فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا) وجعله قيماً لإقامة أود ذوي الألباب، فلا ترى فيه عوجاً، لا يحوم حول معانيه سوى الاستقامة، لأنها من الكلمات التامات، ولا ينزل بساحته الاعوجاج، إذ هو من المعجزات الباهرات، آياته صادعة وبيناته ساطعة، وزواجره وازعة، وزواخره فارعة، فكما لا يقف على إدراك بلاغته إلا الذوق، لا يسع كنه معرفة معانيه نطاق الطوق، أصفى مشارع موارده عن لوث الحدوث، ووصمه الانصرام، كما حمى شوارع مصادره أن تنعت بما ينمى إلى الانعدام، فما هو إلا من صفات مخترع الكائنات، ونعوت مبدع الأرض والسماوات، منشئ الأحياء ومنشر الأموات. أحمده على سوابغ نعمه حمداً يبلغ رضاه، وأسأله الصلاة والسلام على خير خلقه، محمد نبيه ومصطفاه، الخاتم لما سبق، والفاتح لما انغلق، دافع جيشات الأباطيل، قامع صولات الأضاليل، وعلى آله وأصحابه الكرام البهاليل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أما بعد، فإن كتاب الله المجيد هو قانون الأصول الدينية، ودستور الأحكام الشرعية، وهو المختص من بين سائر الكتب السماوية بصفة البلاغة، التي تقطعت عليها أعناق العتاق، وونت عنها خطى الجياد في السباق. والموفق من العلماء الأعلام، وأنصار ملة الإسلام من كانت مطامح نظره، ومسارح فكره، الجهات التي تضمنت لطائف النكت المكنونة، واشتملت على أسرار المعاني المصونة، فلم يوفق لتصنيف أجمع لتلك الدقائق، وتأليف أنفع لدرك تلك الحقائق، وأكشف للقناع عن وجه إعجاز التنزيل، وأعون في مداحض الكلام على تعاطي التفسير والتأويل إلا الحبر الهمام: أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، شكر الله سعيه؛ إذ مصنفه: "الكشاف عن حقائق التنزيل"، مصنف لا يخفى مقداره، ولا يشق

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غباره. اتضح بيانه، وأضاء برهانه، وعمت أضواؤه، وانجلت سماؤه، تغرق الأفكار في بحار عباراته، ولا تنتهي الأوهام إلى ساحل إشاراته، هزت أريحية الفضل من أعطاف الفضلاء، لاعتلاء ذروته الشامخة، وابتغاء غاياته الباذخة، فكل غاص في تياره لاستخراج درر معان أبهج من نيل الأماني في ظل صحة وأمان، فإن من أراد عظيماً خاطر بعظيمته، ومن رام جسيماً راهن بكريمته، ومن هاب خاب، ومن أحجم أخفق. فقد استخرت الله- مع قلة البضاعة، وقصور الباع في الصناعة- لتصدي شرح مجمله، وحل معضله، وتلخيص مشكله، وتخليص مبهمه، وفسر عويصه، وفك عقوده الموربة، وتبين قيوده المكربة، وانتهاض إحراز قصبات عيون التفاسير، للعلماء النحارير، وخلاصة أفكار المحققين، ونقاوة أنظار المتبحرين، المتقدمين منهم والمتأخرين، لتسهيل وعره، وتيسير صعبه، بعد تتبع مظان العلمين المختصين بالقرآن آونة من الأزمان، والإتقان على الأساليب البديعية، والأفانين البيانية، وتحصيل غرائب اللغة ما لا يكاد إحصاء، ولطائف الإعراب ما لا يضبط إملاء، وعلى نكات علم أصول الدين: فقهه وكلامه، واستنباط فروعه وأحكامه، ولم آل جهداً في جهات المنقول استناداً إلى الأصول، وانتساب القراءات المشهورة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والشاذة، وبيان وجوهها، وكشف ستورها. هذا: وإن أصعب السبل تقييد القيود المبهمة؛ فإنه بلغ في الغموض وراء حد حل الإلغاز. وهو الذي يعجز الناظر فيه كل الإعجاز. ولم أقتصر على ذلك، بل جمعت معارضات عظماء الشرق، ومناقضات فضلاء الغرب، وتجنبت التعصب في الرد إلا فيما لم يساعد عليه النص القاهر، والنظم الباهر. وعثرت بعد طول المباحثات على أن معرفة إبراز النظم هي أعظم المطالب، وأسنى المقاصد والمآرب، فإنها مسبار البلاغة، ومعيار البراعة؛ إذ بها تنتقد الأقاويل، ويرجح تأويل على تأويل. ثم إن تر خللاً فانسبه إلى الونى والقصور، وإن تعثر على ما تقر به العين فأحله إلى فيضان النور من جناب سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين صلى الله عليه وسلم؛ فإني رأيت- والله الواهب- فيما يرى النائم في أثناء الشروع أو قبيله أنه صلى الله عليه وسلم ناولني قدحاً من اللبن وأشار إلي، فأصبت منه، ثم ناولته صلوات الله عليه وسلامه فأصاب منه، وسميت الكتاب بـ: "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب" وبالله أستعين على ما نويته واعتقدته، وأستعيذ من الزلل فيما نحوته واعتمدته.

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكر ما يحتاج إلى الكشف من غرائب الخطبة ونكتها إجمالاً وتفصيلاً: أما الإجمال، فإنه ضمنها جميع ما هو مفتقر إليه من المباحث التي تتعلق بالقرآن المجيد براعة للاستهلال: ساق الكلام أولاً في بيان الإنزال والتنزيل، والترتيب والتأليف، والتمييز والتفصيل، والمحكم والمتشابه، بحيث لزم منه ما قصده من بيان المذهب والقول بحدوثه. فلما قضى من ذلك وطره ثنى بذكر منافعه ديناً ودنيا، وثلث في بيان إعجازه وكيفية التحدي به، وكمية المتحدى به، ومن تحدى معه، وربع في بيان اشتماله على النكت واللطائف، ومدح مستخرجها، وذم من تقاعد عنها، إلى غير ذلك. وأما على التفصيل فقوله: (الحمد لله) قال الواحدي: "الحمد قد يكون شكراً للصنيعة، وقد يكون ابتداء الثناء على الرجل. يقال: حمدته على معروفه، وحمدته على علمه وشجاعته".

الذي أنزل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجوهري: "الحمد نقيض الذم، وهو أعم من الشكر. والشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف" فيقال: ما الحمد إذاً؟ أهو اللفظ المشترك بين المفهومين، أم هو اللفظ الموضوع للثناء المطلق كالمتواطئ، أم هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؟ . قال المصنف في "أساس البلاغة": "حمدت الله ومجدته، وأحمد الرجل: جاء بما يحمد عليه، ضد أذم. ومن المجاز: أحمدت صنيعه، وجاورته فأحمدت جواره". فتعين القسم الأخير، وسيجيء تمام تحقيقه في "الفاتحة". قوله: "الذي هو وصلة إلى وصف المعارف بالجمل". وحق الجملة أن تكون معلومة الانتساب عند المخاطب. وإنزال القرآن على ما وصفه. وفائدة إيراده هكذا: إما للنداء على الجميل بما فيه سبحانه وتعالى من صفة الكمال، وهي: التكلم بالكلام البليغ الذي بذ بلاغة كل ناطق، وشق غبار كل سابق. وإما للثناء عليه بما أولى عباده هذه النعمة الجسيمة التي هي مفتاح للمنافع الدينية والدنياوية. قوله: (أنزل)، الأساس: "نزل بالمكان، ونزل من علو إلى سفل، وأنزل الكتاب ونزله. ومن المجاز: نزل به مكروه، وأنزلت حاجتي على كريم".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإمام والقاضي: "الإنزال عبارة عن تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل، وذلك لا يتحقق في الكلام؛ وإنما لحقه بتوسط لحوقه الذات الحاملة له، فوصف بصفة حامله لالتباسه به. ويقال: نزلت رسالة الأمير من القصر، وإنما نزل المستمع بها وأداها إلى الناس، وقول الأمير لا يفارق ذاته. ولعل نزول الكتب الإلهية على الرسل عليهم الصلاة والسلام بأن يتلقفه الملك من الله تعالى تلقفاً روحانياً، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به على الرسول صلى الله عليه وسلم ويلقنه". وأما كيفية تلقي الرسول صلى الله عليه وسلم [من الملك، فما رويناه عن عائشة رضي الله عنها: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ] "أحياناً يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني، فأعي ما يقول". أخرجه البخاري، ومسلم، ومالك، والترمذي، والنسائي.

القرآن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (القرآن)، القرآن لغة: الجمع، تقول: قرأت الشيء قرآناً، إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض. أبو عبيدة: "سمي قرآناً لأنه يجمع السور فيضمها". وسمي المقروء قرآناً كما سمي المكتوب كتاباً. واصطلاحاً: هو الكلام المنزل على محمد صلوات الله عليه وسلامه، للإعجاز بسورة منه. قيل: هذا حد الشيء بما هو أخفى منه، وبما تتوقف معرفته على معرفته. وأجيب بأن قوله: "بسورة منه" ليس قيداً للفصل، بل بياناً له. واعلم أنه قال أولاً: "أنزل" ثم "نزل" ثم "جعله" إلى قوله: "مختتماً" لبيان ترتيب النزول، فإنه تعالى أولاً أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزله منه متفرقاً على حسب المصالح وكفاء الحوادث، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح، ونبه عليه بقوله: "مؤلفاً منظماً، وجعله بالتحميد مفتتحاً، وبالاستعاذة

كلاماً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مختتماً"، إلى آخره، مع ما روعي فيه من صنعة التجنيس الاشتقاقي. هذا هو المراد، لا ما قيل: إنه قال أولاً: خلق القرآن، ثم غيره تقية؛ لأنه صرح بذلك في قوله: "وما هي إلا صفات مبتدأ" إلى آخره. ولقائل أن يقول: إنما عدل استدراجاً كما هو دأب البلغاء، وعليه مخاطبات الأنبياء. قوله: (كلاماً)، الجوهري: "الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير". الإمام: "تركيب "ك ل م" بحسب تقاليبه الستة يفيد القوة والشدة، وسمي الكلام به؛ لأنه يؤثر في الذهن بواسطة القرع في السمع، ومنه الكلم: الجرح. ك م ل: الكامل القوة، بخلاف الناقص. ل ك م: بمعنى الشدة في اللكم، وهو الضرب بمجمع الكف، ظاهر. م ك ل: يقال: بئر مكول، إذا قل ماؤها، فيحصل منها للوارد الشدة. م ل ك: يقال: ملكت العجين، إذا اشتد عجنه، ومنه ملك الإنسان؛ لأنه نوع قدرة. ل م ك: يقال: تلمك البعير، إذا لوى لحييه.

مؤلفاً منظماً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وانتصابه إما لأنه حال موطئة، كقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) [يوسف: 2]، أو مؤكدة كقوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ) [الحج: 72] وليس بلازم في المؤكدة أن تكون مقررة لمضمون جملة اسمية، ولا أن يكون مجيئها على إثر جملة عقدها من اسمين لا عمل لهما كما يشعر به ظاهر لفظ "المفصل"؛ لأن ذلك شرط لحذف عاملها على سبيل الوجوب، لا لكونه حالاً مؤكدة. وإما لأنه بدل من القرآن، وهذا أوجه على مذهبه؛ لما أن الحال زيادة في فائدة الجملة، والبدل هو المقصود في الإيراد، والمبدل كالتوطئة، فيفيد التوكيد لما فيه من التنبيه والتكرير، والإجمال والتفصيل. قوله: (مؤلفاً)، التأليف: جمع الحروف أو الكلم لتركيب الكلمة أو الكلام، والنظم: هو الجمع مع ترتيب. الأساس: "هو أليفي وغلفي، وهم ألافي، ولو تألف فلان وحشياً لألف".

ونزله بحسب المصالح منجماً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال: "نظمت الدر ونظمته، ودر منظوم ومنظم، ومن المجاز: نظم الكلام، وهو نظم حسن" فالتأليف يخص اللفظ، والتنظيم يعم اللفظ والمعنى. والتنكير فيهما دل على نوع من التأليف والنظم، لاقتضاء مقام المدح إلى ذلك المعنى، وهو تأليف بديع وتنظيم غريب عجيب. والتأليف دل على أنه بلغ في الفصاحة أقصى غاياتها، والنظم على أنه انتهى في البلاغة مدى نهاياتها؛ لأن الفصاحة تختص بحسن اللفظ مفرداً ومركباً، والبلاغة تعم حسن اللفظ والمعنى، كما تقرر في "التبيان". وانتصابهما على أنهما حالان مترادفتان أو متداخلتان، أو صفتان مخصصتان لكلام؛ ليمتاز عن الكلام النفسي عندنا، وموضحتان عند المصنف؛ لأن عندهم: لا كلام إلا هذا، ولا وجود للكلام النفسي. قوله: (بحسب)، الجوهري: قولهم: ليكن عملك بحسب ذلك، أي: على قدره وعدده. الأساس: "الأجر على حسب المصيبة، أي: بقدرها". المعنى: فرقه بقدر ما تقتضيه الأمور السانحة والحوادث المتجددة. قوله: (منجماً)، أي: دفعة بعد دفعة، حظاً غب حظ، موزعاً على الأوقات. المغرب: "أصله من نجوم الأنواء، وقال: النجم هو الطالع، ثم سمي به الوقت، ثم

وجعله بالتحميد مفتتحاً وبالاستعاذة مختتماً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سمي به ما يؤدى فيه من وظيفة المكاتب، ثم اشتقوا منه فقالوا: نجم الدية إذا أداها نجوماً، ونجم الدين" وانتصابه على الحال من الضمير المنصوب في "نزله" وهو موافق للتنزيل بحسب التفصيل. قوله: (وجعله بالتحميد مفتتحاً)، أي: بسورة "الفاتحة"، "وبالاستعاذة" أي: "المعوذتين". فعل ذلك تفهيماً وتعليماً لما ينبغي أن يفعل، وقد روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم" أخرجه أبو داود. قال الخطابي: "معناه: الأقطع الأبتر الذي لا نظام له". وقد تقرر أن من ختم القرآن تحصل له نعمة عظيمة، فيخاف عين الكمال، فيستعيذ بالله حصانة لها، "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عين الجان وعين الإنسان، فلما نزلت "المعوذتان" أخذ بهما، وترك ما سوى ذلك". أخرجه النسائي.

وأوحاه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي ذلك الافتتاح وهذا الاختتام رعاية حسن المطلع والمقطع، أما المطلع، فحسنه أن "الفاتحة" كما ترى بلغت في حسن ألفاظها وتنوق معانيها غاية من الكمال، مع تضمنها معنى ما سيق الكلام لأجله- كما سنبينه- وهو المسمى ببراعة الاستهلال. وأما المقطع فحسنه ما آذن إلى استماع ما بدئ به، فـ "المعوذتان" مشيرتان إلى الاستعاذة، لقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل: 98] على أحد الوجهين، ومن ثم قال صلوات الله عليه وسلامه حين سئل: أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: "الحال المرتحل"، قيل: وما الحال المرتحل؟ قال: "صاحب القرآن، يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما حل ارتحل". أخرجه الترمذي والدارمي عن ابن عباس. فالتحميد يقتضي الاختتام بناءً على أن المجمل يقتضي تفصيله، والاستعاذة تستدعي الافتتاح، فلا انقطاع إذاً، كما قال: فما تقف السهام على قرار ... كأن الريش يطلب النصالا قوله: (وأوحاه)، الأساس: "أوحى إليه وأومى إليه: بمعنى، ووحيت إليه وأوحيت إليه: إذا كلمته بما تخفيه عن غيره. وأوحى الله تعالى إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) [النحل: 68]، ووحى وحياً: كتب".

على قسمين: متشابهاً ومحكماً، وفصله سوراً وسوره آيات، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وزاد الجوهري: "الرسالة". قوله: (على قسمين)، انتصب محله حالاً من الضمير المنصوب في "أوحاه" أي: كائناً على قسمين. انتصب "متشابهاً ومحكماً" إما على المدح، بتقدير أعني، ليكونا تفسيرين لقوله: "قسمين" تمدح بالمتشابه لما فيه من تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استنباط المعاني ورده إلى المحكم حيث أمكن. ويجوز أن يكونا بدلين من محل "على قسمين" أو حالين من الضمير المستتر في الظرف الواقع حالاً، فيلزم تداخل الحالين. والمحكم: هو المتضح المعنى، والمتشابه بخلافه. وقد استوعب بهما الأقسام الأربعة من النص والظاهر، والمجمل والمؤول؛ لأن اللفظ الذي يفيد معنى، إما أن لا يحتمل غيره؛ وهو النص، أو احتمل لكن إفادته لذلك المعنى أرجح؛ وهو الظاهر، أو مساو؛ وهو المجمل، أو مرجوح؛ وهو المؤول، والمشترك بين النص والظاهر هو المحكم، وبين المجمل والمؤول هو المتشابه. وقد اقتبس المعنى من قوله تعالى: (آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [آل عمران: 7]. قوله: (وفصله)، هو مأخوذ من قولهم: عقد مفصل. الجوهري: "هو أن يجعل بين لؤلؤتين خرزة أو من التفصيل بمعنى التبيين". قوله: (سوراً)، جمع سورة. وانتصب إما على الحال، أو على تضمين "فصل" معنى جعل. أي: جعل القرآن سوراً مفصلاً. والأحسن أن يكون تمييزاً نحو قوله تعالى: (وَفَجَّرْنَا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأَرْضَ عُيُوناً) [القمر: 12] قال: "وجعلنا الأرض كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك: عيون الأرض". وكذا القول في "وسوره آيات". الجوهري: "السور: حائط المدينة، وجمعه أسوار. والسور أيضاً جمع سورة، مثل: بسر وبسرة، وهي كل منزلة من البناء، ومنه سورة القرآن؛ لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى". قال المصنف: "هي الطائفة من كلام الله المجيد المترجمة، التي أقلها ثلاث آيات". فالآية هي الطائفة الموسومة منه بفاصلة فذة التي أقلها ستة أحرف صورة، نحو: (الرَّحْمَنُ) [الرحمن: 1]. هذا التعريف على مذهب الجمهور سوى الكوفيين ظاهر، لأنهم ما عدوا شيئاً من الفواتح نحو (الم) آية، واستقلالها في المعنى ليس بلازم؛ إذ يجوز الفصل بين الصفات، والبدل والمبدل، والصفة والموصوف، كقوله تعالى: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: 3 - 4]، (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ) [الفاتحة: 6 - 7]، (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 2 - 3]. ويعني بالفاصلة: تواطؤ القرينتين من النثر على الحرف الأخير أو الوزن، وهو السجع أيضاً. وإليه أومأ الراغب بقوله: "يقال لكل كلام من القرآن منفصل بفصل لفظي: آية".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "المرشد: (الم) عدها الكوفيون آية، واعتبروا في عدها الوزن؛ لأنه كآخر "حليم"، "عليم". وإذا اعتبر المعنى مع الوزن كان أقوى لمذهبهم في عدها آية؛ لأنه ينضم إلى مشابهته الفواصل كونه جملة مستقلة بنفسها. والآية: العلامة، الجوهري: "أصل آية: أوية بالتحريك. قال سيبويه: موضع العين منها الواو". الفراء: "هي من الفعل فاعلة، وإنما ذهبت منه اللام تخفيفاً، ولو جاءت تامة كانت آيية". الراغب: "في بناء آية ثلاثة أقوال: قيل: هي فعلة، وحق مثلها اعتلال لامه دون عينه كحياة ونواة، لكن صحح لامه لوقوع الياء قبلها كراية.

وميز بينهن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: فعلة، إلا أنها قلبت كراهة التضعيف نحو: طائي في طيئ. وقيل: فاعلة، وأصلها آيية فخففت، فصار: آية، وذلك ضعيف؛ إذ تصغيرها: أيية، ولو كانت فاعلة لقيل: أوية". واشتقاقها إما من "أي" فإنها هي التي تبين أياً من أي، أو من قولهم: أوى إليه. والآية قيل: هي العلامة الظاهرة، وحقيقتها لكل شيء ظاهر هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته؛ إذ كان حكمهما سواء، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات. فمن علم ملازمة العلم للطريق المنهج، ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق، وكذا إذا علم شيئاً مصنوعاً علم أنه لابد له من صانع. وقوله تعالى: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) [العنكبوت: 44] فهي من الآيات المعقولة التي تتفاوت بها المعرفة بحسب تفاوت منازل الناس في العلم. قوله: (ميز)، بالتشديد للمبالغة. الكواشي: "أصل الميز: الفصل بين المتشابهات،

بفصول وغايات، وما هي إلا صفات مبتدأ مبتدع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقال: مزت بين الشيئين مخففاً، وميزت بين الأشياء مشدداً". قوله: (بفصول وغايات)، قيل: الفصول: الوقوف، و"الغايات": رؤوس الآي. وقد تجتمع الغاية والوقوف، كما في قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [البقرة: 3] فالضمير في "بينهن" للآيات، والتحقيق أن الضمير يعود على المجموع من السور والآي، كقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) [الحجرات: 9]، (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) [البقرة: 111] والضمير لليهود والنصارى بدليل قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى)، ويراد بالفصول رؤوس الآي، وهي الفواصل، جمع فاصلة- كما قررناه- وهي بمنزلة السجع في غير القرآن. قال الله تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ) [فصلت: 3]. والغايات: أواخر السور، جمع الغاية، وهي مدى الشيء. والمعنى: فصل عز شأنه القرآن بالسور، وفصل السور بالآيات، وميز بين ذينك الفصلين بالفصول والغايات. وفي هذا التقرير معنى الجمع والتقسيم، والجمع والتفريق. قوله: (وما هي إلا صفات)، هذا التركيب من قصر الصفة على الموصوف على القلب، أي: ليس التأليف والتنظيم، والافتتاح والاختتام، والتفصيل والتمييز إلا صفات شيء حادث؛ لأن حدوث الصفات يوجب حدوث الموصوف. قوله: (مبتدأ)، الزجاج: "المبدئ: الذي ابتدأ كل شيء من غير شيء. والبديع: الذي ابتدع الخلق على غير مثال".

وسمات منشأ مخترع، فسبحان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المطلع: "البديع الذي يبدع الأشياء، أي: يحدثها مما لم يكن، وكذلك المبدئ، العين والهمزة تتبادلان". قوله: (فسبحان)، جواب شرط محذوف، وفيه معنى التعجب، قال المصنف في "النور": الأصل في ذلك أن يسبح الله تعالى في رؤية المتعجب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه. المعنى: إذ لزم من تلك الأوصاف حدوث القرآن، على أنه أحق الأشياء بعد الله سبحانه وتعالى بأن يوصف بالقديم لكونه قائماً بذاته خارجاً منه؛ قال الرسول صلوات الله عليه وسلامه: "وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه" أخرجه الترمذي عن أبي أمامة، فلينزه المنزه متعجباً قائلاً: سبحان من استأثر بالأولية والقدم! وفي (وسم) نكتة: وهي أنه تعالى وحده اختص بصفة الكمال، وأن غيره موسوم بوسم النقصان. الجوهري: "يقال: وسمته وسماً: إذا أثرت فيه بسمة وكي، والهاء عوض من الواو". وفيه إبطال مذهب الفلاسفة في الماهيات، وإثبات مذهبه في الصفات".

من استأثر بالأولية والقدم، ووسم كل شيء سواه بالحدوث عن العدم، أنشأه كتاباً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (استأثر)، الاستئثار: التفرد والاستبداد والاستقلال. قوله: (بالأولية والقدم)، الجوهري: الأول: نقيض الآخر، والقدم خلاف الحدوث. الأزهري في تفسير قوله تعالى: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ) [الحديد: 3] الأول: هو السابق للأشياء كلها، وكان الله موجوداً لا شيء معه، ثم أوجد ما أراد من خلقه، ثم يفني الخلق كلهم، فيبقى تعالى وحده كما كان أولاً. وقلت: فالأولية التي تقتضي سبق الأشياء كلها مستدعية للقدم، والآخرية التي لم تقبل الفناء بعد فناء المحدثات مشعرة بالقدم؛ لأن المحدث يحتاج في إحداثه على سابق؛ ومن ثم جاء في الأدعية عن سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم: "أنت الأول ليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء"، أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه، فيكون عطف القدم على الأولية من عطف البيان على المبين، وعطف: "ووسم كل شيء" على "استأثر" من عطف أحد الضدين على الآخر؛ للجامع الوهمي. قوله: (أنشأه)، أي: خلقه على اعتقاده، الجوهري: "أنشأه الله، خلقه، يقال: أنشأ يفعل كذا، أي: ابتدأ، وفلان ينشئ الأحاديث، أي: يضعها". قطع الجملة لتكون بدلاً من جملة: "أنزل" لكونها أوفى بتأدية المقصود منها، فإنه أجرى على

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القرآن أوصافاً تدل على حدوثه ككونه مؤلفاً منظماً، وغير ذلك، لكن دلالتها على المقصود غير صريحة، فصرح بقوله: "أنشأه"، وأدخل بين البدل والمبدل قوله: (وما هي إلا صفات مبتدأ)، إلى آخره، معترضاً مؤكداً لما انتصب له من بيان مذهبه. واعلم أن في أمثال هذا التبجح على نصرة مذهبه جسارة عظيمة على الكلام، ثم على المتكلم؛ إذ عظمه الكلام على قدر عظمة المتكلم، فكلام الله عظيم بعظمته، جليل بجلالته وكبريائه. قال شيخنا شيخ الإسلام وسراج أهل الإيمان، أبو حفص السهروردي قدس الله سره: "كلام الله بعد ونأى بكنهه وغايته، وعظم شأنه، وقهر سلطانه، وسطوع نوره وضيائه. مثاله من عالم الشهادة: الشمس التي ينفع الخلق شعاعها ووهجها؛ إذ لا قدرة للخلق أن تقرب من جرمها. فمن قائل بأن لا حرف ولا صوت؛ لما عظم عليه أن يحضر، ومن قائل: إنه حرف وصوت؛ لما عز عليه أن يغيب، ولكل وجهة هو موليها. فالسبيل الأمثل والطريق الأعدل- أيها الإخوان من الطائفتين- أن تتركا المنازعة والخوض فيما لم يشرع فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فاعملوا في تلاوة كتاب الله وتدبره والعمل بما فيه. والمنازعة في ذلك كمن يأتيهم كتاب من سلطان يأمرهم فيه وينهاهم، وهم يتشاجرون في أن الكتاب: كيف خطه، وكيف عبارته، وأي شيء فيه من صنعة الفصاحة والبلاغة؟ ويذهلون عن صرف الهمم إلى الانتداب لما ندبوا إليه".

ساطعاً تبيانه، قاطعاً برهانه، وحياً ناطقاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ساطعاً)، الجوهري: "يقال: سطع الغبار والرائحة والصبح يسطع سطوعاً إذا ارتفع". وفي حاشية "الصحاح": "يقال للصبح إذا طلع ضوؤه في السماء مستطيلاً: قد سطع"، وهو مع ما يليه صفتان لـ "كتاباً". قوله: (تبيانه)، الجوهري: "التبيان: البيان، وهو مصدر شاذ؛ لأن مثال هذه المصادر يبنى على الفتح كالتذكار والتكرار، ولم يجيء على الكسر إلا هذه و"التلقاء". قوله: (برهانه)، الأساس: "أبره فلان إذا جاء بالبرهان، وبرهن مولد، والبرهان: بيان الحجة وإيضاحها؛ من البرهرهة، وهي البيضاء من الجواري، كما اشتق السلطان من السليط لإضاءته". قوله: (وحياً ناطقاً)، شبه الوحي في وضوح دلالته على إثبات المعجزة والحجج بالإنسان الذي يتكلم بالبراهين والدلائل، ثم خيل أنه إنسان، ثم نسب إليه على سبيل الاستعارة التخييلية ما كان منسوباً إلى المشبه به عند التكلم، وهو النطق. فإن قلت: بين لي تأليف هذه المنصوبات. قلت: في التركيب ترق وتكميل وتتميم. أما الترقي فهو أن "كتاباً" بدل من الضمير الذي في "أنشأه" فيكون توضيحاً لما أبهمه.

ببينات وحجج، قرآناً عربياً غير ذي عوج، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال اليمني: "الفرق بين ضميري المتكلم والمخاطب وضمير الغائب: أن ضمير الغائب يحتمل أن يكون لكل ظاهر سابق ذكره، فإذا أبدل أفاد البدل بياناً، ولذلك لا يجيزون: ربك وربي رجلاً، وأجازوا: ربه رجلاً". فإن قلت: ها هنا ليس له محمل سوى القرآن؟ قلت: بالنظر إلى نفسه الاحتمال قائم، وان قوله: "وحياً" صفة مخصصة لـ "كتاباً"؛ لأن الكتاب أعم من أن يكون وحياً أو غير وحي. وكذا "قرآناً"؛ لأن الوحي يعم الكتب السماوية جميعها. وأما التتميم والتكميل؛ فلأن جميع الصفات المتواليات مشعرة بكون القرآن كاملاً في نفسه، فتمم بقوله: "مفتاحاً" وكمل بقوله: "مصداقاً لما بين يديه من الكتب السماوية" ليكون مكملاً لغيره. قوله: (ببينات وحجج)، المغرب: "البينة: الحجة، فيعلة من البينونة أو البيان. والحج: القصد، ومنه الحجة؛ لأنها تقصد وتعتمد، إذ بها يقصد الحق المطلوب". قوله: (غير ذي عوج)، قال المصنف: "ما يوجد فيه اعوجاج، ما فيه إلا الاستقامة".

مفتاحاً للمنافع الدينية والدنيوية، مصداقاً لما بين يديه من الكتب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال في "الزمر": "فإن قلت: هلا قيل: مستقيماً، أو غير معوج؟ قلت: فيه فائدتان: إحداهما: نفي أن يكون فيه عوج، كما قال: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا) [الكهف: 1]. والثانية: أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان". وقال: "العوج بكسر العين في المعاني، وبفتحها في الأعيان، وكذا عن الزجاج". قوله: (مفتاحاً)، هو إما اسم آلة، أي: يفتح به العلوم الدينية: فقهها وأصولها، ومعانيها وإعرابها، وأخلاقها، إلى غير ذلك. تشبيهاً بالمفاتيح في كونها وسيلة إلى فتح المخازن المستوثق عليها. فإن قلت: فعلى هذا القرآن كالمقدمة للعلوم. والواقع بخلافه. قلت: نعم، هي ذريعة على تحقيق معانيه، لكونها متشعبة منه، يتوصل باستعانته إلى تمهيد معاقدها، وتقرير أصولها. أو اسم فاعل من الفتح، كمضراب من الضرب للمبالغة. وكذا القول في "مصداقاً". قوله: (بين يديه)، استعارة تمثيلية كقوله تعالى: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الحجرات: 1]، والأصل فيه بين الجهتين المسامتتين، لليمين والشمال، ثم استعمل في ظرف المكان بمعنى قدام، ثم في ظرف الزمان بمعنى قبل.

السماوية، معجزاً باقياً دون كل معجز ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معجزاً)، المعجز: هو الأمر الخارق للعادة على سبيل التحدي. قوله: (دون كل معجز)، دون بمعنى أذنى، ثم استعير في الرتب، يقال: هذا دون ذلك في الشرف، ثم اتسع في كل تجاوز حد، وهو حال من ضمير "باقياً" أي: معجزاً باقياً متجاوزاً في بقائه عن سائر المعجزات. وكذا قوله: "من بين سائر الكتب" حال من ضمير "دائراً" أي: دائراً متفرداً من بين سائر الكتب. الجوهري: "سائر الناس: جميعهم". ذكره في (س ي ر). النهاية: "السائر- مهموز- الباقي، والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح. وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث وكلها بمعنى الباقي، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"، أي: باقيه". قيل: "دون" يجوز أن تكون بمعنى بعد، فيكون منصوباً على الظرفية. المعنى: معجزاً باقياً بعد كل المعجزات. واعلم أن قوله: "ساطعاً تبيانه" كناية ساذجة لما يلزم من سطوع تبيانه سطوعه، ولو قيل: ساطع التبيان لكان كناية مشتملة على التصريح؛ لانتقال الضمير من "تبيانه" إلى "ساطع"، ولو اكتفى بقوله: "ساطعاً" لكان تصريحاً محضاً. مثاله قولك: فلان منيع جاره ثم منيع الجار. ويجوز أن يكون استعارة تبعية: استعار لوضوح بيانات القرآن ارتفاع تباشير الصبح، والجامع:

على وجه كل زمان، دائراً من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان، أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العرباء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكشف والجلاء. وأن تكون مكنية بأن شبه التبيان بالصبح، ثم أدخل في جنسه، ثم خيل أنه الصبح بعينه، ثم أطلق اسم المشبه وهو "التبيان" على اسم ذلك المتخيل وهو الصبح المشبه به، ونسب إليه السطوع على طريق التخييلية؛ لتكون قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة. قوله: (على وجه كل زمان)، الوجه مستعار للظهور؛ لأن الوجه في الإنسان أظهر شيء، وفي "على" معنى الاستعلاء والغلبة، وفي تخصيص الوجه معنى الاشتهار أيضاً. وكما استوعب "الزمان" كمله باستيعاب الأشخاص بقوله: "على كل لسان"، وتممه باستيعاب المكان بقوله: "في كل مكان"، فبلغ الغاية في توخي المطلوب. قوله: (أفحم)، أي: أسكت، الجوهري: "كلمته حتى أفحمته: إذا أسكته في خصومة". أي: أفحمهم الله ببلاغة القرآن وفصاحته، فما أحاروا ببنت شفة. وتحتمل الهمزة أن تكون للوجدان نحو: أحمدته، وأنحلته، أي: وجدوا مفحمين بسببه؛ فلذلك لم يتصدوا، كما يقال: هاجيناكم فما أفحمناكم. فصل هذه الجملة استئنافاً؛ فكأنه قيل: بين لي كيفية إعجازه؟ قيل: أفحم به من طولب، وأن تكون بياناً؛ لأنه ليس كون القرآن معجزاً إلا هذا. وتحتمل التأكيد أيضاً. قوله: (العرب)، النهاية: "الأعراب ساكنو البادية الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة. والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس- ولا واحد له من لفظه- سواء أقام بالبادية أو المدن، والنسبة إليه أعرابي وعربي". الجوهري: "العرب العاربة: الخلص منهم، أخذ من لفظه وأكد به، كما يقال: ليل لائل، وربما قيل: العرب العرباء".

وأبكم به من تحدى به من مصاقع الخطباء، فلم يتصد للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض لمقدار أقصر من سورة منه ناهض من بلغائهم، على أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أبكم)، الأساس: "تكلم فلان فتبكم عليه إذا: أرتج عليه". ولم أجد في موضع آخر بنى من "بكم" فعلاً سواه. قوله: (تحدى به)، التحدي: طلب المعارضة والمقابلة. الجوهري: "تحديت فلاناً: إذا باريته في فعل ونازعته الغلبة". الأساس: "حدا حدواً، وهو حادي الإبل، وحدا بها حداء: إذا غنى لها. ومن المجاز: تحدى أقرانه: إذا باراهم ونازعهم الغلبة، وأصله في الحداء يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدى كل واحد منهما صاحبه، أي: يطلب حداءه، كما تقول: توفاه بمعنى استوفاه". وفي بعض الحواشي الموثوق به: "كانوا عند الحدو يقوم حاد عن يمين القطار، وحاد عن يساره، يتحدى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى يستحديه، أي: يطلب منه حداءه، ثم اتسع فيه حتى استعمل في كل مباراة". قوله: (المصاقع)، المصاقع: هو جمع مصقع، وهو الفصيح. الجوهري: "خطيب مصقع، أي: بليغ". قوله: (فلم يتصد)، أي: لم يتعرض. الجوهري: "تصدى له، أي: تعرض، والمصاداة: المعارضة". قوله: (ولم ينهض)، الأساس: "نهض إليه وله نهضاً، واستنهضه للأمر" المعنى: لم يقم لمعارضة أقصر سورة منه قائم.

وأوفر عدداً من رمال الدهناء، ولم ينبض منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط في المضادة والمضارة، وإلقائهم الشراشر على المعازة والمعارة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الدهناء)، الجوهري: "الدهناء موضع ببلاد تميم، يمد ويقصر، وينسب إليه دهناوي"، الأساس: "الدهناء: أرض ذات رمال". قوله: (عرق العصبية)، النهاية: "العصبي: الذي يعين قومه على الظلم، والتعصب: المحاماة والمدافعة". وفي قوله: "عرق العصبية" استعارة تخييلية، وقوله: "لم ينبض" ترشيح لها؛ لأن النبض- هو الحركة التي تنبعث من أوعية الروح، المؤلفة من انقباض وانبساط- صفة ملائمة للمستعار منه. قوله: (المضارة)، هي الضرار. قوله: (المعازة)، وهي المغالبة، و"المعارة" بالراء المهملة: المعايبة، من المعرة وهي الإثم، وهو يعر قومه، أي: يدخل عليهم مكروهاً، جانس بين "المعازة" و"المعارة" وبين "المضادة" و"المضارة". قوله: (الشراشر)، وهي الأثقال. قال المصنف: ألقى عليه شراشره، أي: جملته، وصرف إليه همه، وهو من الشرشرة، وهي التحريك، قال الكميت:

ولقائهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتلقى عليه عند كل عظيمة ... شراشر من حيي نزار وألبب وفي "المجمل": الشراشر: النفس، يقال: ألقى عليه شراشره، إذا ألقى عليه نفسه حرصاً ومحبة. والمعنى: أنهم إذا دهمهم أمر من المعرة دخلوا فيه بجملتهم تهالكاً وحرصاً ليغلبوا ولا يغلبوا. قوله: (لقائهم)، الأساس: "لقيته لقاء ولقياناً ولقى- بوزن هدى- ولاقيته والتقيته ولقي فلان ألاقي من شر، ويقال: فلان ملقى: ممتحن". المغرب: وقد غلب اللقاء على الحرب. وقال أبو العلاء: وممتحن لقاؤك وهو موت ... وهل ينبي عن الموت امتحان؟

دون المناضلة عن أحسابهم الخطط، وركوبهم في كل ما يرومونه الشطط، إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: (المناضلة) وهي المراماة. يقال: ناضلت فلاناً فنضلته إذا غلبته. قوله: (الخطط) وهي جمع خطة، وهي الأمر العظيم أو الشدة، وهو مفعول: "لقائهم". المعنى: لم يتحرك عرق عصبيتهم مع لقائهم الشر والشدائد عند المدافعة عن أحسابهم، ومنه حديث وفد هوازن، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اختاروا إحدى الطائفتين: إما المال وإما السبي". فقالوا: أما إذا خيرتنا بين المال والحسب فإنا نختار الحسب". أرادوا أن فكاك الأسرى وإيثاره على استرجاع المال حسب وفعال حسن؛ فهو بالاختيار أجدر. وفي "النهاية": "الحسب: بمعنى المحسوب؛ لأنه مما يعده الإنسان من مفاخر نفسه وآبائه". ابن السكيت: "الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف. والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء". قوله: (يرومونه)، أي: يطلبونه، "والشطط": مجاوزة الحد والقدر. قوله: (إن أتاهم)، بيان وإيضاح لما تقدم من "لقائهم" و"اشتهارهم" و"ركوبهم"، ويحتمل الاستئناف.

وإن رماهم بمأثرة رموه بمآثر، وقد جرد لهم الحجة أولاً والسيف آخراً، فلم يعارضوا إلا السيف وحده، على أن السيف القاضب مخراق لاعب إن لم تمض الحجة حده، فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أن البحر قد زخر ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بمأثرة)، المأثرة: كل خصلة تؤثر. و"المفخرة" بفتح الخاء وضمها: المأثرة. جميع ذلك مبالغة في عصبيتهم وحميتهم، وأنهم كانوا في عداد من يغلبون ولا يغلبون، ومع ذلك عجزوا عن التحدي والمعارضة. قوله: (وقد جرد لهم الحجة أولاً)، حال من ضمير "أفحم" جيء بها على سبيل الترقي والتدرج لإرادة المبالغة في إعجاز القرآن. قال أولاً: "لمقدار أقصر سورة"، وثانياً: "أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء"، ثم ثالثاً: مع تهالكهم وحرصهم على العصبية، ثم رابعاً: أنه "جرد لهم الحجة أولاً والسيف آخراً"، وتجريد الحجة أولاً والسيف آخراً بمنزلة تخيير المتحدى به بين الإتيان بما يتحدى به، وبين الإقرار بالعجز، كما تقول لمن تباريه: إما أن تأتي بمثله أو تقر بالعجز. قوله: (مخراق لاعب)، الجوهري: المخراق: المنديل يلف ليضرب به. عربي صحيح. قال عمرو بن كلثوم: كأن سيوفنا منا ومنهم ... مخاريق بأيدي لاعبينا قوله: (على أن السيف)، هو حال من فاعل: "فلم يعارضوا". قال الحماسي:

فطم على الكواكب، وأن الشمس قد أشرقت فطمست نور الكواكب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فوالله لا أنسى قتيلاً رزيته ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض على أنها تعفو الكلوم وإنما ... توكل بالأدنى وإن جل ما يمضي قال أبو البقاء: "موضع "على" وما يتصل به حال، والعامل فيه "لا أنسى" أي: ما أنسى هذا الرزء في حال الكلوم. أي: حالي مخالفة لحال غيري في استدامة الحزن". وكذا ما نحن بصدده يقدر أنهم اختاروا معارضة السيف وحده؛ حال علمهم أن السيف وحده مخراق لاعب، فحالهم مخالف لحال غيرهم في اختيارهم السيف العاطل. ويجوز أن يكون حالاً من المفعول وهو السيف. وقد وضع المظهر وهو السيف موضع المضمر لزيادة التقرير وإجرائه مجرى المثل. والفاء في قوله: "فما أعرضوا" نتيجة؛ لأن قوله: "فلم يعارضوا إلا السيف وحده" في قوة أنهم اختاروا معارضة السيف وأعرضوا عن معارضة الحجة، فرتب عليه "فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم". وفي قوله: "جرد لهم الحجة أولاً والسيف آخراً"، لطيفة: وهي أن التجريد يستعمل في السيوف أصالة، يقال: جردت السيف عن الغمد، ثم يستعمل في غيره مجازاً. وهو قد جعل الحجة في مضائها أصلاً في التجريد، وجعل السيف تابعاً لها. قوله: (طم)، أي: غلب، الجوهري: "جاء السيل فطم الركية، أي: دفنها وسواها. وكل شيء كثر حتى علا وغلب فقد طم". قوله: (الكواكب)، وهو جمع كوكب، الجوهري: كوكب الشيء: معظمه. استعار البحر للقرآن لغزارة فوائده وكثرة فرائده، والشمس لظهور دلائله وسطوع براهينه، ولبلاغتهم الأنهار والنجوم.

والصلاة على خير من أوحي إليه، حبيب الله أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، ذي اللواء المرفوع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم رشح الاستعارات الأربع بالزخر، والطم، والإشراق، والطمس. ثم راعى بين الكوكبين صنعة الجناس التام، وبين الطم والطمس الجناس المذيل، وبين القرينتين الموافقة في الترصيع. ويجوز أن يكون المستعار له البحر والشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكواكب الكفار أنفسهم على طريق المشاكلة، وإلا فمن أين لهم نور وبهاء، ورونق وصفاء! ، وأن تكون الاستعارة تمثيلية بأن شبهت حالة سطوع الآيات القرآنية، وظهور المعجزات النبوية، واضمحلال تلقفاتهم وانطماس مزخرفاتهم بزخور البحر وطمه على الأنهار، وإشراق الشمس وطمسها الأنوار. قوله: (والصلاة على خير من أوحي إليه: حبيب الله أبي القاسم)، هو رسول الله خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خنزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

في بني لؤي، وذي الفرع المنيف في عبد مناف بن قصي، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "جامع الأصول": "إنما اقتصرنا على ذكر نسبه إلى عدنان؛ لأنه لا يكاد يصح لأحد الرواة رواية ولا ضبط الأسماء بعد عدنان". وصفه ثم كناه ثم سماه ثم نسبه، استلذاذاً وتيمناً وافتخاراً. قال: أسامياً لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها قوله: (لؤي)، تصغير لأى على وزن لعا: بقر الوحشي، ولأى أيضاً: رجل، وتصغيره: لؤي، ومنه لؤي بن غالب، قاله الجوهري. جانس بين اللواء ولؤي، وبين مناف ومنيف، ومرفوع وفرع، وعبر بجملة قوله: "ذي اللواء المرفوع في بني لؤي" عن ارتفاع مكانته، وعلو شأنه، ونباهة منزلته، تنبيهاً به على أنه العلم المشار إليه. قوله: (ذي الفرع)، فرع كل شيء: أعلاه، يقال: هو فرع قومه للشريف منهم، و"المنيف": العالي، يقال: أناف على كذا: أشرف عليه، و"قصي" تصغير القصا وهو البعد. فإن قلت: هلا أخر "لؤي" عن "قصي" وهو جده الأعلى؟ قلت: قدمه لينبه على مكان نكتة وهي إرادة التكميل؛ فإنه لما ذكر أنه صاحب اللواء

المثبت بالعصمة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المرفوع علم أنه ذو سلطان مطاع، مشتهر في سيادته فرأى أن الوصف بمجرد أنه كذلك غير واف، إذ من الجائز أنه مع ذلك غير عريق في أرومته، فكمل بقوله: "ذي الفرع المنيف". تلخيصه: أنه ذو حسب ظاهر ونسب طاهر، فلو اخر لفات ذلك، إذ في تأخير كل ما حقه التقديم إيذان بمكان لطيفة. قوله: (المثبت بالعصمة)، يقال: ثبت الشيء ثباتاً، وأثبته غيره وثبته بمعنى. والعصمة: الحفظ. أي: ثبته الله بما أوحى إليه على الصراط؛ لئلا يركن إلى ثقيف حين اقترحوا عليه ما اقترحوه فسكت، فنزلت: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) [الإسراء: 74] ويسمى هذا الأسلوب بالتلميح.

المؤيد بالحكمة، الشادخ الغرة الواضح التحجيل، النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المؤيد بالحكمة)، أي: بالقرآن حين طولب بالمعجزة أو بالعلم الوافي والعمل الكافي. قوله: (الغرة 9 الغرة: بياض في جبهة الفرس. والشادخة: هي الغرة إذا فشت في الوجه من الناصية إلى الأنف، والتحجيل: البياض في قوائم الفرس مأخوذ من الحجل وهو الخلخال. هذه الألفاظ واردة على التلميح أو الاقتباس من قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل"، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. يعني أن هذه العلامة هي الفارقة بين هذه الأمة وبين سائر الأمم. وبين هذا المعنى قوله صلوات الله عليه "لكم سيماء ليست لغيركم". استعار لتنويه شأنه وأنه ممتاز عن سائر الأنبياء، كما أن أمته ممتازة عن سائر الأمم بما ذكرنا. قوله: (الأمي)، المغرب: الأمي منسوب إلى أمة العرب، وهي لم تكن تكتب ولا تقرأ، فاستعير لكل من لا يعرف الكتابة ولا القراءة. راعى المناسبة بين الأمي والمكتوب، أي: لم يكن كاتبا ًوكان مكتوباً.

وعلى آله الأطهار، وخلفائه من الأختان والأصهار، وعلى جميع المهاجرين والأنصار. اعلم أن متن كل علم، وعمود كل صناعة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الأختان)، الجوهري: الختن: كل من كان من قبل المرأة كالأب أو الأخ، وفي العرف هو زوج الابنة، و"الأصهار" جمع صهر، وهو عند الخليل: أهل بيت المرأة، ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان جميعاً يقال: صاهرت إليهم إذا تزوجت فيهم. وتقديم الأختان على الأصهار كتقديم هارون على موسى في قوله تعالى: (بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) [طه: 70]. قوله: (متن كل علم)، الجوهري: المتن من الأرض: ما صلب وارتفع ومنه سمي الظهر متناً. ثم سمي به أصول العلم وقواعده دون دقائقه وزوائده؛ لأنها تتفرع عليها كما أن الأعضاء تتقوم بالظهر. قوله: (وعمود كل صناعة)، أي: أصولها، الأساس: يقال للظهر: عمود البطن، وهو مذكور في عمود الكتاب، أي: في فصه ومتنه، واجعل ذلك في عمود بطنه: أي ظهره لأنه يمسك البطن ويقومه؛ فصار كالعمود له. قوله: (كل صناعة)، قيل: إن معلومات كل علم إما أن تحصل بالتمرن على العمل كحصول معلومات النحو بمطارحة الإعراب، ومعلومات صناعتي البلاغة والفصاحة بتتبع خواص تراكيب الكلام إفادة ودلالة وترتيباً، أو بالنظر والاستدلال. فخص الأول بالصناعة، والثاني بالعلم. وينتقض هذا بما ذكره: "وإن بز أهل الدنيا بصناعة الكلام"،

طبقات العلماء فيه متدانية، وأقدام الصناع فيه متقاربة أو متساوية، إن سبق العالِمُ العالِمَ لم يسبقه إلا بخطى يسيرة، أو تقدم الصانعُ الصانعَ لم يتقدمه إلا بمسافة قصيرة، وإنما الذي تباينت فيه الرتب، وتحاكت فيه الركب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبقوله: "وهما علم المعاني وعلم البيان" وبقوله: "علم النحو واللغة"، والحق أن كل علم مارسه الرجل سواء كان استدلالياً أو غيره حتى صار كالحرفة له سمي صنعة. قال المصنف في قوله تعالى: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [المائدة: 63]: "كل عامل لا يسمى صانعاً، ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه". قوله: (طبقات العلماء)، الأساس: الناس طبقات ومنازل ودرجات بعضها أرفع من بعض. ومضى طبق بعد طبق: عالم من الناس بعد عالم. قال العباس: تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق قوله: (بخطى)، الخطى: جمع الخطوة وهي: ما بين القدمين، وجمع القلة خطوات. استعملت في موضع القلة لقوله: "يسيرة"، كقوله تعالى: (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228] في موضع أقراء. قوله: (بمسافة)، الأساس: ومن المجاز: كم مسافة هذه الأرض؟ أي: بعدها. وأصلها موضع سوف الأدلاء يتعارفون حالها من قرب وبعد. والسوف شم التراب. قوله: (تحاكت)، أي: تصاكت. يقال: هذا الأمر قد تحاكت فيه الركب، أي: اشتد. ويحتمل أن يكون كناية عن تجاثي المناظرين للبحث، و"الاستبقا": التسابق في العدو، و"التناضل" الترامي. يقال: تناضل القوم بالكلام والأشعار.

ووقع فيه الاستباق والتناضل، وعظم فيه التفاوت والتفاضل، حتى انتهى الأمر إلى أمد من الوهم متباعد، وترقى إلى أن عد ألف بواحد؛ ما في العلوم والصناعات من محاسن النكت والفقر، ومن لطائف معان يدق فيها مباحث للفكر، ومن غوامض أسرار محتجبة وراء أستار لا يكشف عنها من الخاصة إلا أوحديهم وأخصهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حتى انتهى)، غاية "تباينت" والمعنى ينظر إلى ما روي: "الناس كإبل مئة، لا تجد فيها راحلة"، وقول البختري: ولم أر أمثال الرجال تفاوتاً ... لدى المجد حتى عد ألف بواحد قوله: (ما في العلوم)، "ما" موصولة، وهي مع صلتها خبر "الذي تباينت". قوله: (من محاسن)، الجوهري: الحسن: نقيض القبح، والجمع محاسن على غير قياس، كأنه جمع محسن. قوله: (النكت)، الأساس: كل نقطة من بياض في سواد، أو عكسه نكتة، ومن المجاز: جاء بنكتة ونكت في كلامه. قوله: (الفقر)، الأساس: ومن المجاز يقال: في كلامه وشعره فقرة وهي: فصل أو بيت شعر. والفقرة في النثر كالبيت في النظم، والفقر في الأصل حلي يصاغ على شكل فقر الظهر. قوله: (أوحديهم)، الياء للمبالغة كأحمري، كقوله:

وإلا واسطتهم وفصهم، وعامتهم عماة عن إدراك حقائقها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومشركي كافر بالفرق يقال: هو واحد قومه وأوحدهم، وهو واحد أمه، أي: لم تلد مثله. قوله: (واسطتهم)، واسطة الشيء: أجوده، ومنه واسطة القلادة، وقوم وسط وأوساط: خيار. وأنشد في "الأساس" لزهير: هم وسطاء يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي العظائم قوله: (وفصهم)، أي: صفوتهم، الأساس: ومن المجاز: أتيتك من فصه. أي: محزه وأصله. قال: ورب امرئ خلته مائقاً ... ويأتيك بالأمر من فصه ومنه فصوص الأخبار. قوله: (وعامتهم)، قيل: الضمير راجع إلى "العلماء"، ويجوز أن يعود إلى "الخاصة" على تأويل الجمع، أي: أكثر الخواص غافلون. قوله: (عماة)، هو جمع العامي، كعناة للعاني، وهو الأسير. بمعنى الأعمى، أو أنها من الأعماء، الجوهري: المعامي من الأرضين: الأغفال التي ليس فيها أثر عمارة، وهي الأعماء أيضاً.

بأحداقهم، عناة في يد التقليد لا يمن عليهم بجز نواصيهم وإطلاقهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال رؤبة: وبلد عامية أعماؤه ... كأن لون أرضه سماؤه قوله: (بأحداقهم)، إما أن يتعلق "بعماة" على منوال قولهم: رأيته بعيني وقبضته بيدي، أو أن يتعلق بـ "إدراك"، أي: لا يدركون الحقائق بأحداقهم، أي: لا تظهر لهم ظهور المحسوس حتى ينظروا بأحداقهم، تعريضاً بنفسه لبعد إدراك غوره، وكمال فطانته. جانس بين "عماة" و"عناة" تجنيس المضارعة لقرب المخرج بين الميم والنون، وبين العامة والعماة تجنيس قلب. قوله: (لا يمن)، يروى مجهولاً، أي: لا ينعم عليهم. يقال: من عليه مناً، أي: أنعم. ومعروفاً. وفاعله "التقليد" إذا روي بالياء و"اليد" إذا روي بالتاء، روي عن المصنف: كانوا إذا أرادوا إطلاق أسير جزوا ناصيته مذلة وهواناً. وأنشدوا: إذا جزت نواصي آل بدر ... فأدوها وأسرى في الوثاق المعنى: قد جززتم نواصيهم، والحال أنهم أسراء فأدوا حينئذ غرامة الجز إلينا أو أطلقوهم. هذا مثل ضربة المصنف للعالم المقلد الذي لا خلاص له من يد التقليد، وبالغ فيه وأفرط،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كما بالغ في التفريط الواحدي حيث قال: ومن شرف علم التفسير وعزته في نفسه، أنه لا يجوز القول فيه بالعقل والتدبر والرأي والتفكر دون السماع والأخذ عمن شاهدوا التنزيل بالرواية والنقل، ثم شدد فيه بفعل الصحابة والتابعين، واستدل بحديث جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ". قال صاحب: "الجامع": أخرجه الترمذي، وأبو داود، وزاد رزين زيادة لم أجدها في "الأصول": "ومن قال برأيه فأخطأ فقد كفر". وبحديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه الترمذي. فيقال: أما قوله: لا يجوز القول فيه بالرأي والتفكر، ففيه تفصيل كما سيجيء. ونحن نوافقه في أن الرأي لا مدخل له في التفسير، وأن الرأي الذي يؤدي إلى باطل أو جهل لا نعتبره في التأويل، وهو المعني بالمنع والتشديد، لكن نخالفه أن نمنع الرأي بالكلية! وكيف لا وهو قد أتى في كتابه مما لم ينقل عن الصحابة من التأويلات بما لا يدخل تحت الحصر؟ وكيف يمنع الاستنباط والأئمة الأربعة والعلماء الراسخون قد استنبطوا من القرآن علوماً جمة كالفقه، والأصولين، والنحو، والمعاني، والأخلاق، وغير ذلك؟ وليس كل ما قالوه سمعوه، ورد هذا ينتهي إلى سد باب عظيم في الدين.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو الدرداء: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً كثيرة. أخرجه في "شرح السنة". وسئل علي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ قال: "لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم يعطيه الله رجلاً في القرآن" أخرجه الشيخان وغيرهما. وقال حجة الإسلام في "الإحياء": ينبغي أن يكون اعتماد العلماء في العلوم على بصيرتهم وإدراكهم بصفاء قلبهم، لا على الصحف والكتب، ولا على تقليد ما سمعوا من غيرهم، فإنه إن اكتفى بحفظ ما يقال كان وعاء للعلم لا عالماً. قال ابن الجوزي: قالوا: التفسير: إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التجلي، والتأويل: نقل الكلام عن موضعه إلى ما يحتاج في إثباته على دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. وقيل: التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكواشي: التفسير: هو الوقوف على أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها، ولا يجوز ذلك إلا بالسماع. والتأويل: ما يرجع في كشفه إلى معنى الكلمة. بيان ذلك: لو قيل: ما معنى "لا ريب"؟ فنقول: لا شك؛ فهذا تفسير. فإن قيل: فقد نفيت الريب وقد ارتابوا؛ فإن أجبت وقلت: إنه في نفسه صدق، وإذا تؤمل وجد كذلك فانتفى عنه الريب؛ فهذا تأويل. تلخيصه: التفسير: ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية. يؤيده قول محيي السنة في "المعالم": التأويل صرف الآية إلى معنى محتمل موافق لما قبلها وبعدها، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط فقد رخص فيه لأهل العلم. ومنه قول مسلم بن يسار: إذا حدثت عن الله عز وجل فأمسك، واعلم ما قبله وما بعده. نقل عن كتاب "الزهد" للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه. ومسلم بن يسار تابعي. وأما معنى الحديث الثاني فمنطبق على مذهبنا. وأما الأول فقد فسره صاحب "الجامع" وقال: يحمل النهي على وجهين:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحدهما: أن يكون له رأي وميل من طبعه وهواه فيتأول على وفق رأيه، ولو لم يكن له ذلك الهوى [لكان] لا يلوح له ذلك. وثانيهما: أن يتسارع إلى التفسير بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من الإضمار، والتقديم، والتأخير، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر. وتحرير هذا المعنى: أن المبتدع إذا جاء بمجمل في المتشابه على وفق بدعته، فأصاب رأيه- لأن محامل المتشابه كثيرة- فإنه مخطئ في التأويل؛ حيث لم يرده إلى المحكم، أو إلى ما كان عليه السلف الصالح، وأن الجاهل إذا قال في قوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ... ) [الإسراء: 59]: الناقة لم تكن عمياء، لا يعلم أن المراد بها: آية مبصرة. وذكر في "الإحياء": أن الطامات وهي صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها إلى أمور لم تسبق منها إلى الأفهام- كدأب الباطنية- من قبل البدعية المنهي عنها؛ فإن الصرف عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بالنقل عن الشارع، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل عقلي حرام. مثال ذلك: قولهم في قوله تعالى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) [طه: 24] ويشيرون إلى القلب أنه الطاغي على كل أحد. وقال صاحب "جامع الأصول": وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة؛ تحسيناً للكلام، وترغيباً للمستمع، وهو ممنوع، وإن كان المقصد صحيحاً.

ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم إن أملأ العلوم)، قيل: المليء: الغني المقتدر. وقد ملؤ ملاءة وهو أملأ منه على أفعل التفضيل. ومنه قول شريح: اختر أملأهم، أي: أقدرهم. ولا يجوز أن يكون من قولهم: ملأت الإناء ملئاً فهو مملوء، لأنه متعد ولا معنى له ها هنا. قلت: بل هذا الثاني أحسن لكن على أنه لازم ليتفرع على الاستعارة الترشيح وهو قوله: "بما يغمر القرائح" فإنه لا يناسب الغني المقتدر. قال المصنف في "المقدمة": ملئ الإناء بفتح الميم وكسر اللام، أي: امتلأ. وفي "إقناع" المطرزي: ملأ الوعاء وهو ملآن بفتح الميم واللام. فالاستعارة في "أملأ"، والقرينة الإضافة. "وبما يغمر" ترشيح. و"ما" إبهامية و"من" للبيان، أي: أكثر العلوم امتلاء بالذي يغمر القرائح، وهو غرائب نكت علم التفسير. و"يغمر" أي: يستر ويعلو، من غمره الماء، أي: علاه وغلبه. قوله: (القرائح)، وهي جمع قريحة، وهي أول ما يخرج من البئر. فاستعمل في محله مجازاً، ثم استعير للطبيعة من حيث صدور العلوم منها كالماء للبئر، يقال: لفلان قريحة، ويراد منه أنه مستنبط للعلوم. قوله: (وأنهضها)، أي: أقومها، من قولهم: نهض النبت إذا استوى. "يبهر": يغلب.

الألباب القوارح، من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سلكها؛ علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه، وإجالة النظر فيه كل ذي علم كما ذكر الجاحظ في كتاب "نظم القرآن"، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (القوارح)، وهي جمع القارحة. والقارح: هو الكامل السن من الخيل إذا بلغ خمس سنين. قوله: (لا يتم لتعاطيه)، أي: لا يستبد ولا يستقل لتناوله كل صاحب علم، ولا يتصدى له إلا رجل برع في العلمين المختصين بالقرآن. فقوله: "لا يتصدى" خبر "فالفقيه". قوله: (كما ذكر الجاحظ)، الكاف في موضع النصب على المصدر، أي: أذكر لك ذكراً مثل ذكر الجاحظ. واعلم أن التمييز بين الكلامين عسر جداً؛ لأنه لا يخلو من أن ينتهي كلام الجاحظ إلى قوله: "ولقد رأيت إخواننا"، أو إلى قوله: "إلا رجل قد برع" وحينئذ الاستثناء من كلام المصنف، ويقدر مثله لكلام الجاحظ. وذكر صاحب "المطلع" هذه الألفاظ إلى قوله: وهما علم المعاني وعلم البيان. أو لا يكون ها هنا من كلام الجاحظ شيء. بمعنى: أنه كان للجاحظ كلام يشبه معناه هذا المعنى فشبهه به، وأتى بمعناه دون ألفاظه. أما الاحتمال الأول فمما لا سبيل إليه؛ لأن من ذاق معرفة تراكيبه، وتتبع خواص بلاغته، واقتفى آثار فصاحته- علم ضرورة أن قوله: "وكان مسترسل الطبيعة منقادها" إلى آخره لم يخرج إلا من في مثله. روي أن الفرزدق حين استنشد ذا الرمة قصيدته التي مستهلها: نبت عيناك عن طلل بحزوى ... عفته الريح وامتنح القطارا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعد الناسبون إلى تميم ... بيوت المجد أربعة كبارا يعدون الرباب وآل بكر ... وعمراً ثم حنظلة الخيارا ويذهب بينها المرئي لغواً ... كما ألغيت في الدية الحوارا وقائل الأبيات الثلاثة جرير. وقد ضمنها ذو الرمة قصيدته فاستعادها منه ثم قال: والله لقد علكهن من هو أشد لحيين منك. سلمنا لكن لا يليق ممن هو بصدده في منصب الفصاحة أن يكثر نقل كلام الغير إكثاره هذا. على أن المشار إليه بقوله: "تلك الطرائق وتلك الحقائق" هو قوله: "محاسن النكت والفقر". وأما الاحتمال الثاني فبعيد أيضاً؛ لأن هذا لا يصلح أن يكون دليلاً على ما حذف من كلام الغير. والذي نقوله ونعتمد عليه: هو الاحتمال الثالث؛ فإن كلامه إلى انتهائه مسدى مبانيه ملتحم معانيه، نسجه على منوال متين محكم، فصله غير مقصر، ووصله غير مردم؛ فألبست خرائد مخدرات الأفكار لاستباحة ألباب أرباب الأنظار. أسس معاقد قواعده على المعنى البديع، وشيد مقاصير قصره ببيان علم البديع، وأفرغ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من قطر الجزالة على أساس البلاغة ما صيره رتباً، كأنه سد يأجوج فلن تستطيع له نقباً، فالفاء في قوله: "فالفقيه" نتيجة عما قدمه؛ أي: إذا كان الأمر كما ذكرت من أن كل صاحب علم غير مليء لتعاطيه، وقولي موافق لقول الجاحظ؛ فالفقيه كذا، والمتكلم كذا، وهلم جرا على آخره. هذا ولو حصل للناظر كلام الجاحظ تحقق له ما هو المطابق. ثم إني بعد برهة من الزمان عثرت على فائدة بخط الإمام همام الدين الخوارزمي: "قوله: "فالفقيه": الظاهر أن هذا قول الجاحظ يحكيه المصنف. وبرواية العلامة برهان الدين المطرزي: أنه كلام المصنف. وهو الوجه". انتهى كلامه. وعلى ما فسرنا كلامه يمكن التنكير في قوله: "رجل" فإنه للتفخيم والتهويل وعنى به نفسه في حاق معناه ولو كان من كلام الجاحظ لفاتت النكتة. ومثله قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) إلى قوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) [الأعراف: 158] عدل عن المضمر إلى الظاهر لما في طريقة الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص الموصوف كائناً من

فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوي والأحكام، والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في صناعة الكلام، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كان إظهاراً للنصفة، وتفادياً من العصبية. على أني تتبعت ما نقله المصنف من كلام الزجاج، وابن جني، ووجدت أكثره منقولاً بحسب المعنى، وأشرت في موضعه إلى ما نقله من كلام ابن السكيت. والذي يوجه به كلام صاحب "المطلع": أن عطف قوله: "وتمهل" على قوله: "قد برع" من باب العطف التلقيني كقوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) [البقرة: 124] فهو عطف على الكاف في "جاعلك". قال صاحب "الجامع": هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. المشهور صاحب الكلام والجدل والتصانيف المختلفة، وهو من أهل البصرة، وأحد شيوخ المعتزلة، قدم بغداد وأقام بها مدة، وكان تلميذ أبي إسحاق النظام. قوله: (الفقيه)، الفقه: هو العلم بالأحكام الفرعية الشرعية المكتسب من أدلتها التفصيلية، والكلام: هو علم يبحث فيه عن ذات الله وصفاته وأفعاله، وعن الممكنات وأحوالها، وعن الملائكة والأنبياء، والأشقياء والسعداء في دار البقاء، على قانون الإسلام. قوله: (برز)، أي: فاق "الأقران" جمع قرن بالكسر وهو كفؤك في الحرب، وبالفتح:

وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ، والنحوي .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أهل زمانك ومثلك في السن. "بز" أي: غلب، "القصص" بالكسر: جمع قصة، وبالفتح: مصدر والاسم أيضاً، ثم استعمل موضع المصدر، والسماع بكسر القاف. قوله: (ابن القرية)، بكسر القاف وتشديد الراء وكسرها، وتشديد الياء وفتحها، هو أيوب بن القرية، أحد الفصحاء، نقل الكتب القديمة إلى العربية. والقرية اسم أمه، وهي في اللغة حوصلة الطائر. قتله الحجاج، وتكلم عند القتل: لكل جواد كبوة، ولكل شجاع نبوة، ولكل حكيم هفوة؛ فصار مثلاً. قوله: (الحسن البصري)، قال صاحب "الجامع": هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن، إمام وقته في كل فن وعلم وزهد وورع. قيل: إنه لقي علياً رضي الله عنه بالمدينة، وأما بالبصرة فإن رؤيته إياه لم تصح فيها. قوله: (أوعظ)، الوعظ: كلام يلين القلوب القاسية، ويرغب الطباع النافرة. قوله: (والنحوي)، النحو: هو معرفة أحوال الكلم، وكيفية تركيباتها من جهة الإعراب.

وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روى الأنباري: أن أبا الأسود الدؤلي قال: دخلت على علي رضي الله عنه، فوجدت في يده رقعة قال: إني تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء، فأردت أن أضع لهم شيئاً يرجعون إليه ثم ألقاها وفيها: "الكلام كله ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف؛ فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما جاء لمعنى. وقال: أنح هذا النحو، وأضف إليه ما وقع إليك. قال أبو الأسود: كان ما وقع إلي إن وأخواتها ما خلا لكن، فلما عرضتها عليه قال: وأين لكن؟ ثم قال: ما أحسن هذا النحو! فسمي النحو نحواً". قوله: (سيبويه)، قال الأنباري: هو أبو بشر عمرو بن عثمان، وسيبويه لقب، ومعناه بالفارسية: رائحة التفاح. وكان من أهل فارس من البيضاء، ومنشؤه بالبصرة، وصنف كتاباً لم يسبقه أحد قبله ولا لحقه أحد بعده. قوله: (واللغوي)، الجوهري: اللغة أصلها لغى أو لغو، والهاء عوض، وجمعها لغى، مثل برة وبرى، ولغات أيضاً، الأساس: إذا أردت أن تسمع من الأعراب فاستلغهم، أي: فاستنطقهم، وتقول: اسمع لغواهم. يقال: لغوت بكذا: لغطت به، ومنه اللغة. وفي الاصطلاح: هو معرفة أفراد الكلم وكيفية أوضاعها.

علك اللغات بقوة لحييه؛ لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق؛ إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني وعلم البيان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (علك)، أي: مضغ ولاك واللحي: منبت اللحية من الإنسان. عبر عن كثرة ممارسة الرجل اللغات العويصة الصعبة واستنباطه الشعب المستخرجة منها بحيث لا يتأتى منها شيء بهذه العبارة. قوله: (ولا يغوص)، يقال: غاص في الماء. عدي بـ "على" لإرادة معنى الاستعلاء، يقال: فلان يغوص على حقائق العلم أي: يتوغل فيها. قوله: (قد برع)، يقال: برع الرجل وبرع بالضم أيضاً براعة: فاق أصحابه فهو بارع. قوله: (علم المعاني)، وهو تتبع خواص التركيب في الإفادة ليحترز عن الخطأ في التطبيق، و"علم البيان" هو معرفة إيراد المعنى الواحد المأخوذ من المعاني في طرق مختلفة الدلالة بالخفي والأخفى لتمام المراد من المبالغة، نبه بتكرار لفظ "علم" على استحقاق كل منهما أن يسمى علماً برأسه، ولم يرد بالاختصاص أنهما لم يستعملا إلا في كلام الله المجيد، بل أراد أنهما لم يستعملا في كلام كاستعمالهما في التنزيل، وأن الواقف على اسراره مفتقر إليها كل الافتقار. قال صاحب "المفتاح": الويل كل الويل لمن يتعاطى التفسير وهو فيهما راجل. وقال: لا علم في باب التفسير بعد علم الأصول، أقرأ منهما على المرء لمراد الله من كلامه، ولا

وتمهل في ارتيادهما آونة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أعون على تعاطي تأويل مشتبهاته، ولا أنفع لدرك لطائف نكاته، ولا أكشف للقناع عن وجه إعجازه. وقال المصنف: "حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علماً لو قدروه حق قدره، لما خفي عليهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه". وقال: "كم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثة والوجوه الرثة؛ لأن من أول ليس من هذا العلم في عير ولا نفير، ولا يعرف قبيلاً من دبير". ويقال أيضاً: إن كتابه هذا مما ضيم وسيم الخسف حيث أجري على ظواهره، ولم يفتش عن مكنون ضمائره، وأن من تصدى له ليس له نصيب واف ولا حظ وافر من هذين العلمين، حتى احتجبت عنه مستترات دقائقه، وعمت عليه مستودعات حقائقه. قوله: (تمهل)، أي: سبق واتأد، من الألفاظ المشتركة، المغرب: تمهل في الأمر: اتأد فيه، وتمهل أيضاً: تقدم، من المهل بالتحريك وهو التقدم. قال الأعشى: إن محلاً وإن مرتحلاً ... وإن في السفر إذ مضوا مهلاً والمقام يحتمل المعنيين. و"تمهل" عطف على "برع". قوله: (في ارتيادهما)، هو افتعال من راد الكلام: إذا طلبه. قوله: (آونة)، جمع أوان، كأزمنة وزمان. وأفعلة من جموع القلة.

وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولا ارتياب أن هذا الفن فن- كما قال صاحب "المفتاح"- لا تلين عريكته، ولا تنقاد قرونته لمجرد استقراء صوره، وتتبع مظان أخوات لها؛ بل لابد من ممارسات كثيرة ومراجعات طويلة مع فضل إلهي. لكنهم قد يعبرون عن المعنى بضده تهكماً أو تمليحاً، وعلى هذا بنى المصنف كلامه. يعني من حق الاهتمام بشأن هذين العلمين أن يستفرغ المحصل جهده، ويفني فيهما عمره، وذلك قليل نزر لمن يبتغي كشف أسرار كلام الله المجيد، ونحوه في الأسلوب قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ .... ) [البقرة: 144] قال المصنف: ومعناه كثرة الرؤية. يعني: من حق اهتمامك بشأن القبلة- مع كثرة تقلب وجهك في السماء- أن تكون أكثر مما وجد منك وشوهد ن حالك؛ لأن أصل أمرك أن تستقبل قبلة آبائك؛ لكونه أدعى للعرب إلى الإيمان، ولوجوب مخالفة اليهود. وفي عكسه وضع "خطى" في قوله: "خطى يسيرة" موضع خطوات يعني: أنك ترى تفاوتاً كبيراً بين عالِمٍ وعالِمٍ في متون العلوم وأصولها، وإذا أمعنت النظر وحققت عرفت أن التفاوت يسير. قوله: (في التنقير)، التنقير: الفحص والبحث. استعير من نقر الطائر، الأساس: من المجاز نقرت عن الخبر ونقرت عنه: بحثت. قوله: (وبعثته)، من: بعثته على الشيء: إذا استحثثته وحرضته عليه. قوله: (مظانهما)، وهو جمع مظنة، ومظنة الشيء: موضعه ومألفه الذي يظن كونه فيه. قوله: (لطائف حجة الله)، قيل: هي القرآن: أي: من اللطائف الكائنة في القرآن. وألطف

وحرص على استيضاح معجزة رسول الله، بعد أن يكون آخذاً من سائر العلوم بحظ، جامعاً بين أمرين: تحقيق وحفظ، كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رجع زماناً ورجع إليه، ورَدَّ ورُدّ عليه، فارساً في علم الإعراب، مقدماً في حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منه: أن المراد بلطائف حجة الله ما في القرآن من إثبات الحجج وإقامة البينات على وجه دقيق لطيف، مثل ورودها على أسلوب الاستدراج وإرخاء العنان، وما فيه من وجه الإعجاز الدال على معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفصاحة والبلاغة والإخبار عن المغيبات. قوله: (على استيضاح)، وهو: أن تضع يدك على عينيك تنظر هل تراه. قوله: (طويل المراجعات)، أي: طالما رجع إلى العلماء النحارير، ثم رجع إليه التلامذة مدة مديدة. قوله: (قد رجع)، جملة منفصلة بيان قوله: "طويل المراجعات"، ويجوز أن تكون حالاً من المستتر في "طويل". قوله: (مسترسل الطبيعة)، المغرب: الإرسال خلاف التقييد. ومنه: الوصية بالمال المرسل يعني المطلق غير المقيد بصفة الثلث أو الربع. الجوهري: استرسل الشعر، أي: صار سبطاً. وبعير رسل، أي: سهل السير. الأساس: استرسل الشيء إذا تسلس، وفي مشية هذه الدابة استرسال: إذا لم يكن فيها سرعة، وناقة رسلة: فيها لين. والمناسب في هذا المقام أن يكون من السير السهل، واللين لاستدعاء المنقاد إياه، وسهولة السير لإرخاء الراكب الزمام، وانقيادها لانثناء زمامها. استعار

مشتعل القريحة وقادها، يقظان النفس دراكاً للمحة وإن لطف شانها، منتبهاً على الرمزة وإن خفي مكانها، لاكزاً جاسياً، ولا غليظاً جافياً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لجودة سماحة القريحة وسهولة تأتيها للمعاني الدقيقة سهولة سير الناقة بسبب إرخاء زمامها وانقيادها عند انثنائه. قوله: (وقادها)، تكميل لقوله: "مشتعل القريحة"؛ لئلا يتوهم أن قريحته كنار العرفج في أنها متقاصرة البقاء سريعة الاشتقال. وهما تكميل لقوله: "مسترسل الطبيعة"؛ لدفع توهم الجمودة. وإنما خصت القريحة بالاشتعال- وهي مستعارة من أول الماء المستنبط من البئر مكا مر- لإيهام الجمع بين الضدين. قال أبو العلاء: تبين فوقه ضحضاح ماء ... وتبصر فيه للنار اشتعالا قوله: (دراكاً)، فعالاً من الدرك، أي: كثير الدرك لدقيق المعاني. قوله: (منتبهاً)، نبهته على الشيء أوقفته، وانتبه مطاوع له، ومنتبهاً هو السماع. قوله: (على الرمزة)، وهي الإشارة والإيماء بالحاجب. قوله: (لاكزاً)، الكز: هو الانقباض واليبس. رجل كَزٌّ وقوم كُزٌّ بالضم. قوله: (جاسياً)، جسأت يده من العمل تجسأ جسئاً: صلبت، والاسم: الجسأة مثل الجرعة. وهي في الدواب: يبس المعطف. قوله: (جافياً)، الأساس: ثوب جاف: غليظ، وهو من جفاة العرب، المغرب: الجفاء غالب على أهل البدو، وهو الغلظ في العشرة، والخرق في المعاملة، وترك الرفق. وفي الكلام

متصرفاً ذا دربة بأساليب النظم والنثر، مرتاضاً غير ريض بتلقيح بنات الفكر، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إيماء إلى اللف والنشر؛ فإن كل واحد من المنفيين تأكيد لكل من المثبتين السابقين. قوله: (ذا دربة بأساليب)، وهي جمع أسلوب، وهي الفنون، الأساس: سلكت أسلوب فلان: طريقته، وكلامه على أساليب حسنة. والدربة: التجربة والاعتياد. قوله: (النظم)، وهو الكلام الموزون المقفى مع قصده. وعلم الشعر مندوب إليه، عن عمر رضي الله عنه: عليكم بديوانكم. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فيه تفسير كتابكم. قوله: (مرتاضاً)، والمرتاض: الذي تمت رياضته، والريض: الذي يستحق الرياضة، ولم يرض بعد، وشارف أن يراض. الأساس: راض الدابة رياضة وارتاضت دابته. ومهر ريض: لم يقبل الرياضة ولم يمهر المشي، وناقة ريض: عسير. قوله: (بنات الفكر)، قالوا: هي المقدمات التي إذا ركبت تركيباً خاصاً أدت إلى المطلوب، والفكر: هو حركة النفس من المطالب إلى تلك الأوائل والرجوع منها إليها، و"التلقيح": عبارة عن ترتيب تلك المبادئ وجعلها مؤدية إلى المطالب. أو يقال: إن بنات

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفكر هي النتيجة، ومنه بنت الشفة للكلام. وفي قوله: "تلقيح بنات الفكر" دقيقة جليلة، وهي: أن الأصل في التلقيح بعد الاستعارة أن يطلق على استعمال الشخص القوة المفكرة بأن يرتب أموراً حاصلة في الذهن، ليتوصل بها إلى تحصيل ما ليس بحاصل، والمحصول منه بعد الترتيب يسمى نتيجة، وفعله تلقيحاً. والمصنف يسمي النتيجة بنات الفكر، وجعل التلقيح في النتيجة. وهذا المعنى موجود في الكنايات التلويحية. قال حسان: يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل فإن النتيجة الحاصلة من مفهوم المشطور الأول أن الضيفان تغشاهم، وكلابهم لا تنبح، ثم نتيجته أنها لما شاهدت وجوهاً إثر وجوه استأنستهم، ثم نتيجته أن الممدوح مضياف، ثم أنه جواد. ثم اكتفى بهذا القدر من البيان فبنى اسم الفاعل وهو قوله: "مرتاضاً" من "افتعل" للتصرف لإظهار ما ينبغي حصوله بالتكرار، ثم أكد ذلك بقوله: "غير ريض"؛ لئلا يتوهم أن "مرتاضاً" من تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه. ونحن نقتفي آثاره ونلقح بنات فكره؛ فإن قوله: "مرتاضاً غير ريض" من بنات فكره، ثم ما نكدح فيه هو التلقيح. وهذه المعاني الدقيقة المستنبط منها هي النتيجة، ثم تكرارنا هذه المعاني مرة بعد أخرى في تركيب غب تركيب هو الارتياض.

قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقه، ووقع في مداحضه ومزالقه ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كيف يرتب)، مفعول "علم" على تأويل قد علم ما يجاب به كيف يرتب. واعلم أن معرفة ترتيب الكلام وترصيفه، ونظم التركيب وتأليفه من الأصول المعتبرة في فن البلاغة والفصاحة. قال صاحب "المفتاح": "وإنها لمحك البلاغة ومنتقد البصيرة". وقد قصر بعض الأئمة البلاغة على معرفة الفصل والوصل. ومن وقف على كتابنا المترجم بـ "التبيان" ظهر له من قسم المعاني في باب الفصل والوصل عنوانها، ومن قسم البيان في ترشيح الاستعارة وتجريدها، والمشاكلة فيها بيانها، ومن قسم البديع في الائتلاف والتكرير، والترقي، والتكميل والتتميم أنواع شجونها، ومن فن الفصاحة من باب أوصاف الألفاظ المفردة والمركبة أصناف شجونها. قوله: (طالما)، قال المطرزي: "ما" في "طالما" و"قلما" كافة بدليل عدم اقتضائهما الفاعل، وتهيئتهما لوقوع الفعل بعدهما، وحقهما أن تكتب موصولة بهما، كما في: ربما وإنما وأخواتهما؛ للمعنى الجامع بينهما، كذا قاله المحققون منهم ابن جني. وقال ابن درستويه: لا يجوز أن يوصل بـ "ما" شيء من الأفعال سوى نِعم وبِئس. والقول هو الأول، هذا إذا كانت كافة، فأما إذا كانت مصدرية فليس إلا الفصل. ومن الاتفاقات الحسنة أني دفعت إلى هذا المضيق ووقعت في هذا المقام الدحض،

ولقد رأيت إخواننا في الدين من أفاضل الفئة الناجية العدلية، الجامعين بين علم العربية والأصول الدينية، كلما رجعوا إلي في تفسير آية فأبرزت لهم بعض الحقائق من الحجب؛ أفاضوا في الاستحسان والتعجب، واستطيروا شوقاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وسئلت عن موقع هذه الجملة في الكلام. فأجبت أنها داخلة في حيز المنصوبات: إما خبر مثلها، أو حال من ضمير "علِمَ" على التأويل، وأنها مستأنفة على أنها ترجيع للمعنى الذي اعتنى بشأنه مرة بعد مرة، وتطرية لذكر ما اهتم به كرة بعد كرَّة؛ وذلك أنه لما ذكر أولاً "قد برع في علمين مختصين بالقرآن" أتبعه بقوله: "وتمهل في ارتيادهما آونة" وحين ثنى بقوله: "بعد أن يكون أخذ من سائر العلوم بحظ" عقبه بقوله: "قد رجع زماناً ورُجع إليه" وكما قال: "ذا دربة بأساليب النظم" كر إلى قوله: "طالما دُفع إلى مضايقه" ولهذا السر قال صاحب "المفتاح": هذا العلم لا تلين عريكته ولا تنقاد قرونته ... إلى آخره. قوله: (العدلية)، قيل: إنما سموا أنفسهم بأهل العدل والتوحيد؛ لأنهم نفوا صفات الله التي أثبتها الأشاعرة من القدماء؛ لئلا يلزم التعدد في القديم المقابل للتوحيد، وأوجبوا على الله تعالى الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية؛ لئلا يلزم الظلم عليه تعالى المقابل للعدل. قوله: (فأبرزت)، معطوف على "رجعوا" و"أفاضوا" جواب "كلما"، والجملة الشرطية ثاني مفعولي "رأيت"، وكلما لعموم الأوقات. و"ما" مع ما بعدها من الفعل في تأويل المصدر. قوله: (واستطيروا)، أي: استفزوا، قيل: استطير فلان فرحاً؛ إذا حلق به كأنه حُمِلَ على الطيران لخفته، قال: قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا

إلى مصنف يضم أطرافاً من ذلك، حتى اجتمعوا إلي مقترحين أن أُملي عليهم في الكشف عن حقائق التنزيل، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أطرافاً)، مستعار من أطراف المدينة- وهي سوادها ونواحيها- للكلام المبسوط ذي الذيول والتتميمات، و"من ذلك" بيان "أطرافاً"، والمشار إليه ما دل عليه "أبرزت"، وهو المبرز المملي المكرر، وفيه وجهان: أحدهما: أن يراد به ضم ذلك المبرز، وجمع ذلك المتفرق في مصنف. وثانيهما: أن يراد مصنف يحتوي جنس "ذلك" المبرز وأمثاله، فـ "ذلك" ها هنا مثل "تلك" في قوله تعالى: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: 111] قال: أشير بها إلى الأماني المذكورة، أو أريد: أمثال تلك الأمنية أمانيهم، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. هذا هو الوجه. قوله: (مقترحين)، الاقتراح: الاستدعاء والطلب. اقترحت عليه شيئاً: سألته من غير روية، الراغب: اقترحت الجمل: ابتدعت ركوبه، واقترحت كذا على فلان: ابتدعت التمني عليه، واقترحت بئراً: استخرجت [منه] ماءً قراحاً. قوله: (أن أملي عليهم)، قال في "المقدمة": أمليت عليه الكتاب. فالتقدير: أن أملي عليهم كتاباً في الكشف. ويجوز أن يكون من باب قوله: يجرح في عراقيبها نصلي، أي: أن

وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، فاستعفيت، فأبوا إلا المراجعة والاستشفاع بعظماء الدين وعلماء العدل والتوحيد. والذي حداني على الاستعفاء على علمي أنهم طلبوا ما الإجابة إليه علي واجبة؛ لأن الخوض فيه كفرض العين؛ ما أرى عليه الزمان من رثاثة أحواله، وركاكة رجاله، وتقاصر هممهم عن أدنى عدد هذا العلم، فضلاً أن تترقى إلى الكلام المؤسس على علمي المعاني والبيان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أجعل الإملاء مظروفاً للكشف، ومكاناً له. المعنى: لا يتجاوز الإملاء الكشف، فالكشف هو المملى. قوله: (فاستعفيت)، أي: طلبت الإعفاء، عطف على "اجتمعوا"، والاستثناء في قوله: "إلا المراجعة" مفرغ. وفي "أبوا" معنى النفي. قوله: (لأن الخوض فيه)، إما علة "طلبوا"، أي: طلبوا مني المملى؛ لأن خوضي فيه كفرض العين، أو علة "واجبة". قوله: (رثاثة أحواله)، الأساس: رجل رث الهيئة، وكلام رث: غث سخيف. الجوهري: فلان في هيئته رثاثة، أي: بذاذة. قوله: (عدد هذا العلم)، الجوهري: العدد: جمع عدة. وهي الاستعداد. والعدة أيضاً: ما أعددته لحوادث الدهر من المال والسلاح. قوله: (فضلاً)، مصدر فعل محذوف، وهو حال من "هممهم" أي: تفضل فضلاً، أي: تجاوز تجاوزاً. يستعمل هذا في موضع يستبعد فيه الأدنى ويراد به استحالة ما فوقه؛ ولهذا يقع بين كلامين متغايرين معنى نحو "لكن".

فأمليت عليهم مسألة في الفواتح، وطائفة من الكلام في حقائق سورة البقرة، وكان كلاماً مبسوطاً كثير السؤال والجواب، طويل الذيول والأذناب، وإنما حاولت به التنبيه على غزارة نُكَتِ هذا العلم، وأن يكون لهم مناراً ينتحونه، ومثالاً يحتذونه، فلما صمم العزم على معاودة جوار الله، والإناخة بحرم الله، فتوجهت تلقاء مكة، وجدت في مجتازي بكل بلد من فيه مسكة من أهلها- وقليل ما هم- عطشى الأكباد إلى العثور على ذلك المملى، متطلعين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأمليت)، عطف على "فأبوا"، و"الفواتح" هي الحروف المبسوطة في أوائل السور. واسم "كان" في قوله: "كان كلاماً مبسوطاً" ضمير يرجع إلى المملى، وفي "به" إلى قوله: "كلاماً مبسوطاً". "حاولت": طلبت. الجوهري: حاولت الشيء: أردته. قوله: (مُسكة)، أي: بقية، الجوهري: يقال: فيه مسكة من خير، أي: بقية. الأساس: ومن المجاز: أنه ذو مسكة وتماسك: ذو عقل. قوله: (متطلعين)، متشوفين. حال من الضمير العائد إلى "من" في "عطشى"، وهو مفعول ثان لـ "وجدت". فانظر إلى اختلاف العبارات من معبر واحد. فإن "من" في قوله: "من فيه مسكة" لما كان يستوي فيه الجمع والمفرد والمذكر والمؤنث اعتبرها في كلامه أجمع. قال أولاً اعتباراً للفظ: "فيه"، ثم اعتداداً للمعنى: "هم"، ثم نظراً إلى الجمع بمعنى الجماعة "عطشى"، وإلى الجمع بمعنى العقلاء "متطلعين"؛ وذلك أن الذي عنده مسكة لما لم يوجد إلا واحد بعد واحد وحده، والقليل إذا تُطلع إلى كماله اعتد كثيراً، فكثرهم في قوله: "عطشى"، وجمعهم في "متطلعين". قوله: (إلى العثور)، الأساس: ومن المجاز قولك: عثر على كذا: اطلع عليه.

إلى إيناسه، حراصاً على اقتباسه، فهز ما رأيت من عطفي، وحرك الساكن من نشاطي، فلما حططت الرحل بمكة، إذا أنا بالشعبة السنية، من الدوحة الحسنية، الأمير الشريف الإمام شرف آل رسول الله أبي الحسن علي بن حمزة بن وهاس- أدام الله مجده، وهو النكتة والشامة في بني الحسن، مع كثرة محاسنهم، وجموم مناقبهم- أعطش الناس كبداً، وألهبهم حشى، وأوفاهم رغبة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلى إيناسه)، الإيناس: الإبصار. يقال: نست منه رشداً، أي: أبصرته، وهو أيضاً خلاف الإيحاش. قوله: (فهز)، الفاء جيء للسببية، و"ما" فاعل هز، والعائد محذوف، و"من" للتبعيض. قال المصنف في قوله تعالى: (وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [البقرة: 265]: من للتبعيض، مثلها في قولهم: هز من عطفي، أي: حصل في بعض الارتياح؛ لأن هز العطف- وهو الجانب- كناية عن تحصيل السرور، أو عن التنبه عن الغفلة. قوله: (إذا أنا بالشعبة)، العامل في "إذا" فاجأت، و"الدوحة": الشجرة العظيمة ذات أغصان وشعب. "الأمير" بدل من: "الشعبة" أو عطف بيان، وهذا البيان يخرج الكلام عن الاستعارة إلى التشبيه، كقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ) [البقرة: 187]. (الشامة): الخال. فلان نكتة في قومه وشامة، أي: علم ومشار إليه. قوله: (أعطش الناس)، حال من "الشعبة" على رأي من يجعل "أفعل كذا" نكرة؛ لأن الإضافة غير محضة، بدليل قولهم: مررت برجل أفضل الناس، أي: أفضل من الناس، على إثبات "من" كأنه قيل: من باقي الناس. ويؤيده مجيء "من" صريحاً فيما عطف عليه في قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) [البقرة: 96]، والمسألة مذكورة في

حتى ذكر أنه كان يحدث نفسه- في مدة غيبتي عن الحجاز مع تزاحم ما هو فيه من المشاده- بقطع الفيافي وطي المهامه، والوفادة علينا بخوارزم، ليتوصل إلى إصابة هذا الغرض، فقلت: قد ضاقت على المستعفي الحيل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "اللباب". ويروى "أعطش" مرفوعاً خبر لمبتدأ محذوف. وكان أبو الحسن مشهوراً بابن وهاس السليماني، وهو فقيه مكة، مدحه المصنف بقوله: ولولا ابن وهاس وسابغ فضله ... رعيت هشيماً واستقيت مصردا قوله: (من المشاده)، وهي الشواغل، الأساس: وهو مشدوه، وهو في مشاده: في مشاغل. وقيل: قياس واحده مشدة، وهو غير مستعمل. والفيفاء: الصحراء الملساء، والجمع الفيافي، والمهامه: جمع مهمه، وهو المفاوز البعيدة. قوله: (والوفادة)، من الوفد، المغرب: الوفد: القوم يفدون على الملك يأتون في أمر فتح أو تهنئة، الأساس: ومن المجاز: الحاج وفد الله. قوله: (علينا)، اعلم أن في اختلاف الضمائر على سبيل الالتفات عدة نكات: عدل أولاً من التكلم عن نفسه وحده إلى الجماعة؛ لمناسبتها لفظ الوفادة، تعظيماً لنفسه، ثم رجع إلى الواحد في قوله: "على المستعفي"، ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بالقصور والعجز، ثم طوى ذكر نفسه في "ففرغ" هضماً وانكساراً وتنبيهاً على أن الفراغ كان بتسديد الله وتوفيقه، لا من نفسه. وكذا في قوله: "يقدر" ليعم المقدرين؛ تفخيماً لهذا الأمر، ثم رجع عوده إلى بدئه في قوله: "أفيضت علي" ليخص نفسه بإفاضة البركات عليها. وفي قوله: "آيات هذا البيت"، و"بركات" اقتباس من قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) [آل عمران: 96 - 97].

وعيت به العلل، ورأيتني قد أخذت مني السن، وتقعقع الشن، وناهزت العشر التي سمتها العرب دقاقة الرقاب، ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعيت)، هو من العي، يقال: عييت بأمري، إذا لم تهتد لوجهه، أي: كثرة الأعذار أعيتني. قال في "المقدمة": يقال: عي في الأمر وعي به بمعنى، أي: عجز عنه. فقوله: "وعيت به العلل" الباء للتعدية. أي: أعيته العلل. ويجوز أن يكون التركيب من القلب المقبول لتضمنه معنى لطيفاً. والأصل أنه عيي بالعلل، لكن لما طالت العلل صارت كأنها متضجرة منه لكثرة تكررها عليه فأسند العي إليها مبالغة. قوله: (أخذت مني السن)، أي: نقصت الشيخوخة من قواي، كقوله تعالى: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ) [يس: 68] وحقيقته: أن العمر استوفى مني حقه. فنبه الشيخ به على الخطأ الذي عليه الناس؛ فإنهم يزعمون أن الإمداد في العمر زيادة، فقال: هو في الحقيقة نقصان. قوله: (وتقعقع)، التقعقع: صوت يبس القربة، أي: جف جلده. "ناهزت": أشرفت. قوله: (دقاقة الرقاب)، مثل يضرب في الهلاك. والعشر المشار إليه ما بين الستين إلى السبعين، روى الصغاني في "كشف الحجاب عن أحاديث الشهاب" في قسم الحسان عن أبي هريرة: "معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين"، وعنه: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين".

فأخذت في طريقة أخصر من الأولى، مع ضمان التكثير من الفوائد والفحص عن السرائر، ووفق الله وسدد، ففرغ منه في مقدار مدة خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان يقدر تمامه في أكثر من ثلاثين سنة! وما هي إلا آية من آيات هذا البيت المحرم، وبركة أفيضت علي من بركات هذا الحرم المعظم، أسأل الله أن يجعل ما تعبت فيه منه سبباً ينجيني، ونوراً لي على الصراط يسعى بين يدي وبيميني، ونعم المسؤول. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مدة خلافة أبي بكر)، أي كان يقدر تمامه في مدة خلافة الخلفاء الراشدين وهي ثلاثون سنة، ففرغ منه في مدة خلافة أقصرهم مدة، وهي سنتان وأربعة أشهر. وفيه تمليحان. قوله: (ما تعبت فيه منه سبباً ينجيني)، يجوز أن يكون الضمير في "فيه" عائداً إلى "ما"، وفي "منه" إلى الله تعالى، و"منه" حال من "سبباً" قدم للاهتمام، وأن يكون الضمير في "فيه" لله تعالى، أي: في طاعة الله تعالى وسبيله، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) [العنكبوت: 69]، وفي "منه" لـ "ما". المعنى: يجعل ما تعبت منه في سبيل الله سبباً لنجاتي. قوله: (بين يدي وبيميني)، أي: يسعى متقدماً علي وجنيباً لي. اقتبس من قوله تعالى: (يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) [الحديد: 12]، والله أعلم.

سورة فاتحة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم سورة فاتحة الكتاب مكية، وقيل: مكية ومدنية؛ لأنها نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى. وتسمى أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (سورة فاتحة الكتاب مكية، وقيل: مكية ومدنية)، الكواشي: والصحيح أنها مكية. والقاضي: وقد صح أنها مكية. لقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي) [الحجر: 87]، وهو مكي. قوله: (لاشتمالها على المعاني التي في القرآن)، أي: القرآن يفصل معنى ما أجملته "الفاتحة": ومنه سميت مكة أم القرى؛ لدحو الأرض من تحتها. قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: وسميت "الفاتحة": أم الكتاب؛ لأنها يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القاضي: وهي مشتملة على الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء. ويمكن أبسط من هذا بأن يقال: إنها مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين: أحدها: علم الأصول، ومعاقده: معرفة الله وصفاته، وإليها الإشارة بقوله: (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ومعرفة النبوات وهي المرادة بقوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، ومعرفة المعاد وهو المومى إليه بقوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). وثانيها: علم الفروع، وأسه العبادات، وهو المراد بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ). والعبادات: بدنية ومالية، وهما مفتقرتان إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات، ولابد لها من الحكومات، فتمهدت الفروع على هذه الأصول. وثالثها: علم ما به يحصل الكمال، وهو علم الأخلاق. وأجله الوصول إلى الحضرة الصمدانية والالتجاء إلى جناب الفردانية، والسلوك لطريقه والاستقامة فيها، وإليه الإشارة بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة والقرون الخالية: السعداء منهم والأشقياء، وما يتصل بها من وعد محسنهم، ووعيد مسيئهم، وهو المراد بقوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ). ونبين هذا المعنى مزيد كشف إذا شرعنا في تفسيرها على هذا النمط، فليكن على ذكر منك ليكون حاكماً فيصلاً.

من الثناء على الله بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد؛ وسورة الكنز، والوافية لذلك، وسورة الحمد، والمثاني؛ لأنها تثنى في كل ركعة، وسورة الصلاة؛ لأنها تكون فاضلة أو مجزئة بقراءتها فيها، وسورة الشفاء، والشافية. وهي سبع آيات بالاتفاق، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومن التعبد بالأمر والنهي)، الأساس: تعبدني فلان واعتبدني: صيرني كالعبد له. وتعبد فلان: تنسك، وقعد في متعبده. وعدي بالباء لتضمنه معنى التكليف، أي: كلفه بالأمر والنهي تعبداً، أي: بالمأمور والمنهي. ويجوز أن تكون الباء كما في كتبت بالقلم، والأمر والنهي على حقيقتهما. قوله: (والوافية لذلك)، أي: تسمى الكنز والوافية للمعنى المذكور، وهو اشتماله على المعاني. قوله: (في كل ركعة)، أي: صلاة، قال الله تعالى: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) [البقرة: 43] وقيل: لأنها تثنى بسورة أخرى في كل ركعة. قوله: (لأنها تكون فاضلة أو مجزئة)، تعليل لوجه مناسبة اسم الصلاة للفاتحة، فإن الحنفية يقولون: إنما سميت سورة الصلاة؛ لكونها فاضلة، أي: قراءتها في الصلاة أولى من غيرها، والشافعية يعللون التسمية بأن الصلاة إنما تكون مجزئة بها.

إلا أن منهم من عد (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس. [(بسم الله الرحمن الرحيم) 1] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا أن منهم من عد (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس)، قال في "المرشد": إن وقفت على (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) كان آخر آية على مذهب أهل المدينة والبصرة، وهو جائز، وليس بحسن؛ لأن "غير" مجروراً متعلق به على الوصفية أو البدلية، ومنصوباً على الحالية أو الاستثنائية، وجوازه إنما يكون بالخبر المروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقف عند أواخر الآيات. وهذا آخر آية عند من ذكرت، فهذا وجه جوازه. تم كلامه. قلت: القول الثاني أولى؛ لأن (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) لا يناسب وزانه وزان فواصل السورة، ولما روى محيي السنة في "شرح السنة" عن ابن جريج، أخبرني أبي، عن سعيد ابن جبير: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: 87] هي أم القرآن. قال أبي: وقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها، ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم)، الآية السابعة، قال سعيد: قرأها علي ابن عباس كما قرأتها عليك ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) الآية السابعة.

قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور، وإنا كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، كما بدئ بذكرها في كل أمر ذي بال، وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه، ومن تابعه؛ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قراء المدينة والبصرة والشام)، قال في "الشعلة": من مكة ابن كثير، ومن الكوفة عاصم والكسائي يعتقدون أن البسملة من "الفاتحة" ومن كل سورة، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير، ومذهب الشافعي وعطاء والزهري وابن المبارك رضي الله عنهم، ومن الكوفة أيضاً حمزة يعتقد أنها من "الفاتحة" ليس إلا، والقرآن جميعه بمنزلة سورة واحدة، وهذا قول سعيد بن المسيب. ومن البصرة أبو عمرو، ومن المدينة نافع، ومن الشام ابن عامر على أنها ليست بآية من "الفاتحة" ولا من غيرها. وما في "النمل" بعض آية. وهذا قول ابن مسعود، ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد رضي الله عنهم. قوله: (في كل أمر ذي بال)، روى الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح فيه بذكر الله فهو

ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي رضي الله عنه، وأصحابه؛ ولذلك يجهرون بها. وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن؛ ولذلك لم يثبتوا (آمين)، فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من تركها فقد ترك مئة وأربع عشرة آية من كتاب الله. فإن قلت: بم تعلقت الباء؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أبتر، أو قال: أقطع". النهاية: البال: الحال والشأن. وأمر ذو بال، أي: شريف يحتفل به ويهتم. والبال في غير هذا: القلب. وقيل: إنما قيل: ذو بال؛ لأنه من حيث إنه يشغل القلب كأنه ملكه، وكان صاحب بال. ويجوز أن يقال للأمر الخطير: ذو بال، على الاستعارة المكنية، ويجعل قوله: "أبتر" ترشيحاً لها على نحو (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) [الكوثر: 3] كما جعله صلوات الله عليه ذا رأس وذروة سنام في قوله: "رأس الأمر الإسلام، وذروة سنامه الجهاد" الحديث أخرجه الترمذي. قوله: (من تركها فقد ترك مئة وأربع عشرة آية)، هذا القول إما للتغليب أو للتغليظ على التوبيخ، أو يدخل فيه ما في "النمل"؛ لأن النفي وارد على ترك ما تصدق عليه البسملة، أو على أن البسملة ينبغي أن تصدر بها سورة "براءة" أيضاً على اعتقاده. وينصره ما رويناه عن

قلت: بمحذوف تقديره: بسم الله أقرأ، أو أتلو؛ لأن الذي يتلو التسمية مقروء، كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الترمذي وأبي داود: سأل ابن عباس عثمان رضي الله عنهما: ما حملكم على أن لا تكتبوا "بسم الله الرحمن الرحيم" يعني في "البراءة". الحديث. قوله: (بمحذوف)، لأن حروف الجر لا تنفك عن متعلق؛ لأن وضعها لإفضاء معاني الأفعال إلى الأسماء، غير أنها تدل على مطلق الفعل، ولابد في تخصيصه من قرينة. وفيما نحن فيه القرينة ما يتبع التسمية، وهو قوله: (الحَمْدُ لِلَّهِ)، وهو مقروء متلو، فدل ذلك على أن المضمر: أقرأ أو أتلو، والتعليل في قوله: "لأن الذي يتلو" لتعيين المقدر. وكان الأنسب أن يقال: الذي يتلو التسمية القراءة؛ لأن الابتداء بالتسمية غنما يكون في الفعل الذي يريد أن يفعله المسمي، يدل عليه قوله: "كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله الرحمن الرحيم كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له"، والمضمر الفعل لا المفعول، كما أن تسمية الذابح إنما يتلوها الذابح لا المذبوح. قال: صاحب "الانتصاف": "الذي يقدره النحاة هو: أبتدئ فعل القراءة، والعام

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صحة تقديره أولى: ألا تراهم يقدرون متعلق الجار الواقع خبراً أو صفة أو صلة أو حالاً بالكون والاستقرار حيثما وقع، ويؤثرونه لعمومه؟ وأيضاً: إن تقدير فعل الابتداء مستقل بالغرض المقصود من التسمية، فإن الغرض منها أن تقع مبتدأ بها، فتقدير فعل الابتداء أوقع. وأما ظهور فعل القراءة في قوله تعالى: (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ) فلأن الأهم ثمة القراءة؛ ولهذا قدم الفعل فيها على متعلقه، بخلاف البسملة فإن الأهم فيها الابتداء". وأجاب صاحب "الإنصاف" بأن قال: ما ذكره الزمخشري أصح؛ لأنه أخص وأمس بالمقصود، وأتم شمولاً، وأنه يقتضي أن التسمية واقعة على القراءة كلها مصاحبة لها، أو أن القراءة كلها بالله على المذهبين على ما يأتي بيانه، بخلاف تقدير "أبتدئ"؛ فإنه يقتضي مصاحبتها لأول القراءة. واستشهاده بتقدير النحاة غير مجد، لأنهم إنما فعلوه تمثيلاً وتقريباً، ولو قلت: زيد على الفرس، أو: زيد من العلماء، أو: زيد في البصرة- لقدرت: "راكب"، و"معدود"، و"مقيم"، وكان أمس من الاستقرار. وأما قوله: "إن الغرض أن تقع التسمية مبتدأ بها"، فنقول بموجبه، وأن ذلك يقع فعلاً بالبداءة بها لا بإضمار فعل الابتداء؛ لأن من صلى

فقال: بسم الله والبركات كان المعنى: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل، وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله بـ (بسم الله) كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له. ونظيره في حذف متعلق الجار قوله عز وجل: (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) [النمل: 12]، أي اذهب في تسع آيات، وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فبدأ بتكبيرة الإحرام، وبدأ في الوضوء بغسل وجهه، لا يحتاج في كونه بادئاً إلى إضمار: "بدأت بذلك"، لكنه مفتقر على بركة التسمية وشمولها لجميع فعله. قوله: (فقال: بسم الله)، عطف على "حل"، وجواب "إذا" قوله: "كان المعنى"، وقوله: "يبدأ في فعله" صفة "كل فاعل". قوله: (قول العرب)، ثم "قول الأعرابي" مشعر بالفرق، النهاية: الأعراب: ساكنو البادية الذين لا يقيمون [في] الأمصار، والعرب: اسم لهذا الجيل المعروف، ولا واحد له من لفظه، سواء أقام بالبادية أو المدن. المغرب: العربي: سكان المدن والقرى، والأعرابي: سكان البوادي. قوله: (للمعرس)، النهاية: أعرس الرجل فهو معرس: إذا دخل بامرأته عند بنائها. ولا يقال: عرس، كما تقول العامة. وفي "الجامع": الرفاء: حسن المعاشرة والموافقة، من رفو الثوب، يعنون بقولهم: بالرفاء والبنين: أن هذا النكاح ملتبس بهما، ونهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه من شعار الجاهلية.

بالرفاء والبنين، وقول الأعرابي: باليمن والبركة، بمعنى: أعرست أو نكحت، ومنه قوله: فقلت: إلى الطعام فقال منهم ... فريق: نحسد الإنس الطعاما فإن قلت: لم قدرت المحذوف متأخراً؟ قلت: لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به؛ لأنهم كانوا يبدؤون بأسماء آلهتهم، فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بمعنى أعرست أو نكحت)، إما متعلق بالأول، و"قول الأعرابي" معترض؛ لأن قوله: "باليمن والبركة" لفظ عام يستعمل في كل من يتوخى أمراً ما، أو متعلق بهما، وهو الأوجه. قوله: (فقلت إلى الطعام)، البيت. قبله: أتوا ناري فقلت منون أنتم؟ ... فقالوا الجن، قلت عموا ظلاما قال الأصمعي: عم صباحاً: معناه أنعم، وتقدير الفعل الماضي منه: وعم يعم، ولا ينطق به كمالا ينطق بماضي دع وذر. ذكره الأنباري. زعم الشاعر أنه أتاه الجن وهو عند ناره فحياهم ودعاهم إلى الطعام. حسده الشيء وحسده على الشيء، أي: إنما نحسدهم لأنهم يأكلون ونحن لا نأكل. "إلى الطعام" أي: هلموا. قوله: (لأن الأهم من الفعل)، وهو أتلو وأقرأ، "والمتعلق به" بكسر اللام في الموضعين. هو "بسم الله"، و"من" في: "من الفعل" للابتداء، أي: الأهم من "أقرأ" و"بسم الله" هو "بسم الله".

فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله تعالى بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل، كما فعل في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص، والدليل عليه: قوله: (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: 41]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معنى اختصاص اسم الله بالابتداء)، اعلم أن التقديم إما لمجرد الاهتمام، أو مع الاختصاص. ولابد في التخصيص من سبق حكم أخطأ فيه المخاطب، أو شك فيه ليرد إلى الصواب، أو إلى العلم، والاهتمام لا يستدعي ما يستدعيه التخصيص. فالمشركون إنما قدموا أسماء آلهتهم للاهتمام والتبرك لا للرد، لقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: 25]، ولقولهم: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا) [يونس: 18]، ولما روينا عن البخاري وأبي داود والنسائي عن المسور بن مخرمة في قصة الحديبية: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: "أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" الحديث. وأما المسلمون: فإنما يقدمون ليكون رداً لخطئهم، وقمعاً لأباطيلهم، فيكون من باب قصر الإفراد. وإلى هذا المعنى ينظر قوله: "فوجب أن يقصد الموحد معنى الاختصاص". هذا هو الوجه، لا ما قيل: أخص اسم الله بالافتتاح، وأخالفهم في اختصاصهم أسماء آلهتهم بالافتتاح. قوله: (والدليل عليه)، قيل: على أن التقديم لإرادة الاختصاص، وفيه إشكال وهو أن يقال: ما تعني بهذه الدلالة؟ إن عنيت أن دلالة التقديم في (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: 41] على

فإن قلت: فقد قال: (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ) [العلق: 1] فقدم الفعل، قلت: هناك تقديم الفعل أوقع؛ لأنها أول سورة نزلت؛ فكان الأمر بالقراءة أهم. فإن قلت: ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم، على معنى: أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتداً به في الشرع واقعاً على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله، لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر" إلا كان فعلاً كلا فعل، جعل فعله مفعولاً (بسم الله)، كما يفعل الكتب بالقلم. والثاني: أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون: 20] على معنى: متبركاً باسم الله أقرأ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الاختصاص لتقديم الخبر على المبتدأ، فالخصم إن ساعدك في دعواك أن "بسم الله" يفيد الاختصاص، فلا يجدي هذا شيئاً، وإن لم يساعدك عليه، لم يساعد على هذا أيضاً؛ لأن الكلام فيه كالكلام على الأول. وإنما قلنا: لتقديم الخبر على المبتدأ؛ لأن (مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) بمعنى الإجراء والإرساء، ولا يقدم معمول المصدر عليه. والحق أن قوله: "والدليل عليه" أي: على تقدير تأخير المقدر وتقديم "بسم الله"، للاهتمام سواء كان على عامله أو على المبتدأ؛ لأن تقدير المقدر مؤخراً، وتقديم "بسم الله" للأهمية وهو الذي سيق الكلام لأجله، والدليل عليه قوله: "لم قدرت المحذوف متأخراً" يعني: قدمنا هذا الاسم للأهمية كما ورد في كلام السلف؛ يعني تقديم هذا الاسم سنة جارية من قديم الزمان، فإن الأمم السالفة درجت على هذا، فعلى هذا التقدير ورود السؤال الآتي ظاهر الارتباط بناءً على وجود الفاء فيه؛ لأنه علم من تتبع كلامه أن كل سؤال له بعد "فإن قلت" إذا تصدر بالفاء يكون مسبباً عما قبله، أي: لم زعمت أن تقديم هذا الاسم أهم مطلقاً، فقد جاء متأخراً في قوله: (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ) [العلق: 1]؟ فأجاب بما اقتضاه المقام وهو أهمية القراءة. قوله: (متبركاً باسم الله أقرأ)، اعلم أن تنزيل هذا التقدير على معنى قوله: "فوجب أن

وكذلك قول الداعي للمعرس: بالرفاء والبنين، معناه: أعرست ملتبساً بالرفاء والبنين، وهذا الوجه أعرب وأحسن. فإن قلت: فكيف قال الله تعالى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله بالابتداء" هو أن يقال: قراءتي مختصة بأن أتبرك باسم الله، وأخالف أعداء الله بتبركهم باسم آلهتهم. وأما احتمال التركيب- يعني: قراءتي مختصة بالتبرك باسم الله، لا بشيء آخر- فبمعزل عن المرام ومراحل من مقتضى المقام. وفي هذا التعلق بحث، لأن "أقرأ" حينئذ ليس بعامل في الجار والمجرور، فهو إما أن يحمل على اللغوي، فإن للحال تعلقاً بعاملها فسلك فيه طريق المشاكلة، أو على الإفضاء كما نص عليه في قوله تعالى: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً) [يونس: 27]، فيه إشارة على أن التبرك تابع لقراءتها وهو مطلوب بها، وسيجيء بيانه. قوله: (أعرب)، أي: أفصح؛ من قولهم: كلام عربي، أي: فصيح. وقيل: أبين، الأساس: عرب عن صاحبه تعريباً: إذا تكلم عنه واحتج له. قيل: إنما كان أعرب وأحسن؛ لأن باء المصاحبة تقتضي الاستدامة في قصد المتكلم. فمعناه كل حرف مما أتكلم به بعد التسمية أقدر فيه "بسم الله"، ففيه تعميم الفعل مع التسمية كما في قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [المؤمنون: 20] أي: تنبت ثمارها وفيها الدهن. ويناسبه ما روي في الحديث "تسمية الله تعالى في قلب كل مسلم، سمى أو لم يسم" وقيل: إنما كان أحسن؛ لأن التبرك مؤذن برعاية حسن الأدب، واسم الإله بخلافه. وفيه نظر؛ لأن القارئ في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5] إنما يطلب من الله تعالى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعونة والتوفيق على عبادته في جميع أحواله، ولا يلزم من كون الله معيناً ما تصور في القلم كأنه يقول: أقرأ باستظهاره ومكانته عند مسماه، وفي الحقيقة الله المعين في كل حرف. وقال صاحب "التقريب": إنما كان أحسن لتقدير الموجود حساً في الأول كالمعدوم. ولعل مراده منه قوله: "كان فعلاً كلا فعل" وفيه نظر؛ لأن جعل الموجود كالمعدوم بسبب الجري لا على المقتضى من محسنات الكلام ولطيف إشاراته. ومما يختص هذا الموضع من النكتة هي أن شبه اسم الله تعالى؛ بناءً على يقين المؤمن بما ورد من السنة والقطع بمقتضاها بالأمر المحسوس، وهو حصول الكتب بالقلم وعدم حصوله بعدمه، ثم أخرج مخرج الاستعارة على سبيل التبعية لوقوعها في الحرف. ألا ترى كيف صرح المصنف بذكر المؤمن، وضم إليه الاعتقاد والسنة؟ بل ينبغي أن يكون هذا كشفاً كما ورد: "لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً" و"أن" في "وإلا كان" شرطية، أي: وإن لا يصدر بذكر اسم الله كان فعلاً كلا فعل. وقيل: المراد أن "بسم الله" موجود في القراءة، فإذا جعلت الباء للاستعانة كان سبيله سبيل القلم، فلا يكون مقروءاً، والحال أنه مقروء. فيقال: إنا بينا ضعف التشبيه بالقلم. وقيل: إنما كان أعرب؛ لأن فيه الإيجاز والتوصل بتقليل اللفظ إلى تكثير المعنى، وهذا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أقرب. وبيانه: أن الحال لبيان هيئة الفاعل هنا. وقد ثبت بالدليل أن لابد لكل فعل متقرب به إلى الله تعالى من إعانة الله وتسديده؛ فدل تقدير الحال على أمر زائد فيكون أبين. وينكشف هذا المعنى كشفاً تاماً في قولك: تنبت هذه الشجرة بالماء، إذا أردت بالباء الصلة كان المعنى: تنبت بواسطة الماء، وإذا أردت الحال رجع إلى أنها تنبت وهي ملتبسة بالماء، فأفاد أنها طرية رياً. والتحقيق أن يقال: على تقدير الحال أقرأ وأنا متبرك باسم الله، ومتوسل بمكانته عند الله لاستزادة التوفيق على إتمام ما شرعت فيه، وقبول ما تقربت به إليه. هذا كله يعطيه معنى التبرك المقدر لإرادة الحال. وقال: "البركة كثرة الخير وزيادته"، ولما كان مآل ذلك الوجه في الحقيقة إلى هذا، وكان أبين منه قال: "أعرب وأحسن". الراغب: قال بعض العلماء: إنما قال: "بسم الله" ولم يقل: بالله؛ لأنه لما استحب الاستعانة بالله في كل أمر يفتتح به من قراءة أو غيرها فبعضهم يذكره بقلبه، وبعضهم يريده ويقول بلسانه، ويكون أبلغ، فألفاظ الاستعانة نحو: أستعين بالله، واللهم أعني، ونحو ذلك. وذكر الله مستعمل في كل ذلك فصار لفظه "بسم الله" مستغنى به عن جميعها وقائماً مقامها. ولو قال: بالله لتوهم الاستعانة بهذه اللفظة فقط، والاسم ها هنا موضوع موضع المصدر، أي: التسمية. فالقائل إذا قال: بالله أبتدئ؛ فمعناه بهذا الاسم، وإذا قال: بسم الله؛ فإن المقصود به المسمى. وما ذكر من الخلاف في أن الاسم هل هو المسمى أو غيره؟ فكلاهما صحيح؛ فإن من قال: إن الاسم هو زيد أو عمرو، وهو المسمى، نظر إلى قولهم: رأيت زيداً، وزيد رجل صالح. فإن زيداً ها هنا عبارة عن المسمى، والرؤية به تعلقت.

متبركاً باسم الله أقرأ؟ قلت: هذا مقول على ألسنة العباد، كما يقول الرجل الشعر على لسان غيره، وكذلك (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى آخره، وكثير من القرآن على هذا المنهاج، ومعناه: تعليم عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه، ويمجدونه، ويعظمونه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومن قال: هو غير المسمى؛ نظر إلى نحو قولهم: سميت ابني زيداً، وزيد اسم حسن، فإنه عنى أني سميت ابني بهذا اللفظ، وأن هذا اللفظ محكوم عليه بالحسن. فإذا قولك: زيد حسن، لفظ مشترك يصح أن يعنى به أن هذا اللفظ حسن، وأن يعنى به أن المسمى حسن. وأما تصور من قال: لو كان الاسم هو المسمى لكان من قال: النار، احترق فمه فهو بعيد؛ لأن العاقل لا يقول: إن زيداً الذي هو (زاي وياء ودال) هو الشخص. قوله: (هذا مقول على ألسنة العباد)، قال المصنف: مثاله ما إذا أمرك إنسان أن تكتب رسالة من جهته إلى غيره؛ فإنك تكتب: كتبت هذه الأحرف، وإنما تفعل هذا على لسان آمرك. الراغب: إن قيل: لِمَ لَم يقل: الحمدُ لي؟ قيل: لأن ذلك تعليم منه لعباده، كأنه قال: قولوا: بسم الله والحمد لله. وقيل: قل غير مقدر؛ لأن الله حمد نفسه ليقتدى به، أو لأن أرفع حمد ما كان من أرفع حامد وأعرفهم بالمحمود وأقدرهم على إيفاء حقه. قال: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: كل ما أثنى الله على نفسه، فهو في الحقيقة إظهاره بفعله؛ فحمده لنفسه هو بث آلائه وإظهار نعمائه لمحكمات أفعاله، وعلى ذلك قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ... ) [آل عمران: 18]، فإن شهادته لنفسه إحداثه الكائنات دالة على وحدانيته، ناطقة بالشهادة له. قال ذو النون: لما شهد الله لنفسه أنطق كل شيء بشهادته (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء: 44]. فإن قلت: كيف استحسن حمده لنفسه، وقد عُلم في الشاهد استقباحه! حتى قيل للحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقاً؟ قال: مدح الرجل نفسه. وأجيب: إنما قبح ذلك من الإنسان، لأن النقص فيه ظاهر، ولو لم يكن فيه إلا الحاجة إلى الكمال، وأن أثر الصنعة فيه ظاهر لكفى به نقصاً. ومن خفي عليه نقصه فقد خُدع عليه عقله. وقد يستحسن منه عند تنبيه المخاطب على ما خفي عليه من حاله كقول المعلم للمتعلم: اسمع مني، فإنك لا تجد مثلي. وعلى ذلك قول يوسف عليه السلام: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف: 55]. وسئل بعض المحققين عن شيء لم يقبح إطلاقه

فإن قلت: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون، نحو: كاف التشبيه، ولام الابتداء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الله تعالى مع ورود الشرع، فأنشد: ويقبح من سواك الشيء عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا قوله: (حروف المعاني)، اعلم أن الحروف تنقسم إلى: حروف معان وهي التي تفيد معنى نحو الجارة والعاطفة وسين الاستقبال وغيرها، سميت بها للمعنى المختص بها، وحروف مبان وهي التي تبتني الكلمات كزاي زيد وراء رجل. قوله: (أن تبنى على الفتحة)، قال الزجاج: أصل الحروف التي يتكلم بها وهي على حرف واحد الفتح أبداً إلا أن تجيء علة تزيله؛ لأن الحرف الواحد لا حظ له في الإعراب، فيقع مبتدأ في الكلام، ولا يبتدأ بساكن، فاختير له الفتح لأنه أخف الحركات. والباء مكسورة أبداً، لأنه لا معنى له إلا الخفض، فوجب أن يكون لفظه مكسوراً ليفصل بين ما يجر وهو اسم نحو كاف كزيد، وبين ما يجر وهو حرف.

وواو العطف، وفائه، وغير ذلك، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟ وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية، والجر، والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة؛ لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن؛ إذ كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك، ويقفوا على الساكن؛ لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة، ولوضعها على غاية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما بال لام الإضافة)، قال المصنف: حروف الجر كلها تسمى حروف الإضافة؛ لأنها تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء. وإنما بنيت لام الإضافة على الكسر إذا دخلت على المظهر ليتميز عن لام الابتداء إذا دخلت فيه، وأما إذا دخلت على المضمر فلا بأس؛ لعدم الإلباس؛ لأن لام الابتداء لا تدخل إلا على الضمير المرفوع نحو: لأنت، ولم يعكسوا ليكون بناؤها على وفق عملها، وأما باء الإضافة فبنيت على الكسر؛ لكونها لا تنفك عن الجر المناسب للكسرة، وعن الحرفية المقتضية لعدم الحركة. قيل: ينتقض بواو القسم؛ فإنها لازمة الحرفية والجر وبنيت على الفتحة. وأجيب: أن هذه "الواو" إنما تجيء لنيابتها عن الفعل وعن هذه الباء على ما صرح به في "والشمس" فأجريت على الأصل. قوله: (الأسماء العشرة)، وهي ابن وابنة وابنُم- بمعنى ابن- واسم واست واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة وايمن الله. وأما أيم الله فمحذوف منها نون ايمن. قوله: (لسلامة لغتهم)، هذا يشعر أن الابتداء بالساكن ممكن وموجود في لغة لكنه مستكره، وبه صرح صاحب "المفتاح" في الصرف، قال: دعوى امتناع الابتداء بالساكن

من الإحكام والرصانة، وإذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى زيادة شيء، ومنهم من لم يزدها، واستغنى عنها بتحريك الساكن، فقال: سِمٌ وسُم. قال: باسم الذي في كل سورة سمُه وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز؛ كيد ودم، وأصله سمو، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيما سوى حروف المد واللين ممنوعة، اللهم إلا إذا حكيت عن لسانك، لكن ذلك غير مجد عليك. قوله: (والرصانة)، وهي: الإحكام، الأساس: رصن البناء رصانة. ومن المجاز: له رأي رصين وكلام متين. قوله: (باسم الذي في كل سورة سمُه)، قبله: أرسل فيها بازلاً يقرمه ... فهو بها ينحو طريقاً يعلمه يقرمه: يتركه عن الركوب والعمل به ويدعه للفحل، الجوهري: المقرم: البعير المكرم الذي لا يُحمل عليه ولا يذلل، ولكن يكون للفحلة، والضمير المستتر في "أرسل" للراعي، والبارز في "فيها" للإبل، وباسم يتعلق بـ "أرسل". قوله: (وأصله سمو)، فحذف الواو تخفيفاً لكثرة الاستعمال ولتعاقب الحركات، وخفف السين وحرك الميم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء. فقولك: اسم ليس فيه لام، فإذا جمعت وصغرت رددتها. وقال الكوفيون: أصله وسم وهو العلامة. وقال الزجاج: هذا غلط لأنا لا نعرف شيئاً دخلت عليه ألف الوصل فيما حذفت فاء فعله نحو عدة وزنة،

بدليل تصريفه، كأسماء، وسمي، وسميت، واشتقاقه من السمو؛ لأن التسمية تنويه بالمسمى، وإشادة بذكره، ومنه قيل للقب النبز، من النبز بمعنى النبر؛ وهو رفع الصوت. والنبز: قشر النخلة الأعلى. فإن قلت: فمل حذفت الألف في الخط وأثبتت في قوله: (بِاسْمِ رَبِّكَ) [العلق: 1]؟ قلت: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط؛ لكثرة الاستعمال، وقالوا: طولت الباء تعويضاً من طرح الألف. وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: أنه قال لكاتبه: طول الباء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلو كان من الوسم لكان تصغيره وسيماً، كما أن تصغير عدة وعيدة. قوله: (تنويه)، من ناه الشيء ينوه: إذا ارتفع، فهو نائه. ونوهته تنويهاً إذا رفعته. والإشادة: رفع الصوت بالشيء، وأشاد بذكره: رفع قدره. قوله: (ومنه)، أي: من هذا القبيل، وهو أن التسمية تنويه بالمسمى. و"النبر" الرفعة: ومنه المنبر، لتنويه اسم الله عليه، أول مرتبة من استعلاه. قوله: (في حذفها حكم الدرج)، والمعنى: أن لهذه الألف حكمين: حكماً في الدرج وذلك إسقاطها في اللفظ، وحكماً في ابتداء الكلام وذلك إثباتها لفظاً. وقد أتبعوا في "بسم الله" خاصة حكم الخط حكم الدرج؛ حيث أسقطوها في الخط، وخالفوا القياس الذي هو إتباعها لحكم الابتداء لكثرة الاستعمال. قال أبو البقاء: "فلو قلت:

وأظهر السنات، ودور الميم. و(الله) أصله: الإله، قال: معاذ الإله أن تكون كظبية ونظيره: الناس، أصله: الأناس، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لاسم الله أو: باسم ربك؛ أثبت الألف. قوله: (السينات)، ويروى: "السنات"، وهو أصح دراية، والأول رواية، جمع سنة وهي رأس القلم وسنة السين. قوله: (معاذ الإله أن تكون كظبية)، تمامه: ولا دمية ولا عقيلة ربرب "معاذ الإله": مبالغة في الاعتصام بالله من تشبيهها بالظبية، وأصله: أعوذ بالله معاذاً. والدمية: الصنم والصورة المنقوشة. وعقيلة كل شيء: أكرمه. والربرب: سرب من بقر الوحش. وصف المحبوبة بهذه الأوصاف أو تصور أنها كذلك ثم تبين له أنها أحسن؛ فاستعاذ بالله من الخطأ. قوله: (ونظيره)، أي: ونظير لفظة "الله" في حذف الهمزة فقط: الناس؛ إذ ليس في الناس

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التعويض، كما ذكر أبو علي في "الإغفال": "فإن قلت: أليس قد قال سيبويه: ومثل ذلك أناس، فإذا أدخلت الألف واللام قلت: الناس؟ قلت: معنى قول سيبويه: ومثل ذلك أناس، أي: مثله في حذف الهمزة في حال دخول الألف واللام عليه، لا أنه بدل من المحذوف كما كان في اسمه تعالى بدلاً. ويقوي ذلك ما أنشده أبو العباس عن أبي عثمان: إن المنايا يطلعـ ... ـن على الأناس الآمنينا فلو كان عوضاً لم يكن ليجتمع مع المعوض منه"، وفيه بحث. قال المالكي: قول من زعم أن اللام في "الله" عوض عن الهمزة باطل؛ لحذفهما معاً في "لاه أبوك" بمعنى: لله أبوك، والعوض لا يحذف. جوابه: ما وقع في كلام أبي علي: أنهم يحذفون من نفس الكلمة في نحو: لم يك، ولا أدر، إذا كان في الذي أبقى دليل على ما ألقى سيجيء بعيد هذا تمامه في لاه أبوك.

قال: إن المنايا يطلعـ ... ـن على الأناس الآمنينا فحذفت الهمزة، وعوض منها حرف التعريف؛ ولذلك قيل في النداء: يا ألله بالقطع، كما يقال: يا إله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولذلك قيل في النداء: يا ألله)، أي: ولأجل أن حرف التعريف عوض عن الهمزة استجيز قطع الهمزة الموصولة الداخلة على لام التعريف في النداء. ويُعلم منه: أنه لو لم يكن عوضاً، وكان حذفاً قياسياً كما نقله أبو البقاء، أصله الإله فألقيت حركة الهمزة على لام التعريف، ثم سكنت وأدغمت في اللام الثانية- لم يجز القطع. وهذا الذي اختاره المصنف أحد قولي سيبويه في هذا الاسم على ما نقل عنه أبو علي في "الإغفال" قال: أصله إله، ففاء الكلمة همزة، وعينها لام، واللام هاء، والألف ألف فعال، فحذفت الفاء لا على التخفيف القياسي. قال أبو علي: فإن قيل: هلا حمله على الحذف القياسي؛ إذ تقدير ذلك سائغ فيه غير ممتنع، والحمل عليه أولى؟ قيل: فلو كان طرح الهمزة على القياس دون الحذف لما لزم أن يكون فيها عوض؛ لأن المحذوف القياسي ملقى من اللفظ مبقى في النية، كما تقول في "جيل" إذا خففته: جيل، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في اللفظ للزم قلب الياء ألفاً، فلما كانت الياء في نية السكون لم تقلب كما قلبت في "ناب".

والإله: من أسماء الأجناس، كالرجل، والفرس، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قيل: ما بال الهمزة قطعت في النداء ووصلت في غيره؟ قلت: قال صاحب "الضوء": إنما تجردت للتعويض في النداء؛ لأن التعريف الندائي أغنى عن تعريفها، فجرت مجرى الهمزة الأصلية، فقطعت. وفي غير النداء لما لم ينخلع عنه معنى التعريف رأساً وصلوا الهمزة. وقال المصنف في "مريم": أخلصت الهمزة في "يا ألله" للتعويض واضمحل عنها التعريف. وقلت: إنهم كثيراً ما يجردون الحرف عن معناه المطابقي مستعملين في معناه الالتزامي أو التضمني نحو الهمزة في قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) [البقرة: 6] عزلت عن الاستفهام وجردت لمعنى الاستواء، و"الواو" في قوله تعالى: (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) [الكهف: 22] تجردت لمعنى الجمعية فقط، وسلب عنها معنى المغايرة. قوله: (والإله من أسماء الأجناس ... ثم غلب على المعبود بحق)، وفي بعض "شروح المفصل": الأعلام متى غلبت باللام فلابد من أن تكون مسبوقة بالجنسية، ثم الجنسية إما أن تكون بالنظر إلى الدليل والأمارة أو إلى استعمال العرب. أما معنى الاستعمال فكما في النجم والصعق. وأما الدليل فهو أن الدبران والعيوق والسماك، وإن لم تكن أجناساً بالاستعمال لكنها بالنظر إلى أنها أوزان مخصوصة وحروف مخصوصة، ومعنى كل واحد منها

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معلوم، كأن كل واحد منها جنس في الأصل بالنظر إلى الدليل. ونحو هذا المعنى في "التخمير" وفيه أيضاً: "أما الدبران فهو فعلان من الدبور، وأما العيوق فهو فيعول بمعنى فاعل من العوق، وأما السماك فمن السموك؛ فعلى هذا: الإله من القسم الثاني. وأما الله، والرحمن؛ فمن القسم الأول. وبيان ذلك: أن الإله من حيث إنه كان اسماً لكل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بالحق، هو مثل النجم والكتاب. وأما الله من حيث إن المعبود يجب أن يكون خالقاً رازقاً مدبراً مقتدراً إلى ما لا نهاية له، واسم الله جامع لهذه المعاني، ومن لم يجتمع فيه كل ذلك لم يستحق أن يسمى به، فتكون الغلبة بحسب الدليل. وكذا الرحمن صفة لمن وسعت رحمته كل شيء، ومن لم يكن كذلك لا يسمى رحماناً، وليس كذلك إلا الله. فهو بهذا الاعتبار من الصفات الغالبة. والحاصل أن الإله من حيث الإطلاق والاستعمال من غير اعتبار المعنى من قبيل النجم ومن حيث اعتبار المعنى والاستحقاق من قبيل العيوق والدبران. ثم فرق بين الصيغتين؛ لاقتران المعنيين بالتعويض وتركه. وروى الأزهري في تفسير "الله" عن أبي الهيثم أنه قال: في قوله: لا إله إلا الله، أي: لا معبود إلا الله، قال: ولا يكون إلهاً حتى يكون معبوداً، وحتى يكون لعابده خالقاً ورازقاً ومدبراً وعليه مقتدراً، فمن لم يكن كذلك فليس بإله وإن عُبِد. وقال المالكي: إن الله علم للإله بالحق جامع لمعاني الأسماء الحسنى ما عُلِمَ وما لم يُعْلم.

كما أن النجم اسم لكل كوكب، ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط، والبيت على الكعبة، والكتاب على "كتاب" سيبويه. وأما "الله" بحذف الهمزة، فمختص بالمعبود بالحق، لم يطلق على غيره، ومن هذا الاسم اشتق: تأله، وأله، واستأله، كما قيل: استنوق، واستحجر، في الاشتقاق من الناقة والحجر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي "الحقائق" للسلمي: الأسماء كلها داخلة في هذا الاسم خارجة منه، تخرج منه معاني الأسماء كلها، ولا يخرج هو من غيره؛ وذلك أن الله تفرد بهذا الاسم وشارك غيره في اشتقاق أسمائه. وقال الزجاج: إن فعلان من أبنيته ما يبالغ في وصفه، وغضبان معناه الممتلئ غضباً، فالرحمن: الذي وسعت رحمته كل شيء؛ ولهذا لا يجوز أن يقال لغير الله: رحمن. قوله: (وأما "الله" بحذف الهمزة فمختص)، قال في "مريم" في قوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) [مريم: 65] أي: لم يسم شيء بالله قط. وكانوا يقولون لأصنامهم: آلهة، والعزى إله، وأما الذي عوض فيه الألف واللام من الهمزة فمخصوص به المعبود الحق غير مشارك فيه. قوله: (ومن هذا الاسم اشتق: تأله)، قال أبو زيد: تأله الرجل إذا تنسك. قال أبو علي: كأنه ذو العبادة، ويحتمل أن يكون مأخوذاً من الله الذي هو اسم نحو: استحجر الطين واستنوق الجمل. المعنى: يفعل الأفعال المقربة إلى الله تعالى المستحق بها الثواب.

فإن قلت: أسمٌ هو أم صفة؟ قلت: بل اسم غير صفة، ألا تراك تصفه ولا تصف به؟ لا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل، وتقول: إله واحد صمد، كما تقول: رجل كريم خير. وأيضاً فإن صفاته تعالى لابد لها من موصوف تجري عليه، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها، وهذا محال. فإن قلت: هل لهذا الاسم اشتقاق؟ قلت: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعداً معنى واحد، وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم: أله؛ إذا تحير، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا محال)، قال في "التقريب": في استحالة اللازم وفي الملازمة نظر، والجواب عن نظر الملازمة: أن المراد بالصفات جميع ما نُقل عن الشارع من الأسامي، فلو جعلها بأسرها صفات بقيت تلك الصفات وليس لها اسم تجري عليه لفظاً ولا تقديراً. هذا صحيح؛ نعم، لو قال: غير جارية على مسمى، كان عليه الكلام. وعن استحالة اللازم: أن استعمال الألفاظ التي هي الصفات على طريقة الإجراء على الغير من غير أن يكون لها موصوف لفظاً أو تقديراً مما يستلزم الخروج عن استعمال العرب، ولا يعني بالمحال إلا هذا. قال الجنزي: إذا لم يكن الله اسماً وكان صفة، وسائر أسمائه صفات لم يكن للباري تعالى اسم، ولم تُبق العرب شيئاً من الأشياء- أي: المعتبرة إلا سمته- ولم تسم خالق الأشياء وبارئها ومبدعها. هذا محال، وهو اختيار الخليل ومذهب أبي زيد البلخي.

ومن أخواته: دله وعله، ينتظمهما معنى التحير والدهشة، وذلك أن الأوهام تتحير في معرفة المعبود، وتدهش الفطن؛ ولذلك كثر الضلال، وفشا الباطل، وقل النظر الصحيح. فإن قلت: هل تفخم لامه؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال المالكي: ولكون الله اسم عَلَم وليس بصفة قيل: في كل اسم من أسمائه تعالى سواه اسم من أسماء الله تعالى. ومما يواخيه سؤال ابن خالويه أبا علي: كم للسيف اسماً؟ فقال: اسم واحد فقال ابن خالويه: بل له أسماء، وأخذ يعددها؛ نحو: الحُسام، والمخذم، والقضيب، والمقضب، إلى غير ذلك، فقال أبو علي: هذه كلها صفات. قوله: (ومن أخواته دله وعله)، معترضة، وفائدتها: أن الاشتقاق بينه وبين "أله"كان صغيراً، وبينه وبين "علِهَ" كان من الأكبر؛ لجامع قرب المخرج بين الهمزة والعين، وإذا أخذ مع "دله" لجامع النوعية بين الهمزة والدال- وهو كونهما من المجهورة والشديدة- كان أيضاً من الأكبر. قوله: (ينتظمهما معنى التحير والدهشة)، يعني: أن تعريف الاشتقاق صادق عليه من حيث القياس، وهو كون أحد اللفظين مشاركاً للآخر في المعنى والتركيب. فدل هذا الجواب على أنه غير جازم في الاشتقاق؛ وذلك أنه حين سأل نفسه: أسمٌ هو أو صفة؟ أجاب بقوله: بل اسمٌ، وكان يكفيه أن يقول: اسمٌ، لكن لما اعتقد أن غيره محال أضرب عن تصور الوصفية. وها هنا كان حق الجواب أن يقول: نعم، أو لا، فعل إلى تلك العبارة؛ ليؤذن باختلاف الأئمة؛ فقد نقل الأزهري: أن سيبويه قال: سألت الخليل عن هذا الاسم، فقال: الأصل: الإله، فأدخلت الألف واللام بدلاً من الهمزة. وقال مرة أخرى: الأصل لاه، فأدخلت

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الألف، واللام لازمة، لم يرد الخليل على هذا، ولم يفسر مشتقه الذي اشتق منه. وقال بعضهم: أسامي الرب صفات كلها إلا الله فإنه اسم علم، وسائر أهل اللغة على أنه مشتق. وقال أبو علي: روي عن ابن عباس في قوله: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) [الأعراف: 127]: أنه قال: (وَآلِهَتَكَ) أي: عبادتك، فقوله: الإله كأنه ذو العبادة، أي: إليه بها نتوجه. ونظيره في أنه في الأصل اسم حدث ثم جرى صفة للقديم سبحانه وتعالى: السلام، من سلم، والمعنى: ذو السلام، فأخر الحال عنه، كقولك: هو الله معبوداً، وعلق الظرف به نحو: هو الله في السموات، كما يجوز ذلك في المصادر. قلت: ذلك لا يلزم؛ ألا ترى أنهم قد أجروا أشياء من المصدر واسم الفاعل مجرى الأسماء، نحو: لله درك، وزيد صاحب عمرو، فلم يعملوها عمل الفعل؟ ! وقال المالكي: الله علم للإله الحق، واللام قارنت وضعه، وليس أصله الإله. وقال القاضي: لو كان "الله" وصفاً لم يكن قول: "لا إله إلا الله" توحيداً مثل "لا إله إلا الرحمن" فإنه لا يمنع الشركة. وكُتب في "حاشيته": الرحمن وإن خص بالباري تعالى إلا أن ذلك قد حصل بدليل منفصل؛ لأنه من حيث اللغة: الذي يبالغ في الرحمة. وقال أيضاً: والأظهر أنه وصف في أصله لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في

قلت: نعم قد ذكر الزجاج أن تفخيمها سنة، وعلى ذلك العرب كلهم، وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابراً عن كابر. و(الرحمن): فعلان من رحم، كغضبان وسكران من غضب وسكر، وكذلك (الرحيم) فعيل منه، كمريض وسقيم، من مرض وسقم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غيره، وصار كالعلم مثل الثريا أجري مجراه في إجراء الوصف عليه، وامتناع الوصف به، وعدم تطرق احتمال الشركة إليه؛ لأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوصة لما أفاد قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ) [الأنعام: 3] معنى صحيحاً. وفيه نظر، وسيجيء في سورة الأنعام. قوله: (نعم)، قيل: في هذا الجواب نظر لإطلاقه؛ فإن لامه إذا فُتح ما قبل الكلمة أو ضم تفخم وإذا كسر ترقق. وقلت: المقصود من السؤال تفخيم هذا الاسم مطلقاً لا بيان مواقع تفخيمه وترقيقه. وفيه فائدة تفخيم هذا الاسم وتعظيمه؛ ولهذا قرنه بقوله: "وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابراً عن كابر" ثم تصريحه بالدليل كتصريح الدليل في قوله: "والدليل عليه قوله: " (بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: 41] " يعني لم يزل الأقدمون يقدمون هذا الاسم اهتماماً، ولم يزالوا يفخمونه تعظيماً". قوله: (ورثوه كابراً عن كابر)، الأساس: هو كبر قومه: أكبرهم في السن والرئاسة؛ أو في النسب. وأنشد العتبي: نسبٌ توارث كابراً عن كابر ... كالرمح أنبوباً على أنبوب

وفي (الرَّحْمَنِ) من المبالغة ما ليس في (الرَّحِيمِ)؛ ولذلك قالوا: رحمنُ الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا. ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى. وقال الزجاج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي (الرَّحْمَنِ) من المبالغة ما ليس في (الرَّحِيمِ)، قال الزجاج: الرحمن اسم الله خاصة، لا يقال لغيره: رحمن، ومعناه المبالغ في الرحمة، وفعلان من بناء المبالغة تقول للشديد الامتلاء: ملآن، وللشديد الشبع: شبعان. والرحيم: اسم الفاعل من رحم فهو رحيم، وهو أيضاً للمبالغة. وقيل: الرحمن أبعد جرياً من الفعل، والرحيم أقرب إلى مضارعه في عدد الحروف والحركات، فما كان أبعد من الفعل كان أولى. قوله: (ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا)، المطلع: الرحمن: الذي كثرت آثار رحمته، والرحيم: الذي قويت آثار رحمته؛ ففي الدنيا يصل رزقه إلى كل مؤمن وكافر وحيوان ونبات، وفي الآخرة لا يصل إلا إلى المؤمنين، غير أن الواصل في الدنيا كثير الكمية قليل الكيفية؛ لقلة الدنيا وسرعة انصرامها وكثرة شوائبها، وفي الآخرة قليل الكمية بالإضافة إلى من يصل إليها وهم الذين ماتوا على الإسلام، لكنها كثيرة الكيفية لوجود الملك المؤبد والنعيم المخلد. قوله: (ويقولون: إن الزيادة)، عطف على قوله: "قالوا: رحمن الدنيا"، واستدل على أن "الرحمن" أبلغ من "الرحيم" بوجهين: أحدهما: نقلي؛ وهو قوله: "قالوا" إلى آخره، والآخر: قياسي، وهو قوله: "يقولون"، وخالف بين الصيغتين ماضياً ومضارعاً ليؤذن بأن القول الثاني هو الدائر بين الأدباء، والأول قول قديم مأثور كقوله تعالى: (فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) [البقرة: 87]. قوله: (وقال الزجاج)، عطف على "يقولون" على سبيل البيان. وفيه دلالة على إرادة الاستمرار فيه. ثم نقول: إن المبالغة في الرحمن إما بحسب الكمية؛ فهو المراد من الاستشهاد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالنقل، وإما بحسب الكيفية؛ فهو المراد من الاستشهاد بالغضبان. والمختار الثاني، أي: المبالغة بحسب الكيفية. يدل عليه قوله: "لما قال الرحمن فتناول جلائل النعم وعظائمها، أردفه بالرحيم ليتناول ما دق منها" ونحوه قال في قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [ق: 29]: هو من قولك: ظالم لعبده، وظلام لعبيده، وأن يراد لو عذبت من لا يستحق العذاب لكنت ظلاماً، وهذا هو المراد بالاستشهاد. قال صاحب "الانتصاف": تعليل الزمخشري بقوله: "رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا"، بأن الرحمن أبلغ- ضعيف؛ غاية ما فيه: أن الرحمة المستفادة من الرحمن أعم من الرحمة المستفادة من الرحيم. والعموم بالدلالة على قصور المبالغة أولى منه بالدلالة على غايتها، ألا ترى أن ضارباً لما كان أعم من ضراب كان ضراب أبلغ منه لخصوصه، فلا يلزم من خصوص رحيم أن يكون أقل مبالغة من رحمن. أجاب صاحب "الإنصاف": أما أن الخصوص لا يلزم منه قلة المبالغة فحسن، وأما دعواه أن الخصوص دال على المبالغة والعموم على قصورها، واستشهاده بضراب وضارب فغير صحيح؛ لأن المبالغة في ضراب لم تكن لأجل خصوصه بل لدلالته على التكرار، ألا ترى أنا لو وضعنا لمن حصل منه الضرب اسم فاعل يخصه لم يكن أبلغ من ضارب مع أن ضارباً أعم منه؟ ! ولما انقسم المطر إلى: وابل، وطل، وجود؛ لم يكن الوابل والطل والجود أبلغ من المطر؛ لكونها أخص.

في الغضبان: هو الممتلئ غضباً. ومما طن على أذني من ملح العرب: أنهم يسمون مركباً من مراكبهم بالشقدف، وهو مركب خفيف ليس في ثقل محامل العراق، فقلت في طريق الطائف لرجل منهم: ما اسم هذا المحمل؟ أردت المحمل العراقي. فقال: أليس ذاك اسمه الشقدف؟ قلت: بلى. فقال: هذا اسمه الشقنداف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أيضاً: إن قوله: "الزيادة في البناء لزيادة المعنى" منقوض بحذر وهو أبلغ من حاذر. وأجاب عنه صاحب "الإنصاف" من وجهين: أحدهما: الحكم بالغالب. وثانيهما: أن حذراً ما وقعت المبالغة فيه لنقص الحرف، بل لإلحاقه بالأمور الجلية كالشره والنهم والفطن. والنقص إنما يكون مع اتحاد العلة، والعلة ها هنا ليست متحدة، والدعوى أن البناء على الزيادة يدل على المبالغة، ولم ندع انحصار المبالغة في ذلك. قلت: والصحيح أن استفادة المبالغة من (الرحمن) في الوجه الأول لأجل أنه مشارك لـ (الرحيم) في الآخرة بحسب الكيفية، وله مزيد اختصاص بحسب الكمية في الدنيا على تعليل صاحب "المطلع" لا تقديره. قوله: "وقال الزجاج"، قال الأنباري في "نزهة الألباء": هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج، كان من أكابر أهل العربية، حسن العقيدة، جميل الطريقة، صنف مصنفات كثيرة منها كتاب "المعاني في القرآن"، وكان صاحب اختيار في علم النحو والعروض. وقال غيره: أخذ العلم من المبرد، وأخذ منه أبو علي. والذي يدل على جلالته أن المصنف في كتابه هذا قد أخذ منه ما لا يحصى كثرة، وقلما ترى تفسيراً يخلو من كلامه. قوله: (المحمل)، الجوهري: المحمل: واحد محامل الحاج، بفتح الميم الأولى وكسر الثانية.

فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى، وهو من الصفات الغالبة، كالديبران، والعيوق، والصعق، لم يستعمل في غير الله عز وجل، كما أن (الله) من الأسماء الغالبة. وأما قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة، وقول شاعرهم فيه: وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا فباب من تعنتهم في كفرهم. فإن قلت: كيف تقول: الله رحمن، أتصرفه أم لا؟ قلت: أقيسه على أخواته من بابه، أعني نحو عطشان وغرثان وسكران؛ فلا أصرفه ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم يستعمل في غير الله كما أن (الله) من الأسماء الغالبة)، هذا النص يوقفك على صحة ما تكلمنا في الأسماء الغالبة، والصفات من "الله" و"الرحمن" غلبا بحسب الدليل لا الاستعمال، فإذن ليس في كلامه تناقض كما ظن. قوله: (وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا)، أوله: سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أباً الجوهري: اليمامة اسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، واليمامة بلاد كان اسمها الجو فسميت باسم هذه الجارية لكثرة ما أضيف إليها. قوله: (فباب من تعنتهم)، النهاية: العنت: المشقة والفساد والهلاك والإثم والغلط والخطأ. الأساس: وقع فلان في العنت، أي: فيما شق عليه، وتعنتني، أي: سألني عن شيء أراد به اللبس علي والمشقة. قوله: (كيف تقول: الله رحمن، أتصرفه أم لا؟ )، فإن قلت: لم عدل في السؤال عن قوله: أرحمن منصرف أم لا؟ وما دعاه إلى هذا الإطناب؟

فإن قلت: قد شرط في امتناع صرف فعلان أن يكون فعلان فعلى، واختصاصه بالله يحظر أن يكون فعلان فعلى، فلم تمنعه الصرف؟ قلت: كما حظر ذلك أن يكون له مؤنث على فعلى، كعطشى، فقد حظر أن يكون له مؤنث على فعلانة، كندمانة، فإذن لا عبرة بامتناع التأنيث للاختصاص العارض، فوجب الرجوع إلى الأصل قبل الاختصاص، وهو القياس على نظائره. فإن قلت: ما معنى وصف الله تعالى بالرحمة؟ ومعناها العطف والحنو، ومنها الرحم؛ لانعطافها على ما فيها. قلت هو مجاز عن إنعامه على عباده؛ لأن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه، كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم، ومنعهم خيره ومعروفه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: ليوقفك على الخلاف فيه، ويرشدك إلى طريق استنباطه. يعني لما خصصت "الرحمن" بالله عز وجل كيف حكمه في الصرف وعدمه؟ وأجاب بأن حكمه القياس على عطشان وغرثان في امتناع الصرف، ثم قال: لم تقيسه عليهما ولا تعتبر انتفاء فعلى فتصرفه؟ فقال: لأن له معارضاً وهو عدم فعلانة للاختصاص العارض، فإذن لا عبرة بامتناع التأنيث، فالواجب حمله على الأكثر؛ لأن إلحاق الفرد بالأعم الأغلب أولى، فيمتنع الصرف. قوله: (أصابهم بمعروفه وإنعامه)، الانتصاف: فسر الرحمة بأنها مجاز عن إنعام الله تعالى على عباده، ولك أن تفسرها بإرادة الخير، وكلا القولين منقول، منهم من جعلها من صفات الذات، ومنهم من جعلها من صفات الأفعال. وقال في "الإنصاف": والعجب منه أنه كيف لم ينتبه على أن الزمخشري لا يمكنه أن يجعل الإرادة من صفات الذات؛ لأنه لا يثبت صفات الذات، والعجب من الزمخشري أنه إن

فإن قلت: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه؟ والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اجتنب ها هنا ما هو مخالف لمذهبه. وجاء في تفسير (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 7] أن معنى الغضب إرادة الانتقام. والبحث في الموضعين سواء. وهم وإن أثبتوا الإرادة لكنهم لم يجعلوها صفة ذات. وقلت: إن المصنف ما أخطر بباله ذلك بل أجرى الرحمة والغضب في الموضعين على التمثيل والاستعارة، فلابد من تقدير الإرادة هاهنا أيضاً؛ ألا ترى كيف صرح بالتشبيه فيهما حيث قال هاهنا: "إن الملك إذا عطف على رعيته"، وقال هناك: "ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده"؟ ! قوله: (فلم قدم ما هو أبلغ)، وهذا مقام تكلم فيه العلماء فلابد من عد أقوالهم. قال صاحب "التقريب": وإنما قدم أعلى الوصفين، والقياس تقديم أدناهما كجواد فياض؛ لأن ذلك القياس فيما كان الثاني من جنس الأول، وفيه زيادة، والرحمن يتناول جلائل النعم وأصولها، والرحيم دقائقها وفروعها، فلم يكن في الثاني زيادة على الأول، كأنه جنس آخر فيقال: لما ثبت أن الرحمن أبلغ من الرحيم في تأدية معنى الرحمة، صح الترقي من الرحيم إليه؛ لأن معنى الترقي: هو أن يذكر معنى ثم يردف بما هو أبلغ منه. ثم نقول: ما تريد بقولك: فيما كان الثاني من جنس الأول؟ إن أردت أن الجنسية معتبرة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيما فيه الترقي، فلم قلت: إن تلك في الصيغتين مفقودة؛ لأنهما مشتملان على معنى الرحمة، وفي أحدهما أبلغ من الآخر؟ وإن أردت أن الصيغتين لابد أن يتفقا في المعنى كما هو في قولك: جواد فياض، وليس فيهما ذلك؛ فغير مسلم، ألا ترى أن المصنف كيف اعتبر الترقي في قوله تعالى: (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) [النساء: 172] وفي قول الشاعر: وما مثله ممن يجاود حاتم ... ولا البحر ذو الأمواج يلتج زاخره مع أن الملائكة والبحر ليسا من جنس البشر؟ ! وقال صاحب "الفرائد": فلما كان فعلان للأمور العارضة على ما عرف، كالسكران والعطشان، وفعيل للصفات الغريزية كالكريم ونحوه؛ وجب تقديم الرحمن على الرحيم. وأما عروض المعنى فمن جهة العباد، وأنه تعالى ينعم على العباد حالاً بعد حال، وهو ضعيف لأن فعلان صفة مشبهة وهو أبعد جرياً من الفعل كما سبق، وأن الرحيم اسم فاعل كما نص عليه الزجاج. وقوله: فعيل من الصفات الغريزية وذلك في نحو شرف وكرم، وليس وزان رحم وزانه، بل وزان مرض وسقم كما صرح به المصنف آنفاً. سلمنا، لكن قولك: ينعم على العباد حالاً بعد حال؛ يدل على أنه أبلغ من الدوام في بعض الصور كما سيجيء. الراغب: النديم: هو الذي كثرت منادمته، والندمان هو الذي مع كثرة ذلك منه تكررت

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عنه؛ ولذلك قال أهل اللغة: ندمان أبلغ من النديم، فإن العرب إذا زادوا معنى زادوا في اللغة أيضاً. قال صاحبا "الإيجاز" و"الانتصاف": الرحمن أبلغ؛ لأنه كالعلم إذ كان لا يوصف به غير الله، فكأنه الموصوف. وهو أقدم؛ إذ الأصل في نعم الله أن تكون عظيمة، فالبداية بما يدل على عظمها أولى. هذا أحسن الأقوال وأقرب إلى مراد المصنف؛ يعني أن هذا الأسلوب ليس من باب الترقي، بل هو من باب التتميم: وهو تقييد الكلام بتابع يفيد مبالغة؛ وذلك أنه تعالى لما ذكر ما دل على جلائل النعم وعظائمها، أراد المبالغة والاستيعاب، فتمم بما دل على دقائقها وروادفها؛ ليدل به على أنه مولى النعم كلها: ظواهرها وبواطنها، جلائلها ودقائقها، وهو المراد بقوله هنا: "أردفه الرحيم، كالتتمة والرديف"، وفي "الفاتحة" قوله: "من كونه منعماً بالنعم كلها: الظاهرة والباطنة والجلائل والدقائق"، ولو قصد الترقي لفاتت المبالغة المذكورة وذهب به معنى التعميم المطلوب في ألفاظ "الفاتحة" كما سبق. وذلك أن الترقي يحصل فيما إذا قلت: فلان يعلم التصريف والنحو،

كقولهم: فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجواد فياض؟ قلت: لما قال: (الرَّحْمَنِ) فتناول جلائل النعم، وعظائمها وأصولها، أردفه (الرَّحِيمِ)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والتتميم لا يحصل إلا من قولك: يعلم معاني كلام الله المجيد والتصريف؛ إذ من شرط التتميم الأخذ بما هو الأعلى في الشيء، ثم ما هو أحط منه ليستوعب جميع ما يدخل تحت ذلك الشيء؛ لأنهم لا يعدلون عن الأصل والقياس إلا لتوخي نكتة، والجواب إذن من باب الأسلوب الحكيم، والله أعلم. والذي عليه ظاهر كلام الإمام: أنه من باب التكميل وهو أن يؤتى بكلام في فن، فيرى أنه ناقص فيه فيكمل بآخر، فإنه تعالى لما قال: "الرحمن" توهم أن جلائل النعم منه، وأن الدقائق لا يجوز أن تنسب إليه لحقارتها، فكمل بالرحيم. وينصره ما روينا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع"، وزاد: "حتى يسأله الملح"، أخرجه الترمذي. قوله: (نحرير)، أي: بليغ في العلم، كأنه ينحر الشيء علماً، الأساس: جلس فلان في نحر فلان: قابله، ونحرته نحراً: قابلته، ونحر الأمور علماً. ومنه: هو نحرير من النحارير، وسئل جرير عن شعراء الإسلام فقال: نبغة الشعر للفرزدق، وأنا نحرت الشعر نحراً.

كالتتمة والرديف؛ ليتناول ما دق منها ولطف. [(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) 2 - 3] والحمد والمدح أخوان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الحمد والمدح أخوان)، أي: متشابهان لا مترادفان، فإن الأخ يستعمل في المشابهة. قال في "الفائق" في قوله: كأخ السرار: أي: كلاماً كمثل المسارة، وشبهها به لخفض صوته. واعلم أنه ذكر ها هنا ألفاظاً متقاربة المعنى، متدانية المغزى، ولابد من الفرق وهي: الثناء والشكر، والحمد، والمدح. فالثناء: الذكر بالخير مطلقاً. الراغب: الثناء ما يذكر من محامد الناس فيثنى حالاً فحالاً ذكره. الجوهري: أثنى عليه خيراً، والاسم: الثناء. والشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف. والحمد: نقيض الذم، والمحمد: الذي كثرت خصاله المحمودة. والمدح: الثناء الحسن. فالثناء: هو القدر المشترك بين المفهومات الثلاث. قال الإمام: المدح أعم من الحمد؛ لأن المدح يحصل للعاقل وغيره، والحمد لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإحسان والفضائل. وقال الراغب: كل شكر حمد، وليس كل حمد شكراً، وكل حمد مدح، وليس كل مدح حمداً.

وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها، والمدح هو الثناء على الجميل مطلقاً، تقول: حمدت زيداً على علمه وكرمه، ولا تقول: حمدته على حسنه؛ بل مدحته. وقال الإمام: وإنما خص الحمد ها هنا دون المدح ليؤذن بالفعل الاختياري، ودون الشكر ليعم الإحسان والفضائل. ولعمري إن المقام يقتضي ما قال، لما أسلفنا أن "الفاتحة" هي أم القرآن؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، وأنها بنيت على إجمال ما يحتويه القرآن مفصلاً، وأنها واقعة في مطلع التنزيل، والبلاغة فيه: أن يتضمن ما سيق الكلام له كما سبق في شرح الخطبة. فينبغي أن لا يقيد شيء من كلماتها ما أمكن الحمل على الإطلاق، فنحن بعون الله تعالى نراعي هذه الشريطة في التقرير؛ فما وافقنا المصنف فيها نتبعه، وما خالفنا نقف عنده ونجري الكلام على سننه. نعم فيها كلمات ثلاث خصت بمعان مهمة في التوحيد فتقتضي مزيد اختصاص به تعالى، إحداها: اللام في "لله" والكلمتان الأخريان: الصيغتان المنصوبتان وهما: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فأنهما مخصوصتان لغة ومعنى وتركيباً، والتاء في "أنعمت"، فانظر إلى أسرار كلام الله المجيد. ولله در القائل: أنعى إليك قلوباً طالما هطلت ... سحائب الوحي فيها أبحر الحكم قوله: (النداء على الجميل)، أي: رفع الصوت بالثناء على الجميل. خص النداء لما قرر أن الحمد: هو الشكر باللسان، فبالغ في الإظهار والإشادة، وأشار بقوله: "على حسبه وشجاعته" إلى الأفعال الاختيارية.

تقول: حمدت الرجل على إنعامه، وحمدته على حسبه وشجاعته. وأما الشكر، فعلى النعمة خاصة، وهو بالقلب واللسان والجوارح. قال: أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا والحمد باللسان وحده، فهو إحدى شعب الشكر، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمده"، وإنما جعله رأس الشكر؛ لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها، وأدل على مكانها من الاعتقاد، وإدآب الجوارح؛ لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال، بخلاف عمل اللسان، وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي، ويجلي ويجلي كل مشتبه. والحمد نقيضه الذم، والشكر نقيضه الكفران، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو بالقلب واللسان والجوارح)، وعرف الشكر: بأنه تعظيم المنعم بالقلب، وثناؤه باللسان، وتحقيق مراضيه بالجوارح. قلت: هذا بحسب عرف أهل الأصول؛ فإنهم يقولون: شكر المنعم واجب، ويريدون به وجوب العبادة، والعبادة لا تتم إلا بهذه الثلاثة، وإلا فالشكر اللغوي ليس إلا باللسان كما سبق. قوله: (الحمد رأس الشكر)، لم أجده في "الأصول"، لكن ذكر ابن الأثير في "النهاية": ومنه الحديث: "الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمده"، كما أن كلمة الإخلاص رأس الإيمان، وإنما كان رأس الشكر؛ لأن فيه إظهار النعمة والإشادة بها. قوله: (وإدآب الجوارح)، أي: إتعابها. النهاية: دأب في العمل: إذا جد وتعب، إلا أن العرب حولت معناه إلى العادة والشأن. قوله: (نقيضه)، أي: مقابله، وإنما كان الذم نقيض الحمد لاختصاصه باللسان أيضاً،

وارتفاع (الحمد) بالابتداء، وخبره الظرف الذي هو (لِلَّهِ)، وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله على أنه من المصادر التي تنصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الإخبار، كقولهم: شكراً وكفراً، وعجباً، وما أشبه ذلك، ومنها: سبحانك، ومعاذ الله، ينزلونها منزلة أفعالها، ويسدون بها مسدها؛ ولذلك لا يستعملونها معها، ويجعلون استعمالها كالشريعة المنسوخة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والكفران نقيض الشكر لحصوله بالقلب واللسان والجوارح، والمدح يقابل الهجو؛ لما في الهجو من الثلب الذي هو نقيض التحسين. قوله: (وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم)، قال الزجاج: الحمد رفع بالابتداء، وهو الاختيار؛ لأن السنة تتبع في القرآن، ولا يلتفت إلى غير الرواية الصحيحة التي قرأها المشهورون بالضبط والثقة، ويجوز "الحمد لله" تريد: أحمد الله الحمد، إلا أن الرفع أحسن وأبلغ في الثناء على الله تعالى. وهذه القراءة ما ذكرها ابن جني في "المحتسب". قال في "الانتصاف": يدل على ذلك أن سيبويه اختار في قول القائل: "فإذا له عِلْمٌ عِلْمُ الفقهاء" الرفع، وفي قوله: "فإذا له صَوْتٌ صَوْتَ حمار" النصب؛ لإشعار النصب بالتجدد المناسب للأصوات، وإشعار الرفع بالثبوت الذي هو في العلم أمدح. قوله: (ومنها: سبحانك، ومعاذ الله)، قيل: ميزهما لكونهما غير متصرفين. قوله: (كالشريعة)، أي: كالتدين بالشريعة المنسوخة في كونهما محظورين. وقيل: لا يجوز

والعدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره. ومنه قوله تعالى: (قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ) [هود: 69] رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم صلوات الله عليه حياهم بتحية أحسن من تحيتهم؛ لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدده وحدوثه. والمعنى: نحمد الله حمداً، ولذلك قيل: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، لأنه بيان لحمدهم له، كأنه قيل: كيف تحمدون؟ فقيل: إياك نعبد، فإن قلت: ما معنى التعريف فيه؟ قلت: هو نحو التعريف في: أرسلها العراك، وهو تعريف الجنس، ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إظهار أفعالها؛ لأنها قد اشتهرت بينهم بمعان، وبلغت في الغنية عن تكلف انضمام أفعالها غاية لو تكلف عند ذكرها لاختل المعنى. قلت: لعل فائدة ما ذكر أن نحو قوله تعالى: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد: 4] مفيد لمعنى التوكيد مع الاختصار، وفي الأصل كان الفعل مطلوباً ويتبعه المصدر، وها هنا بالعكس فيفيد طلب المسارعة في الامتثال، كما في قوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ ... ) [البقرة: 60]. قوله: (ولذلك قيل)، أي: ولأن أصل الكلام: "نحمد الله حمداً" جملة فعلية فيها ضمير الحكاية للجماعة قيل: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ليكون مطابقاً له. قوله: (لأنه بيان لحمدهم)، تعليل للمطابقة؛ كأنه قيل له: لم تقدره مطابقاً له؟ فقيل: لأنه بيان له. قال صاحب "التقريب": والمعنى نحمد الله حمداً لقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)؛ لأنه بيان لحمدهم له، واللام لتعريف الجنس، والاستغراق وهم. قوله: (أرسلها العراك)، تمامه: فأرسلها العراك ولم يذدها ... ولم يشفق على نغص الدخال

ومعناه: الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو، والعراك ما هو، من بين أجناس الأفعال، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قائله لبيد. الإرسال بمعنى التخلية. يصف العير وأتنه، والضمير في "أرسلها" للعير، والبارز للأتن. والدخال في الورد: أن يشرب البعير ثم يرد من العطن إلى الحوض ويدخل بين بعيرين عطشانين ليشرب منه. ونغص البعير: إذا لم يتم شربه. الأساس: نغص عليه عيشه: إذا قطع عليه مراده. و"العراك": نصب على الحال أي: معتركة. الجوهري: يقال: أورد إبله العراك، إذا أوردها جميعاً الماء. ونُصِبَ نَصْبَ المصادر، أي: أوردها عراكاً ثم أدخل عليه الألف واللام، كما قالوا: الحمد لله فيمن نصب، ولم يغير الألف واللام المصدر عن حاله. قوله: (والعراك ما هو)، وذلك أن تعريف الجنس على ضربين كما قال في تفسير قوله: (وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: 25]: "لام الجنس إذا دخلت على المفرد كان صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به، وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه". وهذا التعريف من قبيل الثاني وعليه قوله:

والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولقد أمر على اللئيم يسبني أي: لئيم من اللئام وهو المراد بقوله: "من بين أجناس الأفعال" أي: الأفعال التي تنسب إلى الدواب في هذا المقام. قوله: (والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم)، قال صاحب "اللباب" في تفسير الفاتحة: وذلك أن اللام لا تفيد شيئاً سوى التعريف، والاسم لا يدل إلا على نفس الماهية المعبر عنها بالجنسية، فإذن لا يكون ثم استغراق. وقلت: ما أدري كيف ذهل هذا الفاضل عن كلام صاحب "المفتاح": أن الحقيقة من حيث هي هي صالحة للتوحد والتكثر لاجتماعها مع كل واحد منهما، فإذا اجتمعت مع المفرد والجمع في المقام الخطابي حملت على الاستغراق؟ ! والحق أن الحمل على الجنس أو على الاستغراق إنما يظهر بحسب المقام، ومنشأ حكمه بالوهم هو أن الأصل: "نحمد الله حمداً"، وأنه مطابق لقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5] كما بينا، وأن الحمد في الأصل لا تعيين فيه، وإتيان البيان لإزالة ذلك الإبهام، فالواجب في تعريف الحمد الجنس؛ لأنه نائب عن المصدر، فلو جعل للاستغراق لتعين، وهو غير مطابق للبيان. وتمام تقريره: أن القائل لما أخبر عن نفسه أنه يصدر عنه حمد من المحامد باللسان لمن يستحق الحمد؛ فاتجه للسامع أن يسأل: كيف يحمده؟ أي: بين لي كيفية حمدك فإنها غير معلومة؛ فلابد أن تجيبه بما تلفظ به من الحمد، وهو في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كأنه قال: أقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)؛ لأن المفروض أن السؤال عن الشكر اللساني، فإذن "الحمد" إخبار من القائل عن حمد حمده لله تعالى. وحقيقه الحمد المقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). هذا تمام تقرير كلامه. وبهذا ظهر: أن ليس المراد من تعريف الجنس في الحمد الماهية من حيث هي هي نحو: الرجل خير من المرأة؛ بل المراد منه فرد غير معين بحسب الخارج نحو: دخلت السوق في بلد كذا؛ بدليل قوله: "لأنه بيان لحمدهم" واستشهاده بالبيت. الانتصاف: تعريف النكرة باللام إما للعهد وإما للجنس، والذي للعهد إما أن ينصرف إلى فرد معين من أفراد الجنس نحو: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل: 11] وإما أن ينصرف العهد إلى الماهية باعتبار تمييزها عن غيرها كقولك: أكلت الخبز، والجنس: هو الذي ينضم إليه شمول الآحاد، وكلا نوعي العهد لا يوجب الاستغراق، وإنما يوجبه الجنس. والزمخشري جعل تعريف الحمد من النوع الثاني من نوعي العهد، وعبر عنه بتعريف الجنس. وقال الإمام فصيح الدين صاحب "الفرائد": كأنه أراد بهذا القول بعض الحمد بناءً على مذهبه، وليس كذلك؛ فإنه لا حمد إلا لله تعالى. نعم، تعريف الجنس ليس مما يقتضي الاستغراق؛ ولكنه يحتمله. فإن لم يمنع مانع واقتضاه المقام كان مراداً منه. والحمد لما كان هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم، والله تعالى خالق كل جمال وكمال، وخالق كل من له الجمال والكمال، وخالق كل من يستحق به الحمد من الأفعال؛ فله الحمد في الحقيقة وإن أضيف في الظاهر إلى غيره. تم كلامه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهذا الكلام يحتاج إلى فضل تقرير ومزيد بيان؛ فنقول وبالله التوفيق: أما قوله: بناءً على مذهبه؛ فذلك أن من مذهبه أن العبد أيضاً موجد لأفعاله بالاستقلال، فيستحق بذلك الحمد، فلا يكون كل الحمد لله تعالى. واعلم أن هذا المقام من مزال الأقدام، فالواجب أن نتكلم على مقتضى المقام ونقول للمصنف: ما تعني بإسناد الوهم إلى القائل بالاستغراق؟ فإن مجرد التعصب لا يجديك! إن عنيت أن أصل الكلام: نحمد الله حمداً؛ لأن المقام أو اللغة تقتضيه، فيقال: أين صحة تلك الدعوى؟ أما المقام فهو ناب عنه كما سنبينه، وأما اللغة فلا تمنع غير ذلك كما قال هذا الفاضل: إن تعريف الجنس ليس مما يقتضي الاستغراق ولكنه يحتمله كما ذكرت في قوله تعالى: (وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: 25] ولعله يتشبث بالفصل وهو ترك العاطف بين الجملتين وهو (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) و (الْحَمْدُ لِلَّهِ). ونقول: ليس هذا الفصل إلا لأن يكون الثاني بياناً للأول فيرد بأن هذا من التعكيس؛ لأن جعل صدر الكلام متبوعاً للعجز أولى من العكس. وأما المحققون كالواحدي والإمام والقاضي وغيرهم؛ فعلى تعميم الحمد، وأن ترك العاطف في قوله: "إياك"؛ لأن الكلام الأول جار على المدح للغائب بسبب استحقاقه كل الحمد، والثاني جار على الحكاية عن نفس الحامد من بيان أحواله بين يدي ذلك الغائب، فترك العاطف للتفرقة بين الحالتين، لا للبيان. ويدل على أن هذا التقدير أولى من وجوه: أحدها: أن حسن الالتفات أن يكون النقل من إحدى الصيغتين إلى الأخرى في سياق

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واحد لمعلوم واحد، وعليه صاحب "المفتاح"، فلينظر إلى تقريره، وذلك مفقود على تقدير البيان والسؤال. والعجب أن المصنف حين قرر الالتفات نسي هذا السؤال والجواب وأجراه على ما يقتضيه معنى الالتفات. ولا ارتياب أن الذهاب إلى فسحة الالتفات، والقول بأن قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) إلى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وارد على الشكر اللساني، وقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) مشعر بالشكر بالجوارح و (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) مؤذن بالشكر القلبي أحسن وأولى من الفرار إلى مضيق القول بأن المراد بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إخبار من القول الصادر عنه لحمد حمده كما سبق تقريره لنتخلص بالكلية من السؤال الذي أورده بعض أفاضل العصر على قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) بيان "لحمدهم" وهو أنه يناقض ما ذكره من أن الشكر بالقلب واللسان والجوارح، والحمد باللسان وحده؛ لأنه إذا كان (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) بياناً لحمدهم، والعبادة تكون بالجوارح والقلب- كما تكون باللسان- لزم أن يكون الحمد كذلك ضرورة. وثانيها: دل ذلك الاعتبار على بيان العظمة والجلال. قال الإمام: لو قال: أحمد الله كان قد ذكر حمد نفسه فقط، وإذا قال: إن حقيقة الحمد لله فقد دخل فيه حمده وحمد غيره جميعاً من لدن خلق العالم إلى انتهاء دخول أهل الجنّةِ الجنَّةَ (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [يونس: 10]. وثالثها- وهو المعتمد وعليه التعويل-: أن في تعقيب هذه الصفات للحمد إشعاراً بأن الحمد إنما استحقه لما أنه متصف بها كما صرح به في قوله: "وهذه الأوصاف دليل على أن من كانت ذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء". وقد تقرر في الأصول: أن في اقتران الوصف المناسب بالحكم إشعاراً بالعلية. وها هنا الصفات بأسرها تضمنت العموم؛ فينبغي

وقرأ الحسن البصري: (الحمد لله) بكسر الدال لإتباعها اللام، وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: (الحمد لله) بضم اللام لإتباعها الدال، والذي جسرهما على ذلك- والإتباع إنما يكون في كلمة واحدة؛ كقولهم: منحدر الجبل ومغيره- تنزل الكلمتين منزلة كلمة واحدة لكثرة استعمالهما مقترنتين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن يكون العموم في الحمد ثابتاً، وبيانه: أن الشكر يقتضي المُنْعِمَ والمُنْعَمِ عليه والنعمة. والمُنْعِمُ: هو الله، وخص اسمه المقدس لكونه جامعاً لمعاني الأسماء الحسنى ما عُلم وما لم يُعلم كما سبق. والمُنْعَمُ عليهم: العالمون، وهو قد اشتمل على كل جنس مما سمي به كما سنفسره. وموجب النعم: الرحمن الرحيم، وهو قد استوعب جميع النعم كما مر؛ فإذن ما الذي يستدعي تخصيص الحمد بالبعض سوى التحكم والتوهم عفا الله عنه؟ ! ولله در القائل: "قولك: زيد حسن الوجه وصف لزيد، وحمد لبارئه؛ إذ كل حسن صنيع جمال فطرته، وكل محسن رضيع لبان نعمته"! وهذا الكلام جدير أن ينمق على صفحات عين إنسان المعاني، ولا غرو في ذلك؛ لأنه من إنسان العين في المعاني. وفي "اللطائف القشيرية": واللام في الحمد للجنس، ومقتضاها الاستغراق بجميع المحامد لله تعالى: إما وصفاً، وإما خلقاً؛ فله الحمد لظهور سلطانه، وله الشكر لوفور إحسانه. ومن أراد الإطناب في الباب فعليه بتفسير الإمام في الأنعام، (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب: 4]. قوله: (والذي جسرهما)، الأساس: تجاسرت على كذا: تجرأت عليه. هذا الكلام يشعر أن قراءتهما مبنية على القياس دون السماع، وهذا جسارة عظيمة. والمصنف كثيراً يذهب إلى مثل هذا المحذور؛ ألا ترى إلى قوله في "الأنعام": والذي حمل ابن عامر على قراءة (قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ) [الأنعام: 137] أن رأى في بعض المصاحف "شركائهم" مكتوباً بالياء؟ !

وأشف القراءتين قراءة إبراهيم؛ حيث جعل الحركة البنائية تابعة للإعرابية التي هي أقوى بخلاف قراءة الحسن. الرب: المالك، ونمه قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن. تقول: ربه يربه فهو رب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأشف القراءتين)، أي: أفضلهما، النهاية: الشف: الربح والزيادة، وفي حديث الربا: "ولا تشفوا أحدهما على الآخر": لا تفضلوا. والشف: النقصان أيضاً، وهو من الأضداد أيضاً. قال أبو البقاء: إتباع الكسر ضعيف؛ لأن فيه إتباع الإعراب البناء، وفيه إبطال الإعراب. وإتباع الضم أيضاً ضعيف، لأن لام الجر متصل بما بعده منفصل عن الدال، ولا نظير له في حروف الجر المفردة إلا أن من قرأ به أجراه مجرى المتصل؛ لأنه لا يكاد الحمد يستعمل مفرداً عما بعده. قوله: (قول صفوان)، الاستيعاب: هو صفوان بن أمية بن خلف الجمحي. هرب يوم الفتح ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد معه حنيناً والطائف وهو كافر، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغانم يوم حنين فأكثر، فقال صفوان: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي، فأسلم. وأما أبو سفيان: فهو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أسلم يوم فتح مكة،

كما تقول: نم عليه ينم فهو نم، ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة، كما وصف .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وشهد حنيناً، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غنائمها مئة بعير وأربعين أوقية. روى الصغاني في "حاشية الصحاح": لما انهزم المسلمون يوم حنين قال حنبل مولى معمر بن خبيب: بطل سحر ابن أبي كبشة اليوم، فقال صفوان: فض الله فاك، لأن يربني ... " إلى آخره، وهو إذ ذاك كافر ثم أسلم وتوفي بمكة. قوله: (نم عليه)، الجوهري: نم الحديث يَنُمُّه ويَنِمُّهُ نماً، أي: قته، والاسم: النميمة، والرجل نم ونمام. قوله: (ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر)، عطف على قوله: "الرب المالك". قال القاضي: الرب في الأصل التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً، ثم وصف به للمبالغة، كالصوم والعدل. وفيه دليل على أن الممكنات كما هي مفتقرة إلى المحدث حال حدوثها مفتقرة على المبقي حال بقائها، وهذا التفسير أولى؛ لأنه أعم وأنسب للحمد كما سبق، فإن من شأن المالك إصلاح ما تحت سياسته وإتمام أمر معاشه. الأساس: هو رب لدار والعبد وغير ذلك، ورب ولده تربية. الجوهري: رب كل شيء مالكه. ورببت القوم: سستهم، أي: كنت فوقهم. ورب الضيعة أي: أصلحها وأتمها، ورب فلان ولده يربه رباً. فالواجب حمل (الرب) على كلا مفهوميه بأن يفسر (الرب) بالقدر المشترك التصرف

بالعدل. ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده، وهو في غيره على التقييد بالإضافة؛ كقولهم: رب الدار، ورب الناقة، وقوله تعالى: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) [يوسف: 50]، (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) [يوسف: 23]. وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما: (رب العالمين) بالنصب على المدح، وقيل: بما دل عليه الحمد لله، كأنه قيل: نحمد الله رب العالمين. العالم: اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين. وقيل: كل ما علم به الخالق من الأجسام والأعراض. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التام، وسبيل إعمال المشترك في كلا مفهوميه إذا اتفقا في أمر: سبيل الكناية في أنها لا تنافي إرادة التصريح مع إرادة ما عبر عنه، وإذا اختلفا: سبيل الحقيقة والمجاز. قوله: (في غيره)، على التقييد والإضافة، كقولهم: رب الدار ورب الناقة، هذا يرده ما رواه الشيخان عن أبي هريرة: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضيء ربك، اسق ربك، ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي ومولاي". وأما قول يوسف عليه السلام: (إِنَّهُ رَبِّي) [يوسف: 23] ونحوه فهو ملحق بقوله تعالى: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) [يوسف: 100] في الاختصاص بزمانه. قوله: (والثقلين)، أي: الجن والإنس. قال: إنما سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض؛ فدل به على أن الجن أجسام. قوله: (كل ما عُلم به الخالق)، المطلع: العالم: فاعل من العلم كالطابع والخاتم من الطبع والختم، سمي به لكونه علماً على حدوثه وافتقاره إلى محدث قديم. أبو البقاء: العالم: اسم موضوع للجمع، ولا واحد له في اللفظ. وقال الزجاج: العالمين:

فإن قلت: لم جمع؟ قلت: ليشمل كل جنس مما سمي به. فإن قلت: فهو اسم غير صفة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كل ما خلق الله كما قال: (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام: 164] وهو جمع عالم، تقول: هؤلاء عالمون، ورأيت عالمين، ولا واحد لعالم من لفظه؛ لأن عالماً جمع لأشياء مختلفة، فإن جعل "عالم" لواحد صار جمعاً لأشياء متفقة. قوله: (ليشمل كل جنس مما سمي به)، فإن قلت: أليس هذا مخالفاً لقولهم: الاستغراق في المفرد أشمل؟ قلت: لا؛ لأنهم يريدون أن الجمع قد يحتمل غير الشمول في بعض المقامات، والمفرد وإن دل على الشمول والاستغراق لكن الغرض استغراق الأجناس المختلفة. فلو أفرد وقيل: رب العالم؛ لاحتمل الاستغراق شمول أفراد كل ما يصح عليه إطلاق اسم العالم، فلا تُعلم نصوصية تعدد الأجناس وكثرتها كالجن والإنس والملائكة وغيرها كما تعلم من الجمعية؛ فجمع ليشمل ذلك المعنى. وأما قول صاحب "الانتصاف": والتحقيق فيه وفي كل ما يجمع من أسماء الأجناس ثم يعرف تعريف الجنس أنه يفيد أمرين: أحدهما: أن ذلك الجنس تحته أنواع مختلفة، والآخر: أنه مستغرق لجميع ما تحته منها. والمفيد لاختلاف الأنواع الجمع، والمفيد للاستغراق التعريف؛ إذ لو جمع مجرداً عن التعريف أفاد اختلاف الأنواع، ولو عرف مجرداً عن الجمع أفاد الاستغراق. وظهر ضعف قول الزمخشري: "جمع ليشمل"؛ إذ الشمول من التعريف لا من الجمع فمندفع؛ لأن السؤال في قوله: "لم جمع؟ " وارد على الجمع المحلى باللام. وتقريره ما سبق. قوله: (فهو اسم غير صفة)، جيء بالفاء والتأكيد المؤذن بمزيد الإنكار، يعني: على ما

وإنما تجمع بالواو والنون صفات العقلاء أو ما في حكمها من الأعلام. قلت: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فسرت العالم في الوجهين، ينبغي أن يكون اسماً لا صفة، وإنما يجمع بالواو والنون صفات العقلاء أو أعلامها بالتأويل والرجع إليها. وهذا ليس منها. قال صاحب "التقريب": وإنما ساغ جمعه بالواو والنون مع أنه ليس صفة للعقلاء ولا ما في حكمها من الأعلام التي إنما تجمع بتصييرها صفة وتنكيرها وتأويل كونها مسماة بكذا؛ لما فيه من معنى الوصفية وهي الدلالة على معنى العلم. وفيه نظر؛ إذ دلالتها عليه ليست صفة للعقلاء؛ إذا الجماد يعلم به. وقال صاحب "الفرائد": لا يلزم من الوصفية جواز الجمع بالواو والنون؛ لما عرف من اختصاصه بصفات أولي العلم، فالوجه التغليب بعد اعتبار الوصفية؛ لأن كل عالم معلم من حيث إنه دل على الخالق تعالى وتقدس. فنقول: نحن أولاً نبين مغزى جواب المصنف وهو قوله: "ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم"، ثم ننظر ما يرد عليه. أما تنزيل جوابه على أن يراد بالعالم اسم لذوي العلم؛ فهو أن هذا الاسم وإن لم يكن صفة ولا علماً لكن مصحح جمعه بالواو والنون مراعاة المناسبة بين الاسم والمسمى من حيث الاشتقاق فإن فيه نوع وصفية؛ وهو بهذا الاعتبار أقرب جرياً إلى الصفة من الأعلام وتأويلها بالمسمى. ولعل هذا السر قدم في "المفصل" الوصف على العلم وقال: فالذي بالواو والنون لمن يعلم في صفاته وأعلامه كالمسلمين والزيدين. وروي عن المصنف: إنما يجمع بالواو والنون العقلاء، كقولنا: مسلمون ومؤمنون، أو ما في حكمها من الأعلام كقولنا: الزيدون والعمرون، فكأنك قلت: المسمون باسم زيد وعمرو، فلهذا جاز جمعها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي "شرح اللباب": وإنما جمع العلم دون اسم الجنس؛ لأن العلم حقه أن لا يجمع أصلاً؛ لأن تشخصه يمنع من الجمعية، وإنما جمع بتقدير جعله وصفاً وهو كونه مسمى بالزاي والياء والدال بخلاف نحو رجل؛ فإنه لا تشخص له يمنع من جمعه ليحتاج إلى جعله صفة. والأصل في الجمع بالواو والنون الصفات، كضاربون، حملاً على يضربون. وعلى الوجه الثاني: وهو أن يراد بالعالم: اسم ما علم به الخالق تعتبر الوصفية فيما فيه من أولي العلم كما ذكره صاحب "الفرائد" ثم يغلبه على غيره، أو ينزل الكل؛ لكونه دالاً على معنى العلم كقوله: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد منزلة من له العلم، وتجمع بالواو والنون كما في قوله تعالى: (اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: 11]، فسلم من هذا التقرير كلامه مما أورداه عليه. ثم أنسب الوجهين الثاني؛ لعمومه، وإن كان أولو العلم يستتبعون غيرهم، وإنما جمع بالواو والنون مع أنه جمع قلة، والظاهر مستدع للإتيان بجمع الكثرة تنبيهاً على أنهم وإن كثروا قليلون في جنب عظمته وكبريائه، وقد مر مثل ذلك.

[(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) 4]. قرئ: (مَلِكِ يوم الدين)، و (مالك)، و (ملك) بتخفيف اللام. وقرأ أبو حنيفة رحمة الله عليه: (مَلَكَ يوم الدين) بلفظ الفعل، ونصب (اليوم)، وقرأ أبو هريرة: (مالك) بالنصب، وقرأ غيره: (ملك) وهو نصب على المدح، ومنهم من قرأ (مالك) بالرفع. و(ملك) هو الاختيار؛ لأنه قراءة أهل الحرمين، ولقوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر: 16]، ولقوله: (مَلِكِ النَّاسِ) [الناس: 2]، ولأن المُلْكَ يعم، والمِلْكَ يخص، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: مَلِكِ)، قال صاحب "التيسير": قرأ عاصم والكسائي (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: 4] بالألف، والباقون بغير ألف. قوله: (ولأن "المُلك يعم، والمِلك يخص")، القاضي: "المالك هو المتصرف في الأعيان المملوكة، والمَلِك هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين". المطلع: المالك أجمع وأوسع؛ لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال إلا: مَلِك الناس. ولأنه لا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون مليكه ولا يملكه. وقال الزجاج: من قرأ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فعلى قوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ) [غافر: 17] أي: من المَلِكُ اليوم؟ ومن قرأ (مَالِكِ) فعلى معنى ذي المملكة في يوم الدين.

ويوم الدين: يوم الجزاء، ومنه قولهم: "كما تدين تدان". وبيت الحماسة: ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا فإن قلت: ما هذه الإضافة؟ قلت: هي إضافة اسم الفاعل إلى الظرف على طريق الاتساع مُجرىً مَجرى المفعول به، ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويوم الدين يوم الجزاء)، وفي اختصاص يوم الدين دون يوم القيامة وغيره من أساميه فائدتان: إحداهما: مراعاة الفاصلة، وثانيتهما: العموم المطلوب في الألفاظ، فإن الجزاء يشتمل على جميع أحوال القيامة من ابتداء النشور إلى السرمد الدائم. بل يكاد يتناول أحوال النشأة الأولى بأسرها. فظهر من هذا الاختصاص ومن مآل معنى القراءتين في الصورتين إفادة التعميم المطلوب من ألفاظ هذه السورة الكريمة، والدلالة على التسلط والغلبة والتصرف والملَكة فسبيل (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) و (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) سبيل (رَبُّ الْعَالَمِينَ) في الحمل على المفهومين. فانظر إلى حسن هذا الترتيب السري، وهذا النظم الأنيق تدهش منه؛ وذلك أن (رَبُّ الْعَالَمِينَ) إذن بالتصرف التام في الدنيا ملكاً وتربية، و (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) دل على ذلك في العقبى تسلطاً وقهراً، وتوسيط (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بينهما مناد بترجيح جانب الرحمة، وأنه تعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. قوله: (على طريق الاتساع)، أي: جعل المفعول فيه بمنزلة المفعول به كقوله: ويوم شهدناه سليماً وعامراً قوله: (مُجْرى مَجْرى)، بالضم اسم مفعول حال من الظرف. ومجرى الثاني روي

كقولهم: يا سارق الليلة أهل الدار، والمعنى على الظرفية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مضموماً من المزيد، والرواية الصحيحة بالفتح بمعنى الإجراء كقوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً) [نوح: 17] أو بمعنى المكان. قوله: (والمعنى على الظرفية)، يعني لُمِح في المفعول به معنى الأصل، أي: المفعول فيه، فالاتساع حينئذ على الكناية؛ لأنه لا يُراعى معنى المنقول منه في المنقول إليه إلا في الكناية. وهذه الطريقة أبلغ من الأصل. وإن شئت فاختبر نفسك بين ما إذا قلت: فلان مالك الدهر صاحب الزمان، وبين ما إذا قلت: مالك الأمور في الزمان؛ تجد الفرق. وفائدتها الشمول التام؛ لأن تملك الزمان يستلزم تملك ما فيه على أبلغ وجه في مقام العموم والتعظيم. قال أبو علي في "الحجة": وأما إضافة "مَلِكِ" إلى الزمان فكما يقال: مَلِكُ عام كذا، وملوك سني كذا، ومَلِكُ زمانه، وسيد زمانه، وهو في المدح أبلغ. ولهذا قال: "مالك الأمر كله في يوم الدين" جعل المفعول فيه مفعولاً به اتساعاً ثم كناه عن المفعول فيه للمبالغة. كما جعل البحتري الفعل المتعدي لازماً، ثم كناه عن المتعدي في قوله: شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع أي: يكون ذو رؤية، وذو سمع؛ فعبر به عن قوله: أن يرى مبصر آثار محاسن الممدوح، ويسمع واع صيت محامده. ولو أريد هذا المعنى ابتداءً من قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لم يفد تلك الفائدة. فإن قلت: بين لي الفرق في إيقاع قوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) مستشهداً به فيما تقدم وها هنا؛

ومعناه: مالك الأمر كله في يوم الدين، كقوله: (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) [غافر: 16]. فإن قلت: فإضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية، فلا تكون معطية معنى التعريف، فكيف ساغ وقوعه صفة للمعرفة؟ قلت: إنما تكون غير حقيقية إذا أريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال، فكان في تقدير الانفصال، كقولك: مالك الساعة أو غداً. فأما إذا قصد معنى الماضي، كقولك: هو مالك عبده أمس، أو زمان مستمر، كقولك: زيد مالك العبيد، كانت الإضافة حقيقية، كقولك: مولى العبيد، وهذا هو المعنى في: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: هو فيما تقدم مستشهد لمعنى التسلط كما قررنا، وما كان يستتب ذلك غلا على قراءة "ملك". وها هنا مستشهد لمعنى العموم المستفاد من الإضافة. فهو على القراءتين مستقيم. قوله: (فإضافة اسم الفاعل)، هذه الفاء مؤذنة بالإنكار، أي: كيف يجعل اسم الفاعل عاملاً في الظرف، ثم يجعله مع هذا صفة للمعرفة؟ قوله: (أو زمان مستمر)، عطف على قوله: "معنى الماضي"، ومعنى الاستمرار فيه كما في قولك: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم. قال المصنف: يريد أنه مما اعتاده ووجد منه مستمراً. وبعدما أتى لكل واحد بمثال على حدة، أتى بمثال آخر يجمعهما في معنى الإضافة الحقيقية يدل عليه إيقاع "كانت" جواباً لـ "إذا" بعد ذكر المثالين. وإنما جمع العبيد في المثال الثاني وأفرده في الأول ليؤذن بتملكه إياهم في الأزمنة المختلفة. قوله: (هذا هو المعنى في: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، يعني كما قلنا من أن القصد هو المعنى أو الزمان المستمر. والإضافة حقيقية في المثالين، كذا هو المعنى في قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، لا لمجرد الحال والاستقبال؛ دل على هذا الحصر توسيط ضمير الفصل بين اسم الإشارة والخبر المعرف باللام، ثم قال: "ويجوز أن يكون المعنى: مَلَكَ الأمور" يعني وجائز

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن يقصد بالإخبار عن الآتي بلفظ المضي على سنن إخبار الله، كقوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: 44] فإن إخبار الله عن المستقبل في كونه واجب الوقوع كالماضي المحقق. فظهر من مجموع السؤالين إلى انتهاء الجوابين في: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أن مالك إذا قصد فيه معنى الاستمرار وكان عاملاً في الظرف لا يقدح في تعرفه حتى يقع وصفاً للمعرفة، وأن مصحح اسم الفاعل المضاف إلى معموله في تهيئه لوصف المعارف تحققه وثبوته في نفسه، سواء كان بمعنى المضي أو المضارع المستمر؛ ولذلك لا يصح ذلك إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وهو المراد من قوله: "فكان في تقدير الانفصال كقولك: مالك الساعة أو غداً"، وعليه اتجه السؤال فوافق هذا ما قرره في "الأنعام" في قوله تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً) [الأنعام: 96] كيف يكون لليل محل والإضافة حقيقية لأن اسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضي؟ قلت: ما هو في معنى المضي؛ وإنما هو دال على جعل مستمر في الأزمنة المختلفة، كما تقول: الله قادر عالم، فلا تقصد زماناً دون زمان. وقد ذهب صاحب "التقريب": إلى أنه مخالف له. نعم هو مخالف للمذهب المشهور كما ينبئ عنه كلام صاحب "المفتاح": واسم الفاعل كيف كان، مفرداً أو مثنى أو مجموعاً جمع تكسير أو تصحيح، نكرة في جميع ذلك، أو معرفة، ظاهراً أو مقدراً، مقدماً أو مؤخراً، يعمل عمل فعله المبني للفاعل إذا كان على أحد زماني ما يجري هو عليه، وهو المضارع دون المضي أو الاستمرار عندنا، حيث قال: عندنا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروى ابن الحاجب عن الكسائي أنه قال: يجوز إعماله وإن كان للماضي، وتمسك بقولهم: الضارب زيداً أمس، وقوله تعالى: (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ) [الكهف: 18]. وقال أبو البقاء في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً) [فاطر: 1]: الإضافة في (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ) محضة؛ لأنه للماضي، فأما (جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ) فكذلك في أجود المذهبين، وأجاز قوم أن تكون غير محضة على حكاية الحال، و (رُسُلاً) مفعول ثان. هذا وإن القول بالفرق وارتكاب المجاز هو القول؛ لأن حكم هذه الألفاظ إذا وقعت أوصافاً لله تعالى- لأن أوصافه لا تلائم أوصاف المخلوقين- مخالف لما إذا وقعت أوصافاً لغيره تعالى، سيما إذا استدعاه المقام. ألا ترى إلى قول ابن جني في "الدمشقيات" في قولهم: مررت بالضارب زيداً أمس، قولان: أحدهما: أنه على معنى الفعل، أي: الذي ضربه أمس، والآخر: أنه كما جاز أن يقيم الألف واللام مقام الذي، كذلك جاز أن يعمل اسم الفاعل وإن كان ماضياً؛ لأنه موضع اتساع. وإلى هذا المعنى من الاتساع ذهب ابن الحاجب في الفرق.

ويجوز أن يكون المعنى: ملك الأمور يوم الدين، كقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ)، (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ) [الأعراف: 48]، والدليل عليه: قراءة أبي حنيفة رحمه الله: (مَلَكَ يوم الدين)، وهذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه وتعالى من كونه رباً مالكاً للعالمين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أما قوله تعالى: (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) [الكهف: 18] فهذه وأمثالها إنما تكون في موضع الأحوال، والأحوال يقصد بها التعبير عن ذلك الفعل في حال وقوعه حتى كأنه واقع؛ ولذلك يقع الفعل المضارع في موضعها، ولولا قصد التعبير عن الحال لم يستقم وقوع المضارع موقعه فلا يلزم من إعماله ها هنا إعماله وهو ماض من كل وجه، فحصل الفرق. وفي قوله: "حتى كأنه واقع" إشعار بالاستمرار الذي يعطيه معنى استحضار كل أحد ذلك في مشاهدته على مر الدهور وكر الأعوام. وفي قوله أيضاً: "فلا يلزم من إعماله" إلى آخره الإشارة إلى أنه لا يلزم من إعماله وهو دال على مُلك مستمر في الأزمنة الثلاثة إعماله وهو ماض من كل وجه. وعليه مبنى الكلام السابق إضافة اسم الفاعل إلى معموله إذا كان لمجرد الحال والاستقبال غير إضافته إليه إذا كان بمعنى الاستمرار. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى مَلَكَ الأمور)، يعني أن "مالك" اسم فاعل من يملك الذي هو الاستمرار كقولك: فلان يعطي ويمنع، ويجوز أن يكون فاعلاً من مَلَكَ الذي بمعنى يملك كقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: 44] أي: ينادي، وجاء به على الماضي لصدق تحققه. قاله بعض القدماء. قوله: (وهذه الأوصاف)، مبتدأ، والخبر "دليل"، و"صفاته" خبر "كانت"، والضمير الأول

لا يخرج منهم شيء من ملكوته وربوبيته، ومن كونه منعماً بالنعم كلها الظاهرة والباطنة، والجلائل والدقائق، ومن كونه مالكاً للأمر كله في العاقبة يوم الثواب والعقاب، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، وأنه به حقيق في قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله. [(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) 5]. (إيّا): ضمير منفصل للمنصوب، واللواحق التي تلحقه من الكاف والهاء والياء في قولك: إياك وإياه وإياي، لبيان الخطاب والغيبة والتكلم، ولا محل لها من الإعراب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في "أنه به" للحمد، والثاني لله تعالى أو بالعكس. قال القاضي: "ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له، وللإشعار من طريق المفهوم على أن من لم يتصف بتلك الصفات لا يستأهل أن يحمد فضلاً أن يعبد". وفي قوله: (لم يكن أحد أحق منه بالحمد) وفي تخصيص أفعل التفضيل إيماء إلى مذهبه. قوله: (من ملكوته)، أي: ملكه وتصرفه فيه بمواجب مشيئته وقضايا حكمته. وفي تكرير قوله: "ومن كونه" إشعار باستقلال كل من الصفات على حدة في الإشعار بالعلية كتكرير "كان" في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) [الكهف: 82]. قوله: (ولا محل لها من الإعراب)، قال الزجاج: موضعها خفض بإضافة "إيّا" إليها. و"إيّا" اسم للمضمر المنصوب إلا أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمر نحو قولك: إياك ضربت، وإياه ضربت، وإياي حدثت. ولو قلت: إيّا زيد حدثت كان قبيحاً؛ لأنه خص به

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المضمر. وقد روي عن العرب: "فإياه وإيا الضواب! ". وقال أبو علي: الدليل على أن هذا الاسم مضمر وليس بظاهر أنه في جميع الأحوال منصوب الموضع، وليس في الأسماء اسم كذلك إلا ما كان ظرفاً وليس إيا بظرف، ولأنه في المنصوب نظير "أنت" في المرفوع، فكما أن "أنت" مضمر كذلك "إيا". فإن قيل: الكاف في "إياك" ليست كالتي في "ذلك" لأن "إيا" قد تضاف إلى الهاء والياء. وأجيب أنه معارض بأنهم لم يؤكدوه فلم يسمع: إياكم كلكم وإياك نفسك. وقال ابن جني: كان أبو إسحاق يقول في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ): حقيقتك نعبد. وكان يشتقه من الآية، وهي العلامة. وهذا سائغ على رأيه؛ لأنه كان يعتقد أنه اسم مظهر خص به المضمر. وقال: وقد ذكرنا في "سر الصناعة" ما يحتمله "إيا" من المثل: هل هي "فعل"؛ أو "فعيل"، أو "فعول" أو "إفعل" أو "فعلل" أو "فعلى"، ومن أي لفظ هي: أمن "آءة" أو، "آية" أو "أويت" أو "وأيت". وأما على قول الكافة فاشتقاقه فاسد؛ لأنه اسم مضمر، والمضمر لا اشتقاق له.

كما لا محل للكاف في (أَرَأَيْتَكَ)، وليست بأسماء مضمرة، وهو مذهب الأخفش وعليه المحققون. وأما ما حكاه الخليل عن بعض العرب: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب! "؛ فشيء شاذ لا يعول عليه، وتقديم المفعول لقصد الاختصاص، كقوله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونَنِي أَعْبُدُ) [الزمر: 64]، (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً) [الأنعام: 164]، والمعنى نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة، وقرئ: (إياك نعبد) بتخفيف الياء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أَرَأَيْتَكَ)، قال المصنف: "لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقاً إلى الإحاطة بها علماً، وصحة الخبر عنها استعملوا "أرأيت" بمعنى أخبر". قوله: (الشواب)، وهو جمع شابة، كدواب جمع دابة. أي: فليحذر نفسه أن يتعرض للشواب، وليحذر الشواب أن تفتنه. قوله: (وقرئ: "إياك نعبد" بتخفيف الياء)، قال ابن جني: قرأها عمرو بن فائد؛ فوزن "إيا" فعل كرضا وحجا، ونظيره: إيا الشمس، أي: ضوؤها. قال طرفة: سقته إياة الشمس إلا لثاته ... أسف ولم تكدم عليه بإثمد هذا البيت يومئ إلى صحة مذهب الزجاج. الضمير في "سقته" راجع إلى "ألمى"، أي: ثغر ألمى. قال الزوزني: إياة الشمس وإياها: شعاعها.

و (أياك) بفتح الهمزة والتشديد، و (هياك) بقلب الهمزة هاء. قال طفيل الغنوي: فهياك والأمر الذي إن تراحبت ... موارده ضاقت عليك مصادره والعبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلل، ونمه ثوب ذو عبدة، إذا كان في غاية الصفاقة وقوة النسج، ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله؛ لأنه مولي أعظم النعم، فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع. فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اللثة: مغرز الأسنان، الإثمد: الكحل، والكدم: العض. يصف ثغر المحبوبة. أي: كأن الشمس أعارته الضوء إلا لثاته، استثنى اللثات؛ لأنه لا يستحب بريقها، ثم قال: أسف عليه بالإثمد، أي: ذر. ولم تكدم بأسنانها على شيء يؤثر فيها. وتقدير البيت: أسف بإثمد ولم تكدم عليه بشيء. ونساء العرب تذر بالإثمد على الشفاه واللثات فيكون ذلك أشد للمعان الأسنان. قوله: (فهياك والأمر)، البيت. المعنى: أحذرك أن تلابس الأمر الذي إن توسعت موالجه ضاقت عليك مخارجه. قوله: (فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع)، قال الراغب: العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى؛ ولهذا قال: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) [الإسراء: 23]. والعبادة ضربان: عبادة بالتسخير كما في قوله تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) [الإسراء: 44]، وعبادة بالاختيار وهي لذوي النطق، وهو المأمور به في نحو قوله تعالى: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) [البقرة: 21].

قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: كيف طابق قوله: "هذا يسمى الالتفات" سؤاله: "لم عدل عن لفظ الغيبة؟ ". قلت: الجواب من وجهين: أحدهما: أن قوله "لم عدل؟ " كان استفهاماً فيه نوع إنكار، أي: ماذا حمله على ارتكاب خلاف مقتضى الظاهر، وكان الأصل أن يجري الكلام على الغيبة. أجاب: أن هذا ليس بنكير في علم البيان، بل هو مشهور ومسمى بالالتفات الذي هو الانتقال من إحدى الصيغ الثلاث إلى الأخرى لمفهوم واحد. وذلك الانتقال من دأبهم وافتنانهم في الكلام. ثم أتى بجواب آخر أعم منه فقال: "ولأن الكلام" أي: مطلق الكلام سواء صدر منهم أو من غيرهم "إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تطرية لنشاط السامع"، وهذه الطريقة وهي أن يتضمن الجواب الزيادة على المطلوب من الأسلوب الحكيم؛ ولهذا أتى بالمستشهدات المتنوعة الجامعة لأكثر أنواع الالتفات، لتكون كالتعريف له. وفيما شرحنا كلامه لطيفة وإرشاد إلى أن الأمثلة كالتعريف حيث وضعنا الحد موضعها، وفيما سلك إيجاز من وجه، لأنه علم منه حده وأقسامه. وثانيهما: أن في الكلام إطناباً، وأنه جواب واحد. وحقيقة الجواب قوله: "ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تطرية" وقوله: "وذلك على عادة افتنانهم" توطئة للجواب، وقوله: "هذا يسمى الالتفات" توطئة للتوطئة. ونحوه سؤاله في أول "طه": فإن قلت: ما فائدة النقلة من لفظ المتكلم إلى لفظ الغائب؟ قلت: غير واحدة، منها: عادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من الحسن والروعة، ومنها كذا وكذا. و"الواو" في "وما يعطيه" كالواو في "ولأن الكلام" من عطف البيان على طريقة: أعجبني زيد وكرمه. قوله: (في علم البيان)، اعلم: أن البيان كثيراً ما يطلق على أنواع المعاني والبيان والبديع كما

قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يونس: 22]، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ) [فاطر: 9]. وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات: تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقد وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبإ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود وذلك على عادة افتنانهم في الكلام، وتصرفهم فيه، ولأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب؛ كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يطلق عليها علم البديع. ويمكن أن يقال: إن الالتفات من حيث إنه يفيد التطرية وحسنها من البديع، ومن حيث إفادته التفنن والإخراج لا على مقتضى الظاهر من المعاني، ومن حيث كونه مستلزماً لإفادة دقيقة مطلوبة من الكناية التي هي نوع من أنواع البيان. قوله: (قد يكون من الغيبة)، إلى قوله: (إلى التكلم) لف، ومن قوله: "كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ) [يونس: 22] " إلى قوله: (فَسُقْنَاهُ) [فاطر: 9] " نشر. ولم يذكر للأول مثالاً كما ذكر لأخويه؛ لأن ما هو بصدده في "الفاتحة" أغناه عنه، وإنما فصل "قد يكون" لكونه بياناً للالتفات. قوله: (ثلاث التفاتات)، قيل: إن الأول ليس بالتفات؛ لأن الالتفات تلوين وتغيير وليس فيه. وأجيب بأن حقه أن يقول: ليلي، فلما عدل عنه كان تلويناً.

ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واعلم أن للعلماء في مثل "تطاول ليلك" قولين، والذي عليه ظاهر كلامه أنه التفات، ووافقه صاحب "المفتاح" منبهاً عليه بقوله: منبهاً في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبإ عليها ولهت؛ فأخذ يخاطبها بـ "تطاول ليلك". وإنما قلنا: ظاهر كلامه؛ لأنه يمكن أن يقال: إن في البيت الثالث التفاتين: أولهما ذلك، والآخر جاءني، والذي عليه أبو علي، وابن جني، وابن الأثير: أن ذلك تجريد، وأنشدوا قول الأعشى: وهل تطيق وداعاً أيها الرجل وهذا هو الحق. ويمكن حمل كلام المصنف على التغليب للقرب من حيث المعنى. وتقرير التجريد ما قدره صاحب "المفتاح": وهو أن نفسه كان من حقها أن تتثبت وتتصبر في المصائب فعل أمثالها من الملوك. فلما لم تفعل جردها وخاطبها تأنيباً، ولا يبعد أن يكون ميل صاحب "المفتاح" أيضاً إلى التغليب لتقريره هذا. واعلم أن حصول التطرية من الانتقال ليس لمجرد كونه انتقالاً، بل لاستتباعه لطيفة؛ إذ اللفظ متبوع المعنى، فالتطرية إنما تحصل من انتقال المعنى من قبل انتقال اللفظ؛ لأن الأرواح إنما تستلذ بالمعنى، وإليه الإشارة بقوله: "وقد تختص مواقعه بفوائد". قوله: (لما ذكر الحقيق بالحمد)، يعني: أن العبد حين خص الحمد بالله تعالى، وأجرى

وأجري عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء، وغاية الخضوع، والاستعانة في المهمات؛ فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عليه تلك الصفات العظام على طريقة لزم منها غثبات المطلوب مع التميز التام لتلك الذات، وانضمام استحقاقه لذلك الشكر اللساني بالشكر بالجوارح والقلب خاطبه بقوله: "إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين"، فترقى من البرهان إلى العيان، ومن مدرج علم اليقين إلى عين اليقين. قوله: (فقيل: إياك يا من هذه صفاته)، الفاء للتعقيب، أي: فأريد الخطاب فقيل: إياك، مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: 54]. وما أحسن الفاء التي في قوله: "فخوطب"، فإنها منادية على أن المقام للتدرج والترقي، لا على تقدير السؤال المقول عنده: كيف تحمدون؟ فقيل: إياك نعبد، وأبى الله تعالى إلا نصرة الحق. قوله: (ليكون الخطاب أدل)، تعليل للتدرج، يعني لما حصل من إجراء الأوصاف على من يستحق الحمد على سبيل الغيبة تميز الموصوف. ومن التميز استحقاقه الثناء وغاية الخضوع بناءً على ترتب الحكم على الوصف، أريد مزيد ذلك، فخوطب ذلك المتميز ليتقوى ذلك التميز السابق فيزيد ذلك الاستحقاق؛ لأن مقام المشاهدة لا يحتمل ما يحتمله مقام المغايبة من الإيهام؛ فترقى من الحمد إلى العبادة والاستعانة مع رعاية معنى الاختصاص. قال ابن جني: إنما ترك الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الحمد دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده؟ ! ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى أمد الطاعة قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إصراحاً بها وتقرباً منه.

فإن قلت: لم قرنت الاستعانة بالعبادة؟ قلت: ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته، فإن قلت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويمكن أن يعبر بلسان أهل العرفان ويقال: إن الحمد مبادئ حركة المريد، فإن نفس السالك إذا تزكت، ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية- والعناية هي التي أوجبت الولاية- تجردت النفس الزكية للطلب، فرأت آثار نعم الله عليها سابغة، وألطافه غير متناهية، فحمدت على ذلك وأخذت في الذكر، فكشف لها الحجاب من ما وراء أستار العزة عن معنى رب العالمين، فشاهدت ما سوى الله على شرف الفناء، مفتقرة إلى المبقي محتاجة إلى التربية؛ فترقت لطلب الخلاص من وحشة الإدبار وظلمة السكون إلى الأغيار. فهبت لها من نفحات جناب القدس نسيمات ألطاف الرحمن الرحيم، فعرجت من هذا المقام بلمعات بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى الأحد الصمد، المالك الحقيقي، فنادت بلسان الاضطرار في مقام (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: 16]: أسلمت نفسي إليك، وألجأت ظهري إليك. وهناك خاضت لجة الوصول، وانتهت إلى مقام العين فحققت نسبة العبودية فقالت: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وهنا انتهاء مقام السالك. ألا ترى إلى سيد الخلق كيف عبر عن مقامه هذا بقوله: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الإسراء: 1]؟ فطلبت التمكين بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، واستعاذت عن التلوين بقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)، فقصد مستكملاً ورجع مكملاً. وفي كلام صاحب "المفتاح" إيماء إلى هذا المعنى. قوله: (من جهته)، الضمير راجع إلى "ما يتقرب" يعني أنهم يتقربون بالعبادة، ويطلبون ما هو المحتاج إليه في هذه العبادة، وهو إعانة الله إياهم على العبادة. وهذا التقدير ملائم

فلم قدمت العبادة على الاستعانة، قلت: لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة؛ ليستوجبوا الإجابة إليها. فإن قلت: لم أطلقت الاستعانة؟ قلت: ليتناول كل مستعان فيه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للتفسير الثاني للاستعانة. وعليه يتوجه السؤال بأن يقال: إن كان طلب الإعانة على الطاعة مقدماً على الطاعة، فكيف أخره؟ فيجاب: قدم لكونه وسيلة وأخر لكونه طلباً. قوله: (ليستوجبوا الإجابة عليها)، الانتصاف: أهل السنة لا يعتقدون وجوب الثواب على الله تعالى، بل يقولون: هو تفضل منه وإحسان، لكنه يجب بإيجابه، فإما أن يكون الزمخشري أراد صدق الخبر، أو أجرى ذلك على قواعده في اعتقاد وجوب الجزاء. الإنصاف: إن في قوله: "تقديم العبادة كالوسيلة"، إشعاراً بأنهم فعلوا بقدرتهم ليحصلوا ما ليس من قدرتهم، وهو الاستعانة، وكلاهما من فضل الله. قوله: (ليتناول كل مستعان فيه)، يعني: لم يذكر متعلق الاستعانة لقصد التعميم، فلو ذكر لقصر عليه. الانتصاف: قوله: أطلق ليشمل في الموضعين ليس بمسلم، فإن الفعل لا عموم له كمصدره، والإطلاق يقتضي الإبهام والشيوع، والنفس إلى المبهم أتوق لتعلق الآمال المختلفة بالمبهم دون المعين. وقلت: ليس هذا من العام الذي توهمه، ولا من المطلق الذي تصوره؛ بل هو من قبيل المقيد الذي قصد بإطلاقه توخي العموم؛ ولذلك قال: أطلق ليشمل؛ وذلك أن قرائن المقام دلت على أن المستعان فيه ما هو، فلم يلتفت إليه، وقصد الإطلاق؛ ولذلك إذا قصد تقييده بأحد ما هو شائع فيه قيل: هذا تحكم، بخلاف المطلق المتعارف! ألا ترى على كلام صاحب

والأحسن أن تراد الاستعانة به، وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله: (اهْدِنَا) بياناً للمطلوب من المعونة؛ كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام، وأخذ بعضه بحجزة بعض ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "المفتاح": "أو القصد إلى نفس الفعل بتنزيل المتعدي منزلة اللازم- ذهاباً في نحو: فلان يعطي ويمنع: إلى معنى: يفعل الإعطاء- إيهاماً للمبالغة بالطريق المذكور في إفادة اللام الاستغراق"؟ والمذكور قوله: فإذا كان المقام خطابياً مثل: المؤمن غر كريم؛ حمل المعرف باللام- مفرداً كان أو جمعاً- على الاستغراق بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون فرد آخر مع تحقق الحقيقة فيهما يعود إلى ترجيح أحد المتساويين. أولا ترى إلى معنى التعليل في قول المصنف: "لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا اشتملت عليه"؟ فإن قرائن المقام دلت على أن المتعلق المضمر هو الإسلام؛ فاستدعى معنى العموم إطلاق الإنعام بإطلاقه على الإسلام مجازاً؛ ليشمل كل إنعام. ولو ذكر نعمة الإسلام لاقتصر عليها ولم ينبه على هذه النكتة. قوله: (والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه)، أي: الاستعانة بتوفيقه. وقوله: "به" توطئة. فعلى هذا ترك المتعلق للاختصار لقرينة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)؛ لأن الإقامة على أداء العبادة لا تتأتى إلا بالتوفيق. قوله: (لتلاؤم الكلام)، يقال: لاءمت القوم ملاءمة إذا أصلحت وجمعت بينهم. وإذا اتفق شيئان فقد التأما. وحجزة الإزار: معقده، وحجزة السراويل: التي فيها التكة. المعنى: إذا قدر التعميم في "نستعين" لم يوافق "اهدنا"؛ لأن المطلوب في "اهدنا" خاص و"نستعين" عام. وكذا إنما يكون ملائماً لأول الكلام وهو: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إذا قدر التوفيق؛ لأن العبادة لا تتم إلا باستعانة الله وتوفيقه. فعلى هذا قوله: "ويكون قوله: اهدنا" عطف على "أن يراد".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولقائل أن يقول: الحمل على العموم أولى؛ لتتوافق ألفاظ هذه السورة الكريمة في المعنى المطلوب منها كما كرر، ولأن التوسل بالعبادة إلى تحصيل مرام يستوعب جميع ما يصح أن يستعان فيه ليدخل فيه التوفيق أيضاً دخولاً أولياً أولى من طلب مجرد التوفيق. ويلائمه أيضاً قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 6]؛ لأن صراط المسلمين أعم من العبادات؛ إما دنيا: فالعبادات والاعتقادات وعلم الأخلاق والسياسات والمعاملات والمناكحات وغير ذلك، وإما عقبى: فالنجاة من شدائد البرزخ والحشر والصراط والميزان ومن عذاب النار والوصول إلى دار القرار، والفوز بالدرجات العلى. وكل ذلك مفتقر إلى إعانة الله وفضله. وفي قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: 153] بعد قوله: (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً .. ) [الأنعام: 151] الآيات إيماء إلى هذا المعنى. وأيضاً، طرق الضلالات التي يستعاذ منها بقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 7] لا نهاية لها، وباستعانته يتخلص من مهالكها. فإن قلت: المراد بالعبادة في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) هي وما يتعلق بها وما تتوقف عليه؟ قلت: فإذن وافقت الاستعانة في العموم. وأيضاً قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) مطلق كما قال: "أطلق ليشمل كل إنعام" قال القاضي: والضمير المستكن في الفعلين للقارئ ولسائر الموحدين. أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم، وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها؛ ولهذا شرعت الجماعة. انظر إلى هذه الاعتبارات الدقيقة في معنى الشمول والعموم لتعثر على تلك الرمزة وهي كونها أم القرآن ومطلع التنزيل.

وقرأ ابن حبيش: (نستعين) بكسر النون. [(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) 6]. هدى: أصله أن يتعدى باللام، أو بـ "إلى"، كقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: 9]، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: 52]، فعومل معاملة "اختار" في قوله تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) [الأعراف: 155]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("نستعين" بكسر النون)، قيل: هي لغة بني تميم، فإنهم يكسرون حروف المضارعة إذا لم ينضم ما بعدها، سوى الياء لاستثقال الكسرة عليها. قوله: (أن يتعدى باللام أو بـ "إلى")، روي عن المصنف: يقال: هداه لكذا وإلى كذا: إذا لم يكن في ذلك، فيصل إليه بالاهتداء، وهداه كذا- بدون اللام و"إلى"- محتمل للحالين بين أن يكون فيه وبين أن لا يكون، حتى لا يجوز أن يقال في قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69]: لسبلنا إلى سبلنا. وفيه بحث لجواز تقدير الإرادة في الأول، أي قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) أو إرادة تحصلي المراتب العالية في الثاني؛ ومن ثم جمع السبيل، كأنه قيل: من جاهد في سبيل واحد لنهدينهم إلى سبل الخيرات كلها، كما ورد "من عمل بما علم ورثه الله عِلم ما لم يعلم"، ولا فرق بين إلى واللام. وقال في قوله تعالى: (مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ) [آل عمران: 193] يقال: دعاه لكذا وإلى كذا، وناداه له وإليه، ونحوه: هداه للطريق وإليه؛ وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً، أي: يجمعها معنى الحصول والوصول.

ومعنى طلب الهداية وهم مهتدون: طلب زيادة الهدى بمنح الألطاف، كقوله: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) [محمد: 17]، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69]. وعن علي وأبي رضي الله عنهما: (اهدنا): ثبتنا، وصيغة الأمر والدعاء واحدة؛ لأن كل واحد منهما طلب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومعنى طلب الهداية)، على تقدير سؤال وهو أن يقال: كيف طلبوا الهداية وهم مهتدون؟ وهل هذا إلا تحصيل للحاصل؟ وأجاب بجوابين: أحدهما: أنهم طلبوا الزيادة، وثانيهما: طلبوا الثبات. قال القاضي: والمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المترتبة عليه. فإذا قاله العارف الواصل عنى به: أرشدنا طريق السير لتمحو عنا ظلمات أحوالنا وتميط غواشي أبداننا؛ لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك. قوله: (الألطاف)، وهي جمع لطف. وهو في عرف المتكلمينك ما يختار عنده المكلف الطاعة وينتهي بسببه عن المعصية. وتمام تقريره سيجيء في أول "البقرة". ومنح الألطاف ها هنا هو التوفيق المراد بالاستعانة على تقريره. قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69]، تقرير الاستشهاد به أنه تعالى أثبت لهم الجهاد على لفظ الماضي، وأوقع ضمير التعظيم ظرفاً له على المبالغة، أي: في سبيلنا ووجهنا مخلصين لنا، ولا يكون مثل هذا الجهاد إلا هداية لا غاية بعدها. ثم قال: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) على الاستقبال، وصرح بلفظ "سبلنا"، ولا يستقيم تأويله إلا بما ذكر من طلب الزيادة بمنح الألطاف. قوله: (وصيغة الأمر والدعاء واحدة؛ لأن كل واحد منهما طلب)، يعني: صيغة الأمر حقيقة في القول للطالب للفعل، وهو المختار.

وإنما يتفاوتان في الرتبة، وقرأ عبد الله: (أرشدنا). (السراط): الجادة، من سرط الشيء؛ إذا ابتلعه؛ لأنه يسترط السابلة إذا سلكوه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإنما يتفاوتان في الرتبة)، أي: صيغة افعل إما أن تصدر عن مساو للمخاطب أو لا، والأول الالتماس، والثاني إما أن يصدر عمن له الاستعلاء أو لا، والأول الأمر، والثاني الدعاء. قوله: (وقرأ عبد الله)، إذا قيل: عبد الله مطلقاً، فهو ابن مسعود. قال صاحب "الجامع": كان من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب سره وسواكه ونعله وطهوره في السفر، شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وهاجر إلى الحبشة، وصلى إلى القبلتين، وكان سادساً في الإسلام، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وكان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم في سمته ودله وهديه. قوله: (السابلة)، الأساس: مرت السابلة والسوابل، وهم المختلفون في الطرقات لحوائجهم. الراغب: يقال: الصراط والزراط والسراط. والأصل سرطت الطعام وزردته: إذا ابتلعته. وسمي بذلك تصوراً أنه إما أن يبتلعه سالكه أو يبتلع هو سالكه. ألا ترى أنه قيل: فلان أكلته المفازة إذا أضمرته أو أهلكته، وأكل المفازة إذا قطعها؟ وعلى هذا النحو قال أبو تمام: رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه وقيل: قتل أرضاً عالمها، وقتلت الأرض جاهلها.

كما سمي لقماً؛ لأنه يلتقمهم، والصراط، من قلب السين صاداً؛ لأجل الطاء، كقوله: (مصيطر) في (مسيطر)، وقد يشم الصاد صوت الزاي، وقرئ بهن جميعاً، وفصحاهن إخلاص الصاد، وهي لغة قريش، وهي الثابتة في الإمام. ويجمع: سرطاً، نحو: كتاب وكتب، ويذكر ويؤنث كالطريق والسبيل، والمراد به: طريق الحقن وهو ملة الإسلام. [(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) 7]. بدل من الصراط المستقيم، وهو في حكم تكرير العامل؛ كأنه قيل: اهدنا الصراط المستقيم، اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، كما قال: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف: 75] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وسمي الطريق: اللقم والملتقم على هذا النحو، وذلك في معنى الملقوم، كالنقض بمعنى المنقوض. قوله: (مسيطر)، المسيطر: المسلط على الشيء، الأساس: وهو مسيطر علينا ومتسيطر: متسلط ومالك. قوله: (وقرئ بهن)، الضمير عائد على قراءة "سراط" بالسين، وإلى قلبها صاداً، وإلى إشمام الصاد الزاي. قال في "الشعلة": قرأ قنبل بالسين على الأصل، وغيره بإبدالها صاداً لتجانس الطاء في الاستعلاء والإطباق، فإنهم كرهوا أن يخرجوا من السين وهو مهموس مستفل منفتح إلى الطاء وهو مجهور مستعل مطبق.

فإن قلت: ما فائدة البدل، وهلا قيل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم؟ قلت: فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره: صراط المسلمين، ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل؛ لأنك ثنيت ذكره مجملاً أولاً، ومفصلاً ثانياً، وأوقعت فلاناً تفسيراً وإيضاحاً للأكرم الأفضل؛ فجعلته علماً في الكرم والفضل، فكأنك قلت: من أراد رجلاً جامعاً للخصلتين فعليه بفلان فهو المشخص المعين؛ لاجتماعهما فيه غير مدافع ولا منازع ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقرأ خلف بإشمام الصاد الزاي، بالغ في طلب المشاكلة بين الزاي والطاء؛ لأنها تزيد على الصاد في الموفاقة للطاء بالجهر. قوله: (ما فائدة البدل وهلا قيل: اهدنا صراط الذين؟ )، قد يظن أنه سؤالان، وليس به؛ بل هو سؤال واحد، فإنه لما قال: "صراط الذين أنعمت عليهم: بدل من الصراط المستقيم، وهو في حكم تكرير العامل" اتجه لسائل أن يقول: لم أطنب الكلام وكرر المعنى الواحد، وهلا اقتصر على قوله: "اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم"، وما فائدة هذا التكرير؟ يدل عليه تقديم الفائدة في الجواب وكونه منطوياً على جواب واحد. قوله: (فجعلته علماً في الكرم والفضل)، يعني أن البدل فيه معنى التكرير ومعنى التوضيح. فالتوضيح يرفع الإبهام عن نفس المتبوع، والتوكيد يرفع إبهام ما عسى أن يتوهم في النسبة. وإلى التوكيد الإشارة بقوله: "التوكيد لما فيه من التثنية"، وإلى التوضيح الإشارة بقوله:

و (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) هم المؤمنون، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام؛ لأن من أنعم الله عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هم أصحاب موسى عليه السلام قبل أن يغيروا، ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره"، ثم إذا اجتمع رفع الإبهامين يصير ذلك المبهم مشخصاً معيناً، وهو المراد بقوله: "فهو المشخص المعين لاجتماعهما فيه غير مدافع ولا منازع"، فإذن الفرق بين التأكيد وعطف البيان والبدل هو: أن البدل يوضح المتبوع كالبيان، ويؤكد أمر المتبوع في النسبة كالتأكيد، وفيه أمر زائد عليهما وهو أنه توكيد لنفس النسبة، وإليه أومأ بقوله: "كأنه قيل: اهدنا الصراط المستقيم، اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم". قوله: (ليشمل كل إنعام)، تعليل للإطلاق، وقوله: "لأن من أنعم الله عليه" تعليل للاشتمال، يعني أن الأصل أن يذكر متعلق "أنعمت"، وهو الإسلام، فأطلق ليشمل كل إنعام، ثم كنى به عن ذلك المقيد ليؤذن بأن نعمة الإسلام مشتملة على جميع النعم، فلو قيد أولاً، لم يفد هذه الفائدة. قال الإمام: النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير. وسيجيء تقرير هذا التعريف في سورة "لقمان" إن شاء الله تعالى. وقال القاضي: الإنعام إيصال النعمة، وهي في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان؛ فأطلقت لما يستلذه من النعمة وهي اللين، ونعم الله- وإن كانت لا تحصى- منحصرة في جنسين: دنيوي وأخروي. والدنيوي: إما موهبي كخلق البدن والقوى الحالة فيه ونفخ الروح وإشراقه بالعقل

وقيل: هم الأنبياء، وقرأ ابن مسعود: (صراط من أنعمت عليهم). (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) بدل من (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من غضب الله والضلال، أو صفة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من غضب الله والضلال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وما يتبعه من القوى كالفهم والفكر، أو كسبي: كتزكية النفس عن الرذائل، وتحليتها بالأخلاق الفاضلة، وكتزيين البدن بالهيئات المستحسنة والمال والجاه. والأخروي: أن يغفر ما فرط منه، ويرضى عنه ويبوئه في مقعد صدق. والمراد ها هنا القسم الأخير، فإن ما عداه يشترك فيه المؤمن والكافر. وقلت: الأشبه الحمل على الإطلاق كما ذكر المصنف. نعم الذرائع النعم العاجلة لتحصيل النعم الآجلة؛ ولهذا من الله تعالى على حبيبه بقوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) [الضحى: 6] إلى آخر السورة. قوله: (وقيل: هم الأنبياء)، يدل عليه قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ) [مريم: 58] قال: "مِنْ" للبيان؛ لأن جميع الأنبياء منعم عليهم. وأولى الوجوه الأول؛ إذ عم كل من آمن بالله من الأنبياء وغيرهم ليطابق ألفاظ السورة، ويعضده قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، لا توقيت فيه". قوله: (على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا)، يعني إنما يصح إبدال هذا من ذلك إذا اعتبر مفهوم أحدهما مع منطوق الآخر ليتفقا. ولذلك قال: "هم الذين سلموا من غضب الله"، ووسط ضمير الفصل، وهو من بدل الكل. وإذا جعل (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) صفة لـ (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) كان من قبيل: شجاع باسل؛ من إقامة الوصف مقام الموصوف

فإن قلت: كيف صح أن يقع "غير" صفة للمعرفة وهو لا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف؟ قلت: (الذين أنعمت عليهم) لا توقيت فيه، فهو كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لرسوخه فيه، فآذن ذلك بأن تلك الذات جامعة لهذين المعنيين، وإليه الإشارة بقوله: "على أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وبين السلامة من غضب الله". قوله: (لا يتعرف)، يقال: تعرفت ما عند فلان، أي: تطلبت حتى عرفت. قوله: (لا توقيت فيه)، أي: "الذين أنعمت عليهم"، قريب من النكرة؛ لأنه لم يقصد به قوم بأعيانهم، و"غير المغضوب عليهم" قريب من المعرفة بالتخصيص الحاصل لها بالإضافة. وكل واحد منهما فيه إبهام من وجه واختصاص من وجه. التخمير: المؤقت في الأصل: هو الذي حد وقته، ثم جعل عبارة عن المحدود. قوله: (ولقد أمر على اللئيم يسبني)، تمامه: فمضيت ثمة قلت: لا يعنيني لم يرد باللئيم لئيماً بعينه، ولا كل اللئام لاستحالته، ولا الحقيقة لاستحالة أن يمر على مجرد الحقيقة لعدمها في الخارج بل لئيماً من اللئام، واللام للعهد الذهني "المعبر عنه بتعريف الجنس على ما سبق في (الْحَمْدُ لِلَّهِ) ". قال ابن الحاجب: الحقيقة الذهنية معرفة في الذهن، نكرة في الخارج، فقوله: "يسبني" صفة للئيم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: وهو بمنزلة قولك: إني أمر على الرجل مثلك فأكرمه، هذا المثال أظهر؛ لأن الأول يحتمل الحال. وأجيب أنه لا يحتملها؛ لأن القائل يمدح نفسه ويصف أناته وتؤدته، وأن الحلم دأبه وعادته، لا أنه مر على لئيم معين مرة، وأنه احتمل مساءته ومسبته. وعن بعضهم: لا يحتملها لئلا تكون مقيدة؛ لأن الجملة وهي "يسبني" إذا كانت حالاً تكون مقيدة بخلاف الصفة. وقلت: دل عطف "فمضيت" و"قلت"- وهما ماضيان- على "أمر" وهو مضارع على إرادة الاستمرار المورث للعادة كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) [فاطر: 29]، وعلى أن المسبة والتغافل إنما يحدثان منه عند مروره عليه. فإن قلت: جعلت هذا الوجه- أي: عدم التعيين في الصفة والموصوف- أقوى الوجوه وقد روى الترمذي عن عدي بن حاتم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المغضوب عليهم اليهود والضالون هم النصارى". قلت: قاله صلوات الله عليه وسلم تعريضاً بعدي؛ يدل عليه: ما روينا عن الترمذي أيضاً عن عدي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت جئت بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي ثم ساق الحديث إلى قوله: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لي: "يا عدي، ما يفرك من الإسلام أن تقول: "لا إله إلا الله" فهل تعلم من إله سوى الله؟ قلت: لا، ثم قال: أتفر من أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟ قلت: لا. قال: اليهود مغضوب

ولأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم، فليس في (غَيْرِ) إذن الإبهام الذي يأبى عليه أن يتعرف. وقرئ بالنصب على الحال، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عليهم والنصارى ضلال، قلت: فإني حنيف مسلم، فرأيت وجهه تبسط فرحاً" قلت: وكان عدي نصرانياً. الراغب: إن قيل: كيف فسر على ذلك وكلا الفريقين ضال ومغضوب عليه؟ قيل: خص كل فريق منهم بصفة كانت أغلب عليهم، وإن شاركوا غيرهم في صفات ذم. إن قيل: ما الفائدة في ترادف الوصفين، وأحدهما يقتضي الآخر؟ قيل: ليس من شرط الخطاب أن يقتصر في الأوصاف على ما يقتضي وصفاً آخر دون ذلك الآخر، ألا ترى أنك تقول: حي سميع بصير، والسمع والبصر يقتضي الحياة؟ ! ثم ليس من شرط ذلك أن يكون ذكره لغواً، وإنما ذكر (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)؛ لأن الكفار قد شاركوا المؤمنين في إنعام كثير، فبين بالوصف أن المراد ليس إلا نعمة مخصوصة. قوله: (ولأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم)، قال أبو البقاء: إن "غير" إذا وقعت بين متضادين وكانا معرفتين تعرفت بالإضافة، كقولك: عجبت من الحركة غير السكون. الراغب: الضلال والخطأ: العدول عن الطريق المستقيم، وعن الصواب، سواء كان العدول عن ذلك عمداً أو سهواً، وسواء كان يسيراً أو كثيراً، والصواب من الشيء يجري

وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورويت عن ابن كثير. وذو الحال: الضمير في "عليهم"، والعامل "أنعمت"، وقيل: (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): هم اليهود، لقوله: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ) [المائدة: 60]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مجرى القرطاس من المرمى في أنه هو الصواب وباقيه ضلال وخطأ؛ ولهذا قالوا: كوننا أخياراً من وجه واحد، وكوننا أشراراً من وجوه كثيرة. ولصعوبة الصواب وكونه واحداً، ورد في الألفاظ النبوية: "استقيموا ولن تحصوا"، وعلى هذا النظر قال: "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد". وإذا علم هذا، علم أن ليس كل خطأ وضلال يستحق به العقاب الدائم؛ بل كما قد يسمى أكبر الكبائر نحو الكفر ضلالاً وباطلاً وخطاً، قد يسمى بذلك أصغر الصغائر، وقد يتقارب الوصفان جداً وموصوفاهما متباعدان، فعرض الضلال والخطأ عريض، والتفاوت بين أدناه وأقصاه كثير، ولذلك قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى) [الضحى: 7] أي: وجدت غير مهتد إلى ما سيق إليك من النبوة والعلم. وقوله: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: 164] وقد يعبر عن سوء الاختيار نحو: (فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ) [الشعراء: 20] ويعبر عن الخيبة قال: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) [القمر: 47]. قوله: (قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، أي: عادته في القراءة، وإلا فجميع الروايات قراءته، وهذه القراءة شاذة سواء أسندت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نسبت إلى ابن كثير؛ لكونها لم تثبت عند الأئمة السبعة. قال الزجاج: ويجوز أن النصب على الحال، أي: أنعمت عليهم لا مغضوباً عليهم، أو

والضالون: هم النصارى لقوله: (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ) [المائدة: 77]. فإن قلت: ما معنى غضب الله؟ قلت: هو إرادة الانتقام من العصاة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على الاستثناء. وحق "غير" في الاستثناء النصب إذا كان ما بعد إلا منصوباً. وقال الفراء: لا يجوز الاستثناء؛ لأنه حينئذ بمعنى سوى، فلا يجوز أن يعطف عليها بـ "لا"؛ لأنها نفي وجحد ولا يعطف الجحد إلا على الجحد، ولا يجوز: جاءني القوم إلا زيداً ولا عمراً. وأجازه الأخفش وقال: جاءني القوم إلا زيداً، معناه لا زيد فيجوز العطف عليه بـ "لا" حملاً على المعنى. وقال أبو البقاء: وذو الحال الضمير في "عليهم"، ويضعف أن يكون حالاً من "الذين"؛ لأنه مضاف إليه، و"الصراط" لا يصح بنفسه أن يعمل في الحال. وقيل: يجوز ويعمل فيها معنى الإضافة. قوله: (هو إرادة الانتقام)، المعنى ما سبق في الرحمن الرحيم. ولهذه الطريقة مسلك آخر وهو: أن الغضب تغير يحدث عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وهو على الله تعالى محال، فيحمل على إرادة الانتقام. والقانون في أمثاله هو أن جميع الأعراض النفسانية مثل الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والمكر والخداع والاستهزاء لها أوائل وغايات، فإذا وصف الله تعالى بشيء منها، يكون محمولاً على الغايات، لا على البدايات. مثاله: الغضب ابتداؤه غليان دم القلب، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليهم؛ فلفظ الغضب في حق الله تعالى يحمل على إرادة الانتقام كما قاله، لا على غليان دم القلب. قال ابن

وإنزال العقوبة بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده، نعوذ بالله من غضبه، ونسأله رضاه ورحمته. فإن قلت: أي فرق بين (عَلَيْهِمْ) الأولى، و (عَلَيْهِمْ) الثانية؟ قلت: الأولى: محلها النصب على المفعولية، والثانية: محلها الرفع على الفاعلية. فإن قلت: لم دخلت "لا" في: (وَلا الضَّالِّينَ)؟ قلت: لما في "غير" من معنى النفي كأنه قيل: لا المغضوب عليهم ولا الضالين، وتقول: أنا زيداً غير ضارب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جني: ولما ذكر النعمة صرح بالخطاب لموضع التقرب من الله بذكر نعمته، وأسند النعمة غليه، ولما صار إلى ذكر الغضب روى عنه تعالى الغضب وانحرف إلى الغيبة، فانظر إلى هذه الأسرار. قوله: (وأن يفعل)، معطوف على إنزال العقوبة بهم من باب: أعجبني زيد وكرمه. قوله: محلها الرفع على الفاعلية)، قال أبو البقاء: ليس في "غير المغضوب" ضمير؛ لقيام الجار والمجرور مقام الفاعل؛ ولذلك لم يجمع. قوله: (لم دخلت لا؟ )، تقرير السؤال: لم دخلت "لا" في (وَلا الضَّالِّينَ) ولا منفي قبله، وإنما يؤتى بـ "لا" بعد حرف العطف إذا كان قبله منفي، يقال: ما جاء زيد ولا عمرو، ولا يقال: جاء زيد ولا عمرو؟ قوله: (لما في "غير" من معنى النفي)، اعلم أن "لا" مزيدة عند البصريين لتوكيد النفي، وعند الكوفيين بمعنى غير.

مع امتناع قولك: أنا زيداً مثل ضارب، لأنه بمنزلة قولك: أنا زيداً لا ضارب. وعن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قرآ: (وغير الضالين). وقرأ أيوب السختياني: (ولا الضالين) بالهمزة، كما قرأ عمرو بن عبيد: (ولا جأن) [الرحمن: 39، 56، 74]، وهذه لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مع امتناع قولك: أنا زيداً مثل ضارب)، قال الزجاج: النحويون يجوزون أنت زيداً غير ضارب، ولا يجوزون: أنت زيداً مثل ضارب؛ لأن زيداً من صلة ضارب فلا يتقدم عليه. تم كلامه. وذلك أن وقوع المعمول فيما لا يقع فيه عامله ممتنع فامتنع قولك: أنا زيداً مثل ضارب؛ لأن "مثل" مضاف إلى ضارب و"زيداً" معموله، فكما لا يجوز تقدم ضارب على المثل لأنه مضاف إليه للمثل، لا يجوز تقدم "زيداً" عليه. وقولك: أنا زيداً غير ضارب، إنما يجوز؛ لأن "غير" لما كان متضمناً معنى النفي، كان بمنزلة: أنا زيداً لا ضارب، والإضافة في "غير" كلا إضافة. قوله: (أيوب السختياني)، قال صاحب "الجامع": هو أيوب بن أبي تميمة السختياني كان إماماً ثقة ثبتاً حجة ورعاً، أتى أنساً، وسمع الحسن وابن سيرين. السختياني بسكون الخاء المعجمة وكسر التاء فوقها نقطتان وبالنون، منسوب إلى السختيان: وهي الجلود. قوله: (جد في الهرب)؛ لأن التقاء الساكنين فيما إذ كان أولهما حرف لين والثاني مدغماً فيه مغتفر، فإذا هرب عن هذا الجائز فقد جد في الهرب.

ومنها ما حكاه أبو زيد من قولهم: شأبة ودأبة. "آمين": صوت سمي به الفعل الذي هو استجب، كما أن: رويد، وحيهل، وهلم أصوات سميت بها الأفعال التي هي: أمهل وأسرع وأقبل. وعن ابن عباس سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى آمين، فقال: "افعل"، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال ابن جني: ذكر أن أيوب سئل عن هذه القراءة فقال: هي بدل من المدة لالتقاء الساكنين، وحكى اللحياني في الباز: البأز بالهمزة. ووجهه: أن الألف ساكنة ومجاورة لفتحة الباء قبلها. وقد ثبت أن الحرف الساكن إذا جاور الحركة فإنهم ينزلونه منزلة المحتمل بها كما في الوقف على بكر هذا بكر. قوله: ("آمين" صوت 9، أي: لفظ سمي به الفعل. قال صاحب "الضوء": إنهم وإن قالوا: إن هذه الأسماء موضوعة مواضع الأفعال إلا أن ذلك تجوز منهم؛ لأنها موضوعة مواضع مصادر سادة مسد أفعالها. فإذا قلت: صه فمعناه: سكوتك بالنصب، أي: اسكت سكوتك ثم أقيم صه مقامه، ولما كان هو ساداً مسد الفعل عبر النحويون بأنه اسم للفعل قصراً للمسافة، وإلا فهو اسم للمصدر في الحقيقة. وقديماً كان يختلج هذا التأويل في صدري حتى ظفرت بنص من قبل أبي إسحاق الزجاج، فإنه ذكر في "آمين" أنه صوت موضوع موضع الاستجابة، كما أن "صه" موضوع موضع السكوت. وقال الزجاج: وحقه من الإعراب الوقف؛ لأنه بمنزلة الأصوات إذ كان غير مشتق من فعل إلا أن النون فتحت لالتقاء الساكنين.

وفيه لغتان: مد ألفه قوصرها، قال: ويرحم الله عبداً قال آمينا وقال: أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "لقنني جبريل: آمين، عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب". وقال: إنه كالختم على الكتاب، وليس من القرآن، بدليل أنه لم يثبت في المصاحف، وعن الحسن أنه لا يقولها الإمام؛ لأنه الداعي. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويرحم الله)، تمامه: يا رب لا تسلبني حبها أبداً قوله: (أمين فزاد الله)، تمامه: تباعد مني فطحل إذ لقيته البيتان أنشدهما الزجاج. قوله: (كالختم على الكتاب)، روينا عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل قد ألح في المسألة: "أوجب أن ختم" فقيل: بأي شيء؟ قال: "بآمين" قال أبو زهير: آمين مثل الطابع على الصحيفة. أخرجه أبو داود. كما أن الختم على الكتاب يمنعه من ظهور ما فيه على غير من كتب إليه- وهو الفساد- كذا الختم في الدعاء يمنعه من الفساد الذي هو الخيبة. لما روينا عن مسلم عن أبي هريرة قال:

وعن أبي حنيفة مثله، والمشهور عنه وعن أصحابه أنه يخفيها. وروى الإخفاء عبد الله بن مغفل، وأنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند الشافعي رضي الله عنه يجهر بها. وعن وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ (وَلا الضَّالِّينَ) قال: آمين، ورفع بها صوته. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لأبي بن كعب: "ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها؟ " قلت: بلى يا رسول الله، قال: "فاتحة الكتاب، إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". وعن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً، فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم وليعظم الرغبة" أي: في الإجابة. قوله: (في الكتاب)، المغرب: أكتب الغلام وكتبه: علمه الكتاب، ومنه سلم غلامه إلى مكتب أي: معلم الخط. روي بالتخفيف والتشديد. وأما المكتب والكتاب فمكان التعليم وقيل: الكتاب: الصبيان. الجوهري: الكتاب: الكتبة، والكتاب أيضاً والمكتب واحد. وعن المبرد: ومن قال للموضع: الكتاب فقد أخطأ. وفي معناه روينا عن الدارمي عن ثابت بن عجلان الأنصاري: كان يقال: إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصبيان بالحكمة صرف ذلك عنهم. يعني بالحكمة: القرآن.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال محيي الدين النواوي صاحب "الروضة": ومن الموضوع الحديث المروي عن أبي ابن كعب في فضل القرآن سورة سورة، وقد أخطأ من ذكره من المفسرين. وزاد الصغاني: وضعه رجل من أهل عبادان وقال: لما رأيت الناس اشتغلوا بالأشعار وفقه أبي حنيفة رحمه الله وغير ذلك ونبذوا القرآن وراء ظهورهم، أردت أن أضع لكل سورة فضيلة أرغب الناس بها في قراءة القرآن، وقل تفسير خلا من ذكر هذه الفضائل إلا من عصمه الله تعالى، والله أعلم بتحقيقه. تمت السورة بحمد الله وحسن توفيقه

سورة البقرة

سورة البقرة مدنية، وهي مئتان وسبع وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [(الم)] الم اعلم أنّ الألفاظ التي يتهجى بها أسماء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة البقرة مدنية، وهي مئتان وسبع وثمانون آية غير آية نزلت يوم عرفة بمنى. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (الألفاظ التي يتهجى بها)، الأساس: تعلم هجاء الحروف وتهجيتها وتهجيها وهو يهجوها ويتهجاها: يعددها. وقيل لرجل من قيس: أتقرأ القرآن؟ فقال: والله ما أهجو منه حرفاً. ومن المجاز: فلانٌ يهجو فلاناً هجاءً: يعد معايبه.

مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، فقولك (ضاد) اسم سمى به «ضه» من ضرب إذا تهجيته، وكذلك: ((را))، ((با)): اسمان لقولك: ((ره))، ((به)) وقد روعيت في هذه التسمية لطيفة، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظا كأساميها وهي حروف وحدان والأسامي عدد حروفها مرتق إلى الثلاثة، اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في التسمية على المسمى، ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الحروف المبسوطة)، أي: حروف المباني المنثورة المفردة لا المركبة. قوله: (ضه)، بغير إفصاح الهاء وإنما كتبت على لفظ الواقف. والضمير في ((تهجيته)) يعود إلى ((ضه))، وقيل: إلى ((ضرب))، وهو أحسن. و ((تسمي)) من قولهم: سميت زيداً: إذا ذكرته، لا من التسمية بمعنى: وضع الاسم للمسمى. وأما التسمية بمعنى الوضع فهو المراد من قوله: ((وقد روعيت في هذه التسمية)). قوله: (وحدانٌ)، وهو جمع واحدٍ كركبانٍ جمع راكب. قوله: (اتجه لهم)، يقال: اتجه لأمر كذا، أي: وجه وجهه إليه، الجوهري: اتجه له رأيٌ، أي: سنح. قال الإمام قطب الدين الفالي تغمده الله بغفرانه: اعلم أن تصدير الاسم بالحرف المسمى يتوقف على ثلاثة أمورٍ: أحدها: كون المسمى لفظاً؛ إذ لو كان معنًى لا لفظاً لم يمكن تصدير الاسم. والثاني: كون المسمى حرفاً واحداً ليقع في الصدر. والثالث: كون الاسم ثلاثياً؛ إذ لو كان الاسم حرفاً واحداً كالمسمى اتحد الاسم والمسمى، ولو كان اثنين لم يستقم أيضاً لوجهين:

فلم يغفلوها، وجعلوا المسمى صدر كل اسم منها كما ترى، إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكنا. ومما يضاهيها في إيداع اللفظ دلالة على المعنى: التهليل، والحولقة، والحيعلة، والبسملة وحكمها - ما لم تلها العوامل - أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفة كأسماء الأعداد، فيقال: ألف لام ميم، كما يقال: واحد اثنان ثلاثه فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أما أولاً: فلأن الاسم المتمكن لا يكون على حرفين. وأما ثانياً: فلأن الحرف الثاني إما أن يكون صحيحاً، أو معتلاً، فإن كان صحيحاً لم يستقم لما مر، وإن كان معتلاً فلا يستقيم أيضاً لذلك، ولأنه قابلٌ للتنوين، وعند التنوين يسقط حرف لعلة، لاجتماع الساكنين. فإذا سقط حرف العلة عاد محذوراً اتحاد الاسم والمسمى، فتعين أن يكون ثلاثياًّ؛ إذ لا احتياج إلى الزيادة في المعنى. قوله: (فلم يغفلوها)، الأساس: فلاةٌ غفلٌ: لا علم فيها، ونعمٌ أغفالٌ: لا سمة عليها. المعنى: لم يجعلوا الأسامي أغفالاً لا سمة عليها من المسمى. وقيل: لم يغفلوها: لم يتركوها، من قولك: أغفلت الشيء، إذا تركته. والضمير راجعٌ إلى الطريق أو إلى اللطيفة أي: ما تركوا تلك الطريق غير مسلوكةٍ، واللطيفة غير مرعية. قوله: (استعاروا الهمزة مكان مسماها)، أي: مسمى الهمزة مكان مسمى الألف؛ لأن الألف اسم مدةٍ ساكنةٍ قبلها فتحة. ذكر ابن جني في ((سر الصناعة)): أن الألف في الأصل اسم الهمزة، واستعمالهم إياها في غيرها توسع. وذلك أن الهمزة تصير هذه المدة إذا أتى في آخر الاسم، ثم لما غلب استعمال الألف في هذه المدة أهمل ما وضع عليها.

كقولك: هذه ألف، وكتبت ألفاً، ونظرت إلى ألف وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية ذاته فحسب، قبل أن يحدث فيه بدخول العوامل شيء من تأثيراتها، فحقك أن تلفظ به موقوفا. ألا ترى أنك إذا أردت أن تلقي على الحاسب أجناسا مختلفة ليرفع حسبانها، كيف تصنع؟ وكيف تلقيها أغفالا من سمة الإعراب؟ فتقول: دار، غلام، جارية، ثوب، بساط. ولو أعربت ركبت شططا. فإن قلت: لم قضيت لهذه الألفاظ بالاسمية؟ وهلا زعمت أنها حروف كما وقع في عبارات المتقدّمين؟ قلت: قد استوضحت بالبرهان النير أنها أسماء غير حروف، فعلمت أن قولهم خليق بأن يصرف إلى التسامح، وقد وجدناهم متسامحين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلى تأدية ذاته فحسب)، الجوهري: أحسبني الشيء: كفاني. وحسبك درهمٌ، أي: كفاك. وذلك أن اللفظ موضوعٌ للمعنى، وحركات اللفظ الإعرابية دالةٌ على أحوال المعنى، فإذا لم يرد باللفظ إلا مجرد معناه يجاء به عرياًّ عما يدل على الأحوال الطارئة عليها عند الإعراب. قوله: (ليرفع)، أي: ليضبط، الأساس: ومن المجاز: ارفع هذا الشيء: خذه. قوله: (كما توقع)، صفة مصدرٍ محذوف. وفاعل ((وقع)) ضميرٌ يرجع إلى أنها حروف، الأساس: زعم فلانٌ أن الأمر كيت وكيت زعماً ومزعماً: إذا شك أنه حق أو باطل. وفي قوله مزاعم.: إذا لم يوثق به. توجيه السؤال: لم قطعت الحكم باسميتها ولم لا تزعم كزعمهم؟ قوله: (قد استوضحت)، الأساس: وضحته وأوضحته واستوضحته: وضعت يدي على عيني أطلب أن يضح لي. واستوضح عن هذا الشيء: بحث عنه.

في تسمية كثير من الأسماء التي لا يقدح إشكال في اسميتها كالظروف وغيرها بالحروف، ومستعملين الحرف في معنى الكلمة، وذلك أن قولك: ((ألف)) دلالته على أوسط حروف ((قال)) و ((قام)) دلالة ((فرس)) على الحيوان المخصوص، لا فضل فيما يرجع إلى التسمية بين الدلالتين. ألا ترى أنّ الحرف: ما دلّ على معنى في غيره، وهذا كما ترى دال على معنى في نفسه ولأنها متصرف فيها بالإمالة كقولك: ((با))، ((تا)). وبالتفخيم كقولك: ((يا))، ((ها)). وبالتعريف، والتنكير، والجمع والتصغير، والوصف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كالظروف)، يعني نحو قبل وبعد، ويعدون ((إذا)) و ((متى)) من حروف الشرط؛ لأنهم لما رأوا أن بعض الأسماء بمنزلة الحروف في كونها لا تتم في الاستعمال إلا بانضمام شيءٍ معها، استعاروا لها اسم الحرف. قوله: (ومستعملين الحرف في معنى الكلمة)، روينا عن الترمذي والدارمي عن ابن مسعودٍ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله مائة حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ)). قال القاضي: المراد به غير المعنى الذي اصطلح عليه- وهو المعنى اللغوي- فإن تخصيصه به عزفٌ مجددٌ، ولعله سماه باسم مدلوله. قوله: (وذلك أن قولك ألف)، هذا شروعٌ في البرهان الذي استوضح منه اسمية هذه الألفاظ. أتى بحد الاسم وخواصه من التعريف والتنكير والتصغير.

والإسناد، والإضافة، وجميع ما للأسماء المتصرفة. ثم إنى عثرت من جانب الخليل على نص في ذلك. قال سيبويه: قال الخليل يوما وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في ((لك)))، والباء التي في ((ضرب))؟ فقيل: نقول: باء، كاف فقال: إنما جئتم بالاسم، ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: ((كهْ))، ((بهْ)). وذكر أبو على في كتاب ((الحجة)) في: (يس): وإمالة (يا)، أنهم قالوا: يا زيد، في النداء. فأمالوا وإن كان حرفا، قال: فإذا كانوا قد أمالوا ما لا يمال من الحروف من أجل الياء، فلأن يميلوا الاسم الذي هو ((يس)) أجدر. ألا ترى أنّ هذه الحروف أسماء لما يلفظ بها؟ فإن قلت: من أي قبيل هي من الأسماء: أمعربة أم مبنية؟ ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من جانب الخليل)، كنايةٌ عن تعظيمه كقولك: المجلس العالي. وحق له ذلك لما روى الأنباري: أن الخليل بن أحمد البصري كان سيد أهل العربية قاطبةً في علمه وزهده واستخراجه مسائل النحو وتعليله. أخذ من أبي عمرو بن العلاء وأخذ منه سيبويه. قوله: (أقول: كه، به)، بإفصاح الهاء هاهنا للفصل. قوله: (وذكر أبو علي)، قال الأنباري: هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، كان من أكابر أئمة النحو، وعلت منزلته في النحو حتى قيل: ما كان بين سيبويه وأبي عليٍّ أفضل منه. صنف كتباً كثيرةً منها كتاب ((الحجة في علل القراءات السبع)). قوله: (من أي قبيلٍ هي من الأسماء: أمعربةٌ أم مبنية؟ )، السؤال مبنيٌّ على الخلاف في أن الأسماء قبل التركيب هل هي معربةٌ أم مبنية؟

قلت: بل هي أسماء معربة، وإنما سكنت سكون زيد وعمرو وغيرهما من الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد مقتضيه وموجبه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: هذه الحروف [ليست] تجري مجرى الأسماء المتمكنة والأفعال المضارعة التي يجب لها الإعراب، وإنما هي تقطيع الاسم المؤلف الذي لا يجب له الإعراب إلا مع كماله. وقال: أجمع النحويون أن هذه الحروف مبنيةٌ على الوقف، بمعنى أنك تقدر أن تسكت على كل حرف وتجمع بين الساكنين كما بني العدد على السكون. وقال ابن الحاجب: المعرب: المركب الذي لم يشبه مبني الأصل. وفي سؤاله نوع إنكارٍ على جعل الألفاظ إما موقوفةً أو معربةً على ما بنى الكلام السابق عليه، وهو: ((وحكمها ما لم تلها العوامل أن تكون موقوفةً، فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب)) أي: الألفاظ الموقوفة من أي قبيلٍ هي من الأسماء؟ فإنها لا تخلو من هذين القبيلين. وما هذا التقسيم وتصريحه بذكر الأسماء إلا لمزيد الإنكار؛ ف ((أم)) في قوله: ((أم مبنية)) منقطعة، والهمزة فيها للإنكار، كأنه قال: أمعربةٌ؟ ثم أضرب عن هذا السؤال وأنكر أن تكون معربةً فقال: هي مبنيةٌ لفقد مقتضى الإعراب، وهو التركيب كما عليه مذهب ابن الحاجب وغيره. ولذلك أجاب بالإضراب عن السؤال في كونها مبنيةً، وقال: ((بل هي أسماءٌ معربة)) كزيدٍ وعمرو، وأقحم الأسماء أيضاً لمزيد الإنكار على كونها مبنية، أي: هي أسماءٌ غير

والدليل على أنّ سكونها وقف وليس ببناء: أنها لو بنيت لحُذي بها حذو: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مشابهةٍ للحروف كأين وكيف، بل هي أسماءٌ متمكنةٌ كزيدٍ وعمروٍ. وهذا مطابقٌ لحده المعرب في ((المفصل)): ((المعرب: المركب الذي يختلف آخره باختلاف العوامل، أي: من شأنه أن يختلف)). ويجوز أن تكون ((أم)) متصلةً و ((بل)) إضرابٌ عن التردد. أي: سؤالك هذا يشعر بأنك مترددٌ في كونها معربةً، وليست بقاطعٍ فيه، فاقطع بأنها معربةٌ، فالمضرب لازم التركيب. وقيل: الأصل في الكلمات إذا كن قابلاتٍ للإعراب، الإعراب الذي هو مسبب التركيب؛ لأن وضع الألفاظ لمسيس الحاجة إلى التعاون والتعارف، فوضعت بإزاء المعاني الذهنية لتفيد النسب دون المعاني المفردة، وإلا فتدور فقطعها عن التركيب عارضٌ كعروض الوقف، فاغتفر فيها التقاء الساكنين عند عروض عدم التركيب كما عند عروض الوقف، ولا يسكن آخر ما لا يقبل الإعراب إذا عدد نحو: أين، وكيف، وحيث، وحين؛ لأن حركتها لازمةٌ فلا تزول لعارض، وإنما زالت في الوقف للضرورة. وقال المالكي: لم يبعد من الصواب رأي من جعله معرباً حكماً؛ إذ لو كان مبنياًّ لم يسكن وصلاً، إذا عددت نحو زيدٍ وعمرو؛ إذ لم يرد مبنيٌّ كذلك. قوله: (إن سكونها وقف)، الوقف: قطع الكلمة عما بعدها، وهذه الفواتح وإن وصلت بما بعدها لفظاً، لكنها موقوفةٌ نيةً. يعني: أن سكونها ليس للبناء/، فإن الأسماء المبنية: إما مبنيةٌ

((كيف))، و ((أين))، و ((هؤلاء)). ولم يقل: ((ص))، ((ق))، ((ن)) مجموعا فيها بين الساكنين. فإن قلت: فلم لفظ المتهجي بما آخره ألف منها مقصورا، فلما أعرب مدّ فقال: هذه باء، وياء، وهاء وذلك يخيل أن وِزانها وزان قولك ((لا)) مقصورة فإذا جعلتها اسما مددت فقلت: كتبت (لاء)؟ قلت: هذا التخيل يضمحل بما لخصته من الدليل والسبب في أن قُصرت متهجاة، ومدّت حين مسها الإعراب: أنّ حال التهجي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على الحركة نحو كيف، وأين، وهؤلاء، أو على السكون على وجهٍ لا يلزم منه التقاء الساكنين ك: متى، وحتى. وهذه ليست كذلك؛ لأنها لو بينت لقيل: صاد وقاف بالفتح كالمبنيات، ولم يقل: صادٍ وقافٍ كزيدٍ وعمروٍ، جمعاً بين الساكنين. قوله: (فلم لفظ المتهجي)، يعني: كأن القياس على ما ذهبت في نحو ((صاد)) و ((قاف)) أن يقال: ((باء)) و ((تاء)) مهموزةً ساكنةً، وحين لفظ المتهجي، حال التهجي مقصورةً، وممدودةً حالة التركيب، خيل حرفيتها مقصورةً، واسميتها ممدودةً، كقول حسان يمدح النبي صلى الله عليه وسلم. ما قال قط إلا في تشهده ... لولا التشهد لم يسمع له لاء ويؤيده ما روينا عن الدارمي عن جابرٍ قال: ((وما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط، فقال: لا)). وأجاب: أن كونها مقصورةً ليس لكونها حرفاً، بل لأمرٍ آخر وهو طلب الخفة، فلم يعلم من ذلك حرفيتها، فوجب الرجوع إلى تلخيص الدليل وهو البرهان النير.

خليقة بالأخف الأوجز، واستعمالها فيه أكثر. فإن قلت: قد تبين أنها أسماء لحروف المعجم، وأنها من قبيل المعربة، وأن سكون أعجازها عند الهجاء لأجل الوقف، فما وجه وقوعها على هذه الصورة فواتح للسور؟ قلت: فيه أوجه: أحدها وعليه إطباق الأكثر: أنها أسماء السور. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قد تبين أنها أسماءٌ)، يعني أطنبت في تقرير كونها أسماء، وتركت المقصود الأولى وهو وجه وقوعها على هذه الصورة المخصوصة في أوائل السور من بيان فائدتها، وكيفية إعرابها فيها، وتخصيص كلٍّ من السور التي فاتحتها بما اختصت به، وتخصيص أعدادها وغير ذلك، فإن كل ذلك هو المطلوب في التفسير. ودل على هذا الإنكار الفاء في قوله: ((فنا وجه وقوعها؟ )). وأجاب عن ذلك بوجوهٍ ثلاثة: وهي أنها أسماءٌ للسور، أو هي كقرع العصا، أو أنها تقدمةٌ لدلائل الإعجاز، وضمن هذه الوجوه الثلاثة ما يقتضيها من الفوائد، ومن كونها معربةً أو محكيةً. ومن اختصاص أعدادها وغير ذلك كما سيرد، فعلم من هذا البيان أن الأبحاث السابقة كانت كالمقدمة للاحقة. قوله: (لحروف المعجم)، الجوهري: العجم: النقط بالسواد. ومنه حروف المعجم وهي الحروف المقطعة التي يختص أكثرها بالنقط. ومعناه حروف الخط المعجم، كما تقول: مسجد الجامع، أي: مسجد اليوم الجامع. وناسٌ يجعلون المعجم بمعنى الإعجام مصدراً مثل المخرج والمدخل، أي: من شأن هذه الحروف أن تعجم. قوله: (وعليه إطباق الأكثر)، قال الإمام: هو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه.

وقد ترجم صاحب الكتاب الباب الذي كسره على ذكرها في حد ما لا ينصرف ب ((باب أسماء السور)) وهي في ذلك على ضربين: أحدهما ما لا يتأتى فيه إعراب، نحو: ((كهيعص))، و ((المر)). والثاني: ما يتأتى فيه الإعراب، وهو إما أن يكون اسما فردا كصاد وقاف ونون، أو أسماء عدّة مجموعها على زنة مفرد ك: حم. وطس. ويس. فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكذلك طسم يتأتى فيها أن تفتح نونها، وتصير ((ميم)) مضمومة إلى طس فيجعلا اسماء واحد كدارابجرد فالنوع الأول محكي ليس إلا وأما النوع الثاني فسائغ فيه الأمران: الإعراب، والحكاية قال قاتل محمد بن طلحة السجاد وهو شريح ابن أوفى العبسي يُذَكِّرُنِى حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ. فأعرب حاميم ومنعها الصرف، وهكذا كل ما أعرب من أخواتها لاجتماع سببى منع الصرف فيها، وهما: العلمية، والتأنيث. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كسره)، أي جمعه، الأساس: ومن المجاز: كسر الطائر جناحيه كسراً: ضمهما للوقوع، وكسر الكتاب على عدة أبوابٍ وفصول. قوله: (وهي في ذلك)، أي الفواتح في كونها أسماءً للسور. قوله: (قاتل محمد بن طلحة)، في الاستيعاب)): هو محمد بن طلحة بن عبيد الله القرشي، المعروف بالسجاد. قتل يوم الجمل، وكان طلحة أمره أن يتقدم للقتال فنثل درعه بين رجليه وقام عليها، وكلما حمل عليه رجلٌ قال: نشدتك ب ((حم)) حتى شد عليه العبسي فقتله، وأنشأ يقول:

والحكاية: أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى كقولك: دعني من ((تمرتان))، وبدأت بـ ((الحمد للَّه))، وقرأت ((سورة أنزلناها)). قال: وَجَدْنا في كِتَابِ بَنى تَمِيم ... أَحَقُّ الْخَيْلِ بالرَّكْضِ المُعَارُ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأشعث قوامٍ بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم خرقت له بالرمح جيب قميصه ... فخر صريعاً لليدين وللفم على غير شيءٍ غير أن ليس تابعاً ... علياًّ، ومن لا يتبع الحق يظلم يذكرني .... ، البيت. فلما رآه علي رضي الله عنه بين القتلى، استرجع وقال: إن كان لشاباًّ صالحاً، ثم قعد كئيباً. سمي السجاد لتعبده. شجر الرمح: اختلف. والتشاجر: التخاصم. وكل شيءٍ دخل في بعضٍ فقد تشاجر. قيل: المراد بقوله: ((حم)) قوله تعالى: (قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى)، وهو في ((حم)) الشورى [الآية: 23]. قوله: (دعني من تمرتان)، جوابٌ عن قول من قال: يكفيك تمرتان، أو هاتان تمرتان. قوله: (أحق الخيل)، كأنه من قول الشاعر: أعيروا خيلكم ثم اركضوها ... أحق الخيل بالركض المعار يقال: ركض فلانٌ دابته: إذا ضرب جنبيها برجله لتعدو. المعار: من عار الفرس، إذا انفلت، وذهب يميناً وشمالاً من مرحه، وأعاره صاحبه، فهو معارٌ, وفي ((الصحاح)): البيت للطرماح، وقال الصغاني: وهو خطأٌ، البيت لبشر بن أبي

وقال ذو الرّمّة: سَمِعْتُ النَّاسَ يَنْتَجِعُونَ غَيثاً ... فَقُلْتُ لِصَيْدَح انْتَجِعى بِلَالا وقال آخر: تَنَادَوْا بالرَّحِيلِ غَداً ... وَفي تَرْحَالِهمْ نَفْسِى وروى منصوبا ومجرورا. ويقول أهل الحجاز في استعلام من يقول: رأيت زيدا، من زيداً؟ وقال سيبويه: سمعت من العرب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خازم. وقال أبو عبيدة: والناس يعتقدون أنه من الإعارة بمعنى العارية، وهو خطأ، ومعناه على هذا: أن صاحبه لم يشفق عليه، فغيره أحق أن لا يشفق. قوله: (لصيدح): صيدح علم ناقة ذي الرمة. قوله: (بلالاً)، قال في ((الجامع)): هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، كان على البصرة. ((الناس)) مرفوعٌ على الحكاية، كأنه سمع قائلاً يقول: الناس ينتجعون غيثاً. النجعة: طلب الكلأ والخير. وفي ((انتجعي)) مشاكلةٌ لقوله: ينتجعون غيثاً. قوله: (وروي منصوباً ومجروراً)، هذا العطف دل على كونه مرفوعاً، فالرفع على الابتداء، أي: الرحيل غداً. أي: ينادون بهذا القول. والنصب على ارحل الرحيل. والجر على اللفظ. ((وفي ترحالهم نفسي)) أي: هلاك نفسي أو استقر في ترحالهم نفسي.

لا من أين يافتى. فإن قلت: فما وجه قراءة من قرأ: صادَ، وقافَ، ونونَ مفتوحات؟ قلت: الأوجه أن يقال: ذاك نصب وليس بفتح، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف على ما ذكرت. وانتصابها بفعل مضمر. نحو: اذكر وقد أجاز سيبويه مثل ذلك في: حم، وطس، ويس لو قرئ به. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا من أين يا فتى)، يقول الرجل لآخر: من أين يا فتى؟ فيقول: لا من أين يا فتى، أي: لا تسألني عن نسبي ومقامي، وسل عن حسبي ومناقبي. قوله: (فما وجه قراءة من قرأ صاد؟ )، قال الزجاج: قرأ عيسى صاد وقاف ونون بالفتح لالتقاء الساكنين. وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق بالكسر. والفاء في السؤال دلت على الإنكار على الكلام السابق، وهو قوله ((فسائغٌ فيه الأمران: الإعراب، والحكاية)) يعني: أين الإعراب أم أين الحكاية على هذه القراءة؟ فإنها تدل على كونها مبنيةً لما أسلفت أنها لو بينت لحذي بها حذو أين وكيف، أي: فتح آخرها. فإذن هذه الحركات ليست بإعرابيةٍ لفقد المقتضي، ولا هي للوقف؛ لأن المحكية إنما يوقف عليها بالسكون كما سبق. وأجاب: لا نسلم فقد المقتضي؛ لأن التقدير ((اذكر)). ويجوز أن يحرك على التقاء الساكنين في لغة من جد في الهرب عنه، كما في (وَلا الضَّالِّينَ). قال الزجاج: فالفتح في صاد ونحوه لالتقاء الساكنين؛ لأن الفتحة تختار مع الألف في التقاء الساكنين، قال سيبويه: إذا رخمت ((إسحار)) اسم رجلٍ مشدد الراء قلت في ترخيمه: يا إسحار أقبل، ففتحت لالتقاء الساكنين.

وحكى أبو سعيد السيرافي أنّ بعضهم قرأ: يس. ويجوز أن يقال: حرّكت لالتقاء الساكنين، كما قرأ من قرأ: وَلَا الضَّالِّينَ. فإن قلت: هلا زعمت أنها مقسم بها؟ وأنها نصبت قولهم: نعمَ اللَّه لأفعلن، وأيِ اللَّه لأفعلن، على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم. وقال ذو الرمة: أَلَا رُبَّ مَنْ قَلْبى لَهُ اللَّهَ نَاصِح. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وحكى أبو سعيد السيرافي)، قال الأنباري: إنه كان من أكابر الفضلاء، زاهداً لا نظير له في علم العربية، ولو لم يكن له سوى ((شرح كتاب سيبويه)) لكفاه فضلاً. قوله: (ألا رب من قلبي له الله ناصحٌ)، تمامه: ومن قلبه لي في الظباء السوانح أي: ألا رب من قلبي له ناصحٌ، أحلف بالله. أضمر الفعل بعد أن أعلمه فيه على حذف الجار، تقول: أنا أحبه، فأنصحه بقلبي، وقلبه نافرٌ عني نفور الظباء. ويمكن أن يكون المعنى: قلبه مستقرٌّ في الظباء. والسانح: ما أتاك من يمينك من طائرٍ وظبي، والعرب تتيمن به، والبارح: ما أتاك عن يسارك، والعرب تتشاءم به.

وقال آخر: فَذَاكَ أَمَانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ قلت: إنّ القرآن والقلم بعد هذه الفواتح محلوف بهما، فلو زعمت ذلك لجمعت بين قسمين على مقسم عليه واحد وقد استكرهوا ذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فذاك أمانة الله)، صدره: إذا ما الخبز تأدمه بلحمٍ أي: فذاك أمانة الله الثريد. قوله: (إن القرآن والقلم بعد هذه الفواتح محلوفٌ بهما)، حاصل الجواب: أنه لا يجوز أن تكون هذه الفواتح مقسماً بها، ومنصوباً كما ذكرتم؛ لأن الواو حينئذٍ: إما للقسم، أو للعطف. ولا سبيل إلى الأول؛ لاجتماع قسمين على مقسمٍ عليه واحدٍ وهو مستكره، ولا إلى الثاني؛ لمخالفته الثاني الأول في الإعراب، فبقي أن يكون معمولاً لفعلٍ مضمرٍ، فعلى هذا قوله: ((قال الخليل)) إلى قوله: ((هذا)) اعتراضٌ على سبيل الاستطراد مبينٌ لقوله: ((وقد استكرهوا ذلك)). بيانه: أن الخليل جعل ((الواو)) في قوله: ((والليل)) للقسم، و ((الواو)) في ((والنهار)) للعطف. فاشتركا في معنى القسيمة، فيجوز تلقيهما بمقسمٍ عليه واحدٍ. ولو قدر أن يكون الثاني أيضاً حرف قسمٍ؛ لزم أن يكونا قسمين مستقلين. والأفصح حينئذٍ أن يتلقى كل منهما بمقسمٍ عليه، كقولك: بالله لأفعلن، تالله لأخرجن. وإن جاز أن يقال: وحقك وحق زيدٍ لأفعلن للتأكيد، لكن لم يحسن ذلك الحسن؛ ولذلك استكرهوه.

قال الخليل في قوله عزّ وجلّ: (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى، وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى): الواوان الأخريان ليستا بمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك: مررت بزيد وعمرو، والأولى بمنزلة الباء والتاء. قال سيبويه: قلت للخليل: فلم لا تكون الأخريان بمنزلة الأولى؟ فقال: إنما أقسم بهذه الأشياء على شيء، ولو كان انقضى قسمه بالأوّل على شيء لجاز أن يستعمل كلاما آخر، فيكون كقولك باللَّه لأفعلنّ، باللَّه لأخرجنّ اليوم. ولا يقوى أن تقول: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو علي: والذي يمنع هذا: أن القسم يبقى متعلقاً بغير مقسم عليه؛ ألا ترى أنه إذا قال: قاف أو صاد، فنصبه بأنه مقسم به، لم يتلقه محلوف عليه، يدل على ذلك استئنافك باسم آخر لا يجوز عطفة على هذا الاسم الأول إذا قدرته مقسما به لانجراره بالواو. فهذا التأويل الذي ذكرنا امتناعه في هذه الفواتح لا يخلو الاسم المنجر فيه من أحد أمرين: إما أن يكون معطوفاً على ما قبله، وإما أن يكون مستأنفاً منقطعاً منه. ولا يجوز أن يكون معطوفا على ما قبلة لانجراره وانتصاب المعطوف عليه، فإذا لم يجز ذلك؛ ثبت أنه منقطع مما قبله، وأن الواو للقسم لا للعطف، وإذا كان كذلك، لم يكن الأول قسماً؛ ألا ترى أن الخليل وسيبويه لم يجيزا في قوله تعال: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) الآية [الليل: 1] كون الواوين اللتين بعد الأولي قسما كالأولي فقالا فيهما: إنهما للعطف لما كان يلزم من إجازة ذلك بقاء القسم الأول غير متعلق بمقسم عليه. تم كلامه. واستدل الخليل أيضا على أن الواو الثاني للعطف بأنه لو وضع موضعها "ثم" و"الفاء" كما يقال: وحياتي ثم حياتك لأفعلن: لم يتغير المعنى وهما حرف عطف. وأعترض عليه بأنه لو جعل الواو في: (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) [الليل: 2] للعطف؛ للزم العطف على معمولي عاملين متغايرين، وهو غير سائغ.

وحقك وحق زيد لأفعلنّ. والواو الأخيرة واو قسم لا يجوز إلا مستكرها قال: وتقول وحياتي ثم حياتك لأفعلنّ فثم هاهنا بمنزلة الواو. هذا ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى أن تجعل الواو للعطف لمخالفة الثاني الأول في الإعراب. فان قلت: فقدّرها مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها، فقد جاء عنهم: اللَّه لأفعلن مجرورا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب المصنف بأنه لما تنزلت الواو التي في ((الليل)) منزلة الباء والفعل حتى لم يجز ذكر الفعل معها، صارت كأنها هي العاملة نصبا وخفضا، فصارت كعاملٍ له عملان كقولك: إن زيدا قائم وعمرا قاعد؛ فعومل معها معاملتهما. الانتصاف: في قوله تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا* فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) [الصافات: 1 - 3] دليل على صحة مذهب الخليل وسيبويه، فوقوع الفاء هاهنا كوقوع الواو في قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) ولم يفترق الحال إلا بما أعطته الفاء من تفاوت الترتيب. قوله: (هذا)، من فصل الخطاب، أي: مضي هذا. ثم شرع في بيان ما هو المقصود من كلامه، ونحوه قوله تعالى: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآَبٍ) [ص: 55] فإنه تعالى كلما فرغ من نوع من الكلام وأراد الشروع في نوع آخر، فصل بقوله: ((هذا)). وقيل: هذا فصل أحسن من وصل. قوله: (فقدرها مجرورة)، مسبب عما قبله يعني لم يقدر صاد وقاف ونون مجرورة بإضمار حرف الجر لا بحذفها حتى يتم للك العطف؟ والفرق بين أن يكون مضمراً وبين أن

ونظيره قولهم: لاه أبوك غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، واجعل الواو للعطف حتى يستتب لك المصير إلى نحو ما أشرت إليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يكون محذوفا هو: أن المضمر أثره باق؛ كقولك: الأسد الأسد، والمحذوف لا أثر له؛ كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: 82]. ويجوز أن يكون من باب قوله: بدالي أني لست مدرك ما مضي ... ولا سابق شيئا إذا كان جانيا قوله: (لاه أبوك)، أصله: لله أبوك. قال أبو على: قال سيبويه: حذفوا اللامين منه: لام الإضافة واللام الأخرى. وقيل: المحذوف لام الأصل والمبقى الزائد، خلافا لسيبويه. قال أبو على: فلهم أن يقولوا: إن الزائد جاء لمعنى، وهو أولى بأن يترك؛ لأنه إذا حذف زالت لحذفه دلالته التي جاء لها. وقد رأيناهم يحذفون من نفس الكلمة في نحو: لم يك، ولا أدر، ولم أتل، إذا كان في الذي أبقى دليل على ما ألقى. فعلى هذا المحذوف من هذا الاسك ما هو من نفسه والمبقى الزائد. وقيل: معنى التعجب في: ((لاه أبوك)) أنهم يفيدون بذكر اللام المفيدة للاختصاص: أن الله تعالى لكمال قدرته مختص بإيجاد مثل هذا الشيء العجيب الشأن. قوله: (يستتب)، الأساس: استتب الطريق: ذل وانقاد، كقولهم: طريق معبد. واستتب

قلت: هذا لا يبعد عن الصواب، ويعضده ما رووا عن ابن عباس رضى اللَّه عنه أنه قال: أقسم اللَّه بهذه الحروف. فإن قلت: فما وجه قراءة بعضهم ص وق بالكسر؟ قلت: وجهها ما ذكرت من التحريك لالتقاء الساكنين، والذي يبسط من عذر المحرّك: أن الوقف لما استمرّ بهذه الأسامى، شاكلت لذلك ما اجتمع في آخره ساكنان من المبنيات، فعوملت تارة معاملة «الآن» وأخرى معاملة «هؤلاء». فإن قلت: هل تسوّغ لي في المحكية مثل ما سوّغت لي في المعربة من إرادة معنى القسم؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ له الأمر: استقام. ويجوز أن يقال للاستقامة والتمام: الاستتباب، أي: طلب التباب الذي هو الهلاك؛ لأن التباب يتبع التمام. كما قيل: إذا تم أمر دنا نقصه. قوله: (عن ابن عباس: أقسم الله بهذه الحروف)، قال الإمام: أقسم الله بها لشرفها؛ لأنها مباني كتبه المنزلة وأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأصول كلام الأمم. قوله: (فما وجه قراءة بعضهم: صاد؟ )، سؤال آخر على تحريك هذه الحروف كما سبق في قوله: ((فما وجه قراءة من قرأ ((صاد)) بالنصب؟ )). وأجاب: أنه على تقدير الحكاية دون الإعراب؛ لكونها غير مصروفة. والمراد بقوله: ((ما ذكرت من التحريك لالتقاء الساكنين)) ما سبق في جواب السؤال السابق على فتح صاد. قوله: (هل تسوغ لي في المحكية)، والمحكية كما مضى نوعان: نوع لا يتأتى فيه الإعراب ألبتة نحو: (كهيعص) [مريم: 1] و (الم) [البقرة: 1]، ونوع سائغ فيه الإعراب أيضا نحو: ((حم)) و ((ق)).

قلت: لا عليك في ذلك، وأن تقدّر حرف القسم مضمراً في نحو قوله عز وجل: (حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ) [الدخان: 2]، كأنه قيل: أقسم بهذه السورة، وبالكتاب المبين: إنا جعلناه. وأما قوله صلى اللَّه عليه وسلم «حم لا يبصرون» فيصلح أن يقضى له بالجرّ والنصب جميعاً على حذف الجار وإضماره. فان قلت: فما معنى تسمية السور بهذه الألفاظ خاصة؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا عليك)، أي: لا بأس عليك في ذلك. ثم عطف عليه على سبيل البيان قوله: ((وأن تقدر)) أي: لا بأس عليك أن تقدر في المحكية حرف القسم مضمرا عاملا عمل الجر فيما يشبه (حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ) [الدخان: 1 - 2] يعنى فيما بعده الواو، ولا يقدره محذوفا لئلا يجتمع قسمان على مقسم عليه واحد، أو يحصل الاختلاف في المعطوف والمعطوف عليه في الإعراب كما سبق. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((حم لا ينصرون)) فعلى تقدير سؤال، يعنى: فيما لم يأت بعده الواو في المحكية ما تقول فيه؟ فقال: وفي مثله يجوز الجر والنصب على حذف الجار وإضماره لزوال المانع وهو الواو. قوله: (حم لا ينصرون)، روى الترمذي وأبو داود عن المهلب عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن بيتكم العدو فقولوا: (حم) لا ينصرون)).

قلت: كأن المعنى في ذلك الإشعار بأن الفرقان ليس إلا كلما عربية معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ، كما قال عز من قائل: (قُرْآناً عَرَبِيًّا) [يوسف: 2]. فإن قلت: فما بالها مكتوبة في المصحف على صور الحروف أنفسها، لا على صور أساميها؟ قلت: لأنّ الكلم لما كانت مركبة من ذوات الحروف، واستمرّت العادة متى تهجيت ومتى قيل للكاتب: اكتب كيت وكيت أن يلفظ بالأسماء وتقع في الكتابة الحروف أنفسها، عمل على تلك الشاكلة المألوفة في كتابة هذه الفواتح. وأيضاً فإن شهرة أمرها، وإقامة ألسن الأسود والأحمر لها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال في ((الفائق)): والذي يؤدي إليه النظر في معنى هذا الحديث: أن السور السبع التي في أوائلها ((حم)) سور لها شأن، فنبه صلوات الله عليه أن ذكرها لشرف منزلتها وفخامة شأنها مما يستظهر به على إنزال رحمة الله في نصرة المسلمين، وفل شوكة الكفار، وقوله: ((لا ينصرون)) كلام مستأنف؛ كأنه حين قال: ((قولوا: (حم)، وقال له قائل: ماذا يكون إذا قلت هذه الكلمة؟ فقال: ((لا ينصرون)). قوله: (كأن المعنى في ذلك الإشعار) إلى آخره. فإن قلت: أليس هذا المعنى يفيده الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة في الفواتح وهو قوله: ((أن يكون ورودها على نمط التعديد كالإيقاظ وقرع العصا))؟ قلت: لأن هذا المعنى إنما يفيده هذا الوجه بحسب التناسب بين الاسم والمسمى من غير قصد في التسمية إليه، وهناك يفيده قصدا أوليا، ومن ثم قال: ((كأن المعنى)) على التشبيه دون الجزم. وفيه إشارة إلى مذهبه على سبيل الإدماج.

وأنّ اللافظ بها غير متهجاة لا يحلى بطائل منها، وأنّ بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عليه من مورده؛ أمنت وقوع اللبس فيها، وقد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التي بنى عليها علم الخط والهجاء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: (وأن اللافظ بها) وقوله: (وأن بعضها مفرد)، معطوفان على شهرة أمرها، يعني: لا يخطر ببال أن المراد من ((ق)) و ((ن)) و ((ص)) الأوامر، أو فائدة أخرى يعبأ بها حتلا يحتاج أن يكتب قاف ونون وصاد لئلا تلتبس. قوله: (غير متهجاة)، أي: أن يتلفظ ((ق)) مفردة من غير أن يقال: قاف. قوله: (لا يحلى بطائل)، حليت منه بطائل، أي: ظفرت منه بفائدة، الأساس: ومن المجاز: حلى فلان في صدري وفي عينى، وهو حلو اللقاء وحلو الكلام. وفيه: وله عليه طول: فضل، وهو غير طائل: غير فاضل. قوله: (وأن بعضها)، أي: بعض أسامي حروف التهجي، يعني: ورود بعض هذه الفواتح نحو ث، ص، ن، مفرداً لا يخطر ببال من يراه مكتوبا كذا- غير المعني المراد به وهو الاسم الملفوظ به. وضمير ((مورده)) عائد إلى البعض، أي: أن ذلك البعض المكتوب على حرف واحد وارد على ذلك الملفوظ الذي هو الاسم. قوله: (أمنت وقوع اللبس)، خبر ((إن)) في قوله: ((فإن شهرة أمرها)). قوله: (علم الخط)، قال ابن الحاجب: الخط تصوير اللفظ بحرف هجائه، إي: اللفظ المقصود تصويره. فإذا قيل: اكتب زيدا، تكتب مسمى زاي وياء ودال. والأصل في كل كلمة أن تكتب بصورة لفظها بتقدير الابتداء بها والوقوف عليها.

ثم ما عاد ذلك بضير ولا نقصان لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ، وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف. قال عبد اللَّه بن درستويه في كتابه: المترجم بكتاب الكتاب المتمم: في الخط والهجاء خطان لا يقاسان: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عبد الله بن درستويه)، قال الأنباري: كان أحد النحاة المشهورين، والأدباء المذكورين. ألف كتابه في ((الهجاء))، وهو من أحسنها. ووجدت في كتاب صنف في هذا الفن: اعلم أن كتابة المصحف مثبتة بخط واحد على الأحرف السبعة، وهي تنقسم إلى ما يوافق القياس، وإلى ما لا يوافقه، بل يتلقى بالقبول؛ لأنها سنة واجبة الاتباع؛ لأنه رسم زيد بن ثابت رضي الله عنه، أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتب وحيه، علم من هذا العلم ما لم يعلم غيره، وما خالفه إنما خالف لحكمة بليغة ومعرفة خفية؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فإنه كتب بلا ألف، ولا يجوز إثباتها؛ لأن إثباتها يؤدي إلى مخالفة من قرأ بغير ألف، وكذلك قوله تعالى: (فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) [يوسف: 15] كتبت بالياء من غير ألف، إذ لو أثبتت لبطلت قراءة من قرأ بالوحدة، ولو كتبت بالهاء لبطلت قراءة من قرأ بالجمع. قوله: (بكتاب الكتاب)، أي: بكتاب الكتابة. وفي بعض النسخ: ((بكتاب الكتاب)) بالتشديد.

خط المصحف، لأنه سنة، وخط العروض لأنه يثبت فيه ما أثبته اللفظ ويسقط عنه ما أسقطه. الوجه الثاني: أن يكون ورود هذه الأسماء هكذا مسرودة على نمط التعديد، كالإيقاظ، وقرع العصا لمن تحدّى بالقرآن وبغرابة نظمه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (خط المصحف وخط العروض)، مبتدأ، و "خطان لا يقاسان" خبره. قدم على المبتدأ للتشويق، كقول الشاعر: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر قوله: (هكذا)، صفة مصدر محذوف، و "الإيقاظ" خبر "يكون"، و "مسرودة" حال. وصاحبها "هذه الأسماء"، والعامل "الورود" أي: الوجه الثاني: أن يكون ورود هذه الأسماء متتابعة على طريقة التعداد كالتنبيه لمن يرد عليه امر له شأن وفيه فخامة ليتلقاه بالقبول. قوله: (مسرودة)، الأساس: سرد الحديث والقراءة: جاء بهما على ولاء. قوله: (وقرع العصا)، أصله من قولهم: إن العصا قرعت لذي الحلم، يضرب لمن إذا نبه انتبه. قال الميداني: ذو الحلم: عامر بن الظرب، كان من حكماء العرب، لا يعددل بفهمه فهم، فلما طعن في السن أنكر من عقله شيئا، فقال لبنيه: إنه قد كبرت سني، وعرض لي

وكالتحريك للنظر في أن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم؛ ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أن لم تتساقط مقدرتهم دونه، ولم تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة، وهم أمراء الكلام وزعماء الحوار، وهم الحرّاص على التساجل في اقتصاب الخطب، والمتهالكون على الافتنان في القصيد والرجز، ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سهو، فإذا رأيتموني خرجت من كلامي وأخذت في غيره، فاقرعوا لي المحجن بالعصا. قوله: (وقد عجزوا عنه عن آخرهم)، أي: عجزوا صادرا عن آخرهم، فإذا صدر العجز عن آخرهم؛ فيكون قد صدر عن جميعهم متجاوزا عن آخرهم. قوله: (دونه)، أي: عند الوصول إليه. والضمير عائد إلى المتلو عليهم. قوله: (معجزتهم)، يروى بكسر الجيم وفتحها، الجوهري: عجزت عن كذا أعجز بالكسر عجزا ومعجزة ومعجزة ومعجزة ومعجزا، ومعجزا أيضا بالفتح على القياس. قوله: (الحوار)، الأساس: كلمته فما أحار جوابا، أي: ما رجع. قوله: (على التساجل)، الأساس: ومن المجاز: ساجله: فاخره. وله من المجد سجل سجيل: ضخم. واقتضب الكلام: ارتجله. قوله: (في القصيدة)، القصيد والقصيدة كالسفين والسفية. قوله: (الرجز)، الرجز: ضرب من الشعر، الجوهري: الرجز داء يصيب الإبل في أعجازها، فإذا ثارت الناقة ارتعشت فخذاها ساعة ثم تنبسط. ومنه سمى الرجز من الشعر لتقارب أجزائه وقلة حروفه.

المبالغ التي بزت بلاغة كل ناطق، وشقت غبار كل سابق، ولم يتجاوز الحدّ الخارج من قوى الفصحاء، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء إلا لأنه ليس بكلام البشر، وأنه كلام خالق القوى والقدر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وشقت غبار كل سابق)، وهو من قول قصير: "فأركب العصا، فإنه لا يشق غباره". قال الميداني: وكانت العصا فرشا لجذيمة. يضرب لمن لا يجارى. فإن قلت: هل من فرق بين ما في الكتاب وما في المثل؟ قلت: ما في المثل هي للسبق، والمقام مقام مدح السابق؛ فينبغي أن يكنى به عن عدم لحوق اللاحق. وما في الكتاب إثبات له، والمقام مقام مدح اللاحق؛ فالواجب أن يعبر به عن السبق على السابق. قوله: (مطامح)، الأساس: طمحت ببصري إليه، وطمح المتكبر يعينه: شخص بها. قوله: (إلا لأنه ليس من كلام البشر)، استثناء من قوله: "إن لم تتساقط"، ومن المنفيات المعطوفة عليه. الانتصاف: هذا الفصل أتى فيه ببلاغة لكنه أفسدها بالنفي، وطول فيه حتى انتهى إلى الإثبات، وهو متقد على المتبني قوله في الخيل:

وهذا القول من القوة والخلاقة بالقبول بمنزلٍ. ولناصره على الأوّل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلا ركبت بها إلا إلى ظفر ... ولا حصلت بها إلا على أمل وقلت: ليت شعري كيف ينتقد على مثله في بلاغته، أم كيف يقاس هذا الكلام ببيت أبي الطيب؟ فإنه أوهم في البداية دعاء السوء وما يدخل منه في وهل السامع ما لا ينجبر بما يستدرك بعده، وإن المصنف سلك مسلك التشويق إلى ما يرد في الإنتهاء؛ أتى أولا بقرينتين مشتملتين على سلب مقدرة الخصوم وبيان عجزهم وهما قوله: "لم تتساقط مقدرتهم دونه، ولم تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله"، ثم عقبهما بقرائن ثلاث مضمنات صفات بليغة للقرآن لتؤدي بالسامع إلى مبلغ لا يتمالك إلا طلب العثور على المطلوب. وكأن هذا الزاعم ـ بعد أن حرم الوقوف على الأساليب ـ ما تلي عليه قوله: (بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفَّارَ ولا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) [التوبة: 120] والعجب أن المنفيات الثلاث الأولى مؤذنات بما هو عليهم، والقرينيتين الأخريين مشتملتان على ما هو لهم، ولا يبعد أن المصنف اقتبس كلامه من أسلوب الآية. قوله: (والخلاقة)، الأساس: وهو خليق بكذا: كأنما خلق له وطبع عليه. وقد خلق خلاقة. قوله: (بمنزل)، أي: بمنزل بعيد، ومنه قول صاحب "المفتاح": إن التركيب متى وقع موقعه رفع شأن الكلام في باب البلاغة إلى حيث يناطح السماك.

أن يقول: إن القرآن إنما نزل بلسان العرب مصبوبا في أساليبهم واستعمالاتهم، والعرب لم تتجاوز ما سموا به مجموع اسمين، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، والقول بأنها أسماء السور حقيقة: يخرج إلى ما ليس في لغة العرب، ويؤدّى أيضاً إلى صيرورة الاسم والمسمى واحداً، فإن اعترضت عليه بأنه قول مقول على وجه الدهر وأنه لا سبيل إلى ردّه، أجابك بأن له محملا سوى ما يذهب إليه، وأنه نظير قول الناس: فلان يروى: قفا نبك، وعفت الديار. ويقول الرجل لصاحبه: ما قرأت؟ فيقول (الحمد لله) و (براءة من الله ورسوله) [التوبة: 1]، و (يوصيكم الله في أولادكم) [النساء: 11]، و (الله نور السماوات والأرض) [النور: 35]. وليست هذه الجمل بأسامى هذه القصائد وهذه السور، والآي، وإنما تعنى رواية القصيدة التي ذاك استهلالها، وتلاوة السورة أو الآية التي تلك فاتحتها. فلما جرى الكلام على أسلوب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: هذا الوجه أقرب إلى التحقيق، وأوفق للطائف للتنزيل، وأسلم من لزوم النقل ووقوع الإشتراك في الأعلام من واضع واحد؛ فإنه يعود بالنقص على ما هو مقصود من العلمية. وقال السجاوندي: والمروي عن الصدر الأول في التهجي أنها أسرار بين الله وبين نبيه صلوات الله عليه. وقد تجرى بين المجرمين كلمات معماة تشير إلى سر بينهما، وتفيد تحريض الحاضرين إلى إستماع ما بعد ذلك. وهذا معنى قول السلف: حروف التهجي إبتلاء لتصديق المؤمن وتكذيب الكافر.

من يقصد التسمية، واستفيد منها ما يستفاد من التسمية، قالوا ذلك على سبيل المجاز دون الحقيقة. وللمجيب عن الاعتراضين على الوجه الأول أن يقول: التسمية بثلاثة أسماء فصاعدا مستنكرة لعمري وخروج عن كلام العرب، ولكن إذا جعلت اسما واحداً على طريقة حضر موت، فأما غير مركبة منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار فيها لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا وهي أعلام توقظ من رقدة الغفلة بنصح التعليم، وتنشط في إلقاء السمع على شهود القلب للتعظيم، كمن أراد الإخبار بمهم حرك الحاضر بيديه، أو صاح به صرة، ليقبل بكله عليه. ومصداق ذلك أن معظمها معقبة بذكر الكتاب. وقد قلبت الرأي ظهرا لبطن في تأويل معاني هذه الحروف سنين، ونيفت الأقاويل المختارة على الستين، ولم أتحصل على ثلج اليقين ولا ظفر الجهد على المراد قادر اليمين، حتى استروحت إلى هذا الوجه من التحري. ثم إني بعد التجاسر والإمتناع إذا بثعلب سقى الله عهده وهو الإمام الموثوق برأيه، يقول: حروف التهجي تنبيه في معرض ألا، وكفى بلطف الله في تجاذب الآراء موئلا. قوله: (ولكن إذا جعلت)، استدراك عن مقدر، أي: التسمية مستنكرة لا في جميع الصور، ولكن إذا جعلت إسما واحدًا على طريقة "جضرموت" في إعتبار الإعراب في آخره. قوله: (غير مركبة منثورة)، منصوبان بمضمر، أي: فأما إذا جعلت غير مركبة، منثورة فلا إستنكار في التسمية.

كما سموا: بتأبط شراً، وبرق نحره، وشاب قرناها. وكما لو سمى: بزيد منطلق، أو بيت شعر. وناهيك بتسوية سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر، وبين التسمية بطائفة من أسماء حروف المعجم، دلالة قاطعة على صحة ذلك. وأما تسمية السورة كلها بفاتحتها، فليست بتصيير الاسم والمسمى واحداً، لأنها تسمية مؤلف بمفرده، والمؤلف غير المفرد. ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف مؤلفاً منه ومن حرفين مضمومين إليه، كقولهم: صاد، فلم يكن من جعل الاسم والمسمى واحداً حيث كان الاسم مؤلفاً والمسمى مفرداً. الوجه الثالث: أن ترد السور مصدرة بذلك ليكون أوّل ما يقرع الأسماع مستقلا بوجه من الإعراب، وتقدمة من دلائل الإعجاز ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وناهيك)، أي: كافيك وحسبك بتسوية سيبويه. ومن قوله في "باب الترخيم": "ولو رخمت "تأبط شراً" من الأسماء لرخمت رجلاً يسمى بقول عنترة: يا دار عبلة بالجواء تكلمي" قوله: (ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف)، أي: كما أن تسمية المفرد بالمركب في الحروف لا تصير الإسم والمسمى واحدا، كذلك عكسه. قوله: (ليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلاً بوجه من الإعراب)، والفرق بين هذا الوجه والسابق ذكره: أن دلالة هذا على الإعجاز والغرابة من نفسه؛ لصدورها عمن لم يجر منه

وذلك أنّ النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام: الأميون منهم وأهل الكتاب، بخلاف النطق بأسامى الحروف، فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلم منهم، وكان مستغرباً مستبعداً من الأمى التكلم بها استبعاد الخط والتلاوة، كما قال عز وجل: (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) [العنكبوت: 48]. فكان حكم النطق بذلك مع اشتهار أنه لم يكن ممن اقتبس شيئا من أهله - حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن، التي لم تكن قريش ومن دان بدينها في شيء من الإحاطة بها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التعليم، ودلالة ذاك عليه بإعتبار التنبيه على غرابة نظم القرآن؛ فلو تحدى به كاتب وقارئ لجاز، بخلاف الثاني. فالوجهان يدوران مع تفسير قوله تعالى: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) [البقرة: 23] في أن الضمير في "مثله" إما لرسول الله، أو للقرآن كما سيجيء. قال صاحب "التقريب": وفيه ضعف؛ لانه يمكن تعلمه لول بسماع من صبي في أقصر زمان. والجواب: أن صدور مثل هذه الألفاظ من مثله، وهو ممن لم يمارس الخط والقراءة، ولم يشتهر به، سواء تعلم أو لم يتعلم بديع وغريب، فكان حكمه حكم العرب العرباء إذا تكلم بالزنجية مثلاً، فمطلق التكلم به منه غريب. والمقصود من إثبات الغرابة في الفواتح ليس إلا التنبيه على ما يرد بعدها من الإنجاز. قوله: (ومن دان بدينها)، النهاية: "كانت قريش ومن دان بدينهم" أي: اتبعهم في دينهم ووافقهم عليه، واتخذ دينهم له دينا وعبادة.

في أن ذلك حاصل له من جهة الوحى، وشاهد بصحة نبوته، وبمنزلة أن يتكلم بالرطانة من غير أن يسمعها من أحد. واعلم أنك إذا تأملت ما أورده اللَّه عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء. وجدتها نصف أسامى حروف المعجم «1» أربعة عشر سواء، وهي: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والحاء، والقاف، والنون - في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم. ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، بيان ذلك: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في أن ذلك حاصل له من جهة الوحي)، متعلق بقوله: "وكان حكم النطق" وهو وجه التشبيه. قوله: (وبمنزلة)، عطف على قوله: "حكم الأقاصيص". قوله: "بالرطانة"، الأساس: كلمة بالرطانة، ورطن له يرطن: كلمه بالعجمية. قوله: (أربعة عشر سواء)، وقال بعده: "في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم" لما كان نصفه الحقيقي على الكسر جعله النصف تقريبا كما فعل في أجناس الحروف وقال: "ومن المستعلية نصفها"، فأورد ثلاثة مع أنها سبعةن وكذا في حروف القلقلة. قيل: فيه نظر لتأكيد بقوله: "سواء". وأجيب: أن "سواء" صفة أربعة عشر، ولا يتعلق "بنصف أسامي حروف المعجم". قوله: (وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف)، يشكل بحروف الذلاقة وهي:

أن فيها من المهموسة نصفها: الصاد، والكاف، والهاء، والسين، والحاء. ومن المجهورة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون. ومن الشديدة نصفها: الألف، والكاف، والطاء، والقاف؛ ومن الرخوة نصفها: اللام، والميم، والراء، والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون. ومن المطبقة نصفها: الصاد، والطاء. ومن المنفتحة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، والياء، والنون؛ ومن المستعلية نصفها: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (مر بنفل)، وهي ستة، وذكر منها أربعة وهي: (مر بل)، وبحروف المصمتة وهي ما عداها، وذكر منها عشرة، فكأنه أكثر من الذبلقة ونقص من المصمتة لسهولة الذلاقة وثقل المصمتة. قوله: (من المهموسة)، وهي: "ستشحثك خصفه". قوله: (من المجهورة)، وهي ما ينحصر جرى النفس مع تحركه. وحروفها: "ظل قو ربض إذ غزا جند مطيع". قوله: (ومن الشديدة)، وهي ما ينحصر جري الصوت عند إسكانه في مخرجه فلا يجري، وحروفها: "أجدك قطبت". والرخوة: وهي ما عدا الشديدة. والمطبقة: وهي ما ينطبق على مخرجه الحنك، وحروفها: "صضطظ". والمنفتحة: هي ما يخالف المطبقة. والمستعلية: هي ما يرتفع اللسان بها إلى الحنك وحروفها: "خفق" وحروف المطبقة.

القاف، والصاد، والطاء. ومن المنخفضة نصفها: الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والسين، والحاء، والنون. ومن حروف القلقلة نصفها: القاف، والطاء. ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها، رأيت الحروف التي ألغى اللَّه ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله. وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته، فكأن اللَّه عز اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمنخفضة: هي ما عدا المستعلية. والقلقلة: هي ما ينضم إلى الشدة فيها ضغط في الوقف، وحروفها: "قدطبج" قوله: (مكثورةً بالمذكورة)، أي: مغلوبة بالكثرة، أي: المذكورة غالبة على غير المذكورة، ومنه: كاثرة، أي: غالبه بالكثرة. قوله: (فكأن الله)، قيل، إنما ذكر بلفظ كأن لأنه ذكر بعضه، وأراد الكل. قوله: (من التبكيت)، وهو إلزام الخصم بما يعتقده من الحجة. والذي ذكره: ما في الوجهين الأخيرين من معنى التحدي. تقريره على الوجه الأول: أن هذا القرآن الذي عجزتم عنه منظوم من جنس ما تنظمون منه كلامهم، وانتم تعرفون انه كذلك، فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله؛ فأذعنوا للحق. وعلى الوجه الثاني: أن محمدا صلوات الله عليه اشتهر عندكم أنه ممن لم يمارس الخط والكتابة، ولم يقتبس العلم من أحد؛ فقد أتي بهذا البحر الزاخر، فاتركوا العناد.

ومما يدل على أنه تغمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعا في تراكيب الكلم «2». أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكرّرتين. وهي: فواتح سورة البقرة، وآل عمران، والروم، والعنكبوت ولقمان، والسجدة، والأعراف، والرعد، ويونس، وإبراهيم، وهود، ويوسف، والحجر. فان قلت: فهلا عدّدت بأجمعها في أوّل القرآن؟ ومالها جاءت مفرقة على السور؟ قلت: لأنّ إعادة التنبيه على أنّ المتحدّى به مؤلف منها لا غير، وتجديده في غير موضع واحد أوصل إلى الغرض وأقرّ له في الأسماع والقلوب من أن يفرد ذكره مرة، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن فمطلوب به تمكين المكرر في النفوس وتقريره. فان قلت: فهلا جاءت على وتيرة واحدة؟ ولم اختلفت أعداد حروفها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كل تكرير)، إعلم أن التكرير: إما تكرير الألفاظ بنفسها كقوله تعالى (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) [الرحمن: 13]، وإما تكرير المعاني من غير النظر إلى الألفاظ؛ فهو كتكرير هذه الألفاظ في السور، فالمكرر هو التنبيه نفسه وإن إختلفت الألفاظ. قوله: (فهلا جاءت على وتيرة واحدة)، الوتيرة: الطريقة. غن قلت: ما معنى الفاءات في الأسئلة وهي: "فهلا عددت؟ " و"فهلا جاءت؟ " و"فما وجه اختصاص كل سورة؟ " قلت: الأولى مسببة من جعل الفواتح كقرع العصا، وجعلها تقدمة لدلائل الإعجاز: أي: هذان السببان يوجبان أن تذكر مجموعة في صدر الكلام؛ فلم فرقت؟ والثانية مسببة عن قوله: "لأن إعادة التنبيه على أن المتحدى به مؤلف" يعني كان يحصل التنبيه بمجرد الإيراد؛ فهلا أجريت على نسق واحد على أن التكرير يستدعيه؟

فوردت ص وق ون على حرف، وطه وطس ويس وحم على حرفين، والم والر وطسم على ثلاثة أحرف، والمص والمر على أربعة أحرف، وكهيعص وحم عسق على خمسة أحرف؟ قلت: هذا على إعادة افتنانهم في أساليب الكلام، وتصرفهم فيه على طرق شتى ومذاهب متنوّعة. وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك، سلك بهذه الفواتح ذلك المسلك. فإن قلت: فما وجه اختصاص كل سورة بالفاتحة التي اختصت بها؟ قلت: إذا كان الغرض هو التنبيه - والمبادي كلها في تأدية هذا الغرض سواء لا مفاضلة - كان تطلب وجه الاختصاص ساقطا، كما إذا سمى الرجل بعض أولاده زيداً والآخر عمراً، لم يقل له: لم خصصت ولدك هذا بزيد وذاك بعمرو؟ لأنّ الغرض هو التمييز وهو حاصل أية سلك ولذلك لا يقال: لم سمى هذا الجنس بالرجل وذاك بالفرس؟ ولم قيل للاعتماد الضرب؟ وللانتصاب القيام؟ ولنقيضه القعود؟ فإن قلت: ما بالهم عدوّا بعض هذه الفواتح آية دون بعض؟ قلت: هذا علم توقيفى لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور. أمّا الم فآية حيث وقعت من السور المفتتحة بها. وهي ست. وكذلك المص آية، والمر لم تعدّ آية، والر ليست بآية في سورها الخمس، وطسم آية في سورتيها، وطه ويس آيتان، وطس ليست بآية، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والثالثة: مسببة عن الجوابين يعني: هب أن التكرير لإعادة التنبيه، وأن إختلافها على عادة إفتنانهم؛ فما وجه إختصاص مواقعها في كل سورة؟ قوله: (آية سلك)، أية: ظرف "حاصل" وهي موصولة، والمضاف إليه محذوف لكونها لازمة الإضافة، والضمير في "سلك" راجع إلى الرجل، أي: أية طريق سلكها؟ قوله: (للاعتماد)، وهو وقوع الشئ على الشئ، الجوهري: إعتمدت على الشئ: إتكأت عليه.

وحم آية في سورها كلها، وحم عسق آيتان، وكهيعص آية واحدة، وص وق ون ثلاثتها لم تعدّ آية. هذا مذهب الكوفيين ومن عداهم، لم يعدّوا شيئا منها آية. فإن قلت: فكيف عدّ ما هو في حكم كلمة واحدة آية؟ قلت: كما عدّ (الرحمن) [الرحمن: 1]، و (مدهامتان) [الرحمن: 64] وحدها آيتين على طريق التوقيف. فإن قلت: ما حكمها في باب الوقف؟ قلت: يوقف على جميعها وقف التمام إذا حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده، وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور ونعق بها كما ينعق بالأصوات أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله عز قائلا: (الم اللَّهُ) أى: هذه (الم)، ثم ابتدأ فقال (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران: 1 - 2]. فإن قلت: هل لهذه الفواتح محل من الإعراب؟ قلت: نعم لها محل فيمن جعلها أسماء للسور لأنها عنده كسائر الأسماء الأعلام. فإن قلت: ما محلها؟ قلت: يحتمل الأوجه الثلاثة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هذا مذهب الكوفيين)، والذي يعلم من كتاب "المرشد": هو أن الفواتح في السور كلها آيات عند الكوفيين من غير تفرقة بينها. قوله: (أو جعلت وحدها أخبار إبتداء)، عطف على قوله: "لم تجعل"، وقوله: "ونعق بها" عطف عليه على سبيل البيان؛ كأنه قيل: إذا نعق بالفواتح أو لم ينعق، وجعلت أسماء للسور على حذف المبتدأ، تكون على كلتا الحالتين مستقلة، فيوقف عليها. قوله: (هل لهذه الفواتح محل من الإعراب؟ )، قيل: هو مستدرك؛ لأنه قد علم غير مرة أنها معربة وعلم محلها. قلت: التكرير إنما يصار إليه، لمعان شتى منها: أن يعاد ليعلق عليه معنى آخر، وها هنا لما قال: "أو جعلت وحدها أخبار إبتداء محذوف" ليكون الوقف عليها تاما، سأل هذا السؤال ليعلق عليه المسألتين في حالتي النصب والجر على تقدير القسم، فعلم عدم جواز الوقف عليها إن عنى كونها مقسما بها، وإن عنى بها منصوبة ب"اذكر" يجوز الوقف.

أما الرفع: فعلى الابتداء، وأما النصب والجرّ، فلما مرّ من صحة القسم بها وكونها بمنزلة اللَّه واللَّه على اللغتين. ومن لم يجعلها أسماء للسور، لم يتصوّر أن يكون لها محل في مذهبه، كما لا محل للجمل المبتدأة وللمفردات المعدّدة. [(ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ)]. فإن قلت: لم صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد؟ قلت: وقعت الإشارة إلى الم بعد ما سبق التكلم به وتقضى، والمتقضى في حكم المتباعد، وهذا في كل كلام. يحدّث الرجل بحديث ثم يقول: وذلك ما لا شك فيه. ويحسب الحاسب ثم يقول: فذلك كذا وكذا. وقال اللَّه تعالى: (لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) [البقرة: 68]. وقال: (ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) [يوسف: 37]، ولأنه لما وصل من المرسل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فعلى الابتداء)، أراد بالإبتداء اعم من أن يكون مبتدأ أو خبرا؛ فإن الإبتدائية هو رافعها كما هو مذهب المحققين. قوله: (لما مر)، يعني في جواب قوله: "هل تسوغ في المحكية مثل ما سوغت لي في المغربة؟ " وهو قوله: "أن يقضي له بالجر والننصب جميعا". قوله: (ولأنه لما وصل)، معطوف من حيث المعنى على قوله: "وقعت الإشارة" فإنه لما قال: "لم صحت الإشارة ب"ذلك" إلى ما ليس ببعيد" أجاب: إنما صحت الإشارة لأنه أشير بها إلى (الم) بعد ما سبق، "ولأنه لما وصل من المرسل" إلى آخره.

. .. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: "وقيل: معناه ذلك الكتاب" جواب آخر مستقل، يعني: ليس المشار إليه (الم) ليلزم المحذور؛ بل هو الكتاب، وهو من حيث كونه موعودا في حكم البعيد، وإنما جازت الإشارة إلى الآتي لتصوره أولا في الذهن. قال في قوله تعالى: (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ) [الكهف: 78]: قد تصور بينهما حلول ميعاد، فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه، وأما الوعد، فقد قال الواحدي والإمام: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعد بقوله: (إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) [المزمل: 5] فأشير بذلك إلى ذلك. وقال الزجاج: القرآن ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى عليهما السلام، ودليله قوله تعالى: (وكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) [البقرة: 89]. ويؤيده ما روينا عن الدرامي عن كعب: "عليكم بالقرآن فإنه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم. وأحدث الكتب بالرحمن عهدا. وقال في التوراة: يا محمد، إني منزل عليك توراة حديثة، تفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا". ثم المشار إليه إن كان ما وعد بقوله: "ثقيلاً" كما ذهب إليه الإمام؛ فالمناسب أن يكون (الم) اسما للسورة؛ وهي المشار إليها، وإن كان كل القرآن؛ فالمناسب أن يكون تعدادا ليؤذن أن ذلك الموعد مركب من هذه الحروف. والأحسن ما ذكره صاحب "المفتاح": قال: (ذَلِكَ الكِتَابُ) ذهاباً إلى بعده درجة.

إلى المرسل إليه، وقع في حد البعد، كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئا: احتفظ بذلك. وقيل معناه: ذلك الكتاب الذي وعدوا به. فإن قلت: لم ذكر اسم الإشارة - والمشار إليه مؤنث وهو السورة؟ قلت: لا أخلو من أن أجعل الكتاب خبره أو صفته. فإن جعلته خبره، كان ذلك في معناه ومسماه مسماه، فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير، كما أجرى عليه في التأنيث في قولهم: من كانت أمّك. وإن جعلته صفته، فإنما أشير به إلى الكتاب صريحاً لأنّ اسم الإشارة مشار به إلى الجنس الواقع صفة له. تقول: هند ذلك الإنسان، أو ذلك الشخص فعل كذا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإمام: إن الفواتح وإن كانت حاضرة نظرا إلى صورتها؛ لكنها غائبة نظرا إلى أسرارها وحقائقها، أو لكونها يعسر على البشر الإطلاع عليها كأنها غائبة. قوله: (احتفظ بذلك)، الأساس: إحتفظ بالشئ، وتحفظ به: عني بحفظه. وإحتفظ بما أعطيتك؛ فإن له شأنا. قوله: (كان ذلك في معناه ومسماه مسماه، فجاز إجراء حكمه عليه)، قال ابن جني: حكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلاً من اليمن يقول: فلان لعوب، جاءته كتابي فاحتقرته. فقل: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال: أليس بصحيفة! وفي "حواشي" المصنف: هذا كقوله في الشمس: (هَذَا رَبِّي) لكونه الخبر مذكرا؛ ذكر المبتدأ، وهو قياس مطرد في كل ضمير يقع بين مبتدأ وخبر مختلفين في التذكير والتأنيث.

وقال الذبياني: نُبِّئْتُ نُعْمَى على الهِجْرانِ عاتِبةً ... سُقْيَا ورُعْيَا لِذَاكَ العاتِبِ الزَّارِى فإن قلت: أخبرنى عن تأليف (ذلِكَ الْكِتابُ) مع (الم). قلت: إن جعلت (الم) اسما للسورة ففي التأليف وجوه: أن يكون (الم) مبتدأ، و (ذلِكَ). مبتدأ ثانياً، و (الْكِتابُ) خبره، والجملة خبر المبتدأ الأوّل. ومعناه: أنّ ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نبئت نعمى) البيت، الزاري: من زريت بالفتح زراية: إذا عبت عليه، نعمى: اسم إمراأة، وحكمها حكم هند في الصرف وعدمه، "عاتبة": ثالث مفاعيل نبئت، " على الهجران" متعلق بعاتبة، ويجوز أن يكون حالا من المفعول الأول. قوله: (والجملة خبر المبتدأ الأول)، إنما صح وليس فيها العائد؛ لأن اسم الإشارة قائم مقامه. قوله: (ومعناه: أن ذلك هو الكتاب)، الضمير فصل، أذن بإدخاله بين المبتدأ والخبر أن التركيب مفيد للحصر، وأذن بقوله "الكامل" أن التعريف في الخبر للجنس، وأذن بإقحام أذاة التشبيه في قوله: "كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص" أن الحصر على المبالغة دون الحقيقة. قال ابن جني: إن من عادتهم أن يوقعوا على الشئ الذي يختصونه بالمدح اسم الجنس؛ ألا تراهم كيف سموا الكعبة بـ"البيت"، وكتاب سيبويه بـ"الكتاب"!

الذي يستأهل أن يسمى كتابا، كما تقول: هو الرجل، أى الكامل في الرجولية، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال. وكما قال: هُمّ الْقَوْمُ كلُّ الْقَوْمِ يا أُمَّ خَالِدِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: إن اسم الجنس كما يستعمل لمسماه مطلقا، يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به المقصودة منه، ولذلك يسلب عن غيره. قوله: (يستأهل)، الأساس: فلان أهل لكذا، واستأهل لذلك، وهو مستأهل له. وقد سمعت أهل الحجاز يستعملونه إستعمالاً واسعاً. وعد الحريري هذه الكلمة من جملة أوهام الخواص، وسيجئ بيانه في تفسير قوله تعالى (إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: 30]. قوله: (هم القوم كل القوم يا أم خالد)، صدره: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم. حانت: هلكت. والموصول على نحو قوله تعالى: (وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) [التوبة: 69].

وأن يكون الكتاب صفة. ومعناه: هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون (الم) خبر مبتدإ محذوف، أى هذه الم، ويكون ذلك خبراً ثانياً، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلج: اسم موضع بالبصرة. والمعني: إن الذين هدرت دماؤهم وأريقت بهذا الوضع هم القوم، أي: هم المشهورون بالرجولية والبراعة، الموصوفون بكمال الشهامة والشجاعة. قوله: (وأن يكون الكتاب صفة)، قال القاضي: وهو مصدر سمي به المفعول للمبالغة، أو فعال بني للمفعول كاللباس، ثم أطلق على المنظوم قبل أن يكتب؛ لأنه مما يكتب وأصل الكتب الجمع، ومنه الكتيبة. الراغب: الكتب: ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفي التعارف: ضم الحروف بعضها إلى بعض في الخط؟ وقد يقال ذلك للمضموم بعضها إلى بعض في اللفظ؛ ولهذا سمي كتاب الله وإن لم يكتب كتابا كقوله تعالى: (الم* ذَلِكَ الكِتَابُ) [البقرة: 1 - 2] وقوله: (إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ) [مريم: 30]. ويعبر عن الإثبات والاقدير والإيجاب والعرض والكتابة. ووجه ذلك: أن الشئ يراد، ثم يقال، ثم يكتب؛ فالإرادة مبدأ، والكتابة منهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد به توكيده بالكتابة التي هي المنتهى قال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي) [المجادلة: 21] وقال تعالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) [التوبة: 51]. ويعبر بالكتابة عن القضاء الممضى أو ما يصير في حكم الممضى، وقد حمل على هذا قوله: (بَلَى ورُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: 80] وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ) [المجادلة: 22].

أو بدلاً، على أن الكتاب صفة، وأن يكون: (هذه الم) جملة، وذلك الكتاب جملة أخرى. وإن جعلت (الم) بمنزلة الصوت، كان ذلك مبتدأ، خبره (الكتاب)، أى ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل. أو الكتاب صفة والخبر ما بعده، أو قدّر مبتدأ محذوف، أى هو - يعنى المؤلف من هذه الحروف - ذلك الكتاب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو بدلاً على أن الكتاب صفة)، هذا القيد ينبئ أن على تقدير كونه خبرا لا يلزم ذلك، فيجوز أن يكون صفة لـ"ذلك". وأن يكون (ذَلِكَ) مبتدأ، والكتاب خبره، والجملة خبر ثان، ولو جعل بلا ذلك تعين كون الكتاب صفة؛ لأن البدل عن المفرد لا يكون جملة، ونظيره قولك: هذا زيد أخوك الكريم، ولأنك إذا قلت: (ذَلِكَ) وتسكت، ثم تبتدئ (الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة: 2] ركبت متعسفا. قوله: (وذلك الكتاب جملة أخرى)، وفصلها لكونها مقررة لها. قال: نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوث بغاية الكمال. قوله: (بمنزلة الصوت)، شامل للوجهين الأخيرين: قرع العصا، والتقدمة للإعجاز؛ ولهذا قيد الكتاب بالمنزل، يعني تنبهوا أن هذا الكتاب هو الكتاب الكامل الذي عجزتم عن الإتيان بمثله، وهو منزل بلسانكم. وإنما قد هذا الوجه والوجه السابق بقوله: "الكامل" لأن الكتاب إذا وقع خبرا، كان التعريف للجنس، فيفيد الحصر لمعنى الكمال كما سبق، وإذا وقع صفة لذلك كان اللام للعهد، ويعود المعنى إلى أنه الكتاب الموعود. قوله: (يعني المؤلف من هذه الحروف)، وكان من حق الظاهر أن يقول: هذه الحروف ذلك الكتاب، لكن هذه الحروف لما كانت دالة على المركب المؤلف فيما بعده قيل: "المؤلف من هذه" تسمية للدال باسم مدلوله.

وقرأ عبد اللَّه: (الم* تنزيل الكتاب لا ريب فيه. وتأليف هذا ظاهر. والريب: مصدر رابنى، إذا حصل فيك الريبة. وحقيقة الريبة: قلق النفس واضطرابها، ومنه: ما روى الحسن بن على قال: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الشك ريبة، وإنّ الصدق طمأنينة» أى فإن كون الأمر مشكوكا فيه مما تقلق له النفس ولا تستقرّ. وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتأليف هذا ظاهر)، يعنى (الم) على أنها اسم للسورة مبتدأ، خبره: ((تنزيل الكتاب)). و ((تنزيل)) بمعنى المنزل، ويجوز أن يكون (الم) خبر مبتدأ محذوف و ((تنزيل الكتاب لا ريب فيه)) مبتدأ وخبر. وعلى أنها تعديد الحروف ارتفع ((تنزيل الكتاب)) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ خبره ((لا ريب فيه)). قوله: (دع ما يريبك)، والحديث من رواية الترمذي والنسائي: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة)). المعنى: دع ما اعترض لك الشك فيه منقلبا إلى ما لا شك فيه، يقال: دع ذلك إلى ذلك، أي: استبدله به، أو دع ذلك ذاهبا إلى غيره، وقوله: ((إن الصدق طمأنينة والكذب ريبة))، جاء ممهدا لما تقدمه. المعنى: إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه؛ فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق، وترتاب من الكذب. فارتيابك في الشيء مبني على كونه باطلا؛ فاحذره، واطمئنانك إلى الشيء مشعر بكونه حقا، فاستمسك به. وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة القدسية الطاهرة من أوضار الذنوب، وأوساخ الآثام. فظهر أن قوله: ((إن الشك ريبة)) لا يستقيم رواية ولا دراية.

وتسكن. ومنه: ريب الزمان، وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روينا عن أحمد بن حنبل والدارمي، عن وابصة بن معبد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((جئت تسأل عن البر والإثم؟ )) قال: نعم، فجمع أصابعه، فضرب بها صدره وقال: ((استفت نفسك، استفت نفسك يا وابصة ثلاثاً؛ البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)). الراغب: الفرق بين الشك والمرية والريب والإرابة والتخمين والحدس والوهم والخيال والحسبان والظن- أن الشك: هو وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر بأمارة والمرية: هي التردد في المتقابلين، وطلب الأمارة؛ مأخوذ من مرى الضرع، أي: مسحه للدر، فكأنه يحصل مع الشك تردد في طلب ما يقتضي غلبة الظن. والريب: أن يتوهم في السيء أمر ما، ثم ينكشف عما توهم فيه. والإرابة: أن يتوهمه فينكشف خلاف ما توهم؛ ولذلك قيل: القرآن فيه إرابة وليس فيه ريب. والتخمين: توهم لا عن أمارة. والحدس: إسراع الحكم بما يأتي به الهاجس من غير توقف فيه؛ مأخوذ من حدس في سيره، أي: أسرع. والوهم: صورة تتصورها في نفسك سواء كان لها وجود من خارج كصورة إنسان ما، أو لم يكن لها وجود كعنقاء مغرب. والخيال: تصور ما أدركته الحاسة في النفس.

ومنه أنه مر بظبي حاقف فقال: "لا يربه أحد بشيء". فإن قلت: كيف نفى الريب على سبيل الاستغراق؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والحسبان: اعتقاد عن أمارة اعتددت به، سواء كام له وجود في الحقيقة أو لم يكن؛ وهو مشتق من حسبت الحساب. والظن أعم معنى من ذلك كله؛ فإنه اعتقاد عن أمارة مما قد ثبت، فمتى كانت تلك الأمارة ضعيفة جرى مجرى خلت وحسبت، ومتى كانت قوية جرى مجرى علمت. قوله: (أنه مر بظبي حاقف)، عن مالك والنسائي عن البهزي: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم، فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه)). وقال صاحب ((الجامع)): الظبي الحاقف: الذي انحنى وتثنى في نومه. لا يريبه، أي: لا يزعجه ولا يتعرض له. الأثاية بضم الهمزة وبالثاء المثلثة وبالياء تحتها نقطتان: موضع معروف بطريق الجحفة إلى مكة، وبعضهم يكسر الهمزة، والرويثة بلفظ التصغير، والثاء المثلثة. قوله: (كيف نفي الريب على سبيل الاستغراق)، يعني: أنه تعالى نفي عنه الريب بالكلية،

وكم من مرتاب فيه! قلت: ما نفى أنّ أحداً لا يرتاب فيه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فينبغي أن لا يتصور فيه الريب، ولا ما يتعلق به من وجود المرتاب وقد كثر المرتابون. قوله: (ما نفى أن أحداً لا يرتاب فيه)، قيل: إن ((نفى)) مسند إلى ما بعده و ((لا)) زائدة، أي: ما نفى عدم ارتياب أحد، وفيه ضعف. وقيل: أن ((نفى)) مسند إلى ضمير الريب، واللام مقدر في قوله: ((أن أحدا)) والتحقيق: أنه مسند إلى ما بعده و ((لا)) غير مزيدة، وأن ((أحدا)) مثله في قوله تعالى: ((لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ)) [الأحزاب: 32] يعني لم يقصد بالنفي الاستغراقي نفي كل واحد واحد لا يرتاب فيه، وإنما قصد نفي كل فرد من الريب، ويدل عليه قوله: ((وإنما: المنفي كونه متعلقا للريب)) وتعليله بقوله: ((لأنه من وضوح الدلالة)) إلى آخره، يعنى: ما نفى الريب بحيث ينتفي به المرتابون وإنما نفى المرتابون. وإنما نفي بطريق يرشد إلى أنه لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه؛ فإذن الكلام مع المرتابين، ويدل عليه أيضا تصدير الكلام بأسامي حروف التهجي؛ لأنها كالتنبيه وقرع العصا لهم، كأنه قيل: أيها المرتابون، تنبهوا من رقدة الجهالة، واعلموا أن القرآن من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه، فينطلق على هذا استشهاده بقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا) [البقرة: 23] وتفسيره: فيتحققوا عند عجزهم أن ليس فيه مجال للشبهة. وكلام صاحب ((المفتاح)): ويقلبون هذه القضية مع المنكر إذا كان معه ما إذا تأمله ارتدع كقوله تعالى في حق القرآن: (لَا رَيْبَ) [البقرة: 2].

وإنما المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [البقرة: 23]! فما أبعد وجود الريب منهم؟ وإنما عرفهم الطريق إلى مزيل الريب، وهو أن يحرزوا أنفسهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مظنة له)، قال في ((النهاية)): المظنة بالكسر: مفعلة من الظن، أي: الموضع الذي يظن به الشيء. ومنه حديث: ((طلبت الدنيا من مظان حلالها)) أي: المواضع التي أعلم فيها الحلال. ناسب هذا التفسير معنى الآية من حيث إنه تعالى جعل القرآن كظرف أخلي عن الريب، يعني: ليس القرآن ظرفا للريب، ولا الريب مما يصلح أن يكون مظروفا له ومتعلقا به. قوله: (أن يقع فيه)، أي: يظعن، الأساس: وقع الشيء على الأرض وقوعا. ومن المجاز: وقع فيه: اغتابه. وفاعل ((يقع)) ضمير المرتاب، والضمير في ((فيه)) للقرآن، أي: لا ينبغي لمرتاب أن يطعن فيه. قوله: (فما أبعد وجود الريب عنهم)، أي: خاطب المصرين على الريب الجازمين فيه بما يدل على خلوهم عنه، ولم يقصد به أنهم غير مرتابين، وإنما قصد به إرشادهم وتعريفهم الطريق إلى مزيل الريب على سبيل الاستدراج، يعني: أن الارتياب من العاقل في مثل هذا المقام واجب الانتفاء، فلا يفرض إلا كما تفرض المحالات، وأنتم عقلاء ألباء، تفكروا فيه، وجربوا نفوسكم، وانظروا هل تجدون فيه مجالا للريب. قال في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ): ((وما أبعد)) وفيها مر ((ما نفي))؛ لأن ((لا)) صريحة في النفي، و ((إن)) هنا متضمنة له.

ويروزوا قواهم في البلاغة، هل تتم للمعارضة أم تتضاءل دونها؟ فيتحققوا عند عجزهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل للريبة. فإن قلت: فهلا قدّم الظرف على الريب، كما قدّم على الغول في قوله تعالى: (لا فِيها غَوْلٌ) [الصافات: 47]؟ قلت: لأنّ القصد في إيلاء الريب حرف النفي، نفى الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق لا باطل وكذب، كما كان المشركون يدّعونه، ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد، وهو أنّ كتابا آخر فيه الريب لا فيه، كما قصد في قوله: (لا فِيها غَوْلٌ) تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي، كأنه قيل: ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يروزوا)، الجوهري: رزته أروزه، أي: جربته وخبرته. قوله: (تتضاءل)، النهاية: وفي الحديث: ((أن إسرافيل يتضاءل من خشية الله)، أي: يتصاغر تواضعا له. وتضاءل الشيء: إذا انقبض وانضم بعضه إلى بعض، والضئيل: النحيف. قوله: (أن ليس فيه مجال)، مفعول ((فيتحققوا))، الجوهري: حققت الأمر وأحققته أيضا: إذا تحققته وصرت منه على يقين. قوله: (فهلا قدم الظرف)، معنى الفاء أنه حين حقق الجواب أن المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له، فهم أن الكلام في كون القرآن ليس مظنة للريب، لا في الريب، وكان تقديم الظرف أهم. فأجاب أن الظاهر وإن اقتضي ذلك، لكنه منعه مانع؛ وهو توهم إثبات الريب في غيره من الكتب السماوية، فسلك به مسلكا لا يؤدي إلى ذلك، وحصل المقصود. قوله: (كما تغتالها هي)، الجوهري: أي: ليس فيها غائلة الصداع.

وقرأ أبو الشعثاء: (لا ريب فيه) بالرفع، والفرق بينها وبين المشهورة، أنّ المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوّزه. والوقف على: (فِيهِ) هو المشهور ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو عبيدة: الغول: أن تغتال عقولهم، أي: تذهب بها، أبرز الضمير للتأكيد، وإلا فليس هنا موضع للإبراز لعدم اللبس. قوله: (قرأ أبو الشعثاء)، قال في (الجامع): أبو الشعثاء بفتح الشين وسكون العين: اسمه سليم بن الأسود المحاربي، تابعي مشهور. قوله: (وهذه تجوزه)، أي: الاستغراق. قال الإمام: والذي يدل على إيجاد المشهور للاستغراق أن نفي الجنس نفي الماهية، وهو يقتضي نفي كل فرد من أفرادها، فلو ثبت فرد من أفرادها ثبتت الماهية، وأما قولنا: ((لَا رَيْبَ فِيهِ)) بالرفع؛ فهو، وإن كانت نكرة في سياق النفي؛ لكنه نقيض قولنا: ((رَيْبَ فِيهِ))، وهو يحتمل أن يكون إثباتا لفرد واحد منها، ونفيه يفيد انتفاءه. وقال الزجاج: إذا قلت: لا رجل في الدار؛ جاز أن يكون فيها رجلان، وإذا قلت: لا رجل في الدار؛ فهو نفي عام. قوله: (والوقف على (فيه) هو المشهور)، قال الإمام: الوقف على (فيه) أولى؛ لأنه

وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على: (لا رَيْبَ) ولا بد للواقف من أن ينوى خبراً، ونظيره قوله تعالى: (قالُوا لا ضَيْرَ) [الشعراء: 50]، وقول العرب: لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز. والتقدير: (لا ريب فيه). (فِيهِ هُدىً) الهدى مصدر على فعل، كالسرى والبكى؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يكون الكتاب نفسه هدي، ولما تكرر في التنزيل أنه هدي وهو نور، وعلى (لا ريب) لا يكون الكتاب نفسه هدي؛ بل يكون فيه هدي. قوله: (ولا بد للواقف من أن ينوي خبراً)؛ لأنه إذا لم ينوه يلزم الشروع في الكلام الثاني قبل تمام الأول. قال في ((المرشد)): إن جعلت ((لا ريب)) بمعنى حقا كأنك قلت: ((الم ذلك الكتاب حقا))، فالوقف عليه تام، وإليه ذهب الزجاج، وقال: لأن ((لا شك)) بمعنى حقا. قوله: (والهدي مصدر كالسري)، اضطرب كلام سيبوسه في الهدي؛ فمرة يقول: هو عوض من المصدر؛ لأن فعلاً لا يكون مصدراً، وأخرى يقول: هو مصدر هدي، وقال أيضاً: قلما يكون ما ضم أوله من المصادر إلا منقوصاً؛ لأن فعلاً لا يكاد يرى مصدراً من غير ثبات الياء والواو، فدل على أنه مصدر كالبكاء والسرى. واعلم أن المصنف استدل على مطلوبه وهو: أن الهدى هي الدلالة الموصلة إلى البغية بوجوه ثلاثة:

وهو الدلالة الموصلة إلى البغية، بدليل وقوع الضلالة في مقابلته. قال اللَّه تعالى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحدها: وقوع الهدى في الآيتين في مقابلة الضلال، والضلالة هي الخيبة، وحيث وقعت مقابلة لها، كان معناها مقابلاً لمعناها. وثانيها: استعمال المهدي في موضع المدح كمعتد، يعني: أن المهدي اسم مفعول من هدى والمعتدي اسم فاعل من اهتدى، وكما يوصف المرء بالمعتدي في مقام المدح لوصوله إلى البغية، يوصف بالمهدي أيضًا، ولولا اعتبار هذا القيد في مسمى الهدى؛ لم يكن الوصف بكونه مهديًا مدحًا. وثالثها: أن "اهتدى مطاوع هدى" إلى آخره، ومعناه. أنا إذا قلنا: انكسر الإناء، كانت الفائدة الإخبار بحصول معنى الانكسار من تعلق فعل الكسر بما قام به الانكسار الذي هو أثر الكسر، كذا قولنا: اهتدى، بالوصول إلى البغية من تعلق هدى بمن قام به الاهتداء الذي هو أثر الهدى، لو لم يكن في مسمى الهدى الإيصال إلى البغية معتبرًا، يلزم أن يكون المطاوع في خلاف معنى المطاوع الذي هو أثره، فقوله: "ولأن اهتدى" معطوف على قوله: "بدليل وقوع الصلالة" وقوله: "يقال" عطف على "وقوع" أي: بدليل قولهم: ويجوز أن يعطف على الدليل. قال صاحب "التقريب": وفي الوجوه الثلاثة نظر؛ لأن: الأول: معارض بقوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) [فصلت: 17]. والثاني: أن المدح حاصل بالتمكين من الاستدلال وإن لم يوصل إلى البغية. والثالث: بقولهم: أمرته فلم يأمر. لعلة اقتدى بالإمام؛ حيث قال في "تفسيره": الهدى عبارة عن الدلالة.

(أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) [البقرة: 16]، وقال تعالى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال صاحب "الكشاف": "هي الدلالة الموصلة إلى البغية". والذي يدل على صحة القول الأول، وفساد الثاني، أنه لو كان كون الدلالة الموصلة إلى البغية معتبرة في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء، لكن الله تعالى أثبت الهدى مع عدم الاهتداء في قوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) [فصلت: 17]. ثم أجاب عن: الوجه الأول: أن الفرق بين الهدى والاهتداء معلوم بالضرورة، فمقابل الهدى هو الإضلال، ومقابل الاهتداء هو الضلال؛ فجعل الهدى في مقابلة الضلالة ممتنع. وعن الثاني: أن المنتفع بالهدى يسمى مهديًا، وغير المنتفع به لا يسمى مهديًا؛ لأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم. وعن الثالث: أن الائتمار مطاوع الأمر، يقال: أمرته فائتمر، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه أمرًا حصول الائتمان فكذا هذا. والجواب عن قوله: "أثبت الهدى مع عدم الاهتداء" يعني في قوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) [فصلت: 17] أي: بدلوا العمى بالهدى رغبة عن الهدى، واستحبابًا للعمى كما في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: 16]. وعن قوله: "فجعل الهدى في مقابلة الضلالة ممتنع": أنه لو كان ممتنعًا لم يقع في الآيتين،

(لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [سبأ: 24]. ويقال: مهدى، في موضع المدح، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولأن المراد بالمقابلة في الصناعة: الجمع بين اللفظين الدالين على المعنيين المتضادين حقيقة أو تقديرًا، أي: سواء كانا متعديين أو لازمين، أو أحدهما متعديًا والآخر لازمًا. وفي الآيتين هذا المعنى موجود وسيما في الثانية؛ فإنه صريح فيها، لتوسيط كلمة التقابل. وعن قوله: "أن المنتفع بالهدى يسمى مهديًا" بمعنى: أن المهدي إنما دل على المدح بالمجاز، والقرينة مقام المدح. فلا تثبت الحقيقة بقرينة المقام، أن يقال: إن المراد بقوله: يقال: مهدي في موضع المدح أن المهدي من الأوصاف التي تستعمل في المدح مطلقًا، لا أنه يعرضه ذلك، وعن قوله: أمرته فلم يأتمر ما قاله البزدوي في "اصوله": ألا ترى أن أمر فعل متعد لازمة ائتمر، ولا وجود للمتعدي إلا أن يثبت لازمه، كالكسر لا يتحقق إلا بالانكسار، فقضيته الأمر لغة أن لا يثبت إلا بالامتثال إلا أن ذلك لو ثبت بالأمر نفسه، لسقط الاختيار من المأمور أصلاً، وللمأمور عندنا ضرب من الاختيار. معنى هذا الكلام: أن أصحاب اللغة ما أثبتوا لكل فعل متعد لازمًا إلا إذا اتفقا في الوجود. قال ابن الحاجب: معنى المطاوعة حصور فعل عن فعل؛ فالثاني مطاوع لأنه طاوع الأول، والأول مطاوع لأنه طاوعه الثاني، فإذا وجد المطاوع يجب أن لا يختلف عنه المطاوع. فإذن معنى: أمرته فائتمر، جعلته مؤتمرًا فائتمر، لكن معنى الائتمار معنى سقوط الاختيار ولزوم الجبر، فعرض له عارض فوجب العدول عن الحقيقة.

كمهتدٍ؛ ولأن "اهتدى" مطلوع "هدى"، ولن يكون المطاوع في خلاف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا وإن الواجب توخي الجمع بين القولين، ورفع الحاجز بين البحرين بتحقيق معنى الهدى: أهي حقيقة في الدلالة المطلقة مجاز في الدلالة المخصوصة أو عكسه؟ أم هي مشتركة بينهما؟ أم موضوعة للقدر المشترك وهو البيان. روينا في "صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري": فهنديناهم: دللناهم على الخير الشر، كقوله: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد: 10] وكقوله: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) [الإنسان: 3] والهدى الذي للإرشاد بمعنى أصعدناه؛ من ذلك قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) [الأنعام: 90]. وقال الزجاج والواحدي: معناه البيان. وقال الجوهري: الهدى: الرشاد والدلالة. وقال صاحب "المطلع": معنى الهداية في اللغة: الدلالة، يقال: هداه في الدين يهديه هداية، إذا دله على الطريق. والهدى يذكر لحقيقة الإرشاد أيضًا؛ ولهذا جاز النفي والإثبات، قال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) [القصص: 56]، وقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: 52]. وفي كلام المصنف إشعار بأن الهدى حقيقة في الدلالة الموصلة إلى البغية، مجاز في مجرد الدلالة وذلك قوله في "حم" السجدة. "أليس معنى "هديته": حصلت فيه الهدى؟ والدليل عليه قولك: هديته فاهتدى، بمعنى تحصيل البغية، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة؟

معنى أصله ألا ترى إلى نحو غمه فاغتم، وكسره فانكسر، وأشباه ذلك؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولهذا انتصب لإقامة الدليل على حقيقتها في هذا المعنى، وأنها حقيق أن تحمل عليه في هذا المقام؛ لاقتضاء مدح الكتاب وكونه كاملاً في بابه. والإمام لما رأى الدلالة منصوبة في كونها حقيقة في ملق الدلالة، انتصب لإبطال مذهبه؛ هربًا من الاشتراك إلى المجاز، وكأن الزجاج والواحدي ذهبًا إلى القول بالقدر المشترك بين المفهومين، ولكل وجهة هو موليها، والله أعلم. والقول الجامع ما ذكره الراغب، قال: "الهداية دلالة بلطف، ومنه الهدية، وهو أدى الوحش: متقدماتها لكونها هادية لسائرها. وخص ما كان دلالة بـ "فعلت" نحو: هديته الطريق، وما كان من الإعطاء بـ" افتعلت" نحو: أهديت الهدية. وأما نحو قوله تعالى: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) [الصفات: 23] فعلى التهكم. والهداية: هي الإرشاد إلى الخيرات قولاً وفعلاً، وهي من الله تعالى على منازل، بعضها يرتب على بعض، لا يصح حصول الثاني إلا بعد الأول، ولا الثالث إلا بعد الثاني. فأولها: إعطاؤه العبد القوى التي بها يهتدي إلى مصالحه، إما تسخيراً وإما طوعًا؛ كالحواس الخمس، والقوة المفكرة، وعلى ذلك قوله تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: 50]، (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: 3]. وثانيها: الهداية بالدعاء وبعثه الأنبياء، وإياها عني بقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) [السجدة: 24]. وثالثها: هداية يوليها صالحي عباده بما اكتسبوه من الخيرات، وهي المعنى بقوله: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) [الحج: 23]، وقوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69]. قال بعض المحققين: الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا البصير، ولا يعمل به إلا اليسير ألا ترى إلى نجوم السماء ما أكثرها، ولا يهتدي بها إلا العلماء!

فإن قلت: فلم قيل: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) والمتقون مهتدون؟ قلت: هو كقولك للعزيز المكرم: أعزك اللَّه وأكرمك، تريد طلب الزيادة إلى ما هو ثابت فيه واستدامته، كقوله: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 6]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ورابعها: التمكين من مجاورته في دار الخلد، وإياها عني بقوله: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا) [الأعراف: 43] فإذا ثبت ذلك، فمن الهداية مالا ينفى عن أحد بوجه، ومنها ما ينفي عن بعض ويثبت لبعض؛ ومن هذا الوجه قال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) [القصص: 56] فإنه عني الهداية التي هي التوفيق وإدخال الجنة، دون التي هي الدعاء كقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: 52]. قوله: (فلم قيل)، الفاء فيه تدل على إنكار ما تقدم؟ يعني لما دللت على أن الهدى هي الدلالة الموصولة إلى البغية لا مطلق الدلالة، فحينئذ كيف يستقيم (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) والمتقوم هم المهتدون؟ وأجاب بجوابين: أحدهما: باعتبار الثبات والزيادة. وثانيهما: باعتبار ما يؤول، وكذا الفاء في السؤال الآتي بعده إنكار على جوابه الثاني، أي: إذا كان المراد بالمتقين ما ذكرت، فلم ارتكب المجاز وترك الحقيقة؟ وأجاب أيضًا بوجهين: أحدهما: إثبات الاختصار الذ يهو حلية القرآن. وثانيهما: رعاية براعة الاستهلال.

ووجه آخر؛ وهو أنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى: متقين، كقول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم "من قتل قتيلا فله سلبه". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى)، مقتبس من قوله تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف: 26] واحتذاء على أسلوب (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ) [النحل: 112] فالاستعارة تحقيقية؛ لأن المشبه المتروك: إما عقلي وهو أن يستعار اللباس لماي غشى الإنسان ويتلبس به من انشراح الصدر، وقذف النور في القلب، والتخلص من مضيق الضلال وظلمات الكفر، قال الله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) [الأنعام: 125]. وإما حسي بأن يستعار اللباس لماي ظهر في الإنسان من شعائر الإسلام ونوره وحسن الطلعة، وبهاء المنظر، قال الله تعالى: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) [الفتح: 29]. ثم قوله: "الاكتساء" ترشيح لهذه الاستعارة، وقوله: "عند مشارفتهم" استعارة أخرى واقعة على الاستعارة، الأساس: شارف البلد، وساروا إليهم حتى إذا شارفوها. فعظم التقوى التي هي من لوازم الإسلام، وجعلها دار السلام. المغنى: سماهم متقين عند مشارفتهم مدينة السلام لدخول دار التقوى، فراعى في اللفظ الترقي أيضًا، لتطابق المعنى وهو كون هذا المجاز باعتبار ما يؤول إليه. قوله: (من قتل قتيلاً)، الحديث من رواية البخاري ومسلم وغيرهما "من قتل قتيلاً له عليه بينه فله سلبه".

وعن ابن عباس: «إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض وتضل الضالة، وتكتفّ الحاجة» فسمى المشارف للقتل والمرض والضلال: قتيلا ومريضاً وضالة. ومنه قوله تعالى: (وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) [نوح: 27]، أى صائراً إلى الفجور والكفر. فإن قلت: فهلا قيل هدى للضالين؟ قلت: لأن الضالين فريقان: فريق علم بقاؤهم على الضلالة وهم المطبوع على قلوبهم، وفريق علم أنّ مصيرهم إلى الهدى فلا يكون هدى للفريق الباقين على الضلالة، فبقى أن يكون هدى لهؤلاء، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل: هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال، فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا، فقيل: هدىً للمتقين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن ابن عباس)، الحديث إن صح فهو موقوف على ابن عباس، وهو من رواية أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن أراد الحج فليتعجل" وليس فيه الزيادات. قوله: (ومنه قوله تعالى)، وإنما فصله للفرق؛ لأن الأمثلة السابقة إنما صير إليها لأن الفاعل كان ملابسًا له مجتهدًا فيه، فنزل لذلك منزلة الحاصل، ولا كذلك ها هنا لكن نزل اجتهاد الأب منزلة اجتهاد المولود المعدوم مبالغة في عنادهم. قوله: (بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا)، وهي المجاز باعتبار المآل.

وأيضاً فقد جعل ذلك سلما إلى تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأيضًا فقد جعل ذلك)، قيل: معطوف على قوله: "فاختصروا" ويجوز أن يعطف على "فقيل"، أي: فاختصر فقيل؛ فقد جعل ذلك الاختصار وذلك القول سلمًا إلى تصدير السورة. والفاءات كلها للتعقيف: وهذا كقوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [البقرة: 54] وفيه معنى الترقي، وقد روعي معنى التناسب بين السلم والترقي والتصدير والزهراوين والسنام، والمقصود من العدول رعاية حسن المطلع، والاحتراز عن لفظ يوحش السامعين. والسنام مقتبس من قوله صلوات الله عليه "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد". و"أولى الزهراوين" من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما" أخرجه مسلم عن أبي أمامة الباهلي، وقد روى الدارمي عن بريدة مثله. قال التوريشتي: "الزهراوين" أي: المنبرتين. والأزهر: المنبر، ومنه قيل المنيرين: الأزهران. وفيه تنبيه على أن مكان السورتين مما عداهما مكان القمرين من سائر النجوم فيما يتشعب منهما لذوي الأبصار. الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من السحابة وغيرها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فرقان من الطير: طائفتان، وقيل: للقطيع من الغنم: فرق. تحاجان، أي: تدفعان عن صاحبهما وتذبان عنه. مثل السورتين مرة بغمامتين، وكره بغيايتين، وتارة بفرقين؛ لينبه على أنهما يظلان صاحبها عن حر الموقف وكرب القيامة. وإدخال "أو" في "غيايتان أو فرقان" إنما كان للتقسيم، لا من تردد الرواة. وقلت: أوقع صلوات الله عليه القراءة أولاً على النيرين ثم بينهما بقوله: "البقرة وآل عمران" ولولاهما كان استعارة، فالتشبيه واقع على حد التجريد كقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) [البقرة: 187] هذا بالنظر إلى البيان. وأما بالنظر إلى المعاني، فالتركيب من باب قوله: هل ادلك على الإكرام الأفضل فلان؟ كما مضى في آخر "الفاتحة" ثم أتى بنوع آخر من التشبيه هو قوله: كأنهما فرقان من الطير؛ بيانًا لترتيب طبقات أهل الإيمان، ولتمييز درجاتهم، فآذن بتشبيهه الأول بأن تينك المظلتين على غير ما عليه المظلة المتعارفة في الدنيا؛ فإنها وإن كانت لدفع كرب الحر عن صاحبها ولتكرمته، لكن لم تخل عن نوع كدورة وشائبة نصب، وتلك - رزقنا الله تعالى منها - مبرأة عن ذلك، لكونهما كالنيرين في النور والإشراق، مسلوبتي الحرارة والكرب. وآذن بتشبيهه الثاني بأنهما مع كونهما مشرقتين مشبهتين بمظلة من خص بالملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ثم بولغ فيه وزيد "تحاجان" لينبه به على أن تلك الفرقتين من الطير على غير ما عليه طير نبي الله سليمان عليه السلام؛ من كونهما حاميتين صاحبهما، ذابتين عنه، وعلى عكس ذلك حال الكفار في ظلهم، قال الله تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ* فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ* وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ* لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) [الواقعة: 41 - 44] قوله: (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) نفي لصفتي الظل المطلوبتين منه، وهما البرودة

وسنام القرآن وأول المثاني، بذكر أولياء اللَّه والمرتضين من عباده. والمتقى في اللغة اسم فاعل، من قولهم: وقاه فاتقى. والوقاية: فرط الصيانة. ومنه: فرس واق، وهذه الدابة تقى من وجاها، إذا أصابه ظلع ٌ من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء يؤلمه. وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعاطى ما يستحق به العقوبة من فعلٍ أو تركٍ. واختلف في الصغائر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والكرم، يريد أنه ظل لا كسائر الظلال، وفيه تحكم بأصحابه. و "أو" في الحديث للتنويع، والثانية غير الأولى؛ فإنها لتنويع في التشبيه، والأولى للتنويع في المشبه به في تشبيه واحد، ثم إنهما وإن تفاوتا في الاعتبار؛ فإن الغيابة أفضل من الغمامة، ولكن دون الفرقين بمنازل كما قررنا، ولذلك كرر أداة التشبيه والمشبه. انظر إلى هذه الأسرار في الكلام النبوي، والله أعلم. قوله: (وسنام القرآن)، استعارة تخيلية؛ شبه السورة بالسنام لأن الفاتحة كالرأس للقرآن. قوله: (أول المثاني)، قيل: المثاني جميع القرآن لقوله تعالى: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ) [الزمر: 23] والأولى أن يقال: إنها السبع الطول؛ لأن "البقرة" ليست بأول القرآن. قال المصنف في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي) [الحجر: 87] سبع آيات وهي "الفاتحة"، أو سبع سور وهي الطول. قوله: (من وجاها)، الأساس: وجي الماشي: إذا حفي؛ وهو أن يرق القدم أو حافر الفرس، الجوهري: وجي الفرس بالكسر، وهو أن يجد وجعًا في حافره. قوله: (تعاطى)، أي: تناول، الأساس: لا تعطوه الأيدي، وفلان يتعاطى ما لا ينبغي له.

وقيل الصحيح أنه لا يتناولها، لأنها تقع مكفرة عن مجتنب الكبائر. وقيل: يطلق على الرجل اسم المؤمن لظاهر الحال، والمتقى لا يطلق إلا عن خبرة، كما لا يجوز إطلاق العدل إلا على المختبر. ومحل (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) الرفع، لأنه خبر مبتدإ محذوف، أو خبر مع (لا رَيْبَ فِيهِ) لذلك، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدّم خبراً عنه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أنه لا يتناولها)، قيل: الضمير في "أنه" راجع إلى "ما" في "ما يستحق به العقوبة" أي: ما يستحق به العقوبة لا يتناول الصغائر، بل إلى ما دل عليه المتقي وهو التقوى، أي التقوى لا يتناول اجتناب الصغائر. يدل عليه قول الإمام: اختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى! ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل؛ وإنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم؟ ويمكن أن يقال: إن الإصرار على الصغائر مما يسلب العدالة؛ فكيف بالتقوى؟ وأيضًا قوله: "الوقاية فرط الصيانة" يوجب أن يتناولها؛ ويؤيده ما روينا عن عطية السعدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس" أخرجه الترمذي، وابن ماجة. نعم ذلك من أعلى مناصب الصديقين، بل يكاد يختص بالنبيين. الراغب: التقوى: هو جعل النفس في وقاية مما يخاف، هذا حقيقته، ثم يسمى تارة الخوف تقوى، والتقوى خوفًا. وفي التعارف: حفظ النفس عن كل ما يؤثم، ولها منازل: الأول: ترك المحظور، وذلك لا يتم إلا بترك المباح كما جاء "من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه" وقيل: من لم يجعل بينه وبين محارم الله سترًا من حلال؛ فحقيق أن يقع فيها.

ويجوز أن ينصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والثاني: أن يتعاطى الخير مع تجنب الشر، وإياه عن بقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) [الزمر: 73]. والثالث: التبري من كل شيء سوى الله تعالى، وهو المعنى بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران: 102] وهذه المنازل مرتب بعضها فوق بعض. قوله: (ويجوز أن ينصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة)، روى صاحب "الإقليد": عن المصنف قال: سئلت بمكة - حرسها الله تعالى - عن ناصب الحال في قوله تعالى: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) [هود: 72]. فقلت: ما في حرف التنبيه أو في اسم الإشارة من معنى الفعل فقيل: أم استقر من أصولهم أن العامل في الحال وذيها يجب أن يكون في العامل واحدًا، وقد اختلف العامل هنا حيث جعلته في الحال المعنى الذي ذكرته، قيل ذيها معنى الابتداء، فقلت: تحقيق الكلام أن التقدير: هذا بعلى أنبه عليه شيخًا، أو أشير إليه؛ فالضمير هو ذو الحال والعامل فيه وفي الحال واحد كما ترى. وقال ابن الحاجب: إن اسم الإشارة إذا تقيد بحال لم يكن الخير مقيدًا؛ بدليل قولهم: هذا زيد قائمًا، فإن الخبر بـ"زيد" غير مقيد بالقيام. وقال: لأن المعنى المشار إليه قائمًا زيد، فإن زعم زاعم أنه مقيد بأنه إذا كان قائمًا فهو زيد أيضًا، فإخباره بـ"زيد" إنما هو في حال القيام لم يستقيم؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون غير زيد في غير حال القيام.

أو الظرف، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال اليمني: ولقائل أن يقول: إن من الأفعال ما لا يقبل التقييد، فإن قولك: عرفت زيدًا قائمًا، فغن المعرفة الحاصلة حال القيام ليست مقيدة بحال القيام حتى إنها تزول بزواله، بل هي حاصلة بعد ذلك في جميع الأحوال؛ وإنما ذكرت ليعرف أنه كان كذلك عند المعرفة، والمعرفة مستمرة، وكذلك جميع أفعال العلم. فإن قيل: إن الخبر هو المبتدأ في المعنى بمعنى أنه يصدق عليه، فيكون تقييدًا المبتدأ تقييدًا للخبر. ثم كلامه. ويقرب من هذا الكلام ما ذكره الزجاج: إنك إذا قلت: هذا زيد قائمًا، إن قصدت أن تخبر به من لم يعرف زيدًا لم يجز؛ لأنه يكون زيدًا ما دام قائمًا، فإذا زال عند القيام فليس بزيد وإنما تقول: هذا زيد قائمًا لمن يعرف زيدًا، فيعمل في الحال التنبيه، أي: انتبه لزيد في حال قيامه، أو أشير إلى زيد في حال قيامه؛ لأن "هذا" إشارة إلى ما حضر، وقال: هذا من لطيف النحو وغامضه. وأبو علي قرر أن هذا المعنى حيث لم يتكلم عليه في "الإغفال" بشيء وصرح المصنف وأبو البقاء في أول "لقمان" أن قوله: (هدى) في قوله: (الم* تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ* هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) [لقمان: 1 - 3] حال من (آيات) والعامل اسم الإشارة. قوله: (أو الظرف)، روي بالرفع واجر، والأول هو المشهور، أي: العامل في الحال "فيه" لكونه قائمًا مقام استقر، وذو الحال الضمير المجرور، لأنه مفعول معنوي باعتبار استقرار الريب فيه.

والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحاً، وأن يقال إن قوله: (الم) جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها. و (ذلِكَ الْكِتابُ) جملة ثانية. و (لا رَيْبَ فِيهِ) ثالثة. و (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) رابعةٌ. وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: لا يجوزُ أن يكون حالاً من الضمير المستتر في الظرف العائد إلى الريب لاستلزام نسبة الهدى إلى الريب. قوله: (والذي هو أرسخُ عرقاً)، فيه لطيفةٌ، فإنه رمز به تعريضاً أن الاعتبار اللفظي الذي لا يُساعده المعنى كشجرةٍ خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، والذي شُد عضده بالمعنى كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء. قوله: (أن يُضرب عن هذا المحال صفحاً)، أي: عن البحث عن محل هذه الجمل بالطريق المذكور؛ فإنها لا طائل تحتها، وأن اللائق ببلاغة القرآن أن يُسلك به طريقُ المعاني والبيان، فإنها هي الطلبة وما عداها ذرائع إليها، وهي المرامُ وما سواها أسبابُ للتسلق عليها. قوله: (صفحاً)، المرزوقي: صفحت عنه: عفوت عن جرمه. ويقال: أعرضت عن هذا الأمر صفحاً: إذا تركته. قوله: (مستقلةٌ بنفسها)، أي غير مفتقرة إلى انضمام شيءٍ معها، إما لأنها كالإيقاظ وقرع العصا، أو كتقدمة الإعجاز. قوله: (مفصل البلاغة)، الجوهري: يقال لمن أصاب الحُجة: إنه طبق المفصل، النهاية: أصلُ التطبيق إصابة المفصل وهو طبق العظمين، أي: ملتقاهما فيفصل بينهما.

وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض. فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جراً إلى الثالثة والرابعة. بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدّى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال. فكان تقريراً لجهة التحدي، وشدّاً من أعضاده. ثم نفى عنه ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وموجب حسن النظم)، بفتح الجيم، أي: موضع إيجاب حسن النظم ومكانه ومستقره. قوله: (متآخية)، أي: متناسبة. يقال: آخاه مؤاخاةً وإخاءً، وتأخيت أخاً، أي: اتخذت. وفي قوله: "آخذاً [بعضها] بعنق بعضٍ" تأكيدٌ للمؤاخاة وترشيحٌ للاستعارة. قوله: (وهلم جرا)، جراً، منصوبٌ على الحال عند البصريين، وعلى المصدر عند الكوفيين. قال ابن جني: "جراً" مصدرٌ وقع حالاً، أي جاراً، أو منجراً. الجوهري: وتقول: كان ذاك عام كذا، وهلم جراً إلى اليوم. قيل: هلم جراً، مثلٌ لأمثالٍ. قال المُفضل: تعالوا على هيئتكم كما يسهل عليكم. قوله: (نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به)، أما على تأويله على أنها أسماءٌ للسور، فلقوله: "الإشعار بأن الفرقان ليس إلا كلماتٍ عربيةً معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ"، وأما على أنها طائفةٌ من حروف المعجم، فلما مر مراراً.

أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلا بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة. وقيل لبعض العلماء: فيم لذتك؟ فقال: في حجة تتبختر اتضاحا، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا. ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرّر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم لم تخل كل واحدة من الأربع، بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي قوله "شداً من أعضاده" اقتباسٌ من قوله تعالى: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) [القصص: 35]، ومراعاةٌ لمعنى المؤاخاة في قوله: "متآخية"، وترشيحٌ للاستعارة. قوله: (وتسجيلاً بكماله)، الأساس: سجَّل عليهم، وكتابٌ مسجل، وكتب عليه سجلاً يعني قوله: (لَا رَيْبَ فِيهِ) [البقرة: 2] تأكيدٌ لمعنى ذلك الكتاب، وهو كونه كاملاً لا كمال أكمل منه، ولا يكون كاملاً كذا إلا أن يكون حقاً وصدقاً، لا باطلاً وكذباً؛ فلا يحوم الشك حوله. قوله: (فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله)، أي: كونه هادياً تأكيدٌ لقوله: (لا رَيْبَ فِيهِ)؛ لأنه لا يكون هادياً إذا كان فيه مجالٌ للشبهة، ففي قوله: "لا يحوم الشك حوله" كنايةٌ كقوله: فما جازه جودٌ، ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير وهذه المبالغة مستفادةٌ من إيقاع المصدر خبراً لـ"هو" كما أن المبالغة في الجملة الثانية حصلت من تعريف الخبر، وفي الثالثة: من الاستغراق. قوله: (الأنيق)، أي: العجيب، الأساس: هذا شيءٌ أنيقٌ، وآنقٌ ومونقٌ، وآنقني: أعجبني.

ونظمت هذا النظم السرى؛ من نكتة ذات جزالة. ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة. وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف. وفي الرابعة الحذف. ووضع المصدر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (السري)، أي: العظيم، الأساس: يقال: فلانٌ من السراة، ومن أهل السرو؛ وهو السخاءُ في مروءة. ومن المجاز: سروات الطريق: معاظمها وظهورها. الراغب: السري من السرو، أي: الرفعة. يقال: رجلٌ سريٌ. قوله: (ففي الأولى الحذف)، أي: حذف المبتدأ، أي: هذه (الم) إذا جعلت اسماً للسورة. قوله: (والرمز إلى الغرض) أي: التحدي: وأُريد بألطف وجهٍ، كونها مشيرةً إلى أن المُتحدى به من جنس ما تنظمون منه كلامكم على سبيل الاستدراج. وطفي الثانية ما في التعريف من الفخامة" وهي: الدلالة على كونه كاملاً في بابه. و"في الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف" وهو الدلالة على نفي الريب عنه بالكلية من غير أن يتعرض لإبطال غيره. و"في الرابعة الحذف" أي: هو هُدى، ووضع المصدر موضع اسم الفاعل على طريقة رجلٍ عدل، وإيراده منكراً، أي: هادياً لا يكتنه كنهه. والإيجاز حيث لم يقل: هدى للضالين الصائرين إلى التقوى؛ رعايةً لحسن المطلع. قال القاضي: وتستتبع السابقة منها اللاحقة استتباع الدليل للمدلول؛ فإنه لما نبه أولاً على إعجاز المتحدى به- لزم منه أنه الكتاب البالغ درجة الكمال، واستلزم ذلك أن لا يتشبث الريب بأطرافه؛ إذ لا أنقص مما يعتريه الشك، وما كان كذلك؛ كان لا محالة هدى للمتقين

الذي هو «هدىً» موضع الوصف الذي هو «هاد» وإيراده منكراً. والإيجاز في ذكر المتقين. زادنا اللَّه اطلاعا على أسرار كلامه، وتبيينا لنكت تنزيله، وتوفيقاً للعمل بما فيه! [(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ)]. (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) إما موصول بـ (المتقين) على أنه صفة مجرورة، أو مدح منصوب، أو مرفوع بتقدير: أعنى الذين يؤمنون، أو هم الذين يؤمنون. وإما مقتطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب (أُولئِكَ عَلى هُدىً). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو مدحٌ منصوبٌ أو مرفوع)، فيه لف. قال أبو علي: إذا ذُكرت صفاتٌ للمدح أو الذم وخولف بعضها في الإعراب فقد خولف للافتنان. وقال المرزوقي في قوله: إنا بني نهشلٍ لا ندعي لأبٍ هو أنه لو جعله خبراً، كان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب، وكان لا يخلو فعله لذلك من خمولٍ فيهم، وجهلٍ من المخاطب بشأنهم، فإذا جُعل اختصاصاً فقد أمن الأمرين جميعاً، فقال مفتخراً: إنا- أذكر من لا يخفى شأنه - لا نفعل.

فإذا كان موصولاً كان الوقف على (المتقين) حسناً غير تامّ، وإذا كان مقتطعاً، كان وقفاً تاماً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال شارح "الهادي": شرطُ هذا الأسلوب كون الممدوح مشهوراً، والصفة صالحةً للتمدح بها؛ ومن ثم لم يجز: زيدٌ الكريم في الدار، وعند المخاطب زيودٌ. ولا زيدٌ الإسكاف فيها، وهو مشهور. نعم، لو أريد الذم لجاز، فعلى هذا لو جعل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) [البقرة: 3] صفةً لأوهم خمول المتقين ولم يعلم أن الصفات مادحةٌ، فسلك به ذلك المسلك، ليكون نصاً في المراد. قوله: (حسناً غير تام)، قال السجاوندي: الوقوف على مراتب: لازم: وهو الذي وُصل غير المرام؛ كقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخَادِعُونَ) [البقرة: 8 - 9] فلو وصل "يخادعون" صارت صفةً للمؤمنين، فينتفي الخداع عنهم، ويتقرر الإيمان خالصاً عن الخداع، كما تقول: وما هو بمؤمنٍ مخادعٍ. والمراد نفي الإيمان وإثبات الخداع. ومطلق: وهو ما يحسن الابتداءبما بعده. هذا هو الذي عناه المصنف بقوله: "مقتطعٌ عن المتقين، مرفوعٌ بالابتداء". وجائز: وهو ما يجوز الوصل فيه والفصل؛ لتجاذب الموجبين من الطرفين. وحمل قوله:

فإن قلت: ما هذه الصفة؟ أواردةٌ بياناً وكشفا للمتقين أم مسرودة مع المتقين تفيد غير فائدتها؟ أم جاءت على سبيل المدح والثناء كصفات اللَّه الجارية عليه تمجيداً؟ قلت: يحتمل أن ترد على طريق البيان والكشف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "حسنٌ غير تام" على هذا القسم حسن؛ لأن اعتبار الصفة يقتضي الوصل، واعتبار الفاصلة وأنها آخر آيةٍ يقتضي الفصل. قوله: (ما هذه الصفة)، كرر الاستفهام وجعل الأول توطئةً للثاني تفخيماً لها، يعني أرى لهذه الصفة في هذا المقام شأناً وموقعاً رفيعاً، بين لي موقعاً. قوله: (بياناً وكشفاً)، أي: مفهومها مفهوم المتقين كما تجيء الصفة معرفةً لموصوفها نحو الجسم العريض، العميق، الطويل، يحتاج إلى حيز يشغله. قوله: (أم مسرودةٌ مع المتقين)، أي: تابةٌ للموصوف، ومخصصةٌ إياه، نحو: زيدٌ التاجر عندنا؛ لأن مفهوم التاجر غير مفهوم زيدٍ، وهو المراد بقوله: "تفيد غير فائدتها" أي: فائدة الصفة الواردة على البيان والكشف، وذلك أن فائدتها متحدةٌ متساويةٌ مع الموصوف في المعنى. قوله: (مسرودةٌ)، الأساس: ومن المجاز: نجومٌ سردٌ: متتابعةٌ، وتسرد الدر: تتابع في النظام. قوله: (كصفات الله الجارية عليه تمجيداً)، كقوله: (هُوَ اللَّهُ ... الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ) [الحشر: 23] أي: يكون مدحاً للمتقين كما يُمدح بصفاته؛ لأنه على جهة الإيضاح، ولا على سبيل التفصلة والإبانة والتفرقة؛ إذ ليس تعالى بالمشارك في اسمه المبارك، وإنما هي تماجيد لذاته المكونة لجميع الذوات.

لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من فعل الحسنات وترك السيئات. أمّا الفعل فقد انطوى تحت ذكر الإيمان الذي هو أساس الحسنات ومنصبها، وذكر الصلاة والصدقة لأنّ هاتين أُمّا العبادات البدنية والمالية، وهما العيار على غيرهما. ألم تر كيف سمى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الصلاة عماد الدين، وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن هاتين أما العبادات: البدنية والمالية)، فإن قلت: هل في وصف الإيمان بالأساسي، والصلاة والصدقة بالأم من نكتة؟ قلت: أجل، فيه نكت وأجلها: أن الأعمال: إما قلبية وأعظمها اعتقاد حقية التوحيد والنبوة والمعاد؛ إذ لولاه لكان سائر الأعمال كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً، أو بدنيةٌ وأصلها الصلاة؛ لأنها الفارقة بين الكُفر والإسلام، وهي عمود الدين، وهي الأم التي يتشعب منها سائر الخيرات والمبرات، أو ماليةٌ وهي الإنفاق لوجه الله، وهي التي إذا وُجدت علم الثبات في الإيمان كما قال: (وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [البقرة: 265]. قوله: (العيار)، الأساس: عاير المكاييل والموازين: قايسها. أي: هما الشاهدان المعدلان، بمعنى من كانت فيه هاتان العبادتان كان ذلك دليلاً على أنه يقيم سائر العبادات، ولم يقل: العياران؛ ملاحظةً لمعنى المصدر. قوله: (كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم عماد الدين؟ )، روينا عن الترمذي وابن ماجه عن معاذٍ في حديث طويل: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد". قوله: (وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبلٍ عن بُريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".

وسمى الزكاة قنطرة الإسلام، وقال اللَّه تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) [فصلت: 6 - 7]؟ فلما كانتا بهذه المثابة كان من شأنهما استجرار سائر العبادات واستتباعها. ومن ثم اختصر الكلام اختصاراً، بأن استغنى عن عدّ الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها، والذي إذا وجد لم تتوقف أخواته أن تقترن به، مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين. وأما الترك فكذلك. ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45]! ويحتمل أن لا تكون بيانا للمتقين، وتكون صفة برأسها دالة على فعل الطاعات، ويراد بالمتقين الذين يجتنبون المعاصي. ويحتمل أن تكون مدحا للموصوفين بالتقوى، وتخصيصاً للإيمان بالغيب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وسمى الزكاة قنطرة الإسلام)، هذا الحديث ضعفه الصغاني. وقوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) [فصلت: 6 - 7] " جعل منع الزكاة هنا من أوصاف المشركين تعريضاً بالمؤمنين وحثاً على أدائها، وتخويفاً شديداً من منعها، وجعل النفقة في سبيل الله دليلاً على الثبات على الإيمان في قوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [البقرة: 265]. قوله: (والذي إذا وُجد)، عطفٌ على "ما هو" على سبيل البيان. قوله: (أن يقترن به)، صح بإدغام النون التي هي لام الكلمة في النون التي هي ضمير أخواته.

وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر إظهاراً لإنافتها على سائر ما يدخل تحت حقيقة هذا الاسم من الحسنات. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لإنافتها)، أي: لشرفها وعلو منزلتها، الجوهري: النوف: السنام، وناف الشيء: طال وارتفع ذكره. واعلم أن للقاضي صاحب "الأنوار" تغمده الله بغفرانه كلاماً رفيعاً في هذا المقام، فلا بد من إيراده، قال: التقوى على ثلاث مراتب: الأولى: التوقي عن العذاب المخلد بالتبرؤ عن الشرك، وعليه قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) [الفتح: 26]، وقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) [الحجرات: 3] وفي الشعراء: (قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ) [الشعراء: 11]. والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعلٍ أو تركٍ، حتى الصغائر عند قومٍ، وهو المتعارف بالتقوى في الشرع، والمعنى بقوله: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا) [الأعراف: 96]. والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق، ويتبتل بشراشره، وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران: 102]، فعلى هذا قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) مترتبة على المرتبة الأولى ترتيب التحلية على التخلية، والتصوير على التصقيل. وقد فسر المتقون ها هنا على الأوجه الثلاثة. وقلت: إذا جُعل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) الآية [البقرة: 3] كشفاً وبياناً للمتقين؛ كان من الوجه الثاني، وإذا جعل مدحاً؛ كان من الوجه الثالث، وإذا جعل صفة مخصصةً؛ كان من الوجه الأول.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم في جعل (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) صفةً مخصصةً للمتقين، وأن يراد بالمتقين الذين يجتنبون عن المعاصي، كما ذهب إليه المصنف وتبعه صاحب "المفتاح"- نظرٌ؛ لأن الصفة حينئذٍ على غير ما عليه الكاشفة، فيكون مفهومها غير مفهوم الموصوف كما قال: "تفيد غير فائدتها". فإذا قيل: المراد بالمتقين المجتنبون عن المعاصي! فهم منه أنهم الذين يأتمرون بأمر الله تعالى، وينتهون عما نهى الله عنه؛ لقوله تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) [التحريم: 6] فكيف يُقال: الذين يؤمنون بالغيب غير الذين يجتنبون عن المعاصي، أما لو أريد بهم الذين يجتنبون عن الشرك كما هو الوجه الأول للقاضي- وذُكر نحوه في "الوسيط"- أفادت الصفة ما هو المطلوب من هذا الوجه، وهو التحلية بعد التخلية وجاءت قارة في مكانها. وفي اختيار المصنف ذلك رمزٌ إلى المذهب كما صرح به في قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: 5]. واعلم أن الصفة الفارقة تستدعي الاشتراك في الموصوف فيما يقع له الامتياز بالصفة، فإذا قلت: زيدٌ التاجر عندنا، وجب الاشتراك فيما يقع له الامتياز بصفة التجارة، كذلك "المتقين" إنما يتصور فيه الاشتراك باعتبار (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إلى آخره، فينبغي أن يتصور من هو متحل به، ومن هو معزولٌ عنه؛ ليختص بالوصف من قُصد إيراده له، وذلك لا يصح إلا بالقول بأنهم يجتنبون الشرك. وأما إذا قلت: الذين يجتنبون المعاصي؛ فلا يستقيم لما ذكرناه من وجوب الاشتراك فيما يقع له الامتياز بالوصف. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون القصد في إيراد المتقين إرادة المجتنبين عن المعاصي، فلما التبس عند السامع، أتى بالوصف قرينةً دالةً على المقصود؟

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: لا يخلو أن يراد بالوصف فعل الطاعات لا غير، كما عليه ظاهر كلام المصنف، أو مع الاجتناب عن المعاصي. فالأول لا يصح؛ لأن منطوق الوصف غير مانعٍ للمعصية، على أن أغلب المتصفين به غير معصومين. والثاني كذلك؛ لأن مفهوم الوصف مفهوم الموصوف كما في الصفة الكاشفة؛ فيكون القصد في إيراد الوصف تمييزه عن الحقائق، والمقدر أن الوصف مفيدٌ غير فائدة الكشف. فإن قلت: تحمل المعاصي على المناهي وحدها؟ قلت: لا يستقيم؛ لأن العاصي خلاف المطيع. قال في "سورة الحجرات": العصيان: ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع. وفي "الذاريات": الكبيرة والصغيرة يجمعهما اسم العصيان. على أن مفهوم (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) يوجب أن المجتنب عن المعاصي قد لا يكون موصوفاً به، فيكون كافراً، والكافر هو المارق المارد، فكيف يقال له: إنه المتقي المجتنب عن المعاصي؟ ! فإن قلت: ما الفرق بين قوله أولاً: "من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين"، وقوله ثانياً: "إظهاراً لإنافتها على سائر ما يدخل تحت حقيقة الحسنات"؟ قلت: على الأول ذكر الصلاة والزكاة من باب إطلاق البعض على الكل، والشرط في هذا النوع من المجاز إيراد أشرف ما في ذلك الشيء كما قال. وقد علمت أن معظم الشيء وجُله ينزل منزلة كله؛ فتضمن هذا المعنى أفضلية هاتين العبادتين؛ ولهذا قال: "مع ما في ذلك

والإيمان إفعال من الأمن. يقال: أمنته وآمنته غيرى. ثم يقال: آمنه إذا صدّقه. وحقيقته: آمنه التكذيب والمخالفة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين" أي: لزم من ذلك هذا على سبيل الإدماج، وأما على الثاني، فلم يذكر المذكورات لاستجلاب الغير؛ بل هي المرادة أولاً، وإنما يُرجح ذكرها لفضلها على غيرها ابتداء. قوله: (ثم يقال: آمنه إذا صدقه)، أي: الإيمان إفعالٌ من الأمن لغةً، ثم نقل إلى المفهوم الشرعي وهو التصديق لعلاقة الأمن من التكذيب والمخالفة. قال الراغب: ولما كان من لوازم الإيمان التصديق قالوا: الإيمان هو التصديق، وقال: ولا يكون التصديق قالوا: الإيمان هو التصديق، وقال: ولا يكون التصديق إلا عن علمٍ؛ ولذلك قال تعالى: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [الزخرف: 86] فالإيمان: اسمٌ لثلاثة أشياء: علمٌ بالشيء، وإقرارٌ به، وعملٌ بمقتضاه إن كان لذلك المعلوم عملٌ كالصلاة والزكاة. هذا هو الأصل، ثم قد يستعمل في كل واحدٍ من هذه الثلاثة فيقال: فلانٌ مؤمن، أي: أنه مقرٌ بما يحصن دمه وماله؛ وبذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجارية، فسألها ما سألها، ثم قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". ويقال: مؤمنٌ، ويراد به أنه يعرف الأدلة الإقناعية التي يحصل معها سكون النفس، وإياه عنى صلى الله عليه وسلم: "من قال: لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة".

وأمّا تعديته بالباء فلتضمينه معنى أقرّ وأعترف. وأمّا ما حكى أبو زيد عن العرب: ما آمنت أن أجد صحابة - أى ما وثقت - فحقيقته: صرت ذا أمن به، أى ذا سكون وطمأنينة، وكلا الوجهين حسن في (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) أى يعترفون به أو يثقون بأنه حق. ويجوز أن لا يكون (بالغيب) صلة للإيمان، وأن يكون في موضع الحال؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويقال: مؤمنٌ، ويعنى به أنه يسكن قلبه إلى الله تعالى من غير أن يلتفت إلى شيءٍ من العوارض الدنيوية، وغيان عنى بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية [الأنفال: 2]. قوله: (أما تعديته بالباء)، هذا على تقدير السؤال والجواب؛ يعني إذا كان حقيقة الإيمان منقولةً من "أمِنَ" فما باله عُدي بالباء ولم يُعد بنفسه كما سبق؟ فأجاب: إن تعديته بالباء من باب التضمين. قال ابن جني: لو جمعت تضمينات العرب لاجتمعت مجلدات. قال المصنف: من شأنهم أنهم يضمنون الفعل معنى فعلٍ آخر، فيجرونه مجراه، ويستعملونه استعماله. وقلت: ولو زيد مع إرادة معنى المضمن كان أحسن، كما تقول: أحمدُ إليك فلاناً، أي: أُنهي إليك حمد فلانٍ. قال في "سورة الكهف": الغرض في التضمين إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى. قوله: (وأما ما حكى أبو زيدٍ)، قال الأنباري: هو سعيد بن أوسٍ الأنصاري البصري، وكان سيبويه إذا قال: سمعت الثقة، أراد به أبا زيد.

أي: يؤمنون غائبين عن المؤمن به. وحقيقته: ملتبسين بالغيب، كقوله: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) [فاطر: 18]، (لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) [يوسف: 52]. ويعضده ما روى «أن أصحاب عبد اللَّه ذكروا أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وإيمانهم، فقال ابن مسعود: إنّ أمر محمد كان بيناً لمن رآه. والذي لا إله غيره، ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيبٍ، ثم قرأ هذه الآية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا أيضاً جوابٌ عن سؤالٍ آخر مقدر، يعني ليس في هذه الرواية مما ذكرت شيءٌ فأجاب: أن الهمزة للصيرورة، أي: صرت ذا سكونٍ به وطمأنينة. فإن الذي أومن وجد من نفسه سكوناً وطمأنينة، كما أن الخائف يجد قلقاً واضطراباً. الأساس: ما أومن بشيءٍ، أي: ما أصدق وما أثق، وما أومنُ أن أجد صحابةً- يقوله ناوي السفر- أي: ما أثق أن أظفر بمن أرافقه. فعلى هذا رجع هذا الوجه إلى المجاز، لقوله: "وحقيقته"، وهذا يشير إلى أن لابد من ذلك القيد في تعريف التضمين لئلا يدخل فيه هذا الوجه وجميع الاستعارات الواقعة في التبعية. قوله: (وحقيقته: ملتبسين بالغيب)، أي: يرجع معنى الغيب إليهم، أي: يصدقون وهم غائبون عن نظر المؤمن به، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ يدلُّك على هذا قوله: "ويعضده" حديث ابن مسعودٍ وفيه: "ما آمن مؤمنٌ إيماناً أفضل من إيمانٍ بغيب" أي: هو غائبٌ عن حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم. ومعنى الحديث مُخرجٌ في "سنن الدارمي عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه قال: يا رسول الله، أحدٌ خيرٌ منا، أسلمنا وجاهدنا معك؟ قال: "نعم، قومٌ يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني".

فإن قلت: فما المراد بالغيب إن جعلته صلة؟ وإن جعلته حالا؟ قلت: إن جعلته صلة كان بمعنى الغائب، إمّا تسمية بالمصدر من قولك. غاب الشيء غيبا، كما سمى الشاهد بالشهادة. قال اللَّه تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) [الزمر: 46]. والعرب تسمى المطمئن من الأرض غيباً. وعن النضر بن شميل: شربت الإبل حتى وارت غيوب كلاها. يريد بالغيب: الخمصة التي تكون في موضع الكلية، إذا بطنت الدابة انتفخت. وإما أن يكون فيعلا فخفف، كما قيل «قيل» وأصله: قيل: والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه، أو نصب لنا دليلا عليه. ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب. وذلك نحو الصانع وصفاته، والنبوّات وما يتعلق بها، والبعث والنشور، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما المراد بالغيب؟ )، يعني: رجحت وجه الحال بالحديث، كأن معنى الغيب يختلف باختلاف الوجهين فبيِّن ذلك. قوله: (المطمئن)، يُروى بكسر الهمزة وبفتحها. فبالكسر: الصفة، وبالفتح: الاسم. قوله: (الخمصة)، النقرة والحفرة، ويقال للجوع أيضاً، كقولهم: ليس للبطنة خيرٌ من خمصةٍ تتبعها. والبطنة: الامتلاء من الطعام. قوله: (وإنما تعلم منه نحن ما أعلمناه، أو نصب لنا دليلاً عليه)، فيه تقسيمٌ لما جمع في حكم الغيب. وقوله: (وذلك نحو الصانع)، إلى آخره: تفريقٌ، فإن قوله: "نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها" يتعلق بقوله: "أو نصب لنا دليلاً". وقوله: (والبعث والنشور)، إلى آخره يتعلق بقوله: "ما أعلمناه" أي: بالنص، وهذا مبنيٌ على ما قال الإمام وهو: أن كل مقدمةٍ لا يمكن إثبات النقل إلا بعد ثبوتها؛ فإنه لا يمكن إثباتها بالنقل، وكل ما كان إخباراً عن وقوع ما جاز وقوعه، وجاز عدمه، لا يمكن معرفته إلا

والحساب والوعد والوعيد، وغير ذلك. وإن جعلته حالا كان بمعنى الغيبة والخفاء، فإن قلت: ما الإيمان الصحيح؟ قلت: أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه، ويصدّقه بعمله. فمن أخل بالاعناد - وإن شهد وعمل - فهو منافق. ومن أخل بالشهادة فهو كافر. ومن أخل بالعمل فهو فاسق ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالحس أو بالنقل، ولا شبهة أن إثبات الصانع والنبوات من قبيل الأول، وإثبات الحشر والنشر وما يتعلق بهما من قبيل الثاني. الراغب: الغيب: ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بدائه العقول؛ وإنما يُعلم إما بواسطة علمٍ ما، واستشهادٍ به عليه، وإما بخبر الصادق. قوله: (كان بمعنى الغيبة والخفاء)، والفرق بين هذا الوجه والأول هو أن على الأول "بالغيب" مفعولٌ به، والإيمان مضمنٌ معنى الإقرار، أو مجازٌ من الوثوق؛ فلا يصدق الغيب على الرسول صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى الثاني يكون الإيمان بمعنى التصديق، ويكون مفعوله محذوفاً على طريقة العموم أو المبالغة؛ ليقع على جميع ما يجب أن يؤمن به، سواءٌ كان غائباً أو حاضراً، وهذا الوجه يختص بغير الصحابة كما مضى. قوله: "أن يعتقد الحق)، التعريف فيه للعهد، أي: الحق الذي تحقق عند المسلمين أنه ما هو، وهو: التصديق بما عُلم بالضرورة أنه من دين محمدٍ صلوات الله عليه، كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء وما يتصل بها. قوله: (ويُعرب عنه)، أي: عن المذكورات بأن يُقر بالشهادتين؛ فإنها جامعةٌ لتلك المعاني، ومفصحةٌ عنها، ويصدقه بعمله؛ لأن مقتضى ذلك كله العمل، وهو أمارةٌ على ما في ضميره. قوله: (ومن أخل بالشهادة فهو كافر)، فيه نظر.

ومعنى إقامة الصلاة تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود - إذا قوّمه. أو الدوام عليها والمحافظة؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الإمام: من عرف الله بالدليل، ولم يجد من الوقت ما يتلفظ بكلمة الشهادة: هل يُحكم بإيمانه؟ وكذا لو وجد من الوقت ما أمكنه التلفظ به؟ رُوي عن الغزالي: نعم. والامتناع من النطق يجري مجرى المعاصي التي تؤتى مع الإيمان. ويعضده ما روينا عن البخاري عن حُميدٍ، عن أنسٍ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كان يوم القيامة، شُفعت، فقلت: يا رب، أدخل الجنة من كان في قلبه خردلةٌ؛ فيدخلون، ثم أقول: أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء". والذي يعتذر له أن المراد بالإخلال هو أن يقصد به على سبيل الجحود والعناد كما فعل أبو طالبٍ وصرح به في قوله: وعرضت ديناً لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سُبةً ... لوجدتني سمحاً بذاك مبينا قوله: (ومعنى إقامة الصلاة: تعديل أركانها)، أي: هو استعارةٌ تبعيةٌ؛ شبه تعديل المصلي أركان الصلاة وحفظها من أن يقع فيها زيغٌ بتقويم الرجل العود المعوج، فقيل: يقيمون، وأريد: يعدلون. قوله: (أو الدوام عليها)، فعلى هذا هو كنايةٌ تلويحية؛ عبر عن الدوام بالإقامة، فإن

عليها، كما قال عز وعلا: (الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ) [المعارج: 23]، (وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ) [المؤمنون: 9]، من: قامت السوق إذا نفقت، وأقامها. قال: أَقَامَتْ غَزَالةُ سُوقَ الضِّرَابِ ... لِأَهْلِ العِرَاقيْنِ حَولًا قَمِيطاً لأنها إذا حوفظ عليها، كانت كالشئ النافق الذي تتوجه إليه الرغبات ويتنافس فيه ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إقامة الصلاة بمعنى تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغٌ في فرائضها مُشعرةٌ بكونها مرغوباً فيها، وإضاعتها وتعطيلها يدل على ابتذالها؛ كالسوق إذا شوهدت قائمةً دلت على نفاق سلعتها، ونفاقها يدل على توجه الرغبات إليها، وتوجه الرغبات يستدعي الاستدامة، بخلافها إذا لم تكن قائمة، فعلى هذا المراد من قوله: "من قامت السوق" أي: من باب: قامت السوق، لا أنه منقولٌ من قامت السوق. قوله: ((عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ))، الأساس: هو مُحافظ على سبحة الضحى: مواظبٌ عليها. ومن المجاز: قام على الأمر: دام وثبت، وأقامه: أدامه. ومنه ما روى مسلمٌ عن جابر: "لو تركتيها ما زال قائماً" قاله لأم مالكٍ حين عصرت العُكة التي كانت تهدي فيها للنبي صلى الله عليه وسلم. ذكره الصغاني في "مشارق الأنوار". قوله: (أقامت غزالة) البيت، غزالة هي التي خرجت على الحجاج، والضراب: المضاربة بالسيوف، والعراقين: البصرة والكوفة. قميطاً: تاماً. قوله: (ويتنافس فيه)، الجوهري: شيءٌ نفيسٌ: ينافس فيه ويرغب. وهذا أنفس ماله: أحبه وأكرمه عنده.

المحصلون، وإذا عطلت وأضيعت، كانت كالشئ الكاسد الذي لا يرغب فيه. أو التجلد والتشمر لأدائها. وأن لا يكون في مؤدّيها فتور عنها ولا توانٍ، من قولهم: قام بالأمر، وقامت الحرب على ساقها. وفي ضدّه: قعد عن الأمر، وتقاعد عنه - إذا تقاعس وتثبط - أو أداؤها، فعبر عن الأداء بالإقامة لأنّ القيام بعض أركانها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو التجلد والتشمر)، فعلى الوجوه "يقيمون" مسندٌ إلى المصلي، وعلى هذا الوجه مسندٌ إلى الصلاة باعتبار أن المصلي إذا أقام الصلاة كانت هي قائمةً على نحو: نهاره صائمٌ وليله قائم؛ ألا ترى إلى قوله: "وأن لا يكون في مؤديها فتور" فإنه لا يقال: نهاره صائم إلا لمن صام الدهر كله، ولا ليله قائم، إلا لمن لا ينام فيه، وكذا قوله: "قامت الحرب على ساقها" من الإسناد المجازي؛ لأنه نحو قوله تعالى: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: 4]. قوله: (وتثبط)، الجوهري: ثبطه عن الأمر تثبيطاً: شغله عنه. قوله: (أو أداؤها)، أي: معنى إقامة الصلاة: أداؤها. فعبر عن الأداء بالإقامة؛ لأن القيام بعض أركانها، فإذن المراد بالإقامة إيجاد فعل القيام ليصح تعليله بقوله: "لأن القيام بعض أركانها". وتحرير هذا المقام، أن قوله: (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) ليس على ظاهره؛ فهو إما استعارةٌ تبعيةٌ، أو كنايةٌ عن الدوام من: قامت السوق، إذا راجت ونفقت؛ لأن نفاقها مشعرٌ بتوجه الرغبات إليها، وهو يدل على المحافظة وهي على الدوام، أو مجازٌ في الإسناد، بمعنى يجعلون الصلاة قائمةً؛ فيفيد التجلد والتشمر، وأنها مؤداةٌ على وفور رغبةٍ ومزيد نشاطٍ كقولهم: قامت الحرب على ساقها، أو بمعنى: يوجدون قيامها، أي: يقومون فيها، فأسند القيام إليها على المجاز، فيفيد أنهم يؤدونها من باب إطلاق معظم الشيء على كله.

كما عبر عنه بالقنوت - والقنوت: القيام - وبالركوع وبالسجود، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واختار القاضي الوجه الأول وقال: تأويل "يقيمون الصلاة: يُعدلون أركانها، ويحفظونها من الزيغ أظهر؛ لأنه أشهر، وإلى الحقيقة أقرب وأفيد، لتضمنه التنبيه على أن الحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن، وحقوقها الباطنة كالخشوع والإقبال بقلبه على الله تعالى، لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولذلك ذُكر في سياق المدح: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) [النساء: 162] وفي معرض الذم: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) [الماعون: 4] ". والإمام اختار الوجه الثاني وقال: الأولى حملُ الكلام على ما يحصل معه الثناء العظيم؛ وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الإقامة على إدامة فعلها من غير خللٍ في أركانها وشرائطها. قلت: هذا أولى من قول القاضي لما مر لنا في تقرير الكناية؛ فإنها جامعةٌ لجميع المعاني المطلوبة فيها. الراغب: إقامة الصلاة: توفية حدودها وإدامتها، وتخصيص الإقامة فيه تنبيهٌ على أنه لم يُرد إيقاعها فقط؛ ولهذا لم يؤمر بالصلاة، ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة نحو: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) ولم يقل: المصلين إلا في المنافقين؛ حيث قال: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) [الماعون: 4 - 5] ومن ثم قيل: إن المصلين كثيرٌ، والمقيمين لها قليل، كما قال عمر رضي الله عنه: الحاج قليلٌ والراكب كثير. وكثيرٌ من الأفعال التي حث الله تعالى على توفية حقه ذكره بلفظ الإقامة: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) [المائدة: 66] ونحو: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) [الرحمن: 9].

وقالوا: سبح، إذا صلى لوجود التسبيح فيها (فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) [الصافات: 143]. والصلاة: فعلة من صلى، كالزكاة من زكى. وكتابتها بالواو على لفظ المفخم. وحقيقة صلى: حرّك الصلوين لأن المصلى يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (سبح إذا صلى)، إنما استشهد لهذا المثال بقول البلغاء أولاً وبالقرآن ثانياً؛ لأنه أخفى من أخواته، وأقل استعمالاً منها. فإن قلت: أليس من شرط هذا المجاز أن يكون هذا البعض أشرف وأعظم مما في ذلك الشيء، وهذه الاختلافات تُشعر بتعظيم الشيء على نفسه؟ قلت: خولف ليؤذن بأن أركان الصلاة كلها بحيث إذا سُمي أي واحدٍ منها وأريد به الكل كفى به شرفاً، على حد قولها: هم كالحلقة المفرغة، لا يُدرى أين طرفاها. قوله: (وكتابتها بالواو على لفظ المفخم)، قيل: التفخيم على ثلاثة أوجه: ترك الإمالة، وإخراجُ اللام من أسفل اللسان كما في اسم الله، والإمالة إلى الواو كما في اسم الصلاة. قوله: (حرك الصلوين)، بيان للعلاقة، الأساس: ضرب الفرس صلويه بذنبه: ما عن يمينه وشماله، ومنه مُصلي السابق. الجوهري: الكاذة: ما نتأ من اللحم في أعلى الفخذ.

ونظيره: كفر اليهودي إذا طأطأ رأسه وانحنى عند تعظيم صاحبه لأنه ينثني على الكاذتين، وهما الكافرتان. وقيل للداعي: مصلّ، تشبيها في تخشعه بالراكع والساجد. وإسناد الرزق إلى نفسه؛ للإعلام بأنهم ينفقون الحلال الطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى اللَّه، ويسمى رزقا منه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكر ابن جني في "المحتسب": قال أبو علي رحمه الله: الصلاة من الصلوين؛ وذلك لأن أول ما يشاهد من أحوال الصلاة إنما هو تحريك الصلوين للركوع، فأما القيام فلا يختص بالصلاة دون غيرها. قال ابن جني: هو حسن. قوله: (وقيل للداعي)، كأنه جوابٌ عن سؤال سائلٍ أن الداعي يُسمى مصلياً وهو لا يحرك الصلوين. قال الإمام: هذا الاشتقاق يُفضي إلى الطعن في كون القرآن حُجةً؛ لأن الصلاة من أشهر الألفاظ، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء معرفةً، ولو جوزنا ذلك- ثم إنه خفي واندرس بحيث لا يعرفه إلا الآحاد- لجاز مثله في سائر الألفاظ، ولو جاز لما قطعنا بأن مراد الله من هذه الألفاظ ما تتبادر أفهامنا إليه، بل لعل المراد تلك المعاني المندرسة. وأجاب القاضي: أن اشتهار اللفظ في المعنى الثاني مع عدم اشتهاره في الأول لا يقدح في نقله. قوله: (الطلق)، النهاية: الطلق بالكسر: الحلال، يقال: أعطيته من طلق مالي، أي: من صفوته وطيبه. قوله: (أن يضاف إلى الله ويسمى رزقاً)، قال القاضي: الرزق في اللغة: الحظ، قال تعالى:

وأدخل (من) التبعيضة؛ صيانة لهم وكفا عن الإسراف والتبذير المنهي عنه. وقدّم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم، كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدّق به ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: 82] والعُرف خصصه بتخصيص الشيء بالحيوان وتمكينه من الانتفاع به. والمُعتزلة لما استحالوا من الله أن يُمكن من الحرام؛ لأنه منع من الانتفاع به، وأمر بالزجر عنه- قالوا: الرزق لا يتناول الحرام. ألا ترى أنه أسند الرزق هاهنا إلى نفسه إيذاناً بأنهم ينفقون الحلال الطلق، فإن إنفاق الحرام لا يوجب المدح، وأصحابنا جعلوا الإسناد للتعظيم والتحريض على الإنفاق، واختصاص "مما رزقناهم" بالحلال للقرينة، وتمسكوا بشمول الرزق للحرام، وأنه لو لم يكن رزقاً لم يكن المغتذي به طول عمره مرزوقاً. وليس كذلك لقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود: 6]. قلت: قوله: "جعلوا الإسناد للتعظيم" معناه: أن الرزق وإن كان كله من الله، لكن من شرط ما يُضاف إليه من الأفعال أن يكون الأفضل فالأفضل، كما قال إبراهيم عليه السلام: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء: 80] وقوله تعالى: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 7]. الانتصاف: المعتزلة أثبتوا خالقاً غير الله ورازقاً غيره، وقد قال الله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) [فاطر: 3].

وجائز أن يراد به الزكاة المفروضة، لاقترانه بأخت الزكاة وشقيقتها، وهي الصلاة، وأن تراد هي وغيرها من النفقات في سبل الخير، لمجيئه مطلقاً يصلح أن يتناول كل منفق. وأنفق الشيء وأنفده أخوان. وعن يعقوب: نفق الشيء، ونفد واحد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: الرزق: لفظٌ مشتركٌ للحظ الجاري تارة، وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به. (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [البقرة: 3] محمولٌ على المباح؛ لأنه حث على الإنفاق ومدحٌ لفاعله، ولأنه مضافٌ إلى الله عز وجل والإنفاق كما يكون من المال والنعم الظاهرة يكون من النعم الباطنة كالعلم والقوة والجاه. والجود التام: بذل العلم، ومتاع الدنيا عرضٌ زائل. وقال بعض المحققين في الآية: ومما خصصناهم من أنوار المعرفة يفيضون. قوله: (بأخت الزكاة)، أي: بالصلاة، فوضعها موضعها للإشعار بالعلية. قوله: (وعن يعقوب)، هو ابن إسحاق السكيت. قال الأنباري: كان من أكابر أهل اللغة. قال المبرد: ما رأيت للبغداديين كتاباً خيراً من كتاب ابن السكيت في اللغة وهو: "إصلاح المنطق". وأما حكاية قول ابن السكيت في "الإصلاح" فهو: نفق الزاد ينفق نفقاً: إذا نفد.

وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء، فدالّ على معنى الخروج والذهاب ونحو ذلك إذا تأملت. [(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)]. فإن قلت: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) أهم غير الأوّلين أم هم الأوّلون؟ وإنما وسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك هو الشجاع والجواد، وفي قوله: إلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهمامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحمْ وقوله: يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّـ ... ابِحِ فالغَانِم فَالْآيِبِ؟ قلت: يحتمل أن يراد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلى الملك القرم)، البيت. القرم: الفحل المكرم الذي لا يُحمل عليه، ثم سمي به السيد. والهمام: من أسماء الملوك؛ لعظم همتهم، أو لأنهم إذا هموا بأمرٍ فعلوه. والكتيبة: الجيش. وازدحم القوم: إذا وقع بعضهم على بعضٍ. ومنه قيل للمعركة: مزدحم؛ لأنها موضع المزاحمة. قوله: (يا لهف زيابة)، البيت. اللهف: كلمة استغاثة يُتحسر بها على ما فات. والزيابة: اسم أبي القائل. والحارث: من غزاهم وصبحهم وغنم منهم، وآب إلى قومه سالماً والصابح من: صبحت القوم: إذا أتيتهم صباحاً.

بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه من الذين آمنوا، فاشتمل إيمانهم على كل وحى أنزل من عند اللَّه، وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وأنّ النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كعبد الله بن سلام)، قال في "الجامع": هو عبد الله بن سلام بن الحارث، من بني قينقاع الإسرائيلي. وكان اسمه الحصين فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، وسلام: بتخفيف اللام. قينقاع: بفتح القاف وضم النون وبالعين المهملة. قوله: (وأضرابه)، قال المصنف: أكثر الناس على أن الأضراب جمع ضربٍ بفتح الضاد، وعندي بكسرها فعلٌ بمعنى مفعول- كالعجز- وهو الذي يُضرب به المثل. ولا بد في المضروب به مثلاً والمضروب فيه من المماثلة. وقال غيره: الضرباء والأضراب: الأمثال، سمعت غير واحدٍ من العرب يقولون: هذا ضربه، أي: مثله بكسر الضاد. ويعضده مثل ومثيل، وشبهٌ وشبيه، وأنهم جمعوه على أضراب. قوله: (فاشتمل إيمانهم)، الفاء سببية، تقديره: آمنوا بالقرآن بعد أن كانوا مؤمنين بكتابهم؛ فلزم من إيمانهم بهذا اشتمال الإيمان على كل وحي. ثم قوله: "وأيقنوا بالآخرة" مشعرٌ بأن في الكلام تغييراً، وأن أصل الكلام: الذين آمنوا بما أُنزل إليك، وما أُنزل من قبلك، وأيقنوا بالآخرة؛ فأتى بالمضارع، وقدم الجار والمجرور، وأبرز الضمير، وبنى عليه لإعطاء معنى التخصيص مع التأكيد، على منوال قوله: (لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ) [الإسراء: 100] ليكون تعريضاً بمن لم يؤمن منهم، وبأن إيمانهم بالآخرة على خلاف ما هي عليه مع التردد فيهم، وأن إيمان المؤمنين مستمر الوقوع.

واجتماعهم على الإقرار بالنشأة الأخرى، وإعادة الأرواح في الأجساد، ثم افتراقهم فرقتين: منهم من قال: تجرى حالهم في التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب مجراها في الدنيا ودفعه آخرون فزعموا أن ذلك إنما احتيج إليه في هذه الدار من أجل نماء الأجسام ولمكان التوالد والتناسل، وأهل الجنة مستغنون عنه فلا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة، والسماع اللذيذ والفرح والسرور، واختلافهم في الدوام ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (واجتماعهم)، روي مرفوعاً ومجروراً؛ فالرفع عطفٌ على قوله: "ما كانوا عليه"، والجر على قوله: "أنه لا يدخل الجنة". المعنى: زال مع هذا الإيقان زعماتهم أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وزال أيضاً ما كانوا عليه من خلط الحق مع الباطل، وهو الإقرار بالنشأة الأخرى، ثم افتراقهم فرقتين: فرقةٌ منهما موافقةً للمسلمين، وفرقةٌ مخالفةٌ لهم في قولهم بالتلذذ الجسماني، وفي الدوام والانقطاع. قوله: (الأرواح العبقة)، الجوهري: الريح واحدة الرياح والأرياح، وقد تُجمع على أرواح؛ لأن أصلها الواو، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت إلى الواو، كقولك: أروح الماء، وتروحت بالمروحة، الأساس: عبق به الطيب: لزمه، وامرأة عبقة: تطيبت بأدنى طيبٍ، فلم تذهب عنها ريحه أياماً. وقال أبو الطيب: مسكية النفحات إلا أنها ... وحشيةٌ بسواهم لا تعبق قوله: (واختلافهم)، عطفٌ على "افتراقهم" لا على "اجتماعهم"؛ ليكون في حكم "ثم" في التراخي. المعنى: أنهم اجتمعوا على الإقرار بإعادة الأرواح إلى الأجساد، ثم حصلت لهم التفرقة في كيفية الأحوال، والاختلاف في كمية الزمان.

والانقطاع، فيكون المعطوف غير المعطوف عليه. ويحتمل أن يراد وصف الأوّلين. ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه. فإن قلت: فإن أريد بهؤلاء غير أولئك، فهل يدخلون في جملة المتقين أم لا؟ . قلت: إن عطفتهم على (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) دخلوا وكانت صفة التقوى مشتملة على الزمرتين من مؤمنى أهل الكتاب وغيرهم. وإن عطفتهم على (لِلْمُتَّقِينَ) لم يدخلوا. وكأنه قيل: هدى للمتقين، وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك. فإن قلت: قوله: (بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) إن عنى به القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، فلم يكن ذلك منزلا وقت إيمانهم، فكيف قيل أنزل بلفظ المضىّ؟ وإن أريد المقدار الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم فهو إيمان ببعض المنزل واشتمال الإيمان على الجميع سالفه ومترقبه واجب. قلت: المراد المنزل كله وإنما عبر عنه بلفظ المضىّ وإن كان بعضه مترقباً، تغليبا للموجود على ما لم يوجد، كما بغلب المتكلم على المخاطب، والمخاطب على الغائب فيقال: أنا وأنت فعلنا، وأنت وزيد تفعلان. ولأنه إذا كان بعضه نازلا وبعضه منتظر النزول جعل كأن كله قد نزل وانتهى نزوله، ويدل عليه قوله تعالى: (إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى) [الأحقاف: 30] ولم يسمعوا جميع الكتاب، ولا كان كله منزلا، ولكن سبيله سبيل ما ذكرنا. ونظيره قولك: كل ما خطب به فلان فهو فصيح، وما تكلم بشيء إلا وهو نادر. ولا تريد بهذا الماضي منه فحسب دون الآتي، لكونه معقوداً بعضه ببعض، ومربوطا آتيه بماضيه. وقرأ يزيد بن قطيب بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ على لفظ ما سمى فاعله. وفي تقديم (بِالْآخِرَةِ) وبناء (يُوقِنُونَ) على: (هُمْ) تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي تقديم "بالآخرة" وبناء (يُوقِنُونَ) على (هُمّ) تعريضٌ) إلى آخره، أي: قصد بهذين الاعتبارين تينك الخاصيتين- أعني: التخصيص وتقوّي الحكم- تعريضاً بهم،

أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. والإيقان: إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. وبِالْآخِرَةِ تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأوّل، وهي صفة الدار بدليل قوله: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ) [القصص: 83]، وهي من الصفات الغالبة، وكذلك الدنيا. وعن نافع أنه خففها بأن حذف الهمزة وألقى حركتها على اللام، كقوله (دَابَّةُ الْأَرْضِ) [سبأ: 14]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقوله: "تعريضٌ بأهل الكتاب" توطئة، وقوله: "بما كانوا عليه" وقوله: "وأن قولهم" إني آخره، عطفٌ عليه على طريقة: أعجبني زيدٌ وكرمه. وهذان المعطوفان تفسيران لقوله: "وفي تقديم "بالآخرة"" وقوله: "وبناء "يوقنون"" على سبيل النشر، فدل التقديم على التخصيص، وأن إيمانهم مقصورٌ على الآخرة الحقيقية لا يتجاوز إلى ما أثبته اليهود، وهو أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وأنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودات، وأن أهل الجنة يتلذذون بالنسيم والأرواح العبقة، وهو المارد بقوله: "من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته" ودل بناء "يوقنون" على "هم" على تحقيق إيقانهم وثباته، وهو المراد بقوله: "وأن قولهم ليس بصادرٍ عن إيقانٍ، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أُنزل إليك"، ثم بمجموعها دل على أن اليهود على خلاف ذلك تعريضاً، فعلى هذا قوله: "وأن اليقين ما عليه" ليس معطوفاً على "تعريضٌ" كما ظُن، وإنما لم يُحمل قوله: "وبناء "يوقنون" على "هم"" على التخصيص؛ لأن القول بتقوى الحُكم يفيد التحقيق ويستلزم التخصيص بالتعريض، والقول بالتقديم لا يفيد إلا التخصيص، فكان أولى. قوله: (والإيقان: إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه). قال القاضي: اليقين: إتقان العلم بنفي الشبهة عنه نظراً واستدلالاً، ولذلك لا يوصف به العلم القديم والعلوم الضرورية. وقال الإمام: لا يُقال: تيقنت أن السماء فوقي، ويقال: تيقنت ما أردته بكلامك.

وقرأ أبو حية النميري (يوقنون) بالهمز، جعل الضمة في جار الواو كأنها فيه، فقلبها قلب واو «وجوه» و «وقتت». ونحوه: لَحُبَّ المُؤْقِدَانِ إلَىَّ مُؤْسَى ... وَجَعدَةُ إذْ أَضَاءَهُمَا الْوَقُودُ [(أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)] (أُولئِكَ عَلى هُدىً): الجملة في محل الرفع إن كان (الذين يؤمنون بالغيب) مبتدأ وإلا فلا محلّ لها. ونظم الكلام على الوجهين: أنك إذا نويت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الراغب: اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها، يقال: عِلم يقينٍ، ولا يقال: معرفة يقينٍ، وهو سكون النفس مع ثبات الحكم، يقال: استيقن وأيقن. قوله: (لحب المؤقدان) البيت لجرير. وموسى وجعدة ابناه، وهما عطفا بيانٍ لقوله: "المؤقدان" كانا يوقدان نار القرى، وقوله: "إذ أضاءهما" بدل اشتمال منهما، يحمد فعالهما ويشكر صنيعهما، المعنى: حبب الله إلي وقت إضاءة وقودهما إياهما، ونحوه في البدل قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ) [مريم: 16]، أي: اذكر وقت انتباذهما، واللام في "لحب المؤقدان" للقسم، هكذا روى سيبويه بقلب الواو في "الموقدان"، وموسى همزه. "لحب" يُروى بضم الحاء وفتحها. الجوهري: يُقال: أحبه فهو محب، وحبه يحبه بالكسر فهو محبوبٌ، ولقد حببت بالكسر، أي: صرت حبيباً. قوله: (وإلا فلا محل لها) من الإعراب، قيل: فيه نظر لأنه لو كان الموصول الثاني مبتدأ، فكذلك محلها الرفع، فالحق أن يقال: إن كان أ؛ د الموصولين مبتدأ، فهو في محل الرفع.

الابتداء بـ (الذين يؤمنون بالغيب)؛ فقد ذهبت به مذهب الاستئناف. وذلك أنه لما قيل: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) واختصّ المتقون بأنّ الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟ فوقع قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إلى ساقته، كأنه جواب لهذا السؤال المقدّر. وجيء بصفة المتقين المنطوية تحتها خصائصهم التي استوجبوا بها من اللَّه أن يلطف بهم، ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم، أى الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم، أحقاء بأن يهديهم اللَّه ويعطيهم الفلاح. ونظيره قولك: أحبّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الأنصار الذين قارعوا دونه، وكشفوا الكرب عن وجهه، أولئك أهل للمحبة. وإن جعلته تابعاً للمتقين، وقع الاستئناف على أولئك كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟ فأجيب بأنّ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجيب: أن المصنف في صدد أن يذكر في الآية وجوهاً ثلاثة، ويشير في التقرير إلى بيان الفرق؛ فبنى الكلام أولاً على الوجهين اللذين هما أقوى الوجوه وعليهما تعويل أهل المعاني دون الثالث، ثم سأل نفسه: هل يجوز ذلك التقدير؟ أي: أن يجري الموصول الثاني على الابتداء و"أولئك" خبره، لأن الوجه الأخير لا يحسن حسنهما لخلوه عن الاستئناف ولزوم فك الموصولين. ولهذه اللطيفة قُدِّم الاستئناف المنطوي على بيان الموجب على الآخرة، وكما روعيت هذه اللطيفة روعيت المناسبة بين الوجهين أيضاً حيث قال أولاً: "نويت" مقرونةً بإذا، وثانياً: "وإن جعلته تابعاً" وإنما كان الوجه الأول أحسن الوجوه لما ذكرنا من بيان الموجب، ولإيقاع "أولئك" خبراً له، وهو أيضاً موجبٌ كما سيجيء. قوله: (ما للمستقلين بهذه الصفات)، الأساس: ومن المجاز: هو مستقلٌ بنفسه: إذا كان ضابطاً لأمره. النهاية: يقال: أقل الشيء يُقله، واستقله يستقله، إذا رفعه وحمله، وفي الحديث: "حتى تقالت الشمس" أي: استقلت في السماء، وارتفعت وتعالت.

أولئك الموصوفين، غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا، وبالفلاح آجلا. واعلم أنّ هذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث، كقولك: قد أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: ما للمتقين الذين هذه المذكورات حدهم، أو ما للكاملين بهذه الصفات؟ وقد راعى فيه معنى لا يلزم منه الموجب، بخلافه في الأول فليتدبر. ولإفادة اللام الاختصاص: أعني في "المتقين"، قال في هذا الوجه: "أن يفوزوا دون الناس"، وفي الأول: "بمن ليسوا على صفتهم" وقال أولاً: "استوجبوا" بناءً على مذهبه، وثانياً: "غير مستبعدٍ أن يفوزوا" لأن الأول مبني على العلية، ثم الأنسب أن يجرى "المتقين" في الوجه الأول على الحقيقة، وهم الثابتون على التقوى، ليستقيم قوله: "استوجبوا بها من الله أن يلطف بهم"، وفي الثاني على المجاز، كما قال: (هُدىً) للصائرين إلى الهدى بعد الضلال، فيستقيم قوله: "غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً". قوله: (هذا النوع) الإشارة بـ"هذا" إلى المذكور قبلُ، فإنه لا يخرج عن هذين القسمين، ويُفهم منه أن من الاستئناف أنواعاً تأتي على غير هذا النوع، ومن قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: 15] بعد قوله: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) [البقرة: 14]، وغير ذلك. قوله: (زيدٌ حقيقٌ بالإحسان) جوابٌ عن قول من قال- إذا قُلت: أحسنت إلى زيدٍ: ما له أُحسن إليه؟ أي: هو حقيقٌ بالإحسان لما فيه من الخصال المرضية والخلال الحميدة كما في الوجه الثاني في تفسير الآية؛ لأن الوصف حينئذٍ حده، أو مدحه لقوله: "ما للمستقلين بهذه الصفات"، وقولك: صديقك القديم، جوابٌ عن قوله- حين قلت له: أحسنت إلى زيد: ما له أحُسِنُ إليه ولم يستوجب مني الإحسان؟ أي: استوجب منك الإحسان لكونه

وتارةً بإعادة صفته، كقولك: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك فيكون الاستئناف بإعادة الصفة أحسن وأبلغ، لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه. فإن قلت: هل يجوز أن يجرى الموصول الأوّل على المتقين، وأن يرتفع الثاني على الابتداء و (أولئك) خبره؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صديقاً لك، كما في الوجه الأول، لأن الصفة حينئذٍ لغير الكشف والمدح، لقوله: "ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم"؛ فعلى الأول استحق الإحسان لما هو فيه، وعلى الثاني لما له عليك، وهذا أبين في تلخيص الموجب، لتخصيصه، أي: بما يستحق عليك الإحسان، ولكن ذاك أدخل في التمدح كأن ذاته لكونها مستجمعةً للخلال المرضية مستحقةٌ للإحسان. على أن (أُولَئِكَ) في الآية ليس كالمثال، فإن إيراد اسم الإشارة هنا، كإعادة الموصوف مع صفاته المذكورة، وذلك أن "المتقين" لما حكم عليهم بكون الكتاب هُدى لهم، ثم أجرى عليهم تلك الصفات شيئاً فشيئاً، كما ذكر في "الفاتحة" مُيزوا غاية التمييز، فاستحقوا لذلك التمييز التام أن يفوزوا بالهدى عاجلاً، وبالفلاح آجلاً. ويؤيد هذا التأويل قول القاضي: إذا كان (أُولَئِكَ) استئنافاً، كان نتيجة الأحكام والصفات المتقدمة. تم كلامه. فَوِزان قوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: 2] إلى قوله: (يُنْفِقُونَ) وزانُ قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة: 2] إلى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: 4]، ووزان قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5] وزان قوله: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: 5]، وها هنا سرٌ دقيقٌ وهو: أنه تعالى حكى في مفتتح كتابه الكريم مدح العبد لبارئه بسبب إحسانه إليه، وترقى فيه ثم مدح الباري هاهنا عبده بسبب هدايته له، وترقى فيه على أسلوبٍ واحد.

قلت: نعم، على أن يجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نعم على أن يُجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً) يعني: إنما يجوزُ ذلك إذا جُعل الغرض في بناء (أُوْلَئِكَ) على "الذين"، ودلالة الاختصاص الذي يُعطيه معنى التركيب، التعريض بأهل الكتاب؛ ليكون قطع الكلام من الأول، وجعله جملةً بحيالها، والعدول من تلك المواقع المستحسنة لغرضٍ صحيح. فإن قلت: هل يجوز أن يكون (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى) على الوجهين السابقين تعريضاً؟ قلت: ليس بواضح، لأن الغرض في الاستئناف الأول بيان موجب أن الكتاب هدىً لهم، أي: إنما كان الكتاب هدى لهم، لأنهم على هدىً لا يكتنه كنهه. وفي الاستئناف الثاني بيان جزاء أولئك الموصوفين بتلك الصفات الفائقة، فوجب أن يقال: لهم الهدى عاجلاً، والفلاح آجلاً. نعم لو أريد التعريض على سبيل الإدماج لجاز، بخلافه في تلك الصورة؛ لأن الغرض الأول هو التعريض. قال: "إذا كان الكلام منصباً إلى غرضٍ من الأغراض، جُعل سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوضٌ مطرح". وذهب صاحب "المفتاح": إلى أن الجملة على هذا من مستتبعات (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، وقدره: "هو هدى"، وقال (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) تقريرٌ وتوكيدٌ لقوله: (لَا رَيْبَ فِيهِ). فعُلم منه أنه على الوجوه السابقة كان مستتبعاً للمتقين، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يراد بالمتقين: الضالون الصائرون إلى الهدى كما في الوجه الثاني من الكتاب، فعطف هذه الجملة على السابقة على سبيل الحصول والوجود وتفويض الترتب إلى الذهن. يعني: إذا كان الكتاب هدى للضالين الصائرين إلى الهدى، فلأن يكون هدىً للذين شرعوا وصدقوا ما يجب تصديقه أحرى وأولى.

الذين لم يؤمنوا بنبوّة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند اللَّه. وفي اسم الإشارة الذي هو (أولئك) إيذان بأنّ ما يرد عقيبه فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عدّدت لهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثانيهما: أن يُراد بهم الثابتون على التقوى كما في الوجه الأول، فالعطف حينئذٍ من حيث الجملة لا بالنظر إلى أنها مؤكدةٌ للسابق إذ لا تحسن هذه أن تكون مؤكدةً مثلها، بل تكون مستطردةً ولا يمنع العاطف من الاستطراد كما في قوله: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف: 26] وتقريره: أنه لما قيل: إن الكتاب هدىً للمتقين الموصوفين بتلك الصفات النابهة، استتبع هذا الحديث حديث أهل الكتاب الذين جمعوا بين الإيمان بهذا الكتاب الكريم وبجميع ما نزل من الكتب السماوية، فأورد في الذكر على طريق التخصيص تعريضاً بمن لم يؤمن منهم. قوله: (فالمذكورون قبله أهلٌ لاكتسابه) معنى كونهم على هدىً وحصول الفلاح لهم أمارةٌ لاستئهالهم للهدى والفلاح، لأجل اتصافهم بتلك الصفات، وهذا إنما يقع موقعه إذا اعتبر الاستئناف من قوله: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى) [البقرة: 5] كما سبق تقريره آنفاً لا من قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 3] لأنه يلزم من إجراء الأوصاف على المتقين استئهالهم الهدى والفلاح، ويلزم من الاستئناف كون الكتاب هدىً، اللهم إلا أن يُجعل الموجب مركباً. ولعل المقصود من ركوب الاستئناف الأول تقرير المذهب؛ يعني: إنما كان الكتاب هدىً للمتقين، لكونهم على هدىً وأي هدىً! فاستوجبوا لذلك أن يهتدوا بالكتاب، لأنهم أوجبوا على الله الهداية بعملهم كما قال: "بخصائصهم التي استوجبوا من الله أن يلطف بهم". وقوله: (فالمذكورون قبله) واردٌ على مذهب الأخفش، وهو: أنّ "إنَّ" و"أنَّ" لا يمنعان دخول الفاء في خبر المبتدأ، فهو كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) [البروج: 10] ولكن معناه معنى قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل: 53] ألا ترى أنك لو جعلت مضمون قوله: (فَمِنَ اللَّهِ) هو المشروط، لكان المعنى:

كما قال حاتم: وللَّه صعلوك ثم عدّد له خصالا فاصلة، ثم عقب تعديدها بقوله: فَذلِكَ إنْ يَهْلِكْ فَحسْبى ثَنَاؤُهُ ... وَإنْ عاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفاً مُذَمَّمَا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن استقرارها بهم سببٌ لحصولها من الله، وهو من التعكيس، وإذا جعلت الإخبار بنفس الجزاء هو المشروط كما تقول: والذي استقر بكم من نعمةٍ فإني أُخبركم أنه من الله، استقام. كذا هاهنا ورود ما ورد عقيب أولئك سبب الإخبار أن المذكورين أهلٌ لاكتسابه. قوله: (ثم عدد له خصالاً فاضلةً) إشارةً إلى سائر الأبيات، وهي: ولله صعلوكٌ يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما فتى طلباتٍ لا يرى الخمص ترحةً ... ولا شبعةً إن نالها عد مغنما إذا ما رأى يوماً مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما ترى رُمحه أو نبله أو مجنه ... وذا شُطبٍ عضب الضريبة مخذما وأحناء سرج قاترٍ، ولجامه ... عتاد فتى هيجا وطرفاً مسوما فذلك إن يهلك فحسني ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما "ولله صعلوكٌ" كقولك: ولله القائل، ولله أنت، أي: لله القدرة على خلق قائل هذا الكلام، وهذا يُقال عند صدور كلامٍ غريب وفعلٍ عجيب. والتقدير: أنت صنيعه ومختاره، فله القدرة على خلق مثلك. الصعلوك: الفقير، وصعاليك العرب: ذؤبانها أي: الذين يتلصصون. المساورة: المواثبة، والخمص: الجوع، والترح: الشدة. شطبة السيف: طريقته التي في متنه، خذمه: قطعه بسرعة، وسيفٌ مخذم وخذم: قطاع.

ومعنى الاستعلاء في قوله: (عَلى هُدىً) مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به. شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه. ونحوه: هو على الحق وعلى الباطل. وقد صرّحوا بذلك في قولهم: جعل الغواية مركباً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أعرضت، أي: ظهرت واستبانت. قاتر: واقٍ لا يعقر ظهر الفرس، وحسنى: مصدر بمعنى حسنٍ، مثل بُشرى بمعنى بشارة، وقيل: هو اسمٌ من الإحسان. يقول: لله در فقيرٍ يواثب همته ويمضي مقدماً على الدهر، والحال أنه فتى طلباتٍ يتجدد طلبه كل ساعة، والدهر يسعف بمطلوبه بجده ورشده، ولا يرى الجوع شدةً، ولا الشبع غنيمةً، لعلو همته، فمثله إن يهلك فحسنٌ ثناؤه، وإن يعِشْ يعِشْ ممدوحاً معززاً. قوله: (مثلٌ لتمكنهم) أي: هو استعارةٌ تمثيليةٌ واقعةٌ على سبيل التبعية، يدل عليه قوله: "شُبهت حالهم": وتقريره أن يُقال: شبهت حالهم وهي تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه، وتمسكهم به، بحال من اعتلى الشيء وركبه، ثم استعير للحالة التي هي المشبه المتروك كلمة الاستعلاء المستعملة في المشبه به. ويدلك على أن الاستعارة التبعية تمثيليةٌ الاستقراء، وبه يشعر قول صاحب "المفتاح" في استعارة لعل: فتشبه حال المكلف وكيت وكيت بحال المرتجي المخير إلى آخره. وليكن هذا المعنى على ذكر منك لينبهك على أن أحد وجهي المجاز في (خَتَمَ اللهُ) [البقرة: 7] من الاستعارة والتمثيل على هذا. قوله: (وقد صرحوا بذلك) أي: بإرادتهم معنى الاستعلاء والركوب فيما يُشبه الآية، وقولهم: "هو على الحق وعلى الباطل" من قولهم: "جعل الغواية مركباً" أي: كالمركب، فهو من التشبيه. وقالوا: "امتطى الجهل" أي: اتخذ الجهل مطيةً، وهو أيضاً تشبيه، وأما قوله: "واقتعد

وامتطى الجهل، واقتعد غارب الهوى. ومعنى (هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) أى منحوه من عنده وأوتوه من قبله، وهو اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير، والترقي إلى الأفضل فالأفضل. ونكر (هدى)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غارب الهوى" فهو استعارةٌ: إما تحقيقيةٌ أو تخييليةٌ. و"اقتعد" ترشيحٌ لها نحو قوله: وعُري أفراس الصبا ورواحله قوله: (ومعنى (هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ)) مبتدأ، و"منحوه من عنده" خبره، فأقحم "أي"التفسيرية، لمزيد البيان، أو معنى هدىً من ربهم هذا القول، فحذف القول وجيء بتفسيره كما سيجيء في قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) [البقرة: 11]. قوله: (أي: منحوه من عنده وأوتوه من قبله) يعني: أن "من" هاهنا لابتداء الغاية فلا يصح إلا بتقدير "عند" نحو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) [الأعراف: 206]، وهو أيضاً لا يصح إلا بالكناية، فيرجع حاصله: أوتوه من قِبَله، أي: بتوفيقه ولطفه، واللطف ما يختار عنده المكلف الطعة على مذهبه، وسيجيء تحقيقه بعد هذا. قوله: (والترقي إلى الأفضل فالأفضل) والفاء مثلها في قوله صلوات الله عليه: "الأمثل فالأمثل"، فهي للتعقيب على سبيل الاستمرار إلى ما لا نهاية له. المعنى: إذا ساعدتهم ألطاف الله، وتداركهم توفيقه، اقتدروا على عملٍ من الأعمال الحسنة، وهذا العمل يستنزل لهم لُطفاً جديداً أفضل منه، فيستجدوا به عملاً أعلى من ذلك،

ليفيد ضربا مبهماً لا يبلغ كنهه، ولا يقادر قدره كأنه قيل: على أى هدى، كما تقول: لو أبصرت فلانا لأبصرت رجلا. وقال الهذلي: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعلى هذا، فاللطف يدعو إلى العمل، والعمل إلى استجلاب اللطف، فلا يزال اللطف والعمل يتناوبان حتى يتمكنوا على الأعمال، فتصير فيهم صفةً راسخة. وإليه ينظر ما روي: "من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يعلم". وروي عن الجنيد: "الحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة، والذنب بعد الذنب عقوبة الذنب". قوله: (لا يبلغ كنهه)، الأساس: سله عن كنه الأمر: عن حقيقته وكيفيته، واكتنه الأمر: بلغ كنهه وغايته. قوله: (لا يقادر قدره)، الأساس: قدرت الشيء أقدره، وهذا شيءٌ لا يقادر قدره، وقدرت أن فلاناً يفعل كذا، وفلانٌ يقادرني: يطلب مساواتي، وتقادر الرجلان: طلب كل واحدٍ مساواة الآخر.

فَلَا وَأَبِي الطّيْرِ المُرِبَّةِ بالضُّحَى ... عَلى خالِدٍ لَقدْ وَقَعْتِ على لَحَم والنون في: (مِنْ رَبِّهِمْ) أدغمت بغنة وبغير غنة. فالكسائى، وحمزة، ويزيد، وورش في رواية والهاشمي عن ابن كثير لم يغنوها. وقد أغنها الباقون إلا أبا عمرو. فقد روى عنه فيها روايتان. وفي تكرير (أُولئِكَ) تنبيه على ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلا وأبي الطير المربة) البيت: نقل عن المصنف أنه كان يقول: ما أفصحك يا بيت المربة! أي: الملازمة، من أرب بالمكان: إذا أقام به، وقد كان خالدٌ هذا رفيع الشأن، على القدر، فاستعظم لحمه حيث نكره، وبسبب تعظيمه اللحم استعظم الطير الواقعة عليه، حيث أقسم بأبيها؛ والإقسام بالشيء دليلٌ على تعظيمه، وكذلك الكُنى تدل على التعظيم. ثم إن جعلت "لا" زائدةً، كان جواب القسم: "لقد وقعت"، وفيه إشعارٌ من حيث الالتفات بالتعظيم، ومن حيث إن سبب الإقسام بها كونها واقعةً على ذلك اللحم فيه تعظيم الشيء بنفسه، فيعود إلى معنى قول الطائي: وثناياك إنها إريض. وقوله تعالى: (حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا) [الزخرف: 1 - 3]، وإن لم تُجعل "لا" زائدةً بل رداً لكلامٍ سابقٍ، أي: ليس الأمر كما زعمت وحق أبي الطير، يكون جواب القسم ما دلت عليه "لا"، ثم ابتدأ بإنشاء قسم آخر، أي: والله لقد وقعت على لحمٍ، كقوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [القيامة: 1] فيكون صفةً للطير على تأويل: الطير المقول في حقه ذلك.

أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى، فهي ثابتة لهم بالفلاح فجعلت كلّ واحدة من الأثرتين في تمييزهم بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حيالها. فإن قلت: لم جاء مع العاطف؟ وما الفرق بينه وبين قوله: (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) [الأعراف: 179] قلت: قد اختلف الخبران هاهنا فلذلك دخل العاطف، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما ثبتت لهم) لا يجوز أن تُحمل "الكاف" على التشبيه؛ لأن "الفاء" التي في قوله: "فهي" مانعةٌ من جعل ما بعدها مشبهاً به، بل "الكاف" للقِران في الوقوع كما في قولك: كما حضر زيدٌ قام عمروٌ، والمعنى: كما حصلت الأثرة بالهدى ما توقف حصول الفلاح عقيبه؛ جعل الفلاح المتوقع في الآجل حاصلاً مع حصول الهدى في العاجل، مبالغةً، وما اكتفى بذلك، بل غير العبارة، وأبرز الجملة الثانية وهي قوله: "فهي ثابتةٌ" في معرض الاسمية وبناها على تقوي الحكم ليشير به إلى مبالغةٍ أخرى في الآية سوى التكرار، وهي تعريف ما يعطيه الخبر، وتوسيط الضمير في الجملة الثانية بخلاف الأولى. قوله: (الأثرة بالهدى) الأثرة: التقدم والاختصاص؛ من الإيثار، الأساس: ولهم مآثر، أي: مساع يأثرونها عن آبائهم، وهو أثيري، أي: الذي أوثره وأقدمه، وله عندي أثرةٌ، وهو ذو أثرةٍ عند الأمير. قوله: (على حيالها)، الجوهري: قعد حياله وبحياله، أي: بإزائه. وأصله الواو. المغرب: وأعطى كل واحدٍ على حياله، أي: بانفراده. قوله: (قد اختلف الخبران) أي: الجملتان الواقعتان خبرين عن (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) فإن معنى (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى): أنهم متمكنون الآن على الهداية، ومعنى (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أنهم في الآخرة يفوزون بمباغيهم ومآربهم، فبينهما اختلافٌ من وجهٍ، واتفاقٌ من وجه، فتوسطت

بخلاف الخبرين ثمة فإنهما متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيهم بالبهائم شيء واحد، فكانت الجملة الثانية مقرّرة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل (وهُمُ): فصلٌ، وفائدته: الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة، والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره. أو هو مبتدأ و (المفلحون) خبره، والجملة خبر أولئك. ومعنى التعريف في (الْمُفْلِحُونَ): الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين عنهم بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنسانا قد تاب من أهل بلدك، فاستخبرت من هو؟ فقيل زيد التائب، أى هو الذي أخبرت بتوبته. أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع، فدخل العاطف، بخلافه في قوله تعالى: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ) [الأعراف: 179] الآية، هذا إذا قدروا الاستئناف من قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)، وأما إذا قُدر من "أولئك" فالمراد بالخبرين الإخبار. والأظهر أن المراد بالخبرين قوله: (عَلَى هُدًى) وقوله: (هُمُ الْمُفْلِحُونَ)؛ فاختلافهما يؤدي إلى اختلاف الجملتين، وإن اتحد المبتدأ فيهما، وكذلك اتفاقهما في تلك الآية يوجب اتفاق الجملتين. قوله: (أو هو مبتدأٌ و (الْمُفْلِحُونَ) خبره) فعلى هذا تكون الجملة من باب تقوّي الحكم، أو من التخصيص على نحو: هو عارف. قوله: (ومعنى التعريف) مبتدأٌ و"الدلالة" الخبر. وفي قوله: "هم الناس الذين بلغك" إشارةٌ إلى أن التعريف للعهد. وفي قوله: (أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين) دلالةٌ على أن التعريف في هذا الوجه للجنس، فإذا جُعل للعهد كان قصراً للمسند على المسند إليه، فالفلاح لا يتعدى إلى

وتحققوا ما هم، وتصوّروا بصورتهم الحقيقية، فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة. كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام؟ إن زيداً هو هو. فانظر كيف كرّر اللَّه عزّ وجلّ التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى، وهي: ذكر اسم الإشارة، وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا، وينشطك لتقديم ما قدّموا، ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غيرهم، وإذا جُعل للجنس، أفاد أن المسند إليه مقصورٌ على المسند، فلا يعدون من الفلاح إلى صفةٍ أخرى، فيلزم على الأول اختصاصهم بالفلاح دون غيرهم. ولما كان الكلام وارداً على التعريض بأهل الكتاب يعود عدم الفلاح إليهم. قوله: (وتحققوا ما هم) أي: أيّ شيءٍ هم؟ وهذه الجملة مفعولٌ ثانٍ لتحققوا وهو متضمنٌ لمعنى العلم، كأنه قيل: وعلموا أي شيءٍ هم، وهذا لا يسمى تعليقاً، وإنما التعليق أن يقع بعده ما يسد مسد المفعولين جميعاً كقولك: علمت أيهما عمروٌ، وعلمتُ أزيدٌ منطلقٌ أم عمرو، وإذا قلت: علمت أزيدٌ منطلقٌ أم هو كاتبٌ، كانت هذه الجملة واقعةً موقع ثاني مفعولي علمت. قوله: (وتصوروا بصورتهم) أي: لو قُدر أن معنى المفلحين تصور بصورته الحقيقية، فالمتقون لا يعدون تلك الحقيقة، وهذا معنى قولنا: إن المسند إليه مقصورٌ على المسند، ويقرب منه قول الطائي: ولو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع قوله: (ويثبطك عن الطمع الفارغ، والرجاء الكاذب) وهذا تلويحٌ إلى الوعيد.

والتمني على اللَّه ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته. اللهمّ زينا بلباس التقوى، واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: (والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته) معناه: توقع الثواب من غير عملٍ باطلٌ، لامتناع الثواب بدون العمل على مذهبه، وتلخيص كلامه: أن المتقي من صدر منه تلك الخصال المذكورة، فمن أخل بشيءٍ منها لم يكن متقياً، ومن لم يكن متقياً لم يكن مفلحاً، بدليل تكرير ما كُرر، ومن لم يكن مفلحاً، لا خلاص له من العذاب السرمد. وأجاب القاضي: المراد بالمفلحين: الكاملون في الفلاح، ويلزم عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم، لا عدم الفلاح رأساً. وقلت: يمكن أن يقال: إن قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 3] صفةٌ مادحةٌ، أو مخصصةٌ على ما قررناه، لا كاشفةٌ ولا مخصصة على ما ذكره من التفسير للمتقي لما أبطلناه، وأن المراد بالمتقين المجتنبون عن الشرك، فيدخل العاصي في هذا الحكم، وهذا التأويل أوفق لتأليف النظم مما ذهب إليه المصنف لدخول أكثر المسلمين في الحكم، فتتطابق هذه الآية وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ) [البقرة: 6] وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ) [البقرة: 8] ويحسن تقسيمه. افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا دينهم، وواطأت قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، إذ لو حُمل على ما قال، لم يدخل فيه سوى الأفراد منهم كقوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: 13]. فإن قلت: كيف جاز أن يكون العاصي مفلحاً؟

والمفلح: الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه. والمفلج - بالجيم - مثله. ومنه قولهم المطلقة: استفلحى بأمرك بالحاء والجيم. والتركيب دال على معنى الشق والفتح، وكذلك أخواته في الفاء والعين، نحو: فلق، وفلذ، وفلى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: كما جاز أن يكون مصطفىً في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) [فاطر: 32]، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو جُعل القرآن في إهابٍ ثم أُلقي في النار ما احترق"، أخرجه الدارمي عن عقبة بن عامر. هذا مثلٌ لبركة مجاورته، فكيف بالمؤمن الذي تولى حفظه وتفسيره وإن كان عاصياً. وروينا عن البخاري ومسلمٍ والترمذي، عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاني جبريل، فبشرني أنه من مات من أمتك لا يُشرك بالله شيئاً، دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق! ". وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن عبدٍ قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق! ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر". قوله: (استفلحي) أي: فُوزي بأمرك واستبدي؛ وهو من كنايات الطلاق.

[(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)]. لما قدّم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم التي أهلتهم لإصابة الزلفى عنده، وبين أن الكتاب هدى ولطف لهم خاصة، قفى على أثره بذكر أضدادهم وهم العتاة المردة من الكفار الذين لا ينفع فيهم الهدى، ولا يجدى عليهم اللطف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روى في "الفائق" عن ابن مسعود: إذ قال الرجل لامرأته: استفلحي بأمرك والحقي بأهلك، فقبلت، فواحدةٌ بائنة. أي: استبدي به، واقتطعيه إليك من غير أن تنازعيه. وقال أيضً: كل ما فيه فاءٌ ولامٌ ففيه معنى الشق، فلق الصبح، أي: شق، وفلذ، أي: قطع، وفلى، هو من فلوته عن أمه، إذا فطمته، وفلوته بالسيف وفليته إذا ضربته به. قال الراغب: الفلح: الشق، وقيل: الحديدُ بالحديد يفلح، أي: يشق، والفلاح: الأكار، وكذلك الفلاح: الظفر وإدراك البغية، وذلك ضربان: دنيوي وأخروي، فالدنيوي: الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا، وهو البقاء والغنى والعز، وفلاحٌ أخروي وذلك أربعة اشياء: بقاءٌ بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعزٌّ بلا ذل، وعلمٌ بلا جهل، ولذلك ورد: "لا عيش إلا عيشُ الآخرة"، وقال تعالى: (وإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) [العنكبوت: 64]، وقال: (أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: 22].

وسواء عليهم وجود الكتاب وعدمه، وإنذار الرسول وسكوته. فإن قلت: لم قطعت قصة الكفار عن قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله: (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) وغيره من الآي الكثيرة؟ قلت: ليس وزان هاتين القصتين وزان ما ذكرت: لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى للمتقين، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حدّ لا مجال فيه للعاطف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تباينٌ في الغرض والأسلوب)، أما الغرض فلأن الأولى مسوقةٌ لوصف الكتاب بكونه هادياً كاملاً في بابه، بالغاً في إيصال المهديين إلى منتهى مباغيهم، والثانية واردةٌ لذم الكفار، وأن إنذارهم بالكتاب لا ينفع فيه، وأما الأسلوب، فلأن الثانية مصدرةٌ بحرف التوكيد التي يُتلقى بها الطالب أو المنكر عريةً عن الفنون البيانية والصنعة البديعية المستدعية، لذلك توخى العطف كقوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: 13 - 14]، وإن فيها صنعة التقابل والترصيع، فإن العطف بين الجملتين جائزٌ بشرط رعاية التناسب، وبين المفردين بشرط اتحاد التصورات. قوله: (لا مجال للعاطف فيه) قيل: فيه نظر، لأن قوله: "سواءٌ وجود الكتاب وعدمه" مشعرٌ بأنها مسوقةٌ لوصف الكتاب. قلت: المطلوب من الوصف هنا تعظيم الكتاب وتفخيم شأنه، فإن الموصوف إنما يكتسب المدح إذا كانت الصفة صالحة للتمدح بها. ولا شك أن كون الكتاب غير منتفعٍ به للمصرين على الكفر لا يصلح للمدح، لأن القصد من سوق الآيات مدح الكتاب. وأما قوله: "سواءٌ وجود الكتاب وعدمه" بيانٌ لنظم الآي، وأن ذكر الكفار على سبيل

فإن قلت: هذا إذا زعمت أن الذين يؤمنون جار على المتقين، فأمّا إذا ابتدأته وبنيت الكلام لصفة المؤمنين، ثم عقبته بكلام آخر في صفة أضدادهم، كان مثل تلك الآي المتلوّة. قلت: قد مرّ لي أن الكلام المبتدأ عقيب المتقين سبيله الاستئناف، وأنه مبنىّ على تقدير سؤال، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الاستطراد لذكر المؤمنين، وكون الكتاب هادياً لهم كما قال صاحب المفتاح: هذا كما يكون في حديث ويقع في خاطرك بغتةً حديثٌ آخر بينهما جامعٌ، لكن غير ملتفتٍ إليه لبُعد مقامك عنه، ويدعوك إلى ذكره داعٍ، فتورده مفصولاً. قوله: (كان مثل تلك الآي) يعني قوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: 13 - 14] ونحوها لانقطاعها عما قبلها، وابتداء جملةٍ أخرى متآخيةٍ لما بعدها بالتقابل، فإذن لا يمتنع إدخال العاطف بينهما. وخلاصة الجواب: أن (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية [البقرة: 6] ليست على منوال (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 3] لا صفةً ولا استئنافاً كما سبق. نعم، هي واردةٌ على الاستئناف استطراداً لا مدحاً، لأن "إنّ" مستدعيةٌ للطلب أو الإنكار، لكونها لتأكيد النسبة كأنه لما قيل: إن الكتاب هادٍ للمتقين، وموصلٌ لهم إلى مباغيهم، تردد السامع في هذا الاختصاص قائلاً: لم اختص المتقون بتلك الهداية؟ وما بال الكفرة محرومين عنه؟ فقيل: لأن الذين كفروا مُصرون على كفرهم، وأن الله ختم على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. والحاصل: أن هذه الآية تابعةٌ للتابع وهو "الذين يؤمنون" لا صفةٌ للكتاب، لأنها لا يصلح للتمدح بها مثلها، فتدبر.

فذلك إدراج له في حكم المتقين، وتابع له في المعنى وإن كان مبتدأ في اللفظ فهو في الحقيقة كالجارى عليه. والتعريف في الَّذِينَ كَفَرُوا يجوز أن يكون للعهد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إدراج) يعني: هو تعليل للحكم، كأنه قيل: الكتاب هدىً للمتقين؛ لاختيارهم تلك الفضائل النابهة، وكذا حكمه إذا جعل وصفاً له، لما عرفت أن ترتب الحكم على الوصف المناسب يُشعر بالعلية، فتدبر. قوله: (والتعريف في (الَّذِينَ كَفَرُوا)) يعني المراد بالذين كفروا قومٌ بأعيانهم فيطابقه قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ) [البقرة: 6] فإذن لا إشكال فيه، ويجوز أن يكون التعريف للجنسن فيكون اللفظ بظاهره متناولاً لكل من صمم ولمن لم يصمم، كالمشترك، ويكون قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ) قرينةً مبينةً لأحد مفهوميه. قال القاضي: وتعريفُ الموصول للجنس متناولٌ لمن صمم على الكفر وغيرهم، فخص منهم غير المصرين بما أسند إليهم. وقلت: حملُ قول المصنف على المطلق والمقيد أظهر عنده من الحمل على الخاص والعام، يدل عليه قوله في تفسير قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) [البقرة: 228]: أراد ذوات الأقراء. فإن قلت: كيف جاز إرادتهن خاصةً واللفظ يقتضي العموم؟ قلت: بل هو مطلقٌ في تناول الجنس صالحٌ لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك، وذلك أن دليل الخصوص عند الحنفية جملةٌ مستقلةٌ بنفسها، نص عليه

وأن يراد بهم ناس بأعيانهم كأبى لهب وأبى جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وأن يكون للجنس متناولا كلّ من صمم على كفره تصميما لا يرعوى بعده وغيرهم، ودل على تناوله للمصرين الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم، و (سَواءٌ) اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البزدوي بقوله: "دليل الخصوص يشبه الناسخ بصيغته؛ لأنه نص قائمٌ بنفسه"، فعلى هذا: "إن الذين كفروا" لفظٌ مطلقٌ يتناول كل من صمم على الكفر ومن لم يصمم؛ فدل على تناوله- أي: إرادته- المصرين هاهنا حديث استواء الإنذار وتركه، ودل على تناوله المنافقين انضمام قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 8] معها. قوله: (وأن يراد [بهم] ناسٌ بأعيانهم) عطفٌ تفسيري. قوله: (من صمم)، الجوهري: صمم في السير، أي: مضى، وصمم، أي: عض ونيب فلم يرسل ما عض. قوله: (لا يرعوي)، النهاية: في الحديث "شر الناس رجلٌ يقرأ كتاب الله ولا يرعوي إلى شيءٍ منه" أي: لا يكف ولا ينزجر عن منهياته، وقد ارعوى عن القبيح يرعوي ارعواءً، وقيل: الارعواء: الندم على الشيء والانصراف عنه وتركه. قوله: (كما يُوصف بالمصادر) روي عن المصنف: الوصف بالمصدر نحو رجل صومٌ وعدلٌ على وجهين: أن يقدر مضافاً محذوفاً، أي: ذو صومٍ، وذو عدلٍ، وأن يُجعل أنه تجسيمٌ من الصوم والعدل مبالغةً. والمبالغة ها هنا أن الإنذار وعدم الإنذار نفس السواء.

ومنه قوله تعالى: (تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) [آل عمران: 64]، (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ) [فصلت: 10] بمعنى مستوية وارتفاعه على أنه خبر لإنّ، و (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) في موضع المرتفع به على الفاعلية كأنه قيل: إنّ الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه. كما تقول: إنّ زيدا مختصم أخوه وابن عمه. أو يكون (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) في موضع الابتداء، (وَسَوَاءٌ) خبراً مقدّما بمعنى: سواء عليهم إنذارك وعدمه، والجملة خبر لإنّ. فإن قلت: الفعل أبداً خبر لا مخبر عنه فكيف صحّ الإخبار عنه في هذا الكلام؟ قلت: هو من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، وقد وجدنا العرب يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلا بيناً، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً) [فصلت: 10]) بالجر شاذٌ، وبالنصب مشهور. قوله: (من جنس الكلام المهجور) قال القاضي: والفعل إنما يمتنع الإخبار عنه إذا أريد به تمام ما وضع له، أما إذا أطلق، وأريد به اللفظ، أو مطلق الحديث المدلول عليه ضمناً على الاتساع، فهو كالاسم في الإضافة والإسناد إليه كقوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا) [البقرة: 13] وقوله: (يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ) [المائدة: 119] وقولهم: ((تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه)). وإنما عدل هنا عن المصدر إلى الفعل لما فيه من إيهام التجدد. قوله: (يميلون ... مع المعاني)، الأساس: مال معه ومايله ومال إليه: أحبه. والمعنى يميلون مصاحبين المعاني، أو يدورون معها ولا يبالون بالألفاظ كما في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، عطفوا الاسم على الفعل على تأويل: لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن.

من ذلك قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل. والهمزة وأم مجرّدتان لمعنى الاستواء، وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا التقدير على غير المتعارف، فإنه قال في قوله تعالى: (وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ) [البقرة: 42]: إن ((الواو)) بمعنى الجمع، أي: لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق كمسألة السمكة، لكن المعنى يعود إليه، لأن المنهي في الظاهر في قوله: ((لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن)) هو الأكل والشرب على منوال (فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) [الأعراف: 2]، ولا أرينك ها هنا، وإنما المنهي المخاطب بأن يجانب الأكل والشرب على أبلغ وجه، وقد علم جواز الانفراد، فتوجه النهي إلى الجمع لما يورث الداء المحذر منه. وأما بيان الجمع، فهو ما قال صاحب ((الضوء)): هذه ((الواو)) تسمى واو الجمع، وهي بمعنى ((مع))، لأن المراد: لا تأكل السمك مع شربك اللبن، وله أن يأكل كل واحدٍ منهما على حدة، وليس له أن يجمع بينهما في وقتٍ واحد، وإن أردت أن تكفه عن كل واحدٍ منهما، قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن بالجزم، والفعل بعدها مع ((أن)) المضمرة منصوب المحل على أنه مفعولٌ معه كما في قولهم: ما صنعت وإياك. ونحوه في ((الإقليد)). قوله: (((والهمزة)) و ((أم)) مجردتان) شروعٌ في التفسير على طريقٍ يؤكد معنى الجواب، لأن معنى ((الهمزة)) و ((أم)) أيضاً من جنس الكلام المهجور؛ يعني أن همزة الاستفهام تفيد شيئين: السؤال والاستواء، فإنك إذا قلت: أزيدٌ عندك أم عمرو؟ كان المعنى: أخبرني أيهما عندك؟ و ((أخبرني)) سؤالٌ، و ((أيهما عندك)) يؤذن بالاستواء، ألا ترى أن المجيب بأيهما أجاب كان مصيباً في الجواب. قال صاحب ((التقريب)): وفيه نظرٌ، لأنهما لو كانا للاستواء لما أخبر عنه بـ ((سواء))، فلعل

قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء قولك: اللهمّ اغفر لنا أيتها العصابة، يعنى أنّ هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء. ومعنى الاستواء: استواؤهما في علم المستفهم عنهما لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن، إمّا الإنذار وإمّا عدمه، ولكن لا بعينه، فكلاهما معلوم بعلم غير معين. وقرئ: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) بتحقيق الهمزتين، والتخفيف أعرب وأكثر، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المراد: أنهما كانا للاستفهام عن مستويين فجردا عن الاستفهام، بقي أنهما للمستويين، ولا تكرار لإدخال ((سواء)) عليه، لأن المعنى: أن المستويين في العلم مستويان في عدم النفع، وإنما جردا عن الاستفهام ليقع فاعلاً لسواء، لأن الاستفهام يمنع ذلك لصدارته، ولكونه لأحد الأمرين، والاستواء يقتضي متعدداً، فبالتجريد ارتفع المانعان. قوله: (قال سيبويه: جرى هذا) قال ابن الحاجب: اعلم أن في كلامهم حملاً لمعانٍ في الأصل، ثم نقلوها إلى معان أخر مع تجريدها عن أصل معناها، وهذا في أبوابٍ منها قولهم: سواءٌ علي أقمت أم قعدت، سؤالٌ عن تعيينٍ مع التسوية بينهما، ثم نقل إلى الخبر بمعنى التسوية من غير سؤال، ومنها: قولهم: يا أيها الرجل، أصله تخصيص المنادى بطلب إقباله عليك، ثم نقل إلى معنى الاختصاص مجرداً عن معنى طلب الإقبال في قولك: أما أنا فأفعل كذا يا أيها الرجل. قوله: (بعلمٍ غير معين) صح ((معين)) بكسر الياء في نسخة المصنف. لعل المراد أن المستفهم كما إذا استفهم بقوله: أزيدٌ عندك أم عمرو؟ يعلم أن أحدهما عنده، لكن لا يعينه ويطلب منه التعيين، كذلك المستفهم بقوله: أأنذرتهم أم لم تنذرهم يعلم أن أحد الأمرين كائنٌ، ولكن لا يعينه، فيجب التأويل، والقول بأن حرف الاستفهام منسلخٌ عن معنى الطلب إلى الاستواء.

وبتخفيف الثانية بين بين، وبتوسيط ألف بينهما محققتين، وبتوسيطها والثانية بين بين، وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله، كما قرئ (قَدْ أَفْلَحَ). فإن قلت: ما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً؟ قلت: هو لاحن خارج عن، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وبتخفيف الثانية) عطفٌ على قوله: ((بتحقيق الهمزتين)) وقوله: ((والتخفيف أعرب وأكثر)) اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه، إنما قدم للاهتمام، والقراءة بتحقيق الهمزتين لابن عامرٍ وعاصمٍ وحمزة والكسائي ((وبتخفيف الثانية بَيْنَ بَيْن)) لابن كثيرٍ ونافعٍ وأبي عمرو، وهشامٌ وورشٌ يبدلها ألفاً، والقياس أن تكون بين بين، وابن كثيرٍ لا يدخل بينهما ألفاً، وقالون وهشامٌ وأبو عمروٍ يدخلونها، وبحذف حرف الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله، وهو ((عليهم آنذرتهم))، القراءتان شاذتان. قال ابن جني: حذف الهمزة قراءة ابن محيصن وهو للتخفيف، كراهة اجتماع الهمزتين. والقرينة مجيء ((أم))، وقد حذف في غير موضع، منه بيت الكتاب: لعمري ما أدري وإن كنت دارياً ... بسبع رمين الجمر أم بثمان أي: أبسبع؟ قيل: فلعل في الآية حذف همزة الفعل؟ وأجيب: أنه قد ثبت جواز حذف همزة الاستفهام، وأما حذف همزة الفعل في الماضي، فبعيد. قوله: (ما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً) وهي روايةٌ ثانيةٌ لورش. قوله: (هو لاحنٌ خارجٌ). فإن قلت: هذا طعنٌ فيما هو من القراءات السبع الثابتة بالتواتر، وهو كفر.

كلام العرب خروجين: أحدهما الإقدام على جمع الساكنين على غير حدّه - وحدّه أن يكون الأوّل حرف لين والثاني حرفا مدغماً نحو قوله: (الضالين)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: ليس بكفرٍ، لأن التواتر ما نقل بين دفتي مصحف ((الإمام))، وهذا من قبيل الأداء، ونحوه المد وتخفيف الهمزة. قال الكواشي: وفي زعمه نظر، من قلب الهمزة ألفاً يشبع الألف إشباعاً زائداً على مقدار الألف الخارجة عادةً، ليكون الإشباع فاصلاً بين الساكنين، وهما: الألف المقلوبة والنون. وذكر ابن الحاجب في وجه من قرأ ((محياي)) بإسكان الياء وصلاً، هذا المعنى. وقيل: طريق التخفيف ليس بخطأ، وأنشد للفرزدق: فارعي فزارة لا هناك المرتع أي: هنأك. وقال: حسان: سالت هذيل رسول الله فاحشةً ... ضلت هذيل بما قالت ولم تصب وإذا ثبت مثله في كلام الفصحاء ونقل عمن ثبتت عصمته من الغلط، يجب القبول، وأما القراء فهم أعدل من النحاة، فوجب المصير إلى قولهم.

وخويصة. والثاني: إخطاء طريق التخفيف لأن طريق تخفيف الهمزة المتحرّكة المفتوح ما قبلها أن تخرج بين بين فأما القلب ألفاً فهو تخفيف الهمزة الساكنة المفتوح ما قبلها كهمزة رأس. والإنذار: التخويف من عقاب اللَّه بالزجر عن المعاصي. فإن قلت: ما موقع (لا يُؤْمِنُونَ)؟ قلت: إمّا أن يكون جملة مؤكدة للجملة قبلها، أو خبراً لإنّ والجملة قبلها اعتراض. [(خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)]. الختم والكتم أخوان لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وخويصة)، النهاية: في الحديث: ((بادروا بالأعمال ستاًّ: وخويصة أحدكم)) يريد حادثة الموت التي تخص كل إنسانٍ، وهي تصغير خاصة، وصغرت لاحتقارها في جنب ما بعدها من البعث والعرض والحساب وغير ذلك. والحديث من رواية الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بادروا بالأعمال ستاًّ: الدخان، والدجال، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة أحدكم)). قوله: (والإنذار: التخويف) قال القاضي: إنما اقتصر عليه، لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيراً في النفس من حيث إن دفع الضر أهم من جلب النفع، فإذا لم ينفع فيهم، كانت البشارة بعدم النفع أولى. قوله: (والجملة قبلها اعتراض) والفرق بين المعترضة والمؤكدة- على أن المعترضة أيضاً مؤكدة-: هو أن المعترضة أحسن موقعاً، وألطف مسلكاً، وفيه مع التوكيد الاهتمام بشأنها لتخللها بين الكلام، وقال القاضي: إذا كانت معترضةً كانت علةً للحكم. قوله: (الختم والكتم أخوان)، الراغب: الختم والطبع: الأثر الحاصل عن نقش، ويتجوز

كتماً له وتغطيةً؛ لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه. والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة. فإن قلت: ما معنى الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟ قلت: لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ به، يقال: ختمت كذا في الاستيثاق من الشيء والمنع منه، نظراً إلى ما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب، ويقال ذلك، ونعني به بلوغ آخر الشيء نظراً إلى أنه آخر فعلٍ يفعل به في إحراز الشيء، ومنه قيل: ختمت القرآن. وقد قيل: للإنسان ثلاثة أنواعٍ من الذنوب يقابلها في الدنيا ثلاث عقوباتٍ، الأول: الغفلة عن العبادات، وذلك يورث جسارةً على ارتكاب الذنوب، وهي المشار إليها بقوله: ((إن المؤمن إذا أذنب أورث في قلبه نكتةً سوداء، وإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تغلق قلبه)). والثاني: الجسارة على ارتكاب المحارم، إما لشهوةٍ تدعوه إليه، أو شرارةٍ تحسنه في عينه، فتورثه وقاحةً، وهي المعبر عنها بالرين في قوله تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14]. والثالث: الضلال، وهو أن يسبق إلى اعتقاد مذهبٍ باطل، وأعظمه الكفر، فلا يكون تلفتٌ منه بوجهٍ إلى الحق، وذلك يورثه هيئةً تمرنه على استحسانه المعاصي، واستقباحه للطاعات، وهو المعبر عنه بالختم والطبع في قوله تعالى: (وخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ) [الجاثية: 23] و (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [النحل: 108]، وبالأقفال في قوله تعالى: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: 24] إلى غير ذلك.

ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه وهما الاستعارة والتمثيل. أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه) لا يخلو لفظه عن اتساع ما، لأنه جعل التمثيل نوعاً من المجاز، وقسيماً للاستعارة. بيانه: أنه إن عنى بالتمثيل ما هو واقعٌ على سبيل التشبيه، بأن يكون وجهه منتزعاً من عدة أمورٍ غير حقيقيةٍ، فهو ليس بمجاز، وإن أراد به الاستعارة التمثيلية، فهو ليس قسيماً للاستعارة، بل هو قسمٌ منها. والأظهر أن يقال: المجاز نوعان: مرسلٌ، واستعارة. والاستعارة نوعان: تمثيليةٌ، وغير تمثيليةٌ، ككونها تخييليةً، أو تحقيقيةً، أو مكنية، والعذر أن الاستعارة التمثيلية غلب عليها اسم التمثيل، ولا يكاد يطلق عليها اسم الاستعارة كما استقرينا من كلامه، منه ما قال في قوله تعالى: (واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) [آل عمران: 103]: يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به، ووثوقه بحمايته بامتساك المتدلي من مكانٍ مرتفعٍ بحبلٍ وثيق، وأن يكون استعارة، وبقية الاستعارات يطلق عليها اسم الاستعارة مطلقاً، ونحوه قول أبي الطيب: فإن تفق الأنام، وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال وذلك أنهم إذا رأوا أن بعض أنواع الجنس له مزيةٌ على سائر أنواعه يخرجونه من ذلك الجنس ويجعلونه جنساً آخر، كذا ها هنا. قوله: (فإن تجعل قلوبهم) إلى آخره، شروع في بيان كيفية التشبيه الذي هو واقعٌ في طريق هذه الاستعارة، ليعلم منه كيفية استخراج الاستعارة؛ وذلك أن قوله: ((أن تجعل قلوبهم)) بسبب عدم نفوذ الحق فيها ((كأنها مستوثقٌ منها بالختم)) كقولك في الاستعارة المكنية في قول الهذلي.

ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه واستكبارهم عن قبوله واعتقاده، وأسماعهم لأنها تمجه وتنبو عن الإصغاء إليه وتعاف استماعه كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلى آيات اللَّه المعروضة ودلائله المنصوبة كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين كأنما غطى عليها وحجبت، وحيل بينها وبين الإدراك. وأمّا التمثيل فأن تمثل حيث لم يستنفعوا بها في الأغراض الدينية التي كلفوها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإذا المنية أنشبت أظفارها جعلت المنية بسبب اغتيالها الأرواح كأنها سبعٌ ذو أظفارٍ وأنياب، ثم ذكرت المنية، وأريدت المنية المشكلة على صورة السبع في التخييل، وجعلت القرينة ما يلازم السبع المشبه به، ونسبت إليها على سبيل الاستعارة التخييلية، لأن المكنية لا تنفك عن التخييلية، كذا ها هنا تجعل القلوب استعارةً مكنيةً عن قلوبٍ متخيلةٍ على صورة شيءٍ مستوثقٍ منه، ثم ينسب إليها لازم ذلك الشيء، وهو الختم بعد التخييل، قائلاً: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)، والذي يؤيد أن هذه الاستعارة مكنيةٌ تصريح التشبيه في القلوب بقوله: ((كأنها مستوثق منها))؛ لأن الاستعارة بالكناية هي التي يذكر فيها المشبه، ويراد به المشبه به. قوله: (ولا يخلص)، الجوهري: خلص إليه الشيء: وصل. قوله: (فأن تمثل) أي: تشبه حالة قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وهي عدم انتفاعها الأغراض الدينية بسبب منع قبول الحق، بحالة أشياء ضرب حجابٌ- أي: حدٌّ فاصلٌ- بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغشية، ثم استعير لجانب المشبه لفظ ((الختم)) جاعلاً القرينة نسبته إلى القلوب، فيكون من الاستعارة التمثيلية الواقعة على طريق التبعية كما مر في قوله: (أُوْلَئِكَ

وخلقوا من أجلها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغطية. وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعىّ ختما عليه فقال: خَتَمَ الالهُ عَلى لِسَانِ عُذَافِرٍ ... خَتْماً فلَيْسَ عَلى الكلامِ بقَادِرِ وإذا أَرَادَ النُّطْقَ خِلْتَ لِسَانَهُ ... لَحْماً يُحَرِّكُهُ لِصَقْرٍ نَاقِرِ فإن قلت: فلم أسند الختم إلى اللَّه تعالى، وإسناده إليه يدل على المنع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ) [البقرة: 5] ويؤيده قوله بعيد هذا: ((ويجوز أن تضرب الجملة كما هي مثلاً)). ودل على أن التشبيه مركبٌ قوله: ((بأشياء ضرب حجابٌ بينها وبين الاستنفاع بها)) لأنه مشبهٌ به، ولابد من تقدير مثله في جانب المشبه فيقال: ((فأن تمثل)) أي: تشبه قلوبهم؛ لأن الحق لا ينفذ فيها ليستنفعوا بها في الأغراض الدينية، فظهر أن الاستعارة في ((ختم)) على الأول تخييلية، وفي القلوب مكنية، وعلى الثاني تبعيةٌ واقعةٌ على طريق الاستعارة التمثيلية، فصح قوله: ((لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة)) وإنما قلنا: تبعية، لأن ((ختم)) فعلٌ، والاستعارة واقعةٌ في مصدره، والمراد ما في القلوب من المنع من قبول الحق. قوله: (ختم الإله) البيت، عذافرٌ بالعين المهملة وضمها والذال المعجمة: اسم رجلٍ، ويقال: جملٌ عذافرٌ، أي: قويٌ شديد. قوله: (فلم أسند الختم إلى الله) إلى آخره، هذا السؤال والجواب مبنيٌّ على مذهبه. والسؤال الأول والجواب مشتركٌ بينهم وبين أهل السنة. قال القاضي: المراد بالختم والتغشية أن يحدث في نفوسهم هيئةً تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي واستقباح الإيمان والطاعات.

من قبول الحق والتوصل إليه بطرقه وهو قبيح واللَّه تعالى عن فعل القبيح علوا كبيرا لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه. وقد نص على تنزيه ذاته بقوله: (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [ق: 29]، (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) [الزخرف: 76]، (إِنَّ اللَّهَ لا يَامُرُ بِالْفَحْشاءِ) [الأعراف: 28]، ونظائر ذلك مما نطق به التنزيل؟ قلت: القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها. وأما إسناد الختم إلى اللَّه عز وجل، فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشئ الخلقي غير العرضي. ألا ترى إلى قولهم: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات عليه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: فالإحداث فعل الله حقيقةً، والختم والتغشية مجازٌ كما مر. قوله: (لعلمه بقبحه) يعني من ارتكب قبيحاً إنما يرتكبه لأمرين: إما للجهل بكونه قبيحاً، أو للاحتياج إلى فعله. والله تعالى منزهٌ عنهما. و((الفاء)) في ((فلم)) دلت على إنكار، يعني: أن الختم لما كان عبارةً عن المنع من قبول الحق فلم أسند إلى ذاته. قوله: (القصد إلى صفة القلوب بأنها كالمختوم عليها) أي: المقصود من الإسناد المبالغة في الإباء عن قبول الحق، فعبر عن المبالغة بقوله: ((كالمختوم عليها))، هذا خلاصة الجواب، والوجوه الآتية بيانٌ لهذا المعنى على طرقٍ شتى. قوله: (فلينبه) هذا هو الوجه الأول من الوجوه وخلاصته: أن (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الآية بكاملها معبرةٌ عن فرط تمكن الكفر فيهم على الكناية الإيمائية: وهي أن تؤخذ الزبدة والخلاصة من الجملة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز. قال المصنف في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5]: هذا كنايةٌ عن الملك، قالوا: فلانٌ استوى على العرش، يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير البتة، وإليه الإشارة

وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقوله: ((فلانٌ مجبولٌ على كذا، ومفطورٌ عليه، يريدون أنه بليغٌ في الثبات عليه)) قال صاحب المفتاح في قول الطائي: أبين فما يزرن سوى كريمٍ ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد إنه في إفادة أن أبا سعيدٍ كريمٌ، غير خاف. قوله: (وكيف يتخيل ما خيل) تعريضٌ بأهل السنة وتوهينٌ لدلائلهم، يعني أنها متخيلاتٌ لا حقيقة لها، وهي ما حكى الإمام في ((تفسيره)): القائلون بأن أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى لهم قولان: أحدهما: أن الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار. وثانيهما: أنه خلق الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سبباً موجباً لوقوع الكفر، وللمنع عن قبول الإيمان. وقال محيي السنة: معناه: حكم الله على قلوبهم بالكفر لما سبق من علمه الأزلي فيهم. قوله: (وقد وردت الآية ناعيةً على الكفار) أي: مظهرةً لهفواتهم؛ من قولهم: فلانٌ نعى على فلانٍ ذنوبه: إذا أظهرها وشهرها. وقال القاضي: الختم والتغشية من حيث إن الممكنات مستندةٌ إلى الله تعالى، واقعةٌ بقدرته أسندت إليه، ومن حيث إنهما مسببان مما اقترفوه وردت ناعيةً عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم، ثم الآية تعليلٌ للحكم السابق وبيان ما يقتضيه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: تقريره أن الآية جاريةٌ مجرى السبب الموجب لكون الهدى لا ينفع فيهم، فإن الله تعالى لما أظهر تصميمهم على الكفر بقوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [البقرة: 6] اتجه لسائلٍ أن يقول: ما بالهم كذلك؟ فأوقع قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) إلى نهايته جواباً منطوياً على بيان الموجب، وقد بولغ في المعنى حيث جعل الختم على القلوب ليمنع من الفكر في الدلائل المقولة الصرفة، وعلى السمع لئلا تنفذ في القلوب بسببه الدلائل المسموعة، وجعل على البصر الغشاوة لئلا تصل إليها الدلائل المبصرة ليستدلوا بها على وجود منشئها، فسد الطرق عليهم من كل وجه. أما صاحب ((الانتصاف)) فقد أطنب في هذا المقام، وقال: قد اشتمل كلام الزمخشري على مفاسد: أحدها: الخروج عن دليل العقل الدال على أن لا موجد إلا الله. الثانية: محالفة دليل النقل المؤيد له كقوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد: 16]، (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) [فاطر: 3]. الثالثة: غلطٌ في أن ما يقبح غائباً، وهي قاعدةٌ باطلة. الرابعة: قالوا: لو كانت أفعال العباد مخلوقةً لله، لما عابها، ولما عاقب عليها بناءً على قاعدة الحسن والقبح، ولم يعلموا أن هذه الملازمة تلزمهم أيضاً، لأنه يقبح شاهداً أن يمكن الإنسان من القبائح والفواحش وهو بمرأًى منه وبمسمعٍ مع قدرته على رده، وهو كإعطاء سيفٍ باترٍ لفاجرٍ يقطع الطريق ويسبي الحريم، وهو قبيحٌ في الشاهد. فإن قالوا: نعم، لكن ذلك لحكمةٍ أستأثر الله تعالى بعلمها، ففرقوا بين الغائب والشاهد، فيقال: ما ذكرتموه إن صلح جواباً كان جواباً عم اعترضتم، فلم لا سلمتم الأمر إلى الله تعالى في أول الأمر؟ والواجب على العبد أن يلاحظ الفرق بين الحركة الاختيارية والاضطرارية فيخرج عن الجبر، ثم يلاحظ الأدلة الدالة على أنه لا خالق إلا الله، فيخرج عن الاعتزال.

ويجوز أن تضرب الجملة كما هي - وهي (خَتَم اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) - مثلاً، كقولهم: سال به الوادي، إذا هلك. وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن تضرب الجملة كما هي) هذا هو الوجه الثاني من الوجوه، وهو مبنيٌّ على التمثيل، وهو الذي عناه صاحب ((المفتاح)) بقوله: التشبيه التمثيلي متى فشا استعماله على سبيل الاستعارة سمي مثلاً. والفرق بين هذا التمثيل والذي سبق في قوله: ((ختم))، هو أن في ذلك الاستعارة واقعةٌ في الختم فقط على سبيل التبعية، وهنا الاستعارة في الجملة برأسها، وإليه الإشارة بقوله: ((أن تضرب الجملة كما هي مثلاً)). ثم هذا الوجه يقدر على ثلاثة أضربٍ: أحدهما: أن تكون قلوبٌ موجودةٌ ختم الله تعالى عليها نحو قلوب الأغتام. الأساس: الغتمة: عجمةٌ في النطق، ورجلٌ أغتم وقوم غتمٌ وأغتام من الغتم، وهو الأخذ بالنفس. وثانيهما: كذلك نحو قلوب البهائم. وثالثهما: قلوبٌ مقدرةٌ ختمها لا وجود لها. قوله: (ولا للعنقاء عملٌ في هلاكه) عن الميداني، قال الخليل: سميت عنقاء؛ لأنه كان في عنقها بياض كالطوق، ويقال: لطولٍ في عنقها. قال الكلبي: كان لأهل الرس نبيٌّ يقال له حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبلٌ مصعدة ميلٌ، وكانت تنتابه طائرةٌ كأعظم ما يكون لها عنقٌ طويلٌ فجاعت ذات يوم، وأعوزت الطير، فانقضت على صبيٍّ، فذهبت به فسميت ((عنقاء مغرب))، لأنها تغرب كل ما أخذته، ثم انقضت على جارية فشكوا ذلك إلى نبيهم،

من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم اللَّه عليها نحو قلوب الأغتام «1» التي هي في خلوّها عن الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم أنفسها، أو بحال قلوب مقدّر ختم اللَّه عليها حتى لا تعبى شيئا ولا تفقه، وليس له عز وجل فعل في تجافيها عن الحق ونبوّها عن قبوله، وهو متعال عن ذلك. ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير اللَّه للَّه، فيكون الختم مسنداً إلى اسم اللَّه على سبيل المجاز. وهو لغيره حقيقة. تفسير هذا: أنّ للفعل ملابسات شتى يلابس. الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة وذلك لمضاهاتها للفاعل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقال: اللهم خذها، واقطع نسلها، فأصابتها صاعقةٌ فاحترقت، فضرب بها العرب مثلاً وأنشد البحتري. أتت دون ذاك الدهر أيام جرهمٍ ... وطارت بذاك العيس عنقاء مغرب قوله: (ويجوز أن يستعار) هذا هو الوجه الثالث وهو: أن يستعار إسناد الفعل من الفاعل الحقيقي لفاعلٍ غير حقيقي. قوله: (في نفسه) أي: نفس الإسناد من غير النظر إلى المسند والمسند إليه، فإن كل واحدٍ منهما حقيقةٌ لا مجاز إلا في مجرد الحكم، كما يقال: أنبت الربيع البقل. قوله: (وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة) وقد يختلج في بعض الخواطر أن معنى الاستعارة ها هنا ليس على حده، وذلك بأن يذكر أحد طرفي التشبيه، ويراد به الطرف الآخر، بل هو على حده وموقعه.

في ملابسة الفعل، كما يضاهي الرجل الأسد في جراءته فيستعار له اسمه؛ فيقال في المفعول به: عيشة راضية، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نعم، الفرق بين هذه الاستعارة وبين الاستعارة في المفرد، هو أن الاستعارة هناك واقعةٌ في الموضوع اللغوي واللفظ المفرد بسبب علاقة التشبيه، كما ترى بين الأسد والإنسان بسبب علاقة الجرأة الموجودة فيهما، وها هنا الاستعارة واقعةٌ في النسبة لدليلٍ عقلي بسبب التشبيه بين الفاعل الحقيقي والفاعل المجازي، فكما أن المستعار هناك لفظ الأسد للشجاع، كذلك في قولنا: أنبت الربيع البقل، المستعار إسناد الإنبات من الفاعل الحقيقي وهو الله عز وجل للفاعل المجازي وهو الربيع بسبب دوران الإنبات معه. قال صاحب المفتاح: مثل ما يرى الربيع في: ((أنبت الربيع البقل)) من نوع شبهٍ بالفاعل المختار من دوران الإنبات معه وجوداً وعدماً، ثم قال: وإن لم يكن هذا الشبه بين المذكور والمتروك كما لو قلت: أنبت الربيع البقل، نسبت إلى ما تكره)). وإنما قلنا: إن نسبة الإنبات إلى الله على الحقيقة لما يتبادر إلى فهم الموحد من ذلك كما يتبادر إلى الفهم من لفظ الأسد الحيوان المفترس، فالطرف المتروك هنا إسناد الإنبات إلى الله والمذكور تعلق الربيع به، وهو حصوله في أوانه، ولذلك كان المقدر: أنبت الله البقل وقت الربيع، فقوله: ((وذلك لمضاهاتها الفاعل)) تعليلٌ لجعل الإسناد استعارةً، أي: إنما جعلناه استعارةً لذلك، لأنه تقرر أن الاستعارة هي المجاز الذي العلاقة بينه وبين الحقيقة التشبيه.

و: ماء دافق، وفي عكسه: سيل مفعم. وفي المصدر: شعر شاعر، وذيل ذائل. وفي الزمان: نهاره صائم. وليله قائم. وفي المكان: طريق سائر، ونهر جار. وأهل مكة يقولون: صلى المقام. وفي المسبب: بنى الأمير المدينة، وناقة ضبوث وحلوب. وقال: إذَا رَدَّ عَافِى الْقِدْرِ مَنْ يَسْتَعِيرُها فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر، إلا أنّ اللَّه سبحانه لما كان هو الذي أقدره ومكنه، أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي عكسه سيل مفعمٌ) مفعم، بفتح العين، من: أفعم السيل الوادي: إذا ملأه، وإنما قال: ((عكسه)) لأنه جعل في الأول المفعول فاعلاً، وفي هذا جعل الفاعل مفعولاً، فإن السيل يُفعِمُ ولا يُفعَمُ. قوله: (ذيلٌ ذائلٌ)، الأساس: وذالت: الجارية وتذيلت: تبخترت ساحبةً ذيلها، وأذاله: أهانه، وذال بنفسه ذيلاً. وهو في ذيلٍ ذائل: في هوان شديد. قوله: (ناقةٌ ضبوث))، الأساس: ضبث الشيء، وضبث عليه: إذا قبض عليه وجسه، ومن المجاز: ناقةٌ ضبوثٌ: يشك في سمنها فضبثت، وإنما جعلت ضابثةً لما بها من الداعي إلى الضبث، ومثله الحلوب والركوب. قوله: (إذا رد عافي القدر من يستعيرها) أوله: فلا تسأليني واسألي خليقتي الخليقة: الخلق والطبيعة. عافي القدر: من العفوة والعفاوة وهي: ما يبقى في أسفل القدر من المرقة، وموضع ((عافي)) رفعٌ على الفاعلية، لأنه هو الذي يرد المستعير ويمنع المعير من إعارة القدر، والفاعل على الحقيقة صاحب القدر، وهكذا كانوا يفعلونه في تناهي القحط وشدة الزمان.

ووجه رابع؛ وهو أنهم لما كانوا على القطع والبت ممن لا يؤمن ولا تغنى عنهم الآيات والنذر، ولا تجدى عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة إن أعطوها؛ لم يبق - بعد استحكام العلم بأنه لا طريق إلى أن يؤمنوا طوعا واختياراً - طريق إلى إيمانهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ووجهٌ رابع) تلخيصه: أنهم لما كانوا مصرين على الكفر متمكنين عليه، وما كان الطريق إلى الإيمان سوى القسر والإلجاء، فكنى عن ترك القسر والإلجاء بالختم، وهي من التلويحية: أن قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [البقرة: 7] على زعمه مشعرٌ بأن الله تعالى لم يقسرهم، ولم يلجئهم إلى الإيمان، وترك القسر والإلجاء مشعرٌ بأن القسر والإلجاء مقتضى حالهم؛ لأن الترك إنما كان لئلا ينتقض غرض التكليف، وهو حصول الاختيار للابتلاء، وإلا كان الحق أن يقسر؛ لأنه الطريق إلى إيمانهم. وكون القسر والإلجاء مقتضى حالهم، مشعرٌ بأن الآيات والنذر لا تغني عنهم، والألطاف لا تجدي عليهم، وكون الآيات والألطاف لا تنفعهم مشعرٌ بأن ترامي أمرهم في التصميم أقصى غاياته ومدى نهاياته، فانظر بين الكناية وبين المطلوب بها كم ترى من لوازم وملوحات! قوله: (ولا تجدي عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة)، قال نجم الدين الزاهدي الخوارزمي في كتاب ((الصفوة)): اللطف في عرف المتكلمين: هو ما يختار عنده المكلف الطاعة تركاً وإتياناً. ثم إن اللطف إذا كان محصلاً للواجب يسمى توفيقاً، وإذا كان محصلاً لترك القبيح يسمى عصمةً، وإذا كان مقرباً من الواجب أو ترك القبيح يسمى لطفاً مقرباً. قوله: (إن أعطوها) شرط، والجزاء ما دل عليه ما قبله. وقوله: ((لم يبق)) جواب ((لما)) وقوله: ((بأنه لا طريق)) متصلٌ بالعلم، وقوله: ((عبر)) جواب ((إذا)).

إلا القسر والإلجاء، وإذا لم تبق طريق إلا أن يقسرهم اللَّه ويلجئهم ثم لم يقسرهم ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض في التكليف - عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم، إشعاراً بأنهم الذين ترامى أمرهم في التصميم على الكفر والإصرار عليه إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي ((شرح مقامات المصنف)): الألطاف عند المتكلمين: هي المصالح، وهي الأفعال التي عندها يطيع المكلف أو يكون أقرب إلى الطاعة على سبيل الاختيار، ولولاها لم يطع أو لم يكن أقرب مع تمكنه في الحالين، والواحد لطف بضم اللام وسكون الطاء، وقد لطف الله بعبده يلطف، وأما الألطاف الهدايا، فالواحد لطفٌ بفتح اللام والطاء، قال: كمن لنا عنده التكريم واللطف والفعل منه: ألطف. وقال أهل السنة والجماعة في مسألة خلق الأفعال: إن لله تعالى لطفاً لو فعل بالكفار لآمنوا اختياراً، غير أنه تعالى لم يفعل وهو في فعله متفضلٌ، وفي تركه عادلٌ، ولا يجب على الله تعالى الأصلح ولا الصلاح. وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في كتاب ((مفاتيح الحجج ومصابيح النهج)): اللطف قدوة الطاعة على الصحيح، ويسمى ما يقرب العبد إلى الطاعة ويوصل دواعيه إلى الخير أيضاً لطفاً، والتوفيق ما تتفق به الطاعة، وهو القدرة التي تصلح للطاعة، واختص هذا

وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغى واستشرائهم في الضلال والبغي. ووجه خامس: وهو أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكما بهم من قولهم: (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) [فصلت: 5]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الاسم بما يتفق به الخير دون ما يتفق به الشر عرفاً شرعياً، والخذلان: قدرة المعصية، والحرمان قدرة الكفر، والله سبحانه وتعالى قادرٌ على ما لو فعل بالمؤمن لكفر، وعلى ما لو فعل بالكافر لآمن، وليس لأحدٍ عليه سبحانه وتعالى حقٌّ مستحق، وكل ما يفعله فمنه جميل. قوله: (وهي الغاية)، الضمير عائدٌ إلى العبارة الدال عليها قوله: ((عبر)) أو إلى التعبير، والتأنيث باعتبار الخبر. قوله: (واستشرائهم) أي: لجاجهم، الأساس: استشرى في الأمر وفي العدو: لج فيه. وشري البرق: كثر لمعانه. قوله: (ووجهٌ خامس) وحاصله: أنه تعالى حكى كلام الكفار على سبيل التهكم، فإن الكفرة لما قالوا: (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ وفِي آذَانِنَا وقْرٌ ومِنْ بَيْنِنَا وبَيْنِكَ حِجَابٌ) [فصلت: 5] فجيء بقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) [البقرة: 7] معبراً عن كلامهم على سبيل التهكم والوعيد والتهديد، فقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) كقولهم: (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ) و (وَعَلَى سَمْعِهِمْ) كقولهم: (وفِي آذَانِنَا وقْرٌ) لأن الوقر في الأذن يمنع من نفوذ الصوت فيها، وقوله: (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) كقولهم: (ومِنْ بَيْنِنَا وبَيْنِكَ حِجَابٌ) فإن الغشاوة هي الحجاب. قيل: هذا الوجه أحسن الوجوه، ويقال: لأنه أسهل في استخراج المقصود، ولم يحتج إلى استفراغ القوى وبذل المجهود، وإلا فأين الثريا من الثرى، على ما يلزم منه فك الرابطة الاستئنافية في بيان الموجب بينها وبين الجملة السابقة. ولله در القائل: ومستودعات هذا الفن لا تتضح إلا باستبراء خاطرٍ وقاد، ولا تنكشف جواهرها إلا لبصيرة ذي طبعٍ نقاد، ثم نقول: من رفع الختم عن تفسيره لختم الله، فقد حل له

ونظيره في الحكاية والتهكم قوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) [البينة: 1]. فإن قلت: اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية، فعلى أيهما يعوّل؟ قلت: على دخولها في حكم الختم لقوله تعالى: (وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً) [الجاثية: 23]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشروع في هذا الكتاب، وقد علم أنه من رجالٍ تصدوا لكشف الحجاب، وإلا فليترك القوس لباريها، وعند الله العلم بالصواب. قوله: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) [البينة: 1])، قيل: كان الكفار من الفريقين: أهل الكتاب وعبدة الأوثان يقولون قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوبٌ في التوراة والإنجيل، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فحكى الله تعالى كلامهم كما كانوا يقولون على سبيل الوعيد والتهديد، ولو كان هذا ابتداء إخبارٍ من الله تعالى لكان الانفكاك متحققاً موجوداً عند مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله: (على دخولها في حكم الختم) قال القاضي: لأنهما لما اشتركا في الإدراك من جميع الجهات جعل ما يمنعهما من خاص فعلمهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات، وإدراك الأبصار لما اختص بجهة المقابلة، جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة.

ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم. فإن قلت: أىّ فائدة في تكرير الجارّ في قوله: (وَعَلى سَمْعِهِمْ)؟ قلت: لو لم يكرّر لكان انتظاما للقلوب والأسماع في تعدية واحدة وحين استجدّ للأسماع تعدية على حدة، كان أدل على شدة الختم في الموضعين. ووحد السمع كما وحد البطن في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا يفعلون ذلك إذا أمن اللبس. فإذا لم يؤمن كقولك: فرسهم، وثوبهم، وأنت تريد الجمع رفضوه. ولك أن تقول: السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ووحد السمع)، المغرب: اسمع: الأذن، وأصله المصدر. قيل: وقد يطلق مجازاً على القوة الحالة في الغشاء المفترش عند الصماخ بها تدرك الأصوات، فعلى هذا الوجه المراد بالسمع الآلة، ولم يلمح فيه الأصل. قوله: (كلوا في بعض بطنكم تعفوا) تمامه: فإن زمانكم زمنٌ خميص الخميص: الجائع، أي: ذو خمص كقوله: (عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ) [الحاقة: 21] يقال: عف يعف عفاًّ ومنه العفة، وهي الكف عما لا يحل. أي: اقتنعوا بالقليل من الطعام، تعفوا عن طلب الحرام، فإن زمانكم زمن الضيق والجذب، واستعمل البطن في موضع البطون إرادة بطن كل واحدٍ منهم، ويفعل ذلك إذا أمن اللبس مثل قولهم: سمعهم وقلبهم وبطنهم، فإن من المعلوم أن لكل واحدٍ منهم سمعاً واحداً، وقلباً وبطناً، وإذا خيف اللبس في مثل الثوب والفرس، فلابد في حال الجمع أن يجمع، لأنه لا يبعد أن يكون للجميع فرسٌ واحدٌ، أو ثوبٌ واحد.

فلمح الأصل. يدل عليه جمع الأذن في قوله: (وَفِي آذانِنا وَقْرٌ) [فصلت: 5]؛ وأن تقدّر مضافا محذوفا: أى وعلى حواس سمعهم. وقرأ ابن أبى عبلة: وعلى أسماعهم. فإن قلت: هلامنع أبا عمرو والكسائي من إمالة (أبصارهم) ما فيه من حرف الاستعلاء وهو الصاد؟ قلت: لأنّ الراء المكسورة تغلب المستعلية، لما فيها من التكرير كأن فيها كسرتين، وذلك أعون شيء على الإمالة وأن يمال له ما لا يمال. والبصر نور العين، وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات. كما أن البصيرة نور القلب، وهو ما به يستبصر ويتأمل. وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما اللَّه فيهما آلتين للإبصار والاستبصار. وقرئ (غشاوة) ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يدل عليه)، أي: على لمح معنى المصدرية في اسم العضو قوله تعالى: (وفِي آذَانِنَا وقْرٌ) [فصلت: 5] حيث جمع الأذن لأنها ليست في الأصل مصدراً. قوله: (وأن تقدر مضافاً محذوفاً)، فعلى هذا الوجه: السمع مصدرٌ وليس بمعنى الأذن كما في الوجهين الأولين، أي: على حواس هذه الحقيقة. قوله: (وكأنهما جوهران لطيفان) الضمير راجعٌ إلى البصر والبصيرة، وفي ((فيهما)) إلى العين والقلب. وقوله: ((آليتين))، إما حالٌ من مفعول ((خلقهما))، أو مفعولٌ ثانٍ له. فخلق بمعنى جعل. المعنى كأنه تعالى خلق في العين والقلب آليتين للإبصار والاستبصار، وهما النوران، شبه العرض بالجوهر في قوله: ((كأنهما جوهران)) مبالغةً في كونهما مقصودين من العين والقلب. قوله: (وقرئ: ((غشاوةً))) إلى آخره، القراءات كلها شواذ، والمشهورة (غِشَاوَةٌ) بكسر الغين المعجمة مع الألف بعد الشين والرفع، ولم يذكرها، وهو على وزن فعالة. قال الزجاج: كل ما اشتمل عليه الشيء مبنيٌّ على فعالةٍ نخو العمامة والقلادة، وكذلك أسماء الصناعات، فإن الصناعة مشتملةٌ على كل ما فيها نحو الخياطة والقصارة، وكذلك ما استولى على اسمٍ، فاسم ما استولى عليه: الفعالة؛ نحو الحلاقة والإمارة.

بالكسر والنصب. و (غشاوة) بالضم والرفع. و (غشاوةً) بالفتح والنصب، وغشوة: بالكسر والرفع. و (غشوةٌ) بالفتح والرفع والنصب، و (عشاوة) بالعين غير المعجمة والرفع، من العشا. والعذاب: مثل النكال بناء ومعنى لأنك تقول: أعذب عن الشيء، إذا أمسك عنه. كما تقول: نكل عنه. ومنه العذب لأنه يقمع العطش ويردعه، بخلاف الملح فإنه يزيده، ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخا لأنه ينقخ العطش، أي: يكسره؛ وفراتاً؛ لأنه يرفته على القلب، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالاً، أى: عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة. والفرق بين العظيم والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و(غِشَاوَةٌ) بالرفع على الابتداء عند سيبويه، وعلى إعمال الظرف عند الأخفش، ويؤيد الثاني العطف على الجملة الفعلية، أي: واستقر على أبصارهم غشاوة. ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة، وأما العشاوة بالعين المهملة، فمن قولهم: عشى يعشى، إذا صار أعشى، وعشا يعشو: إذا جعل نفسه كأنه أعشى، قال تعالى: (ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) [الزخرف: 36]. قوله: (لأنك تقول) تعليلٌ للمعنى، لأن البناء ظاهرٌ، وإنما كان مثله في المعنى؛ لأن النكول ارتداعٌ عما يراد الإقبال إليه، كما أن العذاب يردع الجاني عن المعاودة إلى الجناية. قوله: (يرفته)، الأساس: رفت الشيء: فته بيده كما يرفت المدر والعظم البالي. قوله: (كل ألمٍ فادحٍ عذاباً)، الأساس: فدحني، أثقلني، ونزل بهم خطبٌ فادح.

فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير. ويستعملان في الجثث والأحداث جميعاً، تقول: رجل عظيم وكبير، تريد جثته أو خطره. ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات اللَّه. ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا اللَّه. اللهم أجرنا من عذابك ولا تبلنا بسخطك يا واسع المغفرة. [(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ)]. افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا دينهم للَّه وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ووافق سرهم علنهم وفعلهم قولهم. ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً قلوبا وألسنة. ثم ثلث ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال السجاوندي: العذاب: إيصال الألم إلى الحي مع الهوان، فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب. [قوله]: (فكان العظيم فوق الكبير) الفاء جوابٌ لشرطٍ محذوف، يعني: إذا كان الحقير مقابلاً للعظيم، والصغير للكبير؛ يلزم أن يكون العظيم فوق الكبير؛ لأن العظيم لا يكون حقيراً؛ لأن الضدين لا يجتمعان، والكبير قد يكون حقيراً كما أن الصغير قد يكون عظيماً؛ لأن كلا منهما ليس بضد للآخر. قال: وبضدها تتبين الأشياء

بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وأبطنوا خلاف ما أظهروا وهم الذين قال فيهم: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ) [النساء: 143]، وسماهم المنافقين، وكانوا أخبث الكفرة وأبغضهم إليه وأمقتهم عنده لأنهم خلطوا بالكفر تمويهاً وتدليساً، وبالشرك استهزاء وخداعا. ولذلك أنزل فيهم (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) ووصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (آمنوا بأفواههم) أي: أظهروا كلمة الإيمان وهو المراد من قوله: (ءَامَنَّا) وقوله: (ولم تؤمن قلوبهم) [المائدة: 41] أي: لم يكن ذلك القول عن تصديق القلب، لأن مكان التصديق القلب لقوله تعالى: (كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ) [المجادلة: 22] وهو المراد من قوله: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 8]. اعلم أن الإيمان إن كان مجرد التصديق بالجنان، فنسبته إلى القلب حقيقة، وإلى غيره مجاز، ومن ثم فسرنا قوله ((آمنوا بأفواههم)) بقولنا: أظهروا كلمة الإيمان، وإن كان مجموع التصديق والأعمال، فنسبته إلى الشخص حقيقةٌ وإلى بعض الجوارح مجاز. قوله: (تمويهاً) هو من: موهت الشيء: طليته بذهبٍ أو فضةٍ، والتدليس في البيع كتمان عيب السلعة عن المشتري. قوله: (نعى عليهم فيها خبثهم) أي: شنع عليهم قولهم: (آمَنَّا بِاللَّهِ) والحال أنهم غير مؤمنين ((ونكرهم)) أي: دهاءهم، وذلك أنهم ادعوا مع الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر لقوله بعد هذا: ((إفراطهم في الخبث وتماديهم في الدعارة)). قوله: (ونكرهم) بالضم والفتح، الجوهري: يقال للرجل إذا كان فطناً منكراً: ما أشد نكره، بالفتح والضم.

وفضحهم وسفههم، واستجهلهم، واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل بطغيانهم، وعمههم ودعاهم صما بكما عمياً، وضرب لهم الأمثال الشنيعة. وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة. وأصل (ناس) أناس، حذفت همزته تخفيفاً كما قيل: لوقة، في ألوقة. وحذفها مع لام التعريف كاللازم لا يكاد يقال الأناس. ويشهد لأصله إنسان وأناس وأناسى وإنس. وسموا لظهورهم وأنهم يؤنسون أى يبصرون، كما سمى الجنّ لاجتنانهم. ولذلك سموا بشراً. ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول. ألا تراك تقول في وزن «قه»: ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفضحهم) عطفٌ على قوله: ((نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم)) على سبيل البيان، لأن إظهار خبثهم ونكرهم هي الفضيحة نفسها. قوله: (وسفههم) أي: سماهم سفهاء في قوله: (أَلا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ) [البقرة: 13] ((واستجهلهم))، أي: نسبهم إلى الجهل في قوله: (وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ) (وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ)، ((واستهزأ بهم)) في قوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)، ((وسجل بطغيانهم)) حيث أضاف الطغيان إليهم. قوله: (كما تعطف الجملة على الجملة) يحتمل وجهين: أحدهما: أن تعطف من حيث حصول مضمون الجملتين في الوجود. وثانيهما: أن الجهة الجامعة بين من محض الكفر ظاهراً وباطناً، وبين من أظهر الإيمان وأبطن الكفر: التوافق في الكفر. قوله: (لوقة، في ألوقة) الألوقة: طعامٌ من زبدٍ، قال ابن الكلبي: هو الزبد والرطب، وأنشد: وإني لمن سالمتم لألوقةٌ ... وإني لمن عاديتم سم أسود

افعل؟ وليس معك إلا العين وحدها؟ وهو من أسماء الجمع كرخال. وأما نويس فمن المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان ورويجل. ولام التعريف فيه للجنس. ويجوز أن تكون للعهد، والإشارة إلى الذين كفروا المارّ ذكرهم كأنه قيل: ومن هؤلاء من يقول. وهم عبد اللَّه بن أبىّ وأصحابه ومن كان في حالهم من أهل التصميم على النفاق. ونظير موقعه موقع القوم في قولك: نزلت ببني فلانٍ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من أسماء الجمع) الفرق بين الجمع الحقيقي وبين اسم الجمع: أن اسم الجمع في حكم الإفراد، بدليل جواز التصغير فيه، ولا يجوز تصغير الجمع الحقيقي إذا كان جمع الكثرة. مثال اسم الجمع: ركبٌ، وسفرٌ، وصحبٌ، يجوز أن يقال: ركيبٌ، سفيرٌ، صحيبٌ، ولا يجوزون في جمع الكثرة، بل يجب أن يرد إلى واحده أو إلى جمع قلته إن وجد. قوله: (كرخالٍ)، الجوهري: الرخل بكسر الخاء: الأنثى من أولاد الضأن، والذكر حملٌ والجمع رخال، يريد أن وزن أناسٍ كوزن رخالٍ لا أنه جمعٌ مثله لأنه قال في ((الأعراف)) في قوله تعالى: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) [الأعراف: 160] الأناس: اسم جمعٍ غير تكسيرٍ نحو رخال. قوله: (ونظير موقعه) يعني: أن اللام في الناس للجنس وهو المختار، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي التقديري، فإن قوله: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ) [البقرة: 6] في معنى الناس؛ لأن الواجب في العهد الخارجي أن يكون هناك ما يشار إليه، وهو إما تحقيقيٌّ كقوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل: 15 - 16] أو تقديريٌّ: وهو إما أن يكون في الكلام ما يدل عليه كما في الآية والمثال، لأن بني فلانٍ في معنى القوم، أو يكون

فلم يقروني والقوم لئام. و"من" في (مَنْ يَقُولُ) موصوفة، كأنه قيل: ومن الناس ناس يقولون كذا، كقوله (من المؤمنين رجال) [الفتح: 25]؛ إن جعلت اللام للجنس. وإن جعلتها للعهد فموصولة، كقوله: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) [التوبة: 61]. فإن قلت: كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على قلوبهم؟ قلت: الكفر جمع الفريقين معاً وصيرهم جنساً واحداً. وكون المنافقين نوعا من نوعي هذا الجنس - مغايراً للنوع الآخر بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء - لا يخرجهم من أن يكونوا بعضا من الجنس فإن الأجناس إنما تنوّعت لمغايرات وقعت بين بعضها وبعض. وتلك المغايرات إنما تأتى بالنوعية ولا تأبى الدخول تحت الجنسية. فإن قلت: لم اختص بالذكر الإيمان باللَّه والإيمان باليوم الآخر؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بين المتكلم والمخاطب حصةٌ معهودةٌ من جنسٍ كقوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) إذا أريد به أبو جهلٍ والمغيرة. قال صاحب ((الفرائد)): الوجه أن يكون اللام للعهد ولا وجه أن يكون للجنس؛ لأن (مِنَ النَّاسِ) خبر (مَن يَقُولُ)، فلو كان للجنس لكان المعنى: من يقول من الناس، والظاهر أنه لا فائدة فيه. وأما إن كانت للعهد، فمعناه: ومن الناس المذكورين جماعةٌ يقولون كذا، ولم يلزم أن تكون موصولةً في العهد بل يجوز كلاهما. وكذا قال صاحب ((التقريب)): يحتمل ((من)) أن تكون موصولةً إن جعل التعريف للجنس، وموصوفةً إن جعل للعهد. ومنع بعضهم أن يكون للعهد و ((من)) موصولةً، وقال: بل اللام للجنس و ((من)) موصوفة، فإن المراد ب ((الذين كفروا)) الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، وبينهم وبين المنافقين تنافٍ، فلم يكونوا نوعاً تحت ذلك الجنس، وكيف وقد حكم على أولئك بالختم على القلوب وغيره، فعلم كفرهم الأصلي، وعلى هؤلاء بقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: 16] وأشار إلى تمكنهم من الهدى وتنور فطرتهم. وقلت: إن التفصي عن هذا المقام لا يستتب إلا ببيان كيفية نظم الآيات، فإنه محك

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البلاغة، ومنتقد البصيرة، ومضمار النظار ومتفاضل الأنظار، ولا يهتدي إليه من ديدنه المجادلة ودأبه المماراة، ولم يتكلم عن مقتضى الحال، ولم يعين لكل مقامٍ مقالاً، وليس كل ما يصح تقديره بحسب اللغة أو النحو يعتبر عند علماء هذا الفن، فإن ذلك قد يعد من النعيق في بعض المقامات؛ ألا ترى إلى المصنف في سورة ((طه)) في قوله تعالى: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ) [طه: 39] كيف بالغ فيه حيث قال: ((حتى لا تفرق الضمائر، فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر)) وفي سورة ((الحاقة)) في قوله: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ* وأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ) [الحاقة 5 - 6] كيف ذهب إلى أن المعني بقوله: ((بالطاغية)) بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة ليطابق قوله: (بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ)، وعدل عن حمله على المصدر، وأنه الظاهر؛ لأن الطاغية كالعافية، أي: بطغيانهم، لأن الواجب رعاية حسن النظم بين آي التنزيل. وكم له أمثال ذلك! فالواجب على من يخوض في هذا الكتاب، لا سيما في كتاب الله المجيد، أن يستوعب معرفة جميع المقامات، وجميع خواص التراكيب لينزل كلاًّ في مقامه. إذا علم هذا فنقول: إذا كان النظم هو ما ذكر افتتح سبحانه وتعالى بذكر الذين أخلصوا دينهم لله تعالى، ثم ثنى بذكر الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، وثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، فالواجب حمل التعريف في الأقسام الثلاثة: إما على الجنس بأسرها، وإما على العهد برمتها، وإذا حمل على الجنس فلا يجوز أن يقال: ((من)) في (مَن يَقُولُ) موصولةٌ كما قال أبو البقاء: هذه الآيات استوعبت أقسام الناس، فالآيات الأول تضمنت ذكر المخلصين في الإيمان، وقوله: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) تضمن من أبطن الكفر وأظهره، وهذه الآية تضمنت ذكر

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، و ((من)) للتبعيض، و ((مَنْ)) نكرةٌ موصوفةٌ، ويضعف أن تكون بمعنى ((الذي)) لأن الذي يتناول قوماً بأعيانهم، والمعنى ها هنا محتملةٌ للجنس كما في (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) [البقرة: 6]، فيلزم الإبهام أيضاً. قلت: الموصوفة نصٌّ في الشياع، بخلاف الموصولة لاحتمال الأمرين فيها، وبيان الظاهر إيقاعه الموصولة في مقابلة الموصوفة، وكذا قوله قبيل هذا: ((ومن هؤلاء من يقول: وهو عبد الله ابن أبي وأصحابه)). بقي أن يقال: فما معنى قوله: ((ومن الناس من يقول)) وأي فائدة فيه؟ فيقال: إنه تعالى نظم الآيات الثلاث في سلكٍ واحدٍ، لكن خص كل صنفٍ بفنٍّ من الفنون، لا سيما خص هذا الصنف بمبالغاتٍ وتشديداتٍ لم يخص الصنفين بها كما قرره المصنف، وأبرز أيضاً نفس التركيب إبرازاً غريباً حيث قدم الخبر على المبتدأ، وأبهمه غاية الإبهام، ونكر المبتدأ ووصفه بصفاتٍ عجيبةٍ ليشوق السامع إلى ذكر ما بعده من قبائحهم ونكرهم نعياً عليهم، وتعجيباً من شأنهم. يعني: انظروا إلى هؤلاء الخبثة، وقبيح ما ارتكبوه كيف اختصموا من بين سائر الناس بما لم يرض العاقل أن ينتسب إليه! نعم، لم يفد شيئاً أن لو أريد مجرد الإخبار، ونظيره قوله تعالى: (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ) [الأحزاب: 23] أي: امتاز من بين سائر المؤمنين بهذه المناقب الشريفة رجالٌ كرماءٌ، فدل التنكير في ((رجال)) على تعظيم جانبهم كما دل الإبهام في (مَن يَقُولُ) على خلاف ذلك ها هنا. وأما إذا حمل التعريف في الناس على العهد فيقال: المراد بالمتيقن من شاهد حضرة الرسالة من الصحابة المنتجبين، وينصره تقدير إرادة أهل الكتاب، أعني عبد الله بن سلامٍ وأصحابه من قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) [البقرة: 4] معطوفاً على

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) [البقرة: 3] فعلى هذا يحمل قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) على قومٍ بأعيانهم كأبي جهل وأبي لهب والوليد وأضرابهم، وأن يراد بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا) [البقرة: 8] عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وجد بن قيسٍ وأشباههم، فلا وجه إذن لقول من قال: ويحتمل أن تكون موصوفةً إن جعلت التعريف للعهد، لأن المراد بقوله: (مَن يَقُولُ) حينئذٍ قومٌ بأعيانهم وأشخاصهم كعبد الله بن أبي وأصحابه، فكيف تجعل موصوفةً، لأن ((من)) نكرةٌ والقوم معهودون! ثم إني بعد برهةٍ من الزمان وقفت على ما أشار إليه المصنف في قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) الآية [النحل: 75] بقوله ((الظاهر أن ((من)) موصوفة، كأنه قيل: وحرًّا رزقناه؛ ليطابق (عَبْدًا)، ولا يمتنع أن تكون موصولة))، يريد أن الآية من باب التضاد، فالظاهر أن تراعى المطابقة من كلمات القرينتين، فإذا قلت: عبداً مملوكاً والحر الذي رزقناه؛ ذهبت المطابقة وفاتت الطلاوة، فلا يذهب إليه إلا الكز الجافي الغليظ الجاسي. وأما الجواب عن قول من قال: بينهم وبين المنافقين تنافٍ، فهو عين ما ذكره المصنف في الجواب عن سؤاله ((كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على قلوبهم))؛ لأن هذا السؤال واردٌ على قوله: ((ويجوز أن تكون للعهد والإشارة إلى الذين كفروا المار ذكرهم كأنه قيل: ((ومن هؤلاء من يقول))، والمار ذكرهم على ما سبق في الكتاب: أبو لهبٍ وأبو جهلٍ والوليد بن المغيرة وأضرابهم، فإذا جعل التعريف في الناس للمعهودين و (مَن يَقُولُ) يكون بعضاً منهم، لزم أن يكونوا في حكمهم في كونهم مختوماً على قلوبهم، وليس كذلك لما ذكر من قوله: ((افتتح سبحانه بذكر المخلصين، ثم ثنى بذكر الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً، وثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم)) وإليه الإشارة بقوله: ((والمنافقون غير المختوم على قلوبهم)).

قلت: اختصاصهما بالذكر كشف عن إفراطهم في الخبث، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب: أن ((الكفر جمع الفريقين معاً)) إلى آخره، يعني: كون هؤلاء مخصوصين بحكم النفاق لا يخرجهم من جنس المصممين، بل يفيد تميزهم عنهم بما لم يتصفوا به، وإليه الإشارة بقوله: ((بزيادةٍ زادوها على الكفر الجامع بينهما))، فالتعريف في قوله: ((الكفر جمع الفريقين معاً)) وقوله: ((الكفر الجامع بينهما)) للعهد وهو الكفر الخاص، لأنه جنسٌ أيضاً باعتبار النوعين، وهذا من فصيح الكلام ووجيزه؛ لأن الجنس إذا أطلق شاع في جميع متناولاته إن لم تنتهض قرينةٌ على إرادة البعض، فإذا حصلت القرينة قيدت، فإذا كررت كرر، فإنه تعالى لما قال: (إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) تناول جميع الفرق من الكفرة، فقيد بقوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) بالمصممين، ثم قيده مرةً أخرى مع ذلك القيد بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ). ونحوه قول الأصوليين: يجوز تخصيص ما بقي غير محصور، وكيف لا يكون المنافقون مختوماً على قلوبهم، وقد صح المصنف بعد هذا في قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) [البقرة: 17]! والأوجه أن يراد الطبع بقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [البقرة: 18]. ثم إني عثرت بعد هذا التقرير على كلامٍ من جانب الإمام أفضل المتأخرين القاضي ناصر الدين- تغمده الله برضوانه- ما شد بعضده، قال: واللام فيه للجنس و ((مَنْ) موصوفةٌ إذ لا عهد، فكأنه قال: ومن الناس ناسٌ يقولون، وقيل: للعهد، والمعهودون: هم الذين كفروا، و ((مَنْ)) موصولةٌ مرادٌ بها ابن أبيًّ وأصحابه ونظراؤه، فإنهم من حيث إنهم صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم، واختصاصهم بزيادةٍ زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم في هذا الجنس، فإن الأجناس إنما تتنوع بزياداتٍ تختلف فيها أبعاضها. قوله: (اختصاصهما)، فاعله: الله، يعني: إنما خصهما بالذكر من بين سائر قبائحهم للكشف عن إفراطهم في الخبث.

وتماديهم في الدعارة لأن القوم كانوا يهوداً، وإيمان اليهود باللَّه ليس بإيمان، لقولهم: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة: 30]، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر، لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته، فكان قولهم: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) خبثاً مضاعفاً، وكفراً موجهاً، لأن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق وعقيدتهم عقيدتهم، فهو كفر لا إيمان. فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة للمسلمين واستهزاء بهم، وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي، كان خبثا إلى خبث، وكفراً إلى كفر. وأيضا فقد أوهموا في هذا المقال أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وأحاطوا بأوّله وآخره ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في الدعارة) أي: الفسق والخبث. الجوهري: يقال: هو خبيثٌ داعرٌ بين الدعر والدعارة. قوله: (موجهاً) أي: ذا وجهين. الأساس: ومن المجاز: كساءٌ موجهٌ: له وجهان. وأحدب موجهٌ له حدبتان من خلفٍ وقدام؛ لأنهم أظهروا في هاتين المسألتين ما يخالف اعتقادهم؛ لأنهم قالوا: عزيرٌ ابن الله، والآخرة لا يكون فيها إلا تلذذ الأرواح بالروائح العبقة وما شاكل ذلك، فلما علموا أن عمدة ما ينكره المسلمون عليهم هو هذان الأمران، تعرضوا لهما وصرحوا بالاعتراف بهما مع أنهم باقون على اعتقادهم الأصلي، وغرضهم إجراء أحكام المسلمين عليهم وكان ذلك غاية دهائهم ومكرهم. قوله: (وأيضاً): ابن السكيت: هو مصدر قولك: آض يئيض أيضاَ، أي: عاد، وإذا قال: فعلت ذاك أيضاً، قلت: قد أكثرت من أيضٍ. قوله: (وأيضاً فقد أوهموا) عطفٌ على جواب ((إذا)) وهو ((كان خبثاً إلى خبثٍ)) أي: إذا قالوه على وجه النفاق كان خبثاً مضاعفاً مع إيهام أنهم أحاطوا بالإيمان من جانبيه.

وفي تكرير الباء أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام. فإن قلت: كيف طابق قوله: (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) قولهم (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي تكرير الباء) وذلك أن في العطف على المظهر المجرور لا يجب إعادة الجار كما في المضمر نحو: مررت به وبعمروٍ، فكرر ها هنا ليؤذن بالاستقلال والأصالة. قوله: (كيف طابق) تقرير السؤال: أن قولهم: ((آمنا)) مسوقٌ لذكر شأن الفعل، أي: أحدثنا الإيمان، وليس في شأن الفاعل، فلما كان الدعوى في إحداث الإيمان أتوا بجملةٍ فعليةٍ، ولو كان في شأن الفاعل لقيل: نحن آمنا، وحدنا دون غيرنا، فكيف طابقه قوله: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) وأنه في ذكر شأن الفاعل لإيلاء ضمير الفاعل حرف النفي، وقد أجمعوا على أنه يفيد التخصيص. قال المصنف في تفسير قوله تعالى: (ومَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز) [هود: 91]: دل إيلاء الضمير حرف النفي على أن الكلام واقعٌ لا في الفعل، كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيزٍ بل رهطك هم الأعزة عندنا. وذكر صاحب ((المفتاح)): ويحترز أن يقال: ما أنا ضربت إلا زيداً، لأن نقض النفي ب ((إلا)) يقتضي أن تكون قد ضربته، وتقديمك ضميرك وإيلاؤك حرف النفي يقتضي أن تكون قد ضربته. ونقل أن ظاهر كلام الشيخ عبد القاهر على أن في ما يليه حرف النفي القطع بأنه يفيد التخصيص مضمراً كان أو مظهراً، معرفاً أو منكراً.

قلت: القصد إلى إنكار ما ادعوه ونفيه، فسلك في ذلك طريق أدّى إلى الغرض المطلوب. وفيه من التوكيد والمبالغة ما ليس في غيره، وهو إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن تكون طائفة من طوائف المؤمنين؛ لما علم من حالهم المنافية لحال الداخلين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (القصد إلى إنكار ما ادعوه) وحاصله: أن التركيب وإن دل على الاختصاص لكن ها هنا ما يأبى أن يحمل عليه، لأنه واردٌ في إنكار ما ادعوه؛ وذلك أن المنافقين ادعوا أنهم اختاروا الإيمان بجانبيه، وأحاطوا بأوله وآخره حيث خصوا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر من بين خصاله، وادعوا الاستحكام والتأكيد مع ذلك، حيث كرروا ذكر الباء، وما ادعوا أنهم اختصوا بهما دون سائر الناس، لينكر عليهم دعوى الاختصاص، فوجب المصير إلى التأويل والحمل على الكناية الإيمائية ليفيد التأكيد ويحصل التطابق. بيانه: أنه تعالى لما أولى الضمير حرف النفي وحكم عليهم بأنهم ليسوا بمؤمنين، وكان ذلك جواباً عن دعوتهم أنهم اختاروا الإيمان بجانبيه على صفة الإحكام، دل على إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن يكونوا طائفةً من طوائف المؤمنين، وإذا شهد عليهم بذلك لزم نفي ما ادعوه على سبيل البت والقطع. وقلت: هذا إنما يصح لو قيل: وما هم من المؤمنين؛ إذ ليس قوله: وما هو بمؤمنٍ مثل ما هو من المؤمنين، لكن الأول أبلغ؛ لأنه نفيٌ لأصل الإيمان، والثاني نفيٌ للكمال. ويمكن أن يجري الكلام على التخصيص، وأن يكون الكلام في الفاعل، ويكون موقع السؤال قول المصنف: ((وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي)) وذلك لما ادعوا أنهم يوافقون المسلمين في المسألتين، وأن إيمانَهم كإيمانِهم قيل: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) على قصر الإفراد؛ لأنهم ادعوا الشركة في الإيمانين الحقيقيين فردوا باختصاص المؤمنين بهما دونهم، كقوله تعالى: (ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنكُمْ ومَا هُم مِّنكُمْ) [التوبة: 59]. والمقام يساعد هذا التقرير دون الأول، وذلك أن سياق الكلام لبيان خبث المنافقين ودعارتهم كما ذكر، فإذا ادعوا رفع المخالفة من البين، ارتفع المنازعة، وإنما المنازعة بينهما في هاتين المسألتين أقوى من سائر المسائل، وادعاء

في الإيمان. وإذا شهد عليهم بأنهم في أنفسهم على هذه الصفة، فقد انطوى تحت الشهادة عليهم بذلك نفى ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل البت والقطع. ونحوه قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) [المائدة: 37]، هو أبلغ من قولك: وما يخرجون منها. فإن قلت: فلم جاء الإيمان مطلقا في الثاني وهو مقيد في الأوّل؟ قلت: يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه، وأن يراد بالإطلاق أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان باللَّه وباليوم الآخر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حصولهما أدعى لرفع المخالفة، فكان اختصاصهما أهم من غيرهما. ألا ترى إلى قول الفقهاء: الفلسفي إذا قال: أشهد أن الباري علة الموجودات أو مبدؤها أو سببها، ولم يكن ذلك إيماناً حتى يقر بأنه مخترع ما سواه ومحدثه بعد أن لم يكن. ذكره شارح ((اللباب)). وأما تشبيه التركيب بقوله: (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ ومَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا) [المائدة: 37] فصحيحٌ، ولكن لا يتم به غرضه، وذلك أن قوله: (آمَنَّا) نحو: (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا) وأن قوله: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) نحو قوله: (ومَا هُم بِخَارِجِينَ) ولكن قوله: (ومَا هُم بِخَارِجِينَ) نصٌّ في الاختصاص كما سيأتي بيانه في موضعه. قوله: (ما انتحلوا)، الأساس: قال شعراً فنحله غيره، وانتحل شعر غيره: إذا ادعاه لنفسه. قوله: (يحتمل أن يراد التقييد) حاصل الجواب: إنما حذف المفعول لدلالة المذكور عليه، أو حذف لتعم الفائدة، ولئلا يقصره السامع على ما يذكر معه، ويحتمل أن ينزل منزلة اللازم نحو: فلانٌ يعطي ويمنع. قوله: (قط)، الجوهري: إذا كانت بمعنى ((حسب)) وهو الاكتفاء فهي مفتوحةٌ ساكنةٌ الطاء، تقول: رأيته مرةً واحدةً فقط، وقط بضم الطاء معناها الزمان، يقال: ما رأيته قط.

ولا من الإيمان بغيرهما. فإن قلت: ما المراد باليوم الآخر؟ قلت: يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حدّ له وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع، لتأخره عن الأوقات المنقضية. وأن يراد الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة الذي لا حدّ للوقت بعده. والخدع: أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه. من قولهم: ضب خادع وخدع، إذا أمر الحارش يده على باب جحره أو همه إقباله عليه ثم خرج من باب آخر. فإن قلت: كيف ذلك ومخادعة اللَّه والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا تخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنون وإن جاز أن يخدعوا لم يجز أن يخدعوا. ألا نرى إلى قوله: واسْتَمْطَرُوا مِنْ قُرَيْشٍ كلَّ مُنْخدِعِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن يراد به الوقت الذي لا حد له) يريد أن اليوم هنا: الوقت. وهو إما أن يعبر به عن الوقت الذي لا انقضاء له وبإزائه الوقت الذي له انقضاءٌ، وهو الأيام الدنيوية، وأوان البرزخ، وأوان النشور لفصل القضاء ولتعاقبه إياها سمي باليوم الآخر، وأن يعبر به عن الوقت المحدد، أي: الذي عينه الله تعالى بقوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج: 4]، وسمي باليوم الآخر لكونه آخر الأيام المنقضية ومن جملتها، وتلك محدودةٌ في علمه الخاص. قوله: (والخدع أن يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه) وزاده القاضي: لينزله عما هو بصدده. وقال الإمام: إظهار ما يوهم السلامة، وإبطان ما يقتضى الإضرار بالغير أو التخلص منه. يشير إلى أن تعريفه ليس بجامعٍ، ولعل قوله: ((من المكروه)) يشمل تخلصه منه؛ لأن العدو يكره خلاص عدوه، وفي قوله: ((ثم خرج من بابٍ آخر)) رمزٌ إليه. قوله: (واستمطروا من قريشٍ كل منخدعٍ) تمامه: إن الكريم إذا خادعته انخدعا

وقول ذي الرمّة: إنَّ الحَليمَ وذَا الإِسْلامِ يُخْتَلَبُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قائله الفرزدق، والاستمطار: الاستسقاء، أي: اطلبوا العطاء، فإنه يعطيه كالمطر، و ((من قريشٍ)) بيان كل منخدعٍ، وهو حالٌ منه. قيل: كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كلما صلى عبدٌ له أعتقه، فقيل له: من خادعنا بالله ننخدع [له]. وقيل في حق أبيه: كان أعقل من أن يُخدع، وأروع من أن يَخدع، ولا يبعد أن يحمل البيت على التلميح؛ وذلك أن عمر رضي الله عنه صعد المنبر وقال: اللهم إنا كنا إذا أقحطنا استسقينا بنبيك، فتسقينا، وإنا نستسقيك اليوم بعم نبيك- يعني: عباساً- فاسقنا، فسقوا في الحال، فقال عقيل بن أبي طالب: بعمي سقى الله البلاد وأهلها ... عشية يستسقي بشيبته عمر توجه بالعباس في الجدب داعياً ... فما حار حتى جاد بالديمة المطر قوله: (إن الحليم وذا الإسلام يختلب) القائل ذو الرمة، وأوله: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً

فقد جاء النعت بالانخداع ولم يأت بالخدع؟ قلت: فيه وجوه. أحدها: أن يقال كانت صورة صنعهم مع اللَّه حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون، صورة صنع الخادعين. وصورة صنع اللَّه معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر اللَّه فيهم فأجروا أحكامهم عليهم. والثاني: أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن اللَّه ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العلق: الحب، يقال: نظرةٌ من ذي علق، عرضاً، أي: اعتراضاً من غير قصدٍ ونيةٍ بل بمخادعةٍ، ثم قال: إن الحليم .. البيت. الخلابة: الخديعة باللسان، يقال منه: خلبه يخلبه بالضم واختلبه مثله. قوله: (بإجراء أحكام المسلمين عليهم) يعني به جريان التوارث وإعطاء السهم من المغنم وغيرهما. هذا الوجه من الاستعارة التبعية الواقعة على طريق التمثيلية كما سبق في قوله: (عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ) [البقرة: 5]، ألا ترى إلى قوله: ((كانت صورة صنعهم مع الله حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون)) إلى آخره كيف دل على بيان الحالة المتوهمة المنتزعة من عدة أمور. قوله: (وأهل الدرك) صح بالرفع عطفاً على محل ((في عداد)). قال: الدرك الأسفل: الطبق الذي في قعر جهنم. الراغب: الدرك كالدرجِ لكن الدرجُ يقال اعتباراً بالصعود، والدرك اعتباراً بالحدور، ولهذا قيل: درجات الجنة، ودركات النار، ولتصور الحدور في النار سميت هاويةً. قوله: (ترجمةً عن معتقدهم وظنهم) هذا كما مر في آخر الوجوه المذكورة في قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [البقرة: 7].

ممن يصح خداعه لأن من كان ادعاؤه الإيمان باللَّه نفاقا لم يكن عارفا باللَّه ولا بصفاته، ولا أن لذاته تعلقا بكل معلوم، ولا أنه غنى عن فعل القبائح فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون اللَّه في زعمه مخدوعا ومصابا بالمكروه من وجه خفى، وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم. والثالث: أن يذكر اللَّه تعالى ويراد الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لأنه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده، كما يقال: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته) إلى آخره، مبنيٌّ على صيغة الجمع مع التفريق والتقسيم، فجمع ذات الله العليا وصفاته الحسنى في: ((لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته))، وأما التفريق فهو قوله: ((ولا أن لذاته)) أي: أنهم لم يعلموا أنه من حيث ذاته له تعلقٌّ بكل معلومٍ جزئيٍّ وكلي، وقوله: ((ولا أنه غنيّ)) أي: لم يعلموا أنه من حيث صفاته غنيٌّ عن القبائح. وأما التقسيم فهو قوله: ((فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجهٍ خفيٍّ)) أي: أنهم حين لم يعلموا أن لذاته تعلقاً بكل معلومٍ، زعموا أنه ممن يخدع. وقوله: (وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم) أي: حين لم يعلموا أنه من حيث صفاته غنيٌّ عن القبائح، حوزوا أنه ممن يَخدع. الانتصاف: قوله: ((عالمٌ لذاته)) والصواب أنه عالمٌ بعلمٍ عام التعلق بجميع المعلومات، ثم إنه تعالى لما كان عالماً بعلمٍ عام التعلق استحال كونه مخدوعاً، ولما أنه لا يقع في الوجود شيءٌ إلا بقدرته، يمتنع أن يكون خادعاً لما فيه من الإشعار بالعجز عن المكافحة، لكن لما جاء في مقابلة خداع المنافقين صار كقوله: (ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ) [آل عمران: 54]. قوله: (أن يدلس) المدلس: هو الذي يظهر خلاف مراده، ومنه أخذ التدليس في الحديث، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع منه.

قال الملك كذا ورسم كذا وإنما القائل والراسم وزيره أو بعض خاصته الذين قولهم قوله ورسمهم رسمه. مصداقه قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) [الفتح: 10]، وقوله: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النساء: 80]. والرابع: أن يكون من قولهم: أعجبنى زيد وكرمه، فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا باللَّه. وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص، ولما كان المؤمنون من اللَّه بمكان، سلك بهم ذلك المسلك. ومثله: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) [التوبة: 62]، وكذلك: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الأحزاب: 57]. ونظيره في كلامهم: علمت زيدا فاضلا، والغرض فيه ذكر إحاطة العلم بفضل زيد لا به نفسه لأنه كان معلوما له قديما كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكر زيد توطئة وتمهيد لذكر فضله. فإن قلت: هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟ قلت: وجهه أن يقال: عنى به «فعلت» إلا أنه أخرج في زنة «فاعلت»؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واعلم أن الخداع قد يكون حسناً إذا كان الغرض استنزال الغير من ضلالٍ إلى رشدٍ، كما يفعل الأب البار بابنه من حيلةٍ تدعوه إلى ترك شرٍّ أو تعاطي خير. ومن تأمل جميع استدراجات التنزيل على لسان الرسل في دعوة الأمم، عاين معنى الخداع وشاهده. قوله: (أعجبني زيدٌ وكرمه) أي: أعجبني كرم زيدٍ. والتركيب يشبه البدل والمبدل منه من حيث التوظئة والتمهيد والتفسير والتأكيد، ويفترق من حيث إن المبدل في حكم المنحى. والمعطوف عليه هنا مقصودٌ بالذكر، ومرادٌ في الحكم، فكان لذات زيدٍ أيضاً مدخلاً في الإعجاب، ومن ثم قال: ((ولما كان المؤمنون من الله بمكانٍ سلك بهم ذلك المسلك)) أي: لما كان المؤمنون من الله بمنزلةٍ عظيمةٍ واختصاصٍ قويٍّ كأنه سرى خداعهم إلى خداعه تعالى. ويدل على الفرق قوله في المثال ((إحاطة العلم بفضل زيدٍ لا به نفسه)) إذ ليس فيه ذكر العاطف، فلا يكون فيه معنى الاختصاص بل مجرد التوطئة كما في المبدل. والمصنف كثيراً يسلك في تراكيبه هذا الفن من العطف ويشبه أن يسمى بالعطف التفسيري.

لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه. ويعضده قراءة من قرأ: (يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) وهو أبو حيوة. و (يُخادِعُونَ) بيان لـ (يَقُولُ)، ويجوز أن يكون مستأنفا كأنه قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين وما رفقهم في ذلك؟ فقيل (يُخَادِعُونَ). فان قلت: عمّ كانوا يخادعون؟ قلت: كانوا يخادعونهم عن أغراض لهم ومقاصد منها متاركتهم وإعفاؤهم عن المحاربة وعما كانوا يطرقون به من سواهم من الكفار. ومنها اصطناعهم بما يصطنعون به المؤمنين من إكرامهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اعلم أن الوجه الثالث والرابع لا تستقيم جواباً للسؤال إلا أن يحمل خادعت على خدعت لما في تنزيل الله سبحانه وتعالى اسمه المقدس منزلة اسم رسوله، وجعل تمهيداً لذكر المؤمنين في هذا المقام للدلالة على الغضب الشديد على اعتدائهم، وإرادة الانتصار ممن يحاول خدعهم، وإنزال الهوان بهم، فلا يدخل في المعنى إثبات الخداع في جانب المؤمنين والله أعلم. ومن ثم عقبهما بقوله: (هل للاقتصار بخادعت على واحدٍ وجهٌ صحيح). قوله: (والمباراة)، الجوهري: فلانٌ يباري فلاناً، أي: يعارضه ويفعل مثل فعله، قال المصنف: هذا كما جاء يخاشي الله، أي: يخشاه خشيةً عظيمة. قوله: (رفقهم) أي: نفعهم، الأساس: ومن المجاز: هذا الأمر رافقٌ بك وعليك، ورفيق: نافعٌ بك، وأرفقني هذا الأمر ورفق بي: نفعني. قوله: (عم كانوا يخادعون؟ ) أي: عن أي شيءٍ من الأعراض كان يصدر خداعهم؟ ففيه تضمين معنى الصدور. قوله: (متاركتهم ... واصطناعهم ... واطلاعهم) هذه المصادر ثلاثتها مضافةٌ إلى المفعول، والفاعل المسلمون، والمفعول المنافقون. أي: متاركة المنافقين المسلمون، أي: لا يكلفونهم على المحاربة ويحمونهم عن الغير، ويحسنون إليهم كما يحسنون إلى المسلمين ويطلعونهم على أسرارهم. قوله: (يطرقون به)، الأساس: ومن المجاز: طرقه الزمان، أي: نوائبه، وأصابته طارقةٌ من الطوارق، ويقال: اصطنعت عنده صنيعةً، قال تعالى: (واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه: 41].

والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد، ومنها اطلاعهم - لاختلاطهم بهم - على الأسرار التي كانوا حراصا على إذاعتها إلى منابذيهم. فإن قلت: فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه الأغراض بخداعهم عنها. قلت: لم يظهر عليهم لما أحاط به علما من المصالح التي لو أظهر عليهم لانقلبت مفاسد واستبقاء إبليس وذرّيته ومتاركتهم وما هم عليه من إغواء المنافقين وتلقينهم النفاق أشدّ من ذلك. ولكن السبب فيه ما علمه تعالى من المصلحة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (منابذيهم)، الأساس: من المجاز: نبذ إلى العدو: رمى إليه بالعهد ونقضه، ونابذه منابذةً. قوله: (فلو أظهر عليهم) جواب ((لو)) محذوفٌ، أي: لو جعل الله تعالى نفاقهم ظاهراً على المسلمين إظهاراً جلياً حتى لا يصلوا إلى أغراضهم، ماذا كان؟ ولا يجوز أن يكون ((أظهر عليهم)) بمعنى أطلع عليهم إلا على تقدير حذفٍ، أي: أطلع الله على المؤمنين على أسرار المنافقين. قوله: (لانقلبت مفاسد) منها: أنهم إذا ستروا على المنافقين أحوالهم، خفي على المخالفين أمرهم، وحسبوا أنهم من جملة المسلمين وأن كلمتهم واحدة، فكان ذلك سبباً لاجتنابهم عن محاربة المسلمين لكثرة عددهم، بل يؤدي ذلك إلى استشعار الخوف منهم، وإذا أظهر الله عليهم، انقلبت إلى العكس. ومنها: أنهم إذا سمعوا مخاشنة المسلمين مع من يصحبهم، ومن اشتهر أنه منهم، كان ذلك سبباً لنفرتهم وعدم تآلفهم؛ روينا عن البخاري ومسلمٍ والترمذي عن جابرٍ، قال عمر رضي الله عنه: ألا نقتل يا نبي الله هذا الخبيث، يعني عبد الله بن أبيٍّ بن سلول؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه)) هذا مبنيٌّ على رعاية الأصلح، وإلا فالله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

فإن قلت: ما المراد بقوله: (وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)؟ قلت: يجوز أن يراد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإن قلت: ما المراد بقوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ)) [البقرة: 9] يعني أنك فسرت ((يخادعون الله)) بما فسرت. فما معنى (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ) والمخادعة إنما تكون بين اثنين، فكيف يخادع أحدٌ نفسه؟ وأجاب عنه بوجوهٍ ثلاثةٍ أحدها: أن قوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ)، ذكر لمشاكلته ((يخادعون الله)) المراد به الاستعارة كما سبق، أي: لما كان ذلك مبنياً على المفاعلة، جعل الذي من طرفٍ واحدٍ مثله، روماً للمشاكلة. قال الواحدي: فلما وقع الاتفاق على الألف في قوله (يُخَادِعُونَ اللَّهَ) أجرى الثاني على الأول، طلباً للتشاكل. وقال المرزوقي في قول الطائي: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي لما قال في آخر البيت: ((ماء بكائي)) قال في الأول: ((ماء الملام)) فأقحم اللفظ على اللفظ إذ كان من سببه، كقوله تعالى: (وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) [الشورى: 40] فالثانية جزاءٌ وليست بسيئةٍ، فجاء باللفظ على اللفظ إذ كان من سببه، فكذا ها هنا، لما كان خداع أنفسهم- أي: إيصال الضرر إليها- مسبباً عن تلك المخادعة المشبهة بمغافلة المخادعين ومصاحباً له، قيل: يخادعون، فجاء باللفظ على اللفظ. وثانيهما: أن يراد حقيقة المخادعة الواقعة بين اثنين، لكن على أسلوب التجريد. قال ابن الأثير: إنهم يجردون من أنفسهم شخصاً آخر، ثم يخاطبونه كخطاب الغير. قال الأعشى:

وما يعاملون تلك المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم، ومكرها يحيق بهم، كما تقول: فلان يضارّ فلانا وما يضارّ إلا نفسه، أى: دائرة الضرار راجعة إليه وغير متخطية إياه، وأن يراد حقيقة المخادعة أى: وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل ويكذبونها فيما يحدثونها به، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدّثهم بالأمانى وأن يراد: وما يخدعون فجيء به على لفظ «يفاعلون» للمبالغة. وقرئ: (وَمَا يَخْدَعونَ)، و (يُخَدِّعون) من خدَّع. و (يَخدعون) بفتح الياء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولن تطيق وداعاً أيها الرجل وإليه الإشارة بقوله: ((وهم في ذلك يخدعون أنفسهم، وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدثهم)). قوله: (وأن يراد: وما يخدعون) هذا الجواب وما قبله صريحٌ في أن السؤال عن استعمال ((يُخادِعون)) في جانبٍ واحد. والوجه الثالث أيضاً تجريدٌ لكن من جانبٍ واحدٍ، كأن كل واحدٍ منهم جرد من نفسه شخصاً يخدعه. قوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ) قرأها عاصمٌ وحمزة والكسائي وابن عامرٍ، والباقون: (وَمَا يَخْدَعُونَ) قراءة عبد السلام بن شداد والجارود.

بمعنى: يختدعون. ويخدعون. ويخادعون على لفظ ما لم يسم فاعله. والنفس: ذات الشيء وحقيقته. يقال عندي كذا نفساً. ثم قيل للقلب: نفس لأن النفس به. ألا ترى إلى قولهم: (المرء بأصغريه)؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا على قولك: خدعت زيداً نفسه، أي: عن نفسه على إرادة الإيصال، أو يحمل على المعنى، فيضمر له ما ينصبه، وذلك أن قولك: خدعت زيداً عن نفسه، يدخله معنى انتقصته نفسه، وملكت عليه نفسه، وهذا من أسد مذاهب العربية؛ وذلك أنه موضعٌ يملك فيه المعنى عنان الكلام، فيأخذه إليه ويصرفه بحسب ما يؤثره، وجملته: أنه متى كان فعلٌ من الأفعال في معنى فعلٍ آخر، فكثيراً ما يجزى أحدهما مجرى صاحبه، فيعدل في الاستعمال به إليه، ويحتذى به في تصرفه حذو صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (هَل لَّكَ إلَى أَن تَزَكَّى) [النازعات: 18] أي: في أن تزكى، فنظر معه معنى قولك: أجذبك إلى كذا، وأدعوك إليه. قوله: (ثم قيل للقلب: نفسٌ) إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، ولذلك قال: ((لأن النفس به)) أي: النفس تقوم بالقلب. قوله: (المرء بأصغريه) قال الميداني: يعني بهما القلب واللسان، وقيل لهما: الأصغران لصغر حجمهما. ويجوز أن يسميا الأصغرين ذهاباً إلى أنهما أكثر ما في الإنسان معنىً وفضلاً، كما قيل: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، والجالب للباء معنى القيام كأنه قال: المرء تقوم معانيه بهما، ويكمل المرء بهما، وأنشد لزهيرٍ: وكائن ترى من صامتٍ لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التكلم

وكذلك بمعنى الروح، وللدم نفس؛ لأن قوامها بالدم. وللماء نفس لفرط حاجتها إليه: قال اللَّه تعالى: (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء: 30]. وحقيقة نفس الرجل بمعنى عين أصيبت نفسه، كقولهم: فلان يؤامر نفسيه - إذا تردّد في الأمر اتجه له رأيان وداعيان لا يدرى على أيهما يعرج كأنهم أرادوا ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لسان الفتى نصفٌ، ونصفٌ فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم فالنفس على هذا بمعنى الجملة لقوله: المرء بأصغريه. قوله: (وكذلك بمعنى الروح) عطفٌ على قوله: ((والنفس ذات الشيء)) أي: وكذلك جاء النفس بمعنى الروح. وقوله: ((ثم قيل للقلب نفسٌ)) مجازٌ متفرعٌ على الأول. وقوله: (للدم نفسٌ) متفرعٌ على الثاني يدل عليه قوله: ((لأن قوامها)) أي: قوام الروح بالدم، لأنه مقابلٌ لقوله: ((لأن النفس به)). قال في الأساس: ومن المجاز: دفق نفسه، أي: دمه. وعن النخعي: كل شيءٍ ليست له نفسٌ سائلةٌ فإنه لا ينجس الماء. ومنه: النفاس. وقوله: (وحقيقة نفس الرجل) متفرعٌ على الأول. قوله: (وقولهم) مبتدأٌ، والخبر ((كأنهم))، والعائد محذوف، و ((إذا)) ظرف قولهم.

داعي النفس، وهاجسي النفس فسموهما: نفسين، إما لصدورهما عن النفس، وإما لأن الداعيين لما كانا كالمشيرين عليه والآمرين له، شبهوهما بذاتين فسموهما نفسين. والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم. والمعنى بمخادعتهم ذواتهم: أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم ولا يتخطاهم إلى من سواهم. ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم. والشعور علم الشيء علم حس. من الشعار. ومشاعر الإنسان: حواسه. والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادى غفلتهم كالذي لا حسّ له. واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة ومجازاً؛ فالحقيقة: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هاجسي النفس)، النهاية: الهاجسة: هي ما يهجس في الضمائر، أي: ما يخطر بها ويدور فيها من الأحاديث والأفكار. قوله: (إما لصدورهما عن النفس) أي: هو من إطلاق المحل وإرادة الحال. قوله: (ذواتهم: أن الخداع لاصقٌ بهم) مبنيٌّ على الوجه الأول في الجواب عن معنى المخادعة على طريق المشاكلة، وقوله: ((ويجوز أن يراد قلوبهم)) على الوجه الثاني على سبيل التجريد. قوله: (واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقةً) تحقيقه ما أشار إليه الإمام: أن الإنسان إذا صار مبتلًى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه، ودام به، فربما صار سبباً لتغير مزاج القلب وتألمه. قال أبو الطيب: والهم يخترم النفوس مخافةً ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم

أن يراد الألم كما تقول في جوفه مرض. والمجاز أن يستعار لبعض أعراض القلب، كسوء الاعتقاد، والغل، والحسد والميل إلى المعاصي، والعزم عليها، واستشعار الهوى، والجبن، والضعف، وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم قال: في قوله: ((فالحقيقة أن يراد الألم)) نظر؛ لأن الألم مسببٌ عن المرض لا نفس المرض. قال القاضي: المرض: حقيقةٌ فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال الخاص به، ويوجب الخلل في أفعاله، ومجازٌ في الأعراض النفسانية التي تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصي، لأنها مانعةٌ عن نيل الفضائل أو مؤديةٌ إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية. قوله: (كسوء الاعتقاد) إلى آخره، جعل أمراض القلب على نوعين: أحدهما: ما يتعلق بالدين وهو المراد بقوله: ((كسوء الاعتقاد)) وهو الكفر والبدعة. وثانيهما: ما يتعلق بالأخلاق، وهو إما ما يصدر به عن فاعله الرذائل، وهو المراد بقوله: ((الغل والحسد والميل إلى المعاصي)) وجعل طلب الشهوات شعاراً له. أو يمنعه من نيل الفضائل وهو المراد بقوله: ((والجبن والضعف)) فإن الجبن يمنعه من الشجاعة وكف الأذى عن نفسه وطلب معالي الأمور، والضعف يمنعه عن بذل المعروف، ويحمله على أن يقنع بسفساف الأمور، ولهذا لما نشر هذا الكلام جاء بلفظة ((أو)) في الوجهين الآخرين. ومعنى الاستئناف في قوله: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) [البقرة: 10] كمعنى الاستئناف في قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [البقرة: 7].

كما استعيرت الصحة والسلامة في نقائض ذلك. والمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر، أو من الغل والحسد والبغضاء، لأن صدورهم كانت تغلى على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين غلاً وحنقاً ويبغضونهم البغضاء التي وصفها اللَّه تعالى في قوله: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران: 118]، ويتحرقون عليهم حسدا (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) [آل عمران: 120]، وناهيك مما كانمن ابن أبىّ وقول سعد بن عبادة لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويتحرقون) من حرق نابه، أي: سحقه حتى يسمع له صريفٌ، فهو كنايةٌ عن الغيظ الذي جلبه الحسد. قوله: (ناهيك)، الجوهري: يقال: هذا رجلٌ ناهيك من رجل، أي: أنه بجده وغنائه ينهاك عن تطلب غيره. والباء في قوله: ((بما كان من ابن أبيٍّ)) كالباء في حسبك بزيدٍ. المعنى: يكفيك ما كان من ابن أبي بن سلول من الحسد والبغضاء أي: شدة البغض. روينا عن الشيخين: البخاري ومسلم، عن أسامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمارٍ، وأردف أسمة بن زيدٍ يعود سعد بن عبادة، قبل وقعة بدرٍ، فسارا حتى مرا بمجلسٍ فيه عبد الله ابن أبي بن سلول قبل إسلامه، وفي المجلس أخلاطٌ من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله ابن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله ابن أبي: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًّا فلا تؤذونا به في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، واستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ثم ركب صلى الله عليه وسلم فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا سعد، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟ )) يريد صلى الله عليه وسلم

اعف عنه يا رسول اللَّه واصفح، فواللَّه لقد أعطاك اللَّه الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة، فلما ردّ اللَّه ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك. أو يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخور؛ لأن قلوبهم كانت قوية؛ إما لقوة طمعهم فيما كانوا يتحدثون به أن ريح الإسلام تهب حيناً ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عبد الله ابن أبي، ((قال، كذا وكذا))، فقال: يا رسول الله اعف عنه، ثم ساقا الحديث كما أورده المصنف مع تغييرٍ سيرٍ. فالحديث دل على أن ابن أبي كان كافراً محضاً، ولم يكن منافقاً حينئذٍ، والذي يعلم من ظاهر كلام المصنف أنه كان منافقاً، ولعل مراده من إيراد قصته مجرد إظهار الحسد والبغضاء دون النفاق. قوله: (هذه البحيرة) البحيرة: كل قريةٍ واسعة، قال في ((الفائق)): البحيرة: المدينة، يقولون: هذه بحيرتنا، أي: أرضنا وبلدتنا. قوله: (أن يعصبوه) من العصابة؛ العمامة يعصب بها الرأس، وهو كنايةً عن التسويد، لأن العمائم تيجان العرب. قوله: (شرق بذلك) الشرق: الشجى والغصة. وقد شرق بريقه، أي: غص ولم يقدر على إساغته لتعاظمه إياه، كأنه اعترض في حلقه فغص به كما يغص الشارب بالماء. قوله: (أن ريح الإسلام) قال: الريح: الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيتها بالريح وهبوبها، وأنشد:

ثم تسكن ولواءه يخفق أياما ثم يقرّ، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال اللَّه على رسوله النصر وإظهار دين الحق على الدين كله. وإما لجرامتهم وجسارتهم في الحروب فضعفت جبناً وخورا حين قذف اللَّه في قلوبهم الرعب وشاهدوا شوكة المسلمين وإمداد اللَّه لهم بالملائكة. قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر»». ومعنى زيادة اللَّه إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحى فسمعوه كفروا به فازدادوا كفراً إلى كفرهم، فكأن اللَّه هو الذي زادهم ما ازدادوه إسنادا للفعل إلى المسبب له، كما أسنده إلى السورة في قوله: (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: 125]؛ لكونها سبباً؛ أو كلما زاد رسوله نصرة وتبسطا في البلاد ونقصاً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فعقبى كل خافقةٍ سكون قوله: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) في حديثٍ طويلٍ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. الرعب: الفزع والخوف. قال صاحب ((الجامع)): وذلك أن أعداء النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أوقع الله في قلوبهم الرعب، فإذا كان بينه صلوات الله عليهم وبينهم مسيرة شهرٍ، هابوه وفزعوا منه فلا يقدموا على لقائه. قوله: (فازدادوا كفراً إلى كفرهم) هذا على تقدير أن يكون المراد بالمرض سوء الاعتقاد. قوله: (إسناداً للفعل) مصدرٌ لفعلٍ محذوفٍ. وفيه إشارةٌ إلى مذهبه، يعني: أنه تعالى لما كان سبباً للفعل وهو إنزاله الوحي أسند ازدياد المرض إلى نفسه.

من أطراف الأرض ازدادوا حسدا وغلا وبغضا وازدادت قلوبهم ضعفا وقلة طمع فيما عقدوا به رجاءهم وجبنا وخورا. ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع. وقرأ أبو عمرو في رواية الأصمعى: (مرضٌ) و (مرضاً) بسكون الراء: يقال ألم فهو أَلِيمٌ كوجع فهو وجيع ووصف العذاب به نحو قوله: تحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ازدادوا حسداً وغلاً) هذا على التفسير الثاني. قوله: (أن يراد بزيادة المرض الطبع) يؤيد هذا الوجه إعادة ذكر المرض المنكر، وعدم الاكتفاء بالضمير في قوله: (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)؛ لأن النكرة إذا أعيدت دلت على غير ما تدل عليه أولاً، ففيه لمحةٌ من معنى قوله تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئةً نكتت في قلبه نكتةٌ، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران)) أخرجه أحمد بن حنبلٍ والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة. قوله: (وقرأ أبو عمرو) وهي شاذة. قال ابن جني: لا يجوز ((مرضٌ)) مخففاً من مرض، لأن المفتوح لا يخفف إلا شاذًّا، وإنما ذلك في المكسورة والمضمومة، فينبغي أن يكون أصله من مرضٍ لغةٌ في مرض كالحَلْبِ والحَلَب. قوله: (تحية بينهم ضربٌ وجيع) أنشد أوله الزجاج: وخيلٍ قد دلفت لهم بخيلٍ

وهذا على طريقة قولهم: جدّ جدّه. والألم في الحقيقة للمؤلم كما أنّ الجدّ للجادّ، والمراد بكذبهم قولهم آمنا باللَّه وباليوم الآخر. وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخييل أن العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم. ونحوه قوله تعالى: (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح: 25]، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: أصحاب خيل، دلفت: دنوت، يقال: دلفت الكتيبة في الحرب، أي: تقدمت، والتحية مصدر حييته تحيةً، أي: رب جيشٍ قد تقدمت إليها بجيشٍ، والتحية بينهم: الضرب بالسيف لا القول باللسان كما هو العادة، والوجيع في الحقيقة المضروب لا الضرب. قوله: (طريقة قولهم: جَدَّ جِدُّه) أي: طريقة الإسناد المجازي. قيل: يجوز أن يكون ((أليم)) بمعنى مؤلم، كالسميع بمعنى المسمع، والنذير بمعنى المنذر، وأنشد الزجاج لعمرو بن معدي كرب: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع وقال: معنى السميع: المسمع. قوله: (وفيه رمزٌ إلى قبح الكذب) وهو من باب التعريض، عرض بالمؤمنين، فإن المؤمن متى سمع أن العذاب ترتب على الكذب دون النفاق- على أن النفاق من أعظم أنواع الكفر، وأن صاحبه في الدرك الأسفل من النار- تخيل في نفسه تغليظ معنى الكذب، وتصور سماجته فانزجر منه أعظم الانزجار، وإليه الإشارة بقوله: (وإنما خصت الخطيئات استعظاماً لها، وتنفيراً عن ارتكابها)) وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ) [غافر: 7] وحملة العرش ليسوا ممن لا يؤمنون، وذكر الإيمان لشرفه والترغيب فيه، وإنما خص هذا النوع، وهو التعريض بالرمز إذ الرمز إشارةٌ إلى المقصود من قريب مع نوع خفاءٍ، والتعريض كذلك.

والقوم كفرة، وإنما خصت الخطيئات استعظاما لها وتنفيرا عن ارتكابها. والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به وهو قبيح كله. وأما ما يروى عن إبراهيم عليه السلام أنه كذب ثلاث كذبات؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأما ما يروى عن إبراهيم صلوات الله عليه: أنه كذب ثلاث كذباتٍ) جوابٌ عن سؤالٍ مقدرٍ يرد على قوله: ((هو قبيحٌ كله)) وهو يحتمل أن يكون مخصصاً لذلك العام، وأن يراد أن هذا لا يعد كذباً، لأنه تعريضٌ، ومن ثم قيل: إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب. ويدل على أن مراد المصنف هو الاحتمال الأول: قوله في ((الصافات)): ((والصحيح أن الكذب حرامٌ إلا إذا عرض وروى)) والذي قاله إبراهيم عليه السلام تعريضٌ، لأنه جاء بأداة الاستثناء، لكن الاحتمال الثاني أولى أن يصار إليه، لأن حد الكذب على ما قال ((هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به)) لا يصدق عليه، فإن المعاريض والمجازات والنصوص الواردة على العموم أخبارٌ مقيداتٌ بالقرائن المانعة عن الحمل على الكذب؛ إما لفظاً، أو تقديراً بحسب اقتضاء المقام، ومن ثم قال صاحب ((المفتاح)): إن الكذاب لا ينصب دليلاً على كذبه. وأما تخصيص هذا العام، فهو إذا أريد بالكذب المكيدة في الحرب، والتقية، وإرضاء الزوج، والصلح بين المتخاصمين على ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن أم كلثوم بنت عقبة: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين، فيقول خيراً وينمي خيراً)). وزاد مسلم: ولم أسمعه يرخص في شيءٍ مما يقول الناس

فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمى به، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كذبٌ إلا في ثلاثٍ، يعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل زوجته، وحدي المرأة زوجها. وفي أفراد ((الترمذي)): يا أيها الناس، ما يحملكم على أن تتابعوا على الكذب كتتابع الفراش في النار؟ الكذب كله على ابن آدم حرام إلا في ثلاث خصال: رجلٌ كذب امرأته ليرضيها، ورجلٌ كذب في الحرب، فإن الحرب خدعة، ورجلٌ كذب بين مسلمين ليصلح بينهما. رواه عن أسماء بنت يزيد. قوله: (فالمراد التعريض) وهو اللفظ المشار به إلى جانب، والغرض جانبٌ آخر، ويسمى تعريضاً لما فيه من التعوج عن المطلوب، يقال: نظر إليه بعرض وجهه، أي: بجانبه، ومنه المعاريض في الكلام، وهو التورية بالشيء. وتفسيره الكذبات بالتعريض يوافق ما روينا عن ((الترمذي)) عن أبي سعيدٍ في حديث الشفاعة ((فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات)) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منها كذبةٌ إلا ما حل بها عن دين الله)) أي: خاصم وجادل وذب عن دين الله، وتلك الكذبات على ما روينا في حديثٍ آخر في الشفاعة عن الشيخين والترمذي عن إبراهيم عليه السلام: ((إني كذبت ثلاث كذبات)) وفي روايةٍ فقال: وذكر قوله في الكوكب: (هَذَا رَبِّي) وقوله في

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ آلهتهم: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وقوله: (إنِّي سَقِيمٌ). ووجه التوفيق: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما حل)) أي: جادل، وهو معنى التعريض، لأنه نوعٌ من الكناية، ونوعٌ من التعريض يسمى بالاستدراج، وهو: إرخاء العنان مع الخصم في المجاراة ليعثر حيث يراد تبكيته، فسلك إبراهيم عليه السلام مع القوم هذا المنهج. أما قوله في الكوكب: (هَذَا رَبِّي) فقال المصنف: ((فكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، ويرشدهم إلى أن شيئاً منها لا يصلح للإلهية لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثاً أحدثها)). وأما قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) فتنبيهٌ على أن الإله الذي لم يقدر على دفع المضرة عن نفسه كيف يرجى منه دفع الضرر عن الغير. وأما قوله: (إنِّي سَقِيمٌ) فإنه عليه السلام أوهمهم أنه استدل بأمارة علم النجوم على أنه سقيمٌ ليتركوه، فيفعل بالأصنام ما أراد أن يفعل، أو سقيمٌ لما أجد من الغيظ والحنق باتخاذكم النجوم آلهةً، وفيه توقيفٌ على إبطال علم النجوم. فإن قلت: فإذا شهد له الصادق المصدوق بالبراءة، فما له يشهد على نفسه بها على أن تسميتها وأنها معاريض بالكذبات إخبارٌ بالشيء على خلاف ما هو به؟ قلت: نحن وإن أخرجناها عن مفهوم الكذبات باعتبار التورية وسميناها معاريض، فلا ننكر أن صورتها صورة التعوج عن المستقيم، فالحبيب قصد إلى براءة ساحة الخليل عما لا يليق بها، فسماها معاريض، والخليل لمح إلى مرتبة الشفاعة هنالك، وأنها مختصةٌ بالحبيب، فتجوز في

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكذبات. ألا ترى إلى ما رواه أنسٌ وأخرجه الشيخان: ((فيأتون آدم فيقولون: اشفع لذريتك فيقول: لست لها)) وفي روايةٍ: ((لست هناكم)) فيذكر خطيئته، وعلى هذا نوحٌ وإبراهيم وموسى عليهم السلام إلى قوله: ((فيأتون فأستأذن على ربي)) الحديث. وإلا فما وجه ذكر الخطيئات وقد غفرت لهم بالنصوص القاطعة. ويمكن أن يقال: إنهم من هول ذلك اليوم، وما بهم من شأن أنفسهم، يدفعونهم بذلك. ويعضده ما أخرجه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة في حديثٍ طويلٍ: ((فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله، اشفع لنا إلى ربك، فيقول لهم: إني ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات، فذكرها ... نفسي نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري)) الحديث. ونظيره قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا) [المائدة: 109]. قال المصنف: ((قيل هو من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب)). هكذا ينبغي أن يتصور هذا المقام، فإنه من مزال الأقدام، ألا ترى إلى الإمام كيف ذهل عن ذلك، وطعن في الأئمة، وقال في سورة يوسف: ((الأولى ألا تقبل مثل هذه الأحاديث لئلا يلزمنا تكذيب الأنبياء))، ولا شك أن صونهم من نسبة الكذب إليهم أولى من صون الرواة، والله أعلم.

وعن أبي بكر رضى اللَّه عنه وروى مرفوعاً: «إياكم والكذب فإنه مجانب للإيمان» وقرئ (يكذبون) من "كذبه" الذي هو نقيض صدقه أو من كذّب الذي هو مبالغة في كذب، كما بولغ في صدق فقيل: صدّق. ونظيرهما: بان الشيء وبين، وقلص الثوب وقلص؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وروي مرفوعاً) المرفوع: هو الحديث الذي أسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان مجانباً للإيمان لما مضى أن الإيمان هو التصديق، والتصديق أمانٌ للمُصَدَّقِ عما يتوهم من المٌصَدَّقِ من خوف التكذيب، ويطابقه من حيث المعنى ما أورد الإمامان مالكٌ وأحمد بن حنبلٍ في ((مسنديهما)) عن مالك بن صفوان، قلنا: يا رسول الله، أيكون المؤمن جباناً؟ قال: ((نعم))، قيل: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: ((نعم))، قيل: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: ((لا)). قوله: (وقرئ: (يكذبون)) وهي قراءة نافعٍ وابن كثيرٍ وأبي عمروٍ وابن عامر، وقرأ الكوفيون بالتخفيف وفتح الياء. قوله: (قَلَصَ الثوب وقلَّصَ) أي: انزوى بعد الغسل.

أو بمعنى الكثرة كقولهم: موتت البهائم، وبركت الإبل، أو من قولهم: كذب الوحشي إذا جرى شوطا ثم وقف لينظر ما وراءه لأن المنافق متوقف متردّد في أمره، ولذلك قيل له مذبذب. وقال عليه السلام: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو بمعنى الكثرة) عطفٌ على قوله: ((هو مبالغة))، والفرق بين الكثرة والمبالغة: أن الكثرة تفيد صدور هذا المعنى من الشخص مراراً كثيرةً، والمبالغة لا تستدعي المرات، بل المراد أن الشخص في نفسه بليغٌ في كذبه، كأنه بمنزلة مارٍ كثيرة. قال في سورة ((مريم)): ((الصديق من أبنية المبالغة كالضحيك، والمراد كثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله، أو كان بليغاً في الصدق لأن ملاك أمر النبوة الصدق)). قوله: (ومن قولهم: كذب الوحشي) عطفٌ على قوله: ((ومن كذبه الذي هو نقيض صدقه))؛ فعلى هذا هو استعارةٌ تبعيةٌ واقعةٌ على التمثيل لقوله: ((لأن المنافق متوقفٌ مترددٌ في أمره))، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المنافق)) إلى آخره. والحديث أخرجه مسلمٌ والترمذي؛ والرواية: ((كالشاة)) قال التوربشي: العائرة أكثر ما تستعمل في الناقة وهي التي تخرج من الإبل إلى أخرى ليضربها الفحل، ثم اتسع في المواشي. قوله: (بين الغنمين) أي: ثلتين، فإن الغنم اسم جنس. أي: المنافق يتردد بين الثلتين فلا يستقر على حالٍ، ولا يثبت مع إحدى الطائفتين كالشاة العائرة التي تطلب الفحل. قلت: وفيه أيضاً معنى سلب الرجولية عنهم، وتصوير شناعة فعلهم.

[(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ* وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ* وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ*)]. (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ) معطوف على (يكذبون). ويجوز أن يعطف على: (يَقُولُ آمَنَّا)؛ لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحاً، والأوّل أوجه ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأول أوجه) قال صاحب ((التقريب)): إنما كان أوجه، لأنه أقرب، وليفيد تسببه للعذاب أيضاً. وقلت: وليؤذن أن صفة الفساد يحترز منها لقبحها كما يحترز عن الكذب تعريضاً كما سبق، ويمكن أن ينصر القول الثاني بأن يقال: إن في العطف على (يَقُولُ آمَنَّا) [البقرة: 8] تصييراً للآيات على سنن تعديد قبائحهم كما ذكره، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم، ولا شك أن قوله: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) الآية [البقرة: 10] متعلقٌ بقوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) على سبيل التعليل، فإذا عطف على ((يكذبون)) يكون تابعاً للتابع وإذا عطف على ((يقول)) كان مستقلاًّ مثله مذيلاً بقوله: (أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) [البقرة: 12] كما ذيلت الآيات السابقة واللاحقة، ومن ثم فضل قول المتنبي: إذا كان مدحٌ فالنسيب المقدم ... أكل فصيحٍ قال شعراً متيم؟ ! على قوله: مغاني الشعب طيباً في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية. قال اللَّه تعالى: (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) [البقرة: 205]، (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) [البقرة: 30]. ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد. وكان فساد المنافقين في الأرض. أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن المصراع الأول في البيت الأول مستقلٌ بنفسه بخلافه في الثاني، وأيضاً إذا ترتب إيجاب العذاب على الكذب وحده، ليكون سبباً مستقلاًّ، واستوجب هذا القول عذاباً آخر أفظع منه؛ لإطلاقه، كان أبسط للكلام وأشرح له لا سيما المقام يقتضي الإطناب. قوله: (لأن في ذلك فساد ما في الأرض) تعليلٌ لتسمية هيج الفتن بالفساد؛ لأن هيج الفتن سببٌ لانتفاء استقامة أحوال الناس من سفك الدماء وهلاك الزروع، وممالأة المنافقين الكفار على المسلمين سببٌ لهيج الحروب كما قال، فتكون الممالأة سبباً بعيداً، وأما قوله تعالى: (وإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ) [البقرة: 205] فهو إشارةٌ إلى هيج الحروب والفتن، وقوله: (ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ) [البقرة: 205] إشارةٌ إلى فساد أحوال الناس والزروع. وقوله: (حرب الفساد) قيل: سمى هذا الحرب به؛ لأنهم مثلوا فيها بأنواع المثل؛ جدعوا الأنوف وصلموا الآذان. قوله: (يمالئونهم)، النهاية: في حديث عمر رضي الله عنه: ((لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به))، أي: تساعدوا واجتمعوا وتعاونوا، ومنه حديث عليٍّ رضي الله عنه: والله ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله، أي: ما ساعدت ولا عاونت.

وذلك مما يؤدي إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لهم: لا تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته. و «إنما» لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب. ومعنى إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد. وأَلا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا كقوله: (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ) [القيامة: 40]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: مالأته: عاونته وصرت من ملئه، أي: جمعه، نحو: شايعته، أي: صرت من شيعته. قوله: (إنما لقصر الحكم على شيءٍ) أي: لقصر المسند على المسند إليه كقولك: إنما ينطلق زيدٌ. فهو لقصر الانطلاق على زيدٍ؛ لأنه فرع قولك: ما ينطلق إلا زيدٌ، فيلزم أن لا يكون أحدٌ منطلقاً، ولا يلزم أن لا يكون له صفةٌ غير الانطلاق. قوله: (أو لقصر الشيء على حكم) أي: لقصر المسند إليه على المسند كقولك: إنما زيدٌ كاتبٌ، فهو لقصر زيدٍ على الكتابة؛ لأنه فرع قولك: ما زيدٌ إلا كاتبٌ، فيلزم أن لا يكون له صفةٌ غيرها، ولا يلزم أن لا يكون غيره كاتباً، وقوله تعالى: (إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) [البقرة: 11] من قبيل الثاني، وتقريره: أن المسلمين لما قالوا لهم: لا تفسدوا في الأرض، توهموا أن المسلمين أرادوا بذلك أنكم تخلطون الإفساد بالإصلاح، فأجابوا: بأنا مقصورون على الإصلاح لا نتجاوز إلى الإفساد ولا نتخطى إليه بوجهٍ من الوجوه، فيلزم منه عدم الخلط. وإليه أومأ بقوله: ((إن صفة المصلحين خلصت لهم)) إلى آخره فهو لقصر الإفراد، فأجيبوا بالقصر القلبي وهو (أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ) [البقرة: 12]، لإفادة ضمير الفصل وتعريف الجنس في الخبر أنهم

ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي «أما» من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والّذِى لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ أَمَا والّذِى أَبْكَى وأَضحَكَ ...... ردّ اللَّه ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ ردّ وأدله على سخط عظيم، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إن تصورت صفة المفسدين، وتحققوا ما هم، فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة، كما سبق في: (وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ) [البقرة: 5]. قال القاضي: تصوروا الفساد تصور الصلاح لما في قلوبهم من المرض (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) [فاطر: 8]. قوله: (من مقدمات اليمين وطلائعها) طليعة الجيش: ما يتقدم الجيش، فاستعير ها هنا للمقدمة. قوله: (أما والذي لا يعلم الغيب غيره) تمامه: ويحيي العظام البيض وهي رميم قوله: (أما والذي أبكى وأضحك) تمامه: والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر وجواب القسم بعده: لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر

والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في كلتا الكلمتين ألا. وإن من التأكيدين وتعريف الخبر وتوسيط الفصل. وقوله: (لا يَشْعُرُونَ). أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب وجرّه إلى الفساد والفتنة. والثاني: تبصيرهم الطريق الأسد من اتباع ذوى الأحلام، ودخولهم في عدادهم فكان من جوابهم أن سفهوهم لفرط سفههم، وجهلوهم لتمادى جهلهم. وفي ذلك تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة. فإن قلت: كيف صح أن يسند (قيل) إلى (لا تفسدوا) و (آمنوا) وإسناد الفعل إلى الفعل مما لا يصح؟ قلت: الذي لا يصح هو إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسناد له إلى لفظه، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمبالغة فيه من جهة الاستئناف) أي: ترك العاطف ليفيد ضرباً من المبالغة، وذلك أن ادعاءهم الإصلاح لأنفسهم على ما ادعوه مع توغلهم في الإفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكم الله تعالى عليهم، وكان وروده هكذا أي: على التشويق، يفيد المبالغة، فإن الشيء إذا وجد بعد الطلب كان أعز مما فوجئ به من غير التعب. وفي قوله: (لاَّ يَشْعُرُونَ) أيضاً تأكيدٌ؛ لأن الشعور عِلْمُ الشيء عِلْمَ حسٍّ، فإذا نفى شعورهم كان أدعى لظهور الفساد، ولأن من ركب متن الفساد وله شعورٌ بقبحه ربما نزل منه، ولكن إذا فقد الشعور به بلغ غايته. قوله: (أتوهم) هذا شروعٌ في تفسير قوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) [البقرة: 13] بعد ما فرغ من تفسير قوله: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا) [البقرة: 11] على سبيل ترتيب النظم، أي: المسلمون نصحوا المنافقين أولاً: بإزالة ما لا ينبغي وهو الإفساد في الأرض، وثانياً: بتحصيل ما ينبغي وهو الإصلاح بإتباع دين الحق والانخراط في زمرة المؤمنين.

فهو نحو قولك: ألِفٌ: ضربٌ من ثلاثة أحرف. ومنه: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مثل استيعابه النصيحة من قطريها واحتيازها من جانبيها بمن أتى الشيء من جميع أكنافه، وهو مقتبسٌ من قوله تعالى: (لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ) [الأعراف: 17] أي: لآتينهم في الوسوسة من جميع جهاتها. قال المصنف: ((هذا مثلٌ لوسوسته وتسويله ما أمكنه)). قوله: (فهو نحو قولك: ألفٌ: ضربٌ) قال صاحب ((الفرائد)): وفيه نظر، لأن ((ضربٌ)) هنا ليس بفعل، و ((لا تفسدوا)) فعلٌ باعتبار، والجملة تذكر بعد القول مفعولاً بها كقولك: قلت لا تفعل، فأقيمت مقام الفاعل بعد ترك الفاعل، وأسند الفعل إليها بالنظر إلى أنها كلام، وقوله: ((ضربٌ)) ليس بفعلٍ، يعني أنه تأويل لفظ ((ضَرَبَ)) ولم يرد ب ((ضَرْب)) الإخبار عن الضرب الحاصل في الزمان الماضي، بخلافه في: لا تفسدوا، فإنه أريد به معناه، أي: طلبوا إنشاء عدم الإفساد، غير أن الجملة في مقول بمنزلة المفعول به في فعلٍ آخر، ومنظورٌ إلى كونها كلاماً مفرداً. وأجيب عنه: أن قوله: ((ألفٌ ضربٌ)) مثل: ((لا تفسدوا)) من حيث الإسناد إلى اللفظ وهذا يكفي في التشبيه، وذلك أن الفعل إذا أسند إليه اعتبار اللفظ لا يخلو إما أن لا يكون للمعنى فيه مدخلٌ رأساً كقولك: ألفٌ ضربٌ من ثلاثة أحرفٍ، أو يكون له مدخلٌ ما، كقوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا) [البقرة: 11]. وأما تخصيصه بالمفعول به، ففيه كلام. قال ابن الحاجب في ((الأمالي)): الجملة الواقعة بعد القول إذا بني لما لم يسم فاعله، تقوم مقام الفاعل كقوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا) وكذلك ما أشبهه، لأن القول تحكى بعده الجمل في موضع نصبٍ بالاتفاق، إلا أنها هي مصدرٌ أو مفعولٌ به، وإن قلنا: لا يتعدى، كانت الجملة في

"زعموا: مطية الكذب" و «ما» في (كما) يجوز أن تكون كافة مثلها في: (رُبَما)، ومصدرية مثلها في: (بِما رَحُبَتْ) [التوبة: 25]. واللام في (الناس) للعهد، أي: كما آمن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ومن معه. أو هم ناس معهودون كعبد اللَّه بن سلام وأشياعه لأنهم من جلدتهم ومن أبناء جنسهم، أى: كما آمن أصحابكم وإخوانكم، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ موضع نصبٍ بالمصدر، وكان ثم غير المصدر من المفاعيل أقيم كل واحدٍ مقام الفاعل وإن لم يكن تعين المصدر. وقال في ((شرح المفصل)): ومتعلق القول في المعنى هو القول، وإنما يكون فيه خصوصيةٌ تذكر خاصيته فيتوهم أنه متعلقٌ به، وليس كذلك. وتحقيق القول ما ذكره أبو البقاء، قال: القائم مقام الفاعل مصدرٌ وهو القول، وأضمر لأن الجملة بعده تفسره، والتقدير: وإذا قيل لهم قولٌ هو لا تفسدوا. قوله: (زعموا مطية الكذب) مبتدأٌ وخبر. قال صاحب ((النهاية)): إن الرجل إذا أراد السير إلى بلدٍ والظعن في حاجةٍ، ركب مطيته وسار حتى يقضي أربه، فشبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل به إلى غرضه من قوله: زعموا كذا وكذا، بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة، وإنما يقال: ((زعموا)) في حديثٍ لا سند له ولا ثبت فيه، وإنما يحكى عن الألسن على سبيل البلاغ. قوله: (من جلدتهم) جملتهم، الجوهري: أجلاد الرجل: جسمه وبدنه، كقولهم: فلانٌ بضعةٌ مني، وفي الحديث ((لحمه لحمي، ودمه دمي)) أي: هو مني ومن جملتي.

أو للجنس، أي: كما آمن الكاملون في الإنسانية. أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة). اعلم أن التعريف الجنسي يحمل ادعاءً، تارةً على الكمال كما في قوله تعالى: (الم* ذَلِكَ الكِتَابُ) [البقرة: 1 - 2] وقد سبق تقريره، وأخرى على الحصر كما في هذا الوجه، وإليه الإشارة بقوله: ((ومن عداهم كالبهائم))، وكان يمكن أن يحمل الأول على الحصر أيضاً، فإن الجنس لا يتعدد، وحين وجد كتبٌ غيره مثل التوراة والإنجيل والزبور، حمل الحصر على الكمال. قال القاضي: إن اسم الجنس يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه، ولذلك يسلب عن غيره فيقال: إنه ليس بإنسان. وقال الإمام في قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ) [البقرة: 185]: وهذا يدل على أن المتقين في قوله تعالى: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) هم كل الناس، فمن لا يكون متقياً كأنه ليس بناس. الراغب: كل اسم نوعٍ فإنه يستعمل على وجهين: أحدهما دلالةٌ على المسمى وفضلاً بينه وبين غيره، والثاني: لوجود المعنى المختص به، وذلك هو الذي يمدح به في نحو: إذ الناس ناسٌ والزمان زمان وذلك أن كل ما أوجده الله تعالى في هذا العالم جعله صالحاً لفعلٍ خاصٍّ ولا يصلح لذلك العمل سواه، كالفرس للعدو الشديد، والبعير لقطع الفلاة البعيدة، وعلى ذلك الجوارح كاليد والرجل والعين، والإنسان أوجد لأن يعلم ويعمل بحسبه، فكل شيءٍ لم يوجد كاملاً لما خلق له، لم يستحق اسمه مطلقاً، بل قد ينفى عنه كقولهم: فلانٌ ليس بإنسانٍ، أي: لا يوجد فيه المعنى

والاستفهام في (أَنُؤْمِنُ) في معنى الإنكار. واللام في (السُّفَهاءُ) مشارٌ بها إلى الناس، كما تقول لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك، فيقول: أو قد فعل السفيه. ويجوز أن تكون للجنس، وينطوى تحته الجاري ذكرهم على زعمهم واعتقادهم؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي قد خلق لأجله، فقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ) [البقرة: 10] هو اسم جنسٍ لا غير، وقوله: (كَمَا آمَنَ النَّاسُ) [البقرة: 13] معناه كما يفعل من وجد فيه تمام فعل الإنسانية الذي يقتضيه العقل والتمييز وهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. قوله: (مشارٌ بها إلى الناس) وهم المار ذكرهم آنفاً، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو عبد الله بن سلام وأشياعه؛ لأن السفهاء عبارةٌ عن الناس، ويتغير معنى السفهاء بتغير إرادة معنى الناس، من كونه جنساً أو عهداً على كلا التقديرين فيه. قوله: (أو قد فعل السفيه! ) قال شارح ((الهادي)): اللام في ((السفهاء)) للعهد: وذلك أن لام العهد منها ما يجيء من غير نكرة، وذلك بأن يذكر اسمٌ يستدعي صفةً، فتذكر الصفة معرفةً باللام، كما إذا قيل: شتمك زيدٌ، فتقول: أو قد فعل السفيه! فإن قوله: شتمك زيدٌ، تنبيه على سفاهة زيدٍ، كأنه قال: اعترض لك سفيهٌ. وقد يجيء على غير هذا الحد، وهو أن يكون زيدٌ مشهوراً بصفةٍ، فمتى ذكر زيدٌ علم صفته. والآية تنزل على الوجهين: أما أولاً، فلأن صفة الإيمان عندهم تستدعي صفة السفاهة، فلما ذكر الإيمان ذكر الصفة معرفةً، وأما ثانياً: فلأن المؤمنين عندهم مشهورون أو مجبولون على السفاهة، فكلما ذكروا بادر معنى السفاهة إلى أذهانهم الخبيثة. قوله: (وينطوي تحته الجاري ذكرهم) فعلى هذا اسم الجنس شاملٌ لهؤلاء وغيرهم، ولما كان سوق الكلام لهؤلاء دخلوا فيه دخولاً أولياً، وهذا أبلغ لما فيه من الكناية كقوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ) [البقرة: 89] واللام في "الكافرين" للجنس.

لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه. فإن قلت: لم سفهوهم واستركوا عقولهم، وهم العقلاء المراجيح؟ قلت: لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيها ولأنهم كانوا في رياسة وسطة في قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيرا لشأنهم. أو أرادوا عبد اللَّه بن سلام وأشياعه ومفارقتهم دينهم وما غاطهم من إسلامهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أعرق الناس في السفه)، الأساس: فلانٌ معرقٌ في الكرم واللؤم، وهو عريق فيه، وفلانٌ يعارق صاحبه: يفاخره بعرقه، واعترقت الشجرة: ضربت بعروقها. قوله: (استركوا عقولهم) أي: عدوا عقولهم ركيكةً. قوله: (المراجيح) جمع مرجاح، وهو الذي له رزانة العقل ورصانته. قال في ((الأساس)): ومن المجاز: رجلٌ راجح العقل، وقومٌ مراجيح الحلم. قوله: (لأنهم لجهلهم) هذا الجواب مبنيٌّ على أن اللام في ((السفهاء)) للجنس، وقوله: ((ولأنهم كانوا في رئاسةٍ)) على أن اللام للعهد. والمراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقوله: ((أو عبد الله بن سلام)) عطفٌ على قوله: ((ولأنهم كانوا في رئاسةٍ)) فاللام للعهد أيضاً. المعنى: أرادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأنهم كانوا في رئاسةٍ، أو أرادوا عبد الله بن سلام، فرجع معنى نسبتهم السفهاء على أن اللام للجنس إلى أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه هو الباطل؛ لعموم ((من)) في قوله: ((ومن ركب متن الباطل كان سفيهاً)) فيدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعبد الله وأشياعه، ورجع على تقدير العهد: إما إلى أن اليسار والرئاسة هو الرشد، والفقر والعدم هو السفه. هذا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإما إلى أن من ثبت على دينهم هو الرشيد، ومن فارقه هو السفيه هذا بالنسبة إلى عبد الله وأشياعه.

وفت في أعضادهم. قالوا ذلك على سبيل التجلد توقياً من الشماتة بهم مع علمهم أنهم من السفه بمعزل، والسفه سخافة العقل وخفة الحلم. فان قلت: فلم فصلت هذه الآية بـ: (لا يَعْلَمُونَ)، والتي قبلها ب: (لا يَشْعُرُونَ)؟ قلت: لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحقّ وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة، وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّى إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوىّ مبنى على العادات، معلوم عند الناس، خصوصا عند العرب في جاهليتهم وما كان قائما بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب، فهو كالمحسوس المشاهد؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفت في أعضادهم)، الأساس: وفت في عضده: إذا كسر قوته، وفرق عنه أعوانه. قوله: (لم فصلت) التفصيل من الفاصل كالتقفية من القافية. وفصلت الآية إذا جعل لها فاصلة. وهذا مما يقوي مذهبنا في الخطبة في قوله: ((فصله سوراً وسورة آيات)). قوله: (من التغاور والتناحر)، الأساس: صبحتهم الغارة، وبينهم التغاور والتناحر، وانتحروا على الأمر، وتناحروا عليه: تشاجروا، وحزب قومه فتحزبوا، أي: صاروا طوائف، وفلانٌ يحازب فلاناً: ينصره ويعاونه، وإنما قال: كالمحسوس، لأن المذكورات معانٍ لكن أماراتها ظهرت ظهور المحسوس. قوله: (فهو كالمحسوس) قيل: دخول الفاء فيه: إما لتضمن المبتدأ وهو قوله: ((وما كان قائماً)) معنى الشرط، وإما للعطف على قوله: ((وأما النفاق)) إلى آخره. ثم إن قوله: ((وإما النفاق)) إلى قوله: ((في جاهليتهم)) تفسيرٌ للآية الأولى من الآيتين المفصلتين ب ((لا يشعرون))، وقوله: ((وما كان قائماً)) إلى قوله: ((كالمحسوس المشاهد)) للآية الثانية فتدبر. وقلت: والتحقيق فيه أن قوله: ((وما فيه من البغي)) عطفٌ تفسيريٌّ على ((النفاق))

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و((ما كان قائماً بينهم)) عطفٌ على ((جاهليتهم)) على نحو: أعجبني زيدٌ وكرمه؛ لاستدعاء الضمير في ((بينهم)) أن يكون المرجع إليه العرب. وقوله: ((فأمرٌ دنيوي)) جواب ((أما)). قوله: ((فهو كالمحسوس)) عطفٌ على ((فأمرٌ دنيوي)) مترتبٌ عليه. وأما مع ما بعده عطفٌ على قوله: ((لأن أمر الديانة)) من حيث المعنى، لأن ((أما)) تفصيليةٌ تستدعي التثنية والتكرير. وتلخيص المعنى: أما أمر الديانة، فأمرٌ أخرويٌّ يحتاج إلى دقة نظرٍ، فلذلك فصلت الآية التي اشتملت على الإيمان بقوله: (لاَّ يَعْلَمُونَ)، وأما أمر البغي والفساد فأمرٌ دنيويٌّ فهو كالمحسوس المشاهد لا يحتاج إلى دقة نظر، فلذلك فصلت الآية ب ((لا يشعرون)). الراغب: أصل الشعور من الشعر، ومنه الشعار: الثوب الذي يلي الجسد. وشعرت كذا يستعمل على وجهين: تارةً يؤخذ من مس الشعر، ويعبر به عن اللمس، وعنه استعمل المشاعر للحواس، فإذا قيل: فلانٌ لا يشعر، فذلك أبلغ في الذم من قولهم: إنه لا يسمع ولا يبصر؛ لأن حس اللمس أعم من حس السمع والبصر، وتارةً يقال: شعرت كذا، أي: أدركت شيئاً. وقالوا: فلانٌ يشق الشعر في كذا، إذا دقق النظر فيه، ومنه أخذ الشاعر لإدراكه دقائق المعاني. فظهر أن ((شعرت)) يستعمل بمعنى: أحسست، وبمعنى أدركت وفطنت، فقوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ) في الآية الأولى نفيٌ للإحساس عنهم، وفي هذه الآية نفي الفطنة، لأن معرفة الصلاح والفساد تدرك بالفطنة، وفي الآية التي بعدهما نفي العلم، وفي نفيها على هذه الوجوه تنبيهٌ لطيفٌ ومعنىً دقيقٌ، وذلك أنه بين في الأول أن في استعمالهم الخديعة نهايةً للجهل الدال على عدم الحس، وفي الثاني: أنهم لا يفطنون، تنبيهاً على أن ذلك لازمٌ لهم؛ لأن من لا حس له لا فطنة له، وفي الثالث: أنهم لا يعلمون، تنبيهاً أن ذلك أيضاً لازمٌ لهم لأن من لا فطنة له، لا علم له.

ولأنه قد ذكر السفه، وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقا له. مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أوّل قصة المنافقين فليس بتكرير، لأن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولأنه قد ذكر السفه) جوابٌ آخر عن السؤال وهو من باب المطابقة المعنوية، إذ لو كانت لفظيةً لقيل: لا يرشدون، فإن الرشد مقابلٌ للسفه، أو قيل: ألا إنهم هم الجهلاء ليقابل ((لا يعلمون)). قوله: (مساق هذه الآية) أي قوله: (وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) [البقرة: 14] بخلاف ما سيقت له أول قصة المنافقين، أي: قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا) المعنى: دلت الآية الأولى على بيان ما يعتقده المنافقون، فيندرج في ذلك القول من هو موسومٌ بسمة النفاق، لأنه لا معنى للنفاق شرعاً سوى ذلك، وهي بمنزلة حدهم ليمتازوا به عن قسمتهم. والثانية: على بيان الحالة المخصوصة بأولئك مع المؤمنين ومع أصحابهم، وتحريره أن قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) إبداء لخبثهم ونكرهم، وكشفٌ عن إفراطهم في الدعارة وادعاء أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي، وأنهم أحاطوه من جانبيه، ومن ثم نفى ذلك عنهم بقوله: (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) وفسر بقوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: 9] وعلل بقوله: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ) [البقرة: 10] وأن قوله تعالى: (وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) [البقرة: 14] بيانٌ لدأبهم وعادتهم، وأنهم حين استقبلوا المؤمنين دفعوهم عن أنفسهم بقولهم: (آمَنَّا) استهزاءاً وسخريةً، ولذلك أتى بالجملة الشرطية، وعقب بقوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: 15]. قوله: (من التكذب لهم) التكذب تكرير الكذب في مهلةٍ نحو تجرعه. قوله: (إلى شطار دينهم)، الجوهري: الشطار: جمع شاطرٍ، وهو الذي أعيا أهله خبثاً.

وروي أن عبد اللَّه بن أبىّ وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فقال عبد اللَّه: انظروا كيف أردّ هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبى بكر فقال: مرحبا بالصدّيق سيد بنى تيم وشيخ الإسلام وثانى رسول اللَّه في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول اللَّه. ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد بنى عدىّ الفاروق القوىّ في دين اللَّه، الباذل نفسه وماله لرسول اللَّه. ثم أخذ بيد علىّ فقال: مرحباً بابن عم رسول اللَّه وختنه سيد بنى هاشم ما خلا رسول اللَّه. ثم افترقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتمونى فعلت؟ فأثنوا عليه خيراً، فنزلت. ويقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (سيد بني تميم) وفي بعض النسخ، وهو خطأٌ لما في ((الجامع)): هو أبو بكر عبد الله بن عثمان أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، وكذا: عبد الله بن عثمان أبي قحافة بن عامر بن عمرو في ((الاستيعاب)). قوله: (لقيته ولاقيته؛ إذا استقبلته) قال شارح ((الهادي)): وقد يفسر الكلام ب ((إذا)) تقول: عسعس الليل: إذا أظلم تفسيراً لعسعس، لكنك إذا فسرت جملةً فعليةً مستندةً إلى ضمير المتكلم ب ((أي)) ضممت تاء الضمير، فتقول: استكتمته سري، أي: سألته كتمانه، بضم تاء ((سألته))، لأنك تحكي كلامه المعبر عن نفسه، وإذا فسرتها بـ ((إذا)) فتحت فقلت: إذا سألته كتمانه، لأنك تخاطبه، أي: أنك تقول ذلك إذا فعلت ذلك الفعل، وأنشدوا في ذلك المعنى: إذا كتبت بـ ((أي)) فعلاً تفسره ... فضم تاءك فيه ضم معترف وإن تكن بـ ((إذا)) يوماً تفسره ... ففتحة التاء أمرٌ غير مختلف

وهو جاري ملاقي ومراوقي. وقرأ أبو حنيفة: وإذا لاقوا. وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه. ويجوز أن يكون من «خلا» بمعنى: مضى، و"خلاك ذمّ": أى عداك ومضى عنك. ومنه: القرون الخالية، ومن «خلوت به» إذا سخرت منه. وهو من قولك: خلا فلان بعرض فلان يعبث به. ومعناه: وإذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدّثوهم بها. كما تقول: أحمد إليك فلاناً، وأذمّه إليك. و (شياطينهم): الذين ماثلوا الشياطين في تمرّدهم. وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة. والدليل على أصالتها قولهم: تشيطن، واشتقاقه من «شطن» إذا بعد لبعده من الصلاح والخير. ومن «شاط» إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة. ومن أسمائه: "الباطل". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال بعض الشارحين ل ((المفصل)): وسره أن ((أي)) تفسيرٌ فينبغي أن يطابق ما بعدها لما قبلها، والأول مضموم، فالثاني مثله، و ((إذا)) شرطٌ تعلق بقول المخاطب على فعله الذي ألحقه بالضمير فمحالٌ فيه الضم. قوله: (ومرواقي) مخففاً؛ معناه: رواق بيتي لي رواق بيته. النهاية: الرواق: هو ما بين يدي البيت، وقيل: رواق البيت: سماوته. قوله: (خلوت بفلانٍ وإليه)، الأساس: خلا بنفسه: انفرد، واستخليت الملك فأخلاني، أي: خلا معي. ومن المجاز: خلى فلانٌ مكانه: مات، ولا أخلى الله مكانك: دعاءٌ بالبقاء، وخلا به: سخر به وخدعه؛ لأن الساخر والمخادع يخلوان به، يريان النصح والخصوصية، وتضمن خلا معنى الإنهاء. قال السجاوندي: (وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ) في معرض أفضوا، أي: خلوا من المؤمنين إلى الشياطين، وهو أبلغ من قولك بشياطينهم. قوله: (كما تقول: أحمد إليك) أي: ضمن ((أحمد)) معنى الإنهاء، أي: أنهي إليك حمد فلان. النهاية: في حديث ابن عباس: ((أحمد إليكم غسل الإحليل)) أي: أرضاه لكم وأتقدم فيه إليكم.

(إِنَّا مَعَكُمْ) إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم. فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالاسمية محققة بأن؟ قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما، لأنهم في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما لأنّ أنفسهم لا تساعدهم عليه، إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرّك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد. وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة. وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أريحية)، الجوهري: الأريحي: الواسع الخلق. قال في ((النهاية)): رجلٌ أريحيٌّ إذا كان سخيًّا يرتاح للندى ويحبه. قوله: (لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد) يشهد بذلك أنهم لما قالوا: (نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) [المنافقون: 1] على سبيل التوكيد أجيبوا بقوله: (واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون: 1] أي: فيما ادعوا أن تلك الشهادة من صميم قلوبهم. قوله: (ظهراني المهاجرين)، النهاية: في قوله: فأقاموا بين ظهرانيهم، أي: أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، وزيدت فيه ألفٌ ونونٌ مفتوحةٌ تأكيداً، ومعناه: أن ظهراً منهم قدامه، وظهراً وراءه، فهو مكنوفٌ من جانبيه، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقاً. قوله: (الذين مثلهم في التوراة والإنجيل) يعني أن الله تعالى مدحهم في هذين الكتابين على لسان ذينك الرسولين بهذه الأوصاف التي دلت على رجاحة عقولهم وشدة ذكائهم وصلابتهم في دين الله، ومن ثم علل التمثيل بقوله: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ) [الفتح: 29] فكيف تروج عندهم تصلفاتهم.

ألا ترى إلى حكاية اللَّه قول المؤمنين: (رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا) [آل عمران: 16]؟ وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ألا ترى إلى حكاية الله) استئنافٌ على تقدير سؤالٍ، كأن قائلاً يقول: لزم من قولك: إنهم لو ساعدتهم أنفسهم عليه أو روج عنهم ما قالوه، لأكدوا كلامهم، وما أمارة ذلك؟ فقيل: ألا ترى أن المسلمين كيف أوردوا في مثل هذا التركيب ما قدروا عليه من التأكيد لنا أنهم كانوا أوحديين فيه، فساعدتهم أنفسهم عليه، وكان ذلك مقبولاً منهم. وحاصل التأويل: أن معنى التوكيد الذي تعطيه ((إن)) ها هنا ليس راجعاً إلى المخاطب في إزالة تردده أو نفي شكه، بل إلى المتكلم في إظهار نشاطه ووفور ارتياحه إيذاناً بأن المقام خليقٌ بالإطناب وإبداء ارتياحه ونشاطه، وإعلاماً بأن السامع يتلقاه بالقبول، ويصغي إليه بشراشره. فإن قلت: فكيف سمحت أريحيتهم حتى قالوا: آمنا بالله وباليوم الآخر بتكرير الباء المؤكدة، أم كيف ادعوا أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وهم بين ظهراني أولئك المتوسمين؟ قلت: ولذلك قال: ((مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أول قصة المنافقين)) لأن مساق تلك للتقية ولخداعهم ودعوى أنهم مثل المؤمنين في الإيمانين ليجروا عليهم أحكامهم، ويعفوهم من المحاربة والمقاتلة. يؤيده بيانه بقوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: 9] فهو جديرٌ بالتوكيد، ومساق هذه مساق الاستهزاء والاستخفاف بعد استقرار تلك الدعوى، فهو بالخلو عن التوكيد أحرى. قوله: (وأما مخاطبة إخوانهم) عطفٌ على قوله: ((ليس ما خاطبوا به المؤمنين)).

والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد. فإن قلت: أنى تعلق قوله: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) بقوله: (إِنَّا مَعَكُمْ)؟ قلت: هو توكيد له؛ لأن قوله: (إِنَّا مَعَكُمْ) معناه الثبات على اليهودية، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على صدق رغبةٍ) خبرٌ عن قوله: ((فهم فيما أخبروا به)). قوله: (مظنةً للتحقيق)، النهاية: المظنة بكسر الظاء: موضع الشيء ومعدنه. والقياس فتح الظاء وإنما كسرت لأجل الهاء. قوله: (ومئنةً للتوكيد)، الفائق: في الحديث ((إن طول الصلاة وقصر الخطبة مئنةٌ من فقه الرجل المسلم)) قال أبو زيد: إنه لمئنةٌ من ذاك، وإنهن لمئنة، أي: مخلقة، وكل شيءٍ دلك على شيءٍ فهو مئنةٌ له، وحقيقتها: أنها مفعلةٌ من معنى ((إن)) التأكيدية غير مشتقةٍ من لفظها؛ لأن الحروف لا يشتق منها، وإنما ضمنت حروف تركيبها لإيضاح الدلالة على أن معناها فيها. قوله: (قلت: هو توكيدٌ) يرجع حاصل الجواب إلى وجوهٍ ثلاثةٍ لاحتمال (إنَّا مَعَكُمْ) على طريق الكناية أموراً ثلاثة. أحدها: إنا على دينكم ومذهبكم فيصح توكيده إذن بقوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) بمعنى ندفع دين مخالفيكم بالاستهزاء.

وقوله: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) ردّ للإسلام ودفع له منهم، لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتدا به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر. أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا لهم: (إِنَّا مَعَكُمْ)، فقالوا: فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام فقالوا: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ). والاستهزاء: السخرية والاستخفاف، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثانيهما: إنا مصاحبوكم في دينكم، لا نفارقكم لاحترامكم؛ لأن من توخى تعظيم الشيء لا يفارقه، فحينئذٍ يستقيم بيانه وتفسيره بقوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)؛ لأن مَنْ وضع مِن مقدار العدو وحقر شأنه، فقد عظم قدر وليه، فكان قوله: (إنَّا مَعَكُمْ) كالتوطئة؛ لأن من حق الظاهر أن يقولوا لأصحابهم: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) بعد قولهم للمؤمنين: (آمَنَّا) والفرق: أنه جعل الجملة الثانية في تأويل الأولى في الأول ليصح التوكيد، وبالعكس في الثاني ليستقيم التفسير، هذا على تقدير أن يكون بدل الكل تفسيراً للمبدل كما سبق في ((الفاتحة)). ويجوز أن يقال: إن قوله: (إنَّا مَعَكُمْ) دل على تعظيم الكفر، وقوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) دل على تحقير الإسلام، ولزم من مفهومه تعظيم الكفر كما قال المصنف ((لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر)) فقد اشتمل الثاني على معنى الأول مع الزيادة. والفرق بين هذا الوجه وبين الأول، وهو كونه تأكيداً أو تفسيراً: أنه اعتبر في الأول مفهوم الثاني، لتقرير المعنى الأول، واعتبر في هذه العبارة والمفهوم معاً، ولا بعد فيه؛ لأن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة. وثالثها: إنا موافقوكم وموالوكم، فإن هذا القول يحمل أصحابهم لأن ينكروا عليهم ويقولوا: إن صح أنكم معنا فما بالكم توافقون أهل الإسلام في الإيمان؟ فقالوا: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنقف على أسرارهم ونأخذ من أموالهم وغنائمهم. قوله: (والاستهزاء: السخرية)، الراغب: الاستهزاء: ارتياد الهزء، وإن كان قد يعبر به

وأصل الباب الخفة من الهزء؛ وهو القتل السريع. وهزأ يهزأ: مات على المكان. عن بعض العرب: مشيت فغلبت فظننت لأهز أنّ على مكاني. وناقته تهزأ به: أى تسرع وتخف. فإن قلت: لا يجوز الاستهزاء على اللَّه تعالى، لأنه متعال عن القبيح، والسخرية من باب العيب والجهل. ألا ترى إلى قوله: (قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ)، فما معنى استهزائه بهم؟ قلت: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم، لأنّ المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به، وإدخال الهوان والحقارة عليه، والاشتقاق -كما ذكرنا- شاهد لذلك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن تعاطي الهزء كالاستجابة في كونها ارتياداً للإجابة وإن كان قد يجري مجرى الإجابة. قوله: (فلغبت)، الجوهري: اللغوب: الإعياء، تقول منه: لغب يلغب بالضم لغوباً ولغبت بالكسر لغةٌ ضعيفة. قوله: (لأن المستهزئ غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة) فيه إشارةٌ إلى ما سبق من القانون في (غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 7] فالاستهزاء من المخلوق: الفعل الذي يصدر من الجاهل عبثاً، وغرضه فيه طلب هوان المستهزأ به، فيحمل ها هنا على المعنى الثاني دون الأول، وهو من باب إطلاق السبب على المسبب، ثم في قوله: ((غرضه)) مع قوله ((يرميه)) رعاية التناسب، فإن الرامي يرمي الغرض، أي: الهدف. قوله: (والزراية بمن يهزأ به) قيل: الزراية تعدى ب ((على))، وإنما عدي هنا بالباء لتضمنه معنى استخف. الأساس: أزريت به: قصرت به وحقرته، وزريت عليه فعله: عبته وعنفته. قوله: (والاشتقاق كما ذكرنا) وهو قوله: ((أصل الباب الخفة من الهزء)).

وقد كثر التهكم في كلام اللَّه تعالى بالكفرة. والمراد به تحقير شأنهم وازدراء أمرهم، والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك الضاحكون. ويجوز أن يراد به ما مر في: (يُخادِعُونَ) من أنه يجرى عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادخار ما يراد بهم، وقيل: سمى جزاء الاستهزاء باسمه كقوله: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى: 40]، (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) [البقرة: 194]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد كثر التهكم)، النهاية: في حديث أسامة: ((فخرجت في أثر رجلٍ منهم جعل يتهكم بي))، أي: يستهزئ ويستخف. قوله: (والدلالة على أن مذاهبهم) إلى آخره، يعني: أن الاستهزاء مما يذم من الأخلاق، وكاد أن يكون حراماً، فلا يجوز إسناده إلى أدون الخلق، فإسناده إلى الله تعالى لإيذانٌٌ بالمبالغة في ذم مذهبهم. المعنى: أن مذهبهم مكان الاستهزاء وموقعه، وحقيقٌ على كل عالمٍ كاملٍ أن يوقع الاستهزاء فيه، فإنه قد أذن الله فيه، وندب إليه. قوله: (ما مر في (يُخَادِعُونَ)) أي: في الوجه الأول م الوجوه المذكورة فيه، وذلك بأن شبه صورة صنع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم بصورة صنع الخادع، كذلك شبه صورة صنع الله من إجراء أحكام المسلمين عليهم في الظاهر- وهو مبطنٌ بادخار العذاب- صورة صنع الهازئ مع المهزوء به، وهو من الاستعارة التبعية. قوله: (وهو مبطنٌ) الضمير فيه لقوله: ((إجراء للأحكام))، المدلول عليه بقوله: ((يجرى)) قيل: ثوبٌ مبطنٌ بالقطن إذا كان حشوه قطناً. المعنى: أجرى عليهم أحكام المسلمين من الموارثة والمناكحة وغيرهما، وفي ضمن هذا ما يراد بهم من العذاب والهوان، كما أنك إذا أحسنت إلى صاحبك وفي ضمنه ما يورث الهوان، فإنه إذا وقف على فعلك قال لك: أتسخر مني وتستهزئ بي.

فإن قلت: كيف ابتدئ قوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ولم يعطف على الكلام قبله «1». قلت: هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة. وفيه أن اللَّه عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاءٍ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو استئنافٌ في غاية الجزالة) قيل: بيان الجزالة هو: أن حكاية حال المنافقين في الذي قبله لما كانت تحرك السامعين أن يسألوا: ما مصير أمرهم، وعقبى حالهم، وكيف معاملة الله إياهم؟ لم يكن من البلاغة أن يعرى الكلام عن الجواب، فلزم المصير إلى الاستئناف. وقلت: ما ذكر بيانٌ لكيفية ورود الاستئناف في هذا المقام، لا بيان جزالته، إذ حقيقة الاستئناف هو أن تجعل الجملة السابقة كالمورد للسؤال، فيجاب بالجملة الثانية، وقول المصنف: ((في غاية الجزالة)) يقتضي أمراً آخر، وتقريره أن يقال: كان من مقتضى الظاهر أن تصدر الجملة باسم المؤمنين، لأن المستهزأ بهم هم كما في قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ* وإذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) [المطففين: 29 - 30] إلى قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) [المطففين: 34]، فلما صدرت بذكر اسم الله الجامع لجميع الصفات وبنى الخبر عليه ليتقوى الحكم، وأبرز الفعل على صيغة المضارع المؤذن بالاستمرار لاستدعاء الجواب، ليكون أبلغ من كلامهم، دل ذلك كله على جزالة الاستئناف وفخامته، ولزم منه تعظيم جانب المؤمنين، وأنه تعالى هو الذي يتولى الاستهزاء البليغ بنفسه تعالى. وكفى الله المؤمنين القتال. وقد أشار إلى هذه المعاني بقوله: ((وفيه أن الله هو الذي يستهزئ بهم)) وقوله: ((وفيه أن الله

ولا يؤبه له في مقابلته، لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل. وفيه أن اللَّه هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله. فان قلت: فهلا قيل اللَّه مستهزئ بهم ليكون طبقا لقوله: (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) قلت: لأن (يستهزئ) يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتا بعد وقت، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هو الذي يتولى الاستهزاء بهم. وقد أتى في التفسير ب ((أن)) ووسط الجملة ضمير الفصل المؤذن بالاختصاص ليشير إلى أن بناء ((يستهزئ)) على ((الله)) مفيدٌ للاختصاص، ولهذا نفى احتياج المؤمنين إلى الاستهزاء بقوله: ((ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم)). وقد نص في ((المزمل)) في قوله: (واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ) [المزمل: 20] أنه مفيدٌ للاختصاص. قوله: (لا يؤبه له)، النهاية: في الحديث ((لا يؤبه له)) أي: لا يحفل به لحقارته. قوله: (وقتاً بعد وقت) أي: حالاً فحالاً على الاستمرار، وإفادة الفعل المضارع ذلك من اقتضاء المقام، فإنك إذا قلت في مقام المدح: فلانٌ يقري الضيف ويحمي الحريم، عنيت أنه اعتاده واستمر عليه، لا أنك تخبر عنه بأنه سيفعله، فكذا أنه تعالى يخبر أن معاملته مع هؤلاء القوم إنما تقع على هذه الحالة، وإليه الإشارة بقوله: ((وهكذا كانت نكايات الله فيهم)). ويمكن أن يقال: إن هذا الاستمرار أبلغ من الدوام الذي يعطيه معنى الجملة الاسمية؛ لأن النفس إذا اعتادت الشيء ألفته ولا تحب مفارقته، قال:

وهكذا كانت نكايات اللَّه فيهم وبلاياه النازلة بهم (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) وما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار، ونزول في شأنهم واستشعار حذر من أن ينزل فيهم (يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ)، (قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ) [التوبة: 64]. وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ من مدّ الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره. وكذلك مدّ الدواة وأمدها: زادها ما يصلحها. ومددت السراج والأرض؛ ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ألفت الضنى لما تطاول مكثه ... فلو زال عن جسمي بكته الجوارح الانتصاف: على الاستمرار جاء قوله تعالى: (إنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ (18) والطَّيْرَ مَحْشُورَةً) [ص: 18 - 19] لما كان التسبيح من الوظائف المتكررة أتى فيه بالفعل، وحشر الطير أمرٌ دائمٌ فذكر فيه اسم المفعول. قوله: (نكايات الله فيهم)، النهاية: يقال: نكيت في العدو أنكي نكاية؛ إذا أكثرت فيه الجراح والقتل، فوهنوا لذلك، وقد يهمز تقول: نكأت القرحة أنكؤها: إذا قشرتها. قوله: (واستشعار حذرٍ)، الجوهري: استشعر فلانٌ خوفاً، أي: أضمره. قوله: (من أن ينزل فيهم) أي: في شأنهم وحقهم ما يفتضحون به، ويكشف عن دغلهم وسوء دخلتهم، ومع ذلك لم يكن ينفعهم ذلك الاستشعار حيث كان ينزل الله تعالى ما كانوا يحذرون منه، واستشهد لذلك بقوله: (يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ) الآية [التوبة: 64]. قوله: (من: مد الجيش وأمده) فمعنى (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ) [البقرة: 15] نوليهم ونعطيهم مدداً في الطغيان، من مد الجيش، أي: أعطاهم مدداً.

إذا استصلحتهما بالزيت والسماد. ومده الشيطان في الغى وأمده: إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد انهما كافيه. فإن قلت: لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر والإملاء والإمهال؟ قلت: كفاك دليلا على أنه من المدد دون المد قراءة ابن كثير وابن محيصن: (وَيَمُدُّهُمْ)، وقراءة نافع: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ) [الأعراف: 202]، على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مدّ له مع اللام كأملى له. فان قلت: فكيف جاز أن يوليهم اللَّه مددا في الطغيان وهو فعل الشياطين؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ) [الأعراف: 202]؟ قلت: إما أن يحمل على أنهم لما منعهم اللَّه ألطافه التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها، تزايد الانشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك التزايد مدداً. وأسند إلى اللَّه سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم؛ ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (انهماكاً فيه)، الجوهري: انهمك الرجل في الأمر، أي: جد ولج، وكذلك تهمك في الأمر. قوله: (كأملى له)، الجوهري: أمليت له في غيه: إذا أطلت. وأملى الله له، أي: أمهله وطول له. وأما قراءة نافع: (يَمُدُّونَهُمْ) [الأعراف: 202] فمن الإمداد من المدد، لا من المد في العمر، ولأنه لا يعدى إلا باللام. وأجاب القاضي: أن أصله يمد لهم بمعنى يملي لهم، ويمد في أعمارهم كي ينتهوا ويطيعوا، فما زادوا إلا طغياناً وعمهاً، فحذفت اللام وعدي الفعل بنفسه، أي: نمدهم استصلاحاً وهم مع ذلك يعمهون، ويؤيده قول الجوهري: مده في غيه، أي: أمهله.

وإما على منع القسر والإلجاء وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى اللَّه لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده. فإن قلت: فما حملهم على تفسير المدّ في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟ قلت: استجرّهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى اللَّه ما أسندوا إلى الشياطين ولكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته، وإلا كان منه بمنزلة الأروى من النعام، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما حملهم على تفسير المد في الطغيان بالإمهال) والضمير للمفسرين؟ قال الزجاج: يمدهم: يمهلهم. وكذا في الواحدي. وقال محيي السنة: يمدهم: يتركهم ويمهلهم، والمد والإمداد واحدٌ وأصله الزيادة إلا أن المد أكثر في الشر، والإمداد في الخير. وقال الإمام: والأولى أن يقال من المد بمعنى الإملاء والإمهال؛ لأنه تعالى لا يمدهم بالشر، على أن أكثر ما جاء في القرآن من الإمداد فبالخير نحو: (وأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ) [الطور: 22] (ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ) [نوح: 12] ومن المد فبالشر نحو: (ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًا) [مريم: 79] (وإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ) [الأعراف: 202]. قوله: (الأروى)، الجوهري: الأروى: الأنثى من الوعول وثلاث أراوي على وزن أفاعيل، فإذا كثرت فهي الأروى على أفعل بغير قياس. وهي تسكن الجبال والوعور، والنعام تسكن البوادي والسهل، فبينهما بعدٌ، يضرب هذا المثل لمن يحاول أن يجمع بين المتنافيين.

ومن حق مفسر كتاب اللَّه الباهر وكلامه المعجز، أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدّى سليما من القادح، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل. ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره: في ضلالتهم يتمادون، وأن هؤلاء من أهل الطبع. والطغيان: الغلو في الكفر، ومجاوزة الحدّ في العتوّ. وقرأ زيد بن على رضى اللَّه عنه: (في طغيانهم) بالكسر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويعضد ما قلناه قول الحسن) فإنه فسر ((نمدهم)) بقوله: في ضلالتهم يتمادون. وقال: ((إن هؤلاء من أهل الطبع)) لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، فيكون من المدد لا من الإمهال. ويروى: ((وأن هؤلاء)) بفتح ((أن)) فيكون عطفاً على قول الحسن ودليلاً آخر، ويمكن أن يقال: إن معنى ((يتمادون)) يبلغون المدى والغاية في الضلال، وهي بالإمهال أليق، ويكون الطبع مسبباً عنه؛ لأن الإمهال في الكفر يتمادى إلى الطبع، قال الله تعالى: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) [الحديد: 16]. قوله: (والطغيان: الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو). الراغب: يقال: طغا يطغو ويطغى. وحكي: طغيت. والفرق بين عدا وطغى وبغى: أن العدوان تجاوز المقدار المأمور بالانتهاء إليه والوقوف عنده، وعلى ذلك قال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) [البقرة: 194] أي: تجاوز معكم المقدار المأمور بالانتهاء إليه فتجاوزوا معه بقدره، لتكون العدالة محفوظةً في المجازاة، وأما الطغيان فتجاوز المكان الذي وقفت فيه، ومن أخل بما عين له من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فيما يتحراه ويتعاطاه، فقد طغى، وعلى ذلك: (لَمَّا طَغَا المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ) [الحاقة: 11] أي: تجاوز الحد الذي كان عليه من قبل، والبغي: طلب تجاوز قدر الاستحقاق، تجاوزه أم

وهما لغتان؛ كلقيان ولقيان، وغنيان وغنيان. فان قلت: أى نكتة في إضافته اليهم؟ قلت: فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم، وأن اللَّه بريء منه ردّاً لاعتقاد الكفرة القائلين: (لو شاء اللَّه ما أشركنا) [الأنعام: 148]، ونفياً لوهم من عسى يتوهم. عند إسناد المدّ إلى ذاته لو لم يضف الطغيان اليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع في صدر من يلحد في صفاته. ومصداق ذلك أنه حين أسند المدّ إلى الشياطين، أطلق الغىّ ولم يقيده بالإضافة في قوله: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ) [الأعراف: 202]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لم يتجاوزه، وأصله الطلب، ويستعمل في التكبر، لأن المتكبر طالب منزلةٍ ليس لها بأهل. قوله: (كلُقْيان) من اللقاء. و ((غُنْيان)) من: غني به غنيةً، وغنيت المرأة بزوجها غنياناً، أي: استغنت. قوله: (ويدفع في صدر من يلحد)، الأساس: دفعته عني ودفعت في صدره. قوله: (يلحد) أي: يميل عن الحق. هذا تعصبٌ قويٌّ ولفظٌ فاحشٌ. حيث جمع أهل الحق مع الكفرة بالعطف، وخص الإلحاد بهم. والمعنى: أنه أزال معنى ((يمدهم)) عن موضعه حيث جعل الإسناد مجازيًّا، وجعل تزايد الرين بمعنى منع الألطاف، وأمال ((طغيانهم)) إلى مذهبه وليس ما ذهب إليه أولى من العكس على اعتبار الإسناد أولى من اعتبار الإضافة؛ لأن الإضافة يصار إليها بأدنى ملابسة كما في قوله: إذا قال قدني قال بالله حلفةً ... لتغني عني ذا إنائك أجمعا

والعمه: مثل العمى، إلا أن العمى عامّ في البصر والرأى، والعمه في الرأى خاصة، وهو التحير والتردّد، لا يدرى أين يتوجه. ومنه قوله: أعمى الهدى بالجاهلين العمه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأن الإسناد إذا جعل مجازيًّا يشترط فيه أن يكون بين الفاعل الحقيقي وغير الحقيقي تعلق شبهٍ، وإلا لم يصح، لكن له شغفٌ بنضرة مذهبه، وأيضاً إسناد الطغيان إليهم لا ينافي مذهب أهل الحق؛ لأن فعل العبد يستند إلى الله تعالى خلقاً وتقديراً، ويضاف إلى العبد اقترافاً وكسباً. فمعنى الإضافة إرادة الطغيان الذي عرف صدوره عنهم ونظيره: (وسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) [الإسراء: 19]، وأن الغي في قوله: (يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ) [الأعراف: 202] مقيد بالتعريف فهو مثل الإضافة؛ لأنه إنما يصح المدد في أمرٍ ثابت. الانتصاف: فعل العبد الاختياري له اعتباران: أحدهما: وجوده وحدوثه، وما هو عليه من وجوه التخصيص، وذلك منسوبٌ إلى القدرة والإرادة. والثاني: تميزه عن القسري الضروري، وهو منسوبٌ من هذه الجهة إلى العبد، وهو الكسب المراد في مثل قوله تعالى: (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى: 30] فمدهم في الطغيان مخلوقٌ لله تعالى، فأضافه إليه، ومن حيث كونه واقعاً على وجه الاختيار، وهو الكسب أضافه إليهم. قوله: (لا يدري أين يتوجه) وهو استئنافٌ على سبيل البيان لقوله: ((وهو التحير والتردد)) والتردد يستعمل مجازاً في التحير. الأساس: ومن المجاز: رجلٌ مترددٌ حائرٌ بائر. قوله: (بالجاهلين العمه) تمامه: ومهمهٍ أطرافه في مهمهِ ... أعمى الهدى بالجاهلين العُمَّهِ

أي الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق. وسلك أرضاً عمهاء: لا منار بها ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه واستبدالها به، على سبيل الاستعارة، لأنّ الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر. ومنه: أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رَاساً أزْعَرَا وبالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدَّرْدَرَا وبالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْراً حَيْدَرَا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العمه: جمع عمهٍ وعامهٍ، أي: المهمه طريقةٌ مشتبهةٌ على العمي إذ ليس فيه جادةٌ أو منارٌ يهتدى به. قوله: (لأن الاشتراء) تعليل الاستعارة، يعني: إنما جاز استعارة الاشتراء للاستبدال لما يجمعهما معنى الإعطاء والأخذ. وأصل المبايعة بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان أو المنافع، وهي تنقسم إلى: مبايعةٍ بناضٍّ، وإلى مبايعة سلعةٍ بسلعة، ويقال في الأول لآخذ السلعة: المشتري، ولآخذ الناض: بائع. وفي الثاني يطلق على كل واحدٍ منهما اسم البائع والمشتري، ولهذا عد البيع والشراء من الأضداد، ومتا تدخله الباء الثمن، والآخر المثمن، ثم استعير للإعراض عما في يده محصلاً به غيره، سواءٌ كان من المعاني أو الأعيان. قوله: (أخذت بالجمة) الأبيات، قيل: هي لأبي النجم. والجمة بالضم: مجتمع شعر الرأس. وهي أكثر من الوفرة، والأزعر: الأصلع الذي قل شعره، والدردر: مغرز الأسنان

كما اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا وعن وهب: قال اللَّه عز وجل فيما يعيب به بنى إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة. فان قلت: كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟ قلت: جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم. كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الساقطة الباقية الأصول، والجيذر بالجيم والذال المعجمة: القصير. والمراد بقوله: ((كما اشترى المسلم إذ تنضرا)) جبلة بن الأيهم الغساني على ما روى الواقدي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب كتاباً إلى أجناد الشام أن جبلة ورد إلي في سراة قومه، وأسلم فأكرمته، ثم سار إلى مكة، فطاف فوطئ إزاره رجلٌ من بني فزارة، فلطمه جبلة، فهشم بها أنفه، وكسر ثناياه، فاستعدى الفزاري على جبلة إلي، فحكمت: إما العفو، وإما القصاص، فقال: أتقتص مني وأنا ملكٌ وهو سوقةٌ، فقلت: شملك وإياه الإسلام، فما تفضله إلا بالعاقبة، فسأل جبلة التأخير إلى الغد، فلما كان من الليل ركب في بني عمه، ولحق بالشام مرتداً، وفي رواية: أنه ندم على ما فعل، وأنشد: تنصرت بعد الحق عاراً للطمةٍ ... ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر فأدركني فيها لجاج حميةٍ ... فبعت لها العين الصحيحة بالعور فياليت أمي لم تلدني وليتني ... صبرت على القول الذي قال لي عمر قوله: (جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم كأنه في أيديهم) اعلم أن موقع ((أولئك)) هنا بعد ذكر المنافقين وإجراء أوصافهم وقبائحهم عليهم في موقع ((أولئك)) في قوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ) [البقرة: 5] على أحد وجهيه، فإن السامع بعد سماع ذكرهم، وإجراء تلك

ولأن الدين القيم هو فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة والضَّلالَةَ الجور عن الفصد وفقد الاهتداء. يقال. ضلّ منزله، و"ضل دريص نفقه" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأوصاف المميزة عليهم، لابد أن يسأل: من أين دخل على أولئك هذه الهنات؟ فيجاب: بأن أولئك المستبعدين إنما جسروا عليها، وارتكبوا تلك الرذائل؛ لأنهم كانوا قد أبطلوا استعداداتهم الفطرية السليمة عن النقائص، واستبدلوا الضلالة بالهدى، فخسرت صفقتهم، وفقدوا الاهتداء إلى الطريق المستقيم، فلذلك وقعوا في تيه الضلالات. قوله: ((وإعراضه)) يقال: أعرض له، إذا أبدى عرضه، أي: جانبه. الجوهري: أعرض لك الخير، إذا أمكنك، والله أعلم. قوله: (هو فطرة الله) روينا عن البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة: ((ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، ثم يقول اقرؤوا: (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30] فأبواه يهودانه)) الحديث. قال صاحب ((الجامع)): كل مولودٍ إنما يولد في مبدأ الخلقة، وأصل الجبلة على الفطرة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن هذا الدين حسنه موجودٌ في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفةٍ من الآفات البشرية والتقليد. وقلت: فعلى هذا الوجه إثبات الهدى لهم مجازٌ باعتبار ما كان، وعلى الوجه الأول مجازٌ باعتبار ما يؤول، حيث جعل التمكن من الهدى بمنزلة حصول الهدى. قوله: (ضل دريصٌ نفقه). قال الميداني: هو ولد الفأر واليربوع وأشباه ذلك. ونفقه: جحره، ويقال: ضل عن سواء السبيل، إذا مال عنه، وضل المسجد والدار، إذا لم يهتد إليهما، ولم يعرفهما؛ يضرب لمن يعنى بأمره ويعد حجةً لخصمه، فينسى عند الحاجة.

فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين. والربح: الفضل على رأس المال، ولذلك سمى الشف، من قولك: أشف بعض ولده على بعض، إذا فضله. ولهذا على هذا شف. والتجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشترى للربح. وناقة تاجرة: كأنها من حسنها وسمنها تبيع نفسها. وقرأ ابن أبى عبلة (تجاراتهم). فإن قلت: كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟ قلت: هو من الإسناد المجازى، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له، كما تلبست التجارة بالمشترين. فإن قلت: هل يصح: ربح عبدك وخسرت جاريتك، على الإسناد المجازى؟ قلت: نعم إذا دلت الحال. وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسداً، وأنت تريد المقدام إن لم تقم حال دالة لم يصح. فإن قلت: هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟ كأن ثمّ مبايعة على الحقيقة؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فاستعير للذهاب) هذا بيانٌ للعلاقة بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية. قوله: (إذا دلت الحال) وهي كما اشترى عبداً أو جاريةً ليتجر فيهما، فربح أو خسر فيهما، وإنما شرط ذلك؛ لأنه من الجائز أن يكونا مأذونين في التجارة فيكون الإسناد حقيقياً. قوله: (وكذلك الشرط في صحة: رأيت أسداً) نبه به على قرب معنى الإسناد المجازي من الاستعارة المصرحة، يعني: أن الإسناد يستعار من الفاعل الحقيقي لغير الحقيقي بسبب تعلق أحدهما بالآخر؛ لقيام القرينة، كما أن لفظ الأسد يستعار من الأسد الحقيقي للشجاع بسبب التشبيه لقيام القرينة. قوله: (كأن ثم مبايعةً على الحقيقة) يعني: سلمنا أن الشراء على المجاز لقرينة استعمال الهدى والضلالة معه فيما تصنع بقوله: (رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) [البقرة: 16] فإنه لا يقرن إلا بالشراء الحقيقي، كأن بين إرادة المجاز وبين هذا التفريغ منافاة؟ وخلاصة الجواب: أنهم إذا أرادوا المبالغة في الاستعارة بنوا كلامهم على حديث المستعار منه كأنهم نسوا حديث التشبيه والاستعارة ولم يخطر منهم على بال.

قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز المرشح. وذلك نحو قول العرب في البليد: (كأن أذني قلبه خطلاوان)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من الصنعة البديعة) أي: الغريبة المستحسنة التي يتوخى بها تزيين الكلام، ويتحرى بها حسن النظام، وتسمى بالتتميم، وهو تابعٌ يفيد الكلام مبالغةً وإليه أشار بقوله: ((وأتبعه ما يشاكله)) إلى قوله: ((ويتم بانضمامه إليه تمثيلاً)) والترشيح وإن كان يبحث عنه في البيان لكنه من المستحسنات البديعية لا من الدلالات الالتزامية، ولهذا قال: ((لم تر كلاماً أحسن ديباجةً، وأكثر ماءً ورونقاً منه)) على أن الصنعة البديعية قد تطلق على مجموع المعاني والبيان والبديع؛ تسميةً الشيء باسم أشهر أقسامه. قوله: (أحسن [منه] ديباجةً) الديباج: فارسيٌّ معرب. الأساس: ومن المجاز: دبج المطر الأرض يدبجها بالضم دبجاً، ودبجها زينها بالرياض، ولهذه القصيدة ديباجةٌ حسنةٌ، إذا كانت محبرة. قوله: (خطلاوان)، الجوهري: أذنٌ خطلاء بينة الخطل، أي: مسترخية. ومنه سمي الأخطل الشاعر.

جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين، وادعوا لهما الخطل، ليمثلوا البلادة تمثيلا يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة معاينة. ونحوه: ولَما رَأَيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَايَةٍ ... وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لهُ صَدْرِى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جعلوه) أي: البليد كالحمار، ظاهره يؤذن بأن المشبه الشخص، وإنما المشبه قلبه، لكن في الحقيقة يعود المعنى إليه، فلذلك قال: ((جعلوه كالحمار)). وإنما ذكر القلب وأريد الشخص؛ لأن القلب محل الفهم والذكاء، والاستعارة التي في الأذن تخييلية، وفي القلب مكنية؛ شبه قلبه بالحمار في البلادة تشبيهاً بليغاً، ثم أخذ الوهم في تصويره بصورة الحمار بعينه واختراع ما يلازم صورته من الأذنين، ثم أطلق على ذلك المخترع المتوهم اسم المحقق، وإليه الإشارة بقوله: ((فادعوا لقلبه أذنين))، وجعلت القرينة إضافتهما إلى القلب، وقوله: ((خطلاوان)) ترشيحٌ لهذه الاستعارة؛ لأن ذكر الخطل متفرعٌ على إثبات الأذنين المستعارتين، وإليه الإشارة بقوله: ((وادعوا لهما الخطل))، تقدير الكلام: أذنا قلبه كأنهما خطلاوان. والفاء في ((فادعوا)) مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: 54] لأن قوله: ((فادعوا)) إلى آخره عين قوله: ((جعلوه كالحمار)) كما أن القتل عين التوبة، أي: عزموا على جعله كالحمار فادعوا. قوله: (مشاهدةً معاينةً) حالان مترادفتان، أو متداخلتان، كقولك للمسافر: راشداً مهديًّا. قوله: (ولما رأيت النسر) البيت، النسر: طائرٌ يوصف بطول العمر. عز: غلب. وابن دأيةً: الغراب، الجوهري: دأية البعير: ما يقع عليه ظلفة الرحل فتعقره، ومنه قيل للغراب: ابن دأية.

لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر. ونحوه قول بعض فتاكهم في أمّه: فما أُمُّ الرّدين وإنْ أَدَلَّتْ ... بِعالِمَةٍ بأَخْلاقِ الْكِرَامِ إذَا الشّيْطانُ قَصَّعَ في قَفَاها ... تَنفّقْناهُ بالحُبُلِ التُّوَامِ أى إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى المحكم. يريد: إذا حردت وأساءت الخلق اجتهدنا في إزالة غضبها وإماطة ما يسوء من خلقها. استعار التقصيع أوّلا، ثم ضم إليه التنفق، ثم الحبل التوام. فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه وما يكمل ويتم بانضمامه إليه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ استعار للشيب النسر وللشباب الغراب، ثم رشحها بالوكرين، وهما: الرأس واللحية. قوله: (فتاكهم)، الجوهري: الفاتك الجريء، والجمع: الفتاك، والفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غافلٌ حتى يشد عليه فيقتله. قوله: (فما أم الردين) البيت: أدلت من الإدلال. أي: لا تحفظ حد الإدلال. القاصعاء:

تمثيلاً لخسارهم وتصويراً لحقيقته. فإن قلت: فما معنى قوله (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)؟ قلت: معناه أنّ الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الطريق المستوي، وهي إحدى جمري اليربوع، والنافقاء: موضع يرققه ولا ينفذه مخافة أن يقف عليه الصائد، فإذا طلب من القاصعاء خرج من النافقاء برأسه، ومنه سمي المنافق؛ لأنه يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه، وإنما جاء بالتقصيع مصدراً ليشير إلى أن الاستعارة في قصع تبعيةٌ، ورشح الاستعارة بأن ضم التنفق والحبل التؤام إليها. وأما وجه مناسبة القفا فهو أن سوء الخلق من الحمق. والحمق ينسب إلى القفا كما يقال: فلانٌ عريض القفا، ويروى: إنك لعريض الوساد، وفيه أنها مبالغةٌ في سوء الخلق بعيدة النزوع عنه، وأنه مثل الحارس الماهر حيث يعلم استخراج الصيد من مكامنه بلطائف الحيل والأسباب المتناسبة. قوله: (ما معنى [قوله: ] (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)؟ )، وفي بعض النسخ: (فما معنى) بالفاء، يعني: هب أنك حملت (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) على الترشيح لكونه ملائماً للمستعار منه، فما معنى قوله: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) فإنه معطوفٌ عليه ولا يصلح أن يكون ترشيحاً؛ لأنه غير ملائمٍ للمستعار منه، وأجاب: أنه وإن لم يصلح أن يكون ترشيحاً للاستعارة لكن يصلح أن يكون تجريداً لها؛ لأنه يحسن أن يوصف التاجر بأنه ليس مهتديًا لطرق التجارة، فكما أن مطلوب التجار في متصرفاتهم الربح، كذلك مطلوبهم سلامة رأس المال، ولا يسلم رأس المال إلا بمعرفة طرق التجارة. وها هنا رأس مالهم التمكن على

سلامة رأس المال، والربح. وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس ما لهم كان هو الهدى، فلم يبق لهم مع الضلالة. وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة، لم يوصفوا بإصابة الربح. وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية لأن الضال خاسر دامر؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهدى، والربح حصول الفلاح في الآجل، وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلال، فقد أضاعوا الطلبتين. والحاصل: أن هذه الصفقة استتبعت شيئين: أحدهما: الوصف بعدم الربح، والثاني: ظهور عدم الخبرة بصنعة التجارة. والذي يؤكد أن السؤال عن معنى انضمام (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) مع قوله: (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) سؤاله عن معنى (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ) بقوله: ((فما معنى ذكر الربح والتجارة، وإتيان هذا السؤال بعد الفراغ من ذلك السؤال وجوابه)). ولأجل أن السؤال عن معنى اقتران القرينتين يجب أن يقال: إن قوله (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) لطرق التجارة عطفٌ على قوله ((لم يوصفوا)) ليطابق الجواب السؤال. فإن قلت: لو كان (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) تجريداً للاستعارة لم قدر ((مهتدين لطرق التجارة))؟ قلت: ليرشدك إلى اكتساب المعطوف من المعطوف عليه معناه بحسب المقام. ومما يدل على أن قوله: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) وصفٌ ملائمٌ للمستعار له أنك لو قلت: أولئك الذين استبدلوا الضلالة بالهدى، فما كانوا مهتدين، كان على ظاهره. قال القاضي: رأس مالهم كان الفطرة السليمة، والعقل الصرف، فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم، واختل عقلهم، ولم يبق لهم رأس مالٍ يتوسلون به إلى درك الحق ونيل الكمال، فبقوا خاسرين آيسين عن الربح فاقدين للأصل. قوله: (لأن الضال خاسرٌ دامر) تعليلٌ لقوله: ((لم يوصفوا بإصابة الربح)). وقوله: ((ولأنه

ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله: قد ربح، (وما كانوا مهتدين): لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر. [(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ* صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ)]. لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا يقال)) عطفٌ على التعليل، والتقدير: لم يوصفوا بإصابة الربح، ولأنه لا يقال، يعني أن قوله: (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ): إما أن يحمل على الخسران، أو على عدم الربح، وإلى الأول الإشارة بقوله: ((لأن الضال خاسرٌ دامر))، وإلى الثاني بقوله: ((لمن لم يسلم)) إلى آخره لأنه يصح عرفاً أن يقال لمن ضيع رأس ماله: إنه ما ربح، كما يصح أن يقال: إنه خسر. ثم في تخصيص ذكر نفي الربح في التنزيل، مع تضييع رأس المال لطيفةٌ، وهي تصوير خيبتهم، وتخييل فوت مطلوبهم، وفي انضمام (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) إليه تجهيل أمرهم وتسفيه رأيهم وسلب رشدهم. قوله: (لما جاء بحقيقة صفتهم) يعني أن قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 8] إلى هنا جارٍ مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين. فلما فرغ منها عقبها ببيان تصوير تلك الحقيقة، وأبرزها في معرض المشاهد المحسوس تتميماً للبيان، ونعم ما قال القاضي: التمثيل إنما يصار إليه لرفع الحجاب عن المعنى الممثل له، ليبرزه في صورة المشاهد ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه، فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعةٍ من الوهم؛ لأن من طبعه ميل الحس وحب المحاكاة، ولذلك شاعت الأمثال.

ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل والنظائر - شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد. وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبىّ، ولأمر مّا أكثر اللَّه في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء. قال اللَّه تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) [العنكبوت: 43]، ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. والمثل في أصل كلامهم: بمعنى المثل، وهو النظير. يقال: مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه. ثم قيل للقول السائر ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيه تبكيت)، الأساس: بكته بالحجة وبكته: غلبه، تقول: بكته حتى أسكته، وبكته: قرعه على الأمر، وألزمه ما عيَّ بالجواب عنه، وبكته بالعصا: ضربه. قوله: (للخصم الألد)، الجوهري: رجل ألد بين اللدد، وهو شديد الخصومة. قوله: (الأبيّ)، الجوهري: أبى فلان: امتنع، فهو آبٍ وأبي وأبيان بالتحريك. وإنما كان كذلك؛ لأن إبراز حاله في صورة المثل أردع له من مجرد تقرير الحجة عليه كما في قصة الخصماء مع داود عليه السلام. قوله: (ثم ثيل للقول السائر)، أي: ثم نقل هذا المعنى إلى القول السائر، أي: المشهور الدائر بين الناس، الذي هو كالعلم للتشبيه، ولأجل كونه علما للتشبيه حوفظ عليه وحمي عن التغيير. قال الميداني: حقيقة المثل: ما جعل كالعلم للتشبيه بالحال الأولى، قال كعب بن زهير: كانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيده إلا الأباطيل

الممثل مضربه بمورده: مثل، ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا للتسيير، ولا جديرا بالتداول والقبول، إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه. ومن ثمّ حوفظ عليه وحمى من التغيير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله "مواعيد عرقوب" علم لكل ما لا يصلح من المواعيد والأعلام لا تتغير. قوله: (الممثل مضربه بمورده)، مورد المثل: هو الحال التي صدر فيها المثل عن مرسله، ومضربه: الحال التي شبهت بها. أي: تشبه حالة مضربه بحالة مورده. مثاله قولهم: "في الصيف ضيعت اللبن". مورد المثل هو: أن دختنوس بنت لقيط بن زرارة، كانت تحت عمرو ابن عمرو، وكان شيخا ففركته، فطلقها، ثم تزوجها فتى وأجدبت، فبعثت إلى عمرو تطلب منه حلوبة، فقال عمرو: "في الصيف ضيعت اللبن"، فذهب مثلا. ومضرب المثل حصول حالة من يطلب شيئا قد فوته على نفسه في أوانه؛ لأن فخواه مشابه لذلك، فيستعار المثل بعينه من غير تغيير، وهو تذكير صيغة "ضيعت" لاستعماله في المذكر، بل يورد هكذا على صيغة المؤنث، وإلا لم يكن عارية لذلك. قوله: (قولاً فيه غرابة) أي: قولاً حاصلاً أو مستقرا فيه الغرابة. قال في "الأساس": يقال: رمى فأغرب، أي: أبعد المرمى، وتكلم فأعرب، إذا جاء بغرائب الكلام ونوادره، وقد غربت

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذه الكلمة، أي: غمضت فهي غريبة، ومنه: مصنف الغريب. وقال فيه: وهذا كلام نادر: غريب خارج عن المعتاد. واعلم أن غموضة الكلام وكونه نادرًا، إما أن يكون بحسب المعنى، أو اللفظ، أما الأول فأن ترى فيه أثر التناقض، أو التنافي ظاهرًا، مثال الأول في غير المثل قوله تعالى: (ومَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ) [الأنفال: 17]، فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها فعل الله تعالى، فكان الله عز وجل هو فاعل الرمية على الحقيقة، وقوله تعالى: (ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ) [البقرة: 179] قال: كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل طرفًا ومكانًا للحياة. وفي المثل: قول الحكم بن عبد يغوث: رب رمية من غير رام، أثبت الرمي ونفى الرامي. ومثال الثاني ما روي في الحديث: "إن من البيان لسحر" حكم بأن بعض البيان سحر، والمشبه مباح مندوب والمشبه به حرام محظور. وأما الثاني: فأما أن يحصل فيه ألفاظ نادرة لا يستعملها العامة نحو قول الحباب بن المنذر: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب. يضرب في المجرب الذي يستشفى برأيه وعقله، جذيل: تصغير الجذل، أصل الشجر، المحكك: الذي تتحكك به الإبل الجربى، وهو عود ينصب في مبارك الإبل، والعذيق: تصغير العذق بفتح العين: النخلة، المرجب: الذي جعل له الدعامة بأن يبنى حولها من الحجارة، وذلك إذا كانت كريمة. أو أن يكون فيه حذف أو إضمار كما في قوله: "رب رمية من غير رام"، أي: رب رمية مصيبة من رام مخطئ، أو مراعاة للمشاكلة نحو: كما تدين

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تدان، أي: كما تجازي تجازى، أي: كما تعمل تجازى، فسمي الابتداء جزاء، إلى غير ذلك، وهو المراد من قوله: "فيه غرابة من بعض الوجوه" أي: الغرابة في المثل مطلوبة لا من كل الوجوه بل إن حصلت من بعض الوجوه المذكورة صح واستقام. وروى الميداني عن إبراهيم النظام. يجتمع في المثل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة. وزاد ابن المقفع: والوسعة في شعوب الحديث. وقلت: "إن من البيان لسحراً" إذ المعنى أن بعض البيان يعمل عمل السحر لحدة عمله في سامعه، وسرعة قبول القلب له، وأما حسن التشبيه فأن يكون مورد المثل مما له صلاحية الممثل به لحسن موقعه وندرته كما في الحديث. روى الميداني: أن عمرو بن أهتم، والزبرقان وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عمرًا عن صاحبه فقال: مطاع في أدنيه، شديد العارضة مانع لما وراء ظهره. قال الزبرقان: إنه ليعلم مني أكثر من هذا، ولكنه حسدني، فقال: أما والله إنه لزمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الولد، لئيم الخال، والله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الآخرة، ولكني رجل رضيت فقلت أحسن ما عملت، وسخطت فقلت أقبح ما وجدت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحرًا". يضرب في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة، وفيه أيضًا معنى قول ابن المقفع: والوسعة في شعوب الحديث.

فإن قلت: ما معنى (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا)؟ ، وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد نارا حتى شبه أحد المثلين بصاحبه؟ قلت: قد استعير المثل استعارة الأسد للمقدام، للحال أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا، وكذلك قوله: ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما جودة الكناية، وهي أخذ الزبدة والخلاصة منه، فينبغي أن يكون صحيحًا مشروطًا فيه ما شرط في وجه التشبيه، كما في قوله: "رب رمية من غير رام". فإنه كالعلم لكل من أصاب في شيءٍ ولم يكن أهلاً له، والله أعلم. قوله: (ما معنى (مَثَلُهُمْ)) أي: كيف قال: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: 17] والمثل كما علم إما بمعنى النظير لغة، أو بمعنى القول السائر اصطلاحًا، فأين ذلك النظير أم أين القول السائر حتى يشبه أحدهما بالآخر؟ قوله: (وما مثل المنافقين؟ ) عطف تفسيري على قوله "ما معنى"، وخلاصة الجواب: أن المثل بعد النقل استعير لمعنى الحال أو القصة. فهو مجاز بعد النقل. قوله: (إذا كان لها شأن) "إذا" في أكثر النسخ مغير بإسقاط الألف، ولا حاجة إليه؛ لأن "إذا" يرد أيضًا لمجرد الظرفية، فلا بأس أن يعمل "قد استعير" فيه وإن كان للمعنى. قال صاحب التخمير: قال الإمام عمر الجنزي: فاوضت جار الله في قوله تعالى: (وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى) [النجم: 1] ما العامل في الظرف؟ أعني "إذا". فقال: العامل فيه ما تعلق به "الواو"، فقلت: كيف يعمل فعل الحال في المستقبل؟ وهذا لأن معناه: أقسم الآن، وليس معناه: أقسم بعد هذا، فرجع وقال: العامل فيه مصدر محذوف وتقديره: وهوي النجم إذا هوى. فعرضته

(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) [الرعد: 35]، أى وفيما قصصنا عليك من العجائب: قصة الجنة العجيبة. ثم أخذ في بيان عجائبها؛ (وللَّه المثل الأعلى) [النحل: 60] أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة. (مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ) [الفتح: 29] أي: صفتهم وشأنهم المتعجب منه. ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا: فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن. فإن قلت: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟ قلت: وضع الذي موضع الذين، كقوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) [التوبة: 69]، والذي سوّغ وضع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على زين المشايخ فلم يستحسن قوله الثاني، والوجه: أن "إذا" قد انسلخ عنه معنى الاستقبال وصار للوقت المجرد، ونحوه: آتيك إذا حمر البسر؛ لأن معناه: آتيك وقت احمراره، فقد عري عن معنى الاستقبال، لأنه قد وقعت الغنية بقولك: آتيك. قوله: (فلان مثلة في الخير والشر)، "في الخير والشر" يتعلق "بقالوا" لا بمثلة، أي: يستعملون هذه اللفظة في الخير والشر، لكن استعماله في معنى الخير قليل، ومنه قول الحريري: أنا في العالم مثله ... ولأهل العلم قبله قوله: (فاشتقوا) عطف على "قالوا" على التعقيب؛ عطف (فَاقْتُلُوا) على (فَتُوبُوا). قوله: (وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) [التوبة: 69]) هذا إذا جعل ضمير الفاعل للذي.

"الذي" موضع "الذين"- ولم يجز وضع القائم موضع القائمين ولا نحوه من الصفات أمران: أحدهما: أنّ «الذي» لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة بجملة، وتكاثر وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالا بصلته، حقيق بالتخفيف، ولذلك نهكوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا به على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين. والثاني: أن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون. وإنما ذاك علامة لزيادة الدلالة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعنى: خضتم مشبهين بالذين خاضوا، أو خوضًا مثل خوض الذين خاضوا، وإذا جعل الضمير العائد محذوفا وجب أن يكون "الذي" على بابه، أي: وخضتم خوضًا مثل الذي خاضوه. فإن قلت: ليس قوله: (الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: 17] مثل (كَالَّذِي خَاضُوا) لاختلاف صلتيهما مفردًا وجمعًا، وقرينة التخفيف في المستشهد جمع الصلة. قلت: سيجيء أن الآية بحسب عود الضمير من (بِنُورِهِمْ) إلى الموصولة يحتمل أمرين، فيجوز أن يحمل على الوجه الضعيف للتخفيف، على أن الآية التي نحن بصددها إذا حمل على التشبيه المفرق يوجب تقدير الجمع. قال أبو البقاء: (الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) أراد "الذين"، فحذف النون لطول الكلام بالصلة، ومثله: (والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ) ثم قال: (أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ) [الزمر: 33]. قوله: (نهِكوه) بالكسر، صح عن نسخة الأصل. الجوهري: نهك، أي: دنف وضني. قال في "المفصل": ولاستطالتهم إياه بصلته مع كثرة الاستعمال خففوه من غير وجه، فقالوا: "اللذ" بحذف الياء، ثم "اللذ" بحذف الحركة، ثم حذفوه رأسًا واجتزوا عنه بالحرف الملتبس به، وهو لام التعريف، وأورد بأن الذي بكمالها للتعريف، واللام بانفرادها للتعريف. قوله: (وإنما ذاك علامة) قيل: يريد أن لفظة "الذي" كما تصلح للمفرد تصلح أيضًا للجمع

ألا ترى أن سائر الموصولات لفظ الجمع، والواحد فيهن واحد. أو قصد جنس المستوقدين. أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا. على أنّ المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد. ونحوه قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) [الجمعة: 5]، وقوله: (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) [محمد: 20] ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها. ومن أخواته: وقل في الجبل إذا صعد وعلا، والنار: جوهر لطيف مضيء حارّ محرق. والنور: ضوءها وضوء كل نير، وهو نقيض الظلمة. واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأنّ فيها حركة واضطرابا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كسائر الموصولات مثل "من" و"ما" وغيرهما، فلما ألحق به "الياء" و"النون" اختص بالجمع، ولا كذلك سائر الأسماء التي جمعت بالواو والنون، لأنها بدونهما لا تكون للجمع. قال القاضي: إنما جاز ذلك في "الذي" ولم يجز في نحو: القائم، لأنه غير مقصود، والمقصود الوصف بالجملة التي هي صلته، وهو وصلة إلى وصف المعرفة بها لأنه ليس باسم تام بل هو كالجزء منه، فحقه أن لا يجمع كما لم تجمع أخواتها. قوله: (على أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا) يعني: أن التشبيه واقع في المضاف والمضاف إليه معًا، لا في المضاف إليه وحده، والتطابق من هذا الوجه حاصل كما في الآية المستشهد بها أولاً، وفي الثانية التشبيه واقع في النظرين وما يتصل بهما، لا فيما يتصل بهما وحده. قوله: (وذواتهم)، وفي أكثر النسخ بكسر التاء، وفي بعضها بالفتح. وجهه: أنه قال في "المغرب": ذو بمعنى الصاحب يقتضي شيئين: موصوفًا ومضافًا إليه، تقول للمؤنث: امرأة ذات مال، وللثنتين ذواتا مال، وللجماعة ذوات مالٍ، هذا أصل الكلمة ثم اقتطعوا عنها مقتضيها،

والنور مشتق منها. والإضاءة. فرط الإنارة. ومصداق ذلك قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً) [يونس: 5]، وهي في الآية متعدية، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجروها مجرى الأسماء التامة المستقلة بأنفسها غير المقتضية لما سواها، فقالوا: ذات قديمة أو محدثة، ونسبوا إليها كما هي من غير تغيير علامة التأنيث، فقالوا: الصفات الذاتية، واستعملوها استعمال النفس والشيء، وعن أبي سعيد: كل شيءٍ ذات، وكل ذاتٍ شيءٍ. وقال في الكواشي في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ) [النساء: 23]: بناتكم: جمع بنتٍ، فلام الكلمة محذوف والتاء عوض منه وليست بتاء تأنيث؛ لأن تاء التأنيث لا يسكن ما قبلها ومع ذلك فتكسر تاء بنات في حالة النصب تشبيها لها بما في آخرها تاء التأنيث كمسلماتٍ. إلا يونس فإنه يقول: رأيت بناتك فتحًا يجعلها كالتاء الأصلية. قوله: (والنور مشتق منها) أي: من النار. الراغب: النور والنار: أحدهما مشتق من الآخر من حيث إنه قلما ينفك أحدهما عن الآخر، ولهذا قال: (نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) [الحديد: 13] فاستعمل فيه الاقتباس الذي هو للنار. قوله: (وهي في الآية متعدية) فعلى هذا الهاء موصولة مفعول به، أي: أضاءت النار ما حول المستوقد ويجوز أن تكون غير متعدية فيسند لفعل ما إلى "ما" على تأويل: أضاءت الأماكن التي حول المستوقد، أو يسند إلى ضمير النار، فعلى هذا ينتصب (مَا حَوْلَهُ) على الظرفية أي: أضاءت النار في الأمكنة التي حول المستوقد، وإنما أضاء إشراق النار فيما حوله

ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى (ما حوله). والتأنيث للحمل على المعنى لأنّ ما حول المستوقد أماكن وأشياء. ويعضده قراءة ابن أبى عبلة (ضاءت). وفيه وجه آخر، وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار. ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها، على أنّ ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة. و (حَوْلَهُ) نصب على الظرف وتأليفه للدوران والإطافة. وقيل للعام: حول لأنه يدور. فإن قلت: أين جواب لما؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن جوابه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. والثاني: أنه محذوف كما حذف في قوله: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ). وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس للدالّ عليه، وكان الحذف أولى من الإثبات لما فيه من الوجازة، مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا هي نفسها لكن يجعل إشراق ضوء النار بمنزلة إشراق النار في نفسها؛ لأن ضوء النار لما كان محيطا بالمستوقد مشرقا فيما حوله غاية الإشراق، أسند الفعل إلى النار نفسها إسنادًا للفعل إلى الأصل كقولهم: بنى الأمير للمدينة. قوله: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ) [يوسف: 15] وجوابه المحذوف: فعلوا به ما فعلوا من الأذى. قوله: (بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى) يعني لو صرح بالجواب على ما يقتضيه حال مستوقد نار أضاءت ما حوله، أوهم أن ذلك محصور، ولما حذف أشعر بأن الأمر بلغ من الفظاعة والشدة إلى ما لا يدخل تحت الوصف، وهذا من السحر البياني، لأنه آذن بأن الإيجاز استقل بمعانٍ لا يستقلها الإطناب، لكن في كلامه تسامح، لأنه قدر المحذوف ما لو صرح به لما اجتزئ به، فيجب أن يقدر بعد قوله: "بعد الكدح في إحياء النار" وغير ذلك مما لا يدخل تحت الوصف كما قال في قوله تعالى: (حَتَّى إذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) [الزمر: 73]: حذف جواب "إذا"، لأنه في صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف.

فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار. فإن قلت: فإذا قدّر الجواب محذوفا فبم يتعلق (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)؟ قلت: يكون كلاما مستأنفاً. كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد الذي طفئت ناره، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وللواحدي في هذا المقام كلام حسن، فلابد من التعرض له، قال: مثل هؤلاء المنافقين لما أظهروا كلمة الإيمان، واستناروا بنورها، واعتزوا بعزها، وآمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم، وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف وبقوا في العذاب، كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء بها واستدفأ ورأى ما حوله فاتقى ما يحذر ويخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي مظلما خائفا متحيرا. فمعنى إذهاب الله نور المنافقين هو أن يسلبهم ما أعطوا من النور مع المؤمنين في الآخرة، وكان من حق ظاهر النظم أن يكون اللفظ: "فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره"، ليشاكل جواب "لما" معنى هذه القصة. ولما كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم أقيم إذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب "لما" اختصارًا وإيجازًا. وقلت: على هذا التقدير في هذا التمثيل إيجازان: أحدهما: إيجاز في الشطر الأول من الممثل له، وهو مثل هؤلاء المنافقين لما أظهروا كلمة الإيمان، واستناروا بنورها واعتزوا بعزها، وآمنوا فناكحوا المسلمين ووارثوا وأمنوا على أموالهم وأولادهم حيث اقتصر على قوله: (مَثَلُهُمْ) لدلالة الشطر الأول من الممثل به عليه وهو قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) [البقرة: 17]. وثانيهما: إيجاز في الشطر الثاني من الممثل به وهو قوله: فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقى مظلمًا خائفًا متحيرًا، حيث لم يذكر منه شيئًا، واكتفى بذكر الشطر الثاني من الممثل له وهو قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ) [البقرة: 17]. قوله: (بعد الكدح) مستفاد من السين في قوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا).

اعترض سائل فقال: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟ فقيل له: ذهب اللَّه بنورهم. أو يكون بدلا من جملة التمثيل على سبيل البيان. فإن قلت: قد رجع الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين فما مرجعه في الوجه الثاني؟ قلت: مرجعه الذي استوقد لأنه في معنى الجمع. وأما جمع هذا الضمير وتوحيده في: (حَوْلَهُ)، فللحمل على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى. فإن قلت: فما معنى إسناد الفعل إلى اللَّه تعالى في قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)؟ قلت: إذا طفئت النار بسبب سماوي ريح أو مطر، فقد أطفأها اللَّه تعالى وذهب بنور المستوقد. ووجه آخر، وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها اللَّه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو يكون بدلاً من جملة التمثيل) أي: يكون تفسير المجموع قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) خمدت فبقوا متحيرين متحسرين؛ لأن حاصله وتلخيصه: ذهب الله بنور المنافقين، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، والبدل كما علم في "الفاتحة" كالبيان والتفسير للمبدل. قوله: (قد رجع الضمير في هذا الوجه) يعني: إذا كان الجواب محذوفًا، وكان (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) استئنافًا، أو بدلاً، يرجع الضمير في (بِنُورِهِمْ) إلى المنافقين، وأما إذا كان الجواب (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) لا يجوز أن يرجع إليهم، ولا بأس في تسميته بالوجه الثاني وإن كان مذكورًا أولاً؛ لأن كلا من الوجهين ثانٍ للآخر، كقوله تعالى: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الغَارِ إذ) [التوبة: 40] أي: مصيرهما، ونظيره قوله في قوله تعالى: (وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ) [المائدة: 6]: "فعطفت- أي: الأرجل- على الرابع المسموح". قوله: (فما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى) دلت "الفاء" على إنكار أن يكون (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) جوابًا، يعني إنما جاز إسناد إذهاب نور المنافقين إلى الله تعالى؛ لأنه جزاء لفعلهم، وأما إسناد إذهاب نور المستوقدين فلا يجوز لكونه عبثًا والعبث قبيح، بناء على مذهبه.

ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار متقاصرة مدّة اشتعالها قليلة البقاء. ألا ترى إلى قوله: (كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) [المائدة: 64]، وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدوا بها في طرق العبث، فأطفأها اللَّه وخيب أمانيهم. فإن قلت: كيف صح في النار المجازية أن توصف بإضاءة ما حول المستوقد؟ قلت: ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتلخيص الجواب: أن الإسناد في قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) إذا جعل مجازيًا يجوز أن يحمل قوله: (الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) على نار أوقدها بعض الناس للانتفاع بها من نحو الاستدفاء وإضاءة ما حوله وغير ذلك، فأطفأها ريح أو مطر، وإنما جاز إسناده إلى الله تعالى لأنه سبب بعيد، وإذا جعل الإسناد حقيقة احتمل أن يراد بالنار نار الفتنة، وأن يراد نار حقيقية أو قدها الغواة، بناء على أن إطفاء تلك النيران مستحسن في العقول. وقال القاضي: معنى الإسناد إلى الله تعالى أن الكل بفعله، إذا طفئت النار بسبب سماوي. يريد أن الإسناد مجازي على طريقة: هزم الأمير الجند. قوله: (نارًا مجازية) وعلى هذا حصل التداخل بين التشبيه والمجاز، فأدخل الاستعارة في المشبه به، كما أدخل التشبيه في قوله: "كأن أذني قلبه خطلاوان"، في الاستعارة هناك، وجعله ترشيحًا لها كما مر. وأما قوله: (وتلك النار متقاصرة) فموضوع موضع يطفئها الله سريعًا، يدل عليه قوله: (أَطْفَأَهَا اللَّهُ) في قوله: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ) [المائدة: 64].

هو خارج على طريقة المجاز المرشح فأحسن تدبره. فإن قلت: هلا قيل ذهب اللَّه بضوئهم؟ لقوله: (فَلَمَّا أَضاءَتْ)؟ قلت: ذكر النور أبلغ لأنّ الضوء فيه دلالة على الزيادة. فلو قيل: ذهب اللَّه بضوئهم، لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، والغرض إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المجاز المرشح) يريد أنه لما استعار لإثارة الفتنة لفظ النار قفاها بالإضاءة، فإنها صفة ملائمة لها. قوله: (والغرض إزالة النور) والحاصل: أن نفي القليل يوجب نفي الكثير، دون العكس، وفي معناه: (فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: 23]. قال صاحب "الفلك الدائر": هذا غير صحيح، فإنا تصفحنا كتب اللغة فلم نجدها شاهدة لما ذكر ولا الاصطلاح العرفي مساعد له. وقال ابن السكيت- وإنه ثقة بالإجماع- في كتاب "إصلاح المنطق"، في باب فعل وفعل بكسر الفاء وضمها مع سكون العين باختلاف المعنى: النير: علم الثوب، والنور: الضياء فجعلهما شيئًا واحدًا، وليس في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً والْقَمَرَ نُورًا) [يونس: 5] ما يدل على الاختلاف. والجواب عن قوله: إن ابن السكيت جعلهما شيئًا واحدًا؛ هو أن ابن السكيت بين معناه الحقيقي بحسب الوضع لا الاستعمال، وقد تقرر في أول هذه الآية، أن هذا الاعتبار بحسب الاستعمال، وحيث قال: ومصداق ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً) الآية [يونس: 5]، وأن الأصل ما ذكره ابن السكيت.

ألا ترى كيف ذكر عقيبه (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ)! والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه، وكيف جمعها، وكيف نكرها، وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله (لا يُبْصِرُونَ). فان قلت: فلم وصفت بالإضاءة؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال في "الأساس": أشرق ضوء الشمس وضياؤها وأضواؤها، وقولهم: فلان أضوأ من الشمس وأنور من البدر. وأما قوله: ليس في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً والْقَمَرَ نُورًا) [يونس: 5] ما يدل على الاختلاف، فيقال له: أفلا تقابل الآية بقوله تعالى: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) [الإسراء: 12] وقوله تعالى: (وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) [نوح: 16] حتى يعلم الاختلاف للاستعمال! قوله: (ألا ترى كيف ذكر عقبيه ... وكيف جمعها، وكيف نكرها) كرر "كيف" ليؤذن باستقلال كل واحد من المذكورات فيما قصد إليه، أي: أنها ظلمات متكاثفة بتتابع القطر وظلمة غمامه مع ظلمة الليل، وأنها ظلمات لا يكتنه كنهها. ثم قوله: (لاَّ يُبْصِرُونَ) كالتتميم والإيغال كقولها: كأنه علم في رأسه نار وجعله بمنزلة اللازم من قبيل: فلان يعطي ويمنع. قوله: (فلم وصفت بالإضاءة) الفاء تدل على إنكار الكلام السابق. ومبنى سؤاله السابق "هلا قيل: ذهب الله بضوئهم"، هو أن المجاوبة بين صدر الكلام وعجزه مطلوبة، فلما قيل:

قلت: هذا على مذهب قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت، ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح. والفرق بين أذهبه وذهب به: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (أَضَاءَتْ) فالمناسب أن يقال: بضوئهم، ليكون من باب رد العجز على الصدر، وأجاب عنه بأن مراعاة تلك النكتة- وهي إزالة النور بالكلية- اقتضت المخالفة، ثم سأل ثانيا على الإنكار: "فلم وصفت بالإضاءة؟ " يعني إذا كان الغرض إزالة النور بالكلية، وأنه لو قيل: ذهب الله بضوئهم، لم يحصل الغرض، فما الذي استدعى وصف النار بالإضاءة دون الإنارة، إذ لو قيل: فلما أنارت ما حوله لحصل المقصود أيضًا وتجاوب النظم؟ وأجاب بما معناه: أنه أدمج في الكلام معنى الباطل، وتحريره: أن سياق الكلام كان في إثبات ضوء أو نور كيف ما كان، ثم إزالته ليحصل غرض التمثيل، ففي إيراده على هذه الطريقة إشعار بمعنى البطلان أيضًا، فإنه ثبت عند ذوي البصائر وأرباب النهى قوة ظهور الباطل في بدء الحال ثم اضمحلاله سريعًا في المآل، فقيل: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ) ليثبت أولاً الإفراط في إشراق النار ثم (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) ليثبت التفريط فيه ثانيًا، ليكون على وزان قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. وفي هذا التقرير إيذان بأن الواجب أن يحمل التنكير في قوله: (اسْتَوْقَدَ نَارًا) على التعظيم والتهويل، وأن يجعل الإسناد في "أضاءت" للنار على المجاز، كما سبق. قوله: (ونار العرفج مثل لنزوة كل طماح) أي: هذا اللفظ وهو نار العرفج، علم لهذا المعنى وقد أسلفنا أن حقيقة المثل: ما جعل علما للتشبيه لحال الأول، فإن نار العرفج علم لحال من تراه يخوض في أمر مع شرهٍ قويٍّ، ثم تراه ينخفض عنه سريعًا. والعرفج: شجر ينبت في السهل، الواحدة عرفجة. والنزوة: الطفرة، ومنه: نزا الذكر على الأنثى، والطماح: الشره. قوله: (والفرق بين أذهبه وذهب به) وقد ذهب إلى هذا الفرق أبو العباس المبرد، ذكره الحريري في "درة الغواص". قال صاحب "المثل السائر": كل من ذهب بشيء فقد أذهبه،

أن معنى "أذهبه": أزاله وجعله ذاهبا. ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه. وذهب السلطان بماله: أخذه (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ)، (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ) [المؤمنون: 91]. ومنه: ذهبت به الخيلاء. والمعنى: أخذ اللَّه نورهم وأمسكه، (وما يمسك فلا مرسل له) [فاطر: 2]، فهو أبلغ من الإذهاب. وقرأ اليماني: أذهب اللَّه نورهم) ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وليس كل من أذهب شيئًا فقد ذهب به، لأن قولنا: ذهب به يفهم منه أنه استصحبه معه، وأمسكه عن الرجوع إلى الحالة الأولى، وليس كذلك "أذهبه". وقال صاحب "الفلك الدائر": وفيه نظر؛ لأن كلا اللفظين يدلان على معنى واحد؛ لأن الأفعال اللازمة تعدى تارة بحرف الجر، وأخرى بالهمزة، كما تقول: أخرجت زيدًا من البلد، وخرجت بزيد منه، وليس معنى الثاني أنك أخرجت زيدًا واستصحبته معك، وكذا عن صاحب "الضوء" أنه قال: ويكون للتعدية إلى معنى آخر، وها هنا لم يفد شيئًا سواها. والجواب: أنهما وإن اشتركا في معنى التعدية، لكن لم قلت: إنهما مشتركان في تأدي معنى واحد؟ وهل النزاع إلا في هذا؟ فإن الهمزة ها هنا للإزالة والباء للمصاحبة، وصاحب المعاني لا ينظر إلا إلى الفرق بينهما، واستعمال كل منهما في مقامه، لا إلى التعدية نفسها فإن البحث عنها وظيفة النحوي. ويؤيده ما قاله المصنف في "الأعراف": "فإن قلت: كيف قيل: (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ) [الأعراف: 17] بحرف الابتداء (وعَنْ أَيْمَانِهِمْ وعَن شَمَائِلِهِمْ) [الأعراف: 17] بحرف المجاوزة؟ قلت: المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به، فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك، اختلفت في هذا، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس، وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط، فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه، وعلى يمينه، وعن شماله، وعلى شماله،

و"ترك": بمعنى طرح وخلى، إذا علق بواحد، كقولهم: تركه ترك ظبى ظله. فإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة: فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلنا: معنى "على يمينه" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن يمينه"، أي: جلس متجافيا عن صاحب اليمين، منحرفًا عنه غير ملاصق له". وقال في "طه": "ومعنى الاستعلاء في (عَلَى النَّارِ) [طه: 10]: أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها، كما قال سيبويه- في مررت بزيدٍ-: إنه لصوق بمكانٍ يقرب من زيد". قوله: (ترك ظبي ظله) أي: كناسه الذي يستظل به في شدة الحر، فيأتيه الصائد فيثيره فلا يعود إليه أبدًا، يضرب فيمن ترك الأمر تركًا لا يعود إليه أبدًا. قاله الميداني. قوله: (فتركته جزر السباع ينشنه) تمامه: ما بين قلة رأسه والمعصم قبله: فشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمجرم وروي: فتركنه بالنون، والضمير "للقنا" وفي رواية: يقضمن حسن بنانه والمعصم. الجزر: جمع الجزيرة، وهي الشاة التي أعدت للذبح، والنوش: التناول، والقضم: الأكل بمقدم الأسنان. يقول: صيرته طعمة للسباع، أي: قتلته فجعلته عرضة للسباع حتى تناولته وأكلته بمقدم أسنانها.

ومنه قوله: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ) أصله: هم في ظلمات، ثم دخل ترك فنصب الجزأين. والظلمة: عدم النور. وقيل: عرض ينافي النور. واشتقاقها من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا: أى ما منعك وشغلك، لأنها تسدّ البصر وتمنع الرؤية. وقرأ الحسن (ظلمات) بسكون اللام وقرأ اليماني (في ظلمة) على التوحيد. والمفعول الساقط ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومنه قوله: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ)) يوهم أن تقدير الآية مقصور على هذا الوجه دون الأول، ولكن جاء في "الأمالي" عن ابن الحاجب: أن على الأول مفعول "ترك": "هم"، و (فِي ظُلُمَاتٍ) و (لاَّ يُبْصِرُونَ) حالان مترادفان من المفعول، فيقال: إن المصنف إنما ترك ذكره لظهوره، والوجه الثاني: لما كان متضمنا لفائدة التضمين وعلى قاعدة وأصل في الإعراب وهي: أن بعض الأفعال التي تقتضي مفعولين مبنية على أصل الأخبار. وقال ابن الحاجب: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ) كقولك: صيرت زيدًا عالمًا فاضلاً، لأنها في معنى الأخبار، فكما جاز تعدد الأخبار جاز تعددها، ويجوز أن يكون الأول هو المفعول، والثاني حالاً من الضمير في قوله "تركهم" أي: تركهم مستقرين في ظلماتٍ في حال كونهم لا يبصرون، ويجوز أن يكون الأول حالاً، والثاني هو المفعول، أي: صيرهم غير مبصرين في حال كونهم في ظلمات. قوله: (والظلمة عدم النور) وزاد الإمام: عما من شأنه أن يستنير. قوله: (وقيل: عرض ينافي النور) فعلى هذا الظلمة أمر وجودي، ويدل عليه قوله تعالى: (وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ) [الأنعام: 1].

من (لا يبصرون) من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأنّ الفعل غير متعدّ أصلا، نحو (يَعْمَهُونَ) في قوله: (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الأنعام: 110]. فإن قلت: فيم شبهت حالهم بحال المستوقد؟ قلت: في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورّطوا في حيرة. فان قلت: وأين الإضاءة في حال المنافق؟ وهل هو أبداً إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟ قلت: المراد ما استضاءوا به قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيم شبهت حالهم بحال المستوقد) والذي عليه المعنيون بشأن هذا الكتاب: أن السؤال عن وجه التشبيه؛ قالوا: المعنى ما وجه التشبيه؟ ثم بين الوجه من ثلاثة أوجه، ولما ذكر الوجه الأول من تلك الوجوه، أورد سؤالاً وأجاب عنه، ثم شرع في الوجهين الأخيرين فتدبر، وقالوا: إن الضمير في "أنهم غب الإضاءة" للمستوقدين، والذي نذهب إليه: أن السؤال عن المشبه، ومورده قوله السابق: إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد، وأن الضمير للمنافقين، وإن كان ظاهر اللفظ يشعر بأن السؤال عن الوجه فافهم، فإن هذا المقام من مزال الأقدام. فإذن المعنى: في أي حال من أحوال المنافقين وقع التشبيه بحال المستوقد؟ فإن حالات المنافقين فيها كثيرة كما سبقت من ابتداء ذكرهم إلى أن انتهت إلى ما نحن بصدده، فلا بد من تخصيص بعضها بهذا التشبيه، ولهذا وقع الاختلاف في الجواب وتعدد الوجوه، ولا كذلك إذا كان السؤال عن الوجه. ثم نقول: إنا لو فرضنا أن يكون هذا السؤال عن الوجه، فلا يخلو: إما أن يكون هذا التشبيه مفرقًا أو مركبًا كان الوجه ما ذكره صاحب "المفتاح"، حيث قال: وجه تشبيه المنافقين بالذين شبهوا بهم في الآية هو رفع الطمع إلى تيسير مطلوبهم بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقيب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب.

ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمى بهم إلى ظلمة سخط اللَّه وظلمة العقاب السرمد. ويجوز أن يشبه بذهاب اللَّه بنور المستوقد اطلاع اللَّه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وليس في الأجوبة التي أوردها المصنف ما يدل على ذلك، ولا على ما يقاربه، وأما إذا كان مفرقًا، فالوجه في غاية الظهور، فلا يحتاج إلى السؤال والجواب كما في بيت امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف البالي لأن الوجه فيه متعدد بحسب تعدد المشبه والمشبه به، واستخراجه سهل، على أن السؤال من الوجه إنما يحسن إذا تعين الطرفان، وها هنا المشبه غير معلوم؛ لأن في قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: 17] المشبه مثلهم وليس فيه ظاهرًا ما يصح أن يقابل بما في المشبه به، فوجب السؤال عنه، ولمثل هذا المعنى أورد في التمثيل الثاني: "قد شبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد نارًا، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، فماذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات؟ "، ثم أعرض عن هذا السؤال بقوله: "والصحيح أن التمثيلين من التمثيلات المركبة". وأما بيان كون الاختلاف في الجواب دالا على المدعى، فهو أن قوله: "في أنهم غب الإضاءة خبطوا في ظلمة، وتورطوا في حيرة" لا يصلح أن يكون وجهًا في التشبيه المركب والمفرق؛ لما تقرر أن الوجه أمر مشترك يعم الطرفين، وها هنا ليس كذلك، لأنه لا يخلو من أن تكون الإضاءة فيه حقيقة أو مجازًا، فإن كان حقيقة فتختص بالمستوقد، وإن كان مجازًا فبالمنافق، وعلى التقديرين لا يكون مشتركًا، فلا يكون وجها فيجب حمله على أحدهما، فخصصناه بالمنافقين على المجاز، ليكون مشبهًا، فيرد عليه سؤاله: "وأين الإضاءة في حال المنافق؟ " وينطبق

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عليه الجواب المراد: "ما استضاؤوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم" إلى آخره فإنه في بيان مجاز المشبه. وأما الجواب الثاني، وهو قوله: "ويجوز أن يشبه بذهاب الله بنور المستوقد" إلى آخره، والثالث وهو قوله: "والأوجه أن يراد الطبع" فمن الدلائل القاطعة على ما قصدناه. بيان الوجه الثاني: أن المشبه بالاستضاءة هو انتفاعهم من المؤمنين بالمتاركة والإعفاء عن المحاربة، والإحسان إليهم، وإعطائهم الحظوظ من المغانم، وبذهاب الله بنور المستوقد إذهاب الله ذلك الانتفاع بكشف أسرارهم وافتضاحهم بين المؤمنين بإطلاعهم على أفعالهم، فيكون الاطلاع على النفاق مترتبًا على الانتفاع، كما أن الذهاب مترتب على الإضاءة في حال المستوقد. ويفترق هذا الوجه من الوجه الأول في إرادة معنى (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) دون الإضاءة والانتفاع، فإن المراد بالإضاءة في الوجهين الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، وبالإذهاب في الأول ظلمة العقاب، وفي الثاني إطلاع الله المؤمنين على أسرارهم. وبيان الوجه الثالث: هو أن المشبه بالاستضاءة هو الانتفاع المذكور، وبالإذهاب الطبع المرتب على عدم منح الألطاف، وتركهم على ما هم عليه، فإنه سبب لتراكم الرين والطبع على قلوبهم، فصح إيقاع الطبع مشبهًا، وأنه بمنزلة إذهاب النور في طرف المشبه به، لأن نورهم، أي: انتفاعهم لما كان سببًا عن إظهارهم الإيمان وموافقتهم المسلمين في الظاهر، وكان تركهم على هذه الحالة سببًا لتراكم الرين فكلما ازداد الرين، قل الانتفاع والإضاءة، إلى أن ينتهي الرين إلى الطبع، فحينئذ لم يتمالكوا أن يجروا على ألسنتهم كلمة الإيمان، قال الله تعالى: (قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ومَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران: 116] فانقطع لذلك الانتفاع بالكلية، فصح التشبيه، هذا على تقدير أن يكون (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) جزاء الشرط والضمير للمستوقدين، وأما إذا قدر الجزاء محذوفًا، تكون دلالة "ذهب الله" على هذا المعنى دلالة النائب على المنوب.

على أسرارهم وما افتضحوا به بين المؤمنين واتسموا به من سمة النفاق. والأوجه أن يراد الطبع، لقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ). وفي الآية تفسير آخر: وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب اللَّه بنورهم وتركه إياهم في الظلمات. وتنكير النار للتعظيم. كانت حواسهم سليمة ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما افتضحوا) قيل: هو عطف على "اطلاع الله". وأما الجواب الرابع وهو قوله: "وفي الآية تفسير آخر" فكذا يقوي قولنا: إن تقدير السؤال: في أي حالة من حالات المنافقين وقع التشبيه؟ فإن حالات المنافقين فيها كثيرة. تقريره: أن تلك الأجوبة كانت مبنية على أن المراد من الحال المسؤول عنها ما يعلم من تفسيره قوله: () حيث قال: "كانت صورة صنيعهم مع الله- حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون- صورة صنع المخادعين، وصورة صنع الله معهم- حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده في عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار- صورة صنع الخادع" إلى آخره. وهذا الجواب مبني على أن الحالة التي وقع التشبيه فيها هي ما في الآية السابقة وهي قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدَى) [البقرة: 16]. ألا ترى كيف صرج بالمشبه والمشبه به بقوله: "ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة"! فالحق أن هذا جواب ثان، والجواب الأول متفرع عليه الوجهان. قوله: (والأوجه أن يراد الطبع) لما أن قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [البقرة: 18] واقع استئنافًا على بيان الموجب. قوله: (كانت حواسهم سليمة)، الراغب: الصم: صلابة من اكتناز الأجزاء، ومنه قيل: حجر أصم وصخرة صماء، وقيل لرأس القارورة: الصمام، والبكم: اعتقال اللسان، وأصله فيمن يولد أخرس، والعمى قد يقال في عدم البصيرة والبصر جميعًا، فمن ترك الإصغاء إلى

ولكن لما سدّوا عن الإصاخة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتقضت بناها التي بنيت عليها للإحساس والإدراك كقوله: صُم إذا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بِهِ ... وإنْ ذُكِرْتُ بسُوءٍ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ أَصَمُّ عَنِ الشَّىْءِ الَّذِى لا ارِيدُهُ ... وأَسْمَعُ خَلْقِ اللَّهِ حِينَ أُرِيدُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحكمة الربانية، وأعرض عن الطريق الأخروية واشتغل عن تعرف حالهما، ولم ينعم تدبرهما، صح أن تستعمل هذه الألفاظ فيه، والآية مبنية على الآية الأولى ومفسرة بحسب تفسيرها. قوله: (وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم) زاد في العبارة في هذا القسم، وأكد فيه، حيث بين النظر بالتبصر وصرح بذكر العين، وبناه من التفعل؛ لأن بديهة النظر لا تجدي ألبتة، والنظرة الأولى حمقاء، فلابد من بناء ثان على الأول، وإعمال التفكير فيه لينتفع به. قوله: (إيفت) أي: صارت ذا آفةٍ. الجوهري: الآفة: العاهة. وقد إيف الزرع، أي: أصابته آفة فهو مؤوف مثال معوف، والبنى: بالضم مقصورة مثل البنى يقال: بنية وبنى، وبنية وبنى. قوله: (أذنوا) هو من: أذنت الشيء أذنا، إذا أصغيت إليه، وأنشد الجوهري قبلة لقعنب: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا ... مني، وما أذنوا من صالح دفنوا

فأَصمَمتُ عَمْراً وأَعْمَيتُهُ ... عَنِ الجُودِ والفَخْرِ يَوْمَ الفَخَار، فإن قلت: كيف طريقته عند علماء البيان؟ قلت: طريقة قولهم: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأصممت عمرًا) البيت. أي: وجدته أصم، "وأعميته"، أي: وجدته أعمى. قوله: (كيف طريقته) قيل: أي: هو حقيقة أم مجاز؟ ثم إن كان مجازًا، أهو من باب التمثيل أو الاستعارة؟ وليس بذاك، بل توجيه السؤال أن يقال: ذكرت أن قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [البقرة: 18] ليست على ظواهرها؛ لأن حواسهم كانت سليمة، وأنها محمولة على تلك المعاني، فمن أي أسلوب هو في البيان؟ فأجاب: إنه من باب التشبيه، ثم أورد عليه أن مبنى التشبيه أن يذكر طرفاه، وهو المشبه والمشبه به، فهل يسمى استعارة أم لا؟ فأجاب بأنه لا يسمى استعارة؛ لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون، ثم منع هذا التعليل بقوله: "طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدأ" وتقريره: أنه ثبت في البيان أن شرط الاستعارة أن يكون المشبه المتروك مطويًا في جملة وقعت الاستعارة فيها، فلو ذكر في غيرها من الجمل لا يضرها، ألا ترى إلى قوله: قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس فإن قوله: "شمس تظللني" عد استعارة، وإن علم من السابق أنه تشبيه، كذا ها هنا هذه الجملة معراة عن ذكر المشبه، وإن علم مما سبق ذكرهم، فانسلق إلى أنه استعارة، وإليه الإشارة بقوله: "طوى ذكرهم عن الجملة". وأجاب أن المطوي في حكم المنطوق؛ لأن الكلام لا يتم إلا به، بخلافه في البيت، فإن تلك الجملة مستقلة.

هم ليوث؛ للشجعان، وبحور للأسخياء. إلا أنّ هذا في الصفات، وذاك في الأسماء، وقد جاءت الاستعارة في الأسماء والصفات والأفعال جميعاً. تقول: رأيت ليوثا، ولقيت صما عن الخير، ودجا الإسلام، وأضاء الحق. فإن قلت: هل يسمى ما في الآية استعارة؟ قلت: مختلف فيه. والمحققون على تسميته تشبيها بليغاً لا استعارة؛ ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هم ليوث للشجعان، وبحور للأسخياء) أي: تشبيه بحذف الأداة، والوجه كأنه قيل: هم كالليوث وكالصم إلا أن الفرق بينهما من حيث الاسم والصفة، وكما جاءت الاستعارة على الأصالة في الأسماء وعلى التبعية في الصفات والأفعال كذا تجيء في التشبيه؛ لأن مبنى الاستعارة على التشبيه فقوله: "رأيت ليوثًا ولقيت صما، ودجا الإسلام، وأضاء الحق" استعارات لا تشبيهات، فإذا جوز ذلك في الفرع، ففي الأصل بطريق الأولى. قوله: (ودجا الإسلام)، الأساس: ومن المجاز ثوب داج: سايغ غطى جسده كله، وثوب الإسلام داج. قوله: (تشبيهًا بليغًا) وذلك أن حق التشبيه ذكر أركانه الأربعة: المشبه والمشبه به، وأداته ووجهه، وحين لم يذكر ها هنا الأداة دل على الحمل، ولما لم يذكر الوجه دل على العموم. وأما حذف المسند إليه، فيه بلاغة أم لا؟ فمذهب صاحب المفتاح: لا، لكون المقدر كالملفوظ، لكن لا يخلو من نوع مبالغة، فإن دلالة المسند على المسند إليه المقدر في نحو: أسد علي وفي الحروب نعامة قريب من نحو دلالة الأسد على الشجاع في قولك: رأيت أسدًا يرمي، ولهذا اختلف فيه.

لأنّ المستعار له مذكور وهم المنافقون. والاستعارة إنما تطلق حيث يطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلواً عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام، كقول زهير: لَدَى أَسَدٍ شَاكِى السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يطوى ذكر المستعار له) ليس بكلي؛ لأن ذلك مشروط في الاستعارة المصرحة، أما المكنية فبخلافه. قوله: (ويجعل الكلام خلوا عنه، صالحا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه) مبني على القول بالدعاء الذي هو أصل الاستعارة، وإلا فمعنى الحقيقة هو المبادر إلى الفهم عند خلو الكلام عن القرينة، وإلى الاستعارة عند وجودها؛ وذلك أن المتكلم عند إرادة الاستعارة يدعي أولا أن المشبه داخل في جنس المشبه به، وفرد من أفراد حقيقته، فالمستعار كاللفظ المشترك الدائر بين مفهوميه، ولولا القرينة المبينة لم يعلم المراد. قوله: (لدى أسد شاكي السلاح) الشوكة شدة البأس، والحدة في السلاح، وقد شاك الرجل، أي: ظهرت شوكته وحدته، فهو شائك السلاح، وشاكي السلاح مقلوب منه، مقذف: كثير اللحم، ناقة مقذفة مكتنزة اللحم، كأنما قذفت به قذفا. لبد: جمع لبدة، وهي الشعر الذي على رقبته يتلبد. قوله: (أظفاره لم تقلم) أي: براثنه لا يعتريها ضعف، يقال للضعيف: مقلوم الظفر، واجتمع في البيت تجريد الاستعارة مع ترشيحها، والبيت مستشهد به لقيام دلالة الحال على الاستعارة.

ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنهم يتناسون التشبيه ويضربون عن توهمه صفحاً. قال أبو تمام: ويُصْعِدُ حتَّي يَظُنَّ الجَهُولُ ... بأَنَّ لهُ حاجَةً في السَّمَاء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومن ثم) تعليل لقوله: ((ويجعل الكلام خلوا عنه صالحاً لأن يراد به المنقول عنه)) أي: حقيقة ((والمنقول إليه)) أي: ادعاء، ولأن المشبه داخل في جنس المشبه به فرد من أفراد حقيقة ((يتناسون التشبيه)) في الترشيح كأنه لم يخطر منهم على بال، ولا رأوه ولا طيف خيال. فإن قلت: الكلام في تناسي التشبيه مسوق للاستعارة كما يفهم من كلامه، وهذا تشبيه كما تقرر من مفهوم كلام صاحب المفتاح؟ قلت: ذكره للمبالغة والإيذان بأنهم إذا كانوا مع التشبيه والاعتراف بالأصل يسوغون أن لا يبنوا إلا على الفرع الذي هو المشبه به، فهم إلى تسويغ ذلك مع جحد الأصل في الاستعارة أقرب. قوله: (المفلقين)، الجوهري: الفلق بالكسر: الداهية والأمر العجيب تقول منه: أفلق الرجل، وشاعر مفلق. الأساس: شاعر مفلق يأتي بالفلق وهو الأمر العجيب. قوله: (ويصعد) البيت، والضمير في ((يصعد)) للمدوح، ساق سمو منزلته وارتقاءه

ولبعضهم: لا تَحْسَبُوا أَنَّ في سِرْبالهِ رَجُلًا ... ففِيهِ غَيْثٌ ولَيْثٌ مُسْبِلٌ مُشْبِل وليس لقائل أن يقول: طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدإ فأتسلق بذلك إلى تسميته استعارة لأنه في حكم المنطوق به، نظيره قول من يخاطب الحجاج: أَسَدٌ عَلَىَّ وفي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ ... فَتْخاءُ تَنْفُرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مدارج الكمال مساق علوه المكاني، واللام في ((الظن)) جواب القسم، والبيت مثال الاستعارة. قوله: (لا تحسبوا) البيت، والبيت مستشهد به من حيث اللفظ كما تقول في شجاع: هذا ليس بإنسان بل هو أسد؛ ألا ترى كيف يفترس ويصول. قوله: (مسبل)، الأساس: أسبل المطر: أرسل دفعة وتكاثف كأنما أسبل سترا. قوله: (فأتسلق)، الجوهري: تسلق الجدار: تسوره. أي ترك التشبيه وارتقى إلى الاستعارة، لأنها تدرج من التشبيه لحذف أحد طرفيه وذكر الآخر، وفي حذف المبتدأ إيهام لتطهيره اللسان عنه. قوله: (أسد علي) البيت، وبعده: هلا حملت على غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر فتخاء: مسترخية الجناح. والصفير: صوت المكاء، والنعام يضرب به المثل في الجبن. قيل: قتل الحجاج شبيبا الخارجي، فحاربته امرأته سنة، وهزمت الحجاج وهي تتبعه، فقيل له ذلك تغييرا، أي: هلا حملت على هذه المرأة في الوغى بل كان قلبك في الوجيب والخفقان كأنه في جناحي الطير.

ومعنى (لا يَرْجِعُونَ): أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها، تسجيلا عليهم بالطبع. أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومعنى (لا يَرْجِعُونَ)) أي: (لا يَرْجِعُونَ) متعلقه محذوف. الأساس: رجع إلى رجوعا ومرجعا ورجعى، ورجعته أنا رجعا. فإما أن يقدر المتعلق ((إلى))، فالرجوع إذن بمعنى الإعادة إلى ما كان، فالمعني: ((لا يعودون إلى الهدي))؛ لأن المراد تمكنهم من الهدي، وإما أن يقدر ((عن)) فالمعنى: ((لا يرجعون عن الضلالة))، فإن المتمسك بالشيء لا يرجع عنه، وإما أن لا يقدر شيء، ويترك على الإطلاق، والوجهان المتقدمان مبنيان على أن وجه التشبيه في التمثيل مستنبط من قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: 16] والوجه الأخير من قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ)، المعني به قوله: ((إنهم غب الإضاءة، خبطوا في ظلمة، وتورطوا في حيرة)). قوله: (تسجيلا عليهم بالطبع) اعلم أن في تفريعه هذا اللفظ على قوله: ((بعد أن باعوه)) أو ((بعد أن اشتروها)) وإيقاعه مفعولا له للقول المقدر، أي: قيل: فهم لا يرجعون، تسجيلا عليهم، دقيقة جليلة ولطيفة سنية، لأنه آذن به أن هذا القول أيضا متفرع على قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: 16] وتتميم لذلك المعنى، نحو قوله: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) وقوله: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)؛ لآن المشتري والبائع إذا بتا المبايعة بحيث لا يكون لأحدهما الخيار والرجوع إلى السلعة كتبا صكا على ذلك، ثم أثبت الحاكم سجله تأكيدا على تأكيد، فهذا هو معنى الطبع، لأن الطبع: تراكم الرين وتزايد في الكفر، فعلى هذا جملة التمثيل كالمعترضة بين التتميم أعني: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [البقرة: 18] والمتمم وهو قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ) الآية [البقرة: 16] وعلى الوجه الثاني وهو قوله: ((أو أراد

الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدّمون أم يتأخرون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه. [(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ* يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*)]. ثم ثنى اللَّه سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر ليكون كشفا لحالهم بعد كشف، وإيضاحا غب إيضاح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنهم بمنزلة المتحيرين"، قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) كالتتميم لجملة التمثيل، ويمكن أن ينظر في الترشيح والتجريد والتتميم معنى الترقي ليشمل جميع شرائط التجارة؛ لأن المقصود من التجارة حصول الربح، وحفظ رأس المال، وهؤلاء في هذه الصفقة أضاعوا هاتين الطلبتين، فعلم من ذلك فقد اهتدائهم لطرق التجارة. ومن وقف على كونه دخيلاً في صنعة التجارة ربما اشتغل بالتلافي، ويرجع إلى البائع ويعتذر إليه ليرد رأس ماله، ويرجع عن الغبن الفاحش، وهؤلاء حرموا كل ذلك فدمروا. قوله: (وكيف يرجعون) عطف على "أيتقدمون أم يتأخرون" ضمن "لا يدرون" معنى العلم، وعلق عمله حيث أتى بالحملتين مصدرتين بحرف الاستفهام، و"كيف" مفعول "يرجعون" على تأويل جواب الاستفهام. قوله: (ثم ثنى الله تعالى) هو عطف على قوله: "عقبها بضرب المثل" في قوله: "ولما جاء بحقيقة صفتهم عقبها". قوله: (غب إيضاح)، الجوهري: الغب: أن ترد الإبل الماء يومًا وتدعه يومًا.

وكما يجب على البليغ في مظانّ الإجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع. أنشد الجاحظ: يُوحُونَ بالخُطَبِ الطِّوَالِ وتَارَةً ... وَحْىَ المُلَاحِظِ خِيفةَ الرُّقَباءِ ومما ثنى من التمثيل في التنزيل قوله: (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ) [فاطر: 19 - 21]، وألا ترى إلى ذى الرمّة كيف صنع في قصيدته: أَذَاكَ أَمْ نَمَشٌ بالْوَشْي أَكْرَعُه؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكما يجب على البليغ) الواو للاستئناف، والكلام إلى تمام بيت الجاحظ معترض، والكاف في "كما" مرفوع المحل و"ما" موصولة، ولذلك جيء بالفاء في الخبر، وهو "فكذلك". قوله: (يرمون بالخطب)، الأساس: ومن المجاز: رأيت الناس يرمون الطائف، أي: يقصدونه وهذا الكلام بعيد المرامي. قوله: (وحي الملاحظ) منصوب على المصدر، أي: يشيرون رمزًا. قوله: (وألا ترى) ويروى بغير "الواو"، وإذا كان بغير "الواو" فهو كالبيان لم امر، وإذا كان "بالواو" فهو عطف على "مما ثني". قوله: (أذاك أم نمش بالوشي أكرعه) تمامه: مسفع الخد غادٍ ناشط شبب النمش بالفتح: نقط بيض وسود، ومنه: ثور نمش بكسر الميم، وهو الوشي الذي فيه نقط. بالوشي: صفة النمش، وأكرعه فاعله. مسفع الخد: أسود. الجوهري: السفعة في الوجه: سواد في خدي المرأة الشاحبة. ناشط: يخرج من أرضٍ إلى أرضٍ. وشبب: ثور مسن قد

أَذَاكَ أَمْ خَاضِبٌ بالسَّىِّ مَرْتَعُهُ؟ فإن قلت: قد شبه المنافق في التمثيل الأوّل بالمستوقد نارا، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ استحكم أسنانه. والأكرع: جمع الكراع، وهو الوظيف وهو ما بين الركبة إلى الرسغ. يقول: أذاك الحمار الوحشي الذي مر ذكره يشبه ناقتي، أم ثور ملمع مسفع الخد. قوله: (أذاك أم خاضب بالسي مرتعه) تمامه: أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب الخاضب: الظليم. والظليم إذا أكل الربيع احمرت ساقاه، وأطراف ريشه. و"السي": ما استوى من الأرض. و"أبو ثلاثين" أي: ثلاثين فرخًا، فهو منقلب، أي: منصرف إلى وكره. كرر التشبيه، وشبه ناقته تارة بالحمار، وأخرى بالثور، ثم بالنعام في السرعة والخفة. قوله: (وإظهاره الإيمان بالإضاءة) قيل: فيه نظر، والأولى أن يقال: إظهاره الإيمان بالاستيقاد، وانتفاعه بالإضاءة؛ لأن المنافق إذا شبه بالمستوقد، ففعله وهو إظهار الإيمان يكون كالاستيقاد لا محالة، وما يحصل له من إظهار الإيمان يكون كالإضاءة الحاصلة من الاستيقاد. هذا هو التحقيق. وقلت: تحقيق هذا المقام أن التشبيه واقع في صفة المنافقين وصفة المستوقدين كقوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: 17] وصفة المنافقين إظهار الإيمان بالكلمة المجراة على ألسنتهم، وصفة المستوقدين مزاولة الوقود ومحاولة الاستيقاد، وكما أن هذه المزاولة عقيب هذه الإضاءة على ما قال تعالى: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ)، كذلك ذلك الإظهار أورث أن تجري عليهم أحكام المسلمين من المتاركة والاصطناع والإحسان إليهم، فإنها منافع بمنزلة

فماذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد وبالبرق وبالصواعق؟ قلت: لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب؛ لأنّ القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر. وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإضاءة، يدل عليه قوله فيما سبق: "وأين الإضاءة في حال المنافق" وجوابه: أن "المراد ما استضاؤوا به قليلاً من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم" ثم كما ترتب على تلك الإضاءة إذهاب النور بالكلية كذلك ترتب على هذه الإضاءة انقطاع الانتفاع وهو المراد بقوله: "وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار" ولا شك أن انقطاع الانتفاع متوقف على ثبوته، فالتقدير: شبه الإظهار بالاستيقاد والانتفاع بالإضاءة لدلالة كلامه السابق وهو قوله: "ما استضاؤوا به قليلاً من الانتفاع" على أن الانتفاع مشبه بالإضاءة. هذا التقرير وهو قوله: "قد شبه المنافق" إلى آخره؛ هذا التقرير يؤيد أيضًا ما ذهبنا إليه من أن السؤال فيما سبق في قوله: "فيم شبهت" عن المشبه لا عن الوجه. قوله: (شبه دين الإسلام بالصيب) لما كان الكلام فيه تشبيه حال المنافقين بذوي الصيب، فكانوا ملتبسين بالمسلمين تجري عليهم أحكامهم، دخل دين الإسلام بالتشبيه. قال القاضي: شبه أنفس المنافقين بأصحاب الصيب، وإيمانهم المخالط بالكفر والخداع بصيبٍ فيه ظلمات ورعد وبرق من حيث إنه وإن كان نافعًا في نفسه لكنه لما وجد في هذه الصورة، عاد نفعه ضرًا، وشبه نفاقهم حذرًا عن نكايات المؤمنين، وما يطرقون به من سواهم من الكفرة بجعل الأصابع في الآذان من الصواعق حذر الموت. قوله: (وما يتعلق به) روي مجهولاً. قيل: الضمير المجرور إذا رجع إلى "الدين"، لا يبقى للموصول عائد، ولو روي مرفوعًا لرجع الضمير المستتر فيه إلى الموصول، وفي "به" إلى "الدين"، لكان وجهًا، لكن الرواية بالضم.

وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق. وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. والمعنى: أو كمثل ذوى صيب. والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا. فإن قلت: هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات؟ وهلا صرح به كما في قوله: (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ) [غافر: 58]! وفي قول امرئ القيس: كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويابِساً ... لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِى؟ قلت: كما جاء ذلك صريحاً فقد جاء مطويا ذكره على سنن الاستعارة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما فيه) الضمير المجرور "للدين"، والمستتر المتحول إلى الظرف للموصول. قوله: (وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق) فيه لف ونشر. قوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) [غافر: 58] شبه المسئ بالأعمى، ومن عمل صالحًا بالبصير، وأتى بالمشبه والمشبه به فيهما على طريقة اللف والنشر من غير ترتيبٍ كما أتى امرؤ القيس بهما على الترتيب. والأول أحسن لأنه أدل على جودة ذهن السامع بأن يرد كلا منه إلى ما هو له. قوله: (كأن قلوب الطير) البيت، الحشف: أردأ التمر. والبالي من بلي الشيء بلاء بفتح الباء وبلى بكسرها، يصف بازيًا يصيد الطيور، ورطبًا ويابسًا حالان. والعامل "كأن"، كقولك: كأنك مقاتلاً الأسد أي: أشبهك به في حال القتال. قوله: (على سنن الاستعارة) أي: الاستعارة المصرحة، فإن المشبه فيها مطوي أبدًا، والفرق أن المتروك في التشبيه منوي مراد، وفي الاستعارة منسي غير مراد، فقول تعالى: (مَثَلُهُمْ)

كقوله تعالى: (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ) [فاطر: 12]، (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ) [الزمر: 29]. والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه: أنّ التمثيلين جميعاً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مشبه مبهم، والمشبه به قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) [البقرة: 17] إلى آخره، وهو مشتمل على أشياء معدودةٍ مستدعيةٍ لما يقابلها من المشبه في الطرف الآخر ليتم أمر التشبيه، وكذلك كان في حكم المذكور كما استدعى الإخبار في قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [البقرة: 18] المبتدأ، ولذلك لم يكن استعارة بخلافه في قوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ) [فاطر: 12] وقوله: (رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ) [الزمر: 29] فإن المراد بالأول الكافر والمؤمن، وبالثاني الكافر وإشراكه الأصنام بالله، والمؤمن وتفرده بإله واحد. فشبه الكافر مع آلهته بعيدٍ قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف، كل واحدٍ منهم يدعي عبوديته، ويريد أن يتفرد له بالخدمة، فذاك بأمره، وهذا بنهاه، متحير لا يدري رضاء أيهم يتحري، وشبه المؤمن مع توحيده بعبدٍ قد سلم لمالكٍ واحدٍ، فهو معتنق لما لزمه من الخدمة، معتمد على مولاه فيما يصلحه ويهمه، فهو مجتمع القلب. ولا يستدعي الإتيان سوى القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة، والصارف فيهما سياق الكلام فكانتا استعارتين. قوله: (والصحيح) جواب آخر عن قوله: "فأين ذكر المشبهات" أو يقال: إنه جواب آخر عن السؤال الأول، فإنه سأل أولاً بقوله: "قد شبه المنافق في التمثيل الأول" إلى آخره. وقدر في الجواب المشبهات كلها، ثم سأل: فأين هذه المقدرات؟ وأجاب عنه: أنه مطوي مراد، ثم أتى بالوجه الصحيح بل الظاهر هذا؛ لأن المشبه في هذا الوجه أيضًا مطوي منوي لكن بوجهٍ آخر، فإذا هو عطف على قوله: "ولقائل أن يقول" ودل قوله في الجواب: "ولقائل أن يقول" على ضعف القول الأول.

من جملة التمثيلات المركبة دون المفرّقة، لا يتكلف الواحد واحد شيء يقدر شبهه به، وهو القول الفحل والمذهب الجزل، بيانه: أنّ العرب تأخذ أشياء فرادى، معزولاً بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها، كما فعل امرؤ القيس وجاء في القرآن، وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامّت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا، بأخرى مثلها كقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ) الآية [الجمعة: 5]. الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوى الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار، لا يشعر من ذلك إلا بما يمرّ بدفيه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا يتكلف) استئناف على سبيل البيان، أو حال، المعنى: أن التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة فلا تحتاج إلى أن يقدر في طرف المشبه ما يقابل واحدًا واحدًا معزولاً بعضها عن بعض. قوله: (بيانه) أي: بيان وقوع التمثيلين في كلامهم، لا بيان القول الفحل، وأما جزالة هذا الوجه فإنك تتصور في المركب الهيئة الحاصلة من تقارن تلك الصور وكيفياتها المتضامة، فيحصل في النفس منه ما لا يحصل من المفردات، كما إذا تصورت من مجموع الآية مكابدة من أدركه الوبل الهطل مع تكاثف ظلمة الليل وهيئة انتساج السحاب بتتابع القطر، وصوت الرعد الهائل، والبرق الخاطف، والصاعقة المحرقة، ولهم من خوف هذه الشدائد حركات من يحذر الموت، حصل لك منه أمر عجيب وخطب هائل بخلاف ما إذا تكلفت لواحدٍ واحدٍ مشبهًا به. قوله: (كقول تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ) الآية [الجمعة: 5]. فإن قلت: كيف استشهد بها هنا للتمثيل المركب، وقد استشهد بها للمفرد في قوله: "لم يشبهوا بذات المستوقد وإنما شبهت قصتهم بقصتهم"؟ قلت: ليريك أن الآية أيضًا يسوغ فيها الأمران، وأن القول القوي الذي عليه علماء البيان هو الأخير.

من الكدّ والتعب. وكقوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ) [الكهف: 45]، المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر. فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئاً واحدًا، فلا. فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شبهت حيرتهم وشدّة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق. فإن قلت: الذي كنت تقدّره في المفرّق من التشبيه من حذف المضاف وهو قولك «أو كمثل ذوي صيب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد) متعلق بقوله: "الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها" إلى آخره، إيجاز بحذف "إما" في أحد الفصلين، أي: إما أن يراد تشبيه المركب بالمركب فهو المرام، وإما أن يراد تشبيه المفرد بالمفرد، فلا. قوله: (فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم) هذا شروع في بيان التشبيهين على أن الوجه فيهما غير حقيقي، منتزع من عدة أمورٍ، فعند هذا يحسن السؤال عن بيان الوجه في التشبيهين، فإن ذلك مشكل، فيقال: فيم شبهت حال المنافقين بحال المستوقدين وبحال ذوي الصيب؟ والجواب عنها ما ذكره صاحب "المفتاح": فإن وجه تشبيه المنافقين بالذين شبهوا بهم إلى آخره كما سبق. وأن قوله تعالى: (كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) [البقرة: 19] إلى آخره تمثيل لما أن وجه الشبه بينهم وبين المنافقين هو أنهم في المقام المطمع في حصول المطالب ونجح المآرب، لا يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال. قوله: (الذي كنت تقدره في المفرق من التشبيه من حذف المضاف، وهو قولك: أو كمثل ذوي صيب) يعني: لا بد في التشبيه المفرق من تقدير "ذوي"؛ لأن التشبيه حينئذٍ ليس بين

هل تقدّر مثله في المركب منه؟ قلت: لولا طلب الراجع في قوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) ما يرجع إليه لكنت مستغنيا عن تقديره لأنى أراعى الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام فلا علىّ أوَلِىَ حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به أم لم يله. ألا ترى إلى قوله: (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا) الآية، كيف ولى الماء الكاف، وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا بمفرد آخر يتمحل لتقديره. ومما هو بين في هذا قول لبيد: وما النَّاسُ إلّا كالدِّيَارِ وأَهْلُهَا ... بِهَا يَوْمَ حَلُّوهَا وغَدْواً بَلَاقِعُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذوات المنافقين والصيب نفسه، بل بين ذواتهم وذوات ذوي الصيب، ومن تقدير "مثل" أيضًا؛ لأن التشبيه أيضًا ليس بين صفة المنافقين وبين ذوات ذوي الصيب، بل بين صفتهم وصفتهم، لأن هذا التشبيه يقتضي التساوي بين الطرفين من جملة الوجوه، فإذا جعل التشبيه مركبًا هل يجب التطابق في مثل ذلك؟ وأجاب: أن مثل ذلك التطابق ليس بشرطٍ في المركب، لكن اقتضى ذلك التقدير أمران آخران: أحدهما ضمير الجمع في قوله: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ) فإنه يستدعي مرجوعًا إليه يناسبه، فلا بد من تقدير "ذوي"، وثانيهما: عطف هذا التمثيل على التمثيل الأول، فالواجب تقدير لفظ "مثل" أيضًا. قوله: (ومما هو بين في هذا) أي: في أن المراعى هي الكيفية المنتزعة لا النظر فيما يلي حروف التشبيه أي شيءٍ كان، فإن الشاعر جاء في التشبيه بأداة الحصر، وهو يقتضي أن لا يكون الناس إلا مشبهين بالديار، وليس كذلك إذا لم تراع فيه الكيفية. قوله: (وما الناس إلا كالديار) البيت، قوله: "بلاقع" خبر مبتدأٍ محذوف، "وغدوا" متعلق به والجملة حال عطفًا على قوله: "وأهلها بها" و"يوم" ظرف للمقدر في "بها" الذي هو الخبر. أي: الناس كالديار مأهولة يوم حلوا فيها، وبلاقع يوم رحلوا عنها. بعده:

لم يشبه الناس بالديار، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وفنائهم، بحلول أهل الديار فيها ووشك نهوضهم عنها، وتركها خلاء خاوية. فإن قلت: أي التمثيلين أبلغ؟ قلت: الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدّة الأمر وفظاعته، ولذلك أُخر، وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ. فإن قلت: لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟ قلت: أو في أصلها لتساوى شيئين فصاعدا في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوى في غير الشك؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولابد يومًا أن ترد الودائع قوله: (ووشك نهوضهم) أي: قرب رحيلهم. الأساس: وشك وأوشك أن يفعل، ويوشك أن يخرج، وأخاف وشك البين. قوله: ("أو" في أصلها لتساوي شيئين [فصاعدًا] في الشك) إلى قوله: "فاستعيرت للتساوي". وتبعه صاحب "التخمير" بلا تغييرٍ في العبارة. قال صاحب "الفرائد": الوجه أن يقال: "أو" لتعليق الحكم بأحد المذكورين فصاعدًا، والتفاوت في المؤدى إنما يقع بحسب التركيب الذي وقعت فيه، فإن وقعت في الخبر، فالحاصل تعلق الحكم بأحدهما، وهو غير معين، فأمكن أن يقع الشك فيه، وإن وقعت في الطلب ولم يمكن وقوع الشك فيه، أفاد التخيير والإباحة، والحاصل أيضًا تعلق الحكم بأحدهما وذلك غير مانعٍ لتعلق الحكم بكل واحدٍ منهما، فعلى هذا لم تلزم الاستعارة وهي في المواضع كلها على معناها. قلت: حاصل تقريره: أن "أو" حقيقة في القدر المشترك بين الشك والتخيير والإباحة وهو تعليق الحكم بأحد الأمرين.

وذلك قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا، ومنه قوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) [الإنسان: 24]، أى الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، فكذلك قوله: (أَوْ كَصَيِّبٍ) معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتى هاتين القصتين، وأن القصتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الحديثي: دلالة الثلاثة، أعني: "أو" و"أما" و"أم"على أحد الشيئين لا غير، وأما الشك والتخيير والإباحة وغيرها، فإنها من صفات الكلام الذي هي فيه، وإضافتها إليها مجازًا. وقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": إنما قال -أي المصنف-: "ويقال في "أو" و"أما" إنهما للشك" بلفظة "يقال" تنبيهًا على أن ذلك ليس بلازم إذ قد يكون المتكلم غير شاك، بل يكون مبهمًا، أما في الأمر، فيقال للتخيير، والإباحة على وضعها لإثبات الحكم لأحد الأمرين، إلا أنه إن حصلت قرينة يفهم معها أن الأمر غير حاجرٍ عن الآخر، مثل قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين سمي الإباحة، وإلا سمي تخييرًا، وهو لأحد الأمرين في الموضعين. وإنما علم نفي حجر الأمر عن الآخر في الإباحة من أمرٍ خارجًٍ كما في النهي نحو قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: 24] جاء التعميم من جهة النهي الداخل على معنى النفي؛ لأن المعنى قبل وجود النهي على بابه، ومصير المعنى: ولا تطع واحدًا منهما، فلا يحصل الانتهاء عن أحدهما حتى ينتهي عنهما مطلقًا. روي أن المصنف كتب في بعض الحواشي: تقول: كل خبزًا أو لحمًا، كأنك قلت: كل أحدهما، فإذا نفيت هذا، وقلت: لا تأكل خبزًا أو لحمًا، فكأنك قلت: لا تأكل شيئًا منهما. وقلت: وجه التوفيق بين كلامي المصنف في "الكشاف" و"المفصل" هو أن "أو" في أصل اللغة موضوعة لتساوي شيئين في الشك، ثم فيه طريقان:

والصيب: المطر الذي يصوّب، أى ينزل ويقع، ويقال للسحاب: صيب أيضا. قال الشماخ يصف سحابةً: وأَسْحَمَ دَانٍ صَادِقِ الرَّعْدِ صَيِّب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحدهما: أن يستعار لمعنى التخيير "أو" الإباحة لعلاقة تعليق الحكم بأحد المذكورين كما يستعار الأسد للشجاع لعلاقة الجراءة. وثانيهما: أن يحمل على عموم المجاز لتعليق الحكم بأحد المذكورين، فيقال: "أو" أما في الخبر، فإنها للشك، وفي الأمر للتخيير والإباحة، وعلى الأول ورد في "الكشاف"، وعلى الثاني في "المفصل"، وفي كلام الزجاج إشعار بما ذهب إليه المصنف وقال: "أو" في قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ) دخلت لغير شك، وهذه يسميها الحذاق باللغة "أو" الإباحة، والمعنى: أن التمثيل مباح لكم في المنافقين، إن مثلتموهم بالمستوقدين فذلك مثلهم، أو مثلتموهم بأصحاب فهو مثلهم، أو مثلتموهم جميعًا فهما مثلاهم. وقلت: إن اختصاص الحذاق، أي: المهرة بهذا المعنى دون من سواهم، دليل على دقة هذا المعنى. ولم يكن كذلك إذا كان حقيقة لاستواء الحذاق وغيرهم من أهل اللغة فيه. وهذا خلاف تلك القاعدة، وهي أن "أو" في الأمر للإباحة لكونها داخلة ها هنا على الخبر، وهي للإباحة، ولأن "أو" عند الإطلاق يتبادر منها الشك دون ما سواه من المعاني، وذلك أمارة الحقيقة. قوله: (وأسحم دانٍ صادق الرعد صيب) صدره: عفا آيه نسج الجنوب مع الصبا الأسحم: السحاب الأسود، ذانٍ: قريب من الأرض، صادق الرعد، أي: غير خلب، المعنى: محا آثار ربع المحبوب وغير رسومه، اختلاف هاتين الريحين، وتتابع هبوبهما؛ مثل

وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل. كما نكرت النار في التمثيل الأول. وقرئ: كصائب، والصيب أبلغ. والسماء: هذه للمظلة. وعن الحسن: أنها موج مكفوف. فان قلت: قوله: (مِنَ السَّماءِ) ما الفائدة في ذكره؟ والصيب لا يكون إلا من السماء. قلت: الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اختلاف الريحين بنسج الصانع الثوب، فإن إحدى الريحين بمنزلة السدى، والأخرى كاللحمة فإن ريح الصبا تهب من جانب المشرق، والجنوب من يمين من يكون متوجه المشرق. قوله: (أنها موج مكفوف) روينا عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل: "هل تدرون ما فوقكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوف" أخرجه الترمذي، مكفوف: مدفوع، أي: كف أن يسيل. النهاية: كل سماءٍ يقال لها رقيع، وقيل: هو اسم سماء الدنيا. قوله: (الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة) يوهم أنه غير مطابق للسؤال؛ لأنه لم يسأل

فنفى أن يتصوّب من سماء، أى من أفق واحد من بين سائر الآفاق، لأنّ كل أفق من آفاقها سماء، كما أن كل طبقة من الطباق سماء في قوله: (وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها). الدليل عليه قوله: ومِنْ بُعْدِ أَرْضٍ بَيْنَنا وسَمَاءِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عما عرض للفظ السماء من التعريف، بل سأل أن قوله: (مِنَ السَّمَاءِ) ما الفائدة في ذكره؟ بل الجواب المطابق قوله بعد ذلك: "وفيه أن السحاب من السماء ينحدرن ومنها يأخذ ماءه" ليرد زعم المخالف، وكان من الظاهر تقديم هذا على ذلك. قلت: قد يذكر الشيء إما لكونه مقصودًا بالذات، أو ليعلق عليه أمر آخر، وذلك الأمر موقوف على ذكر ذلك الشيء. وهاهنا المقصود الاستغراق والمبالغة، ولم يكن يحصل ذلك إلا بذكر السماء معرفة، فجيء بها كما ترى، واستجلب ذكره المعنى الثاني، وهو رد زعم المخالف على سبيل الإدماج، أي: إشارة النص، فذكره، ولو عكس لم تكن المبالغة مقصودًا أوليًا، وإنما قلنا: المقصود المبالغة ليطابق ذكر السماء ذكر الصيب؛ لأن فيه مبالغاتٍ شتى كما ذكرن وإليه الإشارة بقوله: "كما جاء بصيب" إلى آخره. قوله: (ومن بعد أرضٍ بيننا وسماء) صدره:

والمعنى: أنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء، كما جاء بصيب. وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتنكير. أمد ذلك بأن جعله مطبقا. وفيه أن السحاب من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه، لا كزعم من يزعم أنه يأخذه من البحر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها سمى بعض الأرض أرضًا، وبعض السماء سماءً، وأريد ببعد السماء والأرض ما يقابل من السماء والأرض التي بينهما، ولا يجوز أن يراد بالسماء المطلقة؛ لأنها ليست بينه وبينها. قوله: (من جهة التركيب) لأنها ركبت من صادٍ، وهي مطبقة مستعلية، وياءٍ مشددة، وباءٍ وهي من الشديدة. قوله: (والبناء) لأنها بنيت على وزن فيعل، وهي صفة مشبهة تدل على شيءٍ ثابت. قال السجاوندي: وهو بناء يختص بالمعتل وفيه مبالغة. وقوله: (والتنكير) لأنه تنكير تهويل. قوله: (بأن جعله مطبقًا) حيث عرف السماء باللام الاستغراقية. قوله: (لا كزعم من يزعم أنه يأخذه من البحر) قال الإمام: من الناس من قال: المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبةٍ من الأرض إلى الهواء، فتنعقد هناك من شدة برد الهواء، ثم تنزل مرة أخرى، والله تعالى أبطل ذلك المذهب هنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء. وكذلك بقوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) [الفرقان: 48] وبقوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) [النور: 43].

ويؤيده قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) [النور: 43]. فان قلت: بم ارتفع (ظلمات)؟ قلت: بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف. والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب، كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتفض ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بالظرف على الاتفاق) يريد: أنك لو قلت ابتداءً: "فيه ظلمات" فعند الأخفش ارتفاعه على الفاعلية؛ لأنه لم يشترط الاعتماد، وعند سيبويه ارتفاعه على الابتداء لاشتراطه الاعتماد، وإذا اعتمد الظرف على شيء جاز إعماله كما في الآية، لأنه وصف "صيب" به، فارتفاعه على الفاعلية بالاتفاق. قوله: (والرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب) إلى آخره، والصحيح الذي عليه التعويل هو ما روينا عن الترمذي، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: "ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخازيق من نارٍ يسوقها بها حيث شاء الله"، فقالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: "زجره حتى تنتهي حيث أمرت، فقالوا: صدقت". النهاية: المخاريق: جمع مخراق، وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضًا، أراد أنها آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه، ويفسره حديث ابن عباسٍ: "البرق سوط من نورٍ تزجر به الملائكة السحاب". قوله: (تنتفض)، الجوهري: نفضت الثوب والشجر أنفضه نفضًا، إذا حركته لينتفض.

إذا حدتها الريح فتصوّت عند ذلك من الارتعاد. والبرق الذي يلمع من السحاب، من برق الشيء بريقا إذا لمع. فان قلت: قد جعل الصيب مكانا للظلمات فلا يخلو من أن يراد به السحاب أو المطر، فأيهما أريد فما ظلماته؟ قلت: أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقا فظلمتا سجمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل. وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر، وظلمة إظلال غمامه مع ظلمة الليل. فان قلت: كيف يكون المطر مكانا للبرق والرعد وإنما مكانهما السحاب؟ قلت إذا كانا في أعلاه ومصبه وملتبسين في الجملة فهما فيه. ألا تراك تقول: فلان في البلد، وما هو منه الا في حيز يشغله جرمه. فان قلت: هلا جمع الرعد والبرق أخذا بالأبلغ كقول البحتري: يَا عَارِضاً مُتَلِّفعاً ببُرُودِهِ ... يَخْتالُ بَيْنَ بُرُوقِهِ ورُعُودِهِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من الارتعاد) لم يرد أن أصله منه؛ لأن أصله من الرعدة، بل أراد أن فيه معنى الاضطراب والحركة. قوله: (مضمومة إليهما ظلمة الليل) قيل: ظلمة الليل من أين تستفاد من الآية وليس فيها ما يدل عليه؟ والعجب أنه كررها، فيقال: تستفاد من الجمع، ومقام المبالغة، فإن أقل الجمع ثلاثة، فلذلك اعتبر الأعداد على التقديرين. قوله: (في أعلاه ومصبه) هو من إطلاق أحد المتجاورين على الآخر، والمقصود في الاستشهاد بالبلد المجاورة، لا أنه من إطلاق الكل على البعض. قال السجاوندي: "فيه ظلمات" أي: في وقته. قوله: (يا عارضًا) البيت. العارض: السحاب. يقال: تلفعت، أي: تلحَّفْتُ كما تلحَّفَتِ المرأة بمرطها، والاختيال: التبختر.

وكما قيل: (ظلمات)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد العينان، ولكنهما لما كانا مصدرين في الأصل - يقال: رعدت السماء رعداً وبرقت برقاً؛ روعي حكم أصلهما بأن ترك جمعهما وإن أريد معنى الجمع. والثاني: أن يراد الحدثان كأنه قيل: وإرعاد وإبراق. وإنما جاءت هذه الأشياء منكرات، لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل: فيه ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطف. وجاز رجوع الضمير في يجعلون إلى أصحاب الصيب مع كونه محذوفا قائما مقامه الصيب، كما قال: (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) [الأعراف: 4]، لأن المحذوف باق معناه وإن سقط لفظه. ألا ترى إلى حسان كيف عوّل على بقاء معناه في قوله: يُسْقَوْنَ مِنْ وِرْدِ البَرِيصِ عليْهِمُ ... بَرْدَي يُصَفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (العينان) أي: اسمان لا مصدران. قوله: (وإن أريد معنى الجمع) "الواو" بمعنى مع، أي: ترك الجمع لفظًا مع إرادته معنى. ولو روي "إن" بالكسر على الشرطية كان أظهر. قوله: (الحدثان) يجوز فيه الرفعن ويراد به المصدر، وكسر النون ويراد به تثنية الحدث، وهو مصدر أيضًا، وصح بالكسر. قوله: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) [الأعراف: 4] فإن "هم" والضمير في "قائلون" يرجع إلى المضاف المحذوف عند قوله: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) أي: أهلكنا أهلها، وإنما ذكر تقدر "ذوي" فيما سبق على سبيل الاستطراد، وذكره هناهنا على سبيل الأصالة وحل التركيب. قوله: (يسقون) البيت، قبله: لله در عصابةٍ نادمتها ... يومًا بجلق في الزمان الأول أولاد حفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية، الكريم المفضل بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول

حيث ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردي، ولا محل لقوله: (يَجْعَلُونَ) لكونه مستأنفاً، لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدّة والهول، فكأن قائلا قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) ثم قال: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فقيل: يكاد البرق يخطف أبصارهم. فان قلت: رأيس الأصبع هو الذي يجعل في الأذن، فهلا قيل أناملهم؟ قلت: هذا من الاتساعات في اللغة التي لا يكاد الحاصر يحصرها، كقوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) [المائدة: 6]، (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) [المائدة: 6]، أراد البعض الذي هو إلى المرفق والذي إلى الرسغ. وأيضاً ففي ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل اللاحقين فقيرهم بغنيهم ... والمنفقين على اليتيم الأرمل جلق؛ بكسر الجيم وتشديد اللام: موضع بدمشق، بردى: وادي دمشق، والبريص: نهر متشعب منه، تصفيق الشراب: أن يتحول من إناءٍ إلى إناء. والرحيق: صفوة الخمر. وماء سلسل وسلسال، أي: سهل الدخول إلى الحلق. والشاعر عول على بقاء المعنى حيث ذكر "يصفق" لأن المعنى "ماء بردى"، وكان القياس "تصفق" بالتاء المعجمة بنقطتين من فوق؛ لأن في "بردى" ألف التأنيث. "الطراز الاول": هو الذي يبدأ بذكره في الخصال الحميدة. الأساس: ومن المجاز: ما أحسن طارز فلانٍ وطرزه، وهو طريقته في عمله، وهذا الكلام الحسن من طراز فلانٍ، وهو من الطراز الأول.

فإن قلت: فالأصبع التي تسدّ بها الأذن أصبع خاصة، «3» فلم ذكر الاسم العام دون الخاص؟ قلت: لأن السبابة فعالة من السب؛ فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن. ألا ترى أنهم قد استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والسباحة والمهللة والدّعاءة. فان قلت: فهلا ذكر بعض هذه الكنايات؟ قلت: هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد، وإنما أحدثوها بعد. وقوله مِنَ الصَّواعِقِ متعلق بيجعلون، أى: من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم، كقولك: سقاه من العيمة «1». والصاعقة: قصفة رعد تنقض معها شقة من نار، قالوا: تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة. لا تمرّ بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود. يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت. ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته، فصعق أى مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق. ومنه قوله تعالى: (وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) [الأعراف: 143]. وقرأ الحسن: من الصواقع وليس بقلب للصواعق؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من العيمة). العيمة: اشتهاء اللبن، يقال: عام إلى اللبن. أي: اشتهاه. قال صاحب "الضوء": يروى: "عن العيمة"، أي: بعده عنها وجاوز به حكمها إلى الري، وإن شئت قلته بـ "من" على معنى سقاه من جهة العيمة، وهذا من عمل من تم كلامه. و"من" هذه كما في قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا) [مريم: 53] أي: من أجل رحمتنا. قوله: (قصفة رعد)، الجوهري: رعد قاصف: شديد الصوت، والقصف: الكسر. تنقض، أي: تسقط. قوله: (إلا أتت عليه) أي: أهلكته ووطئته وطأ مفنيًا. الأساس: أتى عليهم الدهر: أفناهم. وقال أبو زيد: الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعدٍ شديد. قوله: (ومنه قوله تعالى: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) [الأعراف: 143]) أي: ومنه مجاز قوله تعالى: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) كقوله في قوله تعالى: (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) [البقرة: 55]:

لأنّ كلا البناءين سواء في التصرف، وإذا استويا كان كل واحد بناء على حياله. ألا تراك تقول: صقعه على رأسه، وصقع الديك، وخطيب مصقع: مجهر بخطبته. ونظيره «جبذ» في «جذب» ليس بقلبه لاستوائهما في التصرف. وبناؤها إما أن يكون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "وموسى عليه السلام لم تكن صعقته موتًا، ولكن غشية بدليل قوله: (فَلَمَّا أَفَاقَ) [الأعراف: 143] إذ لو حمل على الاشتقاق لناقض بين كلامين. قوله: (سواء في التصرف) أي: فيما يلزم الفعل من التشعب والاشتقاق، فيقال: صقع الديك، وخطيب مصقع، وصقعه على رأسه، ولو كان مقلوبًا لم يتجاوز عن صورةٍ واحدة. الراغب: الصاعقة والصاقعة يتقاربان، وهما الهدة الكبيرة إلا أن الصقع يقال في الأجسام الأرضية، والصعق في الأجسام العلوية. وقال بعض أهل اللغة: الصاعقة ثلاثة أوجه: الموت كقوله تعالى: (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) [الزمر: 68] والعذاب كقوله تعالى: (أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) [فصلت: 13] والنار كقوله: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ) [الرعد: 13]. وما ذكره فهي أشياء متولدة من الصاعقة، فإن الصاعقة هي الصوت الشديد من الجو، ثم تكون منه نار فقط، أو عذاب أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء تأثيرات منها. قوله: (وبناؤها) أي: بناء الصاعقة "إما أن يكون صفة لقصفة الرعد" لأن فاعلة صفة للمؤنث، يجئ جمعها على فواعل نحو: ضاربةٍ وضوارب، أو هو فاعل صفة للمذكر وهو الرعد، والتاء للمبالغة، فيجمع على فواعل شاذًا نحو فارسٍ وفوارس، أو هي فاعلة اسم المؤنث نحو كاتبةً وكواتب.

صفة لقصفة الرعد، أو للرعد، والتاء مبالغة كما في الراوية، أو مصدرا كالكاذبة والعافية. وقرأ ابن أبى ليلى: حذار الموت، وانتصب على أنه مفعول له كقوله: وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ والموت فساد بنية الحيوان. وقيل: عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة. وإحاطة اللَّه بالكافرين مجاز. والمعنى: أنهم لا يفوتونه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأغفر عوراء الكريم ادخاره) تمامه: وأعرض عن شتم اللئيم تكرما قائله حاتم. العوراء: الكلمة القبيحة، أي: أسترها لتبقى الصداقة، وأدخره ليومٍ أحتاج إليه، لأن الكريم إذا فرط منه قبح ندم على فعله، ومنعه كرمه أن يعود إلى مثله، واستشهد به لكونه مضافًا إلى المعرفة وهو نادر كقوله تعالى: (حَذَرَ الْمَوْتِ) [البقرة: 19] أي: ادخاره وتكرمًا، كلاهما مفعول له. قوله: (وقيل: عرض لا يصح معه إحساس، معاقب للحياة) هذا يدل على أن الموت في الوجه الأول ليس بعرضٍ بل هو أمر عدمي. وقال القاضي: وقيل: عرض يضاد الحياة لقوله تعالى: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) [الملك: 2] ورد بأن الخلق بمعنى التقدير، والإعدام مقدر. قوله: (وإحاطة الله بالكافرين مجاز) أي: الاستعارة تمثيلية شبهت حالة إنزال الله عذابه على الكافرين من كل جانبٍ بحيث لا محيد لهم عنه، بحالة الجيش الذي صبح القوم وقد أحاط بهم عن آخرهم، فلا يفوت منهم أحد، يؤيده قوله في موضع آخر: "والإحاطة بهم من ورائهم مثل لأنهم لا يفوتونه كما لا يفوت فائت الشيء المحيط به".

كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة. وهذه الجملة اعتراض لا محل لها. والخطف: الأخذ بسرعة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المحاط به: المحيط به) لا ضمير في "المحاط" لأنه يعدى بالجار إلى المفعول به، والضمير المجرور عائد إلى اللام، والضمير في "المحيط" عائد إلى اللام فيه وفي "به" الثاني إلى المحاط. المعنى: كما لا يفوت الذي أحيط به من كل جانبٍ من قصده وأحاط به. قوله: (وهذه الجملة اعتراض لا محل لها) فإن قلت: كيف يصح أن تقع معترضة وهي لتأكيد معنى المعترض فيها، والكلامان اللذان اعترضت هذه فيهما في شأن ذوي الصيب، وهو الممثل به وهذه بعض أحوال المنافقين الممثل له؟ قلت: هذا من وجيز الكلام وبليغه؛ وذلك أن مقتضى الظاهر أن يذكر هذا قبيل "كصيب" ليكون بعضًا من أحوال المشبه، فنزل هنا ليدل على ذلك، ويعطي معنى التأكيد في هاتين الجملتين. وفيه من الغرابة: أنه مؤكد بحال المشبه به، وهو من حال المشبه، وفائدته شدة المناسبة بين المشبه والمشبه به، وأن المشبه مما يهتم بشأنه ويعتني بحاله، وهذا المعنى قريب مما مر في (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) [البقرة: 17] وأنه في حال المنافقين على جزاء الشرط، وأنه من حال المستوقدين. والأوجه أن يقال: إن قوله: (بِالْكَافِرِينَ) من وضع المظهر موضع المضمر إشعارًا باستئهال أصحاب ذوي الصيب ذلك لكفرانهم نعم الله تعالى. ومثل هذا التتميم في المشبه به مما يقوي المقصود في التمثيل من المبالغة، ونحوه قوله تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [آل عمران: 117]. قال: "شبه بحرث قومٍ ظلموا أنفسهم، فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم؛ لأن الإهلاك عن سخطٍ أشد

وقرأ مجاهد (يخطف) بكسر الطاء، والفتح أفصح وأعلى، وعن ابن مسعود: (يختطف)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأبلغ". وينصره قوله في التشبيه الأول: أن يكون المستوقد في هذه الوجه مستوقد نارٍ لا يرضاها الله تعالى، أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي، ويتهدوا بها في طرق العيث فأطفأها الله تعالى وخيب أمانيهم. قال القاضي: "كاد" وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه، لكنه لم يوجد، إما لفقد شرط، أو لعروض مانع، و"عسى" موضوعة لرجائه، فهي خبر محض، ولذلك جاءت متصرفة بخلاف "عسى"، وخبرها مشروط فيه أن يكون مضارعًا تنبيهًا على أنه المقصود بالقرب من غير "أن" حملاً لها على "عسى" كما تحمل عليها بالحذف عن خبرها لمشاركتها في أصل معنى المقاربة. قوله: (قرأ مجاهد: يخطف). القراءات كلها شواذ. قال ابن جني: "حكى الفراء عن بعض القراء: "يخطف" بنصب الياء والخاء والتشديد، ثم قال ابن جني: أصله: يختطلف فأدغم التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرجٍ واحد، ولأن التاء مهموسة، والطاء مجهورة، والمجهور أقوى صوتًا من المهموس. ومتى كان الإدغام يقوي الحرف المدغم حسن ذلك، وعلته: أن الحرف إذا أدغم خفي فضعف، فإذا أدغم في حرفٍ أقوى منه، استحال لفظ المدغم إلى لفظ المدغم، فيه، فقوي. لقوته، وكان في ذلك تدارك وتلافٍ لما جني على الحرف المدغم، فأسكن

وعن الحسن: (يخطف)، بفتح الياء والخاء، وأصله يختطف. وعنه: (يخطف) بكسرهما على إتباع الياء الخاء. وعن زيد بن على: يخطف، من خطف. وعن أبىّ: يتخطف، من قوله: (يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [العنكبوت: 67]. (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ) استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول: كيف يصنعون في تارتى خفوق البرق وخفيته؟ وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون، إذا صادفوا من البرق خفقة، مع خوف أن يخطف أبصارهم، انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفى وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، (ولو شاء اللَّه) لزاد في قصيف الرعد فأصمهم، أو في ضوء البرق فأعماهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "التاء" لإدغامها، و"الخاء" قبلها ساكنة، فنقلت الفتحة إليها، وقلبت التاء طاء، وأدغمت في الطاء فصارت "يخطف". ومنهم من إذا أسكن "التاء" ليدغمها، كسر الخاء لالتقاء الساكنين، فاستغنى بكسرتها عن نقل الفتحة إليها، فيقول: يخطف. ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعًا لكسرة فاء الفعل بعده فيقول: يخطف". قوله: (استئناف ثالث) الأول: (يَجْعَلُونَ) والثاني: (يَكَادُ الْبَرْقُ). قوله: (وهذا- أي: قوله: (يَكَادُ الْبَرْقُ) - تمثيل)، أي: تتميم للتمثيل لا أنه تمثيل آخر، فقوله: "وما هم فيه" إلى آخره بيان معنى (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ) وعطف تفسيري على شدة الأمر على المنافقين كما أن (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ) بيان لقوله: (يَكَادُ الْبَرْقُ) والباءان- في "بشدته" و"بما يأتون ويذرون" أي: يزاولونه ويتركونه- يتعلقان بقوله: "تمثيل".

و (أضاء) إما متعد بمعنى: كلما نوّر لهم ممشى ومسلكا أخذوه والمفعول محذوف. وإما غير متعد بمعنى: كلما لمع لهم مَشَوْا في مطرح نوره وملقى ضوئه. ويعضده قراءة ابن أبى عبلة: كلما ضاء لهم والمشي: جنس الحركة المخصوصة. فإذا اشتد فهو سعى. فإذا ازداد فهو عدو. فإن قلت: كيف قيل مع الإضاءة: (كلما)، ومع الإظلام: (إذا)؟ قلت لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك التوقف والتحبس. و (أظلم): يحتمل أن يكون غير متعد وهو الظاهر، وأن يكون متعدياً منقولاً من ظلم الليل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: هذا يوهم أن التشبيه الثاني مفرق، مع أن المنصف رجع عنه بقوله: "والصحيح الذي عليه علماء البيان". قلت: هذا لا يأبى التمثيل؛ لأن شرطه أن يكون منتزعًا؛ من عدة أمور، وكل ما ذكر في طرف المشبه به أمر يتوهم ويعتبر مثله في طرف المشبه، إذ لو اختل أمر منه اختل التمثيل كما صرح به صاحب "المفتاح" بقوله: والذي نحن بصدده من الوصف غير الحقيقي أحوج منظورٍ فيه إلى التأمل، لا سيما المعاني التي ينتزع منها، فربما ينتزع من ثلاثةٍ فأورث الخطأ لوجوب انتزاعه من أكثر. قوله: (فإذا ازداد فهو عدو (فإن قيل: فالمقام يقتضي عدوًا لا مشيًا لانتهازهم الفرصة، قلنا: بل يقتضي المشي لما سبق من قوله: (حَذَرَ الْمَوْتِ) [البقرة: 19] و (يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) [البقرة: 20]، فإنهم لغاية تحيرهم ودهشتهم لا يمكن لهم المشي أيضًا عند الفرصة فكيف بالعدو، وإليه الإشارة بقوله: "من إمكان المشي". قوله: (انتهزوها)، الجوهري: انتهزت الفرصة إذا اغتنمتها.

وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب: (أظلم)، على ما لم يسم فاعله. وجاء في شعر حبيب ابن أوس: هُمَا أَظْلَمَا حالَىَّ ثُمَّتَ أَجْلَيَا ... ظَلَامَيْهُما عنْ وَجْهِ أَمْرَدَ أَشْيَبِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب) قيل: فيه نظر؛ لم لا يجوز أن يكون الفعل مسندًا إلى الجار والمجرور كقوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 7]؟ والجواب: أن الجار والمجرور ليس صلة للإظلام، بل هو طرف مستقر كما في الاستعمال، و"على" مثلها في قوله: زارت عليها للظلام رواق ... ومن النجوم قلائد ونطاق قوله: (هما أظلما حالي) البيت، وقبله: أحاولت إرشادي فعقلي مرشدي ... أم استمت تأديبي فدهري مؤدبي استمت، أي: تجشمت وطلبت، "هما أظلما"، أي: العقل والدهر، "حالي"، أي: الشيب والشباب، "ثمت أجليا" يقال: للقوم إذا كانوا مقبلين على شيءٍ، محدقين به ثم انكشفوا عنه: قد أفرجوا عنه وأجلوا عنه. "أمرد"، أي: في السن، و"أشيب" أي: في الرأي، ويجوز أن يريد أنه شاب في حال المرد لعظم ما ناله من الشدائد، وإنما أضاف الإظلام إلى العقل لأن العاقل لا يطيب له عيش. قوله: (عن وجه أمرد أشيب) يريد به نفسه، جرد شخصًا أمرد يخاطب عاذلته، أي: لا تخاطبيني لإرشادي في الكرم، فعقلي يرشدني، ولا تجشمي تأديبي، فإن الدهر مؤدبي.

وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه. ومعنى قامُوا وقفوا وثبتوا في مكانهم. ومنه: قامت السوق، إذا ركدت وقام الماء: جمد. ومفعول شاءَ محذوف، لأن الجواب يدل عليه. والمعنى: ولو شاء اللَّه أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، ولقد تكاثر هذا الحذف في «شاء» و «أراد» لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو قوله: فلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِى دَماً لَبَكَيْتُهُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإن كان محدثًا) الشعراء طبقات: الجاهليون مثل امرئ القيس، وزهير بن أبي سلمى، وطرفة، والذين أدركوا الجاهلية ثم أسلموا مثل لبيد، وحسان، والمتقدمون من الإسلاميين كفرزدق وجرير، والمحدثون كأبي تمام والبحتري. قوله: (فاجعل ما يقوله) أي: إنه موثوق به في الرواية، فلو لم يسمع من العرب لم يقل. قال ابن الأنباري: هو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيسٍ الطائي شامي الأصل، قدم بغداد وجالس فيها الأدباء، وعاشر العلماء، وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهرٍ وغيره أخبارًا مسندةً، ورثاه الحسن بن وهب: فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطائي ماتا معًا فتجاورا في حفرةٍ ... وكذاك كانا قبل في الأحياء قوله: (فلو شئت أن أبكي دمًا لبكيته) تمامه: عليه ولكن ساحة الصبر أوسع

وقوله تعالى: (لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَخِذَ لَهوًّا لاَتَخذْنَاهُ مِن لَدُنَا) [الأنبياء: 17]، (لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً) [الزمر: 4]، وأراد: ولو شاء اللَّه لذهب بسمعهم بقصيف الرعد، وأبصارهم بوميض البرق. وقرأ ابن أبى عبلة: (لأذهب بأسماعهم)، بزيادة الباء كقوله: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَهلُكَةِ) [البقرة: 195]. والشيء: ما صح أن يعلم ويخبر عنه. قال سيبويه - في ساقة الباب المترجم بباب مجارى أواخر الكلم من العربية -: وإنما يخرج التأنيث من التذكير. ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى؟ . والشيء: مذكر، وهو أعم العام، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أتى بالمفعول لأن بكاء الدم مستغرب، ونصب دمًا باعتبار تضمين البكاء معنى الصب. قوله: (وأراد: ولو شاء الله) عطف على قوله: "والمعنى ولو شاء الله" يعني كما أن مفعول شاء محذوف كذا متعلق "لذهب" محذوف وهو "بقصيف" و"بوميض". قال القاضي: فائدة قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ) [البقرة: 20] إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه، والتنبيه على أن تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله، وأن وجودها مرتبط بأسبابها. وقلت: وفائدته الراجعة إلى الممثل له هي أنه تعالى يمهل المنافقين فيما هم فيه ليتمادوا في الغي والفساد ليكون عذابهم أشد. قوله: (بأسماعِهم" بزيادة الباء) يعني دلت الهمزة على التعدية، والباء كعضادةٍ للتعدية وتأكيدها كما يعضد الباب بعضادتيه. قوله: (وهو أعم العام) كلام المصنف لا كلام سيبويه، وهو لفظ يقع على كل مذكر ومؤنث، ثم إنه لا يستعمل إلا مذكرًا، فلولا أن المذكر أصل لوقع التغليب للفرع.

كما أن اللَّه أخص الخاص يجرى على الجسم والعرض والقديم. تقول: شيء لا كالأشياء أى معلوم لا كسائر المعلومات، وعلى المعدوم والمحال فان قلت: كيف قيل عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل وفعل قادر آخر؟ قلت: مشروط في حد القادر أن لا يكون الفعل مستحيلا فالمستحيل مستثنى في نفسه عند ذكر القادر على الأشياء كلها، فكأنه قيل: على كل شيء مستقيم قدير. ونظيره: فلان أمير على الناس أى على من وراءه منهم، ولم يدخل فيهم نفسه وإن كان من جملة الناس ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما أن الله أخص الخاص) يريد به قوله: "وأما الله فمختص بالمعبود بالحق ولا يطلق على غيره". قوله: (وعلى المعدوم والمحال)، الانتصاف: الشيء عندنا مختص بالموجود فلا يدخل فيه المستحيل، وعند المعتزلة يدخل فيه المعدوم، وأما المستحيل فلا يدخل فيه فلا يرد السؤال. فإن قيل: إذا كان المعدوم لا يسمى شيئًا، وإذا وجد صار شيئًا لا تتعلق القدرة به، إذ القدرة إنما تتعلق بالشيء أول وجوده، فكيف يكون قادرًا على شيء؟ فجوابه: أنه من باب: "من قتل قتيلاً" أي: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، كأنه قال: قادر على كل ما يصير شيئًا. الإنصاف: وفيه نظر، فإن القدرة تتعلق به في أول زمن وجوده، وهو في أول زمن وجوده شيء بلا خلافٍ بين المسلمين، إذ لو لم يكن شيئًا في أول وجوده لم يكن شيئًا في ثاني الأحوال. قال القاضي: الشيء يختص بالوجود؛ لأنه في الأصل مصدر شاء، أطلق بمعنى شاءٍ تارة، أي: مريدٍ، والمريد يكون موجودًا، وحينئذٍ يتناول البارئ تعالى كما قال: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ) [الأنعام: 19] وبمعنى مشئٍ أخرى، أي: مشئٍ وجوده، وما شاء الله وجوده

وأما الفعل بين قادرين فمختلف فيه. فإن قلت: ممّ اشتقاق القدير؟ قلت: من التقدير، لأنه يوقع فعله على مقدار قوّته واستطاعته وما يتميز به عن العاجز. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فهو موجود، أي: موجود حالاً أو مالاً، أو أعم منه على حسب مشيئته، وعليه قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 20] وهو المراد بقول المصنف: "مشروط في حد القادر بأن لا يكون الفعل مستحيلاً". قوله: (فمختلف فيه) يعني بين المعتزلة؛ فمن جوزه قال: إن القادر منا غير مستقل، أي: ليس سببًا تامًا، ومن منعه قال: إن اجتماع قدرتي قادرين مستقلين على فعلٍ واحدٍ ممتنع. وقيل: مختلف بين المعتزلة وأهل السنة، فإنهم قالوا: فعل العبد مقدور له من جهة الكسب، ومقدور لله من جهة الإيجاد. الانتصاف: المعتزلة زعموا أن ما تعلقت به قدرة العبد لا تتعلق به قدرة الله سبحانه وتعالى؛ إذ قدرة العبد مستغنية بنفسها، وأما أهل السنة، الخالق عندهم هو الله الواحد القهار، فتتعلق قدرته بالفعل، وتتعلق به قدرة العبد لا للتأثير، ولذلك لم يحيلوا مقدورًا بين قادرين. قوله: (لأنه يوقع فعله على مقدار قوته). قال القاضي: القدرة: هو التمكن من إيجاد الشيء. وقيل: صفة تقتضي التمكن، وقيل: قدرة العبد: هيئة بها يتمكن من الفعل، وقدرة الله: عبارة عن نفي العجز عنه، والقادر هو الذي إن شاء فعل، وإن لم يشأن لم يفعل، والقدير هو الفعال لما يشاء على ما يشاء، ولذلك قلما يوصف به غير البارئ. واشتقاق القدرة من القدر؛ لأن القادر

[(يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)]. لما عدّد اللَّه تعالى فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين، وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم، وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها عند اللَّه ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب، وهو من الالتفات المذكور عند قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5]، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يوقع الفعل على مقدار قوته، أو على مقدار ما تقتضيه مشيئته، وفيه دليل على أن الحادث حال حدوثه، والممكن حال إمكانه مقدوران، وأن مقدور العبد مقدور الله، لأنه شيء. فقول المصنف: "اشتقاق القدير من التقدير" يؤول بقولنا: اشتقاقه من القدر بمعنى التقدير، إذ لا يستقيم أن يشتق الثلاثي من المزيد. الراغب: القدرة إذا وصف بها الإنسان، فاسم لهيئةٍ له يتمكن بها من فعل شيءٍ ما، وإذا وصف الله تعالى بها فنفي للعجز عنه، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى، وإن أطلق عليه [لفظًا]، بل حقه أن يقال: قادر على كذا، ومتى قيل: هو قادر، فعلى سبيل معنى التقييد، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من كل وجه، والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، ولهذا لا يوصف به إلا الله، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 20] والمقتدر يقاربه نحو: (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: 55] لكن قد يوصف به البشر، فإذا استعمل في الله فمعناه معنى القدير، وفي البشر بمعنى المتكلف والمكتسب للقدرة.

وهو فنّ من الكلام جزل، فيه هزّ وتحريك من السامع، كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما: إنّ فلانا من قصته كيت وكيت، فقصصت عليه ما فرط منه، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجارى أمورك، وتستوي على جادّة السداد في مصادرك ومواردك، نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبيه، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء، وأوجدته بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازاً من طبعه ما لا يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة، وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف، يستفتح الآذان للاستماع، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأوجدته) أي: صيرته واجدًا، من: أوجدته الشيء فوجده، وأوجده الله مطلوبه، أي: أظفره به. المعنى: صيرته واجدًا شيئًا هازًا من طبعه، ولولا هذا الالتفات لما وجد السامع ذلك الشيء الهاز. قوله: (والخروج من صنفٍ إلى صنفٍ يستفتح الآذان للاستماع). واعلم أن كل عدولٍ عن الظاهر من البليغ، سواء كان التفاتًا أو غيره، تنبيه على مكان لطيفةٍ مثارها مقتضى المقام، فمتى وقع عند بليغٍ مثله، وتنبه لها، استهش نفسه لقبولها. قال صاحب "المفتاح": ولأمرٍ ما تجد أرباب البلاغة وفرسان الطراد يستكثرون من هذا الفن في محاوراتهم. واللطيفة التي يتضمنها هذا المقام هي أنه تعلى لما عدد الفرق الثلاث بمسمعٍ منهم، مخاطبًا غيرهم، ووصف كل فرقةٍ بما اختصت به مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها ويرديها؛ أقبل عليهم بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) يعني: أيها المؤمنون كما شرفتكم ورفعت منزلتكم ومنحكتم الكتاب الكامل، ففزتم بالهدى عاجلاً، وبالفلاح آجلاً، دوموا على ما أنتم فيه، ولا تتوانوا، وزيدوا في الشكر والتقوى، لأزيدنكم في النعمة والإفضال، ويا أيها الكافرون أقلعوا عما أنتم

ويستهش الأنفس للقبول، وبلغنا بإسناد صحيح عن إبراهيم عن علقمة: أنّ كل شيء نزل فيه: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) فهو مكي، و (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهو مدنى، فقوله: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) خطاب لمشركي مكة ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيه، وارجعوا عن عبادة غير الله الذي لا نفع فيه، ولا ضر، وتوجهوا إلى عبادة من خلقكم وآباءكم، وجعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً، ورزقكم وكيت وكيت، ويا أيها المنافقون، اعلموا أني عالم بما في ضمائركم وأسراركم، وأعلم ما تأتون وما تذرون، فأخلصوا العبادة لخالقكم الذي أنعم عليكم وعلى أسلافكم لعلكم تتقون، فتحذرون عن النفاق. قوله: (وبلغنا) إلى آخره معطوف على قوله: "لما عدد الله تعالى" لأن معناه أن الخطاب شامل للمؤمن والكافر والمنافق، ومعنى "بلغنا" إلى آخره: أن الخطاب مختص بمشركي مكة. وأما قوله: "يا أيها الناس مكي، ويا أيها الذين آمنوا مدني" فمذكور في "معالم التنزيل" و"الوسيط" و"الكواشي" نحوه، ولم أجده في كتب الحديث. قوله: (فقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) خطاب لمشركي مكة) تفريع على هذه الرواية. روى الإمام عن القاضي: أن هذا الذي ذكراه -يعني إبرايهم وعلقمة- إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون

و «يا» حرف وضع في أصله لنداء البعيد، صوت يهتف به الرجل بمن يناديه. وأما نداء القريب فله أى والهمزة، .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مكة، فضعيف، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم ومرة باسم جنسهم، وقد مؤمر من ليس بمؤمنٍ بالعبادة كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة والازدياد منها، فالخطاب في الجميع ممكن. وقال القاضي: الجموع وأسماؤها المحلاة باللام المعمول حيث لا عهد، ويدل عليه صحة الاستثناء، والتوكيد بما يفيد العموم، كقوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر: 30]، واستدلال الصحابة بعمومها شائعًا ذائعًا، فالناس يعم الموجودين وقت النزول لفظًا ومن سيوجد، لما تواتر من دين محمدٍ صلوات الله عليه أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبلين، ثابت إلى قيام الساعة إلا ما خصه الدليل. الراغب: "قد تقدم أن الناس يستعمل على وجهين: أحدهما: المشار به إلى الصورة المخصوصة، وذلك عام في الصغير والكبير، والعاقل وغير العاقل. والثاني: المشار به إلى المختص بقوى العلم والعمل المحكم، وهو المستعمل على طريق المدح، ولذلك يقال: فلان أكثر إنسانية من فلان؛ لاختصاص هذا المعنى بقبول الزيادة والنقصان. وهذا المعنى هو المراد في هذا الموضع. والعبادة: نهاية التذلل في الخدمة، وبذل الطاقة وذلك في مقابلة أعظم النعم، ولا يستحقها غير الله؛ لأنه هو الذي له أعظم النعم، والعبادة تقال في ثلاثة أشياء: اعتقاد الحق، وتحري الحق، وعمل الخير، وعبادة الله كما تكون في فعل الواجبات قد تكون في فعل

ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وإن قرب. تنزيلاً له منزلة من بعد، فإذا نودي به القريب المفاطن فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معني به جداً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المباحات، وذلك إذا قصد بالفعل وجه الله وتحري مرضاته. قال بعضهم: مباحات أولياء الله كلها واجبات، وواجباتهم نوافل، فقيل: كيف ذلك؟ قال: لأنهم لا يقومون على تناول مباح لهم كالأكل والشرب حتى يضطروا إليه، فيصير تناولها متحتمًا، ويلتزمون من الفرائض فوق ما يلزمهم حتى يصير فرضهم متنفلاً. وبهذا النظر قيل: عند أكمل الصالحين تنزل الرحمة. وفرق بين قوله: (اُعْبُدُوا اللَّهَ) وبين قوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) لأن في الثاني إيجاب العبادة بواسطة رؤية النعمة التي بها تربيتهم وقوامهم، وفي "اعبدوا الله" إيجاب عبادته بمراعاته عز وجل من غير واسطةٍ، وعلى ذلك قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) [الحج: 1] وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) [البقرة: 278] فحيث ذكر الناس ذكر الرب، وحيث ذكر الإيمان ذكر الله". قوله: (ثم استعمل) أي: "يا" موضوعة لنداء البعيد حقيقة، وإذا استعملت في القريب على المجاز، فلا يخلو أن يراد بالبعد البعد بحسب المنزلة والمرتبة، إما من جهة المتكلم، كقوله تعالى: (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) [هود: 44] إظهارًا لعظمته وكبريائه، وإبداءً لشأن عزته وتهاونًا بالمنادى وتبعيدًا له، وإما من جهة المخاطب، كما يقول: يا رب، ويا الله، هضمًا للنفس واستبعادًا لها عن مظان الزلفى، أو البعد بحسب الغفلة والبلادة كما يقال: يا هذا، إن البغاث بأرضنا يستنسر. وكقوله: فانعق بضأنك يا جرير ....

فإن قلت: فما بال الداعي يقول في جؤاره: يا رب، ويا اللَّه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأسمع به وأبصر؟ قلت: هو استقصار منه لنفسه، واستبعاد لها من مظانّ الزلفى وما يقرّبه إلى رضوان اللَّه ومنازل المقرّبين، هضما لنفسه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أو بحسب التفطن، وأن الخطاب بمكانٍ بعيدٍ عن التفكر لما فيه من المعاني الدقيقة، أو أنه معني به جدًا كما نحن بصدده، فينزل لذلك المخاطب منزلة الغافل تهييجًا وإلهابًا ليتلقاه بشراشره ومجامع قلبه. قال المصنف في قوله تعالى: (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) [الأنفال: 65] أي: سمهم حرضًا كما يقال: ما أراك إلا ممرضًا في هذا الأمر، ليهيجه ويحرك منه. قوله: (في جؤاره)، النهاية: الجؤار: رفع الصوت والاستغاثة، ومنه الحديث: "لخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله". قوله: (وأسمع به وأبصر) عطف على جملة قوله: "وهو أقرب إليه من حبل الوريد". قال أبو البقاء في قوله تعالى: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) [الكهف: 26]: الهاء في "أبصر به" تعود على الله وموضعها رفع، والباء زائدة أي: أبصر الله. وهكذا في فعل التعجب الذي هو على لفظ الأمر. قوله: (واستبعاد لها من مظان الزلفى) تفسير لقوله: "استقصار منه لنفسه" وكذا "ما يقربه" تفسير لقوله "من مظان الزلفى" وكذا "إقرارًا علهيا بالتفريط في جنب الله" تفسير

وإقراراً عليها بالتفريط في جنب اللَّه مع فرط التهالك على استجابة دعوته والإذن لندائه وابتهاله، و «أى» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، كما أنّ «ذو» و «الذي» وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجرى مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء، فالذي يعمل فيه حرف النداء هو «أي»، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لقوله: (هضمًا لنفسه" وقوله: "مع فرض التهالك" حال من فاعل "إقرار" أي يستبعد نفسه من القرب من رضوان الله لأجل إقراره بالتفريط مصاحبًا الحرص على استجابة الدعوة؛ لأن الله تعالى إنما يستجيب دعوة الضعيف الخاضع الذليل الذي يستعطفه ويظهر افتقاره ومسكنته. قوله: (التهالك)، النهاية: في الحديث "فتهالكت عليه" أي: سقطت عليه، ورميت بنفسي فوقه، فهو كناية عن الحرص. قوله: (والأذن لندائه)، النهاية: أذن يأذن أذنًا بالتحريك: استمع، وفي الحديث: "ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن" أخرجه البخاري ومسلم، أي: ما استمع الله لشيءٍ كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن، أي: يتلوه جهرًا. قوله: (فلا بد أن يردفه اسم جنس) قال ابن الحاجب: لأنه مبهم الذات، فكان وصفه بما يدل على ذاتياته أولاً هو الوجه؛ لأن الوصف بالمعاني الخارجة فرع على معرفة الذات، ولذلك كان المبهم مستبدًا بصحة الوصفية بأسماء الأجناس دون غيره لما فيه من الإبهام. قوله: (أو ما يجري مجراه) من اسم الإشارة نحو: يا أيهذا الرجل.

والاسم التابع له صفته، كقولك: يا زيد الظريف إلا أن «أيا» لا يستقل بنفسه استقلال «زيد» فلم ينفك من الصفة. وفي هذا التدرّج من الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد. وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين: معاضدة حرف النداء ومكانفته بتأكيد معناه، ووقوعها عوضا مما يستحقه أىّ من الإضافة. فان قلت: لم كثر في كتاب اللَّه النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره؟ قلت: لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة: لأن كل ما نادى اللَّه له عباده - من أوامره ونواهيه، وعظاته وزواجره ووعده ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم، وغير ذلك مما أنطق به كتابه - أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان - عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، وهم عنها غافلون. فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ. فإن قلت: لا يخلو الأمر بالعبادة من أن يكون متوجها إلى المؤمنين والكافرين جميعاً، أو إلى كفار مكة خاصة، على ما روى عن علقمة والحسن، فالمؤمنون عابدون ربهم فكيف أمروا بما هم ملتبسون به؟ وهل هو إلا كقول القائل: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لفائدتين) إحداهما: تأكيد معنى النداء؛ لأن النداء تنبيه. وثانيتهما: أن "أيًّا" مستدعيةٌ للإضافة، فحيث فكت عنها عوض بها ليشتغل بها عنها. قوله: (ومكانفته)، الجوهري: المكانفة: المعاونة. قوله: (ما لم يكثُر في غيره) "ما" يُمكن أن تكون موصولةً، أي: الكثرة التي لم تكثر في غيره، أو مصدريةً أي: كثر كثرةً لم تكثر في غيره من الكلام. قوله: (كقول القائل) وهو أبو تمام. وقبله: نعمةُ الله فيك، لا أسأل اللـ ... ــه إليها نعمى سوى أن تدوما

فلَوَ انِّى فَعَلْتُ كُنْتُ مَنْ تَسْ ... أَلُهُ وهُوَ قائمٌ أنْ يَقُوما وأما الكفار فلا يعرفون اللَّه، ولا يقرّون به فكيف يعبدونه؟ قلت: المراد بعبادة المؤمنين: ازديادهم منها وإقبالهم وثباتهم عليها. وأما عبادة الكفار فمشروط فيها ما لا بد لها منه وهو الإقرار. كما يشترط على المأمور بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرهما وما لا بد للفعل منه، فهو مندرج تحت الأمر به وإن لم يذكر، حيث لم ينفعل إلا به، وكان من لوازمه. على أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون اللَّه ويعترفون به (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [الزخرف: 87]. فان قلت: فقد جعلت قوله: (اعْبُدُوا) متناولا شيئين معاً: الأمر بالعبادة، والأمر بازديادها. قلت: الازدياد من العبادة عبادة وليس شيئاً آخر. فإن قلت: (رَبَّكُمُ) ما المراد به؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: نعمة الله حاصلة فيك، شاملة عليك لا اسأل الله النعمة الحاصلة لك ولكن اسأله دوام تلك النعمة، فلو أني سألت النعمة الحاصلة لك، لكنت كمن يسأل قائمًا أن يقوم فإنه من من تحصيل الحاصل. قوله: (فمشروط فيها ما لا بد لها منه) وهذه مسألة أصولية وهي أن وجوب الشيء مطلقًا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورًا. قل: فيه خلاف، فعند من قال: المعارف ضرورية فالأمر بالعبادة للكافرين جائز، ومن قال: إنها غير ضروريةٍ قال: الأمر للكافر بالعبادة، الأمر بما هو من متمماتها، فيسلتزم الأمر بالمعرفة. قوله: (وليس شيئًا آخر) وها هنا بحث وهو أن اللفظ إذا أطلق وهو محتمل لمعنيين، فلا يخلو إما: أن يطلق على حقيقتين مختلفتين كاللفظ المشترك، أو على أفراد حقيقةٍ واحدةٍ كالجنس، أو على حقيقةٍ ومجاز، وأما القسم الأول والثالث فلا يجوز إرادتهما معًا، فبقي الثاني: وهو المراد بقوله: "والأمر بازدياد العبادة عبادة وليس شيئًا آخر"؛ لأن تلك الزيادة أيضًا عبادة.

قلت: كان المشركون معتقدين ربوبيتين: ربوبية اللَّه، وربوبية آلهتهم. فإن خصوا بالخطاب فالمراد به اسم يشترك فيه رب السموات والأرض والآلهة التي كانوا يسمونها أربابا وكان قوله (الَّذِي خَلَقَكُمْ) صفة موضحة مميزة. وإن كان الخطاب للفرق جميعاً، فالمراد به «ربكم» على الحقيقة. و (الذي خلقكم) صفة جرت عليه على طريق المدح والتعظيم. ولا يمتنع هذا الوجه في خطاب الكفرة خاصة، إلا أن الأول أوضح وأصح. والخلق: إيجاد الشيء على تقدير واستواء. يقال: خلق النعل، إذا قدرها وسواها بالمقياس. وقرأ أبو عمرو: (خلقكم) بالإدغام. وقرأ أبو السميقع: وخلق من قبلكم. وفي قراءة زيد بن على: (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وهي قراءة مشكلة، ووجهها على إشكالها أن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً، كما أقحم جرير في قوله: يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيّ لا أَبَا لَكُمُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فالمراد به ربكم على الحقيقة). أي: الرب الذي إذا خوطب به مطلقًا سائر الناس لا يتبادر إلى ذهن أحدٍ غير الله تعالى. والفرق أن الرب في الأول متعدد، والمربوب واحد. أي: طائفة واحدة فلذلك يجيء اللبس، وفي الثاني: بالعكس فلا لبس. قوله: (ولا يمتنع هذا الوجه) أي: أن تكون الصفة جارية على المدح في خطاب الكفرة، لأنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا، والرب الحقيقي هو هو. وأيضًا فإذا سمعوه من جانب الحق لم يشبه عليهم، والأول أصح لما تعورف بينهم، ولأن قول السحرة (قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) [الأعراف: 121 - 122] ليس إلا لدفع الاحتمال. قوله: (وهي قراءة مشكلة) لأن فيها موصولين وصلة واحدة. والإقحام: الإدخال بالشدة. قوله: (يا تيم تيم عدي لا أبالكم) عجزه:

"تيماً" الثاني بين الأول وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في: لا أبالك: ولعل للترجى أو الإشفاق. تقول: لعل زيداً يكرمني. ولعله يهينني. وقال اللَّه تعالى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) [طه: 44]، (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: 17]. ألا ترى إلى قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها) [الشورى: 18]. وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنه إطماع من كريم رحيم، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، لجرى إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به. قال من قال: إن «لعل» بمعنى «كى»، و «لعل» لا تكون بمعنى «كى»، ولكن الحقيقة ما ألقيت إليك. وأيضا فمن ديدن الملوك وما عليه أوضاع أمرهم ورسومهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا: عسى، ولعل، ونحوهما من الكلمات، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا يلقينكم في سوأةٍ عمر وذلك أن عمر بن لجأٍ التيمي أراد أن يهجو جريرًا، فخاطب جرير قبيلة يتمٍ وقال: لا تتركوا عمر أن يهجوني فيصيبكم شري. قال المصنف: فإن قيل: يا تيم كلام مفيد بنفسه، فجاز وقوع تيم الثاني تأكيدًا له بخلاف "والذين" في الآية، فإنه غير مفيدٍ فكيف يجوز تأكيده بمن؟ والجواب: أن "الذين" مفيد أيضًا فائدة الإشارة وإن كان المشار إليها مبهمًا، ولهذا رجع الضمير إليه، والضمير إليه، والضمير إنما يرجع إلى المفيد فإنك تقول: الذي فعلته. قوله: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: 44] مثال الترجي. وقوله: (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: 17] مثال الإشفاق، وكذا المثالان السابقان. قوله: (قال من قال) معلل قوله: "لأنه إطماع". قوله: (وأيضًا فمن ديدن الملوك) عطف على قوله "إطماع من كريم" من حيث المعنى.

أو يخيلوا إخالة. أو يظفر منهم بالرمزة أو الابتسامة أو النظرة الحلوة، فإذا عثر على شيء من ذلك منهم، لم يبق للطالب ما عندهم شك في النجاح والفوز بالمطلوب. فعلى مثله ورد كلام مالك الملوك ذى العز والكبرياء. أو يجيء على طريق الإطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد، كقوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً، عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) [التحريم: 8]. فان قلت: ف «لعل» التي في الآية ما معناها وما موقعها؟ قلت: ليست مما ذكرناه في شيء، لأن قوله: (خَلَقَكُمْ ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، لا يجوز أن يحمل على رجاء اللَّه تقواهم لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة: وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد أيضاً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو يخيلوا إخالةً)، الجوهري: وقد أخالت السحاب وأخيلت وخايلت، إذا كانت ترجى المطر. وأخلت فيه خالاً من الخير، أي: رأيت فيه مخيلته. وعن يعقوب: وخلت الشيء خيلاً وخيلةً ومخيلةً، أي: ظننته. قوله: (أو يجئ على طريق الإطماع) عطف على قوله: "وقد جاءت على سبيل الإطماع" كأنه قيل: "لعل" إما تجيء على سبيل الإطماع مع التحقيق مجازًا أو على طريق الإطماع دون التحقيق حقيقة. قوله: (راجين للتقوى ليس بسديد) أي: لا يصح إسناد الرجاء إليهم حين خلقهم الله تعالى؛ لأنهم حينئذٍ لم يكونوا عالمين بالرجاء ولا بالتقوى، ولا بشيءٍ من المعاني حتى تتوجه أذهانهم إليها. ويمكن أن يقال: لم لا يجوز أن يكون: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 21] على هذا حالاً مقدرة؟ قيل في جوابه: لأنهم حالة الخلق ليسوا براجين ولا مقدرين الرجاء، وأجيب: إن لم يجز مقدرين الرجاء بكسر الدال لم لا يجوز مقدرين بفتحها. قال في قوله تعالى: (وَبَشَّرْنَاهُ

ولكن «لعل» واقعة في الآية موقع المجاز لا الحقيقة، لأن اللَّه عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم - وهم مختارون بين الطاعة والعصيان، كما ترجحت حال المرتجى بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا) [الصافات: 112]: حال مقدرة، وقدر: (وَبَشَّرْنَاهُ) بوجود إسحاق (نَبِيًّا)، أي: بأن توجد مقدرة نبوته. قوله: (وهداهم النجدين) أي: طريقي الخير والشر. قوله: (لترجح أمرهم)، الأساس: رجحت الشيء وزنته بيدي ونظرت ما ثقله. ومن المجاز: رجح أحد قوليه على الآخر، وترجح في القول: تميل فيه. قوله: (حال المرتجى) أي: الذي يتوقع منه الفعل حقيقة كما قال صاحب "المفتاح": فتشبه حال المكلف الممكن من فعل الطاعة والمعصية- أي: مع تكليف الله أياه للابتلاء- بحال المرتجى المخير بني أن يفعل وأن لا يفعل- أي: مع مرتجيه الذي لا يعلم العاقبة- ثم استعير لجانب المشبه "لعل" جاعلاً قرينة الاستعارة علم الذي لا تخفى عليه خافية فيه. فهو من الاستعارة التبعية. قالوا: قوله: "لأن الرجاء لا يجوز على الله" إلى قوله: "ليس بسديد" هذا إنما يلزم إذا علق "لعل" بـ "خلقكم" وأما إذا علق بقوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) اتقاءً واحترازًا من عقابه، أو اعبدوا راجين أن تحصل لكم التقوى التي هي غاية العبادة بحسب تفسي "لعل" بمعنى الترجي أو الإشفاق، فلا يكون مجازًا. وعليه قول القاضي في "تفسيره": (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)

قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: 7، الملك: 2]، وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار. فإن قلت: كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون، فكذلك خلق الذين من قبلهم لذلك، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حال من الضمير في (اعْبُدُوا) كأنه قال: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين جوار الله تعالى؛ نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين، وهو التبري من كل شيءٍ سوى الله تعالى إلى الله، وأن العابد ينبغي أن لا يتغير بعبادته، ويكون ذا خوفٍ ورجاءٍ، قال الله تعالى (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [السجدة: 16] (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) [الإسراء: 57] أو من مفعول (خَلَقَكُمْ) والمعطوف عليه على معنى: أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى ليترجح أمره باجتماع أسبابه وكثرة الدواعي إليه. قلت: لعل اختيار المصنف القول الثاني لكونه أقرب إلى مذهبه. واعلم أن الذي يفهم من ظاهر كلام المصنف أن "لعل" مشترك في الترجي والإشفاق، وفي الإطماع ملحق بـ "عسى". قال ابن الحاجب: "لعل" معناها التوقع، وقد يكون التوقع للمرجو والمخوف، ولكنه كثر في المرجو حتى صار غالبًا عليها. قلت: وأما كونها للإطماع فلتضمنها معنى "عسى"، ومن ثم عومل معها معاملتها في قوله: لعلك يومًا أن تلم ملمة

فلم قصره عليهم دون من قبلهم؟ قلت: لم يقصره عليهم، ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادتهم جميعاً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: "عسى" معناها الطمع والإشفاق والإطماع من الله واجب. تم كلامه. ثم الإطماع إما راجع إلى المتكلم فيكون لتحقيق ما يطمع فيه؛ لأنه كريم، أو عظيم الشأن، أو إلى السامع فلا يكون للتحقيق. وقال ابن الحاجب: ومنهم من زعم أنها في حق الله لتحقيق ما تعلقت به، ويقف عليه في قوله تعالى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: 4]. ولم يتذكر ولم يخش، ومنهم من زعم أن معناها في مثل ذلك للتعليل، ويقف عليه في مثل (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: 17]، وإليه الإشارة بقوله: "لعل لا تكون بمعني كي" أي: لا تظنن أن "لعل" بمعنى "كي" على الحقيقة، ومن قال: إنه بمعنى "كي" إنما قال لأنه حين رأي قائلها يستعملها في تحقيق المطلوب وإنجاز الموعود، زعم أنها بمعنى "كي"، وذلك إنما نشأ من المقام، فإن القائل: إما كريم لا يجوز إخلاف إطماعه لكرمه وشمول رحمته، وإما عظيم نطق بها إبداءً لعظمته، وإظهارًا لأبهته، فالرمزة من مثله تقوم مقام مبالغاتٍ شتى من غيره. وما هذا شأنه لا يكون حقيقة. فإن قلت: قوله "ليست مما ذكرناه في شيءٍ" يقتضي أن لا تكون "لعل" بمعنى "كي"، ومرجع تقريره الذي سيذكره إلى ذلك بدليل قوله: "خلقكم للاستيلاء"، وقوله بعد ذلك "خلقكم لكي تتقوا". قلت: إن المصنف كان في بيان مجيء "لعل" على الحقيقة، وقال: هي للترجي والإشفاق،

فإن قلت: فهلا قيل تعبدون؛ لأجل (اعبدوا)، أو: اتقوا؛ لمكان (تتقون) ليتجاوب طرفا النظم. قلت: ليست التقوى غير العبادة حتى يؤدّى ذلك إلى تنافر النظم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وضم إليهما معنى الإطماع، وبنى عليه مسألة المجاز فيها، وهي بمعنى كي. وأما قوله: "ليست مما ذكرناه في شيءٍ" فمعناه: أن المذكور في معنى "لعل" لا يجوز حمل الآية على شيءٍ من ذلك، أما بمعنى "كي" لتكون من حمل النقيض على النقيض بواسطة التلميح من الكريم الذي إذا أطمع فعل، ومن العظيم الذي إذا رضي قطع، فالمقام يأباه؛ لأن المقصود من الإيراد الاختبار والابتلاء؛ لقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2]، فلا يحصل ذلك إلا على طريق الاستعارة التبعية كما سبق، فطريق المجازين مختلف، وإن كان مآلهما إلى معنى "كي"، والله أعلم. الانتصاف: كلام الزمخشري حسن إلا قوله: "وأراد منهم التقوى" فإنه على مذهبه، والله تعالى مريد عند أهل السنة من كل أحدٍ ما وقع منه. وقال أيضًا، كلامه: "وأقدرهم وألقى بأيديهم زمام الاختيار" خطأ. قوله: (فهلا قيل: تعبدون) يعني من الصنعة البديعية رد العجز على الصدر، وهو أن يجعل أحد اللفظين المكررين في أول الفقرة والآخر في آخرها، كقوله: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) [الأحزاب: 37] وأول الآية الأمر بالعبادة وآخرها في ذكر التقوى، فلو جعل مقدمتها مطابقةً لسياقها بأن يقال: يا أيها الناس اتقوا، أو بالعكس بأن يقال: لعلكم تعبدون، لحصل المطلوب.

وإنما التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده. فإذا قال: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) للاستيلاء على أقصى غايات العبادة كان أبعث على العبادة، وأشدّ إلزاما لها، وأثبت لها في النفوس. ونحوه أن تقول لعبدك: احمل خريطة الكتب، فما ملكتك يمينى إلا لجرّ الأثقال. ولو قلت: لحمل خرائط الكتب لم يقع من نفسه ذلك الموقع. [(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)]. قدّم سبحانه من موجبات عبادته وملزمات حق الشكر له خلقهم أحياء قادرين أوّلا لأنه سابقة أصول النعم ومقدمتها، والسبب في التمكن من العبادة والشكر وغيرهما، ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرّهم الذي لا بدّ لهم منه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وحاصل الجواب: أن المطابقة حاصلة من حيث المعنى مع إعطاء معنى المبالغة، وهي: أن التقوى عرفًا عبارة عن الإتيان بجميع المأمورات والانتهاء عن جميع المنهيات، وإليه الإشارة بقوله: "والتقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده" ويمكن أن يكون الأسلوب من باب الترقي، والمراد في "لعلكم" معنى الترجي، لكن معناه راجع إلى المكلف، أي: اعملوا في عبادة ربكم علم من يرجو الترقي فيها من الأهون إلى الأغلظ. الانتصاف: قوله: "خلقكم للاستيلاء على أقصى غاية العبادة" مفرع على مذهبه، والأليق أن يقال: خلقكم على حالةٍ من حقكم معها أن لا تدعوا من جهدكم في التقوى شيئًا. الإنصاف: لا يرد عليه ما ذكره؛ لأن خلقهم للاستيلاء أعم من كون الاستيلاء منهم أو من الله تعالى، وحينئذٍ يخص عمومه بأن المراد من خلق ذلك. قوله: (خلقهم أحياءً قادرين) نحو قوله تعالى: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ) [الشعراء: 149] على أنهما حالان مترادفتان مقدرتان.

وهي بمنزلة عرصة المسكن ومتقلبه ومفترشه، ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار، ثم ما سوّاه عزّ وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها. والإخراج به من بطنها - أشباه النسل المنتج من الحيوان - من ألوان الثمار رزقا لبنى آدم، ليكون لهم ذلك معتبرا: ومتسلقا إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله (المُقِلَةِ والمُظِلَةِ) أي: الأرض والسماء، ومنه الحديث: ((ما أقلت الغبراء وأظلت الخضراء على أصدق لهجه من أبى ذر)). قوله: (المنتج)، الجوهري: نتجت الناقه على ما لم يسم فاعله تنتج نتاجا و ((من الحيوان ((متعلق بالمنتج، و ((من ألوان)) بيان ((أشباه)). قوله: (ليكون لهم ذلك معتبراً ومُتَسلَقاً) أي: مدرجا ومصعدا يرقون منه إلى معرفة التوحيد، وهو تعليل لقوله: ((قدم سبحانه وتعالى من موجبات عبادته)) وقوله: ((فيتيقنوا عند ذلك)) نتيجته. أما بيان الترقي فهو: أنه تعالى منعم على الأطلاق، فلا بد من ظهور هذه الصفة، ومظهرها وجود المعم عليه وهو المكلف وإليه الإشارة بقوله: ((خلقهم))، لابد من تمكنه مما خلق له أيضا، وهو أن يكون حيا قادرا، ولما كان الخلق والقدرة كالمقدمة للمطلوب قال: ((ومقدمتها والسبب في التمكن من العبادة والشكر))، ولما أن القيام بالشكر والعبادة مسبوق بمعرفه المنعم والمعبود احتج إلى التفكر والنظر المؤدى إلى تلك المعرفة. وأول شيء يقع نظر المكلف إليه مقره ومكانه، وإليه الإشاره بقوله: ((ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرهم))، ثم بعد هذا النظر إذا ساعدهم التوفيق بأن يأخذوا في العروج من السفليات إلى العلويات

ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر، ويتفكرون في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وتحتهم، وأن شيئا من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها، فيتيقنوا عند ذلك أن لا بدّ لها من خالق ليس كمثلها، حتى لا يجعلوا المخلوقات له أندادا وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر. والموصول مع صلته إمّا أن يكون في محل النصب وصفا كـ (الذي خلقكم)، أو على المدح والتعظيم. وإمّا أن يكون رفعا على الابتداء وفيه ما في النصب من المدح. وقرأ يزيد الشامي: بساطا. وقرأ طلحة: مهادا. ومعنى جعلها فراشا وبساطا ومهادا للناس: أنهم يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه وبساطه ومهاده. فإن قلت: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وآثارها، فينظروا إلى هذه السماء التي هي كالسقف لمفترشهم، وإليه الإشارة بقوله: ((ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة على هذا القرار)) أي: المقر والمفترش، ثم ينظروا بعد النظر إليها إلى ما يحصل من ازدواجها مع مفترشها التي هي فراشهم من أنواع الثمار والنبات، وإليه الإشارة بقوله: ((ثم ما سواه - أي: ما سواه الله -عز وجل من شبه عقد النكاح)). ثم إن المصنف ضمن في دلائل الآفاق دلائل الأنفس على سبيل الإدماج، بأن جعل دليل الأنفس مشبها به، ودليل الآفاق مشبها، وذلك قوله: "أشباه النسل المنتج من الحيوان" لينضم إلى دليل الآفاق دليل الأنفس، لله دره وبيانه وتقريره. قوله: (يتعرفونها)، الجوهري: تعرفت ما عند فلان، أي: تطلبت حتى عرفت. أي: يطلبون ما به يعرفون وجود النعمة ليقابلوها بلازم الشكر، أي: العبادة؛ لأن الشكر لغة: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف، ولازمه آداب الجوارح في العمل، وتحقيق مراضيه بالقلب وثناؤه باللسان. وقيل: المراد ((بلازم الشكر)): الشكر اللازم. قوله: (وإما أن يكون رفعا على الابتداء) أي: على أنه خبر لمبتدأ محذوف

هل فيه دليل على أنّ الأرض مسطحة وليست بكرّية؟ قلت: ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها كما يفعلون بالمفارش سواء كانت على شكل السطح أو شكل الكرة، فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع، لعظم حجمها واتساع جرمها وتباعد أطرافها. وإذا كان متسهلا في الجبل وهو وتد من أوتاد الأرض، فهو في الأرض ذات الطول والعرض أسهل. والبناء مصدر سمى به المبنى - بيتا كان أو قبة أو خباء أو طرافا - وأبنية العرب: أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديدا. فإن قلت: ما معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرته ومشيئته؟ قلت: المعنى أنه جعل الماء سببا في خروجها ومادّة لها، كماء الفحل في خلق الولد، وهو قادر على أن ينشئ الأجناس كلها بلا أسباب ولا موادّ كما أنشأ نفوس الأسباب والموادّ، ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجا لها من حال إلى حال، وناقلا من مرتبة إلى مرتبة حكما ودواعي يجدد فيها لملائكته والنظار بعيون الاستبصار من عباده عبرا وأفكاراً صالحة، وزيادة طمأنينة، وسكون إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بيتا كان أو قبة أو خباء)، الجوهري: واحد الأخبية من وبر أو صوف، لا من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك، فهو بيت، والطراف: بيت من أدم. قوله: (ومنه: بنى على امرأته)، النهاية: البناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأه بنى عليها قبة ليدخل بها فيها. قوله: (وسكون إلى عظيم قدرته)، الأساس: سكنت إلى فلان: استأنست به، ومالي سكن، أي: من أسكن إليه من امرأه وحميم. والتدرج إلى الشيء العظيم سبب لمؤانسة المرء به، كما أن المبادهة به سبب للاستيحاش، ألا ترى إلى إرشاد إبراهيم قومه إلى التوحيد، كيف

ليس ذلك في إنشائها بغتة من غير تدريج وترتيب. و «من» في (مِنَ الثَّمَراتِ) للتبعيض بشهادة قوله: (فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) [فاطر: 27]، وقوله: (فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ) [فاطر: 27]، ولأنّ المنكرين أعني: ماء، ورزقا. يكتنفانه. وقد قصد بتنكيرهما معنى البعضية فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات، ليكون بعض رزقكم. وهذا هو المطابق لصحة المعنى، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أخذ في إبطال معتقدهم شيئا فشيئا، والأخذ من الأدون إلى الأعلى من الكوكب أولا، ثم القمر ثانيا، ثم الشمس ثالثا، ثم قوله: (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)] الأنعام: 78 - 79 [إذ لو خاطبهم أولا بالتوحيد لم يقع هذا الموقع. قوله: ] بشهادة قوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [يعنى قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)] الأعراف: 57 [لأنه تعالى لم يرد بقوله: (سَحَابًا ثِقَالًا) كل السحاب، ولا بالبلد الميت جميع الأراضي، ولا أنزل من السحاب الثقال كل الماء، ولا أخرج جميع الثمرات، بل أراد بالكل الأكثر، ما يستعمل الكل في التنزيل بمعنى أكثر، منه قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)] الأحقاف: 25 [وقوله: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)] النمل: 16 [، (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)] النمل: 23 [، وأما قوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ)] فاطر: 27 [فدلالته على البعضية من حيث الجمعية والتنكير لأنها جمع قلة. قوله: (لأنه لم ينزل من السماء الماء كله) أي: لم ينزل من السماء كل الماء الذى أخرج به كل الثمرات؛ لأن بعضا من الثمرات مخرج من غير ماء السماء بدليل قوله: ((وأنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات)) وقوله: ((ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات)).

ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات، ولا جعل الرزق كله في الثمرات. ويجوز أن تكون للبيان كقولك: أنفقت من الدراهم ألفا. فإن قلت: فيم انتصب (رِزْقاً)؟ قلت: إن كانت «من» للتبعيض. كان انتصابه بأنه مفعول له. وإن كانت مبنية، كان مفعولاً لـ"أخرج". فإن قلت: فالثمر المخرج بماء السماء كثير جمّ ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: يخالفه ما قال في ((الزمر)): ((كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه)). قلت: على تقدير صحة هذه الرواية، ((الفاء)) في قوله "فأخرج به" مستدعية للإخراج بعد الإنزال بلا تراخ عادة، ومفهومه: أن بعضا من الثمرات مخرج على غير هذه الصورة، وهي ما يسقى بماء الآبار والعيون والأنهار فإنها متراخية عادة عن الإنزال، لأنه تعالى استودعها الجبال، ثم أجراها في الأرض وأخرج بها بعض الثمرات. قوله: (إن كانت ((من)) للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له) قيل: إذا كانت ((من)) للتبعيض يكون محلها منصوبا على المفعول به، ورزقا على المفعول له، ومحل ((لكم)) منصوب على أنه مفعول به لـ ((رزقا)) لأنه مصدر، وإن كانت للتبين كانت حالا ورزقا مفعول به، و ((لكم)) صفة لـ ((رزقا)). وقيل: إذا قلت: أكلت من هذا الخبز، تكون ((من)) للتبعيض لا غير، وإذا قلت: أكلت من هذا الخبز الجيد بنصب الجيد، كان للبيان، وعلى أن تكون ((من)) مفعولا به كانت اسما كـ ((عن)) في قول الشاعر: فلقد أراني للرماح دريةً ... من عن يميني مرة وأمامي

فلم قيل: (الثمرات) دون الثمر والثمار؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما أن يقصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك: فلان أدركت ثمرة بستانه، تريد ثماره. ونظيره قولهم: كلمة الحويدرة، لقصيدته. وقولهم للقرية: المدرة، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الدرية: هي الحلقة التي يتعلم عليها الطعن، والمعنى من جانب يميني فـ ((من)) في الآية و ((عن)) في البيت مجازان عن متعلق معناهما كما قال صاحب المفتاح: ونازلان منزلتهما في الاعتبار، قال المصنف في (حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا)] يوسف: 31 [: حاش: حرف من حروف الجر وضعت موضع التنزيه والبراءة. والدليل عليه قراءة من قرأ ((حاشاً لله)) بالتنوين، فإن قلت: فلم جاز أن لا ينون - أي في المشهورة - بعد إجرائه مجرى براءة؟ قلت: مراعاة لأصله الذى هو الحرفية؛ ألا ترى إلى قولهم: جلست من عن يمينه، كيف تركوا ((عن)) غير معرب على أصله. قوله: (أن يُقصَدَ بالثمراتِ جماعة الثمرة) يريد أن مفرد الثمرات الثمرة التي يُرادُ بها الثمارُ. والثمرات مشتملةٌ على أفرادٍ، كل فرد منها ثمار، فإذن تفيد الثمرات من الكثرة ما لا تقيده الثمار، وإن كانت جمع قلة. قوله: (ونظيرُه) أي: نظير إرادة الثمار بالثمرة. قوله: (كلمة الحويدرة) الحويدرة: اسم شاعر، تصغير حادرة، واسمه قطبة بن محصن. روى أن حسانا كان إذا قيل له: أنشدنا، قال: هل أنشدكم كلمة الحويدرة؟ أي: قصيدته العينية التي مستهلها:

وإنما هي مدر متلاحق. والثاني: أنّ الجموع يتعاور بعضها موقع بعض لالتقائها في الجمعية، كقوله: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ) [الدخان: 25]، و (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228]. ويعضد الوجه الأوّل قراءة محمد بن السميقع: من الثمرة، على التوحيد. وقَبْلِكُمْ صفة جارية على الرزق إن أريد به العين، وإن جعل اسما للمعنى فهو مفعول به، كأنه قيل: رزقا إياكم. فإن قلت: بم تعلق (فَلا تَجْعَلُوا)؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه: أن يتعلق بالأمر. أى اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أَنْداداً لأنّ أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل للَّه ندّ ولا شريك. أو بلعل، على أن ينتصب (تجعلوا) ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بكرت سميه بكرة فتمتع ... وغدت غدو مفارق لم يربع ابن السكيت: ربع الرجل: إذا وقف وتحبس. قوله: (وإن جعل اسما للمعنى) أي: مصدرا، فهو مفعول به، كأنه قيل: أعطاكم، وهو المراد بقوله: ((رزقا إياكم)) كما تقول: رزقه العلم والمال أي: أولاه وأعطاه. قوله: (فيه ثلاثة أوجه) والوجوه ذكرها القاضي ملخصا قال: (فَلَا تَجْعَلُوا) متعلق ((باعبدوا)) على أنه نهي معطوف عليه، أو نفي منصوب بإضمار ((أن)) جواب له، أو بـ ((لعل)) على أن نصب (تَجْعَلُوا) نصب (فَاطَّلَعَ) في قوله تعالى: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ)] غافر: 36 - 37 [إلحاقا لها بالأشياء السته؛ لاشتراكها في أنها غير موجبة، المعنى: إن تتقوا لا تجعلوا لله أندادا، أو ((بالذي)) جعل إن استأنفت به على أنه نهي وقع خبرا على تأويل مقول فيه: لا تجعلوا، فالفاء للسببية أدخلت عليه لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والمعنى: من خصكم بهذه النعم الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يشرك به.

انتصاب، (فأطلع) في قوله عز وجل: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ* أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى) [غافر: 36 - 37] في رواية حفص عن عاصم، أى خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه، أو بالذي جعل لكم، إذا رفعته على الابتداء، أى هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية، فلا تتخذوا له شركاء. والند: المثل. ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوئ. قال جرير: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: والوجه الأول للمصنف مبنى على أنه منصوب جوابا للأمر، ولذلك علله بقوله: ((لأن أصل العبادة التوحيد، وأن لا يجعل له ند ولا شريك))، وأما على عطف النهي على الأمر، فالآية مثل قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)] النساء: 36 [. والوجه الثانى في الكتاب على غير ما ذهب إليه القاضي لأنه لم يجعل ((لعل)) على تأويل الشرط، بل جعلها بمعنى ((كي)) على تشبيه الحالة بالحالة في قوله تعالى: (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ)] غافر: 36 [، ثم الاستعارة على سبيل التبعية كما مضى. والوجه الثالث غير مخالف لقوله: ((وإن زاد فيه لفظة ((هو)) حيث قال: ((هو الذى خلقكم)) لأنه في بيان المعنى لا تقدير الكلام، وفيه إشارة إلى معنى الاختصاص؛ لأنه استئناف بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث))، فكأن سائلا حين سمع قوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) سأل: ما بالنا نخضه بالعبادة وأن لا نشرك به شيئا؟ فقيل: لأنه هو الذى خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة. وفي الوجوه إشارة إلى الإشعار بالعلية؛ لأن الحكم مترتب على الأوصاف. قوله: (حفكم)، الأساس: حفوا به واحتفوا: أطافوا، وهم حافون به وحففته بالناس: جعلتهم حافين به. قوله: (المناوئ)، الأساس: نؤتُ بالحمل: نهضت به، وناوأت الرجل: عاديته، ومعناه: ناهضته للعداوة.

أتَيماً تَجْعَلُون إِلَىَّ نِداًّ ... وما تَيْمٌ لِذِى حَسَب نَدِيدَا وناددت الرجل: خالفته ونافرته، من ندّ ندا إذا نفر. ومعنى قولهم: ليس للَّه ندّ ولا ضدّ نفى ما يسدّ مسدّه، ونفي ما ينافيه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أتيما تجعلون) البيت. ضمن ((تجعلون)) معنى ((يضمون))، أي: يضمون إلى تيما ويجعلونه ندا. ويجوز أن يكون ((تيما)) مفعولا لفعل محذوف، أي: يضمون وينسبون إلى، تيما يجعلونه ندا لى، وأن يكون إلى مع متعلقة المحذوف حالا من ندا. قوله: (ونافرته)، الأساس: نافرته إلى الحكم فنفرني عليه، أي حاكمته فغلبني عليه، وأصل المنافرة قولهم: أينا أعز نفرا. قوله: (ليس لله ند ولا ضد) لف. وقوله: ((نفي ما يسد مسده، ونفي ما ينافيه)) نشر. الراغب: ند الشيء: مشاركه في الجوهر. وذلك ضرب من المماثلة فإن المثل يقال في أي مشاركة كانت، فكل ند مثل ولا ينعكس، يقال: نده ونديده ونديدته. والضدان: الشيئان اللذان تحت جنس واحد وينافي كل منهما الآخر في أوصافه الخاصة، وبينها أبعد البعد، كالخير والشر والسواد والبياض، وما لم يكونا تحت جنس واحد كالحلاوة والحركة لا يقال لهما ضدان، قالوا: الضد هو أحد المتقابلين، فإن المتقابلين هما الشيئان المختلفان بالذات وكل واحد قبالة الآخر، ولا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد وذلك أربعة أشياء: الضدان، والمتناقضان كالضعف والنصف والوجود والعدم، والنفي والإثبات في الأخبار، وكثير من أهل اللغة والمتكلمين يجعلون كل ذلك من المتضادات ويقول: الضدان ما لا يصح اجتماعهما

فإن قلت: كانوا يسمون أصنامهم باسمه ويعظمونها بما يعظم به من القرب، وما كانوا يزعمون أنها تخالف اللَّه وتناويه. قلت: لما تقرّبوا إليها وعظموها وسموها آلهة، أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادّته فقيل لهم ذلك على سبيل النهكم. كما تهكم بهم بلفظ الندّ، شنع عليهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في محل واحد. وقيل: الله تعالى لا ضد له ولا ند؛ لأن الند هو الاشتراك في الجوهر، والضد هو أن يعتقب الشيئان المتنافيان على جنس واحد، والله تعالى منزه عن أن يكون له جوهر، فإذا لا ضد له ولا ند، وقال تعالى: (وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)] مريم: 82 [أي: منافين لهم. قوله: (كانوا يسمون) توجيه السؤال: أن الكفرة كانوا يجعلون أصنامهم مساوية لله تعالى في التسميه والتقرب إليهم، وما كانوا يزعمون أنهم يخالفون الله في شيء من ذلك حتى يكونوا أندادا فكيف قيل: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا)] البقرة: 22 [، وخلاصة الجواب: أن هذه التسمية، أي: تسمية الله إياها أندادا على التهكم لأنهم ينزلون الضد مقام الضد لضرب من التهكم كقوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)] آل عمران: 21 [استحقارا لهم وازدراء لفعلهم، أي: أنتم لا تعلمون أن مثل هذا التعظيم والتسمية تؤدى إلى جعلها قادرة على مخالفته ومناوأته، فهي استعارة مصرحة تحقيقية أصلية واقعة على سبيل التهكم. قوله: (شنع عليهم) يعنى: كما تهكم بهم بإثبات الند بولغ فيه بأن أوثر، لفظ الجمع، يعنى لم يكتفوا بذلك الفعل الشنيع حتى ضموا إليه ما زادت به الشناعة، فيكون من باب الإيغال كقولها:

واستفظع شأنهم بأن جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط. وفي ذلك قال زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق دين قومه: أرَبًّا واحِداً أمْ ألْفُ رَبٍ ... أدِينُ إذَا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ وقرأ محمد بن السميقع: فلا تجعلوا للَّه ندا. فإن قلت: ما معنى (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)؟ قلت: معناه: وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كأنه علم في رأسه نار قوله: (أربا واحدا) البيت، أدين، أي: أتخذه دينا. تقسمت الأمور، أي تفرقت الأحوال، من قولهم: تقسمهم الدهر فتقسموا: فرفهم فتفرقوا، من ((الصحاح)). أي: إذا تفرقت الأمور وفوض اختيار هذا الأمر إلى أختار ربا واحدا أم ألف رب؟ أي: كيف أترك ربنا واحدا وأختار أربابا متعددة كقوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)] يوسف: 39 [وبعده: تركت اللات والعزى جميعاً ... كذلك يفعل الرجل البصير روينا عن البخاري عن ابن عمر كان يحدث عن رسول الله - صل الله عليه وسلم-: ((أنه لقى زيد بن عمرو ابن نفيل بأسفل بلدح وذلك قبل أن ينزل على النبي - صل الله عليه وسلم- الوحي، فقدم إليه رسول الله - صل الله عليه وسلم- سفرة فيها لحم، فأبى أن ياكل منها، ثم قال زيد: إنى لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه)). قوله: (معناه: وحالكم وصفتكم) يريد أن موقع (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) موقع الحال المقررة لجهة الإشكال المتضمنة لمعنى التعجب والتعجيب كقوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ

والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال، والإصابة في التدابير، والدهاء والفطنة، بمنزل لا تدفعون عنه. وهكذا كانت العرب، خصوصاً ساكن والحرم من قريش وكنانة، لا يصطلى بنارهم في استحكام المعرفة بالأمور وحسن الإحاطة بها. ومفعول (تعلمون) متروك كأنه قيل: وأنتم من أهل العلم والمعرفة. والتوبيخ فيه آكد، أى أنتم العرّافون المميزون. ثم إنّ ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام للَّه أندادا، هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل. ويجوز أن يقدر: وأنتم تعلمون أنه لا يماثل. أو: أنتم تعلمون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا)] البقرة: 28 [أي: لا تجعلوا لله أندادا والحال أنكم من صحة التمييز والمعرفة بمنزلة، يعنى جعلكم لله أندادا مع هذا الصارف القوى مظنة تعجب وتعجيب. فـ ((ثم)) في قوله: ((ثم إن ما أنتم عليه)) للاستبعاد كما في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا)] السجده: 22 [. قوله: (لا يصطلى بنارهم)، النهاية: وفي حديث السقيفة: ((أنا الذى لا يصطلى بناره)) الاصطلاح: افتعال من صلى النار إذا تسخن بها. أي: أنا الذى لا يتعرض لحربي يقال: فلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. ومعناه: لا تنال ناره لرفعة شانه حتى يصطلى بها، ونظيره: لا يشق غبارهم، فهما كنايتان عن علو المرتبة والسبق. قوله: (وأنتم من أهل العلم والمعرفة) هذا على تنزيل المعتدى منزلة اللازم، أي: أنكم توجدون على هذه الحقيقة إيهاما للمبالغة، وإليه الإشارة بقوله ((أنتم العرافون المميزون)). قوله: (وأنتم تعلمون أنه لا يماثل) إلى آخره، إشارة إلى قصد التعميم وعدم القصر على المذكور؛ إذا لو ذكر واحد مما ذكره المصنف لاقتصر عليه.

ما بينه وبينها من التفاوت. أو: وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله، كقوله: (هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ) [الروم: 40]. [(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)]. لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويحققها، ويبطل الإشراك ويهدمه، وعلم الطريق إلى إثبات ذلك وتصحيحه، وعرفهم أنّ من أشرك فقد كابر عقله وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه - عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوّة محمد صلى اللَّه عليه وسلم، وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة، وأراهم كيف يتعرفون؛ ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعلم الطريق إلى إثبات ذلك) أي: إثبات التوحيد وإبطال الشرك كأنه قال: يا أيها الناس، اعلموا أن لكم معبوداً بجب عليكم عبادته؛ لأنه خلقكم وخلق آباءكم، وجعل لكم مظلة ومقلة، وأنعم عليكم بإنزال المطر وإخراج الثمر؛ فإذا لا تجعلوا له شريكا. فالتعليم هو ترتب الحكم على الأوصاف. قوله: (وغطى على ما أنعم عليه) يشير إلى قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)] البقرة: 22 [أي: لا يخفي عليكم بطلان أمر الأصنام وحقيقة ألوهية الملك العلام، فلا تكابروا عقولكم ولا تغطوا على ما رزقكم من المعرفة. قوله: (وأراهم) عطف على قوله ((عطف على ذلك)) على سبيل التفسير و ((بإرشادهم)) متعلق بقوله: ((أراهم))، والمراد بالإرشاد ما سبق في قوله تعالى: (لا رَيْبَ فِيهِ)] البقرة: 2 [وطريقة الإتيان بـ ((إن)) الشرطية المستدعية للشك وخلو الجزم في مقام القطع ليحزر أنفسهم ويجربوا طباعهم، فقوله: ((على إثبات نبوة محمد -صل الله عليه وسلم-)) في مقابلة ما يثبت الوحدانية، ((وما يدحض الشبة)) في مقابلة ((ويبطل الإشراك ويهدمه))، ((وأراهم كيف يتعرفون)) في مقابلة ((علم الطريق إلى إثبات ذلك))، فطريق إثبات التوحيد هو التفكر في خلق أنفسهم وما يرتفقون به على الترتيب كما سبق، والتنبيه عليه بقوله (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

أهو من عند اللَّه كما يدعى، أم هو من عند نفسه كما يدعون. بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم ويذوقوا طباعهم وهم أبناء جنسه وأهل جلدته. فإن قلت: لم قيل: (مِمَّا نَزَّلْنا) على لفظ التنزيل دون الإنزال؟ قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم، وهو من محازه لمكان التحدي. وذلك أنهم كانوا يقولون: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويذوقوا طباعهم)، الجوهري: ذقت القوس: إذا جذبت وترها لتنظر ما شدتها. قوله: (وهو من محازه) قيل: المعنى: النزول على سبيل التدريج من محاز استعمال لفظ التنزيل. وقلت: يأباه الجمع والتعليل على أنه من توضيح الواضح، والوجه أن يقال: هو راجع إلى معنى قوله: لم قيل: نزلنا دون أنزلنا؟ لأنه من محازه ومواقعه، و ((من)): إما ابتدائي أو تبعيضي، أي: ناس منه أو بعض مواقعه، لأن فوائده كثيرة؛ أما بالنسبة إلى رسول الله? فلضبط ألفاظه وتسهيل حفظه ثم التدرج إلى معرفة معانيه، وأما بالنسبة إلى المؤمنين فللتوقيف على ما يفتقرون إليه من المصالح السانحة، وأما بالنسبة إلى المخالفين فلإزاحة خللهم وتبكيتهم كما نحن بصدده، ولذلك علله بقوله ((لمكان التحدي)) وبين مقام التحدي بقوله: ((ذلك أنهم كانوا يقولون)) إلى آخره. ألا ترى حين لم يقصد هذه المعاني كيف جيء بلفظ الإنزال في نحو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)] البقرة: 4 [وقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)] الكهف: 1 [إلى غير ذلك! فليتأمل مواقعها. قال القاضي: إنما قال (مِمَّا نَزَّلْنَا) لأن نزوله نجما فنجما على ما عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم كما حكى الله تعالى عنهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)] الفرقان: 32 [، فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزالة للشبهة، وإلزاماً للحجة.

لو كان هذا من عند اللَّه مخالفاً لما يكون من عند الناس، لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة وآيات غب آيات، على حسب النوازل وكفاء الحوادث «2» وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر، من وجود ما يوجد منهم مفرقا حيناً فحيناً، وشيئاً فشيئا حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، لا يلقى الناظم ديوان شعره دفعة، ولا يرمى النائر بمجموع خطبه أو رسائله ضربة، فلو أنزله اللَّه لأنزله خلاف هذه العادة جملة واحدة: قال اللَّه تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً) [الفرقان: 32]. فقيل: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجماً فرداً من نجومه؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((من محازه))، الأساس: قطع فأطاب المحز ومن المجاز: تكلم أو أشار فأصاب المحز. قوله: (وكفاء الحوادث)، الأساس: قولهم: لا كفاء له، مصدر بمعنى المكافأة، وضع موضع المكافئ، قال حسان: وروح القدس ليس له كفاء أي: مكافئ مقاوي، وهو كفؤ بين الكفاءة. الجوهري: كل شيء يساوى شيئا حتى يكون مثله فهو مكافئ له. قوله: (فقيل: إن ارتبتم) عطف على قوله ((كانوا يقولون)).

سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفتريات. وهذه غاية التبكيت، ومنتهى إزاحة العلل. وقرئ (على عبادنا) يريد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأمته. والسورة: الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات. وواوها إن كانت أصلا، فإما أن تسمى بسورة المدينة وهي حائطها، لأنها طائفة من القرآن محدودة محوّزة على حيالها، كالبلد المسوّر، أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد، كاحتواء سورة المدينة على ما فيها. وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة. قال النابغة: ولرَهْطِ حَرَّابٍ وقَدٍ سُورَةٌ ... في المَجْدِ لَيْسَ غُرَابُهَا بمُطَارِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذه غاية التبكيت) أي: هذه الحجة غاية التبكيت؛ لأنها إفحام للخصم يعنى ما يريد به بطلان الشيء؛ وذلك أنهم كانوا يقولون: لم لم ينزل القرآن جملة واحدة ليكون على خلاف ما نشاهده من الشعراء والخطباء؛ إذا لو كان كلام الله لم يكن على سنن ما يرى عليه الخطابة والشعر؟ فأجيبوا بأن النزول هكذا كما هو دأبكم وعادتكم أسهل لكم أن تأتوا بمثله إذا تحديتم به فلا يشق عليكم معارضته، فلو نزل جملة واحدة وتحديتم بها لصعب عليكم معارضته، فإذا لم تأتوا بأقصر سورةٍ منه فقد دل على حقيقته وبطلان قولكم، فألزموا بعين ما أرادوا بطلانه وهذا قريب من القول بالموجب. قوله: (ولرهط حراب) البيت. حراب بالراء المهملة، وقد بالدال غير المعجمة. قوله: (ليس غرابها بمطار) كناية عن كثرة الرهطين ودوام المجد لهما؛ فإن النبات والشجر إذا كثر في موضع قيل: لا يطير غرابه؛ لأن الغراب إذا وقع في المكان الخصيب أصاب فيه

لأحد معنيين، لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ: وهي أيضاً في أنفسها مترتبة: طوال وأوساط وقصار، أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين. وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة، فلأنها قطعة وطائفة من القرآن، كالسؤرة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه. فان قلت: ما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً؟ قلت: ليست الفائدة في ذلك واحدة. ولأمر ما أنزل اللَّه التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه على هذا المنهاج مسوّرة مترجمة السور. وبوّب المصنفون في كل فنّ كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. ومن فوائده: أنّ الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف، كان أحسن وأنبل وأفخم من أن يكون ببّاناً واحداً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما لا يحتاج معه إلى أن ينتقل منه إلى مكان آخر. والوجه: أن يراد أنه لا يرام هذه المرتبة لكونها منيعة رفيعة. قوله: (ببانا واحداً) روى البخاري أنه سمع عمر رضى الله عنه يقول: ((لولا أن أترك آخر الناس بباناً واحداً ليس لهم من شيء ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، ولكنى أتركها خزانة لهم يقسمونها)).النهاية: عن أبي عبيد: لا أحسبه عربياً. قال

ومنها: أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه، وأبعث على الدرس والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله. ومثله المسافر، إذا علم أنه قطع ميلا، أو طوى فرسخا، أو انتهى إلى رأس بريد؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أبو سعيد الضرير: ليس في كلامهم ببان، والصحيح عندنا: ((بيانا واحداً))، أي: لأسوين بينهم في العطاء حتى يكونوا شيئا واحداً لا فضل لأحد على غيره. وقال الأزهري: ليس كما ظن، وهذا حديث مشهور رواه أهل الإتقان، وكأنها لغة يمانيه. قوله: (رأس بريد) قال في ((الفائق)): ((سمى المسافة التي بين السكتين بريدا، والسكة الموضع الذى كان يسكنه الفيوج المرتبون من رباط أو قبة أو نحو ذلك وبعد ما بين السكتيرن الفرسخان، فكان يرتب في كل سكة بغال. والبريد في الأصل البغل وهي كلمة فارسية أي: ((بريده دم))، لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب، فعربت وخففت، ثم سمي

نفس ذلك منه ونشطه للسير. ومن ثم جزأ القرّاء القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً. ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة، اعتقد أنه أخذ من كتاب اللَّه طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة؛ فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه ويغتبط به، ومنه حديث أنس رضى اللَّه عنه: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد فينا ومن ثمة كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل. ومنها أنّ التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض. وبذلك تتلاحظ المعاني ويتجاوب النظم، إلى غير ذلك من الفوائد والمنافع ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرسول الذي يركب البريد باسمه. قال الصغاني: الفيج الذى تسميه أهل العراق الركابي والساعي، وهو معرب. قوله: (حذق السورة)، الجوهري: حذق الصبي القرآن، إذا مهر فيه. قوله: (جد فينا) روينا عن البخاري ومسلم عن أنس ((أن رجلا كان يكتب للنبي? وكان قد قرأ ((البقرة)) و ((آل عمران)) وكان الرجل إذا قرأ ((البقرة)) و ((آل عمران)) جد فينا)) الحديث، النهاية: ((جد فينا))، أي: عظم قدره وصار ذا جد. قوله: (كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل). قال الرافعي رحمه الله: ((وأوصل الاستحباب يتأذى بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة أحب حتى إن السورة القصيرة أولى من بعض سورة طويلة)).

(مِنْ مِثْلِهِ): متعلق (بسورةٍ) صفة لها، أي: بسورة كائنة من مثله. والضمير لما نزلنا، أو لعبدنا. ويجوز أن يتعلق بقوله: (فَاتُوا) والضمير للعبد ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((مِنْ مِثْلِهِ) متعلق (بِسُورَةٍ). قال الزجاج: وللعلماء فيه قولان: قال بعضهم: من مثل القرآن؛ كقوله تعالى: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ)] هود: 13 [وقال بعضهم: من مثله، أي: من بشرٍ مثله. وقالى القاضي: (مِنْ مِثْلِهِ) صفه ((سورة))، أي: بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة وحسن النظم، أو لعبدنا، ومن للابتداء، أي: بسورةٍ كائنة ممن هو على حاله من كونه بشراً أميا لم يقرأ الكتب، ولم يتعلم العلوم، أو صلة (فَاتُوا) والضمير للعبد. تم كلامه. لا يقال: إنه إن جعل (مِنْ مِثْلِهِ) صفه لـ ((سورة))، فإن كان الضمير للمنزل فمن للبيان، وإن كان للعبد فمن للابتداء، وهو ظاهر. فعلى هذا إن تعلق قوله: (مِنْ مِثْلِهِ) بقوله: (فَاتُوا) فلا يكون الضمير للمنزل؛ لأنه يستدعى كونه للبيان، والبيان يستدعى تقديم مبهم، ولا تقديم، فتعين أن يكون للابتداء لفظاً أو تقديراً، أي: اصدروا وأنشئوا واستخرجوا من مثل العبد بسورةٍ؛ لأن مدار الاستخراج هو العبد لا غير، فلذلك تعين في الوجه الثاني عود الضمير إلى العبد؛ لأن هذا وأمثاله ليس بوافٍ، ولذلك تصدى للسؤال بعض فضلاء الدهر، وقال: قد استبهم قوله صاحب ((الكشاف)) حيث جوز في الوجه الأول كون الضمير لـ ((ما نزلنا)) تصريحا، وحظره في الوجه الثاني تلويحاً، فليت شعرى ما الفرق بين ((فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا)) و ((فأتوا من مثل ما نزلنا بسورة))! !

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجيب: إنك إذا اطلعت على الفرق بين قولك لصاحبك: أتيت برجل من البصرة، أي: كائن منها، وبين قولك: أتيت من البصرة برجل، عثرت على الفرق بين المثالين، وزال عنك التردد والارتياب. ثم نقول: إن ((من)) إذا تعلق بالفعل يكون إما ظرفا لغوا، و ((من)) للابتداء، أو مفعولا به و ((من)) للتبعيض، إذ لا يستقيم أن يكون بيانا لاقتضائه أن يكون مستقرا، والمقدر خلافه، وعلى تقدير أن يكون تبعيضا فمعناه: فأتوا بعض مثل المنزل بسورة، وهو ظاهر البطلان. وعلى أن يكون ابتداءً لا يكون المطلوب بالتحدي الإتيان بالسورة فقط؛ بل بشرطٍ أن يكون بعضا من كلامٍ مثل القرآن، وهذا على تقدير استقامته بمعزل عن المقصود واقتضاء المقام؛ لأقله نظير، فكيف للكل! فالتحدي إذا بالسورة الموصوفة بكونها من مثله في الإعجاز، وهذا إنما يتأتى إذا جعل الضمير ((لما نزلنا))، و ((من مثله)) صفة لسورة، ((ومن)) بيانية فلا يكون المأتى به مشروطاً بذلك الشرط؛ لأن البيان والمبين كشيء واحد؛ كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ)] الحج: 30 [. ويعضده قول المصنف في سوره ((الفرقان)): إن تنزيله مفرقا وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلما نزل شيء منها أدخل في الإعجاز، وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة واحدة ويقال لهم: جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه، أي: طوله. فإن قلت: إذا كان المال إلى المطلوب المبالغة والإتيان بمثل أقصر سورة يكون القول بأن الضمير للعبد مردودا، وقد قيل به، ونقله الزجاج وغيره؟

فإن قلت: وما "مثله" حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل؟ قلت: معناه فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: ولهذا جعله المصنف مرجوحا بقوله: لأنهم إذا خوطبوا، وهم الجم الغفير بأن يأتوا بطائفه يسيرة من جنس ما أتى به واحد منهم كان أبلغ في التحدي من أن يقال: ليأت أحد بنحو ما أتى به هذا الواحد. قوله: (فإن قلت: وما مثله حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل) تلخيصه: أنه تعالى تحدى بإتيان مثل المنزل ومثل الرسول، ولا بد أن يكون المطلوب شيئا يتوجه إليه الطلب، فما ذلك الشيء الذى هو نظير هذا المنزل وهذا الرسول حتى يؤتى به؟ واعلم أن الجواب مبنى على قاعدة: وهي أن التشبيه أكثر ما يقع في إلحاق النظير بالنظير والمثيل بالمثيل، وربما لا يراد فيه النظير والمقابل، بل مجرد وصف يشركهما في أمر، وإن شئت فجرب في قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)] آل عمران: 59 [ قال المصنف: فإن قلت: كيف شبه به وقد ولد بغير أب، وآدم وجد بغير أب وأم؟ قلت: هو مثيله في أحد الطرفين فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر؛ لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في أنه وجد وجودا خارجا عن العادة المستمرة، وهما في ذلك نظيران. وما نحن بصدده من قبيل الأول دون الثاني؛ ألا ترى إلى قوله: ((بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب)) وقوله: ((ولا قصد إلى مثل ونظير))! فإذن لو قدر أن يكون المأتى به شعرا أو خطبة ويكون المتصف بوصف البلاغة الفائقة والنظم الأنيق استقام وصح. ولو أريد به النظير لأوهم؛ لأن المراد نظيره في كونه مشتملا على علوم الأولين والآخرين، أو نظيره في كونه منزلا من عند الله بليغا فصيحا، أو نظيره? في كونه نبيا أميا فصيحا، ومن المثال الذي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ورد ولم يرد من المثل النظير والمثيل: قول القبعثرى: مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب. فإن قلت: المثال لا يصلح للاستشهاد؛ لأن المقصود منه أن الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، ولا معنى لقولنا: فأتوا بسورة من المنزل أو من محمد صلوات الله عليه وسلم. قلت: والعجب أن المثال أيضا مستشهد به لمجرد الوصفية دون الكناية، فإن المقصود من إثبات الوصف فيه الكناية، وتشبيه الآية به وقع في مجرد الوصفية دون ملزومها، وقد سبق أن هذا القدر لا يمنع من إيراد التشبيه. فإن قلت: أوضح لي الفرق بين المثل إذا كان بمعنى الصفة، وبينه إذا كان بمعنى النظير، فإن المذكور لا يشفي الغليل. قلت: على الأول الصفة مقصودة أولية ويتبعها الموصوف ضمنا، وعلى الثاني كلاهما مطلوبان معا؛ لأن نظير الشيء هو الذى يقابله ويباريه. قال في الأساس: وهو ناظره بمعنى مناظره، أي: مقابله ومماثله، وهي نظيرتها. وعن الزهري: لا تناظر بكتاب الله وبكلام رسول الله، أي: لا تقابله ولا تجعل مثلا له. قال الراغب: النظير: المثل، وأصله المناظرة كأنه ينظر كل واحد منهما إلى صاحبه فيباريه. فالنظير أخص، ولذلك قدرنا في المثال كونه منزلا من عند الله بليغا فصيحا. ولما كان الأول

أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرا عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء، ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك. ولكنه نحو قول القبعثرى للحجاج - وقد قال له: لأحملنك على الأدهم -: مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب. أراد: من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد. ولم يقصد أحدا يجعله مثلا للحجاج. وردّ الضمير إلى المنزل أوجه، لقوله تعالى: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [يونس: 38]. (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ) [هود: 13]، (عَلى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ) [الإسراء: 88]، ولأن القرآن جدير بسلامة الترتيب والوقوع على أصح الأساليب، والكلام مع ردّ الضمير إلى المنزل أحسن ترتيباً؛ وذلك أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه، وهو مسوق إليه ومربوط به، فحقه أن لا يفك عنه برد الضمير إلى غيره. ألا ترى أن المعنى: وإن ارتبتم في أنّ القرآن منزل من عند اللَّه. فهاتوا أنتم نبذاً مما يماثله ويجانسه. وقضية الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن يقال: وإن ارتبتم في أنّ محمداً مُنزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله. ولأنهم إذا خوطبوا جميعاً - وهم الجم الغفير بأن ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أعم قدرنا أن يكون المأتى به شعراً أو خطبة أو غير ذلك، وهو المختار لاقتضاء المقام وإرخاء العنان، والله أعلم. قوله: (أو أمياً) عطف على ((عربياً)) ممن لا كتاب له أصلا كالعرب، أو ممن له كتاب لكنه لم يقرأ ولم يتعلم. قال في قوله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ)] آل عمران: 20 [أي: الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب. قوله: (وهم الجم الغفير)، النهاية: روى جما غفيرا، يقال: جاء القوم جما غفيرا، والجماء الغفير، أي: مجتمعين كثيرين. ويقال: جاؤوا الجم الغفير، وأصل الكلمة من الجموم والجمة، وهو الاجتماع والكثرة.

يأتوا بطائفة يسيرة من جنس ما أتى به واحد منهم، كان أبلغ في التحدّى من أن يقال لهم: ليأتى واحد آخر بنحو ما أتى به هذا الواحد، ولأنّ هذا التفسير هو الملائم لقوله: (وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ)، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والغفير من الغفر وهو التغطية والستر. فجعلت الكلمتان في موضع الشمول والإحاطة. ولم يقولوا: الجماء إلا موصوفة، وهو اسم وضع موضع المصدر. قوله: (هو الملائم لقوله: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ)) الآية] البقرة: 23 [، إن كان المراد بالشهداء الأصنام كما سيجئ فدعاؤهم حينئذ لأجل الاستظهار والتعاون، ولا معنى لاستظهارهم بها أن يأتوا بسورة واحدة من مثل محمد? وكذا إن أريد بالشهداء القائمون بالشهادة ليشهدوا لهم أنهم أتوا برجل من مثله. قوله: (والشهداء جمع شهيد)، قال القاضي: الشهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أو الإمام، وكأنه سمي به لأنه يحضر النوادي وتبرم بمحضره الأمور؛ إذا التركيب للحضور، إما بالذات أو التصور، ومنه قيل للمقتول في سبيل الله: شهيد، لأنه حضر ما كان يرجوه، أو الملائكة حضروه. الراغب: الشهادة تبين الشيء الحاضر. ولما كان تبين الشيء على ضربين: تبين بالبصر وتبين بالبصيرة، والحضور على ضربين: حضور بالذات وحضور بالتصور، صارت الشهادة تستعمل على أوجه، فيقال لحصول قربة ومنزلة، ومنه قيل: استشهد فلان وهو شهيد، كأنه حضر وتبين ما كان يرجوه. وقالوا: أنا شاهد لهذا الأمر، أي: عارف به متصور له، إشارة إلى

ومعنى (دون): أدنى مكان من الشيء. ومنه الشيء الدون، وهو الدنىّ الحقير، ودوّن الكتب، إذا جمعها، لأن جمع الأشياء إدناء بعضها من بعض وتقليل المسافة بينها. يقال: هذا دون ذاك، إذا كان أحط منه قليلا. ودونك هذا: أصله خذه من دونك. أى من أدنى مكان منك فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم. ومنه قول من قال لعدوّه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قولهم: لئن غبت عن عيني فما غبت عن قلبي. وأما الشهادة المتعارفة فأصلها الحضور بالقلب والتبيين، ثم يقال ذلك إذا عبر باللسان، ثم يقال لكل ما يدل على شيء. إن لم يكن قولاً. فقوله. (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) قد فسر على كل ما يقتضيه لفظ الشهادة. قوله: (ومنه الشيء الدون) أي: مأخوذ من هذا الأصل. وكذا جميع الأمثلة. قوله: (فاختصر) معطوف على قوله: "أصله خذه من دونك"، وقوله: "واستعير" على قوله: "أي: من أدنى مكان" يعني لما كثر استعمال في هذه المعاني استعير في معنى المرتبة مطلقاً بأن شبهت المراتب المعنوية بالمكانية واستعير لها ما كان مستعملاً هناك، ثم اتسع فيها، فجعل مثلاً لكل تجاوز حد من غير نظر إلى الاستعارة. وقال الزجاج: ومعنى "من دون المؤمنين" في قوله تعالى "لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ" [آل عمران: 28] أنه لا يتناول الولاية من مكان دون مكان المؤمنين، والكلام جار على المثل في المكان كما تقول: زيدٌ دونك، وليس معناه أنه في متسفل، وأنت في مرتفع، ولكن جعلت الشرف بنزلة الارتفاع في المكان، والخسة كالاستفال فيه، والمعنى: أن المكان المرتفع في باب الولاية مكان المؤمنين دون الكافرين.

وقد راءاه بالثناء عليه: أنا دون هذا وفوق ما في نفسك، واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حدّ إلى حدّ وتخطى حكم إلى حكم. قال اللَّه تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 28] أى لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين. وقال أمية: يا نَفْسُ مالَكِ دُونَ اللَّهِ مِنْ وَاقِى أي: إذا تجاوزت وقاية اللَّه ولم تناليها لم يقك غيره. و (مِنْ دُونِ اللَّهِ) متعلقٌ بـ (ادعوا) أو بـ (شهدائكم)، فإن علقته بـ (شهدائكم) فمعناه: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد راءاه)، الجوهري: راءى فلانٌ الناس يرائيهم مراءاةً ورايأهم مرايأة على القلب بمعنى. وفي "مقدمة الأدب". راءى الناس بعمله: أراهم عمله. فالباء صلة. قال الميداني: هذا قول علي رضي الله عنه لرجل مدحه نفاقا. قوله: ((مِنْ دُونِ اللَّهِ) متعلق بـ (ادعوا) أو بـ (شهداءكم)) اعلم أن "من دون الله" إما متعلق بشهدائكم أو بادعوا، والشهداء إما بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة. و"دون" إما بمعنى غير، أو قدام، فإذا علق بشهدائكم اختص أن يكون بمعنى القائم بالشهادة. والشاهد إما الأصنام أو مدارة القوم فعلى أن يراد به الأصنام (من دون الله) إما في محل النصب على الحال، قال أبو البقاء: "من دون الله" في موضع الحال والعامل محذوف أي: "شهدائكم"

ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون اللَّه وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق؛ أو: ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي اللَّه من قول الأعشى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منفردين عن الله. وهو المراد بقوله: "ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم" أو على الظرف والعامل ما في الشهداء من معنى الفعل. وهو المراد من قوله: "أو ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله"، وعلى التقديرين المراد بالشهداء الأصنام، يدل عليه قوله بعد ذكرهما: "وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد" إلى قوله: "غاية التهكم". وعلى أن يكون القائم بالشهادة المداره، المضاف محذوف. المعنى: ادعوا شهداءكم متجاوزين من أولياء الله ومن المؤمنين، وادعوا غيرهم فانظروا هل يشهدون لكم، وعلى هذا الأمر واردٌ على سبيل إرخاء العنان والكلام المصنف؛ لأنهم إذا سمعوا هذا الكلام تفكروا فيه، وأيقنوا أنهم لا يشهدون لهم بذلك، لأنهم زعماء الحوار وأرباب الفصاحة، يميزون بين كلام فصيح وأفصح، وبليغ وأبلغ، ويأنفون عن الكذب. إذا عُلق بـ"ادعوا "يعمُّ الشهداء في القائم بالشهادة وفي الحاضر، فعلى أن يراد القائم بالشهادة الشهيدُ مطلقٌ غير مقيد بقوله (مِنْ دُونِ اللَّهِ) كما في الأول؛ لأنه حينئذٍ قيدٌ للفعل و"من" لابتداء الغاية كما سبق في قوله تعالى (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) فيكون الدعاء قد ابتدئ من دون الله، والمراد بالشاهد حينئذٍ الشاهد العدل، لأن الشاهد إذا أطلق عرفاً بادر إلى الذهن هذا، ومن ثمَّ قال في الأول: "من دون أولياء ومن غير المؤمنين"، وهاهنا: "وادعوا شهداء من الذين شهادتهم بينة تصحح بها الدعاوي"، وعلى هذا الأمر للتبكيت؛ لأنهم مُقرون بأن ليس لهم شهداء عادلون تصحح بهم الدعاوي يشهدون لهم بذلك. ولقرب هذا الوجه من السابق وهو أن يراد بشهدائكم المدارة قال: "وتعليقه بالدعاء

تُرِيكَ القَذَى مِنْ دُونِهَا وهِىَ دُونَهُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في هذا الوجه جائز". وعلى أن يراد بالشهيد الحاضر، ففي الكلام تخصيصٌ بحسب المفهوم؛ لأن الدعاء إذا قُيِّد بمن دون الله يكون غير متناول لله تعالى، ولهذا قال: "فادعوا كل من يشهد لكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا الله"، والأمر ُعلى هذا للتعجيز والتحدي مطلقاً ولهذا قال: "وادعوا شهدائكم من دون الله" إلى قوله: "والجن والإنسُ شاهدوكم". ويؤيده قوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء: 88] وفي التقسيم وجوهٌ أخر، وللبحث فيه مجال فليتأمل. واعلم أن التفرقة بين الوجوه توجب التفرقة بين المعاني، فإذا أريد بالشهداء الأصنام كان الأمر بقوله: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) للتهكم، وإن أريد به الرؤساء، كان الأمر للاستدراج وإرخاء العنان، وإن أريد به الناس العدول، كان لإظهار التبكيت، وإن أريد به الناصر والمستظهر به من دون الله، كان الأمر للتحدي والتعجيز كما سبق تفصيله. قوله: (تُريك القذى من دونها وهي دونه) قيل تمامه: إذا ذاقها من ذاقها يتمطق أي: تريك الزجاجة القذى من قدامها وهي قدام القذى. الأساس: ودونه خرط القتاد، أي: أمامه. يتمطق، أي: يمص شفتيه من لذاذتها. وروى ابن حمدون في "التذكرة": أن الوليد بن عبد الملك قال لابن الأقرع أنشدني قولك في الخمر، فأنشده:

أي: تريك القذى قدّامها وهي قدّام القذى، لرقتها وصفائها. وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن بفصاحته: غاية التهكم بهم؛ أو (وادعوا شهداءكم من دون اللَّه) أي: من دون أوليائه ومن غير المؤمنين، ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله. وهذا من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار بأنّ شهداءهم وهم مدارة القوم، الذين هم وجوه المشاهد وفرسان المقاولة والمناقلة، تأبى عليهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم الشهادة بصحة الفاسد البين عندهم فساده واستقامة المحال الجلى في عقولهم إحالته، وتعليقه بالدعاء في هذا الوجه جائز. وإن علقته بالدعاء فمعناه: ادعوا من دون اللَّه شهداءكم، يعنى لا تستشهدوا باللَّه، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كميت إذا شجت ففي الكأس وردها ... لها في عظام الشاربين دبيب تريك القذى من دونها وهي دونه ... لوجه أخيها في الإناء قطوب فقال الوليد: شربتها ورب الكعبة، قال: لئن كان وصفي لها رابك فقد رابني معرفتك بها. فعلى هذا ابن الأقرع إما ضمن المصراع، أو كان من التوارد. قوله: (مداره القوم)، الجوهري: درهت عن القوم: دفعت عنهم، مثل درأت، وهو مبدل منه نحو هراق، والمدره: زعيم القوم والمتكلم عنهم، والجمع المداره. قوله: (والأنفة) الأساس: ومن المشتق من الأنف: فيه أنفةٌ وأنفٌ، وأنف من كذا، ألا تراهم قالوا: الأنف من الأنفِ! الجوهري: أنف من الشيء تأنف أنفاً: استنكف.

ولا تقولوا: اللَّه يشهد أنّ ما ندعيه حق، كما يقوله العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينة تصحح بها الدعاوى عند الحكام. وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخذالهم. وأنّ الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثاً غير قولهم: اللَّه يشهد أنا صادقون. وقولهم هذا: تسجيل منهم على أنفسهم بتناهي العجز وسقوط القدرة. وعن بعض العرب أنه سئل عن نسبه فقال: قرشىّ والحمد للَّه. فقيل له: قولك «الحمد للَّه» في هذا المقام ريبة. أو ادعوا من دون اللَّه شهداءكم: يعنى أنّ اللَّه شاهدكم لأنه أقرب إليكم من حبل الوريد، وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم. والجن والإنس شاهدوكم فادعوا كل من يشهدكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا اللَّه تعالى، لأنه القادر وحده على أن يأتى بمثله دون كل شاهد من شهدائكم، فهو في معنى قوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ) الآية [الإسراء: 88]. [(نْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ)]. لما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرّفون أمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم وعلى آله، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يعني أن الله شاهدكم) أي: حاضركم، وقوله: "لأنه أقرب إليكم" تعليل للتفسير أي: الشهيد بمعنى الحاضر، لقوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) [ق: 16] ولقوله صلوات الله عليه: "وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم" والحديث من رواية البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى في حديث طويل: "اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً، وهو معكم، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" وهو مثلٌ لقربِ القريب، الجوهري: اربع على نفسك: أي: ارفق بنفسك وكف. قوله. (لما أرشدهم [الله] إلى الجهة) يعني بقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا) [البقرة: 23] حيث أتى بـ"إن" في موضع الجزم لكون الكلام مع المرتابين، والغرض استدراجهم إلى

وما جاء به حتى يعثروا على حقيقته وسرّه وامتياز حقه من باطله. قال لهم فإذا لم تعارضوه ولم يتسهل لكم ما تبغون وبان لكم أنه معجوز عنه، فقد صرح الحق عن محضه ووجب التصديق فآمنوا وخافوا العذاب المعدّ لمن كذب. وفيه دليلان على إثبات النبوّة: صحة كون المتحدى به معجزاً، والإخبار بأنهم لن يفعلوا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن يحزروا نفوسهم ويجربوا قواهم، فيعثروا على سرِّه وامتياز حقه، قال لهم: فإذا لم تعارضوه، أي: رتب على ذلك الإرشاد جملتين شرطيتين: أولاهما: محذوفة الجزاء، وثانيتهما: محذوفة الشرط لتكميل ذلك الإرشاد وتتميم التحقيق فيه. بيانه: أن قوله: "فإذا لم تعارضوه، ولم يتسهل لكم ما تبتغون، وبان لكم أنه معجوز عنه" هو معنى قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) وهو الشرط الأول، "فقد صرح الحق عن محضة ووجب التصديق" جزاءٌ لهذا الشرط المذكور. وقوله: ((فآمنوا وخافوا العذاب)) هو معنى قوله: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) وهو جزاءُ شرطٍ مقدر، أي: إذا "صرح الحق عن محضه ووجب التصديق فآمنوا وخافوا العذاب". يدل على هذا المقدر تصريحه بعد بقوله: "إنهم إذا لم يأتوا بها، وتبين عجزهم عن المعارضة فقد صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد استوجبوا العذاب". قوله: (صرح الحق عن محضة)، الجوهري: الصريح: اللبن الخالص، والمحض كذلك. الأساس: لبن صريحٌ: ذهبت رغوته وخلص. الميداني: صرح الحق عن محضه، أي: انكشف الأمر وظهر، وقال أبو عمرو: أي: انكشف الباطل واسبتان الحق فعرف. قوله: (وفيه دليلان) أي: في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) الآية.

وهو غيب لا يعلمه إلا اللَّه. فان قلت: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب، فهلا جيء بـ «إذا» الذي للوجوب دون «إن» الذي للشك. قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأن العجز عن المعارضة كان قبل التأمّل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام. والثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه: إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه غالبه ويتيقنه تهكما به. فإن قلت: لم عبر عن الإتيان بالفعل وأى فائدة في تركه إليه؟ قلت: لأنه فعل من الأفعال. تقول: أتيت فلانا، فيقال لك: نعم ما فعلت. والفائدة فيه: ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على حسب حسبانهم) فإنهم كانوا يقولون: لو نشاء لقلنا مثل هذا. قوله: (على من يقاويه) أي: يعارضه. قاويته فقويته، أي: غلبته. الأساس: وهم يتقاوون الفطيمة في الدم وتقاوينا الدلو تقاوياً: إذا جمعوا شفاههم على شفتها فشرب كل واحدٍ ما أمكنه. قوله: (لم أُبقِ عليك)، الجوهري: أبقيت على فلان: إذا أرعيت عليه ورحمته، يقال: لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي. قوله: (لأنه فعل من الأفعال)، الراغب: لفظ الفعل أعم معنىً من سائر أخواته نحو الصنع والإبداع والإحداث والخلق والكسب والعمل؛ لأن الإبداع أكثر ما يقال في إيجادٍ عن عدمٍ، وليس حقيقة ذلك إلا لله تعالى، والإحداث في إيجاد الأعيان والأعراض معاً، والعمل

أنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصاراً ووجازة تغنيك عن طول المكنى عنه. ألا ترى أنّ الرجل يقول: ضربت زيداً في موضع كذا على صفة كذا، وشتمته ونكلت به، ويعد كيفيات وأفعالا، فتقول: بئسما فعلت. ولو ذكرت ما أنبته عنه، لطال عليك، وكذلك لو لم يعدل عن لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل، لاستطيل أن يقال: فإن لم تأتوا بسورة من مثله. ولن تأتوا بسورة من مثله. فإن قلت: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) ما محلها؟ قلت: لا محل لها لأنها جملة اعتراضية. فإن قلت: ما حقيقة «لن» في باب النفي؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا يقال إلا فيما كان عن فكر ورويةٍ، ولهذا قُرن بالعلم حتى قال بعض الأدباء: قُلِب لفظُ العمل عن لفظ العلم تنبيهاً أنه من مقتضاه. والصنع يقال في إيجاد الصورة في المواد كالصياغة والبناء، والخلق تقدير الأعراض الجسمانية وإيجادها، وقد يقال للتقدير من غير إيجادٍ، ولأن الخلق لا يستعمل إلا في إيجاد الأجسام وأعراضها امتُنِعَ من إطلاق الخلق على القرآن. قوله: (جار مجرى الكناية) يريد بها الكناية اللغوية، وهي عدم التصريح بالشيء وتسميةُ الضمائر بها من هذا القبيل، ويمكن أن يحمل على الاصطلاحية: وهي أن يُنفى العام لينتفي الخاص. وهذا أبلغ لكن قوله: "جار مجرى الكناية" لا يساعد عليه؛ لأن ظاهره أن قوله: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) أجري مجرى الضمير في أنه إذا تقدم أشياء يُجاء به أو باسم الإشارة فيعبر بهما عنها كقوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئولاً) [الإسراء: 36]. قوله: (ونكلت به)، الجوهري: يقال: نكل به تنكيلاً: إذا جعله نكالاً وعِبرةً لغيره. قوله: (جملة اعتراضية)، الكواشي: واوها استئنافية، ولا محلَّ لها من الإعراب، لأنها لم تقع موقع المفرد، ولا هي مستحقةٌ للإعراب في نفسها.

قلت: «لا» و «لن» أختان في نفى المستقبل، إلا أن في «لن» توكيداً وتشديداً. تقول لصاحبك: لا أقيم غداً، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً، كما تفعل في: أنا مقيم، وإنى مقيم. وهي عند الخليل في إحدى الروايتين عنه أصلها «لا أن» وعند الفراء «لا» أبدلت ألفها نونا. وعند سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل: حرف مقتضب لتأكيد نفى المستقبل. فإن قلت: من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما هو به حتى يكون معجزة؟ قلت: لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تقول لصاحبك: لا أُقيم غداً، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً) مثاله في الإثبات قولك لخالي الذهن: أنا مقيمٌ غداً، فإذا تردد قلت: إني مقيم غداً، ثم إذا أنكر قلت: إني لمقيمٌ غداً. قوله" (أصله: لا أن) قيل: حذفت همزة "أن" لكثرتها في الكلام، وذهبت الألف من "لا" في الدرج لاجتماع الساكنين فبقي اللام من "لا" والنون من "أن" فجُمِعا وقيل: لن، وقد جاء في الشعر على أصله: يُرجى المرء ما لا أن يلاقي ... وتعرض دون أقربه خطوب المعنى: يُرجي المرء ما لن يلاقيه ولن يجده. قوله: (مقتضب) أي: مرتجل، الأساس: ومن المجاز: اقتضب الكلام: ارتجله، واقتضب حديثه: انتزعه واقتطعه.

إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابين عنه، فحين لم ينقل علم أنه إخبار بالغيب على ما هو به فكان معجزة. فإن قلت: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ قلت: إنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وإذا صح عندهم صدقه ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا، استوجبوا العقاب بالنار، ... . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إذ خفاءُ مثله) الضمير راجعٌ إلى "شيء", و"فيما عليه" ظرف "محال" أي: خفاء ما وهو على صفة ذلك الشي المعارض به من الخطر والفخامة محالٌ فيما جرت به العادة. هذا الجواب مبني على قاعدةٍ أصولية. أي: علم أنهم ما أتوا بمثله لأنهم لو أتوا به لتواتر بين العالمين لتوفر الدواعي على نقله, وحين لم ينقل علم عدم الإتيان, فكان الإخبار عنه إخباراً بالغيب. فيكون معجزةً. قوله: (أكثف عدداً) , الأساس: كتف الشئ: كثر مع الالتفاف, وتكاثف عددهم. قوله. (ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة) أي: كيف يترتب على قوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي: إن لم تأتوا بسورةٍ من مثله. قوله: (فَاتَّقُوا النَّارَ) لأن عدم إتيانهم بمثله لا يصح أن يكون سبباً لاتقاء النار: لأنه تقرر أن الشرط سبب للجزاء , على أن الكلام مع المرتابين وهم ينكرون النار فكيف يتقونها؟ وأجاب بأن "فاتقوا" ليس جوابا للشرط المذكور, بل هو منبئ عن شرط محذوفو كما أن اتقاء النار كناية عن ترك العناد, وإليه الإشارة بقوله: "وإذا صح عندهم صدقه, ثم لزموا العناد, استوجبوا العقاب" هذا السؤال والجواب يرد قول الزاعم أن قوله: (فَاتَّقُوا) - صريحا كان أو كناية- جواب لقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) , بل جزاء لشرط محذوف يستدعيه قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ)] البقرة: 23 [.

فقيل لهم: إن استبنتم العجز فاتركوا العناد فوضع (فَاتَّقُوا النَّارَ) موضعه؛ لأنّ اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد، من حيث أنه من نتائجه لأنّ من اتقى النار ترك المعاندة. ونظيره أن يقول الملك لحشمه: إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطى. يريد: فأطيعونى واتبعوا أمرى، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط. وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة. وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن، وتهويل شأن العناد بإنابة اتقاء النار منابه وإبرازه في صورته، مشيعاً ذلك بتهويل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فقيل لهم: إن استبنتم) عطف على قوله "تبين عجزهم" إلى أخره, والفاء مثلها في قوله: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا)] البقرة: 54 [. قول: (لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد) ظاهره يوهم أنه من باب المجاز: لأنه مشعر بأن اتقاء النار ملزوم ترك العناد لقوله: "اتقاء النار لصيقه" أي: لازمه ترك العناد, ثم قوله بعد ذلك: "وهو من باب الكناية" بخلافه لكن الشرط في الكناية التساوي بين الملزوم واللازم فكان كل واحد ملزوم الآخر, ولهذا فسر "لصيقه" بقوله: "ضميمه", ونحوه قولهم: رعينا الغيث. وأما الإمام فقد جعله من إقامة المؤثر مقام الأثر؛ لأن اتقاء النار سبب لترك العناد. قوله: (فائدته الإيجار) لأن أصل المعنى إذا استبنتم العجز فاتركوا العناد الذي يستلزم تركه اتقاء النار: فأنيب (فَاتَّقُوا النَّارَ) مناب المذكور جميعاً, يدل عليه قوله: "يريد فأطيعوني واتبعوا أمري وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط" أي: المذكور جميعاً مرادٌ من قوله: "فاحذروا سخطي", ولو لم يكن كناية بان كان مجازا لم يصح إرادة المجموع. قوله: (وإبرازه في صورته مشيعاً) الضمير في "إبرازه" للعناد, وفي "صورته" لاتقاء النار "مشيعاً" حال من اتقاء النار, والعامل قوله: "إنابة"؛ يريد أن في إيثار الكناية على التصريح فائدتين أخريين:

صفة النار وتفظيع أمرها. والوقود: ما ترفع به النار. وأمّا المصدر فمضموم، وقد جاء فيه الفتح. قال سيبويه: وسمعنا من العرب من يقول: وقدت النار وقوداً عاليا. ثم قال: والوقود أكثر، والوقود الحطب. وقرأ عيسى بن عمر الهمدانىّ - بالضم - تسمية بالمصدر، كما يقال: فلان فخر قومه وزين بلده. ويجوز أن يكون مثل قولك: حياة المصباح السليط، أى ليست حياته إلا به فكأنّ نفس السليط حياته، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إحداهما: تصوير معنى المكني عنه وأن العناد هو النار, والسامع عند ذكر النار يستحضر صورتها فيمتلئ قلبه رعباً وخوفاً, فإنك إذا أردت أن تقول: فلان جواد, قلت: فلان جبان الكلب, مهزولُ الفصيل, فصورت صفة الجود تصويراً بليغاً, فإن جبن الكلب يدل على مشاهدته وجوهاً إثر وجوه, وهي مشعرةٌ بكثرة تردد الضيفان, وهي بكونه مضيافاً, وهو بكونه جوداً. وثانيتهما: التمكن من انضمام قوله: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) الآية إليه تتميماً لذلك التهويل والرعب وترتبه للتصوير. قوله: (الهمداني) قال صاحب "الجامع": همدان بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة: أبو قبيلةٍ واسمه أوشلة بن مالك بن زيدٍ بن ربيعة. قوله: (فلان فخر قومه) أي: الذي يفتخر به قومه: كقولك: ضرب الأمير, أي: مضروبه. قوله: (حياة المصباح السليط) ولا يبعد على هذا أن يكون من باب "رجلٌ عدلٌ"

فإن قلت: صلة «الذي» و «التي» يجب أن تكون قصة معلومة، للمخاطب، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ قلت: لا يمتنع أن يتقدّم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى في سورة التحريم (ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) فإن قلت: فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم، وهاهنا معرّفة؟ قلت: تلك الآية نزلت بمكة، فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة. ثم نزلت هذه بالمدينة مشاراً بها إلى ما عرفوه أوّلاً. فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ؟ قلت: معناه أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران، بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمعنى ليس وقود النار إلا الناس: لأن الناس بمنزلة الحطب, وعلى الأول يجوز أن يكون هناك وقود آخر. قوله: (تلك الآية نزلت بمكة ثم نزلت هذه بالمدينة) , الانتصاف: يعني بآية سورة التحريم (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) لكني لم أقف على خلاف أن سورة التحريم مدنية, والقصة أنها شاهدة بصحة ذلك, والظاهر أن الزمخشري وهم في قوله: إنها مكية. وقلت: يؤيده ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل والحلواء, وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه, فيدنو من إحداهن, فدخل على حفصة بنت عمر رضي الله عنهما" وساقوا الحديث إلى قوله: فنزل (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ)] التحريم: 1 [, وكذلك قوله تعالى بعدها: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التحريم: 9] وإنما نجم النفاق في المدينة.

وبأن غيرها إن أريد إحراق الناس بها أو إحماء الحجارة أو قدت أوّلا بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك - أعاذنا اللَّه منها برحمته الواسعة - توقد بنفس ما يحرق ويحمى بالنار، وبأنها لإفراط حرّها وشدّة ذكائها إذا اتصلت بما لا تشتعل به نار، اشتعلت وارتفع لهبها. فإن قلت: أنار الجحيم كلها موقدة بالناس والحجارة، أم هي نيران شتى منها نار بهذه الصفة؟ قلت: بل هي نيران شتى، منها نار توقد بالناس والحجارة، يدل على ذلك تنكيرها في قوله تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً) [التحريم: 6]، (فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى) [الليل: 14]. ولعل لكفار الجن ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي "جامع الأصول": تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بمكة في شوالٍ سنة عشر من النبوة, وأعرس بها بالمدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة, وتزوج حفصة في سنة ثلاث من الهجرة. قيل: لعل أن تكون هذه السورة مدنية, وهذه الآية وحدها مكية. قلت: لا يجوز على مذهبه: لأنه قال فيما سبق: بلغنا بإسنادٍ صحيح أن كل شئ نزل فيه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) فهو مكي, و (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) فهو مدني, وهذه الآية مصدرة بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) فهو منافٍ لما قيل, ومناقض لقوله, فحينئذٍ تعريف النار إما أن يكون لسماعهم إياها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أهل الكتاب. قوله: (وشدة ذكائها) , المغرب: أصل التركيب يدل على التمام ومنه: ذكاء السن بالمد لنهاية الشباب, وذكا النار بالقصر لتمام اشتعالها. الجوهري: ذكت النار تذكو ذكًا مقصوراً, أي: اشتعلت. وفي "الأساس": ذكت النار تذكو ذكاء, وأصابه ذكاء النار وذكا النار: بالمد والقصر. قوله: (يدل على ذلك تنكيرها) أي: على أن نيران الآخرة نيران شتى. قيل: فيه نظر,

وشياطينهم ناراً وقودها الشياطين، كما أنّ لكفرة الإنس ناراً وقودها هم، جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب. فإن قلت: لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقوداً. قلت: لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا، حيث نحتوها أصناما وجعلوها للَّه أنداداً أو عبدوها من دونه: قال اللَّه تعالى: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [الأنبياء: 98]، وهذه الآية مفسرة لما نحن فيه. فقوله: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) في معنى الناس والحجارة، و (حَصَبُ جَهَنَّمَ) في معنى وقودها. ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون اللَّه أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضارّ عن أنفسهم بمكانهم، جعلها اللَّه عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم، إبلاغا في إيلامهم، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن التنكير في قوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)] التحريم: 6 [لا يدل على تنوع نار الآخرة, وغايته أنه دل على تنوع النار مطلقاً, والجواب من وجهتين: أحدهما: أن النار ناران: نارٌ لغوية وهي المتعارف] عليها [, ونار شرعية وهي نار الآخرة, فإذا توعد المكلف بالنار بادرت الشرعية, والتنكير يدل على نوعية تلك النار. وثانيهما: أن التنويع بحسب من وعد بها, فإن من توعد بها في الآية هم المؤمنون, لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) وفي الثانية الكافرون لقوله: (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى)] الليل: 15 - 16 [. وأيضا دل هذا الحصر على الاختصاص. قوله: (بمكانهم) متعلق بقوله: "يستدفعون" وهو مقابل لقوله: "يستشفعون بهم", والمكان كناية عن مرتبتهم ومنزلتهم. وإنما قيد دفع المضرة به: لان الشافع إنما يدفع عن المشفوع بمكانته ومنزلته عند من يشفع له, أو كناية عن قوتهم وشوكتهم فيدفعون بها عنهم مضرة عدوهم. قوله: (جعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة) الفاء فيه كما في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) للتعقيب والتفسير.

وإغراقاً في تحسيرهم، ونحوهم ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدّة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم. وقيل: هي حجارة الكبريت، وهو تخصيص بغير دليل وذهاب عما هو المعنى الصحيح الواقع المشهود له بمعاني التنزيل (أُعِدَّتْ) هيئت لهم وجعلت عدّة لعذابهم. وقرأ عبد اللَّه، (أعتدت)، من العتاد بمعنى العُدة ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في تحسيرهم) في نسخة الصمصام والمعزي: بالحاء المهملة, وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة, والتخسير: الإهلاك, والتحسير: التلهف على الشيء الفائت. قوله: (وقيل: هي حجارة الكبريت) روى محيي السنة عن ابن عباس وأكثر المفسرين ذلك. وقالوا: لأنها أكثر التهاباً, وهو دليل عظم النار. قال القاضي: إن صحت الرواية فلعل المراد أن الأحجار كلها لتلك كحجارة الكبريت لسائر النيران. وقيل: هذا ابلغ لأن الغرض تعظيم صفة هذه النار, والإيقاد بحجارة الكبريت لا يدل على قوة النار نفسها, أما لو حُمل على سائر الأحجار على أنها توقد إيقاد حجارة الكبريت بلغ النهاية, وفيه أن تلك النار تعلقت في أول أمرها بالحجارة التي طبعها إطفاء النار تعلق النار بالكبريت. قوله: (المشهود له) أي: الذي استشهد له من التنزيل, وهو قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)] الأنبياء: 98 [، ولا دليل لهم من التنزيل ولا من غيرها على إرادة حجارة الكبريت, وهو المراد بقوله: "تخصيص بغي دليل". قوله: (من العتاد بمعنى العدة) , الجوهري: العتاد: العدة, يقال: أخذ للأمر عدته وعتاده، أي: أهبته وآلته. وقال: أعده لأمر كذا, أي: هيأه له. والاستعداد للأمر: التهيؤ له. والأول من. عتد, والثاني من: عدد.

[(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ)]. من عادته عز وعلا في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط، لاكتساب ما يزلف؛ والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب. فإن قلت: من المأمور بقوله تعالى: (وَبَشِّرِ)؟ قلت: يجوز أن يكون رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وأن يكون كل أحد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والتثبيط) يقال: ثبطه عن الأمر تثبيطا: شغله عنه. قوله: (وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر) قال الإمام: القول بالإحباط باطل؛ لأن من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة استحق الثواب الدائم, فإذا أتى بعده بالكفر استحق العقاب الدائم, ثم لا يخلو من أن يوجدا معاً, وهو محال, أو أن يندفعا, وليس زوال الباقي لطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ لقيام الباقي, فيبطل القول بالإحباط, وعند هذا تعين أن يقال: إن العبد لا يستحق على الطاعة ثوابا ولا على المعصية عقاباً استحقاقاً عقلياً واجبا, وهو قول أهل السنة واختيارنا, وبه يحصل الخلاص من ظلمات هذه الورطة. قوله: (بالثواب) هو متعلق بقوله: "ببشارة عباده".

كما قال عليه الصلاة والسلام «بشر المشاءين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة لم يأمر بذلك واحداً بعينه. وإنما كل أحد مأمور به، وهذا الوجه أحسن وأجزل لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به. فإن قلت: علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهى يصح عطفه عليه؟ قلت: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهى يعطف عليه إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين، فهي معطوفة على جمة وصف عقاب الكافرين، كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق. ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: (فَاتَّقُوا) كما تقول ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بشر المشائين إلى المساجد) الحديث اخرجه أبو داود والترمذي. قوله: (ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر) يعني إذا حصلت الجهة الجامعة وقوي شأنها بين المعطوف والمعطوف عليه كما وجدت في هاتين الآيتين وهي شبه التضاد لا يبالي بالاختلاف من حيثية الخبري والطلبي في أجزائهما فإن ذلك إنما يعتبر عند عطف المفرد على المفرد, وأما في العطف الجملي, فيجوز ذلك بالتأويل. هذا تلخيص كلامه, مع أن ظاهر قوله: "هو جملة وصف ثواب المؤمنين" يوهم بتأويل الطلبي بالخبري وليس بذلك؛ لأن الواجب في الموضعين العكس, فإن قوله تعالى (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] الجاثية: 28 [قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا) مجملان واردان على الخطاب فوجب تأويل التفصيل بما يناسبهما من الأمر وجعل الخبري في تأويل الطلبي. قوله: (ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: (فَاتَّقُوا)) قال الخطيب في

يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بنى أسد بإحساني إليهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الإيضاح" بعد أن نقل كلام المصنف: هذا كلامه, وفيه نظرٌ لا يخفى على المتأمل. ثم كتب في الحواشي: لأن قوله: (فَاتَّقُوا) جزاءٌ وما بعده في حكمه, فلهذا امتنع. قلت: هذا سؤال اتفق الناس على وروده, وقدر صاحب "المفتاح": "قُل" قبل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ليكون معطوفاً عليه هرباً من هذا. والجواب عنه: أن كل هذا توهم؛ لأن المصنف لم يجعل قوله: (فَاتَّقُوا) جواباً لقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) حتى يلزم المحذور, وإنما جعله جزاء لشرط محذوف كما قررناه وحققنا القول فيه في قوله: "ولما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرفون أمر النبي صلى الله عليه وسلم, ولا بد من ذلك التقدير لتتم الملازمة: لأن قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا)] البقرة: 23 [يستدعي ذلك؛ لأن المقصود منه إزالة الريب وإثبات صحة ما ادعاه كأنه قيل: وإن كنتم في شك من صحة نبوته وصدق قوله: إن القرآن منزل عليه من عند الله, فأتوا بسورة من مثله, فإن لم تقدروا على ذلك, وأنتم فرسان البلاغة, فقد صح صدقه, وإذا صح صدقه المعاند النار, وبشر يا محمد المصدق بالجنة. ثم إني بعد برهة من الزمان عثرت على تحقيق هذا المقام من جانب الإمام القاضي ناصر الدين تغمده الله برضوانه قال: " (وَبَشِّرِ) عطف على (فَاتَّقُوا) لأنهم إذا لم يأتوا بما يعارضه بعد التحدي ظهر إعجازه, وإذا ظهر ذلك فمن كفر به استوجب العقاب, ومن آمن به استحق الثواب, وذلك يستدعي أن يخوف هؤلاء ويبشر هؤلاء. ثم على هذا التقدير يشتمل العطف على جهات من الحسن والمزايا منها: قرب المعطوف

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من المعطوف عليه, ومنها رعاية الجهة الجامعة الوهمية بين (بَشِّرِ) و (اتَّقُوا) لأنه في معنى أنذروا العقلية لاتفاقهما في المسببية, ومنها: اجتماع ثلاث مقابلات, ومنها حذف العجز من الشطر الأول والصدر من الثاني المؤذن بالإيجاز الذي هو حلية القرآن. وأما عدم اتحاد المسند إليه في (فَاتَّقُوا) و (بَشِّرِ) فمضمحل نظراً إلى هذه الوجوه, على أن الاتحاد حاصل كما قررناه. هذا وإن الوجه الأول أقضى لحق البلاغة وأدعى لتلاؤم النظم، لأن قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) خطابٌ عام يشمل الفريقين: الموافق والمعاند كما سبق, وأن قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ) إلى آخره قوله: (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تفصيله, فقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) إلى قوله: (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) مختص بالفريق المخالف ومضمونة الإنذار, إن قوله: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) مختص بالفريق الموافق, ومضمونه البشارة, كأنه تعالى أوحي إلى حبيبه صلوات الله عليه أن يدعو الناس قاطبة إلى عبادة الله ويرشدهم إلى معرفته, ثم امره ان ينذر من أبي وعاند, ويبشر من آب وعبد, وهذا هو المعتمد, ولهذا قال في الوجه الأول: "إنما المعتمد في العطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين" وقال في الوجه الثاني: "ولك أن تقول: هو معطوف على قوله: فاتقوا", ويعضده قول الشيخ صاحب "الفرائد": هو معطوف على الخبر الذي قبله: لأنه مشتمل على معنى الأمر, كأنه قيل: وأنذر وبشر. ويوافقه ما ذهب إليه صاحب "المفتاح" في قوله تعالى (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)] يس: 54 [قال. غنه خطاب عام لأهل المحشر, ومن قوله: " إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ"] يس: 55 [إلى قوله: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ)] يس: 59 [تفصيل لما أجمله, وأن التقدير: إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر, ومآله إلى معنى: فليمتازوا عنكم يا أهل المحشر إلى الجنة حتى يصح عطف (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ) على قوله: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ).

وفي قراءة زيد بن علي رضي اللَّه عنه: (وَبَشِّرِ) على لفظ المبنىّ للمفعول عطفاً على: (أُعِدَّتْ). والبشارة: الإخبار مما يظهر سرور المخبر به. ومن ثم قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرنى بقدوم فلان فهو حرّ، فبشروه فرادى، عتق أوّلهم، لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين. ولو قال مكان «بشرنى» «أخبرنى» عتقوا جميعاً، لأنهم جميعاً أخبروه. ومنه: البشرة لظاهر الجلد. وتباشير الصبح: ما ظهر من أوائل ضوئه. وأما (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: 21]: فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عطفاً على (أُعِدَّتْ)) فعلى هذا يدخل في حيز الصلة, ويكون بشارة للمؤمنين عن الخلاص عنها من جملة تنكيل الكافرين, فيجتمع لهم التعذيب مع التنوير كما قال في آخر "النساء": "إن الإحسان إلى العدو مما يغم العدو". قوله: (والبشارة: الإخبار بما يظهر سرور المخبر به) , الراغب: بشرت الرجل وأبشرته: أخبرته بسار يبسط بشرة وجهه, وذلك ان النفس إذا سرت انتشر الدم انتشار الماء في الشجرة. وبين هذه الألفاظ فروق, فإن بشرته بالتخفيف عام, وأبشرته نحو أحمدته, وبشرته على التكثير, واستبشر إذا وجد ما يبشره من الفرح, قال تعالى: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ)] آل عمران: 170 [. قوله: (وأما (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فمن العكس) أي: من الاستعارة التهكمية؛ استعار البشارة للنذارة بواسطة اشتراك الضدين من حيث اتصاف كل بمضادة صاحبتها, فنزلت البشارة منزلة النذارة, ثم يل على التبعية: فبشرهم بدل فأنذرهم.

في غيظ المستهزأ به وتألمه واغتمامه، كما يقول الرجل لعدوّه: أبشر بقتل ذرّيتك ونهب مالك. ومنه قوله: فَأعْتَبُوا بِالصَّيْلَمِ والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم. قال الحطيتة: كيْفَ الهِجَاءُ وما تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ ... مِنْ آلِ لَامٍ بظهْرِ الغَيْبِ تَاتِينِي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأعتبوا بالصيلم) أوله: غضبت تميم ان تقتل عامرٌ ... يوم النسار فأعتبوا الصيلم اسم الشاعر: بشر بن أبي خازم. يوم النسار: وقعة كانت لبني أسدٍ وذُبيان على بني جشم بن معاوية, والنسار ماءٌ لبني عامر. فأعتبوا, أي: أزيل العتب, كأشكى في إزالة الشكوى. والصيلم: الداهية والسيف أيضاً. قوله: (كيف الهجاء) البيت, الحطيئة بالهمز: الرجل القصير, وسمي الحطيئة لدمامته وقصره. واللام أيضاً مهموزة. الباء في "بظهر الغيب" للحال, أي: ملتبساً بظهر الغيب, أي. غائبين, والظهر مقحم لتأكيد معنى الغيب كما ورد في الحديث: "أفضل الصداقة ما كان عن ظهر غنى". "تأتيني": خبر "ما تنفك", أي. ما يزال.

والصالحات: كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة، واللام للجنس. فإن قلت: أى فرق بين لام الجنس داخلة على المفرد، وبينها داخلة على المجموع؟ قلت: إذا دخلت ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "كامل التاريخ": وكان من سبب قول الحُطيئة: أن النعمان دعا بحلةٍ من حُلل الملوك وقال للوفود وفيهم أوس بن حارثة بن لأم الطائي: احضروا في غد, فإني مُلبسٌ هذه الحُلة أكرمكم, فلما كان الغد حضروا إلا أوساً فقيل له, فقال: إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء بي أن لا أحضر, إن كنت المراد فسأطلب, فلما جلس النعمان ولم ير أوساً, فطلب وقيل: احضر آمنا مما خفت, فحضر وألبس الحلة, فحسده قوم من أهله وقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاث مئة ناقة فقال. كيف الهجاء .... البيت. قوله: (والصالحات: كل ما استقام من العمال بجليل العقل والكتاب والسنة) , قال القاضي: الصالحات من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه, والتأنيث على تأويل الخصلة أو الخلة, واللام فيها للجنس, وعطف العمل على الإيمان مرتبا للحكم عليها إشعاراً بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين, فإن الإيمان المعبر بالتصديق أسٌّ, والعمل الصالح كالبناء عليه, ولا غناء بأس لا بناء عليه, ولذلك قلما ذُكرا مفردين, وفيه دليلٌ على أنها خارجةٌ عن مسمى الإيمان, إذ الأصلُ ان الشئ لا يعطف على نفسه وما هو داخل فيه.

على المفرد كان صالحا لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به، وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه، وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس، وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه لأن وزانه في تناول الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناول الجنسية، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: قيل ما ذكر الله تعالى الإيمان إلا قرن به الأعمال الصالحة؛ تبينها على أن الاعتقاد لا يغني من دون العمل, فالعلم أس والعمل بناء, ولا غناء للأسِّ ما لم يكن بناءٌ, كما لا بناء ما لم يكن له أسٌّ, ولذلك قيل: لولا العمل لم يطلب العلم, ولولا العلم لم يكن عمل, فإذن حقهما أن يتلازما. قلت: مذهب السلف الصالح والصحابة بخلافه كما نص في "شرح السنة". وأما قوله: لا يعطف على الشئ ما هو داخل فيه, فمنقوص بقوله: "وملائكته وجبريل", وفائدته: الإيذان بان الأعمال الصالحة أنفع الأجزاء وبها كما لها (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ)] فاطر: 10 [أو أن أصل الكلام. وبشر المؤمنين, كما في قوله: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)] الصف: 13 [فجيء بأبسط تعريضاً بالكافرين الذين عاندوا بعد ظهور الحق وهو عجزهم عن المعارضة, ونحوه تعبيرك عن المتقي العارف بقولك: الذي يؤمن ويصلى ويزكي, أي: يفعل الواجبات ويجتنب عن الفواحش. قوله: (صالحاً لا يراد به الجنس) اعلم: ان تعريف الجنس عنده بمنزلة المطلق, أي: اللفظ الشائع على جنسه, فكما أن المطلق يصح حمله على الحقيقة من حيث هي هي, وعلى بعض

والجمعية في جمل الجنس لا في وحدانه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحقيقة، وعلى كل بحسب التقييد وعدمه، كذلك هذا التعريف يدل عليه قوله: "صالحاً لأن يراد به الجنس، وأن يراد به بعضه"، وتصريحه في قوله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228]: اللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك. فقوله: "صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به" تقرير لبيان الاستغراق؛ لأن "إلى" لانتهاء الغاية فلا بد من الابتداء. يعني: إذا دخلت على المفرد وقصد الاستغراق تناول َفرداً فرداً من الحقيقة إلى أن يستغرقها إذا لم تنتهض قرينةٌ لإرادة البعض، وأما إذا انتهضت القرينة حمل على بعض تلك الحقيقية بحسب الإقتضاء إلى أن يحمل على الواحد منها، وكذا إذا دخلت على المجموع، لكن يفترق الحكم بحسب الاعتبار؛ لأن المجموع إذا أريد به الشمول والاستغراق كالمفرد لا يكون حقيقة فيه بل مجازاً؛ إطلاقاً للجمع على الجنس، قال البزدوي: قولك: والله لا أتزوج النساء، ولا أكلم العبيد وبني آدم، إنَّ ذلك يقع على الأقل ويحتمل الكل؛ لأن هذا جمعٌ صار مجازاً عن اسم الجنس، وبقي معنى الجمع من وجهٍ في الجنس، فكان الجنس أولى. تم كلامه. وإذا أريد بالمجموع البعض ينتهي المراد إلى أقل ما يطلق عليه اسم الجمع، فعلى هذا اللفظ المجموع المستغرق للجنس بحسب الجموع وحدانه الجموع، فلا يدخل تحته إلا ما فيه

فإن قلت: فما المراد بهذا المجموع مع اللام؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجنسية من الجموع، فلا يبعد على هذا أن يكون حقيقة كالمفرد، فقوله: "وزانه في تناول الجمعية في الجنس" معناه ما يعتبر فيه معني الجموع في الجنس، وذلك أن الجنس من حيث هو هو لا متعدد ولا لا متعدد لكن يتحقق مع كل منهما، فتحققه مع المتعدد يكون تارة باعتبار الأفراد وأخرى باعتبار الجموع. والحاصل: أن وزان اللفظ المجموع المحلى باللام في تناوله الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناوله الجنسية، فكما يصح أن يطلق المفرد ويراد به جميع ما فيه الجنسية بحسب أفراده، وأن يراد بعض ما فيه الجنسية، كذا يصح أن يطلق الجمع ويراد به جميع ما فيه الجمعية في الجنس وأن يراد بعض ذلك. فإذن لا يدخل في هذا الاعتبار الواحد، إذ الجمعية في جمل الجنس لا في وحدانه، فعلى هذا ينبغي أن يقدر بعد قوله: "صلح أن يراد به جميع الجنس لا إلى الواحد" بقرينة المذكور حتى يصح التعليل بقوله: "لأن وزانه" إلى آخره، وينطبق عليه قول صاحب"المفتاح": الاستغراق في المفرد أشمل منه في الجمع، ويؤيده قول ابن عباس في قوله تعالى: (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ) [البقرة: 285]: إن كتابه أكثر من كتبه. قوله: (فما المراد بهذا المجموع) الفاء مسبب عن المقدم ذكره، أي: إذا كانت اللام داخلة على المجموع ويصلح أن يراد جميع الجنس وأن يراد بعضه فما المراد بقوله: "وعملوا الصالحات"؟ إن كان جميع الجنس، فليس ذلك من وسع المكلف، وإن كان البعض فما المخصص، أي: المقيد؟ وأجاب: إن المخصص على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف، فمن ليس له مال فلا تجب عليه الزكاة، ومن لم يكن له استطاعة لم يجب عليه الحج، وكذا المسافر والمريض والصبي والمجنون علي هذا.

قلت: الجملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف. والجنة: البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه. قال زهير: تَسقِى جَنَّةً سُحُقَا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الجملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين) فالأعمال كالجنس تشمل الصحيحة وغيرها، والصحيحة إلى آخره كالفصل، وبالصحيحة خرجت الفاسدة سواء كانت في الدين أم لا، وبالمستقيمة خرجت من الأعمال الصحيحة ما لا تعلق لها بالدين. قوله: (في مواجب التكليف) أي: مساقطه، المغرب: الوجوب: اللزوم، يقلب: وجب البيع، ويقال: أوجب الرجل: إذا عمل ما تجب به الجنة أو النار. ويقال للحسنة والسيئة: موجبة، والوجبة: السقوط، يقال: وجب الحائط. عن مسلم عن جابر قال: سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم: ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك به دخل النار". قوله: (تسقي) تمامه. كأن عيني في غربي مقتلة ... من النواضح تسقي جنة سحقا "في غربي"خبر كأن، رجل مقتل: مجرب، والمقتلة: الناقة المرناطة المذللة. والغربان:

أي نخلاً طوالاً. والتركيب دائر على معنى الستر، وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرّة، من مصدر جنه إذا ستره، كأنها سترة واحدة لفرط التفافها. وسميت دار الثواب «جنة» لما فيها من الجنان. فإن قلت: الجنة مخلوقة أم لا؟ قلت: قد اختلف في ذلك. والذي يقول إنها مخلوقة يستدل بسكنى آدم وحواء الجنة وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الدلوان الضخمان. والناضج: البعير يُستقى عليه. وتخصيص النواضح والمقتلة لأنها تخرج الدلو ملآن بخلاف الصعبة فإنها تنفر فيسيل الماء من نواحي الغرب فلا يبقى منه إلا صبابة. والسحوق من النخيل الطويلة والجمع سحق، وأراد بالجنة النخل؛ لأنها أحوج إلى الماء، والطوال منها أكثر احتياجاً من القصار، وفي قوله: "في غربي" تجريدية. قوله: (سميت بالجنة) أي: سميت الجنة وهي البستان (بالجنة التي هي المرة من مصدر جنة) لما بينهما من مناسبة السترة الواحدة؛ وذلك أن البستان إذا كبرت أشجارها وتقاربت أغصانها والتفت بعضها ببعض صارت كأنها سترة واحدة. قوله: (لما فيها من الجنان) تعليل للتسمية، يعني سميت دار الثواب بالجنة وإن كانت مشتملة على أنواع من النعم سوى الأشجار المتكاثفة لكثرة جنانها، كما أن دار العقاب سميت بالنار لكونها أعظم أنواع العقاب، أو روعيت في هذه التسمية تلك السترة الواحدة أيضاً، فإن دار الثواب سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر "جَنَّه" لجنانها المتلاصقة المتباينة من غير فرج، فصيرت كأنها سترة واحدة. قوله: (على نهج الأسماء الغالبة) وذلك: أن الجنة كانت تطلق على كل بستان متكاثفٍ

كالنبي والرسول والكتاب ونحوها. فان قلت: ما معنى جمع الجنة وتنكيرها؟ قلت: الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أغصان أشجارها، ثم غلبت على دار الثواب. وإنما قال: "اللاحقة بالأعلام" لكونها غير لازمة اللام. وتحقيق القول: أنها منقولة شرعية على سبيل التغليب، وإنما تغلب إذا كانت موجودة معهودة كالأسماء الغالبة، كذلك اسم النار منقولة لدار العقاب على سبيل الغلبة، وإن اشتملت على الزمهرير والمهل والضريع وغير ذلك، ولولا ذلك لما كان يغني عن المذكورات طلب الوقاية عن مطلق النار. قوله: (كالنبي والرسول والكتاب) أي: القرآن، يعني في عرف الشرع لا العرف العام بدليل قوله: "وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة". قوله: (الجنة) أي: الجنة اسمٌ لدار الثواب كلها كما سبق أنها سترة واحدة فجئ بها مجموعة ليدل على تعددها، ومنكرة ليدل على تنوعها واختلافها، لأن كل عدد من تلك الأعداد لجماعة، فتختلف الجنان بحسب اختلاف استحقاق ساكنيها. قوله: "مراتب" منصوبة على المصدرية من مرتبة. قال القاضي: الجنان على ما ذكره ابن عباس سبع: الفردوس، والعدان، والنعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون، في كل واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة علي حسب تفاوت الأعمال والعمال، لا لذاته، فإنه لا يكافئ النعم السابقة، فضلا من أن يقتضي ثوابا وجزاء فيما يستقبل، بل بجعل

فإن قلت: أما يشترط في استحقاق الثواب بالإيمان والعمل الصالح أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر وأن لا يندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية؟ فهلا شرط ذلك؟ قلت: لما جعل الثواب مستحقا بالإيمان والعمل الصالح، والبشارة مختصة بمن يتولاهما، وركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء، إذا لم يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه، وأنه لا يبقى مع وجود مفسده إحساناً، وأعلم بقوله تعالى لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم وهو أكرم الناس عليه وأعزهم: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: 65]، وقال تعالى المؤمنين: (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ) [الحجرات: 2] كان اشتراط حفظهما من الإحباط والندم كالداخل تحت الذكر. فان قلت: كيف صورة جرى الأنهار من تحتها؟ قلت: كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشارع ومقتضى وعده، ولا على الإطلاق، بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو مؤمن لقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) [البقرة: 217] وقوله تعالى لنبيه صلوات الله عليه: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: 65] ونحوهما، ولعله تعالى لم يقيدها هنا استغناءً بها. قوله: (كما ترى الأشجار النابتة) هذا تشبيه صورة ما لم يعرف ولم يشاهد بصورة ما تعورف وشوهد، وإلا فأين المشبه به أن يكون من المشبه! قال صاحب "المفتاح": كما إذ قيل لك: ما لون عمامتك؟ قلت: كلون هذه، وأشرت إلى عمامة لديك. والشرط في المشبه به أن يكون أعرف من المشبه وإن لم يكن أقوي منه في الوجه، وعليه قوله: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: جوابه غير مطابق للسؤال؛ سأل عن كيفية جرى الأنهار تحت الأشجار وأجاب عن الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار. قلت: في السؤال والجواب اختصار، وتحريره أن يقال: إن قوله تعالى: (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [البقرة: 25] "من" فيه لابتداء الغاية، وذلك يقتضي أن يكون ابتداء الجري من تحت أشجار الجنات وأصولها، وهذا على غير ما هو عليه المشاهد. وأجاب بجوابين: أحدهما: أن "تحتها" صفة موصوف محذوف، والمعنى: جنات تجري الأنهار من مكان كائن تحت الأشجار كما تري الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار. وثانيهما: أنه لا يبعد ذلك، لأن أوصاف الجنة على خلاف المشاهد كما روى عن مسروق: أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود. وقد ذكر الوجهين في تفسير قوله تعالى: (تَحْتَكِ سَرِيًّا) [مريم: 24] وقال: في أحد الوجهين قيل: تحتها أسفل من مكانها كقوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [البقرة: 25].

وعن مسروق: أن أنهار الجنة تجرى في غير أخدود. وأنزه البساتين وأكرمها منظراً ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها مطردة. ولولا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط، حتى يجرى فيها الماء، وإلا كان الأنس الأعظم فائتا، والسرور الأوفر مفقوداً، وكانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها، لما جاء اللَّه تعالى بذكر الجنات مشفوعا بذكر الأنهار الجارية من تحتها مسوقين على قرن واحد كالشيئين لا بد لأحدهما من صاحبه، ولما قدّمه على سائر نعوتها. والنهر: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر. يقال لبردى: نهر دمشق، وللنيل: نهر مصر. واللغة العالية «النهر» بفتح الهاء. ومدار التركيب على السعة، وإسناد الجري إلى الأنهار من الإسناد المجازى كقولهم: بنو فلان يطؤهم الطريق، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من غير أخدود)، الجوهري: هو شق في الأرض مستطيل. قوله: (لما جاء الله) جواب "لولا". قوله: (مشفوعاً) صح بغير إلا عن المعزى. قوله: (واللغة العالية)، المغرب: العالية ما فوق نجد وتهامة. وقيل: العالية: الفصيحة التي كثر استعمالها في كلام الفحصاء. الأساس: هذا شعرٌ علوي، أي: عالي الطبقة. قوله: (يطؤهم الطريق) أي: يقصدهم العفاة، وهو كناية عن وجودهم، والإسناد مجازي على نحو: طريق سائر: لأنه لما كثر في الطريق وطء العفاة كأنها هي التي تطؤهم.

وصيد: عليه يومان. فإن قلت: لم نكرت الجنات وعرّفت الأنهار. قلت: أما تنكير الجنات فقد ذكر. وأما تعريف الأنهار فأن يراد الجنس، كما تقول: لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه، تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب. أو يراد أنهارها، فعوّض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله: (وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْباً) [مريم: 4]؛ أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله: (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) - الآية [محمد: 15]. وقوله (كُلَّما رُزِقُوا) لا يخلو من أن يكون صفة ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وصيد عليه يومان) أصله صيد الوحوش على الفرس مدة يومين، أسند الفعل إلى الظرف على المجاز. قوله: (وأما تنكير الجنات فقد ذكر) أنها نكرت ليدل على تنوعها واختلافها بحسب استحقاق ساكنيها، وأما تعريف الأنهار فقد ذكر في فائدتها وجوها ثلاثة: أحدها: أن المراد بالتعريف الجنس؛ ليشير بها إلى ما هو حاضر في ذهن المخاطب. وأنت تعلم أن الشيء لا يكون حاضراً في الذهن إلا أن يكون عظيم الخطر معقودا به الهمم، أي: تلك الأنهار التي عرفت أنها النعمة العظمي واللذة الكبرى، فإن الرياض وإن كانت آنق شيء لا تبهج النفس حتى تكون بها الأنهار كما سبق. وثانيها: أن ينبه على أن هذه الأنهار المتعددة لتلك الجنان المتنوعة بحسب التوزيع كقولهم: ركبوا خيولهم. وثالثها: ليعلم أن هناك أنهارا معهودة بين المخاطب والمخاطب. والمراد إحضارها فلا بد من الإشارة إليها.

لأنه لما قيل: (أن لهم جناتٍ)؛ لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا، أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس؟ فقيل إنّ ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا، أى أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا اللَّه. فان قلت: ما موقع مِنْ ثَمَرَةٍ؟ قلت: هو كقولك: كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئا حمدتك. فموقع (مِنْ ثَمَرَةٍ) موقع قولك من الرمان، كأنه قيل: كلما رزقوا من الجنات من أى ثمرة كانت من تفاحها أو رمّانها أو عنبها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك. فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأنّ الرزق قد ابتدئ من الجنات، والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة. وتنزيله تنزيل أن تقول: رزقني فلان، فيقال لك: من أين؟ فتقول: من بستانه، فيقال: من أى ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من الرمّان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قيل: (أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ)) قوله: "أن" يروى بالفتح على الحكاية وهو الوجه. قوله: (فـ"من" الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية) وعلى ما قدره متعلقتان بـ"رزقوا". وقال القاضي: وكلتاهما واقعتان موقع الحال، وكلما نصب على الظرف، "ورزقا" مفعول به، وصاحب الحال الأولى "رزقا"، والثانية ضمير الرزق المستكن فى الحال. والمعنى كل حين رزقوا مرزوقاً مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة، قيد الرزق بكونه مبتدأ من الجنات، وابتداؤه منها بابتدائه من ثمرة فيها. قوله: (وتنزيله) التنزيل: حط الكلام درجة درجةّ، فكأن أصله كان شيئاً آخر فنزلت إلى هذه المرتبة. قال في "النهاية": نزلت عن الأمر: إذا تركته، كأنك كنت مستعلياً عليه، وفي الحديث: أن أبا بكر رضي الله عنه "أنزله أبا" أي: جعل الجد في منزلة الأب وأعطاه نصيبه من الميراث.

وتحريره أن (رزقوا) جعل مطلقا مبتدأ من ضمير الجنات، ثم جعل مقيدا بالابتداء من ضمير الجنات، مبتدأ من (ثمرةٍ)، وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة على هذا التفسير، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار. ووجه آخر: وهو أن يكون (مِنْ ثَمَرَةٍ) بيانا على منهاج قولك: رأيت منك أسداً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتحريره)، الأساس: حرر الكتاب: حسنة وخلصه بإقامة حروفه وإصلاح سقطه. فإن قلت: ما معنى قوله أولا: "موقعه موقع قولك من الرمان" ثم ثانيا: "وتنزيله تنزيل أن تقول: رزقني فلان" وثالثا: "تحريره: أن تقول (رُزِقُوا) جعل"؟ قلت: الأول لبيان الموقع وكونه صفة الفعل، والثاني: لبيان المعني وأن مرجع "من" الابتدائية على تقدير السؤال والجواب. والثالث: لبيان خلاصة المعنى وزبدته. قوله: (وليس المراد بالثمرة التفاحة ... على هذا التفسير) أي: على أن تكون "من" ابتدائية في (مِنْ ثَمَرَةٍ) لأن "رزقا" هو بمعنى مرزوقا، وهو أعم من أن يكون من الجنة أو من مكان غيرها، ومن أن يكون ثمرة أو غيرها من المأكولات، فخص عموم الأمكنة بقوله: (مِنْهَا) وعموم المأكولات بقوله: (مِنْ ثَمَرَةٍ) لكن بقي عاما في هذا الجنس، فلا وجه لتخصيصها بثمرة دون ثمرة فضلا عن أن تكون جناه واحدة. وفي نظيرة بقوله: "رزقني فلان، فيقال لك: من أين؟ فتقول: من بستانه، فيقال: من أي ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من الرمان" إيمان ألى هذا المعنى فقوله: "من الرمان" بيان للنوع، ويبعد أن يجاب عن قوله: من أي ثمرة بقوله: من الرمان الفذ، إذا ليس السؤال عن العدد. قوله: (رأيت منك أسداً) يعني هو من باب التجريد وهو: أن ينتزع من ذي صفةٍ آخر مثله فيها، إيهاما لكمالها فيه، كأنك جردت من المخاطب شيئا يشبه الأسد وهو نفسه. كذا هنا

تريد أنت أسد. وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار، والجنات الواحدة. فإن قلت: كيف قيل (هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ)؟ وكيف تكون ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات الذي رزقوه في الدنيا؟ قلت: معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل. وشبهه بدليل قوله (وأتوا به متشابهاً)، وهذا كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جرَّد من ثمرة رزقاً وهو هي، فيكون رزقاً أخص من "ثمرة"؛ لأن الثمرة ذات أوصاف فانتزع منها وصف المرزوقية، أي: التي يقع الأكل عليها لكمال هذا المعنى فيه، فالرزق على هذا مخرج من قوله: (مِنْ ثَمَرَةٍ) وعلى الأول بالعكس. ولهذا لم يجز أن يراد على الأول بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمان الفذ، وجاز ذلك على الثاني: "والجناة الواحدة" إشارة إلى ذلك. قوله: (وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار والجناة الواحدة) لأن قوله: (مِنْ ثَمَرَةٍ) يدل على نوع من الثمار، فانتزع منها ما وقع عليه اسم الرزق، أي: الأكل، فيصح أن يراد بها التفاحة الواحدة، ويصح أيضا أن يراد بها النوع من الثمار، وذلك أن تخصيص الثمرة التي مدلولها النوع من أنواع الثمار إما باعتبار تعيين النوع عن الشخص كما في قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) [النور: 45] قال صاحب "المفتاح": أي: نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو من ماءٍ مخصوصٍ وهي النطفة. قوله: (والجناة)، الجوهري: الجنى: ما يجتنى من الشجرة، يقال: أتانا بجناةٍ طيبةٍ لكل ما اجتنى. قوله: (كأن ذاتَه ذاتُه) أي: هو تشبيهٌ بحذف الأداة ووجهه نحو قولك: زيدٌ أسد. قال الإمام: لما اتحدا في الحقيقة وإن تغايراً بالعدد صح أن يقال: هذا هو ذاك؛ لأن الوحدة النوعية لا تنافيها الكثرة بالشخص.

فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: (وَأُتُوا بِهِ)؟ قلت: إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً لأنّ قوله: (هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ) انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين. ونظيره قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما) [النساء: 135]، أي: بجنسى الغنى والفقير لدلالة قوله: غنياً أو فقيراً على الجنسين. ولو رجع الضمير إلى المتكلم به لقيل أولى به على التوحيد. فإن قلت: لأى غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة، وما بال ثمر الجنة لم يكن أجناسا أخر؟ قلت: لأنّ الإنسان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: هذا إشارة الى نوع ما رزقوا، كقولك مشيراً إلى نهر جار: هذا الماء لا ينقطع، فإنك لا تعني به العين المشاهد منه بل النوع المعلوم المستمر بتعاقب جريانه وإن كانت الإشارة إلى عينه. وقال صاحب"الفرائد": الإشارة بقوله: "هذا" إلى النوع فلا حاجة إلى التأويل الذي ذكره. وقلت: قوله تعالى (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) يخوجه إلى التأويل؛ لأنه اعتراض يقرر أمر المعترض فيه، أو حال مقيد، وإليه الإشارة بقوله: "بدليل قوله: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) ". قوله: (لأن قوله: (هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين) أي: المشبه والمشبه به مشتملان على معنى المرزوق في الدارين؛ يعني من أراد أن يعبر عن قوله: هذا الذي رزقنا في الآخرة مثل الذي رزقنا في الدنيا بلفظ جامع له أن يقول: المرزوق في الدنيا والآخرة، وهذا الطريق في البيان يسمى بالكناية الإيمائية، فالضمير المفرد راجع إلى المفهوم الواحد الذي تضمنه اللفظان، فلو رجع إلى الملفوظ وهو المشبه والمشبه به لقيل: وأتوا بهما، ونظيره في رجوع الضمير إلى المعنى دون اللفظ قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) [النساء: 135] إذ لو اعتبر اللفظ لقيل: "أولى به" على الأفراد؛ لأن الضمير في الشرط

بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد وتقدّم له معه ألف، ورأى فيه مزية ظاهرة، وفضيلة بينة، وتفاوتا بينه وبين ما عهد بليغاً، أفرط ابتهاجه واغتباطه، وطال استعجابه واستغرابه، وتبين كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار الغبطة به. ولو كان جنساً لم يعهده وإن كان فائقا، حسب أنّ ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك، فلا يتبين موقع النعمة حق التبين. فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها في الحجم، وأن الكبرى لا تفضل عن حدّ البطيخة الصغيرة، ثم يبصرون رمّانة الجنة تشبع السكن، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو قوله: "إن يكن" راجع إلى المشهود عليه في قوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ) أى: المشهود عليه (غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) ليتطابق الشرط والجزاء، لكن لما كان المانع من الشهادة على الأقرباء غالباً إما خوف الفقر عليهم إذا كانوا أغنياء، أو تضررهم بها إذا كانوا فقراء عم الصفتين بتثنية الضمير، أي: الله أولى بجنس المتصف بصفة الغني، وبجنس المتصف بصفة الفقر، سواء كان مشهوداً عليه أو غيره، وأعلم بمصالحه وبما ينفعه، فيدخل في هذا العالم المشهود عليه دخولاً أولياً، وهذا أيضاً كناية إيمائية. يدل على العموم قوله: "بجنسي الغني والفقير". قوله: (مزية)، الجوهري: المزية الفضيلة ولا ينبني منها فعل. وفي "حاشية الصحاح": يقال: أمزيته عليه، أي: فضلته. الأساس: تميزت علينا: تفضلت، أي: رأيت لك الفضل علينا، ومزيت فلانا فضلته. قوله: (وتبين كنه النعمة فيه) فاعله الإنسان، الجوهري: تبين الشيء: ظهر، وتبينته أنا. قوله: (تشبع السكن)، النهاية: السكن بفتح السين وسكون الكاف: أهل البيت، جمع ساكن كصاحب وصحب.

والنبقة من نبق الدنيا في حجم الفلكة، ثم يرون نبق الجنة كقلال هجر، كما رأوا ظل الشجرة من شجر الدنيا وقدر امتداده، ثم يرون الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه، كان ذلك أبين للفضل، وأظهر للمزية، وأجلب للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما. وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهى الأمر وتمادى الحال في ظهور المزية وتمام الفضيلة، وعلى أنّ ذلك التفاوت العظيم .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والنبقة)، النهاية: النبق بفتح النون وكسر الباء، وقد يسكن: ثمر السدر، واحدته نبقة. أشبه شيء بالعناب قبل أن تشد حمرته. قوله: (حجم الفلكة)، الجوهري: الفلكة المغزل سميت لاستدارتها. قول: (كفلان هجر)، المغرب: القلة: حب عظيم، وهي معرفة بالحجاز والشام، وعن الأزهري: تأخذ القلة مزادة كبيرة، وتملأ الراوية قلتين، وأراها سميت قلالاً؛ لأنها تقل، أي: ترفع إذا ملئت. الجوهري: هجر: مذكر مصروف، اسم بلد. قوله: (يسير الراكب) عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مئة عام لا يقطعها" أخرجه البخاري ومسلم. ولثبوت هذا المشبه به عن الأثبات الثقاب وكونه أعرف من المشبه أوقعه مشبها به في قوله: "كما رأوا" إذ التقدير: فحين أبصروا الرمانة والنبقة رؤية مثل رؤيتهم ظل الشجرة.

هو الذي يستملي تعجبهم، ويستدعى تبجحهم في كل أوان. عن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وأنهارها تجرى في غير أخدود، والعنقود اثنتا عشرة ذراعاً. ويجوز أن يرجع الضمير في: (وأُتُوا بِهِ) إلى الرزق، كما أن هذا إشارة إليه، ويكون المعنى: أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانساً في نفسه، كما يحكى عن الحسن: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل، فيقول الملك: كل، فاللون واحد والطعم مختلف. وعنه صلى اللَّه عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده» إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدّل اللَّه مكانها مثلها» فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك. والتفسير الأوّل هو هو. فإن قلت: كيف موقع قوله: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً) من نظم الكلام؟ قلت: هو كقولك: فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل. ورأى من الرأى كذا وكان صوابا. ومنه قوله تعالى: (وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: 34]، وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يستملي)، الجوهري: يقال: استمليت الكتاب: سألته أن يملى علي. قوله: (تبجحهم) التبجح: الفرح، والصحفة. كالصعقة، والجمع صحاف. قواه: (متجانساً في نفسه) أي: يجانس بعضه بعضاً، ولا يجانس ثمر الدنيا، فعلى هذا (مِنْ ثَمَرَةٍ) بيان "رزقاً". قوله: (هو هو) أي: هو الكامل المعلوم كقوله:

والمراد بتطهير الأزواج: أن طهرن مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة، وما لا يختص بهنّ من الأقذار والأدناس. ويجوز لمجيئه مطلقاً: أن يدخل تحته الطهر من دنس الطباع وطبع الأخلاق الذي عليه نساء الدنيا، مما يكتسبن بأنفسهنّ، ومما يأخذنه من أعراق السوء والمناصب الرديئة والمناشئ المفسدة، ومن سائر عيوبهنّ ومثالبهنّ وخبثهنّ وكيدهنّ. فإن قلت: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنا أبو النجم وشِعري شعري قال القاضي: والأول أظهر لمحافظته على عموم (كُلَّمَا)، فإنه يدل على ترديدهم هذا القول كل مرة رزقوا، فلا يصح في الوجه الثاني هذا القول إذا أتوا به أول مرة، ولأن الداعي لهم إلى ذلك فرط استغرابهم، وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة. وقلت: ويفوت أيضاً على الثاني غرض الاستئناس وفائدة الاستئناف، وقد مر أن موقع "كلما" إما صفة جناتٍ، أو جملةٌ مستأنفة كما قدره: "أثمار الجنات أشباه ثمار الدنيا أم أجناس أخر"، ومن المقرر في علم المعاني حسن موقع الاستئناف في الكلام، وإنما يظهر حسنه على الوجه الأول لانقطاعه لفظاً. قوله: (أعراق السوء)، الأساس: فلان معرقٌ له في الكرم أو اللؤم وهو عريق فيه، وتداركته أعراق صدق أو سوء. قوله: (والمناصب)، الأساس: ومن المجاز: هو يرجع إلى منصب صدق ونصاب صدق، وهو أصله الذي نصب به وركب فيه، ومنه نصاب السكين؛ لأنها رُكِّبَت فيه.

فهلا جاءت الصفة مجموعة كما في الموصوف؟ قلت: هما لغتان فصيحتان؛ يقال: النساء فعلن، وهنّ فاعلات وفواعل، والنساء فعلت، وهي فاعلة. ومنه بيت الحماسة: وإذَا العَذَارَى بِالدُّخَانِ تَقَنَّعَتْ ... واسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فملَّتِ والمعنى وجماعة أزواج مطهرة. وقرأ زيد بن على: (مطهرات) وقرأ عبيد بن عمير: مطهرة، بمعنى متطهرة. وفي كلام بعض العرب: ما أحوجنى إلى بيت اللَّه. فأطهر به أطهرة. أى فأتطهر به تطهرة. فإن قلت: هلا قيل طاهرة؟ قلت: في ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما الموصوف) أي كما الموصوف مجموعٌ، فـ"ما" كافةٌ مُهيئةٌ لدخول الكاف على الكافة. قوله: (وإذا العذارى بالدخان) البيت المرزوقي: العذارى جمع عذراء يقول: وإذا أبكار النساء صبرت على دخان النار صار كالقناع لوجهها، ولم تصبر على إدراك ما في القدور فشوت في الملة على قدر ما تعلل نفسها به من اللحم لدفع ضرر الجوع المفرط من اشتداد السنة. خصت العذارى بالذكر لفرط حيائهن ولتصونهن عن كثير مما يبتذل فيه غيرهن، وجعل نصب القدور مفعول "استعجلت"على السعة. وجواب إذا في البيت الذي يليه: دارت بأرزاق العفاة مغالق ... بيدي من قمع العشار الجلة المغالق: القداح في الميسر. والقمع: جمع قمعه وهي القطعة من السنام، يقال: سنام قمع، أي: عظيم. والجلة-بكسر الجيم-من الإبل: المسان، وهو جمع جليل كصبي وصبية. يقول: إذا صار الزمان كذا دارت القداح في الميسر بيدي لإقامة أرزاق الطلاب من أسنمة النوق السمان الكبار الحوامل التي قرب عهدها بوضع الحمل. وسميت القداح مغالق لأن الجزور يغلق عندها ويهلك بها.

(مطهرة) فخامة لصفتهنّ ليست في طاهرة، وهي الإشعار بأن مطهراً طهرهنّ. وليس ذلك إلا اللَّه عزّ وجلّ المريد بعباده الصالحين أن يخوّلهم كلّ مزية فيما أعدّ لهم. والخلد: الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع. قال اللَّه تعالى: (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ، أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) [الأنبياء: 34]. وقال امرؤ القيس: ألَا انْعَمْ صَبَاحاً أيُّهَا الطَّلَلُ البَالِى ... وهَلْ يَنْعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالى! وهَلْ يَنْعَمَنْ إلّا سَعِيدٌ مُخَلّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ مَا يَبِيتُ بأوْجَالِ! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والبقاء اللازم الذي لا ينقطع) هذا مذهبه، واستدل به على خلود أهل الكبائر في النار، ويقيده في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) [النساء: 93]. على أن ابن جني نقل عن أحمد بن يحيى: الخلد: داخل القلب، واستدل بقول امرئ القيس: وهل ينعمن إلا سعيد مخلد يعني به من يلبس الخلد: السوار والقرط. أي: الصبي والصبية يدل عليه قوله: قليل الهموم لا يبيت بأوجال وأنشد في معناه: تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضي منها وما يتوقع

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: والخلد والخلود في الأصل: الثبات المديد دام أم لم يدم، ولذلك قيل للأثافي والأحجار: خوالد، ولو كان وضعه للدوام كان التقييد بالتأبيد في قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [النساء: 57] لغواً، واستعماله حيث لا دوام كقولهم: وقف مخلد، يوجب اشتراكاً أو مجازاً. فإن قيل: الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية للاستحالات المؤدية إلى الانفكاك والانحلال، فكيف يعقل خلودها؟ قلنا: إنه تعالى وتعظم يعيدها بحيث لا يعتورها الاستحالة، بل يجعل أجزاءها متفاوتة في الكيفية متساوية في القوة لا يقوى شيء منها على إحالة الآخر، متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن شيء كما يشاهد في بعض المعادن. هذا وإن قياس ذلك العالم على ما نجده ونشاهده، من نقص العقل وضعف البصيرة. وقد ذكر الراغب نحواً من هذا، ثم قال: ليس لهذا القول وجه إلا التوقيف ولا مدخل للاجتهاد فيه، والذي يستبعده المتفلسفون هو أنهم يريدون أن يتصوروا أبداناً متناولة لأطعمة لا استحالة فيها ولا تغير لها، ولا يكون منها فضولات، وتصور ذلك محال. وذلك أن التصور هو إدراك الوهم ما أدركه الحس، وما لا يدرك الحس جزءه ولا كله كيف يمكنه تصوره؟ ولو كان للإنسان سبيل إلى تصور ذلك لما قال تعالى: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة: 17]، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخبراً عن الله تعالى: "أعددت

[(إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ)]. سيقت هذه الآية لبيان أنّ ما استنكره الجهلة والسفهاء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر علي قلب بشر". والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وقلت: اعلم أن قوله: (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تكميل في غاية من الحسن ونهاية من الكمال، وذلك أن النعم وإن جلت منزلتها، والترفه وإن عظمت رفعته لا يتم ولا يكمل إذا تصور انقطاعها وتوهم زوالها، وأما إذا علم أنها باقية دائمة يزيد بها الابتهاج ويتم الفرح فلا ينغص ذلك العيش، ولا يكدر ذلك الصفو، والى هذا المعنى ينظر قول امرئ القيس: "ألا انعم صباحاً" البيتين. انعم صباحاً: كلمة تحية من: أنعم ينعم؛ إذا طاب عيشه، أي: طاب عيشك في الصباح، وإنما خص الصباح به؛ لأن الغارات والمكاره تقع صباحا. الأوجال: جمع وجل وهو الخوف، والعصر: الدهر. يخاطب الطلل الدارس من ديار المحبوبة بالنعم والطيب ثم قال: وكيف ينعم من كان في زمن الفراق والخلو من الأهل والأحباب! وهل ينعمن إلا سعيد مخلد آمناً من المخاوف والآفات! ولا يكون ذلك إلا في دار الخلد للمؤمنين، اللهم اجعلنا من زمرة الداخلين فيها. قوله: (سيقت هذه الآية) أي: قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي) قال الإمام: إنه تعالى لما بين

وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل- ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من قبل أنّ التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهم من المشاهد. فان كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن القرآن معجزٌ أتى بشبهةٍ أوردها الكفار قدحاً في ذلك وأجاب عنها، وتقرير الشبهة: أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت، وهذه الأشياء لا تليق بكلام البلغاء فضلاً عن كلام الله المجيد. وأجاب: إن صغر هذه الأشياء لا يقدح في البلاغة إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة. والمؤلف وإن لم يصرح بهذا المعني لكن أومى إليه في كلامه، فعلى هذا نظم هذه الآية بما قبلها نظم قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) [البقرة: 6] في كونها جملة مستطردة كما ذكره الإمام. وقلت: تلك في أحوالهم وهذه في أقوالهم. قوله: (أو أهل العناد) أي: المستنكرون طائفتان: طائفة لا يعلمون، وأخرى يعلمون ولكن يعاندون. قوله: (فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله) لم يرد به التشبيه التمثيلي أو الاستعارة التمثيلية بل أعم. وفيه. أن المشبه وإن كان فرعا في إلحاقه بالمشبه به لكنه أصل في إيراد المشبه به من كونه عظيما أو حقيرا أو غيرهما من الصفات. وإليه الإشارة بقوله: "فليس

وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك. فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذاً إلا أمراً تستدعيه حال المتمثل له وتستجرّه إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية. ألا ترى إلى الحق لما كان واضحاً جلياً أبلج، كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟ ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً للَّه تعالى لا حال أحقر منها وأقلّ، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن، وجعلت أقلّ من الذباب وأخس قدراً، وضربت لها البعوضة فالذي دونها مثلا لم يستنكر ولم يستبدع، ولم يقل للمتمثل: استحى من تمثيلها بالبعوضة، لأنه مصيب في تمثيله، محق في قوله، سائق للمثل على قضية مضربه، محتذ على مثال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العظم والحقارة في المضروب به" إلى آخره، فإذا اقتضى وصف آلهتهم بأن تثبت لها صفة الحقارة فلا بد أن يجاء بالممثل به ما يشتمل على معنى الحقارة كما نحن بصدده. ولما اقتضى وصف التكليف العظمة والفخامة في قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الآية [الأحزاب: 72] جاء بالمثل به كما ترى. قوله: (لم يستنكر) جواب "لما" أي: لم يستنكر ضرب البعوضة لها مثلاً. قوله: (قضية مضربه) أي: موضع ضرب المثل فيه. اعلم أن المستعار في التمثيل إذا كان قولاً سائراً يشبه مضربه بمورده سمي مثلاً، وإن لم يكن للمضرب موردٌ سمي تمثيلا، وكلام الله وارد على الثاني دون الأول. قوله: (محتذ على مثال) هو افتعال من الحذو، وفيه معنى الاعتمال. الجوهري: حذوت النعل بالنعل إذا قدرت كل واحدة على صاحبتها. وضمن معنى قدر، وعدى بـ"على"

ما يحتكمه ويستدعيه، ولبيان أنّ المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والعمل على العدل والتسوية والنظر في الأمور بناظر العقل، إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمرّ الشبهة بساحته، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما يحتكمه) يقال: احتكمه الى الحاكم: ذهب به إليه واستصحبه معه واستجره. والضمير المستتر في "يحتكمه" عائد إلى الممثل له، أي: الذي ضرب لأجله المثل نحو حال الآلهة مثلاً، والبارز إلى ما. قوله: (ولبيان أن المؤمنين) عطف على قوله: "لبيان أن ما استنكره" على طريقة: أعجبني زيد وكرمه؛ لأنه تفصيله، بدليل عطف قوله: "وأن الكفار" على قوله: "أن المؤمنين" ثم قوله: "إن ذلك سبب زيادة الهدى وانهماك الفاسقين" كالنشر للمعطوفين. وتحريره: أن الآية من باب الجمع مع التقسيم والتفريق والتذييل، وتفسيره لها موافق لهذه الصنعة. أما الجمع فقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) [البقرة: 26]، لأنها متضمنة لحقية المثل وباطلية مستنكريه، وإليه أومى بقوله: "لم يستنكر ولم يستبدع" وبقوله: لأنه مصيب في تمثيله محق في قوله". ولما كان أصل الكلام مسوقاً للكفار، وذكر المؤمنين فيه على التبعية، صرح بذكرهم ونسب إليهم الاستنكار، ولم يذكر المؤمنين، لكن أثبت فيه الحقية التي هي مما ينسب إلى المؤمنين. وأما التقسيم، فالجملتان المصدرتان بـ "إما" لأنهما تفصيلا ما اشتمل عليه الكلام السابق، فجعل الحق منسوباً إلى صاحبه. والإنكار مضافاً إلى أهله، وإليه الإشارة بقوله: "وأن المؤمنين الذين عادتهم" وبقوله: "وأن الكفار الذين غلبهم الجهل".

وأنّ الكفار الذين غلبهم الجهل على عقولهم، وغصبهم على بصائرهم فلا يتفطنون ولا يلقون أذهانهم، أو عرفوا أنه الحق إلا أنّ حب الرياسة وهوى الألف والعادة لا يخليهم أن ينصفوا، فإذا سمعوه عاندوا. وكابروا وقضوا عليه بالبطلان، وقابلوه بالإنكار، وأنّ ذلك سبب زيادة هدى المؤمنين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما التفريق فقوله: تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) حيث بين لكل من الفريقين مآل أمره من الضلال والهدى، وهو المراد بقوله: "وأن ذلك سبب زيادة هدى للمؤمنين" وبقوله: "وانهماك الفاسقين في غيهم وضلالهم". وأما التذييل فقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ) فخص الضلال بهم على الحصر ليختص الهداية بالمؤمنين لتقابلهما، والله أعلم. قوله: (على بصائرهم) بدل اشتمال من الضمير المنصوب في "غصبهم" كقولك: سلب زيد ثوبه، الأساس: غصب على عقله. الصحاح: الغصب: أخذ الشيء ظلماً، تقول: غصبه منه وغصبه عليه. والفاء في قوله: "فلا يتفطنون" مسببة عن "غلبهم الجهل" وقوله: "أو عرفوا" متفرع على ما سبق أن المنكرين طائفتان: جاهل ومعاند المشار إليه بقوله: "إنما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراد من الكفار". والفاء في "فإذا سمعوه" مثلها في "فلا يتفطنون" مسببة عن قوله: "أو عرفوا أنه الحق" وهو عطف على "غلبهم الجهل" داخل في حيز صلة الموصول الذي هو صفة لاسم "إن"، وهما في الظاهر خبران لـ"إن"، والفاء تدخل في خبر الاسم الموصوف بالموصول المتضمن للشرط. وأن لا يمنع من ذلك على مذهب

وانهماك الفاسقين في غيهم وضلالهم. والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض والحشرات والهوام، وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا: "أجمع من ذرّة"، و"أجرأ من الذباب"، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأخفش. قال الخبيصي: والمفتوحة مثلها، أي: في جواز دخول الفاء على الخبر كقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) [الأنفال: 41]. قوله: (وانهماك)، الجوهري: انهمك الرجل في الأمر: إذا جد ولج. قوله: (وأحناش الأرض)، الجوهري: الحنش بالتحريك: كل ما يصاد من الطير والهوام، والجمع الأحناش. والحنش أيضاً: الحية، والحشرات: صغار دواب الأرض. قوله: (أجمع من ذرةٍ) قال الميداني: قال الشاعر في الذروة وجمعها: تجمع للوارث جمعاً كما ... تجمع في قريتها الذرة يزعمون أنها تدخر ف يقراها قوت سبع سنين. قوله: (وأجرأ من الذباب) وذلك أن الذباب يقع على أنف الملك، وعلى جفن الأسد، فإذا ذيد يعود، قال الراجز:

و"أسمع من قراد"، و"أصرد من جرادة"، و"أضعف من فراشة"، و"آكل من السوس". وقالوا في البعوضة: "أضعف من بعوضة"، و"أعز من مخ البعوض". وكلفتنى مخ البعوض. ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنما سُمي الذباب ذباباً ... حيث يهوي وكلما ذُبَّ آبا قوله: (وأسمع من قراد) لأنه يسمع أصوات أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرك لها. قال أبو زياد الأعرابي: ربما رحل الناس عن دارهم بالبادية وتركوها قفاراً، والقردان منتشرةٌ في أعطان الإبل وأعقار الحياض، ثم يرجعون بعد عشرٍ أو عشرين سنة فيجدون القردان في تلك المواضع أحياءً وقد أحست بروائح الإبل. قال ذو الرمة: بأعقاره القردان هزلى كأنها ... نوادر صيصاء الهبيد المحطم إذا سمعت وطء الركاب تنغشت ... حشاشاتها في غير لحمٍ ولا دم الصيصاء: صغار الحنظل. والهبيد: حب الحنظل. قوله: (وأصرد من جرادة) وذلك أنها لا تُرى في الشتاء أبداً لقلة صبرها على البرد، يقال: صرد الرجل يصرد صرداً فهو صردٌ ومصراد للذي يجد البرد سريعاً، كلها في "مجمع الأمثال".

كالزوان والنخالة. وحبة الخردل، والحصاة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كالزوان)، الجوهري: الزوان: حَبٌّ مرٌ يُخالط البر، بفتح الزاء وضمها وقد يُهمز. قال الإمام: قال: مثل ملكوت السماء كمثل رجلٍ زرع في قريته حنطةً جيدةً نقيةً، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان، فقال عبيد الزارع: يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زُرعت في قريتك؟ قال: بلى، قالوا: فمن أين هذا الزوان؟ قال: لعلكم إن ذهبتم أن تلقطوا الزوان تقلعوا معه حنطةً، دعوهما يتربيان جميعاً حتى الحصاد، فأمر الحصادين أن يلقطوا الزوان من الحنطة إلى الجرائن وأن يربطوه حزماً، ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الجرائن. التفسير: الزارع أبو البشر، والقرية: العالم، والحنطة: الطاعة، وزارع الزوان: إبليس، والزوان: المعاصي، والحصادون: الملائكة الذين يتوفون بني آدم. قوله: (والنخالة) قال: لا تكونوا كمنخلٍ يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم. قوله: (وحبة الخردل) قال: أضرب لكم مثلاً آخر يشبه ملكوت السماء: لو أن رجلاً أخذ حبة خردلٍ وهي أصغر الحبوب فزرعها في قريته، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرةٍ من البقول، وجاء طير السماء فعشش في فروعها، وكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره، ونجى من اقتدى به. قوله: (والحصاة) قال: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار، ولا يُلينها الماء، ولا تنسفها الرياح.

والأرضة، والدود، والزنابير. والتمثيل بهذه الأشياء وبأحقر منها مما لا تغنى استقامته وصحته على من به أدنى مسكة، ولكن ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل ولا متشبث بأمارة ولا إقناع، أن يرمى لفرط الحيرة والعجز عن إعمال الحيلة بدفع الواضح وإنكار المستقيم والتعويل على المكابرة والمغالطة إذا لم يجد سوى ذلك معوّلا. وعن الحسن وقتادة: لما ذكر اللَّه الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام اللَّه. فأنزل اللَّه عز وجل هذه الآية. والحياء تغير وانكسار يعترى الإنسان من تخوّف ما يعاب به ويذم. واشتقاقه من الحياة. يقال: حيي الرجل، كما يقال: نسي ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأرضة) قال: لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها، ولا في البرية حيث اللصوص والسموم فيسرقها اللصوص وتحرقها السموم، ولكن ادخروا ذخائركم عند الله. قوله: (والزنابير) قال: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموني، كلها في "التفسير الكبير". قوله: (عن إعمال الحيلة) متعلق بقوله: "أن يرمي"، كما تقول: رميت عن القوس. قوله: (والتعويل) بالجر عطفٌ تفسيريٌ على قوله: "وإنكار المستقيم"، و"إذا لم يجد" ظرف "أن يرمي". قوله: (نسي) الرجل، فهو نسٍ على فَعِلٍ: إذا اشتكى نساه. الجوهري: قال الأصمعي: النسا بالفتح مقصور: عرقٌ يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثم يمر بالعرقوب حتى يبلغ الحافر.

وحشي وشظي الفرس، إذا اعتلت هذه الأعضاء. جعل الحي لما يعتريه من الانكسار والتغير، منتكس القوّة منتقص الحياة، كما قالوا: هلك فلان حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدّة الحياء. وذاب حياء، وجمد في مكانه خجلا. فإن قلت: كيف جاز وصف القديم سبحانه به. ولا يجوز عليه التغير والخوف والذم، وذلك في حديث سلمان قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (إن اللَّه حي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردّهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا). قلت: هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يردّ يديه صفرا من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه. وكذلك معنى قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يضرب مثلاً) ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وحشي) الحشى: الربو. وقد حشي بالكسر: إذا اشتكى حشاه. قوله: (وشظي)، الجوهري: الشظي: عظمٌ مستدقٌ ملزقٌ بالذراع، فإذا تحرك من موضعه قيل: شظي الفرس. قال القاضي: الحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقاً، فإذا وصف به الباري تعالى، فالمراد اللازم للانقباض. كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابةُ المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما. قوله: (في حديث سلمان) والحديث رواه أبو داود والترمذي. الانتصاف: تأويل الحديث به لازمٌ، وأما الآية فلا تحتاج إلى التأويل؛ لأن الحياء مسلوبٌ عنه تعالى، فهو كقولك: إنه تعالى ليس بجسمٍ ولا عرض.

أي: لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيى أن يتمثل بها لحقارتها. ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: أما يستحيى رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال. وهو فنّ من كلامهم بديع، وطراز عجيب، منه قول أبي تمام: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإنصاف: وفي كلام الزمخشري ما يدل على أن التأويل إنما يحتاج إليه في الخبر لا في الآية فقف عليه. قلت: يرده إثباته الترك في تأويل الحديث بقوله: "مثل تركه" ونفيه في تأويل الآية بقوله: "أي: لا يُترك ضرب المثل" والفرق بين قولنا: إنه تعالى ليس بجسمٍ ولا عرضٍ وما في الآية واحلديث، هو: أن القصد في ذلك التنزيه وما لا يجوز أن يُنسب إليه تعالى، وفي الآية القصد إلى تجويز ضرب المثل وأن الحياء غيرُ مانعٍ منه. وفي الحديث القصد إلى تركه تخييب العبد، وأن الحياء مانعٌ من التخييب، فالمقاصد مختلفة والمقامات متباينة، فهما قريبان من ترتب الحكم على الوصف المناسب، فلا بد من اعتبار المجاز. قوله: (على سبيل المقابلة، وإطباق الجواب) اعلم أن ها هنا ألفاظاً يذكرها أرباب البديع، أحدها المقابلة: وهي الجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وبين ضديهما، وثانيها: المطابقة: وهي أن يجمع بين متضادين، وثالثها: المشاكلة وهي: أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، والآية من قبيل النوع الأخير وإن سماه المصنف باسم النوع الأول، لكن المشاكلة على التقدير إذ لولا قولهم: أما يستحيي رب محمدٍ أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت على سبيل الإنكار لم يحسن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي) جواباً عنه، وبيت أبي تمام من المشاكلة التي لم ترد على السؤال والجواب وإن تأخر فيه المصاحب عن المصاحب، ومثله قوله:

مَنْ مُبْلِغٌ أَفْناءَ يَعْرُبَ كُلَّها ... أَنِّى بَنَيْتُ الجَارَ قبْلَ المَنْزِلِ. وشهد رجل عند شريح. فقال: إنك لسبط الشهادة. فقال الرجل: إنها لم تجعد عنى. فقال: للَّه بلادك، وقبل شهادته. فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة. ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار. وسبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها. وللَّه درّ أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها، لا تكاد تستغرب منها فنا إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسدّ مدارجه. وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا تسقني ماء الملام فإنني ... صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي فإن المرزوقي عده من المشاكلة. وقول الشاهد: "إنها لم تُجعد عني" جواباً عن قول شريح: "إنك لسبط الشهادة" يحتمل أن يكون من المطابقة بالنظر إلى اللفظين؛ لأن السبط ضد الجعد، وأن يكون من المشاكلة، إذ لو قال شريحٌ: إنك لبديه الشهادة لم يحسن منه: لم تجعد عني. وموقع الاستشهاد هذا القسم، ولذلك قال: "لولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها". وأما قوله: "فجاءت على سبيل المقابلة" فلم يرد منه المعنى المصطلح عليه بل ما يصح أن يقابل به الكلام؛ لأن قوله: "وإطباق الجواب على السؤال" عطفٌ تفسيريٌ عليه، والمصنف سلك في هذا المقام طريق التشابه في الكلام، فهو مفتقرٌ إلى تقادح الآراء واستنباط الأساليب حتى يصرح المحض. قوله: (أفناء يعرب) فناء الدار ساحتها، والجمع أفنية. يقال: هو من أفناء الناس إذا لم يُعلم ممن هو، ويعرب هو ابن قحطان سمى به القبيلة. قوله: (وقد استعير الحياء) يتعلق بالجواب الأول وهو قوله: "هو جارٍ على سبيل التمثيل"

إذَا مَا اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نفْسَهُ ... كرَعْنَ بِسبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ وقرأ ابن كثير في رواية شبل (يستحى) بياء واحدة. وفيه لغتان: التعدي بالجارّ والتعدي بنفسه. يقولون: استحييت منه واستحييته، وهما محتملتان هاهنا. وضرب المثل: اعتماده وصنعه، من ضرب اللبن وضرب الخاتم، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تعلق الجملة الحالية بعاملها، وقد مر مراراً أن الاستعارة التبعية قد تقع على سبيل التمثيل، يعني: استعير الحياء للترك بعد التشبيه في كلام الله، وقد جاء مثله في كلامهم، واعترض بين الجواب ومتعلقه الجواب الثاني على سبيل الاستطراد؛ اهتماماً بشأنه لما اشتمل على بديع المعاني، وقد نبه عليه بقوله: "ولله در أمر التنزيل، وإحاطته بفنون البلاغة! ". قوله: (إذا ما استحين) البيت للمتنبي. أي: تركن، والضمير للنوق. كرع الماء يكرع كروعاً: إذا تناوله بفيه من موضعه. السبت: بكسر السين المهملة: جلود البقر المدبوغة بالقرظ. شبه مشافر الإبل به. عنى بالإناء جلد البقرة فيها الماء، وبالورد الأزهار. يصف الإبل وكثرة مياه الأمطار المحفوفة بالأزهار، فكأن الماء يعرض نفسه عليها، والإبل تستحيي من رد الماء إذا كثر عرض نفسه عليها فتكرع فيه بمشافر كأنها السبت. قوله: (وقرأ ابن كثير) وهي شاذة: وإن نُسبت إلى الإمام. قوله: (وضرب المثل اعتماده وصنعه)، الراغب: الضرب إيقاع شيءٍ على شيءٍ، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها كضرب الشيء باليد والعصا والسيف ونحوها،

وفي الحديث: اضطرب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خاتما من ذهب. و (ما) هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شياعا وعموما، كقولك: أعطنى كتابا مّا، تريد أى كتاب كان. أو ضلة للتأكيد، كالتي في قوله: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) كأنه قيل: لا يستحيى أن يضرب مثلا حقاً أو البتة، هذا إذا نصبت (بَعُوضَةً)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وضرب الدراهم اعتباراً بضربه بالمطرقة، وقيل له: الطبع اعتباراً بتأثير السكة فيه، وبذلك شبه السجية فقيل لها: الضريبة والطبيعة، والضرب في الأرض: الذهاب فيها، وهو ضربها بالأرجل، وضرب الخيمة لضرب أوتادها بالمطرقة، وتشبيهاً بضرب الخيمة، قال تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) [البقرة: 61] أي: التحفتهم الذلة التحاف الخيمة، ومنه استعير: (فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) [الكهف: 11] وضرب المثل هو من ضرب الدراهم، وهو ذكر شيءٍ أثره يظهر في غيره، والاضطراب كثرة الذهاب في الجهات من الضرب في الأرض. قوله: (اضطرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب) الحديث من رواية الشيخين وأبي داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر في رواية "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من ذهب وجعل فصه مما يلي بطن كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، واتخذ الناس مثله، فلما رآهم قد اتخذوا رمى به وقال: "لا ألبسه أبداً" ثم اتخذخاتماً من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة. قوله: (كأنه قيل: لا يستحيي) فذلكةٌ لما سبق وتلخيصٌ لما فُسِّر؛ وذلك أن قوله: "حقاً" يتعلق بالوجه الأول، أن الله لا يترك المثل الحق والتمثيل الذي يقع في موقعه كيف ما كان؛ حقيراً كان أو عظيماً؛ لأن المقصود البيان الجلي وكشف معنى الممثل له على وفق الحاجة،

فإن رفعتها فهي موصولة، صلتها الجملة لأن التقدير: هو بعوضة، فحذف صدر الجملة كما حذف في: (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) [الأنعام: 154] ووجه آخر حسن جميل، وهو أن تكون التي فيها معنى الاستفهام لما استنكفوا من تمثيل اللَّه لأصنامهم بالمحقرات قال: إنّ اللَّه لا يستحي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقرة مثلا، بله البعوضة فما فوقها، كما يقال: فلان لا يبالى بما وهب ما دينار وديناران. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالذين آمنوا يعلمون أنه الحق من ربهم، فعلى هذا انتصاب "حقاً" على أنه صفة "مثلاً" لا على المصدرية كما سبق إلى بعض الأوهام. وأن قوله: "ألبتة" يتعلق بالوجه الثاني، وهو أن تكون "ما" مزيدةً، يعني أن الله لا يترك ضرب المثل ألبتة، لما فيه من الفوائد الجليلة والمنافع الكثيرة، لأنه أوقع في القلب وأقلع للشبه، وذلك أن "ما" إذا كانت إبهاميةً تُعطي معنى التنكير في "مثلاً" وتزيد في شيوعه، ولهذا قلنا: أي مثلٍ كان، وأن "ما" المؤكدة تؤكد معنى مضمون الجملة، وإليه الإشارة بقوله: "ألبتة"، ويعضده ما جاء في "المفصل": قولك: ما إن رأيت زيداً، الأصل: ما رأيت، ودخول "إن" صلةٌ أكدت معنى النفي. قال القاضي: تسمية "ما" مزيدةً لا يُعنى بها اللغو الضائع، فإن القرآن كله هدىً وبيان؛ بل "ما" لم توضع لمعنىً يراد منه، وإنما وضعت لأن تذكر مع غيره فتفيد له وثاقةً وقوةً، وهو زيادةٌ في الهدى. قوله: (بله)، النهاية: بله من أسماء الأفعال، كرويد ومه وصه، يقال: بله زيداً، بمعنى: دعه واتركه، وقد يوضع موضع المصدر، فيقال: بله زيدٍ، كأنه قيل: ترك زيدٍ.

والمعنى: أن للَّه أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل، كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ وبما لا يدركه لتناهيه في صغره إلا هو وحده بلطفه، أو بالمعدوم، كما تقول العرب: فلان أقل من لا شيء في العدد. ولقد ألم به قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [العنكبوت: 42] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بالجزء الذي لا يتجزأ) هو في عبارة المتكلمين. وعندهم: أن الأجسام البسيطة من أجزاءٍ صغارٍ لا تنقسم أصلاً. قوله: (إلا هو وحده بلطفه) أي: بلطف إدراكه. قال في قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام: 103]: وهو للطف إدراكه يُدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك. قوله: (أقل من لا شيء) قيل: "شيء" مجرورٌ بـ (من)، ولا زائدة. المعنى: فلانٌ في حسبان الناس كأقل شيء. أو لا تكون زائدةً أي: أقل من المعدوم، أو غيره ملتفتٍ إليه. قوله: (ألم به) أي: نزل بهذا المعنى، أي: بالحكم على الشيء بلا شيء، الأساس: ألم: نزل، ومن المجاز: ألم بالأمر، أي: لم يتعمق به، الجوهري: غلامٌ ملمٌ: قارب البلوغ. قوله: ((إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) [العنكبوت: 42]) قال أبو البقاء: "ما" في (مَا يَدْعُونَ) استفهامٌ منصوبٌ بـ (يَدْعُونَ) لا بـ (يَعْلَمُ)، و (مِن شَيءٍ) تبينٌ، ويجوز أن تكون نافيةً، و (مِن) زائدةً، و (شيئًا) مفعول (يَدْعُونَ).

وهذه القراءة تُعزى إلى رؤبة بن العجاج، وهو أمضغ العرب للشيح والقيصوم، والمشهود له بالفصاحة، وكانوا يشبهون به الحسن، وما أظنه ذهب في هذه القراءة إلا إلى هذا الوجه، وهو المطابق لفصاحته. وانتصب (بَعُوضَةً) بأنها عطف بيان لـ (مثلاً). أو مفعول لـ (يضرب)، و (مَثَلًا): حال عن النكرة مقدمة عليه، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: نفى أن يكون مدعوهم شيئاً، وما للنفي، والوقف على (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ)، ثم الابتداء بقوله: (مَا يَدْعُونَ) حسنٌ وهو موقع الاستشهاد. قوله: (رؤبة بن العجاج) قال القتبي في "طبقات الشعراء": هو رؤبة بن العجاج ابن رؤبة، من بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وأبوه لقي أبا هريرة رضي الله عنه وسمع منه أحاديث. قال ابن جني: فروايةُ "بعوضةٌ" بالرفع حكاها أبو حاتمٍ عن أبي عبيدة عن رؤبة، المعنى: لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضةٌ مثلاً، فحذف العائد إلى الموصول وهو ضعيفٌ؛ لأن هو ليس بفضلةٍ كما في ضربت الذي كلمت، أي: كلمته.

أو انتصبا مفعولين فجرى «ضرب» مجرى «جعل». واشتقاق البعوض من البعض وهو القطع كالبضع والعضب. يقال: بعضه البعوض. وأنشد: لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أَبى دِثارٍ ... إذَا مَا خافَ بعضُ القَوْمِ بَعْضَا ومنه: بعض الشيء لأنه قطعه منه. والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت، وكذلك الخموش. (فَما فَوْقَها) فيه معنيان: أحدهما: فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا، وهو القلة والحقارة، نحو قولك لمن يقول: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو انتصبا مفعولين) أي: (مَثَلًا) و (بَعُوضَةً). قيل: هذا أبعد الوجوه لندرة مجيء مفعولي جعل وأمثاله نكرتين لأنها من دواخل المبتدأ والخبر. قوله: (لنعم البيت بيت أبي دثار)، قيل: أبو دثار: كنية البعوض لدثوره، أي: دروسه بالنهار. قال ابن الأعرابي: أبو دثار: الكلة، أي: نعم البيت الكلة في ليالي الصيف إذا خاف بعض القوم من عض البعوض. قوله: (الخموش)، الجوهري: الخموش بفتح الخاء: البعوض لغة هذيل. والخموش: الخدوش وقد خمش وجهه.

فلانٌ أسفل الناس وأنذلهم: هو فوق ذاك، تريد: هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة. والثاني: فما زاد عليها في الحجم، كأنه قصد بذلك ردّ ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، لأنهما أكبر من البعوضة. كما تقول لصاحبك - وقد ذمّ من عرفته يشح بأدنى شيء فقال فلان بخل بالدرهم والدرهمين -: هو لا يبالى أن يبخل بنصف درهم فما فوقه، تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان، كأنك قلت: فضلا عن الدرهم والدرهمين. ونحوه في الاحتمالين ما سمعناه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يشح)، الجوهري: شححت بالكسر تشح، وشححت أيضاً تشح. قيل: هو في موضع ثاني مفعولي "عرفته" داخل في صلة الموصول، والوجه أن يكون حالاً. قوله: (هو لا يبالي) مقولٌ لقوله: "تقول لصاحبك" هذا الوجه إنما يُذهب إليه إذا سمع كلامٌ ذكر فيه ما يحتمل أحقر وأصغر منه، فيؤتى بما يحتمله من الصغر، ليترقى منه إلى ما ذكره المخاطب، فإن الكفار لما استنكروا ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، فقيل لهم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً) [البقرة: 26] فضلاً عما يقولونه وهو المثل بالذباب والعنكبوت، وعليه مثال الدرهم والدرهمين. الانتصاف: لا يستقيم المعنى على ما أشار إليه الزمخشري؛ لأن هذا الاستفهام إنما يقع للإنكار تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، كما تقول: فلانٌ يُعطي الأموال ما الدينار وما الديناران؟ وأما ههنا فهم أنكروا ضرب المثل بالذباب، فلا يستقيم أن تكون البعوضة فما فوقها في الصغر أو الكبر على اختلاف المذهبين تنبيهاً بالأقل على الأكثر؛ إذ هي وما فوقها الأكثر في الحقارة! ولا تجد لتصحيح المعنى وجهاً. وإنما أطلت لأنه موضعٌ ضيقٌ يبعد فهمه، وحسبك بمعنىً انعكس فيه فهم الزمخشري.

في "صحيح" مسلم عن إبراهيم عن الأسود قال: دخل شباب من قريش على عائشة رضى اللَّه عنها وهي بمنى وهم يضحكون. فقالت: ما يضحككم؟ قالوا: فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه - أو عينه- أن تذهب. فقالت: لا تضحكوا؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإنصاف: لو تأمل كلامه لوجد جواب اعتراضه فيه؛ لأنه قال: أُجيبوا بأن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً من الأمثال ما شاء؛ فما البعوضة فما فوقها؟ وذلك أن المسلوب عن الله أن يضرب مثلاً وهو نكرةٌ في سياق النفي، فيعم كل مثلٍ على اختلاف أنواعه عن الله، فما البعوضة، أي: الكل في الجواز سواء، فما البعوضة فما دونها في الحقارة؟ إذ المبالغة في تقليله لا يخرج عن كونه مثلاً، والكل جائزٌ، ولا يلزم من الاستفهام بـ"ما" أن يكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وقد يكون للإنكار على من سمع قاعدةً قد تقررت فسأل شيئاً من جزئياتها وقال: لِمَ جاز هذا مع وضوح الدليل على جواز الكل؟ وأُشير إلى أن الجميع علةٌ واحدة، وليس بعجيبٍ ما وهم فيه من ضيق مجال هذا البحث. وقلت: كلام صاحب "الإنصاف" يُشعر بأن وقله تعالى: (مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) من باب التذييل، وأنه يؤكد معنى العموم في قوله: (أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) وتكرير (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) للاستيعاب والشمول كقوله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: 62] سواءٌ اعتبرت الصغر أو الكبر أفاد الاستيعاب. والذي يُفهم من كلام المصنف: أن الوجه الأول من باب الترقي كقوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى)، والثاني من باب الأولوية كقوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: 23]، وإلى الأول الإشارة بقوله: "تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به"، وإلى الثاني بقوله: "كأنك قلت: فضلاً عن الدرهم والدرهمين".

إني سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها عنه خطيئة» يحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلة وهي نحو نخبة النملة في قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة وهي عضتها. ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط. فإن قلت: كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ قلت: ليس كذلك، فإن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مثلا للدنيا، وفي خلق اللَّه حيوان أصغر منها ومن جناحها، ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحادّ إلا تحركها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحت لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يُشاك شوكةً) عن بعضهم: أراد المعنى لا العين، وهي المرة من شاك، ولو أراد العين لقال: بشوكةٍ، وفيه نظر. النهاية: شيك الرجل فهو مشوكٌ: إذا دخل في جسمه شوكة. الحديث أخرجه البخاري ومسلمٌ ومالكٌ والترمذي. وأما قوله: "ما أصاب المؤمن من مكروهٍ" الحديث، فلم أقف له على رواية. قوله: (كالخرور على طُنُب الفسطاط)، الجوهري: الفسطاط بيت من شعر. قوله: (وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا) روينا عن الترمذي عن سهل بن سعد،

فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة وتفاصيل خلقتها ويبصر بصرها ويطلع على ضميرها، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر (سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) [يس: 36]، وأنشدت لبعضهم: يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَها ... في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الألْيَلِ ويَرَى عُرُوقَ نِيَاطِها في نَحْرِها ... والمُخَّ في تِلْكَ العِظَامِ النّحَّلِ اغْفِرْ لِعبْدٍ تابَ مِنْ فَرَطاتِهِ ... ما كانَ مِنْهُ في الزَّمانِ الأوَّلِ. وفَأَمَّا حرف فيه معنى الشرط، ولذلك يجاب بالفاء. وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد. تقول: زيد ذاهب. فإذا قصدت توكيد ذاك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت: أمّا زيد فذاهب. ولذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب. وهذا التفسير مدل بفائدتين: بيان كونه توكيداً، .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربة ماء". قوله: (يا من يرى) الأبيات، الجوهري: النياط: عرقٌ عُلِّق به القلب من الوتين، فإذا قُطع مات صاحبه. قوله: (أما زيدٌ فذاهب) قال الزجاج: الفاء دخلت في قوله: (فَيَعْلَمُونَ) لأن "أمّا"

وأنه في معنى الشرط. ففي إيراد الجملتين مصدّرتين به - وإن لم يقل: فالذين آمنوا يعلمون، والذين كفروا يقولون- إحماد عظيم لأمر المؤمنين، واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تأتي بمعنى الشرط والجزاء كأنه إذا قال: أما زيدٌ فقد آمن وأما عمرو فقد كفر، قيل: مهما يكن من شيءٍ فقد آمن زيدٌ، ومهما يكن من شيءٍ فقد كفر عمرو. قلت: وتحريره: أي شيءٍ قُدر من الموانع والحوادث لا يمنع زيداً من افيمان. ويلزم منه أن الإيمان منه عزيمةٌ، ولهذا كرر العبارة. وفي "الإقليد": عن عبد القاهر: حق زيدٍ أن يكون بعد الفاء، لأنه جوابٌ وجزاءٌ إلا أنه حذف فعل الشرط وقدم المبتدأ وهو زيدٌ على الفاء وجُعل التقديم عوضاً من الفعل المحذوف. قوله: (إحمادٌ عظيم) ليس من أحمدته، أي: صادفته محموداً، وإنما هو من أحمدت صنيعه، وأحمدت الأرض: رضيت سكناها، وجاورته فأ؛ مدت جواره. قاله في "الأساس" في قسم المجاز. وقيل: حُكمٌ بكونه محموداً، كالإكفار حكمٌ بكونه كافراً. قوله: (ورميهم بالكلمة الحمقاء) وصف الكلمة بالحمقاء إذا لم تصدر عن فكرٍ ورويةٍ، بل يُرمى بها جزافاً. وقصد بها وصف صاحبها على الإسناد المجازي كما وصف القرآن في قوله: (وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ) [يس: 2] بصفة من هو بسببه، لتكون كنايةً عن حُمق صاحب الكلمة؛ ليصح التقابل بين هذه القرينة وبين قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ) [البقرة: 26]. قال القاضي: وكان من حق الكلام: وأما الذين كفروا فلا يعلمون؛ ليطابق قوله: "يعلمون"، لكن لما كان قولهم هذا دليلاً واضحاً على جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية ليكون كالبرهان عليه.

والْحَقُّ الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. يقال: حق الأمر، إذا ثبت ووجب. وحقت كلمة ربك، وثوب محقق: محكم النسج. و(ماذا) فيه وجهان: أن يكون ذا اسماً موصولا بمعنى الذي، فيكون كلمتين. وأن يكون (ذا) مركبة مع (ما) مجعولتين اسماً واحداً فيكون كلمة واحدة، فهو على الوجه الأوّل مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته. وعلى الثاني منصوب المحل في حكم (ما) وحده لو قلت: ما أراد اللَّه. والأصوب في جوابه أن يجيء على الأوّل مرفوعاً، وعلى الثاني منصوباً، ليطابق الجواب السؤال. وقد جوّزوا عكس ذلك تقول - في جواب من قال: ما رأيت؟ - خير، أى المرئي خير. وفي جواب ما الذي رأيت؟ خيراً، أى رأيت خيراً. وقرئ قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) [البقرة: 219] بالرفع والنصب على التقديرين. والإرادة نقيض الكراهة، وهي مصدر أردت الشيء إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك. وفي حدود المتكلمين: الإرادة معنى يوجب للحي حالاً ... ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره) قال القاضي: الحق يعم الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة. قوله: (كما تقول في جواب من قال: ما رأيت؟ خيرٌ) استشهادٌ للتعكيس، وسيجيء إن شاء الله في "النحل" أن مدار المطابقة على موافقة السائل ومخالفته في قوله تعالى: (مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [النحل: 24]. قوله: (أردت الشيء؛ إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك) قال القاضي: الإرادة: نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع. والأول مع

لأجلها يقع منه الفعل على وجه دون وجه. وقد اختلفوا في إرادة اللَّه، فبعضهم على أنّ للباري مثل صفة المريد منا التي هي القصد، وهو أمر زائد على كونه عالما غير ساه. وبعضهم على أن معنى إرادته لأفعاله هو أنه فعلها وهو غير ساه ولا مكره. ومعنى إرادته لأفعال غيره أنه أمر بها. والضمير في (أَنَّهُ الْحَقُّ) للمثل، أو لـ (أن يضرب) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفعل والثاني قبله، وكلٌ من المعنيين غير متصورٍ اتصاف البارئ تعالى به، ولذلك اختلف في معنى إرادته، وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل والوجه الأصلح، فإنه يدعو القادر إلى تحصيله. والحق أنها ترجيح أحد مقدوريه على الآخر، وتخصيصه بوجهٍ دون وجه. وقال الإمام: إنها صفةٌ تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر؛ لا في الوقوع بل في الإيقاع، واحترزنا بهذا القيد عن القدرة. قوله: (عالماً غير ساهٍ) بيانٌ لقوله: "عالماً"؛ يريد أن المراد من الإرادة مجرد القصد، وهو أمرٌ زائدٌ على معنى العلم المراد منه غير ساهٍ. والوجه الآتي بخلافه. قوله: (وبعضهم على أن معنى إرادته) قال المصنف في كتاب "المنهاج": وقيل: معنى قوله: الله مريدٌ لأفعاله: أنه فعلها غير ساهٍ ولا مكرهٍ. "ومريدٌ لأفعال غيره": أنه أمر بها وليس له مثل صفة المريد منا، وهي القصد والميل. ومن أثبت له صفة المريد منا فهو عنده مريدٌ بمعنى الحادث وهو الإرادة، ويلزمه إثبات عرضٍ لا في محل. وعند الأشعري: هو مريدٌ بمعنى

وفي قولهم (ماذا أراد اللَّه بهذا) استرذال واستحقار كما قالت عائشة رضى اللَّه عنها في عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: يا عجباً لابن عمروٍ هذا! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القديم. وعند النجار: مريدٌ لذاته، ويلزمهما أن يريد المعاصي فيكون كارهاً مريداً لشيءٍ واحدٍ في حالة واحدة. وقال الإمام في "نهاية العقول": القائلون بنفي الإرادة من المعتزلة أبو الهذيل والنظام والجاحظ والبلخي والخوارزمي قالوا: لا معنى للإرادة والكراهية شاهداً وغائباً إلا الداعي والصارف، وذلك في حقنا هو العالم باشتمال الفعل على المصلحة أو الاعتقاد أو الظن بذلك، والله سبحانه وتعالى لما استحال في حقه الاعتقاد والظن فلا جرم أنه لا معنى للداعي والصارف في حقه إلا علمه باشتمال الفعل على المصلحة والمفسدة. وقال أصحابنا: إن الأمر قد ينفك عن الإرادة، وتمام الكلام مذكور في الأصول. قوله: (يا عجباً لابن عمرو هذا) روينا عن عبيد بن عميرٍ قال: بلغ عائشة رضي الله عنها: أن عبد الله بن عمرٍ ويأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: يا عجباً لابن

(مَثَلًا) نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث:ماذا أردت بهذا جواباً؟ ولمن حمل سلاحاً ردياً. كيف تنتفع بهذا سلاحاً؛ أو على الحال، كقوله: (هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) [الأعراف: 73]. وقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدّرتين بأما، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وأنّ العلم بكونه حقاً من باب الهدى الذي ازداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم، وأنّ الجهل بحسن مورده من باب الضلالة التي زادت الجهلة خبطا في ظلمائهم. فإن قلت: لم وصف المهديون بالكثرة - والقلة صفتهم (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: 13]، (وَقَلِيلٌ ما هُمْ) [ص: 24] ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عمرو هذا. وفيه: "كنت أغتسل ورسول الله في إناءٍ واحدٍ وما أزيدُ أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات" أخرجه مسلم. قوله: (أو على الحال) قال أبو البقاء: "مثلاً" حالٌ من اسم الله، أو من "هذا" أي: متمثلاً أو متمثلاً به. والمصنف اختار الثاني لقوله: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً) [الأعراف: 73]. قوله: (جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين) لأن كلتا الجملتين مشتملةٌ على الكثرة وعلى معنى الضلالة والهدى وهو قوله: (فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ) [البقرة: 26] و (فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ) فبين بقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) ذلك وكشف المعنى، وكذا تفسيره هذا، فقوله: "وإن فريق العالمين" و"فريق الجاهلين" جارٍ مجرى التفسير لقوله: "جارٍ مجرى التفسير والبيان"، وكذا قوله: "وأن العلم بكونه حقاً" وقوله: "وأن الجهل بحسن مورده" تفسيرٌ للتفسير على طريقة: أعجبني زيدٌ وكرمه.

"الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة، "وجدت الناس أخبر تقله"؟ ... .. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الناس كإبلٍ مئة) الحديث أخرجه البخاري ومسلمٌ والترمذي عن ابن عمر. النهاية: أي: المرضي المنتجب من الناس كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال الذي لا يوجد في كثيرٍ من الإبل. قال الأزهري: الراحلة هي البعير القوي على الأسفار والأحمال التام الخلق، يقع على الذكر والأنثى، والهاء فيه للمبالغة. قوله: (وجدت الناس أخبر تقله) قال الميداني: ويجوز: "وجدت الناس" بالرفع على الحكاية، أي: سمعت هذا القول، ومن نصب "الناس" نصبه بالأمر، أي: اخبر الناس. "ووجدت" بمعنى: عرفت، أي: عرفت هذا المثل، والهاء في "تقله" للسكت بعد حذف العائد أصله: اخبر الناس تقلهم ثم حذف الضمير، ثم أدخل هاء الوقف، والجملة في محل النصب بـ"وجدت" أي: وجدت الأمر كذلك. قال أبو عبيد: جاءنا الحديث عن أبي الدرداء، وقال: خرج الكلام على لفظ الأمر ومعناه الخبر، يريد أنك إذا خبرتهم قليتهم، يُضرب في ذم الناس وسوء معاشرتهم. وقالوا: اخبر تقله، مفعولٌ ثانٍ لوجدت، أي: وجدتهم مقولاً فيهم هذا القول. ومعناه: ما منهم من أحدٍ إلا وهو مسخوطٌ بالفعل عند الخبرة.

قلت: أهل الهدى كثير في أنفسهم، وحين يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال. وأيضاً فإنّ القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة، فسموا ذهاباً إلى الحقيقة كثيراً: إنَّ الكِرَامَ كثِيرٌ في البِلادِ وإنْ ... قَلُّوا، كَمَا غَيْرُهُمْ قَلُّ وإنْ كَثُروا وإسناد الإضلال إلى اللَّه تعالى إسناد الفعل إلى السبب؛ لأنه لما ضرب المثل فضل به قوم واهتدى به قوم، تسبب لضلالهم وهداهم. وعن مالك بن دينار رحمه اللَّه أنه دخل على محبوس قد أخذ بمال عليه وقيد، فقال: يا أبا يحيى، أما ترى ما نحن فيه من القيود؟ فرفع مالك رأسه فرأى سلة فقال: ... . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قُلٌّ وإن كثروا)، الأساس: في ماله قلةٌ وقُلٌّ، والربا وإن كثر فهو إلى قُلٍّ، والحمد لله على القل والكثر. قوله: (إن الكرام) البيت، الانتصاف: والاستشهاد بالبيت غير مستقيمٍ لأن معناه: أنهم وإن كانوا قليلاً فالواحد منهم كالكثير، قال: وواحدٌ كالألف إن أمرٌ عنى الإنصاف: المهديون في الآية كثيرٌ في أنفسهم وقليلٌ بالنسبة إلى غيرهم، فليس البيت من معنى الآية في شيء.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: كلاهما اتفقا على أن الجواب الأول هو المقصود في تفسير الآية، لأن المعنى: المهديون كثيرون في أنفسهم لأنهم كانوا جماً غفيراً، ولكن بالنسبة إلى الكافرين كانوا قليلين. وأما الجواب الثاني والبيت المستشهد به فليسا من المعنى في شيء، إذ لو أريد هذا المعنى لقيل: يُضل به قليلاً ويهدي به كثيراً. ويمكن أن يقال: إن المعنى يُضل به الناقضين الذين إن عدوا كانوا كثيرن، ويهدي به الكاملين الذين إن اعتدوا كانوا كثيرين كقوله: قليلٌ إذا عُدوا كثيرٌ إذا شدوا. على أن سؤال المصنف المؤسس على قاعدته عن أصله مدفوع؛ لأنه إن أراد معنى العموم فقوله: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: 13] مع سائر الأمثلة لا يقابل الكافرين؛ لأن ذلك القليل لا يوجد إلا في الأنبياء وأفراد المؤمنين، بل المقابل عامة المؤمنين من أمة محمد صلوات الله عليه الذين علموا أن ما يقوله حقٌّ وصواب، سواءٌ كانوا مطيعين أو عاصين، فيدخل فيه من سيق له الكلام دخولاً أولياً، وهو الذي يقتضيه النظم، وإن أراد خصوص السبب، فقد أبعد المرمى؛ لأن الكلام واقعٌ في الطاعنين في ضرب الأمثال، القائلين: أما يستحيي رب محمدٍ أن يضرب بالذباب والعنكبوت مثلاً؟ وماذا أراد الله بهذا مثلاً؟ وذلك أن الضمير في (أَنَّهُ الْحَقُّ) كما صرح به للمثل أو لـ"أن يضرب"، وفي "به" في "يضل به" "ويهدي به" كذلك، لما قال: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين والطاعنون في ضرب الأمثال ما بلغوا مبلغ المؤمنين الذين حازوا قصب السبق، وشهد الله تعالى به في قوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100] فضلاً عن أن يزيدوا عليهم.

لمن هذه السلة؟ فقال: لي، فأمر بها تنزل، فإذا دجاج وأخبصة، فقال مالك: هذه وضعت القيود على رجلك. وقرأ زيد بن على: يَضل به كثير. وكذلك: وما يَضل به إلا الفاسقون. والفسق: الخروج عن القصد. قال رؤبة: فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِها جَوَائرَا والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر اللَّه بارتكاب الكبيرة، وهو النازل بين المنزلتين أى بين منزلة المؤمن والكافر، وقالوا إنّ أوّل من حدّ له هذا الحدّ: أبو حذيفة واصل بن عطاء رضى اللَّه عنه وعن أشياعه. وكونه بين بين أنّ حكمه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأمر بها تنزل) بالرفع على حذف أن وهو بدلُ اشتمالٍ من الضمير في بها كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا) [الزمر: 17]. قوله: (فواسقاً عن قصدها جوائرا) أوله: يذهبن في نجدٍ وغوراً غائرا القصد: الطريق المستقيم، "غوراً": عطفٌ على محل الجار والمجرور، يصف نوقاً يمشين في المفاوز يذهبن عن استقامة الطريق. قوله: (النازل بين المنزلتين) قال القاضي: الفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وله درجاتٌ ثلاث: الأولى: التغابي وهو أن يرتكبها أحياناً مستقبحاً إياها، والثانية: الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبالٍ بها. والثالثة: الجحود وهو أن يرتكبها مستوصباً إياها، فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه ولابس الكفر. وما دام هو في

حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. وهو كالكافر في الذمّ واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته، وأن لا تقبل له شهادة. ومذهب مالك بن أنس والزيدية: أنّ الصلاة لا تجزئ خلفه. ويقال للخلفاء المردة من الكفار: الفسقة. وقد جاء الاستعمالان في كتاب اللَّه. (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ) [الحجرات: 11]. يريد اللمز والتنابز (إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) [التوبة: 67]. النقض: الفسخ وفك التركيب. فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟ قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة؛ ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ درجة التغابي والانهماك فلا يُسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان، والمعتزلة لما قالوا: الإيمان عبارةٌ عن مجموع التصديق والإقرار والعمل، والكفر تكذيب الحق وجحوده؛ جعلوه قسماً ثالثاً نازلاً بين منزلتي المؤمن والكافر؛ لمشاكلته كل واحدٍ منهما في بعض الأحكام. قوله: (للخلعاء) هو جمع خليعٍ. الأساس: ومن المجاز: خلع فلانٌ رسنه وعذاره، فعدا على الناس بشره. وقيل لكل شاطرٍ: خليع. قوله: (وقد جاء الاستعمالان) أي: استعمال اسم الفاسق على المؤمن والكافر. قوله: (النقض: الفسخ)، الراغب: النقض فسخ المبرم، وأصله في طاقات الحبل، والنكث مثله. قوله: (من حيث تسميتهم العهد بالحبل) أي: لما سموا العهد بالحبل على سبيل الاستعارة كما في قوله: "إن بيننا بين القوم حبالاً" أي: عهداً، جسروا أن يستعملوا النقض في إبطال

لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين. ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة: يا رسول اللَّه، إنّ بيننا وبين القوم حبالا ونحن قاطعوها، فنخشى إنّ اللَّه عز وجل أعزّك وأظهرك أن ترجع إلى قومك وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العهد، وذلك أن شبه العهد بالحبل لما فيه من ثبات الوصلة تشبيهاً بليغاً حتى إنه حبلٌ من الحبال، ثم أخذ الوهم في تصويره بصورة الحبل، وتخييله بالحبل، واختراع ما يلازم الحبل من النقض، ثم إطلاق النقض المحقق على ذلك المخترع على سبيل الاستعارة التخييلية، ثم إضافته إلى العهد المتخيل ليكون قرينةً مانعةً عن إرادة العهد الحقيقي، ولو لم يُذكر النقض لم يُعلم أن العهد مكان الاستعارة، وإليه رمز المصنف بقوله: "أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار" أي: الحبل "ثم يرمزوا إليه بذكر شيءٍ من روادفه" أي: النقص، "فيُنبهوا بتلك الرمزة على مكانه" أي: الحبل المستعار، وعلى هذا المثالان. قوله: (التيهان) وفي "الحواشي": صح عن نسخة المصنف بفتح الياء، وبكسرها خطأٌ ذكره المرزوقي في "شرح الحماسة". قلت: بل هو أصوب لما في "جامع الأصول": ابن التيهان اسمه أبو الهيثم مالك بن التيهان الأنصاري صحابيٌ كبيرٌ شهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدراً وأُحداً والمشاهد كلها، التيهان: بفتح التاء فوقها نقطتان وبتشديد الياء تحتها نقطتان وكسرها. ذكره في موضعين من كتابه. قوله: (في بيعة العقبة) وهي العقبة الثانية في ثلاث عشرة من النبوة، والعقبة الأولى في سنة إحدى عشرة منها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في الموسم يعرض نفسه على القبائل، فبينا هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج، فجلس معهم وعرض عليهم الإسلام، وتلا القرآن،

أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه. ونحوه قولك: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، وإذا تزوّجت امرأة فاستوثرها. لم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فأجابوه وانصرفوا راجعين، وكانوا ستة نفرٍ، فلما كان العام المقبل قدم منهم اثنا عشر رجلاً منهم ابن التيهان، قال عبادة بن الصامت: بايعناه بيعة النساء على أن لا نُشرك بالله شيئاً، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتانٍ نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. قال ابن التيهان: بيننا وبين القوم حبالٌ إلى آخره، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنتم مني وأنا منكم". أورده ابن الجوزي في كتاب "الوفا في سيرة المصطفى". والحبال- في قول ابن التيهان- استعارةٌ مصرحة عن العهد والقرينة مقتضى المقام، و"قاطعوها" ترشيحٌ لها. "وأن يسكتوا" في الكتاب بدلٌ من قوله: "هذا" أي: سكوتهم "عن ذكر الشيء المستعار" إلى آخره "من أسرار البلاغة". قوله: (فاستوثرها)، الأساس: فراشٌ وثير: وطيءٌ، وقد وُثر وثارةً، ومن المجاز: وثرت وثارةً، إذا سمنت، قال القطامي: وكأنما اشتمل الضجيع بريطةٍ ... لا بل تزيد وثارةً وليانا قوله: (لم تقل هذا) أي: "يفترس" مثلاً إلا وقد دللت به على أن المراد بقولك: شجاعٌ: أسدٌ، ولا يكون أسداً إلا أن يكون استعارةً مكنيةً كما سبق، وذلك بأن يذكر اسم الشجاع

بأنهما أسد وبحر، وعلى المرأة بأنها فراش والعهد: الموثق. وعهد إليه في كذا: إذا وصاه به ووثقه عليه. واستعهد منه: إذا اشترط عليه واستوثق منه ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي هو المشبه، ويراد به اسم الأسد المشبه به أولاً، وهو الآن متخيلٌ، وإنما سميت مكنيةً لدلالة لازم المشبه به على مكانه، فتفطن لها، واحذه حذو ما نبه عليه المصنف، فإن غلط الناس فيها كثير، وحيث لم يفهموه خطؤوا صاحب "المفتاح". وأما قول صاحب "التقريب": إنها على الاستعارة المرشحة، فبعيد؛ لأن القرينة لا تكون ترشيحاً، بل الترشيح قوله: (مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [البقرة: 27]؛ لأن الترشيح تفريعٌ على الاستعارة وتتميمٌ لها، ولا يأتي إلا بعد تمامها. قوله: (وعلى المرأة بأنها فراش) وإنما أعاد الجار ليفرق بين الأمثلة، وقد فرقها في قوله: "وإذا تزوجت امرأة" حيث عدل إلى الشرطية، ولو قلت: شجاعٌ يفترس أقرانه، وعالمٌ يغترف منه الناس، وامرأةٌ وثيرة، لنسبت إلى ما تكره، ولجمعت بين الضرغام والنعام. قوله: (واستعهد) عطفٌ على قوله: "عهد إليه" أي: العهد مطلقاً: الموثق، فإذا استعمل بـ"إلى" كان بمعنى وصاه به، وإذا استعمل بـ"من"، كان بمعنى الاشتراط، والقدر المشترك الموثق، كما قال "العهد: الموثق" ولهذا قدر في المعنيين "وثقه عليه واستوثق منه"، ولابد من الأول من قبول من يُعهد إليه، وفي الثاني لزوم الوفاء من الطرفين، يدل عليه استشهاده بقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [البقرة: 40] والصريح فيه قوله تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) [البقرة: 38] إلى قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) الآية [البقرة: 39].

والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد اللَّه: أحبار اليهود المتعنتون، أو منافقوهم، أو الكفار جميعاً. فإن قلت: فما المراد بعهد اللَّه؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) [الأعراف: 172]؛ أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول - يصدقه اللَّه بمعجزاته - صدّقوه واتبعوه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال. وعهد فلانٌ إلى فلان يعهد، أي: ألقى العهد إليه، وأوصاه بحفظه، وعهد الله تارةً يكون بما ركزه في عقولنا وتارةً بما أمرنا به بكتابه وسنة رسوله، وتارةً بما نلتزمه وليس بلازمٍ في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها، وعلى هذا قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ) [التوبة: 75] والمعاهد في أصل الشرع يختص بمن دخل من الكفار في عهد المسلمين، وكذلك ذو العهد، ومنه الحديث: "لا يقتل المؤمن بكافرٍ ولا ذو عهدٍ في عهده" وباعتبار الحفظ قيل للوثيقة بين المتعاقدين عهدة، وقولهم: في هذا الأمر عهدةٌ لما أُمر به بأن يستوثق منه. ويقال: العهد للدار، لمراعاة الرجوع إليها. قوله: (ما ركز في عقولهم) مناسبٌ لقوله: "عهد إليه في كذا" فعلى هذا أخذ الميثاق تمثيلٌ بدليل قوله: "كأنه أمرٌ وصاهم به". فقوله: (وهو معنى قوله: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) [الأعراف: 172]) بيانٌ لقوله: "ما ركز في عقولهم من الحجة" وقوله: "أو أخذ الميثاق عليهم" مناسبٌ لقوله: "واستعهد منه: إذا اشترط عليه"، ويدل عليه تصريح الشرط بأنهم إذا بُعث إليهم رسولٌ صدقوه واتبعوه.

ولم يكتموا ذكره فيما تقدّمه من الكتب المنزلة عليهم، كقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [البقرة: 40]. وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات اللَّه عليه: «سأنزّل عليك كتاباً فيه نبأ بنى إسرائيل، وما أريته إياهم من الآيات، وما أنعمت عليهم وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به، وما ضيعوا من عهده إليهم» وحسن صنعه للذين قاموا بميثاق اللَّه تعالى وأوفوا بعهده، ونصره إياهم، وكيف أنزل بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده، لأنّ اليهود فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد صلى اللَّه عليهما وسلم من التحريف والجحود وكفروا به كما كفروا به، وقيل: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيما تقدمه) متعلقٌ بقوله: "ذكره" وقيل: متعلقٌ بقوله: "أخذ" وليس بذلك. قوله: (في الإنجيل) أي: في حق الإنجيل. والمراد بقوله: "كتاباً" هو الإنجيل، نحو قوله تعالى لرسولنا صلوات الله عليه: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) [المزمل: 5] والقول الثقيل هو القرآن. قوله: (وما أريته) عطفٌ تفسيري لقوله: "بني إسرائيل"، على تقدير مضافٍ، أي: نبأ بني إسرائيل أريته إياهم. قوله: (لأن اليهود فعلوا باسم عيسى) قيل: إلى هاهنا تم كلام الله في الإنجيل. وفي قوله: "من عهده" التفاتٌ، وقوله: "لأن اليهود" كلام المصنف، وهو متعلقٌ بقوله: "في الإنجيل" والظاهر أنه تعليلٌ لانضمام قوله: "في الإنجيل" مع قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [البقرة: 40] وكلاهما مثالان لقوله: "أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث" إلى آخره، أي: أن الله تعالى

هو أخذ اللَّه العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يبغى بعضهم على بعض، ولا يقطعوا أرحامهم. وقيل: عهد اللَّه إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الأوّل الذي أخذه على جميع ذرّية آدم، الإقرار بربوبيته وهو قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بني آدَمَ) [الأعراف: 172]؛ وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه، وهو قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ) [الأحزاب: 7]؛ وعهدٌ خصّ به العلماء وهو قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: 187]. والضمير في (ميثاقه) للعهد، .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أخذ الميثاق عليهم بأنه إذا بُعث إليهم رسولٌ يصدقه بمعجزاته صدقوه، ولم يكتموا ذكره المثبت في الكتب المنزلة عليهم كما كتب في "التوراة"، واستعهد من اليهود فيها: أنه إذا جاءهم الرسول النبي الأمي ويصدقه الله بالمعجزة يؤمنوا به ويصدقوه، يدل عليه قوله: سأنزل إلى آخره؛ لأن فيه تسليةً للمسيح عليه السلام، وأنه من زُمرة من كذبته اليهود ونقضوا ميثاق الله فيه، ولم يوفوا بعهده. ووعد بأنه سينتقم له منهم البتة. قوله: (والضمير في (مِيثَاقِهِ) للعهد) أي: الضميرُ فيه: إما للعهد أو لله تعالى، وعلى التقديرين الميثاق: إما اسمٌ لما تقع به الوثاقة، أي: الاستحكام، وإما مصدر. فهذه وجوه أربعة: الوجه الأول مناسبٌ لقوله في الجواب "ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد"، لإيقاع قوله: طمن قبوله وإلزامه أنفسهم" بياناً "لما وثقوا به"، ولا بد في هذا الوجه من القبول ممن يعهد إليه، لما سبق في قوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: 172]. والرابع منها مناسبٌ للوجه الثاني في الجواب وهو قوله: "أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بُعث إليهم رسولٌ صدقوه" لقوله: "من آياته وكتبه وإنذار رسله"، ولا يجب على هذا الوجه

وهو ما وثقوا به عهد اللَّه من قبوله وإلزامه أنفسهم. ويجوز أن يكون بمعنى توثيقه، كما أنّ الميعاد والميلاد، بمعنى الوعد والولادة. ويجوز أن يرجع الضمير إلى اللَّه تعالى، أى من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وإنذار رسله. ومعنى قطعهم ما أمر اللَّه به أن يوصل: قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القبول لما سبق في قوله تعالى: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) وقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ). والوجه الثاني والثالث عامّان، ولهذا ما قيدهما بشيء، أما تقدير الوجه الثاني: فالمعنى الذين ينقضون عهد الله من بعد توثقتهم العهد مع الله بالقبول والتزموه، أو من بعد توثقة الله العهد بالشرط الذي شرط، وعلى هذا الوجه الثالث. قوله: (قطعهم الأرحام) قال القاضي: ويحتمل كل قطيعةٍ لا يرضاها الله تعالى وسائر ما فيه رفض خيرٍ وتعاطي شر، فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد المقصودة بالذات. وقلت: ذهب القاضي إلى العموم، وخصه المصنف بالوجهين، ولا منافاةً؛ لأن قوله: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ) متصلٌ بقوله: (إِلَّا الْفَاسِقِينَ)، وهو: إما مظهرٌ وضع موضع المضمر، وهم الطاعنون في التمثيلات الواردة في التنزيل. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا) [البقرة: 26] ردٌّ عليهم، وحينئذٍ لا يخلو: إما أن يُراد بهم المشركون، فالمراد بقطع الأرحام عداوتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أن يراد بهم أهل الكتاب، فالمراد قطعهم ما بين الأنبياء من الوُصلةِ والاتحاد حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعضٍ، وإما عامٌّ في جميع الفسقة، فحينئذٍ يُحمل على ما قاله القاضي، ويدخل فيه أحد الفريقين على البدل دخولاً أوليًّا بشهادة سياق الكلام، والله أعلم.

وقيل: قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق، في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض. فإن قلت: ما الأمر؟ قلت: طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه، وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور؛ لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له: أمر؛ تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به، كما قيل له شأن. والشأن: الطلب والقصد. يقال: شأنت شأنه، أي قصدت قصده. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: أما ذمهم بقطع ما أمر الله به أن يوصف فذمٌ برفض الخيرات وتعاطي السيئات، وذلك أن التقاطع يحصل من رفض المحبة والعدالة، ورفضهما سبب كل فساد، فإن القوم إذا أحبوا وعدلوا تواصلوا، وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عمروا، وإذا عمروا أمروا. وبالعكس: إذا تباغضوا وظلموا تدابروا وتخاذلوا، وإذا تخاذلوا لم يعمل بعضهم لبعضٍ فهلكوا. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "لا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله". ولذلك حثنا على الاجتماعات في الجمعات والجماعات؛ لكون ذلك سبباً إلى الألفة، بل لذلك عظَّم الله تعالى المنة على المؤمنين بقوله: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [الأنفال: 63]. قوله: (واحد الأمور) أي: القصد والشأن، لأن الأمر المصطلح عليه جمعه: الأوامر. قوله: (لأن الداعي الذي يدعو إليه) والضمير في "إليه" راجعٌ إلى الأمر بمعنى الشأن، وكذا المنصوب في "يتولاه"، لا إلى الفعل كما ظُنَّ؛ لأن التشبيه واقعٌ بين الأمر الذي هو بمعنى الشأن وبين الأمر الذي هو طلب الفعل، و"من يتولاه" مفعول يدعو، أي: شبه الداعي الذي

(هُمُ الْخاسِرُونَ)؛ لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها. [(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)]. معنى الهمزة التي في كَيْفَ مثله في قولك: أتكفرون باللَّه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يدعو من يقصد أمراً بآمر يأمر المتولي، أي: المأمور؛ لأن كل فعل لابد له من باعث وحامل، فشبه ذلك الباعث بالأمر، فصار ذلك الفعل كالمأمور به فسموه بالمصدر؛ كالصيد باسم المصيد. وفي كلامه إيماء إلى أنه منقول عرفي، والتشبيه بيان للعلاقة. قال صاحب "النهاية": الشأن: الخطب والأمر والحال، والجمع: شؤون. قوله: (استبدلوا النقض بالوفاء) يشير إلى أن تلك الاستعارة التي سبقت في قوله تعالى: (يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) [البقرة: 27] متضمنة للاستبدال المستعار له البيع والشراء استعارة قوله تعالى: (اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: 16]، ولهذا ذيل بقوله: (أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ)، فإن الخسران لا يستعمل إلا في التجارة حقيقة، فيكون قرينة للاستعارة المقدرة، كما أن ثمة النسبة قرينة لها، و"فما ربحت" ترشيح، شبه استبدال النقض بالوفاء المستلزم للعقاب بالاشتراء المستلزم للخسران. قوله: (وعقابها) الضمير فيه راجع إلى النقض والقطع والفساد، وهي جماعة، كما أن في "بثوابها" راجع إلى نقائضها. قوله: (معنى الهمزة [التي] في (كَيْفَ) مثله في [قولك]: أتكفرون) يعني: "كيف"

ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان، وهو الإنكار والتعجب. ونظيره قولك: أتطير بغير جناح، وكيف تطير بغير جناح؟ فإن قلت: قولك: أتطير بغير جناح إنكار للطيران، لأنه مستحيل بغير جناح، وأما الكفر فغير مستحيل مع ما ذكر من الإماتة والإحياء. قلت: قد أخرج في صورة المستحيل لما قوى من الصارف عن الكفر والداعي إلى الإيمان. فإن قلت: فقد تبين أمر الهمزة وأنها لإنكار الفعل والإيذان باستحالته في نفسه، أو لقوة الصارف عنه، فما تقول في (كيف)؛ ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سؤال عن الحال، فإذا قيل: كيف زيد؟ كأنه قيل: أصحيح أم سقيم؟ مشغول أم فارغ؟ لأنه إنما يجاب بمثل ذلك، فإذن "كيف" ها هنا متضمن للهمزة، ثم معنى الهمزة فيه الإنكار والتعجب؛ لأنه متفرع على قوله: أتكفرون كما سنبينه، والهمزة فيه للإنكار والتعجب فكذا في كيف. ونقل عن المصنف أنه قال في الفرق بين الهمزة و"كيف": إن "كيف" سؤال تفويض لإطلاقه، وكأن الله تعالى فوض الأمر إليهم في أن يجيبوا بأي شيء أجابوا، ولا كذلك الهمزة، فإنه سؤال حصر وتوقيت، فإنك تقول: أجاءك راكباً أم ماشياً؟ فتوقت وتحصر. ومعنى الإطلاق ما قاله صاحب "المفتاح": "كيف" سؤال عن الحال وهو ينتظم الأحوال كلها، والكفار حين صدور الكفر عنهم لابد من أن يكونوا على إحدى الحالتين: إما عالمين بالله وإما جاهلين به، فإذا قيل: كيف تكفرون بالله؟ أفاد: في حال العلم تكفرون بالله أم في حال الجهل؟ هذا هو معنى التفويض في الآية. قوله: (لما قوي من الصارف عن الكفر) والصارف هو العلم بكونه تعالى محييهم ثم مميتهم، ثم المرجع والمصير إليه لإيقاع قوله: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ) الآية قيداً لقوله: (تَكْفُرُونَ). قوله: (فما تقول في (كَيْفَ)) يعني: هلا أنكر عليهم ذات الكفر وذات الطيران وهما المنكران لا حالهما، و"كيف" للحال؟ وحاصل الجواب: أن إنكار الذات مستتبع لإنكار الحال،

حيث كان إنكاراً للحال التي يقع عليها كفرهم؟ قلت: حال الشيء تابعة لذاته، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال فكان إنكار حال الكفر لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكاراً لذات الكفر، وثباتها على طريق الكناية، وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ. وتحريره: أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها. وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك عن حال وصفة عند وجوده. ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهاني. والواو في قوله (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً) للحال. فإن قلت: فكيف صح أن يكون حالا وهو ماض، ولا يقال جئت وقام الأمير، ولكن وقد قام، لا أن يضمر قد؟ قلت: لم تدخل الواو على: (كُنْتُمْ أَمْواتاً) وحده، ولكن على جملة قوله: (كُنْتُمْ أَمْواتاً) إلى (تُرْجَعُونَ)، كأنه قيل: كيف تكفرون باللَّه وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتا نطفا في أصلاب آبائكم؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن حال الشيء تابعة لذات الشيء، فلو أنكر الذات في هذا المقام [لم] يكن في المبالغة كما إذا أنكر الحال، فيتبعها امتناع الذات، لأن مقتضى الظاهر إنكار الذات. فإذا أنكر لم يكن من الكناية في شيء. وأما إذا أنكرت الحال لتنتفي الذات كان كناية، وكان أبلغ لما يلزم من نفيها نفيه بطريق برهاني؛ لأنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها وقد علم أن كل موجود لا ينفك عن حال، فإذا نفي اللازم ينتفي الملزوم، فكان كدعوى الشيء ببينة، وهي كناية إيمائية. قوله: (ولا يقال: جئت وقام الأمير ولكن: وقد قام) قال صاحب "المفتاح": إنما وجب ذلك ليقربه من زمانك حتى يصلح للحال. وقال السجاوندي: الفعل الماضي لا يصح أن يكون حالاً؛ لأن الحال مفعول فيها، وما مضى لا يصح أن يقع فيه شيء، فإذا صحبه "قد" وقع حالاً، وذلك أن "قد" حرف معنى، وحرف المعنى إذا دخل على الفعل غيره عما كان عليه من المعنى، فإذا قلت: جئت وقد كتب

فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم بعد الموت، ثم يحاسبكم. فإن قلت: بعض القصة ماض وبعضها مستقبل، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقعا حالا حتى يكون فعلا حاضرا وقت وجود ما هو حال عنه، فما الحاضر الذي وقع حالا؟ قلت: هو العلم بالقصة، كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها. فإن قلت: فقد آل المعنى إلى قولك: على أى حال تكفرون في حال علمكم بهذه القصة فما وجه صحته؟ قلت: قد ذكرنا أنّ معنى الاستفهام في: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زيد، لا يجوز أن يكون حالاً إن كانت الكتابة قد انقضت، ويكون إذا شرع في الكتابة، وقد مضى منها جزء لا أنه ملتبس بها، فيفيد "قد" أن زيداً قد شرع في الكتابة، وأنه قد مضى جزء منها، فلمضي ذلك الجزء جيء بالماضي، ولا يقع الماضي حالاً إلا على هذا المعنى، فلهذا لزم أن يكون معه "قد" ظاهرة أو مقدرة. وقال غيره: لابد في الماضي المثبت من "قد" ظاهرة أو مقدرة؛ لأنه إنما يصلح للحال ما يصح أن يقع فيه الآن أو الساعة، وهذا ممتنع في الماضي المثبت، فلا يكون حالاً، إلا إذا كان معه "قد"، فإنه قد يقرب الماضي من الحال، ولا يحتاج الماضي المنفي إلى ذلك لدلالة ما على نفي الحال، ولهذا يصح تقدير "الآن" أو "الساعة". قوله: (فقد آل المعنى) يعني رجع معنى قوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ) "على أي حال تكفرون" ومعنى قوله: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً) إلى آخره "في حال علمكم بهذه القصة" كأنه قيل: أجيبوا عن حال كفركم، والحال أنكم عالمون بهذه القصة، فما وجه استقامة هذا الكلام؟ وخلاصة الجواب وتحريره: أن كيف سؤال عن الحال، وتقرر أن حالة الكفر منحصرة في العلم بالصانع والجهل به، فإذا قيد السؤال بإحدى الحالتين فكيف يجاب عنه؟ وخلاصة الجواب: أنا قد دللنا على أن مرجع إنكار حال الكفر إلى إنكار ذاته لا حاله، وذكر الحال للمبالغة فقط، وأن الحال الثانية قيد للمنكر. المعنى: أتكفرون والحال حال العلم، فحصول

(كَيْفَ): الإنكار، وأنّ إنكار الحال متضمن لإنكار الذات على سبيل الكناية، فكأنه قيل: ما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه! فإن قلت: إن اتصل علمهم بأنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم، فلم يتصل بالإحياء الثاني والرجوع؟ قلت: قد تمكنوا من العلم بهما بالدلائل الموصلة إليه، فكان ذلك بمنزلة حصول العلم. وكثير منهم علموا ثم عاندوا. والأموات: جمع ميت، كالأقوال في جمع قيل. فإن قلت: كيف قيل لهم أموات في حال كونهم جماداً، وإنما يقال ميت فيما يصح فيه الحياة من البنى؟ قلت: بل يقال ذلك لعادم الحياة، كقوله: (بَلْدَةً مَيْتاً) [الفرقان: 49]، (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ) [يس: 33]، (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ) [النحل: 21]. ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس. فإن قلت: ما المراد بالإحياء الثاني؟ قلت: يجوز أن يراد به الإحياء في القبر، وبالرجوع: النشور. وأن يراد به النشور، وبالرجوع: المصير إلى الجزاء. فإن قلت: لم كان العطف الأوّل بالفاء والإعقاب بثم؟ قلت: لأنّ الإحياء الأوّل قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد نراخى عن الإحياء، ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكفر من العاقل العالم في هذا المقام مظنة تعجب وتعجيب، وحاصلة أن "كيف" قد انسلخ عنه معنى السؤال وتولد معنى الإنكار. قوله: (جمع قيل)، الجوهري: القيل: ملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم، وأصله قيل بالتشديد، كأنه الذي له قول، أي: ينفذ قوله، والجمع أقوال وأقيال أيضاً، ومن جمعه على أقيال لم يجعل الواحد منه مشدداً. قوله: (لاجتماعهما) أي: اجتماع الجماد وما تصح فيه الحياة في معنى "لا روح ولا إحساس"، يعني شبه الجماد بالميت لجامع أن لا روح ولا إحساس فيهما، ثم استعير اللفظ.

والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً، وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن النشور. فإن قلت: من أين أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها اللَّه، ألأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر، أم على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر؟ .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فمنه يكتسب العلم) أي: يعلم من استعمال "ثم" في هذا الموضع أن الميت يحيى في القبر للسؤال بعد زمان متراخ. وما يشعر بذلك ما روينا عن مسلم عن عبد الرحمن قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت، فبكى بكاء طويلاً، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: ما يبكيك يا أبتاه؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا؟ فأقبل بوجهه فقال ... وساق الحديث إلى قوله: فإذا أنا مت فلا يصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا علي القبر سناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها حتى استأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع رسل ربي. وعن أبي داود عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدربين حين يقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ " الحديث. وفي "جامع الأصول": سياق الموت: وقت حضور الأجل، كأن روحه تساق لتخرج من جسده. وسننت التراب على الميت: إذا رميته فوقه برفق ولطف. قوله: (من أين أنكر اجتماع الكفر) "أين" سؤال عن تعميم الأمكنة والأحياز، فاستعير للتعليل، ولذلك فصله بقوله: "لأنها مشتملة على آيات" إلى آخره، ونحوه في التعليل "إذ"

قلت: يحتمل الأمرين جميعاً؛ لأنّ ما عدّده آيات وهي مع كونها آيات من أعظم النعم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و"حيث"؛ قال المصنف: في "الأحقاف": لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك: ضربته لإساءته، وضربته إذ أساء، لأنك إذا ضربته في وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، أجريا مجرى التعليل. وقريب منه قول الأصوليين: شرط المجاز العلاقة المعتبر نوعها، نحو السببية القابلية، نحو: سال الوادي، فإن تمكين الوادي للماء من السيلان بمنزلة سبب السيلان، وكذلك موقع صدور المعنى من الآية وتمكينه للمنكر من السؤال بمنزلة السبب فيه. ثم في الآية مقامان: مقام كونهم كافرين بالله جاحدين لآياته العظام، ومقام كونهم غير شاكرين لنعمه الجسام. وقوله: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) يحتمل أن يكون موقعاً لكلا المعنيين؛ أما النعمة فلأن نعمة الحياة في الدنيا والآخرة مما يستوجب الشكر، وأما الآية فلأن تلك الأطوار آيات عظيمة، فعلى العالم بها الإقرار بعظمة منشئها وبارئها والإيمان به. فما المراد في الآية وما الذي يقتضيه المقام؟ وأجاب بقوله: "يحتمل الأمرين جميعاً" يعني لا منافاة بين المعنيين، فيجوز إرادتهما معاً لما يجمعهما معنى النعمة. وقلت: بل الواجب تنزلهما عليهما لما استؤنف بقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) الآيات [البقرة: 29] على سبيل البيان، وهي متضمنة للنعمة والآيات جميعاً. وأما قول بعضهم: إن الكفر بمعنى الكفران لا يعدى بالباء، فجوابه: أن باب المجاز والتضمين غير

(لَكُمْ) لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم. أما الانتفاع الدنيوي فظاهر. وأمّا الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، وما فيه من التذكير بالآخرة وبثوابها وعقابها، لاشتماله على أسباب ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مسدود، واقتضاء المقام حاكم لا يخالف، على أنهما من واد واحد، أي: كلاهما يتعديان بالباء كقوله تعالى: (وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) [العنكبوت: 67]. قال الراغب: الكفر عبارة عن الستر، وكفر النعمة: سترها، يقال كفر كفراً وكفوراً نحو: شكر شكراً وشكوراً. وحقيقة الكفر ستر نعمة الله، لما كانت نعمة الله إجمالاً ثلاثاً: خارجية كالمال والجاه، وبدنية كالصحة والقوة، ونفسية كالعقل والفطنة، صار الشكر والكفر ثلاثة أنواع. وأعظم الكفر ما كان مقابلاً لأعظم النعم، وهو ما يتوصل به إلى الإيمان واستحقاق الثواب، ومن قابل تلك النعمة بالكفران فهو الكافر المطلق، ولذلك صار الكفر في الإطلاق جحود الوحدانية والنبوة والتشريع. قال القاضي: الإماتة من النعم العظيمة المقتضية للشكر، لكونها وصلة إلى الحياة الثانية التي هي الحياة الحقيقية؛ كما قال: (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) [العنكبوت: 64] مع أن المعدود عليهم نعمة هو المعنى المنتزع من القصة بأسرها وهو العلم. قوله: (فيه وما فيه) الضمير في الموضعين لـ (مَا فِي الأَرْضِ) كرر للتوطئة على موال: أعجبني زيد وكرمه، فـ "ما" فيه معطوف على الضمير المجرور ولا يحتاج إلى إعادة الجار لكونه كالبدل في مجرد التوطئة لا التنحية؛ لأن لذات زيد في المثال أيضاً مدخلاً في التعجب منه. المعنى: فالنظر في ما في الأرض وفي العجائب الكائنة فيه.

الأنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف. وقد استدل بقوله: (خَلَقَ لَكُمْ) على أنّ الأشياء التي يصح أن ينتفع بها. ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقا لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها. فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحةٍ؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية؛ ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (خلقت في الأصل مباحة مطلقاً)، الانتصاف: هذا مذهب فرقة من المعتزلة بنوه على التحسين والتقبيح. الإنصاف: قال بهذا جماعة من أهل السنة من الشافعية والحنفية، واختاره الإمام فخر الدين في "محصوله" وجعله من القواعد الكلية، فليس المذهب مختصاً بهم كما زعم. وقال القاضي: الآية تقتضي إباحة الأشياء النافعة ولا يمنع اختصاص بعضها لأسباب عارضة، فإنه يدل على أن الكل للكل، لا أن كل واحد لكل واحد، والتعيين إنما يستفاد من دليل منفصل. وكذا عن الإمام.

جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية. و (جَمِيعاً) نصب على الحال من الموصول الثاني. والاستواء: الاعتدال والاستقامة. يقال: استوى العود وغيره، إذا قام واعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً، من غير أن يلوى على شيء. ومنه استعير قوله: (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) أي: قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض، من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر. والمراد بالسماء: جهات العلو، كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جاز ذلك) أي: قول من زعم أن المعنى بقوله: (خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) خلق الأرض وما فيها، إنما يصح إذا كنى بالأرض عن الجهات السفلية دون حقيقة الأرض التي هي الغبراء؛ لأن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية، وأما إذا أجريت على الحقيقة فلا، فإن الشيء لا يحصل في نفسه ولا يكون طرفاً لها. وينصر الأول إفراد السماء والمراد جهات العلو في الوجه المختار. قوله: (ثم قيل: استوى إليه)، الأساس: ومن المجاز: استويت إليك: قصدتك قصداً لا ألوي على شيء. ولما لم يكن في الاعتدال والاستقامة التواء سمي به القصد المستوي مجازاً، بقرينة التعدية "بإلى". الأساس: قصدته وقصدت إليه. ثم شبه بهذا القصد الذي يختص بالأجسام إرادته الخاصة تعالى عن صفات المخلوقين، ثم استعير لها ما كان مستعملاً في المشبه به استعارة مصرحة تبعية. قوله: (المراد بالسماء جهات العلو) إنما عدل إلى هذا التأويل لفقدان المطابقة بين ذكر السماء والضمير في "فسواهن" إفراداً وجمعاً، فأصل الكلام حينئذ: ثم استوى إلى فوق فسوى سبع سموات، ألا ترى حين جعل "السماء في معنى الجنس" أو قال: السماء "جمع سماوة" كيف جعل الضمير للسماء لحصول المطابقة، فإذن المعنى على التقديرين الأخيرين: ثم أراد

والضمير في (فَسَوَّاهُنَّ) ضمير مبهم. وسَبْعَ سَماواتٍ تفسيره، كقولهم: ربه رجلاً. وقيل الضمير راجع إلى السماء. والسماء في معنى الجنس. وقيل جمع سماءة، والوجه العربي هو الأوّل. ومعنى تسويتهنّ: تعديل خلقهنّ، وتقديمه، وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فمن ثم خلقهنّ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تسوية السماوات، فسواهن سبعاً، كقوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: 54] أي: فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، لكن الأول أقضى لحق البلاغة ومقام إرادة تفضيل خلق السماوات على الأرض، بدليل إيثار "ثم" الدالة على التراخي في الرتبة وأدعى له، فإفراد السماء لإرادة جهة فوق مؤذن بالتفضيل، إذ التعبير عنها بها تعظيم لها، مع أن في تصوير الفوقية في هذا الجانب تصوير ضدها فيما يقابلها، ولرتبة هذه الفائدة أبهم ضمير السماوات ليشوق إلى ما يبينه، ثم جيء بها تفسيراً له، فحصل من ذلك مزيد التفخيم لشأنها، وإن شئت فجرب ذوقك في قولك: ربه رجلاً، وقولك: رب رجل، لتعرف الفرق. وليس في إرادة الجنسية تلك الفوائد، ولا في الجمعية مع أن تلك لغة غير فصيحة، وإليه الإشارة بقوله: "والوجه العربي الأول". وأما الفرق بين النصين فإن الضمير في (فَسَوَّاهُنَّ) إذا رجع إلى السماء على المعنى كان (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) حالاً، أي: فسواهن كائنة سبع سماوات، أو سبع سماوات متعددة على أنها حال موطئة نحو: (أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) [يوسف: 2] وإذا كان الضمير مبهماً كان (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) نصباً على التمييز، والتفسير نحو: ربه رجلاً. نص على هذين النصبين في سورة "حم السجدة". قوله: (وقيل: جمع سماءة) قال الزجاج: والسماء لفظها واحد ومعناها الجمع، ويجوز أن تكون السماء جمعاً كأن واحدها سماءة.

خلقاً مستوياً محكما من غير تفاوت، مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم. فإن قلت: ما فسرت به معنى الاستواء إلى السماء يناقضه (ثم) لإعطائه معنى التراخي والمهلة قلت: (ثم) هاهنا لما بين الخلقين من التفاوت وفضل خلق السماوات على خلق الأرض، لا للتراخي في الوقت كقوله: (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا). على أنه لو كان لمعنى التراخي في الوقت لم يلزم ما اعترضت به، لأن المعنى أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك - أى في تضاعيف القصد إليها - خلقاً آخر. فإن قلت: أما يناقض هذا قوله: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها)؟ قلت: لا لأنّ جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء. وأمّا دحوها فمتأخر. وعن الحسن: خلق اللَّه الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر، عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات، وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض، فذلك قوله: (كانَتا رَتْقاً) [الأنبياء: 30]؛ وهو الالتزاق. [(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ* وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يناقضه) يعني فسرت الاستواء بأنه تعالى قصد إلى السماء بعد خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر، هذا يقتضي أن لا يتخلل بينهما زمان، ومعنى "ثم" التراخي في الزمان. وأجاب عنه من وجهين، أحدهما: أن "ثم" ها هنا مستعارة للتراخي

(وَإِذْ) نصب بإضمار "اذكر"، ويجوز أن ينتصب بـ (قالوا). والملائكة: ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الرتبة كما في قوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) [البلد: 17]، فإن اسم "كان" ضمير يرجع إلى فاعل: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) [البلد: 11] وهو الإنسان الكافر، وقوله: (فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) [البلد: 13 - 16] تفسير للعقبة، والترتيب الظاهري يوجب تقديم الإيمان عليهما، لكن "ثم" ها هنا للتراخي في الرتبة. وثانيهما: أن قولنا: إنه تعالى لم يحدث فيما بين ذلك شيئاً، لا يقتضي التعاقب. قال الإمام: "ثم" ها هنا من جهة تعديد النعم كما تقول لصاحبك: أليس قد منحتك هذا، ثم رفعت منزلتك، ثم دفعت الخصوم عنك! ولعل بعض ما أخره قد تقدم. فـ "ثم" على هذا مجاز لمجرد التعاقب. قوله: ((وَإِذْ) نصب بإضمار "اذكر") قال القاضي: "إذ" ظرف وضع لزمان نسبة ماضية وقع فيه أخرى، كما وضع "إذا" لزمان نسبة مستقبلة وقع فيه أخرى، واستعملتا للتعليل والمجازاة، ولذلك يجب إضافتهما إلى الجمل كحيث في المكان، ومحلهما النصب على الظرفية أبداً. وفيه نظر؛ لأن "إذا" قد تقع اسماً كما تقول: إذا يقوم زيد، إذا يقعد عمرو. قوله: (ويجوز أن ينتصب بـ (قَالُوا)) والأول أوجه؛ لأن تقدير "اذكر" يقتضي تذكيراً متجدداً فيكون كقصة مستقلة، ولا كذلك العطف فيكون قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ) [البقرة: 29] تذكيراً لدلائل الآفاق، وهذه لدلائل الأنفس؛ إما على سبيل كونها نعمة من الله تعالى، أو هي بنفسها آيات. وقد سبق أن هذه الآية كالبيان لقوله: (وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ) من جهة النعمة والآية. ويحصل بالتفرقة الترقي من الأدنى إلى الأعلى، أما كونها

جمع (ملأك) على الأصل، كالشمائل في جمع شمأل. وإلحاق التاء لتأنيث الجمع. وجاعِلٌ من جعل الذي له مفعولان، دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ آيات فلأن الترقي من دلائل الآفاق إلى الأنفس باب عظيم في الاستدلال؛ ألا ترى إلى قوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) [فصلت: 53] قال حجة الإسلام: الطبيعيون رأوا في تشريح الأعضاء من عجائب صنع الله وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمور. وأما كونها نعمة فلا شك أن نعمة خلق الأنفس وتشريفها بالخلافة وتكريمها بسجود الملائكة أعظم من خلق ما في الأرض لهم جميعاً. قوله: (جمع "ملأك" على الأصل) أي: أصله: ملأك، بالهمز ثم ترك الهمز لكثرة الاستعمال، فملا جمعوه ردوه إلى الأصل، وقد استعمل المفرد أيضاً مع الهمزة كما أنشده الزجاج لبعضهم: فلست لإنسي، ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب وقال القاضي: ذهب أكثر المسلمين إلى أن الملائكة أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة مستدلين بأن الرسل كانوا يرونهم كذلك.

(فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فكانا مفعوليه، ومعناه مُصير في الأرض خليفة. والخليفة: من يخلف غيره. والمعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذرّيته. فإن قلت: فهلا قيل: خلائف، أو خلفاء؟ قلت: أريد بالخليفة آدم، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه كا استغنى بذكر أبى القبيلة في قولك: مضر وهاشم. أو أريد من يخلفكم، أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك. وقرئ: خليقة بالقاف ويجوز أن يريد: خليفة مني، لأنّ آدم كان خليفة اللَّه في أرضه وكذلك كل نبىّ (إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) [ص: 26]. فإن قلت: لأى غرض أخبرهم بذلك؟ ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يريد خليفة مني) عطف على قوله: "المعنى خليفة منكم" يعني لفظة "من" مقدرة في التنزيل، وهي صفة للخليفة، أي: كائنة منكم أو مني، وعلى الأول الخليفة بمعنى الخلف، الجوهري: الخلف: القرن بعد القرن. قال الله تعالى: (إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) [الأعراف: 69]. وعلى الثاني: بمعنى السلطان فكان يرد على الوجه الأول أن يقال: كان المناسب أن يجاء بالخليفة جمعاً فلم جيء مفرداً؟ فأجاب بما ذكر، ثم أكد الجواب بالقراءة الشاذة لأنها مناسبة لأن يكون "خليفة" بمعنى الجمع. الجوهري: الخليقة: الخلائق، ويقال: هم خليقة الله، وهم خلق الله، وهو في الأصل مصدر، فعلل ذلك الوجه، ثم شرع في الوجه الثاني، فالخليفة على هذا غير محتاجة أن تفسر بالجمع. قوله: ((إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ) [ص: 26]) استشهاد لكون آدم خليفة من الله تعالى في أرضه؛ لأن المراد بالخليفة حينئذ من يجري في الأرض أحكام الله على سنن العدل ونهج الصواب، يدل عليه ترتب قوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) على الوصف بجعله خليفة في الأرض، ولهذا لما فقد هذا المعنى بعد الخلفاء الراشدين، قال صلى الله عليه وسلم: "الخلافة في أمتي ثلاثون

قلت: ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم. وقيل ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة. (أَتَجْعَلُ فِيها): تعجب من أن يستخلف مكان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سنة، ثم ملك بعد ذلك" رواه الترمذي عن سفينة، وروى أبو داود عنه: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء". الراغب: إنما استخلف الله تعالى آدم لقصور المستخلف عليه أن يقبل التأثير من المستخلف وذلك ظاهر، فإن السلطان جعل الوزير بينه وبين رعيته إذ هم أقرب إلى قبولهم منه، وكذا الواعظ جعل بين العامة والعلماء الراسخين، فإن العامة أقبل منهم من العالم الراسخ، وليس ذلك لعجزه بل لعجز العامة عن القبول منه. قوله: (صيانة لهم عن اعتراض الشبهة) الضمير للملائكة، و"صيانة" مفعول له لقوله: "أخبرهم" المقدر بعد قوله: "قلت" الدال عليه أخبرهم في السؤال، ولا يجوز أن يكون الضمير لبني آدم لأن الصيانة غير مقارنة عند الإخبار. قوله: (وقيل ليعلم عباده) عطف على قوله: "قلت: ليسألوا". قوله: (تعجب من أن يستخلف) أي: ولدت الهمزة معنى التعجب، لأنه لا يجوز أن يحمل على الإنكار لئلا يلزم منه اعتراضهم على حكم الله تعالى، وهذا لا يليق بمرتبة الملائكة، قال الله تعالى: (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) [الأنبياء: 27].

أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير ولا يريد إلا الخير. فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه وإنما هو غيب؟ قلت: عرفوه بإخبار من اللَّه، أو من جهة اللوح، أو ثبت في علمهم أنّ الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم؛ أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر؛ ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عرفوه بإخبار من الله تعالى) قال السدي: لما قال الله لهم ذلك قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: يكون ذرية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضاً. قوله: (أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون) فيه مبالغات شتى: إحداها: إقامة المظهر موضع المضمر ليؤذن بالعلية، يعني: حقيقة الملائكة خليقة بأن توصف بالعصمة؛ لأن خليقتهم تقتضي ذلك، وثانيتها: تأكيدها، وثالثتها: نفي هذا الحكم عن الغير بالتصريح بقوله: "وحدهم" بعد أن نفاه بتعريف الخبر وبتوسيط ضمير الفصل، وأكد ذلك بقوله: "وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم"، وفيه تعصب لمذهبه. قوله: (أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر) قال المفسرون: خلق الله السماوات والأرض والملائكة والجن، وأسكن الملائكة السماء، والجن الأرض، فعبدوه، ثم ظهر فيهم الحسد

حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة. وقرئ: (ويسفُك) بضم الفاء، و (يُسْفِك)، و (يُسَفَّك) من أسفك. وسفَّكَ. والواو في (وَنَحْنُ) للحال، كما تقول: أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث الله إليهم جنداً من الملائكة، فطردوهم عنها، وألحقوهم بشعوب الجبال والجزائر. وقال القاضي: كأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره: شهوية وغضبية تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماءن وعقلية تدعوه إلى المعرفة والطاعة، ونظروا إليها مفردة، وقالوا: ما الحكمة في استخلافه وهو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلاً عن استخلافه، وأما باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم ما يتوقع منها سليماً عن معارضة تلك المفاسد، وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل متمرنة على الخير كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف، ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد كالإحاطة بالجزئيات واستنباط الصناعات، واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف، وإليه أشار تعالى إجمالاً بقوله: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ). قوله: (أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه) قال القاضي: هي حال مقررة لجهة الإشكال كقولك: أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج، والمقصود: الاستفسار عما رجحهم- مع ما هو متوقع منهم- على الملائكة المعصومين في الاستخلاف، لا العجب والتفاخر.

والتسبيح: تبعيد اللَّه عن السوء، وكذلك تقديسه، من سبح في الأرض والماء. وقدس في الأرض: إذا ذهب فيها وأبعد. و (بِحَمْدِكَ) في موضع الحال، أى نسبح حامدين لك وملتبسين بحمدك لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والتسبيح: تبعيد الله من السوء)، الراغب: التسبيح: أصله من السبح وهو سرعة الذهاب في الماء، واستعير لجري النجوم في الفلك، ولجري الفرس. وتسبيح الله تعالى: تنزيهه بالقول والحكم، وسبحان: مصدر ككفران، ومعنى (نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) أي: نسبحك والحمد لك أو نسبحك بأن نحمدك. وقال السيد ابن الشجري: إن شئت علقت الباء بالتسبيح، أي: نسبح بالثناء عليك، وإن شئت قدرت: نسبح متلبسين بحمدك. قوله: (لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق [واللطف] لم نتمكن من عبادتك) تعليل لتقييد التسبيح بالحمد، أي: تسبيحنا مقيد بشكرك وملتبس به، يعني لولا الحمد لم يصدر الفعل، إذ كل حمد من المكلف يستجلب نعمة متجددة، ويستصحب توفيقاً إلهياً، ومنه قول داود عليه السلام: يا رب، كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك. وأنشد:

(أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) أي أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم. فإن قلت: هلا بين لهم تلك المصالح؟ قلت: كفى العباد أن يعلموا أن أفعال اللَّه كلها حسنة وحكمة، وإن خفى عليهم وجه الحسن والحكمة. على أنه قد بين لهم بعض ذلك فيما أتبعه من قوله (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) واشتقاقهم «آدم» من الأدمة، ومن أديم الأرض، نحو اشتقاقهم «يعقوب» من العقب، «إدريس» من الدرس، و «إبليس» من الإبلاس. وما آدم إلا اسم أعجمى: وأقرب أمره أن يكون على فاعل، كآزر، وعازر، وعابر وشالخ. وفالغ، وأشباه ذلك (الْأَسْماءَ كُلَّها) أي أسماء المسميات فحذف المضاف اليه لكونه معلوما مدلولا عليه بذكر الأسماء، لأن الاسم لا بدله من مسمى، وعوض منه اللام كقوله: (وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ) [مريم: 4]. فإن قلت: هلا زعمت أنه حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه، وأن الأصل: وعلم آدم مسميات الأسماء؟ قلت: لأن التعليم وجب تعليقه بالأسماء لا بالمسميات كقوله: ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتسع العمر؟ ! وإن مس بالنعماء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر قوله: (على أنه قد بين لهم بعض ذلك) يعني أن "ما" في (مَا لا تَعْلَمُونَ) إن كان عاماً يشمل من المصالح ما لا يدخل تحت الحصر، لكن خص منها البعض بما أتبعه من قوله: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ) فإن اتصافه بعلم لا تعلمه الملائكة دليل على أنه جامع للكمالات التي بعضها هذا المذكور، فمن هذا الطريق يكون مبيناً مكشوفاً. قوله: (لأن التعليم وجب تعليقه بالأسماء لا بالمسميات) إلى آخره "الانتصاف": هو يفر

(أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ) [البقرة: 31]، (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ) [البقرة: 33]، فكما علق الإنباء بالأسماء لا بالمسميات ولم يقل: أنبؤنى بهؤلاء، وأنبئهم بهم، وجب تعليق التعليم بها. فان قلت: فما معنى تعليمه أسماء المسميات؟ قلت: أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من أن الاسم هو المسمى. وقوله (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) دليل عليه، فإن المعروض المسميات بالاتفاق، وأيضاً فإن معرفة الذوات وما أودع فيها من الخواص والأسرار أهم من معرفة أسمائها، وغاية ما في قوله: (بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء) الإضافة المقتضية للمغايرة، وهو عندنا مثل قولك: نفس زيد، وحقيقته، والمراد: أنبئوني بحقائق هؤلاء، فإن الحقائق والذوات أعم من أسماء هؤلاء المشار إليهم، وهذا هو المصحح للإضافة. وعلى الجملة، الخلاف في هذه المسالة لفظي. وقال القاضي: الاسم باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلاً يرفعه إلى الذهن من الأسماء والصفات والأفعال. واستعماله عرفاً في اللفظ الموضوع لمعنى سواء كان مركباً أو مفرداً مخبراً عنه أو خبراً أو رابطة بينهما. واصطلاحاً: في المفرد الدال على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة. والمراد في الآية إما الأول، أو الثاني وهو يستلزم الأول؛ لأن العلم بالألفاظ من حيث الدلالة متوقف على العلم بالمعاني. المعنى: أنه تعالى خلق آدم، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها. وقلت: هذا المعنى مفهوم من كلام المصنف من قوله: "أراه الأجناس التي خلقها وعلمه" إلى آخره. وقال القاضي: الاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى؛ لأنه يتألف من أصوات مقطعة غير قارة، ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدد تارة ويتحد أخرى، والمسمى لا يكون

(ثُمَّ عَرَضَهُمْ) أي: عرض المسميات. وإنما ذكر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم. وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت. (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) يعني: في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كذلك. وإن أريد به ذات الشيء، فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى، وقوله تعالى: (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ) [الأعلى: 1] المراد به اللفظ؛ لأنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب. وإن أريد به الصفة كما هو رأي الشيخ أبي الحسن الأشعري، انقسم انقسام الصفة عنده: إلى ما هو نفس المسمى، وإلى ما هو غيره، وإلى ما ليس هو ولا غيره. وقلت: إن أريد به التحدي فبمجرد تعليم الأسماء يحصل المقصود، وإن أريد به إظهار الشرف والمزية كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11] فلابد من تعليم الحقائق، وهو الظاهر. وفي "إيجاز البيان": "وقع التعليم بالوحي في أصول الأسماء والمصادر ومبادئ الأفعال والحروف عند حصول أول اللغة في الاصطلاح، ثم بزيادة الهداية في التصريف والاشتقاق، فأفادت هذه الآية أن علم اللغة فوق التحلي بالعبادة، فكيف علم الشريعة التي هي الحكمة! ". قوله: (على سبيل التبكيت)، الأساس: بكته بالحجة، وبكته: غلبه بالحجة وألزمه ما عي بالجواب عنه؛ لأن الملائكة إذا سئلوا بقوله: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء) لا محيد لهم إلا أن يقولوا: لا علم لنا. قوله: ((إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) [يعني]: في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين). فإن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: هذا يخالف قول الواحدي: إن تقديره: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم وأفضل منه. وأيضاً، إن الكلام في العلم والسؤال فيه، فلا يناسبه قول المصنف، وهو كما تقول: إن كنت نجاراً فخط قميصي. قلت: ما ذهب إليه المصنف أولى وأحرى بأن يتلقى بالقبول، لأنه كالقول بالموجب، وبيانه: أن الملائكة لما بنوا دعواهم على المبالغة في طرفي الإفراط والتفريط في نسبة الفساد على بني آدم، والصلاح إلى أنفسهم، حيث صدروا قولهم: "أتجعل فيها" بهمزة الاستبعاد، وكرروا الظرف، وعطفوا سفك الدماء على الفساد، وبنوا الخبر وهو "نسبح" على "نحن"، ليتقوى به الحكم، وقيدوا التسبيح بالتحميد، وعطفوا عليه التقديس؛ أي: نحن أولى بالاستخلاف منهم لما لا يصدر منا إلا محض الصلاح وهم بخلافه دونهم، قيل لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: إنكم نظرتم إلى ظاهر ما يقتضي القوة الشهوانية والغضبية من الفساد وسفك الدماء، وغفلتم عما أودعت فيهما من الصلاح، وفي هذا الوجود أسرار عجيبة لا يحصى عددها، ولا يكتنه كنه عظم نفعها، وبعض ذلك هذا المتحدى به وهو العلم بأسماء المسميات، فأنبئوني بها إن كنتم صادقين في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين، وأنتم أحقاء بالخلافة دونهم. أي: ليس المانع ما نفيتموه، ولا السبب ما أثبتموه، وإنما قلنا: بعض ذلك هذا المتحدى به؛ لأن الواو العاطفة التي تستوجب معطوفاً عليه، هو مع المعطوف بيان لقوله: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)، كالواو في قوله تعالى حكاية عن داود وسليمان: (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: 15]، وإنما لم يذكر لئلا ينحصر عليه، ويفيد أكثر من ذلك، فوجب أن تقدر فوائد لا عدد لها بالنسبة إلى معلوم الله، وإليه الإشارة بقوله: "وبين لهم بعض ما أجمل من المصالح في قوله: (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) " وهذا الأسلوب من الجواب نحو قوله تعالى: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: 23]. قال المصنف: إن رتبتم أن القرآن منزل

سفاكين للدماء؛ إرادة للرد عليهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فهاتوا أنتم طائفة يسيرة من جنس ما أتى به. لكن أصحابه لا يرضون منه هذا التقدير، لما يلزم من فضل البشر على الملائكة. تنبيه: واعلم أن قوله: (وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) [البقرة: 30] ينتظم في سلك جوامع الكلم التي هي من حلية التنزيل، فأتى بلفظ السفك الدال على الإراقة والإجراء كالمائع، وخص بالمضارع المنبئ في مثل هذا المقام عن الاستمرار، نحو: فلان يقري الضيف، ويحمي الحريم. وجمع الدماء وحلى بلام الاستغراق ليصور شناعة ذلك الفعل ويستوعب الأزمنة، ويتضمن جميع أنواع الدماء: المحظور كحروب الفساد والفتن والفتك وقتل النفس المحرمة، والواجب كالمجاهدة مع أعداء الدين، قال تعالى: (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) [التوبة: 111]، والمباح كسفح دماء الحيوان المأكول، والمصلحي الديني كأنواع القصاص، والسياسي كحفظ نظام المملكة. قال: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم فإذاً من لوازم هذا الخليفة وخواصه أن يكون سفاكاً للدماء، لينتظم أمر معاشه ومعاده، ونحن معاشر الملائكة أبرياء من جميع كل ذلك؛ لأن دأبنا التسبيح والتحميد، وعادتنا التقديس والتهليل، فنودوا من سرادقات الجلال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ). والله أعلم. قوله: (إرادة للرد عليهم) قيل: هو مفعول له، لقوله: "استنبأهم" واعترض قوله: (إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) في لفظ "الكشاف" تقريراً لكون الاستنباء على سبيل التبكيت. والوجه أن يكون مفعولاً له للقول المقدر عند قوله: (إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) أي: قال ذلك إرادة للرد عليهم. وقوله: "على سبيل التبكيت" متعلق باستنبأهم، ويتم به الكلام، وقوله: "وقد علم عجزهم عن الإنباء" اعتراض أو حال، وقوله: (إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) شروع في التفسير.

وأن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها، ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا. فأراهم بذلك وبين لهم بعض ما أجمل من ذكر المصالح في استخلافهم في قوله (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ). وقوله: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) استحضار لقوله لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأن فيمن يستخلفه) قيل: هو عطف على "الرد"، وقوله: "ما يستأهلون" اسم "أن" وفيمن يستخلفه خبره. قال الحريري في "درة الغواص في أوهام الخواص": يقولون: فلان يستأهل الإكرام وهو مستأهل للإنعام، ولم تسمع هاتان اللفظتان في كلام العرب، ولا صوب اللفظ بهما أحد من أعلام الأدب. ووجه الكلام أن يقال: فلان يستحق التكرمة، وهو أهل لإسداء المكرمة، فأما قول الشاعر: لا بل كلي يا مي واستأهلي ... إن الذي أنفقت من ماليه فإنه عنى بلفظ "استأهلي": اتخذي الإهالة، وهي ما يؤتدم به من السمن والودك. وفي أمثال العرب: استأهلي إهالتي وأحسني إيالتي، أي: خذي صفو طعمتي وأحسني القيام بخدمتي. قوله: (من الفوائد) بيان "ما" و"فأراهم" عطف على جملة: إرادة إلى آخره، وذلك إشارة إلى المذكور كله، وفي قوله: "إني أعلم" ظرف لقوله: "أجمل" وقيل: قوله "فأراهم، وبين" متوجهان إلى "بعض ما أجمل"، ويجوز أن يكون "بين" عطفاً على "أراهم" على سبيل البيان.

إلا أنه جاء به على وجه أبسط من ذلك وأشرح. وقرئ: (وعُلّم آدمُ)، على البناء للمفعول. وقرأ عبد اللَّه: (عَرَضَهُن). وقرأ أُبىّ: (عَرَضَهَا). والمعنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها: لأن العرض لا يصح في الأسماء. وقرئ: (أنبيِهِم)، بقلب الهمزة ياء (وأنبِهم)، بحذفها والهاء مكسورة فيهما. [(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ* وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ*)]. السجود للَّه تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على وجه أبسط) لأنه قال أولاً: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) ثم قال: (إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) الآية [البقرة: 33] وإنما قال: "أبسط من ذلك" ولم يقل: بيان له، لأن معلومات الله سبحانه وتعالى لا نهاية لها، وغيب السماوات والأرض وما يبدونه وما يكتمونه لم يكن قطرة من تلك الأبحر، لكنه نوع بسط لذلك المجمل. قال القاضي: إنما أجري على وجه أبسط ليكون كالحجة عليهم، فإنه تعالى لما علم ما خفي عليهم من أمور السماوات والأرض وما ظهر لهم من أحوالهم الظاهرة والباطنة، علم ما لا يعلمون، وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى، وهو أن يتوقفوا مترصدين أن يبين لهم. قوله: (على وجه التكرمة). قال القاضي: هذا المسجود له بالحقيقة الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم تفخيماً لشأنه، أو سبباً لوجوبه، وكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون المسجود

كما سجدت الملائكة لآدم، وأبو يوسف وإخوته له، ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات فيه. وقرأ أبو جعفر (للملائكةُ اسجدوا) بضم التاء للاتباع. ولا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الإتباع إلا في لغة ضعيفة، كقولهم: (الْحَمْدِ لِلَّهِ). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [له] أنموذجاً للمبدعات كلها بل الموجودات بأسرها، ونسخة لما في العالم، وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدر لهم من الكمال، أمرهم بالسجود تذللاً لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر آياته، وشكراً لما أنعم عليهم بواسطته. واللام فيه كاللام في قول حسان: أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعرف الناس بالقرآن والسنن أو في قوله: (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء: 78]. قوله: (أن تختلف الأحوال والأوقات) يعني: أحوال الأمم السالفة وأوقاتهم مخالفة لأحوال هذه الأمة وأوقاتها، أي: يجوز أن يقتضي التعظيم في وقت وحالة السجود دون وقت وحالة أخرى. قوله: (ولا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الإتباع) قال السجاوندي: "للملائكة

(إِلَّا إِبْلِيسَ) استثناء متصل، لأنه كان جنياً واحداً بين أظهر الألوف من الملائكة مغموراً بهم، فغلبوا عليه في قوله: (فَسَجَدُوا)، ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم. ويجوز أن يجعل منقطعاً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اسجدوا" بالضم في غاية الضعف؛ لأن حركة ألف الوصل غير لازمة فكيف تحذف لها حركة إعراب مستحقة لإعراب! وإتباع ضم الجيم إنما يجوز في الساكن نحو "قالت اخرج" [يوسف: 31] ولا تقول: للرجل اخرج فإنه لا يجوزه أحد، لكن لعل عجوزاً رأت بناتها مع رجل فقالت: أفي السوتنتنه؟ تريد: أفي السوءة أنتنه. ولا يحسن حمل القرآن على مثل هذا التعسف. وروى أبو الحسن الفارسي عن أبي بكر بن مهران: أن التاء عند أبي جعفر بين الضم والكسر، استثقل الخروج من الكسر إلى ضمات "اسجدوا" أي: الجيم والدال والهمزة في التقدير، بخلاف نون "للإنسان اكفر" فإنه قد تسكن هاء التأنيث على كل حال كقولهم:

(أَبى): امتنع مما أمر به (وَاسْتَكْبَرَ) عنه، (وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ): من جنس كفرة الجن وشياطينهم، فكذلك أبى واستكبر كقوله: (كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [الكهف: 50]. السكنى: من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار. و (أَنْتَ): ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لما رأى أن لادعه ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقف فاضطجع فكان مثل (وَقَالَتْ اخْرُجْ) ولا تسكن نون "الإنسان" في الأصل. قوله: (فلذلك أبى واستكبر) يشير إلى قوله: (وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 34]، جملة مذيلة أو معترضة واردة على سبيل التعليل نحو قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: 92] أي: أنتم قوم عادتكم الظلم، فلذلك اتخذتم العجل إلهاً. وقال القاضي: (وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) أي: في علم الله، أو صار من الكافرين باستقباحه أمر الله إياه بالسجود لآدم اعتقاداً بأنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول. قوله: (كقوله تعالى: (كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [الكهف: 50]) يعني: هذا الترتيب من حيث المعنى كالترتيب من حيث اللفظ في قوله تعالى: (مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) بشهادة الفاء، يعني: إنما صدر منه الفسق؛ لأنه كان من الجن، فكونه من الجن ككونه من الكافرين في صدور الفسق والتكبر عنه، وفيها معنى قولهم: الغايات سابقة في التقدم، لاحقة في الوجود.

تأكيد للمستكن في: (اسْكُنْ) ليصح العطف عليه. و (رَغَداً) وصف للمصدر، أي أكلاً رغداً واسعا رافها. و (حَيْثُ) للمكان المبهم، أي: أيّ مكان من الجنة (شِئْتُما) أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ليصح العطف عليه) فإن قيل: كيف يصح العطف "وزوجك" لا يرتفع باسكن، فإنك لا تقول: اسكن غلامك؛ لأن الغائب لا يؤمر بلفظ الحاضر فيقال: قد اندرج الغائب في حكم الحاضر لقضية العطف على سبيل التغليب فينسحب عليه حكمه. قال القاضي: إنما لم يخاطبها أولاً تنبيهاً على أنه المقصود بالحكم، والمعطوف تبع له. الراغب: إن قيل: ما الفرق بين أن يقال: افعل أنت وقومك كذا، وبين أن يقال: افعلوا كذا؟ قيل: الأول تنبيه على أن المقصود بالحكم هو المخاطب والباقون تبع له، وأنه لولاه لما كانوا مأمورين بذلك، وعلى نحوه: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى) [طه: 49] وليس كذا إذا قال: افعلوا. قوله: (على وجه التوسعة) أي: بالغ في جانب الأمر ليكون مزيلاً للعذر في التناول، وبالغ أيضاً في النهي حيث قال: (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ) [البقرة: 35] يعني لا تحوما حولها فضلاً عن أن تتناولا بالأكل، وميزها أكمل تمييز بقوله: "هذه"، وجعل القربان منها سبباً لأن يكونا من زمرة الظالمين، ومنخرطين في سلكهم. الراغب: القصد بالنهي عن قرب الشيء تأكيد للحظر ومبالغة في النهي، وذلك أن القرب من الشيء مقتض للألفة، والألفة داعية للمحبة، ومحبة الشيء كما قيل: حبك الشيء

المزيحة للعلة، حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة بين أشجارها الفائتة للحصر، وكانت الشجرة فيما قيل «الحنطة» أو «الكرمة» أو «التينة» وقرئ (ولا تِقربا) بكسر التاء. وهذى، والشجرة، بكسر الشين. والشيرة بكسر الشين والياء. وعن أبى عمرو أنه كرهها، وقال: يقرأ بها برابرة مكة وسودانها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعمي ويصم والعمى عن القبيح، والصمم عن المنهي عنه هما الموقعان فيه. والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، كما أن السبب الداعي إلى الخير مأمور به، وعلى ذلك ورد "ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه". قوله: (المزيحة للعلة)، النهاية: زاح عن الأمر يزيح: زال وذهب. أي: لا يتسببان في تناولهما بعلة من العلل. قوله: (من شجرة واحدة) متعلق بالتناول، تحتمل هذه الوحدة أن تكون شخصية، فاللام في "الشجرة" للعهد، وأن تكون نوعية، واللام للجنس، والأول أظهر لإزاحة العذر والمبالغة في التوسعة. قوله: (برابرة مكة) قوم بالمغرب جفاة كالأعراب في رقة الدين وقلة العلم. قال في

(مِنَ الظَّالِمِينَ) من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية اللَّه (فَتَكُونا) جزم عطف على: (تَقْرَبا) أو نصب جواب للنهى. الضمير في: (عَنْها) للشجرة. أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها. وتحقيقه: فأصدر الشيطان زلتهما عنها. و «عن» هذه مثلها في قوله تعالى: (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف: 82]. وقوله: يَنهَوْنَ عَنْ أَكْلٍ وعَنْ شُرْبِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الفائق": البربرة: كثرة الكلام ويحكى أن إفريقيس أبا بلقيس غزا البربر فقال: ما أكثر بربرتهم، فسموا بذلك. قوله: (فحملهما الشيطان على الزلة بسببها) يشير أن "أزلهما"- على أن يكون الضمير في "عنها" للشجرة- متضمن لمعنى "أصدر"، و"عن" حينئذ للسببية، كما في قوله: "ينهون عن أكل وعن شرب" أي: إن الشيطان إنما قدر على إصدار الزلة عن الشجرة بسبب الوسوسة بأن يقول: هذه شجرة الخلد، فكلا لتخلدا، أو لأن أكلها سبب لصيرورتكما ملكين، هذا هو المراد بقوله: "فحملهما الشيطان على الزلة بسببها" أي: بسبب الشجرة. قوله: ((وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)) أي: ما أصدرت ما فعلته عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله. قوله: (ينهون عن أكل وعن شرب) قبله: يمشون دسماً حول قبته ينهون، أي: يتناهون في السمن. الأساس: انتهى الشيء: بلغ النهاية وتناهى البعير سمناً، وجمل نهي، وناقة نهية. يقول: إن كون الأضياف متناهين صدر بسبب الأكل والشرب. يصف مضيافاً صدر عنه الأضياف شباعاً.

وقيل: فأزلهما عن الجنة: بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما، كما تقول: زلّ عن مرتبته. وزل عني ذاك: إذا ذهب عنك وزل من الشهر كذا. وقرئ: (فأزالهما). (مِمَّا كانا فِيه) من النعيم والكرامة، أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في (عَنها). وقرأ عبد اللَّه: (فوسوس لهما الشيطان عنها). وهذا دليل على أن الضمير للشجرة، لأن المعنى صدرت وسوسته عنها. فان قلت: كيف توصل إلى إزلالهما ووسوسته لهما بعد ما قيل له: اخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ؟ . قلت: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: فأزالهما) قرأها حمزة. قال الزجاج: هو من: زلت وأزالني غيري، وأزلهما، من: زللت وأزلني غيري. وهذه القراءة تشد من عضد التفسير الأخير ولذلك عقبه بها. قوله: (أو من الجنة) معطوف على قوله: "من النعيم والكرامة" أي: "ما" في (مِمَّا كَانَا فِيهِ) إما عبارة عن النعيم والكرامة إن كان الضمير في "عنها" للجنة. أي: أذهبهما عن الجنة، فأخرجهما من نعيمها والكرامة فيها، أو عن الجنة إن كان الضمير في "عنها" للشجرة. أي: أصدر الشيطان زلتهما عن الشجرة فأخرجهما من الجنة. الانتصاف: يشهد للضمير أن يعود على الجنة قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ) [الأعراف: 27]. الإنصاف: وهو سهو؛ لأن الذي أعاد الضمير إلى الشجرة قال: فأصدر الشيطان زلتهما عن الشجرة، وذلك لا ينافي إخراج الشيطان إياهما عن الجنة، ولا يمكن نسبة الإخراج إلى الشجرة. ولقد كان هذا الوجه قوياً وعن تأييده غنياً.

يجوز أن يمنع دخولها على جهة التقريب والتكرمة كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء. وقيل: كان يدنو من السماء فيكلمهما. وقيل: قام عند الباب فنادى. وروى أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة، فدخل في فم الحية حتى دخلت به وهم لا يشعرون. قيل: (اهْبِطُوا): خطاب لآدم وحواء وإبليس: وقيل والحية. والصحيح أنه لآدم وحواء والمراد هما وذريتهما، لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم. والدليل عليه قوله: (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) [طه: 123]، ويدل على ذلك قوله: (فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) [البقرة: 38 - 39]. وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم. ومعنى (بعضكم لبعض عَدُوٌّ) ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض. والهبوط: النزول إلى الأرض ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يجوز أن يمنع دخولها على جهة التقريب والتكرمة) يريد أن الأمر بالخروج معلل بقوله: (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) [الحجر: 34] فدل على أن الجنة دار المقربين فلا يسكنها اللعين، فإذا دخل لغير التكرمة لا تمنع منه. ويمكن أن يعبر بالأمر عن مطلق الطرد والإهانة، فلا يلزم على هذا وجوب الخروج. قوله: (ومعنى (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) [البقرة: 36] ما عليه الناس من التعادي والتباغي). وقال القاضي: "بعضكم لبعض" حال استغني فيها عن الواو بالضمير. أي: متعادين.

(مُسْتَقَرٌّ): موضع استقرار، أو استقرار ومَتاعٌ وتمتع بالعيش إِلى حِينٍ يريد إلى يوم القيامة. وقيل إلى الموت. [(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)]. [37 - 39] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: وقوله: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (حال مقدرة أيضاً، ويجوز أن يكون قوله: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) جملة مستأنفة على تقدير السؤال. قوله: (يريد إلى يوم القيامة. وقيل: إلى الموت) والوجه الأول يشكل بمعنى قوله: "متاع" بمعنى "تمتع بالعيش" قال صاحب الكواشي: لكل إنسان مكان في الأرض يستقر فيه، ويتمتع بما قسم له فيه مدة حياته وبعد مماته. قلت: هذا معنى قوله تعالى في "الأعراف": (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ* قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) [الأعراف: 24 - 25] فالمتاع بمعنى التحقير في الاستمتاع والتقليل في المكث على نحو قوله تعالى: (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) [غافر: 39]. ويمكن أن يجعل المتاع بمعنى التمتع في العيش على تقدير حصول الثواب والعقاب للمؤمن والكافر في القبر. وأما تمتع الكافر فعلى التهكم والتغليب. والوجه الأول أظهر. وقوله: (إِلَى حِينٍ) متعلق بخبر المبتدأ وهو قوله: "لكم"، أي: مستقر ثبت لكم إلى حين، فإذا جعل (مُسْتَقَرٌّ) بمعنى المصدر، وكذا "متاع" يجوز تعلقه بهما، ولا يجوز إذا أريد موضع

معنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها. وقرئ بنصب آدم ورفع الكلمات: على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به. فإن قلت: ما هنّ؟ قلت: قوله تعالى: (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) الآية [الأعراف: 23]. وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه: «إن أحب الكلام إلى اللَّه ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: «يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تنفخ فىّ الروح من روحك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الاستقرار؛ لأن اسم المكان لا يعمل. قال أبو البقاء: يجوز (إِلَى حِينٍ) أن يكون صفة لمتاع، أي: متاع كائن إلى حين. قوله: (استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها) فعلى هذا هو مستعار من استقبال الناس بعض الأعزة إذا قدم بعد طول الغيبة؛ لأنهم حينئذ لا يدعون شيئاً من الإكرام إلا فعلوه، وإكرام الكلمات الواردة من الحضرة الإلهية العمل بها. قوله: (وقرئ بنصب آدم ورفع الكلمات) قراءة ابن كثير وعلى هذه القراءة أيضاً استعارة.

يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم واكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء، لأنها كانت تبعا له، كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك. وقد ذكرها في قوله: (قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا). فَتابَ عَلَيْهِ فرجع عليه بالرحمة والقبول. فإن قلت: لم كرر: (قُلْنَا اهْبِطُوا)؟ قلت: للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أراجعي) صح من نسخة المصنف بالتخفيف، ومن نسخة زين المشايخ بالتشديد، وهو السماع، وتوجيهه مشكل إلا أن يجعل جمعاً، وهو مستبعد أيضاً. قوله: ((فَتَابَ عَلَيْهِ) فرجع عليه بالرحمة والقبول) الراغب: التوب ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ ضروب الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة، والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمع هذه الأربعة فقد كملت شرائط التوبة، وتاب إلى الله، فذكر "إلى الله" يقتضي الإنابة، وتاب الله عليه، أي: قبل توبته، والتائب يقال لباذل التوبة. ولقابل التوبة التواب، ويقال ذلك لله تعالى لكثرة قبوله التوبة من العباد. قوله: (ولما نيط به من زيادة قوله: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) [البقرة: 38] يعني كرر "اهبطوا" ليعلق عليه معنى آخر غير الأول، اهتماماً به، ويسمى هذا الأسلوب في البديع بالترديد، قال ابن هانئ:

فإن قلت: ما جواب الشرط الأول؟ قلت: الشرط الثاني مع جوابه كقولك: إن جئتني فان قدرت أحسنت إليك. والمعنى: فإما يأتينكم منى هدى برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم بدليل قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) في مقابلة قوله: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء اعلم أن قوله: "اهبطوا" في هذا المقام، يجوز أن يحمل على موضوعه الحقيقي وعلى غير موضوعه على سبيل الكناية؛ لأن الكناية لا تنافي إرادة معنى الحقيقة أيضاً، فينزل على انحطاط بعد الرفعة مكاناً ومرتبة، أما المكان فمن الجنة إلى الأرض، وأما المرتبة فمما كانا فيه من النعيم والكرامة، فعلق على "اهبطوا" أولاً النزول مما كانوا عليه من التحاب والتواد والتوافق التي هي من خواص أهل الجنة، قال الله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) [الحجر: 47] إلى التباغض والتعادي وما عليه الناس من الشر، وإليه الإشارة بقوله: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) ومن الخلود والدوام إلى الفناء والزوال، وإليه الإشارة بقوله: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ). ولما أراد أن ينتقل من هذا النوع من الانحطاط إلى نوع آخر من البلاء والمشقة وهو الابتلاء بالتكليف، أعاد اللفظ وهو قوله: (قُلْنَا اهْبِطُوا) وعلق عليه قوله: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) الآيات. وأما قوله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) فحقه من حيث الوقوع أن يذكر بعد ذكر الهبوطين؛ لأن التوبة إنما صدرت وهو على الأرض، لكن قدم وعقب بالفاء الفصيحة؛ ليدل على مزيد الاهتمام بشأن التوبة، وليؤذن به على أن الذنب مما يجب أن يحترز منه، وعلى تقدير صدوره يجب أن يعقب بالتوبة ولا يمهل، فالمعنى: قلنا ذلك، فهبط آدم، فتلقته الكلمات أو تلقاها آدم، ولهذا صرح باسمه، ولكرامته خصه دون غيره. قوله: (بدليل قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: يدل على تقييد "هدى" برسول أبعثه وكتاب

(فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ) فإن قلت: فلم جيء بكلمة الشك وإتيان الهدى كائن لا محالة لوجوبه؟ قلت: للإيذان بأنّ الإيمان باللَّه والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنزله، وقوع (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا) في مقابلة (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ)، فلما كان الجزاء الذي هو الجملة الشرطية مع ما عطف عليه، مقيداً بالآيات والتكذيب، يقدر الشرط الأول كذلك؛ لأن متابعة الهدى وتكذيبه مسببان عن بعثة الرسل، وإنزال الكتب، فالتقدير: فإما يأتينكم مني الرسل والكتب، فمن صدقهما فلا خوف عليه، ومن كذبهما فهو من أصحاب النار. قوله: (لوجوبه) أي: رعاية الأصلح واجبة على الله تعالى بناءً على مذهبه، وتلخيص جوابه: أنها واجبة لكن هي عبارة عن منح العقل ونصب الأدلة. والهدى في الآية عبارة عن بعثة الرسل وإنزال الكتب، وهما ليسا واجبين على الله تعالى. قوله: (للإيذان بأن الإيمان بالله والتوحيد) إلى آخره يؤذن بأن الكلام باق على الشك. وقال الزجاج: إن الجزاء إذا جاء في الفعل معه النون الثقيلة أو الخفيفة لزمتها "ما"، ومعنى لزومها إياها معنى التوكيد، وكذلك معنى دخول النون في الشرط التوكيد. قال صاحب الكواشي: "ما" تؤكد أول الفعل والنون آخره. قال صاحب "المرشد": وإنما زيدت "ما" ها هنا لتأكيد الفعل الذي بعد حرف الشرط؛ شبهوها بلام القسم المؤكدة للفعل كقولك: والله لأعطين، وهي أكدت أول الفعل والنون المشددة آخره. كذلك ها هنا، ولئن سلم الشك، فإنها جارية على خلاف مقتضى الظاهر، وذلك أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بما أمر، ونهاه عما نهى على المبالغة والتوكيد كما سبق وشوهد منه بعد ذلك عدم العزيمة، وعلم من حال أولاده أنهم مجبولون على العجلة وقلة

وإنزال الكتب، وأنه إن لم يبعث رسولاً ولم ينزل كتاباً كان الإيمان به وتوحيده واجباً لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ومكنهم من النظر والاستدلال. فإن قلت: الخطيئة التي أهبط بها آدم إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة، فلم جرى عليه ما جرى بسببها من نزع اللباس والإخراج من الجنة والإهباط من السماء، كما فعل بإبليس ونسبته إلى الغىّ والعصيان ونسيان العهد وعدم العزيمة والحاجة إلى التوبة؟ قلت: ما كانت إلا صغيرة مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار الصالحة التي هي أجل الأعمال وأعظم الطاعات. وإنما جرى عليه ما جرى، تعظيما للخطيئة وتفظيعاً لشأنها وتهويلا، ليكون ذلك لطفاً له ولذرّيته في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، والتنبيه على أنه أخرج من الجنة بخطيئةٍ واحدة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الثبات، ومائلون إلى حب الشهوات، قال: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ) على الشك، إيذاناً بأنه من غير أولي العزم، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) [طه: 115] قال صاحب "المفتاح": إن استعملت "إن" في مقام الجزم لم يخل عن نكتة كتنزيل المخاطب منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم، كما يقول الأب لابن لا يراعي حقه: إن لم أكن لك أباً فكيف تراعي حقي. فدل ذلك على أن لابد من إنزال الكتب وبعثة الرسل تفضلاً وإحساناً، فلا يلزم ما ذكره من وجوب الإيمان باستقلال العقل. قال صاحب "التقريب": إنما كرر (قُلْنَا اهْبِطُوا) للتأكيد ولزيادة (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ)، وجواب الشرط الأول الشرط الثاني مع جوابه. وإنما جاء بالشك في (إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ) للإيذان بأن الوجوب- وجوب العقاب- إنما يكون بعد البعثة، والدلالة على أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح. وقال القاضي: إنما جيء بحرف الشك، وإتيان الهدى كائن لا محالة؛ لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلاً، وكرر لفظ الهدى ولم يضمر؛ لأنه أراد بالثاني أعم من الأول، وهو ما

فكيف يدخلها ذو خطايا جمة. وقرئ: (فمن تبع هُدَيَّ)، على لغة هذيل، (فلا خوفَ) بالفتح. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أتى به الرسل واقتضاه العقل، أي: فمن تبع ما أتاه مراعياً فيه ما يشهد به العقل، فلا يحل بهم مكروه للعلية فيخافوا، ولا يفوت عنهم محبوب فيحزنوا. وقلت: إتيان الهدى في الثانية من وضع المظهر موضع المضمر للعلية، فدل على أن الهدى بالنظر إلى ذاته واجب الإتباع. وبالنظر إلى أنه أضيف إلى الله تعالى إضافة تشريف أحرى وأحق أن يتبع، وهذا موافق لقول المصنف. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا) في مقابلة (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) فالمقابل له حكم المقابل. قوله: (هدي على لغة هذيل) حكى ابن جني: هي قراءة أبي الطفيل وعيسى بن عمر الثقفي، وهي لغة فاشية في هذيل وغيرهم؛ أن يقلبوا الألف من آخر المقصور إذا أضيف إلى ياء المتكلم [ياء]، وأنشد قطرب: يطوف بي عكب في معد ... ويطعن بالصملة في قفيا قال أبو علي: إن وقوع ياء المتكلم بعد الألف موضع ينكسر فيه الصحيح نحو: هذا غلامي، ولما لم يتمكنوا من كسر الألف قلبوها ياء، وشبهوا ذلك بقولك: مررت بالزيدين، لما لم يتمكنوا ن كسر الألف للجر قلبوها ياء.

[(يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ* وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)]. إِسْرائِيلَ هو يعقوب عليه السلام لقب له، ومعناه في لسانهم: صفوة اللَّه، وقيل عبد اللَّه. وهو بزنة إبراهيم وإسماعيل غير منصرف مثلهما لوجود العلمية والعجمة. وقرئ إسرائل، وإسرائلّ. وذِكرهم النعمة: أن لا يخلوا بشكرها، ويعتدّوا بها، ويستعظموها، ويطيعوا ماتحها. وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدّد عليهم: من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق. ومن العفو عن اتخاذ العجل، والتوبة عليهم، وغير ذلك، وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلم المبشر به في التوراة والإنجيل. والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد جميعا. يقال أوفيت بعهدي، أى بما عاهدت عليه كقوله: (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) [التوبة: 111] وأوفيت بعهدك: أى بما عاهدتك عليه. ومعنى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بى والطاعة لي، كقوله: (وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ) [الفتح: 10]، (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ) [التوبة: 75]، (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [الأحزاب: 23]، (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ): بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) فلا تنقضوا عهدى. وهو من قولك: زيداً رهبته، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مما عدد عليهم) بيان "ما أنعم"، و"من الإنجاء" بيان "ما عدد"، و"من العفو" عطف على "من الإنجاء". قوله: (وأوفوا بما عاهدتموني عليه) خبر قوله: "ومعنى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) ". قوله: (وهو من قولك: زيداً رهبته) أي: من باب الإضمار على شريطة التفسير. قال الزجاج: إياي: نصب بالأمر كأنه قال: ارهبوني، ويكون الثاني مفسراً لهذا الفعل.

وهو أوكد في إفادة الاختصاص من (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) [الفاتحة: 5]. وقرئ (وأُوَفِّ) بالتشديد: أي أبالغ في الوفاء بعهدكم، كقوله: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) [النمل: 189]، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو أوكد في إفادة الاختصاص من (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)) قال القاضي: وإنما كان آكد لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول، والفاء الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط، كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون. وقلت: هذا على خلاف رأي المصنف؛ لأنه جعل التركيب من باب الإضمار على شريطة التفسير لقوله: "هو من قولك: زيداً رهبته"، فإن هذا التركيب آكد في إفادة الاختصاص من "إياك نعبد" إذا قدرت المفسر بعد المنصوب لتكرير الجملة المفيدة للتخصيص، بخلاف "إياك نعبد"، فإن فيه تقديماً فقط. قال صاحب "المفتاح": وأما زيداً عرفته، فأنت بالخيار، إن شئت قدرت المفسر قبل المنصوب، وحملته على التأكيد، وإن شئت قدرته بعده، وحملته على باب التخصيص. والمقام يقتضي الثاني لسياق الكلام وسباقه. وأما إذا جعل من باب الشرط، فلا وجه أن يقابل بقوله: "إياك نعبد" إذ لا مناسبة بينهما. نعم لو قدر: إن كنتم تخصون أحداً بألوهية، فخصوني بها أفاد التخصيص، لكن تقدير الشرط أحط وأضعف من "إياك"؛ لأن التقديم يستدعي وقوع الفعل جزماً، والشرط على الفرض والتقدير. فإن قلت: كيف عطف الجملة المؤكدة على مؤكدها والعطف يقتضي المغايرة؟ قلت: المغايرة حاصلة، لأن المراد من التكرار الترقي من الأهون إلى الأغلظ، فإن في التعقيب اتصال الرهبة برهبة هي أعلى منها من غير تخلل شيء آخر، كقولهم: الأفضل فالأفضل، والأكرم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالأكرم، لم يريدوا به أفضلين وأكرمين، بل الترقي إلى انتهاء الوسع والإمكان. قال المصنف في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا) [القمر: 9] أي: كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب. ففيه إشعار بمزيد الاختصاص. ثم قوله: "أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد" يقتضي أنه أوكد منه وحده، لكن إذا ضم معه (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5] كان هذا أوكد لتصريح التكرير والتعميم في "نستعين" على ما سبق في الفاتحة. الراغب: إنما ذكر في الآية الأولى "فارهبون" وفي الأخرى "فاتقون"؛ لأن الرهبة دون التقوى، فحيثما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم وحثهم على [ذكر] النعمة التي يشتركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي مبادئ التقوى، وحيثما خاطب العلماء منهم، وحثهم على مراعاة آياته والتنبيه لما يأتي به أولو العزم من الرسل، أمرهم بالتقوى التي هي منتهى الطاعة. وقوله: "وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان والطاعة لي" أوف "بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم". اعلم أن المصنف قال فيما سبق: إن العهد الموثق، وعهد إليه في كذا: إذا وصاه ووثقه عليه، واستعهد منه: إذا اشترط عليه، واستوثق منه. واللائق بهذا المقام هذا الثاني. فيكون المراد بالعهد ما استعهد من آدم في قوله تعالى: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) [البقرة: 38] إلى آخره لتنتظم الآيات، يؤكده عطف قوله: (وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ) [البقرة: 41] على "أوفوا" على سبيل التفسير، وفي كلامه إشعار به.

ويجوز أن يريد بقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) ما عاهدوا عليه ووعدوه من الإيمان بنبىّ الرحمة والكتاب المعجز. ويدل عليه قوله: (وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) أوّل من كفر به، أو أول فريق أو فوج كافر به، أو: ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به، كقولك: كسانا حلة، أي كل واحدٍ منا ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يريد) عطف على قوله: "ومعنى وأوفوا بعهدي" وعلى الأول العهد عام كما في قوله تعالى: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى)، وعلى هذا خاص، والآيات الثلاث المستشهد بها لأجل أن العهد مع الله تعالى فحسب. ولما كان عطف قوله: (وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ) [البقرة: 41] على سبيل البيان على هذا الوجه ظاهراً، قال: "ويدل عليه قوله: وآمنوا" لما يفهم من الأمر بالإيمان بالمنزل أن المراد بالأمر السابق الأمر بالإيمان بالمنزل عليه، وأنه نبي الرحمة بناءً على أن عطف الخاص يخصص العام، وأما على الأول فهو من عطف الخاص على العام، وجعل الأول توطئة للثاني؛ تنبيهاً على علو مرتبة هذا المنزل ونباهة منزلة هذا المنزل عليه، وفضله على سائر المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. قوله: (أو: أول فريق، أو فوج ... ، أو: ولا يكن كل واحد) إنما قدر هذه التقادير لما أن خبر كان مفرد لفظاً، والاسم جماعة. قال القاضي: أول: أفعل لا فعل له، وقيل: أصله "أوأل" من: وأل، فأبدلت همزته واواً تخفيفاً غير قياسي، أو أأول من آل فقلبت همزته واواً وأدغمت.

وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته. ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا به، وكانوا يعدون اتباعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس كقوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) إلى قوله: (وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) [البينة: 1 - 4]، (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) [البقرة: 89]، ويجوز أن يراد: ولا تكونوا مثل أول كافر به، يعنى من أشرك به من أهل مكة. أى: ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكورا في التوراة موصوفاً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا تعريض) أي: قوله: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) تعريض بما يجب عليهم لمقتضى حالهم، ولما تكلموا به من الاستفتاح والبشارة، والتعريض أنواع منها: أن يكون الكلام مسوقاً لأجل موصوف غير مذكور كما تقول في عرض من يؤذي الناس: فلان رجل مؤمن يصلي ويزكي ولا يؤذي الناس. ويتوصل به على نفي الإيمان عن المؤذي. ومنها: أن يساق به لمقتضى الحال على طريقة قوله: أروح لتسليم عليك وأغتدي ... وحسبك بالتسليم مني تقاضيا وما نحن بصدده من هذا القبيل. قوله: (والمستفتحين) الاستفتاح: الاستنصار. أي: كانوا يقولون: قد آن مبعث النبي الأمي الذي نجده في التوراة والإنجيل، فنحن نؤمن به ونقاتلكم معه.

مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له. وقيل: الضمير في (به) لما معكم، لأنهم إذا كفروا بما يصدّقه فقد كفروا به. والاشتراء استعارة للاستبدال كقوله تعالى: (اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) [البقرة: 16]، وقوله: كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا وقوله: فإنِّى شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَك بالجَهْلِ يعنى: ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا وإلا فالثمن هو المشترى به. ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأنهم إذا كفروا بما يصدقه فقد كفروا به) يعني لا تكونوا أول من كفر بالتوراة، لأنه صلوات الله عليه مصدق في التوراة لما فيها من صفته ونعته، فإذا كفرتم بالمصدق لزم أن تكفروا بالمصدق. قوله: (كما اشترى المسلم إذ تنصرا) أي: كما استبدل المسلم بالإسلام الكفر حتى اختار النصرانية، مضى بيانه. قوله: (فإني شريت الحلم بعدك بالجهل) قبله: فإن تزعميني كنت أجهل فيكم "كنت أجهل" ثاني مفعولي "تزعميني" وقيل: الزعم بمعنى القول لوقوع الجملة بعده، أي: أن تقول كنت أجهل الناس فيمك، فإني بدلت حالي بعدك، واستبدلت الحلم بالجهل، والأناة بالطيش، والرفق بالخرق. قوله: (وإلا فالثمن هو المشترى به) وتقريره: أن الاشتراء استعارة للاستبدال، وإن لم يكن استعارة له لزم أن يكون الثمن في قوله تعالى: (ثَمَناً قَلِيلاً) هو المشترى، والثمن المتعارف هو

والثمن القليل: الرياسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا أتباعا لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فاستبدلوها - وهي بدل قليل ومتاع يسير - بآيات اللَّه وبالحق الذي كل كثير إليه قليل، وكل كبير إليه حقير، فما بال القليل الحقير. وقيل كانت عامّتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم، وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع. وكان ملوكهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا أو يحرّفوا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المشترى به، وها هنا المشتري به الآيات، لأن الباء تدخل على الثمن، فلما دخل على "آياتي" صار هو المشترى به، وصار (ثَمَناً قَلِيلاً) هو المبيع؛ يريد: أن هذه الاستعارة استعارة لفظية لا معنوية، فاستعير الشراء لمجرد الاستبدال من غير نظر إلى التشبيه كما يستعار لأنف الإنسان المرسن. قال المصنف في قوله تعالى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ) [الصافات: 65] الطلع للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها؛ إما استعارة لفظية أو معنوية. وأما التشبيه بقوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) [البقرة: 16] فلمجرد استعارة الاشتراء للاستبدال، ويمكن أن يكون استعارة معنوية، بولغ أولاً بأن شبه هذا الاستبدال في كونه مرغوباً فيه بالبيع والشراء، ثم زيد في المبالغة بأن قلبت القضية، وجعل الثمن مبيعاً، والمبيع ثمناً، ونحوه في القلب قوله تعالى: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) [البقرة: 275]. فجعلت الآيات في الابتذال والامتهان وكونها ذرائع إلى سائر مباغيهم كالدراهم المبذولة لقضاء الحوائج. ومقام التقريع والنعي على بني إسرائيل وسوء صنيعهم يقتضي هذه المبالغة، وإليه ينظر ما روينا عن الدارمي، قال أبو موسى: "إن هذا القرآن كائن لكم أجراً، وكائن لكم وزراً، وكائن لكم ذكراً، اتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن، فإن من يتبع القرآن يهبط به في رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزج في قفاه فيقذفه في جهنم".

[(وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)]. الباء التي في (بِالْباطِلِ) إن كانت صلة مثلها في قولك: لبست الشيء بالشيء خلطته به، كأن المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم، حتى لا يميز بين حقها وباطلكم، وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك: كتبت بالقلم، كان المعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه وَتَكْتُمُوا جزم داخل تحت حكم النهى بمعنى: ولا تكتموا. أو منصوب بإضمار أن، والواو بمعنى الجمع، أى ولا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. فإن قلت: لبسهم وكتمانهم ليسا بفعلين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإن كانت باء الاستعانة) والفرق: أن الخلط يستدعي مخلوطاً ومخلوطاً به. قال الجوهري: خلطت الشيء بغيره فاختلطا، فإذا جعلت صلة كان "بالباطل" مفعولاً مثل الأول، فخلطهم أن يكتبوا شيئاً آخر مثل المنزل، فإذا كتبوه اختلط مع الحق، فالمنهي الكتبة نفسها، لأنها مستلزمة للاختلاط، ومن ثم قال: "ولا تكتبوا فيختلط الحق بالباطل" وجعل "فيختلط" جواباً للنهي، وإذا جعلت للاستعانة كان المنهي جعل مكتوبهم سبباً للاشتباه، ولهذا قال: "ولا تجعلوا الحق مشتبهاً بباطلكم" أي: بسبب باطلكم. وقال "الذي تكتبونه" أي: الذي أنتم مشتغلون به وهو دأبكم وعادتكم، فقوله: "ملتبساً" ثاني مفعولي جعل. قوله: (والواو بمعنى الجمع) قال في "الإقليد": هذه الواو تسمى واو الصرف؛ لأنها تصرف المعطوف عن إعراب المعطوف عليه. قوله: (لبسهم وكتمانهم) تقريره: أن اللبس والكتمان متلازمان، فليست المسألة كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، ليصح دخول واو الجمع بينهما. وأجاب بما تلخيصه: أن لبس

متميزين حتى ينهوا عن الجمع بينهما، لأنهم إذا لبسوا الحق بالباطل فقد كتموا الحق؟ قلت: بل هما متميزان، لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتابتهم في التوراة ما ليس منها. وكتمانهم الحق أن يقولوا: لا نجد في التوراة صفة محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلم، أو حكم كذا. أو يمحوا ذلك. أو يكتبوه على خلاف ما هو عليه. وفي مصحف عبد اللَّه: (وتكتمون) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحق بالباطل على ما بيناه في الوجهين، إظهار ما به يشتبه ما في التوراة، وكتمان الحق إخفاء ما في التوراة؛ إما بالقول بأن يقولوا: لا نجد فيها كذا، أو بالفعل بأن يمحوا ذلك، أو يكتبوه على خلاف ما هو عليه، فقوله: "أو حكم كذا" عطف على "صفة محمد" صلوات الله عليه، وهو حكم الزاني المحصن، ورجمه كما سيجيء حديثه. وقوله: "أو يمحوا" عطف على قوله: "أن يقولوا". فإن قلت: فعلى هذا يلزمك جواز فعلهم اللبس بدون الكتمان وعكسه، كما في مسألة السمكة. قلت: لا نسلم جواز فعل كل واحد منهما على الانفراد كما في مسألة السمكة، فإن نهي الجمع لا يدل على جواز البعض ولا على عدمه، وإنما يعلمان من دليل آخر، أما في مسألة السمكة فمن الطب، وأما في الآية فلاستبداد قبح كل منهما. وبقي أن يقال: إذا كان كذلك فما فائدة الجمع؟ والجواب: فائدته المبالغة في النعي عليهم وإظهار قبح أفعالهم من كونهم جامعين بين الفعلين اللذين إن انفرد كل منهما كان مستقلاً في القبح، وعلى قراءة الجزم وإن دل على المبالغة لكن تفوت فائدة النعي عليهم. قوله: (وفي مصحف عبد الله: وتكتمون) قال القاضي: هذه القراءة تعضد قول من

بمعنى كاتمين (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ): في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون، وهو أقبح لهم، لأنّ الجهل بالقبيح ربما عذر راكبه. (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وءَاتُوا الزَّكَاةَ): يعني صلاة المسلمين وزكاتهم. (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) منهم؛ لأنّ اليهود لا ركوع في صلاتهم. وقيل «الركوع» الخضوع والانقياد لما يلزمهم في دين اللَّه. ويجوز أن يراد بالركوع: الصلاة، كما يعبر عنها بالسجود، وأن يكون أمرا بأن يصلى مع المصلين، يعنى في الجماعة، كأنه قيل: وأقيموا الصلاة وصلوها مع المصلين، لا منفردين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال: إن "الواو" للجمع، لأن المعنى: وأنتم تكتمون، وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه من كتمان الحق. قوله: (يعني صلاة المسلمين وزكاتهم) قال القاضي: يعني أن غيرهما كلا صلاة ولا زكاة، أمرهم بفروع الإسلام بعدما أمرهم بأصولها، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بها. والزكاة: من زكا الزرع: إذا نما، فإن إخراجها يستجلب تزكية في المال، ويثمر للنفس فضيلة الكرم، أو من الزكاة بمعنى الطهارة؛ فإنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل. قوله: (لأن اليهود) تعليل لاختصاص الركوع بالذكر مع أنه داخل في الأمر بإقامة الصلاة.

[(أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ* وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ)]. (أَتَامُرُونَ): الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم. والبرّ سعة الخير والمعروف. ومنه البر لسعته، ويتناول كل خير. ومنه قولهم: صدقت وبررت. وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد صلى اللَّه عليه وسلم ولا يتبعونه. وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون، وإذا أتوا بصدقات ليفرّقوها خانوا فيها. وعن محمد بن واسع: بلغني أنّ ناسا من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة. قالوا كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) وتتركونها من البر كالمنسيات (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ): تبكيت، مثل قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 42] يعني: تتلون التوراة وفيها نعت محمد صلى اللَّه عليه وسلم، أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (صدقت وبررت) أي: بررت في صدقك، كما يقال: كذبت وفجرت، أي: فجرت في كذبك هذا. قوله: (وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة) فعلى هذا البر بمعنى الإحسان، وعلى الأول بمعنى الإيمان. قوله: (كالمنسيات) أشار بالكاف إلى أن المراد بقوله: "تنسون": تتركون على الاستعارة التبعية؛ لأن أحداً لا ينسى نفسه بل يحرمها من الخير، ويتركها كما يترك الشيء المنسي مبالغة لعدم المبالاة والغفلة فيما ينبغي أن يفعله. قوله: ((وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) [البقرة: 44] تبكيت مثل قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 22]) يعني: كما وقع (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) حالاً من فاعل "لا تلبسوا" على سبيل التبكيت

(أَفَلا تَعْقِلُونَ): توبيخ عظيم، بمعنى: أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن العقول تأباه وتدفعه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإلزام الخصم، كذلك (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) حال من فاعل (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) للتبكيت، وأيضاً كما اختلف تقدير متعلق "تعلمون" باختلاف تفسير "لا تلبسوا الحق بالباطل" في الوجهين على ما سبق، كذلك يختلف تقدير متعلق "يتلون" باختلاف تفسير "أتأمرون" في تلك الوجوه الثلاثة المذكورة من الأمر باتباع محمد صلوات الله عليه ولا يتبعونه، والأمر بالصدقة ولا يتصدقون، والأمر بالصدقة والخيانة فيها. فأتى بها في التقدير على طريقة النشر بلا ترتيب. ولما كان الوجهان الأخيران قولاً واحداً كما سبق، جاء بـ "أو" وعطف عليه قوله: "ومخالفة" على "الخيانة" بالواو. فإن قلت: هل يحتمل قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ما احتمل في قوله: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 22] من جعله بمنزلة اللازم مبالغة، أي: أنتم من أهل العلم والمعرفة؟ قلت: لا، لأنه عقب بقوله: (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) الآية وهو مثل قوله: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) [الجمعة: 5] وقوله: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) تقريع بعد التبكيت، أي: كأنكم مسلوبو العقول وكالحمار يحمل أسفاراً، فكيف يثبت لهم العلم الفائق كما أثبت لدهاة العرب هناك! وفي هذا إيذان بأن فعل اليهود كان أفحش من فعل المشركين؛ لأن مخالفة النص الجلي مع اعتقاد وجوبه مخالفة لأمر الله وأمر العقل، ومخالفة أمر العقل مخالفة له فحسب. قوله: (مسلوبو العقول؛ لأن العقول تأباه وتدفعه) فيه إيماء إلى أن قوله: (أَفَلا تَعْقِلُونَ)

ونحوه: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [الأنبياء: 67]. (وَاسْتَعِينُوا) على حوائجكم إلى اللَّه (بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) أي: بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقها وما يجب فيها - من إخلاص القلب، وحفظ النيات، ودفع الوساوس ومراعاة الآداب، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات، ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه. ومنه قوله تعالى: (وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) [طه: 132] أو: واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها. وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مطلق يجري مجرى اللازم. قال القاضي: العقل في الأصل الحبس، سمي به إدراك الإنسان؛ لأنه يحبسه عما يقبح، ويعقله على ما يحسن، ثم القوة التي بها النفس تدرك هذا الإدراك. المعنى: فلا عقل لكم يحبسكم عما تعلمون وخامة عاقبته، أو: أفلا تعقلون قبح صنيعكم فيصدكم عنه. قوله: (وأن تصلوا صابرين) عطف تفسيري على قوله: "بالجمع بينهما" وكذا قوله: "وأن يستعان" عطف على قوله: "الدعاء"، والضمير في قوله: "بأنه انتصاب" راجع إلى الصلاة، والتذكير باعتبار الخبر لا إلى الجمع كما ظن؛ لأنه متعلق بقوله: "واستحضار العلم"، وهو عطف على "إخلاص القلب فيها"، و"ليسأل" تعليل "انتصاب"، وإنما قدم الصبر على الصلاة لأنه لا يمكن حصول الصلاة كاملة إلا بالصبر.

إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وعن ابن عباس: أنه نعى إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشى إلى راحلته وهو يقول: (واستعينوا بالصبر والصلاة). وقيل: الصبر الصوم، لأنه حبس عن المفطرات. ومنه قيل لشهر رمضان: شهر الصبر. ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء، وأن يستعان على البلايا بالصبر، والالتجاء إلى الدعاء، والابتهال إلى اللَّه تعالى في دفعه (وَإِنَّها) الضمير للصلاة أو للاستعانة. ويجوز أن يكون لجميع الأمور ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إذا حزبه أمر) وفي رواية حذيفة: "إذا حزنه أمر صلى" أخرجه أبو داود. حزنه بالنون، وفي "الكشاف" بالباء الموحدة من تحت. وكذا في "النهاية": إذا حزبه أمر صلى، أي: إذا نزل به هم أو أصابه غم. قوله: (فزع إلى الصلاة)، النهاية: في حديث الكسوف "فافزعوا إلى الصلاة"، أي: الجؤوا إليها، واستعينوا بها على دفع الأمر الحادث. قوله: (فاسترجع) أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال صاحب "الجامع": قثم بضم القاف وفتح الثاء المثلثة. وكان والياً لعلي رضي الله عنه على مكة، واستشهد بسمرقند زمن معاوية. قوله: ((وَإِنَّهَا) الضمير للصلاة)، الراغب: خصها برد الضمير؛ لأنها أرفع منزلة

التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) إلى (وَاسْتَعِينُوا). (لَكَبِيرَةٌ): لشاقة ثقيلة من قولك: كبر علىّ هذا الأمر، (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) [الشورى: 13]. فإن قلت: مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ)؟ أي: يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، ويطمعون فيه. وفي مصحف عبد اللَّه: يعلمون. ومعناه: يعلمون أن لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الصبر، لأنها تجمع ضروباً من الصبر، إذ هي حبس الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والأفكار على الطاعة؛ ولهذا قال تعالى: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)، وأما الصلاة التي تخف على غير الخاشع فمسماة باسمها وليست في حكمها، بدلالة قوله عز وجل: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45] وقلما ترى صلاة غير الخاشعين تنهى عن الفحشاء والمنكر، ونظيره في رد الضمير: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا) [الجمعة: 11] أعيد الضمير إلى التجارة دون اللهو لما كانت سبباً في الانفضاض. قوله: (لأنهم يتوقعون) معللة مقدر؛ لأن تقدير السؤال: ما للصلاة لم تثقل على الخاشعين، والحال أن الخشوع في الصلاة في نفسه ثقيل كما علم من قوله: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) [المؤمنون: 2]، وما يكون ثقيلاً في نفسه كيف يكون سبباً لخفة صلاتهم؟ وأجاب: إنما يكون سبباً لخفة صلاتهم "لأنهم يتوقعون" إلى آخره. قوله: (أي: يتوقعون لقاء ثوابه) مذهبه قال في "يونس" في قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) [يونس: 15]: كيف جاز النظر على الله وفيه معنى المقابلة!

ولذلك فسر (يظنون) بـ: يتيقنون. وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب، كانت عليه مشقة خالصة فثقلت عليه كالمنافقين والمراءين بأعمالهم. ومثاله من وعد على بعض الأعمال والصنائع أجرة زائدة على مقدار عمله، فتراه يزاوله برغبة ونشاط وانشراح صدر ومضاحكة لحاضريه، كأنه يستلذ مزاولته بخلاف حال عامل يتسخره بعض الظلمة. ومن ثمّ قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم (وجعلت قرّة عيني في الصلاة) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولذلك فسر (يَظُنُّونَ) بـ: يتيقنون) أي: ولأجل ما قرأ عبد الله: (يعلمون) - ومعناه ما ذكر- فسر يظنون بـ: يتيقنون، قال: الظن ها هنا بمعنى اليقين. ولو كانوا شاكين كانوا ضلالاً كافرين، والظن بمعنى اليقين موجود، قال دريد بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد قوله: (وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة) هذا يعلم من مفهوم قوله: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة: 45]، لأنه في معنى: لا يهون على أحد إلا على الخاشعين، فإنه استثناء مفرغ من كلام موجب فلابد من تأويل. قوله: (يتسخره بعض الظلمة)، الجوهري: تسخره: كلفه عملاً بغير أجرة. قوله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) الحديث من رواية النسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حبب إلي الطيب والنساء، وجعل قرة عيني في الصلاة".

وكان يقول ((يا بلال روّحنا)) والخشوع: الإخبات والتطامن. ومنه: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يا بلال روحنا) الحديث من رواية أبي داود عن سالم بن الجعد قال: قال رجل من خزاعة: ليتني صليت فاسترحت، فكأنهم عابوا ذلك عليه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أقم الصلاة يا بلال أرحنا بها" أي: أذن بالصلاة نسترح بأدائها من شغل القلب بها، قيل: كان اشتغاله بالصلاة راحة له، فإنه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعباً، وكان يستريح بالصلاة لما فيها من مناجاة الله تعالى، ولهذا قال: "وقرة عيني في الصلاة"، وما أقرب الراحة من قرة العين، يقال: أراح الرجل واستراح إذا رجع نفسه إليه بعد الإعياء، كلها في "النهاية". الراغب: الصلاة جامعة للعبادات وزائدة عليها لأنها لا تصح إلا ببذل مال ما، جار مجرى الزكاة فيما يستر به العورة، ويطهر به البدن، وامتساك في مكان مخصوص يجري مجرى الاعتكاف، وتوجه إلى الكعبة يجري مجرى الحج، وذكر الله تعالى ورسوله يجري مجرى الشهادتين، ومجاهدة في مدافعة الشيطان جارية مجرى الجهاد، وإمساك عن الأطيبين جار مجرى الصوم، وفيها ما ليس في شيء من العبادات الأخرى من وجوب القراءة وإظهار الخشوع والركوع والسجود وغير ذلك. وقلت: وفيها ما قال صلوات الله عليه: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" الذي هو أصل ذلك كله. قوله: (الخشوع: الإخبات والتطامن) الراغب: الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما

الخشعة للرملة المتطامنة. وأما الخضوع فاللين والانقياد. ومنه: خضعت بقولها إذا لينته. [(يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ* وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ)]. وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ نصب عطف على: (نِعْمَتِيَ) أى اذكروا نعمتي وتفضيلي عَلَى الْعالَمِينَ على الجم الغفير من الناس، كقوله تعالى: (بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: 71] يقال: رأيت عالما من الناس يراد الكثرة يَوْماً يريد يوم القيامة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب، ولذلك قيل فيما روي: "إذا ضرع القلب خشعت الجوارح" (تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً) [فصلت: 39] كناية. قوله: (خضعت بقولها: إذا لينته) مأخوذ من قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ) [الأحزاب: 32]. قوله: (على الجم الغفير من الناس) ذهب الإمام: أن الآية بظاهرها تدل على أن يكونوا أفضل من الصحابة، وليس كذلك. وقلت- والله أعلم-: "العالمين" كما سبق: اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين، أو لكل ما علم به الخالق، وهو عام يقبل التخصيص بالعلم بالبعض من أربعة أوجه: أحدها: من حيث الأشخاص، وهو المراد بقوله: "على الجم الغفير من الناس" وهو مجاز من باب إطلاق الكل على الأكثر نحو قوله تعالى: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: 16] (وَأُوتِيَتْ مِنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: 23] فعلى هذا يلزم تفضيلهم على غير الصحابة رضوان الله عليهم وهم الجم الغفير. وثانيها: من حيث المكان كما في الآية المستشهد بها (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 71] أي: أهل الشام، كقوله تعالى: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الإسراء: 1] ولا يجوز حمل الآية عليه. وثالثها: أن يختص بالبعض بحسب اختصاص أمر ما. قال الإمام: "العالمين" عام لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة، فيلزم أن يكونوا أفضل من غيرهم في أمر واحد، وغيرهم أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر. وقلت: هذا بعيد؛ لأن سياق الكلام لبيان الامتنان عليهم وتعداد النعم الفائقة، وهذا إنما يمكن إذا حملنا التفضيل على غير الصحابة من الجم الغفير. ورابعها: خص به بحسب اعتبار الزمان. قال محيي السنة: "على العالمين" أي: عالمي زمانهم، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء لكن يحصل به الشرف للأبناء. وقال القاضي: يريد به تفضيل آبائهم الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام وبعده قبل أن يغيروا، بما منحهم من العلم والإيمان، وجعلهم أنبياء وملوكاً مقسطين. وقلت: الحق هذا الوجه، وقضية النظم شاهدة بذلك، وبيانه أن المصنف كثيراً ما يذهب إلى أن الكلام إذا كرر كان للتأكيد، ولما يناط به من زيادة ليست مع الأول، وها هنا كرر نداءهم بقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 40] فعلق بها:

(لا تَجْزِي) لا تقضي عنها شيئا من الحقوق. ومنه الحديث في جذعة بن نيار: «تجزى عنك ولا تجزى عن أحد بعدك». و (شَيْئاً) مفعول به، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أولاً: النعمة التي اختصت بالذين شاهدوا حضرة الرسالة، وأنزل إليهم ما يصدق ما معهم، ومنحوا ما كانوا يتمنون من الاستفتاح على الكفار بنبي الرحمة. وثانياً: النعمة التي أنعمها الله تعالى على آبائهم وأسلافهم من تفضيلهم على عالمي زمانهم بالعلم والحكمة والنبوة، وبإنجائهم من فرعون وعقابه، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وغير ذلك. فالواجب: حمل الكلام على هذا لا على ما ذهب إليه المصنف لئلا يختل النظم، ويؤيده ما ذكره الزجاج: أذكرهم الله عز وجل نعمته عليهم في أسلافهم، والدليل على ذلك قوله: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [البقرة: 49] والمخاطبون بالقرآن لم يروا فرعون ولا آله. ولكنه أذكرهم أنه لم يزل منعماً عليهم؛ لأن إنعامه على أسلافهم إنعام عليهم، والدليل عليه: أن العرب تجعل ما كان لآبائها فخراً لها، وما كان فيه ذم تعده عاراً عليها. ولعل مراد المصنف من تخصيص هذا العام وتفسير العالمين بالجم الغفير من الناس أن لا تدخل الملائكة في العالمين حتى لا يلزم أن يكون البشر أفضل منهم كما ذهب إليه في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) إلى قوله: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء: 70] لأن بعض الأصحاب استدل بهذه الآية التي نحن بصددها على فضل البشر. قوله: (ومنه الحديث في جذعة ابن نيار) روينا في "صحيح البخاري" قال أبو بردة بن نيار خال البراء: يا رسول الله، فإني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي، وتغديت قبل أن آتي الصلاة. قال: "شاتك شاة لحم"، قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقاً جذعة هي أحب إلي من شاتين،

ويجوز أن يكون في موضع مصدر، أي قليلاً من الجزاء، كقوله تعالى: (وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) [مريم: 60]، ومن قرأ (لا تجزئ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء. وقرأ أبو السرار الغنوي: لا تجزى نسمة عن نسمة شيئا. وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوما. فإن قلت: فأين العائد منها إلى الموصوف؟ قلت: هو محذوف تقديره: لا تجزى فيه. ونحوه ما أنشده أبو علي: تَرَوَّحِى أَجْدَرُ أَنْ تَقِيلِي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أفتجزي عني؟ قال: "نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك"، الحديث وفي "مسند أحمد بن حنبل" نحوه. الجذع من الشاة، ما دخل في السنة الثانية. ابن نيار بكسر النون وتخفيف الياء والراء. قوله: (أي: قليلاً من الجزاء) فعلى هذا نزل المتعدي منزلة اللازم للمبالغة، ومن ثم استشهد بقراءة من قرأ "لا تجزئ" من: أجزأ عنه. قوله: (فلا يكون في قراءته إلا بمعنى: شيئاً من الإجزاء) أي: بمعنى المصدر، لأنه لازم تعدى إلى المفعول به بـ "عن". قوله: (تقديره: لا تجزي فيه) قال الزجاج: وحذف "فيه" ها هنا جائز؛ لأن "في" مع الظروف محذوفة تقول: أتيتك اليوم، وأتيتك في اليوم. فإذا أضمرت قلت: أتيتك فيه، ويجوز أتيتكه، ولو قلت: الذي تكلمت فيه زيد، لم يجز: الذي تكلمت زيد بدله. قوله: (تروحي أجدر أن تقيلي) تمامه: غداً بجنبي بارد ظليل

أي: ما أجدر بأن تقيلى فيه. ومنهم من ينزل فيقول: اتسع فيه، فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار ثم حذف الضمير كما حذف من قوله: ......... أو مال أصابوا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: أجدر) وفي نسخة: "ما أجدر"، وصح "ما أجدر" في المتن عن المعزي. و"ما" موصوفة، صفتها "أجدر" منصوبة بـ "تروحي" على تأويل مكاناً أو مراحاً. و"أجدر" أفعل التفضيل، وفاعله ضمير مستكن للمراح، و"الباء" المقدر في "أن" صلة أجدر، والمفضل عليه محذوف يقول: جدي يا ناقة في السير واطلبي مراحاً أحق بأن تقيلي فيه من مكان أنت فيه. تروحي: من الرواح وهو السير فيما بعد الزوال، و"تقيلي" من القيلولة. وفي "محتسب ابن جني": أصله ائتي مكاناً أجدر بأن تقيلي فيه، فحذف ائتي لدلالة تروحي عليه، فصار: تروحي مكاناً أجدر بأن تقيلي فيه، ثم حذف الموصوف الذي هو مكاناً فصار أجدر بأن تقيلي فيه، ثم حذف الباء تخفيفاً فصار أن تقيلي فيه، ثم حذف "في" فصار أن تقيليه، ثم حذف العائد المنصوب فصار كما ترى، ففيه خمسة أعمال. هذا الذي عناه المصنف بقوله: "ومنهم من ينزل" أي: يحط به درجة فدرجة. قوله: (أو مال أصابوا) أوله: فما أدري أغيرهم تناء ... وطول العهد أو مال أصابوا وقبله: ألا أبلغ معاتبتي وقولي ... بني عمي فقد حسن العتاب

ومعنى التنكير: أن نفسا من الأنفس لا تجزى عن نفس منها شيئا من الأشياء، وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع. وكذلك قوله: (وَلا تُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) أي فدية لأنها معادلة للمفدي. ومنه الحديث ((لا يقبل منه صرف ولا عدل)) أي توبة ولا فدية. وقرأ قتادة: (ولا يَقبل منها شفاعة)، على بناء الفعل للفاعل وهو اللَّه عز وجل، ونصب الشفاعة. وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وسل هل كان لي ذنب إليهم ... هم منه- فأعتبهم- غضاب كتبت إليهم كتباً مراراً ... فلم يرجع إلي لها جواب وبعده: فمن يك لا يدوم له وفاء ... وفيه حين يغترب انقلاب فعهدي دائم لهم وودي ... على حال إذا شهدوا وغابوا قال السيد ابن الشجري في "الأمالي" قائلها: الحارث بن كلدة، وقد خرج إلى الشام وكتب بها إلى بني عمه، فلم يجيبوه. وإنما قال: أم مال أصابوا؛ لأن الغنى في أكثر الناس يغير الإخوان على إخوانهم، وهي من ألطف عتاب وأحسنه. قوله: (وكذلك قوله: "ولا تقبل منها شفاعة) أي: إقناط كلي. قوله: (ومنه الحديث) الحديث من رواية أبي داود عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ قلت: نعم؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال- أو الناس- لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً". قال صاحب "الجامع": صرف الكلام: ما يتكلفه الإنسان من الزيادة فيه من وراء الحاجة، والاستباء: افتعال من السبي، كأنه ينهب بكلامه قلوب السامعين، العدل: الفرض، والصرف: النافلة، وقيل: الصرف: التوبة. والعدل: الفدية، سميت لأنها تصرف من الحال الذميمة إلى الحميدة. الراغب: تفسيرهم العدل والصرف بالفريضة والنافلة من حيث إن العدل هو المساواة وتعاطيه واجب، والصرف: الزيادة الحاصلة عن التصرف، وتعاطيه تبرعوهما كالعدل والإحسان. وقلت: في تخصيص السبي بالذكر في الحديث نكتة وهي أنه صلوات الله عليه استعار للميل إلى الباطل لفظ السبي الذي يختص بالغارة، ويفهم منه أنه إذا أميلت إلى الحق بسبب الكلمات المونقة في الترهيب والترغيب لم يدخل في هذا الوعيد. قوله: (هل فيه دليل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ ) ثم قوله: (نعم) فيه نظر؛ لأن سياق الآية على العموم كقوله تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ) [عبس: 34 - 37] فالسؤال إنما يحسن عن التخصيص؛ لأنها هل تدل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة وغير العصاة. والتخصيص من وجهين: أحدهما: بحسب المكان والزمان، فإن مواقف القيامة ومقدار زمانها فيه سعة وطول، لعل هذه الحالة في ابتداء وقوعها وشدة أمره، ثم يأذن بالشفاعة.

لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقاً أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع فعلم أنها لا تقبل للعصاة. فإن قلت: الضمير في (وَلا يُقْبَلُ مِنْها) إلى أى النفسين يرجع؟ قلت: إلى الثانية العاصية غير المجزى عنها، وهي التي لا يؤخذ منها عدل. ومعنى لا يقبل منها شفاعة: إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها. ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزى عنها شيئا، ولو أعطت عدلا عنها لم يؤخذ منها وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعنى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة والتذكير بمعنى العباد والأناسى، كما تقول: ثلاثة أنفس. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثانيهما: بحسب الأشخاص، إذ لابد لهم من التخصيص في غير العصاة لمزيد الدرجات، ونحن نخصص في العصاة بما روينا من الأحاديث الصحيحة المروية عن البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة الثقات ما يبلغ مبلغ التواتر منها في حديث طويل: "ثم أشفع فيحد لي حداً، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة" قال: لا أدري أفي الثالثة أو في الرابعة قال: "فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن" أي: وجب الخلود. وقال القاضي: إن الآية مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة، ويؤيده أن الخطاب معهم، والآية نزلت رداً لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم. وهذا القول مذكور في "الكشاف". قوله: (ولو أعطت عدلاً عنها) الضمير المستتر المرفوع راجع إلى النفس الأولى في (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً)، والمجرور عائد على النفس الثانية. قوله: (والتذكير بمعنى العباد) عطف على قوله: "يعني ما دلت عليه النفس المنكرة" أي: يعني الله تعالى بالضمير في "هم لا ينصرون" ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة،

[(وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)] 49. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والتذكير بمعنى العباد، وحق الظاهر أن يقال: ولا هي تنصر، فخولف بأن جمع الضمير، والمرجوع إليه مفرد، وذكره وهو مؤنث، والجمع باعتبار أن النفس المنكرة في سياق النفي دلت على أن هناك نفوساً كثيرة، وكل واحدة منها لا تجزي عن الأخرى شيئاً، والتذكير بتأويل: "تلك الأنفس عبيد مقهورون مذللون تحت سلطان الله وملكه". قال القاضي: وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع العذاب أحدٌ عن أحدٍ من كل وجه محتمل، فإنه إما أن يكون قهراً أو غيره، والأول: النصرة، والثاني: إما أن يكون مجاناً أو غيره، والأول: أن يشفع له، والثاني: إما بأداء ما كان عليه وهو أن يجزي عنه، أو بغيره، وهو أن يعطي عدلاً. وقلت: هذا على التقسيم العقلي، وأما البياني فإن الآية من أسلوب الترقي، ولذلك اختار المصنف في تفسير "تجزي": تقضي، على "تغني"، كأنه قيل: النفس الأولى غير قادرة على استخلاص صاحبها من قضاء الواجبات، وتدارك التبعات؛ لأنها مشتغلة عنها بشأنها (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ) [عبس: 34 - 37] ثم إن قدرت على سعي ما مثل الشفاعة فلا يقبل منها، وإن زادت عليها بأن يضم معها الفداء فلا يؤخذ منها، وإن حاولت الخلاص بالقهر والغلبة- وأنى لها ذلك- فلا تتمكن منه، فالترقي من السعي إلى السعي. فإن قلت: لم خالف المفسرين مثل الزجاج ومحيي السنة وغيرهما؟ على أن صاحب

أصل (ءالِ) أهل، ولذلك يصغر بأهيل، فأبدلت هاؤه ألفاً. وخص استعماله بأولى الخطر والشأن كالملوك وأشباههم، فلا يقال آل الإسكاف والحجام ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الإيجاز" قال: وقيل: "تجزي": تقضي وتغني. و"تغني" أبلغ؛ لأن "تغني" يكون نقصاً وبدفع ومنع. قلت: لا يخلو حينئذ من أن يكون عطف "لا يقبل" إلى آخره على (لا تَجْزِي) من باب عطف الخاص على العام، أو من باب عطف البيان على المبين، أو من باب فحوى الخطاب كقوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: 23] كأنه قيل: لا يغني عنها شيئاً قليلاً فكيف بالشفاعة ثم بالفداء ثم بالنصرة! والأول ضعيف؛ لأن المقصود من إفراد الذكر بعد الاشتراك الإيذان بأن ذلك الفرد قد خرج من ذلك الجنس لاكتسابه ما به تميز عنه من الفضائل، وها هنا أفراد المعطوف عليه مذكورة، وأما الثاني فلا يقبله من عنده أدنى مسكة من الذوق، والثالث غير مستبعد لاجتماع الترقي من قوله: (وَلا يُقْبَلُ) إلى آخره مع فحوى الخطاب، لكن أين هذا من ذاك، والقول ما قالت حذام، والله أعلم. قوله: (آل الإسكاف)، الأساس: وهو إسكاف من الأساكفة: هو الخراز، وقيل: كل صانع. قال الجوهري: الثاني غير معروف.

و (فِرْعَوْنَ) علم لمن ملك العمالقة، كقيصر: لملك الروم، وكسرى: لملك الفرس. ولعتوّ الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان، إذا عتا وتجبر. وفي ملح بعضهم: قَدْ جَاءَهُ الْمُوسَى الْكَلُومُ فَزَادَ فِى ... أقْصَى تَفَرْعُنِهِ وَفَرْطِ عُرَامِهِ وقرئ: (أنجيناكم)، (ونجيتكم). (يَسُومُونَكُمْ) من سامه خسفاً إذا أولاه ظلما. قال عمرو بن كلثوم: إذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً ... أَبَيْنَا أَنْ يَقِرَّ الْخَسْفُ فِينَا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (العمالقة) أي: الجبابرة، وهم الذين كانوا بالشام من بقية قوم عاد، الواحد: عمليق وعملاق. قوله: (سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً)، الأساس: سامه خسفاً: أولاه ذلاً وهواناً. يقال: رضي بالخسف وبات على الخسف: على الجوع. وشربوا على الخسف: على غير ثفل. الراغب: السوم: الذهاب في ابتغاء الشيء، فهو لفظ لمعنى مركب من الذهاب والابتغاء، فأجري مجرى الذهاب في قولهم: سامت الإبل، فهي سائمة. ومجرى الابتغاء في قولهم: سمته كذا، قال تعالى: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) [البقرة: 49] وقيل: سيم فلان الخسف: الظلم والنقصان، ومنه السوم في البيع. قوله: (إذا ما الملك سام) البيت. قال ابن الأنباري: المَلْكُ والمَلِكُ لغتان. قيل: هو

وأصله من سام السلعة إذا طلبها. كأنه بمعنى يبغونكم سُوءَ الْعَذابِ ويريدونكم عليه. والسوء: مصدر السيئ: يقال أعوذ باللَّه من سوء الخلق وسوء الفعل، يراد قبحهما. ومعنى (سوء العذاب) والعذاب كله سيئ: أشدّه وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة لي سائره. (يُذَبِّحُونَ): بيان لقوله: (يسومونكم)؛ ولذلك ترك العاطف كقوله تعالى: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا وقرأ الزهري (يذبحون) بالتخفيف كقولك: قطعت الثياب وقطعتها. وقرأ عبد اللَّه: (يقتلون). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تخفيف الملِك، الخسف: الظلم والنقصان. يقول: إذا حمل الملك الناس على الظلم أبينا أن نحمل ذلك ونقر به، وموضع "أن نقر" نصب بأبينا. قوله: (كأنه قبحه) أي: كأن أشد العذاب قبح العذاب بالنسبة إلى سائره. قال الزجاج: العذاب كله سوء فإنما نكر؛ لأنه أبلغ ما يعامل به من يجني، أي: من يبلغ الإساءة ما لا غاية بعده. قوله: ((يُذَبِّحُونَ): بيان لقوله: (يَسُومُونَكُمْ))، كما أن "يضاهون" بيان لقوله: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ) [التوبة: 30] الآية، كما ترك العاطف هناك ترك ها هنا. ولقائل أن يقول: هذا غير مستقيم، لأن "يضاهون" ليس بياناً، والدليل عليه قوله هناك:

وإنما فعلوا بهم ذلك لأنّ الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يكون على يده هلاكه، كما أنذر نمروذ. فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ، وكان ما شاء اللَّه. والبلاء المحنة إن أشير بـ (ذلكم) إلى صنيع فرعون. والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعنى: الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم. وليس فيه ما يشعر به أنه بيان. ويجاب بأن يقال: إنه بيان لقوله: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) وذلك التقدير لا ينافيه، فإنه تعالى لما حكم عليهم أن هذا القول قول باطل ولا معنى له، بينه بقوله: "يضاهي قولهم قول المشركين: الملائكة بنات الله" دفعاً لوهم من عسى أن يزعم أن هؤلاء أهل كتاب، لعل قولهم عن نص أو دليل عقلي، فقال: بل قولهم مثل قول المشركين في البطلان وعدم الحجة. قوله: (والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء)، الراغب: بلي الثوب بلى وبلاء، أي: خلق، ومنه بلو سفر وبلي سفر، أي: أبلاه السفر، وبلوته: أي: اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له، وسمي الغم بلاء؛ لأنه يبلي الجسم، وسمي التكليف بلاء من أوجه: الأول: أن التكاليف كلها مشاق. والثاني: أنها اختبارات، ولهذا قال: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) [محمد: 31] والثالث: أن اختبار الله للعباد تارة بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، والقيام بحقوق الصر أيسر، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر، ولهذا قال علي رضي الله عنه: من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به، فهو مخدوع عن عقله. وقال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ) [الأنبياء: 35].

[(وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)]. (فَرَقْنا): فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم. وقرئ: فرّقنا، بمعنى فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنى عشر على عدد الأسباط. فإن قلت: ما معنى بِكُمُ؟ قلت: فيه أوجه: أن يراد أنهم كانوا يسلكونه ويتفرّق الماء عند سلوكهم، فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، وأن يراد فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم، وأن يكون في موضع الحال، بمعنى فرقناه ملتبسا بكم كقوله: تَدُوسُ بِنَا الْجَمَاجِمَ وَالتَّرِيبا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإذا قيل: ابتلى فلان فلاناً وأبلاه يتضمن أمرين: أحدهما: تعرف حاله والوقوف على ما يجهل من أمره، والثاني: ظهور جودته ورداءته وربما قصد الأمران أو أحدهما، وإذا قيل: بلاه الله وأبلاه فالمراد الثاني، لأنه تعالى علام الغيوب. قوله: (تدوس بنا) البيت للمتنبي وأوله: كأن خيولنا كانت قديماً ... تسقى في قحوفهم الحليبا فمرت غير نافرة عليهم ... تدوس بنا الجماجم والتريبا التريب: جمع التربية وهي عظام الصدر. والعرب تسقي اللبن كرام خيولهم، يقول: إن خيلنا كانت تسقى اللبن في أقحاف رؤوس الأعداء وألفت بها، فلذلك وطئت رؤوسهم

أي تدوسها ونحن راكبوها. وروى أنّ بنى إسرائيل قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم. فقال: اللهم أعنى على أخلاقهم السيئة. فأوحى إليه: أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على الحيطان، فصارت فيها كوى. فتراموا وتسامعوا كلامهم (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وصدورهم، ونحن عليها ولم تنفر. فالظرف على هذا مستقر. وعلى الوجهين لغو. وفرق بين الباء السببية والاستعانة، فإن باء الاستعانة كالآلة، وأن البحر فرق بواسطتهم. والسببية آذنت بأن الله تعالى فرقه بسببهم ولأجل إنجائهم، لكن ليس فيه أنه فرق بواسطتهم أم بشيء آخر. وعلى الملابسة ليس فيها نصوصية الأمر، قال السلمي: أما الاستعانة فنحو: كتبت بالقلم، وهذا في كل موضع اتصلت بآلة متوسطة بين الفاعل والمفعول، وأما المصاحبة فنحو: خرج زيد بثيابه، وتكون سببية نحو: أخذت بذنبه، أي: بسببه، وأما التعدية فنحو: خرجت به. قوله: (أن قل بعصاك)، النهاية: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام، فتقول: قال بيده، أي: أخذ، وقال برجله، أي: مشى، وقال بثوبه، أي: رفعه، وقال بالماء على يده، أي: قلب، ويقال: قال بمعنى مال وأقبل وضرب وغير ذلك. قوله: ((وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ) إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه) جعل "تنظرون" من النظر بالبصر، والظاهر الإطلاق. الراغب: النظر نظران: نظر بصر، ونظر بصيرة، والأول كالخادم للثاني، والنظر أصله

[(وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ* ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)]. لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد اللَّه موسى أن ينزل عليه التوراة، وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذى الحجة. وقيل: (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)؛ لأنّ الشهور غررها بالليالي. وقرئ (واعَدْنا)؛ لأن اللَّه تعالى وعده الوحى ووعد المجيء للميقات إلى الطور (مِنْ بَعْدِهِ): من بعد مضيه إلى الطور. (وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) بإشراككم (ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ) حين تبتم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للمناظر، كأنه ينظر كل واحد إلى صاحبه في المشاكلة كالنظرين. ولما احتملت الآية المعنيين قيل: معناها وأنتم تشاهدونه ولا تشكون فيه، وعلى ذل حمل قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) [يونس: 92] وقيل: معناها وأنتم تعتبرون بذلك. قوله: (وقيل: (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)) أي: في القرآن، لا أنه قول مفسر، وكذا قوله: "وقرئ (وَاعَدْنَا) ". قوله: (لأن الشهور) أي: شهور العرب، وهي إنما تبتدئ من الليالي برؤية الهلال، وسيجيء بعد هذا تحقيقه في قوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة: 234]. قوله: (لأن الله تعالى وعده الوحي ووعد المجيء إلى الطور للميقات) ومن فوائد صاحب "التقريب" رحمه الله: وعدته وعداً وعدة وموعداً، ويستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى: (أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً) [طه: 86] وقال: (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الحج: 72] ويتعدى إلى مفعولين.

(مِنْ بَعْدِ ذلِكَ): من بعد ارتكابكم الأمر العظيم، وهو اتخاذكم العجل لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: إرادة أن تشكروا النعمة في العفو عنكم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إن قيل: في قول أهل التفسير: وعد موسى المجيء إلى الطور، ووعد الله إليه الوحي، إشكال، ووجه تقريره: أن "أربعين" إما أن يكون منتصباً على الظرفية، أو على المفعول به لظهور بعد غيرهما من المنصوبات أو امتناعه. والأول ممتنع؛ لأن المواعدة لم تكن في أربعين، وكذا الثاني، لأن المواعدة إنما تتعلق بالأحداث والمعاني لا بنفس الحدث والأزمنة، ولا جائز أن يقدر مضاف، لأنه لو قدر إما أن يقدر المذكوران، أي: الوحي والمجيء، وهو ممتنع؛ لأن تقدير مضافين، إلى شيء واحد حذفا من اللفظ غير معهود في العربية، بخلاف ما لو كانا ملفوظين نحو: بين ذراعي وجبهة الأسد، أو أن يقدر أمر واحد منهما أو غيره، والأول أيضاً ممنوع؛ لأن أحدهما غير مواعد من الطرفين بل كليهما، والثاني غير جائز؛ لأن المنقول ذلك الأمران، على أن المواعدة تقتضي شيئين. وأجاب باختيار الثالث، ونقدر أمراً يتضمنهما لتصحيح المعنى واللفظ، نحو الملاقاة فإنها تستقيم من الجانبين، واللقاء الموعود من الله تعالى لأجل الوحي، ومن موسى عليه السلام لأجل استماعه. وغرض المفسرين من ذلك التقدير بيان المعنى، وأن الموعود من كل جانب ماذا، لا بيان الإعراب، على أنه يجوز تفكيك "واعدنا" إلى فعلين لإضمار المعنيين باعتبارين، كأنه قيل: نحن وعدنا وحي أربعين، أي: الوحي بعد أربعين، ووعد هو مجيء أربعين، أي: المجيء بعد أربعين. فإن "واعدنا"، وإن كان واحداً لفظاً فهو متعدد معنى، ونظيره قولك: بايع الزيدان عمراً؛ لأن المعنى باع زيد من عمرو، وباع أيضاً صاحبه منه؛ لا أن المفاعلة صدرت منهما دفعة فوجب التفكيك. هذا تلخيص كلامه. قوله: (من بعد ارتكابكم الأمر العظيم) ودل على عظم الأمر إتيان "ذلك" للبعيد، والمشار إليه قريب. قوله: ((لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) إرادة أن تشكروا) فسر الرجاء بالإرادة، لأن الرجاء إرادة

[(وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)]. الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ يعنى الجامع بين كونه كتاباً منزلاً، وفرقانا يفرق بين الحق والباطل: يعنى التوراة، كقولك: رأيت الغيث والليث، تريد الرجل الجامع بين الجود والجرأة. ونحوه قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً) [الأنبياء: 48]، يعني: الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكراً؛ ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ شيء حصوله غير معلوم، وهو على عالم الغيب والشهادة غير جائز، فجعله مجازاً عن مطلق الإرادة بناءً على مذهبه؛ لأن مراد الله قد يتخلف عن إرادته عندهم، وعلى مذهبنا استعمال "لعل" تمثيل. المعنى: نحن عاملناهم معاملة من يدر النعم على الغير متوالية، وهو غير ملتفت إليها، ولا يشكر المنعم، والمنعم لا يقطع خيره رجاء أن يقلع عن فعله، ثم استعمل هنا ما كان مستعملاً هناك نعياً عليهم في التمادي في الغفلة، والتناهي في كفران النعم. قوله: (يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً) يريد أن الكتاب والفرقان عبارتان عن معبر واحد وهو التوراة بعد تأويلها بالصفتين، يدل عليه قوله آخراً: "يعني التوراة"، هذا نحو قولك إذا أردت أن ترسم التوراة تقول: هي الكتاب المنزل على موسى عليه السلام، الفارق بين الحق والباطل، وهو من باب الكناية التي يطلب بها نفس الموصوف. نحو قولك في مستوي القامة: عريض الأظفار، وتريد به الإنسان. وأما "الواو" فهي الداخلة بين الصفات للإعلام باستقلال كل منها وهي الإشارة بقوله: "رأيت الغيث والليث"، وعليه قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً) [الأنبياء: 48] يعني التوراة.

أو التوراة. والبرهان: الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام، وقيل الفرقان: انفراق البحر. وقيل: النصر الذي فرّق بينه وبين عدوّه، كقوله تعالى: (يَوْمَ الْفُرْقانِ) [الأنفال: 41]، يريد به يوم بدر. حُمل قوله (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) على الظاهر وهو البخع. وقيل: معناه قتل بعضهم بعضاً. وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة. وروى أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه، فلم يمكنهم المضي لأمر اللَّه تعالى، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو التوراة والبرهان الفارق) وهو عطف على قوله: "الجامع بين كونه كتاباً" أي: المراد بمجموع اللفظين التوراة، أو يراد بالكتاب التوراة، وبالفرقان البرهان الفارق، وهو غير التوراة لبيانه بقوله: "من العصا واليد"، فتحصل المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه إذن. قوله: (أو الشرع) عطف على قوله: "البرهان الفارق" فإذن العطف إما من باب قوله: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: 98] أو من باب التجريد؛ لأن التوراة مشتملة على الشرع الفارق بين الحلال والحرام، فجرد منها هذه الصفة لكمالها فيها، ثم عطف عليها وهي هي. قال الزجاج: يجوز أن يكون "الفرقان" الكتاب بعينه إلا أنه أعيد ذكره، وعنى به أنه يفرق بين الحق والباطل. قال المصنف في (ص): هو اسم السورة (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) السورة بعينها، كما تقول: مررت بالرجل الكريم وبالنسمة المباركة، ولا تريد بالنسمة غير الرجل. قوله: (البخع)، الأساس: بخع الشاة: بلغ بذبحها القفا، ومن المجاز: بخعه الوجد إذا بلغ منه المجهود. قوله: (فلم يمكنهم المضي لأمر الله تعالى). الراغب: وقد طعن بعض الملحدة وزعم أن قتل النفس مستقبح في العقل، وهذا الجاهل إنما استقبحه لكونه جاهلاً بأن لنفوسنا خالقاً،

فأرسل اللَّه ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم، وقيل لهم: اصبروا، فلعن اللَّه من مدّ طرفه أو حل حبوته أو اتقى بيد أو رجل، فيقولون: آمين، فقتلوهم إلى المساء حتى دعا موسى وهرون وقالا: يا رب، هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشفت السحابة ونزلت التوبة. فسقطت الشفار من أيديهم، وكانت القتلى سبعين ألفا. فإن قلت: ما الفرق بين الفاءات؟ قلت: الأولى للتسبيب لا غير، لأن الظلم سبب التوبة. والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، من قبل أن اللَّه تعالى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بأمره يستبقيها وبأمره يفنيها، وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو حياة سرمدية كما قال الله تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) [العنكبوت: 64] وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا كمجاهد أقيم على ثغر يحرسه، ووال على بلد يسوسه، وأنه مهما استرده، فلا فرق بين أن يأمره بخروجه بنفسه، أو يأمر غيره بإخراجه، وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما. قوله: (اصبروا، فلعن الله) الفاء للتعقيب داخلة على شرط مقدر، تقديره: اصبروا، فمن لم يصبر لعنه الله، فوضع "من مد طرفه" إلى آخره موضع الضمير إشعاراً بالعلية. قوله: (البقية البقية)! وهي منصوبة بفعل مضمر، أي: سلم البقية. قوله: (للتسبيب لا غير) يعني ليست للعطف، كقولهم: الذي يطير فيغضب زيد الذباب. قوله: (والثانية للتعقيب)، اعلم أن حمل الفاء على التعقيب يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قتل أنفسهم عين التوبة، فحينئذ يحتاج إلى تقدير "فاعزموا على التوبة فاقتلوا" لئلا يلزم عطف الشيء على نفسه، وإليه الإشارة بقوله: "من قبل أن الله جعل توبتهم قتل أنفسهم".

جعل توبتهم قتل أنفسهم. ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم. فيكون المعنى: فتوبوا، فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم، والثالثة متعلقة بمحذوف، ولا يخلو إما أن ينتظم في قول موسى لهم فتتعلق بشرط محذوف، كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم. وإمّا أن يكون خطابا من اللَّه تعالى لهم على طريقة الالتفات. فيكون التقدير: ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم. فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثانيهما: أن يكون قتل أنفسهم تتمة للتوبة، فتكون التوبة مشتملة على القول المتعارف والفعل المخصوص، فيصح العطف بدون التقدير. قوله: (ففعلتم ما أمركم به موسى) والذي أمر به موسى هو قوله: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ) [البقرة: 54] أي: قال لكم موسى: توبوا إلى بارئكم، فتبتم فتبنا عليكم، فالفاء إذن فصيحة؛ لأنها تفصح عن محذوف غير شرط هو سبب لما بعده. والأولى أن علة التسمية اختصاصها بكلام الفصحاء، كما سيجيء في قوله: (فَانفَجَرَتْ) [البقرة: 60]، وأما الفاء في قول المصنف: "فيكون التقدير" فجواب شرط محذوف، يعني: التقدير على طريقة الشرط ما ذكر، وعلى طريقة الالتفات هذا المذكور، فيكون لفظ بارئكم في "الكشاف" في قوله: "فتاب عليكم بارئكم" مقصوداً بالذكر وإن لم يكن في التنزيل. فإن قلت: فما فائدة هذه الزيادة في الكتاب؟ قلت: فائدتها بيان موقع النكتة في الالتفات، وهي مزيد الاعتناء بلفظ البارئ الدال على المعنى الذي تضمنه جوابه عن السؤال الآتي، كأنه يشير به إلى أن الضمير في "فتاب" يعود إلى البارئ المذكور، فيكون لفظ "البارئ" مقصوداً، بخلافه إذا قيل: فتبنا لأنه لا دلالة له عليه، والمقام يقتضي مزيد التوبيخ والتقريع لا التعظيم، ومن ثم كرر لفظ البارئ ولا كذلك في

قلت: البارئ: هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) [الملك: 3] ومتميزاً بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشرط؛ لأنه على ظاهره يقتضي العود إلى البارئ؛ لأنه من تتمة كلام موسى، ولهذا لم يصرح بـ "البارئ" في التقدير. فإن قلت: من أين نشأ الالتفات؟ وكيف موقعه؟ قلت: من قوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) [البقرة: 54] يعني اذكروا يا بني إسرائيل وقت قول موسى لقومه: فتوبوا إلى بارئكم، فامتثلتم أمره، فتبتم، فتبنا عليكم، فرجع إلى الغيبة. قوله: (البارئ: هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت)، الراغب: أصل البرء: خلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل التفصي منه، أو على سبيل الإنشاء عنه، فعلى التفصي قولهم: بريء فلان من مرضه، والبائع من عيوب مبيعه، وصاحب الدين من دينه، ومنه استبراء الجارية. وعلى سبيل الإنشاء قولهم: برأ الله الخلق، وقوله صلوات الله عليه: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة". فإن قلت: ما معنى قوله: "ومتميزاً بعضه من بعض بالأشكال المختلفة" بعد قوله: "بريئاً من التفاوت"؟ قلت: معنى التفاوت: عدم التناسب، فكأن بعضه يفوت بعضاً ولا يلائمه، ومعنى التميز: التفريق، فاليد متميزة عن الرجل لكن ملائمة لها من حيث الصغر والكبر والغلظ والدقة، كقوله تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) [طه: 50] أي: أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يناسب المنفعة المنوطة به.

فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر، إلى عباد البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة. - في أمثال العرب: أبلد من ثور - حتى عرضوا أنفسهم لسخط اللَّه ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها. [(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ* ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)] 55 - 57]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واعلم أن هذه التوبة وهي قوله: (فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) مناسبة لذكر البارئ دون سائر الصفات في هذا المقام؛ لأن معناه كما قال: خلقهم "أبرياء من التفاوت" وهي نعمة جسيمة، وكان من حق الشكر أن يخصوا من له هذه الصفة بالعبادة دون غيره، فلما عكسوا هذه القضية، وكفروا هذه النعمة بأن عبدوا ما هو على ضده، أي: لا تميز له أصلاً، استرد منهم تلك النعمة بأن أمروا بالقتل وفك ذلك التركيب الأنيق. ما أحسن هذا البيان! قوله: (والتنافر) عطف على "التفاوت" على سبيل البيان لما فسر أن معنى التفاوت عدم التناسب، فعدم التناسب هو التنافر، أو على "ترك عبادة العالم"، وفيه تنافر. قوله: (حتى عرضوا) غاية قوله: "من ترك عبادة العالم" أي: تركوا عبادة العالم الحكيم مائلين إلى عبادة البقر حتى أورثهم التعرض لسخط الله. قوله: (وغمطوها)، الأساس: غمط النعمة: احتقرها ولم يشكرها.

قيل: القائلون السبعون الذين صعقوا. وقيل قاله عشرة آلاف منهم (جَهْرَةً): عياناً، وهي مصدر من قولك: جهر بالقراءة وبالدعاء، كأنّ الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب مخافت بها، وانتصابها على المصدر، لأنها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس، أو على الحال بمعنى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (السبعون الذين صعقوا) قال محيي السنة: إن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار السبعين وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات ربه، فقالوا: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فلما دنا موسى إلى الطور وقع عليه عمود الغمام، فضرب دونه الحجاب، وسمعوه يكلم موسى، يأمره وينهاه، فلما انكشف الغمام، فقالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويقول: ماذا أقول لبني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم؟ فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم. قوله: (كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية) يعني: استعمال جهرة ها هنا على الاستعارة، لأنها مسبوقة بالتشبيه، أي: استعير الجهر للرؤية، وفائدتها كمال الرؤية بحيث لا يضام فيها. الأساس: جهر الشيء: إذا ظهر، وأجهرته أنا، وأجهر فلان ما في صدره، ورأيته جهرة، أيك عياناً، وجهر بكذا، أي: أعلنه، وقد جهر بكلامه وبقراءته: رفع بهما صوته. الراغب: الجهر: يقال لظهور الشيء بإفراط إما لحاسة البصر نحو: رأيته جهاراً، قال تعالى: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة: 55] ومنه: جهر البئر: إذا أظهر ماءها، وقيل: ما في القوم أحد يجهر عيني، والجوهر: فوعل منه، وهو ما إذا بطل بطل محموله، وسمي بذلك لظهوره للحاسة، وإما لحاسة السمع، قال تعالى: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ

ذوي جهرة. وقرئ «جهرة» بفتح الهاء، وهي إمّا مصدر كالغلبة. وإما جمع جاهر. وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادّهم القول وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال؛ وأن من استجاز على اللَّه الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام والأعراض، فرادّوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان، ولجوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل، فسلط اللَّه عليهم الصعقة كما سلط على أولئك القتل تسوية بين الكفرين ودلالة على عظمهما بعظم المحنة. و(الصَّاعِقَةُ): ما صعقهم، أي: أماتهم. قيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم. وقيل: صيحة جاءت من السماء. وقيل: أرسل اللَّه جنودا سمعوا بحسِّها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مِنْ الْقَوْلِ) [الأنبياء: 110] وقيل: كلام جهوري وجهير يقال لرفيع الصوت ولمن يجهر بحسنه. قوله: (وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه السلام رادهم القول وعرفهم) قيل: الدليل تسليط الصعقة عليهم؛ لأنه لولا ذلك لما سلط عليهم الصعقة، لكونهم معذورين إذ لم يعلموا أنه تعالى ممتنع الرؤية، فثبت أن موسى عليه السلام عرفهم ذلك وهم رادوه. وقلت: الوجه الذي لا محيد عنه أن ذلك الدليل هو قولهم: لن نؤمن لك، لأن (لن) في النفي بمنزلة (أن) في الإثبات في كونهما يقعان في صدر الجملة الإنكارية كما سبق في قوله: كما تقول لصاحبك: لا أقيم غداً، وإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً. وليس في الكلام أن من استجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام. نعم فيه إنكار مطلقاً، وأقصى ما يقال في ذلك أنه تعالى مما لا يجوز أن يرى في الجملة، وذلك لا يفيد عموم الأحوال والأوقات، وليس فيه ما يلزم منه تكفير القوم.

فخرُّوا صعقين ميتين يوما وليلة. وموسى عليه السلام، لم تكن صعقته موتاً ولكن غشية، بدليل قوله: (فلما أفاق) [الأعراف: 143]. والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ). وقرأ علىّ رضى اللَّه عنه: (فأخذتكم الصاعقة). (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة اللَّه بعد ما كفرتموها إذا رأيتم بأس اللَّه في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتشبيههم بعبدة العجل إن كان بسبب طلب الرؤية لا يصح، فإن موسى عليه السلام طلبها في المرة الأولى عند مجيئه إلى الطور، ولم يكن معه القوم كما بيناه في "الأعراف"، وإن كان للصعقة فهو كذلك، وإن كان بسبب قولهم: "لن نؤمن لك" فحق، وإنما سلط الله عليهم الصعقة لأنهم امتنعوا من الإيمان بموسى بعد إظهاره المعجزات، والإيمان بالأنبياء واجب بعد إثباتهم النبوة بإظهار المعجزة، ولا يجوز لهم بعد ذلك اقتراح المعجزات؛ لأنه باب من التعنت، ولهذا عاقبهم الله تعالى. قوله: (لم تكن صعقته موتاً ولكن غشية بدليل قوله: (فَلَمَّا أَفَاقَ) [الأعراف: 143]) هذا يوهم أن صعقته كانت في هذه المرة بل صعقته وإفاقته في المرة الأولى كما بيناه في "الأعراف". قوله: ((لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) نعمة البعث) وكون البعث نعمة ما ذكره الزجاج: بعثكم بعد الموت، وأعلمكم أن قدرته عليكم هذه، وأن الإقالة بعد الموت، أي: الإعادة لا شيء بعدها، أي: لا نعمة أظهر منها، وهي كالمضطرة إلى عبادة الله. قوله: (أو نعمة الله بعدما كفرتموها) والنعمة على هذا إيمانهم قبل [ما] رادهم موسى،

(وَظَلَّلْنا): وجعلنا الغمام تظلكم. وذلك في التيه، سخر اللَّه لهم السحاب تسير بسيرهم تظلهم من الشمس وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه، وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى، وينزل عليهم الْمَنَّ -وهو الترنجبين- مثل الثلج. من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، ويبعث اللَّه الجنوب فتحشر عليهم السَّلْوى - وهي السمانى- فيذبح الرجل منها ما يكفيه. (كُلُوا) على إرادة القول. (وَما ظَلَمُونا) يعنى: فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا، فاختصر الكلام بحذفه لدلالة (وما ظلمونا) عليه. [(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ)]. (الْقَرْيَةَ): بيت المقدس. وقيل أريحاء من قرى الشام، أُمِروا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقولهم: لن نؤمن لك، أي: فأخذتكم الصاعقة لعلكم تشكرون نعمة الإيمان فلا تعودوا إلى طلب ما لا يجوز. وقوله: "إذا رأيتم" ظرف تشكرون. قوله: (يعني فظلموا بأن كفروا) يريد أن "الواو" في (وَمَا ظَلَمُونَا) [البقرة: 53] تستدعي معطوفاً عليه هو مترتب على ما قبله، كقوله تعالى: (وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) بعد قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً) [النملك 15] والفاء في "فظلموا" مجاز لغير مترتب، على أسلوب قولك: أنعمت عليه فكفر، أي: ليشكر، فكفر، وضعوا الكفر موضع الشكر فظلموا، ونحوه قوله: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) أي شكر رزقكم (أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: 82]. وإنما قال: "فظلموا بأن كفروا هذه النعم" ولم يقل: فظلموا بأن لم يمتثلوا الأمر؛ لأنهم امتثلوا الأمر لكن ما عملوا بمقتضاه، أي: الشكر. قوله: (أريحاء)، النهاية: أريحاء بفتح الهمزة وكسر الراء والحاء المهملة: اسم قرية بالغور قريباً من بيت المقدس.

بدخولها بعد التيه. الْبابَ: باب القرية. وقيل: هو باب القبة التي كانوا يصلون إليها - وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه الصلاة والسلام- أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً للَّه وتواضعاً. وقيل: السجود: أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين؛ ليكون دخولهم بخشوع وإخبات. وقيل: طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤسهم فلم يخفضوها، ودخلوا متزحفين على أوراكهم. (حِطَّةٌ) فِعلة من الحط كالجِلسة والرِّكبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي مسألتنا حطة، أو أمرك حطة. والأصل النصب بمعنى: حطّ عنا ذنوبنا حطة. وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات، كقوله: صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلَانَا مُبْتَلَى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (طؤطئ لهم الباب) أي: خفض وحط، الأساس: طأطأت يدي بعنان الفرس: إذا خفضت يدك ولم ترفعها. ومن المجاز: طأطأت المرأة سترها: حطته. قوله: ((حِطَّةٌ) فعلة من الحط) قال صاحب "الإقليد": فعلة في صرفها مذهبان: منهم من يعطيها حكم نفسها فيمنعهما من الصرف للعلمية والتأنيث، وهو مذهب المصنف ووجهه لما كانت علماً باعتبار الجنس بقيت على علميتها، وإن أطلق على واحد، كأسامة إذا أطلقت على واحد من الآساد، ومنهم من يعطيها حكم موزونها فيقول: وزن ناصرة: فاعلة بالتنوين؛ لأن باب "أسامة" في جريه علماً على كل واحد من المشكلات، لكونه في المعنى نكرة. قوله: (أو أمرك حطة) أي: شأنك حطة، أي: حط الذنوب. قوله: (صبر جميل فكلانا مبتلى) أوله: شكا إلي جملي طول السرى ... يا جملي ليس إلي المشتكى

والأصل: صبراً على اصبر صبراً. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل. وقيل: معناه: أمرنا حِطة، أي: أن نحُط في هذه القرية ونستقرّ فيها. فإن قلتُ: هل يجوز أن تُنصب حطة في قراءة من نصبها بـ (قولوا)، على معنى: قولوا هذه الكلمة؟ قلت: لا يبعد. والأجود أن تنصب بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك المضمر بـ (قولوا). وقرئ (يُغفر لكم) على البناء للمفعول بالياء والتاء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: معناه: أمرنا حطة) قال الإمام: هذا قول أبي مسلم الأصفهاني معناه: أمرنا حطة، أي: نحط في هذه القرية ونستقر فيها، وزيف القاضي ذلك، قال: لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقاً به، وقوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) [البقرة: 58] يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة. وقال الإمام: ويمكن الجواب عنه: بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجداً مع التواضع، كان الغفران متعلقاً به. وقلت: يشكل بقوله تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) [البقرة: 59] ويمكن أن يقال: إن الأمر بذلك القول كان لمحض التعبد، وحين لم يعرفوا وجه الحكمة بدلوه بما اتجه لهم من الرأي، فعذبوا لذلك. قوله: (وقرئ "يغفر لكم") بالياء التحتانية: نافع، وبالتاء: ابن عامر.

(وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) أي: من كان محسناً منكم كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئا كانت له توبة ومغفرة. (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: وضعوا مكان حطة (قَوْلًا) غيرها. يعنى: أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر اللَّه. وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاؤوا بلفظ آخر. لأنهم لو جاؤوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به، لم يؤاخذوا به. كما لو قالوا مكان حطة: نستغفرك ونتوب إليك. أو اللهم اعف عنا وما أشبه ذلك. وقيل: قالوا مكان (حطة): حنطة ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي من كان محسناً منكم كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئاً كانت له توبة ومغفرة) أخرج المعطوف والمعطوف عليه، وهما نغفر وسنزيد مع متعلقهما مخرج الشرط والجزاء؛ إعلاماً أن كلاً منهما جواب للأمر وهو قوله: "قولوا"، وإن كان الثاني غير مجزوم، وأن اللام في (المحسنين) للعهد، يدل عليه قوله: "من كان محسناً منكم". فظهر من هذا البيان أن في الكلام جمعاً مع التفريق، أما الجمع فإن قوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ) جمع الفريقين: المسيء والمحسن معاً في هذا القول المخصوص، وأما التفريق فقوله: (نَغْفِرْ) (وَسَنَزِيدُ). فإن قلت: كيف يكون "وسنزيد" عطفاً على "نغفر" وهو مجزوم؟ أجاب القاضي: إنما أخرجه عن صورة الجواب إلى الوعد إيهاماً بأن المحسن بصدد ذلك وإن لم يفعله، فكيف إذا فعله! وأنه تعالى يفعله لا محالة. قلت: أراد أن الاستزادة إذا كانت عن وعد الله كانت أقطع مما إذا كانت مسببة عن فعلهم. قوله: (وقيل: قالوا مكان (حِطَّةٌ): حنطة) هذا يشعر بأن القول الأول أقوى، وهو قوله: "ليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة" قال الزجاج: كأنه قيل لهم: قولوا:

وقيل: قالوا بالنبطية: (حِطًّا سُمَقَاثا) أي: حنطة حمراء، استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولا عن طلب ما عند اللَّه إلى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا. وفي تكرير (الَّذِينَ ظَلَمُوا) زيادة في تقبيح أمرهم. وإيذان بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم. وقد جاء في سورة الأعراف: (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ) [الأعراف: 133] على الإضمار. والرجز: العذاب. وقرئ بضم الراء. وروي أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً. وقيل: سبعون ألفاً .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ احطط عنا ذنوبنا حطة، فحرفوا هذا القول وقالوا لفظة غير التي أمروا بها. ولذلك سماهم ظالمين بقوله: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) [البقرة: 59]. قوله: (بالنبطية)، النهاية: النبط والنبيط: جيل معروف، كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين. ومنه قول ابن عباس: نحن قريش من النبط من أهل كوثى. قيل: إن إبراهيم عليه السلام ولد بها، وكان النبط سكانها. قوله: (وفي تكرير (الَّذِينَ ظَلَمُوا)) أي: في وضع المظهر موضع المضمر إشعار بالعلية، وهي أن إنزال الرجز عليهم كان بسبب ظلمهم، ولذلك علله بقوله: "لظلمهم" فقوله تعالى: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [البقرة: 58] داخل في حيز الصلة، وسبب للظلم لا الإنزال، فيكون إنزال العذاب مسبباً عن الظلم المسبب عن الفسق، كما قيل: إن صغائر الذنوب تؤدي إلى كبائرها. ونحوه قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [البقرة: 61]. وموقع "كان" في هذا المكان من مجازه؛ قال الراغب: "كان" ما استعمل منه في جنس الشيء متعلقاً بوصف له: تنبيه على أن ذلك الوصف لازم له، قليل الانفكاك، كقوله تعالى: (وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً) [الإسراء: 67].

[(وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)]. عطشوا في التيه فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له: (اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ)، واللام إمّا للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فقد روي أنه حجر طوري حمله معه، وكان حجراً مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عطشوا في التيه) شروع في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ) [البقرة: 60]. اعلم أن قوله هذا بعد قوله "أمروا بدخولها بعد التيه" في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) [البقرة: 58] ثم قوله: "وذلك في التيه" في تفسير قوله تعالى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ) [البقرة: 57] مؤذن بأن الآيات واردة على التقديم والتأخير، فيتجه لقائل أن يقول: ما بالها ما قصت على ترتيب الواقعة؟ والجواب عنه ما قاله المصنف في قوله تعالى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَاتُمْ فِيهَا) [البقرة: 72]: كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديداً لما وجد منهم. فكذا ها هنا لو قصت متصلات مرتبات كانت كقصة واحدة، فالتفريق دل على أن القصد تعديد النعم، وتقريع لهم على كفرانها نعمة غب نعمة، فإنها وإن كانت قصة واحدة لكنها نعم متعددة، ومن ثم كرر فيها لفظة "إذ" أي: اذكروا وقت كذا نعمة كذا، وصرح في بعضها ذكر موسى عليه السلام، وأعاده مرة من بعد أخرى. قوله: (بالسقيا)، النهاية: السقيا بالضم: اسم من قولك: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم.

لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم، وكانوا ست مئة ألف، وسعة المعسكر اثني عشر ميلا. وقيل أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا. وقيل هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة، ففرّ به، فقال له جبريل: يقول لك اللَّه تعالى: ارفع هذا الحجر، فإنّ لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. وإمّا للجنس، أي اضرب الشيء الذي يقال له: الحجر. وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة. وروي: أنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة؟ فحمل حجراً في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه. وقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر، ويضربه بها فييبس. فقالوا: إن فقد موسى عصاه مُتنا عطشا، فأوحي إليه: لا تقرع الحجارة، وكلمها تطعك، لعلهم يعتبرون. وقيل: كان من رخام وكان ذراعا في ذراع. وقيل: مثل رأس الإنسان. وقيل: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة) روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر. قال: فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، قال: فجمح موسى بإثره يقول: ثوبي، حجر، ثوبي، حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى، فقالوا: والله ما بموسى من أدرة" الحديث. وليس فيه أنه هذا الحجر. النهاية: الأدرة بالضم: النفخة بالخصية، يقال: رجل آدر. جمح في إثره، أي: أسرع إسراعاً لا يرده شيء.

كان من أسّ الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار. (فَانْفَجَرَتْ) الفاء متعلقة بمحذوف، أي فضرب فانفجرت. أو فإن ضربت فقد انفجرت، كما ذكرنا في قوله: (فَتابَ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 54]، وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ. وقرئ: (عَشِرَة) بكسر الشين وبفتحها ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من أس الجنة) قيل في هذه الرواية إشكال؛ لأن هذا مذكور في وصف العصا في عامة التفاسير، وأن عصاه كان من آس الجنة بالمد، طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة نوراً، فلا أدري من أين عن له ذلك. قلت: لعله لما رأى قول المفسرين: اضرب بعصاك الحجر، وكانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نوراً. واسمها عليق، حملها آدم عليه السلام من الجنة، فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى عليه السلام، قال مقاتل: اسم العصا نبعة. ذكرها بطولها محيي السنة. حسب أنهم وصفوا الحجر، فأخذ في وصفه بما وصفت العصا، ثم عن له أن الآس مصحف، والدليل أنه في وصف الحجر قوله: "وكان يحمل على حمار". قوله: (وهي على هذا فاء فصيحة) ظاهره يقتضي أن الفاء على التقدير الثاني فصيحة، وفي كلام صاحب "المفتاح" ما يشعر أن الفاء الفصيحة هي التي تقع في جزاء الشرط، ولهذا عرفت أنها هي الفاء التي دلت على محذوف غير شرط هو سبب عما بعد الفاء. فإذن الواجب حمله على الوجه الأول.

وهما لغتان (كُلُّ أُناسٍ): كل سبط، (مَشْرَبَهُمْ): عينهم التي يشربون منها (كُلُوا): على إرادة القول (مِنْ رِزْقِ اللَّهِ): مما رزقكم من الطعام -وهو المنّ والسلوى- ومن ماء العيون. وقيل: الماء ينبت منه الزروع والثمار، فهو رزق يؤكل منه ويُشرب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ويعضد هذا قوله: "لا تقع إلا في كلام بليغ" وفاء النتيجة يكثر وقوعها في الكلام العامي. ولا يبعد أن يقال: إن المراد من قوله: "على هذا" أي: على أنها محتملة لهذين المعنيين، ووجه تسميتها بالفصيحة كونها مختصة بكلام الفصحاء لقوله: "لا تقع إلا في كلام بليغ" بالحصر، ووجد في الحاشية المنسوبة إليه: "الفاء" في "فتاب" تسمى فصيحة يستدل بها على فصاحة المتكلم، يقال: كلام فصيح، وكلمة فصيحة، وصفت الفاء بها على الإسناد المجازي كما وصف القرآن في قوله تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنْ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) [آل عمران: 58] بصفة من هو بسببه، لأن الحكيم هو المتكلم، وإنما اختصت بكلام البلغاء، لأن المراد بالحذف الدلالة على أن المأمور لم يتوقف عن إتباع الأمر، فكان المطلوب من المأمور الانفجار لا الضرب، ومثل هذا المعنى الدقيق لا يذهب إليه إلا الفصيح، ونحوه مذكور في "الأعراف". قوله: ((مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) مما رزقكم من الطعام- وهو المن والسلوى- ومن ماء العيون) يريد أن الرزق عام يطلق على جميع ما يختص بالعبد، يقال: رزق المال والولد والعلم وغير ذلك بحسب المقام، وخص ها هنا من المأكول بالمن والسلوى، ومن المشروب بالماء بقرينة قوله: (وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) [البقرة: 57] وقوله: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) [البقرة: 60] ويجوز أن يخصص بالماء بقرينة حديث الاستسقاء، وعلق عليه (كلوا) لأن الماء ينبت منه الزرع والثمار، وهو المراد بقوله: "فهو رزق يؤكل منه ويشرب" فعلى هذا من حق الكلام أن يقال: كلوا واشربوا منه، أي: من المشروب بدل من رزق الله، ولما كان الماء مما لا يؤكل فلو حمل على المأكول والمشروب معاً، لزم استعمال اللفظ في مفهوميه: حقيقته ومجازه، فبدل بالرزق ليشملهما، ولا يلزم المحذور، فحينئذ (مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) ها هنا مظهر أقيم موضع المضمر من غير لفظه السابق. وهذا القول ضعيف؛ لأنه لو كان كذلك لما طلبوا ذلك بقولهم: (يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا

والعَثي: أشدّ الفساد، فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه. [(وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) 61]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تُنْبِتُ الأَرْضُ) [البقرة: 61] ولا يلتئم أيضاً قولهم: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) إلا على أن يحمل (مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) على المن والسلوى. قوله: (والعثي: أشد الفساد، فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد) الفاء متعلق بمحذوف، المعنى: العثي أشد الفساد، لما أريد أن ينهى القوم عنه أكد الفعل المنهي بالحال فقيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم، لأن القوم كانوا متمادين فيه. فإن قلت: التقييد بالحال يوهم أن المنهي أشد الفساد لا الفساد مطلقاً. قلت: يختلف المعنى باختلاف المقام، فالقوم لما كانوا على التمادي في الفساد نهوا عما كانوا عليه، وتعليله بقوله: "لأنهم كانوا متمادين فيه" إشارة إلى هذا المعنى، ونحوه قوله تعالى: (لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً) [آل عمران: 130] فالحال إذن مؤكدة ومن ثم قال في: "حال فسادكم" أي: الفساد الذي خص بكم، وهو التمادي فيه. نعم لو نهى من أراد ذلك الفساد يلزم من المفهوم أن لا يكون نفس الفساد منهياً، فالحال حينئذ منتقلة. وإليه ذهب القاضي حيث قال: إنما قيده، لأنه وإن غلب في الفساد، فقد يكون منه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله،

كانوا فلاّحة فنزعوا إلى عِكرهم فأَجِموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء. (عَلى طَعامٍ واحِدٍ): أرادوا ما رزقوا في التيه من المنّ والسلوى. فإن قلت: هما طعامان فما لهم قالوا: (على طعام واحد)؟ قلت: أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدّة يداوم عليها كل يوم لا يبدّلها، قيل: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا يراد بالوحدة نفى التبدّل والاختلاف. ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد، لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والتترف، ونحن قوم فلاحة أهل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومنه ما يتضمن صلاحاً راجحاً، كقتل الخضر الغلام، وخرقه السفينة. وعليه قوله تعالى: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [البقرة: 194] لكن المقام ناب عنه؛ لأن الآية واردة في قوم مخصوصين. قال أبو البقاء: مفسدين حال مؤكدة؛ لأن قوله: (لا تَعْثَوْا) لا تفسدوا. قوله: (فنزعوا إلى عكرهم) أي: اشتاقوا إلى أصلهم. النهاية: وفي حديث قتادة: ثم عادوا إلى عكرهم، عكر السوء، أي: أصل مذهبهم الرديء، قيل: العكر: العادة والديدن. قوله: (فأجموا) أبو زيد: أجمت الطعام بالكسر إذا كرهته. قوله: (أنهما ضرب واحد) أي: يجمعهما كونهما من طعام أهل التلذذ. وهذا أخص من الأول؛ لأنه بالنسبة غليه نسبة النوع على الجنس؛ لأن المراد من الطعام على الأول ما يؤكل ولا يختلف، وعلى الثاني: النوع من الطعام وهو كونه من طعام أهل التلذذ، فالأول يعم الفقراء والأغنياء، والثاني يخص الأغنياء. قوله: (ونحن قوم فلاحة) أي: أهل زراعات، وهذا طعام المترفين وأهل التنعم، وهو لا يليق بنا، ولهذا عقب الله الإنكار بقوله: ادخلوا مصر، أي: ادخلوا فيما فيه سبب تعبكم ومشقتكم، واشتغلوا بالزراعة والفلاحة، فأنتم أهل لذلك.

زراعاتٍ فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول ونحو ذلك. ومعنى (يُخْرِجْ لَنا): يظهر لنا ويوجد. والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر. والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكرّاث وأشباهها. وقرئ (وقُثائها) بالضم. والفوم: الحنطة. ومنه فوّموا لنا، أي: اخبزوا. وقيل الثوم. ويدل عليه قراءة ابن مسعود: (وثومها) وهو للعدس والبصل أوفق. (الَّذِي هُوَ أَدْنى) الذي هو أقرب منزلة وأدون مقداراً. والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار. فيقال: هو داني المحل. وقريب المنزلة، كما يعبر بالبعد عن عكس ذلك فيقال: هو بعيد المحل وبعيد الهمة يريدون الرفعة والعلو. وقرأ زهير الفرقبي: (أدنأ) بالهمزة من الدناءة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وضرينا)، النهاية: يقال: ضري بالشيء يضرى ضراوة فهو ضار، إذا اعتاده. قوله: (والفوم: الحنطة) قال الزجاج: لا اختلاف عند أهل اللغة أن الفوم: الحنطة، وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم الفوم، وقال بعضهم: يجوز أن يكون الفوم الثوم، وهذا لا يعرف، ولأن ها هنا ما يمنعه، وهو أن يطلب القوم طعاماً لا بر فيه، والبر أصل هذا كله. قوله: (وهو للعدس والبصل أوفق) أي: حمل الفوم على الثوم أوفق من الحنطة، لما أتبع بقوله: (وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) لأن العدس يطبخ بالثوم والبصل. قوله: (الفرقبي)، النهاية: الفرقبية والثرقبية: ثياب مصرية بيض من كتان. وروي بقافين منسوب إلى قرقوب مع حذف الواو في النسب، كسابري في سابوري.

(اهْبِطُوا مِصْراً) وقرئ: (اهبطوا)، بالضم: أي: انحدروا إليه من التيه. يقال: هَبط الواديَ. إذا نزل به، وهبط منه، إذا خرج. وبلاد التيه: ما بين بيت المقدس إلى قنّسرين، وهي اثنا عشر فرسخا في ثمانية فراسخ. ويحتمل أن يريد العلم وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث، لسكون وسطه كقوله: (ونوحا) [آل عمران: 33]، (ولوطا) [الأنعام: 86]. وفيهما العجمة والتعريف، وإن أريد به البلد فما فيه إلا سبب واحد، وأن يريد مصراً من الأمصار. وفي مصحف عبد اللَّه وقرأ به الأعمش: (اهبطوا مصرَ) بغير تنوين كقوله: (ادخلوا مصر) [يوسف: 99]. وقيل: هو مصرائيم فعرّب. (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ): جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه. أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب، كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فهم فيها) مبتدأ وخبر، والكاف في "كما" صفة مصدر محذوف، و (ما) مصدرية. أي: فهم مستقرون فيها استقرار من ضربت عليه القبة في القبة. قوله: (أو ألصقت) معطوف على "جعلت" أي: الاستعارة إما أن تكون في الذلة بأن شبهت الذلة بالقبة المضروبة على شيء شاملة له من كل جانب، ثم بولغ في التشبيه، فحذف المشبه به وأقيم المشبه مقامه، فأثبت لها الضرب على طريق التخييلية، فتكون استعارة مكنية، وإما أن تكون في الفعل، وهو ضربت، فاستعير لمعنى "ألصقت" على سبيل التبعية، فتكون مصرحة، فإذن لا تكون "ضربت" في الآية على باب قوله: إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج كما ظن.

فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة. إما على الحقيقة، وإما لتصاغرهم وتفاقرهم، خيفة أن تضاعف عليهم الجزية. (وَباءو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) من قولك: باء فلان بفلان، إذا كان حقيقاً بأن يقتل به، لمساواته له ومكافأته، أي: صاروا أحقاء بغضبه. (ذلِكَ): إشارة إلى ما تقدّم من ضرب الذلة والمسكنة والخَلاقة بالغضب، أي: ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وقد قتلت اليهود - لعنوا - شعيا وزكريا ويحيى وغيرهم: فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟ قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا. وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم. وقرأ علىّ رضي اللَّه عنه: (ويقتّلون) بالتشديد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الراغب: الضرب: إيقاع شيء على شيء، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها، كضرب الشيء باليد، والعصا، والسيف ونحوها، وضرب الدراهم اعتباراً بضربه بالمطرقة، وقيل له: الطبع اعتباراً بتأثير السكة فيه، وبذلك شبه السجية فقيل لها: الضريبة، والضرب في الأرض: الذهاب فيها، وهو ضربها بالأرجل، وضرب الخيمة بضرب أوتادها بالمطرقة، وتشبيهاً بضرب الخيمة قال تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) [البقرة: 61] أي: التحفتهم الذلة التحاف الخيمة، ومنه قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) [الكهف: 11] وضرب المثل وهو من ضرب الدراهم، وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره. والاضطراب كثرة الذهاب في الجهات من الضرب في الأرض. قوله: (ومدقعة)، الأساس: فقير مدقع ومدقع وقد أدقع ودقع: لصق بالدقعاء وهو التراب من شدة الفقر، وأدقعه الفقر.

(ذلِكَ): تكرار للإشارة. (بِما عَصَوْا) بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود اللَّه في كل شيء، مع كفرهم بآيات اللَّه وقتلهم الأنبياء. وقيل: هو اعتداؤهم في السبت. ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم، لأنهم انهمكوا فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء، أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا. [(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)]. (إن الذين آمنوا) بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون (وَالَّذِينَ هادُوا): والذين تهوّدوا. يقال: هاد يهود. وتهوّد إذا دخل في اليهودية، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((ذَلِكَ) تكرار للإشارة) كرر ليناط به ما لم ينط به أولاً، واعلم أن فيما سلكه من التفسير دقة نظر، وفضل تأمل؛ وذلك أنه لما جعل ذلك تكريراً، والمشار إليه ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة، جعل في كلامه الباء في قوله: (بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ) بمعنى مع، وحين لم يجعل اسم الإشارة تكريراً جوز أن تكون الباء في (بِمَا عَصَوْا) سببية تارة، وبمعنى "مع" أخرى. والسبب في أن اسم الإشارة إذا جعل مكرراً يوجب اختصاص معنى المعية في الأول، والسببية في الثاني، هو أن مدخول الباء الثانية لا يخلو من أن يكون بدلاً من مدخول الباء الأولى بإعادة العامل، كقوله تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف: 75] أو كررت لاستقلال كل من السببين على نحو قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) [البقرة: 7]، والأول بعيد لتقاصر معنى الثاني عن الأول، ويلزم من الثاني توارد السببين المستقلين على مسبب واحد.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما المعية فتقتضي اجتماع أشياء في معنى سبب واحد، كأنه قال: ضربت عليهم الذلة والمسكنة بسبب عصيانهم واعتدائهم المنضم معهما الكفر وقتل الأنبياء، ثم أقحم ذلك تأكيداً للأول، ولا كذلك إذا لم يكن تكراراً؛ لأن المشار إليه بذلك الأول هو ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والخلاقة بالغضب. وبالثاني كفرهم بآيات الله وقتل الأنبياء، ثم الباء إن كانت سببية يكون ضرب الذلة والمسكنة واستحقاق الغضب مسبباً عن الكفر والقتل، وهما مسببان عن العصيان والاعتداء على وجه الترقي، فإن صغائر الذنوب سبب يؤدي إلى ارتكاب كبائرها، كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحري كبارها، وإذا كانت بمعنى "مع" لا يكون كذلك. فإن قلت: لم جعل الباء في (بِمَا عَصَوْا) سببية، وقدمه، وفي التنزيل مؤخر، وفي (بِأَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ) بمعنى "مع" في الوجه الأول، وعكس في ثاني الوجهين من الثاني. قلت: لأن تقديم العصيان والاعتداء على وجه الترقي الكفر والقتل في الأول أولى من تأخيرهما، وإن كن تعليلاً واحداً للترتيب في الوجود، وتأخيرهما في الثاني أحرى لإرادة تكرير الكفر والقتل تشديداً عليهم، على أن لفظة "ذلك" على الأول لا تمنع من التقديم والتأخير، لكونها مزيدة مؤكدة، وعلى الثاني مانعة؛ لكونها مشيرة إلى الكفر والقتل، كأنه قيل: ضربت عليهم الذلة والمسكنة؛ لأنهم كفروا وقتلوا، وأنهم ما اكتفوا بهما، بل ضموا إليهما العصيان والاعتداء. وهو ينظر إلى قولها:

وهو هائدٌ، والجمع هود. (وَالنَّصارى) وهو جمع نصران. يقال: رجل نصران، وامرأة نصرانة، قال: ... نصرانة لم تحنف. والياء في نصرانىّ للمبالغة كالتي في أحمرىّ. سموا لأنهم نصروا المسيح. وَالصَّابِئِينَ وهو من صبأ إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة مَنْ آمَنَ من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا ودخل في ملة الإسلام دخولا أصيلا وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كأنه علم في رأسه نار انظر إلى هذه الرموز الدقيقة مع الإيجاز. قوله: ((وَالنَّصَارَى) وهم جمع نصران) أي: وهو جمع نصران بدليل (وَالصَّابِئِينَ)، وهو من صبأ. وفي نسخة: "هو" بدل "هم". قوله: (نصرانة لم تحنف) أنشد الزجاج أوله: فكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانة لم تحنف أسجد رأسها، أي: طأطأ، تحنف الرجل: إذا أسلم، أي: عمِل عملَ الحنيفية، والضمير في "رأسها" راجع إلى لفظ "كلتاهما" وأنث لتأنيثها. قوله: ((مَنْ آمَنَ) من هؤلاء الكفرة) جمع المنافقين واليهود والنصارى والصابئين في

فإن قلت: ما محل (من آمن)؟ قلت: الرفع إن جعلته مبتدأ خبره (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) والنصب إن جعلته بدلا من اسم إنّ والمعطوف عليه. فخبر إنّ في الوجه الأول الجملة كما هي وفي الثاني فلهم أجرهم. والفاء لتضمن «من» معنى الشرط. [(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ* وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ* فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)]. (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ) بالعمل على ما في التوراة. (وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق. وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: "الكفرة" لأن الكفر يشملهم، وهذا العام بعد الكلام في قوم مخصوصين دليل على أن الكلام فيه استطراد، وما هو قبله من قوله: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ) مستطرد أيضاً، بيان ذلك: أنه تعالى لما حكى إنكار موسى عليه السلام على اليهود استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، بعد تعداد النعم عليهم، جاء بقوله: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) استطراداً حاكياً سوء صنيعهم بالأنبياء، وكفرهم واعتدائهم، يعني أنهم قوم بهت معكوسو الرأي في سائر الأمور، وليس هذا ببدع منهم، ألا ترى إلى أنه تعالى كيف ضرب عليهم الذلة والمسكنة، وغضب عليهم بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء، وعصيانهم بعد أخذ الميثاق، ورفع الطور وغير ذلك! فإنهم لما غلوا في التمادي في الطغيان أبدل الله مكان عزهم الذلة والمسكنة، ثم أراد الله أن يبين للعباد عظيم رحمته، وشمول كرمه ورأفته، فعم الكفرة، يعني ما بال هؤلاء إذا رجعوا إلى الله تعالى وتابوا وآمنوا بنبي الرحمة! بل غيرهم ممن هو أشد منهم كفراً، إذا دخلوا في ملة الإسلام دخولاً أصيلاً، وعملوا صالحاً، فلهم أجرهم، والدليل على الاستطراد العود إلى خطاب اليهود بقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا) الآية [البقرة: 63].

من الآصار والتكاليف الشاقة، فكبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله، ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا أُلقى عليكم، حتى قبلوا. خُذُوا على إرادة القول. (ما آتَيْناكُمْ) من الكتاب (بِقُوَّةٍ) بحدّ وعزيمة (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا. (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به (فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) بتوفيقكم للتوبة لخسرتم. وقرئ: (خذوا ما آتيتكم) و (تذكروا)، و (اذّكروا). و (السَّبْتِ): مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت، وإن ناساً منهم اعتدوا فيه أى جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرّد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد. وذلك أن اللَّه ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حتى قبلوا) فيه لطيفة، وهي: أن تظليل الطور ومقالة موسى معهم امتد زماناً حتى قبلوا، وعلى عكسه قوله: (اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ) [البقرة: 60]. قوله: (واذكروا إرادة أن تتقوا) قال القاضي: هذا عند المعتزلة، أي: قلنا: خذوا وذاكروا إرادة أن تتقوا. وقلت: والحاصل أن "لعلكم" إن جعل تعليلاً لقوله: خذوا وذاكروا، كان على حقيقته، لأنه راجع إليهم، وإذا علق بـ "قلنا" المقدر كان تعليلاً لفعل الله تعالى، فيجب تأويله بالإرادة على مذهبه. قوله: (فما كان يبقى حوت) "كان" زائدة كما في قوله: وجيران لنا كانوا كرام

فإذا مضى تفرّقت، كما قال: (تَاتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَاتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ) [الأعراف: 163]، فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد. فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم: قِرَدَةً خاسِئِينَ خبر ان أى كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد فَجَعَلْناها يمنى المسخة (نَكالًا) عبرة تنكل من اعتبر بها أي: تمنعه، ومنه: النكل: القيد. (لِما بَيْنَ يَدَيْها) لما قبلها وَما خَلْفَها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين: أو أريد بما بين يديها: ما بحضرتها من القرى والأمم. وقبل نكالاً: عقوبة منكلة (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((شُرَّعاً)) أي: ظاهرة على وجه الماء، يقال: شرع علينا فلان: إذا دنا منا وأشرف علينا. قوله: ((قِرَدَةً خَاسِئِينَ) خبران) أي: (خَاسِئِينَ) خبر بعد خبر، إذ لو لم يكن لكان وصفاً لقردة، فالواجب خاسئة، أو حالاً من اسم "كان" على بعد. قوله: (ما بحضرتها من القرى والأمم) ترك معنى "وما خلفها" في هذا الوجه لظهورها، أيك القرى التي ليست بحضرتها، فـ "ما" على الوجه الأول والثاني في "ما قبلها" و"ما خلفها" بمعنى "من" لقوله: "من الأمم" لاعتبار وصف المعتبرين تعظيماً، لأن (ما) إذا وضع موضع "من" كقوله: سبحان ما سخركن لنا، تعتبر الوصفية فيه بحسب المقام.

لأجل ما تقدّمها من ذنوبهم وما تأخر منها (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) للذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متق سمعها. [(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ* قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ* قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ* قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ* قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ* وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَاتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) 67 - 73]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلى الوجه الثاني: "ما" بمعنى ذوي العقول وغيرهم، وهو أبلغ من الأول لما انضم مع اعتبار الأمم اعتبار الآثار والأطلال. ومجاز نسبة الاعتبار إلى القرى راجع إلى الأهل، كأنه قيل: جعلنا خراب القرى ومسخة أهاليها عبرة تمنع من اعتبر في خراب القرى وإهلاك أهاليها من ارتكاب ما ارتكبوه من العدوان. وعلى الوجه الثالث- وهو أن يراد بالنكال العقوبة لا العبرة- "ما" الأولى على ظاهرها، والثانية بمعنى "من" لأن المسخة الحاضرة يصح جعلها نكالاً، أي: عذاباً بسبب الجناية الماضية، لكن لا يصح جعلها نكالاً لما بعدها من الجناية التي لم توجد، ولهذا قال الواحدي: إن "ما" الثانية بمعنى "من" أي: نكالا ًلمن بعدهم من بني إسرائيل؛ يعني إذا رضوا بها، كقوله: (وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) [آل عمران: 112] وفي "الكواشي": أي: ما عملت من الجناية التي قبل المسخ، ولما عملت وقت المسخ، فالضمير المجرور في "خلفها" عائد إلى "ما" في

كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته، فأمرهم اللَّه أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزوءًا بنا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) التي هي عبارة عن الجناية لا إلى المسخة. وتأويل ما ذهب إليه المصنف أقرب إلى أن يجعل الضمير في "خلفها" راجعاً إلى المسخة، أي: جعلناها منكلة لما بين يديها، أي: لأجل ما تقدمها من ذنوبهم، ولأجل اعتبار من تأخر من تلك المسخة. وحاصل كلام المصنف: أن "ما" في "ما قبلها" إما أن تجرى على العموم أو لا، والثاني: إما أن تجرى على ذوي العقول أو على وصفهم، فالوجه الأول محمول على الثاني لإيقاع قوله: "من الأمم والقرون" بياناً له، والثاني على الأول بجعله "من الأمم والقرى" بياناً لـ "ما بحضرتها" والثالث على الثالث لما بين ما بقوله: "من ذنوبهم". قوله: (فقتل ابنه بنو أخيه) قال المعزي: الصواب: فقتله بنو عمه، لقوله في آخر القصة: ولم يورث قاتل بعد ذلك؛ لأن المورث الأب لا ابنه المقتول، ولأن قاتل الابن لا يمنع الإرث من الأب بلا خلاف، وقيل في العذر: فقتل ابنه بنو أخيه بعد موت الشيخ، وفيه تعسف على أن المفسرين مثل محيي السنة، والواحدي وصاحب "المطلع": رووا أنه كان في بني إسرائيل رجل غني له ابن عمر فقير لا وارث له فلما طال عليه موته قتله ليرثه. قوله: (مكان هزء) أي: هزء مصدر لا يصلح أن يقع مفعولاً ثانياً لأنه على تأويل خبر المبتدأ فيقدر المضاف، فهو إما على مكان هزء، أو أهل هزء، أو يجعل الهزء بمعنى المهزوء به؛ تسمية المفعول به بالمصدر، كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) [المائدة: 96] أي: مصيده،

أو الهزو نفسه لفرط الاستهزاء مِنَ الْجاهِلِينَ لأن الهزو في مثل هذا من باب الجهل والسفه ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أو تجعل الذات نفس المعنى، نحو رجل عدل، ويرجع معنى "مكان هزو" كناية إلى المبالغة فيه. قوله: (لأن الهزء في مثل هذا من باب الجهل والسفه)، أي: هذا المقام لا يصلح للاستهزاء، فإنه مقام الإرشاد وتبيين الأحكام، وتعيين الإبهام، فالاستهزاء فيه يعد من السفه. ويعلم منه أن الهزء إذا وقع في موقعه نحو قوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: 21] ليزيد غيظ المستهزأ به، فيرتدع عما هو عليه، عين العلم والإرشاد. فوضع الجاهل موضع الهازئ للدلالة على أن الهازئ جاهل، وفسر الجهل بالسفه، ليؤذن أن العالم حليم. قال الزجاج: فانتفى موسى عليه السلام من الهزء، لأن الهازئ جاهل لاعب. قال القاضي: نفى عليه السلام عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان، وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة. وقلت: عنى بقوله: "طريقة البرهان" طريقة الكناية حيث نفى عن نفسه أن يكون داخلاً في زمرة الجاهلين، وواحداً منهم، وتمم المبالغة بالاستعاذة، أي: إن الهزء في مقام الإرشاد كاد أن يكون كفراً، فصحت الاستعاذة منه، فالمطابقة بين جواب موسى عليه السلام وبين كلامهم من حيث المعنى. قال الراغب: الجهل على ثلاثة أضرب: الأول: خلو النفس من العلم، هذا هو الأصل، والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه، والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل،

وقرئ «هزؤا» بضمتين. «وهزءاً» بسكون الزاي نحو (كفؤا) و (كفئا)، وقرأ حفص: (هزوا) بالضمتين والواو وكذلك «كفوا» [الإخلاص: 4]. والعياذ واللياذ من واد واحد. في قراءة عبد اللَّه: (سل لنا ربك ما هي) سؤال عن حالها وصفتها. وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة المجيبة الشأن الخارجة عما عليه البقر. والفارض: المسنة، وقد فرضت فروضا فهي فارض. قال خفاف بن ندبة: ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سواء اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أو فاسداً، كمن ترك الصلاة متعمداً، وعلى ذلك قوله تعالى: (قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) فجعل فعل الهزء جهلاً، وقال عز وجل: (فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ) [الحجرات: 6]. قوله: (قرئ: هزؤاً، بضمتين) الجماعة سوى حمزة، فإنه قرأ بالسكون. قوله: (أنهم تعجبوا من بقرة ميتة) يعني ما هي؟ يسأل به عن الجنس وحقيقة الشيء، وحقيقة البقرة غير مسئول عنها؛ لأن الضمير راجع إلى البقرة المذكورة، وهي بقرة فذة مبهمة، فامتنع السؤال بما عن حقيقتها، فرجع إلى صفاتها، ثم إلى أقربها من الحقيقة وما بها تمتاز الحقيقة عن الحقائق وعن سائر أنواعها، كأنها صارت حقيقة أخرى، على منوال قوله:

لَعَمْري لَقَدْ أَعْطَيْتُ ضَيْفَكَ فَارِضاً ... تُسَاقُ إلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ وكأنها سميت فارضا؛ لأنها فرضت سنها، أي: قطعتها، وبلغت آخرها. والبكر: الفتية. والعوان النصف. قال: نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُونِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال ألا ترى أنهم لما سمعوا بقوله: (لا شِيَةَ فِيهَا) [البقرة: 71] أمسكوا عن السؤال وقالوا: (الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) [البقرة: 71] وإليه الإشارة بقوله: "الخارجة عما عليه البقر"، قال الزجاج: إنما سألوا ما هي؛ لأنهم لا يعلمون أن بقرة يحيا بضرب بعضها ميت. وقال القاضي: ما هي، أي: ما حالها وصفتها؟ وكان حقهم أن يقولوا: أي بقرة هي؟ أو كيف هي؟ لأن "ما" يسأل به عن الجنس غالباً، لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه، أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله. قوله: (لعمري لقد أعطيت) البيت، يصف مضيفاً. قوله: (ما تقوم على رجل) أي: ما كانت تقدر القيام لشدة هزالها. قوله: (نواعم بين أبكار وعون) للطرماح، قبله قوله:

وقد عوّنت. فإن قلت: (بين) يقتضى شيئين فصاعداً، فمن أين جاز دخوله على (ذلك)؟ قلت: لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر. فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟ قلت: جاز ذلك على تأويل ما ذكر وما تقدّم، للاختصار في الكلام، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ظعائن كنت أعهدهن قدماً ... وهن لذي الأمانة غير خون طوال متل أعناق الهوادي ... نواعم بين أبكار وعون حسان مواضع النقب الأعالي ... غراث الوشح صامتة البرين متل أعناق الهوادي، أي: طويلة العنق، غراث الوشح كناية عن دقة خصرها، كما أن صامتة البرين كناية عن غلظ ساقها، والبرين: الخلخال. قوله: (وقد عونت) أي: صارت عواناً. قوله: (لأنه في معنى شيئين) قال القاضي: ذلك إشارة إلى ما ذكر من الفارض والبكر، فلذلك أضيف إليه "بين"، فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد. قال السجاوندي: وعندي أن المراد في وسط زمان الصلاح للعوان واعتداله. تقول: سافرت إلى الروم وطفت بين ذلك، فالمشار إليه عوان. وهذا أولى لئلا يفوت معنى (بَيْنَ ذَلِكَ) لأن "عوان" هي النصف كما قال. وقال الجوهري: العوان هو النصف في سنها من كل شيء، والجمع عون، وبقرة عوان: لا فارض ولا بكر. وفائدة قوله: "عوان" بعد ما نفى أن تكون بكراً أو أن تكون فارضاً، هو أنه احتمل أن تكون عجلاً أو جنيناً، فقال: عوان، لإزالة اللبس ونفي الاحتمال.

كما جعلوا «فعل» نائباً عن أفعال جمة تذكر قبله: تقول للرجل: نعم ما فعلت، وقد ذكر لك أفعالا كثيرة وقصة طويلة، كما تقول له: ما أحسن ذلك! وقد يجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا. قال أبو عبيدة قلت لرؤبة في قوله: فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ كَأَنَّهُ فِى الْجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما. فقال: أردت كأن ذاك، ويلك! والذي حسن منه أنّ أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة وكذلك الموصولات. ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما جعلوا "فعل" نائباً عن أفعال جمة) أي: كما أن الفعل الواحد يجعل كناية عن أفعال شتى، وكيفيات متعددة، كما سبق في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) [البقرة: 24] كذلك يجعل اسم الإشارة كناية عن المذكور، ثم يتفرع على اسم الإشارة الضمير بأن يجعل كناية عن المذكورات توسعة في الكلام كما في شعر رؤبة. قوله: (فيها خطوط) الضمير للبقرة. و"التوليع": اختلاف الألوان، و"البهق": بياض وسواد يظهر في الجلد. قوله: (ويلك) أي: هذا سهل لا يسأل. قوله: (ليست على الحقيقة) قيل: لأنها ليست على شاكلتها في أسماء الأجناس، ألا ترى أن "ذا" موضوع للمفرد المذكر، و"الذي" في الموصول كذلك، و"اللذان" موضوع للمثنى، وليست تثنية "الذي"، و"الذين" هكذا موضوع للجمع.

(ما تُؤْمَرُونَ) أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به من قوله أمرتك الخير أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول به بالمصدر، كضرب الأمير. الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه. يقال في التوكيد: أصفر فاقع ووارس، كما يقال أسود حالك وحانك، وأبيض يقق ولهق. وأحمر قانى وذريخى. وأخضر ناضر ومدهامّ. وأورق خطبانىّ وأزمك ردانىّ. فإن قلت: فاقع هاهنا واقع خبراً عن اللون، فلم يقع توكيداً لصفراء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أمرتك الخير) تمامه: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب قيل: قائله عباس بن مرداس، وقيل: خفاف بن ندبة، أي: أمرتك بالخير بدليل قوله: فافعل ما أمرت به، ولأن الأمر لا يستعمل إلا بالباء. "ذا مال" أي: ذا إبل وماشية. والنشب: المال الأصيل، وهو اسم يجمع الصامت والناطق. حذف من الآية الجار إيجازاً وأمناً من الإلباس، وأوصل الفعل ثم حذف الضمير. قوله: (وأنصعه) الناصع: الخالص من كل شيء، ويقال: أبيض ناصع، وأصفر ناصع، وأصفر وارس، الورس: نبت أصفر تتخذ منه الغمرة للوجه، تقول منه: أورس الرمث، أي: اصفر ورقه، فهو وارس. والرمث: بالكسر مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحمض. "أسود حالك" حلك الشيء يحلك حلوكة: اشتد سواده. وأسود حالك وحانك بمعنى. "وأبيض يقق"، أي: شديد البياض، واللهق بالتحريك: الأبيض، وشيء لهق إذا كان شديد البياض. "وأحمر قانئ"، قنأ الرجل لحيته بالخضاب، وقد قنأت هي من الخضاب إذا اشتدت حمرتها.

قلت: لم يقع خبرا عن اللون إنما وقع توكيداً لصفراء، إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون من سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها. فإن قلت: فهلا قيل صفراء فاقعة؟ وأى فائدة في ذكر اللون؟ قلت: الفائدة فيه التوكيد، لأنّ اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل: شديدة الصفرة صفرتها، فهو من قولك: جدّ جدّه، وجنونك مجنون. وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه. وعن على رضى اللَّه عنه: «من لبس نعلا صفراء قل همه لقوله تعالى: "تسرّ الناظرين» ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "ومدهام" ادهام الشيء: إذا اسود، قال تعالى: (مُدْهَامَّتَانِ) [الرحمن: 64] أي: سوداوان من شدة الخضرة من الري، والعرب تقول لكل أخضر: أسود. "وأورق" من الحمام والإبل الذي له لون الرماد. و"خطباني" منسوب إلى الخطبان: وهو الحنظل إذا صارت فيه خطوط خضر. والرمكة من الإبل الذي اشتدت كمتته حتى يدخلها السواد، يقال: جمل أرمك. والرادن: الزعفران: يقال للشيء إذا خالط حمرته صفرة: أحمر رادني وناقة رادنية. قوله: (فلم يكن فرق بين: صفراء فاقعة، وصفراء فاقع لونها) أي: في كونهما مؤكدين للصفراء، وإلا فالثاني أوكد كما ذكر. قوله: (من قولك: جد جده) أي: من باب الإسناد المجازي. قال تأبط شراً: إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر

وعن الحسن البصري (صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها) سوداء شديدة السواد. ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها تعلوه صفرة. وبه فسر قوله تعالى: (جِمالَتٌ صُفْرٌ) [المرسلات: 33]، قال الأعشى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال المرزوقي: جد جده إذا ازداد جده جداً. ونحوه قولك: حتى استدق نحولها، أي: ازداد دقتها دقة، "وجنونك مجنون" من قوله: جنونك مجنون ولست بواجد ... طبيباً يداوي من جنون جنون قوله: (سوداء شديدة السواد) قال صاحب "المطلع": فيه نظر؛ لأن قوله: (فَاقِعٌ لَوْنُهَا) يرده. وقال القاضي: لأن الصفرة بهذا المعنى لا تؤكد بالفقوع. والجواب ما جاء عن الزجاج: فهذه كلها صفات مبالغة في الألوان، وقد قال بعضهم: صفراء ها هنا سوداء. قلت: لأن صفراء إذا أكد بالفقوع يدل على خلوص الصفرة فيها، ثم إذا روعي معنى الإسناد المجازي معها دل على أن المراد بذلك التأكيد المبالغة في الصفرة لا الخلوص فيها، فدلت هاتان المبالغتان على أنها بلغت الغاية في بابها، وكل لون إذا قوي واشتد أخذ بالعين كالسواد، ولهذا وصفت الخضرة إذا قويت بالإدهام. قوله: (ولعله مستعار) لأن الأصل في استعمال الأصفر وإرادة الأسود في الجمل، فنقل إلى البقر.

تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِى ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُهَا كَالزَّبِيبِ (ما هِيَ) مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستشكاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شدّدوا فشدّد اللَّه عليهم» والاستقصاء شؤم. وعن بعض الخلفاء أنه كتب إلى عامله بأن يذهب إلى قوم فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم، فكتب إليه: بأيهما أبداً؟ فقال: إن قلت لك بقطع الشجر سألتنى: بأى نوع منها أبدأ؟ وعن عمر بن عبد العزيز: إذا أمرتك أن تعطى فلانا شاة سألتنى: أضائن أم ماعز؟ فإن بينت لك قلت: أذكر أم أنثى؟ فإن أخبرتك قلت: أسوداء أم بيضاء؟ فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني. وفي الحديث «أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسألته» ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تلك خيلي) البيت، يقول: خيلي وإبلي سود وأولادها سود. قوله: (لو اعترضوا أدنى بقرة)، الجوهري: عن محمد ابن الحنفية: كل الجبن عرضاً. قال الأصمعي: يعني اعترضه واشتره ممن وجدته، ولا تسأل عمن عمله، أمن عمل أهل الكتاب أم من عمل المجوس. قوله: (وفي الحديث: أعظم الناس جرماً) الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن

(إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا): أي: إنّ البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح. وقرئ: تشابه، بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين. وتشابهت ومتشابهة ومتشابه. وقرأ محمد ذو الشامة: إن الباقر يشابه، بالياء والتشديد. جاء في الحديث «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» أى: لو لم يقولوا إن شاء اللَّه. والمعنى: إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها، أو إلى ما خفى علينا من أمر القاتل (لا ذَلُولٌ): صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول، يعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته". قيل: ظاهر الحديث دل على أن اقتراح السؤال على الأنبياء غير جائز؛ لأنهم مأمورون بالتبليغ، وبيان ما يجب كشفه، ولا يقصرون في ذلك، فمن سألهم عن شيء من ذلك فكأنه ينسبهم إلى التقصير، فهو جريمة من السائل، فقد يعاقبه الله تعالى بما هو مناسب لجريمته، وذلك بأن يحرم عليه المسئول عنه، فإذا حرم عليه يسري ذلك التحريم إلى جميع المكلفين لعموم حكم الشرع، فيكون هو سبباً لتحريم ذلك على الناس، فيعظم جرمه. يؤيد هذا التأويل ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". قوله: (وقرأ محمد ذو الشامة) قيل: هو محمد الباقر. قال صاحب "الجامع": هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وسمي الباقر؛ لأنه تبقر في العلم، أي:

ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقى الحروث، و «لا» الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقي، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ توسع. وفيه نكتة لطيفة حيث عدل من الباقر إلى "ذو الشامة" لدفع إيهام أن قراءته موافقة للبقية. الجوهري: الباقر: جماعة بقر مع رعاتها وهي موافقة للقراءة المشهورة (إِنَّ الْبَقَرَ) من حيث الشمول، لأن جنس، أي: اشتبه علينا تلك البقرة الخارجة من جنس البقر الداخلة في جنس آخر، وذلك البيان قاصر غير واف لعموم التناول، ألا ترى حين سمعوا بقوله: (مسلمة) أي: معفاة سلمها أهلها من العمل والركوب والذبح وغير ذلك مما يتعاناه أرباب البقر، قالوا: (الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) [البقرة: 71]! وأن هذا الوصف بعد الأوصاف السابقة يخرجها مما عليه البقر المتعارف، وإنما فسرت (مسلمة) بما ذكر؛ لأنها مطلقة، فيتناول جميع ما يدخل في المعنى، فعلى هذا هي تتميم لمعنى قوله: (لا ذَلُولٌ) إلى آخره، وقوله: (لا شِيَةَ) تتميم لقوله: (صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا). وهذا التقرير يوضح أن سؤالهم الأول بقولهم: "ما هي" كان عن الجنس كما مر، وأن تماديهم ومراجعتهم في السؤال كان تكشفاً لحقيقة البقرة المعينة المخصوصة. قوله: (النواضح) جمع الناضحة. والناضح: البعير الذي يستقى عليه، وهي السانية أيضاً. قوله: (لأن المعنى: لا ذلول تثير [الأرض] وتسقي) قال الزجاج: معناه: ليست بذلول ولا بمثيرة للأرض ولا تسقي الحرث.

على أنّ الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى: (لا ذلول)، بمعنى لا ذلول هناك: أى حيث هي، وهو نفى لذلها ولأن توصف به فيقال: هي ذلول. ونحوه قولك: مررت بقوم لا بخيل ولا جبان. أى فيهم، أو حيث هم. وقرئ تسقى بضم التاء من أسقى (مُسَلَّمَةٌ) سلمها اللَّه من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منها، كقوله: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: هذا التفسير على أسلوب قوله: على لا حب لا يهتدى بمناره نفياً للأصل والفرع، وانتفاء الملزوم بانتفاء لازمه. قوله: (وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي) في "جامع الأصول": هو عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي الكوفي، وهو أحد أعلام التابعين وثقاتهم، صحب علياً وسمع منه. قوله: (وهو نفي لذلها ولأن توصف به) وهو عطف تفسيري، أي: الذلول الذي هو ضد الصعب، لو كان في مكان البقرة كانت البقرة موصوفة به ضرورة؛ لأن الصفة تقتضي موصوفاً، فلما لم يكن في مكانها لم تكن موصوفة به، فهو من باب الكناية نحو قولهم: مجلس فلان مظنة الجود والكرم. قوله: (من أسقى) قيل: سقى وأسقى بمعنى واحد. قال لبيد: سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميراً والقبائل من هلال

أَوْ مَعْبَرَ الظَّهْرِ يُنْبِى عَنْ وَلِيَّتِهِ ... مَا حَجَّ رَبُهُ فِى الدُّنْيَا وَلَا اعْتَمَرَا أو مخلصة اللون، من سلم له كذا إذا خلص له، لم يشب صفرتها شيء من الألوان (لا شِيَةَ فِيها): لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة، فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها. وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لونا آخر، ومنه ثور موشى القوائم (جِئْتَ بِالْحَقِّ) أى بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها. (فَذَبَحُوها) أي: فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها. وقوله (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) استثقال لاستقصائهم واستبطاءٌ لهم، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو معبر الظهر) البيت (ربه) باختلاس الحركة من الهاء ليستقيم الوزن. استشهد به سيبويه لذلك ضرورة. والمعبر من الإبل: الذي يترك وبره لا يجز سنتين ليتوفر. و"ينبي" من: نبا الشيء عنه ينبو، أي: تجافى وتباعد. عن وليته: أي: برذعته، سميت بذلك، لأنها تلي الجلد، والجمع الولايا. أراد ينبي وليته فزاد "عن" وإذا كثر الوبر على سنامه نبت وليته وارتفعت. وما حج ربه: أي: صاحبه ما قصد سفر الحج حتى يحتاج إلى جز وبره. قوله: (لا لمعة في نقبتها) أي: لونها. قال ذو الرمة: ولاح أزهر مشهور بنقبته ... كأنه حين يعلو عاقراً لهب قوله: ((بِالْحَقِّ) أي: بحقيقة وصف البقرة) أي: لم يتضمن قولهم: "بالحق" أن ما جئت به من قبل كان باطلاً، وإنما أرادوا الآن جئت بما تحققنا المراد منها.

وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها، وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم. وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها. وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وروى أنه كان في بنى إسرائيل شيخ صالح له عجِلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إنى أستودعكها لابنى حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. فإن قلت: كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات، فذبحوا المخصوصة، فما فعل الأمر الأوّل؟ قلت: رجع منسوخا لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة، والنسخ قبل الفعل جائز. على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولا لهذه البقرة الموصوفة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما كاد ينقطع خيط إسهابهم) خيط إسهابهم استعارة، وينقطع ترشيح لها. قال القاضي: "كاد" من أفعال المقاربة، وضع لدنو الخبر حصولاً، وإذا دخل عليه النفي فالصحيح أنه كسائر الأفعال، ولا ينافي قوله: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) [البقرة: 71] قوله: (فَذَبَحُوهَا) لاختلاف وقتيهما، إذ المعنى ما قاربوا أن يفعلوا حتى انقطعت سؤالاتهم، وانتهت تعللاتهم، ففعلوا كالمضطر الملجأ. قلت: يدفعه فاء الفصيحة كما سيجيء. قوله: (وكان براً بوالديه) والظاهر أن الابن بر بوالديه. قوله: (من شق البقر)، الأساس: خذ من شق الثياب: من عرضها ولا تختر. قوله: (على أن الخطاب) أي: أقول: إن الأمر الأول رجع منسوخاً مع جواز القول بأن الأمر الأول ثابت، وقضية النسخ المخالفة بين الناسخ والمنسوخ.

كما تناول غيرها. ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالا له، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً) خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم (فَادَّارَاتُمْ) فاختلفتم واختصمتم في شأنها، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: الفرق بين الوجهين هو: أنه لما نظر إلى نفس الحكم، وأنه ورد على السعة والتخيير، ثم انقلب إلى التعيين، جعل الثاني ناسخاً، ولما اعتبر اللفظ وإبهامه، أي: إطلاقه وشيوعه في جنسه، جعله كالعام المتناول لهذه البقرة الموصوفة ولغيرها ثم خصصه، والمخصص إذا تأخر عن العام لا يكون ناسخاً بالاتفاق. وإنما قلنا: كالعام لأن اسم الجنس إذا كان معرفاً باللام، أو بالإضافة، أو كان نكرة في سياق النفي، يفيد العموم، وهذه ليست كذلك. ونقل عن أبي منصور الماتريدي رحمه الله أنه قال: الأمر بالذبح في الابتداء على مآل الأمر، ولكنهم أمروا بالسؤال عنها، والبحث عن أحوالها؛ ليصلوا إلى ما هو المراد بالأمر، لا أنه تعالى أحدث لهم ذلك بالسؤال الذي ذكروا. وقال القاضي: عود الكنايات في قوله تعالى: (إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) [البقرة: 68] وإجراء تلك الصفات يدل على أن المراد بها معينة، ويلزمه تأخير البيان، ومن أنكر ذلك زعم أن المراد بها بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بسؤالهم، ويلزمه النسخ قبل الفعل، فإن التخصيص إبطال للتخيير الثابت بالنص، والحق جوازهما، ويؤيد الرأي الثاني ظاهر اللفظ، وتقريعهم بالتمادي، وزجرهم على المراجعة بقوله: (فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) [البقرة: 68].

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: المعنى يساعد القول بأن هذه القضية كانت من باب الحكم عقيب العلم بصفة المحكوم عليه عند القائل، كما تقتضيه قصة الشيخ، واستيداعه البقرة عند الله، وإن عارضه الحديث الضعيف: "لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم"؛ لأن عود الكنايات كما قال القاضي، لاسيما مراراً ثلاثاً، وبناء اسم البقرة على المسند إليه بعد الوصف، مبني على أن الجواب عن البيان، كأنه قيل: المأمور بذبحها هذه البقرة الموصوفة، لما تقرر في علم البيان أن في إيقاع الخبر نفس المبتدأ إيذاناً بأن القصد في الكلام نفس المبتدأ، وأن الخبر لتعيينه، وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن، الخارجة عما عليه البقر، فأعيدت في الجواب وبني عليها الوصف، وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو منصور: أمروا بالسؤال عنها والبحث عن أحوالها؛ ليصلوا إلى ما هو المراد من الأمر. وقد سبق أن معنى الجنس في قراءة العامة (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) [البقرة: 70] وقراءة ذي الشامة "إن الباقر" دل على أن الأسئلة صدرت عن تكشف حال البقرة، وعند الكشف التام (قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ). وأيضاً إن الفاء في قوله: (فَذَبَحُوهَا) كما قدرها المصنف- فصيحة- آذنت بأنهم سارعوا في الذبح ولم يتوقف امتثالهم أمر الله عند التمييز التام لمحة كما نص عليه في الأعراف عند قوله: (أَنْ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ) [الأعراف: 160]. فإن قلت: هذا معارض بقوله: (فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) وقوله: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) لما دل ذلك على تثاقلهم وتثبطهم في الامتثال.

لأنّ المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً، أى يدفعه ويزحمه. أو تدافعتم، بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض، فدفع المطروح عليه الطارح. أو لأنّ الطرح في نفسه دفع. أو دفع بعضكم بعضاً عن البراءة واتهمه (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) مظهر لا محالة ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: وجه الجمع أن يقال: سارعوا في امتثال أمر الله عند ظهور الحق، والحال أن بشريتهم، وهي خوف الفضيحة، دعت إلى أن يمتنعوا من ذلك، وتلخيصه: رجحوا جانب الله على جانبهم. ووجه آخر: (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) قبل تبين الحال، فاختلف الجهتان على التقديرين. قوله: (لأن المتخاصمين يدرأ) تعليل لوجه الكناية في قوله: (فَادَّارَاتُمْ) [البقرة: 72] بمعنى اختصمتم؛ لأن الدرأ لازم الخصومة. قوله: (فدفع المطروح) الفاء مثلها في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: 54]، فهو كالتعليل للتفسير، ولهذا عطف عليه قوله: "أو لأن الطرح في نفسه دفع"، والفرق أن الطارح في الأول لا يصير دافعاً إلا بعد دفع المطروح عليه، بخلاف الثاني، فإنه دافع ابتداء لما يلزم من طرحه دفعه عن نفسه، وعلى الوجوه الثلاثة كناية. قوله: (أو دفع بعضكم بعضاً عن البراءة) عطف على "طرح قتلها" وذلك بأن يقول صاحبه: أنت متهم ولست ببريء، فالمدفوع البراءة من الجانبين. قوله: (مظهر لا محالة) يعني: دل بناء اسم الفاعل، وهو مخرج على المبتدأ، على الثبات وتوكيد الحكم، وهذا عندنا بحسب التفضل والكرم، وعند المعتزلة لرعاية الأصلح؛ لأن الاختلاف في باب القتل يؤدي إلى الفساد والفتنة، وهو خلاف إرادته تعالى، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [البقرة: 205].

ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوماً. فإن قلت: كيف أعمل (مخرج) وهو في معنى المضىّ؟ قلت: وقد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ كما حكى الحاضر في قوله: (باسِطٌ ذِراعَيْهِ) [الكهف: 18]. وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما (فَادَّارَاتُمْ)، و (فَقُلْنا) والضمير في (اضْرِبُوهُ): إمّا أن يرجع إلى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان، وإمّا إلى القتيل لما دل عليه من قوله: (ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ). بِبَعْضِها ببعض البقرة. واختلف في البعض الذي ضرب به، فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة بين الكتفين. والمعنى: فضربوه فحيى، فحذف ذلك لدلالة قوله: (كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى) وروى أنهم لما ضربوه قام بإذن اللَّه وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان وفلان لا بنى عمه، ثم سقط ميتاً، فأخذا وقتلا، ولم يورّث قاتل بعد ذلك. (كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى): ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما حكي الحاضر) يعني أن كلاً من اسمي الفاعل عند نزول القرآن كان ماضياً لكن (مُخْرِجُ) حكاية لما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ، و (بَاسِطٌ) حكاية للحاضر عند بسط الكلب ذراعيه، فقد اشتركا في أن كلاً منهما حكاية عند النزول، وفائدتها: استحضار تينك الصورتين في مشاهدة السامع؛ تعجيباً له. قوله: (وقيل: عجبها). العجب: أصل الذنب، وهو من كل دابة: ما ضمت عليه الورك من أصل الذنب. قيل: العجب أمره عجب، وهو أول ما يخلق وآخر ما يخلق. قوله: (العظم: الذي يلي الغضروف)، الجوهري: وهو ما لان من العظم، وهو الغضروف أيضاً. واعلم أن هذه الأقوال لا يدل عليها القرآن ولا خبر صحيح، فحسن السكوت عنها.

إما أن يكون خطابا للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيى اللَّه الموتى يوم القيامة، (وَيُرِيكُمْ آياتِهِ) ودلائله على أنه قادر على كل شيء؛ (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): تعملون على قضية عقولكم. وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث. وإما أن يكون خطابا للمنكرين في زمن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. فإن قلت: هلا أحياه ابتداء؟ ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها؟ قلت: في الأسباب والشروط حكم وفوائد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإما أن يكون خطاباً للمنكرين) فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير القول، وكاف الخطاب في قوله تعالى: (كَذَلِكَ) [البقرة: 73] نحو الخطاب في قوله: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وذلك لأن أمر إحياء الموتى عظيم، يجب أن يخاطب كل من يصح أن يخاطب ويتأتى منه الاستماع، فيدخل هؤلاء فيه دخولاً أولياً: يدل عليه قوله: (وَيُرِيكُمْ). قوله: (في الأسباب والشروط حكم وفوائد) تمهيد للجواب. والجواب: "وإنما شرط ذلك"، وقوله: "وما في التشديد عليهم" عطف على قوله: "ما في ذبح البقرة" بدون لام التعليل. وقوله: "وليعلم" عطف على قوله "لما في ذبح البقرة" مع اللام. وفي هذا الاختلاف من العطف إيذان بأن في الشرط فائدتين: إحداهما: عملية، وثانيتهما اعتقادية. والأولى: إما عامة في نفس الذبح فيهم وفي غيرهم، أو خاصة بتلك القصة، أي: ناشئة منها. أما الاعتقاد فهو المراد بقوله: "ليعلم بما أمر من مس الميتِ بالميتِ، وحصول الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب". أما الفائدة العامة فهي ما ذكره من "التقرب وأداء التكليف واكتساب الثواب"، وأما الخاصة بذلك الذبح فهي قوله: "من اللطف لهم ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة" إلى آخره. وفي قول المصنف: "إن المؤثر هو المسبب لا الأسباب" إبطال لمذهبه في كثير من المواضع.

وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرّب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم، ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر اللَّه تعالى وارتسامها على الفور، من غير تفتيش وتكثير سؤال، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البرّ بالوالدين، والشفقة على الأولاد، وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء، وبيان أنّ من حق المتقرّب إلى ربه أن يتنوّق في اختيار ما يتقرب به، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المسارعة) عطف على قوله: "ترك التشديد". قوله: (والدلالة على بركة البر بالوالدين والشفقة على الأولاد). أما البر فقوله فيما سبق: "وكان براً بوالديه"، وأما الشفقة فقوله: "اللهم إني أستودعكها لابني". قوله: (وتجهيل الهازئ) أي: لما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم تجهيل للهازئ. يعني: لما شددوا على أنفسهم وقالوا: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) [البقرة: 67] أجيبوا بقوله: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) فعلم تجهيل الهازئ، وأن الهازئ: من لا يعلم كنه كلام الحكماء. فيه تعريض بأنه عالم بما يقول الحكماء وأنه حكيم. قوله: (أن يتنوق). تنوق في الأمر: تأنق فيه. وعمله بنيقة، أي: باشر فيه وأتمه بحذاقة. قال الحريري في "درة الغواص في أوهاهم الخواص": تنوق في الشيء، والأفصح تأنق كما روي للمنصور رحمه الله: تأنقت في الإحسان لم آل جاهداً ... إلى ابن أبي ليلى فصيره ذما فوالله ما آسى على فوت شكره ... ولكن فوت الرأي أحدث لي هما واشتقاقه من الأنق وهو الإعجاب بالشيء.

وأن يختاره فتىّ السنّ غير قحم ولا ضرع، حسن اللون بريئاً من العيوب يونق من ينظر إليه، وأن يغالى بثمنه، كما يروى عن عمر رضى اللَّه عنه أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار، وأنّ الزيادة في الخطاب نسخ له، وأن النسخ قبل الفعل جائز وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، لأن الموتين الحاصلين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي أمثالهم: ليس المتعلق كالمتأنق. أي: ليس القانع بالعلقة، وهي البلغة، كالذي يبلغ النقاوة والغاية. ويضرب أيضاً للجاهل الذي يدعي الحذق: خرقاء ذات نيقة. قوله: (غير قحم) أي: غير مسنة مهزولة، الجوهري: شيخ قحم، أي: هم. قوله: (ولا ضرع). الضرع بالتحريك: الضعيف. وقيل: الحديثة السن. قوله: (وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه) أي: يمكن المكلف من أدائه في ذلك الوقت. وصورته أن تقول: صل غداً وقت الظهر، وقبل الظهر تقول: لا تصل وقت الظهر، والحال أن المكلف متمكن من الفعل في الظهر. قوله: (لأدائه إلى البداء) أي: البداية، من قولهم: بدا له في الرأي بداء بالمد والرفع. وأهل السنة قالوا: لا يلزم البداء؛ لأن هذا الأمر والنهي راجع إلى امتحان المكلف بإطاعته الآمر وعصيانه، وعزم قلبه، وعدم عزمه وابتلائه، كما إذا قال السيد لعبده: اذهب غداً راجلاً إلى مواضع كذا، وقبل الغد يقول: اذهب راكباً، وغرضه الابتلاء. واعلم أنه جمع بين التشديد عليهم لتشديدهم وبين نفع اليتيم، فيلزم من التشديد أن تكون البقرة غير معينة، ومن نفع اليتيم أن تكون معينة، وبينهما تناف كما سبق.

في الجسمين لا يعقل أن تتولد منهما حياة. فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدّم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال: وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟ قلت: كل ما قص من قصص بنى إسرائيل إنما قص تعديداً لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعاً لهم عليها، ولما جدّد فيهم من الآيات العظام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما للقصة لم تقص) إلى آخره، قيل: فيه نظر، لأنه قال: "الأصل أن يقدم ذكر القتل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها"، وحقه أن يقال: أن يقدم ذكر القتيل والأمر بالذبح على الأمر بضرب بعضها، كما قدره آخراً في السؤال. وأجيب: أن المراد أن هذه الآية التي ذكر فيها ذكر القتيل والضرب كان من حقها أن تقدم على الآية التي ذكر فيها الأمر بالذبح. فإن قلت: الإشكال باق؛ لأن القصة بجملتها لا يجوز تقديمها على تلك القصة، فإن فيها الأمر بالضرب، وهو متأخر عن الأمر بالذبح. قلت: بل القصة مستقلة في الدلالة ولابد من إضمار: "اذبحوا" سواء قدمتها أو أخرتها؛ لأنها محتوية إجمالاً على القصة بتمامها مع قرب طرفيها، ففتحت بذكر القتل، وختمت بإحياء القتيل، ووسطت بضرب المذبوح، ومع ذلك ما أجمل فيها من التنبيه على ما أضمر اعتراضاً واستطراداً، فقوله: (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) [البقرة: 72] اعتراض بين المعطوفين، فدل به على التقريع ونبه به على تقدير ما يحصل به ذلك الإخراج من الأمر بالذبح، وقوله: (كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى) [البقرة: 73] استطراد عبر به عن الاقتدار على البعث، ونبه به على حصول إحياء القتيل. وقوله: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [البقرة: 73] تذييل وتنبيه غب تنبيه، وتقريع بعد تقريع، فحينئذ تقرير الآية: وغذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها، فقلنا: اذبحوا بقرة، واضربوه ببعضها، فذبحتم وضربتم به فأحيا الله القتيل، فأخبركم بقاتله، وقلنا: كذلك يحيي الله الموتى.

وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى: لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونظير هذه القصة قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً* فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً) [الفرقان: 35 - 36]. قال: أراد اختصار القصة، فذكر حاشيتها: أولها وآخرها؛ لأنهما المقصود من القصة، أعني إلزام الحجة ببعثه الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. فإذا قدمت القصة كان قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) [البقرة: 67] إلى آخره كالتفصيل والبيان لكيفية الأمر بالذبح المطوي وما يتصل به، والبيان لا يكون مستقلاً بل تتمة للمبين، فيكون التقريع واحداً، وإذا أخرتها كما هي عليه لم تكن بياناً، وكان مستقلاً فيما قصد به من تنبيه التقريع، ولذلك غير السياق وقيل: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ) فانظر إلى هذه الرموز، وإلى ذلك الإيجاز والتعجيز، ولله در المصنف ودقيق إشاراته! قوله: (وما يتبع ذلك) عطف على "تقريعهم"، لا على "الاستهزاء"، إذ ليس في تلك القصة غير الاستهزاء. وترك المسارعة شيء يتوجه إليه التقريع، وكذا "ما يتبعه" عطف على "التقريع" لا على "قتل النفس"، إذ ليست "الآية العظيمة" مما يرد عليها التقريع، وفيه إشارة إلى صنعة الإدماج، يعني: سيقت القصتان للتقريع، وأدمج فيها هذه الفوائد، والإشارة "بذلك" إلى المذكور السابق، أي: يتبع التقريع وترك المسارعة من الفوائد المتكاثرة كما عددها في قوله: "لما في ذبح البقرة من التقرب" إلى قوله: "وأن النسخ قبل الفعل جائز"؛ لأن تلك الفوائد تابعة للأمر بذبح البقرة، وقوله: "وما يتبعه من الآية العظيمة" هو الذي عناه بقوله: "وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه" إلى آخره، وهو مستفاد من قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى)، فظهر أن الجواب السابق كان منطوياً على هذين الاعتبارين.

والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة. وإنما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع. ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: (اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها)؛ حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة. [(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) 74]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة) هو الجواب، والسابق كالمقدمة والتمهيد له لئلا يلزم التكرار. قوله: (ولقد روعيت) عطف على قوله "قدمت"، وقوله: "أن وصلت" بدل من "نكتة". وقوله: (بضمير البقرة) متعلق "بوصلت"، و"دلالة": مفعول له لقوله: "أن وصلت" قدم المفعول له على متعلق الفعل للاهتمام، وإنما جيء بقوله: "ولقد روعيت" بلام القسم ليؤكد به ما قصده في الجواب، يريد: الذي يؤكد ما ذهبنا إليه من جعل القصة الواحدة قصتين اعتبار العائد، وإليه الإشارة بقوله: "حتى يتبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع" إلى آخره. فإن قلت: اسم البقرة كالضمير في الاتصال، بل هو أشد اتصالاً منه إذا جيء به معرفاً باللام؛ لأن المعرف باللام إذا أعيد كان عين الأول. قلت: نعم، لكن الربط بالمضمر ألصق لاستقلال المظهر.

معنى (ثُمَّ قَسَتْ): استبعاد القسوة من بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه: (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) [الأنعام: 2]. وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها. وذلِكَ إشارة إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع ما تقدّم من الآيات المعدودة (فَهِيَ كَالْحِجارَةِ): فهي في قسوتها مثل الحجارة (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) منها، و (أشد) معطوف على الكاف، إما على معنى أو مثل أشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفاً على الحجارة. وإما على: أو هي أنفسها أشدّ قسوة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معنى (ثُمَّ قَسَتْ) استبعاد) يعني: ثم موضوعة للتراخي في الزمان، وهنا مجاز للاستبعاد؛ لأن قسوة قلوبهم لم تتجدد بعد زمان، فهو نحو قولك لصاحبك: وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها! يعني: يبعد من العاقل ارتكاب هذا المحذور بعد حصول ما ينافيه، ويقلعه من الآيات البينات المذكورة فيما سبق. قوله: (مثل لنبوها عن الاعتبار) أي: قست قلوبهم: استعارة تبعية واقعة على سبيل التمثيل، شبهت حالة قلوبهم، وهي نبوها عن الاعتبار، بحالة قسوة الحجارة في أنها لا يجدي فيها لطف العمل. قوله: (بنصب الدال) أي: بفتحها؛ لأنه مجرور، قال الزجاج: من قرأ (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) بالرفع فعلى: أو هي في نفسها أشد قسوة، ومن نصب فهو خفض في الأصل بمعنى الكاف، و"أشد" أفعل لا ينصرف، وهو نعت ففتح، وهو في موضع جر. قوله: (وإما على: أو هي في نفسها أشد) يعني: (أَشَدُّ) مرفوع، وهو عطف على

والمعنى: أن من عرف حالها شبهها بالحجارة، أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلاً. أو من عرفها شبهها بالحجارة، أو قال: هي أقسى من الحجارة. فإن قلت: لم قيل: أشد قسوة، وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ قلت: لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة. ووجه آخر، وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكاف، إما على تقدير مثل، ومعنى قراءة الأعمش سواء في أن المراد قلوبهم مشبهة بجواهر أقسى من الحجارة، أو لا يقدر الشيء، فيكون المعنى: هي أقسى من الحجارة فلا يكون تشبيهاً، ولذلك قال: "أو قال"، ففي الكلام لف ونشر. قوله: (والمعنى أن من عرف حالها شبهها) إلى آخره. وإنما أخرج الكلام مخرج الشرطية ليؤذن بأن مرجع الشك إلى الناس؛ لأن الله تعالى لا يشك، كقوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات: 147]. ولو حمل "أو" على معنى "بل" نحو ما أنشده الجوهري: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح كان أحسن التئاماً مع قوله: (وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ) الآية [البقرة: 74]، من التردد في التشبيه. وكيف وقد قال هو: "تقرير لقوله (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) "؟ قوله: (وهو أن لا يقصد معنى الأقسى)، اعلم أن الأصل في "أفعل" التفضيل أن يبنى من ثلاثي مجرد ليس بلون ولا عيب، وإذا قصد ذلك فيما ليس كذلك توصل بمثل أشد ضرورة، ولا ضرورة في الآية إلى التوصل به لاستقامة بيانه من القسوة. ولابد في هذا الإطناب في كلام الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه من فائدة، وهي: إما أن يجاء به لمزيد البيان والتوضيح، وإليه أشار بقوله: "لكونه أبين وأدل على فرط القسوة"،

ولكن قصد وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشدّ قسوة. وقرئ: قساوة. وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس، كقولك: زيد كريم وعمرو أكرم. وقوله (وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ): بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدّة القسوة، وتقرير لقوله: (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً). وقرئ «وإن» بالتخفيف، وهي «إن» المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة. ومنها قوله تعالى: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ) [يس: 32]. والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة. وقرأ مالك بن دينار (ينفجر) بالنون. يَشَّقَّقُ يتشقق. وبه قرأ الأعمش ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإما أن يقصد معنى الاشتراك في الشدة نفسها، والتأويل بما قال: "اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة"، فظهر أن إتيان "أشد" في قولك: ما أشد حمرته! لمجرد التوصل إلى البناء، فلا يكون مقصوداً بالذات، بخلافه في الآية، فإنه مقصود بذاته، ولذلك قال: "لا يقصد معنى الأقسى، لكن قصد وصف القسوة بالشد"، ويندفع بهذا إيراد صاحب "التقريب": في قوله: "اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة" نظر؛ لأن أشد لو كان محمولاً على القسوة أفاد هذا، ولكنه محمول على القلوب، فيفيد أن قلوبهم أشد قسوة لا أن قسوتها أشد قسوة، وإن أراد أنهما اشتركا في شدة القسوة، وهي أزيد في الشدة، فلا يفيده هذا اللفظ، لأن معناه: أن قسوتها أشد، لا أن شدة قسوتها أزيد، وإنما كان يفيده لو قال: فهي أزيد شدة قسوة. قوله: ((وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ) بيان لفضل قلوبهم على الحجارة)، فالواو في قوله: (وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ) عطفت البيان على المبين، والأولى أنها استئنافية، والجملة كما هي مذيلة للتشبيه كقوله تعالى: (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) [النساء: 125]، والدليل على كونها مذيلة قوله: "وتقرير"؛ لأن المذيلة كالمعترضة مؤكدة، وسيجيء في "الأنعام" أن التأكيد أيضاً نوع بيان، ويجوز أن تكون الواو للحال من الحجارة في قوله: "كالحجارة"، أو من المقدرة في قوله: (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) وهو منها.

والمعنى: إنّ من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير، ومنها ما ينشق انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا يَهْبِطُ يتردّى من أعلى الجبل. وقرئ بضم الباء. والخشية مجاز عن انقيادها لأمر اللَّه تعالى، وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به. وقرئ (تَعْمَلُونَ) بالياء والتاء، وهو وعيدٌ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمعنى: إن من الحجارة ما فيه خروق واسعة) إلى آخره، فيه على ما فسر معنى التتميم دون الترقي، ليكون على وزان قوله تعالى: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [الفاتحة: 3] إذ لو أريد الترقي لقيل: إن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يتفجر منه الأنهار. وفائدته: استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعة هذا الجوهر، وهو أبلغ من الترقي. نعم، الترقي من قوله: (لَمَا يَتَفَجَّرُ) إلى آخره إلى قوله: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ) تتميم للتتميم. قوله: (وأنها لا تمتنع) إلى آخره: عطف على سبيل التفسير على قوله: "مجاز عن انقيادها لأمر الله، يعني: أثبت للحجارة الخشية على سبيل المجاز لفائدتين: إحداهما: التصريح في المبالغة في كونها منقادة لأمر الله، وثانيتهما: التعريض بأن قلوب هؤلاء لا تنقاد البتة. قوله: (من خشية الله يتعلق بالكل)، أي: كل ذلك من خشية الله. قوله: (وقرئ (تَعْمَلُونَ) بالياء والتاء). ابن كثير ونافع ويعقوب وأبو عمرو: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء.

[(أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ* أَوَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ)]. (أَفَتَطْمَعُونَ): الخطاب لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم، كقوله: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) [العنكبوت: 26]، يعنى اليهود، (وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ): طائفة فيمن سلف منهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ وهو ما يتلونه من التوراة (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) كما حرّفوا صفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وآية الرّجم، وقيل كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلام اللَّه حين كلم ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((أَفَتَطْمَعُونَ) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم). الراغب: الطمع: نزوع النفس إلى الشيء بشهوة له، يقال: طمعت طمعاً وطماعية فهو طمع وطامع، ولما كان أكثر الطمع من جهة الهوى، قيل: الطمع طبع، والطمع يدنس الإهاب. قوله: (وآية الرجم). روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والترمذي، عن ابن عمر: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة من اليهود قد زنيا، فقال لليهود: "ما تصنعون بهما؟ " قالوا: نسخم وجوههما ونخزيهما، قال: "فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين" فجاؤوا بها، فقالوا لرجل ممن يرضون أعور: اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "ارفع يدك" فرفع يده فإذا فيه آية الرجم، فقال: يا محمد، إن عليهما الرجم، ولكنا نكاتمه بيننا". الحديث. قوله: (وقيل: كان قوم) عطف من حيث المعنى على قوله: "طائفة"، وعلى الأول معنى

موسى بالطور وما أمر به ونهى، ثم قالوا: سمعنا اللَّه يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس. وقرئ: كلم اللَّه، مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ولم تبق لهم شبهة في صحته (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم كاذبون مفترون. والمعنى: إن كفر هؤلاء وحرّفوا فلهم سابقة في ذلك. وَإِذا لَقُوا يعنى اليهود (قالُوا): قال منافقوهم (آمَنَّا) بأنكم على الحق، وأنّ محمدا هو الرسول المبشر به (وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ): الذين لم ينافقوا إِلى بَعْضٍ الذين نافقوا قالُوا عاتبين عليهم (أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بما بين لكم في التوراة من صفة محمد. أو قال المنافقون لأعقابهم يرونهم التصلب في دينهم: (أتحدّثونهم)؛ إنكارا عليهم أن يفتحوا عليهم شيئا في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التحريف: التغيير والتبديل، وعلى الثاني: إثبات ما ليس في الكتاب وكتمان ما هو ثابت فيه كما قال في تفسير قوله: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) [البقرة: 42]. قوله: ((وَإِذَا لَقُوا) يعني: اليهود) أي: جماعة اليهود، منافقيهم وغير منافقيهم، ثم خص بقوله: (قَالُوا آمَنَّا) المنافقين منهم بهذا القول، وعلم من المفهوم أن غير المنافقين كانوا ساكتين حينئذ، وإليه الإشارة بقوله: "قال منافقوهم: آمنا"، قال تعالى: (وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) [البقرة: 76] يعني تلك الجماعة: المنافقين وغير المنافقين، ثم خص بقوله: (قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ) غير المنافقين منهم بهذا القول، أي: قال الذين لم ينافقوا عاتبين على الذين نافقوا: أتحدثونهم، فعلم أن المنافقين كانوا معاتبين ساكتين، ويجوز على هذا أن يراد بالمعاتبين المنافقون أنفسهم، فإنهم كانوا يعاتبون بقاياهم ينافقون المؤمنين وينافقون اليهود. قيل: قوله: "أو قال المنافقون" عطف على قوله: "قال منافقوهم"، والظاهر أنه عطف على "قالوا عاتبين"، والأوفق لتأليف النظم أن يحمل اليهود في قول المصنف: " (وَإِذَا لَقُوا)

(لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ): ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعني اليهود" على الفريق المحرفين منهم، فيكون الضمير في "لقوا" راجعاً إلى قوله تعالى: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) [البقرة: 75] لأنه قسيم لقوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ) [البقرة: 78] كما سيجيء، ولأن قولهم: (أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) لا يليق إلا بمن عقل الكتاب لا بالعامي، وينصره ما روى محيي السنة عن ابن عباس والحسن وقتادة: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا) يعني منافقي اليهود الذين آمنوا بألسنتهم، إذا لقوا المؤمنين المخلصين (قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا) رجع (بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) ككعب بن الأشرف وكعب بن أسيد ورؤساء اليهود، لاموهم على ذلك (قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ): بما قضى الله عليكم في كتابكم أن محمداً حق وقوله صدق. الانتصاف: يوضح اختلاف الضميرين المذكورين قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) [البقرة: 232]، الضمير الأول للأزواج، والثاني للأولياء لشمول الخطاب. قوله: (بما أنزل ربكم في كتابه). قيل: إن المصنف جعل (عِنْدَ رَبِّكُمْ) بدلاً من قوله: به؛ لأن ما فتح الله وما أنزل ربكم في كتابه بمعنى واحد. وقلت: بل قوله: "بما أنزل ربكم في كتابه" تفسير للآية وتلخيص معناها، فلا يكون بدلاً ولا متعلقاً بقوله: (لِيُحَاجُّوكُمْ). قال صاحب التقريب: "عند" حال من المجرور في "به"، أو

جعلوا محاجتهم به، وقولهم هو في كتابكم هكذا محاجة عند اللَّه. ألا تراك تقول: هو في كتاب اللَّه هكذا. وهو عند اللَّه هكذا، بمعنى واحد (يَعْلَمُ) جميع (ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ)، ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان. [(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ* فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)]. (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ) لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها (لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ): التوراة (إِلَّا أَمانِيَّ): إلا ما هم عليه من أمانيهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ متعلق بـ "يحاجوكم" إن أريد بـ "عند ربكم" يوم القيامة. وقال القاضي: في الثاني نظر؛ لأن الإخفاء لا يدفعه. قوله: (جعلوا محاجتهم به) أي: جعل اليهود محاجة المسلمين بما فتح الله عليهم محاجة عند الله. يعني إذا قال المسلمون: "هو في كتابكم هكذا"، كأنهم قالوا: "هو عند الله كذا" وهما بمعنى واحد من حيث المؤدى لا المبالغة؛ لأن الثاني أبلغ لأنك فيه تصحح أن ما في الكتاب ثبت وصح، وأنه كلام الله ونازل من عنده، فالحكم به كالحكم بين يدي الله. وروي عن الأنباري أنه قال: (عِنْدَ رَبِّكُمْ) معناه: في حكم ربكم، كما تقول: هذا حلال عند أبي حنيفة، أي: في حكمه، والمعنى: ليكون لهم حجة عند الله في الدنيا والآخرة. قوله: ((أُمِّيُّونَ) لا يحسنون الكتب)، قال الزجاج: أمي منسوب إلى ما عليه جبلة أمه، أي: لا يكتب، فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه.

وأن اللَّه يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أنّ النار لا تمسهم إلا أياما معدودة. وقيل: إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد. قال أعرابى لابن دأب في شيء حدث به: أهذا شيء رويته، أم تمنيته، أم اختلقته وقيل: إلا ما يقرؤن من قوله: تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَهِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "النهاية": وفي الحديث: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، أراد أنهم على أصل ولادة أمهم أنهم لم يتعلموا الكتابة والحساب. قوله: (وأن الله يعفو عنهم) إلى آخره: عطف تفسيري بيان لقوله: "من أمانيهم". قوله: (وقيل: إلا ما يقرؤون). فإن قلت: إلا ما يقرؤون كيف يناسب قوله: (أُمِّيُّونَ)؟ قلت: إن الأمي ربما قدر على قراءة ما، كما أنه يقدر على كتابة. وروينا عن البخاري ومسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الصلح، أخذ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. وهذا القدر لا يقدح في التسمية بالأمي، ولهذا قال المصنف: "أميون لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها".

والاشتقاق من منى إذا قدّر، لأن المتمنى يقدّر في نفسه ويحزر ما يتمناه، وكذلك المختلق والقارئ يقدر أن كلمة كذا بعد كذا. و (إلا أمانىّ) من الاستثناء المنقطع. وقرئ: (أمانى) بالتخفيف. ذكر العلماء الذين عاندوا بالتحريف مع العلم والاستيقان، ثم العوامّ الذين قلدوهم، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكن من العلم. (يَكْتُبُونَ الْكِتابَ) المحرّف (بِأَيْدِيهِمْ) تأكيد، وهو من محاز التأكيد، كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه: يا هذا كتبته بيمينك هذه. مِمَّا يَكْسِبُونَ من الرُّشا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من الاستثناء المنقطع). فإن قلت: لم لا يجوز أن يقدر ليعلمون مفعولاً ثانياً، فيكون متصلاً؟ قلت: لا يجوز؛ لأن قوله: (لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) بيان لقوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ)، أي: أميون لا معرفة لهم بالكتاب. قوله: (العلماء الذين عاندوا) شروع في بيان نظم الآيات. يعني: أن الله تعالى أنكر على المسلمين طمعهم في إيمان اليهود بقوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) [البقرة: 75]، ثم قسمهم فرقتين بعثاً على رفع الطمع عنهم، لكونهما في الضلال سواء: الفرقة الأولى: العلماء الذين عاندوا وحرفوا مع العلم والاستيقان، وهو المراد بقوله تعالى: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) [البقرة: 75]، والفرقة الأخرى: العوام الذين قلدوهم، وهو المراد بقوله: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) [البقرة: 78]، ثم نبه على التعليل لرفع الطمع بقوله: (أَفَلا تَعْقِلُونَ). وقوله: (وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) يعني لا يطمع في أحد منهم، لأنهم في الضلال سواء، ويجوز أن يجعل الضمير في "يظنون" للفريقين، فنفى عن العلماء العلم في قوله: "أو لا يعلمون" على

[(وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ* بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)]. (إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً): أربعين يوماً عدد أيام عبادة العجل. وعن مجاهد: كانوا يقولون مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما. (فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ) متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند اللَّه عهدا فلن يخلف اللَّه عهده ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سبيل الإنكار حيث لم يعملوا بموجبه، وعن المقلدين بقوله: (لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ)، ثم حكم أنهم في الظن المؤدي إلى الضلال سواء كقوله: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) [الأنعام: 116]، وعليه ورد كلام القاضي: قد يطلق الظن بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع، وإن جزم به صاحبه، كاعتقاد المقلد والزائغ عن الحق لشبهة، فعلى هذا في الآيات جمع وتقسيم، ثم جمع: جمع الفريقين في قوله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) ثم قسمهم فريقين: علماء ومقلدين، ثم جمعهم في "يظنون". قوله: (متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند الله عهداً) فاعلموا أن الله لن يخلف عهده، فالجملة الشرطية معترضة، والأصل: أأتخذتم عند الله عهداً أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ ! ويمكن أن تكون الفاء سببية، ليكون اتخاذ العهد مرتباً عليه عدم إخلاف الله عهده، فالمنكر إذن المجموع؛ لأنهم لما قالوا: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً) أنكر عليهم هذا القول، يعني: هذا الذي تقولونه لا يكون إلا بأن عاهدتم الله عليه، فهو لا يخلف وعده، ويؤيده إعادة "لن".

(وأَمْ) إمّا أن تكون معادلة بمعنى أى الأمرين كائن على سبيل التقرير، لأن العلم واقع بكون أحدهما. ويجوز أن تكون منقطعة بَلى إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ) أى بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله: (هُمْ فِيها خالِدُونَ). (مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) من السيئات، يعنى كبيرة من الكبائر، (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) تلك واستولت عليه، كما يحيط العدوّ ولم يتفص عنها بالتوبة. وقرئ: (خطاياه)، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و (أَمْ) إما أن تكون معادلة بمعنى: أي الأمرين كائن)، وهي "أم" المتصلة، ومعنى الاتصال أن تكون معادلة للهمزة، وقرينة لها وتجريا مجرى "أي" فقولك: أزيد عندك أم عمرو؟ بمنزلة: أيهما عندك؟ والمنقطعة تكون بمعنى الهمزة وبل، كقولك: إنها لإبل أم شاء؟ فكأنه حين أخبر أنها لإبل، اعتراه شك، فأخذ يسأل، وأضرب عن الإخبار، فقال: بل هي شاء، فكأنه تعالى أضرب عن الإنكار السابق، واستأنف إنكاراً آخر أبلغ منه. قوله: (بكون آخرهما)، ويروى: أحدهما، والأول أصح في نسخة المعزي، و"آخرهما" هو قوله: (أَمْ تَقُولُونَ) لكون الاستفهام للتقرير، ولأن العلم تعليل للتقرير، وهذا القول كان مسموعاً منهم، وأما اتخاذهم عند الله عهداً فلا. قوله: (ولم يتفص) أي: لم يتخلص بالتوبة. هذا مذهبه. قال القاضي: أي: الخطيئة استولت عليه وشملت جملة أحواله حتى صار كالمحاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه، وهذا إنما يصح في شأن الكافر؛ لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط الخطيئة به، ولذلك فسرها السلف بالكفر. وتحقيق ذلك: أن من أذنب ذنباً ولم يقلع عنه استجره إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه، حتى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه، فيصير بطبعه مائلاً إلى المعاصي، مستحسناً إياها، معتقداً أن لا لذة سواها،

و (خطيئاته). وقيل في الإحاطة: كان ذنبه أغلب من طاعته. وسأل رجل الحسن عن الخطيئة قال: سبحان اللَّه: ألا أراك ذا لحية وما تدرى ما الخطيئة! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مبغضاً لمن يمنعه عنها، مكذباً لمن ينصحه فيها، كما قال تعالى: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) [الروم: 10]. قلت: وما يعضد قول السلف الصالح أن الآية وردت لرد زعم اليهود بأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة وإثبات الوعيد بالخلود في النار، فجيء بها عاماً ليدخلوا فيه دخولاً أولياً، ثم أردفت بما هي مقابلة لمعناها، وهي وصف المؤمنين، وختمت بذكر الخلود، وذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 82] وهو عطف على قوله: (مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) [البقرة: 81]، وغير معنى الشرطية فيها إلى الثبوت الصرف لترجيح جانب الرحمة. قال السجاوندي: تقول: من دخل داري فأكرمه، دخول الفاء يقتضي إكرام كل من دخل لكن على خطر أن لا يكرم، وفي الذي دخل مع الفاء يكرم حقيقة، فلذلك قال: (مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) و (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ... فَلَهُمْ) [البقرة: 274] فيما لا يكون. قوله: (كان ذنبه أغلب من طاعته) هذا أيضاً مبني على مذهبه والقول بالموازنة والإحباط، وقد سبق إبطاله. قوله: (سبحان الله، ألا أراك ذا لحية)، تعجب منه ومن سؤاله، يعني: بلغت مبلغ الكمال وأنت ناقص لم تعلم ما وجب عليك تعلمه.

انظر في المصحف فكل آية نهى فيها اللَّه عنها وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة. [(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) 83]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فهي الخطيئة المحيطة)، الضمير راجع إلى ما يرجع الضمير في "عنها" غليها، وهي الخطيئة المقيدة، والضمير في "أنه" للشأن. والخطيئة والسيئة متقاربتان، غلا أن الخطيئة أكثر ما تستعمل فيما لا يكون مقصوداً إليه في نفسه، بل يكون القصد إلى شيء آخر لكن تولد منه ذلك الفعل، كمن يرمي صيداً فأصاب إنساناً، أو شرب مسكراً فجنى جناية، وفي "الأساس": أخطأ في المسألة وفي الرأي، وخطئ خطأ عظيماً؛ إذا تعمد الذنب، ويقال: لأن تخطئ في العلم خير من أن تخطئ في الدين، وقيل: هما واحد. الراغب: الخطيئة والسيئة يتقاربان، لكن الخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون مقصوداً إليه في نفسه، بل يكون القصد سبباً لتولد ذلك الفعل كمن يرمي صيداً وأصاب إنساناً، أو شرب مسكراً فجنى في سكره جناية. ثم السبب سببان: سبب محظور كشرب المسكر وما يتولد من الخطأ عنه غير متجاف عنه، قال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [الأحزاب: 5]. فالخطيئة هنا هي التي لا تكون عن قصد إلى فعله، وقوله تعالى: (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) [البقرة: 58] فهي المقصود إليها. والخاطئ هو القاصد للذنب وعلى قوله تعالى: (لا يَاكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ) [الحاقة: 37]، وقد سمى الذنب خاطئة في قوله تعالى: (وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ) [الحاقة: 9] أي: الذنب العظيم، نحو قولهم: شعر شاعر.

(لا تَعْبُدُونَ): إخبار في معنى النهى، كما تقول: تذهب إلى فلان تقول له كذا، تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهى، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه وتنصره قراءة عبد اللَّه وأبىّ (لا تعبدوا) ولا بدّ من إرادة القول، ويدل عليه أيضاً قوله: (وَقُولُوا). وقوله (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) إما أن يقدّر: وتحسنون بالوالدين إحسانا. أو وأحسنوا. وقيل: هو جواب قوله: (أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) إجراء له مجرى القسم، كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون. وقيل: معناه أن لا تعبدوا، فلما حذفت «أن» رفع، كقوله: ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويدل عليه أيضاً) أي: على أن الإخبار في معنى النهي، عطف قوله: "قولوا" عليه وهو أمر؛ لأن المناسب أن يعطف إنشائي على إنشائي أو ما في معناه. قوله: (وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون)، قال أبو البقاء: في إعراب (لا تَعْبُدُونَ) وجوه: أحدها: أنه جواب قسم دل عليه المعنى، أي: أحلفناهم أو قلنا لهم: بالله لا تعبدون، وثانيها: أن مراده أي: أخذنا ميثاق بني إسرائيل على أن لا تعبدوا إلا الله، فحذف حرف الجر ثم حذف "أن" فارتفع الفعل، وثالثها: نصب على الحال، أي: أخذنا ميثاقهم موحدين، وهي حال مصاحبة ومقدرة لأنهم كانوا وقت أخذ ميثاقهم موحدين، والتزموا الدوام على التوحيد، ولو جعلتها حالاً مصاحبة فقط- على أن يكون التقدير: أخذنا ميثاقهم ملتزمين الإقامة على التوحيد- جاز، ولو جعلتها حالاً مقدرة- على أن يكون التقدير: أخذنا ميثاقهم مقدرين التوحيد أبداً ما عاشوا- جاز، ورابعها: لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي.

أَلَا أَيُّهذَا الزّاجِري أَحْضُرَ الوَغَى ويدل عليه قراءة عبد اللَّه (أن لا تعبدوا)، ويحتمل (أن لا تعبدوا) أن تكون «إن» فيه مفسرة، وأن تكون أن مع الفعل بدلاً عن الميثاق، كأنه قيل: أخذنا ميثاق بنى إسرائيل توحيدهم وقرئ بالتاء حكاية لما خوطبوا به، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى). قائله طرفة، وتمامه: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي الوغى: الصوت. ومنه قيل للحرب: الوغى. والتقدير: أن أحضر الوغى، فلما حذف "أن" حذف أثره. يقولك أيها اللائمي على حضور الحرب وشهود اللذات هل تخلدني إن كففت عنهما؟ الوغى: يكتب بالياء؛ لأن الألف يؤذن أنه مقلوب عن الواو، وليس في الأسماء اسم أوله واو وآخره واو إلا الواو. قولهك (وأن تكون أن مع الفعل بدلاً عن الميثاق)، و"أن" على هذا: ناصبة، فتجعل الجملة كما هي عبارة عن معنى التوحيد؛ لأن معنى قوله: "ألا تعبدوا إلا الله" التوحيد، وهذا البدل ليس في حكم المنحى لقوله: "ميثاق بني إسرائيل توحيدهم". قوله: (وقرئ بالتاء)، قرأها ابن عامر، وأبو عمرو، ونافع، وعاصم، وابن كثير، وقرأ حمزة والكسائي بالياء؛ لأن بني إسرائيل اسم ظاهر، والأسماء الظاهرة كلها غيب.

وبالياء لأنهم غيب. (حُسْناً) قولاً هو حسن في نفسه؛ لإفراط حسنه. وقرئ (حسنا). و (حسنى) على المصدر كبشرى. (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) على طريقه الالتفات أى توليتم عن الميثاق ورفضتموه، (إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ): ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو حسن في نفسه لإفراط حسنه) يريد أن "حسنا" مصدر وصف به للمبالغة نحو: رجل عدل. قال الواحدي: الحسن لغة في الحسن كالرَّشَدِ والرُّشد. قوله: (وقرئ حسناً)، قرأ حمزة والكسائي "حسناً" بالفتح، والباقون: بالضم، وأما "حسنى" فشاذة. قوله: (وحسنى على المصدر كبشرى) كأنه رد لقول الزجاج؛ لأنه قال: أما حسنى فخطأ لا ينبغي أن يقرأ به، ونحو باب الأفعل والفعلى لا يستعمل إلا بالألف واللام كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) [الأنبياء: 101]. قال القاضي: والمراد بقوله: (حُسْناً): ما فيه تخلق وإرشاد؛ لأن المتكلم إما أن يتكلم من جهة نفسه فينبغي أن لا يصدر منه إلا ما يدخل تحت مكارم الأخلاق، وإما من جهة مخاطبه فكذا ينبغي أن لا يتكلم إلا بما يرشده إلى طريق الحق والصراط المستقيم. قوله: ((ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) على طريقة الالتفات)، وهو من الغيبة في قوله: (أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) إلى الخطاب، والفائدة التأنيب والتوبيخ، استحضرهم فوبخهم.

قيل: هم الذين أسلموا منهم (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ): وأنتم قومٌ عادتكم الإعراض عن المواثيق، والتولية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قيل: هم الذين أسلموا منهم). قال القاضي: لعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم على التغليب. وقلت: فالأوفق أن يقال: إن أصل الكلام: "ثم تولوا وهم معرضون"، لقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، أي: اذكر وقت أخذنا ميثاق بني إسرائيل، وتوليهم وإعراضهم عن ذلك، فعدل إلى خطاب الموجودين منهم تغليباً، وإشعاراً بأن التولي الذي حصل منهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليس ببدع منهم؛ لأنه دأبهم ودأب أسلافهم، فلا يكون في الكلام التفات، ولا يصح أن يكون حالاً كما في قوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: 92]. قوله: (وأنتم قوم عادتكم الإعراض)، يشير إلى أنه من الاعتراض والتذييل كما سيجيء في قوله: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: 92]. وقيل: لا يجوز أن تكون الواو للحال، لأن التولي والإعراض واحد. ورد بما روى صاحب "التخمير" عن أبي علي: الحال مؤكدة في قوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: 25] لأن في "وليتم" دلالة على أنهم مدبرون. الراغب: (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) حال مؤكدة إذا جعلا شيئاً واحداً، وقيل: إن التولي والإعراض مثل مأخوذ من سلوك الطريق. وإذا اعتبرنا حال سالك المنهج في تركه سلوكاً، فله حالتان: إحداهما: أن يرجع عوده على بدئه، وذلك هو التولي، والثانية: أن يترك المنهج ويأخذ في عرض الطريق، والمتولي أقرب أمراً من المعرض، لأنه متى ندم على رجوعه سهل

[(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ* ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَاتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ)]. (لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ): لا يفعل ذلك بعضكم ببعض. جعل غير الرجل نفسه. إذا اتصل به أصلا أو دينا. وقيل: إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه، لأنه يقتص منه (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) عليها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عليه العود إلى سلوك المنهج، والمعرض- من حيث ترك المنهج وأخذ في عرض الطريق- يحتاج إلى طلب منهجه، فيعسر عليه العود إليه، وهذا غاية الذم؛ لأنهم جمعوا بين العود عن السلوك، والإعراض عن المسلك. وقيل: إن التولي قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد، والإعراض هو الانصراف عن الشيء بالقلب. قوله: (جعل غير الرجل نفسه) أي: جعل غير الرجل إذا اتصل به من جهة الأصل أو الدين بمنزلة نفسه، ثم نسب إلى نفسه ما كان منسوباً إلى الغير، فهو من باب المجاز بأدنى ملابسة، وقوله: "إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه" من باب إطلاق المسبب على السبب.

كقولك: فلان مقرّ على نفسه بكذا شاهد عليها. وقيل: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ): استبعاد لما أسند اليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم. والمعنى ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعنى أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرّين؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كقولك: فلان مقر على نفسه [بكذا] شاهد عليها). قال القاضي: (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) [البقرة: 84] توكيد، كقولك: أقر فلان شاهداً على نفسه. وقلت: إنه لما قال: أقر فلان، احتمل أنه تكلم بما يلزم منه الإقرار، فأزيل الاحتمال بقوله: شاهداً على نفسه، أي: أقر إقراراً يشبه شهادة من يشهد على غيره بإثبات البينة له. قوله: (وقيل: وأنتم تشهدون) يعني: وأنتم تشهدون: إما جار على الالتفات السابق على رأي المصنف، والخطاب مع الحاضرين فحسب، وعلى رأي القاضي: هو جار على سنن الخطاب السابق مع اليهود الحاضرين لحضرة الرسالة على التغليب، لكن أخذ الميثاق والإقرار والشهادة من أسلافهم، فخوطبوا به، لكونهم أولادهم، ويجوز أن يخص قوله: (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) وحده بالحاضرين، وعلى الأول يجوز أن يكون (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) حالاً على سبيل التتميم، وعلى هذا عطف جملة على جملة للإلزام والتبكيت. قوله: (ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء). "ثم" للاستبعاد. يعني: أيها الحاضرون أنتم بعد أخذ الميثاق عليكم، وإقراركم به، وشهادتكم عليه، هؤلاء الناقضون. وكان من حق الظاهر: (ثُمَّ أَنْتُمْ) بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد، فتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، أي: صفتكم الآن غير الصفة التي كنتم عليها، فأدخل "هؤلاء" وأوقع خبراً لـ "أنتم" وجعل قوله: (تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) [البقرة: 85] جملة مبينة مستقلة لتفيد أن الذي تغير هو الذات نفسها، نعياً عليهم بشدة وكادة أخذ الميثاق، ثم تساهلهم فيه وقلة المبالاة به.

تنزيلاً، لتغير الصفة منزلة تغير الذات، كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به. وقوله (تَقْتُلُونَ) بيان لقوله (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ)، وقيل: هؤلاء موصول بمعنى الذين. وقرئ: (تظاهرون) بحذف التاء وإدغامها، و (تتظاهرون) بإثباتها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (رجعت بغير الوجه الذي خرجت به)، يعني: ما أنت بالذي كنت من قبل، وكأنك أذهب بك، وجيء بغيرك، وفي الحديث: "دخل بوجه غادر، وخرج بوجه كافر". قوله: ((تَقْتُلُونَ) بيان)، كأنه لما قيل: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء) قالوا: كيف نحن؟ فجيء بقوله: (تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) تفسيراً له. قوله: (وقيل: (هَؤُلاء) موصول بمعنى: الذين). قال أبو البقاء: ويضعف أن يكون (هَؤُلاء) خبراً بمعنى "الذين" و (تَقْتُلُونَ) صفته؛ لأن مذهب البصريين أن "هؤلاء" لا يكون بمنزلة "الذين"، وأجازه الكوفيون. قوله: (وقرئ: (تَظَاهَرُونَ)) بحذف التاء وتخفيف الظاء: قرأها عاصم وحمزة والكسائي، و"تظاهرون" بإدغام التاء: الباقون، و"تتظاهرون" و"تظهرون": شاذتان. قال القاضي: "تظاهرون": حال من فاعل "تخرجون"، أو من مفعوله، أو كليهما، والتظاهر: التعاون، من الظهر.

و (تظهرون) بمعنى: تتظهرون، أي: تتعاونون عليهم. وقرئ: (تفدوهم)، و (تفادوهم)، و (أسرى)، و (أسارى). (وَهُوَ): ضمير الشأن، ويجوز أن يكون مبهما تفسيره (إِخْراجُهُمْ)، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ) أي: بالفداء (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أي: بالقتال والإجلاء. وذلك أنّ قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضير كانوا خلفاء الخزرج، ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "تفدوهم" و (تُفَادُوهُمْ))، والثانية قراءة نافع وعاصم والكسائي، والأولى قراءة الباقين. و"أسرى" لحمزة وحده، و (أُسَارَى) للباقين. قوله: (ويجوز أن يكون مبهماً، تفسيره: (إِخْرَاجُهُمْ)) كما في قوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) [المؤمنون: 37] هذا الضمير مبهم لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه من بيانه، كما تقول: هي العرب تقول ما شاءت. قال أبو البقاء: يجوز أن يكون هو ضمير الإخراج المدلول عليه بقوله: (وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ) [البقرة: 85] ويكون: "محرم" الخبر، وإخراجهم: بدل من الضمير في "محرم"، أو من هو"، وأن يكون هو ضمير الشأن، و"محرم": خبره، وإخراجهم: مرفوع بـ "محرم"، ويجوز أن يكون إخراجهم مبتدأ، و"محرم" خبر مقدم، والجملة خبر "هو". قوله: (وذلك أن قريظة كانوا حلفاء)، اعلم أن الذين كانوا نازلين بيثرب فرقتان: اليهود وهما قبيلتان: بنو قريظة والنضير، والمشركون وهما أيضاً قبيلتان: الأوس والخزرج، وكان

فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه. فعيرتهم العرب وقالت كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم، فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحيى أن نذل حلفاءنا. والخزي: قتل بنى قريظة وأسرهم وإجلاء بنى النضير. وقيل الجزية. وإنما ردّ من فعل منهم ذلك إلى أشد العذاب، لأن عصيانه أشدّ. وقرئ: (تردّون) و (تعملون) - بالياء والتاء - (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ) عذاب الدنيا بنقصان الجزية، ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم. وكذلك عذاب الآخرة. [(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بينهم- أي: بين الأوس والخزرج- ثارات ومناصبات، فاستحلف الأوس قريظة، والخزرج النضير لنصرتهم على صاحبهم، ولم يكن بين اليهود مخالفة ولا قتال، وإنما كانوا يقاتلون لأجل حلفائهم. قوله: (وإذا أسر رجل من الفريقين) أي: من بني قريظة والنضير، "جمعوا" أي: كلا الفريقين "حتى يفدوه" من المشركين. قوله: (فيقولون: أمرنا أن نفديهم). روى محيي السنة عن السدي: أن الله أخذ على بني إسرائيل في "التوراة": أن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه. قوله: (و (تَعْمَلُونَ))، بالياء: نافع وابن كثير وأبو بكر، وبالتاء الفوقانية: الباقون.

كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ* وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ* وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ)]. (الْكِتابَ): التوراة آتاه إياها جملة واحدة. ويقال: قفاه إذا أتبعه من القفا. نحو ذنبه، من الذنب. وقفاه به: أتبعه إياه، يعنى: وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا) [المؤمنون: 44] وهم: يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياً وأرمياً وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم. وقيل (عِيسَى) بالسريانية أيشوع. و (مَرْيَمَ) بمعنى الخادم. وقيل: المريم بالعربية من النساء، كالزير من الرجال. وبه فسر قول رؤبة: قُلْتُ لِزَيْرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأشمويل)، قيل: هو تعريب إسماعيل، وليس به؛ لأن قوله: (وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) [البقرة: 87] يأباه، اللهم إلا أن يراد أن هذا غير إسماعيل الذي هو ابن إبراهيم عليهما السلام، وهو بعيد أيضاً، لأن أشمويل هذا على ما أورده أبو عبد الله محمد الكسائي في كتاب "المبتدأ": أشمويل بن يام بن حام من ولد هارون عليه السلام، وذكره الله تعالى في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: 246] والنبي أشمويل، وقال لهم: (هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا) [البقرة: 246]. قوله: (قلت لزير لم تصله مريمه)، بعده: ضليل أهواء الصبا تندمه

ووزن «مريم» عند النحويين «مفعل» لأن فعيلا بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب. (الْبَيِّناتِ): المعجزات الواضحات والحجج، كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات. وقرئ: وآيدناه. ومنه: آجده بالجيم إذا قوّاه. يقال: ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القصيدة قالها رؤبة في أبي جعفر الدوانيقي. قال الجوهري: الزير من الرجال: الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن. ومريم: مفعل بفتح الميم وسكون الراء من رامه يريمه ريماً، أي: برحه وفارقه. ومن ثم قيل: مريم للمرأة التي تكثر زيارة الرجال، كأنها سميت بذلك تمليحاً كما يقال: كافور للأسود. وقال أبو البقاء: ومريم: علم أعجمي، ولو كان مشتقاً من رام يريم، كان مريماً بفتح الميم وسكون الياء، وقد جاء في الأعلام بفتح الياء نحو مزيد، وهو على خلاف القياس. والضليل بتشديد اللام: مبالغة في الضلال، والتندم بمعنى: الندم، واللام في "لزير" بمعنى لأجل، نحو قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا) [مريم: 73] وضليل: مجرور صفة لزير، وفاعله تندمه على الإسناد المجازي على نحو: نهاره صائم. قوله: (نحو: عثير)، العثير: هو الغبار، ولا تفتح العين فيه، و"عليب": اسم واد لم يجيء على فعيل بضم الفاء وسكون العين غيره. ويجوز فيه الصرف ومنعه. قوله: (آجده، بالجيم: إذا قواه)، الأيد والآد: القوة، تقول منه: آيدته على أفعلته، وتقول من الأيد: أيده تأييداً، أي: قواه.

الحمد للَّه الذي آجدني بعد ضعف، وأوجدني بعد فقر. (بِرُوحِ الْقُدُسِ): بالروح المقدّسة، كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق. ووصفها بالقدس كما قال: (وَرُوحٌ مِنْهُ) فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة. وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب، ولا أرحام الطوامث. وقيل بجبريل. وقيل بالإنجيل كما قال في القرآن: (رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) [الشورى: 52]. وقيل: باسم اللَّه الأعظم الذي كان يحيى الموتى بذكره. والمعنى: ولقد آتينا يا بنى إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم َفَكُلَّما جاءَكُمْ ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجوهري: ناقة أجد: إذا كانت قوية موثقة الخلق، وآجدها الله، وهي موجدة القرا، أي: موثقة الظهر. قوله: (كما تقول: حاتم الجود)، والأصل حاتم الجواد، ثم حاتم الجود. فهو من باب إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاختصاص، ففي الصفة القدس منسوب إليها، أي: روح مقدسة، وفي الإضافة بالعكس، نحو: مال زيد. قال المصنف في قوله: (عَذَابَ الْخِزْيِ) [فصلت: 16]: أضاف العذاب إلى الخزي على أنه وصف للعذاب كما تقول: فعل السوء، تريد الفعل السيئ. قوله: (كما قال: (وَرُوحٌ مِنْهُ) [النساء: 171])، التشبيه واقع للمبالغة في الكرامة، أي: فوصفها بالقدس للكرامة، كما وصفه بالاختصاص للكرامة. الفاء في قوله: "فوصفه" تفسيرية، لأنه لا يجوز تشبيه الوصف بالقول ففسره بالوصف ليصح. قوله: (وقيل: لأنه لم تضمه) عطف من حيث المعنى على قوله: "ووصفها بالقدس"، أي: وصف روح عيسى بالقدس، لمطلق طهارته وبراءته عن الرذائل، وقيل: "لأنه لم تضمه الأصلاب".

رَسُولٌ منهم بالحق (اسْتَكْبَرْتُمْ) عن الإيمان به، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم. ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم. ثم وبخهم على ذلك. ودخول الفاء لعطفه على المقدّر. فإن قلت: هلا قيل وفريقا قتلتم؟ . قلت: هو على وجهين: أن تراد الحال الماضية، لأنّ الأمر فظيع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ)، يعني: قوله تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ) مسبب عن قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) [البقرة: 87]، ولهذا دخلت "الفاء" عليه على تقدير: نحن أنعمنا عليكم ببعثة موسى، وإيتائه الكتاب، ثم أتبعناه الرسل، وبإيتاء عيسى البينات، لتشكروا تلك النعم بالتلقي بالقبول، فعكستم بأن كذبتم فريقاً، وقصدتم قتل آخرين على نحو: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: 82]، ثم أدخل بين المسبب والسبب همزة التوبيخ والتعجيب لتعكيسهم فيما يجب عليهم. واعلم أن إدخال الهمزة في أثناء الكلام خلاف الأصل؛ لأن رتبتها صدر الكلام، لكنهم قد يقحمونها للتأكيد، قال أبو البقاء: دخلت "الفاء" ها هنا لتربط ما بعدها بما قبلها، والهمزة للتوبيخ. وقال الزجاج: الألف في قوله: "أفأنت" في قوله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) [الزمر: 19] جاءت مؤكدة معادة لما طال الكلام؛ لأنه لا يصلح أن تأتي بألف الاستفهام في الاسم وألف أخرى في الخبر. واعلم أن هذا أصل في العربية وقانون يرجع إليه سيما في هذا "الكتاب"، فإنه قد يكرر فيه هذا المعنى مراراً. قوله: (ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم) فعلى هذا ما عقبوا الإتيان محذوف وهو قوله:

فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يراد: وفريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى اللَّه عليه وسلم لولا أنى أعصمه منكم. ولذلك سحرتموه، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "ففعلتم ما فعلتم" فهو كناية عن عين التكذيب والقتل وغير ذلك من قبائحهم وعنادهم. ثم استأنف الكلام موبخاً لهم على ذلك، مصدراً الجملة بهمزة الإنكار قائلاً: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ) على تقدير: أكفرتم وخالفتم، فكلما جاءكم رسول. وهو المراد بقوله: "الفاء لعطفه على المقدر" وهو كفرتم. هذا تقدير صاحب "المفتاح". فالهمزة على الوجه الأول مقحمة، وعلى الثاني: لا. وتلخيصه: أن "الفاء" في قوله: "أفكلما" إما سببية أو عاطفة، فإذا كانت سببية يكون ما بعدها مسبباً عما قبلها على سبيل التعكيس، فلا يجب تقدير مسبب آخر، فتكون الهمزة مقحمة بين السبب والمسبب، وإذا كانت عاطفة فيجب تقدير مسبب عن الإيتاء قبل الهمزة، وتقدير المعطوف عليه بعدها، والوجه هو الأخير لما يحصل منه تنبيه التقريع والتوبيخ إجمالاً وتفصيلاً. وقيل: المقدر "ففعلتم ما فعلتم". وليس بذلك، ويدفعه "ثم" في قوله: "ثم وبخهم" لأنه يستدعي إنشاء كلام متراخ في المرتبة، والفاء العاطفة تنافيه، ولأن المشار إليه بقوله: "على ذلك" هو "فعلتم ما فعلتم". قال القاضي: الفاء في قوله: (فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ) للسببية أو التفصيل، يعني لقوله: (اسْتَكْبَرْتُمْ)، بمعنى: أنفتم أو تعظمتم من أن تكونوا أتباعاً، لأنهم كانوا متبوعين فآثروا الدنيا على الآخرة أيضاً.

وسممتم له الشاة. وقال صلى اللَّه عليه وسلم عند موته «ما زالت أُكلة خيبر تعادّنى، فهذا أوان قطعت أبهرى» (غُلْفٌ): جمع أغلف، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما زالت أكلة خيبر تعادني) روينا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" أخرجه البخاري، وليس في الرواية "تعادني". وفي "النهاية": تعادني وتعاودني، أي: يراجعني أثر سمها في أوقات معدودة. الجوهري: العداد: اهتياج وجع اللديغ؛ وذلك إذا تمت له سنة مذ يوم لدغ اهتاج به الألم، يقال: عادته اللسعة إذا أتته لعداد، قال الشاعر: ألاقي من تذكر آل ليلى ... كما يلقى السليم من العداد النهاية: الأبهر: عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق معه حياة، وقيل: هو عرق منشؤه من الرأس، ويمتد إلى القدم، وله شرايين تتصل بأكثر الأطراف والبدن، فالذي في الرأس منه يسمى النأمة، ويمتد إلى الحلق، فيسمى الوريد، وإلى الصدر، فيسمى الأبهر، وإلى الظهر، فيسمى الوتين، والفؤاد معلق به، وإلى الفخذ، فيسمى النسا، وإلى الساق فيسمى الصافن. وكان من حديث الشاة المسمومة على ما روينا عن أبي هريرة، أنه قال: لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم: "من أبوكم؟ " قالوا: فلان، قال: "كذبتم بل

أي: هي خلقة وجبلة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد صلى اللَّه عليه وسلم ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن، كقولهم: (قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) [فصلت: 5]، ثم ردّ اللَّه أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، بأن اللَّه لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك لمنع الألطاف التي تكون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أبوكم فلان"، قالوا: صدقت وبررت، قال: "فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كما عرفته في أبينا، وساق الحديث إلى أن قال: "هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ " قالوا: نعم. قال: "فما حملكم على ذلك؟ " قالوا: أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت صادقاً لم يضرك" رويناه في "صحيح البخاري". قوله: (أي: هي خلقة وجبلة مغشاة) مغشاةٌ: خبر "هي"، و"خلقة" و"جبلة" منصوبتان: إما تمييزاً أو حالاً أو ظرفاً. قوله: (فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا) إلى آخره فيه إشعار بادعاء التخصيص على ما يقتضيه مذهبه، يعني هم الذين تسببوا بأن غلفوا قلوبهم، لا أنها مخلوقة لله، يدل عليه ادعاؤهم أن قلوبهم مجبولة على الكفر. ورد الله قولهم بقوله: (بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: 88]. فقوله: "لعنهم الله" على هذا وضع موضع: غلف الله. والجواب ما ذكره صاحب "الانتصاف": إنما كذبهم في ادعائهم عدم الاستطاعة والتمكن، وإنما هم اختاروا الكفر على الإيمان، فوقع اختيارهم مقارناً بخلق الله إياه في قلوبهم بعد ما أنشأهم على الفطرة إقامة للحجة عليهم.

للمتوقع إيمانهم وللمؤمنين. (فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ): فإيماناً قليلاً يؤمنون، و"ما" مزيدةٌ، وهو إيمانهم ببعض الكتاب. ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: في قوله: (بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) ترق إلى الأغلظ، ورد لقولهم مما ادعوه أبلغ رد، كأنهم قالوا: نحن من الذين ختم الله على قلوبهم، فردوا: بل أنتم مطرودون، وأكفر منهم حيث جعلتم ما هو سبب للإيمان سبباً للكفر قديماً كما قال: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ) [البقرة: 87] وحديثاً حيث جاءكم كتاب من عند الله مصدق لما معكم، ورسول كنتم تستفتحون بقدومه على الكفار، فكذبتم بالكتاب وكفرتم بالرسول، فلذلك كرر اللعنة، وجعله تتميماً للآية بقوله: (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) وعقبه بقوله: (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) [البقرة: 90]. قوله: (و"ما" مزيدة) قال أبو البقاء: "ما" مزيدة و"قليلاً" صفة مصدر محذوف أي: فإيماناً قليلاً ما يؤمنون، وقيل: صفة لظرف، أي: فزماناً قليلاً يؤمنون، ولا يجوز أن تكون "ما" مصدرية لأن "قليلاً" لا يبقى له ناصب. وقيل: نافية، وفيه ضعف لتقدم معمول "ما" في حيز "ما" النافية عليها. قوله: (بمعنى العدم)، النهاية: هذا اللفظ يستعمل في نفي أصل الشيء كما جاء في الحديث: "أنه كان يقل اللغو" أي: لا يلغو أصلاً. ومنه قول الحماسي: قليل التشكي ..... أي: عديمه.

وقيل: (غُلْفُ) تخفيف "غُلف" جمع "غِلاف"، أى قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره. وروى عن أبى عمرو: قلوبنا غلف، بضمتين. (كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) هو القرآن (مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ) من كتابهم لا يخالفه. وقرئ: (مصدّقا) على الحال. فإن قلت: كيف جاز نصبها عن النكرة؟ قلت: إذا وصف النكرة تخصص فصح انتصاب الحال عنه، وقد وُصِفَ «كِتَابٌ» بقوله «من عند اللَّه». وجواب "لما" محذوفٌ؛ وهو نحو: كذبوا به، واستهانوا بمجيئه، وما أشبه ذلك يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا يستنصرون على المشركين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وروي عن أبي عمرو: "قلوبنا غلف" بضمتين) وهي شاذة وإن نسبت إلى الإمام. قوله: (وجواب "لما" محذوف، وهو نحو: كذبوا به واستهانوا بمجيئه وما أشبه ذلك) يعني حذف الجواب ليدل على الإبهام والشيوع. نقل الإمام عن المبرد: أن "لما" الثانية تكرار لطول الكلام، والجواب: كفروا به، كقوله تعالى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) [المؤمنون: 35] كرر أنكم، والجواب الجملة الشرطية، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. وقال أبو البقاء: هذا ضعيف، لأن "لما" لا تجاب بالفاء، إلا أن يذهبوا به مذهب الأخفش في أن الفاء زائدة.

إذا قاتلوهم قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة، ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبىّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم: وقيل معنى (يَسْتَفْتِحُونَ): يفتحون عليهم ويعرفونهم أنّ نبيا يبعث منهم قد قرب أوانه ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: والمعنى أيضاً لا يساعد عليه؛ لأن الشرط كلام في شأن الكتاب، والجزاء في شان الرسول، فلا يتطابق الشرط والجزاء. فإن قلت: نظيره قوله تعالى بعد هذا: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ) [البقرة: 101] لأن نبذ الكتاب هو الجزاء، وهو كلام في الكتاب، والشرط كلام في الرسول. قلت: الفرق ظاهر، لأن ذكر الرسول فيما نحن بصدده وهو قوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) تابع لذكر الكتاب، وقيد للفعل، وتتميم للمعنى، فلا يصح أن يمحض الجزاء بذكر الرسول، بخلافه في تلك الآية، فإن ذكر الرسول كالتمهيد لذكر الكتاب، فلذلك استقام "نبذ فريق" أن يكون جزاء، وأما المعنى الذي عليه كلام المصنف. فإن قوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ) جملة حالية مقررة لجهة الإشكال، "وقد" مقدرة، أي: انظروا إلى عناد هؤلاء، فإنهم لما جاء الكتاب المصدق لما معهم، والحال أنهم كانوا من قبل يستنصرون على الكفار بمن أنزل عليه الكتاب، كذبوا به واستهانوا، وقوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) [البقرة: 89] جملة معطوفة على الجملة الأولى بعد تمامها، لتدل الأولى على سوء معاملتهم مع الكتاب الذي هو مصدق لما معهم، والثانية مع الرسول الذي كانوا يستفتحون به ويعرفونه حق معرفته. قوله: (أظل زمان نبي)، الجوهري: هو من قولك: أظلك فلان، إذا دنا منك كأنه ألقى عليك ظله، ثم قيل: أظلك أمر وأظلك شهر كذا.

والسين للمبالغة، أى يسألون أنفسهم الفتح عليهم، كالسين في استعجب واستسخر، أو يسأل بعضهم بعضا أن يفتح عليهم (فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا) من الحق (كَفَرُوا بِهِ) بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة. (عَلَى الْكافِرِينَ) أى عليهم وضعا للظاهر موضع المضمر؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: (يَسْتَفْتِحُونَ) معناه: يستعملون خبره من الناس، وقيل: يطلبون من الله تعالى بذكره الظفر، وقيل: كانوا يقولون: إنا ننصر بمحمد صلوات الله عليه على عبدة الأوثان. قوله: (والسين للمبالغة) أي: هو من باب التجريد، جردوا من أنفسهم أشخاصاً، وسألوهم الفتح. المعنى: يا نفس عرفي الكافرين أن نبياً يبعث إليهم وهو المراد بقوله: "أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم"، ومنه قولهم: مر مستعجلاً. أي: مر طالباً للاستعجال من نفسك مكلفاً إياها التعجيل. قوله: (أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليهم) يعني أن أهل الكتاب كان يقول بعضهم لبعض: انصرني على الكافرين نقاتل مع النبي المبعوث. هذا مثل الوجه الأول في أن السين مجرى على الحقيقة. وفي أن الفتح مضمن معنى النصرة بواسطة "على"، والوجه الثاني من قولهم: فتح عليه كذا، إذا أعلمه ووقفه عليه، كقولهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم. ويجوز أن يراد: أو يسأل بعضهم بعضاً أن يعلموا الكفار أن نبياً يبعث. الراغب: الاستفتاح: طلب الفتح، والفتح ضربان: فتح إلهي، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة، وفتح دنيوي، وهو النصرة في الوصول إلى اللذات البدنية.

للدلالة على أنّ اللعنة لحقتهم لكفرهم. واللام للعهد. ويجوز أن تكون للجنس ويدخلوا فيه دخولا أوّليا. [(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ* وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) 90 - 91]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (دخولاً أولياً) أي: قصدياً؛ لأن لفظ الكافرين يعم اليهود وغيرهم من سائر المشركين، لكن اليهود داخلون في هذا العام دخولاً قصدياً؛ لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم، وهو من الكناية؛ لأن اللعنة إذا شملت الكافرين أجمع- وهؤلاء منهم-، فيلزم أن تلحقهم على البت والقطع، وهو أقوى مما إذا قيل: فلعنة الله عليهم. فإن قلت: قولك: هو من الكناية ينافي تقريرك وهو أن اللعنة إذا شملت الكافرين إلى آخره لما تقرر أن الكناية هي الانتقال من لازم الشيء إلى ملزومه. قلت: لا منافاة؛ لأن هذه الكناية تسمى إيمائية، وإنما يصار إليها إذا كان الموصوف مبالغاً في ذلك الوصف، ومنهمكاً فيه، حيث إذا ذكر خطر ذلك الوصف بالبال نحو قولهم لمن يقتني رذيلة من الرذائل ويصر عليها: أنا إذا نظرتك خطر ببالي سبابك وسباب كل من هو بصددك وأبناء جنسك. فاليهود لما بالغوا في الكفر والعناد وكتمان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعى الله عليهم ذلك، صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذكرهم، فكان هذا الكلام لازماً لذكرهم ورديفه وأنهم أولى الناس دخولاً فيه، لكونهم تسببوا لاستجلاب هذا القول في غيرهم، وبذلوا أنفسهم فيه، وأنشد صاحب "المفتاح" في المعنى:

"ما": نكرةٌ منصوبةٌ مفسرة لفاعل "بئس"، بمعنى: بئس شيئاً اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ. والمخصوص بالذم: (أَنْ يَكْفُرُوا). و (اشْتَروْا) بمعنى باعوا بَغْياً حسداً وطلبا لما ليس لهم، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا الله لم يسق إلا الكرام ... فسقى وجوه بني حنبل وقال: إنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى، لا خفاء فيه. قوله: (ما نكرة منصوبة) قال أبو البقاء: "ما" نكرة موصوفة، و"اشتروا" صفتها، و"أن يكفروا" مخصوص بالذم. قوله: (و (اشْتَرَوْا) بمعنى: باعوا) وهو من الأضداد. فالأنفس بمنزلة المثمن والكفر بمنزلة الثمن؛ لأن أنفسهم لا تشترى بل تباع، فهو على الاستعارة. أي: إنهم اختاروا الكفر على الإيمان، وبذلوا أنفسهم فيه، وإنما وضع الأنفس موضع الإيمان، ليؤذن بأن الأنفس إنما خلقت للعلم والعمل به المعبر عنه بالإيمان، فلما بدلوا الإيمان بالكفر فكأنهم بدلوا الأنفس به. قوله: (بَغْياً): حسداً) قوله: حسداً تفسير لقوله تعالى: (بَغْياً) ثم قوله: "وطلباً لما ليس لهم" تفسير للحسد؛ لأن البغي الذي هو الظلم. أعم من الحسد، ففسره بالحسد لاقتضاء الكلام.

وهو علة (اشْتَرَوا). (أَنْ يُنَزِّلَ): لأن ينزل، أو: على أن ينزل، أي: حسدوه على أن ينزّل اللَّه مِنْ فَضْلِهِ الذي هو الوحى عَلى مَنْ يَشاءُ وتقتضي حكمته إرساله ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومعنى الحسد طلب ما ليس من حق العبد؛ لأن إزالة النعمة التي عرف الله موقعها في المحسود ليس لأحد توخي زواله، وقيل: "طلباً" عطف على "حسداً" وكلاهما تفسير لقوله: (بَغْياً). وقيل: التقدير: اشتروا لبغيهم وبغوا لحسدهم، والأول هو الوجه لقوله: "أي: حسدوه على أن ينزل الله" وقد صرح الواحدي به حيث قال: (بَغْياً)، أي: حسداً. قال اللحياني: بغيت على أخيك بغياً، أي: حسدته، فالبغي: أصله الحسد، ثم سمي الظلم بغياً؛ لأن الحاسد يظلم المحسود جهده طلباً لإزالة نعم الله عنه. وينصره قول الزجاج: كفروا بغياً وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم لم يشكوا في نبوته، وإنما حسدوه على ما أعطاه الله تعالى، فإنه لم يتجاوز عن معنى الحسد، وأي داء أدوى منه! قوله: (وهو علة (اشْتَرَوْا)) قال القاضي: وهو علة (أَنْ يَكْفُرُوا) دون اشتروا، للفصل. وقلت: المعنى مع الأول؛ لأن فيه إبدال أنفسهم بالكفر كان لمجرد العناد الذي هو نتيجة الحسد، كأنه قيل: بئس الاستبدال! استبدال أنفسهم بالكفر لأجل محض الحسد، على أن قوله: "أن يكفروا" مخصوص بالذم فلا يكون فاصلاً.

(فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ): فصاروا أحقاء بغضب مترادف، لأنهم كفروا بنبىّ الحق وبغوا عليه. وقيل كفروا بمحمد بعد عيسى. وقيل بعد قولهم: (عُزَيرٌ ابنُ اللَّهِ) [التوبة: 30]، وقولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة: 64]، وغير ذلك من أنواع كفرهم. (بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) مُطلقٌ فيما أنزل اللَّه من كل كتاب. (قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا) مقيد بالتوراة، (وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ) أي: قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ منها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فصاروا أحقاء بغضب مترادف) دل على كونهم أحقاء به ترتب الحكم على الوصف بالفاء، والمعنى: فلذلك تمكنوا في الغضب تمكن الملاك في ملكهم ومبوئهم، ومنه الحديث: "فليتبوأ مقعده من النار" وإليه أومى الزجاج بقوله: معنى باؤوا: احتملوا، يقال: قد بؤت بهذا الذنب، أي: احتملته، أي: باؤوا بغضب على غضب. أي: بإثم استحقوا به النار على إثم تقدم استحقوا به النار. قوله: (والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة). قال القاضي: "يكفرون" حال من الضمير في "قالوا"، ووراء في الأصل مصدر جعل ظرفاً، ويضاف إلى الفاعل فيراد به ما يتوارى به وهو خلفه، وإلى المفعول ويراد به ما يواريه وهو قدامه، وهو من الأضداد. قوله: ((لِمَا مَعَهُمْ) منها) "من" بيان "ما"، والضمير في "منها" للتوراة، وقيل: "من" للتبعيض، والضمير للكتاب، أي: الذي معهم وهو التوراة بعض الكتاب.

غير مخالفٍ له. وفيه رَدّ لمقالتهم، لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها. ثم اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادّعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوّغ قتل الأنبياء. [(وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ* وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)] (وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) يجوز أن يكون حالاً، أي: عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها. وأن يكون اعتراضا بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظلم. وكرّر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأول مع ما فيه من التوكيد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيه رد لمقالتهم) أي: أدمج في إيقاع "وتكفرون" حالاً من فاعل "تؤمن" هذا المعنى يعني: أنهم في هذه الدعوى شاهدون على أنفسهم بالكفر. قوله: (وأن يكون اعتراضاً) أي: تذييلاً؛ لأن المعترضة هي التي اعترضت بين كلام، أو بين كلامين متصلين معنى، والتذييل ما يؤكد به تمام الكلام. والفرق بين أن تكون حالاً وبينها أن تكون اعتراضاً، أن الحال لبيان هيئة المعمول، والاعتراض لتأكيد الجملة بتمامها، ومن ثم قال في الحال: "وأنتم واضعون العبادة غير موضعها"، وفي الاعتراض: "وأنتم قوم عادتكم الظلم" أي: دأب الظلم استمر منكم، وعبادة العجل نوع منه، وأيضاً الجملة الحالية مقيدة للمطلق، فتكون كالمخصص للعام، والمعترضة أعم مما اعترضت فيه، وإليه الإشارة بقوله: "وأنتم قوم عادتكم الظلم". قوله: (كرر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى) وذلك أنه ذكر في الأولى:

(وَاسْمَعُوا) ما أمرتم به في التوراة، (قالُوا سَمِعْنا) قولك (وَعَصَيْنا) أمرك. فإن قلت: كيف طابق قوله جوابهم؟ قلت: طابقه من حيث أنه قال لهم: (واسمعوا)، وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة، فقالوا: (سمعنا)، ولكن لا سماع طاعة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) وذكر ها هنا: (وَاسْمَعُوا)، والمراد بقوله: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) التلقي بالقبول والتمسك بما فيه مع وفور نشاط. وبقوله: (وَاسْمَعُوا) العمل بما فيه، والطاعة لأوامره، وحفظ ما فيه، وكذلك معنى: (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ)، وقال ثمة: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) وها هنا (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) وهو مثله؛ لأن من سمع وعصى، فقد تولى بعد الميثاق، وأما الزيادة فهي قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) الآية والمراد بكفرهم ذلك العصيان والتولي فوضعه موضع المضمر ليدل على أن ذلك العصيان والتولي هو كفر منهم وجحود بالآيات وكفران بتلك النعم، وانه أدى إلى عبادة العجاجيل، وبأن يخاطبوا بقوله: (بِئْسَمَا يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ) على سبيل التهكم والسخرية إلى غير ذلك، والله أعلم. قوله: (وليكن سماعكم سماع تقبل) ومرجعه إلى القول بالموجب. أمرهم بالسماع فأجابوه، ولكن على طريق العصيان، ونظيره قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) [التوبة: 61]. الراغب: قوله: اسمعوا معناه: افهموا، وقيل: اعملوا به، ووجه ذلك: أن الشيء يسمع ثم يتخيل، ثم يفهم، ثم يعقل، ثم يعمل به إن كان ذلك المسموع مما يقتضي عملاً، ولما كان السماع مبدأ والعمل غاية، وما بينهما وسائط، صح أن يذكر ويراد به بعض الوسائط، وأن يعنى به الغاية وهي العمل.

(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) أي: تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ. وقوله (فِي قُلُوبِهِمُ) بيانٌ لمكان الإشراب كقوله: (إِنَّما يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) [النساء: 10] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: تداخلهم حبه ... كما يتداخل الثوب الصبغ) قال الزجاج: معناه: سقوا حب العجل، فحذف الحب وأقيم العجل مقامه. النهاية: وفي الحديث: "وأشربته قلوبكم" أي: سقيته قلوبكم كما يسقى العطشان الماء: وأشرب قلبه كذا، أي: حل محل الشراب واختلط كما يختلط الصبغ بالثوب. الراغب: من عادتهم إذا أرادوا مخامرة حب أو بغض في القلب أن يستعيروا لها اسم الشراب إذ هو أبلغ منجاع في البدن، ولذلك قالت الأطباء: الماء مطية الأغذية والأدوية، وبركوبها يبلغ أقاصي الأمكنة، قال: تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور وقيل: الأصل حب العجل، فحذف المضاف، وليس في إثباته من المبالغة [ما] في حذفه، لأنه نبه أن فرط شغفهم به أثبت صورة العجل في قلوبهم راسخة. قوله: ((فِي قُلُوبِهِمْ) بيان لمكان الإشراب)؛ وذلك أن قوله: وأشربوا حب العجل مبهم كقوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) [طه: 25] كما أن "صدري" بيان لقوله: "لي"

(بِكُفْرِهِمْ): بسبب كفرهم. (بِئْسَما يَامُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ): بالتوراة؛ لأنه ليس في التوراة عبادة العجاجيل. وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب (أَصَلاتُكَ تَامُرُكَ) [هو: 87]، وكذلك إضافة الإيمان إليهم. وقوله (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) تشكيك في إيمانهم، وقدح في صحة دعواهم له. [(قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ* وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ)]. (خالِصَةً) نصب على الحال من (الدَّارُ الآَخِرَةُ) والمراد الجنة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأنه أفاد أن شيئاً ما عنده محتاج إلى الشرح، فبين بقوله: صدري ذلك المبهم، كذلك قوله: (وَأُشْرِبُوا) مبهم. لا يعلم منه أي مكان من أمكنة جسدهم تداخل فيها الحب. فبين أن المكان هو قلوبهم، وهذا من المبالغات والإيذان بأن المقام يقتضي مزيد التقرير. قوله: ((خَالِصَةً) نصب على الحال من (الدَّارُ الآخِرَةُ)) قيل: الوجه أن تكون حالاً من الضمير المستتر في الخبر العائد إلى الدار الآخرة، لأن اسم كان لا يقع عنه الحال. قال الحديثي: إن الأفعال الناقصة لا تعمل في الحال؛ لأنه لم يؤت بها لنسبة حدث محقق إلى فاعلها حتى يقتضي متعلقات، يعني إذا قلت: كان زيد قائماً، لم ترد به أن زيداً ثبت، بل تريد به أن القيام المنسوب إليه ثبت لا غير، وذلك حاصل لزيد وإن لم تذكر "كان"، ولذا توهم كثير أنه لا دلالة لها على الحدث، بل وضعها للدلالة على مجرد الزمان، فلذا لم تعمل إلا في الاسم والخبر.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي كلام صاحب "المفتاح" ما يشعر بهذا المعنى، قال: إن الخبر هناك هو نفس المسند لا بقيد للمسند إنما تقييده هو كان؛ ويمكن أن يجاب عنه بأن يقال: إن كونها لثبوت القيام المنسوب إلى المسند إليه لا يمنع عملها في الحال، فالحال حينئذ قيد للمقيد. وقالوا: دليل كون اسم "كان" فاعلاً: أن المصنف وابن الحاجب لم يذكرا اسم "كان" في المرفوعات، على أنهما أوردا خبرهما في المنصوبات. وذكر ابن الحاجب في شرح خبري "كان" و"أن" ما يشعر باختياره كونه فاعلاً. قال أبو البقاء: خبر "كان" لكم و"عند الله" ظرف و"خالصة" حال. والعامل "كان" أو الاستقرار، أو الخبر "عند الله" و"خالصة" حال، فالعامل فيها إما "عند الله" أو ما يتعلق به أو كان أو لكم. وقال ابن جني في "الدمشقيات": يدل على جواز نصب "كان" وأخواتها الأحوال قول الشاعر: فكونوا أنتم وبني أبيكم تمامه: مكان الكليتين من الطحال وقوله:

أي: سالمةً لكم خاصةً بكم ليسَ لأحدٍ سواكم فيها حق. يعنى إن صحّ قولكم: ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فكان وإياها كحران وأنشد: صخب كأن دعاء عبد منافه ... في رأسه، عقب الصباح الجافل جوز أن يكون "في رأسه" حالاً من الدعاء، و"عقب الصباح" خبراً، وأن يكون "في رأسه" متعلقاً بنفس الدعاء. وقال السيد ابن الشجري في "الأمالي": ومن منع إعمال "كان" في الأحوال فغير مأخوذ بقوله؛ لأن الحال فضلة في الخبر منكورة، فرائحة الفعل تعمل فيها، فما ظنك بـ "كان" وهي فعل متصرف تعمل الرفع والنصب في الاسم الظاهر والمضمر، وليست "كان" في نصبها الحال بأسوأ حالاً من حرف التنبيه واسم الإشارة. وحكى أبو زكريا في "شرح المتنبي" عن أبي العلاء المعري أنه قال: زعم بعض النحويين أن "كان" لا تعمل في الحال. قوله: (خاصة بكم)، الراغب: الخالص كالصافي لكن الصافي يقال فيما لم يكن فيه قبل شوب، دون خالص، فإنه لا يقال إلا فيما كان فيه شوب فزال منه.

(لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودا) ً. و (النَّاسِ) للجنس، وقيل: للعهد وهم المسلمون. (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ)؛ لأنّ من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب، كما روى عن المبشرين بالجنة ما روى. كان على رضى اللَّه عنه يطوف بين الصفين في غلالة، فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزي المحاربين: فقال: يا بنىّ لا يبالى أبوك على الموت سقط، أم عليه سقط الموت. وعن حذيفة رضى اللَّه عنه أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم. يعني على التمني. وقال عمار بصفين: الآن ألاقى الأحبة محمداً وحزبه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بين الصفين) أي: بين صف العدو وصف المسلمين. قوله: (جاء على فاقة) أي: تمنيت الموت وجاءني وقت حاجتي إليه، ثم قال: "لا أفلح من ندم" يريد: تمنيت فلما جاء ما ندمت، فعم وقال: لا أفلح، وهو يحتمل الدعاء أيضاً، والله أعلم. قوله: (بصفين) قال الصغاني: صفين: موضع قرب الرقة على شاطئ الفرات على الجانب الغربي بين الرقة وبالس. وكانت وقعة صفين سنة سبع وثلاثين غرة صفر، وهي وقعة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما. صفين: بكسر الصاد المهملة وكسر الفاء.

وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحنّ إليه. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودى». (بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) بما أسلفوا من موجبات النار من الكفر بمحمد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كل واحد من العشرة) وهم العشرة المبشرة. روينا عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد ابن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" أخرجه الترمذي، ولأبي داود نحوه. وتخصيص العشرة بعد ذكر المبشرين بالجنة يدل أن المراد بالمبشرين أعم من العشرة، ومن ثم ذكر عماراً وحذيفة. قوله: (يحب الموت)، الراغب: لأن المحبة داعية إلى الشوق، والشوق داع إلى محبة لقاء المحبوب، ومحبة لقائه داعية إلى تأتي سهول السبيل إليه، ولا سبيل إلى الطريق إليه إلا بالموت، فيجب أن يكون الموت متمنى. وقيل: سرور المؤمن بموته كسرور القادم إذا ورد على أهله. وفي الحديث: "من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه". قوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) بما أسلفوا من موجبات النار). قال القاضي: ولما كانت اليد

وبما جاء به، وتحريف كتاب اللَّه، وسائر أنواع الكفر والعصيان. وقوله (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً) من المعجزات، لأنه إخبار بالغيب، وكان كما أخبر به، كقوله: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) [البقرة: 24] فإن قلت: ما أدراك أنهم لم يتمنوا؟ قلت: لأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام أكثر من الذرّ، وليس أحد منهم نقل ذلك. فإن قلت: التمني من أعمال القلوب وهو سرّ لا يطلع عليه أحد، فمن أين علمت أنهم لم يتمنوا؟ قلت: ليس التمني من أعمال القلوب، إنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، فإذا قاله قالوا: تمنى، وليت: كلمة التمني، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا: قد تمنينا الموت في قلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوا ذلك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العاملة مختصة بالإنسان وآلة لقدرته، بها عامة صنائعه، ومنها أكثر منافعه، عبر بها عن النفس تارة، وعن القدرة أخرى. وقلت: الظاهر أن قوله: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً) [البقرة: 95] الآية جملة معترضة كقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا) [البقرة: 24] وينصره قول الزجاج: "ولتجدنهم" حال من فاعل "قل": المعنى: أنك لتجدنهم في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة. فالآية معترضة بين الحال وعاملها. قوله: ("ليت" كلمة التمني) يعني إذا قال الرجل بلسانه كذا، قال أهل اللغة: إنه تمنى، فعبروا عن القول بالتمني، وقالوا أيضاً: إن كلمة "ليت" للتمني. قوله: (ومحال أن يقع التحدي)، وذلك أن قوله: (فَتَمَنَّوْا) طلب للتمني على سبيل التحدي، وإنما يظهر العجز إذا لم يصدر منهم ما طلب منهم. وقوله: "ولو كان التمني" تنزل

فإن قلت: لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدّقون. قلت: كم حكى عنهم من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على اللَّه وتحريف كتابه وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب البحت ولم يبالوا، فكيف يمتنعون من أن يقولوا إنّ التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه، مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم وإخبارهم عن ضمائرهم، وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدّق مع احتمال أن يكون كاذبا لأنه أمر خافٍ لا سبيل إلى الاطلاع عليه. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) تهديد لهم. (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) هو من وجد بمعنى: علم؛ المتعدي إلى مفعولين في قولهم: وجدت زيداً ذا الحفاظ ومفعولاه "هم" (أَحْرَصَ). فإن قلت: لم قال: (عَلى حَياةٍ) بالتنكير؟ قلت: لأنه أراد حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبىّ (على الحياة). (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس: أحرص من الناس. فإن قلت: ألم يُدخلِ (الذين أَشْرَكُوا) تحت الناس؟ قلت: بلى، ولكنهم أفردوا بالذكر؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الجواب. أي: ولئن سلم أن التمني بالقلوب، فلابد من الإظهار بالقول بأن يقولوا: تمنيناً بقلوبنا رداً منهم لقوله: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً) ولكن ما نقل أنهم قالوه. فعلم أنهم ما تمنوا. قوله: (لم يقولوه) وارد على الجواب الثاني، يعني إذا قدر أن التمني من أعمال القلوب، لا يجب أن يقولوا بألسنتهم: تمنيناً، ليدفعوا قوله تعالى: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ) لقيام المانع، وهو عدم تصديق المؤمنين إياهم، فالتمني واقع فلا يكون معجزة، وأجاب: أن عدم تصديق المؤمنين ليس بمانع لأن يقولوا: تمنيناً؛ لأنه تعالى كم حكى عنهم من أشياء لم يصدقهم المؤمنون فيها، فهذا من ذلك. قوله: (محمول على المعنى) قال صاحب "الإقليد": تقول: زيد أفضل من القوم، ثم تحذف "من" وتضيفه. والمعنى على إثبات "من".

لأن حرصهم شديد. ويجوز أن يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة (أَحْرَصَ النَّاسِ) عليه. وفيه توبيخ عظيم: لأنّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "المرشد": فإن قلت: فلم جيء بـ "من" في الثاني دون الأول؟ قلت: لأن "أفعل" إذا أضفته إلى جملة هو بعضها لم يحتج إلى ذكر من، فهو إما إضافة الواحد إلى جنسه، أو إضافة البعض إلى الكل فتقول: زيد أفضل الناس، وعبدك خير العبيد. فلو قلت: عبدك خير الأحرار، وزيد أفضل إخوته، لم يجز، لأن إخوة زيد غير زيد، وهو خارج من جملتهم، ولو قلت: زيد أفضل الإخوة، جاز، لأنه أحد الإخوة، فعلى هذا قوله: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) يعني: علماء اليهود أحرص الناس، أضافهم إلى ما بعدهم؛ لأنهم من جملة الناس، ثم قال: (وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) والمراد بالمشركين المجوس في أصح الأقاويل، للتحية التي كانت لهم إذا عطس العاطس قالوا: عش ألف سنة، وهم غير اليهود، فهو مثل: زيد أفضل من إخوته. ولا يبعد أن يحمل على هذا قول المصنف: "وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس" وقوله: "ويجوز أن يراد: وأحرص "من الذين أشركوا" عطف على قوله: "محمول على المعنى" وهذا قول مقاتل فيكون "من الذين أشركوا" عطفاً على ثاني مفعولي "لتجدنهم" على حذف "أحرص" لدلالة الأول عليه. فإن قلت: ما الفرق بين الوجهين، وعائدتهما راجعة إلى شدة حرصهم، وأنهما من باب عطف الخاص على العام كقوله: "وملائكته وجبريل"؟

فإن قلت: لم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلت: لأنهم علموا - لعلمهم بحالهم - أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك. وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس، لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنه: هو قول الأعاجم: زى هزار سال. وقيل (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) كلامٌ مبتدأ، أى ومنهم ناس (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ)، على حذف الموصوف كقوله: (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) [الصافات: 164]. و (الذين أشركوا) على هذا: مشارٌ به إلى اليهود؛ لأنهم قالوا: (عُزَيْرٌ ابنُ اللَّهِ) [التوبة: 30]. والضمير في (وَما هُوَ) لـ (أَحَدُهُمْ). و (أَنْ يُعَمَّرَ) فاعلٌ (بمزحزحه)، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: الثاني أبلغ لإرادة تكرير "أحرص". قوله: (وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس) قال الواحدي: هو قول أبي العالية والربيع، وإنما وصفوا بالإشراك لأنهم يقولون بالنور والظلمة، ويزدان وإهرمن، وهم موصوفون بالحرص على الحياة، ولهذا تحيتهم: زي هزار سال. قوله: (و (الَّذِينَ أَشْرَكُوا) على هذا مشار به إلى اليهود) يعني: أقيم المظهر مقام المضمر، ولهذا قدر "ومنهم ناس" ليؤذن أن الموحد يحب لقاء الله كما أن المشرك يكره لقاء الله، ولهذا قال المعري: هذا الوجه أحسن وأعرب.

أي: وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره. وقيل: الضمير لما دل عليه (يُعَمَّرَ) من مصدره، و (أَن يُعَمَّرَ) بدل منه، ويجوز أن يكون (هُوَ) مبهماً، و (أَن يُعَمَّرَ) مُوضِّحه. والزحزحة: التبعيد والإنحاء. فإن قلت: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) ما موقعه؟ قلت: هو بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف. فإن قلت: كيف اتصل لو يعمر بيودّ أحدهم؟ قلت: هو حكاية لودادتهم. و «لو» في معنى التمني، وكان القياس: لو أعمر، إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) كقولك: حلف باللَّه ليفعلنّ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره) أي: ليس أحد منهم يخلصه من النار طول عمره بسبب أعماله الصالحة. المعنى ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل: أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله"، وقيل: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله". أخرجه أحمد بن حنبل عن أبي بكرة. قوله: (دل عليه (يُعَمَّرُ) من مصدره) كأنه قيل: وما التعمير بمزحزحه من العذاب تعميره. قوله: (و (أَن يُعَمَّرُ) موضحه). قال أبو البقاء: هو ضمير التعمير، وقد دل عليه قوله: (لَوْ يُعَمَّرُ) و (أَن يُعَمَّرُ) بدل من "هو"، ولا يجوز أن يكون هو ضمير الشأن؛ لأن المفسر لضمير الشأن مبتدأ وخبر، ودخول الباء في "بمزحزحه" يمنع من ذلك، وكذا عن الزجاج، وهذا غير وارد على المصنف، لأنه لم يجعله ضمير الشأن بل على نحو: (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) [البقرة: 29]. قوله: (وكان القياس لو أعمر) لأن الذي صدر منهم من القول هو على حكاية النفس، لكن نظر إلى ظاهر "يود" فأجري مجراه، فهو قريب من المشاكلة.

[(قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ* مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) 97 - 98]. روي: أن عبد الله بن صوريا من أحبار فدك حاج رسول الله، وسأله عمن يهبط عليه بالوحي، فقال: "جبرئل"، فقال: ذاك عدونا، ولو كان غيره لآمنا بك، وقد عادانا مراراً، وأشدها: أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر، فبعثنا من يقتله، فلقيه ببابل غلاماً مسكيناً، فدفع عنه جبرئل، وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه؟ وقيل: أمره الله أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا. وروي: أنه كان لعمر رضي الله عنه أرض أعلى المدينة، وكان ممره على مدراس اليهود، فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم، فقالوا: يا عمر، قد أحببناك، وإنا لنطمع فيك. فقال: والله ما أجيئكم لحبكم، ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد، وارى آثاره في كتابكم. ثم سألهم عن جبرئيل، فقالوا: ذاك عدونا، يطلع محمداً على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلام. فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلقيه ببابل)، النهاية: بابل: الصقع المعروف بالعراق وألفه غير مهموزة. قوله: (غلاماً) هو توطئة للحال التي هي "مسكيناً" كقوله تعالى: (قُرْآناً عَرَبِيّاً). قوله: (مدراس اليهود)، النهاية: المدراس: صاحب كتب اليهود، مفعل ومفعال من أبنية المبالغة. والمدراس أيضاً: البيت الذي يدرسون فيه، ومفعال غريب في المكان.

قالوا: أقرب منزلة جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدو لجبرئيل. فقال عمر: لئن كانا كما تقولون فما هما بعدوين، ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدواً لله. ثم رجع عمر فوجد جبرئيل قد سبقه بالوحي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد وافقك ربك يا عمر"، فقال عمر: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر. وقرئ: (جبرئيل) بوزن: قفشليل، و (جبرئل) بحذف الياء، و (جبريل) بحذف الهمزة، و (جبريل) بوزن: قنديل، و (جبرال) بلام شيدة، و (جبرائيل) بوزن: جبراعيل، و (جبرائل) بوزن: جبراعل. ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة. وقيل: معناه: عبد الله ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولأنتم أكفر من الحمير) قال الميداني: قولهم: هو أكفر من حمار. وهو رجل من عاد يقال له: حمار بن مويلع، قال الشرقي: هو حمار بن مالك بن [نصر] الأزدي. كان مسلماً، وكان له واد طوله مسيرة يوم في عرض أربعة فراسخ لم يكن ببلاد العرب أخصب منه، فخرج بنوه يتصيدون فأصابتهم صاعقة فهلكوا، فكفر وقال: لا أعبد من فعل هذا، ودعا قومه إلى الكفر. فمن عصاه قتله، فأهلكه الله وأخرب واديه، فضرب به المثل في الكفر، قال الشاعر: ألم تر أن حارثة بن بدر ... يصلي وهو أكفر من حمار وقيل: لأن الكفر من الجهل، ولا شيء أبلد وأجهل من الحمار، كأن هذا أنسب لعدم الطباق بين الجمع في "الكتاب"، والإفراد في "المثل". قوله: ("جبرئيل" بوزن: قفشليل) حمزة والكسائي، و"جبريل" بفتح الجيم وكسر الراء من

الضمير في (نَزَّلَهُ) للقرآن، ونحو هذا الإضمار- أعني إضمار ما لم يسبق ذكره- فيه فخامة لشأن صاحبه؛ حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه، ويكتفى عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته. (عَلَى قَلْبِكَ) أي: حفظه إياك وفهمكه. (بِإِذْنِ اللَّهِ) بتيسيره وتسهيله. فإن قلت: كان حق الكلام أن يقال: على قلبي. قلت: جاءت على حكاية كلام الله كما تكلم به، كأنه قيل: قل: ما تكلمت به من قولي: من كان عدواً لجبريل فإنه نزَّله على قلبك. فإن قلت: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غير همزة: ابن كثير، و"جبريل" بوزن: قنديل: نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص، و"جبرئل" بحذف الياء: أبو بكر عن عاصم، والبواقي: شواذ. قوله: (أي: حفظكه) ويروى: "حفظه إياك وفهمكه"، هذا تفسير لجملة قوله: (نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ) [البقرة: 97] لمح فيه معنى الاستعلاء والاستيلاء، يعني: إذا نزل جبريل بالقرآن على قلبه استولى على القلب، وجعل مجامعه مغمورة به، وتمكن فيه، فلا يشذ منه شيء، ولهذا قال في "الشعراء": حفظكه وفهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى) [الأعلى: 6] وفي عكسه: نزلت عن الأمر. قال صاحب "النهاية": كأنك كنت مستعلياً عليه، ومستولياً فنزلت.

كيف استقام قوله: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ) جزاءً للشرط؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: إن عادى جبرئيل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته؛ حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. والثاني: إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك الكتابة مصدقاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كيف استقام قوله: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ) جزاءً للشرط؟ ) أي: من حق الجزاء أن يكون مسبباً عن الشرط، وقوله: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ) لا يستقيم أن يكون مسبباً عن قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ) وخلاصة الجواب: أن الجزاء هنا ما دل بالإخبار والإعلام إنكاراً على اليهود، وبيانه من وجهين: أحدهما: قوله: (فلا وجه لمعاداته) يعني: من كان من هؤلاء اليهود عدواً لجبريل، فإني أعلمكم أنه معاند مكابر، لا إنصاف له، فلا وجه لمعاداته لأنه نزله كتاباً مصدقاً لكتابه، وكان الواجب أن يتلقاه بالقبول، لكن ما أنصف، وهو المراد بقوله: "فلو أنصفوا لأحبوه"، ونظيره ما قرره ابن الحاجب في قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) [النحل: 53]. وثانيهما: قوله: (إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه) نزله على قلبك، وهو نحو قولك: إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك أمس، يعني: عداوته سبب لما أخبركم به، وهو أنه نزل على قلبك ما يكرهونه، يدل عليه قوله: "إن عاداك فلان، فقد آذيته" قالوا: في هذا الكلام وصف السبب في الجزاء؛ ألا ترى أنك تقول: من شكرني فأنا جواد سخي؟ فلا تأتي بالضمير، بل تشتغل بالسبب، وفيه ضمير معنى، كأنه قال: من كان عدواً لجبريل فله عذر من هذا السبب، ونظيره قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) [فاطر: 10] فلا ضمير في اللفظ، ولكنه ثابت معنى، أي: فليطلبها عندي، أو فليعتزز بالله، أو في مظانها.

لكتابهم وموافقاً له وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم؛ ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك: إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه. أفرد الملكان بالذكر؛ لفضلهما، كأنهما من جنس آخر، وهو مما ذكر أن التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات. وقرئ: (ميكال) بوزن قنطار، و (ميكائيل) كميكاعيل، و (ميكائل) كميكاعل، و (ميكئل) كميكعل، و (ميكئيل) كميكعيل. قال ابن جني: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. (عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) أراد: عدو لهم، فجاء بالظاهر؛ ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر، وإذا كانت عداوة الأنبياء كفراً فما بال الملائكة وهم أشراف! والمعنى: من عاداهم عاداه الله ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أفرد الملكان بالذكر) يعني: ذكر جنس الملائكة، ثم أفرد جبرئيل وميكائيل منهم، وعطفهما عليهم، ليدل على فضلهما، كأنهما ليسا من جنس الملائكة لاختصاصهما بمزايا وفضائل؛ لأن التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات. قال أبو الطيب: وإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال أي: المسك لا يعد من الدماء لما فيه من الخصلة التي لا توجد في الدم. قوله: (وقرئ: ميكال) أي: بغير همز ولا ياء: أبو عمرو وحفص، و"ميكائل" بهمزة مكسورة بغير ياء: نافع، والباقون: بياء بعد الهمزة، والبواقي: شاذة. قوله: (والمعنى: من عاداهم عاداه الله) تلخيص معنى الشرط والجزاء، ولو قال: من عادى جبريل عاداه الله كان أظهر، لأن القوم إنما أظهروا عداوة جبريل فحسب، فذكر الله والملائكة والرسل للتوطئة نحو قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [الأحزاب: 57].

وعاقبه أشد العقاب. [(وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ* أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) 99 - 101]. (إِلاَّ الْفَاسِقُونَ) إلا المتمردون من الكفرة. وعن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي؛ وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره. وعن ابن عباس: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عاقبه أشد العقاب) لزم المعاقبة من معنى العداوة؛ لأن معنى عداوة الله، إنزال النكال، ولزم شدة العقاب من إعادة ذكر اسم الله تعالى في الجزاء، وتخصيص اسم الذات الجامع المفيد في هذا المقام معنى القهارية، وتصريح ذكر الكافرين حيث لم يقل: عدو لهم، أي: فما بال العداوة التي يتولاها الله تعالى بنفسه، فإنه لجلاله يعاقب من عاداه بما لا يدخل تحت الوصف. الراغب: العدو: التجاوز ومنافاة الالتئام، فتارة يعتبر بالقلوب، فيقال له: العداوة، وتارة في المشي فيقال له: العدو، وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له: العدوان. وحقيقة معاداة الإنسان له عز وجل: البعد عنه، ومخالفته في تحري الصدق في المقال، والحق في الفعال، وأن لا يستحق أن يوصف بشيء من أوصافه نحو العادل والجواد والكريم، والقريب منه والمحب له هو أن لا يخالفه في ذلك، وأن يصح أن يوصف بتلك الصفات. وتلك المعاني هي المقتضية لمعاداة الله وأوليائه والداعية إلى ارتكاب المعاصي.

قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية فنتبعك لها. فنزلت. واللام في (الْفَاسِقُونَ) للجنس، والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب. (أَوَكُلَّمَا) الواو للعطف على محذوف معناه: أكفروا بالآيات البينات؟ ! وكلما عاهدوا. وقرأ أبو السمال بسكون الواو على أن (الْفَاسِقُونَ) بمعنى: الذين فسقوا، فكأنه قيل: وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة. وقرئ: (عوهدوا)، و (عهدوا). واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب) يعني أن اللام في (الْفَاسِقُونَ) مع أنها جائز أن تكون للجنس، ويدخل فيه اليهود دخولاً أولياً على سبيل المبالغة، لكن الأحسن الحمل على العهد، ووجه حسنه إفادة التخصيص المستفاد من "ما" و"لا" ليسجل عليهم خاصة بالتمرد والفسق. المعنى: لا يصدر مثل هذا الفسق إلا من هؤلاء، والترقي من الأهون إلى الأغلظ في الإنكار، وهو الكفر بآيات الله، لاسيما على قراءة أبي السمال في الإضراب؛ أثبت أولاً أنهم مبالغون في الفسق ثم أضرب عنه بقوله: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) [البقرة: 100] أي: ليس هذا أول فسقهم وكفرهم بآيات الله يا محمد، بل كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم من الذين مضوا، ثم أضرب عن هذا إلى ما هو أعلى منه بقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) أي: ما صدر النبذ من فريق منهم فقط بل أكثرهم كافرون. قوله: (وقرأ أبو السمال)، وأبو السمال باللام، وابن السماك بالكاف. فعلى هذا يكون قوله: "أوكلما" معطوف من حيث المعنى على صلة الموصول، وعلى الأول: اللام حرف تعريف.

وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا! وكم عاهدهم رسول الله فلم يفوا! (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) [الأنفال: 56]. والنبذ: الرمي بالذمام ورفضه. وقرأ عبد الله: (نقضه فريق منهم). وقال: (فَرِيقٍ مِنْهُمْ)؛ لأن منهم من لم ينقض. (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) بالتوراة، وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً، ولا يبالون به. (كِتَابَ اللَّهِ): يعني: التوراة؛ لأنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال ابن الحاجب في قوله تعالى: (إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ) [الأعراف: 21] "لكما" متعلق بالناصحين؛ لأن المعنى عليه؛ لأن الألف واللام لما كانت صورته صورة الحرف المنزل جزءاً من الكلمة، صارت كغيرها من الأجزاء التي لا تمنع التقديم. وقال المرزوقي وأبو البقاء في قول الحماسي: فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة ... ولا في بيوت الحي بالمتولج "في" متعلق بالمتولج. على أن تحمل اللام على التعريف، ويجوز أن تحملها بمعنى "الذي" وتعلق "في" بمحذوف و "أو" بمعنى "بل" لا للشك. قال ابن جني: "أو" هذه هي التي بمعنى "أم" المنقطعة؛ وكلتاهما بمعنى "بل" موجودة في الكلام كثيراً، يقول الرجل لمن يهدده: والله لأفعلن بك كذا، فيقول صاحبه: أو يحسن الله رأيك، أو يغير الله ما في نفسك، وأنشد الفراء لذي الرمة: بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها، أو أنت في العين أملح

وقيل: كتاب الله: القرآن نبذوه بعدما لزمهم تلقيه بالقبول. (كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أنه كتاب الله لا يدخلهم فيه شك، يعني: أن علمهم بذلك رصين، ولكنهم كابروا وعاندوا. ونبذه وراء ظهورهم مثل لتركهم وإعراضهم عنه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكذا قال في قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات: 147] أي: بل يزيدون، وقال ابن جني: لا يجوز أن يكون سكون الواو على أنها حرف عطف كقراءة الكافة، لأن حرف العطف لم يسكن، وإنما يسكن ما بعدها في نحو: (وَهُوَ اللَّهُ) [الأنعام: 3]. قوله: (وقيل: كتاب الله: القرآن) يعني: كتاب الله مظهر أقيم مقام المضمر الدال عليه (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) فإن أريد المصدق كان القرآن، وإن أريد لما معهم كان التوراة. قوله: (لا يدخلهم فيه شك) قيل: هو خبر بعد خبر لأن، أي: كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، ولا يعلمون أنه بريء من أن يحوم الشك حوله، أو في تأويل مصدر، أي: كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله علم تحقيق، أو حال من فاعل "لا يعلمون"، أي: كأنهم لا يعلمون في حال يقينهم. قوله: (أن علمهم بذلك رصين) فإن قلت: من أين استفاد هذا التوكيد ورصانة العلم؟ قلت: من وضع "الذين أوتوا الكتاب" موضع الضمير، يعني عرفوه حق معرفته لما قرؤوا في كتابهم نعته، ودارسوه حتى استحكم بذلك علمهم. وكذا في اختصاص كتاب الله ووضعه موضع ضمير ما دل عليه (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) للدلالة على عظم ما ارتكبوه، وأن المنبوذ كتاب الله المجيد. قوله: (مثل لتركهم وإعراضهم) يعني شبه تركهم كتاب الله وإعراضهم عنه بحالة شيء يرمى به وراء الظهر. والجامع عدم الالتفات وقلة المبالاة، ثم استعمل هنا ما كان مستعملاً

مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه. وعن الشعبي: هو بين أيديهم يقرؤونه، ولكنهم نبذوا العمل به. وعن سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير، وحلوه بالذهب، ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه. [(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) 102]. (وَاتَّبَعُوا): أي: نبذوا كتاب الله واتبعوا (مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) يعني: واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هناك، وهو النبذ وراء الظهر. والضمير في قوله: "نبذوه وراء ظهورهم" للكتاب المذكور في التنزيل، وهو محتمل لأن يراد به التوراة، وأن يراد به القرآن، فإذا حمل على التوراة كان كناية عن قلة مبالاة بها فقط؛ لأن النبذ الحقيقي لم يكن منهم، ولهذا قال: "وهو بين أيديهم يقرؤونه" وقال أيضاً: "وأدرجوه في الديباج والحرير"، والحمل على القرآن لا ينافي إرادة حقيقة النبذ فهو كقولك: فلان طويل النجاد؛ يحتمل أن لا يكون له نجاد ويحتمل أن يكون. قوله: (كتب السحر والشعوذة) في نسخة الصمصام بنصب الشعوذة. قال الإمام: الشعوذة إظهار الرجل الحاذق عمل شيء يشغل به أذهان الناظرين وأعينهم لعمل شيء آخر على سبيل السرعة، ليخفى الأمر على الناظر.

أي: على عهد ملكه وفي زمانه؛ وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرؤونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب. وكانوا يقولون: هذا علم سليمان، وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه تسخر الإنس والجن والريح التي تجري بأمره. (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ): تكذيب للشياطين، ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به، وسماه كفراً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: على عهد ملكه وفي زمانه) هذا يؤذن أن لابد من تقدير مضاف وجعل "على" بمعنى "في"؛ لأن الملك لا يصلح أن يكون مقروءاً عليه، ولا العهد المقدر ممن يقرأ عليه شيء فيجعل "على" بمعنى "في" ليستقيم المعنى، أي: يقرؤونه في زمانه وعهده. قال صاحب "الفرائد": يمكن أن يكون "تتلوا" مضمناً معنى الإملاء، فلذلك عدي بـ "على". وقلت: فعلى هذا أيضاً، لابد من تقدير المضاف. المعنى: واتبعوا ما أملى الشياطين على رجال عهد ملك سليمان. قوله: (يلفقونها)، الجوهري: أحاديث ملفقة، أي: أكاذيب مزخرفة. قوله: (تسخر) أي: اتخذ الجن سخرة لنفسه. الجوهري: سخره تسخيراً، أي: كلفه عملاً بلا أجرة، وكذلك تسخره. قوله: (بهتت به) أي: قالوا عليه ما لم يفعله، فقوله: "ودفع لما بهتت به" تفسير لقوله: "تكذيب للشياطين" وقوله: "وسماه كفراً" حال بتقدير "قد" من المجرور في "ما بهتت به" ويجوز أن يكون عطفاً على "دفع لما بهتت به" من حيث المعنى، أي: دفع ما بهتت به وسماه كفراً.

(وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ) هم الذين (كَفَرُوا) باستعمال السحر وتدوينه، (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ): يقصدون به إغواءهم وإضلالهم. (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ): عطف على (السِّحْرَ)، أي: ويعلمونهم ما أنزل على الملكين. وقيل: هو عطف على (مَا تَتْلُوا)، أي: واتبعوا ما أنزل. و (هَارُوتَ وَمَارُوتَ): عطف بيان للملكين علمان لهما، والذي أنزل عليهما هو علم السحر؛ ابتلاء من الله للناس؛ من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً، ومن تجنبه أو تعلمه لئلا يعمل به ولكن ليتوقاه، ولئلا يغتر به؛ كان مؤمناً: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يقصدون به إغواءهم) تفسير لـ "يعلمون الناس"، وإنما أوله به لأنه استئناف على سبيل التعليل لقوله: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) ومجرد تعليم السحر لا يوجب التكفير، فلابد من التأويل كما نص عليه، ودل عليه قوله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ). وقال أبو البقاء: "يعلمون" في موضع نصب على الحال من الضمير في "كفروا"، وقيل: هو حال من الشياطين، وليس بشيء؛ لأن "لكن" لا يعمل فيها. قوله: ((وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) عطف على (السِّحْرَ)) وهو من باب عطف البيان على المبين، فكذلك إذا كان معطوفاً على (مَا تَتْلُوا). قوله: (أو تعلمه لئلا يعمل به) إلى قوله: (كان مؤمناً) فيه إشعار بأن تعلمه واجب لإيقاع قوله: "كان مؤمناً" مسبباً عما قبله لكونه جزاء للشرط المقيد، ولاستشهاده بقوله: عرفت الشر لا للشر ... لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر ... من الناس يقع فيه

عرفت الشر لا للشر ... لكن لتوقيه كما ابتلي قوم طالوت بالنهر: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) [البقرة: 249]. وقرأ الحسن: (على الملكين) بكسر اللام على أن المنزل عليهما علم السحر كانا ملكين ببابل. وما يعلم الملكان أحداً حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا له: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وصرح بوجوبه الإمام، وجعله مقدمة للواجب. وأما قوله: "إن اجتنابه أصلح" فمستنبط من الآية بحسب الإدماج، ومؤذن بعدم الوجوب، فيتناقض كلامه، اللهم إلا أن يقال: إن المراد بقوله: "كان مؤمناً" لم يكفر. قال القاضي: المراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون، وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية، أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام، وتسميته سحراً على التجوز لما فيه من الدقة، لأنه في الأصل لما خفي سببه. وبهذا ظهر أن تعلمه لئلا يعمل به ولكن ليتوقاه حرام أيضاً، وقال صاحب "الروضة": ويحرم فعل السحر بالإجماع، وأما تعلمه وتعليمه ففيه ثلاثة أوجه: الصحيح الذي قطع به الجمهور أنهما حرامان، والثاني: مكروهان، والثالث: مباحان.

(إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) أي: ابتلاء واختبار من الله (فَلا تَكْفُرْ): فلا تتعلم معتقداً أنه حق فتكفر. (فَيَتَعَلَّمُونَ) الضمير لما دل عليه (مِنْ أَحَدٍ) ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أيضاً: اعلم أن التكهن وإتيان الكهان والتنجيم والضرب بالرمل وبالشعير والحصى والشعبذة وتعليمها حرام، وأخذ العوض عليها حرام بالنص الصحيح في حلوان الكاهن، والباقي: بمعناه، وأما الحديث الصحيح: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك" فمعناه: من علمتم موافقته له فلا بأس، ونحن لا نعلم الموافقة، فلا يجوز. قال الإمام: وفي الآية ما يدل على أن الشياطين إنما كفروا لأنهم كانوا يعلمون السحر، لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية. وقلت: يريد أنه تعالى قطع قوله: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ) عن قوله: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) لأنها جملة استئنافية واردة على بيان العلية، ولما كان تعليم الملكين الناس للابتلاء، صرح بقوله: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ)، قال الواحدي: امتحن الناس

أي: فيتعلم الناس من الملكين (مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) أي: علم السحر الذي يكون سبباً في التفريق بين الزوجين؛ من حيلة وتمويه، كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز والخلاف ابتلاء منه، لا أن السحر له أثر في نفسه، بدليل قوله: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ)؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالملكين، وجعل المحنة في الكفر والإيمان، بأن يقبل القابل تعلم السحر فيكفر، ويؤمن بترك تعلمه، ولله أن يمتحن عباده بما شاء. قوله: (أي: فيتعلم الناس من الملكين) جعل أحداً بمعنى الناس. قيل: الفرق بين الواحد والأحد بعد اشتراكهما في معنى التوحيد، أن الأحد في موضع النفي يعم القليل والكثير بصفة الاجتماع والافتراق، يقال: ما في الدار أحد ولا اثنان ولا ثلاثة، ولا مجتمعون ولا متفرقون، بخلاف الواحد فإنه يصح أن يقال: ما في الدار واحد بل اثنان. قال الزجاج: قيل (فَيَتَعَلَّمُونَ) عطف على ما يوجبه معنى الكلام، أي: إنما نحن فتنة فلا تكفر، ولا تتعلم، ولا تعمل السحر، فيأبون فيتعلمون، والأجود أنه عطف على يعلمان المقدر، أي: يعلمان فيتعلمون. قوله: (الفرك)، الجوهري: الفرك بالكسر: البغض، ولم يسمع هذا في غير الزوجين. قوله: (لا أن السحر له أثر في نفسه) قال صاحب "الروضة": روي عن أبي جعفر

لأنه ربما أحدث الله عنده فعلاً من أفعاله وربما لم يحدث. (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ)؛ لأنهم يقصدون به الشر. وفيه: أن اجتنابه أصلح، كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية، ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأستراباذي من أصحابنا أنه قال: لا حقيقة للسحر، وإنما هو تخييل. والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة. وقال الإمام: الخلاف فيما أن الساحر هل يبلغ بسحره إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة وتغيير البنية والشكل، أم لا؟ فالمعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك، لأنه لا يعرف حينئذ صدق الأنبياء. وأجيب: أن من ادعى النبوة، وكان كاذباً فيه، [فإنه] لا يجوز من الله تعالى إظهار هذه الأشياء، لئلا يحصل التلبيس. قوله: (كتعلم الفلسفة) قال صاحب "الروضة": ووراء العلوم الشرعية أشياء تسمى علوماً، منها محرم ومكروه ومباح، فالمحرم كالفلسفة والشعوذة والتنجيم والرمل وعلوم الطبيعيين، وكذا السحر على الصحيح، وتتفاوت درجات تحريمه، والمكروه كأشعار المولدين المشتملة على الغزل والبطالة، والمباح كأشعارهم التي ليس فيها سخف، ولا ما ينشط إلى الشر ويثبط عن الخير.

ولقد علم هؤلاء اليهود أن من اشتراه- أي: استبدل ما تتلو الشياطين على كتاب الله- (مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ): من نصيب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الشيخ شهاب الدين التوربشتي في وصية أوصى بها بعض من أخذ منه: أوصيه أن يسد سمعه عن أباطيل الفلاسفة فضلاً عن الإصغاء إليها، والتعلم منها، فإنها لم تزل مشؤومة على أهلها، ولو مزجت كلمة منها بالبحر لمزجته، ثم إنها لا تثمر إلا الهوان في الدنيا والخزي في الآخرة، ونعوذ بالله من ذلك. وللإمام حجة الإسلام كتاب "التهافت" وكتاب "المنقذ من الضلال"، ولشيخنا إمام الموحدين أبي حفص السهروردي كتاب مسمى بـ "الرشف في نصائح الإيمانية، والكشف عن فضائح اليونانية". والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله: (ولقد علم هؤلاء اليهود) بيان لضمير علموا، للتنبيه على أنه راجع إلى من سيق له الكلام أولاً، وأن قصة السحر مستطردة. بيانه: أن قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ* وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) [البقرة: 101 - 102] الآيات، بيان لجهلهم وتركهم الحق الواضح إلى الباطل الظاهر بطلانه، وإليه الإشارة بقوله: "أي: استبدل ما تتلوا الشياطين من كتاب الله" وكان من الظاهر أن يكتفي عن قوله: (مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) بقوله: واتبعوا السحر، لكن كنى به عنه حتى يحسن استطراد (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) وما اتصل به، تصويراً لقبح ما ارتكبوه، حيث بدلوا علوم الدين بعلوم الشياطين، ومن هذا القبيل وضع "من اشتراه" في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ) الآية موضع

(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ) أي: باعوها. وقرأ الحسن: (الشياطون)، وعن بعض العرب: بستان فلان حوله بساتون، وقد ذكر وجهه فيما بعد. وقرأ الزهري: (هاروت وماروت) بالرفع على: هما هاروت وماروت ـ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "لقد علموا أن ذلك الاشتراء خسران"، ليثبت لهم العلم بخسران أنفسهم بالطريق البرهاني وعلى البت والقطع. وفي لفظة: (تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) إشارة إلى هذا المعنى: إما على سبيل المشاكلة التقديرية يشعر به قوله: "هو بين أيديهم يقرؤونه" كأنه قيل: تركوا قراءة كتاب الله، واشتغلوا بقراءة كتاب الشياطين، أو الاستعارة التهكمية؛ لأن التلاوة عرفاً خصت بقراءة القرآن. الراغب: تلاه: تبعه متابعة ليس بينهما ما ليس منهما، وذلك تارة يكون بالجسم وتارة بالاقتداء في الحكم، وتارة بالقراءة، وتختص بإتباع كتب الله المنزلة بالقراءة، وقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) فاستعمل فيه لفظ التلاوة لما كان يزعم الشياطين أن ما يتلونه من كتب الله. قوله: (وقد ذكر وجهه فيما بعد) أي: يذكر. ووجهه أنه رأى آخره كآخر يبرين وفلسطين، فتخير بين أن يجري الإعراب على النون وبين أن يجريه على ما قبله فيقول: الشياطين والشياطون، كما تخيرت العرب بين أن يقولوا: هذه يبرون ويبرين، وفلسطين وفلسطون، وحقه أن تشتقه من الشيطوطة، وهي الهلاك كما قيل له الباطل، هذا ما ذكره المصنف في "سورة الشعراء".

وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، ولو كانا من الهرت والمرت، وهو الكسر- كما زعم بعضهم- لانصرفا. وقرأ طلحة: (وما يعلمان) من أعلم. وقرئ: (بين المُرْءِ) بضم الميم وكسرها مع الهمز، و (المَرِّ) بالتشديد على تقدير التخفيف والوقف، كقولهم: فرج، وإجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ الأعمش: (وما هم بضاري) بطرح النون والإضافة إلى (أَحَدٍ) والفصل بينهما بالظرف. فإن قلت: كيف يضاف إلى (أَحَدٍ) وهو مجرور بـ (مِنْ)؟ قلت: جعل الجار جزءاً من المجرور ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال غيره: الشيطان يحتمل أن يكون من شطن، وأن يكون من شاط، فجمعه على حال الرفع جمع السلامة بعد رده إلى المصدر، وهو الشياط، كما قيل: خاط خياطاً، فأقامه مقام الاسم، وفي غير حال الرفع جمعه على فياعيل، نحو شياطينهم، فعلى هذا فالشيطان فيعال من: شطن، وعلى الوجه الآخر فعلان من: شاط. قوله: (وقرئ: بين المُرء) قال ابن جني: "المُرء" بضم الميم وسكون الراء والهمز: قراءة ابن أبي إسحاق، و"المرء"بكسر الميم والهمز: قراءة الأشهب، وهما لغتان، و"المَرِّ" بالتشديد: قراءة الزهري، ووجهه أنه أراد التخفيف، ووقف فصار "المَر" بسكون الراء، ثم ثقل للوقف على قول من قال: هذا خالد، وهو يجعل، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، فأقر التثقيل بحاله. قوله: ("وما هم بضاري" بطرح النون) قال ابن جني: هذا من أبعد الشواذ، وأمثل ما يقال فيه: أن يكون "وما هم بضاري أحد به، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، وفيه شيء آخر وهو أن هناك أيضاً "من" في (مِنْ أَحَدٍ) غير أنه أجرى الجار مجرى جزء من

فإن قلت: كيف أثبت لهم العلم أولاً في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا) على سبيل التوكيد القسمي، ثم نفاه عنهم في قوله: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)؟ قلت: معناه: لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه. [(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ* مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) 103 - 105]. (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا) برسول الله والقرآن (وَاتَّقَوْا) الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ)، وقرئ: "لمثوبة" كمشورة ومشورة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المجرور، فكأنه قيل: وما هم بضاري به أحد. قيل: يقرب هذا من قول سيبويه في: لا أبا لك على الإضافة، واللام لتأكيد الإضافة ولا يجوز أن يكون طرح النون من "بضاري" نحو طرحها في قول الشاعر: الحافظو عورة العشيرة لأن طرحها على هذا الحد إنما يجوز في المعرف باللام. قوله: (وقرئ: لمثوبة) أي: بفتح الواو، قرأ بها قتادة وابن بريدة وأبو السمال.

(لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أن ثواب الله خير مما هم فيه، وقد علموا، ولكنه جهلهم لترك العمل بالعلم. فإن قلت: كيف أوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب "لو"؟ قلت: لما في ذلك من الدلالة على إثبات المثوبة واستقرارها، كما عدل عن النصب إلى الرفع في (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) [الرعد: 24] لذلك. فإن قلت: فهلا قيل: لمثوبة الله خير؟ قلت: لأن المعنى: لشيء من الثواب خير لهم. ويجوز أن يكون قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كيف أوثرت الجملة الاسمية على الفعلية؟ ) قال الزجاج: لمثوبة في موضع جواب "لو" لأنها تنبئ عن قولك: لأثيبوا. المعنى: ثواب الله خير لهم من كسبهم بالسحر والكفر. وقال القاضي: وحذف المفضل عليه إجلالاً للمفضل من أن ينسب إليه. قوله: (لأن المعنى: لشيء من الثواب خير لهم) يعني: المقام يقتضي الترغيب في الثواب، والزجر عن المعاصي، والمعنى: لشيء قليل من ثواب الله خير مما شروا به أنفسهم من إتباع ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان. قلت: إنما جمع بين معنى الدوام والقلة ليؤذن أن قدراً يسيراً من الثواب في الآخرة مع الدوام، خير من كثير ثواب الدنيا مع الزوال، فكيف وثواب الله كثير دائم! قوله: (ويجوز أن يكون قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا)) عطف على قوله: "ولو أنهم آمنوا برسول الله والقرآن" على أن "لو" للتمني، و"لمثوبة" جملة مبتدأة، وعلى الأول "لو" لامتناع الشيء لامتناع غيره، وجوابه "لمثوبة" وإنما خص رسول الله والقرآن بالذكر ليؤذن باتصال الآية بقوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) [البقرة: 101]، وأتى

تمنياً لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له، كأنه قيل: وليتهم آمنوا، ثم ابتدئ: (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ). كان المسلمون يقولون لرسول الله إذا ألقى عليهم شيئاً من العلم: راعنا يا رسول الله! أي: راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية؛ وهي (راعينا)، فلما سمعوا بقول المؤمنين: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقوله: "فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين" لينبه أيضاً على اتصاله بقوله: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) [البقرة: 102]. قوله: (تمنياً لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له) إشارة إلى مذهبه، وارتكب فيه أمراً عظيماً؛ لأن التمني أصله أن يستعمل فيما لا يتوقع حصوله، ولا يصح حمل هذا على إرادة الله إيمانهم، لا حقيقة ولا مجازاً؛ لأن الله تعالى إذا أراد شيئاً أن يقول كن فيكون. فإن قلت: التمني مجاز عن بلوغ تماديهم في الطغيان إلى حد لا يمكن تصور الإيمان منهم. يقال: فإذن يلزم أن يكون مراد الله مغلوباً بمرادهم. والحق أن يكون التمني من جهة العباد تنبيهاً من الله تعالى على إرادة الكفر منهم على معنى: أن من عرف حالهم قال ذلك على منوال: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات: 147] كما عليه مذهب أهل السنة. المعنى: حصول إيمانهم غير ممكن؛ لأن الله تعالى يريد الكفر منهم، وإذ لا يمكن حصول الإيمان فيطلب كما تطلب المحالات بأن يقال في حقهم: ليتهم آمنوا! قوله: (ثم ابتدئ: (لَمَثُوبَةٌ) أي: استؤنف. كأنهم لما تمنوا لهم ذلك، قيل لهم: ما هذا التحسر والتمني؟ فأجابوا: لأنا نعلم أن هؤلاء المجازفين حرموا ما شيء قليل منه خير من الدنيا وما فيها، وهم لا يعلمون ذلك، فـ "لو" الثانية أيضاً للتمني. قوله: (وكانت لليهود كلمة يتسابون بها، عبرانية أو سريانية وهي: "راعينا" يعني: قولة

راعنا افترضوه وخاطبوا به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم يعنون به تلك المسبة؛ فنهي المؤمنون عنها، وأمروا بما هو في معناها؛ وهو: (انظُرْنَا) من نظره؛ إذا انتظره. وقرأ أبي: (أنظرنا) من النظرة، أي: أمهلنا حتى نحفظ. وقرأ عبد الله بن مسعود: (راعونا) على أنهم كانوا يخاطبونه بلفظ الجمع؛ للتوقير. وقرأ الحسن: (راعناً) بالتنوين من الرعن؛ وهو الهوج، أي: لا تقولوا قولاً راعناً، منسوباً إلى الرعن بمعنى رعنياً، كدارع ولابن؛ لأنه لما أشبه قولهم: (راعينا)، وكان سبباً في السب؛ اتصف بالرعن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "راعينا" كلمة ذات وجهين تحتمل المدح والذم، أما المدح فباعتبار العربية، والسب بالعبرانية، فجعلوا كلمة الحق باطلاً، والمدح ذماً، فهذا أيضاً من تعاكيسهم كاستبدال كلام الشياطين بكلام الله. قوله: (راعنا) من راعيت الأمر، نظرت إلام يصير، وأنا أراعي فلاناً، أنظر ماذا يفعل. الجوهري: راعيت الأمر: نظرت إلى أين يصير. وراعيته: لاحظته. الراغب: الرعي: حفظ الغير في أمر يعود بمصلحته، ومنه رعي الغنم، ورعي الوالي الرعية، وعنه نقل: أرعيته سمعي، وتشبيهاً برعي الغنم، قيل: رعيت النجوم، إذا راقبتها. قوله: (من الرعن وهو الهوج) الأهوج: الطويل الأحمق. وصف الكلام به مبالغة كما يقال: كلمة حمقاء. قال الزجاج: معنى قراءة الحسن راعناً بالتنوين، لا تقولوا حمقاً من الرعونة. قوله: (لأنه لما أشبه) تعليل لتسمية قولهم: راعناً بالرعن ووصفه بالرعونة. يعني: لم يكن قصدهم فيه هذا المعنى، لكن لما أشبه قولهم قولهم، فكانت المشابهة سبباً لافتراضهم السب سمي بالرعن؛ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، والفرق بين القراءتين: أن تعليل النهي في قراءة الحسن منصوص عليه، وفي الأولى مطلق.

(وَاسْمَعُوا): وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الهل ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة؛ حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة؛ أو: اسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) [البقرة: 93]؛ أو: واسمعوا ما أمرتم به بجد؛ حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه؛ تأكيداً عليهم ترك تلك الكلمة. وروي: أن سعد بن معاذ سمعها منهم، فقال: يا أعداء الله! عليكم لعنة الله! والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَاسْمَعُوا): وأحسنوا سماع ما يكلمكم) أي: أجيدوا. قال في قوله تعالى: (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) [السجدة: 7] حقيقته: يحسن معرفته. أي: يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان. وإنما فسر "واسمعوا" بما فسر من الوجوه الثلاثة لينبه على أن المسلمين كانوا يسمعون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن سماع مقصر غير واع، فأمروا بأن يسمعوا حق السماع. أولها: فسره بمعنى إلقاء الذهن وإحضار القلب، يعني: أنكم إنما احتجتم إلى قولكم "راعنا" لأنكم لم تكونوا تحسنون السماع، وكان ذلك مستلزماً لذلك المحذور، فأحسنوا السماع لئلا يلزم ذلك. وثانيها: أن يراد بقوله: "واسمعوا" القبول والطاعة، نهاهم أولاً بقوله: "لا تقولوا راعنا" على إرادة: تأن بنا حتى نحفظه عن مجرد جعل الحفظ غاية للتأني كما قدره، ثم أمرهم بقوله: (وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا) [البقرة: 104] إعلاماً بأن السماع المعتبر أن يجمعوا بين الفهم والعمل حتى تكون غاية الفهم العمل تعريضاً باليهود حيث سمعوا ولم يعملوا وعصوا. وثالثها: أن يكون "اسمعوا" تكريراً للتأكيد كما تقول: لا تضرب زيداً واسمع أمري، فهو تأكيد للكلام المسموع. يعني: إذا تلقيتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً تلقوه بجد وعزيمة حتى لا تحتاجوا إلى أن تقولوا: راعنا.

لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأضربن عنقه. فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت. (وَلِلْكَافِرِينَ): ولليهود الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه (عَذَابٌ أَلِيمٌ). "من" الأولى للبيان؛ لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون، كقوله تعالى: (لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ) [البينة: 1]؛ والثانية مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة لابتداء الغاية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَلِلْكَافِرِينَ): ولليهود الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم) إشارة إلى أن قوله: للكافرين مظهر وضع موضع ضمير اليهود؛ للإشعار بأن قولهم ذلك كان تهاوناً بالرسول، ومن أهان نبي الله وحبيبه كان غالياً في الكفر، كاملاً فيه مستحقاً لأن يعذب بعذاب أليم، أي: مبالغ في الإيلام نحو جد جده. فإن قلت: لِمَ لَمْ يجعل التعريف للجنس ليدخل اليهود فيه دخولاً أولياً؟ قلت: ليس بظاهر؛ لأن الكلام مع المؤمنين فلا يصح قوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: 104] أن يكون تذييلاً، بخلافه في قوله: (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [البقرة: 89] وإذا جعل التعريف للعهد اختص باليهود بقرينة السياق، وكان تعريضاً بالمؤمنين وتغليظاً للوصف. قوله: ("من" الأولى للبيان) أي: في قوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ) [البقرة: 105]، "والثانية مزيدة" أي: في قوله: (مِنْ خَيْرٍ) لأنها واقعة في سياق النفي، فتفيد النكرة العموم، وهو المراد من قوله: "لاستغراق الخير" أي: لتأكيد استغراق الخير، "والثالثة لابتداء الغاية" أي: في قوله: (مِنْ رَبِّكُمْ). المعنى: أن الكفر في الفريقين يقتضي عدم ودادتهم إنزال الخير من الله، وفي تخصيص أهل الكتاب وإيقاع الكفر صلة للموصول وبيانه بقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) وإقامة المظهر مقام المضمر، الإشعار بأن كتابهم يدعوهم إلى متابعة الحق، لكن كفرهم يمنعهم.

والخير: الوحي وكذلك الرحمة، كقوله: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ) [الزخرف: 32]، والمعنى: أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم؛ فيحسدونكم، وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ) بالنبوة (مَنْ يَشَاءُ)، ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة، (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ): إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم، كقوله تعالى: (إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً) [الإسراء: 87]. [(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ* أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ* ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفيه: أن الكفر شر كله؛ لأنه هو الذي يورث الحسد، ويحمل صاحبه على أن يبغض الخير ولا يحبه البتة، وأن الإيمان خير كله؛ لأنه يحمل صاحبه على تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى. قوله: (والخير: الوحي، وكذلك الرحمة) فعلى هذا قد أقيم المظهر، وهو الرحمة، مقام المضمر، وهو ضمير الوحي من غير لفظه السابق؛ ليؤذن بأن الوحي هو عين الرحمة، كما أن إرساله صلى الله عليه وسلم محض الرحمة لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107] وكذلك لفظة "الله" في قوله: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) [البقرة: 105] أقيم مقام ضمير "ربكم" لينبه به على أن تخصيص بعض الناس بالخير دون بعض ملائم للألوهية، كما أن إنزال الخير على العموم مناسب للربوبية. قوله: (إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم) جعل إيتاء النبوة بعضاً من الفضل العظيم؛ لأن الفضل العظيم يعم جميع الأفضال، فقوله تعالى: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) تذييل، أو لكون الكلام في النبوة دخلت فيه دخولاً أولياً.

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) 106 - 110]. روي أنهم طعنوا في النسخ، فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً! فنزلت. وقرئ: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) و (ما ننسخ) بضم النون من أنسخ (أو ننسأها) وقرئ: (نُنسِهَا)، و (نُنَسِّها) بالتشديد، و (تَنْسَها)، و (تُنْسَها) على خطاب الرسول، وقرأ عبد الله: (ما ننسك من آية أو ننسخها)، وقرأ حذيفة: (ما ننسخ من آية أو ننسكها). ونسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى مكانها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("ما ننسخ" بضم النون) ابن عامر، وبالفتح الباقون، "أو ننسأها" بالهمز: ابن كثير وأبو عمرو، والباقون: بغير همز، والبواقي: شواذ. والمصنف جمع المعنيين، أي: النساء والإنساء في الإذهاب بالكلية. قال القاضي: نسخ الآية: بيان انتهاء التعبد بقراءتها، أو الحكم المستفاد منها، أو بهما جميعاً. قوله: (ونسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى) أي: آية أخرى مكانها، ولابد من هذا التقدير؛ لأن "خيراً منها" صفة موصوف محذوف، ولابد من القرينة الدالة على خصوصيته،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهي قوله: (مِنْ آيَةٍ) كما قدرها المصنف، ولو قدرت غيرها لركبت شططاً، ونظيره قوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [آل عمران: 7]، أي: آيات أخر؛ هذا مشعر بأن الناسخ للكتاب ينبغي أن يكون الكتاب لا شيئاً غيره، وهو موافق لما ذهب إليه الإمام الشافعي؛ لأنه منع نسخ القرآن بالخبر المتواتر، وهو موافق لما ورد عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ بعضه بعضاً"، رواه الدارقطني، وكيف يخفى على الإمام ما خفي على غيره وهو من أعلام المختصين وقد قال ابن الصلاح: أعيى الفقهاء وأعجزهم معرفة ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منسوخه. وكان للشافعي رضي الله عنه اليد الطولى والسابقة الأولى. وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: ما عرفنا المجمل من المفسر، ولا الناسخ في الحديث من منسوخه حتى جالسنا الشافعي. والآيات التنزيلية شواهد صدق؛ ذلك لأن الناسخ لابد أن يكون خيراً من المنسوخ أو مثله قوله تعالى: (نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: 106] والسنة ليست بخير من القرآن ولا مثله، وأيضاً قال: (نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) والضمير في "نأت" لله تعالى فيكون الآتي بالناسخ هو الله تعالى. وأجاب الجمهور عن الأول: أن المراد بالنسخ، هو نسخ الحكم لا اللفظ؛ لأن القرآن

وإنساخها: الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها. ونسؤها: تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل. وإنساؤها: أن يذهب بحفظها عن القلوب. والمعنى: أن كل آية نذهب بها على ما توجبه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا تفاضل فيه، ويجوز أن يكون حكم السنة خيراً من حكم القرآن، أو مثلاً له؛ لأنه يجوز أن يكون حكم السنة أصلح للمكلف من حكم القرآن. وعن الثاني: أنه يصح إطلاق "نأت" على ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما أتى به الرسول عليه السلام أيضاً من عند الله لقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3 - 4]. قلت: أما قولهم: إن المراد بالنسخ هو نسخ الحكم لا اللفظ، فهو تخصيص من غير مخصص، على أن الآية ورودها في شأن أهل الكتاب ورد ودادتهم أن لا ينزل الله تعالى على رسوله صلوات الله عليه هذا الكتاب الشريف فينسخ به كتابهم لفظاً وحكماً. ورد أنه صلى الله عليه وسلم اختص به دونهم، وأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي يبدله من تلقاء نفسه بشهادة سبب النزول، ويدل عليه قوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ) [البقرة: 105] إلى قوله تعالى: (مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: 107]، فإذن كيف يتصور خلاف هذه المعاني! وعن قولهم: أن يكون حكم السنة أصلح، فإنه قريب من القول بالاعتزال مع أن قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [البقرة: 107] يقلع هذا الزعم؛ لأن معناه أن الله تعالى إنما يحسن منه النسخ، لكونه مالكاً للخلق، ومستولياً عليهم، لا لثواب يحصل ولا لعقاب يدفع، ولا لغرض من الأغراض، لأن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما قولهم: "إنه يصح إطلاق "نأت" على ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم فمردود جداً، لما يلزم منه فك التركيب، وارتكاب المحذور، أما فك التركيب، فإن الضمائر في "ننسخ" و"ننسها" و"نأت" دالة على تعظيم الفاعل، ومنادية على جلالته واستبداده بما فعله، فإذا دخل الغير يفوت الغرض المطلوب، ولاشك أنه لا مدخل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في "ننسها"، فإذا فرق الضمائر، ينخرم النظم، وأن ضمير الخطاب في قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ) - إذا خص بالنبي صلى الله عليه وسلم أو عم- والاستفهام المفيد للتقرير ينافي اشتراكه صلى الله عليه وسلم في تلك الضمائر، وكذا وضع المظهر موضع المضمر، وتخصيصه بذكر اسم الذات في قوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ) مكرراً. وأما ارتكاب المحذور، فهو إذا جعل الفاعل في قوله: "ننسخ" و"نأت" الله، والغير؛ فلا يخلو، إما أن يكون حقيقة فيه دون الله سبحانه وتعالى، أو مجازاً، أو مشتركاً بينهما، فالكل باطل؛ أما بطلان الأول والثاني فظاهر، لأنه يستلزم اجتماع إرادة الحقيقة والمجاز معاً. وأما الثالث، فيستلزم تعدد الفاعل، وحينئذ يفوت التعظيم المطلوب. وأما استدلالهم بقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3 - 4] فضعيف أيضاً؛ لأن الكلام هناك في المنزل؛ لأن الكفار كانوا ينسبونه إلى الجن، ويسمون قائله مجنوناً بشهادة الآيات المناسبة لها كقوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) إلى قوله: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) [التكوير: 22] وقوله: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) وقوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ) [الحاقة: 40 - 41] ولهذا عقبة بقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [النجم: 3 - 5]، فإذن لا تدخل في المعنى الأحاديث الواردة منه صلى الله عليه وسلم.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما نقل ابن الحاجب عنهم: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث" نسخ الوصية بالوالدين والأقربين، والرجم للمحصن نسخ الجلد، فضعيف أيضاً، لما روى الإمام عن الشافعي رضي الله عنه: أن الوصية للأقربين منسوخة بآيات المواريث، وأن آية الجلد مخصوصة بما روى عمر رضي الله عنه: أن قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها" كان قرآناً، فلعل النسخ إنما وقع به. وقلت: رواه البخاري ومسلم ومالك والترمذي وابو داود وابن ماجة عن ابن عباس قال: سمعت عمر رضي الله عنه، وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ويقول: إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله تعالى آية الرجم، فقرأناها ووعيناها. ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمن أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى في كتابه، فإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، وايم الله لولا أن يقول الناس: زاد [عمر] في كتاب الله لكتبتها"، وفي رواية مالك وابن ماجة: وقد قرأ بها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما". وقال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة. وأما حديث: "لا وصية لوارث" فلا يتم استدلالهم به، لأنهم شرطوا التواتر في الحديث الناسخ، وهذا لم يبلغ إلى الدرجة القصوى في الصحة، فكيف بالتواتر؛ لأن أئمة الحديث

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأساطين النقل مثل: البخاري ومسلم ومالك والنسائي، ما أوردوه في كتبهم، بل ذكره الترمذي وأبو داود وابن ماجة عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته عام حجة الوداع [يقول]: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" أو على تقدير تواتره، فقوله: أعطى كل ذي حق حقه، إشارة إلى آية المواريث، فالحديث موضح لدلالة نسخ آية المواريث لهذه الآية. والحمد لله الذي هدانا لنصرة الحق، وترجيح مذهب الإمام المطلبي رضي الله عنه. والعجب أن الأصحاب خالفوا أصولهم في القول بالأصلح، وأبوا متابعة إمامهم، وأولوا ظاهر النص القاطع، وأن المصنف خالف أصحابه ووافقنا، فإن شئت فجرب ذوقك في المتلو من قوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [البقرة: 105] إلى آخر قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: 107]، ثم انظر: هل تجد مجالاً أن تقحم فيه فعل الغير أو كلامه. فائدة في معرفة التواتر من "كتاب ابن صلاح" و"مختصره" لمحيي الدين النواوي

المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معاً، أو من إزالة أحدهما إلى بدل أو غير بدل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رحمهما الله: التواتر عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولابد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه، ومن سئل عن إبراز مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه، وحديث: "إنما الأعمال بالنيات" ليس من ذلك بسبيل، وإن نقله عدد التواتر وزيادة؛ لأن ذلك طرأ عليه في وسط إسناده، ولم يوجد في أوائله، نعم حديث "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" نراه مثالاً لذلك، فإنه نقله من الصحابة العدد الجم، وهو في "الصحيحين" مروي عن جماعة منهم، روى بعض الحفاظ: أنه رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان وستون من الصحابة، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وقيل: أكثر من ذلك، وقيل: لا يعرف حديث اجتمع عليه العشرة إلا هذا، وقال الشيخ ابن صلاح: ثم لم يزل عدد رواته في ازدياد، وهلم جراً على التوالي والاستمرار، والله أعلم. قوله: (من إزالة لفظها وحكمها معاً) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن" أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود. قوله: (أو من إزالة أحدهما إلى بدل، أو غير بدل) هذا مبني على قوله أولاً: "نسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى مكانها" ونسؤها: تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل". فإن قلت: كيف يستقيم قوله: وإذهابها لا إلى بدل مع قوله تعالى: (نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [البقرة: 106]؟ قلت: لابد في كلامه من تقدير محذوف وتعسف ليستقيم. فقوله: "إلى بدل" يتعلق بقوله:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "إزالة لفظها وحكمها معاً أو من إزالة أحدهما" وهو معنى النسخ، وقوله: "أو غير بدل" لا يتعلق بالمذكور، بل بالإنساء. المعنى: ما ننسخ من آية نأت بخير منها أو مثلها، وما ننس من آية لم نأت بدلها، فحذف في الجزاء أحد ما يقابل به "ما" في الشرط. وقلت وبالله التوفيق: الحق أن الآية دالة على شيئين: على النسخ وعلى الإنساء، وعلى أن لكل واحد منهما بدلاً، فالمناسب للنسخ أن يؤتى بآية أخرى، سواء أثبت بها حكم آخر مع إزالة الآية الأولى، أو أزيل بها الحكم الثابت، والمناسب للإنساء أن يؤتى بأخرى لكن لا على طريق النسخ. والحاصل: أن ما اعتبر فيه إزالة الحكم هو النسخ، وما لا يعتبر فيه ذلك هو الإنساء. ويعضده ما روينا عن مسلم، عن أبي موسى: "إنا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة بـ "براءة" فأنسيتها غير أني حفظت منها: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)، وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) "، فتنزيله على هذه القاعدة أن يقال: إنه يمكن أن الله تعالى أنزل بعد هاتين السورتين المنسيتين سوراً وآيات غير مشتملة على إبطالهما وإزالتهما. روينا عن البخاري عن ابن عباس قال: "آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا". وعن مسلم عن عبيد الله بن عبد الله قال: قال لي ابن عباس: "أتدري آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً؟ " قلت: نعم، "إذا جاء نصر الله والفتح"، قال: "صدقت".

(نأتِ بـ) آية (خَيْرٍ مِنْهَا) للعباد، أي: بآية العمل بها أكثر للثواب (أَوْ مِثْلِهَا) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويمكن تنزيل قول المصنف على هذا التقرير، فإن قوله: "إلى بدل أو غير بدل" مشير إلى النسخ والإنساء في الشرط، وقوله: "نأت بخير منها للعباد" إلى معنى الجزاء، أي: بخير منها، إما على طريقة النسخ والإبدال، أو على غير هذه الطريقة. والمقام يساعد هذا التقرير؛ لأن الكلام جار في أمر المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبطاله كتب اليهود والنصارى، والكتب المنسوخة مشتملة على أحكام وغيرها، والناسخ كذلك، فقوله: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا) تفصيل لكيفية إبدال المنزل عن الكتب السابقة على سبيل العموم، لأن تلك الأحكام، بعضها منسوخة، وبعضها مقررة، وغير الأحكام مثل القصص والتوحيد ومكارم الأخلاق منسي، ومتروك التلاوة مأمور بالإنساء عنها. وأما نسخ القرآن بالقرآن، فمستفاد من عموم الآية على طريقة إشارة النص وأسلوب الإدماج، فإذن لابد في النسخ بالإتيان بآية أخرى، ولا يرد قولهم: قد جاء النسخ بلا بدل كما في قوله تعالى: (إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) [المجادلة: 12] لمجيء البدل وهو قوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الدال بمفهومه على إباحة الصدقة. قوله: ((بـ) آية (خَيْرٍ مِنْهَا) للعباد، أي: بآية العمل بها أكثر للثواب) يشير إلى أن الخيرية في الآية من حيث الثواب، لا اللفظ؛ لأن القرآن لا تفاضل فيه بحسب اللفظ، وفيه بحث. فإن قلت: إذا كان جواز النسخ معللاً بكون الناسخ خيراً منه من حيث كون العمل بها أكثر ثواباً، لزم جواز ذلك بالحديث بهذه العلة. قلت: لا يلزم؛ لأن الخيرية من هذه الحيثية ليست علة مستقلة، بل مع قيد عدم التفاضل في اللفظ، فإن الثواب الحاصل من نفس قراءة القرآن لا يوازيه قراءة الحديث.

في ذلك (عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو يقدر على الخير وما هو خير منه. وعلى مثله في الخير. (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) فهو يملك أموركم ويدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ لما بين لهم أنه مالك أمورهم ومدبرها على حسب مصالحهم من نسخ الآيات وغيره وقررهم على ذلك بقوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ)، أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به وينزل عليهم، وان لا يقترحوا على رسولهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فهو يملك أموركم ويدبرها) الفاء سببية. يعني: إنما رتب حكم النسخ على هذه الصفة، وهي أنه مالك السماوات والأرض ليؤذن أنه تعالى يدبر مصالحكم في النسخ والإنساء؛ لأن من دبر أمراً هو أعظم لا يمتنع عليه الأهون، وعندنا من هو مالك للأمور كلها، له التصرف في ملكه ما يشاء. قوله: (لما بين لهم أنه مالك أمورهم) إلى قوله: "أراد أن يوصيهم بالثقة به" بيان لربط قوله: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ) [البقرة: 108] الآية مع الآيات السابقة، يعني لما رد على اليهود قولهم في النسخ والطعن فيه، وعم الخطاب للكل في قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ) [البقرة: 106] إلى قوله: (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [البقرة: 107] لأنه من أسلوب قوله صلى الله عليه وسلم: "بشر المشائين" رجع إلى المسلمين بخطابهم فيما يشبه حالهم حال اليهود من سؤالهم لما يضرهم ويرديهم، توصية لهم بالثقة بالله، وبما ينزل عليهم من القرآن، وأن لا يكونوا كاليهود في اقتراحهم على نبيهم، ثم لما أراد أن يؤكد النهي عن اقتفائهم آثار اليهود ذكر بعض ما صدر منهم من الحسد وتمني الكفر لهم قال: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) [البقرة: 109].

ما اقترحته آباء اليهود على موسى من الأشياء التي كانت عاقبتها وبالاً عليهم، كقولهم: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: فسر المصنف تبدل الكفر بالإيمان بترك الثقة بالآيات المنزلة على العموم، فلم خصت الآيات بالقرآن في قولك: وبما ينزل عليهم من القرآن؟ قلت: لا ارتياب أن قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ) الآية، تذييل للكلام السابق على سبيل التهديد والوعيد، والتذييل ما يؤتى في آخر الكلام بما يشتمل على المعنى السابق؛ توكيداً له، فبالنظر على كونه تذييلاً فسر المفسر بالعموم، وبالنظر إلى ما سيق له الكلام وأنه وارد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واقتراحهم ما اقترحوه؛ خصصناه بالقرآن. قوله: (ما اقترحه آباء اليهود على موسى) جاء في بعض الروايات في "التفسير الكبير": أن المراد بهذا السؤال اقتراحهم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط. على ما رويناه عن أبي واقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة حنين، مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها: "ذات أنواط"، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا غلهاً كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم" أخرجه الترمذي، وزاد رزين: "حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، إن كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا". هذا، وأما استشهاده بقوله: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) [النساء: 153] فمحض تعصب.

(اجْعَل لَنَا إِلَهاً) [الأعراف: 138]، (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) [النساء: 153] وغير ذلك. (وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ): ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة وشك فيها واقترح غيرها (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ). روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلاً. فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا شديد، قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت. فقالت اليهود أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً. ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال: "أصبتما خيراً وأفلحتما"؛ فنزلت. فإن قلت: بم تعلق قوله: (مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "النهاية": ذات أنواط: اسم سمرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي: يعلقونها ويعكفون حولها. قوله: (وشك فيها) عطف تفسيري على "ترك الثقة بالآيات". قوله: (فيه وجهان): أحدهما: أن يتعلق بـ "ود" على معنى وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم" وثانيهما: "أن يتعلق بـ "حسداً" أي: منبعثاً من أنفسهم" جعل "من" ابتدائية، وتصور معنى الظرفية في "عند" و"من" ثم قال: "من قبل أنفسهم": منبعثاً من أنفسهم. قال السيد ابن الشجري في "الأمالي" رداً على مكي بن أبي طالب المغربي في الوجهين:

أن يتعلق بـ (وَدَّ) على معنى أنهم تمنوا أن ترتدوا عن دينكم، وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم، ومن قبل شهوتهم، لا من قبل التدين والميل مع الحق؛ لأنهم ودوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق، فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق؟ وإما أن يتعلق بـ (حَسَداً) أي: حسداً متبالغاً منبعثاً من أصل نفوسهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إن قول النحويين: هذا الجار متعلق بهذا الفعل يريدون أن العرب وصلته به، واستمر سماع ذلك منهم، فقالوا: رضيت عن جعفر، ورغبت في زيد، كذلك قالوا: حسدت زيداً على علمه، ولم يقولوا: حسدته من ابني. وكذلك وددت لم يعلقوا به "من" فثبت بهذا أن قوله: (مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ) لا يتعلق بـ (حَسَداً) ولا بـ (وَدَّ)، لكنه متعلق بمحذوف يكون وصفاً لـ (حَسَداً) أو وصفاً لمصدر (وَدَّ)، أي: حسداً كائناً من عند أنفسهم أو وداً كائناً من عند أنفسهم. والجواب: أن القول بإفضاء عمل الفعل إلى معمولِ معمولِه سائغ وقد قرره في قوله تعالى: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً) [يونس: 27] وأيضاً باب التضمين والمجاز واسع. قوله: (حسداً متبالغاً) أي: متناهياً يقال: ابتلغ فيه الحسد وتبالغ متناهياً من قولهم: تبالغ فيه المرض والهم. الأساس: تبلغت به العلة، إذا اشتدت. وإنما كان متناهياً، لأنه انبعث من عند أنفسهم، وكان ذاتياً كقوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) [الحشر: 9] قال: وقد أضيف الشح إلى النفس لأنه غريزة فيها، ونفس الرجل كزة حريصة على المنع. قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس سره: إن النفوس مجبولة على

(فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة (حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) الذي هو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم. (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو يقدر على الانتقام منهم. (مِنْ خَيْرٍ) من حسنة: صلاة أو صدقة أو غيرهما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غرائز وطبائع هي من لوازمها وضرورتها خلقت من تراب وصلصال من حمأ مسنون، ولها بحسب تلك الأصول التي هي مبادئ تكونها، صفات من البهيمية والسبعية والشيطنة. وقلت: من الشيطنة نشأ الحسد، ولهذا قال المارد: خلقتني من نار، وخلقته من طين، والنارية في الإنسان من قوله تعالى: (كَالْفَخَّارِ) [الرحمن: 14]. قال أبو البقاء: حسداً مصدر وهو مفعول له، والعامل (وَدَّ) أو (يَرُدُّونَكُمْ)، (مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ) "من" متعلقة بـ (حَسَداً) أي: ابتداء الحسد من عند أنفسهم. قوله: (فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح) العفو: ترك عقوبة المذنب. والصفح: ترك تثريبه، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح، يقال: صفحت عنه، أي: أوليته مني صفحة جميلة معرضاً عنه، أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه. والعفو عنهم لا يكون على وجه الرضا بما فعلوا، بل دفعاً لاشتعال نائرتهم وزيادة إيذائهم، ولهذا علق بقوله: (حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) [البقرة: 109] وإنما أوثر العفو على الصبر على أذاهم والإعراض عنهم، ليؤذن بتمكين المؤمنين ترهيباً للكافرين.

(تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) تجدوا ثوابه عند الله. (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) عالم لا يضيع عنده عمل عامل. [(وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ* بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) 111 - 112]. الضمير في: (وَقَالُوا) لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والمعنى: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، والنصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فلف بين القولين؛ ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه منسوخ بآية السيف، وفيه نظر؛ إذ الأمر غير مطلق يعني: أن (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) مقيدان بقوله: (حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ). وأورد الإمام هذه الشبهة حيث قال: كيف يكون منسوخاً وهو متعلق بغاية كقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة: 187] وإذا لم يكن ورود الليل ناسخاً لم يكن ورود إتيان الأمر ناسخاً. وأجاب: أن الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً، لم يخرج ذلك الوارد عن أن يكون ناسخاً، ويحل محل (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) إلى أن أنسخه لكم. وقلت: ويؤيده حكم التوراة والإنجيل لأنه ذكر فيهما أن انتهاء مدة الحكم بهما إرسال النبي الأمي بنحو قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ) [الأعراف: 157] فكان ظهوره صلوات الله عليه نسخاً، والله أعلم.

وأمناً من الإلباس؛ لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه، ونحوه: (وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) [البقرة: 135] والهود: جمع هائد، كعائذ وعوذ، وبازل وبزل. فإن قلت: كيف قيل: (كَانَ هُوداً) على توحيد الاسم وجمع الخبر؟ قلت: حمل الاسم على لفظ (مَن)، والخبر على معناه، كقراءة الحسن: (إلا من هو صالو الجحيم). وقوله: (فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) [الجن: 23]. وقرأ أبي بن كعب: (إلا من كان يهودياً أو نصرانياً). فإن قلت: لم قيل: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ)، وقوله: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أمنية واحدة؟ قلت: أشير بها إلى الأماني المذكورة وهو أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي: تلك الأماني الباطلة أمانيهم، وقوله: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) متصل بقولهم: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى). و (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) اعتراض، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كعائذ)، الجوهري: العوذ: الحديثات النتاج من الظباء والإبل والخيل، واحدتها عائذ، ويجمع أيضاً على عوذان. قوله: (و (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) اعتراض) فإن قلت: من حق الاعتراض أن يكون مؤكداً للمعترض فيه، فأين مقتضاه ها هنا؟ قلت: قوله: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى) حكاية دعواهم الباطلة، وقد أكدوها بلفظة "لن" على سبيل الحصر، وقوله: (قُلْ هَاتُوا)، أي: بيانكم إن كنتم صادقين، بيان لبطلانها، وأن تلك الدعوى بمجرد القول لا برهان لهم فيها، وقوله: "تلك" إشارة لبعدها عن التحقيق وتحقير شأنها، ومن ثم سماها أماني، والأماني لا ثبوت لها، وأما على تقدير حذف المضاف فهي أبلغ في باب الاعتراض، يعني أن هذه الأمنية ليست ببدع منهم، بل كان أمانيهم مثل هذه.

أو أريد أمثال تلك الأمنية أمانيهم، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه يريد: إن أمانيهم جميعاً في البطلان مثل أمنيتهم هذه. والأمنية أفعولة من التمني، مثل الأضحوكة والأعجوبة. (هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة: (إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) في دعواكم، وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين. وأن كل قول لا دليل عليه فهو باطل غير ثابت. و"هات" صوت بمنزلة هاء بمعنى: أحضر. (بَلَى) إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة. (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ): من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو أريد أمثال تلك الأمنية أمانيهم) فعلى هذا المشار إليه بـ "تلك": هذه المقالة، وإنما بعدها لعظم شأنها وتفخيمها. الانتصاف: أو الأمنية الواحدة جمعت إشعاراً بأنها بلغت منهم كل مبلغ، كما قالوا: معي جياعاً، جمعت لزيادة تأكيد الواحد وإبانة زيادته على نظرائه. الإنصاف: وإنما جمع ليدل على تردد الأمنية في نفوسهم، وتكررها، فتصير أماني حقيقة، أو أن الأماني هي الأباطيل والأقاويل كما نقله المهدوي، وهذه الجملة أقاويل؛ لأنها نفت دخول غيرهم الجنة، وأثبتت دخول النصارى الجنة ودخول اليهود الجنة، وهي أقاويل وأباطيل حقيقة. قوله: (من أخلص نفسه له)، الراغب: أصل الوجه: العضو المقابل، فاستعير للمقابل من كل شيء حتى قيل: واجهته ووجهته، وقيل للقصد: وجه، وللمقصد: وجهة، وعلى ذلك:

(وَهُوَ مُحْسِنٌ) في عمله (فَلَهُ أَجْرُهُ) الذي يستوجبه. فإن قلت: (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ) كيف موقعه؟ قلت: يجوز أن يكون (بَلَى) رداً لقولهم، ثم يقع (مَنْ أَسْلَمَ) كلاماً مبتدأ، ويكون (مَنْ) متضمناً لمعنى الشرط، وجوابه: (فَلَهُ أَجْرُهُ)، وأن يكون (مَنْ أَسْلَمَ) فاعلاً لفعل محذوف أي: بلى يدخلها من أسلم، ويكون قوله: (فَلَهُ أَجْرُهُ) كلاماً معطوفاً على "يدخلها من أسلم" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) [البقرة: 112] و (وَجَّهْتُ وَجْهِي) [الأنعام: 79] وقيل: الوجه في هذه المواضع اسم للعضو مستعار للذات، وقوله: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) أي: نفسه. قوله: ((وَهُوَ مُحْسِنٌ) في عمله) وهو ينظر إلى الألفاظ النبوية صلوات الله على قائلها بعد ما أجاب عن الإيمان والإسلام والإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وقد فسر بالإخلاص في العمل. قوله: (كلاماً مبتدأ) أي: مستأنفاً جواباً عن سؤال مقدر، فإنهم لما نفوا دخول الجنة عن غيرهم، وأثبتوا لأنفسهم، رد عليهم هذا التحكم الباطل بـ "بلى"، أي: ليس الأمر كما تزعمون، ثم اتجه لسائل أن يقول: فما الحكم الحق والقضاء العدل؟ فقيل: (وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ) الآية [البقرة: 112]، فظهر أن السؤال على هذا عن الحكم، وعلى الوجه الثاني لا يكون استئنافاً، ويجوز أن يكون استئنافاً كأنه لما قيل: بلى يدخلها، قيل: مَن؟ قيل: من أسلم، هذا هو الوجه؛ لأن الكلام وقع في الفاعل لا في الحكم، على أنه ذلك الوجه أيضاً مستتبع للحكم، وبيانه: أن اليهود والنصارى لما ادعوا أنهم وحدهم يدخلون الجنة، وأن

[(وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ* وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) 113 - 114]. (عَلَى شَيْءٍ): على شيء يصح ويعتد به، وهذه مبالغة عظيمة؛ لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء، فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه فقد بولغ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غيرهم لا نصيب لهم، حيث بنوا كلامهم على النفي والإثبات المفيد للقصر، أي: نحن ندخل لا غيرنا، فقيل لهم: بل يدخل غيركم. ولما أراد أن يوقفهم على خطيئتهم في تلك المقالة على وجه يبعثهم على التفكر وتوخي الصواب، ويرشد غيرهم إلى تحري ما به يفوزون بالفلاح عاجلاً وآجلاً، قال: (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي: يدخل الجنة من اجتنب الشرك الجلي والخفي، عقيدة وعملاً، وتواطأ ظاهره مع باطنه إخلاصاً وإحساناً كائناً من كان، فإذا نظر الزاعمون في هذا الكلام الذي سلك فيه طرائق الإنصاف، وتفكروا في حال أنفسهم، وما هم فيه من مساوئ الأعمال والاعتقاد الباطل والقول الكاذب وحال المؤمنين وإخلاصهم لله ظاهراً وباطناً، وصدقهم في المقال أذعنوا للحق. ثم إنه تعالى ما اكتفى بهذا القدر من الجواب، بل ضم إليه على وجه التتميم قوله: (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) وأطلق الأجر، ليشمل ما لا يدخل تحت الوصف، وجعله من عند مالكه ومدبر أمره، الرب الرؤوف الرحيم، وأردفه بما ينبئ عن حصول الأمن التام عاجلاً وآجلاً، فقال: (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ). ولما فرغ من بيان قدحهم في غيرهم، أتبعه بما كان يختص بهم، وبما بينهم من القدح وقال: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ) الآية [البقرة: 113]. والله أعلم. قوله: (وهذه مبالغة عظيمة، لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء)، الانتصاف: لا

في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده، وهذا كقولهم: أقل من لا شيء. (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) الواو للحال، والكتاب للجنس، أي: قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي؛ لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني، شاهد بصحته، وكذلك كتب الله جميعاً متواردة في تصديق بعضها بعضاً. (كَذَلِكَ) أي: مثل ذلك الذي سمعت به على ذلك المنهاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يصح قوله على مذهب أهل السنة ولا المعتزلة؛ لأن الأباطيل التي يستحيل وجودها لا تسمى شيئاً اتفاقاً. قوله: (أي: مثل ذلك الذي سمعت به) قال أبو البقاء: الكاف في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف منصوب بـ "قال"، وهو مصدر مقدم على الفعل. والتقدير: قولاً مثل قول اليهود والنصارى قال الذين لا يعلمون، فعلى هذا (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) منصوب بـ "يعلمون" على أنه مفعول به، ويجوز أن يكون "الكاف" في موضع رفع بالابتداء، والجملة بعده خبر عنه، والعائد إلى المبتدأ محذوف. أي: قاله. (مِثْلَ قَوْلِهِمْ): صفة مصدر محذوف، أو مفعول ليعلمون، والمعنى: مثل قول اليهود والنصارى قال الذين لا يعلمون اعتقاد اليهود والنصارى. وقلت: وعلى أن يكون "مثل قولهم" صفة مصدر محذوف يمكن أن يجرى القول مجرى العلم، أي: مثل ذلك القول قال الذين لا يعلمون علماً يشبه علمهم؛ لأنهم أهل كتاب، وهم مشركون ومعطلة، وعليه ظاهر كلام المصنف. قال في "النهاية": سمع علي رضي الله عنه امرأة تندب عمر رضي الله عنه، فقال: أما والله ما قالته ولكن قولته. أي: لقنته وعلمته.

(قَالَ) الجهلة (الَّذِينَ) لا علم عندهم، ولا كتاب، كعبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم؛ قالوا لأهل كل دين: ليسوا على شيء. وهذا توبيخ عظيم لهم؛ حيث نظموا أنفسهم- مع علمهم- في سلك من لا يعلم. وروي: أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى والتوراة. (فَاللَّهُ يَحْكُمُ) بين اليهود والنصارى (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه. وعن الحسن: حكم الله بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي الحديث: "قولوا بقولكم" أي: بقول أهل دينكم وملتكم. وفي التشبيه مبالغة على نحو قوله تعالى: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) [البقرة: 275]، وتخصيص من جهة التقديم. قوله: ((يَحْكُمُ) بين اليهود والنصارى) فإن قلت: لم خصهما بالذكر بعد قوله: (قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) فهذا أعم، فيدخل اليهود والنصارى دخولاً أولياً؟ قلت: المراد توبيخ اليهود والنصارى حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم شيئاً، فالواجب تهديد هؤلاء خاصة. والدليل عليه الفاء في قوله تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ)، وإيقاع "لا يعلمون" على "مثل قولهم". قوله: (بما يقسم لكل فريق) يعني "يحكم" يستدعي جارين: الباء "وفي" كما يقال: حكم الحاكم في هذه الدعوى بكذا، فحذف في التنزيل المتعلق بالباء، ليعم المقدر، ولذلك قال "بما يقسم" أولاً و"أن يكذبهم" ثانياً.

(أَنْ يُذْكَرَ) ثاني مفعولي (مَّنَعَ)؛ لأنك تقول: منعته كذا، ومثله: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ) [الإسراء: 59]، (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا) [الإسراء: 94]، ويجوز أن يحذف حرف الجر مع "أن"، ولك أن تنصبه مفعولاً له بمعنى: منعها كراهة أن يذكر، وهو حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم. والسبب فيه: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أَنْ يُذْكَرَ) ثاني مفعولي (مَّنَعَ) يعني تعدى "منع" إلى المفعولين بنفسه، واستدل بقوله: "منعته كذا" وبالآيتين، وقال في "مقدمة الأدب": منعته عن الأمر ومنعته الأمر، ثم قال: "ويجوز أن يحذف حرف الجر" ويوصل بالفعل، وعلى التقديرين، لابد لقوله: (مَسَاجِدَ اللَّهِ) من تقدير مضاف، أي: أهل مساجد الله بدليل قوله: "يمنعون الناس" وقوله: منع المشركين رسول الله". وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون "أن يذكر" في موضع نصب على البدل من "مساجد" بدل الاشتمال، المعنى: ومن أظلم ممن منع أن يذكر في مساجد الله اسمه، أو على أنه مفعول له، أو التقدير: من أن يذكر، فحذف "من" ونصب. وفي "الصحاح" منعت الرجل عن الشيء، ومن هذا قيل: إن قوله: "ويجوز أن يحذف" جواب سؤال، أي: كيف يكون أن يذكر ثاني مفعولي "منع"، ولا يجوز لـ "منع" مفعول ثان إلا بواسطة حرف الجر؟ فقال في جوابه: "ويجوز أن يحذف" إلى آخره. ويقال: الواو في "ويجوز" مانع للحمل على الاستئناف على تقدير السؤال والجواب. قوله: (والسبب فيه) أي: في نزول الآية. وقوله: "وقيل: منع المشركين" عطف على قوله: "والسبب فيه" وكذا قوله: "وينبغي أن يراد بـ "من منع" العموم" عطف عليه، وقوله: "ولا يراد الذين" بيان على سبيل التأكيد لقوله: "أن يراد بـ "من منع" العموم"، فالوجوه ثلاثة: الأول خاص، وأن المراد بـ "من منع": النصارى، وبالمساجد: بيت المقدس.

أن النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه، وان الروم غزواً أهله فخربوه وأحرقوا التوراة وقتلوا وسبوا. وقيل: منع المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. فإن قلت: كيف قيل (مَسَاجِدَ اللَّهِ) وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد هو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلت لا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً، كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً: ومن أظلم ممن آذى الصالحين، وكما قال الله عز وجل: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) [الهمزة: 1]، والمنزول فيه الأخنس بن شريق. (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) بانقطاع الذكر أو بتخريب البنيان، وينبغي أن يراد بـ "من منع" العموم كما أريد بمساجد الله، ولا يراد الذين منعوا بأعيانهم من أولئك النصارى أو المشركين. (أُوْلَئِكَ) المانعون (مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا) أي: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله (إِلاَّ خَائِفِينَ)، على حال التهيب وارتعاد الفرائض من المؤمنين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والثاني: خاص بالمشركين وبالمسجد الحرام، والسؤال: "كيف قيل: مساجد الله؟ " وارد على هذين الوجهين. والثالث: عام وهو أوفق لتأليف النظم لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [البقرة: 115]، ولهذا قال: "إنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجداً". قوله: (لا بأس أن يجيء الحكم عاماً، وإن كان السبب خاصاً 9 فعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله: (مِمَّنْ مَنَعَ) على العموم، كما أن "مساجد الله" عام، فإن الجمع إذا أضيف صار عاماً ليتطابقا، ويلزم العمل بالدليلين، فظهر أن الوجه الثالث أرجح الوجوه، وأظهر، وللتأليف أوفق كما سبق. قوله: (وارتعاد الفرائص)، الجوهري: الفريصة: اللحمة بين الجنب والكتف التي لا تزال

أن يبطشوا بهم، فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. وقيل: ما كان لهم في حكم الله يعني أن الله قد حكم وكتب في اللوح أنه ينصر المؤمنين ويقويهم، حتى لا يدخلوها إلا خائفين. روي: أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً مسارقة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ترعد من الدابة، وجمعها: فرائص، وفرائص العنق: أوداجها الواحدة فريصة، وهو كناية عن شدة الخوف. قوله: (أن يبطشوا) هو مفعول "خائفين" نحو قولك: هذا زيد ضارباً عمراً الآن أو غداً، و"فضلاً" متعلق بقوله: "أن يدخلوا". قوله: (ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة)، فإن قلت: لولا لامتناع الشيء لوجود غيره، فيلزم من وجود الظلم انتفاء الوجوب، وليس كذلك، وأما وجود الظلم، فكما روي أن بيت المقدس بقي أكثر من مئة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفاً إلى أن استخلصه الملك الناصر صلاح الدين. قلت: المعنى ما أوجب على أولئك المانعين ولا ألزم عليهم بحيث لا يسعهم تركه إلا أن يدخلوها خائفين، لكنهم لعتوهم وعنادهم غيروا الواجب، وتمردوا كما أن من وجبت عليه الصلاة إذا تركها لم يسقط عنه الواجب، لكنه لعصيانه تركه. ويؤيده ما قال الإمام: ما فرض الله ولا أوجب إلا ذلك. أو المعنى: ما حكم الله بشيء إلا بأن ينصر المؤمنين حتى لا يدخل النصارى إلا خائفين، فقد حصل الحكم فلا يجب في عموم الأوقات، وهو المراد بقوله: "إن الله قد حكم وكتب [في اللوح] أنه ينصر المؤمنين ويقويهم، حتى لا يدخلوها إلا خائفين".

وقال قتادة: لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا أنهك ضرباً وأبلغ إليه في العقوبة. وقيل: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان" وقرأ أبو عبد الله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أنهك ضرباً) أي: بولغ في ضربه، الجوهري: نهكه السلطان عقوبة ينهكه نهكاً ونهكة: بالغ في عقوبته. قوله: (وابلغ إليه في العقوبة)، الأساس: أبلغت إلى فلان: فعلت به ما بلغ به الأذى والمكروه البليغ، ففيه تضمين معنى الإفضاء. قوله: (وقيل: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم) عطف على قوله: (روي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى" وفيه تقسيم لقوله: "أولئك المانعون" المراد بهم النصارى والمشركون مطلقاً، لقوله: "ولا يراد الذين منعوا بأعيانهم من أولئك النصارى والمشركين". قوله: (ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك) الحديث رويناه في "صحيح" البخاري ومسلم و"سنن أبي داود" والدارمي والنسائي عن أبي هريرة: "أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره [عليها] رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان". قال الإمام: وفي الآية بشارة للمسلمين بأن الله سيظهرهم على المسجد الحرام، وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام منهم أحد إلا خائفاً، وقد أنجز الله هذا الوعد بمنعهم من دخول المسجد الحرام، فيحمل هذا الخوف على ظهور أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلبته عليهم بحيث يصيرون خائفين منه ومن أمته أبداً.

(إلا خيفاً) وهو مثل صيم. وقد اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد: فجوزه أبو حنيفة، ولم يجوزه مالك، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره. وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه، كقوله: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) [الأحزاب: 53]. (خِزْيٌ): قتل وسبي، أو ذلة بضرب الجزية، وقيل: فتح مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: "إلا خيفاً" [وهو] مثل صيم) أي: في قلب الواو ياء. روي عن المصنف: القياس خوف وصوم، ولكن لقربه من الطرف اجترئ على إعلاله، وقبح "صيام" في "صوام" لبعده من الطرف. قوله: (وفرق الشافعي) روى الإمام عن الشافعي رضي الله عنه أنه يمنع من دخول المسجد الحرام لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ) [التوبة: 28] والمراد الحرام لقوله تعالى: (مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) [الإسراء: 1] وأسرى من بيت أم هانئ. واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بما روي أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلهم المسجد، ولأن للكافر الدخول في سائر المساجد وفاقاً، وكذلك المسجد الحرام. وأجاب بالفرق للتعظيم، وان الحديث مختص ببدء الإسلام. قوله: (وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول) عطف على قوله: "ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله" وعلى الأول إخبار وعلى الثاني نهي. نهي المؤمنون عن تمكينهم الكفار من الدخول وهو أبلغ من صريح النهي، لأن الكناية أبلغ، فإنك إذا قلت لصاحبك: لا ينبغي لعبدك أن يفعل كذا على إرادة النهي للسيد، كان أبلغ من النهي له ابتداء، فعلى هذا لا يجب المصير إلى تخصيص العام الذي وقع خلافه، ومن ثم أخر هذا البحث.

[(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) 115]. (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي: بلاد المشرق والمغرب. والأرض كلها لله هو مالكها ومتوليها. (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) ففي أي مكان فعلتم التولية؛ يعني تولية وجوهكم شطر القبلة، بدليل قوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أي: جهته التي أمر بها ورضيها والمعنى: أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام وفي بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها، وافعلوا التولية فيها، فإن التولية ممكنة في كل مكان، لا يختص إمكانها في مسجد دون مسجد، ولا في مكان دون مكان. (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ) الرحمة، يريد التوسعة على عباده، والتيسير عليهم. (عَلِيمٌ) بمصالحهم. وعن ابن عمر: نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت. وعن عطاء: عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا. وقيل معناه: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فعلتم التولية) يعني: أجرى "تولوا" مجرى اللازم؛ لأن مفعوله الأول وهو "وجوهكم" منسي غير منوي نحو: فلان يعطي ويمنع، وقوله: "يعني تولية وجوهكم شطر القبلة" بيان لأصل المعنى لا تفسير لقوله: "فعلتم التولية". قوله: (أي: جهته التي أمر بها ورضيها) اعلم أنه جيء بالوجه إما: مجازاً عند المعتزلة، أو كناية عندنا عن رضا الله؛ لأن من رضي عنه مخدومه، لا يمنعه أن يستقبل بوجهه إليه، بل يستبشر له ويرضى عنه، وسيجيء نحو هذا البحث في قوله تعالى: (وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) في آل عمران [77]. قوله: (فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا) قال القاضي: وفي قول ضعيف: لو اجتهد المجتهد وأخطأ، ثم تبين له أنه أخطأ، لم يلزمه التدارك، تمسكاً بهذه الآية.

فأينما تولوا للدعاء والذكر، ولم يرد الصلاة. وقرأ الحسن: (فأينما تولوا) بفتح التاء من التولي يريد فأينما توجهوا القبلة. [(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) 116]. (وَقَالُوا) وقرئ بغير واو، يريد الذين قالوا: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله. (سُبْحَانَهُ): تنزيه له عن ذلك وتبعيد. (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) هو خالقه ومالكه، ومن جملته الملائكة وعزير والمسيح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَقَالُوا): وقرئ بغير واو) قرأها ابن عامر وعلى الأول: الجملة عطف على قوله: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ) [البقرة: 113] وعلى الثاني استئناف، كأن سائلاً سأل: هل انقطع حبل افترائهم على الله، أو امتد ولم ينقطع؟ فقيل: بل قالوا أعظم من ذلك، وهو نسبة الولد إلى الله سبحانه وتعالى: (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ) الآية [الشورى: 5]. قوله: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) هو خالقه ومالكه ومن جملته الملائكة وعزير والمسيح) وتقرير هذا المعنى هو: أنه تعالى عم أولاً في قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [البقرة: 116] مع أن سوق الكلام فيمن عبد من دون الله من العقلاء لقوله: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) إتباعاً لأولي العلم غير أولي العلم للإعلام بأنهم في غاية من القصور عن معنى الربوبية، وفي نهاية من النزول إلى معنى العبودية، إهانة لهم وتنبيهاً على إثبات مجانستهم بالمخلوقات المنافية للألوهية، ثم ثنى بتغليب العقلاء على غيرهم في قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) إيذاناً بأن الأشياء كلها في التسخير والانقياد بمنزلة المطيع المنقاد الذي يؤمر فيمتثل، لا يتوقف

(كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) منقادون لا يمتنع شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته، ومن كان بهذه الصفة لم يجانس، ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد. والتنوين في (كل) عوض من المضاف إليه أي: كل ما في السموات والأرض، ويجوز أن يراد كل من جعلوه لله ولداً. (لَهُ قَانِتُونَ): مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا إليهم. فإن قلت: كيف جاء بـ: "ما" التي لغير أولي العلم مع قوله: (قَانِتُونَ)؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن الأمر ولا يمتنع عن الإرادة. ولما كان القصد في الإيراد إلى من عبد من دون الله من العقلاء انخرطوا في هذا السلك انخراطاً أولياً، واتصفوا بصفة العجز والتسخير أولوياً، فحينئذ يقال ما قال المصنف: "من كان بهذه الصفة لم يجانس، ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد" وفيه إشارة إلى أن العقلاء إذا نسبوا إلى الألوهية كانوا بمنزلة الجمادات، والجمادات إذا نسبت إلى العبودية كانت بمنزلة العقلاء. قوله: (ويجوز أن يراد كل من جعلوه): عطف على قوله: "كل ما في السماوات والأرض"، ويجوز أن يعطف على قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) وهو خالقه"، فعلى هذا (مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) لم يكن عاماً، بل مجرى على العقلاء لإرادة الوصفية، فحينئذ يتوجه عليه: كيف قرن "ما" الذي لغير أولي العلم مع قوله: (قَانِتُونَ) وهو لأولي العلم؟ ويكون الجواب: أن حاله كحال قولك: سبحان ما سخركن لنا، هذا توطئة للجواب، ولهذا عطف عليه قوله: فكأنه جاء بـ "ما" دون من، تحقيراً على سبيل البيان، أي: الظاهر أن يقال: له من في السماوات والأرض، أي: ممن عبد دون الله من الملائكة والمسيح وعزير، فوضع "ما"، وهي لغير أولي العلم، موضع "من" إرادة للوصفية، وهي المملوكية، تحقيراً لشأنهم، حيث نسبوا إلى الله سبحانه وتعالى بالوالدية، كما حقر شأن الملائكة في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً) [الصافات: 158]، لهذه العلة سماهم جنة، وهم ملائكة مكرمون؛ لأنهم نسبوا إلى الله تعالى.

قلت: هو كقوله: سبحان ما سخركن لنا، وكأنه جاء بـ "ما" دون "من"؛ تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، كقوله: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً) [الصافات: 158] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما الفرق بين الوجهين فهو: أن التحقير على الأول يعلم من قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ) بطريق المفهوم، والتسخير من قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) كذلك، وعلى الثاني بطريق التصريح، وكم بين الدلالتين! وذلك أن الدعوى مع الكناية كدعوى الشيء للبينة، وكذلك قررنا التفسير بطريق أدى إلى المقصود بالطريق الأولى. الراغب: قيل: إنما وقع لهم الشبهة في نسبة الولد إلى الله تعالى؛ لأن في الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون على البارئ تعالى اسم الأب، وعلى الكبير منهم اسم الإله، حتى إنهم قالوا: إن الأب هو الرب الأصغر وإن الله تعالى هو الأب الأكبر، وكانوا يريدون بذلك أنه تعالى هو السبب الأول في وجود الإنسان، وأن الأب هو السبب الأخير في وجوده، وأن الأب هو معبود الابن من وجه، أي: مخدومه، يقصدون معنى صحيحاً كما يقصد علماؤنا بقولهم: الله تعالى محب ومحبوب ومريد ومراد، ونحو ذلك من الألفاظ، وقولهم: رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، وكان عيسى يقول: أنا ذاهب إلى أبي، ثم تصور الجهلة منهم معنى الولادة الطبيعية. قوله: (سبحان ما سخركن لنا)، يخاطب النساء، وفيه معنى التعجب، يتعجب من كونهن- مع الدهاء والحيلة- مسخرات للرجال. وفي "الإقليد": كأنه قيل: ليس من شأنكن أن تكن مسخرات لنا، فسبحان الملك القادر الذي سخركن لنا بكمال ملكوته وتمام قدرته وعظمته.

[(بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) 117]. يقال: بدع الشيء فهو بديع، كقولك بزع الشيء فهو بزيع. و (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ) من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، أي: بديع سماواته وأرضه. وقيل: البديع بمعنى المبدع كما أن السميع في قول عمرو: أمن ريحانة الداعي السميع بمعنى المسمع، وفيه نظر. و (كُنْ فَيَكُونُ) من كان التامة، أي: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بزع الشيء) بالزاي والعين المهملة، الأساس: غلام بزيع ظريف: ذكي، وقد تبزع الغلام: تظرف. قوله: (في قول عمرو)، قال الزجاج: هو عمرو بن معدي كرب: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع معنى السميع: المسمع. تم كلامه. قيل: ريحانة: اسم امرأة. وقيل: اسم موضع. يؤرقني: يوقظني، هجوع: نيام، الداعي: دواعي الشوق الذي يدعوه ويسمعه الصوت، يؤرقني: حال من الضمير الذي تحول من الفعل إلى الظرف، وهو قوله: "من ريحانة"، إن قلنا: "الداعي": مبتدأ والمقدم خبره، وإن قلنا: "الداعي": فاعل، فالجملة حال منه، والأولى أن يكون "يؤرقني": جملة مستأنفة. الجوهري: السميع: السامع، والسميع: المسمع، واستشهد بالبيت.

احدث فيحدث، وهذا مجاز من الكلام وتمثيل، ولا قول ثم، كما لا قول في قوله: إذ قالت الأنساع للبطن الحق ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال المصنف: "في كون السميع بمعنى المسمع نظر"، لجواز أن يكون بمعنى السامع؛ لأن داعي الشوق لما دعا الشاعر صار سامعاً للقول الذي أجيب به، أو لقول نفسه، فإيراد السميع ترشيح للاستعارة. سلمنا لكنه شاذ. قوله: (وهذا مجاز من الكلام)، "من": بيان مجاز، أي: هذا يسمى في أساليب كلام البلغاء بالمجاز، وقوله: "وتمثيل": عطف تفسيري، أي: وارد على سبيل الاستعارة التمثيلية، شبهت الحالة التي تتصور من تعلق إرادته جل وعز بشيء من المكونات، ودخوله تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف بحالة أمر الآمر النافذ تصرفه في المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل، ولا يتوقف، ولا يكون منه الإباء، فيقول: افعل كذا فيمتثل، ثم استعير لهذه الحالة ما كان مستعملاً في تلك الحالة، فإذن لا قول ثمة، وعليه قول الزجاج والإمام القاضي. قال البزدوي: أريد ذكر الأمر، والتكلم بها على الحقيقة لا المجاز عن الإيجاد، بل كلام بحقيقته من غير تشبيه ولا تعطيل، وقد أجرى سنته في الإيجاد بعبارة الأمر. وقال صاحب "المطلع": (كُنْ فَيَكُونُ) ليس هو قولاً من الله بالكاف والنون، ولكنه عبارة عن أوجز كلام يؤدي المعنى التام المفهوم. قوله: (إذ قالت الأنساع للبطن الحق). تمامه: قدماً فآضت كالفنيق المحنق النسعة هي: التي تنسج عريضاً للتقدير والجمع نسع ونسع وأنساع، الفنيق: فحل

وإنما المعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء. أكد بهذا استبعاد الولادة؛ لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها. وقرئ: (بديع السماوات) مجروراً على أنه بدل من الضمير في "له". وقرأ المنصور بالنصب على المدح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مكرم، والمحنق: من الحنق وهو الحقد، والقول من الأنساع تمثيل، إذ لا قول ثمة، قدماً: القدم بضم القاف، الجوهري: مضى قدماً: لم يعرج ولم ينثن، يعني سريعاً، الحق: أمر من: لحق- بالكسر- لحوقاً، أي: ضمر. قوله: (أكد بهذا استبعاد الولادة)، يعني: علم من قوله تعالى: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) إلى قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) استبعاد الولادة، فأكد ذلك المعنى بقوله: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ) إلى قوله: (فَيَكُونُ)، وذلك أنه تعالى لما حكى قولهم: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) وأضرب بقوله: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) دل بمنطوقه على كونه مالكاً للكل، لا يخرج شيء من ملكه وملكوته، وقوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) دل على كونه تعالى قهاراً، وأن الأشياء كلها مقهورة تحت تصرفه، لا يمتنع شيء منها على تكوينه وتقديره، ولو فرض شيء لوجب دخوله تحت ملكه وقهره بدلالة هذا العموم، فكيف يتصور له ولد؟ ! لأنه لا يجانسه في المالكية والقهارية. وغليه الإشارة بقوله: "ومن كان بهذه الصفة لم يجانس" إلى آخره. هذا، وإن معنى قوله: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أنه مخترعهما وموجدهما من غير مثال ولا احتذاء، فدل بمفهومه على كونه تعالى مالكاً لها، فيكون مؤكداً لقوله: (لَهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) وقوله: (وَإِذَا قَضَى أَمْراً) الآية، معط معنى القهارية الذي يعطيه معنى قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) كما سبق، وفي كلامه سابقاً ولاحقاً إشارة إلى هذا المعنى. قوله: (وقرأ المنصور) وهو أبو جعفر، الثاني من خلفاء بني العباس.

[(وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَاتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) 118]. (وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ): وقال الجهلة من المشركين. وقيل: من أهل الكتاب. ونفى عنهم العلم؛ لأنهم لم يعملوا به، (لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ): هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى؛ استكباراً منهم وعتواً، (أَوْ تَاتِينَا آيَةٌ)؛ جحوداً لأن يكون ما أتاهم من آيات الله آيات، واستهانة بها. (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) أي: قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى، كقوله: (أَتَوَاصَوْا بِهِ) [الذاريات: 53] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (استكباراً): مفعول له، أي: وقال الجهلة: فهلا يكلمنا الله، استكباراً، يعني: نحن عظماء كالملائكة والنبيين، فلم اختصوا به دوننا! قال صاحب "المطلع": فإن قيل: أليس في قولك: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) مقنع في التشبيه حتى كرر ذلك بقوله: (مِثْلَ قَوْلِهِمْ)؟ قلنا: ليس التكرير في تشبيه واحد، بل هما تشبيهان، الأول: في نفس الاقتراح، والثاني: في المقترح. قلت: ويجوز أن يكون التشبيه الأول توطئة للثاني، فقوله: (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) مفعول مطلق لقوله: (قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) و (كَذَلِكَ): خبر مبتدأ محذوف، أي: الشأن والأمر مثل ذلك، أي: جرت عادة الناس على ما شوهد من هؤلاء، ثم استؤنف بقوله: (قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) بياناً وتفسيراً للشأن والأمر. قوله: (واستهانة بها) عطف على قوله: "جحوداً"، أي: قالوا: إنها ليست بآيات الله جحوداً واستهانة بها، والعجب أنهم عظموا أنفسهم وهي أحقر الأشياء، واستهانوا بآيات الله وهي أعظمها. قوله: ((أَتَوَاصَوْا بِهِ)) أولها: (مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ*

(قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ) ينصفون فـ (يُوقِنُونَ) أنها آيات يجب الاعتراف بها، والإذعان لها، والاكتفاء بها عن غيرها. [(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) 119]. (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ) لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان، وهذه تسلية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أَتَوَاصَوْا بِهِ) [الذاريات: 52 - 53]، الضمير في (بِهِ) للقول، أي: أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول حتى قالوا جميعاً متفقين عليه، والهمزة في (أَتَوَاصَوْا) لتعجيب اتفاق القولين. قوله: (قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ) ينصفون فـ (يُوقِنُونَ) أنها آيات). هذا التقدير يؤذن أن قوله: (يُوقِنُونَ) مجاز من إطلاق المسبب على السبب، ولهذا قدر "ينصفون فيوقنون" بالفاء، يعني: إنما تنفع الآيات لمن يؤدي إنصافه إلى الإيقان، وهذه الخاتمة كالتخلص من عد قبائح الكفار إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لما اشتملت على التعريض بهؤلاء، يعني: هؤلاء قوم ديدنهم الجحد والتكبر، فلا تجدي فيهم الآيات والنذر، وإنما تنفع الآيات لمن فيه الإنصاف، فلا تحرص على هداهم ولا تتساقط حسرات على توليهم؛ لأنك لست عليهم بمسيطر، إن أنت إلا نذير وبشير، فلذلك علل بقوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً)، فالجملة مصدرة بـ "إن" من غير عاطف، وفيه معنى إقامة غير المنكر منكراً لما استشعر منه من ملابسة ما ينكر عليه، ولهذا فسره بقوله: "إنا أرسلناك لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان"، فهو قصر إفرادي.

لرسول الله، وتسرية عنه؛ لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر. ولا نسألك (عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلَّغْتَ وَبلَغْتَ جهدك في دعوتهم؟ كقوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) [الرعد: 40]. وقرئ: (ولا تسأل) على النهي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتسرية عنه)، النهاية: هو من قولهم: سري عنه الهم، أي: انكشف عنه، يقال: سروت الثوب وسريته: إذا خلعته. قوله: (ولا تسأل) أي: لا تسأل أنت يا محمد، بضم التاء والرفع، وهي قراءة الجماعة سوى نافع، فإنه تفرد بقراءة: "ولا تسأل" بفتح التاء وجزم اللام على النهي. قال الزجاج: أما الرفع فعلى وجهين: أحدهما: أنه استئناف، كأنه قيل: ولست تسأل عن أصحاب الجحيم، كأنه قال: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) [الرعد: 40]. وثانيهما: أنه حال، أي: أرسلناك غير سائل عن أصحاب الجحيم. وقلت: المعنى على القراءة الأولى: إذا كان حالاً كان قيداً للفعل، وعلى أن يكون استئنافاً يكون تذييلاً، ومرجعهما إلى معنى: إنا أرسلناك؛ لأن تبشر وتنذر لا لتسأل عن أصحاب الجحيم، يعني: ما كلفناك بأن تجبرهم على الإيمان، وفيه فائدتان: إحداهما: الإيذان بانشراح الصدر، وأنه في فسحة منهم إن لم يؤمنوا، وهو المراد بقوله: "وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسرية عنه". وثانيتهما: إظهار أن الحجة قد لزمت الكفار، وأنه صلى الله عليه وسلم بلغ ما كان عليه؛ لأن هذا القيد إنما يصار إليه إذا تجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم من البشارة والنذارة إلى ما يوهم منه الإجبار، وإليه الإشارة بقوله: "ما لهم لم يؤمنوا".

روي أنه قال: "ليت شعري ما فعل أبواي؟ ! " فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله. وقيل: معناه: تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب، كما تقول: كيف فلان؟ سائلاً عن الواقع في بلية، فيقال لك: لا تسأل عنه. ووجه التعظيم: أن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه؛ لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره. أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره؛ لإيحاشه السامع وإضجاره، فلا تسأل. وتعضد القراءة الأولى قراءة عبد الله: (ولن تسأل)، وقراءة أبي: (وما تسأل) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما القراءة بالجزم فالنهي: إما مجرى على ظاهره والمخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، وهو المراد بقوله: "نهي عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله" أو عبارة عن تعظيم الأمر وتهويله والمخاطب كل من يتأتى منه السؤال، ثم التهويل إما عائد إلى المستخبر بفتح الباء، وهو المراد من قوله: "إن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته"، أو إلى المستخبر، بكسر الباء، وإليه الإشارة بقوله: "أو: أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره". قوله: (ما فعل أبواي؟ ! )، أي: ما فعل بهما، وفي الحديث "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ "، أي: إلى أي شيء انتهى عاقبة أمره، فلو قيل: يا أبا عمير: ما فعلت بالنغير، لم يكن في الاهتمام بذلك. قوله: (وتعضد القراءة الأولى) أي: (تُسْئَلُ) بضم التاء والرفع لكونهما إخبارين لا إنشاءين، كما أنها إخبار، بخلاف القراءة الثانية لأنها إنشاء، أي: نهي.

[(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) 120]. كأنهم قالوا: لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا؛ إقناطاً منهم لرسول الله عن دخولهم في الإسلام، فحكى الله عز وجل كلامهم؛ ولذلك قال: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) على طريقة إجابتهم عن قولهم، يعني: إن هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى بالحق والذي يصح أن يسمى هدى، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإن أبلغت في طلب رضانا). هذه المبالغة مستفادة من قوله: (وَلَنْ تَرْضَى) لما مر أن "لن": رد لجواب منكر مبالغ. قوله: (إقناطاً منهم) يعني: محال منك أن تتبع ملتهم، فإذن لا يتبعون ملتك. قوله: (ولذلك قال) تعليل لقوله: "كأنهم قالوا"؛ لأن قوله: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ) حكاية لمعنى كلامهم، وأن كلامهم هو: لن نرضى عنك ولا نتبع ملتك حتى تتبع ملتنا، وإلا فقوله: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) بظاهره غير مطابق لقوله: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) ووجه المطابقة مع المقدر هو انهم ما قالوا: لا نتبع ملتك حتى تتبع ملتنا إلا وزعموا أن دينهم حق، ودين الإسلام باطل، فأجيبوا بقوله: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) على القصر القلبي، يعني: أن دين الله هو الدين الحق وأن دينكم هو الباطل، وإليه الإشارة بقوله: "إن هدى الله، الذي هو الإسلام، هو الهدى ... ، وما تدعون إلى اتباعه ما هو بهدى، وإنما هو هوى". وفي الآية مبالغات، منها: إضافة "الهدى" إلى الله تعالى، ومقارنته بـ "إن"، وإعادة "الهدى" في الخبر على نحو: أنا أبو النجم وشعري شعري

وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، وما تدعون إلى اتباعه ما هو بهدى، إنما هو هوى، ألا ترى إلى قوله: (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ)؟ أي: أقوالهم التي هي أهواء وبدع (بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ) أي: من الدين المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة. [(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ* يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ* وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ) 121 - 123]. (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ): هم مؤمنو أهل الكتاب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتسمية الدين بالهدى لمجيئه جواباً عن قولهم: "ملتنا"، وجعله مصدراً، وتوسيط ضمير الفعل، وتعريف الخبر بلام الجنس، ولهذا أكد كلامه بقوله: "والذي يصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله". هذا في جانب الإثبات، وأما في جانب النفي فقال: "ليس وراءه هدى وما تدعون إلى اتباعه ما هو بهدى، إنما هو هوى". قوله: (أَهْوَاءَهُمْ) أي: أقوالهم). قال القاضي: الأهواء: الآراء الزائفة، والهوى: رأي يتبع الشهوة. وقلت: في كلام المصنف إشعار بأن أهواءهم مظهر وضع موضع المضمر من غير لفظه السابق، وذلك أن قوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) حكاية حكاها الله تعالى عن قولهم، وأن قولهم هو: لن نتبع ملتك حتى تتبع ملتنا، فيكون الأصل: ولئن اتبعتها، ليرجع الضمير إلى مقالتهم تلك، ثم في الدرجة الثانية: ولئن اتبعت أقوالهم، وإنما جمعها باعتبار القائلين بها، ولما لم يكن هذا القول عن هدى ورشد، بل عن ضلالة وزيغ، وضع موضعه أهواءهم في الدرجة الثالثة.

(يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ): لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله، (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ) بكتابهم دون المحرفين (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) من المحرفين (فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) حيث اشتروا الضلالة بالهدى. [(وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ* وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) 124 - 125]. (ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ): اختبره بأوامر ونواه، واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين: ما يريد الله، وما يشتهيه العبد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه) يريد أن قوله: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ) دل على أن الكلام تعريض بمن يتلونه على غير هذه الحالة، وهم الذين عرف منهم واشتهر التحريف والتغيير، ولما أتى باسم الإشارة وعقب بقوله: (يُؤْمِنُونَ بِهِ) وفهم تعريضاً أيضاً بأن أولئك لا يؤمنون به، بنى عليه قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) تذييلاً، فقوله: "حيث اشتروا الضلالة بالهدى" إشارة إلى أن قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) مؤذن بأن قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) كفر خاص، وأنه مفسر بالاستبدال، وفيه إدماج أنهم إنما حرفوا وبدلوا وما تلوه حق تلاوته؛ لأنهم أخذوا الرشى على ذلك، كقوله تعالى: (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً) [البقرة: 41]. قوله: (ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) اختبره)، الراغب: الابتلاء: الاختبار، لكن الابتلاء: طلب إظهار الفعل، والاختبار: طلب الخبر، وهما يتلازمان. قوله: (واختبار الله عبده: مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين)، أي: الطاعة والمعصية، يعني مكن الله تعالى إبراهيم على الفعل والترك وأن يختار أيهما شاء، وفي قوله: "ما يريد الله وما يشتهيه العبد" اعتزال خفي، وإنما كان اختبار الله العبد مجازاً؛ لأن الابتلاء والامتحان في

كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك. وقرأ أبو حنيفة رحمه الله، وهي قراءة ابن عباس: (إبراهيم ربه) رفع "إبراهيم" ونصب "ربه"، والمعنى: أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهن أم لا. فإن قلت: الفاعل في القراءة المشهورة يلي الفعل في التقدير، فتعليق الضمير به إضمار قبل الذكر. قلت: الإضمار قبل الذكر أن يقال: ابتلى ربه إبراهيم، فأما "ابتلى إبراهيم ربه" أو "ابتلى ربه إبراهيم" فليس واحد منهما بإضمار قبل الذكر؛ أما الأول: فقد ذكر فيه صاحب الضمير قبل الضمير ذكراً ظاهراً؛ واما الثاني: فإبراهيم فيه مقدم في المعنى، وليس كذلك "ابتلى ربه إبراهيم"؛ فإن الضمير فيه قد تقدم لفظاً ومعنى؛ فلا سبيل إلى صحته. والمستكن في (فَأَتَمَّهُنَّ) في إحدى القراءتين لإبراهيم، بمعنى: فقام بهن حق القيام، وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوان. ونحوه: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) [النجم: 37]، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشاهد لاستفادة علم خفي على الممتحن من الممتحن، وذلك غير جائز في حق الله سبحانه وتعالى؛ لأنه تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها من الأزل إلى الأبد، فهو استعارة تبعية واقعة على طريق التمثيل كما سبق في قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ودل على سبق التشبيه قوله: "فعل المختبر ... " حيث نصب "فعل" على المصدر، أي: فعل معه فعلاً مثل فعل المختبر. قوله: (والمستكن في (فَأَتَمَّهُنَّ) في إحدى القراءتين)، أي: المشهورة، وفي الأخرى، أي: قراءة أبي حنيفة.

وفي الأخرى لله تعالى بمعنى: فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً. ويعضده ما روي عن مقاتل: انه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً) [البقرة: 126]، (وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) [البقرة: 128]، (وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ) [البقرة: 129]، (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) [البقرة: 127]. فإن قلت: ما العامل في "إذ"؟ قلت: إما مضمر، نحو: واذكر إذ ابتلى، أو: إذ ابتلاه كان كيت وكيت؛ وإما (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ). فإن قلت: فما موقع (قَالَ)؟ قلت: هو على الأول استئناف، كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟ فقيل: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويعضده)، أي: يعضد أن يكون الضمير في "أتمهن" لله تعالى، على قراءة أبي حنيفة: الرواية عن مقاتل؛ لأن الابتلاء حينئذ من إبراهيم عليه السلام والإتمام من الله، أما الابتلاء فقوله: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً) ونحوه، والإتمام: إجابة دعائه على سبيل توفية مطلوبه، أي: اختبر إبراهيم عليه السلام ربه بدعائه أنه تعالى: هل يجيبه إليه ويسعف مطلوبه وينجح مآربه أم لا؟ قوله: (هو على الأول)، أي: على إضمار عامل "إذ"، وإن كان هذا الوجه في التقدير وجهين لكن يجمعهما معنى إضمار العامل، ومن ثم قال: "إما مضمر ... وإما (قَالَ) " وعلى الثاني، أي: على أن يكون العامل (قَالَ) فيكون (قَالَ) في التقدير مقدماً على "إذ" رتبة؛ لأنه عامله، ومؤخراً عن حرف العطف، والجملة معطوفة على جملة قبلها، وهو قوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 122] عطف قصة على قصة، وما أعني بالمعطوف عليه هذه القربى، بل القصياء وأولاهن به؛ لأن هذه معادة خاتمة تقريراً للامتنان على بني إسرائيل وعوداً إلى بدء، وتخلصاً إلى قصة جدهم وبيان ما أنعم الله عليه من نعمة كل نعمة دونها،

وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها، ويجوز أن يكون بياناً لقوله: (ابْتَلَى)، وتفسيراً له؛ فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والإسلام قبل ذلك في قوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكيف لا وقد اشتمل على بيانه أكرم البقاع، ودعائه لأفضل الخلق بتلاوة أشرف الكتب، وهو قوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ) [البقرة: 129]، ونحوه قوله تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا) إلى قوله: (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ) [النمل: 91 - 92]، فعلى هذا أولى الوجوه في الآية: تقدير: اذكر، وجعل "قال" بياناً وإن أخره. قوله: (ويجوز أن يكون بياناً لقوله: (ابْتَلَى))، والعامل في "إذ": اذكر، والضمير في "أتمهن" لإبراهيم عليه السلام، ويراد بالكلمات: ما ذكره من الإمام وغيرها إلى آخر الآيات، وإنما استقام أن يكون بياناً لأن ما بعد (قَالَ) إلى آخر (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) كالشرح والتفصيل لما أجمله في قوله: (بِكَلِمَاتٍ)، وصح أن يبتلى بها لما يتضمن كل واحد منها المشقة، قال القاضي: الابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء. تم كلامه. وسميت كلمات لأنها أوامر أو في تأويلها، كما سمي قوله: (كُنْ فَيَكُونُ) كلمة، وقد سمى الله تعالى قوله: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ* إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي) كلمة بقوله: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) [الزخرف: 26 - 28]. الراغب: الكلمات قد تقع على الألفاظ المنظومة وعلى المعاني التي تحتها، فقوله: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الأنعام: 115] أي: قضيته وحكمه، وقال: (لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي) [الكهف: 109] للمعاني التي يبرزها بالكلمات، ولم يرد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اللفظ، فإن ما يحصره اللفظ يحصره الخط، ولما لم يكن يؤثر عليه السلام على اختبار الله في شيء مما ابتلاه من الكلمات قيل فيهن: (فَأَتَمَّهُنَّ)، وقال: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) [النجم: 37]، ويعلم منه أن الكلمات، إذا لم تفسر بالمذكورات جاز أن تفسر بالعشر إلى آخره، وحينئذ لم يكن بياناً، بل كان استئنافاً على بيان الموجب، يعني: لما قام إبراهيم عليه السلام بما كلف به من الكلمات قيل: ما فعل الله به جزاء لما فعل، فقيل: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) أي: وعده بما يتلوه من الإكرام والإفضال، وأما تقرير التفضيل وتطبيق المبين على المجمل فإن يقال: إنه تعالى أمره: أولاً: بقوله: (أَسْلِمْ)، وأتمه إبراهيم عليه السلام بما ينبئ عنه قوله: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة: 131] وإن كان هذا متأخراً تلاوة لكنه متقدم معنى، ومن ثم قال المصنف: "والإسلام قبل ذلك". وثانياً: ابتلاه بقوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) أي: استعد للإمامة وهيئ أهبتها، فإني جاعلك للناس إماماً، فأتمه بما دل عليه قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)، فإن الجواب مبني على الأسلوب الحكيم، أي: إن نفسي منقادة مطواعة لا تتأبى عن أمرك لما تفضلت علي وجعلتني أهلاً لذلك، لكن اجعل بعض ذريتي أهلاً لها. وثالثاً: ابتلاه بقوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) فأتمه بما دل عليه قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [البقرة: 125]، وأن الأمر باتخاذ الناس مقامه مصلى يقتضي أن يكون مقامه ذلك صالحاً لأن يثوب الناس إليه ويصلى فيه، وإنما كان كذلك إذا كان مأموراً من عند الله بجعل مقامه صالحاً لذلك. والذي يدل على وجود ذلك الأمر قوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ)، فعبر عن الأمر الوارد على المثابة بالإخبار للدلالة على سرعة امتثاله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعني: لما أردنا أن نجعل البيت مثابة للناس أمرنا إبراهيم بذلك فامتثل الأمر وحصل المأمور به وقلنا للناس: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى). والذي عليه ظاهر كلام المصنف من قوله: "ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت" أن قوله: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) كالمقدمة للأمر بتطهير البيت، وقوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) جاء مستطرداً معترضاً للاهتمام. ورابعاً: ابتلاه بقوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ)، فالأمر هو (طَهِّرَا)، على أن (عَهِدْنَا) أيضاً فيه معنى الأمر، فأتمه بما دل عليه قوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ)، أي: قبلت يا رب ما أمرتني به، وتوسلت إليك قبل الشروع بهذا الدعاء؛ لأن هؤلاء إنما يمكنهم الطواف والعكوف والصلاة إذا كان البلد آمناً ذا رزق، ثم بعد الدعاء شرعاً في المأمور به. وأنت- أيها السامع- استحضر ذهنك لتلك الحالة العجيبة الشأن، وهي: إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل داعيين لله متضرعين إليه، إلى أن ختما الدعاء بالمطلوب السني، وهو قوله: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ)، وإلى هذه المعاني أشار مجملاً بقوله: "فيراد بالكلمات: ما ذكره من الإمامة، وتطهير البيت، ورفع قواعده والإسلام قبل ذلك". والحاصل أن قوله تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) صريح في المطلوب، فيلزم منه ومن ذلك الإجمال حمل البواقي على هذا المعنى ليصح التفصيل واستنباط معنى الأمر من الله، والامتثال من إبراهيم عليه السلام، والله أعلم. وهذا وجه متين قوي، وهو اختيار الإمام.

وقيل في الكلمات: هن: خمس في الرأس: الفرق، وقص الشارب، والسواك، والمضمضة والاستنشاق. وخمس في البدن: الختان، والاستحداد، والاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط. وقيل: ابتلاه من شرائع الإسلام بثلاثين سهماً: عشر في براءة: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ) [التوبة: 112]، وعشر في "الأحزاب": (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) [الأحزاب: 35]، وعشر في "المؤمنون" [1 - 9]، و (سَأَلَ سَائِلٌ) إلى قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) [المعارج: 1 - 34]. وقيل: هي مناسك الحج؛ كالطواف، والسعي، والرمي، والإحرام، والتعريف، وغيرهن. وقيل: ابتلاه بالكوكب، والقمر، والشمس، والختان، وذبح ابنه، والنار، والهجرة. والإمام: اسم من يؤتم به، على زنة الإله، كالإزار لما يؤتزر به، أي: يأتمون بك في دينهم. (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي): عطف على الكاف، كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي، كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيداً. (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) وقرئ: (الظالمون) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونقل محيي السنة عن مجاهد: هن الآيات التي بعدها في قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ... ) إلى آخر القصة. وقال الواحدي: وأكثر المفسرين أنها تلك العشرة المذكورة، وهن: الفرق وقص الشارب إلى آخرها، وكذا في "شرح السنة" عن ابن عباس. قوله: (الفرق)، الجوهري: رجل أفرق: الذي ناصيته [كأنها] مفروقة بين الفرق. قوله: (والاستحداد)، أي: استعمال الحديد من حلق العانة. "والتعريف": الوقوف بعرفة. قوله: (كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيداً)، وفي "المطلع": أي: قل: وزيداً. وقيل: يقال لمثل ذلك العطف عطف تلقين، كأن إبراهيم عليه السلام يلقن ويقول، قل: وبعض ذريتي.

أي: من كان ظالماً من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال من كان عادلاً بريئاً من الظلم. وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة، وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا يجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة؟ ! وكان أبو حنيفة رحمه الله، يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي رضي الله عنه، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهكذا قدر صاحب "المطلع" أيضاً في قوله: (وَمَنْ كَفَرَ)، أي: قل: ومن كفر. وهذا الاسم مناسب للمعنى. قلت: وفيه نظر؛ لأن الخليل عليه السلام إنما عطف قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) على تقدير: وجاعل من ذريتي إماماً، على جملة كلام الله تعالى، على تقدير العامل لا الانسحاب؛ فإذاً ليس من عطف التلقين في شيء، نعم إذا ذهب إلى الانسحاب، لكن المصنف لم يذهب إليه، وعلى هذا المنوال جاء الحديث على ما رويناه عن البخاري ومسلم، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم ارحم المحلقين"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "اللهم ارحم المحلقين"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصرين". قوله: (زيد بن علي) أي: زيد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم. قوله: (على اللص المتغلب)، اللام: للجنس، وفي جعل اللام للجنس ووصفه باللص وإيقاع "كالدوانيقي" مثالاً له والتلقيب به من المبالغة في تحقير شأنه ما لا يخفى، وقيل: سمي دوانيقياً لأنه زاد في الخراج دانقاً، ومثل هذا التحقير لا يليق بمنصب من انتصب

كالدوانيقي وأشباهه، وقالت له امرأة: أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل، فقال: ليتني مكان ابنك. وكان يقول في ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لإمامة المسلمين. وذكر صاحب "كامل التاريخ"، أن اسمه: عبد الله وكنيته أبو جعفر ولقبه المنصور: هو ثاني خلفاء بني العباس، وكان كريماً وسيماً، جم العطاء، أعلم الناس بالحديث، ذا رأي وتدبير، وكان من رأيه أنه لما عزم أن يفتك بأبي مسلم فزع من ذلك عيسى بن موسى، فكتب إليه: إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبر ... فإن فساد الرأي أن تتعجلا فوقع المنصور: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا ولا تمهل الأعداء يوماً بقدرة ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا قال الإمام: قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، واختلفوا في أن الفسق الطارئ: هل يبطل الإمامة أم لا؟

المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت. وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إماماً قط، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة، فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر: "من استرعى الذئب ظلم". و"البيت: " اسم غالب للكعبة، كالنجم للثريا. (مَثَابَةً لِلنَّاسِ): مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه، أي: يثوب إليه أعيان الذين يزورونه أو أمثالهم، (وَأَمْناً): وموضع أمن، كقوله: (حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [العنكبوت: 67]؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأرادوني على عد آجره لما فعلت)، ذكر في "جامع الأصول": ولما أشخص المنصور أبا حنيفة رحمه الله إلى العراق، أراده على القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلن، وحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، وتكررت الأيمان بينهما، فحبسه المنصور، ومات في الحبس، وقيل: إنه افتدى نفسه بأن يولى عد اللبن، ولم يصح. قوله: (مَثَابَةً لِلنَّاسِ): مباءة)، الجوهري: المثابة: الموضع الذي يرجع إليه مرة بعد أخرى، وإنما قيل للمنزل: مثابة لأن أهله يتفرقون في أمورهم ثم يثوبون إليه، وهو المراد بقوله: "يتفرقون عنه ثم يثوبون"، ثم التفرق والإثابة: إما حقيقي، وهو المراد بقوله: "أعيان الذين يزورونه"، أي: أنفس الذين يزورونه، أو أمثالهم من غيرهم، أو ينصرف عنه أشراف الذين يزورونه ثم يرجعون هم إليه دون سائر الناس، قال في "الأساس": ومن المجاز: هم من أعيان الناس: من أشرافهم. يعني: من له قدم صدق في الدين إذا حج البيت رأى فيه مهابط الرحمة ومنازل البركات، فلا يهم بشيء سوى العود إليه. روى الإمام، عن ابن عباس: "لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه". فالتعريف في الناس: للجنس، والجنس إذا حمل على البعض في مقام المدح أريد به الكمال

ولأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج. وقرئ: (مثابات)؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والفضل، قال الله تعالى: (هُدًى لِلنَّاسِ) [البقرة: 185]، وقال: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: 2]. ومن ثم فسره بقوله: "أعيان الذين يزورونه"، وإما مجازي، وهو المراد بقوله: "أو أمثالهم". أي: أمثال الذين يزورونه، أي: من هم على صفتهم في كونهم وفد الله وزوار بيته. فالثابت إذاً: من هو متصف بصفة الوفادة لا عين الشخص، والتعريف أيضاً للجنس، كقولهم: دخلت السوق في بلد كذا، يريد سوقاً من الأسواق. يعني: جعلنا البيت مثابة للزائرين زواراً إثر زوار. قوله: (ولأن الجاني) عطف على قوله: "كقوله: (حَرَماً آمِناً .... ) "، يريد أن معنى (آمِناً): "ذا أمن"، وموضع أمن كقوله تعالى: (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) [إبراهيم: 37]؛ لأن من سكن فيه آمناً إلى الحرم أمن من خطف الناس، فالحرم إذاً موضع أمن على الحقيقة، أو لأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له، فيأمن حتى يخرج. فعلى هذا إسناد (آمناً) إلى الحرم على سبيل المجاز؛ لأن المقصود: أمن الملتجئ إليه، فأسند إليه مبالغة، وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، واستدل بظاهر الآية. وروى الإمام، عن الشافعي رضي الله عنه: من دخل البيت ممن وجب عليه الحد يؤمر بالتضييق عليه حتى يخرج، وإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، وأول الأمن بأن يكون آمناً من القحط وعن نصب الحروب فيه، وعن إقامة الحدود، وليس اللفظ من العام حتى يحمل على الكل، أما حمله على الأمن كما ذكرنا فأولى، لأنا لا نحتاج حينئذ إلى حمل لفظ الخبر على الأمر، ونحتاج على ذلك إليه. قال القاضي: (أَمْناً)، أي: يأمن حاجه من عذاب الآخرة من حيث إن الحج يجب ما قبله.

لأنه مثابة لكل من الناس لا يختص به واحد منهم. (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) [الحج: 25]. (وَاتَّخَذُوا) على إرادة القول، أي: وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه، وهي على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه أخذ بيد عمر رضي الله عنه فقال: "هذا مقام إبراهيم" فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى؟ يريد: أفلا نؤثره لفضله بالصلاة فيه؛ تبركاً به وتيمناً بموطئ قدم إبراهيم؟ فقال: "لم أؤمر بذلك"، فلم تغب الشمس حتى نزلت. وعن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: إذا فسرت الكلمات بالأمر، على ما سبق، مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه راجح. قوله: (لأنه مثابة لكل من الناس): تعليل لقراءة الجمع، يريد أن البيت وإن كان مثابة في نفسه لكنه مثابات باعتبار القاصدين؛ لكل منهم مثابة تختص به، فإذن لا يختص به واحد منهم، والمراد بالناس: الذين يقصدونه من كل جانب، فلا يحتاج إلى التكرار بالمرات. روى محيي السنة، عن مجاهد وسعيد بن جبير: يثوبون إليه من كل جانب: يحجون به، فالتعريف في "الناس" استغراق عرفي. قوله: (أنه أخذ بيد عمر رضي الله عنه)، الحديث من رواية البخاري ومسلم وابن ماجة والدارمي، عن أنس وابن عمر رضي الله عنهما، أن عمر رضي الله عنه قال: وافقت ربي في ثلاث:

(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى). وقيل: (مُصَلًّى): مدعى. ومقام إبراهيم: الحجر الذي فيه أثر قدميه، والموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع عليه قدميه، وهو الموضع الذي يسمى مقام إبراهيم. وعن عمر رضي الله عنه: أنه سأل المطلب بن أبي وداعة: هل تدري أين كان موضعه الأول؟ قال: نعم، فأراه موضعه اليوم. وعن عطاء: (مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ): عرفة والمزدلفة والجمار؛ لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها. وعن النخعي: الحرم كله مقام إبراهيم. وقرئ: (واتخذوا) بلفظ الماضي عطفاً على (جَعَلْنَا)، أي: واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها. (عَهِدْنَا): أمرناهما (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي) بأن طهرا، أو: أي: طهرا. والمعنى: طهراه من الأوثان، والأنجاس، وطواف الجنب ولحائض، والخبائث كلها. أو: أخلصاه لهؤلاء لا يغشاه غيرهم، (وَالْعَاكِفِينَ): المجاورين الذين عكفوا عنده، أي: أقاموا لا يبرحون أو المعتكفين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، وقلت: يا رسول الله، يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن يتحجبن! فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة، فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت كذلك. قوله: (واتخذوا، بلفظ الماضي): نافع وابن عامر، والباقون بلفظ الأمر. وقد مضت فائدة العدول في قوله: (فَأَتَمَّهُنَّ).

ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين، بمعنى: القائمين في الصلاة، كما قال: (لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: 26]، والمعنى: للطائفين والمصلين؛ لأن القيام والركوع والسجود هيآت المصلي. [(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) 126]. أي: اجعل هذا البلد، أو هذا المكان (بَلَداً آمِناً): ذا أمن، كقوله: (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) [الحاقة: 21]، أو: آمناً من فيه، كقولك: ليل نائم. و (مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) بدل من (أَهْلَهُ)، يعني: وارزق المؤمنين من أهله خاصة، (وَمَنْ كَفَرَ) عطف على (مَنْ آمَنَ)، كما عطف (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) على الكاف في (جَاعِلُكَ) [البقرة: 124] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما قال: (لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ)) أي: وضع في سورة "الحج" مكان العاكفين: القائمين، فيجعل ها هنا "العاكفين" بمعنى القائمين حتى يتطابقا، والمعنى على هذا: للطائفين والمصلين، فجعل جملة القيام والركوع والسجود مجازاً عن الصلاة. وعلى الوجه الأول يقدر للطائفين والعاكفين والمصلين؛ لأن العكوف بمعنى المجاورة لا يجعل مجازاً عن الصلاة لفقدان العلاقة المعتبرة، بخلاف القيام. قوله: (أو آمناً من فيه) أي: هو من باب الإسناد المجازي. قوله: (وارزق المؤمنين) بضم القاف في نسخة المعزي، للإتباع. قوله: (كما عطف (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) على الكاف) يعني هو مثله في الاعتبار، وقد سمي بعطف التلقين، ذكر في الحواشي: إنما قلنا ها هنا: هو عطف التلقين، وفيما سبق: كأنه عطف التلقين، رعاية للأدب، وذلك أن يكون الملقن هو الله تعالى لإبراهيم عليه السلام أولى من العكس.

فإن قلت: لم خص إبراهيم صلوات الله عليه المؤمنين حتى رد عليه؟ قلت: قاس الرزق على الإمامة فعرف الفرق بينهما؛ لأن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعي، وأبعد الناس عن النصيحة الظالم، بخلاف الرزق فإنه قد يكون استدراجاً للمرزوق وإلزاماً للحجة له، والمعنى: وأرزق من كفر فأمتعه. ويجوز أن يكون (وَمَنْ كَفَرَ) مبتدأ متضمناً ومعنى الشرط، وقوله: (فَأُمَتِعُهُ) جواباً للشرط، أي: ومن كفر فأنا أمتعه. وقرئ: (فأمتعه)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: وفيه نظر؛ لأنه من عطف جملة كلام الله على جملة كلام خليله؛ ولذلك كرر المصنف العامل؛ ليكون من عطف التقدير لا الانسحاب قطعاً كما سبق في قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ). قوله: (وإلزاماً للحجة له)، والظاهر أن يقال: للحجة عليه، أي: رزقهم ليزيح عللهم، ويقيم الحجة عليهم، لكن اللام الأولى صلة الإلزام، والثانية للتعليل، والضمير لله تعالى، أي: قد يكون إعطاء الرزق استدراجاً للمرزوق وإلزاماً للحجة للرازق عليهم. ومعنى الاستدراج ما في قوله: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) أي: سنستدنيهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم. قوله: (والمعنى: وأرزق من كفر فأمتعه)، أي: قل: ارزق من كفر، أي: ادع، فأنا أستجيب، وأرزق من كفر فأمتعه: عطف على هذا المقدر. قوله: (فأمتعه) على الحكاية، فالتخفيف: ابن عامر، والتثقيل: الباقون.

(فأضطره): فألزه إلى عذاب النار لز المضطر الذي لا يملك الامتناع مما اضطر إليه. وقرأ أبي: (فنمتعه قليلاً ثم نضطره)، وقرأ يحيى بن وثاب: (فإضطره) بكسر الهمزة. وقرأ ابن عباس: (فأمتعه قليلاً ثم نضطره)، وقرأ يحيى بن وثاب: (فإضطره) بكسر الهمزة. وقرأ ابن عباس: (فأمتعه قليلاً ثم اضطره) على لفظ الأمر، والمراد الدعاء من إبراهيم، دعا ربه بذلك. فإن قلت: فكيف تقدير الكلام على هذه القراءة؟ قلت: في (قَالَ) ضمير إبراهيم، أي: قال إبراهيم بعد مسألته اختصاص المؤمنين بالرزق: ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فألزه)، الجوهري: لزَّه يلزُّه لزّاً ولززاً، أي: شدَّه وألصقه. قوله: (لزَّ المضطرِّ): مفعول مطلق فيه معنى الاستعارة، شبَّه حالة الكافر الذي درَّ الله تعالى عليه النعمة التي استدناه بها قليلاً قليلاً إلى ما يهلكه، بحالة من لا يملك الامتناع مما اضطر إليه، فاستعمل في المشبَّه ما كان مستعملاً في المشبَّه به. قوله: (وقرأ ابن عباس: فأمتعه قليلاً) وهي شاذة. قال ابن جني: "هذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: وهو الظاهر: أن يكون الفاعل في (قَالَ) ضمير إبراهيم عليه السلام، وحسن إعادة "قال" لأمرين: أحدهما: طول الكلام، والآخر: أنه انتقل من دعاء قوم إلى دعاء آخرين، كأنه أخذ في كلام آخر". والوجه الثاني: أن يكون الفاعل هو الله تعالى، أي: وأمتعه يا خالق يا قادر، يخاطب بذلك نفسه، كقول الأعشى: وهل تطيق وداعاً أيها الرجل

وقرأ ابن محيصن: (فأطره) بإدغام الضاد في الطاء، كما قالوا اطجع، وهي لغة مرذولة؛ لأن الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم فيها ما يجاورها ولا تدغم هي فيما يجاورها، وهي حروف: ضم شفر. [(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) 127 - 129]. (يَرْفَعُ) حكاية حال ماضية. و (الْقَوَاعِدَ) جمع قاعدة، وهي الأساس والأصل لما فوقه، وهي صفة غالبة، ومعناها: الثابتة، ومنه: قعدك الله، أي: اسأل الله أن يقعدك، أي: يثبتك. ورفع الأساس البناء عليها؛ لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر. ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء؛ لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهذا يتصل بباب غريب لطيف، وهو باب التجريد، كأنه يجرد نفسه منها يخاطبها، هذا خلاصة كلامه. وعلى هذين الوجهين لا يكون العطف للتلقين. قوله: (ضم شفر)، الجوهري: الشفر، بالضم: واحد أشفار العين، وهي حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر، وهو الهدب. قوله: (وهي الأساس والأصل لما فوقه)، والأصل: عطف تفسيري لقوله: "الأساس"، فالضمير في "فوقه": عائد إلى الأساس، والمستتر في الظرف: عائد إلى "ما"، وانتصاب "قعدك" على المصدر، والأصل: اسأل الله أن يقعدك تقعيداً.

ومعنى رفع القواعد: رفعها بالبناء؛ لأنه إذا وضع سافاً فوق ساف فقد رفع السافات، ويجوز أن يكون المعنى: وإذ يرفع إبراهيم ما قعد من البيت أي: استوطأ يعني: جعل هيئته القاعدة المستوطئة مرتفعة عالية بالبناء. وروي: أنه كان مؤسساً قبل إبراهيم فبنى على الأساس. وروي: أن الله تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة، له بابان من زمرد شرقي وغربي، وقال لآدم عليه السلام: أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشي، فتوجه آدم من أرض الهند إليه ماشياً وتلقته الملائكة فقالوا بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور، ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم ببنائه وعرفه جبريل مكانه. وقيل: بعث الله سحابة أظلته، ونودي أن ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص. وقيل: بناه من خمسة أجبل: طور سيناء وطور زيتا، ولبنان، والجودي، وأسسه من حراء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجوهري: الساف: كل عرق من الحائط. المغرب: الساف: الصف من اللبن والطين. الأساس: بنى سافاً وسافين وثلاث سافات. قوله: (ما قعد من البيت)، فعلى هذا الألف واللام في القواعد بمعنى الذي، أي: الذي قعد من البيت. قوله: (إلى السماء الرابعة، فهو البيت المعمور)، والرواية الصحيحة عن البخاري في حديث المعراج أنه في السماء السابعة. الفاء في قول المصنف: "فهو البيت المعمور" لتعقيب الإعلام والإخبار حالاً بعد حال. قوله: (من حراء)، حراء، يصرف ولا يصرف، والثاني أكثر. "تمخض"، أي: تحرك وأخذه المخاض.

وجاءه جبريل بالحجر الأسود من السماء. وقيل: تمخض أبو قبيس فانشق عنه، وقد خبئ فيه في أيام الطوفان، وكان ياقوتة بيضاء من الجنة، فلما لمسته الحيض في الجاهلية اسود. وقيل: كان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة. (رَبَّنَا)، أي: يقولان: ربنا، وهذا الفعل في محل النصب على الحال، وقد أظهره عبد الله في قراءته، ومعناه: يرفعانها قائلين: ربنا، (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ) لدعائنا، (الْعَلِيمُ) بضمائرنا ونياتنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: (فانشق عنه)، أي: انشق أبو قبيس عن الحجر. وأبو قبيس: جبل مشرف على مكة، واستعير له ما للمرأة من الطلق عند الولادة. قوله: (فلما لمسته الحيض في الجاهلية اسود). والرواية الصحيحة عن الترمذي والنسائي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم". قوله: (وقيل: كان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة)، وفي الآية دلالة على هذا القول، حيث أخر إسماعيل عن إبراهيم ووسط بينهما المفعول المؤخر مرتبته من الفاعل، وهو: إسماعيل. قوله: (رَبَّنَا)، أي: يقولان: ربَّنا، وهذا الفعل في محل النصب على الحال)، والعامل: (يَرْفَعُ)، و (رَبَّنَا): تكرار للاستعطاف، (وَاجْعَلْنَا): معطوف على (تَقَبَّلْ)، وكذا قوله: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ).

فإن قلت: هلا قيل: قواعد البيت! وأي فرق بين العبارتين؟ قلت: في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام ما ليس في إضافتها؛ لما في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم لشأن المبين. (مُسْلِمَيْنِ لَكَ): مخلصين لك أوجهنا، من قوله: (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) [البقرة: 112]، أو: مستسلمين، يقال: أسلم له وسلم واستسلم؛ إذا خضع وأذعن، والمعنى: زدنا إخلاصاً وإذعاناً لك. وقرئ: (مسلمين) على الجمع، كأنهما أرادا أنفسهما وهاجر، أو أجريا التثنية على حكم الجمع، لأنها منه. (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا): واجعل من ذريتنا (أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)، و"من" للتبعيض أو للتبيين، كقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) [النور: 55] فإن قلت: لم خصا ذريتهما بالدعاء؟ قلت: لأنهم أحق بالشفقة والنصيحة (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) [التحريم: 6]؛ ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وشايعوهم على الخير، ألا ترى أن المقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مسلمين، على الجمع) إلى قوله: (لأنها منه)، أي: التثنية من الجمع. أعني: من مراتب الجمع؛ لأن أقل الجمع اثنان على رأي، وقد اختاره في تفسير قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: 25]. قوله: (واجعل من ذريتنا (أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)، و"من" للتبعيض أو للتبيين). قال القاضي: أي: بعض ذريتنا، وخصا بعضهم لما علما أن في ذريتهما ظلمة، وعلما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص والإقبال الكلي على الله، فإنه مما يشوش المعاش، ولذلك قيل: لولا الحمقى لخربت الدنيا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ويمكن أن يقال: إنه عليه السلام عَلِمَ بالنص أن بعض ذريته ظلمة، وذلك من قوله تعالى: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) حين قال: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)، وكان في هذا الدعاء متبوعاً وإسماعيل تابعه، كما في البناء، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا دعوة أبي إبراهيم"؟ الراغب: إنما قيل: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) ولم يعمم؛ لأن هذه منزلة شريفة لا يكاد يتخصص بها إلا الواحد فالواحد، في برهة بعد برهة، وأن الحكمة الإلهية لا تقتضي ذلك، فإنه لو جعل الناس كلهم كذلك لما تمشي أمر العالم، إذ كان العالم يفتقر إلى كون الأفاضل فيها والأوساط والأراذل، تتولى عمارته والقيام بتمشية أمر العالم، فقد قيل: عمارة الدنيا بثلاثة أشياء: الزراعة والحرث والحماية والحرب، وجلب الأشياء من مصر إلى مصر، وأنبياء الله لا يصلحون لذلك، إذ كانوا لغرض آخر أشرف من ذلك. تم كلامه. ويجوز أن تكون (مِن) للتبيين، قدم على المبين وفصل به بين العاطف والعطوف، كقوله تعالى: (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) [الطلاق: 12] يعني: فصل بين (أُمَّةً مُسْلِمَةً) والمعطوف عليه وهو الضمير المنصوب في (وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ).

على السداد كيف يتسببون لسداد من وراءهم؟ وقيل: أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم. (وَأَرِنَا) منقول من "رأى" بمعنى: أبصر أو عرف؛ ولذلك لم يتجاوز مفعولين، أي: وبصرنا متعبداتنا في الحج أو عرفناها وقيل: مذابحنا. وقرئ: (وأرنا) بسكون الراء قياساً على فَخْذ في فخِذ، وقد استرذلت؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو البقاء: والواو داخلة في الأصل على أمة، (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا) نعت الأمة مقدم عليها، وانتصب على الحال. قوله: (متعبداتنا في الحج .. وقيل: مذابحنا)، قال القاضي: والنسك في الأصل: غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة. وقال الراغب: النسك: غاية العبادة، والناسك: الآخذ نفسه ببلوغ قاصيتها حسب طاقته. وسمى أعمال الحج بالمناسك، ثم خص الذبيحة بالنسك، وتعورف فيه حتى قيل: نسك فلان، أي: ذبيحته. وقال الزجاج: كل متعبد فهو مَنْسَك ومَنْسِك، ومنه قيل للعابد: الناسك، ويقال للذبيحة المتقرب بها إلى الله تعالى: نسيكة. قوله: (وقرئ: "وارنا"، بسكون الراء)، التيسير: ابن كثير وأبو شعيب: "وأرنا"

لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها فإسقاطها إجحاف. وقرأ أبو عمرو بإشمام الكسرة، وقرأ عبد الله: (وأرهم مناسكهم). (وَتُبْ عَلَيْنَا) ما فرط منا من الصغائر، أو استتاباً لذريتهما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و"أرني" بسكون الراء حيث وقعا. وأبو عمر عن اليزيدي: باختلاس كسرتها، والباقون بإشباعها. قال الزجاج: (أَرِنَا) يقرأ بكسر الراء وإسكانها، والأجود الكسر، ومن أسكن جعله بمنزلة: فخذ وعضد، وليس بمنزلتهما؛ لأن الكسرة في (أَرِنَا) كسرة همزة ألقيت حركتها على الراء، والكسرة دليل الهمزة، فحذفها بعيد، وهو على بعده جائز؛ لأن الكسرة والضم تحذفان للاستثقال. قوله: (لأن الكسرة منقولة)، روي منصوبة: حالاً من الضمير في قوله: "دليل عليها"، ومرفوعة: خبراً لـ "أن"، ودليل: خبر بعد خبر. قوله: ((وَتُبْ عَلَيْنَا) ما فرط منا من الصغائر)، أي: فيما فرط. قال الإمام: المعتزلة يجوزون الصغائر على الأنبياء، وفيه نظر؛ لأن الصغيرة إذا كانت مكفرة بثواب فاعلها فالتوبة عنها محال،

(وَابْعَثْ فِيهِمْ) في الأمة المسلمة (رَسُولاً مِنْهُمْ) من أنفسهم. وروي أنه قيل له: قد استجيب لك، وهو في آخر الزمان فبعث الله فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي". (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ): يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه من دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك. (وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ) القرآن (وَالْحِكْمَةَ) الشريعة وبيان الأحكام، (وَيُزَكِّيهِمْ): ويطهرهم من الشرك وسائر الأرجاس، كقوله: (وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: 157]. [(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) 130 - 131] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعند أهل السنة: هذه التوبة لترك الأولى والأفضل، وأنها من باب التشديد والتغليظ ليرتدع مرتكب الكبائر ولا يغفل عن التوبة. وقال القاضي: قوله: (وَتُبْ عَلَيْنَا) استتابه لذريتهما أو عما فرط منهما سهواً، أو لعلهما قالا هضماً لأنفسهما وإرشاداً لذريتهما. قوله: (أنا دعوة أبي إبراهيم)، روينا عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سأخبركم بأول أمري: دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاءت له قصور الشام"، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل، وصاحب "شرح السنة"، وقد أخرج حديث الرؤيا الدارمي. قوله: "دعوة أبي"، أي: إثر دعوته، أو: الدعوة نفسها.

(وَمَنْ يَرْغَبُ) إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم. و (مَنْ سَفِهَ) في محل الرفع على البدل من الضمير في (يَرْغَبُ)، وصح البدل؛ لأن (وَمَنْ يَرْغَبُ) غير موجب، كقولك: هل جاءك أحد إلا زيد؟ (سَفِهَ نَفْسَهُ): امتهنها واستخف بها، وأصل السفه الخفة، ومنه: زمام سفيه. وقيل: انتصاب النفس على التمييز نحو: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: انتصاب النفس على التمييز)، وهو عطف على قوله: " (سَفِهَ نَفْسَهُ) امتهنها"؛ لأن على هذا التقدير، نصبه على أنه مفعول به، وعلى الثاني: سفه لازم، ونفسه: تمييز. قال الزجاج: قال الفراء: التمييز في النكرات أكثر، وزعم أن هذه المميزات المعارف أصل الفعل لها ثم نقل إلى الفاعل، نحو: وجع زيد رأسه، وزعم أن أصل الفعل للرأس وما أشبهه، وجعل (سَفِهَ نَفْسَهُ) من هذا الباب. قال القاضي: قال المبرد وثعلب: سفه بالكسر: متعد، وبالضم: لازم، ويشهد له ما جاء في الحديث: "الكبر أن تسفه الحق". وقال صاحب "الفرائد": الوجه أن (سَفِهَ) ضمن معنى "جهل" وعدي تعديته، كأنه

غبن رأيه وألم رأسه، ويجوز أن يكون في شذوذ تعريف المميز نحو قوله: ولا بفزارة الشعر الرقابا أجب الظهر ليس له سنام ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قيل: جهل نفسه لخفة عقله، أي: لم يعرفها بالتفكر فيها، يدل عليه قول ابن عباس، (إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ): والسفه: غلبة الجهل وركوب الهوى، وهذا القول اختيار الزجاج. الراغب: سفه نفسه أبلغ من جهلها، وذلك أن الجهل ضربان: جهل بسيط، وهو أن لا يكون للإنسان اعتقاد في الشيء، وجهل مركب، وهو أن يعتقد في الحق أنه باطل وفي الباطل أنه حق، والسفه: أن يعتقد ذلك ويتحرى بالفعل مقتضى ما اعتقده، فبين تعالى أن من رغب عن ملة إبراهيم فإن ذلك لسفهه نفسه، فإذاً هو مبدأ كل نقيصة، وذلك أن من جهل نفسه جهل أنه مصنوع، وإذا جهل ذلك جهل صانعه، وإذا جهله فكيف يعرف أمره ونهيه؟ ولكون معرفتها ذريعة إلى معرفة الخالق قال جل ثناؤه: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: 21]. قوله: (غبن)، الجوهري: الغبن بالتسكين: في البيع والشراء، وبالتحريك: في الرأي. قوله: (ولا بفزارة الشعر الرقابا)، أوله: فما قومي بثعلبة بن بكر ثعلبة وفزارة: قبيلتان، أي: ليس قومي بثعلبة ولا بفزارة الكثير الشعر بالرقبة. الشعر: جمع أشعر. قوله: (أجب الظهر)، أوله:

وقيل: معناه سفه في نفسه، فحذف الجار، كقولهم: زيد ظني مقيم، أي: في ظني، والوجه هو الأول، وكفى شاهداً له بما جاء في الحديث: "الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس"، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرام ونمسك بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام الشعر للنابغة يمدح النعمان بن المنذر، وذناب الوادي: منتهاه، وذناب الشيء بالكسر: عقبه. ربيع الناس، أي: سبب طيب عيشهم، وأريد بالشهر الحرام: الأمن، أي: نبقى بعد الممدوح في طرف عيش قد مضى صدره وخيره وبقي ذنبه وما لا خير فيه، الأجب: الجمل المقطوع السنام. واستشهد بأنه نصب الظهر بالأجب على التمييز، قيل: يجوز النصب في البيتين على التشبيه بالمفعول، لا على التمييز، كقولك: الحسن الوجه، وهو الوجه. قوله: (والوجه هو الأول) أي: أن يكون "سفه" متعدياً كما في الحديث، فإن "سفه" فيه متعد بلا ارتياب. والحديث من رواية ابن مسعود: "الكبر بطر الحق وغمط الناس"، أخرجه مسلم والترمذي. قال صاحب "النهاية": وفي الحديث: "إنما ذلك من سفه الحق وغمط الناس"، يقول: غمض الناس يغمصهم غمصاً، وكذلك غمط، أي: حقرهم ولم يرهم شيئاً، بطر الحق وهو: أن يجعل ما جعله الله حقاً من توحيده وعبادته، باطلاً، وقيل: هو أن يتجبر عن الحق فلا يراه حقاً، وقيل: أن يتكبر عن الحق فلا يقبله.

وذلك: أنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها؛ حيث خالف بها كل نفس عاقلة. (وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ) بيان لخطأ رأي من رغب عن ملته؛ لأن من جمع الكرامة عند الله في الدارين؛ بأن كان صفوته وخيرته في الدنيا، وكان مشهوداً له بالاستقامة على الخير في الآخرة؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وذلك أنه إذا رغب): تعليل لقوله: "والوجه هو الأول"؛ لأن المقصود من الآية أن من له رأي سديد، وعقل هاد، ورأى الناس مجتمعين على أمر خطير وخطب جليل، وهو مع ذلك يخالف الناس فيه ويكابر عقله في اتباع ذلك الأمر الخطير فلا يكون ذلك إلا من تجهيله عقله الهادي، وغمص الناس وتحقيرهم، وهذا المعنى لا ينطبق على الوجهين الأخيرين ولا على قول صاحب "الفرائد" إلا مع التعسف. قوله: (وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ): بيان لخطأ رأي من يرغب عن ملته)، وهو حال مقررة لجهة الإشكال، والمعنى: أيرغب عن ملته ومعه ما يوجب الترغيب فيها، وأنه جمع خير الدارين وفاز بالمنقبتين؟ قوله: (وخيرته)، في "المغرب": الخيرة: الاختيار في قوله تعالى: (مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ) [القصص: 68]، وفي قولهم: محمد خيرة الله، بمعنى المختار، وسكون الياء لغة فيهما. قوله: (وكان مشهوداً له بالاستقامة)، أي: أثبتت له إثباتاً ببينة وطريق برهاني، وذلك بأن جمع الصلاح المفسر باستقامة الشيء، وحكم أنه عليه السلام من زمرة من اتصف بصفته وأنه داخل في أعدادهم، فإذا ثبتت له صفة الاستقامة على الكناية، وإنما فسر الصلاح بالاستقامة لأنه مقابل للفساد الذي هو خروج الشيء عن حال استقامته، وبأن جعلت الجملة اسمية مؤكدة بـ (إن) واللام. فإن قلت: لم خصت الكرامة الدنيوية بالاصطفاء والأخروية بالصلاح؟

لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه. (إِذْ قَالَ) ظرف لـ (اصْطَفَيْنَاهُ)، أي: اخترناه في ذلك الوقت، أو انتصب بإضمار "اذكر" استشهاداً على ما ذكر من حاله، كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت؛ لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله، ومعنى (قَالَ لَهُ .... أَسْلِمْ): أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام، فقال: أسلمت، أي: فنظر وعرف. وقيل: (أَسْلِمْ) أي: أذعن وأطع، وروي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: أما الاصطفاء بالنبوة فهو أقصى شرف الإنسان ومنتهى درجات العباد في الدنيا، وأما الصلاح في الآخرة فكذلك؛ لأن الصلاح كما قال هو: "الاستقامة على الخير"، ولا ارتياب أن الأحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات لكن لا تخلو من شائبة فساد وخلل، ولا يصفو ذلك إلا في الآخرة، خصوصاً لزمرة الأنبياء؛ لأن الاستقامة لا تكون إلا لمن فاز بالقدح المعلى ونال المقام الأسنى، وهم الأنبياء، ومن ثم كانت هذه المرتبة مطلوب للأنبياء والمرسلين، قال عليه السلام: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء: 83] وغيرها من الآيات. قوله: (أو انتصب بإضمار "اذكر" استشهاداً على ما ذكر)، يعني: تكون جملة مقطوعة مستأنفة مشتملة على بيان الموجب لكونه مصطفى. قوله: (ومعنى: (قَالَ لَهُ ... أَسْلِمْ): أخطر بباله النظر) يريد أن "أسلم" أمر جار على المجاز على نحو قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة: 117]، إذ ليس ثمة أمر ولا جوابه، فإن هذه الواقعة في بدء حاله فلا يكون إلا الإلهام، وفي كلام المصنف إشعار به وهو قوله: "والإسلام قبل ذلك"، هذا إذا أريد بالإسلام الإيمان والتصديق، وأما إذا أريد به الإذعان والطاعة فالأمر على الحقيقة، وإليه الإشارة بقوله: "وقيل: أسلم، أي: أذعن".

ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم، فنزلت. [(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) 132]. قرئ: (وأوصى) وهي في مصاحف أهل الحجاز والشام، والضمير في (بِهَا) لقوله: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) على تأويل الكلمة والجملة، ونحوه رجوع الضمير في قوله: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) [الزخرف: 28] إلى قوله: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ* إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي) [الزخرف: 26 - 27]. وقوله: (كَلِمَةً بَاقِيَةً) دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: وأوصى)، وهي قراءة نافع وابن عامر، والباقون: ووصى. قال الزجاج: و"وصى" أبلغ من "أوصى"؛ لأن الثاني جائز أن يكون قال لهم مرة واحدة، و"وصى" لا يكون إلا لمرات كثيرة. وقال القاضي: التوصية هو التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة، وأصلها الوصل، يقال: وصاه: إذا وصله، وفصاه إذا فصله، كأن الموصي يصل فعله بفعل الموصى. قوله: (والضمير في (بِهَا) لقوله: (أَسْلَمْتُ))، قال الزجاج: الهاء ترجع إلى الملة؛ لأن إسلامه هو إظهار طريقته وسنته، يدل عليه قوله: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ).

(وَيَعْقُوبُ) عطف على إبراهيم داخل في حكمه، والمعنى: ووصى بها يعقوب بنيه أيضاً. وقرئ (ويعقوب) بالنصب عطفاً على (بَنِيهِ)، ومعناه: ووصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب. (يَا بَنِيَّ) على إضمار القول عند البصريين، وعند الكوفيين يتعلق بـ (وَصَّى)؛ لأنه في معنى القول، ونحوه قول القائل: رجلان من ضبة أخبرانا ... إنا رأينا رجلاً عريانا بكسر الهمزة، فهو بتقدير القول عندنا، وعندهم يتعلق بفعل الإخبار. وفي قراءة أبي وابن مسعود: (أن يا بني) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: هذا هو الحق؛ لأن قوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) كما قال المصنف: "استشهاداً على ما ذكر"، يعني يستبعد من العاقل المميز أن يرغب عن ملة إبراهيم، والحال أنه مصطفى في الدنيا صالح في الآخرة. وإن شئت فاذكر ذلك الوقت الذي أظهر الملة الواضحة، وحين قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين، ليظهر لك إنابته وإخباته وينصره، عطف قوله: (وَوَصَّى) على (قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، أي: اذكر إذ قال الله له: أسلم، فامتثل أمره وأسلم، وما اكتفى به، بل ضم معه توصية بنيه بالإسلام، والذي يدل عليه قوله: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 132]؛ لأنه الموصى به، وهو مطابق لقوله: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، وإنما ضم الوصية إلى امتثال الأمر لحنوه وحدبه على ذريته فلم يخص نفسه بما ناله من الفضل والكرامة، بل شارك ذريته معه، ومثله قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) [البقرة: 124]. قوله: (من ضبة): اسم قبيلة، الجوهري: وضبة بن أد عم تميم بن مر. قوله: (فهو في تقدير القول عندنا)؛ لأنه لو تعلق بـ "أخبرانا" لكان "إن" مفتوحة.

(اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ): أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان، وهو دين الإسلام، ووفقكم للأخذ به. (فَلا تَمُوتُنَّ) معناه: فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام؛ فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا كقولك: لا تصل إلا وأنت خاشع، فلا تنهاه عن الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فَلا تَمُوتُنَّ) معناه: فلا يكن موتكم)، أي: (لَا تَمُوتُنَّ) لا يستقيم إجراؤه على ظاهره؛ لأنهم نهوا عن الموت، وذلك ليس بمقدورهم، وإنما ينهى المكلف عما له تركه، لكن معناه: فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام، وهذا أيضاً لا يستقيم على ظاهره؛ لأن المنهي الموت، والموت مما لا ينهى، فرجع حاصله إلى أن ينهى الإنسان عن أن يوجد على حالة يدركه الموت وهو على غير الإسلام، وهذا معنى قوله: "فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا". قال الزجاج: هذا على سعة الكلام نحو قولهم: لا أرينك ها هنا، فلفظ النهي للمتكلم، وهو في الحقيقة للمخاطب، أي: لا تكونن ها هنا، فإن كنت هاهنا رأيتك، المعنى: الزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين. وقلت: الآية مثل المثال، وفيه ترق بلازم آخر لقوله: "فلا تموتن: معناه: فلا يكن موتكم". قوله: (كقولك: لا تصل إلا وأنت خاشع) نهى عن فعل الصلاة، ومطلق الصلاة لا ينهى عنها، لكن معناه: لا تكن صلاتك إلا على الخشوع، فيرجع معناه إلى أن يكون المنهي الإنسان عن حالة هي غير حالة الخشوع، فيكون في الآية كناية تلويحية.

فإن قلت: فأي نكتة في إدخال حرف النهي على الصلاة، وليس بمنهي عنها؟ قلت: النكتة فيه: إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة، فكأنه قال: أنهاك عنها إذا لم تصلها على هذه الحالة، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"؟ فإنه كالتصريح بقولك لجار المسجد: لا تصل إلا في المسجد، وكذلك المعنى في الآية إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه، وأنه ليس بموت السعداء، وأن من حق هذا الموت أن لا يحل فيهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإن قلت: وأي نكتة في إدخال حرف النهي؟ ) حاصل السؤال: إذا كان المنهي عنه الحالة التي هي على غير الخشوع في الصلاة، والحالة التي يدركهم الموت عليها وهم على غير الإسلام، فلم نهى عن الصلاة وعن الموت، وما الفائدة فيه؟ وخلاصة الجواب: أن الصلاة أو الموت إذا قصد بالنهي عنهما نهي حالة يقعان فيها إرادة للفضيلة والخيرية، كان أبلغ مما إذا قصدت نفي الفضيلة والخيرية ابتداء. فإن قلت: هذا يناقض ما سبق في تفسير قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً) [البقرة: 28] أن إنكار الحال ليتبعها إنكار الذات أبلغ من العكس. قلت: الأبلغية وعدمها باعتبار العدول عن مقتضى الظاهر، فإن المقتضى هنالك إنكار ذات الكفر، فعدل إلى إنكار الحال، فيلزم منه إنكار الذات على طريق الكناية. وها هنا المقتضي نفي الفضيلة، فعدل إلى نفي الذات ليلزم منه نفي الفضيلة على سبيل الكناية. والحاصل أن في العدول عن الظاهر مبالغة ليست في ارتكاب الظاهر، ولهذا قال صاحب "المفتاح": ولأمر ما تجد أرباب البلاغة وفرسان الطراد يستكثرون من هذا الفن، وإنه في علم البيان يسمى بالكناية. فقوله أيضاً: "أن لا يحل فيهم" كناية إيمائية على نحو قوله:

وتقول في الأمر أيضاً: مت وأنت شهيد، وليس مرادك الأمر بالموت، ولكن بالكون على صفة الشهداء إذا مات، وإنما أمرته بالموت اعتداداً منك بميتته، وإظهاراً لفضلها على غيرها وأنها حقيقة بأن يحث عليها. [(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) 133]. (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ) "أم" هي المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها: الإنكار. والشهداء: جمع شهيد، بمعنى الحاضر، أي: ما كنتم حاضرين يعقوب عليه السلام إذ حضره الموت، أي: حين احتضر، والخطاب للمؤمنين بمعنى: ما شاهدتم ذلك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فما جازه جود ولا حل دونه قوله: (وأنها حقيقة بأن يحث عليها)، هذا غاية المبالغة، فأكرم بفضيلة يرام لإدراكها الموت، وحسب المنايا أن يكن أمانيا. قوله: ("أم" هي المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها: الإنكار). قالوا: هذه "أم" الكائنة بمعنى بل والهمزة، كأنه قيل: بل أكنتم شهداء، أذنت بالإضراب عما قبلها وبالإضراب عما بعدها، أي: ما كنتم شهداء، والإضراب: الإعراض عن الشيء بعد الإقبال عليه. وقالوا: وهي "أم" المنقطعة الواقعة في الخبر، فإنه تعالى لما أخبر أولاً أن إبراهيم ويعقوب وصياً بنيهما بالإسلام، ثم أعرض عن هذا الخبر، وأقبل على الاستفهام تنبيهاً على أن الاستفهام على سبيل الإنكار ها هنا أهم، فقال: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ)، يعني ما كنتم حاضرين بل حصل لكم العلم بهذا المعنى

وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. وقيل: الخطاب لليهود؛ لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبي إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه؛ لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية، فالآية منافية لقولهم فكيف يقال لهم: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ)؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من طريق الوحي امتناناً منه؛ لأن المؤمنين كانوا يقولون: إن إبراهيم حرض بنيه على التوحيد وملة الإسلام يفتخرون بذلك. وقوله: (وقيل: الخطاب لليهود)، على هذا القول أيضاً وقعت "أم" في الخبر؛ لأنه لما أخبر عن الوصية أعرض عن الإخبار وأقبل على الاستفهام على سبيل الإنكار؛ لأنه أهم؛ لأنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألست تعلم أن يعقوب عليه السلام يوم مات أوصى بنيه باليهودية"، فقال تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ) إنكار، أي: ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال، لكن جار الله رد هذا القول وقال: إنهم لو شهدوا يعقوب وسمعوا قوله لبنيه حين احتضر لعلموا حرصه على الإسلام ولم يقولوا: إنه وصى بنيه باليهودية، فالآية منافية لقولهم، لما ذكر فيها من قوله: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ) إلى آخره، فيمتنع أن يقال لهم: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ) إنكاراً عليهم، فإن الإنكار عليهم إنما يصح أن لو كان مضمون هذه الآية موافقاً لقولهم بأن يقال مثلاً بدل قوله: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ) يكون يهودياً، ثم قال: "ولكن الوجه أن توجد أم متصلة"، ولما لم يجز أن تقع المتصلة إلا في الاستفهام يقدر محذوف مثل: أتدعون أن الأنبياء كانوا هوداً، ثم يعطف عليه بأم المتصلة فيقال: أم كنتم شهداء، على سبيل التقرير للمشاهدة، والإنكار للدعوى كما في قوله تعالى: (قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 80]، وقوله: (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ) [البقرة: 140].

ولكن الوجه أن تكون "أم" متصلة على أن يقدر قبلها محذوف؛ كأنه قيل: أتدعون على ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولكن الوجه أن تكون "أم" متصلة) يعني أن الخطاب إذا كان مع اليهود والإنكار وارد على قولهم: ما مات نبي إلا على اليهودية، الوجه أن تجعل "أم" متصلة وعليه النظم؛ لأنه تعالى لما قرر أن إبراهيم عليه السلام وصى بنيه ويعقوب بالتمسك بالتوحيد والإسلام والعض عليه بالنواجذ، وبخ اليهود على قولهم: ما مات نبي إلا على اليهودية بقوله: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ)، قال بعض فضلاء العصر: وفيه إشكال؛ لأن "أم" المتصلة تقتضي السؤال عن تعيين أحد الأمرين، وها هنا كل واحد من دعوى اليهودية على الأنبياء وحضور أوائلهم حين احتضر يعقوب ووصى بنيه بالتوحيد، معلوم عند المتكلم. وأجاب عنه: أنه لما كان الأمران متساويين في كون كل واحد منهما مما لا يصدر عن العقلاء لكون أحدهما ادعاء لشيء من غير علم، والثاني: ادعاء له مع العلم بخلافه لكون هذا القول يقتضي عدم حضورهم، فإذا سئلوا عن ذلك فلا شك أنهم لا يجيبون بتعيين الأمر الأول، فيتعين أن يجيبوا بتعيين الأمر الثاني، فحينئذ يندرج في ذلك إلزامهم وتقريعهم. يعني: إذا عرفتم بأن أوائلكم كانوا مشاهدين له إذ حرض بنيه على التوحيد، ودعاهم إلى الإسلام، وعلمتم ذلك، فما بالكم تدعون على الأنبياء ما هم عنه براء. وقلت: تلخيصه أن السؤال تبكيت وإلزام، سئلوا عن أمرين أيهما اختاروا لزمتهم الحجة، كأنه قيل: أيها المعاندون، أتدعون على الأنبياء اليهودية دعوى مجردة غير مسندة إلى دليل، أم تدعون حضور أوائلكم حين وصى يعقوب بنيه؟ فلابد أن يختاروا الثاني، فيقولوا: إن أوائلنا كانوا مشاهدين له، إذا أراد بنيه، فيقال لهم: أنتم قد علمتم حضور أوائلكم عند الوصية بالتوحيد، فما لكم تعاندون وتدعون على الأنبياء ما هم عنه براء؟ والله أعلم.

الأنبياء اليهودية، (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) يعني: أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه برآء؟ ! وقرئ: (حضر) بكسر الضاد وهي لغة. (مَا تَعْبُدُونَ): أي شيء تعبدون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: وتمام تقريره أن تقول: إذا كان المراد بالهمزة و"أم" حقيقة الاستفهام يدل على ثبوت أحدهما، ويكون السؤال عن التعيين، والمراد هنا ليس حقيقة الاستفهام بل التقرير، أي: ثبوت أحدهما وتقريره من غير معنى استفهام، ويكون إشارة إلى أن أحدهما، وهو كونهم شهداء حاصل، ويلزم منه إنكار ادعاء اليهود؛ لأن شهودهم ينافي ذلك الادعاء، ثم اعلم أن الإنكار هنا بمعنى: لم كان، لا بمعنى: لم يكن. وقوله: (وقد علمتم ذلك) بعد بيان أن أوائلهم كانوا المشاهدين، إذ أراد بنيه على الإسلام، أي: وقد علمتم ذلك، فكأنكم شاهدتموه إذ ذاك، فما لكم تدعون عليهم ما هم منه براء؟ وقلت وبالله التوفيق: إن هذا الأسلوب من باب التقسيم الحاصر، نحوه قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) [يوسف: 102]، قال المصنف: "هذا تهكم بقريش وبمن كذبه؛ لأنه لم يخف على أحد من المكذبين أنه لم يكن من حملة هذا الحديث وأشباهه، ولا لقي فيها أحداً ولا سمع منه، ولم يكن من علم قومه، فإذا أخبر به وقصه هذا القصص العجيب الذي أعجز حملته ورواته، لم يقع شبهة في أنه ليس منه وأنه من جهة الوحي"، وقوله تعالى: (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ) إلى قوله: (وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) [القصص: 44 - 45].

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومن التقسيم قول الزجاج في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) [البقرة: 258] "هذا حجة على أهل الكتاب؛ لأنه نبأ لا يجوز أن يعلمه إلا من وقف عليه بقراءة كتاب، أو تعليم معلم، أو بوحي من الله تعالى، وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أمي، وأنه لم يعلم التوراة والإنجيل، فلم يبق وجه يعلم أن هذا الإخبار منه إلا الوحي". وتنزيل هذا التقرير على هذا المقام أن يقال: إنكم أيها المؤمنون تقولون: إن يعقوب حين احتضر وصى بنيه بالتوحيد والإسلام، وهو حق وصدق، ولكن ما علمتم ذلك من طريق استدلال، ولا قراءة كتاب، ولا تعليم معلم، ولا كنتم حاضرين حين احتضر ووصى بالتوحيد، فلم يبق إلا طريق الوحي، هذا إشارة إلى معنى الحصر في قول المصنف: "إنما حصل لكم العلم من طريق الوحي". فإن قلت: فلم خص الإنكار بطريق المشاهدة دون الطرق الأخرى على أن طريق التعليم أولى بالإنكار كما قال في قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [آل عمران: 44]، فإن قلت: لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة، وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ قلت: "كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة، وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة، وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة". كذا ها هنا بقي ما هو مستبعد مستحيل ليثبت ما هو المقصود بالطريق البرهاني امتناناً نه تعالى عليهم، وإليه الإشارة بقوله: "أي: ما شاهدتم ذلك، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي". وهذا التقرير لا يستقيم إذا كان الخطاب مع اليهود؛ لأن القول الذي وقع الإنكار في

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ طريقه ينبغي أن يكون مقرراً في نفسه مذكوراً بعد ذكر طرقه المنفية حتى يصح، فلو أريد الإنكار على طريق قولهم، لوجب أن يذكر بعد إنكار طريق المشاهدة، وأن يقال: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تتبعون من بعدي من الملل؟ قالوا: نتبع ملتك وملة آبائك وهي اليهودية، وحين ذكر ما يخالفه من قوله: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ) إلى قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) لا يصح الإنكار عليهم على ما مر؛ لأنه لو تقرر عندهم هذه المقاولة لظهر لهم حرصه على التوحيد، ولما ادعوا عليه اليهودية. والحاصل: أن الإضراب عن الكلام السابق وإنكار اللاحق يأبى أن يكون الخطاب مع اليهود، ولهذا قال: "فالآية منافية لقولهم"، فكيف يقال لهم: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ)؟ ألا ترى أنه حين جعل "أم" متصلة ولم يكن لها تعلق بالآية السابقة، قال: "ولكن الوجه أن تكون أم متصلة إلى آخره"، ويفهم من تقرير كلامه: أن "أم" إذا كانت منقطعة، والهمزة فيها للتقرير على سبيل التقريع، جاز أن يكون الخطاب مع اليهود، وذلك أنهم لما قالوا: ما مات نبي إلا على اليهودية، قيل لهم: أتقولون هذا القول مع أنكم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، أي: أوائلكم كانوا شاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، والنظم لا يأباه، وذلك أن قصة إبراهيم عليه السلام بجملتها كما ذكرنا معطوفة على قصة بني إسرائيل، والجامع: الامتنان عليهم بالنعمة التي أنعم الله على آبائهم، وكان من حق الظاهر أن يذكر قوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) بعد قوله: (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) كما قال: "والإسلام قبل ذلك" في قوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ)، وإنما أخره ليكون ذريعة إلى هذا التقرير وتخلصاً إلى هذا التفريع، وذلك أنه تعالى لما قال له: (أَسْلِمْ)، وامتثل أمره وقال: (أَسْلَمْتُ)، ووصى بالإسلام بنيه، وأراد أن يوبخ اليهود على ما قالوه، قال: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ)، أي: دعوا إخبارنا عن وصية إبراهيم بنيه بالتوحيد والإسلام، ألستم حضرتم

و (مَا) عام في كل شيء، فإذا علم فرق بـ "ما" و"من"، وكفاك دليلاً قول العلماء: "من" لما يعقل. ولو قيل: من تعبدون؟ لم يعم إلا أولي العلم وحدهم، ويجوز أن يقال: (مَا تَعْبُدُونَ) سؤال عن صفة المعبود كما تقول: ما زيد؟ تريد أفقية أم طبيب أم غير ذلك من الصفات. و (إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ) عطف بيان لـ (آبَائِكَ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعقوب حين وصى بنيه بما وصاه جده إبراهيم من التوحيد والإسلام؟ فلم تقولون مع ذلك: ما مات نبي إلا على اليهودية؟ ولا مانع على هذا التقرير أن نجعل الهمزة المقدرة في (أَمْ) للإنكار كما في "المعالم": فإنهم لما قالوا: ألست تعلم أن يعقوب وصى بنيه باليهودية، وكان ذلك كذباً وميناً، وإخباراً بما يخالف اعتقادهم، نزلوا منزلة أنهم ما كانوا شهداء، وقيل لهم: كأنكم ما شهدتم حين وصى بنيه بالتوحيد والإسلام وما اعتقدتم ذلك، ولذلك قلتم ما قلتم. والله أعلم. قوله: (مَا): عام في كل شيء)، أي: يسأل بها عن كل مبهم، فإذا عرف أنه عاقل خص بمن أو غير عاقل خص بما، فهي مشترك في العموم وفي غير العقلاء، فلا يتعين أحد مفهوميها إلا بانتصاب قرينة مبينة. قوله: (ولو قيل: من تعبدون؟ لم يعم إلا أولي العلم وحدهم)، الراغب: لم يعن بقوله: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) العبادة المشروعة فقط، وإنما عنى جميع الأعمال، وكأنه دعاهم أن لا يتحروا في أعمالهم غير وجه الله عز وجل، ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الأصنام، وإنما خاف أن تشغلهم دنياهم، ولهذا قيل: ما قطعك عن الله فهو طاغوت، وهذا المعنى تحراه الشاعر بالعبادة في قوله:

وجعل إسماعيل- وهو عمه- من جملة آبائه؛ لأن العم أب، والخالة أم؛ لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة، لا تفاوت بينهما، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "عم الرجل صنو أبيه"، أي: لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة، وقال في العباس: "هذا بقية آبائي"، وقال: "ردوا علي أبي فإني أخشى أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتى ملك اللذات أن يعتبدنه ... وما كل ذي ملك لهن بمالك وقلت: ويعضده تقييد الفعل بقوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: مخلصون. قوله: (عم الرجل: صنو أبيه) من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر في العباس رضي الله عنهما: "إن عم الرجل صنو أبيه"، أخرجه الترمذي عن علي رضي الله عنه. الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد، أي: أصل العباس وأصل أبي واحد. الراغب: قد استدل بالآية من منع مقاسمة الجد مع الإخوة، وأسقط الإخوة مع الجد كما يسقطون مع الأب، واستدل بها أيضاً على أن العم يجري مجرى الأب في الولاية على مال الصغيرة وتزويجها، وفي الجملة أن تسميتهما أبوين ليس بمنكر؛ لأن الأعمام والأجداد مع الأب أقرب من تسمية الشمس مع القمر القمرين. قوله: (ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود)، روى صاحب "جامع الأصول": أن عروة بن

وقرأ أبي: (وإله إبراهيم) بطرح (آبَآئِكَ). وقرئ: (أبيك) وفيه وجهان: أن يكون واحداً، وإبراهيم وحده عطف بيان له؛ وأن يكون جمعاً بالواو والنون، قال: وفديننا بالأبينا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مسعود قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، واستأذنه بالرجوع، فرجع فدعا قومه إلى الإسلام فأبوا، فلما كان عند الفجر قام على غرفة له فأذن للصلاة وتشهد، فرماه رجل من ثقيف فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه خبره: "مثل عروة مثل صاحب يس: دعا قومه إلى الله فقتلوه"، وأما حديث عباس فما وجدته في "الأصول" ولا في "التاريخ"، سوى أن ذكر في بعض الحواشي عن زين الأئمة الفردوسي في "المستقصى"، عن الواقدي: أنه صلى الله عليه وسلم: بعث عمه العباس إلى مكة قبل عام الفتح ليدعوهم إلى الله تعالى، فأبطأ عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: "ردوا علي أبي"، وفي رواية أخرى أنه قال: "لعلهم يصنعون به ما صنعت ثقيف بعروة بن مسعود: دعاهم إلى الله فقتلوه، والله إذاً لا أستبقي منهم أحداً"، ثم جاء العباس ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم بصحته. قوله: (وفديننا بالأبينا) أوله: فلما تبين أصواتنا ... بكين ....... أي: قلن: جعل الله آباءنا فداكم، والألف في "الأبينا": للإشباع، والضمير في "تبين" عائد إلى النساء اللاتي أسرن، فلما رأيننا بكين وقلن هذا الكلام، والشاعر سعى في خلاصهن من الأسر.

(إِلَهاً وَاحِداً) بدل من (إِلَهَ آبَائِكَ)، كقوله: (بِالنَّاصِيَةِ* نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ) [العلق: 15 - 16]، أو على الاختصاص أي: نريد بإله آبائك إلهاً واحداً. (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) حال من فاعل (نَعْبُدُ)، أو من مفعوله؛ لرجوع الهاء إليه في (لَهُ) ويجوز أن تكون جملة معطوفة على (نَعْبُدُ) وأن تكون جملة اعتراضية مؤكدة، أي: ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون التوحيد، أو مذعنون. [(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) 134]. إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، والمعنى: أن أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((إِلَهاً وَاحِداً): بدل من (إِلَهَ آبَائِكَ). قال القاضي: وفائدته: التصريح بالتوحيد ونفي التوهم الناشئ من تكرير المضاف والتأكيد. قوله: (أي: ومن حالنا أنا له مسلمون) بيان لتقرير أن تكون الجملة معترضة لا حالاً، أي: من عادتنا وشأننا، إذ لو أريد تقرير الحال لقيل: والحال أنا له مخلصون، وقوله: "أو: مذعنون" عطف على (مُخْلِصُونَ). قوله: (إشارة إلى الأمة المذكورة)، الراغب: الأمة في الأصل: المقصود، كالعمدة والعدة في كونهما معموداً ومعداً، وسمى الجماعة أمة من حيث تؤمها الفرق، وقيل للحين: أمة لكونه متضمناً لأمة ما، وسمي الدين أمة لكون الجماعة عليه، وقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) [النحل: 120] أي: جمع في نفسه من الفضيلة ما لا يجتمع إلا في الأمة.

وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم. ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم". (وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ): ولا تؤاخذون بسيئاتهم كمالا ينفعكم حسناتهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم) تعليل لقوله: "تلك إشارة إلى الأمة المذكورة"، والمعنى راجع إلى أن أحداً لا ينفعه كسب غيره، وفيه إشارة إلى بيان النظم، فكأن اليهود لما ادعوا تلك الدعوى الباطلة، وهي أنه ما مات نبي إلا على اليهودية، وألقمهم الله الحجر بقوله: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ) على ما تقرر في وجه الاتصال، قالوا: هب أن الأمر كذلك، أليسوا بآبائنا وإليهم ينتهي نسبنا؟ مفتخرين، فأجيبوا بقوله: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ). قوله: (لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم)، قيل: هذا نفي في معنى النهي، ولهذا أكد بالنون، والحاصل أنه نهي عن أن يأتي الناس بالعمل وهم بالنسب، والأولى أن يقال: إن الواو للجمع، والمعنى على قوله: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم قوله: (كما لا ينفعكم حسناتهم) قاس عدم مؤاخذتهم بسيئات الأمة السابقة بعدم انتفاعهم بحسناتهم، وذلك إنما يحسن إذا تقرر المقيس عليه، وتقرره إنما يعلم من مفهوم قوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ)، وعلم منه أن قوله: (وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وضع موضع عليهم ما كسبوا وعليكم ما كسبتم، وإنما عدل إلى نفي السؤال عنهم ليؤذن بأنهم لا يسألون عما

[(وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ 135). (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) بل نكون ملة إبراهيم، أي: أهل ملته كقول عدي بن حاتم: إني من دين. يريد: من أهل دين. وقيل: بل نتبع ملة إبراهيم. وقرئ: (ملة إبراهيم) بالرفع، أي: ملته ملتنا، أو: أمرنا ملته، أو نحن ملته، بمعنى: أهل ملته ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عملوا فضلاً عن أن يؤخذوا بما كسبوا، وإلى اختصاص النفي بهم للتعريض بأن الأنبياء يسألون عنهم سؤال توبيخ وإهانة، كقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ) [المائدة: 109]، أشار بقوله: هو سؤال توبيخ لقومهم، كما كان سؤال الموءودة توبيخاً للوائد، ومنه قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [المائدة: 116]، وللاعتناء بشأن هذا المعنى كررت الآية، وختمت بها القصة وجعلت ذريعة إلى الشروع في مشرع آخر من الكلام، والله أعلم. قوله: (أي: ملته ملتنا، أو: أمرنا ملته) فإن قلت: إذا قدر "ملتنا"، حكم بأن "ملته": مبتدأ، وإذا قدر "أمرنا" حكم بأن "ملته": خبر، فلم لا يجوز العكس فيهما. قلت: لا يقدم فيما نحن فيه ما يقدم بسلامة الأمر، لأن الجملة مثبتة للحكم بعد الإضراب عما يخالفها، فإنهم قالوا للمسلمين: (كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا)، فإنك إذا قدرت: ملته. ملتنا، تصورت أنهم زعموا أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، وقالوا: اتبعوا ملتنا حتى تكونوا على ملة إبراهيم، ويدل عليه تعقيبه بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: 67]، وإذا قدرت: أمرنا ملته، تصورت أنهم زعموا أن دين الحق دين اليهودية أو النصرانية، وقالوا:

و (حَنِيفاً) حال من المضاف إليه، كقولك: رأيت وجه هند قائمة. والحنيف: المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اتبعوا ملتنا حتى تكونوا على الحق، فجئت بالرد على الوجه المطلوب، أي: ليس أمرنا على الإشراك كما أنتم عليه، بل أمرنا ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً ونظيره تقدير أمركم أو الذي يطلب منكم بحسب تفسير "المعروفة" في قوله: (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) [النور: 53]. والحاصل أن الذي أجري له الكلام أولاً: أن ملة إبراهيم ملتهم، فوجب تقديمها، وعلى الثاني: ادعوا أنهم على الحق ودعوا المسلمين إلى اليهودية أو النصرانية، فوجب تقديم ما عليه المسلمون، وأنما أوثر أمرنا على "ملتنا" للتفادي عن أن يسمى ما هم عليه بالملة، أي: ليس أمرنا أمركم، بل أمرنا ملة إبراهيم، ولو قدر "ملتنا" كان التقدير: ليس ملتنا ملتكم، بل ملة إبراهيم، والله أعلم. قوله: (حال من المضاف إليه)، نحو قوله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً) [الحجر: 47]، قيل: وانتصاب الحال من المضاف إليه لا يحسن حتى يكون المضاف والمضاف إليه متصلين أو ملتبسين، فالملة متصلة وملتبسة بإبراهيم عليه السلام، ألا ترى إلى قول عدي: "إني من دين"، كأنه قال: أنا مجسم منه أو متصل به، كقوله: "ما أنا من دد ولا الدد مني"، ولهذا جاز: رأيت وجه هند قائمة، ولا يجوز: غلام هند قائمة. وقال أبو البقاء: والحال من المضاف إليه قليل؛ لأن عامل الحال هو عامل صاحبها، ولا يصح أن يعمل المضاف في مثل هذا في الحال، ومن جعله حالاً قدر العامل: معنى اللام أو

والحنف: الميل في القدمين، وتحنف؛ إذا مال. وأنشد: ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... حنيفاً ديننا عن كل دين (وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) تعريض بأهل الكتاب وغيرهم؛ لأن كلاً منهم يدعي اتباع إبراهيم وهو على الشرك. [(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) 136 - 137]. (قُولُوا) خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون خطاباً للكافرين، أي: قولوا لتكونوا على الحق، وإلا فأنتم على الباطل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معنى الإضافة، وهي المصاحبة والملاصقة، وقيل: حسن جعل (حَنِيفاً) حالاً لأن المعنى: نتبع إبراهيم حنيفاً، وهذا جيد؛ لأن الملة هي الدين، والمتبع إبراهيم عليه السلام. وهذا مأخوذ من قول الزجاج، فإنه قال: ينتصب (حَنِيفاً) على الحال، أي: نتبع ملة إبراهيم في حال حنيفيته. قوله: (والحنف: الميل في القدمين). الميل: بفتح الميم والياء، الجوهري: الميل، بالتحريك: ما كان خلقة، يقال منه: رجل أميل العاتق، وفي عنقه ميل، وقال الزجاج: وإنما أخذ الحنف من قولهم: رجل أحنف: للذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها، والمعنى: أن إبراهيم حنف إلى دين الإسلام، فلم يبعث نبي إلا به وإن اختلفت شرائعهم.

وكذلك قوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) يجوز أن يكون على: بل اتبعوا أنتم ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: الحنف هو: ميل عن الضلال إلى الاستقامة، والجنف: الميل عن الاستقامة إلى الضلال، والحنيف هو المائل إلى ذلك، وتحنف فلان، أي: تحرى طريق الاستقامة، وسمت العرب كل من اختتن أو حج حنيفاً، تنبيهاً على أنه على دين إبراهيم عليه السلام، والأحنف: من في رجله ميل، قيل: سمي بذلك على التفاؤل، وقيل: بل استعير للميل المجرد. قوله: (وكذلك قوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، أي: قوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، يجوز أن يكون على هذين الوجهين، أما كونه خطاباً للمؤمنين فكما سبق تقريره: بل نكون ملة إبراهيم، أي: أهل ملته، أو: بل نتبع ملة إبراهيم، أما كونه خطاباً للكافرين فكما قدره: بل اتبعوا أنتم ملة إبراهيم، أو: كونوا أهل ملته، فنظم الآيات على هذين التقديرين أن يقال: إن اليهود والنصارى لما قالوا: (كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا)، وفي "قالوا" ضمير الفريقين على سبيل اللف، بدليل النشر، وهو قوله: (كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى). وقدر الزجاج: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت النصارى: كونوا نصارى، فـ "أو": للتنويع، أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلوات الله عليه أن يرد على الفريقين مقالهم ويضرب عن محالهم بقوله: (قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً)، فحينئذ إما أن يسوق الكلام معهم مخاطباً إياهم: لا تكونوا هوداً أو نصارى، بل كونوا أهل ملة إبراهيم، أو: لا تتبعوا اليهودية والنصرانية، بل اتبعوا ملة إبراهيم. ويؤيد ذلك بما عقبه من قوله: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا) الآيتين، وإما أن يضرب عنهم صفحاً، ويلتفت إلى المؤمنين قائلاً: قولوا: ما نكون منكم بل نكون أهل

والسبط: الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وَالأَسْبَاطِ): حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر. (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كما فعلت اليهود والنصارى. و"أحد" في معنى الجماعة، ولذلك صح دخول "بين" عليه (بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ) من باب التبكيت؛ لأن دين الحق واحد لا مثل له، وهو دين الإسلام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملة إبراهيم أو لا نتبع ملتكم بل نتبع ملة إبراهيم، وأنتم أيها المؤمنون لا تهتموا بهم وقولا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)، وصبغنا الله بالإيمان صبغة ولم نصبغ صبغتكم، فقوله: (قُولُوا) تفسير لقوله: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) على التقديرين، أي: على أن يكون الخطاب للكافرين: أي: قولوا: لتكونوا على الحق، وإلا فأنتم على الباطل، أو للمؤمنين، يعني: لا تهتموا بهم وقولوا: (آمَنَّا). قوله: (و"أحد" في معنى الجماعة)، الجوهري: الأحد بمعنى الواحد، وهو أول العدد، وأما قولهم: ما في الدار أحد فهو: اسم لمن يصلح أن يخاطب، يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث، قال تعالى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ) [الأحزاب: 32]، وقال: (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة: 47]. قال المصنف في "سورة الأحزاب": "منى (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ): لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء، أي: إذا تقصيت أمة النساء جماعةً جماعةً لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة"، فيكون المعنى في هذا المقام: إذا تقصيت جماعة الأنبياء جماعةً جماعةً فلا نفرق نحن بين جمع من جموعهم. قوله: (من باب التبكيت)، أي: إلزام الخصم، وهو الاستدراج وإرخاء العنان معه ليعثر حيث يراد تبكيته، وهو من مخادعات الأقوال حيث يسمع الحق على وجه لا يزيد غضب

(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران: 85] فلا يوجد إذن دين آخر يماثل دين الإسلام في كونه حقاً، حتى إن آمنوا بذلك الدين المماثل له كانوا مهتدين فقيل: (فَإِنْ آمَنُوا) بكلمة الشك على سبيل الفرض والتقدير، أي: فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم مساوياً له في الصحة والسداد فقد اهتدوا. وفيه: أن دينهم الذي هم عليه وكل دين سواه مغاير له غير مماثل؛ لأنه حق وهدى، وما سواه باطل وضلال. ونحو هذا: قولك للرجل الذي تشير عليه: هذا هو الرأي الصواب، فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به، وقد علمت أن لا أصوب من رأيك ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه، ويجوز أن لا تكون الباء صلة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المخاطب: كقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [سبأ: 24]، أي: تفكروا في حالكم وما أنتم عليه من العبث والفساد وحال المؤمنين وما هم عليه من الصلاح والسداد، فإذا رجعوا إلى أنفسهم وتفكروا، علموا أن المسلمين على هدى وهم على ضلال، كذلك ها هنا: جيء بكلمة "إن"، وهي للشك، وفرض دين آخر مثل دين الإسلام في الاستقامة، أي: نحن لا نقول: إننا على الحق وأنتم على الباطل، ولكن إن حصلتم ديناً آخر مساوياً لهذا الدين في الصحة والسداد فقد اهتديتم، ومقصودنا هدايتكم كيف ما كانت، والخصم إن نظر في هذا الكلام بعين الإنصاف تفكر فيه وعلم أن دين الحق هو دين الإسلام لا غير. قوله: (وفيه)، أي: أدمج في هذا الكلام- تعريضاً كما ذكرنا- أن الدين: الذي هم عليه، وكل دين سواه: باطل وضلال، فعلى هذا أصل الكلام: إن كل دين سوى دين الإسلام باطل، فأقحم قوله: "دينهم الذي هم عليه" وعطف عليه العام ليؤذن بأن الكلام معهم أصالة، وقيل: الضمير في سواه، لدينهم. قوله: (ويجوز أن لا تكون الباء صلة)، يعني على ما فسرنا كانت صلة، و (آمَنُوا): مضمناً معنى دخلوا، أي: فإن دخلوا في الإيمان بشهادة، أي: باستعانة شهادة مثل شهادتكم،

وتكون باء الاستعانة، كقولك: كتبت بالقلم، وعملت بالقدوم، أي: فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها. وقرأ ابن عباس وابن مسعود: (بما آمنتم به) وقرأ أبي: (بالذي آمنتم به). (وَإِنْ تَوَلَّوْا) عما تقولون لهم، ولم ينصفوا فما هم إلا (فِي شِقَاقٍ) أي: في مناوأة ومعاندة لا غير، وليسوا من طلب الحق في شيء، أو: وإن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان بها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهي كلمة الشهادتين، قال القاضي: المعنى: إن تحروا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثل طريقكم، فإن وحدة المقصد لا تأبى تعدد الطرق. قوله: (بما آمنتم به) وقوله: (بالذي آمنتم به) في القراءتين دلالة على أن "مثل": مقحم، قال القاضي: يجوز أن تكون الباء مزيدة للتأكيد، كقوله تعالى: (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) [يونس: 27]، أي: إن آمنوا إيماناً مثل إيمانكم به، أو المثل مقحم، كقوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) [الأحقاف: 10] أي: عليه، يدل عليه قوله: "تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان" ففي الكلام لف ونشر. قوله: ((وَإِنْ تَوَلَّوْا): عما تقولون لهم ولم ينصفوا)، هذا بناءً على أن الباء في (بِمِثْلِ) صلة (آمَنُوا)، يدل عليه قوله: "ولم ينصفوا"؛ لأن الوجه الأول مبني على الكلام المنصف والاستدراج، وقوله: "فإن تولوا عن الشهادة" على أن الباء للاستعانة، يدل عليه قوله: "والدخول في الإيمان"، ففي الكلام لف ونشر. وينصر الوجه الأول قوله: " (فِي شِقَاقٍ) في مناوأة ومعاندة"؛ لأنه مناسب للإنصاف، وكذا قوله: (فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ).

(فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ) ضمان من الله لإظهار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، وقد أنجز وعده بقتل قريظة وسبيهم، وإجلاء بني النضير، ومعنى السين: أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين. (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): وعيد لهم، أي: يسمع ما ينطقون به ويعلم ما يضمرون من الحسد والغل، وهو معاقبهم عليه. أو: وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى: يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك، وما تريده من إظهار دين الحق وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك. [(صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) 138]. (صِبْغَةَ اللَّهِ) مصدر مؤكد منتصب عن قوله: (آمَنَّا بِاللَّهِ) كما انتصب (وَعَدَ اللَّهُ) [الروم: 6] عما تقدمه، وهي فعلة من: صبغ، كالجلسة من: جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى: تطهير الله؛ لأن الإيمان يطهر النفوس. والأصل فيه: أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم، وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومعنى السين) في (فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ)، قال المصنف: الأصل في السين التوكيد؛ لأنها في مقابلة لن، قال سيبويه: لن أفعل: نفي سأفعل. قوله: (أو وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم) أو: للتنويع لا للترديد؛ لأنه لا مانع من حمل الكلام على الوعد والوعيد معاً. قوله: (مصدر مؤكد) أي: مؤكد لنفسه؛ لأن ما قبله وهو قوله تعالى: (آمَنَّا بِاللَّهِ) إلى آخر الآية دال على ما يدل عليه "صبغة الله". قوله: (كما انتصب (وَعَدَ اللَّهُ) عما تقدمه)، وهو قوله: (يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم: 4 - 5].

الآن صار نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ)، وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهرنا به تطهيراً لا مثل تطهيرنا؛ أو يقول المسلمون: صبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم، وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلاً يصطنع الكرام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم)، هذا على تقدير أن يكون (قُولُوا) خطاباً للكافرين. قوله: (أو يقول المسلمون) هذا على تقدير أن يكون (قُولُوا) خطاباً للمؤمنين. قوله: (يصطنع الكرام)، الجوهري: اصطنعت فلاناً لنفسي، وهو صنيعي: إذا اصطنعته وخرجته، وقال: خرجه في الأدب فتخرج، وهو خريج فلان. وقيل: معناه: يصطنع فعل الكرام أو يصطنع نفس الكرام على المبالغة، والمشاكلة واقعة بين فعل الغارس وقول القائل: اغرس، فإن المراد بقوله: "اغرس غرس الكريم" أي: أحسن إحسانه. فلولا فعل الغارس لم يحسن منه كما يغرس فلان، كما أن قوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ) مشاكل لفعل النصارى وإن لم يوجد منهم قول، وقال الزجاج: يجوز أن يكون (صِبْغَةَ اللَّهِ) بمعنى: خلقة الله الخلق، أي: أن الله تعالى ابتدأ الخلقة على الإسلام لقوله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30]، وقول الناس: صبغ الثوب إنما هو تغيير لونه وخلقته. وقال القاضي: أي: صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ، أو: هدانا هدايته وأرشدنا حجته، أو: طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره وسماه صبغة؛ لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب.

(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً)، يعني: أنه يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم به من أوضار الكفر فلا صبغة أحسن من صبغة الله. وقوله: (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) عطف على (آمَنَّا بِاللَّهِ)، وهذا العطف يرد قول من زعم أن (صِبْغَةَ اللَّهِ) بدل من (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، أو نصب على الإغراء بمعنى: عليكم صبغة الله؛ لما فيه من فك النظم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: فعلى هذا القول لا يكون مشاكلة، بل يكون استعارة مصرحة تحقيقية، والقرينة إضافتها إلى الله تعالى، والجامع على الأول- أي: على أن يراد بالصبغة: الحلية- التأثر والظهور على السيما، وعلى الوجوه الثلاثة الجامع الظهور والبيان، وهذا التأويل أظهر وأنسب من المشاكلة؛ لأن الكلام عام في اليهود والنصارى كما سبق تقديره، وتخصيصه بصبغ النصارى لا وجه له، ولأن قوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: 93] عبارة عن حب عبادة غير الله. قال المصنف: "معناه: تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ"، فكذا ينبغي في عبادة الملك العلام، وأنشد السجاوندي: وصبغة همدان خير الصبغ أي: مكارمهم ظاهرة في روائهم. قوله: (يرد قول من زعم أن (صِبْغَةَ اللَّهِ) بدل من (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) أو نصب على الإغراء ... لما فيه من فك النظم)، قال الواحدي: صبغة الله: نصب على الإغراء.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونقل محيي السنة عن الأخفش: هي بدل من قوله: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، وقال أبو البقاء: انتصابه بفعل محذوف، أي: اتبعوا دين الله. وقال الزجاج: صبغة الله: منصوبة على قوله: "بل نتبع ملة إبراهيم"، أي: نتبع صبغة الله، أو على: بل نكون أهل صبغة الله. وقال القاضي: قوله: (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) عطف على (آمَنَّا)، وذلك يقتضي دخول قوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ) في مفعول (قُولُوا آمَنَّا)، ولمن نصبها على الإغراء أو البدل أن يضمر (قُولُوا) معطوفاً على "الزموا" أو "اتبعوا" (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ)، و (قُولُوا آمَنَّا): بدل "اتبعوا" حتى لا يلزم فك النظم وسوء الترتيب. وقلت: المراد أن العطف مانع من جعل (صِبْغَةَ اللَّهِ) نصباً على الإغراء. فنقدر: الزموا صبغة الله وقولوا: نحن له عابدون، ليصح، وكذا يقدر: اتبعوا ملة إبراهيم، أي: صبغة الله وقولوا: نحن له عابدون، والحق أن كلاً من قوله تعالى: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)، (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ): اعتراض وتذييل للكلام الذي عقب به، مقول على ألسنة العباد بتعليم الله تعالى، لا عطف، وتحريره: أن قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) مناسب (لآمَنّا"، أي: نؤمن بالله وبما أنزل على الأنبياء ونستسلم له وننقاد لأوامره ونواهيه، وقوله: (وَنَحْنُ لَهُ

وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه، وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام. [(قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ* أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) 139 - 141] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عَابِدُونَ) ملائم لقوله: (صِبْغَةَ اللَّهِ)؛ لأنها دين الله، فالمصدر كالفذلكة لما سبق من الإيمان والإسلام، وقوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) موافق لقوله: (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ)، وفي ذكر هذا المعنى بعد ذلك ترتيب أنيق؛ لأن الإخلاص شرط في العبادة، وفيه لمحة من حديث جبريل عليه السلام حين سأل عن الإحسان بعد سؤاله عن الإيمان والإسلام، ومثل هذا النظم يفوت مع تقدير الإغراء والبدل، ويجوز على هذا أن تقع كل واحدة من هذه الجمل الثلاث حالاً عما قبلها، ونظيره قوله في قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) في قوله: (قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ)، وأن تكون جملة اعتراضية مؤكدة، والله أعلم. قوله: (والقول ما قالت حذام)، أوله: إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام حذام: امرأة حذرت قومها من غارة فأنكروا، فلما نزلت بهم الغارة قالوا: صدقت حذام، فضرب به مثلاً.

قرأ زيد بن ثابت: (أتحاجونا) بإدغام النون، والمعنى: أتجادلوننا في شان الله واصطفائه النبي من العرب دونكم، وتقولون: لو أنزل الله على واحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا، (وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) نشترك جميعاً في أننا عباده، وهو ربنا، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده، هم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي إذا كان أهلاً للكرامة. (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) يعني أن العمل هو أساس الأمر، وبه العبرة، وكما أن لكم أعمالاً يعتبرها الله في إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك، ثم قال: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمعنى: أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب؟ )، فإن قلت: كيف قيد المطلق، وهو (فِي اللَّهِ) بقيد النبوة وليست ثم قرينة التقييد؟ قلت: القرينة قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ) والكلام تعريض باليهود وأنهم كتموا ما في التوراة من دلائل النبوة وما عهد إليهم أن يظهروها ولا يكتموها، وهم ما اكتفوا بالكتمان، بل حاولوا المجادلة في كونهم أحق بالنبوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قلت: فأين قرينة تخصيص أنهم أحق بها منه؟ قلت: قوله: (رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) الآية؛ لأن هذا إنما يستقيم جواباً إذا كانوا قد ادعوا النبوة بالأحقية، وتقرير الجواب: نحن وأنتم مستوون في كوننا عبيد الله وفي أن لكم أعمالاً ولنا أعمالاً، ولنا مزية عليكم بالإخلاص من حيث التوحيد الصرف والأعمال الخالصة، وإليه الإشارة بقوله: "فجاء بما هو سبب الكرامة". قوله: (هم فوضى في ذلك)، الأساس: ما لهم فوضى بينهم: مختلط، من أراد منهم شيئاً أخذ، وبنو فلان فوضى: مختلطون لا أمير عليهم، قال: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا

(وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) فجاء بما هو سبب الكرامة، أي: نحن له موحدون نخلصه بالإيمان، فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوة، وكانوا يقولون: نحن أحق بأن تكون النبوة فينا؛ لأنا أهل كتاب، والعرب عبدة أوثان. (أَمْ تَقُولُونَ) يحتمل فيمن قرأ بالتاء أن تكون "أم" معادلة للهمزة في (أَتُحَاجُّونَنَا) بمعنى: أي الأمرين تأتون؛ المحاجة في حكم الله، أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟ ! والمراد بالاستفهام عنهما إنكارهما معاً؛ وأن تكون منقطعة بمعنى: بل أتقولون، والهمزة للإنكار أيضاً، وفيمن قرأ بالياء لا تكون إلا منقطعة بمعنى: بل أتقولون، والهمزة للإنكار أيضاً، وفيمن قرأ بالياء لا تكون إلا منقطعة. (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ): يعني: أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً) [آل عمران: 67] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيمن قرأ بالتاء) أي الفوقاني: ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي، والباقون: بالياء. قوله: (لا تكون إلا منقطعة)، وذلك أن المتصلة تقتضي المساواة بين ما يلي الهمزة وأم، والمنقطعة لا تقتضيها، وها هنا أن أهل الكتاب لما خوطبوا بقوله: (أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) ثم جعلوا غائبين بقوله: (أَمْ يَقُولُونَ) انتفت المساواة؛ لأن المخاطبين حينئذ غيرهم، لأنه تعالى- بسبب تلك المجادلة الفظيعة، وهي قولهم: "نحن أحق بالنبوة من محمد صلوات الله عليه"- انتقل من خطابهم إلى النعي عليهم بخطاب غيرهم كالمخبر لهم ويستدعي منهم الإنكار عليهم، كقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يونس: 22]، ولا يحسن في المتصلة أن يختلف الخطاب من مخاطب إلى غيره كما يحسن في المنقطعة.

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ) أي: كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادته لإبراهيم بالحنيفية. ويحتمل معنيين أحدهما: أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم؛ لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها. والثاني: أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها. وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته. و (مِنَ) في قوله: (شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ) مثلها في قولك: هذه شهادة مني لفلان؛ إذا شهدت له، ومثله (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة: 1] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويحتمل معنيين)، أي: قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً). أحدهما: أن يراد بـ "من كتم": أهل الكتاب وأنهم لما كانوا ظالمين ثابتين عليه، صدرت الجملة بـ "إن" المؤكدة وأتي بالخبر مقروناً بـ "لا" الاستقرائية، فقيل: إن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم. وثانيهما: أن يراد به المسلمون، فمعناه: إنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا، فإنهم حين برئت ساحتهم عن نزول الظلم فيها جيء بـ "لو" المفيدة للشك، يعني: لو فرضنا الظلم كما تفرض المحالات، كان كَيْتَ وكَيْت، واعتبار النفي في المثالين مستفاد من الاستفهام المولد للتعجب، وذلك أن قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً) الآية، كالتذييل للكلام السابق، فإذا أريد بها شهادة أهل الكتاب كان تأكيداً لمضمون قوله: (أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا) إلى آخره؛ وأنه في معنى كتمان الشهادة، وإن عنى بها شهادة المسلمين كان تقريراً لما اشتمل عليه (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) إلى قوله: (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) لأنه في معنى إظهار الشهادة منهم. قوله: (وفيه تعريض) أي: في المعنى الثاني دون الأول لأنه تصريح. قوله: (بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ)، قال المصنف: "ومن: لابتداء الغاية متعلق بمحذوف وليس

[(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) 142 - 143] (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ): الخفاف الأحلام، وهم اليهود؛ لكراهتهم التوجه إلى الكعبة، وأنهم لا يرون النسخ. وقيل: المنافقون؛ لحرصهم على الطعن والاستهزاء. وقيل: المشركون؛ قالوا: رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها، والله ليرجعن إلى دينهم. فإن قلت: أي فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته: أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بصلة كما في قولك: برئت من الدين، والمعنى: هذه براءة واصلة من الله وروسله إلى الذين عاهدتم، كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان، فعلى هذا تقدير الكلام: شهادة كائنة من الله تعالى لمحمد صلوات الله عليه بالنبوة. قوله: ((السُّفَهَاءُ): الخفاف الأحلام) قال صاحب "الفرائد": السفيه: الذي يعمل بغير دليل، إما أن لا يلتفت إلى دليل ولا يتوقف إلى أن لاح له، بل يتبع هواه، أو أن يرى غير الدليل دليلاً. وقلت: المناسب أن يجعل تعليل تسمية اليهود بالسفهاء كراهتهم التوجه للكعبة بناءً على أنهم لا يلتفتون على الدليل، وهو حال النبي ذي القبلتين على ما في التوراة، ويتبعون أهواءهم بأخذ الرشى على الكتمان، وتسمية المشركين بالسفهاء لأجل أنهم لا يرون الدليل دليلاً لقولهم: رغب عن ملة آبائه، وما يدرون ما توجبه الحكمة والمصلحة من الفوائد.

لما يتقدمه من توطين النفس، وان الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأرد لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم. (مَا وَلاَّهُمْ): ما صرفهم (عَنْ قِبْلَتِهِمْ)؛ وهي بيت المقدس. (لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)، أي: بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها. (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) من أهلها (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم)، الانتصاف: ولهذا أدرج النظار في أثناء مناظرتهم العمل بالمقتضى الذي هو كذا، السالم عن معارضة كذا، فيسلفون ذكر المعارض قبل ذكر الخصم له، وهذه الآية من أحسن ما يستدل به عليه. قوله: (قبل الرمي يراش السهم) قال الميداني: يضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها. قوله: (وهو ما توجبه الحكمة): بيان لقوله: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) والضمير يعود إلى الهداية التي يدل عليها (يَهْدِي)، وذكر باعتبار الخبر وذلك "ما"، ويدل على كونه بياناً إيقاع "من توجيههم" بياناً لقوله: "ما توجبه"، أي: الهداية على صراط مستقيم، توجههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة. قال القاضي: القبلة في الأصل للحالة التي عليها الإنسان من الاستقبال، فصارت عرفاً للمكان المتوجه نحوه للصلاة، وهذا المكان لا يختص به مكان دون مكان لخاصية ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وغنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان.

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ) ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم (أُمَّةً وَسَطاً): خياراً، وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء؛ ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ونحوه: قوله صلى الله عليه وسلم: "وأنطوا الثبجة" يريد الوسيطة بين السمينة والعجفاء؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومثل ذلك الجعل العجيب)، يريد أن الكاف منصوب المحل على المصدر، وأن معنى المثل الذي يعطيه الكاف هو الصفة والحالة لا النظير والشبيه، والمشار إليه ما يفهم من مضمون قوله تعالى: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وهو الأمر العجيب الشأن، وذلك أنهم لما طعنوا بقوله: (مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ) جيء بقوله: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) جواباً له، وجعل (لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) توطئة للجواب، قالوا: أي شيء ولاهم عن قبلتهم؟ فأجيبوا: هداية الله اختصتهم بهذه التولية ومنحتهم الصراط المستقيم، وهو نظير قوله: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) [النور: 35]، فعلم من قوله: (مَنْ يَشَاءُ) تعظيم المسلمين، وأنهم المختصون بهذا الفضل دون سائر الناس، ومن قوله: (صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) تعظيم التوجيه إلى القِبلة وأنه هو النور، وهو الصراط المستقيم، يعني: كما جعلناكم في الدنيا أفضل الأمم وقبلتكم أفضل القبل جعلناكم في الآخرة شهداء على الناس تشهدون كما تشهد الأنبياء على أممهم، هذا هو الجعل العجيب الشأن، ويجوز أن يكون قوله: (قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) جواباً و (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) استئنافاً لبيان الموجب، وذلك أن الإضافة في قولهم: (مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ) بمعنى اللام، ولهذا طابقه اللام في قوله: (لِلَّهِ)، أي: أي داعية دعتهم على التولي عن القِبلة التي استقبلوها من تلقاء أنفسهم، ومتابعة أهوائهم؟ فأجيب بأن ليس ذلك اختصاصاً من قِبل أنفسهم، بل كل الجهات لله عز وجل، فهو يهدي من يشاء إلى الجهة التي أرادها تعالى. قوله: (وأنطوا الثبجة)، النهاية: الإنطاء: الإعطاء بلغة اليمن، أي: أعطوا الوسط في الصدقة لا من خيار المال ولا من رذالته، ولحقها تاء التأنيث لانتقالها من الاسمية إلى الوصفية.

وصفاً بالثبج؛ وهو وسط الظهر إلا أنه ألحق تاء التأنيث؛ مراعاة لحق الوصف. وقيل للخيار: وسط؛ لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والإعوار، والأوساط محمية محوطة، ومنه قول الطائي: كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا وقد اكتريت بمكة جمل أعرابي للحج، فقال: أعطني من سطاتهنه: أراد: من خيار الدنانير؛ أو: عدولاً؛ لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والإعوار)، الأساس: أعور الفارس: إذا بدا فيه عورة، أي: خلل، وقد أعور لك الصيد وأعورك: أمكنك للضرب. قوله: (قول الطائي)؛ أي: أبي تمام، وهو: حبيب بن أوس الطائي، يمدح المعتصم في فتح عمورية. قوله: (ليس إلى بعضها أقرب من بعض)، المغرب: الوسط، بتحريك العين: ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة، وبالسكون: اسم مبهم لداخل الدائرة مثلاً، ولذلك كان ظرفاً، فالأول يجعل مبتدأ وفاعلاً ومفعولاً به، وداخلاً عليه حرف الجر، ولا يصح شيء من هذا في الثاني، ويوصف بالأول مستوياً فيه: المذكر والمؤنث والاثنان والجمع، قال تعالى: (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)، وقد يبنى منه أفعل التفضيل، قال تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ) [المائدة: 89]، (وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) [البقرة: 238]. وقول المصنف: "عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض" إشارة إلى أنه كالمركز للدائرة.

(لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) روي: أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا، وهو أعلم، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فيشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم، وذلك قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء: 41]. فإن قلت: هلا قيل: لكم شهيداً، وشهادته لهم لا عليهم! قلت: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له؛ جيء بكلمة الاستعلاء، ومنه قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة: 6]، (كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: 117]. وقيل: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: (وَسَطاً) في الأصل: اسم المكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها، واستدل به على أن الإجماع حجة، إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لا نثلمت به عدالتهم. وقال الزجاج: يقال: هو من أوسط قومه، أي: من خيارهم، والعرب تصف الفاضل النسب بأنه من أوسط قومه، على التمثيل، فتمثل القبيلة بالوادي والقاع، فخير الوادي وسطه، فيقال: هذا من وسط قومه، ومن وسط الوادي، أي: من خير مكان فيه. قوله: (فهلا قيل: لكم شهيداً). هذا السؤال وارد على تأويله، وهو قوله: "فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم"، يعني أن "شهد عليه" أكثر ما تستعمل فيما فيه مضرة، كما أن

(وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) يزكيكم ويعلم بعدالتكم. فإن قلت: لم أخرت صلة الشهادة أولاً وقدمت آخراً؟ قلت: لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "شهد له" فيما فيه منفعة، ولو أريد ما ذهبت إليه لقيل: ويكون الرسول لكم شهيداً، وأجاب: أن الشهيد هنا ضمن معنى الرقيب، فعدي تعديته بـ "على"، وإنما أوجب ذلك مقام المدح، وهو قوله: (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)، روينا عن البخاري والترمذي وابن ماجة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجيء نوح وأمته، فيقول الله: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نذير، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهد أنه قد بلغ، وهو قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) الآية". قال صاحب "الانتصاف": من عليهم بثبوت كونهم شهداء على الناس أولاً، وثانياً: بثبوت كونهم مشهوداً لهم بالتزكية، خصوصاً من هذا الرسول المعظم، وقال أيضاً: وصف عيسى الرب عز وجل بالرقيب أولاً وبالشهيد ثانياً في قوله: (كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: 117] مع اتحاد معناهما، كما تقول: كنت محسناً إلينا وأنت محسن إلى كل واحد، خص ثم عم، فبذلك تم استدلال الزمخشري. وقلت: التحقيق فيه ما قررناه أن شهد عليه إنما تستعمل فيما فيه مضرة المشهود عليه، وأوجب ها هنا مقام المدح الحكم بالعكس، وأن يضمن الشهيد معنى الرقيب والمهيمن ليفيد معنى التزكية؛ لأن المزكي لابد أن يكون مراقباً على أحوال المزكى، فإذا شاهد منه ما اقتضى الصلاح والرشد والهداية لا يشهد إلا بعدالته ولا يصدر منه إلا تزكيته، ففي الكلام تضمين ثم كناية، والله أعلم.

اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم. (الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا) ليست بصفة للقِبلة، إنما هي ثاني مفعولي "جعل"، يريد: وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة؛ تألفاً لليهود، ثم حول إلى الكعبة، فيقول: وما جعلنا القبلة التي يجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولاً بمكة، يعني وما رددناك إليها؛ إلا امتحاناً للناس وابتلاء؛ (لِنَعْلَمَ) الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص (عَلَى عَقِبَيْهِ)؛ لقلقه فيرتد، كقوله: (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) الآية [المدثر: 31]، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم) وهو من باب قصر الفاعل على المفعول، أي: لا تتجاوز تزكية الرسول صلى الله عليه وسلم والشهادة بعدالة أحد سواهم. قوله: (التي يجب) بالجيم، وفي نسخة: بالحاء المهملة، وهي صفة القِبلة. قوله: (الثابت على الإسلام). معناه: الثابت على الصراط المستقيم الذي هو وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، دل عليه قوله: "ممن هو على حرف" أي: على طرف من طرفي العدل، وليس في الوسط، فيزل بأدنى شيء. قوله: (ينكص (عَلَى عَقِبَيْهِ)). ينكص: خبر بعد خبر، والنكوص: الإحجام عن الشيء، الراغب: إن قيل: كيف يتصور حقيقة انقلاب الإنسان على عقبيه؟ الجواب من وجهين: أحدهما: أن الإنسان متدرج في الفضيلة واكتساب المعرفة درجةً درجةً إلى حين الكمال، فإن حكمه في بطن أمه حكم النبات، ثم يصير في حكم الحيوان، ثم بعد الولادة يصير في حكم الإنسان باكتساب العلم والعمل حتى يرقى إلى أعلى المدارج، ومتى اخل بمرتبة وصل إليها ورجع عنها فقد انقلب على عقبيه. وثانيهما: أن الله تعالى أنشأ الأديان، فما زال يتمها شيئاً فشيئاً حتى كملها بنبينا صلوات الله عليه كما قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: 3]، فمن أنعم عليه بأن أوجده بعد

ويجوز أن يكون بياناً للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته يعني: أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لغرض، وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس لنمتحن الناس، وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه. وعن ابن عباس رضي الله عنه: كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه. فإن قلت: كيف قال: (لِنَعْلَمَ) ولم يزل عالماً بذلك؟ قلت: معناه: لنعلمه علماً يتعلق به الجزاء؛ وهو أن يعلمه موجوداً حاصلاً، ونحوه: (وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 142]. وقيل: ليعلم رسول الله والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى ذاته؛ لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده. وقيل: معناه: لنميز التابع من الناكص، كما قال الله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ) [الأنفال: 37]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعثته وأدرك تلك السعادة، ثم رغب عنه مائلاً إلى ما قبله من الشرائع المنسوخة فقد انقلب على عقبيه. قوله: (ويجوز أن يكون بياناً) أي: قوله: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ) إلى آخره، وهو عطف على قوله: " (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ): الجهة التي كنت عليها"، وعلى الأول كان بياناً للحكمة في جعل الكعبة قبلة، تقريره: أنه صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بأن يصلي إلى الكعبة ثم أمر بالتحويل إلى بيت المقدس، ثم أعيد إلى ما كان أولاً وهي الكعبة، فالمخبر به الجعل الناسخ، وهي الجهة التي كان عليها، يعني: ما رددناك إلى ما كنت عليه إلا لابتلاء الناس، وعلى الثاني: كان صلى الله عليه وسلم مأموراً بأن يصلي إلى بيت المقدس، ثم أمر بأن يتحول إلى الكعبة، فالمخبر به الجعل المنسوخ، يعني أنت الآن على ما ينبغي أن تكون عليه، وما كنت عليه قبل هذا كان أمراً عارضاً. قوله: (لنعلمه علماً يتعلق به الجزاء)، وهو أن نعلمه موجوداً حاصلاً.

فوضع العلم موضع التمييز؛ لأن العلم به يقع التمييز. (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: هذا العلم وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء، والمعنى: يتعلق علمنا به موجوداً. وتحقيقه ما ذكره الزجاج: أن الله عز وجل يعلم من يتبع الرسول ممن لا يتبع قبل وقوعه، وذلك العلم لا يوجب مجازاة في ثواب ولا عقاب، ولكن المعنى: ليعلم ذلك منهم شهادة، فيقع عليهم بذلك العلم اسم المطيعين واسم العاصين، فيتعين ثوابهم على قدر عملهم، وتكون معلومة في حال وقوع الفعل منهم شهادة، كقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) [التغابن: 18]، فعلمه به قبل وقوعه غيب، وعلمه به حال وقوعه شهادة، وهذا يبين كل ما في القرآن مثله. وقال الإمام: المسلمون اتفقوا على أنه تعالى عالم بالجزئيات كلها قبل وقوعها، ثم قال أبو الحسين البصري من المعتزلة: العلم يتغير عند تغير المعلوم؛ لأن العلم بكون العالم غير موجود وأنه سيوجد لو بقي حال وجود العالم لكان جهلاً، وإلا لوجب التغير، وقال أهل السنة: لا يلزم التغير؛ لأن عند إيجاد العالم انقلب ذلك العلم علماً بأنه قد حدث ولم يلزم حدوث علم الله تعالى، ونظيره الإخبار بقوله: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) [الفتح: 27]، فلما دخلوه انقلب ذلك الخبر إلى هذا من غير أن يتغير الخبر الأول. قوله: (لأن العلم به يقع التمييز)، هذا موافق لقول من قال: العلم صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض، فهو من باب إطلاق السبب على المسبب.

هي "إن" المخففة التي تلزمها اللام الفارقة، والضمير في (كَانَتْ) لما دل عليه قوله: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا) من الردة أو التحويلة أو الجعلة، ويجوز أن يكون للقبلة. (لَكَبِيرَةً): لثقيلة شاقة (إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ): إلا على الثابتين الصادقين في إتباع الرسول، الذين لطف الله بهم وكانوا أهلاً للطفه. (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: ثباتكم على الإيمان، وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم، وأعد لكم الثواب العظيم. ويجوز أن يراد: وما كان الله ليترك تحويلكم؛ لعلمه أن تركه مفسدة وإضاعة لإيمانكم. وقيل: من كان صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل فصلاته غير ضائعة. عن ابن عباس رضي الله عنه: لما وجه رسول الله إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت. (لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ): لا يضيع أجورهم ولا يترك ما يصلحهم. ويحكى عن الحجاج: أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا على الثابتين الصادقين)، وإنما فسر (الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) بالثابتين؛ لأنه مقابل لقوله تعالى: (مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)، ويعلم من المفهوم أنها كبيرة على المتزلزلين المرادين من قوله تعالى: (مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ). قوله: (عن ابن عباس رضي الله عنه: لما وجه)، عن الترمذي وأبي داود والدارمي، عن ابن عباس: لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ). قوله: (ما رأيك في أبي تراب؟ )، عنى به علياً رضوان الله عليه، منقصة له وحطاً لمنزلته، روى ابن عبد البر في "الاستيعاب"، أنه قيل لسهل بن سعد: إن أمير المؤمنين يريد أن يبعث

فقرأ قوله: (إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ)، ثم قال: وعلي منهم، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختنه على ابنته، وأقرب الناس إليه، وأحبهم. وقرئ: (إلا ليعلم) على البناء للمفعول. ومعنى العلم: المعرفة. ويجوز أن تكون (مَن) متضمنة لمعنى الاستفهام معلقاً عنها العلم، كقولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو؟ وقرأ ابن أبي إسحاق: (على عقبيه) بسكون القاف، وقرأ اليزيدي: (لكبيرة) بالرفع، ووجهها: أن يكون "كان" مزيدة، كما في قوله: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إليك تسب علياً عند المنبر، فقال: أقول ماذا؟ قال: تقول: أبا تراب، فقال: والله ما سماه بذلك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على فاطمة رضي الله عنها، فقال: "أين ابن عمك؟ " فقالت: هو ذاك مضطجع في صحن المسجد، فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره، وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول: "اجلس أبا تراب"، فوالله ما سماه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما كان اسم أحب إليه منه"، وأخرجه البخاري أيضاً مع تغيير يسير. قوله: (وعلي منهم)، أي: هو من جملتهم وداخل تحت امتحان الله تعالى بقوله: (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)، وهو من الذين اتبع الرسول وممن هداه الله، أي: الثابتين على الإيمان؛ لأن الناس عند نزول هذه الآيات بين التابع والناكص، ولا ارتياب أنه من التابع. قوله: (ويجوز أن تكون (مَنْ) متضمنة لمعنى الاستفهام)، قيل: هو معطوف على قوله: "ومعنى العلم المعرفة" أي: لا يكون من أفعال القلوب، بل تكون (مَن): موصولة و (يَتَّبِعُ): صلته، يدل عليه قوله فيما سبق: "ليعلم الثابت على الإسلام الصادق فيه".

وجيران لنا كانوا كرام ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو البقاء: لا يجوز أن تكون (مَن) استفهامية؛ لأن ذلك يوجب أن يعلق "نعلم" عن العمل، وإذا علقت عنه لم يبق لقوله: (مِمَّنْ يَنقَلِبُ) ما يتعلق به؛ لأن ما بعد كلمة الاستفهام لا يتعلق بما قبله، ولا يصح تعلقها بـ (يَتَّبِعُ)؛ لأنها في المعنى متعلقة بـ "نعلم"، وليس المعنى: أي فريق يتبع (مِمَّنْ يَنقَلِبُ)، بل (مَن يَتَّبِعُ): موصولة منصوبة بـ "نعلم"، والمعنى: ليفصل المتبع من المنقلب، وهو الذي عناه المصنف قبيل هذا: "لنميز التابع من الناكص"، ويمكن أن يعلق بـ (يَتَّبِعُ) على أنه حال من فاعله، أي: لنعلم أي فريق يتبع الرسول مميزاً ممن ينقلب على عقبيه. قوله: (وجيران لنا كانوا كرام). أوله: فكيف إذا مررت بدار قوم قال سعدان: قال الأصمعي: أنشد الفرزدق القصيدة التي مستهلها: قفا يا صاحبي بنا لعنا ... نرى العرصات أو أثر الخيام فلما بلغ: كانوا كرام، قال الحسن البصري: يا أبا فرسا، كراماً، قال الفرزدق: ما ولدتني إذاً إلا ميسانية إن جاز ما قلت يا أبا سعيد، وفي "المغرب": ميسان: قرية من قرى العراق.

والأصل: وإن هي لكبيرة، كقولك: إن زيد لمنطلق. ثم وإن كانت لكبيرة، وقرئ: (ليضيع) بالتشديد. [(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ) 144 - 145]. (قَدْ نَرَى) ربما نرى، ومعناه: كثرة الرؤية، كقوله: قد أترك القرن مصفراً أنامله ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أراد: أني لم أكن إذاً من العرب، بل أكون من المولدين. قوله: ((قَدْ نَرَى) معناه: ربما نرى)، اعلم أن لفظة "قد" قد يعنى بها ضدها لمجانسة بين الضدين، ومثله "رب" للتقليل، ثم تستعار للتكثير، قال: فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود قوله: (قد أترك القرن مصفراً أنامله)، تمامه: كأن اثوابه مجت بفرصاد القرن: من هو مثلك في الشجاعة، مصفراً أنامله، أي: مقتولاً خرجت روحه فاصفرت أصابعه، مجت: من مج الرجل الماء من فيه، أي: رمى، والفرصاد: التوت، أي: مجت بماء فرصاد، أي: صب عليها كما يصب الماء من الفم.

(تَقَلُّبَ وَجْهِكَ): تردد وجهك، وتصرف نظرك في جهة السماء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة؛ لأنها قِبلة أبيه إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم؛ ولمخالفة اليهود، فكان يراعي نزول جبريل عليه السلام والوحي بالتحويل. (فَلَنُوَلِيَنَّكَ): فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها، من قولك: وليته كذا؛ إذا جعلته والياً له؛ أو: فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولمخالفة اليهود): عطف على: (لأنها قبلة أبيه). قوله: (فكان يراعي نزول جبريل [عليه السلام] والوحي بالتحويل)، قال القاضي: وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل. قوله: (أو: فلنجعلنك تلي سمتها)، الأساس: السمت: النحو والطريق، وسامته مسامتة وتسمته: تعهده وقصد نحوه. هذا الوجه وإن كان موافقاً لقوله: (فَوَلِّ) لكن الأول أقضى لحق ما يستدعيه قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) ليؤذن أن الله تعالى يسارع في رضاه ويملكه ما يتمناه، كما قالت عائشة رضي الله عنها: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك، الحديث، أخرجه الشيخان وغيرهما. قال القاضي: خص الرسول صلى الله عليه وسلم بالخطاب تعظيماً له وإيجاباً لرغبته، ثم عم تصريحاً بعموم الحكم وتأكيداً لأمر القبلة، وتحضيضاً للأمة على المتابعة.

(تَرْضَاهَا): تحبها وتميل إليها؛ لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تَرْضَاهَا): تحبها). أي: الرضا مجاز عن المحبة، الراغب: قيل: لم يقصد بقوله: (تَرْضَاهَا) أنك ساخط للقبلة التي كنت عليها، بل إنه صلى الله عليه وسلم ألقي في روعه أن الله تعالى يريد تغيير القبلة، وكان يتشوقه ويحبه، وقيل: تحبها؛ لأن مرادك لم يخالف مرادي، وهذه المنزلة يشير إليها أولو الحقائق، ويذكرون أنها فوق التوكل؛ لأن قضية المتوكل: الاستسلام لما يجري عليه من القضاء كأعمى يقوده بصير، وهذه المنزلة هي أن يحرك الحق سره بما يريد فعله، وعن ابن عباس أنه أحبها اقتداء بإبراهيم عليه السلام. وعن الزجاج: أحبها لاستدعاء العرب لها. فكل هذه الإرادات صحيحة، وفي تطلعه الوحي المنزل دون الطلب تنبيه على حسن أدبه صلوات الله عليه حيث انتظر ولم يسأل، فالولي الذي قد حصلت له قربة قد تنقص قربته بالمسألة، كما جاء في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". قال أمية بن أبي الصلت: إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضك الثناء

ووافقت مشيئة الله وحكمته. (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): نحوه، قال: وأطعن بالقوم شطر الملوك وقرأ أبي: (تلقاء المسجد الحرام) وعن البراء بن عازب: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة. وقيل: كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين ورسول الله صلى الله عليه وسلم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): نحوه)، قال الزجاج: يقال: هؤلاء القوم مشاطرونا، أي: دورهم تتصل بدورنا. وقال القاضي: الشطر في الأصل: لما انفصل عن الشيء، من: شطر: إذا انفصل، ودار شطور: منفصلة عن الدور، ثم استعمل لجانب الشيء وإن لم ينفصل كالقطر. قوله: (وأطعن بالقوم شطر الملوك)، تمامه: حتى إذا خفق المجدح المجدح: الدبران؛ لأنه يطلع آخراً، ويسمى حادي النجوم، وتزعم العرب أنه يمطر بها، ومجاديح السماء: أنواؤها، وطعن في المفازة يطعن ويطعن: ذهب، والباء في "بالقوم": للتعدية. أي: أذهب بالقوم في زمن الجدب إلى الملوك حتى تغيب الدبران ويزول القحط فيرجعوا إلى وطنهم. قوله: (فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والنسائي، عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه

في مسجد بني سلمة، وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال؛ فسمي المسجد مسجد القبلتين. و (شَطْرَ الْمَسْجِدِ) نصب على الظرف، أي: اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد، أي: في جهته وسمته؛ لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد. وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين. (لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ): أن التحويل إلى الكعبة هو الحق؛ لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يصلي إلى القبلتين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة، فداروا كما هم قبل البيت. وفي رواية عن مسلم وأبي داود، عن أنس: وهم ركوع في صلاة الفجر قد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة حولت، فمالوا كما هم نحو القبلة. قوله: (لأن استقبال عين القِبلة فيه حرج عظيم)، الانتصاف: من قال بأن الواجب على البعيد عين الكعبة يرد عليه صحة صلاة الصف المستطيل زيادة عن سمت الكعبة، ومن قال بالجهة يلزمه أن من كان في الشمال مثلاً له أن يصلي إلى الجهات الثلاث لأنها جهات الكعبة، والسمت غير مرعي على هذا، والمختار في الفتوى أن الواجب في البعد: الجهة.

(يَعْمَلُونَ) قرئ بالتاء والياء. (مَا تَبِعُوا) جواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط. (بِكُلِّ آيَةٍ) بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق. (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)؛ لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق. (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) حسم لأطماعهم؛ إذ كانوا ماجوا في ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم. وقرئ: (بتابع قبلتهم) على الإضافة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يَعْمَلُونَ)، قرئ بالتاء): ابن عامر وحمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء، وعلى القراءة بالتاء تذييل لقوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) إلى قوله: (وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ووعد للمؤمنين، يعني: أن الله لا يضيع عملكم وما عقدتم به نياتكم، وعلى القراءة بالياء: وعيد لأهل الكتاب. قوله: (سد مسد جواب الشرط)، يريد أن اللام في قوله: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ) موطئة للقسم. قوله: ((وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) حسم لأطماعهم)، الراغب: أي: لا يكون منك، ومحال أن يكون؛ لأن من عرف الله حق المعرفة محال أن يرتد، وقد قيل: ما رجَعَ من رَجَعَ إلا من الطريق، أي: ما أخل بالإيمان إلا من لم يصل إلى الله حق الوصول، ولم يعن بهذه المعرفة ما جعل الله للإنسان بالفطرة، فإن ذلك كشررة تهمد إذا لم تتقد. قوله: (إذ كانوا ماجوا في ذلك)، الأساس: ومن المجاز: ماج الناس في الفتنة: اضطربوا، وهم يموجون فيها.

(وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة، لا يرجى اتفاقهم كما لا يرجى موافقتهم لك؛ وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس. أخبر عز وجل عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه؛ فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه؛ لتمسكه بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله؛ لشدة شكيمته في عناده. وقوله: (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عن تصلب كل حزب)، الأساس: ومن المجاز: فلان صلب في دينه، وقد تصلب لذلك: تشدد له. قوله: (شكيمته)، الأساس: عض الفرس على الشكيمة والشكيم، ومن المجاز: إن فلاناً لشديد الشكيمة: إذا كان ذا حد وعارضة. قوله: (وقوله: (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ)): مبتدأ، والخبر: "كلام وارد"، والضمير في "حاله" لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي "عنده" لله تعالى، وقوله: (في قوله) ظرف للإفصاح، يعني: مجيء قوله: (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) بعد ما أفصح بقوله: (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) يدل على أن الكلام وارد على سبيل الفرض والتقدير: إلهاباً أو تعريضاً، لئلا يلزم التنافي بين ذلك التصريح بالنفي البليغ وهذا التعليق، وإنما كان النفي بليغاً لمجيء "الباء" في الخبر، وإن "أنت" نحو مثل في قولك: مثلك لا يبخل، وجدت نحوه في تضاعيف كلامه، وإفادة ذلك من أن قوله: (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) عطف على جواب القسم، على أن القسم منصب على المعطوفين معاً، وتحرير المعنى: والله ما مثلك في صدد الرسالة ومتبع الآيات البينات بتابع قبلة هؤلاء الجهلة الذين لا يجدي عليهم كل برهان قاطع، وإلى معنى العطف على جواب القسم ينظر.

- بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله: (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) - كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير، بمعنى: ولئن اتبعتهم مثلاً بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر؛ (إِنَّكَ إِذاً لَمِنْ الظَّالِمِينَ) المرتكبين الظلم الفاحش. وفي ذلك لطف للسامعين، وزيادة تحذير واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده)، يعني أنه تعالى أقسم على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بتابع قبلتهم لما علم من حقيقة حاله ذلك. قوله: (وفي ذلك لطف للسامعين)، والمشار إليه بقوله: "ذلك" مفهوم هذه الآية وما تضمنت من التعريض والتهييج، أما التعريض فهو: أما بالنسبة إلى المؤمنين فيكون لطفاً لهم؛ لأن من بلغت منزلته إلى أقصى نهايات الكمال إذا خوطب بذلك الخطاب الهائل فالمؤمنون أحرى بأن يحذروا من متابعة ما نهى عنه، وبالنسبة إلى الكافرين يكون استفظاعاً لحالهم؛ لأن المؤمنين مع جلالتهم إذا حذروا متابعة أهوائهم أشد التحذير فكيف بالكافر الذي ركب هواه وكان خليعاً فيه؟ الراغب: حذر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من اتباع أهوائهم، وقد أكثر الله تحذيره من الجنوح إلى الهوى، وكرر ذلك في عدة مواضع، وقول من قال: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعني به الأمة فلا معنى له؛ لأن من قدر له المنزلة الرفيعة أحوج حفظاً لمنزلته وصيانة لمكانته من الغير، وقد قيل: إن حق المرآة المجلوة أن يكون تعهدها أكثر، إذ قليل من الصدأ عليها أظهر. وهو واقع على سبيل الكناية. قال صاحب "المفتاح": التعريض تارة يكون على سبيل الكناية، وأخرى على سبيل المجاز، فإذا قلت: آذيتني فستعرف، وأردت المخاطب، ومع المخاطب إنساناً آخر، كان من

وتهييج وإلهاب للثبات على الحق. فإن قلت: كيف قال: (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) ولهم قبلتان؛ لليهود قبلة، وللنصارى قبلة؟ قلت: كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة. [(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ* وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَاتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) 146 - 148]. (يَعْرِفُونَهُ): يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص. (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم. وعن عمر رضي الله عنه: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قبيل الأول، وإن لم ترد المخاطب كان من قبيل الثاني، وأما التهييج فلأنه جل منصب الرسالة من ركوب الشنعاء فيكون سبباً لمزيد الثبات على الطريق المستقيم، كقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: 65]. قال القاضي: أكد الله تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه، وقيل: الوجوه: لام القسم، و"إن" واللام في خبرها، والجملة الاسمية، والتعبير بـ "إذاً"، ونسبة الظلم إليه، وجمعه، واستغراقه. قوله: (وتهييج وإلهاب)، الأساس: ألهبته الأمر: أردت بذلك تهييجه وإلهابه، الجوهري: هاج هائجه، أي: ثار غضبه. قوله: (كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد)، الانتصاف: مثله (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) [البقرة: 61] مع أنه منٌّ وسلوى؛ لأنهما من طعام المترفه. قوله: (المعين المشخص). يروى بكسر الياء والخاء عن الأصل.

أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني. قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت. فقبل عمر رأسه. وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر، لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته وكونه علماً معلوماً بغير إعلام. وقيل: الضمير للعلم، أو القرآن، أو تحويل القبلة ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو التحويل). روى الإمام عن ابن عباس والمفسرين أن الضمير راجع إلى أمر القبلة، يعني: علماء أهل الكتاب يعرفون أمر القبلة التي تقلبك إليها كما يعرفون أبناءهم، وقال الإمام: "الأصل في الضمير أن يرجع إلى أقرب المذكورات وهو العلم في قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ)، والمراد بالعلم: النبوة، كأنه قيل: يعرفون أمر النبوة كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فهو ما تقدم". وقيل: لو كان الضمير للقرآن لوجب أن يقال: يعرفونه كما يعرفون التوراة، رعاية للمناسبة، فلما قيل: كما يعرفون أبناءهم عرف أن الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم، وإليه الإشارة بقوله: " (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) يشهد للأول"، قالوا: في قوله: "جاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر" نظر؛ لأن من ابتداء قوله: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) إلى هنا قد تكرر الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ)، (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ)، (مَا جَاءَكَ)، و (إِنَّكَ) نعم، فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، فكيف يقال: "وإن لم يسبق له ذكر؟ " فيقال: لم يسبق له ذكر يعني: في كلام ورد في شأنه صلوات الله عليه وسلامه؛ لأن الخطاب معه صلوات الله عليه تابع لأمر القبلة، فإن الآيات السالفة وردت في شأن القبلة، وهذه في شأن نفسه صلوات الله عليه، فليس بينهما مناسبة، ومن ثم ابتدأ بقوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ) من غير عاطف، فلو رجع الضمير إلى المذكور السابق لأوهم نوع اتصال ولم يحسن ذلك الحسن.

وقوله: (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) يشهد للأول وينصره الحديث عن عبد الله بن سلام. فإن قلت: لم اختص الأبناء؟ قلت: لأن الذكور أشهر وأعرف وهم لصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق. وقال: (فَرِيقاً مِنْهُمْ) استثناء لمن آمن منهم، أو لجهالهم الذين قال الله تعالى فيهم: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) [البقرة: 78]. (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) يحتمل أن يكون الحق خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق، أو: مبتدأ خبره (مِنْ رَبِّكَ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتقرير النظم: أنه تعالى لما ذكر أمر القبلة وذكر قول السفهاء من أهل الكتاب وطعنهم فيه مع أنهم يعلمون أن التحويل هو الحق؛ لأنه كان مذكوراً عندهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى القبلتين، جاء بهذه الآية على سبيل الاستطراد بجامع المعرفة الجلية مع الطعن فيه، والدليل على أن الآية مستطردة: قوله تعالى بعد ذلك: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا)، ولناصر من ذهب إلى أن الضمير لأمر القبلة أن نظم الآي السابقة والآتية يستدعي اتحاد الضمائر؛ لأن الكلام فيها في أمر القبلة. قوله: (لأن الذكور أشهر وأعرف)، الراغب: إنما قال (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) ولم يقل: أنفسهم؛ لأن الإنسان لا يعرف نفسه إلا بعد انقضاء برهة من دهره، ويعرف ولده من حين وجوده، ثم في ذكر الابن ما ليس في ذكر النفس؛ لأن ابن الإنسان عصارة ذاته ونسخة صورته. قوله: (استثناء لمن آمن منهم أو لجهالهم الذين قال الله تعالى فيهم: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ))، هذا الاستثناء معنوي لا اصطلاحي، وهو بمعنى الإخراج، وقد صرح به صاحب "المطلع" حيث قال: (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ): إخراج لمن آمن منهم أو لجهالهم.

وفيه وجهان: أن تكون اللام للعهد والإشارة على الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ) تخصيص لمن عاند، واستثناء لمن آمن، وقيل: معنى قول القاضي: أن قوله: (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ) يدل من حيث المفهوم أن غير ذلك الفريق لا يكتمون الحق. وقلت: معناه: أن أهل الكتاب كانوا فرقاً ثلاثاً: فرقة يعلمون ويكتمون كابن صورياً وكعب بن الأشرف، وأخرى يعلمون ولا يكتمون كعبد الله بن سلام، وفرقة أميون، فخص الله تعالى بالذكر من الفرق الثلاث فرقة كتموا الحق، ليبقى في ذلك العام من آمن منهم أو الأميون، والحاصل أن هذا من باب عطف الخاص على العام، وتخصيصه بالحكم كقوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) [البقرة: 228]، والترديد بـ "أو" في كلامه بناءً على معنى الذين آتيناهم الكتاب، فإذا اعتبر مطلق اليهود كان متناولاً للجهال أيضاً، وإذا اعتبر العارفون بالكتاب كان متناولاً لمن آمن منهم، فإن قلت: كيف يعتبر العموم وقد قيد بالمعرفة؟ فالجواب عنه ما ذكره في قوله: (وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً) [مريم: 66]، فلينظر هناك. قوله: (وفيه وجهان). ذكر الوجهين بعد ذكر الاحتمالين يوجب أن تكون الأقسام أربعة، لكن ذكر المصنف منها وجهين فخص كلاً من التقديرين بكل من الاحتمالين، فحين جعل اللام للعهد قدر خبر مبتدأ محذوف، وحين جعلها جنساً جعل (مِنْ رَبِّكَ) الخبر، وذلك أن اللام إذا كان للعهد والمشار إليه ما سبق، وهو: إما ما عليه الرسول عليه الصلاة والسلام

أو إلى الحق الذي في قوله: (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ) أي: هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك؛ وأن تكون للجنس على معنى: الحق من الله لا من غيره، يعني ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الدال عليه قوله: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)، وإما الحق الذي اشتمل عليه قوله: (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ)، فالضمير المقدر مبتدأ راجع إلى اسم الإشارة، والخبر معرف باللام فيفيد الحصر الذي نبه عليه بقوله: "هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك"، وإذا كان للجنس فالمشار إليه ما في ذهن أهل الحق من الحق الذي هم فيه. وذكر القاضي وجهاً آخر، وقال: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ): كلام مستأنف مبتدأ وخبر، واللام للعهد، والإشارة على ما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أو الحق الذي يكتمونه. بقي وجه آخر وهو أن تكون اللام للجنس "ويكتمون" خبر مبتدأ محذوف، فهو ممتنع، لأنه لا معنى لقولك: المذكور جنس الحق الكائن من ربك، اللهم إلا على الادعاء كما في قولك: حاتم الجواد. وعلى التقديرين الحصر لازم، أما على العهد فكما سبق، وأما على الجنس فلأن حقيقة الحق وماهيته إذا كانت صادرة من الله تعالى لا يكون فرد من أفرادها لغيره، وإليه الإشارة بقوله: "الحق من الله لا من غيره". قوله: (أو إلى الحق الذي في قوله: (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ))، فيه إشكال لما يؤدي إلى اتحاد الخبر والمخبز عنه، وأن التقدير: هذا الذي يكتمونه هو الذي يكتمونه، فيقال: لا ارتياب أن الحق الأول مظهر وضع موضع ضمير هو عبارة عما في "يعرفونه"، للإشعار بأن الذي يعرفونه ويكتمونه حق مبين، وهم في كتمانه على ضلال وباطل، فالمبتدأ المقدر عبارة عن المعنى، وهو شأن الرسول صلى الله عليه وسلم أو القرآن أو التحويل، فالإشارة باللام إلى اللفظ وهو مطلق الحق، وإليه يلمح قوله: "هذا الذي يكتمونه هو الحق"، ونظيره قوله تعالى: (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوْ افْتَدَى بِهِ) [آل عمران: 91].

أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه، وما لم يثبت أنه من الله- كالذي عليه أهل الكتاب- فهو الباطل. فإن قلت: إذا جعلت الحق خبر مبتدأ فما محل (مِنْ رَبِّكَ)؟ قلت: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون حالاً. وقرأ علي رضي الله عنه: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) على الإبدال من الأول، أي: يكتمون الحق من ربك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال المصنف: "هو كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً"، فجعل ملء الأرض ذهباً في معنى الفدية، بدلالة (وَلَوْ افْتَدَى بِهِ)، وجعل الضمير في (بِهِ) راجعاً إلى لفظه لا معناه، ومرجع قوله: "الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم" إلى الحق المطلق أيضاً لقوله تعالى: (إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) [النمل: 78]، وقوله: (إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ* عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [يس: 3 - 4]، ومنه الحديث: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة"، وسألوا: من هي يا رسول الله؟ رواه الترمذي عن ابن عمر. يعني: هذا الذي يكتمونه هو الحق المبين، فالمثال وارد على وجهي العهد، ويقال: يجوز أن يراد ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من النعت والوصف الثابت في الكتابين، المعنى: هذا الذي كتموه من النعت والوصف ثابت من الله تعالى في التوراة والإنجيل، والأول أظهر لدلالة قوله: "الحق الذي عليه"، إذ لو أريد الثاني لقال: الذي فيه، يعضده قول المصنف: "يعني أن الحق: ما ثبت أنه من الله، كالذي أنت عليه" إلى آخره والله أعلم. قوله: (وأن يكون حالاً)، فعلى هذا، المبتدأ المقدر "هذا" ليصح قوله: "الحق من ربك، على الإبدال".

(فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ): الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم، أو في أنه من ربك. (وَلِكُلٍّ) من أهل الأديان المختلفة (وِجْهَةٌ): قبلة، وفي قراءة أبي: (ولكل قبلة). (هُوَ مُوَلِّيهَا) وجهه، فحذف أحد المفعولين. وقيل: (هُوَ) لله تعالى، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال المصنف: هذه القراءة تؤكد كون (مِنْ رَبِّكَ) حالاً، وتدل على أن اللام للعهد. قوله: (أو في أنه من ربك). أي: لا تكونن من الشاكين في أنه من ربك. قال القاضي: وليس المراد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشك فيه؛ لأنه غير متوقع منه، بل إما: تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو: أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ. قلت: الأول من باب قوله: "بشر المشائين"، والثاني: من قوله: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ) [الطلاق: 1]، لكن المعنى على الأول أبلغ؛ لأن الخطب من العظم بحيث لا يختص بالخطاب أحد دون أحد، وعلى الثاني: تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إمام أمته وقدوتهم اعتباراً لتقدمه وإظهاراً لمرتبته. قوله: ((وِجْهَةٌ): قبلة). قال أبو البقاء: وجهة جاء على الأصل، والقياس جهة، والوجهة: مصدر في معنى المتوجه إليه كالخلق بمعنى المخلوق، وقال الزجاج: يقال: هذه جهة ووجهةٌ ووِجْهَةٌ. قوله: ((هُوَ مُوَلِّيهَا) وجهه). قال الزجاج: "هو" لكل، المعنى: كل أهل وجهة هم الذين

أي: الله موليها إياه وقرئ: (ولكل وجهة) على الإضافة، والمعنى: وكل وجهة الله موليها، فزيدت اللام؛ لتقدم المفعول، كقولك: لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولوا وجوههم إلى تلك الجهة، وقيل: هو موليها، أي: الله تعالى يولي أهل كل ملة القبلة التي يريد، فعلى التقديرين أحد مفعوليه محذوف. قوله: (وقرئ: "ولكل وجهة" على الإضافة)، وتوجيهه: أن يقدر مضاف مثل: ولكل صاحب وجهة، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والضمير في (مُوَلِّيهَا) راجع إلى الوجهة، أي: الله مولي الوجهة كل صاحب وجهة، "وكل": مفعول "مول"، فملا قدم أدخل اللام لضعف العامل. قال أبو البقاء والقاضي: المعنى: وكل وجهة الله موليها أهلها، واللام مزيدة للتأكيد، أو: الضمير راجع إلى المصدر. قال السجاوندي: المعنى: الله مولي لكل وجهة تولية، و"ها": تعود على التولية المفهومة من موليها، واللام كقوله: (لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) [يوسف: 43]؛ تم كلامه. مثاله قول الشاعر: هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب الضمير في "يدرسه" لمصدره لا للقرآن، لأنه لو كان للقرآن لا يكون لإدخال اللام وجه؛

وقرأ ابن عامر: (هو مولاها) أي: هو مولى تلك الجهة، وقد وليها، والمعنى: لكل أمة قبلة تتوجه إليها منكم ومن غيركم. (فَاسْتَبَقُوا) أنتم (الْخَيْرَاتِ) واسبقوا إليها غيركم من أمر القبلة وغيره. ومعنى آخر؛ وهو أن يراد: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن الفعل قد أخذ مفعوله، وإذا كان الضمير للمصدر يستقيم ذلك، وكذا الضمير في ضاربه للمصدر، "ولزيد": مفعوله، أي: لزيد أبوه ضارب الضرب، وإنما أورد المصنف المثالين ليشير إلى أنه يجوز أن يكون الضمير في (مُوَلِّيهَا) للوجهة، وأن يكون للمصدر الذي هو التولية. قوله: (وقرأ ابن عامر: "هو مولاها")، قال أبو البقاء: "وهو" على هذا: ضمير الفريق، و"مولى" لما لم يسم فاعله، والمفعول الأول: الضمير المرفوع فيه، و"ها": ضمير المفعول الثاني الراجع إلى الوجهة، ولا يجوز على هذه القراءة أن يكون "هو" ضمير اسم الله تعالى لاستحالة ذلك المعنى، والجملة صفة لـ "وجهة". قوله: (ومعنى آخر): عطف على قوله: "والمعنى: لكل أمة"، يعني: يجوز أن تكون الآية عامة في كل أهل الأديان المختلفة لقوله: "منكم ومن غيركم"، وفي كل أعمال صالحة لقوله: "من أمر القبلة وغيره"، وفي كل ما يتصل بالأعمال من الجزاء إلى الموافق والمخالف، فيكون تذييلاً لقوله: (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ)، أي: اعلموا أن لكل حزب من اليهود والنصارى جهة يستقبلونها وهم يصلون فيها، فاستقبلوا أنتم- يا أمة محمد- الخيرات واستبقوا إليها غيركم، ويجوز أن تكون مختصة بأمة محمد صلوات الله عليه وسلامه، وهو لوجهين، أحدهما: أن يراد بالوجهة: استقبال القبلة والسبق، وثانيهما: أن يختص كل من ألفاظ الآية إلى آخرها بأمر القِبلة وما يتصل به، وحينئذ تكون الآيات التالية كعطف تفسيري لهذه الآية.

ولكل منكم- يا أمة محمد- وجهة، أي: جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية. (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ). (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَاتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً) للجزاء، من موافق ومخالف، لا تعجزونه. ويجوز أن يكون المعنى: فاستبقوا الفاضلات من الجهات، وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت. (أَيْنَ مَا تَكُونُوا) من الجهات المختلفة (يَاتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً) يجمعكم ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة، وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: أينما تكونوا مجتمع الأجزاء ومفترقها يأت بكم الله جميعاً، أي: يحشركم الله تعالى للجزاء. قلت: وفي تركيب "الكشاف" لف ونشر واستطراد بين، إذ لو لم يرد النشر لكان مكان قوله: " (يَاتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً) للجزاء من موافق ومخالف" قبل قوله: "ومعنى آخر" ليكون الشروع في الوجه الخاص بعد الفراغ من العام ظاهراً، ولو لم يذهب إلى الاستطراد لكان الظاهر أن يذكر الوجهان المختصان بالمؤمنين على سنن واحد، ثم يتبع لكل من العام والخاص بما يناسبهما من غير تخلل أجنبي، فلما أخر أحد وجهي الخاص عما يتعلق بالوجه العام والأول من وجهي الخاص؛ وهو (يَاتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً) للجزاء؛ علم أن المصنف أورد هذا الوجه استطراداً، والله أعلم. الراغب: وفي الآية قول آخر، وهو أنه تعالى قيض الناس في أمور دنياهم وآخرتهم في أحوال متفاوتة، وجعل بعضهم أعوان بعض فيها، فواحد يزرع، وواحد يطحن، وواحد يخبز، وكذلك في أمر الدين: واحد يجمع الحديث، وآخر يطلب الفقه، والثالث يطلب الأصول، وهم في الظاهر مختارون وفي الباطن مسخرون، وإليه أشار بقوله صلى الله عليه وسلم: "كل ميسر لما

[(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ* فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ* وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) 149 - 154]. (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ): ومن أي بلد خرجت للسفر (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إذا صليت (وَإِنَّهُ) وإن هذا المأمور به ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خلق له". ولهذا سئل بعض الصالحين عن تفاوت الناس في أفعالهم فقال: كل ذلك طرق إلى الله تعالى، أراد أن يعمرها بعباده، فبين تعالى أن لكل طريقاً إذا تحرى فيه وجه الله تعالى. قوله: ((وَإِنَّهُ) وإن هذا المأمور به). وفيه أن قوله: (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ) تذييل لقوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ) نحو قولك: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، وقوله: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وعد وتذييل للمجموع، يعني من حقيقة هذا المأمور به وثباته أنه تعالى لا يهمل عامله ويعطيه أجره كاملاً ثابتاً ديناً ودنيا، وهذا نوع من التوكيد المعنوي، ومن ثم لما فرغ منه أتى بتوكيد لفظي حيث قال: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ).

وقرئ: (يعملون) بالياء والتاء، وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده؛ لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان، والحاجة على التفصلة بينه وبين البداء، فكرر عليهم؛ ليثبتوا ويعزموا ويجدوا؛ ولأنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر؛ فاختلفت فوائدها. (إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا) استثناء من "الناس"، ومعناه: لئلا تكون حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء. فإن قلت: أي حجة كانت تكون للمنصفين منهم لو لم تحول حتى احترز من تلك الحجة ولم يبال بحجة المعاندين؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (يعملون)، بالياء والتاء)، بالياء التحتانية: أبو عمرو، والباقون: بالتاء. قوله: (والحاجة إلى التفصلة) يجوز أن يكون عطفاً على مدخول لام التعليل، أي: كرر لتأكيد أمر القبلة للحاجة إلى التفصلة، وأن يكون عطفاً على "الفتنة"، أي: النسخ من مظان الحاجة إلى التفصلة. قوله: (ولأنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر)، أما أولاً: فقوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) علق به قوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ)، يعني: ما كنت تحبه وتتمناه حق وصدق مكتوب في زبر الأولين، يعلمه علماؤهم وأنه من أمارة نبوتك، وأما ثانياً: فقوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ) علق به قوله: (لِئَلاَّ يَكُونَ)، وقوله: (وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي) بين في الأولين حقية التولية، وفي الأخير فائدتها وجدواها. قوله: (أي حجة كانت تكون للمنصفين)، توجيه السؤال: فلما حولت القِبلة إلى الكعبة

قلت: كانوا يقولون: ما له لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة؟ فإن قلتك كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندين؟ قلت: لأنهم يسوقونه سياق الحجة، ويجوز أن يكون المعنى: لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض في ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم وإسماعيل أبي العرب. (إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) على أن "ألا" للتنبيه، وقف على (حُجَّةٌ) ثم استأنف منبهاً. (فَلا تَخْشَوْهُمْ): فلا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم؛ فإنهم لا يضرونكم (وَاخْشَوْنِي) ولا تخالفوا أمري وما رأيته مصلحة لكم. ومتعلق اللام محذوف، معناه: ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك، أو يعطف على علة مقدرة، كأنه قيل: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لم يبق لليهود حجة إلا لهؤلاء المعاندين، وحجتهم داحضة، ويفهم منه أنه لو لم يحول كانت حجة المنصفين لازمة، وما تلك الحجة؟ وأجاب بما أجاب، ويجوز أن يكون من باب قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب قال الزجاج: المعنى: لئلا يكون للناس حجة إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول: ما لك علي حجة إلا الظلم، أي: ما لك علي حجة البتة ولكنك تظلمني، وإنما سمي ظلمه حجة لأن المحتج بها سماه حجة. قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: لئلا يكون): عطف على قوله: "ومعناه: لئلا يكون حجة لأحد من اليهود"، والمراد بالناس على الأول: اليهود، واعتراضهم بترك ما هو مذكور في نعته صلوات الله عليه، وعلى الثاني: العرب واعتراضهم بترك قبلة أبي العرب.

وقيل: هو معطوف على (لِئَلاَّ يَكُونَ)، وفي الحديث: "تمام النعمة دخول الجنة"، وعن علي رضي الله عنه: تمام النعمة الموت على الإسلام. (كَمَا أَرْسَلْنَا): إما أن يتعلق بما قبله، أي: ولأتم نعمتي عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول؛ أو بما بعده، أي: كما ذكرتكم بإرسال الرسول (فَاذْكُرُونِي) بالطاعة (أَذْكُرْكُمْ) بالثواب، (وَاشْكُرُوا لِي) ما أنعمت به عليكم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: هو معطوف على (لِئَلاَّ يَكُونَ). فعلى هذا، المعلل مذكور، وكذا المعطوف عليه، كأنه قيل: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا) ولأتم نعمتي عليكم، أي: أمرتكم بذلك لأجمع لكم خير الدارين، أما دنيا فليظهر سلطانكم على المخالفين، وأما عقبى فلنثيبنكم به الجزاء الأوفى. قوله: (أو بما بعده). أي: (كَمَا أَرْسَلْنَا): إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده، والأول أوفق لتأليف النظم، على أن يكون (وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي) معطوفاً على قوله: (لِئَلاَّ يَكُونَ)، فترتبط الآيات على النسق الأنيق، أي: حولنا القبلة إلى الكعبة لئلا يكون لليهود حجة، ولأتم نعمتي عليكم، غذ حولتكم إلى قبلة بناها إبراهيم وإسماعيل وهما أبواكم، كما أتممت النعمة بإرسال الرسول من أنفسكم ومن ضئضئ إسماعيل، وإذا كان كذلك فاذكروني بالطاعات واشكروا هذه النعم الجليلة، وفيه تلويح إلى معنى قولهما: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ) الآية، وتنبيه أن النعمة في بعثته ودعائه العالم إلى دين الحق أعظم من نعمة تغيير القبلة إلى الكعبة لإيقاعه مشبهاً به. وقال الراغب: قيل: عنى بقوله: (مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) العلوم التي لا طريق على تحصيلها إلا بالوحي على السنة الأنبياء، وقال لبني إسرائيل: (اذْكُرُوا نِعْمَتِي)، ولهذه الأمة: (فَاذْكُرُونِي)،

(وَلا تَكْفُرُونِ): ولا تجحدوا نعمائي. (أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ): هم أموات بل هم أحياء، (وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) كيف حالهم في حياتهم. وعن الحسن: أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرح، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم إن النعمة في الدنيا مشوبة بالمكاره والمصائب، فإذا نالكم شيء منها فاصبروا لتكونوا شاكرين لنعمائي صابرين على بلوائي، وذلك قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ) الآية [البقرة: 153]، ولو تعلق (كَمَا أَرْسَلْنَا) بقوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) لم يكن النظم بهذا الحسن. قوله: ((وَلا تَكْفُرُونِ) ولا تجحدوا نعمائي)، الراغب: إن قيل: لم أتبع (وَاشْكُرُوا لِي) قوله: (وَلا تَكْفُرُونِ) ولم يقتصر على إحدى اللفظتين؟ قيل: لما كان الإنسان قد يكون شاكراً في شيء ما، وكافراً في غيره، فلو اقتصر على (وَاشْكُرُوا لِي لكان يجوز أن يتوهم أن من شكر مرة أو على نعمة ما فقد امتثل، ولو اقتصر على قوله: (وَلا تَكْفُرُونِ) لكان يجوز أن يتوهم أن ذلك نهي عن تعاطي قبيح دون حث على الفعل الجميل، فجمع بينهما لإزالة هذه الشبهة، ولأن في قوله: (وَلا تَكْفُرُونِ) نهياً عن الكفر المطلق، وذلك معنى زائد على (وَاشْكُرُوا لِي). فإن قيل: لِمَ لم يقل: ولا تكفروا لي ليطابق (وَاشْكُرُوا لِي)؟ قيل: لأنه يقتصر من العبد على شكل نعمه ولا يقتصر على أن لا يكفر نعمه، بل النهي عن الكفر به أكثر من النهي عن كفر نعمه، إذ قد يعفو عن كفر بعض النعم ولا يعفو عن الكفر المطلقز قوله: ((وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) كيف حالهم في حياتهم). قال القاضي: هذا تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك إلا بالكشف أو الوحي، وفيها دلالة على أن الأرواح: جواهر قائمة بنفسها وأنها تبقى بعد

كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشياً، فيصل إليهم الوجع. وعن مجاهد: يرزقون ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. وقالوا: يجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم وإن كانت في حجم الذرة. وقيل: نزلت في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر. [(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) 155 - 157] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الموت دراكة، وعليه جمهور الصحابة والتابعين، وبه نطقت الآيات والسنن، وعلى هذا فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى ومزيد البهجة والكرامة. الراغب: ذهب بعض المعتزلة إلى أن إثبات الحياة ونفي الموت في الآية: في يوم الحساب، لا في الحال، وقال: لا اختصاص لهم به، بل إنما علق الحكم بهم لأنه في ذكرهم، ولو ذكر معهم غيرهم لذكرهم، وفرع هذا على الحس، وقال: إنما نعلم أنهم في قبورهم لا يأكلون ولا يشربون، وهذا التأويل قد نفاه الله تعالى بقوله: (وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) أي: لا تحسون ولا تدركون ذلك بالمشاعر، أي: بالحواس، تنبيهاً على أن ذلك مما السبيل إليه أمر آخر وهو أن الإنسان متى كان محسناً كان روحه منعماً إلى يوم القيامة، وإن كان مسيئاً كان به معذباً، وإلى هذا ذهب جماعة الصحابة والتابعين وأصحاب الحديث. ويؤيده آيات وأحاديث، منها: قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الأعراف: 172]، وقوله: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً)، لقوله بعده: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) [غافر: 46]، ومنها:

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ): ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم: هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه أم لا؟ (بِشَيْءٍ): بقليل من كل واحد من هذه البلايا وطرف منه. (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ) المسترجعين عند البلاء؛ لأن الاسترجاع تسليم وإذعان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله صلى الله عليه وسلم: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف"، وقوله: في أصحاب قليب بدر: "ما أنتم بأسمع منهم لما أقول، ولكنهم لا يقدرون على الجواب"، والمخالف إنما وهم في ذلك لأنه جعل الأرواح أعراضاً لا قوام لها إلا بالأجساد، وأنها مهما فارقت الأجسام بطلت، وهو قول باطل. قوله: ((وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ) المسترجعين عند البلاء)، الراغب: أمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقية وتصور بها المقصد ووطن نفسه به؛ لأن الصابر على الحقيقة: من عرف فضيلة مطلوبه، ولم يرد بقوله: (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اللفظ فقط، فإن التلفظ بذلك مع الجزع قبيح وسخط للقضاء، وإنما يريد تصوير ما خلق الإنسان لأجله والقصد له ليتعرض لطريق الوصول. قوله: (لأن الاسترجاع تسليم وإذعان) تنبيه على أن الصفة، وهي قوله: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ) الآية، كاشفة في هذا المقام، وفيه أن معنى الصبر التسليم والإذعان. وقال القاضي: وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل بالقلب، بأن يتصور ما خلق لأجله وانه راجع إلى ربه، ويتذكر نعم الله ليرى أن ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه ويستسلم له.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه" وروي: أنه طفئ سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فقيل: أمصيبة هي؟ قال: "نعم، كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة". وإنما قلل في قوله: (بِشَيْءٍ)؛ ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليه؛ وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم. وإنما وعدهم ذلك قبل كونه؛ ليوطنوا عليه نفوسهم. (وَنَقْصٍ) عطف على "شيء"، أو على ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من استرجع عند المصيبة)، الحديث ما وجدته في الكتب المعتبرة، وأما معناه فهو ما روينا عن مالك ومسلم والترمذي وأبي داود، عن أم سلمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها" الحديث، وأما حديث بيت الحمد وموت الولد، فأخرجه الترمذي بتمامه، عن أبي موسى، لكن بحذف همزة الاستفهام في "أقبضتم؟ ". قوله: (ففوقه ما يقل إليه) أي: البلاء الذي أصاب الإنسان يقل بالنسبة إلى البلاء الذي هو فوقه. الراغب: الإنسان لا ينفك في الدنيا من شيء من المحن، بل في حال المسار يساق به إلى محنة، ولهذا قيل: كفى بالسلامة داء، وقال الشاعر:

(الْخَوْفِ) بمعنى: وشيء من نقص الأموال. والخطاب في (وَبَشِّرْ) لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يتأتى منه البشارة. وعن الشافعي رحمه الله: الخوف: خوف الله، والجوع: صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال: الزكوات والصدقات، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا كان الشباب يعود شيباً ... وهماً فالحياة هي الحمام فالعاقل بفكره يعلم أن ماله وبدنه وذويه عارية مستردة، فإذا عرض له نائبة كان له من الصبر مطية لا تكبو، ومن الرضا بقضاء الله سيف لا ينبو، والله تعالى لما أجرى العادة أن لا تنفك الدنيا من هذه الآفات المذكورة، فإنها قد تنال الأخيار كما تنال الأشرار، جعلها ابتلاء لأوليائه، لكن إذا تلقوها بالصبر حط بها وزرهم وأعظم بها أجرهم. قوله: (وعن الشافعي رضي الله عنه: الخوف: خوف الله، والجوع: صيام شهر رمضان) إلخ، الانتصاف: وفيه نظر؛ لأن الابتلاء موعود به في المستقبل وكل قد تقدم لهم من قبل، والخوف كان ملء قلوبهم، ويبعد تسمية الصدقة نقصاً مع أن الله تعالى سماها بالزيادة وهي الزكاة، وأجاب بنفسه عن هذا بأن الزكاة نقص حقيقة، وزيادة باعتبار ما تؤول إليه مجازاً، فعند الابتلاء سماها بالنقص إذ به الابتلاء، وعند الأمر بالإخراج سماها زكاة ليسهل إخراجها.

ومن الأنفس: الأمراض، ومن الثمرات: موت الأولاد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد عبدي؛ فيقولون: نعم فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد". والصلاة: الحنو والتعطف، فوضعت موضع الرأفة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإنصاف: الجواب عما ذكره أيضاً بأنا لا نسلم أن الزكاة فرضت قبل نزول هذه الآية، والابتلاء بوجوبها أتم من الابتلاء بوقوعها، ويقوى به السؤال فإن الخوف يتضاعف بنزول آيات الوعيد وبيان المخوف منه، ولذلك قال: (بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ)، وكذلك الصيام لا نسلم وجوبه قبل نزول هذه الآية، وسؤاله متوجه في المرض وفقد الولد. وقلت: لا نسلم صحة الرواية عن الإمام، وعلى تقدير الصحة: الجواب عن المرض وفقد الولد، كأنه قيل: ولنبلونكم بهما لنعلم هل أنتم على ما كنتم عليه في الجاهلية من الضجر والجزع أم أحدثتم الصبر والالتجاء إلى الله تعالى والاسترجاع إليه؟ يدل عليه تقييد الصابرين بقوله: (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). قوله: (والصلاة: الحنو والتعطف) بناءً على ما قال إن الصلاة مشتقة من تحريك الصلوين، قال: "حقيقة صلى: حرك الصلوين؛ لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، وقيل للداعي: مصل تشبيهاً في تخشعه بالراكع والساجد". ثم الخشوع والخضوع يدل على الحنو والعطف، وهو على الرأفة والرحمة، وهو المراد بقوله: "فوضعت موضع الرأفة"، وهي كناية تلويحية، وذلك أن العطف والحنو على الله محال، فيكنى بها عن الرأفة. الراغب: والصلاة وإن كانت في الأصل: الدعاء، فهي من الله: التزكية على وجه، والمغفرة

وجمع بينها وبين الرحمة، كقوله تعالى: (رَافَةً وَرَحْمَةً) [الحديد: 27]، (رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 117]، والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة. (وَرَحْمَةً) أي رحمة، (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) لطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا الأمر لله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على وجه، وهي الرحمة، وإن كانتا متلازمتين فهما مفترقتان في الحقيقة، وإنما قال: (صَلَوَاتٌ) على الجمع، تنبيهاً على كثرتها منه. قوله: (وجمع بينها) أي: وجمع بين الصلاة والرحمة كما جمع بين الرأفة والرحمة، لكن اختلف المعنى في هذا المقام لاختلاف الصيغتين جمعاً وإفراداً، وعطف أحدهما على الآخر، لأن القصد في عطف المفرد على المجموع إرادة التكرير في الجمع والتعظيم في المفرد بحسب تنكيره، وإلى الأول الإشارة بقوله: "رأفة بعد رأفة"؛ لأنه على منوال: لبيك وسعديك، وإلى الثاني بقوله: "رحمة أي رحمة". والنكتة في تكرير (أُوْلَئِكَ): التنبيه على إناطة كل بما يناسبه، وأن ما بعده جدير بمن قبله لاكتسابه الخلال المرضية، فقوله: (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) مترتب على قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) إلى آخر الآيتين، وقوله: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) على قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) إلى قوله: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يدل عليه قوله: " (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) لطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا لأمر الله"، فمن استعان بالله بالصبر والصلاة والجهاد كفاه الله أمور دنياه ما عاش، بأن يؤويه إلى ظلال رأفته رأفة بعد رأفة، ويمنحه مناه في عقباه ليطير فوق منتهى بسطته رحمة أي رحمة. قال الجوهري: الرأفة: أشد الرحمة، وقيل: الرأفة: أن يدفع عنك المضار، والرحمة: أن يوصل إليك المسار.

[(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) 158]. الصفا والمروة: علمان للجبلين كالصمان والمقطم. والشعائر: جمع شعيرة؛ وهي العلامة، أي: من أعلام مناسكه ومتعبداته. والحج: القصد، والاعتمار: الزيارة، فغلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان. وأصل (يَطَّوَّفَ) يتطوف، فأدغم وقرئ: (أن يطوف) من: طاف. فإن قلت: كيف قيل: إنهما من شعائر الله، ثم قيل: لا جناح عليه أن يطوف بهما؟ قلت: كان على الصفا إساف وعلى المروة نائلة، وهما صنمان، يروى: أنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين فوضعا عليهما؛ ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فملا جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل فعل الجاهلية، وأن يكون عليهم جناح في ذلك؛ فرفع عنهم الجناح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كالصمان والمقطم). قال المصنف: الصمان والمقطم: علمان مع الألف واللام، كالصفا والمروة، فلذلك اختارهما، والصمان: موضع إلى جنب رمل عالج، والمقطم: جبل بمصر في "الصحاح". قوله: (والشعائر: جمع شعيرة، وهي: العلامة). قال الزجاج: الشعائر: كل ما كان من موضع أو مسعى أو مذبح، وإنما قيل: شعائر لكل علم مما تعبد به من قولهم: شعرت به: علمته.

واختلف في السعي؛ فمن قائل: هو تطوع بدليل رفع الجناح، وما فيه من التخيير بين الفعل والترك، كقوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) [البقرة: 230]، وغير ذلك؛ ولقوله: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً)، كقوله: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) [البقرة: 184]. ويروى ذلك عن أنس، وابن عباس، وابن الزبير، وتنصره قراءة ابن مسعود: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما). وعن أبي حنيفة رحمه الله: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (واختلف في السعي) إلى آخره، قال الإمام الرافعي في "الكبير": السعي ركن في الحج والعمرة، ولا يحصل التحلل دونه ولا ينجبر بالدم، وبه قال مالك، وأصح الروايتين عن أحمد؛ وعند أبي حنيفة: ينجبر بالدم. قال الإمام: ظاهر الآية لا يدل على الوجوب ولا على عدمه، فإن قوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ)، أي: لا إثم عليه، يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، فإذن لابد في تعيين أحدهما من الرجوع إلى الدليل. وقلت: ويؤيده ما روينا عن عروة: سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت: أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)؟ فوالله ما على أحد من جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، وقالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت على ما أولتها كانت: لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها نزلت في الأنصار، وكانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى:

أنه واجب وليس بركن، وعلى تاركه دم. وعند الأولين: لا شيء عليه. وعند مالك والشافعي: هو ركن لقوله عليه الصلاة والسلام: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآية، قالت عائشة: وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. أخرجه البخاري ومسلم ومالك والترمذي وأبو داود، وقول الإمام موافق لهذا الحديث، ويؤيد دليل الوجوب ما رواه المصنف: "اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي" الحديث مخرج في "مسند أحمد بن حنبل"، وعن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع بعد ما طاف وسعى ورمى: "لتأخذوا مناسككم، وإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه"، فثبت من هذا دليل الوجوب، لكن بقي الخلاف في أنه ركن أم لا؟ والركن: ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان داخلاً فيه، ولاشك أن السعي داخل في مناسك الحج كالإحرام والطواف والوقوف وغيرها، لقوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ) [البقرة: 200] وقوله: (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لتأخذوا مناسككم"، وإذا ثبت أنه من الواجبات الداخلة ثبت أنه ركن، فقيل: يجوز السعي بعد الإحلال وفاقاً، ولو كان ركناً لما أدي بعده، وأجيب: كونه داخلاً تحت أعمال الحج لا يوجب دخوله تحت الإحرام، قيل: قراءة ابن مسعود: "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما"، وقول ابن عباس

"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي". وقرئ: (ومن يطوع) بمعنى: ومن يتطوع، فأدغم؛ وفي قراءة عبد الله: (ومن يتطوع بخير). [(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ) 159]. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ) من أحبار اليهود (مَا أَنزَلْنَا) في التوراة (مِنْ الْبَيِّنَاتِ): من الآيات الشاهدة على أمر محمد صلى الله عليه وسلم، (وَالْهُدَى): والهداية بوصفه إلى اتباعه والإيمان به، (مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ) ولخصناه (لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ): في التوراة لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأنس وابن الزبير، يدل على أنه تطوع، وأجاب الإمام: أن القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها مع المشهورة، وأن قول عائشة أولى بالقبول من قول غيرها بناءً على النص الذي هو قولها: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره، وقولهم على الاجتهاد. قوله: (وقرئ: "ومن يطوع"): حمزة والكسائي، وقراءة الباقين: (تَطَوَّعَ) على: تفعل، ماضياً. قوله: (لم ندع فيه موضع إشكال) مع ما بعده مبين للكلام السابق، يعني: أنزلنا في التوراة من العلامات الدالة على أمر محمد صلوات الله عليه ثم شرحنا فيها من العلامات الدالة على صحته، ثم هدينا الطريق فيها إلى متابعته بوصف أمره، وأنه الذي يصلي إلى القبلتين كما سبق،

فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس؛ (أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ) الذين يتأتى منهم اللعن عليهم؛ وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين. [(إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) 160]. (وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا من أحوالهم، وتداركوا ما فرط منهم، (وَبَيَّنُوا) ما بينه الله في كتابهم فكتموه، وبينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم؛ ليمحوا سمة الكفر عنهم، ويعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به، ويقتدي بهم غيرهم من المفسدين. [(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ* خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) 161 - 162] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأنهم كانوا يقولون: ما باله لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة؟ وأنه (الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ) الآيات [الأعراف: 157]، فكتموه ولبسوا على الناس، فالفاء في قوله: "فعمدوا" للترتيب على العكس، أي: بينا لهم بياناً شافياً ليظهروه فعمدوا .. إلى آخره، وكذلك الفاء في قوله: "ما بينه الله في كتابهم فكتموه". قوله: (الذين يتأتى منهم اللعن) أي: للعنهم تأثير، لعطفه على (يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ) وتعقيبه لأولئك. قال الزجاج: (اللاَّعِنُونَ) هم المؤمنون وكل من آمن بالله من الجن والإنس والملائكة. عن ابن عباس: اللاعنون: كل شيء في الأرض، وعن ابن مسعود: "الاثنان إذا تلاعنا لحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود"، والأول أولى لقوله بعد ذلك: (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) يعني: الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا، ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً. وقرأ الحسن: (والملائكة والناس أجمعون) بالرفع عطفاً على محل اسم الله؛ لأنه فاعل في التقدير، كقولك: عجبت من ضرب زيد وعمرو؛ تريد من أن ضرب زيد وعمرو، كأنه قيل: أولئك عليهم أن لعنهم الله والملائكة. فإن قلت: ما معنى قوله (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وفي الناس المسلم والكافر؟ قلت: أراد بالناس من يعتد بلعنه؛ وهم المؤمنون. وقيل: يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً. (خَالِدِينَ فِيهَا): في اللعنة. وقيل: في النار إلا أنها أضمرت؛ تفخيماً لشأنها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) يعني: الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين)، قال الإمام: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) عام، فلا وجه لتخصيصه، قال أبو مسلم: يجب حمله على المقدم ذكرهم؛ لأن الكاتمين إما أن يتوبوا، فهو قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا)، أو يموتوا من غير توبة فهو قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، فإن الكاتمين ملعونون في الحياة والممات، وأجاب الإمام: إن هذا إنما يصح إذا لم يدخل الذين يموتون تحت الآية الأولى، يعني: (أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ)، ولما دخلوا فيها استغني عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف. قلت: هذا أحسن؛ لأن الآية حينئذ من باب التذييل، فيدخل هؤلاء فيها دخولاً أولياً، فالتعريف في قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) على هذا: للجنس، وعلى الأول: للعهد. قوله: (أراد بالناس: من يعتد بلعنه) يعني: التعريف فيه للعهد، والمعهود: ما يعلم من قوله: (وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ). قوله: (أضمرت؛ تفخيماً لشأنها)، يعني: لما اشتهر وتعورف أن خلود الكفار لا يكون إلا فيها ترك التصريح بذكرها تهويلاً.

وتهويلاً. (وَلا هُمْ يُنظَرُونَ) من الإنظار، أي: لا يمهلون ولا يؤجلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة. [(وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ* إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) 163 - 164]. (إِلَهٌ وَاحِدٌ): فرد في الإلهية لا شريك له فيها، ولا يصح أن يسمى غيره إلهاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((إِلَهٌ وَاحِدٌ): فرد في الإلهية)، قال الإمام: ورود لفظ الواحد بعد لفظ الإله يدل على أن تلك الوحدة معتبرة في الإلهية لا في غيرها، فهو بمنزلة وصفهم الرجل بأنه سيد واحد، وبأنه عالم واحد. وقلت: هذا المعنى إنما يعطيه إعادة الإله في الخبر ووصفه بالواحد، فلو لم تكن الوحدة معتبرة في الإلهية لكان يكفي أن يقال: إلهكم واحد، وإليه ينظر قوله تعالى: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [النحل: 51]، قال صاحب "المفتاح": لفظ إله يحتمل الجنسية والوحدة، والذي له الكلام مسوق الوحدة. ففسر بالواحد بياناً لما هو الأصل في الغرض، ولهذا أكد المصنف تفسير (إِلَهٌ وَاحِدٌ) بقوله: "لا شريك له، ولا يصح أن يسمى غيره إلهاً". وقال أبو البقاء: (إِلَهٌ): خبر المبتدأ، و (وَاحِدٌ): صفة له، والغرض ها هنا الصفة، إذ لو قال: وإلهكم واحد، لكان هو المقصود إلا أن في ذكره زيادة تأكيد، وهذا يشبه الحال الموطئة، كقولك: مررت بزيد رجلاً صالحاً، والخبر: زيد شخص صالح.

و (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته. (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، المولي لجميع النعم أصولها وفروعها، ولا شيء سواه بهذه الصفة؛ فإن كل ما سواه إما نعمة وإما منعم عليه. وقيل: كان للمشركين حول الكعبة ثلاث مئة وستون صنماً، فملا سمعوا بهذه الآية تعجبوا، وقالوا: إن كنت صادقاً فأت بآية نعرف بها صدقك؛ فنزلت: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ): تقرير للوحدانية)، قال الإمام: وذلك أنه تعالى لما قال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) أمكن أن يخطر ببال أحد: هب أن إلهنا واحد، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا، فأزال هذا الوهم ببيان التوحيد المطلق. وقال القاضي: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ): تقرير للوحدانية وإزاحة أن يتوهم أن في الوجود إلهاً يستحق العبادة. وقال السجاوندي: (هُوَ) بدل عن موضع (لا إِلَهَ)، أي: لا إله في الوجود غلا الله، ولا اعتماد إلا على الله، فلم يجز النصب؛ لأن مساق الكلام لإثبات الصانع، ونفي الشريك تبع، وفي النصب على الاستثناء الاعتماد على الأول. قوله: (المولي لجميع النعم أصولها وفروعها)، قال القاضي: وذكر هاتين الصفتين كالحجة على التوحيد، فإنه لما كان مولي النعم كلها وما سواه إما نعمة أو منعم عليه، لم يستحق العبادة واحد غيره، وهما خبران آخران لقوله: (وَإِلَهُكُمْ)، أو لمبتدأ محذوف.

واختلاف الليل والنهار: اعتقابهما؛ لأن كل واحد منهما يعقب الآخر، كقوله: (جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) [الفرقان: 62]. (بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ) بالذي ينفعهم مما يحمل فيها أو ينفع الناس. فإن قلت: قوله: (وَبَثَّ فِيهَا) عطف على (أَنزَلَ) أو "أحيا"؟ قلت: الظاهر أنه عطف على (أَنزَلَ) داخل تحت حكم الصلة؛ لأن قوله: (فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ) عطف على (أَنزَلَ) فاتصل به وصارا جميعاً كالشيء الواحد، فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن كل واحد منهما): تعليل لتفسير الاختلاف بالاعتقاب، وهو أن يخلف أحدهما صاحبه بعده، لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً) [الفرقان: 62]. قوله: (أو ينفع الناس)، يريد أن "ما" مصدرية، وحين جعلها موصولة قدر فيها الراجع، قال القاضي: وذكر الفلك للقصد به إلى الاستدلال بالبحر وأحواله، فهو متبوع والفلك تابع، وإنما خصص الفلك بالذكر دون البحر لأنه سبب الخوض فيه والإطلاع على عجائبه. قوله: (لأن قوله: (فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) عطف على (أَنزَلَ))، تعليل لظهور هذا العطف، وذلك أن قوله: (فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ) ليس مستقلاً بنفسه فيصح عطفه على صلة الموصول ليكون آية أخرى مثل أنزل الماء من السماء لأجل الفاء السببية، فهما كالسبب والمسبب فصارا جميعاً كالصلة الواحدة، بخلاف قوله: (وَبَثَّ فِيهَا)، إذ يصح جعله صلة معطوفة على الصلة لاستقلاله واشتماله على ما يبين الموصول من قوله: (مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ)، كقوله: (مِنْ مَاءٍ) بياناً لقوله: (مَا أَنزَلَ)، والعائد المنصوب محذوف، أي: ما بثه الله من كل دابة، فيكون آية أخرى، مثل: (أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ)، ألا ترى كيف صرح بالبيانين في قوله: "وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة"! والمطلوب تكثير الآيات، فكان هذا العطف ظاهراً.

ويجوز عطفه على "أحيا" على معنى: فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابة؛ لأنهم ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا. (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) في مهابها قبولاً ودبوراً وجنوباً وشمالاً، وفي أحوالها حارة وباردة وعاصفة ولينة وعقماً ولواقح، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: هذه الأشياء وجميع ما بث الله في الأرض دالة على أنه واحد كما قال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ). انتهى كلامه. وأما إذا عطف على (فَأَحْيَا)، وكان من تتمة الصلة مسبباً عما هو المعطوف عليه مسبب عنه، فيحتاج إلى تقدير حرف التسبب وإظهار السبب الذي هو الماء، وجعل (مِن) في قوله: (مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) زائدة، فكأن التقدير: وبث فيها من كل دابة بسبب الماء؛ لأن تعيشها به، ولاشك أن هذا التقدير أدق معنى وأخفى من الأول؛ لأن الآية حينئذ على وزان قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً* لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً) [الفرقان: 48 - 49]. قوله: ((وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) في مهابها قبولاً ودبوراً وجنوباً وشمالاً)، الجوهري: الصبا: مهبها المستوي، أن تهب من موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، وتسمى قبولاً، ويقابلها الدبور، والشمال: التي تهب من ناحية القطب، ويقابلها الجنوب. وقال الثعالبي: النكباء: هي التي تهب بين الريحين، والنماوحة: هي التي تهب من جهات مختلفة، والعاصف هي: الشديدة الهجوم، وهي التي تقلع الخيام، والزعزع هي: التي

وقيل: تارة بالرحمة وتارة بالعذاب. (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ) سخر للرياح تقلبه في الجو بمشيئة الله يمطر حيث شاء. (لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون؛ لأنها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها" أي: لم يتفكر فيها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تقلع الأشجار، والإعصار هي: التي تهب من الأرض نحو السماء كالعمود، والنسيم هي: التي تجيء بنفس ضعيف وروح، والعقيم هي: التي لم تلقح شجراً ولم تحمل مطراً، واللواقح هي: التي تلقح الأشجار، والمعصرات هي: التي تأتي بالأمطار، والمبشرات هي: التي تأتي بالسحاب الممطر الذي يروي التراب، والهيف هي: الحارة التي تأتي من قبل اليمن، والصرصر: الباردة. قوله: (وقيل: تارة بالرحمة وتارة بالعذاب) عطف على قوله: "في أحوالها"، وهو وجه آخر في تفسير تصريفها. قوله: (سخر للرياح تقلبه في الجو)، قال القاضي: لا ينزل ولا ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما، قيل: لأنه لو كان خفيفاً لطيفاً ينبغي أن يصعد، وإن كان كثيفاً يقتضي أن ينزل، واشتقاق السحاب من السحب، لأن بعضه يجر بعضاً. قوله: (فمج بها)، أي: "لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها"، والمج في الأصل: قذف اللعاب من الفم، في "النهاية": وفي الحديث: "أخذ حثوة من ماء فمجها في بئر ففاضت بالماء الرواء"، أي: صبها، فاستعير في جميع المدركات. قال الحسن: الأذن مجاجة، أي: لا تعي شيئاً، فاستعمل ها هنا في القلب، ومجه: عدم الاعتبار فميا يرد عليه من الآيات.

ولم يعتبر بها وقرئ: (والفلك) بضمتين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: هذه العلامات تدل على أنه تعالى واحد كما قال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)؛ لأنه لا يأتي بمثل هذه الآيات إلا هو. وقال القاضي: دلالة هذه الآيات على وجود الإله ووحدته من وجوه كثيرة يطول شرحها مفصلاً، والكلام المجمل أنها أمور ممكنة وجد كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة وأنحاء مختلفة، فلابد لها من قادر حكيم يوجدها على ما تستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته، متعالياً عن معارضة غيره، قال الله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا). وقلت: وإنما لم يورد الآثار العلوية على الترتيب، بل أخر الرياح والسحاب عن الكل وأقحم الفلك والبحر بين خلق السماوات والأرض وإنزال الماء منها، وأدرج بث الدواب بين الأمطار والسحاب، ليشير إلى استقلال كل من الآيات في القصد، واستبداده، وهذا يعضد قول من يعطف "بث" على "أنزل"، وعن صاحب "المفتاح": ترك الإيجاز إلى الإطناب لينبه على أن في ترجح وقوع أي ممكن كان على لا وقوعه لآيات للعقلاء، ولما فيهم من مرتكبي التقصير في باب النظر والعلم بالصانع من طوائف الغواة المختلفة، أطنب الكلام ليعين لكل أناس مسارح أفكارهم. قوله: (وقرئ: "والفلك"، بضمتين)، قال القاضي: هي على الأصل أو الجمع، وضمة الجمع غير ضمة الواحد عند المحققين.

(وتصريف الريح) على الإفراد. [(وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ* وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ) 165 - 167]. (أَندَاداً): أمثالاً من الأصنام، وقيل: من الرؤساء الذين كانوا يتبعونهم ويطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم. واستدل بقوله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا). ومعنى (يُحِبُّونَهُمْ): يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب، (كَحُبِّ اللَّهِ): كتعظيم الله والخضوع له، أي: كما يحب الله تعالى على أنه مصدر من المبني للمفعول، وإنما استغني عن ذكر من يحبه؛ لأنه غير ملتبس ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("وتصريف الريح"، على الإفراد) قرأها حمزة والكسائي، والباقون بالجمع. قوله: (واستدل بقوله)، أي: استدل على أن المراد بالأنداد: الرؤساء، بقوله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا). قوله: (استغني عن ذكر من يحبه) وهم المؤمنون، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ). وأما على قوله: "كحبهم لله" فالمعني بمن يحب الله: الكافرون، ووجه الشبه على الأول: التعظيم، وعلى الثاني: التقرب والتشبيه من باب بيان حال المشبه في الوصف من

وقيل: كحبهم الله، أي: يسوون بينه وبينهم في محبتهم؛ لأنهم كانوا يقرون بالله ويتقربون إليه، فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين. (أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ)؛ لأنهم لا يعدلون عنه على غيره بخلاف المشركين؛ فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد، فيفزعون غليه ويخضعون له ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيقولون: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) [يونس: 18]، ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عام المجاعة. (الَّذِينَ ظَلَمُوا): إشارة إلى متخذي الأنداد، ز ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القوة والضعف والتسوية، وها هنا المراد التسوية لقوله: "يسوون بينه وبينهم" لينطبق عليه قوله تعالى: (أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ). قال القاضي: المحبة: ميل القلب، من الحب، استعير لحبة القلب ثم اشتق منه الحب لأنه أصابها ورسخ فيها، ومحبة العباد لله تعالى: إرادة طاعته والاعتناء بتحصيل مراضيه، ومحبة الله للعبد: إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن المعاصي. قوله: (باهلة إلهها من حيس)، الجوهري: باهلة: قبيلة من قيس عيلان، والحيس: تمر يخلط بسمن وأقط، قال الراجز: التمر والسمن معاً ثم الأقط ... الحيس إلا أنه لم يختلط

أي: ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة كلها لله. على كل شيء من الثواب والعقاب دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة؛ لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم، فحذف الجواب كما في قوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا) [الأنعام: 27، 30]، وقولهم: لو رأيت فلاناً والسياط تأخذه. وقرئ: (ولو ترى) بالتاء على خطاب الرسول [صلى الله عليه وسلم]، أو: كل مخاطب، أي: ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم) يريد أن في وضع المظهر موضع المضمر في قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا) دلالة على أن ذلك الفعل، وهو اتخاذ الأنداد، ظلم عظيم؛ لأن أصل الكلام: ولو يرون إذ يرون، ثم: ولو ترى الذين اتخذوا من دون الله أنداداً، فهو على أسلوب قوله: إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم ... إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد قوله: (إذا عاينوا العذاب)، وقوله: "ولو يعلم هؤلاء" يؤذن بأن لارؤية في قوله: (وَلَوْ يَرَى) بمعنى العلم، وفي قوله: (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ) بمعنى النظر، وبأن قوله: (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) ساد مسد المفعولين، وجواب (لَوْ) محذوف ليدل على العموم والتهويل بحسب اقتضاء المقام، وإليه الإشارة بقوله: "لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف". قوله: (وقرئ: (ولو ترى) [بالتاء]، على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم): نافع وابن عامر. قوله: (على خطاب الرسول أو كل مخاطب)، فإن كان خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم، كان مثل قوله تعالى: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ) [الطلاق: 1]، وإذا كان لكل مخاطب، كان نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "بشر المشائين إلى المساجد"، وعلى هذا يجوز أن يكون قوله: (أَنَّ الْقُوَّةَ) معمول

وقرئ: (إذ يرون) على البناء للمفعول. و"إذ" في المستقبل، كقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: 44]. (إِذْ تَبَرَّأَ) بدل من (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ) أي: تبرأ المتبوعون- وهم الرؤساء- من الأتباع. وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل، والثاني على البناء للمفعول، أي: تبرأ الأتباع من الرؤساء. (وَرَأَوْا الْعَذَابَ): الواو للحال، أي: تبرؤوا في حال رؤيتهم العذاب، (وَتَقَطَّعَتْ) عطف على (تَبَرَّأَ)، و (الأَسْبَابُ): الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد، ومن الأنساب والمحاب والاتباع والاستتباع، كقوله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الأنعام: 94]. (لَوْ) في معنى التمني؛ ولذلك أجيب بالفاء الذي يجاب به التمني، كأنه قيل: ليت لنا كرة فنتبرأ منهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جواب لو، أي: لو ترى ذلك لرأيت أن القوة لله جميعاً، فوضع المصنف قوله: "أمراً عظيماً" مقام (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً). قوله: (وقرئ: "إذ يرون" على البناء للمفعول)، وهو من الإراءة، لا من الرؤية لمجيء المفعول الثاني. قوله: (و"إذ" في المستقبل، كقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: 44]) يعني: كما أن "نادى" وضع للماضي واستعمل في المستقبل، كذا (إِذْ) في قوله: (إِذْ يَرَوْنَ)، وإنما جاء على لفظ "إذ" الذي هو للماضي دون "إذا" لأن وقوع الساعة قريب، وقريب الوقوع يجري مجرى ما وقع، وعلى هذا قال: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: 44]. قوله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)) هذا على قراءة الرفع، والبين من الأضداد، ومن قرأ (بَيْنَكُمْ) بالنصب جعله ظرفاً، أي: فيما بينكم، ومن قرأ بالرفع كان بمعنى: الوصل والسبب.

(كَذَلِكَ): مثل ذلك الإرآء الفظيع. (يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ) أي: ندامات، و (حَسَرَاتٍ) ثالث مفاعيل "أري"، ومعناه: أن أعمالهم تنقلب حسرات عليهم؛ فلا يرون غلا حسرات مكان أعمالهم. (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ) "هم" بمنزلته في قوله: هم يفرشون اللبد كل طمرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال أبو البقاء: الباء في (بِهِمُ) للسببية، أي: تقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون بها النجاة، وقيل: للحال، أي: تقطعت موصولة بهم الأسباب، وقيل: هي بمعنى "عن"، وقيل: للتعدية، أي: قطعتهم الأسباب كما تقول: فرقت بهم الطريق. قوله: (مثل ذلك الإرآء)، قال المصنف: ذكر سيبويه أن العرب تحذف التاء من الإراءة، ولذلك وقعت الإشارة بكذلك إلى مذكر، وعليه قوله تعالى: (وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) [النور: 37]. قوله: (هم يفرشون اللبد كل طمرة) تمامه: وأجرد سباق يبذ المغاليا يفرشون اللبد: بضم الياء رواية المرزوقي، أي: يجعلون اللبد فراشاً لظهر كل طمرة، أي: رمكة وثابة، وكل فحل كريم سباح في عدوه غلاب لمباريه سباق في الرهان يحوز قصب التقدم. "يبذ المغاليا"، إن ضممت الميم جاز أن يراد به السهم نفسه، أو فرس يغاليه، وجاز أن يراد به الرافع يده بالسهم يريد به أقصى الغاية، يقال: بيني وبينه غلوة سهم، كما يقال: قيد رمح وقاب قوس، وإن فتحت الميم يكون جمعاً للمغلاة، وهي السهم يتخذ

في دلالته على قوة أمرهم فيما أسند إليهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للمغالاة، والمعنى: يسبق السهم في غلوته، والمراد أن سعيهم مقصور على تعهد الخيل وخدمتها، والتفرس على ظهورها. ورواية "الكتاب": يفرشون بفتح الياء، أي: يفرش اللبد على كل طمرة، فحذف الجار، يقال: فرشت ساحتي الآجر وبالآجر. قوله: (على قوة أمرهم فيما أسند إليهم) يعني دلالة التركيب على تقوي الحكم، بمعنى: أنهم لا يخرجون البتة، لا أن غيرهم يخرجون منها، وكذا معنى البيت: أنهم يفرشون اللبد على التحقيق، لا أن غيرهم لا يفرشون. وقال القاضي: أصله: وما يخرجون، فعدل به إلى هذه العبارة للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا، وقال صاحب "التقريب": "هم" ليست للفصل، فلا يدل على الاختصاص، بل على قوة أمرهم فيما أسند، فهو قفى أثر المصنف، والجواب: أن قوله: (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ) ليس نظير البيت لتسليط حرف النفي على الفاعل المعنوي، مع أن البيت لا يصح للاستشهاد لاحتماله التخصيص أيضاً بالادعاء، وغليه أومأ المرزوقي في قوله: "سعيهم مقصور على تعهد الخيل"، بل هو نظير قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) [هود: 91]، وقد قال فيه ما قال. واتفق علماء هذا الفن: أن مثل هذا التركيب مقطوع به في إفادة الاختصاص، وقد سبق فيه كلام مشبع عند قوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 8].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم إني عثرت بعد هذا التقرير على ما ذكر صاحب "الانتصاف" فيه، قال: دلالتها على الاختصاص هو الحق، فإن العصاة من المسلمين يخرجون من النار، وقد احتج الزمخشري في قوله: (أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) [الأنبياء: 21]، (وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: 4]. لكن هذا الاختصاص لا يوافق مذهبه، فأعمل الحيلة في صرف الكلام عنه فجعلها مقيدة للأحقية، فإن العصاة وإن خلدوا عنده فالكفار أحق منهم بالخلود، فسبحان من بلاه بالمحنة مع حذقه وفطنته! . الإنصاف: الآية فيمن اتخذ أنداداً من الكفار، والكفر أعم من ذلك، وجميع أهله ليسوا بخارجين من النار فلا اختصاص لهؤلاء بالخلود دون غيرهم من الكفار، والذي قاله الزمخشري صحيح. وقلت: مما ذكرت مع إيلاء النفي ضمير الفاعل لابد من القول بالاختصاص، والآية عامة في جميع من يخالف المؤمنين من أهل الملل المختلفة، ويتخذ من دون الله أنداداً، أي: رؤساء يتبعونهم ويطيعونهم كما نص عليه المصنف، ثم قال: واستدل بقوله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)، ويؤيده أيضاً قوله: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) وإبدال (إِذْ تَبَرَّأَ) من (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ)؛ لأن الكلام في التابع والمتبوع سواء كان مشركاً أو غيره، وإلى معنى الآية ينظر ما روينا عن البخاري ومسلم والنسائي، عن أبي سعيد في حديث طويل: "إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر غير أهل الكتاب، ثم يدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيراً ابن الله، فيقال لهم: كذبتم! ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد"، إلى قوله: "فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد

لا على الاختصاص. [(يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) 168 - 169]. (حَلالاً) مفعول (كُلُوا)، أو حال (مِمَّا فِي الأَرْضِ). (طَيِّباً): طاهراً من كل شبهة، (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) فتدخلوا في حرام أو شبهة أو تحريم حلال أو تحليل حرام. و"من" للتبعيض؛ لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم! ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد" الحديث، وعلى تقدير أن تكون مخصوصة بعبدة الأصنام فهي مقابلة للمؤمنين، بدليل قوله تعالى: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ) أي: يعظمون الأصنام كما يعظم المؤمنون الله تعالى، والمؤمنون أشد تعظيماً له، فيكون الكلام للمؤمنين وفي هؤلاء القوم فلا يدخل في الحصر غيرهم، وسنبين هذا المعنى بعيد هذا في قوله: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ). والتركيب من باب القصر القلبي، فإذا انتفى الحكم من أحد المتقابلين يثبت للآخر، فإذا قيل في حق غير المؤمنين: (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ) علم أن المؤمنين خارجون منها. قوله: (لا على الاختصاص)، إشارة إلى مذهبه، وذلك أن صاحب الكبيرة عندهم مخلد في النار إذا لم يتب، فلو حمل الآية على الاختصاص لزم منه خروجه عنها. قوله: (طَيِّباً): طاهراً من كل شبهة)، قال القاضي: طيباً: ما يستطيبه الشرع أو الشهوة المستقيمة، إذ الحلال دل على الأول، يعني: ينبغي أن يفسر (طيباً) بما تستطيبه الشهوة المستقيمة، إذ الحلال في قوله: (حلالاً) دل على ما يستطيبه الشرع.

وقرئ: (خُطُوات) بضمتين، و (خُطْوات) بضمة وسكون، و (خُطؤات) بضمتين وهمزة جعلت الضمة على الطاء كأنها على الواو و (خَطَوَات) بفتحتين، و (خَطْوات) بفتحة وسكون. والخَطوة: المرة من الخطو. والخُطوة: ما بين قدمي الخاطي. وهما كالغَرفة والغُرفة، والقَبضة والقُبضة. يقال: اتبع خَطَواته، ووطئ على عقبه. إذا اقتدى به واستن بسنته (مُبِينٌ): ظاهر العداوة لا خفاء به. (إِنَّما يَامُرُكُمْ) بيان لوجوب الانتهاء عن اتباعه وظهور عداوته. أي: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("خطوات" بضمتين): قنبل عن ابن كثير، وحفص وابن عامر والكسائي، والباقون بضمة وسكون الطاء. قوله: (كأنها على الواو) والأصل أن الضمة إذا كانت على الواو يجوز قلبها همزة، وها هنا وإن لم تكن الضمة عليها إلا أنها على جارها، فجعلت كأنها على الواو. قال الزجاج: هذا جائز في العربية. قوله: (كالغرفة والغرفة)، الجوهري: الغرفة: المرة الواحدة، والغرفة، بالضم: اسم المفعول منه؛ لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غرفة، والجمع غراف.

لا يأمركم بخير قط، (إنما يأمركم بِالسُّوءِ): بالقبيح، (وَالْفَحْشاءِ): وما يتجاوز الحدّ في القبح من العظائم. وقيل: السوء: ما لا حدّ فيه، والفحشاء: ما يجب فيه الحدّ، (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) وهو قولكم: هذا حلال وهذا حرام بغير علم. ويدخل فيه كل ما يضاف إلى اللَّه تعالى مما لا يجوز عليه. فإن قلت: كيف كان الشيطان آمراً مع قوله: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) [الحجر: 42]؟ قلت: شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول: أمرتنى نفسي بكذا، وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين؛ لطاعتكم له وقبولكم وساوسه؛ ولذلك قال: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) [النساء: 119]، وقال اللَّه تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) [يوسف: 53] لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت. [(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)]. (لَهُمُ) الضمير للناس، وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم؛ لأنه لا ضال أضل من المقلد، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون. قيل: هم المشركون. وقيل: هم طائفة من اليهود دعاهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا: (بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا) فإنهم كانوا خيرا منا وأعلم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كيف كان الشيطان آمراً) أي: الآمر مستعل على المأمور ومتسلط فوقه، فكيف يستقيم هذا مع قوله: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر: 42]. وخلاصة الجواب: أن الكلام فيه استعارة، وفي الاستعارة كناية رمزية؛ نعى على سوء صنيعهم وتسفيه رأيهم وتحقير شأنهم، وذلك بأخذ الزبدة والخلاصة من الجملة. قوله: (قيل: هم المشركون، وقيل: هم طائفة من اليهود) يعني: التعريف في الناس للعهد، والمعهود: إما ما يفهم من قوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً) إذا أريد بالأنداد:

و (ألفينا) بمعنى: وجدنا، بدليل قوله: (بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا). (أَوَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ)، الواو للحال، والهمزة بمعنى الردّ والتعجيب، معناه: أيتبعونهم ولو كان آباؤهم (لا يعقلون) شيئاً من الدين (ولا يهتدون) للصواب؟ ! .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأصنام، أو من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ) [البقرة: 159]، ويجوز أن يكون التعريف للجنس والخطاب عاماً في الكفرة، وعليه النظم، وبيانه إنما يتبين بتمهيد مقدمة، وذلك أن قولهم: شكر المنعم واجب، معناه: أنه تعالى خلق المكلفين ورزقهم ما به يعيشون ويتمتعون ويرتفقون، وأوجب عليهم الطاعة شكراً لتلك النعم، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الآيات [البقرة: 21]، وأرسل إليهم الرسل لينبههم على مكان تلك النعمة، ويعلمهم كيفية شكرها من الطاعة والعبادة، ثم إن الشياطين اجتالتهم حتى كفروا نعمة الله، وتقدموا على تكذيب من دعاهم إلى الشكر ولبسوا ذلك الحق المبين، فإذا قال لهم الأنبياء: اتبعوا من يرشدكم إلى الهدى، ولا تتبعوا من يضلكم عن السبيل، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فلذلك نودي على ضلالهم بالالتفات من الخطاب إلى الغيبة قائلاً للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون! هذا هو التحقيق، لأن السورة في بيان إثبات التوحيد والنبوات، ووضع الأحكام والتنبيه على خطأ الناس في الضلالات، وإرشادهم إلى الحق، فإنه تعالى كما ذكر نبذاً من أحوال الأمم وقصصهم، كر إلى ذلك المعنى. قوله: (والهمزة بمعنى الرد والتعجب)، أي: دخلت همزة التعجب على الجملة الحالية

[(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)]. لا بدّ من مضاف محذوف تقديره. ومثل داعى الذين كفروا (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ)، أو: ومثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق. والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للرد عليهم، قال القاضي: جواب "لو" محذوف، أي: لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين إذ علم بدليل، ولا يهتدون إلى الحق، لاتبعوهم، وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد، وأما اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق، كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام، فهو في الحقيقة ليس بتقليد، بل اتباع ما أنزل الله. وكلام المصنف ينبئ عن أن جواب "لو" غير منوي، وكلام القاضي بخلافه، وسيجيء في الممتحنة تقريره. قوله: (لابد من مضاف محذوف) إما عند المشبه وإما عند المشبه به؛ لأن تشبيه الكفار بالداعي إذا قدر أنه تشبيه مفرق لا يستقيم بدون التقدير. قوله: (والمعنى: ومثل داعيهم)، قيل: أشار به إلى التقديرين المذكورين، وقيل: فيه لف، فقوله: "ومثل داعيهم" إلى آخره مبني على الوجه الأول، وقوله: "وقيل: معناه: ومثلهم في اتباعهم" مبني على الوجه الثاني. وقلت: التحقيق فيه أن المذكورات وجوه مختلفة المقاصد: أولها: قوله: (ومثل داعي الذين كفروا (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ)) مبني على أن التشبيه من التشبيهات المفرقة، فالداعي بمنزلة الراعي، والكفرة بمنزلة الغنم المنعوق بها، ودعاؤه الكفرة بمنزلة دعاء الناعق البهائم. وثانيها: قوله: (ومثل الذين كفروا كبهائم الذين ينعق) أي: بهائم الشخص الذي ينعق

في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوى الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار، كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها، وزجر لها، ولا تفقه شيئا آخر ولا تعى كما يفهم العقلاء ويعون. ويجوز أن يراد بما لا يسمع: الأصم الأصلخ الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلا النداء والتصويت لا غير، من غير فهم للحروف. وقيل معناه: ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت، ولا تفهم ما تحته، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم لا يفقهون أهم على حق أم باطل. وقيل معناه: ومثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بما لا يسمع، والمراد بما لا يسمع: البهائم، وضع موضع المضمر، أي: كمثل بهائم الذي ينعق بها، المعنى: ومثل الذين كفروا مع داعيهم في أنهم لا يرفعون رؤوسهم إلى ما يدعوهم إليه كمثل البهائم مع داعيها ينعق بها وهي لا تعقل سوى أن تسمع الصوت، ومآل المعنيين يعود على ما ذكره من قوله: "ومثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلى جرس النغمة" إلى آخره، فصح قول من قال: إن قوله: "المعنى ... " إشارة على التقديرين. وثالثها: قوله: (ويجوز أن يراد بما لا يسمع: الأصم)، هذا مثل الأول، لكن الاختلاف بين البهائم والرجل الأصم. ورابعها: قوله: (ومثلهم في اتباعهم آباءهم) مبني على أن التشبيه مركب تمثيلي، وهو أن يكون الوجه منتزعاً من عدة أمور متوهمة، فلا يحتاج حينئذ إلى تقدير مضاف، ولهذا قال: "ومثلهم في اتباعهم آباءهم" وكَيْتَ وكَيْت، وهذا الوجه أوجه وأشد ملاءمة بالآية السابقة، وهي قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا) إلى قوله: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ). وخامسها: قوله: (ومثلهم في دعائهم الأصنام)، قال القاضي: لا يساعده قوله: (إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً)؛ لأن الأصنام لا تسمع، إلا أن يجعل ذلك من باب التمثيل المركب.

إلا أنّ قوله: (إِلَّا دُعاءً وَنِداءً) لا يساعد عليه، لأنّ الأصنام لا تسمع شيئاً .. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: مراده أن هذا الوجه فيه احتمالات: أن يكون تشبيهاً مفرقاً والآخر تمثيلاً، والاحتمال الأول مردود لفقدان التقابل بين المشبه والمشبه به، والثاني مقبول؛ لأنه غير مشروط بذلك. وقلت: إذا أريد المركب التمثيلي لابد من ذلك؛ لأن المراد أن داعي الأصنام لا يرجع من دعائها إلى شيء ما، وأنها أدون حالاً من البهائم لأنها تسمع دعاء ونداء وهي لا تسمع شيئاً قط، كقوله تعالى: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ) [فاطر: 14]، فإذا لم يوجد في الممثل ما للممثل به تفوت هذه الدقيقة؛ لأن الواجب في التمثيلي أن يقدر للممثل ما للمثل به من الحالة المتوهمة المنتزعة من أمور، ولو احتمل منها شيء احتمل التمثيل، اللهم غلا أن يجعل التشبيه مركباً عقلياً كما اعتبر المصنف في قوله تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) الآية [البقرة: 265]، حيث قال: "ومثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله"، المعنى على كونه مركباً عقلياً: ومثلهم في دعائهم الأصنام فيما لا جدوى فيه كمثل الناعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، وهذا أحسن الوجوه المذكورة في "الكتاب"، وأوفق لتأليف النظم، وذلك أن العاطف في قوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) يستدعي معطوفاً عليه، ولا يحسن أن يعطف على جملة قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا) الآية، حسنة إذا عطف على قوله: (لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) على سبيل البيان، فيكون المراد بالذين كفروا آباءهم، وضعاً للمظهر موضع المضمر للإشعار

والنعيق: التصويت، يقال: نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن. قال الأخطل: فَانْعِقْ بِضَانِكَ يَا جَرِيرُ فَإنّمَا ... مَنَّتْكَ نَفْسُكَ فِي الخَلَاءِ ضَلَالا وأما (نغق الغراب)؛ فبالغين المعجمة. (صُمٌّ): هم صم، وهو رفع على الذمّ. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)]. (مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ): من مستلذاته؛ لأنّ كل ما رزقه اللَّه لا يكون إلا حلالا. (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) الذي رزقكموها (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ): إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرّون أنه مولى النعم، وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "يقول اللَّه تعالى: إنى والجنّ والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويُعبد غيرى، وأرزق ويُشكر غيري". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعلية عدم الاهتداء وسلب العقول نعياً على المخاطبين وتسجيلاً على ضلالهم، وفي عطف الجملة الاسمية على الفعلية الإيذان بأن المراد بالمضارع في قوله: (لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) الاستمرار. قوله: (فانعق بضأنك) البيت؛ منتك: من تمنيت الشيء ومنيت غيري، يقول: إنك من رعاء الشاء لا من الأشراف، وما منتك نفسك في الخلاء أنك من العظماء فضلال باطل. قوله: (لأن كل ما رزقه الله) تعليل لتفسير الطيبات بالمستلذات، يعني: أن المراد بالطيبات: المستلذات؛ لأن قوله: (مَا رَزَقْنَاكُمْ) محمول على الحلال؛ لأن الرزق عندهم لا يكون إلا حلالاً، وعند أهل السنة، وإن جاز حمل الطيبات على الحلال والحرام؛ لأن قوله: (مَا رَزَقْنَاكُمْ) مطلق يتناول الحلال والحرام، لكن مقام الامتنان على قوم مخصوصين والأمر بالتناول يأبى الحمل إلا على ما تستطيبه النفس كما سيجيء.

[(إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)]. قرئ: (حَرّم) على البناء للفاعل، و (حُرِّم) على البناء للمفعول، و (حَرُم) بوزن كرم ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: (حَرَّمَ)، على البناء للفاعل) وهي المشهورة، وعلى بناء المفعول شاذ، قال الزجاج: ويجوز: (إنما حرم عليكم الميتة) على أن: الذي حرم عليكم الميتة. والمختار أن "ما": كافة لاتباع سنة الكتابة، المعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة؛ لأن "إنما" تأتي إثباتاً لما يذكر بعدها ونفياً لما سواه. وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون (ما) بمعنى: الذي، والميتة: خبر إن، ويجوز أن تكون: كافة، والميتة: أقيم مقام الفاعل. قال القاضي: [فإن قيل]: "إنما" تفيد قصر الحكم على ما ذكر، وكم من حرام لم يذكر، وأجاب: المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه، لا مطلقاً، أو قصر حرمته على حال الاختيار، كأنه قيل: إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها. وقلت: الوجه الأول هو الوجه، والثاني ضعيف؛ لأن الحصر في باب "إنما" إنما يأتي في القيد الأخير، قال صاحب "المفتاح": نزل القيد الأخير من الكلام الواقع بعد "إنما" منزلة مستثنى ولا تصنع شيئاً غير ما أذكره. والقيد الأخير هنا المفعول به، والمعنى: ما حرم عليكم شيئاً من المأكولات إلا الميتة والدم ولحم الخنزير، فالكلام في المأكولات لا في الحال،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويمكن أن يقال: إن عطف (فَمَنْ اضْطُرَّ) يفيد تقييد ما تقدمه بالحال، فصح قوله: إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها. وإنما تقرير هذا الوجه القصر، فاعلم أن القصر لابد فيه من سبق خطأ من المخاطب مشوب بصواب، وأنت تريد تحقيق صوابه ونفي خطئه، فقوله تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ) معناه: ما حرم عليكم إلا الميتة، وهو قصر الحكم على المذكورات، فيفيد أن المحرم ليس إلا المذكورات، وليس كذلك، وهو المراد بقوله: "وكم من حرام لم يذكر"، وإنما يمكن التفصي منه إذا عينا اقتضاء المقام، فإن القائل إذا قال: زيد شاعر ومنجم، فإذا قلت في جوابه: ما زيد إلا شاعر، أفاد القصر، وليس المراد أن ليس لزيد صفة سوى الشاعرية، بل القصر على أحد الوصفين المتنازع فيهما، كذلك في هذا المقام، أنه تعالى لما عم الخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً) [البقرة: 168] وخصه بالمؤمنين في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثم عقبهما بقوله: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ) الآية، وجب أن يقدر لكل من المخاطبين ما يناسبه ليصح الرد، وذلك بأن يرد على المشركين تحريمهم ما أحله الله وهو السائبة والحام والوصيلة وأمثالها، وتحليلهم ما حرمه الله من هذه المذكورات، كأنهم قالوا: تلك حرمت علينا وهذه أحلت، فقيل لهم: ما حرمت إلا هذه، وإليه ينظر قول القاضي: قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه، لا مطلقاً، وأن يرد على المؤمنين تحريمهم على أنفسهم لذيذ الأطعمة ورفيع الملابس، وهذه الأشياء المذكورة، فقيل لهم: ما حرمت عليكم إلا هذه، ويؤيده ما روينا عن

(أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) أي: رفع به الصوت للصنم؛ وذلك قول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزى (غَيْرَ باغٍ) على مضطرّ آخر بالاستئثار عليه، (وَلا عادٍ) سدّ الجوعة. فإن قلت: في الميتات ما يحل؛ وهو السمك والجراد، قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان». قلت: قُصِد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة؛ ألا ترى أنّ القائل إذا قال: أكل فلان ميتة لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد، كما لو قال: أكل دماً، لم يسبق الوهم إلى الكبد والطحال، ولاعتبار العادة والتعارف قالوا: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البخاري ومسلم، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"، قاله حين سمع أن نفراً من أصحابه قال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، ذكر في "مشارق الأنوار"، وأمثال هذا الحديث واردة كثيراً، وفيه نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) [المائدة: 87]، فالتركيب بالنسبة إلى المشركين: قصر قلب، وإلى المؤمنين: قصر إفراد، والفاء في قوله: (فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) تفصيلية؛ لأنها تدل على تقدير محذوف يبين الحكم السابق. المعنى: ما حرم عليكم إلا هذه، فمن استحلها وتناولها فقد ارتكب إثماً عظيماً، ومن اضطر إليها وتناول شيئاً منها من غير بغي وعدوان فإن الله يغفر له ويرحمه ويحط عنه ذلك الإثم؛ لأن الله غفور رحيم، وظهر ضعف الوجه الثاني للقاضي، والله أعلم. قوله: (أي: رفع به الصوت للصنم). قال القاضي: الإهلال أصله: رؤية الهلال، يقال: أهل الهلال وأهللته، لكن لما جرت العادة أن يرفع الصوت بالتكبير إذا رؤي سمي ذلك إهلالاً، ثم قيل لرفع الصوت: إهلال وإن كان لغيره.

من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكا لم يحنث، وإن أكل لحماً في الحقيقة. قال اللَّه تعالى: (لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا) [النحل: 14]، وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث، وإن سماه اللَّه تعالى دابة في قوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الأنفال: 55]. فإن قلت: فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه؟ قلت: لأنّ الشحم داخل في ذكر اللحم، لكونه تابعا له وصفةً فيه؛ بدليل قولهم: لحم سمين، يريدون أنه شحيم. [(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ* ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ)]. (فِي بُطُونِهِمْ): ملء بطونهم، يقال: أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه (إِلَّا النَّارَ)، لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار، ومنه قولهم: أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي بدل منه. قال: أَكَلْتُ دَماً إنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((فِي بُطُونِهِمْ): ملء بطونهم). قال أبو البقاء: والجيد أن يكون (فِي بُطُونِهِمْ): ظرفاً لـ (يَاكُلُونَ)، فعلى هذا هو مبالغة في الأكل، كأنهم كانوا متمكنين على البطون عند الأكل فملؤوها. قوله: (أكلت دماً إن لم أرعك بضرة). تمامه: بعيدة مهوى القرط طيبة النشر

وقال: يأكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا أراد ثمن الإكاف، فسماه إكافاً؛ لتلبسه بكونه ثمناً له. (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) تعريضٌ بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة اللَّه إياهم بكلامه، وتزكيتهم بالثناء عليهم. وقيل: نفي الكلام عبارة عن غضبه عليهم، كمن غضب على صاحبه ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: كنت آكلاً دماً إن لم أتزوج عليك، أي: بدل الدم، وهي الدية، فإنهم يستنكفون من أخذ الدية، وقيل: أراد العلهز، وهو الدم والصوف يؤكل في الجدب، أي: وقعت في الجدوبة، أرعك: أفزعك، وإنما سميت الامرأتان للرجل ضرتين لأن كل واحدة منهما تريد ضر صاحبتها، "بعيدة مهوى القرط": كناية عن طول العنق. قوله: (يأكلن كل ليلة إكافا)، أوله: إن لنا أحمرة عجافا الإكاف: البرذعة، أي: نعلفها كل ليلة ثمن الإكاف. قوله: (تعريض بحرمانهم)، يعني: لا يكلمهم ولا يزكيهم: تعريض بأنهم لا يكرمون ولا يزكون بالثناء عليهم؛ لأن أهل الجنة مكرمون بتكليم الله إياهم ومزكون بثناء الله عليهم، إنما خصا بالذكر إظهاراً لغيظهم وإبداء لتحسرهم؛ لأن الإحسان إلى العدو سبب لاغتمام العدو، وفيه أنهم فوتوا على أنفسهم بسبب الكفر هاتين الكرامتين. قوله: (نفي الكلام عبارة عن غضبه عليهم) مشعر بأنه من باب الكناية، وكذلك قوله: "تعريض بحرمانهم"؛ لأن التعريض نوع من أنواع الكناية، وأبى في "آل عمران" عند قوله: (وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [آل عمران: 77] أن يكون (وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ)

فصرمه وقطع كلامه وقيل: لا يكلمهم بما يحبون، ولكن بنحو قوله: (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون: 108]. (فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن! تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب. وقيل: (فما أصبرهم): فأي: شيء صبرهم! يقال: أصبره على كذا وصبره بمعنى وهذا أصل معنى فعل التعجب. والذي روي عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضى اليمن بمكة: اختصم إليّ رجلان من العرب فحلف أحدهما ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كناية عن عدم الالتفات بل مجازاً عنه، حيث قال: "أصله فيمن يجوز عليه النظر كناية، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان"، كأنه فرق بين إثبات النظر إلى الله تعالى ونفيه عنه وبين إثبات الكلام ونفيه. وفيه بحث. قوله: (فأي شيء صبرهم)، إلى قوله: "وهذا أصل معنى فعل التعجب"، فرق بين الأصل والفرع، وهو كذلك؛ لأن الأصل الاستفهام فيه يحتمل الإنكار والتوبيخ والتعجب وغير ذلك، والفرع منصوص في إنشاء التعجب. الراغب: قال أبو عبيدة: إن ذلك لغة بمعنى الجرأة، واحتج بقول الأعرابي لخصمه: ما أصبرك على الله، وهذا تصور مجاز بصورة حقيقة؛ لأن ذلك معناه: ما أصبرك على عذاب الله في تقديرك إذا اجترأت على ارتكاب ذلك، وإلى هذا يعود قول من قال: ما أبقاهم على النار! وقول من قال: ما أعملهم بعمل أهل النار! وذلك أنه قد يوصف بالصبر من لا صبر له في الحقيقة اعتباراً بالناظر إليه، واستعمال التعجب في مثله اعتبار بالخلق لا بالخالق.

على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على اللَّه! فمعناه: ما أصبرك على عذاب اللَّه! (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ) أي: ذلك العذاب بسبب أنّ اللَّه نزل ما نزل من الكتب بالحق (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا) في كتب اللَّه فقالوا في بعضها: حق، وفي بعضها: باطل، وهم أهل الكتاب. (لَفِي شِقاقٍ): لفي خلاف (بَعِيدٍ) عن الحق. والكتاب للجنس، أو كفرهم ذلك، بسبب أنّ اللَّه نزّل القرآن بالحق كما يعلمون. (وإن الذين اختلفوا) فيه من المشركين، فقال بعضهم: سِحر، وبعضهم: شعر، وبعضهم: أساطير (لفي شقاق بعيد)، يعني: أنّ أولئك لو لم يختلفوا ولم يشاقوا لما جسر هؤلاء أن يكفروا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو كفرهم ذلك) هو معطوف على قوله: "ذلك العذاب بسبب أن الله نزل"؛ لأن المشار إليه السابق، إما ما دل عليه قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أو قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) فعلى الأول: الكلام مع اليهود خاصة، والتعريف في الكتاب للجنس، وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ) الآية كالتأكيد والتذييل للجملة السابقة، يدل عليه وضع قوله: (الَّذِينَ اخْتَلَفُوا) موضع الضمير. المعنى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) إنما يثبت لهم العذاب؛ لأنه تعالى نزل جنس الكتاب بالحق وهم اختلفوا فيها وكتموا الحق وقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل؛ ثم نعى عليهم هذا المعنى على سبيل التذييل بقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)، ففي الكلام حذف، والمحذوف ما قدرناه لدلالة التذييل عليه، وقدر القاضي اللام للعهد فقال: ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق فرفضوه بالتكذيب والكتمان. وعلى الثاني: الكلام مع اليهود والمشركين، والتعريف للعهد، والمراد بالكتاب: القرآن، وبالذين "اختلفوا": المشركون، وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ) الآية: حال من الكتاب، وقد أقيم مقام الراجع المظهر. المعنى: إنما كفر اليهود لأن الله تعالى نزل القرآن بالحق،

[(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)]. الْبِرَّ: اسم للخير ولكل فعل مرضيّ. (أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) الخطاب لأهل الكتاب؛ لأن اليهود تصلى قِبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبل المشرق؛ وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حُوّل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أنّ البرّ التوجه إلى قبلته، فردّ عليهم. وقيل: ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنه منسوخ خارج من البرّ، ولكن البرّ ما نبينه. وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والحال: أن المشركين كانوا فيه على شقاق قوي واختلاف شديد ولم تتفق كلمتهم مع كلمة المسلمين حتى جسرت اليهود على أن طعنوا فيه وكفروا به بعد ما عرفوا أنه الحق فاشتروا الضلالة بالهدى، ولا امتناع في أن تصدر الجملة الحالية بأن كما ورد في قوله: (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ) [الفرقان: 20]، قال أبو البقاء: كسرت (إن) لأجل اللام، وقيل: لو لم تكن اللام كسرت أيضاً؛ لأن الجملة حالية، إذ المعنى: إلا وهم يأكلون، واستشهد دار الحديثي بهذه الآية في "شرحه" لهذا المعنى. قوله: (لأن اليهود تصلي قبل المغرب؛ إلى بيت المقدس)، أراد بحسب أفق مكة. وذلك جار مجرى سبب النزول والتعليل في كون الخطاب مع أهل الكتاب. قوله: (وقيل: كثر خوض المسلمين) معطوف على قوله: "الخطاب لأهل الكتاب" فعلى

فقيل: ليس البرّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة، ولكن البرّ الذي يجب الاهتمام به، وصرف الهمة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال. وقرئ: (وليس البرّ) بالنصب على أنه خبر مقدم. وقرأ عبد اللَّه: (بأن تولوا) على إدخال الباء على الخبر للتأكيد كقولك: ليس المنطلق بزيد. (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) على تأويل حذف المضاف، أي: برّ من آمن، أو يتأول البرّ بمعنى ذى البرّ، أو كما قالت: فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ وعن المبرّد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: ولكنّ البرّ، بفتح الباء. وقرئ: (ولكن البارّ). وقرأ ابن عامر ونافع: ولكنّ (البر) بالتخفيف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا: الخطاب عام في أهل الكتاب والمسلمين، فينبغي أن يكون ما خاض فيه المليون جميعاً أمراً عظيماً، وذلك أن اجتماعهم وكثرة خوضهم في شيء يوهم أن ذلك الشيء أمر عظيم، ولهذا قال: "ليس البر العظيم". وأما اختصاص المشرق والمغرب فللتعميم لا تعيين السمتين كما في الوجه الأول. قوله: (أو كما قالت) أي الخنساء، ترثي أخاها صخراً، أول البيت: ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت جعلت الناقة كأنها تجسدت من الإقبال والإدبار، يعني: هذه الناقة ترتع زماناً، فلما ذكرت صاحبها تترك الرتع وتقبل وتدبر بالغة حدها. قوله: (لو كنت ممن يقرأ) أي: لو أجيز لي بأن أقرأ بعدما ورد المنع بإجماع الصحابة أن يقرأ كل أحد من غير سماع لقراءته. الانتصاف: هذا القول من المبرد خطأ، فإن القراءة لا توكل إلى الاختيار والاجتهاد، بل معتمدها النقل، والمتواترة أفصح؛ لأن أول الكلام (لَيْسَ الْبِرَّ)

(وَالْكِتابِ) جنس كتب اللَّه، أو القرآن (عَلى حُبِّه) مع حب المال والشح به، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا. وقيل: على حب اللَّه. وقيل: على حب الإيتاء؛ يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه. وقدم ذوى القربى؛ لأنهم أحق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو مصدر قولاً واحداً، فلو استدرك البر انقلبت المطابقة، ولذلك حذف المضاف وتقديره: "بر من آمن" أصح وأشد مناسبة للسياق. قوله: ((وَالْكِتَابِ) جنس كتب الله أو القرآن)، فقد أومى بهذا إلى بيان النظم، وان هذا الكتاب هو: ذلك الكتاب المذكور في قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، فإن أريد به الجنس كان هذا مثله، وإن أريد العهد فكذلك؛ لأن المعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول، وبيان النظم أنه تعالى لما ذكر اختلاف أهل الكتاب في جنس كتب الله أو القرآن، ذكر اختلافاً آخر لهم في شأن القبلة مستطرداً، وجعله تخلصاً وذريعة إلى ذكر أقسام البر وأصنافه، وأراد أنهم عن سائر الخيرات معزولون، ولا يختص اختلافهم في الكتاب وحده أو القبلة وحدها. قوله: (كما قال ابن مسعود)، والحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا وقد كان". قوله: (وقيل: على حب الإيتاء) اعلم أن الضمير إذا كان للمال أو الإيتاء كان من باب التتميم والمبالغة، وإذا كان لله تعالى كان من التكميل لانضمام الإخلاص مع الكرم.

"صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان؛ لأنها صدقة وصلة" وقال عليه الصلاة والسلام: ((أفضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح)). وأطلق (ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى) والمراد الفقراء منهم؛ لعدم الإلباس. و"المسكين": الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له، كالمسكير: للدائم السكر. (وَابْنَ السَّبِيلِ) المسافر المنقطع. وجُعل ابنا للسبيل؛ لملازمته له، كما يقال للص القاطع: ابن الطريق. وقيل: هو الضيف؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (صدقتك على المسكين صدقة) الحديث من رواية الترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي، عن سلمان بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة". قوله: (ذي الرحم الكاشح)، الأساس: هو طاوي الكشحين، ومنه عدو كاشح، وكشح له بالعداوة، أي: أضمرها في كشحه. قوله: (و"المسكين": الدائم السكون إلى الناس)؛ لأنه لا شيء له، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، لقوله تعالى: (أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) [البلد: 16]، ومذهب الشافعي رحمه الله: هو الذي يملك ما يقع موقعاً ن كفايته ولا يكفيه، لقوله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ) [الكهف: 79].

لأنّ السبيل ترعف به. (وَالسَّائِلِينَ) المستطعمين. قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه". (وَفِي الرِّقابِ) وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم. وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها. وقيل: في فك الأسارى. فإن قلت: قد ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه، ثم قفاه بإيتاء الزكاة فهل دلّ ذلك على أنّ في المال حقا سوى الزكاة؟ قلت: يحتمل ذلك. وعن الشعبي: أنّ في المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية. ويحتمل أن يكون ذلك بيان مصارف الزكاة، أو يكون حثاً على نوافل الصدقات والمبارّ. وفي الحديث: «نسخت الزكاة كلَّ صدقة» يعني وجوبها. وروي ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن السبيل ترعف به). الأساس: ومن المجاز: رعف فلان بين يدي القوم، واسترعف: تقدم، ورعف به صاحبه: قدمه. قوله: (للسائل حق ولو جاء على ظهر فرسه)، أخرجه أبو داود ولم يذكر فيه الظهر، والراوي علي رضي الله عنه. قوله: (ويحتمل أن يكون ذلك بيان مصارف الزكاة)، فإنه تعالى لما ذكر إقامة الصلاة ذكر شقيقتها مجملاً بعدما ذكرها مفصلاً، وذلك أن مفهوم (وَآتَى الزَّكَاةَ) ومفهوم (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى) إلى آخره، متقاربان إجمالاً وتفصيلاً، وإنما قدم بيان المصرف على ذكر الزكاة، لأنه هو المهتم بشأنه، ألا ترى على قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)؟ [البقرة: 215] وسيجيء بيانه، وإنما أوقع الصلاة واسطة للعقد بين المفصل والمجمل ليؤذن بأن التعظيم لأمر الله إنما يحسن كل الحسن إذا كان مكتنفاً بالشفقة على خلق الله.

«ليس في المال حق سوى الزكاة». (وَالْمُوفُونَ) عطف على (من آمن). وأخرج (الصَّابِرِينَ) منصوباً على الاختصاص والمدح؛ إظهاراً الفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. وقرئ: (والصابرون)، وقرئ: (والموفين والصابرين). و (الْبَاساءِ): الفقر والشدّة، (وَالضَّرَّاءِ): المرض والزمانة. (صَدَقُوا): كانوا صادقين جادّين في الدين. [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ* وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)]. عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري، وعطاءٍ، وعكرمة، وهو مذهب مالك والشافعي رضي الله عنهم: أنّ الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على الاختصاص والمدح إظهاراً لفضل الصبر). نقل الإمام عن أبي علي الفارسي: إذا ذكرت صفات في معرض المدح أو الذم، فالأحسن أن يخالف بإعرابها؛ لأن المقام يقتضي الإظناب، فإذا خولف في الإعراب كان المقصود أكمل؛ لأن المعاني عند الاختلاف تتنوع وتتفنن، وعند الاتحاد تكون نوعاً واحداً. قوله: (وهو مذهب مالك والشافعي: أن الحر لا يقتل بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى)، وفيه نظر، إذ مذهبه أن الذكر يقتل بالأنثى؛ قال الإمام: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ)

أخذاً بهذه الآية. ويقولون: هي مفسرة لما أبهم في قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة: 45]؛ ولأن تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أخرج مخرج التفسير لقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ) فدل على أن رعاية التسوية في الحرية والعبدية معتبرة، وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية، وقال: إن الآية دلت على أن لا يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر، إلا أنا خالفنا هذا الظاهر بالقياس والإجماع، أما القياس فهو أنه لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر أولى، وكذلك القول في قتل الأنثى، وأما الإجماع فهو أن يقتل الذكر بالأنثى، وقال القاضي: والآية لا تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى، كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم، وقد بين الغرض من بيان الواقعة في الجاهلية، وإنما منع مالك والشافعي قتل الحر بالعبد، سواء كان عبده أو عبد غيره لما روى علي رضي الله عنه: أن رجلاً قتل عبده، فجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ولم يقده به، ولأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة من غير نكير، وللقياس على الأطراف. الانتصاف: وهم على الإمامين في مسألة قتل الذكر بالأنثى. قوله: (ولأن تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة): عطف على قوله: "ويقولون"؛ لأنه

وهذه خوطب بها المسلمون وكتب عليهم ما فيها. وعن سعيد ابن المسيب، والشعبي والنخعي، وقتادة، والثوري، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه: أنها منسوخة بقوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة: 45]، والقصاص ثابت بين العبد والحرّ، والذكر والأنثى. ويستدلون بقوله صلى اللَّه عليه وسلم: (المسلمون تتكافأ دماؤهم)، وبأنّ التفاضل غير معتبر في الأنفس، بدليل أنّ جماعة لو قتلوا واحداً قتلوا به. وروي: «أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية، وكان لأحدهما طول على الآخر فأقسموا: لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد، والذكر بالأنثى، والاثنين بالواحد، فتحاكموا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ استدلال على أن الآية ليست بمنسوخة، فهو عطف معنوي، قال القاضي: إن الآية لا ينسخها قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)؛ لأنه حكاية ما في التوراة، فلا ينسخ ما في القرآن؛ لأن من شرط الناسخ تأخره عن المنسوخ. قوله: (المسلمون تتكافأ دماؤهم) تمامه: عن علي رضي الله عنه: "ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده"، أخرجه النسائي من رواية أبي جحيفة، وأخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب، مع زيادات. النهاية: تتكافأ دماؤهم، أي: تتساوى في القصاص والديات، والكفء: النظير والمساوي، ومنه الكفاءة في النكاح. ويسعى بذمتهم أدناهم، أي: إذا أعطى أحد الجيش العدو أماناً، جاز ذلك على جميع المسلمين، وليس لهم أن يخفروه، ولا أن ينقضوا عليه عهده.

حين جاء اللَّه بالإسلام؛ فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا" (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) معناه: فمن عفي له من جهة أخيه شيء، من العفو، على أنه كقولك: سير بزيد بعض السير، وطائفة من السير، ولا يصح أن يكون شيء في معنى المفعول به؛ لأن «عفا» لا يتعدّى إلى مفعول به إلا بواسطة. وأخوه: هو وليّ المقتول ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن يتباوءوا)، النهاية: عن أبي عبيد: يتباءوا، الصواب: يتباوءوا، بوزن: يتقاتلوا، من البواء وهو المساواة، يقال: باوأت بين القتلى، أي: ساويت، وقال غيره: يتباءوا صحيح، يقال: باء به: إذا كان كفؤاً له، وهم بواء أي: أكفاء، معناه: ذوو بواء. قوله: (فمن عفي له من [جهة] أخيه شيء)، أي: عفو قليل، وهو مفعول مطلق، والفعل مسند إلى المصدر، كما في قولك: سير بزيد بعض السير. قوله: (ولا يصح أن يكون شيء في معنى المفعول به)، روى صاحب "الكشف"، عن عثمان، أنه قال: قد يمكن أن يكون تقديره: فمن عفي له من أخيه عن شيء، فملا حذف الجار ارتفع "شيء" لوقوعه موقع الفاعل، كما أنك لو قلت: سير بزيد وحذفت الباء وقلت: سير زيد. ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يكون شيء مرتفعاً بفعل محذوف يدل عليه قوله: عفي له؛ لأن معناه: ترك له شيء. قوله: (وأخوه: [هو] ولي المقتول)، (فَمَنْ) عبارة عن القاتل، و (مِنْ): لابتداء الغاية، و (شَيْءٌ) عبارة عن العفو.

وقيل له: أخوه؛ لأنه لابسه من قِبَل أنه ولى الدم ومطالبه به، كما تقول للرجل: قل لصاحبك كذا، لمن بينه وبينه أدنى ملابسة، أو ذكره بلفظ الأخوة؛ ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام. فإن قلت: إن "عفى" يتعدّى بـ"عن" لا باللام، فما وجه قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ)؟ قلت: يتعدى بـ"عن" إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه. قال اللَّه تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) [التوبة: 43]، وقال: (عَفَا اللَّهُ عَنْها) [المائدة: 101]، فإذا تعدّى إلى الذنب والجاني معاً قيل: عفوت لفلان عما جنى، كما تقول: غفرت له ذنبه، وتجاوزت له عنه، وعلى هذا ما في الآية كأنه قيل: فمن عُفيَ له عن جنايته، فاستغنى عن ذكر الجناية ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الواحدي: العفو عبارة عن ترك الواجب من أرش جناية أو عقوبة ذنب أو ما استوجبه الإنسان بما ارتكبه من جناية، فصفح عنه وترك من الواجب شيء. قوله: (بلفظ الأخوة، ليعطف) أي: للاستعطاف، نحو قول هارون عليه السلام: (يَبْنَؤُمَّ) [طه: 94]. قال الواحدي: أراد من دم أخيه فحذف المضاف للعلم به، واراد بالأخ: المقتول، سماه أخاً للقاتل فدل على أن أخوة الإسلام بينهما لا تنقطع وأن القاتل لم يخرج من الإيمان بقتله، والكنايتان. في قوله: (لَهُ) و (أَخِيهِ) يرجعان إلى "من" وهو القاتل. قوله: (وعلى هذا ما في الآية) أي: على الاستعمال الثاني، وهو تعدي "عفا" إلى الذنب، وقولهم: عفوت لفلان عما جنى، ورد (عُفِيَ) في الآية وحذف "عن جنايته" لأن العفو استدعى ذلك.

فإن قلت: هلا فسرت "عُفيَ" بـ"ترك" حتى يكون شيءٌ في معنى المفعول به؟ قلت: لأن "عفا الشيء" بمعنى تركه، ليس بثبتٍ، ولكن أعفاه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «وأعفوا اللحى». فإن قلت: فقد ثبت قولهم: عفا أثره؛ إذا محاه وأزاله فهلا جعلت معناه: فمن محى له من أخيه شيء. قلت: عبارة قلقة في مكانها، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها. وترى كثيراً ممن يتعاطى هذا العلم يجترئ إذا أعضل عليه تخريج وجهٍ للمشكل من كلام اللَّه على اختراع لغة وادعاء على العرب ما لا تعرفه، وهذه جرأة يستعاذ باللَّه منها. فإن قلت: لم قيل: شيء من العفو؟ قلت: للإشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم، أو عفا عنه بعض الورثة؛ تم العفو؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأعفوا اللحى) الحديث من رواية البخاري ومسلم وغيرهما، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى". أنهكوا، أي: بالغوا في قصها. قوله: (عبارة قلقة)، أي: غير قارة في مكانها، فإن الكلام الفصيح هو الذي يستعمل فيه ما هو على ألسنة الفصحاء أدور، واستعمالهم له أكثر، وكلام الله أفصح الكلام لا يجوز فيه أمثال هذه العبارة. نعم، فيه ما لو اقتضاه المقام كما في قول الشاعر: وما عفت الديار له محلاً ... عفاه من حدا بهم وساقا لأن الكلام في محو أثر ديار المحبوبة فهو مكان استعماله، والآية مسوقة في شأن العفو عن الجنايات، فهو بمعزل عن استعماله فيه، وهو المراد من قوله: "نابية عن مكانها". قوله: (وبعض منه) تفسير لقوله: "طرف من العفو"، والبعضية إنما تتصور بأحد شيئين: بأن يعفو الورثة كلهم بعض الدم، أو بأن يعفو بعض الورثة حقه بتمامه.

وسقط القصاص، ولم تجب إلا الدية (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ): فليكن اتباع، أو فالأمر اتباع. وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعاً، يعنى: فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف به ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة، وليؤدّ إليه القاتل بدل الدم أداء بإحسان، بأن لا يمطله ولا يبخسه. (ذلِكَ) الحكم المذكور من العفو والدية (تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)؛ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرّم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو وحرّم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمّة بين الثلاث: القصاص والدية والعفو، توسعة عليهم وتيسيراً (فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ) التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الدية؛ فقد كان الولي في الجاهلية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرم العفو وأخذ الدية)، قلت: أما تحريم أخذ الدية فصحيح، لما روينا عن البخاري والنسائي عن ابن عباس: "كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) الآية"، وأما تحريم العفو فمنظور فيه لقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) إلى قوله: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) [المائدة: 45]، وقوله في "الأعراف" في تفسير قوله: (وَامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) [الأعراف: 145] "أي: فيها ما هو حسن وأحسن، كالاقتصاص والعفو". قوله: (من قتل غير القاتل) "من" بمعنى "أجل"، أي: تجاوز ما شرع له من جهة قتل غير القاتل، ويجوز أن يكون بياناً لجملة قوله: "فتجاوز ما شرع له" ولا يجوز أن يكون بياناً لـ "ما" لفساد المعنى. قوله: (فقد كان الولي في الجاهلية): جملة مستطردة لبيان سبب النزول، استطرد بين تفسير الجزاء والشرط للاهتمام، والفاء لشدة الاتصال.

يؤمّن القاتل بقبوله الدية، ثم يظفر به فيقتله (فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة. وعن قتادة: العذاب الأليم: أن يقتل لا محالة، ولا يقبل منه دية، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا أعافى أحداً قتل بعد أخذه الدية». (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) كلام فصيح؛ لما فيه من الغرابة؛ وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية) في رواية أبي داود عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا أعفي من قتل بعد الدية". قوله: (ومن إصابة) عطف على قوله: (من الغرابة)، أما الغرابة فهي حمل الشيء على ضده، ولم يكتف بهذا القدر، بل صرح بالظرفية بأن جعل القصاص مدخولاً لحرف (في)، وفائدته: أن المظروف إذا حواه الظرف لا يصيبه ما يفوته ولا هو بنفسه يتفرق ويتلاشى، كذلك بالقصاص، يحمي الحياة من الآفات، ومعناه: أن الحياة الحاصلة بالارتداع، والحياة العظيمة، إنما تحصل بشرعية القصاص لا غير. وأما البلاغة فهي أن هذا الكلام مع وجازته دل على معان كثيرة؛ لأن لام الجنس الداخلة في القصاص تدل على حقيقة هذا الحكم، وهو مشتمل على الضرب والجرح والقتل وما يجري مجراها، ولو قيل كما قالوا: "القتل أنفى للقتل"، لم يفد هذه الفوائد، ثم إذا نظر إلى تنكير الحياة من حيث كونها مطلقة غير مقيدة وقد حمل عليها قوله: (فِي الْقِصَاصِ) أفاد التعظيم، وإذا قيدت بقرائن الأحوال بالارتداع، أفاد التخصيص، فعلى هذا قوله: "أو نوع من الحياة" عطف على قوله: "حياة عظيمة".

لأنّ المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة؛ وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليبٍ حتى كاد يفنى بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي: حياة، أو نوع من الحياة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل)، وكان من حديثه على ما رواه ابن الأثير في "الكامل": أن وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غانم بن تغلب بن وائل، كان من عزه إذا سار أخذ معه جرو كلب، فإذا مر بروضة تعجبه، ضربه وألقاه في ذلك المكان وهو يعوي، فلا يسمع عواءه أحد إلا تجنبه، فسمي بذلك كليب وائل، ثم إن كليباً تزوج جليلة بنت مرة بن شيبان أخت جساس، وحمى أرضاً من العالية، ثم إن رجلاً يسمى بسعد الجرمي نزل بالبسوس، خالة جساس، وكان للجرمي ناقة ترعى مع نوق جساس وهي مختلطة مع إبل كليب، واسم الناقة سراب، وهي التي ضربت العرب بها المثل فقالوا: أشأم من سراب، وأشأم من البسوس، فنظر كليب إلى سراب فأنكرها، فقال لجساس: لا تعد هذه الناقة إلى هذه الحمى، فإن عادت لأضعن سهمي في ضرعها، فقال جساس: إذن لأضعن سناني في لبتك، ثم تفرقا، فرأى كليب ناقة الجرمي في حماه فرمى ضرعها فأنفذه، فولت ولها عجيج، فصرخ صاحبها بالذل، ووضعت البسوس يدها على رأسها فصاحت: واذلاه! فقال جساس: لا تراعي، إني سأقتل جملاً أعظم من هذه،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعنى به كليباً، فلم يزل يطلب غرة كليب حتى قتله، فبلغ الخبر مهلهلاً أخا كليب، واسمه عدي وسمي مهلهلاً لأنه أول من هلهل الشعر، أي: رققه، من قولهم: ثوب هلهل: سخيف النسج، وهو خال امرئ القيس بن حجر الكندي، فجز شعره، وقصر ثوبه، وهجر نساءه، وترك الغزل وحرم القمار والشرب، فجمع إليه قومه فأقدم على حرب بكر، وكان من الفريقين ما كان، ثم إن جليلة زوجة كليب عادت إلى أبيها وهي حامل، فولدت غلاماً فسمته هجرساً، ورباه خاله جساس، فخرجا ذات يوم وعليهما اللأمة، فأخذ هجرس بوسط رمحه وقال: وفرسي وأذنيه، ورمحي ونصليه، وسيفي وغراريه، لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه، ثم طعن جساساً فقتله ولحق بقوم أبيه، فأرسل مرة أبو جساس إلى مهلهل: إنك قد أدركت ثأرك وقتلت جساساً فاكفف عن الحرب ودع اللجاج والإسراف، وقد أرسلت ابني إليك، يعني: بجير بن الحارث بن عباد، فإما أن تقتله بأخيك وتصلح بين الحيين، وإما أن تطلقه وترفع ذات البين، فقد مضى من الحيين في هذه الحروب من كان بقاؤه أصلح لنا ولكم، فلما وقف على كتابه أخذ بجيراً فقتله وقال: بؤ بشسع نعل كليب، فلما سمع أبوه بقتله قال: نعم القتيل قتيلاً إن أصلح بين ابني وائل: بكر وتغلب، فقيل له ما قال، فغضب عند ذلك وولي أمر بكر وشهد حربهم، ودامت الحروب بين الحيين أربعين سنة، ثم إن مهلهلاً قال لقومه: قد رأيت أن تبقوا على قومكم، فإنهم يحبون صلاحكم وقد أتت على حربكم أربعون سنة وما لمتكم على ما كان من طلبكم بوتركم، فلو مرت هذه السنون في رفاهية عيش لكانت

وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنه إذا همّ بالقتل فعلم أنه يقتصّ فارتدع منه سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود، فكان القصاص سبب حياة نفسين. وقرأ أبو الجوزاء: (ولكم في القصاص حياة) أي: فيما قص عليكم من حكم القتل. والقصاص. وقيل: القصص: القرآن، أي: ولكم في القرآن حياة للقلوب، كقوله تعالى: (رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) [الشورى: 52]، (وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) [الأنفال: 42]. (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به. وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة. [(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تمل من طولها، فكيف وقد فني الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد، ونائحة لا تزال تصرخ في النواحي ودموع لا ترقأ، وأجساد لا تدفن، وسيوف مشهورة، ورماح مشرعة؟ وإن القوم سيرجعون إليكم غداً بمودتهم ومواصلتهم، وتتعطف الأرحام، أما أنا فلا تطيب نفسي أن أقيم فيكم، ولا أستطيع أن أنظر إلى قاتل كليب، وأخاف أن أحملكم على الاستئصال، وأنا سائر إلى اليمن، ففارقهم، فكان كما قال. قوله: (لوقوع العلم) تعليل للارتداع، وقوله: (لأنه إذا هم) تعليل للحياة الحاصلة بالارتداع. قول: (وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة) يعني: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) خطاب عام لجميع الأمة، وتعليله بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) يخصصه بالأئمة وهو المراد بقوله: "تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به".

(إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ): إذا دنا منه وظهرت أماراته. (خَيْراً): مالاً كثيراً. عن عائشة رضى اللَّه عنها: أنّ رجلاً أراد الوصية وله عيال وأربع مئة دينار، فقالت: ما أرى فيه فضلاً، وأراد آخر أن يوصى فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة. قالت: إنما قال اللَّه (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) وإنّ هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك. وعن علىّ رضى اللَّه عنه: أنّ مولى له أراد أن يوصى وله سبعمائة فمنعه. وقال: قال اللَّه تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) والخير: هو المال، وليس لك مال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((خَيْراً): مالاً كثيراً)، الراغب: الخير: ما يرغب فيه الكل، كالعقل مثلاً والعدل والفضل والشيء النافع، والشر: ضده، وقيل: الخير ضربان: مطلق، وهو أن يكون مرغوباً فيه بكل حال، كالجنة، ومقيد، وهو أن يكون خيراً لواحد، وشراً لآخر، كالمال، ولهذا وصفه الله تعالى بالأمرين فقال في موضع: (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) [البقرة: 180]، وفي آخر: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) [المؤمنون: 55 - 56]، وقال بعض العلماء: لا يقال للمال: خير حتى يكون كثيراً، قال تعالى: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) [العاديات: 8]، والخير والشر يكونان اسمين كما مر ووصفين، وتقديرهما تقدير أفعل منه، كقوله تعالى: (نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) [البقرة: 106]، قال بعض العلماء: إنما سمي المال هنا خيراً تنبيهاً على معنى لطيف، وهو أن الذي تحسن الوصية به ما كان مجموعاً من المال من وجه محمود، وعلى ذلك قوله تعالى: (قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) [البقرة: 215] وقيل في قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) [النور: 33] أي: مالاً من جهتهم، وقيل: إن علمتم أن عتقهم يعود عليكم وعليهم بنفع، أي: بثواب. قوله: (وعن علي رضي الله عنه) الحديث رواه الدارمي، عن هشام، عن أبيه، أن علياً

و (الوصية) فاعل (كتب)، وذكر فعلها للفاصل؛ أو لأنها بمعنى أن يوصى، ولذلك ذكر الراجع في قوله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ). والوصية للوارث كانت في بدء الإسلام، فنسخت بآية المواريث، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ اللَّه أعطى كلّ ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث. وبتلقى الأمّة إياه بالقبول حتى لحق بالمتواتر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دخل على مريض فذكر له الوصية، فقال علي رضي الله عنه: قال الله تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) ولا أراه ترك خيراً، قال حماد: فحفظت أنه ترك أكثر من سبع مئة. قوله: (فنسخت بآية المواريث وبقوله صلى الله عليه وسلم)، وظاهر كلامه أن الآية مع الحديث نسخاً آية الوصية، والحق أن آية المواريث ناسخة لآية الوصية، والحديث مبين لكونها ناسخة؛ لأن الحديث لا ينسخ الكتاب، وقد مر في قوله تعالى: (مَا نَنسَخْ).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبيانه: أنه صلى الله عليه وسلم خطب عام حجة الوداع وقال: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث"، يعني أن الوصية إنما كانت لأن حقوق الأقرباء لم تكن منقسمة، فالآن قسمها الله تعالى وأعطى لكل منهم ما يستحقه، فبطل الحكم الأول، قيل: كون الآية منسوخة بآية المواريث بعيد؛ لأنه لا يمتنع الجمع بين حكم الآيتين. نعم، يجوز أن تكون آية المواريث مخصصة لهذه، وذلك بأنها توجب الوصية للأقربين، وآية المواريث تخرج القريب الوارث وتبقي غير الوارث بسبب اختلاف الدين أو الرق أو القتل، ومن يحجب لوجود الحاجب، ومن لم يكن وارثاً كذوي الأرحام فيوصى لهؤلاء صلة للرحم، ولو قيل: كيف الجمع فيمن لا يخلف إلا الوالدين فيصير كل المال حقاً لهما فلا يبقى للوصية شيء؟ فيقال: هذا لمانع. وقال الإمام: وكونها منسوخة بالحديث بعيد أيضاً، ودعوى تلقي الأمة إما على الظن أو على القطع، والأول مسلم، إلا أن ذلك إجماع منهم على أنه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به، والثاني ممنوع لأنهم لو قطعوا بصحته مع أنه من الآحاد لأجمعوا على الخطأ وأنه غير جائز، ولو قيل: إنها منسوخة بالإجماع بعد وجود دليل الناسخ واكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل، فيقال: لا يصح ذلك؛ لأن في الأمة من أنكر وقوع النسخ، فكيف يدعي انعقاد الإجماع؟

وإن كان من الآحاد؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإن كان من الآحاد) يريد أن السلف وإن قبلته على طريقة الآحاد لكن الخلف ألحقته بالتواتر لتلقيهم إياه بالقبول، أي: أجمعوا على صحته ونسخوا القرآن به، والجواب عنه ما ذكره الإمام. واعلم أن الحديث المتواتر المعتبر في الدين هو: أن يرويه جماعة لا يتوهم تواطؤهم على الكذب لكثرتهم وعدالتهم، ويدوم هذا الحد فيكون أوله كآخره، ووسطه كطرفيه، نحو القرآن والصلوات الخمس، وأعداد الركعات ومقادير الزكوات وما أشبه ذلك، ذكره البزدوي في "أصوله". وهذا الحديث لم يتفق له هذا المعنى لا سلفاً ولا خلفاً، أما الخلف فإن البخاري ومسلماً والنسائي ما أوردوه في "صحاحهم"، وأما السلف فإن مالكاً لم يذكره في "موطئه" والله أعلم.

لأنهم لا يتلقون بالقبول إلا الثبت الذي صحت روايته. وقيل: لم تنسخ، والوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين. وقيل: ما هي بمخالفة لآية المواريث. ومعناها: كتب عليكم ما أوصى به اللَّه من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) [النساء: 11]؛ أو: كتب على المحتضر أن يوصى للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به اللَّه لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم (بِالْمَعْرُوفِ): بالعدل، وهو أن لا يوصى للغنى ويدع الفقير، ولا يتجاوز الثلث. (حَقًّا) مصدر مؤكد، أي: حق ذلك حقاً (فَمَنْ بَدَّلَهُ): فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقاً للشرع من الأوصياء والشهود (بَعْدَ ما سَمِعَهُ) وتحققه (فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) فما إثم الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدّليه دون غيرهم من الموصى والموصى له، لأنهما بريئان من الحيف. (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وعيدٌ للمبدّل. (فَمَنْ خافَ): فمن توقع وعلم، وهذا في كلامهم شائع يقولون: أخاف أن ترسل السماء، يريدون التوقع والظنّ ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا الثبت)، الثبت، بالفتحتين: الحجة، وأما قولهم: فلان ثبت من الأثبات: مجاز منه، لقولهم: فلان حجة: إذا كان ثقة في روايته. قوله: (أو: كتب على المحتضر أن يوصي) عطف على: "كتب عليكم ما أوصى به الله"، لأن المراد: كتب على الحكام أو على الأولياء أو على المحتضر، أي: الذي حضرته الوفاة. قوله: (فمن توقع وعلم)، قال الواحدي: الخوف يستعمل بمعنى العلم؛ لأن في الخوف طرفاً من العلم، وذلك أن القائل إذا قال: أخاف أن يقع أمر كذا، كأنه يقول: أعلم، وإنما يخاف لعلمه بوقوعه، فاستعمل الخوف في العلم. قال تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ) [الأنعام: 51]، وقال تعالى: (إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: 229].

الغالب الجاري مجرى العلم. (جَنَفاً): ميلاً عن الحق بالخطإ في الوصية، (أَوْ إِثْماً): أو تعمداً للحيف (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) بين الموصى لهم؛ وهم الوالدان والأقربون؛ بإجرائهم على طريق الشرع (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) حينئذ، لأنّ تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدّل بالباطل ثم من يبدّل بالحق ليعلم أنّ كل تبديل لا يؤثم. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)]. (كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال علىّ رضى اللَّه عنه: أوّلهم آدم، يعنى أنّ الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى اللَّه أمّة من افتراضها عليهم، لم يفرضها عليكم وحدكم. (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) بالمحافظة عليها وتعظيمها؛ لأصالتها وقدمها، أو: لعلكم تتقون المعاصي، لأنّ الصائم أظلف لنفسه وأردع لها من مواقعة السوء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الصوم عبادة قديمة أصلية)، قال القاضي: الصوم في اللغة: الإمساك عما تنازع إليه النفس، وفي الشرع: الإمساك عن المفطرات، فإنها معظم ما تشتهيه النفس. قوله: (أظلف لنفسه)، الأساس: ظلف نفسه: كفها عما لا يجمل، قال ربيعة بن مقروم: وظلفت نفسي عن لئيم المأكل

قال صلى الله عليه وسلم: «فعليه بالصوم فإنّ الصوم له وجاء» أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين، لأنّ الصوم شعارهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فعليه بالصوم)، الحديث على ما روينا عن البخاري ومسلم، عن عبد الله قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء". الوجاء: نوع من الخصاء. وهو أن ترض عروق الأنثيين وتترك الخصيتان كما هما، أي: أنه يقطع شهوة الجماع كما يقطعها الخصاء. النهاية: الباءة: النكاح والتزويج، وهو من المباءة: المنزل؛ لأن من تزوج امرأة بوأها منزلاً، وقيل: لأن الرجل يتبوأ من أهله، أي: يتمكن منها كما يتبوأ من منزله. قوله: (لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين). اعلم أن التقوى من الوقاية، وهي: فرط الصيانة، والمتقي شرعاً على ما قال هو: الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك. وقد فسر (يَتَّقُونَ) هنا بوجوه، أحدها: أنه مجاز باعتبار ما يؤول إليه، أي: كتب عليكم شرعية الصيام لعلكم تصيرون متقين ببركة المحافظة عليه وتعظيمه، فإن تعظيم شعائر الله له تأثير عظيم في النفوس، (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 32]، وتعليله بقوله: "لأصالتها وقدمها" إشارة إلى هذا المعنى.

وقيل: معناه: أنه كصومهم في عدد الأيام، وهو شهر رمضان، كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان؛ فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده؛ فجعلوه خمسين يوماً. وقيل: كان وقوعه في البرد الشديد والحرّ الشديد، فشقّ عليهم في أسفارهم ومعايشهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثانيها: أنه حقيقة لغوية على ما قلنا: إن الوقاية: فرط الصيانة، وذلك أن الصوم أردع شيء للنفس عن ارتكاب المعاصي على ما ورد في الحديث النبوي. وثالثها: أنه كناية إيمائية، وتقريره: أن الصوم لما كان عبادة قديمة ودرج عليها الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، يكون من شعار المتقين، ومن اقتفى أثرهم يوشك أن لا يعدم من بركتهم فيعد منهم وينتظم في زمرتهم، وإنما قلنا: إنها كناية إيمائية لأنه تعالى سماهم متقين لأنهم اكتسبوا لباسهم وتزيوا بزيهم، ومن تزيا بزي قوم فهو منهم. قوله: (وقيل: معناه أنه كصومهم): عطف على قوله: "على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم" من حيث المعنى، وكذا قوله: "وقيل: كتب عليكم كما كتب عليهم أن يتقوا المفطر"، ووجه التشبيه على الأول: افتراض الصوم مطلقاً، وعلى الثاني: عدد الأيام، والقرينة قوله: (أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ)، ومن ثم بحث عن معناها في هذا الوجه، وعلى الثالث: اتقاء المفطر بعد العشاء والنوم. وفائدة التشبيه على الأول: التسلي بالتأسي، يعني: لا ينبغي أن تشق عليكم شرعية الصوم، لأنكم لستم بمخصوصين فيها؛ لأنها سنة الأنبياء السالفة والأمم الخالية كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21]، وأما قوله: "وقيل: الأيام المعدودات: عاشوراء" فمعطوف على قوله: "وهو شهر رمضان"، وقوله: "وقيل: كان وقوعه في البرد الشديد" على قوله: "فأصابهم موتان". قوله: (فأصابهم موتان)، النهاية: في الحديث: "يكون في الناس موتان كقعاص

فجعلوه بين الشتاء والربيع، وزادوا عشرين يوما كفارة لتحويله عن وقته. وقيل: الأيام المعدودات: عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر. كتب على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم صيامها حين هاجر. ثم نسخت بشهر رمضان. وقيل: كتب عليكم كما كتب عليهم أن يتقوا المفطر بعد أن يصلوا العشاء وبعد أن يناموا، ثم نسخ ذلك بقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ) الآية [البقرة: 187]. ومعنى (مَعْدُوداتٍ): مؤقتاتٍ بعددٍ معلوم، أو قلائل، كقوله: (دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ) [يوسف: 20]، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الغنم". الموتان بوزن البطلان: الموت الكثير الوقوع، والموتان، بفتح الواو: ضد الحيوان، وفي الحديث: "موتان الأرض لله ولرسوله" يعني: مواتها الذي ليس ملكاً لأحد. الأساس: قد وقع في الناس مُوْتانٌ ومَوْتانٌ بالفتح والضم مع سكون الواو، ومن المجاز: اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان. الراغب: قيل: كان قد أوجب الصوم على من كان قبلنا رمضان، فغيروا فزادوا ونقصوا، وهذا قول عهدته على قائله.

وأصله أنّ المال القليل يقدّر بالعدد ويتحكر فيه، والكثير يهال هيلا ويحثى حثياً. وانتصاب (أياماً) بالصيام، كقولك: نويت الخروج يوم الجمعة. (أَوْ عَلى سَفَرٍ) أو راكب سفر (فَعِدَّةٌ): فعليه عدّة ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويتحكر فيه). النهاية: أصل الحكر: الجمع والإمساك، والحكر، بالتحريك: الماء القليل المجتمع، وكذلك: القليل من الطعام واللبن، فهو فعل بمعنى مفعول، أي: مجموع. قوله: (يهال هيلاً). الجوهري: هلت الدقيق في الجراب، أي: صببته من غير كيل. قوله: (وانتصاب (أَيَّاماً) بالصيام). قال الزجاج: الأجود أن يكون العامل في (أَيَّاماً): الصيام، كأن المعنى: كتب عليكم أن تصوموا أياماً معدودات. وقال القاضي: نصبها ليس بالصيام لوقوع الفصل بينهما، بل بإضمار "صوموا". قال صاحب "الكشف": (كَمَا كُتِبَ): صفة مصدر محذوف، والتقدير: كتب عليكم الصيام كتابة مثل ما كتب. قال أبو البقاء: إنما لم يجز لأنه مصدر، وقد فرق بينه وبين أيام بقوله: (كَمَا كُتِبَ)، وما يعمل فيه المصدر: كالصلة، ولا يفرق بين الصلة والموصول بأجنبين وقال صاحب "اللباب": ويجوز أن ينتصب بالصيام إذا جعلت (كَمَا) حالاً، فإن جعلت مصدراً فلا. قال السجاوندي: لأن (كَمَا) أجنبي عن العامل والمعمول، إلا أن يجعل حالاً للصيام. قوله: ((فعدة) أي: فعليه عدة)، أبو البقاء: "فعدة": مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فعليه صوم عدة من أيام أخر، وعدة: بمعنى المعدود.

وقرئ بالنصب بمعنى: فليصم عدّة، وهذا على سبيل الرخصة. وقيل: مكتوب عليهما أن يفطرا ويصوما عدّة (مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) واختلف في المرض المبيح للإفطار، فمن قائل: كل مرض، لأنّ اللَّه تعالى لم يخص مرضاً دون مرض، كما لم يخص سفراً دون سفر، فكما أنّ لكل مسافر أن يفطر، فكذلك كل مريض. وعن ابن سيرين أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتلّ بوجع أصبعه. وسئل مالك عن الرجل يصيبه الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه، فقال: إنه في سعة من الإفطار. وقائل: هو المرض الذي يعسر معه الصوم ويزيد فيه، لقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) [البقرة: 185]. وعن الشافعي: لا يفطر حتى يجهده الجهد غير المحتمل. واختلف أيضاً في القضاء فعامّة العلماء على التخيير. وعن أبى عبيدة بن الجرّاح رضى اللَّه عنه: «إنّ اللَّه لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواتر، وإن شئت ففرّق» وعن علىّ وابن عمر والشعبي وغيرهم أنه يقضى كما فات متتابعاً ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فواتر)، المواترة: المتابعة. اللحياني: لا تكون مواترة إلا إذا وقعت بينها فترة، وإلا فهي مداركة. النهاية: ومنه حديث أبي هريرة: "لا بأس أن يواتر قضاء رمضان"، أي: يفرقه فيصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يلزمه التتابع فيه فيقضيه وتراً، وعن مالك: أن أبا هريرة، وابن عباس اختلفا في قضاء رمضان، فقال أحدهما: يفرق، وقال الآخر: يتابع. وفي "الصحاح": مواترة الصوم: أن تصوم يوماً وتفطر يوماً أو يومين، وتأتي به وِتْراً وِتْراً، ولا يراد به المواصلة لأن أصله من الوتر. فعلى هذا يكون المراد بقوله: "واتِرْ" أي: صم يوماً وأفطر يوماً أو يومين، وبقوله: "ففرق" أن يكون المتخلل بين الصومين أكثر من يومين، والأقرب أن معنى "واتر": صم يوماً وأفطر يوماً، ومعنى "ففرق": أن تصوم في أيام شتى كيف تشاء.

وفي قراءة أبي: (فعدّة من أيام أخر متتابعات). فإن قلت: فكيف قيل (فَعِدَّةٌ) على التنكير ولم يقل: فعدّتها، أي: فعدة الأيام المعدودات؟ قلت: لما قيل: (فعدّة)، والعدّة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياما معدودة مكانها، علم أنه لا يؤثر عدد على عددها، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة. (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ): وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا (فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ)؛ نصف صاع من برّ أو صاع من غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مدّ، وكان ذلك في بدء الإسلام: فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتدّ عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية. وقرأ ابن عباس: (يطوّقونه) تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة، أي: يكلفونه أو يقلدونه ويقال لهم صوموا. وعنه: (يتطوّقونه) بمعنى يتكلفونه، أو يتقلدونه؛ و (يطوقونه) بإدغام التاء في الطاء، و (يطيقونه). و (يطيقونه) بمعنى: يتطيقونه، وأصلهما: يُطيوقونه ويتطيوقونه، على أنهما من فيعل وتفعيل من الطوق، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياءً، كقولهم: تدير المكان، وما بها ديار ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قيل: (فَعِدَّةٌ)، على التنكير، ولم يقل: فعدتها)، يريد أن مقتضى الظاهر أن يقال: فعدتها؛ لأن قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) مرتب على فرضية صوم الأيام المعدودات، أي: وجب عليكم صوم الأيام المعدودات، فمن كان غير معذور فليصمها كاملات، ومن كان معذوراً فأفطر فليصم عدتها فلم نكرها؟ وأجاب: أن مجيئها في أثر ذلك الحكم وأن العدة بمعنى المعدود لا يلبس أن المراد: فعدة الأيام المعدودات، فاستغنى ذلك عن تعريف الإضافة، أي: تعيينها بالإضافة، والفاء في "فأمر بأن يصوم"، مثلها في قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) [النحل: 98]، والضمير في "مكانها وعددها": للمعدودات. قوله: (و"يطيقونه" بمعنى: يتطيقونه)، فيه لف، وقوله: "يُطَيْوَقُونَهُ ويَتَطَيْوَقُونَهُ" نشره، قال ابن جني: عين الطاقة واو لقولهم: لا طاقة لي به ولا طوق لي، وعليه قراءة يطوقونه، وهو يفعلونه منه، كقولك: يجشمونه ويكلفونه، وقال: يطوقونه: يتفعلونه، من الطوق، كقولك:

وفيه وجهان: أحدهما نحو معنى يطيقونه. والثاني يكلفونه أو يتكلفونه على جهد منهم وعسر وهم الشيوخ والعجائز، وحكم هؤلاء الإفطار والفدية، وهو على هذا الوجه ثابت غير منسوخ. ويجوز أن يكون هذا معنى (يطيقونه) أي: يصومونه جهدهم وطاقتهم ومبلغ وسعهم. (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً) فزاد ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يتكلفونه ويتجشمونه، وأصله: يتطوقونه، وأبدلت التاء طاء، فأدغمت في الطاء بعدها، نحو: اطير يطير، أي: يتطير. قوله: (وفيه وجهان)، أي: فيما قرأ ابن عباس، فإن جميع ما ذكر بعده مروي عنه، وحاصل المعنى يرجع إلى يكلفونه أو يقلدونه، وهو يحتمل وجهين، أحدهما: أن من أمر بالصوم- ولا خفاء في كونه شاقاً على النفس- كأنه كلف عليه وألزم في عنقه ذلك، وإليه الإشارة بقوله: "يقال لهم: صوموا". وثانيهما: أن المكلف إذا داوم عليه وتمرن وصار دأبه الصيام، لم يكن شاقاً عليه، لكن إذا مرض أو هرم فربما شق عليه، وإلى الأول الإشارة بقوله: "يطيقونه"، وإلى الثاني "على جهد منهم وعسر". قوله: (وحكم هؤلاء الإفطار والفدية). قال صاحب "الروضة": الشيخ الهرم الذي لا يطيق الصوم أو تلحقه مشقة شديدة، لا صوم عليه، وفي وجوب الفدية عليه قولان أظهرهما: الوجوب، ويجري الوجهان في المريض الذي لا يرجى برؤه. قوله: (ويجوز أن يكون هذا معنى (يُطِيقُونَهُ)) أي: القراءة المشهورة يجوز أن تحمل على هذا المعنى، فلا تكون الآية منسوخة.

على مقدار الفدية (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)، فالتطوع أخير له، أو الخير. وقرئ: (فمن يطوّع)، بمعنى: يتطوّع. (وَأَنْ تَصُومُوا) أيها المطيقون أو المطوقون وحملتم على أنفسكم وجهدتم طاقتكم (خَيْرٌ لَكُمْ) من الفدية وتطوّع الخير. ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضاً. وفي قراءة أبىّ: (والصيام خير لكم). [(شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو الخير) أي: الضمير المرفوع، وهو "هو" للتطوع أو للخير، وعلى التقديرين الشرط مكرر في الجزاء، وفائدته تعظيم الخبر، كقولهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك. قوله: (أيها المطيقون) على القراءة المشهورة، أو: المطيقون على قراءة ابن عباس، والمشهورة على تأويل النسخ. قوله: (وجهدتم طاقتكم) نصب على أنه مفعول مطلق، الجوهري: قال الفراء: الجهد، بالضم: الطاقة، وبالفتح، من قولك: اجهد جهدك في هذا الأمر، أي ابلغ غايتك، والجهد: المشقة. قوله: (ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر)، وذلك أنه تعالى لما حكم على المريض والمسافر بالترخص بقوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وعلى المطيقين والمطوقين بقوله: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) عم الخطاب، فقال: (وَأَنْ تَصُومُوا) أيها المرخصون (خَيْرٌ لَكُمْ)، ليندرج تحته المطيقون أو المطوقون والمريض والمسافر، فعلى هذا معناه: خير لكم من الفدية وتطوع الخير، أي: الزيادة على مقدار الفدية أو منهما ومن التأخير للقضاء.

الرمضان: مصدر رمض؛ إذا احترق من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر وجعل علماً، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون، كما قيل: «ابن دأية» للغراب، بإضافة الابن إلى دأية البعير، لكثرة وقوعه عليها إذا دبرت. فإن قلت: لم سمي شَهْرُ رَمَضانَ؟ قلت: الصوم فيه عبادة قديمة، فكأنهم سموه بذلك لارتماضهم فيه من حرّ الجوع ومقاساة شدّته، كما سموه ناتقاً؛ لأنه كان ينتقهم، أي: يزعجهم إضجاراً بشدّته عليهم. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر. فإن قلت: فإذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعاً، فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله صلّى الله عليه وسلّم: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما قيل "ابن دأية" للغراب) أي: رمضان: مصدر رمض، من الرمضاء، أضيف إليه الشهر، وجعل لامركب علماً للشهر المعلوم، ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون، كما أن دأية في ابن دأية أخذ من دأية البعير، وهو موضع القتب، وأضيف إليه الابن وجعل علماً للغراب، ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث. والتسمية وإن وقعت مع المضاف لكن قد تحذف لعدم الإلباس. قوله: (لارتماضهم)، الجوهري: الرمض: شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، وأرمضتني الرمضاء، أي: أحرقتني. قوله: (ناتقاً)، الجوهري: النتق: الزعزعة والنقض. قوله: (فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر)، قال القاضي: وغنما سموه بذلك إما لوقوعه أيام رمض الحر حين ما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، أو لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه. قال السجاوندي: سمي المحرم لتحريم القتال فيه،

«من صام رمضان إيماناً واحتساباً، «من أدرك رمضان فلم يغفر له»؟ قلت: هو من باب الحذف لأمن الإلباس كما قال: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ورجب لترجيب العرب إياه أي: تعظيمه، أو لقطع القتال فيه، والأرجب: الأقطع، وذو القعدة: للقعود عن الحرب، وصفر: لخلو مكة عن أهلها إلى الحروب، وذو الحجة: للحجة، والربيعان: لارتباع الناس فيهما، أي: إقامتهم، وجمادان: لجمود الماء، وشعبان: لتشعب القبائل، ورمضان: لرمض الفصال، وشوال لشول أذناب اللقاح. ذكر نحوه المرزوقي في كتاب "الأزمنة والأمكنة" وأبسط نمه، وقال أيضاً: معنى الشهر: أن الناس ينظرون إلى الهلال فيشهرونه. قوله: (من صام رمضان)، والحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". النهاية: احتساباً، أي: طلباً لوجه الله تعالى وثوابه، والاحتساب من الحسب، كالاعتداد من العد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يعتد عمله. قوله: (من أدرك رمضان فلم يغفر له). روي في "المصابيح": "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة".

بمَا أعْيَا النِّطَاسِي حِذْيَمَا أراد: ابن حذيم، وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره: (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) أو على أنه بدل من (الصيام) في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) [البقرة: 183] أو على أنه خبر مبتدإٍ محذوفٍ. وقرئ بالنصب على: صوموا شهر رمضان، أو على الإبدال من (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ)، أو على أنه مفعول (وَأَنْ تَصُومُوا) [البقرة: 184]. ومعنى (أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) ابتدئ فيه إنزاله، وكان ذلك في ليلة القدر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بما أعيا النطاسي حذيما)، أوله: فهل لكم فيها إلي فإنني ... طبيب ..... ويروى خبير، قال صدر الأفاضل: الواقع في نسخة "المفصل": "كما أعيا"، والصواب: بما، بدليل أول البيت، وفي أمثالهم: "أطب من ابن حذيم"، أي: فهل لكم رغبة فيما نسب إلي، كذا رواه الميداني في "مجمع الأمثال". حذيم: بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح الياء، التنطس: دقة النظر في الأمور، يقال منه: رجل نَطْسٌ ونَطَسٌ، ومنه قيل للطبيب نطيس ونطاسي. قوله: (على أنه مفعول (وَأَنْ تَصُومُوا))، قال رشيد الدين الوطواط: وفي جعل شهر رمضان مفعول (وَأَنْ تَصُومُوا) نظر؛ لأن شهر رمضان حينئذ على تقدير المضاف إليه لـ "أن تصوموا"، وهما بمنزلة المبتدأ، أي: صوم شهر رمضان، والخبر: (خَيْرٌ لَكُمْ)، وعلى ما قدره

وقيل: أنزل جملة إلى سماء الدنيا ثم نزل إلى الأرض نجوماً. وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) [البقرة: 183] كما تقول: أنزل في عمر كذا، وفي علىّ كذا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين مضين" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يكون الخبر فاصلاً بين أجزاء المبتدأ، وذلك غير سائغ. هذا تلخيص كلامه. ثم قال: فعرضت هذا البحث عليه فأذعن له، وقيل في العذر: إن الفصل جائز ها هنا؛ لأن المفعول فضلة لا جزء كالفاعل، والإضافة هنا إلى الفاعل لا المفعول، أي: صومكم شهر رمضان خير لكم، فيقال: هذا وأمثاله لا يليق بمنصب التنزيل؛ لأن المقرر أن مفعول المصدر كالصلة، فلا يجوز الفصل بالأجنبي، وأقصى ما يقال فيه: أن قوله: (وَأَنْ تَصُومُوا) وإن كان مصدراً في المعنى، لكن صورته صورة الفعل، فبالنظر إلى الصورة، جاز الفصل وإن لم يجز في المصدر المحض، وفرق بينهما صاحب "الإقليد" في بحث لام كي، وقال: إن امتناع وقوع المصدر خبراً عن الجثة لعدم كونه دالاً بصيغته على فاعل وعلى زمان، والفعل المصدر بأن يدل عليهما، فيجوز الإخبار به عن الجثة، وإن لم يجز بالمصدر. فإن قلت: فإذا جعل شهر رمضان مفعول (وَأَنْ تَصُومُوا) يلزم أن لا يكون صوم شهر رمضان واجباً؛ لأن الواجب لا يقال فيه: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)؟ قلت: بل يقال، وغايته: أن يلزم منه الإبهام بين الندب والوجوب، والمبين للوجوب، تفصيله: وهو قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، يؤيده قول الزجاج: الأمر بالفرض فيه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).

(هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ) نصب على الحال، أي: أنزل وهو هداية للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدى إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل. فإن قلت: ما معنى قوله: (وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى) بعد قوله: (هُدىً لِلنَّاسِ)؟ قلت: ذكر أوّلا أنه هدى، ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به اللَّه، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ): فمن كان شاهداً، أي: حاضراً مقيما غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر. والشهر: منصوب على الظرف، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما معنى قوله: (وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى) بعد قوله: (هُدًى لِلنَّاسِ)؟ ). حاصل السؤال: أن النكرة إذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول، فما معنى التكرير؟ وأجاب: أن المعرف هنا أعم من المنكر، إذ اللام فيه للجنس لا للعهد الخارجي، والدليل على كونه جنساً قوله: "من جملة ما هدى به الله"، وأن معنى الجنس هو ما قال: "من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة"؛ لأن شأن الكتب السماوية كلها الهداية والفرقان بين الحق والباطل، حكم أنه "هدى"، أي: هدى لا يقادر قدره، ومع ذلك بينات من جملة الهدى، فكرر تنويهاً بشأنه وتعظيماً لأمره، وتأكيداً لمعنى الهداية فيه، كما تقول: فلان عالم نحرير، وإنه من زمرة العلماء المتبحرين. قوله: (و (الشهر): منصوب على الظرف). قال القاضي: التقدير: فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافراً فليصم فيه، والأصل: فمن شهد فيه فليصم فيه، لكن وضع [المظهر] موضع المضمر [الأول] للتعظيم، ونصب على الظرف وحذف الجار ونصب الضمير الثاني على الاتساع. الراغب: فإن قيل: فلم قال: فليصمه، ولم يقل: فليصم فيه؟ قيل: قد قال بعض النحويين: اليوم ضربته، إنما يقال إذا استوعب اليوم لضربه، وإذا قيل: ضربت فيه فهو أن يضرب فيه في

وكذلك الهاء في: (فَلْيَصُمْهُ)، ولا يكون مفعولاً به كقولك: شهدت الجمعة؛ لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعض أوقاته، فنبه بقوله: (فَلْيَصُمْهُ) على الاستيعاب. وقيل: في قوله: "ولا يكون مفعولاً به" نظر، والتعليل وهو قوله: "لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر" غير تام، إذ مراده أنه إن جعل مفعولاً به لزم التساوي بين المقيم والمسافر، وكذا إذا جعل مفعولاً فيه لزم التساوي بين المقيمين من المريض والحائض وغيرهما من المعذورين وغير المعذورين، والأولى أن يقال: هو مفعول به وعام فيمن أدرك الشهر ثم خصص بقوله: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ). قال القاضي: قيل: فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه، كقولك: شهدت الجمعة، أي: صلاتها، فيكون مفعولاً به لا ظرفاً، ويكون قوله: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) مخصصاً له؛ لأن المريض والمسافر ممن شهد الشهر. وقال الإمام: قيل: إن الشهر لو كان مفعولاً به يلزم المسافر أن يصوم في الشهر؛ لأن المقيم والمسافر حاضران للشهر، وإذا كان ظرفاً لا يلزم المسافر الصوم لأنه ليس شاهداً في الشهر، فيكون على هذا مفعول شهد محذوفاً، أي: شهد البلد أو بيته في الشهر. وأقول: مفعول شهد هو الشهر، تقديره: من شاهد الشهر، أي: أدركه مع وجود شرائطه وزوال موانعه فليصمه، كما يقال: شهدت عصر فلان، وأدركت زمان فلان، فعلى الأول يلزم الإضمار، وعلى الثاني التخصيص، والتخصيص أولى من الإضمار، على أنه يلزم على الأول التخصيص أيضاً؛ لأن الصبي والمجنون والمريض والحائض كل واحد منهم شهد البلد، مع أنه لا يجب عليهم الصوم، ثم قال الإمام: هذا ما عندي فيه، مع أن الواحدي والزمخشري ذهبا إلى الأول.

(يُرِيدُ اللَّهُ) أن ييسر عليكم ولا يعسر، وقد نفى عنكم الحرج في الدين، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها، وجملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض. ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر، حتى زعم أنّ من صام منهما فعليه الإعادة. وقرئ: (اليسر) و (العسر) بضمتين ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت على ما ذهب إليه المصنف: الفاء في (فَمَنْ شَهِدَ) جاءت مفصلة لما أجمل في قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ) من وجوب التعظيم، وذلك أن غجراء الصفة عليه أوجب تعظيمه على من أدركهن ومدركه إما حاضر أو مسافر، فمن كان حاضراً فيه فحكمه كذا، ومن كان مسافراً فيه فكذا، ولا يحسن أن يقال: من أدرك الشهر فليصم، ومن كان مريضاً أو على سفر فليقض؛ لأن المقيم والمسافر شاهدان للشهر، وعطف الشرط على الشرط- على سبيل التفصيل- يقتضي المغايرة، ويؤيده قول الزجاج: من كان شاهداً غير مسافر ولا مريض فليصم، ومن كان مسافراً أو مريضاً فقد جعل له أن يصوم عدة أيام السفر والمرض من أيام أُخر. وقلت: إنما قرن المريض بالمسافر دون سائر المعذورين ليؤذن أن المسافر لما كان يتضرر بالصوم تضرر المرضى أدخله في حكمه مبالغة في التيسير عليه كما في قوله تعالى: (مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) [النساء: 97 - 98]. قال المصنف: أخرج الولدان من الوعيد وإن لم يكونوا داخلين فيه، لبيان أن الرجال والنساء في انتفاء الذنب عنهم كالولدان، والأظهر اختيار الإمام، فإن التركيب من باب ترتب الحكم على الوصف المناسب؛ لأن الشهر في قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ) هو الشهر الموصوف الذي أنزل فيه القرآن الذي هو ببينات من الهدى؛ لأن المعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول، أي: الزمان الذي شرف بهذا التعظيم، وحقيق على من أدركه أن يتقرب إلينا فيه

الفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره. (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) شرع ذلك يعنى جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله: (وَلِتُكْمِلُوا) علة الأمر بمراعاة العدّة (وَلِتُكَبِّرُوا) علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر، (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك لا يكاد يهتدي ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالصيام، ثم خص من العام المعذورين، واختص منهم بالذكر المسافر والمريض لغلبة السفر والمرض على سائر الأعذار. وقال الواحدي: إنما أعاد تخيير المريض والمسافر وترخيصهما في الإفطار؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المقيم الصحيح والمسافر والمريض، فلو اقتصر على هذا احتمل أن يعود النسخ إلى تخيير الجميع، فأعاد بعد النسخ ترخيص المسافر والمريض ليعلم أنه باق على ما كان. وقال أبو البقاء: إن قوله: (فَمَنْ شَهِدَ): خبر (شَهْرُ رَمَضَانَ)، وإنما دخلت الفاء لأن الشهر موصوف بالذي، ومثله قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) [الجمعة: 18] وقد وضع في الجزاء موضع العائد الظاهر تفخيماً، أي: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ). قوله: (وهذا نوع من اللف) وتقريره: أن الفعل المعلل المقدر، وهو قوله: "شرع لكم" مع العلل الثلاث، معطوف على الجملة السابقة بالواو على طريقة النشر، وفيه اسم الإشارة، ولابد له من المشار إليه بحسب كل واحد من العلل المذكورة، أولها: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)، وهي علة للأمر بمراعاة العدة، والمشار إليه قوله: (فَعِدَّةٌ)، أي: فعليه صوم عدة أيام العذر

إلى تبينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان. وإنما عدّى فعل التكبير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من غير نقصان، وثانيها: (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) علة لقوله وهو "علة ما علم من كيفية القضاء" وهدى إليه، والمشار إليه مفهوم قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي: اقضوا الصيام في غير رمضان كيف شئتم متواترة أو تفريقاً، وثالثها: (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وهو علة الترخيص والتيسير، والمشار إليه: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ). وقلت: لو جعل (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) علة لقوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ) إلى قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) كان أحسن؛ لأنه سبق أن شرعية الصوم معللة بنزول القرآن المشتمل على هدى لا يكتنه كنهه في هذا الشهر، والهداية إلى مثل هذا التقرب الذي ليس فوقه، يوجب تعظيم الهادي وأن نكبر اسمه المبارك ونسبح ونقدس، وكان أسلم للنظم من ركوب المتعسف، وهو جعله قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) معللاً باعتبارين: لتكملوا تارة، ولتكبروا أخرى، وفي تقديره أولاً حمله ما ذكره من أمر الشاهد شاهد صدق لهذا المعنى، وأما لطف مسلكه أن اللف هو الذي يستدعي ما يرد عليه ما في النشر من المعاني المناسبة، وهذا بالعكس، وتكون تلك المعاني مبنية عليه على ترتيبه السابق، وهذا ليس كذلك، وفيه أن الواو في قوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) ليست كالواوين في (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) وفي (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) وفي (وَلَعَلَّكُمْ) لما سبق، فالتقدير: وشرع ذلك، للمذكورات. قوله: (النقاب المحدث)، قال صاحب "النهاية": النقاب: الرجل العلامة، وفي حديث الحجاج وذكر ابن عباس: "إن كان لنقاباً"، وفي رواية: "وإن كان لمنقباً"، النقاب والمنقب- بالكسر والتخفيف-: الرجل العالم بالأشياء الكثير البحث عنها والتنقيب، أي: ما كان إلا نقاباً، وفي "النهاية" أيضاً: "وقد كان في الأمة محدثون، فإن كان في أمتي أحد فعمر بن الخطاب"، تفسيره: إنهم لملهمون، والملهم: الذي يلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدساً وفراسة، وهو نوع يختص به الله من يشاء من عباده الذين اصطفى، ومقصود المصنف مدح نفسه تعريضاً.

بحرف الاستعلاء؛ لكونه مضمناً معنى الحمد، كأنه قيل: ولتكبروا اللَّه حامدين على ما هداكم. ومعنى (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وإرادة أن تشكروا. وقرئ: (ولُتكَمِّلوا) بالتشديد. فإن قلت: هل يصح أن يكون (وَلِتُكْمِلُوا) معطوفاً على علة مقدرة، كأنه قيل: لتعملوا ما تعلمون، ولتكملوا العدة. أو على اليسر، كأنه قيل: يريد اللَّه بكم اليسر، ويريد بكم لتكملوا، كقوله: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا) [الصف: 8]؟ قلت: لا يبعد ذلك والأوّل أوجه. فإن قلت: ما المراد بالتكبير؟ قلت: تعظيم اللَّه والثناء عليه. وقيل: هو تكبير يوم الفطر. وقيل: هو التكبير عند الإهلال. [(وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولتكبروا الله حامدين) ليس بتضمين، والتضمين: لتحمدوا الله مكبرين؛ لأن تصريحه بقوله: "لتكبروا" دافع له؛ لأن التضمين اصطلاحاً: إما: إعطاء الفعل المذكور معنى المقدر بواسطة الاستعمال كما في قوله تعالى: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 3]، وقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [الملك: 2]، أو: إعطاؤه مع إرادة المضمر معهما كما ذكره في قوله تعالى: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف: 28]، وهذا ليس منهما في شيء، فالحق أن الجار والمجرور على تقديره: حال، أو يرتكب القلب في الكلام. قوله: (والأول أوجه)، وهو أن يكون الفعل المعلل محذوفاً لما فيه من صنعة اللف والنشر، ويحتمل أن يراد بالأول: أن يكون (لِتُكْمِلُوا) معطوفاً على علة مقدرة؛ لأن اللام حينئذ للعلة، وهي أظهر من أن تكون صلة كقوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا) [الصف: 8]، والأول أوجه لاشتماله على العلم والعمل مع اللف والنشر. قوله: (عند الإهلال)، النهاية: الإهلال: رفع الصوت بالتلبية، ومنه: إهلال الهلال واستهلاله: إذا رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته.

(فَإِنِّي قَرِيبٌ): تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته، ونحوه: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: 16]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «هو بينكم وبين أعناق رواحلكم». وروي: أنّ أعرابياً قال لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أو بعيد فنناديه؟ فنزلت. (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أنى أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم. وقرئ (يرشدون) و (يرشدون) بفتح الشين وكسرها. [(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)]. كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلى العشاء الآخرة أو يرقد، فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو بينكم وبين أعناق رواحلكم)، الحديث عن الشيخين، عن أبي موسى، سبق عند قوله تعالى: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [البقرة: 23]. قوله: (أقريب ربنا) الحديث في "جامع الأصول" مروي عن رزين، فقال أصحابه: "أقريب ... " الحديث. الراغب: وقد روي أن موسى عليه السلام قال: إلهي، أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ فقال: لو حددت لك البعد لما انتهيت إليه، ولو حددت لك القرب لما اقتدرت عليه.

الطعام والشراب والنساء إلى القابلة، ثم إنّ عمر رضى اللَّه عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكى ويلوم نفسه، فأتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقال: يا رسول اللَّه، إني أعتذر إلى اللَّه وإليك من نفسي هذه الخاطئة. وأخبره بما فعل، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما كنت جديراً بذلك يا عمر". فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء؛ فنزلت. وقرئ: أحل لكم ليلة الصيام الرفث، أي: أحل اللَّه. وقرأ عبد اللَّه: الرفوث، وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، كلفظ النيك، وقد أرفث الرجل. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنه أنه أنشد وهو محرم: وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا فقيل له: أرفثت! فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء. وقال اللَّه تعالى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كلفظ النيك)، الأساس: رفث في كلامه، وأرفث وترفث: أفحش وأفصح بما يجب أن يكني عنه من ذكر النكاح. وليس بين الرفث والنيك مماثلة من حيث المؤدى في المعنى، بل من حيث إنهما ممن يجب أن لا يصرح بهما، لأنهما مما يوحش السامع، يدل عليه اعتراضهم على ابن عباس، فإنهم ظنوا أن النيك مثل الرفث، فلا يجوز أن يتكلم به المحرم، وجوابه: أن الرفث ما كان عند النساء، أي: ليس النيك في البيت من الرفث في التنزيل في شيء، وفي "النهاية": كان ابن عباس يرى بقوله هذا أن الرفث المنهي: ما خوطب به المرأة، فأما ما يقوله ولم تسمعه امرأة فغير داخل فيه، قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكذا عن الأزهري. قوله: (وهن يمشين)، الضمير للعيس، هميساً: مشياً خفياً إن تصدق الطير في العيافة بها، ولميس: اسم صاحبته.

(فلا رفث ولا فسوق) [البقرة: 197] فكنى به عن الجماع، لأنه لا يكاد يخلو من شيءٍ من ذلك. فإن قلت: لم كني عنه هاهنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: (وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) [النساء: 21]، (فَلَمَّا تَغَشَّاها) [الأعراف: 189]، (بَاشِرُوهُنَّ) (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) [النساء: 43]، (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) [النساء: 23]، (فَاتُوا حَرْثَكُمْ) [البقرة: 223]، (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) [البقرة: 237]، (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) [البقرة: 223]، (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ) [البقرة: 222]؟ قلت: استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختيانا لأنفسهم. فإن قلت: لم عدي الرفث بـ"إلى"؟ قلت: لتضمينه معنى الإفضاء. لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه؛ شبه باللباس المشتمل عليه. قال الجعدي: إذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا ... تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَليْهِ لِبَاسَا فإن قلت: ما موقع قوله: (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ)؟ قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال؛ وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهنّ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فكنى به عن الجماع) رتب على قوله: "الرفث وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه"، يعني: كنى ها هنا بالرفث عن الجماع، وكان من حق الظاهر أن يكنى عن الرفث، لا به، وإنما عدل إليه ليرتدع من ارتكبه، يدل عليه قوله: "استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة". الانتصاف: ويؤيد قول الزمخشري أنه تعالى لما أباحه قال: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، فعاد إلى الكنايات المألوفة، ويشكل بقوله: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: 197] ولم يسبق منهم فيه فعل؟ وجوابه: أنه في آية الحج منهي عنه، فشنعه وهجنه لينفرهم عن التورط فيه، ولذلك قرنه بالفسوق.

(تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ): تظلمونها وتنقصونها حظها من الخير. والاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة. (فَتابَ عَلَيْكُمْ) حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور. (وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ): واطلبوا ما قسم اللَّه لكم، وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة، أي: لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها، ولكن لابتغاء ما وضع اللَّه له النكاح من التناسل. وقيل: هو نهى عن العزل لأنه في الحرائر. وقيل: وابتغوا المحل الذي كتبه اللَّه لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرّم. وعن قتادة: (وابتغوا ما كتب اللَّه لكم) من الإباحة بعد الحظر. وقرأ ابن عباس (واتبعوا) وقرأ الأعمش (وأتوا) وقيل معناه: واطلبوا ليلة القدر وما كتب اللَّه لكم من الثواب إن أصبتموها وقمتموها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل)، الراغب: قوله: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) إشارة في تحري النكاح إلى لطيفة، وهي أن الله تعالى جعل لنا شهوة النكاح لبقاء نوعنا إلى غاية، كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية، فحق الإنسان أن يتحرى بالنكاح حفظ النسل وحصن النفس على الوجه المشروع، وإلى هذا أشار من قال: عنى به الولد. قوله: (لأنه في الحرائر) أي: قوله: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) نزلت في شأن الحرائر؛ لأنه متصل بقوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)؛ لأن في عرف التنزيل إطلاق النساء على الحرائر، وإطلاق ما ملكت أيمانكم على الإماء. والمراد بابتغاء ما كتب الله الولد، ومن عزل، أي: الماء عن النساء؛ حذر الحمل، فهو بمعزل عن ابتغاء ما كتب الله له، ولا يجوز العزل عن الحرائر إلا بإذنهن، بخلاف الإماء.

وهو قريب من بدع التفاسير. (الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ): هو أوّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود. والْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ما يمتدّ معه من غبش الليل، شبها بخيطين أبيض وأسود. قال أبو داود: فَلَمَّا أضَاءَتْ لَنَا سَدْفَةٌ ... وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أنَارَا. وقوله: (مِنَ الْفَجْرِ) بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود. لأنّ بيان أحدهما بيان للثاني ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو قريب من بدع التفاسير). قال الإمام: وهو قول معاذ بن جبل وابن عباس، وجمهور المحققين استبعدوه؛ وعندي أنه جائز، وذلك أن الإنسان إذا قضى وطره من المباشرة ويصير فارغاً من داعية الشهوة المانعة عن التفرغ للطاعة، يمكنه أن يتفرغ لها، أي: إذا تخلصتم من تلك الخواطر المانعة عن الإخلاص فابتغوا ما كتب لكم من الإخلاص في العبودية من الصلاة والذكر وطلب ليلة القدر. قوله: (من غبش الليل)، الجوهري: الغبش، بالتحريك: البقية من الليل، وقيل: ظلمة آخر الليل. قوله: (فلما أضاءت) البيت، الأصمعي: السدفة في لغة نجد: الظلمة، وفي لغة غيرهم: الضوء، وهو من الأضداد، وقال أبو عبيد: وبعضهم يجعل السدفة اختلاط الضوء والظلمة معاً كوقت ما بين طلوع الفجر إلى الإسفار، وقوله: "أنارا" جواب "لما". قوله: (واكتفي به) يريد: قد مر آنفاً المراد بالخيط الأبيض ما هو وبالأسود ما هو، وكان

ويجوز أن تكون «من» للتبعيض؛ لأنه بعض الفجر وأوّله. فإن قلت: أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟ قلت: قوله: (مِنَ الْفَجْرِ) أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك: رأيت أسداً مجاز. فإذا زدت «من فلان» رجع تشبيها. فإن قلت: فلم زيد (مِنَ الْفَجْرِ) حتى كان تشبيها؟ وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينبغي أن يذكر بعد بيان الخيط الأبيض بقوله: (مِنْ الْفَجْرِ) بيان الخيط الأسود بقوله: "من غبش الليل"، فاكتفى بأحدهما؛ لما يلزم من بيان أحد المختلطين بيان الآخر. قوله: (ويجوز أن تكون (مِنَ) للتبعيض)، والضمير في "لأنه" راجع إلى قوله: "أول ما يبدو"، فعلى هذا يكون (مِنْ الْفَجْرِ) بدلاً من الخيطين، أي: يتبين لكم بعض الفجر، وهو أول ما يبدو. قوله: (أخرجه من باب الاستعارة)؛ لأن الاستعارة هي: أن يذكر أحد طرفي التشبيه ويراد به الطرف الآخر. وههنا الفجر هو المشبه، والخيط الأبيض المشبه به، وهما مذكوران فلا يكون استعارة. فإن قلت: هب أن ذكر (مِنْ الْفَجْرِ) أخرجه من الاستعارة لذكر المشبه، لكن بقي الخيط الأسود على الاستعارة لترك المشبه، كقولك: رأيت أسداً يرمي؟ قلت: لما كان في الكلام ما دل عليه، فكأنه ملفوظ كقولها: أسد علي وفي الحروب نعامة وإليه الإشارة بقوله: "لأن بيان أحدهما بيان للثاني". قوله: (هي أبلغ من التشبيه)، وذلك أن في التشبيه اعترافاً بكون المشبه به أكمل من المشبه في الوجه، وفي الاستعارة ادعاء أنهما جنس واحد.

وأدخل في الفصاحة! قلت: لأن من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام، ولو لم يذكر (مِنَ الْفَجْرِ) لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد (مِنَ الْفَجْرِ) فكان تشبيها بليغا وخرج من أن يكون استعارة. فإن قلت: فكيف التبس على عدىّ بن حاتم مع هذا البيان حتى قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأخبرته، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن يدل عليه) أي: على كونه مستعاراً. قوله: (ولو لم يذكر (مِنْ الْفَجْرِ) لم يعلم أن الخيطين مستعاران) جواب، لكنه غير تام لكون العدول من الاستعارة التي هي أبلغ إلى التشبيه، الذي هو أدنى لفقدان القرينة، لا يمهد العذر، على أن القرائن كثيرة، نحو أن يقال: حتى يتفلق لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أو يشرق أو يطلع، ونحوهما، لكن الجواب الكافي أن يقال: إن العدول إليه وإن كان تشبيهاً لكنه بليغ لا يقصر عن مرتبة الاستعارة؛ لأنه واقع على طريق التجريد، كأنه جرد من الفجر نفس الخيط، كقولك: رأيت أسداً منك، وهو المراد بقوله: "فكان تشبيهاً بليغاً". قوله: (عمدت على عقالين أبيض وأسود) الحديث من رواية البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، عن عدي بن حاتم: لما نزل (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر من الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار" وفي رواية البخاري: قال: "إن وسادتك إذاً لعريض، أن كان الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادتك"، وفي رواية أخرى أنه قال: "إنك إذاً لعريض القفا".

فضحك وقال: «إن كان وسادك لعريضاً»، وروى: «إنك لعريض القفا! إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل»؟ قلت: غفل عن البيان، ولذلك عرّض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قفاه، لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته. وأنشدتنى بعض البدويات لبدوى: عَرِيضُ القَفَا مِيزَانُهُ فِى شِمَالِهِ ... قَدِ انْحَصَّ مِنْ حَسْبِ القَرَارِيِط شَارِبُهْ فإن قلت: فما تقول فيما روي عن سهل بن سعد الساعدي: أنها نزلت ولم ينزل (مِنَ الْفَجْرِ)، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فنزل بعد ذلك (مِنَ الْفَجْرِ)؛ فعلموا أنه إنما يعنى بذلك الليل والنهار؟ وكيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد، إذ ليس باستعارة لفقد الدلالة، ولا بتشبيه قبل ذكر الفجر، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: "عريض الوسادة" كناية تلويحية، فإن عريض الوسادة مشعر بعريض القفا، وعريض القفا مشعر بالبلاهة، وعريض القفا: كناية رمزية. قوله: (بعض البدويات)، قيل: هي أم كردس خادم المصنف. قوله: (ميزانه في شماله) كناية عن الحمق، انحص شعره وشاربه: إذا تجرد وانحسر، والحاسب إذا أمعن في الحساب وتفكر فيه عض على شفتيه وشاربه. قوله: (فيما روي عن سهل) الحديث رواه البخاري مع تغيير يسير.

فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة وهي غير مرادة؟ قلت: أما من لم يجوّز تأخير البيان - وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو مذهب أبى علىّ وأبى هاشم - فلم يصح عندهم هذا الحديث، وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث؛ لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به. (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) قالوا: فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة)، هذا يؤذن أن التشبيه ليس بحقيقة، وقد قيل: إن ألفاظ التشبيه كلها مستعملة فيما وضع لها، نحو: زيد كالأسد في الشجاعة، لكن مفهوم المشبه به، وهو الخيط الأبيض والخيط الأسود، غير مراد فيما أجرى الكلام له، ولذلك قال: "وهي غير مرادة". قوله: (فلم يصح عندهم هذا الحديث) والحديث رواه البخاري ومسلم، فكيف يقال: لم يصح. قوله: (لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب)، قيل: وفيه نظر؛ لأن من يجوز تأخير البيان يحمله على ظاهره لعدم القرينة الصارفة حينئذ، وأجيب: أنك إذا أردت بالقرينة: القرينة التفصيلية، فمسلم، ولكن لا يلزم من عدمها جواز الحمل على الظاهر، وإن أردت الإجمالية فلا نسلم انتفاءها، فإن البليغ لا يرضى بمثل هذا التركيب، ألا ترى كيف عنف رسول الله صلى الله عليه وسلم عدياً حين حمله على الظاهر! على أن سياق الكلام ومساقه حديث في شأن الصوم وبيان ابتدائه وانتهائه من قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ) إلى قوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ). قوله: (فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان)، ووجهه أن معنى قوله: (ثُمَّ

وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفى صوم الوصال. (عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) معتكفون فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أَتِمُّوا الصِّيَامَ) بعد قوله: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ): ائتوا بالصوم تاماً، فيكون إتيان الصوم مأموراً به بعد الفجر والنية مع الفعل، فيلزم إيقاع النية بعد الفجر، قال صاحب "التقريب": الإتمام مأمور به بعد الفجر، وهو مسبوق بالأمر بالشروع، وهو إما بترك المفطر، وهو لا يلزم قبل الفجر، وإما بالنية وهو المطلوب، ومعنى أتموا الصيام على هذا: ابتدئوه وأتموه، ولقائل أن يقول: إن أردت بقولك: بعد الفجر: عقيبه متصلاً به، فهو ممنوع، إذ ثم للتراخي، وإن أردت التراخي فيجوز أن يسبق الشروع بالنية أو الإمساك بالجزء الأول على الإتمام، وهو مع ذلك يقع بعد الفجر. والجواب الصحيح: أنه ليس في الآية ما يوجب النية ولا تعيين الزمان ولا ينافيه، وليس فيها إلا الأمر بالإتمام، وما يوجب النية يستفاد من الحديث، وكذا تعيينها بزمان، أما أولاً فقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"، أخرجه الشيخان وغيرهما عن عمر رضي الله عنه، وأما ثانياً فقوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له"، أخرجه أبو داود والترمذي، عن أم المؤمنين حفصة، وفي رواية النسائي: "فلا يصوم"، فالحديثان مبينان للآية. النهاية: الإجماع: إحكام النية والعزيمة، أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت عليه: بمعنى. قوله: (وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر)؛ لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى الانفجار لم يمكنه الاغتسال إلا بعد الصبح. قوله: (وعلى نفي صوم الوصال)؛ لأنه تعالى جعل غاية الصوم الليل، وغاية الشيء: منقطعه ومنتهاه، وما بعد الغاية يخالف ما قبله، وإنما يكون كذلك إذا لم يبق بعد ذلك صوم،

والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه. والمراد بالمباشرة الجماع لما تقدم من قوله (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ... فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ). وقيل: معناه: ولا تلامسوهنّ بشهوة. والجماع يفسد الاعتكاف، وكذلك إذا لمس أو قبل فأنزل. وعن قتادة: كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد، فنهاهم اللَّه عن ذلك. وقالوا: فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد، وأنه لا يختص به ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويمكن أن يقال: إنه تعالى بين الغاية، والبيان لا يفيد حرمة الوصال، وإنما حرم بالسنة، روينا عن عائشة رضي الله عنها: نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم، قالوا: إنك تواصل، قال: "إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني"، أخرجه البخاري ومسلم، ولأبي داود نحوه. الهيئة: صورة الشيء وشكله وحالته. قال الإمام: الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن صوم النفل يجب إتمامه، وقالت الشافعية: الآية واردة لبيان صوم الفرض فتختص به. قوله: (أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه). "يتعبد" بالنصب في بعض النسخ على حذف لام التعليل يعني أن يتعبد، ثم حذف "أن" وبقي أثره. قوله: (لما تقدم من قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ) وذلك أن قوله: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ) عطف على الأمر من قوله: (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، ولا يستراب أن المراد منه الجماع؛ لما سبق من قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)، فقوله: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ) رخصة فيها بعدما كانت منهية، فيجب العمل على الجماع فقط؛ ليتجاوب النظم. قوله: (قالوا: فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد)، قال صاحب "التقريب": ليس فيه ما يدل على ذلك.

مسجد دون مسجد. وقيل: لا يجوز إلا في مسجد نبىّ وهو أحد المساجد الثلاثة. وقيل: في مسجد جامع. والعامة على أنه في مسجد جماعة. وقرأ مجاهد: (في المسجد). (تِلْكَ) الأحكام التي ذكرت (حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها): فلا تغشوها. فإن قلت: كيف قيل: (فَلا تَقْرَبُوها) مع قوله: (فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: 29]؟ قلت: من كان في طاعة اللَّه والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق، فنهى أن يتعداه؛ لأن من تعداه وقع في حيز الباطل؛ ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزى الحق والباطل؛ لئلا يدانى الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعداً عن الطرف، فضلاً عن أن يتخطاه، كما قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم «إنّ لكل ملك حمى، وحمى اللَّه محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»، فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد. ويجوز أن يريد بحدود اللَّه محارمه ومناهيه ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المساجد الثلاثة) وهي: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: (كيف قيل: (فَلا تَقْرَبُوهَا))، يعني: قال في هذه الآية: (فَلا تَقْرَبُوهَا) أي: الحدود، وقال في الأخرى: (فَلا تَعْتَدُوهَا) [البقرة: 229] وذلك لا يمنع من القربان، وأجاب: بأن هذه الآية كالترقي بالنسبة على تلك الآية. قوله: (وأن يكون في الواسطة): عطف على "أن لا يداني"، ويجوز أن يكون عطفاً على "نهي أن يقرب الحد"، وأمر بأن يكون في الواسطة على سبيل التوكيد. قوله: (متباعداً): حال من الضمير في خبر "كان"، أو: خبر بعد خبر، "وفضلاً": يجوز أن يكون متعلقاً بيقرب أو بيداني. قوله: (ويجوز أن يريد بحدود الله: محارمه): عطف على قوله: "تلك الأحكام التي ذكرت: حدود الله". قال الزجاج: معنى الحدود: ما منع الله تعالى من مخالفتها، فإن الحداد في اللغة: الحاجب، وكل من منع شيئاً فهو حداد، والحديد إنما سمي حديداً لأنه يمتنع به من الأعداء،

خصوصاً؛ لقوله: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ)، وهي حدود لا تقرب. [(وَلا تَاكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)]. ولا يأكل بعضكم مال بعض (بِالْباطِلِ): بالوجه الذي لم يبحه اللَّه ولم يشرعه ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وحد الدار: ما يمنع غيرها أن يدخل فيها. تم كلامه. فتسمية محارم الله بالحدود ظاهر، وأما تسمية الأوامر والنواهي بها فلأنه تعالى منع الناس عن مخالفتها كما قال الزجاج، ومعنى القربان على هذا: الغشيان، كقوله: "فلا تغشوها"، فالمعنى: تلك الأوامر والنواهي السابقة مما منع الله الناس عن مخالفتها فلا تجاوزوها والتزموها، كقولك: كن وسط الحق ولا تتجاوز إلى أطرافه، على أن أطراف الحق حق، وإليه الإشارة بقوله: "أن يكون في الواسطة متباعداً عن الطرف"، أما الأوامر فقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، وقوله: (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)، وأما النواهي فقوله: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ)، ثم إذا اعتبر أن الأمر بالشيء نهي عن ضده صح القول بأن ما سبق كلها محارمه. قوله: (وهي حدود لا تقرب) مشعر بأن الوجه الأول فيه تكلف، والحديث يناسب الوجه الثاني، وهو أن المراد بالحدود: محارمه، وراوي الحديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ولكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه"، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي.

(و) لا (تُدْلُوا بِها): ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام؛ (لِتَاكُلُوا) بالتحاكم (فَرِيقاً): طائفة (مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ): بشهادة الزور، أو باليمين الكاذبة، أو بالصلح، مع العلم بأن المقضى له ظالم. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه: قال للخصمين: «إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليَّّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضى له على نحو ما أسمع منه، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((و) لا (تُدلُوا بِهَا): ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام)، الراغب: الإدلاء: إرسال الدلو في البئر، واستعير للتوصل إلى الشيء، وعلى هذا قول الشاعر: فليس الرزق عن طلب حثيث ... ولكن ألق دلوك في الدلاء قوله: (قال للخصمين: إنما أنا بشر) الحديث مع تغيير يسير أخرجه البخاري ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي، وانفرد الترمذي بقوله: "فبكى الرجلان، إلى آخره". قال صاحب "الجامع": قوله: "ألحن بحجته" أي: أقوم بها من صاحبه وأقدر عليها، من اللحن، بفتح الحاء: الفطنة، وأما لحن الكلام فهو ساكن، قاله الخطابي، التوخي: قصد الحق واعتماده، والاستهام: الاقتراع، ولم يقنع بالتوخي فضم القرعة إليه؛ لأن القرعة أقوى من التوخي، ثم أمرهما بالتحليل ليكون انفصالهما عن يقين، لأن التحالل إنما يكون فيما هو في الذمة.

فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنّ منه شيئاً، فإنما أقضي له قطعةً من نار»، فبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي. فقال «اذهبا فتوخيا، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه». وقيل: (وَتُدْلُوا بِها): وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة. و (تدلوا) مجزوم داخل في حكم النهي، أو منصوب بإضمار "أن"، كقوله: (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: 42]. (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنكم على الباطل، وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ. [(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)]. روي أن معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنم الأنصارى قالا: يا رسول اللَّه، ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ؛ لا يكون على حالة واحدة؟ فنزلت (مَواقِيتُ) معالم يوقت بها الناس مزارعهم، ومتاجرهم، ومحال ديونهم، وصومهم، وفطرهم، وعدد نسائهم، وأيام حيضهنّ، ومدد حملهنّ، وغير ذلك؛ ومعالم للحج يعرف بها وقته. كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً من باب، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: الآية فيها دليل على أن حكم القاضي لا ينفذ باطناً. قوله: ((مَوَاقِيتُ) معالم يوقت الناس بها مزارعهم)، قال القاضي: المواقيت: جمع ميقات، من الوقت، والفرق بينه وبين المدة والزمان: أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، والزمان: مدة مقسومة، والوقت: الزمان المفروض لأمر.

فإذا كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما يصعد فيه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم: (لَيْسَ الْبِرُّ) بتحرّجكم من دخول الباب (وَلكِنَّ الْبِرَّ) برّ (مَنِ اتَّقى) ما حرّم اللَّه. فإن قلت: ما وجه اتصاله بما قبله؟ قلت: كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة، وعن الحكمة في نقصانها وتمامها: معلوم أنّ كل ما يفعله اللَّه عز وجل لا يكون إلا حكمة بالغة، ومصلحةً لعباده، فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدةٍ تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برّا ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كأنه قيل) إلى قوله: "معلوم أن كل ما يفعله [الله] تعالى لا يكون إلا حكمة بالغة"، هذا الجواب من باب الأسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب، بتنزيل سؤاله منزلة غير السؤال لينبهه على تعديه من موضع سؤال هو أليق بحاله وأهم له إذا تأمل، وإليه الإشارة بقوله: "فدعوا السؤال عنه وانظروا في هيئة واحدة تفعلونها". والجواب الثاني من باب الاستطراد، وذلك أن السؤال لما كان عن الأهلة، وأجيبوا عن الميقات، وبعض المواقيت ميقات الحج، أورد بعض أفعالهم التي كانوا يفعلونها فيه. والجواب الثالث: من باب السؤال مما لا يستحق الجواب؛ لأن الواجب عليكم أن تسألوا عما يهمكم من منافع الأهلة وفوائدها لتعملوا بمقتضاها، فعكستم وسألتم عن أحوالها، أي: مثلكم في العدول عن الطريق المستقيم كمن لا يدخل من باب بيته ويدخله من ظهره، ويمكن أن يجعل هذا الجواب أيضاً من باب الأسلوب الحكيم. والجواب الثاني أوفق لتأليف النظم؛ لأنه تعالى لما استطرد عملاً من أعمالهم في الحج، وقبح فعلهم وبين أن التقوى في عكس ذلك، عم التقوى بقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، فاندرج فيها جميع ما يجب أن يعتبر فيها من الأفعال والتروك فعطف على (وَاتَّقُوا) بعض ما كان مشتملاً عليه، وهو القتال ليشير إلى أنه مهتم بشأنه بحسب اقتضاء الوقت، فالعطف من باب قوله تعالى: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) [الرحمن: 68].

ويجوز أن يجرى ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج؛ لأنه كان من أفعالهم في الحج، ويحتمل أن يكون هذا لتعكيسهم في سؤالهم، وأن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره. والمعنى: ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم، ولكن البرّ برّ من اتقى ذلك وتجنبه ولم يحسر على مثله، ثم قال: (وَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها) أي: وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها، ولا تعكسوا. والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال اللَّه حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة، ولا اعتراض شك في ذلك، حتى لا يسأل عنه؛ لما في السؤال من الابهام بمقارفة الشك؛ (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) [الأنبياء: 23]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: العلوم ضربان: دنيوي يتعلق بأمر المعاش، كمعرفة الصنائع ومعرفة الأجرام السماوية والمعادن والنبات وطبائع الحيوان، وقد جعل الله لنا سبيلاً إلى معرفته على غير لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وشرعي، وهو البر، ولا سبيل إلى أخذه إلا من النبي، فلما سألوا عما أمكنهم معرفته أجابهم بما أجاب، ثم قال: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) أي: بأن تطلبوا الشيء من غير بابه، يقال: فلان أتى البيت من بابه: إذا طلب الشيء من وجهه. قال الشاعر: أتيت المروءة من بابها فجعل ذلك مثلاً لسؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم عما ليس من العلم المختص بالنبوة؛ لأن ذلك عدول عن المنهج. قوله: (بمقارفة الشك)، الجوهري: هو من: قارف فلان الخطيئة، أي: خالطها.

[(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ* فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)]. المقاتلة في سبيل اللَّه: هو الجهاد لإعلاء كلمة اللَّه وإعزاز الدين (الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ): الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين، وعلى هذا يكون منسوخا بقوله: (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) [التوبة: 36]، وعن الربيع بن أنس رضى اللَّه عنه: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة فكان رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف؛ أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ): الذين يناجزونكم) فسر المقاتلين بوجوه ثلاثة: أحدها: بالذين يبارزون المسلمين دون المحاجزين. وثانيها: بمن يصح منهم المقاتلة دون من لا يصح، وهو المراد بقوله: "أو الذين يناصبونكم القتال". وثالثها: بالكفرة كلهم مجازاً، والمراد بالمقاتلة: المضادة، الأول أخص من الثاني والثالث أعم منهما. قوله: (يناجزونكم)، الجوهري: المناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة، والمحاجزة: الممانعة، وفي المثل: المحاجزة قبل المناجزة. قوله: (يناصبونكم)، الجوهري: نصبت لفلان نصباً: إذا عاديته، وناصبته الحرب مناصبة.

والصبيان والرهبان والنساء؛ أو الكفرة كلهم؛ لأنهم جميعاً مضادّون للمسلمين، قاصدون لمقاتلتهم، فهم في حكمٍ المقاتلة، قاتلوا أو لم يقاتلوا. وقيل: لما صدّ المشركون رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام، فرجع لعمرة القضاء؛ خاف المسلمون أن لا يفي لهم قريش ويصدّوهم ويقاتلوهم في الحرم وفي الشهر الحرام، وكرهوا ذلك، نزلت، وأطلق لهم قتال الذين يقاتلونهم منهم في الحرم والشهر الحرام، ورفع عنهم الجناح في ذلك. (وَلا تَعْتَدُوا) بابتداء القتال، أو بقتال من نهيتم عن قتاله من النساء والشيوخ والصبيان، والذين بينكم وبينهم عهد أو بالمثلة، أو بالمفاجأة من غير دعوة، (حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) حيث وجدتموهم في حل أو حرم. والثقف: وجود على وجه الأخذ والغلبة. ومنه: رجل ثقف، سريع الأخذ لأقرانه. قال: فَإمَّا تَثْقَفُونِى فَاقْتُلُونِى ... فَمَنْ أثْقَفْ فَلَيْسَ إلَى خُلُودِ (مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) أي: من مكة وقد فعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بمن لم يسلم منهم يوم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لعمرة القضاء) أي: العمرة التي أحرم بها عام الحديبية وتحلل عنها بسبب الإحصار، وهو من إضافة العام إلى الخاص؛ لأن العمرة أعم من أن تكون قضاء أو أداء. قوله: (نزلت)، وفي بعض النسخ: فنزلت، فعلى هذا جواب "لما" قوله: "خاف"، وإذا كان جواب "لما نزلت"، فالصواب أن يكون خاف بالواو، وهو لم يرو. قوله: (والثقف: وجود على وجه الأخذ والغلبة)، وفي الكواشي: الثقف: الحذق في إدراك الشيء وفعله. قال القاضي: الثقف: الحذق في إدراك الشيء، علماً كان أو عملاً، فهو يتضمن الغلبة، ولذلك استعمل في الغلبة في قول الشاعر: فإما تثقفوني فاقتلوني البيت.

الفتح. (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)، أي: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به؛ أشد عليه من القتل. وقيل لبعض الحكماء: ما أشد من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت. جُعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت. ومنه قول القائل: لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعاً ... عَلى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بحَدِّ فِرَاقِ وقيل: (الْفِتْنَةُ): عذاب الآخرة؛ (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ) [الذاريات: 14]، وقيل: الشرك أعظم من القتل في الحرم؛ وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم، ويعيبون به المسلمين، فقيل: والشرك الذي هم عليه أشد وأعظم مما يستعظمونه. ويجوز أن يراد: وفتنتهم إياكم بصدّكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم إياهم في الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اسم "ليس" في قوله: "ليس إلى خلود" ضمير يرجع إلى "من"، يقول: إن تدركوني أيها الأعداء وقدرتم على قتلي فاقتلوني، فإن من أدركته منكم فليس له طريق إلى الخلود، أي: لا بقاء له ولا أخليه، بل أقتله. قوله: 0 جعل الإخراج من الوطن من الفتن)، فعلى هذا قوله: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ) يحتمل أن يكون تذييلاً لقوله: (وَأَخْرِجُوهُمْ) أو لقوله: (مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ)، ويجوز أن يكون تكميلاً لقوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) إلى قوله: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) إذا أريد بالفتنة عذاب الآخرة، كما قال: "لتجتمع لهم فتنة الدنيا والآخرة"، كقوله تعالى: (وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) [التوبة: 74]، وقوله: (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ) [طه: 127]. قوله: (ويجوز أن يراد: وفتنتهم إياكم) عطف على قوله: "والشرك أعظم من القتل"، وأما قوله تعالى: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فتخصيص لقوله تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ)، وقوله: "إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم" ترخيص بعد تخصيص، يعني: إنما أمرتم

وقرئ: (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم) جُعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم. يقال: قتلتنا بنو فلان. وقال: فإن تقتلونا نقتلكم (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن الشرك والقتال، كقوله: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: 38]. (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي: شرك (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب (فَإِنِ انْتَهَوْا) عن الشرك .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالإمساك عن مقاتلتهم تعظيماً لهتك حرمة الحرم، فإذاً لا تعزموا مقاتلتهم حتى يعزموا على مقاتلتكم، فإذا شرعوا فيها فلا تبالوا بقتالهم؛ لأنهم بدؤوا بهتك حرمة الحرم وسنوا سنة العدوان. قوله: (وقرئ: ولا تقتلوهم): حمزة والكسائي قرآ: 0 ولا تقتلوهم ... حتى يقتلوكم ... فإن قتلوكم) بغير ألف، من القتل، والباقون بالألف، من القتال. قال الزجاج: وجاز: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، وإن وقع القتل على بعض دون بعض، فإنه يقال: قتلت القوم، وإنما قتل بعضهم إذا كان في الكلام دليل على إرادة المتكلم. قوله: ((وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب)، هذا الاختصاص يعلم من اللام في (لِلهِ)، ولهذا فسر الفتنة بالشرك حيث قال: "فتنة، أي: شرك"؛ لأنه وقع مقابلاً له. قلت: والذي يقتضيه حسن النظم وإيقاع النكرة في سياق النفي أن تجرى (فِتْنَةٌ) على حقيقتها، لتستوعب جميع ما سمي فتنة، فيدخل فيها الشرك والقتال والحرب وجميع ما عليه مخالفو دين الإسلام، فيطابقه قوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)؛ لأن معناه: ويكون الدين كله لله كما جاء، فيكون تعميماً بعد تخصيص؛ لأن الفتنة حملت أولاً على الشرك، ولو أريد بها عين الفتنة السابقة لكان الواجب أن يجاء بها معرفة؛ لأن الشيء إذا أعيد أضمر أو كرر بعينه، وضعاً للمظهر

(فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) فلا تعدوا على المنتهين؛ لأنّ مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فوضع قوله: (إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) موضع: على المنتهين؛ أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين؛ سمى جزاء الظالمين ظلما للمشاكلة، كقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ موضع المضمر، وإن النكرة إذا أعيدت ولم يرد بها التكرار كانت غير الأول، بخلاف المعرفة، ولأن قوله: (فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ) يقتضي مفعولاً أعم مما اقتضاه قوله: (فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)؛ لأن الشيء إذا كرر وجيء بالثاني أعم من الأول كان أحسن من العكس، لئلا يجيء الكلام مبتوراً. قوله: (فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) فلا تعدوا على المنتهين) يريد أن قوله: (فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) كناية إيمائية عن قولنا: "فلا تعدوا على المنتهين"، وذلك أن إثبات العدوان على الظالمين على سبيل الحصر في هذا المقام مفيد لنفي العدوان عن النمتهين. فقوله: "لأن مقاتلة المنتهين عدوان" تعليل لوضع (إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) موضع "المنتهين"، يعني: مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، ومقاتلة الظالمين، أي: غير المنتهين، حق وصواب، وأصل الكلام: فإن انتهوا عن الفتنة فلا تقاتلوهم، ثم فلا عدوان عليهم، ثم فلا عدوان على المنتهين، ثم كنى عن هذا المعنى بقوله: (فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)، فقول المصنف: "فوضع قوله: (إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) موضع على المنتهين" معناه: أن ماله يرجع إليه. قوله: (أو: فلا تظلموا) معطوف على قوله: "لا تعدوا" فعلى هذا: (إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) قار في موضعه، لكن (فَلا عُدْوَانَ) وضع موضع "لا تقاتلوا، ولا تتعرضوا" على سبيل المشاكلة بحسب المعنى، ولهذا قال: "ولا تظلموا إلا الظالمين"، ومعنى الحصر على هذا: فإن انتهوا فلا تقاتلوهم، وقاتلوا غيرهم من المشركين الذين ليسوا بمنتهين، يعني: لابد لكم من

أو أريد أنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيسلط عليكم من يعدو عليكم. [(الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)]. قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال؛ وذلك في ذى القعدة: (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ)، أي: هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه؛ يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المقاتلة مع مخالفيكم، فإذا انتهى هؤلاء من المخالفة فاتركوهم وقاتلوا غيرهم، فوضع "لا تظلموا" موضع لا تقاتلوا للمشاكلة. والفرق بين هذا الوجه الأول هو أن قوله: "فلا عدوان" على الأول: كناية عن قوله: "فلا تقاتلوهم" على سبيل المبالغة، وعلى الثاني لمجرد التحسين في الكلام، وأن النهي عن العدوان على المنتهين على الأول مقصود دون ما يعطيه اللفظ من معنى العدوان على الغير بالحصر؛ لأن الكناية لا توجب إثبات التصريح كما تقول: فلان طويل النجاد، فإنه لا يوجب إثبات نجاد وطوله، وعلى الثاني نهي المقاتلة عنهم وإثباتها للغير مقصودان. قوله: (أو أريد: إنكم) وجه آخر، على تقدير أن الفاء في قوله: (فَلا عُدْوَانَ) جزاء شرط مقدر لا لهذا المذكور، يعني: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة، فإن انتهوا عن الفتنة فلا تتعرضوا لهم، فإنكم إن تعرضتم لهم كنتم ظالمين فإذا كنتم ظالمين فلا عدوان إلا عليكم، فوضع الظالمين موضع المضمر إشعاراً بالعلية، وقول المصنف: "فيسلط عليكم من يعدو عليكم" حاصل المعنى. قوله: (قاتلهم المشركون عام الحديبية). في هذه الرواية نظر؛ لأن عام الحديبية لم يكن فيه قتال، بل كان صد على ما روينا عن البخاري ومسلم. وقال محيي السنة: الآية نزلت في عمرة القضاء، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً في ذي القعدة فصده المشركون عن البيت بالحديبية،

(وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ) أي: وكل حرمةٍ يجري فيها القصاص من هتك حرمة أي: حرمة كانت- اقتص منه؛ بأن تهتك له حرمة، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا، وأكد ذلك بقوله: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ)، (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم. [(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)]. الباء في (بِأَيْدِيكُمْ): مزيدة، مثلها في: أعطى بيده؛ للمنقاد، والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم، أي: لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكةً، وقيل: (بأيديكم) بأنفسكم. وقيل: تقديره: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فصالحهم على أن ينصرف ويرجع في العام القابل فيقضي عمرته، فرجع صلى الله عليه وسلم في العام القابل وقضى عمرته، فذلك معنى قوله: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ) يعني ذا القعدة الذي دخلتم مكة وقضيتم عمرتكم بالشهر الحرام، أي: ذا القعدة الذي صددتم فيه عن البيت، والصد كان في سنة ست من الهجرة، والقضاء في سنة سبع، فعلى هذا، معنى قوله: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ): أنهم لما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله وادخلوا عليهم في القابل، فإن منعوكم فاقتلوهم، لقوله تعالى: (فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) لأنه نتيجة لقوله: (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ). قوله: (أعطى بيده؛ للمنقاد) أي: يقال لمن انقاد لأحد وأطاعه: أعطى بيده، كما يقال في ضده: نزع يده عن الطاعة. قوله: (والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم) بيان لطريق المجاز، أي: لا تجعلوا التهلكة مسلطاً عليكم فتأخذكم كما يأخذ المالك القاهر يد مملوكه، فسبيل هذا المجاز سبيل الاستعارة المكنية.

كما يقال: أهلك فلان نفسه بيده، إذا تسبب لهلاكها، والمعنى: النهى عن ترك الإنفاق في سبيل اللَّه لأنه سبب الهلاك، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله، أو عن الاستقتال والإخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدوّ، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمعنى: النهي عن ترك الإنفاق ... أو عن الإسراف في النفقة)، فالآية على هذا تذييل لقوله: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وقوله: (وَأَنفِقُوا) تكميل لقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا)، وإنما احتملت الآية الضدين؛ لأن اليد تستعمل في الإعطاء والمنع بسطاً وقبضاً، قال الله تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) [الإسراء: 29]. والإنفاق طرفان: الإفراط، وهو التبذير، والتفريط، وهو الإمساك، والقصد هو السخاء، فقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) يحتمل النهي عن الطرفين المذمومين، ومن ثم فسرها بهما. قوله: (أو عن الاستقتال والإخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو)، فعلى هذا الآية تذييل لقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، فكذا تحتمل الآية الضدين، فإن اليد تستعمل في القدرة قوة وضعفاً، ومن ثم فسر قوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29] بهما، أي: يعطوها إياكم صادرة عن يد استيلاء وقدرة وقوة لكم عليهم، أو: يعطوها إياكم صادرة عن انقياد وطاعة منكم. وللجراءة أيضاً طرفان: الإفراط وهو التهور، والتفريط وهو الجبن، والقصد هو الشجاعة والنهي في الآية يحتمل الطرفين المذمومين. ولله در المصنف ولطيف إشارته، والتفسير الأول أحسن وأولى لقوله تعالى بعده: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، ولما ورد في "صحيح" البخاري عن حذيفة رضي الله عنه: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ): نزلت في النفقة.

وروي: أن رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدوّ فصاح به الناس: ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب الأنصارى: نحن أعلم بهذه الآية، وإنما أنزلت فينا، صحبنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فنصرناه وشهدنا معه المشاهد، وآثرناه على أهالينا وأموالنا وأولادنا، فلما فشا الإسلام وكثر أهله، ووضعت الحرب أوزارها، رجعنا إلى أهالينا وأولادنا وأموالنا نصلحها ونقيم فيها؛ فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. وحكى أبو علي في "الحلبيات" عن أبي عبيدة: التهلكة والهلاك والهلك واحد. قال: فدلّ هذا من قول أبى عبيدة على أن التهلكة مصدر، ومثله ما حكاه سيبويه من قولهم: التضرة والتسرة ونحوها في الأعيان: التنضبة والتنفلة. ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة، كالتجربة والتبصرة ونحوهما؛ ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عن الاستقتال)، الأساس: استقتل فلان: استسلم للقتل، كما يقال: استمات. قوله: (فقال أبو أيوب الأنصاري)، الحديث رواه الترمذي وأبو داود، عن أسلم أبي عمران مع اختلاف في ألفاظه. قوله: (في الحلبيات)، وهو كتاب صنفه أبو علي الفارسي في حلب. قوله: (التضرة)، يقال: لا ضرر ولا ضارورة ولا تضرة، والتنضبة: شجرة، والتنفلة: ولد الثعلب. وقال الزجاج: التهلكة: معناه الهلاك، يقال: هلك الرجل يهلك هلاكاً وهلكة وتهلكة.

على أنها مصدر من هلك فأبدلت من الكسرة ضمة، كما جاء الجوار في الجوار. [(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)]. (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) ائتوا بهما تامّين كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه اللَّه من غير توان ولا نقصان يقع منكم فيهما. قال: ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما جاء الجوار في الجوار)، الجوهري: جاورته مجاورة وجُواراً وجِواراً، والكسر أفصح. قوله: (تأمين كاملين بمناسكهما). اعلم أن إتمام العبادات إما أن يكون من حيث الصورة، وهي أن يجاء بها على وجه يسقط عن مؤديها قضاؤها ظاهراً، وإما أن يكون من حيث الحقيقة، وهي أن تؤدى بحيث تكون مقبولة عند الله، بأن تكون تامة كاملة بأركانها وشرائطها وهيئتها وسننها، وتكون غير مشوبة بشيء من الرياء، وهذا الذي عناه سيدنا صلوات الله عليه بقوله: "الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، بعد بيانه الإيمان والإسلام، وغليه أومى المصنف بقوله: "لوجه الله من غير توان ولا نقصان"، فالإحسان في العبادات والمعاملات هو الفضل والإفضال في جميع الأحوال، وهو الزيادة على العدل، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) [النحل: 90]، فالعدل هو أداء الواجب، والإحسان: الإتمام والإفضال، ويؤيد هذا التأويل قوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)، أي: لوجه الله، ثم عطفه على قوله: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) عطف الخاص على العام على سبيل الاستطراد.

تَمَامُ الْحَجِّ أَنْ تَقِفَ الْمَطَايَا ... عَلى خَرْقَاءَ وَاضِعَةِ اللِّثَامِ جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذي لا يتم إلا به. وقيل: إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك. روي ذلك عن عليّ وابن عباس وابن مسعود رضى اللَّه عنهم. وقيل: أن تفرد لكل واحد منها سفراًً، كما قال محمد رحمه الله: حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل. وقيل: أن تكون النفقة حلالاً. وقيل: أن تخلصوهما للعبادة، ولا تشوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية. فإن قلت: هل فيه دليل على وجوب العمرة؟ قلت: ما هو إلا أمر بإتمامهما، ولا دليل في ذلك على كونهما واجبين أو تطوّعين؛ فقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع جميعاً، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تمام الحج) البيت، خرقاء: محبوبة ذي الرمة، واضعة اللثام، أي: مسفرة نقل عن بعض السلف الصالحين أنه حج، فلما قضى نسكه قال لصاحبه: هلم نتمم حجنا، ألم تسمع قول ذي الرمة: تمام الحج أن تقف المطايا؟ البيت، وحقيقة ما قال هو أنه لما قطع البوادي حتى وصل إلى حرم الله، ينبغي أن يقطع أهواء النفس ويخرق حجب القلب حتى يصل إلى مقام المشاهدة ويبصر آثار كرمه قبل الرجوع عن حرمه. قوله: (أن تحرم بهما من دويرة أهلك)، هذا إنما يصح إذا أمكن المسير من الدار في أشهر الحج، لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، وأما إذا لم يمكن ذلك فلا؛ لأن من بعدت داره من مكة بحيث يحتاج إلى الخروج في رمضان مثلاً كيف يحرم منها؟ قوله: (فقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع جميعاً)، قال صاحب "الفرائد": الإتمام لوجه الله

إلا أن تقول: الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما؛ بدليل قراءة من قرأ: (وأقيموا الحج والعمرة) والأمر للوجوب في أصله، إلا أن يدلّ دليل على خلاف الوجوب، كما دلّ في قوله: (فَاصْطادُوا) [المائدة: 2]، (فَانْتَشِرُوا) [الأحزاب: 53]، ونحو ذلك، فيقال لك: فقد دلّ الدليل على نفي الوجوب، وهو ما روي أنه قيل: يا رسول اللَّه، العمرة واجبة مثل الحج؟ قال: «لا، ولكن أن تعتمر خير لك»، وعنه: «الحج جهاد والعمرة تطوّع». فإن قلت: فقد روي عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: أنه قال: إن العمرة لقرينة الحج. وعن عمر رضى اللَّه عنه: أنّ رجلا قال له: إني وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واجب في الفرض والتطوع؛ لأن الإخلاص واجب في كل عبادة، سواء كانت فرضاً أو تطوعاً، ولا يلزم من ذلك وجوب الأداء، فعلى هذا من شرع في الحج والعمرة وجب عليه إتمامهما. قوله: (الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما) بناءً على أن مقدمة الواجب واجب، قال الإمام: هذا الاحتمال أولى من الأول لما يلزم منه الإجمال، وهو خلاف الأصل مع أن وجوب الإتمام مسبوق بالشروع، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً فهو واجب. قال محيي السنة: المعنى: وابتدئوه فأتموه. وقال الإمام: والقول بإيجاب العمرة أقرب إلى الاحتياط، وقلت: أما الحديث المروي عن أحمد بن حنبل والترمذي، عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: العمرة واجبة هي؟ قال: "لا، وان تعتمروا هو أفضل"، فمعارض بروايته أيضاً عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عليّ أهللت بهما جميعاً. فقال: هديت لسنة نبيك. وقد نظمت مع الحج في الأمر بالإتمام، فكانت واجبة مثل الحج؟ قلت: كونها قرينةً للحج أنّ القارن يقرن بينهما، وأنهما يقترنان في الذكر، فيقال: حجّ فلان واعتمر، والحجاج والعمار، ولأنها الحجّ الأصغر، ولا دليل في ذلك على كونها قرينة له في الوجوب، وأمّا حديث عمر رضى اللَّه عنه، فقد فسر الرجل ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد"، رواه أحمد ابن حنبل وابن ماجة، عن عمر رضي الله عنه، أما حديث ابن عباس رضي الله عنه، فالصحيح ما روى البخاري تعليقاً، عن ابن عباس: "إنها لقرينتها في كتاب الله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) "، ومذهبهما أنها واجبة، وما رواه أيضاً عن ابن عمر: "ما من أحد إلا وعليه حجة وعمرة".

كونهما مكتوبين عليه بقوله: أهللت بهما، وإذا أهلّ بالعمرة وجبت عليه، كما إذا كبر بالتطوّع من الصلاة. والدليل الذي ذكرناه أخرج العمرة من صفة الوجوب؛ فبقي الحجّ وحده فيها، فهما بمنزلة قولك: صم شهر رمضان وستة من شوّال، في أنك تأمره بفرض وتطوّع. وقرأ عليّ وابن مسعود والشعبي رضي اللَّه عنهم: ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأما حديث عمر رضي الله عنه فقد فسر الرجل كونهما مكتوبين عليه بقوله: أهللت بهما)، يعني قوله: اهللت بهما جميعاً استئناف لبيان الموجب. المعنى وجدتهما مكتوبين لأني أهللت بهما جميعاً، فسبب كونهما مكتوبين علي إهلالي بهما، فالوجوب إنما يكون للشروع فيهما لا للأمر. وقال القاضي: إنه رتب الإهلال على الوجدان، وذلك يدل على أنه سبب الإهلال دون العكس، يعني: إنما أهللت بهما لأني وجدتهما مكتوبين علي. وقلت: فعلى هذا الفاء مقدرة، ويوافقه جواب عمر رضي الله عنه: هديت لسنة نبيك، أي: طريقته، لأن كون الشروع في الشيء موجباً للإتمام لا يقال فيه: إنها طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، بل يقال ذلك في أداء المناسك والعبادات. قوله: (والدليل الذي ذكرناه) يعني: ما روي: أنه قيل: يا رسول الله، العمرة واجبة مثل الحج؟ قال: "لا"، يعني: استدلالك بأنها قرينة للحج بحديث ابن عباس، وبأنها نظمت في الآية مع الحج لا يجديك مع ذلك النص، على أن الاقتران لا يدل على الوجوب، ودليلنا يلزه إلى التأويل ويوجب أن يقال: هو مثل قولك: صم شهر رمضان وستة من شوال، ويمكن أن

(والعمرة للَّه) بالرفع، كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحجّ وهو الوجوب. (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) يقال: أُحصر فلانٌ، إذا منعه أمر من خوف أو مرضٍ أو عجز. قال اللَّه تعالى: (الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: 273]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقال: إن دليله معارض بما رويناه عن ابن مسعود كما سبق، والتأويل خلاف الظاهر، على أنه إنما يستقيم إذا قيل: إن صيغة افعل موضوعة للقدر المشترك، وهو ضعيف، لما ثبت أنها حقيقة في الوجوب مجاز في الباقي. قوله: (كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحج)، يعني قطعوا العمرة عن حكم اشتراكها الحج في الإتمام وجعلوها مع الظرف جملة أخرى إخبارية مستقلة ليؤذن على اختلاف حكميهما. قوله: (كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحج)، يعني قطعوا العمرة عن حكم اشتراكها الحج في الإتمام وجعلوها مع الظرف جملة أخرى إخبارية مستقلة ليؤذن على اختلاف حكميهما. وقلت: هذا القطع يشعر بشدة الاهتمام بشأنها؛ لأنهم غنما يعدلون من الإنشائية إلى الإخبارية للمبالغة، لاسيما وقد أتى بالجملة الاسمية وبلام الاختصاص، كأنه قيل: إذا شرعتم في الحج فأتموه، وأما العمرة فهي المختصة بالله ولا كلام في أدائها، ونحوه قولُه في قولِه تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: 197]، قرأ أبو عمرو وابن كثير الأولين بالرفع والآخر بالنصب، حملا الأولين على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار، كأنه قيل: ولاشك ولا خلاف في الحج، ونحوه من حيث المعنى ما روينا عن الشيخين وغيرهما، عن أبي هريرة: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به"، هذه المبالغة لدفع ما عسى يظن ظان التهاون فيه وتوهم عدم الوجوب.

وقال ابن ميادة: وَمَا هجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَتْ ... عَليْكَ وَلَا أَنْ أحْصَرَتْكَ شَغُولُ وحُصر؛ إذا حبسه عدوّ عن المضيّ أو سجن، ومنه قيل للمحبس: الحصير، وللملك: الحصير؛ لأنه محجوب. هذا هو الأكثر في كلامهم، وهما بمعنى المنع في كل شيء، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما هجر ليلى) البيت، يقول: ليس الهجر هو صدود الحبيبة وتباعدها لحاجة من جانبها أو منع وحبس من جانبك، وإنما الهجر: صدودها عن اختيار منها. قوله: (وللملك: الحصير)، وأنشد الراغب قول لبيد: ومقامة غلب الرقاب كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام أي: لدى باب سلطان، وتسميته بذلك إما لكونه محصوراً، أو محجوباً، وإما لكونه حاصراً، أي: مانعاً لمن أراد الوصول إليه، وإن الحصير سمي بذلك لحصر بعض طاقاته على بعض، والإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو، والمنع الباطن كالمرض، والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) محمول على الأمرين. قوله: (هذا هو الأكثر في كلامهم) والمشار إليه بلفظة "هذا" هو المذكور، يعني: ما ذكرت من الفرق أكثر استعمالاً من أن يكونا بمعنى واحد، ثم قال: "وهما- أي: أحصر وحصر- بمعنى المنع في كل شيء"، يعني: هما بمعنى واحد من غير تفرقة، "كقولهم: صده وأصده، وعليه قول الفراء وأبي عمرو وابي حنيفة رحمهم الله"، ويدل على هذا التأويل قول الزجاج:

مثل: صدّه وأصدّه، وكذلك قال الفرّاء وأبو عمرو الشيباني، وعليه قول أبى حنيفة رحمهم اللَّه تعالى: كل منع عنده من عدوّ كان أو مرض أو غيرهما معتبر في إثبات حكم الإحصار، وعند مالك والشافعي: منع العدوّ وحده. وعن النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم: «من كسر أو عرج فقد حلّ وعليه الحج من قابل». (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) فما تيسر منه يقال: يسر الأمر واستيسر، كما يقال: صعب واستصعب والهدي: جمع هدية، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرواية عن أهل اللغة أنه يقال للرجل الذي يمنعه الخوف أو المرض من التصرف: قد أحصر فهو محصر، ويقال للذي حبس: قد حصر فهو محصور، وقال الفراء: لو قيل للذي منعه المرض والخوف: قد حصر، لأنه بمنزلة الذي حبس: لجاز، ولو قيل للذي حبس: أحصر، لجاز، كأنه يجعل حابسه بمنزلة المرض والخوف الذي منعه من التصرف، والحق في هذا ما عليه أهل اللغة من أنه يقال للذي يمنعه الخوف أو المرض: أحصر، وللمحبوس: حصر. قوله: (وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل")، الحديث رواه أبو داود والترمذي عن الحجاج بن عمرو، وضعفه محيي السنة في "المصابيح". في "النهاية": يقال: عرج يعرج عرجاً: إذا غمز من شيء أصابه، وعرج بالكسر، يعرج عرجاً: إذا صار أعرج أو كان خلقة فيه. وفي "المستظهري": يعني: من حدث له بعد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإحرام مانع غير إحصار العدو، وعجز عن إتمام الحج كالمرض وغيره، يجوز له أن يترك الإحرام ويرجع إلى وطنه ليجيء في سنة أخرى بعد زوال العذر، ويقضي حجه، كالمحصر، هذا قول أبي حنيفة، وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يجوز الخروج من الإحرام بغير عذر الإحصار، بل يصبر على الإحرام، فإن زال العذر قبل فوات الحج فهو المراد، وإن زال بعد فواته لزمه أن يخرج من الإحرام بأفعال العمرة، وظاهر قول القاضي أن له أن يخرج من الإحرام إذا اشترط الإحلال، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل على ضباعة بنت الزبير: "لعلك أردت الحج؟ "، قالت: والله ما أجدني إلا وجعة، فقال لها: "حجي واشترطي وقولي: اللهم محلي حيث حبستني"، رواه البخاري ومسلم والنسائي، عن عائشة، وفي رواية الترمذي وأبي داود، عن ابن عباس: أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أريد الحج، أفأشترط؟ قال: "نعم"، قالت: كيف أقول؟ قال: "قولي: لبيك اللهم لبيك، محلي من الأرض حيث تحبسني". قال في "المستظهري": الحديث يدل على أنه يجوز لكل محرم أن يشترط الخروج من الإحرام بعذر يعترضه، وهو قول أحمد وأحد قولي الشافعي، وقال غيرهما: لا يجوز له أن

كما يقال في جدية السرج: جدي. وقرئ (من الهديّ) بالتشديد، جمع هدية، كمطية ومطيّ، يعني: فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرةٍ فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدي؛ من بعيرٍ أو بقرةٍ أو شاة. فإن قلت: أين ومتى ينحر هدي المحصر؟ قلت: إن كان حاجاً فبالحرم متى شاء عند أبى حنيفة؛ يبعث به ويجعل للمبعوث على يده يوم أمارٍ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يخرج، روى الترمذي: أن ابن عمر كان ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم؟ وزاد النسائي: إنه لم يشترط، فإن حبس أحدكم حابس فليأت البيت فليطف به وبين الصفا والمروة ثم ليحلق أو ليقصر ثم يحلل، وعليه الحج من قابل. قوله: (جدية السرج) هو بالدال المهملة، الجوهري: الجدية بتسكين الدال: شيء محشو تحت دفتي السرج والرحل، وهما جديتان، والجمع جدىً. قوله: (للمبعوث على يده)، الضمير في يده: راجع إلى اللام في المبعوث؛ لأنها موصولة، والجار والمجرور: مفعول للمبعوث أقيم مقام الفاعل. قوله: (يوم أمار) أي: يقول للمبعوث على يده: انحر يوم كذا، فإذا جاء ذلك اليوم وغلب على ظنه أنه نحر يتحلل، النهاية: وفي حديث ابن مسعود: "ابعثوا بالهدي واجعلوا بينكم وبينه يوم أمار"، الأمار والأمارة: العلامة، وقيل: الأمار: جمع الأمارة، المعنى: أن من أحصر لمرض أو عذر فعليه أن يبعث بهدي ويواعد الحامل يوماً بعينه يذبحها فيه، فإذا ذبحت تحلل.

وعندهما في أيام النحر، وإن كان معتمراً فبالحرم في كل وقتٍ عندهم جميعاً، «ما استيسر» رفع بالابتداء، أي: فعليه ما استيسر، أو نُصب على: فاهدوا ما استيسر. (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ) الخطاب للمحصرين، أي: لا تحلوا حتى تعلموا أنّ الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ (مَحِلَّهُ)، أي: مكانه الذي يجب نحره فيه. ومحل الدين: وقت وجوب قضائه، وهو ظاهر على مذهب أبى حنيفة رحمه اللَّه. فإن قلت: فإنّ النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم نحر هديه حيث أحصر. قلت: كان محصره طرف الحديبية ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعندهما) أي: عند مالك والشافعي، وقيل: عند محمد وأبي يوسف، فهما لم يخالفا في المكان وخالفا في الزمان، يعني: مع أبي حنيفة رضي الله عنه، وفي "صحيح البخاري": قال مالك رضي الله عنه وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان ولا قضاء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحداً أن يقضوا شيئاً ولا يعودوا له، والحديبية خارج من الحرم. قوله: (ومحل الدين وقت وجوب قضائه) يعني: لفظ الحل مشترك يطلق على المكان والزمان، والذي عليه الكلام ها هنا المكان، لأن المراد: لا تحلقوا حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب نحره فيه، وهو المراد من قوله: "وهو ظاهر مذهب أبي حنيفة رحمه الله". قال الإمام: قالت الحنفية: إن المحل، بالكسر هنا: عبارة عن المكان؛ لأن قوله: (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) يدل على أنه الآن غير بالغ إلى مكان حله، ولو جعل للزمان لكان بالغاً محله في الحال، وهو أن يذبح متى أحصر، ثم قال: هب أن المحل يحتمل المكان والزمان، إلا أنه تعالى أزال الاحتمال بقوله: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: 33]، وبقوله:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) [المائدة: 95]، والمراد به الحرم؛ لأن البيت عينه لا تراق فيه الدماء، وأما حجة الشافعي رحمه الله فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أحصر بالحديبية ونحر بها وهي ليست من الحرم، ولأن المحصر سواء كان في الحل أو الحرم مأمور بنحر الهدي، وأول درجات المكلف أن يكون له التمكن من الفعل المأمور به، ولأنه تعالى إنما شرع التحلل للمحصر ليتخلص من الخوف في الحال، ولو فرض ضرب يوم أمار لطالت عليه المدة، لاسيما إذا أحصر بعيداً من الحرم، وفات المقصود من شرعية هذا الحكم، ولأن الموصل إلى الحرم هو الخائف، فكيف يؤمر بهذا الفعل مع قيام الخوف وربما لم يجد الغير ليبعثه فيتأثم لذلك. وقلت: والذي يقوى به مذهب الإمام قوله تعالى: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ) أي: تيسر، كما تقول: استعظم واستصعب، في: تعظم وتصعب، فإذا كان الله عز وجل بنى أمر الهدي نفسه على السهولة والتيسير، كيف يشدد في محله وموضع نحره؟ ولا ارتياب أن أمر المرض وأذى الرأس أيسر من الإحصار، وقد بني الأمر فيهما على التخيير والسعة، حيث قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) إيذاناً بأن الأمر على التساهل وعدم الحرج. والحاصل: أن المحل في قوله تعالى: (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) مجمل؛ لأنه مشترك في الزمان والمكان، والقرينة المبينة للمكان: بلوغ الهدي، باعتبار قوله: (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) وللزمان: فعل النبي صلى الله عليه وسلم والأمر بالتيسير، والثاني أولى؛ لأن قوله: (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) نازل في أمر غير الإحصار، وأما تأويل الآية فهو أن قوله: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) حكم مستقل، والجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء، المعنى: شرعية الإحصار: وجوب ما استيسر من الهدي، وشرعية الحلق: بلوغ الهدي محله، أي: وقت حله أو مكان حله، وهو ما عينه الرسول صلى الله عليه وسلم وقد علم أنه حلق حيث أحصر.

الذي إلى أسفل مكة، وهو من الحرم، وعن الزهري: أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم نحر هديه في الحرم. وقال الواقدي: الحديبية هي: طرف الحرم على تسعة أميال من مكة. (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) فمن كان به مرض يحوجه إلى الحلق، (أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَاسِهِ) وهو القمل أو الجراحة، فعليه إذا احتلق فدية مِنْ صِيامٍ ثلاثة أيام، (أَوْ صَدَقَةٍ) على ستة مساكين، لكل مسكينٍ نصف صاعٍ من برّ، (أَوْ نُسُكٍ) وهو شاة. وعن كعب بن عجرة أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال له: «لعلك أذاك هوامّك». قال: نعم يا رسول اللَّه. قال: «احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة». وكان كعبٌ يقول: فيّ نزلت هذه الآية. وروي: أنه مرّ به وقد قرح رأسه فقال: «كفى بهذا أذى»، وأمره أن يحلق ويطعم، أو يصوم. والنسك مصدر، وقيل: جمع نسيكة. وقرأ الحسن: أو نسك بالتخفيف. (فَإِذا أَمِنْتُمْ) الإحصار، يعني: فإذا لم تحصروا وكنتم في أمن وسعة، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو من الحرم)، وفي النهاية: الحديبية: قرية قريبة من مكة، سميت ببئر هناك، وهي مخففة الياء، وكثير من المحدثين يشددونها. وقد روينا في "صحيح البخاري" أن الحديبية خارجة من الحرم. قوله: (وعن كعب بن عجرة)، الحديث رواه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن مغفل مع تغيير يسير. قوله: (وكنتم في حال أمن وسعة) بيان لقوله: "لم تحصروا"، هذا مبني على أن المراد بالإحصار: المنع من خوف أو مرض أو عجز. قال القاضي: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) المراد منه حصر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العدو عند مالك والشافعي، لقوله: (فَإِذَا أَمِنتُمْ)، ولنزوله في الحديبية. قلت: لأن لفظ الأمن أكثر ما يستعمل حقيقة فيما يقابل الخوف. الأساس: هؤلاء قوم مستأمنة، ويقول الأمير للخائف: لك الأمان، إني قد أمنتك، ويقال: ويأمنه الناس ولا يخافون غائلته. وأما قضية النظم، فإنه تعالى ابتدأ بإتمام الحج والعمرة، ثم جاء بقوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) وقوله: (فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ) تفصيلاً لبيان المانع من الإتمام، ورتب على كل منهما ما يجبر به النقصان من قوله: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ)، والمعنى: وأتموا الحج والعمرة، أي: ائتوا بهما تامين كاملين بمناسكهما وشرائطهما، فإن منعكم العدو بأن لم تتمكنوا على شيء من ذلك، فجبرانه ما استيسر من الهدي، وإن لم يمنعكم وأنتم في حال أمن منهم ولكن أردتم تمتع ميقات فجبرانه ما استيسر من الهدي، وإنما أوثر "إذا" في جانب الأمن على "إن" ليؤذن أن ذلك الإحصار، أعني يوم الحديبية، لا اعتبار له، وأن أغلب أحوالكم بعد ذلك الأمن والغلبة والتمتع كيف شئتم، هذا هو النظم السري، وقد ظهر من هذا التقرير أن خوف العدو من الإحصار والأمن منه، الغالب أن يختص بالآفاقي، وأن المشار إليه بقوله: (ذَلِكَ) في قوله: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إذا كان هو الحكم الذي هو وجوب الهدي، والصيام كان أولى مما إذا قيل: المشار إليه هو التمتع، لما يعلم من الأول مسألة زائدة، ومن الثاني يلزم التكرار، فعلم من هذه الإشارة مسألة عدم لزوم الهدي وبذله على أهل الحرم إذا كان متمتعاً على سبيل الإدماج، كما علم من قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) مسألة لزوم الكفارة على المريض والمتأذي من الرأس على سبيل الاستطراد، ليجتمع في الآية عدة مسائل في كفارة الحج.

(فَمَنْ تَمَتَّعَ) أي: استمتع (بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)، واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج: انتفاعه بالتقرّب بها إلى اللَّه تعالى قبل الانتفاع بتقرّبه بالحج. وقيل: إذا حلّ من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرّماً عليه إلى أن يحرم بالحج. (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ): هو هدي المتعة، وهو نسك عند أبي حنيفة، ويأكل منه، وعند الشافعي يجرى مجرى الجنايات، ولا يأكل منه، ويذبحه يوم النحر عندنا، وعنده يجوز ذبحه إذا أحرم بحجته. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) الهدي فعليه: صِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، أي: في وقته؛ وهو أشهره ما بين الإحرامين: إحرام العمرة وإحرام الحج، وهو مذهب أبى حنيفة رحمه اللَّه، والأفضل أن يصوم يوم التروية وعرفة ويوماً قبلهما، وإن مضى هذا الوقت لم يجزئه إلا الدم، وعند الشافعي: لا يصام إلا بعد الإحرام بالحج؛ تمسكاً بظاهر قوله: (فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ) ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بحجته) بكسر الحاء. الجوهري: والحج بالكسر: الاسم والحجة بالكسر: المرة الواحدة، وهو من الشواذ، لأن القياس بالفتح. قوله: (يوم التروية)، النهاية: هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي به لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعده، أي: يستقون ويسقون. وفي المغرب: روأت في الأمر تروية: فكرت فيه ونظرت، ومنه: يوم التروية للثامن من عشر ذي الحجة، وأصلها الهمز، وأخذها من الرؤية خطأ، ومن الري منظور فيه، وعن محيي السنة: سمي به لأن إبراهيم عليه السلام تفكر فيه في الرؤيا التي رآها، وفي التاسع عرف فسمي لذلك عرفة. قوله: (تمسكاً بظاهر قوله: (فِي الحَجِّ))، أي: في حال أنكم مشتغلون بأعمال الحج؛ لأن الحج في الأصل: القصد، ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك، قاله الجوهري.

بمعنى: إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج عند أبى حنيفة، وعند الشافعي: هو الرجوع إلى أهاليهم. وقرأ ابن أبى عبلة: (وسبعة) بالنصب عطفاً على محل (ثلاثة أيام)، وكأنه قيل: فصيام ثلاثة أيام، كقوله: (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً) [البلد: 14 - 15]. فإن قلت: فما فائدة الفذلكة؟ قلت: الواو قد تجيء للإباحة في نحو قولك: جالس الحسن وابن سيرين، ألا ترى أنه لو جالسهما جميعاً، أو واحداً منهما كان ممتثلاً؟ ففذلكت؛ نفياً لتوهم الإباحة، وأيضاً: ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً؛ ليحاط به، ومن جهتين، فيتأكد العلم. وفي أمثال العرب: علمان خيرٌ من علم. وكذلك (كامِلَةٌ) تأكيد آخر، وفيه زيادة ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الفذلكة) قيل: الفذلكة في الحساب: الإجمال بعد التفصيل، وذلك بأن يذكر تفاصيله ثم يجمل ويكتب في مؤخره: فذلك كذا وكذا، ومنه قول حاتم: فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما قوله: (لتوهم الإباحة) كما توهم في قوله: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: 2]، قال: ثلاث واثنتان فهي خمس ويحتمل أنه لإزالة أن السبعة مع الثلاثة كقوله: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) [فصلت: 9]، أي: مع اللذين تقدما فيه في قوله: (خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ). قوله: (علمان خير من علم). قال الميداني: وأصله أن رجلاً وابنه سلكا طريقاً، فقال الرجل: يا بني استبحث لنا عن الطريق، قال: إني عالم، قال: يا بني، علمان خير من علم، يضرب في مدح المشاورة والبحث.

توصية بصيامها، وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها، كما تقول للرجل إذا كان لك اهتمام بأمر تأمره به وكان منك بمنزلٍ: اللَّه اللَّه لا تقصر! وقيل: (كاملة) في وقوعها بدلاً من الهدي. وفي قراءة أبىّ: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). (ذلِكَ) إشارة إلى التمتع، عند أبى حنيفة وأصحابه؛ لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم، ومن تمتع منهم أو قرن كان عليه دم، وهو دم جناية لا يأكل منه، وأما القارن والمتمتع من أهل الآفاق فدمهما دم نسك يأكلان منه. وعند الشافعي: إشارة إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو الصيام، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: (كَامِلَةٌ) في وقوعها) عطف على قوله: (كَامِلَةٌ): تأكيد آخر"، قال القاضي: (كَامِلَةٌ): صفة مؤكدة تفيد المبالغة في محافظة العدة، أو مبينة كمال العشرة، فإنه أول عدد كامل، إذ به ينتهي الآحاد وتتم مراتبها، أو مقيدة تفيد كمال بدليتها من الهدي، المعنى: لا تفاوت في الثواب بكل واحد منهما من البدل والمبدل منه. الراغب: كمال الشيء: حصول ما فيه الغرض منه، قال تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) [البقرة: 233] تنبيهاً أن ذلك غاية ما يتعلق به صلاح الولد، وقوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، قيل: إنما وصف العشرة بالكاملة لا ليعلمنا أن السبعة والثلاثة عشرة، بل ليبين أن بحصول صيام العشرة يحصل كما الصوم القائم مقام الهدي. قوله: (لا متعة) جملة مستأنفة مبينة لقوله: " (ذَلِكَ) إشارة على التمتع عند أبي حنيفة"، كأن قائلاً قال: إذا كان إشارة إلى ذلك فما حكم حاضري المسجد؟ قيل: لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عملاً بالمفهوم.

ولم يوجب عليهم شيئاً. وحاضرو المسجد الحرام: أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة عند أبى حنيفة، وعنده أهل الحرم ومن كان من الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) في المحافظة على حدوده، وما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره. (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) لمن خالف؛ ليكون علمكم بشدّة عقابه لطفاً لكم في التقوى. [(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولم يوجب عليهم شيئاً)، أي: على حاضري المسجد الحرام إذا قرنوا أو تمتعوا. قال الشافعي: (ذَلِكَ) إشارة إلى الأقرب وهو لزوم الهدي وبدله على المتمتع، وإنما يلزم ذلك إذا كان المتمتع آفاقياً؛ لأن الواجب عليه أن يحرم عن الحج من الميقات، فلما أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا عن الميقات، فقد حصل هناك الخلل، فجعل مجبوراً بهذا الدم، والمكي لا يجب إحرامه عن الميقات، فإقدامه على التمتع لا يوقع خللاً في حجه فلا يجب عليه الهدي ولا بدله، قاله الإمام. قوله: (لا تقصر فيها) في نسخة المعزي، و"تقصر" بغير "لا" في نسخة الصمصام، والأول موافق لمذهب الشافعي؛ لأن كل من مسكنه دون مسافة القصر حوالي مكة فهو من الحاضرين. قوله: (لطفاً لكم في التقوى). كل ما يزجر عن المعصية أو يدعو إلى الطاعة هو لطف في مذهبه.

أي: وقت الحج (أَشْهُرٌ)، كقولك: البرد شهران. والأشهر المعلومات: شوالٌ وذو القعدة وعشر ذى الحجة عند أبى حنيفة، وعند الشافعي: تسع ذى الحجة وليلة يوم النحر، وعند مالكٍ ذى الحجة كله. فإن قلت: ما فائدة توقيت الحج بهذه الأشهر؟ قلت: فائدته أن شيئاً من أفعال الحج لا يصح إلا فيها، والإحرام بالحج لا ينعقد أيضاً عند الشافعي في غيرها، وعند أبى حنيفة ينعقد إلا أنه مكروه. فإن قلت: فكيف كان الشهران وبعض الثالث أشهراً؟ قلت: اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد. بدليل قوله تعالى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) [التحريم: 4]، فلا سؤال فيه إذن وإنما كان يكون ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا أنه مكروه)؛ لأنه يمتد مكثه، فربما يضطر إلى محظورات الإحرام، قال الزجاج: لا ينبغي لأحد أن يبتدئ بعمل من أعمال الحج قبل هذا الوقت؛ لأنه يتضرر به، لأنها أقصر الأوقات التي ينبغي للإنسان أن لا يتقدمها في عقد فرض الحج. قوله: (اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد)، أي: الاسم الذي هو جمع، لئلا يدخل فيه نحو: القوم، قال صاحب "الفرائد": جعل الجمع مشتركاً على خلاف النقل والعقل، ولو كان كما قال لما توقف إطلاق الجمع في نحو هذا على كون المضاف متصلاً، ولجاز غلمانهما كما جاز قلوبكما، والجواب عن قوله: خلاف النقل والعقل، أن محيي السنة ذكر في "تفسيره": قيل: الاثنان فما فوقهما جماعة، لأن معنى الجمع: ضم شيء إلى شيء، فإذا جاز أن يسمى الاثنان جماعة جاز أن يسمى الاثنان وبعض الثالث بلفظ الجمع. وقال ابن الحاجب: واختلف العلماء في أقل ما يطلق على أبنية الجمع على مذاهب، أحدها: اثنان بطريق الحقيقة، وثانيها: الثلاثة بالحقيقة والاثنان بالمجاز قطعاً، وثالثها: الثلاثة بالحقيقة ويصح إطلاقه على الاثنين مجازاً فيقال: من قال: إن أقل الجمع اثنان أو ثلاثة حقيقة يلزمه القول بالاشتراك ضرورة، وأما توقف إطلاق الجمع على كون المضاف متصلاً بشرط

موضعاً للسؤال لو قيل: ثلاثة أشهر معلومات. وقيل: نزّل بعض الشهر منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا، أو على عهد فلان، ولعل العهد عشرون سنة أو أكثر، وإنما رآه في ساعةٍ منها. فإن قلت: ما وجه مذهب مالك وهو مرويّ عن عروة بن الزبير؟ قلت: قالوا: وجهه أنّ العمرة غير مستحبة فيها عند عمر وابن عمر فكأنها مخلصة للحج .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القائلين إن أقل الجمع ثلاثة، على أن المصنف ترك الآية على المذهبين على سبيل الحكاية، لأن قوله: "وقيل: نزل بعض الشهر منزلة كله"، مبني على أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة وما دونها مجاز، وهذا هو الجواب أيضاً عما لو قيل: ثلاثة أشهر معلومات، لأن هذا محصور بالعدد فلا يكون الاثنان وبعض الثالث ثلاثة إلا بالمجاز. قوله: (ما وجه مذهب مالك؟ ) أي: إن أشهر الحج عنده إلى آخر ذي الحجة، وفائدة التسمية بأشهر الحج أن شيئاً من أفعال الحج لا يصح إلا فيها، وقد فرغ من أعمال الحج إلى العشر من ذي الحجة، فلم سمي به؟ والجواب من وجهين: أحدهما: فائدة التسمية اختصاصها بأعمال الحج دون العمرة، فيكون علة التسمية الاختصاص لا الأعمال وإن وقعت فيها، وثانيهما: قوله: "وقالوا: لعل من مذهب عروة" إلى آخره، أي: لا نسلم أن أفعال الحج لا تصح بعد العشر، فإن مذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر، وقيل: إن أيام النحر يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج وهو رمي الجمار، والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لابد منه إلى انقضاء أيام العشر، وضعفهما الإمام بأن الرمي يقع فيها بعد التحلل وهو الخروج بالحلق والطواف والنحر، فكأنه ليس من أعمال الحج، والحائض تطوف قضاءً لا أداء. وقال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن التحلل هو: الخروج عن محظور الإحرام لا عن الحج، فالرمي نسك من أعمال الحج وإن وقع بعد التحلل، بل يضعفه من حيث إن الرمي وإن

لا مجال فيها للعمرة. وعن عمر رضى اللَّه عنه: أنه كان يخفق الناس بالدّرة، وينهاهم عن الاعتمار فيهنّ. وعن عمر رضى اللَّه عنه قال لرجل: إن أطعتنى انتظرت حتى إذا أهللت المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة. وقالوا: لعل من مذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر. (مَعْلُوماتٌ): معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم. وفيه: أنّ الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء مقرّرا له. (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ): فمن ألزمه نفسه بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه عند أبى حنيفة، وعند الشافعي - رضي الله عنهما- بالنية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقع في أيام النحر فلا يتجاوزها، فلا يكون كل الشهر حينئذ للحج وإنه المطلوب في هذا التوجيه، ولقائل أن يقول: فإذن لا يصح قولهم: إن شيئاً من أفعال الحج لا يصح إلا فيها مع قولك بأن الرمي من أفعال الحج ويقع في أيام النحر، فالقول ما قاله الإمام، لأن الرمي يجبر بالدم فلا يكون كسائر الأركان. الانتصاف: هذا الذي ذكره الزمخشري أحد قولي مالك، وليس بالمشهور عنه، والحجة له حمل لفظ الشهر على الحقيقة، وأما احتجاج الزمخشري له بكراهة عمر رضي الله عنه وابنه الاعتمار إلى أن يهل المحرم، فلا وجه له؛ لأنه يقول: لا تنعقد العمرة في أيام منى لمن حج ما لم يتم الرمي ويحل بالإفاضة، ولا تظهر فائدة الخلاف عند مالك إلا في سقوط الدم عن مؤخر طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة كما هو مذهب عروة. قوله: (يخفق ... بالدرة)، أي: يضرب. النهاية: المخفقة: الدرة، من الخفق: الضرب. قوله: (وعند الشافعي: بالنية)، قال القاضي: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن، وهو ما ذهب إليه الشافعي وأن من احرم بالحج لزمه الإتمام.

(فَلا رَفَثَ): فلا جماع؛ لأنه يفسده، أو: فلا فحش من الكلام، (وَلا فُسُوقَ): ولا خروج عن حدود الشريعة. وقيل: هو السباب والتنابز بالألقاب، (وَلا جِدالَ): ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين. وإنما أمر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب في كل حال؛ لأنه مع الحج أسمج؛ كلبس الحرير في الصلاة، والتطريب في قراءة القرآن. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلا جماع، أو: فلا فحش)، الأول: كناية، والثاني: حقيقة، في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: 187]، وأما حمل الفسوق على السباب والتنابز فمن قوله تعالى: (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ) [الحجرات: 11]. قوله: (والتطريب في قراءة القرآن)، يعني: مثل ما يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ في المجالس من الألحان الأعجمية، قاله صاحب "جامع الأصول"، وأما تحسين القراءة ومدها فهو مندوب إليه، روينا عن أبي داود، والدارمي، والنسائي، وابن ماجة، عن البراء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "زينوا القرآن بأصواتكم"، وفي رواية للدارمي: "حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً"، وعن أبي داود، عن أبي لبابة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع.

والمراد بالنفي: وجوب انتفائها، وأنها حقيقةً بأن لا تكون. وقرئ المنفيات الثلاث بالنصب وبالرفع، وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأوّلين بالرفع والآخر بالنصب لأنهما حملا الأوّلين على معنى النهى؛ كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق؛ والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج؛ وذلك أنّ قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ المنفيات الثلاث بالنصب)، أي: بالفتح. قوله: (وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأولين بالرفع) إلى آخره، وقرأ غيرهما بالفتح فيهن. قوله: (كأنه قيل: ولاشك ولا خلاف في الحج)، قال الإمام: فائدة العدول من النهي إلى النفي هو أن النفي يدل على نفي الماهية، وانتفاء الماهية يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعاً، وهو أدل على عموم النفي من الرفع، فدل على أن الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي أخويه، وذلك أن المجادل لا ينقاد للحق فيؤدي إلى الإيذاء المؤدي إلى العداوة فيقع في كل فسق وباطل، ثم نقل ما ذكره المصنف وقال: ليس فيه بيان أنه لم خص الأولين بالنهي والثالث بالنفي؟ . وقلت: كفى بقوله: "فلا يكونن رفث ولا فسوق"، وقوله: "ولا شك ولا خلاف في الحج" بياناً، وتقريره: أن قوله: "فلا يكونن رفث ولا فسوق" مبني على الكناية، نحو قولك: لا أرينك ها هنا، فيدل على شدة الاهتمام بشأن المنهيين، أي: ينبغي أن لا يوجدا ولا ينشآ،

وكانوا يقدّمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرّد إلى وقتٍ واحد، وردّ الوقوف إلى عرفة، فأخبر اللَّه تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإنهما ينافيان النسك ويضادانه، وأن قوله: "قد أخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف" إخبار عن الكائن، يعني: كانوا ينسئون في الحج، وبسببه يقع الشك والخلاف في الحج، والآن قد ارتفع الخلاف بظهور الحق، فوافقه معنى ما روينا عن الشيخين، عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً ... " الحديث، فاقتضى الأمران الأولان لذلك النهي، والأخير الإخبار. قوله: (وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء). الجوهري: النسيء: فعيل بمعنى مفعول، من قولك: نسأت الشيء فهو منسوء: إذا أخرته، ثم يحول منسوء إلى نسيء كما يحول مقتول إلى قتيل، وذلك أنهم كانوا إذا صدروا من منى يقوم رجل من كنانة فيقول: أنا الذي لا يرد لي قضاء، فيقولون: أنسئنا شهراً، أي: أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر، لأنهم كانوا يكرهون أن تتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يغيرون فيها؛ لأن معاشهم كان من الغارة، فيحل لهم المحرم. وقال غيره: كان أهل الجاهلية ينسئون الحج في كل عامين من شهر إلى آخر، ويجعلون الشهر الذي أنسئوا فيه ملغى، فتكون تلك السنة ثلاثة عشر شهراً، ويتركون العام الثاني على ما كان عليه الأول سوى أن الشهر الملغى في الأول لا يكون في العام الثاني، ثم يصنعون في العام الثالث صنيعهم في الأول، ويتركون الرابع على ما تركوا عليه العام الثاني، وعلى هذا تمام الدورن فيستدير حجهم في كل خمس وعشرين سنة إلى الشهر الذي بدأ منه، ولهذا تخبط عليهم حساب السنة، وكانت السنة التي حج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع هي السنة التي كان الحج فيها في ذي الحجة، ذكره التوربشتي في "شرحه"، وسيجيء رواية "شرح السنة" في "براءة". وقول المصنف: "يقدمون الحج سنة ويؤخرون سنة" محمول على ما ذكرنا، لأن في بعض هذه الأحوال يقع قبل ذي الحجة، وفي بعضها بعدها.

واستدلّ على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله صلى اللَّه عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه»، وأنه لم يذكر الجدال. (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) حث على الخير عقيب النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، ومكان الفسوق البرّ والتقوى ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة، أو جُعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد منهم ما نهوا عنه، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من حج فلم يرفث ولم يفسق) الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم، وغيرهما. ونقل محيي السنة، عن ابن عباس وابن مسعود: الجدال أن يماري صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه، وهو قول جمع كثير من المفسرين، وقيل: هو ما كان عليه أهل الجاهلية، وكان بعضهم يحج في ذي القعدة وبعضهم في ذي الحجة، وكل يقول: ما فعلته هو الصواب، فقال جل ذكره: (وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) أي: استقر أمر الحج على ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فلا اختلاف فيه من بعد، وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن الزمان .. " الحديث، وقال مجاهد: معناه: ولاشك في الحج أنه في ذي الحجة، فأبطل النسيء. قوله: (وأن يستعملوا) عطف على قوله: "الخير عقيب النهي" على سبيل البيان، وقوله: (أو جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم): عطف على قوله: "حث على الخير" يريد أن "خيراً" في قوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) مطلق يتناول كل ما سمي خيراً، وعلى الأول بعيد لقرينة الكلام السابق بما يضاد المذكورات، وإليه الإشارة بقوله: "وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن" إلى آخره، وعلى الثاني مقيد بقرينة الكلام اللاحق بما ينبئ عن التقوى، وهو ضبط النفس عن كل ما نهوا عنه، وموقعه- على الأول إذا حمل (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) على معنى النهي، وقوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) على معنى الأمر- موقع التأكيد على الطرد والعكس؛ لأنهما متقابلان بناءً على أن النهي عن الشيء أمر بضده وعكسه،

وينصره قوله تعالى: " وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى أي: اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإنّ خير الزاد اتقاؤها. وقيل: كان أهل اليمن لا يتزوّدون ويقولون: نحن متوكلون، ونحن نحج بيت اللَّه أفلا يطعمنا فيكونون كلًّا على الناس، فنزلت فيهم. ومعناه: وتزوّدوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم، فإن خير الزاد التقوى. (وَاتَّقُونِ): وخافوا عقابي. (يا أُولِي الْأَلْبابِ) يعني: أن قضية اللب تقوى اللَّه ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلى الثاني موقع التذييل، وموقع (وَتَزَوَّدُوا) على الثاني- مع قوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) - موقع التفسير. قوله: (وقيل: كان أهل اليمن) عطف على قوله: "وينصره"، والحديث من رواية البخاري وأبي داود، عن ابن عباس: "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى (وَتَزَوَّدُوا). قوله: (يعني: أن قضية اللب تقوى الله)، هذا المعنى يفيده توجيه الخطاب بتخصيص ذكر اللب، وإلا كان يكفي (وَاتَّقُونِ). الراغب: اللب أشرف أوصاف العقل، وهو اسم الجزء الذي بإضافته إلى سائر أجزاء الإنسان، كلب الشيء إلى القشور، وباعتباره قيل لضعيف العقل: يراعة، وقصبة، ومنخوب، وخاوي الصدر. قال القاضي: حثهم على التقوى مطلقاً ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله تعالى فيتبرأ عن كل شيء سواه، وهو مقتضى العقل المعرى عن شوائب الهوى، فلذلك خص أولي الألباب

[(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ* ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ* وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ* أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ)]. (فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) عطاء منه وتفضلاً، وهو النفع والربح بالتجارة. وكان ناس من العرب يتأثمون أن يتجروا أيام الحج، وإذا دخل العشر كفوا عن البيع والشراء، فلم تقم لهم سوق، ويسمون من يخرج بالتجارة: الداجّ، ويقولون: هؤلاء الداج ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالخطاب. الراغب: قال أبو مطيع البلخي لحاتم الأصم: بلغني أنك تجوب البادية بلا زاد، فقال: بل أجوبها بالزاد، وزادي أربعة أشياء: أرى الدنيا بحذافيرها لله، والخلق كلهم عبيداً له، وأرى الأشياء كلها بيده، وأرى قضاءه نافذاً في الأرض، فقال: نعم الزاد زادك يا حاتم، تجوب به مفاوز الآخرة. قوله: (هؤلاء الداج)، النهاية: في حديث ابن عمر: "أنه رأى قوماً في الحج لهم هيئة أنكرها،

وليسوا بالحاج. وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا، فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم، وإنما يباح ما لم يشغل عن العبادة. وعن ابن عمر رضى اللَّه عنه: أن رجلاً قال له: إنا قوم نكري في هذا الوجه وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا. فقال: سأل رجل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عما سألت، فلم يردّ عليه حتى نزل: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ)، فدعا به فقال: "أنتم حجاج". وعن عمر رضي اللَّه عنه: أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟ فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج؟ ! وقرأ ابن عباس رضي اللَّه عنهما: (فضلاً من ربكم في مواسم الحج). (إن تبتغوا): في أن تبتغوا. (أَفَضْتُمْ): دفعتم بكثرة، وهو من إفاضة الماء، وهو صبه بكثرة، وأصله: أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول كما ترك في: دفعوا من موضع كذا وصبوا. وفي حديث أبي بكر رضى اللَّه عنه: صب في دقران وهو يخرش بعيره بمحجنه. ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقال: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج". الداج: أتباع الحاج كالخدام والأجراء والجمالين؛ لأنهم يدجون على الأرض أي: يدبون ويسعون في الأرض في السير، وهذان اللفظان وإن كانا مفردين فالمراد بهما الجمع، كقوله تعالى: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ) [المؤمنون: 67]. قوله: (دفعوا من موضع كذا)، النهاية: دفع من عرفات، أي: ابتدأ السير ودفع نفسه منها ونحاها، أو: دفع ناقته: حملها على السير. قوله: (صب في دقران)، النهاية: ذلك عند مسيره صلى الله عليه وسلم إلى بدر صب في دقران، مضى فيه منحدراً ودافعاً، وهو موضع عند بدر، ومنه حديث الطواف: "حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي"، أي: انحدرت في المسعى. المغرب: فلما انصبت قدماه في الوادي، أي: استقرتا،

ويقال: أفاضوا في الحديث وهضبوا فيه. وعَرَفاتٌ: علم للموقف سمى بجمع كأذرعات. فإن قلت: هلا مُنعت الصرف وفيها السبيان: التعريف والتأنيث! قلت: لا يخلو من التأنيث إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرةٍ كما في: سعاد، فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ولا يصح تقدير التاء فيها؛ لأنّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها، كما لا يقدر تاء التأنيث في "بنت"؛ لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث؛ فأبت تقديرها. وقالوا: سميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام، فلما أبصرها عرفها. وقيل: إن جبريل حين كان يدور به في المشاعر ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مستعار من انصباب الماء. النهاية: وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه: "أنه أفاض وهو يحرش بعيره بمحجنه"، أي: يضربه ثم يجذبه إليه، يريد تحريكه للإسراع وهي شبيهة بالخدش، والمحجن: عصاً معقفة الرأس كالصولجان، والميم زائدة. قوله: (وهضبوا فيه)، الأساس: ومن المجاز: هضبوا في الأحاديث وأفاضوا: خاضوا فيها، وهو يهضب بالشعر والخطب: يسح سحاً. قوله: (وعرفات: علم للموقف) سمي بجمع كأذرعات. قال الجوهري: وهو اسم في لفظ الجمع فلا يجمع، قال الأخفش: إنما صرفت لأن التاء بمنزلة الياء والواو في مسلمين ومسلمون؛ لأنه تذكيره، وصار التنوين بمنزلة النون، فلما سمي به ترك على حاله كما يترك مسلمون إذا سمي به على حاله، وكذلك القول في أذرعات. الانتصاف: يلزم الزمخشري إذا سمى امرأة بمسلمات أن لا يصرفه، وهو قول رديء، والأفصح تنوينه، والزمخشري يرى أن تنوين عرفات للتمكين لا للمقابلة، ولم يعد تنوين المقابلة

أراه إياها، فقال: قد عرفت. وقيل: التقى فيها آدم وحوّاء فتعارفا. وقيل: لأنّ الناس يتعارفون فيها واللَّه أعلم بحقيقة ذلك. وهي من الأسماء المرتجلة؛ لأنّ العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس إلا أن تكون جمع عارف. وقيل: فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة؛ لأنّ الإفاضة لا تكون إلا بعده. ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في "مفصله"، بناءً منه على أنه راجع إلى تنوين التمكين. ونقل الزجاج فيها وجهين: الصرف وعدمه، إلا أنه قال: لا يكون إلا مكسوراً وإن سقط التنوين. وقال القاضي: وإنما نون وكسر مع العلمية والتأنيث؛ لأن تنوين الجمع تنوين المقابلة لا تنوين التمكن، أي: قابل التنوين نون الجمع المذكر. قوله: (إلا أن تكون جمع عارف)، قيل: يضعف أن يقال: هو مستثنى من قوله: "فهو من الأسماء المرتجلة"، إذ يصير التقدير: عرفات من الأسماء المرتجلة، إلا أن يكون عرفات جمع عارف، فإنها حينئذ تكون من الأسماء المنقولة، وهذا ليس بسديد؛ لأن عرفات ليست جمع عارف بل جمع عرفة، وعرفةٌ: جمع عارف، بل هو مستثنى من قوله: "العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس"، إذ لو عرف لجاز أن يكون من الأسماء المنقولة، اللهم إلا أن يقال: إن عرفة جمع عارف، كطلبة وطالب، وعرفات: جمع الجمع، فحينئذ يكون من الأسماء المنقولة، وقال ابن الحاجب: وقد يجمع الجمع لا على أنه يطرد قياساً، لكنه كثر في جمع القلة وقل في الكثرة إلا بالألف والتاء. قوله: (وقيل: فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة)، وهو قول الزجاج، قال صاحب "التقريب": دليل الوجوب أن الذكر عند الإفاضة من عرفات واجب، وهو يتوقف على الإفاضة،

وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج». (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات. وقيل: بصلاة المغرب والعشاء ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهي على الوقوف، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالوقوف واجب، وفيه نظر؛ لأنه إنما يستقيم لو كان الأمر بالذكر مطلقاً، وهو ها هنا مقيد مشروط بالإفاضة، وقولك: إذا حصل لك مال فزك، لا يقتضي وجوب تحصيل المال، وأن توقف عليه الزكاة، لكون الأمر غير مطلق. فإن قلت: المأمور به ذكر مقيد بالحصول عند الإفاضة، فهو مركب، ووجوب المركب يستلزم وجوب أجزائه، قلنا: لا نسلم أن المأمور به ذكر مقيد بالحصول عند الإفاضة، وإنما كان كذلك لو تعلق الظرف، وهو "إذا" بـ "اذكروا"، وليس كذلك، فإنه ظرف متضمن لمعنى الشرط، ولذلك جيء بالفاء في جوابه، فإذاً ليس الواجب ذكراً مقيداً بالإضافة، بل إذا حصلت الإفاضة وجب الذكر، فالإفاضة قيد للأمر لا للمأمور به، وفيه دقة فليتأمل. وقلت: لو أنهم استدلوا بقوله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) كان أقرب. قوله: (الحج عرفة)، روينا عن الترمذي وأبي داود والنسائي، عن عبد الرحمن الديلي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي: "الحج عرفة"، وفي رواية أبي داود "من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج"، وفي رواية أخرى للنسائي: "الحج عرفة، فمن أدرك عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه"، والمصنف أردف الاستدلال بالنص ليشد بعضده.

و"الْمَشْعَرِ الْحَرامِ": قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة. وقيل: المشعر الحرام: ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام. والصحيح أنه الجبل؛ لما روى جابر رضى اللَّه عنه: أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة- بغلسٍ ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر- أو هلل- ولم يزل واقفا حتى أسفر. وقوله تعالى: (عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ) معناه: مما يلي المشعر الحرام قريباً منه، وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة، وإلا فالمزدلفة كلها موقفٌ إلا وادي محسر. أو جعلت أعقاب المزدلفة؛ لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر. والمشعر: المعلم؛ لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرم لحرمته. وعن ابن عباس رضي اللَّه عنه: أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون. وقيل: سميت المزدلفة وجمعاً؛ لأنّ آدم صلوات اللَّه عليه اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها، أي: دنا منها. وعن قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الميقدة)، المغرب: هي بالمشعر الحرام على قزح، كان أهل الجاهلية يوقدون عليها النار. قوله: (مأزمي عرفة)، الجوهري: المأزم: كل طريق ضيق بين جبلين، ومنه سمي الموضع الذي بين المشعر وبين عرفة مأزمين. النهاية: كأنه من الأزم: القوة والشدة، والميم زائدة. قوله: (أو جعلت أعقاب المزدلفة) عطف على قوله: "معناه: مما يلي المشعر الحرام"، و"عند المشعر": مفعول ثان لـ "جعلت"، يريد أن المشعر الحرام موضع مخصوص، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام، وقد شرط أن يذكر الله عنده، وليس كذلك؛ لأن المزدلفة كلها موضع للذكر وموقف للناس، واوله بتأويلين، أحدهما: أن تخصيص ذكره مع الجواز في كل المواضع لشرفه،

ويجوز أن يقال: وصفت بفعل أهلها؛ لأنهم يزدلفون إلى اللَّه، أي: يتقرّبون بالوقوف فيها. (كَما هَداكُمْ) "ما" مصدرية أو كافة. والمعنى: واذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة، واذكروه كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه، (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ) من قبل الهدى (لَمِنَ الضَّالِّينَ) الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإليه الإشارة بقوله: "وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة"، وثانيهما: أنه سمى كل المزدلفة ببعضه، ويرجع حاصله إلى شرفه أيضاً؛ لأن الشرط في إطلاق الجزء على الكل أن يكون الجزء أشرفه، ومما يدل على أن المزدلفة كلها موقف: ما روينا عن أبي داود عن علي رضي الله عنه، قال: لما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف على قزح فقال: "هذا قزح، وهو الموقف، وجمع كلها موقف". قوله: (أو اذكروه كما علمكم)، "أو": ليس لترديد معنى "ما" في كونها مصدرية أو كافة على طريقة اللف والنشر؛ لأنه لا يتغير معناها في الوجهين، بل لترديد معنى (هَدَاكُمْ)، أي: الهداية: إما دلالة موصلة إلى البغية، أو بمعنى الدلالة المطلقة، ولهذا قال: "هداية حسنة"، وقال: "كما علمكم كيف تذكرونه"، والذكر الحسن: مشاهدة الذاكر المذكور وإخلاصه له في العبادة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه"، ومن ثم قال: "لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه"، حيث فسر الهداية بالعبادة. قوله: (لا تعدلوا عنه) تفسير لقوله: "كيف تذكرون÷"، أي: علمكم كيف توحدونه بكلمة التوحيد فلا بعدلوا عن تعليمه إلى غيره، تلخيصه: ذلكم سبيل التوحيد فلا تعدلوا عنه لتهتدوا، وقوله: (وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ) تذييل لما سبق، وتقرير لمعناه. قال الزجاج: ومعنى: (وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ): التوكيد للأمر، كأنه قيل: وما كنتم من قبله إلا الضالين.

وتعبدونه. و"إن" هي مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة. (ثُمَّ أَفِيضُوا): ثم لتكن إفاضتكم (مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ) ولا تكن من المزدلفة؛ وذلك لما كان عليه الخمس من الترفع على الناس، والتعالي عليهم، وتعظمهم عن أن يساووهم في الموقف، وقولهم: نحن أهل اللَّه وقطان حرمه فلا نخرج منه، فيقفون بجمعٍ وسائر الناس بعرفات. فإن قلت: فكيف موقع "ثم"؟ قلت: نحو موقعها في قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، تأتي بـ"ثم" لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، وبعد ما بينهما؛ فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات قال: (ثم أفيضوا) لتفاوت ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والثانية خطأ ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لما كان عليه الحمس)، النهاية: الحمس: جمع الأحمس، وهم: قريش ومن ولدت قريش، وكنانة، وجديلة قيس، سموا حمساً لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا، والحماسة: الشجاعة، كانوا يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة، ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم، وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون. قوله: (وأن إحداهما صواب): عطف تفسيري على قوله: "لتفاوت ما بين الإفاضتين"، يعني: أن الإفاضة من عرفات صواب ومن مزدلفة خطأ، وفي قوله نظر؛ لأن التفاوت إذا اعتبر بين الإفاضة من عرفات الدال عليه قوله: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) وبين هذه الإفاضة وهي: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، فكلاهما صوابان، وإذا اعتبر بين الإفاضة من عرفات وبين الإفاضة من مزدلفة فهي غير مذكورة في التنزيل، فلا يصح العطف عليها بـ "ثم". وأيضاً، لا يقال بين الصواب والخطأ: إنهما متفاوتان في الرتبة؛ لأنهما متباينان. والجواب: أن التفاوت هنا ليس في الرتبة، بل في مجرد أن إحداهما صواب والأخرى خطأ، ولما كان قوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) مراداً به التعريض، فكأنه قيل: لا تفيضوا من مزدلفة فإنه خطأ، فينطبق عليه مثال: "ولا تحسن إلى غير كريم"؛ لأن الإحسان إليه خطأ، وصح قوله: "وأن إحداهما صواب" أي: الإفاضة من عرفات، والثانية

وقيل: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) وهم الحُمس، أي: من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات. وقرئ: (من حيث أفاض الناس) بكسر السين أي: الناسي؛ وهو آدم، من قوله: (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) [طه: 115] يعني: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تخالفوا عنه. (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) من مخالفتكم في الموقف، ونحو ذلك من جاهليتكم. (فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ): فإذا فرغتم من عباداتكم الحجية ونفرتم، (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ): فأكثروا ذكر اللَّه وبالغوا فيه، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم؛ وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل، فيعدّدون فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم. (أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) في موضع جرّ؛ عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله: (كَذِكْرِكُمْ) كما تقول: كذكر قريشٍ آباءهم، أو قوم أشدّ منهم ذكراً، أو في موضع نصب؛ .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خطأ، أي: الإفاضة من مزدلفة، وأما تطبيق الآية مع المثال فإن قوله: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) في تأويل: أفيضوا من عرفات، يدل عليه قوله: "فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة"، وقوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) في تأويل: لا تفيضوا من مزدلفة على سبيل التعريض؛ وإنما قلنا بالتعريض لأن التعريف في الناس: للجنس، والمراد به: المؤمنون، فدل على الكمال، فيكون تعريضاً بالحمس، وإليه الإشارة بقوله: "لتكن إفاضتكم من عرفات ولا تكن من المزدلفة". قوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، وهم الحمس)، فعلى هذا، اللام: للعهد، وثم: على ظاهره. قال محيي السنة: قال بعضهم: (أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) أي: ثم أفيضوا من جمع، وكيف يسوغ إذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله، ثم أفيضوا من عرفات؟ ! وقيل: "ثم" فيه كما في قوله: (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) [البلد: 17].

عطفٌ على (آباءكم) بمعنى: أو أشدّ ذكراً من آبائكم، على أن (ذِكراً) من فعل المذكور. (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ) معناه: أكثروا ذكر اللَّه ودعاءه، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإمام: ثم ها هنا كما في قولك: قد أعطيتك اليوم كذا ثم أعطيتك أمس كذا، وفائدتها: تأخير أحد الخبرين عن الآخر، لا تأخير هذا المخبر عنه عن ذلك. وقلت: أما بيان أن "ثم" ها هنا كما في قوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) [البلد: 17] للتفاوت في المرتبة كما نص عليه المصنف في موضعه، فهو أن الأمر بالإفاضة أعلى من الأول، كأنه قيل: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ)، ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الكملة من الناس، ومثاله الصريح: أحسن إلى الناس ثم ليكن إحسانك إلى الكريم منهم، ويؤيده ما روى الإمام، أن المراد بالناس: إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وإيقاع اسم الجنس على الواحد إذا كان رئيساً يقتدى به جائز. قوله: (على أن (ذِكْراً) من فعل المذكور) أي: يكون المصدر من ذكر المجهول لا من ذكر المعروف، قال المصنف: "المصدر يأتي من فعل كما يأتي من فعل، كقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) [الروم: 3]، أي: من بعد كونهم مغلوبين"، فكذلك قوله: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) معناه: أو قوماً أبلغ في كونهم مذكورين، وقدر القاضي: أو كذكركم أشد مذكوراً من آبائكم. قال المالكي: جعل الزمخشري (أَشَدَّ) معطوفاً على الكاف والميم، ولم يجز عطفه على "الذكر"، وهو الصحيح؛ لأنه لو عطف على "الذكر" لكان "أشد" صفة كـ "ذكر"، وامتنع نصب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الذكر" بعده؛ لأنك لا تقول: ذكري أشد ذكراً، وإنما تقول: أشد ذكر، وتقول: أنت أشد ذكراً، ولا تقول: أنت أشد ذكر؛ لأن الذي يلي أفعل التفضيل من النكرات إن جر فهو كل لأفعل، وأفعل بعض له، وإن نصب فهو فاعل في المعنى للفعل الذي صيغ منه أفعل؛ ولذلك تقول: أنت أكبر رجل وأكثر مالاً، فالأكثر بعض ما جر به، و"أكثر" بمنزلة فعل، وما انتصب بمنزلة فاعل؛ كأنك قلت: كثر مالك. وقال ابن الحاجب في "الأمالي": في قوله: " (أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً): في موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله: (كَذِكْرِكُمْ) " نظر، لما يلزم منه العطف على المضمر المخفوض، وذلك لا يجوز عنده، ورد قراءة حمزة أقبح رد، أي: في (تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) [النساء: 1] بالجر، وكذا في قوله: "إن ذكراً من فعل المذكور" لما يؤدي إلى أن يكون أفعل للمفعول، وهو شاذ لا يرجع إليه إلا بثبت، وأفعل لا يكون إلا للفاعل، كقولهم: هو أضرب الناس، على أنه فاعل الضرب، سواء أضفته أو نصبت عنه تمييزاً، والوجه: أن يقدر جملتين، أي: فاذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم، أو: اذكروا الله في حال كونكم أشد ذكراً من ذكر آبائكم، فتكون الكاف: نعتاً لمصدر محذوف، وأشد: حالاً، وهذا أولى؛ لأنه جرت الكاف على ظاهرها، ولا يلزم ما ذكروه من أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في العامل؛ لأن ذلك في المفردات. وقلت: نظر المصنف إلى التوافق بين المعطوف والمعطوف عليه، وإلى جعلهما من عطف المفرد على المفرد، لا من عطف الجملة على الجملة؛ لأن جعل أحدهما مصدراً والآخر حالاً له

فإنّ الناس من بين مقل لا يطلب بذكر اللَّه إلا أعراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين، فكونوا من المكثرين. (آتِنا فِي الدُّنْيا): ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عامل آخر مما يؤدي إلى تنافر النظم، وذكر مثله في قوله تعالى: (يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) [النساء: 77]، وأما الجواب عن الأول فإنه رد في "النساء" العطف على المضمر المجرور لعلة شدة الاتصال، وصحح نحو: مررت بزيد وعمرو، لضعف الاتصال، وهنا إضافة المصدر إلى الفاعل، وهو في حكم الانفصال، على أن من الجائز أن يكون الفاصل بين المعطوفين هو المصحح للعطف كما في العطف على المرفوع المتصل. وذكر ابن الحاجب في "شرح المفصل": أن بعض النحويين يجوزون في المجرور بالإضافة دون المجرور بحرف الجر؛ لأن اتصال المجرور بالمضاف ليس كاتصاله بالجار لاستقلال كل منهما بمعناه، ثم استشهد بالآية. وعن الثاني: أنه إنما يلزم ذلك أن لو كان أفعل من الذكر وبني منه، بل إنما بني مما يصح بناؤه منه للفاعل، وهو أشد، وجعل (ذِكْراً)، الذي بمعنى المذكور تمييزاً، كأنه قيل: أشد مذكوراً، وهو إذن مثل سائر ما يمتنع منه بناؤه نحو: أقبح عوراً وأكثر شغلاً وفيه بحث. قوله: (فإن الناس من بين مقل)، يريد أن الفاء في قوله: (فَمِنْ النَّاسِ) تفصيلية، والمجمل: ما عليه الناس في نفس الأمر، يعلم من سياق الآيات وبيان النظم، وذلك أنه عز وجل لما فرغ من الإرشاد إلى هذا النسك العظيم الشأن، قال: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ)، أي: إذا فرغتم من عباداتكم الحجية ونفرتم إلى أوطانكم، لا تقولوا: قضينا ما علينا، بل اذكروا الله ذكراً كثيراً، وسبحوه بكرة وأصيلاً، ثم قسم الناس أربع فرق،

اجعل إيتاءنا، أي: إعطاءنا في الدنيا خاصة، (وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) أي: من طلب خلاقٍ، وهو النصيب. أو ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب؛ لأنّ همه مقصور على الدنيا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحدهم: الكافرون الذين جل همهم أعراض الدنيا والإعراض عن المولى، وهم المرادون بقوله: (فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا)، وثانيهم: المقتصدون الذين يقولون: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً)، وثالثهم: المنافقون الذين كانت تحلولى ألسنتهم، وقلوبهم أمر من الصبر، وهم المرادون بقوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ)، ورابعهم: السابقون البذالون أنفسهم في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وهم المعنيون بقوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) إرشاداً لهم إلى اختيار ما هو الأصوب وإيثار ما يزلفهم إلى الله تعالى والاجتناب عما يبعدهم عن رضوانه. ولما فرغ من ذلك وأراد أن يشرع في قصة بني إسرائيل، أتى بما يتخلص منه إليها، قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً). قوله: (اجعل إيتاءنا) ذهب إلى أن (آتِنَا) يجري مجرى اللازم، ثم عدي بـ "في" مبالغة، كقوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) وأما إفادة خصوصية الإيتاء في الدنيا فمستفاد من التقابل في قوله: (وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)، ولهذا قدر المضاف في المقابل وهو لفظ الطلب، والحاصل أنه قدر الطلب في القرينة الثانية بواسطة لفظ: "آتنا" في القرينة الأولى، وقدر "خاصة" في الأولى باقتضاء القرينة الثانية. قوله: ((مِنْ خَلاقٍ) أي: من طلب خلاق) وهو النصيب، الراغب: الخلاق: نصيب الإنسان من أفعاله المحمودة التي تكون خلقاً له، وذلك أن الفعل قد يحصل من الإنسان تخلقاً، وقد يحصل خلقاً، وهو المحمود. وفي قوله: (وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) تنبيه أن

والحسنتان: ما هو طِلْبةُ الصالحين في الدنيا من الصحة والكفاف والتوفيق في الخير، وطِلْبتُهم في الآخرة من الثواب. وعن علي رضى اللَّه عنه: الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا رغبة لهم صادقة صادرة عن أخلاقهم، روي أنهم كانوا يقولون: اللهم أكثر أموالنا وأولادنا وأنزل الغيث علينا وأنبت مرعانا، ولا يسألون شيئاً من أمور الآخرة، وذلك أنهم عرفوا الدنيا ولم يعتقدوا الآخرة، وكيف يسأل الآخرة من لا يعرفها، وكيف يعرفها من لم يتحقق كونها، وكيف يتحقق كونها من لم يبصرها؟ أي: لم يدركها ببصيرته، وليس يعني بقوله تعالى: (يَقُولُ رَبَّنَا) التفوه بذلك فقط، بل صرف العناية إليها والاهتمام بها. قوله: (والحسنتان ما هو طلبة الصالحين)، الراغب: لما أجرى الله تعالى العادة أن لابد للإنسان من أخيارهم وأشرارهم من بلغة في الدنيا، صار المؤمن يطلبها كما يطلبها الكافر، ولكن طلب المؤمن لها على سبيل العرض قدر ما يحسن وفي وقت ما يحسن، ولأجل الحاجة إليها قال بعض الصالحين: اللهم وسع الدنيا علي وزهدني فيها، ولا تضيقها علي فترغبني فيها. قوله: (الحسنة في الدنيا: المرأة الصالحة) وعن مسلم والنسائي وابن ماجة، عن عبد الله ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة"، وتفسيره: ما روينا عن أبي داود وابن ماجة، عن ابن عباس في حديث طويل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: "ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته".

وعذاب النار: امرأة السوء. (أُولئِكَ) الداعون بالحسنتين (لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا) أي: نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة، أو من أجل ما كسبوا، كقوله: (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح: 25]، أو لهم نصيبٌ مما دعوا به؛ نعطيهم ما يستوجبونه بحسب مصالحهم في الدنيا، واستحقاقهم في الآخرة. وسمي الدعاء كسبا؛ لأنه من الأعمال، والأعمال موصوفة بالكسب؛ (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم) [الشورى: 30] ويجوز أن يكون (أُولئِكَ) للفريقين جميعاً، وأن لكل فريقٍ نصيباً من جنس ما كسبوا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يكون (أُوْلَئِكَ) للفريقين) عطف على قوله: "أولئك الداعون". اعلم أن المشار إليه بقوله: "أولئك" إما الفريق الثاني، وهو القائل: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)، أو مجموع الفريقين، فعلى الأول قوله: (مِمَّا كَسَبُوا) إما مجرى على حقيقته أو مجاز عن الدعاء بقرينة قولهم: (رَبَّنَا)، فعلى الحقيقة "من": إما بيان نصيب، وهو المراد من قوله: "أي: نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال"، وقوله: "وهو الثواب": بيان لجنس ما كسبوا، والجنسية بحسب الحسنة، ولذلك وصف كلاً من الأعمال والمنافع بالحسنة، أو ابتداء، وهو المراد من قوله: "من أجل ما كسبوا"، وعلى أن يراد بما كسبوا الدعاء، فهو من وضع المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق؛ لأن المفهوم من قوله: (رَبَّنَا آتِنَا) الدعاء والكسب، وسمي كسباً؛ لأنه من الأعمال والأعمالُ موصوفة بالكسب، وعلى الثاني: الأسلوب من باب الجمع مع التقسيم التقديري؛ لأن التقدير: أولئك الفريقان اللذان اختص كل واحد بنوع من الدعاء، لهم نصيب مما دعوا، من اقتصر على طلب الدنيا فله نصيب منها فحسب، ومن طلب الدنيا والآخرة جميعاً فله ذلك، والأول أقرب إلى النظم؛ لأن قوله: (أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ) في مقابلة قوله: (وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)، ثم إن قوله: (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) تذييل للكلام السابق من قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) إلى آخره،

(وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ) يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد؛ فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة، أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه. روي: أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة: وروي: في مقدار فواق نافة. وروى في مقدار لمحة. [(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) 203]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو إما أن يكون تحريضاً على إكثار الذكر وطلب الآخرة وانتهاز الفرصة في ذلك قبل حلول الأجل؛ لأن سرعة الحساب من الله تعالى إنما تقع في يوم القيامة، فأطلق ما يقع في يوم القيامة على القيامة مجازاً، نظيره في ظرف المكان قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ) [آل عمران: 107] أي: في الجنة، وإليه أشار بقوله: "فبادروا" إلى آخره، وإما وعيداً على التقصير في ذلك، وتحذيراً عن التفريط فيه، فكنى بسرعة الحساب عن القدرة الكاملة؛ لأن من حاسب الأولين والآخرين في مقدار الفواق كان كامل القدرة باهر السلطان، فيقدر على الانتقام منهم إن قصروا فيه، وإليه أشار بقوله: "ليدل على كمال قدرته ووجوب الحذر منه". قوله: (فواق ناقة)، النهاية: هو: قدر ما بين الحلبتين من الوقت، تضم فاؤه وتفتح، ومنه الحديث: "عيادة المريض قدر فواق ناقة"، وهذا تمثيل في السرعة لا تعيين المقدار، وكقوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) [يس: 82].

الأيام المعدودات. أيام التشريق، وذكر اللَّه فيها: التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار. وعن عمر رضي اللَّه عنه: أنه كان يكبر في فسطاطه بمنى، فيكبر من حوله حتى يكبر الناس في الطريق وفي الطواف. (فَمَنْ تَعَجَّلَ): فمن عجل في النفر أو استعجل النفر. وتعجل واستعجل: يجيئان مطاوعين، بمعنى عجل، يقال: تعجل في الأمر واستعجل؛ ومتعديين، يقال: تعجل الذهاب واستعجله، والمطاوعة أوفق؛ لقوله: (وَمَنْ تَأَخَّرَ)، كما هي كذلك في قوله: قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّى بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعجِلِ الزَّلَلُ لأجل المتأني. (فِي يَوْمَيْنِ): بعد يوم النحر يوم القرّ، وهو اليوم الذي يسميه أهل مكة يوم الرؤوس، واليوم بعده ينفر إذا فرغ من رمي الجمار كما يفعل الناس اليوم، وهو مذهب الشافعي ويروى عن قتادة. وعند أبي حنيفة وأصحابه: ينفر قبل طلوع الفجر، (وَمَنْ تَأَخَّرَ) حتى رمى في اليوم الثالث، والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمطاوعة أوفق) أي: لنظم الآية، فإن "تأخر" لازم، فيجعل "تعجل" كذلك، كما أن المطاوعة في البيت أوفق للتناسب لأجل المتأني، يعني: قابل المستعجل بالمتأني، فكما أن المتأني لازم فكذا المستعجل. قوله: ((فِي يَوْمَيْنِ))، قال المصنف: معناه: في آخر يومين، إلا أنه أورد مجملاً، كقوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) وهو في بعض الأشهر لا في كلها. قوله: (يوم القر)، النهاية: يوم القر هو الغد من يوم النحر؛ لأن الناس يقرون فيه، أي يسكنون ويقيمون.

وعند الشافعي لا يجوز. فإن قلت: كيف قال: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) عند التعجل والتأخر جميعاً؟ قلت: دلالة على أنّ التعجل والتأخر مخير فيهما، كأنه قيل: فتعجلوا أو تأخروا. فإن قلت: أليس التأخر بأفضل؟ قلت: بلى، ويجوز أن يقع التخيير بين الفاضل والأفضل، كما خير المسافر بين الصوم والإفطار، وإن كان الصوم أفضل. وقيل: إنّ أهل الجاهلية كانوا فريقين؛ منهم من جعل المتعجل آثما، ومنهم من جعل المتأخر آثما، فورد القرآن بنفي المآثم عنهما جميعاً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يقع التخيير بين الفاضل)، الانتصاف: التخيير بين الفاضل والمفضول يوجب التساوي وينافي طلب أحد الطرفين، وكيف يستقيم اجتماع ما طلب ورجح وجوده وما ليس كذلك؟ إنما الزمخشري أخل في التفسير فلزمه السؤال وهو غير لازم، فإن نفي الحرج عن الأمرين لا يلزم منه التخيير، وغايته: إشراكهما في رفع الحرج، لكن أحدهما مطلوب دون الآخر فلا يحتاج إلى الجواب، لاندفاع السؤال. وقلت: ما نظر صاحب "الانتصاف" إلى المقام، فإن نفي الحرج إنما لا يوجب التخيير ابتداء، نظراً إلى اللفظ، وأما إذا كان مسبوقاً بخلاف فلا، ألا ترى كيف عطف على سبيل البيان قوله: "وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا فريقين" على قوله: "دلالة على أن التعجل والتأخر مخير فيهما"! ومما يواخي هذا المقام ما رويناه عن الشيخين وغيرهما، عن عروة: سألت عائشة: أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) [البقرة: 158]، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت على ما أولتها كانت: لا جناح

(لِمَنِ اتَّقى) أي: ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي؛ لئلا يتخالج في قلبه شيء منهما فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لأنّ ذا التقوى حذر متحرّز من كل ما يريبه، ولأنه هو الحاج على الحقيقة عند اللَّه، ثم قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) ليعبأ بكم، ويجوز أن يراد: ذلك الذي مرّ ذكره من أحكام الحج وغيره (لمن اتقى)؛ لأنه هو المنتفع به دون من سواه، كقوله: (ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، وكانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، وكان من أهل لها تحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك التحرج فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ .. ) الآية. قالت عائشة رضي الله عنها: "وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما". وقلت: كلاهما مصيبان؛ لأن عروة فهم من الآية معنى الإباحة ابتداء، والصديقة رضي الله عنها بينت الاختلاف والسبب، كذلك ها هنا، أما قوله: "كيف يستقيم اجتماع ما طلب ورجح وجوده وما ليس كذلك؟ " فجوابه: أنه كيف لا يستقيم اجتماع ما طلب ورجح وجوده وما ليس كذلك في نفي الحرج، والكلام في ذلك؟ ! قوله: (أي: ذلك التخيير)، يعني قوله: (لِمَنْ اتَّقَى): خبر مبتدأ محذوف، وهو اسم الإشارة، والمشار إليه ما سبق، واللام: متعلق بمحذوف وهو: إما بمعنى الاختصاص نحو قولك: "المال لزيد" ومن ثم قال: "دون من سواه"، واستشهد بقوله تعالى: (ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) [الروم: 38]، أو للتعليل نحو قولك: خروجه لمخالفة الشر وضربه للتأديب، ولذلك اعتبر وصف التقوى في التعليل حيث قال: "لأجل الحاج المتقي". قوله: (يرهق صاحبه)، الجوهري: رهقه بالكسر، يرهقه رهقاً، أي: غشيه، يقال: أرهقني

[(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ* وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ* وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ)]. (مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ) أي: يروقك ويعظم في قلبك. ومنه: الشيء العجيب الذي يعظم في النفس. وهو الأخنس بن شريق كان رجلاً حلو المنطق، إذا لقي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ألان له القول، وادعى أنه يحبه، وأنه مسلم، وقال: يعلم اللَّه أني صادق. وقيل: هو عامّ في المنافقين، كانت تحلولى ألسنتهم، وقلوبهم أمرّ من الصبر. فإن قلت: بم يتعلق قوله: ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلان إثماً حتى رهقته، أي: حملني إثماً حتى حملته له. قوله: ((يُعْجِبُكَ) أي: يروقك)، الراغب: التعجب: حيرة تعترض الإنسان عند جهل سبب الشيء، وليس هو بشيء في ذاته بل هو بحسب الإضافة إلى من يعرف السبب وإلى من لا يعرفه، ولهذا قال قوم: كل شيء عجب، وقال قوم: لا شيء عجب، وحقيقة: أعجبني كذا: ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه. قوله: (تحلولى ألسنتهم)، الجوهري: يقال: حلا الشيء يحلو حلاوة، واحلولى: مثله، وقد عداه حميد بن ثور بقوله: فلما أتى عامان بعد انفصاله ... عن الضرع، واحلولى دماثاً يرودها ولم يجيء افعوعل متعدياً إلا هذا، واعرورى الفرس. الدمث: الأرض اللينة، ورياد الإبل: اختلافها في المرعى.

(فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)؟ قلت: بالقول، أي: يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا؛ لأنّ ادّعاءه المحبة بالباطل يطلب به حظاً من حظوظ الدنيا ولا يريد به الآخرة، كما تراد بالإيمان الحقيقي والمحبة الصادقة للرسول، فكلامه إذن في الدنيا لا في الآخرة، ويجوز أن يتعلق بـ (يعجبك)، أي: قوله حلو فصيح في الدنيا فهو يعجبك ولا يعجبك في الآخرة؛ لما يرهقه في الموقف من الحبسة واللكنة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام فلا يتكلم حتى يعجبك كلامه. (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ) أي: يحلف ويقول: اللَّه شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام. وقرئ: (ويشهد اللَّه). وفي مصحف أبىّ: (ويستشهد اللَّه). (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ): ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلا يتكلم حتى يعجبك كلامه)، من باب قوله: على لاحب لا يهتدى بمناره قوله: ((أَلَدُّ الْخِصَامِ): وهو شديد الجدال)، قال الزجاج: اشتقاق ألد من لديدي العنق، وهما: صفحتاه، أي: أن خصمه في أي وجه أخذ من يمين وشمال غلبه في ذلك، وقد لددته أنا ألده: إذا جادلته فغلبته. السجاوندي: ألد: أشد من اللدود ومعوج الخصومة، من لديدي الوادي، وأصل الخصام: التعمق، والخصوم: زوايا الأوعية، وهو مصدر، قال أبو علي: وهو جمع، إذ لا يكون الشخص بعض الحدث، وأفعل لا يضاف إلا إلى بعضه، ووجه تصحيحه تقديراً: ألد في الخصومة، ولهذا شبهته بقوله: "ثبت الغدر". الجوهري: فلان ثبت الغدر: إذا كان لا يزل لسانه عند الخصومات.

وهو شديد الجدال والعداوة للمسلمين. وقيل: كان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم، وأحرق زروعهم. والخصام: المخاصمة. وإضافة الألدّ بمعنى "في"، كقولهم: ثبت الغدر، أو جعل الخصام ألدّ على المبالغة. وقيل الخصام: جمع خصم، كصعب وصعاب بمعنى: وهو أشد الخصوم خصومة. (وَإِذا تَوَلَّى) وإذا تولى عنك وذهب بعد إلانة القول، وإحلاء المنطق (سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها)، كما فعل بثقيف. وقيل: (وَإِذا تَوَلَّى): وإذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الميداني: يقال: رجل ثبت، أي: ثابت، والغدر: اللخاقيق في الأرض مثل جحرة اليرابيع وأشباهها، ومعناه: ثبت في الغدر، أي: ثابت في قتال وكلام لا يزل في موضع الزلل. قوله: (وهو شديد الجدال والعداوة للمسلمين)، جعل الخصام مشتركاً وحمله على المعنيين: الجدال والعداوة، وفرع عليه قوله: "وقيل: كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم"، ويجوز أن يكون "والعداوة": عطفاً على الجدال على سبيل البيان. قوله: (أو جعل الخصام ألد، على المبالغة) كقولك: جد جده، فالإضافة لفظية. قوله: (وقيل: الخصام: جمع خصم). قال الزجاج: لأن فعلاً يجمع إذا كان صفة على فعال، نحو صعب وصعاب، وكذلك إن جعلت خصماً صفة يجمع على أقل العدد، وأكثره على فعال وفعول، يقال: خصم وخصام وخصوم. قوله: (كما فعل بتثقيف) أي: الأخنس بن شريق. قوله: (فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض)، إنما قيده بولاة السوء، لأن ولاة الصدق بخلاف ذلك.

بإهلاك الحرث والنسل. وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع اللَّه بشؤم ظلمه القطر؛ فيهلك الحرث والنسل. وقرئ: (ويهلك الحرث والنسل) على أن الفعل لـ"الحرث والنسل"، والرفع للعطف على (سعى). وقرأ الحسن بفتح اللام، وهي لغةٌ، نحو: أبى يأبى. وروي عنه: (ويهلك)، على البناء للمفعول. (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) من قولك: أخذته بكذا؛ إذا حملته عليه وألزمته إياه أي: حملته العزة التي فيه، وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأن لا يخلي عنه ضراراً ولجاجاً؛ أو على ردّ قول الواعظ. [(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) 207]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: الإفساد في الحقيقة: إخراج الشيء من حالة محمودة لا لغرض صحيح، وذلك غير موجود في فعل الله تعالى، ولا بخلاف هو آمر به ولا لحب له، وما تراه من فعله إفساداً، فهو بالإضافة إلينا وباعتبارنا، وأما بالنظر الإلهي فكله إصلاح، ولهذا قيل: يا من إفساده إصلاح، أي: ما نعده إفساداً، فهو لقصور نظرنا، والمقصد من الإنسان سوقه إلى كماله الذي رشح له، فإذن إهلاك ما أمر بإهلاكه فلإصلاح الإنسان، وأما إماتته فأحد أسباب حياته الأبدية. قوله: (أي: حملته العزة التي فيه) أراد أنه استعارة تبعية واقعة على التمثيل، استعير الأخذ للحمل بعد أن شبه حالة إغراء حمية الجاهلية وحملها إياه على الإثم بحالة شخص له حق على غريمه فيأخذه به ويلزمه على أداء حقه ويلزه، والإثم إما أن يراد به حقيقته، وإليه الإشارة بقوله: "على الإثم الذي ينهى عنه"، وإما ترك الاتعاظ فيها أمر بقوله: (اتَّقِ اللَّهَ).

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ): يبيعها، أي: يبذلها في الجهاد. وقيل: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يَشْرِي نَفْسَهُ): يبيعها، أي: يبذلها في الجهاد)، الراغب: يشري: يبيع ويشتري، والناس على أضرب: ضرب باع نفسه من الشيطان بالشهوات فصار غلقاً في يده لا سبيل إلى الانفكاك منه، وهم المعنيون بقوله: (فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ) [النحل: 63] وقوله: (أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [الجاثية: 23]، وضرب وقع أسر الشيطان عليه فاجتهد في تخليص نفسه منه، وهو المعني بقوله صلى الله عليه وسلم: "الناس غاديان: فبائع نفسه فموبقها، ومبتاع نفسه فمعتقها"، وضرب لم يقع عليه أسر الشيطان، وقد باع نفسه من الله عز وجل، وهو المعني بقوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ) الآية، فقوله: (يَشْرِي نَفْسَهُ) يتناول الضربين: المخلص نفسه من أسر الشيطان، ومن باع نفسه من الله عز وجل، فإذن يشري نفسه للأمرين، والشرى والبيع في مثل هذا الموضع كالرمز والإشارة، وحقيقتهما وقف الإنسان نفسه على مرضاة الله تعالى والتحري في مصالح عباده. وقلت: لما حمل اللفظ المشترك على كلا مفهوميه المخالف، وذلك لا يستتب إلا بجعل الشرى مجازاً عن أمر يجمع المعنيين، قال: "وحقيقتهما وقف الإنسان نفسه على مرضاة الله تعالى" إلى آخره، ومقتضى النظم حمل الشرى على تخليص النفس من أسر الهوى والشيطان؛ لأن قوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ) قسيم لقوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إلى قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ)، وهو الأسير بيد الهوى، وقرين

وقيل: نزلت في صهيب بن سنان؛ أراده المشركون على ترك الإسلام، وقتلوا نفرا كانوا معه فقال لهم: أنا شيخ كبير إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضرّكم، فخلوني وما أنا عليه، وخذوا مالى. فقبلوا منه ماله، وأتى المدينة. (وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) حيث كلفهم الجهاد فعرضهم لثواب الشهداء. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)]. (السلم) بكسر السين وفتحها، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام؛ وهو الاستسلام والطاعة، أي: استسلموا للَّه وأطيعوه ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)، وفيه إيماء إلى التخليص من أسر الشيطان لقوله: (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)، فالمناسب أن يحمل الشرى على الاشتراء، والله أعلم. قوله: (وقيل: نزلت في صهيب)، عطف على "يبيعها"، ويشري على هذا بمعنى يشتري، وقوله: (فعرضهم) من التعريض للأمر، أي: النصب له، وهذا المعنى مناسب للوجه الأول، وهو أن يكون الشرى بمعنى البيع. قوله: (السِّلْمِ) بكسر السين)، نافع وابن كثير والكسائي بفتحها، والباقون بكسرها. الراغب: عنى بالسلم: سلم العبد لله عز وجل؛ لأن الإنسان في كفره وكفران نعمة الله كالمحارب له، وهو على ثلاثة أضرب: ضرب يتقدم الإيمان، وهو الإسلام الذي به سلم أن يراق دمه ويسلب ماله، وهو المعني بقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم"، واثنان بعد الإيمان، أحدهما: أن يسلم من

(كَافَّةً) لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته. وقيل: هو الإسلام. والخطاب لأهل الكتاب؛ لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم، أو للمنافقين؛ لأنهم آمنوا بألسنتهم، ويجوز أن يكون (كافة) حالاً من (السلم)؛ لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب، قال: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سخطه بارتسام أوامره وزواجره طوعاً أو كرهاً. والثاني: أن يكون سلماً من الشيطان وأوليائه وسلماً فيما يجري عليه من قضائه، وبه تحصل دار السلام المذكورة في قوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) [يونس: 25]، وهذا غاية ما ينتهي إليه العبد من المنازل الثلاث وإن كانت لكل منزلة منها درجات، وهذا السلم المعني بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]، وإلى هذا المعنى أشار يوسف عليه السلام بقوله: (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف: 101] وبه رمز المصنف بقوله: "أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها". قوله: (وقيل: هو الإسلام)، الجوهري: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) يذهب بمعناها إلى الإسلام، وأسلم: إذا دخل في السلم، وهو الاستسلام. وقلت: هذا يشعر بأن السلم إذا كان بمعنى الإسلام كان مجازاً. وقال الزجاج: (كَافَّةً) بمعنى الجميع: الإحاطة، فيجوز: ادخلوا جميعاً أو ادخلوا في السلم كله، أي: جميع شرائعه، والسلم بالكسر والفتح معناهما: الإسلام والصلح، ومعنى (كَافَّةً) في اشتقاق اللغة: ما يكف الشيء إلى آخره ومن ذلك كفة القميص لحاشيته، وكفة الميزان؛ لأنها تمنعه أن ينتشر، وأصل الكف: المنع، ولهذا قيل للراحة: الكف؛ لأنها تكف سائر البدن. قوله: (ويجوز أن يكون (كَافَّةً) حالاً من (السِّلْمِ): عطف على قوله: "لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته" هذا العطف مؤذن بأن السلم إذا أريد به الاستسلام يجوز أن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تكون (كَافَّةً) حالاً من الواو في (ادْخُلُوا) أي: جماعة كافة، وأن تكون حالاً من السلم، أي: ادخلوا في الطاعات كلها، وعلى هذا المخاطبون هم المؤمنون، وإذا أريد به الإسلام فهي حال من الضمير، والمخاطبون: إما أهل الكتاب أو المنافقون، ويمكن أن تستنبط وجوه غير ما ذكر بحسب هذه الاعتبارات. وكون الكفار مخاطبين بالفروع أيضاً، فنقول- والله أعلم بمراده من كلامه-: الخطاب في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لا يخلو: إما أن يكون مع المؤمنين أو أهل الكتاب أو المنافقين، فهذه احتمالات ثلاثة، أما حمله على المؤمنين فظاهر، وحمله على أهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم، وعلى المنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم كما أشار إليه المصنف، ثم السلم إما أن يفسر بالاستسلام أو الإسلام، وكافة: إما أن يجعل حالاً من الضمير في (ادْخُلُوا) أو من السلم نفسها فهذه وجوه أربعة، فيرتفع من ضرب الثلاثة في الأربعة اثنا عشر وجهاً. أما الاحتمال الأول ففيه وجوه أربعة: أحدها: أن يراد بالسلم: الاستسلام، "وكافة": حال من الضمير، فالمعنى: أيها المؤمنون، استسلموا لله وأطيعوه كافة لا يخرج أحد منكم عن طاعته، كما ذكره. وثانيها: أن يراد بالسلم الإسلام، فالمعنى: أيها المؤمنون، اثبتوا ودوموا على ما أنتم عليه، هذا وإن لم يذكره المصنف، لكن الزجاج ذكره قال: أمر المؤمنون بأن يدخلوا في الإيمان، أي: أن يقيموا عليه ويكونوا فيما يستقبلون عليه كما قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [النساء: 136]. وثالثها: أن تكون (كَافَّةً): حالاً من السلم، والسلم بمعنى الطاعة، فالمعنى ما أومى إليه بقوله: "إن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة". ورابعها: السلم بمعنى الإسلام، والمعنى ما ذكره: "أمروا بأن يدخلوا في شعب الإسلام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كلها وأن لا يخلوا بشيء منها"، والشعب هي التي وردت في كلام سيدنا صلوات الله عليه وسلامه على ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن أنس: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان"، وزاد في رواية: "أفضلها قول لا إله غلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". وأما الاحتمال الثاني ففيه الوجوه: أحدها: السلم بمعنى الاستسلام، وكافة: حال من الضمير، المعنى: يا أهل الكتاب ادخلوا كلكم في طاعة الله وطاعة رسوله والمؤمنين مما التزمتموها صغاراً وذلة، قال تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ). وثانيها: السلم بمعنى الإسلام، فالمعنى: يا أهل الكتاب ادخلوا في دين الإسلام كلكم لا يبقى أحد منكم خارجاً منه، هذا الذي يدل عليه سياق كلام المصنف، أو: ادخلوا في الإسلام بكليتكم بحيث لا يبقى لكم ميل إلى اليهودية، ولا يبعد أن يحمل قول المصنف: "إن عبد الله ابن سلام استأذن أن يقيم على السبت وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل" على هذا. وثالثها: السلم بمعنى الطاعة، و (كَافَّةً): حال منها، فالمعنى: يا أيها الذين آمنتم بكتاب واحد وبشريعة واحدة، ادخلوا في طاعة الله كلها وآمنوا بجميع الشرائع وصدقوا جميع الرسل والكتب. ورابعها: ادخلوا في شعب الإيمان كلها على ما سبق. وأما الاحتمال الثالث ففيه الوجوه أيضاً: أحدها: أيها المنافقون، ادخلوا كلكم في الطاعة الحقيقية، وعليه قوله تعالى: (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) [النور: 53] على إرادة: الذي يطلب منكم طاعة معروفة عند المؤمنين. وثانيها: أيها المنافقون، ادخلوا كلكم في الإسلام، لا يخرج أحد منكم عنه، روي أن ناساً

السِّلْمُ تَأخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ ... وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ على أنّ المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها، وأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة. أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يُخلوا بشيء منها. وعن عبد اللَّه بن سلام أنه استأذن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن يقيم على السبت، وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل. و (كافة) من الكف؛ كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منهم أسلموا وحسن إسلامهم، وعليه ظاهر كلام المصنف، يدل عليه قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ) [النساء: 145] إلى قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا) [النساء: 146]. ثالثها: ادخلوا في طاعة الله جميعاً، يعني: تظهرون الصلاة والصيام ونحوهما ثم إذا دعيتم إلى الغزو واستنفرتم اثاقلتم، كما قال تعالى: (مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ) [التوبة: 38]. ورابعها: يا أيها الذين آمنتم بألسنتكم، آمنوا بقلوبكم؛ لأن كمال الإيمان: مواطأة القلب اللسان، وإقامة شعبه كلها، ويمكن أن يجعل الخطاب عاماً وإن كان فيه بعد، والله أعلم. قوله: (السلم تأخذ منها) البيت، الجرعة من الماء: حسوة منه، يقول: الصلح له مجال واسع ومنافع ما ترضى ببعض منها، والحرب لها مضار لا تقاسى وقليل منها يهلك، يحرضه على الصلح ويثبطه عن الحرب. قوله: (باجتماعهم) أي: بسبب اجتماعهم، أي: اجتماعهم يمنعهم من أن يخرج منهم أحد. قال القاضي: (كَافَّةً): اسم للجملة؛ لأنها تكف الأجزاء من التفرق. وحقيقتها ما سبق من قول الزجاج.

(فَإِنْ زَلَلْتُمْ) عن الدخول في السلم (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ) أي: الحجج والشواهد على أنّ ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب لا يعجزه الانتقام منكم، (حَكِيمٌ) لا ينتقم إلا بحق. وروي: أنّ قارئاً قرأ غفور رحيم، فسمعه أعرابى فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام اللَّه فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه. وقرأ أبو السمال (زللتم) بكسر اللام، وهما لغتان، نحو: ظللت وظللت. [(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)]. إتيان اللَّه إتيان أمره وبأسه كقوله: (أَوْ يَاتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) [الأنعام: 158] ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فَإِنْ زَلَلْتُمْ): عن الدخول في السلم)، قال الزجاج: يقال: زل يزل زلاً وزللاً ومزلة، وزل في الطين زليلاً، أي: تنحيتم عن القصد والشرائع. قوله: (فلا يقول كذا الحكيم)، أوقع طفلا يقول" جزاء للشرط على تأويل الإخبار، يعني: إن فرض وقدر أن هذا الذي قرأه القارئ كلام الله فأنا أرده وأخبركم بأن لا يقول كذا الحكيم، يعني: من كانت أقواله وأفعاله محكمة متقنة لا يقع فيهما خلل ولا زيغ، فحمله الناس على المعاصي بعيد؛ لأنه زيغ وإضلال، فقوله: "لا يذكر الغفران": استئناف على سبيل التعليل. ونحوه ما حكي عن الأصمعي أنه قال: كنت أقرأ " (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ) [المائدة: 38] والله غفور رحيم"، وبجنبي أعرابي فقال: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أعد، فأعدت، قال: ليس هذا كلام الله، فانتبهت، فقرأت: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فقال: أصبت، هذا كلام الله، فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قلت: من أي شيء علمت؟ قال: يا هذا، عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع.

(جاءَهُمْ بأسُنا) [الأنعام: 43]، ويجوز أن يكون المأتي به محذوفاً، بمعنى أن يأتيهم اللَّه ببأسه أو بنقمته؛ للدلالة عليه بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ). (فِي ظُلَلٍ): جمع ظلة؛ وهي ما أظلك. وقرئ (ظلال) وهي جمع ظلةٍ، كقلة وقلال، أو جمع ظل. وقرئ: (وَالْمَلائِكَةُ) بالرفع كقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ) [الأنعام: 158]، وبالجر عطفاً على (ظللٍ)، أو على (الغمام). فإن قلت: لِمَ يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت: لأنّ الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول؛ لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسرّ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير؟ ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (للدلالة عليه بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ)) أي: دل على هذا المقدر في الوجهين قوله تعالى في الفاصلة السابقة: (أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ)؛ لأن صفة قهر وغلبة أوقع العلم عليها، ففي لفظ "الكشاف" تساهل حيث قال: "فإن الله"، والصواب: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ) [البقرة: 209]، المعنى: إن تنحيتم عن القصد وامتنعتم عن الدخول في الإسلام بعد مجيء الدلائل الدالة على حقيقته فاعلموا أن الله عزيز غالب لا يعجزه الانتقام منكم كما قال، ثم استبطأ إسلامهم ونعى عليهم التثبط، وقال: ما ينتظرون إلا مجيء بأسه ونقمته، وحينئذ لا ينفعهم الإسلام، قال تعالى: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا) [غافر: 85]. قوله: (وقرئ: (وَالْمَلائِكَةِ) بالرفع) كلهم بالرفع، والجر شاذ. قال الزجاج: ومن قرأ بالخفض فالمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وظلل من الملائكة، والرفع هو المختار. وقال القاضي: إنما إتيان الملائكة فإنهم الواسطة في إتيان أمره أو الآتون على الحقيقة ببأسه.

ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع؛ لمجيئها من حيث يتوقع الغيث، ومن ثم اشتد على المتفكرين في كتاب اللَّه قوله تعالى: (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر: 47]. (وَقُضِيَ الْأَمْرُ): وأتم أمر إهلاكهم وتدميرهم وفرغ منه. وقرأ معاذ بن جبل رضى اللَّه عنه: (وقضاء الأمر) على المصدر المرفوع عطفاً على (الملائكة) وقرئ: (ترجِع) و (ترجَع) على البناء للفاعل والمفعول بالتأنيث والتذكير فيهما. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: على هذا ذكر الله تمهيد لذكر الملائكة كما في قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: 9] في وجه، والمعنى على العطف على ظلل: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ببأسه في الملائكة؟ قوله: (ومن ثم اشتد على المتفكرين) أي: من جهة أن الشر يجيء من حيث يحتسب الخير، اشتد على الذين يتفكرون في كتاب الله، يعني قوله تعالى: (وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر: 47]. قال في تفسيره: "عملوا أعمالاً حسبوها حسنات، فإذا هي سيئات"، فقوله: "قوله: (وَبَدَا لَهُمْ) ": فاعل اشتد، يعني: لما علموا ذلك المعنى أي: الاستدراج، ونزلوا عليه هذه الآية، صعب عليهم الأمر وكاد أن يقضي عليهم فزعاً وخيفة. وروي أن محمد بن واسع قرأ هذه الآية فقال: آه آه! إلى أن فارق الدنيا. والله أعلم بصحته. قوله: (وقرئ: "ترجع" ... على البناء للفاعل): حمزة والكسائي وابن عامر، والباقون: على

[(سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)]. (سَلْ) أمر للرسول، أو لكل أحد وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة. (كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) على أيدى أنبيائهم؛ وهي معجزاتهم، أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام. و (نِعْمَةَ اللَّهِ) آياته، وهي أجل نعمةٍ من اللَّه؛ لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة. وتبديلهم إياها: أن اللَّه أظهرها؛ لتكون أسباب هداهم، فجعلوها أسباب ضلالتهم، كقوله: (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: 125]؛ أو حرفوا آيات الكتب ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البناء للمفعول، وكلتا القراءتين بالتأنيث، والتذكير شاذ، قال القاضي: بناء الفاعل من الرجوع، والمفعول من الرجع. الراغب: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) أي: ما قد ملكه عباده في الدنيا من الملك، والملك والتصرف مسترد منهم يوم القيامة وراجع إليه، ويقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي: استرد ما كان فوضه إلى الغير. قوله: (و (نِعْمَةَ اللَّهِ): آياته وهي أجل نعمة من الله) يريد أن ذكر نعمة الله هاهنا من وضع المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق، للإشعار بتعظيم الآيات وتعليل قبح فعلهم بكفران تلك النعمة العظمى، وهو تبديلهم إياها. قوله: (أو حرفوا آيات الكتب) عطف على قوله: "أن الله أظهرها" أو على قوله: "فجعلوها"؛

الدالة على دين محمد صلى اللَّه عليه وسلم. فإن قلت: "كم" استفهامية أو خبرية؟ قلت: تحتمل الأمرين، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن التبديل على ما قال في آخر سورة إبراهيم في التغيير، وذلك قد يكون في الذات، نحو: بدلت الدراهم دنانير، وفي الأوصاف نحو: بدلت الحلقة خاتماً، فالوجه الأول منزل على المعنى الثاني، والثاني على الأول، ثم الأول مفرع على قوله قبل هذا: " (مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) على أيدي أنبيائهم، وهي معجزاتهم"، والثاني مفرع على قوله: "من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام"، وذلك أن (آيَةٍ) في قوله تعالى: (كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) يحتمل أن تجري على المعجزات وأن يراد آيات الكتب المنزلة، فاعتبرهما المصنف في بيانه، وكذلك يختلف معنى التبديل باختلاف المعنيين في الآية. قوله: (تحتمل الأمرين) أي: يجوز أن تكون خبرية وأن تكون استفهامية، قال القاضي: محلها النصب على المفعولية أو الرفع بالابتداء على حذف العائد من الخبر، و (آيَةٍ): مميزها، و (مِنْ): للفصل. قال أبو البقاء: والأحسن إذا فصل بين "كم" وبين مميزها أن يؤتى بـ "من"، وقال مكي: كم في موضع المفعول الثاني لآتيناهم، وإن شئت جعلتها في موضع رفع على إضمار العائد، أي: كم آيتناهموه، وفيه ضعف لحذف الضمير، وعن بعضهم أن محل: (كَمْ آتَيْنَاهُمْ): نصب على المصدر، أي: سل بني إسرائيل هذا السؤال، ومثله قول صدر الأفاضل في قول الحريري: "سألناه: أنى اهتديت إلينا"، أي: سألناه هذا السؤال.

ومعنى الاستفهام فيها للتقرير. فإن قلت: ما معنى (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ)؟ قلت: معناه: من بعد ما تمكن من معرفتها أو عرفها، كقوله: (ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) [البقرة: 75]؛ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة عنه. وقرئ: (وَمَنْ يُبَدِّلْ) بالتخفيف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما معنى (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ)؟ ) يعني: لا يصح تبديل الآيات إلا بعد مجيئها، فلم صرح به؟ وما فائدة تصريحه؟ والجواب: ربما يوجد التبديل عن غير خبرة بالمبدل أو عن جهل به فيعذر فاعله، وهؤلاء على خلاف ذلك، والفائدة: مزيد التقريع والتشنيع، وإثبات المجيء للآيات من الاستعارة، ويحتمل أنواعاً منها، قال القاضي: وفيه تعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها، ولذلك قيل: تقديره: فبدلوها ومن يبدل. وقلت: (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ) الآية، واردة على سبيل التذييل، وهي مع ذلك مشتملة على التتميم مقررة لقوله: (كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) لتضمن الاستفهام في (كَمْ) معنى التقريع والتوبيخ، وفيها مبالغات شتى: إحداها: العموم في (مِنْ) ليدخل هؤلاء الذين بدلوا فيه دخولاً أولياً. وثانيتها: إقامة المظهر موضع المضمر كما سبق. وثالثتها: إضافتها إلى اسم الله تعالى. ورابعتها: التتميم في قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ). وخامستها: نسبة المجيء إلى الآيات على سبيل الاستعارة. وسادستها: إيقاع (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) جزاء للشرط على تأويل الإخبار، يعني: تبديل الناس نعمة الله سبب لإخبار الله بكونه شديد العقاب، وهذا لا يصار إليه إلا عند فظاعة الشأن.

[(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ)]. المزين هو الشيطان؛ زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها. ويجوز أن يكون اللَّه قد زينها لهم؛ بأن خذلهم حتى استحسنوها وأحبوها، أو جعل إمهال المزين له تزيينا وتدل عليه قراءة من قرأ: (زين الذين كفروا الحياة الدنيا) على البناء للفاعل. (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) كانت الكفرة يسخرون من المؤمنين الذين لا حظ لهم من الدنيا، كابن مسعودٍ وعمارٍ وصهيب وغيرهم، أي: لا يريدون غيرها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وسابعتها: إقامة المظهر موضع المضمر في الجزاء. وثامنتها: تصدره بأداة التأكيد. وتاسعتها: إضافة الشديد إلى العقاب. وعاشرتها: التعميم في الجزاء. قوله: (ويجوز أن يكون الله قد زينها لهم؛ بأن خذلهم)، فهو من إطلاق المسبب على السبب، أو جعل إمهال المزين تزييناً، فالإسناد على هذا مجاز، نحو: بنى الأمير المدينة، وهزم الأمير الجند، وقال القاضي: والمزين على الحقيقة هو الله تعالى، إذ ما من شيء إلا هو فاعله، ويدل عليه قراءة "زين" على البناء للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية وما خلق الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية، مزين بالعرض. الراغب: التزيين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة نحو: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ) الآية [آل عمران: 14]. قوله: (أي: لا يريدون غيرها) تفسير لقوله: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) وكناية إيمائية،

وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها، أو ممن يطلب غيرها. {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة}؛ لأنهم في عليين من السماء، وهم في سجين من الأرض؛ أو حالهم عالية لحالهم؛ لأنهم في كرامة، وهم في هوان، أو هم عالون عليهم، متطاولون يضحكون منهم كما يتطاول هؤلاء عليهم في الدنيا ويرون الفضل لهم عليهم، {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون}. {والله يرزق من يشاء بغير حساب}: بغير تقدير، يعني: أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه، كما وسع على قارون وغيره، فهذه التوسعة عليكم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والذي يصحح هذا التفسير إيقاع قوله: (وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) حالاً من "الذين كفروا"، وذلك أنهم إن أرادوا شيئاً من غير الحياة الدنيوية لم يصح تسخرهم بمن لا يريد إلا الحياة الأخروية، والذي يدل على أن قوله: (وَيَسْخَرُونَ): حال تقدير لفظة "هم" في قوله: "وهم يسخرون" ليستقيم وقوع المضارع مع الواو حالاً، ويحتمل العطف على (زُيِّنَ) فيفيد معنى الاستمرار، وقال صاحب "الكشف": تم الكلام عند قوله: (وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) ثم ابتدأ فقال: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا): مبتدأ، و (فَوْقَهُمْ): الخبر، أي: فوقهم في الحجة والقهر والغلبة. انتهى كلامه. ثم المؤمنون على قسمين: المعرض عن الدنيا بكليته كالزهاد، وهو المشار إليه بقوله: "ممن لا حظ له فيها" والطالب معها الآخرة كالمقتصد، وهو المراد بقوله: "ممن يطلب غيرها". قوله: ((وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ)) قال القاضي: قال: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) بعد قوله: (مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا) ليدل على أن استعلاءهم للتقوى. وهذا يشعر أن العطف في قوله: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا) تفسيري، والتفرقة بين الوجوه في معنى العلو هي: أن الفوقية على الأول: مكانية، وعلى الثاني: رتبية، وعلى الثالث: استعلائية وقهرية. قوله: (فهذه التوسعة عليكم)، "فهذه": مبتدأ، و"من جهة الله": خبره، أو: "مِن": متعلقة بالتوسعة، والخبر قوله: "لما فيها"، والأولى أحسن طباقاً للتنزيل.

من جهة اللَّه؛ لما فيها من الحكمة، وهي استدراجكم بالنعمة، ولو كانت كرامةً لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم. فإن قلت: لم قال: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) ثم قال: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا)؟ قلت: ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن المتقي؛ وليكون بعثاً للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: كفاء ما يستحق بلا إفراط ولا تفريط، وأعطاه بلا حساب إذا أعطاه أكثر مما يستحق أو أقل، والأول هو المقصود هاهنا، وقيل: يعطي أولياءه بلا تبعة ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذلك أن المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلا من حيث يجب وفي وقت ما يجب، وعلى الوجه الذي يجب، ولا ينفقه إلا على ذلك، فهو يحاسب نفسه فلا يحاسب، ولهذا ما روي أن "من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب في القيامة". قوله: (ليريك أنه لا يسعد). خلاصة الجوابين: أن هذا الأسلوب من باب إقامة المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق للعلية، وفائدة التعليل: إما تعظيم من اتصف بالتقوى، أو تفخيم هذه الصفة، والجواب الأول مبني على الأول، والثاني على الثاني، وهذه النكتة توقفك على أن تفسيره الثاني لقوله تعالى: (فَوْقَهُمْ) أولى، لأن المتقي كريم مكرم، وقال الله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ) [الدخان: 51]، وقال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 23]. قال صاحب "الانتصاف": وفي كلامه إشارة إلى مذهبه في وجوب وعيد العصاة بقوله: "لا يسعد عنده إلا المؤمن المتقي"؛ لأن فيه إشارة إلى أن المصر على الكبيرة شقي حتماً كالساخرين من الذين آمنوا، ويتوجه إليه الرد من كلامه، فإن العمل عندهم والتقوى

[(كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ داخل في حقيقة الإيمان، ومن أخل بذلك فهو فاسق عندهم ليس بمؤمن ولا كافر، وكلامه يناقضه، فإنه قال عقيبه: "ليبعث المؤمن على التقوى". قلت: قد علم من مضمون كلام المصنف في فاتحة السورة المخالفة بين المؤمن والمتقي، وأن المتقي أرفع منزلة من المؤمن، فإذا القصد فيه ترغيب المؤمنين في الترقي، ولئن سلمت الموافقة فالقصد في إيراد الوصف الإيذان بشرف التقوى ورفعة شأنها، ليكون بعثاً للمؤمنين على الثبات على التقوى كما وصف الله تعالى الملائكة بالإيمان في قوله: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) [غافر: 7]، وحملة العرش ليسوا ممن لا يؤمنون، لكن هو بعث للمؤمنين على الاتصاف بصفتهم، وتنبيه على شرف الإيمان ورفعة شأنه، لكن الذي يقتضيه النظم أن تفسر التقوى بما عرف في اللغة، وهو: التجنب والاحتراز مطلقاً، ويكون مفعوله مقدراً لدلالة الكلام عليه، فيكون المعنى: إن الكافرين إنما يسخرون من المؤمنين لأنهم أصحاب ثروة ونعمة، قصروا السعادة على جمع الدنيا والتنعم فيها، ومن زهد فيها عدوه من الأراذل وسخروا منه، كما ترى أصحاب هذا الزمان، فأخبر الله أن الذين اتقوا، أي: احترزوا من جمع الدنيا وزهدوا فيها، حالهم في الآخرة عالية كحال الأغنياء في الدنيا، روينا في "مسند أحمد بن حنبل"، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "هلك المكثرون، إن المكثرين الأقلون يوم القيامة ... " الحديث.

(كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً) متفقين على دين الإسلام، (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) يريد: فاختلفوا، فبعث اللَّه، وإنما حذف لدلالة قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) عليه، وفي قراءة عبد اللَّه: (كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا فبعث اللَّه)، والدليل عليه قوله عز وعلا (وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا) [يونس: 19]. وقيل: كان الناس أمة واحدة كفاراً، فبعث اللَّه النبيين فاختلفوا عليهم، والأوّل الوجه. فإن قلت: متى كان الناس أمة واحدة متفقين على الحق؟ قلت: عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق فاختلفوا. وقيل: هم نوح .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يريد: فاختلفوا فبعث الله)، يريد أن الفاء في (فَبَعَثَ اللَّهُ) فصيحة ليؤذن أن البعثة لم تتخلف عن الاختلاف، بل كما حصل الاختلاف لم تتوقف البعثة. قوله: (والدليل عليه) بعد قوله: "لدلالة قوله" ليس بتكرار؛ لأن الدليل الأول قرينة لتقدير المقدر من جنس ما يدل عليه المذكور، والثاني دليل آخر منصوص عليه، وارد للتوافق بين الآيتين، وقالوا: المراد بقوله: "والدليل عليه" إثبات قراءة ابن مسعود، وهي شاذة بما تواترت فيه الرواية، وفيه إشكال. فإن قلت: قوله: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ) يقتضي أنه لم يسبق اختلاف. قلت: يحمل هذا على الشدة فيه، وإليه الإشارة بقوله: "جعلوا نزول الكتاب سبباً في شدة الاختلاف". قوله: (والأول الوجه) أي: المراد بقوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) متفقين على ملة الإسلام هو الوجه القوي. وقلت، والله أعلم: لابد من تفصيل الأقوال هاهنا، روى محيي السنة، عن ابن عباس: "كان الناس على عهد إبراهيم أمة واحدة كفاراً فبعث الله النبيين"، وعن الحسن وعطاء: "كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح عليهم السلام على ملة الكفر، فبعث الله نوحاً وغيره من النبيين".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإمام: ورواه ابن عباس، وقال: واحتجوا بالآية فقوله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ)، وأما الخبر فهو "إن الله نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب"، وقال: جوابه أن هذا لا يليق إلا بضده، إذ لو كان الاتفاق السابق اتفاقاً على الكفر لكانت البعثة في ذلك الوقت أولى، وحيث لم تحصل البعثة هناك علمنا أن ذلك الاتفاق كان على الحق. وروى محيي السنة عن مجاهد: "كان آدم وحده أمة واحدة؛ لأنه أصل البشر، فلما كثر نسله اختلفوا، فبعث الله النبيين". وعن قتادة وعكرمة: "كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا فبعث الله إليهم نوحاً". وعن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: "كان الناس، حين عرضوا على آدم وأخرجوا من ظهره وأقروا بالعبودية، أمة واحدة مسلمين ولم يكونوا أمة واحدة قط غير ذلك اليوم، ثم اختلفوا بعد آدم، ونظيره في يونس: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا .. ) ". وقال الإمام: قيل: إن المراد بالناس ها هنا أهل الكتاب لأن الآية متعلقة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)، وهي في قول أكثر المفسرين نازلة في اليهود، أي: كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة على دين واحد، ثم اختلفوا بغياً وحسداً، فبعث الله النبيين الذين جاؤوا بعد موسى على بعثة محمد صلوات الله عليه، وقال: هذا القول مطابق لما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قبل الآية وما بعدها، وليس فيها إشكال. وقلت: والذي هو أقرب إلى التحقيق ما رواه أبو العالية، عن أبي بن كعب، ويوافقه قول مجاهد وقتادة وعكرمة، وقول المصنف: "والأول الوجه" يدل عليه وجهان، أحدهما: ما في يونس: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [يونس: 19]، حيث جاء بأداة الحصر وعقب الاختلاف بالفاء، والأصل عدم التقدير، قال المصنف: "وذلك في عهد آدم إلى أن قتل قابيل وهابيل". وثانيهما: ما روينا عن مسلم، عن عياض المجاشعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبة: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وغني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: رب إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسينفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك"، الحديث. قوله: "أحرق قريشاً"، أي: أقتلهم وأهلكهم. وأما بيان النظم: فهو أنه تعالى لما عد الفرق الأربع كما سبق في قوله: (فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا) ثم خص اليهود بالذكر في قوله:

ومن كان معه في السفينة (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ) يريد الجنس، أو مع كل واحدٍ منهم كتابه ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)، وكان صلوات الله عليه يرجو رفع الاختلاف عند بعثته، فلما اختلفوا أشتاتاً بأن نجم قرن النفاق، واختلف اليهود في التحريف والتبديل، ودخل في خلده من ذلك الاضطراب، سلي بقوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) يعني: هون على نفسك فإن مثل هذا الاختلاف غير مختص بزمانك، فإن الأمم المتقادمة من لدن آدم إلى عهدك، هذا كان دأبهم وعاداتهم مع الأنبياء، فعليك بأصحابك المهديين وقل لهم أن يتأسوا بك فيما أنت والأمم المؤمنة السالفة عليه من الصبر على البلاء والمحن كما قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) [البقرة: 214] الآية، وإليه الإشارة بقوله: (ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف) إلى آخره، انظر كيف طابق هذا المعنى ما رويناه من الحديث من أوله إلى آخره، ثم الفاء التعقيبية في قوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) آذنت بأن المؤمنين أيضاً كانوا داخلين في حكم الاختلاف، لكن الله تداركهم بلطفه الشامل واستخلصهم لنفسه وترك أولئك الضلال في عنادهم، يدل عليه قوله: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وإليه ينظر قوله صلوات الله عليه: "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم؛ عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب"، والمراد بأهل الكتاب: أهل الحق منهم. قوله: ((الْكِتَابِ)، يريد الجنس، أو مع كل واحد منهم كتابه)، قال القاضي: "الكتاب" يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتابه، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم. وقلت: هذا الثاني أيضاً صحيح؛ لأن قوله: (النَّبِيِّينَ) عام، فخص لتقييده بقوله: (وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ) بالمشهورين الذين أنزل معهم الكتاب، كقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228].

(لِيَحْكُمَ) اللَّه، أو الكتاب، أو النبىّ المنزل عليه (فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ): في الحق (إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ): إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف، أي: ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب، وجعلوا نزول الكتاب سبباً في شدّة الاختلاف واستحكامه. (بَغْياً بَيْنَهُمْ): حسداً بينهم، وظلما لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم. و (مِنَ الْحَقِّ) بيان لما اختلفوا فيه، أي: فهدى اللَّه الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف. [(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)]. (أَمْ) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده. ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: قال في سورة مريم: يحتمل أن يكون التعريف جنساً فيتناول العموم، والمراد الخصوص، ويحتمل أن يكون عهداً، فهو في أول وهلة: خاص. قوله: ((لِيَحْكُمَ) الله، أو الكتاب، أو النبي)، إسناد الحكم إلى الله تعالى وإلى النبي حقيقة، وإلى الكتاب، كقوله تعالى: (وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) [آل عمران: 58]: على الاستعارة. قوله: (ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان واستبعاده)، يعني: "المخاطبون" بقوله: (أَمْ حَسِبْتُمْ) أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب وجود هذا الحسبان منهم؛ لأن التقرير والإنكار والاستبعاد يقتضي ذلك، وكان كذلك، لما روينا عن البخاري وأبي داود والنسائي، عن الخباب ابن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده

بعد مجيء البينات؛ تشجيعاً لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب، وإنكارهم لآياته وعداوتهم له - قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ: (أم حسبتم) ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذلك عن دينه"، قال القاضي: وفيه إشارة على أن الوصول إلى الله والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات، وأنشد: دببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا لا تحسب المجد تمراً أنت آكله ... لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا قوله: (على طريقة الالتفات التي هي أبلغ) فإن قلت: أين الالتفات ها هنا، فإن الالتفات هو: الانتقال من إحدى الصيغ الثلاث إلى الأخرى لمفهوم واحد، وهذا المعنى ها هنا مفقود؟ قلت: قوله: "ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف"، معناه: أن قوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) الآية، كان كلاماً مشتملاً بظاهره على ذكر اختلاف الأمم السالفة والقرون الخالية، وعلى ذكر من بعث إليهم من الأنبياء، وما لقوا منهم من الشدائد بعد إظهار المعجزات، ومدمجاً لتشجيع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع المشركين، قال الله تعالى: (وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود: 120]، فمن هذا الوجه كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مرادين في هذا الكلام غائبين، يؤيده قوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا)، فإذا قيل لهم بعد ذلك: (أَمْ حَسِبْتُمْ) كان نقلاً من الغيبة إلى الخطاب، والكلام الأول تعريض للمؤمنين بعدم التثبت والتصبر لأذى المشركين، فكأنه وضع ذلك

و"لَمَّا" فيها معنى التوقع، وهي في النفي نظيرة «قد» في الإثبات، والمعنى: أن إتيان ذلك متوقع منتظر. (مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا) حالهم التي هي مثل في الشدّة. و (مَسَّتْهُمُ) بيان للمثل، وهو استئناف؛ كأن قائلاً قال: كيف كان ذلك المثل؟ فقيل: مستهم البأساء، (وَزُلْزِلُوا): وأزعجوا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والأفزاع؛ (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها: (مَتى نَصْرُ اللَّهِ)، أي: بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك، ومعناه: طلب الصبر وتمنيه، واستطالة زمان الشهدة. وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ موضع: كان من حق المؤمنين التشجع والتصبر على مكابدة المشاق من المخالفين وأعداء الدين تأسياً بمن قبلهم لجامع الإيمان، كما صرح به الحديث النبوي، وهو المضرب عنه "ببل" التي تضمنها (أَمْ)، أي: دع ذلك، أحسبوا أن يدخلوا الجنة ولما يأتهم مثل الذين خلوا من قبلهم، كقوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) [العنكبوت: 2]، فترك ذلك إلى الخطاب مريداً للإنكار والاستبعاد. قوله: (و"لما" فيها معنى التوقع)، قال في "الإقليد": إنماتضمن معنى التوقع لأنها جعلت نقيضة قد، وفي "قد" معنى التوقع، تقول: قد ركب الأمير، لقوم ينتظرون ركوبه ويتوقعون، وكذلك لما يركب، ومعنى التوقع: طلب وقوع الفعل مع تكلف واضطراب، ولذلك قيل: الانتظار موت أحمر، وقولك: "لما يركب" معناه: ما وجد بعد وقوع ما كنت تتوقعه أي: في الحال. قوله: (ومعناه: طلب النصر وتمنيه)، فإن المتمني يطلب ما لا يرجى حصوله، يعني: ليت الله ينصرنا وهو دليل على تناهي الأمر في الشدة، قال أبو البقاء: موضع (مَتَى): رفع؛ لأنه خبر المصدر، وعند الأخفش: ظرف، و (نَصْرُ): مرفوع به.

في الشدة وتماديه في العظم؛ لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها. (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) على إرادة القول، يعني: فقيل لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر. وقرئ: (حتى يقول) بالنصب على إضمار "أن" ومعنى الاستقبال؛ لأنّ «أن» علم له، وبالرفع على أنه في معنى الحال كقولك: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجرّ بطنه، إلا أنها حال ماضية محكية. [(يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) 215]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا مطمح وراءها)، الجوهري: طمح فلان بصره: رفعه، وقال بعضهم: طمح أي: أبعد في الطلب. قوله: (من عاجل النصر) بيان لـ "طلبتهم". قوله: (وقرئ: (حَتَّى يَقُولَ)، بالنصب) قرأ نافع بالرفع، والباقون بالنصب. قال الزجاج: فالنصب على معنى سرت حتى أدخلها، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون الدخول غاية السير، والسير والدخول قد مضيا جميعاً، والمعنى: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ... وثانيهما: أن يكون السير قد وقع، والدخول لم يقع، أي: سرت كي أدخلها، وليس هذا وجه الآية، والرفع على وجهين: أحدهما: أن يكون السير قد مضى، والدخول واقع الآن، تقول: سرت حتى أدخلها الآن ما امتنع.

فإن قلت: كيف طابق الجواب السؤال في قوله: (قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ) وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون وأجيبوا ببيان المصرف؟ قلت: قد تضمن قوله: (قُلْ مَا أَنَفْقتُم مِنْ خَيْرٍ) بيان ما ينفقونه؛ وهو كل خير، وبني الكلام على ما هو أهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثانيهما: سرت حتى أدخلها، وقد مضى السير والدخول، نحو قولك: سرت فأدخلها، أي: فدخلتها، وحتى لم تعمل في الفعل، وعلى هذا وجه الآية. وقلت: وهذا الذي عناه المصنف بقوله: "على أنه في معنى الحال لكن على أنها حكاية حال ماضية"، وفائدته: تصوير تلك الحالة العجيبة الشأن، واستحضار صورتها في مشاهدة السامع ليتعجب منها، وعليه قوله: "حتى يجيء البعير يجر بطنه". قوله: (وهو كل خير)، الراغب: (مِنْ خَيْرٍ) أي: من مال، سمي المال خيراً تنبيهاً على أن الذي يجوز إنفاقه هو المال الذي تناوله اسم الخير، كما قال: (إِنْ تَرَكَ خَيْراً) [البقرة: 180]. قوله: (وبني الكلام على ما هو أهم). قال صاحب "المفتاح": سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ببيان المصرف، نزل سؤال السائل منزلة سؤال غير سؤاله، لتوخي التنبيه له بألطف وجه على تعديه عن موضع سؤال هو أليق بحاله أو أهم له إذا تأمل. قلت: وأما ما عليه كلام المصنف فخلاف ذلك؛ لأن الجواب مطابق من حيث الإشارة، فإنه بظاهره مسوق لبيان المصرف ومدمج فيها معنى ما ينفق، وهو الخير، تقديره: قل: ما يعتد به من إنفاق الخير مكانه ومصرفه الأقربون، ومع هذا لا يخرج من باب الأسلوب الحكيم، وبهذا ظهر الفرق بينه وبين قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) [البقرة: 189]، وذلك أن معرفة بدو الأهلة وتزايدها وكمالها ومحاقها لما لم يكن من الأمور المعتبرة في الدين

وهو بيان المصرف؛ لأنّ النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها، قال إنَّ الصَّنِيعَةَ لَا تَكُونُ صَنِيعَةً ... حَتَّى يُصَابَ بهَا طَرِيقُ الْمصنَعِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لم يلتفت إليها رأساً بل ردها ضمناً، وأن إنفاق كرائم الأموال من الدين لكن اعتداده بحسب المصرف، وأنه المطلوب الأولى، جعله أصلاً والمسئول عنه تابعاً، وفيه إبطال علم النجوم وما لا جدوا له في الدين من علم الفضول. الراغب: قيل: في مطابقة الجواب السؤال وجهان: أحدهما: أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ننفق وعلى من ننفق؟ لكن حذف في حكاية السؤال أحدهما إيجازاً، ودل عليه الجواب بقوله: (مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ)، كأنه قيل: المنفق هو الخير، والمنفق عليهم هؤلاء، فلف أحدهما في الآخر، وهذا طريق معروف في البلاغة. والوجه الثاني: أن السؤال ضربان: سؤال جدل، وحقه أن يطابقه جوابه لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه، وسؤال تعلم، وحق المعلم أني صير فيه كطبيب رفيق يتحرى شفاء سقيم، فيطلب ما يشفيه، طلبه المريض أو لم يطلبه، فلما كان حاجتهم إلى من ينفق عليهم كحاجتهم إلى ما ينفق بين لهم الأمران. وقلت: مثاله: من غلب عليه مرة السوداء إذا طلب من الطبيب تناول الجبن فيقول: عليك بمائه، كما أجيب عن قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ) بقوله: (قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ)، وإذا طلب من غلب عليه مرة الصفراء العسل فيقول: مع الخل، وعليه الآية التي نحن بصددها. قوله: (إن الصنيعة) البيت، بعده: وإذا صنعت صنيعة فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو دع وهو يوضح البيت الأول.

وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: أنه جاء عمرو بن الجموح وهو شيخ هِمّ وله مال عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت. وعن السدي: هي منسوخة بفرض الزكاة. وعن الحسن: هي في التطوّع. [(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)]. (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) من الكراهة بدليل قوله: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً). ثم إما أن يكون بمعنى الكراهة على وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، كقولها: فَإنَّمَا هِىَ إقْبَالٌ وَإدْبَارُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الصنيعة: ما اصطنعت لأحد من خير، والمصنع: محل الصنيعة، أو: مصدر ميمي. قوله: (وعن ابن عباس): جواب آخر مطابق لظاهر الجواب في الآية، لكن السؤال متضمن لذكر المنفق مع المنفق عليه، تقديره: ماذا ينفقون؟ وأين يضعونه، وإليه ينظر الوجه الأول من قول الراغب. قوله: (شيخ هم)، الجوهري: الهم بالكسر: الشيخ الفاني. قوله: (هي منسوخة بفرض الزكاة)، قال القاضي: ليس في الآية ما ينافيه فرض الزكاة لينسخ به. قوله: ((وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ): من الكراهة)، أي: لا من الإكراه. قال في "الأساس": وقد كره كراهة، وكرهته، فهو مكروه، وتكره الشيء: تسخطه. وقال الزجاج: كرهت الشيء كرهاً وكرهاً وكراهةً، بالفتح والضم، وكل ما في كتاب الله من الكره جائز فيه الوجهان لكن هنا الناس مجمعون على الضمة.

كأنه في نفسه لفرط كراهتهم له؛ وإما أن يكون فعلاً بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز، أي: وهو مكروهٌ لكم. وقرأ السلمي بالفتح على أن يكون بمعنى المضموم، كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على طريق المجاز، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ومشقته عليهم. ومنه قوله تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) [الأحقاف: 15]، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجوهري: الكره، بالضم: المشقة، يقال: أقمت على كره، أي: مشقة، ويقال: أقامني فلان على كره، بالفتح: إذا أكرهك عليه، قال: وكان الكسائي يقول: الكَرْهُ والكُرْه لغتان. الراغب: قيل: هما واحد، وقيل: الكَرْهُ، بالفتح: المشقة التي تنال الإنسان من خارج مما يحمل عليه بإكراه، وبالضم: ما يناله من ذاته وهو ما يعافه إما طبعاً أو عقلاً أو شرعاً ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد: إني أريده وأكرهه، بمعنى إني أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث الشرع، كقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) الآية. وذهب المصنف إلى أن الكره من الكراهة لا من الإكراه، بناءً على انه لا يجوز أن يكرههم ويجبرهم على القتال، بل إنه تعالى أوجب عليهم القتال، والحال أن في القتال كراهة عندهم، بدليل قوله: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، فإنه أسند الفعل إليهم، ولو كان بمعنى الإكراه لم يطابق الكلام، ويجوز أن يكون إسناد الإكراه إلى الله على سبيل المجاز، بمعنى أنهم لشدة كراهتهم للقتال بحيث لا طريق إلى أن يؤمروا به إلا على طريق الإجبار والإكراه كما مر بيانه في قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [البقرة: 7] في الوجه الرابع منه، ثم مطابقته لقوله: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً) على سبيل التذييل. قوله: ((حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً)) [الأحقاف: 15]. قال المصنف: وكرهاً بالفتح والضم، وهما لغتان في معنى المشقة.

وعلى قوله تعالى: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً) جميع ما كلفوه؛ فإن النفوس تكرهه وتنفر عنه وتحب خلافه. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) ما يصلحكم وما هو خير لكم (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ذلك. [(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)]. بعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عبد اللَّه بن جحش على سرية في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين؛ ليترصد عيراً لقريش فيها عمرو بن عبد اللَّه الحضرمي وثلاثة معه، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعلى قوله)، أي: جميع ما كلفوه على نسق قوله: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا). قوله: (وتحب خلافه) أي: النفس تحب خلاف ما كلفت به، وهو شر لها؛ لأنه يفضي بها إلى الردى. قال القاضي: إنما ذكر (عَسى) لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها فلا يكون كرهاً عليها بل تستلذ له، وفي قوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) دليل على أن الأحكام تتبع المصالح الراجحة، وإن لم يعرف عينها. وقال الزجاج: ومعنى كراهيتهم القتال أنه من جنس غلظه عليهم ومشقته، لا أن المؤمن يكره فرض الله، لأن الله تعالى لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والصلاح. قوله: (عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة)، روي أنهم الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل بن عبد الله.

فقتلوه وأسروا اثنين، واستاقوا العير وفيها من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب، وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف ويبذعرّ فيه الناس إلى معايشهم، فوقف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم العير وعظم ذلك على أصحاب السرية وقالوا: ما نبرح حتى تنزل توبتنا، وردّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم العير والأسارى. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنه: لما نزلت أخذ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الغنيمة. والمعنى: يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام. و (قِتالٍ فِيهِ) بدل الاشتمال من (الشهر)، وفي قراءة عبد اللَّه: (عن قتال فيه) على تكرير العامل، كقوله: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) [الأعراف: 75]، وقرأ عكرمة: (قتل فيه قل: قتل فيه كبير) أي: إثم كبير. وعن عطاء: أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام فحلف باللَّه ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه، وما نسخت. وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: 5] ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويبذعر) أي: يتفرق، الجوهري: ابذعروا: تفرقوا، قال أبو السميدع: ابذعرت الخيل: إذا ركضت تبادر شيئاً تطلبه. قوله: (وما نسخت) تتمة قول عطاء وتفسير لقوله: "ما يحل للناس" إلى آخره، أي: فحلف بالله: ما نسخت، وأكثر الأقاويل أنها منسوخة بقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: 5]، قال القاضي: وهو نسخ للخاص بالعام وفيه خلاف، والأولى منع دلالة الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام مطلقاً، فإن (قِتَالٍ فِيهِ) نكرة في حيز مثبت فلا تعم.

(وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ): مبتدأ، و (أكبر): خبره، يعني: وكبائر قريشٍ من صدّهم عن سبيل اللَّه وعن المسجد الحرام وكفرهم باللَّه وإخراج أهل المسجد الحرام، وهم رسول اللَّه والمؤمنون (أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ) مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن. (وَالْفِتْنَةُ): الإخراج أو الشرك. (والمسجد الحرام) عطف ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): عطف على (سَبِيلِ اللَّهِ))، قال صاحب "الفرائد": فالتقدير حينئذ: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكان (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) من صلة الصد؛ لأن المعطوف على الصلة في حكم الصلة، فكيف صح عطف (وَكُفْرٌ بِهِ) على قوله: (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) قبل الفراغ منه؟ هذا معنى قول المصنف في الحاشية: "كيف صح العطف قبل الفراغ من المعطوف عليه وقد منعوا من ذلك؟ "، وأجاب عنه من وجهين أحدهما: أن قوله: (وَكُفْرٌ بِهِ) في معنى الصد عن سبيل الله، فاتحادهما هو الذي سوغ ذلك، كأنه قال: "وصد عن سبيل الله والمسجد الحرام"، وقلت: يريد أن قوله: (وَكُفْرٌ بِهِ) عطف على (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) على سبيل التفسير، كأنه قيل: وصد عن سبيل الله، أي: كفر بالله والمسجد الحرام، فاعترض بين المعطوف والمعطوف عليه التفسير. وذكر صاحب "الكشف" عن أبي علي: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): عطف على (سَبِيلِ اللَّهِ)، أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، ألا ترى على قوله: (هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الفتح: 25]. وثانيهما: أن موضع (وَكُفْرٌ بِهِ) عقيب قوله: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) إلا أنه قدم لفرط العناية عليه كما في قوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) [الإخلاص: 4]، كان من حق الكلام أن يقال: ولم يكن أحد كفواً له، إلا أنه قيل: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ) فقدم قوله: (لَهُ) لفرط العناية، قال أبو البقاء: والجيد أن يكون متعلقاً بفعل محذوف دل عليه الصد،

على (سبيل اللَّه)، ولا يجوز أن يعطف على الهاء في (بِهِ). (وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ) إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين، وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردّوهم عن دينهم، و"حتى" معناها: التعليل، كقولك: فلان يعبد اللَّه حتى يدخل الجنة، أي: يقاتلونكم كى يردّوكم. و(إِنِ اسْتَطاعُوا) استبعاد لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوّه: إن ظفرت بي ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: ويصدون عن المسجد الحرام، كقوله تعالى: (هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الفتح: 25]. وقال السجاوندي: هو عطف على الشهر، فقد عظموا القتل في الشهر والمسجد، فسألوا عنهما. وقال الزجاج: (قِتَالٌ): مرتفع بالابتداء، و (كَبِيرٌ): خبره، ورفع (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَإِخْرَاجُ) أهل المسجد الحرام (مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ)، على الابتداء والخبر، أي: هذه الأشياء أكبر عند الله، أي: أعظم إثماً، والفتنة أكبر من القتل، أي: هذه الأشياء فتنة، والفتنة كفر، والكفر أكبر من القتل. قوله: (ولا يجوز أن يعطف على الهاء في (بِهِ)) يعني عند البصريين؛ لأنهم لا يجيزون العطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الجار ولأنه يفسد المعنى، إذ لا معنى لقولنا: وكفر بالمسجد الحرام. قوله: (و (إِنْ اسْتَطَاعُوا): استبعاد)، أي: لا يكون استطاعة، وبعيد أن تكون استطاعة،

فلا تبقُ عليَّ، وهو واثق بأنه لا يظفر به. (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ): ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم على ردّه إليه (فَيَمُتْ) على الردّة، (فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ)؛ لما يفوتهم بإحداث الردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام، وباستدامتها والموت عليها من ثواب الآخرة، وبها احتج الشافعي على أن الردّة ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فتفرض كما تفرض المحالات، لدلالة استعمال "إن" في مقام التحقيق، وهذا التقدير يستدعي أن يجري (حَتَّى) على التعليل دون الغاية. قوله: (على رده إليه) هذا من حذف الفاعل وإضافة الرد إلى مفعوله، أي: يطاوعهم على ردهم إياه. قوله: (من ثمرات الإسلام وباستدامتها) نشر لقوله: (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)، أي: يفوتهم ثمرات الإسلام بإحداث الردة، وثواب الآخرة باستدامة الردة والموت عليها، ويريد بقوله: "ثمرات الإسلام" هي: أن لا يستحق من المسلمين موالاة ولا نصراً ولا غنيمة ولا ثناء حسناً، وتبين زوجته، ولا يستحق الميراث من المسلمين، ولا يكون آمناً؛ لأنه يقتل عند الظفر به. قوله: (وبها احتج الشافعي)، ووجهه: أن الآية دلت على أن الردة إنما توجب الحبوط بشرط الموت على الردة، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. فإن قيل: هذا معارض بقوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)، فالجواب أن هذا من باب حمل المطلق على المقيد، لأنا لو جعلنا مجرد الردة مؤثراً في الحبوط لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلاً، ولو حملنا المطلق على المقيد لعملنا بمقتضى الدليلين، وفائدة الخلاف إنما تظهر فيما إذا صلى المسلم، ثم ارتد ثم أسلم، قال الشافعي: لا قضاء عليه لما أدى

لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها، وعند أبي حنيفة أنها تحبطها وإن رجع مسلماً. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا): روي أن عبد اللَّه بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي ظنّ قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر؛ فنزلت، (أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ). عن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمّة، ثم جعلهم اللَّه أهل رجاءٍ كما تسمعون، وإنه من رجا طلب، ومن خاف هرب. [(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ* فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) 219 - 220]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قبل الردة، وقال أبو حنيفة: يلزم قضاء ما أدى، والذي يشد من عضد الحمل على التقييد: إيقاع (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) حالاً من المجرور في (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ)، وهو مطلق وشائع في الخسران، وعطف (وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) على (فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، وهو تقييد لذلك المطلق وبيان لذلك المبهم. قوله: (ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون)، قال القاضي: أثبت لهم الرجاء إشعاراً بأن العمل غير موجب ولا قاطع في الدلالة، لاسيما والعبرة بالخواتيم. الراغب: وهذه المنازل الثلاثة التي هي الإيمان والمهاجرة والجهاد هي المعنية بقوله: (اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) [المائدة: 35]، ولا سبيل إلى المهاجرة

نزلت في الخمر أربع آياتٍ؛ نزلت بمكة: (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً) [النحل: 67]، وكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال. ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصحابة قالوا: يا رسول اللَّه، أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال. فنزلت: (فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) فشربها قوم وتركها آخرون ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلا بعد الإيمان، ولا إلى جهاد الهوى في سبيله إلا بعد هجران الشهوات، ومن وصل إلى ذلك فحق له أن يرجو رحمته. قوله: (نزلت في الخمر أربع آيات)، إلى آخره، قال القفال: الحكم في وقوع التحريم على هذا الترتيب؛ أنه تعالى علم أن القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم به كثيراً، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق. وقلت: ومصداقه ما روينا عن البخاري، عن يوسف بن ماهك أنه قال: قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لعراقي: "إنما نزل أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا قالوا: لا ندع الزنا" الحديث. ويدل على هذا التدرج قوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) [المائدة: 91]؛ لأنه كما قال: أبلغ من

ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم فشربوا وسكروا فأمّ بعضهم فقرأ: "قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون"؛ فنزلت: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) [النساء: 43]، فقل من يشربها، ثم دعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد بن أبى وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار فضربه أنصاري بلحي بعيرٍ فشجه موضحة، فشكا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ) إلى قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: 90 - 91]، فقال عمر رضى اللَّه عنه: انتهينا يا رب. وعن عليّ رضى اللَّه عنه: لو وقعت قطرةٌ في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها، ولو وقعت في بحرٍ ثم جفت ونبت فيه الكلأ لم أرعه. وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما: لو أدخلت أصبعى فيه لم تتبعني ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صريح النهي. كما أنه ذكر عقيب الصوارف. ولاستعمال (هَلْ) في غير مقتضاها قال الزجاج: معناه التحضيض على الانتهاء والتهديد على ترك الانتهاء. قوله: (فشجه موضحة) نصب على أنه مفعول مطلق من "شجه"، والموضحة: الشجة التي توضح العظم. قوله: (ونبت فيه الكلأ لم أرعه)، الأساس: رعت الماشية الكلأ، وارتعت، ورعاها صاحبها، وهو راعي الإبل، وهو يحتمل وجهين، أحدهما: أنه مجاز عن الأكل على التوسعة، قال في قوله تعالى: (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) [يوسف: 12] يريد يتسع في أكل الفواكه وغيرها.

وهذا هو الإيمان حقاً وهم الذين اتقوا اللَّه حق تقاته. والخمر: ما غلا واشتدّ وقذف بالزبد من عصير العنب، وهو حرام، وكذلك نقيع الزبيب أو التمر الذي لم يطبخ، فإن طبخ حتى ذهب ثلثاه، ثم غلا واشتدّ ذهب خبثه ونصيب الشيطان، وحلّ شربه ما دون السكر إذا لم يقصد بشربه اللهو والطرب عند أبي حنيفة، وعن بعض أصحابه: لأن أقول مراراً: هو حلال أحبّ إليّ من أن أقول مرةً: هو حرام، ولأن أخرّ من السماء فأتقطع قطعاً أحبّ إليّ من أن أتناول منه قطرة. وعند أكثر العلماء؛ هو حرام؛ كالخمر، وكذلك كل ما أسكر من كل شراب. وسميت خمراً؛ لتغطيتها العقل والتمييز، كما سميت سكراً؛ لأنها تسكرهما، أي: تحجزهما، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمراً؛ إذا ستره للمبالغة. والميسر: القمار: مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثانيهما: الأصل: لم ترعه ماشيتي، فحذف المضاف- أي: ماشية- وأقيم المضاف إليه- أي: ضمير المتكلم- مقامه، فانقلب الفعل من لفظ الغائب إلى المتكلم، كذا قدر محيي السنة في (يَرْتَعْ)، والمصنف في قوله: (لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) [الكهف: 60]، وهذا أبلغ، ومقام الإغراق في الوصف له أدعى. قوله: (والخمر: ما غلا واشتد)، الراغب: الخمر: ستر الشيء، ويقال لما يستر به، لكن الخمار صار في التعارف لما تغطي به المرأة رأسها، وخمرت الإناء: غطيته، وكذلك خمرت العجين، وسميت الخميرة لكونها مخمورة، والخمار: الموروث من الخمر، جعل بناؤه بناء الأدواء نحو: الكباد والصداع، وخامره الحزن: إذا استولى عليه حتى ستر فهمه وبنحوه حتى سمي غماً، وأصله من الستر.

يقال: يسرته؛ إذا قمرته، واشتقاقه من اليسر؛ لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولةٍ من غير كد ولا تعب، أو من اليسار؛ لأنه سلب يساره. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله قال: أقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِى أي: يفعلون بي ما يفعل الياسرون بالميسور. فإن قلت: كيف صفة الميسر؟ قلت: كانت لهم عشرة أقداح؛ وهي: الأزلام والأقلام والفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد، لكل واحدٍ منها نصيب معلوم من جزورٍ ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء، وقيل ثمانية وعشرين إلا لثلاثة، وهي: المنيح والسفيح والوغد، ولبعضهم: لِيَ فِى الدُّنْيَا سِهَامٌ ... لَيْسَ فِيهِنَّ رَبِيحُ وَأسَامِيهِنَّ وَغْدٌ ... وَسَفِيحٌ وَمنِيحُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قمرته)، أي: غلبته في القمار، "يخاطر" أي: يراهن ويقامر. قوله: (أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني) تمامه: ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم "ييسرونني" أي: يقتسمونني كما تقتسم أعضاء الجزور في الميسر. قال الزجاج: الميسر إنما كان قماراً في الجزور خاصة، وجعل كل القمار قياساً عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقول الشاعر: إنهم أخذوا فداه فاقتسموا، فكأنهم اقتسموا نفسه، والشعب: موضع، وزهدم: اسم فرس، وفي رواية صاحب "المطلع": ألم تيأسوا موضع "ألم تعلموا"، وهو في لغة النخع: "ألم تعلموا"، ومنه قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا) [الرعد: 31]، أي: أفلم يعلم. وقال صاحب "المطلع": كانت لهم عشرة أقداح تسمى الأزلام ذوات الأنصباء منها سبعة: الفذ، وله سهم وفيه في اليسر فرض، والتوأم وله سهمان وفيه فرضان، وعلى هذا: الرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل والمعلى، يزداد في كل واحد منها سهم وفرض، والتي لا حظوظ لها: المنيح والسفيح والوغد، وهي الثلاثة تسمى أغفالاً لخلوها عن السهام، وإنما تخلط بذوات السهام في الربابة وهي خريطتها ليكثر عددها، ويؤمر الحرضة الإجالة، وهو الضارب، ولهذا تشد عيناه عند الضرب، وإذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزوراً نسيئة ويضرب للسبعة الياسرين ليعلم من يجب عليه الثمن، ثم ينحرونه قبل أن ييسروا ويقسمونه عشرة أقسام، وهو قول أكثر الأئمة، وقال الأصمعي: ثمانية وعشرين سهماً، ولو كان كما قال لا يظهر الفوز والغرم، وإذا ضرب القداح وخرج الفذ وله نصيب واحد، أخذ صاحبه عشر أعشار الجزور، وسلم من غرم الثمن واعتزل القوم، وإن كان الذي خرج أولاً التوأم أخذ صاحبه عشرين من أعشار الجزور وسلم واعتزل، وكذلك كل خارج منها إلى المعلى، فإن صاحبه يأخذ من أعشار قدحه ويعتزل، ثم يعيد الحرضة الإجالة ثانية، ثم يخرج سهماً، فإن خرج بعد الفذ التوأم أخذ صاحبه السهمين وسلم واعتزل، وإن كان الرقيب أخذ ثلاثة أسهم على هذا، يجيلها مرة بعد أخرى ويخرج في كل مرة سهماً إلى أن يستغرق الأجزاء العشرة من الجزور ويظهر الفوز والغرم، فإن فضلت حصص السهام على أعشار الجزور، كما إذا خرج أولاً المعلى ثم المسبل، فهذه ثلاثة عشر نصيباً، أخذ صاحب المعلى سبعة من الأعشار، وصاحب المسبل ثلاثة، وغرم له الذين لم تخرج سهامهم قيمة ثلاثة أعشار مع ثمن الجزور بعد سهامهم، فقس على هذا. تم كلام صاحب "المطلع".

للفذ سهم؛ وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة؛ يجعلونها في الربابة وهي خريطة، ويضعونها على يدي عدلٍ ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجلٍ رجلٍ قدحاً منها، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه البرم. وفي حكم الميسر: أنواع القمار، من النرد والشطرنج وغيرهما. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «إياكم وهاتين اللعبتين المشئومتين فإنهما من ميسر العجم». وعن عليّ رضي اللَّه عنه: أنّ النرد والشطرنج من الميسر. وعن ابن سيرين: كل شيءٍ فيه خطر فهو من الميسر. والمعنى: يسألونك عما في تعاطيهما، بدليل قوله تعالى: (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويسمونه البرم)، الجوهري: هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. النهاية: الأبرام: اللئام، واحده برم، بفتح الراء. قوله: (إياكم وهاتين الكعبتين المشؤومتين)، روينا عن مسلم وأبي داود، عن بريدة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في دم خنزير"، وفي رواية أبي داود:

(وَإِثْمُهُما) وعقاب الإثم في تعاطيهما (أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) وهو الالتذاذ بشرب الخمر والقمار، والطرب فيهما، والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشراتهم، والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم وسلب الأموال بالقمار، والافتخار على الأبرام. وقرئ: (إثم كثير) بالثاء، وفي قراءة أبيّ: (وإثمهما أقرب). ومعنى الكثرة: أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة. (الْعَفْوَ) نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع، قال: خُذِى الْعَفْوَ مِنِّى تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "غمس يده في لحم خنزير ودمه"، وعن مالك وأبي داود: "من لعب بنرد أو نردشير فقد عصى الله ورسوله". قوله: (وقرئ: "إثم كثير")، بالثاء المثلثة: حمزة والكسائي. قوله: (الجهد)، النهاية: الجهد، بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، وأما المشقة والغاية فالفتح لا غير. قوله: (خذي العفو مني تستديمي مودتي). الشعر لأبي الأسود الدؤلي يخاطب به امرأته، وتمامه قوله: ولا تنطقي في سورتي حين أغضب

ويقال للأرض السهلة: العفو. وقرئ بالرفع والنصب. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أنّ رجلاً أتاه ببيضةٍ من ذهب أصابها في بعض المغازي، فقال: خذها مني صدقة فأعرض عنه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأتاه من الجانب الأيمن، فقال: مثله، فأعرض عنه ثم أتاه من الجانب الأيسر فأعرض عنه، فقال: "هاتها" مغضباً .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الغضب: شدته وحدته. وبعده قوله: وإني رأيت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب المعنى: إن أردت دوام المودة وبقاء المحبة فخذي السهل، وهو: أن لا تنطقي في حال حدة غضبي، فإن الحب والأذى إذا دخلا في الصدر لا يلبث الحب معه، فهما ضدان لا يجتمعان. قوله: (وقرئ بالرفع والنصب)، أبو عمرو: "قل العفو" بالرفع، والباقون: بالنصب. قوله: (أن رجلاً أتاه ببيضة)، الحديث من رواية أبي داود عن جابر، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله، أصبت هذه من معدن، فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه من قبل ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي أحدكم بجميع ما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". النهاية: "عن ظهر غنى" أي: ما كان عفواً قد فضل عن غنى، وقيل: أراد: ما فضل عن العيال، والظهر قد يراد في مثله هذا إشباعاً للكلام وتمكيناً، كأن صدقته مسندة إلى ظهر قوي من المال.

فأخذها فخذفه بها خذفاً لو أصابه لشجه أو عقره، ثم قال: «يجيء أحدكم بماله كله يتصدّق به ويجلس يتكفف الناس! إنما الصدقة عن ظهر غنى» (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) إمّا أن يتعلق بـ (تتفكرون) فيكون المعنى: لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما هو أصلح لكم، كما بينت لكم أنّ العفو أصلح من الجهد في النفقة، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع. ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله: (وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب العظيم؛ وإمّا أن يتعلق بـ (يُبَيْنُ) .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فخذفه) بالخاء المعجمة، وعلى ما روينا: بالحاء المهملة، النهاية: الخذف: رميك حصاة أو نواة تأخذها بين إبهامك وسبابتك وترمي بها، أو ترمي بها بالخشب. قوله: 0 يتكفف) أي: يمد كفه يسأل الناس. قوله: (وإما أن يتعلق بـ (يُبَيِّنَ)): عطف على قوله: "إما أن يتعلق بـ (تَتَفَكَّرُونَ) "، فعلى أن يتعلق بـ (تَتَفَكَّرُونَ): المشار إليه بقوله: (كَذَلِكَ) إما جواب السؤال الثاني، وهو قوله: (قُلْ الْعَفْوَ)، وهو لكونه إرشاداً إلى الأصلح في النفقة، وقد وقع مشبهاً به لبيان الآيات، يدخل فيه سائر الأحكام الشرعية مما له مدخل في تحري الأصلح، وإليه الإشارة بقوله: "فتأخذون بما هو أصلح لكم"، هذا بالنظر إلى العفو في الإنفاق نفسه، وأما بالنظر إلى أن يقع الإنفاق راجعاً إلى السائل، ووقع مشبهاً به، فيدخل فيه الكلام في تحري إيثار ما فيه النفع من الدارين؛ لأن الإنفاق على الفضل من غير تقتير ولا تبذير، أبقى لمال المنفق، وأنفع له من الإسراف، وفيه تنبيه على أن إيثار الآخرة على الدنيا لكونها أبقى وأكثر نفعاً من شيمة العارف بالأمور المتفكر فيها، وإليه الإشارة بقوله: "أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع". وأما إذا كان المشار إليه متعلق جواب السؤال الأول، وهو قوله: (وَإِثْمُهُمَا)،

على معنى: يبين لكم الآيات في أمر الدارين، وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون. لما نزلت (إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) [النساء: 10] اعتزلوا اليتامى وتحاموهم، وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم والاهتمام بمصالحهم، فشق ذلك عليهم، وكاد يوقعهم في الحرج، فقيل: (إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم. (وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ) وتعاشروهم ولم تجانبوهم فهم فَإِخْوانُكُمْ في الدين ومن حق الأخ أن يخالط أخاه. وقد حملت المخالطة على المصاهرة. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أي: لا يخفى على اللَّه من داخلهم بإفساد وإصلاح فيجازيه على حسب مداخلته فاحذروه، ولا تتحروا غير الإصلاح ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالمعنى ما قال: "لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا" إلى آخره، وعلى أن يتعلق بقوله: (يُبَيِّنَ) يكون قوله: (تَتَفَكَّرُونَ) عاماً فيما يتفكر فيه أو مطلقاً، ويكون المشار إليه بـ (كَذَلِكَ) جميع ما سبق من أول السورة، أو جميع ما بين في التنزيل، والمعنى: مثل هذا البيان المذكور في كل ما تأتون وتذرون يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة، لعلكم تتفكرون في جميع ذلك، أو تكونون من أهلا لتفكر ومن زمرة المتدبرين. وقال صاحب "المرشد": واختلفوا في ناصب (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)، منهم من قال: إنه منتصب بـ (تَتَفَكَّرُونَ)، ومنهم من قال: منتصب بـ (يُبَيِّنُ اللَّهُ)، والوجهان بعيدان، فلا يوقف على قوله (تَتَفَكَّرُونَ) لئلا يلزم الفصل بين العامل والمعمول، والوقف التام عند قوله: (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ). قوله: (وقد حملت المخالطة على المصاهرة)، النهاية: الصهر: ما كان من خلطة تشبه القرابة يحدثها التزويج. قال الزجاج: كانوا يظلمون اليتامى فيتزوجون منهم العشر، ويأكلون أموالَهم مع أموالِهم، فشدد عليهم في أمر اليتامى تشديداً خافوا معه التزوج بنساء اليتامى ومخالطتهم،

(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ) لحملكم على العنت - وهو المشقة- وأحرجكم فلم يطلق لكم مداخلتهم. وقرأ طاووس: (قل إصلاح إليهم) ومعناه: إيصال الصلاح وقرئ (لاعنتكم)، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وكذلك (فَلا إِثْمَ) [البقرة: 173]. (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم، ولكنه (حَكِيمٌ) لا يكلف إلا ما تتسع فيه طاقتهم. [(وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فأعلم الله تعالى أن الإصلاح لهم هو خير الأشياء، وأن مخالطتهم في التزويج مع تحري الإصلاح جائزة، ويجيء تفسير الآية في "النساء" إن شاء الله. قوله: (لحملكم على العنت)، الراغب: المعانتة: كالمعاندة، لكن المعانتة أبلغ؛ لأنها معاندة فيها خوف وهلاك، ولهذا يقال: عنت فلان: إذا وقع في أمر يخاف منه التلف، يعنت عنتاً، ويقال: عنته غيره، قال تعالى: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) [التوبة: 128]. قوله: ("لاعنتكم"، بطرح الهمزة)، قرأ البزي من رواية أبي ربيعة عنه بتليين الهمزة، والباقون: بتحقيق الهمزة، قيل: أسقط في الكتابة ما أسقط في القراءة من الهمزة.

(وَلا تَنْكِحُوا) وقرئ بضم التاء، أي: لا تتزوّجوهنّ، أو: لا تزوّجوهن. والْمُشْرِكاتِ: الحربيات. والآية ثابتة. وقيل: المشركات: الكتابيات والحربيات جميعاً؛ لأن أهل الكتاب من أهل الشرك؛ لقوله تعالى: (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) إلى قوله تعالى: (سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: 30 - 31]، وهي منسوخة بقوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: 5]، وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط، وهو قول ابن عباس، والأوزاعى. وروي: أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين، وكان يهوى امرأةً في الجاهلية اسمها عناق، فأتته وقالت: ألا نخلو؟ فقال: ويحك! إن الإسلام قد حال بيننا. فقالت: فهل لك أن تتزوّج بي؟ قال: نعم، ولكن أرجع إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فاستأمره. فاستأمره؛ فنزلت. (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ): ولامرأة مؤمنة حرّة كانت أو مملوكةً، وكذلك (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ)؛ لأنّ الناس كلهم عبيد اللَّه وإماؤه. (وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ): ولو كان الحال أنّ المشركة تعجبكم وتحبونها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وَلا تَنكِحُوا) قرئ بضم التاء)، قال الزجاج: هذا وجه، ولا أعلم أحداً قرأ به. قوله: (وكذلك: (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ)) أي: ولعبد مؤمن حراً كان أو عبداً، الراغب: فيه إشارة مجملة إلى فضل العبد المؤمن على الحر المشرك، وبيان فضيلته يحتاج إلى مقدمة، وهي: أن الشيئين إذا تشككت أيهما أفضل أخذت كل واحد منهما مع ضد الآخر، فأيهما هو المؤثر حكمت له، مثاله: إن شك في العلم والغنى أيهما أفضل، تقول: انظر: هل الغنى مع الجهل أفضل أم الفقر مع العلم؟ فإذا علمت أن الفقر مع العلم أفضل من الجهل مع الغنى علمت

فإنّ المؤمنة خير منها مع ذلك، (أُولئِكَ) إشارة إلى المشركات والمشركين، أي: يدعون إلى الكفر، فحقهم أن لا يوالوا، ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال، (وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ) يعني: وأولياء اللَّه- وهم المؤمنون- يدعون إلى الجنة، (وَالْمَغْفِرَةِ)، وما يوصل إليهما؛ فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم، وأن يؤثروا على غيرهم. (بِإِذْنِهِ): بتيسير اللَّه وتوفيقه للعمل الذي تستحق به الجنة والمغفرة. وقرأ الحسن: (والمغفرة بإذنه) بالرفع، أي: والمغفرة حاصلة بتيسيره ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن العلم أفضل من الغنى، فإذا ثبت ذلك، والعبد هو الذي ملك منافعه مدة، والحر هو الذي لم تملك منافعه، والمؤمن هو المستحق للثواب الدائم، والمشرك هو المستحق للعقاب الدائم، فينظر: هل من ملك منافعه مدة ثم أثيب دائماً أفضل؟ أم من لم تستحق منافعه مدة ويعاقب دائماً؛ فإذا علمنا أن الأول خير علمنا أن العبد المؤمن خير من الحر المشرك. قوله: (أي: يدعون على الكفر) تفسير لقوله: (يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، أي: الكفر المؤدي إلى النار. قوله: (يعني: وأولياء الله) أي: حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه تفخيماً لشأنهم، وإنما قدر المضاف لأن قوله: (بِإِذْنِهِ) لا يستقيم من غير تقدير إذ لا يقول: الله يدعو بإذنه، ولأنه واقع في مقابل (أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ)، وهم أعداء الله، قوبل بأولياء الله. قوله: (وأن يؤثروا على غيرهم) صح بغير "لا" من نسخة المعزي، وفي نسخة الصمصام: "وأن لا يؤثروا على غيرهم"، مع "لا" وقال المطرزي: الصواب: وأن لا يؤثر عليهم غيرهم. قوله: ((بِإِذْنِهِ): بتيسير الله وبتوفيقه للعمل)، قال المصنف: هو مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب، وذلك ما يمنحهم من اللطف والتوفيق.

[(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ* نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)]. الْمَحِيضِ: مصدر، يقال: حاضت محيضاً، كقولك: جاء مجيئاً، وبات مبيتا. (قُلْ هُوَ أَذىً) أي: الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرةً منه وكراهة له، (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ): فاجتنبوهنّ، يعني: فاجتنبوا مجامعتهنّ. روي: أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت، كفعل اليهود والمجوس، فلما نزلت أخذ المسلمون بظاهر اعتزالهنّ؛ فأخرجوهنّ من بيوتهم، فقال ناس من الأعراب: يا رسول اللَّه، البرد شديد، والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض. فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم". وقيل: إنّ النصارى كانوا يجامعونهنّ ولا يبالون بالحيض، واليهود كانوا يعتزلونهنّ في كل شيء، فأمر اللَّه بالاقتصاد بين الأمرين ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المحيض: مصدر). قال الزجاج: يقال: حاضت المرأة، تحيض حيضاً ومحاضاً ومحيضاً، وعند النحويين: أن المصدر في هذا الباب بابه "المَفْعِل" لكن "المَفْعَل" جيد بالغ. قوله: (فاجتنبوهن، يعني: فاجتنبوا مجامعتهن)، وهو كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) [النساء: 23]، أي: نكاحهن، وفيه مبالغة، ولذلك وصف المحيض بالأذى، ورتب عليه الحكم بالفاء.

وبين الفقهاء خلاف في الاعتزال: فأبو حنيفة وأبو يوسف يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإزار، ومحمد بن الحسن لا يوجب إلا اعتزال الفرج. وروى محمد حديث عائشة رضى اللَّه عنها: أنّ عبد اللَّه بن عمر سألها: هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: تشدّ إزارها على سفلتها، ثم ليباشرها إن شاء، وما روى زيد بن أسلم: أنّ رجلاً سأل النبي صلى اللَّه عليه وسلم: ما يحلّ لي من امرأتى وهي حائض؟ قال: لتشدّ عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وقد جاء ما هو أرخص من هذا ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وروى محمد حديث عائشة رضي الله عنها)، وحديثها مذكور في "الموطأ" وفيه بدل "سفلتها": "أسفلها"، السافلة: المقعد والدبر، والسفلة، بكسر الفاء: قوائم البعير، من "الصحاح"، وحديث زيد بن أسلم أيضاً في "الموطأ". قوله: (ثم شأنك بأعلاها)، النهاية: أي: استمتع بها فوق فرجها، فإنه غير مضيق عليك، "وشأنك": منصوب بإضمار "فعل"، ويجوز رفعه على الابتداء. قوله: (وهذا قول أبي حنيفة)، يعني: روى محمد بن الحسن الحديث الثاني، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، ثم ذكر محمد بن الحسن الحديث الثالث تقوية لمذهبه، ويجوز أن يكون "وقد جاء ... " من كلام المصنف.

عن عائشة رضي اللَّه عنها: أنها قالت: يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك. وقرئ: (يطهرن) بالتشديد، أي: يتطهرن، بدليل قوله: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ)، وقرأ عبد اللَّه: (حتى يتطهرن) و (يطهرن) بالتخفيف، والتطهر: الاغتسال، والطهر: انقطاع دم الحيض، وكلتا القراءتين مما يجب العمل به، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل، وفي أقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاةٍ كامل. وذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أنه لا يقربها حتى تطهر وتتطهر فتجمع بين الأمرين. وهو قول واضح، ويعضده قوله: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (شعار الدم)، المغرب: الشعار: العلامة، وشعار الدم: أي: الخرقة، أو: الفرج، على الكناية؛ لأن كلاً منهما علم للدم. وفيه أريد بشعار الدم: الخرقة والإزار، فعلى هذا إن أريد بالشعار الإزار فهو قول أبي حنيفة، وإن أريد به الفرج والكرسف فهو قول محمد، وفي قول محمد: "قد جاء ما هو أرخص من هذا" إشعار بأن المراد منا لشعار الكرسف والفرج. قوله: (وقرئ: "يطهرن" بالتشديد) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد، وقراءة عبد الله: شاذة. قوله: (وهو قول واضح)، أي: ظاهر الآية يدل عليه، فإن قوله: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) حكم مرتب على الوصف المناسب، فعلم أن الموجب كونه أذى، فإذا انتفى الأذى

(مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ): من المأتى الذي أمركم اللَّه به وحلله لكم؛ وهو القبل. (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) مما عسى يندر منهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك، (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) المتنزهين عن الفواحش، أو إنّ اللَّه يحبّ التوّابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار، كمجامعة الحائض والطاهر قبل الغسل، وإتيان ما ليس بمباح، وغير ذلك. (حَرْثٌ لَكُمْ): مواضع حرثٍ لكم. وهذا مجاز، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يجوز قربانهن، ثم قوله: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) لابد له من فائدة زائدة على ذلك، فإذا أريد بالطهارة انقطاع الدم، كان تكريراً والمقام لا يقتضيه. فيجب حمله على الاغتسال، ويعضده قوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فإنه بناءُ مبالغة يقتضي التطهر التام، والفاء نتيجة، أي: إذا حصل الطهارتان فلا تفعلوا ما هو أقذر من ذلك من الإتيان في أدبارهن، بل (فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) مما عسى يبدر منكم من القربان في المحيض، (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ): المجتنبين عن تلك الفاحشة المتنزهين عن الإتيان في الأدبار؛ لأنه فاحشة فيكون المشار إليه بقوله: "من ذلك" ما يفهم من قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)، والمراد بالمتطهرين: المجتنبون عن تلك الفاحشة، ويجوز العكس، ويجوز أن يكون المشار إليه النهيين المذكورين في الآية، ومعنى النهي في الثاني بناءً على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وعلى الوجه الآتي القرينتان، أعني التوابين والمتطهرين، علامتان كقوله أولاً: "التوبة من كل ذنب"، وثانياً: "المطهرين من جميع الأقذار" وهذا الوجه أنسب بالاعتراض الواقع بين البيان والمبين، وأدعى للمقام، ولذلك صرح بمجامعة الحائض والطاهر قبل الغسل وإتيان ما ليس بمباح. قوله: (مما عسى يبدر منهم) بالياء والباء، وفي نسخة الصمصام: بالياء والنون. الجوهري: بدرت منه بوادر غضب، أي: خطأ وسقطات عندما احتد، والبادرة: البديهة، بدرت إلى الشيء، أبدر إليه بدوراً، شرعت، وكذلك: بادرت إليه. قوله: (مواضع حرث لكم، وهذا مجاز)، فإن قلت: هذا يوهم أن التشبيه مجاز وأن قوله

شبهن بالمحارث تشبيهاً لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور. وقوله: (فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) تمثيل، أي: فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي: جهةٍ شئتم، لا يحظر عليكم جهة دون جهة ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ): استعارة وليس به لورود المشبه والمشبه به في الكلام، فإن قوله: (نِسَاؤُكُمْ): مشبه، و (حَرْثٌ لَكُمْ): مشبه به، أي: نساؤكم كمواضع حرث لكم، والتشبيه حقيقة من الحقائق، فما القول فيه؟ قلت: أما على مذهب ابن الأثير فظاهر؛ لأن التشبيه عنده مجاز، وذلك أن إلحاق الناقص بالكامل لأجل المبالغة في قولك: زيد أسد، بدل: شجاع، تعدى اللفظ من مكانه الأصلي. أما عند المحققين فهو تشبيه بليغ كما مر، فإذن المراد بقوله: "هذا مجاز" أي: وضع (حَرْثٌ) موضع "مواضع حرث لكم" مجاز، نحو قوله تعالى: (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) [يوسف: 82]. وقوله: "شبهن بالمحارث": جملة مستأنفة، بيان للتركيب وصحة تشبيه النساء بمواضع الحرث؛ لأن قوله: "تشبيهاً لما يلقى في أرحامهن": مفعول مطلق، نحو: ضربت ضرب الأمير، يعني: شبهت النساء بالأراضي مثل ما شبهت النطف بالبذور، والظاهر أن يكون مفعولاً له؛ لأن الغرض من التشبيه ذلك. فإن قلت: ما قولك في قوله: (فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) تمثيل، ثم قوله: "من الكنايات"؟ قلت: أما التمثيل فباعتبار المعاني المنتزعة من إتيان المرأة من أي جهة شاء بعد توخي موضع الحرث وتحري رضاء الله تعالى، مثل هذه الحالة بحالة الزارع الذي له أن يأتي أراضيه المملوكة للحرث من أي جهة شاء لا يمنعه مانع، فالوجه منتزع من عدة أمور متوهمة، وهو عدم الحرج والتضييق في الإتيان بعد أن يكون المقصد واحداً، وأما الكناية فباعتبار أخذ الزبدة والخلاصة من هذا المجموع. قوله: (وقوله): مبتدأ، والمذكورات بعده مفعوله، وقوله: "من الكنايات": الخبر، أي:

والمعنى: جامعوهن من أي: شق أدرتم بعد أن يكون المأتى واحداً؛ وهو موضع الحرث. وقوله: (هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ)، (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)، (فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة، وهذه وأشباهها في كلام اللَّه آداب حسنة على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدّبوا بها، ويتكلفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم. وروي: أن اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته وهي مجبية من دبرها في قبلها؛ ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المذكورات الأربع كل واحد منها من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة، والتعريضات: عطف على الكنايات على سبيل البيان. يعني أنها تعريضات واقعة على طريق الكناية، أما قوله: (هُوَ أَذًى) فكناية عن قوله: "شيء مستقذر" كما قدره؛ لأن المستقذرات مستلزمة للأذى، ووجه حسنها: أن المراد الاجتناب عنه، فيجب أن يكني بلفظ [لا] يوحش السامع كما سبق في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: 187]، وأما قوله: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ) فهو كناية عن اجتناب قربانهن ومجامعتهن، ووجه حسنها: لفظ الاعتزال، فإنه يدل على التبعيد منهن لتناسب الأذى وإظهار لفظ النساء وتصريح المحيض، ورتب هذا الحكم على تلك الصفة، وأما قوله: (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ) فكناية عن إتيانهن في قبلهن، ووجه حسنها: الإشعار بأن في المأمور به فوائد غير ما ورد الكلام له من طلب النسل، والتحصن وغير ذلك، قال الزجاج: أي: ولا تقربوهن وهن طامثات، ولا معتكفات، ولا صائمات، ولا محرمات. وفي تخصيص اسمه الأعظم في هذا المقام معان وحكم لا تحصى، وأما قوله: (فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) فعلى ما سبق. قوله: (وهي مجبية)، النهاية: في حديث جابر: كانت اليهود تقول: إذا نكح الرجل امرأته مجبية جاء الولد أحول، أي: منكبة على وجهها تشبيهاً بهيئة السجود، والرواية عن البخاري،

كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فقال: "كذبت اليهود" ونزلت. (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة، وما هو خلاف ما نهيتكم عنه. وقيل: هو طلب الولد. وقيل: التسمية على الوطء. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) فلا تجترئوا على المناهي، (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ)؛ فتزوّدوا ما لا تفتضحون به، (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) المستوجبين للمدح والتعظيم بترك القبائح وفعل الحسنات. فإن قلت: ما موقع قوله: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) مما قبله؟ قلت: موقعه موقع البيان والتوضيح لقوله: (فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)، يعني: أنّ المأتى الذي أمركم اللَّه به هو مكان الحرث؛ ترجمة له وتفسيراً، أو إزالة للشبهة، ودلالةً على أنّ الغرض الأصيل في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة، فلا تأتوهنّ إلا من المأتى الذي يتعلق به هذا الغرض. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومسلم، وأبي داود، والترمذي، عن جابر: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت (نِسَاؤُكُمْ). قوله: (فتزودوا ما لا تفتضحون به)، يريد أن ذكر الملاقاة بعد ذكر التقوى مؤذن بأن المراد بقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) التقوى الذي ذكر في قوله: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة: 197]، ثم الوافد يحتاج في سفره إلى تقديم الوسيلة إلى من يقصد إليه، وإليه الإشارة بقوله: (وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ). قوله: (ترجمة له وتفسيراً وإزالة للشبهة)، وفي أكثر النسخ: "أو إزالة"، وفي نسخة بولغ في تصحيحها بالواو، وهي منصوبة على أنها مفعول له لقوله: "يعني"، أو لقوله: "موقع البيان"، ويجوز أن تكون مفعولاً مطلقاً أو حالاً. اعلم أن قوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) لما ورد بغير العاطف صلح أن يكون بياناً لقوله تعالى: (فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ)؛ لأنها تدل بمنطوقها على الموضع المبهم، ومن حيث

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مفهومها على شيئين آخرين لأن الأمر أن أحدهما: أن الأمر بإتيانهن قد يتوهم منه أن يكون لمجرد الشهوة، أو لطلب الولد، فبين بقوله: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) الموضع الذي ينبغي أن يؤتى فيه، فأزيل طلب مجرد الشهوة، فإن الحرث مختص بالمكان الذي يتأتى فيه البذر والزرع، والحاصل أن من حق الظاهر أن توضح الكناية بالتصريح ليتبين المقصود ظاهراً، فبينت هذه الكناية بكناية أخرى، لتلك النكتة السرية، وليناط بها مسألتان على سبيل الإدماج، إحداهما: أن النساء كالأراضي، مملوكات للرجال. وثانيتهما: رفع الجناح عما كان يجتنبه اليهود من التجبية، ثم السر في جعل (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) اعتراضاً بين البيان والمبين، وتوكيداً لمضمونهما، وإيثار بناء الفعل في (الْمُتَطَهِّرِينَ) من التفعل، وإيقاع المحبة عليه، وتخصيص اسم الله الجامع بعد سبق ذكر الأذى والمحيض: للإعلام بتوخي تكلف الطهارة وتحري العروج من حضيض السفالة إلى يفاع مدارج قدس تجلي المحبة. وفي "اللطائف القشيرية": إن الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين من العيوب، ويحب التوابين من الزلة المتطهرين من العلة. انظر أيها الناظر في كلام الله المجيد، المتأمل في دقيق إشاراته ولطيف لمحاته إلى هذه الرموز والتلويحات، لتعرف أن الحديث في الأذى والمحيض إذا اشتمل على هذه النكات، فما الظن في النبوات والإلهيات، والله أعلم. هذا على تقدير الواو، وأما على تقدير "أو" فلا ينبغي أن يجمع بين هذه المعاني، اللهم إلا أن يقال: إن "أو" للإباحة، كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين.

فإن قلت: ما بال (يَسْئَلُونَكَ) جاء بغير واو ثلاث مرات، ثم مع الواو ثلاثاً؟ قلت: كان سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرّقة، فلم يؤت بحرف العطف؛ لأنّ كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الحوادث الأخر في وقت واحد؛ فجيء بحرف الجمع لذلك؛ كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن الإنفاق، والسؤال عن كذا وكذا. [(وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)]. العرضة: فعلة بمعنى مفعول، كالقبضة والغرفة، وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيعترض دونه ويصير حاجزاً ومانعاً منه. تقول: فلان عرضة دون الخير. والعرضة أيضاً: المعرض للأمر. قال: فَلَا تَجْعَلُونِى عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بغير واو ثلاث مرات)، وهي: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ) [البقرة: 219]، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى) [البقرة: 215]، (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) [البقرة: 217]، (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ) [البقرة: 219]. قوله: (ثم مع الواو ثلاثاً)، وهي: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ) [البقرة: 219]، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى) [البقرة: 220]، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ) [البقرة: 222]، فالثلاثة الأخيرة التي فيها الواو مع الأخير ما ليس فيه الواو، أعني قوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) كأنها جمعت، فلذلك قال: "يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر" إلى آخره. قوله: (فيعترض) هو مطاوع: تعرضه. قوله: (المعرض للأمر) أي: المنصوب له. قوله: (فلا تجعلوني عرضة للوائم) أوله:

ومعنى الآية على الأولى: أنّ الرجل كان يحلف على بعض الخيرات؛ من صلة رحم أو إصلاح ذات بين أو إحسان إلى أحدٍ أو عبادة، ثم يقول: أخاف اللَّه أن أحنث في يمينى؛ فيترك البرّ إرادة البرّ في يمينه، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دعوني أنح وجداً كنوح الحمائم يقال: فلان عرضة للناس: لا يزالون يقعون فيه، وجعلت فلاناً عرضة لكذا: إذا نصبته له. الراغب: العرض: خلاف الطول، وأصله أن يقال في الأجسام ثم يستعمل في غيرها كما قال تعالى: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) والعرض: خص بالجانب، وأعرض الشيء بدا عرضه، ومنه: عرضت العود على الإناء، واعترض الشيء في حلقه: وقف فيه بالعرض، والعرضة: ما يجعل معرضاً للشيء، قال: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ)، وبعير عرضة للسفر، أي: يجعل معرضاً له. قوله: (ومعنى الآية على الأولى)، أي: على اللغة الأولى، وهي: أن يكون عرضة اسم ما تعرضه دون الشيء. قوله: "إذا حلفت على يمين"، الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. جعل المصنف قوله: "على يمين" بمعنى المحلوف عليه مجازاً، وقيل: "على يمين" معناه: ما يتعلق به اليمين، وهو من إقامة المصدر مقام المفعول، سمي المحلوف عليه يميناً، لأنها بمعنى الحلف، تقول: حلفت يميناً، كما تقول: حلفت حلفاً، يدل عليه قوله: "فرأيت غيرها خيراً"، أي: غير المحلوف عليه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال صاحب "النهاية": الحلف: هو اليمين، كما تقول: حلف يحلف حلفاً، وأصلها العقد بالعزم والنية، فخالف بين اللفظين، أي: حلف. "وعلى يمين" تأكيداً لعقده وإعلاماً أن لغو اليمين لا ينعقد، وعن النسائي، عن أبي موسى، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما على الأرض يمين أحلف عليها فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيته"، فإنه لا يدل إلا على التأكيد؛ لأن "أحلف عليها": صفة مؤكدة "ليمين"، نحو: أمس الدابر لا يعود، أي: من حلف على حلف، كقول المتنبي: أرق على أرقٍ ومثلي يأرق والمعنى: من حلف يميناً جزماً لا لغواً، ثم بدا له أمر آخر إمضاؤه أفضل من إبرار يمينه، فليأت ذلك الأمر، ويكفر عن يمينه، وهو الذي عناه بقوله: "فيترك البر إرادة البر في يمينه"، صورته: ما روينا عن مسلم ومالك والترمذي، عن أبي هريرة: أن رجلاً حلف أن لا يأكل طعاماً قدم بين يديه، ثم بدا له فأكل، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها فليأتها، وليكفر عن يمينه".

فقيل لهم: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ)، أي: حاجزاً لما حلفتم عليه. وسمي المحلوف عليه يميناً؛ لتلبسه باليمين، كما قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك» أي: على شيءٍ مما يحلف عليه. وقوله: (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا) عطف بيانٍ لـ"أيمانكم"، أي: للأمور المحلوف عليها التي هي: البر والتقوى والإصلاح بين الناس. فإن قلت: بم تعلقت اللام في (لأيمانكم)؟ قلت: بالفعل، أي: ولا تجعلوا اللَّه لأيمانكم برزخاً وحجازاً، ويجوز أن يتعلق بـ (عُرْضَةً)؛ لما فيها من معنى الاعتراض، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((أَنْ تَبَرُّوا): عطف بيان لـ "أيمانكم") بناءً على أن "أيمانكم" بمعنى المحلوف عليه، فإذن (أَنْ تَبَرُّوا) بمعنى: لأن تبروا. قال الزجاج: المعنى: لا تعترضوا باليمين بالله في أن تبروا [ومعنى الآية]: أنهم كانوا يعتلون في البر بأنهم قد حلفوا، أي: الإثم في الإقامة على ترك البر والتقوى، واليمين إذا كفرت فالذنب مغفور. وقال الإمام: المعنى: لا تجعلوا ذكر الله مانعاً بسبب هذه الأيمان عن فعل البر والتقوى، هذا أجود ما ذكره المفسرون. قوله: (قلت: بالفعل): تقرير الجواب من وجهين، أحدهما: أن تكون اللام صلة، إما لقوله: (وَلا تَجْعَلُوا) أو لـ (عُرْضَةً)، فعلى الأول: (وَلا تَجْعَلُوا) متعد إلى ثلاثة مفاعيل لكن أحدها بالواسطة، وعلى الثاني إلى مفعولين، و"أيمانكم" على التقديرين بمعنى المحلوف عليه، و (أَنْ تَبَرُّوا): بيان له. وثانيهما: أن تكون اللام للتعليل، والأيمان على حقيقتها، ويؤيده قوله: "لأجل أيمانكم به"، ويرجع معنى (أَنْ تَبَرُّوا) إلى كونه إما مفعولاً ثالثاً لتجعلوا، أو متعلق أحد مفعولي جعلوا، وهو: "عرضة"، وإليه الإشارة بقوله: "شيئاً يعترض البر".

بمعنى: لا تجعلوه شيئاً يعترض البر، من: اعترضني كذا؛ ويجوز أن يكون اللام للتعليل، ويتعلق (أن تبروا) بالفعل، أو بالعرضة، أي: ولا تجعلوا اللَّه لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا. ومعناها على الأخرى: ولا تجعلوا اللَّه معرضاً لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به؛ ولذلك ذم من أنزل فيه (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) [القلم: 10] بأشنع المذامّ، وجعل "الحلاف" مقدّمتها- و (أن تبروا) علة للنهى، أي: إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا- لأن الحلاف مجترئ على اللَّه غير معظم له؛ فلا يكون براً متقياً، ولا يثق به الناس؛ فلا يدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم. اللغو: الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره؛ ولذلك قيل لما لا يعتد به في الدية من أولاد الإبل: لغو. واللغو من اليمين: الساقط الذي لا يعتدّ به في الأيمان، وهو الذي لا عقد معه، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: إرادة أن تبروا) قيل: إنما قدر "إرادة" ليتحقق شرط حذف اللام، وهو المقارنة؛ لأن البر والتقوى والإصلاح لم تكن مقارنة للنهي، والأولى أن تقدر الإرادة لتكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل، وقيل: لا يحتاج إلى تقديرها، فإن حذف اللام على القياس المستمر، قال صاحب "المفتاح": الأصل في المفعول له اللام، فإذا لم يجتمع ما ذكرنا، أي: من الشروط، التزم الأصل إلا في نحو: زرتك أن تكرمني، وأن تحسن إلي. قوله: (لأن الحلاف مجترئ على الله) علة لجعل الحلاف مقدمة المذام. وقوله: ((أَنْ تَبَرُّوا): علة للنهي) إلى آخره: معترض بين العلة والمعلول، وقوله: "ولذلك ذم": علة معلل محذوف، المعنى: ولا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم فتبتذلوه؛ لأن تبروا وتتقوا، يعني: لأجل أن تكونوا أبراراً أتقياء يثق بكم الناس ويدخلونكم في وساطتهم، تبتذلون الله بكثرة الحلف به، وهذا من أشنع الأفعال، ولذلك ذم من أنزل فيه (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ) [القلم: 10]، وجعل الحلاف مقدمة المذام؛ لأن الحلاف مجترئ على الله تعالى، إلى آخره.

والدليل عليه: (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) [المائدة: 89]، (بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)، واختلف الفقهاء فيه: فعند أبي حنيفة وأصحابه: هو أن يحلف على الشيء يظنه على ما حلف عليه ثم يظهر خلافه، وعند الشافعي: هو قول العرب: لا واللَّه، وبلى واللَّه، مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف. ولو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لأنكر ذلك، ولعله قال: "لا واللَّه" ألف مرة. وفيه معنيان: أحدهما: (لا يُؤاخِذُكُمُ الله) أي: لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ) في المائدة [89]، وقلت: وفي قوله: (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) ذلك المعنى أيضاً، وذلك أن الكسب يستعمل فيما يزاول باليد، كقوله تعالى: (كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى: 30]، فاستعماله في القلب استعارة، فيفيد المبالغة. الراغب: قوله: (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) أعم من قوله: (بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ)، وذلك أن القلب لما كان يعبر به عن الجسد الذي به المعرفة والفكر، ويجري من سائر أجزائه مجرى الراعي من المرعي، نبه بقوله: (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) أن الاعتداد به دون غيره من الجوارح، حتى إن كل فعل لا يكون عنه وبه سهو أو خطأ متجاوز عنه، ولهذا ورد أن في الإنسان مضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد. قوله: (في المسجد الحرام) فيه نكتة، يعني: الحلف مع انضمام ما يعد مغلظة لاعتبار المقام يعد في العرف لغواً. قوله: (ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم)، يفهم من كلامه عدم المعاقبة على لغو اليمين،

أي: اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله، وهي اليمين الغموس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمعاقبة على عقدها، ولا يفهم منه ثبوت الكفارة، قال في "البداية": الأيمان على ثلاثة أضرب: يمين الغموس، ويمين منعقدة، ويمين لغو، فاليمين الغموس: هو الحلف على أمر ماض يتعمد الكذب فيه، فهذه اليمين يأثم فيها صاحبها ولا كفارة فيها إلا التوبة، وقال الشافعي رضي الله عنه: فيها الكفارة، والمنعقدة: فالحلف على أمر في المستقبل أني فعله أو لا يفعله، وإذا حنث فيها لزمته الكفارة لقوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ) [المائدة: 89]، ويمين اللغو: أن يحلف على أمر ماض وهو يظن أنه كما قال والأمر بخلافه، فهذه اليمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها، قال في "حاشيتها": تجب الكفارة في الغموس عند الشافعي، وكذلك تجب الكفارة عندنا في اللغو المفسر بالتفسير الذي عند الشافعي، ويفهم من ذلك أنه لا تجب الكفارة عندهم في اللغو المفسر بتفسيرهم، وان عقد اليمين ليس على ما فسره المصنف من اليمين الغموس. قوله: (وهي اليمين الغموس)، النهاية: وهي اليمين الكاذبة الفاجرة، كالتي يقتطع بها الحالف مال غيره، سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو في النار، وفعول: للمبالغة، وفي الحديث: "اليمين الغموس تذر الديار بلاقع".

والثاني: (لا يُؤاخِذُكُمُ) أي: لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما كسبت قلوبكم، أي: بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده. (وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم. [(لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)]. قرأ عبد اللَّه: (آلوا من نسائهم)، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما: (يقسمون من نسائهم). فإن قلت: كيف عدي بـ"من"، وهو معدى بـ"على"؟ قلت: قد ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مؤلين أو مقسمين، ويجوز أن يراد: ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولكن يلزمكم الكفارة بما كسبت قلوبكم) أي: قصدت من الأيمان، هذا المعنى هو الذي عناه صاحب "النهاية" في قوله: "من حلف على يمين"، أي: عقد بالعزم والنية، ويؤيده قوله في الحديث: "وكفر عن يمينك". قوله: (آلوا من نسائهم)، فسر (يُؤْلُونَ) بالماضي لينبه على أن المراد بالمضارع هنا الاستمرار الشامل للأزمنة الثلاثة، بدليل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) [فاطر: 29].

لهم (مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، كقولك: لي منك كذا. والإيلاء من المرأة: أن يقول: واللَّه لا أقربك أربعة أشهر، فصاعداً، على التقليد بالأشهر، أو: لا أقربك على الإطلاق، ولا يكون في مادون أربعة أشهرٍ، إلا ما يحكى عن إبراهيم النخعي. وحكم ذلك: أنه إذا فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكنه، أو بالقول إن عجز؛ صح الفيء وحنث القادر ولزمته كفارة اليمين، ولا كفارة على العاجز، وإن مضت الأربعة بانت بتطليقة عند أبي حنيفة، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لهم (من نسائهم تربص)) من: لابتداء الغاية، قال أبو البقاء: اللام في (لِلَّذِينَ) متعلق بمحذوف وهو: الاستقرار، وهو خبر والمبتدأ: (تَرَبُّصُ)، وعلى قول الأخفش هو فعل وفاعل، وأما (مِن) فقيل: يتعلق بـ (يُؤْلُونَ)، يقال: آلى من امرأته وعلى امرأته، وقيل: الأصل: على، ولا يجوز أن يقام "من" مقام "على"، فعند ذلك تتعلق "من" بمعنى الاستقرار، وإضافة التربص إلى الأشهر إضافة المصدر إلى المفعول فيه في المعنى وهو مفعول به على السعة. وضع المصنف الضمير في "لهم" موضع الموصول مع صلتها في التنزيل ليظهر تعلق "من" بالجار والمجرور لا بالصلة. قوله: (والإيلاء من المرأة: أن يقول)، الراغب: الإيلاء: الحلف المقتضي للتقصير في الأمر الذي يحلف عليه من قوله: (لا يَالُونَكُمْ خَبَالاً) [آل عمران: 118] (وَلا يَاتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ) [النور: 22] وصار في الشرع: الحلف المانع من جماع المرأة. قوله: (بانت بتطليقة عند أبي حنيفة) رضي الله عنه، في "الهداية": ولنا أنه ظلمها بمنع حقها فجازاه الشرع بزوال نعمة النكاح عند مضي هذه المدة.

وعند الشافعي: لا يصح الإيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر، ثم يوقف المولي فإما أن يفيء وإما أن يطلق، وإن أبى طلق عليه الحاكم. ومعنى قوله: (فَإِنْ فاؤُ): فإن فاؤوا في الأشهر، بدليل قراءة عبد اللَّه: (فإن فاؤوا فيهن) (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء، وهو الغالب، وإن كان يجوز أن يكون على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من الغيل، أو ببعض الأسباب لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة. (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ) فتربصوا إلى مُضيِّ المدة. (فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة. وعلى قول الشافعي رحمه اللَّه، معناه: (فإن فاءو)، (وإن عزموا) بعد مضي المدة. فإن قلت: كيف موقع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدّة التربص؟ قلت: موقع صحيح؛ لأن قوله: (فَإِنْ فاءُو)، ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعند الشافعي: لا يصح الإيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر). قال القاضي: المعنى: للمولي حق التلبث في هذه المدة فلا يطالب بفيء ولا طلاق، ويؤيده قوله: (فَإِنْ فَاءُوا) أي: رجعوا في اليمين بالحنث. وقال المصنف: "فإن فاءوا في الأشهر" ليكون موافقاً لمذهب أبي حنيفة، وأما قراءة عبد الله فمن الشواذ التي لم يذكرها ابن جني ولا الزجاج. قوله: (من الغيل)، النهاية: الغيل: أن يجامع الرجل زوجته وهي مرضع، وكذلك إذا حملت وهي مرضع، وقد أغال الرجل وأغيل، والولد مغال ومغيل، واللبن الذي يشربه الولد يقال له: الغيل أيضاً. قوله: (لأجل الفيئة) متعلق بقوله: "يغفر". قوله: (وعلى قول الشافعي) عطف على قوله: "ومعنى قوله: (فَإِنْ فَاءُوا) ". قوله: (كيف موقع الفاء؟ ) أي: الفاء تقتضي التعقيب والترتيب، فكيف يصح مذهب

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أبي حنيفة، فإن الفيء وعزم الطلاق يصح عنده قبل مضي الأشهر الأربعة لا بعده؟ وأجاب: إن عطف قوله: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ) على قوله: (فَإِنْ فَاءُوا) يدل على أن كليهما كالتفصيل لما أجمل في قوله: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، والمفصل عن المجمل يتعقبه في الذكر لا الوجود، وأجاب الإمام: أن الفيء وعزم الطلاق مشروعان عقيب الإيلاء وعقيب حصول التربص، فلابد أن يكون مدخول الفاء واقعاً بعد هذين الأمرين، والمثال المذكور ليس منه؛ لأن الفاء مذكورة عقيب شيء واحد. وقلت: المثال المذكور ليس منه؛ لأن الفاء مذكورة عقيب شيء واحد؛ لأن النزيل عند القوم لا يخلو حاله من هذين المعنيين، إما أنهم يراعون حقه أو يتركونه ولا يلتفتون إليه، ولا ثالث فيصح التفصيل، وأما في الآية فللمولي حالة ثالثة غير الفيء والطلاق، وهو التربص، فلا يكون التفصيل حاصراً، على أن التربص يدفعهما؛ لأن معناه: الانتظار والتوقف، كما في قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228]، فالواجب حمل الفاء على التعقيب مطلقاً. قال صاحب "الانتصاف": ما قاله صاحب "الكشاف" في الفاء التفصيلية تفريع على مذهب أبي حنيفة، والسؤال لازم له، ويجوز أن يجاب عنه على مذهبه، فإن التربص هو: الانتظار، وذلك يصدق بالشروع فيه، فتقول لمن أمهلته: قد أجلتك أربعة أشهر، وتربصت بك أربعة أشهر، وإن لم يمض منها إلا دقيقة، فتكون الفاء واقعة في محلها حقيقة ولا يحتاج إلى حملها على المجاز. وقلت: هو وإن أجرى الفاء على حقيقتها لكن جعل مدة تربص أربعة أشهر مجازاً من الشروع فيها، وعلى ما قررنا لا يلزم من ذلك شيء.

(وَإِنْ عَزَمُوا) تفصيل لقوله: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ)، والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول: أنا نزيلكم هذا الشهر، فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره، وإلا لم أقم إلا ريثما أتحوّل. فإن قلت: ما تقول في قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وعزمهم الطلاق بما يعلم ولا يسمع؟ قلت: الغالب أن العازم للطلاق وترك الفيئة والضرار لا يخلو من مقاولة ودمدمة، ولا بد له من أن يحدّث نفسه ويناجيها بذلك، وذلك حديث لا يسمعه إلا اللَّه كما يسمع وسوسة الشيطان. (وَالْمُطَلَّقاتُ): أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نزيلكم)، الجوهري: النزيل: الضيف، قال: نزيل القوم أعظمهم حقوقاً ... وحق الله في حق النزيل قوله: (فإن أحمدتكم) أي: وجدتكم محمودين. قوله: (ريثما أتحول)، النهاية: وفي الحديث: "فلم يلبث إلا ريثما قلت" أي: قدر ما قلت. قوله: (ودمدمة). في الحواشي: الدمدمة: الكلام الخفي، وكذا الدندنة، ولم نجد في كتب اللغة الدمدمة في الميم، وفي "الصحاح": الدندنة: هي: أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يفهم، وزاد صاحب "النهاية": وهو أرفع من الهينمة قليلاً. وكذا في "الفائق". الراغب: "دمدم عليهم ربهم" أي: أهلكهم وأزعجهم، وقيل: الدمدمة: حكاية صوت الهرة، ومنه دمدم فلان في كلامه.

فإن قلت: كيف جازت إرادتهن خاصة واللفظ يقتضى العموم؟ قلت: بل اللفظ مطلق في تناول الجنس .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بل اللفظ مطلق في تناول الجنس) أي: اللفظ شائع في جنسه مقيد ها هنا بقيدين. اعلم أن الجمع المحلى باللام يفيد العموم؛ لأن العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد، والمطلقات كذلك، لكن منع هنا مانع من الحمل عليه. قال الإمام: إنما يحسن تخصيص العام إذا كان الباقي بعد التخصيص أكثر، فإن العادة جارية في أن الثوب إذا كان الغالب عليه السواد يقال: إنه أسود، ولا يقال فيما إذا كان الغالب عليه البياض: إنه أسود، وهذه الآية من القسم الثاني، فإن "المطلقات" صالحة للمطلقات المدخولات ولغير المدخولات، ولذوات الأقراء ولذوات الأشهر وللحوامل، فأنتم أخرجتم عن عمومها أكثر الأقسام وتركتم الأقل، فإطلاق لفظ العام عليه غير لائق، وقال الأرموي في "الحاصل": مثال التقييد بالحكم قوله: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ). هذا وإن عند الحنفية على ما نقله البزدوي في "أصوله": دليل الخصوص مستقل بنفسه ومقارن للعموم، فيشبه الناسخ بصيغته؛ لأنه نص قائم بنفسه، ويشبه الاستثناء بمقارنته، حتى لو تراخى كان ناسخاً. وأيضاً، إن المطلق يوجب العمل بإطلاقه، فإذا صار مقيداً صار شيئاً آخر؛ لأن القيد والإطلاق ضدان لا يجتمعان، وإن التخصيص تصرف في النظم ببيان أن بعض الجملة غير مراد بالنظم مما يتناوله النظم، فالمخصص يتناول بعض العموم، والقيد لا يتناوله المطلق مطلقاً، فعلى هذا لا يجوز أن يكون (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) وقوله: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) تخصيصاً للمطلقات، لأنهما ليستا جملتين مستقلتين، فتعين أن تكونا قيدين.

صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك. فإن قلت: فما معنى الإخبار عنهن بالتربص؟ قلت: هو خبر في معنى الأمر. وأصل الكلام: وليتربص المطلقات، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً، ونحوه قولهم في الدعاء: رحمك اللَّه! أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة، كأنما وجدت الرحمة، فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ، مما زاده أيضاً فضل تأكيد، ولو قيل: ويتربص المطلقات، لم يكن بتلك الوكادة. فإن قلت: هلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء، كما قيل: (تربص أربعة أشهر)؟ وما معنى ذكر الأنفس؟ قلت: في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث؛ لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن؛ وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (صالح لكله وبعضه)، هذا هو الذي عناه صاحب "المفتاح": أن الحقيقة من حيث هي هي صالحة للتوحد والتكثر، والحكم بأحدهما يعرف بالقرينة، كاللفظ المشترك، وها هنا قامت القرينة على أنها المطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء. قوله: (وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد). قال صاحب "المفتاح": سببه أن المبتدأ يستدعي أن يسند إليه شيء، فإذا جاء بعده ما يصلح أن يسند إليه صرفه المبتدأ إلى نفسه، فينعقد بينهما حكم، ثم إذا كان متضمناً لضميره صرفه إلى المبتدأ ثانياً فيكتسي الحكم قوة. قوله: (فيحملهن على أن يتربصن)، الراغب: التربص: الانتظار بالشيء، سلعة يقصد بها الغلاء أو رخصاً، أو أمراً ينتظر زواله أو حصوله، يقال: لي ربصة بكذا أو تربص.

فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص. والقروء: جمع قرء أو قرء، وهو الحيض؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، وقوله: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان»، ولم يقل: طهران، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويغلبنها على الطموح)، الأساس: غلبته على الشيء: أخذته منه، وهو مغلوب عليه. قوله: (بدليل قوله: "دعي الصلاة أيام أقرائك"، وقوله للأمة: "وعدتها حيضتان")، ما وجدتهما في "الأصول"، ومع هذا فهما معارضان بحديث ابن عمر رضي الله عنهما كما سيجيء، ويؤيده أيضاً ما روينا عن مالك، عن عائشة رضي الله عنها: "أتدرون ما الأقراء؟ هي الأطهار"، وقال مالك: قال ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلا هو يقول ما قالت عائشة، وأما الآية فلا تصح للدليل.

وقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) [الطلاق: 4]، فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار؛ ولأن الغرض الأصيل في العدة استبراء الرحم، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر؛ ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة. ويقال: أقرأت المرأة؛ إذا حاضت، وامرأة مقرئ. وقال أبو عمرو بن العلاء: دفع فلان جاريته إلى فلانة تقرئها، أي: تمسكها عندها حتى تحيض للاستبراء. فإن قلت: فما تقول: في قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: 1] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مقام الحيض دون الأطهار)، وذلك أن قوله: (إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) [الطلاق: 4] إرشاد إلى إزالة الارتياب الحاصل بسبب اليأس من الحيض، فيجب حمل (فَعِدَّتُهُنَّ) على ما يزيل الارتياب، وهو وجود الحيض دون الطهر، يدل عليه قوله في تفسيرها: "فمعنى (إِنْ ارْتَبْتُمْ): إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن، فهذا حكمهن". وجوابه: أنا وإن كنا قائلين بأن العدة بالأطهار، لكنا لا نقول: إن الحيض ليس بأمارة لمعرفة الأطهار، فاللبس ها هنا في العدة لرفع علامتها. وقوله: (والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر)، قال القاضي: إن القرء يطلق للحيض وللطهر الفاصل بين الحيضتين، وأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض، وهو المراد به في الآية؛ لأنه هو الدال على براءة الرحم، لا الحيض كما قالت الحنفية. قوله: ((فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ))، وتوجيهه: أن اللام للوقت، أي: في وقت عدتهن، قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [الأنبياء: 47]، أي: في وقت القيامة، و (أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [الإسراء: 78] أي: وقد دلوكها، وهذا الوقت لا ينبغي أن يكون وقت الحيض؛ لأن الطلاق فيه منهي عنه لما روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" و"الموطأ"

والطلاق الشرعي إنما هو في الطهر؟ قلت: معناه: مستقبلات لعدتهن، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و"سنن أبي داود" و"الترمذي" و"النسائي" و"الدارمي" و"ابن ماجة"، عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ منه ثم قال: "ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله". قوله: (معناه: مستقبلات لعدتهن)، فإن أيد بما روينا بالإسناد المذكور في حديث ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (وطلقوهن) في قبل عدتهن، قلنا: هذا عليه لا له، قال الإمام: معناه: فطلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه والإذن بالتطليق في جميع زمان الطهر، فوجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة. تقريره: أن العدة عبارة عن: الزمان الذي تتربص فيه المرأة بعد الفراق، وله مبتدأ ومنتهى، ومبدأه عقيب حصول الفراق، سواء كان طهراً أو حيضاً، وتعيينه بدليل خارجي، بدليل أن ابن عمر رضي الله عنهما لم يفهم من معنى الآية المراد حتى بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "فتلك العدة كما أمر الله". وقال محيي السنة: فائدة الخلاف تظهر في أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها عند من يجعل القرء طهراً، وعند من يجعله حيضاً لا تنقضي العدة حتى تنقضي الحيضة الثالثة، قالت عائشة رضي الله عنها: إذا طعنت المعتدة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه

كما تقول: لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبلا لثلاث، وعدتهنّ الحيض الثلاث ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبرئ منها. ومن يجعلها حيضاً يقول: لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة. قال الزجاج: في هذا مذهب آخر، قال أبو عبيدة: القرء يصلح للحيض وللطهر، وقال: أظنه من أقرأت النجوم: إذا غابت، وكذا عن يونس، وقال الزجاج: والذي عندي: أن القرء في اللغة: الجمع، يقال: قريت الماء في الحوض، وقرأت القرآن، أي: لفظت به مجموعاً، فالقرء: اجتماع الدم في البدن، فيكون في الطهر، ويجوز اجتماعه في الرحم، فعلى هذا القرء مشترك معنوي. قوله: (لثلاث بقين من الشهر). قال الحريري في "درة الغواص": ومن أوهامهم في باب التاريخ أنهم يؤرخون لعشرين ليلة خلت ولخمس وعشرين خلون، ولاختيار أن يقال: من أول الشهر إلى منتصفه: خلت وخلون، وأن يستعمل في النصف الثاني: بقيت وبقين، على أن العرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير، فيقولون: لأربع خلون، وإحدى عشرة خلت، ولهم اختيار آخر أيضاً، وهو أن يجعل ضمير الجمع الكثير الهاء والألف، وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشددة، كما نطق به القرآن في قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: 36]، فجعل ضمير الأشهر الحرم الهاء والنون لقلتهن، وضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها.

فإن قلت: فما تقول في قول الأعشى: لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فما تقول في قول الأعشى)، توجيهه أن يقال: لزمك من تفسيرك لقوله تعالى: (لِعِدَّتِهِنَّ) بقولك: "مستقبلات لعدتهن" أن تقول في قول الأعشى: أفي كل عام أنت جاشم غزوة مستقبلاً للذي ضاع من حيض نسائك، والحيض لا توصف بالضياع؛ لأنهن لا يجامعن فيها، وإنما يوصف بها الطهر؟ وأجاب: "بأن القرء في البيت مستعار لطول المدة"، لكن بمرتبتين، ففي المرتبة الأولى هو مجاز من العدة لقوله: "من عدة نسائك"، ثم المراد من العدة لازمها، وهو طول المدة، يدل عليه إيقاع قوله: "أي: من مدة طويلة" تفسيراً له، ولما شرط في المجاز- الذي هو في المرتبة الأولى- أن يكون مشهوراً بالغاً مبلغ الحقيقة في التبادر إلى الذهن، قال: "لشهرة القروء عندهم في الاعتداد بهن"، وفيه تعسف، إذ العدول إلى المجاز إنما يصار إليه إذا انتهض الصارف، وقد تقرر أن اللفظ مشترك يحتاج في إرادة أحد معنييه إلى القرينة، وها هنا قامت القرينة على إرادة الطهر، فلا يجوز العدول عنه، وأما جوابه الثاني فهو أقرب من الأول. قال الزجاج: ذكر أبو عمرو بن العلاء أن القرء: الوقت، وهو يصلح للحيض والطهر، يقال: هذا قارئ الرياح: لوقت هبوبها، وأنشدوا: شنئت العقر، عقر بني شليل ... إذا هبت لقارئها الرياح

قلت: أراد: لما ضاع فيها من عدّة نسائك لشهرة القروء عندهم في الاعتداد بهن، أي: من مدّةٍ طويلةٍ كالمدة التي تعتد فيها النساء؛ استطال مدة غيبته عن أهله كل عام؛ .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: لوقت هبوبها وشدة بردها، لكن لابد من التخصيص ها هنا بالأطهار؛ لأن الشاعر يخاطب غازياً لا يبرح في تقحم الأهوال وتجشم الأفزاع والشدائد، يطلب المال والجاه ويترك مغازلة النساء ومعاشرتهن والتلذذ بغشيانهن، وذلك لا يستقيم في سائر الأوقات، فيلزم تخصيص الأوقات بزمان الطهر، وأنشد في مبدأ المعنى، وقيل: إنه لجاهلي: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار قوله: (لما ضاع فيها) أوله في "معالم التنزيل": أفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا مؤثلة مالاً، وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا ويروى: مورثة، جشمت الأمر أجشمه جشماً، وتجشمته: إذا تكلفته، يقال: عزمت على كذا عزماً وعزيمة وعزيماً: إذا أردت فعله، والعزاء: الصبر، يقال: عزيته تعزية فتعزى. هو يقول: أتكلف نفسك كل عام غزوة تشد لأبعدها وأشقها عزيمة الصبر لتكثر المال وتزيد الرفعة في الحي لما يضيع في تلك الغزوة من أطهار نسائك، واللام في "لما" كما في قوله تعالى: (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً) [القصص: 8]. فإن قلت: الهمزة في البيت للإنكار، ثم تصريح الخطاب "بأنت" والمواجهة بقوله: "نسائكا" بعيد عن مقام المدح؟ قلت: بل الشاعر ما اكتفى من المبالغات بما ذكرت، بل قدم الظرف والفاعل المعنوي على عاملهما ليدل على تخصيص عموم الأحوال، وقصره على المخاطب، ثم بالغ في الغزوة حيث أتبعها بقوله: "لأقصاها" تتميماً لها، واستعار حرف الترتب،

لاقتحامه في الحروب والغارات، وأنه يمرّ على نسائه مدة كمدة العدة ضائعة لا يضاجعن فيها، أو أراد: من أوقات نسائك، فإنّ القرء والقارئ جاء في معنى الوقت، ولم يرد لا حيضاً ولا طهراً. فإن قلت: فعلام انتصب (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)؟ قلت: على أنه مفعول به، كقولك: المحتكر يتربص الغلاء، أي: يتربصن مضيّ ثلاثة قروء، أو على أنه ظرف، أي: يتربصن مدة ثلاثة قروء. فإن قلت: لم جاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء؟ قلت: يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر؛ .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو اللام في قوله: "لما ضاع" لما لا ترتب له، كل هذه المبالغات؛ إعلاماً بأن المدح بلغ نهايته وغايته، ورجع المعنى إلى قولك للشجاع: قاتلك الله ما أشجعك! وقول عروة: رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح قال القتيبي في "طبقات الشعراء": اسم أعشى: ميمون بن قيس، جاهلي أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخرج إليه يريد الإسلام، فلقيه أبو سفيان فأخبره أنه يحرم عليك ثلاثاً كلها موافق لك: الزنا والخمر والقمار، فقال: أما الزنا فهو الذي تركني، وأما الخمر فتركتها، وأما القمار فلعلي أصيب منه خلفاً، قال: أو خير من هذا؟ نجمع لك مئة ناقة حمراء فتنصرف بها إلى أهلك، فقال لقريش: هذا الأعشى قد تعرفون شعره، والله لئن صبأ لتصبون العرب قاطبة، فلما قبض الإبل ورجع رماه في طريقه بعيره فقتله. قوله: (يتسعون في ذلك). قال الحريري في "الدرة": المعنى: لتتربص كل واحدة من المطلقات ثلاثة أقراء، فلما أسند على جماعتهن (ثَلَاثَةَ)، فالواجب على كل واحدة منهن ثلاثة،

لاشتراكهما في الجمعية، ألا ترى إلى قوله: (بِأَنْفُسِهِنَّ)؟ وما هي إلا نفوس كثيرة، ولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الأقراء فأوثر عليه؛ تنزيلاً للقليل الاستعمال منزلة المهمل، فيكون مثل قولهم: ثلاثة شسوع. وقرأ الزهري: (ثلاثة قرو) بغير همزة. (ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ) من الولد، أو من دم الحيض؛ وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع؛ ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها، أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض: قد طهرت؛ استعجالاً للطلاق. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أتى بلفظة (قُرُوءٍ) لتدل على الكثرة المرادة والمعنى الملموح. وقال القاضي: ولعل الحكم لما عم المطلقات ذوات الأقراء تضمن معنى الكثرة، فحسن بناؤها، وقلت: ومثل هذا المعنى ذكر المصنف في تفسير قوله: (لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [الأنفال: 51]. قوله: (ينتظر بطلاقها)، قيل: الباء في "بطلاقها" للتعدية، وموضع "أن تضع": جر بالخافض من المضمر، أي: يؤخر طلاقها للوضع، أو: إلى الوضع، والظاهر أن تكون الباء سببية، "وأن تضع": مفعول ينتظر. قوله: (أو كتمت): عطف على "فكتمت"، وهما نشر لقوله: "من الولد، أو: من دم الحيض"، قال الزجاج: قوله تعالى: (أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) بالولد أشبه؛ لأن ذكر الأرحام مؤذن به لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ) [آل عمران: 6]، قال الإمام: الحيض خارج من الرحم لا مخلوق في الرحم.

ويجوز أن يراد اللاتي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة، فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه. (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) تعظيم لفعلهن، وأن من آمن باللَّه وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم. والبعول: جمع بعل، والتاء لاحقة لتأنيث الجمع، كما في الحزونة والسهولة، ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر، من قولك: بعل حسن البعولة، يعني: وأهل بعولتهن (أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ): برجعتهن. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجحدنه لذلك)، أي: للإسقاط، قال الإمام: قوله: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) كلام مستأنف مستقل بنفسه من غير أن يرد إلى ما تقدم، فيجب حمله على كل ما يخلق في الرحم، وعنى بقوله: "مستأنف مستقل" أنه تذييل للكلام السابق. قوله: (وأن من آمن بالله): عطف تفسيري على قوله: ""تعظيم لفعلهن" يعني: ارتكبن أمراً عظيماً، وإنما نشأ التعظيم من لفظة (إِن)، حيث شكك الناس في إيمانهن، وأدخلهن في زمرة الذين لا يرجح إيمانهم على كفرهم تغليظاً، وإليه الإشارة بقوله: "من آمن لا يجترئ على مثله"، كقوله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 97] أي: لا يترك الحج وله استطاعة بعد هذا البيان إلا من قرب إلى الكفر. قوله: (والتاء لاحقة لتأنيث الجمع)، الراغب: البعل: النخل الشارب بعروقه، وعبر به عن الزوج لإقامته على الزوجة للمعنى المخصوص، وقيل: باعلها، كقولك: جامعها، وبعل الرجل: إذا دهش فأقام مكانه كالنخل الذي لا يبرح، وبهذا النظر قيل لمن لا يحول عن مكانه: ما هو إلا شجر أو حجر.

وفي قراءة أبٌيّ: (بردّتهن) (فِي ذلِكَ): في مدة ذلك التربص. فإن قلت: كيف جُعلوا أحق بالرجعة، كأن للنساء حقاً فيها؟ قلت: المعنى أنّ الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها، وكان هو أحق منها، لا أن لها حقاً في الرجعة. (إِنْ أَرادُوا) بالرجعة (إِصْلاحاً) لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن، ولم يريدوا مضارّتهنّ. (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ) ويجب لهنّ من الحق على الرجال مثل الذي يجب لهم عليهنّ، (بِالْمَعْرُوفِ) بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس، فلا يكلفنهم ما ليس لهنّ، ولا يكلفونهنّ ما ليس لهم، ولا يعنف أحد الزوجين صاحبه. والمراد بالمماثلة مماثلة الواجبِ الواجبَ في كونه حسنةً، لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال. (دَرَجَةٌ) زيادة في الحق وفضيلة. قيل المرأة تنال من اللذة ما ينال الرجل، وله الفضيلة بقيامه عليها وإنفاقه في مصالحها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: وقال الزجاج: بعوله: جمع بعل، كذكر وذكورة وعم وعمومة، والهاء: زيادة مؤكدة لمعنى تأنيث الجماعة، وهذه الأمثلة سماعية لا قياسية، فلا نقول في كعب: كعوبة. قوله: (لا أن لها حقاً في الرجعة) يشير إلى أن تسمية إباء المرأة بالرجعة للتأييس، إما للتغليب أو المشاكلة، أو من باب: الصيف أحر من الشتاء، وذلك أن الشارع أبغض المفارقة وأحب الموافقة، فكان طلب الرجعة من البعولة أبلغ في بابه من طلب الفرقة من المرأة، روينا عن أبي داود، عن محارب بن دثار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق"، وفي رواية قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". وعن الترمذي وأبي داود، عن

[(الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَاخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)]. (الطَّلاقُ) بمعنى التطليق، كالسلام بمعنى التسليم، أي: التطليق الشرعي تطليقةٌ بعد تطليقةٍ ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثوبان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة"، فعلى هذا يمكن أن يحمل أفعل على مطلق الزيادة، روماً للمبالغة، فلا يتصور من جانب المرأة شيء من الطلب، كأنه قيل: حقيق على البعولة ردهن واي حقيق؛ لأن الله تعالى يبغض المفارقة، كقولك: الله أكبر في أحد وجهيه، وسيجيء تقريره في سورة "الزمر" مستوفى إن شاء الله تعالى. قال القاضي: الضمير في (بُعُولَتُهُنَّ) أخص من المرجوع إليه ولا امتناع فيه، كما لو كرر الظاهر، أي: كما أن إعادة الظاهر لا تخصص العام المقدم لكونها شيئاً واحداً، كذا الضمير لأنه بمنزلة الظاهر. قوله: ((الطَّلاقَ) بمعنى التطليق)، ولذلك قوبل بقوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، الراغب: التسريح كالتطليق في أنه من: سرحت الماشية، كما أن الطلاق من أطلقت البعير، والمعروف ما لا تنكره العقول الصحيحة، وسمي الجود معروفاً لمعرفة العقول كلها حسنة، وعلى هذا قول الشاعر:

على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدةً، ولم يرد بالمرتين التثنية، ولكن التكرير، كقوله: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) [الملك: 4] أي: كرّةً بعد كرّةٍ، لا كرّتين اثنتين، ونحو ذلك من التثاني التي يراد بها التكرير: قولهم: لبيك، وسعديك، وحنانيك، وهذاذيك، ودواليك. وقوله تعالى: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) تخيير لهم .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو، وأما وجهه فجميل فإن قيل: كيف علق التسريح بالإحسان، وهل بينه وبين المعروف فرق؟ قيل: الإحسان أعم معنى من المعروف؛ لأن الشيء قد يكون معروفاً غير منكر ولا يكون مستحسناً، فكل إحسان معروف، وليس كل معروف إحساناً، وبين أن من حق المسرح أن يبذل ما يزيد على الإنصاف تبرعاً، وذلك على حسب ما كانوا يراعون في بذل فضل المعروف لمن يرتحل عنهم. قوله: (على التفريق)، أي: يطلق في قرء طلقة ثم في آخر أخرى إلى الثالثة، لا أن يطلق في قرء واحد ثلاثاً. قوله: (من التثاني)، الجوهري: ثنيت الشيء ثنياً: عطفته، وثنيته تثنية، أي: جعلته اثنين. قوله: (لبيك)، قال ابن السكيت: هو من الب بالمكان: أقام به ولزمه، قال الجوهري: وكان من حقه أن يقال: لباً لك، لكنه ثني على معنى التأكيد، أي: إقامة على طاعتك بعد إقامة، و"سعديك" أي: إسعاداً لك بعد إسعاد، وحنانيك أي: رحمةَ بعد رحمة، يعني كلما كنت في رحمة اتصلت برحمة أخرى، وهذاذيك، أي: قطعاً بعد قطع، ودواليك: مداولة بعد مُداولة، أو: دال لك الأمر دوالاً بعد دوال، من: دالت لك الدولة.

بعد أن علمهم كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام بمواجبهنّ، وبين أن يسرحوهنّ السراح الجميل الذي علمهم. وقيل: معناه الطلاق الرجعى مرّتان؛ لأنه لا رجعة بعد الثلاث. (فإمساك بمعروف) أي: برجعة، (أو تسريح بإحسان)، أي: بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدّة، أو بأن لا يراجعها مراجعة يريد بها تطويل العدة عليها. وقيل: بأن يطلقها الثالثة في الطهر الثالث. وروي: أنّ سائلاً سأل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أين الثالثة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (أو تسريح بإحسان). وعند أبي حنيفة وأصحابه: الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهرٍ لم يجامعها فيه؛ لما روي في حديث ابن عمر: أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال له: «إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة»، وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث؛ لحديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها ثلاثاً بين يدي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فلم ينكر عليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بعد أن علمهم) فيه تقديم وتأخير؛ لأن الأصل تخيير لهم بين أن يمسكوا النساء بعد أن علمهم وبعد أن يسرحوهن السراح الجميل الذي علمهم، ومعنى "بعد" مستفاد من الفاء في قوله: (فَإمْسَاكٌ). قوله: (وقيل: معناه الطلاق الرجعي) عطف على قوله: "أي: التطليق الشرعي". فاللام على الأول: للجنس، والمراد بقوله: (مَرَّتَانِ) التكرير، وعلى هذا: للعهد، والمعهود: ما علم من قوله: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) أي: برجعتهن. قوله: (لحديث العجلاني)، ذكر الحميدي عن الشيخين، عن سهل بن سعد الساعدي، "أن عويمراً العجلاني قال: يا رسول الله، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد نزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فأت بها"، قال

وروي: أنّ جميلة بنت عبد اللَّه بن أبيّ كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها، فأتت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقالت: يا رسول اللَّه، لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شيء، واللَّه ما أعيب عليه في دينٍ ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، ما أطيقه بغضاً إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة؛ فإذا هو أشدهم سواداً، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سهل: فتلاعنا، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين، وفي رواية ابن جريج: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد، وقال بعد قوله: فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذاكم التفريق بين كل متلاعنين" ورواه صاحب "الجامع"، عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود والنسائي، مع اختلافات فيه. وأما حديث ثابت فقد ذكره الأئمة بروايات شتى وليس فيها: "إني رفعت جانب الخباء" إلى قوله: "وأقبحهم وجهاً"، بل فيه الحديث: "إن ثابتاً ضربها فكسر يدها". قوله: (لا أنا ولا ثابت) أي: لا أجمع أنا وثابت، وفي رواية البخاري والنسائي: "ما أعتب" بالتاء المنقوطة من فوق. قوله: (أكره الكفر) أي: كفر العشير، أي الزوج، النهاية: في الحديث: "أكثر أهلها

وأقصرهم قامةً، وأقبحهم وجهاًَ فنزلت. وكان قد أصدقها حديقةً فاختلعت منه بها. وهو أوّل خلع كان في الإسلام. فإن قلت: لمن الخطاب في قوله: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَاخُذُوا)؟ إن قلت: للأزواج لم يطابقه قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ)، وإن قلت: للأئمة والحكام؛ فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن. قلت: يجوز الأمران جميعاً؛ أن يكون أوّل الخطاب للأزواج، وآخره للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره، وأن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام؛ لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون. (مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ): مما أعطيتموهنّ من الصدقات، (إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ): إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود اللَّه فيما يلزمهما من مواجب الزوجية؛ لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها. (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما): على الرجل فيما أخذ، ولا عليها فيما أعطت، (فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر. والخلع بالزيادة على المهر مكروه؛ وهو جائز في الحكم. وروي: أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر رضى اللَّه عنه، فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليالٍ ثم دعاها، فقال: كيف وجدت مبيتك؟ قالت: ما بت منذ كنت عنده أقرّ لعيني منهن. فقال لزوجها: اخلعها ولو بقرطها. قال قتادة: يعني بمالها كله .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النساء لكفرهن"، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "لا، ولكن يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير" أي يجحدن إحسان أزواجهن. قوله: (لم يطابقه قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ)؛ لأن الخطاب فيه للأئمة والحكام. قوله: (ولو بقرطها)، فيه تلميح، وقال الميداني: أصل المثل: خذه ولو بقرطي مارية، وهي مارية بنت ظالم، وأختها هند الهنود امرأة حجر آكل المرار الكندي، قال أبو عبيد: هي أم ولد جفنة، يقال: إنها أهدت إلى الكعبة قرطيها وعليهما درتان كبيضتي حمام لم ير الناس مثلهما، يضرب في الشيء الثمين، أي: لا يفوتنك بأي ثمن يكون.

هذا إذا كان النشوز منها، فإن كان منه كره له أن يأخذ منها شيئاً. وقرئ: (إلا أن يخافا) على البناء للمفعول وإبدال (ألا يقيما) من ألف الضمير، وهو من بدل الاشتمال، كقولك: خيف زيد تركه إقامة حدود اللَّه، ونحوه: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) [الأنبياء: 3]، ويعضده قراءة عبد اللَّه: (إلا أن تخافوا)، وفي قراءة أبىّ (إلا أن يظنا)، ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن، يقولون: أخاف أن يكون كذا، وأفرق أن يكون، يريدون أظن. (فَإِنْ طَلَّقَها) الطلاق المذكور الموصوف بالتكرار في قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ)، واستوفى نصابه؛ أو فإن طلقها مرةً ثالثةً بعد المرّتين (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ) من بعد ذلك التطليق (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ): حتى تتزوّج غيره. والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل، كما التزوج. ويقال: فلانة ناكح في بنى فلان. وقد تعلق من اقتصر على العقد في التحليل بظاهره، وهو سعيد ابن المسيب، والذي عليه الجمهور أنه لا بد من الإصابة؛ لما روى عروة عن عائشة رضي اللَّه عنها: أنّ امرأة رفاعة جاءت إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "إلا أن يخافا"، على البناء للمفعول)، قرأها حمزة وأبو جعفر ويعقوب، أي: يعلم ذلك منهما إما القاضي أو الوالي، يؤيده قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ). قوله: (أو: فإن طلقها مرة ثالثة) هذا إشارة على الوجه الثاني، وقوله: "فإن طلقها الطلاق المذكور" إلى الوجه الأول في تفسير قوله: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ). قال القاضي: (فَإِنْ طَلَّقَهَا): متعلق بقوله: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ)، وتفسير لقوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) اعترض بينهما ذكر الخلع دلالة على أن الطلاق يقع مجاناً تارة وبعوض أخرى، والمعنى: فإن طلقها بعد الثنتين (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ). قوله: (أن امرأة رفاعة) الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما مع اختلاف فيه، وعبد الرحمن ابن الزبير بفتح الزاي وكسر الباء.

فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوّجني، وإنما معه مثل هُدبة الثوب، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ! لا حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك". وروي: أنها لبثت ما شاء اللَّه ثم رجعت فقالت: إنه كان قد مسني. فقال لها: "كذبت في قولك الأوّل فلن أصدّقك في الآخر"، فلبثت حتى قبض رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فأتت أبا بكر رضى اللَّه عنه فقالت: أرجع إلى زوجي الأوّل؟ فقال: قد عهدت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين قال لك ما قال، فلا ترجعي إليه. فلما قبض أبو بكر رضى اللَّه عنه قالت مثله لعمر رضى اللَّه عنه فقال: إن أتيتينى بعد مرّتك هذه لأرجمنك، فمنعها. فإن قلت: فما تقول في النكاح المعقود بشرط التحليل؟ قلت: ذهب سفيان والأوزاعي وأبو عبيدٍ ومالكٌ وغيرهم إلى أنه غير جائز، وهو جائزٌ عند أبى حنيفة مع الكراهة. وعنه: أنهما إن أضمرا التحليل ولم يصرحا به فلا كراهة، وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أنه لعن المحلل والمحلل له. وعن عمر رضي اللَّه عنه: لا أوتى بمحللٍ ولا محلل له إلا رجمتهما. وعن عثمان رضي اللَّه عنه: لا، إلا نكاح رغبةٍ غير مدالسة ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عسيلته)، النهاية: شبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقاً، وإنما أنث لأنه أراد "قطعة" من العسل، وقيل: على إعطائها معنى النطفة، وقيل: العسل في الأصل يذكر ويؤنث، وإنما صغره لأنه أشار إلى القدر القليل الذي يحصل به الحل. قال الزجاج: إنما فعل الله ذلك لعلمه بصعوبة تزوج المرأة على الرجل، فحرم عليهم التزوج بعد الثلاث لئلا يعجلوا بالطلاق وأن يتثبتوا. قوله: (لا إلا نكاح رغبة) أي: لا أجور. قوله: (غير مدالسة) أي: مخادعة.

(فَإِنْ طَلَّقَها) الزوج الثاني (أَنْ يَتَراجَعا): أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج (إِنْ ظَنَّا): إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية. ولم يقل: إن علما أنهما يقيمان؛ لأنّ اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا اللَّه عز وجل، ومن فسر الظن هاهنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى؛ لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد، ولكن: علمت أنه يقوم؛ ولأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد، وإنما يظن ظناً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومن فسر الظن ها هنا بالعلم فقد وهم). قال الواحدي: (إن ظَنَّا) أي: علما وايقنا، قال محيي السنة: (ظَنَّا) أي: علما، وقيل: رجوا؛ لأن أحداً لا يعلم ما هو كائن إلا الله. قوله: (وَهِمَ) أي: غلط، الجوهري: يقال: وهمت في الحساب- بالكسر- أوهم وهماً: إذا غلطت فيه وسهوت، ووهمت في الشيء، بالفتح أهم وهماً: إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره. قوله: (لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد) إشارة إلى بيان الخطأ من طريق اللفظ، وإنما لم يجز هذا لأن "أن" الناصبة للفعل المستقبل تنافي التحقيق، وعلمت: للتحقيق. قوله: (ولكن علمت أن يقوم)، وإنما جاز هذا لأن "علمت" للتحقيق ناسب أن يليها "أن" التي هي للتحقيق ليدل على أن اسمها وخبرها واقعان، فلو لم يكن الفعل الذي قبلها محققاً يحصل تضاد، وجاز: ظننت أن تقوم، على أن تكون غير ناصبة، ليتناسبا في عدم التحقيق، في "الإقليد". وقال صاحب "الكشف": هذه الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يكونل ليقين والثبات، نحو: علمت وتيقنت، وفعل يكون في الاستقبال وقوع ما بعده، نحو: طمعت ورجوت وخفت وخشيت، وفعل يتردد بين العلم والخشية، وما هو من القسم الأول يقع بعدها أن المشددة،

[(وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)]. (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: آخر عدتهن، وشارفن منتهاها. والأجل يقع على المدّة كلها، وعلى آخرها، يقال لعمر الإنسان: أجل، وللموت الذي ينتهى به: أجل، وكذلك الغاية والأمد، يقول النحويون: «من» لابتداء الغاية، و «إلى» لانتهاء الغاية. وقال: ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نحو: علمت أنك تقوم، وغن وقع بعدها أن كان بمعنى "أنه"، نحو: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) [المزمل: 20]، ولهذا ارتفع يكون، وما هو من القسم الثاني جاءت بعدها أن الناصبة للفعل، نحو: خفت أن يقول، ومنه قوله تعالى: (إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) [البقرة: 229]، وما هو من القسم الثالث: جاز وقوع أن الناصبة للفعل وأن المخففة من الثقيلة نحو قوله تعالى: (وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ) [المائدة: 71] بالرفع والنصب، فالرفع على أنه: لا يكون، والنصب على أنه: شك ليس بيقين. قوله: ((فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: آخر عدتهن)، اعلم أن البلوغ حقيقة يطلق على الوصول إلى الشيء، ويتسع مجازاً في المشارفة والدنو، وكذا الأجل، موضوع للمدة كلها، يقال لعمر الإنسان: أجل، ويتسع مجازاً على آخر المدة فيقال للموت الذي ينتهي عمر الإنسان إليه: أجل، وكذلك الغاية والأمد، أي: الغاية والأمد يقعان على المدة كلها وعلى آخرها، أما أنهما يقعان على آخر المدة فظاهر، وأما أنهما يقعان على المدة كلها فكقول النحويين: "مِنْ": لابتداء الغاية، و"إلى" لانتهائها، فلو لم يرد بالغاية المدة كلها لا يصح منهم هذان الكلامان، قال المصنف في

كُلُّ حَيٍ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ الْعُمْـ ... ـرِ وَمُودٍ إذَا انْتَهَى أمَدُهْ ويتسع في البلوغ أيضاً، فيقال: بلغ البلد؛ إذا شارفه وداناه، ويقال: قد وصلت، ولم يصل وإنما شارف؛ ولأنه قد علم أنّ الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له؛ لأنها بعد تقضيه غير زوجةٍ له في غير عدّة منه؛ فلا سبيل له عليها. (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) فإما أن يراجعها من غير طلب ضرار بالمراجعة؛ ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تفسير قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) [الأحقاف: 15]: لما كان الرضاع يليه الفصال لأنه ينتهي به ويتم سمي فصالاً كما سمى المدة بالأمد من قال: كل حي مستكمل مدة العمـ ... ـر ومود إذا انتهى أمده يعني سمي الرضاع فصالاً تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه، كما سمي المدة، وهي: طول الإمهال بالأمد، وهو الانتهاء مجازاً. قوله: (مود) أي: هالك، من: أودى: إذا هلك، يقول: كل حي يستكمل مدة عمره ويهلك إذا انتهى عمره. قوله: (ولأنه قد عُلم) عطف من حيث المعنى على قوله: "والأجل يقع على المدة كلها"؛ لأنه في معنى التقييد والتعليل، يعني: إنما قلنا: إن معنى قوله تعالى: (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) شارفن منتهى الأجل؛ لأن الاستعمال وارد عليه، ولأن المقام يقتضيه، إذ لا يمكن حمل الأجل على جميع المدة، والبلوغ على الوصول؛ لأنه لا يمكن الإمساك بعد تقضي الأجل، فيتعين الحمل على ما ذكرنا، وهو مشارفة منتهى الأجل. الراغب: (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) مشكل؛ لأن المراجعة ثابتة قبل انقضاء العدة، وظاهره يقتضي أن المراجعة بعد انقضاء العدة، ووجه ذلك: أن الأجل ها هنا: زمان العدة، لا تمام العدة، وأيضاً، فإنه يقال: إذا فعلت كذا، ويعني: إذا خضت، لا إذا فرغت منه، نحو: (وَإِذَا قُلْتُمْ

(أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) وإما أن يخليها حتى تنقضي عدّتها وتبين من غير ضرار. (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً): كان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها ثم يراجعها لا عن حاجةٍ، ولكن ليطوّل العدة عليها، فهو الإمساك ضراراً. (لِتَعْتَدُوا): لتظلموهنّ، وقيل: لتلجئوهن إلى الافتداء. (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) بتعريضها لعقاب اللَّه. (وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً) أي: جدّوا في الأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها، وإلا فقد اتخذتموها هزواً ولعباً. ويقال لمن لم يجدّ في الأمر: إنما أنت لاعب وهازئ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فَاعْدِلُوا) [الأنعام: 152]، فقوله: (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: خضن في زمان بلوغ الأجل. وأيضاً، فقولهم: بلغ، يقال لما شارف وإن لم ينته، وإنما خصت المشارفة؛ لأنهم كانوا يطلقون المرأة فيتركونها حتى تشارف انقضاء العدة ثم يراجعونها إضراراً بها، وهذه الآية ظاهرها إعادة حكم ما تقدم، فإنه يجوز مراجعتها بعد انقضاء العدة، وقد فسرت تفسيرين: أحدهما: أن الأولى فيها حكم جواز الرجعة بعد التطليقة والتطليقتين، وتحريم الرجعة بعد الثالثة، وهذه تقتضي جواز رجعتها ما دامت في العدة، لا عن الطلاق الثلاث، وفيها زيادة حكم وإن كانت تفيد بعض ما أفادت الأولى، وهي ما ذكر بعدها من الأحكام. قوله: ((أَوْ سَرِّحُوهُنَّ) بإحسان في نسخة، ولفظ القرآن: (بِمَعْرُوفٍ)، وضع المفسر موضع المفسر، لأنه فسر المعروف بعيد هذا بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط، ولما سبق في تلك الآية: (فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: 229]. الراغب: لم تعلق التسريح ها هنا بمعروف، وفي الأولى بإحسان؟ قيل: نبه به على أنه إن لم تراعوا في تسريحها الإحسان فراعوا فيه المعروف، كما قال بعضهم لسلطان: إن لم تحسن فعدلاً. قوله: (أي جدوا في الأخذ بها والعمل بما فيها). قال القاضي: كأنه نهي عن الهزؤ، واراد به الأمر بضده.

ويقال: كن يهودياً وإلا فلا تلعب بالتوراة. وقيل: كان الرجل يطلق ويعتق ويتزوّج ويقول: كنت لاعباً. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «ثلاث جدّهن جدّ، وهزلهن جدّ: الطلاق والنكاح والرجعة». (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) بالإسلام وبنبوّة محمد صلى اللَّه عليه وسلم (وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ) من القرآن والسنة. وذكرها: مقابلتها بالشكر والقيام بحقها. (يَعِظُكُمْ بِهِ) بما أنزل عليكم. (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ): إما أن يخاطب به .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كن يهودياً)، كانوا يقولون لليهودي الذي لا يعمل بالتوراة حق العمل هذا المثل. قوله: (نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ): بالإسلام وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم)، وإنما خص نعمة الله بما ذكر ليدل على أن ذلك الفعل، وهو إمساك النساء للضرار، كان من فعل الجاهلية، وكان مقتاً وكفراً، فبدله الله تعالى بنعمة الإسلام وببعثة محمد صلوات الله عليه، كقوله تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) [آل عمران: 103]، وقوله: (وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ) يجوز أن يكون مجروراً؛ عطفاً على مقدر وهو: "بالإسلم وبنبوة محمد" ليشمل جميع نعمة الدين، أي: اذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وبنبوة محمد وبالكتاب والسنة، وأن يكون منصوباً؛ عطفاً على (نِعْمَةَ اللَّهِ) عطف الخاص على الخاص، وعليه ظاهر كلام المصنف، وأن يكون عطف الخاص على العام، وعليه كلام القاضي، حيث قال: أفردهما بالذكر إظهاراً لشرفهما، فعلى هذا هو من باب (وَمَلائِكَتِهِ ... وَجِبْرِيلُ) [البقرة: 98]، والأول أقرب إلى النظم؛ لأن الأمر بالذكر بعد النهي المعقب به التوضيح بقوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) مشعر به تعالى يمن على المؤمنين بإنقاذهم من الظلم الذي كانوا عليه في الجاهلية، فيجب أن تختص النعمة بنعمة متجددة من الإسلام وبنبوة محمد صلوات الله عليه، وبإنزال هذا الكتاب الكريم، وإنما صرح به دونهما لأن الكلام فيه، بدليل قوله تعالى: (وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً). قوله: ((يَعِظُكُمْ بِهِ) بما أنزل عليكم)، يحتمل قوله: (يَعِظُكُمْ بِهِ) أن تكون جملة

الأزواج الذين يعضلون نساءهم بعد انقضاء العدة؛ ظلماً وقسراً، ولحمية الجاهلية لا يتركونهنّ يتزوّجن من شئن من الأزواج. والمعنى: أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهنّ؛ وإما أن يخاطب به الأولياء في عضلهنّ أن يرجعن إلى أزواجهنّ. روي: أنها نزلت في معقل بن يسارٍ حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأوّل. وقيل: في جابر بن عبد اللَّه حين عضل بنت عم له ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مستأنفة لبيان موجب الإنزال، والأوجه أن الضمير في (بِهِ) راجع إلى المذكور كله، وتكون الجملة معترضة مؤكدة للمعاني السابقة واللاحقة؛ لأن المأمورات والمنهيات كلها وعظ من الله وتذكير، والذي سيق له الكلام إمساك المطلقات وتسريحهن، فيدخل فيه دخولاً أولياً. قوله: (وإما أن يخاطب به الأولياء)، قال القاضي: فعلى هذا يكون دليلاً على أن المرأة لا تزوج نفسها، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الولي معنى، ولا يعارض بإسناد النكاح إليهن لأنه بسبب توقفه على إذنهن. قوله: (روي أنها نزلت في معقل بن يسار)، روينا عن البخاري والترمذي وأبي داود، عن معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس، فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه، فاصطحبا ما شاء الله، ثم طلقها طلاقاً له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها، فملا خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب، فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس وآثرتك بها فزوجتك، ثم طلقتها طلاقاً لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب؟ والله لا أنكحتها أبداً، قال: ففي نزلت هذه الآية، فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.

والوجه أن يكون خطاباً للناس، أي: لا يوجد فيما بينكم عضل؛ لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين. والعضل: الحبس والتضييق، ومنه: عضلت الدجاجة؛ إذا نشب بيضها فلم نخرج. وأنشد لابن هرمة: وَإنَّ قَصَائِدِى لَكَ فَاصْطَنِعْنِى ... عَقَائِلُ قَدْ عَضُلْنَ عَنِ النِّكَاحِ وبلوغ الأجل على الحقيقة. وعن الشافعي رحمه اللَّه: دلّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين. (إِذا تَراضَوْا): إذا تراضى الخطاب والنساء، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والوجه أن يكون خطاباً للناس) لما يلزم من الأول المجاز باعتبار ما يؤول إليه في إضافة قوله: (أَزْوَاجَهُنَّ)؛ لأن التقدير: من شيئين من الأزواج غيركم، ومن الثاني يلزم تسمية الأزواج أزواجاً باعتبار ما كان، وإسناد الطلاق إلى الأولياء على المجاز أيضاً، ولأن قوله: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) إلى آخر الآية كالتعليل لشرعية هذا الحكم والامتنان على الأمة، وفيه أن لكل أن ينكر هذا العضل إذا وجد فيما بينهم. قوله: (أي: لا يوجد فيما بينكم عضل)، تفسير للخطاب العام؛ لأن النهي إنما يتوجه إلى من يباشر الفعل أو عزم عليه، فإذا توجه إلى المجموع كانوا في حكم شخص واحد، فإذا انتهوا بأسرهم لم يوجد عضل قط. قوله: (وإن قصائدي لك)، البيت، عقيلة كل شيء: أكرمه، والعقيلة من النساء: التي عقلت في بيتها أي خدرت وجلست، يقول: إن قصائدي مثل عقائل النساء وقد عضلن عن النكاح، فلا أمدح بها غيرك، فاصطنعني بمدحي إياك بها. قوله: (وبلوغ الأجل على الحقيقة) يعني: في قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) محمول على انتهاء الغاية لا على المجاز، وهو المشارفة والمداناة كما في الآية

(بِالْمَعْرُوفِ) بما يحسن بالدين والمروءة من الشرائط وقيل: بمهر المثل. ومن مذهب أبي حنيفة رحمه اللَّه: أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فللأولياء أن يعترضوا. فإن قلت: لمن الخطاب في قوله: (ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ)؟ قلت: يجوز أن يكون لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ولكل أحدٍ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السابقة، وهي قوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ)؛ لأن الإمساك بعد مضي الأجل لا وجه له، فيحمل على المجاز، بخلافه هاهنا. قوله: ((بِالْمَعْرُوفِ): بما يحسن في الدين)، قال القاضي: (بِالْمَعْرُوفِ): حال من الضمير المرفوع، أو: صفة مصدر محذوف، أي: تراخياً كائناً بالمعروف، وفيه دلالة على أن العضل عن التزوج من غير كفؤ غير منهي عنه. قوله: (يجزو أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل أحد)، قال القاضي: إذا كان الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كقوله تعالى: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: 1] للدلالة على أن حقيقة المشار إليه لا يكاد يتصورها كل أحد. وقلت: يعني: لا يدركه إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تنبيه لهم. قال المصنف: خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم الخطاب، إظهاراً لترؤسه وأنه مدره قومه ولسانهم والذي يصدرون عن رأيه، وكان وحده في حكم كلهم. وقال القاضي: أو الكفاف لمجرد الخطاب دون تعيين المخاطبين، والفرق بين الحاضر والمنقضي، وقال الزجاج: (ذَلِكَ): مخاطبة الجميع، والجميع لفظه لفظ واحد، المعنى: ذلك أيها القبيل يوعظ به من كان منكم، وقوله بعد ذلك: (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ) يدلك على أن لفظة "ذلك" و"ذلكم": مخاطبة للجماعة.

ونحوه: (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) [المجادلة: 12]. (أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ) من أدناس الآثام، وقيل: (أَزْكى) (وَأَطْهَرُ): أفضل وأطيب. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) ما في ذلك من الزكاء والطهر، وأنتم لا تعلمونه. أو: واللَّهُ يعلم ما تستصلحون به من الأحكام والشرائع وأنتم تجهلونه. [(وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: وكيف ما كان في الكلام تلوين الخطاب؛ لأنه تعالى خاطبهم أولاً بقوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) ثم رجع إلى مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم تعليلاً لهم وتعظيماً له، أو إلى مخاطبة كل أحد للدلالة على تعظيم الأمر، فلا يختص بهؤلاء، أو جعلهم في حكم القبيل والفوج تقليلاً لهم وتعظيماً للمتكلم، ثم عاد على مخاطبتهم بقوله: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ)، والأول أوجه لأنه أوفق لما في سورة الطلاق. قوله: () ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ))، والتلاوة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). قوله: (وقيل: (أَزْكَى) (وَأَطْهَرُ): أفضل وأطيب)، فعلى الأول "وأطهر": عطف تفسيري على "أزكى"؛ لأنه بمعنى الطهارة، وعلى هذا بمعنى النمو والزيادة. الراغبك زكاء الإنسان وطهارته في الحقيقة: كونه بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة عظيم المثوبة، وأن يصلح لمجاورة الملأ الأعلى بل لمجاورة المولى، ولذلك عقبه بقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).

(يُرْضِعْنَ) مثل (يَتَرَبَّصْنَ) في أنه خبرٌ في معنى الأمر المؤكد. (كامِلَيْنِ) توكيد، كقوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) [البقرة: 196]؛ لأنه مما يتسامح فيه فتقول: أقمت عند فلان حولين، ولم تستكملهما. وقرأ ابن عباس رضى اللَّه عنهما: (أن يكمل الرضاعة)، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في أنه خبر في معنى الأمر). قال الزجاج: اللفظ خبر والمعنى أمر، كما تقول: حسبك درهم، أي اكتف بدرهم، ومعنى الآية: لترضع الوالدات. الراغب: ذكر جماعة من الفقهاء أن (يُرْضِعْنَ) أمر وإن كان لفظه خبراً؛ لأنه لو جعل خبراً لم يقع مخبر بخلافه، وهذه قضية إنما تصح في كل خبر لفظه لا يحتمل التخصيص، فأما إذا كان عاماً يمكن أن يخصص على وجه يخرج من كونه كذباً فإن ادعاء ذلك فيه ليس بواجب، وهذه الآية مما يمكن فيه ذلك، أخبر تعالى أن حكم الله في ذلك أن الوالدات احق بإرضاع أولادهن، سواء كانت في حبالة الزوج أو لم تكن، فإن الإرضاع من خصائص الولادة، لا من خصائص الزوجية، ولهذا ورد في الحديث: "إنها أحق بالولد ما لم تتزوج". وقلت: أشار بقوله: "إن الإرضاع من خصائص الولادة" أن في تخصيص ذكر الوالدات دون الأمهارت إشعاراً بالعلية، نظيره قوله تعالى: (الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً) [النور: 3]، قال المصنف: المرفوع، أي قوله: (لا يَنكِحُ) فيه معنى النهي، ويجوز أن خبراً محضاً، على أن عادتهم جارية على ذلك، وكما قال: الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح.

وقرئ: (الرِّضاعة) بكسر الراء. و (الرضعة)، و (أن تتم الرضاعة) و (أن يتم الرضاعة) برفع الفعل تشبيهاً لـ «أن» بـ «ما»؛ لتآخيهما في التأويل. فإن قلت: كيف اتصل قوله: (لِمَنْ أَرادَ) بما قبله؟ قلت: هو بيان لمن توجه إليه الحكم، كقوله تعالى: (هَيْتَ لَكَ) [يوسف: 23]، "لك" بيان للمهيت به، أي: هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع. وعن قتادة: (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) ثم أنزل اللَّه اليسر والتخفيف، فقال: (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ)، أراد: أنه يجوز النقصان. وعن الحسن: ليس ذلك بوقتٍ لا ينقص منه بعد أن لا يكون في الفطام ضرر. وقيل: اللام متعلقة بـ (يرضعن)، كما تقول: أرضعت فلانة لفلانٍ ولده، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "الرضاعة" بكسر الراء)، قال الزجاج: والفتح أكثر، وعليه القراء، وروى الأخفش بالكسر. قوله: (تشبيهاً لـ "أن")، أي: شبه "أن" المصدرية بـ "ما" التي لها، لجامع المصدرية. قوله: ((هَيْتَ لَكَ) [يوسف: 23])، هيت به وهوت به، أي: صاح به ودعاه، وقولهم: هيت لك، أي: هلم لك، وهو: اسم الفعل، وفيه ضمير المخاطب، كأنه قيل: هيت أنت، ولك: تبيين للمخاطب وتأكيد جيء به بعد استكمال الكلام كما في سقياً لك، وكذا الكاف في رويدك: تبيين للمخاطب، فإن معناه: رويداً أنت، كأنه لما قيل: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) فقيل: لمن هذا الحكم؟ قيل: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ). قوله: (ليس ذلك بوقت) أي: بحد، "الأساس": شيء موقوت ومؤقت: محدود، والآخرة ميقات الخلق. الراغب: قال الفقهاء: لما جعل الرضاع حولين، وقال في موضع آخر: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) [الأحقاف: 15]، علم أن الولد قد يولد لستة اشهر. وفيه تنبيه على لطيفة

أي: يرضعن حولين (لمن أراد أن يتمّ الرضاعة) من الآباء؛ لأنّ الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم، وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه وهي مندوبة إلى ذلك ولا تجبر عليه. ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة رحمه اللَّه، ما دامت زوجةً أو معتدة من نكاح. وعند الشافعي يجوز، فإذا انقضت عدّتها جاز بالاتفاق. فان قلت: فما بال الوالدات مأموراتٍ بأن يرضعن أولادهنّ؟ قلت: إما أن يكون أمراً على وجه الندب، وإما على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار. وقيل: أراد: الوالدات المطلقات. وإيجاب النفقة والكسوة لأجل الرضاع. (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ): وعلى الذي يولد له، وهو الوالد، و (لَهُ) في محل الرفعِ على الفاعلية، نحو: (عَلَيْهِمْ) في (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 7]. فإن قلت: لم قيل: (الْمَوْلُودِ لَهُ) دون الوالد؟ قلت: ليعلم أنّ الوالدات إنما ولدن لهم؛ لأن الأولاد للآباء؛ ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات؛ وأنشد للمأمون بن الرشيد: فَإنَما أُمَّهَاتُ النَّاسِ أوْعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ وَلِلآبَاءِ أبْنَاءُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهي أن الولد لما كان زمان حمله وفصاله أقل من ثلاثين شهراً أضر ذلك به، فإذا ولد لسبعة أشهر لم يضره أن ينقص رضاعه عن الحولين. قوله: (وقيل: أراد الوالدات المطلقات)، فعلى هذا، التعريف في (وَالْوَالِدَاتُ): للعهد، والمشار إليه: ما يفهم من قوله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ)، والمراد من إيجاب النفقة والكسوة: ما يعطيه قوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) من معنى الوجوب، وهذا الوجه أحسن في الالتئام وأظهر في معنى الوجوب في قوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ) لأن على الأزواج رزق الزوجات وكسوتهن، سواء أرضعن أو لم يرضعن. قوله: (فإنما أمهات الناس) البيت، ويروى فيه: "وللآباء أبناء"، وقيل: الرواية: "وللأنساب أبناء". قبله:

فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم كالأظآر، ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا تزرين بفتى من أن يكون له ... أم من الروم أو سوداء دعجاء زرى به: إذا عابه، والدعج: شدة سواد الحدقة وشدة بياضها. وكانت أمه أم ولد، يقال لها: مراجل. وقيل: عاب هشام زيد بن علي رحمهما الله وقال: بلغني أنك تريد الخلافة، وكيف تصلح لها وأنت ابن أمة؟ فقال: كان إسماعيل ابن أمة، وإسحاق ابن حرة، فأخرج الله تعالى من صلب إسماعيل خير ولد آدم صلوات الله عليه، وهذه الصنعة تسمى في البديع بالإدماج، وفي أصول الحنفية: بإشارة النص، وهو: أن يضمن في كلام سيق لمعنى معنى آخر، سيقت الآيات لإثبات النفقة للمرضع وضمنت معنى أن النسب ينتهي إلى الآباء، وفيه أيضاً معنى قوله صلوات الله عليه حين أتاه رجل وقال: إن لي مالاً وولداً، وإن أبي يحتاج إلى مالي، فقال: "أنت ومالك لوالدك"، أخرجه أبو داود عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص. قوله: (فكان عليهم أن يرزقوهن) الفاء تدل على أن إيثار المولود له، وتقديم الخبر وحمله على (رِزْقُهُنَّ) وصف مناسب لهذا الحكم، وهو إيجاب الرزق والكسوة عليهم. قوله: (أنه ذكره باسم الوالد) يعني: إنما لم يعدل عن الظاهر في تلك الآية حيث لم يكن

وهو قوله تعالى: (وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً) [لقمان: 33]؟ (بِالْمَعْرُوفِ) تفسيره ما يعقبه، وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضارّا. وقرئ: (لا تكلف) بفتح التاء، و (لا نكلف) بالنون. وقرئ: (لا تُضَارَّ) بالرفع على الإخبار، وهو يحتمل البناء للفاعل والمفعول، وأن يكون الأصل: تضارر؛ بكسر الراء، وتضارر؛ بفتحها. وقرأ: (لا تُضَارَّ) بالفتح أكثر القراء، وقرأ الحسن بالكسر على النهي، وهو محتمل للبناءين أيضاًً، ويبين ذلك أنه قرئ: (لا تضارَرْ)، و (لا تضارِرْ) بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها، وقرأ أبو جعفر: (لا تضارّ) بالسكون مع التشديد على نية الوقف، وعن الأعرج: (لا تضارْ) بالسكون والتخفيف، وهو من: ضاره يصيره، ونوى الوقف كما نواه أبو جعفر، أو اختلس الضمة فظنه الراوي سكوناً. وعن كاتب عمر بن الخطاب: (لا تضرر). والمعنى: لا تضارّ والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنف به، وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئراً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على الوالد إيجاب شيء. وقلت: وإن لم يعدل في الوالد فيها، عدل عن الولد إلى المولود لنكتة أخرى وهي ما ذكره هناك. قوله: (وقرئ: "لا تضار" بالرفع) ابن كثير وأبو عمرو، والباقون بفتح الراء، والبواقي شواذ. قال الزجاج: الرفع على معنى: لا تكلف نفس على الخبر الذي فيه معنى النهي، وفتح الراء على النهي أيضاً، والموضع موضع جزم، والأصل: لا تضارر فأدغمت الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية لالتقاء الساكنين، وهذا الاختيار في التضعيف إذا كان قبله فتح أو ألف، ويجوز: لا تضار، بالكسر، ولا أعلم أحداً قرأ به، وإنما جاز الكسر لالتقاء الساكنين لأنه الأصل، ومعنى (لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) أي: لا تترك إرضاع ولدها غيظاً على أبيه فتضرَّ به.

وما أشبه ذلك، ولا يضارّ مولود له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من رزقها وكسوتها، ولا يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، ولا يكرهها على الإرضاع، وكذلك إذا كان مبنياً للمفعول فهو نهي عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج، وعن أن يلحق بها الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد. ويجوز أن يكون (تُضَارَّ) بمعنى تضر، وأن تكون الباء من صلته، أي: لا تضرّ والدة بولدها، فلا تسيء غذاءه وتعهده، ولا تفرط فيما ينبغي له، ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضرّ الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حق الولد. فان قلت: كيف قيل: (بولدها) و (بولده)؟ قلت: لما نهيت المرأة عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه، وأنه ليس بأجنبيّ منها، فمن حقها أن تشفق عليه، وكذلك الوالد. (وَعَلَى الْوارِثِ) عطف على قوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ)، وما بينهما تفسير للمعروف، معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، فكان المعنى: وعلى وارث المولود له مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة، أي: إن مات المولود له لزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشريطة التي ذكرت من المعروف، وتجنب الضرار. وقيل: هو وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه. واختلفوا؛ فعند ابن أبي ليلى: كل من ورثه، وعند أبي حنيفة: من كان ذا رحمٍ محرمٍ منه. وعند الشافعي: لا نفقة فيما عدا الولاد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا نفقة فيما عدا الولاد) أي: الأصول والفروع. الجوهري: ولدت المرأة تلد ولاداً وولادة، وحان ولادها. قال محيي السنة: ذهب جماعة إلى أن المراد بالوارث هو الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى، تكون أجرة رضاعه ونفقته في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى الأم، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك والشافعي، وقيل: هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر، عليه مثل ما كان على الأب من أجرة الرضاع والنفقة والكسوة، وقال بعضهم: من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود ممن ليس بمحرم، مثل ابن العم والمولى، فغير

وقيل: من ورثه من عصبته؛ مثل: الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العمّ. وقيل: المراد وارث الأب، وهو الصبي نفسه، وأنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه. وقيل: (عَلَى الْوارِثِ): على الباقي من الأبوين، من قوله: «واجعله الوارث منا». (فَإِنْ أَرادا فِصالًا) صادراً (عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما) في ذلك زادا على الحولين أو نقصا، وهذه توسعة بعد التحديد. وقيل: هو في غاية الحولين لا يتجاوز، وإنما اعتبر تراضيهما في الفصال وتشاورهما: أمّا الأب فلا كلام فيه، وأمّا الأمّ؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراد بالآية، وهو قول أبي حنيفة، وقيل: ليس المراد منه النفقة، بل معناه: وعلى الوارث ترك المضارة، وبه قال الشعبي والزهري. وفي بعض الحواشي: روي بإضافة الرحم إلى المحرم، وفي "المغرب": وذو رحم محرم بالجر، صفة للرحم، وبالرفع: لذو، وعلى ما ذكر في "المغرب" يكون الرحم منوناً لا مضافاً. قوله: (واجعله الوارث منا). أوله: اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، أخرجه الترمذي ورزين، النهاية: ومن أسماء الله تعالى: الوارث: وهو الذي يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم، ومعنى: "اجعله الوارث منا"، أي: أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت، وقيل: أراد بقاءهما عند الكبر وانحلال القوى النفسانية، فيكون السمع والبصر وارثي سائر القوى والباقيين بعدها. قوله: (وهذه توسعة بعد التحديد)، فإن قلت: هذا مخالف لما سبق من قوله: "أراد أنه يجوز

فلأنها أحق بالتربية وهي أعلم بحال الصبي. وقرئ (فإن أراد). "استرضع" منقول من "أرضع"، يقال: أرضعت المرأة الصبي، واسترضعتها الصبي، لتعديه إلى مفعولين، كما تقول: أنجح الحاجة، واستنجحته الحاجة. والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه، كما تقول: استنجحت الحاجة ولا تذكر من استنجحته، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن أحدهما عبارة عن الأوّل إِذا سَلَّمْتُمْ إلى المراضع ما آتَيْتُمْ ما أردتم إيتاءه، كقوله تعالى: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة: 6]، وقرئ: (ما أتيتم) من أتى إليه إحساناً إذا فعله. ومنه قوله تعالى: (إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَاتِيًّا) [مريم: 61] أي: مفعولاً. وروى شيبان عن عاصم: (ما أوتيتم) أي: ما آتاكم اللَّه وأقدركم عليه من الأجرة، ونحوه (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) [الحديد: 7]. وليس التسليم بشرط للجواز والصحة، وإنما هو ندب إلى الأولى، ويجوز أن يكون بعثاً على أن يكون الشيء الذي تعطاه المرضع من أهنى ما يكون، لتكون طيبة النفس راضية، فيعود ذلك إصلاحاً لشأن الصبي واحتياطاً في أمره، فأمرنا بإيتائه ناجزاً يداً بيد؛ كأنه قيل: إذا أدّيتم إليهن يداً بيد ما أعطيتموهن ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النقصان" تفسيراً لقول قتادة: "ثم أنزل الله اليسر والتخفيف وقال: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) "، وقول الحسن: "ليس ذلك بوقت لا ينقص". قلت: المراد أنه من التحديد الوقت المضروب، فما وقت نقص دون ما زاد، وقصر الإرادة على الآباء في قوله: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) دون الأمهات، فالحاصل: أن الأول دل على جواز النقصان للآباء دون الأمهات، والثاني على جواز النقصان والزيادة للآباء والأمهات، وأما قوله: "قيل: هو في غاية الحولين لا يتجاوز"، فمعناه: أن التشاور ينتهي إلى غاية الحولين فلا يتجاوز، فالغاية بمعنى: جميع المدة لا آخرها. قوله: (ويجوز أن يكون بعثاً) قيل: هو عطف على قوله: "ما أردتم إيتاءه" فلا يحتاج إلى تقدير الإرادة، ولهذا قال: "إذا أديتم إليهن يداً بيد" كذا ذكروا، وقلت: الأولى أن يكون عطفاً

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على جملة قوله: "وليس التسليم" إلى قوله: "وإنما هو ندب إلى الأولى"، وعن بعضهم: ويجوز أن يكون "نعتاً": بياناً لوجه الندب ولحكمته. وقلت: الظاهر المغايرة، وتحرير المعنى: أن ظاهر التركيب يوجب أن يكون التسليم شرطاً لصحة حكم الاسترضاع؛ لأن قوله: (إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ) شرط، وجزاؤه ما دل عليه الشرط المتقدم مع جزائه، كذا قدره أبو البقاء، فالمعنى: إذا سلمتم إليهن ما أردتم إيتاءه، فلا جناح عليكم إن أردتم أن تسترضعوا، فجعل رفع الجناح عن إرادة حكم الاسترضاع مشروطاً بتسليم الأجرة، وليس بشرط باتفاق العلماء، فيكون محمولاً على الندب إلى الأولى، ويجوز أن يكون شرطاً ويجري على الوجوب، مبالغة، ليكون بعثاً على أن يكون المعطى منجزاً، فقوله: "إذا أديتم إليهن يداً بيد ما أعطيتموهن" حاصل المعنى لا التقدير كما ظنوا؛ لأن الذي حمله على تقدير الإرادة تصحيح إيقاع "سلمتم" على "ما آتيتموهن" لاستحالة أن يكون الإيتاء قبل التسليم، وهذا المعنى أيضاً قائم مع "أديتم، أي: إذا أديتم إليهن ما أردتم إعطاءه، وإنما فسر التسليم بالأداء في هذا الوجه مراعاة للمطابقة بين معنى الوجوب والأداء، ونحو هذا الأسلوب قول الأصوليين في قوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"

(بِالْمَعْرُوفِ) متعلق بـ (سلمتم) أمروا أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن حتى يؤمن تفريطهن بقطع معاذيرهن. [(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ* وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)]. (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) على تقدير حذف المضاف، أراد: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن. وقيل: معناه يتربصن بعدهم، كقولهم: السمن منوان بدرهم ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الظاهر نفي لماهية الصلاة في غير المسجد وصحتها، واتفقوا على صحتها، فتحمل على ما يقرب إلى الحقيقة من نفي الكمال، وإلى هذا المعنى أشار بقوله: "أن يكون الذي تعطاه المرضع من أهنأ ما يكون"، وهو أن يكون منجزاً يداً بيد. قوله: ((وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ): على تقدير حذف المضاف) لأن الخبر (يَتَرَبَّصْنَ) وليس فيه ضمير يرجع إلى المبتدأ، فوجب أن يقدر ما يرجع إليه الضمير في الخبر. عن أبي البقاء: وقال سيبويه: إن (الَّذِينَ): مبتدأ والخبر محذوف تقديره: وفيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم، وقوله: (يَتَرَبَّصْنَ): بيان الحكم المتلو. وقال الزجاج: قال الأخفش:

وقرئ: (يَتوفون) بفتح الياء، أي: يستوفون آجالهم، وهي قراءة علي رضى اللَّه عنه. والذي يحكى: أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشى خلف جنازة، فقال له رجل: من المتوفي؟ بكسر الفاء. فقال: اللَّه، وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضى اللَّه عنه على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو، تناقضه هذه القراءة. (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً): ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يتربصن بعدهم، وقال غيره من البصريين: أزواجهم يتربصن، وحذف أزواجهم لأن في الكلام دليلاً عليه، وهو صواب، وقال الفراء: إن الأسماء إذا كانت مضافة إلى شيء، وكان الاعتماد في الخبر على الثاني، أي: المضاف إليه، أخبر عن الثاني وترك الأول، المعنى: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن. قوله: (وقرئ: "يتوفون" بفتح الياء)، قال ابن جني: روى هذه القراءة أبو عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه، قال ابن مجاهد: ولا يقرأ بها، قال ابن جني: هذا عندي مستقيم؛ لأنه على حذف المفعول، أي: والذين يتوفون أيامهم أو أعمارهم أو آجالهم، وحذف المفعول كثير في القرآن، وفصيح من الكلام. قلت: هذا معنى قول الشاعر: كل حي مستكمل مدة العمـ ... ـر ومود إذا انتهى أمده قوله: (تناقضه هذه القراءة) لأن الآية تقتضي صحة السؤال عن الميت بالمتوفي، بالكسر، والحكاية تنافيها، فدلت قراءته على أن الرواية غير ثابتة لموافقتها إياها. نعم، هي موافقة لقراءة العامة، وموجبة للأمر بوضع ما تتقوم به ألسنة الناس من علم النحو. والجواب ما قال صاحب "المفتاح": لم يقل: فلان، بل قال: الله، رداً لكلامه مخطئاً إياه، منبهاً له بذلك على انه كان يجب أن يقول: من المتوفى؟ بلفظ اسم المفعول، يريد أن السائل لم يكن من مرتبته في

يعتددن هذه المدّة، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام. وقيل: عشرٌ؛ ذهاباً إلى الليالي، والأيام داخلة معها. ولا تراهم قط يستعملون التذكير فيه؛ ذاهبين إلى الأيام، تقول: صمت عشراً، ولو ذكرت خرجت من كلامهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البلاغة أن يبلغ إلى إدراك هذا المعنى الدقيق من هذا اللفظ، فما استحق الجواب المطابق لذلك. وقريب من ذلك ذكره صاحب "الانتصاف". قوله: (يعتددن هذه المدة)، الراغب: إن قيل: ما وجه التخصيص بهذه المدة؟ قيل: قد ذكر الأطباء أن الولد في الأكثر إذا كان ذكراً يتحرك بعد ثلاثة اشهر، وإذا كان أنثى فبعد أربعة أشهر، فجعل ذلك عدتها وزيد عشرة استظهاراً، وتخصيص العشرة بالزيادة لكونها أكمل الأعداد وأشرفها. قوله: (ولو ذكرت خرجت من كلامهم)، يعني: لا ترى العرب يستعملون العدد بالتاء ذاهبين إلى الأيام، بل يستعملونه بغيرها ذاهبين إلى الليالي، والأصل فيه أن التاريخ هو: ضبط جزء معين من الزمان بالعدد، والعرب أرخت بالليالي، لأن الشهر قمري، ومبدأ ظهوره من الليالي، والليل سابق النهار، فخصوها بالذكر. قال الزجاج: حكى الفراء: صمنا عشراً من شهر رمضان، فالصوم إنما يكون في الأيام ولكن التأنيث مغلب في هذه الأيام والليالي بإجماع أهل اللغة، يقولون: سرنا خمساً بين يوم وليلة، وقال سيبويه: هذا باب المؤنث الذي استعمل في التأنيث والتذكير، والتأنيث أصله، وليس بين البصريين والكوفيين خلاف في الباب، وذكر المرزوقي في "الأزمنة والأمكنة": إنما غلبت العرب الليالي على الأيام في التاريخ فقيل: كتبت إليك لخمس بقين وأنت في اليوم؛ لأن ليلة الشهر

ومن البين فيه قوله تعالى: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً) [طه: 103]، ثم: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً) [طه: 104]. (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ): فإذا انقضت عدّتهن (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) أيها الأئمة وجماعة المسلمين (فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) من التعرّض للخطاب (بِالْمَعْرُوفِ): بالوجه الذي لا ينكره الشرع. والمعنى: أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهنّ، وإن فرّطوا كان عليهم الجناح. (فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ) هو أن يقول لها: إنك لجميلة أو صالحة أو نافقة، ومن غرضي أن أتزوّج، وعسى اللَّه أن ييسر لي امرأةً صالحة، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح؛ فلا يقول: إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك. وروى ابن المبارك عن عبد اللَّه بن سليمان عن خالته قالت: دخل عليَّ أبو جعفر محمد بن على وأنا في عدتي، فقال: قد علمت قرابتي من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وحق جدّي عليّ، وقدمي في الإسلام، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سبقت يومه، ولم يلدها وولدته، ولأن الأهلة لليالي دون الأيام. قوله: (ومن البين فيه) أي: ومن الدليل البين في استعمال العدد بغير التاء في الأيام ذهاباً إلى معنى الليالي قوله تعالى: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً) [طه: 103]، فإن المراد به الأيام، وإنما أنث فيه ذهاباً إلى الليالي بدليل قوله تعالى: (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً)، والتلاوة (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً* نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً) [طه: 103 - 104]. قوله: (أو صالحة أو نافقة) أو: للتخيير والإباحة، عطف الأولين بأو، والآخرين بالواو؛ لأن المعنى أن يذكر أحد المذكورات أولاً مع أحد الآخرين بأن يقول: إنك لجميلة ومن غرضي أن أتزوج، مثلاً. قوله: (وقدمي في الإسلام) في نسخة المعزي: بفتح القاف، أي: ثباتي، وفي نسخة الصمصام: بكسرها.

فقلت: غفر اللَّه لك، أتخطبني في عدّتي وأنت يؤخذ عنك! فقال: أوقد فعلت؟ إنما أخبرتك بقرابتي من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وموضعي، قد دخل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على أم سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة، فتوفي عنها، فلم يزل يذكر لها منزلته من اللَّه وهو متحامل على يده، حتى أثر الحصير في يده من شدّة تحامله عليها، فما كانت تلك خطبة. فإن قلت: أي: فرق بين الكناية والتعريض؟ قلت: الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له؛ كقولك: طويل النجاد والحمائل؛ لطول القامة، وكثير الرماد؛ للمضياف، والتعريض أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره؛ كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم؛ ولذلك قالوا: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أوقد فعلت؟ ) يروى بضم التاء وبكسرها، والهمزة للإنكار، وتعريض النبي صلى الله عليه وسلم مع ذكر منزلته بيان شرعية التعريض، وإلا لما كان محتاجاً إلى ذكر منزلته عندها. قوله: (وهو متحامل)، النهاية: تحاملت الشيء: تكلفته على مشقة. "الأساس": والشيخ يتحامل في مشيته، وتحاملت الشيء: حملته على مشقة، وتحامل علي فلان: لم يعدل. قوله: (الكناية: أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له)، ليس هذا تعريف الكناية، لدخول المجاز فيه، ولو قال: مع قرينة غير مانعة لإرادة الموضوع له لصح، وكذلك تعريف التعريض هو: اللفظ المشار به على جانب بحيث يوهم أن الغرض جانب آخر، وبين الكناية والتعريض عموم وخصوص من وجه، فقد يكون كناية ولا يكون تعريضاً كقولك: فلان طويل النجاد، وبالعكس، كقولك في عرض من يؤذيك لغير المؤذي: آذيتني فستعرف، وعليه قوله تعالى لعيسى عليه السلام: (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [المائدة: 116]، وقد يجتمع التعريض والكناية معاً، كقولك في عرض من يؤذي المؤمنين: المؤمن هو الذي يصلي ويزكي ولا يؤذي أخاه المؤمن، ويتوصل بذلك إلى نفي الإيمان عن المؤذي ومن هو بصدده، والتلويح: أن تشير إلى مطلوبك من بعد، كقولك: "فلان كثير الرماد"، فإنه يدلُّ على

وَحَسْبُكَ بِالتَّسلِيمِ مِنِّى تَقَاضِيَا وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض، ويسمى التلويح، لأنه يلوح منه ما يريده. (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ): أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرّضين ولا مصرحين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كثرة إحراق الحطب ثم على كثرة الطبخ ثم على كثرة تردد الضيفان ثم على أنه مضياف، وفي كلام المصنف تسامح. الراغب: التعريض كالكناية، إلا أن التعريض: أن يذكر ما يفهم المقصود من غرضه، وليس بموضع للمفهوم عنه لا أصلاً ولا نقلاً، والكناية: العدول عن لفظ إلى لفظ هو يخلف الأول ويقوم مقامه، ولهذا سمي الأسماء المضمرات في النحو: الكنايات. وقلت: هذا قريب إلى ما ذهب إليه المصنف. قوله: (وحسبك بالتسليم مني تقاضيا) أوله: أروح بتسليم عليك وأغتدي قوله: (وكأنه: إمالة الكلام) أي: التعريض: إمالة الكلام، يريد أن الكلام له دلالة ظاهرة على معنى معين، فتميله إلى جانب آخر بقرينة اقتضاء المقام؛ لأنك حين سلمت على من تستجديه أشرت بالتسليم إلى غرضك، ولا دلالة للتسليم على الاستعطاء لا حقيقة ولا مجازاً، لكن في التسليم استرقاق واستعطاف، وهما يؤديان إلى استرضاء المسلم إما بالعطاء أو غير ذلك، ومآل هذا إلى الكناية، ولذلك قال القاضي: التعريض: إيهام المقصود بما لم يوضع له، لا حقيقة ولا مجازاً.

(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) لا محالة، ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهنّ، ولا تصبرون عنه، وفيه طرف من التوبيخ كقوله: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ) [البقرة: 187]. فإن قلت: أين المستدرك بقوله: (وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ)؟ قلت: هو محذوف؛ لدلالة (ستذكرونهنّ) عليه، تقديره: علم اللَّه أنكم ستذكرونهنّ، فاذكروهنّ ولكن لا تواعدوهنّ سراً، والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء؛ لأنه مما يسرّ، قال الأعشى: وَلَا تَقْرَبَنْ مِنْ جَارَةٍ إنَّ سِرَّهَا ... عَلَيْكَ حَرَامٌ فَانْكِحَنْ أوْ تَأَبَّدَا ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه، كما فعل بالنكاح. (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً) وهو أن تعرّضوا ولا تصرحوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا تنفكون)، وفي بعض النسخ: "ولا ينفكون"، الجوهري: فككت الشيء: خلصته، وكل مشتبكين فصلتهما فقد فككتهما. قوله: (ولا تقربن جارة) البيت، تأبد: من الأبود، وهو النفار، أي: اعتزل عنهن ما لم يكن حلالاً، كأنك وحشي لا تدري ما النكاح، وأصله: "تأبدن" أبدل نون التأكيد بالألف في الوقف. قوله: (ثم عبر به) أي: ثم عبر بالسر ها هنا عن العقد بعدما جعل كناية عن الوطء؛ لأن العقد سبب للوطء، فيكون مجازاً عن العقد من إطلاق لفظ المسبب على السبب. قوله: (كما فعل بالنكاح) أي: كما عبر بالنكاح الذي هو الوطء عن العقد؛ لأنه سبب فيه، ولو جعل السر كناية عن النكاح الذي هو الوطء ثم جعل عبارة عن العقد ليكون كناية تلويحية: لجاز، فالضمير في "أنه" راجع إلى الوطء حينئذ.

فإن قلت: بم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت: بـ (لا تواعدوهنّ)، أي: لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة، أي: لا تواعدوهنّ إلا بأن تقولوا، أي: لا تواعدوهنّ إلا بالتعريض، ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعاً من (سِرًّا)؛ لأدائه إلى قولك: لا تواعدوهنّ إلا التعريض. وقيل: معناه: لا تواعدوهن جماعاً، وهو أن يقول لها: إن نكحتك كان كيت وكيت؛ يريد ما يجرى بينهما تحت اللحاف. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بم يتعلق حرف الاستثناء؟ ) هذا يؤذن أن تعلق حرف الاستثناء بـ (لا تُوَاعِدُوهُنَّ) من حيث كونه عاملاً بوساطتها فيما بعدها كسائر الحروف التي يوصل بها الفعل إلى المعمول، هذا هو المختار في "شرح المفصل" لابن الحاجب، وروى الأنباري في "النزهة": أن أبا علي اجتمع مع عضد الدولة في الميدان، فسأله عضد الدولة: بماذا انتصب الاسم المستثنى في نحو: قام القوم إلا زيداً؟ فقال: بتقدير: أستثني زيداً، فقال: هلا قدرت امتنع زيد فرفعت؟ فقال أبو علي: هذا جواب ميداني فذكر في "الإيضاح" أنه انتصب بالفعل المقدم بتقوية إلا. قوله: (وقيل: معناه: لا تواعدوهن جماعاً). اعلم أنه فسر السر هنا تارة بعقد النكاح وما

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يتعلق به كناية تلويحية، وأخرى بالجماع كناية رمزية، ومرة مع ما يتصل به كناية إيمائية عما يستهجن منه. أما الأول فعلى وجهين، أحدهما: قوله: "لا تواعدوهن مواعدة قط" أي: لا تواعدوهن مواعدة فيها ألفاظ تستعمل في عقد النكاح إلا مواعدة فيها لفظ التعريض، والمستثنى منه أعم عام المصدر. وثانيهما: قوله: "إلا بأن تقولوا"، المعنى: لا تواعدوهن بشيء من الأقوال التي تتعلق بعقد النكاح، إلا بالقول المعروف، وهو التعريض، والمستثنى منه أعم عام المفعول به على حذف الجار واتصال الفعل، وعلى هذا القول، وهو أن يراد بالسر: عقد النكاح، لا يجوز الاستثناء أن يكون منقطعاً، قال القاضي: لأنه يؤدي إلى قولك: لا تواعدوهن إلا التعريض، وهو غير موعود، أي: التعريض واقع في الحال، فلا يكون موعوداً. وقلت: الفرق بين أن يكون الاستثناء متصلاً وأن يكون منقطعاً هو أن المتصل يستدعي أن يكون التعريض داخلاً تحت جنس المستثنى منه، وهو: (سِرّاً)، وتحت حكم المواعدة ايضاً، فيصير التعريض من جنس الألفاظ التي تتعلق بعقد النكاح، فيرجع المعنى إلى قولك: لا تواعدوهن إلا مواعدة فيها التعريض، والمنقطع يوجب أن لا يدخل التعريض تحت جنس معنى السر على ما فسرناه، فلا يكون من الألفاظ التي تستعمل في عقد النكاح بالتعريض، إذ لو كان لكان الاستثناء متصلاً، والمقدر خلافه، لكن يدخل تحت المواعدة؛ لأنه استدراك من عدم المواعدة، فإذن يلزم أن يكون مطلق التعريض موعوداً به كما قال القاضي. وأما الثاني- وهو أن يراد بالسر: الجماع- فالمراد بالمواعدة هو أن يقول لها: إن نكحتك كان كَيْتَ وكَيْتَ، إلى قوله: "من غير رفث وإفحاش في الكلام".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما الثالث- وهو أن يعبر بالسر وبما يتصل به عما يستهجن منه- فهو الذي أشار إليه بقوله: "إن المواعدة في السر عبارة عن المواعدة بما يستهجن"، وقوله: "لأن مسارتهن، إلى آخره": بيان لوجه الكناية، ويفهم من ظاهر كلامه أن الاستثناء على هذين الوجهين متصل أيضاً، أما أولاً: فقوله: "من غير رفث وإفحاش" معناه: لا تواعدوهن بما يستعمل تحت اللحاف سوى ألفاظ لا توحش نحو: اللمس والغشيان، وأما ثانياً: فإن التقدير: لا تواعدوهن في الخفية بما يجري بين الرجل والمرأة سوى ألفاظ معلومة لا يستحيى منها في المجاهرة، وعلى هذا التأويل ينبغي أن لا يفسر قوله: (إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً) بالتعريض في الخطبة كما في الأول؛ لأن المنهي في الخطبة استعمال ألفاظ تصرح في النكاح كما قال، فلا تقول: إني أريد أن أنكحك أو: أتزوجك أو: أخطبك، فضلاً عن ألفاظ توهم الجماع. ثم الأحسن أن يعبر بالسر عن الجماع كما اختاره الزجاج، وأن يجعل الاستثناء منقطعاً كما عليه كلام مكي وأبي البقاء وصاحب الكواشي، وأن يراد بالمواعدة ما قد يجري بين الزوجين بعد الخطبة من المعاهدة بحسن المعاشرة، كما قال الإمام: لما أذن في أول الآية بالتعريض ثم نهى عن المسارة معها دفعاً للريبة، استثنى عنه أن يسارها بالقول المعروف، وذلك أن يعدها بالسر بالإحسان إليها والاهتمام بشأنها والتكفل بمصالحها حتى يصير هذا مؤكداً لذلك التعريض، كأنه قيل: لا تواعدوهن بما يستهجن منه، ولكن بما يؤذن بحسن المعاشرة، والنظم يساعد عليه أيضاً؛ لأن أحوال الناكح لا تخلو من ثلاث، فإنه إذا شرع في

(إلا أن تقولوا قولاً معروفاً) يعني: من غير رفثٍ ولا إفحاش في الكلام. وقيل: لا تواعدوهن سراً، أي: في السر على أنّ المواعدة في السرّ عبارة عن المواعدة بما يستهجن؛ لأن مسارّتهنّ في الغالب بما يستحيا من المجاهرة به. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً): هو أن يتواثقا أن لا تتزوّج غيره. (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ) من عزم الأمر وعزم عليه، وذكر العزم مبالغة في النهى عن عقدة النكاح في العدّة؛ لأن العزم على الفعل يتقدّمه، فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى، ومعناه: ولا تعزموا عَقد عُقدة النكاح. وقيل: معناه: ولا تقطعوا عقدة النكاح، ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الطلب فالأدب أن لا يصرح في الخطبة بألفاظ العقد والنكاح، بل يعرض بها، ثم بعد ذلك إن جرت بينهما معاهدة ينبغي أن يحترز عما يشعر به مجرد الشهوة، وإذا تم ذلك، فالواجب أن لا يستعجل في عقد النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله لئلا يفوت حق الغير، ومن ثمة أكد التوصية بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ) وكرره. ويمكن أن يحمل كلام المصنف على الاستثناء المنقطع، بأن تخصص (ما) في: "مما يجري بينهما تحت اللحاف" بالألفاظ الدالة على الجماع بالتصريح بدليل قوله: (سِرّاً) أي: جماعاً، وأن يقال في قوله: "لا تواعدوهن في السر": أنه على حذف المفعول، أي: لا تواعدوهن في الخفية بما يستهجن ويستحيى منه لكن بأن تقولوا قولاً معروفاً، وهو أن يتواثقا أن لا تتزوج غيره. قوله: (على أن المواعدة في السر) أي: بناءً على أن المواعدة في السر. قوله: ((وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ)) أي: لا تعزموا على النية على عقد النكاح؛ لأن النية هي: عقد القلب على فعل الشيء، فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى، يعني: لابد لكل فعل من مقدمة عقد القلب عليه، فإذا نفيت المقدمة اللازمة له نفي الملزوم على طريق برهاني.

وحقيقة العزم: القطع؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» وروي: «لمن لم يبيت الصيام». (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ) يعني: ما كتب وما فرض من العدّة. (يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ) من العزم على ما لا يجوز (فَاحْذَرُوهُ)، ولا تعزموا عليه. (غَفُورٌ حَلِيمٌ) لا يعاجلكم بالعقوبة. [(لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ* وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) 236 - 237]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وحقيقة العزم: القطع). الراغب: دواعي الإنسان إلى الفعل على مراتب: السانح ثم الخاطر ثم التفكر فيه ثم الإرادة ثم الهمة ثم العزم، فالهمة: إجماع من النفس على الأمر وإزماع عليه، والعزم هو: العقد على إمضائه، ولهذا قال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [آل عمران: 159]. قوله: (لا صيام لمن لم يعزم الصيام) رواية الحديث عن أبي داود والترمذي: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له". قوله: ((غَفُورٌ حَلِيمٌ) لا يعاجلكم بالعقوبة). اعلم أن قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) عطف على قوله: (وَاعْلَمُوا) مع ما ترتب عليه، وكلاهما تذييل لما سبق، وفيه إيذان بوكادة المنهي عنه وأنه مما يجب أن يجتنب منه، وذلك نهي عن العزم دون الفعل، وتنبيه

(لا جُناحَ عَلَيْكُمْ): لا تبعة عليكم من إيجاب مهر، (إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ): ما لم تجامعوهنّ، (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة تسمية المهر؛ وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن سمي لها مهر فلها نصف المسمى، وإن لم يسم لها فليس لها نصف مهر المثل ولكن المتعة؛ ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على أن من ارتكبه ولم يعاجل بالعقوبة فإنه تعالى يمهله فيأخذه أخذ عزيز مقتدر، ونحوه قوله تعالى: (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) [الفرقان: 6]، قال: هذا تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صباً، ولكن صرف ذلك لأنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل. قوله: (من إيجاب مهر) بيان تبعة لقوله بعد الجناح: "تبعة المهر" أي: لا يجب المهر على من طلق قبل المسيس، ولم يسم المهر، عبر عن عدم وجوب المهر بعدم لزوم الجناح، فيلزم أن يكون المهر جناحاً لما فيه من الثقل، يقال: جنحت السفينة: إذا مالت بثقلها، والدين سمي جناحاً لما فيه من الثقل. قوله: (إلا أن تفرضوا لهن) جعل "أو" في (أَوْ تَفْرِضُوا) تقديره: أولم تفرضوا، فهو معطوف على قوله: (تَمَسُّوهُنَّ) و"أو" في النحو تارة بمعنى: إلا أن؛ لأنها في معنى قولهم: هو قاتلي أو أفتدي منه، وقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي، أي: إلا أن تعطيني حقي، وأخرى بمعنى حتى؛ لأنه فسر قوله: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) بلا تبعة مهر عليكم، وهو دال على جواب الشرط، أي: ما لم تمسوهن، فالمعنى: ما لم تمسوهن لا مهر عليكم، إلا أن تفرضوا لهن، أو: حتى تفرضوا لهن فريضةن فحينئذ يجب المهر، ومن أجرى الجناح على موضوعه فـ "أو" عنده

والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ) إلى قوله: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ)، فقوله: (فنصف ما فرضتم) إثبات للجناح المنفي ثمة، والمتعة درع وملحفة وخمار على حسب الحال عند أبى حنيفة إلا أن يكون مهر مثلها أقل من ذلك، فلها الأقل من نصف مهر المثل ومن المتعة، ولا ينقص من خمسة دراهم؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم، فلا ينقص من نصفها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بمعنى الواو، وعليه كلام الراغب، قال: قوله: (أَوْ تَفْرِضُوا) تقديره: أولم تفرضوا، فهو معطوف على قوله: (تَمَسُّوهُنَّ)، و (أَوْ) في نحو هذا الموضع تفيد ما يفيد الواو على وجه، وذلك أنه إذا قيل: افعل كذا إن جاءك زيد أو عمرو، يقتضي أن تفعله إذا جاء أحدهما، ولا شك أنه يحتاج أن يفعله إذا جاءا جميعاً؛ لأنه قد جاء أحدهما وزيادة، وعلى هذا قال النحويون: جالس الحسن أو ابن سيرين يقتضي أنه إذا جالسهما فقد امتثل، وعلى هذا قوله: (وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ) [النساء: 43] فظاهر الآية يقتضي أنه إن لم يكن لها مسيس أو لم يكن لها فرض أو لم يكن الأمران فلها المتعة، فكأنه قيل: إذا طلقتموهن ولم يحصل الأمران: المسيس والفرض، أو حصل المسيس ولم يحصل الفرض، فمتعوهن. إن قيل: "ما" في قوله: (مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) يقتضي الشرط، وذلك يوجب أن رفع الجناح عن المطلق بشرط عدم المماسة وعدم الفرض، ومعلوم أن الجناح مرفوع عن المطلق مسها أو لم يمسها، فرض أو لم يفرض، فما وجه ذلك؟ قيل: القصد بالآية: أن الجناح مرفوع بإعطاء المتعة، فكأنه قيل: لا جناح في طلاقها إذا متعها، ودل على ذلك بقوله: (وَمَتِّعُوهُنَّ)، وقد علم أن الجناح غير مرفوع عمن لم يمتع إذا طلقها قبل الفرض والمسيس. قوله: (والدليل على أن الجناح تبعة) يعني: قوله تعالى: (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) إثبات لوجوب المهر ها هنا، وهو موجب لأن يكون المنهي المنفي هناك إيجاب المهر؛ لأن المقابل إنما

و (الْمُوسِعِ): الذي له سعة، و (الْمُقْتِرِ): الضيق الحال، وَ (قَدَّرَهُ): مقداره الذي يطيقه، لأنّ ما يطيقه هو الذي يختص به. وقرئ بفتح الدال، والقدْر والقدَر لغتان. ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعطى نقيض حكم ما يقابله، وإنما كان جناحاً لما في لزوم نصف المهر على الزوج، وهو لم يدخل بها من تبعة وثقل من غير استنفاع، وثبوت المتعة لجبر إيحاش الطلاق، فقوله: "والدليل على أن الجناح تبعة" استدلال على قول من قال: إن نفي الجناح محمول على نفي الوزر عن المطلق؛ لأن الطلاق: قطع سبب الوصلة، قال محيي السنة: جاء في الحديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، فنفي الجناح عنه إذا كان الفراق أروح من الإمساك، وقال القاضي: الفريضة: نصب على المفعول به، فعيلة بمعنى مفعول، فالتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، ويحتمل المصدر، والمعنى أنه لا تبعة على المطلق من مطالبة المهر إذا كانت المطلقة غير ممسوسة ولم يسم لها مهراً، إذ لو كانت ممسوسة فعليه المسمى أو مهر المثل، ولو كانت غير ممسوسة ولكن سمى لها فلها نصف المسمى، فمنطوق الآية ينفي الوجوب في الصورة الأولى، ومفهومها يقتضي الوجوب على الجملة في الأخيرتين. قوله: ((الْمُقْتِرِ) الضيق الحال)، الراغب: المقتر: الفقير، وأصله من نال القتر، كما أن المترب والمزمل: من نال التراب والرمل، والقتار: ما تحمله الريح من رائحة القدر. ولما أفاد تقديم الخبر على المبتدأ الاختصاص قال: لأن ما يطيقه هو الذي يختص به. قوله: (وقرئ بفتح الدال): حفص وحمزة والكسائي.

وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال لرجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها مهراً ثم طلقها قبل أنّ يمسها: «أمتعتها»؟ ، قال: لم يكن عندي شيء. قال: «متعها بقلنسوتك». وعند أصحابنا لا تجب المتعة إلا لهذه وحدها، وتستحب لسائر المطلقات ولا تجب. (مَتاعاً) تأكيد لـ"متعوهن"، بمعنى تمتيعاً. (بِالْمَعْرُوفِ): بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة. (حَقًّا) صفةٌ لـ (متاعاً)، أي: متاعا واجبا عليهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا تجب المتعة إلا لهذه)، وهي المطلقة غير الممسوسة التي لم يسم لها مهراً، قال القاضي: ومفهوم الآية يقتضي تخصيص إيجاب المتعة للمفوضة التي لم يمسها الزوج، وألحق الشافعي بها في أحد قوليه: الممسوسة المفوضة وغيرها قياساً، وهو مقدم على المفهوم. قوله: (مَتَاعاً) تأكيد لـ "متعوهن")، الراغب: المتعة: اسم لكل ما فيه تمتع، أي: انتفاع قدراً من الزمان، وعلى ذلك قوله: (وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ) [النحل: 80]. قوله: وقول الشاعر: إنما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار لكن صار المتعة في تعارف الشرع: لما تختص به المطلقة.

أو حق ذلك حقاً، (عَلَى الْمُحْسِنِينَ): على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع. وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال صلى اللَّه عليه وسلم: «من قتل قتيلاً فله سلبه». (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) يريد المطلقات. فإن قلت: أي: فرق بين قولك: الرجال يعفون، والنساء يعفون؟ قلت: الواو في الأوّل ضمير "هم"، والنون علم الرفع، والواو في الثاني لام الفعل، والنون ضمير "هنّ"، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، وهو في محل النصب، «ويعفو» عطف على محله. و (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ): الولىّ، يعني: إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني، ولا خدمته، ولا استمتع بي، فكيف آخذ منه شيئاً! أو يعفو الوليّ الذي يلي عقد نكاحهن، وهو مذهب الشافعي. ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عَلَى الْمُحْسِنِينَ) على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتع)، الراغب: إن قيل: ما وجه تخصيص المحسنين في هذه الآية والمتقين في قوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241]، وهلا دل ذلك على أنه غير واجب إذا كانت الواجبات من المشروعات لا يختلف فيها المتقي والمحسن وغيرهما؟ قيل: قد نظر بعض الناس هذا النظر، وقال: لما كان الإحسان قد يكون لما يزيد على الواجب، وقد خص بذلك المحسنين، دل على أن ذلك حث على المعروف لا إيجاب، وقال أكثرهم: إن ذكر المحسنين والمتقين لا لتخصيص الإيجاب، بل للتأكيد، وإنه من تمام الإحسان والتقوى، كما أن قوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: 2] ليس بتخصيص أنه لا يهتدي به إلا المتقون، لكن تنبيه على أن الاهتداء به من تمام التقوى. وقلت: المحسنين من وضع المظهر موضع المضمر إشعاراً بالعلية، أي: حقاً عليكم، بدليل قوله: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) أي: من شأنكم أيها المخاطبون وجوب شرعية المتعة لكونكم محسنين. قوله: (وهو مذهب الشافعي) أي: المراد بالذي يعفو: الولي، "الانتصاف": هذا الذي عزاه إلى الشافعي ليس بصحيح، بل مذهبه كمذهب أبي حنيفة، إنما المنسوب إلى الشافعي هو

وقيل: هو الزوج، وعفوه: أن يسوق إليها المهر كاملاً، وهو مذهب أبي حنيفة، والأوّل ظاهر الصحة. وتسمية الزيادة على الحق عفواً فيها نظر، إلا أن يقال: كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوّج، فإذا طلقها استحقّ أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها، أو سماه عفواً على طريق المشاكلة. عن جبير بن مطعم: أنه تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها، فأكمل لها الصداق، وقال: أنا أحق بالعفو. وعنه: أنه دخل على سعد بن أبى وقاص فعرض عليه بنتاً له، فتزوّجها، فلما خرج طلقها، وبعث إليها بالصداق كاملاً. فقيل له: لم تزوّجتها؟ قال: عرضها علىّ فكرهت ردّه. قيل: فلم بعثت بالصداق؟ قال: فأين الفضل؟ و (الْفَضْلَ): التفضل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مذهب مالك رضي الله عنهم. الإنصاف: عند الشافعي قولان: فالزمخشري نقل أحد قوليه، وقال القاضي: وذلك إذا كانت المرأة صغيرة، وهو قول قديم. قوله: (وقيل: هو الزوج)، وهو أوفق للنظم؛ لأن الزوج هو المالك لعقد النكاح وحله، كأنه قال: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ) أي: المطلقات، أو يعفو الأزواج، فأقيم المظهر موضع المضمر، لكن في تسمية سوق المهر إليها كاملاً بالعفو- والحق نصف المهر- بعد، وإليه الإشارة بقوله: "فيها نظر"، قال صاحب "الإيجاز": وعفوه إذا سلم كل المهر أن لا يرتجع النصف بالطلاق، أو إن لم يسلم وفاه كاملاً، كأنه من: عفوت الشيء: إذا وفرته وتركته حتى يكثر، وفي الحديث "ويرعون عفاها" والعفا: ما ليس لأحد فيه ملك. قوله: (والأول ظاهر الصحة) يعني: تفسير قوله: (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) بالولي على الصغيرة إذا كان أباً ظاهر الصحة؛ لأن العفو مجرى على ظاهره.

أي: ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض وتتمرؤوا ولا تستقصوا. وقرأ الحسن (أو يعفو الذي) بسكون الواو. وإسكان الواو والياء في موضع النصب تشبيه لهما بالألف، لأنهما أختاها. وقرأ أبو نهيك: (وأن يعفو) بالياء. وقرئ: (ولا تنسوا الفضل) بكسر الواو. [(حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ* فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)]. (الصَّلاةِ الْوُسْطى) أي: الوسطى بين الصلوات، أو الفضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط. وأنما أفردت وعطفت على (الصلاة) لانفرادها بالفضل، وهي صلاة العصر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتتمرؤوا) أي: تصيروا أصحاب مروءة. قوله: (وإنما أفردت وعطفت على (الصَّلَوَاتِ) لانفرادها بالفضل). قال الزجاج: إن الله عز وجل قد أمر بالمحافظة على جميع الصلوات، إلا أن هذه الواو إذا جاءت مخصصة فهي دالة على المعنى الذي تخصصه كقوله تعالى: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) [البقرة: 98] فذكرا مخصوصين لفضلهما على الملائكة. وقلت: معنى قوله هو: أن الثاني إن كان في الظاهر كالتخصيص للأول، لكن الأول جيء به توطئة، فيكون الثاني بياناً لإرادة ما استجملت له الأول، فإن بني إسرائيل ما تكلموا إلا في جبريل، فذكر الملائكة عليهم السلام توطئة لشرفه عليهم كما سبق في موضعه، ولولا الثاني لم يعلم المراد من ذكر الأول، وهو المراد بقوله: "فهي دالة على المعنى الذي تخصِّصُّه".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: لعل الأمر بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها، هذا أحد الوجوه المذكورة في "التفسير الكبير". وقلت: إنه سبحانه وتعالى لما ذكر شرعية أحكام الأولاد والأزواج ووصيتهم بالتقوى وعم النهي عن نسيان الحقوق والفضل فيما بينهم بقوله: (وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) وعلله بأنه عليم بما في ضمائرهم بصير بأحوالهم، أردفه بالأمر بالمحافظة على حقوق الله لاسيما أفضلها نفعاً وأعلاها قدراً، ولهذا عطف عليه (وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى)، وفيه إشعار بأن مراعاة حق العباد مقدمة على حق الله، ومن ثم شرط في التوبة رد المظالم أولاً، أو ليجمع بين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، ويدل على أن الآية مستطردة: العود إلى ذكر ما يتعلق بالحكم بين الأزواج، وهو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ). الراغب: إن آيات القرآن منزلة حسب الحاجات، ولهذا قال الكفار: (لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) الآية، أعلمهم أنه تعالى فعل ذلك ليقوى عليه الصلاة والسلام على تلقينه وتلقيه، وقال: (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) [الإسراء: 106] ثم إن الله تعالى لا يخلي شيئاً يذكره مما يتعلق بالأحكام الدنيوية إلا ويقرنه بحكم أخروي لينبههم على مراعاة الآخرة في جميع أحوالهم وأعمالهم وأنها هي المقصودة بالقصد الأولى، وأما سائر ما يتحرى فلأجلها، على أن ما تراه موجوداً ها هنا ومحفوظاً لدينا أبلغ وأحسن مما راعاه أصحاب القوانين؛ لأنه تعالى لما حثهم على العفو ورغبهم في المحافظة على الفضل عرفهم أن السلوك إلى التخصيص بذلك هو المحافظة على الصلوات بكل حال، فإن الصلاة هي الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، ثم صرف الكلام إلى ذكر ما كان بصدده فتممه.

وعن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم: أنه قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ اللَّه بيوتهم ناراً»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب»، وعن حفصة: أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقرؤها. فأملت عليه: والصلاة الوسطى صلاة العصر. وروي عن عائشة وابن عباس رضى اللَّه عنهم: (والصلاة الوسطى وصلاة العصر) بالواو، فعلى هذه القراءة يكون التخصيص لصلاتين، إحداهما: الصلاة الوسطى، إمّا الظهر، وإمّا الفجر، وإمّا المغرب على اختلاف الروايات فيها؛ والثانية: العصر. وقيل: فضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إنه قال يوم الأحزاب)، وهو اليوم الذي أحاط فيه الكافرون بالمدينة، والحديث رواه الشيخان وغيرهما، عن علي رضي الله عنه مع التفاوت، وحديث حفصة رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي، وعن عائشة رضي الله عنها مع الاختلاف، وأما كاتب حفصة فهو: رافع مولى عمر رضي الله عنهما، كذا ذكره في الحاشية. وقولها: كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، وهذه الزيادة يجوز أن تكون صادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل البيان

وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما: هي صلاة الظهر؛ لأنها في وسط النهار، وكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يصليها بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحابه منها. وعن مجاهدٍ: هي الفجر؛ لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فحسبت أنها من القرآن، وأنها قراءة شاذة، وحديث ابن عمر رواه الترمذي وأبو داود، عن زيد بن ثابت، مع التفاوت. قوله: (وعن مجاهد: هي الفجر). روي عن علي وابن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح. رواه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقاً، وفي "شرح السنة": سأل عبيدة علياً عن صلاة الوسطى، قال: كنا نرى أنها صلاة الفجر، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وبيوتهم

وعن قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، لأنها وتر النهار، ولا تنقص في السفر من ثلاث. وقرأ عبد اللَّه: (وعلى الصلاة الوسطى)، وقرأت عائشة: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ناراً"، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" عن عبيدة، عن علي رضي الله عنه. قوله: (وتر النهار). في الحاشية: سمي المغرب بوتر النهار لأنه آخر جزء من النهار، وفي "المغرب": يقال: وترته، أي: قتلت حميمه وأفردته منه، يقال: وتره حقه: إذا نقصه، ومنه: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" بالنصب. قوله: (ولا تنقص في السفر) من تتمة التعليل، ووجهه: أن المغرب هي الوسطى؛ لأنها فصل بين النهار والليل، وأنها لا تنقص في السفر، وإنما قلنا: إنه من تتمة التعليل لأن الصبح أيضاً فصل واقع بين الليل والنهار، ولكن ليس فيه المعنى المذكور، قال القاضي: وقيل: الوسطى: المغرب؛ لأنها المتوسط بالعدد ووتر النهار.

(والصلاة الوسطى) بالنصب على المدح والاختصاص. وقرأ نافع: (الوصطى). (وَقُومُوا لِلَّهِ) في الصلاة (قانِتِينَ): ذاكرين للَّه في قيامكم. والقنوت: أن تذكر اللَّه قائماً. وعن عكرمة: كانوا يتكلمون في الصلاة، فنهوا. وعن مجاهدٍ: هو الركود وكف الأيدى والبصر. وروي: أنهم كانوا إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمدّ بصره، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يحدّث نفسه بشيء من أمور الدنيا. (فَإِنْ خِفْتُمْ): فإن كان بكم خوف من عدوّ أو غيره، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرأ نافع: الوصطى)، وهي شاذة وإن نسبت للإمام. قوله: (هاب الرحمن)، فإن قيل: صفة الرحمن مما لا يهاب منها، يقال: إن الله تعالى إذا تجلى للعبد بما يحتوي على جلائل النعم ربما يضيق منها نطاق بشريته، وفي معناه أنشد: أشتاقه، فإذا بدا ... أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبة ... وصبابة لجماله ومن ثمة أردف بالرحيم عند الإفضال، وضم إليه الاستواء على العرش عند العظمة والكبرياء، وكلما ذكر مجرداً عن الرحيم أشعر بمعنى الهيبة. قوله: (فإن كان بكم خوف). قال الزجاج: (فَإِنْ خِفْتُمْ) أي: إن لم يمكنكم أن تقوموا قانتين، أي: عابدين موفين الصلاة حقها لخوف ينالكم فصلوا ركباناً، فإذا أمنتم فقوموا قانتين، أي: مؤدين الفرض، هذا ظاهر على مذهب الشافعي رضي الله عنه، وحجةُ أبي حنيفة

(فَرِجالًا): فصلوا راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام؛ أو رجلٍ، يقال: رجل رجل، أي: راجل. وقرئ: (فرجالاً) بضم الراء، و (رجالاً) بالتشديد، و (رجلاً). وعند أبي حنيفة رحمه اللَّه: لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف، وعند الشافعي رحمه اللَّه: يصلون في كل حال، والراكب يومئ، ويسقط عنه التوجه إلى القبلة (فَإِذا أَمِنْتُمْ): فإذا زال خوفكم (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) من صلاة الأمن، أو: فإذا أمنتم فاشكروا اللَّه على الأمن، واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة يوم الخندق، واجيب بأنه منسوخ بهذه الآية، مع أن قوله صلى الله عليه وسلم: "شغلونا عن صلاة الوسطى" يحتمل النسيان. قوله: (و"رجالاً") كجاهل وجهال، "أو رجلاً" كصاحب وصحب. قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) فالذكر ها هنا إما الصلاة أو الذكر نفسه، فعلى الأول يحمل قوله: (فَإِذَا أَمِنتُمْ) على إزالة الخوف، يعني: فإذا زال خوفكم، فأدوا الصلاة أو اقضوها؛ على الخلاف، وعلى الثاني يحمل: "إذا أمنتم" على ظاهره، يعني: إذا خولكم نعمة الأمن بعد الخوف فقابلوها بالشكر، وهي العبادة، كأنه لمح بقوله: "كما أحسن إليكم" إلى مذهبه؛ لأن عندهم تعليم الشرائع إحسان من الله؛ لأنه إن لم يبعث رسولاً ولم ينزل كتاباً كان الإيمان به واجباً لما ركب فيهم من العقول، هذا لفظه في أول السورة.

[(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)]. تقديره فيمن قرأ: (وصية) بالرفع: ووصية الذين يتوفون، أو: وحكم الذين يتوفون وصية لأزواجهم، أو: والذين يتوفون أهل وصية لأزواجهم؛ وفيمن قرأ بالنصب: والذين يتوفون يوصون وصية، كقولك: إنما أنت سير البريد، بإضمار تسير؛ أو والزم الذين يتوفون وصية. وتدل عليه قراءة عبد اللَّه (كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعا إلى الحول) مكان قوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ)، وقرأ أبيّ: (متاع لأزواجهم متاعاً)، وروي عنه: (فمتاع لأزواجهم)، و (متاعاً) نضب بالوصية، إلا إذا أضمرت "يوصون"؛ فإنه نصب بالفعل. وعلى قراءة أبيّ متاعاً نصب بـ"متاع"، لأنه في معنى التمتيع كقولك: الحمد للَّه حمد الشاكرين، وأعجبني ضرب لك زيداً ضرباً شديداً. و (غَيْرَ إِخْراجٍ) مصدر مؤكد كقولك: هذا القول غير ما تقول؛ أو بدل من (متاعاً) أو حال من "الأزواج"، أي: غير مخرجات، ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيمن قرأ: "وصية"، بالرفع) الحرميان وأبو بكر والكسائي: بالرفع، والباقون: بالنصب. قوله: (أو ألزم الذين يتوفون) فعلى هذا (وَصِيَّةً): ثاني مفعولي "ألزم". قوله: (وقرأ أبي: "متاع") أي: مكان (وَصِيَّةً)، وروي عنه: "فمتاع"؛ لأن "الذين" متضمن لمعنى الشرط، فجاز إدخال الفاء في الخبر.

والمعنى: أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولاً كاملاً، أي: ينفق عليهنّ من تركته ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخت المدة بقوله: (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة: 243]. وقيل: نسخ ما زاد منه على هذا المقدار، ونسخت النفقة بالإرث الذي هو الربع والثمن. واختلف في السكنى، فعند أبى حنيفة وأصحابه: لا سكنى لهن. (فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) من التزين والتعرض للخطاب (مِنْ مَعْرُوفٍ): مما ليس بمنكر شرعاً. فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمعنى: أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم) إلخ، هذا على تقدير الحال ظاهر، ومن ثمة قدر ولا يخرجن عن مساكنهن"، وأما على تقدير المصدر فالمعنى: يمسكن في البيوت إمساكاً غير إخراج، فإنه لما ذكر أنهم يوصون لأزواجهم ما تمتع به حولاً دل على أنهم لا يخرجون، فأكد ذلك بقوله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ)، وعلى تقدير البدل: فحق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا لأزواجهم، أن: لا يخرجن من مساكنهن حولاً كاملاً، وعلى التقديرين لا يكون في الآية ما يدل على إيجاب النفقة، قال القاضي: سقطت النفقة بتوريثها الربع أو الثمن، والسكنى لها بعد ثابتة عندنا، خلافاً لأبي حنيفة، وقوله تعالى: (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) هذا يدل على أنه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه، وإنما كانت مخيرة بين الملازمة وأخذ النفقة وبين الخروج وتركها. قوله: (كيف نسخت الآية المتقدمة؟ ) توجيه السؤال أن قوله تعالى: (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة: 234] متقدم على هذه الآية في التلاوة، وهي ناسخة لها، ومن شرط الناسخ أن يكون متأخراً.

قلت: قد تكون الآية متقدّمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ) [البقرة: 142]، مع قوله: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ) [البقرة: 144]. [(وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ* كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) 241 - 242]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قد تكون الآية متقدمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل) يعني: ليس ترتيب المصحف على ترتيب التنزيل، وإنما ترتيب التلاوة هو ترتيب الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله: (كقوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) [البقرة: 142] مع قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ) [البقرة: 144])، وذلك أن تقلب وجهه في السماء مؤذن بأنه صلى الله عليه وسلم كان طالباً من الله الإذن بالتحويل؛ لأنها قبلة آبائه، والدليل عليه قوله: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقع من الله أن يحوله إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم عليه السلام وأدعى للعرب إلى الإيمان"، وهذا التوقع إنما يحسن إذا لم يسبق بقوله: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) ويمكن أن يقال: إن قوله: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ) إخبار عن الكائن ووعد لحبيبه صلوات الله عليه أن يحوله إلى قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل، يعني لابد أن يحول القبلة إلى الكعبة ولابد أن يقول السفهاء: (مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا)، وقل أنت: (لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)، وكان صلوات الله عليه يتوقع من ربه إنجاز وعده زماناً غب زمان، ويراعي نزول جبريل عليه السلام والوحي بالتحويل، فقيل له: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) انتظاراً لما وعدناك، ننجز الوعد ونعطيك قبلة ترضاها.

(وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ) عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المطلقة غير المدخول بها، وقال: (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) كما قال ثمة: (حقاً على المحسنين) [البقرة: 236]. وعن سعيد بن جبير وأبى العاليه والزهري: أنها واجبة لكل مطلقة. وقيل قد تناولت التمتيع الواجب والمستحب جميعاً. وقيل: المراد بالمتاع نفقة العدة. [(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ* وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) 243 - 244]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عَمَّ المطلقات بإيجاب المتعة) ينافي مذهبه في تفسير الآية السابقة، وهو قوله: "عند أصحابنا: لا تجب المتعة إلا لهذه" أي: المطلقة غير المدخول بها ويستحب لسائر المطلقات؛ لأنه أوجب ها هنا لكلهن، ثم أكد هذا الوجه بقول سعيد بن جبير وغيره، والتفصي منه لا يحصل إلا بتخصيص المنطوق بالمفهوم، كما قال القاضي: إفراد بعض العام بالحكم لا يخصصه إلا إذا جوزنا تخصيص المنطوق بالمفهوم، ولهذا أوجبها ابن جبير لكل مطلقة، وأول غيره بما يعم التمتع الواجب والمستحب. وقلت: لكن الحنفية لا يقولون بالمفهوم وعلى تقدير جوازه كما هو مذهب المصنف في هذا الباب، ينبغي أن يكون المخصص متأخراً عن المخصص، وقد قال: ما أوجبها لواحدة منهن. قوله: (وقد تناولت التمتيع الواجب والمستحب)، هذا مبني على أن مطلق الأمر يتناول الواجب والمستحب جميعاً، فلا تنافي الآية السابقة. وقال القاضي: ويجوز أن تكون اللام للعهد، والتكرير للتأكيد أو لتكرير القضية.

(أَلَمْ تَرَ) تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأوّلين، وتعجيب من شأنهم. ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع، لأنّ هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أَلَمْ تَرَ) تقرير لمن سمع بقصتهم)، الراغب: "رأيت" يتعدى بنفسه دون الجار، لكن لما استعير قولهم: "ألم تر" لمعنى: ألم تنظر؟ عدي تعديته، وفائدة استعارته أن النظر قد يتعدى عن الرؤية، فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة للرؤية استعيرت له، وقلما استعمل ذلك في غير التقدير، ولا يقال: رأيت إلى كذا. قوله: (ويجوز أن يخاطب) عطف على قوله: "تقرير لمن سمع بقصتهم"، وهو أوفق من الأول لتأليف النظم، لأن الكلام مع المؤمنين في شأن الأزواج والأولاد، وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، كالتخلص من الأحكام إلى القصص لاشتمال معنى الآيات عليها، يؤيده قوله بعد هذا: "وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد"، وذكر الجهاد ها هنا كذكر الصلاة قبل ذلك تدرجاً من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر. قال الزجاج: وفي ذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم احتجاج على مشركي العرب وأهل الكتاب؛ لأنه أنبأ أهل الكتاب بما لا يدفعون صحته وهو صلى الله عليه وسلم لم يقرأ كتاباً ولا تعلم من أحد، وهم يعلمون أنه كذلك، فلا تكون هذه الأقاصيص إلا بوحي من الله تعالى. قوله: (لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل) تعليل لجواز استعمال (أَلَمْ تَرَ) في غير من سمع على تقدير سؤال، وذلك أن (أَلَمْ تَرَ) إذا خوطب به من نظر إلى حال أو سمع قصة تولد منه معنى التعجب كما في الوجه الأول، وأما إذا خوطب به من لم ينظر ولم يسمع افاد الحث على النظر والاستماع، فكيف يفيد معنى التعجب؟ والجواب: أنه مزال عن الأصل نظراً

روي: أنّ أهل داوردان قرية قبل واسط -وقع فيهم الطاعون، فخرجوا هاربين فأماتهم اللَّه ثم أحياهم؛ ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفرّ من حكم اللَّه وقضائه. وقيل: مرّ عليهم حزقيل بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرّقت أوصالهم فلوى شدقه وأصابعه تعجباً مما رأى، فأوحي إليه: ناد فيهم أن قوموا بإذن اللَّه. فنادى فنظر إليهم قياماً يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت. وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذراً من الموت، فأماتهم اللَّه ثمانية أيام ثم أحياهم. (وَهُمْ أُلُوفٌ) فيه دليل على الألوف الكثيرة، واختلف في ذلك؛ فقيل: عشرة، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون. ومن بدع التفاسير: (أُلُوفٌ): متآلفون جمع آلف، كقاعد وقعود. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى الاستعمال السابق وجار مجرى المثل بعده، قال الزجاج: (أَلَمْ تَرَ) كلمة يوقف بها المخاطب على أمر يتعجب منه، تقول: ألم تر إلى فلان كيف صنع كذا. قوله: (مر عليهم) أي: اجتاز، "الأساس": مررت به وعليه مراراً ومروراً وممراً. كذا في "الصحاح". قوله: (فنظر إليهم)، الفاء فيه فصيحة، أي: فنادى فحيوا وقاموا ونظر إليهم قياماً. قوله: (فقيل: عشرة، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون) قال الإمام: للوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف، لأن الألوف جمع الكثير. قوله: (ومن بدع التفاسير) أي: ليس يثبت أن الألوف جمع آلف، قال القاضي عبد الجبار: الوجه الأول أولى؛ لأن ورود الموت عليهم وهم كثيرون يفيد مزيد اعتناء

فإن قلت: ما معنى قوله: (فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا)؟ قلت: معناه فأماتهم، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر اللَّه ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا توقف، كقوله تعالى: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: 82]، وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأنّ الموت إذا لم يكن منه بدٌّ ولم ينفع منه مفر، فأولى أن يكون في سبيل اللَّه (لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ)؛ حيث يبصرهم ما يعتبرون به ويستبصرون، كما بصر أولئك، وكما بصركم باقتصاص خبرهم. أو لذو فضل على الناس حيث أحيى أولئك ليعتبروا فيفوزوا، ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم البعث. والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثاً على الجهاد: ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل اللَّه. (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بشأنهم، وأجاب الإمام: أن كونهم مؤتلفين أيضاً كذلك، لأن كونهم مؤتلفين يقتضي الاهتمام أيضاً، بمعنى أنهم مع غاية المحبة والألف أماتهم الله تعالى. قوله: ((إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً)) هذا مبني على أن ليس ثمة أمر ولا قول، بل هو تمثيل شبه حال تعلق إرادة [الله] تعالى بموتهم دفعة واحدة، وكما تعلقت إراداته حصل المراد بلا مهلة- بحالة أمر مطاع برد أمره على ما هو مطيع، فلم يتوقف عن الامتثال، ثم أخرجه مخرج الاستعارة فإذا تخلف رجل منهم لم يحصل الامتثال، وهو المراد من قوله: "ماتوا ميتة رجل واحد". قوله: (ما يقوله المتخلفون والسابقون) أي: من تنفير الغير عن الجهاد وترغيب الغير في الجهاد.

(عَلِيمٌ) بما يضمرونه وهو من وراء الجزاء. [(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)]. إقراض اللَّه مثل لتقديم العمل الذي يطلب به ثوابه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بما يضمرونه) أي: من البواعث والأغراض، وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لعاجل الدنيا. قوله: (وهو من وراء الجزاء) مثل، يريد أنه تعالى لابد أن يجازي المتخلف والسابق كما أن سائق الشيء من ورائه لابد أن يوصله على ما يريده، والمعنى مستفاد من قوله: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وهو كما تقول لمن تهدده وتوعده: أنا أعلم بحالك، أي: لا أنساها وأجازيك عليها. قوله: (إقراض الله مثل)؛ لأن حقيقة الإقراض هو: إعطاء عين على وجه طلب البدل، قال الزجاج: القرض في اللغة: أصله ما يعطيه الرجل ليجازى عليه، والله عز وجل لا يستقرض عن عوز، ولكنه يبلو الأخيار، قال أمية بن أبي الصلت: كل امرئ سوف يجزى قرضه حسناً ... وسيئاً ومديناً كالذي دانا والقرض هنا: اسم لكل ما يلتمس عليه في الحقيقة الجزاء. وقال الراغب: إقراض الله عبارة عن: كل إنفاق محمود أوجبه أو ندب إليه، وسمى ذلك قرضاً تلطفاً لعباده، وإنما يطلبه منهم مع كونه في الحقيقة ملكاً له تعالى يأخذه ليرد عوضه إليهم خيراً منه. وقال أبو البقاء: القرض: اسم للمصدر، والمصدر على الحقيقة الإقراض، ويجوز أن يكون القرض ها هنا بمعنى المقروض فيكون مفعولاً به، و (حَسَناً) - على هذا-

والقرض الحسن: إما المجاهدة في نفسها، وإما النفقة في سبيل اللَّه. (أَضْعافاً كَثِيرَةً): قيل: الواحد بسبع مائة. وعن السدي: كثيرة لا يعلم كنهها إلا اللَّه. (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ): يوسع على عباده ويقتر فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيقة بالسعة، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيجازيكم على ما قدّمتم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: يقرض الله مالاً إقراضاً حسناً، ويجوز أن يكون صفة للمال، ويكون بمعنى الطيب أو الكثير، وقوله: (وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ) تتميم للتحريض على الإنفاق، وإيذان بأن الإنفاق والإمساك لا ينقص من المال ولا يزيد، بل الله هو الموسع والمقتر، هذا على تأويل الإقراض بالإنفاق في سبيل الله كالتجريد للاستعارة، وعلى تأويل المجاهدة في نفسها وإما بمعنى المفعول كالترشيح لها. قوله: (والقرض الحسن إما: المجاهدة في نفسها) يعني: قد تقرر أن الإقراض ها هنا تمثيل لتقديم العمل المطلوب ثوابه، وأن المراد بالعمل: المجاهدة، لقرينة قوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، ثم قوله (قَرْضاً حَسَناً) إما بمعنى المصدر فيكون تأكيداً وهو المجاهدة نفسها، وإما بمعنى المفعول به مكا سبق، وهو: يقرض الله مالاً إقراضاً حسناً، فيكون كما قال، وإنما النفقة في سبيل الله، ويجمعهما قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) [التوبة: 111]. قوله: (فلا تبخلوا عليه) حكم ترتب على الوصف المناسب، وهو القبض والبسط، يعني: إذا علمتم أن الله هو القابض والباسط، وأن ما عندكم من بسطه وإعطائه فلا تبخلوا لئلا يعاملكم بالقبض، قوله: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ): تذييل للتحريض على الإنفاق والمنع من البخل، ولهذا قال: "فيجازيكم على ما قدمتم، بالفاء".

[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)]. (لِنَبِيٍّ لَهُمُ) هو يوشع، أو شمعون، أو اشمويل. (ابْعَثْ لَنا مَلِكاً): أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره. طلبوا من نبيهم نحو ما كان يفعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من التأمير على الجيوش التي كان يجهزها، ومن أمرهم بطاعته وامتثال أوامره. وروي: أنه أمر الناس إذا سافروا أن يجعلوا أحدهم أميراً عليهم. (نُقاتِلْ) قرئ بالنون والجزم على الجواب، وبالنون والرفع على أنه حال، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أنهض للقتال معنا أميراً). قال القاضي: أقم لنا أميراً ننهض معه للقتال يدبر أمره ونصدر عن رأيه. وفي "المغرب": البعث: الإثارة، يقال: بعث الناقة، أي: أثارها، وبعثه: أرسله. الراغب: البعث: إرسال المبعوث عن المكان الذي فيه لكن فرق بين تفاسيره بحسب اختلاف المتعلق به، فقيل: بعثت البعير من مبركه، أي: ثورته، وبعثته في السير، أي: هيجته، وبعث الله الميت: أحياه، وضرب البعث على الجند: إذا أمروا بالارتحال. قوله: (والرفع على أنه: حال)، قال الزجاج: والرفع بعيد، ويجوز على معنى "فإنا نقاتل"، وكثير من النحويين لا يجيزونه، قال أبو البقاء: الجمهور على النون والجزم على جواب الأمر، والبواقي شواذ.

أي: ابعثه لنا مقدّرين القتال؛ أو استئناف، كأنه قال لهم: ما تصنعون بالملك؟ فقالوا: نقاتل. وقرئ: (يقاتل) بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لـ (ملكاً) وخبر (عسيتم): (أَلَّا تُقاتِلُوا)، والشرط فاصل بينهما. والمعنى: هل قاربتم أن لا تقاتلوا؟ يعني: هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون؟ أراد أن يقول: عسيتم أن لا تقاتلوا، بمعنى: أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل "هل" مستفهماً عما هو متوقع عنده ومظنون. وأراد بالاستفهام التقرير، وتثبيت أنّ المتوقع كائن، وأنه صائب في توقعه، كقوله تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ) [الإنسان: 1]، معناه التقرير. وقرئ (عسيتم) بكسر السين، وهي ضعيفة. (وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ): وأي: داعٍ لنا إلى ترك القتال؟ وأي: غرض لنا فيه (وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا)؟ ! وذلك أنّ قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أراد أن يقول: عسيتم أن لا تقاتلوا)، يعني: أن نبي الله كان يظن ويتوقع أنهم لا يقاتلون بما شاهد منهم من أمارات التثاقل والتثبط، ثم لما قويت تلك الأمارات وعلم أن متوقعه كائن أدخل "هل" على سبيل التقرير، ولما كان "هل" في الأصل سؤالاً عن النسبة، فإذا وجدت النسبة أفادت التقرير والتثبيت قال: "إن المتوقع كائن، وإنه صائب في توقعه ... وقرئ بكسر السين، وهي ضعيفة"، قرأها نافع، قال في "الكواشي": يقال: عسي كعمي، واسم الفاعل: عس كعم، عن ابن الأعرابي. فإن قيل: أليس موضع قوله: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا) بعد قوله: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً)؟ قلت: لا؛ لأن ورود قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) للتعجب من قبائح

فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين. (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ): قيل: كان القليل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، على عدد أهل بدر. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ): وعيد لهم على ظلمهم في القعود عن القتال وترك الجهاد. [(وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) 247]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اليهود ولبيان نقص ما أعطوا من العهود بأن يجاهدوا أعداء الدين بعد ما كانوا هم الطالبين له على الإجمال، وقوله: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ) إلى آخر الآيات، كالتفصيل لذلك المجمل بتكرير التعيير والتوبيخ، يدل عليه قوله تعالى في التفصيل: (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا) للكثير الذين انخزلوا، و (الَّذِينَ يَظُنُّونَ) هم القليل الذين ثبتوا معه. قوله: (فأسروا من أبناء ملوكهم)، قال محيي السنة: قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم، وهم العمالقة، فظهروا على بني إسرائيل، وغلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيراً من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعين وأربع مئة غلام وضربوا عليهم الجزية. قوله: (على عدد أهل بدر)، روينا عن البخاري والترمذي، عن البراء قال: "كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاث مئة".

طالُوتَ: اسم أعجمي كجالوت وداود. وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته، وزعموا أنه من الطوال لما وصف به من البسطة في الجسم. ووزنه إن كان من الطول «فعلوت» منه، أصله طولوت، إلا أنّ امتناع صرفه يدفع أن يكون منه، إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق عربيا، كما وافق حنطا حنطة، و"بشما لاها رخمانا رخيما": بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فهو من الطول كما لو كان عربياً، وكان أحد سببيه العجمة؛ لكونه عبرانياً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فهو من الطول) الفاء ناتجة من قوله: "إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق عربياً"، وفيه إشكال؛ لأنه يلزم منه أن يكون غير العربي مشتقاً أيضاً، فيقال: لا يبعد ذلك، ذكر ابن الأثير في "المثل السائر": أن يهودياً حضر عندي وكان معتقداً فيه بين اليهود لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان لعمري كذلك، فجرى ذكر اللغات، قال: لغة العرب أشرفها مكاناً وأحسنها وضعاً، فقال اليهودي: وكيف لا، وقد جاءت متأخرة فنفت القبيح من اللغات وأخذت الحسن! ثم إن واضعها تصرف في جميع اللغات السالفة، واختصر ما اختصر وخفف ما خفف، فمن ذلك "الجمل"، فإنه في اللسان العبراني كويمل ممالاً على وزن فويعل، فجاء واضع اللغة العربية وحذف الثقل المستبشع وقال: جمل، فصار خفيفاً حسناً، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة، ولقد صدق في الذي ذكره، وإليه أشار المصنف: "كما وافق حنطاً حنطة، وبشمالا رخمانا رخيما: بسم الله الرحمن الرحيم"، فكما أن الفرع وهو الرحمن الرحيم مشتق من الرحمة، فكذا الأصل.

(أَنَّى): كيف، ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم، واستبعاد له. فإن قلت: ما الفرق بين الواوين في: (وَنَحْنُ أَحَقُّ)، (وَلَمْ يُؤْتَ)؟ قلت: الأولى للحال، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالاً، قد انتظمتهما معاً في حكم واو الحال. والمعنى: كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك؛ لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بدّ للملك من مال يعتضد به. وإنما قالوا ذلك؛ لأنّ النبوّة كانت في سبط لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهوذا، ولم يكن طالوت من أحد السبطين؛ ولأنه كان رجلاً سقاءً أو دباغاً فقيراً. وروي: أنّ نبيهم دعا اللَّه تعالى حين طلبوا منه ملكاً فأتي بعصاً يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت. (قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ): يريد أنّ اللَّه هو الذي اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم، ولا اعتراض على حكم اللَّه، ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما العلم المبسوط والجسامة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الأولى: للحال، والثانية: لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالاً)، الانتصاف: هذا من السهل الممتنع. الإنصاف: لا أدري ما وعر هذا السهل. قلت: سهل ما وعره عدم السلوك وقلة توغله فيه، فالحال الأولى هي المقررة لجهة الإشكال، كقوله تعالى: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) [البقرة: 30]، والثانية لتتميم معناها والمبالغة فيها. قوله: (من أحد السبطين) قيل: كان من سبط بنيامين، وهو أدون الأسباط. قوله: (ثم ذكر مصلحتين) يريد أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ) وقع جواباً عن قولهم: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا) الآية، على طريقة الاستئناف والرد عليهم، وأن قوله: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) على آخره شروع في تفصيله على ما بنوا عليه كلامهم، قال القاضي: لما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه، رد عليهم ذلك أولاً بأن العمدة فيه

والظاهر أنّ المراد بالعلم المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب. ويجوز أن يكون عالما بالديانات وبغيرها. وقيل: قد أوحي إليه ونبئ؛ وذلك أنّ الملك لا بدّ أن يكون من أهل العلم، فإنّ الجاهل مزدرى غير منتفع به وأن يكون جسيماً يملأ العين جهارة؛ لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب. والبسطة: السعة والامتداد. وروي: أن الرجل القائم كان يمدّ يده فينال رأسه. (يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ) أي: الملك له غير منازع فيه، فهو يؤتيه من يشاء من يستصلحه للملك. وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل والعطاء، يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر، (عَلِيمٌ) بمن يصطفيه للملك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اصطفاء الله، وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، وثانياً بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، وجسامة البدن ليكون أعظم خطراً في القلوب وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، لا ما ذكرتم، وثالثاً: أنه مالك الملك، فله أن يؤتيه من يشاء، ورابعاً: أنه واسع الفضل يوسع على الفقير ويغنيه، عليم بما يليق بالملك بالنسب وغيره. وقلت، والله أعلم: قوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) تكميل لقوله: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ)، لأن المراد بالأول: إثبات المالكية والقدرة الكاملة على جميع الكائنات، وبالثاني: إثبات علمه الشامل على جميع المعلومات، وهما كالتذييل لما سبق، ومن ثمة عم الحكمين، ووضع المظهر، وهو لفظة "الله"، موضع المضمر، وكرره، فالمراد بقوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ) إثبات العلم الخاص، وهو العلم بمصالح العباد كما قال المصنف: "يريد أن الله تعالى هو الذي اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم"، وبالزيادة في العلم والجسم: القدرة المخصوصة، والله أعلم بمراده من كلامه. قوله: (يملأ العين جهارة) قال في "الأساس": جهرني فلان: راعني بجماله وهيئته، وجهرت الجيش واجتهرتهم: كثروا في عيني.

[(وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَاتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)]. (التَّابُوتُ): صندوق التوراة، وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدّمه، فكانت تسكن نفوس بنى إسرائيل ولا يفرّون. والسكينة: السكون والطمأنينة، وقيل: هي صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت، لها رأس كرأس الهرّ وذنب كذنبه وجناحان، فتئن فيزف التابوت نحو العدوّ وهم يمضون معه، فإذا استقرّ ثبتوا وسكنوا ونزل النصر، وعن علىّ رضى اللَّه عنه: كان لها وجه كوجه الإنسان وفيها ريح هفافة. (وَبَقِيَّةٌ) هي: رضاض الألواح، وعصا موسى، وثيابه، وشيء من التوراة، وكان رفعه اللَّه تعالى بعد موسى عليه السلام فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه، فكان ذلك آية لاصطفاء اللَّه طالوت. وقيل: كان مع موسى ومع أنبياء بنى إسرائيل بعده يستفتحون به، فلما غيرت بنو إسرائيل غلبهم عليه الكفار فكان في أرض جالوت، فلما أراد اللَّه أن يملك طالوت أصابهم ببلاء حتى هلكت خمس مدائن، فقالوا: هذا بسبب التابوت بين أظهرنا، فوضعوه على ثورين، فساقهما الملائكة إلى طالوت. وقيل كان من خشب الشمشار مموّها بالذهب. نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين. وقرأ أبىّ وزيد بن ثابت: (التابوه) بالهاء وهي لغة الأنصار. فإن قلت: ما وزن التابوت؟ قلت: لا يخلو من أن يكون فعلوتا أو فاعولا، فلا يكون فاعولا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فتئن فيزف التابوت)، الجوهري: الزفيف: السير السريع مثل الذفيف، يقال: زف الظليم والبعير يزف، بالكسر، أي: يسمع منها أنين فيسرع التابوت. قوله: (ريح هفافة). والريح الهفافة: الساكنة الطيبة، والرض: دق الجريش، وقد رضضت الشيء فهو رضيض ومرضوض.

لقلةٍ، نحو: سلس وقلق، ولأنه تركيب غير معروف فلا يجوز ترك المعروف إليه، فهو إذاً «فعلوت» من التوب، وهو الرجوع لأنه ظرف توضع فيه الأشياء وتودعه، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه، وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته. وأمّا من قرأ بالهاء فهو «فاعول» عنده، إلا فيمن جعل هاءه بدلاً من التاء، لاجتماعهما في الهمس، وأنهما من حروف الزيادة، ولذلك أبدلت من تاء التأنيث. وقرأ أبو السمال: (سكينة) بفتح السين والتشديد وهو غريب. وقرئ: (يحمله) بالياء. فإن قلت: مَن (آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ)؟ قلت: الأنبياء من بنى يعقوب بعدهما؛ لأن عمران هو ابن قاهث بن لاوي بن يعقوب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لقلة نحو: سلس) أي: قل في كلام العرب لفظ فاؤه ولامه من جنس واحد، فلا يجوز القياس على هذا، وغذا لم يجز فلا يقال: تابوت من تبت، وأما من قرأ بالهاء فهو فاعول؛ لأن فعلوة غير موجود، قال الجوهري: التابوت: أصله تابوة كترقوة، وهو فعلوة، فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيث تاء. روى صاحب "جامع الأصول"، عن رزين، عن علي قال: أرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص رضي الله عنهم فقال: ليكتب أحدكم آي القرآن وليمل الآخر، فإذا اختلفتم فارفعاه إلي، فاختلفا في هذا الحرف، قال سعيد: التابوت، وقال زيد: التابوه، فرفعاه إلى عثمان، قال: اكتبوه التابوت. قال علي: لو وليت الذي ولي عثمان لصنعت مثل الذي صنع. قوله: (وهو ابن قاهث) صوابه: عمران بن يصهر بن قاهث، يدل عليه ما سنذكره في آل عمران.

فكان أولاد يعقوب آلهما. ويجوز أن يراد: مما تركه موسى وهرون. والآل مقحم لتفخيم شأنهما. [(فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)]. (فَصَلَ) عن موضع كذا، إذا انفصل عنه وجاوزه، وأصله: فصل نفسه، ثم كثر محذوف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كانفصل. وقيل: فصل عن البلد فصولا. ويجوز أن يكون فصله فصلاً وفصل فصولاً كوقف وصدّ ونحوهما والمعنى: انفصل عن بلده (بِالْجُنُودِ) روى أنه قال لقومه: لا يخرج معى رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا رجل متزوّج بامرأة لم يبن عليها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مقحم)، قال المصنف: إقحام الآل للتفخيم، كقول الواحد المطاع: أمرنا ونهينا، قلت: مثله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) [النحل: 120]. قوله: (وقيل: فصل عن البلد فصولاً) معطوف على قوله: "صار" أي: حتى صار في حكم اللازم واستعمل استعماله فجيء بمصدره على طريقة مصدر اللازم وقيل: فصل فصولاً. قوله: (ويجوز أن يكون) معطوفاً على جملة قوله: "وأصله: فصل نفسه" أي: أصله التعدي ثم جعل لازماً، ويجوز أن يكون في أصله لازماً ومتعدياً كوقف، يقال: وقفت الدابة وقوفاً ووقفتها أنا؛ يتعدى ولا يتعدى، وصد عنه يصد صدوداً: أعرض، وصده عن الأمر صداً: منعه. قوله: (لم يبن عليها)، قال المصنف: يجوز: بنى بها، وعليها أفصح؛ لأنه كان من عادتهم أن الواحد منهم إذا زفت إليه امرأته بنى قبة عليها.

ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ. فاجتمع إليه مما اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة، فسألوا أن يجرى اللَّه لهم نهراً، فـ (قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ) بما اقترحتموه من النهر، (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ): فمن ابتدأ شربه من النهر بأن كرع فيه (فَلَيْسَ مِنِّي): فليس بمتصل بي ومتحد معي؛ من قولهم: فلان مني كأنه بعضه؛ لاختلاطهما واتحادهما، ويجوز أن يراد: فليس من جملتي وأشياعى. (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ): ومن لم يذقه؛ من طعم الشيء، إذا ذاقه. ومنه طعم الشيء؛ لمذاقه. قال: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قيظاً) بالظاء المعجمة، الجوهري: قاظ يومنا أي: اشتد حره. قوله: (فليس بمتصل بي) يريد أن من في (مِنّيِ) للاتصال، كقوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، وقول النابغة: إذا حاولت في أسد فجوراً ... فإني لست منك ولست مني ويجوز أن تكون "من" للتبعيض، والمعنى: فليس من جملتي. قوله: (من طعم الشيء: إذا ذاقه)، الراغب: الطعم: تناول الغذاء، ويسمى ما يتناول منه طعماً وطعاماً، وقيل: قد يستعمل "طعمت" في الشراب، قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ)، وقال بعضهم: إمنا قال: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) تنبيهاً أنه محظور عليه أن يتناوله إلا غرفة مع طعام، كما أنه محظور أن يشربه إلا غرفة، فإن الماء قد يطعم إذا كان مع شيء يمضغ، ولو قال: ومن لم يشربه لكان يقتضي أن يجوز تناوله أكثر من غرفة إذا كان في طعام، فلما قال: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) بين أنه لا يجوز تناوله على كل حال، غلا على قدر المستثنى، وهو الغرفة.

وَإنْ شِئْتَ لَمْ أَطْعَمْ نَقَاخًا وَلَا بَرْدَا ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم! ويقال: ما ذقت غماضاً ونحوه من الابتلاء ما ابتلي اللَّه به أهل أيلة من ترك الصيد مع إتيان الحيتان شرَّعاً، بل هو أشد منه وأصعب، وإنما عرف ذلك طالوت بإخبار من النبي، وإن كان نبياً - كما يروى عن بعضهم - فبالوحي. وقرئ: (بنهر) بالسكون. فإن قلت: ممَّ استثنى قوله: (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ)؟ قلت: من قوله: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي)، والجملة الثانية في حكم المتأخرة، إلا أنها قدّمت للعناية كما قدم (وَالصَّابِئُونَ) في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ) [المائدة: 69]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإن شئت لم أطعم)، صدره: وإن شئت حرمت النساء سواكم النقاخ: الماء العذب الذي ينقخ الفؤاد ببرده، أي: يكسر العطش، ولو لم يكن الطعم في البيت بمعنى الذوق لما جاز العطف، لصيرورة المعنى: لم آكل النوم، وأما إن كان بمعنى الذوق فجاز لما ذكر من أنه يقال: "ما ذقت غماضاً"، قال في مخاطبة: النساء سواكم، إرادة لتعظيمهن كما يجاء بالجمع لواحد المذكر. قوله: (بل هو أشد منه وأصعب) أي: الابتلاء بالنهر أشد من ابتلاء أهل أيلة لما حصل لهم من مشقة السفر مع بعد المفازة والوقت قيظ، بخلاف أهل أيلة لقلة احتياجهم إلى الحيتان مع أنهم حاضرون ولهم أطعمة سواها. قوله: (والجملة الثانية في حكم المتأخرة)، إذ التقدير: "فمن شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده ومن لم يطعمه فهو مني"، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) إلى قوله: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) [المائدة: 69]، والتقدير: إن الذين آمنوا

ومعناه: الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع، والدليل عليه قوله: (فَشَرِبُوا مِنْهُ) أي: فكرعوا فيه (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والذين هادوا والنصارى فلا خوف عليهم، والصابئون كذلك، قدم و"الصابئون" للعناية تنبيهاً به على أن الصابئين يتاب عليهم أيضاً وإن كان كفرهم أغلظ، هكذا ها هنا، المطلوب: أن لا يذاق من الماء رأساً، والاغتراف بالغرفة رخصة، فقدم (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) للعناية؛ لأنه عزيمة، وهو المطلوب أولياً. قوله: (دون الكروع)، النهاية: كرع في الماء يكرع: إذا تناوله بفيه من غير أن يشرب بكف ولا بإناء كما تشرب البهائم؛ لأنها تدخل فيه أكارعها، والمصنف إنما عدل من الشرب إلى الكروع ليؤذن أنهم بالغوا في مخالفة المأمور، يعني: لم يغترفوا بل كرعوا، أي: أفرطوا في الشرب كالبهائم. الراغب: في القصة إيماء ومثال للدنيا وأبنائها وأن من يتناول قدر ما يتبلغ به اكتفى واستغنى وسلم منها ونجا، ومن تناول منها فوق ذلك ازداد عطشاً، وعليه قيل: الدنيا كالماء المالح: من ازداد منها شرباً ازداد عطشاً، وإلى هذا أشير في الخبر المروي أن الله عز وجل إذا سأله عبد شيئاً من عروض الدنيا أعطاه وقال له: خذه حرصاً، وإياه عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى غليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب". قوله: (والدليل عليه) أي: على الاستثناء من قوله: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ) لا من قوله: (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ)؛ لأنه لو كان منه لقيل: فطعموه، وفيه أن من ذهب إليه تعسف، قال أبو البقاء: (إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً) استثناء من الجنس وموضعه نصب، وأنت بالخيار؛ إن شئت جعلته استثناء من "مِن" الأولى، وإن شئت من "مِن" الثانية.

وقرئ: (غرفة) بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف. وقرأ أبيّ والأعمش: (إلا قليل) بالرفع؛ وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً، وهو باب جليل من علم العربية، فلما كان معنى (فَشَرِبُوا مِنْهُ) في معنى: فلم يطيعوه؛ حمل عليه، كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم، ونحوه قول الفرزدق: لمْ يَدَعْ ... مِنَ الْمَالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف. وقيل: لم يبق مع طالوت إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً. (وَالَّذِينَ آمَنُوا) يعني: القليل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "غرفة" بالفتح) الكوفيون وابن عامر: بضم الغين، والباقون: بفتحها، قال الزجاج: معنى الفتح: المرة الواحدة باليد، والفتح مقدار ملء اليد، قال صاحب "الكشف": كان أبو عمرو يطلب شاهداً على قراءته غرفة بالفتح، فلما هرب من الحجاج إلى اليمن وخرج ذات يوم، فإذا هو براكب ينشد لأمية بن أبي الصلت: ربما تكره النفوس من الأمر ... ما له فرجة كحل العقال قال فقلت له: ما الخبر؟ قال: مات الحجاج، قال أبو عمرو: فلا أدري بأي الأمرين كان فرحي، أبموت الحجاج أم بقوله: له فرجة. قوله: (وقرأ أبي والأعمش: "إلا قليل")، قال الزجاج: لا أعرف هذه القراءة ولا لها عندي وجه؛ لأن المصحف على النصب، والنحو يوجبها؛ لأن الاستثناء من الكلام الموجب ليس فيه إلا النصب، كأن قول المصنف: "وهذا من ميلهم" جواب عن هذا. قوله: (لم يدع من المال إلا مسحت أو مجلف) صدره:

(قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ) يعني: الخلص منهم، الذين نصبوا بين أعينهم لقاء اللَّه وأيقنوه، أو الذين تيقنوا أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون اللَّه. والمؤمنون مختلفون في قوة اليقين ونصوع البصيرة. وقيل: الضمير في (قالُوا لا طاقَةَ لَنَا اليوم) للكثير ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعض زمان يا ابن مروان لم يدع أوله: إليك أمير المؤمنين رمت بنا ... شعوب النوى والهوجل المتعسف الهوجل: المفازة، والمتعسف: الذ يميل عن الطريق المستقيم، والمسحت: المذهب والمستأصل، يقال: مسحوت، والمجلف: الذي أخذ من جوانبه فذهب بعضه وبقي منه شيء، وروى المصنف البيت في سورة طه: "إلا مسحتاً أو مجلف"، وقال: بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه، فمن روى: إلا مسحت أو مجلف كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف، ومن روى: إلا مسحتا أو مجلف، فإنه يرفع "مجلف" بالعطف على المعنى؛ لأن المعنى: لا يدع إلا مسحتاً وبقي مجلف، فكأنه قال: وبقي مجلف. قوله: ((قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ)) يعني: افترق هؤلاء القليلون فرقتين: فرقة قالوا: (لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ)، وفرقة ردوا عليهم وقالوا: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً)، ومن ثم وجب أن يفسر (يَظُنُّونَ) بيوقنون لتحصل التفرقة بين الفريقين؛ لأن هؤلاء أعلى رتبة من أولئك المؤمنين، وإليه الإشارة بقوله: "والمؤمنون مختلفون في قوة اليقين". قوله: (وقيل: الضمير في (قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا) للكثير)، هذا معطوف من حيث المعنى على قوله: " (وَالَّذِينَ آمَنُوا) يعني: القليل"، كأنه قال: الضمير في "قالوا" للذين آمنوا وهم الأقلون، وقيل: الضمير للذين انخزلوا وهم الأكثرون، ولعل هذا الوجه أقرب؛ لأنه

الذين انخذلوا، و (الذين يظنون) هم القليل الذين ثبتوا معه، كأنهم تقاولوا بذلك والنهر بينهما، يظهر أولئك عذرهم في الانخزال ويرد عليهم هؤلاء ما يعتذرون به ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كيف يقال فيهم: (وَالَّذِينَ آمَنُوا) ويوضع المظهر موضع المضمر القليل المشعر بالتعظيم؟ والحال أنهم يقولون: (لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) فإن قلت: فسر (الَّذِينَ يَظُنُّونَ) على أن القائلين هم القليلون بوجهين، فما تفسيره على أنهم الكثيرون؟ قلت: تركه اعتماداً على السابق، والأنسب أن يفسر (الَّذِينَ يَظُنُّونَ) على إرادة الكثيرين بقوله: "المخلصين الذين تيقنوا لقاء الله" ليكون تعريضاً بأولئك المنخزلين وأنهم غير مخلصين ومندرجون تحت قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ... ) [يونس: 7] ويعضد التعريض تكرير وضع الظاهر واختلافه، وعلى إرادة القليلين أن يؤول بقوله: "الذين تيقنوا أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون الله"، فإنهم لما سمعوا ذلك من إخوانهم المؤمنين وشاهدوا استكانتهم وجبنهم تشجعوا وقالوا: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ)، ونظيره قوله تعالى: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) [آل عمران: 122] قال: الطائفتان حيان من الأنصار، وانخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس، فهم الحيان باتباع عبد الله فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا وإن الوجه القوي هو القول بالتعريض كما سبق، وأما اختصاص الوصفين- أعني الإيمان والإيقان- بلقاء الله في هذا التعريض والقوم يهود فكاختصاصهما في "ما" قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: 4] من التعريض. قوله: (وأيقنوه)، قال الزجاج: "ظننت" جاء بمعنى: أيقنت، قال دريد بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سوادهم في الفارسي المسرد

وروي: أنّ الغرفة كانت تكفى الرجل لشربه وإداوته والذين شربوا منه اسودّت شفاههم وغلبهم العطش. [(وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ* فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ)]. وجالُوتَ: جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عادٍ، وكانت بيضته فيها ثلاثمائة رطل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمدجج: تام السلاح، وأراد بالفارسي المسرد: الدروع، الراغب: ظن ها هنا هو المفسر باليقين عند أهل اللغة، وهو المعرفة الحاصلة عن أمارة قوية، يدل على ذلك استعمال أن المشددة، لأن الظن إذا أريد به العلم استعمل معه أن: المشددة أو المخففة، منها: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) [المزمل: 20]، وإذا أريد الشك استعمل "أن" الناصبة للفعل. قوله: (أن الغرفة كانت تكفي الرجل لشربه وإداوته)، هذا مثال قاصدي الآخرة الذين اقتنعوا بالبلغة وجعلوا الدنيا زاداً للآخرة، والذين شربوا منه اسودت شفاههم وغلبهم العطش. هذا مثال عابدي الدنيا وطالبيها لم يقتنعوا بالقليل ولم يشبعوا بالكثير، فأفضى بهم الحرص إلى السعير. قوله: (بيضته فيها ثلاث مئة رطل) من باب التجريد، أي: هي في نفسها هذا المبلغ، كقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21]، جرد منه صلوات الله عليه شيء يسمى قدوة، وهو في نفسه هي.

(وَثَبِّتْ أَقْدامَنا): وهب لنا ما نثبت به في مداحض الحر من قوّة القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو، ونحو ذلك من الأسباب. كان إيشى أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه، وكان داود سابعهم، وهو صغير يرعى الغنم، فأوحي إلى أشمويل: أنّ داود بن إيشى هو الذي يقتل جالوت، فطلبه من أبيه فجاء وقد مرّ في طريقه بثلاثة أحجارٍ دعاه كل واحدٍ منها أن يحمله، وقالت له: إنك تقتل بنا جالوت، فحملها في مِخلاته ورمى بها جالوت فقتله، وزوّجه طالوت بنته ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا): وهب لنا ما نثبت فيه في مداحض الحرب من قوة القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو ونحو ذلك) وفي قوله: "في مداحض الحرب" إشارة إلى أن قوله: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) ترشيح لاستعارة "أفرغ" لـ "هب"؛ لأن المقام الدحض ملائم لإفراغ الماء. الراغب: الفرغ: خلو المكان مما كان فيه، وخلو ذي الشغل من شغله، وسمي فرغ الدلو فرغاً باعتبار انصباب الماء منه، فقوله: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) كلام جامع يشتمل في ذلك المقام على جميع ما يحصل به الظفر على العدو، وقال القاضي: في هذا الدعاء ترتيب بليغ، إذ سألوا أولاً إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب منه، ثم النصر على العدو المترتب عليهما غالباً. وقلت: فعلى هذا الواجب أن يؤتى بالفاء دون الواو؟ والواجب ما قال صاحب "المفتاح": الواو أبلغ؛ لأن تعويل الترتيب حينئذ إلى ذهن السامع دون اللفظ، وكم بين الشهادتين، ويمكن أن تجرى الواو على ظاهرها، فإنهم طلبوا أولاً إفراغ الصبر على قلوبهم عند اللقاء، ثم

وروي: أنه حسده وأراد قتله ثم تاب. (وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) في مشارق الأرض المقدّسة ومغاربها، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود، (وَالْحِكْمَةَ): النبوّة (وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ) من صنعة الدروع وكلام الطير والدواب وغير ذلك، (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ): ولولا أن اللَّه يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم، لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ طلبوا ثانياً ثبات القدم، أي: تحمل المكاوحة والمقاومة مع العدو؛ لأن الصبر على القتل قد يحصل لغير المحارب، ثم طلبوا العمدة والمقصود من المحاربة، وهي النصرة والدبرة على الخصم؛ لأن الشجاعة دون نصرة الله لا تنفع، والفاء في (فَهَزَمُوهُمْ) فاء فصيحة، أي: استجاب الله دعاءهم وفهم مناهم فصبروا وثبتوا ونصرهم الله فهزموهم. قوله: (ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون). الراغب: فيه تنبيه على فضيلة الملك وانه لولاه لما استتب أمر العالم، ولهذا قيل: الدين والملك توأمان، ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر؛ لأن الدين أس والملك حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، وعلى ذلك قوله: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ) [الحج: 40]. إن قيل: على أي وجه دفع الله الناس ببعضهم؟ قيل: على وجهين، أحدهما: دفع ظاهر، والثاني: خفي، فالظاهر: ما كان بالسواس الأربعة: الأنبياء، والملوك، والحكماء المعنيون بقوله: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) [البقرة: 269] والوعاظ، فسلطان الأنبياء على الكافة خاصهم وعامهم ظاهرهم وباطنهم، وسلطان الملوك على ظواهر الكافة دون الباطن، كما قيل: نحن ملوك أبدانهم لا ملوك أديانهم، وسلطان الحكماء على الخاصة دون العامة، وسلطان الوعاظ على بواطن العامة، وأما الدفع الخفي فبسلطان العقل، فالعقل يدفع عن كثير من القبائح، وهو السبب في التزام حكم سلطان الظاهر.

وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض. وقيل: ولولا أن اللَّه ينصر المسلمين على الكفار لفسدت الأرض بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين. أو لو لم يدفعهم بهم لعمّ الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض. [(تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)]. (تِلْكَ آياتُ اللَّهِ) يعني: القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم، وتمليك طالوت، وإظهاره بالآية التي هي نزول التابوت من السماء، وغلبة الجبابرة على يد صبي. (بِالْحَقِّ) باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك. (وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب ولا سماع أخبار. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولولا أن الله ينصر المسلمين)، هذا على أن التعريف في الناس: للعهد، وهم المؤمنون والكفار، وعلى الأول كان للجنس. قوله: ((تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ) يعني: القصص التي اقتصها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت)، إلى قوله: " (وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ) حيث تخبر بها من غير أن تعرف"، خص الآيات بحديث الألوف وقصة طالوت، وأما أبو إسحاق الزجاج فقد ذهب إلى أعم من ذلك، حيث قال: (وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ) أي: أنت من هؤلاء الذين قصصت آياتهم؛ لأنك قد أعطيت من الآيات مثل الذي أعطوا وزدت على ما أعطوا، وقال: نحن نبين ذلك في الآية التي تتلوها إن شاء الله، أراد في قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، وبين فيها بقوله: (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) أنه صلوات الله عليه أفضلهم بكثرة المعجزات.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: النظم يقتضي أعم من ذلك، وأن يجعل التعريف في المرسلين وفي الرسل: للجنس، وأن يراد بالآيات جميع الآيات المذكورة من لدن مفتتح السورة، وتقريره: أنه سبحانه وتعالى لما بين بقوله: (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا) [البقرة: 23 - 24] الآية، أنه صلوات الله عليه نبي صادق ومعجزته هذا القرآن الذي بذ بفصاحته فصاحة كل ناطق، وشق ببلاغته غبار كل سابق، وما اكتفى بذلك، بل أتى بكل ما يتعلق بأمور الدين من التوحيد والأخلاق والديانات وأحوال الآخرة وقصص الأنبياء السالفة والأمم الدارجة وشيء صالح من الأحكام التي يناط بها أكثر أمور الأمة، وأطنب فيها كل الإطناب، ليؤذن به أن الكتاب كما أنه معجزة في نفسه، مشتمل على حكم وعلوم وأحكام يتوقف عليها أمر الرسالة، ولما أراد أن يرجع إلى ما بدأ به من إثبات نبوته ورسالته قال: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ) ليكون كالفذلكة لسائر ما ذكر، وكالتخلص إلى حديثه صلوات الله عليه، وأنه صلوات الله عليه نبي مرسل، وأنه أفضل الرسل على سبيل الترقي، كأنه قيل: تلك المذكورات كلها آيات الله ملتبسة بالحق الهادي إلى صراط مستقيم ليقرر بها أمر نبوتك الذي ثبت بالمعجزة القاهرة، وليعلم بها إنك لمن المرسلين الجامعين بين المعجزة والوحي وإنك من أفضلهم وواسطتهم؛ لأنك أعطيت ما أعطوا، وزدت على ما أعطوا، وهو هذا الكتاب الكريم. فعلى هذا، التعريف في الرسل كما في المرسلين، وهو للجنس، والمشار إليه بقوله: (تِلْكَ الرُّسُلُ) هو الرسل على منوال قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: 78] في أحد وجهيه، قال المصنف: قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاده، وأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه كما تقول: هذا أخوك، وهو المراد من قوله في الوجه الثاني: "أو التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أو المشار إليه ما يعلم من المرسلين وإن كانوا غائبين تفخيماً وتعظيماً لهم، و (الرُّسُلَ): صفة، و (فَضَّلْنَا): الخبر، وأما بيان كونه صلوات الله عليه أفضل المرسلين فهو

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنه تعالى لما أدخله في زمرة المرسلين أجمعهم؛ لأنه جمع محلى باللام مفيد للشمول، اتجه لسائل أن يسأل: أن تلك الرسل هل تتفاوت حالهم في علو الرفعة ومراتب الرسالة أم هم سواء؟ فقيل: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، ثم أخذ يشرع في بيان التفضيل في التفصيل: منهم من كلم الله، ومنهم من رفع درجات، ومنهم من أوتي من المعجزات، ومنهم من حاله كَيْتَ وكَيْت، وإنما فرق أحد من الأقسام بقوله: "بعضهم وبالدرجات"، ليشير إلى أن هذا القسم مباين للأقسام، ومغايرته بحسب ما خص به؛ لأن رفع الدرجات ليس من قبيل ما أوتوا ولا هو داخل في حكم ما أعطوا، ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه تعالى إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة". وروى محيي السنة في هذه الآية: وما أوتي نبي آية إلا أوتي نبينا مثل تلك الآية، وفضل على غيره بآيات مثل: انشقاق القمر بإشارته وحنين الجذع بمفارقته وتسليم الحجر والشجر عليه وكلام البهائم والشهادة برسالته ونبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تحصى، وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السماء والأرض عن الإتيان بمثله، وكذا عن الزجاج، وضم القاضي إليه المعجزات المتعاقبة بتعاقب الدهر والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر. ونظيره في أسلوب التقسيم بيت الحماسة: ومن الرجال أسنة مذروبة ... ومزندون شهودهم كالغائب منهم ليوث ما ترام وبعضهم ... مما قمشت وضم حبل الحاطب قال المرزوقي: يقول: من الرجال رجال يمضون في الأمور نفاذ الأسنة، ومنهم مزندون،

[(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)]. (تِلْكَ الرُّسُلُ) إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم (فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات. (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ): منهم من فضله اللَّه بأن كلمه من غير سفير، وهو موسى عليه السلام. وقرئ: (كلم اللَّه) بالنصب، وقرأ اليماني: (كالم اللَّه) من المكالمة، ويدل عليه قولهم: كليم اللَّه بمعنى مكالمه. (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) أي: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمداً صلى اللَّه عليه وسلم، لأنه هو المفضل عليهم؛ حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آيةٍ أو أكثر. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منفياً على سائر ما أوتي الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمزند: المبخل المقلل، وكان من حق التقسيم أن يقول: ومنهم مزندون، لكنه اكتفى بـ "من" الأول، ومثله. قوله تعالى: (مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) [هود: 100]، وسمعت أبا علي الفارسي يقول: كل صفتين تتنافيان وتتدافعان فلا يصح اجتماعهما لموصوف، لابد من إضمار "من" معهما إذا فصل جملة بهما متى لم يجيء ظاهراً، وقال المرزوقي: ومن الرجال رجال كالأسود عزة وأنفة لا يطلب اقتسارهم، ومنهم متقاربون كالقماش واللفائف جمعوا على ما اتفق من شيء إلى شيء، كأنه لم يقنعه ذلك التشبيه وتلك القسمة فاستأنفها على وجه آخر، يعني: بين الصنفين تفاوت عظيم وتباين شديد، وذكر البعض بدلاً عن قوله: "ومنهم"؛ لأن من

وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى؛ لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس. ويقال للرجل: من فعل هذا؟ فيقول: أحدكم، أو: بعضكم، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس. فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال. ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم أمره. ويجوز أن يريد: إبراهيم ومحمداً وغيرهما من أولي العزم من الرسل صلوات الله عليهم. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنه: كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء، فذكرنا نوحاً بطول عبادته، وإبراهيم بخُلته، وموسى بتكليم اللَّه إياه، وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا: رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أفضل منهم، بعث إلى الناس كافة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وهو خاتم الأنبياء. فدخل عليه السلام فقال: "فيم أنتم؟ " فذكرنا له، فقال: "لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا"، فذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهمَّ بها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للتبعيض فاستغنى به، و"ضم حبل الحاطب" معناه: أن الحاطب يجمع في حبله الجيد والرديء واليابس والرطب على تدان بينهما. قوله: (ولو شئت لذكرت الثالث)، مثله ما روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن علي رضي الله عنه، قال: خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر وعمر، ولو شئت لحدثتكم بالثالث. والأسلوب من باب التعريض على سبيل التفخيم. قوله: "وعن ابن عباس: كنا في المسجد نتذاكر .. "، الحديث رواه الترمذي والدارمي أبسط وأبلغ مما ذكره المصنف، لكن ليس فيه ذكر يحيى.

فإن قلت: فلمَ خصّ موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت: لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة، ولقد بين اللَّه وجه التفضيل؛ حيث جعل التكليم من الفضل، وهو آية من الآيات، فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خُصا بالذكر في باب التفضيل، وهذا دليل بين أنّ من زيد تفضيلاً بالآيات منهم فقد فضل على غيره، ولما كان نبينا صلى اللَّه عليه وسلم هو الذي أوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها؛ كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع. اللهمّ ارزقنا شفاعته يوم الدين (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ) مشيئة إلجاء وقسر، (مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ) من بعد الرسل؛ لاختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم، وتكفير بعضهم بعضاً، (وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ) لالتزامه دين الأنبياء، (وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) لإعراضه عنه، (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) كرّره للتأكيد، (وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) من الخذلان والعصمة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لما أوتيا من الآيات العظيمة)، قال صاحب "الفرائد": الأولى فيما أرى والله أعلم، أن يقالك خصا بالذكر لأن الكلام فيما مر مع أهل الكتاب، واليهود ينكرون عيسى، والنصارى ينكرون موسى، وقال الإمام: إنما خصا بالذكر لأن أمتهما موجودون وأمم سائر الأنبياء ليسوا كذلك، وقال القاضي: خص عيسى بالذكر لإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، والوجه ما ذكره المصنف، أن ذكرهما لبيان وجه التفضيل، يعني: أن فضل رسول على رسول مثله إنما يظهر بسبب اختصاصه بما أوتي من الفضل والكرامة ورفعة الدرجة، وبحسب هدايته وإرشاده وكثرة متبعيه، ولاشك في أن أولئك الثلاث هم المخصوصون من بين سائر الأنبياء بذلك، وأن لنبينا قصبات السبق عليهم، ومن ثم اكتفى بهم عنهم، وبهذا يتبين المقصود، وهو فضل نبينا على سائر الأنبياء. وعلى ما ذكروه يفوت المراد ويخرم النظم. قوله: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) كرره للتأكيد). أصل الكلام: نحن فضلنا بعض النبيين

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على بعض وآتينا كلاً منهم ما يدعو به أمته إلى دين الحق، فلما درجوا تشعبت مذاهب أمتهم محقين ومبطلين، فاقتتلوا، ولو شاء الله اتفاقهم ما اختلفوا وما اقتتلوا ولكن شاء الله ذلك، اختلفوا واقتتلوا، فكرر، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا)؛ لئلا يظن ظان أن المشيئة ليست على إطلاقها وأنها مقيدة بقيد القسر والإلجاء، روى الإمام عن الواحدي: إنما كرر تأكيداً للكلام وتكذيباً لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى، ويؤيده قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود: 118 - 119]، ألا ترى كيف عقب الآية بقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)؟ قال الإمام: الآية دالة على مسألة خلق الأعمال وأن الكائنات كلها بقضاء الله وقدره فيوفق من يشاء ويخذل من يشاء، ولا اعتراض لأحد عليه في فعله، وقال القاضي: (يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ): يوفق من يشاء فضلاً ويخذل من يشاء عدلاً، وفي الآية دليل على أن الأنبياء متفاوتة الأقدام، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض، لكن بقاطع، وأن الحوادث بيد الله تابعة لمشيئته خيراً كان أو شراً. الراغب: إن قيل: ما الفرق بين المشيئة والإرادة؟ قيل: أكثر المتكلمين لم يفرقوا بينهما وإن كانتا في أصل اللغة مختلفتين، وذلك أن المشيئة من شيء، والشيء: اسم للموجود، وأما الإرادة فمصدر أراد، أي: طلب، وأصله أن يتعدى إلى مفعولين، لكن اقتصر على أحدهما في التصرف، وفي الأصل لا يقال إلا لأن يطلب ممن يصح منه الطلب، فإن ترك منه هذا الاعتبار في التعارف صار لطلب الشيء والحكم بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، وإذا استعمل في الله فهو

(أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ) أراد الإنفاق الواجب؛ لاتصال الوعيد به (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ) لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق، لأنه لا بَيْعٌ فِيهِ حتى تبتاعوا ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للحكم دون الطلب، إذ هو تعالى منزه عن الوصف بذلك، وقلت: ظاهر الآية مع المتكلمين، لأن المعنى: ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله شاء ذلك فاقتتلوا، والله يفعل ما يشاء، فوضع موضعه ما يريد مراعاة للفواصل. قوله: (لاتصال الوعيد به) هو قوله: (يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ) [البقرة: 254] الآية، لأن الواجب هو: الذي يستحق تاركه العقاب، قال الإمام: اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال والمال في الإنفاق، فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه الأمر بالإنفاق، وأنه تعالى لما أمر بالقتال فيما سبق بقوله: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ثم أعقبه بقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ)، والمقصود منه الإنفاق في الجهاد، ثم أكده ثانياً وذكر فيه قصة طالوت، أعقبه مرة أخرى. وقلت: قد دل على أن الآيات واردة في الجهاد وفي الإنفاق سابقها ولاحقها، أما السابق فقوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا)، وأما اللاحق فقوله: (يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ) لما فيه لمحة من معنى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) [التوبة: 111]، وكذا قوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة: 256]، كأنه سبحانه وتعالى يقول: أنتم أيها المؤمنون من الذين يقاتلون من خالف الأنبياء وبدلوا بعدهم الشرك بالتوحيد والباطل بالحق، فجاهدوا المخالفين بأموالكم وأنفسكم ولا تخافوا ضياع سعيكم، فإن الذي تعاملونه حي قيوم لا يعتريه سهو ولا غفلة، يعلم ما تفعلون، قادر مالك كامل القدرة شامل العلم، فيجازيكم به ويزيدكم من فضله، ثم إذا جاهدتم الكفار حق جهاده بعد ما دعوتموهم إلى الدين الحق باللين والرفق وبذلتم وسعكم وجهدكم وفعلتم ما وجب عليكم، لا عليكم ألا يؤمنوا؛ لأنه لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.

ما تنفقونه، وَلا خُلَّةٌ حتى يسامحكم أخلاؤكم به، وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمّتكم من الواجب لم تجدوا شفيعاً يشفع لكم في حط الواجبات، لأنّ الشفاعة ثمة في زيادة الفضل لا غير. (وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أراد: والتاركون الزكاة هم الظالمون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن الشفاعة ثم في زيادة الفضل لا غير) يريد أنه لا يتصور في حق هؤلاء الشفاعة؛ لأن الشفاعة في زيادة الفضل، وهم أهل النقصان يعوزهم ما به يسدون خللهم، فإذن لا شفيع لهم، قال الإمام: هذا باطل، وإلا لكنا شافعين للرسول صلى الله عليه وسلم إذا طلبنا من الله أن يزيد من فضله، والذي يدل على أن الشفاعة لأهل الكبائر: ما روينا عن الترمذي وأبي داود، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"، وعن الترمذي، عن جابر: "من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة"، والأحاديث فيها كثيرة، وأما نفي الشفاعة في الآية فهو من الكفار. قال الراغب: حث الله تعالى المؤمنين على الإنفاق مما رزقهم من النعماء: النفسية والبدنية، والخارجية، وإن كان الظاهر في التعارف إنفاق المال، ولكن قد يراد به بذل النفس والبدن في مجاهدة العدو والهوى، وسائر العبادات، ولما كانت الدنيا دار اكتساب وابتلاء، والآخرة دار ثواب وجزاء، بين أن لا سبيل للإنسان إلى تحصيل ما ينفعه به في الآخرة ابتداء، وذكر هذه الثلاثة لأنها أسباب اجتلاب المنافع المقصود إليها، أحدها: المعاوضة، وأعظمها المبايعة، والثاني: ما يناله بالمودة وهو المسمى بالصلات والهدايا، والثالث: ما يصل إليه بمعاونة الغير، وذلك هو الشفاعة، وعلى هذا قال: (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا

فقال: (وَالْكافِرُونَ) للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج: (ومَنْ كَفَرَ) [آل عمران: 97] مكان ومن لم يحج؛ ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) [فصلت: 6]. وقرئ: (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) بالرفع. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ) [البقرة: 123]، ولما كانت العدالة بالقول المجمل ثلاثاً: عدالة بين الإنسان ونفسه، وعدالة بينه وبين الناس، وعدالة بينه وبين الله تعالى، فكذلك للظلم مراتب ثلاثة، وأعظم العدالة ما بين الإنسان وبين الله تعالى، وهو: الإيمان، وأعظم الكفر ما يقابله، ولذلك قال: (وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ)، أي: هم المستحقون لإطلاق هذا الوصف عليهم بلا مثنوية، ولما نفى أن يكون للكفار شيء مما ذكره في الآخرة، بين أن ذلك ليس لظلم منه لهم، لكن هم الظالمون، ليس مجازاً كما قيل بل كناية أنهم الذين خسروا أنفسهم. قوله: (ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار): عطف على قوله: "للتغليظ"، فعلى هذا (وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ) ليس مجازاً كما قيل، بل كناية وتعريض بالمؤمنين وبعث لهم على أداء الزكاة وتخويف شديد من منعها، أي: الكافرون هم المتصفون بترك الزكاة، فاجتنبوا أيها المؤمنون من أن تتصفوا به، وعليه قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) [فصلت: 7 - 8]، والمشرك لا يوصف بمنع الزكاة، لكن حث المؤمنين على الأداء، وتخويف من المنع حيث جعله من أوصاف المشركين، وعلى التغليظ ورد قوله: (وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ)، أي: التاركون الزكاة هم الظالمون، فهو مجاز باعتبار ما يؤول؛ سمى المؤمنين عند مشارفتهم لاكتساء لباس الكفر الذي هو منع الزكاة: كفاراً للتغليظ، وعليه قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 97]، أي: ومن لم يحج، وليس أن من ترك الحج من غير جحد صار كافراً لكن سمي كافراً للتغليظ. قوله: (وقرئ: (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ)) ابن كثير وأبو عمرو: بالفتح، على الأصل، والباقون: بالرفع والتنوين.

[(اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)]. (الْحَيُّ): الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء، وهو على اصطلاح المتكلمين: الذي يصح أن يعلم ويقدر. و (الْقَيُّومُ) الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه. وقرئ: (القيام) و (القيم). والسنة: ما يتقدّم النوم من الفتور الذي يسمى النعاس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الذي يصح أن يعلم ويقدر). قال الإمام: قال المتكلمون: الحي ذات يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا أن هذا المفهوم صفة موجودة أم لا؟ قال المحققون: إنها صفة موجودة، ووصف الله تعالى بها يفيد أنه كامل على الإطلاق غير قابل للعدم لا في ذاته ولا في صفاته النسبية والإضافية. قوله: (الْقَيُّومُ) الدائم القيام بتدبير الخلق)، الراغب: يقال: قام كذا، أي: دام، وقام بكذا، أي: حفظه، والقيوم: القائم الحافظ لكل شيء والمعطي له ما به قوامه، وذلك هو المعنى المذكور في قوله: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [طه: 50]، وفي قوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد: 33]. قوله: (والسنة: ما يتقدم النور من الفتور)، قال القاضي: النوم: حال تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأساً، وتقديم السنة عليه وقياس المبالغة عكسه على ترتيب الوجود، والجملة نفي للتشبيه وتأكيد لكونه حياً قيوماً، فإن من أخذه نعاس أو نوم كان موؤف الحياة قاصراً في

قال ابن الرقاع العاملي: وَسْنَانُ أقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ ... فِى عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحفظ والتدبير، ولذلك ترك العاطف فيه وفي الجمل التي بعده. وقلت: المذكور أبلغ من عكسه، وهو من باب فحوى الخطاب والتتميم، وذلك أن قوله تعالى: (لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ) يفيد انتفاء السنة، واندرج تحته انتفاء النوم بالطريق الأولى على باب قوله: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: 23] ثم جيء بقوله: (وَلا نَوْمٌ) تأكيداً للنوم المنفي ضمناً، ولو عكس لكان من باب الترقي على معنى: لا تأخذه سنة فكيف بالنوم؟ كما قال المصنف في قوله تعالى: (لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) [النساء: 172]، كأنه قيل: لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية، فكيف بالمسيح. وقد نبهت في "الرحمن الرحيم" على أن التتميم أبلغ من الترقي، فأحسن تدبره فإنه لطيف جداً، ومنه قوله تعالى: (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا) [الكهف: 49]، قال صاحب "المثل السائر": إن وجود المؤاخذة على الصغيرة يلزم منه وجود المؤاخذة على الكبيرة، وعلى القياس: ينبغي أن يكون لا يغادر كبيرة ولا صغيرة؛ لأنه إذا لم يغادر صغيرة فمن الأولى أن لا يغادر كبيرة، وأما إذا لم يغادر كبيرة فإنه يجوز أن يغادر صغيرة؛ لأنه إذا لم يعف عن الصغيرة اقتضى القياس أنه لا يعفو عن الكبيرة، وإذا لم يعف عن الكبيرة فيجوز أن يعفو عن الصغيرة، وكذلك ورد قوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء: 23]. قوله: (وسنان أقصده النعاس) البيت، الوسن: اختلاط النوم بالعين قبل استحكامه، ورجل وسنان وامرأة وسنانة، والسنة: ما يتقدم النوم من الفتور، والنوم: ريح تقوم من أغشية

أي: لا يأخذه نعاس ولا نوم. وهو تأكيد لـ (القيوم)؛ لأنّ من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً، ومنه حديث موسى: أنه سأل الملائكة- وكان ذلك من قومه كطلب الرؤية-: أينام ربنا؟ فأوحى اللَّه إليهم أن يوقظوه ثلاثاً ولا يتركوه ينام، ثم قال: خذ بيدك قارورتين مملوءتين. فأخذهما، وألقى اللَّه عليه النعاس، فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا، ثم أوحى إليه: قل لهؤلاء: إني أمسك السموات والأرض بقدرتي، فلو أخذنى نومٌ أو نعاس لزالتا. (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ) بيان لملكوته وكبريائه، وأن أحداً لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام، كقوله تعالى: (لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) [النبأ: 38]. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ): ما كان قبلهم وما يكون بعدهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الدماغ فإذا وصلت إلى العين نامت وهي السنة، وإذا وصلت إلى القلب نام وهو النوم، قبله: وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم جاسم: قرية بالشام، أقصده، من أقصدت الرجل: إذا أصبته بالسهم فلم يخط مقاتله، ورنق الطائر: رفرف حول الشيء، أي: دار حوله ليقع عليه، وقيل: رنق الطائر: إذا خفق بجناحيه في الهواء وثبت ولم يطر. قوله: (وكان ذلك من قومه كطلب الرؤية) جملة معترضة صيانة للمكروه؛ لأن نسبة ذلك إلى موسى عليه السلام يؤدي إلى أنه ما كان عالماً بأن الله تعالى منزه عن النوم، أو شاكاً فيه، ثم قوله: (كطلب الرؤية) كالتذييل للاعتراض لتعصب مذهبه. قوله: (بيان لملكوته وكبريائه). قال القاضي: هو بيان لكبرياء شأنه، وأنه لا أحد يساويه ويدانيه يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة، فضلاً أن يعاوقه عناداً ومناصبة.

والضمير لما في السموات والأرض؛ لأنّ فيهم العقلاء، أو لما دل عليه (مَنْ ذَا) من الملائكة والأنبياء ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والضمير لما في السماوات والأرض، أو: لما دل عليه (مَن ذَا) من الملائكة والأنبياء) يعني: في قوله: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، فإن كان الأول فالمعنى هو: أنه لما قيل: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) بمعنى: أنه مالك ما في السماوات وما في الأرض وكل منقاد مقهور تحت ملكوته وقهره يتصرف فيها كيف يشاء، جيء بقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) مقرراً لبيان كبريائه وقهره وأن أحداً لا يتمالك أن يشفع لأحد إلا بإذنه، فكيف يسعه أن يتصرف في ملكوته؟ وبقوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) كشفاً للتصرف التام والحكمة البالغة، وإن كان الضمير لما دل عليه (مَن ذَا) فهو: استئناف لبيان سبب نفي الشفاعة عن الغير، ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير المرفوع في (يَشْفَعُ) أو من المجرور في (بِإِذْنِهِ) أو من المتحول إليه، فيكون حالاً متداخلة؛ لأن قوله: (إِلاَّ بِإِذْنِهِ) في موضع الحال، قال أبو البقاء: والتقدير: لا أحد يشفع عنده إلا مأذوناً له، أو: في حال الإذن، والحال رافعة لجهة الإشكال، أي: كيف يتمكن أحد من الشفاعة بغير الإذن والحال أنه تعالى عالم بجميع ما صدر من المشفوع له مما تقدم من ذنبه وما تأخر، وما أسر به وما أعلن، ولا يحيط الشافع من معلومه ذلك إلا بما أحاطه الله به من ظاهر الحال، وربما يتقدم الشافع في الشفاعة نظراً إلى الظاهر ويشفع وهو ذاهل عن باطنها وأن المشفوع له لا يستحق الشفاعة، فيتحرج منه. فإنق يل: كيف أثبت إحاطة العلم للمخلوق في قوله: (بِمَا شَاءَ) وأضاف مطلق العلم إلى ذاته عز وجل؟ فالجواب: أن قوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) وما عطف عليه من قوله: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ) بمجموعه: بيان للموجب في قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) كما سبق تقريره، وقد تقرر أن مصحح الشفاعة كون الشافع

(مِنْ عِلْمِهِ): من معلوماته. (إِلَّا بِما شاءَ): إلا بما علم. الكرسي: ما يجلس عليه، ولا يفضل عن مقعد القاعد. وفي قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) أربعة أوجه؛ أحدها: أنّ كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته، وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط، ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محيطاً بأحوال المشفوع له، فقوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) عبارة عن إثبات العلم مع الإحاطة من جميع الجوانب مفهوماً، فإن هذا التكرير كتكرير قوله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) [مريم: 62]، فنفى عن الغير منطوقاً بعد ذلك بقوله: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ). قال القاضي: (وَلا يُحِيطُونَ): عطف على ما قبله، والمجموع يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته. قوله: ((مِنْ عِلْمِهِ)، أي: من معلوماته)، الراغب: (مِنْ عِلْمِهِ) على وجهين، أحدهما: مما يعلمه فيكون العلم مضافاً إلى الفاعل، والثاني أن يعلمه الخلق، فيكون مضافاً إلى المفعول به لينبه على أن معرفته على الحقيقة متعذرة، بل لا سبيل إليها، وإنما غايتها أن يعرف الموجودات ثم يتحقق أنه ليس إياها ولا شيئاً منها ولا شبيهاً بها، بل هو سبب وجود جميعها وأنه يصح ارتفاع كل ما عداه مع بقائه، وبهذا النظر قال أبو بكر رضي الله عنه: سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته، وقال بعض الأولياء: غاية معرفة الله أن تعلم أنه يعرفك لا أنك تعرفه، ولهذا قيل: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) [الحديد: 3]. قوله: 0 إن كرسيه لم يضق عن السماوات) إلخ، فإن قلت: أثبت أولاً الكرسي وأنه لم يضق عن السماوات ثم نفاه ثانياً بقوله: "لا كرسي ثمة"، هل هذا إلا تناقض؟ قلت: إثبات الكرسي أولاً بحسب مؤدى اللغة وتفسير اللفظ من غير النظر إلى استقامة إطلاقه على صفات الله تعالى، وأما نفيه فبالنظر إلى نسبته إلى الله، وأنه يجب حمله على العظمة والكبرياء على سبيل الكناية وأخذ الزبدة من مجموع الكلام.

كقوله: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر: 67]، من غير تصوّر قبضة وطيّ ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسيّ ألا ترى إلى قوله: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ). والثاني: وسع علمه وسمي العلم كرسياً؛ تسميةً بمكانه الذي هو كرسي العالم والثالث: وسع ملكه؛ تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك. والرابع: ما روي: أنه خلق كرسياً هو بين يدي العرش دونه السموات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ألا ترى إلى قوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) [الزمر: 67]؟ ) أي: ألا ترى كيف دل هذا القول على العظمة، ثم جيء بقوله: (وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ) [الزمر: 67] إلى آخره بياناً وتفسيراً له على طريقة: أعجبني زيد وكرمه! وسيجيء تقريره مستوفى في تفسير هذه الآية، قال الإمام: هذا القول منقول عن القفال. قوله: (أنه خلق كرسياً)، الراغب: الكرسي في تعارف العامة: اسم لما يقعد عليه، وهو في الأصل منسوب إلى الكرس، أي: التلبد، والكراسة: المتكرسة من الأوراق، والمكروس المتراكب بعض أجزاء رأسه على بعض، وما روي أن الكرسي: موضع القدمين، وأن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد فصحيح، ومعناه لا يخفى على من عرف الله تعالى وعرف الأجرام السماوية ومجازات اللغة، ونظر من المعنى إلى اللفظ لا من اللفظ إلى المعنى، ومن لم يعرف ذلك فحقه أن يسلم ويترك الخوض فيما لا يعلم اتباعاً لقوله: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) وليس فيه إثبات الجسمية كما أنه ليس في إثبات البيت له كونه ساكناً فيه.

وعن الحسن: الكرسي هو العرش. (وَلا يَؤُدُهُ): ولا يثقله ولا يشق عليه (حِفْظُهُما): حفظ السموات والأرض. (وَهُوَ الْعَلِيُّ) الشأن، (الْعَظِيمُ) الملك والقدرة. فإن قلت: كيف ترتبت الجمل في آية الكرسي من غير حرف عطف؟ قلت: ما منها جملة إلا وهي واردة على سبيل البيان لما ترتبت عليه، والبيان متحد بالمبين، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن الحسن) هذا ليس وجهاً خامساً، بل هو كالتتمة للوجه الرابع، وحاصله: أن الكرسي جسم عظيم، إما بين يدي العرش أو العرش نفسه، ويمكن أن يقال: إنه أراد بالوجوه: الأربعة المختارة، ثم ذكر عن الحسن وجهاً ضعيفاً. قوله: (على سبيل البيان لما ترتبت عليه)، وهو الذات المتميزة، واسمه الجامع للنعوت الكاملة، يعني: الجمل الآتية من قوله: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) إلى قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) مترتبة عليه على سبيل البيان والكشف، قال الإمام: إن ذاته سبحانه وتعالى من حيث هي هي مستلزمة لصفات الكمال، فتكون هذه الصفات مترتبة على الذات على سبيل البيان، يؤيده تكرار ضمير الله في قوله: "لقيامه بتدبير الخلق، وكونه مالكاً، ولكبرياء شأنه، ولإحاطته، ولسعة علمه، أو لجلاله وعظيم قدره"، ونحوه سبق في تفسير البسملة، وهو أن صفاته تعالى لابد لها من موصوف تجري عليه، فالجملة الأولى قوله: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) مع قوله: (لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) لكونها متممة لها مؤكدة لبعض ما اشتملت عليه، ومن ثم قال: "غير ساه عنه" بعد قوله: "لبيان قيامه بتدبير الخلق"، كما قال أولاً: (لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) هو تأكيد للقيوم، والثانية: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، والثالثة: (مَنْ ذَا الَّذِي)، والرابعة: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)، والخامسة: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ)، هذا التقرير يقتضي أن يجعل قوله: (لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) حالاً مؤكدة من (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) الواقعين بدلين من الضمير، كما أن (قَائِماً بِالْقِسْطِ): حال من الضمير في (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) [آل عمران: 18]، وقوله: (وَلا يُحِيطُونَ)، (وَلا يَئُودُهُ): حالان مما يتصل بهما في تينك الجملتين، وقد أسلفنا عن

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أبي الهيثم: أن الإله المعبود يجب أن يكون خالقاً رازقاً مدبراً، ولعابده مثيباً ومعاقباً، ولو اختل من هذه الأوصاف وصف لاختل معنى الألوهية، هذا معنى ترتب الأوصاف على اسم الذات في آية الكرسي على سبيل الأخبار المترادفة، ولو دخل العاطف بينها لتوهم استقلال كل وصف في مصحح الألوهية، فإذاً، معنى امتزاج الأوصاف بعضها مع بعض كامتزاج حلو حامض في قولك: هذا حلو حامض، فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب: بين العصا ولحائها، ونظيره في الكناية عن الإنسان قولهم: حي مستوي القامة عريض الأظفار، فلفقوا لوازم مجموعة مانعة عن دخول ما عدا المقصود. وأما قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)، فلما كان تذييلاً لمعنى الكبرياء والعظمة والعلا الذي اشتملت عليه الآية، أتى توكيداً وتقريراً لما سبق، فالواو للاستئناف، والله أعلم. وجه آخر، وهو أن يقال: إن الجملة الثانية هي قوله: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) على أن يكون خبر المبتدأ محذوفاً، و (لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ): حالاً مؤكدة، كقولك: هو الحق بيناً، والجملة استئنافية مبينة للموجب، وذلك أنه تعالى لما أثبت لنفسه الفردانية في الألوهية الموجبة للعبودية، استلزم ذلك أن يكون حياً قائماً بتدبير عباده، وكونه مهيمناً عليه غير ساه عنه، فبينه بقوله: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ)، والمدبر المثيب المعاقب، إنما يتمشى له التدبير إذا كان مالكاً على الإطلاق لا ينازعه منازع في ملكه وملكوته، كما قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: 22]، فكان قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، المفيد للاختصاص بتقديم الخبر، بياناً لذلك، واستلزم ذلك كبرياء شأنه وعظمة سلطانه، فبينه بقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)، واقتضى ذلك إحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب بالشفاعة وغير المرتضى فأردفه بقوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، وأوجب ذلك سعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، فأوضحه بقوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)، الراغب: هو تأكيد لقوله: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ)، أي: إذا كان علمه ومملكته

فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب: بين العصا ولحائها، فالأولى: بيان لقيامه بتدبير الخلق، وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه. والثانية: لكونه مالكاً لما يدبره. والثالثة: لكبرياء شأنه. والرابعة: لإحاطته بأحوال الخلق، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة، وغير المرتضى. والخامسة: لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله وعظم قدره. قلت: لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقدرته محيطاً بهذه الأشياء، والإنسان بعض هذه الأشياء، فكيف يصح إحاطته بمن هو محيط به وبهذه الأشياء؟ وقال القاضي: إن هذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية، فإنها دالة على أنه تعالى واحد في الإلهية، متصف بالحياة، قائم بنفسه، مقوم لغيره، منزه عن التحيز والحلول، مبرأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح، ولا يعتريه ما يعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، مبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد، الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له، العالم وحده بالأشياء كلها: جليها وخفيها، كليها وجزئيها، واسع الملك والقدرة، ولا يؤوده شاق، ولا يشغله شأن، متعال عما يدركه، وهو عظيم لا يحيط به فهم. قوله: (بين العصا ولحائها)، اللحاء، ممدود: قشر الشجر، يضرب لمن يدخل بين متخالين شقيقين، وهو ليس أهلاً لذلك، وأنشد: سقياً لها ولطيبها ... ولحسنها وبهائها أيام لم يلج النوى ... بين العصا ولحائها قوله: (وتعلقه بالمعلومات كلها)، هذا إذا كان الكرسي مؤولاً بالعلم. وقوله: (أو لجلاله وعظم قدره)، هذا إذا كان مؤولاً بالملك وبتصور العظمة.

ما ورد؛ منه: قوله صلى اللَّه عليه وسلم: "ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوماً، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة. يا عليّ علمها ولدك وأهلك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها"، وعن عليّ رضي اللَّه عنه: سمعت نبيكم صلى اللَّه عليه وسلم على أعواد المنبر وهو يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدِّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمَّنه اللَّه على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله». وتذاكر الصحابة رضوان اللَّه عليهم أفضل ما في القرآن، فقال لهم عليّ رضي اللَّه عنه: أين أنتم عن آية الكرسي؟ ! ثم قال: قال لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «يا عليّ، سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي». قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص؛ لاشتمالها على توحيد اللَّه وتعظيمه وتمجيده، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إلا اهتجرتها الشياطين)، عن بعضهم: الفاعل إذا اتحد يقال: هجروا، وإذا تعدد يقال: اهتجر فلان واهتجره الناس. قوله: (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة)، نحوه رواه البيهقي في كتاب "اليوم والليلة"، ونحو معنى قوله: "ومن قرأها إذا أخذ مضجعه" رواه الترمذي والدارمي عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ (حم) المؤمن إلى (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهام حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح"، ونحو معنى قوله: "سيد البقرة آية الكرسي" رواه الترمذي، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من رب العزة؛ فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار، وبهذا يعلم أنّ أشرف العلوم. وأعلاها منزلةً عند اللَّه علم أهل العدل والتوحيد، ولا يغرّنك عنه كثرة أعدائه؛ فـ: إنَّ الْعَرَانِينَ تَلْقَاهَا مُحَسَّدَةً وَلَا تَرَى لِلِئَامِ النَّاسِ حُسَّادَا [(لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)]. (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ)، أي: لم يجر اللَّه أمر الإيمان على الإجبار والقسر، ولكن على التمكين والاختيار، ونحوه قوله تعالى: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس: 99]، أي: لو شاء لقسرهم على الإيمان، ولكنه لم يفعل، وبني الأمر على الاختيار. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن فيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي". قوله: (إن العرانين تلقاها محسدة) آخره: ولن ترى للئام الناس حسادا الفاء في قوله: "فإن العرانين" فاء الكاشفية، والعرنين: طرف الأنف، والجمع العرانين،

(قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ): قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة. (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام والإيمان باللَّه (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) من الحبل الوثيق المحكم المأمون انفصامها، أي: انقطاعها، وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوّره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن به. وقيل: هو إخبار في معنى النهى، أي: لا تتكرهوا في الدين، ثم قال بعضهم: هو منسوخ بقوله: (جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التوبة: 73]. وقيل: هو في أهل الكتاب خاصة لأنهم حصنوا أنفسهم بأداء الجزية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعرانين الناس: ساداتهم، روي أن المنصور الدوانيقي قال لسفيان بن معاوية المهلبي: ما أسرع الناس إلى قومك؟ فأنشد البيت. وهذا تعصب بمجرد التشهي. قوله: (قد تميز الإيمان من الكفر) فسر الرشد والغي بهما لتقدم ذكر الدين، الراغب: الغي: كالجهل، إلا أن الجهل يقال اعتباراً بالاعتقاد، والغي اعتباراً بالأفعال، ولهذا قيل: زوال الجهل بالعلم وزوال الغي بالرشد، ويقال لمن أصاب: رشد، ولمن أخطأ: غوي، وعلى هذا قال: ومن يغو لم يعدم على الغي لائما قوله: (وقيل: هو إخبار في معنى النهي): معطوف على قوله: "لم يجر الله أمر الإيمان". قوله: (وقيل: هو في أهل الكتاب خاصة): معطوف من حيث المعنى على قوله: "قال بعضهم"، أي: هو عام في جميع الكفار، فيكون منسوخاً؛ لأنه وجد الإكراه بقوله: (جَاهِدْ الْكُفَّارَ) [التوبة: 73] (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: 5]، أو هو خاص في أهل الكتاب فلم يكن منسوخاً لأنه لم يوجد القتال؛ لأنهم حصنوا أنفسهم بأداء الجزية.

وروي: أنه كان لأنصاريّ من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل أن يبعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: واللَّه لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا، فاختصموا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال الأنصارى: يا رسول اللَّه أيدخل بعضى النار وأنا أنظر؟ فنزلت، فخلاهما. [(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)]. (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)، أي: أرادوا أن يؤمنوا، يلطف بهم حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا)، أي: صمموا على الكفر أمرهم على عكس ذلك. أو: اللَّه ولىّ المؤمنين، يخرجهم من الشبه في الدين ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وروي أنه كان لأنصاري) متفرع على القول الثاني. قوله: (أو: الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين) يريد أن النور والظلمات يجوز أن يكونا مستعارين للإيمان والكفر، شبه الدين في ظهور آياته وسطوع بيناته بإشراق النور، والكفر بالعكس، أو شبه اليقين وماي حصل به في القلب من انشراح الصدر والخلاص من ورطة ضيق الشك بالنور، قال تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) [الزمر: 22]. والوجه الثاني أوجه ولتأليف النظم أوفق، بيانه: أن في تقدير الإرادة في قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) خروجاً عن السداد، مع أن الفطرة الأصلية بمقتضى قوله صلوات الله عليه: "كل مولود يولد على الفطرة" توجب استواءهما في النور،

إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ) الشياطين، (يُخْرِجُونَهُمْ) من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة. [(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويلزم منه فك التركيب، وأما تأليف النظم فهو أنا بينا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة: 254] أن قوله: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) متصل بما قبل الآيات وأنه في قوم مخصوصين؛ لأن نفي الإكراه لتبين الرشد من الغي لابد أن يكون بظهور الآيات البينات الشاهدة على صحة الدين، وبإزاحة الشبهات المتشبث بها، ثم قوله: (يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) الآية، مترتب عليه، فلا مناسبة، إذ الحديث النور الأصلي، والظلمات العارضي، فصح قوله: "يخرجهم من الشبه في الدين إلى نور اليقين" إلى آخره، فعلى هذا الآيات من باب الجمع مع التفريق غب التقسيم؛ جمع الله تعالى الرشاد والغواية في حكم التبيين بقوله: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ)، ثم قسم فجعل الرشاد للمؤمنين والغواية للكافرين؛ لأن الفاء في قوله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) تفصيلية، وقد أضمر أحد قسميه لدلالة الجمع عليه، ولأن قوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) الآية، وارد على سبيل الاستئناف لبيان الفرق بين الولي الهادي والولي المضل، وبين الطريق والطريق، فلابد من أن يقال: فقد ظهر الحق من الباطل، فمن سلك طريق الحق فقد رشد وهدي، ومن خبط في ظلمات الباطل فقد ضل وغوى؛ لأن من يكون هاديه الله يخرجه من الظلمات إلى النور، ومن يكون مضله الطاغوت فالحكم بالعكس. قوله: (يخرجهم من الشبه في الدين): متعلق "بالشبه"، ويروى: "إلى الدين" فيكون متعلقاً بـ (يُخْرِجُهُمْ)، وقوله: "يهديهم ويوفقهم" تنازعا في لفظ "له".

عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)]. (أَلَمْ تَرَ) تعجيب من محاجة نمروذ في اللَّه وكفره به. (أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) متعلق بـ (حاج) على وجهين: أحدهما حاجّ لأن آتاه اللَّه الملك، على معنى: أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتوّ؛ فحاجّ لذلك؛ أو على أنه وضع المحاجة في ربه موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه اللَّه الملك، فكأن المحاجة كانت لذلك، كما تقول: عاداني فلان؛ لأنى أحسنت إليه، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ونحوه قوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: 82]. والثاني: حاجّ وقت أن آتاه اللَّه الملك. فإن قلت: كيف جاز أن يؤتى اللَّه الملك الكافر؟ قلت: فيه قولان: آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع، وأما التغليب والتسليط فلا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تريد أنه عكس ما كان يجب عليه) فاللام كما في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً) [القصص: 8]. قوله: ((وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ)) أي: شكر رزقكم. قوله: (وقت أن آتاه الله) أي: وقت إيتاء الملك، نحو قولهم: كان ذلك مقدم الحاج، وخفوق النجم. وعلى الوجهين أن: مصدرية. قوله: (وأما التغليب والتسليط فلا)، والدليل عليه قوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) [النساء: 141]. الانتصاف: هذا بناءً على قاعدتهم في وجوب رعاية المصالح.

وقيل: ملكه امتحاناً لعباده. و (إِذْ قالَ) نصب بـ (حاج)، أو بدل من (آتاه) إذ جعل بمعنى الوقت (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ): يريد: أعفو عن القتل، وأقتل. وكان الاعتراض عتيداً، ولكن إبراهيم صلوات الله عليه، لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه، ولكن انتقل إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب؛ ليبهته أول شيء، وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و (إِذْ قَالَ): نصب ب (حَاجَّ) هذا على تقدير حذف اللام في (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ) أو: بدل من (أَنْ آتَاهُ) على تقدير حذف المضاف. قوله: (وكان الاعتراض عتيداً) أي: اعتراض إبراهيم عليه السلام أجاب عن سؤال فرعون على ما قال "نمرود" حاضراً مهيئاً سهلاً لا يخفى على من عنده مسكة. قوله: (جوابه الأحمق) هذا مقابل لما قيل: إن موسى عليه السلام أجاب عن سؤال فرعون بقوله: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الشعراء: 24]، جوابه الحكيم؛ لأنه عليه السلام نبه به على النظر المؤدي إلى العلم، وكان جواب نمرود يؤدي إلى عكس ذلك، وإسناد الأحمق إلى ضمير الجواب من الإسناد المجازي وصف بصفة من هو بسببه. قوله: (إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب)، الراغب: وقد كان إبراهيم يمكنه أن يقول: الذي ادعيته لربي ليس من جنس الذي ادعيته، لكن عدل إلى فعل ليس في طوق البشر، هو ولا قريب منه، ولا ما يشاركه اسماً، أي: قد ثبت باتفاقنا أن الله يحرك الشمس من المشرق، فحرك أنت من المغرب فلم يجد شيئاً يدعيه كما ادعى في الإحياء والإماتة، فبهت حينئذ فظهر عجزه. قوله: (وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حُجَّة إلى حُجّة). قال صاحب "الفرائد": لا يلزم أن يكون هذا انتقالاً من حجة إلى حجة أخرى، بل يمكن أن يكون انتقالاً

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من مثال إلى مثال آخر للإيضاح، فقول إبراهيم عليه السلام: (رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) في المحاجة ينبئ أن يكون استدلالاً له على وجود الصانع تعالى وتقدس بحدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثه في الظاهر ولا يسعه أن يدعي إحداثه، فجاء بالإحياء والإماتة للمثال، فنازع نمرود في المثال، فانتقل إلى ما لا يمكنه المنازعة فيه ولا بحث في النظير. وذكر القاضي وصاحب "الانتصاف" ما يقرب منه، وتمام تقريره ما ذكره الإمام، قال: للناس في هذا المقام طريقان، أحدهما: قول أكثر المفسرين، وهو أن إبراهيم عليه السلام لما سمع من نمرود تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر أوضح منه، وزعموا أن الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح منه جائز للمستدل؛ والطريق الثاني: أن هذا ما كان انتقالاً من دليل إلى آخر، والذي فعله إبراهيم عليه السلام من باب ما يكون الدليل واحداً، إلا أن الانتقال لإيضاحه من مثال إلى مثال آخر، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما احتج بالإحياء والإماتة، قال المنكر: أتدعي الإحياء والإماتة من الله تعالى ابتداء أم بواسطة الأسباب السماوية والأرضية؟ أما الأول فلا سبيل إليه، وأما الثاني فأنا أيضاً قادر عليه، وهو المراد بقوله: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، فلما أجاب نمرود بذلك قال إبراهيم: هب أن الإحياء والإماتة حصلا من الله بواسطة الأسباب، إلا أنه لابد لتلك الأسباب من مسبب فاعل مختار يوجد ويعدم وهو الله تعالى، وليس الإحياء والإماتة الصادران من البشر بتلك الحيثية، ثم قال: والإشكال على الأول من وجوه، أحدها: أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة ووقعت في الأسماع وجب على المحق أنه يجيبه في الحال إزالة للتلبيس، فكيف ترك النبي المعصوم الجواب؟ وثانيها: أن الانتقال إنما يجوز إذا كان المنتقل إليه أوضح، وها هنا بالعكس، وثالثها: أن نمرود لما لم يستحي من المعارضة الأولى بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه أن يقول هذا مني؟ .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: مراد المصنف من قوله: "جواز الانتقال من حجة" أي: بعد إتمامها وإلزام الخصم بها إلى حجة أخرى تأكيداً وتقريراً لها، يدل عليه قوله: "لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه"؛ لأنه لم يكن يستحق الجواب وظهر إفحامه به، وأما أن الثاني أوضح، فلأن اللعين إن قدر على أن يدعي الإحياء والإماتة على ذلك الطريق لكن ليس له البتة أن يدعي مثله في الثاني؛ لأن غير المعطلة مجمعون على أن خالق السماوات والأرض ومدبرها هو الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: 25]، فكان هذا أوضح من حيث التعجيز والتبكيت، وهذا أيضاً جواب عن الإشكال الثالث للإمام، ثم إني وقفت على نقل من جانب الإمام البزدوي ما يوافق ما ذهبت إليه، قال: إن قصة إبراهيم عليه السلام ليست من قبيل الانتقال من علة إلى علة أخرى لإثبات الحكم الأول؛ لأن الحجة الأولى كانت لازمة، ألا ترى أنه عارض بأمر باطل وهو قوله: (قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، وإن كان كذلك كان اللعين منقطعاً، إلا أن إبراهيم عليه السلام لما خاف الاشتباه والتلبيس على القوم انتقل دفعاً للاشتباه إلى ما هو خال عما يوجب لبساً، وذلك حسن عند قيام الحجة وخوف الاشتباه. وقال محيي السنة: انتقل إبراهيم عليه السلام إلى حجة أخرى لا عجزاً، فإن حجته كانت لازمة؛ لأنه أراد بالإحياء: إحياء الميت، فكان له أن يقول: فأحي من أمته إن كنت صادقاً، فانتقل إلى حجة أوضح من الأولى، وإليه أومى المصنف في "الشعراء": ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما استدل به، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الله عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمرود بن كنعان، فبهت الذي كفر، وعلم منه أنه إذا لم تكن الحجة لازمة وشرع في الثانية كان منقطعاً.

وقرئ: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) أي: فغلب إبراهيم الكافر. وقرأ أبو حيوة: (فبهت) بوزن قرب. وقيل: كانت هذه المحاجة حين كسر الأصنام وسجنه نمروذ ثم أخرجه من السجن ليحرقه، فقال له: من ربك الذي تدعو إليه؟ فقال: ربي الذي يحيى ويميت. (أَوْ كَالَّذِي): معناه: أو أرأيت مثل الذي مرَّ، فحذف؛ لدلالة (أَلَمْ تَرَ) عليه؛ لأنّ كلتيهما كلمة تعجيب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("فبهت الذي كفر" أي: فغلب)، قال الزجاج: بهت: انقطع وسكت متحيراً، يقال: بهت الرجل يبهت بهتاً: إذا انقطع وتحير. قوله: (كلتيهما كلمة تعجيب)، وذلك أن "أرأيت" استخبار، قال المصنف: لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقاً إلى الإحاطة بها علماً وصحة الخبر عنها، استعملوا أرأيت بمعنى أخبر. ومعنى التعجيب فيها: أن إجراءه على ظاهره لا يجوز؛ لأن الاستخبار على عالم الغيب والشهادة محال، فهو تنبيه للمخاطب على ما شاهده وأحاط به علماً، إظهاراً لمعنى الغرابة فيه وإيجاباً عليه إبداء ما لا يجوز إخفاؤه، وأما معنى (أَلَمْ تَرَ) ففيه تنبيه للمخاطب على التعجيب فيما يشاهده. قال الزجاج: (أَلَمْ تَرَ): كلمة يوقف بها المخاطب على أمر يعجب منه، تقول: ألم تر إلى فلان كيف صنع كذا؟ فمعنى الرؤية: النظر، قال الواحدي: معنى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ): هل انتهت رؤيتك يا محمد إلى من هذه صفته؟ . وقال الزجاج: معنى قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا): احتجاج على مشركي العرب وعلى احتجاج

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أهل الكتاب، يعني أنه صلى الله عليه وسمل لم يتعلم ولم يقرأ الكتب ولم ينظر أيضاً، وقد اخبر عنها إخبار من شاهدها، فصح أن حصولها ليس إلا بطريق الوحي. واعلم أن في عطف قوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ) على قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي) إشكالاً، وطريق التفضي من وجهين، أحدهما: أن يعطف الجملة على الجملة من غير اعتبار مفرداتها، فيقدر ها هنا: أرأيت مثل الذي، لدلالة (أَلَمْ تَرَ)؛ لأن كلتيهما كلمة تعجيب كما مر، وإنما أوثر أن يعطف (أَرَءَيْتَ) على (أَلَمْ تَرَ) لأن الأول يعدى بنفسه والثاني بإلى، كما ذكره صاحب "التقريب"، فتقديره أسهل، لا كما قيل: إن تقدير (أَلَمْ تَرَ) ينافي التعجيب. وثانيهما: أن يجعل من عطف المفرد على المفرد ويوضع "أرأيت" مكان (أَلَمْ تَرَ) وتجعل الكاف اسماً، فيعطف المثل على المثل، قال مكي: الكاف في موضع نصب معطوفة على معنى الكلام، تقديره عند الفراء والكسائي: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم، أو: كالذي مر على قرية؟ . وقال الإمام: قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ) بمعنى: أرأيت كالذي، وهو قول الكسائي والفراء وأبي علي وأكثر النحويين، قالوا: ونظيره في القرآن: (قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) [المؤمنون: 84 - 85]، ثم قال: (مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ* سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) [المؤمنون: 86 - 87]، فهذا حمل على المعنى؛ لأن معناه لمن السماوات؟ فقيل: لله. وقال القاضي: وتخصيص الثاني بحرف التشبيه لأن المنكر للإحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحسى، بخلاف مدعي الربوبية. الراغب: الوجه أن الكاف ها هنا ليس للتشبيه المجرد، بل هو للتحديد والتحقيق كما هو

ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مرّ على قرية. والمارّ كان كافراً بالبعث، وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك؛ ولكلمة الاستبعاد التي هي: (أنى يحيى)، وقيل: هو عزيز، أو الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه السلام. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في قولك: الاسم كزيد وعمرو، وعلى أنه إن جعل للتشبيه فعلى سبيل المثل والمشبه غير مذكور، وقيل: الكاف زائدة، وليس بشيء. وقلت: لعل مراد القائل أنه حينئذ على باب: مثلك يجود، أي: أنت تجود، أي: ألم تر إلى من هذه صفته لأنها عجيبة الشأن. قوله: (والمار كان كافراً) لانتظامه مع نمروذ. الانتصاف: استدلاله على أن المار كان كافراً لانتظامه مع نمروذ معارض بانتظامه مع إبراهيم. فإن قلت: انتظامه مع كافر أقوى، فإن قصة المار عطفت على قصة نمروذ وعطف لشريك في الفعل منطوقاً به في الأول محذوفاً في الثانية مدلولاً عليه بذكره أولاً، وقصة إبراهيم عليه السلام مصدرة بالواو التي لتحسين النظم، فتتوسط بين جمل متقاطعة للتحسين، بخلاف "أو" فإنها لا تستعمل إلا مشركة، عارضناه بما بين قصة المار وبين قصة إبراهيم من التناسب المعنوي، فإن كليهما طلبا معاينة الإحياء، واعتبار المعنى أولى، ويؤكد إيمان المار تحرزه في قوله: (يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) حذراً من الكذب، ولا يصدر حذر من معطل، فإن قال: إنما قال ذلك بعد أن آمن! قلنا: على القول بكفره ما آمن إلا بعد تبين الآيات لقوله تعالى: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وعلى الحكاية التي أوردها الزمخشري من أن المار أماته الله ضحى، فلما رأى بقية من الشمس قال: "أو بعض يوم" إشكال، إذ كان يجب أن يقول: بل بعض يوم، مضرباً عما اعتقده أولاً بالجزم الذي حصل ثانياً، والظاهر أن المار كان جازماً أولاً ثم شك لا غير، واتباع ظاهر الآية أولى من اتباع حكاية لا تثبت.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "الإنصاف": كلام صاحب "الانتصاف" حسن إلا قوله: "مثل هذا التحرز، ولا يصدر من معطل"، فإنهل يس كذلك، فإن الغرض إذا انتفى ترجح الصدق عند كل أحد، لاسيما من سئل عند ظهور آية باهرة وإن لم يؤمن بعد، لاسيما إذا أريد إرشاد داهش متحير فسئل ليعلم، فإنه لا يكذب غالباً. وقلت: ويمكن أن يرجح هذا القول بأن يقال: إنما عطفت قصة إبراهيم عليه السلام على قصة المار لأنهما اشتركا في أن وفقا لقمع ما قد يختلج في خلد ذلك المحق من الشبهة، فقول المار: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) قريب من قول إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى)، وأما معنى الاستبعاد فهو ما ذكره الإمام: أنه ما كان عن شك في قدرة الله، بل بسبب اطراد العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصير معموراً، ثم القصتان عطفتا على قصة نمروذ واشتركتا في أن يتعجب من كل منهما، ومما يشد من عضد هذا التأويل النظم والنقل، أما النظم فإنه تعالى لما ذكر قوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) والوجه المتصور على ما سبق: الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين، والذين كفروا أولياؤهم الشياطين يخرجونهم من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة، عقبه بما يعجب به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كل أحد، فذكر أولاً: قصة اللعين الذي أخرجه الشيطان من نور البينات التي أظهرها له الخليل عليه السلام إلى ظلمات الكفر والضلال، فقيل في حقه: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، وثانياً: قصتي النبيين حيث وقفا فأخرجا من مضيق ظلمات الشك إلى فضاء نور اليقين حتى قال أحدهما: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقيل للآخر: (أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، نبه بالأول على كمال قدرته، وبالثاني على شمول علمه وغاية عزته، فتم فيها وجوب القول بإعادة الخلق بعد تلاشي أجزائهم.

وقوله: (أَنَّى يُحْيِي) اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي. والقرية: بيت المقدس حين خربه بختنصر. وقيل: هي التي خرج منها الألوف. (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) تفسيره فيما بعد. (يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) بناء على الظن. وروي: أنه مات ضحى، وبعث بعد مئة سنة، قبل غيبوبة الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس: يوماً، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم. وروي: أن طعامه كان تيناً وعنباً، وشرابه عصيراً أو لبناً، فوجد التين والعنب كما جنيا، والشراب على حاله ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما النقل فقد قال الإمام: اختلفوا في الذي مر بالقرية، فقال قوم: كان رجلاً شاكاً في البعث، وهو قول مجاهد وأكثر المعتزلة، وقال الباقون: كان مسلماً، ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير، وقال عطاء عن ابن عباس: هو أرمياء، فقال محمد بن إسحاق: إن أرمياء هو الخضر، وهو من سبط هارون عليه السلام، ورواية "معالم التنزيل" موافقة لهذا، والله أعلم. قوله: (والقرية: بيت المقدس) يعني: أهل بيت المقدس، لقوله تعالى: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ). قوله: (تفسيره فميا بعد) أي: في سورة الحج، وهي خاوية، أي: ساقطة، والعرش: السقف، والسقوف إذا تهدمت ثم انقلعت الحيطان فتساقطت على السقوف فقد خوت على سقوفها. قال الزجاج: خاوية: خالية (عَلَى عُرُوشِهَا): خيامها: وهي بيوت الأعراب.

(لَمْ يَتَسَنَّهْ): لم يتغير، والهاء أصلية، أو هاء سكت، واشتقاقه من السنة على الوجهين؛ لأن لامها هاءٌ أو واو، وذلك أن الشيء يتغير بمرور الزمان. وقيل: أصله يتسنن من الحمأ المسنون، فقلبت نونه حرف علة كـ"تقضي البازي"؛ ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: الخواء: خلو الوعاء، ويقال: خوت الدار تخوي، خواء، وخوى النجم، وأخوى: إذا لم يكن منه عند سقوطه مطر تشبيهاً بذلك، وأخوى أبلغ من خوى. قوله: (لَمْ يَتَسَنَّهْ): لم يتغير) بمرور الزمان، قال الزجاج: (لَمْ يَتَسَنَّهْ) يجوز بإثبات الهاء وإسقاطها، ومعناه: لم تغيره السنون، فمن قال: السنة من سانهت فالهاء من أصل الكلمة، ومن قال: سانيت فهي لبيان الحركة، ووجه القراءة على كل حال إثباتها والوقف عليها بغير وصل فيمن جعله من سانيت، ووصلها إن شاء أو وقفها على من جعله من سانهت. قال القاضي: إنما أفرد الضمير في (لَمْ يَتَسَنَّهْ) لأن الطعام والشراب كالجنس الواحد، وقيل لكونهما مما لم يتغيرا معاً كأنهما واحد. قوله: (وأصله يتسنن)، قال أبو البقاء: هو من قوله: (حَمَأٍ مَسْنُونٍ) [الحجر: 26] فلما اجتمعت ثلاث نونات قلبت الأخيرة ياء، كما قلبت في "تظنيت" ثم أبدلت الياء ألفاً ثم حذفت للجزم. قوله: (كـ "تقضي البازي") من قول العجاج: تقضي البازي إذا البازي كسر أوله: آنس خربان فضاء فانكدر

ويجوز أن يكون معنى (لَمْ يَتَسَنَّهْ): لم تمرّ عليه السنون التي مرت عليه، يعني: هو بحاله كما كانت، كأنه لم يلبث مائة سنة. وفي قراءة عبد اللَّه: (فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسن)، وقرأ أبُيّ: (لم يسنه) بإدغام التاء في السين. (وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ) كيف تفرّقت عظامه ونخرت، وكان له حمار قد ربطه. ويجوز أن يراد: وانظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته، وذلك من أعظم الآيات: أن يعيشه مائة عام من غير علف ولا ماء، كما حفظ طعامه وشرابه من التغير. (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) فعلنا ذلك، يريد: إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه. وقيل: أتى قومه راكب حماره وقال: أنا عزير فكذبوه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الخربان: جمع الخرب، وهو ذكر الحبارى، وانكدر، أي: أسرع وانقض. الجوهري: انقض الطائر: هوى في طيرانه، ونمه انقضاض الكواكب، ولم يستعملوا منه تفعل إلا مبدلاً، قالوا: تقضي فاستثقلوا ثلاث ضادات فأبدلوا من إحداهن ياء، كسر الطائر: إذا ضم جناحيه حتى ينقض. قوله: (ويجوز أن يكون معنى (لَمْ يَتَسَنَّهْ)) وجه آخر في تفسير (لَمْ يَتَسَنَّهْ)، يعني: لم يتغير، فعلى هذا، لم يتسنه، اشتقاقه من السنة، كاشتقاق استنوق من الناقة، لكنه مجاز من التغير من إطلاق السبب على المسبب، وعلى الأول: حقيقة، واشتقاقه كاشتقاق الصلاة من تحريك الصلوين، ولذلك علل الاشتقاق بقوله: "إن الشيء يتغير بمرور الزمان". قوله: ((لَمْ يَتَسَنَّهْ): لم تمر عليه السنون) حمزة والكسائي: لم يتسن، بحذف الهاء في الوصل خاصة، والباقون بإثباتها في الحالين، أبو البقاء: أصل الألف واو، من قولك: أسنى يسني: إذا مضت عليه السنون وأصل سنة سنوة لقولهم: سنوات.

فقال: هاتوا التوراة، فأخذ يهذها هذًّا عن ظهر قلبه وهم ينظرون في الكتاب، فما خرم حرفاً، فقالوا: هو ابن اللَّه! ولم يقرأ التوراة ظاهراً أحد قبل عزير؛ فذلك كونه آية. وقيل: رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخاً وهو شاب، فإذا حدّثهم بحديثٍ قالوا: حديث مئة سنة. (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ): هي عظام الحمار، أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم، (كَيْفَ نُنْشِزُها): كيف نحييها. وقرأ الحسن: (ننشرها) من نشر اللَّه الموتى بمعنى: أنشرهم، فنشروا، وقرئ بالزاي بمعنى: نحرّكها ونرفع بعضها إلى بعضٍ للتركيب. وفاعل (تَبَيَّنَ) مضمر، تقديره: فلما تبين له أن اللَّه على كل شيء قدير ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يهذها)، الجوهري: يهذ الحديث هذاً، أي: يسرده، والهذ: الإسراع في القطع. قوله: (فذلك كونه آية)، "فذلك": إشارة إلى قراءته التوراة عن ظهر قلبه، والضمير في "كونه": لعزير، وعلى الأول الآية هي إحياؤه بعد الموت وحفظ ما معه كما قال. قوله: (وقرئ بالزاي): الكوفيون وابن عامر، والباقون: بالراء، قال القاضي: (كَيْفَ) منصوب بـ "ننشز"، والجملة حال من العظام، أي: انظر إليها محياة. قوله: (وفاعل (تَبَيَّنَ) مضمر)، أي: هو من باب تنازع الفعلين، قال الإمام: وفيه تعسف، بل الوجه القوي: لما تبين له أمر الإماتة والإحياء على سبيل المشاهدة قال: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). قلت: ومما يشد عضد هذا التأويل: أن قول القائل: (أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

(قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فحذف الأول؛ لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: ضربني وضربت زيداً. ويجوز: فلما تبين له ما أشكل عليه، يعنى أمر إحياء الموتى. وقرأ ابن عباس رضى اللَّه عنهما: (فلما تبين له) على البناء للمفعول. وقرئ: قال اعلم، على لفظ الأمر: وقرأ عبد اللَّه: (قيل اعلم) فإن قلت: فإن كان المارّ كافراً فكيف يسوغ أن يكلمه اللَّه؟ قلت: كان الكلام بعد البعث، ولم يكن إذ ذاك كافراً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رجوع منه من قوله أولاً: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) وترق من حضيض التردد والشك إلى مدرج علم اليقين، أي: فلما ظهر له آثار قدرة الله في إحيائه بعد إماتته، وعدم تغير طعامه وشرابه بعد مضي السنين المتطاولة ونشر عظام حماره، وزال ذلك الشك والاستبعاد، قال: أتيقن الآن أن الله على كل شيء قدير، استدلالاً بالأمر الخاص على العام، وما أحسن موقع التجريد في قراءة الأمر، جرد من نفسه شخصاً بعد مشاهدة تلك الآيات البينات، كأنه غيره ووبخه على استبعاده ذلك، وهذا التقرير مما يقوي أن المار كان مؤمناً، كما أن الأول ظاهر في أنه كان كافراً. قوله: (وقرئ: "قال اعلم") حمزة والكسائي: "قال اعلم"، بوصل الألف وجزم الميم في الوصل، ويبتدئان بكسر الألف على الأمر، والباقون: بقطع الألف في الحالين ورفع الميم على الإخبار، قال الزجاج: من قرأ: "اعلم"، كأنه يقبل على نفسه فيقول: اعلم أيها الإنسان أن الله على كل شيء قدير، والرفع على الإخبار. قال القاضي: الأمر مخاطبة النفس على التبكيت، وقلت: على التجريد والتوبيخ، وهذا ظاهر في أن المار كان مؤمناً. قوله: (كان الكلام بعد البعث ولم يكن إذ ذاك كافراً)، الانتصاف: لا نسلم امتناع ما ذكر، فإن الله خاطب إبليس بقوله: (فَأَخْرُجْ مِنْهَا) [الحجر: 34]، والكافرين بقوله: (اخْسَئُوا فِيهَا

[(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَاتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)]. (أَرِنِي): بصرني. فإن قلت: كيف قال له: (أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ) وقد علم أنه أثبت الناس إيماناً؟ قلت: ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين. و (بَلى): إيجاب لما بعد النفي، ومعناه: بلى آمنت. (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي): ليزيد سكوناً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وَلا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون: 108]، وكذا قوله: (وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ) [البقرة: 174]، أي: بما يسرهم. وجوابه أعجب؛ لأن الإيمان إنما حصل بعد ما تبين له أمر الإماتة والإحياء، وكان قبل ذلك مكلماً بقوله: (كَمْ لَبِثْتَ) وكيت وكيت، وكان إذ ذاك كافراً. قوله: (كيف قال له: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)؟ )، يعني: أن قوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) بمعنى ما آمنت؟ لأن "لم" متى دخل على المضارع انقلب ماضياً. قوله: (من الفائدة الجليلة)، ويروى: الجلية، قيل: وهي أن يعلموا أنه إنما طلب ذلك للطمأنينة لا لأنه لم يؤمن، وقلت: الفائدة الجليلة هي أن يعلم أن في جبلة الإنسان الاختلاج والشك، وأن مزيله طلب الدلائل ومنح التوفيق من الله تعالى كقوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة: 257]، وما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) ".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: سؤال الخليل ليس عن شك في القدرة على الإحياء، ولكن عن كيفيتها، ومعرفة كيفيتها لا يشترط في الإيمان، والسؤال بصيغة "كيف" الدالة على الحال هو كما لو علمت أن زيداً يحكم في الناس، فسألت عن تفاصيل حمكه، فقلت: كيف يحكم؟ فسؤالك لم يقع عن كونه حاكماً، ولكن عن أحوال حكمه، ولذلك قطع النبي صلى الله عليه وسلم ما يقع في الأوهام من نسبة الشك إليه بقوله: "نحن أحق بالشك"، أي: نحن لم نشك، فإبراهيم أولى، فإن قيل: فعلى هذا كيف قيل له: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)؟ قلنا: هذه الصيغة في الاستفهام بكيف قد تستعمل أيضاً عند الشك في القدرة، كما تقول لمن ادعى أمراً تستعجزه عنه: أرني كيف تصنعه؟ فجاء قوله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)، والرد ببلى لزوال الاحتمال اللفظي في العبارة ويحصل النص الذي لا يرتاب فيه. فإن قيل: قول إبراهيم: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) يشعر ظاهره بفقد الطمأنينة عند السؤال؟ قلنا: معناه: ليزول عن قلبي الفكر في كيفية الإحياء بتصويرها مشاهدة فتزول الكيفيات المحتملة، وقلت: هذا تكلف، والقول ما سبق أن هذا رحمة من الله للعباد، وظاهر الحديث عليه، ولأن إزالة الشبهات ودفع الخواطر من صريح الإيمان، روينا عن مسلم وأبي داود، عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: "وقد وجدتموه؟ "، قالوا: نعم، قال: "ذلك صريح الإيمان". وفي أخرى: "الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة". وعن مسلم، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه أن يتكلم به، قال: "ذلك محض الإيمان".

وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال. وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين، ولأن علم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف العلم الضروري، فأراد بطمأنينة القلب العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك. فإن قلت: بم تعلقت اللام في (لِيَطْمَئِنَّ)؟ قلت: بمحذوفٍ، تقديره: ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب. (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ): قيل طاؤوساً وديكاً وغراباً وحمامة، (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) بضم الصاد وكسرها، بمعنى: فأملهنّ واضممهنّ إليك قال: وَلَكِنَّ أطْرَافَ الرِّماحِ تَصُورُهَا وقال: وَفَرْعٍ يَصيرُ الْجِيدَ وَحْفٍ كَأنَّهُ ... عَلَى اللَّيْتِ قِنْوَانُ الْكُرُومِ الدَّوَالِحِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ): بضم الصاد وكسرها)، قرأ حمزة بالكسر، والباقون بالضم. قوله: (ولكن أطراف الرماح تصورها)، أوله: وما صيد الأعناق فيهم جبلة الجوهري: الصيد، بالتحريك: مصدر الأصيد، وهو الذي يرفع رأسه كبراً، ومنه قيل للملك: أصيد، وأصله في البعير يكون به داء في راسه فيرفعه. والصور: الميل، والرجل يصور عنقه إلى شيء: إذا مال نحوه. قوله: (وفرع يصير الجيد) البيت، الفرع: الشعر، والوحف بالحاء المهملة: الشعر الكثير الأسود، والوحف: الجناح الكثير الريش، والليت، بالكسر والتاء فوقها نقطتان: صفحة

وقرأ ابن عباس رضى اللَّه عنه: (فصرّهن) بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء، من صره يصره ويصره؛ إذا جمعه، نحو ضره ويضره ويضره؛ وعنه: (فَصُرْهُنَّ) من التصرية؛ وهي الجمع أيضاً. (ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً): يريد: ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال. والمعنى: على كل جبل من الجبال التي بحضرتك وفي أرضك. وقيل: كانت أربعة أجبل. وعن السدّي: سبعة؛ (ثُمَّ ادْعُهُنَّ) وقل لهن: تعالين بإذن اللَّه (يَاتِينَكَ سَعْياً) ساعياتٍ مسرعاتٍ في طيرانهن، أو في مشيهن على أرجلهن. فإن قلت: ما معنى أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟ قلت: ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحلاها؛ لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك؛ ولذلك قال: (يأتينك سعياً). وروي: أنه أمر بأن يذبحها، وينتف ريشها، ويقطعها، ويفرّق أجزاءها، ويخلط ريشها ودماءها ولحومها، وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل بأجزائها على الجبال على كل جبل ربعاً من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن اللَّه. فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثاً، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العنق، وقنوان: جمع قنو وهو العنقود، والدوالح: المثقلات، وكل من حمل ثقيلاً فقد دلح به. قوله: (من التصرية) يقال: صريت الشاة تصرية: إذا لم تحلبها أياماً حتى يجتمع اللبن في ضرعها. قوله: (ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال) يعني دل ثم على التراخي من حيث الزمان؛ لأن بين جمع الطيور وضمها إليه وذبحها ونتف ريشها وتفريق أجزائها وتخليط بعضها مع بعض وقسمتها أربعة أقسام ثم تفريقها على الجبال زماناً ممتداً، أو (ثُمَّ) ها هنا كالفاء في قوله: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ) [البقرة: 60]، وكذا لفظ كل ها هنا كما في قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: 23]، أي: من كل شيء يليق بحالها، وإليه الإشارة بقوله: "من الجبال التي بحضرتك".

كل جثة إلى رأسها. وقرئ (جزؤاً) بضمتين و (جُزًّا) بالتشديد، ووجهه: أنه خفف بطرح همزته، ثم شدد كما يشدد في الوقف إجراء للوصل مجرى الوقف. [(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) 261]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "جزؤاً" بضمتين): عاصم في رواية أبي بكر، و"جزاً"، بالتشديد: حمزة عند الوقف خاصة. قوله: (إجراء للوصل مجرى الوقف)، ونحوه: مثل الحريق وافق القصبا وإنما قلنا: إنه حال الوصل لأن القوافي إذا حركت فإنما تحرك على نية وصلها. قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ) الآيات، اعلم أن للبلغاء فناً يذهبون إليه دقيق المسلك لطيف المغزى، وهو أنهم إذا شرعوا في حديث ذي شجون له شعب وفنون شتى ولهم اعتناء بنوع منها أكثر من الآخر، فإذا اندفعوا وتعمقوا فيها لا يتسع لهم ولا يتمالكون أن يهملوا ذلك الأمر المعني بشأنه، فحيث وجدوا له مجالاً كيف ما كان أوردوه، ولامصنف أومى إلى هذا المعنى في آخر الشعراء حيث قال: ومثاله: أن يحدث الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل عناية، فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه، والله جل سلطانه حين فرغ من بيان الأحكام وشرع في القصص تحريضاً على الجهاد وحثاً على الإنفاق في سبيله إشادة للدين وقمعاً للملحدين، قال: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ... ) [البقرة: 244 - 245] الآية، ولما أن الإنفاق هو العمدة في الجهاد، ومنه فتح باب سائر العبادات،

(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ): لا بد من حذف مضافٍ، أي: مثل نفقتهم كمثل حبةً، أو: مثلهم كمثل باذر حبة. والمنبت هو اللَّه، ولكن الحبة لما كانت سبباً أُسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء. ومعنى إنباتها سبع سنابل: أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعبٍ لكل واحدةٍ سنبلةٌ. وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عينى الناظر. فإن قلت: كيف صحّ هذا التمثيل والممثل به غير موجود؟ قلت: بل هو موجود في الدخن والذرة وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأراضي القوية المُغلة فيبلغ حبها هذا المبلغ، ولو لم يوجد لكان صحيحاً على سبيل الفرض والتقدير. فإن قلت: هلا قيل: سبع سنبلاتٍ على حقه من التمييز بجمع القلة كما قال: (وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ) [يوسف: 43]؟ قلت: هذا لما قدمت عند قوله تعالى: (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228] من وقوع أمثلة الجمع متعاورةً مواقعها. (وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ): أي: يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء، لا لكل منفق، لتفاوت أحوال المنفقين، أو يضاعف سَبع المائة ويزيد عليها أضعافها لمن يستوجب ذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو رأس الخيرات وأس المبرات، كرر ذكره مراراً، وذلك أنه لما قص حديث طالوت وجالوت ونبذاً من أحوال الأنبياء تقريراً للجهاد تأسياً بهم، رجع إلى حديث الإنفاق بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ) [البقرة: 254]، ثم أتى بوصف ذاته الأقدس بالمطالب العالية الشريفة وبقصة خليله عليه السلام، فكر راجعاً إلى قضية الإنفاق قائلاً: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ) الآية، ثم لما استوفى حقه من البيان ختم السورة بخاتمة سنية، وما ذلك إلا أن للإنفاق عند الله خطباً جليلاً وخطراً عظيماً، والله أعلم. قوله: (أن تخرج ساقاً)، الراغب: النبت: لما له نمو في أصل الخلقة، يقال: نبت الصبي والشعر والسن، ويستعمل النبات فيما له ساق وما ليس له ساق، وإن كان في التعارف قد يختص بما لا ساق له، وأنبت الغلام: إذا رهق كأنه صار ذا نبتة، وفلان في منبت خير، كناية عن الأصل، وقال: هذه الآية متعلقة بقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً)، وما بينهما

[(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)]. المنّ: أن يعتدّ على من أحسن إليه بإحسانه، ويريد أنه اصطنعه وأوجب عليه حقا له: وكانوا يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها. ولبعضهم: وَإنّ امْرَأً أَسْدَى إلَيَّ صَنِيعَةً ... وَذَكّرَنِيهَا مَرَّةً لَلئِيمُ وفي "نوابغ الكلم": صنوان من منح سائله ومنّ، ومن منع نائله وضنّ. وفيها: طعم الآلاء أحلى من المنّ، وهي أمرّ من الآلاء مع المنّ. والأذى: أن يتطاول عليه بسبب ما أزل إليه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اعتراضات مرغبة في قرضه، وحث على قناعة هي أس الجود، وإرشاد لمن يستقرض من الناس، وبين في هذه الآية أن قرضه هو: الإنفاق في سبيله. قوله: (المن: أن يعتد على من أحسن إليه)، الراغب: المن على ضربين، أحدهما: ما يوزن به والأكثر مناً بالتخفيف، والثاني: قدر الشيء ووزنه، ومنه المنة، وهو على ضربين أيضاً، أحدهما: اسم للعطية، لكونها ذات قدر بالإضافة إلى سائر الأفعال، لأن الجود أشرف فضيلة، وثانيهما: اسم لقدر العطية عند معطيها واعتداده بها، وهو المنهي عنه، فإنه مما يبطل الشكر ويمحق الأجر، وقيل: تعداد المنة من ضعف المنة. قوله: (أسدى). أسدى فلان فلاناً، أي: أعطاه عطية، والصنيعة: ما اصطنعت إلى أحد من خير. قوله: (طعم الآلاء). والآلاء: النعم، واحدها: إلي، والألاء- بفتح الهمزة على وزن فعال-: شجر حسن المنظر مر الطعم، أي: العطاء مع المن أمر من طعم الألاء، و"نوابغ الكلام" كتاب صنفه جار الله. قوله: (ما أزل إليه) من قولهم: أزللت إليه نعمة، أي: أعطيته.

ومعنى (ثم): إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى، وأنّ تركهما خير من نفس الإنفاق، كما جعل الاستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله: (ثُمَّ اسْتَقامُوا) [فصلت: 30]. فإن قلت: أي فرقٍ بين قوله: (لَهُمْ أَجْرُهُمْ) وقوله فيما بعد (فلَهُمْ أَجْرُهُمْ) [البقرة: 274]؟ قلت: الموصول لم يضمن هاهنا معنى الشرط، وضمنه ثمة، والفرق بينهما من جهة المعنى: أنّ الفاء فيها دلالة على أنّ الإنفاق به استحق الأجر، وطرحها عار عن تلك الدلالة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومعنى (ثُمَّ): إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن)، الانتصاف: وعندي فيه وجه آخر، وهو الدلالة على دوام الفعل المعطوف به، وإرخاء الطول في استصحابه، فلا يخرج بذلك عن الإشعار ببعد الزمن، ومعناه في الأصل: تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه، ومعناه المستعار: دوام وجود الفعل وتراخي زمن بقائه، ومثله: (ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: 30]، أي: داموا على الاستقامة دواماً متراخياً، وتلك الاستقامة هي المعتبرة، كذا ها هنا، أي: يدومون على تناسي الإحسان وترك الامتنان، وقريب منه أو مثله السين تصحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه، (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات: 99]، وقد قال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) فليس لتأخير الهداية سبيل، فتعين حمله على تنفيس دوام الهداية وتمادي أمدها، ولعل الزمخشري أشار إلى هذا في موضعه، وما ذكرته ها هنا في (ثُمَّ) أقرب من ذلك الموضع. قوله: (وطرحها عار عن تلك الدلالة)، يعني بالدلالة: أن الثاني مع الفاء مسبب عن الأول. وقلت: مجيء الجملة بدون الشرائط وفيها ما يصح للسببية إيذان بأن الرابط معنوي، فيكون أبلغ، قال القاضي: لعله لم يدخل الفاء إيهاماً بأنهم أهل لذلك وإن لم يفعلوا، وكيف بهم إذا فعلوا! وتحقيقه أن في تضمين الكلام معنى الشرط تعليقاً للكلام، وفي عرائه عن ذلك تحقيق للخبر، على منوال قوله:

([قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ)]. (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ): ردّ جميل، (وَمَغْفِرَةٌ): وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول، أو: نيل مغفرة من اللَّه بسبب الرد الجميل، أو: وعفو من جهة السائل؛ لأنه إذا ردّه ردّا جميلا عذره. (خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً)، وصح الإخبار عن المبتدأ النكرة؛ لاختصاصه بالصفة. (وَاللَّهُ غَنِيٌّ) لا حاجة به إلى منفق يمنّ ويؤذي، (حَلِيمٌ) عن معاجلته بالعقوبة، وهذا سخطٌ منه ووعيدٌ له، ثم بالغ في ذلك بما أتبعه (كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ) أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كإبطال المنافق ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إن التي ضربت بيتاً مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول وإنما بنيت الجملة على التحقيق لأن هذه الآية واردة في البعث على الإنفاق في سبيل الله لرفع منار المسلمين وإشادة الدين القويم، ومن ثم خص بذكر سبيل الله وكررها وضعاً للمظهر موضع المضمر إشعاراً بالعلية، بخلافه في تلك الآية. قوله: (وصح الإخبار عن المبتدأ النكرة لاختصاصه بالصفة)، هذا يصح في المعطوف عليه، لكن لا يصح في المعطوف، وهو (وَمَغْفِرَةٌ)؛ لأنه غير موصوف، ولكونه مخصصاً في نفسه؛ لأن استعمال المغفرة مسبوق بوجدان ما يثقل على المسئول من السائل، جعل كأنه موصوف، ولهذا حين قدره خصصه بما يليق به المقام، أو لأنه معطوف على المخصص، ثم إن العفو إما أن يكون من الله تعالى، وهو إذا رد المسئول السائل رداً جميلاً، وإما من السائل وهو لأمرين: إما لأن المسئول عنه عنفه وزجره فيعفو عنه، أو رده رداً جميلاً فعذره، ولا يستقيم على

الذي ينفق ماله (رِئاءَ النَّاسِ) لا يريد بإنفاقه رضاء اللَّه ولا ثواب الآخرة، (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ) مثله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بصفوان: بحجرٍ أملس عليه تراب. وقرأ سعيد بن المسيب: (صفوان) بوزن كروان. (فَأَصابَهُ وابِلٌ): مطر عظيم القطر. (فَتَرَكَهُ صَلْداً): أجرد نقياً من التراب الذي كان عليه، ومنه: صلد جبين الأصلع؛ إذا برق. (لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا) كقوله: (فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) [الفرقان: 23]، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال، أي: لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق. فإن قلت: كيف قال: (لا يَقْدِرُونَ) بعد قوله: (كَالَّذِي يُنْفِقُ)؟ قلت: أراد بالذي ينفق الجنس، أو الفريق الذي ينفق، ولأن «من» و «الذي» يتعاقبان، فكأنه قيل: كمن ينفق. [(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) 265]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الثاني لسياق الآيات، لأنه تعالى لما قال: (لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى) أتبعه قوله: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ)، أي: خير للمصدق، والعفو الصادر عن السائل على المسئول بسبب عنفه وزجره كيف يكون خيراً للمسئول؟ والأولى أن يسند العفو أيضاً إلى المسئول؛ لأن الكلام سيق له، المعنى: إذا صدر عن السائل بسبب الرد ما يثقل عليه يعفو عنه ولا يزجره، ويؤيده قول الإمام: إن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك، فربما حمله ذلك على بذاء اللسان، فأمر بالعفو عن ذلك والصفح عنه. وعلى هذا يصح جعل "مغفرة" مبتدأ لتخصيصه، أي: مغفرة منه. قوله: (ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال): عطف على قوله: "كإبطال

(وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ): وليثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح، وبذله أشق شيء على النفس على سائر العبادات الشاقة وعلى الإيمان لأن النفس إذا ريضت بالتحامل عليها وتكليفها ما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها، وقل طمعها في اتباعه لشهواتها وبالعكس، فكان إنفاق المال تثبيتاً لها على الإيمان واليقين. ويجوز أن يراد: وتصديقاً للإسلام، وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم؛ لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل اللَّه، علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه، ومن إخلاص قلبه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المنافق الذي ينفق ماله"، فإن الكاف حينئذ في محل النصب على المصدر، قال القاضي: (رِئَاءَ): مفعول له، أو: حال بمعنى مرائياً، أو: مصدر، أي: إنفاق رياء. قوله: (علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه)، وقوله: (وَتَثْبِيتاً) على هذا كالتقرير بمعنى: ابتغاء مرضات الله. الراغب: بين الله تعالى أن المنفق ماله في سبيل الله ينبغي أن يكون قاصداً فيما أوجبه الله على الناس من الزكاة والإنفاق ابتغاء مرضاة الله، وطلب التوجه للوصول إليه، وتثبيت النفس ورياضتها لأداء الأمانات وبذل المعونات والتسمح لأبواب المصالح، فإن النفوس ما لم ترض لم تسمح، إذ هي مجبولة على الشح والكسل، وبذل الصدقة وفعل الخير يطهره ويزكيه، وهذان المعنيان، أعني: ابتغاء وجه الله وتثبيت النفس، وإن اختلفا في العبارة فهما واحد، وحق الإنسان أن يقصد ذلك في جميع ما يفعله من العبادات، فأما أن يطلب شكر مخلوق، ومباراة نظير، وطلب نفع دنيوي، وقضاء شهوة، واتقاء معرة، فليس ذلك بمرتضى، وجمع (أَنْفُسِهِمْ) جمع قلة للتنبيه على أن ذلك الفعل لا يكاد يوجد إلا في قليل من الناس، كقوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي

و (من) على التفسير الأوّل للتبعيض، مثلها في قولهم: هز من عطفه، وحرك من نشاطه، وعلى الثاني؛ لابتداء الغاية، كقوله تعالى: (حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) [البقرة: 109]. ويحتمل أن يكون المعنى: وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه، وتعضده قراءة مجاهد: (وتبييناً من أنفسهم). فإن قلت: فما معنى التبعيض؟ قلت: معناه: أن من بذل ماله لوجه اللَّه فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها؛ (وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) [الصف: 11]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشَّكُورُ) [سبأ: 13]، وعلى أنه قل ما ينفك عمل من رياء وإن قل، ولذلك جعل الفاصلة قوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أي: لا يخفى عليه شيء من أسرار العباد. قوله: (و (مِنْ)، على التفسير الأول: للتبعيض)، فيكون مفعولاً به للمصدر، أي: إذا تحمل هذا البعض من النفس خلاف ما هي مجبولة عليه يتأتى من سائرها سائر العبادات على سهولة ويسر، وإليه الإشارة بقوله: "فقد ثبت بعض نفسه"، إلى قوله: "ثبتها كلها"، وفيه أيضاً أن الواجب على النفس التثبت في كل ما كلفت به من مشاق، فإذا ثبتت على بذل المال، الذي هو أشق التكاليف، سهل عليها التثبت في سائرها، كما ينبئ عنه أول كلامه، قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9]، وقوله: "على سائر العبادات" متعلق بقوله: "وليثبتوا" على معنى التضمين، ضمن التثبيت معنى التمكن والاستعلاء، أي: ليتمكنوا تثبيت بعضها على سائر العبادات. قوله: (ويحتمل أن يكون المعنى): عطف على قوله: "ويجوز أن يراد"، ومن: للابتداء أيضاً، يعني: يحملون أنفسهم على الإنفاق لأجل الثبات في الإسلام حتى يثابوا عند الله، أو يظهر ثباتهم فيه عند المسلمين، فالتثبيت بمعنى التصديق للإسلام على سبيل الكناية، لأن من أنفق بعد إسلامه صدق بإنفاقه إسلامه، فإن الاستقامة بعد قول المؤمن (رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) [فصلت: 30] مصدق لما قاله.

والمعنى: ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند اللَّه (كَمَثَلِ جَنَّةٍ)؛ وهي البستان، (بِرَبْوَةٍ): بمكانٍ مرتفع، وخصها؛ لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً (أَصابَها وابِلٌ): مطر عظيم القطر (فَآتَتْ أُكُلَها) ثمرتها (ضِعْفَيْنِ) مثلي ما كانت تثمر؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمعنى: ومثل نفقة هؤلاء) ذكر في هذا التشبيه طريقين وقد رفيهما مضافاً محذوفاً؛ لأن ذوات المنفقين لا يحسن أن يوقع فيها التشبيه لأنه لا مناسبة بينهما وبين الجنة، فيقدر في طريق الأول النفقة ليكون الأمر الذي يشترك فيه الطريقان الزكاء، وهو عقلي، وفي التشبيه الثاني الحال، ليكون الوجه منتزعاً من عدة أمور متوهمة، فيكون تشبيهاً تمثيلياً، ولابد في هذا الوجه من بيان تلك الأمور لئلا يشبه العقلي بالوهمي، ومن ثم قال: "أو مثل حالهم عند الله بالجنة ... " إلخ، ويجوز أن يكون التشبيه على منوال قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي ومن هذين التشبيهين "كأن قلوب الطير" يعثر على الفرق بين التمثيلي والعقلي، قال صاحب "المفتاح": والذي نحن بصدده من الوصف غير الحقيقي أحوج منظور فيه إلى التأمل لالتباسه في كثير من المواضع بالعقلي الحقيقي لاسيما المعاني التي ينتزع منها، فذكر المصنف المعاني ليتميز التمثيلي من العقلي، فالعقلي هو: أخذ الزبدة والخلاصة من المجموع، والتمثيلي: انتزاع الحالة المتوهمة من الأمور المتعددة. قوله: ((ضِعْفَيْنِ) مثلي ما كانت تثمر)، أي: تثمره، "وبسبب" متعلق بقوله: (فَأَتَتْ)؛ لأنه مسبب عن قوله تعالى: (أَصَابَهَا وَابِلٌ).

بسبب الوابل، (فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ) فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها. أو مثل حالهم عند اللَّه بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطلّ، وكما أن كل واحدٍ من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم كثيرةً كانت أو قليلة، بعد أن يطلب بها وجه اللَّه، ويبذل فيها الوسع؛ زاكية عند اللَّه، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده. وقرئ: (كمثل حبة)، و (بربوةٍ) بالحركات الثلاث، و (أكلها) بضمتين. [(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)]. الهمزة في (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ) للإنكار. وقرئ: (له جنات)، و (ذريةٌ ضعاف). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: المراد بالضعف: المثل كما أريد بالزوج الواحد في قوله: (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) [المؤمنون: 27]، وقيل: أربعة أمثاله، ونصبه على الحال، أي: مضاعفاً. قوله: ((فَطَلٌّ) فمطر ضعيف)، قال القاضي: أي: فيصيبها طل، أو: فالذي يصيبها أو فطل يكفيها. قوله: (وقرئ: كمثل حبة) بالحاء والباء الموحدة، وهي شاذة. قوله: (و (بِرَبْوَةٍ)) أي: وقرئ: (كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ) بالحركات الثلاث؛ عاصم وابن عامر: بالفتح، والباقون: بضم الراء، والكسر: شاذ. قوله: (و (أُكُلَهَا)، بضمتين). الجماعة إلا نافعاً وابن كثير وأبا عمرو.

والإعصار: الريح التي تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود، وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه اللَّه، فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطةً فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنان وأجمعها للثمار، فبلغ الكبر وله أولاد ضعاف، والجنة معاشهم ومنتعشهم؛ فهلكت بالصاعقة. وعن عمر رضي اللَّه عنه: أنه سأل عنها الصحابة فقالوا: اللَّه أعلم. فغضب وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس رضي اللَّه عنه: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال: قل يا ابن أخى ولا تحقر نفسك. قال: ضرب مثلاً لعملٍ. قال: لأي عمل؟ قال: لرجل عُنى بعمل الحسنات، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الإعصار: الريح التي تستدير)، الراغب: الإعصار أصله مصدر أعصر سمي به الريح، والعصر مصدر عصرت العنب، وسمي آخر النهار ومدة من الزمان عصراً كأنه مدة عصرت فجمعت، والمعصر: سحاب ذات عصر للمطر، والمرأة فوق الكاعب: معصر، لكونها ذات عصر، أي: زمان التمتع بها، قال: مطيات السرور فويق عشر ... إلى عشرين ثم قف المطايا قوله: (وعن عمر رضي الله عنه، أنه سأل عنها الصحابة). الحديث مخرج في "صحيح البخاري". قوله: (لعمل) أي: لصاحب عمل. قوله: (عني) أي: اهتم وصرفت عنايته إليها، "أغرق أعماله": أضاعها بما ارتكب من المعاصي. قوله: (هذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه الله) لا يبتغي: حال من فاعل

ثم بعث اللَّه له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها. وعن الحسن رضي اللَّه عنه: هذا مثلٌ قلّ واللَّه من يعقله من الناس؛ شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم واللَّه أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "يعمل" أو مفعوله، قال القاضي: وأشبههم به من جال بسره في عالم الملكوت وترقى بفكره إلى جناب الجبروت ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور والتفت إلى ما سوى الحق، فجعل سعيه هباءً منثوراً. وقلت: جعل المشبه حال المنفق أوفق لتأليف النظم؛ لأن هذه الآية مقابلة لقوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ)، وله أن يقول: دلالته عليه على سبيل الإدماج لا ينافي ذلك لكن قوله: أشبههم، ينافيه. قوله: (شيخ كبير، ضعف جسمه، وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته)، روي "افقر"، منصوباً ومرفوعاً، فالنصب: على أن يكون ظرفاً لقوله: "ضعف جسمه"، و"ما": مصدرية، والوقت مقدر والمضاف محذوف، أي: ضعف جسمه زمان أفقر أزمنته إلى جنته، على أن إسناد أفقر إلى الزمان نحو إسناد "صائم" في قوله: "نهاره صائم" إلى النهار. والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة صفة لموصوف محذوف، المعنى: ضعف جسمه زماناً هو أفقر أزمنته إلى جنته، والإسناد أيضاً مجازي، وقيل: "أفقر": خبر "شيخ"، والجملة التي ساقها بيان لقوله: "مثل"، وفي الجملة في كلام الحسن ما يعقب به الكلام مقدر؛ لأن التقدير: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه وحصل في زمان هو أفقر ما كان إلى جنته فهلكت بالصاعقة تلك الجنة، فبقي متحيراً، وكذا التقدير: "أن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا، فإذا كان يوم القيامة وجد تلك الأعمال محبطة فيتحسر عند ذلك" يدل عليه قوله تعالى: (فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ).

فإن قلت: كيف قال: (جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ) ثم قال: (لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ)؟ قلت: النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع خصهما بالذكر، وجعل الجنة منهما وإن كانت محتوية على سائر الأشجار؛ تغليباً لهما على غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات، ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها، كقوله: (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ) [الكهف: 34] بعد قوله: (جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ) [الكهف: 32]. فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأَصابَهُ الْكِبَرُ)؟ قلت: الواو للحال لا للعطف، ومعناه: أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإن قلت: كيف قال: (جَنَّةٌ)؟ )، وجه السؤال أن النخيل والأعناب نوعنا من أنواع الأشجار المثمرة وداخلان تحت قوله: (لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) فما وجه اختصاصهما بالذكر ثم إتباعهما بقوله: (مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)؟ أجاب عنه بجوابين، أحدهما: أنه من باب التتميم على منوال الرحمن الرحيم، ذكر أولاً: ما هما أفضلا الجنس وأكملاه نفعاً، وأراد بهما جميع الجنس بالتغليب، ثم أردفهما بما يشتمل على الجنس ليكون كالتتمة والرديف لهما، ألا ترى كيف قال في (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): لما قال: الرحمن تناول جلائل النعم وعظائمها، أردفه بالرحيم ليتناول ما دق منها، وقال ها هنا: "ثم أردفهما" ذكر كل الثمرات صيانة للكلام عن توهم غير الشمول. وثانيهما: أنه من باب التكميل، فيكون ذكرهما من إطلاق أعظم الشيء على الشيء كله، فعلم من هذا: أن له جنة كثيرة الأشجار والأثمار ولم يعلم أن له فيها منافع أخر غيرهما فقيل له: (فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) ليعلم أن له غيرهما، يدل عليه تنظيره بقوله: (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ) [الكهف: 34]، وفسره بقوله: "أي: كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة من الذهب والفضة وغيرهما" والله أعلم. قوله: (علام عطف قوله: (وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ)؟ ) يعني: أن الواو تستدعي معطوفاً عليه (أَنْ تَكُونَ) لا يصح أن يعطف عليه لكونه مضارعاً، وهذا ماض، وأجاب: أن الواو

وقيل يقال: وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا، فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيودّ أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)]. (مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ): من جياد مكسوباتكم، (وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ) من الحب والثمر والمعادن وغيرها. فإن قلت: فهلا قيل: وما أخرجنا لكم؛ عطفاً على (ما كَسَبْتُمْ) حتى يشتمل الطيب على المكسوب والمخرج من الأرض؟ قلت: معناه: ومن طيبات ما أخرجنا لكم، إلا أنه حذف؛ لذكر الطيبات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ليست للعطف، بل للحال، وصاحبها: (أَحَدَكُمْ)، وقد: مقدرة، ويجوز أن تكون عاطفة على (أَنْ تَكُونَ) على تأويل الماضي؛ لأن التمني هو: طلب حصول ما لا يمكن حصوله، والماضي والمضارع سيان في ذلك، فكأنه قيل: لو كانت له جنة وأصابه الكبر، ونحوه في التقدير: قوله تعالى: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) [المنافقون: 10]، كأنه قيل: "تصدقت وكنت". قوله: (من جياد مكسوباتكم)، الراغب: الطيب يقال تارة باعتبار الحاسة، وباعتبار العقل أيضاً، والخبيث نقيضه، والأظهر أن المعني به ها هنا المعقول الذي ها هنا هو الحلال، والحقيقة: الطيب من الكسب: ما ليس فيه ارتكاب محظور واكتساب محجور، وتخصيص المكسوب لأن الإنسان بما يكسبه أضن به مما يرثه، وتخصيص (لَكُمُ) تنبيه أن المقصود بإيجاد هذه الأشياء نفع الإنسان ليبلغه إلى سعادة الدارين، ويجوز أن يتضمن مع ذلك: أن الذي تجب فيه الزكاة هو ما قصد به قوام الإنسان. قوله: (فهلا قيل: وما أخرجنا لكم؟ ) يعني: لو لم يترك لفظة "من" في (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا) ليكون عطفاً على ما كسبتم فيدخل المخرج من الأرض في حكم الطيبات؛ لأن المطلوب من

(وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ): ولا تقصدوا المال الرديء (مِنْهُ تُنْفِقُونَ): تخصونه بالإنفاق، وهو في محل الحال. وقرأ عبد اللَّه: (ولا تأمموا)، وقرأ ابن عباس: (ولا تيمموا) بضم التاء، ويممه وتيممه وتأممه سواء في معنى قصده. (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ): وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ): إلا أن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه، من قولك: أغمض فلان عن بعض حقه؛ إذا غضّ بصره. ويقال للبائع: أغمض أي: لا تستقص كأنك لا تبصر، وقال الطرمّاح: لَمْ يَفُتْنَا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ وَلِلضَّيْـ ... ـمِ رِجَالٌ يَرْضَوْنَ بِالإِغْمَاضِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النفقة الطيبات، لقوله: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ)، والآن هو عطف على (مِنْ طَيِّبَاتِ)، فلا يدخل في حكمها؟ وأجاب: أن المضاف مقدر وهو الطيبات لوقوعه مقابلاً لقوله: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) فاستغنى ذلك عن ذكره، وفائدته الإيجاز مع التنبيه على استقلال كل من إنفاق طيبات مكسوبهم ومن إنفاق طيبات المخرج لهم في القصد. قوله: (وهو في محل الحال)، قال القاضي: ينفقون: حال مقدرة من فاعل (تَيَمَّمُوا)، والضمير في (مِنْهُ) للمال، أي: ولا تقصدوا الرديء من المال، ويجوز أن يتعلق (مِنْهُ) بـ (تُنْفِقُون)، ويكون الضمير للخبيث، والجملة: حال منه. قوله: (كأنك لا تبصر): إشارة إلى أن قوله: (إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا) استعارة تبعية واقعة على سبيل التمثيل، شبه حالة من تسامح في بيعه، ولا يستقصي في أخذ العوض، بحالة من رأى شيئاً يكرهه فيغمض عنه عينه. قوله: (لم يفتنا بالوتر) البيت. يقال: فاتني فلان بكذا، أي: سبقني، الجوهري: الموتور: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، تقول منه: وتره يتره وتراً وترة، وكذلك وتره حقه، أي:

وقرأ الزهريّ: (تغمضوا)، وأغمض وغمض بمعنى، وعنه: (تغمضوا) بضم الميم وكسرها من غمض يغمض ويغمض. وقرأ قتادة: (تغمضوا) على البناء للمفعول بمعنى: إلا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه. وقيل: إلا أن توجدوا مغمضين. وعن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه. وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: كانوا يتصدّقون بحشف التمر وشراره؛ فنهوا عنه. [(الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ)]. أي: يعدكم في الإنفاق الْفَقْرَ ويقول لكم إنّ عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا. وقرئ: (الفقر) بالضم، و (الفقر) بفتحتين. والوعد يستعمل في الخير والشر. قال اللَّه تعالى: (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الحج: 72]. (وَيَأمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نقصه، يقول: لم يفتنا قوم عند طلب الثأر، بل ندركهم وننتقم منهم، والحال أن بعض الرجال يرضون بالإغماض عن بعض حقهم لضعفهم. قوله: (يعدكم في الإنفاق الفقر)، الراغب: المشهور عند العامة أن الفقر: الحاجة، وأصله: كسر الفقار، من قولهم: فقرته، نحو كبدته، وبهذا النظر سمي الحاجة والداهية فاقرة، والفقر أربعة: فقد الحسنات في الآخرة، وفقد القناعة في الدنيا، وفقد المقتنى، وفقدها جميعاً، والغنى بحسبه، فمن فقد القناعة والمقتنى فهو الفقير المطلق على سبيل الذم، ومن فقد القناعة دون القنية فهو الغني بالمجاز الفقير في الحقيقة، ومن فقد القنية دون القناعة فإنه يقال له: فقير وغني وقد ورد: "ليس الغنى بكثرة العرض، وإنما الغنى غنى القلب"، فقوله: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ) قيل: فقر الآخرة، وهو أن يخيل إليه أن لا جزاء ولا نشور فلا ينفق. قوله: (الوعد يستعمل في الخير والشر)، قال الفراء: يقال: وعدته خيراً، ووعدته شراً،

ويغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور. والفاحش عند العرب: البخيل. (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ) في الإنفاق (مَغْفِرَةً) لذنوبكم، وكفارة لها، (وَفَضْلًا): وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو: وثواباً عليه في الآخرة. [(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: الوعد، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإن أدخلوا الباء في الشر جاؤوا بالألف. قوله: ((وَفَضْلاً): وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم). واعلم أن الآية فيها متقابلان: أحدهما جلي والآخر خفي، والجلي قوله: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً)، ومن ثم فسر الأول بقوله: "يعدكم في الإنفاق الفقر"، والثاني بقوله: "وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم"، وأما الخفي فقوله: (وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ)، وقوله: (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً)، وكما أن الأمر بالفحشاء إغراء برذيلة البخل، كذلك الوعد بالمغفرة حث على التمحيص عن الرذائل، ولهذا فسر الأول بقوله: "ويغريكم على البخل"، والثاني بقوله: "مغفرة لذنوبكم"، والذنب في هذا المقام هو: البخل، كما أن الفحشاء كذلك؛ لأن الكلام في الحث على الإنفاق والردع عن الإمساك، وأي رذيلة في المرء أردى من البخل! وإليه أومى صلوات الله عليه بقوله: "السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة، بعيد من الناس قريب من النار" أخرجه الترمذي عن أبي هريرة، ويؤيده تذييل الكلام بقوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ): يوفق للعلم والعمل به. والحكيم عند اللَّه: هو العالم العامل. وقرئ: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ) بمعنى: ومن يؤته اللَّه الحكمة، وهكذا قرأ الأعمش. و (خَيْراً كَثِيراً) تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتي أي خير كثير. (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) يريد الحكماء العلام العمال. والمراد به الحثّ على العمل بما تضمنت الآي: في معنى الإنفاق. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والحكيم عند الله هو: العالم العامل)، كذا عن القاضي، قال الإمام: الحكمة لا يمكن خروجها عن هذين المعنيين، وذلك أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، فقول إبراهيم عليه السلام: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً) [الشعراء: 83] إشارة على العلم، ثم قوله: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [الشعراء: 83] إشارة إلى العمل، وقول عيسى عليه السلام: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ) [مريم: 30] إشارة إلى العلم، ثم قوله: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ) [مريم: 31] إلى العمل، وقال تعالى لموسى عليه السلام: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا) [طه: 14] مشيراً إلى العلم، ثم قال: (فَاعْبُدْنِي) مشيراً إلى العمل، ثم عم جميع الأنبياء بقوله: (أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا) [النحل: 2] مريداً به العلم، وبقوله: (فَاتَّقُونِ) [النحل: 2] العمل، قال أبو مسلم: الحكمة فعلة من الحكم، ورجل حكيم: إذا كان ذا حجى ولب وصلابة رأي، فعيل بمعنى فاعل، ويقال: أمر حكيم، أي: محكم، فعيل بمعنى مفعول، فالحكمة لا تحصل إلا بموهبة الله ومتابعة الأنبياء والاستقامة عليها، إذ هي مأخوذة من مشكاة النبوة المقتبسة من أنوار القدس، وأن التفكر والعلم لا يفيد النفس استعداد قبولها ابتداء بل إن الله عز شأنه بفيضه الأقدس يجود بالاستعداد لأنفس الأنبياء وخواص متابعيهم فيفيض الحكمة عليهم، وفي قول المصنف: "الحكماء: العلام العمال" على المبالغة، بعد قوله: "والحكيم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عند الله هو: العالم العامل"، تنبيه على أن قوله: (أُوْلُوا الأَلْبَابِ) مظهر وضع موضع المضمر، وأن العاقل الكامل المتناهي هو الذي بالغ واجتهد في الجمع بين العلم والعمل وأتقن فيهما ورسخ بهما قدمه، وأما قوله: "والمراد به الحث على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق" إشارة إلى بيان التوفيق والنظم بين الآي، وأن المنفق في سبيل الله هو العالم الرباني والحكيم المحق، ومن فقد ذلك فقد حرم أن يسمى حكيماً، وبيانه- والعلم عند الله-: أن الله عز شأنه لما بالغ في أمر الإنفاق حين شرع في بيانه بضرب الأمثال والرجوع إليه مرة بعد أخرى كما سبق، أتى بعد ذلك بما عسى أن يمنع المكلف من الإنفاق من تسويل الشيطان وإغوائه النفس الأمارة خوف الفقر والإعدام، وتزيينه المعاصي والفواحش، فقال: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ)، وقابل الخصلتين بما يقابلهما من الحسنتين بقوله: (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً)، ثم كمله بما هو العمدة فيه وهو قوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) المشتملة على سعة الإفضال ووفور العلم ليكون تمهيداً لذكر ما هو أجل المواهب وأسنى المطالب، وهو الحكمة، ليكون حثاً على ما تضمنت الآي من معنى الإنفاق، فعند ذلك تنبه الطالب لأمر خطير فاضطر إلى السؤال بلسان الحال: ليت شعري، هل أحد يتصدى لهذه المنقبة الشريفة والمنزلة الرفيعة؟ فنودي من سرادقات الجلال: من خصه الله تعالى بالحكمة ووفقه للعلم والعمل، ثم ذيل ذلك بقوله: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) تعريضاً لمن لا يتعظ بهذا البيان الشافي، المعنى: لا يذكر ذلك إلا من عرف الحكمة ورسخت قدماه فيها، لا من لا يرفع لها رأساً، فإنه في عداد الأنعام بل هم أضل سبيلاً، وفي قوله: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) إيماء إلى معنى قوله صلوات الله عليه: "مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثدييهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت بمكانها"، أخرجه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة.

[(وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ)]. (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ) في سبيل اللَّه أو في سبيل الشيطان، (أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ) في طاعة اللَّه أو في معصيته (فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) لا يخفى عليه، وهو مجازيكم عليه (وَما لِلظَّالِمِينَ) الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو لا يفون بالنذور، أو ينذرون في المعاصي، (مِنْ أَنْصارٍ): ممن ينصرهم من اللَّه ويمنعهم من عقابه. [(إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)]. "ما" في "نعما" نكرة غير موصولةٍ ولا موصوفة. ومعنى (فَنِعِمَّا هِيَ): فنعم شيئاً إبداؤها. وقرئ بكسر النون وفتحها ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فنعم شيئاً إبداؤها) قال ابن جني في "الدمشقيات": قوله تعالى: (فَنِعِمَّا هِيَ) منصوبة لا غير لأنها ليست موصولة، والتقدير: نعم شيئاً إبداؤها، فحذف الإبداء وأقيم المضاف إليه مقامه، ألا ترى إلى قوله: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم والتذكير يدل على ما ذكرنا، واستعملت ما هنا غير موصولة ولا موصوفة لما فيها من الشياع. قوله: (وقرئ بكسر النون وفتحها)، أي: قرأ: "نعما" بالكسر مع إسكان العين: أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وقالون عن نافع. ومع كسرها: ابن كثير، ونافع برواية ورش، وعاصم في رواية حفص. وبالفتح مع كسر العين: الباقون. قال أبو البقاء: إسكان العين والميم مع الإدغام بعيد لما فيه من الجمع بين الساكنين، وقيل: إن الراوي لم يضبط القراءة؛ لأن القارئ اختلس كسر العين فظنه إسكاناً.

(وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ): وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ): فالإخفاء خير لكم. والمراد الصدقات المتطوّع بها، فإنّ الأفضل في الفرائض أن يجاهر بها. وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: صدقات السر في التطوّع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً. وإنما كانت المجاهرة بالفرائض أفضل؛ لنفي التهمة حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل، والمتطوّع إن أراد أن يقتدى به كان إظهاره أفضل. (ونكَفِّر) قرئ بالنون مرفوعاً، عطفاً على محل ما بعد الفاء، أو على أنه خبر مبتدأٍ محذوف، أي: ونحن نكفر، أو على أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأة؛ ومجزوماً عطفاً على محل الفاء وما بعده؛ لأنه جواب الشرط. وقرئ: (ويكفر) بالياء مرفوعاً والفعل للَّه؛ أو للإخفاء، و (تُكفر) بالتاء مرفوعاً ومجزوماً، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء): عطف تفسيري لقوله: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ). قوله: (حتى إذا كان)، غاية العلة مع المعلول، وهي المجاهرة لنفي التهمة، وقوله: "والمتطوع": عطف على المزكي، ومعناه مقدر، وتقديره: وإنما كانت المسارة بالتطوع أفضل لعدم الرياء، حتى إذا كان المراد الاقتداء به كان إظهاره أفضل، فيكون من باب: علفتها تبناً وماء بارداً. قوله: ("ونكفر" قرئ بالنون مرفوعاً)، نافع وأبو عمرو وابن كثير، وبالياء: ابن عامر وحفص. قوله: (أي: ونحن نكفر)، فالجملة معطوفة على جملة قوله: (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، وهو مثل الأول، ويجوز أن يكون (وَيُكَفِّرُ) جملة من فعل وفاعل مبتدأة، أي: منقطعة منفصلة

والفعل للصدقات، وقرأ الحسن رضي اللَّه عنه بالياء والنصب بإضمار "أن"، ومعناه: إن تخفوها يكن خيراً لكم، وأن يكفر عنكم. [(لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ)]. (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ): لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المنّ والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب، (وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ): يلطف بمن يعلم أنّ اللطف ينفع فيه، فينتهى عما نُهي عنه. (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ): من مال (فَلِأَنْفُسِكُمْ): فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم، فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم. (وَما تُنْفِقُونَ): وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجه اللَّه ولطلب ما عنده، فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى اللَّه. (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من خبر الجزاء، فتكون معطوفة على جملة الشرط والجزاء، المعنى: ليحصل منكم إبداء الصدقات وإخفاؤها، ومنا تكفير ذنوبكم. قوله: (والفعل للصدقات) أي: الإسناد يكون مجازياً. قوله: (يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه)، مذهبه، وأهل السنة على أن الهداية من الله وبمشيئته فيختص بها قوماً دون قوم. قوله: (وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجه الله تعالى). (وَمَا تُنفِقُونَ): معطوف على قوله: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ) أو: حال، قال القاضي: يجوز أن يكون حالاً، كأنه قال: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ) غير منفقين إلا لابتغاء وجه الله، قلت:

ثوابه أضعافاً مضاعفة، فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه، وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها. وقيل: حجت أسماء بنت أبى بكر رضي اللَّه عنهما فأتتها أمها تسألها وهي مشركة فأبت أن تعطيها، فنزلت. وعن سعيد بن جبير: كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين. وروي: أنّ ناساً من المسلمين كانت لهم أصهارٌ في اليهود ورضاع، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام، فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم. وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق اللَّه لكان لك ثواب نفقتك. واختلف في الواجب: فجوز أبو حنيفة رحمة الله عليه، صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وأباه غيره. [(لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) 273]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأوجه هذا؛ لأن قوله: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) عطف على الجملة الشرطية مع الحال، وهي "ما تنفقوا"، يعني: النفقة الراجع نفعها إلى المنفق حين كانت خالصة لوجه الله هي التي توفى إلى صاحبها بالتمام والكمال من غير ظلم ونقص، وأما قوله: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) فهو عطف على (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ)، وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) اعتراض. قوله: (وأن يكون على أحسن الوجوه) عطف على قوله: "إنفاقه" لا على "أن ترغبوا". قوله: (أن يرضخوا). الرضخ: العطاء القليل، الجوهري: الرضخ مثل الرضح، رضخت الحصى والنوى: كسرته، ورضخت له رضخاً وهو العطاء ليس بالكثير، وفي الحديث: "أمرت له برضخ". كانوا يكسرون النوى ويأخذون عليه الأجرة ويصرفونها في النفقة.

الجار متعلق بمحذوف، والمعنى: اعمدوا الفقراء، واجعلوا ما تنفقون للفقراء كقوله تعالى: (فِي تِسْعِ آياتٍ) [النمل: 12]، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: صدقاتكم للفقراء، (والَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هم الذين أحصرهم الجهاد، (لا يَسْتَطِيعُونَ)؛ لاشتغالهم به (ضَرْباً فِي الْأَرْضِ)؛ للكسب. وقيل: هم أصحاب الصفة؛ وهم نحو من أربع مئة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته- يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: وقف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم، فقال: «أبشروا يا أصحاب الصفة، فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي في الجنة». (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ) بحالهم (أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ): مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة. (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ) من صفرة الوجه ورثاثة الحال. والإلحاف: الإلحاح وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه، من قولهم: لحفني من .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الجار متعلق بمحذوف)، الراغب: قيل: هو بدل البعض من قوله: (فَلأَنفُسِكُمْ) أي: أهل دينكم، فصار الفقراء بعضهم، وقيل: متعلق بقوله: (وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) أي: ما تنفقون لهم إلا تقرباً إلى الله، فمعلوم أن من خص بنفقته هؤلاء فلم يقصد به إلا وجه الله. قوله: (مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة)، الراغب: العفة: حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف: المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر، وأصله

فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «إنّ اللَّه تعالى يحبّ الحيىّ الحليم المتعفف، ويبغض البذىّ السآل الملحف»، ومعناه: أنهم إن سألوا سألوا بتلطفٍ ولم يلحوا. وقيل: هو نفي للسؤال والإلحاف جميعاً، كقوله: عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ يريد نفى المنار والاهتداء به. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الاقتصار على تناول الشيء القليل الجاري مجرى العفاف، والعفة، أي: البقية من الشيء، أو: مجرى العفف، وهو ثمر الأراك. قوله: (ويبغض البذيء). البذيء: البذاء بالمد: الفحش، فلان بذيء اللسان، والمرأة: بذيئة. قوله: (سألوا بتلطف ولم يلحوا) يحتمل أن يراد أن (إِلْحَافاً): منصوب على المصدر؛ لأن السؤال بالتلطف نوع منه أو على الحال. قوله: (على لاحب لا يهتدى بمناره)، تمامه من رواية الزجاج: إذا سافه العود الديافي جرجرا قال الزجاج: المعنى: ليس لها منار فيهتدى بها، وكذلك ليس من هؤلاء السؤال فيقع منه إلحاف. تم كلامه. اللاحب: الطريق الواضح، والسوف: الشم، والعود: الجمل المسن، والدياف: قرية يسكنها النبط، وهو زارع العرب، جرجرا، أي: صوت، وقيل: أوله: سدى بيديه ثم أج بسيره

[(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)]. (بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة؛ لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه، ولم يتعللوا بوقتٍ ولا حال. وقيل: نزلت في أبي بكر الصدّيق رضى اللَّه عنه حين تصدّق بأربعين ألف دينارٍ: عشرةً بالليل، وعشرةً بالنهار، وعشرةً في السرّ، وعشرة في العلانية. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: نزلت في علىّ رضى اللَّه عنه لم يملك إلا أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السدو: مد اليد نحو الشيء، والمراد: تذرع الناقة بيديها واتساع خطوها، وأج الظليم يأج أجاً: عدا، قال الإمام: القول الأول وهو: أن يسألوا بتلطف ولم يلحوا ضعيف؛ لأن الله تعالى وصفهم بالتعفف عن السؤال بقوله: (يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ)، ثم قال: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ)، وذلك ينافي صدور السؤال عنهم. يريد أنه من باب التقسيم الحاصر؛ لأن الناس من بين عارف بأحوالهم وجاهل بها، فإذا انتفى شعورهما انتفى السؤال بالكلية. وقلت: هذا مقام يفتقر إلى فضل بسط ومزيد بيان. واعلم أن الشيء الذي يراد نفيه: إما أن ينفى مطلقاً أو مع التأكيد، بأن ينفى مع وصفه، كما تقول: ما عندي كتاب يباع، فهو محتمل نفي البيع وحده وأن عنده كتاباً إلا أنه لا يبيعه، أو نفيهما جميعاً وأن لا كتاب عنده ولا كونه مبيعاً، ذكره في حم المؤمن، وما نحن بصدده من القبيل الثاني، لوجود عدم السؤال من القرينة السابقة؛ لأنها دافعة لدليل الخطاب، كما أن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً) [آل عمران: 130] دافع دليل خطابه خصوص السبب، إذ

وقيل: نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل اللَّه. وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه، كان إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية. [(الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) 275 - 276]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لو ذهبنا إلى دليل الخطاب لزم التناقض بين السابق واللاحق، وهو نوع من أنواع الكنايات، وفائدة انضمام هذه القرينة مع الأولى ومجيء الإلحاف المنفي فيها: المبالغة والتوكيد في نفي السؤال، فهي كالتذييل أو التتميم، ولها طريقان، أحدهما: جيء بها مشتملة على نفي التابع بالمتبوع ليؤذن بأن المتبوع بلغ في الانتفاء إلى درجة يصح جعله دليلاً على نفي الغير، فيلزم بذلك نفيه على سبيل القطع والبت، قال المصنف في قوله تعالى: (وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ): الفائدة في ذكر الصفة ونفيها هي أن تضم الصفة مع الموصوف ليقام انتفاء الموصوف في مقام الشاهد على انتفاء الصفة، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف. وثانيهما: أتى بالقرينة الثانية متضمنة للتابع والمتبوع ليكون انتفاء التابع ذريعة إلى انتفاء المتبوع بالطريق الأولى، وهذا إنما يتأتى فيما فيه الوصف في الدرجة القصياء في بابه كالإلحاح فيما نحن فيه، فنقول: ليس لهم سؤال في حالة الاضطرار، وانتفاؤه في غيرها بالطريق الأولى، أي: لو وجد منهم سؤال لم يكن إلا على ذلك التقدير؛ لأن المضطر له ذلك، وأولئك لا يسألون أيضاً هذا السؤال عند الاضطرار، فأفاد أنهم يشرفون على الهلاك ولا يسألون، فظهر من هذا قوة إيراد الإمام، اللهم إلا أن يقال: إن المراد إثبات السؤال على الفرض والتقدير ومن ثم جاء بـ "إن"، التي للشك، وليس بقوي أيضاً، وقال أبو البقاء: (لا يَسْأَلُونَ): حال، ويجوز أن يكون مستأنفاً، و (إِلْحَافاً): مفعول من أجله، ويجوز أن يكون مصدراً لفعل محذوف دل عليه (يَسْأَلُونَ)، فكأنه قال: لا يلحفون، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال، تقديره: لا يسألون ملحفين.

(الربا) كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها؛ تشبيهاً بواو الجمع. (لا يَقُومُونَ) إذا بعثوا من قبورهم (إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ)، أي: المصروع. وتخبط الشيطان من زعمات العرب؛ يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع. والخبط: الضرب على غير استواءٍ كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون. والمس: الجنون، ورجل ممسوس. وهذا أيضاً من زعماتهم، وأن الجنيَّ يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل، معناه: ضربته الجنّ، ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات. فإن قلت: بم يتعلق قوله: (مِنَ الْمَسِّ)؟ قلت: بـ (لا يقومون)، أي: لا يقومون من المسّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع، ويجوز أن يتعلق بـ (يقوم)، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من زعمات العرب). قال الجبائي: لأن حقيقة المس والصرع من الشيطان باطل؛ لأن قدرته ضعيفة لا يقدر على مثل ذلك، ولقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ) [إبراهيم: 22 ي، وقال القفال: الناس يضيفون الصرع إلى الشيطان فخوطبوا على ما تعارفوا. الانتصاف: هذا من تخبيط الشيطان لمن ينكر، لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من وجود الجن وتعرضهم للإنسان. قوله: (ورأيتهم لهم في الجن قصص). قصص: مبتدأ، و"لهم": خبره، والجملة: حال إن كان "رأى" بمعنى: أبصر، ومفعول ثان إن كان بمعنى: علم.

أي: كما يقوم المصروع من جنونه، والمعنى: أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا، فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين؛ لأنهم أكلوا الربا فأرباه اللَّه في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض. (ذلِكَ) العقاب بسبب قولهم: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا). فإن قلت: هلا قيل: إنما الربا مثل البيع؛ لأنّ الكلام في الربا لا في البيع؛ فوجب أن يقال: إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلا درهماً بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهماً بدرهمين! قلت: جيء به على طريق المبالغة؛ وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع، وقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة على أنّ القياس يهدمه النص؛ لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال اللَّه وتحريمه. (فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ) فمن بلغه وعظ من اللَّه وزجر بالنهي عن الربا (فَانْتَهى): فتبع النهى وامتنع، (فَلَهُ ما سَلَفَ) فلا يؤخذ بما مضى منه؛ لأنه أخذ قبل نزول التحريم (وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به. (وَمَنْ عادَ) إلى الربا (فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مخبلين)، النهاية: الخبل، بسكون الباء: فساد الأعضاء، يقال: خبل الحب قلبه: إذا أفسده. قوله: (يوفضون)، الجوهري: ألوفض: العجلة، وأوفض واستوفض: أسرع. قوله: (على طريق المبالغة). هذا يسميه ابن الأثير في البيان بالطرد والعكس؛ لأن حق المشبه به أن يكون أعرف بجهة التشبيه وأقوى، فإذا عكس صار المشبه أقوى من المشبه به. وهو المراد بقوله: "إنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل".

وهذا دليل بين على تخليد الفساق. وذكر فعل الموعظة لأنّ تأنيثها غير حقيقى، أو لأنها في معنى الوعظ. وقرأ أبيٌّ والحسن: (فمن جاءته). (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا): يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. وعن ابن مسعودٍ رضي اللَّه عنه: الربا وإن كثر إلى قلّ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هذا دليل بين على تخليد الفساق) يعني: أن قوله: (الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا) عام في الكفار والفساق، وكذا قوله: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ)، وكذا (وَمَنْ عَادَ)، وأن قوله: (فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وَمَنْ عَادَ) مترتب عليه، فوجب أن يدخلوا في حكم هذا الوعيد. الانتصاف: مفعول (وَمَنْ عَادَ) محذوف، ولا نسلم أن المراد العود إلى الربا، بل عاد إلى ما سلف ذكره، وهو فعل الربا واعتقاد حله والاحتجاج عليه بقياس في معرض النص، ومن فعل ذلك كفر. قال الإمام: المراد: ومن عاد إلى استحلال الربا حتى يصير كافراً، فعلى هذا قوله: (فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) مخصوص بهؤلاء، أقصى ما في الباب أنا خالفنا هذا الظاهر وأدخلنا سائر الكفار فيه، وهذا التقدير مشترك الإلزام؛ لأن تخصيص الخلود لهؤلاء على ما ذهبتم يفيد أن حكم غير هؤلاء من الفساق غير هذا فيلزمكم خلاف الظاهر أيضاً. وقلت: ويقوي قول صاحب "الانتصاف": أن الضمير في (فَانتَهَى) و (عَادَ) راجع إلى مجموع آكلي الربا والقائل باستحلاله، ولأن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا) إلى قوله: (وَلا تُظْلَمُونَ) وارد في المؤمنين، وهو مقابل لهذه الآيات، فوجب حملها على الكفار ليصح التضاد والتقابل، فيكون قوله: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) مجرى على ظاهره، فلا يحمل على التغليظ كما ذهب إليه المصنف، ويؤيده وضع المظهر، وهو (كَفَّارٍ) موضع ضمير (وَمَنْ عَادَ) إشعاراً بأن العائد إلى الاستحلال مبالغ في الكفر عامة، ولذلك أوثر صيغة "فعال". قوله: (وعن ابن مسعود: الربا وإن كثر إلى قل)، والمذكور في "مسند الإمام أحمد بن حنبل":

(وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ) ما يتصدّق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة، ويبارك فيه. وفي الحديث: «ما نقصت زكاة من مال قط». (كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) تغليظ في أمر الربا، وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين. [(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ* وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)]. أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها. وروي: أنها نزلت في ثقيف، وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا. وقرأ الحسن: (ما بقي) بقلب الياء ألفاً على لغة طيئ، وعنه: (ما بقي) بياءٍ ساكنة، ومنه قول جرير: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "فإن عاقبته تصير إلى قل"، وفي الحديث: "ما نقصت زكاة من مال قط"، روينا في "مسند أحمد بن حنبل" عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، إن كنت لحالفاً عليهن: لا ينقص مال من صدقة، ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا رفعه الله بها عزاً، ولا يفتح عند باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر".

هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِي لَكُمُ ... مَاضِى الْعَزِيمَةِ مَا فِى حُكْمِهِ جَنَفُ (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): إن صح إيمانكم، يعني: أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو الخليفة فارضوا) البيت، قوله: "ما رضي" بياء ساكنة، ماضي العزيمة: أي: مجد في الأمور، والجنف: الميل. قوله: (يعني أن دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به)، يريد أن قوله: (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) شرط جزاؤه ما دل عليه، قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا) جيء به مؤكداً للأمر بالتقوى، ثم الظاهر أنه إن قدر: يا أيها الذين ادعوا الإيمان بألسنتهم، يكون المعنى: اعلموا أن دليل ثباتكم على إيمانكم امتثال ما أمر الله به، وترك الربا من ذلك، وإن قدر: يا أيها الذين آمنوا حقيقة، يكون المعنى: اعلموا أن دليل ثباتكم على الإيمان امتثال ما أمرتم به من ذلك، ويؤيد الثاني أن هذه الآية واردة في المؤمنين الخلص لأنها مقابلة لقوله: (الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا)، وهي في الكفار كما سبق، وأما قوله تعالى: (فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) فمن باب التغليظ. قوله: (من ذلك) هو بيان "ما أمرتم به"، والمشار إليه بقوله: "ذلك" الأمران، أعني: (اتَّقُوا)، و"ذروا"، المعنى: يا أيها الذين آمنوا إن كنتم صادقين في الإيمان فاعلموا أن دليل صدقكم وثباتكم امتثال ما أمرتم به من التقوى وترك الربا. الراغب: سماهم مؤمنين في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لإقرارهم بالإيمان، ثم بين بقوله: "إن كنتم مؤمنين" أن من شرط الإيمان التزام أحكامه، أي: إن كنتم مؤمنين فلابد من التزام ذلك، وقال مقاتل: معنى (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ): إذ كنتم مؤمنين، ووجهه أن "إن" مترددة فيما يتحقق وقوعه وفيما لا يتحقق، وإذ قال فيما كان معلوماً وقوعه فبين أن "إن" ها هنا لم تكن لوقوع شبهة في إيمانهم. وقلت: وسيجيء تمام تقريره في سورة الممتحنة.

(فأذَنُوا بِحَرْبٍ): فاعلموا بها، من أذن بالشيء؛ إذا علم به. وقرئ: (فآذنوا): فأعلموا بها غيركم، وهو من الأذن وهو الاستماع؛ لأنه من طرق العلم. وقرأ الحسن: (فأيقنوا) وهو دليل لقراءة العامّة. فإن قلت: هلا قيل: بحرب اللَّه ورسوله! قلت: كان هذا أبلغ؛ لأن المعنى: فأذنوا بنوعٍ من الحرب عظيم عند اللَّه ورسوله. وروي: أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يديْ لنا بحرب اللَّه ورسوله. (وَإِنْ تُبْتُمْ)، من الارتباء. (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ) المديونين بطلب الزيادة عليها، (وَلا تُظْلَمُونَ) بالنقصان منها. فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا فما حكمهم لو لم يتوبوا؟ قلت: قالوا: يكون مالهم فيئاً للمسلمين. وروى المفضل عن عاصمٍ: (لا تُظْلَمون ولا تَظْلِمون). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فَاذَنُوا بِحَرْبٍ)) ساكنة الهمزة مفتوحة الذال قراءة العامة سوى حمزة وأبي بكر فإنهما قرآ ممدودة مكسورة الذال، أي: فأعلموا بها غيركم. قوله: (لا يدي لنا)، أي: لا طاقة لنا، النهاية: ما لي بهذا الأمر يد ولا يدان، أي: لا طاقة لي به؛ لأن المباشرة والدفاع إنما يكون باليد، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه. قوله: (يكون مالهم فيئاً للمسلمين)، هذا إنما يصح إذا كان الخطاب مع الكفار المستحلين للربا، وهم الذين قالوا: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)، وليس كذلك؛ لأن الخطاب مع المؤمنين لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا) كما سبق، فحكمهم إن كانوا ذوي الشوكة حكم الفئة الباغية في أن مالهم لا يكون فيئاً، كما فعل علي رضي الله عنه، وإن لم يكونوا كذلك عزروا إلى أن يتوبوا.

(وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ): وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار. وقرأ عثمان رضي اللَّه عنه: (ذا عسرة) على: وإن كان الغريم ذا عسرة، وقرئ: (ومن كان ذا عسرة). (فَنَظِرَةٌ): فالحكم، أو: فالأمر نظرة؛ وهي الإنظار. وقرئ: (فنظرة) بسكون الظاء. وقرأ عطاء: (فناظره) بمعنى: فصاحب الحق ناظره، أي: منتظره، أو صاحب نظرته، على طريقة النسب، كقولهم: مكان عاشب وباقل، أي: ذو عشب وذو بقل؛ وعنه: (فناظره)؛ على الأمر بمعنى: فسامحه بالنظرة وياسره بها. (إِلى مَيْسَرَةٍ) إلى يسار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة). قال الإمام: الفرق بين كان إذا كانت تامة وبينها أن تكون ناقصة، أن التامة بمعنى حدث ووجد الشيء، والناقصة بمعنى وجد موصوفية الشيء بالشيء، فإذا قلت: كان زيد عالماً فمعناه: حدث موصوفية زيد بالعلم في الزمان الماضي. الراغب: قيل: هي ناقصة، أي: "وإن كان ذو عسرة غريماً لكم"، فحذف لدلالة الكلام عليه، وهذا أجود؛ لأن كان التامة أكثر ما يتعلق بها الأحداث دون الأشخاص نحو: كان الخروج، كقولك: اتفق الخروج، ولا تقول: كان زيد واتفق زيد. قوله: (على طريق النسب)، أي: يجعل النظر حرفة لنفسه وعادته حثاً عليها، روينا عن مسلم والدارمي، عن أبي قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أنظر معسراً أو وضع عنه، أنجاه الله من كرب يوم القيامة".

وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة. وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله: وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِى وَعَدُوا وقوله تعالى: (وَأَقامَ الصَّلاةَ) [النور: 37]. (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ندب إلى أن يتصدقوا برءوس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) [البقرة: 237]. وقيل: أريد بالتصدق الإنظار؛ كقوله صلى اللَّه عليه وسلم: «لا يحل دين رجلٍ مسلمٍ فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة». (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنه خيرٌ لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ بضم السين)، أي: ميسرة: نافع، والباقون بالفتح. قوله: (وأخلفوك عدى الأمر الذي وعدوا)، أوله: بان الخليط بسحرة فتبددوا الخليط: الذي يخالطك في ماله وذات يده، وهو بمعنى الجمع عد الأمر، أي: عدة الأمر، فحذف الهاء عند الإضافة، قيل: ليس هذا المصراع منه لأنه من وزن آخر، وقيل: أوله: إن الخليط أجدوا البين فانجردوا، انجرد السير: إذا امتد وطال. قوله: (وقيل: أريد بالتصدق: الإنظار)، قال الإمام: هذا القول ضعيف؛ لأن الإنظار قد علم مما قبل، فلابد من حمله على فائدة جديدة. ويؤيده ما روينا في حديث أبي قتادة عن مسلم: "أو وضع عنه". قوله: (فيؤخره) روي نمصوباً، قيل: بالرفع أجود للمبالغة أي: فإنه يؤخره.

وقرئ: (تصدّقوا) بتخفيف الصاد على حذف التاء. (تُرْجَعُونَ) قرئ على البناء للفاعل والمفعول، وقرئ: (يرجعون) بالياء على طريقة الالتفات، وقرأ عبد اللَّه: (تردّون)، وقرأ أبيّ: (تصيرون إلى الله). وعن ابن عباس: أنها آخر آيةٍ نزل بها جبريل عليه السلام وقال: ضعها في رأس المئتين والثمانين من البقرة. وعاش رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً، وقيل: أحداً وثمانين، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاث ساعات. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَابَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَابَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: (تَصَدَّقُوا)، بتخفيف الصاد): عاصم، والباقون: بتشديدها. قوله: ("ترجعون"، على البناء للفاعل): أبو عمرو، والباقون: على البناء للمفعول، و"يرجعون" بالياء: شاذ. قوله: (أنها آخر آية نزلت) عن البخاري، عن ابن عبا: آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا، وعن الدارمي وابن ماجة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن آخر آية نزلت آية الربا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ولم يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة.

أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)]. (إِذا تَدايَنْتُمْ): إذا داين بعضكم بعضاً. يقال: داينت الرجل؛ عاملته (بِدَيْنٍ) معطياً أو آخذاً، كما تقول: بايعته؛ إذا بعته أو باعك. قال رؤبة: دَايَنْتُ أرْوَى وَالدُّيُونُ تُقْضَى ... فَمَطَلَتْ بَعْضاً وَأَدَّتْ بَعْضَا والمعنى: إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه. فإن قلت: هلا قيل: إذا تداينتم إلى أجل مسمى! وأي حاجةٍ إلى ذكر الدين كما قال: "داينت أروى"، ولم يقل: بدين؟ قلت: ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله (فَاكْتُبُوهُ)؛ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (داينت أروى) البيت، أروى: اسم المحبوبة، والمطل: مدافعة الدين. قوله: (لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين)، وفيه إشكال، إذ من الجائز أن يقال: فاكتبوها، والضمير لمصدر المداينة، وأجاب الإمام: أن المداينة مفاعلة، وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين، وذلك هو بيع الدين بالدين، وهو باطل بالاتفاق، فجيء بالدين ليصير المعنى: إذا تعاملتم بدين كما قدره المصنف، فلو رجع الضمير إلى مصدر تداينتم لزم المحذورات.

فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحالّ. فإن قلت: ما فائدة قوله: (مُسَمًّى)؟ قلت: ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: أنه لما عقب تداينتم بقوله: (فَاكْتُبُوهُ) ذكر لفظ الدين ليبين أنه الذي حث على كتبه، وكتبته واجبة عند الربيع وبعضهم، وقيل: هو في السلم خاصة، وحقيقة الأمر حث على غاية ما يكون في ذلك من الاحتياط، فإن الكتاب خليفة اللسان، واللسان خليفة القلب، قال أيضاً: جمع في قوله: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) بين اللفظين، وقدم لفظة "الله" ليؤذن بأن مراقبة ذاته أشرف من اعتبار التربية والإنعام، كأنه قيل: إن لم تلاحظوه فلاحظوا نعمه اللازمة. وقال القاضي: وفائدة ذكر الدين أن لا يتوهم من التداين المجازاة. وقال صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: إن التداين يمكن أن يستعمل في المجازي كما في بيت رؤبة، فذكر دفعاً لتوهم المجاز، فيكون ذكره تحقيقاً لأن يكون ذلك في التعامل بالدين، وقلت: معنى كلامه على أن المقصود من ذكر الدين التأكيد، ليكون على وزان قولك: قبضته بيدي ورأيته بعيني لئلا يتوهم المعنى المجازي. قوله: (فلم يكن النظم بذلك الحسن)، وذلك أن المراد بالتداين إما: بيع الدين بالدين، فحينئذ لم يتجاوب آخر الكلام أوله، أو أن أصل الكلام كما قدره: "إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه"، فإذا حذف (بِدَيْنٍ) لم يكتب مؤدى تداينتم: تعاملتم إلا بالتكلف، فلا يحسن ذلك الحسن، ولأنه يفوت غرض التكرير بعود الضمير. وقال صاحب "الفرائد": إنما ذكر (بِدَيْنٍ) ليعلم أن الكتابة مندوبة بأي دين كان، قليلاً أو كثيراً. قوله: (أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال)، وذلك أن التنكير فيه يدل على الشيوع، فجيء بالاسم الحامل له ليدل على العموم ولو لم يذكر لم يفد هذا المعنى.

كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام، ولو قال: إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج؛ لم يجز لعدم التسمية. وإنما أمر بكتبة الدين؛ لأنّ ذلك أوثق وآمن من النسيان، وأبعد من الجحود، والأمر للندب. وعن ابن عباس أن المراد به السلم، وقال: لما حرم اللَّه الرّبا أباح السلف. وعنه: أشهد أن اللَّه أباح السلم المضمون إلى أجلٍ معلومٍ في كتابه، وأنزل فيه أطول آية. (بِالْعَدْلِ) متعلق بـ (كاتب) صفة له، أي: كاتب مأمون على ما يكتب، يكتب بالسوية والاحتياط، لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص، وفيه: أن يكون الكاتب فقيها عالماً بالشروط، حتى يجيء مكتوبه معدلاً بالشرع وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب، وأن لا يستكتبوا إلا فقيها ديناً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لعدم التسمية) أي: التعيين؛ لأن مفهوم (إِلَى أَجَلٍ) شامل للأشهر والسنين والحصاد والدياس، فجيء بالمسمى ليدل على المعين، فلو دخل فيه مثل الدياس لبقي على ما كان ولم يفد المسمى شيئاً، يقال: داس يدوس، وهو أن يدق الطعام ليخلص البر من التبن. الانتصاف: الحصاد مضبوط بالعرف، وأجاز مالك البيع إلى الحصاد، والمعتبر زمن وقوع ذلك لا وقوعه. الإنصاف: هذا بعيد؛ لأن زمن الحصاد لا يتحقق بيوم معين وإن تحقق في فصل وشهر. قوله: ((بِالْعَدْلِ) متعلق بـ (كَاتِبٌ))، المراد بالتعلق: أن يكون متمماً لما تتعلق به صفة، قال أبو البقاء: هو متعلق (وَلْيَكْتُبْ)، أي: ليكتب بالحق، ويجوز أن يكون: وليكتب عادلاً، وقيل: هو متعلق بـ (كَاتِبٌ) أي: كاتب موصوف بالعدل أو مختار. قوله: (وفيه) يشير إلى أن الكلام مسوق لمعنى ومدمج فيه معنى آخر، يعني: دل إشارة

(وَلا يَأبَ كاتِبٌ) ولا يمتنع أحد من الكتاب، وهو معنى تنكير (كاتب)، (أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ): مثل ما علمه اللَّه كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير. وقيل هو قوله تعالى (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص: 77]، أي: ينفع الناس بكتابته كما نفعه اللَّه بتعليمها. وعن الشعبي: هي فرض كفاية. و (كما علمه اللَّه) يجوز أن يتعلق بـ (أن يكتب)، وبقوله: (فليكتب) فإن قلت: أي: فرق بين الوجهين؟ قلت: إن علقته بـ (أن يكتب)؛ فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيدة، ثم قيل له: (فَلْيَكْتُبْ)، يعنى فليكتب تلك الكتابة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النص وتقييد الكاتب بالعدل على إدماج معنى الفقاهة؛ لأن مراعاة العدل والسوية من الأمور الخطيرة فلا يتمكن منها إلا الفقيه الكامل العالم بكتابة الشروط والصكوك. قوله: (وقيل: هو كقوله تعالى: (وَأَحْسَنُ)): عطف على قوله: "مثل ما علمه الله كتابة الوثائق"، ويجوز على هذا التفسير أن يحمل الكاتب الثاني على الأول، على أن كرر "كاتب" ليناط به من زيادة لم تنط به أولاً، وهو معنى الاستحماد على ما أولى من نعمة التعليم، وهو المراد من قوله: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)، وفيه إشعار بتعظيم أمر الكتابة، وعلى الأول يحمل على غيره، وهو الأصل لأن النكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى فيحمل الكاتب الثاني على الجنس؛ لأن الأول نوع منه مقيد بصفة العدالة، وإلى الجنس إلإشارة بقوله: (ولا يمتنع أحد من الكتاب). قوله: (هي فرض كفاية). قال الزجاج: هذا أدب من الله تعالى وليس بأمر حتم كما قال: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [المائدة: 2]. وقال القاضي: (فَاكْتُبُوهُ) ظاهر في الوجوب؛ لأنه أوثق وأدفع للنزاع، والجمهور على أنه استحباب.

لا يعدل عنها؛ للتوكيد. وإن علقته بقوله (فليكتب)؛ فقد نُهي عن الامتناع من الكتابة على سبيل الإطلاق، ثم أمر بها مقيدة. (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ): ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق، لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به. والإملاء والإملال: لغتان قد نطق بهما القرآن: (فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ) [الفرقان: 5]. (وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ): من الحق (شَيْئاً). والبخس: النقص ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (للتوكيد) يتعلق بقوله: "ثم قيل له: (فَلْيَكْتُبْ) " يعني: نهى أولاً عن الإباء عن الكتابة المتصفة، ثم أمر بالكتابة المطلقة بقوله: (فَلْيَكْتُبْ)، فيحمل على المقيد تأكيداً. قوله: (ثم أمر بها مقيدة). قيل: إنما لم يقل في هذا الوجه: للتوكيد؛ لأن النهي عن امتناع مطلق الكتابة لا يدل على الأمر بالكتابة المخصوصة، فخصص بالكتابة الشرعية حيث لم يدل عليه النهي فلا يكون للتأكيد، ويمكن أن يقال: إن التأكيد إنما يحصل من التكرير، فإذا نهى عن امتناع مطلق الكتابة دخل في النهي امتناع الكتابة الشرعية ضمناً، ثم أمر بها صريحاً، كان أقوى مما أمر أولاً مقيداً؛ لأن الشيء بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب. قوله: (وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ): ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق). الحصر مستفاد من تعليق الحكم بأحد وصفي الذات لأنه عدول عن المديون إلى الذي عليه الحق؛ لأن المديون هو الأصل لقوله تعالى: (إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ)، وليست الفائدة إلا ما ذكره، ونحوه: "مطل الغني ظلم"، ولأن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، والأصل نفي علة أخرى، ومن ثم علل الحصر بقوله: "لأنه هو المشهور على ثباته في ذمته"، ومعنى الاختصاص الذي يعطيه ضمير الفصل في هذه العلة نحو معنى تقديم الخبر على المبتدأ في تلك العلة، وهو (عَلَيْهِ الْحَقُّ)، والحاصل: أن العدول من المديون إلى الذي عليه الحق للحصر، وتقديم الخبر علة الحصر، هذا على أصولنا ظاهر، والمصنف كثيراً يميل إلى العمل

وقرئ (شيا)، بطرح الهمزة: وشيا، بالتشديد سَفِيهاً محجورا عليه لتبذيره وجهله بالتصرف، (أَوْ ضَعِيفاً): صبياً، أو شيخاً مختلاً. _أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ): أو غير مستطيع للإملاء بنفسه؛ لعيّ به أو خرس، (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ) الذي يلي أمره من وصىّ إن كان سفيهاً أو صبياً، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمانٍ يمل عنه وهو يصدقه. وقوله تعالى: (أَنْ يُمِلَّ هُوَ) فيه أنه غير مستطيع بنفسه، ولكن بغيره، وهو الذي يترجم عنه. (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ): واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين (مِنْ رِجالِكُمْ): من رجال المؤمنين، والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام عند عامة العلماء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالمفهوم في كتابه هذا، وعلى هذا تقع الفاء في قوله: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً) في حجره، وفي تكرير (الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) ووضعه موضع المضمر إشعار بمزيد اعتبار الوصف. قوله: (و"شياً" بالتشديد): حمزة وهشام عند الوقف. قوله: (مختلاً)، الجوهري: الخل: الرجل النحيف المختل الجسم. قوله: (أو ترجمان): عطف على "وكيل لا وصي"، ولقائل أن يقول: فسر السفيه بالمحجور عليه، والضعيف بالصبي والشيخ المختل وغير المستطيع بمن له العي والخرس، ثم خص الوصي بالسفيه والصبي، والوكيل والترجمان بغير المستطيع، وترك الشيخ المختل مهملاً، والجواب: أن الضعيف لما اشتمل على الصبي والشيخ، وأدخل القسم الأول منه في حكم الوصي، ينبغي أن يدخل الثاني منه في حكم الوكيل، وإنما لم يذكره لظهوره. قوله: (فيه أنه غير مستطيع بنفسه) يعني: أدمج في سياق الكلام معنى التأكيد بأن أكد الضمير الفاعل المستكن بالمرفوع لرفع التجوز. قوله: ((مِنْ رِجَالِكُمْ) من رجال المؤمنين)، الراغب: قال بعضهم: تقتضي هذه الإضافة الإيمان والحرية والبلوغ والذكورة، وتقتضي (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ) العدالة.

وعن علي رضى اللَّه عنه: لا تجوز شهادة العبد في شيء. وعند شريح وابن سيرين وعثمان البتىّ أنها جائزة. ويجوز عند أبي حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعضٍ على اختلاف الملل. (فَإِنْ لَمْ يَكُونا): فإن لم يكن الشهيدان (رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ): فليشهد رجل وامرأتان. وشهادة النساء مع الرجال مقبولة عند أبي حنيفة فيما عدا الحدود والقصاص. (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ): ممن تعرفون عدالتهم. (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما): أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن تنساها، من ضل الطريق، إذا لم يهتد له، وانتصابه على أنه مفعول له، أي: إرادة أن تضل. فإن قلت: كيف يكون ضلالها مراداً للَّه تعالى؟ قلت: لما كان الضلال سبباً للإذكار، والإذكار مسبباً عنه، وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، ونظيره قولهم: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يجيء عدوٌّ فأدفعه. وقرئ: (فَتُذَكِّرَ) بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان. و (فتذاكر). وقرأ حمزة: (إن تضل إحداهما) على الشرط (فتذكر) بالرفع والتشديد، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وشهادة النساء)، أي: شهادة النساء مقبولة عند الشافعي رضي الله عنه في الأموال فقط، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه فيما عدا الحدود والقصاص. قوله: (وقرأ حمزة: "إن تضل") أي: بكسر الهمزة، والباقون: بفتحها، "فتذكر" برفع الراء: حمزة مشدداً، وابن كثير وأبو عمرو: بنصبها مخففاً، والباقون: بالنصب على التشديد، قال

كقوله: (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) [المائدة: 95]، وقرئ: (أن تضل إحداهما) على البناء للمفعول والتأنيث. ومن بدع التفاسير: (فتذكر) فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعنى أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر. (إِذا ما دُعُوا) ليقيموا الشهادة ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الزجاج: فمن كسر فالكلام على الجزاء، والمعنى: إن تنس إحداهما تذكرها الذاكرة فتذكر، وقال: وزعم سيبويه والخليل والمحققون: أن المعنى: استشهدوا امرأتين لأن تذكر إحداهما الأخرى، ومن أجل أن تذكر إحداهما الأخرى، قال سيبويه: فإن قيل: فلم جاز (أَنْ تَضِلَّ) وإنما أعد هذا للإذكار؟ فالجواب عنه: أن الإذكار لما كان سببه الإضلال جاز أن يذكر (أَنْ تَضِلَّ)؛ لأن الإضلال هو السبب الذي به وجب الإذكار، قال: ومثله: أعددت هذا أن يميل الحائط فأدعمه، وإنما أعددته للدعم لا للميل، ذكر الميل لأنه سبب الدعم، كما ذكر الإضلال لأنه سبب الإذكار، وهذا هو البين. تم كلامه. قال أبو البقاء: معنى المثال: لأدعم بالخشبة الحائط إذا مال، فكذلك الآية، معناها: لأن تذكر إحداهما الأخرى إذا ضلت. قوله: ((وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ))، أي: من عاد فهو ينتقم، المعنى: فهي تذكر إحداهما، والضمير المحذوف: للشهادة، أي: فالشهادة تذكر تذكرها إحداهما الأخرى والأولى أن الضمير للذاكرة و (إِحْدَاهُمَا): مظهر وضع موضع المضمر، وهذا مطرد في جميع المواضع التي يذكر فيها الشرط فيرفع جزاؤه مع الفاء.

وقيل: ليستشهدوا. وقيل لهم: شهداء قبل التحمل، تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن. وعن قتادة: كان الرجل يطوف الحواء العظيم فيه القوم فلا يتبعه منهم أحد، فنزلت. كني بالسأم عن الكسل، لأنّ الكسل صفة المنافق. ومنه الحديث: "لا يقول المؤمن كسلت"، ويجوز أن يراد: من كثرت مدايناته فاحتاج أن يكسب لكل دين صغير أو كبير كتاباً، فربما مل كثرة الكتب. والضمير في (تَكْتُبُوهُ) للدين، أو الحق، (صَغِيراً أَوْ كَبِيراً) على أي حالٍ كان الحق من صغرٍ أو كبر. ويجوز أن يكون الضمير للكتاب، و (أن يكتبوه) مختصراً أو مشبعاً لا يخلوا بكتابته. (إِلى أَجَلِهِ): إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته (ذلِكُمْ) إشارة إلى) أن تكتبوه)؛ لأنه في معنى المصدر، أي: ذلكم الكتب (أَقْسَطُ): أعدل، من القسط، (وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ): وأعون على إقامة الشهادة (وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا): وأقرب من انتفاء الريب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في الحواء العظيم)، الجوهري: الحواء: جماعة بيوت من الناس مجتمعة، والجمع الأحوية. قوله: (كني بالسأم عن الكسل)، يعني: أراد أن يقول: لا تكسلوا أن تكتبوا صغيراً أو كبيراً، فقال: لا تسأموا؛ لأن من لا يشرع في الشيء لا يقال له: مل، بل يقال: كسل، وإنما عدل لأن لفظ الكسل مما يوحش لأنه من صفات النمافقين، ويجوز أن يحمل الملال على حقيقته لكن إذا كثرت مدايناته. قوله: (من القسط)، الجوهري: القسط، بالكسر: العدل، تقول منه: أقسط الرجل فهو مقسط، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [المائدة: 42]، والقسوط: الجور، والعدول

فإن قلت: مِمَّ بني أفعلا التفضيل؟ أعني: أقسط وأقوم. قلت: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط، وأقوم من قويم. وقرئ: (ولا يسأموا أن يكتبوه) بالياء فيهما. فإن قلت: ما معنى (تِجارَةً حاضِرَةً)؟ وسواء أكانت المبايعة بدينٍ أو بعينٍ فالتجارة حاضرة، وما معنى إدارتها بينهم؟ قلت: أريد بالتجارة ما يتجر فيه من الأبدال. ومعنى إدارتها بينهم: تعاطيهم إياها يداً بيد، والمعنى: إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد، فلا بأس أن لا تكتبوه، لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين. وقرئ: (تجارة حاضرة) بالرفع على "كان" التامّة. وقيل: هي الناقصة على أنّ الاسم (تجارة حاضرة)، والخبر (تديرونها)؛ وبالنصب على: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب: بَنِى أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بلَاءَنَا ... إذَا كانَ يَوْماً ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن الحق، وقد قسط يقسط قسوطاً، قال الله تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) [الجن: 15]. النهاية: المقسط العادل، يقال: أقسط يقسط فهو مقسط، إذا عدل، وقسط يقسط فهو قاسط: إذا جار، فكأن الهمزة في أقسط للسلب. قوله: (على طريقة النسب) قيده به لئلا يتوهم أنه اسم فاعل من القسوط. قوله: (وقرئ: "تجارة حاضرة"، بالرفع): عاصم قرأ بالنصب، والباقون بالرفع. قوله: (بني أسد)، البيت. البلاء بالفتح: القتال، يقال: أبلى فلان بلاء حسناً: إذا قاتل

أي: إذا كان اليوم يوماً. (وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً، ناجزاً أو كالئاً؛ لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف. ويجوز أن يراد: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع، يعني: التجارة الحاضرة، على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة. وعن الحسن: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد. وعن الضحاك: هي عزيمة من اللَّه ولو على باقة بقل. (وَلا يُضَارَّ) يحتمل البناء للفاعل والمفعول، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مقاتلة محمودة، واليوم الأشنع: اليوم الذي ارتفع شره، ويقال لليوم الشديد: ذو الكواكب، يقال في التهديد: لأرينك الكواكب ظهراً، يقول: هل تعلمون مقاتلتنا يوم الحرب إذا كان يوماً مظلماً ترى الكواكب فيها ظهراً لانسداد عين الشمس بغبار الحرب؟ قوله: (وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل)، الجوهري: الباقة من البقل: حزمة منه. قال القاضي: الأوامر التي في هذه الآية للاستحباب عند أكثر الأئمة، وقيل: إنها للوجوب، ثم اختلف في إحكامها ونسخها، وكرر لفظة الله في الجمل الثلاث، يعني: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) لاستقلالها، فإن الأولى حث على التقوى، والثانية وعد بإنعامه، والثالثة: لتعظيم شأنه، ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية. وقلت: إن الأول على ظاهره؛ لأنه مذكور بعد قوله: (وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) أي: لا تفعلوا واتقوا الله واحذروا عقابه، والثاني: من وضع المظهر موضع المضمر للتفخيم، يعني: كيف لا يتقونه والحال أنه بجلالته وعظمته يعلمكم ولم يكل على الغير، ثم قال: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي: من شأنه أن يعلم المعلومات كلها فيعلم تقواكم وفسقكم وشكركم لأداء نعمة التعليم، وكفرانكم فيجازيكم بها، فهذا تذييل للتهديد.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: إن قيل: كيف قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) كرر لفظة الله ثلاث مرات متواليات، وقد استكرهوا ذلك لولا شرف لفظ الله، كقول الشاعر: فما للنوى جذ النوى قطع النوى حتى قيل: سلط على هذا البيت شاة ترعى منه النوى، وقول الآخر: بجهل كجهل السيف والسيف منتضى ... وحكم كحكم السيف والسيف مغمد واعلم أن التكرير المستحسن هو: كل تكرير يقع على طريق تعظيم الأمر أو تحقيره في جمل متواليات، كل جملة منها مستقلة بنفسها، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل في معنى واحد ولم يكن فيه التعظيم والتحقير، وهذا ظاهر في الآية والبيتين، فإن قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) حث على التقوى، (وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ): تذكير بنعمته، (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ): تعظيم له عز وجل ومتضمن للوعد والوعيد، فلما قصد تعظيم كل واحد من هذه الأحكام أعيد لفظة الله، وأما البيت الثاني فهو جملة واحدة؛ لأن قوله: "كجهل السيف" نعت لقوله: "بجهل"، وكذا: والسيف مغمد: حال من قوله: كحكم السيف،

والدليل عليه قراءة عمر رضى اللَّه عنه: (ولا يضارر) بالإظهار والكسر، وقراءة ابن عباس رضى اللَّه عنه: (ولا يضارر) بالإظهار والفتح، والمعنى: نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم ويُلزا، أو لا يعطى الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد. وقرأ الحسن: (ولا يضار) بالكسر. (وَإِنْ تَفْعَلُوا) وإن تضارّوا (فَإِنَّهُ) فإنّ الضرار (فُسُوقٌ بِكُمْ)، وقيل: وإن تفعلوا شيئاً مما نهيتم عنه (عَلى سَفَرٍ): مسافرين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والبيت الأول كرر "جذ النوى" و"قطع النوى" وهما في معنى واحد. قوله: (أو النهي عن الضرار بهما) عطف على قوله: "نهى الكاتب والشهيد" يعني: النهي فيقوله: (وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) يحمل: إما على نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة، وعن التحريف، أو على نهي المشهود له عن تعجيل الكاتب والمنع من مؤونة الشاهد إذا دعي من بلد آخر، قال الزجاج: والأول أبين، لقوله: (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)، فإن الفسق أشبه بالتحريف وبالكذب من تعجيل الكاتب أو منع مؤونة الشاهد. قوله: (وقيل: وإن تفعلوا شيئاً مما نهيتم عنه): عطف على "وإن تضاروا"، والثاني أبلغ؛ لأن مثل هذا الفعل غالباً يجيء كناية عن أفعال شتى وكيفيات متعددة كما سبق في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) [البقرة: 24] أن الفائدة فيه أنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصاراً ووجازة، ألا ترى أن الرجل يقول: ضربت زيداً وشتمته ونكلت به، ويعد كيفيات وأفعالاً، فتقول: بئس ما فعلت.

وقرأ ابن عباس وأبيّ رضي اللَّه عنهما: (كتاباً)، وقال ابن عباس: أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة؟ . وقرأ أبو العالية: (كتباً). وقرأ الحسن: كتاباً، جمع كاتب (فرهان) فالذي يستوثق به رهن. وقرئ: (فرُهن) بضم الهاء وسكونها، وهو جمع رهن، كسقف وسقف، و (فرهانٌ). فإن قلت: لم شرط السفر في الارتهان ولا يختص به سفر دون حضر، وقد رهن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم درعه في غير سفر؟ قلت: ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر خاصة، ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز الكتب والإشهاد، أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد. وعن مجاهد والضحاك: أنهما لم يجوّزاه إلا في حال السفر أخذاً بظاهر الآية، وأما القبض فلا بدّ من اعتباره، وعند مالكٍ: يصح الارتهان بالإيجاب والقبول بدون القبض. (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً): فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به. ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أرأيت؟ ) أي: أخبرني إن وجدت الكاتب، أي: إذا وجدت الكاتب ولم تجد ما به تتم الكتابة من الدواة والصحيفة وغيرهما هل تجوز المداينة بلا رهن! وأما إذا لم تجد كتاباً يلزم الارتهان بأي شيء فقد من هذه الأشياء، أراد بهذا أن قراءته أرجح لأن كتاباً: مصدر كتب، يقال: قد كتبت كتباً وكتاباً وكتابة، وهو لا يحصل إلا بعد استجماع الشرائط. قوله: (و (فَرِهَانٌ)) أي: قرئ: (فَرِهَانٌ)، قرأ بها الجماعة إلا ابن كثير وأبا عمرو فإنهما قرآ "فرهن" بضم الراء والهاء بغير ألف، ورهان: جمع رهن، نحو حبل وحبال، قال القاضي: المعنى: فالذي يستوثق به رهان، أو: فعليكم رهان، أو فليؤخذ رهان. قوله: (وأما القبض فلابد من اعتباره، وعند مالك: يصح الارتهان بالإيجاب والقبول بدون القبض)، الانتصاف: لا خلاف بين مالك والشافعي في صحة الرهن بالإيجاب والقبول،

وقرأ أبٌيّ: (فإن أومن) أي: آمنه الناس. ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء والاستغناء عن الارتهان من مثله. (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ) حث للمديون على أن يكون عند ظن الدائن به وأمنه منه وائتمانه له، وأن يؤدّي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه. وسمي الدين أمانة وهو مضمون؛ لائتمانه عليه بترك الارتهان منه. والقراءة أن تنطق بهمزة ساكنة بعد الذال أو ياءٍ، فتقول: "الذئتمن"، أو "الذيتمن". وعن عاصم أنه قرأ: (الذتمن) بإدغام الياء في التاء قياساً على اتسر في الافتعال من اليسر، وليس بصحيح، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإنما مالك يرى لزومه بالعقد، وعند الشافعي: لا يلزم إلا به، لكن للقبض عند مالك اعتبار في الابتداء والدوام، فلو عري عن القبض وأنكر الغرماء لم يختص به عند الشافعي، ولم ينتفع بذلك عند مالك، بل له أسوة الغرماء للتهمة، ويشترط مالك بقاء الرهن مقبوضاً بيد المرتهن طوعاً، لو عاد على يد الراهن بعارية أو إجارة أو وديعة خرج من الرهن، دليله أن الرهن في اللغة هو: الدوام، وأنشد أبو علي: فالخبز والدهن لهم راهن ... وقهوة راووقها ساكب قوله: (وسمي الدين أمانة، وهو مضمون) يعني: إنما سمي الدين أمانة والحال أن الدين مضمون، والأمانة غير مضمونة، لما بين هذا الدين الخاص وبين الأمانة مشابهة من حيث إن ائتمان الدائن المديون بترك الارتهان منه كائتمان المودِعِ المودَع بترك طلب الوثيقة منه. قوله: (وعن عاصم أنه قرأ: الذتمن)، وهي شاذة، ومعنى قوله: "ليس بصحيح" أن المنسوب إليه من إدغام الياء في التاء ليس بصحيح، لأنه ليس بصحيح على قانون التعدية.

لأنّ الياء منقلبة عن الهمزة، فهي في حكم الهمزة و «اتزر» عاميٌّ، وكذلك "ريا" في "رؤيا". (آثِمٌ) خبر "إن". و (قَلْبُهُ) رفع بـ (آثم) على الفاعلية، كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه. ويجوز أن يرتفع (قلبه) بالابتداء. و (آثم) خبر مقدّم، والجملة خبر "إن". فإن قلت: هلا اقتصر على قوله: (فَإِنَّهُ آثِمٌ)! وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟ قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان إثما مقترفا بالقلب أسند إليه، لأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني، ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي؟ ولأنّ القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكانٍ فيه؛ ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلما كان إثماً مقترفاً بالقلب أسند إليه) يعني: أسند الفعل إلى القلب لدفع توهم المجاز، فصرح بالجارحة التي هي سببه، وهو المراد بقوله: "إذا أردت التوكيد تقول: هذا مما أبصرته عيني"، ونحوه قوله تعالى: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام: 38]. قوله: (ولأن القلب هو رئيس الأعضاء)، هذا المجاز من باب إطلاق بعض الشيء على كله، ولما كان الشرط في صحة المجاز أن يكون هذا البعض أصل الشيء قال: "فقد تمكن الإثم من أصل نفسه وملك أشرف مكان فيه". قوله: (والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد) مقتبس من قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". أخرجه الشيخان، عن النعمان بن بشير. قوله: (ولئلا يظن)، هذا جواب آخر بحسب المتعارف بين الناس، فإن الكاتم وإن كان

وليعلم أنّ القلب أصل متعلقه، ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه؛ ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها. ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب! فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب. وعن ابن عباس رضى اللَّه عنه: أكبر الكبائر: الإشراك باللَّه لقوله تعالى: (فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) [المائدة: 72]، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة. وقرئ: (قلبه)، بالنصب، كقوله: (سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة: 130]، وقرأ ابن أبى عبلة: (أثم قلبه) أي: جعله آثماً. [(لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) 284]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشخص بجملته لكن اشتهر وتعورف بين الناس أن الكتمان من فعل اللسان وحده، وإن من أمسك لسانه عن الشهادة قيل في حقه: إنه كتم الشهادة، تعلق الإثم به فأريد دفع هذا الظن البين خطؤه فقيل: (آثِمٌ قَلْبُهُ)، ويدل على الإنكار إيقاع قوله: (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) جزاء للشرط، كأنه قال: ظن الناس أن اختصاص الذنوب باللسان سبب للإخبار بأن يقال: إنه آثم قلبه. قوله: (وليعلم) يحتمل أن لا يكون وجهاً آخر، بل هو تأكيد لقوله: (لئلا يظن) على آخره، وهو من باب قوله: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]. قوله: (ولأن أفعال القلوب) هذا وجه آخر في الجواب، ومبناه على الكناية، وتقريره أن عظم الذنب بحسب المحل الصادر منه، فلما كان القلب أعظم خطراً في الإنسان كان الذنب الصادر منه أعظم، وعلى هذا الطاعة الصادرة منه كالإيمان والمحبة وغيرهما،

(وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) يعني: من السوء (يحاسبكم به اللَّه فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ): لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه أو أضمر، (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) ممن استوجب العقوبة بالإصرار. ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان: الوساوس وحديث النفس؛ لأنّ ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما اعتقده وعزم عليه. وعن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما: أنه تلاها، فقال: لئن آخذنا اللَّه بهذا لنهلكنّ. ثم بكى حتى سمع نشيجه، فذكر لابن عباس، فقال: يغفر اللَّه لأبى عبد الرحمن، قد وجد المسلمون منها مثل ما وجد فنزل: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ) [البقرة: 286] ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويشهد لهذه الكناية قوله: "فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب". قوله: (مما أظهر منه)، قيل: الضمير المستتر عائد إلى "من" في "من استوجب"، والمحذوف: إلى "ما"، وفي "منه": إلى "السوء"، ومنه: بيان لما أظهر، وقلت: من في "مما أظهر" متعلق بقوله: (فَيَغْفِرُ)، "وما" فيه: موصولة، أي: فيغفر لمن يشاء من الذي أظهره المكلف من السوء أو أضمر منه، ويجوز أن يتعلق "من" بالتوبة، وقوله: "لمن استوجب المغفرة بالتوبة" مبني على مذهبه. قوله: (حتى سمع نشيجه)، الجوهري: نشج الباكي ينشج نشيجاً: إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب. قوله: (قد وجد المسلمون منها- أي: من الآية- مثل ما وجد)، فنزلت: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)، روينا عن مسلم، عن أبي هريرة قال: لما نزلت: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ) الآية، اشتد ذلك على الصحابة، فأتوا رسول الله، ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من العمل ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)؟ بل قولوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، فلما

وقرئ: (فيغفر ... ويعذب) مجزومين؛ عطفاً على جواب الشرط، ومرفوعين على: فهو يغفر ويعذب. فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟ قلت: يظهر الراء ويدغم الباء. ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأ فاحشاً، وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرّتين، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أقرأها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله تعالى في أثرها: (آمَنَ الرَّسُولُ) إلى قوله: (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) إلى آخرها. وقد أخرجه الأئمة عن علي وابن عباس وابن عمر بنحو من هذا، ورواية أبي هريرة أكمل وأطول. وقوله: (وقرئك "فيغفر ... ويعذب"): عاصم وابن عامر: برفعهما، والباقون: بجزمهما. قوله: (لاحن مخطئ) يعني أن الراء في حكم حرفين، فإنك إذا وقفت عليها يعثر لسانك بما فيه من التكرير والقوة وبما في اللام من الضعف، وإدغامها فيها يبطل التكرير. قال الزجاج: إن أبا عمرو أدغم الراء في اللام، وما أظنه قرأها إلا بعد ما سمعها، وقال صاحب "الكواشي": لا يجوز تخطئة الرواة أصلاً، لأنه إذا حكم بتخطئتهم في هذا الحرف جاز خطؤهم في غيره، فإذن لا اعتماد عليهم، وكيف يجوز أخذ القرآن من غير ضابط! ولو نقل شعر آحاد العرب من غير ضابط لاستقبح، وجاز إدغام الراء مع ما فيها من القوة والتكرار في اللام مع ما فيها من الضعف؛ لأن الراء لما سكنت ضعفت فصارت كالميت الذي لا اعتداد به، والدليل

ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو. وقرأ الأعمش: يغفر، بغير فاء مجزوما على البدل من يحاسبكم، كقوله: مَتَى تَاتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِى دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلًا وَنَاراً تَأجَّجَا ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب، لأنّ التفصيل ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عليه إتباعهم ضمة الذال ضمة الميم في "منذ" فصارت اللام المتحركة بالنسبة إلى الراء الساكنة قوية. وأيضاً، فإن المدغم لا يدغم حتى يبدل ما قبل المدغم فيه، فعلى هذا إنما أدغم لام في لام. قوله: (متى تأتنا تلمم بنا) البيت: تلمم، أي: تنزل، وهو بدل من "تأتنا"، والحطب الجزل: القوي الغليظ، تأجج، أي: اشتعل، قيل في "تأججاً" ثلاثة أوجه: أن يجعل الألف للتثنية وهي ضمير الحطب والنار، وغلب الحطب، وأن يكون للحطب، وأن يكون للنار في تأويل الشهاب، يقول: إنهم يوقدون غلاظ الحطب لتقوى نارهم، فينظر الضيفان من بعد فيقصدونها. قوله: (ومعنى هذا البدل: التفصيل) إلى آخره، نقل المصنف أكثر عبارة ابن جني من "المحتسب" في هذا الموضع، ونحن نحكي خلاصة كلامه، قال: "جزم هذا على البدل من (يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) على وجه التفصيل لجملة الحساب، ولا محالة أن التفصيل أوضح من المفصل فجرى مجرى بدل البعض أو الاشتمال، والبعض كضربت زيداً رأسه، والاشتمال كأحب زيداً عقله، ونحو هذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان، فمن ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ

أوضح من المفصل، فهو جار مجرى بدل البعض من الكل، أو بدل الاشتمال، كقولك: ضربت زيداً رأسه، وأحب زيداً عقله، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فِيهِ مُهَاناً) [الفرقان: 68 - 69] "؛ لأن مضاعفة العذاب هي لقي الآثام، وعليه قول القائل: رويداً بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غداً خيلي على سفوان تلاقوا جياداً لا تحيد عن الوغى ... إذا ما غدت في المأزق المتداني تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يدا الحدثان فأبدل "تلاقوا جياداً" مع ما اتصل به من قوله: "تلاقوا غداً خيلي"، ثم جعل هذا البدل بتمامه مبدلاً منه لقوله: "تلاقوهم" مع المعطوف عليه، وهو قوله: "فتعرفوا" إلى آخره، وقال: "إذا حصلت فائدة البيان لم يبال أمن نفس البدل كانت أم مما اتصل به، فضلة أم معطوفاً عليه، فإن أكثر الفوائد إنما يجتنى من الألحاق والفضلات، نعم، وما أكثر ما تصلح الجمل وتتممها، ولولا مكانها لوهت فلم تستمسك، ألا تراك لو قلت: زيد قامت هند لم تتم الجملة؟ فلو وصلت بها فضلة ما، لتمت، وذلك كأن تقول: زيد قامت هند في داره أو: معه أو: بسببه أو: لتكرمه أو: فأكرمته أو نحو ذلك، فصحت المسألة بعود الضمير على المبتدأ من الجملة". تم كلام ابن جني. قوله: (أوضح من المفصل). هذا لفظ ابن جني، قيل: وكان من حق الظاهر أن يقول: أوضح من المجمل أو الإجمال، لكن جعل ما وقع فيه ولأجله التفصيل مفصلاً. قوله: (فهو جار مجرى بدل البعض من الكل). قيل: إن أريد بقوله: (يُحَاسِبْكُمْ) معناه

[(آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)]. (وَالْمُؤْمِنُونَ) إن عطف على (الرسول)؛ كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في (كل) راجعاً إلى الرسول والمؤمنين، أي: كلهم آمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله من المذكورين ووقف عليه؛ وإن كان مبتدأ؛ كان الضمير للمؤمنين ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحقيقي فيكون قوله: "يغفر" بدل الاشتمال، كقولك: أحب زيداً علمه، وإن أريد به المجازاة فيكون قوله: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) بدل البعض، كقولك: ضربت زيداً رأسه، وقلت: إن الضمير المجرور في (يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) يعود على (مَا فِي أَنفُسِكُمْ)، وهو مشتمل كما ذكر على الخاطر السوء وعلى ما يخفيه الإنسان من الوساوس، وحديث النفس. والغفران والعذاب إنما يردان على ما اعتقده وعزم عليه من السوء لا على حديث النفس، فبهذا الاعتبار هو بدل البعض من الكل، وهذا معنى قول ابن جني: وإذا حصلت فائدة البيان لم يبال أمن نفس المبدل كانت أم مما اتصل به، إلى آخره، وإن محاسبتهم مستتبعة إما الغفران أو العذاب وملتبسة بهما، فبهذا الوجه هو بدل الاشتمال. قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ)، قال الزجاج في نظم هذه الآية بما قبلها: لما ذكر الله عز وجل فرض الصلاة والزكاة، والطلاق والحيض والإيلاء، والجهاد، وأقاصيص الأنبياء عليهم السلام، والدين، والربا، ختم السورة بذكر تعظيمه وتصديق نبيه عليه السلام والمؤمنين لجميع ذلك، أي: صدق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها، وكذا المؤمنون، يريد أنها كالخاتمة للسورة، والفذلكة لها للتأكيد. قوله: (وإن كان مبتدأ؛ كان الضمير للمؤمنين). قال أبو البقاء: "المؤمنون" معطوف على (الرَّسُولُ)، فيكون الكلام تاماً، وقيل: "المؤمنون" مبتدأ، و (كُلٌّ) مبتدأ ثان، والتقدير: كل

ووحد ضمير (كل) في (آمن) على معنى: كل واحدٍ منهم آمن، وكان يجوز أن يجمع، كقوله: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) [النمل: 87]، وقرأ ابن عباس: وكتابه، يريد القرآن أو الجنس، وعنه: الكتاب أكثر من الكتب. فإن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟ قلت: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس، والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها؛ لم يخرج منه شيء. وأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع. (لا نُفَرِّقُ) يقولون: (لا نفرق)، وعن أبي عمروٍ: (يفرق) بالياء على أن الفعل لـ (كل)، وقرأ عبد اللَّه: (لا يفرقون). و"أَحَدٍ" في معنى الجمع، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منهم، و (آمَنَ) خبر المبتدأ الثاني والجملة: خبر الأول. وقال السجاوندي: (كُلٌّ): ابتداء، ولو كان توكيداً لقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ) لقيل: كلهم، وقلت: الوجه الأول أقضى لحق البلاغة وأولى في التلقي بالقبول؛ لأن الرسول حينئذ يكون أصلاً في حكم الإيمان بما أنزل إليه، والمؤمنون تابعون كما مر في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [البقرة: 127]، ويلزم على الوجه الثاني أن حكم المؤمنين أقوى من حكم الرسول لكون الجملة اسمية ومؤكدة، وعلى أسلوب التقوي مع إفادة الاستقلال في الحكم، قال القاضي: إفراد الرسول بالحكم إما لتعظيمه أو لأن إيمانه عن مشاهدة وعيان، وإيمانهم عن نظر واستدلال. قوله: (وقرأ ابن عباس: "وكتابه")، وهي قراءة حمزة والكسائي، قال الزجاج: قيل لابن عباس في قراءته، فقال: "كتابه" أكثر من "كتبه"، ذهب به إلى اسم الجنس نحو: كثر الدرهم في أيدي الناس. قال صاحب "التقريب" حاكياً عن مراد المصنف: إن الجنس يطلق على جميع أفراد الجمع ولا ينعكس، فذاك أكثر، ثم قال: وفيه نظر، وقلت: مراد المصنف من كلامه أن تناول الواحد حين يراد به الجنس أكثر من تناول الجمع إذا أريد به الجنس؛ لأن "كتابه" يدل على

كقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) [الحاقة: 47]؛ ولذلك دخل عليه "بين". (سَمِعْنا): أجبنا. (غُفْرانَكَ) منصوب بإضمار فعله. يقال: غفرانك لا كفرانك، أي: نستغفرك ولا نكفرك. وقرئ: (وكتبه ورسله) بالسكون. [(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَانا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) 286]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ما يعلمه كل أحد أنه كتابه ومسمى به، فلا يخرج منه شيء يسمى كتابه، وأن "كتبه" تدل على ما يعلمه كل أحد أنه كتبه على سبيل الجمعية ومسمى به، ويمكن أن يخرج منه كتاب أو كتابان، وهذا هو المراد من قول صاحب "المفتاح": استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، وتبين ذلك بأن ليس يصدق: لا رجل في الدار، لنفي الجنس إذا كان فيها رجل أو رجلان، ويصدق: لا رجال في الدار، فإن قلت: ليس كذلك؛ لأنا إذا سمعنا قوله تعالى: (وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) لم يتبادر إلى الذهن سوى الاستغراق والشمول، قلت: قد بينا أن الاستغراق الداخل على الجمع: إرادة الجموع حقيقة، وإرادة الأفراد مجاز، يؤيده ما روى صاحب "الانتصاف" عن إمام الحرمين: التمر أحرى باستغراق الجنس من التمور، فإن التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظه، والتمور يرده إلى تخيل الوحدان، ثم الاستغراق بعده بصيغة الجمع، وفي صيغة الجمع مضطرب. قوله: ((فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) [الحاقة: 47]) فإن قوله: (مِنْ أَحَدٍ) لو لم يكن في معنى الجمع لقيل: حاجز دون (حَاجِزِينَ)، كما يقال: ما من رجل عالم، ولا يقال: ما من رجل عالمين.

والوسع: ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أي: لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله ورحمته، كقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) [البقرة: 185]؛ لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة. وقرأ ابن أبي عبلة: (وسعها) بالفتح. (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ): ينفعها ما كسبت من خير، ويضرها ما اكتسبت من شر، لا يؤاخذ بذنبها غيرها ولا يثاب غيرها بطاعتها. فإن قلت: لم خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب؟ قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمّارة به؛ كانت في تحصيله أعمل وأجدّ، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير؛ وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال. أي: لا تؤاخذنا بالنسيان أو الخطأ إن فرط منا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (دون مدى الطاقة) أي: لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويسهل عليه ويكون أدون وأدنى مما له القدرة عليه، كما إذا كان في قدرته أن يصلي ستاً فأوجب خمساً، فالواجب دون مدى طاقته، فقوله: "لأنه كان" تعليل لقوله: "ويتيسر عليه دون مدى الطاقة"، وهو تفسير لقوله: "يتسع فيه طوقه". قوله: (في الاكتساب اعتمال)، قال في "الأساس": الرجل يعتمل لنفسه ويستعمل غيره ويعمل رأيه ويتعمل في حاجات الناس، أي: يتعنى ويجتهد، أنشد سيبويه: إن الكريم وأبيك يعتمل ... إذ لم يجد يوماً على من يتكل أي: إن لم يعلم. الراغب: الكسب مما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ، والاكتساب

فإن قلت: النسيان والخطأ متجاوز عنهما، فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟ قلت: ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنه من التفريط والإغفال، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة ثم استجلب به مضرة، والكسب يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره، ولهذا قد يتعدى إلى مفعولين فيقال: كسبت فلاناً كذا، والاكتساب لا يقال إلا فيما استفاده لنفسه، وكل الاكتساب كسب وليس كل كسب اكتساباً، نحو: خبز واختبز، وشوى واشتوى. قال السجاوندي: اكتسبت من شر، والافتعال للالتزام أو للانكماش، والنفس تنكمش في الشر وتتكلف في الخير، وقال في الحسنة: (كَسَبَتْ) ليحقرها العامل في عينيه، وفي السيئة: (اكْتَسَبَتْ) تهويلاً للتنفير. وقال صاحب "الفرائد": خص الكسب بالخير والاكتساب بالشر تنبيهاً على أن الكسب: ما يفعله الإنسان ويجوز أن يتعدى إلى غيره، والاكتساب: ما يفعله لنفسه كالاتخاذ والاقتطاع فلا يتعدى إلى غيره، أي: خيره متجاوز عنه وشره مقصور عليه، وهو موافق لقول السجاوندي: والافتعال للالتزام، وقول ابن الحاجب: كسبت معناه: أصبت، واكتسبت معناه: التصرف في تحصيل ذلك الفعل وظهور ما يقتضيه، ومن ثم قال الله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) تنبيهاً على أن الثواب بأدنى ملابسة للمثاب عليه، والعقاب إنما يكون بعد تبين المعاقب عليه وظهوره أحسن طباقاً، لقوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)؛ لأن قوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) رافعة لحكمها ومسهلة لمشقتها، وفيها أن التكليف ليس على الطاقة بل دون مداها رحمة ورأفة بالعباد، ثم قوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) امتنان آخر وتنبيه على أن جانب الرحمة أرجح من جانب العذاب، ولا يستقيم هذا إلا على هذا القول، وعليه كلام المصنف. قوله: (النسيان والخطأ متجاوز عنهما، فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟ )، أي: متجاوز

ألا ترى إلى قوله: (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ) [الكهف: 63]، والشيطان لا يقدر على فعل النسيان، وإنما يوسوس فتكون وسوسته سبباً للتفريط الذي منه النسيان؟ ولأنهم كانوا متقين اللَّه حق تقاته، فما كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به، كأنه قيل: إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به، فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان. ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل اللَّه لاستدامته ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عنهما عقلاً بناءً على مذهبه، وأجاب من وجوه، الأول: أنه مجاز من باب إطلاق المسبب على السبب، والثاني أنه من وادي قول: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وإليه أشار بقوله: "كأنه قيل: إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان"، والثالث: أنه على أسلوب قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 6] كما صرح به. قوله: (حق تقاته)، الجوهري: التقاة: التقية، يقال: اتقى تقية وتقاة. قوله: (لاستدامته) ولعمري هذا تكلف، وقد مر في حديث مسلم عن أبي هريرة: أن هذه الآية ناسخة لقوله: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ)، فكما أن الخطرات والوساوس محلها النفس، كذلك معدن النسيان والخطأ النفس، فلم يكن النسيان والخطأ متجاوزاً عنهما عقلاً بل نقلاً. الانتصاف: لا يرد السؤال؛ لأن رفع المؤاخذة عن الخطأ والنسيان

والاعتداد بالنعمة فيه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عرف بالسمع لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، فلعل رفعهما كان إجابة لهذه الدعوة، وقد جاء أنه قال عند كل دعوة: قد فعلت، وإنما المعتزلة يذهبون إلى استحالة المؤاخذة بذلك عقلاً؛ تفريعاً على التحسين والتقبيح، والسؤال وارد عليهم. الراغب: الخطأ على ضروب، أحدها: ما لا يحسن إرادته ويفعله، وهذا هو الخطأ التام من كل وجه المأخوذ به الإنسان، والثاني: أن يريد ما يجوز فعله ولكن وقع منه خلاف ما أراد، فيقال: أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، وهو المعني بقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ"، وقوله: "من اجتهد فأخطأ فله أجر"، والثالث: أنه يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه، فهذا مذموم لقصده محمود على فعله، وجملة الأمر أنه يقال لمن أراد شيئاً فاتفق منه خلافه: إنه أخطأ، وإذا وقع منه كما أراده: أنه أصاب، ويقال لمن فعل فعلاً لا يحسن أو أراده إرادة لا تحسن: أخطأ، ولهذا يقال: أصاب الخطأ فأخطأ الصواب وأصاب الصواب وأخطأ الخطأ، فإذا هذه اللفظة مشتركة كما ترى مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق تأمله، وهي مشكلة جداً. قوله: (والاعتداد بالنعمة فيه) يعني: إذا كانت النعمة الحاصلة خطيرة ربما يذكرها ويردد ذكرها اعتداداً بها واعتناء بشأنها، كقوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)، روينا عن أحمد بن حنبل، عن أبي رجاء، قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز، وقال إن

والإصر: العبء الذي يأصر حامله، أي: يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله، استعير للتكليف الشاقّ؛ من نحو قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب، وغير ذلك. وقرئ: (آصاراً) على الجمع. وفي قراءة أبيّ: (ولا تحمل علينا) بالتشديد. فإن قلت: أي: فرق بين هذه التشديدة والتي في (وَلا تُحَمِّلْنا)؟ قلت: هذه للمبالغة في "حمل عليه"، وتلك لنقل "حمله" من مفعول واحد إلى مفعولين. (وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) من العقوبات النازلة بمن قبلنا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". قوله: (وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب) أي: من جلد الخف والفروة. قوله: (هذه للمبالغة في "حمل عليه"، وتلك لنقل "حمله" من مفعول واحد إلى مفعولين)، يريد أن التضعيف إذا كان لنقل باب إلى باب آخر ليفيد فائدته لم يكن فيه مبالغة، وأما إذا لم يرد تلك الفائدة كانت مبالغة، وقريب منه ما ذهب إليه صاحب "المثل السائر": أن المعنى إنما يزيد إذا كان هناك نقل كما في قتل وقتل، وأما إذا لم يكن نقلاً، كما في قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) [النساء: 164] لم يزد، إذ ليس في "كلم" نقل، فدل على حصول الكلام معه لا للتكثير منه.

طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها. وقيل: المراد به الشاقّ الذي لا يكاد يستطاع من التكليف، وهذا تكرير لقوله: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً) ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (طلبوا الإعفاء)، الجوهري: يقال: أعفني من الخروج معك، أي: دعني منه، واستعفاه من الخروج معه وسأله الإعفاء، يعني: طلبوا من الله تعالى بقولهم: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً) أن لا يكلفهم بالتكاليف الشاقة، ثم طلبوا الإعفاء بقوله: (وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) عما نزل بالأولين من العقوبات على تفريطهم، وإنما حمله على العقوبات كي لا يلزم التكرار؛ لأن معناهما واحد، والذي يدل على المقدر قوله: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً)؛ لأن التفريط فيه سبب للمعاقبة. وقوله: (وقيل: المراد به الشاق الذي لا يكاد يستطاع) عطف على قوله: "ما نزل عليهم". فإن قلت: هل هذا إلا تكرير لقوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)؟ قلت: لا؛ لأن قوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) خاص لما سبق أنه ناسخ لقوله: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ) الآية؛ كرامة لهذه الأمة المرحومة، ورفعاً لما كان شاقاً عليهم من المؤاخذة بحديث النفس، ثم أرشدهم إلى أن طلبوا منه ما كان شاقاً على الأمم السالفة من نحو قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب، وغير ذلك بقوله: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً)، ثم أرشدهم إلى طلب رفع الشاق الذي لا يكاد يستطاع من التكاليف على سبيل العموم، فالتشديد في (وَلا تُحَمِّلْنَا) للتكثير؛ ليناسب العموم كرامة إلى كرامة، فعلى هذا يكون تكريراً، وفائدته تعليق الزيادة عليه من قوله وقيل: المراد به الشاق الذي لا يكاد يستطاع: (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا) الآية.

(مَوْلانا): سيدنا ونحن عبيدك، أو ناصرنا، أو متولي أمورنا. (فَانْصُرْنا) فمن حق المولى أن ينصر عبيده، أو: فإنّ ذلك عادتك، أو: فإنّ ذلك من أمورنا التي عليك توليها. وعن ابن عباس: أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل كلمة: قد فعلت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: فإن قيل: ما الفرق بين العفو والغفران والرحمة؟ وما وجه هذا الترتيب؟ قيل: العفو: إزالة الذنب بترك عقوبته، والغفران: ستر الذنوب وكشف الإحسان الذي يعطى به، والرحمة: إفاضة الإحسان عليه، وقد علم أن الثاني أبلغ من الأول، والثالث من الثاني. قوله: ((مَوْلانَا) سيدنا) أي: أنت سيدنا ونحن عبيدك فانصرنا، فمن حق المولى أن ينصر عبيده ولا يخذلهم، أو: أنت ناصرنا فانصرنا، فإن ذلك عادتك، أو: أنت متولي أمورنا فانصرنا فإن ذلك من أمورنا التي عليك توليها بسبب الوعد، فهو من باب القول بترتب الحكم على الوصف المناسب لكن بالفرق بين هذه الاعتبارات؛ لأن النسبة بين السيد والعبد قوية، فكما أن السيد عليه رعاية العبد كذلك العبد يحتاج إلى رعاية سيده، فالنسبة بين الجانبين قوية، ولهذا قال: "ونحن عبيدك"، فمن حق المولى أن ينصر عبيده، وإن النسبة بين الناصر والمنصور ليست مثل الأولى، لكن من اتصف بصفة النصرة فعليه أن ينصر المظلومين، لكن لا يجب عليه أن ينصر كلهم، فقوة النسبة بين الناصر والمنصور ليست مثل الأولى لكن من جانب الناصر، وغليه الإشارة بقوله: "فإن ذلك عادتك"، يعني: هذه الصفة ذاتية منك وأن النسبة بين من يحتاج إلى قيم يقوم بأحواله ويفتقر إلى متول يتولى أموره وبين مولاه قوتها من جانب العبد، ولهذا قال: "فإن ذلك من أمورنا التي عليك توليها".

وعنه صلى الله عليه وسلم: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه"، وعنه صلى الله عليه وسلم: «أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهنّ نبيٌّ قبلي»، وعنه صلى الله عليه وسلم: «أنزل اللَّه آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة، من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل». فإن قلت: هل يجوز أن يقال: قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة؟ قلت: لا بأس بذلك، وقد جاء في حديث النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «من آخر سورة البقرة»، و «خواتيم سورة البقرة»، و «خواتيم البقرة». وعن عليّ رضي اللَّه عنه: خواتيم سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش. وعن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنهما أنه رمى الجمرة ثم قال: من هاهنا- والذي لا إله غيره- رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة». ولا فرق بين هذا وبين قولك: سورة الزخرف، وسورة الممتحنة، وسورة المجادلة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أوتيت خواتيم سورة البقرة)، الحديث مخرج في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن أبي ذر. قوله: (من قرأ الآيتين)، الحديث أخرجه الشيخان، عن أبي مسعود البدري. قوله: (أنزل الله آيتين)، الحديث أخرجه الدارمي، عن جبير بن نفير مع تغيير في الألفاظ. قوله: (وعن عبد الله بن مسعود)، الحديث مخرج في "الصحيحين".

وإذا قيل: قرأت البقرة لم يشكل أنّ المراد سورة البقرة كقوله: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: 82]، وعن بعضهم: أنه كره ذلك، وقال: يقال: قرأت السورة التي تذكر فيها البقرة. عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإنّ تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة"، قيل: وما البطلة؟ قال: السحرة». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولن تستطيعها البطلة)، الحديث مخرج في "صحيح مسلم"، عن أبي أمامة الباهلي، كذلك قوله: "اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة"، ورواه الدارمي عن بريدة. قال مولاي الإمام المغفور [له] بهاء الدين القاشي رحمه الله: البطلة: جمع باطل، إما بمعنى صاحب البطالة، أي: لا يستطيع قراءة ألفاظها وتدبر معانيها والعمل بأوامرها ونواهيها أصحاب البطالة والكسالة، أو: البطلة: السحرة، أي: لا يقدر السحرة على الإتيان بمثلها، فمن أتى به لا يكون ساحراً، أو: المراد أنها من المعجزات التي لا يقدر الساحر أن يعارضها بالسحر، بخلاف المعجزات المحسوسة، فإنه قدي مكن للساحر أن يحاول معارضتها بالسحر. وقلت: يمكن أن يراد بالبطلة: السحرة الموحدون من أصحاب البيان، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحراً". تمت السورة

سورة آل عمران

سورة آل عمران مدنية وهي مئتا آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين (الم * اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ *1 ـ 4) (ميمْ) حقها أن يوقف عليها كما وقف على (ألف لامْ)، وأن يبدأ ما بعدها كما تقول: واحدْ اثنان. وهي قراءة عاصم، وأما فتْحُها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت؛ للتخفيف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة آل عمران مدنية وهي مئتا آية بسم الله الرحمن الرحيم قوله: (وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت؛ للتخفيف)، اجتمعت القراء على فتح الميم، وأما قراءة عاصم، وإن كان من الأئمة، فشاذة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو علي: إن القراءة بسكون الميم ساقطة، إلا ما نقل عن يحيى، عن أبي بكر، عن عاصم. قال الزجاج: قال بعضهم: هذه الحروف مبنية على الوقف، فيجب بعدها قطع ألف الوصل، فالأصل (الم* اللَّهُ) بالسكون، ثم طرحت فتحة الهمزة على الميم وسقطت الهمزة، كما تقول: واحد اثنان، وإن شئت: واحد اثنان، فألقيت كسرة الهمزة على الدال، وقال الآخرون: لا يسوغ أن ينطق بثلاثة سواكن، فلابد من فتحة الميم لالتقاء الساكنين، وهذا القول صحيح. وقال أبو علي: لا يجوز أن تكون الحركة للهمزة؛ لأن الهمزة حكمها أن تجتلب في الابتداء إذا احتيج إلى التلفظ بحرف ساكن دون الصلة والإدراج، فإذا اتصل الساكن المجتلب له الهمزة بشيء قبلها استغني عنها فتحذف، وإن كان المتصل به الساكن متحركاً بقي على حركته، نحو: ذهب ابنك، وإن كان حرفاً ساكناً غير لين، أو مضارعاً للين، حرك، نحو (وَعَذَابٌ* ارْكُضْ) [ص: 41 ـ 42] و (وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا) [الجن: 18] ونحو ذلك، فكذلك الهمزة في اسم الله من قوله: (الم* اللَّهُ) إذا اتصل بما قبلها: لزم حذفها كما لزم إسقاطها فيما ذكرناه، فإذا لزم حذفها لزم حذف حركتها أيضاً؛ لأنك لا تجد هذه الهمزة المجتلبة في موضع ملغاة وحركتها مبقاة، وإذا لزم حذفها من حيث ذكرنا: لم يجز إلقاؤها على الحرف الساكن، ويدل على امتناع قول من زعم أن الحركة للنقل: أن هذه الهمزة في الابتداء في التوصل إلى النطق بالساكن نظير الهاء التي تلحق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للوقف لتبين الحركة وإثباتها، فكما أن الحرف الذي تجتلب له الهاء في الوقف إذا اتصل بشيء بعده لم تتبين حركته بها لقيام ما يتصل به مقامها ساكناً كان أو متحركاً، كذلك يلزم أن تحذف الهمزة إذا اتصل ما اجتلبت لسكونه بشيء قبله، وإثباتها في الوصل خطاً كما أن إثبات الهاء في الوصل خطاً. واعلم أن المصنف ها هنا خالف سيبويه والزجاج وأبا علي وقوله في "المفصل" أيضاً، واختار أن الفتح لنقل الحركة لا لالتقاء الساكنين، وأورد كلام أبي علي سؤالاً على نفسه، وهو قوله: لا تجد هذه الهمزة المجتلبة في موضع ملغاة، وحركتها مبقاة، بقوله: كيف جاز إلقاء حركة الهمزة على الميم وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها؟ واستدل بقوله: لأن ثبات حركتها كثباتها، يعني: أن الحركة قائمة مقام الهمزة، فكأن الهمزة باقية، وأجاب: أن الميم ها هنا، وإن اتصلت بما بعدها صورة لكنها في حكم الانفصال لنية الوقف عليها، فكأن الهمزة ساقطة صورة باقية معنى، ثم أتى بسؤال وجواب آخر لوجه المنع من الحمل على مذهب سيبويه، وزعم أن الحركة لالتقاء الساكنين، وذلك أن أمر التقاء الساكنين في باب الوقف على التوسع والتساهل، والقول بالحركة خروج عن حكم الوقف، بخلاف النقل، ولأنه لو وجب التحريك لهذه العلة لوجب تحريك الميم في لام وفي ميم لالتقاء الساكنين، ولم يتوقف على ملاقاة ساكن آخر، وهو حرف التعريف في زعمكم. ثم أورد ما أورده الزجاج سؤالاً على نفسه، وهو قوله: لا يسوغ أن ينطق بثلاثة سواكن، فلابد من فتحة الميم لالتقاء الساكنين، بأن قال: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، يعني: إنما لم يحركوا الميمين في ألف لام ميم لإمكان النطق بهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما النطق بالساكن الثالث فغير ممكن، وأجاب: بأنا لا نسلم أن العلة عدم إمكان النطق، فإنهم حركوا الساكن في موضع كان يمكنهم النطق [به] كواحد اثنان، ساكن الدال مع سقوط الهمزة لالتقاء الساكنين، كما في أصيم ومديق، ولما لم يسكنوا الدال مع إمكان التلفظ، بل حركوا، دل على أن الحركة للنقل لا لالتقاء الساكنين، ثم أورد سؤالاً آخر، وهو أن الحركة لو لم تكن لالتقاء الساكنين فما وجه قراءة من كسر الميم؟ قال ابن الحاجب: لا وجه لكسرها إلا البناء؛ لأنها لما جردت عن التركيب فقد فُقِدَ منها مقتضي الإعراب، فإذا فُقِدَ منها المقتضي وجب البناء إذ لا متوسط، فإذا كان كذلك وجب الحكم بالبناء، وإذا وجب ذلك، وقد رأينا العرب أسكتته، حكمنا بصحة البناء على السكون وإن كان قبلها ساكن؛ لأنه حرف مدولين، وأجاب المصنف عنه: أن هذه قراءة غير مقبولة، وسيجيء بيانه. وقال ابن الحاجب: من جعل السكون سكون وقف أجرى الوصل في: (الم* اللَّهُ) مجرى الوقف، فتكون الميم باقية على نية السكون، والهمزة باقية على نية الثبات مبتدأ بها، وجاز أن يعطى أيضاً أحكام الوصل لفظاً، بدليل جواز قولهم: ثلاثة أربعة، فإنه نقل لحركة الهمزة إلى الهاء، وإجراء الوصل مجرى الوقف قبل ذلك، وإلا لم تقلب تاء التأنيث هاء، قال: والذي حمله على هذا أمران: أحدهما: استبعاد البناء على السكون مع سكون ما قبل الآخر لما يؤدي إلى اجتماع الساكنين في غير الوقف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والثاني: مجيئها مفتوحة الميم، ولو كانت حركتها لالتقاء الساكنين لأتت مكسورة، وفي ذلك تعسف؛ لأن الأسماء إذا جردت عن التركيب وجب بناؤها، فيكون السكون في هذه المواضع سكون بناء، وأيضاً، فيما ذكره حمل ما اجتمع عليه القراء على الوجه الضعيف؛ لأن إجراء الوصل مجرى الوقف ليس بقوي في اللغة. وقلت: لابد للمصنف من القول بإجراء الوصل مجرى الوقف، لما سبق في الفواتح: أن هذه الأسماء معربة، وأن سكونها سكون وقف لا بناء، وحقق القول فيه وبيَّن وجه ضعف القول بالبناء، ومن ثم افتتح هذه السورة بقوله: "ميم حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف لام، وأن يبدأ بما بعدها"، وأتى بقراءة عاصم مستشهداً لذلك. وقد مر أيضاً أن نحو (الم) رأس آية بلا خلاف، ثم إنها إن جعلت اسم سورة فالوقف عليها؛ لأنها كلام تام كما ذكره صاحب "المرشد" والكواشي، وإن جعلت على نمط التعديد لأسماء الحروف إما قرعاً للعصا أو تقدمةً لدلائل الإعجاز، فالواجب أيضاً القطع

فإن قلت: كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام؛ فلا تثبت حركتها؛ لأنّ ثبات حركتها كثباتها؟ قلت: هذا ليس بدرج؛ لأنّ (ميم) في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت، وإنما حذفت تخفيفاً، وألقيت حركتها على الساكن قبلها؛ ليدل عليها، ونظيره قولهم: واحد اثنان، بإلقاء حركة الهمزة على الدال. فإن قلت: هلا زعمت أنها حركة لالتقاء الساكنين؟ قلت: لأنّ التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف؛ وذلك قولك: هذا إبراهيم وداود وإسحاق، ولو كان التقاء الساكنين في حال الوقف يوجب التحريك لحرك الميمان في ألف لام ميم، لالتقاء الساكنين. ولما انتظر ساكن آخر. فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء ساكن ثالث لم يمكن إلا التحريك فحركوا. قلت: الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن: أنه كان يمكنهم أن يقولوا: واحدْ اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فيجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم، ومديق. فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير، وليست لالتقاء الساكنين. فإن قلت: فما وجه قراءة عمرو بن عبيد بالكسر؟ قلت: هذه القراءة على توهم التحريك لالتقاء الساكنين، وما هي بمقبولة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والابتداء بما بعدها، تفرقة بينها وبين الكلام المستقل المفيد بنفسه، فإذاً القول بنقل الحركة هو المقبول؛ لأن فيه إشعاراً بإبقاء أثر الهمزة المؤذن بالابتداء والوقف، ولا كذلك القول بأن الحركة لالتقاء الساكنين، وإنما خالف ما في "المفصل" لأنه مختصر "كتاب سيبويه"، فهو كالنقل منه، وهذا الكتاب مبني على الاجتهاد، والله أعلم. قوله: (أصيم ومديق) أصيم: تصغير أصم، مديق: تصغير مدق، وهو ما يدق فيه الشيء، اجتمع في مديق ساكنان أحدهما ياء التصغير، والثاني أول حرف التضعيف، وأما سكون الأخير فللوقف.

التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ: اسمان أعجميان، وتكلف اشتقاقهما من الوري والنجل ووزنهما بتَفعَلةٍ وإفعِيلْ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأنه يجوز أن يغتفر التقاء الساكنين فيما أولهما مدة كأصيم ومديق دون غيرهما كواحد اثنان. وأجيب: أن هذا قيد للمطلق، فإنهم اغتفروا التقاء الساكنين في الوقف مطلقاً، وقيل: تشبيه ذلك بأصيم ومديق غير صحيح؛ لأنه لو كان وقف في واحد اثنان كما زعم لكان على الدال لا على الثاء، فكيف جاز التقاء الساكنين؟ وأجيب: أن وجه الشبه: مجرد الجمع بين الساكنين، سواء كان بين كلمتين أو كلمة واحدة، لقوله: فيجمعوا بين ساكنين، والمقصود أن علة الحركة ليست عدم إمكان النطق. قوله: (ووزنهما بتفعلة وإفعيل)، قال الزجاج: اختلف النحويون في "التوراة": قال الكوفيون: هي من: وريت بك زنادي، فالأصل تورية، فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وتفعلة لا يكاد يوجد في كلامهم، وقال بعضهم: تفعلة، مثل: توصية، ولكن قلبت إلى تفعلة، كما يجوز في توصية توصاة، وهذا ليس يثبت. وقال البصريون: أصلها فوعلة، وهي في الكلام كثير مثل الحوقلة، والدوخلة، وكل ما

إنما يصحُّ بعد كونهما عربيَّين. وقرأ الحسنُ: (الأنجيل)، بفتح الهمزة، وهو دليلٌ على العُجمة؛ لأن "أفعيل" بفتح الهمزة عديم في أوزان العرب. فإن قلت: لم قيل: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ)، (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ)؟ قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة. وقرأ الأعمش: (نزَل عليك الكتابُ) بالتخفيف ورفع "الكتاب". (هُدىً لِلنَّاسِ) أي: لقوم موسى وعيسى. ومن قال نحن متعبدون بشرائع من قبلنا فسره على العموم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت فيه: فوعلت فمصدره فوعلة، فأصلها وورية قلبت الواو الأولى تاء كما في تولج من ولجت، والياء قلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وإنجيل: إفعيل من النجل، وهو الأصل. وقيل: الذي يدل على أنهما عربيان دخول اللام فيهما. قوله: (إنما يصح بعد كونهما عربيتين) فيه بحث سبق في طالوت، فليراجع. قوله: (لأن القرآن نزل منجماً)، الراغب: خص الكتاب بالتنزيل لأمرين، أحدهما: أن هذا الكتاب لما كان حكمه مؤبداً والتنزيل بناء مبالغة، خص بها، تنبيهاً على هذا المعنى، وليس كذلك حكم الكتابين، والثاني: أن هذا الكتاب نزل شيئاً فشيئاً والكتابين جملة. قوله: (نحن متعبدون) يقال: تعبد الله الخلق، أي: استعبدهم، والتعبد: التنسك.

فإن قلت: ما المراد بالفرقان؟ قلت: جنس الكتب السماوية؛ لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل، أو الكتب التي ذكرها، كأنه قال بعد ذكر الكتب الثلاثة: وأنزل ما يفرق به بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب، أو أراد الكتاب الرابع؛ وهو الزبور، كما قال: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) [النساء: 163] وهو ظاهر؛ أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح؛ من كونه فارقاً بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من كتبه أو من هذه الكتب) نشر لما سبق من قوله: جنس الكتب أو الكتب التي ذكرها، فعلى الأول من باب عطف العام على الخاص، كقوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ) [الأعراف: 54]، ذكر أولاً الكتب الثلاثة ثم عم الكتب كلها ليختص المذكور بمزيد شرف، وعلى الثاني: من باب عطف الصفة على الموصوف على سبيل التجريد، جرد من الكتب معنى كونها تفرق بين الحق والباطل، ثم عطف عليها كما سبق في أول البقرة. قوله: (كما قال: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) [النساء: 163]) وجه الشبه أن قوله: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) جيء به بعد ما ذكر كتباً منزلة على الأنبياء كما هو ها هنا، وذلك قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) إلى قوله: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) أو أن الكتب المنزلة المشهورة أربعة: الفرقان، والتوراة، والإنجيل، والزبور، فلما ذكرت الثلاثة علم أن المذكور بعدها الزبور، والدليل على كونه من الكتب المنزلة قوله تعالى: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً). قوله: (أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح)، ولا يبعد أن يحمل هذا على قوله في تفسير قوله: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) [البقرة: 53]: هو كقولك: رأيت الغيث والليث، تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة، ونحوه قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً) [الأنبياء: 48].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال في "تفسيره": وأتينا به ضياء، أخرجه مخرج التجريد حيث جاء بالباء، نحو: رأيت بك أسداً، على أسلوب قولك: مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة، ويمكن أن يريد بقوله: أو كرر ذكر القرآن ... إلى آخره: أن الكتاب أطلق أولاً على القرآن ليثبت له الكمال؛ لأن اسم الجنس في مثل هذا المقام إذا أطلق على فرد من أفراده يكون محمولاً على القرآن ليثبت كماله وبلوغه إلى حد هو الجنس كله، كأن غيره ليس منه كما لو قلت لمن وهبت له كتاباً وأنت تريد به الامتنان عليه: لقد منحتك الكتاب، أي: الكتاب الكامل في بابه، ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) [البقرة: 13]، واللام للجنس، والمراد: المؤمنون مكا تقرر في قوله تعالى: (الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ) [البقرة: 1 ـ 2] ثم اقترن بوصف من أوصافه لتتميم معنى الكمال وتوكيده؛ لأن من شأن الكتب السماوية أن تكون فارقة بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والحلال والحرام، فينتهي بذلك الوصف غايته، وإليه الإشارة بقوله: تعظيماً لشأنه وإظهاراً لفضله، ولو صرح أولاً باسم القرآن واقترن به الوصف لم يكن كذلك، ولهذا كان الوجه الثاني دون هذا الوجه. قال القاضي: إنما كان تعظيماً لشأنه وإظهاراً لفضله من حيث إنه تشاركه التوراة والإنجيل في كونه وحياً منزلاً، ويتميز بأنه معجز يفرق به بين المحق والمبطل. قال صاحب "الانتصاف": وفيه وجه آخر، وهو أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا جملة واحدة كما قال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: 1]، و: (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) [الدخان: 3]، ومن سماء الدنيا منجماً في ثلاث وعشرين سنة، وأما بقية الكتب فلا يقال فيها إلا: أنزل، وهذا أوجه وأظهر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: لعله ذهل عن دقة المعنى ومال إلى أن تكرير القرآن لإناطة معنى زائد وهو التنزيل مرة والإنزال أخرى، وذهب عنه أن المقام مقام المدح وتعظيم الكتاب لا بيان إنزاله وتنزيله. قال الإمام: الوجوه المذكورة كلها ضعيفة، أما حمل الفرقان على الزبور فبعيد؛ لأن المراد من الفرقان: ما يفرق بين الحق والباطل، أو بين الحلال والحرام، وليس في الزبور إلا الموعظة، وأما حملة على القرآن فبعيد أيضاً لما يلزم من العطف المغايرة، ولا مغايرة حينئذ، وأما حمله على هذه الكتب فبعيد أيضاً لما يلزم منه عطف الصفة على الموصوف، والمختار عندي أن المراد بالفرقان: المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب: أي: أنزل الكتب وأنزل معها ما هو يفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة. وقلت: هذا الذي ذكره الإمام هو على مقتضى الظاهر، وعلماء هذا الفن يهجرون سلوك هذا الطريق، وإذا سنح لهم ما يخالف الظاهر لا يلتفتون إلى الظاهر، ويعدونه من باب النعيق، ومن ثم قال المصنف: وهو الزبور، وهو ظاهر، يعني أن هذا الوجه محمول على ظاهر العطف، لا أنه أظهر الوجوه وأقواها. وأما قوله: ليس في الزبور إلا الموعظة، فجوابه: أن الموعظة أيضاً فارقة من حيث إنها زاجرة عن ارتكاب المناهي داعية إلى الإتيان بالأوامر، صارفة عن الركون إلى الدنيا، هادية إلى النزوع إلى العقبى، فارقة لما يزلف إلى رضا الله عما يوجب سخط الله.

تعظيماً لشأنه وإظهاراً لفضله. (بِآياتِ اللَّهِ) من كتبه المنزلة وغيرها. (ذُو انْتِقامٍ) له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم. (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (5 ـ 6) (لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْء) في العالم، فعبر عنه بالسماء والأرض، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم)، هذه المبالغة إنما يفيدها إيراد (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بعد ذكر التوحيد وذكر إنزال الكتب الفارقة بين الحق والباطل، ثم توكيده بـ (إِنَّ)، وإيقاع قوله: (كَفَرُوا) صلة للموصول، وبناء (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) عليه، ثم تذييل المذكور بقوله: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) المشتمل على إعادة اسم الذات المقرون بصفة العزة، وإضافة "ذي" إلى الانتقام، كنحو قوله تعالى: (قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) [الزمر: 28]، ومجيئه نكرة، والتنكير للتعظيم. قال القاضي: النقمة: عقوبة المجرم، والفعل منه نقم بالفتح والكسر، وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد والإشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيماً للأمر وزجراً عن الإعراض عنه. قوله: ((لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ) في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض) يعني أن الذي يقتضيه الظاهر أن يقال: لا يخفى عليه شيء في العالم، فكنى عنه بقوله: (لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ)، لأن مؤداهما واحد، لأن العالم إذا أطلق يتبادر إلى الفهم السماء والأرض وما فيهما عرفاً.

فهو مطلع على كفر من كفر، وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه. (كَيْفَ يَشاء) من الصور المختلفة المتفاوتة. وقرأ طاوس (تصوّركم)، أي صوّركم لنفسه، أولتعبده، كقولك: أثلت مالاً، إذا جعلته أثلة، أي: أصلا، وتأثلته، إذا أثلته لنفسك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال المصنف: "العالم: اسم لكل ما علم به الخالق من الأجسام والأعراض" كما سبق في "الفاتحة"، وسبيل هذه الكناية سبيل قولك في الكناية عن الإنسان: هو حي مستوي القامة عريض الأظفار، وإنما اختير تلك العبارة على الظاهر ليدل على مزيد تصوير جزئيات العلم ودقائقه وخفاياه، ليكون الكلام أدل على الوعيد وأنه تعالى يعاقبهم على النقير والقطمير، ويجازيهم على كفرهم بكتب الله كتاباً غب كتاب، وعلى تكذيبهم لآياته آية بعد آية، ولهذا قال: فهو مطلع على كُفر من كفَر، وهو مجازيهم عليه، ونحوه قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) [النور: 63 ـ 64]. قال المصنف: "إن جميع ما في السماوات والأرض مختصة به خلقاً وملكاً وعلماً، فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين، وإن كانوا يجتهدون في سترها"؟ فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ) بما قبله؟ قلت: قد مر أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [إبراهيم: 47] تذييل وتأكيد لإيجاب إنزال العذاب على الكافرين بكفرهم، وأنه لا مانع له عن ذلك، فجيء بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) تتميماً لذلك وإيذاناً بأنه يعاقبهم على القليل والكثير، والنقير والقطمير. قال القاضي: إنما عبر عن العالم بالسماء والأرض لأن الحس لا يتجاوزهما، وقدم الأرض ترقياً، ولأن المقصود بالذكر ما اقترف فيها، وهو كالدليل على كونه تعالى حياً، وقوله: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ) كالدليل على قيوميته.

وعن سعيد بن جبير: هذا حجاج على من زعم أنّ عيسى كان ربًّا، كأنه نبه بكونه مصورًا في الرحم على أنه عبدٌ كغيره، وكان يخفى عليه ما لا يخفى على اللَّه. (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَاوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ) 7]. (مُحْكَماتٌ): أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان رباً)، نقل الإمام عن محمد بن إسحاق: أن من ابتداء السورة إلى آية المباهلة نزلت في النصارى حين قدم وفد نجران. وقلت: يمكن أن يكون الخطاب عاماً، وإيراد هذا الوصف بين الأوصاف لأن يدمج فيها على سبيل التعريض الاحتجاج على النصارى، وإلى التعريض الإشارة بقوله: نبه بكونه مصوراً في الرحم على أنه عبد كغيره، وتقريره أن يقال: لا شك أن من كان إلهاً يكون عالماً بما في العالم لا يخفى عليه شيء فيه كلياً كان أو جزئياً، وقادراً على كل مقدور، ومنه أنه (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) وأنتم أيها النصارى تزعمون أن عيسى كان رباً؛ لأنه وجد بغير أب، ولكنكم تقرون أنه كان مصوراً في الرحم، فإذاً لا فرق بينه وبين سائر العباد في هذا المعنى، فيلزم أن يكون عبداً كسائر العباد، وإذا كان كذلك لا يكون رباً فيخفى عليه ما لا يخفى على الرب، فقوله: "كغيره": صفة لقوله: عبد، وكذا كان يخفى عليه، صفة أخرى عطف على الصفة. قوله: (بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه)، قال الزجاج: "المعنى: أحكمت في الإبانة، فإذا سمعها السامع لم يحتج إلى التأويل"، الراغب: "المحكم قد وصف به القرآن على وجهين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحدهما: عام في جميعه، نحو: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) [هود: 1] و (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) [يونس: 1]، يعني بذلك المحكم نحو: بناءٌ محكم، وعقد محكم. والثاني: ما وصف به بعض الكتاب، وهو المذكور في قوله: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) [آل عمران: 7]، وهو ما لا يصعب على العالم معرفته لفظاً أو معنى. وقيل: ما لا يحتاج العالم في معرفته إلى تكلف نظر، وعكسه المتشابه. والكلام في أقسام المحكم والمتشابه مشكل ولابد من إيراد جملة ينكشف بها ذلك، فنقول وبالله التوفيق: الكلام في المتشابه على قسمين: أحدهما: ما يرجع إلى ذاته، والثاني: ما يرجع إلى أمر ما يعرض له، والقسم الأول على ضروب: أحدها: ما يرجع إلى جهة اللفظ مفرداً، إما لغرابته، نحو: (وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) [عبس: 31]، أو لمشاركة الغير، نحو اليد والعين، أو مركباً: إما للاختصار، نحو: (وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ) [يوسف: 82]، أو للإطناب، نحو: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: 11]، أو لإعلان اللفظ، نحو: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ) [المائدة: 107] الآية. وثانيها: ما يرجع إلى المعنى، إما من جهة دقته كأوصاف الباري عز وجل، وأوصاف القيامة، أو من جهة ترك الترتيب ظاهراً، نحو: (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ) إلى قوله: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا) [الفتح: 25]. وثالثها: ما يرجع إلى اللفظ والمعنى معاً، وأقسامهـ بحسب تركب بعض وجوه اللفظ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مع بعض وجوه المعنى - نحو: غرابة اللفظ مع دقة المعنىـ ستة أنواع، لأن وجوه اللفظ ثلاثة، ووجوه المعنى اثنان، ومضروب الثلاثة في اثنين ستة. والقسم الثاني من المتشابه، وهو ما يرجع إلى ما يعرض اللفظ، وهو خمسة أنواع. الأول: من جهة الكمية، كالعموم والخصوص، والثاني: من طريق الكيفية كالوجوب والندب، والثالث: من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ، والرابع: من جهة المكان كالمواضع والأمور التي نزلت فيها، نحو: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَاتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا) [البقرة: 189]، وقول: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) [التوبة: 37] فإنه يحتاج في معرفة ذلك إلى معرفة عادتهم في الجاهلية. الخامس: من جهة الإضافة، وهي الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد، كشروط العبادات والأنكحة والبيوع". تذييل: وقد يقسم المتشابه والمحكم بحسب ذاتهما إلى أربعة أقسام: الأول: المحكم من جهة اللفظ والمعنى، كقوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) [الأنعام: 151] إلى آخره.

(مُتَشابِهاتٌ): مشتبهات محتملات. (هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) أي: أصل الكتاب، تحمل المتشابهات عليها، وتردّ إليها، ومثال ذلك: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) [الأنعام: 103]، (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) [القيامة: 23]، (لا يَامُرُ بِالْفَحْشاء) [الأعراف: 27]، (أَمَرْنا مُتْرَفِيها) [الإسراء: 16]. فإن قلت: فهلا كان القرآن كله محكما! قلت: لو كان كله محكمًا لتعلق الناس به؛ لسهولة مأخذه؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الثاني: متشابه من جهتهما، كقوله تعالى: (فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ) [الأنعام: 125] الآية. الثالث: متشابه في اللفظ محكم في المعنى، كقوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) [الفجر: 22]. الرابع: متشابه في المعنى محكم في اللفظ، نحو: الساعة والملائكة، هذا تلخيص كلامه. قوله: (أي: أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها)، وذلك أن العرب تسمي كل جامع يكون مرجعاً لشيء أماً. قال القاضي: والقياس أمهات الكتاب، وأفرد على أن الكل بمنزلة واحد، أو على تأويل: كل واحدة. قوله: ((لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) [الأنعام: 103])، مثال للمحكم عنده، وعندنا متشابه يحمل على المحكم الذي هو (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: 23]، وتأويلها: أي: لا تحيط به الأبصار، أو جميع الأبصار لا تدركه، وقوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) مثال للمتشابه عنده، مؤول بأنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم.

ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمّل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة اللَّه وتوحيده إلا به. ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من النظر والاستدلال): بيان "ما" في: "عما يحتاجون فيه"، والحاصل أن إيراد المتشابه في التنزيل باعث على تعلم علم الاستدلال؛ لأن معرفة المتشابه متوقفة على معرفة علم الاستدلال، فتكون حاملة على تعلمه، فتتوجه إليه الرغبات ويتنافس فيه المحصلون، فكان كالشيء النافق، بخلافه إذا لم يوجد فيه المتشابه فلم يحتج إليه كل الاحتياط فيتعطل ويضيع ويكون كالشيء الكاسد، ولذلك قال: لعطلوا الطريق، وحاصله أن هذه الداعية أقوى الدواعي. قال الإمام: إن النظر بسبب المتشابه يفتقر في تعلمه إلى الاستعانة بدليل العقل، فيتخلص عن ظلمة محض التقليد. قوله: (من الابتلاء والتمييز) أي: أن اشتماله عليه يطمع كل محق ومبطل أن يخوض فيه ليجد ما يقوي به مذهبه، فإذا بالغ المحق في ذلك وصارت المحكمات مفسرة للمتشابهات خلص الحق من الباطل، ومن مل يبالغ فيه يبقى في باطله. روينا عن الإمام أحمد بن حنبل وابن ماجة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارؤون القرآن فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل الكتاب يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه بعضاً، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه". قال السجاوندي: العقل مبتلى باعتقاد حقية المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادات، فالحكيم إذا صنف كتاباً ربما أجمل فيه إجمالاً ليكون موضع جثو المتعلم لأستاذه، والملوك تكثر في أمثلتهم علامات لا تدركها العقول، وقيل: لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف

ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه وردّه إلى المحكم من الفوائد الجليلة، والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند اللَّه، ولأنّ المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام اللَّه ولا اختلاف؛ إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره، وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكر وراجع نفسه وغيره، ففتح اللَّه عليه وتبين مطابقة المتشابه المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقده، وقوّة في إيقانه. (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) هم أهل البدع (فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ) فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لاستمر العالم في أبهة العلم على المرودة، وما استأنس إلى التذلل بعز العبودية، والمتشابه هو موضع جثو العقول لبارئها استسلاماً واعترافاً بقصورها والتزاماً، وبهذا ظهر أن الوقف على قوله تعالى: (إِلاَّ اللَّهَ) هو الوجه. قوله: (والعلوم الجمة)، قال الإمام: إن اشتماله عليهما يفتقر إلى تعلم طرق التأويلات، وترجيح بعضها على بعض، وهي موقوفة على تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم الأصولين. وأقول: سيما علم المعاني والبيان. قوله: (أن لا مناقضة) مفعول المعتقد، "وإذا رأى" مع جوابه خبر (أن)، والضمير في "بينه" راجع إلى ما يتناقض، ومن خواص لفظ البين أن لا يقع إلا في متعدد، وما يتناقض متعدد باعتبار المعنى. قوله: ((الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) هم أهل البدع)، الراغب: الزيغ: الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، ومنه: زاغت الشمس عن كبد السماء، وزاغ البصر والقلب، وزاغ وزال متقاربان، لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان عن حق إلى باطل.

(ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم، (وَابْتِغاءَ تَاوِيلِهِ): وطلب أن يؤوّلوه التأويل الذي يشتهونه (وَما يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)، أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا اللَّه وعباده الذين رسخوا في العلم، أي: ثبتوا فيه وتمكنوا، وعضوا فيه بضرس قاطع. ومنهم من يقف على قوله (إلا اللَّه)، ويبتدئ (والراسخون في العلم يقولون)، ويفسرون المتشابه: بما استأثر اللَّه بعلمه، وبمعرفة الحكمة فيه من آياته، كعدد الزبانية ونحوه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه)، الراغب: التأويل من الأول أي: الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو: رد الشيء إلى الغاية المرادة منه، علماً كان أو فعلاً، ففي العلم نحو قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ) [آل عمران: 7]، وفي الفعل كقول الشاعر: وللنوى قبل يوم البين تأويل وقوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ) [الأعراف: 53] أي: بيانه الذي هو غايته المقصودة منه. قوله: (أي: لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله)، الانتصاف: لا يجوز إطلاق الاهتداء على الله تعالى لما فيه من إيهام سبق جهل وضلال جل الله تعالى عن ذلك، لأن اهتدى مطاوع هدى، ويسمى من يجدد إسلامه مهتدياً، وانعقد الإجماع على امتناع إطلاق الألفاظ الموهمة عليه تعالى، فإذا أنكر على القاضي حده مطلق العلم بكونه معرفة

والأوّل هو الوجه، و (يقولون) كلام مستأنف موضح لحال الراسخين، بمعنى: هؤلاء العالمون بالتأويل (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)، أي: بالمتشابه (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا)، أي: كل واحد منه ومن المحكم من عنده، أو بالكتاب؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ودخول علم الله فيه، فهذا أولى أن ينكر، وأظنه سها فنسب الاهتداء إلى الراسخين في العلم وغفل عن شمول ذلك الحق جل جلاله. قوله: (والأول هو الوجه)، واعلم أن الإمام اختار الوجه الثاني، واستدل عليه بوجوه: أحدها: أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ثم دل الدليل على أن الظاهر غير مراد، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة، وفي المجازات كثرة، وترجيح البعض لا يمكن إلا بالتراجيح اللغوية، وذلك لا يفيد اليقين، والمسألة يقينية، ولهذا لما سئل مالك بن أنس رضي الله عنه عن قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5] قال: "الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". وقال الإمام: هذه الحجة قاطعة في المسألة، والقلب الخالي عن التعصب يميل إليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثانيها: أن ما قبل الآية، وهو قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) دل على أن تأويل المتشابه مذموم، وما بعدها، وهو قوله: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) إنما يحسن إذا قلنا: إنهم آمنوا بما عرفوا على التفصيل وبما لم يعرفوا تفصيله. وثالثها: أن معنى الرسوخ إنما يتم إذا قلنا: إنهم علموا أن مراد الله غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا علمه إلى الله وعلموا أنه الحق والصواب، ولم يزعزعهم عن الصراط عدم علمهم بالمراد بالتعيين. ورابعها: أن الابتداء من قوله: (يَقُولُونَ) والوقف على (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) لم يحسن ذلك الحسن إذا ابتدئ من قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)، ويوقف على (إِلاَّ اللَّهُ)، عرف ذلك من رزق ذوقاً. قال صاحب "المرشد": لا إنكار لبقاء معنى في القرآن استأثر الله بعلمه، فالوقف على (إِلاَّ اللَّهُ) على هذا تام. وحكى عن مصحف ابن مسعود: (ويقول الراسخون في العلم آمنا) وقال: لا يكاد يوجد في التنزيل "أما" وما بعدها رفع إلا ويثنى أو يثلث، كقوله تعالى: (أَمَّا السَّفِينَةُ) [الكهف: 79]، (وَأَمَّا الْغُلامُ) [الكهف: 80]، (وَأَمَّا الْجِدَارُ) [الكهف: 82] الآيات. فالمعنى: وأما الراسخون، فحذف "أما"؛ لدلالة الكلام عليه. فإن قيل: فيلزم على هذا أن يجاء في الجواب بالفاء، وليس بعد (وَالرَّاسِخُونَ) الفاء. فجوابه: إن "أما" لما حذفت ذهب حكمها الذي يختص بها، فجرى مجرى الابتداء والخبر. قال صاحب "المرشد": هذا وجه جيد. وقال ابن الحاجب: أما مجيء المتعدد في "أما" فكثير؛ ولذلك قال بعضهم: إنه لازم، وحمل عليه قوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) على معنى: وأما الراسخون فيقولون: آمنا به. وهذا وإن كان محتملاً في هذا الموضع إلا أن الظاهر خلافه في غيره، كقوله القائل: أما أنا فقد فعلت كذا، ويسكت ولا إشكال في صحة مثل ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: في قوله: "محتملاً" إغفال للنظم، إذ ليس للاحتمال مجال، لأن الآية من باب الجمع والتقسيم والتفريق، أما الجمع فقوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ)، والتقسيم قوله: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ)، وقوله: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، والتفريق: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) الآية، فلابد من جعل (وَالرَّاسِخُونَ) قسيماً له، لأن التقسيم حاصر، وكان من الظاهر أن يقال: فأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم، فوضع موضع ذلك: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) وإنما وضع: (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) موضع "يتبعون" المحكم لإيثار لفظ (الرَّاسِخُونَ) على (المهتدون) في الابتداء، لأن الرسوخ في العلم لا يحصل إلا بعد الاهتداء والتتبع التام والاجتهاد البليغ، فإذا استقام القلب في سبيل الرشاد ورسخ القدم في العلم أفصح صاحبه النطق بالقول الحق إرشاداً للخلق، وكفى بدعاء الراسخين في العلم: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران: 8] شاهداً على أن (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) مقابل لقوله: (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ)، وكذا (يَقُولُونَ) وما يتصل به مقابل لـ "يتبعون" وما يتعلق به، فكأنه قيل: فأما الزائغون فيتبعون المتشابه، وأما الراسخون فيتبعون المحكم ويردون المتشابه إلى المحكم بقدر وسعهم، وإلا فيقولون: كل من المحكم والمتشابه من عند الله، ثم جيء بقوله: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) تذييلاً وتعريضاً بالزائغين ومدحاً للراسخين، يعني من لم يتذكر ولم يتعظ ويتبع هواه ليس من أولي الألباب، ومن ثم قال الراسخون: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) خضعوا لبارئهم لاستنزال العلم اللدني واستعاذوا به من الزيغ النفساني، وأما قوله: أما أنا فقد فعلت كذا ويسكت، فلا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجه له بعد إقراره بأن (أما) وضع للتفصيل، لأنه إن أراد استقلاله بنفسه وأنه لم يتعلق بكلام سابق يدل معه على التفصيل فيكون (أما) غير موضوع له، وإن تعلق ودل، وهو الواجب، فقد حصل المرام، على أن الذوق السليم والطبع المستقيم شاهدان بأن هذا ليس كلاماً ابتدائياً. فإن قلت: هل يجب معه الواو ليكون معطوفاً على ذلك المقدر؟ قلت: لا، ويؤيده ما روينا في "صحيح البخاري"، عن أنس: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن منه صلوات الله عليه، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. الحديث. فكأنه قال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فممن خصه الله بالمغفرة فلا عليه أن لا يكثر العبادة، وأما أنا فلست كهيئته فأصلي أبداً. الراغب: الأظهر من الآية الوقف على قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ)، وما قال بعضهم: لو جاز أن يخاطبنا ولم يعرفنا مراده لجاز أن يخاطبنا بكلام الزنج والروم! فالجواب عنه: أن كلام الروم والزنج لا يعلم المراد منه مجملاً ولا مفصلاً، والمتشابه يعلم منه المراد مجملاً، ولأن كل آية فسرها المفسرون على أوجه فمعلوم أن المراد لا يخرج منه، على أنه لم يمتنع أن يكلفنا الله تلاوة أحرف لا نعرف معناها فيثيبنا على تلاوتها، كما يكلفنا أفعالاً لا نعرف وجه الحكمة فيها، فالتلاوة فعل يختص باللسان. فإن قيل: لم خص الراسخين بأنهم يقولون: آمنا به؟ قيل: لأن معرفة ما للإنسان سبيل إلى معرفته، ومعرفة ما لا سبيل له إلى معرفته، ومعرفة ما لا سبيل له إلى معرفته هي من علوم الراسخين، لأن الحكماء هم الذين يميزون بين ما يمكن علمه وما لا يمكن أن يعلم،

كل من متشابهه ومحكمه من عند اللَّه الحكيم الذي لا يتناقض كلامه، ولا يختلف كتابه. (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمّل، ويجوز أن يكون (يَقُولُونَ) حالاً من الراسخين، وقرأ عبد اللَّه: (إن تأويله إلا عند اللَّه). وقرأ أبىّ: (ويقول الراسخون). (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) 8 - 9] (لا تُزِغْ قُلُوبَنا): لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا) وأرشدتنا لدينك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وما الذي يدرك إن طلب، وما الذي لا يدرك، وعلى أي غاية يجب أن يقف طالب العلم، وأي مكان يتجاوزه، وهذا من أشرف منزلة العلماء الراسخين. قوله: ((بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) وأرشدتنا لدينك) هذا على أن الهداية بمعنى الدلالة الموصلة إلى البغية، وقوله: "بعد إذ لطفت بنا" على أن يكون بمعنى الدلالة المجردة، والمقابل الحقيقي على التقديرين: الإضلال، كما فسره في قوله: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: 2] لكن لما لم يكن موافقاً لمذهبه قال: لا تبتلنا أي: لا تختبرنا اختباراً يكون سبباً للزيغ، أو لا تمنعنا ألطافك يكون سبباً للضلال، ونسي قوله: إن سبب السبب سبب. وقال القاضي: (لا تُزِغْ قُلُوبَنَا) من مقال الراسخين، وقيل: هو استئناف، أي: لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى إتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه على الحق، وإن شاء أزاغه".

أو: لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا. (مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً): من عندك نعمة بالتوفيق والمعونة. وقرئ: (لا تزغ قلوبنا)، بالتاء والياء ورفع القلوب، (جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ)، أي: تجمعهم لحساب يوم، أو لجزاء يوم، كقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) [التغابن: 9]. وقرئ: (جامع الناس)، على الأصل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: أهل السنة يدعون بهذه الدعوة غير محرفة، لأن الهدى والزيغ مخلوقان لله تعالى، والمعتزلة يزعمون أن العبد يخلق الزيغ لنفسه فيحرفون الدعاء عن موضعه. الراغب: (لا تُزِغْ قُلُوبَنَا) لا تمنعنا التوفيق، فجعل منع التوفيق إزاغة للقلوب لأدائه إليها إشارة إلى ما قيل: أقطع ما يكون المجتهد إذا خذله التوفيق، وإياه قصد من قال: إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده والهبة: تمليك الشيء غيره من غير ثمن، فنبه بقوله تعالى: (وَهَبْ لَنَا) أن حق العبد أن لا يلتفت إلى شيء من العمل وطلب العوض به، بل يرجو رجاء المفاليس الطالبين للتفضل والهبة لا العوض، وإنما قال: (مِنْ لَدُنْكَ) لأنه لما كانت الهبة على ضربين: هبة عن عوض، وهبة لا عن عوض، نبه بقوله: (هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ) أن هذه الهبة اعتراف أن بتفضله يدرك ما لا يدرك في الدنيا والآخرة، نحو قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [الأعراف: 43]. قوله: (أو لجزاء يوم، كقوله: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) [التغابن: 9]، قال القاضي: نبهوا به على أن معظم غرضهم من الطلبتين ما يتعلق بالآخرة، فإنها المقصد والمآل.

(إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) معناه: أنّ الإلهية تنافي خلف الميعاد، كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله، والميعاد: الموعد. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَابِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (12)) قرأ علي رضي اللَّه عنه: (لن تغني) بسكون الياء، وهذا من الجدّ في استثقال الحركة على حروف اللين. (مِنَ) في قوله: (مِنَ اللَّهِ) مثله في قوله: (وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) [النجم: 28]. والمعنى: لن تغني عنهم من رحمة اللَّه أو من طاعة اللَّه (شَيْئاً)، أي: بدل رحمته وطاعته وبدل الحق. ومنه (ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ) .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن الإلهية تنافي خلف الميعاد) يريد أن هذه الخاتمة تذييل لما سبق، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: "إنك لا تخلف الميعاد"، ثم إن ربنا لا يخلف الميعاد، فوضع المظهر موضع المضمر من غير لفظه السابق، وخص باسم الذات، وجعله محكوماً عليه، وجعل عدم خلف الميعاد محكوماً به ليكون من باب الإشعار بالعلية، ولهذا مثل بقوله: إن الجواد لا يخيب سائله. قوله: (ومنه: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد")، روينا عن مسلم وأبي داود والنسائي، عن أبي سعيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم لك الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". النهاية: الجد: الحظ والسعادة والغنى، أي: لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة.

أي: لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بذلك، أي: بدل طاعتك وعبادتك وما عندك، وفي معناه قوله تعالى: (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى) [سبأ: 37]. وقرئ: (وقود)، بالضم بمعنى: أهل وقودها. والمراد بالذين كفروا: من كفر برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير. (الدأب): مصدر دأب في العمل: إذا كدح فيه، فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، والكاف مرفوع المحل تقديره: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم، ويجوز أن ينتصب محل الكاف ب (لن تغنى)، أو ب (الوقود)، أي: لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك، أو توقد بهم النار كما توقد بهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن ابن عباس: هم قريظة والنضير) فالتعريف في (الَّذِينَ كَفَرُوا) على هذا للعهد، وعلى الأول للجنس. قوله: (فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله)، قال في "الأساس": دأب الرجل في عمله: اجتهد فيه، ومن المجاز: هذا دأبك، أي: شأنك وعملك، وقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ) [إبراهيم: 33]، ويقال للملوين: الدائبان. الراغب: الدأب: العادة التي عليها يدوم صاحبها، وهو أخص من العادة، ومنه أدأب في سيره، قال الفراء: الدأب: لزوم الحال التي فيها. قوله: (أي: لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك أو: توقد بهم). هذا نشر لقوله: أن ينتصب محل الكاف بـ (لَنْ تُغْنِيَ) أو بالـ (وَقُودُ) من حيث اللفظ، وقوله: "دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم": تقرير وجه الرفع، ثم قوله: يقول: "إنك لتظلم الناس"، إلى قوله: "كما حورف أبوه"، مثالان لهذين التقديرين على النشر أيضاً.

تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك، تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم، وإنّ فلانا لمحارف كدأب أبيه، تريد كما حورف أبوه. (كَذَّبُوا بِآياتِنا) تفسير لدأبهم ما فعلوا وفعل بهم، على أنه جواب سؤال مقدّر عن حالهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: في الآية أن الضمير في (عَنْهُمْ) راجع إلى (الَّذِينَ كَفَرُوا)، والمراد بالكفر: الشرك؛ وهو الظلم، (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: 13]، كأنه قيل: لن تغني عن الذين ظلموا وأشركوا كما لم تغن عن أولئك، وأن الموقود بالنار يبقى محارفاً كما شقي وحورف أولئك. قوله: (لمحارف). الجوهري: رجل محارف بفتح الراء، أي: محدود محروم، وهو خلاف قولك: مبارك، وقد حورف كسب فلان، أي: شدد عليه في معاشه. فمعنى توقد بهم النار، أي: مصيرهم إلى سوء الخاتمة، شبهوا بالمحارف المحروم الذي شدد عليه معاشه في خيبة السعي والعاقبة الوخيمة. قوله: (على أنه جواب سؤال مقدر) متعلق بقوله: "تفسير لدأبهم" أي: فصل قوله: (كَذَّبُوا) عن الكلام السابق، على طريقة الاستئناف، ليكون تفسيراً لدأبهم، هذا على تقدير أن يكون الكاف مرفوع المحل وأن التقدير: دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم، وذلك أن المشبه حينئذ معنى مجموع الآية السابقة مما فعل هؤلاء الكفرة من الكفر والتكذيب، وما فعل بهم من تخييب سعيهم وإيقاد النار بهم، لأن المشار إليه بقوله: (هَؤُلاءِ): المار ذكرهم، والمشبه به: حال فرعون من الطغيان وما لحقه من تبعته من إهلاكه، ووجه الشبه قوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ)، ونحوه قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: 59].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ليس بمتصل بآدم، وإنما هو تبيين قصته، فإذا قلت: مثلك مثل زيد، أردت أنك تشبهه في فعل ثم تخبر بقصة زيد تقول: فعل كذا وكذا، والتشبيه تمثيلي، يعني قوله: دأب هؤلاء كدأب آل فرعون وموقعه من الكلام السابق موقع التذييل التشبيهي، كقول الشاعر: وأشد ما لاقيت من ألم الهوى ... قرب الحبيب وما إليه سبيل كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول وأما على أن ينتصب محل الكاف، فالوجه أمر واحد؛ لأن التشبيه إما واقع في عدم الإغناء، كما قال: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ)، كما لن تغني عن أولئك، أو في الإيقاد المعني بقوله: أو توقد بهم كما توقد بهم، والوجه على التقديرين عقلي ظاهر لم يحتج إلى البيان، فيكون قوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ): استئنافاً على بيان الموجب، فإنه تعالى لما أخبر أن أموالهم التي جمعوها، وأولادهم الذين تكاثروا بهم، لم تغن عنهم شيئاً، كما لم تغن عمن قبلهم، أو أخبر أن النار أوقدت بهم كما أوقدت بمن قبلهم، اتجه لقائل أن يسأل: لم أفعل بهم؟ أي: بآل فرعون ومن قبلهم، ذلك؟ فأجيبوا: لأنهم كذبوا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم، ولما كان معنى الدأب: الحال والشأن، وأنك تعلم أن التشبيه الواقع في الحال والقصة لا يكون إلا في الأمور المنتزعة المتوهمة، ولم يستقم ذلك إذا كان الوجه أمراً واحداً،

(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) هم مشركو مكة، (سَتُغْلَبُونَ)، يعني: يوم بدر وقيل: هم اليهود. ولما غلب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوم بدر قالوا: هذا واللَّه النبيّ الأميّ الذي بشرنا به موسى، وهموا باتباعه، فقال بعضهم: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد شكوا. وقيل: جمعهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعد وقعة بدر في سوق بني قينقاع. فقال: يا معشر اليهود! احذروا مثل ما نزل بقريش، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أنى نبي مرسل. فقالوا: لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أوله بقوله: كدأب أبيك، يريد كظلم أبيك أولاً، وبقوله: إن فلاناً لمحارف، كدأب أبيه، يريد: كما حورف أبوه ثانياً، والوجه هو الأول وعليه النظم. قال الإمام: معنى الآية أنه: كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال، فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك من القتل والسبي وسلب الأموال، ويكون قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ) الآية [آل عمران: 12] كالدلالة على ذلك، وكأنه تعالى بين أنه كما نزل بالقوم العذاب المعجل، ثم يصيرون إلى دوام العذاب فسينزل بمن كذب بمحمد صلوات الله عليه هذان الأمران. قوله: (شكوا) إنما شكوا لأنهم ظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر أمره، ولا ينقطع عن قريب، فقالوا: لو كان هو النبي الأمي المبشر به لظهر أمره، ولما انقطع عن قريب، ولم يعلموا أن الله تعالى سينصره ويظهر دينه، ولما علموا وتيقنوا عاندوا. قوله: (فنزلت) يعني قوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ)، الفاء في فنزلت متعلق بالروايتين المختصتين باليهود، وتقريره على الرواية الأولى، وهي قوله: فلما كان يوم أحد

وقرئ: (سيغلبون ويحشرون)، بالياء كقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ) [الأنفال: 38]، على: قل لهم قولي لك: سيغلبون فإن قلت: أي فرق بين القراءتين من حيث المعنى؟ قلت: معنى القراءة بالتاء: الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون، وهو الكائن من نفس المتوعد به، والذي يدل عليه اللفظ: ومعنى القراءة بالياء: الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه؛ كأنه قال: أدّ إليهم هذا القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ شكوا، فنزلت، يعني: قل لليهود: لا تشكوا في أني أنا النبي الأمي المبشر به في التوراة إن غلبت بعد الظفر، فإن الحرب سجال، فإن كانت الدائرة يوم أحد علينا فتكون بعد ذلك عليكم، فستغلبون وتحشرون، وعلى الثانية ظاهر، ذكر الواحدي، عن ابن عباس، أن الخطاب بقوله: (سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ) لليهود، وعن مقاتل: أنه للمشركين. قوله: (وقرئ: "سيغلبون ويحشرون" بالياء) فيهما: حمزة والكسائي، وبالتاء الفوقانية الباقون. قوله: (والذي يدل عليه اللفظ) عطف على قوله: الكائن أو على نفس المتوعد به، ومن: بيانية، واللام في المتوعد: بمعنى الذي، والضمير في به: راجع إلى اللام، ولفظة هو: راجع إلى معنى سيغلبون. قوله: (سيغلبون) بالياء التحتانية هو عين ما تكلم به الله تعالى، ونفس ما توعد به، وهذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هو الذي يدل عليه لفظ (سَتُغْلَبُونَ) بالتاء الفوقانية، الذي نقله صلوات الله عليه في قول الله تعالى. والحاصل أن القراءة بالتاء الفوقانية تدل على أن الأمر متوجه إلى إيصال معنى اللفظ إلى الكفار، وبالياء تدل على أن الأمر متوجه إلى إيصال اللفظ بعينه. فإن قلت: كيف جعل المصنف القراءة بالياء التحتانية أصلاً، وبالتاء فرعاً؟ ولم لا يجوز العكس، على أن الواحدي في "الوسيط" لم يفرق بينهما، ونقل عن الفراء أنه يجوز في مثل هذا التاء والياء: لأنك تقول في الكلام: قل لعبد الله: إنه قائم، و: إنك قائم. قلت: لا ارتياب أن هذا وعيد وتهديد للكفار، وقد علم في غير موضع أن الوعيد والتهديد إذا عدل عن مخاطبة المهدد والموعد ولم يجعل [محلاً] للخطاب بعداً له، كان أبلغ، كقوله تعالى: (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [المائدة: 116] وقوله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ) [التكوير: 8]. وأيضاً، في نفس التركيب الأول تأكيد وتقرير ليس في الثاني، لأنه على الحكاية يقتضي أن يقال ابتداء: سيحشرون، ثم يؤمر بأن يحكي اللفظ بعينه اهتماماً به، بخلاف الثاني. وأما قوله: قل لعبد الله: إنه قائم، فيحتمل وجهين. أحدهما: الحكاية للتقرير والتأكيد كما سبق. وثانيهما: أن يراد مؤدى معناه، وهو أنك قائم، والأول آكد وبمقام المبالغة أنسب، فظهر من هذا أن قوله: "سيغلبون ويحشرون" بالياء التحتانية على سبيل الحكاية أبلغ وآكد من الخطاب والمقام له أدعى، فكان جعله أصلاً في الاعتبار أولى.

(قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصار) 13] (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ) الخطاب لمشركي قريش (فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ) الخطاب لمشركي قريش)، واستدل المصنف عليه بقراءة نافع: "ترونهم" بالتاء الفوقانية، وفيه نظر، لأنه على هذا التقدير لا يستقيم أن يكون الضمير في (مِثْلَيْهِمْ) للمشركين اللهم إلا أن يقال: التفت فيه كما قدر مثلي فئتكم، لكن ليس موضعاً للالتفات. نعم، هذه القراءة تدل على الوجه الثاني، أي: ترونهم مثلي عدد المسلمين. وقال الواحدي: (قَدْ كَانَ لَكُمْ) يخاطب الذين ذكرهم في قوله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا)، ونقل عن ابن عباس: أن المخاطبين بقوله: "سيغلبون" يهود المدينة، وعن مقاتل: مشركو مكة، وقال القاضي: الخطاب بقوله: (قَدْ كَانَ لَكُمْ) إذا كان لمشركي مكة ينبغي أن يكونوا غير من خوطبوا بقوله: (سَتُغْلَبُونَ)، يعني يوم بدر، لما يؤدي إلى أن يقال: أيها المشركون، إنكم ستغلبون يوم بدر، واعتبروا بما جرى عليكم يوم بدر على ما يقتضيه النظم، وإذا كان

يوم بدر (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ): يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين، أو مثلي عدد المسلمين ست مائة ونيفاً وعشرين، أراهم اللَّه إياهم مع قلتهم أضعافهم؛ ليهابوهم، ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مدداً لهم من اللَّه، كما أمدّهم بالملائكة، والدليل عليه قراءة نافع: (ترونهم)، بالتاء، أي: ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة، أو مثلي أنفسهم. فإن قلت: فهذا مناقض لقوله في سورة الأنفال (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) [الأنفال: 44]؟ قلت: قللوا أوّلا في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين. ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) وقوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئوُلُونَ) [الصافات: 24]. وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية. وقيل: يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين على ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الأنفال: 66] بعد ما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الأنفال: 65] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لليهود لا يستقيم عليه قراءة (تَرَوْنَهُمْ) بالتاء، والأقرب أن يراد بقوله: (سَتُغْلَبُونَ) غير الذين أريدوا بقوله: (قَدْ كَانَ لَكُمْ) وأن لا يراد بقوله: (سَتُغْلَبُونَ) يوم بدر، سواء كان المخاطبون مشركي قريش أو يهود، إلا أن يكون الثاني خطاباً للمسلمين مستأنفاً منقطعاً عما قبله امتناناً عليهم، ويساعده قراءة نافع. قوله: (لافوهم) صح بالفاء، أي: خالطوهم، قال في "الأساس": لف الكتيبة بالأخرى، وجاؤوا من لف ولفيف، وهم الأخلاط، وفي بعض النسخ: بالقاف، والأول أنسب. قوله: (وقيل: يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين)، هذا معطوف على قوله: "يرى

ولذلك وصف ضعفهم بالقلة؛ لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف، وكان الكافرون ثلاثة أمثالهم، وقراءة نافع لا تساعد عليه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المشركون المسلمين"، وعلى هذا لا يرد السؤال، لكن قراءة نافع لا تساعد عليه، إذ لا يستقيم أن يكون المعنى: ترون أيها المسلمون المشركين مثليهم، لأن المقدر: مثلي المسلمين، إلا أن يكون التفاتاً. الانتصاف: الخطاب على قراءة نافع للمسلمين، أي: ترونهم يا مسلمون، ويكون الضمير في (مِثْلَيْهِمْ) أيضاً للمسلمين، وهو لفظ غيبة، والمعنى: ترون أيها المسلمون المشركين مثليهم، أي: مثليكم، وفيه التفات في جملة واحدة، وهو وإن كان فصيحاً لكن غالب ما يأتي في جملتين، وها هنا (مِثْلَيْهِمْ) مفعول لـ (تَرَوْنَهُمْ)، وهو كما لو قلت: أظنك يقوم، بالياء للغيبة، ولم يكن بذلك إلا أنه لازم على أحد وجهيه المقدمين، فإن قراءة نافع تقديرها: ترون يا مشركون المسلمين مثلي عددهم أو مثلي فئتكم الكافرة، فعلى الثاني يلزم الخروج من الخطاب إلى الغيبة في جملة واحدة. قوله: (ولذلك وصف ضعفهم) أي: لما قرر من مقاومة الواحد الاثنين بعدما كلفوا مقاومة الواحد العشرة، وصف ضعف المشركين بالقلة؛ لأن الضعف قليل بالإضافة على عشرة الأضعاف، يريد في سورة الأنفال في قوله: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً) [الأنفال: 44]. قوله: (إلى عشرة الأضعاف) قيل: عرفه؛ لأن المراد المعهود في قوله: (يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الأنفال: 66]، ولو قال: تسعة الأضعاف، لكان أحسن؛ لأن العشرة تسعة أضعاف الواحد، لأن ضعف الواحد اثنان، وضعفا الواحد ثلاثة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال في "المغرب": فإذا وصى الميت: أعطوا فلاناً ضعف ما يصيب ولدي، يعطى مثله مرتين، ولو قال: ضعفي ما يصيب ولدي، فإن أصابه مئة يعطى ثلاث مئة. وعن أبي عبيدة في قوله تعالى: (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) [الأحزاب: 30] أي: تعذب أعذبة. قلت: وفي "المغرب" أيضاً: أن الأزهري أنكره وقال: هذا الذي يستعمله الناس، وأما الحذاق فقالوا: إنها تعذب مثلي عذاب غيرها، لأن الضعف في كلامهم: المثل. ويؤيده قول المصنف في قوله تعالى: (فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ) [البقرة: 265] "ضعفين: مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل". وقول الراغب: الضعف من الألفاظ المتضايفة، كالنصف والزوج، وهو تركب زوجين متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل: أضعفت الشيء وضعفته وضاعفته، ضممت إليه مثله فصاعداً، قال بعضهم: ضاعف أبلغ من ضعف، ولهذا قرأ أكثرهم: (يُضَاعَفْ) [الأحزاب: 30]، وقال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: 160] فالمضاعفة على قضية هذا القول تقتضي أن تكون عشر أمثالها. وقيل: ضعفت، بالتخفيف، ضعفاً، فهو مضعوف، فالضعف: مصدر، والضعف: اسم كالثني والثني، فضعف الشيء هو الذي يثنيه، ومتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد

وقرأ ابن مصرف: (يرونهم)، على البناء للمفعول بالياء والتاء، أي يريهم اللَّه ذلك بقدرته. وقرئ: (فئة تقاتل وأخرى كافرة)، بالجرّ على البدل من فئتين، وبالنصب على الاختصاص، أو على الحال من الضمير في (التقتا)، (رَايَ الْعَيْنِ) يعنى رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات (وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ) كما أيد أهل بدر في تكثيرهم في عين العدوّ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومثله، نحو أن يقال: ضعف العشرة، فذلك عشرون بلا خلاف، وإذا قلت: أعطه ضعفي واحد، فإن ذلك اقتضى الواحد ومثليه، وذلك ثلاثة؛ لأن معناه: الواحد واللذان يزاوجانه، هذا إذا كان الضعف مضافاً، فإذا لم يكن مضافاً فقلت: الضعفين، قيل: ذلك يجري مجرى الزوجين في أن كلاً منهما يزاوج الآخر، فلا يخرجان عن الاثنين، بخلاف ما إذا أضيف الضعفان إلى واحد فيثلثهما، نحو: ضعفي الواحد. قوله: (وبالنصب على الاختصاص) أي: على المدح، يعني: اذكر فئة لا يخفى شأنها، وهي التي تجاهد في سبيل الله، وعلى هذا "وأخرى كافرة" منصوبة على الذم؛ لأنها مقابلة لها ومعطوفة عليها. قوله: (أو على الحال من الضمير في (الْتَقَتَا))، قال أبو البقاء: ويقرأ "فئة" بالنصب فيهما على أن يكون حالاً من الضمير في (الْتَقَتَا)، تقديره: التقتا مؤمنة وكافرة، و"فئة"، و"أخرى"، على هذا: توطئة للحال. يريد: أن لفظة "فئة"، ولفظة "أخرى" في القرآن موطئتان للحال، والحال هي: مؤمنة وكافرة، كقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً) [يوسف: 2]، وعبر بقوله: (تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) عن قوله: "مؤمنة" لأنه مقابل لقوله: "كافرة".

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ) 14 ـ 17]. (زُيِّنَ لِلنَّاسِ) المزين هو اللَّه سبحانه وتعالى؛ للابتلاء، كقوله: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ) [الكهف: 7]. ويدل عليه قراءة مجاهد: (زين للناس)، على تسمية الفاعل. وعن الحسن: الشيطان، واللَّه زينها لهم؛ .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المزين هو الله سبحانه وتعالى للابتلاء)، قال القاضي: لأنه الخالق للأفعال والدواعي، ولعله زينه ابتلاء أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله، ولأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع. وقلت: الأول يناسب المقام، لقوله تعالى: (ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [آل عمران: 14] وقوله: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ) [آل عمران: 15]، وتسمية المذكورات بالخير على زعم طالبيها، ونحوه قوله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [الأنعام: 32]. الراغب: أصل الشهوة نزوع النفس إلى ما تريده، وذلك في الدنيا ضربان: صادقة وكاذبة، فالصادقة: ما يختل البدن من دونه، كشهوة الطعام عند الجوع، والكاذبة: ما لا يختل من دونه، وقد يسمى المشتهى شهوة، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) يحتمل الشهوتين، وقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) [مريم: 59] من الشهوات الكاذبة، ومن المشتهيات المستغنى

لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها (حُبُّ الشَّهَواتِ) جعل الأعيان التي ذكرها شهوات؛ مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها. والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات؛ لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية، وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ) ثم جاء التفسير؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عنها، وقوله تعالى في صفة الجنة: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ) [الزخرف: 71] من الصادقة. قوله: (جعل الأعيان التي ذكرها شهوات) يعني حين أوقع الشهوات مبهماً أولاً ثم بين بالمذكورات، علم أن الأعيان هي عين الشهوات، كأنه قيل: زين حب الشهوات التي هي النساء، فجرد عن النساء شيء يسمى شهوات، وهي نفس الشهوات، نحو: في البيضة عشرون رطلاً حديداً، كأنه قيل: هذه الأشياء خلقت للشهوات وللاستمتاع بها لا غير، لكن المقام يقتضي الذم، ولفظ الشهوة عند العارفين مسترذل، والتمتع بها نصيب البهائم، وهو المراد من قوله: "والوجه أن يقصد تخسيسها". قوله: (من اتبعها) متعلق بقوله: "مذموم"، مفعول أقيم مقام الفاعل، و"شاهد على نفسه بالبهيمية" بدل من قوله: "مذموم من اتبعها"؛ لأن "شاهد" مستند إلى ضمير من اتبعها. قوله: (وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ))، قيل: هذه الجملة مستأنفة، وليست بها؛ لأن الجملة المستأنفة المقرونة بالعاطفة لا تكون إلا معترضة أو مذيلة، وهذه ليست كذلك، بل هي معطوفة على قوله: "جعل الأعيان"، ويكون قوله: "والوجه أن يقصد"، كالإضراب عن قوله: "جعل"، ثم بنى الكلام على الثاني وقال: " (زُيِّنَ) أي: جعل الأعيان نفس الشهوات مبالغة، لا بل قصد تخسيسها، وسماها شهوات"، يعني سماها شهوات ابتداء تخسيساً لها.

ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها وأدلّ على ذم من يستعظمها، ويتهالك عليها، ويرجح طلبها على طلب ما عند اللَّه. والقنطار: المال الكثير. قيل: ملء مسك ثور، وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مئة رجل قد قنطروا، و (المقنطرة) مبنية من لفظ القنطار؛ للتوكيد كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حبه). الضمير راجع إلى اللام في "المزين" لأنها موصولة، أي: الذين زين لهم. قوله: (ما هو إلا شهوات لا غير) من التراكيب التي منعها صاحب "المفتاح"، وقال: لا يصح: ما زيد إلا قائم لا قاعد، ولا: ما يقوم إلا زيد لا عمرو، والسبب أن "لا" العاطفة من شرط منفيها أن لا يكون منفياً قبلها بغيرها من كلمات النفي. وقيل في العذر: ليست "لا" في قوله: "لا غير" للعطف، بل هو لمجرد النفي، وقوله: "لا غير" صفة لـ "شهوات"، أي: ما هو إلا شهوات موصوفة بأنها ليست غير الشهوات، أي: موصوفة بأنها شهوات صرفة. وقلت: هذا الغدر إن صح في هذا المقام فكيف يصح في قوله في النساء: "ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا إحساناً لا إساءة"، إذ لا يجوز فيه إلا العطف؛ لأن اسم "لا" المفرد لا يكون منصوباً أبداً، بل إذا كان مضافاً أو مشبهاً به، والحق جوازه على تأكيد ما هو منفي قبلها. قوله: (والقنطار: المال الكثير)، الراغب: القنطرة من المال: مقدار ما فيه عبور الحياة، تشبيهاً بالقنطرة، وذلك غير محدود القدر، وإنما هو بحسب الإضافة كالغنى، فرب إنسان يستغني بالقليل، وآخر لا يستغني بالكثير، ولما قلنا: اختلفوا في حده، فقيل: أربعون أوقية، وقال الحسن: ألف ومئتا دينار، إلى غير ذلك، كاختلافهم في حد الغنى، (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ) أي: المجموعة قنطاراً قنطاراً، كقولهم: دراهم مدرهمة، ودنانير مدنرة.

و (الْمُسَوَّمَةِ): المعلمة، من السومة وهي العلامة؛ أو المطهمة؛ أو المرعية، من أسام الدابة وسوّمها (وَالْأَنْعَامِ): الأزواج الثمانية. (ذلك) المذكور (مَّتَاعُ الحياة الدنيا)، (لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات) كلام مستأنف، فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم؟ عندي رجل صفته كيت وكيت، ويجوز أن يتعلق اللام ب (خير)، واختص المتقين؛ لأنهم هم المنتفعون به، وترتفع (جنات) على: هو جنات، وتنصره قراءة من قرأ (جنات) بالجرّ على البدل من (خير) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو المطهمة)، الأساس: جواد مطهم: تام الحسن، ورجل مطهم. قوله: (هل أدلكم على رجل عالم؟ عندي رجل)، قوله: "عندي رجل" مثال لقوله: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا)، فيكون "رجل عالم" نظير (بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ)، وذلك يوهم أن (مِنْ ذَلِكُمْ) صفة لـ "خير"، وليس به. قال أبو البقاء: (مِنْ ذَلِكُمْ) في موضع نصب بـ "خير"، أي: بما يفضل ذلك، ولا يجوز أن يكون صفة لـ "خير"؛ لأن ذلك يوجب أن تكون الجنة وما فيها مما رغبوا فيه بعضاً لما زهدوا فيه من الأموال ونحوها. قوله: (وترتفع (جَنَّاتٌ) على هو جنات)، وهو نحو قوله تعالى: (أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ النَّارُ) [الحج: 72]. قوله: (وتنصره قراءة من قرأ "جنات" بالجر على البدل)؛ لأن جنات حينئذ بيان للخير كما أن قوله: "هو جنات": تفسير له، قال أبو البقاء: هو: صفة لخير، و (خَالِدِينَ): حال مقدرة من ضمير (اتَّقَوْا)، والعامل الاستقرار، أو من الهاء في (تَحْتِهَا).

(والله بَصِيرٌ بالعباد) يثيب ويعاقب على الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم؛ فلذلك أعدّ لهم الجنات. (الذين يَقُولُونَ) نصب على المدح، أو رفع، ويجوز الجرّ صفة للمتقين، أو للعباد، والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها، وقد مرّ الكلام في ذلك، وخص الأسحار؛ لأنهم كانوا يقدّمون قيام الليل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم، فلذلك أعد لهم الجنات)، يعني العباد، مظهر أقيم موضع المضمر لتلك العلة، ويمكن أن يقال: والله بصير بالعباد المتقين وبما يصلحهم ويرديهم، وأن إيثار الآخرة على الدنيا وزينتها خير لهم، فلذلك أنبأهم بما هو خير لهم، والأنسب أن يجعل قوله: (الَّذِينَ يَقُولُونَ) الآية وارداً على المدح تربية لمعنى وضع المظهر موضع المضمر، ويعضد هذا الوجه ما رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء"، أخرجه الترمذي عن قتادة. وعن البخاري ومسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها" الحديث. وإنما خص الماء في الحديث الأول بالذكر تشبيهاً لطالب الدنيا بالمستسقي. قوله: (وقد مر الكلام في هذا) أي: في أول البقرة عند قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ).

فيحسن طلب الحاجة بعده (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: 10] وعن الحسن: كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم. (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [18 - 19] شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره، وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد، كسورة الإخلاص، وآية الكرسي وغيرهماـ بشهادة الشاهد في البيان والكشف، وكذلك إقرار الملائكة وأولي العلم بذلك واحتجاجهم عليه (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال، ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: 10])، وعن ابن عباس: هذه الكلم لا تقبل ولا تصعد إلى السماء فتكتب حيث تكتب الأعمال المقبولة إلا إذا اقترن بها العمل الصالح، والكلم الطيب: كل ذكر من تهليل وتكبير وتسبيح وقراءة قرآن واستغفار، وها هنا العمل الصالح الذي يرفع الاستغفار بالأسحار هو: قيام الليل. قوله: (شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة)، الباء في "أفعاله" كالباء في "كتبت بالقلم"، والباء في "بشهادة" متعلقة بـ "شبهت". قوله: (وكذلك إقرار الملائكة) أي: وكذلك شبه إقرار الملائكة وأولي العلم بالتوحيد واحتجاج الملائكة وأولي العلم على التوحيد بشهادة الشاهد في البيان، فالباء في "بذلك": متعلق بالإقرار، لا بـ "شبهت"، كما ظن، لدلالة تعلق الجار والمجرور، أعني: "عليه"، بقوله:

والعمل على السوية فيما بينهم، وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه كقوله: (وَهُوَ الحق مُصَدّقًا) [البقرة: 91]، فإن قلت: لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه؟ ولو قلت جاءني زيد وعمرو راكباً لم يجز. قلت: إنما جاز هذا؛ لعدم الإلباس، كما جاز في قوله: (وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) [الأنبياء: 72] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "واحتجاجهم"، وأن الضمير واسم الإشارة راجعان إلى شيء واحد وهو التوحيد، وعطف قوله: "بما أوحى" على "أفعاله" ليؤذن بأن الشهادة من الله إما فعلي أو قولي، وأتى بقوله: "وكذلك إقرار الملائكة" على التفريع والتشبيه، ليعلم الفصل بين الشهادتين، والفرق بين الدلالتين، فإن شهادة الله: نصب الأدلة وإنزال الوحي، وشهادة الملائكة وأولي العلم: الإقرار بالتوحيد والاحتجاج عليه، ولهذا فصل الله تعالى شهادة الملائكة وأولي العلم من شهادته بالمفعول وهو قوله: (أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)، فالمشبه: دلالة الله على التوحيد بالفعل والقول، وإقرار الملائكة وأولي العلم واحتجاجهم، والمشبه به: شهادة الشاهد، ووجه الشبه: البيان والكشف؛ لأنه شامل للمعاني، وهو أيضاً عقلي، فالاستعارة مصرحة تبعية لأن الطرف المذكور هو المشبه به، وهو فعل. قوله: (والعمل على السوية فيما بينهم) أي: في معاملاتهم من التعادل في الأخذ والعطاء والوزن والكيل، قال الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: 25]. قوله: (حال مؤكدة منه) أي: من فاعل (شَهِدَ) لقوله فيما بعد: قد جعلته حالاً من فاعل (شَهِدَ).

أن انتصب (نافلة) حالا عن يعقوب. ولو قلت: جاءني زيد وهند راكباً جاز؛ لتميزه بالذكورة، أو على المدح. فإن قلت: أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة كقولك: الحمد للَّه الحميد، "إنا معشر الأنبياء لا نورث" إنا - بني نهشلـ لا ندعي لأب قلت: قد جاء نكرة كما جاء معرفة، وأنشد سيبويه فيما جاء منه نكرة قول الهذلي: وَيَاوِي إلَى نِسْوَةٍ عُطْلٍ وَشُعْثاً مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن انتصب (نَافِلَةً) هو فاعل لـ "جاز". قوله: (إنا معشر الأنبياء لا نورث)، والرواية عن الأئمة: "لا نورث، ما تركناه صدقة". قوله: (إنا بني نهشل لا ندعي لأب) تمامه: عنه ولا هو بالأبناء يشرينا المعنى: إنا، أعني بني نهشل، ندعي: من الدعوة، وعنه: يتعلق به، يقال: ادعى فلان في بني هاشم: إذا انتسب إليهم، وادعى عنهم: إذا عدل بنسبته عنهم، كما يقال: رغب فيه وعنه، وقوله: "لأب" أي: لأجل أب، شريته يجيء بمعنى بعته، أي: إنا لا نرغب عن أبينا فننتسب إلى غيره، وهو لا يرغب عنا فيتبنى غيرنا ويبيعنا به، فقد رضي كل منا بصاحبه. قوله: (ويأوي إلى نسوة) الضمير في "يأوي": للصائد، وعطل: جمع عاطل،

فإن قلت: هل يجوز أن يكون صفة للمنفي، كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو؟ قلت: لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف. فإن قلت: قد جعلته حالا من فاعل (شهد)، فهل يصح أن ينتصب حالا عن (هو) في: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ)؟ قلت: نعم؛ لأنها حال مؤكدة، والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقولك: أنا عبد اللَّه شجاعاً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: لا حلي عليهن، شعثاً: جمع شعثاء، وهي التي لا تسرح شعرها ولا تغسله، ومراضيع: يحتمل أن يكون جمع "مرضاع": وهي كثيرة الإرضاع، وأن يكون جمع "مرضع"، والسعالي: جمع سعلاة، وهي أخبث الغيلان، ونصب "شعثاً" على الترحم بفعل مضمر، أو على الذم، وأتى بالواو ليدل على كمال ذمها وسوء حالها، كأنه قيل: ويأوي إلى نسوة عطل وأذم شعثاً، وفي تخصيص مراضيع تتميم للذم، ومن ثم قيل: فلانة تأكل من ثدييها. قوله: (والحال المؤكدة لا تستدعي) أي: الحال المؤكدة لا توجب أن يكون عاملها مستقراً في الجملة التي الحال زيادة في فائدتها، بل إن كان في الجملة عامل جاز، كقوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ)، وإن لم يكن فيها عامل، كقولك: أنا عبد الله شجاعاً أيضاً: جاز، وظهر من هذا أن الحال المؤكدة ليس بلازم أن يكون مجيئها على إثر جملة عقدها من اسمين لا عمل لهما فيها كما في "المفصل"؛ لأن ذلك شرط، فحذف عاملها على سبيل الوجوب.

وكذلك لو قلت: لا رجل إلا عبد اللَّه شجاعاً، وهو أوجه من انتصابه عن فاعل (شهد)، وكذلك انتصابه على المدح. فإن قلت: هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة اللَّه والملائكة وأولي العلم كما دخلت الوحدانية؟ قلت: نعم إذا جعلته حالاً من (هو)، أو نصباً على المدح منه، أو صفة للمنفي، كأنه قيل: شهد اللَّه والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، وأنه قائمٌ بالقسط. وقرأ عبد اللَّه: (القائم بالقسط)، على أنه بدل من (هو)، أو خبر مبتدأٍ محذوف، وقرأ أبو حنيفة: (قيما بالقسط) (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): صفتان مقرّرّتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل، يعنى: أنه العزيز الذي لا يغالبه إلهٌ آخر، الحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله، فإن قلت: ما المراد بأولي العلم الذين عظمهم هذا التعظيم؛ حيث جمعهم معه ومع الملائكة في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت: هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله بالحجج الساطعة، والبراهين القاطعة، وهم علماء العدل والتوحيد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو البقاء: (قَائِماً) حال من (هُوَ)، والعامل فيه معنى الجملة، أي: يفرد قائماً، وقيل: هو حال من اسم الله أي: شهد لنفسه بالوحدانية، وهي حال مؤكدة على الوجهين. قوله: (وهو أوجه) أي: جعل (قَائِماً) حالاً من (هُوَ) أوجه، قال صاحب "التقريب": وهو أوجه، أي: من انتصاب (قَائِماً) عن فاعل (شَهِدَ) ومن انتصابه على المدح عنه للقرب، ولكون القيام بالقسط مشهوداً عليه كالتوحيد، وللاستغناء عن عذر تنكير المدح، وإنما يكون مشهوداً عليه إذا جعل حالاً من (هُوَ) أو نصباً على المدح أو صفة للمنفي، كأنه قيل: شهدوا أنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط، وظاهر كلام المصنف أن انتصابه على المدح أوجه من أن يكون حالاً من فاعل (شَهِدَ) لدخوله في حكم أنه من شهادة الله والملائكة وأولي العلم.

وقرئ: (أنه) بالفتح، و (إِنَّ الدِّينَ) بالكسر على أنّ الفعل واقع على (أنه) بمعنى: شهد اللَّه على أنه، أو: بأنه، وقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى، فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ قلت: فائدتها أن قوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) توحيد، وقوله: (قائِماً بِالْقِسْطِ) تعديل، فإذا أردفه قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند اللَّه، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و (إِنَّ الدِّينَ) بالكسر) أي: قرئ بالكسر، قرأها الجماعة إلا الكسائي فإنه قرأها بالفتح، قال القاضي: من فتح جعله بدلاً من (أَنَّهُ): بدل الكل إن فسر الإسلام بالإيمان، وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة، ومن كسر (إنه) وفتح "أن" أوقع الفعل على الثاني وجعل بينهما اعتراضاً، أو أجرى (شَهِدَ) مجرى "قال" تارة، ومجرى "علم" أخرى، لتضمنه معناهما. قوله: (جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى) أي: مذيلة معترضة، على أسلوب قوله تعالى: (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) [النساء: 125]، وإنما كانت مذيلة لأن الشهادة بالوحدانية وبالعدل والعزة والحكمة هي أس الدين وقاعدة الإيمان، ولاشك أن الدين أعم من الاعتقاد الذي هو التصديق، ثم إن التذييل صدر بـ (إِنَّ) وخصص بقوله: (عِنْدَ اللَّهِ) وهو كناية عن رفعة المنزلة، ثم التعريف في الخبر، الذي هو (الإِسْلامَ)، جاء لقصر المسند على المسند إليه، قال أبو البقاء: (عِنْدَ اللَّهِ): ظرف، والعامل فيه (الدِّينَ) وليس بحال؛ لأن "إن" لا تعمل في الحال. قوله: (فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين) يريد أن قوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) يدل على إثبات التوحيد،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: (قَائِماً بِالْقِسْطِ) على العدل، وأن قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) صفتان مقررتان لهما، وأن قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) جملة مؤكدة لما سبق، ومعناه معناه، فلزم على هذا أن يكون الدين عند الله دين من يقول بالعدل والتوحيد، ويلزم من المفهوم أن دين مخالفيهم لا يكون من الدين في شيء. وقلت: إنما نشأت هذه الجسارة من تأويله قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) بما اشتهاه، فإنه فسر العزيز بقوله: "الذي لا يغالبه إله آخر" ليدل على التوحيد، وحمل الحكيم على: "الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله" ليدل على العدل، فتكونان صفتين مقررتين لما سبق، فهلا حملهما على ما تقتضيه اللغة والمقام لينظر: هل يكون دين الإسلام سوى مذهب السنة والجماعة؟ وذلك أنه تعالى لما ذكر التوحيد والتعديل، وأردفهما على وجه التكميل والتوكيد معنى العزة والحكمة، ليدل قوله: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) على التوحيد الصرف، و (قَائِماً بِالْقِسْطِ) على أنه تعالى يجري الأمور كلها على الاستقامة والسداد، وقوله: (الْعَزِيزُ) على أنه هو القوي القادر على كل شيء، الغالب الذي لا يغلبه شيء، فيفيد معنى أنه يفعل ما يشاء فلا يتصرف في ملكه أحد، وقوله: (الْحَكِيمِ) على أنه هو المحكم لخلق العالم، العالم بلطفه غوامض العلوم التي تخفى على الغير فلا يقف على أسرار حكمته أحد، جاء بقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) ـ كما قالـ مؤكداً لما سبق ليؤذن أن الإسلام هو مذهب أهلا لسنة والجماعة حقيقة، والأسلوب واللغة يساعدان هذا التقرير. أما الأسلوب فإنه كرر قوله: (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) ليناط به ما لم ينط به أولاً، وهو معنى (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فلو حمل الوصفان على ما يدل على الزيادة مع التأكيد، من غير تعسف وتأويل بعيد، كان أولى مما حملا على مجرد التأكيد على أن المقام مع الأول كما سبق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما اللغة فقد ذكر الأزهري في "شرح أسماء الله الحسنى" أن العزيز هو: الممتنع الذي لا يغلبه شيء، من: عز يعز، بكسر العين: إذا غلب، والفاعل: عاز وعزيز، قال الله تعالى: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) [ص: 23] أي: غلبني، فهو عام في معنى الغلبة، وتخصيصه بأن لا يغالبه إله آخر لا دليل عليه، والحكيم: المحكم لخلق الأشياء، كما قالوا: عذاب أليم، أي: مؤلم، والحكيم أيضاً: من كان عالماً بغوامض العلم مستنبطاً للطائف المعاني. وذكر المصنف في آخر المائدة: "العزيز: القوي القادر على الثواب والعقاب، والحكيم: الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب". وقال الإمام: وقد خاض صاحب "الكشاف" ها هنا في التعصب للاعتزال، وزعم أن الآية دالة على أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وعلى أن من أجاز الرؤية أو ذهب إلى الجبر، لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام، والعجب أن أكابر المعتزلة وعظماءهم أفنوا أعمارهم في طلب الدليل على أنه لو كان مرئياً لكان جسماً، فما وجدوا فيه سوى الرجوع إلى الشاهد من غير جامع عقلي وقاطع، وأما حديث الجبر فالخوض فيه منه خوض فيما لا يعنيه؛ لأنه لما اعترف بأن الله تعالى عالم بجميع الجزئيات، واعترف بأن العبد لا يمكنه أن يقلب علم الله تعالى جهلاً فقد اعترف بهذا الجبر، فمن أين هو والخوض في هذه المباحث! ثم قال: معنى كونه (قَائِماً بِالْقِسْطِ): قائماً بالعدل، كما يقال: فلان قائم بالتدبير، أي: يجريه على الاستقامة، فالعدل منه ما يتصل بباب الدنيا، ومنه ما هو متصل بباب الدين، أما المتصل بباب الدنيا فانظر أولاً في كيفية خلقه الإنسان وأعضاءه حتى

وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدّى إليه؛ كإجازة الرؤية، أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور، لم يكن على دين اللَّه الذي هو دين الإسلام، وهذا بين جلي كما ترى! وقرئا مفتوحين، على أن الثاني بدل من الأوّل، كأنه قيل: شهد اللَّه أن الدين عند اللَّه الإسلام، والبدل هو المبدل منه في المعنى، فكان بيانا صريحاً؛ لأن دين اللَّه هو التوحيد والعدل. وقرئ الأوّل بالكسر والثاني بالفتح، على أن الفعل واقع على (إنّ)، وما بينهما اعتراض مؤكد، وهذا - أيضاـ شاهد على أن دين الإسلام هو العدل والتوحيد، فترى القراآت كلها متعاضدة على ذلك. وقرأ عبد اللَّه: (أن لا إله إلا هو) وقرأ أبي: (إن الدين عند اللَّه للإسلام)، وهي مقوية لقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية. وقرئ: (شهداء للَّه)، بالنصب على أنه حال من المذكورين قبله، وبالرفع على: هم شهداء للَّه. فإن قلت: فعلام عطف على هذه القراءة (وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ)؟ قلت: على الضمير في (شهداء)، وجاز لوقوع الفاصل بينهما. فإن قلت: لم كرر قوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ)؟ قلت: ذكره أوّلا للدلالة على اختصاصه بالوحدانية، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميزة، ثم ذكره ثانياً بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل؛ للدلالة على اختصاصه بالأمرين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ترى عدل الله فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح، والغنى والفقر، والصحة والسقم، وطول العمر وقصره، واقطع بأن كل ذلك عدل من الله تعالى. وأما ما يتصل بالدين فانظر إلى اختلاف الخلق في العلم والجهل، والفطانة والبلادة، والهداية والغواية، واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط. قوله: (وقرئ: "شهداء لله"، بالنصب على أنه حال من المذكورين) أي: من قوله تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ)، فعلى هذا: (وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ) مبتدأ، والخبر محذوف، أي: هما كذلك، واعترض بين الحال وصاحبها. وعلى قراءة الرفع مختصان بالشهادة لا غير، وهذا أقرب، لأن أغلب تلك الصفات، بل الكل مختصة بالإنسان.

كأنه قال: لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين؛ ولذلك قرن به قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)؛ لتضمنهما معنى الوحدانية والعدل. (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ): أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واختلافهم: أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل، (مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ) أنه الحق الذي لا محيد عنه، فثلثت النصارى، وقالت اليهود عزير ابن اللَّه، وقالوا: كنا أحق بأن تكون النبوّة فينا من قريش، لأنهم أمّيون، ونحن أهل الكتاب، وهذا تجويز للَّه، (بَغْياً بَيْنَهُمْ) أي: ما كان ذلك الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسداً بينهم وطلبا منهم للرياسة وحظوظ الدنيا، واستتباع كل فريق ناسا يطؤون أعقابهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كأنه قال: لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين)، يعني: أثبت التوحيد على الاختصاص له أولاً بدلالة (لَا) و (إِلَّا)، وقرن به صفة العدل لا على الاختصاص، ثم كرر كلمة التوحيد لتدل على اختصاصه بالصفتين؛ لأن الضمير المرفوع فيها راجع إلى ذلك الموصوف بالصفتين، فيحصل من رجوع الضمير تخصيص العدل أيضاً، انظر إلى هذا التعسف، والعدول عن الصراط السوي. قوله: (فثلثت النصارى، وقالت اليهود: عزير ابن الله) بيان لتركهم التوحيد، و"قالوا: كنا أحق ... " إلى آخره: بيان لتركهم العدل، وإليه الإشارة بقوله: "وهذا تجوير لله"، والمجموع بيان قوله: "تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل"، وفيه لف ونشر. قوله: (يطؤون أعقابهم)، الأساس: فلان موطأ العقب: كثير الأتباع، ووشى رجل بعمار ابن ياسر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فقال: اللهم إن كان كذباً فاجعله موطأ العقب.

لا شبهة في الإسلام. وقيل: هو اختلافهم في نبوّة محمد صلى اللَّه عليه وسلم، حيث آمن به بعض وكفر به بعض. وقيل: هو اختلافهم في الإيمان بالأنبياء، فمنهم من آمن بموسى، ومنهم من آمن بعيسى. وقيل: هم اليهود، واختلافهم أن موسى عليه السلام حين احتضر استودع التوراة سبعين حبراً من بني إسرائيل، وجعلهم أمناء عليها، واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن واختلف أبناء السبعين بعدما جاءهم علم التوراة بغياً بينهم وتحاسداً على حظوظ الدنيا والرياسة. وقيل: هم النصارى، واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد اللَّه ورسوله. (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) 20] (فَإِنْ حَاجُّوكَ) فإن جادلوك في الدين (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) أي: أخلصت نفسي وجملتي للَّه وحده لم أجعل فيها لغيره شركاً بأن أعبده وأدعوه إلها معه، يعنى أن ديني دين التوحيد، وهو الدين القويم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا شبهة في الإسلام) عطف على "حسد"، أي: ما كان ذلك الاختلاف إلا حسداً لا شبهة، وهذا التركيب أيضاً مما منعه صاحب "المفتاح"، والكلام فيه ما سبق في قوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) [آل عمران: 14]. قوله: (وقيل: هو اختلافهم): عطف على قوله: "واختلافهم". قوله: (وقيل: هم اليهود) عطف على قوله: "أهل الكتاب من اليهود والنصارى". قوله: (الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت) كلاهما روي بلفظ المضارع من نسخة المصنف، والسماع بلفظ الماضي في اللفظتين.

وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه، ونحوه: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) [آل عمران: 64]، فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو حق اليقين الذي لا لبس فيه، فما معنى المحاجة فيه؟ ! (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) عطف على التاء في (أسلمت)، وحسن للفاصل، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع"، فيكون مفعولا معه. (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ): من اليهود والنصارى (وَالْأُمِّيِّينَ): والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب: (أَأَسْلَمْتُمْ) يعنى: أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضى حصوله لا محالة، فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فهو دفع للمحاجة)، الفاء: نتيجة، وحاصل المعنى: أنه أوقع (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ) جزاء للشرط وجواباً عن محاجتهم على سبيل الإنكار والتقريع، يعني: إن جادلوك بأن يقولوا: إن ما جئت به دين غريب وبديع، وما سمعنا به في آبائنا الأولين فأخبرهم ووبخهم بقولك: إن الذي جئت به هو التوحيد، وهو الدين القديم الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام، لقوله: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة: 131]، و (وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) [الأنعام: 79]، وكذا جميع الأنبياء عليهم السلام، فلم يقولون: إنه بديع؟ ! وإلى الإنكار الإشارة بقوله: "فما معنى المحاجة فيه؟ ! " والضمير في (حَاجُّوكَ) لأهل الكتاب، بدليل قوله: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، وارتباط (فَإِنْ حَاجُّوكَ) بالفاء به، وإن هذه المحاجة لبغيهم وحسدهم، وأما قوله: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) فهو عطف على الجملة الشرطية، والمعنى: فإن حاجك أهل الكتاب فرد محاجتهم بذلك، فإذا أفحمتهم عمم الدعوة وقل للأسود والأحمر: (أَأَسْلَمْتُمْ) أي: جاءكم ما وجب عليكم قبوله من الدين القويم، دين أبيكم إبراهيم؟ (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا)، ودليل العموم انضمام الأميين المعني به المشركون مع أهل الكتاب، فعلى هذا قوله: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) عطف على الجملة الشرطية.

وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقاً إلا سلكته: هل فهمتها لا أم لك؟ ! ومنه قوله عزّ وجل: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: 91] بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفي هذا الاستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف؛ لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق، وللمعاند بعد تجلى الحجة ما يضرب أسداداً بينه وبين الإذعان، وكذلك في: (هل فهمتها) توبيخ بالبلادة وكلة القريحة، وفي: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: 91] بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا): فقد نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى ومن الظلمة إلى النور، (وَإِنْ تَوَلَّوْا) لم يضروك؛ فإنك رسول منبه، ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) 21 - 22] .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم يتوقف إذعانه للحق) من الإسناد المجازي. قوله: (وللمعاند بعد تجلي الحجة) خبر، والمبتدأ قوله: "ما يضرب أسداداً"، على أن "ما": مصدرية أو موصولة، والعائد محذوف، أي: ما يضرب به. قوله: (أسداداً) جمع سد، الأساس: سد الثلمة فانسدت، وضرب بينهما سد وسد، وضربت الأسداد.

وقرأ الحسن: (ويقتلون النبيين)، وقرأ حمزة: (ويقاتلون الذين يأمرون)، وقرأ عبد اللَّه: (وقاتلوا) وقرأ أبيّ: ([و] يقتلون النبيين، والذين يأمرون)؛ وهم أهل الكتاب قتل أولوهم الأنبياء، وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا حول قتل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين لولا عصمة اللَّه. وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: قلت يا رسول اللَّه، أي الناس أشدّ عذابا يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبياً، أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر" ثم قرأها، ثم قال: "يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهم أهل الكتاب): الضمير في قوله: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) لأهل الكتاب، أي: إسناد (يَقْتُلُونَ) إلى الموجودينـ مع أن فعل القتل صدر من أسلافهمـ لرضاهم به، فهو من وضع المستقبل موضع الماضي لإرادة الاستمرار فيما مضى وفيما سيجيء، فإنهم لما كانوا راضين بفعل أوليهم فكأنهم قتلوهم، ولما كانوا حول قتل النبي صلى الله عليه وسلم فكأنهم يقتلونه، كما تقول: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، أي: هذا دأب اليهود وعادتهم التي استمروا عليها أباً عن جد، والضمير في "قتلوا أتباعهم" لـ "أولوهم"، أي: قتل أولوهم أتباع الأنبياء من الذين يأمرون بالمعروف، وإنما كرر الفعل ليشير إلى أن ما في التنزيل من تكرير (يَقْتُلُونَ) ووضع "القسط" موضع "المعروف" دلالة على رفعة منزلة الآمرين بالمعروف، وأن مراتبهم بعد مراتب الأنبياء، ودافعهم دافع الأنبياء، وأنهم المتخلقون بأخلاق الله، لما فيه رمز إلى معنى قوله: (قَائِماً بِالْقِسْطِ) [آل عمران: 18] مع اشتماله على معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الآمر بالعدل والاستقامة ناه عن الجور والميل، ومن ثم صرح في الحديث الذي رواه، عن أبي عبيدة، بقوله: "أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر"، ثم قرأها.

فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعاً من آخر النهار". (فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ)؛ لأنّ لهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، فإن قلت: لم دخلت الفاء في خبر (إن)؟ قلت: لتضمن اسمها معنى الجزاء، كأنه قيل: الذين يكفرون فبشرهم بمعنى: من يكفر فبشرهم، و"إنّ" لا تغير معنى الابتداء، "فكأنّ دخولها كلا دخول، ولو كان مكانها "ليت" أو "لعل" لامتنع إدخال الفاء؛ لتغير معنى الابتداء. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ *فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [23 - 25] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لتضمن اسمها معنى الجزاء) أي: ألشرط، قال الزجاج: إنما جاز دخول الفاء في خبر إن للموصول، فإن صلته بمنزلة الشرط، كأن "إن" لم تذكر، فالكلام على الابتداء فلا يجوز: إن زيداً فقائم، ولا: ليت الذي يقوم فيكرمك، لأن التمني مزيل لمعنى الابتداء، وقال القاضي: منع سيبويه إدخال الفاء في خبر "إن" كـ "ليت" و"لعل"، ولذلك قيل: الخبر (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، كقولك: زيد فافهم رجل صالح. وقال صاحب "الفرائد": عدم جواز دخول الفاء بعد دخول "ليت" و"لعل" لانتفاء معنى الخبرية، فإن الكلام بعد دخولهما لم يبق محتملاً للصدق والكذب، بخلافه بعد دخول "إن"، وفي دخول الفاء على الخبر ها هنا بعد دخول "إن" على المبتدأ إشارة لطيفة، وهو أنهم إن بقوا على ما كانوا عليه وأصروا عليه من الارتضاء بما فعل المقدمون منهم، والعزم على ما هموا به من قتل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فبشرهمـ لأنهم مستحقون للتبشيرـ بذلك، وإن رجعوا عن ذلك وأسلموا، لم يستحقوا ذلك وكانوا كسائر المؤمنين، ولا تحصل الإشارة بدون الفاء.

(أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ): يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيبا وافراً من التوراة. و"من" إما للتبعيض وإما للبيان؛ أو حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة، وهي نصيب عظيم (يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ) وهو التوراة (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) وذلك أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم دخل مدارسهم فدعاهم، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت؟ فقال: "على ملة إبراهيم"، قالا: إنّ إبراهيم كان يهودياً، قال لهما: "إنّ بيننا وبينكم التوراة، فهلموا إليها" فأبيا، وقيل نزلت في الرجم، وقد اختلفوا فيه .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و"من": إما للتبعيض، وإما للبيان) تفصيل وقع بين متعلقيه، فقوله: وأنهم حصلوا نصيباً وافراً من التوراة على تقدير أن تكون "من" للبيان، والتنكير في (نَصِيباً) للتكثير، والتعريف في (الْكِتَابُ) للعهد، والمعهود: التوراة، وقوله: "أو حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح" على أن تكون (مِنَ) للتبعيض، والتنكير في (نَصِيباً) للتعظيم؛ لأن التوراة وإن كانت بعضاً من الكتب لكنها حصة عظيمة القدر، ونحوه في الأسلوب قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) [الروم: 23] أي: منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فصل بالقرينتين الأخيرتين بين الأوليين، ثم اللام إما للجنس إذا أريد الكتب المنزلة، أو للعهد إذا أريد اللوح، ومن ثم قال: "أو من اللوح"، ويجوز أن يقال: إن قوله: "ومن: للتبعيض، وإما للبيان" متعلق بقوله: "وأنهم حصلوا نصيباً وافراً من التوراة"، أما البيان فكما سبق، وأما التبعيض فالمراد من النصيب الوافر: ما فهموا من معانيه وكدحوا في الدراية فيه، والأول هو الوجه؛ لأن المقام يقتضي تعيير اليهود وتوبيخهم وأنهم مع وفور علمهم وحصولهم على النصيب العظيم يرتكبون هذا الأمر الذي يأنف منه كل جاهل غبي. قوله: (وقيل: نزلت في الرجم) عطف من حيث المعنى على قوله: "دخل مدارسهم فدعاهم"، أي: اختلف النبي صلى الله عليه وسلم واليهود في أن إبراهيم كان يهودياً أم حنيفاً مسلماً؟ واختلف النبي صلى الله عليه وسلم واليهود في أن الزاني المحصن هل يرجم أو يسخم وجهه؟ وقوله: "وعن

وعن الحسن وقتادة: كتاب اللَّه: القرآن؛ لأنهم قد علموا أنه كتاب اللَّه لم يشكوا فيه (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب اللَّه واجب، (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم. وقرئ: (ليحكم) على البناء للمفعول. والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم: وأنهم دعوا إلى كتاب اللَّه الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراةـ ليحكم بين المحق والمبطل منهم، (ثم يتولى فريق منهم) وهم الذين لم يسلموا؛ وذلك أنّ قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) يقتضي أن يكون اختلافا واقعا فيما بينهم، لا فيما بينهم وبين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم (ذلِكَ) التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحسن وقتادة: كتاب الله: القرآن"، عطف على قوله: "إلى كتاب الله، وهو التوراة"، وقوله: "والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف" عطف على قوله: "وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أي: كان الاختلاف بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود، أو بين أهل الكتاب من الذين أسلموا ومن الذين لم يسلموا، وإنما كان هذا أولى الوجوه لأن الضمير في قوله: (لِيَحْكُمَ) للتوراة، وفي (بَيْنَهُمْ) لأهل الكتاب، وإنما تحكم التوراة بينهم إذا وقع الاختلاف والمخاصمة بينهم، يؤيده إيقاع قوله: وذلك أن قوله: (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) تعليلاً لكون هذا الوجه أوجه. قوله: (وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم) إشارة إلى أن قوله: (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) جملة معترضة على رأيه، أو تذييل على رأي الأكثر، وأياً ما كان فهي مؤكدة لمعنى ما سبق لا حال كما ذكره القاضي، نعم إنما يكون حالاً إذا لم يفسر بأنهم قوم عادتهم الإعراض.

كما طمعت المجبرة والحشوية. (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) من أنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، كما غرت أولئك شفاعة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في كبائرهم. (فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ) فكيف يصنعون؟ فكيف تكون حالهم؟ وهو استعظام لما أعدّ لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل، وتطمع بما لا يكون، وروي: أنّ أوّل راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم اللَّه على رؤوس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) يرجع إلى كل نفس على المعنى؛ لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس، تريد ثلاثة أناسي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما طمعت المجبرة والحشوية) تعصب بارد، وقياس من غير جامع؛ لأن الذي وقع فيه الكلام هو الإعراض عما يحكم به كتاب الله لأجل تمسكهم بما ليس في كتاب الله من افترائهم على الله من تلقاء أنفسهم، وأهل الحق لا يعدلون عن دليل النص من الكتاب والسنة حين يدعون إليه إلى آرائهم كمخالفيهم، فلا يدخلون تحت هذا الحكم. قوله: (فكيف تكون حالهم؟ )، قال الزجاج: وهذا الحذف جار في الكلام، تقول: أنا أكرمك وأنت لم تزرني، فكيف إذا زرتني! أي: فكيف يكون إكرامي إياك إذا زرتني. قوله: ((وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) يرجع إلى كل نفس)، يعني: ذكر الضمير وجمعه باعتبار معنى النفس، كما اعتبر في قولهم: ثلاثة أنفس بتأويل الأناسي؛ لأن الظاهر ثلاث أنفس، ومثله ما ذكره في البقرة في قوله: (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ) إلى قوله (وَلا هُمْ يُنصَرُونَ) [البقرة: 48] يعني: ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة، والتذكير بمعنى العباد والأناسي، كما تقول: ثلاثة أنفس. فقوله: (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) توكيد لمعنى قوله: (وَوُفِّيَتْ

(قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) [26 - 27] الميم في (اللَّهُمَّ) عوض من "يا"؛ ولذلك لا يجتمعان، وهذا بعض خصائص هذا الاسم، كما اختص بالتاء في القسم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) وتذييل للآية ودلالة على القسط التام والعدل الوافي، كقوله تعالى: (فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [يس: 54]، وتهديد عظيم لهؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله فتولوا وأعرضوا بسبب افترائهم على الله، وإيذان بأن ذلك خسار في العاقبة ودمار، أي: كيف يصنعون إذا جمعناهم ليوم من صفته أن تقام فيه موازين القسط، ويجازى فيه على النقير والقطمير، كقوله تعالى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) [الأعراف: 8 ـ 9]. قوله: (والميم في (اللَّهُمَّ) عوض من: "يا"، ولذلك لا يجتمعان)، قال السجاوندي: والميم عوض "يا"، شدد، بخلاف ميم "قم"، لأنه عوض حرفين، كما شدد نون "ضربتن"؛ لأنه عوض حرفين في "ضربتموا"، ولا يصح نصب (مَالِكَ) على الصفة؛ لأن الميم المشددة بمنزلة الأصوات، فلا توصف، فالتقدير: يا مالك، وقال الزجاج: زعم سيبويه أن هذا الاسم لا يوصف؛ لأنه قد ضمت إليه الميم، وما بعده منصوب بالنداء، والقول عندي أنه صفة، فكما لا تمتنع الصفة مع "يا"، فلا تمتنع مع الميم.

وبدخول حرف النداء عليه وفيه لام التعريف، وبقطع همزته في (يا اللَّه)، وبغير ذلك، (مالِكَ الْمُلْكِ) أي: تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرّف الملاك فيما يملكون. (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ) تعطى من تشاء النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك من الملك، (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ) النصيب الذي أعطيته منه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو علي: قول سيبويه عندي أصح؛ لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد (اللهم)، ولذلك خالف سائر الأسماء، ودخل في حيز ما لا يوصف، نحو: حيهل، فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم فلم يوصف. وقلت: هو ضعيف، فإن نحو "سيبويه" و"خالويه" يوصف مع انضمام اسم الصوت. قوله: (وبغير ذلك)، قيل: كتفخيم لامه، وكاختصاصه بالله، فلا يطلق على غيره. قوله: (تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك)، فيه نوع تجوز، قال الراغب: الملك هو: التصرف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختص بسياسة الإنسان، ولهذا يقال: ملك الناس، ولا يقال: ملك الأشياء، والملك ضربان: ملك هو التملك والتولي، وملك هو القوة على ذلك تولى أو لم يتول، فمن الأول: (الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا) [النمل: 34]، ومن الثاني: (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) [المائدة: 20] فجعل النبوة مخصوصة والملك فيهم عاماً، فإن معنى الملك ها هنا هو القوة التي بها يترشح للسياسة، لأن جعلهم كلهم متولين للأمر خلاف الحكمة ومنافيها، كما قيل: لا خير في كثرة الرؤساء، قال تعالى: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ). فالملك: ضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم، والملك كالجنس له، فكل مُلْكٍ مِلْكٌ وليس كل مِلك مُلكاً، والأظهر في الآية أنه يعني الملك الحقيقي، لقوله: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) [البقرة: 247] فأضافه إلى نفسه تعظيماً، وملكه المطلق هو الملك الإلهي الذي لا جور فيه، ولهذا قرنه بالعز والذل، ونبه

فالملك الأوّل عام شامل، والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل. روي: أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم، فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات! من أين لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقوله: (مَالِكَ الْمُلْكِ) أن الملك في الحقيقة له، وما لغيره عارية مستردة، ولم يعن بإعطاء الملك: سياسة العامة فقط، بل ملك الإنسان على قواه وهواه، وقد قيل: لا يصلح لسياسة الناس من لا يصلح لسياسة نفسه، وقيل لبعضهم: من الملك؟ فقال: من ملك هواه. قوله: (بعضان من الكل) هذا المعنى قد تكرر؛ لأن لام الجنس إذا دخلت على المفرد صلحت لأن يراد بها جميع الجنس، وأن يراد بها بعضه، بحسب القرائن، فالملك الأول مطلق شامل في جنسه؛ لأن الملك الذي تقع عليه مالكيته تعالى ليس ملكاً دون ملك، بخلاف الثاني والثالث، لأنهما حصتان من الجنس لتقييدهما بالإيتاء والنزع، ولأن المراد نزع الملك من العجم والروم وإيتاؤه المسلمين، ويحتمل الجنس، أي: أنت مالك حقيقة الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فتعطيه من تشاء وتنزعه ممن تشاء، لأن المعرفة إذا أعيدت كانت عين الأولى، ولأن (تُؤْتِي الْمُلْكَ) إلى آخره بيان على سبيل الاستئناف لقوله: (مَالِكَ الْمُلْكِ) فيدخل في هذا العام ما أجري الكلام له، وهذا أبلغ مما ذهب إليه. قوله: (وأمنع من ذلك) أي: من أن يغلبوا. ويكون ملكهم للمسلمين.

وروي: أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً، وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يخبره، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدّعتها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لما خط الخندق عام الأحزاب)، الحديث مروي في "سنن النسائي" عن رجل من لاصحابة، وفي "مسند أحمد بن حنبل" عن البراء بن عازب، مع اختلاف. قوله: (عام الأحزاب)، النهاية: الأحزاب: الطوائف من الناس، جمع حزب، بالكسر، قال ابن الجوزي: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير خرج نفر من أشرافهم إلى مكة فألبوا قريشاً ودعوهم إلى الخروج، ثم أتوا غطفان وسليماً، وتجهزت قريش وجمعوا، وكانوا أربعة آلاف، وخرجت معهم بنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة، فجميع من وافى الخندق من القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب. قوله: (فأخذ المعول) قيل: الفاء فصيحة، أي: فمضى سلمان فأخبره صلى الله عليه وسلم فأتى وأخذ المعول فضربها، وفيه نظر، لأن الواو في قوله تعالى: (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً) [يوسف: 47] إلى قوله: (وَقَالَ الْمَلِكُ) ـ[يوسف: 50] أي: فرجع الرسول إليهم وأخبرهم بمقالة يوسف فعجبوا لها، وقال الملكـ مثل هذه الفاء، وهي لا تسمى فصيحة، فكذا هذه الفاء، والتحقيق ما أسلفناه.

وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، وكبر وكبر المسلمون، وقال: "أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب"، ثم ضرب الثانية فقال: "أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم"، ثم ضرب الثالثة فقال: "أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمّتي ظاهرة على كلها، فأبشروا"، فقال المنافقون: ألا تعجبون! يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا! فنزلت. فإن قلت: كيف قال (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) فذكر الخير دون الشر؟ قلت: لأنّ الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة؛ فقال (بيدك الخير) تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك؛ ولأن كل أفعال اللَّه تعالى من نافع وضارّ صادر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لابتيها)، النهاية: اللابة: الحرة، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها، وجمعها: لابات، فإذا كثرت فهي اللاب واللوب، وألفها منقلبة عن واو، والمدينة ما بين حرتين عظيمتين. قوله: (لكأن مصباحاً) اللام فيه جواب القسم. قوله: (قصور الحيرة). النهاية: الحيرة بكسر الحاء: البلد القديم بظهر الكوفة، شبه انضمام بعضها إلى بعض مع بياضها وصغرها بأنياب الكلاب. قوله: (ولأن كل أفعال الله) إلى قوله: (فهو خير كله)، قال القاضي: ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات، والشر مقضي بالعرض، إذ لا يوجد شر إلا ويتضمن خيراً. الراغب: أراد بالخير الخير والشر، وسماها خيراً لأنه ليس في العالم شر خالص، كما أن فيه خيراً خالصاً، وذلك أن ما هو شر لكذا هو خير لكذا، فالخير والشر يصدق عليهما الوصف بالخير من هذه الجهة، ولا يصدق عليهما الوصف بالشر، ولو قال: بيده الشر، لم يدخل فيه الخير.

عن الحكمة والمصلحة؛ فهو خير كله، كإيتاء الملك ونزعه. ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحيّ والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب؛ دلالة على أنّ من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده؛ فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم، ويؤتيه العرب ويعزهم، وفي بعض الكتب المنزلة: أنا اللَّه ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم لهم رحمة، وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك، ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم. وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "كما تكونوا يولى عليكم" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (دلالة على أن من قدر) مفعول له لقوله: "ثم ذكر قدرته"، يعني: لما أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلوات الله وسلامه عليه بأن يجيب عن قول الكفار: هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم بقوله: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) الآية، أتى بجملة مستأنفة مشتملة على بيان الموجب، وذكر فيها ما يثبت به ذلك الوعد، وهو قدرته الباهرة في الآفاق والأنفس، وفي التصرف فيهما من حال الليل والنهار، ومن حال إخراج الحي من الميت، ومن فيضان جوده فيهما بتخصيص الرزق الواسع بمن يشاء، ليشير به إلى سهولة إنجاز هذا الوعد، وإذا كان مالك الملك والمعطي والمانع والرزاق هو الله، فأنتم أيها المؤمنون لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين. قوله: (وفي بعض الكتب المنزلة: أنا الله ملك الملوك) الحديث، رواه أبو نعيم الأصفهاني في كتاب "حلية الأولياء" عن أبي الدرداء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تغيير يسير في الألفاظ. قوله: (كما تكونون يولى عليكم) أوله: "أعمالك عمالكم".

(لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) 28] نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام، أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر، وقد كرّر ذلك في القرآن: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: 51]، (لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) [المائدة: 50]، (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ... الآية [المجادلة: 22] والمحبة في اللَّه والبغض في اللَّه باب عظيم، وأصل من أصول الإيمان (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) يعنى: أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين؛ فلا تؤثروهم عليهم، (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ): ومن يوال الكفرة فليس من ولاية اللَّه في شيء، يقع عليه اسم الولاية، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم)، روينا عن الترمذي، عن معاذ بن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، فقد استكمل بيانه". قوله: (مندوحة)، الأساس: ندحت المكان ندحاً: وسعته، ولك في هذه الدار منتدح: متسع، ولك عنه مندوحة: أي: سعة. قوله: (يقع عليه اسم الولاية) صفة لقوله: (شَيْءٍ) المذكور في الكتاب، وفيه إشارة إلى أن (مِنَ) في التنزيل بيانية، و (فِي شَيْءٍ) خبر "ليس"، قال أبو البقاء: التقدير: فليس في شيء من دين الله في موضع نصب على الحال، لأنه صفة النكرة قدمت عليها.

يعني أنه منسلخ من ولاية اللَّه رأساً، وهذا أمر معقول؛ فإنّ موالاة الوليّ وموالاة عدوّه متنافيان، قال: تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّنِي صدِيقُكَ! لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعَازِبِ (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً): إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه، وقرئ: (تقية)، قيل للمتقى تقاة وتقية، كقولهم: ضرب الأمير؛ لمضروبه، رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة مخالقة ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: سلب ذوات من يوالي الكافرين عن أن يكونوا مستقرين في شيء من المكان الذي هو من ولاية الله، فيلزم كناية أنهم منسلخون من ولاية الله رأساً كما قال: إنه منسلخ من ولاية الله رأساً، وإنما قدرنا مكاناً، لأن (فِي شَيْءٍ) ظرف مكان ها هنا. قوله: (تود عدوي) البيت قبله: فليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني في المغايب النوك: الحمق، بعازب أي: ببعيد، يقول: إن الصديق الصدوق من يكون صديقاً لصديق صديقه، ومبغضاً لبغيض صديقه، ويراعي الأخوة بظهر الغيب، لا برأي العين. قوله: (أمراً يجب اتقاؤه) وضع موضع (تُقَاةً) ليشير إلى أنه مصدر أقيم مقام المفعول به، لقوله بعيد هذا: "وينتصب (تُقَاةً) أو (تقية) على المصدر"، و (مِنْهُمْ): حالٍ، و (مِنَ): ابتدائية. قوله: (والمراد بتلك الموالاة) أي: الموالاة المستثناة. قوله: (مخالقة)، قال في "الأساس": وله خلق حسن وخليقة، وهي: ما خلق عليه من طبيعته، وتخلق بكذا، وخالق الناس ولا تخالفهم، الجوهري: يقال: خالص المؤمن وخالق الفاجر.

ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء، وانتظار زوال المانع من قشر العصا، كقول عيسى عليه الصلاة والسلام: كن وسطا وامش جانباً (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه، وهذا وعيد شديد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من قشر العصا) من بيان زوال المانع، قال "الميداني": قشرت له العصا، يضرب في خلوص الود، أي: أظهرت له ما كان في نفسي، ويقال أيضاً: اقشر له العصا، أي: كاشفه وأظهر له العداوة، فعلى هذا "من" متعلق بالمانع، وهذا أقرب إلى مراد المصنف. قوله: (كن وسطاً وامش جانباً) أي: ليكن جسدك مع النسا وقلبك في حظيرة القدس. قوله: (وعيد شديد). قال القاضي: وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي في القبح، وذكر النفس ليعلم أن المحذر منه: عقاب يصدر منه، فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة. وقال الإمام: والفائدة في ذكر النفس أنه لو قال: (وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ) لم يفد أن الذي أريد التحذير منه هو عقاب يصدر من الله أو من غيره، فلما ذكر النفس زال هذا الاشتباه، ومعلوم أن الصادر عنه يكون أعظم أنواع العقاب، وأنه لا قدرة لأحد على دفعه ومنعه. وقلت: إنما كان وعيداً شديداً للتحذير الواقع عن النفس وإيقاع قوله: (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ) الآية [آل عمران: 29]، الدال على العلم الشامل والقدرة الكاملة بياناً له، والمراد بالبيان التعليل؛ لأن تلخيص المعنى: لا تتعرضوا لسخط الله بموالاة أعدائه، لأنه تعالى عالم بكل شيء، يعلم سركم وعلنكم وقصدكم في الموالاة، وقادر على كل شيء، يقدر على عقوبتكم لما تعرضتم له.

ويجوز أن يضمن (تَتَّقُوا) معنى "تحذروا" وتخافوا؛ فيعدى ب (من) وينتصب (تُقاةً) أو (تقية) على المصدر، كقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) [سورة آل عمران: 102] (قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (29) (إنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوه) من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى اللَّه (يَعْلَمْهُ) ولم يخف عليه، (و) هو الذي (يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) لا يخفى عليه منه شيء قط، فلا يخفى عليه سركم وعلنكم (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) ٌ فهو قادر على عقوبتكم. وهذا بيان لقوله (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: 28]؛ لأنّ نفسه ـ وهي ذاته المتميزة من سائر الذوات ـ متصفة بعلم ذاتي لا يختص بمعلوم دون معلوم، فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية لا تختص بمقدور دون مقدور، فهي قادرة على المقدورات كلها؛ فكان حقها أن تحذر وتتقى؛ فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب، فإن ذلك مطلع عليه لا محالة فلا حق به العقاب، ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الاطلاع على أحواله، فوكل همه بما يورد ويصدر، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يضمن (تَتَّقُوا) معنى "تحذروا") عطف على قوله: "إلا أن تخافوا من جهتهم". قوله: (فإن ذلك مطلع عليه) بفتح اللام، أي: فإن الجسارة على القبيح والتقصير عن الواجب مطلع عليه، لأن الله تعالى يعلم ما في صدوركم، فلاحق بصاحبه العقاب لأن الله على كل شيء قدير، أو: فإن الذي وصف بصفة العلم والقدرة مطلع، بكسر اللام، على ما تخفون في أنفسكم، فإذا كان كذلك فلاحق بمن فعله العقاب، فالضمير في "لاحق" به راجع إلى "أحد". قوله: (فوكل همه بما يورد ويصدر) يعني: صرف همته في موارده ومصادره أن يراعى

ونصب عليه عيوناً، وبث من يتجسس عن بواطن أموره؛ لأخذ حذره وتيقظ في أمره، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به، فما بال من علم أنّ العالم الذات الذي يعلم السر وأخفى مهيمن عليه وهو آمن! اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك. (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) 30] (يَوْمَ تَجِدُ) منصوب ب (تودّ)، والضمير في (بينه) لليوم، أي: يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين، تتمنى لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً. ويجوز أن ينتصب (يَوْمَ تَجِدُ) بمضمر نحو: اذكر، ويقع على (ما عملت) وحده، ويرتفع (وَما عَمِلَتْ) على الابتداء، و (تَوَدُّ) خبره، أي: والذي عملته من سوء تودّ هي لو تباعد ما بينها وبينه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في جميع أحواله، قال في "الأساس": وكلته بالبيع، ومن المجاز: وكل همه بكذا، وهو موكل برعي النجوم، وكلني إلى كذا: دعني أقم به. قوله: (لأخذ حذره): جواب "لو". قوله: (العالم الذات) هذا إشارة إلى مذهبه. قوله: (ويقع على (مَا عَمِلَتْ) وحده) أي: (تَجِدُ) على (مَا عَمِلَتْ) الأولى. قال أبو البقاء: (مَّا) في (مَا عَمِلَتْ): موصولة، والعائد محذوف، وهي منصوب المحل مفعول أول، و (مُحْضَراً) المفعول الثاني، والأشبه أن يكون (مُحْضَراً) حالاً و (تَجِدُ) هيا لمتعدية إلى مفعول واحد، و (وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) مثل الأولى معطوفة عليها، و (تَوَدُّ) على هذا: حال، والعامل: (تَجِدُ).

ولا يصح أن تكون (ما) شرطية؛ لارتفاع (تودّ) فإن قلت: فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد اللَّه: (ودّت)؟ قلت: لا كلام في صحته، ولكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع في المعنى؛ لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا يصح أن تكون (مَّا) شرطية، لارتفاع (تَوَدُّ)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لمجيء قوله: وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول: لا غائب مالي ولا حرم وقال أبو البقاء: إنها شرطية، وارتفع (تَوَدُّ) على إرادة الفاء، أي: فهي تود، ويجوز أن يرتفع من غير تقدير حذف، لأن الشرط ها هنا ماض، وإذا لم يظهر في الشرط لفظ الجزم جاز في الجزاء الجزم والرفع. نقل الإمام عن الواحدي أنه يجوز أن تكون (مَّا) شرطية، وإلا كان يلزم أن تجزم (تَوَدُّ) وترفع، ولم يقرأ أحد إلا بالرفع، وكان هذا دليلاً على أن (مَّا) ها هنا بمعنى: الذي. وقلت: ويؤيده أن القراء لما أجمعت على الرفع، فلو حمل على الشرط وكان الجزم مختاراً، لزم أنهم أجمعوا على غير المختار، من غير ضرورة، ولو حمل على الابتداء والخبر لم يلزم ذلك ويحصل المقصود من إرادة الثبات، فكان هذا أولى. قوله: (لأنه حكاية الكائن) أي: الواقع، فلا مناسبة للشرط والجزاء، وإخبار الله عن الآتي بمنزلة الواقع الثابت، كقوله تعالى: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ) [إبراهيم: 21] وقوله: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف: 44].

وأثبت لموافقة قراءة العامّة. ويجوز أن يعطف (وَما عَمِلَتْ) على (ما عَمِلَتْ)، ويكون (تَوَدُّ) حالًا، أي: يوم تجد عملها محضراً وادّة تباعد ما بينها وبين اليوم، أو عمل السوء (محضراً)، كقوله تعالى: (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً) [الكهف: 49] يعنى مكتوبا في صحفهم يقرءونه ونحوه (فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) [المجادلة: 6]. والأمد المسافة كقوله تعالى: (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) [الزخرف: 38] وكرّر قوله (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) ليكون على بالٍ منهم لا يغفلون عنه. (وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) يعنى: أن تحذيره نفسه، وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد؛ لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يعطف) معطوف على قوله: "يرتفع"، والحاصل أنه يجوزـ على تقدير "اذكر"ـ في (وَمَا عَمِلَتْ) وجهان، أحدهما: أن يرتفع بالابتداء، و (تَوَدُّ) خبره. والثاني: أن يكون معطوفاً على (مَا عَمِلَتْ). قلت: ويجوز أن يكون (تَوَدُّ) استئنافاً كان قابلاً لما ألقي إليه الجملة الأولى: سائل: ما حال الناس في ذلك اليوم الهائل؟ أجيب: (تَوَدُّ)، ويشهد للتهويل قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) [الزلزلة: 6]. قوله: (أو عمل السوء) عطف على اليوم، و" (مُحْضَراً) " منقطع عما قبله مبتدأ، خبره: "كقوله". قوله: (على بال منهم) أي: ذكر، النهاية: وفي حديث الأحنف: نعي فلان، فما ألقى له بالاً، أي: ما استمع إليه ولا جعل قلبه نحوه.

دعاهم ذلك إلى طلب رضاه، واجتناب سخطه. وعن الحسن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه. ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذوراً لعلمه وقدرته، مرجوّ لسعة رحمته كقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ) [فصلت: 43]. (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) [31 - 32]. محبة العباد للَّه مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره، ورغبتهم فيها، ومحبة اللَّه عباده: أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم، والمعنى: إن كنتم مريدين لعبادة اللَّه على الحقيقة (فَاتَّبِعُونِي) حتى يصحّ ما تدعونه من إرادة عبادته ـ يرض عنكم ويغفر لكم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذوراً) عطف على قوله: "يعني أن تحذيره نفسه"، فعلى الأول (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) تذييل للكلام الأول أو تتميم له، وهو المراد من قوله: "إن تحذير نفسه من الرأفة العظيمة بالعباد"، وعلى الثاني تكميل، إذ لو اقتصر على التحذير وحده لأوهم مجرد الوعيد والتهديد، فكمل بالثاني ليجمع بين صفتي القهارية والرحمة تحريضاً على الإنابة، وإليه الإشارة بقوله: كقوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) [فصلت: 43]. قوله: (محبة العباد لله مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها) يريد أن قوله: (تُحِبُّونَ اللَّهَ) استعارة تبعية: شبهت إرادة نفوس العباد اختصاص الله بالعبادة ورغبتهم فيها بميل قلب المحب إلى المحبوب ميلاً لا يلتفت إلى الغير ولا يرغب إلا فيه. وفي كل قيد من القيود فائدة، سيما قوله: "رغبتهم فيها"، لأنك كم ترى من يختص شخصاً بالخدمة، وقلبه في غاية النفار والرغبة عنه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: الحب أصله من الحب، وبه شبه حبة القلب، وحببته، يقال على وجهين، أحدهما: أصبت حبة قلبه نحو: كبدته، قال الأعشى: فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها وأصبته بحبة القلب نحو: رمحته، وعنته: أصبته بالعين، فقولك: حببته وأحببته هو في اللفظ فعل وفي الحقيقة انفعال، لأن المحب منفعل للمحبوب، فإذا استعمل في الله فقيل: أحب الله فلاناً فليس إلا على سبيل الفعل، والمعنى: أصاب تعالى حبة قلبه فجعلها لنفسه مصونة عن الهوى والشيطان وسائر أعداء الله. والمحبة: إرادة ما تراه أو تظنه خيراً، وهي أربعة أضرب بحسب أغراض الناس في أمورهم: اللذة، والنفع، والخير المحض، والمركب من اللذة والنفع، وكل محبة ينقطع سببها انقطعت بانقطاعه، ولما كانت الشهوة البدنية والمنافع الدنيوية منقطعة فالحب الذي يجلبانه منقطع لا محالة بانقطاعهما، ولما كان الخير المحض باقياً كان الحب الذي يجلبه باقياً ببقائه. وقال القاضي: المحبة: ميل النفس إلى الشيء لكمال أدرك فيه بحيث تحب ما يقربه إليه، والعبد إذا علم أن كل ما يراه كمالاً من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته والحرص على مطاوعته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ): جواب الأمر، أي: يرض عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم، فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه. عبر عن ذلك بالمجاز على طريق الاستعارة أو المقابلة. وقال الإمام: اتفق المتكلمون على أن المحبة نوع من أنواع الإرادة، والإرادة لا تعلق لها إلا بالحوادث والمنافع، فيستحيل تعلقها بذات الله وصفاته، فإذا قيل: إن العبد يحب الله فمعناه: يحب طاعته وخدمته، أو يحب ثوابه وإحسانه، وأما محبة الله للعبد فهي عبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليه، وأما العارفون فقد قالوا: العبد قدي حب الله لذاته، وأما حب طاعته وثوابه فدرجة نازلة. والقول الأول ضعيف، وذلك أنه لا يمكن أن يقال في كل شيء: إنه إنما كان محبوباً لأجل معنى آخر فلابد من الانتهاء إلى شيء يكون محبوباً لذاته، فكما يعلم أن اللذة محبوبة لذاتها كذلك يعلم أن الكمال محبوب لذاته، فإذا سمعت أخبار رستم وإسفنديار في شجاعتهما مال القلب غليهما مع أنا نقطع أن محبتهما معصية، فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته، وأكمل الكمالات لله تعالى، فيقتضي كونه محبوباً لذاته من ذاته. وقال صاحب "الفرائد" بعدما حكى نحواً من هذا المعنى: وهذا أبلغ أنواع الحب، فعلى هذا: حب العبد لله حقيقة، بل المحبة الحقيقية مستحقة لله؛ إذ كل ما يحب من المخلوقات فإنما يحب لحصول أثر من آثار جوده.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: الذي ذهب إليه الإمام ومن تبعه يساعده المقام؛ لأنه سبحانه وتعالى لما عظم ذاته وبين جلالة سلطانه بقوله: (قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) الآيات، تعلق قلب العبد بمولى عظيم الشأن ذي الملك والملكوت، والجلال والجبروت، ثم لما ثنى بالنهي للمؤمنين عن موالاة أعدائه، وحذر عن ذلك غاية التحذير، حيث كرر فيه: (وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ) ونبه على وجوب استئصال تلك الموالاة بقوله: (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ) الآية، وأكد ذلك الوعيد الشديد، وذلك قوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) الآية، زاد ذلك التعلق أقصى غايته، فاستأنف قوله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ)، كأنه تعالى يشير إلى أن عبيدي لم يتمالكوا أنفسهم عند ذلك بأن لا يسألوا: بأي شيء ينال كمال المحبة وموالاة ربنا؟ فقيل لهم: بعد قطع موالاة أعدائنا تنال تلك الدرجة بالتوجه إلى متابعة حبيبنا، إذ كل طريق سوى طريقه مسدود. وأما ذكر غفران الذنب بعد حصول محبته فللتخلية للتحلية، المعنى: إن أردتم تشريف محبتي، والوصول إلى دار كرامتي، فعليكم متابعة حبيبي، لتصقل إرادة محبتي نفوسكم عن صدأ الذنوب وشوائب العيوب، فتستعدوا لإشراق تجليات الأنوار. اللهم أسعدنا بتبوؤ مقعد الصدق في دار القرار. فعلى هذا قوله: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) من عطف الخاص على العام، لأن إرادة المحبة جامعة للخيرات كلها، والمهم الأولى بحسب الوقت: التخلية، وفيه أن محبة الله من العبد موقوفة على المتابعة، وكذلك محبة العبد من الله مسببة عن المتابعة، فهي الواسطة الحقيقية لا غير. وقال الإمام: خاض صاحب "الكشاف" في هذا المقام في الطعن في أولياء الله، وكتب ها هنا ما لا يليق بالعاقل أن يكتب مثله في كتب الفحش، فهب أنه اجترأ على الطعن في أولياء الله، فكيف اجترأ على كتبه ذلك الكلام الفاحش في تفسير كلام الله المجيد! ونسأل الله العصمة والهداية.

وعن الحسن: زعم أقوام على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنهم يحبون اللَّه، فأراد أن يجعل لقولهم تصديقًا من عمل، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسول الله، فهو كذاب، وكتاب اللَّه يكذبه، وإذا رأيت من يذكر محبة اللَّه ويصفق بيديه مع ذكرها ويطرب وينعر ويصعق فلا تشك في أنه لا يعرف ما اللَّه؟ ولا يدرى ما محبة اللَّه؟ وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا لأنه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة، فسماها اللَّه بجهله ودعارته، ثم صفق وطرب ونعر وصعق على تصوّرها، وربما رأيت المنىَّ قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته، وحمقى العامة على حواليه قد ملؤوا أردانهم بالدموع لما رققهم من حاله، وقرئ: (تحبون)، (ويحببكم) و (ويحبكم)، من حبه يحبه، قال: .... أُحِبُّ أبَا ثَرْوَانَ مِنْ حُبِّ تَمْرِهِ وَأَعْلَمُ أنّ الرِّفْقَ بِالْجَارِ أَرْفَقُ وَوَاللَّهِ لَوْلَا تَمْرُهُ ما حَبَبْتُهُ ... وَلَا كَانَ أَدْنَى مِنْ عُبَيْدٍ وَمُشْرِق (فَإِنْ تَوَلَّوْا): يحتمل أن يكون ماضياً، وأن يكون مضارعاً بمعنى: فإن تتولوا، ويدخل في جملة ما يقول الرسول لهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما الله؟ ) أي: ما جلاله وعظمته؛ لأن ما إذا استعمل في ذوي العلم حمل على السؤال عن الوصف، ومنه الحديث: "ويحك! أتدري ما الله؟ " قاله لأعرابي. قوله: (أردانهم). الجوهري: الردن، بالضم: الكم، والجمع: أردان. قوله: (أحب أبا ثروان) ... الأبيات. عبيد ومشرق: ابنا الشاعر، وفي البيتين إقواء، لاختلاف حركات الروي، يقول: أحب هذا الرجل لأجل تمره، ولولا تمره ما حببته ولا كان أقرب إلي من ولدي، لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها.

(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) [33 - 37] (آلَ إِبْراهِيمَ): إسماعيل وإسحاق وأولادهما. (وآلَ عِمْرانَ): موسى وهرون ابنا عمران بن يصهر، وقيل: عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمان مئة سنة. و(ذُرِّيَّةً) بدل من آل إبراهيم وآل عمران (بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) يعنى أنّ الآلين ذرّية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض: موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، وفاهث من لاوي، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكذلك عيسى ابن مريم بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود بن إيشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق. وقد دخل في آل إبراهيم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وقيل (بعضها من بعض) في الدين، كقوله تعالى: (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة 67]. (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) يعلم من يصلح للاصطفاء، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم)، قال الإمام والقاضي: وبه استدل على فضلهم على الملائكة. قوله: (كقوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)) يعني: (مِنْ) فيها: اتصالية، أي: بعضها متصل بالبعض في الدين، وعلى الأول: متصل بالنسب.

أو يعلم أنّ بعضهم من بعض في الدين. أو (سميع عليم) لقول امرأة عمران ونيتها، و (إِذْ) منصوب به. وقيل: بإضمار "اذكر". وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ماثان، أمّ مريم البتول، جدّة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ. وقوله: (إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ) على أثر قوله: (وَآلَ عِمْرانَ) مما يرجح أنّ عمران هو عمران بن ماثان جدّ عيسى، والقول الآخر يرجحه أن موسى يقرن بإبراهيم كثيراً في الذكر. فإن قلت: كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون، ولعمران ابن ماثان مريم البتول، فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبى مريم التي هي أخت موسى وهارون؟ قلت: كفى بكفالة زكريا دليلاً على أنه عمران أبو البتول؛ لأن زكريا بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوّج زكريا بنته إيشاع أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أبو البتول)، النهاية: التبتل: الانقطاع عن النساء وترك النكاح، وامرأة بتول: منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم، وبها سميت مريم وسميت فاطمة رضي الله عنها لانقطاعهما عن نساء الزمان فضلاً وديناً وحسباً، وقيل: لانقطاعهما عن الدنيا إلى الله تعالى. قوله: (فكان يحيى وعيسى ابني خالة) قيل: كلام المصنف يدل على أن إيشاع ومريم بنتا عمران، لكن مريم من حنة، وإيشاع من غيرها، لما ذكر أن حنة كانت عاقراً إلى أن عجزت، وإيشاع كانت أكبر سناً من مريم لما سيجيء، ثم قال بعيد هذا: فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فتكون إيشاع أخت مريم وخالتها. قيل في العذر: لا يبعد أن عمران تزوج أم حنة فولدت إيشاع فكانت حنة ربيبته، ثم تزوج حنة بعد ذلك بناءً على أنه كان جائزاً في شريعتهم، فولدت مريم، فتكون إيشاع أخت مريم من الأب وخالتها أيضاً، وهو يوافق قوله بعد هذا: "رغب في أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أختها حنة"، فذكر أن حنة أخت إيشاع، فتكون إيشاع وحنة أختين من الأم، وكذا يوافق قوله: فقد كانت أختها كذلك، وفي نسخة المعزي: عندي أختها بدل: خالتها، وهو ظاهر. وبعدها: أمها بدل: أختها في الموضعين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو يقتضي أن تكون حنة أم إيشاع، وهو يخالف ما ذكر من أنها كانت عاقراً لم تلد إلى أن عجزت، مع أن إيشاع أكبر سناً من مريم، وإنما قلنا: إنها كانت أكبر سناً لأنها كانت تحت زكريا عليهم السلام حين اقترع الأحبار في مريم. وقلت: الظاهر ما رواه محيي السنة في "المعالم": أن زكريا وعمران زوجا أختين، وكانت إيشاع بنت فاقوذا أم يحيى عند زكريا، وحنة بنت فاقوذا أم مريم عند عمران، وعليه ينطبق قول المصنف أولاً: "روي أنهاـ أي: حنةـ كانت عاقراً لم تلد إلى أن عجزت"، إلى قوله: "فحملت بمريم". وقوله ثانياً: "أنا أحق بها، عندي خالتها". وثالثا: "رغب في أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أختها"، إلى قوله: "وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك". وأما الحديث الذي روينا عن الشيخين: "فإذا أنا بابني الخالة: عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا"، وما ذكره المصنف ها هنا: "وكان يحيى وعيسى ابني خالة"، وفي سورة مريم: "قيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا"، فتأويله ما ذكره صاحب "التقريب": والحقيقة أن يحيى وأم عيسىـ وهي مريمـ ولدا خالة؛ لأن إيشاع أم يحيى، وحنة أم مريم: أختان، والغرض أنه كان بين يحيى وعيسى عليهما السلام هذه الجهة من القرابة، وكان عيسى ابن بنت خالة يحيى فأطلق عليه ابن الخالة؛ لأن ابن بنت الخالة كابن الخالة، إطلاقاً مجازياً عرفياً، وكثيراً ما يطلق الرجل اسم الخالة على بنت خالته لكرامتها عليه، ولكونه مربوباً عندها، هذا وجه التوفيق، تم كلامه. ولعل المصنف نظر إلى ظاهر الحديث فبنى كلامه: "وقد تزوج زكريا بنته إيشاع أخت مريم عليه"، ثم أتى بالروايات الثلاث على ما هي عليه فوقع في الاختلاف. وأما تعبير المعزي أولاً: أنا أحق بها، عندي أختها بدل: خالتها، وثانياً: مثل ولد أمها حنة بدل: ولد أختها، فلتصحيح الكلام الأول، وهو قد تزوج زكريا بنته إيشاع أخت مريم، إلا أنه غيرهما بناءً على أنه وجد رواية صحيحة، والله أعلم بحقيقة الحال.

روي أنها كانت عاقراً لم تلد إلى أن عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له، فتحرّكت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل (مُحَرَّراً) معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يدَ لي عليه ولا أستخدمه ولا أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم. وروى أنهم كانوا ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل. وعن الشعبي (مُحَرَّراً) مخلصاً للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكراً (فَلَمَّا وَضَعَتْها) الضمير ل (ما في بطني)، وإنما أنث على المعنى؛ لأن ما في بطنها كان أنثى في علم اللَّه، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة. فإن قلت: كيف جاز انتصاب (أُنْثى) حالا من الضمير في (وضعتها) وهو كقولك: وضعت الأنثى أنثى؟ قلت: الأصل: وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال؛ لأن الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في: "من كانت أمّك" لتأنيث الخبر، ونظيره قوله تعالى: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ) [النساء: 176] وأمّا على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر؛ كأنه قيل: إني وضعت الحبلة أو النسمة أنثى. فإن قلت: فلم قالت: (إني وضعتها أنثى) ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (علي نذراً شكراً)، "شكراً": مفعول له، و"أن أتصدق": بدل من قوله: "نذراً". قوله: (وما كان التحرير إلا للغلمان) من تتمة كلام الشعبي، وقوله: "وإنما بنت الأمر على التقدير"، كلام المصنف، أي: على تقدير العرف والعادة، أي: إن كان ذكراً كان محرراً، وكنت عن الذكر بهذه العبارة، وهو المراد بقوله: "أو طلبت أن ترزق ذكراً". قوله: ((فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ)) لما كان الخبر مثنى جاز تثنية الاسم، وإن لم يسبق إلا المفرد، وهو قوله: (وَلَهُ أُخْتٌ). قوله: (فلم قالت: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى)؟ ) يعني: إذا كان علم اللطيف الخبير محيطاً بما

وما أرادت إلى هذا القول؟ قلت: قالته تحسراً على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها، فتحزنت إلى ربها؛ لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكراً، ولذلك نذرته محرّراً للسدانة. ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال اللَّه تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه، ومعناه: واللَّه أعلم بالشيء الذي وضعت، وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئا؛ فلذلك تحسرت. وفي قراءة ابن عباس: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) على خطاب اللَّه تعالى لها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وضعت، فأي فائدة في قولها: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) لأن الإخبار إما للفائدة أو لازمها كما ذهب إليه صاحب "المفتاح". قلت: هذا على مقتضى الظاهر، وربما تجعل الأخبار ذريعة إلى الامتنان أو التهديد، أو على إظهار التحسر كما نحن بصدده. قوله: (وما أرادت) إذا فعل بعضهم فعلاً لا يعلم غرضه يقال: ما أردت إلى هذا؟ أي: أي شيء وأي معنى دعاك إلى هذا؟ ففيه تضمين معنى "دعا"، ولهذا عدي بـ "إلى". قوله: (بقدر ما وهب لها منه) الضمير المرفوع في "وهب" راجع إلى "ما"، والمجرور إلى أم مريم، والمجرور في "منه": راجع إلى الموضوع، و"من": بيان "ما"، ثم في وضع "ما" في "ما وهب" في موضع "من" لإرادة الإبهام والوصفية تفخيم للموهوب وتعظيم له، كقولهم: سبحان ما سخركن لنا، وإليه الإشارة بقوله: "والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور". قوله: (على خطاب الله لها) فعلى هذا لا يكون قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) تجهيلاً لأم مريم، بل نفياً لعلمها، لأن العبد ينظر إلى ظاهر الحال ولا يعرف أسرار الله في

أي: أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب، وما علم اللَّه من عظم شأنه، وعلوّ قدره. وقرئ: (وضعت). بمعنى: ولعلّ للَّه تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلّ هذه الأنثى خير من الذكر؛ تسلية لنفسها. فإن قلت: فما معنى قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى)؟ قلت: هو بيان لما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) من التعظيم للموضوع والرفع منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد. فإن قلت: علام عطف قوله (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ)؟ قلت: هو عطف على (إني وضعتها أنثى)، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى: (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) [الواقعة: 76] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كل شيء، وإنما كان على الأول تجهيلاً؛ لأنه تعالى حينئذ يحكي حالها لغيرها ويشكو عنها تحسرها وحزنها على الموضوع، المعنى: اسمعوا قولها وانظروا إلى تحسرها تحقيراً للمولود العظيم الشأن، فاحكموا بجهلها بذلك. قوله: (وقرئ: "وضعت"): ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، والباقون (وَضَعَتْ) بسكون التاء إخباراً عن الله تعالى، وعلى الأول: من كلام أم مريم. قوله: (هو بيان لما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) وذلك أن قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) وارد على تفخيم المولود وفضله على الذكر، يعني: أنه قد تعورف بين الناس فضل الذكر على الأنثى، والله هو الذي اختص بعلمه الشامل فضل هذه الأنثى على الذكر، فكان قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) بياناً لما اشتمل عليه الأول من التعظيم. قوله: (واللام فيهما للعهد)، أما التي في (الأنْثَى) فمعهود بقولها: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى)، وأما التي في الذكر فبقولها: (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً)؛ لأن المحرر لم يكن إلا غلاماً، أو طلبت أن ترزق ذكراً. قوله: ((وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)) [الواقعة: 76] لأن التقدير: (فَلا أُقْسِمُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) [الواقعة: 75]، (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) [الواقعة: 77]، فاعترض بين القسم والمقسم به قوله: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) كما اعترض (لَوْ تَعْلَمُونَ) بين الموصوف والصفة. فإن قلت: قد ظهر أن قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) بيان لقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ)، وفي التشبيه أيضاً دلالة على تعظيم الأنثى على الذكر، وهذا إنما يصح على قراءة (وَضَعَتْ) على الغيبة، لأنه من كلام الله، وأما على التكلم فلا يستقيم؛ لأنه حينئذ من كلام أم مريم، لاسيما وقد ذهب المفسرون إلى أن قوله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى) على القراءتين من كلام أم مريم، ومرادها تعظيم الذكر على الأنثى، لأن الذكر يصح استمراره على خدمة بيت المقدس ومجاوريه، بخلاف الأنثى لمانع الحيض وإلحاق الريبة والتهمة وسائر العوارض. قلت: على هذا يحمل الكلام على التحسر على الحرمان، ومعنى (مَا) في (بِمَا وَضَعَتْ): التحقير، المعنى: (إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) والله أعلم بالشيء الذي وضعت، فإنه غير صالح لما نذرت له لنقصانه، فإني طلبت ما يصلح للسدانة، وليس ما طلبت من المحرر مثل هذه الموهوبة؛ لأنها لا تصلح لذلك، ومع ذلك إني غير مأيوسة من فضل ربي أن يتقبل مني هذه بدل ذلك، (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) لذلك، (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ليحميها الله من شر التهمة والريبة، فاستجاب الله دعاءها وترحم على حرمانها حيث تقبلها (بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً) كما قال، فرضي بها في النذر مكان الذكر، ولم يكن قبل ذلك مشروعاً، فالفاء في (فَتَقَبَّلَهَا) طبقت المفصل.

فإن قلت: فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت: لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها. ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذه لها ولولدها من الشيطان وإغوائه؟ وما يروى من الحديث: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها» فاللَّه أعلم بصحته. فإن صح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (التقرب والطلب) قيل: هما متوجهان من حيث المعنى إلى قوله: "إليه"، وإلى قوله: "وأن يعصمها". وقلت: الأولى أن يجرى التقرب على الإطلاق ليكون كالتوطئة لما بعده، وأن يضمن الطلب معنى التوسل لتعديته بـ "إلى"، يعني: جعلت هذا الاسم وسيلة إلى الله في طلب عصمتها، والذي يؤيد أن التسمية كانت وسيلة في طلب العصمة إتباع الله تعالى هذا الطلب بطلب الإعاذة لها على سبيل الحكاية عن لسانها، فكان تعقيبها: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لقولها: (إِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) كالبيان والتفسير له، وإليه الإشارة بقوله: "ألا ترى كيف أتبعته؟ ". قوله: (وما يروى من الحديث) يعني: المراد من قوله: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) طلب الإعاذة لها ولولدها من إغواء الشيطان لا من المس كما ذهب إليه المفسرون مستشهدين بهذا الحديث، إذ هو غير معلوم الصحة، وعلى تقدير صحته فيجوز أن يكون معناه الإغواء لا غير. قوله: (فالله أعلم بصحته، فإن صح)، أقول: لا وجه لهذا الشك، فإن الحديث أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، عن أبي هريرة، واتفقا على صحته.

فمعناه: أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى: (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: 40 - 41]، واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه؛ كأنه يمسه ويضرب بيده عليه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الإمام: طعن القاضيـ يعني عبد الجبار، وهو من أكابر المعتزلةـ في هذا الخبر فقال: إنه خبر واحد على خلاف الدليل، وذلك أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من له تمييز، ولأنه لو تمكن من هذا لجاز أن يهلك الصالحين، وأيضاً، لم خص عيسى عليه السلام دون سائر الأنبياء، ولأنه لو وجد النخس لدام أثره. ثم قال الإمام: إن هذه الوجوه محتملة، وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر الصحيح. الانتصاف: الحديث مدون في الصحاح فلا يعطله الميل إلى نزعات الفلاسفة، والانتصار بقول ابن الرومي سوء أدب يجب أن يجتنب عنه. وقلت: قوله: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه" كقوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) [الحجر: 4] في أن الواو داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق، فيفيد الحصر مع التأكيد، فإذاً لا معنى لقوله: "كل من كان في صفتهما"، ولا يبعد اختصاصهما بهذه الفضيلة من دون الأنبياء، وأما قوله: (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: 40] فجوابه أي: بعد أن يمكنه الله من المس، مع أنه تعالى يعصمهم من الإغواء، وأما الشعر فهو من باب حسن التعليل فلا يصلح للاستشهاد. قوله: (فيستهل صارخاً) منصوب على المصدر، كقولك: قم قائماً.

ويقول: هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن الرومي: لِمَا تُؤْذِنُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ صُرُوفِهَا يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُولَدُ وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو؛ فكلا! ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه (فَتَقَبَّلَها رَبُّها) فرضي بها في النذر مكان الذكر. (بِقَبُولٍ حَسَنٍ) فيه وجهان: أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط واللدود، لما يسعط به ويلد، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لما تؤذن الدنيا) البيت بعده: وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما سوف يلقى من أذاها يهدد تؤذن، أي: تعلم، آذنني: أعلمني، يقول: بكاء الطفل ساعة الولادة لما يعلم أن الدنيا موضع المحن ومقر الفتن، وإلا فما يبكيه والحال أنه قد نجا من ضيق البطن والرحم وانتقل إلى موضع هو أفسح وأرغد منه؟ قوله: ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا): فرضي بها) فسر القبول بالرضى. الجوهري: تقبلت الشيء وقبلته قبولاً، بفتح القاف، وهو مصدر شاذ، والمعنى: فتقبلها بوجه حسن، وذلك أن من يهدي إلى أحد شيئاً يرجو منه قبول هديته بوجه حسن، فشبه النذر بالإهداء ورضوان الله عنها بالقبول، والقبول الحسن على هذا: اختصاص الله لها بإقامتها مقام الذكر؛ على ما سبق أن التحرير لم يكن إلا للغلمان. قوله: (واللدود). النهاية: اللدود، بالفتح، هو: ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم، ولديدا الفم: جانباه.

وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمّها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. وروى أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها؛ لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رءوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والسعوط: هو الدواء يصب في الأنف. قوله: (أو بأن تسلمها) عطف على قوله: "بإقامتها"، وهو داخل تحت الاختصاص. الجوهري: سلمت إليه الشيء فتسلمه، أي: أخذه. قوله: (للسدانة) السادن: خادم الكعبة وبيت الأصنام، والجمع: السدنة. قوله: (روي أن حنة) إلى آخره: بيان تسلمها. قوله: (وصاحب قربانهم) القربان: مصدر من قرب يقرب، وكانوا يتقربون بالبقر والغنم إلى الله تعالى، بأن يجعلوها متعرضة لنار تنزل من السماء وتأكلها، كما قال تعالى: (حَتَّى يَاتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَاكُلُهُ النَّارُ) [آل عمران: 183]، وصاحب القربان: من يتولى هذا الأمر من المتقرب، وكان قربان هذه الأمة الدماء، وفي الحديث: "صفة هذه الأمة في التوراة: قربانهم دماؤهم". قوله: (عندي خالتها) هذه رواية المصنف، وكذا في "معالم التنزيل"، وفي رواية: "عندي

فقالوا: لا، حتى نقترع عليها! فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر، فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها. والثاني: أن يكون مصدراً على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أي: بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص. ويجوز أن يكون معنى (فتقبلها): فاستقبلها، كقولك: تعجله بمعنى: استعجله، وتقصاه بمعنى استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوّله وعنفوانه. قال القطامي: وَخَيْرُ الأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أختها" كذا في "المطلع"، وكتب الصمصام في حاشية كتابه: أن خالتها أصح، وهذا مشعر بأن الرواية "عندي أختها" أيضاً صحيحة. قوله: (وهو الاختصاص) أي: الاختصاص المذكور، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر، أو بأن تسلمها. قوله: (ويجوز أن يكون معنى (فَتَقَبَّلَهَا): فاستقبلها) عطف على قوله: فرضي بها، يعني: معنى (فَتَقَبَّلَهَا): فرضي بها في النذر، أو معناه: فاستقبلها، أي: فأخذها في أول أمرها حين ولدت بقبول حسن. الراغب: قوله: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ) قيل: معناها: قبلها، وقيل: معناه: تكفل بها، وقبول الله تعالى أعظم كفالة في الحقيقة، وإنما قيل: فتقبلها بقبول حسن، ولم

ومنه المثل: «خذ الأمر بقوابله»، أي فأخذها في أوّل أمرها حين ولدت بقبول حسن (وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً) مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها. وقرئ: (وكفلها) بوزن: وعملها، (وَكَفَّلَها زكَرِيَّا) بتشديد الفاء ونصب (زكرياء)، والفعل للَّه تعالى بمعنى: وضمها إليه وجعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها. ويؤيدها قراءة أبيّ: (وأكفلها)، من قوله تعالى: (فَقالَ أَكْفِلْنِيها) [ص: 23]. وقرأ مجاهد: (فتقبلها ربها)، (وأنبتها)، (وكفلها)، على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة، ونصب (ربها)، تدعو بذلك، أي: فاقبلها يا ربها، وربها، واجعل زكريا كافلاً لها. قيل: بنى لها زكريا عليه السلام محراباً في المسجد، أي: غرفة يصعد إليها بسلم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقل: بتقبل، للجمع بين الأمرين: التقبل الذي هو الترقي في القبول، والقبول الذي يقتضي الرضا والإثابة. قوله: (خذ الأمر بقوابله) أي: بمقدماته قبل أن يدبر ويفوت، وليس من العزم أن تمهله حتى يفوت منك ثم تعدو خلفه وتتبعه بعد الفوت. قال الميداني: الباء في "بقوابله" بمعنى في، أي: فيما يستقبلك منه، يقال: قبل الشيء وأقبل، يضرب في الأمر باستقبال الأمور. قوله: (مجاز عن التربية) أي: استعارة، فإن الزارع لم يزل يتعهد زرعه، بأن يسقيه عند الاحتياج ويحميه عن الآفات، ويقلع ما عسى أن ينبت فيه شوك لئلا يخنقه. قوله: (العائدة عليها)، الجوهري: العائدة: العطف والمنفعة، يقال: هذا الشيء أعود عليك من كذا، أي: أنفع. قوله: (وكفلها) بتشديد الفاء: الكوفيون، والباقون: بتخفيفها.

وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدّمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وروى أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب (وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً) كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثدياً قط، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء (أَنَّى لَكِ هذا): من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟ (قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فلا تستبعد. قيل: تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي اللَّه عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها، وقال: هلمي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند اللَّه، فقال لها صلى اللَّه عليه وسلم: أنى لك هذا؟ فقالت: هو من عند اللَّه، إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب. فقال عليه الصلاة والسلام: "الحمد للَّه الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل"، ثم جمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم علىّ بن أبى طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها. (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ) من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام رب العزّة عزّ من قائل (بِغَيْرِ حِسابٍ) بغير تقدير، لكثرته، أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فرجع بها إليها) أي: فرجع النبي صلى الله عليه وسلم مصاحباً تلك الهدية إلى فاطمة رضي الله عنها.

(هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) [38 - 41] (هُنالِكَ) في ذلك المكان، حيث هو قاعد عند مريم في المحراب، أو في ذلك الوقت، فقد يستعار "هنا" و "ثم" وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على اللَّه ومنزلتها، رغب في أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على اللَّه، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك. وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر (ذُرِّيَّةً) ولداً، والذرية يقع على الواحد والجمع (سَمِيعُ الدُّعاءِ) مجيبه. قرئ: "فناداه الملائكة". وقيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل: الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ) بالفتح على (بأن اللَّه)، وبالكسر على إرادة القول؛ أو لأن النداء نوع من القول ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يستعار "هنا" و"ثم" و"حيث" للزمان)، قال الزجاج: (هُنَالِكَ) في موضع نصب؛ لأنه ظرف يقع في المكان وفي الأحوال، المعنى: ومن الحال دعاء زكريا ربه، كما تقول: من ها هنا قلت كذا، من هنالك قلت كذا، أي: من ذلك الوجه ومن تلك الجهة على المجاز قوله: (فلان يركب الخيل)، قال الزجاج: معناه: أتاه النداء من هذا الجنس، كما تقول: ركب فلان في السفن، أي: في هذا الجنس، وإنما ركب في سفينة واحدة. قوله: ((إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ) بالفتح والكسر)، بالكسر: ابن عامر وحمزة، والباقون بالفتح،

وقرئ: (يبشرك)، "ويبشرك"، من بشره وأبشره، "ويبشرك"، بفتح الياء من بشره. ويحيى إن كان أعجمياً ـ وهو الظاهرـ فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر. (مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) مصدّقا بعيسى: مؤمناً به. قيل: هو أول من آمن به، وسمى عيسى كلمة؛ لأنه لم يوجد إلا بكلمة اللَّه وحدها، وهي قوله: (كُنْ) من غير سبب آخر. وقيل: (مصدّقا بكلمة من اللَّه)، مؤمناً بكتاب منه. وسمى الكتاب كلمة، كما قيل: كلمة الحويدرة لقصيدته. والسيد: الذي يسود قومه، أي: يفوقهم في الشرف. وكان يحيى فائقا لقومه، وفائقا للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويا لها من سيادة! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حمزة والكسائي: "يبشرك" في الموضعين هنا، وفي سبحان والكهف: بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين مخففاً، والباقون: بضم الأول وكسر الشين مشدداً. قوله: (ويا لها من سيادة) الضمير للسيادة، ومن: بيان لها، واللام: للاستغاثة، كأنه قيل: أيتها السيادة تعالي فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها، وهي حال التفخيم والإجلال، ويجوز أن يكون المنادى محذوفاً على نحو: يا لكما وللدواهي، المعنى: يا قوم تعجبوا لها. روي أن الفضل بن يحيى دخل على أبيه يتبختر فقال له: ما بقي الحكيم في طرسه؟ قال: لا أدري، قال: إن البخل والجهل مع التواضع أزين بالرجل من الكبر مع السخاء والعلم، فيا لها من حسنة غطت على عيبين عظيمين، ويا لها من سيئة عفت على حسنتين كبيرتين.

والحصور: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أي: منعًا لها من الشهوات. وقيل: هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال الأخطل: وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكاسِ نَادَمَنِى لَا بِالْحَصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَأارِ فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روي: أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت (مِنَ الصَّالِحِينَ) ناشئًا من الصالحين؛ لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائنا من جملة الصالحين كقوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ). [البقرة: 130] (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حصراً لنفسه) أي: منعاً لها مع ميلها إلى الشهوات، ومن لم يكن له ميل إليها لا يسمى حصوراً، ولابد فيه من المنع؛ لأن السجن إنما سمي حصيراً لما أنه يمنع من الخروج. قوله: (وشارب مربح بالكأس) البيت، مربح، أي: يشتري الخمر بالربح. ولا فيها بسأار، أي: لا يبقي من الخمر بقية في الكأس، أدخل الباء في خبر "لا" لأنه بمعنى "ليس"، يقول: رب شارب مشتر للخمر بالربح ليس ممن لا يدخل في القمار ولا مبق في الكأس منها شيئاً عاشرني، وفي رواية: بسوار، من: ساور: إذا وثب، أي: ليس بمعربد. قال الزجاج: ويروى: ولا فيها بسأار، أي: نادمني وهو كريم ينفق على الندامى، والسوار: المعربد يساور نديمه، أي: يثب عليه، والحصور: الذي يكتم الشر، أي: يحبسه في نفسه. قوله: (ناشئاً من الصالحين) وعلى هذا "من": للابتداء، وعلى قوله: "أو كائناً من جملة الصالحين": للتبعيض. قوله: (كما قالت مريم) أي: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)، استبعاداً من حيث العادة المستمرة لا إنكاراً.

(وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) كقولهم: أدركته السنّ العالية. والمعنى: أثر فيّ الكبر فأضعفني، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون (كَذلِكَ)، أي: يفعل اللَّه ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر؛ أو: (كذلك اللَّه)، مبتدأ وخبر، أي: على نحو هذه الصفة: اللَّه، (ويفعل ما يشاء): بيان له، أي: يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات (آيَةً) علامة أعرف بها الحبل؛ لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر (قالَ آيَتُكَ) أَن لَّا تقدر على تكليم الناس (ثَلاثَةَ أَيَّامٍ)، وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر اللَّه، ولذلك قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ)، يعنى في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة. فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت: ليخلص المدّة لذكر اللَّه لا يشتغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: على نحو هذه الصفة) أي: على أن يرزقك ولداً وأنت شيخ وامرأتك عاقر، أي: هو الذي يفعل ما تحير به أوهام الخلق، ولذلك كان قوله: (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) بياناً له. قوله: (من الأفاعيل) وهي جمع أفعولة، وهذا البناء مختص بما يتعجب منه. قوله: (ولذلك قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً)) أي: ولأن تخصيص الناس بالذكر دل على نفي الحكم عما عداه، قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) أي: خص ربك بالذكر، ويمكن أن يستدل بهذه الآية على إثبات هذا المطلوب. قوله: (وهي من الآيات الباهرة): أي: قدرته على التكلم بذكر الله مع حبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة.

وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال. ومنتزعا منه (إِلَّا رَمْزاً) إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما، وأصله التحرّك. يقال: ارتمز: إذا تحرّك. ومنه قيل للبحر: الراموز. وقرأ يحيى بن وثاب: (إلا رمزاً) بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل. وقرئ (رمزاً) بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله: مَتَى مَا تَلْقَنِى فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ... رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مشتقاً من السؤال ومنتزعاً منه)، لم يرد بالاشتقاق الاشتقاق الاصطلاحي، لأن قوله: "ومنتزعاً منه" تفسير له، يريد أن الجواب بعد انطباق معناه على معنى السؤال ينبغي أن يراعى فيه حسن المناسبة بين الألفاظ، قيل لأبي تمام: لم تقول ما لا يفهم؟ فقال: لم لا تفهم ما يقال؟ قال: كأنه عليه السلام لما سأل بقوله: (اجْعَل لِي آيَةً) أي: علامة لأتلقى هذه النعمة بشكرك، أجيب بأن آيتك أن لا تقدر على شيء من الكلام إلا على شكري. فإن قلت: ليس في سؤاله عليه السلام (رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً) ما يشعر به أنه طلب الآية من أجل الشكر؟ قلت: يقدر ذلك لما في الجواب من قوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ) دلالة عليه، كأن نبي الله لما بشر بيحيى مصدقاً طلب آية عليه مزيداً على النص طمأنينة ليتفرغ لأداء شكر تلك النعمة. قوله: (متى ما تلقني) البيت، ترجف، أي: تضطرب بشدة، ترجف: جزم جواباً للشرط، روانف: جمع رانفة، وهي: أسفل الألية، والمراد بالجمع التثنية، وهما رانفتا المخاطب،

بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم. و "العشىّ": من حين تزول الشمس إلى أن تغيب. و "الْإِبْكارِ" من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وقرئ: و "الأبكار"، بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار. يقال: أتيته بكراً بفتحتين. فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟ قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمى كلامًا ويجوز أن يكون استثناء منقطعًا. (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [42 - 43] (يا مَرْيَمُ) روي: أنهم كلموها شفاها، معجزة لزكريا عليه السلام أو إرهاصًا لنبوّة عيسى (اصْطَفاكِ) أوّلا حين تقبلك من أمك ورباك، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتستطارا: أصله تستطارن فقلبت النون ألفاً للوقف، وقيل: أصله تستطاران، وفردين: حال من ضمير الفاعل والمفعول. قوله: (الرمز ليس من جنس الكلام)، الزجاج: الرمز: تحريك الشفتين باللفظ من غير إبانة، وفي اللغة: كل ما أشرت به إلى ما يبان بأي شيء أشرت، بفم أم بيد أم بعين، والرمز: الحركة. قوله: (أو إرهاصاً لنبوة عيسى) أي: تأسيساً وإحكاماً، من الرهص، وهو الساق الأسفل من الجدار، الأساس: ومن المجاز: أرهص الشيء: أثبته وأسسه، وكان ذلك إرهاصاً للنبوة، وذلك أن يتقدم على دعوى النبوة ما يشبه المعجزة، كإظلال الغمام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم الحجر والمدر معه وغير ذلك، وعندنا يجوز أن يكون ذلك كرامة لها، وأن يكون إرهاصاً لعيسى، وعندهم إرهاصاً لعيسى أو معجزة لزكريا عليه السلام كما ذكره.

واختصك بالكرامة السنية (وَطَهَّرَكِ) مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود (وَاصْطَفاكِ) آخرا (عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ)؛ بأن وهب لك عيسى من غير أب، ولم يكن ذلك لأحد من النساء ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: هو دليل على جواز الكرامة للأولياء، وجعل ذلك معجزة لزكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه. قوله: (واختصك بالكرامة السنية) وهي أن خصها من عنده بالرزق، لأن المراد بقوله ها هنا: "تقبلك من أمك" قوله هناك: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا)، وبقوله: "رباك" قوله: (وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا)، بقي قوله: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ) فيحمل قوله: "واختصك بالكرامة السنية" عليه ضرورة. ما ألطف هذه الإشارة! وذلك أن اللام في قول زكريا: (أَنَّى لَكِ هَذَا) للاختصاص، وكان يكفيه أن يقول: أنى هذا؟ ثم جوابها: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) دليل على أن هذه الكرامة مختصة بها؛ لأن لفظ (عِنْدِ اللَّهِ) كناية عن الكرامة، نحو قوله تعالى: (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: 55]، (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) [فصلت: 38] إلى غير ذلك كما علم من كتابه، ثم بناؤه على الضمير مفيد للتقوي أو الاختصاص، نحو: هو عرف، وتخصيص اسم الذات مشعر بتعظيم الموهبة وأنها من الكرامة السنية، كما قال: "بالكرامة السنية"، كأنها قالت: اختصت هذه الكرامة السنية بي لا بغيري وأنها من الله لا من غيره، انظر هذه الكرامة السنية لأولياء الله، حيث أنكر أولاً أنه لا كرامة لها، ثم أقر بالاختصاص، ونص أنها كرامة، ووصفها بالسنية، أبى الله إلا إظهار الحق! قوله: (قرفك)، الجوهري: قرفت الرجل، أي: عبته، يقال: هو يقرف بكذا، أي: يرمى به ويتهم.

أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود؛ لكونهما من هيئات الصلاة وأركانها، ثم قيل لها: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين، أي: في الجماعة أو انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم. ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع. (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) (44] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم قيل لها: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)) يعني ذكر القنوت والسجود أولاً، والقنوت: أن يذكر الله قائماً، أو يركد في الصلاة، وأريد بهما الصلاة، فإنهم يطلقون معظم الشيء على الكل إيهاماً لكماله فيه، ثم أتى ببعض آخر وهو الركوع، وأريد به تلك الحقيقة أيضاً على تلك الطريقة، وقيده بفائدة زائدة ليؤذن أن كماله إذا كان مقيداً بها فهو من التكرار المعنوي لإناطة معنى زائد كما مر، ولما كان الأمر للصلاة أمراً للمصلي بصفتها، وهي أن يكون مع الجماعة لا نفسها، قال: ولتكن صلاتك مع المصلين، على أسلوب: لا أرينك ها هنا. قوله: (أو انظمي نفسك في جملة المصلين) معناه: اتصفي بصفة المصلين وكوني من زمرتهم وعدادهم، كقوله تعالى: (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) [الفجر: 29] أي: في جملة عبادي الصالحين، وانتظمي في سلكهم، وأما معنى الاختصاص في قوله: "ولا تكوني في عداد غيرهم"، فإنما يفيده معنى الكناية، لأن الأسلوب من قبيل قوله: فلان في عداد العلماء، أي: له مساهمة معهم في العلم، وأن الوصف كاللقب المشهود له. قال القاضي: قال: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) للإيذان بأن من ليس في صلاته ركوع ليس من المصلين.

(ذلِكَ) إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام، يعنى أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي. فإن قلت: لم نفيت المشاهدة، وانتفاؤها معلوم بغير شبهة، وترك نفى استماع الأنباء من حفاظها وهو موهوم؟ قلت: كان معلوما عندهم علمًا يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي، فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة. ونحوه (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ)، [القصص: 44] (وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ)، [القصص: 46] (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ) [يوسف: 102] (أَقْلامَهُمْ): أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم نفيت المشاهدة؟ ) تحرير السؤال أن مقتضى الظاهر أن يقال: (ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ) وما سمعت هذا النبأ من أحد ولا قرأته في كتاب، لأن هذا متوهم منه، فاحتيج إلى رفع التوهم لا المشاهدة، فإنها منتفية لاشك في انتفائها، فلا يحتاج إليه، فلم نفيت المشاهدة وترك ذلك؟ وخلاصة الجواب: أن المراد من نفي المشاهدة: إثبات الحجة والاحتجاج على أهل الكتاب بطريق التقسيم الحاصر، ولاشك أن عدم السماع والقراءة محقق عند اليهود، وقد علموا ذلك علماً يقينياً لاشك فيه، وإنما كانوا ينكرون الوحي فأردي إثبات المطلوب بطريق برهاني، فقيل: طريق العلم فيما أنبئكم به، إما السماع والقراءة، وإما الوحي والإلهام، وإما الحضور والمشاهدة، فالأولان منفيان عندكم، بقي الثالث، فنفى تهكماً بهم، وإنما خص هذه دون الأولى للتهكم لأنه لو نفى الأولى لم يكن من التهكم في شيء، لمجال الوهم فيه دونه.

وقيل: هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اختاروها للقرعة تبركا بها. (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) في شأنها؛ تنافسا في التكفل بها. فإن قلت: (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ) بم يتعلق؟ قلت: بمحذوف دلّ عليه: (يلقون أقلامهم)، كأنه قيل: يلقونها ينظرون (أيهم يكفل)، أو ليعلموا، أو يقولون. (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَاكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) (الْمَسِيحُ) لقب من الألقاب المشرفة، كالصدّيق، والفاروق، وأصله: مشيحا بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) [مريم: 31] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد ذكر الزجاج في البقرة نحوه، وأشرنا إليه في قوله: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) [البقرة: 133]. قوله: (وقيل: هي الأقلام)، قال الزجاج: الأقلام ها هنا: القداح، جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم على جهة القرعة، وسمي السهم قلماً لأنه يقلم، أي: يبرى، وكل ما قطعت منه شيئاً فقد قلمته، ومنه القلم الذي يكتب به، وتقليم الأظفار.

وكذلك "عيسى" معرب من أيشوع، ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء! فإن قلت: (إِذْ قالَتِ) بم يتعلق؟ قلت: هو بدل من (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) [آل عمران: 42] ويجوز أن يبدل من (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا. فإن قلت: لم قيل: (عيسى ابن مريم) والخطاب لمريم؟ قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت: لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت: لم قيل: (اسمه المسيح عيسى ابن مريم)؟ ، وهذه ثلاثة أشياء؛ الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومشتقهما)، وهو اسم فاعل من الاشتقاق، أي: الذي يشتقهما، وهو مبتدأ، والخبر: "كالراقم"، أي: لا شيء معه، أي: لا طائل تحته. قوله: (والعيس)، الجوهري: العيس، بالكسر: الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة. وهذا المجاز، نحو إطلاقهم المرسن على أنف الإنسان. قوله: (في زمان واسع) أي: الزمان الذي وقع فيه الاختصام زمان البشارة، كلاهما على طريق لقيته سنة كذا، مع أنه لم يلقه إلا في جزء من أجزاء السنة، فيكون قوله: (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) إشارة إلى جميع ذلك الزمان، وكذا (إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ)، ويجوز أن يكون بدل اشتمال عن قوله تعالى: (إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ) نحو قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ) [مريم: 16]. قوله: (وهذه ثلاثة أشياء؛ الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة)، الانتصاف: أراد بهذا السؤال هو أن المسيح إن أريد به التسمية فما موقع قوله: (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)؟ والتسمية لا توصف بالبنوة، وإن أريد المسمى لم يلتئم مع قوله: (اسْمُهُ)!

قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره؛ فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة (وَجِيهاً) حال من (كَلِمَةٍ) وكذلك قوله: (ومن المقربين)، (ويكلم)، (ومن الصالحين)، أي: يبشرك به موصوفا بهذه الصفات. وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة. والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس، وفي الآخرة: الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجواب الأول: (الْمَسِيحُ) خبر عن قوله: (اسْمُهُ)، والمراد التسمية، و (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ): خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عيسى ابن مريم، والضمير عائد إلى المسمى بالتسمية المذكورة منقطعاً عن قوله: (الْمَسِيحُ). وقلت: هذا كلام لا طائل تحته، ومقصود المصنف أن مؤدى كل اسم تمييز المسمى من غيره، فكما يتأتى ذلك من عبارة واحدة نحو: عيسى، يتأتى من مجموع ألفاظ نحو قوله تعالى: (الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)، وقد سبق جواز التسمية ببيت واحد. فإن قيل: كيف قدم اللقب على الاسم ولم يضف الاسم إلى اللقب كما نص عليه في "المفصل"، وإذا اجتمع للرجل اسم غير مضاف ولقب: أضيف اسمه إلى لقبه، فقيل: هذا سعيد كرز؟ قلت: الجواب ما ذكره ابن الحاجب: ذكر اللقب مطلقاً، والمراد اللقب الذي هو غير صفة. قوله: (والوجاهة في الدنيا)، الزجاج: الوجيه: هو الذي له المنزلة الرفيعة عند ذوي القدر والمعرفة، يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة، ولفلان جاه عند الناس.

وكونه مِنَ الْمُقَرَّبِينَ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة، والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه؛ سمي بالمصدر. و(فِي الْمَهْدِ) في محل النصب على الحال (وَكَهْلًا) عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلاً وكهلاً، ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء. ومن بدع التفاسير: أن قولها: (رَبِّ) نداء لجبريل عليه السلام، بمعنى: يا سيدي (ونعلمه) عطف على (يبشرك)، أو على (وجيها) أو على (يخلق)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("ونعلمه" عطف على (يُبَشِّرُكِ))، هذا على القراءة بالياء في (وَيُعَلِّمُهُ) ظاهر، وأما بالنون ففيه التفات وإيذان بأن هذه الكرامة من المنائح التي توجب أن يعظم موليها. فإن قلت: لا شك أن قوله: (يخْلُقُ مَا يَشَاءُ) بيان لقوله: (كَذَلِكَ اللَّهُ)، وهو مبتدأ وخبر، أي: نحو هذه الصفة يخلق الله ما يشاء، فإذا عطف (وَيُعَلِّمُهُ) على (يَخْلُقُ) يكون بياناً أيضاً، فما وجهه؟ قلت: نعم، هو بيان، ووجهه أن المشار إليه جميع ما سبق في تلك البشارة، وما بعده تفصيل لذلك، والمعنى على نحو ما مر من كونه مبشراً بكلمة منه موجوداً بها، كذلك كل مخلوقاته موجود بها، فإنه إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون، ومن كونه مبشراً بكونه وجيهاً في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، كذلك يقتضي أن يعلمه الكتاب والحكمة وكيْتَ وكيْتَ، ومن كونه مبشراً بأنه يكلم الناس في المهد وكهلاً، كذلك ينبغي أن يأمره بأن يقول لهم: أرسلت رسولاً ناطقاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم، ومن كونه من الصالحين، كذلك أوحينا إليه أن يقول: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) لأنه علامة يعرف بها أنه رسول كسائر

أو هو كلام مبتدأ، وقرأ عاصم ونافع: (ويعلمه)، بالياء. فإن قلت: علام تحمل (ورسولا)، (ومصدّقاً)، من المنصوبات المتقدّمة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرسل، وأما معنى التنكير في قولها: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ) فلتتميم معنى الاستبعاد الذي يعطيه قوله: (أَنَّى يَكُونُ)، أي: ما أبعد تصور ولد ما، فكيف بالموصوف؟ قوله: (أو هو كلام مبتدأ)، قال صاحب "المرشد": إذا قرئ "نعلمه" بالنون، الأجود أن يكون الوقف على (فَيَكُونُ) تاماً و"نعلمه": استئنافاً، وإذا قرئ بالياء يكون كافياً و (وَيُعَلِّمُهُ) عطفاً على قوله: (إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ). وقلت: على الابتداء الكلام خارج من حيز البشارة وحديثها، وهي قصة مستقلة جيئت مستطردة، المعنى: ونعلمه الكتاب والحكمة ونبعثه إلى بني إسرائيل رسولاً ناطقاً بأني قد جئتكم، إلى قوله: (فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)، فلما أدى الرسالة توقفوا عنده، فلما أحس منهم الكفر قال: من أنصاري إلى الله؟ وأما المعنى على العطف فهو: أن يقدر بعد قوله: (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) قوله: ثم بعثه الله رسولاً إلى بني إسرائيل ودعاهم إلى عبادة الله وإلى صراط مستقيم، فلما لم يصدقوه وأبوا أن يعبدوا الله وأحس منهم الكفر قال: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ) [آل عمران: 53] والفاء على التقديرين: فصيحة. قوله: (علام تحمل (وَرَسُولاً) (وَمُصَدِّقاً))، قال المصنف: المنصوبات قبل (رَسُولاً) و (مُصَدِّقاً) في حكم الغيبة، وهما في حكم التكلم لتعلق قوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) و (لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ) بهما، فلم يصح العطف؛ لأنك لا تقول: بعث الله عيسى مصدقاً لنا، ولكن مصدقاً هو، هذا ما نقل من الحواشي. ويمكن أن يوجه السؤال على طريقة أخرى، بأن يقال: على أي شيء يحمل (رَسُولاً) و (مُصَدِّقاً) من المنصوبات السابقة،

وقوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) و (لِما بَيْنَ يَدَيَّ) يأبى حمله عليها؟ قلت: هو من المضايق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولا بأني قد جئتكم، ومصدقاً لما بين يدي. والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: (ورسول) عطفاً على كلمة (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أصله: أرسلت بأني قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، و (أَنِّي أَخْلُقُ) نصب بدل من (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ)، أو جرّ بدل من "آية"، أو رفع على: هي أنى أخلق لكم، وقرئ: (إني)، بالكسر على الاستئناف، أي: أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير (فَأَنْفُخُ فِيهِ) الضمير للكاف، أي: في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير، (فَيَكُونُ طَيْراً): فيصير طيراً كسائر الطيور حياً طياراً، وقرأ عبد اللَّه: (فأنفخها) قال: كَالْهَبْرَقِىِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهي (وَجِيهاً)، (وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ) (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنْ الصَّالِحِينَ)؟ لأن قوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وقوله: (لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ) يأبى حملها عليها؛ لأن تلك المنصوبات واقعة في كلام الملائكة وبشارتها لها من الله، وهما حكاية قول عيسى عليه السلام؟ وتحرير الجواب المذكور ما قاله القاضي: (وَرَسُولاً) (وَمُصَدِّقاً) منصوبان بمضمر على إرادة القول، تقديره: ويقول: أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم، أو بالعطف على الأحوال المتقدمة مضمناً معنى النطق، فكأنه قال: وناطقاً بأني قد جئتكم. قوله: (كالهبرقي تنحى ينفخ الفحما) صدره: مولي الريح قرنيه وجبهته ويروى: روقيه وكلكله. والروق: القرن، والكلكل: الصدر، والهبرقي، بكسر الهاء: الحداد،

وقيل: لم يخلق غير الخفاش. الْأَكْمَهَ: الذي ولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين، ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير. وروي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر (بِإِذْنِ اللَّهِ)؛ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية. وروي أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا: هذا سحر فأرنا آية: فقال يا فلان، أكلت كذا، ويا فلان، خبئ لك كذا. وقرئ: "تذخرون"، بالذال والتخفيف (وَلِأُحِلَّ): ردّ على قوله: (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتنحى: أي: انتحى واعتمد، البيت للنابغة يصف ثوراً أكب في كناسه يحفر أصل الشجر، كالحداد ينفخ في الفحم، أو يصفه وهو مستقبل الريح بقرنيه وجبهته ينفخ ويتنفس كالحداد الذي ينفخ في الفحم بالمنفاخ، واستشهد بأن الشاعر عدى فعل النفخ. قوله: (غير قتادة) "غير" يروى بالرفع على البدل، وبالنصب على الاستثناء. قوله: (قتادة بن دعامة السدوسي)، في "جامع الأصول": هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري الأعمى، يعد في الطبقة الثالثة من تابعي البصرة، روى عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب والحسن البصري، دعامة بكسر الدال المهملة، وسدوس بفتح السين المهملة. قوله: ((وَلأُحِلَّ): رد) أي: متعلق به معطوف عليه، أي: ولأعلمكم ما أحل الله وما حرم، لأنه ليس لمخلوق تحليل الحرام وتحريم الحلال.

ويجوز أن يكون (مُصَدِّقاً) مردودا عليه أيضا، أي جئتكم بآية وجئتكم مصدقًا. وما حرم اللَّه عليهم في شريعة موسى: الشحوم، والثروب، ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. قيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له. واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرئ (حرم عليكم) على تسمية الفاعل، وهو (ما بين يدىّ من التوراة)، أو اللَّه عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام؛ لأن ذكر التوراة دل عليه؛ ولأنه كان معلوماً عندهم. وقرئ: "حرم"، بوزن كرم (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ)؛ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه: وقرئ بالفتح على البدل من (آيَةٍ). وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت: لأنّ اللَّه تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال القاضي: هو مقدر بإضمار، أو معطوف على معنى (وَمُصَدِّقاً)، كقولهم: جئتك معتذراً ولأطيب قلبك. قوله: ((مُصَدِّقاً) مردوداً عليه أيضاً)، قال أبو البقاء: (مُصَدِّقاً): حال معطوفة على قوله: (بِآيَةٍ) أي: جئتكم بآية ومصدقاً. قوله: (والثروب): جمع ثرب، وهو شحم رقيق قد غشي الكرش والأمعاء. قوله: (ما لا صيصية له). الصيصية: شوكة الحائك التي يسوي بها السداة واللحمة، ومنه: صيصية الديك: ما يدفع به عن نفسه. قوله: (لأن الله تعالى جعله) أي: قوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ)، علامة، يعني الرسل

حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: (جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من: خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قاطبة تواطأت على هذا القول، فكل من ادعى النبوة وقال بها كان رسولاً، قال القاضي: إنه دعوة الحق المجمع عليها بين الرسل الفارقة بين النبي والساحر. قوله: (ويجوز أن يكون تكريراً) معطوف من حيث المعنى على قوله: (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) شاهدة على صحة رسالتي، واسم يكون ضمير يرجع إلى معنى قوله: (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)، (وَجِئْتُكُمْ) على "الأول" كرر ليعلق عليه معنى زائد، وهو قوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ)، وعلى الثاني كرر للاستيعاب، على منوال قوله تعالى: (ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) [الملك: 4]، قال: لم يرد بالكرتين التثنية، ولكن التكرير، أيك كرة بعد كرة، ولهذا قال ها هنا: أي: جئتكم بآية بعد أخرى، فيقدر ما يناسب تلك الآيات السابقة من كونه مولوداً وجد من غير أب، وكونه يكلم الناس في المهد، ومن هذه الأجناس، وإليه الإشارة بقوله: "مما ذكرت"، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) على هذا إذا قرئ بكسر (إِنَّ): استئناف، وبفتحها: تعليل لقوله: (فَاعْبُدُوهُ) قدم للحصر، ولا يجوز أن يكون بياناً أو بدلاً كما في الوجه الأول، لأن هذا ليس من جنس ما سبق ولا يناسب التكرير، ويؤيد هذا التقرير قراءة عبد الله، لما أن جمع الآيات مناسب للتكرير من حيث المعنى ومن حيث إن قوله: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) لا يصح أن يكون بدلاً أو بياناً، بل كان استئنافاً أو تعليلاً، قال القاضي: إرادة التكرير هو الظاهر، ليكون الأول كتمهيد الحجة، والثاني كتقريبها إلى الحكم،

وبغيره من: ولادتي بغير أب، ومن كلامي في المهد، ومن سائر ذلك. وقرأ عبد اللَّه: (وجئتكم بآيات من ربكم)، فاتقوا اللَّه لما جئتكم به من الآيات، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه. ثم ابتدأ فقال: (إن اللَّه ربى وربكم). ومعنى قراءة من فتح: ولأنّ اللَّه ربى وربكم فاعبدوه، كقوله: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ..... فَلْيَعْبُدُوا) [قريش: 1، 3]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولذلك رتب الحكم بالفاء، أي: فاتقوا الله لما جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة في المخالفة وأطيعوني فيما أدعوكم. ثم شرح في الدعوة بالقول المجمل، فقال: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) [آل عمران: 51] إشارة إلى الاعتقاد الحق ثم قال: (فَاعْبُدُوهُ) إشارة إلى الأعمال الصالحة. ثم قرر ذلك بأن بين الطريق المشهود له بالاستقامة، وهو الجمع بين الأمرين بقوله: (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [آل عمران: 51]، ونظيره قوله صلوات الله عليه: "قل: آمنت بالله ثم استقم". قوله: (وبغيره من ولادتي) قيل: هو عطف على "مما ذكرت"؛ لأنه بيان لقوله: (بِآيَةٍ) فكأنه قيل: جئتكم بما ذكرت لكم وبغيره، ولا يجوز العطف على "بالخفيات" لفظاً ومعنى. قوله: (كقوله: (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) [قريش: 1])، قال: (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) متعلق بقوله: (فَلْيَعْبُدُوا)، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، فحينئذ التقدير: وجئتكم بآية بعد أخرى شاهدة على صحة نبوتي فاتقوا الله وخافوا العقاب واتركوا العناد وأطيعوني، وإذ تركتم العناد وأطعتموني فاعلموا أني آمركم بعبادة من هو مالككم ومربيكم، ففيه إيجابه العبادة بواسطة النعمة التي بها تربيتهم وقوامهم.

ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن اللَّه ربى وربكم وما بينهما اعتراض. (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) [52 - 54] (فَلَمَّا أَحَسَّ) فلما علم (منهم الْكُفْرَ) علماً لا شبهة فيه، كعلم ما يدرك بالحواس. و (إِلَى اللَّهِ) من صلة (أنصارى) مضمناً معنى الإضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم إلى اللَّه، ينصرونني كما ينصرني؟ أو يتعلق بمحذوف حالاً من الياء، أي: من أنصارى ذاهباً إلى اللَّه ملتجئا إليه؟ (نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ) أي: أنصار دينه ورسوله. وحواريّ الرجل: صفوته وخالصته، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن الله ربي)، الظاهر أنه عطف على قوله: "معنى قراءة من فتح"، لأن المعنى: "وجئتكم بآية بعد أخرى"، أي: بدلالات واضحات متعاقبات على أن الله ربي وربكم فاعبدوه. قوله: (وما بينهما اعتراض) أي: على تقدير حذف الجارة، وكذا على البدل، والبيان اعتراض، وأما على التكرير فلا اعتراض. قوله: (مضمناً معنى الإضافة)، قال الزجاج: معناه: من أنصاري مع الله، و"إلى" إنما قاربت معنى "مع" لأنها إذا عبر عنها بها أفاد معناها، لا أن "إلى" بمعنى "مع"؛ لأن إلى: لانتهاء الغاية، ومع: لضم الشيء إلى الشيء، المعنى: من يضيف نصرته إياي إلى نصرته تعالى؟ ولما أن الحروف قد تتقارب في الفائدة ربما يظن الضعيف بعلم اللغة أن معناها واحد.

ومنه قيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن، قال: فَفُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا وَلَا تَبْكِنَا إلّا الْكِلَابُ النَّوَابِحُ وفي وزانه: الحوالي، وهو الكثير الحيلة. وإنما طلبوا شهادته بإسلامهم؛ تأكيداً لإيمانهم؛ لأنّ الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم. (مَعَ الشَّاهِدِينَ): مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، أو مع الذين يشهدون بالوحدانية. وقيل: مع أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم؛ لأنهم شهداء على الناس (وَمَكَرُوا): الواو لكفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، ومكرهم: أنهم وكلوا به من يقتله غيلة وَمَكَرَ اللَّهُ: أن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل، (وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) أقواهم مكراً، وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فقل للحواريات) البيت، معناه: قل للنساء الحضريات: يبكين على غيرنا، فلسنا ممن يموت على الفراش كأهل الحضر، بل نحن من أهل الحرب، ولا يبكي علينا إلا الكلاب اللواتي نشأن معنا في البدو. قوله: (غيلة) الغيلة بالكسر: الاغتيال، يقال: قتله غيلة، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع، فإذا صار إليه قتله. قوله: (أقواهم مكراً)، الراغب: المكر في الأصل: حيلة يجلب بها الإنسان إلى مفسدة، وقد يقال فيما يجلب به إلى مصلحة، اعتباراً بظاهر الفعل دون القصد، والحكيم قد يفعل ما صورته صورة المكر لكن قصده المصلحة لا المفسدة، وعلى هذا سئل بعض المحققين عن مكر الله فأنشد: ويقبح من سواك الشيء عندي ... وتفعله ويحسن منك ذاكا

(إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)) [55 - 57] (إِذْ قالَ اللَّهُ) ظرف ل (خير الماكرين)، أو ل (مكر اللَّه)، (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي: مستوفي أجلك. ومعناه: إني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخرك إلى أجل كتبته لك. ومميتك حتف أنفك لا قتيلا بأيديهم (وَرافِعُكَ إِلَيَّ): إلى سمائي ومقرّ ملائكتي، (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) من سوء جوارهم وخبث صحبتهم. وقيل (متوفيك): قابضك من الأرض، من توفيت مالي على فلان: إذا استوفيته ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإذا مكر الله قد يكون تارة فعلاً يقصد به مصلحة، وتارة جزاء المكر، وأخرى أن لا يقبح مكره عندهم، وذلك بانقطاع التوفيق وتزيين ذلك في أعينهم، ويكون تارة بإعطائهم ما يريدون من دنياهم، واستعملوه على غير ما يجب، فكأنه مكر بهم واستدرجهم من حيث لا يعلمون، وإليه الإشارة بقوله: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) [الرعد: 13]. قوله: (ومعناه: إني عاصمك) أي: قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) بمعنى مميتك، كناية تلويحية عن العصمة؛ لأن التوفي لازم لتأخيره إلى أجل كتب له، وتأخيره ذلك لازم لإماتة الله إياه حتف أنفه، وهو لازم لعصمته من أن يقتله الكفار. قوله: (توفيت مالي على فلان) ما: موصولة، أي: الذي لي على فلان، وإنما اعتبر هذه الوجوه لأن التوفي واقع بعد رفعه عليه السلام إلى السماء على ما يعلم من قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) إلى قوله: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) [النساء: 157]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس بيني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبينه - يعني عيسىـ نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون"، أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي، عن أبي هريرة. وكان من ضربان الدهر وحدثان الزمان، وقدر الله الغالب، أن توغل شقيق لي في بعض بلاد الإفرنجة تسمى ببندقة قلما يصل إليها المسلمون، واتفق له بحث مع بعض القسيسين فقال: هذه الآية موافقة لما نحن عليه ونعتقده، ولكن قوله: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) مناقضة لها ومخالفة لما نقول به. وقلت: لا مناقضة بينهما، لأن مساق هذه الآية غير مساق تلك، وذلك أن قوله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ) كما قال المصنف: ظرف لـ (خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) أو لـ (وَمَكَرَ اللَّهُ)، وقد عقب به قوله: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)، فكان المقام مظنة لاهتمام شأن النصرة والوعد بالاعتصام من مكايد الأعداء، فقيل: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي: عاصمك ممن يريد المكيدة بك، بخلافه في تلك الآية، فإنها واردة لرد زعم اليهود ودعواهم الكاذبة: (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) [النساء: 157] فوجب أن يقال: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) ويؤتى بحرف الإضراب في قوله: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ). فإن قلت: فلم عدل من "عاصمك" إلى (مُتَوَفِّيكَ)؟ قلت: ليؤذن بعصمة خارقة للعادة خارجة مما عليه المتعارف، فإن روح الله لما خاف معرة الأعداء وقتلهم إياه قيل له: لا تخف، فإنهم لن يقتلوك أبداً ولن يصلوا إلى متمناهم؛

وقيل: مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن: وقيل: متوفي نفسك بالنوم من قوله: (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها)، [الزمر: 42]، ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب (فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف، ومتبعوه: هم المسلمون؛ لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى (فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) تفسير الحكم قوله (فَأُعَذِّبُهُمْ ... ) (فنوفيهم أجورهم) وقرئ (فيوفيهم) بالياء ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأني أنا الذي مميتك وأدفع عنك شرهم وأجعل كيدهم في نحرهم، ولذلك أوقع الشبه على طالبه حتى قتلوه وأمد في حياته إلى آخر الزمان، هذا معنى قوله: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) فعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ) على المسلمين الذين يتبعونه بعد نزوله من السماء، وينصره قوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) والله أعلم. قوله: (وقيل: مميتك في وقتك ... ورافعك الآن) هذا على الحذف لا الكناية. قوله: (ومتبعوه: هم المسلمون)، قال صاحب "الفرائد": من آمن بنبوته من المسلمين والنصارى وإلى الآن لم يسمع غلبة اليهود عليهم ولم يتفق لهم ملك ودولة. قوله: (كذبوه وكذبوا عليه) لف، والنشر قوله: "من اليهود والنصارى"، وقوله: "تفسير الحكم" مبتدأ، و"قوله: (فَأُعَذِّبُهُمْ) " الخبر، وإنما قال: "تفسير الحكم" دون تفصيله، لأن التفصيل هو قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا)، (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، وحكم الله هو تعذيب الكفار، وتوفية أجور المؤمنين، ومعنى الآية: فاحكم بينكم فيما كنتم تختلفون فيه من كتاب أنزلته، ورسول بعثته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، فاختلفتم فيه، فمنكم من آمن، ومنكم من كفر، فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم، فالآية من باب الجمع والتقسيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: التعذيب في الآخرة يصح أن يكون تفسيراً للحكم الصادر في الآخرة، فما بال التعذيب في الدنيا؟ قلتـ والله أعلمـ: والذي يمكن أن يقال: إنه عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع وأخذ الزبدة من المجموع من غير اعتبار مفردات التركيب، كقوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ) [هود: 107]. قال المصنف: هو كقول العرب: ما دام تعار، وما أقام ثبير، وغير ذلك من كلمات التأبيد، أو المراد: مفهومهما اللغوي، أي: في الأول والآخر، أي: دائماً، أو أقحم في الدنيا والآخرة اهتماماً وغضباً عليهم؛ لأن قوله: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) بعد قوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، وكذا قوله في قرينتها: (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) دل على أن العذاب في الآخرة، وأصل الكلام: ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فأعذبهم فيوفيهم أجورهم، كما قال. فإن قلت: كيف فصلت الآية الأولى بقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) والثانية بقوله: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)؟ قلت: لعل القصد إلى دليل الخطاب وأن الله يحب المؤمنين، فعدل ليعرض بالكافرين وأن الله تعالى إنما خذلهم لأنه يبغضهم، فيا له من غضب قصد في مدح الغير ذم الغير! والقوم المغضوب عليهم هم اليهود؛ لأنهم الذين كذبوا بعيسى، فعذبوا في الدنيا بضرب الذلة والمسكنة عليهم، وفي الآخرة بما لا يدخل تحت الوصف. فإن قلت: ما معنى الخطاب في قوله: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) لأن الأصل مرجعهم نظراً إلى قوله: (الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ) و (الَّذِينَ كَفَرُوا). قلت: يجوز أن يكون التفاتاً، إيذاناً بأن الرجوع لابد منه فشافههم بذلك؛ لأن الخطاب أدل في إثبات ما أجرى له الكلام.

(ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) 58] (ذلِكَ) إشارة إلى ما سبق من نبإ عيسى وغيره، وهو مبتدأ خبره (نَتْلُوهُ) و (مِنَ الْآياتِ) خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون (ذلك) بمعنى "الذي"، و (نتلوه) صلته، و (من الآيات) الخبر: ويجوز أن ينتصب (ذلك) بمضمر تفسيره (نتلوه)، "وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ": القرآن، وصف بصفة من هو سببه، أو: كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يكون (ذَلِكَ) بمعنى "الذي")، ولم يثبت "ذا" بمعنى "الذي" عند سيبويه إلا في قولهم: ماذا؟ وقد أثبته الكوفيون وأنشدوا: عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق أي: يا عدس، وهو في الأصل زجر للبغلة، فسماها به، وهو علم هنا، وإنما بني لأنه حكاية صوت، ويجوز أن يكون زجرها بذلك، ثم قال: ما لعباد، وهو اسم ملك، "ها ذا" الأولى أن تكتب منفصلة غير متصلة فرقاً بينه وبين اسم الإشارة، يريد: تحمله نفسه، أي: أنت طليق بعد أن صرت أسيراً، وبعضهم قال: "هذا"ـ في البيتـ على أصله، وهو اسم الإشارة، ومحله مرفوع بالابتداء، وطليق: خبره، وتحملين: حال، أي: وهذا طليق حال كونك حاملة له، وما ذكره الكوفيون ليس يثبت لخروجه عن القياس ولقلته. كله في "الإقليد". قوله: (وصف بصفة من هو سببه) وهو من الإسناد المجازي، كقوله: نهاره صائم، وليله قائم. قوله: (أو كأنه ينطق بالحكمة)، اعلم أن الضمير في قوله: (الْحَكِيمِ) العائد إلى الذكر، المراد به: القرآن إذا حمل على حقيقتهـ ولاشك أن نفس القرآن ليس بحكيمـ كان الإسناد مجازياً؛ لأن مسببهـ أي: منزلهـ حكيم، وإذا شبه القرآن لكثرة حكمه، بإنسان ذي

(إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) 59] (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عند الله): إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم. وقوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم عليهما السلام، أي: خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم، وكذلك حال عيسى. فإن قلت: كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب، ووجد آدم من غير أب وأم؟ قلت: هو مثيله في أحد الطرفين، فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به؛ لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف؛ ولأنه شبه به في أنه وجد وجودًا خارجًا عن العادة المستمرة، وهما في ذلك نظيران؛ ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود بغير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حكمة، ثم خيل القرآن نفس الشخص، ثم أطلق القرآن على المتخيل ورمز بقوله: (الْحَكِيمِ) ـ وهو من روادف المشبه بهـ أن القرآن مكان الاستعارة، يكون استعارة مكنية، ولا تظنن أن قوله: "كأنه ينطق بالحكمة"، مشعر بأن التركيب تشبيه لذكر الطرفين، وهو القرآن المشبه، والحكيم المشبه به، فإن التحقيق ما ذكرت لك، وتبين لك من هذا أن الفاعل في الإسناد المجازي يمكن أن يكون مشبهاً على سبيل المكنية، وأن قول صاحب "المفتاح": الذي عندي هو نظم هذا النوع، أي: الإسناد المجازي، في سلك الاستعارة بالكناية، ليس من مخترعاته، بل هو قد قيل، وذهب إليه، وأن راميه خابط في الظلمات. قوله: (جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم عليهما السلام)، "ما" موصولة، صلتها: "شبه"، والظرف معموله، والضمير فيه راجع إلى الموصولة، أي: مفسرة للذي شبه عيسى بآدم لأجله، الجملة بيان لما يدل على وجه التشبيه بأخذ الزبدة والخلاصة التي يعطيها التركيب، وهي كونه وجد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من غير أب وأم، يعني: ما خلقت آدم إلا من تراب صرف، وليس شأنه شأن أولاده حيث خلقوا من أب وأم، وعلى هذا توجه السؤال المذكور وتوجيهه: كيف شبه عيسى بآدم عليهما السلام، وهو ليس نظيره فيما شبه به؟ وأجاب: لا نسلم أنه ليس مثله، إذ ليس بواجب في التشبيه أن يحصل الشبه من كل الوجوه، بل ربما يكفي مجرد وصف يشتركان فيه، لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ثم ترقى في الجواب وقال: "ولأنه شبه به"، يعني: لا نسلم أن الوجه ليس شاملاً للطرفين، فإن الوجه وهو كونهما وجدا خارجين عن العادة المستمرة شامل للطرفين، إذ الغرض من إيراد التشبيه بيان حال المشبه، وإليه الإشارة بقوله: "وهما في ذلك نظيران"، ثم ترك هذه المرتبة إلى أعلى منها، بأن قال: "ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب"، أي: الغرض من إيراد التشبيه إلحاق الناقص بالكامل، فالواجب أن يكون المشبه به أقوى في وجه الشبه، وها هنا كذلك. هذا كله على أن يكون التشبيه عقلياً. ويمكن أن يكون تمثيلياً بأن ينتزع الوجه من عدة أمور متوهمة، فإن قوله تعالى: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) مشتمل على بدء الإنشاء وانتهائه، على أن القصد في إيراد الكلام أنه كيف يتصور في عيسى دعوى الإلهية؟ فإنه مثل آدم في كونه مخلوقاً من تراب، لقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) [فاطر: 11] أي: من أحقر الأشياء وأوضعها، وفي كونه منقاداً لحكمه داخلاً تحت كلمة التسخير، وهي: كن، كسائر المكونات. والآيات من أول السورة كما ذكرنا مسوقة للاحتجاج على النصارى، وعلى أسلوبه قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) [البقرة: 116] على إرادة استعمال "ما" في "أولي العلم"، ممن عبد دون الله من الملائكة والمسيح وعزير، تحقيراً، ويؤيد هذا الوجه قول الزجاج: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ليس بمتصل بآدم إنما هو تبيين قصته، فإذا قلت: مثلك مثل زيد، أردت أنك تشبهه في فعله ثم تخبر بقصة زيد، فعل كذا وكذا، لأن اعتبار القصة والحالة في التشبيه أكثر ما يكون في قسم التمثيل منه.

وعن بعض العلماء: أنه أسر بالروم، فقال لهم: لِمَ تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له. قال: فآدم أولى؛ لأنه لا أبوين له. قالوا: كان يحيى الموتى. قال: فحزقيل أولى؛ لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وأحيا حزقيل ثمانية آلاف. قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص. قال: فجرجيس أولى، لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم)، وجدت في بعض الروايات أنه أسر ثلاثون رجلاً من المسلمين، وكان فيهم شيخ من أهل دمشق يقال له: واصل، فأدخل على بطريق من البطارقة، فسأله شيئاً، فلم يرد عليه الشيخ، فقال له: ما لك؟ قال: كيف أجيبك وأنا أسير بين يديك، فإن أجبتك بما تهوى أسخطت ربي، وإن أجبتك بما لا تهوى تخوفت على نفسي، فأعطني عهد الله وميثاقه وما أخذ على النبيين أنك لا تغدر بي، وإذا سمعت الحق أذعنت له، قال: لك بذلك عهد وميثاق، فكلمه فأفحمه، وبلغ أمره إلى الملك فأرسل إليه فأحضره ودعا بعظيم النصارى، فلما دخل سجد له الملك ومن حوله، فسأله: من هذا؟ فقيل له: هذا الذي يأخذ النصارى دينهم منه، قال الشيخ: أما له من زوجة أو عقب؟ قال الملك: أخزاك الله! هذا أزكى من أن يقذر بالولد أو ينسب إلى النساء أو يدنس بالحيض، فقال: فأنتم تكرهون لأدناكم ذلك وتأخذكم العزة من ذكر الزوجة والولد له، وتزعمون أن رب العالمين سكن ظلمة البطن وضيق الرحم ودنس بالحيض؟ فسكت القس، ثم قال: أيها القس، لم عبدتم عيسى ابن مريم؟ أمن جهة أنه لا أب له، فهذا آدم لا أب له ولا أم، خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته، فضموا آدم إلى عيسى حتى يكون لكم ربان، وإن كنتم إنما عبدتموه لأنه أحيا الموتى فهذا حزقيل تجدونه في الإنجيل لا ننكره نحن ولا أنتم، مر بميت فدعا الله فأحياه حتى كلمه، فضموه غليهما حتى يكون لكم ثلاثة آلهة، ثم قال: أيها الملك، ما عاب أهل الكتاب على أهل الأوثان؟ قال: أنهم عبدوا ما عملوا بأيديهم، فقال: ها أنتم تعبدون هذه الصور التي في كنائسكم، فإن كانت في الإنجيل فلا كلام، فإن لم تكن فلم تشبهون دينكم بدين أهل الأوثان؟ قال الملك: صدق، هل تجدونه في الإنجيل؟ فقال القس: لا، فقال: فلم تشبهون ديني بدين أهل الأوثان؟ فأمر الملك بنقض الكنائس فجعلوا ينقضونها ويبكون، فقال القس: هذا شيطان

(خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ): قدّره جسداً من طين، (ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ) أي: أنشأه بشراً كقوله: (ثُمَّ أَنْشَاناهُ خَلْقاً آخَرَ). [المؤمنون: 14]، (فَيَكُونُ): حكاية حال ماضية. (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) 60] (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ): خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق كقول أهل خيبر: محمد والخميس. ونهيه عن الامتراء ـ وجل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن يكون ممترياً ـ من باب التهييج؛ لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفاً لغيره. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من شياطين العرب فأخرجوه من دياركم ولا تقتلوه ولا تقطروا قطرة من دمه في دياركم فتفسد عليكم، فأخرجوه إلى بلاد الإسلام، والله أعلم بالحقيقة. قوله: (محمد والخميس). النهاية: الخميس: الجيش، سمي به لأنه مقسوم خمسة أقسام: المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب، وقيل: لأنه يخمس الغنائم، ومحمد: خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا محمد. روينا في "صحيح البخاري"، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى خيبر ليلاً، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمدـ واللهـ والخميس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". قوله: (من باب التهييج). المغرب: هاجه فهاج، أي: هيجه، وأثاره فثار، يتعدى ولا يتعدى، وهو خبر نهيه عن الامتراء، وما توسط بينهما اعتراض، ونحوه قوله تعالى: (وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ) [القصص: 87].

(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) 61] (فَمَنْ حَاجَّكَ) من النصارى (فِيهِ) في عيسى (مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)، أي: من البينات الموجبة للعلم (تَعالَوْا): هلموا. والمراد: المجيء بالرأي والعزم، كما تقول: تعال نفكر في هذه المسألة (نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) أي: يدع كل منى ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة (ثُمَّ نَبْتَهِلْ): ثم نتباهل بأن نقول: بهلة اللَّه على الكاذب منا ومنكم. والبهلة بالفتح، والضم: اللعنة. وبهله اللَّه لعنه وأبعده من رحمته، من قولك: أبهله إذا أهمله، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي هذا الأسلوب فائدتان، إحداهما: أنه صلوات الله عليه إذا سمع مثل هذا الخطاب تحرك منه الأريحية فيزيد في الثبات على اليقين. وثانيهما: أن السامع يتنبه بهذا الخطاب الفظيع على أمر عظيم فينزجر عما يورث الامتراء؛ لأنه صلوات الله عليه وسلم بجلالته إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره؟ وإلى هذين المعنيين الإشارة بقوله: "لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفاً لغيره". قوله: ((مِنْ الْعِلْمِ) أي: من البينات الموجبة للعلم) أي: اللام في (الْعِلْمِ) للعهد، وهو تلخيص الدليل الموجب لأن عيسى مخلوق من مخلوقاته وليس بابن له، ولا تفاوت بينه وبين آدم المخلوق من التراب المكون بكلمة التسخير، ويدل على أن البينة الموجبة للعلم ذلك قوله تعالى: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ) يعني: إذا عاندوا للحق بعد ذلك لم يبق إلا الدعوة إلى الملاعنة وتعجيزهم بالمباهلة التي تستأصلهم من سنخهم، فقوله: (الْحَقُّ) وقوله: (الْعِلْمِ) معبران عن تلخيص الدليل.

وناقة باهل: لا صرار عليها، وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. روى: «أنه لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر، فلما تخالوا قالوا للعاقب ـ وكان ذا رأيهم ـ يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال: واللَّه لقد عرفتم يا معشر النصارى ـ أنّ محمداً نبيٌ مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، واللَّه ما باهل قوم نبيًّا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكنّ فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا صرار عليها)، صررت الناقة: شددت عليها الصرار، وهو خيط يشد فوق الخلف والتودية لئلا يرضعها ولدها، والتودية: واحدة التوادي، وهي الخشبات التي تشد على خلف الناقة إذا صرت، والخلف، بكسر الخاء: حلمة ثدي الناقة. قوله: (للعاقب). النهاية: جاء السيد والعاقب، همام ن رؤسائهم وأصحاب مراتبهم، والعاقب يتلو السيد. قوله: (بالفصل من أمر صاحبكم)، يعني به ما يشير إليه قوله تعالى: (قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي: فصل بينكم وبين اليهود؛ حيث قلتم: عيسى ابن الله وثالث ثلاثة، وقالوا: هو ساحر كذاب. و (قَوْلَ الْحَقِّ): هو عيسى، وإنما سمي به؛ لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها؛ وهي قوله: "كن" من غير واسطة أب. قوله: (فإن أبيتم إلا إلف دينكم)، الاستثناء مفرغ؛ لأن في "أبى" معنى النفي، يعني: إن لم تقبلوا دين الإسلام ولم ترغبوا في شيء إلا إلف دينكم فصالحوا محمداً على شيء وانصرفوا سالمين إلى أهاليكم، يعني: إن باهلتم معه هلكتم، وإن ناصبتم الحرب فلم تقدروا عليه، وفيه أن دينه حق، والواجب عليكم ترك ما ألفتم به من الدين الباطل. قوله: (فوادعوا الرجل)، النهاية: الموادعة: المتاركة، أي: يدع كل واحد منهما ما هو فيه، يقال: توادع الفريقان: إذا أعطى كل واحد منهما الآخر عهداً أن لا يغزوه.

فأتوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وقد غدا محتضنا الحسين آخذاً بيد الحسن، وفاطمة تمشى، وعليٌّ خلفها وهو يقول: «إذا أنا دعوت فأمّنوا» فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إني لأرى وجوهًا لو شاء اللَّه أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبق على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، وأن نقرّك على دينك ونثبت على ديننا. قال: «فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فأبوا، قال: «فإنى أناجزكم» فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أنّ نؤدي إليك كل عام ألفي حلة؛ ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعا عادية من حديد. فصالحهم على ذلك وقال: «والذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أسقف)، النهاية: هو اسم سرياني لرؤساء النصارى وعلمائهم، وقال: والسقف والسقيفي: مرتبة يلونها من قبل الملوك. قوله: (ولا يبق) بغير ياء في نسخة المصنف، وقيل: الصواب بإثباتها لأنه معطوف على "فتهلكوا" وهو منصوب وليس بمجزوم، لأن الفاء في جواب النهي تنصب، وفيه نظر، لجواز أن يكون من باب (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) [المنافقون: 10]. وحديث المباهلة روى مختصراً منه أحمد بن حنبل عن ابن مسعود، وروى أيضاً عن ابن عباس: لو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً. قوله: (فإني أناجزكم)، الجوهري: والمناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة، وفي المثل: المحاجزة قبل المناجزة.

ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل اللَّه نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا» وعن عائشة رضي اللَّه عنها: أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خرج وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) [الأحزاب: 33] فإن قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه؛ حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة، وخص الأبناء والنساء؛ لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب؛ لتمنعهم من الهرب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (خرج وعليه مرط مرحل)، الحديث رواه مسلم، المرط: الكساء، والمرحل: الموشى المنقوش الذي فيه صور الرحال. قوله: (ليتبين الكاذب منه ومن خصمه) أي: يظهر من نسب إلى الكذب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خصمه، هذا معنى المباهلة لما سبق من قوله: "بأن يقول: بهلة الله على الكاذب منا ومنكم". قوله: (لذلك) اللام متعلق بقوله: "تعريض"، وذلك إشارة إلى المباهلة، "ولم يقتصر": عطف على "استجرأ"، و"بكذب خصمه" يتعلق بـ "ثقته"، و"على ثقته": عطف على "على ثقته". قوله: (الظعائن)، الجوهري: الظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، و: الهودج أيضاً، كانت فيه امرأة أو لم تكن.

ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس؛ لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم؛ وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام، وفيه برهان واضح على صحة نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم؛ لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) 62 ـ 63] (إِنَّ هذا) الذي قص عليك من نبأ عيسى (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)، قرئ بتحريك الهاء على الأصل، وبالسكون؛ لأن اللام تنزل من "هو" منزلة بعضه؛ فخفف كما خفف عضد، و "هو" إما فصل بين اسم (إن) وخبرها، وإما مبتدأ و (القصص الحق) خبره، والجملة خبر (إن)، فإن قلت: لم جاز دخول اللام على الفصل؟ قلت: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ منه وأصلها أن تدخل على المبتدأ. و (من) في قوله: (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) بمنزلة البناء على الفتح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حماة الحقائق) جمع حقيقة، وهي ما يحق على الرجل أن يحميه. قوله: (قرئ بتحريك الهاء) أي: "لهو". بالسكون: قالون وأبو عمرو والكسائي، والباقون: بالتحريك. قوله: (و (مِنْ) في قوله: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ) بمنزلة البناء على الفتح)، فإن قلت: فعلى هذا الفتح هو الأصل، وقد قال ابن الحاجب: وإنما بني المفرد معه لما تضمنه من معنى الحرف؛ لأن معناه: ما من رجل. وأجيب: أن هذا إحدى علتين في بناء اسم "لا"، ذكرهما صاحب "الإقليد"، إحداهما: هذه التي ذكرها ابن الحاجب. والثانية: أن "لا" معناها النفي،

في: (لا إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) في إفادة معنى الاستغراق، والمراد: الردّ على النصارى في تثليثهم (فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ): وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله: (زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ) [النحل: 88] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كالاستفهام، في أنهما يتشبثان بمضمون الجملة لا بالاسم وحده، ألا ترى أنك إذا قلت: هل خرج زيد؟ فاستفهامك عن التباس خروج في زمان ماض بزيد، لأنك لا تجهل الخروج في زمان ماض حادثاً على الإطلاق ولم تجهل أيضاً زيداً، بل جهلت التباس ذلك الخروج به، وكذا إذا قلت: ما خرج زيد، فالنفي متشبث بمضمون الجملة على ما سبق، ولا في "لا رجل أفضل منك" يفيد النفي الذي من شأنه أن يتشبث بالاسم المنفي لا بمضمون الجملة، وهو النفي على معنى الاستغراق، لأنه غير متصور في غير الاسم المنفي في الجملة، وهي في إفادتها هذا المعنى كلام التعريف في نفس الرجل. ولما خصت "لا" في هذا المقام بحكم أحبوا أن ينصبوا للاختصاص لتنفصل هذه الحالة من سائل حالاتها التي لم تنزل فيها منزلة حرف يحدث في الاسم وحده معنى، فبنوا الاسم المنفي لأن هذا الحكم مما يدل على فرط امتزاج الحرف بالاسم، وإنما لم يبن "الرجل"، واللام نازلة منزلة الجزء من الاسم لأن البناء للتمييز، ولا حاجة هنا للتمييز؛ لأنه ليس للام حالة تزول فيها عن صفة الامتزاج بالاسم، فيحتاج إلى النصب، بخلاف "لا"، فإنها تارة تفيد النفي المتشبث بمضمون الجملة لا غير، وأخرى تفيد النفي المتعلق بالاسم، كأن المصنف اختار هذا التعليل وبنى عليه كلامه، هذا وإنما ألحق الأصل بالفرع ها هنا لأن الفرع اشتهر بين الناس كثرة استعمال حتى صار أصلاً في الاعتبار، كالدابة في العرف العام في ذوات الأربع. قوله: (والمراد: الرد على النصارى)، يعني تقصيص إيجاد عيسى بكلمة "كن" تستلزم التوحيد، وقوله: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ) تذييل وتقرير لمعناه، فلا رد أبلغ من هذا. قوله: (وعيد لهم بالعذاب المذكور) يعني في إتيان صفة العلم بعد التولي وعيد لهم، وفي

(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) [64 - 68] (يا أَهْلَ الْكِتابِ) قيل: هم أهل الكتابين. وقيل: وفد نجران. وقيل: يهود المدينة (سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ): مستوية بيننا وبينكم، لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير "الكلمة" قوله: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) يعنى: تعالوا إليها حتى لا نقول: عزيز ابن اللَّه، ولا المسيح ابن اللَّه؛ لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكر المفسدين تنبيه على اختصاص ذلك الوعيد بما في تلك الآية، فاللام في (الْمُفْسِدِينَ) للعهد، يعني: فإن تولوا فإن الله يعذبهم العذاب الذي تعورف واشتهر في حق المفسدين، وهو العذاب المضاعف. قال القاضي: وضع (الْمُفْسِدِينَ) موضع الضمير ليدل على أن التولي على الحجج، والإعراض عن التوحيد إفساد للدين، والاعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل فساد العالم. قوله: (بعضنا): خبر "أن" و"بشر مثلنا": بدل منه أو خبر بعد خبر، وعلى الوجهين الخبر معرفة والاسم نكرة، وإن صح من حيث المعنى، وتخصيص الاسم لأن التقدير أن عزيراً بعضنا والمسيح بعضنا، لكن الظاهر أن "بعضنا": خبر مبتدأ محذوف والجملة: خبر "أن".

ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع اللَّه، كقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً) [التوبة: 31]، وعن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول اللَّه، قال: "أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ " قال: نعم. قال: "هو ذاك". وعن الفضيل: لا أبالى أطعت مخلوقاً في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة. وقرئ (كلمة) بسكون اللام. وقرأ الحسن (سواء) بالنصب بمعنى استوت استواء، (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن التوحيد (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي: لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما. اعترف بأني أنا الغالب وسلم لي الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون؛ حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره. زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم وجادلوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين فيه، فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا) يريد: فإن تولوا عن الاتفاق معكم على كلمة التوحيد، وهي (أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وهو دين الأنبياء كلهم بعد أن عرضتم عليهم ذلك، فاعلموا أنهم إنما أبوا للعناد؛ لأنه لزمتهم الحجة، فقولوا لهم: إذا عرفتم ذلك من أنفسكم أنصفوا وأقروا بأنا لسنا مثلكم، وأنا على ذلكم الدين وهو دين الإسلام، وهو من أسلوب التعجيز. قوله: (ويجوز أن يكون من باب التعريض) لأنهم إذا شهدوا أن المسلمين مسلمون فقد عرضوا بأنفسهم بأنهم ليسوا كذلك.

وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة، (أَفَلا تَعْقِلُونَ)، حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال، (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ)، "ها" للتنبيه، و"أنتم" مبتدأ و "هؤلاء" خبره، (وحاجَجْتُمْ) جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعنى: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم (فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) مما نطق به التوراة والإنجيل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يعني: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى) يعني: قصد باسم الإشارة وهو (هَؤُلاءِ) تحقير شأنهم وتركيك عقولهم، كقولها: أبعلي هذا بالرحى المتقاعس قوله: (جادلتم (فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) مما نطق به التوراة والإنجيل)، قال الإمام: (فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) لم يقصد بالعلم حقيقته، وإنما أراد: هب أنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه، فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به البتة؟ ويمكن أن يقال: إن قوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) متصل بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً). ونوع آخر من النعي على قبائحهم، يعني: هب أنكم أشركتم بتأويل باطل وقلتم:

(فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وعن الأخفش: (ها أنتم) هو أأنتم على الاستفهام، فقلبت الهمزة هاء، ومعنى الاستفهام: التعجب من حماقتهم. وقيل (هؤُلاءِ) بمعنى "الذين"، و (حاجَجْتُمْ) صلته، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ): علم ما حاججتم فيه (وَأَنْتُمْ) جاهلون به، ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، واتبعتم رؤساءكم وجعلتموهم أرباباً لكم فيما تأتون وتذرون، ثم ادعيتم أن ذلك عن علم منكم، وحاججتم المسلمين به لأنهم ما وقفوا على نصوص كتابكم، فكيف تحاجون فيما الشاهد يشهد بكذبكم والنص ينادي بزوركم؟ أو المقصود من إثبات العلم لهم إرخاء العنان معهم، يعني: من حماقتكم أنكم عمدتم إلى مسائل مما نطق به الكتابان وألقيتم على الناس مماراة ومجادلة، فلم تأتون بما ليس فيهما وهو أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، وتجادلون به المؤمنين باطلاً، سمى الأول مجادلة لأنهم لم يريدوا بتلك المسائل إثبات حق أو إماطة شبهة، بل نفس المجاراة والمماراة، وهي مذمومة على ما جاء في "سنن الترمذي"، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بني له بيت في وسط الجنة". قوله: ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ): علم ما حاججتم فيه)، فإن قلت: لم زيد علم؟ قلت: ليس الكلام في التهديد وأن الله تعالى يعلم محاجتهم فيجازيهم على عنادهم، بل في إزالة الجهل وبيان حقية المجادلة وبطلانها، ولذلك أتبع ذلك بقوله: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ) الآية. قوله: (ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم) يعني: جيء بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً) على سبيل الاستئناف بياناً لما اختلفوا فيه، فإنه تعالى بعد ما بين أن ليس عندهم علم

وما كان إلا (حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، كما لم يكن منكم. أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى؛ لإشراكهم به عزيراً والمسيح (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ): إن أخصهم به وأقربهم منه، من الولي: وهو القرب (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) في زمانه وبعده (وَهذَا النَّبِيُّ) خصوصا، (وَالَّذِينَ آمَنُوا) من أمته. وقرئ: (وهذا النبيَ)، بالنصب عطفاً على الهاء في (اتبعوه)، أي: اتبعوه واتبعوا هذا النبي، وبالجر عطفاً على (إبراهيم) ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن إبراهيم على أي ملة كان، وأثبت بأنه هو المختص به بقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، اتجه لسائل أن يقول: بين لنا ما ذلك العلم الذي اختص الله به في شأن إبراهيم؟ فقيل: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً) الآية. قال القاضي: (مُسْلِماً): منقاداً لله تعالى، وليس المراد أنه كان على ملة الإسلام وإلا لاشترك الإلزام. وقلت: قوله: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) وارد استئنافاً لبيان الموجب، يعني: إذا نظرتم بعين الإنصاف عرفتم أن المحبة لا تصح بمجرد الدعوى، بل باتباع الهدى والاتصاف بسمة المحبوب، فمن شاهدتم فيه هذه المخيلة فهو أولى به، وفي مجيء اسم الإشارة وعطفه على (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) مزيد تميز وتعين واختصاص، ومن ثم قال: (وَهَذَا النَّبِيُّ) خصوصاً (وَالَّذِينَ آمَنُوا)، وهو كقوله تعالى: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ) [البقرة: 98]. قوله: (أو أراد بالمشركين: اليهود) فعلى هذا هو من وضع المظهر موضع المضمر، للإشعار بالعلية، وهذا أيضاً ينصر قول المصنف: إن المراد من قوله: (مُسْلِماً) أنه عليه السلام على ملة الإسلام، أي: التوحيد. قوله: (وبالجر عطفاً على "إبراهيم") والمعنى على هذا: إن أولى الناس بإبراهيم وبهذا النبي

(وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (69) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [69 - 71] (وَدَّتْ طائِفَةٌ) هم اليهود، دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية، (وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم؛ لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم. أو: وما يقدرون على إضلال المسلمين، وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم. (بِآياتِ اللَّهِ): بالتوراة والإنجيل. وكفرهم بها: أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوّة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وغيرها. وشهادتهم: اعترافهم بأنها آيات اللَّه. أو: تكفرون بالقرآن ودلائل نبوّة الرسول (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) نعته في الكتابين. أو تكفرون بآيات اللَّه جميعاً (وأنتم تعلمون) أنها حق ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والذين آمنوا للذين اتبعوا إبراهيم، فهو من المبالغة بمنزل، كأنه قيل: لا فرق بين دين هذا النبي وأصحابه وبين دين إبراهيم، فكل من ادعى أنه متبع إبراهيم فإن أول شيء يجب عليه متابعة هذا النبي وأصحابه، لأن دينهم التوحيد، وفيه تعريض بأنهم حين أعرضوا عن الإسلام وتولوا، ظهر أنهم ما اتبعوا ملة إبراهيم ولا كانوا من التوحيد في شيء، فوقع قوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) تذييلاً لهذا المعنى أحسن موقع، كقوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ). قوله: ((وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنها حق) فعلى هذا "تشهدون": مجاز عن مطلق المعرفة والعلم، لأن الشاهد إنما يشهد على علم، ولهذا قال الجوهري: الشهادة: خبر قاطع. الراغب: الشهادة: الإخبار بالشيء عن مشاهدة، إما ببصر أو بصيرة، ثم يعبر بها عن المعرفة المقتضية لصحة ما يدعي، وإن كان المدعى عليه منكراً بلسانه، كقولك لخصمك: أنت تشهد أن الأمر بخلاف ما تذكره.

قرئ (تَلْبِسُونَ) بالتشديد، وقرأ يحيى بن وثاب: (تَلْبِسُونَ) بفتح الباء، أي: تلبسون الحق مع الباطل، كقوله: "كلابس ثوبي زور"، وقوله: إذَا هُوَ بِالْمَجْدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ واعلم أن قوله: (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) حال مقررة لجهة الإشكال، وتتميم لمعنى التوبيخ في (لِمَ تَكْفُرُونَ)، فإن فسر "آيات الله" بالتوراة والإنجيل فالمناسب أن يحمل (تَشْهَدُونَ) على الاعتراف، وإن فسر بالقرآن ودلائل نبوة رسول الله فالمناسب: وأنتم تشهدون نعته، أي: تعاينون من المشاهدة المعاينة، وإن فسر بجميع آيات الله فالمناسب: وأنتم تعلمون ليؤذن بأن تلك الآيات بلغت في الوضوح والظهور منزلة المشاهد المحسوس، وأنهم مع ذلك عاندوا وكابروا، وفيه أن العالم المعاند لا يذعن للحق أياً كان. قوله: (كلابس ثوبي زور) الحديث من رواية مسلم والنسائي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن امرأة قالت: يا رسول الله، أقول: إن زوجي أعطاني ما لم يعطني، فقال: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور". النهاية: يعني ثوبي ذي زور، وهو الذي يزور على الناس بأن يتزيا بزي أهل الزهد ويلبس لباس أهل التقشف رياء، أو أنه يظهر أن عليه ثوبين وإنما هو ثوب واحد، قال الأزهري: هو أن يخيط كُمَّاً على كُم. قوله: (إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا)، أوله: فلا أب وابناً مثل مروان وابنه الابن: عبد الملك، ولفظ "هو": كناية عن الأب الذي هو مروان؛ لأن مجد الأب مجد الابن دون العكس، عطف الابن على الأب باعتبار اللفظ حيث جعله منصوباً منوناً، ويجوز رفعه

[(وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) 72 ـ 74] (وجْهَ النَّهارِ): أوّله. قال: مَنْ كانَ مَسْرُوراً بِمَقْتَلِ مَالِكٍ فَلْيَاتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ والمعنى: أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أوّل النهار، (وَاكْفُرُوا) به في آخره لعلهم يشكون في دينهم، ويقولون: ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم، فيرجعون برجوعكم. وقيل: تواطأ اثنا عشر من أحبار يهود خيبر، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّل النهار من غير اعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك المنعوت، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باعتبار العطف على المحل، فإن موضع "لا" وما بعده: رفع بالابتداء، والنصب أشهر لأن العطف على اللفظ أكثر، وقيل: هذا الأسلوب مجاز لأنه جعل المجد رداء لنفسه، ويمكن أن يكون كناية، نحو قولهم: الكرم بين برديه، والمجد بين ثوبيه. قوله: (من كان مسروراً) البيت، وبعده: يجد النساء حواسراً يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار حواسراً: مكشوفات الرؤوس والوجوه، وكانت عادتهم مستمرة في الندبة على القتيل أنهم لا يندبون القتيل أو يدرك ثأره، يقول للأعداء المنابذين: من كان مسروراً يظهر الشماتة بقتل مالك فليأت نساءنا أول النهار يجد ما كان محرماً من الندبة والبكاء.

وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم. وقيل: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة، قال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة، وصلوا إليها في أوّل النهار، ثم اكفروا به في آخره، وصلوا إلى الصخرة، ولعلهم يقولون: هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون (وَلا تُؤْمِنُوا) متعلق بقوله: (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ)، وما بينهما اعتراض. أي: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم. أرادوا: أسرّوا تصديقكم بأنّ المسلمين قد أوتوا من كتب اللَّه مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين؛ لئلا يزيدهم ثباتا، ودون المشركين؛ لئلا يدعوهم إلى الإسلام (أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) عطف على (أن يؤتى). والضمير في (يحاجوكم) ل (أحد)؛ لأنه في معنى الجمع، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، أنّ المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق، ويغالبونكم عند اللَّه تعالى بالحجة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَلا تُؤْمِنُوا) متعلق بقوله: (أَنْ يُؤْتَى)) أي: (أَنْ يُؤْتَى) متصل به معمول له بواسطة الجار، والإيمان على هذا: بمعنى الإقرار، صرح به الواحدي؛ لأنهم كانوا يصدقون بباطنهم أن ما عليه المسلمون حق، لكن كانوا ينكرونه بألسنتهم، وما كانوا يقرون به، فأمروا بالثبات عليه، ونقل صاحب "المرشد"، عن أبي علي: من قدر الباء جعل الفعل بمعنى الاعتراف، ومن لم يقدره جعله متعدياً بنفسه، ومعناه: ولا تصدقوا أن يؤتى أحد. وعلى الوجهين هو مفعول (وَلا تُؤْمِنُوا)، ولهذا قال المصنف: أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، والجملة المتوسطة اعتراض كما قال. وقوله: "أو يتم الكلام عند قوله: (إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) ". وجه آخر مقابل للوجه المذكور، يعني: لا يكون (أَنْ يُؤْتَى) متصلاً به، والإيمان على هذا هو المتعارف المشهور، لقوله: "ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر"، فحينئذ لا يكون قوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) اعتراضاً، بل يكون أمراً

فإن قلت: فما معنى الاعتراض؟ قلت: معناه: أنّ الهدى هدى اللَّه، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام، كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم ويبين تعكيس رأيهم ويفضحهم ويظهر ما أرادوا بهذا القول، يعني أن الذين أسلموا منكم إنما هدايتهم من الله، ومن كانت هدايته بتوفيق الله لا تضره حيلكم ومكركم، وذلك أن في إيقاع الخبر نفس المبتدأ دليلاً على كمال ذلك الشيء في نفسه، أي: هو الهدى الكامل الذي يستحق أن يسمى هدى، ومن يهد الله فلا مضل له، لكن الذي قلتم ودبرتموه إنما فعلتم لأنهم جمعوا بين الفضيلتين وحازوا الحسنتين فحسدتموهم، وهو المراد بقوله: "يعني أن ما بكم من الحسد والبغي ... دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم". قال المصنف في الحاشية: القولان، أعني: (هُدَى اللَّهِ) وقوله: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ)، داخلان في حيز "قل"، كأنه قيل: قل لهم هذين القولين، ومعناه: أكد عليهم أن الهدى: ما فعل الله من إيتاء الكتاب غيرهم، وأنكر عليهم أن يمتعضوا من أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا، كأنه قيل: إن الهدى هدى الله، وقل: لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ما قلتم، وكدتم ما كدتم، تم كلامه. يقال: امتعض من كذا: غضب عنه، وقيل: أوجعه وشق عليه. قوله: (فما معنى الاعتراض) الفاء فيها شائبة الإنكار، يعني: الاعتراض ينبغي أن يؤكد معنى الكلام المعترض فيه، فأين المعنى المذكور فيه وهو إسلام الكافر وثبات المسلم فيه، أم أين التطبيق؛ لأن الأول كلامهم والثاني كلام الله؟ وأجاب: أن قوله: (هُدَى اللَّهِ) مطلق محتو على جميع أنواع الهداية، ووجه تطبيقه على الكلام السابق هو أن الكلام السابق سيق لمعنى (وَلا تُؤْمِنُوا) أي: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، لأن المسلمين إذا سمعوا ذلك يزيدهم ثباتاً في دينهم، وأن المشركين إذا علموا ذلك رغبوا في دين الإسلام، ثم إنه تعالى حكى عنهم كلامهم بعينه على سبيل التوبيخ والإنكار، وضم معه قوله: (قُلْ إِنَّ

وكذلك قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) يريد الهداية والتوفيق. أو يتمَّ الكلام عند قوله: (إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) على معنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار (إلا لمن تبع دينكم) إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم؛ لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم؛ ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم. وقوله: (أَنْ يُؤْتى) معناه: لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه، لا لشيء آخر، يعنى: أن ما بكم من الحسد والبغي ـ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب ـ دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) لمزيد التوبيخ والإنكار، المعنى: إن الهدى هدى الله، وهداية الله شاملة لأن يلطف بالمشركين حتى يسلموا، وأن يزيد في ثبات المسلمين على الإسلام حتى يستقيموا عليه، وإذا كان كذلك لم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي: منعكم وإخفاؤكم، وقوله: "تصديقكم" مفعول "زيكم"، وهو مثل قوله قبيل هذا: "أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا". الأساس: انزوت الجلدة في النار: تقبضت، يقال: أسمعه كلاماً فانزوى له ما بين عينيه. قوله: (يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد) هذا الوجه أحسن التئاماً من الأول وأوفق نظماً، فيكون قوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) كالتوطئة للجواب، أعني قوله: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) الآية، وقوله: (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) تقريراً له، فالفضل هو ما حسدوه من الإيتاء وأظهروا البغي لأجله، والرحمة في (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) هو عين الفضل، أقيمت مقام المضمر، يدل عليه التذييل بقوله: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، فإذاً الكلام في الوحي وأنه المؤتى والفضل والرحمة، وفيه إشارة إلى أن الوقوف على حقائق كلامه المجيد الذي خص به خواص عباده الموصوفين بقوله: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) [الحاقة: 12] نهاية الكمال وغاية الإفضال. الراغب: الاختصاص: انفراد بعض الشيء بما لا يشاركه غيره.

والدليل عليه قراءة ابن كثير: (أأن يؤتى أحد) بزيادة همزة الاستفهام؛ للتقرير والتوبيخ، بمعنى: إلا أن يؤتى أحد. فإن قلت: فما معنى قوله (أو يحاجوكم) على هذا؟ قلت: معناه: دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به عند كفركم به، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والدليل عليه قراءة ابن كثير) أي: على أن قوله: (أَنْ يُؤْتَى) ليس مفعولاً لقوله: (وَلا تُؤْمِنُوا) لأن قوله: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) قلتم ذلك، مصدر بهمزة الإنكار، وهو استئناف كلام داخل تحت حيز "قل" مقولاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والهمزة مزيدة لتأكيد الإنكار، وإليه الإشارة بقوله: "بزيادة همزة الاستفهام للتقرير"، أي: التأكيد. قال صاحب "المرشد": وكان ابن كثير يقرأ: "آن يؤتى أحد" بالمد، والوقف حينئذ على قوله: (إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) وقف تام، وكذا على قوله: (هُدَى اللَّهِ) و (أَنْ يُؤْتَى) في موضع رفع على الابتداء، وخبره محذوف، أي: أأن يؤتى مثل ما أوتيتم تقرون به أو تذكرونه وتعترفون به؟ ويجوز أن يكون في موضع نصب بفعل مضمر، أي: أتذكرون أن يؤتى، أو: أتشيعون. ذكر الوجهين أبو علي. قوله: (فما معنى قوله: (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ) على هذا؟ ) يعني: إذا تم الكلام عند قوله: (لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) وابتدئ من قوله: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ)، كيف يستقيم عطف (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ) على (أَنْ يُؤْتَى) كما كان مستقيماً على الأول، لأنه كان من جملة كلام اليهود؟ والجواب: أنه على الأول كان من عطف المفعول على المفعول، كما قال: (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) عطف على (أَنْ يُؤْتَى). وقدر صاحب "المرشد": أو بأن يحاجوكم، وقال: يكون (أَنْ يُؤْتَى) وما عطف عليه مفعولاً لقوله: (وَلا تُؤْمِنُوا)، والآن هو من عطف العلة على العلة لمعلل مقدر، واللام مثلها في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً) [القصص: 8] وأو

من محاجتهم لكم عند ربكم. ويجوز أن يكون (هُدَى اللَّهِ) بدلا من (الهدى)، و (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ) خبر (إن)، على معنى: قل إن هدى اللَّه (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم) حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم. وقرئ: (إن يؤتى أحد)، على إن النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب، أي: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم، يعني ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم. ويجوز أن ينتصب (أَنْ يُؤْتى) بفعل مضمر؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ بمعنى الواوـ لتنويع، كما في قوله تعالى: (عُذْراً أَوْ نُذْراً) [المرسلات: 6]، وإليه الإشارة بقوله: "ولما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم"، أي: لما يترتب عليه كما يترتب وجود أمر على أمر يكون الثاني مطلوباً بالأول، ومن محاجتهم: بيان "ما"، والضمير في "يتصل" لـ "ما"، وفي "به" للتدبير. قوله: ((هُدَى اللَّهِ) بدلاً من (الْهُدَى)، و (أَنْ يُؤْتَى) خبر (إِنَّ))، المعنى: أن الهدى الحقيقي هو أن يعطى المسلمون مثل ما أعطيتم من الحجة حتى يحاجوكم عند ربكم فيدحضوكم بالحجة، و (أَوْ) على هذا بمعنى: إلى أن، لا للعطف. قوله: (وقرئ: "إن يؤتى"). قال صاحب "المرشد": وهي قراءة الأعمش، وهو حكاية يحتمل أن تكون عن المسلمين وأن تكون عن اليهود، والوقف على (لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) وعلى الحكاية عن المسلمين أحسن؛ لأنك إن جعلته حكاية عن اليهود كان التقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم لأنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ففي أن يؤتى بعض التعلق بأول الكلام. قوله: (ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم) من باب نفي الشيء بنفي لازمه، كقوله: لا ترى الضب بها ينجحر قوله: (وأن ينتصب ... بفعل مضمر) فعلى هذا (أَنْ يُؤْتَى) مترتب على قوله تعالى: (قُلْ إِنْ

يدل عليه قوله: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) كأنه قيل: قل إن الهدى هدى اللَّه، فلا تنكروا ان يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، لأن قولهم (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا. (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (76) عن ابن عباس (مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنْطارٍ): هو عبد اللَّه بن سلام؛ استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهباً فأدّاه إليه. و (مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينارٍ): فنحاص بن عازوراء؛ استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه. وقيل: المأمونون على الكثير النصارى، لغلبة الأمانة عليهم. والخائنون في القليل اليهود، لغلبة الخيانة عليهم (إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً): إلا مدّة دوامك عليه يا صاحب الحق قائما على رأسه متوكلاً عليه بالمطالبة والتعنيف، أو بالرفع إلى الحاكم وإقامة البينة عليه. وقرئ (يؤده) بكسر الهاء والوصل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) يريد: لما أنكر اليهود أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا ردوا بقوله: (إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ)، يعني: تحجرتم على الواسع؟ كما أن الله هداكم كذلك يهدي من يشاء. قوله: (يا صاحب الحق) إشارة إلى أن المخاطب في قوله: (مَا دُمْتَ) كل من كان له حق على غريم، فهو من الخطاب العام، على نحو قوله: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته قوله: ((يُؤَدِّهِ): بكسر الهاء والوصل) رواية ورش وابن كثير وابن ذكوان عن ابن

وبكسرها بغير وصل، وبسكونها. وقرأ يحيى بن وثاب: تئمنه، بكسر التاء. و (دمت) بكسر الدال من دام يدام (ذلِكَ) إشارة إلى ترك الأداء الذي دلّ عليه (لم يؤدّه)، أي: تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم (لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)، أي: لا يتطرّق علينا عتاب وذم في شأن الأميين؛ يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب، وما فعلنا بهم من حبس أموالهم، والإضرار بهم؛ لأنهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم ويقولون: لم يجعل لهم في كتابنا حرمة. وقيل: بايع اليهود رجالاً من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق؛ حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال عند نزولها: كذب أعداء اللَّه ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميَ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البرّ والفاجر. وعن ابن عباس: أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة. قال: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عامر، وبغير وصل: قالون وهشام، وبالسكون: أبو عمرو وأبو بكر وحمزة. قال الزجاج: هذا الإسكان الذي حكي عن هؤلاء غلط، لأن الهاء لا ينبغي أن تجزم ولا تسكن في الوصل، وإنما تسكن في الوقف لأنها حرف خفي يبين في الوصل نحو: ضربته وضربتها، وقيل: إنما قرؤوا باختلاس الكسرة وظنه الراوي سكوناً، وإنما جاز السكون في الوقف خاصة، يريد بالوصل: الإشباع، وسكونها إجراء الوصل مجرى الوقف. قوله: (فلما أسلموا) أي: فلما أسلم قريش تقاضوا اليهود، فقالت اليهود: ليس لكم علينا حق. قوله: (تحت قدمي) مثل لإبطال الشيء، ومنه الحديث: "ألا إن كل دم ومأثرة تحت قدمي هاتين" أراد إخفاءها وإعدامها وإذلال أمر الجاهلية ونقض سنتها. في "النهاية".

قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل. إنهم إذا أدّوا الجزية لم يحلّ لكم أكل أموالهم إلا بطيبة أنفسهم، (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) بادعائهم أن ذلك في كتابهم (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم كاذبون (بَلى) إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي: بلى عليهم سبيل فيهم. وقوله: (مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ) جملة مستأنفة مقرّرة للجملة التي سدّت (بلى) مسدّها، والضمير في (بعهده) راجع إلى (من أوفى)، على أنّ كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى اللَّه في ترك الخيانة والغدر، فإنّ اللَّه يحبه. فإن قلت، فهذا عام يخيل أنه لو وفي أهل الكتاب بعهودهم، وتركوا الخيانة لكسبوا محبة اللَّه. قلت: أجل؛ لأنهم إذا وفوا بالعهود وفوا أول شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم، ولو اتقوا اللَّه في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على اللَّه وتحريف كلمه. ويجوز أن يرجع الضمير إلى اللَّه تعالى، على أن كل من وفى بعهد اللَّه واتقاه فإنّ اللَّه يحبه، ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات، وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء. فإن قلت: فأين الضمير الراجع من الجزاء إلى (من) قلت: عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير. وعن ابن عباس: نزلت في عبد اللَّه بن سلام وبحيرا الراهب ونظرائهما من مسلمة أهل الكتاب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (للجملة التي سدت (بَلَى) مسدها) وهي قوله: "بلى عليهم سبيل فيهم". قوله: (وعن ابن عباس: نزلت في عبد الله بن سلام) يعني قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ) الآية. قوله: (وبحيرا الراهب) جاء على صيغة المكبر مقصوراً، وعلى المصغر ممدوداً، ورواية المعزي على المكبر، وأما حديثه فقد أورده الترمذي ورزين، عن علي بن أبي طالب، عن أبيه، أنه حدثه قال: خرجنا إلى الشام في أشياخ من قريش، وكان معي محمد صلوات الله عليه، فأشرفنا على راهب فنزلنا، فخرج إلينا الراهب، وكان قبل ذلك لا يخرج إلينا، فجعل يتخللنا حتى جاء، فأخذ بيد محمد صلوات الله عليه وقال: هذا سيد العالمين، فقيل له: وما علمك بما

(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) 77 ـ 78]. (يَشْتَرُونَ) يستبدلون (بعَهْدِ اللَّهِ): بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدّق لما معهم. (وَأَيْمانِهِمْ) وبما حلفوا به من قولهم: واللَّه لنؤمنن به ولننصرنه (ثَمَناً قَلِيلًا): متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك. وقيل: نزلت في أبى رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيىّ بن أخطب، حرفوا التوراة وبدلوا صفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وأخذوا الرشوة على ذلك. وقيل: جاءت جماعة من اليهود إلى كعب بن الأشرف في سنة أصابتهم ممتارين، فقال لهم: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول اللَّه؟ قالوا: نعم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تقول؟ قال: أجد صفته ونعته في الكتاب المنزل، وأنكم حين أشرفتم لم يبق شجر ولا حجر إلا خر له ساجداً، وأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع طعاماً فأتانا به، وكان محمد صلوات الله عليه في رعية الإبل، فجاء وعليه غمامة تظله، فلما دنا وجد القوم قد سبقوه إلى شجرة، فجلس في الشمس، فمال فيء الشجرة عليه وضحوا هم في الشمس. الحديث بتمامه مذكور في "جامع الأصول". قوله: "ضحوا هم"، هم: تأكيد الفاعل، نحو قوله تعالى: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) [المطففين: 3]، قال الزجاج: منهم من يجعل "هم" تأكيداً لما في "كالوا". وسقوط الألف من ضمير الجمع على خلاف القياس. قوله: (ممتارين) أي: طالبين الميرة. النهاية: الميرة: الطعام ونحوه مما يجلب للبيع، يقال: مارهم يميرهم: إذا أعطاهم الميرة.

قال: قد هممت أن أميركم وأكسوكم فحرمكم اللَّه خيراً كثيراً، فقالوا: لعله شبه علينا فرويداً حتى نلقاه. فانطلقوا فكتبوا صفة غير صفته، ثم رجعوا إليه، وقالوا: قد غلطنا وليس هو بالنعت الذي نعت لنا، ففرح ومارهم. وعن الأشعث بن قيس: نزلت فىّ، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال: «شاهداك أو يمينه» فقلت إذن يحلف ولا يبالى، فقال «من حلف على يمين يستحق بها ما لا هو فيها فاجر لقى اللَّه وهو عليه غضبان» وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه. والوجه أن نزولها في أهل الكتاب. وقوله: (بِعَهْدِ اللَّهِ) يقوّى رجوع الضمير في (بعهده) إلى اللَّه (وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (شاهداك أو يمينه) أي: عليك شاهداك، أو عليه يمينه. قوله: (من حلف على يمين) سمى المحلوف عليه يميناً، وقد سبق فيه كلام عند قوله: (عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ) [البقرة: 224]. قوله: (يستحق بها مالاً): صفة يمين، وكذا قوله: "هو فيها فاجر"، الحديث أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، عن ابن مسعود، مع تغيير يسير. قوله: (والوجه أن نزولها في أهل الكتاب)؛ لأن سياق الآية وسياقها فيهم. قوله: ((بِعَهْدِ اللَّهِ) يقوي رجوع الضمير في (بِعَهْدِهِ) إلى الله) يعني: في الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى)، وتقريره: أن المعاهد في الأول من أوفى، والمعاهد عام يحتمل أن يكون الله وغيره بخلافه في الثاني، وأما بيان النظم فإن أهل الكتاب لما قالوا: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) بمعنى: لا يتطرق إلينا عتاب، ولا ذم من الله إذا حسبنا أموال الأميين وألحقنا بهم الضرر؛ لأنهم ليسوا على الدين الحق، أجيبوا بقوله: (بَلَى) أي: عليكم سبيل فيهم لأنكم على الباطل، حيث لا توفون بعهد الله، وتشترون به ثمناً قليلاً، وأنهم على الحق لأنهم الموفون بعهد الله المتقون الذين أحبهم الله، فجيء بهذه الآية سادة

تقول: فلان لا ينظر إلى فلان، تريد نفي اعتداده به وإحسانه إليه (وَلا يُزَكِّيهِمْ): ولا يثنى عليهم. فإن قلت: أي فرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز عليه؟ قلت: أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية، لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم نظر، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر. (لَفَرِيقاً) هم كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف وحيىّ بن أخطب وغيرهم (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ) يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مسد هذا المعنى، ثم عقبت بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً) كالبيان لذلك المبهم، فأوجب ذلك عود الضمير إلى الله تعالى. قوله: (ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر) يعني: كان في بدء استعماله فيمن يجوز عليه النظر، وهو الإنسان، عبارة عن الاعتداد والإحسان؛ لأن من اعتد بالغير التفت إليه، وإنما كان كناية لأنه لا ينافي إرادة حقيقته، ثم كثر استعماله في هذا المعنى حتى صار علماً لهذا المعنى، ثم جاء في حق الله لمجرد معنى الإحسان من غير أن يكون ثمة نظر بناءً على مذهبه، وهذا التجريد لمعنى الإحسان وارد على سبيل المجاز عن الشيء الذي وقع كناية عنه في الإنسان، وهو عدم الاعتداد. وعندنا: يجوز أن يطلق النظر على الله تعالى بالحقيقة كما يليق بجلاله، وبيان المجاز: أنه شبهت حالة معاملة الله مع هؤلاء الناقضين للعهد بحالة معاملة من لا يكلم صاحبه ولا ينظر إليه بجامع عدم الاعتداد وقطع الإحسان، ثم استعمل هنا كما كان مستعملاً هناك. قوله: (يفتلونها بقراءته عن الصحيح). الأساس: فتلته عن حاجته: صرفته، فانفتل، وانفتل عن الصلاة، ولوى الشيء فالتوى، وبلغوا ملتوى الوادي: منحناه، وكلمته فالتوى رأسه. قوله: (إلى المحرف) أي: يفتلون الألسنة في القراءة لتصير الصحيحة محرفاً ويحسب المسلمون أن المحرف من التوراة فيلتبس عليهم الأمر، كما قال تعالى: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) [البقرة: 42].

وقرأ أهل المدينة: يلوّون، بالتشديد، كقوله: (لووا رؤسهم) [المنافقون: 5]، وعن مجاهد وابن كثير: (يلون). ووجهه: أنهما قلبا الواو المضمومة همزة، ثم خففوها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها. فإن قلت: إلام يرجع الضمير في: (لتحسبوه) قلت: إلى ما دلّ عليه (يلوّون ألسنتهم بالكتاب) وهو المحرف. ويجوز أن يراد: يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب، وقرئ: ليحسبوه بالياء، بمعنى: يفعلون ذلك ليحسبه المسلمون من الكتاب (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) تأكيد لقوله: (هو من الكتاب)، وزيادة تشنيع عليهم، وتسجيل بالكذب، ودلالة على أنهم لا يعرضون ولا يورون وإنما يصرحون بأنه في التوراة هكذا، وقد أنزله اللَّه تعالى على موسى كذلك لفرط جرأتهم على اللَّه وقساوة قلوبهم ويأسهم من الآخرة. وعن ابن عباس: هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتابا بدّلوا فيه صفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، ثم أخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يراد: يعطفون). المغرب: استعطف ناقته، أي: عطفها، بأن جذب زمامها ليميل رأسها. والمراد به: الإيهام في الكلام، أي: كانوا يوهمون المسلمين أن ذلك من نفس الكتاب ومن ثم قال: "بشبه الكتاب"، والضمير في (لِتَحْسَبُوهُ) راجع إلى هذا المضاف المحذوف، والفرق أنهمـ على الأولـ كانوا يتركون النص ويقرؤون ما بدلوا به، ولهذا قال: "يفتلونها بقراءتها عن الصحيح إلى المحرف" بحرف المجاوزة؛ لأن من فتل عن الصلاة الصحيحة خرج إلى ضدها، وعلى هذا (يَلْوُونَ): كناية عن الخلط الذي هو لازم اللبس والاشتباه. قوله: ((هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) تأكيد لقوله: (هُوَ مِنْ الْكِتَابِ)). الراغب: إن قيل: ما فائدة (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) بعد قوله: (مِنْ الْكِتَابِ) قيل: الأول تعريض، والثاني تصريح

(ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَامُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَامُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) 79 ـ 80]. (ما كانَ لِبَشَرٍ) تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى. وقيل: إنّ أبا رافع القرظي والسيد من نصارى نجران قالا لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال معاذ اللَّه أن نعبد غير اللَّه، أو أن نأمر بعبادة غير اللَّه! فما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني؛ فنزلت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منهم بالكذب، أي: يكذبون تعريضاً وتصريحاً أو تلاوة وتأويلاً، وفي هذا دلالة على أن إيهام الكذب قبيح كالتصريح، وفائدة (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) بعد ما تقدم ذكره أن كلا الأمرين كذب: لي الألسنة، وقولهم: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). وقوله: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) تشنيع عليهم وأنهم غير معذورين بوجه، إذ قد يعذر الإنسان في بعض ما يظنه. قوله: ((مَا كَانَ لِبَشَرٍ) تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى)، يعني: لما فرغ من ذكر بعض قبائح اليهود، وهو تحريفهم كتاب الله، وتغيير صفة رسول الله صلوات الله عليه، وحط منزلته عن مرتبة النبوة، رجع إلى تكذيب معتقد النصارى وغلوهم في رسول الله عيسى ورفع درجته إلى الألوهية، ليريك إفراط أهل الكتاب وتفريطهم. قوله: (أن نأمر بغير عبادة الله)، قال المصنف: "نأمر بعبادة غير الله" أحسن طباقاً، لما سبق في المتن، لأن الكلام لم يقع في نفيهم عن أنفسهم الأمر بغير عبادة الله، بل بعبادة غير الله، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "أن نعبد غير الله"، ولم يقل: أن نفعل غير عبادة الله؟ قيل: هذه الحاشية تدل على أن رواية الحديث: أن نأمر بغير عبادة الله، والمصنف يقول: "أن نأمر بعبادة غير الله" أحسن طباقاً، وقلت: الرواية عن محيي السنة في "معالم التنزيل": "فقال: معاذ الله أن آمر بعبادة غير الله".

وقيل: قال رجل: يا رسول اللَّه، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: "لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون اللَّه، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله" (وَالْحُكْمَ): والحكمة، وهي السنة ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي "الوسيط": ما كان لبشر أن يجمع بين هذين: بين النبوة وبين دعاء الخلق إلى عبادة غير الله، فإذاً المصنف وجد الرواية كما ذكرها مترددة من الراوي، فلم تطوع له نفسه، لفصاحته، أن يقبله، لنبو المقام عنه، فذكر ما ذكر وكان على ما ذكر لله دره! ولناصر الرواية الأخرى أن يقول: إن قولهم: أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً، يحتمل أنهم توهموا الشركة في العبادة بين الله وبين رسول الله، فنفى ذلك على الوجه الأبلغ، أي: معاذ الله أن نأمر بغير عبادة الله، يعني: أمره مقصور بالأمر بعبادة الله لا يتجاوز إلى غير عبادته فكيف آمر بعبادتي؟ قوله: (والحكمة، وهي السنة)، فسر الحكم بالسنة لأنه تالي الكتاب، روينا عن أبي داود، عن ابن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة"، قال صاحب "الجامع": السنة القائمة هي: الدائمة المستمرة التي العمل بها متصل لا يترك، والفريضة العادلة هي: التي لا جور فيها ولا حيف في قضائها. وقال التوربشتي: وقيل: المراد بالعادلة: المستنبطة عن الكتاب والسنة، وتكون هذه الفريضة وإن لم ينص عليها في الكتاب والسنة معدلة بما أخذ منهما.

(وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ): ولكن يقول: كونوا، والربانىّ: منسوب إلى الرب، بزيادة الألف والنون كما يقال: رقبانى ولحياني، وهو الشديد التمسك بدين اللَّه وطاعته. وعن محمد ابن الحنفية: أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات ربانيّ هذه الأمّة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعن عبد الله بن عروة: الفريضة العادلة: ما اتفق عليه المسلمون، أي: الحكومة المبينة المقدرة على منهاج العدل، وأولى ما يوصف بهذه الصفة الإجماع، إذ لا يتقدمه شيء بعد الكتاب والسنة. قوله: (الرباني: منسوب إلى الرب). الراغب: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) يعني: ولكن نقول: كونوا ربانيين حكماء أولياء الله، فقد قيل: إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله في الأرض ولي، وقيل: كونوا متخصصين بالله تخصيصاً تنسبون إليه وتوصفون بعامة أوصافه، نحو: الجواد والودود والرحيم، وقيل: كونوا متخصصين بالله كالذين وصفوا بقوله: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" الحديث، أو: كونوا متخصصين بالله غير ملتفتين إلى الوسائط. قوله: (رقباني) أي: منسوب إلى الرقبة، الجوهري: رجل أرقب بين الرقب، أي: غليظ الرقبة، ورقباني أيضاً على غير قياس. الزجاج: إنما زيدت الألف والنون للمبالغة في النسب، كما قالوا لذي الجمة الوافرة: جماني. قوله: (اليوم مات رباني هذه الأمة)، روى ابن عبد البر في "الاستيعاب": مات ابن عباس

وعن الحسن (ربانيين): فقهاء علماء. وقيل علماء معلمين. وكانوا يقولون: الشارع الرباني: العالم العامل المعلم (بِما كُنْتُمْ) بسبب كونكم عالمين، وبسبب كونكم دارسين للعلم أوجب أن تكون الربانية التي هي قوّة التمسك بطاعة اللَّه مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلا على خيبة سعي من جهد نفسه وكدّ روحه في جمع العلم، ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها: وقرئ: (تعلمون) من التعليم. و (تعلمون) من التعلم. (تَدْرُسُونَ): تقرءون. وقرئ (تدرسون)، من التدريس. و (تدرسون) على أن أدرس بمعنى درّس كأكرم وكرّم وأنزل ونزَّل. و(تدرّسون)، من التدرّس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير، وكان ابن الزبير أخرجه من مكة، فخرج إلى الطائف ومات بها وهو ابن سبعين سنة، وقيل: إحدى وسبعين، وصلى عليه محمد بن الحنفية وكبر عليه أربعاً، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة. قوله: (العالم العامل)، قال الزجاج: العالم إنما ينبغي أن يقال له: عالم إذا عمل بعلمه، وإلا فليس بعالم، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة: 102]. قوله: (وقرئ: (تَعْلَمُونَ) من التعليم): ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، والباقون بالتخفيف، من العلم، وأما "تعلمون" من التعلم فشاذ، والقراءات المذكورة في (تَدْرُسُونَ) كلها شواذ سوى الأولى.

ويجوز أن يكون معناه ومعنى "تدرسون" بالتخفيف: تدرسونه على الناس، كقوله: (لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ) [الإسراء: 106]، فيكون معناهما معنى "تدرسون" من التدريس. وفيه أن من علم ودرس العلم ولم يعمل به فليس من اللَّه في شيء، وأن السبب بينه وبين ربه منقطع؛ حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيه أن من علم) يعني: أدمج فيه هذا المعنى وأشير إليه؛ لأن المعنى الذي سيقت له الآيات هو ما يقال: لا يصح ولا يستقيم للبشر أن يمنح الكتاب ويرزق الحكم والنبوة ثم يقول للناس: اعبدوني من دون الله، ولكن الواجب عليه أن يقول: كونوا عباد الله وحده، فعدل عنه إلى قوله: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) ليستقيم ترتب الحكم على تلك الصفة، لأن الرباني، أي: المتمسك بالدين والطاعة المعتصم بحبل الله المتين، لا يكون إلا عالماً عاملاً معلماً كما قال، فالمعنى المدمج: إيجاب طلب العلم على كل أحد من عباد الله ثم العمل به ثم إرشاد الناس إلى الطريق المستقيم، وإليه ينظر ما روي: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، ثم عدل في الدرجة الثانية من ظاهر قوله: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) فدرسوا وعلموا إلى ما عليه التلاوة، لينبه على أن لا يجعل العلم والعمل ذريعتين للتفوق والتدريس وأن يكون المقصود الأولي منهما ذلك، بل يجعلان سببي العمل ومصححي النسبة بينهم وبين ربهم. روينا عن الترمذي، عن كعب بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعلم العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه، أدخله الله النار".

وقرئ: (وَلا يأمُرَكُمْ) بالنصب عطفا على: (ثُمَّ يَقُولَ)، وفيه وجهان: أحدهما أن تجعل «لا» مزيدة؛ لتأكيد معنى النفي، في قوله: (ما كانَ لِبَشَرٍ) والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه اللَّه وينصبه للدعاء إلى اختصاص اللَّه بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له، ويأمركم (أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً)، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بى. والثاني: أن يجعل «لا» غير مزيدة، والمعنى: أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا له: أنتخذك ربا؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه اللَّه، ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء. والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد أخرجه ابن ماجه، عن عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وإليه الإشارة بقوله: "من علم ودرس العلم ولم يعمل به فليس من الله في شيء، وأن السبب بينه وبين ربه منقطع". قوله: ("لا" مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: (مَا كَانَ)). وهذه الزيادة كزيادة الهمزة في قوله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) [الزمر: 19]. قال الزجاج: جاءت الهمزة مؤكدة لمعنى الإنكار بين المبتدأ المتضمن للشرط وبين الخبر للطول. قوله: (ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة)، قيل: فسر (وَلا يَامُرَكُمْ) بـ "ينهاكم"، وقلت: الكلام في هذا الوجه رد لقول النصارى: أنتخذك رباً؟ بعدما نهاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبادة الملائكة وعزير والمسيح. والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه خاصة، ولا يأمر بعبادة أمثاله من الملائكة والأنبياء، وهو وهم سواء في عدم الاستحقاق فيلزم أن يقال: التقدير: لا أجمع بين الأمر بعبادة نفسي وبين النهي عن عبادتهم.

وتنصرها قراءة عبد اللَّه: (ولن يأمركم). والضمير في (وَلا يَامُرَكُمْ) و (أَيَامُرُكُمْ) للبشر. وقيل "لله"، والهمزة في (أَيَامُرُكُمْ) للإنكار (بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين، وهم الذين استأذنوه أن يسجدوا له ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتنصرها قراءة عبد الله: ولن يأمركم)، قيل: لأنه لا يمكن أن يكون (يَامُرَكُمْ) عطفاً على (يَقُولَ) لامتناع دخول "أن" الناصبة على "لن"، والحق أن العلة ما ذكره صاحب "المرشد": وجه رفع (لا يَامُرَكُمْ) والوقف على (تَدْرُسُونَ) أنها جاءت منقطعة، ومعناها: ولا يأمركم الله، وحجته ما روي عن ابن مسعود: (ولن يأمركم)؛ لأنه يدل على الانقطاع، فوجب رفعه على الاستئناف، وتقريره أن "لن" في النفي بمنزلة "إن" في الإثبات، في كونهما يقعان في ابتداء الكلام. قال المصنف في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) [البقرة: 24] (وَلَنْ تَفْعَلُوا) اعتراض، و"لا" و"لن" أختان لنفي المستقبل، إلا أن في "لن" توكيداً وتشديداً، تقول لصاحبك: لا أقيم غداً، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً، كما تفعل في "أنا مقيم" و"إني مقيم". فالآية على هذه القراءة وعلى الرفع تذييل وتوكيد للكلام السابق، فإنه صلوات الله عليه لما أجاب عنهم بأنه لا ينبغي لنبي أن يأمر بعبادة نفسه عمم الحكم وزاد في التأكيد، كأنه قال: لا ينبغي لنبي أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه ويأمر البتة بعبادة غير الله من الملائكة والنبيين. قوله: ((بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين)، يعني: هذه الفاصلة ترجح قول من قال: إن قوله: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ) رد لقول من قال من المسلمين: يا رسول الله، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ على قول من قال: القائل أبو رافع القرظي والسيد.

(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) 81 ـ 83]. (مِيثاقَ النَّبِيِّينَ) فيه غير وجه: أحدها أن يكون على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك. والثاني أن يضيف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا إلى الموثق عليه، كما تقول: ميثاق اللَّه، وعهد اللَّه، كأنه قيل: وإذ أخذ اللَّه الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ويجوز أن يقال للنصرانيين رداً لقولهما: أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله وكيت وذيت، (أَيَامُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ): منقادون مستعدون لقبول الدين الحق، إرخاء للعنان واستدراجاً. قوله: (من أخذ الميثاق على النبيين بذلك) أي: بما في الآية من قوله: (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ) إلى آخره. قال صاحب "المرشد": وقد أجاز بعض أهل المعاني الوقف عند قوله: (النَّبِيِّينَ)، ثم أمرهم الله تعالى بعد ذلك فقال لهم: قولوا للأمم عني: مهما أوتكم من كتاب وحكمة ورسول لتؤمنن به، وهذا وجه صالح على أن يكون الضمير في (آتَيْتُكُمْ) للأمم، ويجوز أن يكون الضمير للأنبياء، كأنه أوجب على كل نبي إن جاءه رسول بعده أن يؤمن به ويصدقه وينصره، أي: أيها الرسل إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به لأجله. قوله: (إضافته إلى الموثق) أي: الفاعل، وعلى الأول كانت الإضافة إلى الموثق عليه، وهم النبيون، ويجوز أن يكون المعنى: وإذ أخذ الله على الناس ميثاقاً مثل ميثاق النبيين، أي: ميثاقاً

والثالث: أن يراد ميثاق أولاد النبيين؛ وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف. والرابع: أن يراد أهل الكتاب، وأن يرد على زعمهم؛ تهكما بهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد؛ لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون. وتدل عليه قراءة أبيّ وابن مسعود: (وإذ أخذ اللَّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ غليظاً، ثم جعل ميثاقهم نفس ميثاقهم بحذف أداة التشبيه مبالغة، وعليه قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ)، ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى التعليل لأدنى ملابسة، كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين، ثم جيء بقوله: (لَمَا آتَيْتُكُمْ) إلى آخره بياناً لذلك. الراغب: الصحيح أن العهد مأخوذ من الفريقين من الرسل والمرسل إليهم، وخص الأنبياء بالذكر لكونهم الرؤوس والأمة تبع لهم، ولذلك خص النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من المخاطبة التي تشاركه فيها أمته، نحو: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ) [الطلاق: 1]، ولأنه إذا أخذ الميثاق على الأنبياء فقد أخذ على أممهم لمشاركتهم أنبياءهم في عامة ما شرع لهم. قوله: (وأن يرد على زعمهم تهكماً بهم)، وبيانه: أنه تعالى عهد إليهم أنه مهما جاءهم رسول مصدق لما معهم يؤمنوا به وينصروه، وهم ما وفوا بذلك العهد ونقضوا الميثاق، بل عكسوا، كما قال تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) [البقرة: 87]، ولما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبوه وقالوا: نحن أحق بالنبوة منه، فقيل فيهم تعييراً وتهكماً: وإذ أخذ الله ميثاق هؤلاء النبيين الزاعمين أنهم أحق بالنبوة، وكذا وكذا، وهذا كمن ائتمنته على شيء وهو خائن به، ثم ادعى بعد ذلك أنه أمين، فقلت له: يا أمين، اذكر حين استودعتك ذلك الشيء وعهدت إليك بحفظه.

واللام في (لَما آتَيْتُكُمْ) لام التوطئة؛ لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف؛ وفي (لتؤمنن) لام جواب القسم، و «ما» يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، و (لتؤمنن) سادّ مسدّ جواب القسم والشرط جميعاً، وأن تكون موصولة بمعنى: للذي آتيتكموه لتؤمنن به. وقرئ: (لما آتيناكم) وقرأ حمزة: (لما آتيتكم). بكسر اللام ومعناه: لأجل إيتائى إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به، على أن «ما» مصدرية، والفعلان معهاـ أعني (آتيتكم) و (جاءكم) في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل على معنى: أخذ اللَّه ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لام التوطئة) هي من قولهم: وطؤ الموضع يوطأ وطأة: صار وطيئاً، ووطأته أنا توطئة، فهذه اللام كأنها وطأت طريق القسم، أي: سهلت تفهم الجواب على السامع، وهي اللام التي تدخل على الشرط بعد تقدم القسم لفظاً أو تقديراً ليؤذن أن الجواب له، لا للشرط، كقولك: لئن أكرمتني لأكرمنك، ولو قلت: أكرمك، أو: فإني أكرمك وما أشبهه مما يجاب به الشرط لم يجز، قاله ابن الحاجب. قوله: (وأن تكون موصولة) واللام أيضاً موطئة لما في الموصولة وصلتها من معنى الشرط، على أن المصنف يجوز أن تدخل الموطئة على غير الشرط كما صرح به في سورة هود في قوله: (وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) [هود: 111]، وقال: اللام في (لَمَّا): موطئة للقسم، و (مَا): مزيدة. قوله: (وقرئ: "لما آتيناكم")، هي قراءة نافع. قوله: (على معنى: أخذ الله ميثاقهم) إلى آخره: تكرير لتقرير المعنى وبسط لما سبق، مما يدل عليه إجمالاً، وهو قوله: "ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به".

لأجل أني آتيتكم الحكمة وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف. ويجوز أن تكون «ما» موصولة. فإن قلت: كيف يجوز ذلك والعطف على (آتيتكم) وهو قوله (ثُمَّ جاءَكُمْ) ـ لا يجوز أن يدخل تحت حكم الصلة، لأنك لا تقول: للذي جاءكم رسول مصدق لما معكم؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والحاصل: أن أخذ الميثاق وارد على شيء له موجبان، أحدهما: قوله: (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ) يعني: أنكم أهل كتاب وعلم تعرفون أمارات النبوة وشواهد على صدق من ادعاها، سيما وذكره مسطور في كتابكم، وثانيهما: قوله: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ)، وتقريره أن يقال: إن أصوله موافقة لأصولكم في التوحيد، ومع هذا هو مصدق للتوراة والإنجيل وأنهما من عند الله، فعلى هذا قوله: "لأجل أني آتيتكم"، تعليل لقوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) لا لأخذ الميثاق فيجتمع عليه القسم، والسببان للتوكيد. قوله: (كيف يجوز ذلك؟ ) أي: كيف يسوغ أن تكون (ما) موصولة على القراءتين وعطف قوله: (ثُمَّ جَاءَكُمْ) على (آتَيْتُكُمْ) مانع؛ لأن مثل هذا العطف يستدعي الموافقة بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، والموصولة تستدعي الراجع من صلتها، وليس في قوله: (جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ) من راجع، وأجاب: أن (مَا مَعَكُمْ) و (مَا آتَيْتُكُمْ) شيء واحد، فصح العطف، فكأنه قيل: وجاءكم رسول مصدق له. قال أبو البقاء: (لِمَا مَعَكُمْ) في موضع الضمير، قال السجاوندي: فكأنه قال: مصدق أو مصداق له، كما أن معنى قوله: (لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 90]: لا يضيع أجرهم، لأن المحسن من يتقي ويصبر.

قلت: بلى؛ لأنّ "ما معكم" في معنى "ما آتيتكم"، فكأنه قيل: للذي آتيتكموه وجاءكم رسول مصدق له. وقرأ سعيد بن جبير «لما» بالتشديد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ومما يختص هذا الموضع من الفائدة الإشعار بوجوب الإيمان به، فإن مجيئه أيضاً لأجلكم ولأجل تصديق كتابكم، و (مِن) في قوله: (مِن كِتَابٍ) مبينة، ولهذا لم يقدر موقعها كما قدره بالبعض في (لِمَا) بالكسر و (لَمَّا) بالتشديد، ويشعر كلامه أن السؤال إنما يرد إذا جعلت (مَا) موصولة. قال مكي: فإذا كانت "ما" للشرط لم تحتج الجملة المعطوفة إلى عائد كما لم تحتج إليه المصدرية، ولذلك اختاره الخليل وسيبويه لما لم يريا في الجملة الثانية عائداً جعلا "ما" للشرط، وهذا تفسير المازني وغيره لمذهب الخليل وسيبويه. قوله: (وقرأ سعيد بن جبير: "لما" بالتشديد)، قال ابن جني: قرأ الأعرج "لما" بفتح اللام وتشديد الميم، و"آتيناكم" بألف قبل الكاف، وفي هذه القراءة إغراب؛ لأن "لما" في اللغة على أوجه: تكون حرفاً جازماً، تعالى: (وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ) [آل عمران: 142]، وظرفاً كقوله تعالى: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) [القصص: 22]، وبمعنى: إلا في قولهم: أقسمت عليك لما فعلت، أي: إلا فعلت، ولا وجه لواحدة منهن في هذه الآية، وأقرب ما فيه أن يراد: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمن ما آتيناكم، وهو يؤيد القراءة العامة (لَمَا آتَيْتُكُمْ)، فزاد "من" على مذهب أبي الحسن في الواجب فصارت: لمن ما، فلما التقت ثلاث ميمات حذفت الأولى للثقل، فبقي "لما" مشدداً كما ترى، هذا أوجه ما فيها إن صحت الرواية بها.

بمعنى: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة، ثم جاءكم رسول مصدّق له وجب عليكم الإيمان به ونصرته. وقيل: أصله لمن ما، فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات؛ وهي الميمان والنون المنقلبة ميما بإدغامها في الميم؛ فحذفوا إحداها فصارت لما. ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى (إِصْرِي): عهدى. وقرئ: (أصري)، بالضم. وسمى إصراً؛ لأنه مما يؤصر، أي يشدّ ويعقد، ومنه الإصار، الذي يعقد به. ويجوز أن يكون المضموم لغة في أصر كعبر وعبر، وأن يكون جمع إصار. (فَاشْهَدُوا) فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار (وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ) من إقراركم وتشاهدكم (مِنَ الشَّاهِدِينَ) وهذا توكيد عليهم، وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة اللَّه وشهادة بعضهم على بعض ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وسمي إصراً: لأنه مما يوصر، أي: يشد)، الراغب: الإصر: العهد المؤكد الذي يثبط ناقضه عن الثواب والخيرات، قال تعالى: (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي)، والإصار: الطنب والأوتاد التي يعمد بها البيت. قوله: (كعبر وعبر)، الجوهري: جمل عبر أسفار وجمال عبر أسفار، وناقة عبر أسفار، يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث، مثل: الفلك، أي: لا يزال يسافر عليها، وكذلك عبر أسفار بالكسر، والعبر أيضاً بالضم: الكثير من كل شيء. قوله: ((وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ) من إقراركم وتشاهدكم (مِنْ الشَّاهِدِينَ))، قيل: الصواب: أنا معكم من الشاهدين، وإنما هذا تفسير لما في سورة اقترب: (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ) [الأنبياء: 56]. وقلت: بل هو تفسير لقوله: (وَأَنَا مَعَكُمْ) لما أنه سبحانه وتعالى لما حكى حكاية أخذ الميثاق مع النبيين وتوكيده معهم، وأراد أن يقررهم عليه ويشهدهم بذلك مزيداً للتأكيد،

وقيل: الخطاب للملائكة. (فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ) الميثاق والتوكيد (فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) أي: المتمردون من الكفار، دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة، والمعنى: فأولئك هم الفاسقون فغير دين اللَّه يبغون؛ ثم توسطت الهمزة بينهما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال لهم بعد ذلك: (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ) على ذلك الميثاق عهدي؟ (قَالُوا أَقْرَرْنَا)، أي: أقررنا وأخذنا على الميثاق العهد، ثم قال الله تعالى: (فَاشْهَدُوا) على ذلك الإقرار (وَأَنَا مَعَكُمْ) على ذلكم من إقراركم وتشاهدكم (مِنْ الشَّاهِدِينَ). فإن قلت: قوله تعالى: (وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ) يقتضي أنه تعالى شاهد معهم على ذلك الإقرار فحسب، فكيف قال: من إقراركم وتشاهدكم؟ قلت: و (مَعَكُمْ) ليس متعلقاً بالشاهدين، بل هو مع (مِنْ الشَّاهِدِينَ) خبران لـ "أنا"، لإرادة معنى الرقيب والمهيمن في الشاهدين، ولذلك ترك لفظ (مَعَكُمْ) في التقدير، وعليه أحد وجهي ما ذكره في قوله تعالى: (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) [الشعراء: 15] وضمير الجمع لموسى وهارون وعدوهما، فظهر من هذا الفرق بين الشهادتين، فإن شهادة الله معبرة عن كونه تعالى رقيباً ومهيمناً عليهم وعلى جميع أحوالهم لا يخفى عليه شيء، فيجب التحذير منه، وشهادتهم عبارة عن التشاهد وأن يشهد بعضهم على بعض. قوله: (وقيل: الخطاب للملائكة) أي: بقوله: (فَاشْهَدُوا). قوله: (والمعنى: فأولئك هم الفاسقون، فغير دين الله يبغون؟ ) تحريره: فمن أعرض عن ذلك الميثاق والتوكيد فيه فاعلموا أنه الكامل في الفسق، المتوغل في الكفر، المعقب لفسقه الشرك، ولا ينبغي له ذلك بعدما علم من أخذ الميثاق أن العالمين منقادون له، مستسلمون لما يراد منهم.

ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره (أيتولون فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ) وقدم المفعولـ الذي هو "غير دين اللَّه"ـ على فعله لأنه أهم من حيث إنّ الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل. وروي: أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به، فقال صلى اللَّه عليه وسلم: «كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم»، فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك. فنزلت: وقرئ: (يبغون)، بالياء: و (ترجعون)، بالتاء وهي قراءة أبى عمرو، لأنّ الباغين هم المتولون، والراجعون جميع الناس؛ وقرئا بالياء معا، وبالتاء معا طَوْعاً بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه، (وَكَرْهاً): بالسيف، أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام؛ كنتق الجبل على بنى إسرائيل، وإدراك الغرق فرعون، والإشفاء على الموت؛ (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا باللَّه وحده) [غافر: 84]. وانتصب (طوعًا وكرهاً) على الحال، بمعنى طائعين ومكرهين. (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) (84 - 85) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل) تعليل لوجوب تقدم المفعول على الفعل للاهتمام، يعني: أن المقام يقتضي إنكار اتخاذ المعبود من دون الله، ليكون الدين كله لله، بدليل قوله: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [آل عمران: 83] فوجب لذلك التقديم. قوله: (وقرئا بالياء معاً وبالتاء معاً): بالياء التحتاني: حفص، والفوقاني: الباقون. قوله: (والإشفاء على الموت) أي: إشرافه عليه.

أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان؛ فلذلك وحد الضمير في (قُلْ) وجمع في (آمَنَّا). ويجوز أن يؤمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك؛ إجلالا من اللَّه لقدر نبيه. فإن قلت: لم عدّي (أنزل) في هذه الآية بحرف الاستعلاء، وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء؟ قلت: لوجود المعنيين جميعا؛ لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسول، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر. ومن قال: إنما قيل (عَلَيْنا) لقوله: (قُلْ)، و (إلينا) لقوله (قُولُوا) [البقرة: 136] تفرقة بين الرسل والمؤمنين؛ لأن الرسول يأتيه الوحى على طريق الاستعلاء، ويأتيهم على وجه الانتهاء، فقد تعسف! ألا ترى إلى قوله: (بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) [المائدة: 68]، وَ (أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) [النساء: 105]؟ وإلى قوله: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) [آل عمرن: 72]. (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ): موحدون مخلصون أنفسنا له لا نجعل له شريكا في عبادتها ثم قال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ)، يعنى التوحيد وإسلام الوجه للَّه تعالى (دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ). (مِنَ الْخاسِرِينَ) من الذين وقعوا في الخسران ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفيما تقدم من مثلها) يعني في البقرة، وهو قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) [البقرة: 136]. قوله: (فقد تعسف)، الأساس: الركاب يعسفن الطريق، أي: يخبطنه على غير هداية. قوله: (لا نجعل له شريكاً في عبادتها) أي: في عبادة أنفسنا له. قوله: (وإسلام الوجه لله) هو تفسير للتوحيد. ولما عقب بقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً) قوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ـ والمراد به التوحيد، مؤكداً بتقديم المتعلق على المتعلق، وتعقيب الجملة قوله: (آمَنَّا) أي: صدقنا بأنه إلهنا ومعبودنا وأسلمنا أنفسنا له لا نجعل له شريكاً، كقول بني يعقوب عليه السلام: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 133]ـ يجب أن يفسر الإسلام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بما يطابقه من التسليم وتفويض الأمر إلى الله، لا الإسلام المتعارف، ومن ثم قال: يعني التوحيد وإسلام الوجه لله تعالى. قال القاضي: واستدل به على أن الإيمان هو الإسلام، إذ لو كان غيره لم يقبل. وأجيب: أنه ينفي قبول كل دين يغايره، لا قبول كل ما يغايره. وقلت: والذي عليه النظم أن الإسلام هو: التوحيد كما سبق، والتعريف فيه للعهد الخارجي التقديري، وكان مشتملاً على الإيمان بالله وكتبه ورسله مقيداً بالاستسلام فينبغي أن يحمل الإسلام على ذلك، ولأن (دِيناً) تمييز وتبيين للإسلام، والدين مشتمل على التصديق والأعمال الصالحة، فالإسلام كذلك؛ لأن المبين لا يكون على خلاف المبين، وعلى هذا حمل الإسلام على الدين في قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) [آل عمران: 19]، وتعريف الخبر فيه ينفي غير الإسلام أن يكون ديناً، كما أن عدم القبول فيما نحن بصدده ينفيه، و"إن" لتأكيد الإثبات، كما أن "لن" لتأكيد النفي؛ فحق لذلك قول السلف الصالح. الراغب: في الآية قولان، أحدهما: أن الإسلام: الاستسلام إلى الله وتفويض الأمر إليه، وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان وفي كل شريعة، والدين في اللغة: الطاعة، وفي التعارف: وضع إلهي ينساق به الناس إلى النعيم، فبين تعالى أن من تحرى طاعة وانسياقاً إلى النعيم من غير الاستسلام له على ما يأمره به ويصرفه فيه فلن يقبل منه شيء من أعماله، وهو في الآخرة من الخاسرين. والثاني: أن المراد بالإسلام: شريعة محمد صلوات الله عليه، فبين أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة الله من غير متابعته فغير مقبول منه، وهذا الوجه داخل في الأول؛ لأنه علم من الاستسلام الانقياد لأوامر من صحت نبوته وظهر صدقه.

مطلقًا من غير تقييد للشياع. وقرئ: (ومن يبتغ غير الإسلام) بالإدغام. (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) 86 ـ 89] (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً): كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف؛ لما علم اللَّه من تصميمهم على كفرهم، ودل على تصميمهم بأنهم كفروا بعد إيمانهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مطلقاً من غير تقييد)، إما بجعل المتعدي منزلة اللازم، أي: هم من أهل الخسران من غير قصد إلى شيء دون شيء، وإما بأن يقصد به التعميم والامتناع عن أن يقصر على ما يذكر معه، وعليه كلام المصنف، ولكن الأول هو الظاهر؛ لأن المراد أن المعرض عن الإسلام فاقد النفع لإبطاله الفطرة السليمة والنفع الحقيقي الذي هو دين التوحيد. قال مكي: (فِي الآَخِرَةِ) متعلق بما دل عليه الكلام، أي: هو خاسر في الآخرة من الخاسرين، ولا يحسن تعلقه بالخاسرين لتقدم الصلة على الموصول، إلا أن تجعل اللام للتعريف لا بمعنى: الذي، ذكر قريباً منه ابن الحاجب سنورده إن شاء الله تعالى في "سورة يوسف". قوله: (وقرئ: "ومن يبتغ غير [الإسلام] " بالإدغام) رواها السوسي عن أبي عمرو. قوله: (وليسوا من أهل اللطف لما علم الله من تصميمهم على كفرهم)، هذا العلم هو الذي يهدم قاعدة الاعتزال! قوله: (ودل على تصميمهم بأنهم) فاعل دل: ضمير الله، أي: دل الله على تصميمهم بقوله: (كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) الآية.

وبعدما شهدوا بأن الرسول حق، وبعد ما جاءتهم الشواهد من القرآن وسائر المعجزات التي تثبت بمثلها النبوّة وهم اليهود كفروا بالنبي صلى اللَّه عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به؛ وذلك حين عاينوا ما يوجب قوّة إيمانهم من البينات: وقيل: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، منهم طعمة ابن أبيرق، ووحوح بن الأسلت، والحارث بن سويد بن الصامت. فإن قلت: علام عطف قوله: (وَشَهِدُوا)؟ قلت: فيه وجهان: أن يعطف على ما في (إيمانهم) من معنى الفعل؛ لأن معناه بعد أن آمنوا، كقوله تعالى: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) [المنافقون: 10]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (علام عطف قوله: (وَشَهِدُوا)؟ ) إذ لا يجوز أن يكون معطوفاً على (كَفَرُوا)؛ لأنه لا يساعده المعنى. قوله: ((فَأَصَّدَّقَ)) موضعه جزم، ولهذا صح عطف قوله: (وَأَكُنْ) عليه، سأل سيبويه الخليل عن قوله: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي) [المنافقون: 10] الآية، قال الخليل: جزم (وَأَكُنْ) لأن الفعل الأول يكون مجزوماً حين لا فاء فيه فهو من قبيل العطف على المحل، وهو في كلامهم سائغ شائع، كأنه قيل: أخرني إلى أجل قريب أصدق وأكن من الصالحين. الراغب: تقديره: بعد إيمانهم وأن شهدوا، فيكون "أن" مقدراً نحو قولها: للبس عباءة وتقر عيني لكن في الفعل أظهر لانتصاب "تقر".

وقول الشاعر: لَيْسُوا مُصْلِحِينَ ....... وَلَا ناعِبٍ ويجوز أن تكون الواو للحال بإضمار «قد» بمعنى: كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق. (وَاللَّهُ لا يَهْدِي): لا يلطف بالقوم الظالمين المعاندين الذين علم أن اللطف لا ينفعهم (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) الكفر العظيم والارتداد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ليسوا مصلحين) أوله: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها عشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنون، نعب الغراب: صاح، يقول: هم مشائيم لا يصلحون حال قبيلة ولا ينعب غراب قبيلتهم إلا بالبين، وناعب: جر عطف على محل "مصلحين"، أي: ليسوا بمصلحين ولا ناعبن وحق الظاهر: ناعباً، كأن الشاعر قدر أن الباء في مصلحين موجودة لأنها تدخل في خبر ليس كثيراً ثم عطف عليه المجرور. قوله: (المعاندين الذين علم أن اللطف لا ينفعهم) بعد قوله: "ليسوا من أهل اللطف لما علم الله من تصميمهم" إعلام بأن قوله: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) تذييل لما سبق، وقد دخل الأولون في هذا العام دخولاً أولياً، ثم جيء بـ (أُوْلَئِكَ) ليؤذن بأن ما يرد عقيبه جدير بالمذكورين قبله لاكتسابهم تلك الرذائل. قال أبو البقاء: (أُوْلَئِكَ): مبتدأ، و (جَزَاؤُهُمْ): مبتدأ ثان، و (أَنَّ) واسمها وخبرها،

(وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا أو: ودخلوا في الصلاح. وقيل: نزلت في الحارث بن سويد بعد أن ندم على ردّته، وأرسل إلى قومه: أن سلوا: هل لي من توبة؟ فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية، فأقبل إلى المدينة فتاب، وقبل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم توبته. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) (91) (ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً) هم اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بموسى والتوراة، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد والقرآن. أو كفروا برسول اللَّه بعد ما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بإصرارهم على ذلك وطعنهم في كل وقت، وعداوتهم له، ونقضهم ميثاقه، وفتنتهم للمؤمنين، وصدهم عن الإيمان به، وسخريتهم بكل آية تنزل. وقيل: نزلت في الذين ارتدوا ولحقوا بمكة، ازديادهم الكفر أن قالوا نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون، وإن أردنا الرجعة تافقنا بإظهار التوبة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: (عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ) ـ خبر "جزاء"، أي: جزاؤهم اللعنة، ويجوز أن يكون (جَزَاؤُهُمْ) بدلاً من (أُوْلَئِكَ) بدل الاشتمال. قوله: ((وَأَصْلَحُوا) ما أفسدوا، أو دخلوا في الصلاح)، هذا الثاني أبلغ، لأنه من باب قوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) [الأحقاف: 15]. قوله: (الجلاس)، قال المصنف: بالتخفيف، وقيل: بالتشديد. قوله: (ريب المنون) وهو حوادث الدهر.

فإن قلت: قد علم أنّ المرتد كيفما ازداد كفرا فإنه مقبول التوبة إذا تاب، فما معنى (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ)؟ قلت: جعلت عبارة عن الموت على الكفر؛ لأنّ الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر، كأنه قيل: إن اليهود أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر، داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم. فإن قلت: فلم قيل في إحدى الآيتين (لَنْ تُقْبَلَ) بغير فاء، وفي الأخرى: (فَلَنْ يُقْبَلَ)؟ قلت: قد أوذن بالفاء أنّ الكلام بني على الشرط والجزاء. وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر. وبترك الفاء أن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب، كما تقول: الذي جاءني له درهم، لم تجعل المجيء سببا في استحقاق الدرهم، بخلاف قولك: فله درهم. فإن قلت: فحين كان المعنى (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) بمعنى الموت على الكفر؛ فهلا جعل الموت على الكفر مسببا عن ارتدادهم وازديادهم الكفر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فهلا جعل الموت على الكفر مسبباً عن ارتدادهم؟ ) وحاصل السؤال: أن الآيتين سواء في صحة إدخال الفاء لتصور المسببية وأجاب بالفرق، وذلك أن المرتد قد يرجى منه الرجوع إلى الإيمان، فلا يترتب عليه عدم قبول التوبة، بخلاف المائت على الكفر، فإن عدم قبول الفدية مترتب على الموت حالة الكفر لا محالة، والحاصل: منع السببية في الأولى لجواز تخلف الثاني عن الأول، وتقريره: أن التي عريت عن الفاء واردة على الكناية، وجعل الموصولة مع صلتها ذريعة إلى تحقيق الخبر، كقوله: إن التي ضربت بيتاً مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول والتي حليت بها موجبة، كقولك: إن الذين آمنوا فلهم جنات النعيم. والفرق أن الصلة على الأول منبهة على تحقيق الخبر ملوحة إليه، فيكون كالأمارة عليه، فإن الكفر بعد الإيمان والتمادي فيه عناد، وليس بموجب لعدم قبول التوبة، فحقق الخبر للتغليظ، بخلاف الموت على الكفر، فإنه موجب للدمار والهلاك البتة، فإخلاء الفاء ثمة وإدخالها هناك لذلك.

لما في ذلك من قساوة القلوب وركوب الرين وجرّه إلى الموت على الكفر؟ قلت: لأنه كم من مرتد مزداد للكفر يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر! فإن قلت: فأي فائدة في هذه الكناية؟ أعني أن كني عن الموت على الكفر بامتناع قبول التوبة؟ قلت: الفائدة فيها جليلة؛ وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار، وإبراز حالهم في صورة حالة الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدّها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (التغليظ في شأن أولئك الفريق) يعني: وضع قوله: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) موضع "مائتون على الكفر داخلون في زمرة الكافرين"، ليكون أردع وأخوف، فإن قلت: في قوله: "الفائدة فيها جليلة وهي التغليظ"، تعسف، إذ من الجائز حمله على التغليظ ابتداء كما في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ) [آل عمران: 97] بمعنى: ومن لم يحج. قلت: إذاً تفوت فائدة التصوير التي تعطيه الكناية، على أن الكناية لابد منها؛ لأن التركيب من باب تحقيق الخبر كما سبق، ولأن قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) تكرير من حيث المعنى لما سبق ليناط به حكم آخر، وهو قوله: (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً). قوله: (وإبراز حالهم في صورة الآيسين) بيان لفائدة الكناية، وذلك أنا لكناية أبلغ من التصريح لما فيها من تصوير حال المكنى عنه وتخييل معناه، فإنك إذا قلت: فلان جواد، لم يكن كما إذا قلت: كثير الرماد، لأن في تصوير صفة الجود بكثرة الرماد وكثرة إحراق الحطب وكثرة الطبائخ وكثرة تردد الضيفان زيادة روعة للجود وتفخيماً له. كذلك في إبراز حال هؤلاء في صورة الآيسين من الرحمة استحضاراً لحالهم وهم في صورة المائلين بين يدي الجبار، وقد تجلى بصفة القهارية ناكسي رؤوسهم قائلين: ربنا أسرفنا في أمرنا فاغفر لنا ذنوبنا، مردودين بـ (اخْسَئُوا)، فإن توبتكم غير مقبولة، وأعذاركم غير مسموعة، فتجد عند ذلك في نفسك ما لا تجد لو قيل: مائتون على الكفر.

ألا ترى أنّ الموت على الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة؟ (ذَهَباً) نصب على التمييز. وقرأ الأعمش: (ذهب)، بالرفع؛ ردا على (ملء)، كما يقال: عندي عشرون نفسا رجال. فإن قلت: كيف موقع قوله: (وَلَوِ افْتَدى بِهِ)؟ قلت: هو كلام محمول على المعنى، كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً. ويجوز أن يراد: ولو افتدى بمثله، كقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ) [الزمر: 47]، والمثل يحذف كثيراً في كلامهم، كقولك: ضربته ضرب زيد، تريد: مثل ضربه، ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (رداً على (مِلْءُ)): أي بدلاً من (مِلْءُ)، قاله القاضي، كأنك تقول: فلن يقبل من أحدهم ذهب، والتنوين فيه للتكثير، كقوله تعالى: (إِنَّ لَنَا لأَجْراً) [الأعراف: 113]. قوله: (كيف موقع قوله: (وَلَوْ افْتَدَى بِهِ)؟ ) يعني أن الضمير في (بِهِ) راجع إلى قوله: (مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً) فيرجع حاصل الكلام إلى: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً إذا افتدى به، ولو افتدى بملء الأرض ذهباً فإنه يتم المقصود بدونه، فما وجهه؟ وأجاب عنه بوجوه، أحدها: أن الكلام وارد على اللفظ وعلى المعنى معاً، فيجعل ملء الأرض ذهباً بمعنى ما دل عليه (افْتَدَى بِهِ)، وهو الفدية؛ لأن قوله: (مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً) عين الفدية، فيعتبر اللفظ بحسب عود الضمير في (بِهِ)، والمعنى بحسب وقوعه موقعه وإفادته المبالغة المقصودة، فكأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً. قوله: (ويجوز أن يراد: ولو افتدى بمثله) لابد من تقدير كلام ليستقيم المعنى، وهو أن يقال: ولو افتدى به وبمثله، أو: افتدى به وزاد عليه مثله.

و: أبو يوسف أبو حنيفة، تريد: مثله، و: لا هيثم الليلة للمطيّ و: قضية ولا أبا حسن لها، تريد: ولا مثل هيثم، ولا مثل أبى حسن، كما أنه يراد في نحو قولهم: مثلك لا يفعل كذا، تريد: أنت؛ وذلك أنّ المثلين يسدّ أحدهما مسدّ الآخر؛ فكانا في حكم شيء واحد، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و: لا هيثم الليلة للمطي) تمامه: ولا فتى إلا ابن خيبري في "لا هيثم" وجهان، أحدهماـ وعليه النحويونـ: لا مثل هيثم، و"مثل" لا يتعرف بالإضافة مذكوراً، فلأن لا يتعرف محذوفاً أجدر، وثانيهما: أن العلم متى اشتهر في معنى ينزل منزلة الجنس الدال على ذلك المعنى كما في قولهم: لكل فرعون موسى، فمعنى لا هيثم: لا راعي جيد الرعي للإبل، فإن هيثم كان مشهوراً بالرعي، ولذا جاز دخول "لا" عليه. قوله: (وقضية ولا أبا حسن)، يراد به علي رضي الله عنه، فإنه كان مشهوراً بالقضاء، روى البخاري عن عمر رضي الله عنه: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي. وروى ابن عبد البر في "الاستيعاب"، عن إسماعيل، قال: قلت للشعبي: إن مغيرة حلف بالله ما أخطأ علي في قضاء قضى به قط، فقال الشعبي: لقد أفرط.

وأن يراد: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا كان قد تصدق به، ولو افتدى به ـأيضاً ـلم يقبل منه. وقرئ: (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً) على البناء للفاعل، وهو اللَّه عزّ وعلا، ونصب "ملء". و (مل لرض) بتخفيف الهمزتين. (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) 92] (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ) لن تبلغوا حقيقة البرّ، ولن تكونوا أبراراً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كان قد تصدق به ولو افتدى به)، وهو قول الزجاج: أي: عمل من الخير وقدم مثل ملء الأرض ذهباً لم ينفعه ذلك مع كفره، وكذلك لو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهباً لم يقبل منه، فأعلم الله تعالى أنه لا يثيبهم على أعمالهم ولا يقبل منهم الفداء من العذاب. قوله: (بتخفيف الهمزتين) أصله (مِلْءُ الأَرْضِ) ألقيت حركة همزة "أرض" على لام التعريف حين خففت، كما في (الْخَبْءَ) [النمل: 25] ومثله، وحذفت همزتها فصار: "ملء لارض"، لأن همزة الوصف حذفت على القياس، ثم حذفت همزة (مِلْءُ) بعد إلقاء حركتها على اللام، فصار: "مل لرض". قوله: (لن تبلغوا حقيقة البر)، النهاية: البر، بالكسر: الإحسان، والبر، بالفتح: من أسماء الله تعالى: العطوف على عباده ببره ولطفه. ثم التعريف في (الْبِرَّ) إذا حمل على الجنس، كان التركيب كناية عن كون عامله باراً، ولهذا أوقع قوله: "ولن تكونوا أبراراً"، تفسيراً لقوله: "لن تبلغوا حقيقة البر"، وأوقع "لن تبلغوا حقيقة البر" تفسيراً لقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ)، فيكون كناية؛ لأن نيله البر يدل

وقيل: لن تنالوا بر اللَّه وهو ثوابه (حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها، كقوله: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ) [البقرة: 267]، وكان السلف رحمهم اللَّه إذا أحبوا شيئا جعلوه للَّه. وروي أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: يا رسول اللَّه. إن أحبّ أموالى إليّ بيرحى، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على البلوغ إليه، والبلوغ إليه يدل على كون فاعله باراً، ومثله قول الخنساء: وما بلغت كف امرئ متناولاً ... من المجد إلا والذي نال أطول أي: أنه ماجدٌ فاق كل ماجد. وإذا حمل التعريف على العهد كان المراد بالبر الثواب المعهود من عند الله، وهو الجنة، كقوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: 26]. قال محيي السنة: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) يعني: الجنة، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد، والقول الأول: مذهب الحسن. قوله: (لما نزلت جاء أبو طلحة) الحديث. أخرجه الشيخان وغيرهما من الأئمة. "بيرحاء": النهاية: هذه اللفظة كثيراً ما تختلف ألفاظ المحدثين فيها، فيقولون: بيرحاء بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها، والمد فيهما والقصر. وهي: اسم مال وموضع بالمدينة، وقال الزمخشري في "الفائق": إنها فيعلى، من: البراح، وهي الأرض الظاهرة. والمروي من الأئمة المذكورين أنها كانت مستقبل المسجد. النهاية: بخ بخ: كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء، وتكرر للمبالغة، وهي مبنية على السكون، فإن وصلت جررت ونونت فقلت: بَخٍ بَخٍ، وربما شددت.

فضعها يا رسول اللَّه حيث أراك اللَّه. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم «بخ بخ ذاك مال رابح - أو: مال رائحـ وإنى أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة: افعل يا رسول اللَّه فقسمها في أقاربه. وجاء زيد ابن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: هذه في سبيل اللَّه، فحمل عليها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أسامة بن زيد، فكأن زيداً وجد في نفسه، وقال: إنما أردت أن أتصدق به. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أما إن اللَّه تعالى قد قبلها منك. وكتب عمر رضي اللَّه عنه، إلى أبى موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما جاءت أعجبته فقال: إن اللَّه تعالى يقول: (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) فأعتقها. ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي ائتني بخير إبلى فجاء بناقة مهزولة. فقال: خنتني، قال: وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتكم إليه فقال: إنّ يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي. وقرأ عبد اللَّه: (حتى تنفقوا بعض مما تحبون). وهذا دليل على أنّ «من» في: (مِمَّا تُحِبُّونَ) للتبعيض. ونحوه: أخذت من المال. و (من) في (مِنْ شَيْءٍ) لتبيين (ما تنفقوا)، أي: من أي شيء كان طيبا تحبونه أو خبيثاً تكرهونه فَإِنَّ اللَّهَ عليم بكل شيء تنفقونه فمجازيكم بحسبه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مال رائح) يقال لضيعة الإنسان إذا كانت قريبة من بلده: رايح، أي: يروح نفعه وثوابه إليه، ويروى: مال رابح بالباء، أي: ذو ربح، كقولك: لابن وتامر. قوله: (فكأن زيداً وجد في نفسه) أي: شق عليه، النهاية: في الحديث: "فلا تجد علي" أي: فلا تغضب. قوله: (سبي جلولاء) قيل: جلولاء، بالجيم: أرض بقرب فارس، ويوم جلولاء: يوم فتحت مدائن كسرى في قتال سعد بن أبي وقاص.

(كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 93 ـ 94] (كُلُّ الطَّعامِ) كل المطعومات، أو كل أنواع الطعام. والحل: مصدر. يقال: حل الشيء حلا، كقولك: ذلت الدابة ذلا، وعزّ الرجل عزاً، وفي حديث عائشة اللَّه عنها: كنت أطيبه لحله وحرمه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كل المطعومات، أو كل أنواع الطعام)، اعلم أن لفظة "كل" تقتضي تعدداً في مدخولها، والطعام: اسم لما يؤكل، كالشراب: اسم ما يشرب، فإن حمل التعريف فيه على الاستغراق لم يحتج إلى تقدير، وإن حمل على غيره فلابد من تقدير مضاف. قوله: (وفي حديث عائشة: كنت أطيبه لحله وحرمه) وفي رواية لمسلم: "طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت بيدي"، وفي رواية للنسائي: "لحله وحرمه وحين يريد أن يزور البيت". النهاية: يقال: حل المحرم يحل حلالاً، وأحل يحل إحلالاً: إذا أحل له ما حرم عليه من محظورات الحج، ورجل حل من الإحرام، أي: حلال، والحلال: ضد الحرام، ورجل حلال، أي: غير محرم ولا متلبس بأسباب الحج. الحرم، بضم الحاء وسكون الراء: الإحرام بالحج، وبالكسر: الرجل المحرم، يقال: أنت حل وأنت حرم، والإحرام: مصدر أحرم الرجل يحرم إحراماً: إذا أهل بالحج أو العمرة، أو باشر أسبابهما وشروطهما.

ولذلك استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع. قال اللَّه تعالى: (لا هنّ حلٌّ لهم) [الممتحنة: 10]. والذي حرم إسرائيل ـ وهو يعقوب عليه السلام ـ على نفسه: لحوم الإبل وألبانها وقيل: العروق، كان به عرق النسا، فنذر إن شفي أن يحرّم على نفسه أحب الطعام إليه، وكان ذلك أحبه إليه، فحرّمه. وقيل: أشارت عليه الأطباء باجتنابه، ففعل ذلك بإذن من اللَّه؛ فهو كتحريم اللَّه ابتداء. والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلالا لبنى إسرائيل من قبل إنزال التوراة، وتحريم ما حرم عليهم منها لظلمهم وبغيهم لم يحرم منها شيء قبل ذلك غير المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه فتبعوه على تحريمه، وهو رد على اليهود وتكذيب لهم، حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعي عليهم في قوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) إلى قوله تعالى (عَذاباً أَلِيماً) [النساء: 160 - 161]، وفي قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما) إلى قوله: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ) [الأنعام: 146] , ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أشارت عليه الأطباء)، الجوهري: أشار إليه باليد: أومأ، وأشار عليه بالرأي، قال القاضي: احتج بالآية من جوز للنبي أن يجتهد، وللمانع أن يقول: وذلك بإذن من الله، فهو كتحريمه ابتداء. قوله: (وهو رد على اليهود ... حيث أرادوا براءة ساحتهم) يعني: لما شنع عليهم في قوله: (فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ) [النساء: 160] قالوا: لسنا بأول من حرمت عليه، وما هو إلا تحريم قديم، قيل لهم: كذبتم، بل كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا طعاماً واحداً، والتوراة شاهدة بذلك، وما حرم عليكم ما حرم إلا لبغيكم وظلمكم.

وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه وامتعضوا مما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم، فقالوا: لسنا بأوّل من حرّمت عليه، وما هو إلا تحريم قديم؛ كانت محرّمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بنى إسرائيل وهلم جرا، إلى أن انتهى التحريم إلينا، فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا. وغرضهم تكذيب شهادة اللَّه عليهم بالبغي، والظلم، والصدّ عن سبيل اللَّه، وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل، وما عدّد من مساويهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حُرم عليهم نوع من الطيبات عقوبة لهم (قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها): أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم مما هو ناطق به من أن تحريم ما حرّم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لا تحريم قديم كما يدعونه، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة وبهتوا وانقلبوا صاغرين، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه (فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) بزعمه أن ذلك كان محرما على بني إسرائيل قبل إنزال التوراة من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة (فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات. (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) 95] (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ) تعريض بكذبهم كقوله: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ) [الأنعام: 146]، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وجحود): معطوف على "براءة ساحتهم". قوله: (واشمأزوا)، النهاية: اشمأز، أي: انقبض وتجمع، وهمزته زائدة، يقال: اشمأز يشمئز اشمئزازاً. قوله: (امتعضوا)، أي: غضبوا، يقال: معض من شيء سمعه، وامتعض: إذا غضب وشق عليه.

أي: ثبت أن اللَّه صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) وهي ملة الإسلام التي عليها محمد صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم، حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب اللَّه لتسوية أغراضكم، وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها اللَّه لإبراهيم ولمن تبعه. (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97)) (وُضِعَ لِلنَّاسِ) صفة ل (بيت)، والواضع هو اللَّه عز وجلّ، تدل عليه قراءة من قرأ: (وُضِعَ لِلنَّاسِ) بتسمية الفاعل، وهو اللَّه. ومعنى وضع اللَّه بيتا للناس، أنه جعله متعبداً لهم، فكأنه قال: إن أوّل متعبد للناس الكعبة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) وهي ملة الإسلام) المعنى: أن بغيكم هو الذي أوقعكم في فساد دينكم بأن حرفتم التوراة، وفي فساد دنياكم حيث حرم عليكم الطيبات، فاتركوا البغي وارجعوا إلى الحق وكونوا على دين إبراهيم الذي ليس فيه شيء من ذلك، ثم انظروا بعين الإنصاف أن ما عليه محمد صلوات الله عليه والمؤمنون: هل فيه ذانك الفسادان أم هو عين دين إبراهيم؟ فلو قيل: فاتبعوا ملة المسلمين لم يكن كذلك، فالكلام وارد على الكناية الإيمائية، ففي قوله: "دينكم ودنياكم لف"، وما بعدهما: نشر، كما بينه. قوله: (فكأنه قال: إن أول متعبد للناس الكعبة) يعني: وضع (بَيْتٍ) موضع المتعبد، ووضع (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) موضع الكعبة، ليدل بالبيت على تشريفه، فإن المراد بيت الله، ولا يكون بيت إلا للعبادة، وبقوله: (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) على تعظيم ما وضع فيها، وأن الموضوع مما

وعن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أنه سئل عن أوّل مسجد وضع للناس، فقال: «المسجد الحرام، ثم بيت المقدس» وسئل كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة». وعن علىّ رضي اللَّه عنه أن رجلا قال له: أهو أوّل بيت؟ قال: لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أوّل بيت وضع للناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة. وأوّل من بناه إبراهيم ثم بناه قوم من العرب من جرهم، ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبناه قريش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا يلتبس على أحد، كأنه قيل: للذي يزدحم الناس فيه، أو: الذي يدق عنق من قصده، وفي بناء (وُضِعَ) على ما لم يسم فاعله إشعار بتعظيم واضعه. قوله: (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أول مسجد وضع للناس) الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي ذر. قوله: (جرهم): هم حي من اليمن، قال محمد بن إسحاق: جرهم هم الذين تولوا أمر البيت بعد نابت بن إسماعيل عليه السلام، وكانوا في خفض عيش ورخاء وسعة، ثم بغوا فسلط الله تعالى عليهم كنانة وخزاعة فنفوهم إلى اليمن، فحزنوا على ما فارقوا حزناً شديداً، فقال عمرو بن الحارث الجرهمي: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ملكنا فعززنا وأعظم بملكنا ... فليس لحي غيرنا ثم فاخر فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك بالإنسان تجري المقادر قوله: (العمالقة)، وهم قوم من ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، والله أعلم.

وعن ابن عباس: هو أوّل بيت حُجَّ بعد الطوفان. وقيل: هو أوّل بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض، خلقه قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض تحته. وقيل: هو أوّل بيت بناه آدم في الأرض. وقيل: لما أهبط آدم قالت له الملائكة: طف حول هذا البيت فلقد طفنا قبلك بألفي عام، وكان في موضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح، فرفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السماوات (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) البيت الذي ببكة، وهي علم للبلد الحرام: ومكة وبكة: لغتان فيه، نحو قولهم: النبيط والنميط، في اسم موضع بالدهناء، ونحوه من الاعتقاب: أمر راتب وراتم، وحمى مغمطة ومغبطة. وعن قتادة: يبك الناس بعضهم بعضا، الرجال والنساء يصلي بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلا بمكة، كأنها سميت ببكة؛ وهي الزحمة، قال: إذَا الشَّرِيبُ أَخَذَتْهُ الأَكَّهْ فَخَلِّهِ حَتَّى يَبُكَّ بَكَّهْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يقال له: الضراح)، النهاية: الضراح: بيت في السماء حيال الكعبة، ويروى "الضريح"، وهو: البيت المعمور، من: المضارحة: المقابلة، والمضارعة، ومن رواه بالصاد المهملة فقد صحف، والذي صح أن البيت المعمور في السماء السابعة، روينا عن البخاري ومسلم والنسائي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج: "ثم عرج بنا إلى السماء السابعة"، وفيه: "فإذا أنا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور". قوله: (مغمطة ومغبطة) أغبطت عليه الحمى: دامت. قوله: (كأنها سميت ببكة، وهي الزحمة) ينبغي أن يجعل هذا من تتمة كلام قتادة؛ لئلا يلزم التكرار. قوله: (إذا الشريب أخذته) الشريب: الذي يشرب معك ويسقي إبله مع إبلك، وهي

وقيل: تبك أعناق الجبابرة أي تدقها. لم يقصدها جبار إلا قصمه اللَّه تعالى. (مُبارَكاً): كثير الخير لما يحصل لمن حجه، واعتمره وعكف عنده، وطاف حوله؛ من الثواب وتكفير الذنوب، وانتصابه على الحال من المستكن في الظرف؛ لأن التقدير للذي ببكة هو، والعامل فيه المقدر في الظرف من فعل الاستقرار (وَهُدىً لِلْعالَمِينَ)؛ لأنه قبلتهم ومتعبدهم (مَقامُ إِبْراهِيمَ) عطف بيان لقوله (آياتٌ بَيِّناتٌ). فإن قلت: كيف صح بيان الجماعة بالواحد؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة اللَّه ونبوة إبراهيم من تأثير قدمه في حجر صلد، كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) النحل: 120]. والثاني: اشتماله على آيات؛ لأنّ أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنة آية. ويجوز أن يراد: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله؛ لأنّ الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعيل بمعنى مفاعل، مثل: نديم وأكيل، الجوهري: الأكة: شدة الحر، وبك فلان يبك بكة، أي: زحم، يقول: إذا ضجر الذي يورد إبله مع إبلك لشدة الحر انتظاراً فخله حتى يزاحمك، وبكة: اسم بطن مكة، سميت بذلك لازدحام الناس. قوله: (وحفظه مع كثرة أعدائه) إلى (ألوف سنة)، قال صاحب "الجامع": كان بين مولد إبراهيم عليه السلام وبين الهجرة ألفان وثمان مئة وثلاث وتسعون سنة، وعلى ما يوجبه تاريخ اليهود ألفان وأربع مئة واثنتان وثلاثون سنة.

ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما. دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قبل: فيه آيات بينات: مقام إبراهيم، وأمن من دخله، وكثير سواهما. ونحوه في طىِّ الذكر قول جرير: كَانَتْ حَنِيفَةُ أثْلَاثاً فَثُلْثُهُمُ مِنَ الْعَبِيدِ وَثُلْثٌ مِنْ مَوَالِيهَا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حبب إلىّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وقرة عيني في الصلاة". وقرأ ابن عباس وأبىّ ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة: (آية بينة)، على التوحيد. وفيها دليل على أنّ مقام إبراهيم واقع وحده عطف بيان. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويطوى ذكر غيرهما)، قال القاضي: كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار، وأن ضواري السباع تخالط الصيود في الحرم ولا تتعرض لها، وأن كل جبار قصده بسوء قهره كأصحاب الفيل، والجملةـ أي قوله: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) ـ مفسرة للـ (هُدىً) أو حال أخرى. قوله: (كانت حنيفة) البيت. يقول: هذه القبيلة أثلاث: ثلث من العبيد، وثلث من الموالي، فكره أن يذكر الخالص منهم لأنه يهجوهم. قوله: (حبب إلي من دنياكم) الحديث من رواية النسائي عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حبب إلي النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة"، فعلى هذا لا يكون من الباب،

فإن قلت: كيف أجزت أن يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان للآيات؟ وقوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) جملة مستأنفة إما ابتدائية وإما شرطية؟ قلت: أجزت ذلك من حيث المعنى، لأن قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) دلّ على أمن داخله، فكأنه قيل: فيه آيات بينات: مقام إبراهيم، وأمن داخله. ألا ترى أنك لو قلت: فيه آية بينة، من دخله كان آمنا؛ صحّ؛ لأنه في معنى قولك: فيه آية بينة، أمن من دخله. فإن قلت: كيف كان سبب هذا الأثر؟ قلت: فيه قولان: أحدهما أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه. وقيل: إنه جاء زائرا من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى يغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه، ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر، فبقى أثر قدميه عليه. ومعنى (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) معنى قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [العنكبوت: 67] وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً) [البقرة: 126]، وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر رضي اللَّه عنه «لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه» وعند أبى حنيفة: من لزمه القتل في الحل بقصاص أو ردّة أو زنى فالتجأ إلى الحرم؛ لم يتعرض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج. وقيل: آمنا من النار. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا» وعنه عليه الصلاة والسلام «الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة» وهما مقبرتا مكة والمدينة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: وقف رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم على ثنية الحجون وليس بها يومئذ مقبرة، فقال «يبعث اللَّه من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر، يدخلون الجنة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلى رواية المصنف: "قرة عيني" ليس بمعطوف على المذكورين، وإنما هو ابتداء كلام، كأنه لما ذكر الأولين أعرض عنهما فقال: ما لي وللدنيا.

بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر"، وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار، تباعدت منه جهنم مسيرة مئتي عام» (من استطاع) بدل من (الناس). وروى أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وكذا عن ابن عباس وابن عمر، وعليه أكثر العلماء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة)، الحديث أخرجه ابن ماجة عن ابن عباس، قال القاضي: هذا يؤيد قول الشافعي: إن الاستطاعة بالمال، ولذلك أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه، وقال أبو حنيفة بمجموع الأمرين. الراغب: الطوع: الانقياد، ويضاده الكره، والطاعة مثله، وأكثر ما يقال في الائتمار فيما أمر، وقد طاع له يطوع، وأطاعه يطيعه، والتطوع في الأصل: تكلف الطاعة، وفي العرف: التبرع بما لا يلزم كالتنفل، والاستطاعة: استفالة من الطوع، وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتياً، وهو عند المحققين اسم للمعاني التي بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل، وهي أربعة: بنية مخصوصة للفاعل، وتصور للفعل، ومادة قابلة لتأثيره، وآلة إن كان الفعل آلياً كالكتابة، فإن الكاتب يحتاج إلى الأربعة، ولذلك يقال: فلان غير مستطيع للكتابة: إذا فقد واحداً منها، ويضاده العجز. ومتى وجد هذه الأربعة فهو مستطيع مطلقاً، ومتى فقدها فهو عاجز مطلقاً، وإلا فهو مستطيع من وجه وعاجز من وجه، ولأن يوصف بالعجز أولى، والاستطاعة أخص من القدرة، قال عز وجل: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)، وهي تحتاج إلى هذه الأربعة، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الاستطاعة: الزاد والراحلة".

وعن ابن الزبير: هو على قدر القوّة. ومذهب مالك: أن الرجل إذا وثق بقوته؛ لزمه. وعنه: ذلك على قدر الطاقة، وقد يجد الزاد والراحلة من لا يقدر على السفر، وقد يقدر عليه من لا راحلة له ولا زاد، وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع. وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟ بل كان ينطلق إليه ولو حبوا فكذلك يجب عليه الحج. والضمير في (إِلَيْهِ) للبيت أو للحج. وكل مأتىّ إلى الشيء فهو سبيل إليه وفي هذا الكلام أنواع من التوكيد والتشديد، ومنها قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) يعنى: أنه حق واجب للَّه في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته. ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل عنه (من استطاع إليه سبيلا)، وفيه ضربان من التأكيد: أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له، والثاني أن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بيان لما يحتاج إليه من الآلة، وخصه بالذكر دون الآخر، إذ كان معلوماً من حيث العقل ومقتضى الشرع أن التكليف من دون الآخر لا يصح، وقد يقال: فلان لا يستطيع كذا لما يصعب عليه فعله، وذلك يرجع إلى افتقاد الآلة أو عدم التصور، وعلى هذا الوجه قال (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً) [الكهف: 67]، وقال تعالى: (وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) [الكهف: 101]. والله أعلم. قوله: (وكل مأتى إلى الشيء) أي: كل ما تأتي به إلى الشيء من الأسباب، فهو سبيل إليه. قوله: (أنواع من التوكيد)، زاد القاضي على الوجوه: أنه ذكره بصيغة الخبر وأبرزه في الصورة الاسمية، لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وإتعاب البدن، وبين صرف المال والإقبال على الله تعالى. وقلت: الذي يحتمل من الوجوه أن في تخصيص اسم الذات الجامع وتقديم الخبر على المبتدأ الدلالة على أنها عبادة لا ينبغي أن تختص إلا بمعبود جامع للكمالات بأسرها، وأن في

ومنها قوله: (وَمَنْ كَفَرَ) مكان "ومن لم يحج" تغليظا على تارك الحج؛ ولذلك قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا»، ونحوه من التغليظ «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر»، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إقامة المظهرـ وهو قوله: (الْبَيْتِ) ـ مقام المضمر بعد سبقه منكراً لمبالغة في وصفه أقصى الغاية، كأنه رتب الحكم على الوصف المناسب، وكذا في ذكر (النَّاسِ) بعد ذكره معرفاً الإشعار بعلية الوجوب، وهي كونهم ناساً، وفي تذييل (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) ـ لأنها في المعنى تأكيدـ الإيذان بأن ذلك هو الإيمان على الحقيقة، وهو النعمة العظمى، وأن مباشرة مستأهل بأن الله سبحانه وتعالى بجلالته وعظمته يرضى عنه رضاً كاملاً كما كان ساخطاً على تاركه سخطاً عظيماً، ولهذا عقب بالآيات قوله: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً)، والمراد بها ملة الإسلام، وفي تخصيص هذه العبادة وكونها مبينة لملة إبراهيم عليه السلام بعد الرد على أهل الكتاب فيما سبق من الآيات، والعود إلى ذكرهم بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) خطب جليل وشأن خطير لتلك العبادة العظيمة. قوله: (من مات ولم يحج) الحديث أخرجه الترمذي عن علي رضي الله عنه مع تغيير يسير. وقوله: (من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر)، رواه أحمد بن حنبل.

ومنها ذكر الاستغناء عنه، وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان. ومنها قوله: (عَنِ الْعالَمِينَ) وإن لم يقل عنه، وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة؛ ولأنه يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدلّ على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه. وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود؛ فإنهم قالوا: الحج إلى مكة غير واجب. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) جمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم، فقال، إن اللَّه كتب عليكم الحج فحجوا» فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلى إليه ولا نحجه، فنزل (وَمَنْ كَفَرَ)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأن لم يقل: عنه) "أن": هي المخففة من الثقيلة، وهو عطف على قوله: "قوله: (عَنْ الْعَالَمِينَ) " على التأكيد، أي: قال: كذا ولم يقل: كذا، وقوله: "وما فيه من الدلالة": عطف عليه أيضاً، لكن على التفسير والبيان، نحو: أعجبني زيد وكرمه. وتلخيصه: أنه تعالى وضع المظهر موضع المضمر وأتى به عاماً وخص بالذكر (الْعَالَمِينَ) ليتناول العام هذا المتمرد الخاص على سبيل الكناية الإيمائية، وهو المراد من قوله: "من الدلالة على الاستغناء ببرهان"، ويدل التخصيص بالذكر على الاستغناء الكامل، وهو على عظم السخط، على الكناية التلويحية، وإليه الإشارة بقوله: "يدل على الاستغناء الكامل، فكان أدل على عظم السخط"، فقوله: "ولأنه يدل على الاستغناء" عطف على قوله: "لأنه إذا استغنى". قوله: (خمس ملل) وهم الذين ذكرهم الله تعالى في: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) [الحج: 17].

وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «حجوا قبل أن لا تحجوا، فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة» وروي «حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البر جانبه» وعن ابن مسعود رضي الله عنه: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت «1». وعن عمر رضي اللَّه عنه: لو ترك الناس الحج عاما واحدا ما نوظروا. وقرئ (حج البيت) بالكسر. (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)) (وَاللَّهُ شَهِيدٌ): الواو للحال. والمعنى: لم تكفرون بآيات اللَّه التي دلتكم على صدق محمد صلى اللَّه عليه وسلم؟ والحال أن اللَّه شهيد على أعمالكم، فمجازيكم عليها، وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قبل أن يمنع البر جانبه) أي: يتعذر عليكم قطع البر إما لعدم الأمن أو غيره. قوله: (نفقت)، الجوهري: نفقت الدابة تنفق نفوقاً، أي: ماتت. قوله: (ما نوظروا) أي: ما أمهلوا، وترك المناظرة عبارة عن الإعجال بالعقوبة.

قرأ الحسن: (تصدّون)، من أصدّه (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) عن دين حق علم أنه سبيل اللَّه التي أمر بسلوكها، وهو الإسلام، وكانوا يفتنون المؤمنين، ويحتالون لصدّهم عنه، ويمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم. وقيل: أتت اليهود الأوس والخزرج فذكروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب؛ ليعودوا لمثله. (تَبْغُونَها عِوَجاً) تطلبون لها اعوجاجاً وميلا عن القصد والاستقامة. فإن قلت: كيف تبغونها عوجا وهو محال؟ قلت: فيه معنيان: أحدهما: أنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أنّ فيها عوجا بقولكم: إن شريعة موسى لا تنسخ، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (علم أنه سبيل الله): يريد أنه تعالى وضع سبيل الله موضع دين الإسلام؛ دلالة على أنهم يعلمون أن دين الإسلام هو سبيل الله ولكنهم معاندون، وإليه أشار بقوله: (وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ) أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل. قوله: ((تَبْغُونَهَا عِوَجاً): تطلبون لها اعوجاجاً)، قال الزجاج: يقال: أبغني كذا، أي: اطلبه لي، بكسر الهمزة وبفتحها: أعني على طلبه. الانتصاف: في تقدير الجار مع ضمير المفعول نقص من حيث المعنى، والأحسن جعل الهاء من (تَبْغُونَهَا) مفعولاً، و (عِوَجاً): حال وقع موقع الاسم مبالغة، كأنهم طلبوا أن تكون الطريقة القويمة نفس العوج، وفيه نظر؛ إذ لا يستقيم المعنى إلا على أن يكون (عِوَجاً) هو المفعول به؛ لأنه مطلوبهم؛ فلابد من تقدير الحال. قوله: (فيه معنيان) على المعنى الأول: الاستفهام في قوله: (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) للإنكار والتقريع، ولهذا قال: إنكم تلبسون على الناس، وعلى الثاني: للاستبعاد والتوبيخ،

وبتغييركم صفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن وجهها، ونحو ذلك. والثاني: أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم. (وَأَنْتُمْ شُهَداءُ) أنها سبيل اللَّه لا يصدّ عنها إلا ضال مضل، أو (وأنتم شهداء) بين أهل دينكم، عدول يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم أمورهم، وهم الأحبار (وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ): وعيد، ومحل (تبغونها) نصب على الحال. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ) (100) قيل: مرَّ شأس بن قيس اليهودي، وكان عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شابا من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار، وكان يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإليه الإشارة بقوله: "وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم"، وينصره قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ) لأنه حال مقررة لجهة الإشكال، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ) ومن ثم قال: "وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر". قوله: (يوم بعاث) بضم الباء والثاء المثلثة، النهاية: هو يوم مشهور، وفيه حرب بين الأوس والخزرج، وبعاث: هو اسم حصن للأوس، وبعضهم يقوله بالغين المعجمة، وهو تصحيف.

وكان الظفر فيه للأوس. ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا، وقالوا: السلاح السلاح! فبلغ النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار، فقال: أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم اللَّه بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم؟ "، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكان من خبره ما رواه ابن الأثير في "الكامل"، أن قريظة والنضير، جددوا العهود مع الأوس على المؤازرة والتناصر، واستحكم أمرهم، فلما سمعت بذلك الخزرج جمعت واحتشدت وراسلت حلفاءها من أشجع وجهينة وراسلت الأوس حلفاءها من مزينة، والتقوا ببعاث، وهي من أموال قريظة، وعلى الأوس حضير والد أسيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان، فلما التقوا اقتتلوا قتالاً شديداً وصبروا جميعاً، ثم إن الأوس وجدت مس السلاح، فولوا منهزمين، فلما رأى حضير ذلك نزل وطعن قدمه وصاح: واعقراه! والله لا أعود حتى أقتتل، فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا، فعطفوا عليه، وأصاب عمرو بن النعمان البياضي رئيس الخزرج سهم فقتله، وانهزمت الخزرج، فوضعت فيهم الأوس السلاح، فصاح صائح: يا معشر الأوس، أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم، فجوارهم خير من جوار الثعالب، فانتهوا عنهم، وكان يوم بعاث آخر الحروب المشهورة بين الأوس والخزرج، ثم جاء الإسلام واتفقت الكلمة واجتمعوا على نصر الإسلام وأهله. قوله: (أتدعون الجاهلية؟ )، النهاية: في الحديث: "ما بال دعوى الجاهلية؟ " وهو قولهم: يا لفلان! كانوا يدعون بعضهم بعضاً عند الأمر الحادث الشديد، وفي حديث زيد بن أرقم: فقال قوم: يا للأنصار! ، وقال قوم: يا للمهاجرين! ، فقال صلى الله عليه وسلم: "دعوها؛ فإنها منتنة".

فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوّهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فما كان يوم أقبح أوّلا وأحسن آخراً من ذلك اليوم. (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) 101]. (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ): معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجيب. والمعنى: من أين يتطرق إليكم الكفر، والحال أن آيات اللَّه وهي القرآن المعجز (تُتْلى عَلَيْكُمْ) على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم غضة طرية، وبين أظهركم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم! (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ) ومن يتمسك بدينه. ويجوز أن يكون حثا لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم (فَقَدْ هُدِيَ) فقد حصل له الهدى لا محالة ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يكون حثاً لهم على الالتجاء إليه): عطف على قوله: "ومن يتمسك بدينه"، يعني: إما أن يقدر ها هنا مضاف بأن يقال: ومن يعتصم بدين الله، أي: يتمسك به، على الاستعارة، أو لا يقدر، فيجعل الاعتصام بالله استعارة للالتجاء إلى الله تعالى، وعلى الأول: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ): معطوف على (وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ) أي: كيف تكفرون والحال أن القرآن يتلى عليكم وأنتم عالمون بأن من تمسك بدين الله فقد هدي! وعلى الثاني تذييل لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ)؛ لأن مضمونه: أنكم إنما تطيعونهم لما تخافون شرورهم ومكايدهم، فلا تخافوهم والتجئوا إلى الله في دفع شرورهم فلا تطيعوهم، أما علمتم أن من التجأ إلى الله تعالى كفاه شر ما يخافه! وهو المراد بقوله: "حثاً لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكائدهم"، فعلى الأول (وَمَنْ يَعْتَصِمْ) جيء لإنكار الكفر مع هذا الصارف القوي، كقوله: (وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ)، وعلى الثاني: للحث على الالتجاء، ويحتمل على الأول التذييل، وعلى الثاني الحال أيضاً. قوله: (فقد حصل له الهدى لا محالة)، وذلك لمجيء فعل الماضي مع "قد"، قال الجوهري:

كما تقول: إذا جئت فلانا فقد أفلحت، كأن الهدى قد حصل، فهو يخبر عنه حاصلا، ومعنى التوقع في «قد» ظاهر؛ لأنّ المعتصم باللَّه متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) 102 ـ 103]. (حَقَّ تُقاتِهِ): واجب تقواه وما يحق منها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قد: جواب لما يفعل، وزعم الخليل أن هذا لمن ينتظر الخبر، تقول: قد مات فلان، ولو أخبره وهو لا ينتظره لم يقل: قد مات فلان، وإنما يصدق (فَقَدْ هُدِيَ) إذا وجد المتوقع، وهو المعتصم بالله، منتظراً للهدى، فإذا حصل الهدى فقيل له: فقد هدي، ولو لم يحصل لم يقل ذلك، ولهذا قال: "لا محالة". قوله: (واجب تقواه وما يحق منها) أي: (حَقَّ) هنا من: حق بمعنى: وجب وثبت، أي: الذي ثبت ووجب من التقاة، و"من" في "منها": بيان ما يحق، أي: اتقوا الله التقاة التي تجب وتحق له. قال القاضي: هو استفراغ الوسع في القيام بالمواجب والاجتناب عن المحارم، وقيل: أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاة عليها، وأصل تقاة: وقية، فقلبت واوها المضمومة تاء كما في تؤدة وتخمة، والياء ألفاً. الراغب: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، والتقوى: جعل الشيء في وقاية مما يخاف، وفي الشرع: حفظ النفس مما يؤثم، وذلك بترك المحظور، وذلك بترك بعض المباحات لما روي: "الحلال بيّن والحرام بيّن، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه".

وهو القيام بالمواجب واجتناب المحارم، ونحوه (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] يريد: بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا. وعن عبد اللَّه: هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى وروي مرفوعا. وقيل: هو أن لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو ابنه أو أبيه. وقيل: لا يتقى اللَّه عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ونحوه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16])، وكذا عن القاضي، وروى الزجاج بخلافه، وهو أن قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) منسوخ بقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة: 286]، وقال الكواشي: ولما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من يقوى على هذا؟ فنزل (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ولعل مخالفة المصنف لأجل الاحتراز أنه لا يجوز التكليف بما لا يطاق ابتداء بناءً على العدل، ولهاتين الآيتين، أسوة بقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) فإنها ناسخة لقوله: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ). قوله: (وروي مرفوعاً) الحديث المرفوع هو: ما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الخطيب الحافظ: المرفوع: ما أخبر به الصحابي عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله.

والتقاة: من اتقى كالتؤدة من اتأد. (وَلا تَمُوتُنّ) َ معناه: ولا تكوننّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، كما تقول لمن تستعين به على لقاء العدوّ: لا تأتني إلا وأنت على حصان، فلا تنهاه عن الإتيان، ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان. قولهم اعتصمت بحبله: يجوز أن يكون تمثيلا لاستظهاره به ووثوقه بحمايته، بامتساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، وأن يكون الحبل استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد، أو ترشيحا لاستعارة الحبل بما يناسبه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كالتؤدة)، الجوهري: أتأد في مشيه، وهو افتعل، من التؤدة، واصل التاء في "اتأد" واو، يقال: اتئد في أمرك، أي: تثبت. قوله: (ولا تكون على حال سوى حال الإسلام) وقد سبق تقريره في "البقرة". قوله: (قولهم: اعتصمت بحبله) كان من المقتضى أن يقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ) استعارة، لكن مراده أن هذه الاستعارة فاشية في كلامهم غير مختصة بالقرآن. قوله: (والاعتصام) هو معطوف على "الحبل"، والباء في "بالعهد": متعلق بـ "وثوقه". قوله: (أو ترشيحاً): معطوف على الاستعارة المقدرة في المعطوف، أي: يجوز أن يكون الاعتصام استعارة لوثوقه بالعهد، أو ترشيحاً "لاستعارة الحبل بما يناسبه"، والباء متعلق بـ "ترشيحاً" ولا يجوز أن يكون عطفاً على المذكورة؛ لأن قوله: لاستعارة الحبل بما يناسبه يأباه. الأساس: كل ما عصم به الشيء فهو عصام وعصمة، وعلق القربة بعصامها، وهو حبل يجعل في خربتيها، أي: عروتيها، ومن المستعار: أمر أعصم، وأنا معتصم بفلان ومستعصم بحبله.

والمعنى: واجتمعوا على استعانتكم باللَّه ووثوقكم به، ولا تفرقوا عنه، أو واجتمعوا على التمسك بعهده إلى عباده، وهو الإيمان والطاعة، أو بكتابه؛ لقول النبي صلى اللَّه عليه وسلم "القرآن حبل اللَّه المتين" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والحاصل أنَّ قوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ) إما استعارة تمثيلية، بأن شبهت الحالة بالحالة لجامع ثبات الوصلة بين الجانبين كما سبق مراراً، واستعير لحالة المستعار له ما يستعمل في المستعار منه من الألفاظ، فقيل: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ)، وإما استعارتان مترادفتان، فاستعارة الحبل لعهده مصرحة أصلية: تحقيقية أو تخييلية، والقرينة: الإضافة، واستعارة الاعتصام لوثوقه بالعهد وتمسكه به مصرحة تبعية تحقيقية، والقرينة اقترانها بالاستعارة الثانية، وهو المراد بقوله: "وأن يكون الحبل استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد"، وإما أن تكون الاستعارة في الحبل على طريقة التخييل أو التحقيق، ويكون الاعتصام ترشيحاً لها، والقرينة: إضافة الحبل إلى الله تعالى، وإما أن تكونا استعارتين غير مستقلتين، بأن تكون الاستعارة في الحبل مكنية وفي الاعتصام تخييلية، لأن المكنية مستلزمة للتخييلية. قوله: (والمعنى: واجتمعوا على استعانتكم بالله)، وقوله: (أو واجتمعوا على التمسك بعهده): نشر لما لف من التقديرين: التمثيلية وغيرها. قوله: (أو بكتابه) معطوف على "بعهده"، فتقدير الكلام: يجوز أن يكون الحبل استعارة لعهده أو لكتابه، على طريقة اللف، وحذف لدلالة النشر عليه. قوله: (لقول النبي صلى الله عليه وسلم)، الحديث مختصر من "سنن الترمذي"، عن الحارث الأعور.

لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الردّ، من قال به صدق، ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم. (وَلا تَفَرَّقُوا): ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلفت اليهود والنصارى، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم بعضا ويحاربه، أو ولا تحدثوا ما يكون عنه التفرق، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا يخلق عن كثرة الرد) ليس في "كتاب الترمذي"، وذكره صاحب "الجامع" عن ابن عمر. وأخلق يتعدى ولا يتعدى، يقال: أخلق الثوب، وأخلقته أنا. والرد: التكرار والترديد في القراءة. قوله: (متدابرين)، النهاية: لا تدابروا، أي: لا يعط كل واحد منكم أخاه دبره، فيعرض عنه ويهجره. قوله: (أو ولا تحدثوا ما يكون عنه التفرق) عطف على قوله: "ولا تتفرقوا عن الحق"، وعلى الأول النهي وارد على التفرق في الدين بواسطة الاختلاف بينهم، وهو المشاقة والمجادلة، وعلى الثاني النهي وارد على التفرق على الإطلاق، والمراد: النهي عن المجادلة والمشاقة التي هي سبب التفرق في الأبدان المؤدي إلى التفرق في الأديان، ومرجع النهي على الوجهين إلى الاختلاف المؤدي إلى التفرق في الدين، لكن الأول من إطلاق المسبب على السبب، والثاني من الكناية التلويحية، ولما كان أصل الفساد إنما ينشأ من التحدث كما قال نصر بن سيار: فإن النار بالعودين تصلى ... وإن الحرب أولها كلام

ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها، مما يأباه جامعكم والمؤلف بينكم، وهو اتباع الحق والتمسك بالإسلام. كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف اللَّه بين قلوبهم بالإسلام. وقذف فيها المحبة فتحابوا وتوافقوا وصاروا إِخْواناً متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد، قد نظم بينهم، وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في اللَّه: وقيل: هم الأوس والخزرج، كانا أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة، وتطاولت الحروب مئة وعشرين سنة إلى أن أطفأ اللَّه ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ): وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر. (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها): بالإسلام. والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة، ـ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اعتبر في الوجهين ذلك المعنى. قوله: (مما يأباه جامعكم): بيان ما يكون، وقوله: "وهو إتباع الحق"، تفسير للجامع والمؤلف. قوله: (مشفين)، النهاية: لا يكاد يقال: أشفى إلا في الشر، ومنه حديث سعد: مرضت مرضاً أشفيت على الموت، أي: أشرفت عليه، الجوهري: شفا كل شيء: حرفه. قوله: (والضمير للحفرة)، الانتصاف: هو كقولك: أكرمت غلام هند، وأحسنت إليها، فالمنة من الإنقاذ منها أتم، والكون على الشفا يستلزم الهوي غالباً، فمن عليهم بإنقاذهم من الحفرة التي هي موقع الهوي، أي: كنتم صائرين إليها لولا الإنقاذ الإلهي، وأبو علي رأى في "التعاليق" تأنيث المذكر بإضافة المؤنث من الضرورات، ورأيت في "الإيضاح" بخلافه.

وهو منها، كما قال: كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ وشفا الحفرة وشفتها: حرفها، بالتذكير والتأنيث، ولامها واو، إلا أنها في المذكر مقلوبة، وفي المؤنث محذوفة، ونحو الشفا والشفة: الجانب والجانبة. فإن قلت: كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟ قلت: لو ماتوا على ما كانوا عليه وقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها مشفين على الوقوع فيها. (كَذلِكَ): مثل ذلك البيان البليغ (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ): إرادة أن تزدادوا هدى ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو منها) أي: الشفا من الحفرة، أي: متصل بها، قيل: المضاف لا يكتسي من المضاف إليه التأنيث إلا إذا كان بعضاً منه، نحو "تلتقطه بعض السيارة" [يوسف: 10]، أو فعله، نحو: أعجبتني مشي هند، أو صفته نحو: أعجبتني حسن هند، ولا يجوز: أعجبتني غلام هند. قوله: (كما شرقت صدر القناة من الدم)، أوله: ويشرق بالقول الذي قد أذعته شرقت بالماء، كما يقال: غصصت باللقمة. أذعته: أفشيته، يقول: يشرق بالقول الذي أفشيته وأظهرته للناس كما أن القناة عند الطعن تشرق بالدم، أنث شرقت لإضافة الصدر إلى القناة.

(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) 104]. (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ): "من" للتبعيض؛ لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات؛ ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته؟ وكيف يباشر؟ فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا، أو على مَن الإنكار عليه عبث، كالإنكار على أصحاب المآصر والجلادين وأضرابهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) "من" للتبعيض)، الانتصاف: وفي تنكير (أُمَّةٌ) دليل على قلتهم، ومن هذا الأسلوب: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) [الحشر: 18] تنكير (نَفْسٌ) دليل على قلة الناظر في معاده. الإنصاف: ويحتمل إرادة تعظيمها لنظرها في معادها، وقد سبقت نظائره، وكذلك (أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) [الحاقة: 12]. قال القاضي: خاطب الجميع وطلب فعل بعضهم ليدل على أنه واجب على الكل، حتى لو تركوه رأساً أثموا جميعاً، ولكن يسقط بفعل بعضهم، هذا معنى تعليل المصنف: "لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات". قوله: (المآصر) أي: السجون، الجوهري: يقال: أصره يأصره أصراً: حبسه، والموضع: مأصر ومأصر، والجمع: مآصر، والعامة تقول: مياصر.

وقيل «من» للتبيين، بمعنى: وكونوا أمّة تأمرون، كقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ). [آل عمران: 110]، (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) هم الأخصاء بالفلاح دون غيرهم. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه سئل وهو على المنبر: من خير الناس، قال: "آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم للَّه وأوصلهم للرحم" وعنه عليه الصلاة السلام: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة اللَّه في أرضه، وخليفة رسوله، وخليفة كتابه» وعن علي رضي اللَّه عنه: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر. ومن شنئ الفاسقين وغضب للَّه، غضب اللَّه له. وعن حذيفة رضي الله عنه: يأتي على الناس زمان تكون فيهم جيفة الحمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه، محموداً عند إخوانه، فاعلم أنه مداهن. والأمر بالمعروف تابع للمأمور به؛ إن كان واجبا فواجب، وإن كان ندباً فندب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بمعنى: وكونوا أمة) أخرج من الكل الأمة، فيكون من باب التجريد، وقال الزجاج: المعنى: ولتكونوا كلكم أمة، "من" دخلت لتخص المخاطبين من سائر الأجناس، وهي مؤكدة، وأنشد الزجاج: أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منه النوفل الزفر يسألها، أي: الرغائب من غيره ويعطي الذي يحتاج إليها، وفيه أنه جواد مطاع، الظلامة: ما يطلبه عند الظالم، النوفل: الكثير الإعطاء للنوافل، والزفر: الذي يحمل الأثقال. والدليل على أن المأمورين كلهم قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ). قوله: (ومن شنئ الفاسقين) أي: أبغضهم.

وأما النهي عن المنكر فواجب كله؛ لأنّ جميع المنكر تركه واجب؛ لاتصافه بالقبح. فإن قلت: ما طريق الوجوب؟ قلت: قد اختلف فيه الشيخان؛ فعند أبى علي: السمع والعقل، وعند أبى هاشم: السمع وحده. فإن قلت: ما شرائط النهي؟ قلت: أن يعلم الناهي أن ما ينكره قبيح؛ لأنه إذا لم يعلم لم يأمن أن ينكر الحسن، وأن لا يكون ما ينهى عنه واقعا، لأن الواقع لا يحسن النهي عنه، وإنما يحسن الذم عليه والنهى عن أمثاله، وأن لا يغلب على ظنه أن المنهي يزيد في منكراته، وأن لا يغلب على ظنه أن نهيه لا يؤثر؛ لأنه عبث. فإن قلت: فما شروط الوجوب؟ قلت: أن يغلب على ظنه وقوع المعصية؛ نحو أن يرى الشارب قد تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلاته، وأن لا يغلب على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة. فإن قلت: كيف يباشر الإنكار؟ قلت: يبتدئ بالسهل، فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب؛ لأنّ الغرض كف المنكر. قال اللَّه تعالى: (فأصلحوا بينهما)، ثم قال: (فقاتلوا) [الحجرات: 9]، فإن قلت: فمن يباشره؟ قلت: كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه، وقد أجمعوا أن من رأى غيره تاركا للصلاة وجب عليه الإنكار؛ لأنه معلوم قبحه لكل أحد. وأما الإنكار الذي بالقتال، فالإمام وخلفاؤه أولى؛ لأنهم أعلم بالسياسة ومعهم عدتها. فإن قلت: فمن يُؤمر ويُنهى؟ قلت: كل مكلف، وغير المكلف إذا همَّ بضرر غيره مُنع، كالصبيان والمجانين، وينهى الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعوّدوها، كما يؤخذون بالصلاة ليمرنوا عليها. فإن قلت: هل يجب على مرتكب المنكر أن ينهى عما يرتكبه؟ قلت: نعم يجب عليه؛ لأن ترك ارتكابه وإنكاره واجبان عليه فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر. وعن السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا. وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد اللَّه يقول: لا أقول ما لا أفعل. فقال: وأينا يفعل ما يقول! ودّ الشيطان لو ظفر بهذه منكم، فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلا يأمر أحد) نصب على التمني الذي اشتمل عليه جملة قوله: "ود الشيطان لو ظفر بهذه منكم"، المعنى: تمنى الشيطان منكم حصول هذه الكلمة لئلا يأمر أحد بالمعروف.

فإن قلت: كيف قيل: (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)؟ قلت: الدعاء إلى الخير عامّ في التكاليف من الأفعال والتروك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص، فجيء بالعام ثم عطف عليه الخاص؛ إيذانا بفضله، كقوله: (وَالصَّلاةِ الْوُسْطى). [البقرة: 238]. (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) 105 ـ 107]. (كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا): وهم اليهود والنصارى (مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة، وهي كلمة الحق. وقيل: هم مبتدعو هذه الأمة، وهم المشبهة والمجبرة والحشوية وأشباههم. (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ) نصب بالظرف وهو (لهم)، أو بإضمار اذكر، وقرئ: (تبيض) و (تسود)، بكسر حرف المضارعة، و (تبياض) و (تسوادّ)، والبياض من النور، والسواد من الظلمة، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والحشوية)، وهم طائفة يجوزون أن يخاطب الله الناس بالمهمل. قوله: (وقرئ: "تبيض" و"تسود" بكسر حرف المضارعة)، قال الزجاج: إنما كسروا ليتبين أنها من قولك: ابيض واسود، في الماضي، وقرأ بعضهم: "تبياض" و"تسواد"، وهو جيد في العربية إلا أنها خلاف المصحف، وأنا أكره ذلك.

فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه، وابيضت صحيفته وأشرقت، وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده، واسودّت صحيفته وأظلمت، وأحاطت به الظلمة من كل جانب. نعوذ باللَّه وبسعة رحمته من ظلمات الباطل وأهله. (أَكَفَرْتُمْ): فيقال لهم: أكفرتم، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم. والظاهر أنهم أهل الكتاب. وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعد اعترافهم به قبل مجيئه. وعن عطاء: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسودّ وجوه بني قريظة والنضير. وقيل هم المرتدون. وقيل: أهل البدع والأهواء، وعن أبى أمامة: هم الخوارج، ولما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه ثم قال: كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء. فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك، أم شيء سمعته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. قال: بل سمعته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم غير مرة. قال: فما شأنك دمعت عيناك، قال: رحمة لهم، كانوا من أهل الإسلام فكفروا، ثم قرأ هذه الآية، ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضكم منهم كثيراً. فأعاذك اللَّه منهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والظاهر أنهم أهل الكتاب) يعني: قوله: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) مطلق، بل مجمل فيمن كفر بعد الإيمان يحتمل المرتد وأهل الكتاب وجميع الكفار كما ذكر، لكن قرائن السياق قامت على ترجيح الثاني، وذلك قوله في الآيات السابقة: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ)، ثم قوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، وانتصاب (يَوْمَ تَبْيَضُّ) من (لَهُمْ)، ثم قوله بعد الفراغ من حديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ). قوله: (وعن أبي أمامة). الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة، عن أبي غالب.

وقيل: هم جميع الكفار؛ لإعراضهم عما أوجبه الإقرار حين أشهدهم على أنفسهم: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) [الأعراف: 172]. (فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ): ففي نعمته، وهي الثواب المخلد، فإن قلت: كيف موقع قوله: (هُمْ فِيها خالِدُونَ) بعد قوله: (فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ)؟ قلت: موقع الاستئناف، كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: (هم فيها خالدون) لا يظعنون عنها ولا يموتون. (تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) 108 ـ 109]. (تِلْكَ آياتُ اللَّهِ): الواردة في الوعد والوعيد، (نَتْلُوها عَلَيْكَ) ملتبسة (بِالْحَقِّ) والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين)، فيأخذ أحداً بغير جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ): ففي نعمته، وهي الثواب المخلد)، إنما فسر الرحمة بالجنة لأنها مقابلة لقوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ) ومقارنة لقوله: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، قال القاضي: عبر عن الجنة والثواب المخلد بالرحمة تنبيهاً على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله لا يدخل الجنة إلا برحمته وفضله، وكان حق الترتيب أن يقدم ذكرهم، ولكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين، أي: أن الكلام من اللف والنشر، لكن على غير ترتيب، بناءً على تلك النكتة. قوله: ((وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً) فيأخذ أحداً بغير جرم) إلى آخره، قال القاضي: يستحيل تصور الظلم منه تعالى؛ لأنه لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه، ولا يمنع عن شيء فيظلم بفعله، لأنه المالك على الإطلاق كما قال: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ).

ونكر ظلمًا وقال: (لِلْعالَمِينَ) على معنى: ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه. فسبحان من يحلم عمن يصفه بإرادة القبائح والرضا بها. (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) 110 ـ 111]. «كان» عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فسبحان من يحلم): كلمة تعجب، أي: ما أحلمه حيث ينسبون إليه القبيح والظلم مع أنه لا يستعجلهم بالعذاب! وفيه تشنيع على أهل السنة؛ لما يلزم من مذهبهم إثبات القبائح والظلم على الله تعالى على زعم المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله تعالى مريد المعاصي ثم يعذبهم على ذلك، وهو قبيح؛ لما يلزم منه أن يكون الله ظالماً. وجوابه: أنه يفعل ما يشاء، ويتصرف في ملكه كيف يشاء ولا مجال للعقل في أفعاله، مع أن قوله: "والرضا بها" محل نظر؛ لأنهم لا يقولون به؛ لقوله تعالى: (وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) [الزمر: 7]. قوله: ("كان" عبارة عن وجود شيء في زمان ماض)، الراغب: "كان" في كثير من وصف الله تعالى تنبئ عن معنى الأزلية، قال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) [الأحزاب: 40]، وما استعمل منه في جنس الشيء متعلقاً بوصف له هو موجود فيه فتنبيه أن ذلك الوصف لازم له قليل الانفكاك، ومنه قوله تعالى: (وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً) [الإسراء: 67]، (وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) [الكهف: 54]، وإذا استعمل في الزمان الماضي فقد يكون المستعمل فيه باقياً على حاله، وقد يكون متغيراً، ولا فرق بين أن يكون الزمان المستعمل فيه قد تقدم تقدماً كثيراً، وبين أن يكون قد تقدم بآن واحد.

وليس فيه دليل على عدم سابق، ولا على انقطاع طارئ. ومنه قوله تعالى: (وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) [النساء: 96] ومنه قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)، كأنه قيل: وجدتم خير أمّة. وقيل: كنتم في علم اللَّه خير أمّة. وقيل: كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمّة موصوفين به (أُخْرِجَتْ) أظهرت، وقوله (تَامُرُونَ) كلام مستأنف بين به كونهم خير أمّة، كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم. (وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) جعل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إيماناً باللَّه؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال ابن الحاجب في "الأمالي": لا يصح التعلق بالأفعال الناقصة، لأنها لم يقصد بها في التحقيق نسبة حدث محقق إلى فاعلها، ومعنى قولنا: حدث محقق: أنه لم يرد أن زيداً ثبت، وإنما أريد أن القيام المنسوب إلى زيدـ وهو خبرهـ ثبت، وذلك حاصل لو لم تذكر كان، وإنما قصد بالإتيان بها على المبتدأ والخبر، وتقييد الخبر معنى بالنسبة إلى المبتدأ مع بقائه مخبراً عنه على ما كان عليه في الابتداء، ولذلك توهم كثير من النحويين أنه لا دلالة لها على الحدث أصلاً، وإنما وضعت للدلالة على مجرد الزمان، فلذلك لم تأت عاملة في شيء غير الاسم والخبر. قوله: (ولا على انقطاع طارئ)، قال الإمام: "كان" إذا كانت ناقصة، كانت عبارة عن وجود شيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، فلا تدل على انقطاع طارئ، يعني: ليس معناه أنه كان على تلك الصفة ثم ما بقي على ما كان، وعليه يبتنى قوله: "كنتم في علم الله"، أو: "كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة". قوله: (كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة) أي: ترك العاطف ليكون الكلام الأول كالمورد للسؤال عن موجب ما سيق له الحديث، فيجاب بالآتي ويعاد بصفة من استؤنف عنه الحديث لبيان الموجب. قوله: (جعل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إيماناً بالله) يعني: ذكر الإيمان بالله وأريد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به؛ لأن الإيمان إنما يعتد به ويستأهل أن يقال له: إيمان، إذا آمن بالله على الحقيقة، وحقيقة الإيمان بالله: أن يستوعب جميع ما يجب الإيمان به، فلو أخل بشيء منه لم يكن من الإيمان بالله في شيء، والمقام يقتضيه لكونه تعريضاً بأهل الكتاب، وأنهم لا يؤمنون بجميع ما يجب الإيمان به، ويدل على مكان التعريض قوله تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ)، ولاشك أنهم كانوا مؤمنين بالله وموافقين للمؤمنين في بعض الشرائع، لكنهم لما تركوا بعض الإيمان، كأنهم لم يؤمنوا! وأيضاً، المقام مقام مدح للمؤمنين وكونهم خير الناس؛ لأن قوله: (وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) عطف على (تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)، وهو كلام مستأنف بيَّن به أن المؤمنين خير أمة في ماذا؟ فينبغي أن يكون هو أيضاً تعليلاً للخيرية، وأن يندرج تحته جميع ما يجب الإيمان به ليكون معتداً به صالحاً لأن يتمدح به، فلو خرج بعض الإيمان لم يكن مدحاً. قال القاضي: إنما أخر، أي: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) وحقه التقديم؛ لأنه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيماناً بالله وإظهاراً لدينه. وقلت: يعني إنما أخر ليكون تلويحاً إلى مكان التعليل، فإنه حينئذ من باب الإخبار عن حصول الجملتين في الوجود وتفويض الترتب إلى الذهن، ولو قدم لم يتنبه لتلك النكتة. ثم قال: واستدل بهذه الآية أن الإجماع حجة، لأنها تقتضي كونهم آمرين بكل معروف ناهين عن كل منكر، إذ اللام فيهما للاستغراق، فلو اجمعوا على باطل كان أمرهم على خلاف ذلك. وقلت: ويجوز أن يراد بتقديم الأمر بالمعروف على الإيمان: الاهتمام، وأن سوق الكلام لأجله، وذكر الإيمان كالتتميم، ويجوز أن يجعل من باب قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: 87] تنبيهاً على أن جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين أظهر شيء مما اشتمل عليه الإيمان بالله، لأنه من وظيفة الأنبياء.

لأنّ من آمن ببعض ما يجب الإيمان به من رسول لله أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك لم يعتد بإيمانه، فكأنه غير مؤمن باللَّه (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا، أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) [النسا: 150 - 151] والدليل عليه قوله تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ) مع إيمانهم باللَّه (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) لكان الإيمان خيراً لهم مما هم عليه؛ لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرياسة واستتباع العوام، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله، مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين. (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) كعبد اللَّه بن سلام وأصحابه (وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ) المتمرّدون في الكفر. (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً): إلا ضرراً مقتصراً على أذى، بقول من طعن في الدين، أو تهديد أو نحو ذلك (وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ) منهزمين ولا يضروكم بقتل أو أسر. (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ): ثم لا يكون لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لكان لهم من الرياسة) "لهم": خبر "كان"، والاسم: "ما هو خير"، و"مما آثروا": متعلق بخير، و"من الرياسة والأتباع": بيان ما آثروا، والمعنى: بما هو خير الإيمان أي: لكان الإيمان خيراً لهم مما هم عليه، كما قدره أولاً. قوله: (بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين)، لعل المراد به قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) [الحديد: 28] أي: الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ): نصيبين (مِنْ رَحْمَتِهِ)، أي: أجرين، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد" الحديث، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

وفيه تثبيت لمن أسلم منهم؛ لأنهم كانوا يؤذنونهم بالتلهي بهم، وتوبيخهم وتضليلهم، وتهديدهم بأنهم لا يقدرون أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى ضرر يبالى به مع أنه وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم وأنّ عاقبة أمرهم الخذلان والذل. فإن قلت: هلا جزم المعطوف في قوله: (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)! قلت: عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء، كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت: فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى؟ قلت: لو جزم لكان نفى النصر مقيداً بمقاتلتهم، كتولية الأدبار، وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا، كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها، وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوّة، لا ينهضون بعدها بجناح، ولا يستقيم لهم أمر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتوبيخهم وتضليلهم) في نسخة المعزي: "وتوبيخهم"، بالرفع: عطف على: "وفيه تثبيت"، وفي نسخة الصمصام بالجر: عطف على "التلهي"، والضمير في "توبيخهم وتضليلهم وتهديدهم" عائد إلى "من أسلم"، والباء في "بأنهم" متعلق بقوله: "تثبيت"، وعلى تقدير الرفع: الضمير في الثلاثة للكفار، والباء متعلق بقوله: "تهديدهم"، والجر ليس بالوجه، لأنه لا معنى لتعلق "بأنهم" بتهديدهم، إلا أن يقال: إنه متعلق بتثبيت أيضاً، والتضليل: هو النسبة إلى الضلال، والحاصل: أن الآية الأولى سيقت لبيان أن أهل الكتاب فرقتان، منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون، وجيء بقوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) الآية؛ مستطرداً لذكرهم، يعني: أن شأن أهل الكتاب مع المؤمنين قاطبة محاولة الإضرار التي لا طائل تحتها في المآل، وقصد المقاتلة التي الدبرة فيها عليهم. وأدمج فيه إما تثبيت من أسلم منهم وحده إذا روي "توبيخهم" بالجر، وإما توبيخ من تمرد في الفسق مع تثبيت من أسلم إذا روي بالرفع، والإشارة إلى الإدماج بقوله: "فيه".

وكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر. فإن قلت: فما الذي عطف عليه هذا الخبر؟ قلت: جملة الشرط والجزاء، كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت: فما معنى التراخي في (ثمَّ)؟ قلت: التراخي في المرتبة؛ لأنّ الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار. فإن قلت: ما موقع الجملتين، أعني (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ) و (لَنْ يَضُرُّوكُمْ)؟ قلت: هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل: وعلى ذكر فلان؛ فإنّ من شأنه كيت وكيت، ولذلك جاء من غير عاطف. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليهم الأدبار)، الانتصاف: هذا من الترقي: وعدهم بتولية عدوهم الأدبار عند المقاتلة، ثم ترقى فوعد أنهم لا ينصرون مطلقاً، وزيد في الترقي بدخول "ثم" بتراخي الرتبة، كأنه قال: ثم ها هنا ما هو أعلى في الامتنان أنهم لا ينصرون البتة. قوله: (وعلى ذكر فلان): حال، أي: والحال أن القائل مشتمل كلامه على ذكر شخص، كما إذا كان عمرو في حكاية زيد بأنه يصلح له أن يفعل كذا، ثم سنح له كلام آخر لزيد، فقال: فإن من شأنه كيت وكيت، وكذا أنه عز شأنه أورد ذكر أهل الكتاب وأنهم إن آمنوا كان خيراً لهم، وأن منهم المؤمنين وأكثرهم متمردون، استطرد حكاية حالهم مع المسلمين وطعنهم في دينهم ومقاتلتهم معهم، وذلك لما رأى من التفات خاطر المسلمين. أما بيان النظم فهو أن قوله: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ) وما يتصل به، إلى قوله: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) عطف على جملة أحوال المؤمنين من قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) على سبيل التقابل، ألا ترى كيف وصف بعضهم الذين امتازوا منهم وانخرطوا في زمرة المؤمنين بقوله: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ) بما وصف المؤمنين من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله واليوم الآخر؟ فإذا المراد بالإيمان بالله: الإيمان المعتبر عند المؤمنين، لا إيمانهم، لأنهم لا يؤمنون بالله حق الإيمان ولا باليوم الآخر كما سبق في أول البقرة، والمراد بالخير في قوله: خيراً لهم مما هم: ما هو عليه المسلمون، وبالشر: ما هو عليه اليهود، لأن (خَيْراً) يقتضي المفضل والمفضل عليه، ولهذا قال: لكان الإيمان خيراً لهم مما هم عليه، وما هو عليه المؤمنون: هو تعاطي مكارم الأخلاق، والعزة والنصرة والفتح في البلاد، وحسن الأحدوثة في الدنيا، والزلفى عند الله في العقبى، وما عليه اليهود: مزاولة رذائل الأخلاق من المكر والخديعة والدهاء، وضرب الذلة والمسكنة عليهم في الدنيا، واستحقاق غضب الله ونكاله في العقبى، فقوله: (مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ) تفصيل لأصنافهم، وقوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) إلى قوله: (وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)، وقوله: (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ) الآية، تفصيل لأحوال الطائفتين منهم، وإنما أعاد ذكر الطائفة المؤمنة منهم بقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) ثم رتب عليه بيان أحوالهم لطول الكلام، وخص من أحوال الفسقة ما اختص بالمؤمنين من قوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) لأن الخطاب مع المؤمنين، فذكر من دغلهم وخبثهم ما أرادوا بالمؤمنين من الأذى على سبيل الاستئناف، لأن "لن" في النفي، واستعماله في جواب منكر نظيرة "إن" في الإثبات، فظهر أن قوله: (تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) كلمة جامعة حائزة لجميع أنواع الخيرات دنيا وعقبى، ولذلك علل خيرية هذه الأمة بها على سائر الأمم وفاقت عليها بها. وفيه: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعلى مناصب من له العزة والسلطان من الأنبياء والمرسلين والخلفاء الراشدين، لا من ضربت عليهم الذلة والمسكنة، والله أعلم.

(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) 112]. (بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ) في محل النصب على الحال، بتقدير: إلا معتصمين، أو متمسكين، أو ملتبسين بحبل من اللَّه وهو استثناء من أعم عام الأحوال. والمعنى: ضربت عليهم الذلة في عامّة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل اللَّه وحبل الناس، يعنى ذمّة اللَّه وذمّة المسلمين، أي لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمّة لما قبلوه من الجزية ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو استثناء من أعم عام الأحوال)، وعزي إلى المصنف أنه قال: الاستثناء من أعم العام نحو قولك: ما رأيت إلا زيداً، والمراد بأعم العام: ما لا أعم منه، وهو الشيء، كأنك قلت: ما رأيت شيئاً إلا زيداً، فهذا الاستثناء يقع في جميع مقتضيات الفعل، أعني: فاعله ومفاعيله وما شبه بها، فقولك: "إلا زيداً" مستثنى من أعم عام المفعول به، وكذلك: ما لقيته إلا راكباً: استثناء من أعم عام أحواله، وما ضربته إلا تأديباً، مستثنى من أعم عام أعراضه، والإضافة في قوله: "من أعم عام الأحوال" مثل إضافة "حب زمانه" إلى من لا زمان له، وإنما له المضاف الذي هو الحب لا غير، كما تقول: "ابن قيس الرقيات" بإضافة "قيس" إلى "الرقيات"، في أن الغرض إضافة "الابن" إلى "الرقيات"؛ لأن قيساً ما شبب بالرقيات، وإنما المشبب بهن ابنه، ولا طريق إلى ذلك إلا بذكر المضاف والمضاف إليه جميعاً. قوله: (يعني ذمة الله وذمة المسلمين)، الراغب: إنما أعاد ذكر الحبل وفصل ولم يقل: بحبلين؛ لأن الكافر يحتاج إلى حبلين، أي: عهدين: عهد من الله، وهو أن يكون من أهل الكتاب، وإلا لم يكن مقراً على دينه بالذمة، ثم يحتاج إلى حبل من الناس، أي: أمان وعهد يبذلونه، والناس ها هنا خاص بالمسلمين.

(وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) استوجبوه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ): استوجبوه)، الراغب: أصل البواء: مساواة الأجزاء في المكان، خلاف النبو الذي هو: منافاة الأجزاء، يقال: مكان بواء: إذا لم يكن نابياً بنازله، وبوأت له مكاناً: سويته، وبوأت الرمح: هيأت له مكاناً ثم قصدت الطعن به، وقال صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". ويستعمل البواء في مراعاة التكافؤ في المصاهرة والقصاص، فيقال: فلان بواء فلان: إذا ساواه، وقوله تعالى: (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ) [الأنفال: 16] أي: حل مبوأ، أو معه غضب الله، أي: عقوبته. وقوله: (بِغَضَبٍ): في محل الحال، نحو: خرج بسيفه. واستعمال "باء" تنبيه أن مكانه الموافق يلزمه فيه غضب الله، فكيف غيره من الأمكنة! ونظيره: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران: 21]، وقوله تعالى: (أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) [المائدة: 29] أي: تقيم بهذه الحالة، قال الشاعر: أنكرت باطلها وبؤت بحقها وقول من قال: "أقررت بحقها" فليس تفسيره بحسب مقتضى اللفظ. والباءة: كناية عن الجماع. وحكي عن خلف الأحمر أنه قال في قولهم: حياك الله وبياك، أصله: بوأك منزلاً، فغير لازدواج الكلام كما غير جمع الغداة في قولهم: آتيه بالغدايا والعشايا.

(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) كما يضرب البيت على أهله، فهم ساكنون في المسكنة غير ظاعنين عنها، وهم اليهود عليهم لعنة اللَّه وغضبه. (ذلِكَ) إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبواء بغضب اللَّه، أي: ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات اللَّه وقتلهم الأنبياء. ثم قال: (ذلِكَ بِما عَصَوْا) أي: ذلك كائن بسبب عصيانهم للَّه واعتدائهم لحدوده؛ ليعلم أنّ الكفر وحده ليس بسبب في استحقاق سخط اللَّه، وأنّ سخط اللَّه يستحق بركوب المعاصي كما يستحق بالكفر. ونحوه (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح: 25]، (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) [النساء: 161]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما يضرب البيت على أهله) أي: شبهت المسكنة بالقبة تشبيهاً بليغاً، ثم أخلت المسكنة في جنسها، ثم خيلت أنها هي، ثم جعلت تلك القبة المتخيلة مضروبة عليهم كما تضرب الخيمة على أهلها، فهم ساكنون فيها، ففي الكلام استعارة مكنية، ويدل عليه قوله: "كما يضرب البيت على أهله"، لأن الاستعارة مسبوقة بالتشبيه، وقد سبق تمام تقريره في البقرة، وليس بكناية كما ذهب إليه وهم أكثر الناس، وأنه من باب قوله: إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج قوله: (ليعلم أن الكفر) إلى قوله: (وأن سخط الله يستحق بركوب المعاصي) قلت: دلالة الآية أن ضرب الذلة والمسكنة والبواء بغضب الله سببهما الكفر بآيات الله، وسبب ذلك اعتداؤهم وعصيانهم، وليس فيه أن سخط الله بمجرد ركوب المعاصي. نعم، إنها تؤدي إلى ذلك في بعض الأحوال، قال القاضي: الإصرار على الصغائر يفضي إلى الكبائر، والاستمرار عليها يؤدي إلى الكفر.

(لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) [113 - 116] الضمير في (لَيْسُوا سواء) لأهل الكتاب، أي: ليس أهل الكتاب مستوين. وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ) كلام مستأنف لبيان قوله: (لَيْسُوا سَواءً) كما وقع قوله: (تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) [آل عمران: 110] بياناً لقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ)، (أمّة قائمة): مستقيمة عادلة، من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام، وهم الذين أسلموا منهم. وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: أما قوله: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا) [نوح: 25] فمن باب التعريض، وكذا قوله: (وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) [النساء: 161]؛ لأنها نازلة في اليهود تخويفاً للمسلمين لئلا يتصفوا بصفة الكفرة واليهود ومنعاً لهم بارتكابها، وهذه الآية ها هنا محمولة على أحد الوجهين المذكورين في البقرة، وهو أن لفظة (ذَلِكَ) غير مكررة، وإذا جعل مكرراً كما سبق في البقرة، كان التقدير: ذلك الضرب بسبب عصيانهم وتعديهم حدود الله مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء. قوله: (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) مستقيمة) قال الزجاج: حقيقة معنى (قَائِمَةٌ): مستقيمة، ذكرها الأخفش، أي: ذو أمة قائمة، والأمة: الطريقة، من أممت الشيء: إذا قصدته. المعنى: لا يستوي الذين قتلوا الأنبياء بغير حق والذين يتلون آيات اللهم وهم ذوو طريقة مستقيمة.

لأنه أبين لما يفعلون، وأدل على حسن صورة أمرهم. وقيل عنى صلاة العشاء؛ لأن أهل الكتاب لا يصلونها. وعن ابن مسعود رضي اللَّه عنه: أخر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: "أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر اللَّه في هذه الساعة غيركم"، وقرأ هذه الآية. وقوله (يَتْلُونَ) و (يُؤْمِنُونَ) في محل الرفع: صفتان ل (أمّة)، أي: أمّة قائمة تالون مؤمنون، وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات اللَّه بالليل ساجدين، ومن الإيمان باللَّه؛ لأن إيمانهم به كلا إيمان؛ لإشراكهم به عزيراً، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض. ومن الإيمان باليوم الآخر؛ لأنهم يصفونه بخلاف صفته، ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ لأنهم كانوا مداهنين. ومن المسارعة في الخيرات؛ ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأنه أبين) أي: المذكور من التلاوة مع السجود وتخصيص الوقت على سبيل الكناية الإيمائية، والتعبير به عن التهجد أبين مما لو قال: أمة يتهجدون، لما في ذكرهما وذكر الليل تصوير تلك الحالة في أحسن صورة، فكأنه دعوى الشيء بالبرهان. قوله: (وعن ابن مسعود) الحديث. أخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده"، وقريب منه عن البخاري. قوله: (من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين) هذا التقدير يؤذن بأن قوله تعالى: (وَهُمْ يَسْجُدُونَ): حال من الضمير في (يَتْلُونَ)، وقوله فيما سبق: "بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود"، مشعر بالعطف، ولعل الذي عليه التعويل، لتكثير التصوير وتصحيح المعنى: العطف. قوله: (كلا إيمان) وهو كما سبق في أول الكتاب، وإلا كان فعلاً كلا فعل، قيل: "لا" ليست بنافية للجنس؛ لأنها لو كانت للجنس لما تم الكلام بهذا القدر.

لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها ـ والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيهـ لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به، وآثر الفور على التراخي. (وَأُولئِكَ) الموصوفون بما وصفوا به (مِنَ) جملة (الصَّالِحِينَ): الذين صلحت أحوالهم عند اللَّه، ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم. ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين. (فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) لما جاء وصف اللَّه عز وعلا بالشكر في قوله: (وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) [التغابن: 17] في معنى توفيه الثواب ـ نفي عنه نقيض ذلك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم)، وهو من قوله تعالى: (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ) [الأحقاف: 15]، اعلم أن الصلاح هو: وجود الشيء على حال استقامته وكونه منتفعاً به، وإنما فسر (الصَّالِحِينَ) ها هنا بهذه المعاني لأنه موجب للصفات المذكورة من قبل، والإيذان بالإيجاب توسيط أولئك؛ لأنه أعلم أن ما بعده جدير بمن قبله لاكتسابه ما يوجبه، فالتعريف في (الصَّالِحِينَ) للجنس، أي: الكاملين فيه، وعلى الوجه الآتي: للعهد. قوله: ((فَلَنْ يُكْفَرُوهُ)) قال المصنف: (فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) تعريض بكفرانهم نعمته، وأنه تعالى لا يفعل مثل فعلهم، وجيء به على لفظ المبني للمفعول لأمرين: لتنزيهه عن إسناد الكفران إليه، كقوله تعالى: (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً) [الجن: 10]، وليأتي به على لفظ الكبرياء والعظمة، نحو: (قِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ) [هود: 44]. قوله: (نقيض ذلك) يعني: لا يجوز أن يضاف إلى الله تعالى الكفران؛ لأنه ليس لأحد عليه نعمة حتى يكفره، لكن لما وصف سبحانه وتعالى بالشكور في تلك الآية، والشكور: مجاز عن توفية الثواب، نفى عنه سبحانه وتعالى على سبيل المشاكلة الكفران الذي هو مجاز عن تنقيص الثواب.

فإن قلت: لم عدي إلى مفعولين و"شكر" و"كفر" لا يتعديان إلا إلى واحد، تقول شكر النعمة وكفرها؟ قلت: ضمن معنى الحرمان، فكأنه قيل: فلن تحرموه بمعنى: فلن تحرموا جزاءه. وقرئ (يفعلوا)، و (يكفروه)، بالياء والتاء (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) بشارة للمتقين بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى. (مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [117] الصرُّ: الريح الباردة، نحو: الصرصر، قال: لَا تَعْدِلَنَّ أَتَاوِيِّينَ تَضْرِبُهُمْ نَكْبَاءَ صِرً بِأصْحَابِ الْمَحَلَّات ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ (يَفْعَلُوا) و (يُكْفَرُوهُ) بالياء والتاء)، بالياء التحتانية: حمزة والكسائي وحفص، والباقون بالتاء. قوله: (بشارة للمتقين .. ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى) يعني: في إيراد العلم بعد الأعمال المذكورة بشارة؛ لأن الله تعالى إذا علم منهم أحوالهم ومجاهدتهم فيما لا يضيع أجرهم فيوفيهم بأحسن ما عملوا، وفي وضع (الْمُتَّقِينَ) موضع المضمر إشعار بالعلية وإيذان بأنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى. قوله: (لا تعدلين أتأويين) البيت: لا تعدلن: لا تسوين، والأتاوي: الغريب البعيد الدار، والنكباء: الريح الشديدة، والصر: الريح الباردة، والمحلات: الماعون مثل: الفأس والقدر والدلو وغيرها، يقول: لا تسوين الغرباء الفقراء الذين لا منزل لهم ولا ديار تكنهم من البرد والرياح بأصحاب الديار والمنازل والأثاث، روى الجوهري: "لا يعدلن" بالياء، على ما لم يسم فاعله، و"الأتاويون" بالرفع.

كما قالت ليلى الأخيلية ترثي توبة: وَلَمْ يَغْلِبِ الْخَصْمَ الألَدَّ وَيَمْلَأ الْ جِفَانَ سَدِيفاً يَوْمَ نَكْبَاءَ صَرْصَرِ فإن قلت: فما معنى قوله: (كمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ)؟ قلت: فيه أوجه: أحدهما: أنّ الصرٌّ في صفة الريح بمعنى الباردة، فوصف بها القرّة بمعنى: فيها قرة صرّ، كما تقول: برد بارد على المبالغة. والثاني: أن يكون الصر مصدراً في الأصل، بمعنى البرد فجيء به على أصله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولم يغلب الخصم) البيت، ترثي ليلى صاحبها توبة بن الحمير، وقيل: الصواب: "يغلب" و"يملأ" بالياء؛ لأن ما قبله: كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... بنجد، ولم يطلع على المتغور وأجيب أن الالتفات أبلغ. لم ينخ، من: أناخ البعير، والألد: الشديد الخصومة، والجفنة: القصعة، والجمع جفنات وجفان، والسديف: قطع السنام، تعدد مناقبه في الندبة. قوله: (فما معنى قوله: (كَمَثَلِ رِيحٍ)) يعني: إذا كان الصر بمعنى الريح الباردة فكيف معنى قوله: (فِيهَا صِرٌّ)، إذ يصير المعنى: ريح فيها ريح باردة؟ قوله: (فوصف بها القرة) أي: هي صفة موصوف محذوف وصف بها للمبالغة، وهو من الإسناد المجازي، كقولهم: جد جده. قوله: (قرة)، النهاية: القر: البرد، ويوم قر، بالفتح، أي: بارد. قوله: (على أصله) أي: الصر في الأصل: مصدر بمعنى البرد مطلقاً، ثم سمي به الريح الباردة، فلمح هنا الأصل.

والثالث: أن يكون من قوله تعالى (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21]، ومن قولك: إن ضيعني فلان ففي اللَّه كاف وكافل. قال: وَفِى الرَّحْمنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافِي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21]) أي: أنه من باب التجريد، انتزع من الريح الباردة شيء يسمى صراً، والصر هو الريح نفسه. قوله: (وفي الرحمن للضعفاء كافي)، أوله: لقد زاد الحياة إلي حباً ... بناتي أنهن من الضعاف مخافة أن يذقن السم بعدي ... وأن يشربن رنقاً بعد صافي وأن يعرين إن كسي الجواري ... فتنبو العين عن كرم عجاف ولولاهن قد سومت مهري ... وفي الرحمن للضعفاء كاف قائله رجل من بني تيم اللات بن ثعلبة، ندب للخروج مع أبي بلال بن مرداس، فمنعته الشفقة على بناته، أي: إن حبي الحياة وتخلفي عن الغزو لهؤلاء البنات لأني إن قتلت لم يبق من يكسب لهن، فعرين وجعن، ونبت عين من يتزوجهن عنهن، ولولاهن سومت مهري للغزو، أي: جعلت عليه علامة، والرنق: كدر الماء، من كرم عجاف، يقال: رجل كرم، وقوم كرم، ونسوة كرم. الانتصاف: هذا الوجه أحسن الوجوه؛ لأنك إذا قلت مثلاً: ففي عمرو بعد الله كاف،

شبه ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناسـ لا يبتغون به وجه اللَّهـ بالزرع الذي حسه البرد فذهب حطاما. وقيل: هو ما كانوا يتقربون به إلى اللَّه مع كفرهم. وقيل: ما أنفقوا في عداوة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فضاع عنهم؛ لأنهم لم يبلغوا بإنفاقه ما أنفقوه لأجله. وشبه بحرث قوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فكان نكرة مجردة من القيود المشخصة المخصصة، ثم جعلت عمراً المعين محلاً له، وشخصت المطلق المجرد بهذا المعين، وهي طريقة صحيحة، إذ المطلق بعض المقيد. قوله: (الذي حسه) أي: استأصله، النهاية: في الحديث: "حسوهم" أي: استأصلوهم قتلاً، وحس البرد الكلأ: إذا أهلكه واستأصله. قوله: (وقيل: ما أنفقوا في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم). إنما قدر الوجوه لأن قوله: (مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ) فيه شيوع يحتمل المذكورات. قوله: (فضاع عنهم؛ لأنهم لم يبلغوا بإنفاقه ما أنفقوه لأجله). "ما أنفقوا": مفعول "لم يبلغوا"، وهو مترتب على الوجهين الأخيرين لا الأول لما كان يحصل لهم من حسن الثناء وجميل الذكر، والوجه هو الأول، وهو أن يكون في المكارم والمفاخر؛ لأن قوله: (فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تعريض بأن النفقة لم تكن لوجه الله وطلب مرضاته، أي: جعلوا مكان النفقة وظرفها هذه الهناة الحقيرة التي تشاهد، وأبوا أن تكون في مرضاة الله فتكون كحبة (أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ)، ولذلك خاب سعيهم وبطل عملهم (فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً). قوله: (وشبه بحرث قوم): عطف على قوله: "شبه ما كانوا ينفقون" على طريقة التتميم وإعادة اللفظ لإناطة معنى آخر، يعني: ما اكتفى بتشبيه النفقة بالزرع الذي ذهب حطاماً،

فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم؛ لأنّ الإهلاك عن سخط أشدّ وأبلغ [فإن قلت: فلم قال: ظلموا أنفسهم، ولم يقتصر بقوله: أصابت الحرث أو أصابت حرث قوم؟ قلت: لأن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب على الكلية حتى لا يبقى منه شيء، وحرث الكافرين هو الذي يذهب على الكلية لا منفعة لهم فيه، لا في الدنيا ولا في الأخرة، فأما حرث المسلم فلا يذهب على الكلية؛ لأنه وإن كان يذهب صورة إلا أنه لا يذهب معنى؛ لما فيه من حصول الأعواض لهم في الآخرة، والثواب بالصبر على الذهاب]، فإن قلت: الغرض تشبيه ما أنفقوا في قلة جدواه وضياعه بالحرث الذي ضربته الصر، والكلام غير مطابق للغرض؛ حيث جعل ما ينفقون ممثلا بالريح. قلت: هو من التشبيه المركب الذي مر في تفسير قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) [البقرة: 17]، ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بل خص الزرع بأن يكون لقوم ظالمين، ليكون أبلغ في القصد، لأن الإهلاك إذا كان عن سخط كان أشد وأبلغ، ثم إذا أخذ مع التشبيه معنى: (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ليكون تتميماً آخر للمشبه به، على أن يكون (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ) معطوفاً على مقدر هو استئناف كلام، المعنى: بلغ هلاك أهل الحرث واستئصالهم إلى حد إذا شهد الناظر إلى أحوالهم يقول مترفقاً: هؤلاء المرحومون حملوا ما لا يد لهم عليه، فقد ظلموا، فيجاب: بأنه ما حملهم الله ما لا طاقة لهم عليه وما ظلمهم ولكن أنفسهم يظلمون، يبلغ بالتشبيه إلى حد يناطح السماك في المبالغة لما علم في موضعه أن التشبيه كلما كان أكثر تفصيلاً كان أدخل في القبول وأبلغ في الاعتبار، وأما إذا جعل تتميماً للمشبه فلم يكن كذلك، وإلى الوجهين الإشارة بقوله: (وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ) الضمير للمنفقين أو لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم. قوله: (الذي مر في تفسير قوله: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً) [البقرة: 17])، وهو أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد، وإنما شبهت قصتهم بقصته، فكذلك ها هنا: لم يشبه النفقة بالريح، وإنما شبهت حالة نفقتهم في قلة جدواها وضياعها بالحرث الذي ضربته الصر وأهلكته.

ويجوز أن يراد: مثل إهلاك ما ينفقون مثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح، وهو الحرث. وقرئ: (تنفقون)، بالتاء. (وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ): الضمير للمنفقين على معنى: وما ظلمهم اللَّه بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يراد) أي: يكون من التشبيه المركب العقلي الذي يؤخذ فيه الزبدة والخلاصة من المجموع، وهو المراد بقوله: "مثل إهلاك ما ينفقون" إلى آخره، والوجه: قلة الجدوى والضياع، ويجوز أيضاً أن يكون من التشبيه المفرق الذي يتكلف لكل واحدٍ واحدٍ من المشبه به شيء يقدر شبهه في المشبه، فشبه إهلاك الله بإهلاك الربح، وما ينفقون بالحرث، وما في غضب الله من جعل أعمال المرائين هباء منثوراً كما في الريح الباردة من حس الزرع وجعله حطاماً، وعليه الوجه الأخير. الانتصاف: وفي لفظ السؤال سوء أدب، وهو أن الكلام غير مطابق للغرض، والواجب أن يقال: ما وجه مطابقته؟ ولو أورد هذا اللفظ على إمام معتبر بحضرته لتلطف في إيراده، مع أنه قد يكون ذلك الاعتراض محققاً لا جواب عنه، فلم لا يتأدب مع عالم السر وأخفى في كلامه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! ثم يرد عليه جوابه الثاني بأن السؤال باق على تقدير إهلاك ما ينفقون، إذ لا يشبه المصدر بالاسم الذي هو الربح المهلكة، وتقديرهـ والله أعلمـ: مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم أصابتهم ريح فيها صر فأهلكته، لكن خولف ذلك لفائدة جليلة، وهو تقديم الأهم وهي الريح التي هي مثل العذاب، تهديداً واعتماداً على الأفهام الصحيحة. وقلت: أما مؤاخذته عليه في اللفظ المؤذن بسوء الأدب فليس بذاك؛ لأن مراده من سؤاله أن كلام الله غير مطابق للغرض الذي ذكرته، وهو قولك: "شبه ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم بزرع حسه البرد"، فالإنكار متوجه إلى نفسه، وأما قوله: إذ لا يشبه المصدر

حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم، أي: وما ظلمهم اللَّه بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. وقرئ (ولكن) بالتشديد، بمعنى ولكنّ أنفسهم يظلمونها هم. ولا يجوز أن يراد: ولكن أنفسهم يظلمون، على إسقاط ضمير الشأن، لأنه إنما يجوز في الشعر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالاسم الذي هو الريح، فخطأ، فإنه قدر المضاف في الطرفين، والمعنى: بإهلاك الله ما ينفقونه، وأما الذي استنبط من الوجه فمنحول من قول المصنف: "شبه ما كانوا ينفقون بالزرع الذي حسه البرد"، والسؤال وارد على تصحيح ذلك المعنى. قوله: (ولكن أنفسهم يظلمونها هم)، فإن قلت: هل في زيادة "هم" فائدة؟ قلت: نعم، ففي المشهورة تقديم المفعول يؤذن بالاختصاص، وفي الشاذة: لما وقع المنصوب اسم "لكن" بطل التقديم وذهب معنى الاختصاص ولكن انقلب إلى تقوي الحكم، فأشار بهذه الزيادة إلى أن الظالمين هم لا غيرهم. قوله: (على إسقاط ضمير الشأن) أي: لا يجوز حذف ضمير الشأن في "لكن" وأخواتها إلا في الشعر، كقوله: إن من لام في بني بنت حسا ... ن ألمه وأعصه في الخطوب تقديره: إنه من لام، وقوله: ألمه: جزاء الشرط، وهو مع الشرط خبر "إن"، واسمها ضمير الشأن، وكقول المتنبي: وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَالُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) 118 ـ 119] بطانة الرجل ووليجته: خصيصه وصفيه الذي يفضى إليه بشقوره ثقة به، شبه ببطانة الثوب، كما يقال: فلان شعاري. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «الأنصار شعار، والناس دثار» (مِنْ دُونِكُمْ) من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون. ويجوز تعلقه بـ: (لا تتخذوا)، وب (بطانة) على الوصف، أي بطانة كائنة من دونكم مجاورة لكم (لا يَالُونَكُمْ خَبالًا) يقال: ألا في الأمر يألو، إذا قصر فيه، ثم استعمل معدّي إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحا، ولا آلوك جهدا، على التضمين، والمعنى: لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه. والخبال: الفساد (وَدُّوا ما عَنِتُّمْ): ودّوا عنتكم، على أنّ «ما» مصدرية. والعنت: شدّة الضرر والمشقة. وأصله انهياض العظم بعد جبره، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بشقوره) أي: بأموره وحاجاته. الجوهري: يقال: أخبرته بشقوري، كما يقال: أفضيت إليه بعجري وبجري. قوله: (الأنصار شعار، والناس دثار)، قاله صلى الله عليه وسلم حين فتح حنيناً، في حديث طويل أخرجه الشيخان عن عبد الله بن زيد بن عاصم. النهاية: الشعار: الثوب الذي يلي الجسد، لأنه يلي شعره، والدثار هو: الثوب الذي يكون فوق الشعار، أي: أنتم الخاصة والبطانة، والناس العامة والدثار. قوله: (انهياض العظم) أي: انكساره.

أي: تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشدّ الضرر وأبلغه (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ)؛ لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم وتحاملهم عليها أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين. وعن قتادة: قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لإطلاع بعضهم بعضا على ذلك. وفي قراءة عبد اللَّه (قد بدأ البغضاء). (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ) الدالة على وجوب الإخلاص في الدين، وموالاة أولياء اللَّه ومعاداة أعدائه (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) ما بين لكم، فعملتم به. فإن قلت: كيف موقع هذه الجمل؟ قلت يجوز أن يكون (لا يَالُونَكُمْ خَبَالًا) صفة للبطانة، وكذلك (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ) كأنه قيل: بطانة غير آليكم خبالا بادية بغضاؤهم. وأما (قَدْ بَيَّنَّا) فكلام مبتدأ، وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستأنفات كلها على وجه التعليل للنهى عن اتخاذهم بطانة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتحاملهم عليها)، الأساس: تحاملت الشيء: حملته على مشقة. قوله: (أن ينفلت من ألسنتهم) مفعول "لا يتمالكون"، أي: لا يتماسكون انفلات ما يعلم به بغضهم، يعني: أنهم ضابطون أنفسهم مما في صدورهم من الغيظ جداً لكن ينفلت أحياناً من ألسنتهم ما يعلم منه شيء مما انطوت عليه ضمائرهم. قوله: (أن يكون (لا يَالُونَكُمْ) صفة [للبطانة]، وكذلك (قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ). سأل عن مواقع الجمل وهي أربعة، وذكر في الجواب مواقع الثلاث وترك موقع قوله: (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ): إما لظهورها أنها صفة مثلها؛ لأنها توسطت بين الصفتين، أو أنها حال من الواو في (لا يَالُونَكُمْ)، و"قد" معها: مقدرة و"ما": مصدرية، أي: لا يألونكم خبالاً وادين عنتكم، وأما إيثار الماضي على المضارع هنا فكإيثاره في قوله تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) [الممتحنة: 2]. قوله: (مستأنفات كلها على وجه التعليل) قيل: يريد أن الكل جواب عن السؤال عن النهي، والأحسن أن يجري الكل مستأنفات على الترتيب، كأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة؟

"ها" للتنبيه. و"أَنْتُمْ" مبتدأ، و (أُولاءِ) خبره، أي: أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب. وقوله: (تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ) بيان لخطئهم في موالاتهم؛ حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء. وقيل (أُولاءِ) موصول، (تُحِبُّونَهُمْ) صلته ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فأجيب: لأنهم لا يقصرون في إفساد أمركم، فقيل: ولم يفعلون ذلك؟ فأجيب: لأنهم يبغضونكم، ولما كان كل من ذلك مترتباً على الآخر صح أن يقال: مستأنفات، على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة. قوله: (بيان لخطئهم) يعني: لما قال: (هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ) أي: أنتم هؤلاء المشاهدون، تحقيراً لشأنهم وازدراء بحالهم لما شوهد منهم ما يجب تخطئتهم به، بين ما به استحقوا هذا التحقير فقال: (تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ)، قال القاضي: (تُحِبُّونَهُمْ): خبر ثان أو خبر لـ (أُوْلاءِ)، والجملة خبر (أَنْتُم)، كقولك: أنت زيد تحبه، أو: حال والعامل فيها معنى الإشارة، وقال أبو البقاء في "البقرة": (هَؤُلاءِ): على تقدير حذف المضاف، أي: أنتم مثل هؤلاء، و (تَقْتُلُونَ): حال، ويعمل فيها معنى التشبيه. ويمكن أن يكون (وَتُؤْمِنُونَ): عطفاً على (تُحِبُّونَهُمْ) أي: أنتم هؤلاء الخاطئون في موالاتهم، لأنكم تحبونهم ولا يحبونكم، وتؤمنون بكتابهم ولا يؤمنون بكتابكم، فقد أخطأتم حيث واليتموهم في الدين والدنيا ولا يوالونكم فيهما. وأما تأليف النظم فهو أنه تعالى لما نهى المؤمنين أن يتخذوا المنافقين بطانة وعلله بما أسند إليهم من إرادة الخبال وودادة العنت وإظهار البغضاء وإخفاء الضغن والإحن، ثم قال: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) توبيخاً للمؤمنين وأنهم إن لم يرجعوا من ذلك ولم ينتبهوا من رقدة الغفلة، كانوا كمسلوبي العقول، عقب ذلك بقوله: (هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ) تنبيهاً لهم على الثبات على الغفلة بعد تلك البيانات الشافية، المعنى: ها أنتم بعدما تلونا

والواو في (وَتُؤْمِنُونَ) واو للحال، وانتصابها من "لا يحبونكم"، أي: لا يحبونكم، والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله، وهم مع ذلك يبغضونكم. فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم. وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم، ونحوه (فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَما تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ) [النساء: 104]، ويوصف المغتاظ والنادم بعضّ الأنامل والبنان والإبهام. قال الحارث بن ظالم المري: فَأقْتُلُ أقْوَاماً لِئَاماً أَذِلَّةً يَعُضُّونَ مِنْ غَيْظٍ رُؤُوسَ الْأبَاهِمِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عليكم ما تلونا هؤلاء المشاهدون ثابتين على غفلتكم وخطاياكم تحبونهم، ولا يحبونكم، مع أنكم تؤمنون بكتابهم كله ولا يؤمنون بشيء من كتابكم؛ ما غيرتم من أحوالكم شيئاً ولا أثر فيكم ذلك التحذير، ولا نجح فيكم ذلك الوعظ البليغ. قوله: (أي: لا يحبونكم، والحال أنكم تؤمنون بكتابهم) يريد أنها حال مقررة لجهة الإشكال، كقولهم: أتحسن إلى هؤلاء وإنهم يحاولون مضرتك؟ فعلى هذا يقدر "إنكم" ليصح إيقاع المضارع حالاً مع الواو، ويجوز أن لا يقدر، والجملة تكون معطوفة على "تحبون، "، أي: تجمعون بين المحبة والإيمان وكيت وكيت. قوله: (ونحوه: (فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ)) أي: مثله في تقييد الحكم بحال تختص بالمؤمنين، وتنتفي عن أعدائهم، يعني: قيد محبة المؤمنين بالإيمان بكتابهم كله وعدم إيمان أهل الكتاب بشيء من كتاب المؤمنين، وإليه الإشارة بقوله: "وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم"، كما قيد (تَالَمُونَ) برجاء المؤمنين ثواب الله وعدم رجاء الكافرين الثواب. قوله: (فأقتل أقواماً لئاماً) البيت، الأباهم: أصله الأباهيم، فحذفت الياء تخفيفاً، يقول: أقتل الأعداء اللئام الأذلة، الذين يعضون أناملهم من الغيظ.

(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ): دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به. والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم؛ من قوّة الإسلام، وعز أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي والتبار (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ): فهو يعلم ما في صدور المنافقين من الحنق والبغضاء، وما يكون منهم في حال خلوّ بعضهم ببعض، وهو كلام داخل في جملة المقول أو خارج منها. فإن قلت: فكيف معناه على الوجهين؟ قلت: إذا كان داخلا في جملة المقول فمعناه: أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظا إذا خلوا، وقل لهم: إنّ اللَّه عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم؛ وهو مضمرات الصدور، فلا تظنوا أنّ شيئا من أسراركم يخفى عليه. وإذا كان خارجا فمعناه: قل لهم ذلك ـيا محمدـ ولا تتعجب من إطلاعى إياك على ما يسرون فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك؛ وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من الحنق والبغضاء وما يكون منهم): بيان لما في الصدور، وذلك أن "ذات": عام، وإنما يتخصص بحسب ما أضيف إليها لاقتضاء المقام، وها هنا لما انطوت صدور المنافقين على الحنق والبغضاء خصصها بهما. قوله: (قل لهم ذلكـ يا محمدـ ولا تتعجب)، فإن قلت: كيف فسر في الوجه الأول: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) بقوله: "أخبرهم"، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) بقوله: "وقل لهم"، وفي هذا الوجه أتى بـ "قل" في موضعه؟ قلت: لأن الكلام على الأول وارد على توبيخ المنافقين، وأنه صلوات الله عليه مأمور بأن يواجههم ويكافحهم بقوله: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) ليعلموا أن الله تعالى أطلع نبيه صلوات الله عليه على ما كانوا عليه من أنهم إذا خلوا أظهروا الغيظ الكامن، ويخبرهم أيضاً بأن الله تعالى عليم بما هو أخفى مما يسرونه بينهم، فيجازيهم عليه مزيداً للتوبيخ وترقياً من الأدنى إلى الأغلظ، وعلى الثاني: الكلام جار على تعجيب النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: إني مطلعك على خبثهم وسوء دخيلتهم، فقل لهم: موتوا بغيظكم، ولا تتعجب من هذا فإني أعلم ما هو أخفى منه.

ويجوز أن لا يكون ثمَّ قول، وأن يكون قوله: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) [آل عمران: 119]، أمراً لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بطيب النفس، وقوة الرجاء، والاستبشار بوعد اللَّه أن يهلكوا غيظاً بإعزاز الإسلام، وإذلالهم به، كأنه قيل: حدث نفسك بذلك. (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) 120] الحسنة: الرخاء، والخصب، والنصرة، والغنيمة، ونحوها من المنافع. والسيئة: ما كان ضدّ ذلك. وهذا بيان لفرط معاداتهم؛ حيث يحسدونهم على ما نالهم من الخير، ويشمتون بهم فيما أصابهم من الشدّة. فإن قلت: كيف وصفت الحسنة بالمس والسيئة بالإصابة؟ قلت: المس مستعار لمعنى الإصابة؛ فكان المعنى واحداً، ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن لا يكون ثم قول): أي: لا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مأموراً بتبليغ هذا الأمر إليهم، بل يكون مأموراً بتطييب النفس بالاستبشار بوعد الله بالنصرة على سبيل الكناية، وهذا أبلغ مما إذا قيل ابتداء: حدث نفسك بطيب النفس وإرغام الأعداء؛ لأن هذا القول إنما يقال إذا حصل موجبه من النصرة وإعزاز الدين وإذلال الكفرة، ونحوه قوله تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [البقرة: 131] حيث قال: "ومعنى قال له: أسلم: أخطر بباله النظر في الدلائل المؤدية على المعرفة والإسلام، فقال: (أَسْلَمْتُ) أي: فنظر وعرف". قوله: (كيف وصفت الحسنة بالمس؟ ) هذا سؤال وارد على فقدان المطابقة بين القرينتين ظاهراً، يعني: من حق التقابل بين الفقرتين التوافق بين الكلمتين، فكيف خولف بينهما؟ وأجاب: أن الموافقة حاصلة من حيث المؤدى وأصل المعنى، بشهادة الآيات، ونقل في "الحواشي" عن المصنف أنه قال: وإنما جمع المس والإصابة لافتنان الكلام؛ لأنه أفصح وأحسن،

ألا ترى إلى قوله: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ) [التوبة: 50]، (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [النساء: 79]، (إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) [المعارج: 20 - 21]. (وَإِنْ تَصْبِرُوا) على عداوتهم (وَتَتَّقُوا) ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو: وإن تصبروا على تكاليف الدين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا على تقدير سؤال آخر، يعني: هب أن التوافق حاصل بين القرينتين في أصل المعنى، فما فائدة الاختلاف بينه وبين الآيات المستشهدة؟ وأجاب: أن الاختلاف للافتنان في الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب، ولو قال: لاقتضاء المقام والتنبيه على الخطأ العظيم للمخاطبين كما سبق في قوله: (هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) فإنه يقتضي عنفاً شديداً وتعييراً بليغاً، ولذلك استعير لجانب الحسنة المس، وذكر في السيئة الإصابة ليدل على الإفراط الشديد والتفريط البليغ، وليس كذلك في سائر الآيات، لكان أحسن، وإلى هذا المعنى أشار صاحب "الانتصاف" حيث قال: يمكن أن يقال: المس أقل تمكناً من الإصابة، وهو أقل درجاتها، أي: إن تصبك حسنة أدنى إصابة تسؤهم ويحسدوكم، وإن تتمكن منكم المصيبة وتنتهي الحد الذي يرثي عندها الشامت فهؤلاء لا يرثون ولا يرجعون عن حسدهم، بل يفرحون ويسرون. الإنصاف: هذا حسن لكن يحتاج الجواب عن الآية التي استشهد بها الزمخشري (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) [النساء: 79]، وهو ذكر جواباً عاماً. وقلت: الجواب ما ذكرناه من أن التخصيص بحسب المقام وإخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر، والذي ينصر قول صاحب "الانتصاف" مجيء الفرح بمعنى البطر مقابلاً للسوء، قال الجوهري: الفرح أيضاً: البطر، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص: 76]. قوله: (أو: وإن تصبروا على تكاليف الدين) وذلك أن الصبر على مكابدة أعداء الله

ومشاقه وتنقوا اللَّه في اجتنابكم محارمه؛ كنتم في كنف اللَّه؛ فلا يضركم كيدهم. وقرئ (لا يَضِركُمْ) من ضاره يضيره، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التجاء إلى كنف الله، فيورث النصرة، وكف ضررهم والصبر على مشاق التكاليف يورث الزلفى من جناب الله والأمان من عذابه الدنيا والآخرة. قوله: (كنتم في كنف الله فلا يضركم) فيه إشعار بأن قوله: (لا يَضُرُّكُمْ) ليس بجزاء تحقيقاً، بل الجزاء محذوف وهو مسبب عنه، الأساس: هم في أكناف الحجاز: في نواحيه، ومن المجاز: حرك الطائر كنفيه: جناحيه، وتقول: في حفظ الله وكنفه. قوله: (وقرئ: لا يَضِركُمْ) بكسر الضاد وتخفيف الراء: نافع وابن كثير وأبو عمرو، على أنه جواب الشرط، والباقون بالضم، والفتح شاذ، قال مكي: من شدد وضم الراء احتمل أن يكون مجزوماً على جواب الشرط، ولكنه لما احتاج إلى تحريك المشدد أتبعه ضمة ما قبله، وقيل: هو مرفوع على إضمار الفاء أو على نية التقديم قبل (وَإِنْ تَصْبِرُوا)، نحو: إنك إن يصرع أخوك تصرع فرفع "تصرع" على نية التقديم. والأول أحسنها، وقد حكي عن عاصم أنه قرأ بفتح الراء مشددة، وهو أحسن من الضم، ومن خفف جزم الراء جواباً وهو من: ضاره يضيره، وحكى الشافعي: يضوره، فيجب جواز ضد الضاد، وقال صاحب "الكشف" أبو إسحاق: جعله مجزوماً وبناه على الضم كما يبنى على الفتح نحو: لم يرد، فالضمة عنده بناء لا إعراب، وكأنه هو الوجه، وقال: وقياس سيبويه أن يكون على التقديم والتأخير.

و (يضركم) على أن ضمة الراء لإتباع ضمة الضاد، كقولك: مدّ يا هذا؛ وروي المفضل عن عاصم (لا يَضُرُّكُمْ) بفتح الراء، وهذا تعليم من اللَّه وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى. وقد قال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك (إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ) من الصبر والتقوى وغيرهما (مُحِيطٌ) ففاعل بكم ما أنتم أهله. وقرئ بالياء بمعنى أنه عالم بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه. (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون) 121 ـ 122] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد قال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك)، نظم الشافعي رضي الله عنه المعنى: إذا ما شئت إرغام الأعادي ... بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى ... على الأعداء من نوب الزمان وأما تنزيل هذا المعنى على الآية فهو أن قوله: (لا يَضُرُّكُمْ) وقع جزاء لصبرهم وتقواهم، ولا يستقيم ذلك المعنى على ظاهره، لكن مفهوم قوله: (لا يَضُرُّكُمْ) بعد ذكر الصبر والتقوى يؤذن أن القوم إنما حاولوا الإضرار بسبب الحسد لاشتمال المقام عليه، والحاسد إنما يتغيظ بما يتصور في المحسود من صفة الكمال، ولا كمال في الإنسان أكمل من الاكتساء بلباس الصبر والتزيي بزي التقوى، ولما علم أن غيظ الحاسد لا يؤثر إلا فيه وأن غائلة ضرره راجعة إليه قيل: (إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) أي: يرجع ضرره إليهم.

(وَ) اذكر (إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) بالمدينة؛ وهو غدوّه إلى أحد من حجرة عائشة رضي اللَّه عنها. روى: أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فاستشار النبي صلى اللَّه عليه وسلم أصحابه ودعا عبد اللَّه بن أبىّ ابن سلول ولم يدعه قط قبلها، فاستشاره، فقال عبد اللَّه وأكثر الأنصار: يا رسول اللَّه، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فو اللَّه ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين. وقال بعضهم: يا رسول اللَّه، اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب؛ لا يرون أنا قد جبنا عنهم. فقال صلى اللَّه عليه وسلم: "إني قد رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي، فأوّلتها خيراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم"، فقال رجال من المسلمين قد فاتتهم بدر وأكرمهم اللَّه بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا. فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لأمته؛ فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، نشير على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والوحي يأتيه، وقالوا: اصنع يا رسول الله. ما رأيت، فقال: "لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل"، فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة، .. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في ذباب سيفي) أي: طرفه الذي يضرب به، النهاية: وفي الحديث: "رأيت أن ذباب سيفي كسر، فأولته أنه يصاب رجل من أهلي، فقتل حمزة". قوله: (لأمته)، النهاية: اللأمة مهموزة: الدرع، وقيل: السلاح، ولأمة الحرب: أداته، وقد تترك الهمزة تخفيفاً.

وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال يمشى على رجليه، فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوّم بهم القدح؛ إن رأى صدراً خارجا قال: "تأخر"، وكان نزوله في عدوة الوادي وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وأمّر عبد اللَّه بن جبير على الرماة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأصبح بالشعب)، الجوهري: الشعب، بالكسر: الطريق في الجبل، وشعبت الشيء: فرقته، وشعبته: جمعته، وهو من الأضداد. الراغب: الشعب من الوادي: ما اجتمع منه طرف وتفرق طرف، فإذا نظرت من الجانب الذي يتفرق أخذت في وهمك واحداً يتفرق، وإذا نظرت إليه من جانب الاجتماع أخذت في وهمك اثنين اجتمعا، فلذلك قيل: شعبت الشيء إذا فرقته، وشعبته: إذا جمعته. قوله: (كأنما يقوم بهم القدح)، النهاية: هو السهم الذي كانوا يستقسمون به، أو الذي يرمى به عن القوس. أراد أن يقول: كأنما يقومهم بالقدح، أي: يسوي صفوفهم تسوية السهم، فقلب وقال: كأنما يقوم بهم القدح، كقوله: عرضت الناقة على الحوض، مبالغة في التقويم، ويجوز أن يكون تجريداً، أي: يسوي صفوفهم تسوية السهم. قوله: (في عدوة) العدوة: شط الوادي. قوله: (وأمر عبد الله بن بجير) على المصغر والباء مقدم على الجيم، ورواية البخاري

وقال لهم: «انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا» (تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ): تنزلهم. وقرأ عبد اللَّه للمؤمنين، بمعنى: تسوي لهم وتهيئ. (مَقاعِدَ لِلْقِتالِ): مواطن ومواقف، وقد اتسع في "قعد وقام" حتى أجريا مجرى "صار". واستعمل المقعد والمقام في معنى المكان. ومنه قوله تعالى: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) [القمر: 55]، (قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ) [النمل: 39]: من مجلسك وموضع حكمك. (وَاللَّهُ سَمِيعٌ) لأقوالكم (عليم) بنياتكم وضمائركم (إِذْ هَمَّتْ) بدل من (إِذْ غَدَوْتَ) أو عمل فيه معنى (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأبي داود عن البراء: عبد الله بن جبير، قال صاحب "الجامع": هو عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري، جبير: بضم الجيم والباء الموحدة. قوله: (وقال لهم: انضحوا عنا بالنبل) أي: ادفعوا، النهاية: أنه صلى الله عليه وسلم قال للرماة يوم أحد: "انضحوا عن الخيل، لا نؤتى من خلفنا"، أمرهم بالثبات، يقال: نضحوهم بالنبل: إذا رموهم. قوله: (عمل فيه معنى (سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) قيل: لم يقل: عمل سميع عليم؛ لأن الصفة المشبهة لا تكون في الأفعال المتعدية، ويلزم منه أن ينتصب مفعولاً به، كأنه قيل: والله يعلم إذ همت طائفتان، ويمكن أن يقال: إن قوله: (إِذْ هَمَّتْ) إذا أبدل من (وَإِذْ غَدَوْتَ) تبقى الصفتان على إطلاقهما فيحملان على الأصل، والذهاب إلى أنهما صفتان مشبهتان، وإذا جعل معمولاً لهما وجب أن يذهب إلى أنهما اسما الفاعل على المبالغة، وأما معنى قوله: "عمل فيه معنى (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) " فهو أن الأصل في العمل الفعل، وأنهما إن عملا لما فيهما من معناه، قال في قوله: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) [إبراهيم: 39]: "ذكر سيبويه فعيلاً في جملة أبنية المبالغة

والطائفتان: حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان. خرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في ألف، وقيل في تسعمائة وخمسين، والمشركون في ثلاثة آلاف ووعدهم الفتح إن صبروا، فانخزل عبد اللَّه بن أبيّ بثلث الناس وقال: يا قوم، علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ ! فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري فقال: أنشدكم اللَّه في نبيكم وأنفسكم، فقال عبد الله: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فهمّ الحيان باتباع عبد اللَّه، فعصمهم اللَّه فمضوا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وعن ابن عباس رضي اللَّه عنه: أضمروا أن يرجعوا، فعزم اللَّه لهم على الرشد فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس، وكما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ العاملة عمل الفعل، كقولك: هذا ضروب زيداً وضارب أخاه، ومنحار إبله، وحذر أموراً، ورحيم أباه". قوله: (أنشدكم الله)، الجوهري: نشدت فلاناً أنشده نشداً: إذا قلت له: نشدتك الله، أي: سألتك بالله، كأنك ذكرته إياه. قوله: (أضمروا أن يرجعوا) أي: عزموا وقصدوا، يدل عليه قوله: "والظاهر أنها ما كانت إلا همة"، أي: لم تكن عزماً ولا قصداً. قوله: (فعزم الله لهم على الرشد)، النهاية: في حديث أم سلمة: فعزم الله لي أي: خلق لي قوة وصبراً. قوله: (أنها ما كانت إلا همة)، أي: ما كانت تلك الخطرة إلا ما لا تخلو النفس عنه من حديث النفس.

كما قال عمرو بن الأطنابة: أَقُولُ لَهَا إذَا جَشَأتْ وَجَاشَتْ: مَكَانَكِ تُحْمَدِى أوْ تَسْتَرِيحِى حتى قال معاوية: عليكم بحفظ الشعر، فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين، فما ثبت منى إلا قول عمرو بن الأطنابة. ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية، واللَّه تعالى يقول (وَاللَّهُ وَلِيُّهُما) ويجوز أن يراد: واللَّه ناصرهما ومتولي أمرهما، فما لهما تفشلان ولا تتوكلان على اللَّه! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أقول لها: إذا جشأت) البيت، وقبله في رواية اليميني: أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذ الحمد بالثمن الربيح وإجشامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت ... البيت: أبت لي قبول الضيم والبلاء، من أبلى في الحرب: إذا أظهر بأسه وجلادته، والمشيح من: شاح الرجل: جد في الأمر، وجشأت، أي: تحركت، وجاشت القدر: إذا غلت، وكل شيء يغلي فهو يجيش، حتى الهموم والغصة في الصدر، مكانك: أي: الزمي مكانك حتى تغلبي فتحمدي، أو تقتلي فتستريحي من نصب الدنيا. الإطنابة، بكسر الهمزة وسكون الطاء المهملة والنون والباء الموحدة. يخاطب نفسه على التجريد. قوله: (ويجوز أن يراد: والله ناصرهما) عطف على قوله: "ما كانت إلا همة"، يعني: لا يجوز

فإن قلت: فما معنى ما روي من قول بعضهم عند نزول الآية: واللَّه ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبرنا اللَّه بأنه ولينا؟ قلت: معنى ذلك: فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء اللَّه وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك الهمة غير المأخوذ بها ـ لأنها لم تكن عن عزيمة وتصميم ـ كانت سببًا لنزولها. والفشل: الجبن والخور. وقرأ عبد اللَّه: واللَّه وليهم كقوله: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا). [الحجرات: 9] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أن تكون عزيمة بل تكون حديث نفس، لأن الله تعالى يقول: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) والله تعالى لا يكون ولي من عزم خذلان الرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعة عدوه عبد الله بن أبي بن سلول، ويجوز أن تكون عزيمة كما قال ابن عباس، ويكون قوله: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) جملة حالية مقررة للتوبيخ والاستبعاد، أي: لم وجد منهما الفشل والجبن وتلك العزيمة، والحال أن الله سبحانه وتعالى بجلالته وعظمته هو الناصر يدل على التوبيخ قوله: "فما لهما تفشلان"، وعلى الأول كانت جملة معطوفة على الجملة السابقة، أخبر الله تعالى أنه كان منهم الفشل ومن الله الولاية، وإليه الإشارة بقوله: "وقد أخبرنا الله بأنه ولينا". الراغب: الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية: النصرة، والولاية: تولي الأمر، وقيل: هما واحدة كالدلالة والدلالة، وحقيقته تولي الأمر، والولي والمولى يستعملان في ذلك، وكل واحد منهما يقال في معنى الفاعل، أي: الموالي، وفي معنى المفعول، أي: الموالى، ويقال للمؤمن: هو ولي الله، ولم يرد: مولاه، ويقال: الله ولي المؤمن ومولاه. قوله: (ما روي من قول بعضهم عند نزول الآية)، وهو جابر بن عبد الله، قال: فينا نزلت:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا)، أخرجه البخاري ومسلم. قوله: ما يسرني أنها لم تنزل، أي: ما يسرني عدم نزول الآية، والمفهوم: أن نزولها سره لما حصل لهم الشرف وثبتت الولاية، ودل ذلك على أنه سرتهم تلك الهمة، وأما رواية المصنف: "ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به" فمعناه: أن همتهم سرتهم لما نزل بسببها توقيع الولاية، وفي كلام المصنف إشعار بأن لك الهمة ما كانت عزيمة، وقول ابن عباس مرجوح. وقلت: وكلام ابن عباس رضي الله عنه مبني على التوبيخ كما مر، وينصره قوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ) فإنه يأبى إلا أن يكون تعريضاً وتغليظاً في هذا المقام، وكذا (فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) مشتمل على تشديد عظيم، يعني: فاتقوا الله في الثبات معه، ولا تضعفوا، فإن نعمته، وهي نعمة الإسلام، لا يقابل شكرها إلا ببذل المهج وبفداء النفس والنصرة له والشهادة في سبيله، فاثبتوا معه لعلكم تدركون شكر هذه النعمة، أو: فاتقوا الله في الثبات معه والنصرة له ليحصل لكم نعمة الظفر، فتشكرونها، فوضع الشكر موضع النعمة إيذاناً بكونها حاصلة، وإليه الإشارة بقوله: "فوضع الشكر موضع الإنعام"، وكل هذه التشديدات لا ترد على حديث النفس. وأما قول جابر: نحن بنو حارثة وبنو سلمة، وامتيازه إياهما عن الغير، فلا يستقيم إلا على العزيمة، وقوله: وما يسرني أنها لم تنزل، إنما يحسن إذا حملت على العزيمة، ليفيد المبالغة، فهو على أسلوب قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) [التوبة: 43].

(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ) 123 ـ 127] أمرهم بألا يتوكلوا إلا عليه، ولا يفوّضوا أمورهم إلا إليه، ثم ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل مما يسر لهم من الفتح يوم بدر وهم في حالة قلة وذلة. والأذلة: جمع قلة والذُّلان: جمع الكثرة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل): عطف على قوله: "أمرهم بأن لا يتوكلوا إلا عليه"، وفيه إشارة إلى بيان النظم، فإن قوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ) تذييل للكلام السابق وتعريض بما صدر عن بعضهم من الفشل والخور؛ لأن قوله: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) الآية تذكير للأصحاب قلة صبرهم ومخالفة أمر رسولهم وتركهم المركز، وهو متصل بقوله: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) بدليل قوله في قصة بدر: (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ) يعني: عليكم بالصبر والتقوى، واذكروا ما جرى عليكم يوم أحد حين عدمتم الصبر والتقوى، وما منحتم يوم بدر حين صبرتم واتقيتم الله من الظفر والنصرة، هذا هو المراد من قوله: "ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل". قوله: (والأذلة: جمع قلة)، قال الزجاج: الأذلة: جمع ذليل، والأصل في فعيل إذا كان صفة أن يجمع على فعلاء، نحو ظريف وظرفاء وشريك وشركاء، لكن فعلاء اجتنبت في التضعيف، فلو قيل: في جليل وقليل، جللاء وقللاء، لاجتمع حرفان من جنس واحد، فعدل به إلى أفعلة، نحو: جريب وأجربة، وقفيز وأقفزة.

وجاء بجمع القلة؛ ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلا. وذلتهم: ما كان بهم من ضعف الحال وقلة السلاح والمال والمركوب؛ وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوّهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس والشكة والشوكة. وبدر: اسم ماء بين مكة والمدينة، كان لرجل يسمى بدراً؛ فسمي به (فَاتَّقُوا اللَّهَ) في الثبات مع رسوله صلى الله عليه وسلم (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته. أو لعلكم ينعم اللَّه عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام؛ لأنه سبب له (إِذْ تَقُولُ) ظرف ل (نصركم)، على أن يقول لهم ذلك يوم بدر، أو بدل ثان من (إِذْ غَدَوْتَ) على أن يقوله لهم يوم أحد. فإن قلت. كيف يصح أن يقول لهم يوم أحد ولم تنزل فيه الملائكة؟ قلت: قاله لهم مع اشتراط الصبر والتقوى، فلم يصبروا عن الغنائم ولم يتقوا، حيث خالفوا أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والشكة)، الجوهري: الشكة، بالكسر: السلاح، يقال: رجل شاك السلاح وشاك في السلاح، والشاك السلاح، وهو اللابس التام. قوله: (كيف؟ ) السؤال وارد على أن يكون (إِذْ تَقُولُ) بدلاً، أي: كيف يقول لهم يوم أحد: ألن يكفيكم إمداد ربكم بثلاثة آلاف؟ وأجاب: أن الكلام وارد على الوعد ومقارن بالشرطية، كأنه قيل: ألن يكفيكم ثلاثة آلاف إن صبرتم كما في بدر، بلى يكفيكم الله، إن زدتم على الصبر التقوى يزدكم في الإمداد، نحوه قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) [البقرة: 112] أي: (بَلَى): رد لقولهم، ثم يقع (مَنْ أَسْلَمَ) كلاماً مبتدأ، ويكون (مَنْ) متضمناً معنى الشرط، وجوابه: (فَلَهُ أَجْرُهُ). قوله: (حيث خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال للرماة، وكانوا خمسين رجلاً: "إذا رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم"، فهزمهم الله، أي: المشركين، فقال الرماة: الغنيمة، ظهر أصحابكم، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين.

فلذلك لم تنزل الملائكة ولو تموا على ما شرط عليهم لنزلت؛ وإنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر اللَّه. ومعنى (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ): إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، وإنما جيء ب"لن" الذي هو لتأكيد النفي؛ للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوّهم وشوكته كالآيسين من النصر. و (بَلى): إيجاب لما بعد "لن"، بمعنى: بل يكفيكم الإمداد بهم، فأوجب الكفاية، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رواه البخاري وأحمد وأبو داود، عن البراء، تخطفنا الطير، أي: تسلبنا وتطير بناء، وهو مبالغة في الهلاك. قوله: (ولو تموا) يقال: تم على الأمر: استمر عليه. قوله: (ومعنى (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ): إنكار أن لا يكفيهم)، الكواشي: أدخل همزة الاستفهام على النفي توبيخاً لهم على اعتقادهم أنهم لا ينصرون بهذا العدد، فنقلته إلى إثبات الفعل على ما كان عليه مستقبلاً فقال: (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ). قوله: (كالآيسين من النصر)، وذلك أن "لن" فيها معنى رد إنكار منكر، قال: "تقول لصاحبك: لا أقيم غداً، فإن أنكر عليك، قلت: لن أقيم غداً"، نزلهم، لإياسهم من النصر، منزلة المنكرين.

ثم قال (إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) يمددكم بأكثر من ذلك العدد (مسوّمين) للقتال. (وَيَاتُوكُمْ) يعنى: المشركين (مِنْ فَوْرِهِمْ هذا): من قولك: قفل من غزوته، وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول أبي حنيفة رضي الله عنه: الأمر على الفور لا على التراخي. وهو مصدر من: فارت القدر، إذا غلت، فاستعير للسرعة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ثم قال: (إِنْ تَصْبِرُوا))، ويروى: (وإن تصبروا وتتقوا) بالواو، قيل: أتى بالعاطف مع أنه ليس في التنزيل ليؤذن بأنها مرادة، وإن لم تكن ملفوظة، إذ المعنى: بلى يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف، وإن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم بأكثر من ذلك. قلت: هذا غير مرضي، فإن التنزيل إن اقتضى العاطف فلا يجوز تركها، ولكن هذا ابتداء وعد واستئناف كلام آخر وارد على الشرط والجزاء مقيد بقيد الصبر والتقوى والزيادة في المدد وسرعة الظفر، والكلام السابق وارد على الرد على ما اعتقدوه وإنكار أن لا يكفيهم الإمداد بهذا العدد، فيكون كالتوطئة للوعد، ولهذا قال: "ثم قال: إن تصبروا" بـ "ثم" ليدل على أن بين الكلامين تراخياً من حيث المعنى، فإذاً لا مجال لتوسيط الواو. وقال القاضي: (بَلَى): إيجاب لما بعد "لن"، أي: بلى يكفيكم، ثم وعد لهم الزيادة على الصبر والتقوى حثاً عليهما وتقوية لقلوبهم. تم كلامه. وإذا لم يكن الكلام الأول كالتوطئة لم يصح قوله: "قاله لهم مع اشتراط الصبر والتقوى عليهم، فلم يصبروا عن الغنائم"، وعلى ما قال الزاعم: المعنى: إن لم تصبروا يمددكم بثلاثة آلاف، وإن صبرتم واتقيتم يمددكم بخمسة آلاف. قوله: (قفل) أي: رجع، "ولا تعريج": ولا إقامة، "لا ريث": لا بطء. قوله: (فاستعير للسرعة)، الراغب: الفور: شدة الغليان، ويقال ذلك في النار نفسها

ثم سميت به الحالة التي لا ريث فيها ولا تعريج على شيء من صاحبها فقيل: خرج من فوره، كما تقول: خرج من ساعته، لم يلبث، والمعنى: أنهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم، يريد: أنّ اللَّه يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم. وقرئ (منزلين) بالتشديد. ومنزلين بكسر الزاي، بمعنى: منزلين النصر؛ و (مُسَوِّمِينَ) بفتح الواو وكسرها، بمعنى: معلمين. ومعلمين أنفسهم أو خيلهم. قال الكلبي: معلمين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا هاجت، وفي القدر والغضب، قال تعالى: (وَهِيَ تَفُورُ* تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ) [الملك: 7 ـ 8]، وفلان من الحمى يفور، والفوارة: ما تقذف به القدر من فورانها، وفوارة الماء سميت تشبيهاً بغليان القدر، ويقال: فعلت كذا من فوري، أي: في غليان الحال، وقيل: سكون الأمر، قال تعالى: (وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ) [آل عمران: 125]. قوله: (وقرئ: "منزلين" بالتشديد): ابن عامر، والباقون: بالتخفيف، وبالتخفيف مع كسر الزاء: شاذ. قوله: (و (مُسَوِّمِينَ))، أي: وقرئ: (مُسَوِّمِينَ) بكسر الواو: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، وبفتحها: الباقون. قوله: (الكلبي: معلمين) صح بكسر اللام عن نسخة المصنف.

بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم. وعن الضحاك: معلمين بالصوف الأبيض من نواصي الدواب وأذنابها. وعن مجاهد: مجزوزة أذناب خيلهم. وعن قتادة: كانوا على خيل بلق. وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فنزلت الملائكة كذلك، وعن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال لأصحابه «تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت» (وَما جَعَلَهُ اللَّهُ) الهاء ل (أن يمدكم). أي: وما جعل اللَّه إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون (وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ) كما كانت السكينة لبنى إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) لا من عند المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند الملائكة والسكينة، ولكن ذلك مما يقوي به اللَّه رجاء النصرة والطمع في الرحمة، ويربط به على قلوب المجاهدين الْعَزِيزِ الذي لا يغالب في حكمه (الْحَكِيمِ) الذي يعطى النصر ويمنعه لما يرى من المصلحة. (لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا): ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم)، في كتاب "الوفا"، عن ابن الجوزي، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه، قال نافع: وكان ابن عمر يفعل ذلك. قوله: (ليهلك طائفة منهم) فسر الطرف بالطائفة، وجعلها من الإشراف بحسب التركيب والمقام، أما التركيب فإن التنكير في (طَرَفاً) للتفخيم، وأما المقام فإن المقطوع طرفهم صناديد قريش، قال في "الأساس": وهو من أطراف العرب، أي: من أشرافها، وأهل بيوتاتها. وقيل: تخصيص ذكر الطرف من حيث إن أطراف الشيء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته، ولاشك أن يوم بدر هو فتح الفتوح، وفيه فل شوكة المشركين، وطلوع تباشير الظفر للمؤمنين، ومن ثم روي "هذا يوم له ما بعده".

وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش وصناديدهم. (أَوْ يَكْبِتَهُمْ): أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة. (فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ): غير ظافرين بمبتغاهم، ونحوه (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً) [الأحزاب: 25] ويقال: كبته بمعنى كبده؛ إذا ضرب كبده بالغيظ والحرقة. وقيل في قول أبى الطيب: لِأَكْبِتَ حَاسِداً وَأرِى عَدُوًّا هو من الكبد والرئة. واللام متعلقة بقوله: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ) أو بقوله: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) 128 ـ 129]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأكبت حاسداً وأري عدواً)، تمامه: كأنهما وداعك والرحيل "كأنهما"، أي: الحاسد والعدو، "وأري" بياء خالصة، يريد به الضرب على الرئة، واللام في "لأكبت" متصل بما قبله، وهو: رويدك أيها الملك الجليل ... تأن وعده مما تنيل وجودك بالمقام ولو قليلاً ... فما فيما تجود به قليل أي: أمهل سيرك وأخره واجعل ذلك مما تعطيه، قوله: وجودك، أي: وجد جودك بالمقام، أي: بالإقامة، ولو فعلته قليلاً، ويجوز: ولو جوداً قليلاً، يعني: أن ما كان من جهتك فهو كثير وإن قل، ثم شبه الحاسد والعدو بوداعه وارتحاله، لأنهما ينكيان في قلبه ويوجعانه.

(أَوْ يَتُوبَ) عطف على ما قبله، و (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) اعتراض، والمعنى: أنّ اللَّه مالك أمرهم، فإما يهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء، إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم. وقيل: (أو يَتُوبَ) منصوب بإضمار «أن» و «أن يتوب» في حكم اسم معطوف ب"أو" على (الأمر)، أو على (شيء)، أي: ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم. أو ليس لك من أمرهم شيء، أو التوبة عليهم، أو تعذيبهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عطف على ما قبله) أي: على قوله: (يَكْبِتَهُمْ) أي: ليكبتهم أو يتوب عليهم، و"أو" للتنويع لا للترديد. قوله: (أي: ليس لك من أمرهم شيء)، هذا على تقدير العطف على "الأمر"، فهو من عطف الخاص على العام، أي: أمورهم كلها لله تعالى وليس لك من أمورهم شيء، لا من التوبة ولا من التعذيب. قوله: (أو: ليس لك من أمرهم شيء، أو التوبة عليهم، أو تعذيبهم)، هذا على تقدير العطف على "شيء"، وهو أيضاً من عطف الخاص على العام، أي: ليس لك من أمورهم شيء: لا أمر التوبة ولا أمر التعذيب، والفرق بين الوجهين: هو أنه على الأول سلب ما يتبع التوبة والتعذيب منه صلوات الله عليه بالكلية من القبول والرد والخلاص من العذاب والمنع من النجاة، وعلى الثاني: سلب نفس التوبة والتعذيب منه، يعني: لا تقدر أن تجبرهم على التوبة ولا أن تمنعهم عنها، ولا تقدر أن تعذبهم ولا أن تعفو عنهم، فإن الأمور كلها بيد الله، والمعنى مع الأول كما سنبينه إن شاء الله تعالى. ويمكن أن يقال: إن التعريف في الأمر للجنس، والمعنى: ليس لك من الأمور الإلهية شيء، وهي إما أن يهلكهم الله في الدنيا، أو يتوب عليهم فيثيبهم في الآخرة ويفلحوا، أو يمهلهم إلى أن يعذبهم فيها، وإنما أنت منذر،

وقيل: (أو) بمعنى «إلا أن» كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي، على معنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب اللَّه عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم. وقيل: شجه عتبة ابن أبى وقاص يوم أحد، وكسر رباعيته، فجعل يمسح الدم عن وجهه، وسالم مولى أبى حذيفة يغسل عن وجهه الدم وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم، فنزلت. وقيل: أراد أن يدعو اللَّه عليهم فنهاه اللَّه تعالى؛ لعلمه أن فيهم من يؤمن. وعن الحسن: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ): بالتوبة، ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين، (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب. وعن عطاء: يغفر لمن يتوب إليه ويعذب من لقيه ظالما. وإتباعه قوله (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ) تفسير بين ل (من يشاء)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب. "أو" للعهد، والإشارة باللام إلى معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " وسلب الفلاح عنهم يؤذن بالموت على الكفر، وسبب النجاة في الآخرة، وذلك ليس إليك. ويدخل هذا المعنى في الوجه الأول دخولاً أولياً. قوله: (وقيل: شجه)، الحديث من رواية الشيخين والترمذي، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عن وجهه ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته"، وهو يدعوهم إلى الله تعالى؟ " فأنزل الله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ) الآية. سلت الدم، أي: أماطه. قوله: (وإتباعه) هو مبتدأ مضاف إلى الفاعل، وقوله: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) مفعول أول، و (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ): مفعول ثان، وقوله: "تفسير" خبر المبتدأ، يعني: لما ذكر الله تعالى: (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) بعد قوله: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) علم ما المراد بقوله: (مَنْ يَشَاءُ) يعني: (مَنْ يَشَاءُ) في الموضعين مطلق، قيد الأول بالتائبين والثاني بالظالمين. وقلت: هذا لعمري تعويج عن المحجة، وتعريج عن المستقيم، وفسر للقرآن بالرأي، ومفسره داخل تحت وعيد قوله صلوات الله عليه: "من قال في كتاب الله برأيه، فأصاب، فقد أخطأ". أخرجه الترمذي وأبو داود. والحق الذي لا محيد عنه: أن هذا معاتبة من الله لرسوله صلوات الله عليه على تعجيله في القول برفع الفلاح عن القوم يوم أحد، كما أن قوله: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا) معاتبة على أصحابه رضوان الله عليهم، وتعيير لهم بالفشل، ويدل على أن هذا معاتبة ما روينا أنه قال حين كسر رباعيته وشج في وجهه: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " أي: لن يفلحوا أبداً، فرد بقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ)، كيف تستبعد الفلاح وبيد الله أزمة أمور ما في السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء؟ وليس لك من الأمر إلا التفويض والرضا بما قضى، فهؤلاء إن استوجبوا العذاب بما فعلوا بك فبمشيئة الله لا بمشيئتك، وإن استحقوا الغفران بأن يتوب عليهم فبإرادته سبحانه وتعالى لا بإرادتك، فقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) تأكيد لقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) وتذييل له، وقوله: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) تقرير معنى التذييل على سبيل الاستئناف بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث، فالغفران والتعذيب عامان لا يخصصان. نعم، يدخل هؤلاء فيه دخولاً أولياً، وقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تتميم مناد على أن جانب الرحمة راجح على جانب العذاب، وفي قوله: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) تتميم لأمر التعذيب وإدماج لرجحان المغفرة، يعني: سبب التعذيب كونهم ظالمين، وإلا فالرحمة مقتضية للغفران، انظر إلى

وأنهم المتوب عليهم، أو الظالمون، ولكن أهل الأهواء والبدع يتصامون ويتعامون عن آيات اللَّه فيخبطون خبط عشواء، ويطيبون أنفسهم بما يفترون على ابن عباس من قولهم: يهب الذنب الكبير لمن يشاء، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *) 130 ـ 132]. (لا تَاكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً): نهى عن الربا مع توبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه؛ كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل؛ فاستغرق بالشيء الطفيف مال المديون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا النظم الأنيق والترتيب السوي، وأعجب بمن يفككه بالتقديم والتأخير ويقول: "يتصامون ويتعامون عن آيات الله فيخبطون خبط عشواء" عفا الله عنه. قال القاضي: قوله: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) صريح في نفي وجوب التعذيب، والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافي له، والله غفور رحيم لعباده، فلا تبادر إلى الدعاء عليهم. قوله: (نهي عن الربا مع توبيخ بما كانوا عليه) الباء: صلة "توبيخ"، أي: وبخهم به، يريد أن قوله: (أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً) قيد للنهي بحسب ما كانوا عليه، لا للنهي مطلقاً، ليستدل بالمفهوم على أن الربا بدون القيد جائز، ولهذا قال: "كان الرجل منهم إذا بلغ الدين .. " إلى آخره، نهاهم أولاً عن الربا، ثم وبخهم على التضعيف، ثم نعى عليهم بالمضاعفة، فدل على النعي بالتنكير في توبيخ. قال مكي: (أَضْعَافاً): حال، أي: مضاعفاً، و (مُضَاعَفَةً): نعته.

(وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) كان أبو حنيفة رحمه اللَّه، يقول: هي أخوف آية في القرآن؛ حيث أوعد اللَّه المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه. وقد أمدّ ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله. ومن تأمّل هذه الآية وأمثالها لم يحدث نفسه بالأطماع الفارغة والتمني على اللَّه تعالى، وفي ذكره تعالى «لعلّ» و «عسى» في نحو هذه المواضع ـ وإن قال الناس ما قالوا ـ ما لا يخفى على العارف الفطن من دقة مسلك التقوى، وصعوبة إصابة رضا اللَّه، وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كان أبو حنيفة رحمه الله يقول: هي أخوف آية في القرآن)، يعني: كان من مقتضى الظاهر أن يقال: واتقوا النار التي أعدت لآكلي الربا، فوضع موضعه (لِلْكَافِرِينَ) تغليظاً على المؤمنين، أي: هذه الصفة مؤدية إلى الكفر لأنها مما لا يكتسي بها إلا الكافرون، أو تعريضاً بهم، أي: هذه الصفة من صفات الكافرين فلا تتصفوا بها. قال القاضي في قوله: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ): تنبيه على أن النار بالذات معدة للكفار وبالعرض للعصاة. قوله: (وقد أمد ذلك بما أتبعه) أي: أتبعه إياه، فحذف المفعول الثاني، وهو عائد إلى ذلك، يريد أن قوله: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) تتميم لذلك المعنى ومبالغة فيه؛ لأن (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) مطلق صالح لكل ما يسمى طاعة، نحو: فلان يعطي ويمنع إما بإجراء المتعدي مجرى اللازم، وإما بحذف المفاعيل، أي: لم يقل في أي شيء أطاعوهما لئلا يقتصر على المذكور، وإليه الإشارة بقوله: "بتوفرهم على طاعته". قوله: (وفي ذكره تعالى) خبر، والمبتدأ: "ما لا يخفى"، وقوله: "وإن قال الناس ما قالوا" اعتراض، وفي كلامه تعصب لمذهبه، فيقال: ما المانع عن حمل "لعل" على القطع مجازاً كما

(وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) 133 ـ 137] في مصاحف أهل المدينة والشام (سارعوا) بغير واو. وقرأ الباقون بالواو. وتنصره قراءة أبىّ وعبد اللَّه: (وسابقوا). ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة: الإقبال على ما يستحقان به (عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) أي: عرضها عرض السموات والأرض، كقوله: (عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) [الحديد: 21] والمراد وصفها بالسعة والبسطة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكرت في أول "البقرة"؟ فمن ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا: عسى ولعل، فإذا عثروا على ذلك لم يبق للطالب ما عندهم شك في النجاح والفوز بالمطلوب، سيما وقد عقب بالترغيب البليغ، وهو: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ) الآيات. قوله: ("سارعوا" بغير واو): نافع وابن عامر، قلت: الفصل للاستئناف، كأنه قيل: كيف نطيعهما؟ فقيل: سارعوا إلى ما تستحق به المغفرة بالإسلام والتوبة والإخلاص، وكل ما يتقرب به إلى جنة هذه صفتها، والوصل على أنه عطف تفسيري.

فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه. وخص العرض؛ لأنه في العادة أدنى من الطول؛ للمبالغة، كقوله: (بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) [الرحمن: 54]. وعن ابن عباس رضي اللَّه عنه: كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ): في حال الرخاء واليسر وحال الضيقة والعسر، لا يخلون بأن ينفقوا في كلتا الحالتين ما قدروا عليه من كثير أو قليلـ كما يحكي عن بعض السلف: أنه ربما تصدّق ببصلة. وعن عائشة رضي اللَّه عنها: أنها تصدّقت بحبة عنبـ أو في جميع الأحوال؛ لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرّة، لا تمنعهم حال فرح وسرور، ولا حال محنة وبلاء، من المعروف. وسواء عليهم كان الواحد منهم في عرس أو في حبس، فإنه لا يدع الإحسان، وافتتح بذكر الإنفاق؛ لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص؛ ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال؛ للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين. كظم القربة: إذا ملأها وشد فاها، وكظم البعير: إذا لم يجتر. ومنه كظم الغيظ، وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثرا. وعن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم» من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللَّه قلبه أمنا وإيماناً» وعن عائشة رضي اللَّه عنها: أن خادماً لها غاظها فقالت: للَّه درّ التقوى، ما تركت، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بأوسع ما علمه الناس): تنبيه أن ذلك مما لا يقاس بشيء، ولكن ذهب فيه إلى المذهب المتعارف، على نحو قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ) [هود: 107]. قوله: (كقوله تعالى: (بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) [الرحمن: 54]) قال: من ديباج ثخين، وإذا كانت البطائن من الإستبرق فما ظنك بالظهائر؟ قوله: (إذا لم يجتر)، الجوهري: اجتر البعير: من الجرة، وكل ذي كرش مجتر. قوله: (من كظم غيظاً)، الحديث من رواية الترمذي وأبي داود وابن ماجة، عن سهل ابن سعد، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كظم غيظاً وهو يقدر أن ينفذه دعاه الله

لذي غيظ شفاء. (وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه. وروي «ينادى مناد يوم القيامة: أين الذين كانت أجورهم على اللَّه فلا يقوم إلا من عفا» وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل، فخلاه. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «إن هؤلاء في أمّتي قليل إلا من عصم اللَّه، وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ): يجوز أن تكون اللام للجنس؛ فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورين. وأن تكون للعهد؛ فتكون إشارة إلى هؤلاء (وَالَّذِينَ): عطف على المتقين، أي: أعدت للمتقين وللتائبين. وقوله: (أُولئِكَ) إشارة إلى الفريقين. ويجوز أن يكون (والذين) مبتدأ خبره (أولئك) (فاحِشَةً) فعلة متزايدة القبح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء". النهاية: كظم الغيظ: تجرعه واحتمال سببه والصبر عليه. قوله: (لذي غيظ شفاء) جعلت رضي الله عنها الانتقام شفاء للغيظ تنبيهاً على أن الغيظ مرض، لأنه عرض نفساني يجده الإنسان عند غليان دم قلبه، تريد أن المتقي إذا كظم غيظه لا يمرض قلبه فلا يحتاج على التشفي، أي: لا غيظ له حتى يتشفى بالانتقام، كقوله تعالى: (لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً) [البقرة: 273]. قوله: ((وَالَّذِينَ) مبتدأ)، قال أبو البقاء: (الَّذِينَ): مبتدأ، و (أُوْلَئِكَ): مبتدأ ثان، و (جَزَاؤُهُمْ): ثالث و (مَغْفِرَةٍ): خبر الثالث، والجميع خبر (الَّذِينَ)، و (ذَكَرُوا): جواب (إِذَا)، و (مَن): مبتدأ و (يَغْفِرُ): خبره، و (إِلاَّ اللَّهُ) فاعل (يَغْفِرُ) أو: بدل من المضمر فيه، وهو الوجه، لأنك إذا جعلت (اللَّهُ) فاعلاً احتجت إلى تقدير ضمير، وقال القاضي: (مَن) استفهام بمعنى النفي.

(أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ): أي: أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذون به. وقيل: الفاحشة: الزنا، وظلم النفس: ما دونه؛ من القبلة واللمسة ونحوهما. وقيل: الفاحشة: الكبيرة. وظلم النفس: الصغيرة (ذَكَرُوا اللَّهَ): تذكروا عقابه، أو وعيده، أو نهيه، أو حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء منه (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ): فتابوا عنها لقبحها نادمين عازمين (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة، وإنّ التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه، وأنّ عدله يوجب المغفرة للتائب؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وجلاله الموجب للخشية والحياء منه)، وأحسن منه قول السجاوندي رحمه الله: (ذَكَرُوا اللَّهَ): ذكروا جماله فاستحيوا، أو جلاله فهابوا، وأنشدوا: أشتاقه فإذا بدا ... أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبة ... وصيانة لجماله قوله: ((وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ) وصف لذاته بسعة الرحمة)، اعلم أن المصنف سلك بهذا التركيب في هذا المقام مسلكاً عجيباً، وخرج به تخريجاً غريباً قلما تذهب إليه الأذهان إلا من ريض نفسه في علم البيان وتمرن في الأصول، فنقول: المصنف ساق كلامه أولاً في بيان ما يقتضي التركيب من الخواص بدلالة عبارته من جهة المولى، ثم ثنى إلى بيان ما يقتضيه بدلالة إشارته من جهة العبد، أما الأول فعلى وجوه: أحدها: دلالة اسم الذات بحسب ما يقتضيه هذا المقام من معنى الغفران الواسع، وإيراد التركيب على صيغة الإنشاء دون الإخبار، بأن لم يقل: وما يغفر الذنوب إلا الله تقرير لذلك المعنى وتأكيد له، كأنه قيل: هل تعرفون أحداً يقدر على عفو الذنوب كلها صغيرها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكبيرها، سالفها وغابرها، غير من وسعت رحمته كل شيء؟ وفي نقيضه قال صاحب "المفتاح": في قراءة (من فرعون) على الاستفهام: من فرعون، هل تعرفون من هو في فرط عتوه وشدة شكيمته وتفرعنه، ما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله؟ . ويعضد ما قلناه قوله في آخر هذه السورة في قوله: (لإٍلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) [آل عمران: 158]: "لإلى الرحيم الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب تحشرون". وثانيها: تقديمه عن مكانه وإزالته عن مقره، فإنه اعترض بين المبتدأ والخبر ثم بين المعطوف والمعطوف عليه، أي: فاستغفروا، ولم يصروا، للدلالة على شدة الاهتمام به والتنبيه على أنه كما وجد الاستغفار لم يتخلف عنه الغفران، وهو المراد بقوله: "وقرب المغفرة". وثالثها: الإتيان بالجمع المحلى بلام التعريف إعلاماً بأن التائب إذا تقدم بالاستغفار يتلقى بغفران ذنوبه كلها فيصير كمن لا ذنب له. ورابعها: دلالة الحصر بالنفي والإثبات على أن لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه، وذلك أن من وسعت رحمته كل شيء لا يشاركه أحد في نشرها كرماً وفضلاً. وخامسها: إسناد غفران الذنوب إلى نفسه وإثباته لذاته المقدس بعد وجود الاستغفار، وتنصل عبيده يدل على وجود ذلك قطعاً إما بحسب الوعد عندنا أو العدل عندهم، وفي ذكر العدل بعد الفضل لطيفة، وأما النظر من جهة العبد باعتبار دلالة إشارة النص، وهو المراد بقوله: "وفيه تطييب النفوس"، إلى آخره، ففيه وجوه أيضاً. أحدها: أن في إبداء سعة الرحمة واستعجال المغفرة بشارة عظيمة وتطييباً للنفوس. وثانيها: أن العبد إذا نظر إلى هذه العناية الشديدة والاهتمام العظيم في شأن التوبة

لأن العبد إذا جاء في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه؛ وجب العفو والتجاوز. وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يتحرك نشاطه ويهز عطفه فلا يتقاعد عنها، ومن ثم لم تمكث توبة وحشي رضي الله عنه عند سماع (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) [الزمر: 53] وإليه الإشارة بقوله: "وبعث عليها". وثالثها: أن في ضمن معنى الاستغراق قلع الإياس والقنوط، ولهذا علل سبحانه وتعالى النهي عن الإقناط في قوله: (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً). ورابعها: أطلقت الذنوب وعممت بعد ذكر الفاحشة وظلم النفس، وترك مقتضى الظاهر ليدل به على عدم المبالاة في الغفران، وأن الذنوب وإن جلت فعفوه أعظم. وخامسها: أن الاسم الجامع في تركيب قوله: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ) كما دل على سعة الغفران بحسب المقام يدل أيضاً مع شهادة أداة الحصر على أنه تعالى وحده معه مصححات المغفرة من كونه عزيزاً ليس أحد فوقه ليرد عليه حكمه، وكونه حكيماً يغفر لمن تقتضي حكمته غفرانه على رأي المصنف، وإليه ينظر قوله تعالى حكاية عن المسيح عليه السلام: (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: 118]، قال المصنف: " (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) القوي القادر على الثواب والعقاب (الْحَكِيمُ) الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب". قوله: (والتنصل)، الجوهري: التنصل: التبرؤ من الذنب، يقال: تنصل فلان من ذنبه: إذا تبرأ منه.

وردع عن اليأس والقنوط؛ وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم، والمعنى: أنه وحده معه مصححات المغفرة. وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه (وَلَمْ يُصِرُّوا) ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرّة» وروي «لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» (وهُمْ يَعْلَمُونَ): حال من فعل الإصرار وحرف النفي منصب عليهما معاً. والمعنى: وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهى عنها والوعيد عليها، لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (غير مستغفرين) هو حال من الضمير في (يُقِيمُوا)، والجملة تفسير لقوله: (وَلَمْ يُصِرُّوا). قوله: (ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة) أخرجه الترمذي وأبو داود عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، إلا أن أبا داود قال: "ولو فعله"، والترمذي: "ولو عاد". قوله: (وحرف النفي منصب عليهما معاً) يريد أن هؤلاء المستغفرين إذا صدر عنهم ذنب في أثناء توبتهم تداركوا بالاستغفار، وإن صدر عن السهو والغفلة لا يضرهم ولا يخرجهم عن حكم قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ)؛ لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح، وفيه أن من أصر على الذنوب وهو عالم بها ولا يتلافى بالاستغفار خارج من هذا الوعد، وإليه الإشارة بقوله: "وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرين". وقال الإمام: يجوز أن يكون المراد من قوله: (يَعْلَمُونَ) العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز من الفواحش، فيجري مجرى قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث".

وفي هذه الآيات بيان قاطع أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متقون، وتائبون، ومصرّون، وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم دون المصرّين، ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فقد كابر عقله، وعاند ربه)، قال صاحب "الفرائد": دلت الآية على أن غير المصر يجب في الحكمة أن تغفر ذنوبه ويدخل الجنة، وأما المصر فالآية تدل على أن لا تغفر ذنوبه ولا يدخل الجنة، ومن عدم الدليل لا يلزم عدم المدلول، أراد بهذا إثبات مذهبه الذي هو أن العاصي المصر يبقى في النار خالداً، من غير دليل، فالمكابرة والمعاندة من جانبه، وقال القاضي: ولا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاءً لهم أن لا يدخلها المصرون، كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم. وقلتـ والله أعلمـ: قوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) [آل عمران: 131 ـ 132] خطاب لآكلي الربا من المؤمنين ردعاً لهم عن الإصرار إلى ما يؤديهم إلى دركات الهالكين من الكافرين، وتحريضاً على التوبة والمسارعة إلى نيل درجات الفائزين من المتقين والتائبين، فإدراج المصرين في هذا المقام بعيد المرمى؛ لأنه إغراء وتشجيع على الذنب لا زجر وترهيب، وكان أصل الكلام أن يقال: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا النار التي أعدت للكافرين، وارغبوا في الجنة التي أعدت للمتقين، فبين بالآيات معنى المتقين للترهيب والترغيب، ومزيد تصوير مقامات الأولياء ومراتبهم ليكون حثاً لهم في الانخراط في سلكهم، ولابد من ذكر التائبين واستغفارهم وعدم الإصرار ليكون لطفاً بهؤلاء، وجميع الفوائد التي ذكرها في قوله: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ) تدخل في المعنى، فعلم من هذا أن دلالة مفهوم قوله: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ـ كما قالـ مهجور؛ لأن مقام التحريض والحث أخرج المصرين، والله أعلم.

قال (أَجْرُ الْعامِلِينَ) بعد قوله: (جَزاؤُهُمْ)؛ [آل عمران: 87] لأنهما في معنى واحد، وإنما خالف بين اللفظين؛ لزيادة التنبيه على أنّ ذلك جزاء واجب على عمل وأجر مستحق عليه، لا كما يقول المبطلون. وروى أنّ اللَّه عزّ وجلّ أوحى إلى موسى: «ما أقلّ حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي؟ ! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا كما يقول المبطلون)، قال صاحب "الفرائد": هذا مآل مذهبه، وهو أن الجزاء واجب على الله تعالى من غير دليل؛ لأن الآية إنما تدل على أن العاملين يجازون بعملهم، فأما الوجوب على الله فغير مستفاد منها أصلاً، وقال القاضي: كفاك فارقاً بين القبيلين أنه فصل آيتهم، أي: قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ) بأن بين أنهم محسنون مستوجبون لمحبة الله لأنهم حافظوا على حدود الشرع وتخطوا إلى التخصيص بمكارمه، وفصل آية هؤلاءـ أي: الذين إذا فعلوا فاحشةـ بقوله: (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران: 136]؛ لأن المتدارك للتقصير كالعامل لتحصيل ما فوت على نفسه، وكم بين المحسن والمتدارك والمحبوب والأجير، ولعل تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذه النكتة. وقلت: مآل كلام القاضي أن اختصاص ذكر الأجر لمقتضى المقام وإلا فلم خولف بين الجزاءين والمتقون أيضاً عاملون؟ ثم في قوله: (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) وجوه من المحسنات، أحدها: أنها كالتذييل للكلام السابق فيفيد مزيد تأكيد للاستلذاذ بذكر الوعد، وثانيها: في إقامة الأجر موضع ضمير الجزاء، وحذف ضمير الجزاء لأن الأصل: ونعم جزاؤهم هو إيجاب إنجاز هذا الوعد، وتصوير صورة العمل والعمالة تنشيطاً للعامل، وثالثها: في تعميم (الْعَامِلِينَ) وإقامته مقام الضمير الدلالة على حصول المطلوب للمذكورين بطريق برهاني.

وعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة. وعن الحسن: يقول اللَّه تعالى يوم القيامة «جوزوا الصراط بعفوي، وادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم» وعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد: تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا إنّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِى عَلَى اليَبَسِ والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: ونعم أجر العاملين ذلك، يعنى المغفرة والجنات. (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) يريد ما سنه اللَّه في الأمم المكذبين من وقائعه، كقوله: (وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) [الأحزاب: 61 - 62]، (ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً*سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ) [الفتح: 22 - 23]. (هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) 138 ـ 139]. (هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ): إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (شهر بن حوشب)، في "الجامع": هو تابعي شامي سكن البصرة. قوله: (ترجو النجاة) البيت قبله: ما بال نفسك ترضى أن تدنسها ... وثوب نفسك مغسول من الدنس أي: ما بالك ترضى بدنس نفسك ولا ترضى بدنس ثوبك؟ ومنه ما روي: عبدي، طهرت منظر الخلق سنين، وما طهرت منظري ساعة.

يعني: حثهم على النظر في سوء عواقب المكذبين قبلهم، والاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم. (وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) يعنى: أنه مع كونه بيانا وتنبيهاً للمكذبين فهو زيادة تثبيت وموعظة للذين اتقوا من المؤمنين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حثهم على النظر في سوء عواقب المكذبين قبلهم)، وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أن تلك الآيات واردة في الترهيب والترغيب لآكلي الربا، لأن المخاطبين بقوله: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ) هم الذين سبق خطابهم بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا)، وذلك أنه تعالى بعد ما حذرهم عن النار المعدة للكافرين، وأمرهم بالمسارعة إلى نيل درجات الفائزين، بين لهم سوء عاقبة من كذب الأنبياء في ترهيبهم وترغيبهم، أي: إنذارهم وبشارتهم؛ لأنهم ما بعثوا إلا لهما، فعلى هذا قوله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) إشارة إلى ما لخص للمخاطبين من الترهيب والترغيب والبحث، وقوله: (قَدْ خَلَتْ) إلى قوله: (وَلا تَهِنُوا) كالتخلص من قصة آكلي الربا التي استطردت لذكر المحاربة إلى ما أجرى الكلام له من مجاهدة الكفار، وهذا أولى من جعلها معترضة؛ لأنها توجب أن تجعل الآيات كلها موافقة لها، لأن المعترضة مؤكدة للمعترض فيه بأن يقال: إن تلك الآيات دلت على الترهيب والترغيب، وهذه الآية دلت على الترهيب، ومعنى الترهيب راجع إلى الترغيب بحسب التضاد، كما أن بعض الآيات الواردة في الرحمن للوعيد تعد من الآلاء بحسب الزجر عن المعاصي، وذلك تعسف. قوله: (مع كونه بياناً وتنبيهاً للمكذبين) إشارة إلى أن المراد بالناس: المكذبون المخاطبون بقوله: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ)، لا الذين سبق ذكرهم، والأولى أن يراد به الجنس، أي: بيان لجميع الناس، لكن المنتفع به المتقون لأنهم يهتدون به وينتجعون بوعظه.

ويجوز أن يكون قوله: (قَدْ خَلَتْ) جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق به ما ذكر من أجر العاملين، ويكون قوله: (هذا بَيانٌ) إشارة إلى ما لخص وبين من أمر المتقين والتائبين والمصرّين. (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا): تسلية من اللَّه سبحانه لرسوله صلى اللَّه عليه وسلم وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد، وتقوية من قلوبهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا) تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد)، هذا يؤذن أن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً) إلى آخر الآيات مستطردة بين القصة، وسلوك طريقة النظم فيها صعب، ولهذا قال الإمام: من الناس من قال: إنه تعالى لما شرح عظيم نعمته على المؤمنين فيما يتعلق بإرشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد، أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي، والترغيب والتحذير، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا)، فعلى هذا تكون الآية ابتداء كلام لا تعلق لها بما قبلها، وقال القفال: يحتمل أن يكون متصلاً بما تقدم من جهة أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالاً جمعوها بسبب الربا، فلعل ذلك يصير داعياً للمسلمين على الإقدام على الربا حتى يجمعوا المال وينفقوا على العساكر فيتمكنوا من الانتقام منهم، فلا جرم نهاهم الله تعالى عن ذلك؟ . والذي نقولـ والعلم عند اللهـ: إنه تعالى لما عاتب رسوله صلوات الله عليه بقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) أتبعه قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً) بمعنى أنك ما بعثت أن تتصرف في الأمور الإلهية كما سبق في موضعه، ولكنك عبد مبعوث للإنذار والبشارة، وهؤلاء الكفار أمرهم في التوبة أو التعذيب إلى مالكهم، وما كان عليك سوى الإنذار، فقد أنذرتهم وبذلت وسعك فيه، ففوض أمورهم إلى الله: إن شاء تاب عليهم وإن شاء عذبهم، وانثن بالإنذار إلى أصحابك

يعني: ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم، أي: لا يورثنكم ذلك وهنا وجبنا، ولا تبالوا به، ولا تحزنوا على من قتل منكم وجرح (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ): وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب؛ لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد. أو: وأنتم الأعلون شأنا؛ لأنّ قتالكم للَّه ولإعلاء كلمته، وقتالهم للشيطان لإعلاء كلمة الكفر؛ ولأنّ قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار. أو هي بشارة لهم بالعلو والغلبة، أي: وأنتم الأعلون في العاقبةَ، (إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) [الصافات: 173]، (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) متعلق بالنهي، يعني: ولا تهنوا إن صح إيمانكم، على أن صحة الإيمان توجب قوة القلب، والثقة بصنع اللَّه، وقلة المبالاة بأعدائه؛ أو ب (الأعلون)، أي: إن كنتم مصدّقين بما يعدكم اللَّه ويبشركم به من الغلبة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في أمر عظيم ارتكبوه وهو محاربتهم مع الله في أمر الربا، قال الله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة: 279]، فأرهبهم بالنار ليحترزوا عن الربا، ورغبهم في الجنة وأمرهم بالاعتبار والنظر في عاقبة المكذبين، وبين لهم البيان الشافي، ثم مع ذلك كله لا يكن منك ولا من أصحابكم ضعف ووهن في الجهاد، ولا يورثنكم ما أصابكم حزناً في هذه الوقعة؛ لأن حالكم أعلى من حال الكفرة، لأن قتالكم: لله ولإعلاء كلمته، وقتالهم: للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر، والله أعلم. قوله: ((إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ): متعلق بالنهي) أي: تتميم له كالتعليل، لأن الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من الصحابة الكرام تسلية لما أصابهم يوم أحد، فلا جائز أن يجري على حقيقة الشرط. قال المصنف في قوله تعالى: (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) إلى قوله: (إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً) [الممتحنة: 1]: " (إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ) متعلق بـ (لا تَتَّخِذُوا) أي: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي"، أيك لأجل أنكم أوليائي"، إذ المجاهد من الصحابة لا يكون إلا ولياً، ثم قال: "وقول النحويين في مثله: هو شرط جوابه محذوف". وسيجيء الكلام فيه في "الممتحنة" مستقصى إن شاء الله تعالى.

(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) 140 ـ 141]. قرئ: (قرح) بفتح القاف وضمها، وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل: هو بالفتح: الجراح، وبالضم ألمها. وقرأ أبو السمال (قرح) بفتحتين. وقيل القرح والقرح كالطرد والطرد. والمعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال، فأنتم أولى أن لا تضعفوا. ونحوه (فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَما تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ) [النساء: 104] وقيل: كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. فإن قلت: كيف قيل (قَرْحٌ مِثْلُهُ) وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ قلت: بلى كان مثله، ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ). [آل عمران: 152] (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ) تلك مبتدأ، و (الأيام) صفته. و (نُداوِلُها) خبره، ويجوز أن يكون (تِلْكَ الْأَيَّامُ) مبتدأ وخبراً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قرئ: (قَرْحٌ)) بضم القاف: حمزة والكسائي وأبو عمرو، وبفتحها: الباقون. قوله: (هو بالفتح: الجراح)، الجوهري: الجراح: جمع جراحة بالكسر. قوله: (فكيف قيل: (قَرْحٌ مِثْلُهُ)؟ )، هذا السؤال وارد على أن ذلك جرى يوم أحد.

كما تقول: هي الأيام تبلي كل جديد. والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة. (نداولها): نصرفها بين الناس نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كقوله، وهو من أبيات "الكتاب": فَيَوْماً عَلَيْنَا وَيَوماً لَنَا وَيَوْماً نُسَاءُ وَيَوما نُسَرّ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هي الأيام) قيل: هي: ضمير مبهم فسر بقوله: الأيام، ومثله: ربه رجلاً، وليس ضمير الشأن قال أبو البقاء: (تِلْكَ): مبتدأ، و (الأَيَّامُ): خبره، و (نُدَاوِلُهَا): حال، والعامل فيها معنى الإشارة، ويجوز أن تكون (الأَيَّامُ) بدلاً أو عطف بيان، و (نُدَاوِلُهَا): الخبر. والمبتدأ والخبر، هو الوجه، فتلك إشارة إلى شيء مبهم لا يدرى ما هو؟ فيفسر بالأيام، وقريب منه قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) [الكهف: 78]. قال المصنف: قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاده، وأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه كما تقول: هذا أخوك. قوله: (نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء)، الراغب: الدَّولة والدُّولة واحدة، وقيل: الدولة بالضم: في المال، وبالفتح: في الحرب والجاه، وقيل: الضم: اسم الشيء الذي يتداول بعينه، قال تعالى: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [الحشر: 7]، والفتح: المصدر، يقال: تداول القوم كذا، أي: تناولوه من حيث الدولة. قوله: (فيوماً علينا) البيت، وقبله: فلا وأبي الناس لا يعلمون ... فلا الخير خير ولا الشر شر

ومن أمثال العرب: "الحرب سجال". وعن أبى سفيان: أنه صعد الجبل يوم أحد، فمكث ساعة ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر. فقال أبو سفيان يوم بيوم والأيام دول، والحرب سجال. فقال عمر رضي اللَّه عنه: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال: إنكم تزعمون ذلك فقد خبنا إذا وخسرنا. والمداولة مثل المعاورة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نساء: من سيء فلان: أصيب بسوء، أي: حزن، ومنه قوله تعالى: (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الملك: 27] ولا: لتأكيد القسم، أي: أقسم بأبي البشر، وهو آدم عليه السلام. قوله: (الحرب سجال)، قالا لميداني: المساجلة إنما تكون من جري أو سقي، وأصله من السجل: الدلو فيها ماء قل أو كثر، ولا يقال لها ذلك وهي فارغة، وقال أبو سفيان يوم أحد بعدما وقعت الهزيمة على المسلمين: يوم بيوم، والحرب سجال، والحديث على غير ما رواه المصنف في "صحيح البخاري"، و"مسند أحمد بن حنبل"، و"سنن أبي داود"، عن البراء بن عازب. قوله: (ابن أبي كبشة)، النهاية: كان المشركون ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي كبشة، وهو رجل من خزاعة خالف قريشاً في عبادة الأوثان، شبهوه به، وقيل: إنه كان جد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أمه، فأرادوا أنه نزع في الشبه إليه. قوله: (فقد خبنا إذاً وخسرنا): تهكم منه. قوله: (والمداولة مثل المعاورة)، النهاية: يقال: تعاور القوم فلاناً: إذا تعاونوا عليه بالضرب واحداً بعد واحد.

وقال: يَرِدُ المِيَاهَ فَلَا يَزَالُ مُدَاوِلا فِي النَّاسِ بَيْنَ تَمَثُّلٍ وَسَمَاعِ يقال: داولت بينهم الشيء فتداولوه (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا): فيه وجهان: أحدهما أن يكون المعلل محذوفًا، معناه: وليتميز الثابتون على الإيمان منكم من الذين على حرف، فعلنا ذلك، وهو من باب التمثيل، بمعنى: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت، وإلا فاللَّه عز وجل لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها. وقيل: معناه وليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يرد المياه)، قبله: فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني محبرة إلى القعقاع محبرة، أي: قصيدة حسنة غراء، ومعناه: لأهدين إلى هذا الرجل قصيدة غراء متداولة بين الناس يتمثلون بها وينشدونها في القبائل، ولأنهم كانوا ينزلون عند المياه قال: يرد المياه، وفي المثل: أسير من شعر، لأنه يرد الأخبية ويلج الأندية. قوله: (وإلا فالله عز وجل لم يزل عالماً) أي: الواجب أن يحمل على التمثيل، فإنه عن لم يحمل عليه يلزم ذلك المحذور، وذلك باطل؛ لأن الله عز وجل لم يزل عالماً بالأشياء قبل كونها، فالفاء فصيحة. قوله: (وليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء)، قال الزجاج: المعنى: ليقع ما علمناه غيباً مشاهدة للناس ويقع منكم، وإنما تقع المجازاة على ما علمه الله من الخلق وقوعاً، لا على ما لم يقع، وقال أيضاً في قوله: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ) [آل عمران: 154]

وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات. والثاني أن تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه، معناه: وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت، (وليعلم اللَّه). وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة؛ ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم أن العبد يسوؤه ما يجرى عليه من المصائب، ولا يشعر أنّ للَّه في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه. (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ): وليكرم ناسا منكم بالشهادة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: ليختبره بأعمالكم؛ لأنه قد علمه غيباً فيعلمه شهادة، لأن المجازاة تقع على ما علم مشاهدة، أعني: على ما وقع من عامليه، لا على ما هو معلوم منهم. قوله: (موجوداً منهم الثبات) الثبات: مفعول أقيم مقام الفاعل، لقوله: "موجوداً". قوله: (وفعلنا ذلك) "ذلك": إشارة إلى قوله: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا) [آل عمران: 140]، فالمعلل مذكور، وإحدى العلل محذوفة على عكس الأول، وفائدة الحذف: التعميم. فإن قلت: فلم قدر المعلل في الوجه الأول متأخراً؟ قلت: ليفيد ضرباً من التخصيص، أي: ما فعلت تلك المداولة إلا لمثل هذه الأغراض، فإن أفعال الله عندهم معللة بالغرض، وعند أهل السنة هذا من باب التمثيل. قوله: (وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت)، أي: سلطناهم عليكم لرفع درجاتكم، ولأن الأيام دول ولاستدراجهم ونحوها، وليتميز الثابتون عن المتزلزلين. قوله: (للإيذان بأن المصلحة): تعليل للحذف، وقوله: "ليسليهم": تعليل لمضمون الجملة، وهو الحذف للإيذان. قوله: (وليكرم ناساً منكم بالشهادة) كنى بالاتخاذ عن الإكرام؛ لأن من يتخذ شيئاً يتخذه لينتفع به أو يتزين به، كقوله تعالى: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه: 41]؛ لأن الشهيد مقرب حاضر في حظيرة القدس.

يريد المستشهدين يوم أحد. أو وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما يبتلي به صبركم من الشدائد، من قوله تعالى: (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: 143]. (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) اعتراض بين بعض التعليل وبعض. ومعناه: واللَّه لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان، المجاهدين في سبيل اللَّه، الممحصين من الذنوب. والتمحيص: التطهير والتصفية. (وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) ويهلكهم، يعنى: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وغير ذلك مما هو أصلح لهم، وإن كانت على الكافرين، فلمحقهم ومحو آثارهم ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من قوله تعالى: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة: 143]) يريد أن قوله: (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) من باب قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) وذلك أن قوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) علة لقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)، ولا تكونون وسطاً، أي: خياراً، حتى تكونوا أصحاب عزم وصبر كما قال ها هنا بما يبتلي به صبركم من الشدائد. قوله: (فللتمييز والاستشهاد والتمحيص) يفهم منه أن المعطوفات سوى (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)، فإنهـ كما قالـ اعتراض منسوق بعضها على بعض على نسق واحد، وقد ذهب إلى أن "ليعلم" معلله مقدر، والنظم يستدعي أن يكون قوله: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) مع معطوفه "عطفاً على "ليعلم" مع معطوفه على طريقة قوله: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ* وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ). قال المصنف: بعض الواوات ضمت شفعاً إلى شفع [و] وتراً إلى وتر، لذل كرر حرف التعليل؛ دلالة على الاستقلال، وأعيد (الَّذِينَ آمَنُوا) ليعلق به تمحيص المؤمنين ومحق الكافرين بعدما علق به تمييز المؤمنين واستشهادهم وبغض الظالمين، وأن يكون قوله: (وَلِيَعْلَمَ) عطفاً من حيث المعنى على قوله تعالى: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)؛ لأنه تذييل لقوله: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ) على نحو قولهم: حدثت الحوادث، والحوادث جمة، وفيه شائبة من التعليل لمقام التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم عما أصيبوا يوم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أحد، يعني: لا يكن في صدوركم حرج مما أصبتم؛ فإن ذلك شأننا وسنتنا في الأولين من الأنبياء السالفة والأمم الخالية، فلكم فيهم أسوة حسنة؛ وليتميز الثابت على الإيمان ممن نكص على عقبيه؛ ولتصفية المؤمنين وتطهيرهم مما آثروا عرض الدنيا على الآخرة، حيث أخذوا الفدية من أسارى بدر وتركوا أئمة الكفر أحياء؛ وأن الله تعالى يريد أن يحق الحق ويمحق الباطل باستئصالهم، فقوله ها هنا في معنى التمييز، كما في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا) الآية؛ لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. فإن قلت: على ما ذكرت ما معنى عطف قوله تعالى: (وَيَتَّخِذَ) على "يعلم"؟ وكيف عطل (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) على (وَيَتَّخِذَ) مع اختلافهما: فعلية واسمية؟ قلت: (وَيَتَّخِذَ) مع معطوفه عطف على "يعلم" عطف المفصل على المجمل، كما عطف قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ) الآية [البقرة: 74]، على قوله: (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)؛ بياناً له، وإنما حسن عطف الاسمية على الفعلية؛ لما يراد من الأولى: التجدد، ومن الثانية: الاستمرار، كأنه قيل: ليحدث بذلك التمييز كرامة أوليائه الذين ثبتوا بالشهادة ويستمر على المتزلزلين بغضه، ففيه معنى التصديق، كأنه قيل: إن الله يحب الثابتين على الإيمان الذين عرج بهم على منازل الصديقين والشهداء، ولا يحب المتزلزلين الذين ظلموا على أنفسهم بالنكوص على أعقابهم، على ما تقرر في قوله تعالى: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [الروم: 45] أنه من باب الطرد والعكس، وعلى هذه الوتيرة وردت القرينة اللاحقة. قال الإمام: قوبل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين؛ لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم، وهذه مقابلة لطيفة. انتهى كلامه. فقد تبين من هذا التقرير أن الواو في (وَتِلْكَ الأَيَّامُ) استئنافية، وفي (وَلِيَعْلَمَ) عطف معنوي، وفي (وَيَتَّخِذَ) بياني، وفي (وَلِيُمَحِّصَ) عطف شفع على شفع، وفي (والله لا يحب)، (وَيَمْحَقَ) عطف وتر على وتر، والله أعلم.

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) 142] (أَمْ) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار. (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ) يعني ولما تجاهدوا؛ لأنّ العلم متعلق بالمعلوم، فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقة؛ لأنه منتف بانتفائه. يقول الرجل: ما علم اللَّه في فلان خيراً، يريد: ما فيه خير حتى يعلمه. و"لما" بمعنى "لم"، إلا أن فيها ضربا من التوقع فدلّ على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل. وتقول: وعدني أن يفعل كذا، ولما، تريد، ولم يفعل، وأنا أتوقع فعله ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقه)، وهو نوع من الكناية، أي: حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم مجاهدة قط، ودخل فيه من جاهد بسيفه ويده ولسانه، وبيان الكناية أن كل معلوم يقتضي علماً من الله تعالى البتة، فإذا نفى العلم ينتفي المعلوم لا محالة، قال القاضي: والقصد في أمثاله ليس إلى إثبات علمه تعالى ونفيه، بل إلى إثبات المعلوم ونفيه على طريق البرهان. الانتصاف: التعبير عن نفي العلم خاص بعلم الله، إذ يلزم من عدم تعلقه بوجود شيء إعدام ذلك الشيء، ولا كذلك علم المخلوقين، فلا يعبر عنه بذلك لعدم اللزوم، فظهر من كلام الزمخشري جواز ذلك مطلقاً؛ لأنه قال في قول فرعون: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: 38]: عبر عن نفي المعلوم بنفي العلم؛ لأنه من عناده أراد أن علمه لا يعزب عنه شيء، وفيه نظر. قوله: (و"لما" بمعنى "لم"، إلا أن فيه ضرباً من التوقع)، قال الزجاج: فإذا قيل: قد فعل فلان، فجوابه: لما يفعل، وإذا قيل: فعل فلان، فجوابه: لم يفعل، وإذا قيل: لقد فعل،

وقرئ: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ) بفتح الميم. وقيل أراد النون الخفيفة: و"لما يعلمن" فحذفها. (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) نصب بإضمار "أن" والواو بمعنى الجمع، كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فجوابه: ما فعل، كأنه قال: والله لقد فعل، فقال المجيب: والله ما فعل، وإذا قيل: هو يفعل، يريد ما يستقبل، فجوابه: لا يفعل. وإذا قيل: سيفعل، فجوابه: لن يفعل. قوله: (وقيل: أراد النون الخفيفة، أي: ولما يعلمن، فحذفها)، قيل: مثاله قول الشاعر: إذا قال: قدني قال: بالله حلفة ... لتغني عني ذا إنائك أجمعا على رواية فتح اللام والياء في لتغني، وقيل: الرواية الصحيحة بكسر اللام، إذ لا تحذف النون الخفيفة من مثله إلا بشرط ملاقاة الساكن، والصواب جوازه من غير الشرط. قال: اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسيف قونس الفرس أصله: "اضربن" فحذفت النون الخفيفة وأبقيت فتحة الباء. قوله: (كقوله: لا تأكل السمك وتشرب اللبن)، قال أبو البقاء: والتقدير: أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين؟ ويقرب عليك هذا المعنى أنك لو قدرت الواو بمعنى "مع".

وقرأ الحسن بالجزم على العطف. وروى عبد الوارث عن أبي عمرو (ويعلم) بالرفع على أنّ الواو للحال، كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون. (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) 143]. (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) خوطب به الذين لم يشهدوا بدراً وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهداً مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ليصيبوا من كرامة الشهادة ما نال شهداء بدر، وهم الذين ألحوا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في الخروج إلى المشركين، وكان رأيه في الإقامة بالمدينة، يعني: وكنتم تمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدّته وصعوبة مقاساته. (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)، أي: رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تقتلوا، وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت، وعلى ما تسببوا له من خروج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه وقلة ثباتهم عنده. فإن قلت: كيف يجوز تمنى الشهادة، وفي تمنيها تمني غلبة الكافر المسلم؟ قلت: قصد متمني الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء لا غير، ولا يذهب وهله إلى ذلك المتضمن، كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني قاصد إلى حصول المأمول من الشفاء، ولا يخطر بباله أنّ فيه جرّ منفعة وإحسان إلى عدوّ اللَّه وتنفيقاً لصناعته. ولقد قال عبد اللَّه بن رواحة رضي اللَّه عنه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: رأيتموه معاينين مشاهدين)، ونحوه قوله: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: 25] في كونه حالاً مؤكدة. قال الزجاج: المعنى: فقد رأيتموه وأنتم بصراء، كما تقول: قد رأيت كذا وليس في عينيك علة، أي: قد رأيته رؤية حقيقية، ففيه توكيد.

حين نهض إلى مؤتة، وقيل له ردكم اللَّه: لكِنَّنِى أَسْألُ الرَّحْمنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا أو طَعْنَةً بِيَدَىْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً ... بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الأَحْشَاءَ وَالكَبِدَا حَتَّى يَقُولُوا إذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِى ... أرشدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَد رَشَدَا (وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) 144]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مؤتة) بالهمزة: موضع قتل فيها جعفر بن أبي طالب. النهاية: هي موضع من بلد الشام، مهموز. الاستيعاب: كانت هذه الغزوة في سنة ثمان من الهجرة. قوله: (ردكم الله) أي: ردكم الله سالمين إلى أهلكم. قوله: (ذات فرغ) أي: واسعة، تقذف الزبد، أي: الدم الذي له زبد من كثرته، الحران: العطشان، والحران: ذو الحرقة، مجهزة: صفة طعنة، أي: مسرعة القتل، والمجهز هو: الذي يكون به رمق، جهزت عليه: إذا أسرعت قتله. الأبيات مذكورة في "الاستيعاب"، ومعنى قوله: حتى يقولوا إذا مروا: ليس للرياء والسمعة، كما جاء في الحديث الصحيح: "قاتلت حتى قيل: جريء"، فإن ساحته بريئة منها، بل قاله ليتأسى به ويقتفى أثره.

لما رمى عبد اللَّه بن قمئة الحارثي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته، وشج وجهه، أقبل يريد قتله، فذب عنه صلى اللَّه عليه وسلم مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد، حتى قتله ابن قمئة وهو يرى أنه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فقال: قد قتلت محمداً. وصرخ صارخ: ألا إن محمداً قد قتل. وقيل: كان الصارخ الشيطان، ففشا في الناس خبر قتله فانكفؤوا، فجعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يدعو: «إليّ عباد اللَّه» حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم على هربهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين؛ فنزلت. وروي: أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد اللَّه بن أبيّ يأخذ لنا أمانا من أبى سفيان. وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيا لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم. فقال أنس بن النضر ـ عم أنس بن مالك ـ: يا قوم، إن كان قتل محمد فإن رب محمد حيٌ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه؛ ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لما رمى عبد الله بن قمئة) مخالف لما سبق عند قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ)، فإنه ذكر أنه عتبة بن أبي وقاص، وهذا الذي ذكره ها هنا أصح لما جاء في كتاب "الوفا" لابن الجوزي أنه ابن قمئة. قوله: (ثم شد بسيفه) أي: حمل وصال، الراغب: الشد: العقد القوي، شددت الشيء: قويت عقده، قال تعالى: (وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) [الإنسان: 28]، وشد فلان واشتد: إذا أسرع،

وعن بعض المهاجرين: أنه مرّ بأنصاري يتشحط في دمه، فقال: يا فلان، أشعرت أن محمداً قد قتل، فقال: إن كان قتل فقد بلغ، قاتلوا على دينكم. والمعنى (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه؛ لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة، لا وجوده بين أظهر قومه (أَفَإِينْ ماتَ): الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبيب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبيب) أي: قوله: "فإن مات" مسبب عن جملة قوله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ) وقوله: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) صفة (رَسُولٌ)، فدخلت همزة الإنكار بين المسبب والسبب لإعطاء مزيد الإنكار الذي يتضمنه قوله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وذلك أن التركيب من باب القصر القلبي، لأنه جعل المخاطبون بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم كأنهم اعتقدوا أن محمداً صلوات الله عليه ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم، بل حكمه على خلاف حكمهم، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك وبين أن حكمه حكم من سبق من الأنبياء في أنهم ماتوا وبقي أتباعهم متمسكين بدينهم ثابتين عليه، ثم عقب الإنكار بقوله: "فإن مات"، وادخل الهمزة لمزيد ذلك الإنكار، يعني: إذا علم أن أمره أمر الأنبياء السالفة فلم عكستم الأمر؟ فإن لم يجعل ذلك العلم سبباً للثبات فلا أقل من أن لا يجعل سبباً للانقلاب، وإليه الإشارة بقوله: "يجب أن يكون سبباً للتمسك لا للانقلاب". وقال الزجاج: ألف الاستفهام دخلت على حرف الشرط، وفي الحقيقة داخلة على الجزاء، كما أنك إذا قلت: هل زيد قائم؟ فإنما تستفهم عن قيامه إلا أنك أدخلت "هل"

والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أنّ خلو الرسل قبله، وبقاء دينهم متمسكاً به، يجب أن يجعل سببا للتمسك بدين محمد صلى اللَّه عليه وسلم، لا للانقلاب عنه. فإن قلت: لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟ قلت: لكونه مجوّزا عند المخاطبين. فإن قلت: أما علموه من ناحية قوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: 67] قلت: هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوى البصيرة، ألا ترى أنهم سمعوا بخبر قتله فهربوا، على أنه يحتمل العصمة من فتنة الناس وإذلالهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على الاسم ليعلم الذي استفهمت عن قيامه من هو؟ وكذا قولك: ما زيد قائماً: إنما نفيت القيام ولم تنف زيداً؛ ليعلم من الذي نفي عنه القيام، كذلك ها هنا، المنكر: انقلابهم على أعقابهم لا الموت، وإن دخلت الهمزة عليه، فتقرير المصنف ها هنا تلخيص كلام الزجاج، يعني: حكمه حكم سائر الأنبياء المتقدمة في أنه إذا مات أو قتل يجب إتباع دينه، فإن مات أو قتل لم كان منكم النكوص؟ وأما كلام صاحب "المفتاح" أن التركيب من باب القصر الإفرادي، أي: محمد مقصور على الرسالة لا يتجاوزها إلى البعد عن الهلاك، يعني أنهم أثبتوا له صفة الرسالة والخلد استعظاماً لهلاكه، فقصر على صفة الرسالة فحديث خارج من مقتضى المقام وبمعزل عن موجب النظم، ويؤيده قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)، كما قال: إنه تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: (على أنه يحتمل العصمة من فتنة الناس) يعني: إن سلم أنهم علموا أنه تعالى

والانقلاب على الأعقاب: الإدبار عما كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقوم به من أمر الجهاد وغيره. وقيل: الارتداد. وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين. ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وإسلامه (فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً) يعني: فما ضر إلا نفسه؛ لأن اللَّه تعالى لا يجوز عليه المضارّ والمنافع ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعصمه من الناس ألبتة، لكن لم لا يجوز أن حمل العصمة على غير القتل من الإضلال وغيره؟ قوله: (إلا ما كان من قول المنافقين) استثناء منقطع، ويجوز أن يكون من باب قوله: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس قوله: (ويجوز أن يكون على وجه التغليظ): عطف على قوله: "ما ارتد أحد من المسلمين"، أي: يجوز أن ينسب الارتداد إلى المسلمين تغليظاً، كقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) تعظيماً لما صدر عنهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخذلانه. الأساس: كشف عنه الثوب وكشفه، وانكشف، ورجل أكشف: لا ترس معه. وقلت: ومن ثم سمي الترس جنة، كأنها تستر صاحبه عما يصيبه من العدو. قوله: (وإسلامه) من أسلمه: إذا خذله، والمصدر مضاف إلى المفعول، أي: غادروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد الكفار. قوله: (فما ضر إلا نفسه) جعلهم كأنهم زعموا أنهم يضرون الله ورسوله لا أنفسهم، أو يضرون أنفسهم معه، فإذا انقلبوا رجعت المضرة إلى من يضرونه، فرد عليهم بـ "لن" في قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ)، أي: لا يضرون الله شيئاً، وإنما يضرون أنفسهم.

(وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) الذي لم ينقلبوا، كأنس بن النضر وأضرابه، وسماهم شاكرين؛ لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا. المعنى: أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة اللَّه، فأخرجه مخرج فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا أن يأذن له الله فيه تمثيلاً؛ ولأن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وسماهم شاكرين) إشارة إلى مجاز في الكلام، أي: وضع الشاكرين موضع الثابتين على الإسلام تسمية للشيء باسم سببه، إذ أصل الكلام: ومن ينقلب على عقبيه يكن كافراً لنعمة الله التي أنعم عليه بالإسلام، فيضر نفسه حيث كفر نعمة الله، والله يجزيه ما يستحقه، ومن ثبت عليه يكن شاكراً لتلك النعمة والله يجزيه الجزاء الأوفى! ولم يذكر ما يجزي به ليدل على التعميم والتفخيم، ففي الكلام تعريض، وإليه أشار بقوله: " (الشَّاكِرِينَ): الذين لم ينقلبوا كأنس بن النضر وأضرابه". قوله: (المعنى: أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله)، يعني: ليس لأحد تأخير أجله ولا تقديمه، بل ذلك بمشيئة الله، فاستعير للمشيئة الإذن على التمثيل، بأن شبه حال من يحاول ما يتوصل به إلى موته من طلب تسهيله لا يجد إلى ذلك سبيلاً إلا بتيسير الله، بحال من يتوخى الوصول إلى قرب من هو محتجب عنه ولا يحصل مطلوبه إلا بإذن منه وتسهيل الحجاب له، ونحوه قوله في تفسير قوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) [إبراهيم: 1]: أي: تسهيله وتيسيره، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب، ومعنى هذا الوجه قريب من معنى قوله تعالى: "والذين يتوفون منكم" [البقرة: 234] على بناء الفاعل، وفيه أن الموت مقطوع حصوله وأن أسبابه متآخذة، حتى إن الذين يفر منه فهو في الحقيقة طالبه.

ملك الموت هو الموكل بذلك فليس له أن يقبض نفساً إلا بإذن من اللَّه. وهو على معنيين: أحدهما: تحريضهم على الجهاد، وتشجيعهم على لقاء العدوّ بإعلامهم أن الحذر لا ينفع، وأن أحداً لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خوّض المهالك، واقتحم المعارك. والثاني: ذكر ما صنع اللَّه برسوله عند غلبة العدوّ والتفافهم عليه وإسلام قومه له، نهزة للمختلس من الحفظ والكلاءة وتأخير الأجل. (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) 145]. (كِتاباً) مصدر مؤكد؛ لأن المعنى: كتب الموت كتابا. (مُؤَجَّلًا): موقتًا، له أجل معلوم لا يتقدّم ولا يتأخر (وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا) تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد. (نُؤْتِهِ مِنْها)، أي: من ثوابها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهذه الآية موقعها موقع التذييل للكلام السابق، فأخرجت مخرج المثل، فنسبتها إلى المؤمنين: التحريض والتشجيع على القتال والجهاد، ومن ثم قيل: إذا كانت الأبدان للموت أنشئت .. فقتل امرئ في الله بالسيف أجمل وإليه الإشارة بقوله: "تحريضهم على الجهاد" إلى آخره، وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم: الوعد بالحفظ وتأخير الأجل، وهو المراد بقوله: "ذكر ما صنع ... من الحفظ والكلاءة وتأخير الأجل". قوله: (نهزة)، الأساس: وانتهز الفرصة: اغتنمها، وهذه نهزة فاختلسها، قيل: هي مفعول له من المصدر، وهو الإسلام، أو: حال من ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، والمختلس: المستلب.

(وَسَنَجْزِي) الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة اللَّه، فلم يشغلهم شيء عن الجهاد. وقرئ: (يؤته). (وسيجزي)، بالياء فيهما. (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) 146 ـ 148]. قرئ: (قاتل). و (قتل). و (قتل)، بالتشديد. والفاعل (ربيون)، أو ضمير النبي. و (مَعَهُ رِبِّيُّونَ)، حال عنه بمعنى: قتل كائنا معه ربيون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَسَنَجْزِي): الجزاء المبهم) إشارة إلى أن ما جوزوا به غير مذكور، فيعم جميع ما يصح أن يجزى به، وهو مقابل لقوله: (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ)، المعنى: من يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنزيده في الآخرة من الجزاء ما لا يدخل تحت الحصر، كقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا) [الشورى: 20]. قوله: (قرئ: (قَاتَلَ)): ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، والباقون "قتل"، وبالتشديد: شاذ. قال أبو البقاء: (وَكَأَيِّنْ) الأصل فيه: "أي" التي هي بعض من كل أدخلت عليها كاف التشبيه وصارا في معنى "كم" التي للتكثير، وموضع "كأي": رفع بالابتداء، ولا تكاد تستعمل إلا وبعدها "من"، والخبر: (قَاتَلَ)، وفيه ضمير النبي، وهو عائد على "كأي"، لأن "كأي" في معنى نبي، والجيد أن يعود الضمير إلى لفظ (كَأَيِّنْ)، فإن قيل: لو كان كذلك لأنثت، فقلت: قتلت؟ قيل: هذا محمول على المعنى، لأن المعنى: كثير من

والقراءة بالتشديد تنصر الوجه الأوّل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرجال قتل، فعلى هذا (مَعَهُ رِبِّيُّونَ) في موضع الحال من الضمير في (قَاتَلَ)، ويجوز أن يكون (قَاتَلَ) في موضع جر صفة لـ (نَبِيٍّ)، و (مَعَهُ رِبِّيُّونَ): الخبر، كقولك: كم من رجل صالح معه مال. قوله: (والقراءة بالتشديد تنصر الوجه الأول)، وهو أن يكون الفاعل (رِبِّيُّونَ). قال أبو البقاء: فعلى هذا لا ضمير في الفعل لأجل التكثير، والواحد لا تكثير فيه، كذا ذكره ابن جني. وقلت: قال ابن جني: "قتل" بالتشديد: قراءة قتادة، وفيها دلالة على أن من قرأ من السبعة: (قتل) أو (قَاتَلَ)، فإن (رِبِّيُّونَ) مرفوع في قراءته بـ (قُتِلَ) أو (قَاتَلَ)، ولي مرفوعاً بالابتداء ولا بالظرف الذي هو معه، ألا ترى أنه لا يجوز كم نبي قتل مشددة التاء على "فعل"، فلابد أن يكون (رِبِّيُّونَ) مرتفعاً بـ "قتل"، وهذا واضح، فإن قلت: فهلا جاز "فعل"، أي: قتل نبي، حملاً على معنى كم؟ قيل: لما انصرف عن اللفظ إلى المعنى لم يحسن العود من بعد إلى اللفظ، وقد قال تعالىـ كما تراهـ: (مَعَهُ) ولم يقل: معهم، فافهم ذلك. وقلت: يريد أن الشيء إذا انصرف عن اللفظ إلى المعنى لم يحسن بعد ذلك العود إلى اللفظ، فإن الضمير في (مَعَهُ) مفرد رجع إلى (وَكَأَيِّنْ) من حيث المعنى لأنه في معنى نبي، ولم يحسن بعد ذلك أن يقال: إن الضمير (قَاتَلَ) راجع إلى (وَكَأَيِّنْ) من حيث اللفظ؛ لأن "قتل"، بالتشديد، يقتضي متعدداً، و"كأين" لفظه متعدد، ولا يجوز ذلك، والظاهر الوجه الثاني، وهو اختيار الزجاج.

وعن سعيد بن جبير رحمه اللَّه: ما سمعنا بنبيّ قتل في القتال. والربيون: الربانيون. وقرئ بالحركات الثلاث، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "المرشد": من قرأه (قتل) بالتخفيف فله وجهان: أحدهما: أن يكون الفعل واقعاً على النبي، أي: كم من نبي قتل ومعه ربيون كثير فما وهنوا بعد قتله، ولكنهم ثبتوا على الحق، وهذا وجه يختاره كثير من أهل العلم، والزجاج، وإنما قيل للمسلمين هذا لأنهم لما توهموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل انكسرت قلوب بعضهم وضعفوا. وثانيهما: أن الفعل واقع على "الربيون"، كأنه قيل: كم من نبي قتل ربيون معه، فما وهن من بقي منهم وما ضعفوا، أي: ما فتروا وما جبنوا عن قتال عدوهم. وقلت: الوجه الأول أقرب إلى معنى التعريض الذي ذكره المصنف. الراغب: قيل: (قَاتَلَ) مسنداً إلى ضمير النبي، (و (مَعَهُ رِبِّيُّونَ): استئناف في موضع الحال، وقال الحسن: ما قتل نبي في حرب قط، وقال بعضهم ما قال الحسن: وإن صح فإنه لا ينفي أنه قتل في غير حرب، وقيل: مسنداً إلى (رِبِّيُّونَ) أي: قتل جماعة منهم فمل يهن الباقون، ومن قرأ (قَاتَلَ) فيحتمل الوجهين، والوهن: ضعف من حيث الخلق أو الخلق، والفرق بين الوهن والضعف أن الوهن: اختلال يعتري الإنسان، ويضاده الشدة، والضعف: اختلال ينقصه وتضاده القوة، والاستكانة: الخشوع والتضرع للمخافة. والقتل: إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال: قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة، يقال: موت، قال تعالى: (أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ). قوله: (ما سمعنا بنبي قتل في القتال) استشهاد لأن الفاعل (رِبِّيُّونَ). قوله: (وقرئ بالحركات الثلاث): الكسر: للسبعة، والفتح والضم شاذان.

فالفتح على القياس، والضم والكسر من تغييرات النسب. وقرئ: (فَما وَهَنُوا) بكسر الهاء. والمعنى: فما وهنوا عند قتل النبي (وَما ضَعُفُوا) عن الجهاد بعده، (وَمَا اسْتَكانُوا) للعدوّ. وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار عند الإرجاف بقتل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم، حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد اللَّه بن أبيّ في طلب الأمان من أبى سفيان. وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم، مع كونهم ربانيين؛ هضما لها واستقصاراً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما كان قولهم إلا هذا القول، وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين) إشارة إلى أن هذا المعنى كالتتميم، والمبالغة في صلابتهم في الدين وعدم تطرق الوهن والضعف فيهم، وذلك من إفادة الحصر وإيقاع "أن" مع ذلك الفعل اسماً لـ "كان"، قال في قوله تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) [النور: 51]: "وعن الحسن: (قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ) بالرفع والنصب أقوى؛ لأن أولى الاسمين بكونه اسماً لـ "كان" أوغلهما في التعريف، وأن يقولوا: أوغل في التعريف؛ لأنه لا سبيل عليه في التنكير، بخلاف قول المؤمنين، فكان هذا من قبيل "كان" في قوله: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) [مريم: 35] ". وقال صاحب "المطلع": معنى قوله: "بخلاف قول المؤمنين"، أن قول المؤمنين إن اختزل عنه الإضافة يبقى منكراً، بخلاف (أَن قَالُوا). وقال أبو البقاء: اسم "كان" ما بعد "إلا"، وهو أقوى من أن يجعل خبراً، والأول اسماً، لوجهين: أحدهما: أن (أَن قَالُوا) يشبه المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف، وكذا عن ابن جني.

والدعاء بالاستغفار منها مقدّما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدوّ، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع وأقرب إلى الاستجابة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والثاني: أن ما بعد (إِلَّا) مثبت، والمعنى: كان قولهم: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا) دأبهم في الدعاء. وقلت: كأن المعنى: ما صح ولا استقام من الربانيين في ذلك المقام إلا هذا القول، وكأن غير هذا القول مناف لحالهم، وهذه الخاصية يفيدها إيقاع "أن" مع الفعل اسماً لـ (كَانَ)، وتحقيقه ما ذكره صاحب "الانتصاف"، قال: فائدة دخول كان المبالغة في نفي الفعل الداخل عليه بتعديه جهة فعله عموماً باعتبار الكون، وخصوصاً باعتبار خصوصية المقام، فهو نفي مرتين. وقلت: فعلى هذا لو جعلت رب الجملة (أَن قَالُوا)، واعتمدت عليه وجعلت قولهم كالفضلة، حصل لك ما قصدته، ولو عكست ركبت المتعسف، ألا ترى إلى أبي البقاء كيف جعل الخبر نسياً منسياً واعتمد على ما بعد (إِلَّا) في الوجه الثاني. الراغب: الفرق بين الذنب والإسراف من وجهين. أحدهما: أن الإسراف حقيقة: تجاوز الحد في فعل ما يجب، والذنب عام فيه وفي التقصير. والثاني: أن الذنب: التقصير وترك الأمر حتى يفوت ثم يؤخذ بالذنب، فالذنب إذاً مقابل للإسراف وكلاهما مذمومان، والمحمود هو العدالة. قوله: (أقرب) روي مرفوعاً خبراً، لقوله: "والدعاء بالاستغفار"، وقوله: "ليكون" متعلق بالدعاء، والأولى أن يكون "أقرب" منصوباً خبراً لقوله: "ليكون"، وليكون خبراً لقوله: "والدعاء"؛ لأن المعنى عليه.

(فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا) من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر، وخص ثواب الآخرة بالحسن؛ دلالة على فضله وتقدّمه، وأنه هو المعتدّ به عنده (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ). [الأنفال: 67] (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَاواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى 149 ـ 151]. (إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا) قال علىّ رضي اللَّه عنه: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم، وعن الحسن رضي اللَّه عنه: إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم، لأنهم كانوا يستغوونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين، ويقولون: لو كان نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوما له ويوما عليه. وعن السدي: إن تستكينوا لأبى سفيان وأصحابه وتستأمنوهم (يَرُدُّوكُمْ) إلى دينهم. وقيل: هو عامّ في جميع الكفار، وإنّ على المؤمنين أن يجانبوهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن تستكينوا لأبي سفيان) الاستكانة: الخضوع، وأصله: استكن، من السكون، قال القاضي: لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة، أو استكون، من الكون؛ لأنه يطلب من نفسه أن يكون لمن يخضع له. قوله: (وقيل: هو عام): معطوف على قوله: "قال علي رضي الله عنه: نزلت في قول المنافقين".

ولا يطيعوهم في شيء، ولا ينزلوا على حكمهم ولا على مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم. (بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ)، أي: ناصركم، لا تحتاجون معه إلى نصرة أحد وولايته. وقرئ بالنصب على: بل أطيعوا اللَّه مولاكم (سَنُلْقِي) قرئ بالنون والياء. و (الرُّعْبَ) بسكون العين وضمها. قيل: قذف اللَّه في قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة. وقيل: ذهبوا إلى مكة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اعلم أن التعريف في قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) إذا حمل على العهد، فالمخاطبون أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم المراد بالذين كفروا إما المنافقونـ وإليه الإشارة بقوله: "نزلت في قول المنافقين"ـ أو أهل الكتابـ وهو الذي رواه عن الحسنـ أو المشركون، وهو الذي رواه عن السدي، وإذا حمل على الجنس فالمخاطبون: جماعة المسلمين في جميع الأزمنة، كما أن الكفار عام في اليهود والمنافقين والمشركين، وهو المراد بقوله: "وأن على المؤمنين أن يجانبوهم". قوله: (ولا على مشورتهم)، الراغب: المشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، من قولهم: شرت العسل وأشرته: استخرجته، والشورى: الأمر الذي يتشاور فيه. قوله: (و (الرُّعْبَ): أي: وقرئ: (الرُّعْبَ) بسكون العين: كلهم سوى ابن عامر والكسائي فإنهما قرآ بالضم. قوله: (قذف الله في قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة) يوجب أن يكون هذا الوعد أي: قوله: (سَنُلْقِي) بعد القتال، ويؤيده قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا) الآية، لأن هذا الكلام مسوق لتسلية المؤمنين والمنع من أن يطيعوا الكفار فيما كانوا يوقعونهم في الشبه في الدين بسبب ما أصيبوا يوم أحد، وهي أنه لو كان نبياً حقاً لما غلب، وغير ذلك، وقوله بعد ذلك: "ويجوز أن يكون الوعد قوله: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) فلما فشلوا تنازعوا لم يرعبهم"، يوجب أن يكون قبل القتال، فأي الوجهين أقرب إلى النظم؟

فلما كانوا ببعض الطريق قالوا: ما صنعنا شيئا، قتلنا منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى اللَّه الرعب في قلوبهم فأمسكوا. (بِما أَشْرَكُوا) بسبب إشراكهم، أي: كان السبب في إلقاء اللَّه الرّعب في قلوبهم إشراكهم به (ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً): آلهة لم ينزل اللَّه بإشراكها حجة. فإن قلت: كأن هناك حجة. حتى ينزلها اللَّه فيصح لهم الإشراك؟ قلت: لم يعن أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل عليهم؛ لأن الشرك لا يستقيم أن يقوم عليه حجة، وإنما المراد نفى الحجة ونزولها جميعا، كقوله: وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: الأول، ولذلك قال: "ويجوز"؛ لأن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا) من تتمة المعاتبات من لدن قوله: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا) [آل عمران: 123] وقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ) [آل عمران: 128]، وقوله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) [آل عمران: 144]، وهلم جراً إلى ما نحن بصدده تسلية لقلوب المؤمنين، فأوجب ذلك أن يجري قوله: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا) وعداً عاماً لهم، مزيداً للتسلي، فيدخل فيه هذا الرعب الخاص دخولاً أولياً. ويدل على عمومه تعليله بقوله: (بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ) وبقوله: (وَمَاوَاهُمْ النَّارُ)، يعني: أنهم محقوقون بأن يخذلوا ويخيبوا؛ لأنهم أعداء الله، وأن الله تعالى قدر أن تكون عاقبتهم وخيمة، و (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: 11]، ألا ترى كيف عقب الوعد قوله: (بَلْ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) [آل عمران: 150]، وعقب قوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ) [آل عمران: 152] هذا الوعد ليؤذن بأن الذي جرى عليكم يوم أحد من الوهن والإصابة أمر على خلاف ما أنتم تستأهلونه؟ وذلك لمخالفتكم الأمر، وإلا كان أصل أمركم على النصر والظفر؛ لأن الله مولاكم وناصركم. قوله: (ولا ترى الضب بها ينجحر)، أوله: لا تفزع الأرنب أهوالها

(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) 152 ـ 154]. (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ): وعدهم اللَّه النصر بشرط الصبر والتقوى في قوله تعالى: (إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ) [آل عمران: 125] ويجوز أن يكون الوعد قوله تعالى: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: ليس بها أرنب ليفزع أهوالها، وليس بها ضب يدخل الجحر، يصف مفازة خالية من الحيوان. قوله: (بشرط الصبر والتقوى)، يعني: المراد بقوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ) هو الوعد بالنصر المقيد بالصبر والتقوى في تلك الآية، وهي: (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ) الآية [آل عمران: 125]، فلما لم يوجد الشرط، وهو الصبر، فقد المشروط، وهو النصر، فالآية على هذا متصلة بتلك الآية، وهي متصلة بقوله: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) [آل عمران: 120] وقد سبق تقريره، وما بينهما من الآيات مناسبة للقصة، وقوله: "وقيل: لما رجعوا": بيان لسبب نزول الآية.

فلما فشلوا وتنازعوا لم يرعبهم. وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا اللَّه النصر؟ فنزلت. وذلك أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم. يحسونهم أي يقتلونهم قتلا ذريعاً، حتى إذا فشلوا؛ والفشل: الجبن وضعف الرأي؛ وتنازعوا، فقال بعضهم: قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا؟ وقال بعضهم: لا نخالف أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فممن ثبت مكانه عبد اللَّه بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)، ونفر أعقابهم ينهبون، وهم الذين أرادوا الدنيا، فكرّ المشركون على الرماة، وقتلوا عبد اللَّه بن جبير رضي اللَّه عنه، وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح دبورا وكانت صبا، حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا، وهو قوله (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ): ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان عندها (وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ) لما علم من ندمكم على ما فرط منكم من عصيان أمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) يتفضل عليهم بالعفو، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) إشارة إلى تطبيق الآية على الوجهين. قوله: (يحسونهم، أي: يقتلونهم)، قال الزجاج: تستأصلونهم قتلاً، يقال: حسهم القاتل يحسهم حساً: إذا قتلهم. قوله: (فممن ثبت) تفصيل لمجمع محذوف، أي: فثبت بعضهم ونفر بعضهم، فممن ثبت مكانه: عبد الله بن جبير، وممن نفر: أعقابهم. قوله: (عبد الله بن جبير)، وفي بعض الحواشي: بجير، وسبق أن الصحيح جبير.

سواء أديل لهم أو أديل عليهم؛ لأنّ الابتلاء رحمة كما أنّ النصرة رحمة. فإن قلت: أين متعلق (حَتَّى إِذا)؟ قلت: محذوف تقديره: (حتى إذا فشلتم) منعكم نصره. ويجوز أن يكون المعنى: صدقكم اللَّه وعده إلى وقت فشلكم (إِذْ تُصْعِدُونَ)، نصب ب (صرفكم)، أو بقوله: (لِيَبْتَلِيَكُمْ)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ) منعكم نصره)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن "منعكم" ليس متعلق (حَتَّى) لأدائه إلى كون زمان الفشل غاية لمنع النصر، فالتحقيق أن (حَتَّى) متعلق بـ (صَدَقَكُمُ): إما جارة و (إِذَا): للظرفية المجردة، أي: إلى زمان فشلكم، أو عاطفة تبتدأ بعدها الجملة، فـ (إِذَا): للشرطية ويقدر له جواب وهو: منعكم نصره. والجواب أن السؤال ليس أن (حَتَّى) غاية ماذا، لما سبق في قوله: إنه غاية (إِذْ تَحُسُّونَهُمْ) حيث قال: "والمسلمون على آثارهم يحسونهم، أي: يقتلونهم قتلاً ذريعاً حتى إذا فشلوا"، بل السؤال عن جواب (إِذَا)، ولذلك ضمها مع (حَتَّى)، أي: الجواب: "منعكم" ولاً يقتضي الجواب؛ لأنه غاية الوعد بالنصر، و (إِذَا) بمعنى الوقت، و (حَتَّى) هي الجارة، والسؤال وارد على ذلك التقدير، لأنه يقتضي تقدير الشرط لا الظرف؛ لأن الكلام في الامتنان على المسلمين بالنصر والوعد بالظفر والغلبة، فلا يجوز أن يقال: وعدكم الله بالنصر إذ تحسونهم حتى إذا انتهى بكم الحس إلى الفشل؛ إذ لا يعلم منه انقطاع النصر، فلابد من تقدي ر"منعكم"، بأن يقال: حتى إذا فشلتم منعكم النصر، ولذلك فسر (حَتَّى) بـ "إلى حين" كان غاية النصر؛ لحصول المعنى مع عدم التقدير. قوله: (إلى وقت فشلكم)، اعلم أن "حتى" إما أن تكون حرف جر بمنزلة "إلى" لانتهاء الغاية، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أي: إلى رأسها، أو تكون حرف عطف، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أي: ورأسها، أوي ستأنف بها الكلام نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أي: حتى رأسها مأكول، و"حتى" هذه لا يجوز أن تكون عاطفة؛ لأنها تجمع

أو بإضمار «اذكر» والإصعاد: الذهاب في الأرض والإبعاد فيه. يقال: صعد في الجبل، وأصعد في الأرض. يقال: أصعدنا من مكة إلى المدينة: وقرأ الحسن رضي اللَّه عنه: تصعدون، يعنى في الجبل، وتعضد الأولى قراءة أبيّ: (إذ تصعدون في الوادي). وقرأ أبو حيوة: (تصعدون)، بفتح التاء وتشديد العين، من تصعد في السلم وقرأ الحسن: (تلون)، بواو واحدة وقد ذكرنا وجهها. وقرئ: يصعدون، ويلوون بالياء. (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ) كان يقول «إلىّ عباد اللَّه، إلىّ عباد اللَّه، أنا رسول اللَّه، من يكرّ فله الجنة» (فِي أُخْراكُمْ): في ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وهي المتأخرة. يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول: في أوّلهم وأولاهم، بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بين الأول والثاني في الحكم الذي ثبت للأول، مثل "ثم" في المهلة، ومعطوفها جزء من متبوعه ليفيد قوة أو ضعفاً، وهي هنا متعذرة، فبقي أن تكون حرف جر أو حرف ابتداء، فإن كان الثاني فلابد أن تكون "إذا": شرطية، وجوابها محذوفاً وهو متعلق "حتى إذا"، ليكون الواقع بعد "حتى" الابتدائية جملة، وإن كان حرف جر، فتكون "إذا" ظرفية مجرورة، نحو قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) [الليل: 1]. قوله: (أو بإضمار "اذكر") يعني: اذكر إذ تصعدون، قيل: فيه إشكال، إذ يصير المعنى: اذكر يا محمد إذ تصعدون، وقيل: الصواب أن تقدير "اذكر" على قراءة "يصعدون" بالياء، ويمكن أن يقال: ليس مراده أنه منصوب بإضمار "اذكر" صيغة أمر الواحد، بل المراد أنه منصوب بما ينتصب به أمثاله من لفظ الذكر بحسب ما يطابق الموقع، فيقدر "اذكروا"، وإنما أفرد إذا الغالب في أمثال هذه المواضع الإفراد، ويجوز أن يكون من باب قوله: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ) [الطلاق: 1]. قوله: (وقد ذكرنا وجهها) أي: في قوله: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ) [آل عمران: 78] قبل هذا، وهو أن الواو المضمومة قلبت همزة ثم خففت.

(فَأَثابَكُمْ) عطف على (صرفكم)، أي: فجازاكم اللَّه (غَمًّا) حين صرفكم عنهم وابتلاكم بسبب (غم) أذقتموه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعصيانكم له، أو: (غماً) مضاعفا، (غما) بعد غم، وغما متصلا (بغم)، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر. (لِكَيْلا تَحْزَنُوا): لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و (غَمّاً) متصلاً (بِغَمٍّ) تفسير لقوله: " (غَمّاً) بعد غم" على أن التكرير للاستيعاب، نحو قوله تعالى: (ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) [الملك: 4] ولذلك عدد أشياء كثيرة، فقوله: "من الاغتمام": بيان لقوله: " (غَمّاً) متصلاً (بِغَمٍّ)، وقوله: "والجرح" وما يتبعه: عطف على "ما أرجف"، "ومن قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم": بيان "ما أرجف". قوله: (بما أرجف به)، الأساس: رجف البحر: اضطرب، ومن المجاز: أرجفوا في المدينة بكذا، أي: أخبروا به على أن يوقعوا في الناس الاضطراب من غير أن يصح عندهم، وهذا من أراجيف الغواة. قوله: (وظفر المشركين) قيل: ولو قال: وغلبة المشركين كان أحسن؛ لأن الظفر للمؤمنين. قوله: ((لِكَيْلا تَحْزَنُوا) لتتمرنوا على تجرع الغموم ... فلا تحزنوا)، يعني: كنى عن قوله: لتتمرنوا بقوله: (لِكَيْلا تَحْزَنُوا) أي: جازاكم غماً متضاعفاً لتتمرنوا على تجرع الغموم وتأتلفوا بها، فلا تحزنوا على كل شيء؛ لأن العادة طبيعة خامسة، ولابد من هذا التأويل؛ لأن المجازاة بالغم بعد الغم سبب للحزن لا لعدمه، وقد قال الله تعالى: (فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ). قوله: (وتضروا) يقال: ضري بكذا، أي: غري به وأولع، النهاية: يقال: ضري بالشيء يضرى ضراوة فهو ضار: إذا اعتاده.

ويجوز أن يكون الضمير في: (فَأَثابَكُمْ) للرسول، أي فآساكم في الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم، (فأثابكم غما) اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله، ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره: وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم؛ لئلا (تحزنوا على ما فاتكم) من نصر اللَّه، (ولا) على (ما أصابكم) من غلبة العدو. وأنزل اللَّه الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم. وعن أبي طلحة رضي اللَّه عنه: غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه. وما أحد إلا ويميل تحت حجفته. وعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبيرعن أبيه عن جده، قال: والله إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن النعاس ليغشانا بعد الغم والكرب الذي كنا فيه، إذ سمعت معتب بن قشير أخا بني عمرو بن عوف، وما أسمعها منه إلا كالحلم، يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. وعن الزبير رضي الله عنه: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف، فأرسل الله علينا النوم، والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فآساكم)، الجوهري: آسيته مالي مؤاساة، أي: جعلته إسوتي فيه، وقال: ثاب الرجل يثوب ثوباً وثوباناً بعد ذهابه، وثاب الناس: اجتمعوا وجاؤوا، وكذلك الماء إذا اجتمع في الحوض، ومثاب الحوض: وسطه الذي يثوب إليه. ولعل "أثابكم" بمعنى: آساكم، من قولك: ثاب الماء: إذا اجتمع في الحوض. قوله: (ولم يثربكم)، الجوهري: التثريب: كالتأنيب والتعيير والاستقصاء في اللوم، يقال: لا تثريب عليك. قوله: (وعن الزبير)، وفي كتاب صدر الأئمة: وعن ابن الزبير، وعن محيي السنة: قال عبد الله بن الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والأمنة: الأمن. وقرئ (أمنة) بسكون الميم، كأنها المرة من الأمن. و (نُعاساً) بدل من (أمنة). ويجوز أن يكون هو المفعول، و (أمنة) حالاً منه مقدمة عليه، كقولك: رأيت راكبا رجلا، أو مفعولا له بمعنى نعستم أمنة. ويجوز أن يكون حالا من المخاطبين، بمعنى: ذوى أمنة، أو على أنه جمع آمن، كبار وبررة (يَغْشى) قرئ بالياء والتاء ردا على النعاس، أو على الأمنة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال ضياء الدين أخطب الخطباء: الصواب: وعن الزبير، هكذا صح عند أصحاب التواريخ وأرباب المغازي؛ لأن ابن الزبير في رواية الواقدي ولد بعد عشرين شهراً من الهجرة، وغزوة أحد كانت في شوال سنة ثلاث من الهجرة. وفي "جامع الأصول": عبد الله بن الزبير بن العوام أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة أول سنة من الهجرة. قوله: (و (أَمَنَةً): حالاً منه)، قال أبو البقاء: والأصل أنزل عليكم نعاساً ذا أمنة؛ لأن النعاس ليس هو الأمن بل هو الذي حصل الأمن. قوله: ((يَغْشَى) قرئ بالياء والتاء): حمزة والكسائي: بالتاء الفوقانية، والباقون: بالياء. قوله: (رداً على النعاس أو على الأمنة) يعني: فاعل (يَغْشَى) بالياء: ضمير (نُعَاساً) صفة له، وبالتاء: ضمير (أَمَنَةً) صفة لها.

(طائِفَةً مِنْكُمْ): هم أهلُ الصدق واليقين و (طائِفَة): ٌ هم المنافقون (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ): ما بهم إلا هم أنفسهم لا هم الدين ولا هم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم والمسلمين، أو قد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان؛ فهم في التشاكي والتباثّ (غَيْرَ الْحَقِّ): في حكم المصدر، ومعناه: يظنون باللَّه غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به. و (ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ) بدل منه. ويجوز أن يكون المعنى: يظنون باللَّه ظن الجاهلية. و (غير الحق): تأكيد ل (يظنون)، كقولك: هذا القول غير ما تقول، وهذا القول لا قولك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما بهم إلا هم أنفسهم) هذا الحصر يعلم من المعنى؛ لأن من كان مهتماً بشأن نفسه في تلك الحالة الفظيعة لا يلتفت إلى الغير، ولأن قوله: (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) صفة لـ (طَائِفَةً)، وهو مقابل لقوله تعالى: (نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ)، فلا تخلو الحال حينئذ من هذين الأمرين، ولهذا قدر المصنف (طَائِفَةً مِنْكُمْ): "هم أهل الصدق واليقين، و (طَائِفَةً) هم المنافقون قد أهمتهم"، التقدير: قد أنزل عليكم نعاساً يغشى طائفة منكم لأنهم أهل الصدق واليقين، ولم يغش طائفة أخرى لما قد أهمهم هم أنفسهم فهم مستغرقون في هم أنفسهم لا تنزل عليهم السكينة؛ لأنها وارد روحاني لا يتلوث بهم. قوله: ((غَيْرَ الْحَقِّ)) يفهم منه أن هناك ظناً غيره، نحو قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ) [البقرة: 46]، هذا هو الظن الحق الذي يجب أن يظن به، فإن الظن قد يستعمل في الاعتقاد الحق أيضاً، فعلى هذا هو مصدر لقوله: (يَظُنُّونَ) لأنه نوع منه. قوله: (و ((غَيْرَ الْحَقِّ) تأكيد لـ (يَظُنُّونَ)) على تقدير حذف عامله، أي: يظنون بالله ظن الجاهلية يقولون قولاً غير الحق، كقولك: هذا زيد غير ما تقول، معناه: هذا زيد أقول قولاً غير ما تقول، وقولك: هذا القول لا قولك، أي: قولي لك هذا القول، لا أقول قولك، هذا التأكيد في الحقيقة تأكيد للحكم لتكريره.

و (ظن الجاهلية) كقولك: حاتم الجود، ورجل صدق، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية، ويجوز أن يراد أهل الجاهلية، أي: لا يظنُّ مثل ذلك الظنِّ إلا أهل الشرك الجاهلون باللَّه. (يَقُولُونَ) لرسولِ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يسألونه: (هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) معناه: هل لنا معاشر المسلمين من أمر اللَّه نصيب قط؟ يَعنون النصر والإظهار على العدو (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) ولأوليائه المؤمنين، وهو النصر والغلبة (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: 21]، (وإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) [الصافات: 173] (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ) معناه: يقولون لك فيما يظهرون: (هل لنا من الأمر من شيء) سؤال المؤمنين المسترشدين، وهم فيما يبطنون على النفاق، يقولون في أنفسهم، أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم: (إن الأمر كله للَّه): (لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، أي: لو كان الأمر كما قال محمدٌ: إن الأمر كله للَّه ولأوليائه وأنهم الغالبون؛ لما غُلِبْنا قط، ولما قُتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) يعنى من عَلِمَ اللَّهُ منه أنه يُقتلُ ويُصْرَع في هذه المصارع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال بعض الشارحين للمفصل: هذا يؤكد فعلك لا قولك، فإن قولك: "هذا عبد الله حقاً" جملة خبرية تحتمل الصدق والكذب، وقولك: "حقاً" بمنزلة قولك: حق ذلك حقاً، أي: ثبت ما حكمت بأن المشار إليه عبد الله. وقال ابن الحاجب: (غَيْرَ الْحَقِّ) و (ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ): مصدران، أحدهما: للتشبيه والآخر: توكيد لغيره، والمفعولان محذوفان، أي: يظنون أن إخلاف وعده حاصل. قوله: (حاتم الجود، ورجل صدق) من إضافة الاسم إلى المصدر، وكان الأصل حاتم الجواد ورجل صادق على الصفة، ثم أضيف الموصوف إلى الصفة لزيادة التخصيص، ثم لما أريد مزيد مبالغة جعلت الصفة مصدراً، نحو: رجل عدل، فالإضافة بمعنى اللام، ولا بد من تقدير موصوف ليستقيم المعنى، ولهذا قال: "يريد الظن المختص بالملة الجاهلية".

وَكُتِبَ ذلكَ في اللوحِ لم يكنْ بُدُّ من وجوده، فلو قعدتم في بيوتكم (لَبَرَزَ) من بينكم (الَّذِينَ) علم اللَّه أنهم يُقتلون (إِلى مَضاجِعِهِمْ)، وهي مصارعهم ليكون ما علم اللَّه أنه يكون. والمعنى أن اللَّه كتب في اللوح قتْلَ من يُقتلُ من المؤمنين، وكتَبَ مع ذلك أنهم الغالبون، لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله، وأن ما يُنكبونَ به في بعْضِ الأوقات تمحيص لهم، وترغيبٌ في الشهادة، وحِرْصُهم على الشهادة مما يحرّضهم على الجهاد، فتحصل الغلبة. وقيل: معناه هل لنا من التدبير من شيء؟ يعنون: لم نملك شيئًا من التدبير؛ حيث خرجْنا من المدينة إلى أحد، وكان علينا أن نقيمَ ولا نبرح، كما كان رأي عبد اللَّه بن أبيّ وغيْره، ولو ملكْنا من التدبير شيئاً لما قُتلنا في هذه المعركة، قل: إن التدبير كله للَّه، يريد: أن اللَّه عز وجل قد دبَّر الأمرَ كما جرى، ولو أقمتُم بالمدينةِ ولم تخرجوا من بيوتكم لما نجا من القتْلِ من قُتِلَ منكم. وقرئ: (كتب عليهم القتال) (وكتب عليهم القتل)، على البناء للفاعل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لم يكن بد من وجوده) أي: من وجود أنه يقتل، ويجوز أن يرجع الضمير إلى من، أي: لابد من وجود من علم الله منه أنه يقتل. قوله: (وقيل: معناه هل لنا من التدبير من شيء؟ ) عطف على قوله: "هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب؟ " فعلى هذا، الاستفهام بمعنى الإنكار، وإليه الإشارة بقوله: "لم نملك شيئاً من التدبير"، وعلى الأول: سؤال استرشاد لكن على النفاق. قوله: (قل: إن التدبير كله لله) جعل المصنف (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) جواباً لقوله: (هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ)، وجعل الأمر في السؤال والجواب شيئاً واحداً، وحيث جعل الأمر بمعنى النصر أعاد في الجواب النصر، وحيث جعل بمعنى التدبير أعاد التدبير في الجواب، وذلك أن المعرف باللام إذا أعيد لم يكن غير الأول.

ولبرِّز، بالتشديد وضم الباء (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ): وليمتحن ما في صدورِ المؤمنينَ من الإخلاص، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان فعل ذلك. أو فعل ذلك لمصالح جمةٍ وللابتلاء والتمحيص. فإن قلت: كيف مواقع الجمل التي بعد قوله: (وطائفة)؟ قلت: (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ) صفة ل (طائفة). و (يَظُنُّونَ) صفة أخرى، أو حالٌ بمعنى: قد أهمتهم أنفسهم ظانّين. أو استئناف على وجه البيان للجملة قبلها. و (يَقُولُونَ) بدل من (يظنون). فإن قلت: كيف صحَّ أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلا من الإخبار بالظن؟ قلت: كانت مسألتهم صادرة عن الظنّ، فلذلك جازَ إبداله منه. و (يخفون) حال من (يقولون). و (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) اعتراض بين الحال وذوي الحال. و (يَقُولُونَ) بدل من (يُخْفُونَ)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ): صفة لـ (طَائِفَةً)، و (يَظُنُّونَ): صفة أخرى)، قال صاحب "التقريب": فيه نظر، لأنه لم يبق لـ (طَائِفَةً) خبر، فينبغي أن يقدر له خبر نحو: وثم، أو: ومنهم طائفة، أو يجعل (قَدْ أَهَمَّتْهُمْ) صفة وأحد الأفعال بعده خبراً، وقالوا: الأولى قول الزجاج: وجائز أن يرتفع، أي: (طَائِفَةً) على أن يكون الخبر (يَظُنُّونَ)، و (أَهَمَّتْهُمْ): نعت (طَائِفَةً)، أي: طائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون، قال سيبويه: المعنى: وطائفة قد أهمتهم أنفسهم، وهذه واو الحال. وقلت: الحق ما سبق: أن الخبر محذوف يدل عليه قوله: (يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ)، أي: طائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق، لم يغشهم النعاس، فعلى هذا الواو للعطف، وفائدة عطف الجملة الاسمية على الفعلية: الإيذان بحدوث الأمن لأولئك، واستمرار الخوف على هؤلاء. قوله: (كيف صح أن يقع ما هو مسألة عن الأمر؟ ) توجيه السؤال: أن مسألة الأمر،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهي قوله: (هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ)، ظاهرها سؤال مسترشد، وفي الحقيقة سؤال منكر كما سبق، وقوله: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ): إخبار عن الظن الباطل، فبينهما اختلاف، فكيف صح أن يقعا بدلا ًومبدلاً منه؟ وأجاب: أن سؤالهم ذلك لما نشأ من الظن الفاسد، صح الإبدال، إذ لولا الظن الفاسد لما أظهروا الاسترشاد وأبطنوا النفاق، فكان قولهم: هل لنا من الأمر شيء لذلك بدل اشتمال من قوله: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ). وقريب منه قول صاحب "الفرائد": يمكن أن يقال: معنى سؤالهم الإنكار، فكأنهم يقولون: ما لنا من الأمر شيء، لأنه ليس قصدهم فيما سألوا أن يبين لهم، فكأنه قيل: يظنون وينكرون. ووجدت في الحواشي: بيان تقدير السؤال وهو أن يقال: إن قوله: (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا): تفسير لـ (يَظُنُّونَ)، وترجمة له، والاستفهام لا يكون ترجمة للخبر، لا يصح أن يقال: أخبرني زيد قال لي: لا تذهب؟ وكذلك كل ما لا طباق فيه، كما لو قال: نهاني قال لي: اضرب، أو أمرني قال لي: لا تضرب. قلت: هذا ليس بشيء؛ لأن الجواب لا ينطبق عليه، على أن البدل هو (يَقُولُونَ)، والسؤال مقول، على أن صاحب "المفتاح" جعل قوله تعالى: (قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ) [طه: 120] بياناً لجملة قوله: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ)، والبدل في الحقيقة بيان كما سبق مراراً، وأيضاً ناقص، حيث قال: والاستفهام لا يكون ترجمة للخبر، وعلام بنى كلامه؟ على عدم الطباق بين الأمر والنهي، وعكسه يجوز أن يقال: نهاني قال لي: لا تضرب، أو: أمرني قال لي: اضرب، وإحدى الجملتين إخباري والأخرى إنشائي، وقيل أيضاً: في قوله: "كيف صح أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلاً من الإخبار؟ " نظر، إذ لم تقع المسألة عن الأمر بدلاً من الإخبار بالظن، بل وقع الإخبار عن المسألة بدلاً من الإخبار بالظن، إذ (يَقُولُونَ): بدل من (يَظُنُّونَ).

والأجودُ أن يكونَ استئنافًا. (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) 155]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: ما سأل هذا السؤال إلا بعد أن قال: "و (يَقُولُونَ): بدل من (يَظُنُّونَ) "، أي: كيف يصح ذلك الإبدال ومقول القول مسألة عن الأمر، والبدل إنما هو الكلام بجملته؟ قوله: (والأجود أن يكون استئنافاً) قيل: أي قوله: (يُخْفُونَ) لئلا يعترض بين الحال وذي الحال شيء. وقلت: لا يخلو الضمير في قوله: "أن يكون استئنافاً" من أن يرجع إلى قوله: (يُخْفُونَ)، أو إلى (يَقُولُونَ) الثاني، فإن كان الأول فمورد السؤال قوله: (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) وحده، فكأن سائلاً سأل عند هذا القول: هل سألوا ذلك سؤال المسترشدين كالمؤمنين أم لا؟ فقيل: لا، لأنهم يخفون في أنفسهم ما لا يبدون، وإن كان الثاني فمورد السؤال جملة قوله: (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) مع الحال، وتقريره: ما ذلك القول الذي كانوا يخفون في هذا القول؟ فأجيب: يقولون: أي: يقولون في أنفسهم، قولاً معناه: لو كان لنا من الأمر من شيء ما قُتلنا ها هنا، ويدل على هذا التأويل قوله فيما سبق: "وهم فيما يبطنون على النفاق يقولون في أنفسهم"، وفيه إثبات الكلام النفسي، فكانت الجملة المعترضة توكيداً لهذا النعي عليهم، وأنت تعلم أن المعترضة مما يزين الكلام، فكيف يقال: لئلا يعترض بين الحال وذي الحال شيء؟ فقوله: (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) على التفسير الأول: تذييل، وعلى الثاني: اعتراض، فظهر أن الأجود أن يكون الاستئناف من قوله: (يَقُولُونَ)؛ لأنه إملاء فائدة، ويجوز أن يكون استئنافاً بعد استئناف.

(اسْتَزَلَّهُمُ) طلب منهم الزَّلل ودعاهم إليه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ): طلب منهم الزلل). اعلم أن تأويل هذه الآية من المعضلات، والتركيب من باب الترديد للتعليق، كقول الشاعر: لو مسها حجر مسته سراء لأن قوله: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ): خبر (إِنَّ)، وزيدت "إن" للتوكيد وطول الكلام، و"ما": لتكفها عن العمل، وأصل التركيب: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما تولوا لأن الشيطان وليهم بسبب اقتراف الذنوب، كقولك: إن الذي أكرمك إنما أكرمك لأنك تستحقه، ثم قوله: (اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ): ما أن يراد به ذنوب اقترفوها قبل التولي، فصارت تلك الذنوب سبباً لهذا التولي، فيكون من باب إطلاق السبب على المسبب، يدل عليه قوله: "كانوا أطاعوا الشيطان ... حتى تولوا"، ونحوه: إن الذي أعطاك إنما أكرمك لأنه جواد وأنت مستحق، أو أن يراد به هذا الذنب الخاص، وهو التولي يوم أحد، فهو المراد من قوله: "وقيل: استزلال الشيطان إياهم هو التولي"، فالمعنى: إن الذين انهزموا يوم أحد إنما ارتكبوا هذا الذنب لما تقدمت لهم الذنوب، والوجوه الآتية مترتبة على هذا الوجه بحسب تفسير (بَعْضِ مَا كَسَبُوا)، فإن أريد به: اقتراف الذنوب، كان المعنى: إن الذين انهزموا إنما انهزموا لأنهم اقترفوا ذنوباً قبل ذلك، وإليه الإشارة بقوله: "لأن الذنب يجر إلى الذنب"، وإن أريد به قبول ما زين لهم الشيطان، كان المعنى: إن الذين انهزموا إنما انهزموا لأنهم قبلوا ما زين لهم الشيطان من الهزيمة، وعلى هذا التقدير: "ما زين لهم الشيطان" هو تركهم المركز، يعني أنهم إنما انهزموا لما خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في ثباتهم على المركز، وإن أريد به التذكير

(بِبَعْضِ ما كَسَبُوا) من ذنوبهم، ومعناه: أنّ الذين انهزموا يوم أُحُدٍ كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبًا؛ فلذلك منعتهم التأييدَ وتقويةَ القلوبِ حتى تولَّوْا. وقيل: استزلالُ الشيطان إياهم هو التولّي، وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت لهم؛ لأنّ الذنب يجرّ إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها. وقال الحسنُ رضي اللَّهُ عنه: استزلّهم بقبول ما زيَّن لهم من الهزيمة. وقيل: (بِبَعْضِ ما كَسَبُوا): هو تركهم المركز الذي أمرهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالثبات فيه. فجرَّهم ذلك إلى الهزيمة. وقيل: ذكَّرهم تلك الخطايا فكرهوا لقاءَ اللَّه معها، فأخَّروا الجهاد حتى يُصلحوا أمرهم، ويجاهدوا على حال مرضية. فإن قلت: لم قيل (بِبَعْضِ ما كَسَبُوا)؟ قلت: هو كقوله تعالى (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ). [المائدة: 15]، ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فالمعنى: إن الذين تولوا إنما تولوا لأن الشيطان ذكرهم مقارفة الذنوب التي تقدمت لهم، فلذلك كرهوا لقاء الله، والتركيب على التقادير من باب تحقيق الخبر، كقوله: إن التي ضربت بيتاً مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول وليس من باب أن الصلة علة للخبر، كقولهم: إن الذين آمنوا لهم درجات النعيم؛ لأن قوله: (بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) يأباه التحقيق. قوله: (فلذلك منعتهم) أي: لأجل أنهم أطاعوا الشيطان واقترفوا ذنوباً منعتهم التأييد جزاء لهم على طاعة الشيطان. قوله: (وتكون لطفاً فيها) أي: تكون الطاعة الأولى سبباً لمنح التوفيق على الطاعة الثانية. قوله: (وقيل: ذكرهم تلك الخطايا): عطف على قوله: "وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت". قوله: (هو كقوله تعالى: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [المائدة: 15])، قيل: يعني: بما كسبوا،

(وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) لتوبتهم واعتذارِهم (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) للذنوب، (حَلِيمٌ) لا يعاجل بالعقوبة .... (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) 156 ـ 158]. (وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ)، أي: لأجل إخوانهم، كقوله تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ)، [الأحقاف: 11] ومعنى الأخوّة: اتفاق الجنس أو النسب. (إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها. (أَوْ كانُوا غُزًّى) جمع غاز، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والبعض زائدة كما أن "عن" زائدة في قوله: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، والأشبه أن يقال: هذه العقوبة ليست بكل ما كسبوا، فإنكم تستحقون به عقوبة أزيد منها، لكنه تعالى من عليكم بفضله وعفا عن كثير وأخذ ببعض ما كسبتم، يبين ذلك قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) [فاطر: 45]، ولذلك ذيله بقوله: (أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) فالتشبيه بين الآيتين بحسب المفهوم، لا في زيادة اللفظ. قوله: (والله غفور)، وفي بعض النسخ: (أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ)، وعليه التلاوة. قوله: (جمع غاز)، قال الزجاج: (غُزًّى) جاء على القصر، وفعل: جمع فاعل، نحو: ضارب وضرب وشاهد وشهد، ويجمع على فعال، نحو: ضارب وضراب، وغزاء يجوز ولكن لم يقرأ به.

كعاف وعفى، كقوله: عُفَّى الحِياضِ أُجُونُ وقُرِئ بتخفيفِ الزاي على حذف التاء من غزاة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو البقاء: والقياس: غزاة، كقاض وقضاة، ولكنه جاء على "فعل" حملاً على الصحيح نحو: شاهد وشهد. قوله: (عفى الحياض أجون) أوله: على كالختيف السحق يدعو به الصدى ويروى: ومغبرة الآفاق خاشعة الصوى الصوى: الأعلام من الحجارة. ويروى: له قلب عفى الحياض أجون النهاية: الختيف، بالخاء المعجمة والتاء المنقوطة من فوق: نوع غليظ من أردى الكتان، السحق: الثوب البالي، وقلب: جمع القليب، وهي البئر العادية القديمة، والأجون: المياه المتغيرة. يصف مفازة اندرست سبيلها كما بلي هذا النوع من الثياب، وعفت حياضها وأجن ماؤها. قوله: (وقرئ بتخفيف الزاي)، قال أبو البقاء: فيه وجهان، أحدهما: أن أصله غزاة

فإن قلت: كيف قيل: (إِذا ضَرَبُوا) مع (قالُوا)؟ قلت: هو على حكاية الحال الماضية، كقولك: حين يضربون في الأرض فإن قلت: ما متعلق (ليجعل)؟ قلت: (قالوا)، أي: قالوا ذلك واعتقدوه؛ ليكون (حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فحذفت الهاء تخفيفاً؛ لأن التاء دليل الجمع، وقد حصل ذلك من نفس الصيغة. وثانيهما: أنه أراد قراءة الجماعة فحذف إحدى الزاءين كراهية التضعيف. قوله: (كيف قيل: (إِذَا ضَرَبُوا)؟ ) أي: القياس أن يقال: إذ ضربوا، لأن "إذا" مختصة بالاستقبال، والجملة واردة على صيغة المضي فناسب "إذ". قوله: (على حكاية الحال الماضية) يعني: كان قولهم ذلك مقيداً في ذلك الزمان بهذا القيد، فاستحضر الآن أيها المخاطب تلك الحال لأنها مستمرة، وينصره ما قال الزجاج: (إِذَا) ها هنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل جميعاً، والأصل الماضي، تقول: أتيتك إذ قمت، والمعنى: إذا ضربوا في الأرض شأنهم هذا أبداً، ونحو: فلان إذا حدث صدق، وإذا ضرب صبر. قوله: (كقولك: حين يضربون في الأرض) يعني: معنى قوله: (إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ) معنى حين يضربون في الأرض، ومؤداه مؤداه، قال أبو البقاء: يجوز "إذا" أن يحكى بها حالهم فلا يراد بها المستقبل، فعلى هذا يجوز أن يعمل فيها (قَالُوا) وهو للماضي، ويجوز أن يكون (كَفَرُوا) و (وَقَالُوا) ماضيين، ويراد بهما المستقبل المحكي به الحال، فالتقدير: يكفرون ويقولون لإخوانهم. قوله: (ليكون (حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ)) لما كان إيقاع الحسرة مترتباً على قولهم، من غير أن يكون الثاني مطلوباً بالأول، شبه بأمر مترتب على أمر يكون الأول غرضاً في الثاني على التهكم، ثم استعير لترتب المشبه كلمة الترتب المشبه به وهي اللام.

على أنّ اللام مثلها في: (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) [القصص: 8]؛ أو (لا تكونوا)، بمعنى: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده، ليجعله اللَّه حسرة في قلوبهم خاصَّة ويصون منها قلوبكم. فإن قلت: ما معنى إسناد الفعل إلى اللَّه تعالى؟ قلتُ: معناه: أنّ اللَّه عزَّ وعلا عند اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغمَّ والحسْرةَ في قلوبهم، ويُضيِّق صدورَهم عقوبةً، فاعتقادُه فعلُهم وما يكون عنده من الغمِّ والحسرة وضيق الصدر فعلُ اللَّه عزَّ وجلَّ كقوله: (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) [الأنعام: 125] ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دلّ عليه النهى، أي: لا تكونوا مثلهم، ليجعل اللَّه انتفاء كونِكم مثلَهم حسرة في قلوبهم؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يكون ذلك إشارة): عطف على قوله: "بمعنى لا تكونوا مثلهم"، أي: يتعلق (لِيَجْعَلَ) بقوله: (لا تَكُونُوا) على أن يكون ذلك إشارة إلى القول والاعتقاد، أو يكون إشارة إلى ما دل عليه النهي. وتلخيص الوجوه الثلاثة هو: أن التعليل في الوجه الأول دخل في حيز الصلة ومن جملة المشبه به، والمعنى: لا تكونوا مثلهم في القول الباطل والمعتقد الفاسد المؤديين إلى الحسرة والندامة والدمار في العاقبة، وفي الثاني: العلة خارجة عن جملة المشبه به، لكن القول والمعتقد داخلان فيه، أي: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل انتفاء كونكم معهم في ذلك القول والاعتقاد حسرة في قلوبهم خاصة، وفي الثالث: الكل خارج منه، والمعنى: ما قدر، أي: لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، وقوله: (وَقَالُوا): ابتداء كلام عطف على مقدرات شتى كما تقتضيه أقوال المنافقين وأحوالهم، ودل على العموم قوله: "لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون، ومضادتهم، مما يغمهم ويغيظهم"، وسيجيء مثل هذا القطع والابتداء بعيد هذا في قوله: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ).

لأنّ مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون، ومضادّتهم مما يَغمُّهم ويغيظُهم. (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) ردٌّ لقولهم. أي: الأمر بيده، قد يحيى المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد كما يشاء. وعن خالد بن الوليد رضي اللَّه عنه أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبرٍ إلا وفيه ضربةٌ أو طعْنة، وها أنا ذا أموت كما يموت العَيْر، فلا نامت أعينُ الجبناء! (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فلا تكونوا مثلهم. وقُرِئ بالياء، يعنى الذين كفروا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: فما وجه اتصاله بالتشبيه، وما تلك المقدرات؟ قلت: لما وقع التشبيه على عدم الكون عم جميع ما يتصل بهم من الرذائل وخص المذكور لكونه أشنع وأبين لنفاقهم، أي: بأنهم أعداء الدين؛ لم يقصروا في المضادة والمضارة، بل فعلوا كيت وكيت، وقالوا: كذا وكذا! ونظير موقعه موقع قوله تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) [الممتحنة: 2] من قوله: (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) [الممتحنة: 1]. قوله: (قد يحيي المسافر) أراد تحقيق قولهم: الشجاع موقى، والجبان ملقى. قوله: (وعن خالد بن الوليد أنه قال عند موته) على آخره مذكور في "الاستيعاب"، وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر خالداً فقال: "نعم عبد الله وأخو العشيرة وسيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين". قوله: (وقرئ بالياء): قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: "يعملون" بالياء التحتانية.

(لَمَغْفِرَةٌ) جوابُ القسم، وهو سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرْط، وكذلك (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ). كذَّبَ الكافرينَ أوّلًا في زعمهم: أن من سافرَ من إخوانِهم أو غزا لو كان في المدينة لَمَا مات، ونهى المسلمين عن ذلك؛ لأنه سبب التقاعد عن الجهاد، ثم قال لهم: ولئنْ تمَّ عليكم ما تخافونَه من الهلاك بالموتِ أوالقتْلِ في سبيل اللَّه، فإنّ ما تنالونه من المغفرة والرَّحمة بالموتِ في سبيل اللَّه خيرٌ مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا. وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما: خير من طِلاعِ الأرض ذهبة حمراء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((لَمَغْفِرَةٌ): جواب القسم، وهو ساد مسد جواب الشرط)، فاللام في قوله: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ): موطئة للقسم، وقوله: "ولئن تم عليكم ما تخافونه"، إلى قوله: "فإن ما تنالونه". بيان لمعنى القسم مع الشرط وجوابه، وفيه إيذان بأن الجزاء مضمن معنى الإعلام والتنبيه. قوله: (من الهلاك بالموت أو القتل في سبيل الله)، قدم "الموت" على "القتل"، والتلاوة على العكس؛ لأن سياق كلامه على ما عليه المتعارف أن الهلاك بالموت أكثر منه بالقتل، يدل عليه قوله: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ)؛ لأن المحشور الميت أكثر من المقتول، وإنما قدم في التنزيل القتل في قوله: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ) لأن الكلام في الرد على من قال: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا)، وفي بيان عدم المساواة بينهما، لأن المطلوب من المؤمنين الشهادة والإنفاق في سبيل الله، يعني: هلاككم في سبيل الله لنيل المغفرة والفوز بالثواب سبب لأن تخبروا أن ذلك الهلاك الجالب للمغفرة خير من الحياة التي هي موجب جمع المال، فوضع قوله: (مِمَّا يَجْمَعُونَ) موضع حياتكم، استهجاناً لما عليه الإنسان من الكدح في جمع المال وجعله قصارى مباغيه من الحياة الدنيوية، وفي توكيد التركيب بالقسم تتميم لهذه الدقيقة. قوله: (طلاع الأرض)، الجوهري: طلاع الشيء: ملؤه، قال الحسن: لأن أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهباً، قال الأصمعي: طلاع الأرض: ملؤها. قوله: (ذهبة حمراء)، الجوهري: الذهب معروف، وربما أنث، والقطعة منه: ذهبة.

وقُرِئَ بالياءِ، أي يجمعُ الكفّار (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) لَإلى اللَّه الرحيم الواسع الرحمة، المثيب العظيم الثواب تحشرون. ولوقوع اسم اللَّه تعالى هذا الموقع مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف المتصل به، شأن ليس بالخفي. قرئ (مُتُّمْ) بضم الميم وكسرها، من مات يموت ومات يمات. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ بالياء): حفص: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. قوله: (شأن ليس بالخفي) وهو ما ذكره لإلى الرحيم الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب، وإنما كرر هذه المعاني لما أن اسم الذات الجامع لمعاني الأسماء الحسنى كما نقلنا عن الأزهري والمالكي في أول الكتاب، تتجلى لكل مقام بما يناسبه، وهذا مقام من بذل مهجته لوجهه تعالى فوصل إلى مقام تجلي الرحمة والثواب العظيم، فكان على ما قاله ولله دره، والحرف وإن دخل على الحرف صورة، فهو على التحقيق دخل على الجملة عن المصنف. قوله: (وقرئ: (مُتُّمْ) بضم الميم): ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: حيث وقع، وتابعهم حفص على الضم في (متُّ) و (مُتُّمْ) في هذه السورة خاصة، والباقون: بكسر الميم. قال صاحب "الكشف": (مُتُّمْ) بالكسر والضم لغتان، من كسر قال: أصله: موت، فنقلت الكسرة من الواو إلى الميم، كما في: خاف وخفت، وأصله: خوفت، وهاب هبت، وأصله: هيبت، ومن ضم قال: أصله: موت، مثل: قال، في أن أصله: قول، فكما تقول: قلت، قل: مت.

(فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) 159]. «ما» مزيدة للتوكيد والدلالة على أنّ لِينَه لهم ما كان إلا برحمةٍ من اللَّه. ونحوه (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ) [المائدة: 13]، ومعنى الرحمة: ربطه على جاشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("ما": مزيدة للتوكيد والدلالة) لابد من تقدير محذوف ليصح الكلام؛ لأن الحصر مستفاد من تقديم الجار والمجرور على العامل، والتوكيد من زيادة "ما"، فالمعنى: "ما" مزيدة للتوكيد، والجار والمجرور مقدم للدلالة، فهو من باب اللف التقديري. قوله: (ربطه على جأشه) بالهمز، الجوهري: يقال: فلان رابط الجأش، أي: شديد القلب، كأنه يربط نفسه عند الفرار لشجاعته. قوله: (ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق) يعني: أفاد قوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ) في هذا المقام فائدتين: إحداهما: ما يدل على شجاعته، وثانيتهما: ما يدل على رفقه، وهو من باب التكميل، قال: حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب وقد اجتمع فيه صلوات الله عليه هاتان الصفتان يوم أحد، حيث ثبت حتى كر إليه أصحابه مع أنه شج وكسر رباعيته ثم ما زجرهم ولا عنفهم على الفرار، بل آساهم في الغم كما قال: (فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ)، وهو المراد بقوله: "ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق"، وفيه أن هذه الآيات: من ها هنا إلى قوله: (فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ) مرتبط

حتى أثابهم غمًّا بغم وآساهم بالمباثة بعدما خالفوه وعصَوْا أمَره وانهزموا وتركوه. (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا) جافيًا (غَلِيظَ الْقَلْبِ) قاسيه (لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ): لتفرّقوا عنك حتى لا يبقى حولَكَ أحدٌ منهم (فَاعْفُ عَنْهُمْ) فيما يختص بك، (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) فيما يختص بحق اللَّه؛ إتماما للشفقة عليهم (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) يعنى: في أمرِ الحرْبِ ونحوِه مما لم ينزل عليك فيه وحْيٌ لتستظهر برأيهم، ولما فيه من تطييب نفوسِهم، والرفع من أقدارهم. وعن الحسن رضي اللَّه عنه: قد علم اللَّه أنه ما به إليهم حاجة، ولكنه أراد أن يستنّ به من بعده. وعن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: «ما تشاور قومٌ قطُّ إلا هُدوا لأرشد أمرهم»، وعن أبى هريرة رضي اللَّه عنه: ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من أصحاب الرسول صلى اللَّه عليه وسلم، وقيل: كان ساداتُ العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شقَّ عليهم فأمر اللَّه رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بمشاورة أصحابه؛ لئلا يثقُلَ عليهم استبدادُه بالرأي دونهم. وقرئ: (وشاورهم في بعض الأمر) (فَإِذا عَزَمْتَ): فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) في إمضاء أمرك على الأرشد الأصلح، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعضها ببعض، فإن قلت: جعل الله تعالى الرحمة من الله علة للينه صلوات الله عليه مع أصحابه، وقد فسرها بأمرين، وثانيهما ظاهر المدخل في العلية، فبين وجه الأول؟ قلت: الشجاع الحقيقي من ملك نفسه عند الغضب كما جاء في صحاح الحديث: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، فربط الله جأشه سبب لكسر سورة الغضب الموجب لغلظة القلب، والحمل على اللين، فاعجب بشدة هي في الحقيقة لين! قوله: (بالمباثة) البث: إظهار الحال والحزن، الجوهري: أبثثتك سري، أي: أظهرته لك. قوله: ((فَظّاً): جافياً)، الزجاج: الفظ: الغليظ الجانب السيء الخلق، يقال: فظظت تفظ فظاظة وفظظاً.

فإنّ ما هو أصلح لك لا يعلمُه إلا اللَّه لا أنتَ ولا من تُشاور. وقُرِئ (فَإِذا عَزَمْتُ) بضم التاء، بمعنى: فإذا عزمتُ لك على شيءٍ وأرشدتُك إليه فتوكّل علي ولا تُشاوِرْ بعدَ ذلكَ أحداً. (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَاتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَاواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) 160 ـ 162]. (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ) كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم (وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ) كما خذلكم يوم أحد (فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ) وهذا تنبيه على أن الأمر كله للَّه، وعلى وجوب التوكل عليه. ونحوه (ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ). [فاطر: 2] (مِنْ بَعْدِهِ): من بعد خذلانه، أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان، تريد: إذا جاوزته. وقرأ عبيد بن عمير: وإن يخذلكم، من: أخذله إذا جعله مخذولا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من بعد فلان، تريد: إذا جاوزته)، الجوهري: بعد نقيض قبل، وهما اسمان يكونان ظرفين إذا أضيفا، وأصلهما الإضافة. فقول المصنف (مِنْ بَعْدِهِ): من بعد خذلانه، وارد على الزمان، لكن بحذف المضاف، وأما قوله: "من بعد فلان تريد: إذا جاوزته"، فوارد على المكان، ومن ثم قيل: تقول: جئت بعد فلان ومن بعد فلان بمعنى واحد، ولكن إذا جئت بـ "من" كأنك تتعرض بالابتداء، أي: موضع ابتداء المجيء.

وفيه ترغيب في الطاعة وفيما يستحقون به النصر من اللَّه تعالى، والتأييد، وتحذير من المعصية ومما يستوجبون به العقوبة بالخذلان (وَعَلَى اللَّهِ) وليخصَّ المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه؛ ولأن إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجاء في "المغرب": قوله، أي: قول محمد: وإن كان ليس بالذي لا بعد له، يعني: ليس بنهاية في الجودة، وكأنه رحمه الله أخذه من قولهم: هذا مما ليس بعده غاية في الجودة والرداءة، وربما اختصروا فقال: ليس بعده، ثم أدخل عليه "لا" النافية للجنس واستعمله استعمال الاسم المتمكن. قوله: (وفيه ترغيب في الطاعة .. وتحذير من المعصية)، هذا القول بعد قوله: "وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله" إشارة إلى أن عبارة النص دلت على أن الأمر كله لله، وعلى وجوب التوكل عليه، وأن إشارة النص دلت على أن الله تعالى لا ينصر ابتداءً بل ينصر بسبب تقدم الطاعة، ولا يخذل إلا بعد استحقاق المكلف الخذلان بسبب المعاصي، بناءً على مذهبه. وأما تقدير الآيات على مذهب أهل السنة: فإن قوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ) تذييل للكلام السابق وتوكيد له، وفيه إشارة إلى أن المكلف إذا علم أن الأمر كله لله رجع في جميع ما سنح له من المطالب والمآرب إليه سبحانه وتعالى، فإذا لابد من تحري رضا مولاه وتقدم الوسيلة بين يدي المآرب، ولا يحصل الرضا إلا بالاحتراز عن المعاصي، ولا تنجح المطالب إلا بتقدم الوسيلة، ولا وسيلة للعباد سوى العبادة والطاعة، فصح قوله: فيه ترغيب وتحذير. ثم إن الآية السابقة واردة في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم، والمقصود منها إظهار الشفقة على المؤمنين والرفع من أقدارهم، ومذيلة بالأمر بالتوكل المعلل بالمحبة، وهذه في وصف الله تعالى، والمقصود أيضاً راجع إليهم، ومذيلة بالأمر بالاختصاص بالتوكل إيذاناً بأن عمدة الأمر هو التوكل. قوله: (لعلمهم أنه لا ناصر سواه) يعني: وضع "المؤمنون" موضع الضمير؛ للإشعار بأن صفة الإيمان هي المقتضية لاختصاص الله بالتوكل، وفيه تعريض بأن من لم يتوكل على الله تعالى لم يكن من كمال الإيمان في شيء .....

يقال: غلّ شيئًا من المغنم غلولا، وأغلّ إغلالًا، إذا أخذه في خفية. يقال: أغلّ الجازر: إذا سرق من اللحم شيئًا مع الجلد. والغل: الحقد الكامن في الصدر، ومنه قوله صلى اللَّه عليه وسلم «من بعثناه على عمل فغلّ شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه». وقوله صلى اللَّه عليه وسلم: «هدايا الولاة غلول» وعنه «ليس على المستعير غير المغل ضمان» وعنه «لا إغلال ولا إسلال» ويقال: أغله إذا وجده غالًا، كقولك: أبخلته وأفحمته. ومعنى (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) وما صحّ له ذلك، يعنى أن النبوة تنافي الغلول، وكذلك من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى معنى الأوّل؛ لأن معناه: وما صح له أن يوجد غالًا، ولا يوجد غالًا إلا إذا كان غالًا. وفيه وجهان: أحدهما أن يبرأ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من ذلك وينزه، وينبه على عصمته بأن النبوّة والغلول متنافيان؛ لئلا يظن به ظانّ شيئًا منه وألا يستريب به أحد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (غير المغل) هو صفة المستعير. قوله: (ولا إسلال)، النهاية: الإسلال: السرقة الخفية، يقال: سل البعير وغيره في جوف الليل: إذا انتزعه من بين الإبل، وهي السلة، وأسل، أي: صار ذا سلة، وإذا أعان غيره عليه، ويقال: الإسلال: الغارة الظاهرة. قوله: (من قرأ على البناء للمفعول): ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: (أَنْ يَغُلَّ) بفتح الياء وضم الغين، والباقون: بضم الياء وفتح الغين. ولما كان معنى هذه القراءة على سبيل الكناية راجعاً إلى القراءة الأولى قال: "فهو راجع إلى معنى الأول" وإن كانت أبلغ.

كما روي: أنّ قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض المنافقين: لعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أخذها. وروي: أنها نزلت في غنائم أحد، حين ترك الرماة المركز، وطلبوا الغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال لهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم: (ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمرى) فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً، فقال صلى اللَّه عليه وسلم: (بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم). والثاني: أن يكون مبالغة في النهي لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على ما روي: أنه بعث طلائع فغنمت غنائم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر) مخالف لما رواه في سورة الأنفال: عن عبادة بن الصامت: نزلت فينا يا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل، فنزعه الله من أيدينا وجعله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه بين المسلمين على السواء، ولعله أراد بالغنائم الأنفال، وأن المراد ما قال أيضاً فيها: "النفل: ما ينفله الغازي، أي: يعطى زائداً على سهمه من المغنم، وهو أن يقول الإمام تحريضاً على البلاء في الحرب: "من قتل قتيلاً فله سلبه"، أو قال لسرية: ما أصبتم فهو لكم، أو: فلكم نصفه، أو ربعه". قوله: (والثاني: أن يكون مبالغة في النهي) يعني: أجرى الخبري مجرى الطلبي مبالغة، الانتصاف: يشهد لورود هذه الصيغة نهياً مواضع من التنزيل: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) [الأنفال: 67]، (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة: 113]، (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) [الأحزاب: 53].

فقسمها ولم يقسم للطلائع؛ فنزلت. يعنى: وما كان لنبيّ أن يعطى قومًا ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية. وسمي حرمان بعض الغزاة «غلولًا» تغليظًا وتقبيحًا لصورة الأمر، ولو قرئ: (أَنْ يَغُلَّ) من أغل، بمعنى غل، لجاز (يَاتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) يأت بالشيء الذي غله بعينه يحمله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإنصاف: يعارضه ورود هذه الصيغة للامتناع العقلي كثيراً: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) [مريم: 35]، وكذا: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا) [النمل: 60]. قوله: (لم يقسم للطلائع)، النهاية: هم القوم الذين يبعثون ليطلعوا طلع العدو كالجواسيس، واحدهم: طليعة، وقد تطلق على الجماعة، والطلائع: الجماعات. قوله: (تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر)، الانتصاف: هذا مخالف لعادة لطف الله برسوله صلى الله عليه وسلم في التأديب ومزجه باللطف، (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) بدأه بالعفو، فما كان للزمخشري أن يعبر بهذه العبارة. وقلت: قد جاء أغلظ من ذلك بناء على التهييج والإلهاب، نحو قوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: 65] أو التعريض: (فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ) ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: 187] قال: كنى عن مباشرة النساء بالرفث استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختياناً. قوله: (بالشيء الذي غله بعينه) أي: لا يؤول قوله: (يَاتِ بِمَا غَلَّ) بما احتمل من وباله وإثمه، بل يجري الكلام على حقيقته كما جاء في الحديث، والحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك"

كما جاء في الحديث «جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» وروى: «ألا لا أعرفنّ أحدكم يأتي ببعير له رغاءٌ وببقرة لها خُوارٌ وبشاةٍ لها ثًغاءٌ، فينادى: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من اللَّه شيئًا فقد بلغتك» وعن بعض جفاة العرب أنه سرق نافجة مسكٍ، فتليت عليه الآية، فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل. ويجوز أن يراد: يأتي بما احتمل من وباله وتبعته وإثمه فإن قلت: هلا قيل: ثم يوفى ما كسب، ليتصل به! قلت: جيء بعامّ دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى، وهو أبلغ وأثبت؛ لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزي فموفى جزاءه؛ علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب. (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) أي: يعدل بينهم في الجزاء، كلٌّ جزاؤه على قدر كسبه. (هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) 163 ـ 164]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحديث، وعن الترمذي وأبي داود: "فوالذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منه شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" الحديث. قوله: (لا أعرفن) من باب قولهم: لا أرينك ها هنا. قوله: (إذن أحملها طيبة الريح) لابد أن يكفر القائل؛ لأنه إما قالها تهكماً أو استخفافاً وقلة مبالاة بالمطلوب، أو تحقيراً للذنب، ولا ينبغي أن يذكر أمثال هذه الهنات في تفسير كلام الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. قوله: (فاتصل به من حيث المعنى، وهو أبلغ وأثبت). قلت: لأن الكناية أبلغ من التصريح؛ لأنها كدعوى الشيء بالبينة.

(هُمْ دَرَجاتٌ) أي: هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات كقوله: أَنَصْبٌ لِلْمَنِيَّةِ تَعْتَرِيهِمْ رِجَالِى أمْ هُمُو دَرَجُ السُّيُولِ وقيل: ذوو درجات، والمعنى: تفاوت منازل المثابين منهم، ومنازل المعاقبين، أو التفاوت بين الثواب والعقاب. (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ): عالم بأعمالهم ودرجاتها فمجازيهم على حسبها. (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ): على من آمن مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من قومه، وخص المؤمنين منهم؛ لأنهم هم المنتفعون بمبعثه (مِنْ أَنْفُسِهِمْ): من جنسهم، عربيا مثلهم. وقيل: من ولد إسماعيل، كما أنهم من ولده، فإن قلت: فما وجه المنة عليهم في أن كان من أنفسهم؟ قلت: إذا كان منهم كان اللسان واحداً، فسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه، وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة، فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به، وفي كونه من أنفسهم شرف لهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أنصب للمنية) البيت، النصب: رفعك شيئاً تنصبه قائماً مثل الغرض والهدف، تعتريهم أي: تصيبهم وتلحقهم، المعنى: كأن رجالي لكثرة ما يموتون غرض للموت. قال الزجاج: أي: هم ذوو درج، أو هم درج السيول، على الظرف، أي: في درج. الجوهري: قولهم: خل درج الضب، أي: طريقه. قوله: ((وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) عالم بأعمالهم)، النهاية: وفي أسماء الله تعالى البصير، وهو الذي يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وباطنها وخافيها بغير جارحة، والبصر عبارة في حقه عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات، وقال الأزهري: البصير في صفة العباد هو المدرك ببصره الألوان، وسمع الله وبصره لا يكيفان ولا يحدان، والإقرار بهما واجب كما في وصف نفسه.

كقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) [الزخرف: 44] وفي قراءة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وقراءة فاطمة رضي اللَّه عنها: من أنفسهم، أي: من أشرفهم؛ لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد صلى اللَّه عليه وسلم. وفيما خطب به أبو طالب في تزويج خديجة رضي اللَّه عنها ـ وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر: الحمد للَّه الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معدّ وعنصر مضر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) [الزخرف: 44]) أي: شرف ونباهة، كقوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) [ص: 1]. قوله: (الحمد لله) الخطبة مذكورة في كتاب "الوفا" لابن الجوزي، رواه عن أبي الحسين ابن فارس، وتمامه فيه: "فإن كان في المال قل، فالمال ظل زائل، ولهو حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالي، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل". الضئضئ: الأصل، النهاية: يقال: ضئضئ صدق وضؤضؤ صدق: العنصر، بضم العين وفتح الصاد: الأصل، وقد تضم الصاد، والنون زائدة عند سيبويه؛ لأنهل يس عنده فعلل بالفتح.

وجَعَلَنا حَضَنةَ بيته، وسُوّاس حرمه، وجَعَل لنا بيتاً محجوجًا وحرمًا آمنًا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد اللَّه من لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح به، وهو - واللَّه ـ بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل. وقرئ: (لمن منّ اللَّه على المؤمنين إذ بعث فيهم). وفيه وجهان: أن يراد لمن منّ اللَّه على المؤمنين منه أو بعثه إذ بعث فيهم، فحذف لقيام الدلالة، أو يكون إذ في محل الرفع كـ "إذا" في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائمًا، بمعنى لمن منّ اللَّه على المؤمنين وقت بعثه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وجعلنا حضنة بيته)، النهاية: في الحديث: "أنه خرج محتضناً أحد ابني بنته" أي: حاملاً له في حضنه، والحضن كالجنب، جعل الكعبة كالولد: يحتاج في خدمتها إلى الحاضنة. قوله: (وسواس حرمه)، النهاية: أي: متولي أمره كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية، والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه. قوله: ("إذ" في محل الرفع، كـ "إذا" في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً)، اعلم أن في قوله: "اخطب ما يكون الأمير قائماً"، مذاهب: أحدها: مذهب البصريين، وتقديره: أخطب ما يكون الأمير حاصل إذا كان قائماً، حذف متعلق الظرف على القياس؛ لأن الظرف إذا وقع خبراً للمبتدأ أو نحوه حذف متعلقه إذا كان عاماً. وثانيها: مذهب الكوفيين، وتقديره: أخطب ما يكون الأمير قائماً حاصل. والثالث: مذهب بعضهم أن "ما" في هذه المسألة: ظرفية، فالتقدير: أخطب أوقات الأمير وقت قيامه؛ ضرورة أن "أفعل" لا يضاف إلا إلى ما هو بعض له، والخبر إذاً نفس الظرف فلا يحتاج إلى حاصل، وإنما جعلوه ظرفاً لكثرة وقوع "ما" المصدرية ظرفاً،

(يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِه) بعد ما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي (وَيُزَكِّيهِمْ) ويطهرهم من دنس القلوب بالكفر ونجاسة سائر الجوارح بملابسة المحرمات وسائر الخبائث، وقيل: ويأخذ منهم الزكاة (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ): القرآن والسنة بعد ما كانوا أجهل الناس وأبعدهم من دراسة العلوم. (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ): من قبل بعثة الرسول. (لَفِي ضَلالٍ) إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وتقديره: وإنّ الشأن والحديث كانوا من قبل في ضلال (مُبِينٍ) ظاهر لا شبهة فيه. (أَوَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) 165 ـ 168]. (أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ): يريد ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم، (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها) يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين. و (لَمَّا) نصب ب (قلتم)، و (أَصابَتْكُمْ) في محل الجرّ بإضافة (لَمَّا) إليه وتقديره: أقلتم حين أصابتكم. و (أَنَّى هذا) نصبٌ، لأنه مقول، والهمزة للتقرير والتقريع، فإن قلت: علام عطفت الواو هذه الجملة؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمصنف اختار ها هنا هذا المذهب، وتقرير معنى هذا الوجه: أنه إذا جعلت أوقاته خطباً فقد جعل الرجل خطيباً على المبالغة، كقولهم: نهاره صائم، فالإسناد مجازي، ومآل معنى الآية على ما ذهب إليه: على الكناية؛ لأن وقت البعث إذا جعل منة لأجل المبعوث فبأن يجعل المبعوث أجل امتناناً على المؤمنين كان أحرى. قوله: (علام عطفت الواو هذه الجملة؟ )، قال الزجاج: الواو في (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ)

قلت: على ما مضى من قصة أحد من قوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) [آل عمران: 152]، ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف، كأنه قيل: أفعلتم كذا وقلتم حينئذٍ: (أنى هذا): من أين هذا، كقوله تعالى: (أَنَّى لَكِ هذا) [آل عمران: 37] لقوله: (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)، وقوله: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [آل عمران: 37]، ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حرف نسق دخلت عليها ألف الاستفهام فبقيت مفتوحة، ونحوه قول القائل: تكلم فلان في كذا، فيقول القائل: أوَهو ممن يقول؟ . وقلت: المعطوف عليه إن كان ما مضى فالهمزة داخلة بين المعطوف والمعطوف عليه للطول مزيداً للإنكار، ولابد إذاً من إنكار في الكلام السابق، ومضمون المعطوف عليه وهو جملة قوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ) الآية، أكان من الله الوعد بالنصر على أعدائكم بشرط الصبر والتقوى، فلما فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم أمر الرسول صلوات الله عليه، ونفر أعقابكم يريدون الدنيا، وأصابكم الله بما أصابكم و (قُلْتُمْ) حين أصابكم ذلك: (أَنَّى هَذَا)؟ (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) أنتم السبب فيما أصابكم. قوله: (ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف) وتقديره: أفعلتم كذا، أي: الفشل والتنازع والعصيان أو الخروج من المدينة والإلحاح على النبي صلى الله عليه وسلم، ولما أصابتكم مصيبة قلتم: أنى هذا؟ فالهمزة حينئذ دخلت على صدر الكلام. قوله: (لقوله: (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)، وقوله: (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)): تعليل لتفسير (أَنَّى هَذَا)، و (أَنَّى لَكِ هَذَا) [آل عمران: 37]، فقوله: من أين، على طريقة النشر، يعني معنى قولهم: (أَنَّى هَذَا): من أين هذا؟ ليطابقه جوابه (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)، ولو قيل: معناه: كيف هذا؟ لم يطابقه؛ لأن السؤال عن الحال لا يجاب بالظرف، وكذا معنى (أَنَّى لَكِ هَذَا): من أين لك هذا ليطابق جواب مريم (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [آل عمران: 37].

والمعنى: أنتم السبب فيما أصابكم، لاختياركم الخروج من المدينة، أو لتخليتكم المركز، وعن علىّ رضي اللَّه عنه: لأخذكم الفداء من أسارى بدرٍ قبل أن يؤذن لكم، (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو قادر على النصر، وعلى منعه، وعلى أن يصيب بكم تارة ويصيب منكم أخرى، (وَما أَصابَكُمْ) يوم أحد يوم التقى جمعكم وجمع المشركين (فـ) هو كائن (بإذن الله) أي: بتخليته، استعار الإذن لتخليته الكفار، وأنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم؛ لأنّ الإذن مخل بين المأذون له ومراده، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأنه لم يمنعهم منهم ليبتليهم)، أي: المسلمين من الكفار: عطف تفسيري على قوله: "استعار الإذن لتخليته الكفار"، وقد مر كيفية استعارة الإذن في هذه السورة. فإن قلت: ذكرت أن الإذن مستعار لتيسير الأمور من تسهيل الحجاب، وبينت أن من قضى عليه الموت كأنه يستوفي مدة أجله ويطلب من الله تيسير ذلك، فما وجهه ها هنا؟ قلت: لما بنى التكليف على الاختيار والابتلاء، استعير ها هنا الإذن لتخلية الكفار وغلبتهم على المسلمين، فكأن التكليف يستدعي التخلية ويطلب التيسير للابتلاء. وقوله: (وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ): عطف على محذوف يدل عليه قوله: (فَبِإِذْنِ اللَّهِ) أي: ما أصابكم يوم التقى الجمعان فبتيسير الله لابتلاء المؤمنين والمنافقين، وليقع ما علمناه غيباً مشاهداً للناس، فيترتب عليه الجزاء. ويؤيده تقديره فيما سبق في قوله: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ)، والثاني: أن تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليها، ومعناه: وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت، وليعلم الله، وقال فيه أيضاً: وليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء، فعلى هذا يكون قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) وعيداً للمنافقين، وطوى وعد المؤمنين ليفيد ضرباً مبهماً من الوعد، فقوله: " (وَلِيَعْلَمَ) وهو كائن" معناه: وليعلم الذي أصابكم يوم التقى الجمعان حال وجوده ليجازي عليه، وهو المعني بقولنا: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء. قوله: (لأن الإذن مخل) بضم الميم وفتح الخاء المعجمة، هو تعليل للاستعارة.

(وَلِيَعْلَمَ): وهو كائن ليتميز المؤمنون والمنافقون، وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء (وَقِيلَ لَهُمْ) من جملة الصلة، عطف على (نافقوا)، وإنما لم يقل فقالوا؛ لأنه جواب لسؤال اقتضاه دعاء المؤمنين لهم إلى القتال، كأنه قيل: فماذا قالوا لهم؟ فقيل: قالوا: لو نعلم. ويجوز أن تقتصر الصلة على: (نافَقُوا)، ويكون (وَقِيلَ لَهُمْ) كلامًا مبتدأ، قُسم الأمرُ عليهم بين أن يقاتلوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون، وبين أن يقاتلوا ـ إن لم يكن بهم غم الآخرة ـ دفعًا عن أنفسهم وأهليهم وأموالهم، فأبوا القتال وجحدوا القدرة عليه رأساً لنفاقهم ودغلهم؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وإنما لم يقل: فقالوا) أي: في قوله تعالى: (قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً) أي: لِمَ لم يجيء بالرابط بين متعلقي صلة الموصول؟ إذ التقدير: قيل لهم: تعالوا قاتلوا، فقالوا: لو نعلم قتالاً لقاتلنا. وأجاب: أن الربط المعنوي قائم، وهو الاستئناف على الجواب والسؤال. قوله: (ويكون (وَقِيلَ لَهُمْ): كلاماً مبتدأ). لما ذكر الله تعالى أحوال المؤمنين وما جرى لهم وعليهم في الآيات، وبين أن الدائرة إنما كانت للابتلاء وليتميز المؤمنون عن المنافقين، وليعلم كل واحد من الفريقين أن ما قدره الله من إصابة المؤمنين كائن لا محالة، أورد قصة من قصصهم مناسبة لهذا المقام مستطردة، وجيء بالواو لأنها ملائمة لأصل الكلام، والنفاق على هذا مطلق متعارف، وعلى أن يكون (وَقِيلَ لَهُمْ): عطفاً على (نَافَقُوا) يكون بياناً له، وأنه نفاق خاص أظهروه في ذلك المقام حيث قالوا: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ)، وإليه الإشارة بقوله: "وجحدوا القدرة عليه رأساً لنفاقهم ودغلهم". قوله: (قسم الأمر) شروع في تفسير قوله: (وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا) إلى آخره. قوله: (ودغلهم)، الأساس: الدغل: نحو الغيل والشجر الملتف، ومن المجاز: اتخذ الباطل دغلاً، ومنه: دغل فلان، وفيه دغل، أي: فساد وريبة.

وذلك ما روي: أن عبد اللَّه بن أبيّ انخزل مع حلفائه، فقيل له، فقال ذلك. (أَوِ ادْفَعُوا) العدوّ بتكثيرِكم سواد المجاهدين وإن لم تقاتلوا؛ لأنّ كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر منه. وعن سهل بن سعد الساعدي ـ وقد كف بصره: لو أمكننى لَبِعتُ دارى ولحقت بثغر من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوهم. قيل: وكيف وقد ذهب بصرك؟ قال لقوله: (أَوِ ادْفَعُوا) أراد أكثر سوادهم. ووجه آخر؛ وهو أن يكون معنى قولهم: (لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا): لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا (لَاتَّبَعْناكُمْ): يعنون أن ما أنتم فيه لخطأ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالأنفس إلى الهلكة؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (انخزل مع حلفائه)، الأساس: كلمته فخجل وانخزل في مشيته: استرخى، وأقدم على الأمر ثم انخزل عنه، أي: ارتد وضعف. قوله: (لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً) أي: ليس ما تدعونا إليه من جنس القتال، وإنما هو من جنس التهلكة، وهو من باب إخراج نوع من جنس وإدخاله في جنس آخر بالادعاء والمبالغة، كما إذا رأيت إنساناً تشجع وفاق أقرانه في الإقدام قلت لصاحبك: إذا أردت أسداً فعليك بفلان، وإنما هو أسد وليس آدمياً، بل هو أسد، وإليه الإشارة بقوله: "ولا يقال لمثله: قتال، وإنما هو إلقاء النفس إلى التهلكة"، وعلى الوجه الأول يراد بـ (قِتَالاً) نوع منه، أي: هذا الذي تدعونا إليه من القتال لا طاقة لنا به لضعفنا وشوكة العدو، ولذلك عرف القتال في قوله: "فأبوا القتال وجحدوا القدرة عليه رأساً"، وعلى الثاني: المنفي القتال، وعلى الأول: القدرة عليه؛ لأن التقدير: لو نحسن قتالاً تدعوناً إليه لاتبعناكم، يقال: فلان لا يحسن القتال، أي: لا يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان، وعليه كلام القاضي: لو نحسن قتالاً لاتبعناكم، وإنما قالوه دغلاً واستهزاء.

لأنّ رأي عبد اللَّه كان في الإقامة بالمدينة، وما كان يستصوب الخروج، (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ) يعنى: أنهم قبل ذلك اليوم كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخزلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا؛ تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر. وقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان؛ لأنّ تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال تقوية للمشركين. (يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ): لا يتجاوز إيمانُهم أفواههم ومخارج الحروف منهم، ولا تعي قلوبهم منه شيئًا. وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم، وأنّ إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تباعدوا بذلك عن الإيمان ... واقتربوا من الكفر) هذا يشعر بأن (أَقْرَبُ) عمل في الكفر وفي الإيمان، قال أبو البقاء: اللام في "الكفر" و"الإيمان" متعلقة بـ ((أَقْرَبُ)، وجاز أن يعمل فيهما؛ لأنهما يشبهان الظرف؛ لأن "أفعل" يدل على معنيين: على أصل الفعل، وعلى زيادته؛ فيعمل كل واحد من الطرفين بمعنى غير الآخر، فتقديره: يزيد قربهم إلى الكفر على قربهم إلى الإيمان، واللام على بابها، وقيل: هي بمعنى "إلى"، قال السجاوندي: (لِلْكُفْرِ) أي: لأهله، أو إليه، يلازم الكفر كل منهم كأنه قريب له يحنو عليه. قوله: (لا يتجاوز إيمانهم أفواههم ومخارج الحروف منهم) مقتبس من قوله صلى الله عليه وسلم: "يقرؤون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، الحديث أخرجه أبو داود عن أنس وأبي سعيد.

(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ) من النفاق، وبما يجرى بعضهم مع بعض من ذمّ المؤمنين، وتجهيلهم، وتخطئة رأيهم والشماتة بهم، وغير ذلك؛ لأنكم تعلمون بعض ذلك علماً مجملًا بأمارات، وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته. (الَّذِينَ قالُوا) في إعرابه أوجه: أن يكون نصباً على الذمّ، أو على الردّ على (الذين نافقوا)، أو رفعا على: هم (الذين قالوا)، أو على الإبدال من واو (يكتمون)، ويجوز أن يكون مجروراً بدلا من الضمير في (بأفواههم) ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والترقوة: العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق، وذلك أن الهمزة والهاء مخرجهما من أقصى الحلق قريب من الترقوة. والرمية: الصيد المرمي، يقال: بئس الرمية الأرنب، أي: بئس الشيء مما يرمى الأرنب، وإنما جاءت بالهاء لأنها صارت في عداد الأسماء. قوله: (وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته). هذا معتقد المحقين المحققين دون مذهب المبطلين المذممين، فإنهم ينسبون العلم المجمل إلى الله تعالى والمفصل إلى المخلوقين. قوله: (أو على الرد) أي: البدلية، وإنما قال: "على الرد"؛ لأنه أتبع إعرابه إعراب ذلك، وهو منصوب على أنه مفعول (وَلِيَعْلَمَ). قوله: (هم الذين نافقوا)، وفي نسخة: "هم (الَّذِينَ قَالُوا) "، والتنزيل مطابق لهذا وهو الأصح. قوله: (من واو (يَكْتُمُونَ)) المعنى، والله أعلم: بما يكتم الذين قالوا. قوله: (بدلاً من الضمير في (بِأَفْوَاهِهِمْ)) أي: يقولون بأفواه الذين قالوا لإخوانهم، فيكون من باب التجريد، قال الشاعر: دعوت كليباً دعوة فكأنما ... دعوت به ابن الطود أو هو أسرع

أو (قلوبهم)، كقوله: عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حَاتِمُ (لِإِخْوانِهِمْ): لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد، أو إخوانهم في النسب وفي سكنى الدار. (وَقَعَدُوا) أي: قالوا وقد قعدوا عن القتال: لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من القعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل (قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) معناه: قل: إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلًا وهو القعود عن القتالـ فجدوا إلى دفع الموت سبيلاً. يعنى: أن ذلك الدفع غير مغن عنكم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو (قُلُوبُهُمْ))، المعنى: ما ليس في قلوب الذين قالوا، فهو أيضاً تجريد على نحو قوله تعالى: (لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ) [فصلت: 28]. قوله: (على جوده)، أوله: على حالة لو أن في القوم حاتماً على جوده: حال من ضمير الاستقرار، أي: لو أن حاتماً مستقر في القوم، أي: كائناً على جوده، "حاتم" بالجر؛ لأن القوافي كلها مجرورة، وهو: بدل من الهاء، من جوده: بدل المظهر من المضمر نحو: مررت به أبي زيد. قبله: فجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليشرب ماء القوم بين الصرائم الصرائم: جمع الصرمة، وهي القطيعة من الإبل. قوله: (فجدوا) بالتخفيف: أمر من وجد، الجوهري: وجد مطلوبه يجده وجوداً.

لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة، ولا بُدَّ لكم مِنْ أن يتعلق بكم بعضها. روي: أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً. فإن قلت: فقد كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، فما معنى قوله: (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)؟ قلت: معناه أن النجاة من القتل يجوز أن يكون سببها القعود عن القتال وأن يكون غيره؛ لأن أسباب النجاة كثيرة، وقد يكون قتال الرجل سبب نجاته ولو لم يقاتل لقتل، فما يدريكم أن سبب نجاتكم القعود وأنكم صادقون في مقالتكم وما أنكرتم أن يكون السبب غيره؟ ووجهٌ آخرُ: إن كنتم صادقين في قولكم: لو أطاعُونا. وقعدوا ما قتلوا، يعنى: أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقُتلوا قاعدين كما قُتلوا مُقاتِلين. وقوله: (فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ): استهزاء بهم، أي: إن كنتم رجالا دفاعين لأسبابِ الموت، فادرؤوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما أنكرتم أن يكون السبب غيره)، قيل: "ما" في "ما أنكرتم": مصدرية، وهو معطوف على مقالتكم، ويجوز أن تكون استفهامية إنكارية كقوله: "فما يدريكم؟ " أي: لم تخصون السبب بما تذكرون وتنكرون غيره. قوله: (ووجه آخر): عطف على قوله: "معناه: إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلاً، وهو القعود عن القتال"، وهو مبني على مفهوم قولهم: على ما قدره: "لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا"، وهذا على لفظه، والسؤال، وهو قوله: "فقد كانوا صادقين"، وارد على الأول، وحاصله: أن كونهم دافعين القتل عن أنفسهم حاصل، والحاصل لا يعلق به شيء، وتلخيص الجواب: أن التعليق وارد على خلاف مقتضى الظاهر، لأن الكلام مبني على إنكار حصرهم سبب النجاة في القعود وجزمهم فيه، بدليل قوله: "وما أنكرتم أن يكون السبب غيره"، وفيه تسليم أن قعودهم كان سبباً للنجاة، يدل عليه قوله فيما سبق: "إن دفعتم القتل، الذي هو أحد أسباب الموت، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة"،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفيه شائبة من الاعتزال ومنع القدر، والذي يقتضيه النظم أن قولهم: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا)، متصل بقوله: (وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وقولهم: (لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ)، وذلك أنهم حين جبنوا وقعدوا ما اكتفوا بذلك، بل ثبطوا المؤمنين بأن قالوا: إن ما أنتم متوجهون فيه ليس بقتال بل إلقاء للنفس إلى التهلكة، وإنا لو (نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ)، وحين سمعوا بالمقتولين يوم أحد قالوا: (لَوْ أَطَاعُونَا) في أن ذلك كان إلقاء للنفس إلى التهلكة، (مَا قُتِلُوا)، فقيل لهم: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أن القتال إلقاء للنفس إلى التهلكة، وأن القعود سبب النجاة، يعني أن الموت والقتل سيان في أنكم لا تقدرون على دفع كل واحد منهما، وأن القعود لم يكن دفعاً للقتل كما قال تعالى: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ). قال الإمام: هذا الذي ذكره الله تعالى لا يتمشى إلا بالاعتراف بالقضاء والقدر، فإن القتل والموت سيان حينئذ، وأما إذا قلنا: إن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه، كان الفرق بين القتل والموت ظاهراً، وهذا يفضي إلى فساد الدليل، فثبت أن هذه الآية دالة على أن الكل بقضاء الله وقدره. وتقريره: أن قوله: (فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ) رد لقولهم: (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا)، فلو لم يجعل القتل كالموت لم يصح الرد، أي: لا فرق بين القتل والموت في أنكم غير قادرين على دفعه لكونهما من قضاء الله وقدره. الراغب: القتل: إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال: قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موت، قال تعالى: (أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ).

(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) 169 ـ 171]. (وَلا تَحْسَبَنَّ) الخطاب لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أو لكل أحد. وقُرئ بالياء على: ولا يحسبنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، أو: ولا يحسبنّ حاسبٌ. ويجوزُ أن يكونَ (الَّذِينَ قُتِلُوا) فاعلًا، التقدير: ولا يحسَبَنَّهم الذين قُتِلوا أمواتًا، أي: ولا يحسَبَنَّ الذين قُتِلوا أنفُسَهم أمواتًا. فإن قلتَ: كيف جازَ حذفُ المفعول الأوّل؟ قلتُ: هو في الأصل مبتدأٌ، فحُذِفَ كما حُذف المبتدأُ في قوله (أَحْياءٌ) والمعنى: هم أحياءٌ لدلالةِ الكلام عليهما. وقُرئ: (تحسبنّ) بفتح السين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ بالياء على: ولا يحسبن): هشام وابن عامر. قوله: (كما حذف المبتدأ) وحذف أحد المفعولين في باب الحسبان مذهب الأخفش، خلافاً لسيبويه. قال صاحب "التحفة": وأجاز الكوفيون الاقتصار على الأول إذا سد شيء مسد الثاني، كما في باب المبتدأ، نحو: أقائم أخواك؟ وقال المالكي: إذا دل الدليل على أحدهما جاز حذفه. وقال المصنف في قوله تعالى: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) [النور: 57] "والأصل: لا تحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول وكأن الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كان لشيء واحد اقتنع بذكر الاثنين عن ذكر الثالث".

و (قُتِّلوا) بالتشديد، و (أحياءً) بالنَّصب على معنى: بل احسبْهم أحياءً (عِنْدَ رَبِّهِمْ) مقرّبون عنده ذَوُو زُلفى، كقوله: (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ). [فصلت: 38]. (يُرْزَقُونَ) مِثْلَ ما يُرزَقُ سائرُ الأحياء يأكلون ويشربون. وهو تأكيدُ لكونِهم أحياءً، ووصفٌ لحالهِم التي هُمْ عليها من التنعُّم برِزْق اللَّه. (فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ): وهو التوفيقُ في الشَّهادة وما ساقَ إليهم من الكَرامةِ والتفضيل على غيرِهم، مِنْ كَوْنِهم أحياءً مقرّبين مُعجَّلا لهم رِزْقُ الجنَّة ونعيمُها. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «لما أُصِيبَ إخوانُكم بأُحدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرواحَهم في أجوافِ طَير خُضرٍ تَدُورُ في أنهارِ الجنَّة وتأكُلُ مِن ثِمارِها وتأوي إلى قنَاديلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعلَّقة في ظِلِّ العَرْش» ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و"قتلوا" بالتشديد): ابن عامر. قوله: (ذوو زلفى) قيل: الخليل يكتب الألف عند ضمير الجماعة فرقاً بينه وبين سائر الواوات، وغيره لا يثبتها جرياً على القياس، فإن الخط مع اللفظ وليس في اللفظ ألف. قوله: (كقوله: (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ)) يعني: قوله: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) كناية عن الزلفى والمكانة، نحو قوله تعالى: (فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ) [فصلت: 38] أي: فإن لم يمتثلوا ما أمروا به فدعهم، فإن الله عز وجل لا يعدم عابداً بالإخلاص، وله العباد المقربون الذين ينزهونه بالليل والنهار. قوله: (وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب إخوانكم بأحد") الحديث من رواية أحمد بن حنبل وأبي داود، عن ابن عباس، مذكور في مسندهما مع تغيير يسير، ومن رواية مسلم، عن مسروق، في "صحيحه"، قال الإمام التوربشتي: أراد بقوله: "أرواحهم في أجواف طير خضر" أن الروح الإنسانية المتميزة المخصوصة بالإدراكات، بعد مفارقتها البدن يهيأ لها طير أخضر، فتنتقل إلى جوفه ليعلف ذلك الطير من ثمر الجنة، فتجد الروح بواسطته لذة

(وَيَسْتَبْشِرُونَ بـ) إخوانهم المجاهدين (الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ) أي: لم يقتلوا فيلحقوا بهم، (مِنْ خَلْفِهِمْ): يريد الذين من خلفهم قد بَقُوا بَعدَهم وهُم قد تقدموهم. وقيل: (لم يلحقوا بهم)، لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) بدل من (الَّذِينَ)، والمعنى: ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين؛ .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الجنة وروح البهجة والسرور، ولعل الروح تحصل لها تلك الهيئة إذا تشكلت وتمثلت بأمر الله طيراً أخضر كتمثل الملك بشراً، وعلى أية حال كانت، فالتسليم واجب علينا لورود البيان الواضح على ما أخبر عنه الكتاب والسنة وروداً صريحاً، ولا سبيل إلى خلافه. وقلت: والله أعلم: في الآية تشبيه؛ لأن باب علمت وحسبت من دواخل المبتدأ والخبر، فالواجب حمل المفعول الثاني على الأول، ولا يصح ذلك في الآية إلا بالتشبيه نحو: حسبت زيداً أسداً، على أن بعض الأصحاب عد هذا الباب من أداة التشبيه، كأنه قيل: لا تحسبنهم كالأموات بل احسبنهم كالأحياء، ثم بين ما به شبهوا بهم بقوله: (يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ) فيكون حديث الطير بياناً لكيفية حياتهم وإيصال الرزق إليهم، وإلى التشبيه أشار المصنف بقوله: "مثل ما يرزق سائر الأحياء"، ومما يشد من عضد أن حكمهم خلاف حكم سائر الأموات ما روينا عن أبي داود والترمذي، عن فضالة بن عبيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة". قوله: ((أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) بدل من (الَّذِينَ))، أي: بدل الاشتمال، لأن الضمير في (عَلَيْهِمْ) عائد إلى (بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ)، وقد ضم إليه السلامة من الخوف والحزن. قوله: (ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم) أي: يسرون بالبشارة بإخوانهم المؤمنين الذين لم يقتلوا وهو أنهم إذا ماتوا أو قتلوا كانوا أحياء حياة لا يكدرها خوف وقوع محذور وحزن فوات محبوب، فعلى هذا (يَسْتَبْشِرُونَ) بمعنى: يبشرون، الجوهري: وبشرت بكذا، بالكسر أبشر، أي: استبشرت به.

وهو أنهم يُبْعَثون آمِنين يومَ القيامة، بشَّرَهم اللَّهُ بذلك؛ فهم مُستبشِرون به. وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على ازدياد الطاعة، والجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم، وإحْمادٌ لحالِ من يرى نَفْسَه في خيرٍ فيتمنّى مثله لإخوانِه في اللَّه، وبُشرى للمؤمنينَ بالفوزِ في المآب. وكُرّر (يَسْتَبْشِرُونَ) ليعلق به ما هو بيان لقوله: (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) مِن ذِكْرِ النعمة والفضل، وأنّ ذلك أجرٌ لهم على إيمانِهم يجبُ في عَدْلِ اللَّه وحِكْمتِه أن يُحصَّلَ لهم ولا يُضيَّع. وقُرئ: (وَأَنَّ اللَّهَ) بالفتح عطفاً على النَّعمةِ والفضل، وبالكسر على الابتداء وعلى أنّ الجملة اعتراض، وهي قراءة الكسائي. وتعضدها قراءة عبد اللَّه، واللَّه لا يضيع. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: بشرت الرجل وأبشرته وبشرته: أخبرته بسار يبسط بشرة وجهه، وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم انتشار الماء في الشجر، وبين هذه الألفاظ فروق، فإن بشرته عام، وأبشرته نحو أحمدته وبشرته على التكثير، واستبشر: إذا وجد ما يبشره من الفرح. قال القاضي: الآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس. قوله: (بيان لقوله: (أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)) يعني: كرر (يَسْتَبْشِرُونَ) ليعلق به قوله: (بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)، وهو بيان وتفسير لقوله: (أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)؛ لأن الخوف: غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء، والحزن: غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار مما فات منه، فمن كان متقلباً في نعمة من الله وفضل فلا يحزن أبداً، ومن جعلت أعماله مشكورة غير مضيعة فلا يخاف العاقبة. قوله: (على أن الجملة اعتراض) أي: تذييل للآيات السابقة من لدن قوله: (لا تَحْسَبَنَّ

(الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) 172 ـ 174]. (الَّذِينَ اسْتَجابُوا): مبتدأ خبره (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا)، أو صفة ل (المؤمنين)، أو نصب على المدح. رُوي أنّ أبا سُفيان وأصحابَه لما انصرفوا مِنْ أُحدٍ فبَلَغوا الرَّوْحاءَ نَدمُوا وهموا بالرجوع، فبَلَغَ ذلك رسولَ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوّة، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وفي ذكر المؤمنين إشعار بأن من وسم بسمة المؤمنين كائناً من كان، شهيداً مقرباً أو من أصحاب اليمين، فإنه تعالى لا يضيع أجره (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه) [الزلزلة: 7]. قال القاضي: هو دال على أن ذلك أجر لهم على إيمانهم، وذلك مشعر بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة. قوله: ((الَّذِينَ اسْتَجَابُوا): مبتدأ، وخبره: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا)) أي: الذين استجابوا مع ما في حيز الصلة: مبتدأ، وقوله: (أَجْرٌ عَظِيمٌ): مبتدأ ثان، و (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا): خبره، والجملة: خبر المبتدأ الأول. قوله: (أو صفة لـ (الْمُؤْمِنِينَ)، أو نصب على المدح)، فعلى هذا يجب أن تكون "أن" المفتوحة مع ما بعدها معطوفة على النعمة والفضل، ويكون (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) الآية، مستأنفة، أي: ما لهم حينئذ؟ فقيل: "لهم أجر عظيم". قوله: (ويريهم من نفسه وأصحابه قوة) أي: تجلداً.

وقال: (لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس)، فخرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى اللَّه الرعب في قلوب المشركين فذهبوا، فنزلت. و «من» في (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ) للتبيين مثلها في قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً) [الفتح: 29]؛ لأنّ الذين استجابوا للَّه والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا، لا بعضهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من حضر يومنا) أي: وقعتنا، الأساس: ذكر في أيام العرب بكذا، أي: في وقائعها، (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) [إبراهيم: 5]: بدمادمه على الكفرة. قوله: (حمراء الأسد) ليست هي بدراً الصغرى كما في الحواشي، قال ابن الجوزي في كتاب "الوفا": لما انصرفوا من أحد بات الناس يداوون جراحاتهم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح أمر بلالاً فنادى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس، وخرج فعسكر بحمراء الأسد وذهب العدو فرجع إلى المدينة، وسيجيء بعد هذا قصة بدر الصغرى عند قوله: "حتى وافوا بدراً". قوله: (فتحاملوا)، الأساس: تحاملت الشيء: حملته على مشقة. قوله: (و"من" في (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ): للتبيين)، فالكلام فيه تجريد، جرد من الذين استجابوا لله والرسول: المحسن والمتقي، قال القاضي: المقصود من ذكر الوصفين المدح لا التقييد؛ لأن المستجيبين كلهم محسنون متقون.

وعن عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة رضي اللَّه عنها: «إن أبويك لمن الذين استجابوا للَّه والرسول. تعنى: أبا بكر والزبير. (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ): روى أنّ أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد: يا محمّدُ موعِدُنا موسم بَدْرٍ لقابلٍ إنْ شئت. فقال صلى اللَّه عليه وسلم: إن شاء اللَّه فلمّا كان القابلُ خرج أبو سُفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران، فألقى اللَّه الرعب في قَلْبِه فبدا له أن يرَجِعَ، فلَقِيَ نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قَدِمَ معتمراً فقال: يا نعيم، إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة، فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشر من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون، فقال لهم: ما هذا بالرأي. أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريداً، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم؟ ! فو اللَّه لا يفلت منكم أحد. وقيل: مرّ بأبي سفيان ركب من عبد القبس يريدون المدينة للميرة، فجعل لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوهم، فكره المسلمون الخروج. فقال صلى اللَّه عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد"، فخرج في سبعين راكبا وهم يقولون: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل ـ وقيل: هي الكلمة التي قالها إبراهيم صلوات الله عليه حين ألقي في النارـ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن أبويك لمن الذين استجابوا لله ... ، تعني: أبا بكر والزبير)؛ لأن أمه أسماء بنت أبي بكر، روينا عن البخاري ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ) الآية، قالت لعروة: كان أبواك منهم؛ الزبير وأبو بكر رضي الله عنهما، لما أصاب نبي الله ما أصاب يوم أحد فانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في أثرهم؟ "، فانتدب منهم سبعون رجلاً، فيهم أبو بكر والزبير.

حتى وافوا بدراً فأقاموا بها ثماني ليال، وكانت معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيراً، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، ورجع أبو سفيان إلى مكة، فسمى أهل مكة جيشه جيش السَّويق. قالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق. فالناس الأوّلون: المثبطون، والآخرون: أبو سفيان وأصحابُه. فإن قلت: كيف قيل (النَّاسُ) إن كان نعيم هو المثبط وحده؟ قلتُ: قيل ذلك؛ لأنه من جنس الناس، كما يقال: فلان يركب الخَيْلَ ويلبس البُرود، وما له إلا فرس واحدٌ وبردٌ فَرد؛ أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه، ويَصِلون جَناح كلامِه، ويُثبِّطون مِثلَ تَثْبيطهِ. فإن قلت: إلام يرجعُ المستكنُّ في (فَزادَهُمْ)؟ قلت: إلى المقُولِ الذي هو (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) كأنه قيل: قالوا لهم هذا الكلام فزادهم إيماناً؛ ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جيش السويق)، قال ابن الجوزي: إن أبا سفيان قال: حرام أن ندهن حتى نثأر من محمد وأصحابه، فوصل إلى نحو المدينة فقتل رجلين وأحرق، ورأى أن يمينه قد حلت فهرب، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج في أثرهم، فجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون يلقون جرب السويق، فيأخذها المسلمون، ولم يلحقوه، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم وسميت الغزوة غزوة السويق. قوله: (الأولون: المثبطون، والآخرون: أبو سفيان) يعني: في قوله تعالى: (قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) يروى الآخرون، بكسر الخاء وفتحها، وكلاهما جائزان، الجوهري: الآخر بعد الأول، وهو صفة، تقول: جاء آخراً، أي: أخيراً، وبالفتح: أحد الشيئين، وهو اسم إلا أن فيه معنى الصفة. قوله: (ويصلون جناح كلامه) استعارة: شبه ما يصلونه من كلام بكلامه الذي يريد ترويجه عند المسلمين بقدح لا ريش له: فيوصل بالجناح ليكون سهماً مرسلاً، أو بطائر يريد الطيران فيضم إلى أجنحته ما يزيد به طيرانه.

أو إلى مصدر (قَالُوا)، كقولك: مَن صَدَقَ كان خيراً له؛ أو إلى (الناس) إذا أريد به نُعَيمٌ وَحْدَه. فإن قلت: كيف زادهم نُعَيمٌ أوْ مَقُولُه إيمانًا؟ قلتُ: لمّا لم يَسمَعُوا قولَه وأخْلصوا عنده النيَّة والعزمَ على الجهاد، وأظهَروا حَميّة الإسلام، كان ذلك أثبتَ ليَقينِهم وأقوى لاعتقادِهم، كما يزدادُ الإيقانُ بتناصُرِ الحُجج؛ ولأنّ خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان؛ لأنّ الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل. وعن ابن عمر: قلنا يا رسول اللَّه إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: «نَعمْ يزيدُ حتى يُدخِلَ صاحبه الجنّة. ويَنْقُصُ حتى يُدخِل صاحبَه النار». وعن عمر رضي اللَّه عنه: أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول: قُم بنا نزدَدْ إيمانًا. وعنه: لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ هذه الأُمّة لرجَحَ به (حَسْبُنَا اللَّهُ) مُحْسِبُنا الله، أي: كافِيْنا. يقالُ: أحسبَه الشيءُ إذا كَفاه. والدليلُ على أنه بمعنى المُحسب: أنك تقول: هذا رجلٌ حَسْبُك، فتصف به النكرة؛ لأنّ إضافته لكونِه في معنى اسم الفاعل غيرُ حقيقة. (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ): ونعم الموكول إليه هو. (فَانْقَلَبُوا): فرجعوا من بدر (بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ): وهي السلامة وحذر العدوّ منهم (وَفَضْلٍ): وهو الربح في التجارة، كقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ). [البقرة: 198]، (لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ): لم يلقَوا ما يَسوءهم من كيد عدوّ (وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ) بجرأتهم وخروجهم (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ): قد تفضَّل عليهم بالتَّوفيق فيما فعلوا. وفي ذلك تحسير لمن تخلف عنهم، وإظهار لخطأ رأيهم؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة)، هذا مبني على أن الإيمان ذو شعب، وكل طاعة تزيد فيه، وعلى الأول كان الإيمان عبارة عن التصديق، والمراد بالزيادة: الطمأنينة في اليقين وأن تظاهر الأدلة يقوي اليقين. قوله: (وفي ذلك تحسير لمن تخلف عنهم)، يعني في عطف قوله: (وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ)

حيث حَرَموا أنفُسَهم ما فازَ به هؤلاء. وُروي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا؟ فأعطاهم اللَّه ثواب الغزو ورضي عنهم. (إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) 175]. (الشَّيْطانُ) خَبَرُ (ذلكم)، بمعنى: إنما ذلك المثبط هو الشيطان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على قوله: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ) على سبيل التكميل، وتذييل الآية بقوله: (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) مع التصريح بالاسم الجامع، وإسناد (ذُو فَضْلٍ) إليه ووصفه بـ (عظيم)، إيذان بأن المخلفين فوتوا على أنفسهم أمراً عظيماً لا يكتنه كنهه، وهم أحقاء بأن يتحسروا عليه تحسراً ليس بعده. قوله: ((الشَّيْطَانِ): خبر (ذَلِكُمُ))، ذكر في الآية وجوهاً: أحدها: (الشَّيْطَانِ): خبر (ذَلِكُمُ)، والظاهر أن المشار إليه (النَّاسُ) المذكور أولاً في قوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)، وهو نعيم بن مسعود، لقوله: (إِنَّمَا ذَلِكُمْ) المثبط، والمراد بأوليائه: أبو سفيان وأصحابه، فيكون قوله: (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) على تقدير جواب سائل: لم قصرت الشيطنة فيه؟ وأجيب: بأنه يخوف المسلمين أبا سفيان وأصحابه خديعة ومكراً، وتخويفه قوله: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد. وثانيهما: أن يكون (الشَّيْطَانِ): صفة، و (يُخَوِّفُ): الخبر، وحينئذ يجوز أن يراد بالمشار إليه الناس المذكور أولاً، وهو نعيم، أو الثاني، وهو أبو سفيان، والمراد بتخويف أبي سفيان نداؤه عند انصرافه من أحد: يا محمد، موعدنا موسم بدر لقابل، ولما كان الوجه الأول أبلغ لمكان التخصيص بتعريف الخبر وموقع الاستئناف، وكان تخويف نعيم ظاهراً، اختص به. وثالثها: أن يكون المضاف محذوفاً، والمراد بالشيطان إبليس كما صرح به. وعلى هذه الوجوه المفعول الأول محذوف، والمراد بالأولياء أبو سفيان وأصحابه، ويدل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على هذا التقدير قراءة ابن عباس وابن مسعود، ويجوز أن يراد بالأولياء: القاعدون، والمفعول الثاني محذوف، والمراد بالتخويف: ما أوقع الشيطان في قلوبهم من الجبن والخور والرعب، وكأن أقرب الوجوه الوجه الأخير؛ لأنه قيل في حق السابقين غير القاعدين: (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، فوضع موضع فما خافوا فزادهم إيماناً، وقال في حق هؤلاء القاعدين: (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي)، وسموا أولياء الشيطان تغليظاً، ولذلك قرن به (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) مقابلاً لقوله: (فَزَادَهُمْ إِيمَاناً). ثم إن أريد بالأولياء أبو سفيان وأصحابه والخطاب بقوله: (يخوفكم): المؤمنون الخلص، كان قوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) في معنى التعليل، فلا يقتضي الجزاء كما سبق. وإن أريد به المتخلفون كان المعنى: إن كنتم مؤمنين فخافوني وجاهدوا مع رسولي، لأن الإيمان يقتضي أن يؤثروا خوف الله على خوف الناس، كما قال الإمام: المعنى: الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره، وأما أولياء الله فهم لا يخافونه إذا خوفهم ولا ينقادون لأمره، وهذا قول الحسن والسدي. وقلت: النظم يساعد عليه، فإنه تعالى لما بين أن الذي أصاب المؤمنين يوم التقى الجمعان إنما أصابهم ليتميز المؤمن المخلص من المنافق، فقسمهم أقساماً بدأ بذكر المنافقين، ثم ثنى بذكر المؤمنين، وجعلهم طبقات، فذكر من استشهد وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، واستتبع مدحهم مدح الطبقة الثانية الذين لم يلحقوا بهم، فذكر من أوصافهم أنهم الذين استجابوا لله والرسول تعريضاً بالمتخلفين وأنهم الذين (قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً)، ولما فرغ من مدحهم التفت إلى الطبقة الثالثة، وقال: (إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ)، ثم ثلث بذكر الذين محضوا الكفر وواطأت قلوبهم ألسنتهم، فقال: (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) [آل عمران: 176] مستطرداً لذكر أولياء الشيطان،

و (يخوّف أولياءه) جملةٌ مستأنَفة بيانٌ لشَيْطنتِه. أو (الشَيْطَانُ) صفةٌ لاسم الإشارة، و (يخوّفُ) الخبرُ. والمراد بالشيطانِ نُعيم، أو أبو سفيان. ويجوزُ أنْ يكونَ على تقدير حَذْف المُضاف، بمعنى: إنما ذلكم قول الشيطان، أي: قولُ إبليسَ لَعَنَه اللَّه (يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) يخوّفكم أولياءَه الذين هم أبو سفيان وأصحابُه. وتدلُّ عليه قراءةُ ابنِ عباسٍ وابنِ مسعود: يخوفكم أولياءه. وقوله: (فلا تخافوهم). وقيل: (يخوّف أوليَاءَهُ): القاعدين عن الخروج مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. فإن قلت: فإلامَ رَجَعَ الضَّميرُ في (فَلا تَخافُوهُمْ) على هذا التفسير؟ قلت: إلى (النَّاسَ) في قوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) [آل عمران: 173]، (فَلَا تَخَافُوهُمْ) فتقعُدوا عن القِتالِ وتَّجبْنُوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم عاد إلى ما بدأ منه من قوله: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) [آل عمران: 179] توكيداً وتقريراً، ولما أراد أن يذكر اليهود جعل قوله: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) [آل عمران: 180] تخلصاً إليه، ثم قال: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) [آل عمران: 181]، والله أعلم. قوله: (القاعدين عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) عن: متعلق بالقاعدين، ومع: يتعلق بالخروج، فعلى هذا مفعوله الثاني محذوف، أي: يخوف أولياءه القاعدين (النَّاسُ)، وهم أبو سفيان وأصحابه، والضمير في (فَلا تَخَافُوهُمْ) راجع إلى (النَّاسُ) المذكور. قوله: (فإلام رجع الضمير؟ ) جاء في السؤال بالفاء للإنكار، يعني: أن الضمير في (فَلا تَخَافُوهُمْ) على الأول كان راجعاً إلى أولياء الشيطان، وهم أبو سفيان وأصحابه، وحين فسرت الأولياء بالمخلفين لا يصح ذلك؛ لأن الشيطان ما خوفهم أنفسهم فإلام يرجع الضمير؟ قوله: ((فَلا تَخَافُوهُمْ) فتقعدوا) فتقعدوا: قيل: ليس منصوباً بـ "أن"، ليكون جواباً للنهي، بل هو مجزوم بـ "لا" معطوف على (تَخَافُوهُمْ) بدليل قوله بعد ذلك: " (وَخَافُونِ)

(وَخافُونِ) فجاهِدوا مع رَسُولي، وسارِعُوا إلى ما يأمُرُكم به، (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يعنى: أنّ الإيمان يقتضى أن تُؤثرِوا خوف اللَّه على خوف الناس، (وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ). [الأحزاب: 39]. (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) 176 ـ 178]. (يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ): يَقَعُون فيه سريعاً، ويَرغَبون فيه أشدّ رَغْبة، وهم الذين نافَقُوا من المتخلِّفين. وقيل: هم قومٌ ارتدّوا عن الإسلام. فإن قلت: فما معنى قوله: (وَلا يَحْزُنْكَ)؟ ومن حق الرسول أن يحزَنَ لنفاقِ من نافَقَ وارتِدادِ من ارتدّ؟ قلتُ: معناه: لا يحزُنوكَ لخوفِ أن يضرّوك ويُعينوا عليك، ألَا ترى إلى قوله: (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً)، يعنى: أنهم لا يضرُّون بُمسارعتِهم في الكُفْر غيرَ أنفُسِهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فجاهدوا"، ويجوز أن يكون منصوباً، أي: لا يكن منكم خوف، فقعود عن القتال، كقوله تعالى: (وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) [طه: 81] على قراءة النصب، أي: لا يكن منكم طغيان فحلول غضب مني. قوله: ((وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً)) يروى بالياء والتاء، بالتاء الفوقانية: اقتباس، وبالياء التحتانية: استشهاد. قوله: (يقعون فيه سريعاً) يشير إلى أن (يُسَارِعُونَ) مضمن معنى: يقعون؛ لأن المسارعة تعدى بـ "إلى". قوله: (معناه: لا يحزنوك لخوف أن يضروك) يعني: ما أوقع فاعل (لا يَحْزُنْكَ) موصولة لتدل على علة النهي، بل أوقعه ليكني به عن إيصال المضرة، لأن من يرغب في

وما وَبالُ ذلك عائداً على غيرهم. ثمَّ بيَّن كيف يعودُ وَبالُه عليهم بقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ) أي: نصيباً من الثواب، (وَلَهُمْ) بدَلَ الثَّواب (عَذابٌ عَظِيمٌ)، وذلك أبلغ ما ضرّ به الإنسان نفسه ... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكفر سريعاً غرضه مراغمة المؤمنين وإيصال المضرة إليهم، يدل عليه إيتاء قوله: (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً) رداً وإنكاراً لظن الخوف، وإلى هذا المعنى أشار صاحب "المفتاح": ربما جعل ذريعة إلى التنبيه للمخاطب على الخطأ. قوله: (ثم بين كيف يعود وباله عليهم) يعني: أصل الكلام: لن يضروا الله شيئاً، بل أنفسهم يضرون، فوضع المفسر وهو قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، موضع المفسر المحذوف، وهو قوله: بل أنفسهم يضرون، وفيه أن الله خلق الخلق ليعبدوا فيربحوا وينالوا حظاً في الآخرة، فهؤلاء بدلوا ذلك الحظ بسبب المسارعة في الكفر بالعذاب العظيم، وأي مضرة أبلغ من ذلك؟ وإليه الإشارة بقوله: "وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه". قوله: ((وَلَهُمْ): بدل الثواب (عَذَابٌ عَظِيمٌ)) هذا ينبئ أن قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ) يدل على أن لكل أحد حظاً في الآخرة لولا أنه حرمه على نفسه بسبب الكفر والمعاصي، ويؤيده ما ذكر في "مريم" في قوله: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً) [مريم: 63]: "أورثوا من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا"، وعليه: ما ورد في سؤال منكر ونكير، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أما المؤمن فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة". الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وفي رواية أبي داود: "فينطلق به إلى بيت كان له في النار فيقال له: هذا كان لك ولكن الله عصمك فأبدلك به بيتاً في الجنة" الحديث.

فإن قلتَ: هلّا قيل: لا يجعلُ اللَّهُ لهم حظاً في الآخرة! وأيُّ فائدةٍ في ذِكرِ الإرادة؟ قلتُ: فائدتُه الإشعار بأنّ الداعيَ إلى حِرمانِهم وتعذيبِهم قد خَلَصَ خُلوصاً لم يَبقَ معه صارفٌ قطُّ حين سارَعُوا في الكُفر، تنبيهاً على تَمادِيهم في الطُّغيان وبُلوغهم الغاية فيه، حتى إنّ أرحم الراحمين مُريدٌ أن لا يرحمهم. (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ): إمّا أن يكونَ تكريراً لذِكْرهم للتأكيدِ والتَّسجيلِ عليهم بما أضافَ إليهم، وإمّا أن يكونَ عامًّا للكفّار، والأوّلُ خاصًّاً فيمن نافَقَ من المتخلِّفين، أوِ ارتدّ عن الإسلام أوْ على العَكْس. و (شَيْئاً) نصبٌ على المَصدر؛ لأن المعنى: شيئًا من الضَّرر وبعض الضرر (الَّذِينَ كَفَرُوا) فيمن قرأ بالتاء: نصب، و (أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) بدلٌ منه، أي: ولا تحسبنّ أنّ ما نملي للكافرين خيرٌ لهم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأي فائدة في ذكر الإرادة؟ ). السؤال والجواب مبني على مذهبه، والسؤال من أصله غير متوجه؛ لأنه عدول عن الظاهر، فإن قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ): استئناف لبيان الموجب، كأنه قيل: لم يسارعون في الكفر مع أن المضرة عائدة إليهم؟ فأجيب: بأنه تعالى يريد ذلك منهم، فكيف لا يسارعون؟ قوله: (إما أن يكون تكريراً لذكرهم) أي: هذه الآية والمتلوة قبلها سيان من حيث المعنى، فإن معنى (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) و (اشْتَرَوْا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ) سواء، ألا ترى إلى قوله: (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) يقعون فيه سريعاً ويرغبون فيه أشد الرغبة" لأن المشتري راغب في المشترى؟ و (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً) مقابل لمثله، وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ) إلى آخره: تلخيص قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). قوله: (أو على العكس) أي: الأول عام في الكفار، والثاني خاص في المنافقين، والأظهر أن يكون تكريراً لما سبق من بيان النظم. قوله: (فيمن قرأ بالتاء) أي: الفوقانية: حمزة، قال الزجاج: (وَلا تَحْسَبَنَّ) على القراءة بالتاء لم يجز عند البصريين إلا بكسر "إن"، المعنى: لا تحسبن الذين كفروا إملاؤنا خير لهم،

و «أن» مع ما في حيِّزه ينوبُ عن المفعولَين، كقولِه: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ) [الفرقان: 44]، وما مصدريةٌ، بمعنى: ولا تحسبنّ أنّ إملاءَنا خيرٌ، وكانَ حقُّها في قياسِ عِلْمِ الخطِّ أنْ تُكتَبَ مفصولةٌ. ولكنَّها وقعتْ في الإمامِ متَّصلةً؛ فلا تُخالَف، وتُتَّبَعُ سُنَّةُ الإمامِ في خطِّ المصاحف. فإن قلت: كيفَ صحّ مجيءُ البَدَلِ ولم يُذْكَر إلا أحدُ المفعولَيْن، ولا يجوزُ الاقتصارُ بفعلِ الحسْبانِ على مفعول واحد؟ قلتُ: صحّ ذلك مِنْ حيثُ إنّ التعويلَ على البَدَلِ والمُبدَلِ منه في حُكمِ المنَحَّى، ألا تَراكَ تقول: جعلتُ متاعَك بعضَه فوقَ بعضٍ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ودخلت "أن" مؤكدة، وإذا فتحت صار المعنى: لا تحسبن الذين كفروا إملاءنا، وهو عندي: بدل من (الَّذِينَ)، المعنى: لا تحسبن أن إملاءنا للذين كفروا خيراً لهم، وقد قرأها خلق كثير، ومثل هذا البدل قول الشاعر: فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما أي: فما كان هلك قيس هلك واحد. وقال أبو البقاء: ويجوز أن تجعل "أن" وما عملت فيه بدلاً من (الَّذِينَ كَفَرُوا) بدل اشتمال، والجملة تسد مسد المفعولين. قال السجاوندي: هذا كقولك: لا تحسبن زيداً أن علمه نافع له، تلخيصه: لا تحسبن علم زيد نافعاً له، فلم ينصف من خطأ حمزة في قراءته. قوله: (جعلت متاعك بعضه فوق بعض). "بعضه": بدل من "متاعك"، و"فوق": ثاني مفعولي "جعل"، أي: جعلت بعض متاعك فوق بعض، قيل: وإنما لم يجعله مفعولاً ثانياً لكون التقدير كون الإملاء خيراً لهم، فلا يصح حمله على (الَّذِينَ كَفَرُوا)؛ لأنك لا تقول: إن

مَعَ امتناعِ سُكوتِك على "متاعك"! ويجوزُ أن يُقدّر مضافٌ محذوفٌ على: ولا تحسبنّ الذين كَفَروا أصحابَ أنّ الإمْلاءَ خيرٌ لأنفُسِهم. أوْ: ولا تحسبنّ حالَ الذين كَفَروا أنّ الإمْلاءَ خيرٌ لأنفُسِهم. وهو فيمن قرأَ بالياءِ رفعٌ، والفعلُ متعلِّق بأن وما في حيِّزه، والإملاء لهم: تَخلِيتُهم وشأنُهم، مُستعارٌ من: أمْلى لفَرَسِه إذا أرْخى له الطِّوَلَ ليَرْعى كيف شاء. وقيل: هو إمهالُهم وإطالةُ عُمرهم. والمعنى: ولا تحسبنّ أن الإمْلاءَ خيرٌ لهم من منعهم أو قطع آجالهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذين كفروا كون الإملاء خيراً لهم، على الابتداء والخبر، ويجوز ذلك على حذف المضاف، إما في الخبر أو في الابتداء لتصحيح الحمل، فيقال: الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير لأنفسهم، أو: لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم. قوله: (وهو فيمن قرأ بالياء رفع) أي: (الَّذِينَ كَفَرُوا) رفع؛ لأنه فاعل (وَلا يَحْسَبَنَّ) على قراءة من قرأ بالياء التحتانية: القراء كلهم سوى حمزة. روى الزجاج عن المبرد أن من قرأ بالياء فتح "أن" وكانت تنوب عن الاسم والخبر، تقول: حسبت أن زيداً منطلق، ويقبح الكسر مع الياء؛ لأن الحسبان ليس بفعل حقيقي، فهو يبطل عمله مع "إن"، كما يبطل مع اللام. قوله: (أرخى له الطول) الطول، بكسر الطاء: الحبل الذي يطول للدابة فترعى به. قوله: (والمعنى: ولا تحسبن أن الإملاء خير لهم من منعهم): بناءً على أن يراد بالإملاء تخليتهم وشأنهم، وقوله: (أو قطع آجالهم): بناءً على أن يراد بالإملاء الإمهال، ففي الكلام لف ونشر. قوله: (أو قطع آجالهم) بناءً على مذهبه، قيل: إن من مذهب المعتزلة أن الميت مقطوع الأجل.

(إَنَّما نُمْلِي لَهُمْ) «ما» هذه حقها أن تكتب متصلة؛ لأنها كافةٌ دون الأُولى، وهذه جملةٌ مستأنفةٌ تعليل للجُملة قَبلَها، كأنّه قيل: ما بالُهم لا يَحسَبون الإملاءَ خيراً لهم، فقيل: (إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمً) ا. فإنْ قلتَ: كيفَ جازَ أنْ يكونَ ازديادُ الإثمِ غرضاً للَّه تعالى في إملائه لهم؟ قلتُ: هو علةٌ للإملاءِ، وما كلُّ علةٍ بغَرَض، ألا تَراكَ تقولُ: قعدتُ عن الغَزْوِ للعَجْزِ والفاقة، وخرجتُ من البلدِ لمخافةِ الشرِّ، وليسَ شيءٌ منها بغَرض لك. وإنّما هي عللٌ وأسباب، فكذلك ازديادُ الإثم جُعِلَ عِلةً للإمهالِ وسبباً فيه. فإن قلت: كيف يكونُ ازديادُ الإثم علةً للإمْلاء كما كانَ العَجز علةً للقُعودِ عن الحَرْب؟ قلتُ: لِما كانَ في عِلْمِ اللَّه المحيطِ بكلِّ شيء أنهم مُزدادُون إثمًا، فكأنَّ الإملاءَ وَقَع من أجلهِ وبسَبِبه على طَريقِ المَجاز ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كيف يكون ازدياد الإثم؟ ) أي: لا يجوز القياس؛ لأن العجز علة للقعود وسببه، وهو مقدم عليه، ولا كذلك ازدياد الإثم، فإنه مسبب عن الإملاء ومؤخر عنه. قوله: (لما كان في علم الله المحيط) توجيهه: أنه قد سبق في علمه تعالى بأنهم مزدادون إثماً ولابد أن يقع الازدياد؛ لأن المعلوم تابع للعلم، وذلك الازدياد موقوف على حصول الإملاء والإمهال، والموقوف على الشيء لا يكون علة للشيء، فجعله علة مجازاً لما أن الموقوف على الشيء سبب حامل لتحصيل ذلك الشيء، فكأنه علة له، وهذا معنى قوله: "وكأن الإملاء وقع من أجله وبسببه"، والعجب من المصنف وركوبه المتعسف وتركه الجادة المستقيمة، أما يعلم أن ما يقتضيه علم الله تعالى لابد من وقوعه؟ الانتصاف: بنى سؤاله على أن الإثم الواقع منهم خلاف الإرادة، فأعمل الحيلة بجعله سبباً وليس غرضاً. وقال القاضي: اللام في "ليزداد" عندنا: لام الإرادة، قال السجاوندي: إرادة زيادة الإثم جائزة عند أهل السنة، ولا يخلو عن حكمة.

وقرأَ يحيى بن وثابٍ بكَسر الأُولى وفتحِ الثانية. ولا يحسبنّ بالياءِ، على معنى: ولا يحسبنّ الذين كَفَروا أنّ إملاءنا لازدياد الإثم كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان. وقوله: (أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) اعتراض بين الفعل ومعموله. ومعناه: أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام اللَّه عليهم بتفسيح المدّة وترك المعاجلة بالعقوبة. فإن قلت: فما معنى قوله (وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) على هذه القراءة؟ قلت: معناه: ولا تحسبوا إن إملاءنا لزيادة الإثم وللتعذيب، والواو للحال، كأنه قيل: ليزدادوا إثما معداً لهم عذاب مهين. (ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) 179]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومعناه) أي: معنى الاعتراض، وذلك أن قوله: "أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه": تأكيد لقوله: "إنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان"، لأن الإمهال للتوبة والدخول في الإيمان خير كله. قوله: (فما معنى قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) على هذه القراءة؟ ) أي: قراءة يحيى بن وثاب، والفاء في السؤال للإنكار، لأن المعنى على تلك القراءة: إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً فيستحقوا لذلك العذاب؛ لأن قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) عطف على قوله: (لِيَزْدَادُوا إِثْماً)، فيكون الإملاء سبباً للعذاب، وعلى هذه القراءة سببه التوبة والدخول في الإيمان، الموجبان للثواب العظيم لا العذاب كما سبق، وأجاب: أن الواو للحال، والعلة مقيدة، أما قوله: "لزيادة الإثم وللتعذيب"، فتلخيص المعنى: لأنه قد ذهب على أن الواو للحال لا

اللام لتأكيد النفي، (عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ) من اختلاط المؤمنين الخلص والمنافقين، (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ): حتى يعزل المنافق عن المخلص. وقرئ: يميز. من ميز. وفي رواية عن ابن كثير: يميز، من: أماز بمعنى ميز. فإن قلت: لمن الخطاب في: (أَنْتُمْ)؟ قلت: للمصدّقين جميعاً من أهل الإخلاص والنفاق، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للعطف حينئذ، وهذه القراءة شاذة، ومع ذلك غير مخالفة لمذهب أهل السنة، وتقريرها: أنها جارية على البعث على التفكر والنظر، فالمعنى: لا يحسبن الذين كفروا أن مطلق الإملاء في حقهم لأجل الازدياد في الإثم والانهماك في الشر فقط حتى يسارعوا في الكفر والإضرار بنبي الله فيهلكوا، بل قد يكون الإنظار للنظر المؤدي إلى الإنصاف، فيتداركهم الله بلطفه بالتوبة والدخول في الإسلام فيفلحوا، قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: 53]، ونحوه قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ): إنهم إذا نظروا إلى هذا الكلام المنصف تركوا العناد وأنصفوا من أنفسهم. والفرق بين القولين: أن إملاء الله على قولهم مقصور على إرادة التوبة مراعاة للأصلح، وعلى قولنا: الإرادة كما تتعلق بالتوبة تتعلق بازدياد الإثم. قوله: (وقرئ: "يميز"): حمزة والكسائي، و"يميز" من: أماز، شاذة. قال الواحدي: في "يميز" قراءتان: التشديد والتخفيف، وهما لغتان، يقال: مزت الشيء بعضه من بعض، فأنا أميزه ميزاً، وميزته تمييزاً، ومنه الحديث: "من ماز أذى من الطريق فهو له صدقة". قوله: (للمصدقين جميعاً) فسر المؤمنين بالمصدقين؛ لأن الذي يترتب عليه التمييز هو ما اشتملت عليه الصدور من الإيمان: الحقيقي والمجازي، قال الواحدي: المعنى: ما كان ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المنافق بالمؤمن، والمؤمن بالمنافق.

كأنه قيل: ما كان اللَّه ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها ـ من اختلاط بعضكم ببعض، وأنه لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على التصديق جميعاً ـ حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم، ثم قال (وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أي: وما كان اللَّه ليؤتى أحداً منكم علم الغيوب، فلا تتوهموا عند إخبار الرسول عليه الصلاة والسلام بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب اطلاع اللَّه فيخبر عن كفرها وإيمانها وَلكِنَّ اللَّهَ يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأنّ في الغيب كذا، وأن فلانا في قلبه النفاق، وفلانا في قلبه الإخلاص، فيعلم ذلك من جهة إخبار اللَّه لا من جهة اطلاعه على المغيبات. ويجوز أن يراد: لا يترككم مختلطين (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِبِ)؛ بأن يُكلفكم التكاليفَ الصَّعبةَ التي لا يصبرُ عليها إلا الخُلَّص الذين امتَحَنَ اللَّه قلوبَهم ـ كبذل الأرواحِ في الجِهاد، وإنفاقِ الأموالِ في سبيلِ اللَّه، فيَجعل ذلك عياراً على عقائِدكم، وشاهداً بضمائرِكم، حتى يعلَمَ بعضُكم ما في قَلْب بعضٍ مِنْ طريقِ الاسْتِدْلال، لا مِن جهةِ الوُقوف على ذاتِ الصُّدور والاطِّلاع عليها، فإنّ ذلك مما استأثَرَ اللَّهُ به. وما كانَ اللَّه ليُطْلِعَ أحداً منكم على الغَيْبِ ومُضْمَرات القلوب حتى يعرفَ صحيحها من فاسِدِها مُطَّلعًا عليها (وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ) فيخبره ببعضِ المغيَّبات. (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) بأنْ تَقدِروه حقَّ قَدْرِه، وتعلموه وحدَه مطَّلعًا على الغُيوب، وأنْ تُنزلُوهم مَنازِلَهم؛ بأنْ تعلَموهم عباداً مُجتبينَ، لا يَعلمون إلا ما عَلَّمَهم اللَّه، ولا يُخبرُون إلا بما أخبرهم اللَّهُ به من الغُيوب، وليسُوا مِن عِلمِ الغَيْبِ في شيء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مطلعاً): حال من ضمير "أحداً" في "يعرف"، ولو روي بفتح اللام ليكون حالاً من "صحيحها": جاز. قوله: ((فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)) لف، وقوله: "بأن تقدروه"، وقوله: "وأن تنزلوهم": نشر، ويروى: "تقدروه" بكسر الدال وضمها، والكسر أصح.

وعن السُّديِّ قالَ الكافرون: إنْ كانَ محمدٌ صادقًا فليُخبرْنا مَن يؤمنُ منّا ومَن يكفُر. فنَزَلتْ. (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) 180]. (وَلَا يَحسَبَنَّ) مَن قرأَ بالتاء قَدّر مُضافا محذوفًا، أي: ولا تَحْسِبنَّ بُخلَ الذين يَبْخَلون هو خيراً لهم. وكذلك من قرأَ بالياءِ وجَعَلَ فاعلَ (يَحْسَبَنَّ) ضميرَ رسولِ اللَّه، أو ضميرَ أحَدٍ، ومَن جَعَلَ فاعِلَه (الَّذينَ يَبْخَلُونَ) كانَ المفعولُ الأوّلُ عنده محذوفًا تقديره: ولا يحسبنَّ الذين يَبْخلون بُخْلَهم هُوَ خَيْراً لَهُمْ والذي سوَّغ حَذْفَه دلالةُ (يَبْخَلُونَ) عليه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وَلا يَحْسَبَنَّ) من قرأ بالتاء): حمزة، والباقون: بالياء التحتانية. قال الزجاج: من قرأ بالياء: الاسم محذوف، المعنى: لا يحسبن الذين يبخلون البخل هو خيراً لهم، وهو كما تقول: من كذب كان شراً له. وعن المصنف: إنما يجوز حذف أحد مفعولي "حسب" إذا كان فاعل "حسب" ومفعولاه شيئاً واحداً في المعنى، كقوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً) [آل عمران: 169] على القراءة بالياء التحتانية، أي: لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً، وإنما حذفت لقوة الدلالة، وما نحن بصدده ليس كذلك، فلابد من التأويل، وذلك أن الموصولة اشتملت على (يَبْخَلُونَ)، فالفاعل مشتمل على معنى البخل، فكأن الجميع في حكم معنى واحد، ولذلك حذف، وإليه الإشارة بقوله: "والذي سوغ حذفه دلالة (يَبْخَلُونَ) عليه".

و (هُوَ): فَصْل. وقرأَ الأعمشُ بغيرِ (هُوَ). (سَيُطَوَّقُونَ) تفسير لقوله: (هُوَ شَرٌّ لَهُمْ)، أي: سيُلْزَمون وَبَالَ ما بَخلوا به إلزامَ الطَّوق، وفي أمْثالهم: تقلَّدها طَوقَ الحَمامة؛ إذا جاء بِهَنَةٍ يُسَبُّ بها ويُذَمُّ. وقيل: يُجْعَلُ ما بَخِلَ به من الزَّكاةِ حيةً يطوَّقُها في عُنقِه يومَ القيامة، تَنْهَشُه من قَرْنِه إلى قَدَمِه وتَنْقُرُ رأسَه وتقول: أنا مالُكَ. وعن النبيِّ صلى اللَّه عليه وسلم في مانع الزكاة «يطوق بشجاع أقرَعَ» وروي "بشجاع أسود". وعن النخعي (سَيُطَوَّقُونَ): بطوقٍ من نار ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و (هُوَ): فصل)، قال الزجاج: زعم سيبويه أن "هو" ونحوه إنما يكون فصلاً مع الأفعال التي تحتاج إلى اسم وخبر، ولم يذكر الفصل مع المبتدأ والخبر. قوله: (تقلدها طوق الحمامة)، الميداني: الهاء كناية عن الخصلة القبيحة، أي: تقلدها تقلد طوق الحمامة، أي: لا تزايله ولا تفارقه حتى يفارق طوق الحمامِة الحمامةَ. قوله: (بهنة) أي: بفعلة قبيحة، النهاية: هنات: خصال شر، ولا تقال في الخير، واحدها: هنت، وقيل: هنة، تأنيث هن. قوله: (تنهشه)، الجوهري: نهشته الحية: لسعته، النهاية: النهس: أخذ اللحم بأطرف الأسنان، والنهش: بالشين المعجمة: الأخذ بجميعها. قوله: (يطوق بشجاع أقرع)، الحديث من رواية البخاري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاة ماله مثل له ماله مثل له ماله شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بهزمتيه، يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك".

(وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي: وله ما فيها مما يَتوارَثُه أهلُهما مِنْ مالٍ وغيرِه فما لهم يَبْخلون عليه بمُلْكِه ولا يُنفِقونه في سَبيله! ونحوُه قولُه: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) [الحديد: 7] وقرُئ: (بِما يَعْمَلُونَ) بالتاء والياء، فالتاءُ على طريقةِ الالتفات، وهي أبلغُ في الوَعيد، والياء على الظاهر. (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) 181 ـ 182]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهاية: الأقرع: الذي لا شعر على رأسه، يريد حية قد تمعط جلد رأسه لكثرة سمه وطول عمره. الزبيبة: نكتة سوداء فوق عين الحية، وقيل: هما نقطتان مكتنفتان فاها. قوله: (أي: وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما)، قال الزجاج: أي: الله يغني أهلهما فيبقيان بما فيهما ليس لأحد فيهما ملك، فخوطبوا بما يعلمون لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثاً ملكاً له. قوله: (وقرئ: (بِمَا يَعْمَلُونَ) بالياء والتاء): ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتانية، والباقون بالتاء، والقراءة بالتاء الفوقانية أبلغ لمكان الالتفات، مثاله ما ذكره في أول "البقرة"، كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكياً عن ثالث لكما: إن فلاناً من قصته كيت وكيت، ثم عدلت إلى الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة، أوجدت فيه بمواجهته إياه، هازاً من طبعه [ما] لا يجده إذا استمررت على الغيبة.

قال ذلك اليهودُ حين سَمِعوا قولَ اللَّه تعالى: (مَّن ذَا الذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قرضاً حسناً) [البقرة: 245]، فلا يَخْلو: إمّا أن يَقولُوه عن اعتقادٍ لذلك، أو عن استهزاءٍ بالقرآن، وأيّهما كان فالكلمةُ عظيمةٌ لا تصدُرُ إلا عن متمرِّدين في كُفرِهم. ومعنى سَماعِ اللَّه له: أنه لم يَخْفَ عليه، وأنّه أعَدّ له كِفاءَه مِنَ العقاب (سَنَكْتُبُ ما قالُوا): في صحائفِ الحَفَظة. أو سنَحفَظُه ونثبته في عِلْمِنا لا نَنْساه كما يُثْبَتُ المكتوب. فإنْ قلتَ: كيف قال: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ) ثم قال: (سَنَكْتُبُ)؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأيهما كان)، روي مرفوعاً ومنصوباً، فالرفع على أن "كان" تامة، والنصب على أنها ناقصة، والاسم مضمر فيها، كقولهم: أياً كان وأياً ما كان، أي: ذلك أو المذكور. قوله: (ومعنى سماع الله) إلى آخره يشير إلى أن قوله: (سَمِعَ اللَّهُ) كناية تلويحية عن الوعيد؛ لأن السماع لازم العلم بالمسموع، وهو لازم للوعيد في هذا المقام، فقوله: "وأنه أعد له كفاءه": عطف تفسيري على قوله: "أنه لم يخف". قوله: (كيف قال: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ)؟ ) وجه السؤال: أن قوله: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ) ماض فلا يطابقه قوله: (سَنَكْتُبُ) لأنه مستقبل، فلو قيل: "كتبنا"، لطابقه؟ وأجاب: أن المراد توكيد الكلام فابتدأ بالإخبار عن كونه ووجوده، وأكده بالقسمية، وثنى بالإخبار عن تحققه وثبوته فيما يستقبل، وأكده بالسين، وكلتا العبارتين معبرتان عن الوعيد، ألا ترى كيف قال أولاً: "وأنه أعد له كفاءه من العقاب"، وثانياً: " (سَنَكْتُبُ) على جهة الوعيد"، ثم لخص المعنيين بقوله: "لن يفوتنا أبداً إثباته وتدوينه"، أي: ماضياً ومستقبلاً! وإلى هذا المعنى ينظر قول من قال: لها بين أحناء الضلوع مودة ... ستبقى لها ما ألفي الدهر باقيا وإتيان السين في (سَنَكْتُبُ) للمبالغة؛ لأن سين الاستقبال لتأكيد الفعل في الإثبات، كما أن "لن" لتأكيده في النفي. قال الخليل: "إن سيفعل" جواب "لن يفعل".

وهلّا قيل: ولقد كَتَبْنا؟ قلتُ: ذَكَرَ وُجودَ السَّماع أوّلًا مؤكَّداً بالقَسَم ثم قال: (سَنَكْتُبُ) على جهةِ الوَعيد، بمعنى: لنْ يفوتَنا أبداً إثباتُه وتَدْوينُه كما لن يفوتَنا قتلُهم الأنبياءَ. وجَعَلَ قَتْلَهم الأنبياءَ قرينةً له إيذانًا بأنّهما في العِظَم أخَوان، وبأنّ هذا ليس بأوّلِ ما رَكِبوه من العَظائم، وأنهم أُصلاءُ في الكفر ولهم فيه سوابقُ، وأنّ مَن قَتَلَ الأنبياءَ لم يُستبعَدْ منه الاجتراءُ على مثلِ هذا القول. ورُويَ: أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كَتَبَ مع أبى بكرٍ رضي اللَّه عنه إلى يهود بني قينُقاع يَدْعُوهم إلى الإسلام وإلى إقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاة، وأن يُقرِضُوا اللَّه قَرضاً حسناً، فقال فِنْحاصُ اليهوديُّ: إنّ اللَّه فقيرٌ حينَ سَأَلَنا القَرْض فلَطَمَه أبو بكرٍ في وجْهه، وقال: لولا الذي بَيْنَنا وبَيْنَكم مِنَ العَهْدِ لَضَربْتُ عُنُقَك فشَكاه إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وجَحَدَ ما قاله؛ فنَزَلتْ. ونحوُه قولُهم (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة: 64]. (وَنَقُولُ ذُوقُوا): وننتقِمُ منهم بأن نقولَ لهم يومَ القيامة: (ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي كلامه إيذان بأن المعطوف يكتسب من المعطوف عليه معناه بحسب اقتضاء المقام، وهو قوله: "لن يفوتنا أبداً إثباته وتدوينه، كما لن يفوتنا قتلهم الأنبياء"، وأن المعطوف عليه أيضاً يكتسب من المعطوف معناه، وهو المراد بقوله: "بأن هذا ليس بأول ما ركبوه من العظائم" إلى آخره، وفي (سَنَكْتُبُ) التفات من الغيبة إلى التكلم، ووضع لضمير الجماعة مكان الواحد للتعظيم والتفخيم. قوله: (وننتقم منهم بأن نقول لهم يوم القيامة: (ذُوقُوا)) أي: ونقول: عطف على (سَنَكْتُبُ)، والباء في "بأن نقول"، كالباء في كتبت بالقلم، أي: ننتقم منهم بواسطة هذا القول، ولن يوجد هذا القول إلا وقد وجد العذاب وألمه، فالكلام فيه كناية، والمعنى: لن يفوتنا أبداً إثباته وتدوينه وننتقم منهم لأجل هذا القول وذلك القتل بأن نعذبهم يوم القيامة بالعذاب الحريق، ونقول بعد التعذيب: (ذُوقُوا).

كما أذقْتمُ المسْلمين الغُصَص. يقالُ للمُنتقَمِ منه: أُحْسُ، وذُقْ. وقالَ أبو سفيانَ لحمزةَ رضيَ اللَّهُ عنه: ذُقْ عُقَقُ. وقرأَ حمزةُ: (سيُكتَبُ)، بالياءِ على البناءِ للمفعول، (ويقول) بالياء. وقرأَ الحسَنُ والأعْرج: سيكتُبُ بالياءِ وتسميةِ الفاعل. وقرأ ابن مسعود: ويقال ذوقوا (ذلِكَ): إشارة إلى ما تقدّمَ من عِقابِهم وذَكَرَ الأيدي؛ لأنّ أكثرَ الأعمالِ تُزاوَلُ بهنّ، فجعَلَ كلَّ عملٍ كالواقعِ بالأيدي على سبيلِ التغليب فإنْ قلتَ: فلِمَ عُطِفَ قولُه: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) على (ما قدّمت أيديكم)؟ وكيف جُعل كونُه غيرَ ظلامٍ للعبيد شريكًا لاجتراحِهم السيِّئاتِ في استحقاقِ التعذيب؟ قلتُ: معنى كونِه غيرَ ظلامٍ للعبيد: أنه عادلٌ عليهم ومن العدلِ أن يُعاقِبَ المسيءَ منهم ويثيب المحسن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: "ذوقوا" كلمة تقال للذي يؤيس من العفو، أي: ذق ما أنت فيه فلست بمتخلص منه. وقال القاضي: الذوق: إدراك المطعوم، ويستعمل على الاتساع لإدراك سائر المحسوسات والحالات، وذكره ها هنا لأن العذاب مرتب على قولهم الناشئ عن البخل والتهالك على المال وغالب حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم، ومعظم بخله للخوف من فقدانه، ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال. وقلت: ناسب "ذق" في الاتساع للإدراك قوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) في الاتساع في مزاولة الأعمال. قوله: (ذق عقق) أي: ذق جزاء فعلك يا عاق، من: عق والده يعق عقوقاً. قوله: (فلم عطف قوله؟ ) وجه السؤال أن الجهة الجامعة بين المعطوف والمعطوف عليه واجب، وهي في قوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) مفقودة؛

(الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَاتِيَنا بِقُرْبانٍ تَاكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) 183 ـ 184]. (عَهِدَ إِلَيْنا): أمَرَنا في التوراةِ وأوْصانا بأنْ لا نؤمِنَ لرسولٍ حتى يأتيَنا بهذه الآيةِ الخاصّة؛ وهو أن يُرِيَنا قُربانًا تَنْزِلُ نارٌ من السّماءِ فتأكلُه، كما كانَ أنبياءُ بني إسرائيلَ تلك آيتُهم، كان يُقَّرب بالقُربانِ، فيقومٌ النبيُّ فيدعو، فتنزلُ نارٌ من السماء فتأكلُه، وهذه دعوى باطلةٌ وافتراءٌ على اللَّه؛ لأن أكلَ النار القُربان لم يُوجِبِ الإيمانَ للرسولِ الآتي به إلا لكونِه آيةً ومُعجزة فهو إذنْ وسائرُ الآياتِ سواء فلا يجوزُ أن يعيِّنه اللَّهُ تعالى مِن بين الآيات، وقد ألزَمهم اللَّهُ أنّ أنبياءَهم جاؤوهم بالبيّناتِ الكثيرةِ التي أوجبتْ عليهم التصديق، وجاءوهم أيضًا بهذه الآيةِ التي اقترحُوها فلِمَ قَتَلوهم إنْ كانوا صادقينَ أنّ الإيمانَ يلزمُهم بإتْيانها وقُرئ (بِقُرْبانٍ) بضمَّتَيْن. ونظيرُه السُلُطان. فإن قلتَ: ما معنى قوله (وَبِالَّذِي قُلْتُمْ)؟ قلتُ: معناه، وبمعنى الذي قُلتموه مِن قولكم: قربانٌ تأكلُه النار. ومؤدّاه كقوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) [المجادلة: 3] أي: لمعنى ما قالوا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأن الذي دل عليه المعطوف عليه استحقاق التعذيب لكونه تعليلاً لقوله: (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)، وهذا كيف يتصور في قوله: (لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)؟ وأجاب: أن مفهوم الآية دل على أنه عادل، والعدل مستلزم لعقاب المسيء وإثابة المحسن، كأنه قيل: ذلك العذاب بسبب فعلكم وبسبب أن الله عادل لا يترك معاقبة المسيء، فحصلت الجهة الجامعة. قوله: (وبمعنى الذي قلتموه)، ومعناه: إراءتهم القربان والنار النازلة من السماء آكلة له، كأنه قيل: جاءتكم رسله بالبينات، وبهذه البينة خاصة، فهو من عطف الخاص على العام.

في مصاحفِ أهلِ الشام: (وبالزُّبر) وهي الصحف (وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) التوراةُ والإنجيلُ والزَّبور. وهذه تَسْلِيةٌ لرسولِ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من تَكْذيبِ قومِه وتكذيبِ اليهود. (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ) 185]. وقرأَ اليَزيديُّ: (ذائِقَةُ الْمَوْتِ) على الأصْل، وقرأ الأعمشُ: (ذائقة الموتَ) بطَرْحِ التنوينِ مع النَّصب كقوله: وَلَا ذَاكِرَ اللَّهَ إلّا قَلِيلَا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("وبالزبر"؛ وهي الصحف)، قال القاضي: الزبر: جمع زبور، وهو الكتاب المقصور على الحكم، من زبرت الشيء: إذا حسنته، والكتاب في عرف القرآن: ما يتضمن الشرائع والأحكام، ولذلك جاء الكتاب والحكمة متعاطفين في عامة القرآن. قوله: (ولا ذاكر الله إلا قليلاً)، أوله: فألفيته غير مستعتب قبله: ذكرته ثم عاتبته ... عتاباً رفيقاً وقولاً جميلاً غير مستعتب، أي: غير راجع بالعتاب مني على قبح فعله، واستعتب وأعتب بمعنى، واستعتب أيضاً: طلب أن يعتب، والأصل: "ولا ذاكراً الله" بالتنوين فطرح مع نصب "الله"، فإنهم قد يحذفون التنوين عند ملاقاته ساكناً إما طلباً للخفة أو فراراً من التقاء الساكنين، والدليل على تقدير التنوين نصبه "الله"، فلو كان قصده إلى الإضافة لجره.

فإنْ قلتَ: كيفَ اتَّصل به قولُه (وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ)؟ قلتُ: اتِّصالُه به على أنْ: كلُّكم تَموتون، ولا بُدّ لكم من الموت، ولا تُوفَّون أُجورَكم على طاعاتِكم ومعاصيكم عَقِيبَ مَوتِكم، وإنما توفَّونها يومَ قيامِكم منَ القُبور. فإنْ قلتَ: فهذا يوهِمُ نَفْي ما يروى: أنّ القَبْر روضةٌ من رِياضِ الجنّةِ أو حُفرةٌ من حُفَرِ النار"؟ قلتُ: كلمةُ التَّوفية تُزِيلُ هذا الوهم؛ لأن المعنى: أنّ توفيةَ الأُجور وتَكْميلَها يكونُ ذلك اليومَ، وما يكونُ قبلَ ذلك فبَعْضُ الأُجور. الزَّحْزَحةُ: التَّنْحِيةُ والإبْعاد تكريرُ الزَّحِّ، وهو الجَذْب بعَجَلة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (اتصاله به على أن: كلكم تموتون)، وتمام تقريره: أنه سبق أن قوله: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتصبير له على أذى قومه، يعني أن الرسل قاطبة كذبوا وأوذوا فصبروا حتى انكشف عنهم الكرب؛ لأن مشاق الدنيا ومتاعبها ونعيمها ولذاتها في وشك الزوال، وهو المعنى بقوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)، ثم جيء بقوله: (إِنَّمَا) الدالة على الحصر لما عسى أن يتردد في الخلد: هل يتلقى كل من الرسل والمكذبين جزاء ما عمل بعد الموت؟ فقيل: نعم، يجازون جزاء غير واف؛ بأن يكون القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، وإنما يوفون أجورهم يوم القيامة جزاء وافياً، وإلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ* النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: 45 ـ 46] ثم جيء بالفاء التفصيلية بياناً للجزاءين في قوله: (فَمَنْ زُحْزِحَ) أي: فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، ومن زحزح عن الجنة وأدخل النار فقد خاب، وفيه رد لزعم من يزعم أن لا بعث ولا حشر، وأن الأرواح المفارقة بعد الموت إما في السعادة أو الشقاوة، والحديث أخرجه الترمذي عن أبي سعيد.

(فَقَدْ فازَ): فقد حَصَلَ له الفوزُ المُطلَق المُتناوِلُ لكلِّ ما يُفازُ به، ولا غايةَ للفوزِ وراءَ النَّجاةِ مِنْ سَخَطِ اللَّه والعذابِ السَّرْمد، ونَيْلِ رِضْوانِ اللَّه والنَّعيمِ المُخلَّد. اللهمَّ وفِّقنا لِما نُدرك به عندك الفوزَ في المآب. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «مَن أحبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عن النارِ ويُدْخَلَ الجنّةَ فلْتُدْرِكْه منيَّتُه وهو مؤمنٌ باللَّه واليومِ الآخر، ويأتي إلى الناسِ ما يُحِبُّ أنْ يؤتى إليه» وهذا شاملٌ للمُحافظة على حُقوقِ اللَّه وحُقوقِ العِباد. شَبَّهَ الدنيا بالمَتاع الذي يُدَلَّسُ به على المُسْتام ويُغَرُّ حتى يَشترِيَه ثُمَّ يتبيَّنُ له فَسادُه ورَداءتُه. والشيطانُ هو المدلِّس الغرُور. وعن سَعيدِ بن جُبَير: إنَّما هذا لِمَن آثَرَها على الآخرة فأمّا مَن طَلَبَ الآخرةَ بها فإنّها مَتاعُ بَلاغ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فقد حصل له الفوز المطلق)، أوقع (فَقَدْ فَازَ) المطلق جزاء للشرط المقيد للزحزحة عن النار وإدخال الجنة ليدل على أن حقيقة الفوز هذا وليس دونه فوز وإن سمي به، روينا عن الإمام أحمد والترمذي والدارمي، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، فاقرؤوا إن شئتم: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) ". قوله: (ما يحب أن يؤتى إليه)، الضمير المستتر في "يؤتى" راجع إلى "ما". الأساس: أتى إليه إحساناً: إذا فعله، أي: يحسن إلى الناس ما يحب أن يحسن إليه. قوله: (المستام)، أي: المشتري، المغرب: لا يسوم الرجل على سوم أخيه، أي: لا يشتري، وروي: لا يستام ولا يبتاع. قوله: (متاع بلاغ)، أي: يبلغ بالدنيا إلى الآخرة.

خوطب المؤمنون بذلك؛ ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها، حتى إذا لقوها لقوها وهم مستعدون، لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه. (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) 186]. والبلاء في الأنفس: القتل، والأسر، والجراح، وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب، وفي الأموال: الإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات؛ وما يسمعون من أهل الكتاب: المطاعن في الدين الحنيف، وصدّ من أراد الإيمان، وتخطئة من آمن، وما كان من كعب بن الأشرف من هجائه لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وتحريض المشركين، ومن فنحاص، ومن بني قريظة والنضير (فَإِنَّ ذلِكَ): فإن الصبر والتقوى 0 مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) من معزومات الأمور، أي: مما يجب العزم عليه من الأمور أو مما عزم اللَّه أن يكون، يعنى: أنّ ذلك عزمة من عزمات اللَّه، لا بد لكم أن تصبروا وتتقوا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وما يسمعون) إلى آخره: عطف على قوله: البلاء أي: البلاء في الأنفس: القتل وما يرد عليها، وفي الأموال: الإنفاق وما يقع فيها، وفي الدين: المطاعن وما يسمعون، لكن غير العبارة فجعل "ما يسمعون" مبتدأ والخبر "المطاعن"، وعطف "صد" و"تخطئة" وما كان على الخبر. قوله: (من معزومات الأمور)، جعل المصدر في تأويل المفعول وجمعه لإضافته إلى الأمور، أو "مما عزم الله": معطوف على "ما يجب"، ويجوز أن يعطف على "معزومات". قوله: (عزمة من عزمات الله)، العزم يجيء لمعنيين: بمعنى الجد والصبر، وبمعنى الفريضة أيضاً، والمصنف حمل الآية على المعنيين.

(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ) 187]. (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ): واذكُر وقتَ أخذ اللَّه ميثاقَ أهلِ الكتاب. (لَتُبَيِّنُنَّهُ): الضمير ل (الكِتَابَ)، أُكد عليهم إيجابُ بيانِ الكتاب واجتنابُ كِتْمانه، كما يؤكَّد على الرَّجلِ إذا عُزم عليه وقيل له: آللَّه لتفعلنّ. (فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ): فنَبَذُوا الميثاقَ وتأكيدَه عليهم، يعنى: لَم يراعُوه ولم يَلتفِتُوا إليه والنَّبْذُ وراءَ الظَّهر: مَثَلٌ في الطَّرْحِ وتَرْكِ الاعتداد، ونقيضُه جَعَلَه نَصْبَ عَينيه و: ألقاه بين عينيه، وكفى به دَليلًا على أنه مأخوذٌ على العُلماء أن يُبيِّنوا الحقَّ للناس وما عَلموه، وأن لا يَكتُموا منه شيئًا لغَرَض فاسد؛ من تَسهيلٍ على الظَّلمة، وتطيبٍ لنُفوسِهم. واستِجْلابٍ لِمَسارّهم، أو لجرّ منفعةٍ وحُطامِ دنيا، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهاية: في الحديث "خير الأمور عوازمها" أي: فرائضها التي عزم الله عليك بفعلها، المعنى: ذوات عزمها التي فيها عزم، وقيل: ما وكدت رأيك وعزمك عليه ووفيت بعهد الله فيه، والعزم: الجد والصبر، ومنه: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ) [الأحقاف: 35]، ومنه: ليعزم المسألة، أي: ليقطعها. قوله: (النبذ وراء الظهر: مثل في الطرح وترك الاعتداد)، وأنشد الزجاج للفرزدق: تميم بن قيس لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا علي جوابها أي: لا تتركها لا تعبأ بها، ويقال للذي يطرح الشيء ولا يعبأ به: قد جعلت هذا الأمر بظهر.

أو لتقيَّةٍ مما لا دليلَ عليه ولا أَمارة، أو لبُخلٍ بالعِلْم، وغَيْرةٍ أن يُنْسَبَ إليه غيرهم. وعن النبيِّ صلى اللَّه عليه وسلم «مَن كَتَمَ عِلْمًا عن أهْلِه أُلجِمَ بلِجامٍ مِنْ نار»، وعن طاووس: أنه قال: لوهْبٍ: إنِّي أرى اللَّه سوف يعذِّبُك بهذه الكُتب. وقال: واللَّه لو كنتَ نبيَّا فكَتمتَ العِلْمَ كما تكتُمُه لرأيتُ أنّ اللَّهَ سيُعذبك. وعن محمدِ بن كَعْبٍ: لا يَحِلُّ لأحدٍ من العُلماءِ أنْ يسكُتَ على عِلمِه ولا يحلُّ لجاهلٍ أن يسكُتَ على جَهْلِه حتى يَسأل. وعن علي رضى اللَّه عنه. ما أخذ اللَّه على أهل الجَهْل أن يتعلَّموا حتى أخَذَ على أهلِ العلمِ أن يُعَلَّموا: وقُرئ: (ليُبينُنَّه). (ولا يَكتمونه)، بالياء، لأنهم غَيَبٌ؛ وبالتاءِ على حكايةِ مُخاطبتِهم، كقوله: (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ) [الإسراء: 4]. (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ 188]. (لا تَحْسَبَنَّ): خطاب لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وأحد المفعولين (الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) والثاني (بِمَفازَةٍ) وقوله: (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) تأكيد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (مما لا دليل عليه): متعلق بتقية، أي: الاتقاء من شيء لا دليل ولا أمارة على اتقائه. قوله: (من كتم علماً عن أهله). الحديث من رواية أبي داود والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سئل علماً يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار". قوله: (وقرئ: ليبيننه) بالياء التحتانية: ابن كثير وأبو عمرو، والباقون: بالتاء. قوله: ((فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ): تأكيد)، قال الزجاج: العرب تعيد إذا طالت القصة "حسبت" وما أشبهها إعلاماً أن الذي جرى متصل بالأول وتوكيداً، فتقول: لا تظنن زيداً إذا جاءك وكلمك بكذا وكذا فلا تظننه صادقاً، فتعيد "لا تظننه" توكيداً وتوضيحاً.

تقديره: لا تحسبنَّهم، فلا تحسبنَّهم فائزين. وقُرئ: (لا تحسبن). فلا تحسبنهم، بضمِّ الباء على خِطابِ المؤمنين؛ (ولا يحسبن). (فلا يحسبنهم)، بالياء وفتح الباء فيهما، على أنّ الفعل للرسول. وقرأ أبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأوّل وضمها في الثاني، على أن الفعل ل (الَّذِينَ يَفْرَحُونَ)، والمفعول الأوّل محذوفٌ على: لا يحسبنَّهم الذين يَفرحون بمَفازة، بمعنى: لا يحسبنَّ أنفسُهم الذين يفرحون فائزين، و (فلا يحسبنهم)، تأكيدٌ. ومعنى (بِما أُوتُوا): بما فعلوا. و"أتى" و"جاء"، يُستعملان بمعنى "فعل". قال اللَّه تعالى: (إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَاتِيًّا) [مريم: 61]، (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا) [مريم: 27]، وتدل عليه قراءةُ أُبىّ: (يفرحون بما فعلوا). وقرئ: آتوا، بمعنى أعطوا. وعن علي رضي اللَّه عنه: بما أوتوا. ومعنى (بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ) بمنجاة منه. رُوى: أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سأل اليهود عن شيءٍ مما في التوراة فكَتَمُوا الحقَّ وأخبروه بخلافه، وأرَوه أنهم قد صدقوه، واستحمدوا إليه، وفَرحوا بما فَعلوا، فأطلع اللَّه رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم: أي: لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا ـ من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ـ ناجين من العذاب. ومعنى (يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا) بما أوتوه من علم التوراة. وقيل يفرحون بما فعلوا من كتمان نعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. (وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) من اتباع دين إبراهيم حيثُ ادَّعوا أن إبراهيمَ كان على اليهودية وأنهم على دينه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: المعنى: ولا تحسبن الذين يفرحون بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الوفاء بالميثاق وإظهار الحق والإخبار بالصدق بمنجاة من العذاب. قوله: ("فلا يحسبنهم" بالياء وفتح الباء)، قرأها: نافع وابن عامر، والباقون: بالتاء الفوقانية فيهما وفتح الباء.

وقيل: إنهم قومٌ تخلَّفوا عن الغَزْو مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فلما قَفَلَ اعتَذَرُوا إليه بأنّهم رأَوُا المصلحةَ في التخلُّف، واستَحْمَدوا إليه بتَرْكِ الخُروج. وقيل: هم المنافقون يَفْرَحون بما أتَوا مِنْ إظهارِ الإيمانِ للمسلمين ومُنافقتهم وتوصُّلهم بذلك إلى أغراضِهم، ويَستحمِدون إليهم بالإيمانِ الذي لم يَفْعَلوه على الحقيقة؛ لإبطانِهم الكُفر. ويجوزُ أن يكون شاملًا لكلِّ مَن يأتي بحَسَنةٍ فيفرحُ بها فرَحَ إعجابٍ، ويُحبُّ أن يحمدَه الناسُ ويُثنوا عليه بالديانةِ والزهدِ وبما ليس فيه. (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ) 189 ـ 191]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يكون شاملاً لكل من يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب)، يعني: إن فرح أنه موفق من الله فلا بأس به، روينا عن مسلم، عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: "تلك عاجل بشرى المؤمنين". وعن البخاري ومسلم والترمذي، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما نزلت في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) الآية وتلا ابن عباس: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا) الآية، وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه. استحمدوا إليه أي: طلبوا منه أن يحمدهم. الأساس: استحمد الله على خلقه بإحسانه إليهم وإنعامه عليهم.

(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فهو يملك أمرهم. وهو (عَلَى كُلِّ شَيء قَديرٌ)، فهو يقدر على عقابهم (لَآياتٍ) لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته، (لِأُولِي الْأَلْبابِ): للذين يفتحون بصائرَهم للنَّظر والاستدلالِ والاعتبار، ولا يَنْظُرون إليها نَظَرَ البَهائم غافِلينَ عما فيها مِنْ عجائب الفِطَر. وفي النَّصائح الصِّغار: املأ عينَيك من زينةِ هذه الكواكب، وأجِلهما في جُملةِ هذه العجائب، متفكِّراً في قُدرةِ مقدّرها، متدبرا حكمة مدبرها، قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر. وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما: قلت لعائشة رضي اللَّه عنها: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، فبكت وأطالت، ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال: "يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربى؟ فقلت: يا رسول اللَّه، إني لأحب قربك وأحب هواك، قد أذنت لك. فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فهو يملك أمرهم)، فيه تهديد اليهود، والفاء جواب شرط محذوف، والمراد بالسماوات والأرض جميع العالم، أو التقدير: إذا كان الله مالك العالم، وهو من جملته، قادراً على كل شيء، وهم من مقدوراته؛ فيلزم أن يكون مالكاً لأمرهم وقادراً على عقابهم. قوله: (وأحب هواك) يعني: مهواك أي: ما تهواه من العبادة، أما الحديث فقد روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود، عن ابن عباس قال: بت في بيت خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ) ثم قام فتوضأ واستن فصلى، وفي رواية: ثم خرج إلى الصلاة فصلى، فجعل يقول في صلاته أو

في ثم قام يصلى، فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه، ثم جلس فحمد اللَّه وأثنى عليه وجعل يبكي، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكى فقال له: يا رسول اللَّه، أتبكي وقد غفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً! ؟ ! ، ثم قال: ومالي لا أبكى وقد أنزل اللَّه علىّ في هذه الليلة (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)؟ ! ثم قال: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها". وروى: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمّلها» وعن علي رضي اللَّه عنه: أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ). وحكي أنّ الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد اللَّه ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبدها فتى من فتيانهم فلم تظله، فقالت له أمّه: لعلّ فرطة فرطت منك في مدّتك ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سجوده: "اللهم اجعل في قلبي نوراً وبصري نوراً، وعن يميني نوراً وعن شمالي نوراً، وأمامي نوراً وخلفي نوراً، وفوقي نوراً وتحتي نوراً، واجعلني نوراً". وفي رواية: ثم تلا هذه الآيات. قوله: (حقويه)، النهاية: الأصل في الحقو: معقد الإزار، وجمعه أحق وأحقاء، ثم سمي به الإزارة للمجاورة. قوله: (لاكها)، الأساس: لاك اللقمة يلوكها، ولاك الفرس اللجام، ومن المجاز: وهو يلوك أعراض الناس. قوله: (فعبدها فتى من فتيانهم فلم) أي: فعبد الله في تلك المدة فلم تظله أو فلم ير شيئاً، وقيل: الصواب أن لا يسكت عن متعلق "لم" دون "لما"، وفي بعض النسخ: فلم تظله.

فقال: ما أذكُر. قالت: لعلَّك نَظَرْت مرّةً إلى السماءِ ولم تَعتبِرْ قال: لعلّ. قالت: فما أُتيتَ إلا من ذاك (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ) ذكراً دائباً على أي حالٍ كانوا؛ من قيام وقُعود واضطجاع لا يُخلُّون بالذِّكر في أغلبِ أحوالهم. وعن ابن عمرَ وعُروةَ بنِ الزُّبير وجماعةٍ أنهم خَرَجُوا يومَ العِيدِ إلى المُصلى فجعلُوا يذكُرون اللَّه، فقال بعضُهم: أما قال اللَّه تعالى: (يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً) فقاموا يذكرون اللَّه على أقدامهم. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «من أحبّ أن يَرتَعَ في رياضِ الجنة فليكثر ذكر اللَّه» وقيل: معناه يُصلُّون في هذه الأحوال على حسب استطاعتهم. قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لعمران بن الحصين «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنبٍ، تُومئ إيماءً» وهذه حجةٌ للشافعي رحمه اللَّه في إضجاع المريض على جنبِه كما في اللحد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ذكراً دائباً)، الجوهري: يقال: دأب فلان في عمله: جد وتعب، دأباً ودؤوباً، فهو دئيب. قال أولاً: على كل حال وعلى أي حال ثم في أغلب أحوالهم، وذلك أن قوله: "لا يخلون بالذكر في أغلب أحوالهم" جملة مؤكدة لقوله: "يذكرون الله ذكراً دائباً على كل حال"، ومفسرة له؛ لأن الكل يطلق على الأكثر، قال الله تعالى على لسان سليمان عليه السلام: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: 16]، وفي حق بلقيس: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) [النمل: 23]، كما تقول: فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، تريد كثرة قصاده، ورجوعه إلى غزارة في العلم. قوله: (لعمران بن الحصين)، الحديث أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما، وهذا الحديث حجة للشافعي رضي الله عنه في أن المريض يصلي مضطجعاً على جنبه الأيمن، مستقبلاً بمقاديم بدنه.

وعندَ أبي حَنيفةَ رحمَه اللَّه: أنه يستلقي حتى إذا وجد خفة قعد. ومحل عَلى جُنُوبِهِمْ نصبٌ على الحالِ عطفاً على ما قبلَه، كأنه قيل: قيامًا وقعوداً ومضطجعين (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)، وما يدلُّ عليه اختراعُ هذه الأجرامِ العظام، وإبداع صَنعتها وما دُبِّر فيها بما تكِلُّ الأفهامُ عن إدراكِ بعضِ عجائبِه على عِظَمِ شأن الصانع وكبرياء سلطانه. وعن سفيان الثوري: أنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء، فلما رأى الكواكب غشي عليه، وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته. وعن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم «بينما رجل مستلق على فراشه، إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أنّ لك رباً وخالقاً، اللهمّ اغفر لي، فنظر اللَّه إليه فغفر له» وقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم «لا عبادة كالتفكر» وقيل: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة. وروى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «لا تفضلوني على يونس بن متى، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على عظم شأن الصانع). عظم: بدل من الضمير المجرور في قوله: "وما يدل عليه"، بإعادة العامل، كقوله تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ) [الأعراف: 75]، والأولى أن لا يعطف "ما دبر" على "ما يدل عليه"، بل على "صنعتها" ويجعل "ما" في "ما دبر": موصولة، و"من" في "مما تكل": بيان "ما دبر"، لئلا يلزم الفصل بين البدل والمُبدل بالأجنبي فيؤدي إلى المعاظلة. قوله: (لا تفضلوني على يونس بن متى) إلى آخره، الرواية عن البخاري ومسلم وأبي داود، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينبغي لأحد أني قول: أنا خير من يونس بن متى"، وعن البخاري، عن أبي هريرة: "من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب"، ورواه أبو داود، عن أبي سعيد. فإن قلت: كيف الجمع بين هذه الأحاديث وبين ما جاء في فضائل سيد المرسلين، منها ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ روينا عن الترمذي، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي" الحديث. قلت: الوجه ما قال صاحب "الجامع" أن قوله: "أنا سيد ولد آدم" إنما هو إخبار عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد، وتحدث بنعمة الله عنده، وإعلام لأمته بذلك ليكون إيمانهم به على حسب ذلك، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في يونس عليه السلام فيحمل على سبيل الهضم وإظهار التواضع لربه، أي: لا ينبغي لي أن أقول: أنا خير منه؛ لأن الفضيلة التي نلتها كرامة من الله تعالى وخصوصية منه لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي، فليس لي أن أفتخر بها، وإنما يجب علي الشكر عليها، وإنما خص يونس بالذكر لما قصه الله من قلة صبره على أذى قومه، فخرج مغاضباً ولم يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. وقلت: وعلم من ذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم: "من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب"، معناه: تعصباً، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "لا تخايروا بين الأنبياء"، رواه أبو داود عن أبي سعيد. والأوجه أن تحمل المخايرة على معنى الرسالة والنبوة، لقوله تعالى: (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) [البقرة: 285]، وأما قوله: "فإنه كان يرفع له في يوم مثل عمل أهل الأرض"، فلم أجده في الأصول.

فإنه كانَ يُرفَعُ له في كلِّ يومٍ مثلُ عَمَلِ أهلِ الأرض» قالوا: وإنما كان ذلك التفكُّر في أمر اللَّه الذي هو عمل القلب؛ لأن أحداً لا يقدِر أن يعملَ بجوارحِه في اليومِ مثلَ عملِ أهلِ الأرض. (ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا) على إرادة القول، أي: يقولون ذلك. وهو في محل الحال، بمعنى يتفكرون قائلين. والمعنى: ما خلقته خلقاً باطلا بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين، وأدلة لهم على معرفتك، ووجوب طاعتك، واجتناب معصيتك، ولذلك وصل به قوله: (فَقِنا عَذابَ النَّارِ)؛ لأنه جزاء من عصى ولم يطع. فإن قلت: هذا إشارة إلى ماذا؟ قلت: إلى الخلق على أن المراد به المخلوق، كأنه قيل: ويتفكرون في مخلوقِ السمواتِ والأرض، أي: فيما خُلق منها. ويجوزُ أن يكون إشارةً إلى السموات والأرض؛ لأنها في معنى المخلوق، كأنه قيل: ما خلقت هذا المخلوقَ العجيب باطلًا. وفي (هَذَا) ضرب من التعظيم كقوله: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: 9] ويجوزُ أن يكونَ (بَاطِلًا) حالا من (هَذَا)، و (سُبْحَانَكَ) اعتراض للتنزيهِ من العَبَث، وأن يخلق شيئاً بغير حكمة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولذلك وصل): تعليل لتفسيره (مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) بما أدى إلى وجوب الطاعة واجتناب المعصية، يعني: دل قوله: (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أن المقدر ما ذكر؛ لأن الفاء الفصيحة دلت على محذوف يرتبط معها تقديره: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) بل خلقته للدلالة على معرفتك، ومن عرفك يجب عليه أداء طاعتك واجتناب معصيتك؛ ليفوز بدخول جنتك ويتوقى به من عذاب نارك؛ لأن النار جزاء من يخل بذلك. قوله: (فيما خلق منها) "من" في "منها": بيان "ما". قوله: (وفي (هَذَا) ضرب من التعظيم) أي: لفظة (هَذَا)، وذلك أن المشار إليه به هو خلق السماوات والأرض، وكونهما خلقتا بحق، وما فيهما من بدائع فطرته وعجائب صنعه وحسن تدبيره مما تكل الأفهام عن إدراك بعضه، وهذه معان دقيقة لطيفة جعلت كالمحسوس المشار إليه بما يشار به إلى المدركات بالمشاعر.

(رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) 192 ـ 194]. (فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) فقد أبلغت في إخزائه. وهو نظير قوله (فَقَدْ فَازَ) [آل عمرن: 185]، ونحوه في كلامِهم: مَن أدرَك مَرعى الصَّمّان فقد أدْرَك، ومن سَبَقَ فلانًا فقد سَبَق. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فقد أبلغت في إخزائه)، الراغب: خزي الرجل: لحقه انكسار إما من نفسه أو من غيره، فالأول هو الحياء المفرط، ومصدره: الخزاية، ورجل خزيان وامرأة خزياء، وجمعه: خزايا، وفي الحديث: "اللهم احشرنا غير خزايا ولا نادمين". والثاني: يقال: هو ضرب من الاستخفاف، ومصدره الخزي، ورجل خز، قال تعالى: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا) [المائدة: 33]. وأخزى: يقال منهما، وقوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) يحتملهما. قوله: (وهو نظير قوله: (فَقَدْ فَازَ)) يعني في الإطلاق، وأن الجزاء والشرط متحدان معنى. قال ابن الحاجب في "الأمالي" في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة: 67] وضع قوله: (فَمَا بَلَّغْتَ) في موضع أمر عظيم، أي: فإن لم تفعل فقد ارتكبت أمراً عظيماً، ونحوه قولك: إذا جئت إلي فقد جئت إلى حاتم، أي: إلى رجل كريم. قوله: (من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك) أي: أدرك مرعى ليس بعده مرعى، الصمان: جبل.

(وَما لِلظَّالِمِينَ) اللامُ إشارةٌ إلى من يُدخَلُ النار، وإعلامٌ بأنّ مَنْ يُدخلُ النارَ فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها. تقول: سمعتُ رجلًا يقولُ كذا، وسمعتُ زيداً يتكلّم، فتُوقعُ الفعلَ على الرّجل وتَحذِفُ المسموع؛ لأنك وصفْتَه بما يُسْمَع، أو جعلْتَه حالًا عنه فأغناك عن ذِكْرِه، ولولا الوصفُ أو الحالُ لم يكنْ منه بدٌّ، وأن يُقال سمعتُ كلامَ فلانٍ أو قولَه. فإن قلتَ: فأيُّ فائدةٍ في الجمْع بينَ المنادِى وينادي؟ قلتُ: ذُكِرَ النداءُ مُطلقاً ثم مقيَّداً بالإيمان تفخيمًا لشأنِ المنادي؛ لأنه لا منادي أعظمُ من منادٍ يُنادي للإيمان، ونحوُه قولك: مررتُ بهادٍ يَهدي للإسلام، وذلكَ أنّ المنادي إذا أُطلِقَ ذَهَبَ الوهْم إلى منادٍ للحربِ، أو لإطفاءِ النائرةِ، أو لإغاثةِ المكروبِ، أو لكفايةِ بعضِ النوازلِ، أو لبعضِ المنافع، وكذلك الهادي قد يُطلَقُ على مَنْ يَهْدي للطريقِ ويَهْدي لسدادِ الرّأيِ وغيرِ ذلك، فإذا قلتَ: ينادى للإيمانِ، ويهدى للإسلامِ، فقد رَفَعْتَ من شأنِ المُنادى والهادي وفخمته ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها)، قال القاضي: لا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة؛ لأن النصرة: دفع بقهر. قوله: (وأن يقال: سمعت) عطف على المضمر المجرور في "لم يكن منه بد"، والجار في التقدير معاد، لأن حذف الجار مع أن وأنَّ قياس شائع، أي: ولولا الوصف أو الحال لم يكن بد من أن يقال: سمعت كلام فلان. قوله: (لأنه لا منادي أعظم): بيان أن المقام مقام التفخيم، وقوله: "وذلك": إشارة إلى كيفية حصول التفخيم وتحقيق حصوله. قوله: (النائرة)، المغرب: يقال: بينهم نائرة، أي: عداوة وشحناء، وإطفاء النائرة عبارة عن تسكين الفتنة، وهي فاعلة، من "النار".

ويقال: دعاه لكذا وإلى كذا، أوندَبَه له وإليه، وناداه له وإليه، ونحوُه: هداه للطّريقِ وإليه، وذلك أنّ معنى انتهاءِ الغايةِ ومعنى الاختصاصِ واقعانِ جميعاً، والمنادي هو الرسول (أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ) [يوسف: 108]، (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ) [النحل: 125] .. وعن محمّدِ بن كعْب: القرآن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً) أي: حاصلان؛ لأن من انتهى إلى الشيء اختص به، قال في قوله: (يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى) [الرعد: 2] و (يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) [لقمان: 29]: "يعني: الانتهاء والاختصاص؛ كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض، فمعنى (يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) يبلغه وينتهي إليه، و (لِأَجَلٍ مُسَمًّى) معناه: يجري لإدراك أجل". قوله: (والمنادي هو الرسول) صلى الله عليه وسلم، عن البخاري والترمذي، عن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مائدة وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المائدة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المائدة، فقالوا: أولوها يفقهها، فقال بعضهم: عن العين نائمة والقلب يقظان، فالدار: الجنة، والداعي: محمد، فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس. وفي رواية الترمذي: فالله هو الملك، والدار: الإسلام، والبيت: الجنة، وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل مما فيها. قوله: (وعن محمد بن كعب: القرآن) عن الإمام أحمد بن حنبل، عن النواس بن سمعان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعند رأس الصراط داع يقول: استقيموا على

(أَنْ آمِنُوا)، أي: آمِنوا، أو بأنْ آمِنوا. (ذُنُوبَنا): كبائرَنا. (سَيِّئاتِنا): صغائرنا. (مَعَ الْأَبْرارِ): مخصوصينَ بصُحْبَتِهم، معدودين في جملتهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الصراط ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو كلما هم عبد أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك! لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه"، ثم فسره فأخبر أن الصراط هو الإسلام، وأن الأبواب المفتحة: محارم الله، والستور المرخاة: حدود الله، والداعي على رأس الصراط: هو القرآن، وأن الداعي من فوقه: هو واعظ الله في قلب كل مؤمن. هذا رواية رزين عن ابن مسعود. قوله: ((أَنْ آمِنُوا) أي: آمنوا، أو بأن آمنوا) الأول على أن "أن" مفسرة؛ لأن في (يُنَادِي لِلإِيمَانِ) معنى القول، والثاني: على أن "أنْ" مصدرية، قال أبو البقاء: "أنْ" مصدرية وصلت بالأمر، المعنى: ينادي للإيمان بأن آمنوا. قوله: ((ذُنُوبَنَا): كبائرنا، (سَيِّئَاتِنَا): صغائرنا) خولف بين معنييهما ليكون من باب التتميم للاستيعاب كقوله تعالى: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [الفاتحة: 3]، أو لأن المناسب بالذنب الكبائر لأنه مأخوذ من الذنوب وهو الدلو الملآن. الأساس: تذنب علي فلان: تجنى وتجرم، وأصبت من ذنوبك، وهي ملاء الدلو من الماء. ولأن الشرك يسمى ذنباً ولا يسمى سيئة، ولأن الغفران مختص بفعل الله، والتكفير قد يستعمل في فعل العبد، يقال: كفر عن يمينه، ولأنها مقابلة للحسنة لقوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: 114] ولاشك أنها صغائر. قوله: (مخصوصين بصحبتهم). الاختصاص مستفاد من استعمال التوفي مع الأبرار،

والأبرار: جمع برّ أو بارّ، كرَب وأرْباب، وصاحِب وأصحاب (عَلى رُسُلِكَ): "على" هذه صلةٌ للوعد، كما في قولِك: وعدَ اللَّهُ الجنَّة على الطاعة. والمعنى: ما وعدتَنا على تصديقِ رُسلِك. ألا تراه كيفَ أُتْبِعَ ذِكْرَ المنادي للإيمانِ وهو الرسول وقوله: (ءَامَنَّا) وهو التصديق. ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف، أي: ما وعدتنا مُنزَلًا على رسلِك، أو مَحْمولًا على رَسُلِك؛ لأن الرسل مُحَملون ذلك؛ (فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ) [النور: 54] وقيل: على ألسنة رسلك. والموعود هو الثواب. وقيل: النُّصرة على الأعداء. فإن قلتَ: كيفَ دَعَوُا اللَّه بإنجاز ما وعد واللَّه لا يخلف الميعاد؟ قلت: معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد، وهو بابٌ من اللجأ إلى اللَّه والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم السلام يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل لربهم والتضرع إليه، واللجأ الذي هو سيما العبودية. (فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ) 195]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وذلك أن التوفي مع الأبرار محال، لأن بعضاً منهم تقدم وبعضاً لم يوجد، فالمراد: الانخراط في سلكهم على سبيل الكناية، فإنه إذا كان منخرطاً في سلكهم لا يكون مع غيرهم. قوله: (ألا تراه كيف أتبع ذكر المنادي للإيمان؟ ) يعني: الدليل على أن "على" صلة الوعد والمضاف المقدر التصديق: أنه تعالى لما قال: (مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ) والمراد بالمنادي: الرسول وبالإيمان: التصديق لتعديته بالباء، أتبعه قوله: (مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ)، كأنه قيل: إنا سمعنا رسولاً يدعو الناس إلى التصديق فصدقناه، فإذا كان كذلك فآتنا ما وعدتنا من الأجر على ذلك التصديق.

يقال استجاب له واستجابه. فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ (أَنِّي لا أُضِيعُ) قرئ بالفتح على حذف الياء، وبالكسر على إرادة القول. وقرئ: لا أضيع، بالتشديد (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى): بيان ل (عَامِلٍ). (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي: يجمع ذكوركم وإناثكم أصلٌ واحد، فكل واحد منكم من الآخر، أي: من أصله، أو كأنه منه لفَرطِ اتصالكم واتحادِكم. وقيل المرادُ: وصلةُ الإسلام. وهذه جملةٌ معترضةٌ بُيّنت بها شِركةُ النساء مع الرجال فيما وعد اللَّه عباده العاملين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلم يستجبه عند ذاك مجيب)، أوله: وداع دعا: يا من يجيب إلى الندا أي: رب داع دعا: هل من مجيب إلى الندا؟ أي: هل أحد يمنح المستمنحين؟ فلم يستجبه أحد. قوله: (أي: يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد) يريد أن (مِن) في (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ): اتصالية كما جاء: "ما أنا من دد ولا الدد مني"، ثم الاتصال إما بحسب أن أباكم آدم، فهو المراد بقوله: "يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد"، وإما بسبب محبتكم وخلتكم فهو المراد بقوله: "لفرط اتصالكم واتحادكم"، ولما كان الاتصال في هذا الوجه ليس على الحقيقة قال: "كأنه منه"، أي: كأن كل واحد من الآخر، وإما باعتبار الأخوة في الإسلام فهو المراد بقوله: "المراد: وصلة الإسلام".

ورُوي: أنّ أمّ سلمة قالت: يا رسول اللَّه، إني أسمعُ اللَّه تعالى يذكرُ الرّجالَ في الهجْرةِ ولا يذكرُ النساء؛ فنزلت (فَالَّذِينَ هاجَرُوا): تفصيل لعمَلِ العاملِ منهم على سبيلِ التعظيم له والتفخيم، كأنه قال: فالذين عَمِلوا هذه الأعمالَ السنيّة الفائقة، وهي المهاجَرَةُ عن أوطانِهم فارّين إلى اللَّه بدينهم من دار الفتنة، واضطرّوا إلى الخروج من ديارهم التي وُلدوا فيها ونشؤوا بما سامهم المشركون من الخسف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وروي أن أم سلمة قالت) الحديث رواه الترمذي. قوله: (تفصيل لعمل العامل منهم)، واللام في "العامل" للعهد، والمجمل هو العمل المضاف إلى عامل، وكان من حق الظاهر أن يقال: فالمهاجرة حكمها كذا، وتحمل مشقة الجلاء عن الأوطان كذا، وتحمل أذى الكفار والمجاهدة في سبيل الله بالقتال كذا، لأن تفصيل العمل هذا، فعدل منها إلى إعادة ذكر العامل بالموصول وإيقاع الأعمال صلة لها ليدل على العامل وعلى العمل مزيداً لتقرير تلك الأعمال وتصويراً لتلك الحالة السنية، تعظيماً للعامل وتفخيماً لشأنه، ثم في بناء الخبر، وهو قوله: (لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)، على المسند إليه الموصول مع إرادة القسم، وتكرير اللام في (وَلأدْخِلَنَّهُمْ): إشعار بأن هذه الكرامة لأجل تلك الأعمال الفاضلة والخصائل النابهة، وأن لابد من تحقيق كل من هذين الوعدين، على سبيل الاستقلال. قوله: (واضطروا إلى الخروج): عطف على قوله: "عملوا هذه الأعمال السنية"، وفيه إيذان بأن قوله: (وَأُخْرِجُوا)، والأفعال المذكورة بعده: عطف على قوله: (هَاجَرُوا) عطف المفصل على المجمل تفصيلاً لعمل العامل، فالمراد بقوله: (هَاجَرُوا) المهاجرة من جميع المألوفات، فيدخل فيه المهاجرة عن الشرك والأوطان والنفس والمال والأهل والأولاد، ولذلك قال: "فارين إلى الله بدينهم"، والمراد بقوله: (وَأُخْرِجُوا): الهجرة المتعارفة، وهي الخروج من الديار، ولو قيل: والذين عملوا جميع هذه الأعمال السنية الفائقة وأخرجوا وأوذوا وقاتلوا

(وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي) من أجله وبسببِه، يريدُ سبيل الدين (وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا): وغزوا المشركين واستشهدوا. وقرئ: وقتلوا، بالتشديد. وقتلوا وقاتلوا ـ على التقديم ـ بالتخفيف والتشديد. وقتلوا، وقتلوا، على بناء الأول للفاعل، والثاني للمفعول. وقتلوا، وقاتلوا، على بنائهما للفاعل (ثَواباً) في موضع المصدر المؤكد بمعنى إثابة أو تثويباً (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقتلوا، أفاد هذا المعنى. وينصره قول القاضي: المعنى: فالذين هاجروا الشرك والأوطان والعشائر للدين. وقول صاحب "التقريب": (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا): تفصيل للمهاجرة والفرار بالدين من بين الأعمال. قوله: ((فِي سَبِيلِي): من أجله وبسببه) أي: من أجل سبيلي في هذه، كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) [العنكبوت: 69]. قوله: (على التقديم): حمزة والكسائي، قالا لقاضي: الواو لا توجب الترتيب، والثاني أفضل، أو لأن المراد: لما قتل منهم قوم قاتل الباقون ولم يضعفوا، وشدد ابن كثير وابن عامر (قُتِلُوا) للتكثير. قوله: (بمعنى: إثابة أو تثويباً)، قال أبو البقاء: (ثَوَاباً): مصدر، وفعله دل عليه الكلام، لأن تكفير السيئات إثابة، فكأنه قيل: لأثيبنكم ثواباً، الثواب بمعنى الإثابة، وقد يقع بمعنى الشيء المثاب به، كقولك: هذا الدرهم ثوابك، فعلى هذا يجوز أن يكون حالاً من ضمير الجنات، أي: مثاباً بها، أو من ضمير المفعول في (وَلأدْخِلَنَّهُمْ)، أي: مثابين.

لأن قوله: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ) (وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ) في معنى. لأثيبنهم. و (عِنْدَهُ) مثل، أي: أن يختص به وبقدرته وفضله، لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه، كما يقول الرجل: عندي ما تريد، يريد اختصاصه به وبملكه وإن لم يكن بحضرته، وهذا تعليم من اللَّه كيف يدعى وكيف يبتهل إليه ويتضرّع؟ وتكرير (رَبَّنا) من باب الابتهال، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة، من احتمال المشاق في دين اللَّه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من باب الابتهال)، النهاية: هو التضرع والمبالغة في السؤال. قوله: (وإعلام بما يوجب حسن الإجابة) هو عطف على قوله: "تعليم"، والمشار إليه بلفظة "وهذا"، المذكور من قوله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ) إلى قوله: (حُسْنُ الثَّوَابِ). وأما بيان الابتهال والمبالغة في السؤال فهو أنه قرن بكل من (رَبَّنَا) الوسيلة إلى إجابة الدعاء، فعلق بالأولى قوله تعالى: (مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) وقد تقرر أن المراد به المعرفة والإتيان بالطاقة والاجتناب عن المعصية، وبالثانية قوله: (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)، وفيه مبالغة في الاستعاذة، وبالثالثة قوله: (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، وأي وسيلة أسنى من الإجابة بالإيمان! وبالرابعة قوله: (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)، فرتب طلب الحاجة على الوسيلة، وقد اشتمل على: التخلية عما لا ينبغي من تكفير الذنوب والسيئات، والتحلية بما ينبغي من الانخراط في سلك الأبرار، وبالخامسة الوعد على لسان الرسول، وهو كالختم؛ لأن الوعد واجب الوفاء من الكريم على لسان الصادق، والمراد بقوله: "ما يوجب حسن الإجابة" قوله: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) الآية، يعني ختم الابتهال بذكر الأعمال ليؤذن أن الإجابة إنما كانت بسبب أنهم أتوا بتلك الأعمال السنية، وفيه إشارة إلى أن لام التعليل في قوله تعالى: (أَنِّي لا أُضِيعُ) مقدر، وينطبق عليه قول الحسن: إلا أنه أتبع ذلك، يعني أنه تعالى أخبر أنه استجاب لهم لكن بشرط رافع الدعاء، أي: العمل الصالح، وهو قوله: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا) الآية، وإنما سمى العمل برافع الدعاء لقوله تعالى: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: 10].