السوريين كالساكنين في معلولة ونجعة وجب عدين. ولقد كانت الارمية في أيام عزها ومجدها، اللغة السائدة في رقعة واسعة من الكرة الأرضية تحدها شرقا بلاد فارس وغربا البحر المتوسط وشمالا بلاد الأرمن واليونان في آسية الوسطى وجنوبا جزيرة العرب. وبقيت هذه اللغة من القرن السادس قبل الميلاد حتى القرن السابع بعده اللغة السامية الوحيدة - إن استثنينا اللغة العربية - ترجمانا للأعراب عن آراء الساميين والتعبير عن أفكارهم في غضون اثني عشر قرنا. وبعد استيلاء الفرس على بابل بقيت اللغة الارمية لغة رسمية وكان ملوكهم يصدرون مراسيمهم بها (راجع سفر عزرا 7: 4) وتعلم اليهود هذه اللغة في منفاهم في أرض بابل وكتبوا بها كتاباتهم الدينية والأدبية. وكانت إحدى اللغات الثلاث في بلاط الاكاسرة. هذا فضلا عن إنها إلى هذا العهد اللغة الدينية للنساطرة، والكلدان، واليعاقبة، والسريان، والموارنة، وبعض نصارى ملبار في الهند، وبها بشر الكلدان بالدين المسيحي في بلاد الصين، وبواسطتها ازدهرت العلوم عند العرب في عهد العباسيين، وبعد الفتح الإسلامي أخذ يتقلص ظل هذه اللغة رويدا رويدا وحلت محلها اللغة العربية. إلاَّ أن الارمية خلفت طائفة من الألفاظ يستعملها العراقيون في كلامهم
العربي السوادي ولا يعرفون أصلها فآثرنا أن نجمع عددا منها للإشارة إلى وجودها فيه. ثم اعلم أن في اللغة العامية العراقية ألفاظا عربية فصيحة وألفاظا فارسية وتركية وارمية وكلما من اللغات الأوربية وقد دخلتها هذه حديثا. ونحن لا نتعرض هنا للألفاظ الارمية الأصل التي دخلت في اللغة العربية الفصحى منذ القدم كشماس وكهنوت وعماد وبرنساء وما شاكلها. ولا للمفردات التي دخلت الارمية والعربية من الفارسية أمثال: رشتة، كلك، كمر، بربارة، تنورة، كستج (كوستك) الخ. ولا للحروف اليونانية التي من هذا القبيل مثل: لكن أو لقن (للوعاء المعروف) وتليس بمعنى كيس، ويريد به تجار العراق ما يغطي أثواب الأقمشة. كما لا نذكر الألفاظ التي ينطق بها اليهود مثل: كنب بمعنى سرق. وشوخار بمعنى سكر، ومشكنته أي رهن، وبكن أي رطن، وشيقر بمعنى كذب؛ فلهذه جميعها أصول ارمية كما يعلم الواقفون على هذه اللغة. إنما نقصر مقالنا على الألفاظ الارمية البحتة التي يستعملها العراقيون بمعانيها الأصلية ولا يعرفون حقيقتها إذ لا يتمكنون من الوقوف عليها في المعاجم العربية لخلوها منها. ومما يؤسف له أن ليس لمطبعة (لغة العرب) الحديثة الوجود حروف ارمية ولهذا اضطررنا إلى أن نكتب أصول تلك الكلمات بحروف عربية منفصلة فحيث وجدتها اعلم أنها تلمع إلى أصل ارمي وأن لم نذكر ذلك. حروف الأبجدية الارمية اثنان وعشرون على ترتيب حروف الجمل العربية إلاَّ أن في لغتنا سبعة حروف لا مقابل لها في اللغة الارمية وهي: ج (لأن جيم (أبجد) عندهم تلفظ كافا فارسية) ث، خ، ذ، ض، ظ، غ. وهذه الحروف يعتاض عنها في الارمية بوضع نقط على ما يقابلها من حروفهم. نسير في بحثنا على ترتيب الحروف الأبجدية نظرا إلى أصلها الارمي ليسهل التنقيب على الذين يريدون الاطلاع على المفردات في المعاجم الارمية:
(ابزار) آلة حياكة: من (اب ز ر ا) آلة حياكة تتخلل فيها خيوط السدى (اشكارة) وهي قطعة من الأرض تزرع وفي الارمية (اش ك ر) أو (اش ك ر ا) بالمعنى نفسه وهي الدبرة في لغتنا. (بزاغة) معمل الشيرج من (ب ز ر ا) وهو الشيرج بذاته بإبدال الراء الثالثة غينا. ومنها البزار: بياع بزر الكتان وزيته بلغة البغادة في عصر العباسيين وإبدال الراء غينا خاص بلغة نصارى الموصل وبغداد وغيرها. (بطانية) من (ب ي ط وا ن) وهي البردة والجبة. (برم الخبز) بمعنى أكله. من (ب ر م) أي قرض، أرض، أكل (بيتونة) وهي بيت صغير في السطح لحفظ الفراش من الشمس والمطر ويقال له عند بعضهم بيب الفراش؛ وهذه اللفظة مؤلفة من كلمتين بيت أو (بيتا) الارمية ومن (ون ا) وهي أداة تزاد في الآخر للدلالة على التصغير في الارمية؛ ومثل ذلك دربونة أي درب صغير أو دريب على الصيغة العربية ويطلقه العراقيون على الطريق الخاص؛ و (قبونة) (وزان حسون بزيادة الهاء) يقال قبونة تمر بمعنى سلة تمر لأن شكلها بشكل قبة أو قب وبزونة: للبسة الصغيرة إلى غير ذلك من الألفاظ. (جهجه النهار) من (ج هـ) أو (ج هـ ج هـ) وفي الكلمتين تلفظ الجيم جيما مصرية ومعناها أضاء الصبح، انفلق الفجر (ولم اسمع بهذا الفعل إلاَّ من المسيحيين) (غوغى الطفل) ابتدأ بالنغم من (ج وج ي) الجيمان فيها مصريتان بالمعنى نفسه. وإبدال الجيم غينا معروف في العربية. (جومة) آلة الحياكة وهي المنسج ونول الحائك من (ج وم ت ا) بمعنى
الحفرة وذلك لأن المناسج في العراق تنصب في محل يتخذ لها فيه حفرة والحائك يدلي رجليه فيها وقت الحياكة. (كيش) الضحضاح من الماء. هذا اللفظ مأخوذ أما من (ج وش ا) والجيم فيها مصرية ومفاده: الغور وعمق البئر أو النهر والمخاضة والرق والماء الرقيق. وأما من فعل (ج ش) والجيم مصرية بمعنى جس ولمس وسبر وقاس الماء وصدم وجنح ونشب المركب في الأرض لقلة الماء. (كاطرة) من (ج ط ر ا) بالجيم المصرية وهي الزوبعة والعاصفة. (كندر وتكندر) بمعنى دحرج وتدحرج ومنه المثل تكندر الدست لقي (وجد) قبغه (غطاءه) من (ج ن د ر) و (ات ج ن د ر) الجيمان مصريتان بالمعنى نفسه. (كنكورة) من (ج ن د ور ا) بالجيم المصرية وهي الدحروجة والكرة. (كردش العظم) ومنه المثل: كردش العظام على شأن العظام من (ج ر د ش) بالجيم المصرية بمعنى عرق العظم وجرده. وفي لغتنا الفصحى: كدش واكتدش منه شيئا أي أصاب منه شيئا. (الكرص) ومنه كلام شتم (مال الكرص) من (ج ر س) بالجيم المصرية والسين في الآخر بمعنى هلك وباد؛ ومما يؤيد هذا المعنى انهم يقولون: مال الموت، مال الكرص؛ على الترادف. وإبدال السين صادا كثير في العربية ومنه يقال رجل عكص وعكس سيئ الخلق؛ ورصعت عين الرجل ورسعت إذا فسدت والصقر والسقر الخ. (دكدك) بمعنى دغدغ من (د ج د ج) والجيمان مصريتان واللفظة من الارمية مبنى ومعنى. وهي تضاهي (دغدغ) العربية. (اطرش دكي) لفظة ذكي هنا مرادفة لكلمة اطرش وهي من الارمية (د وج ا) بالجيم المصرية أو (د ج ا) بالجيم المصرية أي اطرش واخرس. (داكور) تطلق هذه الكلمة على خشبة يسند بها الجدار وقد يراد بها من باب المجاز الشخص الذي يكون مانعا أو حجر عثرة للغير ويقال دكر يدكر أي منع وقاوم؛ فأن الداكور (د اج ور ا) بالجيم المصرية، ودكر من (د ج ر)
بالجيم المصرية فالأول بمعنى الطارق، والناخز، والزاجر والثائي بمعنى انتهر، وزجر، ودفع. (دادا) تنادي نساء الأعراب عند وقوع بلاء أو حدوث مصيبة (وا يا دادا) وهذا كثير ما يسمع من البدو ويقوله أيضا من يحمل ولدا صغيرا ويلاقي ولد آخر صغيرا فيقول للولد الذي يحمله (هذا دادا) ويظن بعضهم أن لفظ دادا مشتقة من الفارسية (داد) أي الانتقام والعدل والخلاص والتنهد ومنه كلام العوام من سكن المدن: أصيح داد وفرياد؛ وكلمة فرياد معناها الغوث. وهناك من يقول إنها من كلمة (دادا) الفارسية ومعناها المرضعة ومنها الداية والكلمة مهموزة معروفة منذ عهد العباسيين وعوامنا يستعملونها غير مهموزة ونقلت بصورة الظاعية عند الفصحاء. أما نحن فنذهب إلى أن كلمة (وا يا دادا!) التي يستغيث بها نساء البادية أصلها ارمي (ددا) بفتح الدالين ومعناها حبيب وصديق وعم وخال ومؤنثها (ددت ا) فكأن العراقية عند ما تستغيث وتقول (وا يا دادا) كأنها تقول: يا حبيباه! يا صديقاه! يا عماه! يا خالاه! (دحرة) يقال دحرة على كلبك (قلبك) ودحرة بعينك: للشتم. والكلمة مشتقة من (د ح ر ا) ومعناها في الارمية حجر الرحى. ومما يؤيد هذا التعليل قولهم (طاق رحية) بهذا المعنى لحجر الرحى. (دكلة) جنس من النخل ينبت عفوا من النوى وهو من اردأ أجناس النخل مشتقة من (د ق ل ا) وهي بالارمية النخلة بعينها؛ وقد عرفها العرب بهذا المعنى منذ زمن تقادم عهده؛ جاء في المخصص (132: 11) قال أبو حنيفة كل ما لا يعرف أسمه من التمر فهو دقل. (دريخ) وهي الحنطة بتبنها بعد الدرس وهي من (د ر ي ك ا) بمعنى الدائس والواطئ أبدلت فيها الكاف خاء. (درخ) درختني الهموم بمعنى سحقتني من (درك) بمعنى داس ووطئ (بالهون) وأن كان الهون هنا يفسر بالهوينا، أي على رسلك إلاَّ أني أرى أنها من الارمية (هـ ون) أي العقل ولا سيما لأنها تأتي على ألسنة العراقيين
مرادفة للعقل فيقولون (بالعقل؛ بالهون) ولا تخلو لغة القوم من مثل هذه المترادفات. (هيلة وهيلة عليك) بمعنى زه للاستهزاء من الارمية (هـ ي ل و: هـ ي ل هـ) بهذا المعنى. (ورور النار) اتقد من (ورورا) بمعنى شرارة النار؛ وقد جاء فعل ورور في العربية كقولهم ورور في الكلام أي أسرع وما كلامه إلاَّ ورورة إذا كان يستعجل فيه؛ وللعامة العراقيين مثل هذا الكلام يقولون: (يورور) وهو (وروري) بياء النسبة وربما اشتق العوام (ورور النار) من فعل ورت النار وريا وورية أي اتقدت. (زنقطة) بمعنى بثرة أو دملة من (ز ن ط ا) وهي الخراجة الخبيثة. (زياح) يستعملها المسيحيون بمعنى طواف (دورة) من (ز ي ح) بمعنى حرك وحمل شيئا وطاف به بأبهة وجلالة. (حويجة أو حويكة) قطعة من الأرض فيها شجر من (ح وي ج ت ا) بالجيم المصرية وهي الغابة والغيضة والكلمة مشتقة من فعل (ح ج) بالجيم المصرية بمعنى الحوط والسور والسياج. (حياصة) وهي الحزام؛ هذه الكلمة وأن دخلت في العربية الفصحى إلاَّ أنها ارمية مبنى ومعنى من (ح ي ص ا) أي النطاق والحزام والوثاق والكلمة مشتقة من فعل (ح ي ص) أي قمط وزنر وستر. وجاء في المخصص 187: 6 في كلامه عن أدوات الخيل: الحياصة سير في الحزام. (حيفة) بكسر الحاء وسكون الياء وفتح الفاء: الرجل الداهية من (ح اب ا) بكسر الحاء وباء مثلثة تحتية: وهو العزوم والشديد القوى. (حنن الخبز أو الجبن) أي فسد ونتن من (ح ون ا) وهي النتانة والسهوكة والعفونة. (حمحيم) مرض في الجلد من أعراضه الحكة وظهور البثور أو القشرة والشعور بالتهاب (ح م ي م ا) بمعنى الحميم والهائج والمنتن والفاسد والمسموم. (حربق) شبك ارميتها (ح ر ب ق) بمعناها أي عقل وشبك وربك. وأظن
أن هذا اللفظ لا يستعمله إلاَّ المسيحيون العراقيون. (حركش وحركيشة) أي تحجج واحتال ارميتها (ح ر ك ش) بمعنى بصبص وخادع. (أصفر خروع) و (خروع وزان عبود) تقوله العامة بمعنى أصفر فاقع أي شديد الصفرة ولفظة خروع من (ح ر وع ا) أي أصفر. (خشل) الخشل - الحلي من ذهب وفضة وحجارة كريمة للزينة والفعل من الارمية (ح ش ل) أي صاغ وسكب. و (ح ش ل ا) المصوغ والمسبوك و (ح ش ل ا) الصائغ. وقد جاء في العربية الفصحى خشلة أي رذله وحلاه فهو مخشل أي محلى وهو تفعيل يكون للسكب تارة وللوضع أخرى والخشلة الاسورة والخلاخيل كما في اللسان لا رؤوسها. وأنت ترى أن اللفظة ارمية. لوجود الاسم والمصدر واسم الفاعل فيها. وقد جاء عن ابن الأعرابي: امرأة متخشلة - متزينة المخصص 54: 4 (تكز) بمعنى رتب من (ط ك س) أي رتب ونظم وصف ولعلها يونانية. (لطش) وهو قلب طلش بمعنى العمل غير المنظم من (ط ل ش) أي لزج ودبق ووسخ ودنس. (طعطع - مطعطع) بمعنى غير ثابت أو غير مستقيم من فعل (ط ع ا) أي ضاع وتاه وباد وهلك وأهمل وأضل. (طبش في الوحل وطبش في أعماله) من (ط ب ش) بباء مثلثة فارسية أي طفس وقذر ودنس وغلط وحمق وجهل. (طره بالحجارة) أي ضربه بها من فعل (ط ر ا) بهذا المعنى. وفي العربية الفصحى فعل (طر) ولكنه لا يفيد هذا المعنى. وأقربها إلى هذا المؤدى طر فلانا لطمه وطر الماشية ساقها ولا يتعدى هذا الفعل بالباء كما في الارمية. (طرطور) بمعنى الرجل المنحط السافر وجاء في العربية الفصحى الطرطور بمعنى الوغد الضعيف. وجاء في الارمية (ط ر ط ر) أي ضرط والطرطور عند العراقيين الضراط ويقولون طرطرت بطنه أي قرقر بطنه. فإنك ترى أن لهذا اللفظ وجهين عربيا وارميا فربما هو من الأوضاع السامية المتشابهة.
(طرن) يقال للرجل الجاهل الغبي. وهو عندنا مشتق من (ط ر ن ا) وهو الظر والصوان للحجر المعروف ومما يؤيد قولنا هذا أن هذه اللفظة تأتي على ألسنة العوام مردوفة بكلمة صخرة فيقولون لا نعلم ما هذا الرجل طرن صخرة؟ (كع) يقول (كعه عني) أي أبعده فأرى أنه من الحرف (ك اا) بمعنى انتهر وزجر بإبدال الألفين عينا وربما يعترض معترض كيف يكون ذلك؟ فأقول أن إبدال الألف أو الهمزة عينا كثير المثال في لغة العرب فيقولون كثأ اللبن وكثع وهي الكثأة والكثعة وهي أن يعلو دسمه وخثورته رأسه؛ وتقول العامة في العراق في مثل هذا قطع اللبن وقطع الحليب ومنه السأف والسعف؛ والآسن (بقية الدسم) والعسن الخ. وفي لغتنا الفصحى جاء كع بمعنى جبن وضعف واكعه جبنه وخوفه وكعكعه حبسه عن وجهه. (كباش) يقول العراقيون وقع الرجل كباش على الأكل أي أكل أكل جشع وهذه الكلمة ارمية من (ك ب ش) بمعنى دح ودش وحزق أو سحق ومما يؤيد هذا الاشتقاق قولهم بمثل هذا المعنى (دح بطنه) و (سحق). (كبش) (دولاب الغزل) من (ك ب ش ا) فلكة المغزل. (كوش كوش) لفظة تستعمل للدلالة على الكلب بلسان الأطفال وأظن أنها من (ك وش و - ك وش و) لفظة يدعى بها الكلب. وفي العربية الفصحى قوش قوش زجر للكلب. (كمش - كمشة) الكاف مفخمة كالجيم المصرية أي قبض قبضة أصلها إنها من (ك م ش) وتفيد المعنى نفسه، قال صاحب دليل الراغبين في لغة الآراميين سوادية. (كرخ الماء وكرخ الشيء) بمعنى ساقه برجله جاء في لسان العرب أنها سوادية. وعليه فأن أصلها ارمي من (ك ر ك). (الكتر - كتره) تريد العامة بالكتر الجانب وكتره (من باب التفعيل) أخره أو تركه جانبا إلى أن تأتي نوبته. أظنها من الارمية (ك ت ر) ومعناها مكث وانتظر وتأخر وترقب ويظن بعضهم أن الكتر بمعنى القطر بطريق إبدال القاف كافا والطاء تاء. ولهذا الرأي وجه أيضا. ولا سيما قد جاء فعل قطر أو قتر بمعنى جعله في قطر.
(تكش يتكش) يريدون بها اشتغل شغلا بجهد. من (ك ت ش) أي صارع وقاتل وكافح وجاهد وحارب على سبيل القلب بتقديم التاء على الكاف وهذا كثير في العربية الفصحى ومنها قولهم جذب وجيذ. تسكع وتكسع. سفيط وفسيط، للشيء الذي لا قدر له الخ. (جاث) بالجيم المثلثة الفارسية من (ك ث ا) ما نبت من ذاته بعد الحصاد وقد ورد في العربية الفصيحة الكاث وجاء في تعريفه: ما ينبت مما يتناثر من الحصيد، والتعريف الارمي اكثر انطباقا على ما يريده العراقيون بلفظة (جاث) بالجيم المثلثة. ومما يحملنا على الذهاب إلى أن هذه اللفظة ارمية الأصل أمران: أولهما أن الزراعة والفلاحة كانتا بأيدي الارميين حتى بعد الفتح الإسلامي بزمن غير يسير ومعلوم أن ألفاظ الزراعة ومصطلحاتها من وضعهم، وثانيهما أن في اللسان الارمي فعل (ق ت) بمعنى نشب وانتشب وتعلق وتسمر ودس في الأرض فكأن أصول الزرع تبقى مخزونة في الأرض بعد الحصاد ثم تنبت. (لبيخة) تطلق أولا على الضماد ومن باب المجاز تطلق على الأمر المعقد واشتقوا منها فعلا فقالوا لبخ أي ضمد ووضع لبيخة. ولم نر في العربية لفعل (لبخ) الفصيح ومشتقاته هذه المعاني. إلاَّ أن فعل (لبك) الشيء والأمر لبكا، بمعنى خلطه كربكه يقارب معنى لبخ العامي، تقول: لبك لباب البر بالشهاد ولبك القوم بين الشاء خلطوا واللبكة المرة والشيء المخلوط وأمر لبك أي ملتبس مختلط. على أن الحرف الارمي (ل ب ك) وأن كان من أصل واحد كالفعل العربي، إلاَّ أنه اقرب إلى ما يقصده العراقيون ب (لبخ ولبيخة) فهو عند الارميين بمعنى تلاءم وتلاحم وتلاصق ومنه أطلقت على الضماد لتلاحم أجزائه. وحرف (ل ب ي ك ا) (والكاف في هذا اللفظ تقرأ خاء) يفيد عندهم الأمر المعقد المبهم و (ات ل ب ك) (والكاف تلفظ فيه خاء) معناه تكاثف وتلبد وتلاحم وقصارى القول أن هذا اللفظ من الأوضاع السامية المتشابهة. (تلبش به لبشة - بلش به بلشة) أي تحرش وتعلق به. من فعل (ل ب ش) أي شمل وغشى واعترى واحاق؛ ويقولون بلسانهم: (لبش نورا لزبلن) علقت النار بكذا. و (لبش شدا لبلن) اعترى الشيطان فلانا. ولا يخفى أن فعل لبش الارمي هو مثل فعل لبس العربي معنى ومبنى. ويقول العراقيون (لبني
فلان جبة وقميص) أي لازمني ولم يترك لي راحة. أما بلش فهو من فعل (ب ل ش) أي تحرش وتشبث ذكرها بهذا المعنى الأخير صاحب دليل الراغبين وقال أنها سوادية وعندهم لفظ (ب ل ش ي ا) يفيد معنى جيل من الناس مشهور بالبطش والفتك ويراد به اللصوص والسراق ويعرفهم العرب باسم البلوص على ما ذكرهم ياقوت. (شله المركب) أي جنح وأظن أنها مشتقة من فعل (ش ل هـ ي) ومؤداه أقفر وأخلى واخوي وافرغ كأن النهر فرغ من الماء. أو أن مأخذها من فعل (ش ل ي) بمعنى سلا وسكن وفتر وسكت وهدأ وبطل وكف كأن المركب بجنوحه قتر عن الحركة وكف عن السير وكثيرون من العوام يقولون: شهل المركب وشهلت السفينة. والكلمة من (ش هـ ل) بمعنى كف وامتنع و (ش هـ ل ا) الوحل والطين وكل مادة سيالة كالرمل فيكون معنى شهل المركب: نشب في الرمل أو في الطين ومنه الساحل في العربية، وربما رقق الآراميون الحرفين السين والحاء فقالوا شهل لأن الساحل من النهر مكان كثير الرمل أو جم الوحل. يوسف غنيمة مؤلف مناقب بغداد نشر محمد بهجة الأثري رسالة اسمها (مناقب بغداد) وطبعها في مطبعة دار السلام ببغداد سنة 1342هـ وقد نقلها عن صورة أخذت من الخزانة التيمورية. ونسب تأليفها إلى جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي الشهير بابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ. وقد شك الناشر في المقدمة التي صدرها بها في صحة نسبها إلى المؤلف المذكور. إلاَّ أنه بني شكه على عدم ذكر هذه الرسالة بين مؤلفات ابن الجوزي ولم يزد بيد أن هناك سببا آخر يقف عقبة كأداء في نسبها إلى جمال الدين أبي الفرج وهو ما جاء في ص34 من الرسالة المطبوعة نفسها عند ذكر غرق بغداد في السنوات 614 و646 و654 فيستنتج من هذا أن المؤلف الحقيقي لم يعمر كثير بعد هذا التاريخ وانه من المسمين بابن الجوزي. فنظرا إلى ما تقدم أرى أن مؤلف الرسالة هو الشيخ أبو محمد يوسف بن أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المقتول في فتنة التتار في بغداد سنة 656هـ وهو أيضا مؤلف كتاب الإيضاح لقوانين الاصطلاح ولابد من الوقوف على نص صريح يؤيد هذا الرأي لمن يبحث في هذه المسئلة. يوسف غنيمة
الزهر القتيل
الزهر القتيل وصف الزهر الذابل طي كتاب الحبيبة أجريت للزهر القتيل دموعي ... وأثرت من قلبي وفي ولوعي قبلته وشممته وضممته ... وحنينه مثلي حنين رجوع أرسلته طي الكتاب فمات في ... كنف الجمال الحاكم المتبوع! أودى الفراق به، وقد كفنته ... برسالة الحب المثير نزوعي فوددت لو أني القتيل مكانه ... بيديك. . . لا أرضى رجاء شفيع! لم يبق منه سوى تحيتك التي ... فاحت كما فاحت جنان ربيع! وكأنما هي فيه روح دائم ... رغم الذبول فمات غير جزوع! واعتز في الظرف العزيز كأنه ... ملك بتابوت السنا المطبوع! وكأنما الأحلام قد زفته لي ... من سالف الإعصار لا الأسبوع؛ شكرا معذبتي وألف ضراعة ... لجمالك الجاني الضمين خضوعي! من صفو وجداني ونبع عواطفي ... من كل إحساس ومن مجموعي أنسيتني بالإنس حولك وافرا ... من منظر ضاح ومن مسموع وأنا أئن بغربتي في حسرة ... وكريهة المحروم والمفجوع حتى ذكرت شقاوتي فبعثت لي ... هذا العزاء لقلبي المصدوع! من ذا الذي جعل الضحية سلوة ... إِلاَّك، والإرضاء نثر دموعي؟! أحمد زكي أبو شادي
تاريخ الطباعة العراقية
تاريخ الطباعة العراقية مطابع العراق وثمراتها (من سنة 1856 إلى سنة 1926) 3 - تابع مطابع الموصل 2 - الكتب المدرسية والعلمية والأدبية وغيرها 73 - (جداول كبيرة للقراءة العربية) 74 - (مبادئ التهجئة لتدريس الصبيان) (1862 ص23 طبع عاشر 1891) 75 - (التهجئة ومبادئ القراءة) 76 - (أمثال لقمان الحكيم الأدبية وطرف من لطائف العرب الإنسية) جمعها وضبطها بالشكل المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1871 ص160) 77 - (تعليم القراءة) (طبع سادسا 1892 ص72) 78 - (جني الأثمار من لطائف الأخبار) (1876 ص178 طبعته الرابعة 1890) 79 - (كراريس التصاريف العربية وتعرف أيضا بكراريس الاشتقاق) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1882 ص94) 80 - (التمرنة في الاصول النحوية) للمؤلف نفسه (1869 ص225 ثم طبع ثانية سنة 1875 في جزءين وفيهما مقدمتان في أصول الكتابة والقراءة مجموع صفحاتهما 410) 81 - (التمرين على كتاب التمرنة) للمؤلف نفسه (1877 ص244) 82 - (تدريب الطلاب في أصول التصريف والأعراب) الكتاب السابق مع بعض تغيير (ص260) 83 - (تعليم الطلاب أصول التصريف والأعراب) لسليم حسون (1895 ص158)
84 - (تنزيه الألباب في حدائق الآداب) لجامعه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1863 ص174) 85 - (بديع الإنشاء والصفات في المكاتبات والمراسلات) للشيخ مرعي 1866 ص146) 86 - (كليلة ودمنة) عني بطبعه وتنقيحه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1869 ص286 ثم كرر طبعه 1876 و1883 ص230) 87 - (فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء لابن عربشاه) وقف على طبعه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1869 ص520) 88 - (الرموز ومفتاح الكنوز) عني بطبعه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1870 ص132) 89 - (رواية لطيف وخوشابا) عربها نعوم فتح الله سحار (1891 ص83)
90 - (احسن الأساليب لإنشاء الصكوك والمكاتيب) لنعوم فتح الله سحار (1878 ص240)
91 - (مختصر في التواريخ المقدسة) (1863 طبعة رابعة 1883 وطبع خامسة ص76) 92 - (مختصر في التواريخ المقدسة على سبيل السؤال والجواب) ألفه البطريرك اغناطيوس افرام الثاني الرحماني بطريرك السريان الكاثوليك (طبع ثالثة 1883 ص229 ورابعة 1891 ص237) 93 - (الفصول الإنسية في التواريخ القدسية) للمعلم بيليز عربة البطريرك جرجس عبد يشوع خياط الكلداني (1868 ص464 ثم 1876 ص321)
94 - (مختصر تاريخ الكنيسة) للمعلم لومون عربة المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1873 ص756) 95 - (مختصر المختصر في تواريخ الكنيسة) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1877 ص210) 96 - (مختصر في التواريخ القديمة) تأليف القس لويس رحماني وهو البطريرك اغناطيوس افرام الثاني الرحماني (1876 ص383) 97 - (مختصر في تواريخ القرون المتوسطة) له (1777 ص208) 98 - (مدخل الطلاب وتعلة الرغاب في أصول علم الحساب) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1865 ثم 1870 ص180 طبعته الرابعة 1900) 99 - (ترويض الطلاب في أصول علم الحساب) له (1865 ص308) 100 - (مختصر صغير في الجغرافية) تعريب السيد المذكور (1861 ص82 ثم 1871 ص180) رفائيل بطي
باب المكاتبة والمذاكرة
باب المكاتبة والمذاكرة معنى كلمة بغداد سيدي الفاضل صاحب مجلة لغة العرب المحترم تناولت الجزء الثاني من مجلتكم الغراء الصادر في أب فطالعته من أوله إلى آخره، فأشكركم على العناية التي تبذلونها في اختيار المواضيع المفيدة لأبناء العراق عامة. لقد لفت نظري مقال الأديب يوسف أفندي غنيمة في معنى كلمة بغداد إذ ذهب حضرته إلى أن اسم بغداد ارمي المبنى والمعنى ويفيد مدينة الغنم أو الضأن ولما كنت أحد الكتاب الذين نقبوا عن معنى هذه المفردة في كتب الأقدمين والمحدثين ونشروا بعض آرائهم في مجلة لغة العرب في سنتها الأولى والثانية فلا أرى رأي الكاتب الفاضل. نعم. أني كنت قد نشرت في لغة العرب (390: 1) رأيا يكاد يكون كرأي الأديب المشار إليه إذ قلت أن كلمة بغداد مقتضبة من (بيت كداد) ومعناها مدينة الغزل أو الحياكة غير أني اليوم لا أرى ذلك الرأي. وعندي أن بغداد مصحفة عن بل دودو أو بل دادا ومعناها مدينة الإله المحبوب، لأن (بل) تفيد معنى البعل أي الإله عند الأقدمين، ودودو أو دادا جاءت في معجم دليل الراغبين في لغة الارميين بمعنى الحبيب والمحبوب والعم والخال الخ. وكنت قد نشرت رأيي هذا على صفحات مرآة العراق فقط من ذلك المقال لفظة محبوب فجاء المعنى مبتورا ناقصا وقد نقل ذلك علي أفندي الظريفي وأثبته في كتابه مختصر تاريخ بغداد القديم والحديث ولم يشر إلى مصدره. (ل، ع) بين بغداد و (بل دودو) أو (بل دادا) فرق في اللفظ بخلاف
ما إذا قلنا: بيت كدادا فأن الاكتفاء بالباء للدلالة على البيت أي المكان أو المدينة أشهر من أن يذكر. وكدادا بكاف فارسية فتنحت حينئذ الكلمتان بصورة بغداد فتكون الكلمة أوضح من الأول. لأن الكاف الفارسية تنقل إلى الغين في اغلب الأحيان وأما الألف الأخيرة فخاصة باللغة الارمية أما في العربية فتحذف. فانتقال بيت كدادا إلى بغداد واضح فضلا عما فيه من المعنى المثبت للمطلوب. أما بل دودو أو بل دادا فإذا أردنا نحتها قلنا: بلداد، لكن هناك إبدال اللام بالغين وهو أمر لم نعهد له مثيلا كما لا نرى فيه سببا. ولو فرضنا أن الإبدال وقع لعلة نجهلها فيبقى علينا المعنى. فقولنا معنى بغداد (البعل المحبوب) لا يتحصل منها مدينة البعل المحبوب، إذ ليس في التركيب كلمة أو حرف يدل على البيت أو الدار بمعنى المدينة. ولهذا نرى في هذا التحليل تكلفا ظاهرا بخلاف تحليل الكاتب المفكر يوسف غنيمة. معنى كلمة عراق وبهذه المناسبة أقول أن كلمة عراق معناها بين النهرين وإليك البيان: ورد في الآثار المكتشفة حديثا أن ديار العراق كانت تعرف قبل اكثر من ستة آلاف سنة باسم اورو، اورا، أو اوري وجاء في تاريخ شمر وأكد لمؤلفه الأستاذ كنك ص14 أن هذه البلاد كانت تعرف قديما في عهد الشمريين باسم (كي اوري) أو (كي اورا). بقي علينا أن نعرف كيف تصحفت كلمة اورو فصارت عراقا، قال لسترانج: يطلق المؤرخون على النصف الشمالي من بين النهرين اسم الجزيرة وعلى النصف الجنوبي العراق ومعناه الساحل وأصل معنى هذه المفردة مشكوك في صحته ولعله يمثل لنا اسما قديما مفقودا. وقال الأب انستاس ماري الكرملي: وأما الرأي الأصح المتبوع فهو أن العراق تعريب أيراه الفارسية بمعنى الساحل لأنه على ساحل خليج فارس أو
ساحل شط العرب. وأنت تعلم أن كل كلمة فارسية تنتهي بهاء تعرب بجيم أو كاف أو قاف على ما هو مشهور مثل: رندج ودرمك ودلق، والأصل فيها رنده ودرمه ودله. وأما قلب الهمزة التي في أول الكلمة عينا فأشهر من أن يذكر وهي لغة قائمة برأسها تعرف بالعنعنة كالآسن والعسن والائتساف والاعتساف والاقر والعفر. ثم حذفت الياء من عيراق بعد التعريب لتحمل على وزن عربي واتفق أن مصيرها بهذه الصورة يفيد معنى عربيا فتأول العرب تلك التآويل التي يبدو تكلفها لأول وهلة لمن يتأمل أدنى تأمل) أهـ. ومن المحتمل أن الفرس القدماء نقلوا إلى لسانهم معنى كلمة اورو التي تفيد بين النهرين، فقالوا: أيراه وأرادوا بها شاطئ البحر لأن اور معناها ديار أو بلاد و (أو) أو (أر) تفيد النهر في لغة الاكديين والاشكوزيين، راجع كتاب المتون الآشورية لمؤلفه ارنست ا. بدج ص39 المطبوع عام 1880م وأيضا معلمة التوراة ص44 - 77 ومنهم من ذهب إلى أن العراق تصحيف (اور ايكو) فأور معناها ديار وايكو مجرى الماء وعليه ظهر مما تقدم بيانه أن كلمة اورو أو اوري كانت شائعة الاستعمال في ديار العراق قبل شيوع كلمتي شمر وشنعار وقد ذهب الأستاذ موريس جسترو في تاريخه حضارة بابل وآشور الطبعة الثانية ص3 في الحاشية إلى أن كلمة شنعار هي شمر بعينها وتفيد معنى أرض وجاء في معلمة التوراة ص44 أن لفظ (شنعار) مركب من حرفين عبريين (شنا) ومعناه اثنان و (آر) أو (نهر) وأن الحرف آر من أصل اشكوزي أو كوشي بابلي وقد أطلق اليونان على هذه الديار لفظة (ميسوبوتامية) أي بين النهرين ووردت في التوراة
باسم ارام النهرين (تك 10: 24) ومعناها أراضي النهرين العالية وكان المصريون يسمون الطرف الشمالي من العراق نهرينا (بتحريك الحروف الثلاثة الأولى) والآشوريون يسمونه نهري (بتحريك الثلاثة الأولى) ويريدون بذلك الأراضي الواقعة بين الفرات ودجلة. فالمطالع يرى كيف أن معظم المفردات التي أطلقت على هذه البلاد جاءت بمعنى (بين النهرين) فمن المحقق أن كلمة عراق المصحفة عن اورو معناها بين النهرين أيضا ومن أراد التوسع في ذلك فليراجع تاريخ شمر وأكد ص13 - 15 لصاحبه الأستاذ المحقق لونارد و. كنك الطبعة الثانية 1916م رزوق عيسى (ل. ع) لا يجمل بالكاتب أن يقول: (من المحقق) حينما يعرض آراء ويذهب إلى أحد منها. فلو قال: (فمن الظاهر) أو ما هو بمعناه لكان أليق به. أما رأينا اليوم فهو أن العراق تعني البلاد المعرضة للغرق أو الديار المنخفضة وذلك أن وزن فعال المكسور الأول يفيد أحيانا معنى المفعول أو ما هو بمعنى المفعول أي المعرض لأن يكون مفعولا. من ذلك: الكتاب والبساط والفراش واللباس فمعناها: المكتوب، والمبسوط أو المصنوع لأن يبسط، والمفروش أو المعد للفرش، والملبوس أو المهيأ أو العتيد للبس. ومنه العراق. ولا جرم أن عرق بالمهملة وغرق بالمعجمة من واد واحد. ولهذا لا نرى نحن صلة بين الألفاظ التي ذكرها المؤلف نقلا عن الغير، وبين كلمة العراق. وللعلامة الألماني الأثري ارنست هرتسفلد رأي في هذا المعنى بعث به إلينا قبل نحو أربع سنوات. فإذا ظفرنا به عرضناه للقراء. وقد رأينا أن القول: (الديار المعرضة للغرق) هو اقرب للعقل، لأن الأسماء تطلق غالبا على ما يوافق الطبيعة لا ما تخترعه الأوهام.
أسماء الرافدين عند الأقدمين حضارة بابل وأشور نشأت على ضفاف دجلة والفرات. فسهول بابل الغربية الخصبة كانت ولم تزل هبة هذين النهرين العظيمين؛ وكان كل منهما يجري رأسا فيصب في خليج فارس. دجلة كانت دجلة تعرف عند الشمريين باسم (ادجنا أو ادجلا) ثم زاد على اللفظة الأخيرة البابليون الساميون علامة تاء التأنيث فقالوا (إدجلت) وقد اختصروها على توالي الأيام فأصبحت (دجلة) وقد صحف الفرس الماذيون هذه اللفظة فقالوا (تغرا) ومعناها في لسانهم السهم، لشدة جريان هذا النهر؛ غير أن العبرانيين اقتبسوا كلمة ادجلا الشمرية وتصرفوا فيها فقالوا: حداقل (راجع سفر التكوين 14: 2) كما أبدلوا كلمة شمر بشنعار التي تفيد معنى النهرين. وقد أطلق اليونان على دجلة اسم (تجرويس) ولا تزال معروفة عند الأوربيين بهذا الاسم إلى اليوم، وأما العرب فقالوا: دجلة وقد ورد هذا الاسم في سفر دانيال (4: 10) الفرات كان يعرف نهر الفرات عند الشمريين أولا باسم (فرانون) أي الماء أو النهر العظيم وكثيرا ما كانوا يطلقون عليه لفظة (فرا) فقط أي النهر وقد جاء ذكره في التوراة باسم النهر الكبير (تك 18: 15 وتث 7: 1) وجاء أيضا مرارا عديدة باسم النهر بدون زيادة اسم آخر عليه. ثم أن البابليين ألحقوا بلفظة (فرا) تاء التأنيث فقالوا (فرات) وعنهم نقلها العبرانيون إلى لغتهم فقالوا فرات وفسروها بمعنى الغزير وجاءت عند الاكديين بمعنى النهر المتعرج غير أن الفرس الماذيين تصرفوا فيها قليلا فقالوا (فراتو) وأرادوا بها الماء العذب وقد أخذ اليونان هذه اللفظة عن الفرس فقالوا افراتس وأما العرب فقالوا فيه الفرات ومعناه العذب أيضا. رزوق عيسى
تعريب مثل إفرنجي سيدي الفاضل أني أشكركم غاية الشكر على نقدكم كتابي (مرشد الطلاب إلى قواعد لغة الإعراب) فقد أظهرتم ما فيه من الحسنات والسيئات غير إنكم ذهبتم إلى أن عبارة (الق خبزك على الماء فتجده بعد أيام) لا معنى لها. والحقيقة أن هذه العبارة مترجمة عن الإنكليزية وتفيد معنى عمل المعروف مع جميع البشر. ولعوام العراق مثل مشهور يؤدي ذلك المعنى وهو قولهم: (سوي زين وذب بالشط). وقال الشاعر العربي: ازرع جميلا ولو في غير موضعه ... فلا يضيع جميل أينما زرع وقال آخر: من يعمل الخير لم يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس هذا ما قصدت بيانه وحفظكم الله منارا للحقيقة سيدي. رزوق عيسى (ل. ع) الأمثال التي ذكرتها لها معنى لأنها مسبوكة سبكا عربيا. أما المثل المعرب عن الإنكليزية، فلا يؤدي معنى بتلك العبارة فكان يجب أن يقال مثلا: ألق خبزك على الماء، تر فعله بعد أيام. أو نحو ذلك. الفارع والعون بمعنى الضابط شاعت كلمة الضابط بمعنى العون أو الفارع وهي كلمة تركية الوضع عربية الأصل، قلقة الأحكام. لم يعرفها العرب البتة. وإنما أشاعها الترك قبل نحو 150 سنة لا أزيد. وهي من الألفاظ التي يجب قتلها لأن العرب كانت تعرف حرفا آخر اصح من هذا وضعا وأحكاما وهو العون والفارع. قال في لسان العرب: الفارع عون السلطان وجمعه فرعة. أهـ. وهذا هو تعريف الضابط فإنه عون لذي السلطة والسلطان، وأما الضابط فلا وجه له في العربية.
أسئلة وأجوبة
أسئلة وأجوبة الرافد أو نائب الملك سألنا من بغداد: ي. م: هل عرف العرب لفظة تدل على نائب الملك حين يغيب صاحب البلاد عنها فيلي الملك من يقوم مقامه بمعنى نعم، وهو الرافد. قال في التاج: الرافد هو الذي يلي الملك ويقوم مقامه إذا غاب. أورده ابن بري في حواشيه. وانشد قول دكين: خير امرئ جاء من معده ... من قبله أو رافدا من بعده أهـ ومثل ذلك ورد في لسان العرب لابن مكرم. وهو من تحقيق صديقنا يوسف غنيمة. الشعوبية وسألنا آخر قال: فتشت في معاجم اللغة العربية الإفرنجية (أي في الدواوين التي تنقل الكلم العربية إلى الإنكليزية أو إلى الافرنسية أو الإيطالية أو اللاتينية) لا نقر عن اللفظة الإفرنجية التي تقابل كلمة الشعوبية التي معناها: الذين يحتقرون أمر العرب أو يكرهونهم فلم أجد. أفليس للغربيين كلمة يداون بها على هؤلاء القوم؟ نعم. وهي والكلمة حديثة الوضع. علي بن أبو طالب من زنجان (بلاد إيران) الشيخ م. ع. ز: ذكرت مجلة المرشد في جزءها التاسع من هذه السنة: أن الخزينة الملكية في إيران تتضمن نسخة دعاء بخط علي (عم) ومكتوب في آخرها: (كتبه علي ابن (أبو طالب). . . الخ بالواو على خلاف القاعدة المشهورة فيعتري الباحث
شك في نسبة الكتاب إلى الإمام، ولكن هناك أمرا يزيل هذا الشك بعض الإزالة وهو أن ابن فضل الله العمري في كتاب مسالك الأبصار يذكر نسخة كتاب الرسول الذي كتبه لتميم الداري واخوته في سنة تسع من الهجرة بعد منصرفه من غزوة تبوك في قطعة أدم من خف الأمير وبخطه يقول في آخره ما هذا نصه بحرفه (راجع كتاب المسالك 174: 1) (شهد عتيق بن أبو قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وكتب علي بن بو طالب وشهد). قال صاحب المسالك: و (أبو قحافة) ألف وباء وواو - ثم (قحافة) و (بو طالب) باء وواو - ثم (طالب). وليس في (بو) ألف. بين ذلك ليعرف. و (كتب) في ذكر علي رضي الله عنه مقدمة، و (شهد) مؤخرة. بين ذلك أيضا ليعرف. أهـ وأورد صاحب صبح الأعشى كلاما في شأن هذا الكتاب في الجزء 13 ص118 إلى 122 من طبعة مصر، فهل ينطبق استعمال كلمة (أبو) بالواو في موضع (أبي) بالياء أم لا. وهل يجوز حذف الهمزة من (أبو) في بعض الأحيان؟ قلنا: كان بعض الأقدمين يعتبرون الكنية متمما للعلم، أو أن شئت فقل: كانوا يعتبرونها جزءا من أصل الكلمة لا ينفك عنه، فهو في نظرهم كلمة واحدة لا غير، فيكون الجزءان جزءا واحدا لا جزءين. وهذا لأن المسمى بلفظ يشبه الكنية هو ليس بكنية على الحقيقة بل علم رجل. ومنه في الحديث: (إلى المهاجر بن أبو أمية) لاشتهاره بالكنية أي باسم صورته صورة الكنية لكنه ليس بها، إذ لم يكن له اسم آخر معروف ولهذا لم يجر. وكذلك القول: علي بن أبو طالب. (راجع تاج العروس في نحو آخر مستدرك مادة أبو) والنهاية لابن الأثير، وعليه يكون قولنا علي بن أبو طالب افصح من قولهم علي بن أبي طالب لأنها الرواية القدمى والفصحى. وهناك رأي آخر وهو أن من العرب أناسا كانوا لا يعربون لفظ (أبو) فمنهم من يبقيه بصورة الرفع أبدا. ومن ذلك رواية إلى المهاجر بن أبو أمية
وعلي بن أبو طالب، ومنهم من كان يبقيه على حالة النصب أبدا ومنه القول المأثور عن أبي حنيفة: (ولو قتله بابا قبيس) بالنصب وذلك على لغة من يعرب الأسماء الخمسة بالألف في الأصول الثلاثة وانشدوا على ذلك: إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها وهي لغة الكوفيين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة. ومنهم من كان يعرب الأسماء الخمسة بالحركات لا بالحروف. فقد قالوا: هذا ابك، بضم الباء. قال الشاعر: سوى ابك الأدنى وأن محمدا ... على كل عال بابن عم محمد وعلى هذا تكون تثنيته أبان لا أبوان وجمعه أبوان جمعا سالما. وثم رأي ثالث أن قولك أبو طالب هو على سبيل الحكاية. والأعلام والكنى تحكى على ما تروى أو على ما يتلفظ بها. وعليه قول ابن الانباري في باب الحكاية ص154 من طبعة ليدن: (هل يجوز الحكاية في غير الاسم العلم والكنية؟ - قيل اختلفت العرب في ذلك، فمن العرب من يجيز الحكاية في المعارف كلها دون النكرات. قال الشاعر: سمعت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا فقال: الناس، بالرفع، كأنه يسمع قائلا يقول: الناس ينتجعون غيثا، فحكى الاسم مرفوعا، كما سمع. ومن العرب من يجيز الحكاية في المعرفة والنكرة. ومن ذلك قول بعضهم، وقد قيل له: (عندي تمرتان). فقال. (دعني من تمرتان). وأما أهل الحجاز فيخصونها بالاسم العلم والكنية. . . انتهى المقصود من إيراده. فأنت ترى من هذا البسط أن قولهم: (علي بن أبو طالب) صحيح لا غبار عليه. وربما كان افصح من غيره. أما حذف الهمزة من أول كلمة (أبو) فهو معروف أيضا عند بعضهم على لغة كانت لهم، ولا تزال على ألسنة بعضهم إلى عهدنا هذا. وهي: انهم كانوا يتجنبون الهمز حيثما كان. في صدر الكلمة أو قلبها أو عجزها. فقد جاء في الحديث: قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا نبي الله! فقال: لا تنبر باسمي؛ أي لا
تهمز. وفي رواية؛ فقال: (أنا معشر قريش لا ننبر). والنبر: همز الحرف ولم تكن قريش تهمز في كلامها. ولما حج المهدي. قدم الكسائي يصلي بالمدينة فهمز. فأنكر أهل المدينة عليه، وقالوا: تنبر في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن. (هذا النص مأخوذ بحرفه عن لسان العرب في مادة نبر) فقريش لا تهمز وقد قالت في الأيكة ليكة وفي الأحمر الحمر أو حمر بحذف الهمزتين همزة أل التعريف وهمزة افعل. وهو عجيب، بل لا عجب لأنها لغة قوم كما رأيت. فهم يحذفون الهمزة أينما وقعت فقد حذفوها في الصدر إذ قالوا ما قالوا على ما نقلناه لك هنا. وقالوا يلمعي في المعي ويلملم في الملم ورمح يزني في ازني ويرقان في أرقان. وعدو يلد في ألد، إلى مالا عد له. وكل ذلك ليهربوا من النطق بالهمزة. هذا في صدر الكلمة. وأما في حشو الكلمة فقد قالوا في القرءة القرة على حذف الهمزة المتحركة وإلقائها على الساكن الذي قبلها وهو نوع من القياس. فأما أعراب أبي عبيد وظنه إياها لغة فخطأ. كذا في لسان العرب والتاج) - وأما حذف الهمزة في الآخر فهو أيضا معروف عندهم على اللغة المذكورة. فقد قالوا: الضوضى في الضوضاء للجلبة. والهردى في الهرداء لنبت وفي طلمساءة طلمساية إلى غيرها. وكلها تدل على أن بني قريش كانوا يفرون من الهمز فرارهم من الأسد أو من الأجذم. إذن لا غبار على كلام من يقول: بو قحافة في أبو قحافة وبو طالب في أبو طالب. فكل ذلك أشهر من أن يذكر. كتة برجه أو (كوتا برجة) أو صمغ جاوة أو صومطرة سألنا مستفيد من مرسيلية (فرنسة) قال: عثرت في إحدى المجلات العربية على لفظة (كوتابرخا) وقد عنى بها الكاتب إناء يماثل (القارورة) لكنه لم يتعرض لشرحها ومأتاها، فهل لكم أن توقفوني على شيء من ذلك؟ ج - كوتابرخا وبالإفرنجية مادة صمغية راتينجية تسيل من شجر يكثر في جزائر بحر الهند واسم الشجرة بلسان العلماء. ايسونندرا
برخا ولم تدخل في صنائع ديار الإفرنج إلاَّ منذ نحو سبعين سنة، والكلمة من الماليزية (كته فرج) ومعنى كته (وتلفظ بكاف فارسية مفتوحة وتاء مثناة مفتوحة وفي الآخر هاء. وهكذا كان يجب أن تكتب لا (كوتا) المنقولة عن الإنكليزية) الصمغ. و (فرج) (وتلفظ بالباء المثلثة الفارسية وتكتب عندهم بالفاء المثلثة وإسكان الراء وجيم مثلثة فارسية) هو اسم الجزيرة التي نسميها صومطرة كما هو اسم الشجرة نفسها التي يخرج منها هذا الصمغ. وبهذا المعنى يكتب أهالي ماليزية هذه الكلمة بهاء في الاخر، ولهذا يحسن بنا نحن العرب أن ننقلها عن أصلها أي أن نقول (كته برجه) لا (كوتا برخا) المنقولة عن الإنكليزية كما ذكرنا. أو غوتا بركا. وطبرخى كما قال أحد المتحذلقين. كما يجوز لنا أن نقول صمغ صومطرة أو صمغ جاوة أو صمغ زابج لأن هذين اللفظين وردا عند العرب تارة بمعنى جزيرة جاوة المشهورة بهذا الاسم في عهدنا هذا أي وطورا بمعنى جزيرة صومطرة أو سومترة المجاورة لها. ويتخذ أبناء الغرب من صمغ جاوة (كته برجة) مادة فرز في الطبيعيات مثلا لفرز حبال البحر للبرقيات، وفرز أسلاك البرق، ويتخذ منه أدوات الجراحة ونعال للأحذية، وسيور لإيصال حركة البخار إلى ما يجاورها، ومبازل (جمع مبزل وهو الحنفية عند عوام سورية، والمزنبلة أو المزملة عند العراقيين) وأنواع مختلفة من الآنية والأقماع ولوالب حبر في المطابع إلى غير هذه. فيحتمل إذا أن ما أشرتم إليه كان إناء كقارورة كما يحتمل أن يكون إناء آخر، لكنه متخذ من صمغ جاوة أو كته برجة، حتى جاز للكاتب أن يقول ما قال. ملا ذهب جماعة من اللغويين إلى أن كلمة (ملا) مصحفة عن مولى؛ وقال آخرون أنها مشتقة من التركية (منلا) وارتأى بعضهم أنها لفظة ارمية من (ملالا) ومعناها المتكلم والخطيب فصحفت وأصبحت بلام واحدة وعوض عن اللام الأخرى بشدة فصارت ملا. فما رأيكم في ذلك؟ بغداد: ر. ع ج - ملا. ويلفظها بعضهم بضم الميم وتشديد اللام المفتوحة. وآخرون
بفتح الميم وتشديد اللام المفتوحة. هي عندنا قصر كلمة (مولى) بمعنى السيد ثم أقحمت النون منعا للتضعيف وهو ما يكرهه بعضهم، عربا كانوا أو أعاجم؛ فصارت منلا. ومثل هذا الإقحام: حنظ في حظ؛ وانجاص في أجاص؛ وإنجاز في أجاز؛ واترنج في أترج، إلى غيرها. أما القائل بان أصلها (ملالا) فصاحبه جاهل لا يعرف سنن النقل والأخذ وذلك لأسباب: 1 - لأن اللفظة لا تؤخذ إلاَّ بمعناها في أول الأمر ثم تنقل إلى معان أخرى والحال ليس للارمية (ملالا) معنى السيد. 2 - لم يأخذ العرب ألقاب تعظيم عن الارميين حتى تكون هذه منها. 3 - لما يأخذ العرب عن الارميين لفظا لا يصحفونه تصحيفا كالتصحيف الذي ذكر هنا بل يحول قليلا، فأن (ملالا) تنقل إلى (ملال) لأن كل ما كان على ذلك الوزن (أي وزان سحابا) بالألف يعرب (وزان سحاب) بدون ألف كما هو معروف. 4 - حتى تعرب أو تنقل الكلمة إلى العربية يجب أن تشيع على ألسنة الناس. والحال (ملالا) ليست شائعة فكيف يأخذها العرب؛ اللهم إلاَّ عن كتب الارميين؛ وهذا بعيد لأن الناطقين بالضاد لا يطلبون تأدية المعاني الجديدة بالبحث عما في كتب الأجانب، بل يتلقونها عن ألسنتهم أن كانوا ينطقون بها. ولهذه الأسباب وغيرها نقول: أن الملا عربية الأصل لا تركية ولا ارمية. الفحص بيروت س. م. ل. رأيت في القاموس للفيروزابادي: الفحص: كل موضع يسكن ومواضع بالغرب منها فحص طليطلة. . . فما معنى هذه الكلمة ومن أين أتت؟ قلنا: قال ياقوت في معجم البلدان: بالمغرب من أرض الأندلس مواضع عدة تسمى الفحص. وسألت بعض أهل الأندلس ما تعنون به؟ فقال: كل موضع يسكن سهلا كان أو جبلا بشرط أن يزرع نسميه فحصا. ثم صار علما لعدة مواضع. فأما في لغة العرب فالفحص شدة الطلب خلال كل شيء اه. وعلى ذلك يكون الفحص بالمعنى الأول تعريب الرومية (أي اللاتينية) وليست عربية ويقابلها عند الافرنسيين أو.
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد 2 - الأدب العصري الجزء الأول - قسم المنظوم بقلم: رفائيل بطي كان الأديب رفائيا بطي أهدى إلينا في 5 أب 1923 الجزء الأول من كتابه (الأدب العصري) وطلب إلينا أن نكتب إليه رأينا فيه، فوجهنا إليه الوكة في اليوم الثاني (6 آب) وقد رجانا الآن أن ندرجها بحروفها في هذه المجلة فدونك نصها بحرفها: إلى حضرة رفائيل بطي المحترم سيدي الأكرم: أشكرك على هديتك: (الأدب العصري - الجزء الأول من قسم المنظوم) فوجدته عصري الوضع والتنسيق والتبويب. على الطراز الذي يضعه الفرنجة في عهدنا هذا. وبعلمك هذا خلدت اسمك واسامي الشعراء نوابغ العراق؛ إذ بينهم من هم في الطبقة الأولى من قالة القريض في عهدنا هذا. على أني لا اخفي عليك أمرا، وهو: إنك صرخت في صدر عنوان كتابك بأن سفرك هو كتاب تاريخي، أدبي، انتقادي. أما كونه أدبيا، فمما لا أناضلك فيه؛ وأما كونه تاريخيا انتقاديا، فمما اطالبك به اشد المطالبة. فأين التاريخ من كل ترجمة وقد جعلتها نغمة طنبور واحدة تعلي بها كعب الرجل. ولا تحدثنا عن تاريخ أيامه الشعرية؛ من علو وسفل؛ من حطة ورفعة من ذكر حقائق ونظم شقاشق؛ من جمع آراء غثة في جنب مذاهب سديدة. من أخلاق فيه رصينة وطباع فيه ممقوتة. فكأني بك فعلت فعل المصور الذي
نقح صورة الرجل تنقيحا لم يبق للناظر إليها أثرا من المصور، حتى جاء على غير ما هو من ظواهر خلقه. فلهذا قلما ينتفع بوصفك من يريد أن يقف على دخيلة الشاعر، فكأنك فعلت ذلك خوفا من انتقاض الناس عليك. فإذا صح هذا الظن؛ فكان يجب أن يراعى الحق في وضع الألفاظ في غرة الكتاب. هذا من جهة التاريخ، وأما من الوجه الانتقادي؛ فأني لم أر في كتابك أدنى اثر لهذا الأمر الجلل. فإذا كان الانتقاد هو مجرد المدح من غير إظهار ما في المنتقد من روائع المحاسن؛ ودقائق المعاني؛ ومختار المباني؛ وما يعكس من هذا كله؛ فلا يحق للقائل أن يدعي أن في كتابه نقدا. اللهم إلاَّ أن يجعل التاريخ والنقد والأدب والعلم إحراق البخور أمام أصنام الهوى والأغراض والغايات؛ فذلك أمر لا أتعرض لذكره. بقي علينا أن ننظر إلى عبارته؛ فإني أراها حسنة السبك مفرغة في قالب الظرف والرشاقة؛ قد لا يصل إليها كل حامل يراعة؛ وهو مما يبشرنا بمستقبل زاهر لقلمك العسال؛ على أن هناك أغلاطا ما كنت أود أن أراها في مثل كتابك هذا. كقولك في صفحة (كلمة): وقد تطورت (بطور). . . والصواب تطورت تطورا أو طوراً وقلت (عسى) بدون رابط. وهنا الرابط واجب؛ والصواب: فعسى وكتبت: (حينذاك) كلمة واحدة. وهو مما نبه الكتاب على منعه. والصواب (حين ذاك) وهو ليس من قبيل (حينئذ) الذي صرح الكتاب بكتابتها كلمة واحدة. وقلت ص5: قوافي؛ والصواب قواف (بلا ياء في حالة الرفع) وفي ص6: وقد نكب؛ والصواب في العبارة أن توضع الفاء السببية أي فنكب. وفيها: تعديل الجاذبية والصواب تعليل الجاذبية. وفيها: لا يحسن لغة أجنبية؛ ثم قلت أنه يحسن الفارسية والتركية
والكردية. فكان يجب أن يقال لا يحسن لغة إفرنجية أو أوربية؛ لتصدق في قولك الثاني. وفيها: كتبت كرمنشاه؛ كما يكتبها الغفل؛ إنما هي كرمانشاه. وقلت: عندما يسير من محل إلى آخر (ص7) والعرب لا تقوله؛ إنما تقول: حينما يسير. وقلت في تلك الصفحة: برغم معالجة نطس الأطباء له. وفصحاء العرب لا تعرف هذا التعبير القبيح. إنما تقول مع ما بذل له من معالجة نطس الأطباء. وفي تلك الصفحة: يترددون عليه. صوابه إليه. وفي ص8؛ وهذا كتب بها. والصواب عنها. وفي ص9؛ في هذا الحين؛ والصواب في ذلك الحين أو ذاك الحين. وقلت فيها؛ ثم انتخب نائبا عن المنتفق؛ فذهب إلى الأستانة؛ واقفل المجلس بعد أشهر. وهو أمر مضحك لا يليق بأن يقال عن الزهاوي. وأن كان هو كاتب العبارة. وكان الأجدر به أن يقول: فذهب إلى الأستانة، واتفق أنه اقفل المجلس بعد أشهر، حتى لا يبقى في فكر القارئ أن الزهاوي كان طائر شؤم لذلك المجلس، فأقفل بعد نزوله الأستانة. ومثل هذه الأغلاط اللغوية أو المعنوية كثير، وكان يحسن بك أن تريه أحد أصدقائك، ليكون خالصا من هذه الشوائب التي تشوه محاسنه العصرية؛ والله الهادي. 21 - مرقاة المترجم للصفوف العالية في اللغتين الفرنسية والعربية تأليف الأب يوسف علوان اللعازري (في بيروت. شارع سورية)، طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت 1925، الجزء الأول في 91ص (كتاب المعلم) وقيمته 6 غروش ذهبا وقيمة كتاب التلميذ 4 غروش ذهبا؛ وقيمة الاثنين معا مجلدين 9 غروش ذهب. وجهنا الأنظار إلى هذا الكتيب النفيس لمن يريد أن يتقن الفرنسية من المنتمين إلى الناطقين بالضاد. وهذا الجزء خاص بالمعلم. فأن صاحبه قد أتقن
وضعه، حتى جعله على طرف الثمام. ومن المشهور أن مثل هذه المصنفات تأتي خداجا في إحدى اللغتين، فإما أن تتقن عبارتها الإفرنجية، وإما أن تتقن عربيتها أما هذا الكتاب فإنه مفرغ في قالب الأحكام والتدقيق، احسن من جميع تآليف هذا النوع. ولا نريد أن نقول أنه خال من الغلط، إذ لابد منه ليدل على أن صاحبه من البشر، ولا سيما من الغلط الذي يعير في منشورات العصر كقوله في ص57: للقيام بأمري رغما عن كل ما أتوخى من وسائل الاقتصاد واحسن منها: مع كل ما أتوخى. وفيها: وكن متأكدا. وهي سبكة إفرنجية كأختها السابقة والعرب لا تقول إلاَّ: وتأكد. وفيها: لا اصرفها إلاَّ في ما لا مندوخة منه والصواب إلاَّ في مندوحة لي عنه. إلا أن هذه الهنيات ومثلها هي كالكلفة في وجه الشمس أو كالشامة في جبين القمر. 22 - إلى شبان الجيل العشرين كيف تصير رجلا تأليف: أ. ب. بورسو تعريب: الاباتي افرام حنين الديراني، المدبر الحلبي اللبناني طبع في بيروت سنة 1926 بمطبعة الاجتهاد أول سوق سرسق في 319 صفحة نحن في عصر نحتاج فيه إلى تعريب كتب الأجانب لنطلع على ما فيها من الوسائل التي تأخذ بيدنا وترفعنا إلى رقي حقيقي إلاَّ أن بعض معاصرينا اولعوا بنقل المؤلفات الفاسدة. فأضروا مجتمعنا اشد الضرر. أما المصنفات المفيدة الطيبة فلم يمل إلى استخراجها إلاَّ علية الكتاب وأكابرهم. و (كيف تصير رجلا) هو من الأسفار المفيدة لشبان هذا العصر؛ فأن واضعه من احسن مؤلفي الفرنسيين وهو أ. ب. بورسو - بنى أسس مصنفه على (الإرادة، والمعرفة، والاعتقاد، والعمل، والمحبة، وقهر النفس، والعافية) وقد عقد لكل من هذه العناوين بابا بسط فيه وجه السعي وراء كل حالة من هذه الأحوال ليكون ابن العصر رجلا كل الرجال. وقد طالعنا هذا الكتاب فوجدناه من احسن ما جاء في هذا المعنى؛ ونحن ننصح شبان العصر من البلاد العربية أن يقتنوه؛ فإنه دليل الحيارى، ومرشد
السكارى، سكارى الهوى والفساد. وعبارته العربية طلية سلسة تتدفق عذوبة ورطوبة؛ على أننا وجدنا فيه بعض ألفاظ تمكنت من نفس معربه عند مطالعة منشورات هذا العهد التي تنغش فيها الأوهام نغشانا كقوله: إلى شبان الجيل العشرين. فالجيل بمعنى القرن أو المائة من السنين مولد غير فصيح؛ - وكقوله في ص14 لأن التاجر والصناعي والزراعي لم يعودوا يملكون العيش معتزلين؛ واحسن من ذلك: لأن التاجر والصانع والزارع لا يمكنهم أن يعيشوا معتزلين - وكقوله في تلك الصفحة عينها: وهو ذا الناس يقومون بأعمال خطيرة؛ فهذا خطأ قد ألفه اغلب كتاب سورية وهو وهم شنيع؛ فالناس حرف مجموع؛ وهو ذا حرف للمفرد الغائب المذكر؛ والصواب أن يقال: هاهم أولاء الناس يقومون بأعمال خطيرة. أو ها الناس يقومون بأعمال خطيرة؛ كما صرح بهذا التركيب علماء اللسان من أهل النحو واللغة. لكن كل هذه التعابير لا تمنع القارئ من فهم مطلب المؤلف لأنها من الأغلاط التي اعتادها محررو الصحف السقيمة والمجلات التي يتولى تحريرها شبان لا عهد لهم بالكتابة والتمحيص. فانسلت إلى كبارنا من غير علم منهم فسبحان من لا عيب فيه. 23 - النخلة في ديار المغرب الأقصى بول بوبنوي من أبناء العالم الجديد؛ هبط ديار العراق قبل نحو عشرين سنة واشترى تالا كثيرا من أنواع الألوان المختلفة ونقلها إلى كليفرنية وغرسها هناك ونجح فيها كل النجاح حتى أنه كتب إليَّ مرة يقول: (يكون يوم يأتي فيه العراقيون إلى ديار العالم الجديد ليتعلموا غرس النخل والعناية به إذا أرادوا النجاح والفلاح) وقد ألف الصديق الأميركي عدة كتب مطولة في موضوع النخل ووشى المقالات المتنوعة في البحث عن التمر؛ وقد أتقن اللغة العربية ليتحقق بنفسه ما يقوله العرب عن (عمتهم النخلة)
وقد أهدانا الآن مقالة له أنشأها بالفرنسية وكتبها في (مجلة علم النبات المعمول به والحراثة في المستعمرات) وعنونها بالنخلة في ديار المغرب الأقصى فأجاد فيها كل الإجادة: وقد ذكر تعداد النخيل في العالم فهو كما يأتي: بلاد الهند البريطانية 5000000 نجد 250000 بلوجستان 1500000 ديار مصر 11000000 فارس 10000000 السودان المصري الإنكليزي 1262000 العراق30000000 لوبية9000000 الاحساء 3125000 ديار تونس 9000000 البحرين 500000 ديار الجزائر 7210968 عمان 4000000 ديار مراكش 1000000 حضرموت 200000 أفريقية الغربية الفرنسية 500000 اليمن 100000 أسبانية115000 الحجاز 500000 أميركة الشمالية 250000 جبل شمر 250000 القصيم 100000 المجموع 88000968 ولا جرم أن هذا العدد هو من باب التقريب لا من باب الدقة: ولو فرضنا أن في العالم كله تسعين مليونا فللعراق ثلاثون مليونا أي ثلث النخل في العراق ومما يدلنا على أن العراق هو أحسن الأرضين لهذه الشجرة المباركة. ثم ذكر الباحث الفاضل أسماء التمور في ديار مراكش (أو المغرب الأقصى) وفسرها بالفرنسية، لكنه توهم في نقل معنى (أبو) في قولهم (أبو اسمر وأبو فقوس وأبو غار وأبو حفص وأبو حراث وأبو جلود وأبو علي خنان وأبو ساق) بمعنى الوالد. وليس الأمر كما قال. فأبو في لغة العوام في جميع الديار العربية اللسان تعني صاحب الشيء أو ذا الشيء. وفي بعض الأحيان البائع. فإذا قالوا أبو اسمر وأبو فقوس وأبو غار فكأننا نقول: الأسمر أو ذو السمرة وذو الفقوس أي الشبيه شكله بالفقوس وذو غار أي فيه نقرة. وإذا قال العراقيون أبو لبن وأبو خس فمعناه بائعهما وإذا قالوا أبو زبون وأبو منظرات فمعناهما لابسهما. ولهذا لا يصح أبدا نقل كلمة (أبو) إلى الإفرنجية بما معناه (والد) بل ينظر في وجوه الاستعمال ثم ينقل إليها بما يفيد تلك الفائدة وفي ما عدا ذلك فأن الباحث النباتي قد أجاد في ما خبر ووشى.
بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب
بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب تأليف السيد محمود شكري الالوسي البغدادي عني بشرحه وتصحيحه وضبطه محمد بهجة الأثري الطبعة الثانية في ثلاثة أجزاء طبعت في المطبعة الرحمانية بمصر سنة 1342هـ 1924م يحوي الجزء الأول 422 صفحة والثاني 395 والثالث 472 فالمجموع 1289 صفحة بقطع الثمن الكبير - لكل أمة تاريخ يذكر فيه أصل القوم. ونشوءه، وتقدمه في الحضارة، مع ذكر من اشتهر منهم في كل فرع من فروع العلم، والصناعة، والزراعة، والتجارة. والعرب مع كثرة تآليفها وتصانيفها المتنوعة، لم تفرد سفرا لهذه الغاية فما معنى ذلك؟ - أكان عن قصورهم في هذا المدى؛ أو عن جهل لتاريخ السلف؟ - قلنا: لا هذا ولا ذاك، إنما الناطقون بالضاد سكتوا في هذا المعنى، لعلمهم اليقين أن قومهم من اشرف الأقوام، وأن منزلتهم عالية، شرفهم معروف، وانهم اعرق شعب في المدونات؛ ولما عرفوا منزلتهم هذه، استغنوا عن كل تاريخ بدون هذه الحقائق الشهيرة. وأنت إذا تصفحت الكتب المختلفة على تنوع معانيها ومبانيها ترى ما كان للعرب من القدم الراسخة في العلوم الفطرية وما لهم من شرف النسب وطيب
الأعراق ومكارم الأخلاق، بحيث انك لو بحثت عن نظيرها عند سائر الأقوام لرجعت عن مسعاك أخيب من حنين. لكن هذا الأمر لا يتسنى لكل امرئ، إذ أصبح الوقت اثمن من سابق لما ينتاب المرء من أمور تنازع البقاء. فصار الوقوف على مجد السلف في اقصر مدة من الأمور الواجبة على كل ناطق بالضاد. وكيف يتيسر الأمر للمطالع والبحث مشتت في أسفار عديدة ضخمة؟ ومع كل هذه الحاجة إلى مصنف جامع لهذا الموضوع لم نر من افرد له كتابا، حتى عرض أحد ملوك الإفرنجة جائزة لمن يضع سفرا يوفي هذا المبحث حقه، وذلك في أواخر الشطر الثاني من المائة التاسعة عشرة للميلاد. حينئذ تنبهت الأفكار إلى وضع كتب تجزأ الناس به عن تلك الأكداس من مصنفات السلف. فتقدم فريق من المصنفين وعرضوا ما نسجوا برده على الجماعة الموكلة بفحص تلك الشؤون، فلم يبرع فيها سوى أستاذنا محمود شكري الالوسي، السيد الشريف والكاتب الضليع. والشيخ إبراهيم اليازجي المعروف بوقوفه على أخبار السلف وآثارهم. فكوفئ كلاهما مكافأة حسنة. وكل ما دونه الأستاذ مأخوذ من مئات من الكتب، ومما يؤسف عليه أنه لم يذكر أسماء المآخذ التي نقل عنها. ولو فعل لكان ارفع مقاما في عيون المحققين. لكثرة ما وقف عليه من المصنفات الجليلة. ولكان أوثق حجة وأوفى بالمرام. على أن الحق يقال: أن هذا السفر الممتع وأن كان رحب الأكتاف إلاَّ أنه دون ما نتمناه اليوم من تقدم العلم والتاريخ. ففي الكتاب أمور جمة ينكرها المتثبتون وتردها مكشوفات العصر. بيد أنه لا بد من معرفتها على وجهها الذي ذكره الأستاذ لأنه ينطق بلسان السلف في مختلف عصورهم وكان ذلك منتهى علمهم وتحقيقهم. ولا يكلف الله نفسا إلاَّ وسعها. هذا مجمل ما يقال في هذا التصنيف الفذ. أما طبعته هذه فتفوق الطبعة الأولى بكثير. وسنقول كلمتنا عنها في الجزء القادم.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - قدوم ملكنا المحبوب عاد مولانا المحبوب صاحب الجلالة الملك فيصل الأول المفدى ودخل عاصمته مساء نهار الأحد 17 تشرين الأول بعد أن طالت غيبته ثلاثة أشهر في فرنسة وانكلترة. وكانت إمارات الصحة التامة بادية على محياه. وقد ظهرت العاصمة بأبهى زينتها استقبالا لجلالته وكانت الرايات والأعلام تخفق على الدور والمباني واصطف في الشوارع عدد غفير من الكشافة يقدر بستة آلاف. والمسموع أن جلالته قطع البادية راكبا مع مرافقيه سياراته الخاصة به من سواحل سورية. وفي منتصف طريقه في البادية رحبت به وبركبه الجليل المدرعات البريطانية وعددها ستة فسارت في خفارته إلى العاصمة. 2 - الحكم على المعتدي على رئيس الوزراء حكمت محكمة الجزاء الكبرى نهار السبت 2 تشرين الأول على المجرم عبد الله حلمي بن الملا إبراهيم الديري الأصل (من دير الزور) الذي كان قد جرح جروحا بليغة صاحب الفخامة عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء بالحبس الشديد مدة سنتين ونصف. وذلك منذ بدء القبض عليه أي في اليوم 10 أب من هذه السنة لثبوت شروعه في قتل المحسن إليه. 3 - قتل أمير دبي بينما كان سلطان بن زائد أمير دبي (بضم ففتح فتشديد لا أمير أبي ضبي كما كتبها بعضهم. راجع لغة العرب 275: 3) يتعشى ومعه أصغر أنجاله وبعض رجاله فاجأه أحد اخوته واسمه (صقر) ورماه برصاصة ثم أخذ يوالي إطلاق الرصاص عليه حتى أرداه قتيلا. أما نجله فنهض يريد الفرار إلاَّ أن ذلك النمر عاجله بضربة خنجر فصرعه قتيلا. والذي مكن الأثيم من ركوب هول هذا الأمر الفظيع تغيب أنجال (سلطان) الثلاثة الكبار إذ كان أحدهم قد ذهب
إلى جزيرة (دلماء) القريبة من دبي والتابعة لإدارتها واثنان كانا بالعريم (راجع لغة العرب 275: 3) وبعد أن قتل الأخ أخاه اعتلى صهوة الإمارة في مكانه وهكذا تحقق قول القائل: (الملك عقيم). ولا بدع في ذلك فأن المقتول (سلطان) كان قد قتل هو أيضا شقيقه (حمدان) قبل أربع سنين في مثل الوقت الذي قتل فيه هو. ولم يكن (حمدان) يرتكب أمرا يقتل عليه. إنما طمعا في الإمارة لا غير. 4 - غزوات ابن عجل للكويت أغار يوم الثلاثاء 5 ت 1 نحو الساعة الواحدة زوالية الشيخ عبد الله بن عجل أحد شيوخ عشيرة شمر من عشائر نجد من فخذ عبدة ومعه مائة وخمسون ذلولا على أعراب الكويت المخيمين في قرية الجهرة وقد كانت إبلهم عازبة في (كويبدة) الواقعة في ضواحي الكويت واستاق منها ما يقرب من ألف بعير (ونحن نشك في هذا العدد ونظن أنه مبالغ فيه) من أباعر الكويتين وصاحب الكويت. وقد اخبر حاكم الكويت ذوي الشأن في البصرة وأطلعهم على جلية الأمر وفي الوقت عينه أرسل رجلا من قبله إلى العاصمة مستنجدا بالحكومة العراقية لرد المنهوبات ودفع عادية الغزاة. وابن عجل يقطن أراضي في داخل التخوم السورية أما أصل هذه العبارة فيرجع إلى ما تقدم من الأحداث وهذا ملخصها: كان ابن سعود أمر قائده فيصل الدويش بالهجوم على الجهرة فأنقاد لأمر مولاه وحقق أمنيته في صباح الأحد 26 المحرم من سنة 1339هـ (11 تشرين الأول 1920م) وكان على رأس أربعة آلاف من الأخوان (المعروفين عند العامة بالوهابيين) ولم يكن في الجهرة يومئذ إلاَّ نحو 1500 مقاتل. فنكب الأخوان
نكبة شديدة إذ سقط أكثرهم في حومة الوغى واشتبكوا مع الكويتيين في ملاحم دارت عليهم فيها الدوائر. وكاد يقضي عليهم لولا نفاد ذخيرة أهل الكويت الذين اضطروا إلى الفرار مغادرين محرزهم فدخله الأخوان. فأهتم سالم حاكم الكويت الذي كان في (القصر الأحمر) وأخذ يستنجد بالكويتيين الذين كانوا في الكويت نفسها. فأقبلت سفن شراعية. فلما رآها النجديون ولوا فارين مذعورين، وأرسلوا مطلق بن سعود إلى الشيخ سالم ليعرض عليه الصلح، فأجابه الحاكم إلى طلبه، ثم اقبل على الكويتيين الذين كانوا محتشدين في قصر الأمير منديل بن غنيمان، أحد أقارب الدويش نائبا عنه فأخبر الأمير بأن الدويش يريد المسالمة (وهو يدعوكم إلى الإسلام، وترك المنكرات، وشرب الدخان، وتكفير الترك) فإن أذعنتم لمطاليبه، فيها ونعمت وأسلمكم في قصركم وفي ماله؛ وإلاَّ أباح عقركم للإخوان. قال سالم: أما الإسلام فنحن عليه ولم نجحده يوما، لأن أركانه خمسة ونحن متمسكون بها. وبعد أن عاد رسول الدويش وقعت مناوشات على شاطئ البحر هجموا فيها على الكويتيين من أهل السفن. ثم ثار الإخوان ليلا على القصر الأحمر فردوا على أعقابهم ونكبوا بتشتيت شملهم. واثخن الكويتيون المستبسلون فيهم الجراح، فكرَّ عليهم الدويش مثنى ومثلث، ثم وفد على الكويتيين في اليوم الثاني عثمان بن سليمان، من علماء الإخوان وتذاكر مع الشيخ سالم والشيخ عبد العزيز الرشيد عالم الكويت في شؤون الصلح وأمور مذهبية واتفقوا على أن يتم الصلح على القصر والجهرة؛ ثم عاد إلى فيصل الدويش قائد الإخوان ورجع بعد بضع دقائق. فزعم أن الدويش رضي. وأنه يرحل بعد الظهر من ذلك اليوم وانتهز الإخوان فرصة الهدنة وهجموا على سفينة كانت راسية في شاطئ البحر وكانت مشحونة أطعمة. فبلغ قتلى الإخوان نحو 1500 هذا عدا الجرحى ثم رحلوا إلى الصبيحية وكان قتلى الكويتيين نحو 300. أقام الإخوان المهاجمون في الصبيحة أو الصبيحية أياما وهناك صرح وفد من الإخوان لقنصل انكلترة في الكويت أن ابن السعود هو الذي أمر بالهجوم وزودهم بالسلاح والعتاد والذخيرة.
وشاع بعد ذلك أن ابن سعود بعث قوات جديدة لتنظم إلى الدويش ليقوموا بهجوم آخر على الكويت؛ فأستنجد سالم حاكم الكويت بالحكومة الإنكليزية طالبا معونتها، فلبت طلبه وأرسلت إلى أنحاء الكويت باخرتين مدفعيتين (لورنس) و (اسبيكل) وطيارتين من العراق قادمتين من الشعيبة بجوار البصرة فحلقت إحداهما على الإخوان ورمت عليهم منشورا تحذرهم من سوء العقبى أن هجموا على الكويت؛ وكان المنشور بتوقيع الوكيل السياسي البريطاني في الكويت (الميجر مور) وتنذرهم بالضرب أن أعادوا الكرة على الكويت، ولهذا أشارت عليهم بالتخلي عنها. فأرتحل الإخوان من الصبيحة وانتهت بذلك حادثة الجهرة الأولى. أما الحادثة الثانية التي جرت في شهر تشرين الأول من هذه السنة فأن الحكومة العراقية اتفقت مع المندوب السامي على استرجاع المنهوبات وأناطت هذه المهمة بفرقة طيران الشعيبة فأرسلت هذه نحو عشر طيارات مجهزة بالعتاد والجند وتعقبت السارقين فأدركت طائفة منهم بقرب (سفوان) والطائفة الأخرى بقرب (عين سليمان) فأمطرتهم وابلا من القنابل ورصاصا من الرشاشات. ثم أنزلت بعض الطيارات جنودا للإحاطة بهم وجمع الإبل وسوقها إلى اقرب نقطة واقعة على تخوم العراق مع من بقي من المعتدين. وقد قتل عدد منهم وجرح عدد آخر. 5 - مراسيم التعزية في عاشوراء اصدر المجتهد الكبير، حضرة العلامة محمد حسين القزويني النائيتي في هذه السنة فتوى وجهها إلى أهالي البصرة وما والاها. دونك خلاصتها: 1 - جواز خروج مواكب العزاء في أيام عاشوراء ونحوها إلى الشوارع مع وجوب تنزيه هذا الشعار من الغناء واتخاذ آلات اللهو واجتناب التدافع والتزاحم. 2 - جواز اللطم بالأيدي على الخدود والصدور، والضرب بالسلاسل على الأكتاف إلى حد الاحمرار والاسوداد بل إلى خروج دم يسير. 3 - جواز اتخاذ التشبيهات والتمثيلات التي جرت عليها العادة عند الشيعة
الأمامية في حين أقامتها العزاء والبكاء منذ قرون وجواز (ارتداء الرجال لباس النساء) لمدة من الزمن أثناء التمثيل. 4 - جواز اتخاذ الدمام (وهو ضرب من الطبل الكبير) في المواكب المذكورة لإقامة العزاء أن لم يقصد منه اللهو والسرور. 6 - غرفة التجارة دعا وزير المالية لفيفا من تجار العاصمة فعقد مجتمعا نهار الثلاثاء 28 أيلول لتأسيس غرفة تجارة، وكان حضر المجلس أرباب الصحف. فأسفر الانتخاب عن الآتية أسماؤهم: 1 - الحاج محمود الاطرقجي (إيراني مسلم) 45 صوتاً 2 - المستر رايت (إنكليزي) 43 صوتاً 3 - قاسم الخضيري (عراقي مسلم) 40 صوتاً 4 - المستر ياتي (إنكليزي) 37 صوتاً 5 - يعقوب يوسف عاني (عراقي يهودي) 32 صوتاً 6 - يهوذا زلوف (عراقي يهودي) 30 صوتاً 7 - نوري فتاح (عراقي مسلم) 29 صوتاً 8 - عبد المجيد حمودي (عراقي مسلم) 29 صوتاً 9 - خضوري شماش (عراقي يهودي) 28 صوتاً 10 - ميرزا فرج (عراقي مسلم) 28 صوتاً 11 - المستر وتيل داود ساسون (إنكليزي يهودي) 27 صوتاً 12 - صيون عبودي (عراقي يهودي) 26 صوتاً 13 - كرجي عبودي مكمل (عراقي يهودي) 25 صوتاً 14 - الياهو عاني (عراقي يهودي) 24 صوتاً 15 - محمد الحاج خالد (عراقي مسلم) 24 صوتاً وعقدت اجتماعها الأول بعد إنشائها في 4 تشرين الأول في ديوان وزارة المالية حيث جرى انتخاب الأخطاء فكان: الرئيس الأول: المستر رايت مدير البنك الشاهي (13 صوتا)
الرئيس الثاني: قاسم باشا الخضيري (13 صوتا) الكتوم: الخواجا الياهو العاني (12 صوتا) 7 - إنشاء محفى (مجمع علماء) نريد بالمحفى الأكاديمية وهي اسم مكان من حفي عن الشيء: إذا سأل عنه مستقصيا. لأن من بالغ في السؤال عن الشيء والفحص عنه استحكم علمه به ومنه الحفي للعالم يتعلم الشيء باستقصاء والجمع فحواء. ومن المفرد ما جاء في سورة الأعراف: يسألونك كأنك حفي عنها. أي عالم به (راجع الكشاف في سورة الأعراف). وقد أنشأت وزارة المعارف في العراق محفى عقد أول مجتمعاته في 29 أيلول وقد سمي موقتا: (لجنة الاصطلاحات العلمية، أو المجمع اللغوي، أو المجمع العلمي) ريثما ينتقى اسم موافق له. وسوف نذكر عنه شيئا في جزء قادم. 8 - تعبيد الجادة فرغت أمانة العاصمة من تعبيد (وهو غير التبليط) القسم الممتد من مدخل شارع (رأس الكنيسة) إلى رأس (شارع الإطفائية) من الجادة. ويبلغ طوله نحو ثلثمائة يرد. وأول سيارة سارت عليه كانت سيارة جلالة الملك عند أوبته من أوربة. وأخذت الآن أمانة العاصمة بتعبيد شارع الإطفائية والقسم الممتد إلى محلة الحيدرخانة من الجادة. 9 - الشيخ مهودر كان الشيخ مهودر من عشائر خوزستان ورئيس عشيرة العياشة قد فر في أوائل هذا الصيف لأن اتباعه قتلوا فارعين (ضابطين) من الإيرانيين، حينما كانا يتجولان بين العشائر لجباية الأموال الأميرية، ففتكت السلطة الإيرانية بولديه وأحرقت الغلة العائدة إلى أبيهما وصادرت جميع مواشيه. فالتجأ إلى العراق طلبا للحماية البريطانية إلاَّ أن الحكومة العراقية قبضت عليه وزج بالسجن وربما دفعته حكومتنا إلى الدولة الإيرانية لتذيقه مر ثمرة أعماله لكن الشيخ يدعي أنه من رعايا العراق. 10 - شارة فارعي الشرطة (أي ضباطها) اتخذت الشرطة شارة لها فلمديرها شارة من فضة متقومة من سعفتين
متقاطعتين على رقعة بيضاء يعلوهما تاج عربي وفي الوسط نجم الشرطة المسبع مكتوب عليه (الشرطة العراقية). 11 - زلزلة في الموصل حدثت في الموصل زلزلة في ليلة الأحد الواقعة بين 9 و10 تشرين الأول في نحو الساعة الرابعة بعد غروب الشمس ودامت بضع ثوان في وجهة عمودية حتى ظهرت الكوى والأبواب كأنها قد حادت عن وضعتها. ومن غريب الأمر أن أقلام بعض الكتاب سقطت من أصابعهم بينما كانوا يكتبون في تلك الساعة ولما عمدوا لمغادرة غرفهم ليهبطوا إلى أفنية دورهم انقطع الزلزال ولم يحدث أدنى ضرر. وشعر أهل تلكيف (من قرى شمالي الموصل) بزلزلة عنيفة دامت ست أو سبع ثوان بمشهد الجم الغفير من أهل القرية. 12 - الحسبة (أو اللجنة الأخلاقية) رؤساؤنا لا يحسنون لغتنا، فهم يلتجئون إلى عبارات سقيمة لتأدية معاني كان يعرفها السلف فقد سموا الحسبة (لجنة أخلاقية) ولو رجعوا إلى كتبهم لعلموا أن أجدادنا كانوا يسمونها (الحسبة)؛ قال ابن خلدون في مقدمته: (الحسبة وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين؛ يعين لذلك من يراه أهلا له، فيتعين فرضه عليه، ويتخذ الأعوان على ذلك ويبحث عن المنكرات ويعزز ويؤدب على قدرها ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة، مثل: المنع من المضايقة في الطرقات ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها، وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة والضرب على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرها في الإبلاغ في ضربهم للصبيان والمتعلمين. ولا يتوقف حكمه على تنازع أو استعداه بل له النظر والحكم في ما يصل إلى علمه من ذلك، ويرفع إليه، وليس له إمضاء الحكم في الدعاوى مطلقا، بل فيما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وغيرها. وفي المكاييل والموازين. . . إلى آخر ما قال.
والغاية من هذه اللمعة أن وزارة الداخلية أمرت بإنشاء الحسبة تأثرا للسلف الصالح. ودونك أعضاءها: 1 - مدير الشرطة العام 2 - متصرف لواء بغداد 3 - أمين العاصمة 4 - مفتش لواء بغداد الإداري 5 - مفتش الشرطة العام (أو من ينوب عنه) 6 - عضو من مجلس إدارة اللواء 7 - عضو من مجلس أمانة العاصمة (وهذان الأخيران ينتخبان انتخابا) وهذه اللجنة تكون برئاسة مدير الشرطة العام. ومن أهم ما تقوم به: وضع لائحة لتنظيم أنواع الملاهي والحانات والمواخير (دور البغايا) وما إليها تحديدا لشرها وقمعها وصيانة للأخلاق العامة ومنعا للإسراف غير المعقول. وتجتمع هذه اللجنة لا أقل من مرتين في الأسبوع في ديوان متصرف العاصمة. والأقدمون وضعوا عدة كتب في الحسبة وكلها نفيسة تفيد المشتغلين بهذه الشؤون. ولا بد من أن رؤساءنا يعنون بنشرها تعميما للفائدة. 13 - تمثال روماني وجد في الحضر الحضر مدينة قديمة على وادي الثرثار بجوار الموصل. وقد عثر فيها بعض الأعراب على تمثال كبير من المرمر المانع مع أربع قطع من الصخر عليها رسوم ونقوش وحيوانات، فقبضت الحكومة على الذين كانوا يحاولون تهريبها وعلى ما كان بأيديهم من هذه الدفائن، وأرسل بجميعها إلى متحفة العراق في بغداد. والظاهر أن التمثال يدل على أنه من قياصرة الروم لأن ساعديه عاريان وعلى رأسه إكليلا من الغار وإصبع يده اليمنى متجه إلى قلبه. وقد شوهت الأمطار والشمس محاسن وجهه. فأن تقاطيعه وتلاميحه غير واضحة وأن كانت بينة وقد زاد الأعراب تشويه تلك المحاسن بما فعلوه بمعاولهم ضربا على وجهه إزالة لصورته البشرية.
14 - قتل الجراد سما ذكر المستر روك فارع (ضابط) مكافحة الجراد في منطقة العراق الشمالية أن إحدى الوسائل التي اتخذها لمحاربة الجراد كانت إلقاء السم ممزوجا بنخالة ودبس بقرب مجتمعات الجراد. فأهلكت شيئا كثيرا منها. ولو كان عنده من السم غير الطنين اللذين كانا بيده لكانت النتيجة اعظم. والسم الذي استعمله لهذه الغاية هو زرنيخاة الصوديوم. وقد أوصى الفارع المذكور بجلب مائتين وخمسة وعشرين طنا من هذا السم لقتل الجراد في ربيع السنة المقبلة. واتخذ الوسائل اللازمة لتوزيع تلك المقادير على المناطق الزراعية في شمالي العراق. 15 - مصادرة دخان مهرب قبضت شرطة باب جسر الموصل حين تجوالها في (القوسيات) قرب (الرشيدية) على كردي حامل بندقية ومعه ثلاثة أفراد (بالات) دخان محاولا تهريبها. وقد دفعت الشرطة تلك الأحمال إلى دائرة الكمرك السعيدة الحظ! 16 - انتشار البرداء في الكوفة انتشرت مياه فيضان الفرات فتدفقت في كل موطن حول الكوفة فكانت تلك المواطن مراتع للبعوض المسبب للبرداء ولقد انتشرت هذه الحمى في الكوفة حتى وقفت الأشغال وكثرت الوفيات وتركت في كل بيت نادبا ونائحة. والحكومة تبذل سعيها لإيقاف هذه الحمى المتلفة. 17 - الأسيران البريطانيان كنا ذكرنا في (52: 4) وقوع الطيارين البريطانيين دني (السائق) والفارع (أي الضابط) هيرست وكان راكبا تلك الطيارة. في أسر الشيخ محمود الكردي وقد افرج عنهما وسلمهما إلى السلطة في (حلبجة) نهار الجمعة 8 ت 1 وقد احسن معاملتهما أثناء أقامتهما عنده. 18 - انقطاع الطاعون كان الطاعون قد اعتاد (كأنه يعرف العادة) أن يظهر في الخريف أن لم يظهر في الربيع فيكمن للأحياء إلى وقت مضروب. أما هذه السنة فقد زال بتاتا لأن إدارة الصحة لقحت ما يربو على 141000 شخص في خلال الصيف الماضي. 19 - ضحايا سرقة البطيخ نزل نفر من اللصوص ليلا على مبقلة (خضرة) لأحد الأهالي الواقعة بجوار هيت فشعر بهم أصحاب المبقلة وأطلقوا عليهم الرصاص فبادلهم إياه اللصوص وأسفرت النتيجة عن قتل أحد هؤلاء الذعار وقتل أحد أصحاب المبقلة. وقد تعقبت الشرطة أولئك العماريط فقبضت عليهم وأودعتهم السجن. وفي تلك الليلة عينها سطا سراق آخرون على مبقلة أخرى بجوار الرمادي فجرى تبادل النار بين السلابين وبين أصحاب الزرع فقتل أحد اللصوص وفر الآخرون. وكم وكم من هذه الأحداث تجري ليليا في هذه البلاد! 20 - الترك يتلفون زعماء الأكراد وكبار الثوار توالي (محكمة الاستقلال الشرقية) مجالسها في (معمورة العزيز) لمتابعة النظر في قضايا المتهمين بالاشتراك مع الشيخ سعيد الكردي بإضرام نار الثورة الكردية. وقد حاكمت قبل تشرين الأول كلا من محمود بن درويش؛ وداود رئيس عشيرة شكوتان الكردية، وشيخ اليزيدية. فحكمت عليهم بالإتلاف (بالإعدام) وتدل البرقيات الواردة إلى العراق أن حكم الإتلاف قد نفذ فيهم في الساحة العامة. ونظرت محكمة الاستقلال في أنقرة في قضية أخرى تتعلق بعصابة اعتدت على الفارع يعقوب أفندي وقد وقع الاعتداء على الحدود السورية التركية فحكمت بإتلاف رئيس العصابة (فريد علي) وبسجن رفيقين آخرين كانا معه ومدة الحبس 15 سنة. وقد تم حكم الإتلاف في المذكور. 21 - محاربة سوء الآداب حكم على المغنية الراقصة (جليلة) بالحبس مدة ثمانية أيام وعلى اسمعيل أمين المغني 10 أيام وعلى جميل بن عبد الغني المغني 15 يوما، لأنهم غنوا في أحد الملاهي أغنية مخالفة للآداب. وغرم مائة ربية كل من داود عزرا حكاك وحسن إبراهيم درسة مدير شركة بيضافون لبيعهما قرص (قوان) الأغنية المذكورة. وصودرت 240 قرصا للأغنية عينها. فالعراقيون يشكرون حكومتهم على سعيها هذا المحمود لتطهير الآداب العامة مما يشوهها.
العدد 40
العدد 40 أوروكاجينا وقف الجلال على بناء محكم ... هرم الزمان ووضعه لم يهرم بات السكون على رباه مخيما ... ورباه من سكناه غير مخيم منحته أحكام الطبيعة هيبة ... في ظل ردم للسوافي معلم ردمت جوانبه الحقوب بمزها ... فغدا ينوء بطمره المتردم فأبانه للسعي الإلهي الذي ... قد علم الإنسان ما لم يعلم صرحا من الأثر القديم تراصفت ... أحجار برزخ سوره المستحكم هو (اورو) (ذوقار) الذي آثاره ... دلت على سلطان ملك كيخم هجم القضاء على الأولى قد شيدوا ... أركانه وعليه لما يهجم فكأن أرواح العصور تجسمت ... من فوق برج علائه المتجسم قرنته بالأيام كف الشمس إذ ... جعلت أشعتها له كالمرزم فكأنما الأيام ضئر أبنائه ... تغذوه وهو على المدى لم يفطم
وكأن ذكرى اوروكاجينا على ... عليائه قد عشعشت كالقشعم يا واقفا طول الحياة بوعظه ... يروي أحاديث الزمان الأقدم ويعارك الأخطار وهو كأنه ... جبل فلا يبلى ولم يتهدم ولدتك أرض الرافدين وبعدها ... عقمت وكنت تظنها لم تعقم نهنهت من كبر فجعدت الثرى ... تجعيد وجه بالأسى متجهم شمخت أنوف مؤسسيك تجلة ... ولرب أنف شامخ لم يخطم قد أودع الباني رموز حياته ... في طي معنى كتبك المتطلسم فلذاك ظن الناس تحنك مغنما ... وكنوز ابريز فلم تتقسم والمرء يبغي أن يحقق ظنه ... ولو أن ذلك في مناط الأنجم كشفتك عمال الحياة لعلمها ... أن الأولى شادوك أهل تقدم وأبان منك الحفر طيات الخفى ... حتى (عرفت الدار بعد توهم) وغدوت من بعد الخفايا بارزا ... في الأرض تحكي ناب شدق الأهتم كم من محل نقشته بحزمها ... فئة فلم تسأم ولم تتندم لهف العراق على مآثر مجده ... أضحت لآثار المتاحف تنتمي فكنوز (آثور وبابل) قد غدت ... من قبل ذلك نهب كف المجرم ارض العراق غنية بكنوزها ... وفقيرة برجالها في المغنم آمت ولم تنبت رجال صناعة ... والنسل قط لا يرتجي من ايم البناء
المحفى العراقي الجديد
المحفى العراقي الجديد والمحافي العراقية في التاريخ 1 - تمهيد اثبت مكس نوردو المجري من أقطاب العصر في علمي الاجتماع والنفس المتوفى قبل ثلاث سنوات في كتابه (روح القومية): (إنه لا يحدد القومية في الحقيقة إلاَّ اللغة، فباللغة وحدها يعتبر الإنسان عضوا في جسم الأمة، وهي وحدها تخوله حق القومية، كما أنها أعظم رابطة بين البلاد والأقوام.) ولما كانت اللغة العربية لسان الشعب العراقي واللغة الرسمية لدولة العراق فقد أصبح العراقيون بأجمعهم مكلفين بحماية ذمار لغة الضاد والعمل على ما فيه حياتها ونماؤها. والحكومة مسؤولة عن هذا قبل غيرها لأن البلاد في طور اجتماعي يجعل الحكومة المرجع الأول في العمران والإصلاح. ولا يكفي لإعزاز لغة شعب أن تكون اللغة الرسمية للحكومة وتكون قبل ذلك لغة الجمهور إذ بالحكومة تكون اللغة لسان الدواوين فيتعلمها الناشئون ويتقنونها وتجري معاملات الأفراد باللغة المذكورة عينها كما هي حال اللغة العربية في العراق اليوم، إنما يجب على من بأيديهم الحل والعقد أن يبذلوا الجهد في ما ينمي اللغة ويرقيها ويجعلها لغة العلوم والفنون بحيث تضاهي أرقى اللغات العصرية لا عرق الأمم في الحضارة. ولا تحظى اللغة بهذه النعمة إلاَّ إذا كان هناك محفى (مجمع علماء) يضم نخبة المتبحرين في اللغة ولهم معرفة بالعلوم والفنون الحديثة فيتعهدون لغة الأمة بالعناية ويتمشون بها مع تدرج الحياة العصرية جنبا إلى جنب. وقد شعرت حكومة العراق بهذا الواجب فقامت لتؤديه في فجر الحياة المستقلة. فألفت المحفى العراقي الجديد في هذه الأيام.
2 - محافي العراق في العصور الخوالي ظهر من البحث أن الحمربيين هم أول من أسس المجامع العلمية والمحافي اللغوية في العراق أن لم نقل في العالم كله. وورث العرب عن أوائلهم الحمربيين إقامة الأسواق ومجتمعات العلم والتجارة والمنافرة والمماجدة، فكانت أشبه شيء بمجامع العلماء ثم انتقلت من الحياة الجاهلية إلى الحياة الإسلامية. فمن أسواق العرب الأدبية القديمة (سوق الحيرة) كان العرب يجتمعون إليها كل سنة للمماجدة. وقد جعل النعمان بن المنذر اللخمي لبني لأم الطائيين ريع الطريق طعمة لهم لمصاهرته إياهم بتزوجه منهم. أما (المربد) في البصرة فهو أول معرض عراقي ومجمع علمي عظيم في الدولة الأموية حتى انهم نعتوه ب (عكاظ المسلمين) أقاموا فيه سوقا للآداب نظير أسواقهم في الجاهلية فتألفت فيه حلقات المناشدة والمفاخرة ومجالس العلم والآداب فكان الشعراء يؤمونه ومعهم رواتهم وكان لفحولهم حلقات خاصة أشهرها حلقة الفرزدق والراعي وكان الأشراف يخرجون إلى المربد لمثل تلك الغاية. وجرت فيه مناظرات البصريين والكوفيين ومماجداتهم. وقد زاره ياقوت الحموي في القرن السادس للهجرة وكتب عليه في سفره: (معجم البلدان) ما ملخصه: (هو من أشهر محال البصرة، وكان يكون سوق الإبل فيه قديما ثم صار محلة عظيمة يسكنها الناس وبه كانت مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء وهو الآن بائن عن البصرة بينهما نحو ثلاثة أميال وكان ما بين ذلك كله غامرا وهو الآن خراب فصار المربد كالبلدة المفردة في وسط البرية. . . (وينسب إليها جماعة من الرواة منهم سماك بن عطية المربدي البصري. . .
وأبو الفضل عباس بن عبد الله بن الربيع بن راشد مولى بني هاشم المربدي حدث عن عباس بن محمد وعبد الله بن محمد بن شاكر حدث عنه ابن المقري وذكر أنه سمع منه بمربد البصرة. والقاضي أبو عمرو القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي البصري. قال السلفي: كان ينزل المربد) وكما كان للبصريين مربدهم، فقد كان للكوفيين سوقهم يخرج إليها إشرافهم في ضواحي الكوفة فتجري فيها المناشدة الشعرية والمحاكمة الأدبية ونحوهما ولئن كان للبصرة فضل اللغة والأدب فللكوفة فخارها بشعرها. وقف المختار ابن أبي عبيد في أثناء حروبه بالعراق على أشعار مدفونة في (القصر الأبيض) بالكوفة مما يدل على عناية الكوفيين بالشعر لكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله ثم جاء الخلفاء العباسيون فعنوا بترقية العلوم والآداب عناية تضاءلت بجانبها عناية من سبقهم. فأنشأوا المجالس العلمية للعلماء والأدباء، ومشاهير الخلفاء الذين يقرن اسمهم بالنهضة العلمية في العصر العباسي السفاح والمنصور والمهدي والرشيد والمأمون والمستنصر. أسسوا مجامع للترجمة في علوم النجوم والطب والهندسة وعقد هرون الرشيد ووزراؤه البرامكة مجالس ومجامع وسعوا بها نطاق المعارف وأنشأوا دواوين الترجمة والمباحثات حتى في بيوتهم. ويمكن أن تقسم نهضة الترجمة في العصر العباسي إلى طورين متميزين: الطور الأول من نشوء الدولة العباسية إلى جلوس المأمون بن الرشيد على أريكة الخلافة أي من سنة 132هـ (749م) إلى سنة 198هـ (813م). وقد انتج هذا الطور كتبا مترجمة كثيرة نقلها كتاب ومترجمون نالوا الحضوة عند الخلفاء وكان كل منهم مستقلا بنفسه وأكثرهم من المسيحيين والإسرائيليين. ومن أوائل المترجمين أن لم يكن أولهم عبد الله بن المقفع المتوفى سنة 132
أو 143هـ (760م) وأشهر مخلفاته المترجمة كتاب (كليلة ودمنة) وكان يدعي في البهلوية والسنسكريتية القديمة (أساطير الحكيم بيدبا). يقول المسعودي أن الخليفة المنصور توفرت عليه الترجمة والإنتاج الأدبي فنقل في عهده عدة مقالات لارسطوطاليس وكتاب المجسطي لبطليموس في الفلك وكتاب اقليدس في الهندسة وغيرها نقلت عن اليونانية والرومية والسريانية والفارسية. ويقول بعض المحققين أن الكتب المنقولة عن الفارسية والسريانية هي في اصلها ترجمات عن اليونانية. وعلى عهد المنصور أسس أطباؤه (جرجس بن بختيشوع) وتلامذته وأقاربه المدرسة الطبية في بغداد وفيها ألف عيسى بن صهاربخت (تلميذ جرجيس) كتابه (فن تحضير الأدوية) (الاقراباذين) من أوائل الكتب الطبية العلمية في العربية. ومن مشاهير ذلك العهد (ثابت بن قرة الحكيم الحراني) كان صيرفيا في حران ثم انتقل إلى بغداد فاشتغل بالعلم والطب والفلسفة وعمل مع المنجمين بإشراف الخليفة المنصور، وله أولاد وأحفاد اشتهروا بالفضل ونبغوا في الرياضيات والفلك. الطور الثاني هو أزهر عصور النهضة العلمية العربية، بدئ بتولي المأمون بن هرون الرشيد عرش الخلافة سنة 198هـ (813 م) وانتهى بانطواء بساط بني العباس في أواسط القرن السابع الهجري وأوائل القرن العاشر الميلادي. فالخليفة المأمون العباسي هو المؤسس لمجمع العلماء (الأكاديمي) في بغداد جمع فيه طائفة صالحة من المشتغلين بالعلم والفلسفة والترجمة وكان أكبر همهم أن يصيغوا الكتب التي ينقلونها أو التي نقلت في قالب يستطيع به طلاب العلم من العرب الوقوف على أسرار العلم والحكمة. وهو الذي حث (محمد بن موسى) على أن يؤلف مقالته المشهورة في الجبر وهي أول كتاب ألف في العربية في علم الجبر منها نسخة خطية في خزانة بودلي
بجامعة اكسفورد مكتوب عليها أنها نسخت سنة 1342م وقد ترجمت إلى اللاتينية في عصر الانبعاث العلمي ولكنها فقدت الآن. وقد أسس الخليفة المأمون مدرسة بغداد سنة 217هـ (832 م) على نسق المدارس النسطورية والزرادشتية التي كانت مؤسسة قبلا ووسمها ب (بيت الحكمة) وجعل منهاجها نقل المتون اليونانية في الفلسفة والعلوم الأخرى إلى العربية، وأوكل أمرها إلى (الطبيب يحيى بن ماسويه) المتوفى سنة 243هـ (857 م) وهو أبو زكريا. كان أبوه صيدليا في جنديسابور وثقفه في بغداد جبريل بن بختيشوع وعاصر ثلاثة خلفاء المأمون والواثق والمتوكل، وخلف مؤلفات كثيرة في الطب باللغتين السريانية والعربية ومقالته في (الحميات) كانت العمدة في موضوعها بوقتها ونقلت إلى العربية واللاتينية. وقد كتب الخليفة العالم إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المدخرة في بلده فأجابه إلى ذلك بعد امتناع فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسليمان صاحب (بيت الحكمة) وغيرهم فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل. ولكلف المأمون بالعلم والترجمة كثيرا ما كان يعقد شروط الصلح مع بعض ملوك الروم الذين يحاربهم على دفع الغرامة كتبا توضع بين أيدي العرب وتترجم إلى لسانهم. وكان ندي اليدين على التراجمة يعطيهم زنة ما يترجمونه له من الكتب ذهبا، واشتهر بوسمه الكتب المترجمة له بسمة خاصة تتميز بها عن غيرها، ووضع الفهارس لخزائن الكتب على طريقة عصرية. وذكر غريغوريوس ابن العبري الملطي مؤلف (مختصر تاريخ الدول) أن المأمون كان يحرض الناس على قراءة تلك الترجمات ويرغبهم في تعلمها. لذلك كثر لديه المترجمون عن الفارسية والسريانية والسنسكريتية والنبطية والكلدانية واليونانية واللاتينية والمؤلفون في جميع الفنون العربية والدخيلة.
هذه هي الجادة التي سلكها اعلم الخلفاء في خلق نهضة علمية سطع نورها في المشرق والمغرب ولم يبرز لها نظير إلاَّ في حركة الانبعاث (الرنيسانس) في إيطالية بعد سقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح في أواخر القرون الوسطى. ويدون التاريخ أسماء جماعة هم أساتذة بيت الحكمة وأصحاب الجهود العلمية في عصرهم وكلهم تلامذة يحيى وتابعوه نخص بالذكر منهم: (حنين بن إسحاق العبادي) النسطوري درس في بغداد والإسكندرية وفي الأخيرة أتقن اليونانية، اشتغل بالترجمة زمنا من اليونانية إلى السريانية. ومن أشغاله العلمية: الايساغوجي لفرفريوس وارمانوطيقا لارسطوطاليس وجزءا من الاناليطيقا ومقالة ارسطوطاليس في الروح وجزءا من الميثافيزيقا وتلخيصات نيقولاوس الدمشقي وتعليقات الاسكندر الافروديسي والجزء الأعظم من مؤلفات جالينوس وديوسقورس وبولس الاجانيطي وابقراط وجزءا من منطق ارسطوطاليس الاورغانون وترجم أصول اقليدس إلى العربية و (جمهورية أفلاطون) وكتاب (ثيماوس) لأفلاطون وكتاب ارسطوطاليس (في المعارف) وقد توفي سنة 263هـ (876م). وابنه (اسحق بن حنين العبادي) الذي ترجم إلى العربية كثيرا من الكتب منها (السفسطة) لأفلاطون ومقالة ارسطوطاليس (في الروح). ويقول البحاثة إسماعيل بك مظهر في مقالته (تاريخ تطور الفكر العربي) (كان القرن الرابع الهجري العصر الذهبي لتاريخ الترجمة يرجع فضله إلى فئة من المسيحيين كانوا يتكلمون السريانية واحتذوا الترجمات التي درسوها في لغتهم). وقد نقلت عن اليونانية مباشرة كثير من الآثار ومن أشهر مهرة المترجمين: (أبو بشر متي بن يونس) المتوفى سنة 328هـ (939م) وقد ترجم إلى العربية اناليطيقا الثانية والبويطيقا (الشعر) لارسطوطاليس
وغيرها نقلها عن السريانية وله مؤلفات مبتكرة في التعليق على قاطيغورياس أي المقولات لارسطوطاليس والايساغوجي لفرفوريوس. و (أبو زكريا يحيى بن عدي التكريتي) المتوفى سنة 364هـ (974م) ترجم كتبا كثيرة عن ارسطوطاليس وكتاب القوانين لأفلاطون. وكان ملازما للنسخ يكتب خطا قاعدا بينا في اليوم والليلة مئة ورقة واكثر. و (أبو علي عيسى بن زارة) الذي ترجم كتاب (قاطيفورياس) عن ارسطوطاليس والتاريخ الطبيعي وكتاب الحيوانات مع تعليقات يوحنافيلوبونس. وقد نقل (أبو بكر أحمد بن لي بن قيس الكلداني) المعروف ب (ابن وحشية) الذي عاش سنة 291هـ (903م) كتاب (الفلاحة النبطية) عن الكلدانية في خمسة أجزاء منه نسخ خطية في برلين وليدن واكسفورد ودار الآثار البريطانية وباريس ودار الكتب المصرية. وقد ظهر للعلماء المحدثين أن الكتاب المذكور هو من وضعه وليس بترجمة من أصل. (راجع ما ذكره الإيطالي كرلونلينو في كتابه علم الفلك تاريخه عند العرب في القرون الوسطى ص205 إلى 210). ونقل (قسطا بن لوقا) كتاب (الفلاحة اليونانية) عن السريانية. وبهذه الوسيلة لم يبق ضرب من العلوم والصنائع والفنون إلاَّ نقلت كتبه إلى العربية وتعلمها العرب ثم علموها. ولم يفتهم من الفنون سوى الجراحة في الطب والنحاتة والتصوير من الآداب الفتانة. لأنها من الأمور المحرمة في الشرع الإسلامي، وهكذا اجتمع عند العرب خلاصة علوم الأقدمين من يونان وروم وسريان وفرس وهنود وكلدان وأنباط ومصريين وغيرهم ممن درج قبلهم وعنوا بها مدة من الدهر، وعنهم اقتبسها الإفرنج حين تنبهت فطنتهم وثابت هممهم من سباتها فيما يسمونه عصر الانبعاث) ويجب أن لا يفوتنا ذكر جمعية وهي وأن لم تكن لغوية أدبية إلاَّ أنه كان لها أثر في النهضة العلمية الفلسفية وهي جمعية (أخوان الصفا) التي أسست في البصرة في أواسط القرن الرابع الهجري (المائة العاشرة للمسيح) ذكروا من أعضائها
خمسة هم: أبو سليمان محمد بن مشير السبتي ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هرون الزنجاني، ومحمد بن أحمد النهرجاري، والعوفي، وزيد بن رفاعة. وكانوا يجتمعون سرا تسترا عن الذين يخالفونهم ويضادونهم فقرروا في جلساتهم المتعددة خلاصة الفلسفة الإسلامية بعد أن وقفوا بين أبحاث الفلاسفة المسلمين والآراء اليونانية والهندية والفارسية، فتوصلوا إلى مذهب خاص أساسه أن الشريعة الإسلامية تدنست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلاَّ بالفلسفة لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية وانه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال. ودونوا فلسفتهم في خمسين رسالة سميت (رسائل أخوان الصفا) وقد ضمنوها كل علم طبيعي أو رياضي أو فلسفي أو إلهي أو عقلي وهي تمثل الفلسفة الإسلامية على ما كانت عليه في إبان نضجها. ويظهر من دراستها أن مؤلفيها دونوها بعد البحث العميق والروية الطويلة. وفيها بحث من نوع فلسفة النشوء والارتقاء. وفي ذيلها فصل في كيفية عشرة أخوان الصفا وتعاونهم بصدق المودة والشفقة والغرض منها التعاضد في الدين وشروط قبول الأخوان فيها. وقد أغفل المؤلفون أسماءهم من هذا الكتاب بسبب أن الفلاسفة كانوا متهمين بالكفر في هذا العصر وكان الانتساب إلى الفلسفة مرادفا للانتساب إلى التعطيل حتى شاعت النقمة على المأمون نفسه لأنه كان السبب في نقل الفلسفة إلى اللغة العربية حتى قال ابن تيمية بعد ذلك: (ما أظن الله يغفل عن المأمون ولابد أن يعاقبه بما أدخله على هذه الأمة). وطبعت هذه الرسائل في أوربة والهند ومصر، وأتقنها طبعة ديتريشي في ليبسك سنة 1883. ثم دب دبيب الفساد في جسم الحكومة العباسية في أواسط القرن السابع الهجري وأواخر القرن العاشر الميلادي فأنتقض حبل دولتها واستولى على البلاد المغول وأعقبهم العثمانيون بعد ذلك بنحو ثلاثة قرون فتدهورت اللغة العربية ودرست معالم معاهدها وامحت آثار محافيها.
3 - تعريف الدول عند العلماء الدول حيوانات هلامية القوام رجلية الرأس ذوات محاجم من ردف رتبة الأخطبوط. وجنسها قائم بنفسها وهو أصل لفصيلة الأخطبوط وهذا الجنس يشمل أنواعا عديدة منبثة في جميع البحار وقد يبلغ قدها مبلغا عظيما. والدول الموجود في خليج فارس فهم شديد الأذية حتى أنه ليتعرض للغواص؛ وهو يتلف شيئا كثارا من الاربيان والسرطان وصغار السمك إذ يقبض عليها بجراميزه المسلحة بالمحاجم فإذا قبض على فريسته، أثبتها في مكانها ومزقها شر ممزق بأنفه المعقوف. وقد تدفعه سليقته إلى أن يكتسي بأشلاء فريسته التي يقيمها بين يديه بمحاجمه وبهذه الصورة يتقدم إلى افتراس خلق آخر من سكان البحر التي يستطيبها. ولقد شوهد بعض من هذا الدول محتالا على المحار الكبار بأنواع الحيل ومن جملتها أنه يدخل حجرا بين صدفتي المحار لكي لا تنطبق على نفسها وبهذه الوسيلة يستخرج جمحلها 4 - خبر دول ضخمة ذكر الأدباء في أزمان مختلفة حكايات عن دول ضخمة هائلة العظم لا نسبة لها إلى ما يرى منها في خليج فارس أو في البحر المتوسط. روى فريق من علماء المواليد عن بعض هذه الدول حتى أنهم شبهوها بأعظم ما يرى من البال. من ذلك أن بلينيوس يتكلم عن وحش ألف التردد إلى كسترية على ساحل الأندلس ليتلف ما في الغدران من المخلوقات الحية إذ كان يسترط كل ما يراه في طريقه من السمك وكانت زنة هذا الخلق الغريب 350 كيلو غراما وكان طول كل جرموز من جراميزه عشرة أمتار وكان رأسه بضخم البرميل وكان
يسع عشر جرار فأرسل به إلى الهيباط ل. لوتلس الذي كان في عهده. وذكر أولاوس ماغنس الأعمال التي صدرت من دول كبير جبار وكان طوله لا يقل عن ميل وإذا ظهر على وجه الماء ظن جزيرة لا حيوانا، فعرفه الناس باسم (كراكن) ووجد اسقف نيدروس دولا ضخما كان مضطجعا على الساحل يتشمس فظنه صخرة عظيمة؛ فأقام مذبحا عليه وأتم المراسم الدينية فوقه فبقي ذلك الوحش البحري ساكنا طول مدة الصلوات وما كاد الأسقف يذهب إلى الساحل إلا ونهض ذلك الكراكن وألقى نفسه في البحر ذارقا فيه ولما انتشر ذرقه في الماء وكانت رائحته طيبة ركضت السمك من كل صوب لتغتذي به فهجم عليها هذا الغازي المحتال وابتلع كل من تقدم منه. وقد قال بنتوبيدان أسقف برجن أن هذا الكراكن وجد حقيقة ويظن أن سرية من الجند تتمكن من أن تتدرب على ظهره بكل سهولة. قلنا: كل هذه الحكايات من المبالغات الخرافية؛ على أنه لا ينكر وجود وحوش بحرية عظيمة في المحيط مهما كان وفي البحر المتوسط. لكن ليست بالقدر المذكور المبالغ فيه إذ خرافته ظاهرة. السوارية قل من يعرف شيئا عن هذه البليدة الحديثة: السوارية واقعة على ضفة الفرات اليمنى في أراضي آل فتلة. وقد تقدمت في السنتين الأخيرتين تقدما عجيبا فقد أنشئ فيها سوق كبيرة لا يقل جمالها عن جمال أسواق العاصمة؛ وأسست فيها مطاعم للغرباء؛ إلى غير ذلك من وسائل الراحة. والآن تسعى الحكومة في بناء صرح (سراي) لها لتتخذ من هذه البليدة الحديثة (ناحية). ويقال إن في النية تأسيس شعبة في (أم بردية) في أراضي آل إبراهيم؛ كما أن الهمة مبذولة لتسوية طريق تمر عليه السيارات ويمتد من (أبو صخير) إلى السوارية تسهيلا للصلات. (عن جريدة المعارف)
الألفاظ الارمية
الألفاظ الارمية في اللغة العامية العراقية (المليطي أو المليطة) من اصطلاح أهل السفن في العراق ويطلق على معاون الناخذاه (جاء في لغة العرب 84: 3 نقلا عن مجلة المقتبس 7: 111 - 118) عن هذه الكلمة أنها مشتقة من المتملطة وهي محل الاشتيام أو الاستيام أي رئيس الملاحين أو رئيس ركاب السفن. أما عندنا فهي مشتقة من اللفظ الارمي (م ل ي ط ا) بمعنى الحاذق والماهر والدرب والخبير والعارف. (موش يموش) بمعنى بحث باللمس من (م وش) أي مس وفحص. (الماشة) آلة لالتقاط الجمر والأوساخ وهي مشهورة في العراق. مشتقة من (م ش ا) بمعنى ضم جمع لم. وجاء لفظ (م ش ي ا) بمعنى النفاية والرذالة والكناسة. (مرازة) آلة الفلاح أظنها من (مرزا) وهي الحد والتخم والدبرة والفعل (مرز - م ورزا) ومعناه تلم وجر خطا قويما. وهذا الحرف فارسي الأصل وأن دخل الارمية ومنه كلمة مرزبان الفارسية بمعنى حافظ الحدود أو الحاكم يقابله عند الإفرنج المشتقة من اللاتينية المولدة ومعناها المرز أي (النابور) وهو البقلة قال ابن السكيت ابقلت الأرض وبقلت وقد بقل الرمث وابقل وهو باقل؛ وقيل إذا خرج في أعراض الشجر كأظفار الطير واعين الجراد قبل أن يستبين ورقه فذلك الابقال. اه عن المخصص 212: 10 وهذا ما يقصده العراقيون بالنابور اشتقوه من الارمية (ن ب ور ا) وهو المخلب والظفر والمنقار. وهذا الاشتقاق يوافق كل الموافقة تعريف ابن السكيت للابقال إذ قال كأظفار الطير. (نبص) ظهر وبرز ولاح وهي ارمية مبنى ومعنى من فعل (نبص) ولفعل نبص في العربية غير هذا المعنى والوارد في معنى لفظ النبص هو القليل
من البقل إذا طلع. فانه يدل دلالة استنتاج على معنى الظهور والبروز. ومن قال لك أن النبض للبقل لم يؤخذ من الارمية نفسها في زمن تقادم عهده ولا سيما أن كثيرا من ألفاظ الفلاحة مأخوذة عنهم. (النوار) الرباط الذي يتخذه الحمالون لربط الحمول ويتخذ من الشعر أو الصوف أو الغزل وأظنه مأخوذ من (ن ب ر ا) تلفظ الباء هنا واوا على طريقتهم وضبط اللفظ عندهم (نوارا) بإسكان النون وفتح الواو والراء. بمعنى الليف والخوص والاسل والحبل من خوص أو شعر. (نيح) لفظ يستعمله المسيحيون خاصة وقد يستعمله بعض الكتبة المحدثين في سورية فيقولون نيح الله روح المتوفى والفقيد من (ن ي ح) سكن وهدأ وأراح. وعند الارميين (نيحا) بمعنى المتوفى والمرحوم والسعيد. وإن حرف (نياحة) الذي يستعمله العراقيون للدلالة على الماء الراكد أو الفاتر الانحدار في النهر مشتق من (ن ح - ن وح ا - ن ي ح ا) بمعنى سكن وهدأ واستراح وخف وكف. والنياحة تفيد السكون والهدوء والكف أي أن الماء يسكن ويهدأ ويكف عن الجري في ذلك المكان. (النوف) للريح التي تهب من جهات مختلفة وهي من اصطلاح أهل السفن في العراق (راجع لغة العرب 127: 3) فهذا اللفظ ارمي الأصل من (ن ب - ن وب ا) والباء مثلثة تحتانية فيهما بمعنى التوى التواء وتمايل تمايلا واهتز اهتزازا كأن الريح تلتوي وتتمايل (نطر - ينطر - ناطور) دخل هذا اللفظ منذ عهد بعيد من الارمية إلى اللغة العربية ودون في المعاجم وهو بمعنى حرس يحرس فهو حارس ويستعمله العراقيون بهذا المعنى وهو من فعل (ن ط ر) ولم نذكره هنا خلافا للمنهج الذي انتهجناه في إغفال الألفاظ القديمة الدخول إلى العربية إلاَّ للالماع إلى أصلها.
(شبخ شبخة - وتشنبخ) يريد العراقيون بالأول سار أو وثب فاتحا ساقيه. والشبخة عندهم المسافة بين الرجلين إذا فرج الإنسان بين ساقيه فيقال كم شبخة من هنا إلى هناك وتشنبخ بمعنى تسلق وهو فاتح ساقيه ويديه. وفي الارمية فعل (س ب ك) وهو يتعدى ب (ب) و (عل) أي على و (ل) وله كل المعاني التي يقصدها العراقيون منه مثل شبك وعلق ونشب ولصق وتجرأ ووثب وتطاول وتسلق وصعد وارتقى. ويقولون في المجهول والمطاوع (ات ش س ب ك) وأما إبدال السين شينا والكاف خاء فأشهر من أن يذكر وهو كثير الورود في العربية فضلا عما في المعربات. على أننا لا نجهل أن في العربية فعل (شبح) بالحاء المهملة فيقال شبح الداعي أي مد يده للدعاء وشبح الجلد ونحوه مده بين ارتاد وشبح بضم الباء الرجل كان شبح الذراعين أي عريضهما قال في النهاية في صفة الرسول (كان مشبوح الذراعين) أي طويلهما وعريضهما وفي رواية (شبح الذراعين) وإبدال الحاء خاء معروف في العربية. فيقولون رجل خنظيان وحنظيان أي فحاش وحنظي وخنظي به أي ندد به واسمعه المكروه. ومع ذلك لا نبت في أصل هذا اللفظ أهو من الارمية من فعل (س ب ك) أو من العربية (شبح) بل نترك ذلك إلى رأي القراء فللوجهين تعليل مقبول واللغتان أختان شقيقتان. (سابل) جوالق اغلب ما يصنع من الخوص يوضع على ظهر الدابة للنقل وفي الارمية فعل (س ب ل) بمعنى حمل رفع نقل السنبل خاصة واسم الفاعل منه (س ب ل ا) والباء هنا تلفظ واوا على طريقتهم. ويجدر بنا هنا أن نوجه الأنظار إلى أن في الألفاظ المعربة من الارمية ما فيها الباء تلفظ تارة باء في العربية وإن كانت في أصلها تقرأ واوا وتارة تقلب واوا على الطريقة الارمية واللفظ (س ب ل ا) يفيد أيضا البارية والحصيرة من قصب والزنبيل والقفة ويقول صاحب معجم دليل الراغبين: والسواديون يطلقونها على آلة من خشب تجعل على ظهر الدابة لنقل الحجارة خاصة. (زعطوط) يطلق هذا الحرف على الولد الصغير وعلى الجاهل من الناس
وهو مشتق إما من (ز وط ا) بمعنى الصغير نقيض الكبير والصبي والطفل وإما من (س ط وط ا) ومؤداه الولد الصغير والخفيف العقل. (سطره سطرة) صفع وصفق من (س ط ر) بالمعنى نفسه وعندهم (س ط ر ا) أي صفعه وصفقه. (سيان) للوحل المنتن والحمأة من (س ي ن ا) بالمعنى نفسه. (شكخ) أي شك وغرز والشكاخة ما يشك به من (س ك ك ا - س وك ك ا) الكاف الثانية تلفظ خاء بالمعنى نفسه وربما تكون هذه الكلمة العراقية لغة في شك العربية الفصيحة ولكن عليها مسحة ارمية. (سبس) الباء مثلثة عمل عملا خسيسا ومنه السباسيب (الباءان مثلثتان) خسائس الأعمال. وفي الارمية (س ب س) (الباء مثلثة) و (اس ب س) بمعنى انتن وأبلى وافسد و (س ب ي س ا) أي خائس وبال ومفسود ومتغير. وفي جميعها الباء مثلثة. وربما هي تصحيف سفساف العربية بمعنى الرديء من كل شيء. (سكم وسقم وتسقام) عند أهل الزراعة اعد العدة لفلاحة الأرض وزراعتها ويستعمل هذا الحرف في دواوين حكومة العراق واشتقاقه من (س ق م) بمعنى رتب ونظم وقوم وعدل ومسح وحدد. ويقول العراقيون: بكم تسكم عليك الشيء الفلاني؟ أي ما كانت كلفته عليك فيجيب المسؤول تسكم عليَّ بمبلغ كذا، أي كلفني مبلغ كذا. وكل ذلك من الفعل الارمي المذكور فكأن السائل يقول كم ترتب عليك أن تدفع ثمن الشيء الفلاني؟ فيجيب المسؤول ترتب عليَّ أن ادفع كذا. (نعوص الولد) بمعنى بكى، أظن أن أرميتها (ع وص) بمعنى بكى الطفل وصرخ جرو الكلب. يوسف غنيمة (ل. ع.) أن وزن (نفعل الرباعي المجرد لم يذكره أحد من علماء التصريف وهو موجود في لغتنا فقد جاء عندنا نبذر بمعنى بذر: ونخرب القادح الشجرة مثل خربها أي نقبها وهناك أفعال أخرى كثيرة مثل نعظل ونعثل ونقثل ونهبل ونهتر ونهرج ونهشل ونودل ونقحش ونهمس ونفرج إلى غيرها.
نموذج من تراجم العلماء
نموذج من تراجم العلماء السيد نعمان خير الدين الالوسي 1 - ولادته وحداثته ولد رحمه الله في بغداد (12 المحرم سنة 1252 هـ) في أرض التعصب الأعمى والجمود الذميم، تحت سماء الجور والاعتساف ولكنه نشأ بفطرته حي الضمير نير البصيرة وربي على الآداب الإسلامية الفاضلة فشب مسلما عاقلا فاضلا غيورا على مصالح الأمة والوطن والدين. ولولا أن يتيح الله له من ينمي فيه قوة الاستعداد ويربي في الجملة ملكة الاستقلال (وهو أبوه الإمام أبو الثناء، وتلميذه العالم السلفي السيد أمين الواعظ) لغلبه جمود البيئة، واستحوذ عليه الخمول وفسد فيه ما وهبه الله من فطرة سليمة وضمير حر، وضعف ملكة استقلاله ووهن منه الحزم والعزم ضرورة. على أنه مع اجتنابه ذوي العاهات السارية الفتاكة لم يسلم من العدوى تماما. بل سرى إليه أثرها فظهر في بعض مؤلفاته: (غالية المواعظ، والإصابة في منع النساء من الكتابة) ولكن حسب من نشأ في هذه البلاد في تلك الأيام الحالكة فخرا - أن يكون مثل السيد نعمان في استقلاله واعتداله وجرأته على الدعوة ومجاهدة فريق الجمود والتقليد. 2 - مناصبه تولى في شبابه بفضله ونبله في بلاد متعددة وسار فيه سيرة مرضية فحمدت أفعاله وحبب إلى القلوب. وفيه يقول بعض أدباء (الحلة) يوم تولى قضاءها: لتصف الشريعة للواردين ... فقد جاءها اليوم (نعمانها) وقد كان مطروفة عينها ... فنال الشفا فيه إنسانها ثم ترك المناصب خشية أن تشغله عما هو آخذ بإتمامه من تأليف ونشر وفي سنة 1295هـ قصد مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، فمر بطريقه إليها على مصر القاهرة لطبع (روح المعاني) تفسير أبيه الإمام فوقف على الحركة العلمية
هناك. . . فأتفق له أن اطلع على (فتح البيان) تفسير الإمام المصلح الكبير وناشر ألوية العلم السيد حسن صديق خان ملك بهوبال - وقد طبع في مصر - فراقه وأعجبته آراء صاحبه العلمية والإصلاحية وتمنى أن يتصل به ولو مكاتبة. فلما وصل مكة طفق يسأل عن الرجل ويبحث عن مؤلفاته فأتيح له رجل خبير بأحواله (وهو الفاضل الشيخ أحمد بن عيسى النجدي) فزوده بما زاد في إكباره له وإعجابه به واشتياقه إليه. وعند قفوله كتب إليه كتابا يستجيزه فيه ويذكر له تعلق قلبه به لقيامه بالدعوة إلى مذهب الحق فما كان منه إلاَّ أن أجاب ملتمسه ثم اتصلت بينهما المراسلة إلى أن قطع حبالها الحمام. 3 - تآليفه وفي هذه الأثناء كان السيد خير الدين يؤلف كتابه الجليل: (جلاء العينين في محاكمة الاحمدين) فلما أتمه (في شهر ربيع الآخر سنة 1297 هـ) قدمه إلى خزانته ورغب إليه في نشره فحقق له أمنيته واصدر أمره بطبعه في دار الطباعة بمصر. ولم يقتصر بتلك الصداقة المتينة على هذه الاستفادة وحدها منه فحسب بل استفاد أيضا ما قوي به على نشر مذهب السلف الصالح في العراق، وخدمة الأدب والعلم بطبع مؤلفاته ومؤلفات أبيه ومؤاساة الفقراء والمساكين كما يؤخذ من كتابه المنشور في مقدمة الجلاء. وفي سنة 1300 قصد الأستانة لإعادة ما اغتصبته يد الجور من حقوقه إلى نصابه، فمر على سورية وبلاد الأناضول واجتمع بعلماء هاتيك الديار فملك إعجابهم وأجاز وأجيز حسب العادة المألوفة فلما وصلها وألقى فيها عصا التسيار واجتمع بأولي الأمر عرفوا له فضله واحلوه رحيبا وبالغوا في تكريمه. وانعم عليه السلطان عبد الحميد الثاني بمراتب عالية، واصدر أمره بإعادة مدرسة مرجان إليه. فآب إلى بغداد - بعد أن قضى في الأستانة سنتين - وتصدر للتدريس بعنوان (رئيس المدرسين) ونشر مطوي الفضائل ومكنون العلوم وحصر أوقاته في التدريس والتصنيف فكان يذهب إلى المدرسة صباحا ولا يعود إلى بيته إلاَّ مساء وقد هنأته الشعراء بالعود وأرخت توجيه المدرسة إليه بقصائد عديدة. منها قول السيد شهاب الموصلي من قصيدة:
وافى وعرفانه والعلم عرفه ... إلى رجال ذوي علم وعرفان موظفا قد أتى لكن (بمدرسة) ... قديمة العهد من إنشاء (مرجان) وظيفة قبله كانت لوالده ... بموجب الشرط شرط الواقف علي واليوم قد عاد مقبول الجناب إلى ... بغداد باليمن مشمولا بإحسان وفي صكوك العلى والعلم أرخه ... سجل تدريس مرجان لنعمان 1302 4 - خطابته ووعظه وقد كان رحمه الله جوزي زمانه في الوعظ وقد بلغ في حسن التذكير والإرشاد النهاية فكان في كل سنة يجلس في شهر رمضان للوعظ في أحد المساجد الواسعة فيقصد من أطراف البلد حتى يغص المكان بالمستمعين - فأتفق له في شهر رمضان سنة 1305هـ أن استطرد في أحد مجالسه - والحديث ذو شجون - بحث سماع الموتى فذكر ما قاله علماء الحنفية في كتبهم الفقهية من عدم سماع الموتى كلام الأحياء وأن من حلف لا يكلم زيدا مثلا فكلمه وهو ميت لا يحنث وعليه فتوى العلماء وهو المرجح لدى المحققين - فقام حشوية بغداد وقعدوا لها وأنكروا عليه هذا العزو وأثاروا أفراد جهلة العوام والمرجفين في مدينة السلام، وكادت تقع فتنة تسود وجه التاريخ ولكنه بدهائه وحلمه سكن ثائرتهم فجمع في اليوم الثاني كل ما لديه من كتب فقهاء المذاهب الأربعة وصعد كرسي الوعظ - وقد احتشدت الجموع - فأعاد البحث وصدع بالبيان ثم اخذ يتناول كتابا كتابا فيتلو نصوص العلماء ثم يرمي بها إلى المستمعين ويصرخ: هؤلاء هم علماؤكم فإن كنتم في ريب منهم فدونكموهم وناقشوهم الحساب؛ حتى إذا فرغ نهض واخترق الجموع الثائرة غير وجل ولا هياب فأقبلوا عليه يقبلون يديه ويعتذرون إليه من قيامهم بتحريك المرجفين من فريق المقلدة والجامدين. ثم ألف رسالة لطيفة جمع فيها ما زبره الفقهاء في هذا الباب واسماها: (الآيات البينات في عدم سماع الأموات).
دفع أوهام
وكان منذ صباه شغوفا بالمطالعة وميالا إلى جمع الكتب النادرة فوفق لتأليف خزانة حافلة تعد اليوم من أغنى خزائن كتب بغداد واحفلها بالمخطوطات النادرة ثم وقفها على مدرسته وعين لها محافظا يتعهدها رجاء المنفعة بها ابد الدهر وحبا بالذكر الجميل وهو تحت رجام القبر. وهكذا أمضى عمره؛ أمضاه بالدرس والتدريس. بالوعظ والإرشاد بالتأليف والنشر. بمجاهدة الباطل وفرق الابتداع بجمع الكتب ووقفها في سبيل العلم. نعم أمضاه صابرا ومحتسبا اجره على الله. حتى أتاه اليقين صبيحة يوم الأربعاء السابع من المحرم سنة 1317هـ ودفن في مدرسته في جوار مرقد مرجان تحت القبة مقابل الباب. فرزئ الإصلاح برجله الفذ في العراق وفقد العلم ركن نهضته العظيم. وكان نبأ وفاته شديد الوطأة على أهل الإسلام في الأقطار رحمه الله. محمد بهجة الأثري دفع أوهام 1 - توهم بعض البسطاء السذج أن في صدور مجلتنا (عن) شهر كذا أنها (لشهر كذا) والحال (عن) لا تفيد معنى ما توهموه. فمجلتنا تبرز في أول الشهر المذكور اسمه بجانب (عن). 2 - وتصور بعض المغفلين أن (أخبار الشهر) تحوي أخبار الشهر الذي اسمه في صدر المجلة. وليس الأمر كذلك؛ فهي تحوي ما وقع في أحد شهور السنة مهما كان ذلك الشهر بدون قيد إذ لم نقيد نفسنا به؛ وكل مرة رأينا خطورة الخبر أو الواقع ومكانه من التاريخ قيدنا يوم الشهر بجانبه. 3 - وخطر لبعض البلداء - ولعل اصله من الأعاجم والعرق دساس - أننا بذكرنا المرادفات نتوخى إيراد غرائب اللغة. ولو كان في دماغه ذرة عقل لوجد أن تكرير اللفظة الواحدة بالمعنى الواحد مما تأباه الغريزة العربية وتفضل عليه التنقل من لفظ حسن إلى حرف أنيق تنقل المفردات من فنن إلى فنن إنعاشا للنفس. لكن أين لذلك العلج معرفة المفردات الفصحى وهو عنها في موضع قصي!
فوائد لغوية
فوائد لغوية الكلم الرحالة هل خطر على بالك أن الكلم ترحل؟ أي أنها ترحل من بلد إلى بلد. ومن قوم إلى قوم، فتتزيا بأزياء الأمم التي تندمج فيها، كما أن الرحالة يتكلم بألسنة أهل الديار التي يرحل إليها ليقضي لباناته؟ فإن كان قد عن على بالك هذا الأمر؛ فلقد طاب لك هذا البحث مرارا إذ رأيت العجب من هذه الأسفار التي يدهش لها المفكر، وإن لم يمر بخاطرك فأنا اعرض عليك كلمة تكون مثالا لتلك الأسفار التي تقوم بها أمثلة تلك المفردات. فهذه كلمة (الفتى) ومؤنثها (الفتاة) تراها جاست خلال البلاد، وانتقلت إلى ألسنة كثير من العباد. فإن الفرنسيين والأسبانيين البرتوغاليين يسمون الفتاة والفتى والإيطاليون وكلهم اتخذوها بمعنى الفتاة العربية اللفظ. أي الصبية، ثم بمعناها العربي الثاني أي الأمة ولما كانت الأمة معرضة لخطر الفساد لكثرة ما تخدم من أنواع الناس في جميع الطبقات، صارت بمعنى البغي كما انتقلت كلمة (فتاة) نفسها وأمة مرادفتها إلى هذا المعنى. فالفتيات على ما هو مشهور الامآء. وقد وردت الأمة بمعنى البغي، كما أشار إليه ابن الأعرابي إذ قال: يقال للامة فرتنى. وكذلك فعل الفرنسيون فإنهم سموا البغي وكان أصل معناها الفتاة بالمعنى الحسن، ثم حل بمعناها ما حل بمرادفتيها العربيتين. ولا يتلفظ أديب منهم بهذه الكلمة بل يشار إليها بحرفها الأول أن تكلما وأن كتابة. فهل أخذ العرب لفظتهم الفتى ومؤنثها الفتاة عن الغربيين أم الغربيون أخذوها عن العرب؟ فالذي أراه أنا أن الإفرنج أخذوها عن العرب على ما يظهر لي. قال لتره في معجمه الفرنسي الكبير: تاريخ اللفظة يرتقي (ورودها
في الفرنسية) إلى القرن الثاني عشر (ثم ذكر عدة شواهد من كلام قدماء كتبتهم من قرن إلى قرن، ثم قال: واصلها كأصل ثم ذكر وجودها في سائر اللغات فقال: باللغة البروفنسية والأسبانية وبالإيطالية وباللاتينية ومعناها الفتاة، كما أن هو الفتى أي الشاب إلى آخر ما قال. ولم يذكر أبدا أن اصلها عربي أو سامي. على أني بحثت عما يقابل هذه اللفظة في اليونانية فوجدت وإذا أضيفت قالوا وفي هذه الكلمة اليونانية لغات عديدة بموجب قبائل اليونانيين الأقدمين، على ما يرى نظيره في لساننا، أي أن الكلمة يتلفظ بها باختلاف وجيز يعرف باللغة أو باللغية. ونحن لا نتعرض لمختلفات الغيات اليونانية إذ كلها ترجع إلى هذا الأصل الفصيح. وأنت تعلم أن لغويي الإفرنج يقولون أن اللغة اليونانية فرع من الهندية القديمة الفصحى ويسمونها السنسكريتية، فهذه هي الأم وتلك البنت والحق يقال أن الفتى بالهندية القدمى - ومعناها الفتي من الحيوان وبالزندية: فئرة وبالفارسية القديمة: فثرة، ويلفظ بالراء لفظا مختلسا لا يكاد يشعر به، ومعناها الابن والولد، وإذا تتبعت على هذا الوجه جميع اللغات الأوربية المتولدة من اليونانية أو الهندية الفصحى، لما خرجت عن حيز هذه المادة إلاَّ بحروف العلة وهي مما لا يعتد به عند علماء اللغة. وإذا سألت بعض المتعصبين الغربيين ولو كانوا من أبناء العرب، عن أصل الفتى أمن أصل سامي أم من أصل آري؟ أو بعبارة أخرى: هل العرب أخذوا لفظتهم عن الآريين، أم الآريون (وهم أجداد الهنود والفرس والإفرنج) أخذوا لفظتهم عن العرب؟ - قالوا لك حالا: العرب أخذوا لفظتهم عن الآريين ولا حاجة إلى إلقاء هذا السؤال عينه على أبناء الغرب الآريين، فإنهم يقنعونك أن العرب تلقوا لفظتهم عن اجدادهم، ولا يجوز الذهاب إلى رأي آخر. أما نحن فنخالف الجميع، وإن أقمنا أهل السماء والأرض علينا. أننا نقول أن الآريين أخذوا لفظتهم عن العرب أو الساميين. لأسباب منها: 1 - إن الفتى العربية تتصل بمواد أخرى عربية كثيرة. ولا سيما بمادة ف ت (وما الشد في الأخر أو تكرير الحرف الأخير إلاَّ من باب إظهار الحرف
الأخير وتحقيقه بالتاء لئلا يمتزج بحرف آخر كالثاء أو الطاء أو الدال أو بغيرها - وكذلك القول عن الناقص أي زيادة الألف في الآخر هو من هذا القبيل أيضا أي هو من باب تحقيق الحرف الأخير) فالفتى على الحقيقة وحيد الهجاء أو المقطع فهو (فت) لا غير. والعربية في ألفاظها الواحدة المقطع على هذا الوجه كثيرة؛ اكثر مما يرى في سائر الألفاظ. إذن العربية اقدم سائر اللغات المعروفة. 2 - أن لمادة (فت) معاني تؤيد مشتقات الفتى. فألفت: دق الأشياء وكسرها بالأصابع. وما يفتت لا يكون إلاَّ صغيرا. وهناك فرع آخر هو فتأ الشيء (بالهزة في الآخر) ومعناه كسره أيضا؛ ثم هذه الهمزة تفخم فتصير حاء فتقول فتح. ومنها: فتح القناة فجرها ليجري الماء فيسقي الأرض؛ وما يفجر يصغر. وقد تزاد الراء على آخر (فت) فتصير (فتر) يقال: فتر الشيء، سكن بعد حدة وفلان فتر عن العمل: انكسرت حدته ولأن بعد شدته. والحر انكسر. والماء: سكن حره. وفتر جسمه: لانت مفاصله وضعف. وترى في كل هذه المعاني اللين والانكسار وهو يرجع إلى الصغر والتجزؤ أيضا. ثم انتقل إلى ما يلحق مادة (فت) من حروف تكسعها بها. فيكون عندك فتغ الشيء؛ أي وطئه حتى ينشدخ - وفتق الشيء شقه وخلاف رتقه - وفتك الرجل: ركب ما هم من الأمور ودعت إليه النفس؛ كما أنه صيّر تلك الأمور صغيرة لما به من شديد الهمة وأسرها. فهذه الفروع على تشعبها وتفننها تدلك على أن مادة (فت) عربية الوضع وليس لسائر اللغات ما يضاهيها. فلكون اللفظة وحيدة الهجاء هو احسن دليل على قدمها. فهل يستطيع الغير أن يأتونا بمثل هذا البرهان القاطع؟ أما كيف أخذ اليونان أو الآريون من هنود وغيرهم هذه اللفظة عن العرب؟ أو عن الساميين؟ قلنا: هذا كان في العصور الواغلة في ظلمات القدم؛ حينما كانت تلك الأمم متجاورة مختلط حابلها بنابلها. وعندنا من هذه الألفاظ شيء كثير؛ تثبت قدم اللغة العربية أو اللغات السامية وتفوقها عليها جميعها: تلك اللغة الضادية التي ضاهت بوضعها محاكاة الطبيعة على تشعب ما يسمع فيها من الأصوات المتعددة. نعم أن رأينا لا يوافق كثيرين من أبناء الغرب وجما غفيرا من الشعوبية لكننا نقيم من أدلتنا المتعددة، ومن أكوام الألفاظ المنيعة ما يقوم بوجههم جبلا لا يمكن هدمه أو نسفه؛ بل إزالته عن موضعه ولو قيد شعرة!
أصل علامات التأنيث في العربية في لغتنا ثلاث علامات للتأنيث: الهاء أو التاء كما في أديب لمؤنث أديب وبنت لتأنيث الأبن، والهمزة مثل صفراء لمؤنث أصفر. والألف كقولك الكبرى وأنت تريد مؤنث الأكبر. فمن أين أتتنا هذه الحروف؟ لا جرم أن الحروف الموجودة في لغتنا هي أثر كلم كانت تقوم مقامها ثم استغني عنها استغناء من يكتفي بالأثر عن الأصل وبالصورة عن المثال. والذي بلغ إليه بحثنا أن هذه الحروف مقطوعة من كلمة واحدة هي (أنثى) وهي تكتب بالارمية (أنتى) بتاء مثناة وتلفظ (أتى) بإسقاط النون. فهي في رأينا أصل الحروف المستعملة عندنا في التأنيث. فقولك أديبة أصلها أديب أنثى، فاستغنوا بالتاء أو بالهاء عن بقية اللفظ. والأنثى لفظ يقع على من يعقل ممن ليس من الذكور، وعلى ما لا يعقل. ولهذا صح أن يقدر هذا اللفظ لا غيره. وقولنا (صفراء) فمعناه (أصفر أنثى) قالوا في أول الأمر: (أصفرآء) ثم كرهوا أن تكون همزتان في اللفظة الواحدة فحذفوا الأولى وابقوا الثانية التي في الآخر لتقابل الهاء أو التاء في سائر الألفاظ وكذا القول في (الكبرى) فإن اصلها (الأكبرا) ثم تصرفوا فيها تصرفهم في الصفراء مثلا. ولنرجع إلى لفظة أنثى واصلها: إن كنت واقفا على بعض أصول اللغات السامية تذكر أن ما كان يلفظ به العرب بالثاء اصله في اغلب الأحيان شين بالعبرية مثلا، والأنثى يقابلها في هذه اللغة (أشى) التي هي تخفيف (أنشى) وأنشى هي مؤنث (أنش) الذي معناه الإنسان أو الأنس والنسوة في لساننا جمع انس المحولة عن أنشى، إلاَّ أن نحاتنا لما جهلوا الأصل قالوا أن النسوة وكذا النساء هما جمع مرأة والعاقل يأنف من أن يصدق هذه الخرافة والحق ما ذكرناه أي أن النساء والنسوة جمع كلمة مماتة عندنا وهي (آنسة) ومعناها الأنثى وهي محفوظة في قولهم إنسانة مؤنث إنسان على ما روي عن بعضهم بل محفوظة في كلمة (أنثى) التي اصلها (أنسى أو أنشى) على ما تقدم التصريح به.
باب المكاتبة والمذاكرة
باب المكاتبة والمذاكرة على يفعول قرأت ما دبجته يراعة الصديق العلامة الأب انستاس ماري الكرملي في مجلته لغة العرب (م4 ص101) عن كتاب يفعول الذي عني بنشره صديقنا الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب التونسي فجئت بهذه الكلمات لأفصل بها ما أجمله الثاني عن بعض المواضع التي زادها علي الصغاني مؤلف الكتاب والأول على مؤلفه وناشره لأن هذه المواضع لا تزال معروفة عندنا في فلسطين وكذلك لأضيف إليها بعض القرى والدساكر الموجودة بفلسطين والواردة على وزن يفعول فأقول: المواضع التي زادها عبد الوهاب يبرود: قال الأستاذ عبد الوهاب ناشر الكتاب عنها أنها من قرى البيت المقدس ذكرها ياقوت في معجم البلدان ونقول نحن أن هذه القرية من عمل بيت المقدس ولا تزال آهلة وعدد سكانها اليوم (199) نسمة. عين يبرود: قال عنها قرية أخرى من قرى البيت المقدس ونقول أنها لا تزال آهلة بالسكان وعددهم (576) نسمة. المواضع التي زادها الكرملي يأزور: قال حضرة الأب العالم (اليازور اسم موضع في بلاد العرب ذكره ابن الأثير في كامله. اه) ومع أن ابن الأثير قد ذكر ذلك الموضع في كتابه كامل التواريخ فإن ابن منجب الصيرفي وهو متقدم على ابن الأثير في المدة قد ذكره قبله في كتابه الإشارة إلى من نال الوزارة (ص40) كما أن ياقوت الحموي المعاصر لأبن الأثير قد افرد له مادة كتب فيها
ما عرفه عنه ويغلب على الظن أن ابن الأثير قد نقل ذلك عمن تقدمه. أما يأزور فلا تزال قرية آهلة وهي في ضاحية يافا بينها وبين الرملة وعدد سكانها اليوم (1284) نسمة. يأمون: قال الأب: (يأمون اسم موضع ذكره الهمداني في صفة جزيرة الرب) ونقول نحن أن ما جاء عنها في هذا الكتاب عند ذكر المؤلف مساكن من تشاءم من العرب (ص129) (وأما جذام فهي بين مدين إلى تبوك فإلى اذرح ومنها فخذ مما يلي طبرية من أرض الأردن إلى اللجون واليامون إلى ناحية عكا. اه) ويأمون هذه قرية من القرى الآهلة وهي من عمل جينين وجينين بين نابلس والناصرة وعدد سكانها اليوم (1486) نسمة. المواضع المذكورة في أصل الكتاب ويجدر بنا بعد أن ذكرنا ما تقدم أن نعود إلى أصل الكتاب فنوضح بعض ما فيه مما له علاقة بفلسطين قال المؤلف: اليأجور: الأجر ولم يزد. ونقول نحن أن في ضاحية حيفا قرية اسمها اليأجور كانت ملك بعض أعيانها فتسربت في العهد الأخير إلى أيدي اليهود الصهيونيين وكان عدد سكان هذه القرية زهاء (200) نسمة من الوطنيين فلما اتصلت باليهود أنشأوا فيها مصنعا هائلا للأسمنت أنفقوا عليه أموالا طائلة وهم يستثمرونه اليوم ويتناولون التراب اللازم للأسمنت من تراب الجبل المحاذي للقرية فيحرقونه في الأفران الأوربية ثم يعرضونه للبيع في الأسواق التجارية وقد أثبتت الاختبارات الفنية التي قام بها بعض المتخصصين أن هذه المادة تفضل سواها من الأسمنت الذي يستورد للبلاد من مصانع الغرب وقد اخذ استعمالها يعم في المباني الكثيرة التي تنشأ لحساب الوطن القومي اليهودي في هذه الأرض المقدسة. فهل حرف العرب خاصية هذه التربة قديما فسموها باليأجور نسبة إلى الأجر؟ وأجوده ما يصنع من هذه المادة الترابية التي تتحجر
عاجلا وتستخدم في البناء بدلا من الحجارة أو أن هذه التسمية جاءت عفوا وهو ما نستبعده؟ قلنا إننا نستبعد أن يكون العرب قد جهلوا حقيقة هذه التربة بالاعتماد إلى تسمية موضعها باليأجور وقد ظهر أثناء نقل التراب إلى المصنع بعض مغاور قديمة فيها نواويس فخارية وفي هذه النواويس عظام بشرية يظن بعض العارفين أنها فنيقية مما يدل على رسوخ قدم هذا الموضع في القدم. أما المصنع الذي أنشأه اليهود فيعمل فيه اليوم ما يربي على الأربعمائة عامل ويستخرج منه في اليوم ما يضاهي مائة وخمسين طنا من الأسمنت. يأسوف: (قرية قرب نابلس من فلسطين) هذا ما قاله المؤلف عنها وقد ذكرها ياقوت في معجمه وهي قرية صغيرة من عمل نابلس. عدد سكانها اليوم (172) نسمة. وبعد فان عندنا في فلسطين عدة قرى على وزن يفعول لم ترد في أصل الكتاب ولا في الحواشي التي كتبت عليه ولم تذكر في معاجم تقويم البلدان رأينا أن نذكرها هنا إتماما للفائدة. المواضع الموجودة في فلسطين والتي يجوز إضافتها إلى يفعول يأسور: اسم قرية من عمل المجدل في مقاطعة غزة عدد سكانها اليوم (456) نسمة. يأقوق: اسم قرية من عمل طبرية يقال لها يأقوق ومواسي عدد سكانها اليوم (494) نسمة ومواسي المعطوفة عليها اسم لقبيلة بدوية لها بقية في نواحي طبرية وصفد. يأنوح: اسم قرية من عمل عكاء عدد سكانها اليوم 214 نسمة. يأنون: اسم قرية صغيرة من عمل نابلس عدد سكانها اليوم 71 نسمة. هذا ما أردنا إيراده في هذه العجالة وفوق كل ذي علم عليم. حيفا: عبد الله مخلص
الملا عثمان الموصلي
الملا عثمان الموصلي طالعت ما جاء في الجزء الخامس عن الملا عثمان فتذكرت بعض أمور عنه ويطيب لي أن أرويها لقراء لغة العرب: اذكر روايتي عن المرحوم عثمان أفندي أنه فقد بصره وهو في مهده بصورة مدهشة، وذلك أن جارة لهم كانت تعادي أمه فجاءت يوما فرأته في المهد وليس ثم أحد فقلعت عينيه وذهبت. وأن أمه خبأت العينين حتى شب وسلمته إياهما ظانة أنه يجد من يعيدهما إلى موضعهما. وهذه الحادثة كان لا يزال يذكرها. وإذ ذكر الكاتب ترجمته يجب ذكر جانب من ذكائه المفرط، وهو معرفته لأصحابه من لمس أيديهم مهما طال أمد الفرقة بينهم. فمنها أنه دخل بيروت وكان فيها المرحوم صالح أفندي السويدي فتقدم إليه وصافحه دون أن ينبس بكلمة واحدة فأخذ يده وبقي يتلمسها هنيهة وهو لا يعلم بوجود صاحبه في بيروت وإذا به يقول: (سويدي ما الذي جاء بك إلى هنا؟) وذكر لي المرحوم رؤوف أفندي أبن حسن أفندي الشربتجي الموصلي أنه دخل جامعا في الأستانة فوجد الشيخ عثمان جالسا للوعظ. قال فجلست في ناحية قريبا منه، ففطن بأن الجالس ليس من المستمعين على العادة. قال فتطال إلي وسألني (بك أفندي بكم الساعة) فاجتهدت بتغيير صوتي وقلت بالتركية (العاشرة ونصف) ثم ختم درسه بعد لحظة وأخذ في الدعاء قائلا: (اللهم صل وسلم على رسولك الرؤوف الحسن) وبعد تمامه قال هل تحتاج بعدها إلى التكتم عني؟ ورأيته مرارا وهو يقدر سن من يسمع صوته فلا يخطئ إلا قليلا في الكهول وأما في سواهم أي في من كان في الطفولة إلى المراهقة فقلما يخطئ. ومررت معه ليلة في سوق. وبينما نحن نسير ونتحدث إذ ضربت بعصاي باب حانوت وقلت له: (هذا حانوت صاحبك فلان) فقال كلا بل حانوته الحانوت الآخر الذي بلصقه. وكنا ليلة عند المرحوم السيد محمد صالح الكيلاني، وكان هناك أحد المولوية وهو يقرأ ويمد رأسه تارة ويقلبه يمينا ويسارا تارة أخرى ولم يسكت فضجر
معنى كلمة عراق
الشيخ عثمان وصاح بالغلام هات (دنبكا) (والدنبك عند بالعراقيين هو المسمى بالدربكة عند أهل الشام) فأتاه به ونحن نظن أنه يريد الضرب عليه وإذا به ضربه فخرق الجلد وجعله على رأسه يقلد به قلنسوة المولوية وأخذ يقرأ ويتواجد مقلدا الرجل أعظم تقليد حتى مللنا من الضحك وهو يقول ما هذه الليلة الباردة هذا ما خطر لي الآن إذ له أمور كثيرة. وكان رحمه الله سحابة لا يدخل الدرهم يده إلا مارا بها، ولو جمع مما حصله من الأستانة لبلغ الألوف من الذهب إنما كان له صاحب هناك يسمى بالملا يونس فكان يعطيه ما يأخذه حتى أن أحد الأفاضل كان يقول اللهم يسر لي من يكون لي مثل عثمان ليونس. وفتح مع شريك حانوتا في الأستانة للوراقة؛ فما جاءه أحد يطلب كتابا بغياب شريكه إلا ومد يده وسلمه إياه بصورة يعجز ذوو الأبصار عن مثلها. وله شعر كثير من ذلك تخميس الهمزية والبردة. وكان في نظم التاريخ أمة وحده فلا يعجزه التاريخ بل متى أخذ السبحة بيده فلا يمضي ربع ساعة حتى يستخرج التاريخ نظما. نعم أن شعره ليس بالعالي الجزل بل يجمع الجزل والركيك. عبد اللطيف ثنيان معنى كلمة عراق سيدي صاحب لغة العرب المحترم. وقفت على تعليقكم على معنى كلمة عراق وقد ذهبتم إلى أهنها بمعنى معروق التي معناها المعرض للغرق. وهذا يدعم رأيي القائل أن العراق معناه بين النهرين أي بلاد الماء ولزيادة الإيضاح أقول عثرت مؤخرا في (تاريخ شمروا كد) لمؤلفه الأستاذ كنك ص 14 ج1 و2 على أن أول أسم أطلق على العراق كان لفظة قلم (على وزن سبب) ومعناها (الأرض) ثم أبدلت على توالي الأزمان بكلمة قنجي (وزان عبدي) التي معناها أرض الترع والقصب. ويظهر أن جميع الألفاظ التي أطلقت على ديارنا هذه كانت بمعنى واحد وهو بين النهرين وأن اختلفت باختلاف الأزمان والأقوام والألسنة. رزوق عيسى
ملاحظات وقفت على ما جاء في الجزء الخامس من لغة العرب فبدا لي بعض أمور في أثناء المطالعة وها أنا ذا أبوح بها لعل فيها فائدة: 1 - ذكر صاحب مقالة الحافظ أو الملا عثمان في ص262 أنه كان يعرف لعبي الدمة (الدامة) والشطرنج. والحال أن المرحوم كان يجهلهما بتاتا. واللعب الذي كان يحسنه هو (الدومنو) ولعل تقارب أحرف الدمة والدومنو كان سبب هذا الوهم. 2 - في يوم وفاته انتقل إلى دار الخلود رجلان آخران شهيران وهما محمد سعيد الدوري من افقه أهل زمانه في العراق وآخر اسمه داود. 3 - جاء في مقالة الألفاظ الارمية (ص267) في كلام الكاتب عن البزاغة (من بزرا. . . بإبدال الراء الثالثة غينا، مع أنه ليس هناك راء أولى ولا ثانية ولعل الكاتب أراد أن يقول بإبدال الراء - وهي الحرف الثالث - غينا. وفي ص269 ذكر الدحرة فقال يقال دحره على قلبك ودحرة بعينك والمشهور طحرة ومعناها في لساننا الشيء مهما كان. قال في اللسان يقال: ما في النحي طحرة أي شيء. وما على العريان طحرة أي ثوب. وقال الجوهري: وما على فلان طحرة، إذا كان عاريا. اه وذكر الحويجة (ص270) بمعنى قطعة من الأرض فيها شجر. والمشهور في معناها عندنا نحن العراقيين: الحويجة الجزيرة (أو الجزرة) فيها أشجار. 4 - قرأت في ص290 (إن بني قريش كانوا يفرون من الهمز) والذي احفظه أنه لا يقال بنو قريش أبدا بل قريش لأن قريش اسم قبيلة لا اسم رجل حتى يكون له أولاد. مترقب (لغة العرب) نشكر المترقب على ملاحظاته. أما أنه لا يقال بنو قريش فلا نوافقه. فلقد صرح بذلك القلقشندي في نهاية الأرب في معرفة انساب العرب المطبوع في بغداد في مطبعة الرياض إذ عقد المؤلف فصلا للقبائل التي يصدر اسمها ببني فقال في ص321 بنو قريش: قبيلة من كنانة غلب عليهم اسم أبيهم فقيل لهم قريش على ما ذهب إليه جمهور النسابين. إلى آخر ما قال. وجاء في لسان العرب في مادة قريش: وقيل سميت بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر. اه. إذن يقال بنو قريش ولا غبار عليه.
أسئلة وأجوبة
أسئلة وأجوبة هل فرثية هي طبرية؟ س - قرأت في كتاب (دروس التاريخ للصف الخامس الابتدائي) الباحث عن القرون الأولى والوسطى لمؤلفه الفلاحي وقد وضع وفقا لمنهج وزارة المعارف وتقرر تدريسه في المدارس الابتدائية طبع سنة 1925 في ص30 ما هذا نصه: (فأنتهز الفرصة رجل من أهالي برثيا (طبرية) وألف جموعا كثيرة من الفرس وتمكن من تأسيس دولة إيرانية جديدة سميت بدولة (البرثيين) وأخذ يحارب السلوقيين وانتصر عليهم في اكثر الوقائع) اه فما اسم المؤسس لهذه الدولة وهل عرفها العرب بهذا الاسم؟ وهل فرثية (التي يسميها المؤلف برثيا) هي طبرية؟ (شطرة المنتفق. ر. ش.) إننا لنعجب من وزارة المعارف لتقريرها مثل هذا الكتاب الطافح بالأغلاط وإثباته بين كتب التدريس. لا نعلم كيف جعل المؤلف فرثية طبرية؟ فطبرية في فلسطين وفرثية في العراق وفارس ولا تصل تخومها إلى فلسطين. ولعل المؤلف أراد بطبرية طبرستان؟ فهذا أيضا خطأ واضح لأن طبرستان بلاد أو قطر أو كورة واسعة داخلة في جزء من أجزاء فرثية القديمة لكنها ليست بها؛ والمؤرخ لا يسمي بلادا باسم لم تكن معروفة به في ذيالك الأوان. فطبرستان كلمة حديثة بالنسبة إلى فرثية. أما مؤسس هذه الدولة فهو ارشك على ما جاء في كتب العرب أو أشك راجع الكامل لأبن الأثير (1: 208 - 210 من طبعة الإفرنج) وسمى السلف هذه الدولة بالاشغانية أو الاشعانية أو الاشكانية أو الارشكية أو الفرثية (بفتح الفاء إلاَّ أن بعضهم قرأ الثاء المثلثة سينا فقال الفرسية بيد أنه أبقى الفاء مفتوحة فضمها بعض الجهلة وقالوا فرسية) والحال أن الفرس بالفتح هم غير الفرس بالضم فالأولون يعرفهم الإفرنج باسم والآخرون هم
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد 24 - الإرشاد جريدة علمية أدبية إرشادية يصدرها في بغداد نادي الإرشاد في الأسبوع مرة واحدة مديرها: المعتمد العام الأول لنادي الإرشاد عبد الجليل آل جميل، بدل الاشتراك عن كل سنة كاملة 5 ربيات وعن ستة أشهر 3 ربيات، صدر العدد الأول منها في 5 تشرين الثاني سنة 1926 الموافق 28 ربيع الثاني سنة 1345 جاء في هذه الصحيفة الأسبوعية بعد الافتتاحية مقالة تحوي نظام الإرشاد يليها مقررات النادي فالكسب في نظر الدين الإسلامي فالمباشرة بالوعظ كذا) والإرشاد وبهذا المقال ختمت الجريدة صفحاتها الأربع فبقي هناك رقعة بيضاء بمنزلة متنزه تتمتع الأبصار ببياضها الناصع وترتاح من سواد الحبر الذي يتعب البصر. وكنا نود أن يعتني بعبارتها. ولا سيما لأن كتابها من العلماء الأفاضل. واحسن مقال ورد فيها وعني به هو - على ما يظهر لنا - مقررات النادي ودونك مستهله: (أجمعت الهيئتان - المؤسسة والإدارية - معا في 14 ربيع الثاني سنة 345 المصادف 22 تشرين الأول سنة 926 وبعد شكرهم لحسن إدارة الحكومة البريطانية العظمى إدارة الوقف إلى زمن تشكل الحكومة العربية عقدوا الجلسة وحروف برثية أو برطبة هي الحروف التي تكتب بها طبرية لكن ليس للحروف هنا اعتبار في قلب الكلمة فأنظر إلى الأغلاط العديدة الموجودة في العبارة الواحدة فما قولك في الكتاب كله والأطفال إذا تعودوا حفظ الأغلاط في التاريخ قبل أن يعرفوا صحيحها يتعذر عليهم العود إلى الصحيح منها. فانا لله وانا إليه راجعون! ............
برئاسة صاحب السماحة السيد إبراهيم أفندي الحيدري فتذاكروا في شأن إلغاء وزارة الأوقاف جهة التدريس من بعض المدارس الدينية وجهة الإرشاد من التكية الخالدية. . .) إلى آخر ما ورد. فنحن لم نفهم معنى (أجمعت) في قوله أجمعت الهيئتان، فإذا كان هناك غلط طبع أي أن الأصل كان (اجتمعت الهيئتان)، فلا نر وجها لقول النادي بعد ذلك (معا) وهل يكون اجتماع بغير أن يكون معناه (معا)؟ إذن (معا) زائدة وأما أن لم يكن هناك غلط طبع فكان يحسن أن يوصل معنى (اجمع) بالجار (على) أي أن يقال مثلا: أجمعت الهيئتان. . . على شكرهما. . . وعلى كل حال في الكلام غموض. ثم أن الهيئة لم ترد بمعنى اللجنة في العربية بل بالتركية فقط. وقال الهيئتان المؤسسة والإدارية. ولو قال المؤسسة والمديرة أو التأسيسية والإدارية لكان ............ المعطوف من جنس المعطوف عليه وهو من حسن التعبير عن الفكر في مكان فصيح معهود - وقوله في 14 ربيع الثاني سنة 345 المصادف 22 تشرين الأول. . . قلنا لا معنى للمصادف هنا إذ ليس ثم مصادفة إنما هناك (موافقة) فكان من المستحسن أن يقال الموافق 22 تشرين الأول كما ينطق به المصريون والسوريون وكل فصيح. وقوله: وبعد شكرهم لحسن إدارة الحكومة. . . ولا نعلم كيف يعود ضمير الجمع إلى اسم مثنى. فالكلام كان عن الهيئتين (أي اللجنتين) فكان من اللائق أن يقال: وبعد شكرهما لحسن إدارة. . . ومع ذلك لا يرتبط الكلام ارتباطا بينا بقوله في الأول: أجمعت الهيئتان. . . فكان يحسن أن يقال مثلا كما قلنا في بدء كلامنا: أجمعت اللجنتان. . . على شكرهما لحسن إدارة الحكومة البريطانية تدبير أمور الوقف، لكنه قال: لحسن إدارة الحكومة البريطانية إدارة الوقف. . . وفي هذا التعبير من التعسف ما لا يخفى على القارئ. وربط تلك العبارة بقوله: إلى زمن (تشكل) الحكومة، وهذا أيضا من التعبير العثماني أو التركي أو المغولي أو انعته بما تشاء لكن لا تقل أنه عربي فالتشكل في لساننا مصدر تشكل الشيء أي تصور وتشكل العنب أي اينع بعضه
أو اسود واخذ في النضج، فأين هذا مما يريده؟ - ولو قال: إلى زمن (تألف) الحكومة لفهمنا مراده. ولم ندرك ما عناه بقوله بعد ذلك: إلغاء وزارة الأوقاف (جهة) التدريس من بعض المدارس. فلجهة في العربية الجانب والناحية وكل موضع استقبلته وتوجهت إليه. وهذه المعاني كلها لا تتسق مع الألفاظ السابقة ولا يتحصل منها ما يربط الكلم بعضها ببعض. ولعل المراد هو إلغاء (منصب) التدريس من بعض المدارس. لكن بقي معنى الكلام في قلب الشاعر. ولا نريد أن نتتبع النادي، نادي الإرشاد، في كل ما قال وحبر من الكلام إذ كله على هذا النسق. وكنا نود أن تكون العبارة محكمة (رشيدة) حتى لا يعترض عليها (الضالون) فيمتنعوا من مطالعتها. وعلى كل حال أننا نتمنى للإرشاد أن يكون دليلا وهاديا لأن غايته على ما قال في مقال الاستهلال: (صلاح حال الأمة المسلمة التي أصبح الكثير منها بسبب الجهل وفشو البدع والخرافات وانحطاط الأخلاق بحالة غير محمودة حتى وصل الأمر إلى درجة أن الأب لا يعطف على بنيه ولا يلتفت الأخ لأخيه) غفر الله لنا وهدانا إلى الصراط المستقيم. 25 - مختصر تاريخ الطبري عن السنين الهجرية 65 - 99 الموافقة لسني 684، 685 - 716، 717، لأغناطيوس غويدي، طبع في رومة 1935 اغناطيوس غويدي من كبار المستشرقين، لا يتعرض لأمر يتعلق بالعرب لا بل بالشرقيين، إلاَّ يوفيه قسطه من التحقيق والتدقيق. وهذه الخلاصة جاءت شاهدة على تضلعه من العربية وتاريخ بني عدنان وعلى أن شيخوخته المباركة لا تقعده عن العمل. فلقد صدق فيه قول لغويي العرب أنه (الراتي الرباني) أي (العالم العامل المعلم).
26 - تاريخ الطب عند العرب محاضرة بقلم الأستاذ عيسى اسكندر المعلوف، طبع بنفقة الدكتور مصطفى الخالدي أستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت لا يطالع القارئ مجلة من كبار مجلاتنا العربية إلاَّ يرى فيها مقالة للأستاذ عيسى المعلوف. فمباحثه دقيقة وتحقيقاته بالغة أقصى التحفي. وقد أهدى إلينا الصديق المحاضرة الثانية (ولم تصلنا الأولى) وهي تتناول البحث عن اتصال الطب بالعرب منذ نشوءه إلى عهدنا هذا. وهي محاضرة نفيسة تدل على اطلاع واسع ووقوف عجيب على تاريخ العرب وتقدمهم في الطب. على أننا كنا نود أن يتولى الأستاذ بنفسه طبع مسودات هذه الرسالة فقد جاء في الصفحة الأولى منها (وهي ص3 من البحث) قوله: فاشتهروا به وتفوقوا ولعل الناشر حذف (على من سواهم) بعد قوله وتفوقوا ولعل الكلمة كانت مثل (وأجادوا فيه) فأبدلت ب (وتفوقوا) فلم تحسن العبارة. وذكر في سبب دخول الطب بلاد الفرس: (أن ملكهم سابور تزوج ابنة أولينوس قيصر فبنى لها مدينة (جنديسابور) وفسح لأطباء اليونان (الذين رافقوها حسب تلك الأيام) محلا لبناء مدرسة ومستشفى فنقل الطب من الإسكندرية إلى تلك البلاد الشرقية بهذه الواسطة واتصل بالعرب. . .) ونحن نجل الأستاذ عن نقل مثل هذه الرواية التي ذكرها بعض الخرافيين هذا فضلا عن أننا لا نعلم أن عند الرومان قيصرا يسمى أولينوس. والذي كان في عهد سابور كان اسمه غرديانس وخلفه فيلبس العربي ثم أذينة بن السميدع ولما كان بعضهم يجهل صحة هذا الاسم العربي نقله بصورة (اودينوس) لا (أولينوس) كما جاء في هذه المحاضرة. وكنا نود أن نعلم السند الذي نقل عنه حضرة صديقنا الفاضل لنتثبت صحة الرواية. وقال في تلك الصفحة: فالطب العربي مقتبس من طب هؤلاء الأقوام، ولا سيما (اليونان) ولو قال ولا سيما من طب اليونان أو من اليونان لكان افصح. ثم قال: ولكنه (أي الطب) اتصل بالعرب فلم يهملوه. . . بل زادوه تبسطا في الأبحاث وتوسعا في العلاج ومهارة في الجراحة والتشريح وخبرة في
العقاقير. . . قلنا كان الأجدر أن يقال: بل زادوه بسطا. . . وسعة. . . فتصدق بقية المصادر المعطوفة على هذين الأولين وكلها تدل على معنى التعدي. أما التوسع والتبسط فيدلان على معنى اللزوم - وقد علمنا من تتبع تاريخ الطب أن العرب لم يمهروا في الجراحة (والصواب علم الجراحة لأن الجراحة اسم الضربة أو الطعنة وجمع الجرح أيضا لكن لم ترد عند الفصحاء بمعنى علم الجراحة) والتشريح لأن الدين يحضر مس الموتى؛ هذا فضلا عن أنه لم يشتهر عندنا بهتين الصناعتين من يعتمد عليه. وفي ص4 ورد ذكر مدينة الشوش ومرة ثانية شوش وكلتهاهما غلط والصواب السوس بالمهملتين. وفيها ذكر اسم مدينة (كرخ بيت لافاط) وعرفها العرب باسم بيلاب (راجع معجم ياقوت) وقال هناك. . . كرخ بيت لافاط وهو اسم جنديسابور التي دعتها العرب (الأهواز) قلنا: بيت لافاط (التي هي بيلاب عند العرب) عرفت باسم جندي سابور لكنها ليست بالأهواز لأن هذه واقعة في جنوبيها وبعيدة عنها. والأهواز كانت تعرف ببيت هوزايا ومعناها مدينة الخوزيين وسماها الفرس هرمزد اردشير، وهرمشير - وفي تلك الصفحة (باتانوس الامدي) والمذكور في الكتب (اطنوس) بالطاء لا يردفها ألف - وذكر كتاب (الفن الطبي وخواص العناصر) والمشهور أن اسم الكتاب (الفن الطبي وخواص الأطعمة) - وذكر المتحف البريطاني والأصح المتحفة أي محل تكثر فيه التحف - وذكر رئيس المكتبة الملكية. ولم تأت المكتبة عند العرب بمعنى خزانة الكتب أو دارها أو بيتها. أما المكتبة فهي محل تكثر فيه لتعرض على المشترين فهي والخزانة وفي ص5 جاء أسم يحيى أو يحنى أو يوحنا بن سرافيون مصحفا بصورة سراجيون الذي لا وجود له. ولو تتبعنا كل الصفحات لوجدنا في كل منها عثرة من العثرات. وما كنا نود أن نرى مثل هذه الهنات في هذه الرسالة الوضاءة الحسنة الورق والطبع. ولهذا نشير على الصديق أن لا يؤذن لأحد أن يطبع مؤلفاته ما لم تعرض عليه مسوداته لكي لا تتشوه فتضيع الفائدة من مطالعتها وتذهب محاسنها إدراج الرياح.
27 - مرقاة المعلم للصفوف العالية في اللغتين الفرنسية والعربية تأليف الأب يوسف علوان اللعازري، المراسلات التجارية والمسائل القضائية، الجزء الثاني كتاب التلميذ في 239 صفحة، الجزء الثاني كتاب المعلم في 168 صفحة، كلاهما طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة 1926 تكلمنا عن الجزء الأول للتلميذ في 240: 4 وعن جزء الخاص بالمعلم في 295: 4 وقد تلقينا الآن الجزء الثاني للتلميذ والمعلم. فوجدناهما أخوين مشابهين لأخويهما السابقين. وكلما طالعنا في هذه الأجزاء الأربعة نقول: وهل يمكن أن نرى كتبا في هذا الموضوع تشابهها أو تقاربها؟ فيكون الجواب: إلى الآن لم نجد، فلعل الزمان يفاجئنا بما يدانيها، لكن لا يمكن أن نرى ما يفوقها. وكفى بهذه الشهادة على حسن أسلوب هذه الأجزاء فكأنها أسنان المشط في المساواة والمؤاخاة والمشابهة والإجادة، فهي حقيقة درجات مرقاة توصلك إلى الإجادة في فن الترجمة. كسر المؤلف كتابه المفيد على أربعة غرور متكافئة وطوى كل ثني منها على فوائد في الترجمة تميز العربية من الفرنسية وتبين لك الأسرار الموجودة في كل من هاتين اللغتين الضرورتين في بلادنا. فالجزء الأول يحتوي على المراسلة المألوفة في جميع الأساليب على ما رأيت. والجزء الثاني يطلعك على خفايا الترسل التجاري ومسائل القضاء وهو الذي اهدي إلينا في هذه الآونة بقسميه الخاص أحدهما بالتلميذ والثاني بالمعلم. أما الجزء الثالث فيدور محوره على مواضيع تتعلق بالفصاحة والبيان ويكون دائما كسائر الأجزاء في قسمين: قسم للتلميذ وقسم للمعلم. ويختم الكتاب بالجزء الرابع الذي يقوم موضوعه على مواد الخطابة بفرعيها الديني والدنيوي وأقسام الجزءين الأخيرين جار طبعها وتبرز وشيكا. والكتاب صغير الخلق في حجم 16 حسن الكاغد والطبع متقن التبويب
والأسلوب فلا ينتقل الطالب من موضوع إلى موضوع إلاَّ يرى في نفسه تقدما يعده للارتفاع إلى أعلى. وإطراؤنا لهذا الكتاب هو من باب الحق والإنصاف. لكننا لا نريد أن نقول أنه خال من كل عيب، إذ هذه الصفة خاصة بأعمال الله عز وجل. أما صنع البشر فلا يخلو من مغمز. ومعايب هذا التصنيف أن المؤلف لا يتحاشى عن اتخاذ ألفاظ العوام وتعابير التجار المغلوطة المستعملة في العربية. وأما عبارته الفرنسية فإنها خالصة كالأبريز. وكنا نود أن يعامل لغتنا معاملته لغة الأجانب. ففي ص65 من جزء التلميذ (بالمزايا التي تؤهلني لالتفاتكم، وخير منها تؤهلني لالتفاتكم إلي. وفيها: فلي أمل إذن إنكم تتنازلون. . وهو تعبير قبيح سرى إلى بعض الكتاب عن طريق الأجانب والصواب: فآمل إذن. . . وفيها أتشرف فأسألكم أن تكرموا علي؛ واحسن منها: أتشرف بأن أسألكم أن تتكرموا (بتاءين) علي. ثم أن تكرم على فلان غير فصيح فهو كتفضل عليه من هذا القبيل. والذي ورد عند الفصحاء بمعناهما: احسن إليه وجاد عليه. فتصبح العبارة إذا قلت: أتشرف بأن أسألكم أن تجودوا علي. هذا فضلا عن أن تفعل اثقل من افعل وفعل. ومثل هذا التسامح والتساهل في التعبير لا تخلو منه صفحة على أننا لا نراه يجري على هذا الوجه في العبارات الافرنسية، وهذا ليس من باب النصفة. وما نقوله عن جزء المتعلم نعيده على جزء المعلم ونزيد على ما تقدم أن المؤلف يفضل العبارة الطويلة لتأدية المعنى على كلمة عربية واحدة. فقد وضع في ص47 من جزء التلميذ بازاء بالغ في التدقيق ولو وضع بجانبها أسف (بتشديد الفاء) لاستغنينا عن الكلمات الثلاث. ووضع بازاء قام بمعاش فلان ولو قال بدل ذلك عاله أو مأنه لكان اخصر وأوفى بالمطلوب. ووضع مقابلا لكلمة دفع ما كان باقيا عليه، ولو قال: دفع الروية (وزان الشقية) لأنقذنا من العبارة الطويلة العريضة. ووضع في معنى إشارة إلى كلمة والتعبير العربي لا يؤدي معنى الكلمة الفرنسية فهي قاصرة عنه بل ولا تفيدنا شيئا والصواب (ميز الكلمة بخط) أو يكتفي بقولك: ميز الكلمة. ووضع
وقع (بالتثقيل) ولكلمة وقع كتابه، وأنا لا أرى فرقا بين التعبيرين العربيين مع أن الكلمتين الفرنسيتين لا تفيدان معنى واحدا. فمعنى امضي وهي وإن كانت مولدة؛ إلا أن (وقع) لا تقوم مقامها. ولما كانت الرسائل لا يبعث بها إلى المعنون إليهم إلا بعد أن يكتب صاحبها اسمه عليها قالوا (أمضاها) أي أنفذها أو أجاز إنفاذها إلى المعنون إليهم واحسن منها ختم لأن الإنفاذ المذكور يكون بوضع الختم عليه بخلاف فإنها بمعنى ذيل الرسالة باسمه ويكتفي بذيل فقط إذا كان هناك دليل. وأما بمعنى الزم نفسه بدفع مبلغ فإن المعاصرين وضعوا لها لفظة واحدة وهي (اكتتب) وهي مع ذلك ليست لهم بل للمولدين إذ وردت في كتاب البيان المغرب لأبن العذاري المراكشي في الجزء 1ص171 س5 و7. هذا ولو أردنا أن نتتبعه في جميع أوضاعه لمللنا وامللنا. وقد رأيناه في اغلب الأحيان يتتبع مصطلحات المعجم الفرنسي العربي للأب بلو اليسوعي المطبوع في جزءين في بيروت ولو لم يفعل لكان احسن له لأن صاحب الكتاب المذكور أعجمي ولم يكن يحسن العربية بل اكتفى بان نقل الألفاظ الواردة في معجمه الآخر العربي الفرنسي إلى معجمه الثاني الفرنسي العربي فغر وعر. عامله الله بالحسنى! 28 - التقرير الصحي السنوي لمديرية الصحة العامة خلال 25 - 1924 و24 - 1923 طبع في دار الطباعة الحديثة في بغداد سنة 1926 في 238 صفحة بقطع الربع. نشرت مديرية الصحة عدة رفائع منذ زوال حكم الاتراك، ولكننا لم نقف على شيء حسن التبويب: واضح الجداول، واف بالمقصود مثل هذا التقرير والرسالة التي فتح بها مدير الصحة العام الحكيم اليقظ حنا خياط رفيعته هذه هي من احسن ما جاء في هذا المعنى فإنها تطلعنا بلمح البصر على وجوب زيادة المبلغ المرصد للصحة لتعميم الوسائل محاربة للأمراض. ولقد أفادت المستوصفات المحدثة في هذه السنة مع تكثير عدد الأطباء الذين لا يزالون دون المطلوب، إذ يبلغون اليوم 464 والمرغوب فيهم لا يقلون عن 2831 ولهذا استنتج المدير
العام إنشاء متقن طب للبلاد حتى يقوم بما يطلب منه. ومما يطيب ذكره هنا أن الحكومة أنشأت عدة مستشفيات منذ تولي حكم الأتراك وهي في كل سنة دائبة في بناء أمثالها لحاجة البلاد إليها حاجة أهلها إلى الطعام والشراب. والكتاب مزين بصور مختلفة تزيد في حسنه. والواقف على كلامه يرى فرقا عظيما بين ما كان يكتب من نوعه في السنين الأولى وبين ما يكتب الآن، فإن عبارته اقرب اليوم إلى اللغة الفصيحة منها بالأمس؛ على أنها لا تزال في حاجة إلى التحرير لكن الذي يعلم أن في هذه المديرية من الموظفين ما عدد ألسنتهم يبلغ الاثنين والثلاثين يتعجب من أن العبارة تحكم هذه الأحكام. على أننا لا نغفر لهذه الإدارة سوء ضبط أعلام مدننا، فلقد تكرر اسم اربيل عشرات وعشرات. والصواب اربل (بلا ياء) وكذلك المنتفك وصوابها المنتفق. وغلط كتابة بعقوبا بصورة بعقوبة أمر هين؛ لكننا لا نغفر له أن يكتب الاسم الواحد بصورتين مشوهتين فقد ذكر كوي سنجق وتل أعفر مرة بصورة كويسنجاق وتللعفر (ص78) ومرة كويسنجق (ص139) وتلعفر (ص77) وكلها غلط والصواب ما أوردناه. وأشنع من هذه التصحيفات قوله مرارا عديدة في نهر معقل أو معقل (وزان مجلس) ماركيل (ص77) وهذا التصحيف المشوه القبيح الشقيح الشنيع منقول عن الإنكليز وهو أثم لا يغتفر، وهل يمكن أن نأخذ أسماء بلادنا عن الأجانب؟ ومن غريب ما رأينا في هذا التقرير أن لم يحدث ولادة ولا وفاة في كربلا سنة 1924 - 1925 في أشهر كانون الثاني وشباط وآذار ونيسان (ص121) فلا جرم أن هناك ما يدل على أن بعض مدننا في تأخر عظيم من جهة ضبط الوفيات والولادات. وقد ختم المؤلف هذا التقرير بقانون الأمراض العفنة وبتعليمات لمراقبة دور البغايا وبتعليمات حول أجور الكشوف السريرية الخصوصية إلى غيرها مما يعز وجودها في هذا التقرير النفيس الذي يخلد اسم مؤلفه النشيط صديقنا الدكتور حنا خياط.
29 - على عهد الأمير سلسلة روايات تاريخية تصور الحياة اللبنانية القديمة لفؤاد افرام البستاني، المطبعة الكاثوليكية في بيروت 1926 في 160 صفحة بقطع 16. بديعة هي توطئة هذا الكتاب اللذيذ القراءة. وما كدنا نتمها إلاَّ خيل إلينا أن صاحبها من الآباء المرسلين المنتمين إلى رفقة يسوع، لكننا لم نرها مذيلة باسم أحدهم. ثم دفعنا هذه القصص إلى أحد أصدقائنا الصميم ليطالعها ويفاتحنا بفكره ولم نزد على هذا القدر من الكلام كما أننا لم نشر بكلمة إلى ما خطر في خلدنا وإذا به يقول في رسالته إلينا: (اقسم أن كاتبه غير كاتب المقدمة) فتعجبت من هذا الاتفاق في الحكم على التوطئة وعلى بقية ما خلفها من الكلام. ومهما يكن من الأمر فإن المقدمة من احسن ما يقال في الأقاصيص المعربة عن الغربيين: فإن اغلبها مفسدة للآداب والعقول واللغة الفصحى؛ لأن الذين يتولون تعريبها هم أناس همهم الربح وعنونة المعربات بأسماء مشاهير كتاب الإفرنج ليسهل عليهم ترويجها. والقصص المذكورة في هذا الكتاب هي كلها من الروايات التي وقعت وهي كلها تبقي في النفس احسن الأثر وتحمل القارئ على تأثر جلائل الأعمال ومكارم الأخلاق. والعبارة رشيقة أنيقة حسنة التركيب، لكنا لا نقول أنها خالية من الغلط. وهي دون عبارة التوطئة أحكاما ورطوبة. فقد جاء في ص6. . . والتلاعبات السياسية الخرقاء التي اشغلت بلادنا في الربع الأخير. . . وهو من التعبير الركيك. ولعل العربي الفصيح يقول في مكانها: التي همت البلاد أو أقلقتها أو نحو ذلك. وفيها مترقبين غفلة يثبون بها ولعله يريد أن يقول يثبون لها. وفيها ويثقلون على العباد بالضرائب؛ وأظن أنه لو قال: ويثقلون العباد بالضرائب لكان هو المراد هنا لأن لقوله ويثقلون على العباد معنى آخر ليس هو المطلوب في هذا السياق. وفي ص7 لا تنفك ترسل إليَّ محتوياتها. والصواب بمحتوياتها على ما صرح به المحققون. وفيها
وتضحية كل شيء في سبيل الوصول إلى المطلب. والأحسن أن يقال والتضحية بكل شيء، لأن لتضحية الشيء معنى غير التضحية به. ونحن نتعجب من أن الكاتب يغفل عن مثل هذه الأمور وفي قوله (مرات عديدة) وهم آخر والصواب مرارا عديدة لأن المرات للقلة والمرار للكثرة. فبقوله عديدة يشعر بأنها كانت كثيرة وإلاَّ فلو كانت قليلة تلك المرات لكان اكتفى بقوله (مرات) بدون ذكر عديدة. ومثل هذه الدقائق المعنوية كثيرة في هذه الأقاصيص إلا َّأنها لا تشوه معناها. فنتمنى لها الرواج لما فيها من حسن العقبى وطيب المغزى. 30 - المجلة العلمية الطبية (البيروتية) هذه من المجلات التي تجري جريا حثيثا في التحسن، فلقد جاءنا الجزء الأول من سنتها الرابعة فوجدناه حافلا بالمباحث الطبية، واغلبها مما يلذ الوقوف عليه حتى من ليس له اطلاع على الطب. زد على ما تقدم أنها شهرية مصورة وسنتها اثنا عشر شهرا. فنتمنى لها الاطراد في الرقي. 31 - المباحث مجلة علمية أدبية فكاهية شهرية تصدر في طرابلس الشام لصاحبها ومنشئها جرجي يني. صاحب هذه المجلة مشهور بأدبه الجم وعلمه الدقيق لا يتناول بحثا إلاَّ يقتله علما. ونحن لا نطالع هذه المجلة إلاَّ يحفل فكرنا بما يلذ ويطيب ويفيد ويبقي فيه ذكرا بعيد المدى. ومن لم يسمع بجرجي يني؟ أفليس اسمه جذابا للوقوف على ما يكتبه ويحبره ويحرره. والحق يقال أننا كثيرا ما كنا نحفظ في مجموعاتنا الأبحاث التي كان يعالجها في المقتطف وغيره إذ ما يكتبه في المواضيع التاريخية لا يكاد يجاريه فيها أحد. فنحن نحث كل أديب على الاقتباس من أنوار هذه الشمس وبدل الاشتراك فيها 125 قرشا مصريا. 32 - الحارس مجلة شهرية لصاحبها ومحررها أمين الغريب تصدر في بيروت، اغلب مباحث هذه المجلة عمرانية وعلمية وتاريخية ونسوية مع شذرات مختلفة وخواطر منتخبة من احسن المجلات العصرية والأجنبية. لا يطالعها القارئ إلاَّ ويحفل دماغه بفوائد جمة وفرائد جليلة. وقد بلغت سنتها الرابعة سائرة بجد ونشاط فعسى أن تبقى جادة في سبيل خدمة الوطن واللغة. 33 - سياج الشرق مجلة علمية أدبية فكاهية أخلاقية اجتماعية انتقادية طبية صناعية زراعية روائية صاحبها ومديرها جورج يوسف سياج وهي تصدر في مصر القاهرة مرتين في الشهر فنتمنى لها الرواج والانتشار.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - استقالة الوزارة السعدونية وقيام الوزارة العسكرية استعفى عبد المحسن السعدون من رئاسة الوزارة في 1 ت2 فقبل الملك استعفاءه ثم اتجهت الأنظار إلى جعفر العسكري الموجود في لندن فأبرق إليه ليستطلع رأيه فرضي بقبول ما عهد إليه وفي 18 ت2 وصل إلى بغداد للقبض على زمام الوزارة وفي 21 منه ألف وزارته على الوجه الآتي؛ وصدرت بها الإرادة الملكية: جعفر العسكري رئيس الوزارة ووزير الخارجية رشيد عالي الكيلاني وزير الداخلية ياسين الهاشمي وزير المالية رؤوف الجادرجي وزير العدلية نوري السعيد وزير الدفاع (على أن تبقى بعهدته وكالة القيادة العامة) محمد أمين زكي وزير الأشغال والمواصلات السيد عبد المهدي وزير المعارف أمين عالي باش أعيان وزير الأوقاف
2 - الأمطار في بغداد وسائر أنحاء العراق انهمرت مياه السماء في مساء 7 ت2 ولم تنقطع إلاَّ في مساء 11 منه ثم عادت إلى السقوط في 16 إلى 21 منه بأوقات متفاوتة وبمقادير مختلفة وهو أمر لم يشاهد مثله وبهذا الوفر في شهر تشرين الثاني من السنين المارة. فقد هطل في هذه الأيام ما جاوز خمس عقد (انجات) ودونك مقابله ما هطل منه في الأيام الماضية بما تدفق منه في هذه الأيام إلى 20 من ت2 سقط من المطر في تشرين الثاني من سنة 1922 ما يساوي 0. 07 من العقدة (الانج) سقط من المطر في تشرين الثاني من سنة 1923 ما يساوي 0. 02 سقط من المطر في تشرين الثاني من سنة 1924 ما يساوي 0. 01 سقط من المطر في تشرين الثاني من سنة 1925 ما يساوي 0. 45 سقط من المطر في تشرين الثاني من سنة 1926 ما يساوي 5. 00 وأعظم مقدار وقع من المطر كان في سنة 1894 إذ بلغ 4 عقد و84 جزءا من المائة واعظم من هذا القدر كان في شهري شباط وآذار من سنة 1890. إذ بلغت في شباط 5 عقد و90 من المائة. وفي شهر آذار 5 عقد و7 من المائة. ومن غريب أمر هذه الأمطار أن الليالي كانت صاحية والانهرة ماطرة. وبعد أمطار 21 ت2 أوشكت المدينة على الغرق من تهطال الأمطار. فلقد أضحت الشوارع والأزقة جداول وبحيرات. أما الجادة الكبرى فلقد كانت نهرا حقيقيا بطولها وعرضها وعمقها فبعثت أمانة العاصمة بخنزيرة (بآلة رفع) ذات ست عقد لجر المياه وتسريبها إلى النهر واشتغلت طول الليل بل مدة 9 ساعات إلى أن قذفتها في دجلة. ثم تابع موظفو الأمانة دفع المياه إلى دجلة في بقية الشوارع والمحلات. وأما في الأيام التي سبقت وكانت في العقد الأول من الشهر أرسلت بمضخات الحريق لا للإطفاء، إذ لا نار هناك، بل لتنقل المياه والأوحال المتراكمة في الشارع الأعظم. وهذه المرة الأولى من حياتنا رأينا مضخات الإطفاء تتخذ لتنشيف الطرق وتنظيفها. فوزعت المضخات على الوجه الآتي: المضخة الأولى للحريق لإزاحة المياه المتراكمة أمام وزارة الأوقاف وفندق مود.
المضخة الثانية للحريق لإزاحة مياه الميدان وشارع السراي (أي دار الأمارة) المضخة الثالثة مضخة يد لجر المياه المتراكمة في شارع المصبغة المضخة الرابعة مضخة يد لجر المياه المتراكمة في شوارع الفضل 3 - عيث الأمطار لا يخلو تتابع الأمطار من إيقاع الأضرار بمباني العراق. فلقد تهدمت تسعة أجسر بين 7 و10 ت2 من جسور سكة الحديد الواصلة بغداد بالبصرة ولقد أعيد بناء ثمانية منها أما التاسع فكبير يبلغ طوله مئتي قدم وعمقه تسع أقدام والناس جادون دائبون في إصلاحه. ويتم سفر الرجال ونقل البريد بواسطة القطار المعد في الجانب الآخر من جهتي الجسر، ثم هطل الغيث في 19 و20 منه فعاث بالجسور عيثا أعظم. وقد وقعت أضرار أخرى في الخط الذي في شمالي (الشعيبة) بقرب البصرة إلاَّ أن تلك الثلم أصلحت بعد انهمار الأمطار بدون تأخر؛ فلم يحدث من الإعاقة إلاَّ شيء قليل إذ نقل المسافرون على السفن لمواصلة سفرهم بدلا من القطار. ولم يسلم خط قراغان وخانقين من بعض الأضرار إلاَّ أنها لم تهمل فأصلحت بسرعة عجيبة ثم عادت الأضرار بعد أمطار 19 و20 ت2. والشلب (أي الرز) المزروع في قضاء دلتاوة تضرر وتأذت مزروعات الماش والذرة في جهات كثيرة. وانهارت دار في العوينة على ثلاثة هنود كانوا فيها فأخرجوا من تحت الهدم أحياء وأرسلوا إلى المستشفى؛ وهدمت دائرة هندسة أمانة المدينة قسما عظيما من سوق الشورجة. وسقط جانب عظيم من أحد حيطان سوق العطارين ومعه بعض الدكاكين بدون ضرر في النفوس. وسقط في البصرة حائط غرفة في محلة يحيى زكريا فدفن تحته صبيين. وفي خانقين جرفت مياه الأمطار القناطر الصغيرة وتهدم ما يقارب أربعين بيتا ودكانا ومات شخص واحد تحت الردم.
وطغت مياه نهر الوند ولم تحدث ضررا وجرف نهر ديالى السدة التي كانت عليه. وفي النجف سدت مياه الأمطار بعض الأسواق والشوارع والأزقة. 4 - سيمكو الكردي وفراره سيمكو (بكسر السين وسكون الياء والميم وبكاف مضمومة ضما مفخما غير مشبع أي هو أحد زعماء الأكراد الأبطال، وكان على رأس عدة أفخاذ كردية قوية ديارها بين ارمية وخوي وسلماس والرضائية. وكان قد قام على حكومة إيران سنة 1902 وناوأها في مواقع عديدة فلم يكن فيها من الخاسرين؛ إلاَّ أن التشرد والضرب في الآفاق لا يطول فقاومته جنود إيران في عهد تركية حتى اضطر إلى الالتجاء إلى أبناء توران. ولم يكن من فائدة أبناء المغول أن يشجعوه في عمله، لا بل سلبوه مبلغا جزيلا من المال واخذوا ابنه وإحدى زوجاته رهينتين؛ فلما لم يجد موئلا في إيران ولا في كردستان ولا في ديار الترك التجأ إلى دولة العراق الفتية فجاء قرية (بهركة) القريبة من اربل، والاربليون يتذكرون أنه هو الذي قتل سنة 1916 مار شمعون بطريرك النساطرة. ثم عن له خاطر أن ينظم إلى الشيخ محمود الكردي فحققه بالعمل فأستقبله الشيخ استقبالا شائقا وبعد أن قام في (سليمانية) مدة. عنت على باله إيران فرجع إليها رافعا لواء العصيان. فلما رأت حكومة إيران أن هذه الثورات تسلب البلاد راحتها وتضر تجارتها وتلقي الرعب في القلوب وتخرب المدن صممت على أن تضربه الضربة القاضية ففعلت. وقد ظهر لحكومة إيران أن سيمكو نهب أهالي مدن عديدة وخسرهم خسائر تقدر بالملايين من الذهب؛ ولهذا تأثرته في حربه حتى تفرقت عنه العشائر الكردية فضعفت مقاومته فأعتصم بإحدى قرى الجبال ومعه نفر من عياله وبعض أصحابه فطاردته هناك أيضا في وقعة دامت إلى نصف الليل. فأضاع فيها أمواله الناطقة والصامتة وترك أولاده وامتنع في الجبال، فلحقته الجنود ففر منفردا متخذا الليل جملا له حتى جاوز تخوم إيران واختفى في العراق (دخيلا) عليه
فأذنت له الحكومة لتريح جارتنا إيران من شره. والآن خضعت تلك العشائر الثائرة منذ ثلاث سنوات وأنشئ فيها المنظمات العسكرية فهدأت الأمور وانطفأت جمرة الثورة حتى أنها لم تبق لها أثرا. 5 - سالار الدولة في بغداد سالار الدولة هو أصغر أنجال مظفر الدين شاه إيران وعم الشاه الأخير المخلوع احمد شاه. وكان قد ثار على الشاه الجديد رضا خان بهلوي في أنحاء كردستان الفارسية منذ شهر آب. فوفق في بعض الغزوات إلاَّ أن أصحابه الثائرين خارت قواهم في الآخر لقلة ما في أيديهم من المال ووسائل الدفاع. فغادروه وانتقلوا إلى ديار العراق، ثم جاز هو أيضا تخوم فارس إلى حدود العراق فقبض عليه في أنحاء اربل في 2 ت2 وفي منه وصل إلى بغداد. وكان سالار الدولة قد ثار مرتين قبل ثورته هذه إحداها في سنة 1907 ومرة أخرى قام فيها على محمد علي شاه وحاول اختلاس الصولجان فلم يفلح إلاَّ أنه لم يقنط. ولما انقلب الحكم ثار مرة ثالثة وحاول التقدم إلى كرمنشاه وكانت الحكومة قد اشتغلت عنه بثورة خراسان فلما أخمدت تلك النار جاءت لتخمد النار الملتهبة في كردستان فنجحت، فأضطر إلى الفرار إلى اربل وقد نوت حكومة العراق على إخراجه من ديارها مجاملة لجارتها إيران. 6 - افتتاح مجلس الأمة في دورته الثانية في الساعة العاشرة من صباح أول تشرين الأول اخذ الناس يتقاطرون إلى بناية مجلس الأمة وحضر في الشرفة وكيل المعتمد السامي المستر برديان وعقيلته وقائد القوات البريطانية وممثلو الدول الأجنبية وعدد جم من رجال الجالية البريطانية ورؤساء الدواوين من عراقيين وإنكليز وعدد عظيم من الناس على اختلاف طبقاتهم وجلس رجال الصحافة في مجلس خاص في شرفة المستمعين. ولما كانت الساعة العاشرة ونصف دخل الردهة الأعيان والنواب ثم دخل جلالة الملك المعظم يتبعه الوزراء ورجال الحاشية. وكان جلالته بثياب عربية
وفي منطقته خنجر ذهب فتلا خطبة العرش، ثم غادر الردهة بين الهتاف والتصفيق ثم تبعه الأعيان فاجتمعوا في موطنهم الخاص بهم. ثم جرى انتخاب الرئيس وكان عدد النواب الحاضرين 79 ورشحت الحكومة حكمت سليمان إلا أن رشيد عالي الكيلاني نال اكثر الآراء إذ كان الذين له 43 والذين كانوا لحكمة سليمان 33 وبقيت ثلاث أوراق بيضاء. وانتخب الأعيان للرئاسة يوسف السويدي وكان عدد الذين له عشرة والذين للصدر سبعة، وبقيت ورقة واحدة بيضاء لأن الحاضرين كانوا ثمانية عشر. 7 - سفر المعتمد السامي طار فخامة المعتمد السامي صباح 22 ت1 من الهنيدي قاصدا بور سعيد ومنها ركب البحر إلى لندن ومنها إلى جنيف لحضور بعض مجالس عصبة الأمم. 8 - محاولة اغتيال حاكم البحرين بينما كان الشيخ أحمد بن عيسى الخليفة حاكم البحرين خارجا إلى ضواحي المدينة للتنزه في قصره أطلق عليه شخص مجهول الرصاص فلم يصبه بأذى وكانت الرصاصة آتية من ناحية قرية في الصخير صغيرة اسمها (منى) والشيخ أحمد أو حمد (على ما ينطق به بعضهم) تولى الإمارة بعد أن كفت يدا والده الشيخ عيسى عن تولي الحكم في آذار من سنة 1922. 9 - غرفتا تجارة في الموصل والبصرة أنشئت غرفتا تجارة بعد غرفة تجارة بغداد الواحدة في الموصل والثانية في البصرة وذلك في شهر تشرين الأول اقتداء بما فعلته العاصمة. 10 - الثقة بالوزارة العسكرية فازت الوزارة العسكرية بثقة المجلس النيابي بإجماع 78 رأيا وكان مجموع النواب 79. 11 - عبد المحسن السعدون فاز عبد المحسن السعدون في الانتخاب برئاسة مجلس النواب وكانت الأكثرية ساحقة وترأس الجلسة التي عقدت في 28 ت2 توا بعد انتخابه.
العدد 41
العدد 41 - بتاريخ: 01 - 01 - 1927 البطائح الحالية تعريف الناس بصاحب هذه المقالة وما يليها الشيخ علي الشرقي من الرجال الناشئين في النجف. وهو في العقد الرابع من عمره، وليس في دماغه شيء من الأفكار القديمة البالية أو المتهرئة؛ إنما هو خزانة حية حافلة بالعلم الحديث العصري، وهذا ما يتجلى في شعره الذي هو مرآة نفسه الحساسة، وفي ما تدبجه يراعته من المقالات الحسان. وهو ابرع رجل في العراق في معرفة دياره الحالية. ولقد عرفه القراء منذ نشأة هذه المجلة ولو كان يذيل مقالاته باسم منتحل ونقل المستشرقون (من فرنسيين وإيطاليين وألمانيين وإنكليز) عدة مقالات له أدرجت في هذه المجلة فترجموها إلى لغاتهم ونشروها في مجلاتهم، كما استشهدوا بها في كتبهم. وقد عزم الشيخ على أن يتحف هذه المجلة بمقالات عديدة، موضوعها الكلام عن مدن العراق الحالية، وعن دثورها، والأنباء التي يأتينا بها هي نتيجة رحلاته في أنحائه. لأن ليس في ديارنا من تجول فيها تجول الشيخ (عش) فإنه
يعرف عامرها وغامرها، حديثها وقديمها، ولهذا نشكره سلفا على ما يتحفنا به ونحن متأكدون أن كثيرين ينتفعون بهذه المقالات ونخص بالذكر المستشرقين على اختلاف قومياتهم؛ لأنهم يقدرون أعمال الرجال حق قدرها، ويعلمون أن الذين يتتبعون هذه المباحث هم قليلون، وجميعهم ممن جادت عليهم الطبيعة بأحسن مواهبها. قال الكاتب المتفنن حرسه الله: البطائح البطائح جمع بطيحة؛ بفتح الباء وكسر الطاء، يقال تبطح الوادي؛ إذا أستوسع وانبسط، فالبطيحة مسيل واسع ومجتمع مياه سائبة. والبطائح كثيرة ولكن المعروف منها والمنوه بها بطائح ما بين واسط والبصرة والحويزة (وهذه من بلاد خوزستان) وبطائح العراق هي مجتمع سيب الفرات ودجلة، من غير أن يكون من اختلاطهما عمق غائر؛ يوم كانت دجلة تستقيم من (المذلو) وكانت بطائحها في سواد بغداد و (بطن جوخى) ولكن بعد أن تحولت وسالت بين يدي واسط كثر الاختلاط بينهما وتوسع فكان فيضا مادا إلى ما وراء واسط إلى ظهر البصرة القديمة. ولم يذكر مخططو العرب البطائح ذكرا تاما؛ أما اليوم فقد مات ذكر البطائح، وأطلق على البقية منها اسم (الأهوار) وهي جمع هور وزان ثور و (البرق) وزان زحل وواحدتها برقة وهي من لغة سواد العراق ويريدون بها البطيحة. ولم تستقم البطائح على حال واحدة وإنما كانت كما يشاء لها الاتفاق والحوادث فربما كانت كالبحر العجاج مما اندفع إليها من مياه الطاغيين وربما هبط ارتفاع مياهها وغطتها عذبات عيدان الاسل والقصب فشخصت للعيون غابة كثيفة وقد يبلغ بها الجفاف والنشف إلى أن تصير أرضا حمادا أو تنحصر عن بقاع خضراء الأديم كأنها الأرياف تتخللها الغدران. فيمكننا أن نضبط لها حالات ثلاثا لم يظهر أنها تجاوزتها إلى حالة أخرى بل مازالت تتردد بين الثلاث، وهي: (البطائح)، (الجزائر)، (الجوازر). ولنبدأ بذكر البطائح لأنها الحال الأول، فنذكر موقعها ثم السبب المكون لها فاستفحالها فماضيها فحاضرها.
موقع البطائح كلما تحول مجرى دجلة تحول موقع البطائح كل التحول، اجل جرت دجلة بين يدي (المذار) وهو بلد دارس لم يبق منه اليوم غير مشهد عبد الله بن علي وموقعه شرقي دجلة ووراء البلد المعروف بقلعة صالح، فكونت بطائح ثم تحول عمودها إلى (واسط) فأحدثت بطائح ثم امتد نابها بين واسط والمذار وهو عمودها اليوم فجددت بطائح، والأثر المهم في تكوين البطائح دجلة البصرة وهي دجلة العوراء لأن غيرها من أجراف دجلة قلما ينفتق مجراه ويتبطح وذلك لأجل التغير المحسوس في مهابط دجلة، فمن بغداد إلى شقة بعيدة للمنحدر ترى متونا عالية وضفافا مرتفعة وأرضا صلبة وهذه هي دجلة بغداد التي لا شأن لها في أمر البطائح ومسحها كما ذكروا 30 فرسخا ودجلة البصرة هي أم البطائح ولا زالت تعور ويتبطح ماؤها ومسحها كما ذكروا 30 فرسخا مبدأها عند منتهى دجلة بغداد. ومنتهاها عند القرنة مبدأ شط العرب وهي أحادير ومنخفضات وأرض رخوة. وهذه دجلة العوراء طالما ردمت وحصنت بالمسنيات وأقيمت عليها السدود فاعيا أمرها واعورت. وشط العرب الذي ذكرناه معروف عند العراقيين ويتكون أولا من دجلة العوراء ثم من فيض البطائح، وقد كان خورا في أول أمره ويظهر أنه تكون في أوائل القرن الخامس للهجرة أو قبله فقد جاء ذكره في رحلة ناصر الدين العلوي من كبار أدباء الفرس وهو من رحالي القرن الخامس للهجرة. وكانت دجلة تستقيم من عند المذار في عهد الساسانيين وهي اليوم منقطعة من ثم، فكان موقع البطائح في (بطن جوخى) التي كانت نهرا وكورة في سواد بغداد، فلما تحول الماء بطلت تلك البطائح وانقطع السيب عنها فصارت صحاري ومفاوز يصيب المارة فيها سموم وقيظ شديد في أيام الصيف. وتحولت دجلة العوراء إلى ناحية واسط ومرت بين يديها وصبت في انهار سبعة وعمود مجراها كواحد من تلك الأنهار واتصلت وقتئذ بأرض ميسان
وكانت تلك الشعبة تسمى نهر ميسان وهي كورة واسعة يقع بلدها الشهير ببلد ميسان بين واسط والبصرة ولم يبق اليوم من تلك البلدة إلاَّ (مشهد العزير) وهو مغمور على حالته القديمة تخدمه اليهود وتحج إليه، فميسان إذا اليوم تسمى (بلد العزير) وموقعه بين القرنة وقلعة صالح، ولما استقامت دجلة من هناك انبثق من أسفل كسكر بثق عظيم واغفل فتغلب الماء على ما كان منخفضا من الأرضين وبقي ما كان مرتفعا منها فصار جآجئ واكنة للماتجئين إليها وتكونت هناك بطائح امتدت من أطلال واسط إلى ظهر البصرة وهذه هي البطائح الشهيرة في التاريخ وكانت مساحتها كما جاء في الأعلاق النفيسة لأبن رسته (ص94) 30 فرسخا في 30، في رقعة واسعة تقع بين ميسان وواسط والبصرة والحويزة. أما تحديدها فحد منها ميسان وهي بلد العزير اليوم وحد منها دجلة بغداد ما بين جبل وفم الصلح وهي اليوم حوالي كوت الإمارة؛ وحد منها مصب الفرات بين منازل بني أسد ومنازل بني منصور؛ وحد منها صحراء جزيرة العرب الشمالية وتسمى اليوم الشامية، ثم وقفت دجلة عن مجراها بين يدي واسط وتفرقت إلى أنهار عظام. أما عمودها فقد شق له واديا بين واسط والمذار؛ وهو مجراه اليوم بين منازل ربيعة الأمارة؛ ومنازل طيئ بني لام. فجففت بعض بطائح واسط وأصبحت بيداء وجزيرة موحشة تسمى (جزيرة الرفاعي) كما أن بطائح الحلة جفت فأصبحت جزيرة تعرف ب (أم سترين). أجل جفت بطائح واسط ولكن لم تجف كل البطائح بل انحسر الماء عن كثير منها فظهرت كورة واسط وسقي الغراف على شكل شبه جزيرة بين وادي الفرات الأسفل ودجلة العوراء وأصبح موقع البطائح اليوم ممتدا من بلد العزير إلى أعلى سوق الشيوخ والخميسية عرضا ومن هناك إلى القرنة وشط العرب طولا. وهذا التحديد يشمل رقعة واسعة من ذنائب الغراف وهي الأمكنة الواقعة بين (البدعة) ونهر (السديناوية)
ممتدة إلى (الحمار) مثل بطيحة الصديفة والغموقة وأم الفطور والحصونة وكثير غيرها. ولدجلة العوراء بطائح خاصة لم تختلط بسيب الفرات؛ وهي ما بين حوض العمارة وحوض الحويزة أما البطائح الناشفة شرقي الغراف وغربيه فقد أصبحت حرثا وعمارة وربما استفحل أمر البطائح وغادر تلك الأرضين السيب الذي صيرها في القديم بطائح. فسعة تلك البقاع وضيقها تابع لتغلب الرافدين وعدمه واثبت البلاذري في كتابه فتوح البلدان أن البطائح حدثت بعد مهاجرة النبي (ص) في عهد الملك ابرويز الفارسي الساساني وأنها اتسعت عندما دخل العرب أرض العراق واشتغل الأعاجم بالحروب؛ والذي يظهر للباحث أن البطائح حدثت قبل ذلك بكثير وأن الذي حدث في عهد ابرويز مظهر من مظاهرها التي توجد في كل فترة من الزمن أو هو حدوث ناحية من البطائح. تكون البطائح واستفحالها لا نشك أن الذي أعان على تكون البطائح عدة أمور أهمها قلة العمران الزراعي في العراق وإغفال أمر الرافدين من التفقد والتعهد بموجب أصول الفن وذلك باختطاط الأنهار اللازمة لتفريق المياه وتقليل سورتها وإيجاد خزان للطاغي منها وإقامة السدود وردم كل خرق يخشى خطره فإن لم يكن كل هذا وقد مر عليك أن بعض مهابط دجلة والفرات واطئة وأرضها رخوة فلابد من أن تفلت المياه وتتبطح. والذي يدعم قولنا هذا أن من تصفح شأن البطائح وجدها تتسع ويتفاقم خطرها زمن الارتباك وانصراف الناس إلى الحروب وتعمر وتجف زمن الركود والدعة. ولقد حاول مقاومتها وإصلاحها جماعة من رجال الأعمال الشهيرة.
فقد جاء في تاريخ الكلدان أن بعض ملوكهم تعاطى إصلاح البطائح وذكر صاحب النهج القويم في ترجمة نبوخذ نصر أنه هو الذي احتفر النهر المعروف بنهر الملك وهو الذي حفر حوضا واسعا وترعة للماء الزائد من الفرات أي (خزانا) وأقام سدودا كثيرة وجاء في أحوال الساسانيين وذكر ماضيهم أن الملك قباذ وابنه انوشروان والملك ابرويز كل منهم نهض في إقامة القناطر والسدود وردع الماء بالمسنيات حتى أن الملك ابرويز صلب في يوم واحد أربعين جسارا لتسامحهم في شأن السدود. وفي العهد العربي الإسلامي تعاطى كثير من الرجال هذا الإصلاح حتى أعرست البطائح في أيامهم وصارت كورة وقرى كثيرة وانفق أحد الأمويين وقد اقطعت له البطائح ليستغلها بعد العمارة ثلاثة ملايين درهم على سد واحد. وفي الناشفة اليوم آثار بثوق وخروق وسدود كثيرة منها (التناهي) الواقعة في شرقي الشطرة على بعد خمس ساعات في منازل خفاجة الغراف وهو ردم على هيئة تل مستطيل أقيم على البطائح ليكون سدا في وجه الماء الطاغي من الفرات ولا نعرف الذي أقامه والعرب اليوم تسميه (تناهي) ويظهر أنه اسمه القديم فقد ذكر الفيروزابادي في قاموسه أن (التناهي) سد في وجه الماء وهناك محل آخر تسميه العرب (الخروق) في شمالي واسط وأمامه سد في وجه الماء المنساب من دجلة وفي ظهر الناصرية وكربلا والمنتفق تل في الشمال الغربي ممتد في عرض البادية مسافة خمسة كيلو مترات وهو عال مرتفع وموقعه في منازل (الازيرق) سد في وجه الفرات. والى اليوم إذا طغى الفرات يأتي سيبه فيقف عنده وجاء في الاعلاق النفيسة لأبن رستة أن خالد بن عبد الله عامل الأمويين حاول أن يسكر دجلة وانفق الأموال فلم ينجح سعيه وسطت دجلة على البنيان والمعمور، ونقل البستاني في دائرة معارفه ج6 ص643 أنه كان على دجلة العوراء سكران. وقد يستفحل أمر هذه البطائح بأن تفيض دجلة والفرات معا فيضيق عنهما
عقيقاهما فينبثق الفرات من عدة أمكنة أشهرها وأخطرها من موطن حول (المسيب) وهو مدينة وفرضة على الفرات، وعلى هذا الموضع سدة مهمة تعرف ب (أم الصخور) ثانيا من مكان في أعلى المسيب وعليه سدة كبيرة تعرف ب (السرية) لأنها أنشئت في عهد سري باشا ثالثا من مكان يقع بين بلدتي السماوة والناصرية. وتنخرق دجلة من محلات عديدة منها في ظهر بغداد قريبا من (عقرقوف) ومن النهر المعروف ب (الجرية) قريبا من المدائن؛ ومن النهر المعروف ب (الحسينية) غربي (كوت الإمارة) وتوجد في الغراف أمكنة كثيرة تسمى (خرور) من كل هذه ينساب الماء زمن الطغيان فيستفحل أمر البطائح. وقد استفحلت في عهد كسرى قباد بن فيروز فأنبثق بثق عظيم وقد كان هذا الملك واهنا قليل التفقد لشؤون الملك فأغفلها حتى رجع الملك إلى ابنه انوشروان فعمل القناطر والسدود وانكشف الماء عن بعض الأرضين وفي عهد الملك ابرويز زاد الفرات ودجلة معا فأفلت الماء وحاول الملك أن يسكره ففشل ومال الماء على العمارة وغشي المساكن والقرى ثم رجع أمر المملكة إلى بعض النسوة من الفرس فخارت العزائم وبقيت الأمور هملا فأتفق دخول العرب أرض العراق فانشغلت الأعاجم بالنزاع على الملك وكبرت آفة البطائح. وفي عهد الحجاج علت الزيادة واتسعت الخروق وقدر إصلاحها فكان ثلاثة ملايين درهم فأستكثرها الوليد على بيت مال المسلمين إذ وجده إصلاحا غاليا ولكنه بقي يحاوله فأقطع مسلمة بن عبد الملك تلك الأرضين وقام بالأمر على نفقته. وفي عهد الدولة المباركة كثر الطغيان واشتد في زمن وزارة آل بويه أو إمارتهم وأهمل أمر البطائح فأتسع الخرق وهكذا ما زالت الفتوق تعاود حتى اليوم فإذا طفح الفراتان واشتد الطغيان حار الماء حتى يركب المعمور ويسف (أي يجري جريا سريعا) والعرب اليوم تسمي ذلك (موحان) إلا أنه أصبح أخف وطأة من قبل لأن المياه اشتد جريها إلى الأمام حيث يتكون شط العرب ولأن الفلاح العراقي عاد ملما بفنون الحراثة والزراعة فهو ينتفع به اكثر من أن يتضرر منه. وقد أثرت في البطائح السدة الجديدة التي أنشئت على الهندية والجداول التي حولها؛ كما أثر فيها شط (الحفار) الذي كراه البريطانيون زمن حركاتهم الحربية
وذلك ليكون مهيما لبواخرهم النهرية. وفي هذه السنة 1345 (1926م) بذلت الحكومة العربية على شط الحفار دراهم كثيرة وسدته إنعاشا لحالة الفلاح الذي تضرر منه كثيرا ومن الاتفاق المحمود حدوث موحان في سنة 1333هـ (1915م) عام وجودي في الغراف والبطائح. موحان اسم مشهور عند أعراب الغراف وما حوله ويحتمل أنه أخذ من قولهم (ميح الماء) والعرب هناك تطلق هذا الاسم على الماء السائب الذي يهجم عليهم وعلى قراهم ومزارعهم ويسمون عامه (سنة موحان) وآخر زياداته على تلك البقاع كان سنة 1333 عام الهزاهز العامة فقد طغى ماء دجلة وامتلأ عقيقها حتى ضاق وفاض فجرف السدود وهجم على المسنيات والعمارة فغرقت دار السلام بغداد وأنفتقت دجلة من الجانب الغربي وركبت كل منخفض وتدافعت تلولا من الأمواج في وسط البادية ومد الماء على عرض 20 كيلومترا فأخذ الجزيرة الفارغة التي بين فرات الحلة والغراف وهي امكنة بطائح في القديم ولها ماض زاهر زمن الحضارة العباسية وفيها آثار كثيرة وربما اتفق لسيب دجلة أن يختلط في هذه الأماكن بسيب الفرات فيميلان معا إلى سقي الغراف. ويظهر أنه في القديم كان موحان يجعل أرض الغراف كله بطيحة واحدة ولا يترك إلاَّ التلال ولأجل ذلك تجد ابن الأثير وغيره من المؤرخين لا يذكرون الغراف باسم نهر أو سقي بل يذكرون بطيحة الغراف أما الآن وقد ارتفعت تلك البقاع بواسطة الحرث أو الزرع الذي يعلي وجه الأرض بتطاول الأيام صار الكثير من مدالث الغراف ومزارعه في منعة وسلامة على أن الأضرار التي تحصل منه اليوم ليست بالقليل الهين ويندفع موحان هذا إلى أن ينصب في الفرات الأسفل قريبا من بلاد الناصرية ولا يندفع جريه توا إليها بل تعترضه في كل مهابطه حياض واسعة وبطائح جافة يصب في كل منها عدة أيام حتى تمتلئ
ويهبط الماء إلى غيرها وفي هذا الدور الموحش بين فرات الحلة والغراف عدة بطائح ناشفة يعرفها الأعراب بأسمائها فإذا تذاكروا في مهابط موحان عدوها واحدة واحدة باسم هورة كذا وهورة كذا فمن مهابطه: (مسماة) (وقد تبدل الميم الأولى بالياء فيقال بسماة) وهي تل جالس في سهل واسع كبير فيه جذور مزارع قديمة وآثار انهار. ومنها (أم الدور) بطيحة جافة فيها آثار الألواح (أي الدبار) وخطط سواق ورواضع. ومنها (أبو الذروق) هور كبير جاف. ومنها (طرخومة) وهي سهل متسع. ومنها (الظاهر) في الشمال الغربي من الشطرة على بعد 13 ساعة وهب بادية مقفرة كبيرة في الطول والعرض وفيها تلان متلاصقان تسميهما الأعراب (القصور العباسية) وعلى مقربة منها تل عال مستطيل ومن ورائه رواق عليه قبة بيضاء تسميه الأعراب (الظاهر) وبين تلاله والرواق آثار نهر يابس تسميه الأعراب ب (شط العنق) وقد سألت عنه بعض العارفين من الشيوخ فقال أنه أحد (النيليات) وهي جداول كانت تتشعب من شط النيل الشهير الذي طهره وكراه الحجاج، وهناك كثير من كسر الطاباق ورضوض الآجر والقاشاني المعرق وأطلال بالية وسحيق خزف فيظهر جليا أن التلال اخربة بلاد كانت هناك. ومنها (جوخى) وهي الآن بطيحة جافة وفيها تلال وآكام بلاد (أما) الشمرية الشهيرة في التاريخ القديم. ومنها (أبو جويري) وهو إقطاعية في منازل بني ركاب يزرع فيها ألوف من التناء والاكرة ومنها يبدأ موحان باكتساح مزارع الغراف ومساكنه فيجرف ما أمامه حتى ينتهي إلى البطائح المصاقبة للفرات الأسفل الآخذة منه مثل (هور الدكة) و (هور أبي قداحة) فيصب مجموع تلك الأسياب في فرات الناصرية. هذه هي مهابط موحان أو بعضها ولقد شاهدته ينحط على منازل الأعراب وأكواخ الفلاحين بجري واندفاع هائل وكان على ارتفاع مترين تقريبا
ولموج عجاج وما كان باستطاعتهم إنقاذ الأثاث والأمتعة بل فروا في وجه الطاغي وأووا إلى التلعات وجعلوا يتصيدون أو يلتقطون مهمات بيوتهم الطافية على وجه الماء. وهناك أمكنة مرتفعة ضيقة يمكن أن تقام السدود عليها في وجه هذا الهاجم ولا يراد بها صده جد الصد لأن ذلك ليس لهم بالمستطاع. ولكن تحويل مجراه إلى الأودية الفارغة من الزرع أو تعويق جريه حتى ينضج الزرع ويتم نموه، إلاَّ أن أولئك الأعراب لا يحسنون إتقان السدود والسكور فتجيء ناقصة ويخفق كدهم فيها وقد وقفت على ردم اشتغل فيه مئات من الفلاحين الكدد وقد بذلوا فيه طاقتهم فجاء في 13 كيلومترا وارتفاع 3 أمتار وعرض مترين وكان قويا محكما جاء الماء حتى وقف عنده لا يقدر على إزاحته؛ ولكن عصفت ذات ليلة زعزع شديدة صادف مهبها مع مجرى الماء فأجتمع على الردم قوة الماء وقوة الهواء ولم تمكن المقاومة فأنفتق 150 فتقا في وقت واحد وهجم الماء فألتهم القرى والمنازل واغرق الزرع البالغ، وللغرافيين زمن استفحال البطائح حال مزعزعة واضطراب مستمر تسمع أصوات حرسهم طول الليل وهم تحت سخط البرد القارس عكفا ساهرين على أفواه الجداول وضفاف المياه وترى بلادهم وقراهم مطوقة بالمياه المتفلتة وهم يقيمون السدود على أفواه الشوارع والأزقة. هذه كلمتي في تكون البطائح واستفحالها. ولقد أعان على تكوين البطائح النزاعات الحربية واضطراب حبل الأمن هناك في كل فسحة من الزمن وإذا وقفت حق الوقوف على السبب المكون للبطائح خلال الأيام والسنين تعرف أن حالتها غير واحدة وأن ماضيها غير بين ولا يخلو من إبهام وظلمة. النجف: علي الشرقي طبع كتاب الجمهرة لأبن دريد أخذت بطبع كتاب الجمهرة لأبن دريد في حيدراباد الدكن وقد وصلني نموذج منه في 52 صفحة من القطع الكبير، ولما كانت الحروف المشكلة قليلة القدر في تلك المطبعة فإبراز ذلك المعجم بحلته الموشاة يطول كثيرا. من بكنهام (انكلترة) ف. كرنكو
المحفى العراقي الجديد
المحفى العراقي الجديد 1 - كيف تألف المحفى في السنة الماضية لما أعدت وزارة المعارف ميزانية سنتها المالية الجديدة (1926 - 1927) فكرت في مشروع المجمع اللغوي فوضعت له اعتمادا في الميزانية وذلك بعناية وزير المعارف وهمة مدير المعارف العام ساطع بك الحصري فصدقه مجلس الوزراء واقره (مجلس الأمة) في اجتماعه الأول الاعتيادي. وفي 28 أيلول 1926 وجه وزير المعارف كتابا إلى الأستاذ معروف الرصافي والأب انستاس ماري الكرملي هذا حرفه: (لقد قررنا تأليف مجمع لغوي وفقا للتعليمات المربوطة وانتخبناكما عضوين لهذا المجمع لما نعهده فيكما من التضلع في اللغة ونرجو أن تجتمعا لانتخاب بقية الأعضاء نظرا للمادة الخامسة من التعليمات المذكورة ونتمنى لكما وللجميع النجاح. وزير المعارف عبد الحسين وتلخص التعليمات (بأن اللجنة تتألف في وزارة المعارف من ثمانية أعضاء برئاسة مفتش التدريسات العربية (وهو اليوم الأستاذ معروف الرصافي) وأن وزارة المعارف تنتخب عضوين فقط وتترك لهما حق انتخاب الثالث وحينما يتم هذا الانتخاب يجتمع هؤلاء الثلاثة وينتخبون الرابع ثم يجتمع الأربعة فينتخبون الخامس وهلم جرا إلى أن يكمل العدد المطلوب. ويجب أن يكون الأعضاء مضطلعين باللغة العربية علاوة على حذقهم إحدى اللغات الأوربية ويستثنى من ذلك ربع الأعضاء إذ يشترط في هؤلاء التمكن من اللغة العربية فقط. واجتمع في اليوم (29 أيلول 1926) الأستاذ معروف الرصافي والأب انستاس ماري الكرملي في وزارة المعارف وانتخبا الأستاذ طه الراوي عضوا ثالثا واجتمع الثلاثة فانتخبوا الأستاذ عز الدين علم الدين عضوا رابعا وبعد يومين
اجتمع الأربعة وانتخبوا الدكتور أمين المعلوف عضوا خامسا واجتمع الخمسة فانتخبوا أمين بك كسباني عضوا سادسا لكنه اعتذر عن القبول فانتخبوا الأستاذ توفيق السويدي عضوا سادسا والستة انتخبوا الأستاذ عبد اللطيف الفلاحي عضوا سابعا ولما كان في أوربة توقف انتخاب الثامن لكنهم رشحوا رستم بك حيدر للعضوية فلما حضر الأستاذ عبد اللطيف الفلاحي تم انتخاب رستم بك حيدر وبه تم عدد الأعضاء الثمانية. 2 - أعضاؤه وشخصياتهم العلمية وها نحن أولاء نأتي على تعريف كل من أعضاء اللجنة - إلى من لا يعرفهم - بوجيز الكلام: معروف الرصافي هو الشاعر الأشهر، مفتش التدريسات العربية في وزارة المعارف العراقية. تخرج في المدرسة الرشدية العسكرية في بغداد وتتلمذ للأستاذ محمود شكري الآلوسي نحو اثنتي عشرة سنة درس عليه في أثنائها العلوم العربية وسائر العلوم الإسلامية ثم عمل في المدارس الرسمية من ابتدائية وإعدادية حتى أعلن الدستور العثماني. وكان في خلال هذه المدة ينشر القصائد الغر في كبريات الصحف المصرية فتتناقلها الجرائد العربية في كل مكان فطار صيته في العالم العربي. وردد صدى شعره السياسي أحرار الشرق. وقد استدعاه صاحب جريدة (إقدام) إلى الأستانة بعد الدستور لينشئ جريدة عربية كبيرة فزار فروق وسلانيك. ثم علم العربية في المدرسة الملكية العالية في العاصمة العثمانية. وحرر في جريدة (سبيل الرشاد) ودرس الآداب العربية في مدرسة الواعظين التابعة لوزارة الأوقاف. وانتخب نائبا عن المنتفق في المجلس النيابي العثماني. وبعد الحرب الكبرى عين أستاذا للآداب العربية في دار المعلمين في القدس. ثم عاد إلى مسقط رأسه بغداد فأقيم نائبا لرئيس لجنة الترجمة والتعريب في وزارة المعارف. وبعد أن قام برحلة في سورية والأستانة رجع إلى بغداد فأصدر أول جريدة (الأمل)
اليومية بضعة أشهر ثم أوقفها فأسندت إليه وزارة المعارف منصب مفتش التدريسات العربية وقد انتخبه المجمع العلمي العربي في دمشق عضوا مراسلا له. وولي الآن رئاسة لجنة الاصطلاحات العلمية التي نحن بصددها فوق وظيفته. للرصافي طائفة من الآثار النفيسة منها: (1) ديوانه وقد نشر منه جزء والجزء الثاني معد للطبع. وله من المؤلفات العلمية اللغوية: (2) (دفع الهجنة وارتضاخ اللكنة) طبع في الأستانة 1321 (1912) وقد ضمنه الألفاظ العربية المستعملة في اللسان التركي وبالعكس (3) (كتاب الآلة والأداة) في أسماء الآلات والأدوات العارضة في حاجيات الإنسان (مخطوط) (4) (دفع المراق في لغة العامة من أهل العراق) وينشر بالتسلسل في مجلة لغة العرب. ومن مؤلفاته الأدبية. (5) رواية (الرؤيا) ترجمها عن نامق كمال (6) (نفح الطيب في الخطابة والخطيب) طبع في الأستانة سنة 1915 (7) (محاضرات الأدب العربي) طبع في بغداد سنة 1922 (8) (ديوان الأناشيد المدرسية) طبع في القدس سنة 1920 (9) (تمائم التربية والتعليم) شعر طبع في بيروت 1924 (10) (آراء أبي العلاء) (مخطوط) وهو يجيد اللغة التركية. الأب انستاس ماري الكرملي صاحب (مجلة لغة العرب) حصل التعليم الابتدائي في مدرسة القديس يوسف الكرمليين ومدرسة الاتفاق الكاثوليكي في بغداد وعين مدرسا للغة العربية وآدابها في مدرسة القديس يوسف وكان ابن 16 سنة. ثم قصد المدرسة الاكليركية للأباء اليسوعيين في بيروت فدرس فيها العربية وتلقى فيها اللاتينية واليونانية ومنها رحل إلى شفرمون قرب لياج في بلجكة حيث بدأ حياته الرهبانية. وانتقل بعدها إلى لاغتو قرب نيس (فرنسة) فدرس في دير للآباء الكرمليين هناك الفلسفة وفي مونبليه في ليرو (فرنسة)
درس اللاهوت والفقه المسيحي. وفي سنة 1893 قسس وفي سنة 1894 زار الأندلس ثم قدم بغداد في السنة المذكورة فأدار مدرسة القديس يوسف للآباء الكرمليين وعلم فيها العربية والفرنسية. وهو ينشر كثيرا من المقالات والأبحاث بأسماء مستعارة وقد نقلت كثير من مقالاته إلى لغات أوربية عديدة. كما أن تفرغه لدرس فلسفة اللغة العربية اضطره إلى تعلم الارمية والعبرية والحبشية والفارسية والتركية والصابئية. وأنشأ سنة 1911 مجلة (لغة العرب) فأصبحت صلة بين علماء الشرق والغرب ومعظم مقالاتها تترجم إلى اللغات الأجنبية. وقد انتخبه مجمع المشرقيات الألماني عضوا سنة 1911 وعين سنة 1919 عضوا في مجلس معارف العراق. كما أنه حرر جريدة (العرب) سنة 1917 في أول إنشائها. وتولى كتابة مجلة (دار السلام) ما يزيد على الثلاث سنوات واختاره المجمع العلمي العربي في دمشق عضوا مراسلا سنة 1920. أما تآليفه فتبلغ أكثر من 30 مؤلفا طبع منها في بغداد (1) (الفوز بالمراد في تاريخ بغداد) (2) (التعبد ليسوع طفل براغ) (3) (ترجمة مار الياس الحي) (4) (خواطر الأخت ماري ليسوع المصلوب). وطبع في بيروت: (5) (العروج في دروج الكمال والخروج من درك الضلال) بالعربية والفرنسية (6) مرشد الرهبان الثالثيين في مجلدين. وطبع في البصرة سنة 1919 (7) (خلاصة تاريخ العراق). ومن مؤلفاته الخطية وكلها في اللغة والتاريخ: (8) (تاريخ الكرد) (9) (مختصر في التاريخ) (10) (خواطر علمية) (11) (جمهرة اللغات) (12) (كتاب الجموع) (13) (السحائب) (14) (العجائب) (15) (الرغائب) (16) (الغرائب) (17) (أديان العرب) (18) (حشو اللوزينج) (19) (مختارات المفيد) (20) (متفرقات تاريخية) (21) (الأنباء التاريخية) (22) (اللمع التاريخية والعلمية) (في جزئين ضخمين) (23) (24) (الغرر النواضر) (25) (النغم الشجي في الرد على الشيخ إبراهيم اليازجي) (26) (27) (العرب قبل الإسلام) (28) (المجموعة
الذهبية) (29) (أرض النهرين) (ترجمة عن الإنكليزية) (30) (شعراء بغداد وكتابها) (تنقيح كتاب ترجم عن التركية) (31) (أربعون سنة في مقامة) (معرب عن الفرنسية). وله طائفة من المؤلفات فقدت في نكبته عند نفيه إلى الأناضول في العهد التركي سنة 1914 وعند نهب خزانة كتبه سنة 1917 منها (32) (تصحيح أغلاط لسان العرب) (33) (تصحيح تاج العروس) (34) (تصحيح محيط المحيط) (35) (تصحيح اقرب الموارد) (36) (الألفاظ اليونانية في اللغة العربية) (وقد نشر منه فصولا في مجلة المشرق - بيروت) (37) (الألفاظ الرومية (اللاتينية) في اللغة العربية) (38) (الألفاظ الفارسية في اللغة العربية) (39) (الألفاظ الدخيلة (من غربية وهندية وقبطية وحبشية وتركية) في اللغة العربية) (40) (الألفاظ الارمية (السريانية والكلدانية) في اللغة العربية) (41) الألفاظ العربية في اللغة الفرنسية. إلى غيرها. وقد نفته الحكومة العثمانية في خلال الحرب الكبرى إلى قيصرية (قيصري) من بلاد كبدوكية في الأناضول وبقي هناك 22 شهرا ثم عاد إلى بغداد سنة 1916 وقد جمع خزانة كتب نادرة المثال حوت ما يزيد على اثني عشر ألف مجلد. ورحل إلى أوربة مرارا وحضر سنة 1924 مؤتمر المرسلين المنظمين للمعرض الفاتيكاني في رومية العظمى وزار الشام ومصر وفلسطين زيارات عديدة، وأهدت إليه الحكومة الفرنسية سنة 1920 وساما علميا والحكومة الإنكليزية وهو يشتغل اليوم في تأليف ثلاثة معاجم كبيرة (الأول) معجم عربي واسع يحوي تدوين ما ذكرته المعاجم القديمة وكتب العلماء ولم يدونوه من الألفاظ في مظانها و (الثاني) معجم فرنسي عربي يحوي الألفاظ الأعجمية وما يقابلها باللغة العربية الفصحى (والثالث) معجم عربي فرنسي مطول يحوي ألفاظ اللغة والعلوم والصنائع. كما جمع مجموعة ثمينة من أمثال العوام في بغداد والبصرة والموصل وحكايات باللغة العامية عند نصارى بغداد مسلميهم ويهودهم مع بحث في لهجاتهم وإرجاعها إلى أصولها. وحكايات من ألسن عوام العراق رجالا ونساء من قديمة وحديثة. وعني بتصحيح جزءين من (كتاب
الإكليل) وكان قد شرع قبل الحرب الكبرى بطبع (كتاب العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي مع حواش لغوية فأتم منه طبع نحو 150 صفحة وحالت الحرب دون البقية ونقح كتبا عديدة لجماعة من المستشرقين في أوربة وأميركة. وقد أعاد مجلته لغة العرب الآن بعد احتجابها اثنتي عشرة سنة. وأسس مطبعة الأيتام للآباء الكرمليين التي تطبع فيها المجلة أعاد مشترى الكتب للخزانة الشرقية فبلغ الآن عددها اثني عشر ألف مجلد. والأمل أن يتفرغ الآن لطبع مؤلفاته وما جمعه من آثار السلف الصالح بعد أن تستكمل المطبعة حوائجها. طه الراوي مدير المطبوعات في العراق - بعد أن درس في المدارس الابتدائية والرشدية للحكومة في بغداد أم المدارس العلمية التابعة للأوقاف فدرس فيها اللغة العربية وآدابها والعلوم الشرعية والكونية على كثير من شيوخ العصر. ثم هوى العلوم العصرية فدرس الرياضيات والجغرافية ومبادئ الطبيعة في مدارس مختلفة وحضر المحاضرات التي ألقيت في دار المعلمين سنة 1918 فأحرز الدرجة الأولى بين أقرانه وعين مديرا لمدرسة الكرخ فمدرسا للآداب العربية في دار المعلمين ومدرسة الهندسة والموظفين ثم انتقل إلى المدرسة الثانوية أستاذا للآداب العربية وعلم الأخلاق حتى عهدت إليه إدارة المطبوعات. وتلقى الحقوق في متقن (كلية) الحقوق في بغداد فنال شهادتها الممتازة سنة 1925. وقد وضع بضعة مؤلفات لا تزال خطية منها (1) (كتاب في اللغة العربية) (2) (كتاب القواعد والفرائد في اللغة والقواعد) (3) (رسائل دينية وأدبية) مختلفة. وغاية ما يشغله الآن دراسة الموضوعات الحقوقية والتعمق فيها.
عز الدين علم الدين أستاذ علوم الطبيعة في دار المعلمين ودار المعلمين العليا في بغداد - درس الدروس الثانوية وتعلم اللغة الفرنسية في كلية اخوة المدارس المسيحية في يافا. وتفرغ لدرس اللغة العربية وعلومها أربع سنوات في الأزهر بمصر. ثم قصد بلاد فرنسة حيث تعلم الفنون الزراعية ومر بفروق لدى عودته إلى وطنه فعينته وزارة الزراعة العثمانية معلما 7في مكتب الزراعة في بيروت فقام بهذه الوظيفة سنة. وبعد الحرب الكبرى علم العلوم الطبيعية في دار المعلمين في دمشق. ثم انتخب عضوا في ديوان المعارف للحكومة العربية فيها وملاحظا لديوان الترجمة والتأليف ثم عضوا في المجمع العلمي العربي في الشام وانشأ مدة سنة مجلة (التربية والتعليم) التي أصدرتها وزارة المعارف في الحكومة العربية كما أدار مجلة (الرابطة الأدبية) التي أصدرتها جمعية الرابطة وكان من أعضائها العاملين. واستقدمته وزارة المعارف قبل ثلاث سنوات وعهدت إليه تدريس علوم الطبيعة في دار المعلمين ودار المعلمين العليا. وقد ترجم كتابا في (الفيزياء) طبع في بغداد هذه السنة. وله مقالات وقصائد كثيرة في المجلات والجرائد المعروفة في مصر والشام. وهو يحسن اللغة الفرنسية. الدكتور أمين المعلوف مدير الأمور الطبية في الجيش العراقي - درس العلوم العالية فنال درجة بكالوريوس علوم (أي مبرز في العلوم) من كلية بيروت الأميركية وتلقى فيها الطب وأحرز رتبة طبيب. فتعاطى الطب في سورية مدة ثم استخدم في الأمور الطبية في الجيش المصري في ديار النيل والسودان. واشتغل في أوقات الفراغ بمكاتبة مجلة المقتطف فأدرج فيها مقالات وأبحاثا علمية دقيقة. ورأس سنة 1912 - 1913 بعثة الهلال الأحمر المصرية إلى الحرب البلقانية. فلما اشتعلت نيران الحرب الكبرى ألتحق بالثورة العربية فدخل سورية عند فتح العرب لها وهناك أسندت إليه نظارة مدرسة الطب وأستاذية علم النبات وعلوم الطبيعة فيها. كما أسندت إليه وظيفة مدير إدارة في وزارة الخارجية
للحكومة العربية وكان وزيرها صديقه الدكتور عبد الرحمن شهبندر وانتخب في تلك الأثناء عضوا في (لجنة الترجمة والتأليف). وقد قصد أوربة في شؤون سياسية على عهد الحكومة العربية في الشام فلما احتلت القوات الفرنسية جلق وسقطت الحكومة العربية غادر البلاد مع من غادرها. وأخيرا استقدم إلى العراق وأسندت إليه إدارة الأمور الطبية في الجيش العراقي. وانتخبه المجمع العلمي العربي في دمشق عضوا مراسلا من بغداد. ولقد اشتغل الدكتور معلوف بأبحاث كثيرة أهمها تأليفه المبتكر (معجم الحيوان) الذي نشر فصولا كثيرة منه في مجلة المقتطف وهو يؤلف اليوم معجما مطولا نفيسا باللغتين الإنكليزية والعربية. توفيق السويدي مدير الإدارة العدلية في وزارة العدلية في العراق وأستاذ الاقتصاد السياسي والحقوق الرومانية في متقن الحقوق. تخرج في المدرسة السلطانية العثمانية في بغداد سنة 1908 ثم أم فروق حيث درس علوم الحقوق في متقنها هناك فأحرز شهادتها سنة 1913 وتابع دروسه الحقوقية في فرنسة فنال الدرجة العلمية من متقن الحقوق في باريس سنة 1914 وقد حضر المؤتمر العربي الأول الذي عقده المرحوم عبد الحميد الزهراوي ورفقاؤه سنة 1913 - مندوبا عن العراق. وعين مدة كتوما (سكرتيرا) للجنة تصحيح القاموس التركي الفرنسي في الأستانة وأسندت إليه سنة 1915 وظيفة معاون حاكم الصلح في البصرة وحين أعلنت الحرب العظمى انخرط في سلك الجيش بدرجة ضابط نحو ثلاث سنوات وبعد سقوط الشام بيد العرب عين حاكم صلح في حكومة الشام سنة 1918، وتعاطى المحاماة ردحا من الزمن وتولى أستاذية (حقوق الدول) و (حقوق رومة) في مدرسة الحقوق بدمشق. وبعد تأسيس الحكومة الوطنية في العراق آب إلى وطنه فعين مديرا لمدرسة الحقوق في بغداد ومعاونا لمشاور الحكومة العراقية وأوفد سنة 1923 مشاورا حقوقيا في الوفد العراقي في مؤتمر لوزان الأول.
وبعد أن تخلى عن إدارة مدرسة الحقوق عين أستاذا للاقتصاد السياسي وحقوق رومة فيها وقد أضحت كلية. وانتدبته حكومة العراق ممثلا لها في مؤتمر بحرة المعقود سنة 1925. ويشغل الآن منصب مدير الإدارة العدلية في وزارة العدلية ومشاورا للحكومة. وقد نشر من المؤلفات: (1) (حقوق رومة) الجزء الأول لتدريس طلاب متقن الحقوق وعرَّب كتاب (2) (مبادئ الاقتصاد السياسي) للعلم الاقتصادي الفرنسي الشهير شارل جيد وهو أول معرب لهذا الكتاب، وله كتاب (3) (حقوق الدول) غير مطبوع. ويحسن من اللغات الأجنبية الفرنسية والتركية والإنكليزية مع إلمام بالفارسية. عبد اللطيف الفلاحي نائب الحلة في المجلس النيابي العراقي. تخرج في المدارس الرشدية والإعدادية العسكرية في بغداد وقصد الأستانة حيث درس في المدرسة الحربية العثمانية وأحرز شهادتها العليا بدرجة ضابط ثم قفل راجعا إلى بغداد واستخدم في (هيئة أركان الحرب) وأستاذا للغة الفرنسية والتاريخ العام في المدرسة الإعدادية العسكرية والتاريخ في المدرسة السلطانية والأدبيات في مدرسة الحقوق وأسندت إليه بعد ذلك مديرية مدرسة الشرطة في بغداد ثم عين معاونا لمفتش الشرطة العام. وقد نفي في أوائل الحرب الكبرى إلى مسيواس بتهمة الاشتغال بالمسائل العربية وأسندت إليه بعد النفي وظيفة (آمر آلاي) في صمصون. فلما أعلنت الهدنة سنة 1918 استعفى وقصد سورية فأصدر في الشام (مجلة العلوم) التي لم تطل حياتها وموضوعها العلم والأدب وما كاد الحكم العسكري يزول عن العراق وينشر لواء الحكم الوطني حتى هاجه الشوق إلى مدرجه فطار إليه. فأشتغل فيه بالصحافة فأصدر في بغداد جريدة (الفلاح) وبحثها السياسة والعلم والأدب وكانت تنشر مرتين في الأسبوع ثم انصرف إلى الاشتغال بالطباعة فأنشأ له (مطبعة الفلاح) لكنه ما لبث أن أوقف الجريدة فعين مديرا عاما للشرطة مدة وعهدت إليه وزارة
المعارف بعد ذلك تدريس التاريخ العام في المدرسة الثانوية ودار المعلمين ودار المعلمين العليا وانتخب أخيرا نائبا عن الحلة في المجلس النيابي العراقي الذي افتتح أعماله سنة 1925. وعينته جامعة آل البيت ببغداد أستاذا للتاريخ فيها. أصدر الفلاحي في العهد العثماني مجلة في بغداد باسم (مكتب) باللغات الثلاث العربية والفرنسية والتركية وألف كتابا باسم (التحليل الصرفي) في ستة أجزاء نشر الجزء الأول فقط فكان فيه من آثار الحرية ما سبب له حنق السلطة العثمانية عليه وأبعاده إلى الأناضول. وقد نشر أخيرا كتبا في التاريخ المدرسي للمدارس الابتدائية والثانوية في ثلاثة أجزاء (1) التاريخ القديم (2) تاريخ العرب (3) تاريخ القرون الوسطى والأخيرة. وهو يعرف الفرنسية والتركية والإنكليزية واليونانية. رستم حيدر كتوم (سكرتير) جلالة الملك فيصل الأول الخاص ورئيس الديوان الملكي. حصل التعليم الابتدائي والثانوي في مدارس دمشق وتوجه إلى العاصمة العثمانية (فروق) فدخل جامعتها الشهيرة في كلية الحقوق والإدارة المسماة (ملكية شاهانه) فخرج منها بدرجة تفوق سنة 1909 ثم رحل إلى أوربة لإنجاز تعليمه العالي فدرس في جامعة السوربون في باريس في متقن (كلية) العلوم السياسية ثلاث سنوات وفي نهايتها نال شهادتها بنجاح باهر، وقد أسس فيها مع بعض طلاب العلم العرب (جمعية الثقافة العربية). ثم انتدب لتأسيس المكتب السلطاني في الشام وإدارته فقام بعمل خالد في وضع الحجر الأساسي لتلك المدرسة الراقية إلى أن دعي إلى تأسيس كلية صلاح الدين الأيوبي في القدس حيث أسندت إليه نظارة دروسها وأستاذية التاريخ والاقتصاد فيها فواظب على عمله هناك حتى سنة 1918 ثم التحق بالثورة العربية فأختاره قائد الجيش العربي صاحب الجلالة الملك فيصل وكان يومئذ أميرا ليكون في صحبته فدخل دمشق مع فاتحها ثم سافر إلى باريس وحضر مؤتمر فرساي مندوبا عن جلالة الملك حسين ملك حكومة الحجاز المستقلة وبقي في العاصمة
الفرنسية ثلاث سنوات يشتغل بالمسائل السياسية العربية مرافقا صاحب الجلالة الملك فيصل في رحلاته إلى أوربة. وبعد أن سقطت الشام بيد القوات الفرنسية سافر صاحب الجلالة الملك فيصل إلى أوربة فرافق جلالته في أسفاره إلى العواصم الأوربية ثم قدم معه إلى العراق كتوما خاصا لجلالته فلما بويع جلالة الملك فيصل بملك العراق عين رئيسا للديوان الملكي العالي. ولرستم حيدر طائفة من المؤلفات طبع منها فقط كتابه (محمد علي في سورية) بالفرنسية وهو الأطروحة التي قدمها إلى جامعة السوربون وبها نال الإجازة العلمية العالية. أما كتبه في (التاريخ القديم) و (تاريخ الإسلام والقرون الوسطى) و (فجر التاريخ الحديث) مما كان يلقي محاضرات في الكلية الصلاحية في القدس فلا تزال مخطوطة. وهو يجيد الفرنسية والتركية والإنكليزية. 3 - منهج المحفى في العمل وضع المحفى الجديد بمشاورة وزارة المعارف منهجا لعمله دعاه (تعليمات لجنة الاصطلاحات العلمية في وزارة المعارف) يلخص في ما يأتي: 1 - تنظر اللجنة في الاصطلاحات العلمية والأدبية وكل ما يجد ويحدث من الكلمات في اللغة وخاصة في الاصطلاحات التي تستعمل في المدارس والكتب المدرسية وبالجملة تسعى إلى كل ما يؤدي إلى إصلاح اللغة وتوسيعها وإنهاضها إلى مستوى لغات العلم والأدب في العصر الحاضر وتنظر في الكتب المدرسية وغيرها مما يعرض عليها وتبدي رأيها فيها من وجهة اللغة والاصطلاحات العلمية. 2 - تجتمع اللجنة مرة في الأسبوع. 3 - تستشير اللجنة في المسائل المهمة أو المصطلحات الجديدة التي تضعها المجامع العلمية في مصر وسورية ليحيطوا بها علما ويبدوا فيها رأيا وبعد تلقي آرائهم تعيد نظرها فيها ثم تقرر قرارها النهائي. 4 - إذا خلا كرسي في اللجنة، فاللجنة هي التي تنتخب له العضو الجديد.
4 - خطته العلمية في وضع الكلمات واختط هذا المحفى خطة علمية جعلها أساسا لعمله في وضع الكلمات أو المصطلحات العلمية هذا نصها: تعتبر اللجنة المواد الآتية قواعد ودساتير تتبعها فيما تضعه وتقرره من المصطلحات العلمية والكلمات اللغوية: 1 - إن الاشتقاق قياسي في اللغة قياسا مطلقا في أسماء المعاني التي هي عرضة لطروء التغير على معانيها. ومقيدا بمسيس الحاجة في الجوامد. 2 - إن وضع الكلمات الحديثة في اللغة يجري أما على طريقة الاشتقاق وأما على طريقة التعريب ولا مانع من الجمع بينهما كما في مسرة وتلفون ويرجع إلى النحت عند الحاجة. 3 - لا يذهب إلى الاشتقاق في وضع كلمة حديثة إلاَّ إذا لم يعثر في اللغة على ما تؤدي معناها بخلاف التعريب فإنه يجوز تعريب كلمة أعجمية مع وجود اسم لها في العربية كما هو الشأن في اكثر المعربات الموجودة في اللغة. 4 - يشترط في الكلمات التي تختار من كتب اللغة ليعبر بها عما حدث وتجدد أن تكون مأنوسة غير نافرة وإلاَّ وجب تركها والذهاب إلى طريقة الاشتقاق أو التعريب. 5 - يرجح الشائع المشهور من المولد والدخيل على الوحشي المهجور من الكلمات الكائنة في معاجم اللغة. 6 - لا يشترط في المعرب رده إلى وزن من أوزان الكلمات العربية ولكن يستحسن ذلك أن أمكن كما يستحسن تغييره بما يجعله قريبا من اللهجة العربية كما في شهنشاه المغيرة من شاهانشاه. 7 - اللغة إنما تتقرر باستعمال العامة اكثر من وضع الخاصة لكن هذا فيما عدا المصطلحات العلمية أما في المصطلحات العلمية فالأمر بالعكس. 5 - آراء بعض رجاله في الاشتقاق والتعريب أرى تتمة للبحث أن أورد هنا آراء لبعض رجال المحفى العراقي في
الاشتقاق والتعريب ليعرف منها المطالعون المنحى الذي ينحوه في عمله العلمي الشاق: يقول الأستاذ معروف الرصافي في مقدمة كتابه المخطوط (الآلة والأداة) الذي أشرنا إليه في صدر هذا المقال: (الاشتقاق في أسماء الأحداث ضروري لابد منه ولا يجوز أن يكون عدم السماع حجة في منع قياسه واطراده من وجوه: (أحدها) أن عدم السماع لا يستلزم عدم الوقوع إذ يجوز أن يكون قد وقع وأن العرب قد نطقت به ولكنه فات الرواة فلم تروه ولم تنقله لأن نقلة اللغة اكثر ما يعتمدون في نقلها على الشعر ومن الجائز في الكلمة المحكوم فيها بعدم السماع أنها لم تقع في الشعر بل وقعت في النثر الذي لم تضبطه الرواة ولم تنقل منه ولا عشر معشار فعلى القائل بالمنع أن يثبت لنا عدم الوقوع وإلاَّ فدليله مدفوع وكلامه غير مسموع. (ثانيها) إننا أن سلمنا في كلمة من المشتقات أنها غير مسموعة وغير واقعة أيضاً اكتفينا في جواز استعمالها بسماع نظائرها المطردة المعينة فإن العرب أن لم تقل (حاب) من حب فقد قالت ساب من سب وعاد من عد وراد من رد إلى غير ذلك من الكلمات التي جرت في كلامهم على وجه الاطراد فمنعنا استعمال (حاب) بحجة عدم السماع تحكم في اللسان وتهكم بسماع نظائرها المطردة ورمي اللغة بالجمود. (ثالثها) أن الاشتقاق أصل في أسماء الأحداث لكونه أمرا ضروريا بسبب ما يقع في معانيها من التبدل والتغير كما ذكرنا آنفا. . وإذا كان الاشتقاق هو الأصل وقد تعارض عندنا في بعض المشتقات دليلان أحدهما يقتضي المنع وهو عدم السماع والآخر يقتضي الجواز وهو القياس المطرد في نظائره وجب أن نرجع به إلى الأصل وأن نرجح دليل الجواز على دليل المنع لأن الأول مثبت للأصل والثاني ناف له. . . . . فيجب علينا أن ننظر في هذه المسميات المستحدثة ولابد أن يكون لكل واحدة منها فعل تفعله لأنها لم تحدث عبثا فإن استطعنا أن نشتق لها من
فعلها اسما فذاك وإلاَّ نظرنا فيها فإن كانت مما شاع على ألسن العامة استعملناها كما استعملتها العامة أو أجرينا فيها بعض التغيير أن رأينا فيها بعض النفور والحيود عن اللهجة العربية كما فعلت ذلك في كلمة (اوتوموبيل) فأني غيرتها إلى تومبيل كصوقرير وقد استعملتها في قصيدة فقلت: بتومبيل جرى في الأرض منسرحا ... كما جرى الماء من سفح الاهاضيب ويجب أن لا نتحاشى عن استعمال ما تداولته ألسنة العوام من هذه الكلمات الحديثة الخ. . .) وقال الأب انستاس ماري الكرملي في اعتراضه على خطة المحفى الذي ذهب معظم أعضائه إلى قبول النحت في هذا العصر: (لا أرى حاجة إلى النحت لأن علماء العصر العباسي مع كل احتياجهم إلى ألفاظ جديدة لم ينحتوا كلمة واحدة علمية. هذا فضلا عن أن العرب لم تنحت إلاَّ الألفاظ التي يكثر ترددها على ألسنتهم فكان ذلك سببا للنحت أما التي لا يكثر ترددها على ألسنتهم كثيرا فلم يحلموا بنحتها. ومثلها عندنا الآن: ايش وليش وموشي (ما هو شيء) وشنو (أي أي شيء هو) إلى غيرها) وقال عز الدين علم الدين في كتابه المعرب (مبادئ الفيزياء) الجزء الأول ص (ج): (لم أراع في الاصطلاح إلاَّ الأفضل مما اشتد إليه مسيس الحاجة ولو كانت الكلمة أعجمية الأصل إذا ما تعربت بنزولها على أحكام العربية فخفت على اللسان وعذبت بصقله إياها في البيان يدل على ذلك مثلا اسم الكتاب (مبادئ الفيزياء) وقد عقد المحفى اجتماعه الأول في عمارة وزارة المعارف يوم الخميس الواقع في 7 تشرين الأول 1926 الساعة الرابعة ونصف بعد الظهر ثم تابع جلساته مرة في الأسبوع على ما عهد إليه فتعهد به. رفائيل بطي
الوصل في لغة عوام العراق
الوصل في لغة عوام العراق الوصل في كلامهم هو عبارة عن وصل آخر حرف من الكلمة بأول حرف من الكلمة التي تليها. وهو كثير الوقوع في كلام العامة، وهم إذا وصلوا حرفا بحرف جعلوا الثاني منهما ساكنا. ولابد أن يكون الأول متحركا وإلاَّ لم يصح الوصل. فإن لم يكن متحركا حركوه بالكسر ثم وصلوه. ولنوضح لك ذلك بأمثلة من كلامهم: قالوا في أغانيهم (سلم عليَّ من بعيد، وحواجبه هلال العيد) ففي هذا الكلام وصلوا ياء (عليَّ) بميم (من) والحرف الأول (الياء المثناة) مفتوح والثاني (الميم) ساكن. ثم وصلوا نون (من) بباء (بعيد) وقد حركوا النون بالكسر وسكنوا الباء من (بعيد) وأيضا وصلوا الواو العاطفة بالحاء من (حواجب) والواو مكسورة لأن واو العطف يغلب عليها الكسر في كلامهم كما سيأتي. والحاء من (حواجب) ساكنة، ثم وصلوا الباء من (حواجب) بالهاء من (هلال) والباء مفتوحة والهاء ساكنة. وأما هاء الضمير في (حواجبه) فغير ملفوظ وأن كان مكتوبا لأنهم يسقطون من اللفظ كل ضمير مفرد غائب كما سيأتي بيانه في محله. وقالوا في أغانيهم: (كلهم عكلهم سود ومن أين اعرفه ... حتى السمج بالماي يبجي على ولفه) ففي هذا الكلام وصلوا واو العطف بميم (من) والواو مكسورة والميم ساكنة ثم وصلوا نون (من) بياء (أين) والنون مفتوحة والياء ساكنة، وأيضا الكاف من (يبجي - يبكي) موصولة بالعين من (على) والكاف مكسورة والعين ساكنة. وأما الياء في آخر يبكي فسقطت من اللفظ لالتقاء الساكنين.
وقد يتوسط بين الحرفين الموصولين حرف ثالث، فيسقط من اللفظ لأن اللسان ينتقل من الحرف الذي قتله إلى الحرف الذي بعده. وسقوط هذا الحرف الثالث المتوسط أما لأجل الوصل كما في قوله المذكور آنفا (ومن أين اعرفه) فإن ألف أين لما توسطت بين النون والياء الموصولتين سقطت من اللفظ لأجل الوصل. وأما لأجل التقاء الساكنين كما في قوله المتقدم (يبجي على ولفه) فإن الياء من (يبكي) لما توسطت بين الكاف والعين الموصولتين سقطت من اللفظ لأنها ساكنة والعين بعدها ساكنة أيضا بسبب الوصل. وأما لكونه ساقطا في كلامهم وأن لم يكن هناك وصل كما في قول الشاعر المتقدم (وحواجبه هلال العيد) فإن الباء من (حواجبه) موصولة بالهاء من (هلال) ولسان المتكلم ينتقل عند النطق من الباء إلى الهاء. فضمير الغائب الذي بينهما ساقط من اللفظ عندهم سواء وصلت الباء بالهاء أو لم توصل. وأعلم أن هذا الوصل قد يكون لازما متحتما وقد يكون غير لازم. أما كونه غير لازم فكما في قوله (سلم عليَّ من بعيد) فلو قال (سلم عليَّ مِنْ بعيد) (أي بكسر ميم من وإسكان نونها) بلا وصل لجاز أيضا. وأما كونه لازما ففي واو العطف كالواو الموصولة في الأمثلة المتقدمة فإن وصلها متحتم عندهم. ومما يتحتم فيه الوصل (ما) و (لا) النافيتان إذا دخلتا على الفعل المضارع من الثلاثي المجرد الأجوف كيقول ويخاف ويبيع أو المضاعف كيمد ويشد أو من الثلاثي المزيد الذي هو من باب التفعيل كيخوف ويهيج ويغني. أو من الرباعي المجرد كيعكنش ويخرمش ويطبطب وغير ذلك. فهذه الأفعال كلها إذا دخلت عليها (ما) أو (لا) النافيتان أو (لا) الناهية وجب وصل الميم من (ما) أو اللام من (لا) بحرف المضارعة من الأفعال المذكورة إذا لم يكن حرف المضارعة همزة تقول (ما يكول) فتصل ميم (ما) بياء (يقول) وتسقط ألف (ما) من اللفظ لأجل التقاء الساكنين وتقول (ما يصلي ولا يصوم) (بإسكان ياء يصلي ويصوم) أي تصل ميم (ما) بياء (يصلي) ولام (لا) بياء (يصوم). وتقول (فلان ما يهب ولا يدب) (بإسكان الياءين) وتقول في الرباعي (اترك البزون لا تخرمشك)
فتصل لام (لا) بتاء (تخرمش). ومن أمثالهم (لا ينام ولا يخلي الناس تنام) (بإسكان حرف المضارعة) أما إذا كان حرف المضارعة في هذه الأفعال هو الهمزة فالوصل غير لازم بل غير جائز. وقد جعلنا علامة الوصل هكذا (-) وهي خط صغير يوضع بين الحرفين الموصولين. تفخيم اللام إن تفخيم اللام في اللغة الفصحى خاص بلفظة الجلالة وأما في لغة العامة فإنهم يفخمون اللام في كثير من الأسماء والأفعال ولم أجد لتفخيم اللام في كلامهم من ضابط عام تمتاز به مواقع التفخيم عن مواقع الترقيق، سوى أني نظرت في كلامهم فرأيتهم اكثر ما يفخمون اللام في الأسماء التي اجتمعت فيها الخاء واللام فمن ذلك الخل (لما حمض من عصير العنب وغيره) والخلخال والخلان (جمع خليل) والخال (لأخي الأم) والخالة والخلة (للقفر الذي ليس فيه أحد) والمنخل والنخالة والخلال (للبسر وهو التمر قبل ارطابه) والخلالة والمخلل (لضرب من الكامخ) والخلك (بفتحتين للبالي من الثياب) والخلكان (جمع الخلق) والنخل والنخلة وخلف (من أعلامهم) والخلك (بكسر اللام أي الخلق أو المخلوق) والسخل والسخلة. وقلما يفخمون اللام من الأسماء التي لم تجتمع فيها الخاء واللام ومن ذلك الغلك والظلمة والظلام والكلب (القلب) والمكلوب (المقلوب) والكول (مصدر قال والكمل (القمل) والكملة (القملة) والبكال (البقال) وكبل (قبل) والبغل (الحيوان المعهود) والبغلة؛ وغير ذلك من الأسماء. أما الأفعال التي يفخمون فيها اللام فكثيرة أيضا ومنا قولهم نخل الطحين بالمنخل وينخل الطحين، وربنا خلكنا من التراب، وفلان مات وما خلف شي (بكسر الشين)، وغلك الباب، والحاكم ظلم الناس ويظلمهم، والنايم يتكلب على فراشه، وهو كال وهي كالت وهم كالوا (وهذه الثلاثة خاصة بأهل البادية وأما أهل الحضر فلا يفخمون فيها اللام)، ونكلنا الطعام، والنكال ينكل الحطب على رأسه. إلى غير ذلك من الأفعال وإنما أكثرنا من الأمثلة لمزيد الإيضاح وإلاَّ فالعمدة في تفخيم اللام على السماع. معروف الرصافي
الألفاظ الارمية
الألفاظ الارمية في اللغة العامية العراقية (معربل) وبعضهم يقلبها فيقول مرعبل يقال للوسخ والذي لا يراعي النظام في لباسه أظن أنها مشتقة من (ع ر ب ل) الباء مثلثة بمعنى مرغ ولوث أو جعل الدابة تتمرغ. (فيع الثوب) من (ب ي ع) الباء مثلثة أي غسل وخض وفرك وهذا ما يريده العراقيون من استعمالهم هذا اللفظ. أما قلب الباء المثلثة فاء فهذا أشهر من أن يذكر في التعريب حتى أن الارميين أنفسهم يلفظون هذا الحرف فاء في بعض المواطن لأن لغتهم خالية منها على ما ذكرنا في صدر المقال. (الفطوط من الشجر والثمر) وزان شبوط من فعل (ب ط) الباء مثلثة ومعناها نخر وضمر وبلى. و (ب ط وط ا) الباء مثلثة هي الشجرة المنخورة البالية والشخت والنخر البالي من الأشياء. وهذا ما يقصده العراقيون من لفظهم مبنى ومعنى. (بهك اللون) أي خف متغير من (ب ك هـ) الباء مثلثة بمعنى فسد وخبث وقل ورق وفسد اللون وقد جرى العامة في هذا الحرف على طريقة القلب بتقديم الهاء على الكاف كقول الفصحاء: جذب وجبذ، اللجز واللزج، طامس وطاسم الخ (فلفط) تقول أراد أن (يفلفط) بمعنى يتململ أو يتحرك حتى ينجو. فإنه من فعل (ب ل ب ط) والباءان مثلثتان فيه. ومفاده تعذب وتململ وعج من شدة الوجع. (فلش) بتشديد اللام، يقولون فلّش الحائط وفلش النيشان (أي خطبة البنت) وقد تفلش الصبي إذا ألغيت خطبة خطيبته. وتفلشت المسئلة وتفلش الحزب إذا فسد، أظن أن اشتقاق هذا اللفظ من فعل (ب ل ش) الباء مثلثة. بمعنى ثقب وثغر وخرق وثلم.
(فع) الدملة والبثرة. أي ثقبها وفتحها من فعل (ب ع) الباء مثلثة ومفاده فض وشق وثقب وفل. (بربع) أي تلذذ ووجد نفسه في بحبوحة الهناء. ولدت من (ب ر ب ع) (الباءان في الأصل مثلثتان) بمعنى نعم ورفه ولذذ وعندهم (ب ور ب ع ا) (الباءان مثلثتان) وهي الملذة والتنعم والترفه. على أن في لغتنا الفصيحة فعل (ربع) يضاهي معنى بربع. فيقال ربع فلان اخصب. وربعت الإبل سرحت في المرعى وأكلت كيف شاءت وشربت إلاَّ أن اتخاذ العراقيين الألفاظ على الطريقة الارمية وأن كان له وجه للتأويل في اللغة الفصحى أمر فيه نظر. (بشكل بشكلني) وتبشكل عليه الأمر (الباءان مثلثتان) يريدون في الأول حيرني وفي الثاني التاث عليه الأمر. وفي الارمية (ب ش ك ل) (الباء مثلثة) بمعنى فتل ولوى وعوج و (ات ب ش ك ل) (الباء مثلثة) في المطاوع والمجهول بمعنى التوى وتعوج. (صيان) بمعنى وسخ فيقولون (وسخ صيان) وقد تخفف الصاد وتلفظ سينا في صيان فتضحي (سيان) والأخير هو الشائع المشهور. وذلك لقربها من لفظ (سيان) الذي مر بمعنى الوحل المنتن والحمأة. وقد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة أن هذا من باب تشبيه الوسخ بالوحل المنتن والحقيقة أن أصل اللفظ هو بالصاد وهو من المترادفات العربية والارمية التي ألمعنا إليها ويستعملها العراقيون. والصيان في الارمية (ص ي ن ا) بمعنى الوسخ والقذر والدرن. (صمد) بمعنى جمع وحشد. ويقول العراقيون أيضا خسرت (الصمودة) أي ما جمعته وكان عليه التعويل، وهذا الفعل من الارمية (ص م د) ومثله (الصمودة) وهي عندهم (ص م ود ي ا) أما فعل صمد العربي الفصيح ومشتقاته ومنه (الصمد) فلا تفيد المعنى الذي يريده العراقيون من هذا اللفظ.
(قواية) بمعنى القوة في المشاجرة. وأن كان ظاهر هذا اللفظ يدل على أنه تحريف كلمة (قوة) الفصيحة إلاَّ أن لفظ العوام لها بهذه الصورة يحملنا على أن نعتقد أنها من بقايا الارمية وهي عندهم (ق وي ا) ولا تخلو لغتنا العامية من أمثال هذا التلفظ الذي يظهر عليه المسحة الارمية. ومنها كلمة (المرش) وهي المرس في العربية الفصحى وقد وردت في معلقة امرئ القيس في قوله: فيالك من ليل كأن نجومه ... بأمراس كتان إلى صم جندل فيقول العراقيون (جر المرش) و (انقطع المرش) وفي الارمية (م ر ش ا) وهو الحبل الغليظ والرشاء. (قوع) بتشديد الواو، مأخوذة من (ق وح) صاح وضج وعج وثغت الضأن. وفي العربية قبع الرجل صاح والفيل صوت والخنزير نخر فيحتمل أن تكون منه. (قوبت الشجرة أو كوبت) (بالكاف الفارسية) المنخور البالي. أذهب إلى أن هذا اللفظ مشتق من فعل (ق ي ب) (الباء مثلثة) بمعنى اعتل وعل أو من (القوب بضم ففتح) وهي قشور البيض كأن الشجر يبست كقشر البيض. وجاء في العربية الفصحى (تقوب الشيء) انقطع عن اصله ومنه اشتقاق القوباء. ومن أمثالهم (تخلصت قائبة من قوب) أي بيضة من فرخ. واصله انحلاق الشعر عن الجلد. (كلط) (بالكاف الفارسية) بمعنى رطن وألقى الكلام عن عواهنه ويسمي العراقيون هذا الكلام (تكليط). واذهب إلى أنه من فعل (ق ل ط) ومفاده بخل ورمى وكذلك فعل (ات ق ل ط) ومؤداه نافق ودنس. أما قلب القاف كافا فارسية عندنا فهذا أشهر من أن يذكر. (قبت الدجاجة على البيض) وفي المجاز قبت الأم على ولدها أو قب الرجل على الأمر. في الأول بمعنى رخمت وقت الحضانة وفي الثاني سهرت وفي الثالث اهتم له. من فعل (اق ي ب) الباء مثلثة ومعناه سهر وتيقظ واهتم ورخم وحضن فترى أن الفعل الارمي يؤدي المعاني المختلفة التي يقصدها العراقيون من هذا اللفظ.
(الكالوك) المنحرف الشكل من الحجارة ينطق به البناؤون في العراق وهو عندنا مشتق من (ق ل وق ا) وهو الأحول والاشوص. (الكاك (بالكاف الفارسية المفخمة) أو القلق) صغار الحجارة والحصاة من (ق ل ق ا) وهي الحصاة والصفاة بعينها. (قردح الشيء وتقردح ومقردح) بمعنى عتق ويطلق في الغالب على الأواني النحاسية والخزف والبلور وماضاهاها مما يختبر جنسها بقرعها بالأيدي أو نقرها بالأصابع ويستدل من الصوت الناشئ من ذلك على حالتها من القدم فإذا كان الصوت رائقا رنانا عرف أنها جديدة وإذا كان ذا جلبة وقرقعة عرف أنها قديمة أو مكسورة وعندنا أن هذا اللفظ مشتق من (ق ر د ح) بمعنى قفخ ولطم وصفع واجلب أو عمل عملا ذا جلبة وطقطقة خاصة. (قروطة) من (ق ر وط ا) وهو الغضروف والعظم اللين وهي في اللغة العراقية والارمية واحدة مبنى ومعنى. (قرفيصة) ورم أو التهاب جلدي وربما أطلق على الداحوس من (ق ر ص ي ت ا) وهو الداحوس. (كشف اللون ولون كاشف) أي تغير وفسد فهو متغير وفي العربية كشف عنه بمعنى رفع عنه ويجوز أن يكون كشف اللون من هذا القبيل أو أنه من الارمية (ق ش ب) (الباء مثلثة) بمعنى تغير وفسد وابيض اللون من باب التخصص ويجوز الاشتقاقان. (قرقشة وسمع قرقشة) يقول العراقيون قرقشت فلانا فحصلت منه الشيء المقصود بمعنى أفزعته وأرهبته ويقولون سمعت قرقشة أي صوتا يشبه حفيف الأشجار أو صوت أمتعة البيت إذا تحركت. وهذا اللفظ من فعل (ق ر ق ش) الارمي ويأتي بمعان مختلفة منها صوت وحرك وهز وحطم وارهب واقلق وافزع ودغدغ، وجاء في العربية الفصحى قرش الشيء صوته والقرشة صوت نحو صوت الجوز والشيء إذا حركتهما. وربما كانت هذه اللفظة من الأوضاع السامية المتشابهة إلاَّ أنها لم تأت في العربية الفصحى بمعنى ارهب واقلق. (راط يروط) بمعنى التوى من (ر وط) أي تمايل وتثنى وتلوى والروطة
بمعنى القضيب من حديد وخشب من (ر وط ا) بمعنى الغصن الغض الطويل والمشحط. أما الروط أو الراط بمعنى النهر فهو تعريب رود الفارسي ومعناه النهر، والرود مأخوذ من الارمي (ر د ي ا) من فعل (ر د ا) أي جرى وسال (ركم) (بالكاف الفارسية) السقف أي غطى عيدانه بألواح من خشب أظنه من فعل (ر ق ب) الباء هنا مثلثة. فصحف وأضحى بلسان العوام ركم. ولا يزال بعض العراقيين يقولون (رقف) أو (ركف) ومدلول الفعل الارمي سقف البيت بالخشب. وعندهم اللفظ (ق ي ب ا) الباء مثلثة بمعنى سقف البيت و (ر ق ب) الباء مثلثة بمعنى سقيفة وخشبة عريضة يسقف بها. (مراشنة) يقول زراع العراق الماء بيننا مراشنة أي مساهمة أو مناوبة. ومما يستوقف الأنظار في هذا اللفظ مشابهته للحرف الإنكليزي مبنى ومعنى. واللفظة قديمة في العراق. والذي نراه أنه من (ر ش م ا) وهو السهم من المال فتكون المراشنة بمعنى المساهمة. وجاء ذكر الرشن في المخصص 161: 9 في باب اقتسام الماء واستقائه. قال أبو حنيفة الفرصة للنوبة والتفارص السقي بالنوائب وأهل السواد يقولون الرشن أهل مرو البست. أهـ وقال في هذا المعنى ابن منظور في مادة قلد: وهم يتقالدون الماء ويتفارطون ويترقطون ويتهاجرون ويتفارصون وكذلك يترافصون أي يتناوبون. يوسف غنيمة إلى نابح من الأعاجم الغتم شاتمني عبد بني مسمع ... فصنت عنه النفس والعرضا ولم اجبه لاحتقاري له ... فمن يعض الكلب أن عضا
فوائد لغوية
فوائد لغوية عثرات الأقلام كل ناطق بالضاد يعرف ما (لمجلة المجمع العلمي العربية) من المقام الرفيع وما لها من الأيادي البيضاء على ترقية هذه اللغة الشريفة. وتقريظنا لها لا يزيدها شرفا كما أن سكوتنا عن ذكرها لا يحط من قدرها قيد شعرة. وهي تعقد فصلا تدرج فيه ما يوجب على أبناء عدنان من إصلاحه من الغلط الذي ينسل إليهم من بعض ضعفة الكتاب أو من المؤلفين الأعاجم. ولو لم يكن لها إلاَّ هذه المزية لكفاها شرفا وخدمة وتخليدا لاسمها. إلاَّ أننا نرى في بعض الأحيان أنها تجزم في أمور كنا نود أن تصدر الحكم فيها بصورة غير قاطعة، بل ببعض التحفظ؛ ونحن نورد مثالا لذلك: طاف يطوف قالت المجلة في ص308 من هذا المجلد السادس: (ومنها (أي من عثرات الأقلام) قولهم. (وقد طاف جسده على وجه الماء) يريدون ظهر على سطح الماء بعد أن كان راسبا في قعره. وصوابه (طفا). وسمي (الرمث) طوفا لأنه ينتقل على سطح الماء من مكان إلى آخر، لا لأنه يطفو على سطحه) أهـ قلنا هذا رأي لكن الرأي القائل بأنه طفا يطفو رأي وجيه لا يحتقر والدليل انهم قالوا في معناه: العامة. وهذه مشتقة من عام يعوم أي ماج يموج أو سبح يسبح على وجه الماء. كما أن طاف يطوف مقلوب طفا يطفو. وورود هذا القلب في اللغة قديم. قال في التاج: سميت (الطائف) لأنها طافت (ولم يقل طفت) على الماء في الطوفان. أهـ وكيف يمكن اشتقاق الطائف من طفا؛ أليس من الواضح أنه يذهب إلى أنها من طاف يطوف بالمعنى الذي أشار إليه المجمع. ولهذا كنا نود أن يقول المحفى في مكان: (وصوابه): (والأحسن) حتى تطمئن النفس بعض الاطمئنان.
وفي معرض الكلام عن مادة طوف يقول الكاتب اسعد خليل داغر في كتابه (تذكرة الكاتب) ص77 في الرقم المعلم ب161: ويقولون (إلى أن يطوف على قبائل العرب مستجديا الصدقات) فيعدون الفعل طاف بعلى. وفي اللغة طاف حول الشيء وبالشيء. وطوف واستطاف: دار حوله وطاف في البلاد. وطوف: جال وسار. أما تعديتهم بعلى فلم تسمع عن العرب. أهـ قلنا: لله دره من محقق. وطاف على قبائل العرب شيء وطاف حول القبائل وبقبائل العرب شيء آخر. وطاف على قبائل العرب سمع وهو أشهر من أن يذكر وأما طاف حولها وطاف بها. فلم ينقل عن أحد. نعم أن كلا منهما يرى في كتب اللغة لكن لا بمعنى ما يريده الكاتب الأول من قوله: طاف على قبائل العرب. أما أنه لم يسمع فيكذبه ما جاء في سورة القلم: (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون) وآية أخرى وردت في سورة الواقعة وهي: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) وثالثة وردت في سورة الطور: (ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون) وهناك آية رابعة وردت في سورة الإنسان وهي: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا) وأظن أني في مندوحة عن ذكر أقوال أخرى بعد هذه الآيات. فأين بقي تحقيق الصديق المحبوب؟ وكتابك كله يا أيها العزيز على مثل هذا الوجه من التحقيق والتدقيق والتصويب والتخطئة؛ إلى ما تشاء من الألفاظ المترادفة والمتضادة. فويق ناقة وقالت المجلة أيضا أما (فويق) في قولهم (مكثنا مع الأخوان فويق ناقة) فنحن لا نعتبر قولهم فويق ناقة من الأمثال، بل من الأقوال السائرة مسير الأمثال ولهذا لا نرى مانعا من اعتبار (فويق ناقة) بتصغير فواق من الغلط. اركن وقال المجمع (309: 6) لم يرد (اركن) رباعيا. وقد ذكر صاحب محيط المحيط (اركن) في معجمه وتبعه على (كذا) ذلك صاحب اقرب الموارد
والمنجد. وقد راجعنا التاج واللسان والصحاح والأساس وغيرها من أمهات كتب اللغة فلم نجدهم ذكروا (اركن) أهـ قلنا: عدم ورود هذه اللفظة في دواوين اللغة لا ينفي وجودها. إذ لغتنا أوسع من أن تضمها دفتا معجم فهي بحر لجي لا قرار له. وقد وردت في سورة هود في قراءة: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا. قال صاحب الكشاف (615: 1) وقرأ ابن أبي عبلة؛ ولا تركنوا على البناء للمفعول من أركنه إذا آماله. والنهي متناول للانحطاط في هواهم. . . وتأويل قوله: ولا تركنوا فإن الركون هو الميل اليسير) أهـ. وهذا نص صريح على وجوده: فلا يمكن إنكاره؛ ولكن أشفق من أن يكون المجمع اعتمد على كتاب (تذكرة الكاتب) للصديق الودود اسعد خليل داغر القائل (في ص126 وفي الرقم 337): ويقولون: (فأركن الجيش كله إلى الفرار. والصواب ركن) فكان من الوهم ما كان. وقد كنت قد نبهت الأدباء سابقا على أن تذكرة الكاتب قد أخطأت في تصويباتها اكثر مما اصمت. (يقال: أصمى الصائد الصيد: إذا رماه فقتله مكانه وهو يراه وصديقنا لم يصد ببندقية تصحيحه شيئا يذكر غلاَّ أننا نمدح غيرته على العربية). الزردقة ونضم إلى هذا البحث ما حققناه قبل 25 سنة من أمر الزرطقة. فهذه اللفظة وردت مصحفة بوجوه مختلفة لجهل الكتاب صحتها: فقد وردت بصورة زردقة وزرطقة كما جاء في مجلة المجمع (322: 6) ووردت بصورة زرطفة (أي بفاء منقطة بواحدة) في نسخة كشف الظنون المطبوعة في ديار الإفرنج. وهي قراءة مخطوءة بلا أدنى شك. وهكذا أوردها صاحب محيط المحيط بحر الأغلاط والأوهام نقلا عن فريتاغ مفسد لغتنا وأن لم يصرح البستاني بنقله عنه. وفريتاغ يقول وجدها بهذه الصورة في ديوان جرير وهذا الديوان ليس بيدي وقت كتابة هذه السطور لأتثبت الأمر. وعندي أن هذه الروايات كلها غلط والصواب رزطقة أي بتقديم الراء على الزاي لكن هذه اللغة الحقيقية الصحيحة مجهولة واللغة المغلوطة هي المعروفة والشائعة وليس ذلك بغريب فإن السلف كثيرا ما جمع بين اللغتين كلما جاورت الزاي الراء
من ذلك ناقه ضمرز وضمزر، وضمارز وضمازر (راجع المزهر 230: 1 من طبعة بولاق)؛ مزراب ومرزاب (اللغويون). ويقال سمعت رزة القوم وزرة القوم إذا سمعت أصواتهم: بتقديم الراء على الزاي (المزهر 261: 1) إلى غير هذه المثل. وقد قال في المذكرة: رأى النبطي وقسطوس وابن العوام وكثير من الروم ضم الحيوان إلى كتب الفلاحة وسموا المجموع (زردقة) حتى اشتغل ادهم والغطريف وسومارس وارجانس بإفراده. أهـ فهذا كلام نفيس يدلنا على أصل الكلمة وأنها رومية (أي لاتينية لأن هذه اللغة كانت لسان أهل رومة ومنها لغة رومية) وهي عندي أي أشغال حقلية ثم خصت الكلمة بكل ما يتعلق بأشغال الحراثة علما ونظرا كانتقاء النباتات وتوطينها وخلقة النباتات والحيوانات والعناية بها وصنعها وتربية سمك البحر والنهر والبحث عن أنواع الأسمدة. والخلاصة الزردقة أو الزرطقة هي الرزطقة أي هي ما تسمى اليوم اغرونومية وباللاتينية وعليه يسمى المشتغل بها زرطقي أي كما قالوا بيطري أن يزاول البيطرة. ولقد بلغت اليوم الزرطقة مبلغا بعيدا في التوسع في غايتها. من ذلك أن أهل هذه الصناعة أقاموا ما يسمونه (مواقف الزرطقة) وهي معاهد يعنى فيها بأنواع البحث عن جميع المسائل التي تتعلق بالزراعة والحراثة والفلاحة كتخير البزور وتربية المواشي ومعرفة الحيوانات والحشرات المضرة والنافعة وتربية دود القز والنحل ومحاربة ما يعاديها والبحث عن تركيب الأرضين واختبار
الآلات على اختلاف أعمالها ومنافعها وفحص ما ينمي اتاء الأشجار والبحث عن الخمائر وصنع الجبن وتكثير بيض الدجاج وسائر الطير إلى غير هذه الشؤون. والذي يعتني بترقية هذه (المواقف) أهل الحكومة أو الاقضية والبلديات وإذا أدخلت هذه الاقضية (مواقف الزردقة) تساعدها الدولة بموجب احتياجها إلى المال أو بالنظر إلى الغايات التي تقوم بالسعي إلى بلوغها أو إلى الغايات التي تتوخاها. هذا مجمل ما يقال في هذا المعنى ومن أراد التوسع فعليه بكتب الإفرنج المصنفة في هذا الموضوع الجليل بالاسم الذي ذكرناه. أصل الميم في الأسماء المشتقة كثيرا ما نقول (هذا الشيء معروف، وذاك الرجل معترف بذنبه، والذنب معترف به (بالمجهول)، وفي بلادنا مدارس كثيرة. والمصحف الذي بيدك حسن) إلى غير هذه الألفاظ المشتقة التي تقاس في أبواب اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة والمكان والزمان والآلة. فمن أين جاءتنا هذه الميم؟ الميم على ما تتبعته مقطوع من كلمة (من) الذي في الأسماء الموصولة الدالة على العاقل - واصل النون راء وأبدلت منها لإنشاء صورة معنى جديد لفكر جديد. فأصل (من): (مرء) أي رجل واللاتين يقولون مر أي ويريدون به المرء كما في العربية والإنكليز يقولون (من) كما في العربية ويعنون به الرجل أو المرء. فاللغات إذا في هذا اللفظ تكاد تتشابه كلها معنى ومبنى. ثم أن العرب ميزوا لفظ العاقل عن غير العاقل. فصيروا النون الأخيرة ألفا وخصوا لفظ (ما) بما لا يعقل من الكائنات. فيقولون مثلا: رأيت ما أحزن نفسي. ويريدون بذلك الشيء الذي أحزنها. ويقولون: رأيت من أحزن نفسي ويريدون به رجلا يعقل احزن نفسه. فإذا علمت هذا، فالميم التي ترى في الأسماء المشتقة هي في الأصل مقطوعة من (من) للعاقل ومن (ما) لغير العاقل. فإذا قلت هذا الرجل معروف
أي (من) يعرف (بالمجهول) وأن قلت هذا الأمر معروف فمعناه (ما) يعرف (بالمجهول). وكذا القول في سائر المشتقات. وعليه إذا سئلت ما أصل كلمة (مكنسة) قلت: (ما) تكنس، أي الشيء الذي يكنس، أن نسبت الفعل إلى الآلة كما هو معهود، وأن أردت نسبة الفعل إلى الرجل الذي يستخدم الآلة قلت معناها (ما) يكنس بها الرجل. وهكذا قس سائر المشتقات المبتدئة بالميم المذكورة. أتجمع ميل على أميال أم على ميول؟ يكثر المصريون من جمع الميل (بفتح الميم بمعنى الهوى أو ما يقاربه معنى) على ميول، جريا على أن فعلا المفتوح لا يجمع إلاَّ على فعول، وما ورد منه على أفعال نادر لا يعتد به - على أن المستقري لألفاظ اللغة في المعاجم يجد مجيء فعل مجموعا على أفعال اكثر من مجيئه على فعول. والميول بمعنى الأميال لم ترد في كلام فصيح أو مولد فصيح بخلاف الأميال. فقد قال نعمة الله بن علي بن عزام (راجع معجم الأدباء لياقوت الحموي 249: 7): نميل مع (الأميال) وهي غرور ... ونصغي لدعواها وذلك زور فهل للكتاب المصريين نص قديم أو مولد فصيح ورد فيه الميل مجموعا على ميول؟ فليذكروه لنا لنكون لهم من اخلص الشاكرين. وزن فعلول المفتوح الأول قال الجوهري عند كلامه عن اليعسوب: (الياء فيه زائدة لأنه ليس في الكلام فعلول (المفتوح الأول) غير صعفوق) أهـ ونقل هذا الكلام جميع اللغويين الذين جاؤوا بعده. وهو عندنا حديث خرافة. فقد ورد في كلامهم غير صعفوق مثل: الكرموص (عن التاج) والصندوق (على لغة) والسحنون (في رواية) والقرقوف (اللسان) والطرخون (عنه وعن القاموس) والبرشوم (يروى بضم أوله وفتحه. عن اللغويين) وهنالك غير هذه الألفاظ فليصحح كلام صاحب الصحاح ومن اتبعه.
باب المكاتبة والمذاكرة
باب المكاتبة والمذاكرة الجرعاء أو الجرعة قرأنا في الزهراء الزاهرة (222: 4) ما نصه: (خلط الكثيرون في تعيين مأخذ هذا الاسم الذي أطلقه اليونان على القسم الشرقي من بلاد نجد وسواحل الخليج الفارسي (كذا) فرأينا أن ندلي بكلمة عن بحث صغير أعددناه للطبعة الثانية من كتابنا (الفهرست) أو (معجم الخريطة التاريخية للممالك الإسلامية). ورأينا أن نعرض له في مجلة الزهراء الغراء حتى نقف على رأي الباحثين من أهل العلم والفضل قبل إثباته في المعجم. اجمع ثقات العرب على أن: جرعاء مالك - بالدهناء شرق (كذا) حزوى. وأن حزوى - من جبال الدهناء تمتد من اليمامة إلى ديار تميم. والخط - سيف البحرين وعمان. وقراه: القطيف، والفقير، وقطر، واليهفوف (كذا) (وتنسب إليه الرماح الخطية) وجاء في دائرة المعارف الفرنسوية (كذا ولم ينسبها إلى مؤلفها) عن سترابون وغيره: عاصمة بلاد وهي أيضا فرضة بلاد التي هي سواحل بلاد العرب على الخليج الفارسي وأن هذه الفرضة سميت حوالي القرن الخامس الميلادي بالخط. وعليه تكون: مأخوذة من (جرعاء) أي جرعاء مالك. فما رأي الباحثين من أفاضلنا في ذلك. محمد أمين واصف
قلنا: 1 - لم نعثر إلى الآن على من قال من اليونانيين أن جرعاء هي القسم الشرقي من بلاد نجد وسواحل خليج فارس وكان يجدر بالكاتب أن يذكر أسماء الذين ذهبوا إلى هذا الرأي. 2 - ليس في البحرين قرية تسمى اليهفوف قديما ولا حديثا إنما هي هفهوف (بهاءين وبدون تعريف) (راجع لغة العرب لتصحيح هذا الاسم 39: 3) والترك يذكرونها باسم هفوف وكلاهما غلط. 3 - جرعاء مالك في اليمن أي في الدهناء في شمالي حضرموت وغربي عمان وشرقي حزوى (راجع صفة جزيرة العرب للهمداني ص180 س26) فكيف تكون جرعاء التي ذكرها اليونانيون جرعاء مالك؟ - فالوهم إذا واضح. 4 - الجرعاء التي ذكرها اليونانيون هي - على ما نرى أو على ما يتبين لنا - انها الجرعاء من باب التغليب - وهي غير جرعاء العجوز وغير جرعاء مالك (راجع مجلتنا 274: 2) 5 - الجرعاء هي التي قال عنها الهمداني في صفة جزيرة العرب (ص137) (ثم رجع إلى البحرين فالاحساء منازل ودور لبني تميم، ثم لسعد من بني تميم وكانت سوقها على كثيب يسمى (الجرعاء) تتبايع عليه العرب) أهـ. وذكرها في ص164 في بيتي شعر قالهما عند دفن ابنه في بلبول: سقى الله بلبولا وجرعاءه التي ... أقام بها ابني مصيفا ومربعا كأن لم أذد يوما برجمة من حمى ... عدوا ولم ادفع به الضيم مدفعا 6 - جاء في معلمة لاروس الكبرى: الجرعاء أو الجرعة: مدينة قديمة في عربة القفرة على خليج فارس وتعرف اليوم بالاحساء. 7 - ذكرها بلينيوس وقال: الجرعاء جرعاوان: الواحدة في ديار العرب والثانية في بلاد مصر. 8 - ذكرها اللغوي الفرنسي في معجمه اليوناني فقال: الجرعاء مدينة من بلاد كلدة وبلدتان أخريان إحداهما في ديار مصر والأخرى في جزيرة العرب.
9 - إذا وعيت كل ما ذكرناه هنا، ولا سيما ما ذكرناه في السنة الثانية في الصفحة 274 يتبين لك جليا أن الجرعاء هي غير جرعاء مالك وغير جرعاء العجوز بل الجرعاء من باب التغليب وهي كما قلنا مجاورة للاحساء أو للقطيف وكانت تسمى في العهد القديم (وفير) على أحد الآراء إلاَّ أنها من المؤكد كانت بجوار الاحساء الحالية وليس أبدا جرعاء مالك التي هي في الدهناء والدهناء بعيدة كل البعد عن الاحساء. وإتماما للفائدة نعرب للقراء ما كتبه أحد الإفرنج عن الجرعاء. قال نؤيل دي فرجر ما معناه: (كانت تمتد غربة القفرة من اليمن إلى الفرات. ويفصلها عن الحجاز (عربة الحجرة) جبال قائمة على وادي لغور في الشرق. هذا وتخومها مضطربة قلقة؛ ربما كان منها ظهور عربة الوسطى (أي انجادها) التي لا نعرف منها إلاَّ شيئا زهيدا حتى يومنا هذا. (وإن وضعنا في هذا التقسيم ساحل خليج فارس، على ما فعل دنفيل نرى ثم الجرعاء القديمة التي كانت قلبا نابضا عاما لمظهر دهاء تجارة القبائل الرحل، التي كانت تجتاب تلك الديار الموحشة. قال اغاثرخيد كان
الجرعاويون قوما من أغنى الأقوام المعروفة يومئذ على الأرض ومع ذلك كنت تراهم يسكنون بلادا قفرة، غير أن مسقط بلادهم كان ينبوع ثروتهم. (ويقول سترابون الذي تلقى هذه الأنباء عما أورده أصحاب الاسكندر بعد أن يدخل المسافر البحر الحبشي ويصعد الساحل مسافة 2400 استاديون يصل إلى الجرعاء، وهي مستعمرة للكلدان طرأوا عليها من ربوع بابل. وحول المدينة ممالح عديدة؛ ودورها مبنية من قطع ملح ضخمة، يرشها أصحابها لكي لا تشققها الشمس بحرارتها. وشغل هؤلاء الناس نقل غلات ديار العرب وافاويهها إلى سائر الأقطار قاطعين تلك القفار الموحشة. (ويذكر ارستوبول أن أهالي الجرعاء كثيرا ما كانوا يختلفون إلى ربوع بابل. بل ربما كانوا يبلغون تفساح (هي دير الزور الحالية أو أنحاؤها) ومن هناك كانت سلعهم تنفذ إلى آسية الغربية. (ويرى هرن أن خليج الجرعاء والمدينة المسماة بهذا الاسم كانا حيث يرى اليوم خليج القطيف، والمدينة المعروفة بالقطيف الواقعة على الساحل الغربي من خليج فارس هي بين الدرجة 26 والدرجة 27 عرضا في الشمال وجزيرتي تيلوس وارادوس هما على رأيه جزيرتا البحرين الكبريان المشهورتان بلآلئهما. والدر في بحرهما هو اليوم كثير. وتلك الفرائد هي مصدر ثروة أولئك الناس في الزمن القديم. ويقول العلامة الألماني المذكور: إن جزيرة دودان الوارد ذكرها عند العبريين هي إحدى جزيرتي البحرين، أو ربما كانت جزيرة كاظمة، الواقعة فويقها شمالا. وبهذه الصورة تؤول ثروة تلك الديار. وهي ثروة قد ارتاب بعض مؤرخي الكتب المنزلة وغير المنزلة في صحتها ممن تكلم عن تلك الأرجاء. لا جرم أن خليج فارس كان في
تلك الأزمنة الواغلة في القدم السبيل المفتوح للعرب في تجارتهم كلما ساروا إلى الهند عن طريق البحر. (قلنا: فإن كان الأقدمون حاولوا أسفارا طويلة على البحار مع ما كانت عليه الملاحة من الطفولة فيجب علينا أن نتكهن انهم لم يبتعدوا كثيرا ن الشواطئ؛ إذ كانوا يجدون فيها كنا أو كنفا يتقون فيها شر العواصف وعليه كان سكان شرقي جزيرة العرب في احسن موطن ليبحروا منه إلى الهند؛ ويأتوا منها بحاصلاتها النفيسة ليبدلوها بسلع الفينيقيين. فقد ورد في سفر حزقيال: (كان ولد دودان يتاجرون ويتجهون إلى بلاد كبيرة ويبادلون أصحابها بالقرن والعاج والساسم (حزقيال 15: 27)، وعند عودتهم من تلك الأسفار النائية الخطرة كانت تجتمع قوافل دودان على سواحل جزيرة العرب القريبة من الجرعاء وتذهب إلى أرجاء بابل أو إلى ديار فينيقية البحرية مجتاحة فلوات واسعة الأطراف فلقد قال أشعيا في سفره (13: 21): بيتوا في غاب العرب؛ يا قوافل الدودانيين. (اجل، لم يكن من الممكن للحضر أن يأووا إلى قفار بعيدة الآفاق، بل إلى رياضها التي كانت تنشئها الطبيعة في تلك الأرض الموحشة الخالية فقولك (عربة القفرة) كلمة يصدقك اسمها مسماها. والزوايا المريعة تعد على الأصابع ولا تراها إلاَّ في الندرة فتجلي ناظريك بخضرتها لتريحك عن ذلك المرأى المضجر بهيئته المتكررة وليس في تلك الفلوات ماء بل ضروب من الانبتة الشائكة) انتهى كلام الكاتب الفرنسي: وليس لنا شيء لنزيده عليه. حالة التمر في كليفرنية يبلغ إتاء نخلنا في هذه السنة 800. 000 أو 900. 000 باون (والباون هو نصف كيلو) واغلب تمره من جنس (دقلة النور) من ديار المغرب الأوسط، وقد غرس منه شيء كثير في ربوعنا وهو غير حسن لأنه أن لم يعن بنخله شاص أو كاد يشيص. أما نخل العراق فقد وافقه هواء بلادنا واستعذاها وراع فيها؛ لكن نقله إلى هنا كلفنا أثمانا باهضة. من باسادينا (كليفرنية): بول بوبنوي
أسئلة وأجوبة
أسئلة وأجوبة س - ما هي الألفاظ العربية المقابلة لهذه الكلم الفرنسية؛ (1) (2) (3) (4) (5) (6) (7) (8) (9) (10) (11) (12) (13) البصرة: ميخائيل نعوم فتح الله ج - 1 - حطيطة. 2 - مصرف (أو بنك). 3 - ربى. 4 - مكشوف. 5 - قيد له. 6 - قيد عليه. 7 - الباقي عليه. 8 - الباقي له. 9 - حوالة على الاطلاع. 10 - صك (جك) سفتجة أو (كنبيالة). 11 - تأمين. 12 - أمَّن (بتشديد الميم). 13 - تحويل. لفظتا أخصى وأخصائي نسأل حضرة الأب أن يفيدنا رأيه في لفظة أخصائي التي شاع استعمالها في هذه الآونة كثيرا ولفظة أخصى التي اشتقت تلك منها. أفلا يمكن أن تكون في الأصل فعل (أخص) ثم تحرف وانتقل من مادة خص إلى مادة خصي؟ مصر: نقولا الحداد صاحب مجلة السيدات والرجال 561: 7 ج - لا جرم أن (الأخصائي منسوب إلى (الأخصاء) مصدر (أخصى) وهذه محولة عن (أخص) والسلف كثيرا ما كانت تتخذ في كلامها مثل هذا التحويل فقد قالوا: تقضى في تقضض. وقصى في قصص، وأغمي يومنا (أي دام غيمه) كما تقول أغمت السماء أي صارت ذات غيم، وأغمي الخبر وخفي مثل غم إلى غيرها وهي تعد بالعشرات وقد كتبنا ذلك في إحدى جرائد بيروت في سنة 1922 إلاَّ أن أحد الأفاضل كتب ما نصه نقضا لما جاء في القاموس وتاج العروس وغيرهما القائلة: أخصى الرجل تعلم علما واحدا (نقله الصاغاني وهو مجاز) صحيحه؛ أخصى الرجل: معل معلا واحدا؛ لا تعلم
علما واحدا؛ فتفسير خصيت الحمار خصاء فأخصى؛ معلته معلا فمعل. فقول الفيروزابادي ومن نقل عنه؛ تعلم علما واحدا خطأ فاحش شنيع. والمراد بقوله واحدا أي خصاء لا نظير له (كذا) يعني بولغ في خصائه. وكثيرا ما فسر القاموس الغامض بما هو اغمض منه. وأما قوله (نقله الصاغاني) فإن هذا اللغوي لم يقله لأنه وصل في كتابه إلى مادة (بكم) وما زاد عليها من إضافات الذين أتوا بعده. فأنتبه. أهـ كلام الشيخ الجليل بحرفه. قلنا جوابا على هذا التأويل؛ هذا الكلام ظاهر التعسف لأسباب منها: 1 - أن بين تعلم علما واحدا وبين معل معلا واحدا فرقا ظاهرا معنى ومبنى. 2 - أن تأويل (واحدا) معناه (لا نظير له) تأويل لا نظير له في كلام الأدباء فضلا عن اللغويين والمحققين؛ ولا أظن أن أحدا يقبله. 3 - أوردنا عدة ألفاظ جاء فيها تخفيف المثقل وأخصى محول عن أخص وأخص وارد في اللسان والتاج. قال السيد مرتضى: ومما يستدرك عليه يقال أخصه فهو مخص به أي خاص (التاج). 4 - لو فرضنا أن الكلمة غير منقولة عن الصغاني بل عن أناس زادوا على كتابه العباب لأنه لم يتمه؛ فكيف يدفع كلام الذين أتوا من بعده وهم لغويون أيضا ولهم القدم الراسخة في لسان آبائهم وأجدادهم وقد أتقنوه وهم صغار. على أننا لا نرى رأي الشيخ في أن الصاغاني لم يذكر اللفظة بالمعنى الذي نقله عنه صاحب القاموس والتاج والاوقيانوس. فقول هؤلاء أن فعل أخصى ورد بمعنى تعلم علما واحدا نقلا عن الصاغاني؛ يفيد أن الصاغاني ذكره في كتابه الذي أتمه وهو (تكملة الصحاح) فأين رأي حضرة المعترض أن الصاغاني ذكر ذلك التأويل في (العباب) الذي لم يتمه فكل ذلك من التمحلات التي لا ينكر فسادها في نظر كل محقق. ومع كل ذلك أننا نرى ترك هذه الكلمة احسن من التمسك بها لأسباب؛ 1 - لأن الاختصاصي منسوبة إلى المصدر وليس فيه معنى الفاعلية كما لو قيل مثلا مخص وهذه قبيحة في اللسان فالواحد غير الآخر كما أن الزارع غير الزراعي والفالح غير الفلاحي والنجار غير النجاري.
2 - إذا كان عندنا لفظتان إحداهما حسنة الصيغة والثانية قبيحتها استغني بالحسناء عن الشوهاء والحال لو قلنا: (متخصص) في مكان (أخصائي) لكانت اجمل وقعا في الآذان. ولنا هناك ألفاظ أخرى للمتخصص كالمتفرغ والحفي. قال في التاج: الحفي كغني: العالم الذي يتعلم (أي يدرس) العلم باستقصاء نقله الجوهري. وبه فسرت الآية (أي كأنك حفي عنها) أي كأنك مستقص لعلمها. أهـ وعلى كل حال نفضل (المتخصص) على كل لفظة سواها لأن العوام والخواص يفهمونها وهي فصيحة. وإذا أريد اتخاذ لفظة من الاختصاص فليقل (صاحب اختصاص) والجمع (أهل الاختصاص أو أرباب الاختصاص) فنكون قد عبرنا عن فكرنا الواحد بكلمتين وهو مما يجب الاستغناء عنه أن أمكن. وهنا الإمكان متيسر لنا بقولنا (متخصص) وأما الاختصاصي فلا تؤدي المعنى المطلوب تأدية حسنة، كما أن المخصي والإحصائي قبيحتان على السمع. فضلا عن أن الأخصائي نسبة إلى الاخصاء المصدر وهي لا تفيد فائدة اسم الفاعل كما قلنا. وبعد هذا التصريح ليتبع الكاتب ما يطيب لذوقه، إذ أذواق الفصاحة تتفاوت في الناس تفاوت الناس في صورهم وخلقهم. هل شمر بمعنى تمر؟ طالعت خطبة الدكتور شهبندر المنشورة على صفحات جريدة العالم العربي الغراء في عددها 844 الصادر في 16 كانون الأول من هذه السنة فوجدت صاحبها الفاضل يقول ما حرفه؛ (زرت في الأمس (كذا) المتحف العراقي (كذا) فأردت أن اسأل القيم عن بعض الأمور الأثرية. . . قلت للقيم ما تقول عن السمريين؟ (كذا) قال انهم غرباء عن الديار. وأنهم ليسوا من أصل سامي إنما يشبهون الهنود (كذا) فسألته ما اسم النخيل قديما؟ قال (شمر) (كذا ولم يقل بأي لسان من ألسنة الأقدمين) فقلت (تمر)؟ قال نعم؛) والذي أعهده أن كلمة شمر لا تفيد معنى التمر بل معناها بين النهرين أو أرض عبادة القمر، فما رأيكم في ذلك؟ رزوق عيسى ج - ما أرتاه بعضهم أن معنى شمر (بين النهرين) أو (أرض عبادة القمر) هو من باب الاجتهاد وليس من باب التحقيق. أما القول بأن معنى شمر هو التمر فهو من باب المزاح والمداعبة لا غير!
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد 34 - تقرير حول العراق (بنصين عربي وإنكليزي) يحوي مباحث عن ثروة البلاد واقتصادياتها وحالة السكان الروحية والاجتماعية، مستندا إلى التقرير الرسمي المدفوع إلى وزارة مالية العراق، طبع النص العربي في المطبعة العصرية سنة 1926 في 147 ص بقطع الثمن، وطبع النص الإنكليزي في مطبعة الحكومة سنة 1926 في 56 ص بقطع الثمن أيضا، وكل من النصين مزين بخريطة زرع الرز في الشامية، لمؤلفها أحمد فهمي أفندي المدير العام للمحاسبات العمومية لم نطالع كتابا واستفدنا منه والتذذنا به مثل هذا الكتاب. فإن المؤلف تكلم (عن الشامية في الوقت) تلك الديار التي هي مخزن الرز (التمن) في العراق وذكر كل ما عرف عنها من أحوال أرضها وأهاليها. ثم انتقل إلى حياة أهلها الاجتماعية والروحية وبعد أن وفى هذا الموضوع من الدقة جاء على ذكر ما يسميه (حق التصرف) فأحسن فيما بحث كل الإحسان، وأردف هذا المقال بما دعاه (الأسس المقترحة لتنسيق الحقوق التصرفية) وختم تأليفه هذا بالشيوخ والرؤساء. والحق يقال إننا لم نطالع تصنيفا اظهر صاحبه براعة في تصوير الحقائق وذكر الدقائق كما أظهرها أحمد فهمي بك: فلقد بين مقدرته في الإنشاء والتأليف ما جعله في مقدمة الكتاب المبدعين وتصنيفه يبقى مثالا يحتذي عليه كل من يأتي بعده في هذا الموضوع. وليس في هذه الصفحات العربية اللذيذة إلاَّ عيب واحد كثرة الأغلاط أغلاط الإنشاء وأغلاط الطبع. مع أن في آخرها اكثر من ثلاث صفحات لتصويب ما ورد في ما تقدمها من الأوهام. فيظن القارئ أن ليس فيها غيرها.
بقلم قسطاكي الياس عطار الحلبي، الجزء الأول طبع
أما التقرير نفسه بالإنكليزية فمن احسن ما طبع. فمن أغلاط الطبع ولم يصلح في الآخر: وفصل لانقلابات ص131 وفيها بالنبي الاعظم، وفيها المنشئة؛ والصواب الاختلافات والأعظم والمنشأة (لأنها تدل هنا على المفعولية). وأما أغلاط التركيب في تلك الصفحة نفسها كتعريفه للسيد بقوله: الذوات الذين يتصل نسبهم. . . وكان الأحسن أن يقال: السادة ومفردها السيد وهم الذين يتصل نسبهم. . وكقوله ورقة. . . تعطى من قبل الحكومة. واحسن منها ورقة. . . تعطيها الحكومة. وكقوله (شط: الأنهار الكبيرة جدا) واحسن منها الشط: النهر الكبير جدا. ومثله؛ شيخ هو من يترأس؛ وافصح منه الشيخ: من يترأس. وكقوله صدقات: العوائد الدينية. واضبط منه الصدقات العوائد. وكقوله: صريفة؛ البيوت. واوجه الصرائف ومفردها الصريفة البيوت. وفيها صوباش: كلمة أخذت من التركية تطلق على المأمور المنصوب من قبل الشيوخ. . والأحسن؛ الصوباش كلمة تركية الأصل تطلق على المأمور الذي يقيمه الشيوخ. فأملنا أن ينقح الكتاب في طبعة ثانية ليكون أطيب غذاء للعقل موضوعا في انظف إناء حتى تقبل عليه النفس احسن إقبال. 35 - تكوين الصحف في العالم يحتوي على إنشاء الصحف في أربعة أطراف العالم إجمالا، وتاريخ إنشاء الصحف العربية في القطر المصري خصوصا بقلم قسطاكي الياس عطار الحلبي، الجزء الأول طبع في القاهرة سنة 1936 في 86 ص بقطع الثمن. كتاب لابد منه لكل عربي يجهل لغة من اللغات الغربية ويحب الوقوف على منزلة الصحافة وتاريخها في العالم كله. جعل المؤلف لهذا التصنيف تمهيدا حسنا بسط فيه تاريخ الصحافة بوجه عام امتد فيه الكلام في 50 صفحة ثم عقد 17 فصلا تكلم فيها عن تعريف الصحافة
من أقوال عظماء العالمين القديم والحديث. وذكر في الفصل الثاني تكوين الصحف في أوربة وأميركة، ومنه انتقل إلى ذكر صحف الصين. وهكذا جرى في سائر الفصول إلى أن طواها كلها على مختلف الديار؛ إلاَّ أننا لم نفهم سبب تقديم بلاد على بلاد والتبسط في صحف ربوع دون ربوع. نعم إننا نفهم سبب إسهابه في الكلام عن صحافة تركية أما في سواها فلم ينصف في عمله. إذ أوجز في بعض الأحيان، وأطال في مواطن أخرى على غير وجه سوي. وفي كلامه عن صحف تركية (ص96 - 154) فوائد جليلة قلما ترى في الكتب التي تتداولها الأيدي، على أن فيها آراء لا نوافقه عليها وليس هنا محل ذكرها. وكنا نود أن تقطع بعض الأفكار بان يجعل مطلع كل فكر في مقطوعة جديدة يبتدئ سطرها الأول متنحيا عن سائر سطور الصفحة ليستريح الفكر وترتاح العين: فلقد ابتدأ في ص101 بتعداد الجرائد العربية الأولى وأطال الكلام على نفس واحد حتى وقع في ستة اوجه؛ فهذا مما يبعث السأم في صدور القراء. وهذا الجزء الأول خال من فهرس والكتاب إذا حرم هذه المزية زهدت النفس فيه واستهجنته ولا تصبو إليه إلاَّ في بعض الاويقات حين تثور فيها خواطر الاستطلاع مهما كلفها من العناء. وعبارة هذا التصنيف وسط بين العامي والفصيح. وأغلاط الطبع متوفرة فيه إن شاء الله تعالى إلاَّ أن الأفكار الواردة فيه مطبوعة بطابع الصدق في اغلب الأحيان ما خلا في بعض مواطن تنم عن غاية هناك وهو الهادي.
36 - مغاور الجن مأساة غرامية أدبية تاريخية ذات خمسة فصول بقلم مارون بك عبود، مطابع قوزما - بيروت ودمشق - 1926 في 99ص بقطع 12. أهدى المؤلف هذه الرواية (إلى سعادة الزعيم والمحسن الكبير عبد الكاظم بك الشمخاني نائب الأمة العراقية في البرلمان) وقد افتتح الكتاب بقصيدة سماها عذراء الشام وهي مرفوعة إلى النائب الموما إليه. وقد طالعنا بضع صفحات من هذه الرواية فلم نستحسن عبارتها ولا خطتها ولا ما ورد فيها من الأبيات إذ رأينا التكلف ظاهرا في كل سطر من سطورها ويبدو لنا أنها معربة على ما يستروح من أعلامها وتحبيذها للمنكرات. فلقد قال بريفارا عن نفسه وهو أول كلام يصدر من فمه ولأول مرة يسمعه الناس عند انكشاف الستار ما هذا حرفه: (لقد قتلت الدوق كارلوس ولابد من أن ألحق به ابنه كميل واتبع بهما الدوق أمير البلاد فأزوج ابنه جان ماريا بابنتي لأب وأزف فرجيني حبيبة كميل إلى ولدي فرنسوا فتصبح السلطة بيدي. . .) فنحن لا نشوق الناس في مطالعة أو سماع مثل هذه الأقوال والآراء ونفضل عليها الروايات العربية السدى واللحمة الرامية إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الفضائل ولا تذكر المساوئ إلاَّ لتصورها بصور تكرهها للنفس وتقبحها في نظر السامعين ومسامع الحاضرين. 37 - كتاب تعليم العود مؤسس على المبادئ العلمية والاصطلاحات الفنية والقواعد العملية، تأليف الأستاذ اسكندر شلفون، صاحب مجلة روضة البلابل في مصر ورئيس المعهد الموسيقي المصري، طبع في مصر القاهرة بقطع الربع في 20ص. شهرة الأستاذ اسكندر شلفون اعظم من أن تذكر. وهو مع شهرته بالضرب على العود معروف بأدبه الجم وفصاحته الساحرة. وقد ألف هذا الكتاب وبدأه
بكلمة وجهها إلى أبناء زلزل ومعبد بل إلى كل محب للأنغام ليقول لهم ما يعانيه من النصب في مزاولة فن لا يدر على صاحبه إخلاف الرزق ومع كل هذا تراه يدأب ليل نهار لينشر مجلته البديعة (روضة البلابل) الحافلة بالأنغام والأشعار المكتوبة كتابتين: كتابة عربية وكتابة فنية راكبة الخطوط المعروفة لدى أصحاب الفن. وما من فن يرقي الذوق ويلطفه معا مثل الموسيقى، ولا سيما الضرب على العود. وفي بغداد اليوم نهضة جليلة لإتقان العزف على هذه الآلة الناطقة. وفي هذا الكتاب صورة العود مع جميع الألفاظ الخاصة بكل قسم من أقسامه مع شرحها شرحا كافيا لحفظها فنحث أرباب الصناعة الزلزلية على اقتنائه. 38 - بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب 2 - مزايا هذه الطبعة تفوق الطبعة الأولى بكثير: أولا - لأن السيد محمد بهجة الأثري الكاتب المتفنن هو خريج الشيخ العلامة ومن اعز أبنائه في العلم وكثيرا ما كان يفتخر به وبسعة معرفته ويقدمه على سائر التلاميذ الذين قرأوا عليه. فلقد ورث مكارم أخلاق معلمه وآدابه المتينة ونفسه العالي وآراءه المصلحة المتسعة؛ بل وحمله التشبه بأستاذه إلى أنه أتقن الخط على الطراز الآلوسي، حتى أن من يرى وشي التلميذ يخاله من صنع يدي الأستاذ نفسه ويصح فيه قول القائل: (حضار والوزن محلفان). ثانيا - لأن الطبع الأول كان قد شوه من محاسنه شيئا جما؛ أما هذا الطبع فقد أعاد كل أمر إلى نصابه السابق الوضع. ثالثا - خدم التلميذ نص الأستاذ خدمة لا تنكر فإنه أوضح معمياته وجلى مبانيه وصحح ما أفسده النساخ والكتّاب فجاء هذا المصنف مما تزدان به الخزائن ويفاخر به أولو العلم. رابعا - تولى طبعه رجل عرف قدر هذا السفر فأبرزه بحلة سنية أي بحرف بديع السبك مضبوط الشكل في المزالق على كاغد حسن؛ وكل مجلد مختوم بفهرس
مطول يحوي ما ورد فيه من الأعلام على اختلاف أنواعها يتقدمه فهرس أول هو فهرس المحتويات؛ مما جعل مجتني هذه الشجرة على حبل الذراع. ويحق لمن سهر الليالي وكد في إخراجه بتلك الصورة الحسناء أن نبين فضله بما ادخله من الإصلاح والإتقان ومبلغ التجويد في ما أتاه؛ انظر حرسك الله إلى ما قاله في حواشي الجلد الأول في الصفحة 25 فإنه بأدلة ناصعة أن القصة المنسوبة إلى الخنساء في نقدها شعر نابغة ذبيان هي غير صحيحة النسب إليها؛ إنما القصة جرت بين النابغة المذكور وحسان بن ثابت. انتقل من هذه الحاشية إلى حاشية أخرى ذكرت في ص105 فإنه اظهر أن ما نسب إلى حسان بن ثابت هو للحصين بن الحمام بن ربيعة المري من شعراء الجاهلية وفرسانها المذكورين. فمعرفة عزو كل شعر إلى صاحبه يدل على ثبات قدم خريج الآلوسي في معرفة محاسن الشعر ومنزلته من قائله وسامعه وعهده وهذا أمر لا يتيسر لكل أحد أن يكون من جهابذته. ولو كان في الكتاب هذا القليل من التحقيق لقلنا؛ إن المصحح كان واقفا على ما جرى لحسان بن ثابت ولما يتعلق بسيرته وترجمته فقط؛ لكن الحق يشهد بأنه مطلع على عيون الشعر وقائليه. ولو أردنا أن نذكر ما في كل حاشية من سعة الدراية لما اكتفينا بمائتي صفحة لنعدد فيها مبتكراته على أنه ما لا يدرك كله لا يترك جله؛ فقد جاء مثلا في حاشية ص122 بيت لم يهتد الشيخ المؤلف إلى قائله. أما تلميذه المحقق فقد نقر في الدواوين ومجاميع الشعر حتى عرف قائله أي المعقر البارقي وعرف اليوم الذي قيلت فيه القصيدة التي منها ذلك البيت المستشهد به. ومثل هذا التحقيق ترى في الحاشية الأولى من ص145 على أن العلماء لا يرضون برأي الكاتب ولا بمذهب المؤلف وكلاهما يقول أن أول من وضع الخط العربي هو مرامر بن مرة أو مروة وهو رأي الأقدمين من الكتبة. وفساد هذا الرأي ظاهر من قوله أن كلمات أبجد هي أسماء ثمانية أولاد مرامر على ما زعموا وعلى من يريد أن يتثبت صدق الرواية أن يراجع المعلمة الإسلامية لجماعة المستشرقين في مادة (عربة) في فصل: 5. الخط العربي ص387 من الترجمة الفرنسية.
وبعد هذا اوجه نظرك إلى ما كتب التلميذ الوفي في الحاشية الأولى من ص 341 فإنه رد خرافة زرقاء اليمامة احسن رد، مما يدلك على أن عقل المحشي ليس من عقول أولئك الشيوخ العميان بصرا وبصيرة، بل ممن يزن الحقائق بمعيار النقد. وفي هذا الجزء الأول من هذا السفر الثمين غير هذه الملاحظات والإشارات وكل منا يراها في مواطنها إذا ما تصفحه عن تدبر وتفكر؛ فلنقف عند هذا الحد منه. لننتقل الآن إلى الجزء الثاني وحسناته، فإنك تراها لا تقل عن مثلها في صنوه الأول. وما تكاد تصل إلى الصفحة 5 منه إلاَّ وتتذكر ما يروى عن الأقدمين وهو قولهم: (أفلاطون صديقي واعظم منه صداقة الحقيقة) وحضرة السيد محمد بهجة يكاد ينطق بمثل هذا القول عند كل سطر تخطه أنامله. على أن من الناس من يتخذ هذه الحكمة دليلا له في أموره؛ لكن إذا أراد أن يضرب صديقه ضربة اتخذ لها قفازا لينا ناعما ليبلغ إلى أمنيته من غير أذى مادي، ومنهم من يتخذ كفا من حديد فليلطم صاحبه ويحطمه فلا ينال منه الإصلاح المبتغى إلاَّ كرها، أن بقي حيا وإلاَّ أورده حياض الموت. وهذا ما يفعله صديقنا الفاضل فإنه أورد في حواشي ص5 من الأدلة ما يسكت كل معارض لكلامه أو رأيه. بخصوص البغايا في بلاد العرب كان شيخنا الآلوسي يذهب إلى وجودهن فيها وقد اعتمد في كلامه هذا على رواية ابن الكلبي وغيره. أما التلميذ فلا يقبل بهذا الرأي بل يفضل عليه رواية الكشمهيني أي أن البغاء لم يكن في الحرائر بل في الإماء. وهو رأي وجيه؛ إذ انك لا تقول حرة عن المرأة إلاَّ تتصور أنها طاهرة الذيل؛ أما الأمة فقد تكون نقية العرض وقد لا تكون وهذا هو موضوع الجدل والخلاف بين التلميذ ومعلمه. ومما نسترعي له الأنظار أن السيد الناقد لا يرى رأي من يقيد نفسه بقيود سيبويه وسائر الأعاجم الذين أوثقوا اللسان المبين في وثق تأباها نفوسهم الحرة افتح مثلا ص49 من هذا الجزء وقف على الحاشية 2 فإنك تراه نارا آكلة لمن يحاول أن يكثر من الأغلال والسلاسل في هذه اللغة وأصحابها ولهذا تراه كثيرا
ما يستشهد بصاحب المصباح العربي الصميم ليرد مزاعم من لم يكن في عرقه ذاك الدم المحض العدناني، والتحقيق فيه جار عما هو من قبيل طالق وطالقة. كثيرا ما نسب المؤلف أمورا لم يقل بها اغلب الرواة والكتبة، أما المحرر فقد ذهب إلى ما خالف فيه أستاذه، راجع مثلا ما جاء في الحاشية 2 من ص5 والحاشية 1 من ص52 والحاشية 4 من ص117 والحاشية 1 من ص179 والحاشية 2 من ص235 والحاشية 1 من ص314 وكل مرة تفرص المحشي فرصة ليحمل على أصحاب بعض أهل البدع والخرافات فإننا نراه لا يغادرها إلاَّ ينزل عليهم كالصاعقة المهلكة، ولو خفف من عبارته لكان اجمل به واحلم. فانظر رعاك الله ما قال في حاشية ص320 فإنه يحمل على بعض الحشوية حملا يكاد يحرقهم لو لم يكن كلامه حروفا مخطوطة على ورق وإلاَّ لو انقلبت كلمه نارا متقدة لما أبقت إنسا ولا جنا. وفي الحاشية 1 من ص322 يرى المحقق أن من العرب من كان يحرق الناس إذا ما رأوا فيهم ما يجلب العار على أهل البيت. وزعم بعض الجهلة أن المسلمين لم يأتوا مثل هذه الأفعال المطهرة للآداب، زعم لا سند له يكذبه التاريخ وأولوا التحقيق. لا يمكننا أن نذكر كل ما في هذا الجزء من المنافع والشروح والإفادات إذ نشاهدها في كل صفحة من صفحاته، والمقام لا يجيز لنا الإسهاب في هذا المعنى فلنتركه الآن لنقول كلمتنا عن الجزء الثالث وما فيه من التحقيقات في جزء آت. 39 - الأخلاق جريدة أدبية علمية تصدر في الأسبوع مرة موقتا برز العدد الأول من هذه الصحيفة نهار الجمعة 18 جمادى الآخرة 345هـ أو 4 كانون الأول سنة 1926 صاحب امتيازها عبد الرحمن البناء ومديرها المسؤول المحامي محمد الهاشمي. ومن أهم مراميها السعي وراء إصلاح الأخلاق وهو من اشرف المساعي فنتمنى لها النجاح والعمر المديد، ونحن نخشى أن لا تعيش طويلا لأن غايتها من أسمى الغايات والبلاد لم تتهيأ بعد لمثلها.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - السيد أحمد الفخري توفي في الموصل مساء 29 ت2 السيد احمد الفخري عن 75 عاما؛ أثر نازلة نزلت عليه. وكان عضوا في مجلس الأعيان ووسد في حياته مناصب عدة في عهد آل عثمان ثم في أيام الاحتلال فعهد الحكومة الحالية العراقية. 2 - الحكم على قاتل الطيار اليوت جرت في محكمة الجزاء في الناصرية محاكمة (نجم الفهد السعدون) المتهم بقتل المستر (اليوت) مطير طيارة (السر ألن كوبهام) بإطلاق النار على الطيارة حين تحليقها في جو طريقها إلى البصرة. فوجدت المحكمة أن المتهم مذنب بارتكاب القتل من غير سابق عمل من جنسه؛ فقضت عليه بالسجن الشاق مدة خمس سنوات. 3 - ناجي باشا السويدي انعم ذو السمو الملكي الأمير عبد الله صاحب شرقي الأردن على السري ناجي بك السويدي بلقب (باشا) في أواخر أيلول ثم سمح صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم فوافق على أن يستعمل صاحب المعالي ناجي باشا السويدي وزير العدلية رتبة (الباشوية الملكية) المذكورة؛ فنمحضه التهاني والتبريكات. ومما يجدر بتدوينه هو أن لقب (الباشا) تركي فجاد به أمير عربي على سري عربي عباسي المحتد ساكن ديارا عربية. 4 - تنوير الكرخ بالكهربية تجّد أمانة العاصمة لإنارة الكرخ بالكهربية وقد نصبت العمد لحمل الأسلاك المتينة على طول شارع (الجعيفر) وباشرت أقامتها في كل من شارعي العلاوي وعلاوي الحلة وفي الطريق التي تصل علاوي الحلة بتمثال مود المعروفة ب (دربونة الدوب) فإذا تم ذلك يصبح طريق رأس الجسر القديم إلى محطة السكة الحديدية الغربية منارا بهذا الضوء البديع.
5 - تنوير شارع البريد قررت أمانة العاصمة مد أسلاك الكهربائية لتنوير الشارع الذي يصل شارع السراي بالشارع الجديد مارا بدائرة البريد الأم والمدرسة الثانوية. 6 - درج متينة من المجمود (الكنكريت) بنت أمانة العاصمة درجا في أسفل شريعة مدرسة الصنائع ذهبت بها إلى أعلاها واتخذتها من المجمود وكذلك فعلت على جانبي دجلة عند الجسر القديم. 7 - سيارة جديدة للإطفاء وصلت سيارة جديدة للإطفاء في أوائل ت2 وقد تسلمتها دائرة الإطفاء وهي كبيرة متينة جلبت من معامل (دنيس) وقوة محركها يعادل 35 حصانا وقد كلفت أمانة العاصمة ثمانية عشر ألف ربية ونصبت في 9 من الشهر المذكور وجربت فكانت من احسن ما جاء من جنسها. 8 - عودة المعتمد السامي عاد إلى العاصمة المعتمد السامي من أوربة في أول كانون الأول. 9 - دخل وخرج أمانة العاصمة في مدة 6 سنوات ذكرت جريدة العراق أن الدخل والخرج كانا على الوجه الآتي: والحساب بالربيات والأنات: السنة الدخلالخرج 1921 - 19224196918831869754 1922 - 19234204751500 2007616 1923 - 192441704025014 1666589 1924 - 19250118897106 1111270 1925 - 19261118438805 1002046 1926 - 19270118816300 1152753 إلاَّ أن حساب هذه السنة هو من باب التخمين. 10 - شارع العزيزية في الموصل باشرت البلدية في أواخر ت2 تملك الدور المنوي هدمها لفتح (شارع العزيزية) بعد دفع أثمانها.
11 - مستشفى حيوانات في الموصل أخذت البلدية تهيئ المعدات لإنشاء مستشفى للحيوانات في خان البلدية المسمى (خان السينما) في باب الطوب. 12 - تعمير مرقد الشيخ أحمد الرفاعي الشيخ أحمد الرفاعي مدفون في أرض (أم عبيدة) المجاورة لمركز لواء العمارة. وكان على هذا المرقد قبة يحيط بها جامع كبير وغرف لسكنى الزوار والخدم، وكان قد بنى الجامع والمرقد في المرة الأخيرة من ريع (الأملاك السنية) وكان ينفق على أثاثه من الريع المذكور قبل الحرب العظمى. ولما أصبحت تلك الأراضي ميدانا للحرب وتقهقرت جيوش العثمانيين اغتنمت العشائر المجاورة الفرصة فنهبت المرقد وما فيه حتى الأبواب والنوافذ وبقي الجامع مهجورا ينعب فيه بوم الخراب ويتكوم فيه التراب الذي تسفيه الرياح. فقام السيد إبراهيم الراوي شيخ الطريقة الرفاعية في العراق وجمع من أرباب الدين والحمية مبلغا كافيا من النقود وشيد المرقد والجامع فأعاد إليهما رونقهما السابق. 13 - عطلة مدرسة العوينة سرح طلبة مدرسة العوينة في بغداد في أوائل شهر ت2 للمياه الآسنة التي أحاطت بها إذ صيرت تلك المدرسة جزيرة صغيرة في بحر نتن. 14 - مغارز الجراد لاحظ أولو الشأن أن الجراد غرز في ناحيتي الشورة والشرقاط من قضاء الموصل، فقاموا له وقعدوا. ومن القرى التي كثر فيها هذا الضيف الثقيل (منيرة) و (صف التوث) والشائع عن أهل الشرقاط انهم أصحاب همة قعساء للزراعة ولا سيما أهالي قرى (البعاجة) و (الشرقات) و (القلعة). ومن الأرضين التي يظن فيها سرء الجراد: (تلول عسكر) وقرى (المسحق) و (هرارة) و (نصف تل) و (أرجل الحمر) و (تلول ناصر). وفوق هذا البلاء العظيم اشتداد البرداء في قرية (صف التوث) فإن أطفالها المولودين في هذه السنة ماتوا عن آخرهم. كما أن الرمد سرى سريانا غريبا في سكان قرية (السلطان عبد الله) فعسى أن تفرج هذه البلايا عن هؤلاء المساكين في وقت قريب.
15 - من الوبر إلى المدر أخذت طائفة كبيرة من عشائر شمر والصائح بزرع الأراضي المجاورة لنهر (العظيم) قرب سامراء وأراضي (العيث) وقد طلبوا إلى الحكومة أن تجيز لهم زراعة تلك الأرضين فأذنت لهم وساعدتهم. قلنا: وانتقال أهل الوبر إلى المدر هو الامتدار وهو أول درجة من التحضر قال في اللسان: (والعرب تسمي القرية المبنية بالطين واللبن: المدرة وكذلك المدينة الضخمة يقال لها المدرة) أهـ. ولا جرم أن الكلام هنا عن القرى والمدن التي تبنى بالمدر وهي مدن الآخذين بالتحضر، وهذه العيشة بين الوبر والمدر أو أن شئت فقل: بين المدر والحضر هي ما يسميه الإفرنج (نصف التحضر - فيكون انتقالهم بعد ذلك إلى الحضارة التامة أهون واسهل فعسى أن تسعى حكومتنا إلى إمالة سائر أهل البادية إلى الامتدار ثم إلى التحضر. 16 - معاقبة الغزاة بقرب الرطبة إن الغزاة الذين نهبوا (الجهرة) وسلبوا من أهلها اكثر من ألف بعير لم تهنأ سرقتهم وذلك لأن الطيارات التي أخذت تنفض البادية وتساعدها على عملها الطيارات المحلقة من فوقها في 20 تشرين الأول رأى أصحابها بعضا من الغزاة فأصلتهم نارا حامية في جنوبي آبار الرطبة وألحقت بهم عدة خسائر وقبضت على مائة من الاباعر المنهوبة ولابد من أن تتبع من بقي منهم. 17 - الباخرة مجيدية بينما كانت الباخرة مجيدية تصعد دجلة خارجة من البصرة طالبة بغداد اصطدمت ببقايا إحدى البواخر الثلاث التي غرقت في زمن الحرب الكبرى بالقرب من الشيخ سعد على بعد 28 ميلا من جنوبي كوت الإمارة فخرقتها فدخل الماء إلى انبارها فلم يتمكن ربانها من تسييرها فأضطر فصل الجنيبتين (الدوبتين) عنها ومال بها إلى الشاطئ. وكان في بعض شحن الباخرة المذكورة سكر فتضرر جانب عظيم منه. وكانت تلك السفرة الثمانين بعد الثلثمائة من عهد إنشائها.
18 - الأخوان وابن سعود تملك ابن سعود على الحجاز وترك نجد وسكانها في حالة الإهمال فأحرج صدور المقدمين بين الأخوان (أي الوهابيين) فإن زعيمهم الكبير فيصل الدويش وزميله سلطان ابن حمبد ينظران شزرا إلى ابن سعود لأنه أخذ ينظم له جيشا على الأصول المعروفة في هذا العصر، والزعيمان يتصوران أن ابن سعود يحاول ضرب الأخوان ضربة قاضية، ولهذا اجتمع الزعيمان برجال آخرين من أصحاب النفوذ من الأخوان وعقدوا مؤتمرا في الارطاوية وكانت الرئاسة فيه لفيصل الدويش. وبقيت مواضع ذلك المجتمع سرا مكتوما على أن بعضهم تنسم الأخبار فعرف أن بعض الحديث كان عن هذه الأمور: 1 - يسأل الأخوان السلطان ابن سعود عن أهل العراق والكويت ليعرفوا أهم أعداء أم أصدقاء، فإن كانوا أعداء فيطلبون منه أن يحاربوهم، وأن لم يكونوا أعداء فيطلبون الاختلاط بهم ومسابلتهم. 2 - إن الأخوان لاحظوا أن ابن سعود حاد عن الشريعة بعد أخذ الحجاز ولهذا قرروا أن لا يقبلوا منه صلة أو هبة ما لم يعرفوا منه أيجري على الشريعة أم يبقى سائرا سادرا في وجهه. هذا بعض ما شاع عن أسرار ذلك المجتمع. وعلى كل حال أن فيصل الدويش يحاول أن ينشئ حزازات في صدور الأخوان ليحملهم على ابن سعود ويفهمهم أنه حاد عن منهج الأخوان متبعا مطامعه وأغراضه الشخصية إذ ترك الأخوان بلا مال ولا عمل، ومنعهم عن الغزو والنهب، مشيرا عليهم بالصوم والصلاة لا غير وهذا كله لا يلهي الأخوان ولا يسوقهم إلى الإمعان في البلاد المجاورة لهم. 19 - الدكتور الشهبندر قدم العاصمة زعيم الثورة السورية الدكتور عبد الرحمان الشهبندر في العقد الأول من شهر كانون الأول ومعه مظهر البكري وشاكر العاصي. وقدم إلينا أيضاً وفد سوري لجمع الإعانة لمنكوبي القطر الشامي. وفي الوفد حسن الحكيم ومحمد الشريقي وعبد اللطيف العسلي. وقد أقيمت لهم عدة حفلات اظهر فيها العراقيون ما لهم من الشواعر في مشاطرتهم إخوانهم مصائبهم وأحزانهم.
20 - قنصل دولة إيران عين صديقنا المحبوب الميرزا حسن خان بديع قنصلا عاما (جنرالا) لدولة إيران في العاصمة، فوصلها في العقد الأول من شهر كانون الأول. 21 - ناحية بازيان ألحقت ناحية بازيان التابعة للواء كركوك بلواء السليمانية ثانية منذ أول كانون الأول من هذه السنة. 22 - لأهلاك الجراد أرصدت الحكومة 9264 ربية و13 آنة لأتلاف الجراد في لواء كركوك وقد وافقت على شراء كل كيلو من بيض الجراد في ذلك اللواء بثلاث آنات وأوصت المأمورين الخصوصيين بأن يبثوا هذه الفكرة بين ظهراني الجمهور لأتلاف ذلك الضيف الثقيل بكل الوسائل. 23 - دفء شتاءنا ونتيجته كان متوسط الحر في أيام كانون الأول يتردد بين 8 درجات و7 مئوية في السنين السابقة وأما في هذه السنة فكان يتردد بين 14 و16 درجة. وهذا الدفء مع كثرة الأمطار انتج الصحراء كلا بل السطوح المفروشة بالطاباق وهو أمر لم يشهد مثله شيوخ الحاضرة، ومن غريب الأمر أن الخضراوات التي كانت تموت عند مقتبل برد الشتاء وهو المسمى (أبو جويريد) (أي البرد الذي يجرد الأشجار من أوراقها) لم يكن ذا أثر على الانبتة ولهذا فإننا نرى الخيار والباذنجان والبامياء واللوبياء والفاصولياء لم تنقطع إلى يومنا هذا إلاَّ أن هذا الدفء انقلب بردا قارسا في الأسبوع الأخير من الشهر. واغرب من هذا كله أن هذا الهواء المعتدل انتج بعض الغنم وفقس سرء الجراد في أنحاء خليج فارس كالكويت والزبير وما جاورهما. 24 - الولادات والوفيات في بغداد بلغ مجموع الولادات في بغداد في شهر أيلول من هذه السنة 294 منها 151 ذكرا و143 أنثى. وبلغ عدد الوفيات في الأطفال في الشهر المذكور 392 كان الذكور فيها 208 والإناث 184.
العدد 42
العدد 42 - بتاريخ: 01 - 02 - 1927 الشاعر لا أريد الناي أني ... حامل في الصدر نايا عازفاً أنا فآناً ... بالأماني والشكايا البلايا أنطقته ... سامح الله البلايا سيئ الحال ولكن ... حسنت منه النوايا معجز تهيجه ك ... ل المغنين سِوَايا أدركت ظاهره الن ... اس وأدركت الخقايا حافظاً كل الذي ... مرَّ عليه كالمرَايا حجرَ الهمَّ على ... أنفاسه إلاَّ بقايا أفلتت في نبراتٍ ... شائعاتٍ في البرايا ترقص الفتيان أن ... غنيت فيه والفتايا
هو وردي في صباحي ... وصلاتي في مسايا رغم نفسي هاجسات النف ... س تبدو في غنايا رنة المعول في الح ... فرة صوت للمنايا كومة للرمل أم ... جمجمة طارت شظايا حمل الناس سكونا ... وجلالا في الحنايا شاعراً أدركه الم ... وت غريبا في الزوايا سير الأفق بعين ... أدركت منه الخبايا فانبرى يوحي إلى النا ... سِ من الأسرارِ آيا ثم اغفاها وفي النف ... س ميول ونوايا قال لما لقنوه ... أنا لا املك رأيا لست ادري ما أمامي ... لست ادري ما ورايا لا أرى من شيعوني ... منكم إلاَّ مطايا رجعت إذ لم يجد ... سائقها للسير غايا حزن الشيخ ولكن ... ضحكت منه الصبايا النجف: محمد مهدي الجواهري
أصل كلمة العراق ومعناها
أصل كلمة العراق ومعناها 1 - تمهيد تلقيت من البريد رسائلك، كما تلقيت بفرح لا يوصف ولذة لا مثيل لها أجزاء لغة العرب. وأهنئك ببعثك أياها. قابل الفرق بين ديار العراق وديار فارس: في طهران علماء وأدباء وفضلاء أوفر عددا مما من أمثالهم في وادي الفراتين، ومع ذلك لا تجد في هذه الربوع ما يماثل مجلتك. وقد سألتني أن أعيد إليك ما كنت قد كتبته إليك سابقا بخصوص أصل كلمة العراق ومعناها. ويسوءني أن أقول لك إن الكتب اللازمة للاستشهاد بها ليست معي في ديار الغربة بل أبقيتها في موطني برلين. على أن ما لا يدرك كله لا يترك جله. وعلى كل حال ما اذكره لك الآن هو من حفظي ولهذا اسرد لك ما أظنه أنه المهم من أمر البحث. 2 - أركان البحث الحرف (ق) (القاف) الذي يذيل بعض الكلم العربية المنتقلة إليها من الفارسية قد ينوب عنه (ج) (الجيم) في بعض الأحيان. وفي البهلوية لا تختم الألفاظ بحرف علة بل بالكاف (ك) وكان يتلفظ بها في عهد الفتوحات العربية كما يتلفظ بالكاف التركية المعروفة بصاغر كاف في عهدنا. وفي مثل هذه الحالة كان ينطق بها جيما وفي بعض الأحيان كان يتلفظ بها كالحرف الإفرنجي وفي مثل هذه الحالة كانت تحول إلى قاف عربية. في الفارسية القديمة كما في اللغة البهلوية كلمتان: (ابريك) (بالياء المثلثة الفارسية أي أعلى) و (اذريك) (أي أدنى) وكان أبناء العصر الساساني يلفظون الكلمة الأخيرة هكذا (ايريك) (بكاف فارسية في الآخر تشبه الجيم المصرية) ثم دخلت الكلمة في مصطلحات أسماء البلدان فكان يقال مثلا عن ديار نيشابور (ابرشهر) أي البلاد العليا. ووجد في بعض النصوص الصغدية التي عرفت في هذه الأزمان كلمة تقابلها. ولعل الكلمة اسم مكسوع بحرفين وهما (اك) (والكاف فيها فارسية) اللذان يقابلهما في الفارسية الحديثة الألف في الآخر
فيقولون في كرم: كرما (والكاف في كليهما فارسية) وفي سرد: سردا - وتلك الكلمة المقابلة ابريك هي ايراك ومعناها البلاد السفلى؛ وهي تعني (الجنوب) في النص الذي وجد. والآن بقيت مسألة وهي: ما هي البلاد التي أطلق عليها اسم (الجنوب) وهي تسمى على مألوف مصطلحهم بكلمة (نيمروز) في الدولة الساسانية؟ الظاهر إن خوزستان وميشان كانتا دائما من طائفة البلاد المعروفة (بالجنوب) إحدى الفاذوسفانات أو السبهفتات الراجعة إلى الدولة. والفاذوسفان نقل إلى العربية بصورة اسبهبذ أو كما قال صاحب القاموس والعباب وتبعهما صاحب التاج اصبهبذ بالصاد وصرحوا جميعا مع الأزهري أن أصل الصاد سين في الفارسية. وعليه فإذا كان لفظ (ايراك) عنى الجنوب أو البلاد السفلى وكانت أنحاء واسط إلى خليج فارس عائدة إلى هذه الطائفة من ديار الدولة الساسانية، لم يبق شك في أن (العراق) هو معرب (ايراك) وفي مفاتيح العلوم وتاريخ حمزة الاصبهاني؛ إيران؛ العراق ولا جرم أنها غلط والصواب ايراك (بالكاف الفارسية) لكنهم لم يعرفوا معنى ايراك وألفوا لفظة (إيران) انسوا إلى ما ألفوه فصحفوا ايراك بإيران ومثل هذا التصحيف أو هذا الإبدال ما لا يعد ولا يحد، كما أن إبدال الهمزة من العين أمر شائع لا يجهله أحد. وأظن أن ليس في هذا التأويل أدنى تكلف أو تعسف. وليس بيدي الآن الكتب اللازمة لأبسط لك هذه الحقيقة بسطا شافيا بجميع التفاصيل والشواهد. وجدت (ايراكستان) بمعنى (العراق) في (الويدانداد) البهلوي في أخبار جمشيد وهي أخبار تذكرنا بأخبار نوح ودونك معناها: (اخبر جمشيد أن الطوفان وشيك الوقوع، فأحتاط لحفظ جميع الحيوانات ما عدا تلك التي تلجأ إلى أعالي الجبال في ديار. . . التي لا طمغ في ظهورها. . . وفي السهول الواسعة الأكناف.) هذا هو على وجه التقريب نص (الابستا) والشرح البهلوي المعلق على السفر المذكور يؤول (أعالي الجبال) بجبال هندوكوش ويؤول (ديار. . .) بأصفهان (ولعل ذلك لأن اصفهان عبارة عن واد تحيط به الجبال) ومما يفيد القارئ تأويل السهول الواسعة الاكناف بكلمة. . . . (هنا كلمة كتبها الأستاذ باللغة
البهلوية وليس لنا حروف لتصويرها ل. ع. ثم قال:) وهي كلمة لم يتمكن أحد من قراءتها. وأبين قراءة وأسهلها هي (ايرنستان) وهو اسم كورة واقعة بين فيروزاباد وبين خليج فارس. وهي من الديار التي فيها جبال اكثر من سائر الكور وهي عزيزة المنال. والحال من ايسر الأمور بل من أوجب الأمور أن تقرأ تلك الكلمة في ذلك الموضع (ايراكستان) (بالكاف الفارسية) وليس ايراكستان إلاَّ العراق. اجل إن شرح الويدانداد ليس قديما جدا، إلاَّ أنه سند بيدنا وحجة، ومن حفظ حجة على من لن يحفظ. وقد كشفت هذا السند بنفسي استدلالا على أن ايراك الفهلوية (والكاف في ايراك فارسية) هي العراق. هذا الذي بقي في حفظي من أمر هذه المسألة. وحينما أتوفق لوضع يدي على كتبي أوافيك بما يكون دعامة لهذه الحقيقة. طهران: أرنست هرتسفلد (لغة العرب) إننا نشكر حضرة الأستاذ الدكتور العلامة شكرا جزيلا ولا يمكننا إلاَّ أن نوافق على مقاله، ومن غريب أمره أن نتيجة بحثه تشبه نتيجة بحثنا أي أن العراق معناه البلاد المنخفضة أو المعرضة للغرق. وعلمه فوق كل ذي علم. الدرر الكامنة كتاب الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة هو لشهاب الدين أبي الفضل أحمد ابن علي المشهور بابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ (1448 م) وهو كتاب جليل. ولقد عنيت به اشد العناية وبيدي نسخة دار التحف البريطانية وهي في مجلدين. وعندي بين كتبي الخاصة بي نسخة أخرى من المجلد الأول وهي بخط السخاوي وصححها ابن حجر نفسه إلا أن الخط قبيح شنيع. وقد أفرغت كنانة وسعي في تحقيق الأعلام التركية والمغولية وهو اصعب شيء في هذا السفر الجليل. وأظن أني بلغت الغاية في التثبت. ولا بد من إلحاق هذا التأليف بفهرس هجائي يفسر تلك الأسماء الدخيلة التي كانت كثيرة الاستعمال في عهد المماليك. من بكنهام (انكلترة): ف. كرنكو
بحث في الهاء
بحث في الهاء يتصل ببحث في سوريا أبالألف هي أم هي بالهاء سوق الغرب - لبنان 30 ت1 926 العلامة الفاضل الأب انستاس ماري الكرملي المحترم. أنا أيها السيد من المعجبين كل الإعجاب بعلمك وفضلك وبشجاعتك الأدبية أيضا. إن علمك في اللغة والمنقول فيها اعرفه أنا ويعرفه غيري وقد اشتهر فلا يخفى على أحد حتى ولا على العين الرمداء. أما علمك بفيلولوجية اللغة خصوصا فربما أنا اعلم به من كثيرين غيري لا لعبقرية في دونهم بل لأني خصصت قسما كبيرا من حياتي بدرس هذه الأبحاث ووافقني الحظ على متابعتها بأن كنت في الجامعة الأميركانية الآن والكلية السورية الإنجيلية سابقا. وقد كفتني هذه المؤسسة الخيرية أميرة الكليات والجامعات في الشرقين الأدنى والأقصى أمر معاشي بما مكنني من متابعة أبحاثي من غير ما تشتت في أفكاري فيما لو لم أكفى ما كفتني. ولئلا أكون مبالغا في قولي أي أنها أميرة الكليات يوم كانت كلية وأميرة الجامعات يوم صارت جامعة دعني أقول إنها الأميرة الأولى - كانت ولا تزال - بين أميرات الكليات والجامعات الشرقية لا تنازع في أوليتهن هذه اشكر لك أيها السيد على كتابك البليغ الرائع جوابا على كتابي إليك اشكر لك تفضلك بإهداء مجلة (لغة العرب) وقد ذكرت لك في كتابي المشار إليه أني قصدت سوق الغرب مستشفيا بهوائها العليل الصحي ولا سيما في بيت مصيفي في تلك القرية الجميلة حيث لا أزال إلى الآن. قرأت اليوم في الجزء الأول من السنة الرابعة تلطفك بنشر مقالتي التي
كنت أرسلتها (كذا) إلى مجلة الحرية كما أشرتم. ورأيت التعليق الذي علقتموه في الهامش تنويها وتصحيحا لرأيكم أو تعريضا برأيي في كتابة سوريا بألف في الآخر، وهذا نصه: (الأستاذ ضومط يكتب سورية بألف في الآخر وصاحب القاموس وغيره يكتبونها بهاء في الآخر (لغة العرب) أهـ) أيها الأب الفاضل ايذن لي أن أناقشك الآن - لا لا. أنا لا أناقشك ولكن احاققك - في هذه المسألة لتعرض (لغة العرب) لها واشترط عليك في هذه المحاقة أن لا تخلط في وجهة نظرك فتنظر مرة بعين العالم الفيلولوجي ومرة بعين الناقل عن الأقدمين من ذوي الاسم (كصاحب القاموس وغيره) أيها السيد. أنا اكتب سوريا بالهاء أو بالألف وفقا لما يبدو لي أو تتسارع إليه يدي لأن للألف وهذه الهاء لفظا واحدا أو ما يكاد يكون كاللفظ الواحد وأظنه لا يخفى على علمك أن كتاب الأنباط والسريان يكتبون سوريا وكل لفظ من بابها بالألف لأن الهاء في أبجديتهم ليس لها إلاَّ اللفظ المجهور حيثما وقعت طرفا أو وسطا لا فرق. وأما كتاب العبران ومن أخذ أخذهم فأرجح انهم يكتبونها بالهاء أو بالألف واكثر ما يكون بالهاء لأن الهاء لها في أبجديتهم (إذا جاءت متطرفة) لفظين لفظ المد ولفظ مهموس. والهاء المهموس به أو بها (وهي التي تقع طرفا) هي الألف السريانية أو الألف العربية التي هي لا مقصورة ولا ممدودة بل هي بين بين ويسميها بعضهم هاء السكت أو هاء الاستراحة. وهنا اذكر اسم الهمداني رجل يماني عالم فاضل عاش في المئة الثالثة والرابعة للهجرة وهو صاحب (صفة جزيرة العرب) ولا اذكره تخليطا بل لأنه كان يعلم أن لفظ الهاء المتطرفة ولفظ الألف واحد في مثل الألفاظ الآتية اوروفا (أي أوربا). برطانيا. غالاطيا. جرمانيا. باسطرانيا. إيطاليا. غاليا. ابوليا. سقيليا. طورينيا، قالطيقي. سبانيا. الخ. قال وقد تسمى اكثر هذه
الأسماء بالهاء فيقال غلاطية ويهمس فيه. ويقال غالطية وإيطالية وابولية وهي مدينة عظيمة بمنزلة عمورية. أنا ارجح أن هذا العلامة اعني الهمداني أشهر وأعلم علماء زمانه كان يهودي الأصل بدليل اسمه واسم أبيه وجده وانه كان يدعى بابن الحائك وأكثر أهل الصناعة في صنعاء أن لم يكن كلهم كانوا يهودا أو ممن تهودوا في أيام صاحب الأخدود أو أيام من سبقه ولذلك كان يكتب هذه الأسماء مرة بالألف وفقا للهجاء العربي ومرة بالهاء وفقا للهجاء العبراني وإليك الأسماء الأخرى التي ترى في كتابه تارة بالألف وتارة بالهاء. سوريا. آسيا. فروجيا. كلدانية. آشوريا. قبادونيا. ما قادونيا. لوديا. حالديا وهي الكلدانيا: انظر كتاب وصف جزيرة العرب للعلامة مولر طبع مطبعة بريل ما بين وجه 38 و42 منه كما أظن (هي في ص33. ل ع) هذا العلامة كما ألمعنا أعلاه صرح بما يفهم منه أن لفظ الهاء والألف واحد في هذه الأسماء وأمثالها. فلنتقدم للبحث في الهاء المتطرفة. بحث في الهاء المتطرفة في العبرانية والعربية أستأذن الأب الفاضل في هذا البحث لا لأزيد الأب علما على علمه بل تقدمة لكثيرين من أدبائنا الذين شغلتهم المطالعات الأدبية عن المطالعات الفيلولوجية وتطبيق قواعدها أو مباديها على لغتنا العربية. وبناء على ما بقي في ذاكرتي إلى الآن من معرفة بالعبرانية وما يستخلص منها في شأن هذه الهاء أقول: إنها لا تلفظ عندهم إلاَّ مهموسة أي ألفا مقصورة أو ألفا بين المقصورة والممدودة فيكتبون موسى ومنسى وميخا وأبيا وصدقيا وعزيا ويهوذا وأمثال هذه الأسماء كلها بالهاء. فإذا أرادوا المد كما في اشعياء وارمياء مثلا زادوا واوا بعد هذه الهاء. وهذا طبق ما هو معروف عندنا في العربية أي أن حرف العلة المتطرف
إذا وقع بعد ألف قلب همزة. وهو الممدود القياسي الذي لا شذوذ فيه كما يقول بذلك جمهور الصرفيين بل جميعهم. وهذا القدر يكفينا الآن لغايتنا فلنتقدم إلى هائنا العربية المتطرفة فنقول: إن هاءنا الواقعة طرفا تكون من أصل الكلمة كأبه وبده وشده وجبه الخ أو زائدة ضميرا غائبا أو هاء تأنيث أو وحدة أو تكون ما اسميها (متحيرة). أما التي هي من أصل الكلمة فتلفظ بلفظ أبجديتها أي كما تلفظ مبتدأ بها أو متوسطة ولفظها واحد في اللغات الثلاثة. وأما التي هي زائدة ضميرا فتلفظ بلفظها الأبجدي تارة وتقلب همزة ثم تلين وتحذف بعد نقل حركتها إلى ما قبلها تارة أخرى. والقلب هذا يشترط فيه أن لا يؤدي إلى لبس ثم هو موقوف بعد ذلك على حسن اللفظة وسهولته على اللسان وإلاَّ كان من قبيل العبث الذي لا ترتضيه الفطرة ولا يدفع إليه دافع الطبع. كقولهم: ضربتو وضربتا (بإسكان الباءين). وما بوشي وماباشي، اختصارا من ضربتهو وضربتها. ومابهوشي ومابهاشي. ولكنهم قالوا فلان ما فيه عيب لم يجر على لسانهم في لفظ (فيه) قلب وقالوا للمؤنثة ما فيها عيب وما بها عيب أو مافيا. وما باعيب: حسبما يبدر إليه لسانهم وذلك لعدم وضوح الخفة بالقلب والحذف وضوحا بينا كما هي واضحة في قولهم (مابوشي) فكاد تبعا ووفقا لذلك أن يستوي عندهم اللفظ الأبجدي والقلب (ثم الحذف) فتأمل ويغنينا ما ذكرناه عن كثير من التفصيل الذي لا يحتمله المقام وقد لا يصبر عليه كثيرون من القراء ويكفينا أن نذكر لهم أن المتكلمين منا الآن في العراق والشام ومصر ونجد والحجاز يجري على ألسنتهم ببداهة الفطرة أو بدافع الطبع الذي لا يغالب - ولا ينبغي أن يغالب - (على نحو مما أشرنا إليه) مثل ما جرى منذ مئات السنين على ألسنة العبران ودوّن في أسفارهم المقدسة أيام عزرا الكاتب ثم ما زال يجري عليهم أدباؤهم وعلماؤهم إلى اليوم (كما ارجح) بل كثير من مثل ذلك (أي تليين هاء الضمير وحذفها) كان يجري أيضاً على ألسنة العرب والأعراب الذين أخذت عنهم اللغة في صدر الإسلام ونقل إلينا غير واحد شيئا منه كما هو معروف عند أهل البحث والتحقيق فليراجع في مظانه التي لا تخفى على علامتنا
الأب انستاس ماري الكرملي، وليسأله عنها من احب الوقوف بنفسه على هذه المظان هاء التأنيث والوحدة لننتقل الآن إلى هاء التأنيث والوحدة. وأنا اعتقد أنها أي (هاء التأنيث والوحدة) محولة في الأصل عن ضمير الغائب المفرد مذكرا ومؤنثا. وبحث الأصل هذا سنسلم به الآن لما فيه من الفكرة فضلا عن اللذة ولا سيما لمن يتجهون بأفكارهم وجهة هذه المباحث الشائقة عندهم ومتمناي أن يكونوا كثيرين. اصل هاء التأنيث والوحدة اسم هذه الهاء يدل عليها وعلى لفظها في الأصل أيضا. وهي ولاشك في ذلك ليست مجرد حرف هجاء بل هي كلمة مستقلة في الأصل إذا لحقت الصفة أو اسم الجنس دلت معهما على معناها الخاص في المركب أي التأنيث أو الوحدة والبحث الفيلولوجي يستدل منه دلالة واضحة قطعية على أنها ضمير الغائبة إذا كانت لتأنيث الصفة وهاء ضمير الغائب أو الغائبة إذا كانت للوحدة. بيان ذلك: الحق (مومن) صفة ضمير الغائبة (هي) فيصير المركب (مومن هي) أو (مومنهي) ومع الأيام وبدافع الطبع للاختصار وحسن اللفظ مع السهولة المتوخاة في اللغة يتحول المركب على الألسنة إلى (مومنا) أو (مومني) أو إلى ما تولده الإمالة من التوسط بين إخلاص الفتح وإخلاص الكسر. قس على (مومن هي) (حمام هو أو حمام هي) فإنه لا يخفى على متأمل ما يصير إليه مثل هذا التركيب مع الأيام من وضوح الدلالة على معناه ولا يعسر عليه أيضا بعد احداد النظر أن يرى أن (ياء رومي وزنجي وعربي وأمثالها) هي وهاء الوحدة هذه شيء واحد أيضاً كيف تلفظ هذه الهاء على التفصيل كل أبناء العربية قديما وحديثا العامة والخاصة يلفظونها في الوقف كما
يلفظ العبران هاءهم المتطرفة أي ألفا مقصورة ويميلون فيها - بل أولى أن نقول في الفتحة قبلها - أو يخلصون الفتح وإخلاصه متوقف على الحرف المتقدم عليها فإن كان من الحروف الحلقية أو كان راء أو صادا أو ضادا أو طاء أو ظاء أو قافا اخلص الفتح معه. نحو فرحة وفخة وإمعة وفهة وفضة وقصة وبطة وقريظة وإلاَّ أمالوا. والإمالة يتجه فيها بعضهم نحو الضم إشماما وبعضهم نحو الكسر يحققونه كاهل قضاء الحصن فإنهم يقولون زيتوني (في زيتونة) ورحمي (في رحمة) بياء كياء جيل وميل. على أن اللهجة الأكثر شيوعا أن تلفظ كما تلفظ في بيروت ولبنان الياء في قاضي وراضي ومرتضي. فيقولون فاطمي وفريدي وحمامي في فاطمه وفريده وحمامه (بكسر ما قبل الهاء) وقد وضعنا تحت الحرف المتصل بالياء ألفا صغيرة كما وضعنا قبل الهاء كسرة للدلالة على هذه الإمالة (وهي غير موجودتين في مطبعتنا ل. ع). الإمالة العاملية أو الزحلاوية لأهل جبل عامل إمالة خاصة يشركهم فيها (الزحلاويون) في كل ياء ساكنة قبلها كسرة طرفا كانت أم وسطا فإنهم يقلبون الكسرة فتحة مشبعة ويميلون فيها إشماما نحو الكسرة فيلفظون سليم وحكيم كأنها متهجاة هكذا - سلايم. حكايم (بكسر الياءين) - كما هو معروف ومشهور. إن هذه الإمالة يرجع عهدها فيما ارجح إلى صدر الإسلام وما قبل ذلك وارجح أن عليها إحدى القراءة الكتابية وقد رأيت في طبعة القرآن الاستانبولية ما يشير إشارة واضحة إلى هذه الإمالة لأن هذه الطبعة تضع ألفا قصيرة تحت الحرف السابق الياء بدلا من الكسرة لم تغفل ياء ساكنة قبلها كسرة من هذه الألف في كل ياء من الكتاب من الفاتحة - بسم الله الرحمن الرحيم - إلى آخر سورة منه. فالرحيم والعالمين والدين ونستعين والمتقين الخ كلها بألف صغيرة بدلا من الكسرة قبل الياء. استطراد وخلاصة مما تقدم الذي يؤخذ من كل ما قدمناه إن العامليين وأهل قضاء الحصن ومن يلحن
لحنهم في المركب من الصفة واسم الجنس مع ضمير الغيبة لينوا الهاء أي حذفوها وابقوا حرف العلة المتصل بها. أما غيرهم فحذفوا حرف العلة وابقوا الهاء ثم لينوها مفتوحا ما قبلها أو ممالا فيه. وعليه قال العامليون والحصنيون في (مومن هي) مومني وقال غيرهم مومنا بإخلاص الفتح وأمال بعضهم نحو الكسر. وعلى هذا النحو تمشى الأمر مع اسم الجنس أي أن العامليين والحصنيين قالوا مثلا في (دجاج هو أو دجاج هي) دجاجي بالتليين لأن الصورتين بعده أي بعد التليين تنتهيان إلى لفظ واحد وهذا مما اتفق عليه جمهور الصرفيين فإنهم اجمعوا على استحسان قلب الواو المتطرفة بعد ضمة ياء ولم يخالف واحد منهم هذا الإجماع كما اعلم. أما الحصنيون فتركوا اللفظ على حاله أي بالياء وإخلاص الكسر قبلها وأما العامليون فعادوا فأمالوا إمالتهم الخاصة في كل ياء ساكنة قبلها كسرة كما أشرنا. وللعامليين إمالة أيضا في الواو الساكنة المضموم ما قبلها فإنهم يميلون بالضمة قبلها نحو الفتح كما يميلون بالكسرة قبل فيقولون يا منصور مثلا ويا حبوب (بفتح الحرف الذي قبل الواو). فلا يبعد أذن أن يلفظ بعضهم بعض ما فيه تاء الوحدة بالواو مفتوحا ما قبلها. ولا يقدح شيء من هذا كله في فصاحة العامليين المعترف لهم بهاء إجمالا وانهم من صميم أهل العربية أيضاً. كيف تلفظ هذه الهاء (هاء التأنيث والوحدة) في الدرج إذا جاءت متحركة لفظت تاء بالاتفاق لا فرق في ذلك بين العامة والخاصة أما العامة أي عامة المتكلمين لا خشارتهم فيجيزون الوقف على كل ذي هاء تأنيث أو وحدة حيثما وقع إلاَّ إذا جاء مضافا فيقلبون هاءه حينئذ تاء بدافع الطبع الذي دعاهم لقلبها ألفا أو ياء. وأما الخاصة (أو خاصة الخاصة كالأب الفاضل وتلامذته الكثيرين) فيقلبونها حيثما أوجبوا هم ظهور علامة الأعراب. أما أين يوجبون هذا؟ فالله أعلم. أما أنا فأرجح انهم كانوا في الجاهلية وفي صدر الإسلام مدة طويلة يقفون
حيثما أرادوا كعامتنا اليوم لا كخشارتنا إلاَّ في الشعر فإن اغلب الشعراء إن لم اقل كلهم كانوا يحركون في الشعر آخر درج الألفاظ المعربة كلها المفردة والمركبة ومن بين الألفاظ المركبة ذوات الهاء هذه. إن متبعي لغة الشعر في صدر الإسلام (وكانوا الأقلية) وخلفهم في هذه الأيام يوجبون قلبها تاء في الدرج حيثما لا يقفون. وأما حيث يقفون فهم وعامة المتكلمين سواء. وإليك بعض أمثلة مما تدور هي أو مثلها على الألسنة: السني سنة خير. النار فاكهة الشتاء. هدية المقرف ليموني حامضا. فلان شوفتو مليحا. فلان مالو شوفي. بدنا منك شوفة خاطر. لا نعرف قيمة الصحا حتى نمرض. عيشة الذل ما هي عيشي الخ الخ. وقد كتبنا المقلوبة تاء بصورتها منقوطة وكتبنا غيرها كما تلفظ أي بالياء أو بالألف. وأهم ما نذكره في ختام هذا البحث وأن تكرر هو أن هذه الهاء هي هاء ضمير الغيبة تركب مع الصفة واسم الجنس للدلالة على التأنيث والوحدة وهي تسهيلا للفظ ومنعا من اللبس تقلب تاء إذا أضيفت أو تحركت في الدرج وليست هي كما قد يظن تاء هجاء اجتلبت للتأنيث اعتباطا ثم هي تقلب هاء في الوقف. وما أظن متأمل يقول بغير ما قلنا وفوق كل ذي علم عليم. الهاء المتحيرة وهي بيت القصيد الذي من اجله تعنينا لهذا البحث الآن وقد كنا صبرنا أنفسنا عنه مدة نستجليه فلما انجلى لنا بما قد يرضي أولي الفكرة اشتدت علينا (الانفيزيميا) فتركتنا لا نستطيع الكتابة إلاّ فورات خاطر تثور فينا بعض الأحايين ثم لا تلبث أن تهجع. وقد خفت إن تخمد الفورة التي أنا فيها الآن
فلا أستطيع بعدها الرجوع إلى معاودة البحث وكتابة ما يخطر في بالي الآن وكان يخطر منذ أيام. أقول هذا اعتذارا إلى قراء (لغة العرب) عن الجرعة الكبيرة التي أجرعهم إياها في هذه المقالة. وكان أولى أن تؤخذ كما يؤخذ (شراب فولر) جرعات على مرات متعددة. والكريم من عذر. أنا اعني بالهاء المتحيرة الهاء المختوم بها أسماء الأعلام الشخصية والمكانية الأعجمية خصوصا كسوريا واسيا وأفريقيا وليديا وأثيوبيا وإسكندريا وغيرها من الأعلام التي وردت في مؤلفات علمائنا وأدبائنا الأعلام إلى نحو من جلاء أهل الأندلس عنها إلى شمالي أفريقيا وكالأعلام الحالية اعني فرنسا وإيطاليا وجرمانيا وأميركا وفكتوريا وجوليا وروجينا الخ الخ. وهناك بعض أسماء أخر يخطر في بالي منها الآن (معدة) تبعا لخطور الأثر المشهور الواردة هي فيه: (المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء) فإن تاءها متحيرة أي يصعب الاهتداء إلى اصلها. أنا وأنت أيها السيد متفقان في أن هذه الألفاظ القديم التي نقلت إلى العربية ودونت فيها منذ قامت الدولة الأموية إلى ما بعد انقراضها في الأندلس تلك البلاد التي زهت فيها العلوم والآداب وكثرت فيها المؤلفات كثرة لم تسبقها فيها بغداد ذات العظمة التاريخية؛ أعادها الله ببنيها إلى مثل ما كانت عليه في إبان عزها أنه السميع المجيب. هذه الألفاظ مختلف في كتابتها تكتب بالألف أو بالهاء وأنت تعلم أيضاً أن اكثر من اشتغلوا صدر الإسلام في العلوم والآداب على اختلاف أنواعها فدونوا الدواوين وترجموا التراجم والكتب أو ألفوها هم كان أكثرهم إن لم اقل كلهم في حواضر الشام والعراق من السريان والأنباط أو من تلامذتهم وفي حواضر الأندلس والمغرب من اليهود أو من تلامذتهم. والسريان والأنباط يكتبون كل هذه الأعلام بالألف واليهود بالهاء لأن الهاء المتطرفة عندهم كما ذكرنا سابقا لها لفظ الألف المقصورة أو الممدودة عندنا فإذا أرادوا تعيين المد أردفوا الهاء بالواو حرف العلة عندنا وعندهم. ولا احتاج أن أذكرك أيها الأب الفاضل أن قريش تاجرة العرب وشامة
العرب وسيدة العرب والأعراب أيضا بين مكة والشام تعلموا الكتابة من الأنباط والسريان؛ نعم كانوا أيضا يعاملون اليهود كثيرا في الحجاز وفي محطاتهم التجارية كلها آن إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى العراق والجزيرة الفراتية ولكنهم كانوا اكثر مخالطة للسريان والأنباط وعنهم كما قلنا اخذوا الكتابة بل شكل حروفنا الأبجدية كما هو معلوم مأخوذ في الأصل عن أبجديتهم ونسخ القرآن الباقية من أوائل المئة الثانية للهجرة شاهدة بذلك بل لا يزال محفوظا في كثير من حروفنا الحاضرة بعد كل ما دخل عليها من التحسين ما لا يختلف عن شكل الحرف السرياني إلاَّ اختلافا طفيفا. كل ذلك إذا اعتبر فيه يدل على انهم كانوا يكتبون هذه الأسماء كما يكتبها السريان والأنباط أي بالألف وهو الأكثر أو كما يكتبها كتبة اليهود أي بالهاء وهو الأقل. ولا يعقل أن يفضل السريان والأنباط الصورة التي يكتب بها اليهود أعلام بلدانهم ومدنهم على الصورة التي يكتبون بها هم تلك الأعلام. فسوريا إذن واسيا وانطاكيا وسلوكيا وبمفيليا وفريجيا (أو فروجيا) غلاطيا وكيليكيا وإيطاليا ومكدونيا وليديا وكل ما هو من بابها أي من الأعلام السريانية أو النبطية أولى أن تكتب بالألف كما يكتبها أهلها. وأزيد فأقول إن جميع البلدان التي استولى عليها اليونان أولا ثم الرومان من بعدهم وكثر ورود أسمائها في الآداب اليونانية وفي مؤلفاتهم العلمية وبالأخص الأعلام التي وردت في جغرافيا بطليموس ونقلت إلينا عن مؤلفات السريان أو بواسطة علماء السريان كانت تكتب بالألف لأن السريان والأنباط كانوا يعتمدون في أبحاثهم على اليونان ويتابعونهم في كل شيء ولا متابعتنا نحن الآن الغربيين ولا سيما الإنكليز والفرنساويين؛ وليس عند اليونان تاء ولا هاء كهاء العبران وهب كان عندهم هذه الهاء فكتّاب السريان ينقلونها كما تلفظ أو قريب مما تلفظ أي ألفا لا هاء أسوة بأعلامهم. ثم لما جلا الأندلسيون عن أسبانيا وتشتت علماؤهم في شمالي أفريقيا ومصر والشام وألّفوا وتلمذوا اختلطت الصورتان وعاشتا معا ولكني ارجح أن الصورة السريانية كانت اكثر شيوعا لكثرة الآخذين بها فإن الشام ومصر وشمالي
أفريقيا تتلمذت في الأكثر لعلماء السريان والأنباط في صدر الإسلام إلى قيام الدولة العباسية أولا ثم بقيت مصر وقسم من شمالي أفريقيا يأتمان ببغداد إلى قيام الدولة الفاطمية وأما الشام والجزيرة إلى ما وراء مرعش وديار بكر والعراق وكل شرقي العراق كل هذه البلدان بقيت تأتم بغداد إلى انقراض الخلافة منها بلى ما زال الشرق من بغداد إلى آخر بلاد تركستان يأتم ببغداد حتى إلى الآن. على أني أرى وجها لكتابة هذه الألف المتحيرة بالهاء وهو مما يعزز وجهة الأب انستاس فإن علماء الكتابة من آل إسرائيل حسب ظني لم يدخلوا هاءهم على مثل سوريا وإنطاكية مثلا اعتباطا بل رأوا ما يسوغه لهم. ويجرئهم عليه وإليك بيانه بكل أيجاز وأن كنت لا أكفل تحقيقه. انهم رأوا هاء التأنيث والوحدة تكتب هاء وتلفظ ألفا في الوقف فقاسوا عليها القياس المعكوس وهو أن ما ينتهي بلفظ الألف على اللسان يجوز إذن أن يكتب بالهاء. وهون عليهم وعلى تلامذتهم ذلك أن هاءهم المتطرفة في الأعلام تلفظ ألفا مطلقا. فإن سلم لي برأيي هذا فبه وإلاَّ فلا أتشدد بالمحاماة عنه. فصل الخطاب في الأعلام الأعجمية ذات الهاء المتحيرة سميت الهاء فيها متحيرة لعدم معرفة اصلها على التحقيق فربما كانت هاؤها للوحدة أو للتأنيث عند السريان والأنباط فإنهم مثلنا قد يخففون لفظ هاء الضمير وإذ ذاك فيجوز أن نجري عليها أحكام هاء التأنيث والوحدة عندنا. على إن السريان أنفسهم يكتبونها بالألف دائما ويلفظونها ألفا وهم أدرى بأعلامهم وبلفظها فيجوز لنا من ثم أن نتابعهم في لفظها وأن نعاملها في الأعراب معاملة حندقوقى وحبارى ونتسامح مع الأب انستاس في أن يعاملها معاملة المختومات بهاء التأنيث في الإضافة والدرج أما أن تشَّدد الأب في رأيه وزعم وجوب كتابتها ومعاملتها كالأسماء التي هي عندنا بهاء التأنيث والوحدة فليس لي أنا إلاَّ أن احتج على رأيه ثم على علمه
وكذلك نتسامح مع الأب الفاضل في الأعلام المنقولة عن بطليموس وعن هيرودوتس وأمثالهما الأول في جغرافيته والثاني في تاريخه إذا كانت تلك الأعلام من الأعلام الأعجمية البحتة لأننا نقول إنا لسنا على يقين فيها وقد حصل الإجماع من جمهور علمائنا المتقدمين أو ما يقرب من الإجماع أنه يجوز لنا أن نتصرف بعض التصرف في هذه الأعلام بما يجعل لفظها سهلا علينا ويقربها من ألفاظنا العربية. إلاَّ أن كل هذا من قبيل الجواز الذي لا يجوز أن ينقلب إلى وجوب وعليه فالأب الفاضل لا يجوز له أن يوجب علينا كتابة إيطاليا مثلا بالهاء ولا أفريقيا ولا ليبيا ولا نوميديا ولا ولا الخ. ونحن نتسامح معه أن يترك الأفضل إلى المفضول احتراما له والمكانة العلمية والأدبية عندنا. أما الأعلام الحديثة كأميركا وفلوريدا وداكوتا وبناما وبتاغونيا وروديسيا من أعلام الأمكنة وجوليا وفكتوريا وروجينا من أعلام النساء فأهل تلك الأعلام المكانية وأصحاب الأسماء أنفسهم يكتبون أعلام بلادهم وأعلامهم هذه بالألف وليس في الفهم أدنى شبه بهائنا في مومنه أو في حمامه ويمامه. نعلم ذلك عن يقين. فإن كان الأب انستاس يفتات على القوم في لغتهم وكتابة أعلامهم فليس لنا أن نقول إلاَّ أنه مفتات. وهذا اعظم احتجاجنا عليه لأنا لا نستطيع أن نذهب به إلى غير هذا السجن. لو كان لنا ربح فيما يفتات به الأب على القوم في أسماء بلادهم وأسمائهم لأتبعناه في افتياته وشكرناه عليه. لكن أي ربح لنا يا ترى في كتابة فيكتوريا مثلا بالهاء ومعاملتها معاملة ذوات الهاء في إظهار علامة الإعراب؟ أنا فقط نزيد مقطعا على مقاطعها فنزيد من ثم صعوبة اللفظ بدون أدنى حاجة إلى تحمل هذه الصعوبة. انظر الفرق بين أن نقول - كانت المرحومة فيكتوريا العظيمة احسن قدوة لنساء شعبها - وبين أن نقول - كانت المرحومة فكتورية العظيمة احسن قدوة لنساء شعبها - فأنظر كيف افسد زيادة هذا المقطع سهولة اللفظ في اللفظة وحسن الرصف في العبارة كلها
ولئلا أكون متشددا أقول أني أجوز للأب العلامة أن يجوز كتابة مثل هذه الأعلام بالهاء في الشعر إذا احتيج إلى زيادة مقطع إقامة للوزن فإن في هذه الزيادة ربحا والربح يتكلف له طالبه من الخروج عن المعروف أو المشهور ما لا يتكلفه من الخسارة مطلقا وأخيرا أقول: أرجوك أيها الأب في أميركا وما هو من باب أميركا بل وفي فرنسا وبريطانيا وسوريا وأمثالها أيضا أن تترك كتابتها بالهاء إلاَّ في الشعر وللسبب الذي ذكرناه أيضا أو في موقف خطابة حيث يكون لزيادة مقطع أثره المستحب في إثارة انفعال أو في زيادة شدته فإنه أليّق بعلمك وفضلك من الخروج عن هذا المتعارف المألوف والسهل أيضا وفي الوقت نفسه يبرئك مما يتهمك به بعضهم من إرادة حب الظهور الذي أنت فوقه وأشهر من أن تشهر به. واختم هذا البحث الآن - وفي النفس بقايا منه وملاحظات تتعلق بكل بحث نظيره - بتقديم مزيد الاحترام لعلمك البالغ وفضلك المشهور زادك الله علما وفضلا أنه السميع المجيب. جبر ضومط حماسة ابن الشجري أوشك طبع حماسة ابن الشجري أن يتم في الهند وكل منا يعرف منزلة ابن الشجري من العلم والتحقيق وسعة الحفظ وجمام الأدب. وكان اعتمادي في إبرازها إلى الوجود على نسختين مشهورتين معروفتين في ديار الإفرنج: إحداهما قديمة وهي المحفوظة في دار التحف البريطانية في لندن والثانية حديثة، إلاَّ أنها اكمل من العتيقة المذكورة وهي محفوظة في خزانة كتب باريس المعروفة بالخزانة الأهلية لكني أشفق من أن تكون الطبعة خالية من كل ضبط في الشكل مع أني كنت قد ضبطت اغلب ألفاظها كلما احتاج الأمر إلى التحقيق. من بكنهام (انكلترة): ف. كرنكو
نظرة وابتسامة
نظرة وابتسامة أنشودة إلى حسناء أديبة نبئيني نبئيني ... قصة (الدنيا) العجيبة إنما تغني حنيني ... نظرة الروح الأديبة! لا تبوحي بكلام ... أن في عينيك شعرا! وملاما لملام ... من محب رد عذرا انظري يا نور عيني ... انظري يا نور نفسي! كم معان غبن عني ... قبل أن أسديت انسي! وابسمي (كالشمس) لما ... كونت هذي الحياة! فانتشى قلب وهما ... وتلقتها الشفاه! أنت (دنيا) في شعاع! ... أنت (أخرى) في ابتسام! كيف أبقى في التياع ... ومحياك السلام؟! ليس لي شأن بران ... يرصد (المريخ) ليلا أنت لي (الزهرة) لكن ... رصدها بالصبح أولى! فابسمي واحكي نشيدا ... من أغاريد الوجود! وامنحي عيدا سعيدا ... من محياك الودود! لقنيني يا نعيمي ... نعمة (الدنيا) بنظرة! وانشري لطف الرحيم ... واعطني (الأخرى) كزهرة! أحمد زكي أبو شادي
السوارية
السوارية السوارية بليدة قائمة على عدوة الفرات اليمنى وتبعد عن (أبي صخير) بنحو ثلاث ساعات نهرا ونحو خمس عشرة دقيقة بالسيارة. وقد أسسها الشيخ مبدر آل فرعون سنة 1334هـ (سنة 1916م) بينما كان أبناء قبائل آل فتلة يضطهدون في الجعارة (الحيرة) تضطهدهم الخزاعل حينما يذهبون إليها لابتياع ما يحتاجون إليه من أسواقها. وقد سميت بهذا الاسم إضافة إلى (ابن سوار) الذي كان فلاحا مشهورا وهو من آل فرعون. ولهذه البليدة مستقبل اقتصادي خطير لأنها محاطة بعشرات الألوف من أبناء العشائر ولأن أسواقها هي الأسواق الوحيدة التي يبتاع منها هؤلاء الناس حاجياتهم وهذا ما الجأ الحكومة إلى أن تعمر فيها دارا ضخمة لها، فأسست بناية كبيرة وصرفت عليها نحو (33000) ربية فجاءت بناية مهمة تضاهي بنايات بغداد من حيث الضخامة والهندسة في البناء. يحد هذه الناحية من الشمال نهر (جحات) ومن الشرق حدود ناحية (الغماس) ومن الجنوب (القائم) (وهي آثار قديمة وأطلال بالية) ومن الغرب أرض تعرف ب (الجفة) ولم تكن هذه الناحية معروفة عند الأتراك ولذا لم يكن لهم فيها موظف، أما الإنكليز فقد نظروا إلى أهميتها المالية فعينوا لها مأمورا ماليا سنة 1917م واعتبروها شعبة ملحقة بقضاء أبي صخير. وتسير الآن الحركة العمرانية فيها سيرا حسنا فقد شيد فيها بعض الرؤساء أربع أسواق ضمت نحو 1760 حانوتا متوسطا وتقدر واردات الحكومة منها فقط نحو 675000 ربية. أما الدور فيها فهي عبارة عن عرائش لا اكثر وتقدر بنحو 213 عريشة (صريفة) يسكنها أصحاب الحوانيت ومن لهم صلة رسمية بالناحية. ويقدر سكان الناحية كلها بنحو 32000 نسمة وقد شرع أرباب في الكسب
الجعارة بالانتقال إلى (السوارية) نظرا إلى كساد أسواق التجارة في الأولى ورواجها في الثانية، وأسواق الجعارة إنما كانت رائجة بسبب عدم وجود سوق قريبة من القبائل ليبتاع منها أبناؤها ما يحتاجون إليه من مأكل ومشرب وملبس وعقاقير وغيرها. وفي قصة السوارية سبع مقاه غاصة بالآهلين دائما سواء أكانوا من نفس القصبة أم من أبناء القبائل القريبة منها ونحن لا نستبعد أن تكون هذه القصبة أكبر مدينة في الفرات الأوسط في القريب العاجل لأنها لم تكن محتوية على اكثر من خمسين حانوتا في سنة 1924. السيد عبد الرزاق الحسني الاناطول أو الأناضول لا الأنطول أو الأنضول اناطولي كلمة تركية الاستعمال يونانية الأصل معناها الشرق لأنها بلاد واقعة في شرقي ديار اليونان: وقد اولع كتاب مصر بمسخها بصورة (انضول أو انطول) والحال أن الأتراك لا يكتبونها إلاَّ بألف بعد النون. وأما كتبة العرب فكانوا يسمونها (بلاد الروم) وهي المعروفة عند أجانب اليوم بما معناه (آسية الصغرى) أما العربي الوحيد الذي ذكرها بما يقرب من اسمها اليوناني فهو ابن خرداذبه فقد سماها (الناطولس) بأداة التعريف وقد سبقه السلف إلى مثل هذا التصرف في الألفاظ في جبل اكام اللكام، وقالوا في اخاقيق اللخاقيق وفي اكاف اللكاف إلى غيرها. القنطرة في مجلة الكلية (156: 3) (القنطرة في لغتهم (لغة أهل لواء حماة) امتلاك مئة قرش لأن الدلالة على مالكها (وهو المقنطر) كانت بجعل الإصبعين ملتصقين الرأسين (كذا) بشكل نصف دائرة. . .) اه ونحن لا نقنع بهذا التأويل والذي عندنا إن القنطرة من القناطر وهو تعريب الرومية أي ذو مائة حتى انهم سموا الرجل قنطارا إذا بلغ مائة سنة. ومن غريب أمر هذه اللفظة إن الفرنسيين نقلوا عن العرب هذه اللفظة بصورة وقد قلبوا فيها راء قنطار لاما فصارت عندهم (قنتال) كما ترى بمعنى مائة وقية أي خمسين كيلو غراما. فهذا من قبيل (الكلم الرحالة).
الضمائر في لغة عوام العراق
الضمائر في لغة عوام العراق الضمير أما متصل أو منفصل ولنذكر أولا المنفصل فنقول: الضمير المنفصل أما مرفوع أو منصوب. ولما كان الإعراب معدوما في كلام العامة لم نذكر هنا هذه الضمائر من حيث أنها تكون مرفوعة أو منصوبة بل من حيث أنها مستعملة في كلامهم استعمال غيرها من الأسماء: الضمائر المرفوعة المنفصلة الضمائر المرفوعة المنفصلة عشرة اثنان منها للمتكلم وأربعة للغائب وأربعة للمخاطب. ضمائر المتكلم للمتكلم ضميران يشترك فيهما المؤنث والمذكر وهما المفرد المتكلم والجمع المتكلم. 1 - ضمير المفرد المتكلم: أنا؛ وفيه ثلاث لغات الأولى أنا والثانية أنا والألف في هذين تكتب ولا تلفظ والثالثة آني. 2 - ضمير جمع المتكلم: نحن؛ بكسر النون الأولى وفتح الثانية. وفيه لغتان أخريان الأولى أحن بكسر الهمزة وفتح النون. والثانية حن بكسر الحاء وتشديد النون المفتوحة. وعليه ففي ضمير جمع المتكلم أيضا ثلاث لغات وهي نحن وأحن وحن. أما الأولى فنادرة الاستعمال. وأما الثانية فهي الشائعة في كلامهم وأما الثالثة فخاصة بأهل البادية. ضمائر الغائب للغائب أربعة ضمائر اثنان منها للمذكر المفرد والجمع. واثنان للمؤنث المفرد والجمع. وليس للمثنى ضمير في كلامهم لأنهم يعتبرون ما زاد على الواحد جمعا فيستعملون ضمير الجمع في مقام ضمير الاثنين أيضا. 1 - ضمير المفرد الغائب: هو؛ بضم الهاء وتشديد الواو المفتوحة. وأهل
البادية ربما قالوا هو أيضا بضم الهاء وسكون الواو إلاَّ أن ذلك نادرا. 2 - ضمير جمع الغائب: هم؛ بضم الهاء وتشديد الميم المفتوحة. 3 - ضمير المفردة الغائبة: هي؛ بكسر الهاء وتشديد الياء المفتوحة. وأهل البادية ربما سكَّنوا الياء فقالوا هي وذلك نادر. 4 - ضمير جمع المؤنث الغائب: هن بكسر الهاء وتشديد النون المفتوحة وأهل البادية ربما قالوا هن بكسر الهاء وسكون النون. غير أن الشائع في كلامهم هن. ضمائر المخاطب للمخاطب أيضا أربعة ضمائر اثنان منها للمذكر المفرد والجمع واثنان للمؤنث المفرد والجمع. وليس للمثنى ضمير لأن الاثنين عندهم جمع كما ذكرنا آنفا. 1 - ضمير المفرد المخاطب: أنت؛ بكسر فسكون وآخره مفتوح. 2 - ضمير جمع المخاطب: انتو؛ بكسر فسكون مع ضم التاء وسكون الواو. وبعض أهل البادية يقول انتم وهو نادر. 3 - المؤنث المخاطب: أنت؛ بكسر فسكون وآخره مكسور. 4 - جمع المؤنث المخاطب: انتن؛ بكسر فسكون مع فتح التاء وسكون النون. الضمائر المنصوبة المنفصلة العامة لا تستعمل في كلامهم شيئا من الضمائر المنصوبة المنفصلة إلاَّ في موضعين لم أجد لهما ثالثا. أحدهما في موضع المفعول معه فيأتون بالضمير بعد واو المعية كقولهم امش وياي؛ وتعال ويانا؛ وأنا أجي وياكم. والمعنى المقصود عندهم من ذلك هو: امش معي؛ وتعال معنا؛ وأنا أجي معكم. وعلى ذلك جاء قولهم وهو من أمثالهم: (أحمد وياجن يا بنات). فإن قلت إن الضمائر المنصوبة المنفصلة تكون في أولها ألف هكذا: إياي إياك وهلم جرا. فلماذا ذكرتها في الأمثلة المتقدمة بلا ألف؟ قلت قد ذكرنا لك فيما تقدم عند الكلام على الوصل انهم إذا وصلوا حرفا
بحرف وكان بينهما حرف ثالث متوسط اسقطوا الحرف المتوسط من اللفظ؛ فالألف إنما سقطت من اللفظ ههنا لتوسطها بين حرفين موصولين وهما الواو والياء من إياك. فإن قلت إن الحرف المتوسط بين حرفين موصولين إنما يسقط من اللفظ فقط وأنت ههنا أسقطته من الخط أيضا. قلت أني أسقطته من الخط أيضاً لأن هذه الضمائر لا تقع في كلامهم إلاَّ مقرونة بالواو كما رأيت في الأمثلة المتقدمة فصارت الواو كأنها جزء من الضمير فلزم إسقاط الألف من الخط أيضا للدلالة على شدة ارتباط الضمائر المذكورة بالواو بحيث لا تكاد تسمعهم ينطقون بضمير منها إلاَّ مقترنا بالواو. وأما الموضع الثاني الذي تستعمل العامة فيه هذه الضمائر فهو التحذير ومنه قولهم (بالك وياك تفعل كذا) والواو هنا عاطفة للضمير على بالك وتقدير الكلام احفظ بالك وحذر نفسك. وربما استعملوا الضمير المنفصل في التحذير بلا واو وهو استعمال نادر جدا في كلامهم كقولهم للحارس مثلا: (إياك تنام) وكقول أحدهم لأخر يحذره من شيء (إياك تفعل كذا) وربما كرروا الضمير للتأكيد فقالوا (إياك إياك تفعل كذا) وربما كرروه معطوفا بثم فقالوا إياك ثم إياك إلاَّ أن ذلك كله نادر في كلامهم. وإنما الشائع في كلامهم عند التحذير هو قولهم بالك وياك. قد تبين لك إن هذه الضمائر لا تستعمل إلاَّ في هذين الموضعين المذكورين وأنها لا تقع في كلامهم إلاَّ مقترنة بالواو حتى صارت الواو كأنها جزء منها عندهم وأن اقترانها بواو المعية هو الأكثر الشائع في كلامهم إذ اقترانها بالواو العاطفة لم يسمع منهم إلاَّ في كلام واحد وهو قولهم (بالك وياك) وأنها لكثرة اقترانها بواو المعية صارت هي والواو تستعمل عندهم بمعنى مع كما في قولهم وهو من أمثالهم: (أحمد وياجن يا بنات) وكقولهم وهو من أغانيهم: روحي العزيزة تفداك ... وأن رحت خذني وياك ولنصرف لك هذه الضمائر مقترنة بالواو هكذا:
الضمائر المنصوبة المنفصلة ضمير المتكلم: وياي ويانا؛ الألف في نا تكتب ولا تلفظ. الغائب المذكر: وياه وياهم؛ الهاء التي في وياه تكتب ولا تلفظ. الغائب المؤنث: وياها وياهن؛ الألف التي في آخر وياها تكتب ولا تلفظ. المخاطب المذكر: وياك وياكم. المخاطب المؤنث: وياج وياجن (بجيم مثلثة فارسية). الضمائر المتصلة الضمائر المتصلة أما مرفوعة أو منصوبة أو مجرورة. غير إننا لا نذكرها هنا من حيث أنها مرفوعة أو منصوبة إذ لا إعراب في كلام العامة وإنما نذكرها من حيث أنها ضرب من الأسماء التي تقع في كلامهم: الضمائر المرفوعة المتصلة الضمائر المرفوعة المتصلة عشرة اثنان منها للمتكلم وأربعة للغائب وأربعة للمخاطب. ضمائر المتكلم للمتكلم ضميران متصلان يشترك فيهما المذكر والمؤنث أحدهما للمفرد والثاني للجمع. 1 - ضمير المفرد المتكلم: تاء ساكنة تتصل بآخر الفعل الماضي نحو بعت اشتريت، ضربت، جيت، ولا تحرك هذه التاء إلاَّ إذا وليها حرف ساكن مثل (ال) المعرفة أو اتصل بها ضمير المفعول المفرد غائبا كان أو مخاطبا. أما إذا وليها ساكن فتحرك بالكسر نحو أكلت الخبز أو شربت الماي. وأما إذا اتصل بها ضمير المفعول المفرد فإنها حينئذ تحرك بالفتح نحو ضربته وضربتك. فضمير المتكلم المتصل المرفوع له ثلاث حالات للسكون والكسر والفتح. 2 - ضمير جمع المتكلم: نا؛ تتصل بآخر الفعل الماضي غير أن الألف من (نا) تكتب ولا تلفظ نحو ضربنا؛ بعنا؛ اشترينا. إلاَّ إذا اتصل بها ضمير المفعول مطلقا فإن الألف من (نا) حينئذ لا تسقط من اللفظ بل تلفظ كما تكتب نحو: شفناه؛ شفناهم؛ شفناها؛ شفناهن؛ شفناك؛ شفناكم؛ شفناج؛ شفناجن.
ضمائر الغائب للغائب أربعة ضمائر اثنان منها للمذكر المفرد والجمع واثنان للمؤنث المفرد والجمع وليس للمثنى ضمير لما ذكرنا سابقا. 1 - ضمير المفرد الغائب: أن ضمير المفرد الغائب من الضمائر المرفوعة المتصلة لا يكون إلاَّ مستترا. وتقديره: هو. نحو ضربت ففاعل ضرب ضمير مقدر عائد إلى اسم قد مر ذكره. 2 - ضمير جمع الغائب: واو ساكنة تتصل بآخر الفعل أو مما هو في حكم آخره مثال الأول ضربوا. ومثال الثاني رموا، جوا، فإن الميم من رموا والجيم من جوا في حكم آخر الفعل. 3 - ضمير المفردة الغائبة: أن هذا الضمير أيضا كضمير المفرد الغائب لا يكون إلاَّ مستترا وتقديره هي. ولا بد أن تلحق الفعل معه تاء التأنيث الساكنة نحو ضربت ففاعل ضربت ضمير مقدر عائد إلى اسم مؤنث قد مر ذكره. 4 - ضمير جمع المؤنث الغائب: نون ساكنة تتصل بآخر الفعل الماضي أو بما هو في حكم آخره مثال الأول أكلن شربن نامن. مثال الثاني رمن جن؛ فإن الميم من رمى في حكم الآخر لأن الألف لا تلفظ لما ذكرنا فيما سبق من أنهم يسقطون من اللفظ كل ألف كانت في آخر الكلمة. وأما الألف في جا فحذفت في قولهم جن لاجتماع الساكنين لأن النون التي هي ضمير الفاعل ساكنة والألف من جا ساكنة أيضا فسقطت الألف لاجتماع الساكنين فاتصل الضمير بالجيم الذي صارت في حكم آخر الفعل. ضمائر المخاطب للمخاطب أربعة ضمائر اثنان منها للمذكر المفرد والجمع واثنان للمؤنث المفرد والجمع، وليس للاثنين ضمير. 1 - ضمير المفرد المخاطب: كضمير المفرد المتكلم أي هو عبارة عن تاء ساكنة تتصل بآخر الفعل الماضي نحو ضربت وإنما يعرف كونه ضمير المخاطب لا ضمير المتكلم بقرينة الخطاب كقول القائل مثلا: شلت بيدك وضربت برجلك فالتاء الساكنة في شلت وضربت هي ضمير الفاعل المخاطب لا المتكلم بدليل الضمير في (بيدك) و (برجلك) أو بقرينة أخرى غير الخطاب كقول القائل مثلا: خدعتني فالتاء الساكنة في قوله خدعتني هي ضمير الفاعل المخاطب لا المتكلم لأن ضمير المتكلم قد جاء بعدها مفعولا. وخلاصة القول إن ضمير المفرد المخاطب إنما يماز من ضمير المفرد المتكلم بقرينة من قرائن الحال. 2 - ضمير جمع المخاطب: تو؛ أي تاء مضمومة بعدها واو ساكنة نحو ضربتو بعتو اشتريتو. وقد سمعت بعض أهل البادية يقولون بعتم اشتريتم فيجعل بدل الواو ميما إلاَّ أن الشائع في كلامهم هو الأول. 3 - ضمير المفردة المخاطبة: تاء مكسورة تتصل بآخر الفعل الماضي نحو ضربت بعت اشتريت. 4 - ضمير جمع المخاطب: تن؛ أي تاء مفتوحة تليها نون ساكنة نحو ضربتن بعتن اشتريتن جيتن. معروف الرصافي
الألفاظ الارمية
الألفاظ الارمية في اللغة العامية العراقية (شبح ولبح) فعلان مترادفان يريد بهما العراقيون - ولا سيما النصارى منهم - تكرار الكلام عن أمر واحد وربما كان بصوت مرتفع فشبح من (ش ب ح) بمعنى سبح ورتل ورنم؛ ولبح من (ل ب ك) ومفاده رنم ورتل. (شوبش بيده) أي عمل حركة تدل على الألفاظ التي يقولها وأظن أنها من الارمية من فعل (ش ب ش - ش وب ش ا) بمعنى تشبث وتعلق وقاد وارشد (شركيل) تشنج في أعصاب الرجل واليد يمنع الحركة ويعرقل موقف السابح في النهر ويربكه فإذا طال الأمد على هذا التشنج ولم يغثه أحد غرق صاحبه فهو من (ش ر ج ل) الجيم مصرية بمعنى شغل وألهى وربك وعاق ودهور ودحرج وورط وحدر ونزل.
(وشر المهيلة) أي صنعها أو بدأ بصنعها. ووضع الاعضاد حتى يظهر شكل السفينة ومن عباراتهم (وشرها حلو) أي هيكلها جميل. كما أنهم يقولون بمعنى وشر (دق) السفينة وقد ارتأى صديقنا الشيخ كاظم الدحيلي أن فعل (وشر) ربما كان مأخوذ من وشر الخشبة بالمنشار إذا نشرها (لغة العرب 96: 2). ورأينا في أصل هذا اللفظ أنه مأخوذ من الارمي أما من فعل (ش ور - ش ور ا) بمعنى سور أو عمل أو اتخذ سورا. أو من فعل (ش ور - ش وو ر ا) بمعنى (دق)؛ وفي كلاهما القلب موجود بتقديم الواو على الشين في لغة العراقيين. (جعق) وبالقلب عجق على لسان بعضهم وهو من فعل (ش ح ق) الارمي بقلب الشين جيما وإبدال الحاء عينا على ما نرى وقلب الجيم شينا وارد على لسان العراقيين فإنهم يقولون في (فشغ) الفصيحة (فجخ) والجيم مثلثة فارسية. ويقول المتكلمون بالارمية العامية من سكان قرى الموصل في (ش ق) الارمي (جيقا) ومن إبدال الحاء من العين في العربية الفصحى ضبحت الخيل وضبعت وبحثر الشيء وبعثره، والواقف على تطورات الألفاظ في ألسنة العوام لا يستغرب هذا التصحيف أو هذا الإبدال. ومما يثبت قولنا إن فعل (ش ح ق) يؤدي كل المعاني الحقيقية والمجازية التي يقصدها العراقيون من فعل جعق وعجق. أنه يفيد الرض والسحق والشق والضيق والزعج. كمدلولات كلمة الفرنسية. فيقولون لا تجعق أو تعجق القماش بمعنى لا تسحقه. ويقولون أراك معجوقا اليوم
أي مزعوجا. وسنبقى على رأينا حتى نرى ما يفنده، وعلى كل فإن فعل (ش ح ق) هو وفعل (سحق) العربي من واد واحد. (شطح الماء) أي ألقاه على سطح الأرض نشرا من (ش ط ح) بمعنى نشر وفرش ويفيد هذا الفعل معنى سطح وبسط العربي. (شطحة من الأرض) من (ش ط ح) بمعنى فسحة وساحة ورحبة وحوش. (شلح) من (ش ل ح) خلع ونزع ثيابه وتعرى مبنى ومعنى من الارمية إلاَّ أنها دخلت العربية منذ قديم العهد ويروى في المتعدي شلح وفي حديث للإمام علي (خرجوا لصوصا مشلحين). (شلع) أي قلع وهي مبنى ومعنى من (ش ل ع) ولكنها سوادية في الارمية نفسها أثبتت حديثا في معجمهم. (الشلب) بكسر الأول يطلق على الأرز بقشره فيقال زراعة الشلب ويريدون بها زراعة الأرز. وعلى رأينا أن الكلمة ارمية الأصل من فعل (ش ل ب) وحركة اللام الرباص والباء مثلثة ومعناها نبت وطلع وخرج وسنبل واخرج سنبلا. وعندهم اسم لمصدر (ش ل ب ا) بحركة اللام والباء بالزقاف والباء مثلثة فتغلب الاسم وهو النبت على الأرز وخص بالشلب في العراق. (شلب) من (ش ل ب) الباء مثلثة بتحريك اللام بالفتاح بمعنى نزع وقلع وجر وسل وخلع. (الشليف) من (ش ل ي ب ا) الباء مثلثة بمعنى الجوالق وتطلق اليوم في العراق على ما تحمله الدابة من التبن في الجوالق فيقولون شليف تبن ومنه المثل المعروف - ضربة غيري بشليف تبن (شمط) من (ش م ط) مبنى ومعنى ومؤداها سل ونزع وقلع واستأصل ونزع الخف وحل واخرج وانتضى. وفعل شمط لا يؤدي أحد هذه المعاني إلاَّ في حالة واحدة. يقال شمطت النخلة انتثر بسرها وشمط الشجر انتثر ورقه ونذهب إلى أن العربية احتفظت بهذا المعنى من الارمية لما له من العلاقة بالفلاحة
وهذا دليل آخر على أن كثيرا من ألفاظ الفلاحة مأخوذة عن الارميين. (شمر الحجارة وشمر الشيء) بمعنى طرح ونبذ ورمى من (ش م ر) ولهذا الفعل الارمي معنى شمر العربي الفصيح إلاَّ أن شمر لم يأت بمعنى طرح ونبذ ورمى كما يستعمله العراقيون. (فلان مشعشع) أظنه من (ش ع ا) لعب وهزل ومزح وازدرى وتكلم كلاما باطلا. واسم الفاعل عندهم (ش ع ي ا) وهو النباذ والمزاح و (ش ع ت ا) هو اللعب والمزاح والهزل والهذيان (شقل نفسه، وشقله واتشقل) من (ش ق ل) بمعنى رفع وحمل أو من (اش ق ل) رحل وانتقل ورفع وحمل ونقل ويقولون في العراق أيضا أخذ شقله أي عرفه وأخذ يسخر به وهي مشتقة أيضا من فعل (ش ق ل) الذي معناه أيضا وزن الشيء ورازه ليعرف ثقله. (الشاروفة) حبل طويل تجر به السفينة وحبل الدلو. ربما كان مأخوذا من اللفظ الارمي (ش ر وب ا) الباء مثلثة تحتانية بمعنى الخشن والغليظ من باب إطلاق الصفة على الاسم. كأنه الخيط الغليظ
(شقلة كبيرة) ويقال حصلت شقلة كبيرة وهي مشتقة من (ش ق ل ا) بمعنى الحصة والنصيب والهدية والعطية. (الشقفة) ويلفظها المسلمون (الشكفة) بكاف فارسية ويجمعونها على (شكف) هي قطع الشيء الصغير. ككسرة خبز أو كسرة حجر فهي من فعل (ش ق ب - ش ق وب ا) وفي اللفظين الباء مثلثة ومعناها هشم ورض، والشقفة هي الرضاض بالضم في الفصحى ومعناه دقاق الشيء وفتاته. ونقل الباء المثلثة الأعجمية إلى الفاء في لغة الضاد أشهر من أن يلمع إليه. وعلى كل إننا لا نرى أن الشقفة من فعل فشق العربي بالقلب ومن هذا اللفظ عينه فعل (شقف) أو شكف (على لفظ مسلمي العراق) بمعنى لقف في الفصيح أي تناول الشيء بسرعة أو تناوله مرميا إليه، لأن من مدلولات فعل (ش ق ب) الارمي شفق وصفق ولطم وضرب وقرع وصدم كأن الشخص يصدم ما يرمى به إليه. ومما يسترعي الانتباه أن العراقيين يستعملون لفظي (شقف ولقف) مترادفين وهذا مما يؤيد قولنا في الألفاظ التي مرت من الجمع بين لفظين أحدهما عربي والآخر ارمي على الترادف في لسان العراقيين. (شرش) وسمعتهم يقولون الهرش. وهو الأكثر شيوعا من (ش ر ش ا) وهو العرق نفسه كما تطلق اللفظة على أصل كل شيء. (شتل النبات) من (ش ت ل) غرس ونصب وأسس وشيد، ويقصد منه العراقيون المعنى الأول فقط والشتلة هي الغرسة من الشجر. (توز) يقولون جاء الماء توز وخاطبني توز بمعنى الشدة والحدة من فعل (تز) بمعنى ثار وهاج وغلا وفار ونزق وطاش واحتد وغضب. (تتن) للنبات المعروف الذي يدخن هو في الارمية الدخان (ت ن ن ا) و (ت ن ن ت ا) ودخن (تن) ومبالغته (ت ن ن) وجعله يدخن (ات ن) ودخاني (ت ن ن ي ا) وغير ذلك من المشتقات أفلا تكون تتن أو توتون التركية مشتقة من الدخان الارمية؟
(طبش) (بتشديد الباء) في السبح وطبش في الوحل وطبش في الأمر بمعنى حرك يديه ورجليه وهو لا يجيد السباحة أو أنه سقط في الوحل وفي الأمر وهو لا يعرف طريق النجاة فعندي أنها من أصل ارمي (ت ب ش) الباء مثلثة بمعنى غرز وركل ورفس ونطح باليد وفرغ وبطل عن العمل وقتل وسقط في الحرب. ويستعمل العراقيون هذا اللفظ بإبدال التاء طاء كما رأيت وهذا الإبدال وارد في العربية الفصيحة ذاتها فيقولون: الأقطار والإقتار أي النواحي؛ ورجل طبن وتبن؛ وما اسطيع وما استيع. (ترس) أي ملأ من (ت ر ز) بالمعنى نفسه. (خيار ترعوزي أو تعروزي) من (ت رع وز ت ا) وهو القثاء بلسانهم يوسف غنيمة كتابة كلمة رئاسة ورياسة ترى اليوم مطبوعات مصر تكثر من كتابة كلمة رئاسة بصورة (رآسة) وهي كتابة مخطوءة وردت في لسان العرب في مادة رأس والحال أن تلك الكتابة من الواقف على طبعه لا من المؤلف وإلاَّ فإن المؤلف كتبها بالياء في مادتي (زعم) و (سوس) وفي الاوقيانوس لعاصم؛ الريسة (بياء يليها ألف) ككتابة وكذلك في اختري الكبير وسائر كتب اللغة؛ ولهذا اخطأ اسعد خليل داغر بقوله في مذكرته (ص 81) المصدر على فعالة (ل. ع. أي بالفتح ولم يقله أحد) تقول رأس القوم يرأسهم رآسة أهـ. والحال إن المفتوح هو المضارع لا المصدر كما توهمه الأديب المفضال.
تاريخ الطباعة في العراق
تاريخ الطباعة في العراق مطابع الموصل تابع مطبعة الدمنكيين - 4 - 101 - (الخلاصة الوفية في علم الجغرافية) للقس يوسف يونان الموصلي الكلداني (1891 ص158) 102 - (كتاب الذهب لتهذيب أحداث العرب) لسليم حسون جزءان (1911 - 1913 ص80 - 80) 103 - (لمحة اختبارية وفنية في الحمى التيفوئيدية) للدكتور حنا خياط مدير المستشفى البلدي والمستشفى الفرنسي للآباء الدومنكيين في الموصل يومئذ (مدير الصحة العامة في حكومة العراق اليوم) (1911 ص42) 104 - (الأجوبة الشافية في فن الصرف والنحو) الجزء الأول في الصرف لسليم حسون (1906 ص264) 105 - (مختصر مفيد في أصول الصرف والنحو) لسليم حسون (جزءان طبع الأول طبعة ثانية ص116 - 128) 106 - (خلاصة الجغرافية) ألفه الأب روسيل الدومنكي وسليم حسون (ونشراه غفلا من اسمهما) ص180 107 - (ذخيرة الأذهان في تواريخ المشارقة والمغاربة والسريان) للقس بطرس نصري الكلداني طبع المجلد الأول سنة 1905 (ص599) وخربت
المطبعة في الوقت الذي أشرنا إليه ولما يكمل المجلد الثاني بل انتهى إلى (ص432) وقد بوشر بطبعه سنة 1913. لهذا لم يعرف المجلدان ولم يشيعا بين الناس. كتب بلغات مختلفة 108 - (المناهل الفرنسية لوراد العربية) رتبها وعربها المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1865 ص251) 109 - (غراماطيق نحو اللغة الفرنسية) باللغة العربية له (1865 ص262) 110 - (الطريقة الجديدة لتعليم الفرنسية في ستة أجزاء للأب لويليه الدومنكي (وقد اغفل اسمه لدى النشر) 1891 ثم 1895 وكرر طبع بعض أجزائه (ص143)
111 - (التحفة السنية لطلاب اللغة العثمانية) تأليف نعوم فتح الله سحار (1894 ص255 وطبع ثانية 1895 في جزءين ص 306 و294) 112 - (مكالمات تركية عربية) له (1896 ص200) 113 - (مبادئ القراءة السريانية) للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1874 و1879 ص107 ثم 1891 ص115) 114 - (اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية) على كلا مذهبي الغربيين والشرقيين. للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني. افتتحه بمقدمة في صفات اللغة السريانية وأنواع اللسان السرياني وفروع الكتابة لدى السريان والقلم القديم والأقلام التي اشتقت منه والعلامات العددية واستنباط الحركات وسائر العلامات الخطية السريانية والألفاظ المستعارة للسان السرياني والألفاظ المعارة منه مع مختصر تاريخ اللغة السريانية والكتب التي ألفت لضبطها وأحكامها. وقد استغرقت المقدمة 208 صفحات طبع أولا (1879 ص464) ثم طبع ثانية في مجلدين ضخمين؛ وقد نقحه وزاد عليه وذيله بخاتمة في صناعة الشعر طبع في (1896 و1898 ص479 - 414) ولهذا الكتاب ترجمة باللاتينية بقلم البطريرك رحماني ص730 115 - (دليل الراغبين في لغة الآراميين) للمطران يعقوب اوجين منا الكلداني أحد خريجي المدرسة البطريركية الكلدانية والأستاذ في مدرسة مار يومنا الحبيب الاكليركية للآباء الدومنكيين في الموصل في ذلك العهد في اللغتين الارمية والعربية بالحرف الكلداني مع مقدمة في تسمية الارميين بالسريان وبلاد السريان ولغتهم الصحيحة. والطريقة التي اتبعها في معجمه والمآخذ التي اعتمد عليها في تأليفه. وذكر بعض أصول ارمية لم تذكر في بقية المعجمات وتصحيح بعض أغلاطها (طبع 1900 ص873) رفائيل بطي
البطائح الحالية
البطائح الحالية ماضي البطائح الحالية كانت قبل الإسلام ارضين تزرع متصلة بأرض العرب ومن جيرانها بنو العنبر وباهلة ويشكر ومتصلة بميسان وكانت ذات مدائن وقرى معمورة في زمن الفرس أولا وفي العهد العربي أخيرا؛ فكانت (طهيثا) مدينة كبيرة في أول البطائح؛ وكانت (باذاورد) مدينة في آخرها وقد يتراءى للعابرين آثار بقايا عمارة في بطن البطائح وتحت الماء وذلك زمن ركود الماء وصفائه فيعلم أنها كانت عامرة في الزمن الغابر. وقد كانت السفن الكبار التي تنفذ من دجلة البصرة تجنح قريبا من مدينة (طهيثا ويحمل ما فيها بالزوارق كما هو جار في هذا العهد في البطائح اليوم واسمه عند النوتية (جواية) فكانت الزوارق تسير في مآزق من القصب حتى تنتهي إلى موضع ليس فيه قصب ويسمونه في القديم (الهول) وكانوا يتخذون بين هذه المآزق مواضع من القصب وهي أشباه الدكاكين عليها خصاص وأكواخ يكتلون فيها من البق والهوام وهذه تسمى اليوم كبائش (وتلفظ جبايش بالجيم المثلثة الفارسية). وكانت البطائح في أول عهد الإسلام والعرب آجاما وإحراجا فدخلها آباؤنا يقتلعون القصب ويزرعون في مكانه الأرز الطيب وأول من قلع القصب وغلب الماء بالمسنيات واستغل تلك الأرض هو عبد الله بن دراج مولى معاوية وقف العربي ابن الغدير والرمال على البطائح وهي خور واسع ومنخفض رحب يستنقع فيها الماء المسيب فيسبب غمقا ووبالة ومغايض وآجاما يكثر فيها القصب
المشتبك بعضه ببعض وهناك الإحراج الملتفة يتخللها خروق عميقة مظلمة كلها صهاريج من قصب أو أروقة اختبأ فيها الليل الدامس تسمعك نغيط البط ونقيق الضفادع وجحف التيار وتشغلك فيه صفقة البق وحكة الجرجس، أرض نز ودور تهتز وهواء كدر غليظ وماء سخن زعاق، آجام تكمن فيها الأسود، وغياض تمرح فيها الخنازير ومناقع تنساب فيها الأفعى لا مبرك فيها ولا مسلك ماء وبئ ومناخ خسيس يهولك منه دوي الهوام وصرير الجدجد تتوسطها تلول هادئة ساكنة لا تعبأ بطوارئ الزمن ولا تخضع لعواصف الرياح وما هي إلاَّ صناديق عبر. هذا هو تاريخ هذه البطائح التي تسلمها العربي فأنهضها صآصيء منيعة وجلب لها الاكرة والمزارعين فلقد أصبحت دساكر وضياعا بل آطاما بعد أن كانت آجاما؛ غدت عقود القصب مروج الذهب. ولما استقرت الدولة الإسلامية في العراق أصبح صقعه قراحا مخلصا للزرع وكثرت فيه السواعد والخلجان وتفرعت فيه السواقي والرواضع فكان للبطائح الحظ الأوفر لهذا الأمر الجلل؛ فتقدمت في الزهو والعمارة ودخل إليها العمال بالسفن وأوغلوا في المواضع المنيعة فانتزعوا منها الأدغال والقصب وأنبتوا بمكانها الأرز ولا يزال معمرو هذه البلاد يذكرون ما شاهدوا من بقايا منابت الأرز وخطط دباره المعروفة وأثرها اليوم ظاهر في الحفائر والمنخفضات وكانت في إبان الدولة الأموية قد بلغت الشأو الأعلى وجرت الشوط الأبعد؛ وبقيت البطائح كورة عامرة فتسعد أهلها إلى عهد الديالمة من الأيوبية فأهمل أمرها قليلاً فانفدت عمائرها ووهى شأنها وتغلب عليها قوم اتخذوا المياه معاقل حصينة لهم فتجرد من في تلك الأرض على السلطان وعلى هذا بقيت في عهد آل بويه وكذلك في عهد السلجوقيين. ولما انتعش بنو العباس عادت إلى حالها الحسن وكبرت فيها الجباية كما كانت في القديم وذكر حفيد الصابئ في كتاب الوزراء عمران البطيحة بخراب بغداد قال في حوادث سنة 392 لا جرم أن البلد (يعني به بغداد) خرب وانتقل اكثر أهله عنه فمنهم من مضى إلى البطيحة ومنهم من اعتصم بباب الازج ومنهم من بعد إلى عكبرآء والانبار وفي هذه السنة مضى أبو نصر بن سابور الوزير إلى
البطيحة وذكر غير الصابئ أن البغاددة تكاثروا في البطائح واكثروا فيها المباني والقصور ثم في أوائل القرن الثامن أخذت البطائح بالانتقاض واشتعلت بمشبوبات الفتن وابتدأت بتاريخ السقوط والانحطاط فتنازع أمرها الثوار وعصاة القبائل ولعبت دورا مهما في زمن انفصال البصرة عن حكومة بغداد والتهمتها ثورة المشعشعين وشملتها أمارة آل راشد في البصرة ولم تزل مشوشة مرتبكة إلى القرن الثاني عشر فتقدمت إلى التجدد لما حصل فيها من النشوف والجفاف فقام عمرانها الحاضر على أيدي أمرائها من آل سعدون فقد وسعوا فيها الجزائر بواسطة السدود والسكور وخطوا فيها مدينة سوق الشيوخ والناصرية والشطرة وبمساعدتهم اختط النجدي ابن خميس بلدة الخميسية. حاضر البطائح تقدم إن دجلة بعد أن انقطعت عن واسط استقامت جارية بينها وبين المذار مارة بكوت الإمارة فأنحسر الماء عن كثير من بقاعها وظهرت الارضون الجافة وعمرت ومصرت فأصبحت حواضر ومزارع فالقسم المهم من البطائح اليوم سهل منخفض يبتدئ من طلول واسط وينتهي إلى ضفاف الفرات الأسفل تحت ناصرية المنتفق ولكن لا تزال أرض الغالب منها ندية أو نزة إلاَّ أن آجامها الشهيرة أصبحت أثرا بعد عين فليس هي إلاَّ كورة عامرة وتمصيرها هذا حديث العهد لا يتعدى قرنا واحدا. وقد بقيت هذه البطائح حتى اليوم حريصة على عنوانها الأول فكثيرا ما تسمع من أهل تلك الأنحاء لفظة هور، وهويرة، وبطيحة وهي مراتع ومزارع هذا شأن ما انكشف من البطائح أما البقية الباقية فهي على قديمها مغايض وآجام ولكن المأمول أن تتحسن الحال فتصبح حرثا ومباني لأن الزراعة إذا تقدمت في العراق واستخدم الفلاح العراقي الفن والآلات العصرية في حرث الأرضين وسقيها لا تبقى اهوار فيه كما لا تبقى فيه جزيرة فيكون هذا الماء المتبطح ريعا لتلك الجزائر التي منها: جزيرة الرفاعي؛ وجزيرة البغيلة، وجزيرة الكار، وجزيرة الأبيض. وقبل سنوات خط المصلح الكبير ولكوكس الإنكليزي مشروعا زراعيا لو عمل به لما كان في العراق هور ولا جزيرة فلقد أشار بإقامة أربعة سدود كبيرة
على الفرات، لم يتم منها إلاَّ واحد وبقيت ثلاثة؛ وقد نفع هذا السد وأحيا مواتا كثيرا. وكان من خطته إنشاء سد كبير على دجلة وخزان للفرات وخزان لدجلة وكري الأنهار والترع القديمة الموجودة هناك على أن الفرات لكثرة ما حمل تدافع جريه إلى الأمام واخذ يخد له مجرى أو مسيلا جديدا ثم اشتد خوره بتطاول الزمن حتى حفر له واديا في وسط البطائح واخذ الماء يغور فيه والأرض تنكشف لأن الماء يهبط في ذلك الخور والمارة اليوم تشاهد في وقت الجفاف سيفا أو جرفا أخذ يبدو في بطائح الفرات وهذا غير (نهر الشافي) القديم فقد ظهرت اليوم ضفتاه أيضا كأنه يريد أن ينعزل من البطائح بعد أن اندمج فيها زمنا طويلا وهاهو ذا تظاهر بطلب الاستقلال وبما أن البطائح كلها أو جلها أصبحت غرسا ومزرعة يستنبت فيها الأرز والنخل السحوق فلا بد أن يكون هذا سببا لارتفاع المنخفضات كما حصل ذلك في اكثر بقاع الأرض واهم المواضع التي بقيت حتى الآن بطائح (برق الحمار) حيث تجتمع هناك مياه دجلة والفرات من عدة منافذ وشعب فتصبح اهوارا متصلة بعضها ببعض حتى تبلغ مبدأ شط العرب أما منافذ الفرات وشعبه فإنها تبتدئ من سوق الشيوخ إلى أن يدفع الفرات في الحمار ولا يحفظ عمودا بينا وإليك أسماء تلك الأنهار التي (تتشاطر الفرات من ثلاث جهات سوق الشيوخ) أما الرابعة من جهاته فمتصلة بالبادية بعدة انهار: 1 - قرمة النواشي 2 - أم الطبول 3 - العتيبة 4 - الطليعة 5 - الاصيبح 6 - الكرماشية 7 - أم نخلة وهي مجرى الفرات القديم ولكنه اندرس لتشعب الأنهار الكثيرة منه ولأم نخلة جداول كثيرة أحصي منها سبعة وهي المهمة: 1 - الرحمانية 2 - الرميحية 3 - الزيادية 4 - الناطور 5 - الماريقاوية قرية بني سعيد 6 - نهر المؤمنين 7 - أم شكات (بتشديد الكاف) المثلاوية. هذه كل شعب الفرات إلى الحمار أما دجلة فتصب فيه من جهات أهمها: العمود وهو نهر ميسان أو نهر العمارة ومنها نهر الغراف وهذا يصب فيه من بز البدعة؛ واليوم في الحمار ظهور كثيرة مغروسة ومأهولة وأكثرها سدود ومحمولة و - جبايش - فكأن تلك البطيحة بحر ملؤه الجزائر. علي الشرقي
فوائد لغوية
فوائد لغوية أصل ياء النسبة في لغتنا البديعة ياء النسبة إلى الأعلام. فإنك إذا أردت أن تقول مثلا: هذا الرجل هو من بغداد أو من العراق. استغنيت عن قولك (من بغداد أو من العراق) بقولك: بغدادي أو عراقي. فمن أين جاءتنا هذه الياء؟ إنك تعلم إن ليس من حرف في اللغة العربية إلاَّ وهو مقطوع من كلمة كانت تفيد المعنى المطلوب من ذلك الحرف ولا يشذ من ذلك حرف واحد. فياء النسبة إذا من هذا القبيل. والذي نراه أن الياء مقطوعة من كلمة (قي) بقاف مكسورة وياء مشددة ومعناها في العربية الأرض القفر الخالية؛ والمراد بذلك الأرض التي ينتسب إليها الرجل؛ وأنت تعلم إن الديار كانت في العهد القديم خاوية خالية ومسكن الناس الخيم وبيوت الشعر. فإذا غادروا موضعا لم يبقوا فيها سوى الأطلال والدمن. وعليه: إن قلت فلان بغدادي أو عراقي فمعناه: بغداد أو العراق قيه أي أرضه أو مسكنه أو موطنه. أما إن سألت: ولماذا قدرت كلمة (قي) ولم تقدر كلمة أخرى؟ قلنا 1 - لأن ياء التشديد في (قي) لا تجدها في غيرها من الكلم الخفيفة 2 - لأن الكلمة واحدة الهجاء عند الوقف أو ثنائية الهجاء في الدرج والعلماء لا يقدرون من الألفاظ المحذوف بعضها إلاَّ إذا كانت كذلك. 3 - لأن هذه الكلم من اقدم الكلم الواردة في جميع اللغات فهي في الشمرية (قي) أو (جي) كما في العربية. وهي باليونانية (جي أو قي أيضا ولهذا سمى الشمريون ديار العراق في قديم العهد (قان جي) أي (قي القان) بمعنى أرض القان أو القنا وهو نوع من الشجر كالقصب تتخذ منه القسي ينبت في الارضين الرطبة الحارة الإقليم. ومثل القي في العربية القوى (وزان
أنوفلس لا أبوفلس
النوى) وقد اختلفت الألفاظ المشتقة منها بالقلب والإبدال إذ منها الجو والجمو والجعوة والجيئة والجوة والقواية والقاع، كما منها جع الرجل: إذا أكل الطين. 4 - إن في (قي) حرفين الأول منهما كثير التقلب ينقل بسهولة إلى حروف شتى فيقلب همزة عند كثيرين من المحدثين المعاصرين كأهل حلب وبعض سكان بيروت ومصر. فيقولون: آل وآم وأريب، وهم يريدون: قال وقام وقريب. وقال الأقدمون: الافز ومخرنبئ وزهاء مائة، وهم يريدون: القفز ومخرنبق وزهاق مائة. وقد تقلب تلك القاف جيما مثل سجعت الحمامة وسقعت؛ الجلاط والقلاط؛ جذف وقذف، جد وقد، رتج ورتق، إلى غيرها وهي مئات. ولهذا نرى العجعجة في قضاعة فإنهم يجعلون الياء المشدودة جيما، فيقولون تميمج في تميمي. وربما حولوا الياء جيما إذا جاورتها عين فيقولون هذا راعج خرج معج وهم يريدون: هذا راعي (بياء مشددة مفتوحة) خرج معي (راجع في هذا الباب المزهر 109: 1 من طبعة بولاق الأولى. وتاج العروس في مادة عجعج) وقال في المزهر (110: 1): (ومن اللغات المذمومة إبدال الياء جيما في الإضافة، نحو غلامج (أي غلامي) وفي النسب نحو بصرج وكوفج (أي بصري وكوفي) أهـ. فالظاهر إن هذه اللغة أما من باب قلب ياء (قي) الأصلية جيما أو من باب قلب القاف جيما، محافظة على اصلها. وقد تقلب القاف هاء وغينا وصادا وعينا وتاء وطاء وفاء ودالا وحاء وخاء وشينا وسينا وراء وزايا وواوا. ولنا على ذلك شواهد من كتب اللغة وقد اجتزأنا بما ذكرنا لكي لا نطيل الكلام في غير مقامه. هذا رأينا في أصل ياء النسبة وإن كان لغيرنا رأي يخالفه ويثبته بأدلة من أقوال العلماء وآراء اللغويين فليأتنا به ونحن له من الشاكرين سلفا. أنوفلس لا أبوفلس انوفلس بعوضة تنقل البرداء. والكلمة يونانية معناها (المؤذية) وهي كذلك حقيقة. إلاَّ أني سمعت أحد الأدباء يقول: هي ابوفلس لا انوفلس،
والكلمة عربية لا يونانية. وهي مركبة من (ابو) أي ذو. و (فلس) أي قطعة من الدرهم خسيسة الثمن، وسبب تسميتها بذلك، لأنك ترى على ظهري جناحيها نكتة كأنها الفلس. ولا يشترط بأن يكون ذلك الفلس مدورا أو طويلا لأن أشكال الفلوس كانت تختلف باختلاف البلاد والأزمان. قلت له: هذا يشبه قول السلف إن هذه الألفاظ وهي: أبو قلمون وأبو خراش وأبو حلسا (وهو الشنجار وقد ذكره الزبيدي في تاجه في مادة شنجر) عربية والحال أنها كلها دخيلة في لغتنا، واصل أبو حلسا: انوخلس فصحفها بعضهم كما صحفنا الآن انوفلس. الزرطقة في المقتطف (377: 59) مقالة حسنة في تقدم العلوم والفنون الزراعية لصاحبها الأمير مصطفى الشهابي ذكر فيها أن الزرطقة (تأتي بمعنى وصف الخيل وتربية الخيل وهي معربة عن الفارسية قديما) ونحن نتحدى الكاتب في إثبات هذا المعنى في مصنفات العرب كما نتحداه في ذكر اللفظة الفارسية المعربة عنها. أما الصحيح فهي رومية (لاتينية) الأصل راجع ما كتبناه في مجلتنا هذه 411: 4. الفسيولوجية أو علم الخلقة اختلف الكتاب في وضع لفظ مقابل للإفرنجية فسيولوجية فمنهم من قال (علم وظائف الأعضاء) وهي أطول من يوم الصوم، وتركها من المستحسنات؛ ومنهم من زادها طولا فقال: علم وظائف المخلوقات الحية وآخرون علم تركيب الحيوان وجماعة علم القوى النباتية والحيوانية وفريق علم الموجودات الحيوية وفي الآخر جاء من قال الفسلجة. وكل ذلك يدل على إن الكتّاب ذهبوا كل مذهب في تعريب الألفاظ، وعندنا إن الكلمة لو تعرب معنويا تغنينا عن كل هذه الأوضاع الغريبة ففسيولوجية مركبة من كلمتين من فوسي أي طبيعة أو خلقة ولوغوس أي علم أو كلام ومحصلها علم الخلقة وأنت خبير بأن خلقة الأعضاء موضوعة على القيام بوظائفها فقولك علم الخلقة أوفى بالغرض من سائر تلك المصطلحات وعلماء الخلقة أو (الخلقيون) بكسر الأول هم الفسيولوجيون كما قال الأقدمون في علم النحو نحويين أو نحاة.
باب المكاتبة والمذاكرة
باب المكاتبة والمذاكرة خواطر لحضرة (كذا) الأستاذ الفاضل الأب انستاس ماري الكرملي المحترم طالعت الجزء السابع من مجلتكم لغة العرب الزاهرة، وعن لي أن اذكر كلمة فيها. راجيا طبعها بحروفها: 1 - في صفحة 402 سطر 8 عبارة (ممن أسرف في اللغة) فلم يصل معنى هذه العبارة لذهني (كذا) الكليل مع أن الكتاب هو رد على من طعن في مذهب السلف. (ل. ع) السرف والإسراف في اللغة؛ مجاوزة القصد والمعنى واضح بعد هذا. 2 - ص402 س18: (كلط بالكاف الفارسية بمعنى رطن وألقى الكلام على عواهنه ويسمي العراقيون هذا الكلام تكليط) فلا يوجد في العراقيين من يقول ذلك. بل يقولون جلط بلام مشددة والكلمة عربية (جلط الرجل إذا كذب) من لسان العرب وهم يقولون كلط بكاف فارسية ولام مشدة (كذا) أي تقدم لعلها محرفة من كلأ (كذا) وكلأ السفينة من الشاطئ أدناها منه (قاموس) فاستعملوها للتقدم. (كذا) (ل. ع) كلط بالمعنى الذي ذكره الكاتب الأول نصرانية عراقية مشهورة أشهر من قفا نبك. 3 - في ص409 (كالوك المنحرف الشكل من الحجارة ينطق به البناؤن في العراق) والحال أن الكالوك عند البنائين الحجر المنحوت من جهتيه نحتا متقنا ليكون في الزاوية ولم اعلم له مصدرا (كذا أي لا اعلم اصله)، لأن اغلب أدوات البنائين من الفرس ولكني لم اعثر عليها في لغتهم. (ل. ع) أراد الكاتب بمنحرف الشكل منحرف الزاوية وهو واضح فلا إشكال بعد هذا
4 - في ص415 بحثكم في أن ميم معروف ومعترف ومصحف ومكنسة اصلها من (من) الإنكليزية ومرء العربية بمعنى رجل فيحق لكم أن تتمثلوا بقول الشاعر: وأني وأن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل (ل. ع) لم نقل من (من) الإنكليزية وإنما ذكرنا لها مشبها في الإنكليزية فليراجع ثم أن العلم اجتهاد لا وحي أو الهام. 5 - في ص417 س10 ذكرتم الفقير من قرى الاحساء وهي العجير كما ينطقون بها أو العقير تصغير عقر (كذا) كما ذكرها ياقوت في معجم البلدان. (ل. ع) أصبتم والخطأ من الطبع ولكنها تصغير العقر لا عقر. 6 - ص417 آخر سطر (فلعل ينفسح بعد ذلك) ولم أر لعل داخلة على مضارع بتة فأرجو إيضاح ذلك. (ل. ع) كتبنا في الأصل (لعله) فسقطت الهاء وفي مجلتنا أغلاط طبع أخرى غير هذه وجل من لا عيب فيه. 7 - ص421 س21 ذكرتم (والباون هو نصف كيلو) وحيث أن مجلتكم ربما تقع في يد من يستشهد بها لما لكم من المقام والشهرة في الاطلاع فيظن الأمر حقا والحال أن الباون هو الليبرة ووزنها 140 درهما بينا نصف الكيلو 156 فالفرق نحو العشر آمل أن تبادروا لتصحيحه (كذا) (ل. ع) اللبرة هي الباون لكن ثقل اللبرة يختلف باختلاف الأماكن والأزمنة هذا ما نص عليه لاروس في معجمه، فإن كنتم اعلم من الإفرنج بمصطلحاتهم فندع لكم الأمر ولا نماريكم فيه. أما المشهور عندهم فهو أن اللبرة نصف الكيلو ولا يهمنا ما يجري في بغداد. 8 - ص427 س20 قلتم (وعبارة هذا التصنيف وسط بين العامي والفصيح وأغلاط الطبع متوفرة فيه إن شاء الله تعالى) ولم اقف على إدخال هذه الجملة على الماضي بل هي للمستقبل وفي الآية الكريمة: ولا تقولن لشيء أني فاعل ذلك غدا إلاَّ إن يشاء الله (الكهف) فإن وجدتم أن العرب أدخلتها على ماض آمل أن ترشدوني إليه. (ل. ع) من خصائص اللغة العربية أن الماضي فيها يأتي بمعنى المستقبل وبالعكس نحو قوله ستجدني إن شاء الله من الصابرين. فهذا ماض (أي شاء) يدل على مستقبل ونحو
المصري
قوله (وما تشاءون إلاَّ إن يشاء الله) وهذا يدل على ماض إن شئت وعلى مضارع إن شئت أيضا إذ معناه ما شئتم شاءه الله وما تشاءون إلاَّ إن يشاء الله. 9 - ص438 س7 قلتم (أبو جويريد) والحال أن عموم العراقيين بدوهم وحضرهم يسمون العشر الأول من كانون الأول الرومي جويريد لأن فيه يجرد الورق عن الشجر فأعتبر أنه الفاعل. فهي جرد (كذا) صغرت إلى جريد (كذا) ثم صغرت إلى جويريد (كذا) ولم يكنها أحد بتة، فإن وقع ذلك آمل الإرشاد إليه. (ل. ع) إن سمى العامة البرد الذي يجرد الأوراق (أبا جويريد) فمحقون وأن سموه (جويريداً) فمحقون أيضا إذ لا حرج في مصطلحاتهم. أما أن كنتم سمعتم جويريدا فلقد سمعنا أبا جويريد. وأما أن جويريدا هو اجرد صغرت (إلى) جريد ثم صغرت (إلى) جويريد فهذا في لغة يجهلها الذين في السموات والذين على الأرض ولعلها في لغة يجهلها الشياطين أنفسهم ولا يعرفها إلاَّ الصديق المحبوب حرسه الله أو يحرسه الله إن شاء الله أو إن يشاء الله على ما يحب وتهوى نفسه. فيصح حينئذ هنا قول الشاعر: وأني وأن كنت الأخير زمانه ... لات بما لم تستطعه الأوائل هذا وإن يكن ما ذكرتموه هو من استعمال نصارى بغداد خاصة فيلزم التنبيه ولا تلقوا تبعة البعض على الكل. (ل. ع) هو من باب إطلاق الجزء على الكل. وأما ما قلتموه لي من أن تبعة ما يحرر يسئل (كذا) عنها كاتبها فإني أرى أنكم بقبولكم لها قد رضيتم عنها لذا اوجه أسئلتي لكم (كذا) وأرجوكم العفو والسماح (كذا) سيدي. عبد اللطيف ثنيان (ل. ع) أما أن كل إنسان مسؤول عن أعماله لا عن أعمال غيره فهو مما لا يحتاج إلى برهان (وأرجو العفو (والصفح) سيدي). المصري عند الإفرنج كلمة لم يتفق كتّاب العصر على نقلها إلى العربية وهي ويراد بها بيت من زجاج مختلف السعة تحفظ فيه بعض الأشجار والنباتات التي يخشى عليها من البرد الشديد أو الثلج، والكلمة الإفرنجية مشتقة من فعل هو عربي في الأصل وهو صرى أي حفظ ووقى؛ فمعنى اللفظة الإفرنجية إذا المكان الذي تحفظ فيه الأشجار. ومن عجيب قول لتره اللغوي الفرنسي أن صواب كتابة فعل هو براء واحدة لا براءين كما يكتبها وطنيوه.
المشابهة بين ألفاظ اللغات سيدي منشئ مجلة لغة العرب المحترم: بينما كنت أنقب في بعض القواميس الإفرنجية عثرت على كلمة جليدس اللاتينية التي تطابق لفظة جليد العربية معنى ومبنى، وقد بان لي بعد الفحص والتدقيق أن هذه المفردة قد وردت في كلتا اللغتين المذكورتين ولم يقتبسها فريق من آخر كما وقع غيرهما من المفردات في كثير من اللغات. ولا بد من أن حضرتكم وقفتم على كثير من أمثال هذه الكلمة في أبحاثكم اللغوية فهل تجودون بنشرها على صفحات مجلتكم ليحيط بها علما من يهمه الوقوف على دقائق الحقائق. وأبقاكم الله سيدي منارا ساطعا لحل المشاكل والمعضلات. رزوق عيسى (لغة العرب) إننا نجيب طلبكم إذا انفسح لنا المجال: إلاَّ إن كثرة المقالات المكدسة عندنا والتي تقع في أجزاء سنة بأسرها، لا تدعنا أن ننشر منها شيئا في هذا العام. حضرة الأستاذ الفاضل مدير مجلة لغة العرب المحترم: ظهر لي أثناء دراستي اللغة الفرنسية على أستاذ يحسن اللغة الكردية أن هناك تشابها يكاد يكون كليا بين اللغتين (الفرنسية والكردية) وهذا ما حملني على أن أرى أن هناك علاقة بين الأمتين، ولا سيما بعد أن علمت أن بين الأكراد من يسمون (الجلوا) وهذه الكلمة تكاد تشبه الكلمة الافرنسية غلوا أو جلوا، فهل لكم أن توضحوا لنا هذا في مقال يكون شافيا بالمرام ولكم الشكر سلفا سيدي. عبد الحميد حمدي (لغة العرب) لا ينكر إن بين اللغتين تشابها حقيقيا لأن أصل الأكراد آريون أي من أصل الفرنسيين فلا عجب بعد هذا إذا وجدت مشابهة بين ألفاظهم وألفاظ الغاليين. أما إن (الجلوا) تشبه (الجلوا) الثانية التي بمعنى الغاليين فمن باب المصادفة لا غير.
أسئلة وأجوبة
أسئلة وأجوبة سألنا صاحب مجلة الحارس على من اعتمدنا في نقدنا كتابه حينما قلنا إن الجري هو السلور وليس بالحنكليس الذي هو الجريث. وإن الرخمة ليست بالشوحة. وأشهره دون شهره صحة. والكهربا مقصور لا ممدود والنسبة إليه كهربية لا كهربائية. وإن قولك فرنساوي خطأ والصواب فرنسي وإن كان يجوز لك أن تقول حيفاوي وعكاوي ونمساوي وجرجاوي. 1 - الجري هو السلور والجريث هو الانقليس قلنا: قال ابن البيطار في مادة جري من مفرداته: (قال) اسحق بن سليمان أهل مصر يسمون الجري: السلور وهو حوت كثير اللزوجة والسهوكة جدا. وقال في مادة السلور: هو الجري. قلنا: وابن البيطار في هذا الموضوع حجة ويقال في السلور الصلور بالصاد. أما الحنكليس هو الجريث أو المارماهيج فظاهر من استعمال العراقيين له. وفي لسان العرب في مادة جريث: الجريث بالتشديد: ضرب من السمك معروف ويقال له الجري. روي إن ابن عباس سئل عن الجري فقال: لا بأس إنما هو شيء حرمه اليهود. وروي عن عمار لا تأكلوا الصلور والانكليس. قال أحمد بن الحريش: قال النصر: الصلور الجريث والانقليس المارماهي. وروي عن علي (عم) أنه أباح أكل الجريث. وفي رواية أنه كان ينهي عنه وهو نوع من السمك يشبه الحيات. ويقال له بالفارسية المارماهي. أهـ فهذا الكلام الأخير هو الذي يجري عليه العراقيون إذ يسمون السلور جريا والجريث مرمريجا (أو مارماهيجا كما هو المألوف في تعريب الأسماء الفارسية) المنتهية بهاء أو ياء أو واو أي أن العرب تزيد بعد الياء والواو جيما وتبدل الهاء الأخيرة من الجيم) ونظن أن هؤلاء الذين ذكرناهم أعلى حجة من صاحب محيط المحيط.
2 - الرخمة ليست بالشوحة بل الشوحة هي الحدأة قال الدميري في كتاب حياة الحيوان في ترجمة الشوحة: قال ابن الصلاح في الفتاوى أنها الحدأة وقد تقدم ذكرها في باب الحاء المهملة - والحدأة يسميها العراقيون الحديا إلى عهدنا هذا. وقد ذكر الاسمين صاحب اللسان وقد رأينا وسمعنا أهل سورية يسمونها الشوحة. إذن هذه حقيقة لا شك فيها ثم أن الحدأة طائر يصيد الجرذان كما صرح به جميع اللغويين وعلماء الطير. أما الرخمة فقد قال عنها الدميري: طائر أبقع يشبه النسر في الخلقة وكنيتها أم جعفر وأم رسالة وأم عجيبة وأم قيس وأم كبير ويقال الانوق. والجمع رخم والهاء فيها للجنس. . . ويقال لها ذات الاسمين لذلك. . . وقال عن الحذاة (الشوحة) الحداة بكسر الحاء المهملة: احسن الطير وكنيته أبو الخطاف وأبو الصلت. . . وهي لا تصيد وإنما تخطف. ومن طبعها إنها تقف في الطيران وليس ذلك لغيرها من الكواسر. . . أهـ. فهذه نصوص واضحة على أن الرخمة غير الحداة أو الشوحة، ولو كان الاسمان لطائر واحد لاتفقت الأسماء والكنى والأوصاف. 3 - أشهره بمعنى شهره غير ثبت قال في المصباح: شهرت زيدا بكذا وشهرته بالتشديد مبالغة. وأما أشهرته بالألف بمعنى شهرته فغير منقول. أهـ. فأين بقي صاحب محيط المحيط ومن اتبعه؟ ونظن إن صاحب الحارس يضع الفيومي فوق البستاني. هذا فضلا عن أن صاحب محيط المحيط يقول: (وأشهره بمعنى شهره وهو غير ثبت) 4 - الكهربا لا الكهرباء والكهربية لا الكهربائية قد كتبنا ما يكفينا في هذا المعنى فليراجع (234: 4 - 235) 5 - لماذا يقال مثلا حيفاوي ولا يقال أبدا فرنساوي يقال مثلا حيفاوي ولا يقال فرنساوي لأن ألف حيفا واقعة رابع حرف وأما ألف فرنساوي فواقعة خامس حرف. وفي مثل النسبة إلى حيفا يقال حيفي وهو الأحسن وحيفاوي وهو دون السابق حسنا وحيفوي وهو دون حيفاوي فصاحة. قال سيبويه في كتابه (77: 2 من طبعة مصر القاهرة) هذا باب
الإضافة إلى كل اسم كان آخره ألفا زائدة لا تنون وكان على (أربعة حروف) وذلك نحو حبلى ودفلى. فأحسن القول فيه إن تقول حبلي ودفلي لأنها زائدة لم تجيء لتلحق بنات الثلاثة ببنات الأربعة فكرهوا أن يجعلوها بمنزلة ما هو من نفس الحرف وما أشبه ما هو من نفس الحرف. وقالوا في سلى (وزان دفلى) سلي (بكسر الأول وتشديد الثاني المكسور وبتشديد ياء النسبة) ومنهم من يقول دفلاوي فيفرق بينها وبين التي من نفس الحرف بأن يلحق هذه الألف فيجعله كأخر ما لا يكون آخره إلاَّ زائدا غير منون نحو حمراوي وضهياوي فهذا الضرب لا يكون إلاَّ هكذا فبنوا هذا البناء ليفرقوا بين هذه الألف وبين التي من نفس الحرف وما هو بمنزلة ما هو من نفس الحرف فقالوا في دهنا: دهناوي وقالوا في دنيا: دنياوي. وإن شئت قلت دنيي على قولهم سلي. ومنهم من يقول حبلوي فيجعلها بمنزلة ما هو من نفس الحرف. وذلك أنهم رأوها زيادة يبنى عليها الحرف ورأوا الحرف في العدة والحركة والسكون كما هي فشبهوها بها كما أنهم يشبهون الشيء بالشيء الذي يخالفه في سائر المواضع) أهـ كلام سيبويه وفي لسان العرب في مادة حبل: قال أبو زيد: ينسب إلى الحبلى: حبلوي وحبلي وحبلاوي أهـ. وكذا في سائر كتب اللغة المشهورة. أما أنه لا يقول فرنساوي أبدا بل فرنسي والأول خطأ صريح قبيح والثاني صحيح مليح فواضح من كلام سيبويه أيضا فقد قال في كتابه (78: 2) ما هذا نصه بحرفه: (هذا باب الإضافة إلى كل اسم كان آخره ألفا وكان على خمسة أحرف. تقول في حبارى حباري، وفي جمادى جمادي. وفي قرقرى قرقري. وكذلك كل اسم كان آخره ألفا وكان على خمسة أحرف. وسألت يونس عن مرامى؟ فقال: مرامي (كل ذلك بتشديد الياء) جعلها بمنزلة الزيادة. وقال: لو قلت مراموي لقلت حباروي كما أجازوا في حبلى حبلوي؛ ولو قلت ذا لقلت في مقلولى مقلولوي؛ وهذا لا يقوله أحد (هل سمع زميلنا هذا الكلام؟) إنما يقال مقلولي. كما تقول في يهيرى يهيري. فإذا سوى بين هذا رابعا وبين ما الألف فيه زائدة نحو حبلى. لم يجز؛ إلاَّ إن تجعل ما كان من نفس الحرف إذا كان
خامسا بمنزلة حبارى؛ فإن فرقت بين الزائد وبين الذي من نفس الحرف دخل عليك أن تقول في قبعثرى قبعثروي لأن آخره منون، فجرى مجرى ما هو من نفس الكلمة فإن لم تقل ذا، وأخذت بالعدد فقد زعمت انهما يستويان وإنما ألزموا ما كان على خمسة أحرف فصاعدا الحذف لأنه حين كان رابعا في الاسم بزنة ما ألفه منه كان الحذف فيه جيدا، وجاز الحذف فيما كانت ألفه من نفسه. فلما كثر العدد كان العدد لازما، إذ كان من كلامهم أن يحذفوه في المنزلة الأولى، وإذا ازداد الاسم ثقلا كان الحذف الزم، كما أن الحذف لربيعة الزم حين اجتمع تغييران. (وأما الممدود مصروفا كان أو غير مصروف، كثر عدده أو قل، فإنه لا يحذف (ليتميز الممدود من المقصور) وذلك قولك في خنفساء خنفساوي وفي حرملاء حرملاوي، وفي معيوراء معيوراوي. . . أهـ كلام سيبويه. إذا في كهرباء (إن مددتها) كهرباوي لا كهربائي كما هو الشائع غلطا. وقد نقلنا هذا الكلام بطوله وعرضه لأن كثيرين يجهلون قواعد النسبة أو الإضافة في مثل الألفاظ التي ذكرناها. وهل بقي لحضرة الزميل شك في ما خطأناه فيه. إذا لغة العوام شيء (وهو قولهم فرنساوي وأورباوي وكهربائي) مثلا ولغة الفصحاء شيء آخر (وهو قولهم فرنسي وأوربي وكهربي) أما مؤلف محيط المحيط (الذي يقول عنه صاحب الحارس: نرده إلى حجة اللغة المتفق عليها اليوم (كذا وامسك نفسك عن الضحك) إلى قاموس محيط المحيط الذي يجب على حضرته وعلى سائر المشتغلين في اللغة (كذا) أن يطأطئوا له الرأس احتراما (وهذه المرة الأولى نسمع أن محيط المحيط حجة في اللغة) فإنه قال: فرنسا بلاد في أوربا والنسبة إليها فرنسوي. فالخطأ إذا ظاهر منه ومن أستاذه ولا سيما لأن العرب عربت قديما كلمة فرنسة بصورة إفرنجة أو فرنجة وقالت في النسبة إليها: إفرنجي أو فرنجي ولم يقولوا افرنجاوي أو فرنجاوي. ثم أطلقوا هذا اللفظ على كل أوربي وأن لم يكن من فرنجة من باب التوسع. ونظن إننا أشبعنا هذا الموضوع كلاما لكي لا نعود إليه مرة ثانية. ولكي يعلم الكتبة أن الكثيرين منهم يعثرون في هذه العقبة وأن المصيبين هم قليلون إذ ما اكثر العوام وما اقل الخواص. وما اكثر الغلط وما اقل الصحيح!
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد 40. أسباب النهضة العربية في القرن التاسع عشر تأليف أنيس زكريا النصولي، طبع في بيروت سنة 1926 في 142ص بقطع 12. صديقنا أنيس زكريا النصولي من شبان العصر المنورين. لا يكتب في موضوع إلاَّ من بعد أن ينعم النظر في جميع أجزائه على ما يقول به أبناء الشرق وأبناء الغرب معا؛ ولقد عرف بهذه المزية منذ تلقيه العلم في جامعة بيروت الأميركية وهذا الكتاب فاز (بجائزة هوردبلس الأولى) حين أعلنت الجامعة المذكورة أنها تكافئ بها من يفوق غيره في الموضوع الذي صرحنا باسمه. وكان ذلك في سنة 1924. والحق يقال إن (أسباب النهضة) حسنة التبويب إذ سرد صاحبها بعضها على أسلوب يسترعي الأنظار والأفكار. على إننا نستأذن صاحبها في إبداء بعض ما عن لنا في أثناء مطالعتها. إننا نرى عنوان الرسالة أوسع من الموضوع الذي عالجه وإن شئت تشبيها فقل أن الثوب على هذا الجسم فضفاض. ولو عنونها (بأوائل النهضة العربية في سوريو ومصر) لوافق الاسم المسمى أما أنه وسمها بأسباب النهضة العربية وهو قد اغفل ذكر ما يتعلق بها في العراق وجزيرة العرب وغيرهما من الديار الضادية اللسان فليس في ذلك تدقيق ولا تحقيق. ثم إننا لا نرى (نهضة) حقيقية في البلاد التي تكلم عنها. إنما فيها (أوائل نهضة) فلو كان فيها نهضة حقيقية؛ لكان فيها ما كان فأين علومنا المختلفة، وصنائعنا المتعددة. ومعاملنا المتنوعة ومصانعنا التي تهيئ لنا الوسائل ليكون أبناء ديارنا غير محتاجين
إلى الأجانب إلاَّ في القليل. فهذه كلها وغيرها تشير إلى إن ليس لنا نهضة حقيقية بل (أوائل نهضة) لا غير. وللصديق بعض آراء يشم منها تحقير أبناء العرب آباءنا. فقد قال مثلا في ص20 (برعت البلاد الشرقية في العلوم الكلامية الجدلية التي ليس من ورائها كبير فائدة وكادت أن لا تتحرك إلى الحياة العملية. . .) قلنا - لكل علم فائدة وغاية. ولعلوم الكلام والجدل منافع غير منافع علوم الطبيعة. ولو قال في مكان هذه العبارة: وقد اكتفى أبناء بلادنا الشرقية بعلوم الكلام والجدل ولم يعنوا بمرافق الحياة وعلوم الطبيعة لكان له عذر. وإلاَّ لماذا لا يعيب على أبناء الغرب مثل تلك العلوم التي ترى في بلادهم وكتبهم في علم الكلام والجدل تفوق بعددها ما ينشر في ربوعنا. وذكر مثل هذا المعنى في ص58 وزاده به فليراجع وقال في ص40 (ويقول محبذو فكرة التعليم باللغات الأجنبية أن العلم العصري يسير مسرعا نحو الرقي لما يستجد دوما من الاختراعات والمبادئ الطبيعية والاجتماعية التي يصعب على التلميذ تتبعها باللغة العربية لقصور التعبير فيها. عدا ما يقتضي من المصارف الباهضة وعدم رواج سوق الأدب والعلم في ديارنا. هذه أدلة وجيهة، ولكنها لا تنفي أنها ضربت اللغة العربية العلمية في قلبها. إذ فقدت التأليف العلمي المطلوب من خريجيها المطلعين على نواميس النشوء والارتقاء العصرية. . .) إلى آخر ما قال. ونحن لا نوافق الكاتب على تصويب رأي من يدعي قصور التعبير في العربية فهذا عذر يبديه الأجانب في بلادنا ليحببوا لنا لغتهم ويزينوها في عيوننا ويحقروا في نظرنا لغتنا وآدابها وقوميتها. ولو انصف المنتقدون لرأوا إن ليس من قوم في العالم يكتفي بلغته ويستغني عن غيرها مثل أبناء لغة الضاد. فإن عصر العباسيين شاهد عدل في ما نقول والمصنفات الموضوعة في كل فن وبحث ومطلب وموضوع يفند ما يزعمون. نعم إن تعلم اللغات الدخيلة واجب في عصرنا هذا للاطلاع على ما يجري في العالم، لكن تعلم اللغات الأجنبية شيء والقول بقصور العربية شيء آخر. إذا قول الكاتب (هذه أدلة وجيهة) تأييدا لزعم الفرنجة أو المتفرنجة غير وجيه البتة.
ولا يمكننا إن نتتبع المؤلف في جميع آرائه وأقواله فإن مجلتنا تضيق عن ذكرها ونقدها والرد عليها. ولعلنا نعود إلى الموضوع في فرصة أخرى أن سنحت لنا أو لغيرنا. لكننا كنا نود أم تنقح عبارته من الأغلاط التي وقعت فيها إذ لا تخلو صفحة منها. ومما سيتوقف النظر أغلاط الأعلام الإفرنجية المكتوبة بالحرف الإفرنجي فالإصابة فيها يكاد يعد شذوذا. فمن الأولى كقوله في المقدمة ص3 ففاز هذا البحث. والصواب ففاز هذا البحث بها (أي بالجائزة) وكقوله فيها لذلك أجرأ أن أخرجه والصواب اجرؤ وكقوله فيها على أشهر الثقاة والصواب الثقات لأنه جمع سالم مؤنث لثقة وليس بجمع مكسر. وكقوله فيها وأني لأقدم خالص شكري لمجلة الكلية. والأحسن أن يقال إلى مجلة الكلية وكقوله فيها اللتين تكرمتا بنشر. . . وتكرم غير فصيح بالمعنى الشائع عند العوام والصواب اللتين جادتا بنشر. . . وفيها وجميع الأخوان الذين ساعدوني والأحسن والى جميع الأخوان. . . ومن أغلاط الأعلام الإفرنجية ما يرى في الصفحات الآتية مثلا في ص127 إلى ص132 فإنك لا تكاد تهتدي إلى الاسم الإفرنجي، وإذا كان العلم مكتوبا على هذا الوجه من السقم والوهم فخير للكاتب أن لا يدونه لأن الخطل يزيد رسوخا في الذهن إذا كان هناك ما يزيده تمكنا فيه. وأملنا أن المؤلف يزيد كتابه تحقيقا في طبعته الثانية. 41. الدولة الأموية في الشام تأليف أنيس زكريا النصولي، طبع بمطبعة دار السلام في بغداد سنة 1927 في 360 ص بقطع الثمن الصغير. المستشرقون الذين سبروا تاريخ العرب ووقفوا على عجره وبجره شادوا بذكر الأمويين ورفعوهم إلى أوج الفضل والرقي. وصرحوا بأن الخلفاء الراشدين أفادوا الإسلام من جهة شؤون إرشاد الأمة إلى الدين الحنيف، أما الأمويون فإنهم عرفوا جميع افانين الحضارة الراقية، واختبروا أصول القراع
والدفاع، حتى انتشرت في أقطار الأرض سمعة العرب لدربتهم في المغازي والحروب على أحسن وجه عرفت في عهدهم. ولهذا ناوأهم كثيرون حتى من أبناء عدنان أنفسهم، من أولئك الذين كانوا يريدون أن يصرعوهم بعد أن يجندلوهم من علو عرشهم، ولما لم يتمكنوا من البلوغ إلى أمنيتهم في ذلك العهد أوسعوهم شتما وسبا وكالوا لهم الكذب جزافا. على إن التاريخ قد حفظ لهم في بطونه حقائق لا تتشوه وأن مسخها أعداؤهم ولم نر من الناطقين بالضاد من قام يثأر لهم مثل صديقنا الوفي (أنيس زكريا النصولي) فإنه انشأ هذا الكتاب بروح جردة من كل تعصب أو انحياز إلى قوم أو إلى مذهب فجاء كتابه من احسن ما كتب في التاريخ فضلا عن بني أمية. ولا جرم أن الحقيقة التي شبهها العلماء في كل عصر ومصر بالشمس الساطعة النور لا توافق الخفافيش، أولئك الذين يريدون أن يعيشوا في الظلمات وأن يعيش معهم في تلك الحنادس كل من ضارعهم هذا السفر الجليل يثير قوما على صاحبه لكن ماذا يضره سب الجهلة إذا اقر لعلمه الجم وأدبه الوافر أصحاب الدراية ومحبو التاريخ الصادق. لابد للمرء من قادح ومادح، لابد له من عدو وصديق فخير لذلك المرء أن يكون عدوه القادح به من صغائر الكتبة ودهمائهم من أن يكون له عدوا من هم من أصحاب القدم الراسخة في تعرف الأخبار وترسم الأنباء وتوسم الحقائق. على إن إقرارنا بفضل الكاتب المحقق لا يزين لنا استحسان كل ما ورد فيه ففي تصنيفه بعض الشوائب كنا نود أن تكون خالية منها من ذلك: 1 - خلوه من فهارس للأعلام. فالكتاب الذي عدد صفحاته يناهز الأربعمائة يليق به أن يزين بفهارس ليتمكن المطالع من الرجوع إليه عند الحاجة. 2 - اختار لكتابة الأعلام الإفرنجية حروفا لا يقرأها إلاَّ إبليس ولا تكاد كلمة من تلك الأعلام تسلم من خطأ. وقد اختار أيضا خط الرقعة للإشارة إلى مضامين الفصول، وفي تلك الحروف نقص يظهر في بعض الكلم إذا ما انعم القارئ نظره في استجلائها. 3 - عني الكاتب اشد العناية بالفصل الأول، وما اقبل على الفصل الثاني إلاَّ
نشأ في صدره بعض السأم؛ لأنه في الفصل الأول ذكر الشواهد في الحاشية بعد أن اتخذ معنى عبارة من استشهد بهم واستخلص زبدتها. وأما في سائر الفصول ولا سيما في الأخيرة منها، فإنه يروي نصوصهم رواية طويلة عريضة ليدعم بها رأيه. ولقد كان في غنى عنها لو لخصها تلخيصا وأحال النظر في اصلها على المورد الذي نهل منه، ذاكرا ذلك في الحاشية على ما فعل في أول كتابه. 4 - ذكر بعض أشياء لا نظنها توافق موافقة صحيحة لأحوال ذلك العهد من ذلك ما ذكره في ص292 في قسم (مآكلهم المحبوبة) إذ قال: (ومن مآكلهم المحبوبة (أي مآكل الأمويين ومن كان في زمنهم) التي تراها في الأسواق خصوصا في الشام فهي (كذا. والأحسن حذفها) أولا الفول المنبوت بالزيت والمسلوق وهو يباع مع الزيتون، ثانيا الترمس المملح ويكثرون من أكله، ثالثا الزلابية وتصنع من العجين وهي غير مشبكة، رابعا الناطف ويصنع من الخرنوب ويسمونه القبيط.) أهـ. فنحن نظن إن هذه المآكل هي للفقراء وللمتوسطي الحال وليس لكبار المملكة أو للأغنياء أو للخلفاء. بل عندنا إن هذه المآكل لم تكن في عهد الأمويين أنفسهم بيد إنها كانت في الشام في عهد العباسيين أو دوين عهدهم. ولا بد للأستاذ أدلة تدعم رأيه ذاك وكنا نود أن نقف عليها. 5 - المؤلف متساهل في عبارته ولا يتقنها. أما إذا نقل عبارة مصنفي المؤرخين من العرب فالعبارة صحيحة طبعا. ومن عبارة المؤلف قوله ص هـ ونحن بعيدون جد البعد عن التعصب - وبعيد لا تجمع جمع سالم بل تكسر أو تبقى على حالتها. وقال في ص2 (منذ اثني عشر قرنا ونيف) والمشهور عند الفصحاء تقديم نيف على العدد أي انهم يقولون: منذ نيف واثني عشر قرنا. وفيها (وأظلته سماء سورية وهو يانع) والغلط واضح من أغلاط الطبع وهي في الكتاب كثيرة لم تصحح في آخره والصواب يافع. وفيها (في نزاعه المشهور مع علي بن أبي طالب) وهذا غلط قبيح يركب متنه كتبة سورية ومصر والصواب في نزاعه المشهور (لعلي)، لأنك أن قلت حاربته فمعناه قاتلته. أما إذا قلت حاربت معه فمعناه اتفقت معه لتحارب آخر هو عدو لمن أنت في جانبه
وبين المعنيين فرق ظاهر. وفيها (فعرف الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وطلحة والزبير) ولو قال: وغيرهما مثل طلحة والزبير لانتفى كل وهم من عبارته. وفيها (ثم نراه بعد ذلك قائدا بسيطا من الجيش) وهو تعبير إفرنجي لا يستمرئه العربي الفصيح بل يخير عليه قوله: قائدا من القواد أو قائدا من طائفة القواد. وهكذا يتعثر المطالع في كل صفحة من صفحات هذا السفر الطيب وربما قد يعثر على ما يورثه ضحكا ففي ص3 يقول: (حين شرط مصر والمغرب طعمة له) ولم يذكر بأي مشرط أو مشراط يشرطهما حتى إذا قتلهما أصبحتا طعمة له. هذا الذي يفهمه لأول وهلة قارئ العبارة. إلاَّ إن المعنى الحقيقي ليس هذا بل هو: شرط (على أن تكون) مصر والمغرب طعمة له. وبين التعبيرين فرق إذ يقول الفصحاء شرط عليه بالبيع لا شرطه. ومع كل هذه الهنات الهينات نتمنى أن ينتشر هذا الكتاب بين الناطقين بالضاد ليتعلموا ويتقنوا أسلوب المباحث لا أن يتلقوا أقوال السلف على علاتها إذ بينها الغث والسمين، الزين والشين، الصادق والمموه، لغايات كانت في صدورهم أزالها الله عنا وعن أولادنا! 42. تناقص النفوس في العراق أسبابه وطرق تلافيه محاضرة الدكتور حنا خياط، مدير الصحة العامة في العراق، طبعت في مطبعة العراق في بغداد سنة 1923 في 48 ص بقطع الثمن. صديقنا الدكتور حنا خياط من الرجال ذوي الهمم العالية والأشغال السامية والنظر الدقيق. ألقى هذه المحاضرة في الجمعية الطبية البغدادية ليحمل زملاءه الأطباء على تلافي الخطر الذي يتهدد ديار العراق من اضمحلال أهاليه. فلقد قال إن سكانه كانوا يوما زهاء عشرة ملايين بل عشرين مليونا (ص9) أما اليوم فإنهم لا يزيدون على ثلاثة ملايين. وينسب هذا التناقص الهائل إلى أربع علل: منها إقليمية وأخرى اجتماعية سياسية وبعضها طبية واغلبها إدارية سياسية
وهو بعد هذا الإيضاح يذكر ما يجب اتخاذه لتلافي هذه البلايا. فأنت ترى من هذا البسط الوجيز أن هذه المحاضرة بل قل هذه الرسالة النفيسة مفيدة للجميع، ولا سيما تفيد الأهالي وأصحاب الحل والعقد، بل تهم الأجانب أنفسهم لما فيها من العظات والإفادات. ولا تخلو صفحة من غلط أو أغلاط طبع؛ ومن جملتها ما ورد في ص10 فقد ذكر اسم (ابن خردويه) وهذا الرجل المسكين لا وجود له في عالم الخلائق إنما هو ابن خرداذبه. كما لا يخفى على حضرته. 43. مملكة جهنم والخمر للفيلسوف تولستوي، نقله إلى العربية من الروسية صاحب مجلة الإخا، الطبعة الثانية - مصر سنة 1926 في 88 صفحة بقطع الثمن. تولستوي من فلاسفة الروس في هذا العصر ولد في سنة 1828 وتوفي سنة 1910 والرجل غريب الأفكار والأطوار حتى ابسله السنودس المقدس الروسي في 24 شباط سنة 1901 واعتبره مبتدعا وناكرا الله. على إن المرء مهما أمعن في الشر والفساد قد تصحو له ساعات فينطق بالحق. وكتاب (مملكة جهنم والخمر) كثير الحسنات وإن كان لا يخلو من بعض أفكار تخالف بعض الحقائق على أن لصاحب مجلة الإخاء سهولة عظيمة للنقل من الروسية إلى العربية. ولا يخفى على القارئ ما بين اللغتين من المزايا المختلفة فنحن نهنئ الزميل بهذه المزية بل المنحة. بيد إننا كنا نود أن لا يستعمل مثل: كرس حياته (ص4) وطغمات الشياطين (7) وقفلت قفلا (8) إلى أشباهها لأنها دون قولك مثلا: وقف حياته وطبقات الشياطين وأقفلت أقفالا. 44. مها قصة غرامية شرقية مطبوعة في المطبعة السلفية بمصر في 126ص بقطع 12، نظم أحمد زكي أبو شادي. هذه قصة شابة أعرابية من قبيلة الحويطات في العقبة احبها كبتن إنكليزي
اسمه جريفز فأحبته وخالف الإنكليزي قوانين بلاده كما خالفت الصبية طاعة أبيها فانهزما، فكانت النتيجة أن مات العلج في حب مها، ثم انتحرت مها بجانب حبيبها. افرغ الشاعر العصري احمد زكي أبو شادي فصور الحقائق حتى أنطقها وجاءت تلك الأبيات البديعة تشف عن مقدرة فصاحة شاعرنا وبلاغته وحسن أسلوبه في إيراد الأحداث على أبدع طرز يخلب القلوب ويجلب الأنظار. وقد ختم هذه الأحدوثة المنظومة بأبيات تقبح عمل كل من العاشقين منها هذان البيتان: هذا مقر رفات خاذل جيشه ... هذا (جريفز) مات موت فرار وكذاك مرقد من قضت بهروبها ... هذي (مها) هربت من الاخدار. . .) وقد وقع في ضبط الألفاظ أغلاط طبع كثيرة لا تخلو منها صفحة. فلقد ضبطت (وخذ) الواردة في ص21 بإسكان الذال والصواب بكسرها لأن بعدها (الشكاة) وكذلك تاء (رددت) في ص22 مع أن بعدها (الطبيعة) وفي ص23 (عادلة القوام) ونحن لم نجد عادلة بمعنى معتدلة. ولو قال في مكانها (رائقة) القوام لكانت أهون خطبا. وكل هذه الهنيات ظاهرة لا تشوه شيئا من محاسن تلك الدرة الحسناء. 45. الكتاب الذهبي ليوبيل المقتطف الخمسيني 1876 - 1926 طبع بمطبعة المقتطف والمقطم بمصر 1926 في 240ص مزين بالرسوم كتاب نفيس بأي اعتبار اعتبرته أن من جهة المحتويات وأن من جهة إتقان الورق والطبع والتصوير فيحق له دون غيره أن يسمى بالكتاب الذهبي وهو مقسوم إلى أربعة أقسام: فكرة الاحتفال وما يدخل هذا الباب من الاستعداد لهذا العيد؛ وحفلة الأوبرا الملكية وما قيل في هذه الحفلة؛ وقسم المقالات وما بعث به إلى صاحبي المقتطف من المقالات العائدة إلى هذا الموضوع؛ وقسم القصائد التي أنشئت في هذا المقام. فنحن نهنئ صاحبيه ببلوغهما السنة الخمسين من إنشائهما تلك المجلة التي نشرت العلم الغربي في المعالم العربية ونتمنى الاطراد في النجاح ولصاحبيها العمر الطويل الهنيء.
46. وثائق تاريخية للكرسي الملكي الانطاكي البطريرك مكسيموس الثالث مظلوم (سنة 1779 - 1833 - 1855)، بقلم ابن أخيه الشماس توما مظلوم، عني بتعليق حواشيها الأب الياس انداروس البولسي، بمطبعة القديس بولس في حريصا (لبنان) سنة 1926 في 110ص. تاريخ الشرق في القرن التاسع عشر على حداثة انسلاخه كثير الغوامض لأن أيدي الغايات والمخاوف لعبت به كل ملعب. والصحيح الراوية منه قليل وهذا الكتاب من المحللات لتلك العرى. فنحن نحث الناس على اقتنائه ولا سيما أولئك الذين يعنون بتاريخ الشرق. وقد وقع في عبارة التوطئة التي هي من قلم الناشر بعض كلم كنا نود أن نعرف موقعها من الاستعمال الصحيح. فهل وردت مثلا عند الفصحاء كلمة: (الشروحات وميوله والفرمانات الشهانبة (ص8) ونهديها لقراء المسرة وجهودنا وفأبواب هدايا المسرة مفتوحة لهم على مصراعيها (ص9) بمعنى: الشروح والأميال والشاهانية ونهديها إلى. . . وجهدنا والأبواب مفتوحة على مصارعها. فنحن هنا في مقام سائلين لا في مقام ناقدين. ونحب الجواب على ذلك والأجر للواقف على طبعه. 48. رواية رفائيل خزامي في آداب المعاشرة بقلم السعيد الذكر المطران جرمانوس معقد، طبع بمطبعة القديس بولس في حريصا (لبنان) سنة 1926 في 108ص كتاب كله منافع، ينفع الأديب في معاشرته للناس وينفع كل قارئ لإتقان عبارته الصحيحة السلسة المنسجمة وهو خليق بأن يقتنيه كل إنسان. 49. روزنامة سيدة التلة الكنائسية لسنة 1927 روزنامة أصدرها الاباتي افرام حنين الديراني المدير الحلبي اللبناني وهي جزيلة الفائدة لأن في ظهر كل ورقة من أيامها فائدة علمية أو دينية أو لغوية أو فنية أو صناعية.
باب التقريظ
باب التقريظ 47. المختارات العصرية جمع واختيار عبد الحميد حمدي، الجزء الأول طبع على نفقة محمود حلمي، في مطبعة الفرات سنة 1923 في 251ص بقطع 12 لانتقاء مقاطيع الشعر والنثر ذوق خاص لا يظهر حسنه في صاحبه إلاَّ عند جمعها. ولقد اظهر عبد الحميد حمدي من البراعة في هذا الصدد ما قرب كتابه إلى جميع طبقات القراء ولا سيما حبب مطالعته إلى أبناء العصر ممن يودون أن يقفوا على بنات أفكار الغربيين والشرقيين. وكنا نتمنى أن نرى هذه المجموعة خالية من غلط الطبع، إلاَّ إننا نرى - والأسف ملء قلوبنا - يتدفق في كل صفحة من صفحاتها فعسى أن تنتفي منها في طبعة ثانية. 50. الكرخ جريدة أدبية علمية تصدر في الأسبوع مرة موقتا، صاحب امتيازها ملا عبود الكرخي. مديرها المسؤول توفيق الفكيكي، اشتراكها 5 ربيات في العاصمة و7 في سائر أنحاء العراق، ويضاف إليها أجرة البريد في الخارج. الملا عبود الكرخي أمير شعراء العوام فكه خفيف الروح لا ينطق بشيء ولا ينظمه كلما إلاَّ تطرب له النفوس. صدرت الصحيفة الأولى في 6 رجب 1345 أو 10 كانون الثاني سنة 1927 فنتمنى لها النجاح والرواج.
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - البلاط الجديد أصيب البلاط الملكي بعد هجوم مياه دجلة عليه بأضرار عديدة حتى أصبحت السكنى فيه خطرة. وقد قدمت رئاسة الوزارة لائحة إلى مجلس النواب تتضمن صرف مبالغ لتعمير مدرسة الصنائع وإصلاحها لتتخذ بلاطا في زمن قريب ريثما يبنى بلاط جديد جدير بصاحب الجلالة. أما المدرسة فتنقل إلى محل واسع في محلة السنك. 2 - أعمال شركة النفط التركية قررت هذه الشركة حفر عشر آبار مختلفة في المواطن الأتي ذكرها: بئران في الموطن المعروف باسم (الخشم الأحمر) وهو في شرقي نهر العظيم (لا الأدهم كما ينطق به بعضهم ويكتبه بهذه الصورة المنكرة) وبئر ثالثة في المحل المعروف باسم (الانجانة وهو في شمالي الخشم الأحمر في جبل حمرين. وبئر رابعة في (بالخانة - في شمال شرقي محطة سلمان بك بين كفري وطوز خورماتي (في جبل حمرين) ومعنى بالخانة بالكردية محل العامل (من باله بالباء المثلثة التحتية أي عامل وخانه أي محل) وبئر خامسة في طاووق (تصحيف تركي لكلمة دقوقاء العربية) وبئر سادسة في وادي دقوقاء في محل اسمه خورمور - (في جوار كركوك) ومعناها بالكردية الوادي الذي لون أرضه أحمر مائل إلى السواد. وبئر سابعة في (طارجيل) في شرقي كركوك ومعنى طارجيل بالكردية الأرض المظلمة من طاري أي مظلم وجيل أي ارض. وبئر ثامنة في (حصار) شمالي كركوك. وحصار تعرف أيضا ببابا كركور ومعنى بابا الريح الدائم الهبوب وكركور حكاية الصوت الخارج من ذلك الموضع.
وبئر تاسعة في (خانوقة) في جنوبي الشرقاط. وبئر عاشرة في (القيارة) بقرب الموصل (والقيارة مكان يكثر فيه القير أو القار). وقد اتخذت الشركة المذكورة مركزا لها (قره تبة) ومهدت الطريق بين محطة قره تبة والخشم الأحمر. وفعلت مثل ذلك بين قره تبة والانجانة ومدت جسرا على نهر (نارين صو) فأصبحت تلك الطريق صالحة لسير السيارات عليها. وبنت عددا جما من الدور والأكواخ للموظفين والعملة في مركز قره تبة والخشم الأحمر والانجانة وبالخانة. وجمعوا في هذه المراكز آلات كثيرة وأدوات للسبر والحفر والنقب وهم يدأبون بجد ونشاط في جميع المواطن المذكورة. 3 - وفاة سليمان نظيف بك سليمان نظيف بك من مشاهير كتّاب الترك توفي من التهاب في رئته. وكان واليا على الموصل والبصرة وبغداد في زمن الحرب ومن احسن الأتراك أخلاقا وآدابا. 4 - انتشار الأمراض في عبادان رفع طبيب بلدية عبادان رفيعة إلى مديرية الصحيات في طهران وأشار فيها إلى انتشار البرداء بصورة هائلة في عبادان لما هناك من كثرة النفوس وضيق المكان وإهمال أمر النظافة ووجود المستنقعات. أما الحلاق (المرض الزهري أو الإفرنجي) فالمصابون به خمسة وثمانون من المائة لخلو وسائل مكافحته. 5 - سالار الدولة وسيمكو تؤكد صحف طهران أن الحكومة العراقية وافقت على تسليم سالار الدولة عم الشاه المخلوع وسيمكو الزعيم الكردي. 6 - تجوال ملكنا في أنحاء الفرات الأوسط سافر جلالة ملكنا المحبوب في 20 ك2 ليتجول في أنحاء الفرات الأوسط ومعه وزير الداخلية ومستشار وزارة الأشغال لتعهد شؤون الزراعة والري وعاد من جولته في 27 من الشهر المذكور.
7 - ثورة الغواصين في البحرين هجم الغواصون على أسواق المنامة (عاصمة البحرين) فنهبوا ما وصلت إليه أيديهم من البضائع والنقود؛ ثم فروا إلى السفن فركبوها ونزلوا في المحرف وهي بليدة يفصلها عن المنامة خليج تبلغ مسافته ثلاثة أرباع الساعة بالسفينة الشراعية فساروا توا إلى مخزن أحد اللأالين ونهبوا ما فيه من نقود وغيرها ومزقوا دفاتره وأوراقه ثم ادركهم الجند فشتت شملهم. وهذه الحادثة هي الأولى من نوعها في ديار العرب. ويقال إن سبب وقوعها يعود إلى النقص الذي طرا على إثمان اللآلئ في هذا العام. فحدا بأصحاب رؤوس الأموال من اللأالين إلى الامتناع عن قرض الغواصين على الموسم جريا على العادة المألوفة فأضطر الجوع هؤلاء إلى الثورة والجوع يكاد يكون كفرا على ما في الحديث. ويخشى الآن أن يسري هذا الروح إلى الديار العربية الغاصة بالغواصين كبلاد دبي، والشارقة (الشارجة)، وأبو ظبي في عمان، وقطر والقطيف ودارين وجبيل الكويت في ساحة خليج فارس. ويقدر ما يستخرج من الدر في بلاد السواحل العربية بأربعة ملايين ليرة إنكليزية في السنة وذلك على الطريقة القديمة البسيطة. 8 - وسام جليل لملكنا المحبوب أهدى صاحب الجلالة الملك جورج الخامس إلى صاحب الجلالة الملك فيصل الأول لقب (فارس الصليب العظيم الفخري من رتبة القديسين ميكائيل وجرجيس المتناهية في السمو) فنرفع تهانئنا الصميم الصادقة إلى عرش جلالة مليكنا المحبوب ونتمنى أن تكون مبادلة الصداقة والتكريم بين الحليفين اثبت ضمان لخير البلادين. 9 - قنصل ألماني في بغداد كانت لدولة ألمانية قنصل في بغداد بقي فيها إلى وقت خروج العثمانيين منها وفي أول كانون الثاني من هذه السنة 1927 قدم إلى الحاضرة القنصل ليتن مع قرينته، فنتمنى لهما طيب الإقامة وحسن الصلة بديارنا.
10. وزير الطيران الإنكليزي في حاضرتنا في 2 من ك2 استقبل في الهنيدي وزراء العراق وجماعات من الأعيان والنواب والموظفين ووفد من البلاط والمعتمد السامي وقائد القوات الجوية وبعض كبار الموظفين الملكيين والعسكريين البريطانيين وزير الطيران البريطاني الذي وصل إلى ميدان الطيران في الساعة الثالثة بعد الظهر فنزلت من الطيارة عقيلة هور ثم تلاها زوجها السر سمويل هور فرحب بهما الجميع. طال الطيران من الرطبة إلى الهنيدي سبعة أرباع الساعة في حين أن سائر الطيارات تقطع هذه المسافة مدة ثلاث ساعات. 11 - من محاسن المس بل أوصت المس (جرترود لثجان بل) بعشرة ألف ليرة إنكليزية لمدرسة إنكليزية تعلم الآثار العراقية. 12 - سد وخزان في الحبانية ادخل مبلغ عشرة لكوك ربية في ميزانية السنة الجديدة لفتح ترعة تصل الفرات بسد (أي بخزان) الحبانية وإصلاح هذا السد على وجه تخزن فيه المياه وقت الفيضان وتعود إلى الشط وقت الصيهود (أي نضوب الماء). 13 - معمل غزل في الكاظمية افتتح معمل غزل في الكاظمية في 9 ك2 في البستان الواقع في قرب جسر الاعظمية. والمعمل لفتاح باشا وقد شرف الحفلة جلالة مولانا الملك فيصل الأول والوزراء وكثير من الأعيان والنواب وأمراء الجيش. وكانت الحفلة بديعة في جنسها. 14 - التلفون في مدن العراق تبذل الحكومة جهدها لمد خطوط التلفون بين العاصمة وخانقين وكركوك بأسرع وقت ممكن. 15 - المتقن الطبي العراقي أنهى ديوان الهندسة رسم بناء المتقن الطبي العراقي ورفعه إلى المراجع ذوي الحل والعقد وسوف يشاد قريبا من المستشفى الملكي غير بعيد عن دجلة.
العدد 43
العدد 43 - بتاريخ: 01 - 03 - 1927 فلب أو فلبس العربي القيصر الروماني 1 - توطئة للعرب فضل عظيم في مختلف العلوم والفنون، والصنائع والآداب، ولهم رجال مشاهير، وشعراء خناذيذ، وملوك عباهلة، وقواد إجلاء، سواء كان ذلك قبل الإسلام أم بعده. على إن هناك رجالات كانوا قبل الدين الحنيف اشتهروا بفكرهم ودرايتهم ودربتهم وحنكتهم إلاَّ أن الناطقين بالضاد لم يذكروهم لأنهم لم يدونوا تواريخهم أو لعلهم دونوها ولم تصل إلينا: بيد إننا وقفنا عليها من معاصريهم الأجانب، إذ ذكروهم في مؤلفاتهم، ولا يسعنا إلاَّ نقلها عنهم وعن أسفارهم. ومن العرب الذين اشتهروا بسطوتهم وسلطتهم وشوكتهم فبلغوا أوج الحكم فلب العربي القيصر الروماني.
2 - اسمه ومعناه فلب وزان سجل (أي بكسر الفاء واللام وفي الآخر باء مثلثة مشددة) أو فلبس (بكسر الأول والثاني وتشديد الباء المثلثة المضمومة وفي الآخر سين مهملة) كلمة يونانية منحوتة من فيلس أي محب وهبس أي الخيل فيكون معناها محب الخيل وكان العرب يومئذ يسمون أولادهم بأسماء مقتبسة من لغات الناس الذين يعيشون بين ظهرانيهم. فالذين كانوا ينزلون في بلاد يونانية اللسان كانوا يسمون أولادهم بأسماء يونانية كفيلبس واسكندر والياس وجرجيس ومرقس ولوقا والذين كانوا في بلاد ارمية اللسان كانوا يسمون أبناءهم بأسماء ارمية مثل ابرهة (أي إبراهيم) وسهدون (أي الشهيد الصغير) وعبدون (أي العبد الصغير) وزيد (أي حار الطبع) وفي البلاد الفارسية كانت أسماء أنجالهم فارسية الوضع مثل قابوس (واصلها كاوس ومنه اسم ملك لهم قديم اسمه كيكاوس أي الملك الكيس أو المنتصر) ودختنوس (اسم امرأة ومعناه بنت المبارك أو الميمون) وبوران (اسم امرأة أي حسنة الذكرى) وأزد (وهي مقطوعة من ازدشير المصحفة عن اردشير أي الملك الأكبر) وبهنم أو بهنام (واصلها بهمن أي الطويل الباع) إلى غيرها. 3 - مولده ونسبه ونشوءه ولد مرقس يليوس فيلبس العربي، والانبراطور الروماني النصراني، في بصرى في بلاد أدوم (وكانت يومئذ من ديار جزيرة العرب) في نحو سنة 204م وكان والده رئيس قطاع طرق ولما كان على جانب عظيم من الذكاء وحسن الإدارة توصل بجده وسعيه إلى أن عين رئيس محكمة في عهد قيصر غرديانس الصبي ولما زحف إلى الفرس أثار الجند على مولاه غرديانس فقتلوه ونادى بنفسه قيصرا على الرومان ولبس الأرجوان في سنة 244م فعقد عرى الصلح مع الفرس، وترك لهم العراق. وذهب إلى رومة ليعترف به الرومان أنه قيصرهم. فحقق أمنيته وأقام حفلات جليلة، إشادة بذكرى السنة الألف من بناء رومة (سنة 247م). وفلب هو الذي أعاد بناء عمان في حوران وأقام لها ذلك الذكر الحسن.
4 - الأحداث في عهده وأعماله حاول برابرة الطونة وداقية واشكوزية الخروج على الرومان فسل عليهم فلب عضبا مهندا واراهم من الاعذبة ضروبا وألوانا فكبح جماحهم وردهم على أعقابهم. وكذلك أذاق العلقم الغوطيين والقزوينيين وغيرهم من العلوج العوج (سنة 245م) وبقي يصارعهم ويقارعهم في وقعات شديدة عديدة، فقلم أظفارهم وأعاد إليهم فكرتهم بعد سكرتهم، وليس في إمكاننا أن نأتي على ذكرها في هذه اللمعة الوجيزة. وما مضت أيام إلاَّ تفجرت عيون فتن أخرى في طول البلاد وعرضها، إذ قام العربي الروماني التبعة يوتبيانس ولبس الأرجوان (أي نادى بنفسه قيصرا) في سورية. وجر معه قسما من الشرق، ثم نهضت جنود مسية وأعلنت لها قيصرا مارينس فأرسل عليه فلب دقيوس وهذا أيضا صرح به جنده أنه قيصر لهم، ثم احتدمت النار بين القيصرين الجديدين ليغلب أحدهما الآخر ويكون هو القيصر الأعظم فيتخذ لنفسه الأرجوان وإذا بوطنينا فلب ذهب ليقارعهما ويوردهما حياض الموت لكن غدر به جنده في فيرونة واغتالوه. وفي مطاوي ملكه خالف بعض أصول الدين الذي ينتمي إليه وهو النصرانية فشرط عليه بابيلاس أسقف إنطاكية شروطا فأتمها أحسن إتمام وطأطأ رأسه للسلطة العليا. 5 - ولي عهده لما نودي بفلب انبراطورا أو قيصرا على الرومان شرك معه على العرش ابنه مرقس يوليوس فيلبس المولود سنة 247م وهذا الملك قتل أيضا في سنة 249م في فتنة فيرونة. أو - على ما يراه بعضهم - خنقه في رومة البريطوريون عند بلوغ نعي والده. 6 - النتيجة إذا هذب ابن يعرب بلغ درجة لا يصل إليها انبغ أبناء الغرب. ومثال (فلب العربي) قيصر الرومان انصع برهان على ما نقول، فليجر على محاسن أعماله أبناء عصرنا هذا.
كتاب وفيات الأعيان
كتاب وفيات الأعيان حضرة الأستاذ الفاضل الأب انستاس ماري الكرملي المحترم: أرجوكم نشر هذه الأسطر على صفحات مجلتكم الزاهرة أن رأيتم لذلك مناسبة وعلمتم أن فيه خدمة للأدب العربي ولكم الفضل سيدي: بينا كنت أطالع في تاريخ وفيات الأعيان للقاضي شمس الدين ابن خلكان لاستخراج فهرس لما فيه من الشعر الرائق خدمة لذلك المصنف الجليل إذ عثرت على بضع غلطات ظننتها لأول وهلة أنها سهو مطبعي في النسخة التي تحت يدي وهي المطبوعة في مطبعة بولاق مصر سنة 1275هـ التي وقف على تصحيح الجزء الأول منها خلا نحو ست ملازم (ناظر دار الطباعة المصرية رب الفصاحة والبلاغة والألمعية حضرة علي أفندي جودة وأما الجزء الثاني فكان تصحيحه بمعرفة الفاضل نصر الهوريني) كما ذكر في آخر الكتاب. فراجعت الجزء الأول المطبوع في باريس سنة 1838م والنسخة المطبوعة في المطبعة الميمنية في مصر سنة 1310هـ والنسخة المطبوعة في بولاق مصر سنة 1299هـ ونسخة أخرى قسم الكتاب طابعة إلى ثلاث مجلدات ولم اقف على اسم المطبعة لفقدان آخر ورقة منه فكانت الأغلاط في جميع النسخ كما هي في نسختي فأحببت بيان ذلك خدمة لذلك التاريخ الجليل. الأولى في ترجمة أبي الحسن السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء الموصلي الشاعر المشهور. قال وله أيضا: وفتية زهر الآداب بينهم ... أبهى وانضر من زهر الرياحين راحوا إلى الراح مشى الراح وانصرفوا ... والراح يمشي بهم مشي البراذين وقد علقت في الذهن هذه الأبيات كما يأتي: وفتية زهر الآداب بينهم ... أبهى وانضر من زهر الرياحين مشوا إلى الراح مشي الرخ وانصرفوا ... والراح تمشي بهم مشي الفرازين
وفيه تشبيه بديع في حركات الرخ والفرزان في رقعة الشطرنج لأن الرخ لا يتحرك إلاَّ معتدلا فلا يميل يمنة ولا يسرة بل هو أن تقدم تقدم معتدلا وأن تيامن أو تياسر أو تقهقر لا يمشي إلاَّ معتدلا وأما الفيل فلا يمشي في كل حركاته إلاَّ منحرفا من زاوية إلى زاوية فهو يقطع من ركن إلى ركن. وأما الفرزان فهو يمشي مشيتي الرخ والفيل فتارة معتدلا وأخرى منحرفا وهو الطف تشبيه لمشي السكران؛ فكأنه يقول إنهم راحوا بعقولهم يمشون مشي الرخ: وبعد شربهم الراح عادوا والراح تمشي بهم (لأنهم بلا شعور) مشي الفرازين. الثانية في ترجمة أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين قال: وكان عبيد الله قد مرض فعاده الوزير فلما انصرف عنه كتب إليه (ما أعرف أحدا جزى العلة خيرا غيري، فإني جزيتها الخير وشكرت نعمتها علي إذ كانت إلى رؤيتك مؤدية فأنا كالأعرابي الذي جزى يوم البين خيرا فقال: جزى الله يوم البين خيرا فأنه ... أرانا على علاته أم ثابت أرانا ربيبات الحجال ولم نكن ... نراهن إلاَّ بانبعاث البواعث وقد كتب مصحح طبعة بولاق الأولى والطبعة ذات المجلدات الثلاثة ما عبارته (قوله البواعث فيه مع ثابت في البيت قبله من عيوب القافية الإجازة) وكتب مصحح طبعة بولاق الثانية ما عبارته (قوله البواعث فيه مع ثابت في البيت قبله من عيوب القافية الأكفاء) والحل لا أرى معنى للبواعث وليس في الشعر نفسه من عيب في قافيته إنما جرى قلم الناسخ الأول بتحريف طفيف فتبع بعضهم بعضا والأصل الصحيح فيما أراه (في انبعاث البواعث) جمع باغتة ولا يمكن أن تخرج العربية سافرة إلاَّ في أمر جلل يقع بغتة. الثالثة في ترجمة أبي الحسن علي بن العباس بن جريج المعروف بابن الرومي قال: وكان سبب موته رحمه الله تعالى أن الوزير أبا الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير الإمام المعتضد كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه بالفحش فدس عليه ابن فراش فأطعمه خشكانجة مسمومة وهو في مجلسه فلما
أكلها أحس بالسم فقام فقال له الوزير إلى أين تذهب فقال إلى الموضع الذي بعثتني إليه فقال له سلم لي على والدي فقال له ما طريقي على النار وخرج من مجلسه واتى منزله وأقام أياما ومات وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسم فزعم أنه غلط في بعض العقاقير وقال إبراهيم بن محمد ابن عرفة الازدي المعروف بنفطويه رأيت ابن الرومي يجود بنفسه فقلت له ما حالك فأنشد: غلط الطبيب عليَّ غلطة مورد ... عجزت موارده عن الإصدار والناس يلحون الطبيب وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدر والذي علق في الذهن أن الشطر الأخير هو: غلط الطبيب إصابة الأقدار فالإصابة للقدر لا للمقدر إذ لا معنى لذلك وأن تمحل له بعضهم أن مراده المقدار الوارد بمعنى القدر كما يذكره اللغويون فإني أرى أن الأقدار أوقع للقافية ولا أظن ذلك إلاَّ من سهو الناسخ الأول. الرابعة في ترجمة أبي خالد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة قال: وقد ذكره الحافظ المعروف بابن عساكر في تاريخ دمشق فقال بعد ذكر أحواله وولاياته أن يزيد بن حاتم قال لجلسائه انسقوا لي ثلاثة أبيات فقال صفوان بن هفوان من بني الحرث بن الخزرج أفيك؟ فقال فيمن شئتم؛ فكأنها كانت في فمه. فقال: لم ادر ما الجود إلاَّ ما سمعت به ... حتى لقيت يزيدا عصمة الناس لقيت أجود من يمشي على قدم ... مفضلا برداء الجود والباس لو نيل بالمجد جود كنت صاحبه ... وكنت أولى به قال صفوان ثم كففت فقال أتمم فقلت من آل عباس. وقلت لا يصلح، فقال لا يسمعن هذا منك أحد. والذي أراه إن الشاعر قد قال (لو نيل بالجود مجد) فحرفه النساخ لأنه إنما وصفه بالجود الذي كان لا يعرف منه إلاَّ ما سمع به حتى رأى جود يزيد عصمة
الناس، فلا معنى لقوله لو نيل بالمجد جودا، وخاصة لأن بني العباس كانوا الملوك فلهم طريف المجد، ولم يشتهر عنهم الجود ولذا قال: لو نيل المجد بالجود لكنت بجودك أولى بالمجد من بني العباس. الخامسة في ترجمة أبي المكشوح يزيد بن سلمة بن سمرة المعروف بابن الطثرية روى له أبياتا يقول في آخرها: وكنت كذي داء تبغى لدائه ... طبيبا فلما لم يجده تطيبا وهنا قوله تطيبا ظاهر فيه السهو وهو تطببا ببائين موحدتين وفي جميع النسخ ما خلا طبعة بولاق الأخيرة وطبعة باريس التي لم اقف على المجلد الثاني منها (تطيبا) وهو تحريف بين. السادسة في ترجمة أبي يعقوب يوسف بن عمر بن محمد الثقفي قال: وقال المدائني أيضا كان على شرطة يوسف بن عمر بن العباس بن سعيد المزي وكان كاتبه فخدم سليمان بن ذكران وزياد بن عبد الرحمن مولى ثقيف وعلى حرسه وحجابته جندب وفيه يقول الشاعر: أتانا أمير شديد النكال ... لحاجبه حاجب حاجب والذي أراه أنه أراد وصفه بأنه لا يمكن الوصول إليه لكثرة الحجاب وأنه لعظمته ونكاله جعل حاجبه له حاجبا فلا يمكن الوصول إليه أيضا فقال: أتانا أمير شديد النكال ... لحاجب حاجبه حاجب فلا يمكن الدخول على حاجب حاجبه إلاَّ باستئذان الحاجب واسترضائه حتى يدخل عليه ثم يتلطف به حتى يدخل على حاجبه ثم كذلك حتى يمكنه الوصول إلى حضرته وقد تكلف أحد الأدباء تأويلا للبيت فقال إنما أراد الشاعر بقوله (لحاجبه حاجب حاجب) أن الحاجب كان مقطب الحاجبين بحيث لا يستطيع المستأذن أن يخاطبه فكأن الحاجبين المقطبين حاجب آخر. هذا ما عن لي ذكره وفوق كل ذي علم عليم، ولا يخلو الإنسان من سهو إذ العصمة لله وحده. عبد اللطيف ثنيان
صفحة من تاريخ البصرة والمنتفق
صفحة من تاريخ البصرة والمنتفق من رحلة للمستر توماس هوويل البريطاني خلال سنة 1787 - 1788م للتاريخ نفع لا يجهله الكثيرون ولذة لمن لهم ميل إلى الوقوف على أخبار من سلف. وأهم غايات التاريخ الانتفاع من التجارب التي سجلتها الأيام المطوية على صحائفها الخالدة. ويقضي الواجب علة المؤرخ أن ينتقي صدق الروايات مما دونه كتبة الوقائع مميزا منها الغيث من السمين. ولا مشاحة في أن هؤلاء المدونين يختلفون في أذواقهم ومشاربهم وآرائهم فمنهم من يسيطر على قلمه فيملي عليه ما تهواه نفسه غير مكترث للحق ومنهم من يكتب ما يوحيه إليه ضميره وهو على غير هدى ومنهم من لا يسطر شيئا إلاَّ قد تروى مليا في الأمر وتبصر فيه وسبر غوره فيتوخى الواقع غير هياب ولا وجل. إن مصادر تاريخ العراق للقرن الثامن عشر قليلة فرأيت أن أضيف إليها تعريب صفحة جاءت تنبئنا عن حالة البصرة في إحدى سني الربع الأخير من ذلك القرن الغابر حينما استولى عليها ثويني العبد الله المعروف ب (أبي قريحة) (بالتصغير والتأنيث) تاركا للمؤرخ المنصف أن يتحرى اصدق المآخذ مؤيدا رأي هذا ومزيفا فكر ذاك وهو ما يطلبه التاريخ الحق. وقبل أن أقدم على التعريب لا بد لي من إبداء كلمات وجيزة للتعريف بزعيم المنتفق الشيخ ثويني العبد الله المحمد المانع. ومحمد هذا هو أبو سعدون الذي تعرف به اليوم الحمولة السعدونية الشهيرة التي كان آباؤها يسمون ب (آل شبيب) قبل عصر
سعدون ونبوغه. وما شبيب إلاَّ أحد الجدود الاعلين ذوي الشرف الباذخ والسؤدد العزيز. فثويني إذن هو من آل شبيب وهو ابن أخي سعدون. وقد ابتدأت زعامته للمرة الأولى سنة 1193هـ (1779م) على اثر قتل الخزاعل (خزاعة) ثامر ابن عمه سعدون وليست تسمية آل شبيب بغريبة عنا بل هي معروفة في عهدنا هذا أيضاً وهي تطلق على أقرباء آل سعدون الذين يمتون إليهم بشبيب. وبعد هذا التمهيد أعود إلى صاحب الرحلة وهو من موظفي شركة الهند الشرقية وكان في البصرة في شباط سنة 1788م (1203هـ) أي بعد الواقعة ببضعة أشهر فقط. وقد قال ما تعريبه: (لم تبق تجارة البصرة زاهية كما كانت عليه قبلا لكنها لا تزال المخزن التجاري الأهم في هذه الأصقاع فيثري التاجر فيها وأما حاكمها فهو تركي وسكانها عرب وقد توطنتها أسر تركية وأرمنية. (وكان الشيخ ثويني - الشيخ العربي القدير - قد استولى على هذه الحاضرة في سنة 1787م (1202هـ) بتدابيره الصائبة ففاجأ حاميتها واحتل المدينة بدون مقاومة. والأمر الذي يجب توجيه النظر إليه إنه لم يصب إذ ذاك أحد من سكانها بإهانة ولم يتجاوز أحد على مال لأحدهم. ولم يطلب الشيخ من سكانها غرامة حربية. وبعد إن استولت جيوش الشيخ بنصف ساعة عادت شؤون الناس تجري بانتظام لا يشوبه ما يخل به فكأنه لم يقع هناك حادث يفوق العادة.
(إن الشعوب الممعنة في المدينة والعلم لتغبط هذه الحالة الداعية إلى الشرف وهي ترينا أنه مع ما عليه الأعراب من ميلهم إلى السلب والنهب فإن لهم أنظمة ودساتير تبعث بهم إلى حب السلام رائدها الطاعة القصوى لرئيسهم وهو روح النظام العسكري. (أما الشيخ فهو كهل شجاع باسل ذو إقدام على العمل قل من يفوقه وهو عزيز لدى وطنييه لحسن تبصره في الأمور وتوقد ذهنه وجنوحه إلى جانب الحق ولاعتداله الذي يتمشى عليه في شؤون إمارته ولقد جعلته هذه الصفات محترما عند الناس كافة. (دام حكم الشيخ في البصرة ثلاثة أشهر ثم علم أن باشا بغداد - وهو متبوع الشيخ في تأدية الضريبة - كان قد قدم لمحاربته بجيش قوامه ستة آلاف جندي فجمع الشيخ قواه واتجه بها إلى شواطئ الفرات ليقابل عدوه فالتقى الجيشان هناك على بعد من البصرة واشتبك القتال واستمر بين الفريقين ولم تنجل النتيجة الحاسمة بادئ بدء بل باتت أخيرا بجانب الأتراك وانفل العرب ففر الشيخ البائس يتبعه بعض ذويه وقد نجوا من ملحمة النهار. ثم خطب الشيخ ود الباشا مستميلا إياه وطلب إليه المعذرة عما صدر منه ولكن الباشا رفض طلبه وأقام مقامه (شيخا) غيره (أجل. أزال حكم ثويني من البصرة ولكنه بقي يرأس عشيرة كبيرة تبذل نفسها لخدمته خدمة نصوحا لحبها إياه وشغفها به ولا يبعد أن يصبح عدو الباشا الأزرق إن لم يعده الباشا إلى منصبه) أهـ مر الرحالة بالعراق قافلا من الهند ووجهته لندن فوصل إليها وألقى عصا الترحال فيها ثم نشر رحلته وفي مطاويها كلمته الأخيرة عن الشيخ ثويني ثم جاءت الوقائع مصداقا لما أرتاه إذ اضطر والي بغداد سليمان باشا وهو في أحرج المواقف إلى إعادة الشيخ ثويني إلى منصبه للمرة الثالثة ليستعين به على محاربة الوهابي فتربع الشيخ على مسند الحكم ورحل إلى أنحاء نجد للإيقاع بالعدو لكن عبدا اسمه طعيس
معرفة يوم الشهر القمري من يوم الشهر الشمسي
(بالتصغير)، وهو من عبيد جبور بني خالد، اغتاله هناك في موضع اسمه الشباك (وهو ماء في ديرة بني خالد) في اليوم الرابع من المحرم سنة 1212هـ (1797 م) وقتل القاتل في ساعته وهو ينتمي إلى الوهابيين. وقد جرت قضيته مذ ذاك مثالا يضرب به عند المنتفق فيقولون: (باع بيعة طعيس) يريدون بها أنه صمم على الأمر ولا يرجع عنه ولو يعقبه الموت الزؤام. ويقال إن قبر ثويني معروف في تلك الأنحاء. وهنا اختتم حاشيتي التي جاءت كذيل لما أردت تعريبه من ذكر عهد تباعد وبقي تاريخه في تضاعيف الكتب والأسفار. يعقوب نعوم سركيس معرفة يوم الشهر القمري من يوم الشهر الشمسي إذا أردت أن تعرف يوم الشهر القمري الذي أنت فيه من يوم الشهر الشمسي الذي أنت فيه، احسب عدد الشهور منذ آذار إلى الشهر الشمسي الذي أنت فيه ثم زد على ذلك عدد أيام الشهر الشمسي الذي أنت فيه، واطرح من هذا المجموع 14 يخرج عندك يوم القمر في الشهر الشمسي الذي أنت فيه على ما يذهب إليه الفلكيون وإلاَّ اطرح 16 يكن عندك اليوم القمري على ما يرى هلاله رؤية العين. مثال ذلك تريد أن تعرف يوم الشهر القمري وأنت في 17 كانون الأول فعدد الأشهر من آذار إلى كانون الأول هو 10 تضيف إليه 17 وهو اليوم الذي أنت فيه من كانون الأول فيكون المجموع 27 ثم اطرح من هذا الرقم 14 فيخرج 13 وهو يوم الشهر القمري عند الفلكيين وإلاَّ فأطرح 16 فيخرج 11 وهو يوم الشهر بالنظر إلى أول يوم من رؤية هلاله.
نموذج آخر من تراجم الشعراء
نموذج آخر من تراجم الشعراء الشيخ حسين العشاري نسبه ونسبته هو نجم الدين الشيخ حسين بن الشيخ علي بن الشيخ حسن بن محمد بن فارس العشاري البغدادي، الفقيه الأصولي. الكاتب الشاعر الأديب المتفنن. ولد ببغداد سنة 1150هـ 1737م وأصله من بلدة قائمة على نهر الخابور الذي ينصب إلى الفرات تسمى (العشارة) (بضم الأول) لسكنى العشاريين الذين منهم المترجم فيها. ولعل العشاريين هؤلاء منسوبون إلى أبي طالب محمد بن علي بن الفتح الحربي (بضم ففتح) المعروف بابن العشاري من أهل بغداد. قال السمعاني في كتاب الأنساب؛ وهذا لقب جده لأنه كان طويلا فقيل له العشاري لذلك. والحربي بضم الحاء وفتح الراء نسبة إلى حرب. قال ابن حبيب (كل حرب ساكن الراء إلاَّ الذي في ملحج فأنه حرب بن مطية بن سهل بن حكيم بن سعد العشيرة بن مالك بن ادد. وفي قضاعة حرب بن قاسط بن بهر. أهـ) وعلى كل فهو أما قضاعي وأما مذحجي. وله من قصيدة يذكر العشارة ويمتدح الشيخ أبا طالب والشيخ عثمان العشاريين: سقى الله تلك الدار هامية القطر ... مدى الدهر ما ناح المطوق والقمري وعم ديارا قد عفا الآن رسمها ... على إنها في الناس طيبة الذكر وأحيا به روض (العشارة) كلما ... تحدر دمع من جفون على صدر وروح أقواما هناك قبابهم ... لقد ضربت حقا على المجد والفخر حموا بشفار البيض والسمر حوزة ... بمثلهم تسمو على البيض والسمر غيوث إذا أعطوا ليوث إذا سطوا ... بحار أياديهم تفوق على البحر من النفر السامين في آل حمير ... يخوضون نار الحرب بالضمر الشقر فروع تيقنها بأن أصولها ... من الباسقات الطلع والسيادة الغر
فمنهم إمام الفضل والعلم والتقى ... أبو طالب الحربي ذو المد والجزر ومولى الورى عثمان ذو النور والهدى ... وسلطان أهل الكشف في ذلك العصر مبتدأ حياته وخبرها أخذ العشاري العلم والأدب ببغداد عن السيد صبغة الله الحيدري والشيخ عبد الله السويدي وابنه الشيخ عبد الرحمن. وتفقه بمذهب الشافعي. واولع بالنحو واللغة والشعر ونسخ بخطه الجميل شيئا لا يحصى من دواوين الشعر العربي الفحل وكتب الفقه. وقد تملكت في شعبان سنة 1342هـ 1923م مجموعة لطيفة بقلمه تشتمل على ثلاثة دواوين: ديوان حسان بن ثابت من كتاب محمد ابن حبيب مما قرئ على أبي علي الصفار فرغ منه في شوال سنة 1274هـ وعليه تعليقات له. وديوان الأمير جمال الدين أبي منصور علي بن عبد الله بن المقرب فرغ منه في العشر الثالث من صفر سنة 1175هـ. وسقط الزند لأبي العلاء المعري وفرغ منه سلخ ربيع الأول سنة 1075هـ. ورأيت في الخزانة النعمانية في مدرسة مرجان كتبا عدة بقلمه منها تحفة ابن حجر بجلد ضخم دقيق الحروف جليها يكاد يكون معجزا بحسن خطه وصحته وهو هدية الوزير داود باشا إلى الإمام السيد محمود الالوسي سبط المترجم. ورأيت أيضا الدر المختار ولكنه دون التحفة. ويظهر إنه كان يستدر بقلمه شطر رزقه كما هي حال اغلب أهل العلم في العصر الخالي وقد وردت في ديوانه (ص203) أرجوزة (أرسل بها إلى سليمان بك الشاوي وقد أشار عليه بنسخ شرح المواقف وذهب إلى الحج) تؤيد ذلك. وفي الجملة إنه اشتغل اشتغال جد وإتقان وإخلاص واستفاد من نسخ الكتب المختلفة الفنون علما جما وأدبا غزيرا حتى صار من أعيان الفقهاء ونوابغ الأدباء، فراسله أهل الفضل وشهدوا له بعلو المكانة ونباهة الشأن وقد قال المرادي في سلك الدرر بحقه (هو الشيخ الإمام العالم الأديب الأريب الفطن النظام صاحب الكمالات الشائعة والنوادر الذائعة. . . له تضلع كلي في (كذا) سائر العلوم معقولها ومنقولها. . . كان مشهورا بحسن الإملاء والإنشاء والنظم البليغ). وقال شيخنا في المسك الاذفر (كان من اعلم أهل عصره في مصره بفقه الشافعية وكان يسمى الشافعي الصغير).
وقد كان من المقربين المحبوبين عند الوزير سليمان باشا الكبير وولاه سنة 1194هـ (1780م) تدريس البصرة ولكنه لم تطل مدته فيها فتوفي رحمه الله ولم يعين أحد زمان وفاته. آثاره له تآليف وقفت على بعضها في الخزانة النعمانية. فمنها حاشيته على شرح الحضرمية بقلمه، وكتاب الأوراد، ورسالة في مباحث الإمامة. وتعليقات على جمع الجوامع للمحلي، وتعليقات على كثير من كتب النحو، وديوان في أغراض متنوعة قد مج بعضها ذوقي وأنكرت عليه إغراقه وغلوه في مدح الصحابة وآل البيت الذي تجاوز به حدود العقل والشرع ونسي ما يلزمه به الدين الإسلامي من التوحيد الخالص، ونحن إذا عذرنا كثيرا من الشعراء الذين وصفهم الله بقوله: (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم ترَّ أنهم في كل واد يهيمون وانهم يقولون ما لا يفعلون) فلا يسوغ لنا أن نعذر شاعرنا الفقيه الذي كان عليه أن يكون أولى الناس دخولا فيمن استثناهم الله بعد ذلك بقوله: (إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الآية. وفي الديوان غث وسمين، ورخيص وثمين، وقد اقر بذلك صاحبه فقال (إن مراتب أشعاره بحسب مراتب شاعره وترقيه أولا فأولا فما كان منه ضعيف الحركات قليل الثبات فهو مما نظمته أول الحالات وما كان متوسطا في المقال فقد نسجته في أوسط الأحوال وما بلغ من الحسن الغاية فهو من مرتبة النهاية) ونسخته في (النعمانية) بقلم شيخنا السيد علي علاء الدين الالوسي مما وجده بخط ناظمه وبلغني أن منه نسختين عند بعض أهل العلم وفيهما قصائد لا توجد في الأولى، وقد آن أن نسمعك شيئا من شعره ونثره. شعره قال من قصيدة في شيخه الحيدري - وقد رأيتها في ديوان الازري المطبوع في الهند منسوبة إليه خطأ وناشره ينحله أبياتا أخرى أيضا وليست له: العلم جسم أنت عنصر مجده ... والفضل سيف أنت جوهر حده لم تعرف العلياء كيف تهزه ... حتى كتبت علاك في افرنده نظر الزمان إليك نظرة شيق ... وسعى إليك بشكره وبحمده
فغدوت رونق حسنه وجماله ... وحياة هيكله وحمرة خده فكأنما الفضلاء من أبنائه ... ورد وأنت عصارة من ورده إلى أن يقول: من كان مفتخرا بنسبة حمير ... ففخاره بالمصطفى وبمجده تلك المفاخر لا مفاخر تبع ... هيهات من قاس الشريف بعبده وقال يصف الربيع بالمدائن: قف بالمنازل يمناها ويسراها ... وسرح الطرف أدناها وأقصاها منازل نزلت غر السحاب بها ... ووابل الغيث وافاها فأحياها وقد كساها الحيا من نسجه حللا ... والورد بالحسن وشاها وحلاها تنوع الحسن في أرجائها فلذا ... قلوبنا وقلوب الناس تهواها لم اترك الدار لولا حب ساكنها ... ولم أفارق حبيب القلب لولاها فانظر لقيصومها قد مد ساعده ... وآنسها ماد حتى طاب رياها والرند يعبق في الأقطار حين رنت ... كتائب الشيح فاستغنى برؤياها والنرجس الغض يرنو نحو نرجسها ... شزر فيضرب أولاها بأخراها والأرض تهتز من حيش الربيع فلا ... تعجب فربك بعد الموت أحياها ونهر دجلة يجري في مجرته ... شعاره كان بسم الله مجراها والجو يضحك إعجابا بقدرة من ... بناصع الحسن انشاها وسواها وله: أرى الآمال قد تتجت وطابت ... نتائجها وآمالي عقيمه أرتبها باقيسة صحاح ... فتصبح وهي اقيسة سقيمه وله في وصف الربيع من قصيدة في المدح: نزل الربيع فمرحبا بغصونه ... وبعطر نرجسه وغض جفونه وبورده الزاهي على أغصانه ... وبنوره الفتان في تلوينه وبروضه الغض الأنيق ومائه ال ... عذب الرحيق وجريه وسكونه وبجيشه المهتز أن سرت الصبا ... وبلطفه المخبوء في مكنونه
فصل إذا صدحت بلابل روضه ... غمز الحمام بلحظه وعيونه وإذا به القمري صاح مغردا ... فضح اليراع بصوته ورنينه وإذا تمايلت الغصون بدلها ... مال الكئيب بحزنه وشجونه نشرت نوافجه وفاح عبيره ... وشجا القلوب بطيره وحنينه وتكللت أوراده وتضلعت ... وراده من مائه وعيونه وترنحت قضبانه وتلفتت ... غزلانه في غثه وسمينه جاء الربيع وجاءنا في فصله ... عيد رأينا السعد في مضمونه جاء (لأسعد) بالهنا وكلاهما ... لم يأتيا إلاَّ للشم يمينه وقال في سليمان بك الشاوي وأخيه سلطان بك وقد خرجا يصطادان: هي ظبية في صورة الإنسان ... فاسأل يجبك الجيد والعينان نزلت على سقط العذيب فراعها ... صوت اليراع ونغمة العيدان واستنشقت ريح البشام وشاقها ... شيح الربا ونوافج الكثبان فتلفتت كالظبي فارق ألفه ... ورنت كما هي عادة الغزلان وتذكرت عيشا لها في جيرة ... ضربت قبابهم بذات ألبان شوس إذا اشتد اللقاء فضياغم ... يجرون جري السيل في الميدان نزلوا بقارعة الطريق وشيدوا ... تلك الجفان الغر للضيفان قوم يمانيون إلاَّ انهم ... قد صاهروا الأشراف من عدنان من فتية شكت رؤوس رماحهم ... تيجان كسرى صاحب الإيوان وبمهجتي أخوين من ساداتهم ... عزما على البيداء يصطحبان أسدان قد ولعا بصيد فريسة ... وتعودا لتطاعن الفرسان في مهمه حسد السماء محله ... إذ في ذراه اشرق القمران والبر يضحك إذ جرى في عرضه ... بحران بالياقوت والمرجان بحر سليمان الإمام محله ... وقرينه السلطان بحر ثان غصنان قد سقيا بماء واحد ... فتشابها وتشاكل الغصنان من دوحة عربية يمنية ... والفرع منها باسق الأغصان كل إذا أبصرته شبهته ... بأخيه والشيئان يشتبهان
إن رمت إدراك النوال أخا الهدى ... فانزل على سلمان أو سلطان فردا ولا تجمع (هديت) فأنني ... أخشى عليك أذن من الطوفان هب أنت تحسن عوم بحر واحد ... أتعوم والبحران يلتقيان؟ ويشيم طرفك ضوء بدر واحد ... أيشيم والبدران مجتمعان؟ وتطيق حمل أبي قبيس وحده ... أيطاق مضموما إلى ثهلان؟ ما أنت مثلي إذ لقيتهما فلي ... صبر الكرام ونجدة الفتيان يا باذلي بدر النقود وحاملي ... عبء الوفود بسائر الأزمان (لله دركما ودر أبيكما) ... مغني العفاة ومشبع الجوعان فخذا بحق أبيكما من مدحتي ... نظما كنظم قلائد العقيان طوقت جيدكما به لا زينة ... بكما فيبلغ غاية الإحسان غض جرى في طبعه لما بدا ... ماء الصبا وطراوة الشبان ما شأنه لكن الحضارة إذ أتى ... من شاعر يعزى إلى قحطان من معشر نزلوا (العشارة) برهة ... والآن قد نزلوا على بغدان ما شأنهم ضد الغنا بل زانهم ... درس العلوم ونغمة القرآن وكفى بنسبته لعالي مجدكم ... شرفا على الأمثال والأقران يدعى (الحسين) وأنه بمديحكم ... يدعى بنابغة الورى حسان وله من قصيدة: خل الجفون تسيل سيل الوادي ... فلقد أحست بالنوى يا حاد وقف الرواحل ساعة فلعلما ... اشفي بتربتها غليل فؤادي واحبس هوادجها علي فأن في ... تلك المرابع منيتي ومرادي ساروا إلى دار البلى وبقيت في ... قفص الهوان وقسوة الصياد ما ضرهم لو قدموني دونهم ... فرطا فألقاهم على ميعاد حملوا بأعناق الرجال وخيموا ... بعد الديار بجانبي بغداد نزلوا بأفنية البيوت وليتهم ... نزلوا بضيق نواظري وسوادي محمد بهجة الأثري
الطربال ومعانيه وأصله
الطربال ومعانيه وأصله من الألفاظ التي يلتذ الباحث بالوقوف على أسرارها؛ الطربال. أما وجه اهتدائي إلى معناها فقد كان على الصورة الآتية: كنت ابحث عن النصوص الفارسية والعربية التي تتكلم عن (جورارد شيرخرة) التي تعرف اليوم بفيروزاباد. وهذه النصوص تذكر الطربال فقد قال الطبري والاصطخري ومن نقل عنهما أن في وسط اردشيرخرة بناء مثل الدكة تسميه العرب (الطربال) وتسميه الفرس بإيوان وكياخرة وهو من بناء اردشير وكان عاليا جدا بحيث يشرف الإنسان منه على المدينة جميعها ورساتيقها وبني في أعلاه بيت نار، واستنبط بحذائه في جبل، ماء حتى اصعد به إلى رأس الطربال وأما الآن فقد خرب واستعمل الناس أكثره. . . أهـ المقصود من إيراده. فمن أين هذه اللفظة وما معناها؟ وأول كل شيء حققت أن اغلب شروح لغويي العرب ترجع إلى مصدرين وقد ذكرها ياقوت نقلا عن ابن دريد وابن شميل، وقد ذكر ابن الأثير حديثا يعود معظم معناه إلى أنه الحد الذي ينتهي فيه الميدان. ودونك هذا الحديث: (إذا مر أحدكم بطربال مائل فليسرع المشي) نعم إن ابن الأثير قال: هو البناء المرتفع كالصومعة، والمنظرة من مناظر العجم. وقيل هو علم يبنى فوق الجبل أو قطعة من جبل، لكن ابن المكرم قال في لسانه نقلا عن ابن شميل: هو بناء يبنى علما للخيل يستبق إليه، ومنه ما هو مثل المنارة. وبالمنجشانية واحد منها بموضع قريب من البصرة. قال دكين: حتى إذا كن دوين الطربال ... رجعن منه بصهيل صلصال مطهر الصورة مثل التمثال أهـ فواضح هنا إن الطربال هو العلم الذي يبني حدا في الميدان. وهو بهذا المعنى معرب في صيغته المجموعة أي طرابيل. وهو من اللاتينية قلبت فيه الميم باء والنون لاما كما يقع لهم كثيرا فقالوا الطرابيل وتوهموا له مفردا
الدكتور ارنست هرتسفلد
هو الطربال لأن فعاليل جمع لفعلال أو فعلول أو فعليل. وإن لم تكن هذه الكلمة اللاتينية عينها. فالكلمة المعربة عنها العربية هي كلمة يونانية منزوعة عن اللاتينية المذكورة. أما الطربال الذي بمعنى بناء مثل الدكة له أربعة أبواب على حد ما ترى آثاره في فيروزاباد فهو معرب من اليونانية ومعناه (ذو الأربعة الأبواب) (بتقدير كلمة بناء) فإنه قالوا فيه (طرابيل) وجروا على استخراج المفرد منه على حد ما فعلوه في ألفاظ كثيرة على ما تقدمت الإشارة إليه قبيل هذا. الدكتور ارنست هرتسفلد (لغة العرب) نشكر الدكتور الأستاذ على طرفته هذه. ومن غريب الأمر إننا وقعنا على مثل هذه النتيجة في سنة 1897 إذ كتبنا مقالا في المعربات ومن جملة ما قلنا فيه ما هذا حرفه: (وقد تكون الكلمة العربية الواحدة معربة عن كلمتين دخيلتين أو اكثر؛ وقد تكون الكلمة معربة عن لغة لمعنى من المعاني. وعن كلمة أخرى وعن لغة أخرى في معناها الآخر. ونحن نذكر لك شاهدين على ذلك؛ إن الترتور بمعنى الجلواز معربة من اللاتينية وبمعنى الفاختة منقولة عن اللاتينية الأخرى فالكلمة العربية واحدة أما المعرب عنها فكلمتان لاتينيتان أي روميتان. والساج بمعنى الطيلسان الأخضر أو الأسود هو من الرومية وبمعنى شجر ينبت في بلاد الهند هو من الهندية القدمى مبنى ومعنى ومادة ساج يسوج بمعنى سار يسير رويدا عربية. فهذه لفظة واحدة من لغات ثلاث بعيدة الواحدة عن الأخرى بعد الثريا عن الثرى. ودونك الآن مثالا ثالثا وهو الطربال، فهو بمعنى البناء الفخم القائم على أربعة أركان وفيه أربعة أبواب منقول عن اليونانية والطربيل بمعنى النورج يدق به الكدس من الرومية أو اليونانية وبمعنى الحسكة بمعنييها الحقيقي والمجازي من إحدى اللغتين اليونانية أو اللاتينية فهذا حرف عربي البناء إلاَّ أنه منقول عن ثلاث كلمات مختلفة الصيغة والمعنى إلاَّ أنها أفرغت في قالب عربي واحد. انتهى ما كتبناه قبل نحو ثلاثين سنة. والآن نرى حضرة الأستاذ العلامة يزيد على الألفاظ المتقدم ذكرها معنى آخر ومن لفظ آخر وهو بمعنى العلم يبنى حدا للميدان وهذا من أبدع ما رأيناه في المعربات وتساوق معانيها جريا على وضع أبناء الغرب.
الضمائر في لغة عوام العراق
الضمائر في لغة عوام العراق الضمائر المنصوبة المتصلة الضمائر المنصوبة المتصلة عشرة أيضا اثنان منها للمتكلم، وأربعة للمخاطب وأربعة للغائب. ضمائر المتكلم المنصوبة للمتكلم ضميران يشترك فيهما المذكر والمؤنث أحدهما للمفرد والثاني للجمع 1 - ضمير المفرد المتكلم: ياء ساكنة مسبوقة بنون مكسورة تسمى نون الوقاية وهي تتصل بالماضي نحو ضربني والمضارع نحو يضربني والأمر نحو اضربني وإذا كان في آخر الفعل الماضي ألف واتصلت به ياء المتكلم ظهرت الألف أي لم تسقط من اللفظ فيقال رماني وجاني. 2 - ضمير جمع المتكلم: إن ضمير جمع المتكلم المنصوب كضمير جمع المتكلم المرفوع. أي هو عبارة عن (نا) وآخر الفعل الماضي في كليهما ساكن نحو ضربنا فكلمة (نا) في (ضربنا) يجوز أن تكون ضمير الفاعل لجمع المتكلم وأن تكون ضمير المفعول ويعرف كونها فاعلا أو مفعولا بقرينة الحال وهذا الالتباس
لا يكون إلاَّ في الفعل الماضي المتعدي من السالم والمثال والمهموز فقط. فلا يكون في الفعل المضارع نحو يضربنا فكون (نا) ههنا مفعولا لا فاعلا، ظاهر. ولا في الأمر نحو اضربنا لأن فاعل الأمر لا يكون إلاَّ ضمير المخاطب. ولا في الفعل الماضي اللازم نحو كعدنا فإن (نا) في (كعدنا) فاعل ولا يجوز أن تكون مفعولا لأن الفعل لازم. ولا في الفعل الماضي الأجوف نحو شافنا فإن (نا) في شافنا ضمير المفعول ولا يجوز أن يكون ضمير الفاعل لأن عين الفعل الأجوف تحذف عند اتصال ضمير الفاعل به نحو شفنا. ولا في الفعل الماضي الناقص نحو (رمانا) فأن (نا) في رمانا ضمير المفعول ولا يجوز أن تكون ضمير الفاعل لأنها لو كانت ضمير الفاعل لوجب معها رد الألف من رمى إلى الياء فيقال رمينا. ولا في الفعل الماضي المضاعف لأن العامة تزيد في آخر الفعل المضاعف ياء إذا اتصل به أحد ضمائر الرفع فيقولون في رد رديت رديتو ردينا وأما إذا اتصل به ضمير المفعول فلا يزيدون في آخره ياء بل يحذفون الحرف الأخير منه فيقولون ردني ردنا ردها ردهم ردكم ردهن ردجن إلاَّ في ضمير المفرد الغائب والمفرد المخاطب والمخاطبة فلا يحذفون حرفه الأخير بل يقولون رده ردك ردج. وعليه فلا يحصل الالتباس في كون (نا) ضمير الفاعل أو ضمير المفعول إلاَّ في الفعل الماضي السالم نحو ضربنا والمهموز نحو أمرنا والمثال نحو وعدنا ففي هذه الأفعال الثلاثة يعرف كونه فاعلا أو مفعولا بالقرائن. ضمائر الغائب المنصوبة للغائب أربعة ضمائر اثنان منهما للمذكر المفرد والجمع واثنان للمؤنث المفرد والجمع. 1 - ضمير المفرد الغائب: إن ضمير المفرد الغائب في كلام العامة عبارة عن هاء خرساء لأنه يكتب ولا يلفظ. وإذا اتصل بالفعل جعل آخره مفتوحا سواء كان ماضيا نحو ضربه أو مضارعا نحو يضربه أو أمرا نحو اضربه إلاَّ في الناقص فإنه إذا اتصل بالناقص وكان الفعل ماضيا ظهرت ألفه الساقطة من اللفظ نحو رماه وإن كان مضارعا أو أمرا قلبت ألفه ياء نحو يرميه وارميه
ولكون هذا الضمير لا يلفظ سميناه بالهاء الخرساء. 2 - ضمير جمع الغائب: (هم) بضم الهاء وسكون الميم نحو ضربهم. 3 - ضمير المفردة الغائبة: (ها) والألف منها ساقطة من اللفظ كما ذكرنا سابقا فيبقى الضمير عبارة عن هاء مفتوحة نحو ضربها. 4 - ضمير جمع المؤنث الغائب: (هن) بكسر الهاء وسكون النون نحو ضربهن. ضمائر المخاطب المنصوبة للمخاطب أربعة ضمائر أيضا اثنان منها للمذكر المفرد والجمع واثنان للمؤنث المفرد والجمع. 1 - ضمير المفرد المخاطب: كاف ساكنة إذا اتصلت بالفعل جعلت آخره مفتوحا سواء كان ماضيا نحو ضربك أو مضارعا نحو يضربك وإذا اتصل بالناقص ظهرت معه ألف نحو رماك. 2 - ضمير جمع المخاطب: (كم) بضم الكاف وسكون الميم نحو ضربكم يضربكم. 3 - ضمير المفردة المخاطبة: جيم فارسية ساكنة إذا اتصلت بالفعل جعلت آخره مكسورا سواء كان ماضيا نحو ضربج أو مضارعا نحو يضربج واصلها الكاف إلاَّ أن العامة تجعلها جيما فارسية حسب لكنتهم كما ذكرنا ذلك عند الكلام على اللكنة العامية فيما تقدم. ومنهم من لا يجعلها جيما فارسية بل يلفظها كافا أما ساكنة فيكسر معها آخر الفعل أيضا ويقول ضربك ويضربك وأما مكسورة فيسكن معها آخر الفعل ويقول ضربك ويضربك. إلاَّ أن الشائع في العراق ولا سيما عند أهل البادية هو جعلها جيما فارسية ساكنة. 4 - ضمير جمع المؤنث المخاطب: (جن) بفتح الجيم الفارسية وسكون النون نحو ضربجن ويضربجن وهي في الأصل مضمومة الكاف ومشددة النون المفتوحة إلاَّ انهم حرفوها فكأنهم خففوا النون ونقلوا الفتح منها إلى الكاف التي واوها جيما فارسية حسب لكنتهم.
الضمائر المجرورة المتصلة إن الضمائر المجرورة المتصلة هي الضمائر المنصوبة المتصلة بعينها فإنك إذا أدخلت على الضمائر المنصوبة أحد حروف الجر أو أضفت إليها اسما من الأسماء صارت مجرورة. وعليه فلا حاجة إلى إعادة ذكرها ههنا أيضا. وإنما نذكر ما لبعضها من الأحكام فنقول إن ياء المتكلم إذا كانت منصوبة متصلة بالفعل وجب أن تكون مسبوقة بنون الوقاية كما ذكرنا آنفا وأما إذا كانت مجرورة فإنها لا تقترن بنون الوقاية، إلاَّ إذا دخلت عليها من وعن الجارتان نحو مني وعني. أما ضمير المفرد الغائب فهو في حالة الجر أيضا هاء خرساء فهو ساقط من اللفظ هنا أيضا. ومن أحكامه أنه إذا اتصل باسم من الأسماء جعل آخره مفتوحا تقول فلان (ثوبه نظيف) وتقول فلان (شد حزامه وركب حصانه) وكذلك ضمير المفرد المخاطب فإنه إذا اتصل باسم جعل آخره مفتوحا. وأما ضمير المفردة المخاطبة فإنه إذا اتصل باسم جعل آخره مكسورا تقول للمرأة مثلا (البسي ثوبج). خلاصة ما تقدم الضمائر إما منفصلة أو متصلة. والمنفصلة قسمان مرفوعة ومنصوبة وكل قسم منهما عشرة فمجموعها عشرون ضميرا إلاَّ أن المنصوبة المنفصلة لا تستعمل في كلام العامة إلاَّ استعمالا خرجت به عن كونها ضمائر كما علمت عند الكلام على الضمائر المنصوبة المنفصلة. وعليه فلم يبق في كلام العامة من الضمائر المنفصلة إلاَّ المرفوعة وهي عشرة. وأما الضمائر المتصلة فهي ثلاثة أقسام مرفوعة ومنصوبة ومجرورة وكل قسم منها عشرة فمجموعها ثلاثون ضميرا إلاَّ أنه يجب أن نسقط المجرورة من الحساب لأنها هي المنصوبة بعينها تكون منصوبة في محل ومجرورة في محل آخر. فيبقى من المتصلة عشرون ضميرا. وعليه فمجموع الضمائر الموجودة في كلام العامة ثلاثون ضميرا عشرة منفصلة وعشرون متصلة. معروف الرصافي
الجزائر
الجزائر - ظواهر ظهرت في جهة الفرات بعد أن قل التبطح وانحسر الماء السائب. فأحتل تلك الظواهر جماع من الصيادين والمزارعين؛ فكان الزراع يبنون أكواخهم وخصاصهم على سيف تلك الأرض الناشفة، وكان الصيادون يبنون بيوتا من القصب على وجه الماء كأنها جآجئ واكنة، ثم مازالت الظواهر تتسع والناس يحملونها من جهة الفرات حتى صارت كأنها سدة واحدة تمتد من حيال سوق الشيوخ إلى البصرة. وكان ذلك زمن أعراسها وزهرة عمرانها. ولم تحافظ على هذا الحال، بل كانت بين هبوط وارتفاع؛ فقد خربت وغرقت بكثير من القلاقل والفتن. وزهت مطمئنة في فصل الدعة والركود؛ وأول زهوها كان في القرن التاسع للهجرة وأخر دور من أدوار عمرانها في القرن الثالث عشر إذ في أواخره وجد الرجل الكبير ناصر باشا آل سعدون صاحب (الناصرية) الذي حمل الفرات من جهة الجزائر وسعى في تجفيف المياه فكانت له في عمران الجزائر مسعاة كبيرة وهكذا كثرت القرى المجاورة في تلك النواحي وماج فيها السكان وخددت فيها الأنهار فتحسنت فيها الزراعة وربيت فيها دودة القز ونهضت باسقات النخل وشتل (وغرس) كل أنواع الأرز. أما قراها فكثيرة ولم تزل تسمى بأسماء الأنهار التي تمر بها أو القبائل التي تقطنها وقد كانت عاصمة هذه الجزائر (واسط) ثم (البصرة) ثم (الحويزة) ثم (المدينة) وهي مدينة بني منصور. وأشهر قراها القديمة: (الصباغية)، (ونهر صالح) - فقد أخرجت هاتان القريتان كثيرا من أهل العلم والأدب وفي النجف اليوم أسر (عائلات) علم كبيرة ترجع إليهما وإليك بقية القرى وهي: قرية بني حميد - ونهر عنتر - وهو أكبر مواضعها وقيل أنه يشتمل على 300 نهر - وديار بني أسد - وديار بني محمد - والفتحة - والقلاع - ونهر السبع - والباطنة - والمنصورية - والإسكندرية - والبلتان - وكوت معمر - والكبان (القبان) - والبثق -
أو كما يقولون البثج - وعبادة - وبني مشرق - وبني حطيط - وآل حسيني - والغريق - وآل الشيخ راضي - وشط بني أسد - وبنو منصور - والشرش - وآل سعدون - والسويب (بالتصغير) - والهارثة - وقرمة علي - والنشوة - ونهر عمر - وكتيبان - ومزيرعة - والروطة - والباغجة - والعبيد - والمومنين - وآل احول - وكانت الجزائر تتصل بالبصرة فكان العشار وهو قرية على نهر الابلة القديم قرية من قرى الجزائر وكانت تتصل من جهة الغرب بالحويزة وشط سحاب وهو آخر قراها. أما قبائلها فالتي نعرف منها هي: بنو أسد - وبنو منصور - وآل سعد - وبنو مشّرف (بتشديد الراء المفتوحة) - وبنو حطيط (بالتصغير) - وآل معّرِق (بتشديد الراء المكسورة) - وعبادة (كسحابة) - وبنو مالك - والصيامرة - والمواجد - وآل خليوي (بالتصغير) - وآل غريق. هذه هي القبائل المستقلة بالاسم هناك وربما اختلطت ورجع بعضهم إلى بعض في النسب وأهم هذه القبائل: ربيعة وهم ربيعة البطائح، وأهم أفخاذ ربيعة هناك بنو أسد وكانوا يطلقون على النابه منهم لفظة أمير واقدم أمير هناك سمعنا بذكره هو الأمير هجير بن محمد الزعيم لأهل الجزائر في القرن العاشر. أما في عهدنا فبيت الإمارة هو في عاصمة الجزائر وهي المدينة، مدينة بني منصور وقد كان الأمير زمن الاحتلال حمود بن جابر ثم حسك من بعده واليوم ليس لهذا الأمير زعامة ولا نفوذ ولقب الإمارة عليه مثل لقب النقابة في العراق ألقاب شرف موروثة. وكانت الزعامة الحقيقية قد انتقلت إلى بيت الشيخ شيخ الجزائر وهو بيت الشيخ خيون (وزان مكوك) زعيم بني أسد خاصة وشيخ الجزائر عامة فقد كان للشيخ خيون وولده الشيخ حسن ونجله الشيخ سالم مواقف كبيرة ومظاهرات عظيمة في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر وقد مكنتهم مواقفهم وبرهنت الحوادث على أنهم أمراء الجزيرة الحقيقيون وبيدهم أزمة الأمور هناك.
والماثل اليوم هو الشيخ سالم وهو في طليعة رجال العراق الذين اشتغلوا بالنهضة السياسية لديارنا. وفي سنة 1343 اختلفت الحكومة العراقية والشيخ سالم ولم يوافقها على بعض نقاط سياسية فتبدل موقف الشيخ سالم وانجر الأمر إلى قبض الحكومة على الشيخ سالم ومحاكمته وهو اليوم في الموصل يقضي مدة سجنه هناك. وبهذا الحادث انحلت مشيخة الجزائر فلا إمارة هناك اليوم ولا مشيخة بل أسست الحكومة قضاء الحمار وبعثت إليه قائم مقام وموظفي إدارة وفككت المشيخة وأقامت في مكانها عدة مختارين يراجعون الحكومة في مواد معينة. وجاء في بعض الآثار التاريخية أن الجزائر بلغت 360 جزيرة مبثوثة في طول البطائح وعرضها بعضها يسمى جزائر شط العرب وبعضها يسمى جزائر خوزستان وقد يلغى التخصيص ويطلق عليها اسم الجزائر فقط وقد كانت الجزائر تابعة لحكومة خوزستان ولكن لما دخلت البصرة في مملكة العثمانيين كان من جراء ذلك أن أخذ بعض زعماء القبائل يميلون إلى العثمانيين ويتوددون إليهم بالطاعة وكان الغرض من ذلك ضعضعة النفوذ والسلطة في بلادهم فكانوا يتقربون إلى الفرس تارة وإلى الأتراك أخرى وقد ذكر أن اياس باشا واحد ولاة بغداد في القرن العاشر حضر البصرة ورتب فيها عاملا وضم إليها واسطا والجزائر ولكن كثيرا ما تثور ثائرة الجزائر فيتمرد الزعماء على رجال الحكومة ويعتمدون على أنفسهم. حوادث الجزائر وخرابها خطر شأن الجزائر وانبعث إلى عالم الذكر والشهرة في القرن التاسع للهجرة زمن الضعف وعدم استقرار الملك في العراق وأنحائه فكثرت الإمارات وحمس النزاع عليها ولما كانت الحرب سجالا بين الأتراك ملوك بغداد الفاتحين وبين الصفويين ملوك خوزستان كانت البصرة والجزائر ميدانا لتلك الحروب وكان الفوز لمن رسخت قدمه هناك. هذا وقد كانت ولاة الترك تمني الأعراب الذين هم في الجزائر للانتقاض والتمرد بزعامتهم لأن البون شاسع وبعد الشقة بينهم وبين مراجعهم العالية كان يحدثهم بالانفصال والاستقلال وأنهم يصبحون
أمة برأسها، كل ذلك جعل الجزائر عرضة للجنود والفتن ومواقد لنار الثورات والحوادث وفي الأكثر كانت تخرج منها شرارة الثورة وقد أعان على ذلك أن مياهها وإحراجها وغاباتها من امتن القلاع وامنع المتاريس للثوار ولوقوعها بين واسط والبصرة والحويزة، ديار الحوادث، كانت ترافقها في الخير والضير وكانت هي الميدان. في القرن التاسع ابتدأت ثورة محمد بن فلاح المتمهدي المشعشع جد موالي الحويزة ومؤسس امارتهم، وسنذكر هذه الإمارة مفصلا في فصل أمراء البطائح وكان مظهر ثورته في الجزائر فهب لمواقعته أمير البلاد. وكانت الإمارة حين ذاك لعبادة فواقعه محمد واستظهر عليه وكانت مواقعة دموية هائلة. وفي القرن العاشر حمل المولى مبارك بن عبد المطلب بن حيدر بن محسن بن محمد المتمهدي وتغلب على الجزائر فناجز أهلها واجتاح بلادهم بعد معارك شديدة. وفي سنة 1055 ثارت الجزائر واتصل اللهب فعم الهياج ونهد إليها المولى علي خان وأطفأها وبذلك امتدحه شهاب الدين بن معتوق الحويزي من قصيدة: لولا إيابك للجزيرة ما صفت ... منها مشارع مائها المتكدر أسكنت أهليها النعيم وطالما ... شهدوا الجحيم بها وهول المحشر وكسوتها حلل الأمان وأنها ... لولاك أضحت عورة لم تستر وثارت الجزائر في عهد المولى السيد منصور بن عبد المطلب فبادر إليها وقمع الفتنة فيها وبذلك نوه ابن معتوق من قصيدة: وعدا يطوي القفار إلى أن ... نثرت خيله ثراء الثغور وأتت في الضحى الجزيرة ترمي ... بأسود تروعها بالزئير وكانت الثورات متتابعة في الجزائر على عهد الموالي، فكانت تراض تارة بالقوة وأخرى بالسياسة وكانت تتنازع الجزائر في القرن الحادي عشر حكومات أربع: وهي حكومة القبان (بتشديد الباء الموحدة) وحكومة الدورق (وزان فوفل) وحكومة الحويزة وحكومة البصرة. وكانت هذه المناطق الأربع ميدان نزاع بين الروم (أي العثمانيين على لغة الأعراب) في بغداد والصفويين في شيراز، وكانت حكومة شيراز تؤثر على
حكومة الحويزة وحكومة الدورق، وكانت حكومة بغداد تؤثر على حكومة البصرة وحكومة القبان وفي عهد ولاية آل افراسياب التحقت حكومة القبان بالبصرة فتبعتها وآخر حاكم مستقل كان فيها رجل يقال له بكتاش اغا وقد انتقضت الجزائر غير مرة على ولاة البصرة من الأتراك أو - المتسلمين - كما هو في عرف حكومة الأتراك وكان الذي يضطر القوم إلى التمرد ثقل وطأة الأتراك وعنفهم واللوثة التي هي خلق من أخلاقهم وقد حارب الجزائريون الجنود العثمانية في القرن العاشر وفي أواسط القرن الحادي عشر مرارا عديدة وآخر حرب يذكرها الناس هناك هي الحرب الشعواء في أوائل هذا القرن على عهد السلطان عبد الحميد وقد كثر الهول والابتلاء في هذه الحرب وأحرقت فيها (المدينة) عاصمة الجزائر وكان الناهض بالجزائريين الشيخ حسن بن الشيخ خيون الاسدي شيخ الجزائر وأميرها المتبوع وأخمدت تلك الثورة على يد القائد محمد فاضل باشا الداغستاني المعروف عند العراقيين ب - الجيجاني - قاطن بغداد وبيته معدود من أعاظم بيوتها ولكن الإصلاح الذي نهض به كان يشبه تغطية المرجل الفائر ولم يكن حسما حقيقيا. علي الشرقي
الألفاظ الارمية
الألفاظ الارمية في اللغة العامية العراقية - قد فاتنا بعض الكلام عند إثبات الألفاظ على الحروف الأبجدية فرأينا أن نأتي عليها إتماما للفائدة واليكها: (قاية) يقول العراقيون (رجل قاية، وقامة قاية) بمعنى عظيم وعظيمة ويرى بعضهم أن ذا اللفظ من التركية (قيا) أي الصخرة وترد على ألسنتهم من باب التشبيه. وعندنا إن ذلك وهم ظاهر. فإن (القاية) ارمية الأصل من (ج اي ا) والجيم هنا مصرية ومعناها العظيم والجبار والمجيد والجليل. (جواية) جاء في مجلة لغة العرب (474: 4) أن الجواية في عرف النوتية اسم زورق يدخل البطائح. وعلقت إدارة المجلة تعليقا على الجواية جاء فيه أنها مشتقة من فعل تكوى (بواو مشددة) والذي عندنا أن هذا اللفظ ارمي الأصل من (ج وي ا) والجيم مصرية وتلفظ (كاوايا) بمعنى الداخلي نسبة إلى (ج وا) الجيم مصرية أيضا وتلفظ (كاوا) أي الداخل. أو (جوا) كما يقول العراقيون. ويراد (بالجواية) السفن الداخلية التي تنقل البضائع والسلع والأمتعة من الخارج وتتوغل في داخل البطائح كما جاء في وصفها في الموضع المذكور من المجلة. ولا يخفى على القراء أن الارميين كانوا يشتغلون بالملاحة في العراق في الأزمنة الخالية. فهذا رأي خاص بنا نزفه إلى القراء بكل تحفظ، وقد سمعنا في البصرة يقولون للسفينة التي تنقل البضائع من المراكب البحرية الكبيرة إلى المياه الداخلية (جاية) الجيم مثلثة فارسية. كأنها مفرد (جواية) مثل قرية وقرايا عند المولدين وفي لغة العوام. (داروغة) تطلق على الرئيس والمتقدم من الناس ومن الحيوانات ما كان منها في رأس القافلة وهو الكراز في العربية الفصحى، ويستعمل هذا الحرف عند الفرس وأهل الهند ويذهب علماء الفرس إلى أن داروغة بضم الراء ضما صريحا
أو بالضم الممال به إلى الفتح كلمة جغتائية الأصل وكذا قال صاحب برهان قاطع والذي أراه أن اللفظ (داروغة) ارمي الأصل مبنى ومعنى وهو اسم فاعل على وزن فاعولا على القاعدة المتبعة عند الارميين كما سيجيء بعد هذا. وذلك من فعل (درج) والجيم تلفظ هنا غينا فتصبح (درغ) بمعنى تقدم وتدرج فيكون معنى (داروغا) أو (داروغة) المتقدم. (هوفة) بمعنى النسمة من الهواء والحركة الخفيفة والأمر الذي يمر سريعا ولا يثبت وإن كان هناك وجه لتعليل هذا اللفظ في العربية ونسبته إلى الهوف بالفتح وهي الريح الحارة أو الباردة الهبوب أو إلى الهوف بالضم ومعناه الرجل الخاوي الذي لا خير عنده أو من الهيف بمعناها المعروف في العراق أي الحارة أو من هفت الريح أي هبت فسمع صوت هبوبها فتكون من باب قلب المضاعف أجوف إلاَّ أن صيغة الكلمة ولفظها ومدلولاتها في هذه الديار تحملنا على القول بأنها من بقايا الارمية من (هـ وب ا) وتلفظ (هوبة) الباء فيها مثلثة. ومدلولاتها في تلك اللغة: الوهج والبخار والدخان والنسمة والنفخة والرائحة الخفيفة والهنيهة والزهيد من الشيء واليسير منه. (حلانة الطيور) يجوز أن تكون الحلانة تصحيف الحلة (بفتح الحاء وتشديد اللام) في العربية الفصحى وهي الزنبيل الكبير من القصب كما تطلق أيضا الحلانة في العراق على زنبيل من خوص يوضع فيه التمر. وحلانة الطيور هي بشكل سلة من قصب تتخذ مسكنا للطيور كما يجوز أن تكون هذه الأخيرة من الارمية (ح ول ن ا) وتلفظ (حولانة) بضم الحاء ومعناها الكهف والغار والشق والحجر، وعندي إن التعليل الأول هو الراجح. (سلهبة نار) تطلق مجازا على الولد الكثير الحركة أي كأنه لهبة نار وأكثر ما يستعمل هذا اللفظ نصارى العراق. والسلهبة من (ش ول هـ ب ا) بمعنى الهبة والضرم والحرارة. (لهظ) أظن إن هذا اللفظ خاص بنصارى العراق، ويستعمله نساج الأزر من المسلمين فيقولون في الأقمشة المطرزة بالخيوط الذهبية أو المقصبة إذا كان لونها وهاجا (تلهظ) أو (تلهث) وهي من الارمية (ل هـ ط) بمعنى اشتعل واتقد وتلظى. يوسف غنيمة
تاريخ الطباعة في العراق
تاريخ الطباعة في العراق مطابع الموصل تابع مطبعة الدمنكيين - 5 - 116 - (التهجئة بالكلدانية) (طبع ثالثة ص 48) 117 - (تصريف الأسماء والأفعال الكلدانية) (ص 86) 118 - (نحو اللغة الكلدانية) للمطران السيد طيماثاوس مقدسي الكلداني (1889 ص 229) 119 - (نحو اللغة الارمية) له (1898 ص 350) 120 - (معجم مطول للغة الكلدانية القديمة والحديثة) (بالكلدانية) تأليف المطران توما اودو (1898 - 1900 في جزءين ضخمين ص 492 و638) 121 - (القطافة منتخبات أدبية في اللغة الكلدانية) للمطران السيد أدي شير ابرهينا الكلداني (1899 ص220)
122 - (كليلة ودمنة) بالكلدانية المحدثة للمطران توما اودو (1898 ص273) 123 - (مجموعة أمثال كلدانية) لداود قره جمعت بعناية الأب يعقوب ريتوري رئيس دير مار يعقوب في الموصل (1900 ص140) 124 - (العهد الجديد) بالسريانية في جزءين قطع صغير (1898 ص 1528) 125 - (التعليم المسيحي) بالسريانية (1877 ص 52) 126 - (المزامير) (1885 ص 351) 127 - (المزامير) مع مقدمات وشروح للمطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1885 ص364) 128 - (فهرست المزامير) التي تتلى في الصلاة الفرضية في أبرشية الموصل السريانية على مدار السنة (1877 ص 42) 129 - (الحسايات) (الغفرانات وهي صلوات الحلة عن الخطايا) لمدار السنة إلاَّ زمن الصوم الكبير الأربعيني جمعها المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1879 ص 648) 130 - (الفنقيط) (أي الصلوات القانونية عند السريان) جمعه ونقحه المطران السيد اقليمس يوسف داود السرياني (1886 في سبعة مجلدات ص 350 و593 و450 و887 و468 و660 و526) 131 - (خدمة القداس بحسب ترتيب الكنيسة السريانية) له (1868 ص238 ثم 1881 ص284) 132 - (رسالة في السريانية في كيفية التصرف في الدعاوي الزيجية) له (1883 ص36) رفائيل بطي
فوائد لغوية
فوائد لغوية أصل علامة التثنية ما أصل علامة التثنية في العربية؟ ذلك سؤال يلقيه كل من يبتدئ بتعلم اللغة العربية، أو من يتحرى الوقوف على أسباب أسرارها الخفية. لا نقف على هذا الأصل إلاَّ من بعد أن نكون قد عرفنا أن المثنى في بقية اللغات يكون بوضع لفظة (اثنين) قبل الاسم أو بعده حسب مزايا تلك الألسنة أما العرب فيستغنون عن اتخاذ كلمة (الاثنين) بوضع ألف التثنية في آخر اللفظ في حالة الرفع أو بوضع ياء في حالتي النصب والجر. ويزداد (نون) بعد الألف أو بعد الياء إن لم يكن هناك إضافة. فيقال جاء رجلان ورأيت رجلين وابتعدت عن رجلين، وأقبلت امرأتان وساعدت امرأتين ونصحت لامرأتين. فمن أين أتت هذه الألف في لغتنا؟ عندي إنها مقطوعة من (تنا) وهو اسم قديم للاثنين يشهد على ذلك انهم قالوا: ثنى الشيء أي عطفه كأنه جعله اثنين، ووجود الثاء المثلثة في ثني حديث بالنسبة إلى التاء المثناة وإن كانت في حد نفسها قديمة. ودليلنا على ذلك سائر اللغات السامية فالمثلثة فيها غير معروفة كتابة وإن كانت عندهم لفظا. أما العربية فلها حرفان ممتازان وكل منهما يعرف بعدد نقطه. ولنا دليل آخر أن الاثنين في العبرية (شنيم) أو (شني) فالميم للجمع وليست من أصل الكلمة و (شنى) بالشين وما كان بالشين في العبرية كثيرا ما يقابله بالثاء المثلثة في العربية. فظهر من هذا أن لفظة الاثنين أصلها (تنا) لأن الياء الموجودة في العبرية تلفظ ألفا ممالة. والارميون يقولون في الاثنين (ترين) بإبدال النون راء لأنها من حيز واحد. كما ظهر أن المثنى عندنا منحوت من لفظتين هما الاسم الأول الأصلي والنون المقطوع من كلمة (تنا) وهو أمر معقول يؤيد مصطلح جميع لغات العالم.
باب المكاتبة والمذاكرة
باب المكاتبة والمذاكرة أسماء محلات بغداد سيدي صاحب مجلة لغة العرب المحترم: الغاية من نشر نبذتي التالية على صفحات مجلتكم الغراء هي الوقوف على حقيقة قد أمست في نظري بين الشك واليقين: محلة الشط تغيرت أسماء محلات مدينة بغداد وبعض مواقعها تغيرا كبيرا. حتى أن المؤرخ لا يكاد يجد اليوم محلة واحدة باقية على اسمها القديم منذ تأسيسها. وقد عزمت على أن انشر كل ما اعثر عليه في كتب التاريخ من أسماء تلك المحلات القديمة العهد وما يطلق عليها اليوم من الأسماء الحديثة. وقد بلغني من السيد محي الدين فيض الله الكيلاني نقلا عن أفراد أسرته أن محلة السنك كانت تعرف قبل نحو قرن باسم محلة الشط واشتهر جماعة من أدباء بغداد في هذه المحلة المحادة (للمربعة) (والحاج فتحي) (والعوينة) (وباب الشيخ) وقد جاء في ديوان عبد السلام الشطي ص30 قصيدة فيها إشارة صريحة إلى أسرته البغدادية التي هجرت ربوع الزوراء واستوطنت دمشق في القرن الثاني عشر للهجرة وإلى المطالع بعض أبياتها: نحن بنو الشط الاماجد ... أصل المناصب والمراتب كم خفِقت أعلامنا ... بين المشارق والمغارب وبنورنا انكشف الدجى ... وبذكرنا سارت مواكب بغداد محتدنا فيا ... لله كم جمعت أطايب والجد معروف هو ... الكرخي مشهور المناقب
كنا ثلاثة اخوة ... فيها تحف بنا المواهب عمر ومحمود وخضر ... من صفت لهم المشارب جاؤوا دمشق وخيموا ... فيها وأمر الله غالب والقرن ثاني عشر ... ودمشق زاهرة الكواكب فرجائي ممن له وقوف على خلاف حقيقة ما جاء في هذه النبذة أن يفيدني عنه على صفحات مجلة لغة العرب وأخص منهم بالذكر أولئك الذين في حوزتهم صك مثبت عليه اسم محلة الشط فأنهم يخدمون بذلك تاريخ مدينة بغداد أجل خدمة. هذا والمؤرخ الوحيد الذي يمكنه أن يصور معالم مدينة بغداد العتيقة بطرقها وساحاتها ودورها وحدائقها ومساجدها شبرا فشبرا هو على ما اعهد العلامة المستشرق الألماني الأستاذ هرتسفلد وقد أفادني يوسف أفندي غنيمة أن المذكور لما زاره في داره قال له بعد التحية أن دارك هذه وهي الواقعة في محلة (الدهانة) اليوم المرقمة 7 - 180 هي من حريم دار الخلافة (راجع مادة الحريم في معجم البلدان) وأخذ يؤيد قوله هذا بإيراد الشواهد. فيا ليت حضرته يضع مصور المدينة بغداد قديما وحديثا يمثل فيه المعاهد والمساجد والدور والقصور في العهد العباسي والمغولي والعثماني والحالي فيخدم بذلك تاريخ عاصمة العراق خدمة تذكر له على مدى الأيام فتشكر. رزوق عيسى أصل كلمة كالوك قرأت في ص409 مقالة ذكر فيها صاحبها إن الكالوك ارمية الأصل ووجدت الحاج عبد اللطيف ثنيان في ص481 يذهب إلى أن اصلها قد يكون من الفارسية. والذي أراه أنا إن الكلمة تركية من قاليق (والترك يلفظونها كاليك) ومعناها (الناقص) لأن هذه الأجرة تنحت على شكل مثلث إلاَّ أن عرضها دون طولها بنصف فهي ناقصة بهذا المعنى. وكما قال عوامنا في قاشيق (أي ملعقة) قاشوقة. وخاشوكة، وقاشورة. وقد يحذفون من هذه الألفاظ الهاء الواقعة في الآخر قالوا في (قاليق) كالوك. أحد العارفين في البناء
أسئلة وأجوبة
أسئلة وأجوبة معنى الميم في أول المشتقات والمصادر ومعنى حروف المضارعة وسبب صيغة المجهول. سألنا أحد الأدباء بلسان مجلة المعرض البغدادية (106: 2) هذه الأسئلة وهي: 1 - لماذا كانت هذه الميم (الميم الزائدة في أول المشتقات) تارة مفتوحة في نحو معروف ومضروب إلى غير ذلك، وتارة مضمومة نحو منافس ومقاتل وغيرها (كذا بمعنى وغيرهما) وتارة مكسورة مثل مصحف ومكنسة وغيرها (كذا)؟ 2 - كيف نقول في (كذا) الميم التي ترد في أول المصادر الميمية نحو مقاتلة ومضاربة ومقتل ومأكل وغيرها؟ 3 - إن قلنا بقوله إن ميم معروف من (من) أو (ما) فلماذا تغير وزن عرف إلى (عروف) إذا قطعت ميمه وقس على ذلك؟ 4 - لماذا خص (ما) بما لا يعقل وقد وردت لما يعقل ووردت في نفس القرآن (كذا أي في القرآن نفسه)؟ 5 - لعله يفيدنا بعلمه أن حروف المضارعة من أي كلمة اقتطعت وكيف عادت ياء وألفا وتاء إلى آخره (كذا أي إلى آخرها بمعنى إلى آخر الحروف). 6 - لماذا جعلوا الفعل الماضي المعلوم مفتوح الأول، فإذا أخذ للمجهول ضم أوله. فمن أين أتت هذه الضمة التي تبدل فيها الماضي من معلوم إلى مجهول مع أن الضمة وردت في المضارع المعلوم نحو يقاتل ويصلي، مع أنها في الغالب مفتوحة وتضم في المجهول فنأمل من غزير علمه وغوصه على درر اللغات في بحورها أن يدفع عنا ما وقف تجاهه فكرنا فلم نفهم مما حرره شيئا (كذا بنصه وفصه ولسنا نحن الذين ننسب إليه هذه الأقوال). قلنا: 1 - سبب تحريك هذه الميم بحركات مختلفة بين الضم والفتح والكسر
هو لتمييز ألفاظ عن ألفاظ وصيغ عن صيغ ولولا ذلك لأختلط الحابل بالنابل وكل ذلك من التواطؤ في الوضع. هذا فضلا عن أن اختلاف الحركات وحروف العلة لا شأن لها في بعض الأحيان كما قرره أصحاب الفن عند العرب وأهل الغرب. 2 - لما بحثنا عن ميم الأسماء المشتقة لم نقل كلمة عن ميم المصدر، كما يتضح لكل ذي عين. فضلا عن كل ذي عينين؛ أما وقد يريد السائل أن يعرف اصلها فهي عندنا مقطوعة من كلمة أخرى تبتدئ بميم وتدل على أصل الشيء وقد اجتمع هذان الشرطان في المزر (بكسر الأول)، فإذا قلت مقاتلة فاصله (على رأينا. وقد نخطئ وباب الاجتهاد غير موصد) مزر قاتل أي أصل قاتل أو مصدر قاتل. لأن معنى المصدر الأصل ومخرج الشيء. وقد يحتمل أن تكون الميم مقطوعة من لفظة أخرى بهذا المعنى أو مبدلة من نون كلمة تبتدئ بنون ومعناها كمعنى المزر (أي الأصل)؛ لكن لا بد من القول إنها مقطوعة من كلمة تفيد المعنى الذي نذهب إليه. 3 - تغير الوزن لا يمنع صحة المعنى واصله وهذا أوضح من الشمس في رائعة النهار. 4 - لسنا نحن الذين خصصنا معنى (من) بما يعقل و (ما) بما لا يعقل بل النحاة واللغويون كما يتضح ذلك من مراجعة أي كتاب صغير في هذا الموضوع أما ورود (ما) للعاقل فلم ننكره، لكننا حكمنا بحكم النحاة واللغويين من باب الأغلبية، إذ ورد (من) للعاقل في القرآن اكثر من ورود (ما) بهذا المعنى كما لا يخفى. 5 - لكل حرف من حروف المضارعة كلمة اقتطعت منه على رأي جميع المستشرقين وفصحاء العربية المحدثين. فالألف منزوعة من (أنا) والنون من (نحن) والياء من (هو) والتاء من (أنت) فقولك اضرب ونضرب ويضرب وتضرب أصلها أنا ضرب، نحن ضرب، هو ضرب، أنت ضرب. ولصديقنا العلامة جبر ضومط بحث لذيذ في هذا المعنى في كتابه: الخواطر في اللغة في ص98 وما يليها في جميع هذه المباحث. والظاهر إن حضرة السائل صديقنا
الحاج لم يقف على هذا الكتاب ولا على كتاب فلسفة اللغة لجرجي زيدان وسر الليال لفارس الشدياق وكتب سر الاشتقاق للمستشرقين. 6 - الجواب يرى في الخواطر في اللغة في ص95 في البحث الذي عنوانه: بحث خامس في المجهول. فأن المؤلف ذكر سبب اختلاف الحركات وهو بحث شائق. أما قوله في الآخر: (فلم نفهم مما حرره شيئا) فليعف عن سكوتنا عنه إذ هذا لا يتعلق بنا، على إننا نراه قد فهم كل ما كتبنا بما أنه اعترض علينا هذه الاعتراضات الدقيقة النظر ولهذا نحمل كلامه على التواضع والتباؤس. قاصد وقصدا. معتنف واعتنافا س - ما أحسن لفظة تقوم مقام الإفرنجية ثم طهران: السيد محمد حسن ك. ل ج - لقد قلنا مرارا أن المعاجم الإفرنجية العربية لا تدلنا على لغتنا دلالة صحيحة صريحة، بل تحتاج إلى وضع مثلها وضعا يقوم بحاجاتنا وأحسن لفظة للأولى قاصد تقول: هذا طريق قاصد وللثاني قصدا تقول: ذهبت إليه قصدا. ويقال في معنى اللفظة الثالثة معتنف وفي صورة الحال: اعتنافا. قال في اللسان: يقال طريق معتنف أي غير قاصد. وقد اعتنف اعتنافا: إذا جار ولم يقصد. أهـ بحرفه. وكلها تؤدي الألفاظ الفرنسية أحسن تأدية. الشاذروان أو الجذر س - أي لفظة عربية تؤدي معنى في لغتنا؟ (دمشق: م. خ) ج - هي شاذروان الفارسية الأصل وقد وردت في الكتب القديمة حتى في عهد الجاهلية وقد قصرها العرب بصورة جذر (بفتح الأول) وشاذروان معروفة إلى عهدنا هذا في بغداد بالمعنى المذكور. أما الجذر فواردة في الحديث قال في النهاية: وحديث عائشة (رض): سألته عن الجذر، قال: هو الشاذروان الفارغ من البناء حول الكعبة.
باب المشارفة والانتقاد
باب المشارفة والانتقاد 51. تاريخ الكتاب المقدس للمدرسة وللعائلة عن العلامتين شوستر وماي، للسيد العلامة المطران يوستوس كنيخت معاون أبرشية فريبورغ، مزين ببعض التصاوير، ترجمة الأبوان دونكيل وعلوان اللعازريان، طبع طبعة ثانية منقحة بمطبعة الاجتهاد في بيروت سنة 1923، في 288 ص بقطع الثمن الصغير. كتاب كثير الإفادة للمدارس وللبيوت المسيحية وهو مقسوم النص إلى ثلاثة أقسام: قسم خاص بالصفوف الابتدائية وهو من أهم ما يجب على التلميذ أن يتعلمه وهو غض الإهاب. وقسم يفيد الصفوف الثانوية بعد أن يكون أصحابها قد وقفوا على ما في القسم الأول، والنص الثالث يفيد الصفوف العالية وقد ضبط النص الخاص بالصغار ضبطا كاملا بالحركات والشكلات والعبارة حسنة على إننا نأخذ على المترجم أنه يوافق بعض الكتاب الضعفاء على اتخاذ شيء من التراكيب المخالفة للصواب. من ذلك قوله في المقدمة: (فها نحن نزفه وقد وضع نجمة) بدلا من قوله: (فها نحن أولاء نزفه وقد وضع نجم) لأن النجمة بمعنى جرم السماء النير لم يرد مفردا بالتاء في العربية بل هو نجم ويجمع على نجوم هذا فضلا عن أن هناك غلطا آخر وهو قوله: قد وضع نجمة، وهذه الكلمة مؤنثة فكان يحسن به أن يقول (وضعت نجمة) لو فرضنا أن نجمة صحيحة. وهناك وهم آخر جرى عليه مترجمو التوراة في سورية ومصر وهو انهم ينقلون أعلامها عن العوام لا عن اصلها العبري أو الشرقي. فيقولون مثلا صموئيل (ص85) وحقها: سموئيل والعرب قالت سموءل وكرر اسم اليصابات (في ص142 و145 و146) والصواب اليشباع كما في توراة الموصل، أو الإشباع
كما في تاريخ الطبري. أما اليصابات فليست بكلمة شرقية بل غربية وغريبة مصحفة اقبح التصحيف. وهناك غير هذه الأعلام المشوهة وذكر نص الصلاة الربية على الطريقة المألوفة عند العوام. وعندنا أن قولهم: ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض هو غير فصيح ولا يجوز أن يقال مثل ذلك التعبير، والذي نراه لائقا بالله أن تتلى الصلاة الربية على هذا الوجه؛ أبانا الذي في السموات تقدس اسمك، أتى ملكوتك، كانت مشيئتك على الأرض كما في السماء، اعطنا خبزنا كفاف اليوم، واغفر لنا خطايانا، كما تغفر لمن اخطأ إلينا، ولا تدخلنا في التجارب، لكن نجنا من الشرير. آمين أما أنه لا تقول العرب ليأت ملكوتك ونحوه، فلأنها لا ترى من اللائق بجلالته وعزته أن يؤمر بل أن يتمنى الشيء منه تمنيا، فقد قالوا في الدعاء: حفظه الله وحرسه ودفع عنه كل شر، وهم يريدون التعبير عن فكر الغير بقولهم: ليحفظه الله ويحرسه ويدفع عنه كل شر! 52. القلوب الكبيرة الرجال الذين خدموا أوطانهم وأنهضوها، سلسلة أبحاث شرقية تفيد الشرقيين، بقلم اسبر الغريب، صاحب مجلة الشمس ورئيس تحريرها في الأرجنتين وسورية، طبع في بيروت سنة 1926 في 111 ص بقطع الربع أي بقطع مجلتنا. في هذا المصنف ترجمة سبعة وأربعين رجلا من المشاهير، لم نر بينهم من الناطقين بالضاد واحدا بل جميعهم من أبناء الغرب إلاَّ واحدا فأنه فارسي. وهذا ما يجرح عواطفنا ويؤلمنا أشد الألم؛ إذ كنا نود أن نرى بعضا من قومنا في مصف هؤلاء الأفراد الأفذاذ. ومما نلاحظه على حضرة الأديب أنه لم يردف الأعلام بالحروف الإفرنجية وقد جارى قوما دون قوم في لفظها ولهذا كانت كتابتها بالحروف الغربية من اللازم. وفي بعض تلك التراجم اطلع المؤلف على بعض الكتب التي صنفها فريق
من الناس ليطعنوا بفريق آخر، فلم يتتبع التحقيقات الثقات الكتبة من الغربيين وهذا يظهر في ترجمة لغليليو غليلي فأنه جارى بعض ذوي الحزازات ولم يقف على تحقيقات صاحب المقتطف في هذا الصدد في مجلداته الأخيرة أو تحقيقات رجال التدقيق عند الغربيين. ولولا هذه الأغراض في أبناء شرقنا العزيز لكان الكتاب مفيدا. أما عبارته فلا بأس بها لكنها لا تخلو من متردم. كقوله في ص2 لتكون حياتهم امثولات عملية لنا؛ وامثولات عامية ولو قال في موضعها؛ لتكون حياتهم عظات لكان امتن. وقال فيها: وأنياب خصومها تنهش فيها نهشا، ولو قال تنهشها نهشا لكان أقوم. وفي ص3: بتمسكنا بالقديم البالي. وتكمشنا بمبادئ جدودنا. وفي لغتنا الفصحى لم ترد تكمش بمعنى اعتصم به وتشبث إنما هي من أوضاع العوام التي يعدل عنها. وفيها: واقرأ بإمعان تواريخ أبطال الأمم في السياسة والعلم والفنون والاختراع والحروب قلنا: قوله اقرأ بإمعان تركيب غير فصيح وأحسن منه: وترو (بتشديد الواو المفتوحة) في تواريخ أبطال الأمم ويحسن به أن يفرد الألفاظ الواردة بعد الأمم، أو أن يجمعها كلها ليكون التعبير امتن، على نسق يهز القارئ ويسمعه وقع الألفاظ وقعا متسلسلا فيقول مثلا في السياسة والعلم والفن والاختراع والحرب. على إن المؤلف أراد من تصنيفه حمل القارئ على التأسي بأعاظم الرجال فمن هذه الجهة فاز ببغيته. 53. منتخبات في أخبار اليمن من كتاب شمس العلوم. ودواء كلام العرب من الكلوم، لنشوان بن سعيد الحميري، وقد اعتنى بنسخها وتصحيحها عظيم الدين أحمد، طبعت في مطبعة بريل في ليدن سنة 1916. كتاب جليل لتاريخ اليمن ولا سيما لمعرفة أعلام مدن تلك الديار ولا يمكن أن تستغني عنه خزانة عربي يود الوقوف على تلك الأصقاع وهو محكم الوضع والطبع مع مقابلته على النسخ المعروفة من هذا الكتاب.
54. كتاب خطط الشام تأليف محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي، طبع في المطبعة الحديثة بدمشق 1343هـ 1925م، الجزء الأول في 314 ص بقطع الربع. 1 - تمهيد وضع العلامة الكبير، صديقنا محمد كرد علي سفرا يكون له أبد الدهر أثر فخر وذخر. كما سيكون مستمدا لكل من يأتي بعده. ويكتب شيئا مفيدا عن سورية. ولمثل (خطط الشام) لا يتصدى إلاَّ طائفة من العلماء تفرغت للتاريخ والتفريع (جغرافية) والعلم والأدب، وما يتشعب أو يتولد من هذه الأمهات. إذ مثل هذا التصنيف في عصرنا يتطلب وقوفا تاما على ما كتب في مواضيعه المتشتتة. ويختار منها ما يوافق الصدق والتدقيق. وهذه الأمور لا تتيسر إلاَّ لنفر يعد على الأصابع. ولما كان بعض الرجال قد رزقوا حظا وافرا من المواهب حتى أن واحدهم ليقوم بما يرزح تحت عبئه جماعة، رأينا حضرة الصديق في مقام عدة رجال فتولى بنفسه وضع هذا المصنف الفذ من نوعه وشحنه فوائد بل فرائد، فجاء حافلا وافيا بما انتدب له، فأدى الخدمة أحسن تأدية. (خطط الشام) بحر زاخر واسع المنبسط يحوي كل ما يتمنى القارئ أن يحصل عليه من المعارف التي تتعلق بتلك الديار العربية المحبوبة أن في الماضي وأن في الحاضر وأن في المستقبل. وهل من العجب بعد هذا أن نرى أناسا يحسدون المؤلف على كنزه هذا الثمين فيحاولون أن ينزعوا من صاحبه كل ما له فيه من الفضل المحسوس. والتضلع الملموس؛ وما ذلك إلاَّ لقصورهم عن الإتيان بمثله أو بما يقاربه نسجا ووشيا فلم يبق لهم إلاَّ الحسد وهذا هو بضاعة كل قاصر ضعيف عاجز. إننا نهنئ صديقنا الأستاذ بما نمنمت أنامله اللبقة ونتمنى له كل فوز ونجاح! على أن لكل كاتب آراء قد تكون خاصة به دون غيره. وقد تتفق وآراء
الغير وقد لا تتفق وإياها. ولقد بدا لنا بعض خواطر نعرضها على نظره هنا قد لا تصح لما فيها من الخلل أو السقم، وقد ينفجر منها وميض حق لأنه قيل: (ربما صحت الأجسام بالعلل). وبذلك يزول الخلاف، ويصلح بها نظرنا، بعد أن يكون قد دلنا على ما فيها من الزلل، فنهتدي إلى ما به سواء السبيل. ونقسم هذه البدوات قسمين: قسما عاما، وقسما خاصا. فالقسم العام يقع على مجمل التصنيف. والخاص يتعلق بما في بعض المواطن من مظان التحقق والتثبت. 2 - نقد عام (أ) من الأمور التي كنا نود أن نراها في طبع هذه (الخطط) أن يكون فرق في بعض عناوين الفصول والمباحث والمواضيع من جهة صورة الخط فالعين لا تميز بين حروف النص وحروف تلك العناوين. (ب) ليس فيها فهارس أعلام رجال أو مدن أو مواطن مرتبة على حروف الهجاء مع أن كل جزء قائم بنفسه وفي حاجة إلى أن يوضع له عدة فهارس لينتفع بها الباحث ويعدل عن تصفح المواضيع الواحد بعد الآخر ليظفر بما ينشده (ج) نسيانه كتابة بعض الأعلام الإفرنجية بحروف رومانية وهذه خلة لا يحسن أن تكون في كتاب جليل مثل هذا. (د) لا يذكر في اسفل الصفحة السند الذي اعتمد عليه في ذكر بعض الأمور وفي مثل مضامين الخطط لا بد من الإشارة إليها للمراجعة؛ إن كانت تلك المظان عربية أو غربية؛ وقد ظهر لنا في بعض المواطن أن وقع في الترجمة بعض آراء شككنا في صحة نسبتها إلى قائلها الغربي ولما أردنا مراجعتها كابدنا عرق القربة للظفر بها، وأغلب الأحايين لم نتمكن من وضع يدنا عليها. ولهذا كان يحسن بالمؤلف أن يوفر هذه الكلفة على المحقق أو على من يريد التثبت من صحة النقل أو الترجمة. (هـ) قد وقع في الكتاب عدة أغلاط طبع ولم يذكر لها تصويب في آخر الكتاب فلعل المؤلف يفعل ذلك في الجزء الذي يضع فيه الفهارس المختلفة فيضع تلك الصحيحات في باب يفرده لها.
(و) بعض قطع الفصول طويلة جدا، تتعب مطالعتها القارئ وفي تلك القطعة أفكار مختلفة كان يحسن أن تقطع في موطنها ويبدأ بالفكر المغاير لما تقدمه بسطر ينحرف عن بقية السطور إراحة للبصر والفكر. (ز) كان يحسن بالمؤلف الجليل أن يضبط بعض الأعلام أو بعضا لألفاظ في مواطن مختلفة نفيا لكل لبس، وإن يشير ذلك باللفظ إن لم يتيسر له الضبط بالشكلات إذ قد يصعب وجود حروف عليها علامات الاعجام (أي الحركات). (ح) عند ذكر بعض الأدباء لم يتخذ في سرد أسمائهم ترتيبا منظما على طريقة من الطرائق، لا ترتيب حروف المعجم ولا ترتيب سني ولادتهم أو وفاتهم أو عمرهم، ولا على أي أسلوب كان، ولهذا ترى أسماء رجال بجانب رجال آخرين ما كنت تود أن تراهم في ذلك الموضع. (ط) هذا الكتاب النفيس خال من مصورات البلاد وهو أمر عظيم النقص في عهدنا هذا ولمثل هذا المصنف. (ي) ذكر المؤلف أسماء الكتب التي اعتمد عليها في وضع تصنيفه. ومن الأسف إنه لم يتبع نظاما في وضع تلك الأسماء؛ فإنه لم يراع فيها قدم التأليف ولا حروف الهجاء لأسماء الكتب ولأعلام المصنفين؛ لا سني الموالد ولا سني الوفيات. فإذا أراد الباحث أن يحقق نصا ذكره المؤلف في كتابه وأراد أن يعرف اسم الكاتب الذي يجد فيه ذاك النص لا يستطيع أن يهتدي إلى العثور على عنوان التصنيف إلاَّ بعد شق النفس وقد وقع لنا هذا الأمر مرارا حتى أضعنا وقتا جليلا لنظفر بضالتنا. أما لو كان جرى على أسلوب منظم كما يفعل الإفرنج في سرد الأعلام والعناوين لكفانا مؤونة البحث والتنقيب ونشد الضالة بين صفوف تلك الأسماء التي نشبهها بخيم الأعراب مضروبة على غير وجه سوي. هذا مجمل ما عن لنا في هذا المعنى ونحن متأكدون أن هناك غير هذه المآخذ التي ذكرناها. 3 - نقد خاص كان يليق بنا أن نجمع ما نظنه مخالفا لرأينا طوائف طوائف بعناوين تحصرها أي أن نجمع مثلا أغلاط الطبع ثم ننتقل إلى طائفة الأغلاط التي نظنها مخالفة
لأصول النحاة أو الصرفيين. ونجمع في عنوان ثالث ما نظنه مخالفا لتفسير اللغويين ونعقد فصلا رابعا لما نظنه مخالفا لأغلاط التعريب والترجمة، وهكذا نجري في وجهنا متخذين لكل طائفة مما نخاله خللا عنوانا خاصا ليسهل على الباحث الوقوف على ما يريد أن يتتبعه من الزلل، إذ ما يهم هذا الرجل لا يفيد ذلك القارئ. بيد أن ذلك يتطلب تبويبا خاصا، ووقتا وافرا، وتتبعا مضجرا؛ فعدلنا عن هذا النهج إلى أسلوب آخر أهون علينا. وهو قراءة الكتاب صفحة صفحة والإشارة إلى ما نظنه فيها خطأ، إذ قد يتفق أن فهمنا لا يبلغ شأو الكاتب الضليع فنكون نحن المخطئين والصديق العلامة هو المصيب، ولهذا نعرض رأينا غير جازمين بصحته بل طالبين الهداية إلى سبيل الصواب. وإذ قد مهدنا هذا نقول: 1 - ورد في ص5 كلمة مجريط بمعنى مدريد كما كان ينطق بها السلف في القرون الوسطى ونحن لا نستحسن هذا الرأي الذي هو أيضا رأي الصديق أحمد زكي باشا. نعم إننا نصوبه إذا وضع بجانب العلم العربي ما يقابله اليوم لفظا عند العلماء أو أن يتلى باسمه بالحرف الإفرنجي. والأعلام يجب أن تلفظ كما ينطق بها أصحابها ومجريط لفظ قبيح مرغوب عنه لكلمة مدريد عاصمة أسبانية. فلو وضع بجانبها الكلمة المتعارفة اليوم لعذرناه. أما أنه وضعها بدون ردف فلا نستحسنه وما نقوله عن أعلام المدن نثبته لأعلام الرجال وإلاَّ أفيقبل حضرة الصديق أن نقول: جنبرة وجربدة وإفرنجة وفرنجة في مكان جنيف وجيرون وفرنسة مع أن الكتاب كلهم أجمعين لا يعرفون إلاَّ هذه الأخيرة حتى الذين يقولون باتخاذ الأسماء القديمة. وكذلك القول في أسماء الرجال والنساء فأن السلف قالوا: عرماز وقلودية وغرطلة وقارلة في من نسميهم اليوم غدمار وكلوفيس وكلوتلدة وشرلمان، أو شرل الكبير أو كرلس العظيم فأين أعلام السلف من أعلامنا التي يعرفها أولادنا اليوم؟ نعم إن بعض الأعلام اشتهرت بصورها العربية لكثرة تداولها على الألسن فمثل هذه الأسماء ندع للناس حرية الجري عليها كالأندلس وبلنسية وطليطلة وبلد الوليد إلى نحوها. أما اتباع الأعلام التي قل استعمالها أو ندر اتخاذها فنحن لا نوافق الكتاب الأقدمين على متابعتهم لما هناك من العنت وسوء الفهم والتفهيم
ولأن لكل مقال مقاما ولكل دولة وعصر رجالا وأبطالا. 2 - ذكر المؤلف في ص7 إن علماء الغرب وسياحهم صنفوا بين سنتي 1805 - 1903 خمسة وتسعين كتابا فقط في آثار البتراء (وادي موسى). . . وقد كرر مثل هذا القول (أي البتراء) أنها هي المعروفة بوادي موسى مرارا عديدة وهو رأي صاحب المقتطف وكثيرين غيره. ونحن نخالفهم كل المخالفة لأن البتراء ليست بوادي موسى اليوم التي كانت معروفة في سابق العهد باسم سلع (بفتح فسكون) فهذه المدينة هي التي تسمى بالإفرنجية وهذه ليست بالبتراء العربية كما يتضح ذلك من مراجعة ياقوت في معجمه فقد قال: (البتراء كأنه تأنيث الابتر؛ موضع ذكره في غزوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لبني الحيان. قال ابن هشام: سلك النبي - صلى الله عليه وسلم - على غراب ثم على مخيض، ثم على البتراء، وذكر ابن اسحق في مساجد النبي (ص) في طريقه إلى تبوك فقال: ومسجد بطرف البتراء من ذنب الكواكب. أهـ فهذا نص واضح على أن البتراء هي دون تبوك الواقعة في شماليها. وأما سلع فهي ليست من بلاد ذبيان من ديار قضاعة. بل في شمال غربي معان أو في جنوبي الشراة فأين هذه من تلك؟ إلاَّ أن الذي خدع كتبة العصر في هذا الصدد هو مشابهة الأسمين؛ وكم من ظواهر عرضت بمعارض الجواهر! وهناك سلع أخرى غير سلع الأنباط هي سلع أرض يثرب. قال الهمداني في كتابة صفة جزيرة العرب 124: أرض يثرب المدينة وقبا والفضاء وأحد والعقيق وبطحان وسلع والحرة. . . إلى آخر ما ذكر - نعم إن بعضهم ذكروا سلع بالاسم الغربي، لكنه لم يسموه بالبتراء لكي لا يختلط بالبتراء العربية بل قالوا: بطرا بدون أداة التعريف وبطاء بعد الباء. قال ابن البيطار في مادة علك (ديسقوريلس في 1 وصمغ شجرة الحبة الخضراء يؤتى به من بلاد الغرب ومن البلاد التي يقال لها بطرا وقد يكون بفلسطين وسورية). . . إلى آخر ما ذكر ولا نريد أن نطيل الكلام في مسألة هي اظهر من الشمس في رائعة النهار. 3 - وفي تلك الصفحة 7 قال علامتنا (لأن كل أمة أعرف على الغالب بحالتها) ونظن أن المرتب نسي الكلمات التي بعدها وهي: (أعرف على الغالب
بحالتها من غيرها بها) ولعلها تصلح في باب التصويبات. 4 - وفي ص8 يقول حفظه الله: والتاريخ ربيب الحرية لا يتصرف على هوى من يكتبه ويقرأوه) هكذا وردت بألف مهموزة بعدها واو. وغلط الطبع صريح هنا والمقام يطلب أن نقرأها: (ويقرأه). 5 - وفي تلك الصفحة عينها: ولا على أذواق المعاصرين وميولهم. وجمع ميل على ميول فاش بين كتبة مصر ولم نجد له أثرا عند الفصحاء ولا عند المولدين راجع ما كتبناه في مجلتنا 416: 4 6 - وفي ذلك الوجه نفسه: فوجد فيه أشياء توهمها في ثلب أعراض الناس فأعدمه. وأعدمه وإن كان لها توجيه إلاَّ أنها لا تليق بأن ترد على قلم صديقنا وهو إمام المجمع مجمع العلماء ولو قال: قتله أو أتلفه لكان أقوم. لأن المعاصرين يريدون بإعدامه: قتله رميا بالرصاص بأمر الحاكم أو بمن يدعي أنه يتولى الحكم والقضاء فالرمي بالرصاص هو المعني في هذا اللفظ. 7 - ورد في ص38 تعريب عناوين المصنفات الإفرنجية رأينا فيه تساهلا عظيما كقوله في الرقم 595 كتاب مؤرخي الحروب. مع إن العنوان الإفرنجي يقول أي مقتطف أو جنى وهم يريدون بذلك مجموعة مقتطفة من عدة مؤرخين مثلا. وفي رقم 599 (القاموس السياسي والاجتماعي) والذي في الأصل الإفرنجي معناه معجم صغير في السياسة والاجتماع. وفي رقم 603 جبل اتوس والمشهور جبل اثوس بثاء مثلثة. وفي رقم 617 موآب والمشهور عن العرب أنهم يكتبونها مآب وزان مقال أو مؤاب كفؤاد. 8 - ومما استغربناه قوله في ص47، ونظنه مأخوذا عن ياقوت: (ويقال إن فلسطين سميت بفلسطين بن سام أو بفلسطين بن كلثوم أو بفليستين بن كسلوخيم من بني يافث بن نوح ثم عربت فليشين) (كذا) فهو لا يرجح هنا رأيا على رأي كما لم يجرح علة هذه التسميات الواهية؛ مع ظهور فسادها؛ ولم يذكر لنا رأي علماء الغرب في عهدنا هذا؛ بعد إن أطلع على تلك المجلدات العديدة التي بلغ مجموعها 4695 فلقد اكتفى صديقنا بإيراد مقال صاحب معجم البلدان كما نطق به في كتابه في مادة فلسطين ولم يطرفنا بشيء جديد مع أن ذلك الرأي قد
أكل عليه الدهر وشرب ونسج عنكبوت العتق عليه بيته فلم يبق فيه عظيم فائدة والذي وجدناه اقرب إلى الحق ما جهر به فريدريك دليج الألماني أن فلسطين كان في الأصل اسم قوم نزل الجنوب الغربي من فلسطين الحالية فسمي الموضع باسم نازليه. وقد ورد في الرقم الآشورية بصورة (مات فلسط وفلسط وفلسط) (مات بفتح فألف وتاء مبسوطة ساكنة. وفلسط الأولى بفتحتين فسكون فضم؛ والثانية بكسرتين فسكون فضم؛ والثالثة بكسرتين فسكون ففتح). 9 - وجاء في ص48: (وقيل سمي الشام شاما لأنه عن شمال الكعبة والشام لغة في الشمال. . .) ونحن لا نجرؤ أن نقول: الشام لغة في الشمال؛ بل نقول مثلا الشام مرادف للشمال ثم قصروا اللفظة فقالوا (شم) ثم مدوها ليجعلوها على ثلاثة حروف فصارت شلما. وهذا الرأي مع غيره ضعيف والأرجح أنه سمي بسام بن نوح. ثم قال حضرته بعنوان: معنى الشام وجمعه؛ واختصرت العرب من شامين الشام؛ وغلب على الصقع كله (ياقوت) والذي أطلع على ما كتب المؤلف لا يرى أنه قال قبل هذا النص قولا يفيدنا عن (شامين) شيئا؛ بخلاف ياقوت فإنه قال قبل إيراد هذه الجملة:. . . وانخزل تسعة أسباط ونصف إلى مدينة يقال لها شامين وبها سميت الشام. . . فاختصرت العرب من شامين. . . إلى آخر الكلام. وبهذه الصورة تفهم عبارة صديقنا؛ وإلاَّ تكون مبتورة لا تفيد فتيلا. 10 - وفي ص49 جاءت بهسنا مكتوبة بصورة الياء في الآخر والشائع أنها بالألف القائمة للإشارة إلى أصلها الارمي. وما كان كذلك يرسم في أغلب الأحايين بالألف القائمة. وقال فيها (بل حد الشام ينتهي بسفوح جبال طوروس المعروفة بالدروب عند العرب. . .) قلنا: إن المؤلف هنا عمم مع أن الدرب قد ورد اسما لعدة مواطن أو لعدة مضايق في الجبال. نعم قال ياقوت: وإذا أطلقت لفظ الدرب أردت به ما بين طرسوس وبلاد الروم لأنه مضيق كالدرب. . . فهذا لا يدل على سفوح جبال طوروس كما استنتج صديقنا العزيز بل المضايق التي ترى هناك. ثم إننا لا نرى سبب اتخاذ كلمة (طوروس) بدلا من كلمة جبل التي عرفها العرب. فإذا كان حريصا على اتخاذ (مجريط) في موطن مدريد؛ فما احراه
أن يقول جبل (من باب حذف أداة التعريف) في هذا المعنى وقد ذكره أبو الفداء في تقويمه في ص70 من طبعة باريس. وهناك ملاحظة أخرى أن (طورس) لفظة سامية الأصل من (طور) ومعناها جبل فلا نرى سبب إبقائها على إفرنجيتها ولو قال (طورس) والأحسن (طور) لخفت وطأة العجمة، تلك العجمة التي نحن في مندوحة عنها. 11 - وعجبنا من قوله في ص50 (شاطئ البحر الأبيض المتوسط) فقوله (البحر الأبيض) في موطن بحر الروم وهو الاسم المشهور عند سلفنا غريب جدا. فتسميته بالبحر الأبيض تسمية تركية مغولية تورانية طمطمانية لا حق لها من الصحة أبدا. وقد استهونا قول الكتاب المعاصرين (البحر المتوسط) من باب الترجمة من الإفرنجية. وسبب التسمية معقول لأنه يتوسط آسية وأفريقية وأوربة أو بعبارة أخرى يتوسط الأرض المعروفة في القديم، لكن تسميته بالبحر الأبيض هي في غير محلها. ثم إن المطبعة قد ضبطت كلمة شاطئ بياء منقوطة يليها همزة واقعة وراء الياء فيأتي وزن اللفظة حينئذ فاعيل لا فاعل. والطابع قد جرى على هذا الأسلوب القبيح في جميع الألفاظ المنتهية بهمزة مكسور ما قبلها فقد كتبها دائما بياء ثم أعقبها بهمزة ولا أظن أن صديقنا التفت إلى هذا الرسم المخل بقواعد الصرف والنحو معا. وتكرير هذا الغلط جاء مئات لا عشرات! 12 - في ص51 قال كاتبنا: (وهذا الحد مصنع كل التصنيع) والذي نعرفه أن صنع بهذا المعنى عامي قبيح لم نجد له أثرا في مدونات الفصحاء، ولو قال وهذا الحد موضوع كل الوضع أو مختلق أو مفتعل أو موهوم أو نحو ذلك لاستغنى عن لغة العامة. وذكر في تلك الصفحة مساحة الشام عند الأقدمين، ولم يذكر لنا في أي عصر من عصور التاريخ. فلقد اختلفت مساحته باختلاف القرون والأزمان وأجيال الناس، فكان يحسن بالصديق أن يبين مساحته مع تحديد عصره ولهذا اختلفت الأقوال في تقدير طوله وعرضه. وضبطت اجأ وزان سحاب أي أنها وردت مكتوبة هكذا (اجاء) والصواب (اجأ) (أي وزان سبب) وهو أشهر
من أن يذكر. وقال: وراء البتراء المعروفة عند الرومان بروفنسيا ارابيا أو ارابيا بترا) - قلنا: البتراء اسم قرية لا اسم إقليم، والإقليم المسمى عند الرومان (ارابيا بترا) هي (عربة الحجرة) لوجود الجبال في تلك الأنحاء وهي من أقسام جزيرة العرب عندهم يومئذ، والقسمان الآخران هما: عربة السعيدة أو الميمونة، وعربة القفرة. هذا الذي تعلمناه ونحن صغار، ولا نعلم موقعه من الصحة. 13 - وفي ص52 (قارة أفريقية) ونحن لا نرى حاجة إلى استعمال كلمة قارة التركية التي اصلها (قره) فقولنا أفريقية أو آسية أو أوربة أو أميركة كاف للدلالة على ما نريده. وسلفنا لم يستعمل أبدا كلمة قارة فهي من وضع المترجمين من الأجانب ولا سيما من التركية؛ وإن أصررنا إلاَّ اتخاذ ما يرادفها فعندنا البر بهذا المعنى. وقد استعمل المؤلف القارة مرارا. 14 - وفي ص53: (ودمشق أهم مدن الشام وعاصمته في الإسلام وعلى عهد السريان) لم نفهم المراد بالسريان، فأي القوم هؤلاء وفي أي عصر. ثم قال: (وتجي بالعظم بعد دمشق مدينة حلب ثم بيروت ثم القدس) ونحن نرى قول من يقول: فبيروت فالقدس أبين للمراد هنا. 15 - وفي ص54 (ومن المروج: مرج ابن عامر وصارونه والبلقاء) ولم نجد في كتب السلف من ذكر (صارونه) كما لم نجد لهذه اللفظة أثرا في مصنفات المتأخرين. والذي نعرفه هو (شارون) كما ورد في التوراة في مواطن عديدة. وقد يتلفظ به بعضهم بالسين المهملة فيقول سارون. وأما (صارونه) بالصاد في الأول وبالهاء في الآخر فلم نرها في كتبنا. وفي الصفحة المذكورة عقد المؤلف فصلا ذكر فيه خيرات الشام بوجه عام ولم يفصل كل خير في باب له فيعقد للأشجار فصلا والأزهار فصلا والبقول فصلا ثالثا وللأطيار فصلا رابعا إلى آخر ما هناك من حيوانات ومعادن فاجتزأ عن كل ذلك بعشرة اسطر لا تفي لمثل هذا الكتاب الجليل. وفي تلك الصفحة ذكر النيلة وهي لغة عامية في النيل. وذكر فيها أيضا الإسفلت ونحن نعرفه
باسم القير أو القار - والبترول ونحن نسميه النفط أو الزيت الحجري - والانتيمون ونحن نسميه الاثمد. 16 - وقال في ص55 (ثم آوى (الشام) إليه الشيع الغريبة من النحل والمذاهب التي لا مثيل لها في غيره كالدرزية والإسماعيلية والموارنة والسامرة قلنا: الموارنة قوم لا نحلة أو مذهب. 17 - وفي ص57 ذكر بين أوائل سكان الشام: العمو. والذي نراه هو (الامو) بهمزة لا بعين ومعناها الأمة أو الشعب. والأمة مشتقة من هذا اللفظ أو بالعكس. وذكر بين أولئك الأقوام الأقدمين: العموريين. والمشهور عنهم أن اسمهم كان الاموريين بالهمزة أيضا لا بالعين. وفي تلك الصفحة في السطر 5 (اختلطت على ما يظهرا بذرية لود) ولم نفهم سبب تثنية الفعل في العبارة المذكورة. كما لم نفهم سبب تركه كتابة لود بهذه الصورة التي يجهلها السلف. والمشهور لاوذ كداود وبذال معجمة في الآخر كما ذكرها الفيروزابادي وتاج العروس وابن خلدون وغيرهم، على أن بعضهم ضبط لاوذ كهاون وهو دون الأول صحة وضبطا. 18 - وفي ص58 (وربما عني بهم الحثيين والعموريين) ونظنه أراد: وربما عنى بهم (بإهمال الياء) الحثييين والاموريين. وفي تلك الصفحة (في الحوض الأعلى من نهري الفرات وقزل أيرمق) وهو يريد في (السقي الأعلى) من نهري. . . والسلف لم ينطق بغير ما قلناه في معنى قول الإفرنج قال الحريري في مقامته الفراتية: أويت في بعض الفترات، إلى سقي الفرات. قال المطرزي شارحه: سقي الفرات هو ما يسقيه الفرات من القرى تسمية بالمصدر أو على حذف المضاف، وبخط الحريري؛ سقي بكسر السين. أهـ. وفي تلك الصفحة قوله: فينيقية. وكتبها آخرون فونيقي وجماعة فونيقية وآخرون غير ما تقدم. وعندنا إن كتابتها فنيقية هي الصحيحة. كيفما اعتبرت اللفظة سامية الأصل أو يونانية. لأن الحرف العليل الذي يلي الفاء في اليونانية هو بمنزلة حركة أي أنها قصيرة النفس لا ممدودة، وكثيرا ما يعرب الكتبة الأعلام الأعجمية من غير أن ينتبهوا إلى مد الحرف العليل وقصره وهذه مسألة مهمة لمن يعنى
بهذا الأمر. فالعليل من الحروف القصير النفس يقابله في العربية الحركة لا الحرف نفسه. 19 - وفي ص59 (ذكر الدم الآري والقافقاسي) وهذه الكلمة شنيعة الاستعمال جاءتنا عن طريق الترك والصواب (قافي أو كوه قافي) لأن الكلمة الإفرنجية منحوتة من كوه الفارسية أي جبل وقاف أي قاف وهو الجبل المشهور عند العرب. وقد أصلحنا هذه التسمية المخطوءة في مجلتنا سابقا (238: 2) فهل يجوز لنا أن نصحف الألفاظ التي ذكرها السلف لنتلقاها عن الإفرنج. ولا سيما عن الترك وهم قد صحفوها هذا التصحيف الممقوت ثم أن قوله الدم لا يفيد كلمة الإفرنجية فهذه تعني الرس بالعربية والكلمة الفرنسية عربية النجار على ما ترى وعلى ما تتحققه من معاجم لغتنا المبينة. وفي تلك الصفحة ذكر القوم المعروف بالإغريق بصورة: (اكريكش) وهي غير مألوفة. قال ابن القفطي في ترجمة انبيدقليس: ولغة اليونانيين تسمى الإغريقية وكذا قال في مادة أفلاطون وقال عن ابلن: حكيم طبائعي. . . وهو أول من استنبط حروف اللغة الإغريقية. وقال مؤلفنا في تلك الصفحة: واستعربت (شعوب الشام القديمة) فلم تعد تعرف غير العربية ولا نرى وجها لقوله فلم تعد ولو قال في موضعها: حتى أنها لا تعرف غير العربية لكان أقوم. وقال أيضا: (والدليل أن نرام سين بن سرجون ملك الكلدان) والصحيح أن اسم الملك هو (نرحم سين) أي (الإله القمر يرحم) بمعنى يرحمني سين الإله. لكن لما كان الإفرنج يحذفون الحروف الحلقية قالوا نرام سين. ثم إن هذا الملك لم يكن منالكلدان بل من الآشوريين وبين القومين فرق لا ينكر. 20 - وفي ص60 (إن فيلبس الروماني الذي صار إمبراطورا في رومية سنة 244 ب م) قلنا لم نبايع فيلبس العربي الروماني بالعاهلية في رومة. بل خارجا عنها. وذلك أنه صحب غرديانس الانبراطور (أو الانبراذور، لكن لا الإمبراطور لأن هذه الكتابة مخالفة لأصول لغتنا العزيزة) في زحفه إلى الفرس فشغب الجند على قيصرهم وقتلوه في الطريق وأقاموا عليهم بدلا منه فيلبس العربي في سنة 244. (راجع هذا الجزء ص504)
21 - وفي ص61 سمى العراق (ما بين النهرين) وسلفنا لم يعرف هذه التسمية. وفيها (فإن تغلب فلازر الثاني أحد ملوك آشور غزا الشام مرارا من سنة 743 إلى سنة 732 ق م) قلنا نرى في هذه العبارة أشياء لا توافق ما قرره العلماء الإثبات: أولا أن تغلت فلازر بهذا اللفظ غير معروف، إنما قالوا تغلث فلاسر أو تجلث فلاشر وكلاهما غير فصيح والصواب تكلت فلاسر أي متوكلي على ابن اسر) (وهو الإله فن إب) ثم أن الذي غزا الشام لم يكن تكلت فلاسر الثاني كما جاء في كثير من الكتب لأن هذا طوى بساط أيامه في سنة 112 ق م وكان قد غزا أرمينية وكماجينة ثم قطع الفرات وكسر الحثيين. أما الذي غزا الشام فهو الثالث من المسمين بهذا الاسم وكان قد ملك من سنة 745 إلى سنة 747 فقول صديقنا إنه غزا الشام سنة 743 لا يوافق التاريخ لأنه لم يكن (راجع معجم فيكورو. في مادة تكلت فلاسر تر التفصيل على ما ذكرناه وأزيد) وقد عرف هذا الملك باسم (فول) عند العبريين. وفي تلك الصفحة: (فأذن لهم على شروط شرطها لهم) والمشهور شرطها عليهم. وفي تلك الصفحة (والحارث) على أن الذي أثبته المحققون أن كلمة (حارث) إذا دخلت عليها ال التعريف كتبوها بدون ألف بعد الحاء وإلاَّ كتبوها (حارث) وأغلب الكتاب لم يتبعوها ولا سيما في عصرنا. أما الفصحاء فقد جروا على ما حضره السلف. 22 - وفي ص62 (العماير) بياء قبل الراء والمشهور المتبع بوضع همزة على كرسي الياء. وفيها (ولم يعرف الزمن الذي كان فيه التنوخيون، وبعضهم يقول إنهم كانوا في أواخر القرن الثالث للمسيح) والذي أثبته كوسين دي برسفال في كتابه (199: 2) أن ذلك وقع في سنة 272 للميلاد. قلنا: وهذا رأي قديم وأما المحدثون من المستشرقين فيذهبون إلى أن التنوخبين قدموا إلى ديار الشام في بدء تاريخ النصرانية وقد جاؤوا إليها من جنوبي عربة (راجع دوسو ص9) وهو غير بعيد لأن جزيرة العرب متصلة بفلسطين والشام ولبنان، وتسرب العرب إلى تلك الأصقاع كان منذ العهد البعيد في القدم ومهما أوغلنا في التاريخ نرى عربا في تلك الربوع المريعة (بفتح الميم) الخصبة. 23 - وفي ص63 (القائد بومبي) ونحن نفضل عليها الرواية اللاتينية
أي القائد بومبيوس وأحسن منها بونبيوس، لنراعي من الجهة الواحدة حقوق الأعلام وأن يتلفظ على ما يتلفظ بها أصحابها ويتسموا بها ومن الجهة الأخرى لنحافظ على أصول لغتنا المبينة، لأنها لا ترضى بأن يسبق الباء ميم بل نون كما هو مقرر في كتبنا النحوية واللغوية. وقال في تلك الصفحة (قال دوسو لم تكن هجرة العرب إلى سورية مما ينسب لإدارة الرومان كما يظن بعضهم. بل أن الأحوال قد سهلت طرقها في ذلك العصر وضمنت لهم رسوخ قدمها في ظل السلام. فقد كانت مدينة حمص في يد حكومة عربية قبل وصول القائد بومبي إلى سورية وأن الاقيال الذين تولوا أمر تلك البلاد لتطلق عليهم ألقاب عربية صرفة كما يفهم من آثار الصفا. ولما جاء الاسكندر إلى الشام كان العرب يحتلون لبنان. أهـ لما وقفنا على هذا النص. ارتبنا في صحة نقله على ما هو، وقلنا إن هناك حذف كلمتين أو ثلاث، زعزعت المعنى من أركانه. فأخذنا نبحث عن النص الأصلي الإفرنجي ولم نظفر به إلاَّ بعد لأي. وهذا تعريبه بحرفه على ما انجلى لنا: (لا تنسب مهاجرة العرب إلى سورية إلى التنظيم الروماني (وحده) كما قد (يمكن) أن يظن؛ إنما الأحوال وافقتها في ذيالك الحين. واثبت لها قدم سلم. فإن مدينة حمص كانت بيد أسرة مالكة عربية قبل مجيء بنبيوس إليها؛ ولهؤلاء الشيوخ (أو الاقيال) (أسماء) عربية محضة كشمس جرم (أي الشمس الحارة) ويملك، وعزيز، وسهيم (بالتصغير) نراها في النصوص الصفوية. وفي الرها شيوخ (أو اقيال) آخرون وأسماؤهم أسماء عربية كأسماء الأولين نفسها. وهذا ما يؤول دخول عبادة العزى الزهرة (وفي الأصل الإفرنجي العزيز فصفورس وهذه كلمة يونانية معناها زاهر أي نير أو منير) وبعد نحو ثلاث صفحات قال دوسو: وحين هبط الاسكندر سورية يذكر أن العرب (محتلون) لبنان. وفي إيراد هذا النص فرق عما قاله الصديق العلامة الذي ينفي بتاتا أية صلة بين هجرة العرب إلى سورية وبين إدارة الرومان لها. والحال أن دوسو لا ينكرها إلاَّ أنه لا ينسب (جميع) أسباب تلك الهجرة إليها. بل بعضها إذ يقول (وحدها)؛ ثم إن المؤلف لم يقل (كما يظن بعضهم) بل يقول: كما (قد يمكن) أن يظن
وبين التعبيرين فرق عظيم في نظر من يريد التدقيق والتحقيق. ولم يقل المؤلف (قد سهلت طرقها) أي طرق المهاجرة بل (وافقتها). وهناك فرق آخر أن حضرة الصديق قال: (لتطلق عليهم ألقاب عربية) مع أن الأسماء التي مرت بك ليست ألقابا بل أسماء، إذ قد يكون الاسم روميا مثلا واللقب عربيا. كما قد يسمى الفرس والترك والهنود بأسماء معروفة في لغاتهم وإذا أرادوا أن يلقبوهم لقبوهم بألقاب عربية. وأنت ترى أن هناك فرقا في هذه التسمية أو هذا التلقيب إذ يتركب عليها نتائج قومية لا تخفى على الناقد البصير. ثم قول الصديق في آخر معربه (وقد أهمل تعريب ما يقارب ثلاث صفحات ولم يشر إلى تلك الطفرة بوضع ثلاث نقط بين الكلام السابق والكلام اللاحق كما هو مألوف النقلة المدققين) يختلف عن قول الكاتب الإفرنجي فأن هذا يعتبر وجود العرب قبل مجيء الاسكندر إلى لبنان بقوله: كانوا (محتلين) لبنان. أما كلام الصديق فيشعر بأن العرب (كانوا يحتلون) البلاد عند هبوطه إليها. وأنت ترى البون البين بين التعبيرين، فنحن نرى المؤلف الإفرنجي يعتقد بوجود العرب في لبنان قبل الاسكندر والصديق يريد أن يراهم قادمين إلى لبنان في حين قدوم الاسكندر إليه. ولهذا كنا نود أن يذكر صاحب الخطط محل وجود النص الأصلي الذي ينقله إلى كتابه عربيا كان ذلك النص أو أعجميا ليهتدي الباحث إليه حين يخامره شك في صحة النقل. وجاء في تلك الصفحة ذكر السميذع، بذال معجمة وقد تكرر مثل هذا الرسم مرارا ولعله اعتمد في ذلك على محيط المحيط (الكثير الخطأ الذي لا تخلو منه صفحة واحدة) أما المحققون فقد قالوا إن السميدع تكتب بالدال المهملة (راجع لسان العرب والقاموس والتاج ولا سيما تاريخ الطبري وشمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم لنشوان بن سعيد الحميري ص52) وورد في تلك الصفحة قوله: (في بلاد الصنوبر) وضبط الصنوبر بكسر الصاد وفتح النون المشددة. ونحن لم نجد هذا الضبط في الأصل الذي نقل عنه. كما لم نجد له اثر في كتب لغويينا والمعروف بفتح الصاد والنون وإسكان الواو.
24 - وقال في ص64 (وليكونوا عدة ضد الفرس. . . ومن أشهر ملوكهم زياد بن المهبولة) قلنا: أسفا وألف أسف على زياد أن ينسب إلى ابن المهبولة إنما هو ابن الهبولة أو ابن هبولة أو الهبول، كما ذكره الفيروزابادي والسيد مرتضى وابن الأثير وغيرهم) ثم ما معنى هذا التركيب الإفرنجي قولهم: وليكونوا عدة ضد الفرس، فهذا تعبير لم يعرفه سلفنا ولا يقبلونه وقد اكثر منه أصحاب الجرائد والمجلات والكتب العصرية. والصواب: وليكونوا عدة على الفرس. وفي تلك الصفحة (وابن عزيز اللخمي) وفي ذلك العصر لم يشتهر أحد باسم العزيز لأنه كان خاصا بالله. والصواب: العزير براء مهملة في الآخر والكلمة وزان صغير. وفيها: ومروا الحيانيات؛ والصواب ومرو والحيانيات بالعطف لا بالإضافة وفي تلك الصفحة نقلا عن الهمداني (وأما كلب فمساكنها السماوة) فقال صديقنا شارحا السماوة (والسماوة: الأرض المستوية لا حجر بها وهي البادية بين الكوفة والشام) ونحن لا نوافقه على هذا الرأي فالسماوة التي هي مسكن كلب ليست (ببادية السماوة) إذ هذه بين الكوفة والشام المعروفة اليوم بالشامية أو ببادية الشام. أما السماوة التي لا يسبقها كلمة (البادية) فهي موطن آخر فيه ماء؛ وما كان كذلك يسميه أجدادنا (ماءة) فالسماوة ماءة لا بادية وبين الاثنين فرق ظاهر لا يخفى على أحد. قال السكري: السماوة ماءة الكلب قاله في تفسير قول جرير: صبحت عمان الخيل زهوا كأنها ... قطا هاج من فوق السماوة ناهل وفي تلك الصفحة (ومن بني الحرث بن كعب بيت يسكنون بالفلجة) وقد ذكر هذا الكلام بعد قوله: (ومن كلب بأرض الغوطة عامر بن الحصين بن عليم وابن رباب المعقلي) ولم يفصل بين الكلامين بفاصل، والذي في كتاب الهمداني الذي نقل عنه أربعة عشر سطرا. فلو وضع الصديق بين (المعقلي) وبين (ومن بني الحرث) ثلاث نقط لفهمنا أن هناك كلما أو سطورا محذوفة ليطمئن بال القارئ في ما يطالعه. وفي تلك الصفحة فسر الفلجات بقوله (والفلجات في شعر حسان بالشام كالمشارف والمزالف بالعراق. والمشارف جمع مشرف قرى قرب حوران منها بصرى من الشام) فلم يتفق قوله: كالمشارف والمزالف
بالعراق وقوله: والمشارف قرى قرب حوران. فلا جرم أن هناك كلمة وقعت من (إصبع) المنضد أو المرتب أو وقع ارتباك في ترتيب الكلام إذ الصواب أن يقال: والفلجات في شعر حسان كالمشارف بالشام والمزالف بالعراق ليصح الكلام الآتي بعده. له تلو 55. صور المفاوضات الخطية المتبادلة بين وفد جمعية خدام الحرمين الشريفين الهندية وبين عظمة سلطان نجد في غضون يناير - فبراير سنة 1926 رسالة في 37 ص تسبقها سبع أخرى أرقامها حروف هجاء وفي ص (و) تقول الرسالة عن لسان الوفد ما هذا حرفه: (حرية المعتقدات) هي مفقودة في الحجاز وليس للسلطان حرمة والناس يضربون (بالمجهول) على قول (يا رسول الله) وحافظ وهبة سلم بذلك والنجديون إذا طافوا يدفعون الناس ويحقرون المذاهب. (المدارس ودور الكتب) أقفلها النجديون أو بعضها، والسلطان أعطى قليلا منها إعانات زهيدة بشرط تعلم مبادئ الوهابية والتي لا تقبل لا تفتح. (التدخين) يعاقبون عليه عقابا شديدا ولكل نجدي الحق بإنزال العقاب حسب مشيئته والسلطان يتقاضى رسوم الدخان ويغري الناس على جلبه حتى إذا شربوه عاقبهم. (الحجازيون) أعلن ابن السعود أن الحجازيين انتخبوه ملكا عليهم. فهذا بهتان وافتراء على الحقيقة فالحجازيون مشمئزون منه ومن جنوده وهم مضطهدون ولا رأي لهم نافذ. (رغائب السكان) أهل الحجاز يذكرون الأتراك كثيرا ولكنهم يائسون من مجيئهم ويريدون جعل الحكومة جمهورية ولم يعترفوا هم أنفسهم بابن السعود ملكا. ويعتقد السنوسي الكبير إن ابن السعود هزأ بالعالم الإسلامي وخالف عهوده بشأن المؤتمر ومصير الحجاز. (معاهدات ابن السعود) جميع المسؤولين أجابوا: إن معاهداته مع الإنجليز صحيحة وعلائقه كعلاقة العبد مع مولاه ويزعم أنصار ابن السعود أن معاهدة 1916 منسوخة فإذا سئلوا ما الذي نسخها حاروا في الجواب. أما الحقيقة فواضحة وضوح النهار.
باب التقريظ
باب التقريظ 56. الحيرة مجلة شهرية علمية أدبية اجتماعية تاريخية مدرسية سنتها عشرة أشهر لصاحبها ومديرها المسؤول ومحرر القسم الأدبي عبد المولى الطريحي، تظهر في النجف الاشرف. وتطبع في المطبعة العلوية في 40 ص بقطع الثمن الصغير. هذه مجلة صغيرة الحجم إلاَّ أنها تبشرنا بمستقبل زاهر ونجاح باهر لأن كتابها وشعراءها وناشري برودها من النجف دار العلم والعرفان، وبين محتويات الجزء الأول نهضة الأدب النجفي للشيخ محمد مهدي الجواهري. الحيرة بحث تاريخي للأستاذ الشيخ علي الشرقي الغزير المادة المتدفق بحر كتابته. النجف والحيرة قصيدة للجواهري، ثم مقالة في عالم المدارس إلى غيرها من المواضيع فنتمنى لها الرواج والانتشار. 57. الفيحاء جريدة أدبية جامعة تصدر مرتين في الأسبوع في الحلة، لصاحب امتيازها ومديرها المسؤول ومحررها السيد عبد الرزاق الحسني، الاشتراك فيها في الحلة 10 ربيات وفي سائر الأنحاء 12 ربية. كان الكاتب المجيد السيد الحسني يصدر جريدة في بغداد باسم الفضيلة أما اليوم فقد انتقل إلى الحلة الفيحاء ليصدر صحيفة بلقب تلك المدينة العربية القديمة. صدر الجزء الأول منها في نهار الخميس 23 رجب 1345 الموافق 27 ك2 سنة 1927 ثم صدرت بعد ذلك أعدادها صدورا مطردا بأوقاتها المرهونة ومما استحسناه فيها أنه وعد بان يوافي قراءه بسلسلة تراجم رجال عاشوا في الحلة وهي خدمة للأدب لا تنكر إذ يحيي بنشرها أولئك الأفاضل على اختلاف طبقاتهم ومنازعهم وعلومهم وقد رأينا أنها تكاد تنسى لعدم اهتمام أدباء العصر بتدوينها على صفحات التواريخ وهذه المزية تزيد قراء الفيحاء وتشوقهم في حفظها بل في تجليدها. ولما كنت تعلم في السيد عبد الرزاق كيف تؤكل الكتف، فنحن متأكدون أنه ينجح في مسعاه حقق الله الآمال وبارك في متمناه! وعسى أن يكثر قراؤها والمشتركون فيها!
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره
تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره 1 - وفدان من كربلاء والمنتفق اقبل في أوائل شباط وفد من كربلاء رجاله زهاء عشرين للاعتراض على تحويل صالح حمام مدير شرطة كربلاء إلى ديالى فلم يفلح في سعيه وعده الجميع غريبا في بابه. وأقبل وفد آخر في مثل ذلك الوقت قادما من المنتفق ورجاله اكثر من عشرين تانئا (والتانئ السركال باللغة العامية التي هي تصحيف السركار الفارسية ومعناها رئيس الشغل أو شيخ العملة وكان يسمى أيضا بالدهقان في عهد الفرس) وغايته أن يحمل الحكومة على أن تمنع الملاكين عن مراجعة المحكمة في دعاوى التصرف وأن تبيح للتناء (للسركالية) القضاء على حقوق التصرف كما كانت تجري في عهد الترك. والظاهر من عمل الوفد سحق الفلاح والملاك (صاحب الأرض أو الملك) معا ليستبد التناء بأعظم قسم من الغلات. وإلى الآن لم يفلحوا في سعيهم. وتدوينا للأمر نذكر أسماء أولئك الأعضاء ليعرف منهم أسماء العشائر الموجودة في أرض المنتفق وأسماء شيوخها الحاليين: 1 - فشاخ الشكبان رئيس عشيرة قراغول 2 - قاطع آل بطي رئيس عشيرة الازيرق (وتلفظ الازيرج بالتصغير) 3 - منشد آل حبيب رئيس عشائر آل غزي 4 - عجيل (عقيل) آل تويلي رئيس عشائر الحسينات 5 - مهدي الصالح رئيس عشائر آل إبراهيم (البراهيم) 6 - نائف المشاي رئيس عشائر بني سعيد 7 - محمد الحسين رئيس عشائر بني سعيد
8 - عبد الله آل اسمعيل رئيس عشائر البوسعد 9 - منصور العويش رئيس عشائر آل جبارة من بني زيد 10 - عيسى الحواس من رؤساء خفاجة الغراف 11 - شطب آل منهل رئيس عشيرة الطلاحبة من خفاجة الغراف 12 - عباس الطعمة من رؤساء خفاجة الغراف 13 - بدر آل موسى من رؤساء بني زيد 14 - سلطان آل محيسن من رؤساء بني زيد 15 - سخي آل خزعل من رؤساء بني زيد 16 - سليمان آل شريف رئيس آل جدية (كدية) من بني زيد 17 - إبراهيم آل يوسف رئيس آل يوسف من بني ركاب 18 - محمد آل شلال رئيس الخنافرة من قبيلة بني ركاب 19 - مهنى آل برغش رئيس آل أبي نجيم (البونجيم) من قبيلة العبودة 20 - سيد من آل ياسر وغير هؤلاء المعدودين 2 - إهداء حيوانات عراقية إلى الرستمية أهدى السيد طه قائم مقام راوندوز - لما زار أقرحة (حقول) التجربة في الرستمية رأسين من الغنم من الضرب المسمى قرقاش وستة رؤوس
من المرعزى زوجين من كل لون من أحمر وأسود وأبيض ذكرا وأنثى وهذا الضرب من المعزى كثير الوجود في كردستان، ولا سيما في أنحاء راوندوز وزاخو، والعمادية، وعقرة ويتخذ الكرد من شعره أفخر المنسوجات وأبدعها ويا حبذا الأمر لو اتخذت دولتنا العراقية الفتية حير حيوانات أو وحوش وبالفرنسية كما كان واحدا مثله في عهد المأمون قبل زواجه. ويقال لحير الوحوش حظيرة الوحوش وحائر الوحوش أيضا. وكان العرب اسبق الأمم إلى اتخاذ هذه الحيران. 3 - إلحاق أراض بلواء بغداد صدرت الإرادة الملكية بإلحاق الأراضي التي تسقى من ترعة اللطيفية بلواء بغداد على أن تحدث بعض تعديلات في حدودها حتى تصبح كما يلي: يبدأ خط الحدود من نهر الفرات في الجهة اليسرى من نقطة شمالي كرود عشائر الجنابيين متجها إلى جنوبي كرود (الكرود: آبار السقي المعروفة بالسواقي جمع ساقية عند السلف) القرطان العائدة إلى قسام (جسام) الدرويش، ومن ثم يسير الخط في وجهه شرقا فيفصل زراعة العشيرتين ويقطع طريق الفلوجة والمسيب ويرتفع إلى قمة الأرض العالية المعروفة باسم (ظهر المجصة) الواقعة في الجنوب الشرقي بين صدر اللطيفية والإسكندرية. ويعقب هذا الخط قمة هذا الرأس في جهة الجنوب الشرقي إلى أن يصل إلى نقطة غربي (تل قبرزغروت) ومن تلك النقطة يمر شرقا بالتل وبشعبتي طريق بغداد. وهكذا شرقا حتى يقطع حدود لواء الكوت كوت الإمارة. 4 - دخل سكك الحديد العراقية بلغ دخل سكك الحديد العراقية في الأسبوع المنتهي في اليوم 18 من ك1
سنة 1926 ما قدره 198146 ربية وكان يقابله في السنة الماضية في مثل تلك المدة 206597 وبلغ مجموع دخلها منذ أول نيسان من سنة 1926 ما قدره 6497778 ربية تقابله 6824213 ربية في مثل هذه المدة من العام الماضي. فيكون النقص 326535 ربية ومعظمه ناشئ من نقص في عدد الركاب. 5 - مناطق الزراعة في العراق قسمت الحكومة في السنة الماضية مناطق الزراعة إلى أربع. وفي هذه السنة اتخذت الألوية الآتي ذكرها مراكز لتلك المديريات وهي حسب أهميتها: بغداد والموصل وديالى والناصرية. وأدخلت مديرية الزراعة العامة في ميزانيتها لهذه السنة تخصيصات لمأموري الزراعة وبموجبها سيعين لكل لواء موظف خاص بالزراعة؛ وهذا الرجل يكون مفتشا عاما متجولا في ضياع اللواء ومشرفا على أعمال الزراعة ومرشدا للمزارعين. 6 - كربلاء في خطر كتب أحد الأدباء في جريدة العالم العربي في عددها 855 (إن مدينة كربلاء في خطر التلف والاضمحلال لأن البرداء المنتشرة فيها لا تبقي ولا تذر. إذ فيها مستنقع واقع في جنوبي البلدة يفصلها عن محطة القطار وهو مباءة الجراثيم الفاتكة (بأرواح سكان هذه المدينة وجميع من يؤمها من الزائرين وعددهم لا يقل عن المليون نسمة) (كذا) وأظنك أيها القارئ الكريم لا تصدق قولي هذا وتستكثر هذا العدد - فأجيبك: إن كربلاء مخصوصة سنويا بسبع زيارات مستحبة فيؤمها في كل من الزيارات السبع خلق كثير يتراوح عددهم بين الخمسين ألفا والثلثمائة ألف نسمة. . . فإذا دخلت الآن كربلاء. . . لا ترى فيها إلاَّ طفلا شاحب اللون وشابا خائرا. وشيخا مهزولا. وامرأة نحيفة. فتذهل حينئذ من هذا المنظر المريع وتكاد تقول: هل أنهم يا ترى خارجون من رمسهم؟ أم هذا فعل الملاريا (البرداء)؟ وأن شئت أن تدخل بيوتها وتفتش عن حالتها الصحية والعمرانية فلا تجد دارا غير متداعية ولا سردابا غير مملوء ماء؛ ماعدا بعض البيوت الواطئة فأن في صحنها
ما عمقه نصف متر من الماء، والأماكن المقدسة التي ملئت سراديبها ماء؛ وكل هذا متأت من المستنقع) (أناشدك الله ما هو مستقبل بلدة توفي فيها بظرف شهر واحد (231) نسمة بينما لم يولد فيها بظرف ذلك الشهر إلاَّ (68) مولودا؛ ولم يعش من هؤلاء الثمانية والستين إلاَّ ثمانية أو عشرة. فإلى م يؤول حالها فيما لو استمرت على هذا التناقص لمدة عشرين أو ثلاثين عاما) أهـ كلام الكاتب وقد ذكرناه على علاته بدون نقده من أي جهة كانت. 7 - كشف عاديات عراقية من آثار الأقدمين عثرت اللجنة المختلطة المتقدمة من مندوبي المتحفة البريطانية ومندوبي جامعة بنسلفانية الأميركية على آثار قديمة تفيد كثيرا لتفهم حياة داخل البيت العراقي في سابق العهد؛ وقد كشفوا ذلك في اور مسقط رأس إبراهيم الخليل منذ 4000 سنة. وتلك الآثار هي مبان في حال حسنة وكلها مساكن مبنية الجدران من الخارج بالأجر أو الطاباق؛ أما الجدران من الداخل فمبنية باللبن وجميع تلك الدور مبنية على طرز دور بغداد الحديثة. ويستدل من البيوت أن أصحابها كانوا يسكنون الطبقة العليا منها وكانوا يدفنون موتاهم في الطبقة السفلى. وقد عثروا على طوابيق (أو آجر) مكتوب عليها أناشيد دينية؛ وعلى البعض الآخر فوائد جليلة وسندرج مقالة في هذا الموضوع. 8 - مشروع سقي كانت الحكومة العثمانية فكرت في سقي الأراضي المجاورة للواء كركوك بمياه الزاب الأصغر؛ ووضعت لهذه الغاية مشروعين الواحد يقضي بفتح ترعة بين الزاب الأصغر ونهر كركوك وشمالي آلتون كوبري؛ والآخر بفتح ترع عديدة في جنوبي آلتون كوبري تروي بها رقعة كبيرة من الاراضي؛ وقد قدمت خرائط للمشروع الثاني إلى بعض المقامات الرسمية وعزمت الحكومة العراقية على إنعام النظر فيها لتبت فيها جوابها. 9 - تضييق نطاق العلوم في جامعة آل البيت جامعة آل البيت هي الجامعة التي أنشئت في بغداد لبث علوم الدنيا والدين بموجب روح العصر الحالي. ويعلم فيها عدة علوم عصرية ومن جملتها علم النفس
وعلم الاجتماع إلى غيرهما. وفي أوائل شهر كانون الثاني من هذه السنة ابطل تدريس هذين العلمين الجليلين مع تسعة علوم أخرى فيكون المبطل منها أحد عشر علما مع حجب نشر المجلة الخاصة بها المعروفة ب (الجامعة) فنحن نأسف على هذا التأخر من جهة ومن الجهة الأخرى نصوب التوفير. وإن كنا نود أن لا يكون موجها إلى قص جناح طائر العلوم والفنون. وقد رجعت أخيرا عن هذا التعديل فأعادت تدريس علمي النفس والاجتماع ودعت الطلاب الذين تركوا الجامعة إلى الرجوع إليها. 10 - مظاهرة طلبة دار المعلمين والثانوية ذكرنا إن الأستاذ أنيس زكريا النصولي ألف كتابا في بني أمية (491: 4) فهاجت بسببه بعض الأفكار حتى كره مؤلفه على أن يستعفي من التدريس فاستعفى فأقام صباح الأحد 30 ك2 طلبة دار المعلمين والمدرسة الثانوية مظاهرة احتجاجا على فصل الأستاذ عن وظيفته فساروا في الطرق والشوارع يغنون الأناشيد الوطنية حتى جاؤوا بين يدي بناء وزارة المعارف طالبين إبقاء معلمهم في وظيفته؛ ولما لم تثمر نصائح وزير المعارف ومديرها الثمرة المطلوبة جاء الاطفائيون بمضختهم لتشتيت شملهم؛ فحدثت ملاكمة بين الطلبة ورجال الشرطة ونزع بعضهم المرشة من يد صاحبها فجرح ثلاثة من التلاميذ وشرطيان ورئيس الإطفائية ثم تفرق المتظاهرون بعد ذلك. وفي صباح 7 ك2 سافر الأستاذ النصولي ومعه المعلمون السوريون الثلاثة الذين كانوا قد احتجوا على فصل رفيقهم وأبوا أن ينفردوا دونه وهم: عبد الله مشنوق ودرويش المقدادي وجلال زريق وقد وجهوا رسالة وداع إلى أبناء الرافدين تتدفق أدبا وشكرا ورقة إحساس. ولم تقف وزارة المعارف عند هذا بل عادت أخيرا فأنزلت وظيفة الأستاذ يوسف عز الدين الناصري مدير المدرسة الثانوية إلى درجة معلم في دار المعلمين وفصلت الأستاذ يوسف زينل عن وظيفة التدريس في المدرسة الثانوية ويقال إن السبب في ذلك هو تقصير الأول في استدراك الحركة وقمعها والثاني في اهاجة التلاميذ على المظاهرة باسم الحرية الفكرية.
العدد 44
العدد 44 - بتاريخ: 01 - 04 - 1927 مكشوفات أور منازل في عصر إبراهيم الخليل للمستر وولي عادت في 28 تشرين الأول 1926 لجنتا المتحفة الإنكليزية ومتحفة كلية بنسلفانية المشتركتان في الحفر لتأخذا بأشغالهما في اور الكلدان؛ أن الموظفين هم بعينهم كما كانوا في السنة الماضية ماعدا الأب باروز اليسوعي، فأنه قد قام مقام الدكتور لكرين والمستر وتبرن رازي على قدوم. وقد تجددت لائحة الشغل الابتدائي بحسب الشغل الذي باشرناه في الفصل الماضي، وابتدأنا مع مائة وخمسين عاملا كي ننقل تلا كبيرا كان قد استخرج منه بعض صفائح ثمينة وآثار بيتية مفيدة وفي الحال الحاضر بعد شهر قضيناه في الجد والسعي ظهرت فسحة كبيرة على عمق عشرين قدما وقد حان الوقت أن نختصر الكلام عن النتائج التي حصلنا عليها. إن غايتنا مزدوجة: الغاية الأولى أن نقع على لوائح اكثر مما عندنا بخصوص الآداب التي كانت معروفة في عهد إبراهيم الخليل. الثانية أن نكتسب
معلومات أوفر عن المعيشة البيتية في الزمان الغابر، ولقد نجحنا نجاحا تاما في الغايتين، فلقد عثرنا على ثلاثة كنوز مختلفة من الصفائح عدا اللقى المتفرقة التي ظفرنا بها، إننا وأن كنا لا نريد أن نتكلم قبل الوقت عن محتوياتها إلاَّ أننا نقول الآن إننا حين استخرجناها من مدافنها كانت ممحوة ولا تقرأ ومن الضروري أن تحرق في أتون وبعد ذلك تنظف وتصلح قبل أن نتمكن من الاطلاع عليها وذلك الاطلاع لا يكون إلاَّ بعد مدة. ولقد وجدنا بعض النماذج وعددها يختلف بين الثلاثين إلى الأربعين وكانت قد أحرقت اتفاقا في حريق اتلف البناء الذي كانت قد وضعت فيه فصلبت النار تلك الصفائح صلابة كافية تمكننا من أن ننظفها أو ننظف بعض وجوهها حالا ويمكننا أن نستنتج أن اللقية مهمة. عوضا عن كتب المصالح والمقبوضات والمقاولات التي توجد عادة في موطن الحفر. وجدنا هذه الصفائح تحوي مواد أدبية أو علمية وبعضها تحوي مواد هندسية وعلى جداول للجذر المربع والجذر المكعب وعدد جميع الأرقام يبلغ ستين وبعض تلك الصفائح تحتوي على أناشيد وبعضها تدون الأوقاف التي وقفها الملوك الأولون وهي مسألة مهمة نظرا إلى التاريخ والى شرح مواقع البلدة. ويظهر على إحدى الصفائح اسم أحد ملوك اور المجهولين لعله يدل على أحد حكام الدولة الثانية التي لا نعلم عنها شيئا سوى أنها وجدت. ويرى بين هذه الصفائح نحو مئتين جمعناها لتحرق في النار وإن كان لا عيب فيها وذلك لتتصلب وفعلنا ذلك بعد أن غلفناها بغلاف من رمل ولا جرم أن فيها مواد أدبية مفيدة جدا. أفيد اللقى هي المنازل التي وجدت فيها تلك الصفائح ويرجع عصرها إلى أيام إبراهيم الخليل الذي كان يسكن في اور وقد بنيت تلك المنازل في بادئ الأمر في سنة 2100 قبل المسيح وقد سكنوها وسكنوا عدة منازل صغيرة غيرها مع بعض العمارات مدة تجاوز مئتي سنة. أول ما تشاهد العين في تلك المنازل هي درجة رغد العيش التي تجاوز درجة التنعم درجة تدل عليها تلك الآثار. وهذه المنازل مبنية طبقتين من الطاباق. وبعض الحيطان قائمة إلى اليوم وسمكها خمس عشرة قدما إلى عشرين قدما وتشابه أحسن منازل بغداد الجديدة وفي البيت فناء
متوسط يحيط به قاعة كبيرة من الخشب تؤدي إلى الغرف العليا وكان من العادة أن بناء البيت يعيشون في الطبقة العليا وفي طبقة البيت السفلى غرفة الاستقبال وخزائن البيت والمطبخ ومنازل الخدم. وجدنا الغرف العالية وأحد السلالم محفوظة إلى الآن وعلوها عشر أقدام وكان يرتقي إليها في بادئ الأمر بسلم من خشب يتصل بسلم من حجر. ولأجل ذلك كنت ترى الغرف في الطبقة الأولى على علو اثنتي عشرة أو خمس عشرة قدما. ولو إننا لا نرى الآن اثر زخرفة فيها إلاَّ أننا نشاهد جدرانا بسيطة مزخرفة بعض الزخرفة عليها جص أو ما يشبهه ولهذا لا نخطئ أن قدرنا أن أثاث البيت كان يناسب عظمة البناء. هذه أول مرة كشفت منازل خصوصية كانت تسكن في ذلك الزمان وهذا الكشف غير أفكارنا بتاتا عن حالة معيشة الناس في ذلك العصر. أمامنا عدة منازل متفرقة هي عبارة عن اكاريس تقسمها شوارع منفصلة ضيقة والمنازل الواسعة التي كانت للأغنياء ترى في صف المنازل التي تحتوي على أربع أو خمس غرف وكان أصحابها جيرانهم الفقراء. ويسهل علينا أن نتصور سكان الفناء والغرف المهدومة لكي نتمكن من أن نعلم ما أحاط بالناس الذين كانوا يسكنونها في الزمان الغابر حينما كانوا يكبون على مطالعة لوائح الجذور المكعبة وقد حيرتنا غرفة واحدة طويلة ضيقة رقمناها بعدد 7 في الشارع الهادئ. وكان من المألوف في ذلك العهد أن تدفن الموتى تحت المنازل التي كانت تسكنها في حياتها وكثيرا ما لقينا تحت أرض الغرفة توابيت من طين أو سراديب من آجر للموتى تحتوي على جثة وآنية فيها تقادم وطعام للسفر إلى الآخرة، وربما أيضا نجد فيها ختم صاحب المنزل وقد امتازت هذه الغرفة بوجود مشكاة أو روزنة في الحائط إلاَّ بعد وأمام تلك الروزنة أكوام من حجر تشبه مذبحا. ووجدنا حواليه تحت التبليط نحو ثلاثين اجانة كبيرة فيها عظام أطفال. وليس في معبودات الشمريين إله ك (مالك أو ملك) يطلب ذبائح أطفال ولأجل ذلك يعز علينا أن نظن أن في مدة قصيرة ومن بيت واحد يموت ثلاثون طفلاً موتا طبيعيا. أفيمكن إننا عثرنا على مقام مقدس في ذلك البيت وقد خصصت ذخيرة بيتية بأحد الآلهة شفيق بالأطفال. فكان الأصدقاء والأقارب تأتي بأطفالهم لدفنهم فيه؟ فإن كان الأمر كذلك فيمكننا أن نستنتج إنه كان للشمريين في عصر إبراهيم الخليل شعور إنساني وجداني اكثر مما تدلنا عليها النصوص.
نزوات اللسان
نزوات اللسان كم من سؤال عميق ... له الدموع جواب أما الفؤاد ففيه ... من الهموم كتاب على اللسان تبدي ... لما استفاض الوطاب طفا كما تنزى ... على الشراب حباب شعاب قلبي أطاقت ... ما لا تطيق الشعاب ما (للثقاب) وما لي ... ملء الضلوع (ثقاب) ولى الشباب وماذا ... رأى فيبقى الشباب ضيف عزيز قراه ... الهم والاكتئاب إصلاحكم ليس يجدي ... كل الأمور خراب قلبي وقومي وبيتي ... في كلهن اضطراب ما انسد منهن باب ... إلاَّ تفتح باب
هذا عتابي ولكن ... ماذا يفيد العتاب الجوع ينذر قومي ... أن يأكل الظفر ناب أما القوافي فجمر ... طوراً وشهد مذاب ترضى وتغضب لكن ... ارقهن الغضاب يحسن الشعر طبع ... يمده الاكتساب لا يعذب الشعر حتى ... تراض منه الصعاب جنى على شعوري ... أن الشعور عذاب حقيقة الأمر عندي ... الشك والارتياب (البرلمان) صحيح ... ينقصه الانتخاب وفيه قام دوي ... تجهله الأحزاب أَوَحدَهنَّ فيلغى ... عن النساء الحجاب كل المسائل غطى ... وجوههن نقاب النجف: محمد مهدي الجواهري
جليبة أو بئر ربقة
جليبة أو بئر ربقة 1 - إلى جليبة إذا سافرت من البصرة راكبا القطار، ومصعدا إلى بغداد، فإنك تقف في مرحلة تسمى (جليبة) وذلك قبل وصولك إلى اور (أو المقير كما يسميها العرب) بمرحلتين فما معنى جليبة؟ 2 - معنى جليبة جليبة وهي لفظ قليبة على الطريقة البدوية العراقية. لغة في القليب. والقليب بئر كبيرة وأكثر ما تكون عادية مطوية (أي قديمة مبنية من داخلها). 3 - سبب تسمية الموضع بجليبة أو قليبة سبب تسمية الموضع بجليبة أن هناك بئرا مطوية عادية، قد طوى من أعلاها إلى أسفلها نحو من 6 إلى 7 أمتار، وما بقي منها محفور في صخرة قائمة في بطن الأرض. وهي على بعد مائتي متر من المحطة. 4 - وصفها عمقها من فوهتها إلى قعرها 13 باعا أو 75 قدما أو 23 مترا. وقبل احتلال الإنكليز لهذه الديار العراقية، كان الناس يستقون منها بدلو معقودة بها طاباقة (آجرة) لتغوص الدلو بسهولة إذا ما انحدرت في الماء. والدلو معلقة برشاء والرشاء مشدود أبدا ببكرة قائمة على عودين مغروزين على فوهة تلك البئر. أما اليوم فقد أبدلت الدلو من صندوق صفيح (تنك) مربع عميق لأنه أخف من الدلو وأصبر على الصدمات. وقد رفع ما حول البئر لكي لا يهوى فيها أوساخ الدواب التي تنتابها بمئات بل بألوف على اختلاف ضروبها. ولهذا ترى ماء تلك البئر نظيفا عذبا وبدرجة واحدة من الحرارة. وقطر دائرة هذا الارتفاع نحو 9 أقدام (أو نحو ثلاثة أمتار) أو اكثر بقليل. ولا يستقي من القليب (البئر) إلاَّ امرأة. وهي تجلس على فوهته، فتجر
الرشاء هبوطا وصعودا، ولا يتعرض لهذا الاستقاء رجل لأن هذه المهنة في العراق لا تليق إلا بالنساء. وإذا نشلت المرأة صندوق الماء، صب رجل هناك ما فيه في حفرة اتخذت ثم على حلقة جرن وقد خدت في صدر القليب، فتتقدم حينئذ البهائم على اختلاف ضروبها لتشرب وترد. وليس في المحطة المذكورة بناء ولا بيت ولا مأوى مهما كان شكله. 5 - هل جليبة هي بئر ربقة يزعم بعض الأهالي المنتشرين في ذلك الصقع أن جليبة هي بئر ربقة المذكورة في التوراة. فقد جاء في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر الخلق (ذهب عبد إبراهيم إلى ارم النهرين إلى مدينة ناحور) (فأناخ الجمال خارج المدينة على بئر الماء عند العشاء وقت خروج المستقيات. وقال: أيها الرب اله مولاي إبراهيم يسر لي اليوم وارحم مولاي إبراهيم؛ ها أنا ذا واقف على عين الماء، وبنات أهل المدينة خارجات ليستقين ماء. فليكن أن الفتاة التي أقول لها أميلي جرتك حتى اشرب، فتقول: اشرب وأنا اسقي جمالك أيضا. تكون هي التي عينتها لعبدك اسحق وبها اعلم انك رحمت مولاي) اه ومما يسوق الآهلين إلى التمسك بهذا الرأي جماعة من الإنكليز الذين يقدمون إلى العراق ويزورون (اورا) فيرون أن هذه البئر هي موافقة لنصوص أي التوراة، ولا يحسن بالباحث أن يبحث عنها في غير هذا الموضع. أفمن الصواب إن يتمسك بهذا الرأي؟ 6 - ليست جليبة بئر ربقة نحن لا نرى أن بئر ربقة هي جليبة بل بئر ربقة هي بئر في ظاهر حران من مدن الجزيرة. ولذلك أسباب: منها: 1 - إن التوراة تذكر أن اليعازر أو عبد إبراهيم ذهب إلى ارم النهرين والمراد بارم النهرين شمالي الجزيرة وليس جنوبي العراق. 2 - أمر إبراهيم عبده بأن يذهب إلى أرضه وإلى عشيرته. والحال إن عشيرة إبراهيم كلها غادرت (اور الكلدانيين) وذهبت فأقامت في حران. 3 - إن اليعازر عبد إبراهيم لم يصل إلى اور بل إلى مدينة ناحور. ومدينة ناحور هي حرّان لا اور.
4 - إن البئر كانت في ظاهر المدينة والحال أن جليبة بعيدة عن اور نحو 16 ساعة أو اكثر وليس في ظاهر اور بئر أبدا. 5 - كانت بئر ربقة بئر عين لا بئر صهريج. وبئر جليبة ليست عينا 6 - كانت تلك العين قريبة القعر إلى من ينزل فيها. والحال إن جليبة عميقة كما تقدم وصف عمقها لك. 7 - بينما كان اليعازر بقرب البئر ذهبت ربقة إلى بيتها لتخبر أمها بما وقع فأسرع أخوها لأبان إلى الرجل إلى العين ودعاه إلى المبيت. وهذا الأمر لا يتحقق إذا كانت المدينة (اورا) والبئر (جليبة) إذ لا يمكن الذهاب إلى البئر إلاَّ بعد يومين سيرا على القدم. فكيف تم الأمر في سويعات؟ هذه الأسباب وغيرها تحملنا على دفع هذا الرأي وعده من الأوهام التي ليس لها من الحقيقة نصيب. 7 - بئر ربقة هي في جوار حرّان أما بئر ربقة الحقيقية فلا ترى إلاَّ بجوار حران إذ عليها وحدها يصدق كل ما قيل عنها في التوراة وهي مشهورة هناك بهذا الاسم إلى عهدنا هذا؛ كما أنك ترى في هذه الأيام إقبال النساء عليها صباحا. وبعض الأحيان مساء للاستقاء منها ما يحتجن إليه من الماء؛ ثم تتلوهن البهائم بأنواعها حتى لا تكاد تنقطع صباح مساء للورد. ولا يخدعنك كلام أصحاب الغايات والأغراض. أيجمع بائس على بؤساء نرى كثيرين من الكتّاب يجمعون البائس على بؤساء وبعضهم على بائسين. ولم نر هذين الجمعين لفصيح والمشهور عندهم أن البائس يجمع على بؤس وزان قفل. كما قالوا أمور دمس لجمع دامس وبزل جمع بازل وعوط في جمع عائط وعطف في جمع عاطف إلى غيرها وهي كثيرة. ومن ذلك قول تأبط شرا: قد ضقت من حبها ما لا يضيقني ... حتى عددت من البؤس المساكين قال ابن سيده يجوز أن يكون عنى به جمع البائس ويجوز أن يكون من ذوي البؤس فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه (اللسان في بأس) إلاَّ أن المشهور هو الأول.
الجزائر
الجزائر آل افراسياب وخراب الجزائر في سنة 1078 (1667م) اضطر العثمانيون أن يفتحوا البصرة مرة ثانية وكان دخولهم الأول إليها على يد اياس باشا والي بغداد؛ ولكن البصريين انتقضوا على عامل الأتراك وأخرجوه؛ وذلك بنفوذ حسين باشا آل افراسياب، فكرَّ عليهم الأتراك وفتحوا البصرة. وانهزم حسين باشا بعد حروب شديدة وكانت القيادة التركية في هذه الحرب أول بيد مرتضى باشا والي بغداد فتغلب مرتضى باشا وانهزم حسين باشا إلى الأطراف ولكن أهل البصرة انتقضوا على مرتضى باشا فاتكفأ هاربا من البصرة. وعاد حسين باشا إليها ثم كانت القيادة التركية بيد إبراهيم باشا والي بغداد أيضا فأشتد الهول وأبلت الجزائر بلاء حسنا في هذه الواقعة وانحسم الأمر صلحا بين إبراهيم باشا وحسين باشا ثم قصده الأتراك بوزيره وصهره يحيى اغا وفي هذه الثالثة انتهت ولاية آل افراسياب، وانهزم حسين باشا إلى الهند، وتسلم البصرة يحيى اغا وخربت الجزائر خرابا عاما وفر أهلها في نتيجة هذه الحرب إلى بلاد الحويزة وتفرقوا في نواحي خوزستان. وهذه المواقعة الأخيرة دامت أربعة أشهر، وكانت حملة العثمانيين شديدة وجيشهم لهاما. قال السيد نعمة الله الجزائري من أهالي الصباغية: (دنا إلينا جيش السلطان محمد الرابع - فكانوا يرمون القلعة (قلعة الحصار) كل يوم ألف مدفع وكانت الأرض ترجف من تحت أقدامنا) وهذه القلعة التي ذكرها السيد نعمة الله هي (العلية) نسبة إلى علي باشا آل افراسياب وقد كانت قبلا قلعة صغيرة عند ملتقى الرافدين تسمى (القرنة) وحولها رهط الجزائريين وهذا هو مبدأ القرنة البلد المعروف اليوم ولكن علي باشا جدد بناءها فعرفت بالعلية وزاد حسين باشا في تشييدها وصيرها ثلاث قلاع كل واحدة منها محيطة بالأخرى وبينهما فرجة صالحة للمقاتلة ويحيط بثلاث جوانبها الشط وبالجانب الرابع خندق وعليه سدود ولما طوي بساط آل افراسياب استرجعت اسمها الأول (القرنة).
ترجمة آل افرسياب كان أبوهم افراسياب يعرف بالديري، نسبة إلى موضع في شمالي البصرة يعرف بالدير. وفي ذلك الموضع كانت منارة يزعم بسطاء العقول أنها من بنايات الجن وذكر عبد علي بن رحمة الله الحويزي في كتابه (قطر الغمام) أن افراسياب من بقايا آل سلجوق وأن أهل الدير أخوال افراسياب ومنشأ إمارة هذه الأسرة (العائلة) أن افراسياب كان كاتبا من كتّاب الجند في البصرة فأنتقض أهل البصرة على علي باشا الحاكم الرومي (أي التركي) فعجز هذا عن إعطاء أرزاق الجند المحافظين عليه فباع البصرة من افراسياب بثمانية أكياس رومية
في كل كيس 3000 محمدية وهي عملة تركية كانت رائجة في العراق وترك البصرة لافراسياب وخرج مشترطا عليه أن لا يقطع الخطبة من اسم السلطان وتوجه ذلك الرومي إلى الأستانة. فحكم في البصرة افراسياب وأحبته الناس وتوسع في بسط نفوذه في الجزائر ومنع الجوائز التي كانت تتقاضاها موالي الحويزة من البصرة ومنع الجراية التي كانت لهم على الجانب الشرقي من شط العرب. وكان ابتداء حكومته سنة 1005هـ (1596م) واستمرت سبع سنين. ثم حكم من بعده ابنه علي باشا واستمرت حكومته 45 عاما وقد كثرت في أيامه العوارف والرفاهية وكان مظفرا فتحت في أيامه كل الجزائر بعد أن عجز عنها جند السلطان وقصده جيش الشاه عباس الصفوي فثبت في وجهه وتشدد في مقاومته حتى فشل الجيش الفارسي ونكص راجعا وذلك سنة 1036. ثم حكم من بعده حسين باشا آل افراسياب ودامت مدة حكمه 21 سنة، ثم ختمت بزوال إمارة آل افراسياب وكان حسين باشا فاضلا راجت في عهده سوق
الأدب وكذلك في عهد أبيه وكان يميل إلى التشيع وبذلك اصطنع البلاد ودانت له الجزائر وكان آل افراسياب يحسبون أنهم